فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ألطاف الرحمنفي فقه القرآن/ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

ألطاف الرحمنفي فقه القرآن/ج 2

صفحه 1
   
    ألطاف الرحمن في فقه القرآن / ج 2

صفحه 2

صفحه 3
ألطاف الرحمن
في
فقه القرآن/ 2

صفحه 4

صفحه 5
ألطاف الرحمن
في فقه القرآن
الجزء الثاني
في دراسة الآيات الواردة لبيان أحكام: الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمكاسب المحرّمة، والعقود الشرعية والإيقاعات وأحكام النكاح
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      ألطاف الرحمن في فقه القرآن / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1398 .
      3ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 634 - 9 (VOL.2)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 628 - 8(3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . قرآن ـ ـ احكام و قوانين. 2. تفاسير فقهى ـ ـ شيعه . الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
7الف 2س6/ 99 BP    174 / 297
1398
اسم الكتاب:    ألطاف الرحمن في فقه القرآن / ج 2
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1398 هـ ش / 1440 هـ . ق / 2019 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ:    1000نسخة
القطع:    وزيري
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر: 1043   تسلسل الطبعة الأُولى: 491
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين.
والصّلاة والسّلام على أفضل بريّته وخاتم أنبيائه ورسله محمد وآله الطيّبين الطاهرين الذين هم موضع سرّه وعيبة علمه، هم أساس الدين وعماد اليقين، صلاة دائمة ما برح الليل والنهار.
أمّا بعد; فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا«ألطاف الرحمن في فقه القرآن»، يتضمّن تفسير الآيات الواردة في بيان أحكام: الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحكام المكاسب المحرّمة، والعقود الشرعية كالبيع والإجارة والدين والضمان والكفالة والصلح والإيداع والوديعة والعارية والرماية والشفعة والوصية والحجر، والإيقاعات كالنذر واليمين والعتق، وأحكام النكاح.
أرجو من الله سبحانه أن يصدّنا عن الزلّة في تفسير آياته، ويرشدنا إلى موضع قبوله، إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
28 ربيع الأوّل 1440هـ

صفحه 8

صفحه 9

الفصل السابع:

أحكام الجهاد في الذكر الحكيم

تمهيد
1. في وجوب الجهاد.
2. الطوائف الأربع الذين لا يجب عليهم الجهاد.
3. الجهاد الدفاعي.
4. الجهاد الابتدائي.
5. كيفية القتال وشروطه.
6. التعبئة والاستعداد التام للدفاع عن المجتمع المسلم.
7. الصلح في ظروف خاصّة.
8. الصلح بين طائفتين مسلمتين.
9. حرمة المبادرة إلى التكفير بلا دليل.

صفحه 10
 
   

صفحه 11

الجهاد في الذكر الحكيم

تمهيد

الجهاد: مصدر جاهد يجاهد جهاداً، وهو استفراغ الوسع في مدافعة العدو، فالجُهد ـ بضم الجيم ـ بمعنى الطاقة، يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ)(1).
أمّا الجَهد ـ بفتح الجيم ـ فهو بمعنى المشقّة، قال سبحانه:(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)(2)، أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم.
وهو في مصطلح الفقهاء بذل النفس والمال لإعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان، فيدخل في الأوّل قتال الكفّار وفي الثاني قتال البغاة، وهو من أعظم أركان الإسلام، قال الإمام علي(عليه السلام):«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ. وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ(3) بِالصِّغَارِ(4)

1 . التوبة:79.
2 . النور:53.
3 . دُيّث: ذُلّل.
4 . الصِغار: الذُلّ والضَيم.

صفحه 12
وَالْقَمَاءَةِ(1)، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِْسْهَابِ(2) (الأسداد)، وَأُدِيلَ(3) الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ(4) الْخَسْفَ(5)، وَمُنِعَ النَّصَفَ(6)».(7)
إنّ اللازم قبل دراسة الآيات من تقديم مقدّمة يُعلم بها أنّ جهاد العدو أمر لا محيص منه.
لا شكّ أنّ اعتداء الإنسان على مثله، أو شعب على آخر، أمر تستنكره طبيعة أغلب الناس، وخاصة أُولئك الذين لم تتلوّث فطرتهم بالشهوات والنوازع الحيوانية، وكلّما سمع الإنسان أجراس الحرب، دخله الاضطراب والقلق، وسيطر عليه الخوف والهلع، لأنّ في الحرب إراقة الدماء، وخراب البلاد، وحرقاً للحرث والنسل.
ولعلّ قوله سبحانه يشير إلى ذلك بقوله:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)(8)، ووجه الكُره هو ما ذكرنا. غير أنّ القتال الذي كُتب على الناس في الذكر الحكيم غير ما هو المكروه لهم، فإنّ فيما كتب عليهم، استمرار حياتهم وبقاء كيانهم; وذلك لأنّ مجال الجهاد هو قطع دابر الخصم الذي يُريد السيطرة على

1 . القماءَة: يقال قمؤ الرجل قماءً وقماءة: صار صغيراً ذليلاً.
2 . بالاسهاب: ذهاب العقل.
3 . أُديلَ: أُضيع.
4 . سيم: الظاهر أنّه صيغة مجهول لقولهم«سام»: كلّف.
5 . الخَسف: الذلّ والمشقة.
6 . النَّصَف: الإنصاف.
7 . نهج البلاغة: الخطبة27.
8 . البقرة:216.

صفحه 13
البلاد وما فيها من خيرات وثروات طبيعية وغيرها، واستعباد الشعوب، ففي هذه الظروف الحسّاسة يرى الإنسان الغيور الجهادَ أمراً لذيذاً مطلوباً للنفس محبوباً عند العقلاء، ولذلك يبذل في طريقه كلّ غال ونفيس.
التشريع الإسلامي مبني على الفطرة الإنسانية وهي تقبّح قتل الإنسان لأجل السيطرة عليه، ولكن إذا واجه الإنسان عدوّاً يُريد استعباده ونهب ما يملكه، فهي تقضي قضاء باتاً بمواجهته والتصدي له وبذل النفس والنفيس في طريقه. فالجهاد الإسلامي مبني على قضاء الفطرة ولذلك يقول سبحانه: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)،(1) حيث يعلّل الإذن في القتال لرفع الظلم عن أنفسهم واسترجاع ما نهب منهم حتى يعد المجاهدين بالنصر، ثم يقول: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ)،(2) فيصف المجاهدين بأنّهم هم الذين يُهجَّرون دون أن يرتكبوا جريمة، نعم ذنبهم الوحيد أنّهم رفضوا الوثنية وذلّة الإنسان أمام الأحجار والأخشاب الصامتة، ورجعوا إلى عبادة الله خالق السماوات والأرض، كما قال: (إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ).

الغاية من الجهاد الابتدائي

ما ذكرنا يرجع إلى الجهاد الدفاعي، وأمّا الغاية من الجهاد الابتدائي، فهي تحرير الإنسان من الاستعباد، وإعطاء الحرية له في سماع كلمة الحقّ عن طريق أنبيائهم أو مبعوثيهم، فإنّ حكّام الجور والظلم كانوا صادّين الناس عن سماع كلمة الأنبياء والأولياء، فالغاية من الجهاد رفع هذه السدود وتحرير المجتمع من أي

1 . الحج:39.
2 . الحج:40.

صفحه 14
منع، فعند ذلك يختار كلّ إنسان ما يختار، وما ربما يتّهم جهاد الإسلام لأجل إكراه الناس على الدين فهو أمر مفتر لا صحّة له، وقد سمعت أُذن الدنيا قوله سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي)(1).
روى المفسّرون أنّها نزلت في رجل من الأنصار يُدعى أبا الحصين كان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما]تجار الشام[ إلى النصرانية فتنصّرا ومضيا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أبعدهما الله هما أوّل مَن كفر» فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)(2).
إنّ منطق الإسلام في سبيل دعوته هو قوله سبحانه:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)(3) وإنّ طريق الإسلام في نشر دعوته هو قوله سبحانه: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(4).
إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمّن حرية الإنسان في اتّخاذ دينه.
نعم ومع الاعتراف بالحرية التامّة للإنسان في مجال العقيدة والتديّن، ولكن الحكومة الإسلامية لا تعترف بالوثنية وعبادة الإنسان الحجر والمدر، والتذلّل أمام

1 . البقرة:256.
2 . النساء:65.
3 . النحل:125.
4 . الكهف:29.

صفحه 15
الأجسام الخرساء التي لا تعقل ولا تسمع، وما ذلك إلاّ لأنّ فيه ذلّ الإنسان ونزوله من مقامه الشامخ إلى درجة نازلة تخضع أمام الأجسام الفاقدة للشعور.
وأمّا ماوراء ذلك فالمرء وما اختار من أحد الشرائع السماوية.
إنّ صدّ الإنسان عن عبادة الأصنام ترفيع لمقامه وعلاج للداء الموجود في حياته. والموجود الوثني إنسان مريض يحتاج إلى العلاج، فالأنبياء هم الأطباء يعالجونه بأحسن وجه وإن كان المريض لا يقدّر أعمالهم وربّما يستكرهها، وهذا ليس أمراً غريباً وله نظائر في حياتنا المعاصرة.
مثال: لقد شاعت أنواع المخدّرات في المجتمع من قبل سماسرة الدول الاستعمارية ولكن الحكومات يمنعون استيرادها وبيعها وشراءها واستعمالها ويعاقبون المستوردين لها بأشدّ العقوبات، لماذا؟ لأنّ في تعاطي المخدّرات قضاءً على حياة المعتاد وإن كان هو لا يشعر بذلك، ولكن الحكومة الراشدة تشعر بذلك فتقف بوجهه بصلابة وشدّة وقوة.
مثال آخر: نفترض أن داءً مهلكاً ـ كالكوليرا ـ انتشر في البلد فوزارة الصحّة تضع سداً لانتشاره فتلزم الناس بالتلقيح الإجباري حتى يصون الناس عن أضرار هذا الداء الوبيل. وربما يوجد في المجتمع من لا يريد ذلك، غير أنّ القوّة القهرية تجبره على التلقيح مكرهاً، وما ذلك إلاّ لأنّه جاهل بالأضرار التي تحدق به.
فكما لا يعدّ الإكراه والجبر في هذه المواضع على خلاف الحرية، فهكذا الأمر في مورد المنع عن عبادة الحجر والمدر، إذ فيه إنقاذ لعابد الوثن من الهلاك والدمار.
إذا علمت ذلك على وجه الإجمال فنقول: في المقام فصول نذكرها حسب ما ترشدنا إليه الآيات.

صفحه 16
 
أحكام الجهاد
      1
في وجوب الجهاد(1)
الآية الأُولى
قال سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).(2)

المفردات

كره:قيل: الكَره والكُره، واحد، نحو الضَعف والضُعف، وقيل: الكَره المشقّة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكُره ما يناله من ذاته وهو يعافه.(3)
عسى: يدل على الترجّي، واستعماله في القرآن باعتبار المخاطب فهو راج، دون الله، نظير قوله سبحانه:(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ)(4).

1 . أعم من الابتدائي أو الدفاعي، وأمّا ما يختصّ بكلّ منهما فسيوافيك في فصل خاص.
2 . البقرة:216.
3 . مفردات الراغب:429، مادة «كره».
4 . الأعراف:129.

صفحه 17

التفسير

التعبير بالكتابة يدلّ على أنّ الجهاد فرض على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة، بناء على أنّ نزول سورة البقرة التي وردت هذه الآية فيها كان في تلك السنة، وكان الجهاد قبل هذه الآية أمراً مأذوناً لا واجباً، كما يشعر به قوله سبحانه: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(1). ولمّا كان المتبادر من الآية كون الجهاد أمراً مأذوناً لا واجباً نزلت الآية لبيان صعود الحكم إلى درجة الوجوب لتغيّر الظروف فقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، وهل هو واجب عيني أو كفائي؟ فهذا موكول إلى علم الفقه. وممّا يورث العجب أنّ بعض السلف قال بكون الجهاد أمراً مندوباً، مستدلاًّ بقوله سبحانه: (فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى)(2)، ووهن الاستدلال واضح، لأجل أنّ المراد من القاعدين هم أصحاب الضرر العاجزون عن القتال كما يظهر من سياق الآيات، وهؤلاء لم يكتب عليهم الجهاد من أوّل الأمر.
قوله تعالى: (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ): أي مكروه طبعاً، إذ فيه ـ كما مرّ ـ قتل النفس وتدمير الأوطان، وهجرانها، هذا بحسب الطبع، ولكن لا ينافي أن يكون أمراً لذيذاً، في ضوء الإيمان الخالص، الذي يرى فيه حياة طيبة، وقد أطال السيد الطباطبائي الكلام في كون القتال كُرهاً، وذكر وجوهاً، والظاهر عدم الحاجة إلى الإطناب، إذ لا مانع من أن يكون شيء غير مطبوع بالذات، ومحبوباً حسب العوارض، فإنّ الإنسان يكره الدواء المرّ بالذات، لكن يصرّ على شربه لما فيه من

1 . الحج:39.
2 . النساء:95.

صفحه 18
البرء من المرض. وما ذكره في الوجه الأوّل في كلامه هو الظاهر، قال: وكون القتال المكتوب، كُرهاً للمؤمنين; لأنّ القتال لكونه متضمّناً لفناء النفوس وتعب الأبدان، والمضار المالية، وارتفاع الأمن والرخص والرفاهية وغير ذلك، ممّا يستكرهه الإنسان في حياته الاجتماعية لا محالة.(1)
قوله تعالى: (وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، لأنّ الإنسان ينال في ظل الجهاد كلتا السعادتين الدنيوية والأُخروية. وقد مرّ كلام الإمام علي(عليه السلام) في حقّ الجهاد فلاحظ.
ثمّ إنّه سبحانه يردّ على ما ربما يستكره الإنسان شيئاً وهو غافل عن ثمراته، ويقول: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): أي أحسن أثراً وعافية في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما. وربما يحتمل أن تكون الآية ناظرة إلى ما جرى في صلح الحديبية حيث كرهوا الصلح واستحبوا القتال لأنّهم يومئذ كانوا جيشاً عرمرماً جرّاراً، فيكون تذكيراً لهم بأنّ الله أعلم بمصالحهم.(2)
أقول: الظاهر أنّ الآية ضابطة كلّية لها مصاديق في عصر النبوّة وبعدها عبر الزمان، ومن مصاديقها ما جرى في الحديبية. ثمّ إنّه سبحانه لم يقتصر بما في هذه الفقرة بل أشار إلى خطأ آخر للإنسان، وهو كما قال: (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا) وإنّ المؤمنين مع أنّهم يكرهون القتال ويحبون السَّلم (وَ) لكنّه «شَرٌّ لَهُمْ»، كما مرّت الإشارة إليه في قوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/167.
2 . التحرير والتنوير:2/304.

صفحه 19
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)(1)، وعلى هذا فالإنسان لأجل ضآلة علمه بالمحاسن والمفاسد يقع في خطأين: تارة يكره شيئاً وهو خير له، وأُخرى يحب شيئاً وهو شرّ له، فعليه أن يتجرّد عن نوازع النفس ويستمع إلى الوحي فالله سبحانه عالم بمصالح العباد، كما يقول: (وَاللهُ يَعْلَمُ)مصالح العباد ومفاسدهم (وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)كيف (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ)(2)، وقال تعالى: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ).(3)

الآية الثانية

قال سبحانه: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).(4)

المفردات

جاهدوا: قال الراغب: الجهاد والمجاهدة: استفراغ الجهد في مدافعة العدوّ،

1 . البقرة:214.
2 . آل عمران:5.
3 . البقرة:255.
4 . الحج:78.

صفحه 20
والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدوّ الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وثلاثتها تدخل في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ).(1)
في الله: في سبيل الله.
اجتباكم:اختاركم.
حَرَج: ضيق، بتكليفكم ما يشقّ عليكم.

التفسير

كون الجهاد خالصاً لله تعالى

يتابع الله سبحانه في هذه الآية خطابه الذي وجّهه في الآية السابقة إلى المؤمنين، مع إيراد ما يعدّ تكريماً لهم في ثناياها، فقال: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ) وهو عطف على قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)في الآية المتقدّمة. وقيّد الجهاد بقوله: (فِي اللهِ) أوّلاً، و (حَقَّ جِهَادِهِ) ثانياً; أمّا الأوّل فأُريد به الجهاد في سبيل الله بحيث يكون الباعث هو أمره وكسب رضاه سبحانه، وأمّا الثاني أي قوله: (حَقَّ جِهَادِهِ)فهو تأكيد لقوله: (فِي اللهِ) فيكون المعنى: جاهدوا في سبيل الله حقّاً خالصاً لوجهه الكريم لا تخشون فيه لومة لائم. والفقرة بمنزلة قوله تعالى:(اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)(2).
ويحتمل أن يراد: مجاهدة العدو الظاهر ومجاهدة النفس والشيطان.
ثمّ إنّه سبحانه يخاطب المؤمنين بأُمور:

1 . مفردات، الراغب:101، مادة «جهد».
2 . آل عمران:102.

صفحه 21
1. (هُوَ اجْتَبَاكُمْ): أي اختاركم من بين سائر الأُمم، وخصّكم بأفضل الرسل، وأكمل الشرائع، وصرتم أفضل الأُمم لو شعرتم بذلك.
2. (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) وهذه هي الصفة الثانية للشريعة الإسلامية حيث إنّ أحكامها سهلة سمحة، ولذلك أكّد على ذلك بقوله في سورة أُخرى، قال: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(1) .
فإن قلت: كيف يقول سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) مع أنّا نلمس الحرج في عدد من الأحكام الشرعية، كالصوم في الصيف، والحج والجهاد في سبيل الله، ولزوم الثبات في مقابلة الكفّار، وحرمة الفرار من الزحف، إلى غير ذلك من الأحكام الواردة في أبواب الحدود.
قلت: إنّ الأحكام الشرعية التي تقترن بالحرج على أقسام ثلاثة:
الأوّل: ما يكون الناس هم السبب في جعل تلك الأحكام حفظاً للأمن والسلام، نظير الأحكام المشرّعة في الحدود والقصاص والدّيات، إذ لولا هذه الأحكام لسادت الفوضى في المجتمع، وآية الحرج منصرفة عن هذا القسم.
الثاني: الأحكام التي أُسّست على أساس الحرج والعسر، بحيث يُعدّ الحرج موضوعاً لها، وهذا كالأمر بالجهاد والحجّ والصيام في الصيف والتوضّؤ في البرد القارص، ومن المعلوم أنّ الآية غير ناظرة إلى هذا القسم، نظير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار» حيث إنّه منصرف عن الضرائب الضررية كالزكاة والخمس والكفّارات.
الثالث: توجد في الشريعة تكاليف ليس طبعها الحرج، ويتلقّاها المكلّفون

1 . البقرة:185.

صفحه 22
برحابة صدر كالوضوء والغسل والصلاة، ولكن ربما يطرأ عليها الحرج في بعض الأحوال الذي لا يتحمّل عادة، فالآية تكشف عن عدم تشريع استمرار الأحكام في صورة استلزام الامتثال بها الحرج.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ لهذه القاعدة دورَ تحديد لإطلاقات الأحكام التي هي ليست بطبعها حرجية، وإنّما يطرأ عليها الحرج في بعض الأحيان فتتحدّد بطروء الحرج، فعند ذلك ينقطع استمرار الحكم، ولأجل إيضاح القاعدة نذكر تطبيقات لها حتى يُعلم دورها في تحديد الأحكام:
1. العفو عن دم الجرح والقرح في حال الصلاة.
2. جواز الصلاة في ثوب المربية للصبي إذا كان تبديله حرجيّاً لها.
3. رخصة المبطون ومن في حكمه في الصلاة.
4. عدم لزوم الاحتياط في الشبهة غير المحصورة.
5. صحّة بيع الصبي فيما جرت به العادة.
6. القصر في السفر.
7. عدم لزوم قضاء الصلاة على الحائض.
8 . إباحة الإفطار للحامل والمرضى والشيخ والشيخة وذي العطاش.
9. جواز قطع الصلاة لأُمور مهمّة.
10. كفاية الشاهد الواحد في الوصية.
إلى غير ذلك من التطبيقات.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ قوله سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

صفحه 23
حَرَج)(1)، ناظر إلى القسم الثالث من الأحكام ولا يشمل القسمين الأوّلين.
لمّا تقدّمت كلمة الدين في قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)أوضحه بقوله بأنّ المراد هو الشريعة الإبراهيمية كما قال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ). و (مِلَّةَ) منصوب بالاختصاص أي: أخصّ ملّة إبراهيم. ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل مضمر أي: اتّبعوا ملّة إبراهيم. وقد وصف تعالى إبراهيم بالأب لأنّ العرب العدنانيّين هم الذين كانوا مسلمين، وكانوا من نسل إسماعيل. وبما أنّ أكثر المؤمنين في زمان الخطاب كانوا من ولد إبراهيم، جاز ذلك.
وهناك احتمال آخر، وهو أن يراد بالأب الأب الروحي للموحِّدين كلّهم، حيث إنّه(عليه السلام)بطل المناظرة مع المشركين، والداعي الوحيد يومذاك إلى التوحيد.
قوله:(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) الفقرة تدلّ على تسمية المؤمنين بالمسلمين، وأمّا من هو المسمّي؟ هل هو إبراهيم(عليه السلام) أو الله تعالى؟ ظاهر السياق هو الأوّل بشهادة أنّ الضمير أعني: (هُوَ) يرجع إلى أقرب المراجع وهو إبراهيم(عليه السلام). وعلى هذا فالمراد من قوله:(مِنْ قَبْلُ): أي قبل القرآن، فأبناء الأُمّة الإسلامية موسومون في الكتب السماوية بالمسلمين، ويدلّ على ذلك قوله تعالى:(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)(2)، ولا ينافي ما ذكرنا أنّه سبحانه رضي الإسلام ديناً لنا كما قال عزّ من قائل: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)(3).

1 . الحج: 78.
2 . البقرة:128.
3 . المائدة:3.

صفحه 24
ويشير إلى ما ذكرنا ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(1).
ثم أشار سبحانه إلى تسميتهم بالمسلمين في القرآن أيضاً بقوله: (وَفي هذا): أي في القرآن كقوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(2). ثمّ إنّ قوله سبحانه:(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) كأنّه تعليل لقوله: (جاهِدُوا في اللهِ حَقّ جِهادِهِ)والفقرة تدلّ على أمرين:
1. الرسول شهيد على المسلمين.
2. المسلمون شهداء على سائر الناس.
إنّما الكلام في ما هو المراد من الشهادة؟
إنّ قسماً من المفسّرين قالوا بأنّ المراد من شهادة الرسول هو شهادته يوم القيامة بأنّه قد بلّغهم عن الله ما أُوحي إليه، كما أنّ المراد من شهادة المسلمين على الناس هو شهادتهم على أنّ رسلهم قد بلّغوا ما أُوحي إليهم.(3)
يلاحظ عليه: أنّ شهادة النبيّ على أُمّته أمر لا سترة عليه، يقول سبحانه:(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).(4)

1 . البقرة:130ـ 132.
2 . يونس:72.
3 . تفسير الكشّاف:2/41; تفسير القرطبي:12/101; روح المعاني:17/211.
4 . الفرقان:30.

صفحه 25
وقد روي أنّ أعمال الأُمّة تُعرض عليه وهو في البرزخ في كلّ أُسبوع أو أكثر أو أقلّ، إنّما الكلام في شهادة المسلمين على سائر الأُمم، فإنّ الشهادة من الشهود وهو الإخبار عن حسٍّ، والمفروض أنّهم فاقدون لهذا العلم، والاستناد في الشهادة إلى إخبار الله تعالى شهادة على الشهادة لا شهادة على الأُمم. ثمّ إنّه سبحانه أعظم من أن يشهد على شهادته، غيره.
وأمّا ما هو المراد من شهادة الرسول أوشهادة الناس فليرجع إلى محلّه.(1)
ثمّ إنّه سبحانه خصّ المسلمين بالأعمال العبادية و المالية وقال: (فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ) في جميع الأحوال (هُوَ مَوْلاَكُمْ): أي أولى بكم وبتدبيركم (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)، فأتمّ السورة بما فيه تطييب لنفوس المؤمنين، وتقوية لقلوبهم.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَات أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا).(2)
المفردات
حِذركم: الحَذَر: احتراز من مخيف يقال: حَذَرَ حَذَراً. وأمّا الحِذْر في الآية ففيه وجهان:
1. السلاح، معناه: خذوا أسلحتكم، وسُمّيت الأسلحة حِذْراً لأنّها الآلة التي

1 . لاحظ: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:18/362ـ 364.
2 . النساء:71.

صفحه 26
بها يتقي الإنسان الحَذَر.
2. بمعنى احذروا عدوكم بأخذ السلاح كما يقال للإنسان: خذ حذرك بمعنى إحذر.
ويؤيّد الثاني أنّه استعمل الحِذر في مقابل السلاح في قوله تعالى:(وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَر أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ)(1)، وعلى هذا فمعنى(خُذُوا حِذْرَكُمْ): أي احذروا وتهيّئوا للدفاع وكونوا منتبهين غير غافلين عن كيد العدو وغدره.
فانفروا: النفر: الخروج إلى الغزو.
ثبات: جمع ثُبة: جماعات متفرّقة، يقابله: النفر (جَمِيعاً): أي مجتمعين.

التفسير

الآية تؤكد على المسلمين أن يستعدوا في جميع الأحوال للدفاع عن الإسلام، يقول سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ): أي إحذروا وكونوا على وجل من جانب العدو ولا تنسوا وجود عدو غاشم يريد القضاء عليكم ليل نهار.
ثمّ إنّ التهيّؤ للدفاع عن كيان الإسلام والمسلمين رهن التعرّف على العدو وطاقاته الحربية وجنوده ومن يعينهم من الخارج، فهذا الذي يقال: فلان على الحذر من العدو. وأمّا اليوم فالحذر يتحقّق بأُمور كثيرة يعرفها العسكريون ولا يعلم ذلك إلاّ بإرسال جواسيس مؤمنين حتى يرصدوا ما عليه العدو من نية السلم

1 . النساء:102.

صفحه 27
والحرب، وعلى فرض الحرب استعدوا بأي سلاح من الأسلحة الأرضية والهوائية، وقد كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عيون كما كان للوصي كذلك. فهذا الخطاب ـ
أعني قوله سبحانه: (خُذُوا حِذْرَكُمْ) ـ كما كان مهمّاً في وقته، فهو في هذه
الأيام على جانب كبير من الأهمية أيضاً. فلو كانت آلة الحرب يوم ذاك، السيف والرمح وكانت الكلمة الدارجة لدى العسكريين «السيف بالسيف والرمح بالرمح»، ناظرةً إلى تلك العهود، وأمّا اليوم فقد تغيّر الوضع كما هو واضح في
عامة الجهات.
ثمّ إنّ الظروف مختلفة فتارة يكون العدو ضعيفاً في الدفاع فهناك يكفي بعث جماعة خاصّة، وأُخرى يكون على استعداد شديد فلا يكفي للدفاع بعث جماعة بل يجب هناك النفر جميعاً والأخذ بعامة القوى. وإلى الأوّل يشير بقوله:(فَانْفِرُوا ثُبَات): أي سرية، وإلى الثاني يشير بقوله سبحانه:(أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا)، وقد كان للنبي حوالي 55 سرية بعثها لإخماد الفتن التي كانت تنعقد في بداية أمرها كما كانت له 27 غزوة شارك فيها بنفسه وشارك فيها أكثر من له صلاحية المشاركة .
وبما ذكرنا من أنّ لكلّ من البعثين ظرفاً خاصّاً، فظروف الجيش الكثيف غير بعث السرايا ـ وبما ذكرنا ـ يُعلم فساد ما يقال: من أنّ هذه الآية منسوخة
بقوله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً)(1)، وبقوله: (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ)(2).(3)

1 . التوبة:41.
2 . التوبة:39.
3 . تفسير القرطبي:5/275 نقله عن بعضهم ولم يقبله.

صفحه 28

الآية الرابعة

قال سبحانه: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).(1)
لمّا تقدّم في الآية السابقة الحثُّ على الجهاد وذم القاعد أو المبطئ عنه، جاء البيان القرآني يؤكّد الحثّ على الجهاد وذلك بأبلغ البيان، وهو بيع الأنفس، بيع الحياة الدنيا في مقابل الحياة الأُخروية كما يقول: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) لا للفوز بالغنائم (الَّذِينَ يَشْرُونَ): أي يبيعون (الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ)، فإنّ الشري والاشتراء كما يستعمل في مورد من يشتري متاعاً بثمن، هكذا يستعمل في بيع المتاع، وأُريد هنا المعنى الثاني لاستعماله في هذا المعنى بشهادة قوله سبحانه: (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَرَاهِمَ مَعْدُودَة وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)(2).
ثمّ إنّ قوله سبحانه: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) يشير إلى أنّ أمر المقاتل في سبيل الله ينتهي إلى إحدى عاقبتين محمودتين:
1. (فَيُقْتَلْ) في سبيل الله.
2. (أَوْ يَغْلِبْ) عدو الله.
وعلى كلّ تقدير (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) سواء أقتل أم غلب.
ثمّ إنّه سبحانه قدّم القتل على الغلبة، يقول السيد الطباطبائي: فالمقتول في

1 . النساء:74.
2 . يوسف:20.

صفحه 29
سبيل الله يستوفي أجره حتماً، وأمّا الغالب في سبيل الله فأمره مراعى في استيفاء أجره إلى أن لا يرتكب ما يحبط عمله، وكلّ عمل بخواتيمه.(1)

الآية الخامسة

قال سبحانه: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(2).

المفردات

التهلكة: وهي الهلاك، يقال: هلك، يهلك، هلاكاً، وهلكاً، وتهلكة.(3)

التفسير

لا شكّ أنّ الجهاد مع المشركين المجهّزين بأنواع الأسلحة الفتّاكة والأموال الوفيرة، رهن كون المجاهدين مجهّزين بالسلاح والمال، ولذلك يأمر سبحانه المسلمين بشيء وينهاهم عن شيء آخر.
أمّا الأوّل: فيقول: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) وأُريد من السبيل هو الجهاد في سبيله سبحانه، دفاعياً كان أو ابتدائياً.
وقد ورد التأكيد على الإنفاق في طريق الجهاد في سورة التوبة، قال تعالى: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ

1 . الميزان في تفسير القرآن:4/419، طبعة الأعلمي ـ بيروت.
2 . البقرة:195.
3 . تفسير الرازي:5/136.

صفحه 30
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1)، وفي قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ).(2)
وأمّا الثاني: فيقول سبحانه: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ)الباء في قوله: (بِأَيْدِيكُمْ)للسببية، ومفعول الفعل محذوف، أي: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، وأُريد من التهلكة هو أنّ الامتناع من الإنفاق في طريق الجهاد يُسبِّب غلبة الشرك على التوحيد، وتفوّقه عليه، فالبخل والإمساك عن إنفاق المال عند القتال يوجب بطلان القوة وذهاب القدرة، وينتهي الأمر إلى انتصار العدو على المسلمين.
ثم إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (وَأَحْسِنُوا)أعمالكم (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وإمداد المجاهدين وتعبئتهم عمل حسن، فالله سبحانه يحب عملكم.

ما هو المراد من التهلكة؟

ثمّ إنّ المراد من التهلكة ما لا تترتّب عليه أي فائدة، لا دنيوية ولا أُخروية، بل يُعدّ إضاعة للنفس والنفيس، وبذلك يُعلم أنّ المشاركة بالجهاد والاستعداد وتعريض النفس للموت في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، لا يُعدّ إلقاء في التهلكة، وإلاّ فيكون الأمر بالجهاد ـ حسب هذا الزعم ـ أمراً بالإلقاء بالهلكة، مع أنّه سبحانه يَعدُّه حياة للمجتمع، يقول سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ

1 . التوبة: 88 .
2 . الأنفال: 60 .

صفحه 31
إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
).(1)
وبذلك يُعلم أنّ النهضة الحسينية التي استعدّ فيها الإمام الحسين(عليه السلام) لبذل النفس والنفيس في سبيل إحياء منهج الحق، لا يُعدّ إلقاء في التهلكة; كيف وهو(عليه السلام)ذكر سبب قيامه وثورته، فقال: «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».(2)
وبذلك يُعلم أنّ ما أجاب به الشيخ الطبرسي عن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)، بعيد عن التحقيق وغير لائق بمقامه الشامخ.(3)

1 . الأنفال:24.
2 . نفس المهموم:95; اللهوف:47.
3 . لاحظ: مجمع البيان:2/57.

صفحه 32
أحكام الجهاد
      2

الطوائف الأربع الذين لا يجب عليهم الجهاد

قد عرفت الآيات التي تدلّ على وجوب الجهاد، ومع ذلك فهناك طوائف لم يكتب عليهم الجهاد، وقد جاء ذكرهم في الآيتين التاليتين:
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).(1)

المفردات

الضعفاء: جمع ضعيف وهو مَنْ كان له وهن في القوّة البدنية من غير مرض.
المرضى: جمع مريض وهو الذي طرأ عليه اختلال في المزاج.
الحرج: الضيق، وأُريد ضيق التكليف.
نصحوا: أي أخلصوا، ويطلق على العسل الخالص«ناصح العسل». والنصح: العمل النافع للمنصوح. والتوبة عن إخلاص هي: التوبة النصوح.

1 . التوبة:91ـ92.

صفحه 33
سبيل: طريق، وأُريد: السلطة والمؤاخذة والمعاقبة.
تفيض: من الفيض: الجري عن امتلاء. يقال: فاضت العين دمعاً، كأنّه جعل العين كلّها دمعاً فائضاً.
حزناً: ألم في القلب لفوت أمر.

التفسير

نفي السبيل عن الطوائف الأربع

استثنت هاتان الآيتان من لهم أعذار مقبولة، وهم طوائف أربع، وهي:
الأُولى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ) جمع الضعيف وهو مَن لا يقدر على الجهاد لشيخوخته أو خلق ضعيفاً، كالزمنى.
الثانية: (وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى) جمع المريض، وهو من له مقدرة على الجهاد لكن طرأت عليه حالة يشقّ معها الجهاد.
وفي «المجمع» قيل: نزلت الآية في عبد الله بن زائدة، وهو ابن أُمّ مكتوم، وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا نبي الله، إنّي شيخ ضرير، خفيف الحال، نحيف الجسم، وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). فأنزل الله الآية، عن الضحاك.(1)
وروى العياشي في حديث طويل: أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لما أقبل من صفين، حتى وصل إلى مكان تُرى منه بيوت الكوفة، فإذا بشيخ جالس في ظل بيت وعلى وجهه أثر المرض، فأقبل إليه أمير المؤمنين ونحن معه حتى سلّم عليه وسلّمنا

1 . مجمع البيان:5/113.

صفحه 34
معه، فردّ ردّاً حسناً وظننا أنّه قد عرفه ـ إلى أنّ دار الحديث معه ـ إلى قول أمير المؤمنين: فهل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ فقال: لا، ولقد أردتها ولكن ماترى فيّ من لجب(1) الحمّى خذلتني عنها، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ) إلى آخر الآية.(2)
والإمام بتمسّكه بإطلاق الآية علّمنا كيفية الاستفادة من الآية في غير مورد النزول.
الثالثة: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ)، إذ لا يجد شيئاً ينفق على عياله ونفسه، لأنّ مؤونة المجاهد آنذاك كانت على نفسه من دون أن ينفق الرسول أو من يقوم مقامه شيئاً عبر جهاده.
فالله سبحانه يقول: ليس على هؤلاء (حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ): أي يكونون مخلصين في إيمانهم، قائمين على سائر وظائفهم من تشجيع الواجدين للشرائط على الجهاد والمحافظة على عاصمة الدولة الإسلامية وعيال المجاهدين وأموالهم، ثمّ إنّه سبحانه علّل نفي الحرج عن المذكورين بقوله: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل) لأنّ مَن أخلص في إيمانه وقام بسائر وظائفه فهو ممّن وقع في حصن حصين لا يصيبهم ما يكرهون.

قاعدة الإحسان

ثمّ الفقهاء اتّخذوا قوله سبحانه :(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل) قاعدة رتّبوا عليها فروعاً نذكر شيئاً منها:

1 . لَجَبَ البحر لجباً إذا هاج واضطرب موجه.
2 . البرهان في تفسير القرآن:4/521.

صفحه 35
1. قال المحقّق: إنّ الولاية في مال الطفل والمجنون للأب والجدّ للأب، فإن لم يكونا فللوصي، فإن لم يكن فللحاكم.
ولمّا لم يذكر المحقّق ولاية المؤمنين بعضهم على بعض، استدرك صاحب الجواهر وقال: إنّ مقتضى قاعدة الإحسان ولاية المؤمنين بعضهم على بعض ولزوم التعطيل بل والضرر في كثير من الموارد .(1)
2. قال المحقّق: ولو اختلف في التلف فالقول قول الوكيل لأنّه أمين وقد يتعذّر إقامة البيّنة بالتلف غالباً فاقتنع بقوله دفعاً لالتزام ما تعذّر غالباً.
وعلّله صاحب الجواهر بالقواعد التالية: قاعدة العسر والحرج والإحسان والأمانة.(2)
ولكن جعل المقام من مصاديق قاعدة الإحسان لا يخلو من نظر; لأنّ المتيقّن من القاعدة من كان محسناً ولم يكن منتفعاً، والوكيل منتفع.
3. قال المحقّق: فالبعير لا يؤخذ إذا وجد في كلأ وماء فلو أخذه ضمنه.
وفي «الجواهر»: وفي ضمانه بنية الحفظ لمالكه قولان، من إطلاق الأخبار بالنهي، والإحسان.(3)
4. لو كانت السفينة مشحونة بأموال شخص واحد، فرأى ربّان السفينة بأنّ نجاتهم ونجاة أموال صاحب الأموال هو بإلقاء قسم من أمواله في البحر لتخفّ السفينة، فألقاها فهو ليس بضامن.

1. جواهر الكلام: 26 / 103، كتاب الحجر.
2. جواهر الكلام: 27 / 433، كتاب الوكالة.
3. جواهر الكلام: 38 / 221، كتاب الضمان.

صفحه 36
5. لو افترضنا أنّ الولي حبس المبيع لغاية ارتفاع الأسعار، وكان أمراً عقلائياً، ولكن نزل السوق فلا ضمان على الولي.
6. لو قام الولي بالزراعة في أرض المولّى عليه غير أنّ الجفاف أضرّ بالمحصول، ولم يفِ حتّى بثمن ما صُرف في الزراعة، فلا ضمان على الوليّ.
إلى غير ذلك من الفروع الّتي ذكرها الفقهاء في تصرّف الأولياء وعدول المؤمنين والحكّام، إنّما لغاية دفع الضرر أو إيصال المنفعة.(1)

الرابعة: مَن لا يجد الراحلة

ثمّ إنّه سبحانه يشير في الآية الثانية إلى الذين استعدوا للمشاركة في الجهاد ولكن لم يجدوا ما يحملهم إلى أرض المعركة، فليس عليهم سبيل، وإليه يشير قوله سبحانه:(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).(2)
فهذه هي الطائفة الرابعة، وقد حكى المفسّرون أنّ الآية نزلت في البكّائين الذين جاءوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله احملنا فإنّه ليس لنا ما نخرج عليه كما يحكي عنهم سبحانه:(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ)، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ).(3) وظاهر الآية هو أنّهم سألوه الدابة أو البعير، وما في بعض المأثورات من أنّهم ما سألوا الدواب بل سألوا النعال،(4)

1 . لاحظ: الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية:3/84ـ93.
2 . التوبة:92.
3 . الدر المنثور:4/264.
4 . الدر المنثور:4/265.

صفحه 37
خلاف سياق الآية، ثم إنّه سبحانه يصف حال هذه الطائفة بقوله: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): أي سحّت أعينهم من الدمع لحرمانهم من الجهاد بين يدي رسول الله (حَزَنًا): أي أسفاً مضافاً إلى(أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).
ظاهر قوله:(أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) أنّهم كانوا يفتقدون المأكل والمشرب أيضاً وراء افتقادهم المركب وعندئذ يدخلون في الفقراء الذين أُشير إليهم في الآية السابقة بقوله: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ)(1)، ولعلّ تخصيصهم بالذكر لأجل الإشارة بمكانتهم وإخلاصهم ومنزلتهم عند الله إذ لا شكّ أنّ لهؤلاء منزلة رفيعة عند الله حيث امتازوا عن الطوائف السابقة، بالرغبة الشديدة للجهاد وتضحية النفس من طريق إشادة كلمة الله العليا، فحضورهم عند النبي وإصرارهم على الحمل وبكاؤهم بعد اليأس على وجه صارت أعينهم فيّاضة بالدمع، مضافاً إلى عدم تمكّنهم من الإنفاق أفضل دليل على رسوخ إيمانهم بالله ورسوله، فاستحقّوا بالذكر مستقلاًّ بوجهين: افتقاد المركب والمأكل.
قال السيد الطباطبائي: إنّ عطف هذا الصنف على ما تقدّمه، من عطف الخاص على العام عناية بهم لأنّهم في أعلى درجة من النصح وإحسانهم ظاهر.(2)وذلك لأنّ الطائفتين تشتركان في عدم المشاركة في أنّهم لا يجدوا ما ينفقون، غير أنّ الطائفة الثانية تتميّز عن الأُولى في أنّهم تألّموا بسبب عدم المشاركة بالجهاد على نحو قد فاضت عيونهم بالدمع.
وتظهر مكانتهم السامية ممّا رواه الواحدي في شأن الآية قال: نزلت في

1 . التوبة:92.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/363.

صفحه 38
البكائين وكانوا سبعة: معقل بن يسار، وصخر بن خنيس، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا نبي الله إنّ الله عزّ وجلّ قد ندبنا للخروج معك، فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وهم يبكون.(1)

1 . أسباب النزول:172.

صفحه 39
أحكام الجهاد
      3

الجهاد الدفاعي

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).(1)

المفردات

يقاتلونكم: من المقاتلة، وهي محاولة الرجل قتل مَن يحاول قتله، وأمّا التقاتل: فهو محاولة كلّ واحد من المتعاديين قتل الآخر. فالأُولى من باب المفاعلة، والآخر من باب «التفاعل».
ومورد الآية هو الأوّل كما سيتّضح في التفسير، ويظهر أنّ الآية ناظرة إلى الجهاد الدفاعي.
تعتدوا: من الاعتداء: تجاوز الحدّ.

التفسير

قتال مَن يقاتل المسلمين

إنّ الجهاد الدفاعي عبارة عن مقاتلة الأعداء المعتدين دفاعاً عن النفس

1 . البقرة:190.

صفحه 40
والمال وذبّاً عن الوطن والحرية، وذوداً عن الشرف والاستقلال، وآيتنا هذه من هذه المقولة. روى السيوطي عن ابن عباس: لمّا سار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) معتمراً سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدّوه ومن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام، حتّى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية.(1)
فلمّا كان العام المقبل تجهّز المسلمون لقضاء العمرة، ولكنّهم خافوا أن لا تفي لهم قريش فيقاتلونهم، وكره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه قتال المشركين، في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية وأذن لهم بالقتال.(2)
ثمّ إنّ الآية على وجازتها تتضمّن بيان أُمور ثلاثة:
1. ما هي الغاية من الجهاد وقتال العدو؟
2. تحديد مَن يقاتل معهم.
3. النهي عن الاعتداء وتجاوز الحدّ.
أمّا الأوّل: فقال سبحانه: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ): أي خالصاً لوجهه.
وأمّا الثاني: فيشير إليه بقوله: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)حيث قد مرّ أنّ المسلمين خافوا ألاّ تفي لهم قريش ويقاتلونهم، فلو عملت قريش بما اتّفقوا عليه مع النبيّ لما بدأ المسلمون بالقتال. فصارت خيانة قريش بنقض العهد، مبرراً لقتالهم، ومن حسن الحظ لم يصدر منهم أي اشتباك في هذا الحال.
قوله: (يُقَاتِلُونَكُمْ) قد عرفت أنّه وإن كان بصدد بيان حال العدو ولكنه في

1 . الدر المنثور:1/497.
2 . مجمع البيان:2/49.

صفحه 41
الحقيقة شرط ومبرّر.
وأمّا الثالث: فأُشير إليه بقوله: (وَلاَ تَعْتَدُوا): أي لا تخرجوا عن الحدّ، كالابتداء بالقتال، أو بعد انتهاء العدو بالإيمان.
روى الكليني بسنده عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، لا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها، وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين، فهو جار حتّى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله».(1)
ما جاء في الرواية وغيرها من الآداب، يختصّ بمن يُعلم أو يظن أنّه يحترم علاقاته مع الآخرين، ولا يخون، وأمّا لو ظنّ الحاكم الشرعي، بأنّ العدو بصدد الخيانة، ورفض المعاهدة فعلى الحاكم الإسلامي المبادرة إلى رفض ما عاهدهم عليه، كما في قوله سبحانه: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).(2)

الآية الثانية

قال سبحانه:(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ

1 . الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب جهاد العدو وما يشابهه، الحديث 2 .
2 . الأنفال: 58 .

صفحه 42
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).(1)

المفردات

الشهر الحرام: عبارة عمّا يحرم فيه ما يحلّ في غيره، وهو أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرّم الحرام.
الحرمات: جمع حرمة، ما يجب حفظه ويحرم هتكه.
قصاص: الأخذ للمظلوم من الظالم بسبب ظلمه إيّاه.

التفسير

قتال المعتدين بمثل ما اعتدوا

الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة متوالية: ذو القعدة وذوالحجّة ومحرّم، ورابع فرد وهو رجب، وقد كانت العرب يحرّمون فيها القتال، حتّى لو أن رجلاً لقي قاتل أبيه أو أخيه، لم يتعرّض له بسوء.
إذا تبيّن ذلك فقد كان المسلمون الّذين كانوا في ركاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يستغربون القتال في الأشهر الحرم، فقد جاءت هذه الآية تبيّن، لهم وجه
الجواز وتقول: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ)الّذي هتك المشركون حرمته وخرجوا ومنعوا النبيّ ومن معه من العُمرة (بِاْلشَّهْرِ الْحَرَامِ): أي في مقابله، فأُذن
للمسلمين القتال فيه إذا ظهر منهم النقض بالنسبة إلى الوثيقة، وإذا كانت عداوة

1 . البقرة:194.

صفحه 43
المشركين للتوحيد ودين الحق ومحاربتهم لله ورسوله لا تمنعهم حرمة هذا الشهر ولا حرمة البيت الحرام عن قتال المسلمين، فلهم معارضتهم بتجوير القتال إذا ظهر منهم النقض .
ثم إن قوله سبحانه: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهْرِ الْحَرَامِ)بيان خاص أعقبه بيان عام يشمل جميع الحرمات حيث قال: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)فمَن هتك حرمة يقتص منه ولا تمنعه حرمته عن الاقتصاص، ثم جاء ببيان عام آخر وقال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ): أي ظلمكم (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ): أي فجازوه (بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، ومن المعلوم أنّ الثاني ليس اعتداء، وتسميته بالاعتداء، من باب المشاكلة، نظير قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ )(1) .
ومن المعلوم أنّ هذه القاعدة (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)مخصّصة بما لا يجوز فيه التعامل بالمثل فلو قتل صبيّاً مثلاً فلا يجوز لنا قتل صبيانهم، ولذلك مضى في الرواية من المنع عن أُمور فلاحظ.
وبما أنّ المجازاة ربّما تشرف المجزي على الاعتداء بأكثر من الجريمة، يخاطب الله سبحانه المسلمين عامة بقوله: (وَاتَّقُوا اللهَ)في مقام الإجزاء (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ): أي يصاحبهم بالنصرة لهم، ومن المعلوم أنّ هذه المعيّة ليست معيّة مكانية أو زمانية، بل بمعنى كونه ناصراً لهم في سبيله.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي

1 . آل عمران: 54 .

صفحه 44
سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).(1)

التفسير

قتال أولياء الشيطان

الآية تتضمّن أُموراً أربعة:
1. قتال المؤمنين في سبيل الله.
2. قتال الكافرين في سبيل الطاغوت.
3. الأمر بقتال أولياء الشيطان.
4. وصف كيد الشيطان بالضعف.
أمّا الأوّل: فيقول سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا) وهم الذين أمرهم الله سبحانه بالخروج للحرب سرايا أو كافّة (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) لنشر الدعوة
الإلهية وكسر الوثنية وإنقاذ المستضعفين من مخالب المستكبرين، فهم يقاتلون للحقّ والعدل.
وأمّا الثاني: فيقول سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)قد سبق أنّ الطاغوت من الطغيان، والصيغة للمبالغة في الطغيان، وعلى هذا فالذين كفروا يقاتلون في سبيل الظلم والشر ومجاوزة الحق.
ولا شكّ أنّ الفقرة الثانية جملة خبرية أي تخبر عن أحوال الكافرين بأنّ

1 . النساء:76.

صفحه 45
الداعي لقتالهم هو بسط السيطرة وحفظ القدرة، وأمّا الفقرة الأُولى فيحتمل أن تكون الجملة الخبرية بداعي الإنشاء، أي فليكونوا كذلك. كما يحتمل أن تكون خبرية محضة حفظاً لوحدة السياق.
وأمّا الثالث: أعني قوله: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) لأنّ الناس على قسمين فالمؤمنون أولياء الرحمن وأمّا الكافرون فأولياء الشيطان، وأمّا عمل الشيطان فهو تزيين أعمالهم الباطلة، قال سبحانه: (وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ)(1). وعمل الشيطان كلّه تمويه وتلبيس.
وأمّا الرابع: أعني قوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) كيد الشيطان أي مكره وخدعه واحتياله ضعيفاً، ويمكن أن يقرّر بوجوه:
1. تدخل الشيطان إمّا من جانب إثارة الغضب أو تهييج الشهوة، والمؤمن بإيمانه بالله والآخرة يقاوم هاتين الغريزتين اللّتين وراءهما الشيطان.
2. أنّ المؤمنين في جهادهم يصدرون عن ولاية الله تعالى فهي وراءهم، وأمّا الكافرون فهم خارجون عن ولاية الله ويصدرون عن ولاية الشيطان، وأين ولايته عن ولاية الله تعالى.(2)
3. أنّ المؤمنين في قتالهم يعتمدون على الحقّ ويطلبونه، وأمّا الكافرون فيعتمدون على الباطل ولا يصدرون إلاّ عنه، والحقّ باق في بقائه والباطل
كالزبد يذهب جفاء. فأين جهاد من يضحي بنفسه في طريق حفظ كيانه
ودينه وحرّيته عن ظلم المستكبرين، من قتال الآخرين لتسخير الناس

1 . الأنفال:48.
2 . الميزان في تفسير القرآن:5/420.

صفحه 46
والاستيلاء على الأرض، فالفطرة الإنسانية تميل إلى الأوّل، وتنزجر عن
الثاني فيصير مغلوباً.

الآية الرابعة

قال سبحانه: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً).(1)

التفسير

ردّ بأس الكافرين

يظهر من هذه الآية أنّ قسماً كبيراً من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا من القاعدين أو من المثبّطين، ولذلك أمر سبحانه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه من المؤمنين بالقيام بواجبهم ولا يقتدوا بتقاعس الآخرين عن واجباتهم كما يقول: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) الفاء للتفريع، أي لا تعتد بتساهل القوم، فقم بنفسك (لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ): أي لا تهتم بتقاعس الآخرين (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ): أي حثّهم على القتال وذلك كما يقول: (عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهذه الفقرة قرينة على أنّ الآية ناظرة إلى الجهاد الدفاعي، واستعمال كلمة (عَسَى) لأجل إيجاد الرجاء في قلوب المؤمنين كما قال: (وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا): أي عذاباً (وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً): أي عقوبة.

1 . النساء:84 .

صفحه 47

الآيتان: الخامسة والسادسة

قال سبحانه: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ
حَقّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ
بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا
اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ
).(1)

المفردات

أُذِن: رُخص.
صوامع: هي بيوت عبادة الرهبان من النصارى، واحدها صومعة.
بيع: هي بيوت عبادة النصارى عامّة، واحدها بيعة. كسدرة وسدر.(2)
صلوات: قيل هي معرّب «صلوتا» بالعبرانية، ومعناها في لغتهم المصلّى. ويقال: الصلوات جمع صلاة، وهي مصلّى اليهود، سمّي بها تسمية للمحل باسم الحال.(3)
مساجد: هي بيوت عبادة المسلمين.

1 . الحج:39ـ 40.
2 . مجمع البحرين:4/303، مادة «بيع».
3 . لاحظ: مجمع البيان:3/167; تفسير الرازي:23/40; الميزان في تفسير القرآن:16/385.

صفحه 48

التفسير

القتال لحفظ مراكز العبادة

قد مرّ الإيعاز إلى الآية الأُولى في مقدّمة الفصل، والآية تتضمّن سبب الإذن للمؤمنين بالدفاع، بقوله: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) فجاءت هذه الآية لبيان نوعية ظلمهم وهي كونهم مشرّدين من ديارهم بغير سبب، فقال: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ): أي بغير سبب، وأيّ ظلم أعظم من الإبعاد القسري عن الأوطان ومعاناة مرارة الغربة والبُعد عن الأهل والأحباب!! وهؤلاء الظالمون الذين شرّدوا المؤمنين من ديارهم لا يملكون ما يسوّغ لهم ذلك. نعم السبب الذي استحقّوا لأجله الإبعاد و التغريب هو رفض الوثنية والالتزام بخط التوحيد كما يقول:(إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) والتعبير مدح بصورة الذم فإنّ قولهم (رَبُّنَا اللهُ) شرف وعزة لهم ولكن العدو الخائن اتّخذه جريمة، نظير قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنّي من قريش»، وقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب
وعندئذ فقد تجلّى في دراسة هذه الآية أنّ تشريع قسم من الجهاد لم يكن لأجل الاعتداء على حقوق الناس، بل كان لأجل الدفاع عن حقوق المستضعفين وغيرهم.
إذا كان السبب الأوّل لتشريع الجهاد أو الدفاع كون المؤمنين مشرّدين، فهناك سبب آخر لتشريع الدفاع في عامّة الشرائع من غير فرق بين الموسوية والعيسوية والمحمدية، وهو أنّه لولا تشريع الجهاد ولزوم الدفاع عن التوحيد

صفحه 49
والرسالات السماوية لهدّم المشركون معالم الدين ومراكز العبادة كما يقول: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض): أي دفع المشركين برجال غيارى من أهل الديانة (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ)تتعلّق بالرهبان من النصارى (وَبِيَعٌ) تتعلّق بعامة النصارى ( وَصَلَوَاتٌ)تتعلّق باليهود وقد مرّ تفسيرها، (وَ مَسَاجِدُ)تتعلّق بالمسلمين، فتشريع الجهاد في عامّة الشرائع لصيانة هذه المراكز المختصة للعبادة وإلاّ فالمشركون في كلّ عصر يهدمونها.
ثم إنّه سبحانه ذكر المساجد بأنّها (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا)وبهذا تمتاز مساجد المسلمين عن معابد سائر الديانات حيث تقام فيها الصلاة خمس مرّات في اليوم والليلة.
قال السيد الطباطبائي: في الآية إشارة إلى أنّ القتال في الإسلام من فروع هذه السنة الفطرية الجارية وهي دفع الناس بعضهم بعضاً عن شؤون حياتهم، وإذا نسب إلى الله سبحانه يكون دفعه الناس بعضهم ببعض حفظاً لدينه عن الضياع.
وإنّما اختصّ انهدام المعابد بالذكر مع أنّ من المعلوم أنّه لولا هذا الدفع لم يقم أصل الدين على ساقه وانمحت جميع آثاره لأنّ هذه المعابد والمعاهد هي الشعائر والأعلام الدالّة على الدين المذكّرة له الحافظة لصورته في الأذهان.(1)
وفي نهاية الأمر أنّه سبحانه يعد بنصر من ينصر دينه ويقول: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ): أي شريعته ودينه، وذلك لـ :(إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ): أي قادر وقاهر، فلا يستطيع أحد أن يحول بينه وبين إنجاز وعده.

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/386.

صفحه 50

الآية السابعة

قال سبحانه: (مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ
أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ
اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ
نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ
).(1)

المفردات

يرغبوا: الرغبة طلب المنفعة، يقال: رغب فيه إذا طلب المنفعة به. ورغب عنه: أعرض.
ظمأ: شدّة العطش.
نصب: تعب.
مخمصة: مجاعة.
موطئاً: الموطئ: الأرض.
يغيظ: الغيظ: الغضب.
نيلاً: أسراً وقتلاً وهزيمة.

1 . التوبة:120.

صفحه 51

التفسير

النفير العام بسبب قوّة العدو

لا شكّ أنّ الجهاد واجب كفائي، فإذا قامت عدّة لهم إمكانية الدفاع عن أرض الإسلام سقط الوجوب عن الباقين، وأمّا إذا كان العدو قوّياً على نحو لا يمكن دفعه إلاّ بالنفير العام، فعندئذ يجب على الجميع تلبية دعوة الجهاد، ولعلّ الآية تشير إلى الحالة الثانية، فقالت: (مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ): أي ليس من شأنهم (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ): أي يطلبوا نفع نفوسهم معرضين (عَنْ نَفْسِهِ): أي نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فليس لهم أن يشتغلوا بأنفسهم طالبين نفعهم منصرفين عن نفس رسول الله، فيتركوه في مخاطر الأسفار ووعثاء السفر.
قال الإمام علي(عليه السلام): «إذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا أنّ الهالك من هلك دينه، والحريب من سُلب دينه، ألا وأنّه لا فقر بعد الجنّة ولا غنى بعد النار».(1)
فالموحّد يضحّي بأمواله وبنفسه من أجل الحفاظ على الدين، ومن المعلوم أنّ الرسول جزء من الدين ومبيّن للشريعة فيقدّم على الأموال والأنفس، ولذلك يقول سبحانه:(وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ).
يقول الشريف الرضي(رحمه الله): قوله:(وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) فيه استعارة، والمراد بها أنّهم لا ينبغي لهم أن يكرموا أنفسهم عمّا يبذل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه

1 . تحف العقول:216.

صفحه 52
نفسه، ولا يحفظوا مهجهم في المواطن التي تحضر فيها مهجته اقتداء به واتّباعاً لأثره، فهذه لفظة يستعملها أهل اللسان كثيراً.(1)
لا شكّ أنّ حماية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والمشاركة في الجهاد يترتّب عليها مواجهة مشاكل ومتاعب عديدة، ذكر سبحانه منها ما يلي، وقال: (ذَلِكَ): أي النهي عن التخلّف (بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ) في هذا الطريق:
1. (ظَمَأٌ): أي عطش شديد.
2. (وَلاَ نَصَبٌ): أي تعب في الأبدان.
3. (وَلاَ مَخْمَصَةٌ): أي المجاعة.
كلّ ذلك (فِي سَبِيلِ اللهِ) وما يقوم به المجاهدون من الأعمال الجهادية، نظير:
1. (وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا): أي لا يضعون أقدامهم في موضع من أرض العدو بحيث (يَغِيظُ الْكُفَّارَ)ويسخطهم لأنّهم يرون بأُمّ أعينهم أنّ المسلمين على مقربة من السيطرة عليهم.
2. (وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً): أي لا يصيبون من المشركين من قتل أو جراحة أو أسر، فكلّ هذه الأُمور مقبولة عند الله تعالى وما يصيبون بشيء أو يقومون لعمل :(إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ): أي بما يصيبون وما يقومون به من (عَمَلٌ صَالِحٌ): أي مقبول، والله يجزيهم (إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، والفقرتان الأخيرتان من قبيل الصغرى والكبرى.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:52.

صفحه 53
أمّا الصغرى فهي كونهم أصحاب أعمال حسنة.
وأمّا الكبرى فهي: (إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى ما يقدّمون من أعمال ويقول:

الآية الثامنة

قال سبحانه: (وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).(1)

المفردات

وادياً: الوادي: المفرج بين الجبلين.

التفسير

الجزاء على الأعمال صغيرها وكبيرها

قوله تعالى: (وَلاَ يُنْفِقُونَ): أي في سبيل الجهاد (نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً)يريدون بها إعزاز الدين والتقرّب إلى الله تعالى،(وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا): أي في سيرهم بين منفرجات الجبال وأغوار الآكام، خَصَّ سبحانه من المشي إلى الجهاد خصوصَ قطع الوادي لأنّ فيه من المشقّة الشيء الكثير، فلا يترك شيء منه ولا يُنسى(إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ) ويسجّل في صحائف أعمالهم لغاية الإجزاء كما يقول: (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ)بكتابته في صحف أعمالهم (أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وهذه

1 . التوبة:121.

صفحه 54
الفقرة تحتمل وجهين:
1. أنّ لفظ (أَحْسَنَ) منصوب بنزع الخافض فيكون المعنى أنّ الله يجزي على أحسن أعمالهم وهو الجهاد في سبيل الله أو يجزي بأحسن أعمالهم، ومن المعلوم أنّ الجزاء على أحسن الأعمال لا ينافي الجزاء على غير الأحسن من أعمالهم.
2. وهو أنّ الله سبحانه يجزيهم بجزاء هو أحسن من أعمالهم، ويأتي الاحتمالان في قوله سبحانه:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1).
وفي الآية دليل على أنّه سبحانه كما يثيب على المقصود بالذات، فهكذا يثيب على المقدّمات التي يتوقّف عليها المقصود بالذات، فإنّ قطع الوادي أمر مقدّمي حتى يصل الإنسان إلى أرض العدو، فالله سبحانه يقول بأنّه يُكتب له ويجزى عليه. وذلك أنّ الأُمور المقدّمية إذا أتى بها الإنسان تقرباً إلى الله وكان العمل صالحاً للتقرّب به، يترتّب عليه الثواب.

حصيلة الآيات

قد عرفت جُلّ ما ورد من الآيات الواردة في الجهاد الدفاعي، وهو أمر مستحسن عقلاً وأيّده الشرع، ولا يوجد على وجه الأرض مَن ينكر هذا النوع من الجهاد، وقد تضمّنت الآيات السابقة الأسباب التي تدفع المسلمين للقيام بهذا الفرض، وهي عبارة عن الأُمور التالية:

1 . النحل:97.

صفحه 55
1. قتال مَن يقاتل المسلمين، كما في قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)(1).
2. قتال المعتدين بمثل ما اعتدوا، كما في قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)(2).
3. قتال أولياء الشيطان، أي قتال مَن زيّن الشيطان لهم أعمالهم الباطلة، فصاروا يكيدون المسلمين كما في قوله: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ)(3).
4. ردّ بأس الذين كفروا، كما في قوله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)(4).
5. الجهاد لحفظ مراكز العبادة، كما في قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(5).
6. النفير العام لأجل قوّة العدو، كما في قوله سبحانه: (مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ)(6).
فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ السبب لقيام المسلمين بالقتال هو لأجل الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلولا تعرّض العدو لم يكن أثر من هذا الجهاد.

1 . البقرة: 190.
2 . البقرة:194.
3 . النساء:76.
4 . النساء:84 .
5 . الحجّ:40.
6 . التوبة:120.

صفحه 56
أحكام الجهاد
      4

الجهاد الابتدائي

قد عرفت الآيات التي تحثّ المسلمين على الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأوطانهم وحريتهم واستقلالهم، كما عرفت الدوافع التي تدفع المؤمنين للقيام بهذه الفريضة، إنّما الكلام في الجهاد الابتدائي، وهو جهاد المشركين والوثنيّين وإن لم يكونوا متعرضين ولا مقاتلين للمسلمين، غير أنّ القيادة الحكيمة للأُمة الإسلامية في الشريعة تفرض على نفسها ضرورة إنقاذ هذا المجتمع من الوثنية وذلك ببعث سرية أو سرايا لكسر العوائق التي تمنع المجتمع عن سماع كلمة الحقّ، فالاشتباك بين المجاهدين والعدو لأجل أنّ القوى الكافرة يحولون بين الناس وتبليغ آيات الله، فلو سكت العدو عن المعارضة وفتح الطريق لمبلّغي التوحيد، لم يكن أي اشتباك بينهما، وهذا هو الذي نسمّيه بالجهاد الابتدائي، ولأجل أنّه وقع غرضاً لطعون المستشرقين نأتي بمقدّمة، لكي يُعلم أنّ هذا النوع من الجهاد عمل عقلائي يقبله العقل الحصيف، وسيوافيك توضيح أكثر عند التفسير فنقول:
إنّ كلّ موجود حيّ يتوقّف بقاؤه على دفع المزاحم وطرد المضرّات، فالإسلام بما أنّه شريعة سماوية بحاجة في بقائه واستمرار حياته إلى دفع ما يزاحمه، فنقول: إنّ الإسلام، لكونه رسالة إلهية منزلة لهداية البشر كافّة، يسعى إلى تغيير العادات والتقاليد البالية، والأوضاع الفاسدة والنظم الباطلة... فمن الطبيعي أن

صفحه 57
يواجه معارضة مَن يخالف هذا التغييرُ مصالحهم، ويتعارض مع مآربهم ومطامعهم... وعندئذ يجب على هذا الدين أن يقوم برفع هذه الموانع واكتساح تلكم الحواجز، ليمضي قدماً في أداء رسالته، وتحقيق أهدافه.
إنّ هناك فرقاً واضحاً بين (المذهب الفلسفي) و (الدين الإلهي).
فالفيلسوف، يكتفي ببحث الأُمور الفلسفية لمجرّد التوضيح أو النقد، وينشر أفكاره وتحليلاته بين الناس ليقفوا عليها ويعرفوها دون أن يرَ إلزامهم بشيء منها. فهو لا يهمّه سوى طرح أفكاره والدفاع عنها بواضح الدليل وقاطع البرهان.
وأمّا (الدين الإلهي) فليس مذهباً فلسفيّاً ليكتفي بمجرّد البيان والتوضيح ويحصر همّته في النقد والإشكال، إنّما هو ثورة إصلاحية، وعملية تغييريّة، تستهدف إقامة نظام صالح عادل فوق رُكام الأنظمة الفاسدة، والأوضاع المنحطّة.
وبديهي أنّه لا يتحقّق ذلك دون مواجهة الموانع، وقيام الصراعات والحروب، مع الجهات والقوى المعارضة لهذا التغيير.
فهل في العالم حركة تغييريّة استطاعت تحقيق أهدافها دون خوض الصراعات الحامية، ودون نشوب الحروب وسقوط الضحايا، أو إراقة الدماء؟
فهل استطاعت (الثورة الفرنسية) أن تتجنّب إراقة الدماء؟
وهل نجحت (الثورة الروسية) إلاّ بعد سقوط الملايين من القتلى؟
وهل حقّقت (الثورة الهندية) أهدافها إلاّ عبر المئات من القرابين البشرية؟
نعم إنّ ما يفترق به (الجهاد الإسلامي) عن الحروب الأُخرى التي تفرضها الحركات التغييرية الأُخرى هو: أنّ الإسلام يتجنّب الحروب وإراقة الدماء قدر

صفحه 58
الإمكان، ولا يلجأ إليها إلاّ من باب الضرورة وفي حدود الإنسانية والرحمة، بخلاف سائر الثورات.
هذا مضافاً إلى بقيّة الفوارق التي تتجسّد في (أحكام الجهاد الإسلامي) المذكورة في محلّها.
وصفوة القول: إنّ كلّ ثورة إصلاحية وحركة تغييريّة تتطلّب ـ بحكم الضرورة ـ هذه المواجهات الساخنة، دفعاً للمزاحم ورفعاً للموانع والحواجز، وإلاّ ماتت هذه الثورة في المهد، كما تموت الخليّة الحيّة إذا تركت كذلك.
وبعبارة واضحة: إنّ الإسلام نظام إجتماعي ثوري، لم ير العالم نظيراً له قطّ، وبما أنّه رسالة إلهية تضمن سعادة البشر، فإنّه يرى لنفسه حق التوسعة والتعميم.
ولأجل ذلك يسعى إلى إزالة الموانع والحواجز بأسهل الطرق وأعدلها، فيبتدئ بالتبليغ والتعليم والبحث والمجادلة والتوجيه والإرشاد، فإذا رأى أنّ الموانع لا ترتفع إلاّ بقوّة قاهرة سعى إلى رفعها بتلك القوّة.
وليس هذا يختصّ بالدين الإسلامي، بل كان هذا هو طريق الأنبياء ومنهاجهم في الدعوة إلى طريق الحق. وفي ذلك يقول سبحانه:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).(1)
والكتاب والميزان إشارة إلى أنّهم كانوا يتوسّلون في بدء الأمر بأسهل الطرق، وهي تنوير الأفكار وإقناعها بمنطق العقل.

1 . الحديد:25.

صفحه 59
وأمّا إذا رأوا أنّ ذلك المنطق لا يجدي في رفع الموانع توسّلوا بمنطق القوّة، فالحديد في الآية كناية عن ذلك المنطق، وحياة الأنبياء وتاريخهم خير شاهد على ذلك.

الآية الأُولى

قال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا).(1)

المفردات

في سبيل الله: في سبيل دين الله وإعلاء كلمته لا طمعاً في غنيمة.
المستضعفين: الضعف خلاف القوّة، يقال: لقد ضعف فهو ضعيف، والمستضعفون في الآية عبارة عن المؤمنين في مكة يضطهدهم المشركون ويظلمونهم، وهم لا يستطيعون الهجرة من مكّة إلى المدينة أو غيرها. فأوجب الله سبحانه على المؤمنين أن يجاهدوا في طريق تحريرهم من ظلم المشركين.
القرية: أُريد بها هنا مكّة وتطلق على المدن الكبيرة أيضاً، قال سبحانه عن لسان إخوة يوسف(عليه السلام):(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)(2).

1 . النساء:75.
2 . يوسف:82 .

صفحه 60

التفسير

الجهاد الابتدائي لتحرير المستضعفين من ظلم المستكبرين

التدبّر في الآية يرشدنا إلى أنّ الغاية من الجهاد الابتدائي أحد أمرين:
1. نشر الدين الإلهي بين الناس وهدايتهم إلى ما فيه سعادة الدارين.
وهذا ما يشير إليه سبحانه بقوله:(فِي سَبِيلِ اللهِ).
2. إنقاذ المستضعفين من مخالب المستكبرين، وهذا ما يشير إليه قوله:(وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ)إلخ، وهذه أُمنية معنوية قلّما توجد في قوانين الدول العلمانية، فإنّ البنية الأساسية للقتال الموجود بين الأُمم هو التوسّع في السلطة وضم الأراضي إلى الدول والهيمنة الاقتصادية والسياسية على الجيران. وأمّا القتال لرفع الظلم عن المضطهدين فليس موجوداً في قواميسهم.
أمّا الداعي الأوّل: أي نشر الدين في المجتمع البشري كافّة، فنقول: الإنسان المثالي(النبي) الذي يتبنّى أيديولوجية إلهية، لا مناص له ـ في سبيل نشر دعوته وبثّ أفكاره ـ من السعي وراء هدفه. وهذا ما يعبّر عنه القرآن بالجهاد في سبيل الله، وقد جاءت الكلمة (الجهاد) ثمانية وعشرين مرّة مع مشتقاتها في الكتاب العزيز، وهذا يعرب عن أنّ مسألة الجهاد ليست مجرّد مسألة قتل وقتال وسفك دماء وتدمير بيوت، وإنّما هو سعي في نشر الأيديولوجية الإلهية بأنواع الوسائل الممكنة، فإذا واجه الداعي في طريق نشر دعوته، مقاومةً من العدو ومنعاً من الطواغيت، فلا مناص له عندئذ من رفع المانع بالجهاد والقتال. يقول سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ

صفحه 61
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(1).
فلو كان المقصود هو حياة المسلمين فالآية تدلّ على إحيائهم، وأمّا لو كان المقصود المجتمع الإنساني فتكون الآية دالّة على الجهاد الابتدائي. فتدبّر.
وأمّا الداعي الثاني: وهو إنقاذ المستضعفين من ظلم المستكبرين فهذا يدلّ على أنّ الغاية من الجهاد غاية إنسانية، حيث يبذل المجاهد نفسه وماله لإنقاذ الآخرين.
وقد مرّ أنّه لا يوجد في القوانين العالمية قانون يبعث جيشاً لإنقاذ الآخرين دون أن تكون له إطماع دنيوية.
وأمّا المستضعفون في الآية فهم المؤمنون الذين آمنوا في الفترة المكية بالنبي وشاركوه في السراء والضراء، فلمّا هاجر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكّة ضاعف المستكبرون ظلمهم لهؤلاء، ولذلك فالله سبحانه يحثّ المؤمنين إلى إنقاذهم مقروناً بالتعجّب ويقول: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) وقد التفت من الغيبة في قوله: (فَلْيُقَاتِلْ) إلى الخطاب في هذه الآية لزيادة الحثّ على الجهاد، حتى لا يتذرّع أحد بعذر من الأعذار، لأنّ الحثّ مع التعجب يكشف عن أنّهم في العلم الإلهي غير معذورين في إنقاذ هؤلاء أعني: (وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ): أي في سبيل تحريرهم، وقد بلغ ظلم المستكبرين لهم إلى حدٍّ كان المستضعفون يدعون الله تبارك وتعالى بأدعية ثلاثة:
الأوّل: بقولهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا): أي سهّل لنا الخروج من هذه القرية، فإنّ الساكنين فيها لم يزالوا يفتنون المؤمنين عن دينهم.

1 . الأنفال:24.

صفحه 62
الثاني: (وَاجْعَلْ لَنَا) بألطافك وتأييدك (مِنْ لَدُنْكَ): أي من عندك (وَلِيًّا): أي يلي أمرنا حتى ينقذنا من أمر الظلمة.
الثالث: (وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) ينصرنا على من ظلمنا. وقد استجاب الله تعالى دعاءهم عندما فتح رسول الله مكّة، فقلبت الأُمور ضد المستكبرين.(1)

الآية الثانية

قال سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ).(2)

المفردات

يدينون: يدين بكذا: إذا اتّخذه ديناً وعقيدة.
دين الحق: أُريد الدين الذي أنزله سبحانه على أنبيائه.
الجزية: ضرب من الخراج، تارة يضرب على الأشخاص وأُخرى على الأرض، وهو مشتق من الجزاء، وربما قيل إنّه معرّب «گزيت» الفارسية، كما في «روح المعاني».(3)

1 . مجمع البيان:3/154.
2 . التوبة:29.
3 . روح المعاني:5/271.

صفحه 63
عن يد: عن قدرة وسعة.
صاغرون: خاضعون لأحكام الإسلام وسيادته.

التفسير

الإسلام الذي جاء به النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس ديناً خاصّاً بفئة محدّدة ومكان معيّن وزمان محدود، بل هو دين عالمي شامل لأهل الأرض جميعاً، ولذلك يخاطب الكل بقوله: (يا أيُّها الناس) وكان أمام ذلك الأمل الكبير طائفتان:
المشركون، وأهل الكتاب.
أمّا المشركون فسيوافيك أنّه سبحانه أمهلهم أربعة أشهر فإن آمنوا فهو، وإلاّ فمصيرهم القتل في أي موضع وجدوا فيه، وسيأتي وجهه.
وأمّا أهل الكتاب فتحدّثت عنهم هذه المجموعة من الآيات.
وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى والمجوس، أمّا الأوّلان فقد ذكر اسمهما في الذكر الحكيم مرّة بعد مرّة، وأمّا الثالث(المجوس) فقد جاء ذكرهم في سورة الحج، أعني قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَ النَّصَارى وَالَْمجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ).(1)
وأمّا الصابئون فالفقهاء لم يحسبوهم من أهل الكتاب.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الأمنية الكبرى للإسلام هو تأسيس دولة إسلامية عالمية شاملة لكافّة الشعوب والشرائع. وقد صرّح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الأمنية

1 . الحج:17.

صفحه 64
عندما قال لصناديد قريش: «تعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم».(1)
وبما أنّ أهل الكتاب يختلفون عن المشركين من جهات شتّى، فلذلك كان التعامل معهم غير التعامل مع المشركين، فالمشرك إمّا أن يُؤمن أو يُقتل، وأمّا أهل الكتاب فبما أنّهم مؤمنون بالله ورسله، ولهم طقوس خاصّة وشرائع مقتبسة من التوراة، صار التعامل معهم بشكل آخر وهو جهادهم وقتالهم إلى أن يعطوا الجزية ويتفيّئوا في ظلال الإسلام مقابل دفع ضريبة خاصّة، وعندئذ تتكفّل الدولة الإسلامية بحمايتهم وحفظهم عن الشر والأذى.
إذا علمت ذلك فلندخل في تفسير الآية.
أُريد من الموصول في قوله: (قَاتِلُوا) أهل الكتاب (الَّذِينَ) جاء بهم التصريح في قوله تعالى في نفس الآية: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فكأنّه يقول: قاتلوا الذين أُوتوا الكتاب، وأُريد من الكتاب التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية وإن حُرّفت فيما بعد.
ثمّ إنّه سبحانه يصف أهل الكتاب بأوصاف ثلاثة وكأنّها هي الأسباب الحقيقية لقتالهم وهي عبارة عن الأُمور التالية:
1. (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ).
2. (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ).
3. (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ).
ولأجل ذلك يأمر بقتالهم إلى أن (يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ).

1 . السيرة الحلبية:2/45.

صفحه 65
وعندئذ يقع الكلام في تفسير كلّ من هذه الأسباب، والمفسّرون في حيرة فيما أُريد بها.
أمّا الأوّل: فالله سبحانه وصفهم بقوله: (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ). كيف يصفهم بذلك مع أنّهم أهل الكتاب، والكتاب هو المنزل من الله سبحانه. وكيف يصفهم بذلك مع أنّه سبحانه أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعوهم إلى أُصول مشتركة منها(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا).(1)
أقول: إنّهم وإن آمنوا بالله ولكن إيمانهم مقرون بالشرك: أمّا اليهود، فإنّهم أهل التجسيم والتشبيه مضافاً إلى قولهم بأنّ عزيراً ابن الله كما في قوله سبحانه:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ); وأمّا النصارى فإنّهم أهل التثليث، فالألوهية عندهم قائمة بأُمور ثلاثة: إله الأب، وإله الابن، وإله روح القدس، ولذلك سلب عنهم الإيمان بالله، وأمّا اليوم الآخر فقد قال المحقّقون إنّه لم يذكر في التوراة شيء يرجع إلى القول بالمعاد والحياة الأخروية. ولو قال بعضهم فإنّما يقولون به على وجه التحريف كما يحكي عنه سبحانه قولهم(وَ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً)(2).
(وَ)أمّا الثاني: فإنّهم (لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ) فلو أُريد من قوله: (وَرَسُولُهُ) رسول كلّ طائفة كموسى لليهود والمسيح للنصارى، أمّا اليهود فقد أكلوا أموال الناس بالباطل كالربا وشرب الخمر وأكل الخنزير وحرّفوا ما كتب الله

1 . آل عمران:64.
2 . البقرة:80 .

صفحه 66
لهم في التوراة.
وأمّا النصارى فقد استباحوا ما حُرّم عليهم في التوراة ممّا لم ينسخه الإنجيل. وهذا أمر محسوس ملموس في أنّ حياة النصارى فإنّها لا تنطبق على أحكام التوراة.
وأمّا لو قلنا بأنّ المراد من قوله:(وَرَسُولُهُ) هو رسول الإسلام ـ كما هو المتبادر من اللفظ في كافة آيات القرآن الكريم ـ فعندئذ فالمراد المحرّمات التي حرّمها الله ورسوله محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الصادع بالدعوة الإسلامية كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وأكل المال بالباطل وبما أنّ فيها فساداً كبيراً على المجتمع فالإسلام يطلب منهم ألاّ يتظاهروا بهذه الأعمال، غير أنّهم كانوا يتظاهرون بها، ولأجل هذه الغاية أمر بقتالهم حتى يدخلوا في حكم الإسلام ويعملوا بأحكام الذمة التي منها عدم التظاهر بهذه المحرّمات.
(وَ)الثالث: فإنّهم (لاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ): أي الدين المنسوب إلى الله سبحانه، أي لم يدينوا دين الحقّ الذي جاء به كتابهم وإنّما دانوا بما حرّفوا منه وهو
ليس دين الحق... فهذه الأُمور الثلاثة أعدّت أرضية خاصّة لقتالهم إلى أن (يُعْطُوا الْجِزْيَةَ)فإنّ في إخضاعهم لأحكام الجزية تطويقاً لقسم من تأثير أعمالهم الفاسدة على المجتمع الإسلامي ومنعاً من التظاهر بها، فأُمروا بإعطاء الجزية في مقابل حقن دمائهم وتوفير أسباب الحياة الآمنة لهم.
قوله: (عَنْ يَد): في تفسيره وجهان:
1. أن يعطوا الجزية عن يد مؤاتية أي منقادين أو مقرونة بالانقياد، أو عن

صفحه 67
يدهم أي مسلّمين، أو مسلّمة بأيديهم لا بأيدي غيرهم من وكيل أو رسول; لأنّ القصد فيها التحقير وهذا ينافيه، ولذا منع من التوكيل شرعاً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من الشدّة والغلظة لا ينسجم مع روح التشريع الإسلامي.
2. أي عن قدرة وسلطة، فالمعدم والعاجز معفو عنها، وهذا هو الأظهر.
ثمّ قال سبحانه:(وَ)الحال (هُمْ صَاغِرُونَ): أي خاضعون. والدليل على تقدير لفظة (لكم) بعد لفظة «يد» هو قوله: (هُمْ صَاغِرُونَ) فكونهم خاضعون يدلّ على وجود السلطة والاستعلاء للآخذين. والظاهر أنّ المراد من الذيل هو خضوعهم للحكومة الإسلامية، لا الإهانة والسخرية، فإنّه لا يناسب الحكومة الإسلامية المبنية على المثل العليا والأخلاق الحسنة.
يقول السيد الطباطبائي: والاعتبار بما ذكر في صدر الآية من أوصافهم المقتضية لقتالهم ثم إعطاؤهم الجزية لحفظ ذمّتهم يفيد أن يكون المراد بصغارهم خضوعهم للسنّة الإسلامية والحكومة الدينية العادلة في المجتمع الإسلامي فلا يكافئوا المسلمين ولا يبارزوهم بشخصية مستقلّة حرّة في بثّ ما تهواه أنفسهم وإشاعة ما اختلقته أهواؤهم من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنساني، مع ما في إعطاء المال بأيديهم من الهوان.(2)
ونقل الرازي اعتراضاً عن ابن الراوندي على قوله سبحانه: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ

1 . روح المعاني:10/78.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/242.

صفحه 68
وَلَدًا)(1) فبيّن أنّ إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحدّ، ومع ذلك لما أخذ منهم ديناراً واحداً قرّرهم عليه وما منعهم منه.
وأجاب عنه وقال: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل المقصود منها حقن دمه وإمهاله مدّة، رجاء أنّه ربما وقف في هذه المدّة على محاسن الإسلام وقوّة دلائله، فينتقل من الكفر إلى الإيمان.(2)

أخذ الجزية ومصارفها

ربما يتصوّر أنّ الجزية ضريبة مجحفة بالنسبة إلى أهل الكتاب سواء أكانت مفروضة على النفوس أم على الأراضي، ولكن ذلك تصوّر خاطئ لأنّ المسلمين أيضاً فرضت عليهم ضرائب مالية كالزكاة والخمس والكفّارات، وغيرها، مع أنّ المسلمين يشاركون في الجهاد دون أهل الكتاب وهم يُضحّون بنفسهم ونفيسهم دون الآخرين. مع أنّ الضريبة المأخوذة من أهل الكتاب تصرف في مصالحهم وتوفير أسباب الحياة لهم وحفظهم والدفاع عنهم، إلى غير ذلك من الأُمور، وليس هذا أمراً يوصف بالإجحاف.
   
بقي أن نعرف أنّ الإسلام فرض على أهل الكتاب ـ بعد الغلبة عليهم ـ دفع ضريبة تُسمّى بالجزية، وهي ـ كما سبق ـ بمنزلة الضريبة التي تؤخذ من المسلمين تحت عناوين مختلفة من الزكاة والخمس وسائر الصدقات لتصرف في شؤون الدولة الإسلامية، ولكن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب على عقله، ولا الصبيان ولا النساء، لأنّ الجزية إنّما هي في مقابل الدخل تقريباً. قال الإمام

1 . مريم:90ـ 91.
2 . تفسير الرازي:16/32.

صفحه 69
الصادق(عليه السلام):«جرت السنّة أن لا تؤخذ الجزية من المعتُوه ولا من المغلوب على عقله».(1)
ثمّ إنّ الجزية تقدّر بقدر المُكنة والقدرة فقد سئل الإمام الصادق(عليه السلام)عن حدّ الجزية فقال: «ذلك إلى الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ماله وما يُطيقُ».(2)
كما أنّ الإمام مخيّر في الجزية في أن يضع الجزية على حسب رؤوسهم دون أرضهم أو على أرضهم دون رؤوسهم... في حين أنّه يأخذ من المسلمين الضرائب المتوجّبة عليهم من أموالهم خاصّة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على مدى روح التسامح والعطف والعدالة التي يتعامل بها الإسلام مع الأقليّات الأُخرى; فعن محمّد بن مسلم قال: سألته(عليه السلام) عن أهل الذمّة ماذا عليهم ما يحقنون به دماءهم وأموالهم؟ قال:«الخراج، وإن أُخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم، وإن أُخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم».(3)
كما أنّه لا يجوز للحكومة الإسلاميّة أن تأخذ من الأقليّات شيئاً علاوة على الجزية; فعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في أهل الجزية أيؤخذ من أموالهم ومواشيهم سوى الجزية؟ قال:«لا».(4)
وبالتالي، إنّ الجزية لم تكن ضريبة شاقّة لو عرفنا مقاديرها فقد جعل

1 . الوسائل:11، الباب51 من أبواب جهاد العدو، الحديث1. وراجع: تحرير الوسيلة للإمام الخميني: 2/532 ـ533; باب: في مَن يؤخذ منه الجزية.
2 . الوسائل:11، الباب 68 من أبواب، جهاد العدوّ، الحديث1.
3 . الوسائل:11، الباب68 من أبواب جهاد العدو، الحديث3.
4 . الوسائل:11، الباب68 من أبواب جهاد العدو، الحديث4.

صفحه 70
الإسلام على أغنيائهم ثمانية وأربعين درهماً، وعلى أوساطهم أربعة وعشرين درهماً، وعلى فقرائهم إثنا عشر درهماً... يؤخذ منهم كلّ سنة، راجع لمعرفة ذلك، الحديث المروي في هذا الباب.(1)
وفي الحقيقة لا تقدير خاصّ للجزية، ولا حدّ لها; بل تقديرها إلى الوالي، (والحكومة الإسلاميّة) بحسب ما يراه من المصالح في الأمكنة والأزمنة ومقتضيات الحال(2)، والمقدار المذكور في الرواية هو مصداق لهذا التقدير.
وبالتالي فإنّ ما تأخذه الدولة الإسلاميّة من الأقليّات باسم الجزية إنّما هو في الحقيقة لتقديم الخدمات إليهم، وحمايتهم، لا أنّه أتاوة على نحو ما يفعل الفاتحون عادة.
فالجزية إذن ضريبة ضئيلة يقابلها تأمين الإسلام لهم الحراسة والحفظ وتوفير ضروريات الحياة.
والدليل على ما ذكرنا ما رواه البلاذري في أمر «حمص»، قال: إنّ أبا عبيدة ابن الجراح قدم حمص على طريق بعلبك فنزل بباب الرستن فصالحه أهل حمص على أن أمنهم على أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم وأرحائهم واستثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد واشترط الخراج على مَن أقام منهم.(3)
ثمّ يقول بعد عدّة صفحات: إنّ القائم بأُمور الخراج قال: بلغني أنّه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردّوا على

1 . الوسائل:11، الباب68 من أبواب جهاد العدو، الحديث5.
2 . تحرير الوسيلة للإمام الخميني:2/533، المسألة 1، باب القول في كمية الجزية.
3 . فتوح البلدان للبلاذري:137.

صفحه 71
أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لَوِلايتكم وعدلكم أحب إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم.(1)
وبذلك يبقى الكتابيّ على دينه ويقيم شعائره في حدود المصلحة الإسلاميّة العامّة حسب ما قُرّرت لها من شروط، وأحكام.

في شرائط الذمّة

الشرائط المقوّمة للذمّة التي تنتفي بانتفاء واحدة منها، ثلاثة:
1. أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان مثل العزم على حرب المسلمين أو إمداد المشركين والتواطئ معهم ضد مصالح الإسلام والمسلمين.
2. أن يلتزموا بأن تجري عليهم أحكام المسلمين بمعنى وجوب قبولهم لما يحكم به المسلمون من أداء حقّ أو ترك محرّم، والمراد من الأحكام هي الأحكام الاجتماعية والجزائية كجلدهم إذا زنوا وقطع أيديهم إذا سرقوا وما شابه ذلك.
3. قبول دفع الجزية.
فهذه الشروط الثلاثة تعتبر من مقوّمات الذمّة، وأمّا غير ذلك من الشروط فإنّما يجب العمل بها من جانبهم إذ اشترطت في عقد الذمّة.(2)
وفي الختام: إنّ أهل الكتاب هم اليهود والنصارى والمجوس، ويكفي في ذلك ما روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) حيث سُئل عن المجوس: أكان لهم نبيّ؟ فقال:

1 . فتوح البلدان للبلاذري:143.
2 . لاحظ: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام:21/271.

صفحه 72
«نعم. وقال: أما بلغك كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أهل مكّة أن أسلموا وإلاّ نابذتكم بحرب; فكتبوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أن خذ منّا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان. فكتب إليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي لست آخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب. فكتبوا إليه يُريدون بذلك تكذيبه: زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب، ثم أخذت الجزية من مجوس هجر. فكتب إليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، وكتاب أحرقوه. أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور».(1)

الآية الثالثة

قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).(2)

المفردات

جاهد: من الجهاد وهو استفراغ الوسع في مدافعة(دفع) العدو.
اغلظ: من الغلظة وهي الخشونة والشدّة في المعاملة.

التفسير

الآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:
1. أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بجهاد الكفّار والمنافقين.
2. أمره(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتغليظ عليهم.

1 . الكافي:3/567ـ568.
2 . التوبة:73.

صفحه 73
3. أنّ مأوى الكفّار والمنافقين في الآخرة هو جهنم وبئس المصير.

ما هو المراد من جهاد المنافقين؟

أمّا الأوّل: فقوله:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) وقد دلّ التاريخ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقاتل المنافقين بل تعامل معهم معاملة المسلمين، فعلى هذا فأُريد بالجهاد معناه الوسيع، أي السعي في طريق دفع العدو; أمّا الكفّار، فبالتبليغ والإرشاد فإن لم ينفع فالقتال; أمّا المنافقون فببذل الجهد في مقاومتهم حسب اقتضاء المصلحة، فتارة المصلحة تقتضي البشاشة في الوجه، وأُخرى الوعظ باللسان، وثالثة العبوس في الوجه، إلى غير ذلك من مراتب المصلحة التي تركت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وكون الجهاد مستعملاً في الجهاد بالسيف فهو من مصاديق الجهاد، وإلاّ فالجهاد بمعنى السعي وله طرق مختلفة.
يقول السيد الطباطبائي: ربما يسبق إلى الذهن أنّ المراد بجهادهم مطلق ما تقتضيه المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم، فإن اقتضت المصلحة هُجروا ولم يخالطوا ولم يعاشروا، وإن اقتضت وعظوا باللسان، وإن اقتضت أُخرجوا وشرّدوا إلى غير الأرض أو قتلوا إذا أخذ عليهم الردّة، أو غير ذلك.(1)
ثمّ إنّ من ألطف التعابير في طريق نشر الدعوة الإسلامية، التعبير بالجهاد دون القتال، وهذا يشعر بأنّ الغاية هي السعي في إصلاح المجتمع وأنّ القتال من باب آخر الدواء الكيّ.
وأمّا الثاني ـ أعني قوله: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ـ : أي عاملهم بالغلظة والشدّة

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/339.

صفحه 74
حسب سوء حالهم فلا يقاتلون إلاّ إذا أظهروا الكفر البواح بالردّة، وقد روي عن ابن عباس في تفسير الآية أنّه قال: جهاد الكفّار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان.(1)
ثمّ إنّ الأمر بالتغليظ على الكفّار والمنافقين لا ينافي كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين; وذلك لأنّ التغليظ هنا آخر الدواء، لهذا الداء العيّاء، وقد ثبت في التاريخ أنّهم آذوا رسول الله بصور مختلفة كما أنّهم همّوا بقتله غيلة، والله سبحانه حفظه وصانه عن شرّهم، ففي مثل هذه الموارد لا محيص من قطع جذور الفساد حتى يأمن الرسول و المسلمون من شرور الأشرار وكيدهم، في الليل والنهار.
وعن ابن مسعود في تفسير قوله: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليلقه بوجه مكفهّر.(2) فلابدّ أن يُراد «بيده» غير القتال بالسيف.
وأمّا الثالث: أعني قوله: (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فيا للقوم من مصير هالك!
***

الآية الرابعة

قال سبحانه: ( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِنْ

1 . تفسير الدر المنثور:4/239.
2 . تفسير الدر المنثور:4/239.

صفحه 75
تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

المفردات

انسلخ: السلخ: نزع جلد الحيوان، وأُريد هنا انقضاء الأشهر الحُرم.
مرصد: طريق، ومثله: المَرقَبْ والمَربى.

التفسير

الجهاد الابتدائي لقتال الناقضين لأيمانهم

كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل نزول سورة براءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله، ولا يحارب إلاّ من حاربه وأراده بسوء، امتثالاً لقوله سبحانه: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (2) فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يقاتل أحداً قد تنحّى عنه واعتزله حتّى نزلت عليه (سورة براءة) فأمره الله بقتال المشركين إلاّ الّذين قد عاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم فتح مكة إلى مدّة، منهم صفوان بن أُمية وسهيل بن عمرو،(3) ولم ينكثوا أيمانهم.
كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يفكّر في أمر المشركين وما نقضوا به عهودهم وأيمانهم والأعمال الشنيعة الّتي يرتكبونها في الطواف، وحينذاك نزل جبرئيل بسورة براءة

1 . التوبة:5.
2 . النساء: 90 .
3 . البرهان في تفسير القرآن: 4 / 383 .

صفحه 76
وقد أمره فيها سبحانه بأن يتبرّأ من المشركين ويرفع أي أمان أعطاهم إلاّ الّذين لم ينقضوا أيمانهم فيتمّ النبيّ عهده معهم إلى مدّتهم.
ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)اختار أبا بكر لرفع الأيمان عن المشركين بقراءة آيات من سورة البراءة، فخرج أبو بكر إلى مكّة لإنجاز مهمته، وبعد ذلك نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). بعزل أبي بكر ونصب عليّ مكانه.
فقام عليّ يوم النحر والمشركون والمسلمون حضور، فقرأ ست عشرة آية من أوّل السورة إلى قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(1).
إنّ في غضون هذه الآيات نكات تشير إلى سبب رفع الأمان عن المشركين وإمهالهم مدّة أربعة أشهر، فإن تابوا وأسلموا فهو، وإلاّ فيقتلون في أي طريق ومكان تواجدوا فيه. وعندئذ يقع الكلام في إيضاح ما هو السرّ في قتال المشركين؟ إنّه سبحانه يضيّق الأمر على المشركين لوجوه:
أوّلاً: الأنبياء من أوّلهم إلى آخرهم بعثوا لغاية واحدة وهي هدم الوثنية وإنقاذ الإنسان من عبادة الشجر والحجر أو الموجودات الغيبية، وهذا هو الأصل الأصيل في المعارف الإلهية، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(2). فإذا كان هذا هو الأصل الأصيل في الشرائع السماوية، فلا يمكن لرسول السماء أن يعترف بجماعة يكون أصلهم الأصيل مناقضاً له.

1 . التوبة:16.
2 . النحل:36.

صفحه 77
وليس هذا أمراً غريباً في الحكومات التي تدّعي الحرية والديمقراطية فلو تشكّلت جماعة لهم أفكار خاصّة يعتمدون في أُصولهم على فكرة تضاد الأصل الأوّلي للقانون الأساسي للبلاد التي هم فيها، لمنعتهم الحكومة ولن تسمح لهم بنشر فكرهم، ولهذا لا يمكن أن يعترف نبيّ التوحيد بجماعة يتظاهرون ليل نهار على ضد الأصل الذي بُعِثَ لأجله.
ثانياً: أنّ محاربة المشركين لم تكن لغاية إلزامهم بالاعتراف بالإسلام وإنّما كانت الغاية هي صدّهم عن العمل الجاهلي الذي يحطّ من مقام الإنسان، ولذلك يعترف الإسلام بأتباع الشرائع السماوية كاليهودية والنصرانية والمجوسية، كما أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن معترضاً على هؤلاء، فلو كان المشرك انتقل من شركه إلى إحدى هذه الديانات لم يكن أي إلزام عليه.
ثالثاً: أنّ إكراه الناس على ترك عبادة الأصنام والأوثان، وإن كان أمراً إجبارياً وصادراً عن إكراه، لكنّه لغاية انتفاع المكرَه من هذا العمل، وعابد الوثن وإن كان يكره ذلك، لكن لمّا كان خضوع الإنسان للشجر والحجر خزياً للإنسان وإسقاطاً لكرامته فالإجبار على ترك هذا الشرك ليس أمراً قبيحاً بل يُعدّ أمراً حسناً ومطلوباً.
نفترض أنّه شاع مرض معيّن في بلد ما، عندئذ تقوم وزارة الصحة بإجبار جميع المواطنين على التلقيح ضد هذا المرض، ومَن يرفض التلقيح يجبر عليه بالقوّة، وهذا لا يُعد مخالفةً لحرية الأفراد، وقد مرّ الإيعاز إلى ذلك فيما سبق.
ثمّ إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عَبْر ثلاث عشرة سنة كان قد فتح باب الحوار مع المشركين وأقام الحجج وجاء بالبراهين الكافية التي تثبت أنّ الشرك أمر خرافي، ولكن القوم لم يذعنوا لذلك بل ازدادوا طغياناً وكفراً حتّى أنّهم همّوا بقتله، ولمّا

صفحه 78
انتقل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة حشّدوا الجيوش لمحاربته والقضاء على دولته، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في موضع الدفاع، ثم لمّا عُقد ميثاق المتاركة بين الطرفين خانوا عهودهم مع الله ورسوله، فلم يكن هناك بد إلاّ القضاء على الشرك واستئصاله من الجذور وتخريب أوكار الوثنية، إذ لم يكن من البعيد أن يستعيد المشركون قوّتهم ويتجمّعوا لمحاربة الإسلام مرّة أُخرى.

الحرية وحدودها

إنّ الحرية أحلى كلمة سمعتها أُذن الإنسان على طول الدهر، و ـ يا للأسف ـ هي من الكلمات التي تستخدم في كبح الحريات ونقضها، فالغرب وعلماؤه هم الذين يتبنّون هذا الأصل وله عندهم شرط واحد وهو أنّ الإنسان حرّ في عمله وعقيدته ما لم يزاحم الآخرين، وبذلك اعترفوا بكلّ الشرائع السماوية والمسالك البشرية التي لا صلة لها بالسماء وإن كان أكثرها أمراً خرافياً كما هو واضح.
غير أنّ الحرية في الإسلام لها شرطان:
1. ما تقدم ذكره.
2. أن لا تكون على طرف النقيض من مصلحة الإنسان وسعادته، ولذلك لا يعترف بمن يحارب المُثُلَ العليا في الأخلاق والقيم، وكذلك لو قام أحد ببيع المخدّرات على الشباب فيؤخذ بأشدّ المجازاة لأنّها على طرف النقيض من سعادة الإنسان.
وعلى هذا فالإنسان حرّ في عقيدته وعمله بشرط أن لا يكون مخالفاً لسعادته وكماله، فعبادة الأصنام على طرف النقيض من ذلك، فلو قام الإسلام بتخريب الأصنام المنصوبة على سطح الكعبة أو أرسل وفوداً لكسر الأوثان

صفحه 79
الرائجة بين القبائل فلا يعدّ ذلك مخالفاً للحرية المعقولة، بل هو في رأي العقل والإنصاف خدمة جليلة للإنسان على مرّ العصور وإخراجاً له من الشقاء إلى السعادة.
يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى (امضى) مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْي، وَآذَان صُمٍّ، وَأَلْسِنَة بُكْم; مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ».(1)
أو ليس من الجهل المطبق أن تعيش الأبقار الهندية في الشوارع والطرق تسرح وتمرح وتأكل كلّ شيء، ولكنّ قسماً كبيراً من الناس جوعى لا يملكون ما يسدّ الرمق، وما سبب ذلك إلاّ أنّ للإبقار قداسة لا يمكن التعرّض لها، حتى لو أرادت أنّ تبرك على سكّة القطار فلا يسمح دينهم بإزعاجها وإزالتها عن مكانها.
***
نعم ربّما يتوهّم أنّ موقف الآية من المشركين في المقام ينافي حرية الاعتقاد الّتي نادى بها بيان منظمة الأُمم المتحدة حيث أجازت للإنسان انتخاب العقيدة الّتي يريد، ومنعت من الإكراه .
أقول: إنّ الإسلام يفترق عمّا عليه منظمة الأُمم المتحدة، فهو أيضاً يعترف بأنّ الإنسان محترم وما انتخبه أيضاً محترم مثله، بشرط أن يكون الثاني أمراً محترماً لا مخلاًّ بسعادته. وما ربّما يقال من أنّ الإنسان حرّ فيما يعتقد ويختار، فهو ليس بصحيح، بشهادة أنّه لو اختار قتل نفسه لا يعدّ أمراً صحيحاً ولا يقال: إنّه كان مختاراً في إبقاء حياته وعدمها.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 108.

صفحه 80
وإن أردت أن تعرف موقف الإسلام من الوثنية، فاعطف نظرك إلى قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)(1).
فهذه الآية تجعل ما في الأرض في خدمة الإنسان، أين هذا المنطق من منطق الوثنية الّتي تفرض على الناس عبادة الشجر والحجر والحيوان، وتجعلهم عبيداً والمعبودات سادة؟ فمنع الإنسان عن هذا العمل الّذي يورث ذلّته، هل يُعدّ ظلماً وتعدّياً أم أنّه يُعدّ خدمة وتكريماً له، وإن لم يدرك الإنسان نفسه ذلك؟
إلى هنا تمّت دراسة الآيات الدالّة على مشروعية الجهاد الابتدائي وظهر أنّ هذا النوع من الجهاد شُرّع لغاية صيانة كرامة الإنسان وشرفه، وهذا لا ينافي الحرية المعقولة.
***
بقيت هنا كلمة وهي: دراسة ما هي شروط الجهاد الابتدائي؟ فهل يختصّ بإذن الإمام المعصوم(عليه السلام) أو يكفي إذن الفقيه الجامع للشرائط؟
   
الجهاد الابتدائي وشروطه
المتيقّن من الآيات التي درسناها هو وجوب الجهاد الابتدائي بشرط وجود المعصوم; لأنّ الخطاب في هذه الآيات للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يجوز إلاّ مع وجود معصوم مثله، وهذا أيضاً هو الظاهر من المحقّق، يقول: وفرضه على الكفاية بشرط وجود الإمام أو مَن نصبه للجهاد.(2)

1 . البقرة: 29 .
2 . شرائع الإسلام:1/307.

صفحه 81
وفي المسالك علّق على عبارة الشرائع بقوله: أراد من وجود الإمام كونه ظاهراً مبسوط اليدين متمكّناً من التصرّف .(1)
وما ذكره هو الظاهر من فقهائنا. ولكن المورد ـ مورد الآيات والروايات هو وجود المعصوم ـ ليس مخصّصاً فلو اقتضت المصلحة فللفقيه الجامع للشرائط، الدعوة إليه، والتفصيل في محلّه.
ثمّ إنّ الفقيه الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء قسّم الجهاد إلى أقسام خمسة، فالأربعة الأُولى من أصناف الجهاد الدفاعي، والخامس هو الجهاد الابتدائي، أمّا الأربعة الأُولى فقد ذكرها بشكل مبسوط ثم لخّصها بقوله:
1. ما يكون لحفظ بيضة الإسلام إذا أراد الكفّار الهجوم عليه.
2. ما يكون لدفعهم عن بُلدان المسلمين، وقُراهم، وأراضيهم، وإخراجهم منها بعد سلطانهم عليها.
3. ما يكون لدفع الملاعين عن التسلّط على دماء المسلمين، وهتك أعراضهم على نحو ما مرّ.
4. ما يكون لدفعهم عن طائفة من المسلمين التقت مع طائفة من الكفّار، فخيف من استيلائها عليهم.
ثمّ أشار إلى الجهاد الابتدائي بقوله:
5. ما يكون لأجل الدعوة إلى الإسلام وإقرارهم بشريعة خير الأنام(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم ذكر الفروق بين القسم الخامس والأربعة المتقدّمة عليه، ونشير إلى

1 . مسالك الأفهام:1/119.

صفحه 82
بعضها:
1. يشترط في القسم الأخير نيّة التقرّب إلى الله تعالى دون باقي الأقسام.
2. يشترط في الأخير الحرية والسلامة من العمى والإقعاد والمرض و(عدم) بلوغ حدّ الهمّ، والفقر الباعث على العجز عن مسيره ونفقته ونفقة عياله.
3. عدم منع أحد الوالدين وعدم حلول الدين مع القدرة على وفائه.
4. عدم وجود مَن تقوم به الكفاية لكثرة الكفّار وقلّة المسلمين.
5. الذكورة فلا يجب على مَن عُلم خروجه عن حقيقتها أو شُكّ فيه، كالأُنثى المشكل.
6. عدم المعارضة لشيء من الواجبات الفورية من حج إسلام أو حج نيابة يجب السعي إليها فوراً.
7. أن لا تتوقّف على تخلّفه تهيئة الزاد والأسباب التي تتوقّف عليها استقامة عساكر المسلمين.(1)
ثمّ إنّه في موضع آخر عرّف الجهاد الابتدائي وجعله من خواص النبيّ والإمام والمنصوب الخاصّ منهما دون العامّ، وإليك نصّ عبارته.
قال: جهاد الكفر والتوجّه إلى محالّهم، للردّ إلى الإسلام، والإذعان بما أتى به النبيّ الأُميّ المبعوث من عند الملك العلاّم، عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.(2)
هذا هو إجمال الكلام في المقام والتفصيل يطلب من محلّه.

1 . كشف الغطاء:4/337ـ339.
2 . كشف الغطاء:4/289.

صفحه 83
أحكام الجهاد
      5

كيفية القتال وشروطه

بما أنّ الهدف الأقصى للجهاد سواء أكان ابتدائياً أم دفاعيّاً، هو نشر المثل العليا في المجتمع الإنساني، وإنقاذه من الأوهام والخرافات وسوقه إلى الفضائل وكرائم الأخلاق، فلذلك نرى وجود ضوابط للجهاد على نحو يجب على المجاهدين رعايتها بحذافيرها.
ثمّ إنّ هذه الضوابط بين ما هي مذكورة في السنّة أو في الكتاب العزيز; أمّا السنة فنذكر شيئاً موجزاً منها، ثم نعود إلى الآيات القرآنية الكريمة.
روى الكليني في «الكافي» بسنده كالصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، لا تغلوا، ولا تمثّلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطروا إليها، وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتّى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله».(1)

1 . الوسائل:10، الباب15 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث2. ولاحظ سائر أحاديث الباب.

صفحه 84
وبعد أن عرفت بعض ما ورد في السنّة الشريفة نعود إلى ذكر ما ورد في الذكر الحكيم من آداب القتال وشروطه.

الآيتان: الأُولى والثانية

قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).(1)

المفردات

   
لقيتم: من اللقاء وهو الاجتماع على وجه المقاربة وجهاً لوجه.
زحفاً: الزحف: الدنو قليلاً قليلاً كما في حبو الصبي، وأُريد في المقام مشي المقاتل إلى عدوّه في ساحات القتال باحتراس وترصّد فرصة. ثمّ إنّه يستعمل في مصطلح اليوم على الجيوش الكثيرة العدد فيقال: الفرار من الزحف، وهذا مصطلح جديد لا صلة له بالآية.
الأدبار: جمع دبر وهو الخلف وأُريد استدبار العدو واستقبال جهة الهزيمة. وإدبار النجوم في قوله سبحانه:(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)(2)، ضد
إقبالها.
متحرّفاً: الانحراف من جهة الاستواء إلى الجانب.

1 . الأنفال:15 و16.
2 . الطور:49.

صفحه 85
متحيّزاً: وهو أخذ الحيّز أي المكان.
فئة: الجماعة من الناس.

التفسير

حرمة التولّي عن العدو

لمّا أنعم الله على المؤمنين في غير واحدة من الغزوات بالنصر والغلبة مع قلّة عددهم وعدّتهم وكثرة عدد الأعداء وعُدّتهم، وأكرمهم بإنزال الملائكة لتثبّت قلوبهم، نهاهم عن الفرار من أمام العدو في ساحة القتال إلاّ في موضعين كما سيأتي في الآية التالية، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)الخطاب عام يشمل أهل بدر وغيرهم، وما ربما يقال من اختصاصه بأهل بدر، تردّه طبيعة الحكم إذ تقتضي أن يكون الحكم عامّاً سائداً في عامّة الأجيال، فإنّ في الثبات أمام العدو عزّة، وفي الفرار ذلّة، كما يقول: (إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)يقتربون منكم تدريجاً (فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ): أي لا تجعلوا ظهوركم ممّا يليهم، وهو كناية عن الفرار عند مواجهة العدو.
ولكن الظاهر كما قلنا كون الآية ضابطة كلّية تعمّ عامّة المواقف حالتي الزحف وعدمه، لقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).
ثمّ إنّ قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ) جملة شرطية جزاؤها قوله: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ).

1 . الأنفال:45.

صفحه 86
ثم إنّ المراد من قوله: (يَوْمَئِذ): أي في ذلك الوقت لا النهار في مقابل الليل، أي وقت الزحف ووقت تقابل المجاهدين مع أعدائهم. ثم إنّه سبحانه استثنى قبل بيان الجزاء طائفتين:
أ. (إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال): أي تاركاً موقفاً إلى موقف آخر أصلح للقتال
من الأول، وكأنّه ينحرف عن وجه العدو ويُريه أنّه بصدد الفرار لكنّه يكرّ
عليه ثانياً، وقد قيل: الحرب كرّ وفرّ. ويعدُّ مثله خدعة عسكرية، وقد قيل:
الحرب خدعة.
ب. (أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة) بمعنى أن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدو إلى فئة من قومه فيلحق بهم ويقاتل معهم.
وأمّا جزاء التولّي فقد بيّنه سبحانه بقوله:(فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ): أي رجع بالتولّي مصحوباً بغضب من الله (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
ثمّ إنّ استثناء الطائفتين ليس تولّياً في الحقيقة، بل تولّياً في الظاهر ولكنّه مواصلة للحرب بشكل آخر يكون أفضل.
روى الكليني قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): في كلام له:«وليعلم المنهزم بأنّه مسخط ربّه، وموبق نفسه، وأنّ في الفرار موجدَة الله، والذلَّ اللازم، والعار الباقي، وإنّ الفارّ لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه، ولا يرضي ربّه، ولموت الرجل محقّاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبّس بها، والإقرار عليها».(1)

1 . الوسائل:10، الباب29 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث1.

صفحه 87
وروى الصدوق بإسناده عن محمد بن سنان، أنّ أبا الحسن الرضا(عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: «حرّم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل، وترك الجور وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرأة العدوّ على المسلمين، وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين الله عزّ وجلّ وغيره من الفساد».(1)
ما ذكر في الآية جزاء مَن تولّى على العدو ليسلم، وأمّا مَن ثبت في مكانه فمصيره إلى الجنة ونعيمها.

الآيتان: الثالثة والرابعة

قال سبحانه: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(2)

المفردات

أسرى: جمع أسير كالقتلى والجرحى، جمع قتيل و جريح، يقول ابن مالك:
فَعْلى لوصف كقتيل وَزَمِنْ *** وَهالك وَمَيِّت به قَمِنْ
وهو من الأسر بمعنى الشدّ، فكلّ مَن يؤخذ من العسكر في الحرب، يُشدّ

1 . الوسائل:10، الباب29 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث2.
2 . الأنفال:67 و 68.

صفحه 88
لئلاّ يهرب، ثم أُطلق على كلّ مأخوذ وإن لم يُشدّ.
يثخن: الثخانة بمعنى الغلظة، وثوب ثخين ضد رقيق، وأُريد في الآية «الاستقرار».
وعلى هذا فالمراد منه مواصلة الحرب والقتل حتى حصول الإثخان في الأرض بدم المقتولين من الكفّار.
عرض الدنيا: المتاع.
كتاب من الله سبق: أجمل سبحانه ما هو المكتوب، وسيوافيك بعض الوجوه المحتملة.

التفسير

منع أخذ الأسرى قبل انتهاء الحرب

تتحدّث هاتان الآيتان عن أحكام الأسرى، كما تحكي عن سنن النبيّين فيهم، وكأنّ السابقين من الأنبياء قد خاضوا حروباً مع الكافرين دون أن يأخذوا أسرى إلاّ بعد أن يظهر انتصارهم وغلبتهم على الأعداء، فإنّ في أخذ الأسرى قبل ذلك احتمالَ لحوقهم بالكافرين بعد إطلاق سراحهم بأخذ الفدية لكي يهجموا على المؤمنين مرّة أُخرى.
ويظهر من الآية الأُولى وما روي من الروايات حولها أنّ المسلمين قد أسروا جمعاً من الكافرين لغاية الفدية قبل أن تنتهي الحرب وتُعلم نتائجها، وهذا أمر ممنوع في عامّة الشرائع، لما عرفت من أنّ أسرهم لغاية أخذ الفدية منهم سوف يجعلهم يلتحقون من جديد بجيش العدو، ولذلك نرى أنّ الآية تندّد بعمل

صفحه 89
المسلمين بهذا الخصوص، وأنّه لم يكن أمراً مشروعاً في عامّة الشرائع، فعاتبهم الله سبحانه على قيامهم بهذا العمل غير المشروع.
إذا عرفت ذلك فلندخل في تفسير الآية.
قوله تعالى:(مَا كَانَ لِنَبِيّ): أي لم يكن شأن نبي من أنبياء السلف (أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى) من المشركين للفداء أو المنّ (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ): أي حتى يقوى ويشتدّ ويغلب، فيدل على جواز أخذ الأسرى بعد حصول الإثخان في الأرض، والآية تحكي عن أنّ المجاهدين في غزوة بدر أخذوا الأسرى قبل الإثخان في الأرض لغاية الفداء أي تحريرهم في مقابل المال، كما يقول: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) وسمّيت المنافع الدنيوية بالعرض لأنّها لا ثبات لها ولا دوام على عكس نعم الآخرة، (وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ) لكم، أي يريد لكم ثواب الآخرة، الثابت الدائم (وَاللهُ عَزِيزٌ) لا تُغلب أنصاره، فيجب أن يكون المؤمنون أعزة غالبين (حَكِيمٌ)في أحكامه.
والآية تدلّ على التنديد بالمؤمنين في أخذهم الأسرى قبل الإثخان في الأرض، حيث إنّ أخذهم قبل ذلك أمر مبغوض إلى حدٍّ يستحقّ الآخذ العذاب العظيم، كما سيأتي في الآية التالية.
نعم بعد أن يستتب الأمر وتضع الحرب أوزارها، فيأتي أحد التكليفين كما في سورة (محمد)، أعني قوله تعالى:(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)(1) فبعد الإثخان فأُسلوب التعامل مع الأسرى يكون بوجهين:

1 . محمد:4.

صفحه 90
1. إمّا منّاً يطلق سراحهم بلا عوض.
2. وإمّا فداء يطلق سراحهم بعوض.

الفداء أو بيع الإنسان

قلنا: إنّه سبحانه جعل أمام المسلمين في الأسرى أحد أمرين:
1. إطلاق سراحهم بلا عوض، وهذا يدلّ على كرامتهم وتكريم الإسلام لمقام الإنسانية.
2. إطلاق سراحهم بعوض.
وقد قام المسلمون في غزوة بدر بالأمر الثاني فأطلقوا سراح الأسرى بأخذ مبلغ يتراوح ما بين 4000 درهم عن الأسير الغني و1000 درهم عن الأسير الفقير.
وربما يتصوّر أنّ الفداء هو نوع من بيع الإنسان بعد أسره لكنّه توهّم محض، إذ في كلّ حرب إذا كان العدو مُشعِلاً لفتيلها تكون سبباً في إهدار الكثير من الطاقات في المجال الاقتصادي والإنساني، فالفداء نوع تعويض عن هذه الخسائر التي حمّلها العدو على المسلمين. أضف إلى ذلك: أنّ المسلمين تركوا أموالاً كثيرة في مكة عند هجرتهم إلى المدينة فصارت أموالهم بيد المشركين فيصح للمسلمين أخذ الفدية لتحرير الأسير ليكون عوضاً لأموالهم التي صادرتها قريش.
وهنا طريق ثالث وهو الاسترقاق وله مصالح تربوية وثقافية أوضحنا حالها في رسالة مستقلة تقرأها في ذيل تفسير سورة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، في موسوعتنا

صفحه 91
التفسيرية «منية الطالبين».(1)

العفو عن أخذ الأسرى قبل انتهاء الحرب

يظهر من الآية أنّ أخذ الأسرى لغاية الانتفاع بهم قبل انتهاء الحرب وقبل أن تضع أوزارها كان ذنباً يستحقّ صاحبه العذاب العظيم، ولكنّه سبحانه لم يؤاخذهم بذلك وعفا عنهم بكتاب من الله كما قال: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ): أي سنة من سنن الله، (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
اختلف المفسّرون في ما هو المراد من (كِتَابٌ) في قوله سبحانه:(لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ).
وقد ذكر الطبرسي وجوهاً مختلفة.(2)
وأوضح هذه الوجوه هو الوجه الأوّل من كلامه أي: لولا ما مضى من حكم الله أن لا يعذب قوماً حتى يبيّن لهم ما يتّقون، قال سبحانه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(3) ومعنى الآية: أنّه لولا ما كتب سبحانه وفرض على نفسه أن لا يعاقب عبداً إلاّ بعد ما يبيّن له ما يتّقي ـ لولا هذا ـ لمسّكم في ما أخذتم من الأسرى عذاب عظيم.
إلى هنا تبيّن مفاد الآية إنّما الكلام في بيان مَن هو المخاطب في هذه الآية؟

الخطاب متوجّه إلى مَن؟!

قد اختلفت كلمة المفسّرين في تعيين المخاطب حسبما روي إلى أقوال

1 . لاحظ: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:26/152ـ162.
2 . لاحظ: مجمع البيان:3/535ـ536.
3 . الإسراء:15.

صفحه 92
مختلفة:
1. العتاب متوجّه إلى النبي والمؤمنين جميعاً.
2. العتاب متوجّه إلى النبي والمؤمنين ماعدا عمر.
3. العتاب متوجهّ إلى النبي والمؤمنين ماعدا عمر وسعد بن معاذ.
4. العتاب متوجّه إلى المؤمنين دون النبي.
5. العتاب متوجّه إلى شخص أو إلى أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.
وهذه الأقوال ليس لها رصيد في الآية فإنّما تبنّوها لما روي في المقام من الآثار، وحاشا نبيّ العظمة أن يكون مخاطباً في هذه الآية. والشاهد على ذلك وجود خطابين متوجهين إلى غير النبي:
1. قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) وجلَّ نبيُّ العصمة أن يكون طالب الدنيا.
2. قوله: (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فهل يخطر ببال أحد أن يراد به النبي مع المؤمنين؟!
كلّ ذلك دليل على أنّ العتاب متوجّه إلى مَن أخذوا الأسرى طمعاً بالفدية. فما في الآثار عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه استشار النبي أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادهم، وقال عمر: اقتلهم... وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم...! فأخذ رسول الله بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله:(لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن كاد ليمسّنا

صفحه 93
في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلاّ عمر».(1)
كلّ ذلك من الآثار المكذوبة التي تحطّ من مقام النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو في غنى عن الاستشارة في أحكام الله سبحانه، ولو أُمر بالاستشارة فإنّما يستشير في الموضوعات تكريماً لشخصية صحابته، ومعنى ذلك أنّ عمر كان أعرف بمصالح الإسلام والمسلمين من النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم). أعاذنا الله وإيّاكم عن التعصّب بغير الحقّ.

الآية الخامسة

قال سبحانه:(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى
إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى
تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ
لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْض وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ
).(2)

المفردات

الرقاب:جمع رقبة، وهو اسم للعضو المعروف.
أثخنتموهم:ثخن الشيء فهو ثخين إذا غلظ، واستعير في الآية للقتل الكثير أو الجرح بحيث يوجب توقّف العدو وعجزه عن الحركة.

1 . تفسير الدر المنثور:4/108.
2 . محمد:4.

صفحه 94
الوثاق: ما يُشدّ به من قيد أو حبل ونحوهما.
منّاً: أي إطلاقاً من الأسر بالمجّان.
فداء: أي إطلاقاً في مقابلة مال أو غيره.
أوزارها: الأوزار: الأحمال، ويُراد بها هنا آلات الحرب وأثقالها.

التفسير

ضوابط أخذ الأسرى

دلّت الآيات القرآنية على أنّ فئة المؤمنين على الحقّ وفئة الكافرين على الباطل، إذا تلاقوا في ساحة الحرب فعلى المؤمنين أن يُديروا على الكافرين كؤوس المنايا بوضع السيوف في رقابهم، كما قال: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ). ولعلّ الحكم ورد مورد الغلبة، وإلاّ فالمراد قتلهم بأي نحو كان بالرمي بالسهام أو الطعن بالرماح، ثمّ إنّ ضرب الرقاب له حدّ معيّن أوضحه بقوله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ): أي أكثرتم القتل في صفوف العدو حتى ظهر الضعف فيهم وإن لم تتم الحرب فيتوقّف ضرب الرقاب، بل يشدّ وثاق الأسرى كما يقول: (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)، بقيد أو حبل أو نحوهما، لكي لا يفرّ أحد منهم ويعيد الكرّة على المؤمنين.
وأمّا أُسلوب التعامل مع الأسرى إذا أُخذوا بعد الأثخان فذكرت له الآية طريقين:
أ. (فَإِمَّا مَنًّا): أي يطلق سراحه بلا عوض.
ب. (وَإِمَّا فِدَاءً): أي يطلق سراحه بعوض.

صفحه 95
والتعامل مع الأسرى بأحد الأُسلوبين محدّد باستسلام العدو في ساحة القتال وإلقاء السلاح، كما يقول: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).
وبذلك نرى أنّه سبحانه في هذه الآية يشير إلى برامج الحرب:
أ. ضرب الرقاب عند اللقاء.
ب. استمراره إلى حدّ الإثخان واصطباغ الأرض بدماء العدو، حتى تتحطّم القوة العسكرية للعدو، ويتحطّم غروره واستعلاؤه، ويكفّ عن البغي والعدوان.
ج. أخذ الأسرى بعد الإثخان، وشدّهم.
د. التعامل مع الأسرى بأحد الوجهين مشروط باستسلام العدو، وإلقاء السلاح وترك المعركة، وهروبهم عنها بحيث لم ير أثرهم فيها.
وحاصل الكلام: أنّ في الآية غايتين:
الأُولى: قوله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ).
الثانية: قوله:(حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).
أمّا الأُولى فهي غاية لضرب الرقاب، فعند الإثخان يتوقّف الضرب لطروء الضعف على قوّة العدو العسكرية، وفقدان القدرة على التحرّك والمواجهة، وإن لم تتمّ الحرب وكان الاشتباك مستمراً، وعند ذاك تأتي الخطوة التالية، وهي أخذ الأسرى.
وأمّا الثانية أعني:(حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا): أي يشد الوثاق إلى نهاية وضع الحرب أوزارها. وعندئذ أي عند ما انتهت الحرب تماماً، إمّا يمنّ عليهم بإطلاق سراحهم أو تؤخذ منهم الفدية.
وممّا ذكرنا يظهر الضعف فيما ورد في «كنز العرفان» حيث قال: إنّ الأسير

صفحه 96
إن أُخذ والحرب قائمة تعيّن قتله إمّا بضرب عنقه أو قطع يديه ورجليه ويترك حتّى ينزف ويموت، وإن أُخذ بعد تقضيّ الحرب، يتخيّر الإمام بين المنّ والفداء والاسترقاق، ولا يجوز القتل.(1)
الصحيح أن يقول: وإن أُخذ بعد الإثخان، لا بعد تقضّي الحرب.
وجه النظر: أنّ الغاية للقتل هي الإثخان وهو يتحقّق وإن كانت الحرب قائمة. وبعد الإثخان يأتي دور أخذ الأسير إلى تقضّي الحرب، وعندئذ يتخيّر الإمام بين المنّ والفداء، وعلى قول الاسترقاق.

إذا طالت الحرب شهوراً

وبذلك تُعلم الإجابة عن سؤال يُطرح في المقام، بأنّه ربما تطول الحرب شهوراً، فكيف يجوز قتل الأسير مادامت الحرب قائمة؟والجواب ما قلناه من أنّ القتل محدّد بالإثخان وهو ربما يحصل قبل انتهاء الحرب وتقضّيها، وإن كانت الحرب قائمة، ولا يتوقّف على انتهائها.
وهناك احتمال آخر وهو: أنّ الآية (أي قتل الأسير قبل الإثخان) ناظرة إلى الحروب السائدة في عصر الرسالة التي كانت تتقضّى بمضي ساعات أو بضعة أيام، فيصحّ أن يقال بجواز قتل الأسير قبل الإثخان، وأمّا الحروب العالمية أو الإقليمية التي تدوم شهوراً وسنين فالآية منصرفة عنها، والمرجع هنا رأي قائد الجيش الذي يقف على مصالح الإسلام والمسلمين وسمعتهم في العالم، فربما يحكم بالمحافظة على أرواح الأسرى.

1 . كنز العرفان:1/365.

صفحه 97
ثمّ إنّ الغاية الأُولى ـ أعني: إيقاف ضرب الرقاب إلى حدّ الإثخان ـ جاء ذكرها ـ أيضاً ـ في قوله سبحانه: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).(1) وقد تقدّم تفسير الآية فلاحظ.
ثمّ ربّما يقال: إنّ قوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) ناسخة لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)(2)، لأنّ هذه السورة متأخّرة نزولاً عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها. وعلى هذا يستمر القتل إلى انتهاء الحرب تماماً.
يلاحظ عليه: أنّ القائل خلط بين الغايتين، فالإثخان غاية لضرب الرقاب وقتل العدو، وهو ينتهي بالإثخان، وإن كانت الحرب قائمة; وأمّا وضع الحرب أوزارها، فهو غاية لشدّ الوثاق وحبس الأسرى، وهما ينتهيان بانتهاء الحرب، وعند ذلك يطلق سراحهم بأحد الأُسلوبين.
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى صدر الآية، وبقي الكلام في ذيلها، أي قوله تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ): أي من الكفّار بإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء (وَلَكِنْ)يأمركم بالحرب وبذل الأرواح في إحياء الدين (لِيَبْلُوَا): أي ليمتحن (بَعْضَكُمْ بِبَعْض) فيظهر المطيع من العاصي.
وبعبارة أُخرى: لو كان الغرض هو هلاك الكفّار فقط فالله سبحانه قادر على إهلاكهم بما شاء من أنواع العذاب، ولكنّه سبحانه أراد من وراء ذلك ابتلاءكم

1 . الأنفال:67.
2 . الأنفال:67.

صفحه 98
حتى يتبيّن المستحقّ للثواب من غيره، ولذلك أمركم بالقتال و الجهاد.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) متفرّع على اختبار الحاضرين في أمر القتال، أي فمن بذل روحه في إحياء الدين والدفاع عن الحقّ، (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) بل يقبلها ويجازيهم عليها ثواباً.

الآيات: السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة

قال سبحانه:(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).(1)

المفردات

الدواب: جمع الدابة: أُريد: كلّ ما يدب في الأرض.
تثقفنّهم: قال ابن فارس: ثقفت به إذا ظفرت به، والثقافة: المهارة، استعملت في مهارة الإمساك بالعدو.
فشرّد بهم: أي فرّق وبدّد جمعهم. والتشريد: الطرد، أي عاقبهم وبالغ بالقسوة عليهم وتعذيبهم.

1 . الأنفال:55ـ58.

صفحه 99
فانبذ: النبذ الطرح.
على سواء: أي على طريق واضح، لا خداع فيه ولا خيانة.

التفسير

وصف الطوائف الثلاث الناقضين للعهد

تحدّثت هذه المجموعة من الآيات عن الضوابط والمقرّرات التي تثبت الأمن في المجتمع الإسلامي عند كيد من لا عهد لهم من المشركين والكافرين. وهم بين ناقض عهده، ومَن يترقّب منه النقض، فالآيات الثلاث الأُولى ناظرة إلى المنافقين والآية الأخيرة ناظرة إلى مَن يترقّب منه النقض.
أمّا الآية الأُولى فهي تصف هؤلاء الأعداء الذين لا خير فيهم دون أن تشير إلى أعيانهم بقوله سبحانه: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) أُريد من الشر من ليس فيه أي رجاء للخير، أي الإيمان (عِنْدَ اللهِ)لا عند الناس وهم (الَّذِينَ كَفَرُوا) وصفهم بصيغة الماضي، وقال: (كَفَرُوا) مع أنّهم كانوا كافرين، ولكنّه سبحانه يخبر عن أنّهم عدلوا عن الإيمان إلى الكفر، وما ذلك إلاّ لأنّهم كانوا قبل بعثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)معتقدين بأنّه سبحانه سيبعث نبيّاً من جانبه مصدقاً لمَن قبله، على حدّ كانوا (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)(1)، بل كانوا: (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)(2)، فلأجل تلك الحالة كانوا مؤمنين لكن (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) بعد ما كانوا مؤمنين (فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)(3).

1 . البقرة:146.
2 . البقرة:89 .
3 . البقرة:89 .

صفحه 100
وبما أنّ الكفر صار راسخاً في طبيعتهم أخبر سبحانه بقوله: (فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
فإن قلت: كيف يجتمع قوله سبحانه في هذه الآية في حقّ بني آدم مع قوله سبحانه في موضع آخر يصفهم بقوله:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(1).
قلت: الجواب واضح فلا شكّ أنّ الإنسان هو خليفة الله في الأرض وهو مكرّم بما له من فضائل الصفات وعظائم الأخلاق، فلو تجرّد عنها يصبح حيواناً ضارياً. فالإنسان الذي يعاهد ثم ينقض بلا سبب فهو إنسان صورة لا سيرة.
ثمّ إنّه سبحانه لمّا وصفهم بشرّ الدواب بيّن وجهه في الآية التالية وهي تشير إلى الطوائف الثلاث من اليهود ـ أعني: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة ـ فقد عقدوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)معاهدة تشتمل على بنود منها: أن لا يعينوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع (أي الخيل وغيرها من المراكب) في السرّ والعلانية لا بليل ولا بنهار، والله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حلّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم.
وقد كتب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لكلّ قبيلة من هذه الطوائف الثلاث كتاباً على حدة على هذا الغرار، ثم وقّع عليها «حُيي بن أخطب» عن بني النضير، و«المخيريق» عن قبيلة بني قينقاع، و«كعب بن أسد» عن بني قريظة.(2)

1 . الإسراء:70.
2 . بحار الأنوار:19/110ـ 111.

صفحه 101
ومع ذلك كلّه فهذه الطوائف الثلاث جميعاً نقضوا معاهداتهم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما هي مذكورة في كتب السيرة والتفاسير، بل يظهر على احتمال من الآية التالية أنّهم عاهدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من مرّة ثم نقضوا عهدهم كذلك.
إذا عرفت ذلك فلننتقل إلى تفسير الآية الثانية.
قوله سبحانه: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ) الظاهر أنّ «من» تبعيضية (وما يأتي من الأوصاف يدلّ على أنّ الضمير يرجع إلى أهل الكتاب القاطنين في المدينة) يذكر سبحانه خصيصتين لهؤلاء وكأنّ طينتهم خمرت بهما.
1. (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة): أي أكثر من مرّة، وهل كان العهد مرّة والنقض متعدّداً أو كان كلّ متعدّداً؟ وجهان.
(وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ): أي لا يتّقون في نقض العهد، بل على وجه الإطلاق لا في مجال العهد ولا في غيره.
ويكفي في اهتمام الإسلام بحفظ العهد ما روي عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برّين كانا أو فاجرين».(1)
روى ابن عباس وقتادة أنّ المراد بهم بنوقريظة فإنّهم عاهدوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يحاربوه ولا يعينوا عليه عدوّه، ثم نقضوا عهدهم فأمدّوا المشركين بالسلاح والعُدّة يوم بدر، واعتذروا فقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدوه أن لا يعودوا بمثل ذلك، فنكثوا عهدهم يوم الخندق، ومالوا مع الأحزاب وأمدّوهم بالسلاح

1 . الكافي:3/162، الحديث15.

صفحه 102
والأدراع.(1)
وحصيلة الكلام: أنّ الطوائف الثلاث نقضوا عهدهم فتعامل معهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وفق ما أقرّوا به في المعاهدة.

موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن نقض عهده وطائفة وراءه

لمّا عرّف الذكر الحكيم الناقضين للعهد، أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتّخذ موقفاً شديداً تجاه مَن نقض عهده ومعه طوائف أُخرى يترقّب أن ينقضوا عهدهم، فأمره سبحانه أن ينكّل بهم متى ظفر بهم حتى يكونوا عبرة لمَن وراءهم يقول سبحانه في الآية الثالثة: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ): أي إنّك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفّار الذين ينقضون العهد(فَشَرِّدْ بِهِمْ): أي فرّق وبدّد جمعهم وعاقبهم عقاباً يؤثّر في (مَنْ خَلْفَهُمْ)حتى يكونون سبباً لشرود مَن وراءهم من الأعداء وتفرّقهم كالإبل الشاردة(2)، أو يكون عبرة حتى لا ينقضوا العهد معكم من بعد، ويخافوا أن تتعامل معهم مثل تعاملك مع من قبلهم، ويدلّ على ما ذكرنا قوله: (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ): أي يذكروا ما حلّ بمن قبلهم من العقوبة.

موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن يترقّب منه نقض العهد

قد عرفت ما هو موقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن نقض العهد، بقي الكلام في مَن لم ينقض عهده ولم تظهر منه خيانة، ولكن القرائن تشهد على أنّهم بصدد نقض العهد، هذا ما تضمنت الآية الأخيرة لبيان حكمه فيأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يلقي إليهم ما

1 . تفسير الكشّاف:2/131.
2 . تفسيرالمنار:10/50.

صفحه 103
بينه وبينهم من العهد، ويعلمهم بذلك، ليكونوا على علم بالنقض على استواء، كما يقول: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً) بمعنى ظهور بوارقها واتّصال أخبار تؤيّد ذلك ففي هذه الحالة (فَانْبِذْ): أي فاطرح وألق (إِلَيْهِمْ) المشركين، العهد الذي بينك وبينهم ولا تنتظر تحقّق وقوع الأمر المظنون; لأنّ في انتظار ذلك خطراً على الأُمّة، وبما أنّ نقض العهد من جانب من دون إعلام الطرف الآخر على خلاف العدل، يأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يخبرهم على الطرح كما يقول: (عَلَى سَوَاء): أي نبذاً على سواء، أي على طريق واضح لاخداع فيه، وهذا أدلّ دليل على أنّ الإسلام ملتزم بأُصول الأخلاق ورعاية العدالة في مورد خصومه وأعدائه.
فإن قلت: إنّ الله سبحانه يصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(1) فكيف يرشده في هاتين الآيتين إلى التغليظ والتشديد؟
قلت: إنّ التشديد والتغليظ في مقابل العدو العنيد الذي نقض عهده غير مرّة أو بصدد النقض على نحو لو لم يعاقبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو لم يلغ عهده لتعرّض الإسلام إلى خطر داهم وكبير. وهذا ما يسوّغه العقل الحصيف.
فقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) تعليل لقوله: (عَلَى سَوَاء) فإنّ نقض العهد من جانب واحد على غفلة من الخصم، يُعدّ خيانة والله لا يحب الخائنين.

1 . الأنبياء:107

صفحه 104
أحكام الجهاد
      6

التعبئة والاستعداد التام للدفاع عن المجتمع المسلم

قال سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ).(1)
المفردات
أعدّوا: الإعداد: تهيئة الشيء للمستقبل.
رباط: الحبل الذي تربط به الدابّة، وإذا أُضيف إلى الخيل وقيل: رباط الخيل: أُريد حبسها واقتناؤها.

التفسير

الإسلام بما أنّه نظام شامل لكافّة جوانب الحياة، فلابدّ أن يؤسّس دولة تقوم بتطبيق شرائعه جميعاً، وأن تُرفرف رايته في كلّ نقاط العالم لينعم البشر كافة

1 . الأنفال:60.

صفحه 105
بالعدالة السماوية، وتعيش كافّة الشعوب تحت ظلّه، وهذا الكيان وهذه الدولة لابدّ لها من وسائل دفاع قوية تصونها من كيد الأعداء والخصوم.
واعطف نظرك إلى كافّة الموجودات الحيّة، تجد أنّها مجهّزة بآلات للدفاع عن نفسها من غير فرق بين صغيرها وكبيرها، الوحشي منها والأهلي، وذلك لأنّ استمرار التعايش بين الأقران والأعداء لا ينفك عن تزاحم وصراع، فالله سبحانه خلقها وجهزها بوسائل الدفاع، فالدين الإسلامي بمنزلة موجود حيّ أحاطت به أصناف من الأعداء، من عدو ظاهر إلى آخر خفي ومبطن للعداء، فلا يكتب للدولة البقاء، أمام الأعداء إلاّ بالاستعداد وتهيئة أدوات الدفاع، وقد أُثر عن بعض الحكماء أنّ كلّ عهد لم يكن مقروناً بالقوّة والقدرة فهو حبر على ورق; لأنّ الطرف الآخر إذا أحسّ بضعف المعاهد سوف ينقض عهده معه ويرفضه. فلذلك يأمر سبحانه المجتمع الإسلامي دون شخص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط بأُمور:
الأوّل:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ) المشركين (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة): أي ما قدرتم عليه ممّا يتقوّى به على القتال من الرجال وآلات الحرب، والجملة ضابطة تامّة تستدعي تهيئة ما هي القوة في كلّ عصر، فقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: ألا أنّ القوّة الرمي، ألا أنّ القوّة الرمي، قالها ثلاثاً(1); فإنّما هو إشارة إلى الآلة في عصره، وأمّا عصرنا هذا فليس عصر السيوف والرماح، والأقواس والنبال، بل هو عصر الدبابات والمدافع والطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة التجسّسية إلى غير ذلك، لو أُريد من الرمي بما هو وسيلة، يشمل أكثر الآلات الحربية الرائجة لأنّها تقوم على الرمي.

1 . تفسير الدر المنثور:4/83 ، وقد وردت بهذا المضمون روايات أُخرى في نفس الكتاب.

صفحه 106
الثاني: قوله: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) من قبيل عطف الخاصّ على العام; لأنّ الرمي كان أداة بارزة عند المخاطبين بهذه الآية غير محتاج إلى الذكر ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين، لخاطبهم بمجهولات محيّرة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثمّ إنّ الرباط حسب ما ذكره الراغب هو المكان الذي يخصّص لإقامة الخيل فيه وحفظها، وعلى هذا فالآية تخاطب المسلمين بأن يهيّئوا هذا المكان الذي تربط فيه الخيل لتكون مستعدّة للحرب والدفاع، فالدعوة إلى تهيئة الرباط دعوة إلى تهيئة المكان وما فيه.
نعم في «الكشّاف»: الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله.(1)
يلاحظ على ما ذكره الكشّاف: أنّه لو كان اسماً للخيل لاستغنى عن ذكر الخيل، وما ذكره في المفردات أوضح، وهنا احتمال ثالث أنّ الفقرة من مقولة إضافة الوصف إلى الموصوف، أي الخيل المربوطة في مكانها; وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة».(2) ولعل الآية تدلّ على أنّ الدولة الإسلامية يجب أن تنشأ معسكرات أو مخيّمات في أماكن مختلفة يتدرّب فيها الفرسان للركوب على الخيل والدفاع عن حدود الدولة وكيانها.
الثالث: قوله: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) هذا هو الواجب الثالث للمجتمع الإسلامي، وهو أنّ الغاية من إعداد القوة ورباط الخيل هو إدخال الرهبة

1 . تفسير الكشّاف:2/132.
2 . تفسير الدر المنثور:4/91.

صفحه 107
في قلوب أعداء الله وأعداء المسلمين، ثم إنّه سبحانه يقسّم الأعداء إلى قسمين:
1. مَن يعرفهم كمشركي قريش.
2. (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ): أي مشركي مكّة(لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ)، فعلى هذا فأعداء الإسلام على قسمين: نوع ظاهر يعرفهم المسلمون، ونوع آخر لا يعرفون عداءهم; وأمّا مَن هو الصنف الثاني من الأعداء فلعلّه أُريد الدول الكافرة القوية آنذاك كالفرس والروم.
ثمّ إنّ في إيجاد الرهبة نوع صيانة لدماء الإنسان الموافق والمخالف، فإنّ العدو إذا خاف من قدرة المسلمين لما تجاوز حدّه، وهذا دليل على رحمة الإسلام ومحافظته على دماء البشر جميعاً.
الرابع: قوله:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ) لا يخفى أنّ تهيئة الأُمور المتقدّمة بحاجة إلى ميزانية مالية يجب على المؤمنين الإنفاق في هذا الطريق، وهذا ما وصفه سبحانه بالإنفاق في سبيل الله، فالقوة الرادعة رهن مال يتكفّل بحاجاتها، فقوله:(يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) بمعنى يعود عليكم بتمامه، ولعلّ الفقرة من أدلّة تجسّم الأعمال، فما أنفقه في سبيل الله في الحياة الدنيا يتمثّل له في الآخرة بالجنة ونعمها، ثمّ إنّه سبحانه (وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) الظلم هنا بمعنى النقص أي لا ينقص شيء ممّا أنفقتم في الدنيا، نظير قوله سبحانه:(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)(1) أي لم تنقص.

1 . الكهف:33.

صفحه 108
أحكام الجهاد
      7

الصلح في ظروف خاصّة

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).(1)

المفردات

جنحوا:مالوا.
السلم: الاستسلام بعد الحرب.

التفسير

إنّ الدين العالمي الذي أنزله الله سبحانه لإسعاد البشر إلى يوم القيامة لا يمكن أن يتجهّز بقانون واحد وهو قانون الحرب والدفاع كما لا يمكن أن يحكم مستمراً بقانون السلم والاستسلام، فإنّ الظروف تختلف حسب اختلاف المصالح فلازم الخاتمية وكون الإسلام ديناً عالمياً هو وجود القانون لكلّ ظروف وشرائط. ولذلك لمّا أمر في الآية السابقة بتهيئة لوازم الحرب مهما تمكّنوا، أمر المسلمين

1 . الأنفال:61.

صفحه 109
في هذه الآية بقبول السلم إذا مال إليه العدو وقال: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ): أي الاستسلام (فَاجْنَحْ لَهَا): أي أمل مثلهم، وقد أمر الإمام(عليه السلام)والي مصر بالصلح عند وجود شرائطه وقال:«وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلّهِ فِيهِ رِضًى، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ»(1). وتأنيث الضمير في «لها» إمّا باعتبار السلامة، أو باعتبار كونها مؤنثاً سماعياً كضدها، أعني: الحرب، يقول الزمخشري: السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، ثم استشهد بالبيت التالي:
السلم تأخذ منها ما رضيت *** به والحرب يكفيك من أنفاسها جُرع(2)
وعلى ما ذكرنا فالآية غير منسوخة بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)(3)و لا بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(4)، بل لكلّ مورد خاص حسب ما يراه الإمام من حرب أو سلم، ويشهد على ما ذكرنا أنّ قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) نزلت في سنة تسع، وبعث بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مكّة، ثم صالح بعد ذلك أهل نجران على ألفي حلّة في صفر، وألف في رجب.(5)
وربما يتصوّر وجود الاختلاف بين الآية وما في قوله سبحانه:(فَلاَ تَهِنُوا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 53.
2 . تفسير الكشّاف:2/133.
3 . التوبة:29.
4 . التوبة:5.
5 . التبيان في تفسير القرآن:5/150.

صفحه 110
وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ)(1). فقوله: (وَتَدْعُوا) معطوف على (فَلاَ تَهِنُوا): أي لا تتوانوا ولا تضعفوا عن القتال ولا تدعوا الكفّار إلى المسالمة والمصالحة وأنتم القاهرون الغالبون.
والجواب واضح وهو أنّ قوله: (فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) ناظر إلى خصوص الحالة التي يحكي عنها قوله: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ) فإنّ الدعوة إلى الصلح في هذه الحالة أي حالة علوّكم وضعف عدوّكم، يضركم وينفع عدوكم. بخلاف غير هذه الحالة فإنّ الصلح ربما ينفع كما في صلح الحديبية.
ثمّ إنّه أتمّ الآية بقوله:(وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ): أي فوّض أمرك إلى الله في الحرب والسلم (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الذي لا تخفى عليه خافية.
والأمر بالتوكّل في كلتا الحالتين لغاية أنّ الواجب على المسلم إعداد ما يتمكّن منه في حالتي الحرب والسلم ولكن يجب أن يعتقد بأنّ ماهيّته من قبيل العلل الاعدادية والمقتضيات وليست علّة تامّة للنصر، بل النصر من عند الله سبحانه فيفوض ما لم يتمكّن منه إلى الله سبحانه.
بقيت هنا نكتة وهي: أنّه سبحانه خاطب المسلمين في الآية السابقة بقوله:(أعِدُّوا)، (تُرْهِبُونَ)و (وَمَا تُنْفِقُوا) ولكنّه في هذه الآية خصّ الخطاب بالنبي وقال: (فَاجْنَحْ لَهَا)مشعراً بأنّ أمر الدفاع حرباً أو سلماً بيد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والقائد، فهو الذي يتّخذ القرار النهائي في هذه الظروف، وأنّ هذه الأُمور العظيمة بيد الحاكم الأعلى.

1 . محمد:35.

صفحه 111
أحكام الجهاد
      8
الصلح بين طائفتين مسلمتين
قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).(1)

المفردات

بغت: بغى عليه: استطال عليه وظَلَمهُ.
فاءت: رجعت.
أقسطوا: إعدلوا.

التفسير

تتكفّل الآية ببيان أحكام ثلاثة تضمن حماية الإنسان في دمه وعرضه، بالصلح أوّلاً، وقتال المتجاوز بعد الصلح ثانياً، ثم التصالح إن رجع عن البغي ثالثاً.
أمّا الحكم الأوّل: فيشير إلى أنّه لو حدث خصام وقتال بين طائفتين من

1 . الحجرات:9.

صفحه 112
المؤمنين فعلى سائر المؤمنين السعي للمصالحة بينهما صوناً للدماء من أن تُسفك، وحفظاً لوحدة الكلمة وجمع الشمل، ولذلك ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إصلاح ذات البين»(1). وعليه قال سبحانه:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
ثم إنّ التعبير بضمير الجمع في (اقْتَتَلُوا)مع كون المرجع هو التثنية ـ أعني: (طَائِفَتَانِ)ـ باعتبار المعنى، فإنّ كلاًّ من الطائفتين تضمّ جمعاً من الناس.
وفي وصية الإمام علي للحسن والحسين (عليهم السلام)بعد أن ضربه ابن ملجم (لعنه الله)، قال: «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقُولُ: «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ».(2)
وأمّا الحكم الثاني ـ أعني: لزوم حماية الإنسان في عامّة شؤونه ـ : فهو محدّد بعدم تجاوز العدل والإنصاف، وإلاّ فلو تجاوزهما فقد هتك حرمته وضيّع كرامته، ولذلك يجب ردعه ودفعه إلى حدّ العدل كما يقول سبحانه: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى): أي استطالت وتجاوزت على أُختها (فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي)تتجاوز وتعتدي (حَتَّى تَفِيءَ) ترجع (إِلَى أَمْرِ اللهِ)إلى ما أمر به الله تعالى.
وأمّا الحكم الثالث: فإنّ القتال مع الطائفة المعتدية محدّد برجوعها إلى أمر الله (فَإِنْ فَاءَتْ)إلى أمر الله (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ): أي بإجراء أحكام الله على

1 . مسند أحمد:6/444.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

صفحه 113
المعتدي على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، دون الاكتفاء بوضع السلاح وترك القتال والحيلولة بينهما.
ثم أمر سبحانه بانتهاج سبيل العدل في كلّ ما يأتون به من قول أو فعل وقال: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
الظاهر أنّ مورد الآية، هو قتال طائفتين من المسلمين لأُمور دنيوية أو غيرها من دون خروجهما على الإمام المفترض طاعته، ففي هذه الصورة يدخل الإمام أو نائبه في أمرهما بالدعوة إلى التصالح أوّلاً، وقتال المتجاوز بعد الصلح ثانياً، وعلى هذا فالآية لا صلة لها بقتال البغاة المصطلح في الفقه، أعني: الخارج عن طاعة الإمام، فالاستدلال بالآية على المورد الثاني، غير تام إلاّ بالملاك، ولذلك جعلنا عنوان البحث الصلح بين طائفتين من المسلمين، فالبغي الوارد في الآية أُريد به المعنى اللغوي، لا البغي المصطلح، أعني: الخروج على الحاكم الشرعي.

قتال البغاة

الحكومة الإسلامية تقاتل فئتين:
1. الفئة الباغية حتى تفيء.
2. الفئة الكافرة حتى تُسلم.
فمَن خرج على إمام عادل وحاربه، وجب قتاله، لما أوجب الله تعالى من طاعة أولياء أمره في محكم كتابه حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(1)، وقد أجمع أهل القبلة على فسق محاربي

1 . النساء: 59 .

صفحه 114
أئمة العدل وفجورهم بما يرتكبونه .(1)
وانطلاقاً من هذه القاعدة قاتل الإمام علي(عليه السلام) (ومعه أجلاّء المهاجرين والأنصار) البغاة من الناكثين والقاسطين والمارقين في وقائع: الجمل وصفّين والنّهروان. قال الإمام الصادق(عليه السلام):«كان في قتال عليّ أهل القبلة بركة، ولو لم يقاتلهم عليّ(عليه السلام) لم يدر أحد بعد كيف يسير فيهم».(2)
فإن قلت: فلو كان التصالح بين الطائفتين المسلمتين أمراً وفريضة على الآخرين لزم من ذلك دعوة الخوارج علياً إلى التصالح مع معاوية أمراً موافقاً للكتاب العزيز، فلماذا امتنع علي من قبول التصالح إلاّ بعد الضغط من جانب جماعة من عسكره والذين صاروا بعد ذلك خوارج.
قلت: قد مرّ أنّ مصب الآية هو قتال طائفتين كلتيهما من المؤمنين المطيعين لإمامهم، غير باغين على ولي أمرهم، ففي هذا الموقف يجب على المسلمين دعوتهما إلى التصالح وإيقاف الحرب والتعامل معهم بالعدل.
وأمّا الحرب في أرض صفين فلم يكن بين طائفتين مسلمتين لإمامهم، بل كانت أحدى الطائفتين باغية خارجة عن إطاعة إمامهم الذي اتّفق المهاجرون والأنصار على إمامته وبايعوه، ففي هذا الموقف يجب على المسلمين الالتحاق بالصف الذي فيه الإمام لا التأكيد عليه بالصلح، فإنّ الصلح في هذا المقام مضر وداخل في قوله سبحانه:(فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ)(3)، إذ كان

1 . النصرة لسيد العترة في حرب البصرة للشيخ المفيد: 92 ـ 93. وانظر: الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي: 54 ـ 57 .
2 . الوسائل:12، الباب26 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث4.
3 . محمد:35.

صفحه 115
علي على مقربة من القضاء على العدو الباغي وجيشه، فالصلح في هذا الزمان أمر محكوم، غير أنّ رفع المصاحف من البغاة صار سبباً لاغترار طائفة من جيش علي بأنّ هؤلاء يريدون الصلح والعمل بالقرآن الكريم، وما دروا أنّهم تذرّعوا بهذا العمل ليسلموا من الموت المحقّق بعد أن بدت هزيمتهم النكراء ظاهرة للعيان. وقد أثبت التاريخ أنّ الدعوة للتصالح كانت لعبة مكشوفة وخداعاً من أخدع الخادعين، أعني: عمرو بن العاص.
ثمّ إنّ البحث عن البغاة في المقام، بحث جانبيّ لا صلة له بالآية كما مرّ.
***

صفحه 116
أحكام الجهاد
      9

حرمة المبادرة إلى التكفير بلا دليل

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).(1)

المفردات

ضربتم: الضرب: إيقاع شيء على شيء، والضرب في الأرض الذهاب فيها وضربها بالأرجل.
ألقى إليكم السلام: حيّاكم بتحيّة أهل الإسلام.
عرض: ما لا يكون له ثبات، ولذلك يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر.
مغانم: نعم وفواضل كثيرة.

شأن نزول الآية

اختلف المفسّرون في شأن نزول الآية والمعروف أنّها نزلت في أُسامة بن

1 . النساء:94.

صفحه 117
زيد وأصحابه، بعثهم النبي في سرية فلقوا رجلاً قد انحاز بغنم على جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، فبدر إليه أُسامة فقتله واستاقوا غنمه; عن السدّي.
وروي عن ابن عباس وقتادة أنّه لمّا نزلت الآية حلف أُسامة ألا يقتل رجلاً قال لا إله إلاّ الله، وبهذا اعتذر إلى عليّ لمّا تخلّف عنه، وإن كان عذره غير مقبول; لأنّه قد دلّ الدليل على وجوب طاعة الإمام في محاربة مَن حاربه من البغاة، لا سيّما وقد سمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «حربك يا علي حربي وسلمك سلمي».(1)
ورواه أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه بنحو أبسط ممّا ذكر كما يلي:
حدّثنا أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سرية إلى الحرُّمات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاّ الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي من ذلك شيء فذكرته لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:«مَن لك بلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال:«ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا؟ مَن لك بلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟» قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أنّي لم أُسلم إلاّ يومئذ.(2)
وقريب منه ما ذكره الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في قضية ذي الخويصرة، حيث اعترض عليه بقوله: اعدل، فعندئذ ثارت ثورة مَن كان في المجلس منهم خالد بن الوليد، قال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«فلعلّه يكون

1 . مجمع البيان:3/190.
2 . مسند أحمد:187ـ 188، الحديث 21861; صحيح البخاري:64، الباب45، الحديث 4269.

صفحه 118
يصلّي» فقال: إنّه رب مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي لم أُؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم».(1)
وبعد أن عرفت شأن نزول الآية نعود إلى تفسيرها.

التفسير

وجوب الاحتياط في الدماء

لمّا حذّر سبحانه قبل هذه الآية من قتل المؤمن، وأنّ قتله جريمة كبيرة تستتبع عواقب ثقيلة، جاء البيان القرآني يعلّم المسلمين بأنّه لا يجوز لهم قتل إنسان أظهر الإسلام بظن أنّه كافر أو منافق، فإظهاره الإسلام حصن يصونه عن القتل ما لم يعلم أنّه مهدور الدم، يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) للغزو والجهاد (فَتَبَيَّنُوا): أي تثبّتوا حتى تميّزوا بين الكافر والمؤمن، فالضابطة الكلّية في كلّ إنسان تلقونه هو الحكم بكونه محقون الدم ومصونه ما لم يثبت خلافه، خصوصاً إذا أظهر الإسلام كما يقول: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ): أي حيّاكم بتحية أهل الإسلام أو مَن استسلم إليكم، فليس عليكم أن تقابلوه بقولكم: (لَسْتَ مُؤْمِنًا): أي أظهرت الإسلام وأخفيت الكفر. ثمّ إنّ الغاية لاتّهامه بالكفر هو الاستيلاء على ماله، كما يقول: (تَبْتَغُونَ): أي تطلبون (عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي مغانمها التي لا يكون لها ثبات، وإن كنتم تطلبون الغنائم (فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) في جنته.

1 . صحيح مسلم:7/171، برقم 1064; مسند أحمد:4/10، برقم 11008; صحيح البخاري:5/111، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجّة الوداع.

صفحه 119
ثمّ أتمّ الآية بقوله: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ): أي كنتم تبتغون عرض الحياة الدنيا من قبل أن تدخلوا خيمة الإسلام وتؤمنوا بالله ولكن (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ)بالإيمان الذي يبتغى منه ما عند الله من المغانم وينصرف عن متاع الدنيا، فعلى هذا فالواجب عليكم أن تتبيّنوا وتتثبتوا في أفعالكم (فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
هذا هو مفاد الآية، والحقيقة أنّها هي العلاج الكامل لما تعانيه الأُمّة الإسلامية من فتن وبلايا ومصائب في هذه الأيام، حيث نرى أنّ ظاهرة التكفير وما يترتّب عليها من مجازر تنمو في بلادنا، وينتشر شررها إلى أكناف الدنيا وأطرافها. ولكن فرق بين ما قام به أُسامة بن زيد ومن معه، وما تقوم به العصابات التكفيرية في هذه الأيام. فإنّ عمل أُسامة كان عملاً جزئياً موضعياً، وقد هدّده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد ندم على عمله حتى قال: «وددت أنّي لم أُسلم إلاّ يومئذ»، وأمّا ظاهرة التكفير في أيامنا هذا فيحمل شعارها قوم وراءهم الاستكبار العالمي حيث يمدّونهم بالمال والسلاح، لضرب المسلمين ومنشآتهم حتى تصبح البلاد الإسلامية بلاداً جرداء وقوماً جوعى، ليس لهم من الحضارة إلاّ الفقر والفاقة.
وممّا يؤسف له أنّ هؤلاء يدّعون أنّهم يحكمون باسم الإسلام وباسم نبي الرحمة الذي قال:«إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا يُنزع من شيء إلاّ شانه».(1)، فهاهم يقتلون الأبرياء والعُزّل من الناس أطفالاً وشيوخاً ونساء ويقومون بجرائمهم وهم يكبّرون ويصلّون على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يصفه سبحانه بقوله:(فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ

1 . صحيح مسلم:8/22، كتاب البر والصلة والآداب.

صفحه 120
حَوْلِكَ)(1)، ويدّعون رفع لواء الجهاد في سبيل نصرة الدين ومواجهة أعدائه، وهم يسعون في الأرض فساداً، ويحرقون الحرث والزرع، ويدّمرون المنشآت الاقتصادية، بل يخرّبون كلّ شيء؟! مع أنّ البخاري يروي عن أبي ذر أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:«لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».(2) وروى الترمذي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لاعن المؤمن كقاتله، ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله».(3)
وفي نهاية المقام أقول: إنّ أقل ضرر أُصيب به الإسلام هو أنّ بدعة التكفير على النحو الذي تبثّه الفضائيات صار حائلاً بين الغربيين وبين اعتناقهم الدين الإسلامي الحنيف، وكفى بذلك خسارة عظيمة.
***
تمّ كتاب الجهاد
بفضل الله سبحانه

1 . آل عمران:159.
2 . صحيح البخاري: برقم 6045.
3 . سنن الترمذي:4/132.

صفحه 121

الفصل الثامن:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في الذكر الحكيم
1. ما يدلّ على وجوب الفريضتين .
2. هل الفريضة واجب عيني أو كفائي؟
3. الفريضتان في الشرائع السالفة.
4. في شروط النهي عن المنكر.
5. حكم التقية في الذكر الحكيم.

صفحه 122
 

صفحه 123
 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اتّفق المسلمون على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرعاً، والمسألة لها صبغة كلامية، وفي الوقت نفسه هي مسألة فقهية، ووجه كونها كلامية هو أنّ أهل السنّة بنوا وجوب نصب الإمام بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليها.(1)وقالوا: بما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب، وما يقوم به الواجب ـ وهو نصب الإمام ـ واجب. وبذلك صارت مسألة الإمامة عندهم من فروع هذه المسألة.
ولكنّ الشيعة ينظرون إليها بنظرة كونها أصلاً فرعياً كسائر الفروع، ومع ذلك ترى أنّ المحقّق الطوسي قد طرح القاعدة في آخر التجريد في مبحث المعاد.
وبما أنّ الفريضتين يُعدّان نوعاً من الجهاد، جعلنا البحث فيهما ذيلاً له، ووجه كونهما من أقسام الجهاد، أنّ في الأمر بالمعروف طريقاً لإصلاح المجتمع وفي النهي عن المنكر إنقاذاً من الوقوع في الفساد.
وقد وردت في الذكر الحكيم آيات تحثّ المسلمين على إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نذكرها تباعاً.

1 . لاحظ: المواقف لعضد الدين الإيجي:396; وشرح المواقف للسيد الشريف:8/346; وشرح المقاصد للتفتازاني:5/236.

صفحه 124
أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
               1

ما يدلّ على وجوب الفريضتين

الآية الأُولى:

قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).(1)
المفردات
مكنّاهم: جعلنا لهم الملك والسلطة في البلاد.
المعروف: كلّ فعل حسن.
المنكر: كلّ فعل قبيح.

التفسير

قوله تعالى:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) وصف للموصول الوارد في الآية المتقدّمة عليها، أعني قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) فهؤلاء هم (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ): أي إن جعلنا لهم الملك والسلطان في البلاد، قاموا بأُمور أربعة:

1 . الحج:41.

صفحه 125
1. (أَقَامُوا الصَّلاَةَ) لعلّه أُريد دعوة الناس إلى الصلاة، إذ فرق بين القول: يصلّون وبين قوله: (أَقَامُوا الصَّلاَةَ)، وربّما يفسر بإتيانها بتمام شرائطها وآدابها، وعلى كلّ تقدير فهي صلة الناس بينهم وبين الله تعالى.
2. (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) التي هي صلة السلطة بينها وبين الناس، فهؤلاء لا تدفع بهم القدرةُ إلى اللّهو واللعب، بل إلى العبادة وسدّ خلّة الناس.
3. (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ): أي أشاعوا المعروف بين الناس بتبليغه.
4. (وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) الذي يُفسد المجتمع.
والأخيران دعامتان قويّتان لبناء مجتمع إلهي، إذ بهما يتقوّم سلوك الناس وتشرق حياتهم بالاستقامة.
وفي نهاية الآية يقول سبحانه:(وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ): أي مرجع الأُمور إلى حكمه تعالى وتقديره، وفيه تأكيد لوعده سبحانه بنصر المؤمنين وخذلان أعدائهم، وقال سبحانه في موضع آخر: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(1).

الآية الثانية

قال سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).(2)

1 . الأعراف:128.
2 . آل عمران:110.

صفحه 126

المفردات

كنتم: ذكر المفسرون فيه وجوهاً، أظهرها أنّه مجرّد عن الزمان، فالمعنى: وجدتم، وبتعبير آخر أنتم خير أُمّة.
أُخرجت: الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالى:(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)(1): أي بصوغه عجلاً جسداً. ومنه يُعلم معنى قول المحدّثين:(أخرج فلان عن ابن عباس) أي أظهر الحديث منه.
الفاسقون: الفسق: الخروج، يقال: فسقت التمرة أي خرجت عن غلافها، وأُريد الخارجون عن الطاعة، ويشمل الكافر والمسلم العاصي.

التفسير

قوله سبحانه:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ): أي أنتم خير أُمّة ظهرت للناس عبر قرون مضت، وذلك لأنّكم متحلّون بصفات ثلاث:
1. (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ): أي ما هو جميل عقيدة وعملاً.
2. (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): أي كلّ ما هو مرغوب عنه عقلاً وعرفاً.
3. (وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) إيماناً حقيقياً، منزّهاً عن التشبيه والتجسيم.
ثمّ هل المراد أهل العصر النبوي؟ فيكون الصحابة أفضل أُمّة من الأُمم مع رسولها، أو أنّها خطاب لكلّ المسلمين عبر الزمان؟ الظاهر هو الثاني لأنّ الخطابات القرآنية من قبيل القضايا الحقيقية، لا تختصّ بزمان دون زمان، نظير الخطابات الواردة في الكتب المؤلّفة. وعلى ذلك فالأُمّة الإسلامية عبر القرون بما

1 . طه:88 .

صفحه 127
أنّ القائمين فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر من سائر الأُمم، فقد فُضلوا بذلك. ويدلّ على ذلك(أنّهم أكثر بالقيام بالفريضتين من سائر الأُمم وبالأخصّ من اليهود) قوله سبحانه: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(1): أي لم يكن ينهى بعضهم بعضاً، ولا ينتهون أي لا يكفّون عمّا نهوا عنه، وقال سبحانه:(لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ)(2).
نعم ربما يوجد بينهم مَن يقوم بهاتين الوظيفتين كما هو الحال في أصحاب السبت حيث جاء فيها: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ
أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
)(3) فالآية
تدلّ على وجود مَن كان يعظ القوم وينهاهم لكن كانوا أقلّية. وأمّا الأُمّة الإسلامية فالأمر بالمعروف كان أمراً شاخصاً حيث إنّ قسماً منه قائم بهذا الأمر بالسلطة والقوّة.
ثمّ إنّ الجمل الثلاث (تَأْمُرُونَ)، (تَنْهَوْنَ)، (تُؤْمِنُونَ) إخبار لغرض الإنشاء، أي يجب على الأُمّة تلك الأُمور، ولذلك عدّت الآية من دلائل وجوب الأمرين.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ

1 . المائدة:79.
2 . المائدة:63.
3 . الأعراف:164.

صفحه 128
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(1)

المفردات

منكم: يحتمل أن تكون «من» للتبيين كما يحتمل أن تكون للتبعيض، ولذلك سبّب الاختلاف في معنى لفظة «من» الاختلاف في أنّ الأمر بالمعروف واجب على الأعيان أو على جمع خاص.
أُمّة: مشتق من «الأَم» الذي هو القَصد، وفي اللغة تستعمل على وجوه، وأُريد هنا الجماعة التي يجمعها غرض واحد.
المعروف: اسم لكلّ فعل يُعرف بالعقل أو بالشرع حُسنه. والأولى تبديل «فعل» إلى «شيء» ليشمل العقيدة والمعارف.
المنكر: ما ينكر بالعقل أو بالشرع.

التفسير

هذه الآية على خلاف الآية السابقة، تخصّص الدعوة إلى الخير بجماعة، فتقول: مكان:(خَيْرَ أُمَّة)، (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)، وستوافيك كيفية الجمع بين مفاد الآيتين. ثمّ إنّ التكليف المتوجّه إلى هذه الجماعة عبارة عن الأُمور التالية:
1. (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) ولعلّه أمر جامع بين الأمرين الأخيرين، أعني:
2. (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ): أي يُرغّبون في فعل كلّ فعل ينبغي أن يفعل أو أمر يعتقد.

1 . آل عمران:104.

صفحه 129
3. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): أي يُرغّبون في ترك ما لا ينبغي فعله.
ثمّ إنّ قوله: (وَأُولَئِكَ): أي القائمون بهاتين الفريضتين الكبيرتين (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) في الدنيا والآخرة، أمّا الدنيا حيث إنّ صلاح الفرد لا ينفكّ عن صلاح المجتمع. وأمّا الآخرة فلأنّهم مأجورون ومثابون.

صفحه 130
أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
               2

هل الفريضة واجب عيني أو كفائي؟

أسئلة وأجوبة

السؤال الأوّل: كيف يمكن الجمع بين الآيتين فالآية المتقدّمة(الحج:40) جعلت الأمرين من وظائف المجتمع كلّه، والآية الثانية(آل عمران:110) جعلتهما من وظائف مجموعة معيّنة؟
وبعبارة أُخرى: الآية الأُولى تدلّ على كونهما من وظائف الأعيان، والآية الثانية تدلّ على أنّها وظيفة جمع خاص.
الجواب: الجمع بين الآيتين واضح لأنّ قسماً من الفريضتين من وظيفة الأعيان كالإنكار في القلب والإرشاد باللسان، وقسم منهما من وظائف الحكومة الإسلامية، كإجراء الحدود، ومنع المتجرّئ من التمادي في المعصية.
فالآية الأُولى ناظرة إلى القسم الأوّل وهي وظيفة الأعيان، والآية الأُخرى ناظرة إلى القسم الثاني، فإنّ إجراء الحدود من وظائف مجموعة خاصّة، أعني: مَن له السلطة أي الحكومة; ويؤيّد ذلك ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سمعته يقول، وسُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل له: ولِمَ؟ قال:«إنّما هو على القوي المطاع، العالم

صفحه 131
بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ يقول من الحقّ إلى الباطل، والدليل على ذلك كتاب الله عزّ وجلّ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فهذا خاصّ غير عام، وكما قال الله عزّ وجلّ: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)(1) ولم يقل: على أُمّة موسى ولا على كلّ قومه، وهم يومئذ أُمم مختلفة».(2)
فإن قلت: أي فرق بين القول بوجوبهما على الأعيان أو على جمع خاص، وبين القول بوجوبهما عيناً أو كفاية، فهل هنا مسألتان أو مسألة واحدة بتعبيرين؟
قلت: هنا مسألتان لكلّ ملاكها، فإنّ محور البحث في المسألة الأُولى هو توجّه التكليف إلى عامّة المكلّفين، أو فريق خاص منهما كأصحاب السلطة والقدرة، وهذا ما يعبّر عنه بوجوبهما على الأعيان أو على فريق خاص.
ثم لو قلنا بوجوبها على الأعيان في غير ما يجب على أصحاب السلطة والقدرة، تطرح مسألة أُخرى، وهي هل وجوبهما عيني، بحيث يطلب من كلّ مكلّف وإن قام به الآخر كالصلاة والصوم؟ أو على نحو لو قام به الآخر وحصل الغرض يسقط التكليف عن الآخرين، وهذا يعبّر عنه بالوجوب العيني أو الكفائي؟ فالمسألة الثانية من شؤون القول بوجوبها على الأعيان.
ذهب الشيخ الطوسي في «الاقتصاد» إلى أنّهما من فروض الأعيان،(3) أي يجب على كلّ المكلّفين ولا يسقط وجوبهما بفعل الآخرين، واختاره ابن

1 . الأعراف:159.
2 . الوسائل:10، الباب2 من كتاب الأمر والنهي، الحديث 1.
3 . لاحظ: الاقتصاد:147.

صفحه 132
حمزة(1)، وحُكي عن السيد المرتضى أنّهما من فروض الكفاية.(2)
واستدلّ القائلون بأنّهما من فروض الأعيان بالعمومات المتوجّهة إلى عامّة الناس، نظير قوله سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).(3)
أقول: الحقّ التفصيل، فإنّ للأمر بالمعروف مراتب:
1. إنكار المنكر بالقلب وتحريم الرضا به ووجوب الرضا بالمعروف. روى الكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«حسب المؤمن غيراً إذا رأى منكراً أن يعلم الله عزّ وجلّ من قلبه إنكاره».(4)
لا شكّ أنّه واجب عيني لا يسقط بفعل الآخرين.
2. الأمر والنهي باللسان، فقد تضافرت الروايات على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، روى سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(5) كيف نقي أهلنا؟ قال: «تأمرونهم وتنهونهم».(6)
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام):«مَن ترك إنكار المنكر بقلبه ولسانه فهو ميّت الأحياء».(7)

1 . لاحظ: الوسيلة:107.
2 . لاحظ: مختلف الشيعة:4/457.
3 . الحج:41.
4 . الوسائل:11، الباب5 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
5 . التحريم:6.
6 . الوسائل:11، الباب9 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
7 . الوسائل:11، الباب9 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.

صفحه 133
لا شكّ أنّه واجب كفائي إذا قام به شخص، سقط عن الآخرين، نعم لو قامت القرينة على أنّ مرتكب المنكر ربما لا ينتهي إلاّ إذا تضافر الأمر أو النهي، فيكون واجباً عينيّاً على الآخرين.
السؤال الثاني: إنّ دلالة هذه الآيات على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمر واضح، إلاّ أنّه ربما يتصوّر التعارض بينها وبين الآية التالية، أعني قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1).
الجواب: أنّ الآية ليس لها صلة بالموضوع فإنّها ناظرة إلى أنّ لكلّ شخص حساباً خاصّاً ولا يحاسب بعمل غيره كما في آية أُخرى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(2)، فيوم القيامة يحاسب كلّ إنسان حسب عمله، فأين ذلك من وجوب الأمر بالمعروف وكبح جماح الفاسق عن التظاهر بالمعصية؟
وبعبارة أُخرى: إنّ الآية ناظرة إلى المجتمعات الفاسدة الغارقة في الفساد والانحراف، فإنّ الطريق الوحيد لإصلاحها هو الابتداء بإصلاح الذات وعدم توقّع أي إصلاح للغير قبل ذلك، وأن لا يترك إصلاح نفسه بحجّة أنّ المجتمع فاسد، وإليه يُشير قوله سبحانه: (لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)(3).
ويؤيّد ذلك قول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» فقيل: يا رسول الله مَن الغرباء؟ فقال: «الذين يصلحون إذا

1 . المائدة:105.
2 . الأنعام:164.
3 . المائدة:105.

صفحه 134
أفسد الناس من بعدي سنّتي».(1)
السؤال الثالث: إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينافي الحرية التي هي من أماني الشعوب المتحضّرة؟
والجواب: أنّ الحرية على قسمين:
1. الحرية المنتهية إلى الفوضى في المجتمع من دون اعتراف بقانون بشري أو سماوي، فهذا النوع من الحرية مرفوض عقلاً وشرعاً لأنّه أشبه بالحرية السائدة في الغابة.
2. الحرية المحدّدة بالقوانين، وهذه هي أُمنية كلّ إنسان متحضّر، لكن الأمر بالمعروف لا ينافي تلك الحرية، بل هو دعوة للعمل بالقانون ودعوة عامّة الناس للالتزام به، ولا تجد على البسيطة مَن يكون حرّاً من جميع الجهات، وإلاّ يكون وضع القوانين أمراً لغواً، ولذلك نرى أنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) يشبّه المجتمع بسفينة ذات طبقتين وبين أهلها تخاصم فيريد سكان الطبقة السفلى ثقب تلك الطبقة من السفينة بحجة أنّهم يثقبون ما يتعلق بهم، فقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ هؤلاء:«فإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً».(2)
وفي رواية أُخرى قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلاّ عاملها، فإذا عمل بها علانية ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامّة».(3)

1 . سنن الترمذي:4/129; جامع الأُصول:10/212.
2 . مسند أحمد:4/268.
3 . الوسائل:11، الباب4 من أبواب الأمر والنهي، ذيل الحديث1.

صفحه 135
أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
               3

الفريضتان في الشرائع السالفة

يظهر من غير واحدة من الآيات وجود الفريضتين في الشرائع السابقة نذكر منها ما يلي:
1. يصف سبحانه النبي إسماعيل(عليه السلام) بقوله:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)(1).
2. يحكي سبحانه عن لقمان الحكيم أنّه يوصي ابنه بالأمر بالمعروف ويقول: (يَا بُني أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)(2).
3. يصف سبحانه قسماً من أهل الكتاب بقوله:(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).(3)

1 . مريم:54ـ55.
2 . لقمان:17.
3 . آل عمران:113ـ114.

صفحه 136
4. يصف سبحانه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بصفات مختلفة ويعرّفه بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ) من له هذه الصفات:
أ. (الرَّسُول) ب.(النَّبيّ)، ج. (الأُمّي).
د. (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ).
هـ . (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).
و. (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).
ز. (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).(1)
إلى هنا تمّت دراسة الآيات التي يستفاد منها الوجوب.
بقي هنا بحث آخر وهو دراسة شرائط وجوب الأمر والنهي، إلاّ أنّها غير مذكورة في الذكر الحكيم، وإنّما ذكرها الفقهاء في كتبهم، والمتكلّمون في فصل المعاد، ولا بأس بالإشارة إليها.

1 . الأعراف:157.

صفحه 137
أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
               4

في شروط النهي عن المنكر

قال المحقّق: ولا يجب النهي عن المنكر، ما لم تكمل شروط أربعة:
الأول: أن يعلمه منكراً، ليأمن الغلط في الإنكار.
الثاني: وأن يجوز تأثير إنكاره، فلو غلب على ظنّه، أو علم أنّه لا يؤثّر، لم يجب.
الثالث: وأن يكون الفاعل مُصِرّاً على الاستمرار، فلو لاحَت منه إمارة الامتناع أو أقلع عنه، سقط الإنكار.
الرابع: ولا يكون في الإنكار مفسَدَة، فلو ظنّ توجّه الضرر إليه ]أو إلى ماله[، أو أحد من المسلمين، سقط الوجوب.(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره من الشروط الأربعة شرط لكلتا الفريضتين أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتخصيص المحقّق النهي بهذه الشروط لا يظهر وجهه.(2)

1 . شرائع الإسلام:1/342.
2 . لاحظ: مسالك الأفهام:1/129.

صفحه 138
وقد بسطنا الكلام حول هذه الشروط في كتابنا:«الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية».(1)
ثمّ إنّ الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء(رحمه الله) ذكر هنا أربعة عشر شرطاً، وإليك ما ذكره، قال: ويجب الأمر بالواجب والنهي عن المحرّم وجوباً نهائياً بشروط أربعة عشر:
أحدها: التكليف، بجمع وصفي البلوغ والعقل حين الأمر والنهي.
ثانيها: العلم بجهة الفعل من وجوب وحرمة، ومع الاحتمال يدخل في السنّة للاحتياط.
ثالثها: إمكان التأثير، ومع عدمه يلحق بالسنّة.
رابعها: عدم التقيّة ولو بمجرّد الاطّلاع.
خامسها: عدم ترتّب الفساد الدنيوي على المأمور أو غيره بسببه.
سادسها: عدم مظنّة قيام الغير به.
سابعها: مظنّة الوقوع ممّن تعلّق به الخطاب.
ثامنها: ألاّ يتقدّم منه أو من غيره خطاب يظنّ تأثيره.
تاسعها: عدم البعث على ارتكاب معصية أو ترك واجب للمأمور أو غيره بسببه.
عاشرها: عدم ترتّب نقص مخلٍّ بالاعتبار على الآمر.
حادي عشرها: فهم المأمور مُراد الآمر.

1 . لاحظ: الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية:3/425ـ 446.

صفحه 139
ثاني عشرها: ضيق الوقت في الوجوب الفوري.
ثالث عشرها: عدم معارضة واجب مضيّق من صلاة ونحوها.
رابع عشرها: كون المأمور ممّن يجوز له النظر إليه أو اللّمس له إذا توقّف عليهما.
ولا يجب على الله شيء منهما بطريق الإلجاء; لقبح الإلجاء منه، ولفوات ثمرة التكليف.(1)
ثمّ إنّ هذ الشروط تختص للأمر والنهي الفردي، وأمّا إذا قام بهما من لهم السلطة والقدرة، فكثير منها غير مطروح في حقّهم.

1 . كشف الغطاء:4/429.

صفحه 140
أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
               5

حكم التقية في الذكر الحكيم

جعل الفاضل المقداد البحث في التقية ذيلاً لكتاب الجهاد(1)، ولعلّ وجهه أنّ التقيّة سلاح الضعيف في مقابل العدو الغاشم الذي لا يرحم مخالفه، وهو مجهّز بكلّ وسائل القوّة والبطش والظلم ولا يملك الضعيف سلاحاً إلاّ التقيّة، وعلى كلّ تقدير فالتقيّة من الأُصول القرآنية التي جاءت في غير واحدة من الآيات.

الآية الأُولى

قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(2)

المفردات

أُكره: الإكراه هو الفعل أو القول الصادر بضغط من عامل خارجي، وأُريد به

1 . لاحظ: كنز العرفان:1/393 وما بعدها.
2 . النحل:106.

صفحه 141
هنا التلفّظ بكلمة الكفر بضغط ممّن بيده القوّة.
مطمئنّ: من الاطمئنان، وهو سكون النفس بعد انزعاجها.
شرح بالكفر صدراً: اعتقده وطاب به نفساً.

التفسير

تفسير الآية رهن بيان إعراب مفرادتها وفقراتها:
قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) أنّ لفظة «من» مبتدأ، لم يُذكر خبره، وهو مقدّر يُعلم من قوله سبحانه: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) الذي هو خبر لقوله: (مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا). ويصير تقدير الآية بالنحو التالي:
من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله.
ولكن مَن شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله.
ثمّ إنّ قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ) مستثنىً من قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ).
إذا عرفت ذلك فلنفسّر الآية:
قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ): أي خرج من خيمة الإسلام ودخل في ظلمة الكفر (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ).
قوله سبحانه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) استثناء لمن أُجبر على التلفّظ بالكفر، غير أنّ قلبه ممتلئ بالإيمان وهذا بعيد عن غضب الله، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا): أي امتلأ قلبه بالكفر فيجزى بجزائين:
1. (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ).
2. (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

صفحه 142
فالآية بصدد تهديد فريقين:
1. مَن ارتد عن الإيمان بعد دخوله فيه.
2. مَن كفر وبقي على كفره.
وفي الوقت نفسه يسمح للمُكره إظهار الكفر مجاراة للكافرين خوفاً منهم بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان.
ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمّه سميّة، وقُتل الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأعطاهم عمّار ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّار بذلك رسول الله، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال رسول الله:«كلاّ إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه». وفي ذلك نزلت الآية، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».(1)
وقد روى العوفي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عمّار حين عذّبه المشركون حتى يكفر بمحمد، فوافقهم على ذلك مكرهاً وجاء معتذراً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئن بالإيمان، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إن عادوا فعد». وقد ذكر المفسّرون بعض ما روي في هذا الصدد.(2)
ومورد الآية هو الاتّقاء من المشرك، وسوف يوافيك أنّ المورد غير

1 . مجمع البيان:6/233.
2 . لاحظ: تفسير ابن كثير:2/587; تفسير الدر المنثور:4/132.

صفحه 143
مخصّص، فلو كان حال الحاكم المسلم مثل الحاكم الكافر تجوز التقيّة أخذاً بالملاك وهو صيانة النفس والنفيس من الهلاك.
وفي نهاية المقام أنّ قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) استثناء منقطع; لأنّ المستثنى منه قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ): أي قلباً، والمستثنى من آمن قلباً وتكلّم بكلمة الكفر، ولذلك لمّا جاء عمّار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يبكي فسأله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وراءك؟» قال: شرّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت»، ونزلت الآية.(1)

الآية الثانية

قال سبحانه: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ).(2)
المفردات
يتّخذ: الأخذ حوز الشيء وتحصيله، وهو يصدق بالتحصيل مرّة، ولكن أُريد في المقام بقرينة حالية، الاستمرار.
أولياء: من الولاية، والأصل فيها تولّي الأمر كما في ولاية أمر الصغير والمجنون، أي مَن يملك تدبير أُمورهم وأُمور أموالهم، ثمّ يستعمل في مورد

1 . مجمع البيان:6/233ـ234.
2 . آل عمران:28.

صفحه 144
الحب بمناسبة بينه وبين المعنى الأصلي; لأنّ كثيراً من المتحابّين يتصرّفون في أُمورهم.
دون المؤمنين: غير المؤمنين.
فليس من الله: أي ليس ممّن ينتسب إلى الله.
تقاة: مصدر اتّقى، وأصلها وقاة إلاّ أنّ الواو المضمومة أُبدلت تاء استثقالاً لها.
نفسه: أُريد ذاته العظيمة. وإطلاقه على الله من باب المشاكلة.

التفسير

قوله سبحانه: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)ظاهر في النهي عن تولّي الكافرين، مكان المؤمنين، وهذا يتصوّر بإحدى الصورتين التاليتين:
1. أخذهم أولياء يتولّون أُمور المؤمنين فيكونون سادة والمؤمنون عبيداً لهم، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الاتّخاذ كفر وإلحاد.
2. حبّهم وودّهم المؤثّر على أعمال الإنسان وأفعاله.
وبما أنّ اتّخاذ الكافر وليّاً ـ بإحدى الصورتين ـ مؤثّراً في مصير المؤمن أمر محظور، هدّد سبحانه الموالين بوجوه ثلاثة:
1. (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء) ولعلّه كناية عن بعد الإنسان عن الله تعالى وانقطاع صلته بالله فكأنّه يكون كافراً كما يقول سبحانه: (وَمَنْ

صفحه 145
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)(1) إمّا موضوعاً كما في الصورة الأُولى، أو منهم حكماً كما في الحب المفرط الذي يؤثّر على فكر الإنسان وعمله.
نعم ربّما تُلجئ الظروف بعض المؤمنين إلى التظاهر بالحب دفعاً لشرّهم وصوناً لأنفسهم عن أضرارهم، فهذا مستثنى عن المنهي عنه كما يقول:(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) وبما أنّ هذه الموالاة صورية يكون الاستثناء منقطعاً، ومعنى الآية بأنّه ليس لكم تولّي الكافرين إلاّ أن تتّقوا ضررهم وتصونوا أنفسكم وأموالكم بموالاتهم. والآية من أدلّة جواز التقية .
وقد تقدّم أنّ موالاة الكافرين ذات أضرار خطيرة تسلب من المسلمين سيادتهم واستقلالهم ويؤثّر في سلوكهم الديني، عاد البيان القرآني يهدّدهم مرة ثانية.
2. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) يطلق التحذير ويراد به الاحتراز من أمر مخيف، فتارة يكون الأمر المخيف هو العذاب كما يقول: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)(2)، وأُخرى الأشخاص كقوله سبحانه: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)(3) وهناك جعل سبحانه الأمر المخوف نفسه، وكأنّه ليس بينه وبين عذابه سبحانه أي حائل. ففي التحذير عن الله نفسه مكان التحذير عن عذابه، تهديد عظيم للموالي.
3. (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) وهذا هو التهديد الثالث فلا مهرب منه، وفيه أيضاً تهديد عظيم لأمر الموالاة فقد هدد سبحانه في هذه الآية الموالين بأُمور ثلاثة، كما مرّ.

1 . المائدة:51.
2 . الإسراء:57.
3 . المنافقون:4.

صفحه 146

الآية الثالثة

قال سبحانه:(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا).(1)

المفردات

اعتزلتموهم: الاعتزال: التنحّي عن الأمر. وسمّي عمرو بن عبيد وأصحابه معتزلة، لمّا اعتزلوا حلقة الحسن البصري.
فأووا إلى الكهف: أي سيروا إليه واجعلوه مأواكم.
مرفقاً: من الرفق بمعنى اليُسر واللطف.

التفسير

إنّ قصة أصحاب الكهف معروفة لا تحتاج إلى بيان وتفسير، فقد كانوا يعيشون مع الوثنيّين مدّة، بعدما آمنوا بربّهم وشملتهم الهداية الإلهية تقيّة، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه:(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) فإنّ الاعتزال فرع أن يكون القوم معهم في حلّهم وترحالهم أي مخالطين لهم.
فعاشوا مدّة في تلك الظروف بالتقية إلى أن عزموا على مواجهة ضغط المجتمع بالخروج عليهم (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا).(2)

1 . الكهف:16.
2 . الكهف:14.

صفحه 147
ثمّ الظاهر أنّ مفاد الآية كلام كبيرهم وأعقلهم.
هذا هو حال أولياء الله يختارون المكان المظلم الموحش ويفضّلونه على القصور الزاهرة المؤنسة لحفظ إيمانهم وعقيدتهم، وصيانة نفوسهم من الرذائل والآثام، ولذلك نرى أنّ يوسف(عليه السلام) آثر السجن على البقاء في القصر بثمن باهظ يدفعه من إيمانه واستقامته، وهو الاستجابة للقيام بالعمل المنكر، قال سبحانه حكاية عنه:(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)(1).

الآية الرابعة

قال سبحانه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ).(2)

المفردات

رجل مؤمن: يحتمل قويّاً أنّه كان من قرابة فرعون وخاصّته، وقيل: إنّه ابن عمّ فرعون، وهو الذي أنجى بمشيئة الله تعالى موسى(عليه السلام) من القتل، كما في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)،(3) وهذا قبل أن يُبعث موسى بالرسالة،

1 . يوسف:33.
2 . غافر:28.
3 . القصص:20.

صفحه 148
كلّ ذلك بناء على وحدة الرجلين مصداقاً في كلتا الآيتين.

التفسير

ثمّ شخصان من آل فرعون قد آمنا بدعوة موسى(عليه السلام)، وكان لهما دور مؤثّر فيما جرى من أحداث، وهما: آسية زوج فرعون، وأحد أقربائه المعروف بمؤمن آل فرعون، وكان يُبطن الإيمان ويظهر الكفر عملاً بالتقية، لأنّه لو أظهر الإيمان لقُتل، ومن المعلوم أنّه لو بقي حيّاً لانتفع بوجوده موسى(عليه السلام) والمؤمنون أكثر، وهذه هي التقية التي جاء بها القرآن الكريم وأفتى بها الفقهاء صيانة للنفس والنفيس.
وقد عمل بها مؤمن آل فرعون، وذكر القرآن قصّته ليكون إسوة للآخرين.
إذا تبيّن ذلك فلندخل في تفسير الآية.
لمّا عزم فرعون على قتل موسى(عليه السلام) حاول مؤمن آل فرعون دفع الشرّ عنه، وعرض مقاله بصورة النصح لفرعون وملأه:(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) وهنا قد وصف القرآن الرجل بوصفين:
أ. أنّه من آل فرعون لا من بني إسرائيل.
ب. أنّه يكتم إيمانه، ليحقّق بذلك مآربه، قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ) والاستفهام إنكاري يريد أن يُفهم أنّه لا يجوز في منطق العقل قتل إنسان بحجّة إيمانه بالله، خصوصاً إذا كان إيمانه مقروناً بالدلائل والبيّنات، كما قال: (وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) التي تدلّ على صدق دعواه (مِنْ رَبِّكُمْ).
وأضاف أنّه لو افترضنا أنّه كاذب في دعوته، فوَبال ذلك عليه وحده، كما

صفحه 149
قال: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وقدّم هذا الاحتمال على الاحتمال الآخر للتلطُّف، لا أنّه كان شاكّاً في صدقه. ثم أضاف بأنّه في الوقت نفسه يحتمل أن يكون الرجل صادقاً في دعوته، كما يقول: (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ) وهذا القول مبالغة منه في التحذير، فإنّه إذا حذّرهم من بعض العذاب أفاد أنه مُهلكٌ مَخوف، فما بال كلّه؟ ثمّ إنّ ترديد الأمر بين الأمرين إظهار للإنصاف وعدم التعصّب.(1)
ثمّ إنّه عقّب كلامه السابق بقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)والظاهر أنّه يرجع إلى الشقّ الأوّل من كلامه ـ أعني: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) ـ فهو يُريد أن يُبيّن أنّ الله لا يترك في هذه الدنيا المسرف المتجاوز الحدّ في المعصية والكذب على ربّه.
بقي هنا كلام، وهو: ربما يقال إنّ الاستدلال بالآية الثالثة (حول أصحاب الكهف) والآية الرابعة، فرع كون عمل هؤلاء حجّة في حقّنا.
والجواب واضح وهو أنّ مَن نظر إلى مفاد الآيتين وما حولهما من الآيات يقف على أنّه سبحانه بصدد مدح أعمال هؤلاء وأقوالهم، ومعنى ذلك أنّه كذلك في الأُمّة الإسلامية أيضاً.

مكانة أبي طالب نفس مكانة أصحاب الكهف

إنّ مكانة أبي طالب(رحمه الله) الذي كان يعيش في مجتمع وثني جاهلي، هي منزلة أصحاب الكهف، فقد كان يتلطّف معهم ظاهراً، ولكنّه كان يعاديهم باطناً وحقيقة.

1 . انظر: تفسير المراغي:24/65.

صفحه 150
وفي رواية عن الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ جبرئيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام، ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتّى آتته البشارة من الله بالجنة».(1)
فإن قلت: إنّ في ديوان أبي طالب وما نقله أصحاب السير منه(رحمه الله) ما يدلّ على أنّه كان يصدع بالحق ويظهر إيمانه لاخصائه نظير قوله:
ليعلم خيار الناس أنّ محمداً *** نظير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمر الله يهدي ويعصم(2)
قلت: الجواب بوجهين:
1. لعل قصائده هذه كانت في أواخر عمره، الذي تبيّن للقريب والبعيد أنّه يحمي ابن أخيه إيماناً بدينه، لا لقرابته منه.
2. يمكن أن تكون قصائده مودعة عند المؤمنين.
***
هذه هي الآيات التي استدلّ بها على جواز التقية بل على وجوبها، غير أنّ هنا سؤالاً مهماً نطرحه مع جوابه.

مورد الآيات اتّقاء المسلم من الكافر

ربما يقال: إنّ مورد تلك الآيات المذكور هو اتّقاء المسلم من الكافر لا اتّقاء

1 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث17.
2 . أعيان الشيعة:4/121.

صفحه 151
المسلم من المسلم، فلا تشمل اتّقاء الشيعي من السنّي، ولا العكس.
الجواب: أنّ المورد ليس مخصّصاً والغرض من تشريع التقية هو صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتلي المسلم من أخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي في إيذاء الطرف الآخر، ففي تلك الظروف الحرجة لا مناص للمسلم الضعيف من اللجوء إلى التقية لصيانة نفسه ونفيسه، وهذا ممّا صرّح به علماء الإسلام في تفسير الآية، ونقتصر بثلاث كلمات لأقطاب التفسير:
1. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه:(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): ظاهر الآية على أنّ التقيّة إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي: أنّ الحالة بين المسلمين اذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين، حلّت التقيّة محاماة عن النفس.
وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
2. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولابرح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال في

1 . تفسير الرازي:8/14 في تفسير الآية.

صفحه 152
ذلك العصر الأوّل:«حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».(1)
3. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ):(2) ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم، لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يُعدّ هذا من المولاة المنهيّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وقى المؤمن به عرضه فهو صدقة».(3)
***
تمّ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1 . محاسن التأويل:4/82 . ومعنى ذلك أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب ـ أي بثّ حديث الرسول ـ تقية وحفظاً لنفسه.
2 . النحل:106.
3 . تفسير المراغي:3/136.

صفحه 153

الفصل التاسع:

المكاسب المحرّمة في الذكر الحكيم

1. التطفيف.
2. الرشوة .
3. أكل الميتة والدم و....
4. التكسّب بالأُمور الأربعة.
5. الربا.
6. حكم الرقص في الكتاب والسنّة الشريفة .
7. الغناء.

صفحه 154
 

صفحه 155
المكاسب المحرمة
         1

التطفيف

إنّ الإسلام حثّ على التكسّب بالأُمور الحلال، وفي الوقت نفسه نهى عن التكسّب بأُمور حرام، وقد ذُكر قسم من الأُمور المحرّمة في القرآن الكريم وقسم كثير منها في السنّة، ونحن نقتصر على دراسة ما ورد من القسم الحرام في الذكر الحكيم طبقاً للحروف الهجائية.

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).(1)
المفردات
ويل:أي هلاك عظيم.
للمطفّفين: المطفّفين: من التطفيف وهو البخس والنقص في الكيل والوزن، والطفيف بمعنى النزر اليسير، سُمّي البخس بمعنى النقص طفيفاً لأنّ ما يبخس شيء طفيف أي حقير بالنسبة إلى مجموع المكيال والميزان وقال الزجاج: وإنّما قيل له مطفّف، لأنّه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلاّ الشيء اليسير

1 . المطففين:1ـ3.

صفحه 156
الطفيف.(1)
اكتالوا: من الاكتيال وهو الأخذ بالكيل.
كالوهم: أي كالوا للناس.
وزنوهم: وهو الأخذ بالوزن، أي وزنوا للناس.
يُخسرون: يقال: أخسرت الميزان وخسرته إذا نقصته في الوزن.

التفسير

روي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت، فأحسنوا. وعن ابن عباس أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قدم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فنزلت الآية في حقّه.(2)
وقد اهتمّت الشرائع السماوية السابقة بهذا الأمر كما سيوافيك، وما ذلك إلاّ لأنّ إقامة العدل في كافّة جوانب الحياة هي الغاية التي يستهدفها المنهج الإلهي، وهي قوام الحياة النظيفة الطاهرة المستقرة الآمنة، يقول سبحانه: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ).(3)
إذا عرفت ذلك فلنفسّر فقرات الآية.
قال تعالى:(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ): أي هلاك لهم; فهل هو دعاء عليهم، أو خبر

1 . مجمع البيان:10/327.
2 . مجمع البيان:10/327; تفسير الدر المنثور:6/324.
3 . الرحمن:7ـ 9.

صفحه 157
عن مصيرهم القاسي، وتحذير من التطفيف بالكيل والوزن، لأنّه نوع من أنواع الظلم الذي يلحق الفردَ والمجتمع وتجاوزٌ على ميزان العدل و الإنصاف الذي ينبغي أن يحكم حياة الناس؟ فلا شكّ أنّ في شيوع الغش والتلاعب في أمر المكيال والميزان، الذي عليه مدار معاملات الناس بشكل عام، سوف يترك آثاراً سلبية على نظام حياتهم ويزعزع أواصر الثقة التي تربط فيما بينهم.
ثمّ إنّه سبحانه يفسّر المطفّفين بقوله: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ): أي إذا أرادوا أخذ شيء لأنفسهم يستوفون لأنفسهم الكيل، ويحصلون على حقّهم كاملاً دون نقص، وإنّما لم يذكر الوزن لوجهين:
1. للاستغناء عنه بذكره في الشقّ الآخر الآتي.
2. أنّ المطفّفين هم التجّار الباعة الذين يشترون الكميات الكبيرة التي تقدّر بالكيل لأجل السهولة دون الوزن لوجود العسر فيه في ذلك الزمان، والله العالم. (وَإِذَا كَالُوهُمْ): أي كالوا للناس (أَوْ وَزَنُوهُمْ): أي وزنوا لهم (يُخْسِرُونَ): أي ينقصون حقّهم.
وبعبارة أُخرى: إذا باعوا لهم يخسرون في الكيل والوزن، فالتطفيف كان قائماً بأمرين:
1. إذا اشترى أحدهم لنفسه، يستوفي حقّه تماماً وإذا باع للغير يخسر كيلاً ووزناً.
ثمّ إنّه سبحانه يحذّرهم بقوله: (أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ): أي إنّ المطفّف لا يظن بأنّ هناك يوماً يبعث فيه الناس، وهو الذي يصفه قوله سبحانه بقوله: (لِيَوْم عَظِيم). وأمّا ما هو الهدف من البعث في ذلك اليوم العظيم، فهذا ما

صفحه 158
يبينه بقوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ): أي لأجل الحساب، فلو كان هؤلاء ظانّين بيوم الحساب لتركوا هذا العمل الذي هو من أفعال اللئام.

التطفيف مورداً أعمّ ممّا يكال ويوزن

الظاهر عدم اختصاص التطفيف بما يكال أو يوزن، بل يشمل سائر الموارد التي يقع فيها الظلم والغُبن، والبُعد عن الإنصاف، سواء في الحقوق أم في الواجبات، فمدير الشركة مثلاً، مسؤول عن إعطاء حقّ العامل، وأن يتجنّب استغلاله وغبنه، والعامل مسؤول عن أداء واجبه، بأن يتقن عمله، ولا يتهرّب منه بإضاعة الوقت في ما لا يخصّ عمله، ومثل ذلك يقال في الموظف والمعلّم والمهندس والوزير وغيرهم، فكلّ مَن اشتغل بما لا علاقة له بما تعاقد عليه، فهو مطفِّف أيضاً.
روى الطبرسي عن ابن عباس أنّه قال: الصلاة مكيال فمَن وفى، وفى الله له، ومَن طفّف قد سمعتم ما قال الله في المطفّفين.(1)

التطفيف بنفسه حرام

الظاهر من الآية وما سيوافيك من الآيات أنّ التطفيف بنفسه حرام في الكيل والوزن وكذا الإخسار في العدّ والذرع كما في فقه الراوندي.(2)
لكنّ الظاهر من المحقّق الإيرواني غير ذلك، قال: إنّ الظاهر، بل المقطوع (فيه) أنّ التطفيف بنفسه ليس عنواناً من العناوين المحرّمة، أعني: الكيل بالمكيال

1 . مجمع البيان:10/327.
2 . مفتاح الكرامة:4/91.

صفحه 159
الناقص، وكذا البخس في الميزان مع وفاء الحقّ كاملاً، كما إذا كان ذلك لنفسه، أو تمّم حقّ المشتري من الخارج، أو أراد المقاصّة منه أو نحو ذلك، كما أنّ إعطاء الناقص أيضاً ليس حراماً، بل قد يتّصف بالوجوب، وإنّما المحرّم عدم دفع بقية الحقّ إذا لم يكن الحقّ مؤجّلاً، وإلاّ لم يكن ذلك أيضاً بمحرّم، بل يكون التعجيل فيما أعطاه تفضّلاً وإحساناً.
نعم إن أظهر ـ ولو بفعله ـ أنّ ما دفعه تمام الحقّ، مع أنّه ليس بتمام الحقّ، كان محرّماً من حيث الكذب، وإن لم يظهر، لم يحرم من هذا الحيث أيضاً.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المتبادر من الدعاء على المطفِّف بالويل، أنّ التطفيف والبخس والإخسار أُمور محرّمة بنفسها، وأمّا عنوان الكذب أو عدم دفع بقية الحقّ. فهما عنوانان آخران خارجان عن عنوان البحث.
ثمّ إنّ منصرف الآية ما لو طفّف بعنوان كونه وفاءً للحقّ، ولم يضمّ إليه شيء أو لم يكن هنا تقاص، وعلى هذا فالموارد المذكورة في كلامه خارجة عن مصبّ البحث; مثلاً:
1. إذا كان الاكتيال لنفسه مع الإعراض عن الباقي أو لإتمام الحقّ خارجاً.
2. إذا كان الاكتيال لغيره ولكن تمّم حقّه من الخارج.
3. إذا كان الاكتيال لغيره ولكن له عليه حقّ يمتنع من أدائه وأراد المقاصّة فيجوز التطفيف لأجل التزاحم بين الحقّين لأهميته.
وحصيلة الكلام: أنّ الموضوع للتحريم هو التطفيف بما أنّه تمام الحقّ ولم

1 . تعليقة المحقّق الإيرواني:22.

صفحه 160
يكن كذلك ولم ينضم إليه شيء.
***

الآية الثانية

قال سبحانه:(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).(1)

المفردات

المخسرين: المنقصين.
القسطاس:الميزان ويعبّر به عن العدالة كما يعبّر عنها بالميزان قال: وزنوا بالقسطاس المستقيم.(2)
تبخسوا: البخس نقص الشيء على سبيل الظلم أي لا تنقصوا.
***

التفسير

إنّ النبي شعيباً(عليه السلام) أمر قومه بشيئين ونهاهم عن ثلاثة أُمور:
أمّا الأمر الأوّل فقال: (أَوْفُوا الْكَيْلَ).

1 . الشعراء:181ـ 183.
2 . المفردات للراغب:595، مادة «قسط».

صفحه 161
وأمّا الثاني فقال: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ).
وأمّا ما نهى عنه فهو:
1. (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ).
2. (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).
3. (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
والظاهر ـ كما سيوافيك ـ أنّ كلاًّ من النَّهيين متمّم لما سبقه من الأمر، وأمّا النهي الثالث أعني:(وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)فهو نهي عام يشمل كلّ جريمة وعمل محرّم من غير فرق بين الكيل والوزن وغيرهما.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآيات.
قوله تعالى:(أَوْفُوا الْكَيْلَ) ذكر الكيل وهو كناية عمّا يقدّر به المبيع، فيعمّ الوزن. والمعنى: إذا بعتم فكيلوا لهم الكيل والوزن كاملاً (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ): أي المنقصين.
هذا هو الأمر الأوّل، وأمّا الأمر الثاني فهو قوله: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أمر النبي شعيب أن يزِنوا للناس بالعدل في الأخذ والإعطاء، وأُريد بالقسطاس المستقيم، الميزان العدل.
هذا كلّه في الأمرين وأمّا النواهي الثلاثة فهي:
1. (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ): أي المنقصين.
2. (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ): البخس ـ كما مرّ ـ نقص الشيء على سبيل الظلم، فيحتمل أن تكون الفقرة مشيرة إلى النهي عن وصف سلعة الناس بالرداءة، بأن يقول:إنّ سلعتك رديئة ليصرف عنها الراغبين حتى يشتريها هو

صفحه 162
برخص.
3. (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) وهذه كلمة جامعة تشمل المورد وغيره كالغارة وقطع الطريق والسلب والنهب.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).(1)
هذه الآية ممّا أوصى به شعيب(عليه السلام) قومه، فكلامه هذا يشتمل على أمر ونهيين:
أمّا الأمر فقوله: (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ).
وأمّا النهيان فقوله: (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).
وقوله: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) فقد ظهر مفاد الآيات ممّا ذكرناه من تفسير ما ورد في سورة الشعراء.

الآية الرابعة

قال سبحانه:(وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).(2)
وقد ظهر تفسير الآية بما تقدّم ونُكمل البحث بذكر الفرع التالي:

1 . الأعراف:85 .
2 . هود:85 .

صفحه 163

فرع: لو آجر نفسه للتوزين فأخسر

إذا آجر نفسه للتوزين على الكيل بالمكيال التام ثم طفّف فالإجارة صحيحة، لكنّه لا يستحقّ الأُجرة، لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه.
نعم، لو آجر نفسه مقيّداً بذلك أي التطفيف تبطل الإجارة، لأنّ المبغوضية الذاتية لا تجتمع مع الإمضاء.

صفحه 164
المكاسب المحرمة
         2

الرشوة

اتّفق فقهاء المسلمين على تحريم الرشوة، ففي «جامع المقاصد» و«مسالك الأفهام»: أنّ على تحريمها إجماع المسلمين .(1)
وإليك ما يدلّ عليه من الآيات:

الآية الأُولى

قال سبحانه:(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).(2)

المفردات

أكّالون: صيغة مبالغة، أي أخّاذون له.
السحت: بمعنى الحرام، قال الراغب: السحت: القشر الذي يستأصل، ومنه السحت للمحذور الذي يلزم صاحبه العار، كأنّه يسحت دينه ومروءته، قال تعالى:(أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ): أي لما يسحت دينهم.(3)

1 . لاحظ: جامع المقاصد:4/35، مسالك الأفهام:3/136.
2 . المائدة:42.
3 . المفردات للراغب:225، مادة «سحت».

صفحه 165
فعلى هذا فالآية تدلّ على حرمة كلّ محرّم يسحت دين الإنسان ومروءته، وأمّا ما هو المراد من السحت في آيتنا، فسيوافيك في التفسير.

التفسير

إنّ الله سبحانه يصف ـ حسب ما ورد في شأن النزول ـ يهود المدينة، أو يهود خيبر، أو كليهما بوصفين:
1. (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) والفقرة تحتمل أحد معنيين:
أ. كثير السمع لكلام النبي لغاية تكذيبه.
ب. كثير السمع لما يعلمون أنّه كذب.
2. (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) وأُريد بالسحت هنا الرشوة حسب شأن نزول الآية، حيث إنّ قسماً من أحبارهم كانوا يأخذون الرشوة لتحريف حكم الله تعالى، وقد مرّ أنّ السحت اسم جامع لقسم من المحرّمات والرشوة منها.
ثمّ إنّه سبحانه يخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ وفداً من اليهود يأتونك ويسألونك عن حكم المحصن، كما يقول:(فَإِنْ جَاءُوكَ): أي للاستفتاء عن حكم المحصن، فأنت مخيّر بين أمرين:
1. (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) بما أنزل الله في التوراة.
2. (أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ).
وهذا يدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مخيّر في الحكم على غير المسلمين بين الحكم والإعراض.
ولمّا كان المقام مظنّة الضرر، إذا أعرض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، أخبر سبحانه بأنّ

صفحه 166
إعراضه عنهم لا يضرّه كما قال: (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا)، والله سبحانه ناصرك وحافظك. وأمّا إذا لم يُعرض وأراد أن يحكم بينهم، فعليه أن يحكم بينهم بالعدل (وَإِنْ حَكَمْتَ): أي اخترت الحكم (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ): أي العدل المطلق.
ثمّ إنّ الله سبحانه أتمّ الآية بقوله: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

الآيتان: الثانية والثالثة

قال سبحانه: (وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).(1)

المفردات

السحت:تقدّم تفسيره في الآية السابقة.
الإثم: الجرم.
العدوان: الاعتداء على الغير.
يصنعون: أي يعملون، وفيه إشارة إلى زعم جودة العمل.

التفسير

ترشدنا الآيتان إلى أنّ اليهود مصدر أُمور ثلاثة من المفاسد، والجميع من الأُمور المشهودة، يشهد بذلك كلُّ مَن عاشرهم، ويقول سبحانه: (وَتَرى كَثِيرًا

1 . المائدة:62ـ63.

صفحه 167
مِنْهُمْ): أي من اليهود(يُسَارِعُونَ): أي المسارعة في الأُمور الثلاثة:
1. (فِي الإِثْمِ) وهو الكذب بقرينة ما يأتي في الآية التالية التعبير عنه بـ :(قَوْلِهِمُ الإِثْمَ).
2. (وَالْعُدْوَانِ): التجاوز على حقوق المسلمين والآخرين.
3. (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) وأُريد به الرشا والربا.
ثمّ إنّه سبحانه يُقبِّح عملهم هذا ويقول: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فإنّ المرتكب لها غارق في الفساد، وبما أنّ من بين اليهود أُناس ربّانيون أو أحبار معلّمون كان عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنّهم سكتوا عن ذلك، فجاءت الآية توبّخهم على سكوتهم أمام هذه المعاصي الموبقة.
قوله تعالى: (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ): أي هلاّ ينهاهم المنتسبون إلى الرب (وَالأَحْبَارُ)معلّموهم ومرشدوهم عن هذين الأمرين: (عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ): أي الكذب ويشمل تحريف الكتاب (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) وقد ذكر في المقام من الأُمور الثلاثة الأمرين التاليين:
1. (عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ).
2. (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ).
ولم يذكر «العدوان» الأمر الثالث الذي ورد في الآية السابقة، ولعلّه أدخل العدوان تحت السحت. فسكوتهم هذا عمل شنيع كما يقول: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
ثمّ إنّ في المقام طائفتين:
1. مَن يرتكب المعاصي، وقد وصفهم في الآية السابقة بقوله: (لَبِئْسَ مَا

صفحه 168
كَانُوا يَعْمَلُونَ).
2. علماء اليهود الذين فرض عليهم إصلاح المجتمع ولكنّهم تهاونوا في أداء وظائفهم فوصفهم بقوله:(لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)ولعلّ الاختلاف في التعبير ـ حيث عبّر عن الطائفة الأُولى بـ : (يَعْلَمُونَ) وعن الثانية بـ :(يَصْنَعُونَ) ـ لأجل أنّ الطائفة الثانية أكبر إثماً من الأُولى. وذلك للفرق بين تنصّل العالم عن وظيفته، فهو أكبر ذنباً من عمل الجاهل في مجال ارتكاب الذنب. وقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ واحدٌ.(1)
إلى هنا تمّ تفسير ما ورد حول السحت من الآيات، وقد تقدّم أنّ السحت ليس بمعنى الرشوة، بل له معنى عام يشملها وغيرها، غير أنّ مورد الآيات هو الرشوة ولذلك جعلنا هذه الآيات دليلاً على حرمة الارتشاء، مضافاً إلى ما ورد حول الرشوة من الروايات، ومنها:
1. روى الكليني عن يزيد بن فرقد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن السحت؟ فقال: «الرشا في الحكم».(2)
ويظهر من بعض الروايات أنّ للسحت معنى أعم، ومنها (الرشاء).
2. روى الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه(عليهم السلام) في وصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام)قال: «يا علي: من السحت: ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر الزانية، والرشوة في الحكم، وأجر الكاهن».(3)

1 . الكافي:1/47 برقم 1، باب لزوم الحجّة على العالم وتشديد الأمر عليه.
2 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
3 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث9.

صفحه 169
وفي بعض الروايات وصف الرشا بالكفر والشرك.(1) وكأنّهم يصوّرون بأخذ الرشاء، أنّه سبحانه غير قادر على رزقهم من الحلال فصاروا إلى أكل الحرام.

الآية الرابعة

قال سبحانه:(وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(2)

المفردات

تأكلوا: كناية عن مطلق التصرّف.
بالباطل: الباء للسببية، يقابله: الحقّ: الثابت الباقي.
تدلوا: عطف على قوله: (تَأْكُلُوا)، أي لا تدلوا. والإدلاء، مأخوذ من إدلاء الدلو، وهو إرسالك إيّاها في البئر للاستقاء.

التفسير

تضمّنت الآية بيان أمرين محرّمين:

1. أكل المال بالباطل

قال سبحانه:(وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) وأُريد بالباطل كلّ تصرّف حرام، كالقمار والغصب والظلم والرشاء، وعبّر عن التصرّف بالأكل لأجل كون

1 . لاحظ: الوسائل:12، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و2 و8.
2 . البقرة:188.

صفحه 170
الأكل أقرب الأفعال الطبيعية التي يحتاج الإنسان إليها وهي أقدمها، بخلاف سائر الحاجات كاللباس والمسكن والنكاح. وبعبارة أُخرى: أنّ الأكل أهمّ الحوائج.

2. أكل المال بالرشوة

خصّ سبحانه الرشوة بالذكر، وقال: (وَتُدْلُوا): أي لا تدلوا (بِهَا): أي الأموال (إِلَى الْحُكَّامِ): أي لا ترسلوها إليهم، فلا تتوسّلوا بها إليهم (لِتَأْكُلُوا)بالتحاكم (فَرِيقًا) قطعة (مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ): أي متلبّسين به (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنّكم مبطلون، والعقوبة عندئذ أشدّ.
***
إنّ الرشوة من المحرّمات الكبيرة التي نُهي عنها في الشريعة الإسلامية نهيّاً مؤكّداً، وهي لاتختصّ بالأموال بل تعمّ غيرها، كالخياطة، أو قضاء حاجة القاضي في موضوع آخر، أو مدحه بالشعر و الخطابة؟
ثمّ إنّ الآية تدلّ على حرمة إدلاء المال إلى الحاكم أي إرساله إليه أو تقريبه منه، ولكنّه وارد مورد الغالب، والمقصود أنّ كلّ ما يُوصل إلى الغاية المحرّمة فهو حرام، فحرمة الغاية توجب سراية الحرمة إلى كلّ سبب، مالاً كان أو منفعة، أو عملاً للقاضي.

حكم الرشا في إحقاق الحق

ما يتوصّل به الإنسان إلى مطلوبه تارة يكون في طريق الحكم بالباطل الذي فيه نفعه وصلاحه، وأُخرى لأجل الحكم لصالحه حقّاً كان أو باطلاً، فلا شكّ في حرمة الرشوة في هاتين الصورتين.

صفحه 171
إنّما الكلام في الصورة الثالثة، أعني: يتوصل به ليحكم بالحقّ، فيحلّ للمعطي ويحرم على الآخذ، إذا كان قاضياً رسمياً يرتزق من بيت المال.
قال الشيخ الطوسي: وإن كان لإجرائه على واجبه لم يحرم عليه، أن يرشوه كذلك لأنّه يستنقذ ماله فيحل ذلك له ويحرم على آخذه، لأنّه يأخذ الرزق من بيت المال. وإن لم يكن له رزق كما إذا قال لهما: لست أقضي بينكما حتّى تجعلا لي رزقاً، حلّ ذلك له حينئذ عند قوم، وعندنا لا يجوز بحال.(1)
وقال ابن إدريس: إن كان على إجرائه على واجبه، لم يحرم عليه أن يرشوه لأنّه يستنقذ ماله، فيحلّ ذلك له ويحرم على الحاكم أخذه.(2)
ولكن الحقّ جواز أخذ الجُعل في هذه الصورة إذا كان القاضي محتاجاً ودار أمره بين العمل في الخارج لقضاء حوائج أهله وعياله، وبين ممارسة القضاء بين المتخاصمين، فيدور أمره بين أحد الواجبين، فله أن يطلب منهما قضاء حوائج يومه أو غده، حتى يتفرّغ للقضاء بينهما. ثمّ نحن أوضحنا حال جواز ارتزاق القاضي من بيت المال في بحوثنا فلاحظ،(3) والتفصيل في محلّه.(4)

1 . المبسوط:8/151.
2 . السرائر:2/166.
3 . راجع المواهب في تحرير أحكام المكاسب: 866 ـ 867 .
4 . لاحظ: نظام القضاء والشهادات في الشريعة الإسلامية الغراء:1/306ـ308.

صفحه 172
المكاسب المحرمة
         3

أكل الميتة والدم و...

المشهور بين الفقهاء أنّ الاكتساب ببيع الميتة وما عطف عليها من الأُمور الثمانية في الآية التالية، أمر محرّم، وقد استدلّوا على حرمة عامّة التصرّفات وراء السنة بآيتين.
والكلام في دلالتهما على المقصود سيظهر أنّ الآية لا تدلّ على أزيد من حرمة الأكل وأمّا سائر الانتفاعات فهي ساكتة عنه وإنّما يطلب حكمه عن سائر الأدلّة، ولذلك جعلنا العنوان «الأكل» لا البيع ولا سائر الانتفاعات.

الآية الأُولى

قال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِِثْم فَإِنَّ اللهَ

صفحه 173
غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

المفردات

الميتة: ما مات حتف أنفه.(2) وهو أخصّ من غير المذكّى، لأنّ الثاني يشمل ما ذكي بغير التسمية عمداً أو على غير وجه القبلة، أو كان الذابح كافراً، فإنّ الجميع غير مذكّى يحرم أكله ولكنّه ليس ميتة، فأحكام الميتة كالنجاسة لا تشمل غير المذكّى.
أُهلّ: الإهلال رفع الصوت، يقال: استهلّ الصبيّ إذا صرخ عند الولادة، وأُريد هنا ما ذبح على غير ذكر الله; بل بسم اللاّت والعُزّى.
المنخنقة: وهي التي تموت اختناقاً بحبل أو بنفسها كما إذا أدخلت رأسها في مضيق فاختنقت.
الموقوذة:ما تُضرب حتى تموت.
المتردّية: وهي التي تتردّى من مكان عال.
النطيحة:وهي التي تنطحها أُخرى حتى تموت.
ما أكل السبع: أي الحيوان المفترس، أكل البعض وترك البعض الآخر.
النصب: جمعه أنصاب، وهي الأصنام. وهي الحجارة التي كانوا يعبدونها وتُسمّى الأوثان.
بالأزلام: الأزلام: جمع زُلم، قطعة من الخشب على هيئة السهم.

1 . المائدة:3.
2 . الحتف بمعنى الموت: وكان الرأي السائد في الجاهلية أنّ الروح تخرج من الأنف.

صفحه 174

التفسير

استُدلّ أنّ قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) بإطلاقه، يدلّ على حرمة كافّة التصرّفات من الأكل والبيع والهبة وغير ذلك، غير أنّ الاستدلال لا يخلو عن ضعف.
وجه ذلك: أنّ قوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ظاهر في حرمة الأكل بقرينة ما في ذيل الآية (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِِثْم فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)والمراد من المخمصة، المجاعة، وأُريد من المتجانف، المائل إلى الإثم كما إذا تعدّى عن سدّ الجوع، كما سيوافيك في تفسير الآية الثامنة. وأمّا غير الأكل من أحكام الميتة فيرجع إلى أدلّتها في محالّها.

الآية الثانية

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

المفردات

غير باغ: فُسّر بغير باغي اللّذة.

1 . البقرة:172ـ 173.

صفحه 175
ولا عاد: غير متعدّ سدّ الجوع.

التفسير

استدلّ بالآية على حرمة التصرّفات عامّة ومنها الاكتساب، لما ورد فيها، غير أنّ الاستدلال مرفوض بوجهين:
1. ما في صدر الآية الأُولى، أعني قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) فإنّه شاهد على أنّ متعلّق التحريم هو الأكل و الانتفاع به في سدّ الجوع.
2. قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِِثْم) فهو أيضاً شاهد على ضيق المتعلّق.
نعم لحرمة الاكتساب بالأُمور المذكورة في الآيتين دلائل في السنّة، فليرجع إليها.

صفحه 176
المكاسب المحرمة
         4

التكسّب بالأُمور الأربعة

الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
التكسّب بالأُمور الأربعة: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام   
التكسّب بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام، حرام لدى فقهاء الإسلام، إنّما الكلام في دلالة الآيتين التاليتين على الحكم المزبور، وإليك البيان.

الآيتان: الأُولى والثانية

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).(1)

المفردات

قد تقدّم تفسير مفردات الآيتين في كتاب أحكام الطهارة عند الكلام في نجاسة الخمر وطهارته، فلا حاجة لتفسيرها إلاّ الازلام فإليك بيانها.

1 . المائدة:90ـ 91.

صفحه 177
الأزلام: القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها للقمار، وإليك تفسيرها.
روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين(عليهما السلام): أنّ الأزلام عشرة، سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذّ، والتوأم، والمسبل، والنافس، والحلس، والرقيب، والمعلّى، فالفذّ له سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم. والتي لا انصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد، وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزئونه أجزاء، ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له التي لا أنصباء لها، وهو القمار، فحرّمه الله تعالى.(1)

التفسير

أمّا الكلام في دلالة الآية على حرمة التكسّب بهذه الأُمور، فالظهور البدائي في جانب الخمر هو الانتفاع بالشرب، غير أنّ المتبادر من الأُمور الثلاثة: «الميسر والأنصاب والأزلام» وهو غير الشرب، وهذا يصلح لأن يكون قرينة على حرمة عامّة الانتفاعات، والآية حكمت على الجميع بالأُمور الثلاثة:
1. (رِجْس)         2. (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطان).
3. (فَاجْتَنِبُوهُ).
رجاء (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، هو حرمة الانتفاع بعامّته، خصوصاً ورود الميسر والأزلام في الآية، فإنّ الغاية منها هو حرمة عامّة الانتفاع.

1 . مجمع البيان:3/318.

صفحه 178
وإن شئت قلت: حتى أنّ المنهيّ عنه في خصوص الخمر أيضاً عامّة الانتفاع، إذ لا معنى من تحريم شرب الخمر وتحليل بيعه وشرائه وغيرهما، بل يُعدّان أمرين متناقضين.
ومنه يُعلم مفاد قوله تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)(1).
   
فإنّ تعليل التحريم بأنّ الشيطان يُريد إيقاع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر كما يُريد أن يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، يُشكل قرينة على أنّ المراد حرمة الانتفاع على وجه الإطلاق خصوصاً التكسّب، إذ لا تنسجم هذه التعابير مع تحليل التكسّب في وسط المجتمع الإسلامي.
***

1 . المائدة:91.

صفحه 179
المكاسب المحرمة
         5

الربا

تمهيد

كان الربا أمراً شائعاً في الجاهلية، فلم يكن محيص من تحريمه على
وجه التدريج شأن كلّ داء اجتماعي تجذّرت جذوره في المجتمع فلا يعالج
إلاّ ببيانات شافية حتى يتمّ الأمر على التحريم القاطع، ولذلك قد وردت في حرمته آيات أربع يختلف لحنها حسب الضعف والشدّة، ثمّ إنّ واحدة منها مكّية والبقية مدنيّات.
ينقسم الربا إلى قسمين:
1. الربا المعاوضي.         2. الربا القرضي.
فالأوّل عبارة عن بيع المتماثلين (أو مطلق معاوضة المتماثلين)بالفضل، كأن يبيع كيلو من الحنطة بكيلو من الحنطة بإضافة شيء، سواء أكانت الإضافة عينية كأن يبيع: بكيلو حنطة منضمّاً إلى درهم، أم كانت الإضافة حكميّة كما إذا باع مائة كيلو من حنطة، بمائة كيلو من حنطة وشرط معه أن يخيط له ثوباً، ومثّل لذلك ـ أيضاً ـ بما إذا كان أحد الجنسين نقداً والآخر نسيئة، وإنّما يكون كذلك إذا كان أحد الجنسين أجود من الآخر، فيدفع غير الأجود نقداً في مقابل الأجود نسيئة، فلو كانا متماثلين من جميع الجهات يصبح الأمر ديناً، ولا إشكال فيه.

صفحه 180
ثمّ إنّ الربا المعاوضي عند المشهور مختصّ بالمكيل والموزون دون المعدود والمذروع خلافاً للمختار عندنا، والحقّ كون الحكم عاماً شاملاً لمطلق المعاوضة، وقد حقّقنا الموضوع في كتابنا «الربا موضوعاً وحكماً».
وأمّا الثاني ـ أي الربا القرضي ـ فهو عبارة عن إقراض مال لشخص بشرط أن يؤدّي المقترض أزيد ممّا اقترضه، سواء اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنياً عليه.
ثمّ إنّ حرمة الربا من ضروريات الفقه لو لم تكن من ضروريات الإسلام، غير أنّ لفظ الربا في الآيات القرآنية ينصرف إلى الربا القرضي، وأمّا الربا المعاوضي فهو مستفاد من السنّة.
إذا تبيّن ذلك فلنبدأ بدراسة الآيات الواردة في هذا الصدد.

الآية الأُولى

قال تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا
عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
).(1)

المفردات

الربا: لغة بمعنى الزيادة، ويشهد على ذلك قوله في نفس الآية: (لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ): أي ليزيد بذلك أموال الناس.

1 . الروم:39.

صفحه 181

التفسير

استدلّ المفسّرون بالآية على حكم الربا القرضي، فحملوا الربا في الآية على الربا المصطلح، أي الفائدة التي يحصل عليها صاحب المال من المقترض، ولكن هذا الاستدلال بعيد من وجهين:
1. أنّ الآية مكيّة، والبيئة المكيّة لا تناسب التشريع، إلاّ أن يقال: إنّ لحن الآية لحن النصح والإرشاد، فلا ينافي كون الآية مكيّة.
2. أنّ الآية مسبوقة بآية أُخرى تأمر بالإعطاء للأرحام وذوي الحاجة، طلباً لمرضاة الله، قال سبحانه: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(1)، وبعد ذلك يقول: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ)(2) ففي السياق قرينتان على أنّ المراد من الربا هو العطية من غير نيّة القربة، وهما:
القرينة الأُولى: ما تقدّم من الآية (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) التي تحكي عن العطاء لله سبحانه.
القرينة الثانية: المقابلة بين الجملتين، فقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) يقابله قوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة)، فبما أنّ المراد من الزكاة هو الصدقة قربة إلى
الله سبحانه، يكون هذا قرينة على أنّ المراد من الربا هو العطاء بلا قصد القربة. فيكون معنى قوله: (لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ): أي ليزيدوا أموالهم بذلك،

1 . الروم:38.
2 . الروم:39.

صفحه 182
(فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ): أي لا يزيد ولا ينمو عنده (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة): أي من صدقة (تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ): أي وأُولئك الذين يضاعف لهم الثواب، فإسناد الإضعاف إليهم لأجل أنّهم قاموا بذلك الفعل القربي، فعلى هذا لا علاقة للآية بالربا المصطلح لأنّه فيها بمعنى العطية، والربا في اللغة بمعنى الفضل والزيادة.

الآية الثانية

قال تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).(1)
الآية تذمّ اليهود بعملين:
1. أنّهم ممّن سنّوا الربا وشرّعوا تحليله، كما في قوله تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا) من المستقرض (وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ)، ففي سفر الخروج: إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضع عليه ربا.(2) فبما أنّ الآية تذمّ اليهود، فتدلّ على كون هذا العمل مذموماً في الشريعتين الموسوية والمحمدية.
2. أكل أموال الناس بالباطل. ولعلّ المراد الرشا في القضاء أو تحليل الحرام لذوي الرتب العالية.

1 . النساء:161.
2 . التوراة، سفر الخروج، الفقرة 22ـ 25.

صفحه 183

الآية الثالثة

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(1)

المفردات

أضعافاً:الأضعاف جمع ضعف ـ بكسر الضاد ـ وهو معادل الشيء في المقدار، وهو يطلق على الواحد إذا كان غير معرّف بـ «ال»، وإذا أُريد الجمع جيء به بصيغة الجمع.
مضاعفة:صفة للأضعاف، وأُريد أنّ الضعف يصير ضعفاً ويزيد.

التفسير

قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) يُريد أنّه كلّما تأخّر المدين في أداء الدين عن أجل إلى غيره زيد زيادة على المال، فيُجعل الربا جزءاً من رأس المال، وهكذا إذا استمرّ التأخير يُجعل الربا جزءاً من رأس المال فربّما يزيد الربا على أصل المال، يقال: كلّما كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجداً لذلك المال، قال: زدني في المال حتى أزيد في الأجل، فربما جعله مائتين، ثمّ إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك، ثمّ إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المئة أضعافها،

1 . آل عمران:130.

صفحه 184
فهذا هو المراد من قوله: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً).(1)
ثمّ إنّه سبحانه خصّ الأكل بالذكر لأنّه معظم الانتفاع وإن كان غيره أيضاً من التصرّقات، منهيّاً عنه.

الآية الرابعة

قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).(2)

المفردات

لا يقومون:لا ينهضون.
يتخبَّطه:التخبّط: مطاوع خَبطهُ إذا ضربه ضرباً شديداً فاضطرب له، أي تحرّك تحرّكاً شديداً، ولمّا كان لازم هذا التحرّك عدم الاتّساق، أطلق التخبّط على اضطراب الإنسان من غير اتّساق.(3) وأراد بالاتّساق: التوازن.
المس: كلّ ما ينال الإنسان من أذى، نحو قوله تعالى: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ).(4)

1 . تفسير الرازي:9/2.
2 . البقرة:275.
3 . التحرير والتنوير:2/549.
4 . القمر:48.

صفحه 185
والمعنى المعروف للمس هو مسّ الجن للإنسان، يقال فيه: مس وهو ممسوس، وربما يُستعمل كصفة مدح أيضاً كما في قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تسبّوا عليّاً فإنّه ممسوس في ذات الله»(1)، وهو تعبير مبتكر للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، معناه أنّ إيمانه بلغ حدّاً كأنّ الله تعالى مسّه، فهو يستحضره ولا يعصيه.

التفسير

الآية رغم وجازتها تعلّمنا الأُمور التالية:
الأوّل: يشير الله بقوله:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)(2)، إلى أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام مَن يتخبّطه الشيطان من المس، فكما أنّ قيامه على غير استواء فهكذا آكل الربا، فالتشبيه وقع بين قيام آكل الربا وقيام المتخبّط من مسّ الشيطان، فيطرح هنا سؤالان:
1. ما هو المراد من أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام المصروع؟
2. ما هو المراد من كون التخبّط من مسّ الشيطان؟
أمّا السؤال الأوّل، فقد ذكر المفسّرون وجوهاً أوردناها في كتابنا «الربا موضوعاً وحكماً».(3)
ويمكن أن يُقال: إنّ المراد من المسّ ليس هو الصرع والجنون، وإن كان يستعمل فيه; بل أُريد في المقام من مسّ الشيطان دعوته وإجابة المرابي له، بشهادة أنّ المسّ ربّما يستعمل في هذا المعنى كما في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ

1 . المعجم الأوسط للطبراني:9/142.
2 . البقرة:275.
3 . لاحظ: الربا موضوعاً وحكماً:107ـ109.

صفحه 186
اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)(1)، أي إذا دعاهم الشيطان إلى الخلاف.
إذا تبيّن أنّ مسّ الشيطان يطلق ويراد به الدعوة إلى اللذّات والشهوات، فعلى هذا يمكن أن يقال: إنّ المراد من تخبّط المرابي إنهماكه في الاشتغال بغير الله، فهو أيضاً يتبعه فيعمل ليله ونهاره متهالكاً فيما دُعي إليه، فيكون عمله أشبه بعمل مَن اتّخذ الشيطان وليّاً، وعلى هذا فالمراد من قوله: (يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، هو الذي اتّبع الشيطان واتّخذهُ ولياً فهو يسرع وراءه من غير تفكّر في غاية عمله، فهذا المرابي يعمل ليل نهار ولا يفكّر في غاية فعله.
وأمّا السؤال الثاني فهو مبنيّ على أنّ المراد من المسّ هو الصرع، وقد مرّ أنّ المراد من مسّه الشيطان واتّخذه وليّاً، حيث لا يفكّر في غاية عمله، وعلى هذا فالسؤال ساقط.
وعلى فرض كون المراد من المسّ هو الصرع فقد قلنا في محلّه أنّ العلم له حقّ الإثبات، وليس له حقّ السلب، فالعلم وإن كشف أنّ الصرع نتيجة وجود اختلالات في الجهاز العصبي، وأمّا أنّه ليس بعد ذلك من علّة أُخرى، فليس للعلم سلب ذلك، لأنّ أدواته قاصرة عن إفادة ذلك، فهو يعتمد على التجربة، والتجربة لا تنتج إلاّ في الأُمور المحسوسة أو ما هو قريب منها، وأمّا عوالم المجرّدات كالأرواح والشياطين، فهي لم تنكشف أسرارها لنا حتى تؤكّد على عدم تأثيرها في الصرع وغيره.
الأمر الثاني: أنّ الفقرة (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) هو منطق المرابي، حيث يقول:

1 . الأعراف:201.

صفحه 187
لا فرق بين البيع والربا، فإذا كان الأوّل حلالاً فالثاني مثله. وجه الشبه أنّ البائع يبيع ما اشتراه بالأقل، بأكثر، وهكذا المرابي يقرض الأقل ويأخذ الأكثر. وبذلك يندفع ما ربما يقال من أنّ حقّ الكلام، يقال:«إنّما الربا مثل البيع». حيث إنّ القائل تصوّر أنّه من كلامه سبحانه، بل حكاية عن كلام المرابي.
الأمر الثالث: أنّه سبحانه عبّر عن تلك المغالطة بقوله: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وذلك لوجود الفرق الواضح بين الأمرين، وهو أنّه ليس على المشتري بعد دفع الثمن شيء آخر، وينتفع من المبيع عبر الزمان، بخلاف المديون، فعليه ـ وراء دفع الأصل ـ دفع الفائض في كلّ شهر.
ثمّ إنّه سبحانه يقول: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ)فالفقرة تسهّل الأمر على المرابي بالنسبة إلى ما سلف، أي يُغفر له ما اكتسب من الربا، فعن الإمام الباقر(عليه السلام): «مَن أدرك الإسلام وتاب ممّا عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف».(1)
وظاهر الآية أنّ الجاهل بالحكم لا يردّ ما أخذ، فإنّ قوله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) ناظر إلى الجاهل، وأمّا العالم، فلا يغفر له إلاّ أن يرد الربا إلى أصحابه.
ثمّ إنّه سبحانه في المقام ذيّل الفقرة المذكورة بقوله: (وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ)، ولعلّ الوجه هو ما قال بعده: (وَمَنْ عَادَ)إلى مضاعفة الربا بعد ما نزل القرآن الكريم بتحريمه (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
***

1 . التبيان في تفسير القرآن:2/360.

صفحه 188

الآيتان: الخامسة والسادسة

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ).(1)

المفردات

ذروا: أي اتركوا، مَن يذر: أي يترك، وهو من الأفعال التي لم تسمع لها صيغة الماضي، كيدعُ.

التفسير

يظهر من الآيتين أنّ جمعاً ممّن آمن بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وكانوا من المرابين لم ينتهوا عن أعمالهم، فجاء البيان القرآني ينذرهم أشدّ الإنذار ويخاطبهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إن كنتم مؤمنين حقيقة وجناناً لا لفظاً ولساناً (اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا): أي اتركوه ولا تتعرّضوا له (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فإنّ المؤمن يعمل بكل ما ورد في الكتاب العزيز بخلاف المنافق فهو يؤمن ببعض دون بعض. ولأجل إعلام الناس بأنّ هذا الحكم حكم سائد على عامّة الطوائف، قام النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بوضع ربا أقرب الناس إليه، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ألا إنّ كلّ ربا في الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».(2)

1 . البقرة:278و 279.
2 . عوالي اللآلي:2/137; تحف العقول:29، خطبة حجّة الوداع.

صفحه 189
ثمّ إنّه سبحانه لم يقتصر بالبيان السابق بل أخذ يهدّد مَن كانت له رغبة بأخذ الربا، بأشدّ التهديدات التي قلّما نجد مثلها في الذكر الحكيم وقال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا): أي لم تذروه بل أصررتم على أخذه (فَأْذَنُوا): أي فاعلموا وأيقنوا (بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ): أي بقتال من الله ورسوله، وأنّكم تستحقون القتل. روى الحلبي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «كلّ الربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنّه يقبل منهم إذا عُرفت منهم التوبة».(1)
وقد قيل للإمام الصادق(عليه السلام): إنّ فلاناً يأكل الربا ويُسمّيه اللبا؟ قال(عليه السلام): «لأن أمكنني الله منه لأضربنّ عنقه».(2)
نعم لمّا كان مال المرابي مخلوطاً بالحرام والحلال فقد منعه سبحانه من أخذ الحرام، ولكن سمح له أن يأخذ رأس ماله، وهذا من مجاري العدل الذي دعا إليه الإسلام في آيات كثيرة، وقال في المقام: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) وهذه كلمة قيّمة في الذكر الحكيم تؤدّب المسلمين بالأمرين، فهم لا يظلمون وفي الوقت نفسه لا يتحمّلون الظلم في عامّة المجالات.
إلى هنا تمّت دراسة ما ورد من الآيات حول الربا، وأمّا البحث عن الفروع وما ورد حولها من الروايات أو البحث عن الآثار السيّئة للربا على الصعيد الأخلاقي والاقتصادي، والأُمور المخلّصة من الربا، فموكول إلى محلّه، وقد قمنا بدراسة هذه الأُمور في كتابنا «الربا، موضوعاً وحكماً»، فراجع.
غير أنّا نتبرك في ختام البحث بذكر روايتين تشرح كلّ واحدة منهما ما

1 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب أحكام الربا، الحديث2.
2 . مجمع البيان:2/263.

صفحه 190
يترتّب على الربا من مفاسد أخلاقية، وهما:
1. روى الكليني في «الكافي» بإسناده عن سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرّره، فقال:«أو تدري لِمَ ذلك؟» قلت: لا، قال:«لئلاّ يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(1)
2. وروى عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إنّما حرّم الله عزّ وجلّ الربا لكي لا يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(2)
***

1 . الكافي:5/146، برقم 7.
2 . الكافي:5/146، برقم 8.

صفحه 191
المكاسب المحرّمة
         6
حكم الرقص في الكتاب والسنّة الشريفة (1)
الرقص: مصدر رقص، يرقُص، رقصاً، ويرادفه الزفْن، وعُرّف بأنّه التمايل والرفع والخفض بحركات موزونة.

أقوال فقهاء السنّة

ذهبت الحنفية والمالكية والحنابلة والقفّال من الشافعية إلى كراهة الرقص، معلّلين ذلك بأنّ فعله دناءة وسفه، وأنّه من مسقطات المروءة، وأنّه من اللهو.
وذهبت الشافعية إلى أنّ الرقص لا يحرم ولا يُكره بل يباح، واستدلّوا بحديث عائشة الآتي.
وذهب ابن تيمية إلى أنّ اتّخاذ الرقص ذكراً أو عبادة، بدعة ومعصية لم يأمر الله به، ولا رسوله، ولا أحدٌ من الأئمّة أو السلف.(2)
إنّ قوله بالتحريم مختصّ برقص الصوفية لا مطلقاً فلا يعدّ مخالفاً للآخرين.
وكثير منهم عنونوا المسألة في باب الشهادة، ولذلك نُقل عنهم اتّفاق

1 . صلة هذا البحث بالكتاب لأجل استدلال القائلين بالحرمة باللهو.
2 . راجع مصادر الأقوال في الموسوعة الفقهية الكويتية:23/10.

صفحه 192
فقهائهم على ردّ شهادة الرقّاص لأنّه ساقط المروءة، وهي شرط من شروط صحّة الشهادة. ونصّ الشافعية والحنابلة على أنّ المعتبر في إسقاط المروءة هو المداومة والإكثار من الرقص، وهو مقيّد عند الشافعية بمن يليق به الرقص، أمّا من لا يليق به فتسقط مروءته ولو بمرّة واحدة.(1)
ولذلك نرى أنّ إمام الحرمين عنون المسألة في كتاب الشهادات، قال: والرقص ليس محرم العين، وإنّما هو حركات على استقامة أو اعوجاج، ولكن كثيره يَخْرِم المروءة، كسائر أصناف اللّعب إذا كان على اختيار.(2)
فتلخّص أنّ الرقص مكروه في فقه السنّة، ولكنّه مزيل للعدالة إذا تكرّر ممّن يليق به كالشباب، وأمّا غيره فتزيل ولو بمرة واحدة.

أقوال فقهاء الشيعة

أمّا فقهاء الشيعة، فلم يولوا هذه المسألة كثير اهتمام، بخلاف السنّة، فإنّهم يذكرونها مع دراسة الغناء تارة والسماع أُخرى، ونفس الرقص ثالثاً.
أمّا مَن تعرض لها منهم فقال بحرمته لكونه من مقولة اللهو.
قال ابن إدريس ـ في ذكر المكاسب المحظورة ـ : وآلات جميع الملاهي، على اختلاف ضروبها، من الطبول، والدفوف، والزمر، وما يجري مجراه، والقضيب، والسير، والرقص، وجميع ما يطرب من الأصوات و الأغاني، وما جرى مجرى ذلك، والخبال على اختلاف وجوهه، وضروبه، وآلاته.(3)

1 . الموسوعة الفقهية الكويتية:23/10.
2 . نهاية المطلب للجويني:19/26.
3 . السرائر:2/215، باب ضروب المكاسب.

صفحه 193
وقال في «مفتاح الكرامة»: وأمّا الرقص والهلولة والرويد في غير حال الحرب، وحضُّ الرجال على القتال، فالحزم اجتنابه بل لعلّه يحرم فعله، لأنّه من اللهو أو الباطل، والحازم يجتنب الشبهات خصوصاً عند اشتباه الموضوعات.(1)
وقال صاحب الجواهر بعد أن نقل كلام «مفتاح الكرامة» من دون أن يذكر اسمه، قال: وفيه أنّه مع فرض عدم اندراجه في الغناء، يمكن فرضه فيما لا يدخل في اللعب واللهو، وأمّا مع فرض اندراجه فيه فيشكل جوازه فيه فضلاً عن غيره من الأحوال لإطلاق أدلّة النهي، بل اقترنت بمؤكّدات تقتضي إرادة جميع الأفراد على وجه أظهر دلالة من العموم اللغوي.(2)
وقال الشيخ الأنصاري: نعم، لو خُصّ اللهو بما يكون عن بطر ـ وفسّر بشدّة الفرح ـ كان الأقوى تحريمه، ويدخل في ذلك الرقص و التصفيق، والضرب بالطشت بدل الدفّ، وكلّ ما يفيد فائدة آلات اللهو.(3)
وأمّا مَن عاصرناه، فالظاهر منهم هو الاحتياط، فقد جاء في بعض الرسائل: أمّا حكم رقص المرأة للمرأة، والرجل للرجل؟ الجواب ـ بشكل عام ـ فإنّ الرقص يُعدّ منشأ للفساد، والأحوط ترك الرقص.
نعم استثنى كثير منهم رقص المرأة لزوجها، وقد أفتوا بجوازه.

الروايات المتعلّقة بالمسألة

استدلّ علماء السنّة على الجواز بحديث عائشة، قالت: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . مفتاح الكرامة:12/173.
2 . جواهر الكلام:22/51.
3 . كتاب المكاسب:2/47.

صفحه 194
جالساً فسمعنا لغطاً وصوت صبيان، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا حبشية تزفن ـ أي ترقص ـ و الصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري».(1)
ولما كان الحديث لا يناسب مقام الرسالة ويحط من عظمتها، حمل غير واحد من أهل السنة حديث رقص الحبشيه على الوثب، بسلاحهم ولعبهم بحرابهم ليوافق ما جاء في رواية:«يلعبون عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحرابهم».(2)
نعم ربما يستند من يقول بالحرمة إلى أنّ الرقص يخالف المروءة أو أنّه ربما يكون مبدأ للفساد.
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الظاهر خروج موردين عن مقام البحث:
1. رقص المرأة للرجل وبالعكس من غير فرق بين المحرم وغيره، فهو حرام قطعاً، إذ فيه فساد الأخلاق والعفّة.
2. رقص الزوجة لزوجها أو بالعكس، وقد استثناه بعضهم عن الحرمة، ويأتي وجهه.
إنّما الكلام في رقص الرجل للرجل والمرأة للمرأة ويمكن تقريب الحرمة بوجهين تاليين:
الأوّل: ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنهاكم عن الزفْن والمزمار و عن الكوبات والكبرات».(3)

1 . سنن الترمذي:5/621، طبعة الحلبي.
2 . صحيح مسلم:2/610، طبعة الحلبي.
3 . الكافي:6/432، باب الغناء، الحديث7.

صفحه 195
قال في الصحاح: الزفن: الرقص.(1)
وقال في القاموس: الكُوبة ـ بالضم ـ  : النرد و الشطرنج، والكبر ـ بالتحريك ـ : الطبل.(2)
والحديث لا بأس بسنده لأنّ الأصحاب يعتمدون على روايات النوفلي عن السكوني، وإن ضعّفه المجلسي في «مرآة العقول» وقال: ضعيف على المشهور.(3) وضعف السند غير مانع عن الاستدلال أوّلاً; لأنّ الأصحاب عملوا برواية السكوني، والميزان في صحّة الاستدلال كون الرواية موثوقة الصدور ثانياً.
ويؤيّد وثوق الصدور أنّ القاضي النعمان أيضاً نقله في «دعائم الإسلام» قال: وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:«أنهى أُمّتي عن الزفن و المزمار وعن الكوبات والكنارات».(4)
الثاني: اتّفاق كلمة العلماء على حرمة الغناء المطرب، ومن المعلوم أنّ الطرب يلازم الرقص عادة، فهل يمكن القول بحرمة أحدهما(الطرب) وجواز الآخر (أي الرقص)؟
مضافاً إلى قوّة دخوله في اللهو بالمعنى المشهور أوّلاً، وكونه منافياً للمروءة المعتبرة في العدالة ثانياً.
وأمّا استثناء رقص الزوجة لزوجها فلا بأس به; لأنّ حياة الزوجين في أوائل

1 . صحاح الجواهري:5/2131، مادة «زفن».
2 . انظر: مرآة العقول:22/302; مجمع البحرين:2/164، مادة «كوب».
3 . مرآة العقول:22/432.
4 . دعائم الإسلام:2/207، برقم 754. الكنارة واحدة الكنارات وهي العيدان أو الدفوف أو الطبول.(المنجد)

صفحه 196
حياتهما لا تخلو من لهو ولعب.
وأمّا رقص النساء للنساء مجرّداً عن غيرهنّ في الأعراس فربما يظهر من بعضهم جوازه، لوجود السيرة، ولكن الأحوط تركه، والسيرة لم تثبت.

صفحه 197
المكاسب المحرمة
         7

الغناء

اتّفق علماء الإمامية ـ إلاّ من شذّ ـ على حرمة الغناء، ويعلم ذلك بمراجعة كتب التفسير والحديث والفقه.
قال الشيخ الأنصاري: لا خلاف في حرمته في الجملة، والأخبار بها مستفيضة، وادُّعي في الإيضاح تواترها.(1)
والذي يهمّنا في المقام هو دراسة الآيات التي استدلّ بها على حرمة الغناء، فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: دراسة ما استدلّ به من الآيات على حكم الغناء.
الثاني: بيان حقيقة الغناء.

المقام الأُول: دراسة ما استدلّ به من الآيات على حكم الغناء

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).(2)

1 . المكاسب المحرّمة:1/285.
2 . لقمان:6.

صفحه 198

المفردات

لهو الحديث: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه، يقال: لهوتُ بكذا ولهيتُ عن كذا، إن اشتغلت عنه بلهو.

التفسير

جاءت في الآيات المتقدّمة على هذه الآية قصّة أنّ الناس على صنفين:
صنف يهتدون بهدي القرآن فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة، كما قال سبحانه: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(1)
وصنف يشتغل بلهو الحديث، فيعوقه ذلك عمّا يعنيه ويهمّه، ومن ثمّ يَضلّ ويُضلّ كما يقول: (وَمِنَ النَّاسِ): أي صنف منهم (مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ)المراد بلهو الحديث نحو السمْر(2) بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها والتحدّث بالخرافات وفضول الكلام.
ويؤيّد ذلك ما روي في سبب نزول الآية من أنّها نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتّجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم ويحدّث بها قريشاً، ويقول: إن كان محمدٌ يحدّثكم بحديث عاد وثمود، فأنا أُحدّثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.(3)

1 . لقمان:4ـ5.
2 . يقال: سامر ليلاً: تحدّث ولم ينم.
3 . تفسير الكشاف:3/229; مجمع البيان:8/76.

صفحه 199
فعلى هذا فدلالة الآية على حرمة الغناء، لا تخلو من تأمّل، لأنّ قوله تعالى: (لَهْوَ الْحَدِيثِ)من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الحديث اللهو،
فيدلّ على تحريم اللهو الذي يُعدّ من مقولة الكلام لا ما يُعدّ بالكيفية، فالآية بنفسها تدلّ على حرمة الاشتغال، بالقصص والأحاديث الباطلة التي تُلهي الإنسان عن ذكر الله تعالى وعن الايمان بالرسالة، لا على حرمة الغناء الذي هو من كيفية الكلام.
نعم يمكن أن يقال: إنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بعلّية الوصف، فالحديث اللهوي إن كان محرّماً فإنّما هو لأجل اللهوية لا لأجل كونه حديثاً، فالعلّة المحرّمة هي اللهوية فيشمل الغناء إذا عُدّ لهواً، والظاهر أنّ اللهو بأيّ معنى فسّر يشمله.
وبذلك يُفسّر ما تضافر من الروايات على الاستدلال بالآية على حرمة الغناء; فعن يحيى بن عبادة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت: قوله عزّ وجلّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ)قال: «منه الغناء». ولعلّ التعبير بلفظة «منه» إشارة إلى أنّ الغناء من «اللهو» لا لهو الحديث.
وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، سمعته يقول: «الغناء ممّا أوعد الله عزّ وجلّ عليه النار»، وتلا هذه الآية.(1)
وعلى هذا فدلالة الآية على حرمة الغناء ليست دلالة مطابقية بل دلالة بالملاك الذي عرفته.

1 . تفسير نور الثقلين:4/193ـ 194.

صفحه 200

الآية الثانية

قال سبحانه: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ).(1)
روى القرطبي عن ابن عباس: هو الغناء بالحميرية، اسمدي لنا: أي غنّي لنا.(2)
لكنّه تفسير شاذّ، والتفسير الرائج للآية ما نقل عن ابن عباس أنّه بمعنى غافلون، لاهون، معرضون، وقال الطريحي: سامدون يعني لاهون، وقيل: «سامدون» مستكبرون.(3) والمعنى الأخير هو المناسب للآية التالية حيث أمر فيها بالسجود لله والعبادة له(4)، وكون هذا اللفظ بمعنى الغناء في اللغة الحميرية لا يدلّ على كونه لغة قرآنية.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا).(5)

1 . النجم:59ـ61.
2 . تفسير القرطبي:14/51.
3 . مجمع البحرين:3/70، مادة «سمد».
4 . (فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا)(النجم:62).
5 . الإسراء:64.

صفحه 201

المفردات

استفزز: الاستفزاز: الاستنهاض على خفة وإسراع.
أجلب: الإجلاب جمع الجيش وسوقه، مشتق من الجلبة وهي الصياح.
بخيلك: الخيل اسم جمع للفرس، والمراد هنا الفرسان.
رجلك: الرجل جمع راجل.
غروراً: تزيين الباطل بما يظن أنّه حقّ.

التفسير

لمّا استمهل الشيطان ربّه لبقائه إلى يوم اللقاء، خوطب بقوله تعالى: (اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا)(1)، وعندئذ جاءت هذه الآية تشير إلى أنواع الحيل التي يمكن أن يستخدمها إبليس وهي أُمور أربعة:
1. (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ): أي انهض من استطعت منهم بدعائك ووسوستك. وربما يفسّر بالغناء والمزامير والملاهي، والجميع من مصاديق مطلق الصوت.
قال الشريف الرضي: وجعل الملاهي والمعاني صوتاً له من حيث كان الشيطان هو الداعي إليه والحامل إليه.(2) وبذلك يعلم أنّ الشيطان لا يقوم به شخصاً بل يقوم به من طريق أعوانه من البشر، فنسبة هذه الأساليب الأربعة إلى الشيطان من جهة كونه الداعي إليها، مضافاً إلى ما يقوم به أعوانه من البشر

1 . الإسراء:63.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:101.

صفحه 202
الخاطئين.
2. (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ): أي اجمع عليهم بعامّة جيشك فرساناً ومشاة، أي اجعل كل أعوانك وذريّتك على إغوائهم. وكأنّه سبحانه يقول: أي صِحْ (بِخَيْلِكَ)بفرسانك (وَرَجِلِكَ)مشاتك، للاجتماع على إضلال الناس. نظير الراعي إذا أراد جمع أغنامه يصيح عليها بنحو خاصّ. ثم هل لإبليس خيلاً ورجلاً أو أنّه من باب المجاز؟ الثاني هو الأقرب، والمراد: اعمل ما شئت بكل ما تستطيع، ويحتمل أن يراد ذرّيته، والله العالم.
3. (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ) ولعلّ المشاركة في الأموال كناية عن كلّ ما يؤخذ من غير حقّ، كالسلب والنهب والربا والغش، وأمّا المشاركة في الأولاد فهي كناية عن الزنا.
4. (وَعِدْهُمْ) بالتغرير كأن يقول لهم: لا تخف من المعصية فإنّ الله كريم وغفّار.
ثمّ أتمّ سبحانه الآية بقوله: (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا): أي وعداً خاوياً ليس له حقيقة.
ثمّ إنّ الاستدلال بالآية على حرمة الغناء مبني على أنّ الصوت، يشمل: الغناء والمزامير و المغاني، ولعلّها الأظهر لأنّها أقوى ما يلهي الإنسان ويضلّه.

الآية الرابعة

قال سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ).(1)

1 . المؤمنون:3.

صفحه 203
الآية بصدد بيان أوصاف المؤمنين، وكان منها الإعراض عن اللغو. وقد استدلّ بها في الروايات على حرمة الغناء.
وجه الاستدلال: كون الغناء أمراً لغواً لا يترتّب عليه أيّة مصلحة سوى التطريب والخروج عن الحالة العادية، والمتيقّن منه ما إذا كان المضمون كالكيفية أمراً لغواً; لأنّه إذا كان حقّاً كالغناء بالقرآن والمراثي.

الآية الخامسة

قال سبحانه:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ).(1)

المفردات

الزور: في اللغة هو الانحراف، يقول سبحانه: (وَتَرى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ)(2) أي تنحرف الشمس عن كهفهم. وسمّي الكذب زوراً لأنّه انحراف عن الحقّ، ومثله: الباطل.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الآية أنّ الزور صفة المضمون، حيث يقول: «قول الزور» والغناء صفة لكيفية الكلام، فتصبح الآية نظير قوله سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ)(3) إشكالاً وجواباً. وبه يوجّه ما ورد في الروايات من الاستدلال بالآية على حرمة الغناء، ويكون الاستدلال بالملاك.

1 . الحج:30.
2 . الكهف:17.
3 . لقمان:6.

صفحه 204

الآية السادسة

قال سبحانه: (وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ).(1)
فلو قلنا بأنّ المراد لا يشهدون شهادة الزور، فتكون الآية أجنبية عن الدلالة على حرمة الغناء. وأمّا لو قلنا بأنّ المراد لا يحضرون في مجلس المعصية لأنّ العصيان زور، حيث إنّه انحراف عن الحقّ، فيشكل الاستدلال بها على حرمة الغناء، لأنّ الكبرى لا تدلّ على الصغرى، وإنّما يصحّ الاستدلال إذا ثبت في الخارج كون الغناء عصياناً.
فتلخّص: أنّ الذي يصلح لأن يستدلّ به على حرمة الغناء أحد العناوين التالية:
1. (لهو الحديث): أخذاً بالملاك وهو اللهو.
2. (بصوتك): ومن المعلوم أنّه ليس للشيطان صوت مسموع فيحمل على المزامير والغناء.
3. (اللغو): لأجل أنّه لا يترتّب عليه أيّة مصلحة.
4. (قول الزور): وتفسير الزور بالانحراف عن الحقّ ومنه الغناء. فيكون الاستدلال بالملاك.
ومع ذلك فالدليل المهم هو الإجماع والروايات.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل، وإليك الكلام في المقام الثاني.

1 . الفرقان:72.

صفحه 205

المقام الثاني: في حقيقة الغناء

اختلفت كلمات العلماء في بيان ماهية الغناء، إلى تعاريف يناهز عددها اثنا عشر تعريفاً(1)، حتى التجأ بعضهم إلى تفسيره بألحان أهل المعاصي والكبائر الذي لا يفيد شيئاً. وسنذكر هنا بعض هذه التعاريف:
1. عرّفه الشيخ الأنصاري بقوله: الصوت المرجّع فيه على سبيل اللهو.(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لا وجه لتخصيص الحرمة بالمرجّع، فإنّ الصوت اللهوي يشمله وغيره.
وثانياً: أنّ الغناء لم يخرج عن الإبهام بعده حيث إنّ تعليق الحرمة بالصوت اللهوي ليس بأوضح من تعليقه بنفس الغناء.
2. وعرّفه الشيخ محمد رضا النجفي الإصفهاني بقوله: الغناء: صوت الإنسان الذي من شأنه إيجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس.
والطرب هو الخفّة التي تعتري الإنسان فتكاد أن تذهب بالعقل وتفعل فعل المسكر لمتعارف الناس أيضاً.
ويتحصّل من هذا التعريف، لزوم وجود أُمور في صدق الغناء مضافاً إلى اختصاصه بصوت الإنسان.
الأوّل: إيجاد الطرب.
الثاني: الطرب عبارة عن الخفّة التي تكاد أن تذهب بالعقل كالمسكر.

1 . للوقوف على هذه التعاريف، لاحظ كتابنا:المواهب في تحرير أحكام المكاسب:537.
2 . المكاسب:248، منشورات دار الحكمة.

صفحه 206
الثالث: الميزان في إيجاد الطرب متعارف الناس عليه، فلا اعتبار بمَن هو كالجماد، كما لا اعتبار بمَن يطرب بأدنى سبب.
الرابع: أنّ سبب الطرب هو تناسب الصوت.(1)
يلاحظ عليه: مع أنّه من أحسن التعاريف ومع ذلك لا يخلو من بعض الملاحظات:
أمّا أوّلاً: فلأنّ تفسير الغناء بالصوت المتناسب للطرب المزيل للعقل، تعريف له بأتمّ مصاديقه وأكملها، فإنّ للغناء مراتب ودرجات، فما ذكره من إزالة العقل وأنّه يفعل كفعل المسكر، راجع إلى أكمل درجاته لا إلى كلِّها.
وثانياً: أنّه (قدس سره) جعل التناسب ـ أي تناسب الصوت في الأوصاف التي ذكرها من (بمه وزيره)(2) ونبراته وارتفاعه ـ العلّة الوحيدة للطرب مع أنّه ليس كذلك، فإنّ للصوت سهماً عظيماً في إيجاده، فلأجل ذلك لو كان الصوت غليظاً رديئاً وروعيت فيه الجهات لا يكون مطرباً، بل موجباً للإيذاء. ولعلّ الأولى تعريفه بما يلي:
3. الغناء: هو صوت الإنسان الذي له رقّة(3) وحُسن ذاتي ولو في الجملة وله شأنية الطرب لمتعارف الناس.
توضيحه: أنّ الغناء لا يتقوّم بالمدّ ولا بالترجيع، وإن وردا في تعريف

1 . الروضة الغناء في معنى الغناء وتحديده وحكمه، وقد نشرت هذه الرسالة في مجلة «نور علم» السنة الثانية، العدد4.
2 . ارتفاعه وانخفاضه.
3 . رقّ: ضد غلظ.

صفحه 207
المشهور، بل مقوّم الغناء كونه مقتضياً للطرب والرقص، وهو يقوم بالأُمور التالية:
1. كون الصوت ذا رقة ورخامة وصفاء ولطف.
2. قوله: حسن ذاتي، حيث تلتذّ به الطبائع في مقابل ما يؤذي ويمجّ.
3. أنّ الصوت لأجل تناسب أجزائه(1) يكون مطرباً ومقتضياً له، خصوصاً إذا كان له إدامة واستمرار، وعندئذ فلو انتفى واحد من هذه القيود مثلاً كان الصوت ممجّاً للأسماع ومؤذياً للأرواح والأنفس، لا يتحقّق الغناء، أو لا يتمتع بالحسن أو لا يكون له شأنية الطرب، كما أنّه إذا فقد التناسب ولم تتألّف أجزاء الصوت تأليفاً ملائماً لا يتحقّق الطرب أيضاً.
وبالجملة: القدر المتيقّن من الغناء كونه مطرباً، والطرب معلول لأمرين:
1. حُسن الصوت.
2. حُسن التأليف، وحفظ التناسب بين أجزاء الصوت من نبراته ومدّه وارتفاعه وانخفاضه. وحسن الصوت أمر وجداني لا يحتاج إلى تعريف، وحسن التأليف يتحقّق بحفظ التناسب بين ارتعاشات الصوت يعرفه كلّ من له إلمام بالألحان الموسيقية.
هذا إجمال القول، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا«المواهب في تحرير أحكام المكاسب».
***
هذا تمام الكلام في المكاسب المحرمة، حسب ما ورد في الذكر الحكيم،

1 . وهذا عُبر عنه في التعريف المتقدم برفع الصوت وخفضه.

صفحه 208
ولعلّه فاتنا شيءٌ ممّا يُعدّ منها.
نعم ذكر الفاضل المقداد منها إكراه الإماء على البغاء، لقوله سبحانه: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1)، غير أنّ الأنسب دراسة هذه الآية في باب الحدود، فانتظر.
كما ذكروا في المقام قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).(2) والأنسب دراسة الآية في باب أحكام الأحوال الشخصية.
***

1 . النور:33.
2 . النور:61ـ62.

صفحه 209

الفصل العاشر:

العقود الشرعية وشيء من الإيقاعات

في الذكر الحكيم
العقود الشرعية
تمهيد
1. البيع.
2. الإجارة .
3. الدين أو القرض .
4. الضمان والكفالة .
5. الصلح.
6. الإيداع والوديعة.
7. العارية.
8. عقد المسابقة والرماية .
9. الشفعة.
10. الوصية.
11. في أحكام الحجر
الإيقاعات
1. النذر.
2. أحكام اليمين.
3. أحكام العتق .

صفحه 210
 

صفحه 211
لزوم الوفاء بالعقود   

العقود الشرعية

تمهيد

ندرس في هذا الفصل ما ذكره الفقهاء في أبواب الفقه من البيع والدين والرهن والصلح والهبة والجعالة، وما يحصل عليه الإنسان من إحياء الموات، إلى غير ذلك.
ونحن ندرس الآيات الواردة في هذه المجالات على وفق الكتب الفقهية خصوصاً كتب المحقّق والشهيدين، غير أنّا نقدّم البحث في أمرين ربما يُعدّ كلّ منهما الحجر الأساس في كثير من المباحث الآتية وهما: وجوب الوفاء بالعقود. ولزوم كون التجارة عن تراض، فإنّ لتحليل كلّ منهما أثراً بارزاً في الاستنباط.

الأمر الأوّل : لزوم الوفاء بالعقود

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ).(1)

1 . المائدة:1.

صفحه 212

المفردات

أوفوا: من الوفاء والإتيان بالشيء تامّاً لا نقص فيه. قال سبحانه: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ).(1)
بالعقود: من العقد: وهو نقيض الحل، وقد ذاع وشاع قولهم: أهل الحلّ والعقد، وفي اللسان: العقد نقيض الحل. وقالوا للرجل إذا لم يكن عنده غناء: فلان لا يعقد الحبل، أي يعجز عن هذا على هوانه وخفّته. وعلى هذا فمظهر العقد هو إيجاد الربط بين الحبلين، ووصلهما بالآخر الذي يعبر عنه في اللغة الفارسية بـ«گره زدن» وبما ذكرنا يظهر أنّ تفسير العقد لغة بالعهد تارة، وبالعهد المشدّد أُخرى لا وجه له; لأنّ العهد غير الربط بين الشيئين. نعم إذا صيغ من باب التفعيل، فربما يراد به العهد المشدّد، قال سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)(2)، فتعقيد الأيمان مقابل للغوها، كما يقول: لا والله، و: بلى والله، بلا التزام، وهذا ما لا يجب حفظه بخلاف ما لو عقّد الأيمان. فلو صحّ تفسير العقد بالعهد المشدّد فإنّما يصحّ في المضاعف لا مطلقاً.
بهيمة: البهيمة واحدة البهائم، وهي كلّ ذات أربع من دواب البر والبحر، وكلّ ما كان من الحيوان لا يميّز فهو بهيمة، وبهيمة الأنعام هي: الإبل والبقر والشاة، والمعز سُمّيت بهيمة لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها.(3)
الأنعام: أُريد الأنعام الأربعة، أعمّ من الأهلية أو الوحشية، بقرينة ذيل الآية،

1 . الإسراء:35.
2 . المائدة:89.
3 . مجمع البحرين:6/19، مادة «بهم».

صفحه 213
أعني قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) فإنّ الوحشية موضع الصيد لا الأهلية.ومعنى قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ): أي لا تحلّوا الصيد وأنتم محرمون.
حُرم: جمع حرام، وأُريد به المُحرم بالحج أو العمرة.

التفسير

خاطب سبحانه المجتمع الإيماني بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فالعقد في الآية مصدر أُريد به المعقود، وبما أنّ اللام في قوله: (بِالْعُقُودِ)قائمة مقام المضاف إليه، وتقدير الآية: أوفوا بعقودكم، يكون المراد بها الأمران التاليان:
1. العهود المعقودة بين المتخاصمين أو بين المتعاونين، بما أنّها عقود والشاهد على ذلك ما في القرآن من الاهتمام بهذا النوع من العهود. فتلك العهود بما أنّها عقود، يجب الوفاء بها.
وبعبارة أُخرى: المحتوى والمضمون عهد، ولكن الموجد والسبب عقد، فلا ينافي ما ذكرنا من أنّ العقد ليس بمعنى العهد، ولا العهد المشدّد، لأنّ العقد، تنشأ به كلّ المفاهيم القائمة بالطريق من غير فرق بين العهد والبيع والإجارة والرهن والدين، والنكاح... فتدبّر.
2. العقود الدارجة بين المتعاقدين بصور مختلفة كعقد البيع والإجارة والنكاح وغير ذلك، ويشهد على ذلك ـ أي إطلاق العقد على العقد المعاملي ـ قوله سبحانه: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)(1).

1 . البقرة:237.

صفحه 214
وبما ذكرنا يُعلم عدم صحّة أمرين:
1. أنّ تفسير العقود بالأحكام الشرعية التي أخذ الله على عباده الاهتمام بها، غير تام، لما عرفت من أنّ المراد بالعقود العقود المنسوبة إلى العباد فيما بينهم، لا بين الله وعباده، ولذلك نرى أنّ الفقهاء يستدلّون بهذه الفقرة على لزوم المعاملات المشتملة على الإيجاب والقبول; بل وعلى وجه يصحّ الاستدلال بها على لزوم العمل بالعقود الجديدة الدارجة في الغرب المنتشرة أخيراً في الشرق من الشركات المختلفة، فكلّ ذلك يجب فيها العمل بالالتزام، والحاصل: أنّ الآية تركّز على العقود الدارجة بين الناس، وقد مرّ أنّ اللام في «العقود» بدل عن المضاف إليه أي عقودكم، لا عهود الله.
كون التجارة عن تراض   
2. ما ذهب إليه بعض مشايخنا من السادة (رضوان الله عليهم) حيث كان يفسّر لفظ «العقود» بالعهود، ثمّ يعتمد على قول بعض اللغويّين بأنّ العقد عبارة عن العهد المشدّد، كان يستبعد الاستدلال بالآية على لزوم الوفاء في مورد المعاملات قائلاً: بأنّه ليس في موردها، العهد أوّلاً، وعدم وجود الشدّ ثانياً. وقد مرّ ضعفه فلا نعيد.
ثمّ إنّ وجوب الوفاء بالعقود على وجه الإطلاق، سواء أكان في مورد المعاملات أم في مورد المتخاصمين أو المتعاونين، أساس العدالة الاجتماعية، التي تعتمد عليه بنية المجتمع الإسلامي، فلو جاز للمتمكّن حلّ العقد فأوّل ما ينتقض به، هو العدل الذي هو أساس الحضارة الإنسانية.
نعم أصبح اليوم الوفاء بالعقود أداة طيّعة بيد القوى الكافرة والمستكبرة، فمادام العقد يدرّ عليهم بالأموال والثروات وينتفعون به، فهم يحترمونه، وأمّا إذا

صفحه 215
رأوا أنّ مصلحتهم في نقضه، ينقضونه بأوهن الوجوه، وهذه هي سيرة الانتهازيّين، فالأخلاق عندهم هي ما ينفع تجارتهم وتدرّ عليهم بالأرباح، وإذا انعكست تركوها وراء ظهورهم ولم يراعوها.
***

ما هو مفاد وجوب الوفاء بالعقد؟

هل الوفاء بالعقود حكم تكليفي بحيث لو فسخ العقد ارتكب حراماً وكان الفسخ صحيحاً، وكلّ من العوضين يرجع إلى صاحبه؟ أو أنّه حكم وضعي، بمعنى الإرشاد إلى وجوب العقد ولزومه وعدم انفساخه بالفسخ؟
الظاهر هو الثاني والدليل على ذلك أنّ الحكم إذا تعلّق بالأداة ـ لا بالأعيان ولا بالأعمال ـ يكون ظاهراً في الإرشاد إلى وجوب الالتزام العملي بمفاد العقد. فلو كان موضع العقد أداة من الأدوات كالبيع والإجارة يكون معنى ذلك هو وجوب الوفاء بمفاد العقد، ففي مورد البيع كون المثمن ملكاً للمشتري والثمن ملكاً للبائع ملكية قطعية لا تنفك عن الصحّة واللزوم.
نعم الاستدلال بالآية على صحّة المعاطاة ولزومها، ونظائرها فرع إحراز الصغرى وهو أنّ المعاطاة سبب فعلي نظير السبب القولي، والتبادل بين الجنسين بمنزلة الإيجاب والقبول، والمجموع بمنزلة العقد، فما لم تحرز الصغرى لا يمكن الاستدلال بالآية على لزوم صحّة المعاطاة ولزومها، والتفصيل في محلّه.

الأمر الثاني: كون التجارة عن تراض

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ

صفحه 216
أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).(1)

المفردات

تأكلوا: الأكل كناية عن أحد أمرين:
أ. التملّك.      ب. مطلق التصرّفات المتوقّفة على الملكية.
بالباطل: الباء للسببية، أي بسبب باطل، كالقمار والسرقة والغصب والخيانة.
ولا تقتلوا أنفسكم: فيه وجهان:
1. نهي الإنسان عن قتل نفسه بنفسه المُسمّى بالانتحار.
2. المراد أعمّ منه كقتل بعضهم بعضاً بتصوير أنّ المجتمع شيء واحد، وأنّ هنا نفساً واحداً، وعلى كلّ تقدير فالجمع بين أكل المال بالباطل وقتل النفس، يعرب عن أنّ الأوّل في عداد الثاني من جهة عِظم المعصية.

التفسير

قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يعمّ الناس جميعاً، وتخصيص المؤمنين بالخطاب لأنّهم هم المنقادون لأمره ونهيه سبحانه. ثمّ إنّه سبحانه يخاطب المؤمنين بقوله: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ففي هذه الفقرة جاء إسناد الأموال إلى المجتمع مكان أن يقول: لا تأكلوا أموال بعضكم، للتنبيه على تكافل الأُمّة في حقوقها ومصالحها، كأنّه يقول: إنّ مال كلّ واحد منكم هو مال أُمّتكم.

1 . النساء:29.

صفحه 217
ثمّ يستثني من النهي قوله: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ )، ولمّا كان المستثنى منه هو الأكل بالباطل والأكل عن تجارة مقرونة بالتراضي غير داخلة فيه صار الاستثناء استثناء منقطعاً.
ثمّ إنّه سبحانه أكمل الآية بخطاب آخر وقال: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيًما).
إلى هنا تمّ تفسير الآية بحرفيّتها.

التجارة عن تراض مفيدة للملكية أو إباحة التصرّف؟!

بقي الكلام في أنّ الآية هل تدلّ على أنّ التجارة عن تراض مفيدة للملكية، أو مفيدة لحليّة التصرفات المتوقّفة على الملك، فلو قلنا بالأوّل يكون مفاد الآية في كلا الجانبين بالنحو التالي: لا تتملّكوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن يكون التملّك ناشئاً عن تجارة عن تراض، فتكون التجارة بالتراضي مفيدة للملكية، ويصير مفاد الآية حكماً وضعياً، مدلولاً مطابقياً للآية.
وأمّا لو قلنا بالثاني يكون مفاد الآية في كلا الجانبين بهذا النحو لا تتصرّفوا في أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن يكون التصرّف ناشئاً عن تجارة، ومن المعلوم أنّ تجويز عامّة التصرّفات بالتراضي لا ينفك عن الملك، فتكون الآية عندئذ بصدد بيان الحكم التكليفي(جواز عامّة التصرّفات) الملازم للحكم الوضعي(أعني: الملكية).
وعلى ما ذكر فالآية تدلّ على أنّ التجارة عن تراض تلازم الصحّة والملكية، وهذا هو المطلوب.

صفحه 218

هل المعاطاة داخلة في الآية أو لا؟

وبما ذكرنا يُعلم أنّ المعاطاة داخلة في الآية لكونها تجارة عن تراض، فسواء أقلنا: إنّ الفقرة بصدد بيان الحكم الوضعي أو الحكم التكليفي فهي محكومة بهذين الحكمين، ولا أظن أحداً يشكّ في أنّ المعاطاة خصوصاً في جلائل الأُمور، من مصاديق التجارة، وليست داخلة في الباطل كالقمار والسرقة والخيانة.
وربما يستشكل على الاستدلال بالآية على صحّة المعاطاة قائلاً بأنّ الاستدلال إنّما يتمّ إذا كان المراد بالباطل، هو الباطل العرفي كما في السرقة والخيانة والغش، وعندئذ تكون كلّ تجارة مقرونة بالتراضي خارجة عن المستثنى منه وداخلة في المستثنى ومنه المعاطاة، وأمّا إذا أُريد به الباطل الشرعي (كالربا) تكون الآية مجملة، إذ من المحتمل أن تكون التجارة بالمعاطاة من الباطل الشرعي، وإن لم تكن كذلك عند العرف، نظير الربا فهو باطل شرعاً وليس باطلاً عرفاً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد تعليم الناس التجارة الحلال، وتمييزها عن المحرّمة، فلابدّ أن تكون الآية واضحة المراد مبيّنة المقصود، فلو أُريد به الباطل عند الشرع، تصبح الآية مجملة غير مفيدة.
فإن قلت: قد نقل في «مجمع البيان» عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ الربا من مقولة الأكل بالباطل(2) مع أنّه ليس باطلاً عرفياً بل باطل شرعي؟

1 . زبدة البيان:427.
2 . مجمع البيان:3/59.

صفحه 219
قلت: لعلّ المراد إنّه داخل في الباطل حكماً وتعبّداً كقوله: «التراب أحد الطهورين يجزيك عشر سنين». وإن شئت قلت: إرشاد إلى مصداق مجهول لدى العرف، وقد عبّر الشيخ الأنصاري عن مثل هذه الروايات بتخطئة العرف.(1) وعلى كلّ حال فالآية في كلا الجانبين قابلة للتمسّك في كلّ مورد يُعد من مصاديق أحدهما.
فإن قلت: إنّ المستثنى منه ليس في مقام البيان، بشهادة أنّه يحل التصرّف بالهبة والوقف والصدقة والوصية وأرش الجناية والإباحة الشرعية والمالكية، فإنّ الجميع غير مشتمل على التجارة بمعنى التبادل وإن اشتمل على التراضي.
قلت: إنّ كونه في مقام البيان لا يلازم كونه في مقام الحصر; فإنّ الأوّل ناظر إلى كون التجارة عن تراض تمام الموضوع للحلية أو للملكية، وأمّا كونه الموضوع المنحصر فلا يدلّ عليه، وكفى في الاستدلال كونها تمام الموضوع.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الآية في كلا الجانبين تصلح للاستدلال، فلو كانت هناك تجارة عن تراض فهو حلال وهو صحيح، ولو كان المقام مشتملاً على السبب الباطل عرفاً فهو غير صحيح وغير مفيد للتملّك والتصرّف.
***
إلى هنا تمّ ما أردناه من التمهيد الذي له تأثير خاص في أكثر الأحكام، وحان الوقت للبحث عن الآيات الواردة في العقود الشرعية والمكاسب المحلّلة حسب الكتب الفقهية الرائجة.
***

1 . لاحظ: كتاب المكاسب:16/20، كتاب البيع، حقيقة البيع، طبعة تراث الشيخ الأعظم.

صفحه 220
العقود الشرعية
      1

البيع

   
قال تعالى:(وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).(1)
قد تقدّم منّا أنّ الحكم الشرعي إذا نسب إلى الأدوات كالبيع يفيد التمليك أو حليّة عامّة التصرّفات الملازمة للملكية، وعلى هذا فقوله: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) فيه دلالة على إباحة سائر أقسامه من النقد والنسيئة والسلف وأنواعه من بيع المرابحة والمواضعة والتولية والمساومة وأنواع المبيعات من الثمار والحيوان والصرف وغير ذلك، ممّا ورد في الروايات .(2) وإليك التوضيح.
المرابحة: هي أن يبيع المبيع بنفس القيمة التي اشتراه بها، لكن بزيادة معينة.
المواضعة: هي أن يبيع المبيع بنقيصة معينة عمّا اشتراه.
التولية: هي أن يبيع المبيع بنفس القيمة التي اشتراه بها.
المساومة: هو البيع بما يتفقان عليه من غير تعرّض للإخبار بالثمن الذي اشترى به.
وربما يتصوّر أنّ الآية ليست في مقام بيان حلّية البيع بعامّة أشكاله، بل

1 . البقرة:275.
2 . كنز العرفان:2/37.

صفحه 221
بصدد بيان نفي التسوية بين البيع والربا حيث إنّ المشركين ساووا بينهما وقالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)(1) وأنّ الربح العائد إلى الإنسان من جانب الربا، كالربح العائد له من جانب البيع، فنزل الوحي بنفي هذه التسوية، وإنّهما ليسا بمتساويين، وقال:(وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، وربما يستظهر ذلك المعنى من الإمعان في الآية صدراً وذيلاً. ويؤيّد ذلك أنّ حلية البيع لم تكن محطّ كلامهم حتّى ينزل الوحي لحلّيته.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان سبحانه في مقام نفي التسوية فقط لصحّ أن يقول: ليس البيع مثل الربا، أو: ليسا بمتساويين نظير قول امرأة عمران: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى)(2) مع أنّا نرى أنّه في مقام نفي التسوية أتى بشيء زائد وهو حلّية البيع وحرمة الربا، فيعلم من ذلك أنّ الغاية ليست نفي التسوية فقط، بل هي أمر ضمني، والمقصود هو الحكم بتشريع أحدهما وعدم تشريع الآخر.
وبذلك يُعلم أنّ الآية هي أحد المصادر لاستنباط كثير من أحكام البيوع. وبما أنّ البيع من الأُمور الرائجة عبر القرون قبل الإسلام، وفي عصر الرسالة وبعدها، اكتفى الذكر الحكيم بهذه الآية وبالآية الثانية.

الكتابة والإشهاد في البيع

لما تقدّم قبل هذه الفقرة استحباب كتابة الدين والإشهاد عليه، انتقل إلى البيع ويستحب فيه أيضاً كتابته والإشهاد عليه، إلاّ أنّه استثنى مورداً واحداً(إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ): أي يداً بيد من غير غيبة لأحد العوضين

1 . البقرة:275.
2 . آل عمران:36.

صفحه 222
(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا): أي تلك المعاملة، لأنّه لا يتوقّع فيها شكّ استقبالي.
ومع ذلك أمر بالإشهاد حتى في مثل هذه المعاملة وقال: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)إرشاد إلى مصلحتها لأنّه لولاها لجاز أن يندم أحد المتبايعين على البيع أو يقع نزاع في كمية أحد العوضين أو في شرط أو خيار أو غير ذلك، فالأمر هنا للإرشاد.
ولا يخفى أنّ مصبّ هذه الفقرات والأحكام في المعاملات الكبيرة ذات الأهمية، وأمّا المعاملات العادية البسيطة، فالآية منصرفة عنها.
***

صفحه 223
العقود الشرعية
      2

الإجارة

الإجارة أحد الأُمور الرائجة بعد البيع، وقد عُرّفت بتعاريف نذكر منها ما يلي:
1. هي تمليك المنفعة المعيّنة مدّة معيّنة بعوض معلوم مع بقاء الملك على أصله.(1)
2. أنّها شرعت لنقل المنفعة بعوض آخر ولو حكماً.(2)
ولا يخفى ما في التعريفين من الضعف وإن عدّ صاحب الجواهر التعريف الثاني أحسن التعاريف، فإنّ مفاد التعريفين لا ينطبق على ما هو الموجود في الخارج، فالذي ينطبق على الخارج هو التعريف التالي:
«تسليط المستأجر على العين المستأجرة لينتفع بها مدّة معيّنة في مقابل أُجرة مشخصّة».
قلنا: إنّ هذا التعريف ينطبق على الخارج، وذلك لأنّ صاحب الدار أو السيارة يسلّط المستأجر على العين لأن ينتفع بها بالسكن أو السياقة في مقابل

1 . جامع المقاصد:7/80.
2 . جواهر الكلام:27/204.

صفحه 224
أُجرة معيّنة محدّدة بزمان خاص.
وبما ذكرنا يظهر ضعف التعريفين السابقين.
أمّا الأوّل: فلأنّ تمليك المنفعة المعيّنة، أثر للإجارة ونتيجتها.
وأمّا التعريف الثاني فهو تعريف بالغاية، فإن نقل المنفعة بعوض هو الغاية القصوى من الإجارة. نعم ما ذكرناه من التعريف ناظر إلى إجارة الأعيان وأمّا تأجير الأشخاص والعمّال فلابدّ من تعريفه بشكل آخر، أو إدخاله في التعريف بنحو خاصّ.
وعلى أيّ حال فلندرس ما ورد في مورد الإجارة من الآيات في الذكر الحكيم:

الآيتان: الأُولى والثانية

قال سبحانه: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).(1)

المفردات

تأجرني: تعمل لي.

1 . القصص:26ـ 27.

صفحه 225
حجج: سنين، واحدها حِجّة. وهي مشتقّة من اسم الحج، لأنّ الحجّ يقع كلّ سنّة، وموسم الحجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية.
أشقّ عليك: أوقعك في المشقّة.
لا عدوان عليّ: لا ظلم عليّ بأن أُكلَّف أكثر منهما وأطالب بالزيادة عليها.

التفسير

أدرك موسى(عليه السلام) أنّ مقامه في مصر يحيطه الخطر، ولذلك خرج نحو «مدين»، ولمّا ورد ماء مدين وجد عليه جماعة يسقون مواشيهم، ووجد على مكان بعيد امرأتين تطردان أغنامهما بعيداً عن الماء أو عن أغنام بقية الرعاة، فلمّا رآهما موسى(عليه السلام) كذلك تأثّر لحالهما، فتقدّم نحوهما وقال: ما شأنكما لا تسقيان مع الناس، أجابتا: لا نسقي حتى ينصرف الرعاة مع مواشيهم رغبة عن مزاحمة الرجال.
ولمّا رأى موسى الوضع المُحْرِج للمرأتين أحسّ من أعماق ضميره بوجوب مساعدتهما فسقى لهما وانصرف إلى ظل شجرة واستراح إليها من شدّة الحرّ والجوع. ثمّ إنّ المرأتين رجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها وسألهما أبوهما، فأخبرتاه الخبر، فقال لإحداهنّ عليّ به، فرجعت إلى موسى وقالت له: (إِنَّ أَبي يَدْعُوكَ) ليكافئك على(مَا سَقَيْتَ لَنَا) فاستجاب موسى للدعوة وجاء إلى بيت أبيها.
ولما قصّ موسى القصص وأنّه فرّ من جلاوزة فرعون قال المضيّف:(لاَ

صفحه 226
تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(1)
و(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) وطبع الحال يقتضي أنّ تلك المرأة تكلمت مع أبيها سرّاً لا بحضور موسى(عليه السلام)، ثم علّلت سبب اقتراحها بقولها: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ)فأشارت إلى أنّ قوام الاستئجار أمران:
1. كون الأجير قوياً قادراً على أداء العمل.
2. كونه أميناً غير خائن.
وقد شعرتْ بهذين الأمرين، أمّا قوّته، فقد استقى بالدلو الكبير وحده، وأمّا أمانته فإنّه بعد ما سقى لهما ابتعد عنهما إلى ظل شجرة هناك ليستريح دون أن يجتمع بهما، وكأنّه لم يعمل لهما شيئاً، كما حكى سبحانه وقال: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ).(2)
ولمّا تبيّن للأب أنّ موسى رجل مؤمن، (قَالَ) مخاطباً موسى (إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ) شريطة (عَلَى أَنْ تَأْجُرَني): أي تخدمني وترعى أغنامي (ثَمَاني حِجَج): أي سنوات (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا): أي زدتها إلى عشر سنين (فَمِنْ عِنْدِكَ): أي هبة من عندك غير مُلزم بها.
ولمّا كان في قوله: (عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج) إبهام من حيث كيفية العمل، وربّما يكون أمراً باهظاً وتكليفاً لا يُطاق، رفع الشيخ هذا الإبهام بقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) وليس هذا من قبيل تزكية النفس المنهي عنها، لأنّ موردها ما إذا كان بصدد الفخر والاستعلاء، وأمّا إذا كان

1 . القصص:25.
2 . القصص:24.

صفحه 227
الهدف توضيح الحال للمخاطب حتى يطمئن إليه، فليس فيه إشكال، نظيره ما في سورة يوسف(عليه السلام) حيث قال للملك: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).(1)
قال الفاضل المقداد: الآيتان قوله تعالى: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) وقوله تعالى: (عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج) دلّتا على مشروعية الإجارة، وإن كانت في شرع غيرنا لأصالة عدم النسخ مع اشتمال عقدها على كونه من متمّمات (مهمات) نظام النوع، لأنّه ممّا يضطر إليه، لما تقرّر في العلوم الحقيقية أنّ الإنسان لا يمكن أن يعيش وحده، فيفتقر إلى التعاضد وذلك غير واجب على الغير القيام به، فيجوز أخذ العوض عليه، فتشرع المعاوضة على المنفعة وذلك هو المطلوب. وفي الآية الثانية إشارة إلى وجوب ضبط العمل بالمدّة إن قدِّر بها وإلاّ فبغيرها من الضوابط.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الفقرة الأُولى دليل على مشروعية الإجارة في الشرائع السابقة دون الفقرة الثانية، وسيأتي بيانه فانتظر.
***
وفي الآية الثانية أُمور فقهية نلفت نظر القارئ إليها:
1. إنّ قوله: (أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ) يدلّ على أنّ النكاح ينعقد بهذا اللفظ، نعم لا يدلّ على عدم انعقاده بغيره كالتزويج.
2. إنّ قوله هذا، عرض واقتراح حيث لا يُعلم أنّ المخاطب موافق أو لا،

1 . يوسف:55.
2 . كنز العرفان:2/73.

صفحه 228
وعلى هذا فالظاهر أنّه صدر بعد هذا، عقد من الشيخ وقبول من موسى.
3. إنّ قوله: (إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ) عرض، لا عقد وإلاّ لعيّن المعقود عليها، إذ لا يجوز نكاح غير المعيّن، فلا دلالة في الآية على جواز نكاح غير المعيّن، كما لا دلالة في الآية على جواز نكاح غير المعيّن في الشرائع السابقة حتى يحتجّ به بالاستصحاب.
4. الظاهر أنّ العمل كان مهراً للزوجة ولا إشكال فيه. فإنّ العمل يقع مهراً. روى الفريقان أنّ امرأة جاءت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: زوِّجني، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَنْ لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله زوِّجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، فقال: لا، قال: فأعادت فأعاد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المرّة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلِّمها إياه».(1)
5. تقدّم أنّ كلّ ما في هذه الآية كان اقتراحاً وحواراً تمهيدياً لما سيتّفقان عليه بعد، وبما ذكرنا ظهر أنّه ليس في الآية اجتماع إجارة ونكاح، بل كان هناك نكاح وكان العمل مهراً.
نعم يقع الكلام في أنّ المهر من حقّ الزوجة دون أبيها.
والجواب: إنّ صحّة ذلك رهن إذن البنت، والمفروض أنّ حياة الجميع كانت حياة واحدة في بيت واحد، وظاهر ذلك رضا الزوجة بذلك.

1 . الكافي:5/380، كتاب النكاح، باب نوادر المهور.

صفحه 229
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه ليس قوله: (إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج)(1) على جواز الإجارة وصحّتها، لما عرفت من أنّه لم يكن هنا عقدان، عقد إجارة وعقد نكاح، بل عقد واحد وهو النكاح والمهر هو العمل، وعلى هذا فمعنى (أَنْ تَأْجُرَني): أي تعمل لي، مهراً للنكاح. نعم قد تقدّم أنّ قول البنت لأبيها: استأجره، دليل على وجود الإجارة في الشرائع السابقة.
ما ذكرناه من عدم صحّة الاحتجاج بالآية هو الإشكال، وأمّا ما أفاده الفاضل الجواد من أنّ الاستدلال بالآية على المشروعية، فرع حجّية ما في الشرائع السابقة لنا، وفيه تأمّل لعدم الحجّية، ولا تكفي فيها أصالة عدم النسخ.(2)
فيلاحظ عليه: بأنّ الغاية من سرد القصص في القرآن الكريم، ليس هو التسامر; بل الغاية: التدبّر والاعتبار; وعلى ذلك فكلّ ما يذكره أو ينقله من الآخرين إنّما هو لغاية الاعتبار، إلاّ إذا كان مقروناً بالردّ والنقد أو كان ظاهر الغيّ، فلا يتبع.
ولمّا كان ظاهر قول فرعون: (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(3) أنّ الإيمان في حالة الاضطرار يؤثّر في نجاة الإنسان الكافر، عاد الذكر الحكيم يردّ عليه: (الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(4) .

1 . القصص:27.
2 . مسالك الافهام إلى آيات الأحكام:3/90.
3 . يونس: 90 .
4 . يونس: 91 .

صفحه 230
وبذلك يعلم أنّ الاحتجاج بما ورد في الشرائع السابقة ليس رهن الاستصحاب، بل كتاب الله حجّة إلاّ إذا ثبت كون ما ورد فيه منسوخاً أو حكماً خاصّاً لأهل زمان خاص.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى).(1)
الآية بصدد بيان أحكام المطلّقات فذكرت منها ما يلي:
1. إسكان المطلّقة في بيوت الأزواج ممّا يملكون أو يقدرون عليه: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ).
2. تحريم الاضرار بهن بالتضييق عليهن في النفقة والمسكن لغاية إلجائهنّ إلى ترك البيت والخروج منه كما يقول:(وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ).
3. أنّ المطلقات الحاملات ينفق عليهن حتى يخرجن من العدة ولا يخرجن منها إلاّ بوضع حملهن، كما يقول: (وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
4. إذا وضعت الحامل من المطلّقات تخرج عن العدة، غير أنّ للولد حقّاً

1 . الطّلاق:6.

صفحه 231
على الأب والأُمّ، فعلى الأُمّ أن تقوم بإرضاعه وعلى الأب أن يقوم بدفع أُجرة الرضاع للأُمّ، كما قال سبحانه: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ولعلّ قوله: (لَكُمْ) دليل على أنّ الانقاق على الأُمّ في حال الرضاع من واجبات الأب.
دلّت الآية على مشروعية الإجارة وثبوت الأُجرة بها.
ثمّ إنّ الفاضل الجواد ذكر في المقام إشكالاً وهو أنّ الإجارة تمليك منفعة، واللبن عين، ثم أجاب عنه قائلاً: بأنّ الإجارة على الحضانة واللبن تابع، فصح كونها على المنفعة، ثم أمر بالتأمّل.(1)
أقول: قد عرفت أنّ الإجارة ليست من مقولة تمليك المنفعة، حتى يرد عليه الإشكال، بل عبارة عن تسليط المستأجر على العين المستأجرة، وعلى هذا لا موضوع للإشكال حتى يجاب عنه.
ثمّ إنّ المحقّق صاحب العناوين ذكر نظائر أُخرى لما ذكره الفاضل الجواد:
1. الاستحمام في الحمام.
2. استئجار الأرض للرعي.
3. استئجار البئر للسقي.
وما ينتفع به في هذه الموارد، إنّما هو عين من الأعيان كاللبن والماء.
ثمّ أجاب (قدس سره) بأجوبة أربعة، والأفضل ما ذكره في الثالث، قال: إنّ المنفعة أمر لا يكال بمكيال منضبط حتى يختصّ بما يقابل العين بل يدور مدار العرف ومنفعة

1 . مسالك الأفهام:3/90.

صفحه 232
كلّ شيء بحسبه، ولا ريب أنّ اللبن منفعة للمرضعة والماء منفعة للبئر.(1)
وبعبارة أُخرى: إنّ المنفعة في مصطلح الفقهاء غير المنفعة في مصطلح الحكماء المتكلّمين فإنّها في مصطلح هؤلاء هو الأعراض القائمة بالموضوع، فلا تصدق على لبن المرضعة ولا على ماء الحمام، لكنّها في مصطلح الفقهاء أعمّ، والميزان عندهم كون شيء أصلاً والآخر فرعاً، وكأنّ المرضعة عندهم هي الأصل واللبن تابع وهكذا الآخرين، فتدبّر.
وإن شئت قلت: المنفعة أمر عرفي ومنفعة كلّ شيء بحسبه، ومنفعة المرضعة لبنها، والأرض رعيها، وهكذا.

1 . العناوين الفقهية:2/230، العنوان الحادي والأربعون.

صفحه 233
العقود الشرعية
      3

الدين أو القرض

الدّين: ما وجب في الذمّة بعقد أو استهلاك، أو باستقراض، فهو أعم من القرض.(1)
وأمّا القرض: ضرب من القطع، وسمّي به ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط ردّ بدله.(2)
والبحث في المقام إنّما هو في الدَّين المتحقّق بالاستقراض، وندرس ما ورد فيه من الآيات.

الآية الأُولى

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ

1 . حاشية ردّ المحتار لابن عابدين:5/282.
2 . لاحظ: المفردات للراغب: 400، مادة «قرض».

صفحه 234
يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).(1)

المفردات

تداينتم:التداين من باب التفاعل، وهو رهن وجود شخصين لكلّ فعل، مع أنّ الدين فعل واحد يصدر من الدائن، ويمكن أن يقال: إنّ باب المفاعلة ربما يستعمل في غيرها، بشهادة ما سيأتي في قوله سبحانه: (وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) في آيتنا هذه، مع أنّه ليس فيه إضرار إلاّ من جانب واحد، لا من الجانبين.
نعم ذكر ابن عاشور وجهاً آخر وقال: إنّ المخاطب هو مجموع الأُمّة، وفي المجموع دائن ومدين، فصار المجموع مشتملاً على جانبين.(2) ولا يخفى أنّه تفسير ذوقي.

1 . البقرة:282.
2 . التحرير والتنوير:2/264.

صفحه 235
بدين:جيء بهذا القيد مع عدم الحاجة إليه، لكونه مفهوماً من الفعل، جيء به ليكون مرجعاً للضمير في الفعل الواقع بعده أي (فَاكْتُبُوهُ)، ولولا ذكره لزم أن يقول: فاكتبوا الدّين.
مسمّى: أُريد تعيين آجال الديون لقطع المخاصمة عند الاختلاف، والأجل اسم والمصدر: التأجيل.
بالعدل: بالحق.
فليملل: الإملال: الإملاء، يقال: أملّ عليه وأملى عليه: بمعنى واحد.
يبخس: البخس: النقص ظلماً، يقال: بخسه حقّه: يبخسه بخساً، وثمن بخس: ناقص عن حقّه.
سفيهاً: السفيه: من له الخفّة في العقل.
ضعيفاً: الضعيف: الصغير، قال سبحانه: (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ).(1)
أقسط: أعدل، والقسط: العدل، فإذا قيل: أقسط: يكون بمعنى أعدل، وإذا قيل: قسط، يقسط يكون بمعنى (جار).

التفسير

الآية تتضمّن أحكاماً كثيرة ربما يختلف عددها حسب اختلاف الأنظار وفي «كنز العرفان»: في الآية أحد وعشرون حكماً (وربما ينقص لأجل إدخال بعضها في القصص كما سيوافيك في التفسير); بل ربّما يُذكر فيها فوائد تزيد على

1 . البقرة:266.

صفحه 236
ذلك.(1)
وهذه الآية أطول آية في القرآن الكريم وتشتمل على تعاليم كثيرة في باب الدين والتي تنظم الشؤون المالية، وقد جاء بهذا البيان رجل أُمّي لم يدرس ولم يدخل مدرسة ولا كلّية اقتصادية.
ولمّا دلّت الآيات المتقدّمة عليها في سورة البقرة على تحريم الربا ربما يتبادر إلى الذهن أنّ الشارع أبطل التداين فجاء البيان القرآني بالتفريق بين الربا والتداين الذي له موقع في التجارة والصناعة والزراعة على نحو لو سدّ هذا الباب لاختلّ النظام، ولأجل ذلك حثّ على التداين وبيّن حدوده وما يجب على الدائن والمدين رعايته من التوثقات المالية والإشهاد عليها وفي ظروف خاصّة الرهن. أضف إلى ذلك: أنّ في القرض مواساة الفقير وإغاثة الملهوف. وقد مرّ أنّ الآية بنفسها تتضمّن أحكاماً كثيرة من أحكام الله سبحانه في موضوع التداين، وهي:

1. التوثّق للدين بالكتابة

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)لأنّ القلب يتّكل على الكتابة. وظاهر الفقرة كتابة الدين، أعني: القرض، ولكن يمكن استفادة حكم البيع نسيئة حيث إنّ المشتري يكون مديناً بالنسبة إلى ثمن المبيع. وقد روي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في السَلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم، وعنه أيضاً، قال: قدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: «ومَن أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى

1 . كنز العرفان:2/46.

صفحه 237
أجل معلوم».(1) وعلى هذا فلا مانع من إسراء الحكم إلى غير القرض حتى أنّ الفاضل المقداد فسّر الآية بغير القرض وقال: أي تفاعلتم بالدين إما بالسلم أو بالنسيئة أو الإجارة(2) وهو بعيد حسب السياق.
ثمّ إنّ الأمر في قوله: (فَاكْتُبُوهُ) أمر إرشادي وليس مولوياً، ويشهد على ذلك قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)(3)، فإنّ معناه: فإن أمن صاحب الحقّ الذي عليه الحقّ ولم يتوثّق منه بصك ولا رهن، فلينصف (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ): أي الذي عليه الحقّ (أَمَانَتَهُ): أي ما أخذه ديناً بأن لا يجحد حقّه، ولا يبخس منه شيئاً، فلو كانت الكتابة واجبة، لما أرشد الله سبحانه إلى هذا النوع من التداين الذي لا يكتب ولا يرهن عليه.

2. كتابة شخص ثالث

بما أنّ الأُمّيّة كانت سائدة في الجزيرة العربية وقلّما يتّفق أن يكون المتداينان عارفين بالكتابة، وإلاّ فلو كانا عارفين بها، تكفي كتابتهما، وإلاّ فيمارس الكتابة شخص ثالث، كما يقول: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ) فيكتب الثالث ما تعاقدا عليه، وأمّا ما هي صيغة المكتوب ووصفه فيأتي بيانها في الحكم التالي.

3. رعاية العدل في الكتابة

يؤكّد سبحانه على أنّ الكاتب يجب عليه رعاية الحقّ، أي أن

1 . الدر المنثور:2/117ـ 118.
2 . كنز العرفان:2/44.
3 . البقرة:283.

صفحه 238
يكتب(بِالْعَدْلِ): أي ما هو الواقع من دون نقص وزيادة، هذا إذا كان الكاتب غيرهما، ولو كان الكاتب أحد المتداينين فعليه أيضاً أن يكتب ما هو الحقّ، خصوصاً إذا كان الطرف المقابل، أُمّياً.

4. عدم امتناع الكاتب عن الكتابة

لمّا كانت الكتابة موهبة من الله سبحانه إلى مَن تعلّمها، فعليه أن لا يمتنع عن كتابة العقد عندما لا يستطيع المتداينان عليها، أو مطلقاً، فالله سبحانه نهى عن امتناع من تطلب منه الكتابة عنها كما يقول: (وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ) ولعلّ المراد من قوله: (كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ)أن يكتب ما يعتقده حقّاً ولا يجحف ولا يبخس.
والآية تدلّ على أنّ كلّ نعمة وهبها الله سبحانه عباده، تلازم الشكر، ومن مظاهره إعانة المتعاقدين اللّذين لا يعرفان الكتابة وكأنّه سبحانه يقول: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ)(1).
بقي الكلام في قوله: (فَلْيَكْتُبْ) فقد تكرّر في الآية في موضعين:
أحدهما: قوله:(وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) أمر به لأجل التأكيد على قوله المتقدّم: (فَاكْتُبُوهُ).
ثانيهما: قوله: (فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)جيء به لأن يترتّب عليه قوله:(وَلْيُمْلِلْ).

1 . القصص:77.

صفحه 239

5. إملاء مَن عليه الحقّ على الكاتب

يجب على مَن عليه الحقّ أن يملي ويعترف بتفاصيل ما عليه من الحقّ، فإنّ الكاتب غير واقف على ما هو الواقع، وإنّما الاعتبار على اعتراف المدين وإمضائه ورقة السند، يقول سبحانه:(وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ).

6. رعاية التقوى لمَن عليه الحقّ

على مَن عليه الحقّ أن يجعل نفسه أمام الله سبحانه، فهو يراه، فيجب أن يملي ما عليه من قليل وكثير وحقير وجليل، كما يقول: (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ): أي يجعل لنفسه وقاية عن عذاب ربّه (وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ): أي من الحقّ (شَيْئًا).

7. قيام إملاء الولي مكان المولّى عليه

ربما يكون المدين غير متمكّن عقلاً أو شرعاً عن بيان ما عليه من الحقّ، كما لو كان سفيهاً، قاصراً في فكره أو مجنوناً أو صغيراً، فيقوم الولي مقام المولى عليه، وعندئذ يجب على الولي نفس ما وجب على المدين العاقل أي الإملاء بالحقّ كما يقول سبحانه:(فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا) كالصغير (أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ) كأن يكون أبكم أو أصم، فعندئذ يقوم الولي مقامه.

8. إملاء الولي بالعدل

إذا كان المولّى عليه معذوراً (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ): أي بالحقّ، فعلى الولي أن يملي بالحقّ كما كان على المولّى عليه أن يملي كذلك، فيكون الولي قائماً مقام المولّى عليه ويكون مكلّفاً بنفس ما وجب على المولّى عليه.

صفحه 240
إلى هنا تمّ توثيق الدين عن طريق الكتابة، ولكن تأكيداً على الحقّ وقطع دابر الخلاف تأتي مرحلة أُخرى، لاكتساب الثقة، وهي:

9. الاستشهاد بشهيدين

ربما يقع الاختلاف في مفاد الكتابة، أو يُفقد ويضيع الكتاب فلأجل اكتساب الثقة، يأمر سبحانه المتداينين بالاستشهاد بشهيدين، كما يقول:(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ).

10 و 11. اشتراط البلوغ والإسلام

ثمّ إنّه يشترط أن يكون الشاهدان بالغَين مسلمَين، ويدلّ على هذين الشرطين قوله تعالى: (مِنْ رِجَالِكُمْ)فالصغير لا يوصف بالرجولية، وغير المسلم ليس (مِنْ رِجَالِكُمْ) .

12. قيام امرأتين مكان رجل واحد

ربما تقتضي الحال الاستشهاد بالنساء كما إذا لم يكن الشاهدان رجلين، بحيث لم يحضر حين التداين رجلان، بل حضر رجل واحد، فعندئذ يستشهد برجل وامرأتين، كما يقول: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ).

13. اعتبار الوثاقة في الشهداء

تعتبر الوثاقة في الشهداء من غير فرق بين الرجلين أو رجل وامرأتين،
كما يقول:(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، وعلى ما ذكرنا فهو قيد للشهداء
على وجه الإطلاق، يقول الطبرسي: وهذا يدلّ على أنّ العدالة شرط في الشهود،

صفحه 241
ويدلّ أيضاً على أنّا لم نُتعبد بإشهاد مرضيّين عند الله لقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ)لأنّه
لا طريق لنا إلى معرفة من هو مرضي عند الله تعالى، وإنّما تعبّدنا بإشهاد مَن
هو مرضي عندنا في الظاهر وهو مَن ترضى دينه وأمانته وتعرفه بالستر والصلاح.(1)
ثمّ إنّ قيام المرأتين مقام الرجل ليس مشروطاً بفقدان الرجلين، فقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ)بيان للواقع، وإلاّ فلو اقتضت المصلحة الاستشهاد برجل وامرأتين مع وجود الرجلين فلا مانع منه، وعلى كلّ تقدير فالشارع أدخل المرأة في شؤون الحياة بعدما كانت بعيدة عنها في الجاهلية.
وربما يطرح سؤال، وهو أنّه لماذا شرط التعدّد في المرأتين؟ وهذا
ما يجاب عنه بأنّ المرأة إنسان عاطفي أوّلاً ربما تحول العاطفة بينها وبين
إظهار الواقع، وثانياً أنّ الأُمور الواقعة على عاتق المرأة من إدارة البيت وتربية الأطفال ربما تكون سبباً لتطرّق النسيان عليها وقلّة حفظها، ولذلك يقول سبحانه: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا): أي تنسى إحدى المرأتين (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى): أي حذّر أن تضلّ إحداهما وتخطأ فتذكر كلّ منهما الأُخرى بما كان، فتكون شهادتها متمّمة لشهادتها، أي أنّ كلّ منهما عرضة للخطأ والضلال فاحتيج إلى قيام الثنتين مكان الرجل الواحد، لأنّهما بتذكير كلّ منهما للأُخرى يقومان مقام الرجل.(2)
ثمّ إنّ المفسّرين المتأخّرين طرحوا هنا سؤالاً وهو: لماذا قال: (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرى)بتقديم الفاعل على المفعول ولم يقل: فتذكرها الأُخرى،

1 . مجمع البيان:2/275.
2 . تفسير المنار:3/123.

صفحه 242
بتقديم المفعول على الفاعل وقد ذكروا للعدول عن الإضمار إلى الإظهار وجوهاً مختلفة أطالوا الكلام فيها حتى أنّ بعضهم صاغ السؤال في أبيات، كالخفاجي، وأجاب عنه الآخر كالغزنوي، وقد نقل كلا الأمرين صاحب المنار وابن عاشور في تفسيريهما.(1)
ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي ذكر وجهاً للعدول، نأتي بنص ما قال: وفي قوله: (إِحْدَاهُمَا الأُخْرى)وضع الظاهر موضع المضمر، والنكتة فيه اختلاف معنى اللفظ في الموضعين، فالمراد من الأوّل إحداهما لا على التعيين، ومن الثاني إحداهما بعد ضلال الأُخرى، فالمعنيان مختلفان.(2)
وعندي أنّ وجه العدول من الإضمار إلى الإظهار هو إناقة اللفظ، فإن لها سهماً في الفصاحة، وكم فرق بين أن يقول: فتذكّر إحداهما الأُخرى، وأن يقول: فتذكّرها الأُخرى، فالتعبير الأوّل أسهل تلفّظاً من الثاني.

14. وجوب الحضور على الشهود عند الدعوة

يجب على الشهود إذا دعوا إلى الشهادة أن يحضروا من غير تأخير ولا عذر كما يقول: (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا). نعم يشترط في لزوم الحضور أن لا يكون الحضور عليهم حرجياً واقعاً في غير موقعه، كما سيوافيك.

15. كتابة الدين جليله وحقيره

ربما يتسامح الكاتب في كتابة الدين فيكتب ما هو الجليل ويسأم من كتابة

1 . لاحظ: تفسير المنار:3/123ـ125; والتحرير والتنوير:2/575 ـ577.
2 . الميزان في تفسير القرآن:2/440.

صفحه 243
غيره تصوّراً بعدم الاهتمام، ولكنّه سبحانه يأمر بكتابة كلّ ما على المدين من الحقّ من غير فرق بين الصغير والكبير، يقول سبحانه: (وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ).
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى جهة ضبط الحقوق بأجمعها بقوله: (ذَلِكُمْ): أي كتابة الدين أو الشهادة (أَقْسَطُ): أي أعدل (عِنْدَ اللهِ)، لأنّه سبحانه أمر به (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ): أي أصوب للشهادة وأبعد من الزيادة والنقصان والسهو والغلط والنسيان (وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتَابُوا): أي أقرب إلى أن لا تشكّوا في مبلغ الحقّ وأجله وغير ذلك.

16. استثناء التجارة الحاضرة

استثنى سبحانه التجارة الحاضرة، من الكتابة، وقال: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا) ووجهه واضح، وأنّ الكتابة للوثيقة، ولا يحتاج للوثيقة إلاّ في النسيئة دون النقد. والظاهر أنّ الاستثناء منقطع، لأنّ الكلام فيما إذا كان هناك دين بنحو من الأنحاء، فالإتّجار مع حضور الثمن والمثمن لم يكن داخلاً حتى يستثنى.

17. الاستشهاد في المعاملة النقدية

مع أنّ المعاملة النقدية غنية عن الكتابة، مع ذلك يستحب فيها الاستشهاد خصوصاً إذا كانت المعاملة جليلة، ربما تقع في معرض الشكّ والترديد بأنّه اختلسه أو سرقه أو اشتراه.
ويستفاد من بعض الروايات الاهتمام بأحد الأمرين: الكتابة والاستشهاد،

صفحه 244
فقد روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أصناف لا يستجاب لهم، منهم: من أدان رجلاً ديناً إلى أجل فلم يكتب عليه كتاباً ولم يشهد عليه شهوداً».(1)

18. عدم إيقاع الضرار على الكاتب والشهيد

لمّا دلّ قوله سبحانه: (وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ) على لزوم ممارسة الكتابة للكاتب، ودلّ قوله سبحانه: (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) على لزوم الحضور، جاء البيان القرآني على أنّ طلب الأمرين منهما محدّد بعدم إدخال الضرر عليهما بأن يُوقع المتعاقدان الكاتب والشاهدين في الحرج والخسارة، كأن طلب منهما الأمرين في غير موقعهما العرفي، أو كانت المسافة بينهما وبين المتعاقدين بعيدة، كما يقول: (وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ).
وعلى كلّ تقدير فإن أوجب ذلك أي الإضرار فهو من الإثم كما يقول: (وَإِنْ تَفْعَلُوا): أي الإضرار (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ): أي خروج عن أمر الله سبحانه، ولعلّ الباء في قوله: (بِكُمْ) للسببية، أي فسق بسببكم، ثمّ إنّ الآية ختمت بفقرتين:
1. (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ).
2. (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).
أمّا الأُولى فقوله: (وَاتَّقُوا اللهَ) بإنجاز جميع أوامره ونواهيه، (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) ما فيه خير لكم ديناً ودنياً، وتعليمه سبحانه عن طريق الوحي إلى أنبيائه.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما قيل: وفي عطف التعليم على الأمر بالتقوى إيماء إلى

1 . الوسائل:5، الباب50 من أبواب الدعاء، الحديث 7.

صفحه 245
أنّ التقوى سبب إفاضة العلوم، غير تام.
أمّا أوّلاً: فلو أُريد هذا كان الأنسب حذف العاطف بأن يقول: «واتّقوا الله يعلمكم الله».
وثانياً: أنّ ما ذُكر مبني على أنّ المراد من تعليم الله إفاضة العلوم على النفس من جانب الغيب، والظاهر أنّ المراد من التعليم هو التعليم عن طريق الأنبياء والأولياء.
وإلى ما ذكرنا يشير السيد الطباطبائي بقوله: وما قيل: إنّ قوله: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)يدلّ على أنّ التقوى سبب للتعليم الإلهي، فيه أنّه وإن كان حقّاً يدلّ عليه الكتاب والسنّة، لكن هذه الآية بمعزل عن الدلالة عليه لمكان واو العطف، على أنّ هذا المعنى لا يلائم سياق الآية وارتباط ذيلها بصدرها.(1)
ومع ذلك كلّه فقد ورد في بعض الآيات أنّ للتقوى أثراً خاصّاً كما في الآيتين التاليتين:
1. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)(2)،فرعاية التقوى تؤثّر في تمييز الإنسان الحقّ عن الباطل.
2. قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)(3)، وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)(4).

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/440.
2 . الأنفال:29.
3 . الطلاق:2.
4 . الطلاق:4.

صفحه 246
فلا شكّ أنّ لطهارة النفس عن الذنوب والدنس يعطي الإنسان أرضية صالحة لأن تُفاض عليه قوة قدسية يميّز بها الحقّ عن الباطل، أو يسهل الله عليه أمره.
وأمّا الفقرة الثانية، فقوله: (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) فيشرّع ما فيه صلاحكم.
ثمّ إنّه كُرر لفظ الجلالة في الفقرتين وقال: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)، والظاهر أنّ التكرار لأجل التأكيد.
نقل الطبرسي عن تفسير علي بن إبراهيم القميّ أنّه قال: إنّ في البقرة خمسمائة حكم وفي هذه الآية خمسة عشر حكماً.(1) ولعلّ تقليل العدد لإدخال بعض الأحكام في البعض الآخر، كما أنّ تكثيره إلى أحد وعشرين على العكس.

الآية الثانية

قال سبحانه:(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).

المفردات

فرهان: الرهان: جمع رهن ويجمع على رُهن، وهو مصدر أُريد به الشيء المرهون، تسمية للمفعول بالمصدر، كالخلق يُراد به المخلوق، ومعنى الرهن أن يُجعل شيء من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه، على نحو لو لم يؤدّ

1 . مجمع البيان:2/277، نقلاً عن تفسير القمي.

صفحه 247
الراهن دينه، فعلى المرتهن استنقاذ حقّه من العين المرهونة بإذن الحاكم.
مقبوضة: أي مأخوذة من الراهن لتقع في يد المرتهن. والقبض شرط صحّة الرهن، أو شرط لزومه، والتفصيل على عاتق الفقه.
وعلى كلّ تقدير فالعين المرهونة أمانة مالكية فلا ينتفع المرتهن من الرهن إلاّ إذا امتنع الراهن عن قضاء الدين.
أمانته: أُريد به الدين في ذمّة المدين.

التفسير

تبيّن ممّا سبق أنّ طريق التوثّق بالدين هو الكتابة منضمّاً إلى الاستشهاد. ثم إنّه يقع الكلام فيما إذا لم يوجد كاتب فيقوم الرهن مقامهما، كما يقول سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر)، فالسفر قيد غالبي وليس مقوّماً للحكم، بل يجوز الرهان حتى إذا كان المتداينان في الحضر.
روى عبد الله بن جعفر (في قرب الإسناد) بسنده عن جعفر بن محمد عن آبائه(عليهم السلام)قال:«لقد قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّ درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله».(1)
ثمّ إنّ صاحب الحقّ لو ائتمن الذي عليه الحقّ ولم يستوثق لا بصك ولا رهن فعلى من عليه الحقّ أداء الحقّ بتمامه، كما يقول: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)أُريد من البعض الأوّل الدائن ومن الثاني المديون، فالفقرة كالتكملة لصورة الرهن في السفر، والمعنى إنّ أمن صاحب الحقّ الذي عليه الحقّ، ووثق به وأتمنه على

1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الدين والقرض، الحديث9.

صفحه 248
حقّه ولم يستوثق منه بصك ولا رهن، (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ): أي المديون الذي عليه الحقّ، يؤد (أَمَانَتَهُ) الدين ولا يبخس منها شيئاً (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ)ولا يتّخذ اعتماد الدائن ذريعة لبخس حقّه.
ثمّ إنّ المنساق من الآية هو أنّ الدائن إذا أمن المديون فعليه ترك أخذ الرهن في السفر، ولكن المقصود هو الأعم، من غير فرق بين السفر والحضر، فمن جانب يرخص للدائن أن يترك أخذ الوثيقة بنحو من الأنحاء، ومن جانب آخر يوصي المؤتمن بأداء الحقّ واتّقاء ربّه.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) في أي مورد من الموارد (وَمَنْ يَكْتُمْهَا): أي الشهادة مع علمه بالمشهود به (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، نسب الإثم إلى القلب لأنّ العزم على الكتمان يقع بالقلب، ولعلّ القلب كناية عن النفس الإنسانية، وهويته الواقعية (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ): أي ما تسرّونه وتكتمونه (عَلِيمٌ).
الآية الثالثة
قال سبحانه: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(1)
المفردات
فنظرة: النظرة: التأخير، وهو اسم قام مقام «الإنظار»، نظير «الآخرة» تقوم مقام «الآخر»، يقال: رأيت فلاناً في آخرة الناس، أي في آخرهم.
ميسرة: بمعنى السعة والغنى.

1 . البقرة:280.

صفحه 249

التفسير

لمّا تقدّم في الآية السابقة على آيتنا هذه قوله: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) وأنّ للمرابي أن يأخذ رأس ماله فقط ويترك الربا، فناسب بيان حكم الغريم المعسر الذي لا يستطيع ردّ رأس المال، فبيّن أنّ للدائن أحد خيارين:
الأوّل: إنظاره إلى ميسرة كما قال:(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة)، (كَانَ) هنا تامّة لا تفتقر إلى خبر كقول الربيع بن ضبع الفزاري:
إذا كان الشتاء فأدفئوني *** فإنّ الشيخ يهدمه الشتاء
أي إن وجد ذو عسرة (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) الفاء جواب الشرط، بمعنى يمهل حتى يتمكّن من أداء الدين، والمراد بالمعسر مَن يعجز عن أداء ما عليه من الدين، فإذا تحقّق العجز وجب الإنظار وحرمت المطالبة والحبس.
ومع القدرة تحلّ المطالبة ويجوز الحبس لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ليّ الواجد يُحلّ عرضه وعقوبته ما لم يكن دينه فيما يكره الله عزّ وجلّ».(1)
واللي: المطل، والعقوبة: الحبس، والعرض: المطالبة.(2)
وأمّا ما هو حدّ الإعسار فقد روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«هو إذا لم يقدر على ما يفضل من قوته وقوت عياله على الاقتصاد».(3)
ثمّ إنّ الإمهال لا يختص بمورد القرض بل يعمّ كلّ دين، وقد نسبه الطبرسي إلى أبي جعفر(عليه السلام). ثمّ لو افترضنا أنّ المديون لم يستطع أداء دينه فقد روي عن

1 . الوسائل: 13، الباب8 من أبواب الدين والقرض، الحديث4.
2 . كنز العرفان:2/57.
3 . مجمع البيان:2/265.

صفحه 250
الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال:(إِلَى مَيْسَرَة) معناه: إلى أن يبلغ خبره الإمام فيقضي عنه من سهم الغارم إذا أنفقه في المعروف.(1)
ثمّ إنّ ما ذكره الطبرسي فهو المروي في «الكافي» عن محمد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمد، قال: سأل الرضا(عليه السلام) رجلٌ وأنا أسمع، فقال له: جعلت فداك إنّ الله عزّ وجلّ يقول:(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عزّ وجلّ في كتابه، لها حدّ يُعرف، إذا صار هذا المعسر إليه لابدّ له من أن ينتظر، وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله، وليس له غلّة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محلّه، ولا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال:«نعم، ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزّ وجل، فإن كان أنفقه في معصية الله عزّ وجلّ فلا شيء له على الإمام»، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه؟ في طاعة الله أم في معصيته؟ قال:«يسعى له في ماله فيردّه عليه وهو صاغر».(2)
الثاني: على الدائن مسامحة المدين بإسقاط الدين عنه وإبرائه، وقد أُشير إليه بقوله:(وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ): أي إن تتصدّقوا فهو خير لكم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ما في هذا العمل من الفوائد، ويعلم أثر هذا العمل من رواية رواها معاوية بن عمّار الدهني، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن أراد أن يظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه، فلينظر معسراً أو ليدع له من

1 . مجمع البيان:2/265.
2 . الكافي:5/94، برقم 5.

صفحه 251
حقّه».(1)
فلو فُسّر التصدّق في الآية بالإبراء تكون النتيجة أنّه لا رجوع بعده، لأنّ إسقاط الدين بمعنى إخلاء ذمّته عنه، ومعه كيف يمكن الرجوع. نعم لا يشترط فيه القبول ولا حضور المديون، لأنّ الدين حقّ للدائن فله أن يطالبه وله أن يسقطه.
ثمّ إنّ قوله سبحانه: (خَيْرٌ لَكُمْ) لعلّه إشارة إلى أنّ الطريق الثاني أفضل من الأوّل لأنّ استيفاء الدين لا يترتّب عليه الثواب بخلاف التصدّق فإنّه يكون مقروناً بالثواب إذا قصد القربة، ولذلك أتمّ سبحانه الآية بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

1 . تفسير العياشي:1/279، برقم618.

صفحه 252
العقود الشرعية
      4

الضمان والكفالة

تمهيد

عُرّف الضمان بأنّه عقد شرّع للتعهّد بمال أو نفس(1)، والتعهّد بالمال قد يكون ممّن عليه للمضمون عنه مال، وقد لا يكون، والضمان المطلق ينصرف إلى مَن ليس عليه للمضمون عنه مال.(2)
فهل الضمان عبارة عن نقل المال من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن، فليس للمضمون له إذا قبل الضمان إلاّ مطالبة الضامن لبراءة ذمّة المضمون عنه؟ أو هو عبارة عن ضمّ ذمّة إلى ذمّة؟ فالإمامية على الأوّل، والفقهاء الأربعة على الثاني، واستدلّ للقول الأوّل بما رواه الشيخ في «الخلاف» عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في جنازة، فلمّا وضعت قال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان، فقال: صَلُّوا على صاحبكم، فقال علي(عليه السلام): هما عليّ يا رسول الله وأنا لهما ضامن، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فصلى عليه، ثمّ أقبل على عليّ(عليه السلام)، فقال: «جزاك الله عن الإسلام خيراً، وفكّ رهانك كما فككت رهان أخيك».(3)

1 . قوله: «أو نفس» لأجل إدخال الكفالة في التعريف فالضمان في مقابل المال، والكفالة في مقابل النفس.
2 . لاحظ: شرائع الإسلام:2/107.
3 . الخلاف:2/8 ; الوسائل:13، الباب3 من أبواب كتاب الضمان، الحديث2.

صفحه 253
غير أنّ السائد في أكثر المجتمعات هو ضمّ الذمّتين احتياطاً، حتى إذا لم يتمكّن الدائن من استيفاء دينه من الضامن، يرجع إلى المضمون عنه.
وعلى كلّ تقدير فهو عقد مشروع تدور عليه رحى التجارة في غالب الأوقات. ويظهر من الآيات التالية كونه مشروعاً في الأُمم السالفة.

الآية الأُولى

قال سبحانه:(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).(1)

المفردات

صواع الملك: إناء يُشرب به ويُكال، وهو يذكّر ويؤنّث.
زعيم: الزعيم: المتكفّل، وربما يطلق على الرئيس، وهي من الزعامة بمعنى الكفالة.
لمّا أراد يوسف أن يحتفظ بأخيه إلى جنبه، فألهمه الله سبحانه من أجل تحقيق بغيته تدبيراً محكماً، ولأجل ذلك أمر يوسف(عليه السلام) بعض فتيانه بدسّ الوعاء الذي يُسقى به في الرحل الخاص بأخيه بنيامين عند تجهيزهم بالطعام، قال سبحانه: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ)، ولمّا أراد أبناء يعقوب الانصراف، نادى المنادي في القافلة: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) وعندئذ صعق أبناء يعقوب لهذا الخبر الذي يُسيء إلى سمعتهم ويغلق عليهم باب

1 . يوسف:72.

صفحه 254
الحصول على الطعام في هذه الظروف العصيبة، ولذا سارعوا إلى فتيان يوسف ليسألوهم عن حقيقة الأمر: (قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ) فأجابهم الفتيان: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)وأضافوا (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير): أي ما يحمله البعير من الطعام بالإضافة إلى ما يستحقّ (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ): أي ضمين وكافل.
الاستدلال بالآية على مشروعية الضمان في الأُمم السابقة، مبني على أنّ عاقد الجعالة، غير الضامن، حتى يتعدّد المضمون عنه والمضمون له، وإلاّ فلا يصحّ الاستدلال لدى الاتّحاد.
وقد دلّت هذه الفقرة على مشروعية الضمان في الأُمم السابقة حيث إنّ النبيّ يوسف(عليه السلام)كان له إشراف على عمل فتيانه. وقد مرّ منّا سابقاً أنّ القرآن الكريم إذا نقل شيئاً من الأحكام السائدة في الأُمم المتقدّمة، فهو حجّة علينا ما لم يثبت نسخه، وهذا ممّا لم يثبت نسخه، فإنّ القرآن كتاب هداية، فما يذكره إنّما هو لأجل العبرة والاعتبار.
إلى هنا تمّ تفسير الآية بحرفيتها. وقد قال الفاضل المقداد: في صدر الآية حكمان:
1. مشروعية الجعالة، أعني قوله: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير)، والجعالة تقع على كلّ عمل محلّل مقصود وإن كان مجهولاً.
2. مشروعية ضمان مالها لأنّه وإن لم يكن لازماً لكنّه آل إليه.(1)
أقول: قوله أخيراً «لكنّه آل إليه» بصدد تصحيح الضمان في المورد، حيث

1 . كنز العرفان:2/66.

صفحه 255
إنّه اشتهر بينهم بطلان ضمان ما لم يثبت أو بطلان ضمان ما لم يجب، والمورد من هذا القبيل حيث لم يثبت لمن جاء به شيء ما لم يؤت بالصواع حتى يضمنه المؤذن، فأجاب عنه(قدس سره) بأنّه آل إليه إلى لزوم العقد ووجدان الصواع.
ولكن الحقّ أنّ باب الضمان أوسع من ذلك فكما يصحّ الضمان على ما وجب وتحقّق، يصحّ على ما فيه اقتضاء الثبوت كالضمان فيما يحتمل أن يكون المبيع مستحقّاً للغير، نفترض أنّ زيداً يشتري لباساً من عمرو، ولكنّه يحتمل أن يكون مسروقاً أو مغصوباً، فيضمنه الثالث، فهو صحح بلا إشكال، لكفاية المقتضي، أعني: البيع الذي هو في مظنة ثبوت الضمان.
الآية الثانية
قال سبحانه:(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ)(1).
لمّا تقدّم في الآيات السابقة الحديث عن عدم مساواة المسلمين مع المجرمين يوم القيامة كما في قوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)(2)، وكان الظاهر من المشركين هو التسوية، ولذلك ردّ عليهم بقوله: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم بقوله: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ): أي سلهم يا محمد أيّهم بذلك زعيم، أي أيّهم كفيل بأنّ لهم في الآخرة ما للمسلمين.(3)فتدلّ الآية على مشروعية الكفالة حين نزول الآية، وأنّ الآية تحاكمهم بأنّه ليس فيكم أحدّ يضمن تلك التسوية ويتكفّلها.

1 . القلم:40.
2 . القلم:35.
3 . مجمع البيان:10/105.

صفحه 256
العقود الشرعية
      5

الصلح

تمهيد

الصلح: عقد شُرّع لقطع التجاذب، وليس فرعاً على غيره، ولو أفاد فائدته.(1)
والحقيقة أنّ الصلح رابطة بين شخصين، كما أنّ البيع نوع رابطة بين المالين، ولذلك يقول سبحانه: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)(2) بخلاف البيع فإنّه مبادلة مال بمال. ولذلك فلو أفاد الصلح معنى (فائدة) البيع، أي تمليك شيء بشيء، لا يكون دليلاً على كون الصلح فرع البيع; بل هو أمر مستقل تختلف نتائجه حسب اختلاف الموارد، ولذلك قال المحقّق: «وليس فرعاً على غيره».
وأمّا الآيات التي ذكرت الصلح، فهي على قسمين:1. ما يدلّ على الصلح مع المعتدي أي التصالح بالعقد، 2. ما يدلّ على حسن التعامل نظير قوله في مورد الأنفال: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)(3)، وكان اللازم الاقتصار على القسم الأوّل، لكنّنا اقتفينا أثر المشايخ الذين درسوا باب الأحكام كالفاضل المقداد في كنزه، فلاحظ.

1 . شرائع الإسلام:2/121.
2 . الحجرات:10.
3 . الأنفال:1.

صفحه 257

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).(1)
قد مرّ تفسير الآية في كتاب الجهاد عند دراسة أحكام البغاة فلاحظ.

الآية الثانية

قال سبحانه:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).(2)
هذه الآية تصف المجتمع الإيماني بأنّه مجتمع أخويّ أي أنّ الرابطة بين أفراده هي رابطة الإخوّة، ووجه التعبير بها هو أنّ العلاقة القوية التي ليس فوقها علاقة مثلها بين إنسانين يعيشان في مستوى واحد هي علاقة الإخوّة، وأمّا علاقة الأُبوّة والبنوّة أو الأُمومة والبنتية وإن كانت أشدّ من علاقة الإخوّة والأُختية، لكن الأب والابن لا يعيشان في مستوى واحد، وهكذا الأُم والبنت، ولذلك اختار سبحانه في الدعوة إلى الوحدة والانسجام علاقة الإخوّة وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

1 . الحجرات:9.
2 . الحجرات:10.

صفحه 258
إِخْوَةٌ).
ثم إنّ هنا سؤالاً وهو: لماذا خصّ المؤمنين بتلك العلاقة القوية، ولم يوسّع موضوعها حتى يصفَ المجتمع الإنساني كلّه بهذه الرابطة، كما نراها في المادّة الأُولى من بيان منظمة الأُمم المتحدة؟
والجواب عن ذلك واضح وهو: أنّ هذه العلاقة التي يصوِّرها الإسلام بين المؤمنين ليست عنواناً تشريفياً وإنّما هي عنوان تترتّب عليه تكاليف ووظائف، ولذلك يقول في المقام بعد بيان الإخوّة (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)مشعراً بأنّ هذه الإخوّة ليست أمراً لفظياً مبنياً على المجاملة، وإنّما هي عنوان يفرض تكاليف على عاتق الأُمة الإسلامية، ولذلك وردت الإخوّة الإسلامية موضوعاً لتكاليف كثيرة في الكتاب والسنّة.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على لزوم وجود الوحدة الفكرية عقيدة وهدفاً بين الأَخوين، فهذا هو الذي يبعثهما على التعاون والتكاتف ، وإلاّ فلو اختلفا عقيدة وهدفاً، لَما وجد المؤمن في نفسه حافزاً للتعامل بهذا الأُسلوب.
وحصيلة الكلام: أن كلّ مجتمع يدور على محور واحد وهو الرؤية الكونية الواحدة(الإيمان بالله واليوم الآخر)، يجد في نفسه ميلاً إلى التعاون مع الآخرين وبناء علاقات سليمة معهم، وعلى العكس من ذلك فلو تخلّى المجتمع عن هذا الأساس الفكري الموحّد لرأيته متّحداً ظاهراً، متفسّخاً من الداخل، وإن نادوا بالوحدة فإنّما يقولون ذلك بألسنتهم، وقلوبهم شتّى، ولذلك خصّ الله سبحانه تلك الأُخوّة بالمؤمنين لا بكلّ الناس، ومع ذلك يرى لكل إنسان وإن كان كافراً حقوقاً خاصّة يتمتّع بها داخل المجتمع الإسلامي، ومن هنا قال الإمام علي (عليه السلام)في

صفحه 259
عهده لمالك الأشتر: «فَإِنَّهُمْ ـ يعني الرعيّة أو الناس ـ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»(1).
إنّ تنزيل المؤمنين منزلة الإخوة لا يريد به القرابة الشرعية كما لا يريد به عنواناً حزبياً يجمع الأفراد في خط سياسي، بل هي تشريع مبني على أساس وجود الإيمان فيهم، تترتّب عليه آثار وأحكام كلّها تشير إلى أنّ الاخوّة ليست شعاراً أجوف أو رمزاً حزبياً، بل هي أُلفة بين المؤمنين وتحابٌّ في الله، وتواصل بينهم ، ولذلك قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى»(2).
وورد عنه أيضاً (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه» (3).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً: «مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأُخرى».(4)
الآية الثالثة
قال سبحانه: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).(5)

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53 .
2 . مسند أحمد: 4 / 270 .
3 . المحجّة البيضاء: 3 / 332 .
4 . الكافي: 2 / 133، باب إخوّة المؤمنين بعضهم لبعض.
5 . النساء:35.

صفحه 260

المفردات

شقاق: الشقّ: الخرم الواقع في الشيء، يقال: شققته نصفين. وأُريد هنا المخالفة، وكونه في شق، والزوجة في شقّ آخر.

التفسير

كان الموضوع في الآية المتقدّمة على هذه الآية هو نشوز المرأة، فأمر سبحانه بأن يكون العلاج بالهجر في المضاجع أو الضرب غير المبرح. وستوافيك دراسة الآية في كتاب النكاح.
وأمّا آيتنا هذه فهي تعالج مرحلة خطيرة في حياة الأُسرة وهي مرحلة حصول الشقاق بين الزوج والزوجة، بحيث ينشق كلّ إلى جانب مباين، فلا يتمكّن الزوج ولا الزوجة من علاجها.
وإلى هذه المرحلة يشير سبحانه بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) ففي هذه الحالة يقوم الحاكم ـ أو من يقوم مقامه الذي أُنيط به تنفيذ الأحكام ـ بتشكيل محكمة صالحة يحضر فيها من كلا الطرفين ممّن لهم فكر صالح لحفظ بناء الأُسرة، كما يقول: (فَابْعَثُوا)الخطاب للإمام أو لمَن يقوم مقامه (حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا). ثم إنّ القيام بتشكيل هذه المحكمة تارة يكون بمباشرة الإمام وأُخرى بمَن يأمره الإمام أن يشكّلها، ففي «الدر المنثور» عن عبيدة السلماني أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام)أمر الفئامين (1) الّذين جاءوا مع الرجل والمرأة «أن يبعثوا

1 . الجماعة الكثيرة.

صفحه 261
حكماً من أهله وحكماً من أهلها».(1)
قلنا إنّ الخطاب في قوله: (فَابْعَثُوا حَكَمًا)لمَن بيده نظام الأُمور، الّذي له كلمة نافذة، ولذلك يقول الشيخ الطوسي: إنّ المأمور ببعث الحكمين هو السلطان الّذي يترافعان إليه .(2)
ثم إنّه سبحانه قيّد المبعوث بالأهل لأنّهم أقرب إلى الاطّلاع على الخفايا ومناهج الإصلاح، والظاهر عدم الانحصار بهم خصوصاً مع عدمهم أو عدم صلاحيتهم .(3)
ثم إنّه يشترط في المبعوث الكفاءة لهذا الأمر وهي تختلف حسب موارد اختلاف الزوجين، فلابدّ أن يكونا بالغين عاقلين، بعيدين عن إعمال الغرض، متحرّين رفع الشقاق وإيجاد الوئام.
نعم ظاهر الآية الإطلاق من غير فرق بين الذكر والأُنثى.
قوله: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا)الظاهر أنّ الضميرين يرجعان إلى الزوجين، أي إن أراد الزوجان نوعاً من الإصلاح من غير عناد ولجاج يوفق الله بينهما.
وربّما يقال: إنّ الضميرين يرجعان إلى الحكمين، فإن أرادا إصلاح شأن الزوجين دون تحيّز إلى جانب دون جانب فالله سبحانه يوفّق بينهما، ويجمع رأيهما على الصواب (إِنَّ اللهَ كَانَ)ولا يزال (عَلِيمًا)بحقائق الأُمور (خَبِيرًا)

1 . تفسير الدر المنثور: 2 / 525 ; تفسير العياشي: 1 / 241 .
2 . التبيان في تفسير القرآن: 3 / 192.
3 . آلاء الرحمن: 2 / 401 .

صفحه 262
بالسرائر والنيّات.
ثم إنّ صاحب الجواهر ممّن رجّح القول الثاني ورتّب عليه قوله: وينبغي للحكمين إخلاص النيّة في السعي وقصد الإصلاح فمَن حسنت نيّته فيما تحرّاه أصلح الله مسعاه، وكان ذلك سبباً لحصول مسعاه، كما ينبّه عليه قوله تعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا)ومفهوم الشرط يقتضي أنّ عدم التوفيق بين الزوجين يدلّ على فساد قصد الحكمين وأنّهما لم يجتمعا على قصد الإصلاح، بل في نية أحدهما أو هما فساد، فلذلك لم يبلغا المراد، والظاهر أنّه هو السبب في الفساد في تحكيم ابن العاص وأبي موسى الأشعري في أيّام صفين .(1) فإنّ نيّة كلّ منهما كانت فاسدة وإن كان الأوّل أشدّ من الثاني، ولذا ترتّب عليه ما ترتّب. والله العالم.(2)

لو اتّفقا على الفراق

ثم إن اتّفقا على بقاء علقة الزوجية فهو، وإلاّ فلو رأوا أنّ الصلاح في التفريق بينهما بالطلاق، فهو يحتاج إلى إذن الزوج.
روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام); قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)؟ قال: «ليس للحكمين أن يفرّقا حتّى يستأمرا».(3)
ولكن يعارضه ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)في قول الله عزّوجلّ:

1 . الكامل لابن الأثير: 2 / 318 .
2 . جواهر الكلام : 31 / 217 ـ 218 .
3 . الوسائل: الباب 12 من أبواب القسم والنشوز والشقاق، الحديث 1 .

صفحه 263
(فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)قال: «الحكمان يشترطان، إن شاءا فرّقا وإن شاءا جمعا، فإن جمعا فجائز، وإن فرّقا فجائز».(1)

الآية الرابعة

قال سبحانه: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).(2)

المفردات

نشوزاً: النشز: المرتفع من الأرض، ونشوز البعل هو رفع نفسه عليها.
الشح: الإفراط في الحرص على الشيء، من غير فرق بين تعلّقه بالمال أو غيره، يقال: شحيح بمودّتك.

التفسير

إنّ الاختلاف بين الزوجين تارة يحصل من ترفّع الزوجة على الزوج، وتصير النتيجة عدم طاعتها له، وهذا ما ذكره سبحانه في الآية 34 من سورة النساء، وأمر بعلاج النشوز بوجوه ثلاثة. ويأتي الكلام فيها في كتاب النكاح; وأُخرى يكون من ترفّع البعل على الزوجة، وتظهر أماراته من معاشرته لها، فهذا ما تذكره آيتنا هذه; وثالثة يكون من ترفّع كلّ على الآخر، وقد مرّ الحديث عنه في الآية

1 . الوسائل: الباب 12 من أبواب القسم والنشوز والشقاق، الحديث 2 .
2 . النساء:128.

صفحه 264
الثالثة.
وعلى هذا يقول سبحانه: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ): أي علمت أو ظنّت (نُشُوزًا): أي إظهار التفوّق والخشونة قولاً وفعلاً، أو أقل من النشوز وإليه يشير بقوله: (أَوْ إِعْرَاضًا): أي السكوت عن الخير والشرّ على نحو يحكي عن تنفّره، فالله سبحانه لا يرضى بالتفرّق وانحلال الأُسرة، فيشير إلى نوع تصالح بينهما ويقول: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا): أي لا تثريب عليه ولا عليها (أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا)ويتّفقا على الصلح وتبقى العصمة، وذلك بتنازل المرأة عن بعض مالها من الحقوق.
نعم إنّما يحلّ للرجل ما يأخذه منها إذا كان برضاها، حيث تعتقد بأنّه خير لها من أن يطلّق. ثمّ إنّه سبحانه يظهر رضاه بالصلح ويقول: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الطلاق والفراق. واللام في قوله:(وَالصُّلْحُ)إشارة إلى الصلح بين الزوجين وهو خير من التفرقة، لا أنّ الصلح مطلقاً جائز.
نعم الصلح خير، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ كلّ إنسان حريص على ماله وحقوقه، فالنساء حريصات على حقوقهن، كما أنّ الرجال حريصون على أموالهم كما في قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ): أي جُعل الشحّ حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً، ولا تنفك عنه، إذ هي مطبوعة له، فيكون كناية عن أنّ الأنفس مطبوعة على الشح، مجبولة عليه. فتعديل الشح في المقام، أصلح لحالهما.
ثمّ إنّ الحرص والطمع بنفسهما من أسباب الحياة والبقاء، إذ لولا الحرص لما اكتسب الإنسان لغده شيئاً ولما ادّخر لأولاده مالاً، ولكن يجب أن تُعدّل هذه

صفحه 265
الغريزة كما يقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1) وأمّا المقام فعلى الزوجة أن تتنازل عن بعض حقوقها وتعدّل حرصها على مالها، فالتنازل هنا لا يُعدُّ عيباً بل كمالٌ; لأنّها تبذل مالها وحقوقها في سبيل تحقيق هدف أعلى وأنبل، ولذلك يقول سبحانه:(وَإِنْ تُحْسِنُوا) المعاشرة (وَتَتَّقُوا) النشوز والإعراض (فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
والآية تدلّ على اهتمام التشريع الإسلامي بحفظ العلاقة الزوجية وعدم انقطاعها مهما أمكن من بذل بعض الحقوق، إلاّ إذا تقطّعت الأسباب وبلغت كراهة كلّ من الرجل والمرأة إلى حدّ لا يرجى اتّفاقهما على استمرار الحياة المشتركة.
ودراسة هذه الآيات في المقام أغنانا عن دراستها في كتابي النكاح والطلاق.

الآية الخامسة

قال سبحانه:(لاَ خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).(2)

المفردات

نجواهم:النجوى: هو اسم مصدر يقوم مقام المصدر وهو السرّ بين الاثنين.

1 . الحشر:9.
2 . النساء:115.

صفحه 266
المعروف: كلّ ما استحسنه العقل أو الشرع، وذكره بعد الصدقة من قبيل ذكر العام بعد الخاص، وإنّما أفرد الصدقة بالذكر رغم أنّها من أقسام المعروف لأنّها الفرد الكامل في الحاجة إلى النجوى بالطبع.
التفسير
الآية ناظرة إلى المسارّة في أُمور الناس أو أُمور المسلمين لغاية التخطيط للإضرار بهم، ولذلك نهى عنها سبحانه وقال: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ) السرّ بين الاثنين، لأنّ الغالب عليه هو الإضرار بالآخرين، ثمّ استثنى موارد ثلاثة:
1. (إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة) فإنّ إظهارها قد يؤذي المتصدّق عليه ويضع من كرامته.
2. (أَوْ) أمر بـ(مَعْرُوف) فالذي يأمر بالمعروف على مسمع من الناس، يورث الإيذاء، ولأجل ذلك كانت النجوى به أبعد عن الأذية، وأقرب إلى القبول والإمضاء.
3. (أَوْ) أمر بـ(إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ)، فالإصلاح بينهم ـ أيضاً ـ من الخير الذي قد يترتّب على إظهاره والتحدّث به في الملأ شرّ كثير، فالإصلاح بين الناس يحتاج فيه إلى الكتمان.(1)
بقي هنا كلام وهو أنّ المستثنى منه هو النجوى الذي هو السرّ بين الاثنين، وأمّا المستثنى منه فهو الشخص، كما قال:(إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة)، فتكون الآية نظير قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(2)، فإنّ البرّ مصدر أُخبر عنه

1 . تفسير المنار:5/206ـ207 بتصرف.
2 . البقرة:177.

صفحه 267
بالشخص. وقد مرّت الإجابة عن ذلك في البحوث السابقة. وذكرت في المقام وجوه أوضحها تقدير كلمة «نجوى» بأن يقال: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ)نجوى (مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ).

الآية السادسة

قال سبحانه:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).(1)

المفردات

الأنفال: جمع نفل وهو الزيادة على الشيء، وأُريد هنا الغنائم الحربية.

التفسير

الآية تدلّ على أمرين:
1. وجود السؤال عن حكم الأنفال.
2. وجود الشقاق والاختلاف بين المجاهدين. و الأمر بالتقوى وإصلاح الحال.
أمّا الأوّل فيدلّ عليه قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ): أي لمَن هي، وبيد من تقع؟ فأُجيبوا بقوله سبحانه: (قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ) وبذلك قطع النزاع في أمر الأنفال. ثم جاء في آية الخمس ما يبيّن مصارف الخمس من الغنائم،

1 . الأنفال:1.

صفحه 268
فالأخماس الأربعة للمجاهدين والخمس الخامس للأصناف الستة.
وأمّا الثاني فقوله: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وتدلّ هذه الفقرة على حصول النزاع والتخاصم بين القوم في أمر الأنفال، ولذلك يقول:(فَاتَّقُوا اللهَ): أي اتركوا المنازعة وارضوا بما حكم به الرسول (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ): أي الحال الذي بينكم، واجتنبوا الجدال، والشقاق وكونوا إخواناً متحابّين. وقد مرّت دراسة الآية على وجه التفصيل في مبحث الجهاد.
إلى هنا تمّ الكلام في دراسة الصلح بالمعنى الأعم، سواء أكان عقداً أو غيره. وكان اللازم الاقتصار على الأمر الأوّل لأنّ موضوع البحث هو العقود، وقسم من هذه الآيات وإن ورد في الصلح ولكن أُريد به التصالح العملي والأخلاقي والاجتناب عن الجدال، غير أنّا اقتفينا في ذلك كتاب «كنز العرفان» وغيره.
***

تنبيه

قوله تعالى:(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)(1). له علاقة بموضوع الصلح، كما له علاقة بالطلاق، فلنترك البحث فيها إلى كتاب أحكام الطلاق، فانتظر.

1 . البقرة:229.

صفحه 269
 
العقود الشرعية
      6

الإيداع والوديعة

تمهيد

وربما يعبّر عنه بالوديعة وتعرّف بأنّها عبارة عن استنابة في الحفظ، ويفتقر إلى إيجاب وقبول ويقع بكلّ عبارة دلّت على معناها، ويكفي الفعل الدالّ على القبول. ولو طرح الوديعة عنده لم يلزمه حفظها إذا لم يقبلها، وكذلك لو أكره على قبضها لم تصر وديعة ولا يضمنها لو أهمل.(1)
لما كانت الحياة في القرون السابقة حياة بسيطة، هذا من جانب ومن جانب آخر عدم توفّر الأمن في البيوت خصوصاً إذا كان صاحب البيت شخصاً مغموراً، فلم يكن بد لأصحاب الأمانات إلاّ أن يودعوها عند الأُمناء من الناس الذين كان بإمكانهم حفظ الودائع. فصار ذلك سبباً لتشريع أحكام الوديعة. ولذلك فعلينا دراسة ما ورد من الآيات حول هذا العقد.

الآية الأُولى

قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا

1 . شرائع الإسلام:2/163.

صفحه 270
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).(1)

المفردات

الأمانات:يتبادر من الأمانة الوديعة المالية عند الغير، غير أنّ مقتضى صلة الآية بما قبلها إرادة الأعم، ويشمل الأُمور المعنوية المودعة عند الإنسان، كما لو كان سرّاً أو نصيحة وغير ذلك.

التفسير

الأمانة مشتقّة من الأمن الحاصل من حسن الظن بالمستأمن فيجب عليه أن يكون كذلك فتحرم عليه الخيانة والتعدّي والتفريط بإهمال أسباب حفظها من المؤذيات، ويختلف ذلك بحسب اختلاف الأمانة في كيفية حفظها عرفاً.(2)
تتضمّن هذه الآية بيان أمرين:
1. وجوب أداء الأمانة إلى أهلها.
2. وجوب القضاء بالعدل والحكم به.
إنّ هذه الآية ومابعدها التي تأمر بإطاعة الله وإطاعة الرسول وأُولي الأمر

1 . النساء:58.
2 . كنز العرفان:2/76.

صفحه 271
«منكم» من غرر الآيات في سورة النساء، وفي الحقيقة يُعدّ مضمونهما أساساً للحكومة الإسلامية، ويشكّلان اللحمة والسداة لها.
إنّ الحكومة التي تضمن نجاة الشعب ورُقيّه وتقدّمه، مبنية على أمرين:
1. قانون رصين.
2. حاكم عادل.
فالآية الأُولى تشير إلى الأمر الأوّل وهو ردّ الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، والآية الثانية تأمر بإطاعة الله والرسول وأُولي الأمر، وعلى هذا فعلى الباحث أن يتدبّر في مضمون الآيتين حتى يصل إلى ما أراده الله سبحانه من الخير للأُمّة.
فلنفسّر الآية الأُولى فقط لأنّها هي مورد الدراسة.
إنّ في هذه الآية احتمالين:
الأوّل: أنّ الآية بحكم صلتها بما قبلها تهدّد اليهود، حيث إنّهم لم يؤدّوا الأمانات الإلهية إلى أهلها، فيكون الغرض من الخطاب للمؤمنين، الردّ على علمائهم وأحبارهم حيث كتموا أحكام الله سبحانه فراج بينهم الربا مع أنّهم نهوا عنه وكتموا بشائر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فخانوا أمانات الله سبحانه، ولذلك يقول تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، وأمّا قوله سبحانه: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ففيه أيضاً ردّ على اليهود حيث إنّ كعب بن الأشرف وغيره جاروا في الحكم، فرجّحوا الوثنية على التوحيد.
وعلى هذا الاحتمال فيكون نطاق الآية ضيّقاً إذ أنّها تكون ناظرة إلى رد عمل اليهود وقضائهم وحكمهم. ودعوة المؤمنين على خلافهم في مورد

صفحه 272
الأمانات. ويكون المقصود: الدعوة إلى العمل بما في الكتب السماوية من الأحكام لأنّها أمانات الله سبحانه وردّها عبارة عن تبليغها والعمل بها.
الثاني: أنّ الآية ضابطة كلّية في مجال الأمانات من غير فرق بين عقيدة وتشريع كما مرّ في الاحتمال الأوّل، أو سرّ من الأسرار، أو أمر مالي، حتى الأولاد فهم أمانات الله بيد الوالدين، كما أنّ الفقرة الثانية كذلك، دعوة إلى القضاء بالحقّ في أي مجال من المجالات، فيكون نطاق الآية وسيعاً ويشكّل أساساً للمجتمع الراقي المزدهر. وفي الوقت نفسه لا مانع من أن تكون ردّاً على اليهود لكن تلويحاً لا تصريحاً.
والذي يؤيّد المعنى الثاني عمل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وتطبيق الآية على عمله، قال السيوطي: لمّا فتحَ رسولُ الله مكّة دعا عثمان بن أبي طلحة، فلمّا أتاه قال: أرني المفتاح. فأتاه به، فلمّا بسط يده إليه قدم العباس فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأُمّي اجعله لي مع السقاية. فكفّ عثمان يده، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أرني المفتاح يا عثمان. فبسط يده يعطيه، فقال العباس كلمته الأُولى. فكفّ عثمان يده، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح». فقال: هاك بأمانة الله. فقام ففتح باب الكعبة...
ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أيّها الناس هذه القبلة، ثم خرج فطاف بالبيت»، ثم نزل عليه جبريل ـ فيما ذكر لنا ـ برد المفتاح، فدعا عثمان بن أبي طلحة فأعطاه المفتاح، ثم قال: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)».(1)
والظاهر أنّ الآية نزلت قبل فتح مكّة، وإنّما استدلّ بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على فعله،

1 . تفسير الدر المنثور:2/570.

صفحه 273
وأنّه دفع المفتاح إلى عثمان بن أبي طلحة ولم يدفعه إلى عمّه العباس، لأجل أنّه سبحانه أمر بدفع الأمانات إلى أهلها.
وممّا يدلّ على أنّ المراد من الأمانات أعمّ من الأمانة المالية، قوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)(1)، وعلى ذلك فقد خان علماء أهل الكتاب وذلك بكتمانهم صفات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يؤدّوا الأمانة إلى الناس.
وأمّا ما رواه المعلّى بن خنيس عن أبي عبد الله(عليه السلام) في تفسير الآية من أنّ الله أمر الإمام الأوّل أن يدفع إلى الإمام الذي بعده كلّ شيء عنده.(2) فهو من باب تطبيق الكلّي على مورده، وليس معنى ثالثاً.

نفثة مصدور(3)

قد تقدّم أنّ المراد من الأمانات (في الآية) هو أعمّ من المالية وغيرها، فتعمّ الأحكام الشرعية فهي أمانات عند العلماء والوعّاظ، فعليهم أن يبلغوها إلى الناس ويجسّدوا بذلك ردّ الأمانات إلى أهلها.
ومن تلك الأحكام أنّه سبحانه نهى عن تولّي مَن أخرج المسلمين من ديارهم وظاهروا على إخراجهم، وصرّح به في كتابه وقال: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ

1 . آل عمران:187.
2 . البرهان في تفسير القرآن:3/131.
3 . النفثة هو الرمي، المصدور: ذو وجع في الصدر، أي شكوى مكروب وتنفّس مهموم.

صفحه 274
تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).(1)
فعلى حملة الكتاب والسنّة من العلماء الواعين أن يبلّغوا الحكّام والقادة ما نهى عنه سبحانه في هذه الآية حتى يقوموا بوظائفهم التي على عاتقهم فإنّهم أُمناء الله في أرضه على كتابه وسنّة رسوله بعد العترة الطاهرة.
وقد شهد التاريخ على أنّ الطغمة الصهيونية المحتلّة حاربوا المسلمين وقتلوهم من كبيرهم إلى صغيرهم ودمّروا بلادهم وأخرجوهم من عقر دارهم، فعلى العلماء والوعّاظ بيان كلّ ذلك موضوعاً وحكماً، أمّا الموضوع فالتاريخ المعاصر شاهد عليه، ولم تزل أراضي المسلمين بيدهم، بل يتوسّعون في كلّ يوم.
ولكن يا حسرة على علماء المسلمين في الديار المقدّسة حيث إنّهم بصدد تبرير جواز إقامة العلاقات الرسمية مع الطغمة الغاصبة لفلسطين تزلّفاً إلى حكّامهم وطمعاً بهداياهم، وهذه خيانة واضحة لأمانات الله، وقد نهى الله سبحانه عنها، فهؤلاء وعّاظ السلاطين وعلماء الدنيا، لا وعّاظ الإسلام وعلماء الدين.
ونعم ما يقول سبحانه في ختام الآية، أعني قوله تعالى:(إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ): أي نعم الشيء الذي يعظكم به لصلاح دنياكم وآخرتكم، ذلك (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا): أي عالماً بأقوالكم (بَصِيرًا)بأفعالكم.
ثمّ إنّ موقع (كانَ) في قوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) لبيان استمرار هذا الوصف، أي كان سميعاً وهو مستمر إلى الآن، وليس شيئاً زائداً.
وأمّا الأمر الثاني، أعني: القضاء بالعدل، فلعلّه يأتي الكلام فيه في كتاب

1 . الممتحنة:9.

صفحه 275
القضاء بإذن الله سبحانه.

الآية الثانية

قال سبحانه:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ).(1)

المفردات

بقنطار:القنطار، جمعه قناطير، وزن اختلف في مقدار موزونه مع الأيام، والجميع يتّفق في أنّه المال الكثير، والذي يجمع جميع الأقوال تقسيم أهل الكتاب إلى صنفين: أمين وخائن .
بدينار: الدينار أصله دنّار بنونين فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الاستعمال طلباً للخفّة، وجمعه دنانير وأُريد هنا المال القليل.
الأُميّين: جمع الأُمّي منسوب إلى الأُمّ، ويراد مَن لا يقرأ ولا يكتب، بقي على الحالة التي وضعته أُمّه.

التفسير

الآية تبيّن لنا حالة من أحوال قسم من أهل الكتاب، ولعلّ المراد هم اليهود،

1 . آل عمران:75.

صفحه 276
فإنّهم يخونون أموال مَن ليس إسرائيلياً ويستحلّونها غروراً بعقائد باطلة من أنّهم أبناء الله تعالى أوّلاً، والشعب المختار ثانياً، وليس عليهم سبيل في الأُميّين ـ أي العرب ـ ثالثاً. ثمّ إنّهم ينسبون عملهم القبيح إلى الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فلندخل في تفسير الآية.

أهل الكتاب بين أمين وخائن

قوله سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) الخطاب في قوله: (تَأْمَنْهُ)غير متوجّه إلى مخاطب معيّن; بل هو كناية عن أي مخاطب يمكن أن يكون مخاطباً له. وفي تقسيمه سبحانه أهل الكتاب إلى قسمين منهم مَن يحترم أموال الناس قليلة كانت أو كثيرة، دليل على النَّصفَة وإعطاء كلّ حقّه، وأمّا القسم الآخر الذي سيق له الكلام ما يشير إليه بقوله:(وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) والدينار كناية عن المال القليل فكيف إذا كان المال كثيراً؟!
جُعل الاسم الظاهر في الآية(أَهْلِ الْكِتَابِ) مكان الضمير «منهم» لأجل التنديد بهم، فإنّهم مع كونهم من أهل الكتاب الذين يأمرهم كتابهم بدفع الأمانات إلى أهلها يعملون على خلاف ذلك حتى يخونون بالمال القليل ولا يردّونه على صاحبه (إِلاَّ) في حالة خاصّة أي قوله: (إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا): أي قائماً على رأسه تطلب منه مالك بالإلحاح وربّما برفع الأمر إلى القضاء.
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى مبدأ هذا العمل مع الآخرين: (ذَلِكَ): أي وجه الخيانة لأموال الناس (بِأَنَّهُمْ): أي (بِـ)سبب (أَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): أي ليس علينا أيّ تبعة وذنب، فغرورهم بأنّهم الشعب المختار صار سبباً لهذا الاعتقاد الفاسد، فهم بعملهم هذا يخونون الناس ويأكلون أموالهم بلا هوادة،

صفحه 277
وفي الوقت نفسه يخونون الله ويكذبون عليه وينسبون عملهم إلى الله كما يقول: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
إنّ الخيانة على وجه الإطلاق وبالنسبة إلى أموال الناس عمل قبيح يذمّه العقلاء والفطرة، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(1) وبما أنّ مورد الخيانة هو الأموال غالباً يقول سبحانه بعد هذه الآية:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(2).
روى الطبرسي قال: روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لمّا قرأ هذه الآية قال: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدمي إلاّ الأمانة، فإنّها مؤدّاة إلى البر والفاجر».(3)
وقد عقد صاحب الوسائل في كتابه باباً أسماه «وجوب أداء الأمانة إلى البر والفاجر» فقد روى فيه عن الحسين بن مصعب الهمداني قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «ثلاث لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برّين كانا أو فاجرين».(4)
وروى أيضاً عن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبياً إلاّ بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر».(5)

1 . الأنفال:27.
2 . الأنفال:28.
3 . تفسير نور الثقلين:1/422، برقم 191.
4 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث1.
5 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث7.

صفحه 278
وروى الصدوق في أماليه عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) يقول لشيعته: «عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً لو أنّ قاتل أبي الحسين بن علي(عليهما السلام) إئتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته إليه».(1)

الآية الثالثة

قال سبحانه:(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).(2)

التفسير

قد سبق في البحث عن أحكام الدين تفسير هذه الآية وبيان معاني مفرداتها، وقلنا إنّ المراد بالأمانة في الآية هو الدين الذي على المدين، فإذا ائتمن الدائن المديون ولم يأخذ منه الرهن، فعلى المديون أن يؤدّي إلى الذي أؤتمن أمانته.
إلى هنا تمّ الكلام فيما يرجع إلى الأمانة، حيث إنّ الأمانة تنقسم إلى أمانة مالكية استأمنها المالك كالوديعة والعارية والرهن والإجارة وغيرها، وإلى شرعية

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث13.
2 . البقرة:283.

صفحه 279
(أي استأمنها الشارع) وهي المسمّاة بالأمانة الشرعية.
وقد ذكر الفاضل المقداد أقسامها وقال:
الأُولى: إطارة الريح الثوب إلى داره، فيجب الإعلام أو أخذه وردّه إلى مالكه.
الثانية: انتزاع الصيد من المحرم أو من مُحلّ أخذه من المحرم.
الثالثة: انتزاع المغصوب من الغاصب بطريق الحسبة.
الرابعة: أخذ الوديعة من صبيّ أو مجنون خوف إتلافها.
الخامسة: تخليص الصيد من جارح ليداويه أو من شبكة في الحرم.(1)

1 . كنز العرفان:2/77.

صفحه 280
 
العقود الشرعية
      7

العارية

العارية: عقد ثمرته التبرّع بالمنفعة، ويقع بكلّ لفظ، يشتمل على الإذن في الانتفاع، وليس بلازم لأحد المتعاقدين.(1)
ويشترط في العين المعارة ما يصحّ الانتفاع به مع بقاء عينه كالثوب والدابّة. وتصحّ إستعارة الأرض للزراعة والغرس والبناء، ويقتصر المستعير على القدر المأذون. لما مرّ من أنّ منفعة كلّ شيء بحسبه، كما تجوز استعارة الشاة للحلب وهي «المنحة».
ولم نجد في القرآن الكريم ما يدلّ على صحّة هذا العقد إلاّ ما أُشير إليه في «كنز العرفان» في قوله تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).(2) وفيه تأمّل، لاختلاف كلماتهم في تفسير «الماعون» على أقوال، فقد فُسّر بوجوه، هي:
1. الزكاة المفروضة.
2. ما يتعاوره الناس بينهم، من الدلو والفأس والقدر والماء والملح.

1 . شرائع الإسلام:2/171.
2 . الماعون:7.

صفحه 281
3. هو القرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره، ومنه الزكاة، وهذا هو المروي عن الإمام الصادق(عليه السلام).(1)
وفسّره في «كنز العرفان» بأنّه عبارة عمّا يتعاون به عادة، فإذا كان المنع مذموماً، يكون عدم المنع في معرض المدح، وذلك هو المطلوب.(2)
ثمّ إنّ العارية أمانة مالكية لا تضمن إلاّ عند التفريط، وأمّا لو شرط الضمان، فهل يصحّ أو لا؟ أو يختصّ إذا كانت العين المعارة ذهباً أو فضة؟ فالتفصيل في محلّه.

1 . لاحظ: تفسير نور الثقلين:5/679.
2 . كنز العرفان:2/79.

صفحه 282
 
العقود الشرعية
      8

عقد المسابقة و الرماية

عقد المسابقة يفتقر إلى إيجاب وقبول، فعلى هذا فهو عقد لازم كالإجارة ثم إنّ العقد يتوقّف على وجود المتسابقين أوّلاً، والسَبَق (بفتح الباء) أي المال المبذول للسابق، ثانياً، وبه فُسّر الحديث المعروف: «لا سبق إلاّ في نصل أو خف أو حافر».(1) والنصل حديدة السهم والمراد من ذي نصل وذي خف وذي حافر وأمّا السّبْق ـ بسكون الباء ـ فهو بمعنى المسابقة.
ثمّ إنّ المال المبذول تارة يبذله غير المتسابقين، وهو صحيح إجماعاً، ولو بذله أحدهما، يقول المحقّق: صحّ عندنا، ولو بذله الإمام من بيت المال، جاز.(2)ويمكن الاستدلال عليها ببعض الآيات:

الآية الأُولى

قوله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف:(قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).(3)

1 . مستدرك الوسائل:14/81، الحديث8، الباب3 من أبواب كتاب السبق والرماية.
2 . شرائع الإسلام:2/237، في عقد المسابقة والرماية.
3 . يوسف:17.

صفحه 283
ويمكن أن يقال: إنّ الاستدلال بإطلاق قولهم: (نَسْتَبِقُ) فرع حجّية ما في الشرائع السابقة علينا، ولا تتم إلاّ بالاستصحاب.
قد تقدّم منّا أنّ هذه الشبهة غير صحيحة جدّاً; لأنّ الكتاب العزيز كتاب هداية لعامّة القرون، وما ورد فيها إنّما ورد لأجل العبرة والاعتبار، فلا معنى لنقل ما كان باطلاً في شريعتنا، ولذلك نأخذ لكلّ ما ورد فيها من الأحكام في الشرائع السابقة، إلاّ إذا قام الدليل القطعي على النسخ أو على بطلانه.
إنّما الكلام في وجود الإطلاق في الآية، إذ لم يثبت أنّ استباقهم كان بالرمي وغيره، لعلّه كان بالعدو أو صعود الجبل والهبوط منه أو برفع الحجر الكبير وحمله.

الآية الثانية

قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ).(1)

المفردات

أعدّوا: من الإعداد: اتّخاذ الشيء لغيره، ممّا يحتاج إليه في أمره.
استطعتم: قدرتم.
رباط: ربط الفرس أي شدّه في مكان للحفظ، ومنه رباط الخيل، وسمّي المكان الذي يُخصّ بإقامة حفظة فيه: رباطاً.

1 . الأنفال:60. قد مرّت دراسة الآية في كتاب الجهاد أيضاً بلا تكرار في منهج التفسير.

صفحه 284
ترهبون: من الإرهاب: إزعاج النفس بالخوف.

التفسير

وجه الاستدلال: أنّ الآية تبعث الأُمّة الإسلامية إلى إعداد القوّة ما استطاعوا إلى ذلك، ومن المعلوم أنّ السبق والرماية هما من أساليب التربية العملية للمجاهدين لتهيئتهم لخوض الحرب والقتال.
يقول المحقّق: وفائدة السبق والرماية بعث العزم على الاستعداد للقتال، والهداية لممارسة النضال.(1)
ثمّ إنّه يقع الكلام فيما يُسابق به، فهل يقتصر على ما ورد في الروايات، ففي الحديث: «إنّ الملائكة لتنفر من الرهان وتلعن صاحبه إلاّ في النصل والريش والخفّ والحافر».(2)
ويدخل في النصل: الرمح والسيف والسهم، وفي الخف: الإبل والفيلة، وفي الحافر: الفرس والبغل والحمار.(3)
أو يمكن التعدّي إلى غير ما ورد في الحديث؟
يظهر من المحقّق الاقتصار في الجواز على النصل والخف والحافر، وقوفاً على مورد الشرع.(4)
ثمّ إنّ الشهيد الثاني بنى المسألة (الاقتصار وعدمه) على قراءة السبق في

1 . شرائع الإسلام:2/235.
2 . من لا يحضره الفقيه:2/216.
3 . لاحظ: كنز العرفان:2/80 ، وشرائع الإسلام:2/236.
4 . لاحظ: شرائع الإسلام:2/236.

صفحه 285
الحديث بالسكون أو بالفتح، فلو قرأ بالسكون يُراد به (عقد المسابقة وفعلها) فتكون النتيجة لا يقع إلاّ في الثلاثة، فيكون ماعداها غير جائز; وأمّا لو قرأ بالفتح يُراد به المال لا العمل، فتدلّ على وجوب الاقتصار في المال على الثلاثة دون العمل.
ثمّ إنّ الشهيد الثاني استقرب الجواز لكونه موافقاً للأصل خصوصاً مع ترتّب غرض صحيح على تلك الأعمال.(1)
أقول: لو قلنا بالاقتصار على النصل والخف والحافر تصبح الآية مختصّة بالعصور السالفة، حيث كانت الحرب معتمدة على هذه الوسائل، وهذا بعيد عن شأن الكتاب الخالد والشريعة الخاتمة، ولذلك نرى أنّ الأُمم المتحضرة يُقيمون مناورات عسكرية تشترك فيها الطائرات المقاتلة والسفن الحربية وأنواع الآليات والدبابات وقاذفات الصواريخ.
ويقسّمون جيوشهم إلى قسمين، بافتراض قسم منهم يمثّلون العدو، وقسم آخر يمثّلون المدافعين عن البلاد، وتجري المناورات والمسابقات بين القسمين ويحدّد الفائز، والمنتصر حسب تحقيقه للأهداف المرسومة له، وكلّ هذا يدخل في الإعداد والتهيّؤ للقتال والدفاع.
أقول: يقع الكلام في هذه المناورات أو المسابقات في موردين:
1. لو خلت عن أي رهان وسَبْق، فلا إشكال في جوازه بل هي تجسيد لقوله سبحانه: (وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوّة) مضافاً إلى أنّه فعل عقلاني له آثار بنّاءة لغاية الدفاع عن النظام والبلد الإسلامي.

1 . لاحظ: مسالك الأفهام:6/70.

صفحه 286
وما في كلام النبي «لا سبق إلاّ في ثلاث»، نظرٌ إلى المسابقات الباطلة في زمانه كعقدها في رفع الحجر الثقيل. أو الصعود إلى الجبل الرفيع إلى غير ذلك ممّا لا يترتّب عليه أثر عقلاني وليس ناظراً إلى الرائج في زماننا مضافاً إلى أنّ الأصل العملي هو الجواز.
2. إذا كانت مع الرهان، فبما أنّ من المحتمل قراءه السبق بالفتح، فالأحوط ترك الرهان.
***

صفحه 287
العقود الشرعية   
      9

الشُفعة

تمهيد

عُرفت الشُّفعة بأنّها: استحقاق أحد الشريكين حصّة شريكه بسبب انتقالها بالبيع.(1)
وموضوعها عند الإمامية: كلّ عقار مشترك بين اثنين فيبيع أحدهما حصّته لغيره فللآخر الانتزاع من المشتري مع بذل الثمن له، ولها شروط مذكورة في الكتب الفقهية، وفائدتها إزالة الضيق والضرر الحاصل من الشركة الجديدة.
هذه هي حقيقة الشفعة، ولم نجد في القرآن الكريم نصّ عليها، غاية ما يمكن الاستدلال على أصل الشفعة لا على خصوصياتها بالآيات النافية للحرج وأنّه سبحانه يُريد اليسر لا العسر، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2)، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(3).
***

خاتمة

إلى هنا تمّ ما يرجع إلى العقود، بقي في المقام أُمور لا صلة لها بالعقود لكن

1 . شرائع الإسلام:3/253.
2 . الحج:78.
3 . البقرة:185.

صفحه 288
لها صلة بأموال الناس وإليك دراستها:

1. اللقطة: الشيء الذي يجده الإنسان من غير قصد

قال الشيخ: أخذ اللقيط(المال الملقوط) واجب على الكفاية; لأنّه تعاون على البر، ولأنّه دفع لضرورة المضطر، ويقول المحقّق بعد نقل هذا الكلام: والوجه الاستحباب.(1) ويشير الشيخ بقوله: «تعاون على البر» إلى قوله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(2) والأولى التركيز في الكتب المؤلّفة حول آيات الأحكام، الاقتصار على الموضوعات التي ورد فيها النص في الذكر الحكيم، والإشارة إلى الموضوعات التي لم يرد فيها نصّ إلاّ العمومات والإطلاقات كما هو الحال في السبق والرماية والشفعة واللقطة.

2. حكم الغصب

عُرّف الغصب بأنّه الاستيلاء على مال الغير بغير حقّ.
وعرّفه المحقّق بقوله: هو الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدواناً، ولا يكفي رفع يد المالك ما لم يُثبت الغاصب يده.(3) ويمكن استنباط حكمه من بعض العمومات، كما في قوله: سبحانه:(وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(4)، وقوله تعالى: (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)(5).
***

1 . شرائع الإسلام:3/285، في أحكام اللقيط.
2 . المائدة:2.
3 . شرائع الإسلام:2/235.
4 . البقرة:188، والنساء:28.
5 . التوبة:35.

صفحه 289
العقود الشرعية
      10

الوصية

تمهيد

عُرّفت الوصية بأنّها تمليك عين أو منفعة بعد الوفاة، وتفتقر إلى إيجاب وقبول، والإيجاب كلّ لفظ دلّ على ذلك القصد كقوله: اعطوا فلاناً كذا بعد وفاتي، أو لفلان، كذا بعد وفاتي، أو أوصيت له. وينتقل بها الملك إلى الموصى له بموت الموصي وقبول الموصى له ولا ينتقل بالموت منفرداً عن القبول على الأظهر.(1)
هذا ما ذكره المحقّق، وهو ناظر إلى قسم من أقسام الوصية لأنّها على أقسام ثلاثة: إمّا تمليكيّة، كأن يوصي بشيء من تركته لزيد، ويلحق بها الإيصاء بالتسليط على حقّ.
وإمّا عهدية، كأن يوصي بما يتعلّق بتجهيزه، أو باستئجار الحجّ أو الصلاة أو نحوهما له.
وإمّا فكّية تتعلّق بفكّ ملك كالإيصاء بالتحرير.(2)
ونحن ندرس ما جاء من الأقسام في الذكر الحكيم.

1 . شرائع الإسلام:2/243.
2 . تحرير الوسيلة:2/581، كتاب الوصية.

صفحه 290

الآيات: الأُولى والثانية والثالثة

قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

المفردات

كتب:فيه دلالة على الاهتمام والتأكيد على المكتوب. كما مرّ في قوله سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ).(2)
حضر: أُريد من حضور الموت، ظهور علائمه وأماراته من مرض وهرم وغيرهما لوضوح أنّ الإيصاء عند حضور الموت أمر غير ممكن.
خيراً: الخير: ما يرغب فيه الناس، وضدّه الشر، وأُريد به هنا المال. نقل الراغب عن بعض العلماء أنّه سُمّي المال هاهنا خيراً تنبيهاً على معنى لطيف، وهو أنّ الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعاً من المال من وجه محمود، وعلى هذا قوله:(قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ)(3)، وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللهُ)(4).(5)

1 . البقرة:180 ـ182.
2 . البقرة:178.
3 . البقرة:215.
4 . البقرة:197.
5 . المفردات للراغب:160، مادة «خير».

صفحه 291
بالمعروف: الشيء الذي لا جور فيه ولا حيف وقد عرفه الناس بهذا الوصف.
حقّاً: منصوب بفعل مقدّر أي حقّ حقّاً، وهو آية التأكيد على الوصية.
يبدلونه: من التبديل: تغيير الوصية.
جنفاً: جوراً، وانحرافاً عن الحقّ كالإيصاء بأزيد من الثلث.
إثماً: إيصاءً بالمعصية كصرف المال في المورد المحرّم.

التفسير

الإيصاء أمر حسن في كافّة فترات العمر، وليس الإيصاء علامة على دنوّ الأجل والاقتراب من الموت، بل هو وقاية عن ضياع المال والحقوق. نعم خُصّ بالذكر عند حضور أسباب الموت كالمرض الشديد والتقدّم في العمر.
روى الإمام الصادق(عليه السلام) عن آبائه في وصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي(عليه السلام) أنّه قال:«يا علي أُوصيك بوصية فأحفظها فما تزال بخير ما حفظت وصيتي... إلى أن قال: يا عليّ! مَن لم يُحسن وصيته عند موته كان نقصاً في مروءته ولم يملك الشفاعة».(1)

سعة رقعة الوصية

إنّ متعلق الوصية أمر غير مقيّد بشيء، فالوصية تارة للوارث وأُخرى لغيره، وآيتنا هذه تذكر كلا الموردين.

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوصايا، الحديث2.

صفحه 292
قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ): أي فُرض عليكم (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ): أي علائمه وأسبابه من مرض وهرم (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا): أي مالاً، وأمّا المكتوب فهو قوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ)فهما من مقولة الوصية للوارث (وَالأَقْرَبِينَ) أعمّ من الوارث وغيره. ثمّ إنّه سبحانه يقيّد الوصية لهما بقوله: (بِالْمَعْرُوفِ) الظاهر أنّ القيد راجع إلى الموصى له فليس له أن يوصي للغني ويترك الفقير ويوصي للقريب، ويترك الأقرب، ويحتمل أن يرجع إلى مقدار الوصية، فالإيصاء بدرهم ـ مثلاً ـ لا يُعدّ معروفاً.
ثمّ إنّ قوله: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) بمعنى حقّ حقاً لازماً على مَن تمسّك بالتقوى. وهذا التعبير يعرب عن كونه حكماً لازماً غير منسوخ.
ثمّ إنّ الاهتمام بالوصية للوارث مع أنّه يرث التركة حسب سهمه، لأجل أنّه ربما يوجد بين الورثة مَن تعسّرت ظروفه المالية وأقعدته الحاجة، خلاف بقية الورثة. فالحكمة تقتضي أن يخصّ الموّرث شيئاً من ثلث ما يملك له، وبذلك يسدّ خلّته وتتحسّن ظروفه .
نعم هنا كلام وهو أنّه ربما توهم أنّ الآية منسوخة بآية المواريث أو منسوخة بالسنة على ما رواه أصحاب السنن من أنّه لا وصية للوارث، وسنناقش هذا الموضوع بعد الفراغ من تفسير الآية.

النهي عن تبديل الوصية

الآية تدلّ على أنّ الإيصاء إذا كان جامعاً للشرائط، غير خارج عن الحدود التي حدّدها الشارع، يجب العمل به ويحرم تغييره، كما يقول:(فَمَنْ بَدَّلَهُ)، الضمير يرجع إلى الإيصاء الذي يدلّ عليه ذكر الوصية، ولذلك جاءت الضمائر

صفحه 293
كلّها مذكّرة (بَعْدَ مَا سَمِعَهُ) وعلم به ولو بعد البيّنة (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ): أي إثم التبديل (عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ): أي على المبدلين، دون الميّت، فلو أوصى الميّت بحقوق الآخرين، لكن الوصي بدّل وغيّر وحرّف، فلم يصل الحقّ إلى أصحابه، فالميّت بريء والمغيّر مأثوم.
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لوصاياكم (عَلِيمٌ) بأفعالكم... ويكفي في قبح هذا الفعل ما روي عن محمد بن مسلم أنّه قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أوصى بماله في سبيل الله؟ قال:«أعطه لمن أوصى له، وإن كان يهودياً أو نصرانياً، إنّ الله يقول:(فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ).(1)
وروى الحسين بن سعيد عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال:«لو أنّ رجلاً أوصى إليَّ أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعت فيهم إنّ الله يقول: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ).(2)
ثمّ إنّ الحكم عام يشمل كلّ مبدل، سواء أكان الوصي أم غيره.

إذا أوصى بغير الحقّ

لمّا تقدّم في الآية السابقة من حرمة تبديل الوصية جاء البيان القرآني لاستثناء صورة خاصّة من هذا التبديل، وهو ما إذا عدل الموصي عن طريق الحقّ، سهواً كما يقول: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا)انحرافاً عن الحقّ، كما إذا أوصى

1 . الوسائل:13، الباب35 من أبواب الوصايا، الحديث5.
2 . الوسائل:13، الباب35 من أبواب الوصايا، الحديث6.

صفحه 294
بأزيد من الثلث، ولا يكون ذلك إلاّ بالغفلة والسهو (أَوْ إِثْمًا)وعمداً، كما إذا أوصى بصرف الثلث في أُمور محرّمة (فَأَصْلَحَ) الوصي. والجملة الخبرية كناية عن إنشاء الإصلاح وإلزامه (بَيْنَهُمْ): أي بين الموصي والموصى لهم (فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)، والتعبير بعدم الإثم لأجل دفع توهّم الحظر، ولا ينافي كونه أمراً واجباً، فلو قام بذلك فالله سبحانه يقول: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) للذنوب (رَحِيمٌ) بالمذنبين.
قلنا: إنّ المراد من الجنف هو الإيصاء بما زاد عن الثلث، والإثم صرف الثلث في المحرّمات، وقد صدرنا في ذلك عمّا رواه القمّي عن الصادق(عليه السلام)قال:«مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كلّه لبعض ورثته ويَحرم بعضاً، فالوصي جائز له أن يردّه إلى الحقّ وهو قوله: (جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) فالجنف الميل إلى بعض ورثته دون بعض، والإثم أن يأمر بعمارة بيت من بيوت النيران واتّخاذ المسكر، فيحلّ للوصيّ أن لا يعمل بشيء من ذلك».(1)
اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث، سواء أصدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة. وإن كان الأفضل في بعض المذاهب أن لا يستوعب الثلث بالوصية.(2)
وأمّا في مقدار الثلث فتنفذ وصيّته عند الإمامية في الأقرب والأجنبي، ومن غير فرق في الأقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الأربعة فأجازت الوصية للأقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له، سواء أكان

1 . تفسير القمّي:1/65.
2 . المغني لابن قدامة: 6/78.

صفحه 295
بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة.

الإيصاء للوارث غير منسوخ

قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث (غير الموصى له) ردّها. وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء (1) وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه.(2)
وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.(3)
وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصحّ، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله بذلك، فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث». رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.(4)
ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ أن يعطوه عطية مبتدأة (5) ـ ومع هذا التصريح ـ ينقل الشيخ محمد جواد مغنية: كان

1 . سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
2 . الانتصار: 308.
3 . الخلاف : 4 / 135، المسألة 1، كتاب الوصايا .
4 . المغني: 6/79ـ80.
5 . المصدر نفسه.

صفحه 296
عمل المحاكم في مصر على المذاهب الأربعة، ثمّ عدلت عنها إلى مذهب الإمامية، وما زال عمل المحاكم الشرعية السنّيّة في لبنان على عدم صحّة الوصية للوارث، ومنذ سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث ورغبوا إليها في تبنّيه.(1)
والأولى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في جواز الوصية قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والأقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ).(2)
المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب
أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمَن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون
الفقير خارج عن المعروف، فإنّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.
والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصيّة ثم عمّم الموضوع وقال: (وَالأقْرَبِينَ)ليعمّ كل قريب، وارثاً كان أم لا.
وهذا صريح الكتاب ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله. وقد أجاب القائلون بعدم الجواز، عن الاستدلال بالآية بوجهين:

1 . الفقه على المذاهب الخمسة: 465.
2 . البقرة: 180.

صفحه 297

1. الآية منسوخة بآية المواريث

إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نُسِختْ الوصيةُ للوالدين بالفرض في سورة النساء، وتثبت(الوصية) للأقربين الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم.(1)

2. المراد الوالدان الكافران اللّذان لا يرثان

إنّ الآية محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة.
والفرق بين القولين واضح إذ مرجع الأوّل إلى نسخ جواز الإيصاء للوالدين، وأنّه لا يوصى لهما مطلقاً وارثين كانا أو ممنوعين من الإرث لأجل الكفر والرقّ، وتقييد جواز الإيصاء للأقربين بما إذا كانوا غير وارثين.
ومرجع الثاني إلى إنكار النسخ، لكن تقييد جواز الإيصاء للوالدين بما إذا كانا ممنوعين من الإرث.
ويشارك هذا القول الوجه الأوّل في تقييد الأقربين بغير الورثة.
يلاحظ على الأوّل: بوجوه ثلاثة :
1. لسان الآية آب عن النسخ حيث عبّر عن الحكم بأنّه حكم مُحكم مستحكم لا يزول، وأتمّ الآية بقوله: (حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ) .
2. يشترط في النسخ تقدّم المنسوخ على الناسخ أوّلاً، وكون النسبة بينهما هو الإثبات والنفي، وكلا الشرطين غير محرزين، أو غير موجودين:

1 . تفسير القرطبي: 2/ 262 ـ 263 .

صفحه 298
أمّا الأوّل فإنّه لم يثبت تقدّم الإيصاء للوالدين على آية المواريث حتى يكون الثاني ناسخاً للأوّل. فآية الإيصاء وردت في سورة البقرة وهي مدنيّة وآية المواريث وردت في سورة النساء وهي أيضاً مدنيّة ولم يحرز تقدّم الأُولى على الثانية نزولاً.
وأمّا الثاني فإنّ النسبة بين الآيتين نسبة الإثبات دون أن تكون إحداهما مثبتة والأُخرى نافية.
وقد عرفت أنّه لا منافاة أن يكتب سبحانه على الإنسان وراء الإرث، الإيصاء للوالدين والأقربين، بما لا يتجاوز الثلث.
3. أنّ الإرث بعد الإيصاء، فالميراث في طول الوصية، ولا يصحّ للمتأخّر أن يعارض المتقدّم، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين والوصية، قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)(1)، وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ
الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً
أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن
)(2)، فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.
وممّن اعترف بما ذكرنا الشيخ محمد عبده، كما حكى عنه تلميذه، قال: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، وبأنّ السياق ينافي النسخ،

1 . النساء:11.
2 . النساء:12.

صفحه 299
فإنّ الله تعالى إذا شرّع للناس حكماً، وعلم أنّه مؤقّت، وأنّه ينسخه بعد زمن قريب، فإنّه لا يؤكّده ويوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصيّة هنا من كونه حقّاً على المتقين، ومن وعيد لمن بدّله.(1)

نقد القول بتخصيص الآية بالكافرين

هذا كلّه حول القول الأوّل من ادّعاء النسخ، وأمّا القول الثاني وهو تخصيص الوالدين بالممنوعين من الإرث من كفر أو رقّ، فهو أيضاً كالقول بالنسخ ; لأنّه إذا كان المراد الممنوعين من الوراثة فما معنى هذا التأكيد والاهتمام في الآية مع ندرة المصداق أو قلّته بالنسبة إلى غير الممنوعين، إذ عندئذ تكون الآية بمنزلة قولنا: «الوصية للوالدين، إلاّ المسلمين»، فيكون الباقي تحت العام قليلاً جداً، ويكون من قبل التخصّص المستهجن، فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكلّ والد ووالدة، والأقربين ممنوعين كانوا أم غيرهم.

آية الوصيّة منسوخة بالسنّة

قد علمت أنّ آية الوصيّة محكمة لم تنسخ بالكتاب ولم يقيّد إطلاقها، بل هي آية محكمة مطلقة يجب الأخذ بها، إلاّ أنّه ربما يقال: إنّ آية الوصيّة نسخت بالسّنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإليك نقل الرواية سنداً ومتناً عن سنن الترمذي، حيث روى في باب: ما جاء «لا وصية لوارث» هذين الحديثين:
1. حدّثنا علي بن حجر وهنّاد قالا: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، حدّثنا

1 . تفسير المنار:2/136.

صفحه 300
شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في خطبته عام حجّة الوداع:«إنّ الله قد أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر».(1)
2. حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب على ناقته وأنا تحت جِرانها(2) وهي تقصع(3) بجرّتها(4)، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: «إنّ الله أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر».(5)

ملاحظات على القول بنسخ الآية بالسنّة

يلاحظ على هذا القول بوجوه:
1. الكتاب العزيز، قطعيّ السند، وصريح الدلالة في المقام، وظاهر الآية كون الحكم أمراً حتميّاً وأنّه مكتوب على المؤمنين، وهو حقّ على المتّقين، أفيصحّ نسخه أو تخصيصه برواية واحدة، لم تخلو أسانيدها من خلل ونقاش، فرواتها من مخلّط، إلى أروى الناس عن الكذّابين، إلى مَن لا يرى ما يخرج من رأسه، إلى ضعيف أُختتن في كبر سنّه، إلى بائع دينه بخريطة، إلى مسنِد ولم ير

1 . سنن الترمذي: 4/ 293، باب ما جاء «لا وصية لوارث»، رقم الحديث: 2203.
2 . الجران: مقدّم عنق البعير، جمعه «جُرن».
3 . تقصع: قصعت الناقة بجرتها أي ردّتها إلى جوفها، وقيل: أخرجتها وملأت بها فاهها.
4 . الجرّة: ما يجترّه البعير من بطنه.
5 . سنن الترمذي:4/293، باب ما جاء «لا وصية لوارث» رقم الحديث2204.

صفحه 301
المسند إليه، إلى محدود أُجري عليه الحد في مكّة، إلى خارجي يضرب به المثل، إلى...، إلى...، إلى....(1)
ولو قلنا بجواز نسخ الكتاب فإنّما نقول به إذا كان الناسخ، دلالة قرآنية أو سنّة قاطعة.
2. كيف يمكن الاعتماد على رواية تدّعي أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب في محتشد كبير لم ينقل لنا التاريخ له مثيلاً في حياة النبي إلاّ في وقعة الغدير، وقال: إنّه لا وصية لوارث، ولم يسمعه أحد من الصحابة إلاّ أعرابي مثل عمرو بن خارجة الذي ليس له رواية عن رسول الله سوى هذه(2)، أو شخص آخر كأبي أُمامة الباهلي، وهذا ما يورث الاطمئنان على وجود الخلل فيها سنداً أو دلالة.
3. لو سلم أنّ الحديث قابل للاحتجاج، لكنّه لا يعادل ولا يقاوم ما تواتر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من جواز الوصية للوارث. فهذا هو محمد بن مسلم أحد فقهاء القرن الثاني، من تلاميذ أبي جعفر الباقر(عليه السلام)يقول: سألت أبا جعفر عن الوصيّة للوارث؟ فقال:«تجوز»، ثم تلا هذه الآية:(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ).
وهذا أبو بصير المرادي شيخ الشيعة في عصر الصادق(عليه السلام) يروي عنه أنّه سأله عن الوصية للوارث؟ فقال: «تجوز».(3)

1 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/166ـ177،ترى أنّ في عامة الأسانيد ضعفاً. وأنّ بعض رواتها موصوفون بما ذكرنا وفقاً لقول أهل الجرح والتعديل.
2 . الإصابة :2/527; تهذيب الكمال:21/599; الثقات:3/271.
3 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2 و 3، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح بجواز الوصية للوارث.

صفحه 302
4. أنّ التعارض فرع عدم وجود الجمع الدلالي بين نصّ الكتاب والحديث، إذ من المحتمل جدّاً أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر قيداً لكلامه، ولم يسمعه الراوي،
أو سمعه وغفل عن نقله، أو نقله ولم يصل إلينا، وهو أنّه مثلاً قال: «ولا
تجوز وصية للوارث» إذا زاد عن الثلث أو بأكثر منه. ومن حسن الحظ أنّ الدارقطني نقل الحديث بهذا القيد، قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنى فقال: «إنّ
الله عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا يجوز لوارث وصية إلاّ
من الثلث».(1)
وقد ورد من طرقنا عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في خطبة الوداع:«أيّها الناس إنّ الله قد قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز وصية لوارث بأكثر من الثلث».(2)
وبعد هذه الملاحظات الأربع لا يبقى أيّ وثوق بالرواية المنقولة بالصورة الموجودة في كتب السنن.
أضف إلى ذلك: أنّ الإسلام دين الفطرة، ورسالته خاتمة الرسالات، فكيف يصحّ أن يسد باب الإيصاء للوارث، مع أنّه ربّما تمسّ الحاجة إلى الإيصاء للوارث، بعيداً عن الجور والحيف، من دون أن يثير عداء الباقين وحسد الآخرين كما إذا كان طفلاً، أو مريضاً، أو معوّقاً، أو طالب علم، لا تتسنّى له الدراسة إلاّ بمساعدة الآخرين.
كلّ ذلك يدعو فقهاء المذاهب في الأمصار، إلى دراسة المسألة من الأصل،

1 . سنن الدارقطني: 4 / 154، الوصايا، الحديث 12 و 13.
2 . تحف العقول:34.

صفحه 303
عسى أن يتبدّل المختلَف إلى المؤتَلف، والخلاف إلى الوفاق، بفضله وكرمه سبحانه.
***

الآية الرابعة

قال سبحانه:(وَلاَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن).(1)

التفسير

تقديم الوصية والدين على تحديد التركة

هذه الآية ناظرة إلى مَن مات عن أب وأُمٍّ ولم يكن له ولد كما يقول:(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُِمِّهِ الثُّلُثُ) والباقي (أي الثلثان)للأب.
نعم إنّ للأُمّ الثلث إذا لم يكن لها حاجب، بمعنى أنّه إذا كان للميّت إخوة من الأبوين أو من الأب فهؤلاء لا يرثون ولكنّهم يحجبون الأُمّ عن الثلث وينزل فرضها من الثلث إلى السدس كمايقول: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ)والأسداس الخمسة الباقية للأب. كلّ ذلك أي هذه التقسيمات والفرائض(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن) فتقسيم التركة بعد إخراج الوصية والدين. فالآية تدلّ

1 . النساء:11.

صفحه 304
على تقديم الوصية والدين على التقسيم.
ربّما يطرح السؤال وهو: أنّ الميت إذا مات عن أب وأمّ فللأُمّ الثلث إذا لم يكن للميت أخ وإلاّ فيحجب الأخ الأُمّ فيكون سهم الأُمّ هو السدس، والسؤال هو أنّ الأخ لا يرث الميّت بل يحجب الأُمّ فما هو السبب في ذلك؟
والجواب: أنّ الأخ وإن كان لا يرث ولكن نفقته على الأب دون الأُمّ، ولذلك ازداد سهم الأب ونقص سهم الأُمّ فللأُمّ السدس والأسداس الخمسة للأب.
ومعنى الآية: تقسّم التركة على الوجه الذي ذكر بعد قضاء الدين والوصية التي أوصى بها، ومعنى (أَوْ) الإباحة، وفيها إشارة إلى أنّه لو كان أحدهما أو كلاهما، قُدّم على قسمة الميراث.
ثمّ إنّ ظاهر الآية كون الدين والوصية في درجة واحدة، لكن الأخبار دلّت على أنّ الدين إن كان مستغرقاً للتركة قُدّم على الوصية، وعلى الإرث، وإن لم يكن مستغرقاً كانت الوصية نافذة في ثلث الباقي بعد إخراج الدين.
***

الآية الخامسة

قال سبحانه:(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ

صفحه 305
يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ).(1)

التفسير

تقديم الوصية والدين على تحديد التركة

يؤكّد الله سبحانه على تقديم الوصية والدين على تقسيم الورثة في موارد ثلاثة: نقتصر على مواضع الحاجة:
1. إرث الزوج من الزوجة، يقول سبحانه: (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن).
2. إرث الزوجة من الزوج، قال سبحانه: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن).
3. إرث الأخوين أو الأُختين من الأُمّ، قال سبحانه: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ) أي فلو مات رجل أو امرأة ولكلّ أخ أو أُخت من الأُمّ فلكلّ السدس، ذلك الفرض لكن لو كانوا أكثر من ذلك فللجميع الثلث كما يقول: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ)إلاّ أنّه (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن) وأمّا تفسير مجموع الآيات الواردة في الميراث فيأتي على وجه التفصيل في دراستنا لكتاب الميراث، فانتظر.

1 . النساء:12.

صفحه 306

الآية السادسة

قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ).(1)

المفردات

ضربتم في الأرض: سافرتم.
مصيبة الموت: علائم الموت.
تحبسونهما: تقفونهما، كما تقول: مرّ بي فلان على فرس، فحبس على دابته، أي وقف.
ارتبتم: شككتم في صدق الشهادة.

التفسير

إنّ الآية بوجازتها تؤكّد على الوصية كما تؤكّد على الشهادة عليها، وتتضمّن بيان أُمور أربعة:
1. إذا أحسّ الإنسان بعلائم الموت فعليه الإيصاء والإشهاد على الوصية،

1 . المائدة:106.

صفحه 307
فلو تمكّن من الإشهاد بالمؤمنين فهو، بشرط أن يكونا عدلين.
2. لو كان في سفر ولم يتمكّن من الإشهاد على الوصية بمؤمنين، فعليه أن يُشهد عليها باثنين من أهل الكتاب.
فإذا جاء الشاهدان إلى ورثة الميّت ودفعوا إليهم ما أوصى به ولم يكن هناك ريب فيقبل قولهم. وهذا هو المفهوم من الآية وإن لم يذكر منطوقاً، لعدم الحاجة إلى ذكره لكونه معلوماً.
3. فإن كان هناك ريب في صدق قولهما، وإن لم يقطعوا بالخيانة عليهم، فعلى الورثة إقسامهما بعد الصلاة على صدق الشهادة وأنّهما غير خائنين.
هذا هو مفهوم الآية فلندخل في تفسيرها.
أمّا الأمر الأوّل ـ أي الإيصاء عند الموت والإشهاد على الوصية بعدلين ـ فيستفاد من قوله سبحانه: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)، حيث تبحث الآية عن عدد الشهود عند الإيصاء والإشهاد، وهو يدلّ على التأكيد على أصل الإيصاء والإشهاد بعدلين.
وأمّا الأمر الثاني وهو إذا لم يتمكّنوا من ذلك، كما إذا كنتم في سفر ولم يكن معكم أحد من المسلمين، فليأخذ شاهدين من أهل الكتاب فيشير إليه بقوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ): أي من غير المسلمين لا من غير عشيرتكم (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ): أي كنتم في السفر (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) ونزلت بكم مقدّمات الموت وأردتم الإيصاء.
وأمّا الأمر الثالث، أعني: إذا كان هناك ريب في صدق الشاهدين وشككتم وخشيتم أن يكونا قد غيّرا أو بدّلا أو كتما أو خانا فيجب إيقافهما إلى ما بعد صلاة

صفحه 308
العصر وحلفهما على صدق الشهادة، وعدم الخيانة كما يقول:(تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ إِنِ ارْتَبْتُمْ): أي تقفونهما بعد الصلاة أو مطلق الصلاة أو بعد صلاة العصر عند فراغ الناس عن العمل عند وجود الريب في صدق شهادتهما. وأمّا المقسم به فيشير إليه بقوله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ): أي تحليف الشاهدين على الوصية إن شككتم في صدقهما.
وأمّا المقسم عليه فكما هو في قوله: (لاَ نَشْتَرِي بِهِ): أي باليمين (ثَمَنًا) ولا نجعل يمين الله كالسلعة التي تبذل لأجل ثمن ينتفع به في الدنيا، حتى (وَلَوْ كَانَ)المقسم له (ذَا قُرْبى): أي من أقربائنا، لأنّ الله سبحانه أمر بالعدل وإن لم يتم بصالح ذوي القربى، أو تمّ على ضرره كما قال: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى).(1)
ثم يؤكّدان على صدقهما في الشهادة على الوصية بقولهما (وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ) التي أوجبها الله تعالى علينا، وإلاّ صرنا (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ).
ثمّ إنه إذا ظهر كذب الشاهدين فالآية الثانية تتكفّل ببيان حكم هذا الحال، وسيأتي تفصيل ذلك في دراستنا لآيات كتاب الشهادات.
وفي الختام نذكر بعض ما ورد من الروايات حول الآية:
1. روى الكليني عن هشام بن الحكم بسند صحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قال: «إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة مَن ليس بمسلم على الوصية».(2)

1 . الأنعام:152.
2 . الكافي:2/354، باب شهادة أهل الملل، الحديث6; الوسائل:13، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث4.

صفحه 309
2. وروى أيضاً عن يحيى بن محمد، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ
الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
)، قال: «اللّذان منكم
مسلمان، واللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب
فمن المجوس، لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سنّ في المجوس سنّة أهل الكتاب
في الجزية».(1)
وممّا ذكرنا يظهر أنّ تفسير قوله سبحانه: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ) بالأقارب، وتفسير قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)بالأجانب، غير صحيح لما عرفت من الروايات، خصوصاً بالنسبة إلى ما روى الفريقان في شأن نزول الآية.(2)
ثمّ إنّ الظاهر أنّ اشتراط السفر في جواز شهادة الذميّين من باب القيد الوارد في الغالب، فإنّ الإنسان إنّما يفقد المسلم لتحمّل الشهادة، في الأسفار غالباً لا في الأوطان، يقول الفاضل الجواد: والأكثر من الأصحاب على عدم اعتبار السفر، قالوا: والتقييد في الآية والأخبار من حيث إنّه خرج مخرج الأغلب لا من حيث إنّه شرط.(3)
ويؤيّده ما رواه ضريس الكناسي عن الباقر(عليه السلام) قال: سألته عن شهادة أهل الملل، هل تجوز على رجل مسلم من غير أهل ملّتهم؟ فقال: «لا، إلاّ أن لا يوجد

1 . الكافي:2/235، باب الإشهاد على الوصية، الحديث6; الوسائل:13، الباب 20 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث6.
2 . لاحظ: الوسائل:13، الباب21 من أبواب كتاب الوصايا، ما أخرجه الكليني عن علي بن إبراهيم عن رجاله.
3 . مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام:3/124.

صفحه 310
في تلك الحال غيرهم، وإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية; لأنّه لا يصلح ذهاب حقّ امرئ مسلم ولا تبطل وصيته».(1)
والرواية لا تخلو من قوّة لأنّ الراوي عن ضريس الكناسي هو أبو أيوب الخزّاز وهو من أعاظم أصحابنا، فلو لم تثبت وثاقة ضريس الكناسي; لتعدّده بين الثقة والمهمل، فيكفي نقل الخزّاز عنه في الاعتماد على الرواية.
***

1 . الوسائل:13، الباب20 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.

صفحه 311
 
العقود الشرعية
      11

في أحكام الحجر

الحجر هو المنع، والمحجور شرعاً هو الممنوع من التصرّف في ماله، ثمّ ذكر أنّ موجباته ستة: الصغر، والسفه، والرق، والمرض المتصل بالموت، والفلس، والجنون.(1)
والذي ورد في الذكر الحكيم هو: الصغر، والسفه، والرق، وأمّا الأسباب الأُخرى فإنّما ورد حكمها في السنّة. فلندرس ما ورد حولها من الآيات.

أوّلاً: الحجر بسبب الصغر

إنّ من موجبات الحجر هو الصغر غير أنّ الآيات التي سندرسها تركّز على قسم من الصغار وهو اليتيم الذي مات أبوه.
الآية الأُولى
قال سبحانه:(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا).(2)

1 . شرائع الإسلام:2/99.
2 . النساء:2.

صفحه 312

المفردات

اليتامى: جمع اليتيم، واليتم: انقطاع الصبي عن أبيه قبل بلوغه، أي موت أبيه قبل بلوغه، وربما يطلق على البالغ الذي انقضى عنه اليتم، ولعلّه هو المراد في الآية بقرينة دفع أمواله إليه فيكون إطلاقه عليه بعلاقة من مضى.
الخبيث: يطلق على الرديء.
الطيّب: الجيّد، حيث كان الأولياء يأخذون الجيّد من أموال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء.
حوباً: الحوب: الإثم.

التفسير

تدلّ الآية على محجورية اليتيم عن التصرّف في أمواله التي هي تحت يد أوليائه، بشهادة أنّه سبحانه يأمر بدفع أموال اليتامى إليهم، بعد البلوغ، ومعنى ذلك المحجورية قبله.
والآية تتحدّث عن أُمور ثلاثة:
1. دفع أموال اليتامى إليهم.
2. النهي عن تبديل الخبيث بالطيّب.
3. النهي عن ضمّ أموال اليتامى إلى أموال الأولياء تملّكاً وغصباً.
أمّا الأوّل فيقول سبحانه:(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) لا مطلقاً; بل إذا بلغوا

صفحه 313
النكاح والرشد، كما يأتي في الآية التالية.(1)
والفقرة تدلّ على أنّ الواجب على أولياء اليتامى صيانة أموالهم من الضياع والحفاظ عليها حتى يسلّموها إليهم، إذا كانوا مؤهّلين للأخذ والحفظ.
وأمّا الثاني فيقول سبحانه: (وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): أي لا تجعلوا الخبيث بدلاً من الطيّب.
غير أنّ الكلام ما هو المراد من الخبيث والطيّب؟ وأُريد من الخبيث مال الصبي، وقد وصف به لأجل حرمته، والطيّب هو مال الولي وصف به لأجل حلّيته. ومعنى الجملة: لا تستبدلوا ما حرّم الله تعالى عليكم من أموال اليتامى بما أحلّه الله لكم من أموالكم. وما ذكرناه لا ينافي من أنّ الأولياء كانوا يأخذون الجيّد من أموال اليتيم ويجعلون الرديء بدلاً عنه، فالجيّد مع جودته خبيث لكونه حراماً، والرديء لرداءته طيّب لكونه حلالاً.
وأمّا الثالث: فقوله: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ) منضمة (إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، وأطلق الأكل وأُريد به الأخذ والغصب، وهذا النوع من الاستعمال كثير، لأنّ الأكل هو الغاية القصوى من أفعال الناس.
ثمّ إنّه سبحانه علّل حكمه هذا بقوله: (إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) ولعلّه علّة للأحكام الثلاثة.

أكل مال اليتيم من الكبائر

إنّ التصرّف في مال اليتيم تصرّف في مال مَن لا يستطيع أن يدافع عن ماله

1 . لاحظ: النساء، الآية 6.

صفحه 314
وشؤونه، وهو موجود ضعيف يعيش في أحضان الولي، الذي يترقّب منه الاهتمام بماله، لكنّه يا للأسف لا يحترم ماله ويغصبه وكأنّه ماله.(1)
ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه ينهى عن الاقتراب إلى مال اليتيم فضلاً عن التجاوز والتصرّف فيه، كما يقول: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(2).
ومع ذلك فالله سبحانه لا يعزل الولي عن مال اليتيم على وجه الإطلاق; بل يسمح له بالتصرّف بالمال بما يصلحه وينميه، كما في قوله سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)(3).

الآية الثانية

قال سبحانه:(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا).(4)

المفردات

ابتلوا: من الابتلاء بمعنى الاختبار.

1 . يلاحظ: الأنعام:151ـ152.
2 . الأنعام:151.
3 . البقرة:220.
4 . النساء:6.

صفحه 315
النكاح: الزواج: أي الوصول إلى السن التي يكون بها الغلام مستعدّاً للزواج ومن علائمه الاحتلام ولذلك يقول سبحانه:(وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ)(1)أي إنزال الماء الدافق المتحقّق في الاحتلام والجماع. نعم للبلوغ علامات أُخرى أفضلها هو الاحتلام، ومنها السن المخصوص في الإناث والذكور، ونبات الشعر الخشن على العانة.
آنستم: عرفتم أو أبصرتم أو أحسستم.
رُشداً: الرشد:أُريد الرشد الاقتصادي لا في مجالات أُخرى، كأن يميّز ما يُصلح ماله عمّا يفسده. ويكفي ذلك ولا يشترط الرشد الذي لا علاقة له بصلاح ماله. ويؤيّد ذلك تنكير الرشد أي رشداً خاصّاً ماليّاً، لا سياسياً ولا اجتماعياً.
إسرافاً: الإسراف: التجاوز عن قدر الحاجة.
بداراً: تسرّعاً.
فليستعفف: بترك الانتفاع بمال اليتيم ويقتنع بما رزقه الله من الغنى اشفاقاً على اليتيم.
بالمعروف: أي بقدر الحاجة.

إعراب فقرات الآية

بما أنّ لتبيين إعراب الآية تأثيراً في إيضاح مفادها نذكر شيئاً منه:
1. قوله: (إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)، فـ (إِذَا) في الفقرة ظرفية لا شرطية ولا تحتاج إلى الجواب، والمعنى: واختبروا اليتامى إلى زمان بلوغهم النكاح (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ

1 . النور:59.

صفحه 316
رُشْدًا)، وبما أنّه يتضمّن معنى الشرط فهو بحاجة إلى الجزاء، وهو قوله: (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ).
2. الظاهر أنّ قوله: (إِسْرَافًا وَبِدَارًا) مصدران لبيان نوع الأكل.
3. قوله: (أَنْ يَكْبَرُوا) مفعول به لبداراً، بتقدير «خوفاً من أن» والمعنى لا تأكلوها إسرافاً وبداراً خوفاً من أن يكبروا فيأخذوه منكم.
4. قوله: (فَلْيَسْتَعْفِفْ)، قال الزمخشري: واستعفّ أبلغ من عفّ كأنّه طالب زيادة العفّة.(1)
بالسين زيادة العفّة.
أقول: وقد تنظّر فيه الفاضل المقداد قائلاً بأنّ السين يطلب بها الفاعل أصل الفعل لا زيادته نحو: استكتب.(2)
أقول: لكن الغالب هو الأوّل.

التفسير

أمر سبحانه في آيتنا بدفع أموال اليتامى إليهم، واقتضى ذلك أن يذكر الوقت الذي يدفع فيه أموالهم، لكونهم محجورين لصغرهم فيلزم ضرب أمد خاص لحجرهم، وليس اليتامى كالسفهاء الذين ربما يمتدّ حجرهم إلى آخر أعمارهم.
ثمّ إنّ الآية تحوم على محاور أربعة:
1. بيان الأوان الذي يصلح شرعاً لدفع أموالهم إليهم حتى يستقلّوا في البيع

1 . تفسير الكشّاف:1/502.
2 . كنز العرفان:2/101.

صفحه 317
والشراء وسائر التصرّفات الاقتصادية.
2. النهي عن تصرّفات الولي غير الصالحة في أموال اليتيم مخافة أن يكبر وينتزع أمواله منه.
3. إذا كان الولي غنياً فاللائق بحاله أن يقتنع بما آتاه الله من الغنى والرزق، ولايأكل من مال اليتيم شيئاً. نعم لو كان فقيراً يتناول بقدر الحاجة.
4. الإشهاد حين دفع أموال اليتامى إليهم.
وإليك دراسة هذه المحاور:
أمّا المحور الأوّل: فالمستفاد من الآية، شرطيّة أمرين في جواز دفع أموال اليتيم إليه وهما:
1. البلوغ.       2. إيناس الرُّشد.
ولا يكفي أحدهما. توضيح ذلك:
أنّ لفظة «حتّى» في قوله سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)لبيان انتهاء الغاية وهو الغالب كما في قوله سبحانه: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)(1).
وعلى هذا فالابتلاء فعل، نهايته البلوغ، ولفظة «إذا» في قوله:(إِذَا بَلَغُوا) كما مرّ ظرفية لا شرطية.
ثمّ إنّه سبحانه فرّع على هذه الفقرة قوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)فهنا احتمالان:

1 . طه:91.

صفحه 318
1. أن يكون المراد: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) من بدء الاختبار إلى زمان البلوغ (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) في ذلك الظرف.
2. أن يكون المراد: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) بعد البلوغ.
فلو صحّ المعنى الأوّل يكون الموضوع لدفع الأموال هو الرشد، ففي أي زمان أثبت الاختبارُ رشدهم تدفع إليهم أموالهم، سواء أكان قبل البلوغ أم بعده.
وأمّا على الثاني فبما أنّه تفريع على الابتلاء مع البلوغ يكون الموضوع لدفع المال أمران: رشدهم مع البلوغ.
ولكن الاحتمال الأوّل مردود بوجهين:
أمّا أوّلاً: لو كان الموضوع هو الرشد تماماً فلا وجه لذكر البلوغ، إذ لا مدخلية له.
وثانياً: إنّ قوله سبحانه: (وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) يُرشد إلى أنّ الموضوع لدفع المال هو بلوغهم وكبرهم، غاية الأمر دلّت الآية على انضمام الرشد فتعيّن المعنى الثاني وهو شرطية الرشد مع ضمّ البلوغ.
فإن قلت: إذا كان الموضوع للدفع هو اجتماع الوصفين بحيث لا يجوز الدفع قبلهما، فلماذا أوجب الابتلاء قبل البلوغ (من زمان يحتمل فيه الرشد) إلى أوّل زمان بعد البلوغ؟
قلت: يحتمل أن يكون ذلك لأحد وجهين أو كليهما:
1. أهمية الموضوع واحتياج كشف الرشد وإيناسه من زمان معتدّ به يُجرَّب فيه الطفل ويعلم منه العقل والتدبير، وهو ممّا لا يمكن الاطلاع عليه بشهر أو

صفحه 319
شهرين.
2. لعل الأمر بالابتلاء قبل البلوغ ـ حين احتمال الرشد ـ إلى أوّل زمان البلوغ، لأجل عدم التأخير في ردّ المال إلى صاحبه في أوّل زمان اجتمع فيه الشرطان.(1)

رأي أبي حنيفة في تفسير الفقرة

ذهب أبو حنيفة إلى شرطية البلوغ في صحّة المعاملة لكنّه يستثني ما يقصد الابتلاء قبل البلوغ ويقول: إذا كان الابتلاء في زمان احتمال الرشد وقبل البلوغ فالعقود الصادرة منه في هذه الفترة تكون محكومة بالصحّة (إذا كان مقروناً بالرشد)، وعندئذ لا يكون البلوغ شرطاً للصحّة؟ وإليك كلام الرازي في تبيين نظر أبي حنيفة:
استدلّ أبو حنيفة بالآية على صحّة البيع في فترة الاختبار وقال: إنّ قوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) يقتضي أنّ هذا الابتلاء إنّما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنّه هل له تصرّف صالح للبيع والشراء؟ وهذا الاختبار إنّما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار(لكونه أعمّ منه)، فهو داخل في الاختبار بدليل أنّه يصحّ الاستثناء، يقال: وابتلوا اليتامى إلاّ في البيع والشراء، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أنّ قوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحّة تصرّفاتهم.(2)

1 . منية الطالب:1/170; كتاب البيع:2/17.
2 . تفسير الرازي:9/188.

صفحه 320
وأجاب عنه الشافعي، بأنّه ليس المراد من قوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الإذن لهم بالتصرّف(في أموالهم) حال الصغر، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)فإنّما أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنّه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر وجب أن لا يدفع إليه المال ولو للاختبار ويجوز تصرفه حال الصغر، لأنّه لا قائل بالفرق (بين دفع المال إليه على وجه الإطلاق وبين دفعه للاختبار).
أقول: ما أجاب به الشافعي في ذيل كلامه غير تام، لأنّ دفع المال إلى الصبي على قسمين:
1. دفع شيء يسير من ماله ليتّجر به ويختبر حاله، فهذا غير مشروط بالبلوغ.
2. دفع مجموع أمواله إليه وإطلاق يده في التصرّف بها بما يشاء.
والّذي اتّفق الفقهاء على بطلانه هو الثاني لا الأوّل، فادّعاء عدم الفرق بين القسمين غير صحيح. نعم ما ذكره في صدر كلامه من أنّه ليس المراد من الاختبار هو التصرّف في الأموال هو المتعيّن بأن يقال:
أوّلاً: بأنّ الابتلاء الّذي هو مقدّمة لإيناس الرشد لا يتوقّف على دفع شيء من ماله إليه ليتّجر به، بل يتحقّق بالأُمور الكثيرة في داخل البيت وخارجه حتّى يعلم مدى رشده. ويمكن التوصّل إلى معرفة ذلك من خلال علم النفس.
ثانياً: يمكن أن يقوم الطفل بمقدّمات المعاملة مع حضور الولي، فإذا كان العمل الّذي اتّفق عليه مفيداً غير ضارّ، يقدم الولي على إنجاز هذا العقد.
وحصيلة الكلام: إنّ كلام أبي حنيفة مبني على أنّ المراد من الابتلاء هو

صفحه 321
تجارة الصبي بنفسه بشيء من ماله مع أنّه غير صريح ولا ظاهر في الابتلاء بالتجارة، فإنّ لإيناس الرشد طرقاً أُخرى، وعلى فرض كون المراد التجارة، لا دليل على استقلاله في حال الابتلاء. بل يكون الولي وراءه فينفذ إذا كان العمل نافعاً ويردّ إذا كان ضاراً.
***
وأمّا المحور الثاني فيشير إلى العادة السائدة في الجاهلية وهي أنّ الأولياء كانوا يستعجلون ببعض التصرّفات في أموال اليتيم مخافة أن يكبر وينتزع أمواله من الولي، فإليه يشير بقوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا) أكلاً تجاوزاً عن الحدّ المباح; لأنّ للولي ـ إذا كان فقيراً ـ أن يأكل على قدر الحاجة أو على قدر عمله.
روى الكليني عن سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ). قال: «مَن كان يلي شيئاً لليتامى وهو محتاج ليس له ما يُقيمه فهو يتقاضى أموالهم، ويقوم في ضيعتهم، فليأكل بقدر الحاجة ولا يُسرف، فإذا كانت ضيعتهم لا تشغله عمّا يُعالج لنفسه فلا يرزأن (1) أموالهم شيئاً»(2) (وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا): أي أكلاً تسرّعاً خوفاً من أن يكبر اليتيم ويطلب ماله.
وأمّا المحور الثالث فيقسّم الأولياء إلى غني وفقير، أمّا الأوّل فالأولى لهم التنزّه عن مال اليتيم، وأن يقتنعوا بما أعطاهم الله من الغنى والرزق. قال سبحانه: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ).
وأمّا الولي الفقير فيأكل بالمعروف، أي بقدر حاجته ولا يتجاوز ما يستحقّه،

1 . رزأ ماله: أصاب منه شيئاً.
2 . الكافي:5/129، برقم 1.

صفحه 322
قال سبحانه: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ).
وأمّا المحور الرابع فهو الإشهاد عند دفع أموال اليتامى إليهم كما يقول:(فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) دفعاً للتهمة، وهل الأمر وجوبي أو إرشادي؟ الظاهر هو الثاني لما علمت من أنّ الغاية دفع التهمة.

الآية الثالثة

قال سبحانه:(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا).(1)

المفردات

وليخش: الخطاب موجّه إلى ولي اليتيم.
خافوا: الفعل جزاء للشرط المتقدّم أعني: «لو تركوا».

التفسير

ذكر المفسّرون في تفسير الآية وجوهاً متعدّدة.(2) والمختار عندنا أنّه سبحانه يخوّف أولياء اليتامى ويحذّرهم من التجاوز على أموالهم بأنّهم لو تركوا ذرية ضعافاً يُصنع بهم مثل ما صنعوا بأيتام غيرهم، ويوضح ذلك الحديث المروي عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام):«إنّ الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين اثنتين: أمّا إحداهما: فعقوبة الآخرة النار، وأمّا الأُخرى فعقوبة الدنيا، قوله: (وَلْيَخْشَ

1 . النساء:9.
2 . لاحظ: مجمع البيان:3/27ـ28.

صفحه 323
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا)قال: يعني بذلك ليخش أن أُخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى».(1)
وقال الإمام علي(عليه السلام):«أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ».(2)
إذا تبيّن ذلك فلندخل في تفسير الآية بحرفيتها.
قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ) بيدهم أموال اليتامى (لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا)وصارت أموالهم بيد أوليائهم (خَافُوا): أي لخافوا (عَلَيْهِمْ): أي على الذرية بأن يتعامل الأولياء مع أموالهم معاملة جائرة مثل معاملاتهم مع الأيتام.
وعلى ما ذكرنا فالآية تدلّ على انعكاس عمل الإنسان ومعاملته مع أيتام الغير في أيتام نفسه لو ترك مالاً وأولاداً فيعامل معهم كمعاملته مع غيرهم.
فإن قلت: إنّه تشترط الصلة والملازمة بين الشرط والجزاء، فيقال: إن أكرمك أكرمه، فيكون إكرام الرجل للشخص سبباً لإكرامه له، وأمّا المقام فلا ملازمة بين ظلم أحد لأيتام شخص، وبين ظلم الآخرين لأيتام ذلك الجائر.
قلت: لا ملازمة بين ظلم أحد على يتيم وبين ظلم الآخرين على يتيم ذلك الظالم، ولكن إذا صار هذا العمل أمراً رائجاً شائعاً، يكون سنّة اجتماعية سائدة في جميع الأحوال، فيعامل مع أموال اليتامى معاملة جائرة لا فرق بين يتيم أحد وأيتام الآخرين. وبذلك تظهر الملازمة بين التجاوزين.
يقول السيد الطباطبائي: الناس يتسالمون في الجملة أنّ الإنسان إنّما يجني ثمرة عمله، وأنّ المحسن الخيّر من الناس يسعد حياته والظالم الشرير لا يلبث

1 . البرهان في تفسير القرآن:3/36ـ37، عن تفسير العياشي:1/223 برقم 38.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 264.

صفحه 324
دون أن يذوق وبال عمله. ثم استشهد بعدد من الآيات، فقال: إنّ عمل الإنسان خيراً أو شراً ربما عاد إليه في ذريته وأعقابه، قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)(1)، فظاهر الآية أنّ لصلاح أبيهما دخلاً فيما أراده الله رحمة بهما.(2)
وفي نهاية الآية يأمر سبحانه الأولياء بأمرين:
1. (فَلْيَتَّقُوا اللهَ): أي عن مخالفته أو عن عقابه في الأموال التي للأيتام وهي تحت أيديهم.
2. (وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا): أي قولاً صواباً عدلاً موافقاً للشرع والحقّ والسديد من القول هو القول السليم من خلل الفساد، وأصله من سدّ الخلل.(3)
ويحتمل أن يُراد به القول المعروف الخالي عن الخشونة المقرون بالعطف والحنان فإنّ الأيتام أشدّ حاجةً للتودّد والترحّم نظير استحقاقهم إلى الكسوة والطعام. نظير قوله سبحانه: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).(4)

الآية الرابعة

قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي

1 . الكهف:82.
2 . الميزان في تفسير القرآن:4/202.
3 . مجمع البحرين:3/65، مادة «سدد».
4 . البقرة:83.

صفحه 325
بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).(1)

المفردات

سيصلون: الصلي: الإيقاد بالنار، يقال: صلي بالنار، وصليت الشاة: شويتها. وربما يفسّر بالدخول في النار، يقال: صلى النار: دخل فيها، قال تعالى: (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا).(2)
سعيراً: السعير: الحميم. فالفعيل بمعنى المفعول.

التفسير

أكّد سبحانه على الأمانة في مورد أموال اليتامى في قوله تعالى:(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)ولم يقتصر بذلك حتى أكّد في الآية المتقدّمة بأنّ عمل كلّ إنسان في ذرية شخص ينعكس على ذريته حتى جاء البيان القرآني، يهدّد الظالمين المتجاوزين على حقوق اليتامى أشدّ التهديد، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا): أي أكلاً على طريق الظلم، خرج ما إذا كان فقيراً يأكل بمقدار حاجته في طريق حفظ أموال اليتامى وتنميتها (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)فالمفسّرون في تفسير الفقرة على رأيين:
أحدهما: أنّ المراد بأكل النار أكل ما يوجب العذاب بالنار، فهو من باب إطلاق المسبّب ـ وهو النار ـ على السبب ـ وهو أكل الحرام ـ . وفي الحديث:أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) اشتكى عينه فعاده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى أن قال: «يا علي إنّ ملك

1 . النساء:10.
2 . النساء:30.

صفحه 326
الموت إذا نزل لقبض روح الكافر نزل معه سفود من نار فينزع روحه به فتصيح جهنّم» فاستوى علي(عليه السلام) جالساً... ثم قال: هل يصيب أحداً من أُمّتك؟ قال: «نعم، حاكم جائر، وآكل مال اليتيم ظلماً، وشاهد زور».(1) وهذا هو خيرة السيد الشريف الرضي، يقول: والمعنى لما أكلوا المال المؤدّي إلى عذاب النار شبّهوا من هذا الوجه بالآكلين من النار.(2)
الثاني: أنّ الآية من مقولة تجسّم الأعمال وأنّ قوله: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) كلام على الحقيقة دون المجاز، فهو عمل واحد ولكن له تجلّيان: تجلٍّ في الدنيا وهو أكل مال اليتيم ظلماً، وتجلٍّ في الآخرة وهو الظهور بصورة أكل النار.
وبعبارة أُخرى: إنّ لعمل واحد سواء أكان خيراً أم شرّاً وجودين، بالنسبة إلى الظروف التي يقع فيها، فأكل مال اليتيم له وجود دنيوي واضح، وله وجود أُخروي وهو أكل النار.
ثمّ إنّ لأصحاب السلوك والمعرفة بحوثاً قيّمة في تجسّم الأعمال، وأنّ شيئاً واحداً له ظهور دنيويّ وله ظهور أُخروي، غير أنّ الظهور الأُخروي لا يدرك في الدنيا لأنّه يحتاج إلى حسّ خاص يفقده الإنسان الدنيوي، يقول تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)(3). فإنّ قوله: (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ) إشارة إلى

1 . الكافي:3/254، برقم 10، باب النوادر.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:18.
3 . التوبة:35.

صفحه 327
الدراهم والدنانير التي اكتنزوها في الحياة الدنيا فهي في تلك الحياة دنانير صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، وفي الحياة الأُخروية نار تكوى بها الجباه والجنوب.
قوله تعالى: (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا): أي يدخلون النار.
روي عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يُبعث أناسٌ من قبورهم يوم القيامة تؤجّج أفواههم ناراً، فقيل له: يا رسول الله مَن هؤلاء؟ قال:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)(1).
وروى الكليني عن الإمام الباقر(عليه السلام)] في حديث طويل[: «إنّ آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه، حتّى يخرج لهب النار من فيه حتى يعرفه كلّ أهل الجمع أنّه آكل مال اليتيم».(2)
***

ثانياً: الحجر بسبب السفه

قد مرّ الحجر بسبب الصغر وإليك دراسة الحجر بسبب السفه.
قال سبحانه: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا).(3)

المفردات


1 . تفسير العياشي:1/35، برقم 47.
2 . الكافي:2/31.
3 . النساء:5.

صفحه 328
السفهاء: جمع السفيه، والسفه هو الخفة في العقل والطيش(1) ووضع الأُمور في غير موضعها، ومنه التبذير في صرف المال.
جعل الله لكم: فعل «جعل» يتعدّى إلى مفعولين: الأوّل: الضمير أي جعلها الله. الثاني قوله: (قِيَاماً).
قياماً: مأخوذ من القِوام بكسر القاف، وقِوام الأمر: عِماده الذي يقوم به وينتظم، أو يعتمد عليه.
وارزقوهم: ممّا يحتاجون إليه من المأكول.
واكسوهم: ممّا يحتاجون إليه من اللبس، فالفعلان: (ارْزُقُوهُمْ)و(اكْسُوهُمْ)كناية عن كلّ ما يحتاجون إليه، غير أنّ ما هو مظهر الحاجة ـ غالباً ـ الأكل واللبس.
قولاً معروفاً: قولاً لطيفاً لا غلظة فيه ولا شدّة.

التفسير

الآية بصدد المنع عن إيتاء المال لمن فيه خفّة عقل وطيش لا يعرف ما يصلح له عمّا يفسد، فلذلك نهى عن دفع أموال السفهاء إليهم فقال: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ). نعم يضيف سبحانه أموال السفهاء إلى الأولياء ويقول: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)مكان أن يقول: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم. ولذلك خاطب

1 . طاش، يطيش طيشاً فهو طائش. الطيش: خفة العقل، وفي الصحاح: النزق والخفّة. وطاش السهم عن الهدف: جاز عنه ولم يصبه. وأنشد سيبويه:
ولقد علمت لتأتين منيتي *** إنّ المنايا لا تطيش سهامها
لاحظ: مجمع البيان:9/72; لسان العرب:6/312، مادة«طيش».

صفحه 329
الأولياء بقوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) وكأنّ الأموال لهم لا للسفهاء ولكن المجوّز لهذا النوع من النسبة مع أنّ الأموال في الحقيقة لغيرهم، هو: أنّ الأموال لما كانت بأيدي الأولياء يتصرّفون فيها حسب مصالح المحجورين، فصحّت نسبة الأموال إليهم بأن يقال:«أموالكم» بنحو من التجوّز.
ومع ذلك فإنّ للسيد الطباطبائي رأياً آخر لبيان هذه النسبة يقول: وفي الآية دلالة على حكم عام موجّه إلى المجتمع، وهو: أنّ المجتمع ذو شخصية واحدة له كلّ المال الذي أقام الله به صلبه وجعله له معاشاً، فيلزم على المجتمع أن يدبّره ويصلحه ويعرضه معرض النماء ويرتزق به ارتزاقاً معتدلاً مقتصداً ويحفظه عن الضياع والفساد، ومن فروع هذا الأصل أنّه يجب على الأولياء أن يتولّوا أمر السفهاء فلا يؤتوهم أموالهم فيضيعوها بوضعها في غير ما ينبغي أن توضع فيه، بل عليهم أن يحبسونها عنهم ويصلحوا شأنها، وينمّوها بالكسب والاتّجار والاسترباح ويرزقوا أُولئك السفهاء من فوائدها ونمائها دون أصلها حتى لا ينفد رويداً رويداً وينتهي إلى مسكنة صاحب المال وشقوته.(1)
فعلى هذا فالأموال لها نسبتان نسبة إلى السفهاء بما أنّهم ورثوها من آبائهم، ونسبة إلى المجتمع من غير فرق بين أموالهم وأموال غيرهم، فالله سبحانه خلق الأموال لحياة المجتمع، فتصحّ كلتا النسبتين، فهذه الفقرة تدلّ على أنّ للإسلام اهتماماً كبيراً بمعاش الناس وحياتهم الدنيوية، حتى أنّه سبحانه قد ساوى بين الأنفس والأموال في العديد من الآيات، فقال:(إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)(2)، كما أنّه سبحانه وصف المال بالخير وقال: (إِنْ تَرَكَ

1 . الميزان في تفسير القرآن:4/170.
2 . التوبة:111.

صفحه 330
خَيْرًا).(1)
والروايات في هذا المجال كثيرة.
ثمّ إنّه سبحانه بعد ما يأمر بحفظ أموال السفهاء يرخّص لهم في إعطاء ما يقوم به عيشهم من الرزق والكسوة، ويقول:(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) وأشار إلى المهم من الحاجات.
وفي ختام الآية يأمر سبحانه الأولياء أن يتعاملوا معهم بالعطف والشفقة ويقول:(وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا) ردّاً على الخشونة التي يبديها بعض الأولياء في تعاملهم مع هؤلاء، وكأنّ من تحت ولايتهم عبيد لهم، فيتعاملون معهم على هذا النحو.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو أنّه سبحانه قال: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) وكان المفروض في اللغة أن يقول: وارزقوهم منها، أي من الأموال، فلماذا عدل إلى حرف (في)؟ وهذا ما يجيب عنه صديقنا الفقيد الشيخ مغنية(رحمه الله) بقوله: لو قال «منها» لكان المعنى أن يأكل السفيه من أصل ماله، فينقص المال بذلك، وربما استهلكه كلّه إن طال المدى، أمّا «في» فإنّها ظرف، ويكون المعنى: أنّ المال يكون محلاً للرزق، وذلك أن يتّجر به الولي، ويستثمره وينفق على السفيه من الناتج، لا من أصل المال.(2) وربما يشير إليه في «كنز العرفان» بقوله: في قوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ)دون «منها» فائدة، وهي أن يرزقوهم من ربحها لا من أصلها لئلاّ يأكلها الإنفاق.(3)

1 . البقرة:180.
2 . التفسير الكاشف:2/255.
3 . كنز العرفان:2/111.

صفحه 331
فإن قلت: إنّ قوله سبحانه: (وَارْزُقُوهُمْ) لا ينسجم في الظاهر مع قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(1).
قلت: إنّ النسبة تختلف، فنسبة الرزق إلى الله نسبة استقلالية، فالله تعالى من دون أن يستعين بشخص يرزق الناس جميعاً، وأمّا الأولياء فهم يرزقون المحجورين برزق يرزقهم الله إيّاه، وكم لهاتين النسبتين من نظائر في القرآن الكريم، يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).(2) وفي آية أُخرى يقول: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)(3)، فالتوفّي بمعنى الأخذ منسوب إلى الله سبحانه في الآية الأُولى وإلى الرسل الذين أُريد بهم الملائكة في الآية الثانية، وهناك شيء واحد منسوب إلى الله وجنوده بنسبتين مختلفتين.
وأخيراً أنّ الآية في الظاهر تحرّم على الولي أن يدفع أموال السفيه إليه، ولكن بما أنّه سبحانه أضاف الأموال إلى الناس وقال: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) فيدلّ على أنّه يحرم على الوليّ أن يدفع إليهم أي شيء من الأموال، سواء أكانت مالاً للسفيه أم كانت لغيره، فيكون المعنى: لا تؤتوا أموال الناس ـ الذين أنتم منهم ـ للسفهاء.
وفي الختام نشير إلى أمرين:
1. إنّ الحجر هنا معلّق على السفيه، من غير فرق بين أن يكون صبياً أو بالغاً، طارئاً بعد البلوغ أو قبله، خلافاً لأبي حنيفة فإنّه لا يحجر على البالغ العاقل إذا طرأ عليه السفه، مع أنّه على خلاف إطلاق الآية.

1 . الذاريات:58.
2 . الزمر:42.
3 . الأنعام:61.

صفحه 332
2. إنّ الحجر في الآية مختص بالتصرّف المالي، وأمّا تصرّفه في غير المال كاستيفاء القصاص والطلاق وغيرهما فخارج عن مفاد الآية، ويقع منه، على خلاف الصبي فإنّه ممنوع التصرّف مطلقاً.
***

ثالثاً: الحجر بسبب الرّق

قال تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).(1)
قوله سبحانه:(عَبْدًا): أي لله (مَمْلُوكًا): أي للناس (لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء): أي على أي شيء من التصرّفات، والجملة صفة للمملوك، صفة تخصيص ليخرج المكاتب والمأذون في التصرّفات، فإنّهما يقدران على التصرّف في المال.
ثمّ إنّه يقع الكلام: هل أنّه لا يملك شيئاً سواء ملّكه مولاه أو لا، أو يملك إذا ملّكه مولاه؟ وبما أنّا نفقد الموضوع في حياتنا المعاصرة، فلنتقصر على هذا المقدار.
***
تمّ الكلام في العقود الشرعية ولواحقها وحان البحث عن بعض الإيقاعات الواردة في الذكر الحكيم.

1 . النحل:75.

صفحه 333
 
الإيقاعات
   1

النذر

النذر: ـ كما في المفردات ـ : أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، يقال: نذرت لله أمراً.(1)
قال المحقّق: النذر إمّا برّ أو زجر أو تبرّع. فالبر: قد يكون شكراً للنعمة، كقوله: إن أُعطيت مالاً أو ولداً أو قدم المسافر فلله عليّ كذا... وقد يكون دفعاً لبلية، كقوله:إن برئ المريض أو تخطّأني المكروه فلله عليّ كذا.
والزجر: أن يقول: إن فعلت كذا فللّه عليّ كذا، أو إن لم أفعل كذا فللّه عليّ كذا.
والتبرّع: أن يقول: لله عليّ كذا.
و لاريب في انعقاد النذر بالأُوليَيَن، وفي الثالثة خلاف، والانعقاد أصح.(2)
وقد وردت أحكام النذر في عدد من الآيات سندرسها تالياً:

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا

1 . المفردات للراغب:487، مادة «نذر».
2 . شرائع الإسلام:3/185ـ186.

صفحه 334
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار).(1)

المفردات

نفقة:ما ينفق، يشمل القليل والكثير.
نذرتم: مرّ تفسيره آنفاً ، وفي المجمع: عقد المرء على النفس فعل شيء من البر بشرط، ولا ينعقد ذلك إلاّ بقوله: لله عليّ كذا.(2)

التفسير

تشير الآية إلى وجود إنفاقين:
1. ما فرضه الله على الإنسان، وإليه يشير بقوله:(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة)فـ«ما» موصولة أُريد بها الإنفاق. وعلى هذا فالفقرة ناظرة إلى كلّ إنفاق صحيح، خلافاً لـ «كنز العرفان»، فقد فسّره بقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة) في الطاعات أو في المعاصي.(3)
2. ما فرضه الإنسان على نفسه عن طريق النذر، وإليه يُشير قوله: (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر) كما لو نذر إنفاق شيء في سبيل الله على الإطلاق أو مشروطاً بأمر، فالجميع معلوم لله سبحانه كما يقول: (فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ).
بقي الكلام في ذيل الآية، أعني قوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار) ففيه احتمالات ثلاثة:

1 . البقرة:270.
2 . مجمع البيان:2/244.
3 . لاحظ: كنز العرفان:2/114.

صفحه 335
1. ربما يجعل قرينة على الأعم، أي سواء كان الإنفاق في الطاعة أو في المعاصي.
2. يحتمل أن يكون الصدر ـ كما قلنا ـ خاصّاً بالإنفاق بطريق الطاعة بأمر من الله. وأمّا الذيل فيمكن أن يكون ناظراً إلى مَن لم ينفق، فإنّه لعدم إنفاقه ظلم الفقراء والمساكين.
3. يراد من الظالم من لم يف بنذره.
إنّما الكلام في دلالة الآية على وجوب الوفاء بالنذر، فربما يقال: في ذكر العلم بعد الإنفاق والنذر، وإردافه بالظلم بسبب المخالفة، دلالة على وجوب الوفاء بالنذر، وذلك هو المطلوب.(1)

الآية الثانية

قال سبحانه: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا).(2)

المفردات

مستطيراً:المستطير: اسم فاعل من استطار إذا فشا وانتشر في الأقطار غاية الانتشار، وهو في المقام كناية عن بلوغ شدائده وأهواله غايتها.

التفسير

يصف الله سبحانه طائفة معيّنة(وهم الأبرار) في هذه الآية بوصفين:

1 . كنز العرفان:2/114.
2 . الدهر:7.

صفحه 336
1. (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ): أي يحترمون عهودهم مع الله سبحانه مهما ثقلت عليهم، ولا يسأمون تكاليفها.
2. (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): أي يطيعون الله خوفاً من يوم يعمّ شرّه العظيم كلّ مَن عصى الله وخالفه في حكم من الأحكام. والمراد بالشرّ، هنا، أهوال يوم القيامة وشدائده.
ووجه دلالة الآية على وجوب الوفاء، أمرين:
1. أنّها خرجت مخرج المدح لهم (أعني: أهل البيت(عليهم السلام))، وذلك دليل رجحان الوفاء بالنذر.
2. إرداف الوفاء بخوف شرّ يوم القيامة، وفيه دلالة على وجوب الوفاء إذ المندوب لا يخاف من تركه العقاب و«المستطير» هو المنتشر.(1)
ويمكن أن يقال في وجه الوجوب هو أنّ المنذور في الأقسام الثلاثة لا يخلو من رجحان مساو للنذر والاستحباب، فعلى هذا يجب أن تكون الغاية من النذر شيئاً وراء الرجحان، وهو وجوب الوفاء.
ثمّ إنّ لزوم الكفّارة على عدم الوفاء دليل خارجي على وجوبه.
بقي الكلام في القسم الثالث الذي أشار إليه المحقّق وهو التبرّع، كأن يقول: لله عليّ كذا، بلا شرط، فهل يجب الوفاء به أو لا؟
نقل عن المرتضى(رحمه الله) بعدم انعقاده مدّعياً الإجماع، ولأنّ غلام ثعلب نقل أنّ النذر ـ لغة ـ وعدٌ بشرط، فيكون كذلك شرعاً لأنّه جاء بلغتهم، والأصل عدم

1 . كنز العرفان:2/115.

صفحه 337
النقل.(1)
وأُجيب عنه بمنع الإجماع لعدم تحقّقه، ومنع النقل، بل هو موضوع للالتزام الجامع بين الشرط وعدمه وقد استدلّ بقول الشاعر:
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي *** وهمّوا بقتلي يا بُثين لقوني
قوله: «يا بُثين» منادى مرخم(2) أصله: «يا بُثينة».(3)
***

1 . كنز العرفان:2/115.
2 . الترخيم: حذف آخر المنادى: يقول ابن مالك:
ترخيماً احذف آخر المنادى *** كيا سعا فيه مَن دعا سعادا
3 . وبثينة عشيقة الشاعر جميل.

صفحه 338
 
الإيقاعات
   2

أحكام اليمين

اليمين أصله الجارحة، وإطلاقه على الحلف، مستعار من اليد اعتباراً بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره.(1)
لكن اليمين بمعنى الحلف أمر مطلق غير مقيّد بشيء، إلاّ أنّه في الشرع مقيّد بالحلف بالله أو بأسمائه التي لا يُشركه فيها غيره، أو مع إمكان المشاركة ينصرف إطلاقها إليه، فالأوّل كقولنا: ومقلب القلوب، والذي نفسي بيده، والذي خلق الحب وبرأ النسمة.
ثمّ إنّ اليمين لا ينعقد إلاّ بالنيّة، فلو حلف من غير نيّة لم تنعقد سواء كان بصريح أو بكناية.(2)
إذا عرفت ذلك فلنذكر ما ورد حول أحكام اليمين من الآيات:

الآية الأُولى

قال سبحانه:(وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لاَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا

1 . المفردات للراغب:552ـ553، مادة «يمن».
2 . شرائع الإسلام:3/169ـ170.

صفحه 339
وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).(1)

المفردات

عُرضة: العُرضة ـ بالضم ـ كالغُرفة، يطلق على معنيين:
1. المانع المعترض دون الشيء، والحاجز بين الأمرين، وربما يطلق على المعترض في كلام الغير بهذا المعنى.
2. من العرض، كإراءة الشيء للشيء، حتى يظهر صلوحه وفساده، كعرض المال للبيع، وعرض المنزل للنزول، وعرض الفتاة الصالحة للزواج، والنكاح، يقول الشاعر:
دعوني أنح وجداً كنوح الحمائم *** ولا تجعليني عُرضةً للّوائم
أي دعوني أبك أحبابي، وانح نوح الحمائم حزناً عليهم، ولا تعرضوني للوم اللّوائم فإنّي لا أبالي بالملام.(2)

التفسير

اختلف المفسّرون في تفسير الآية وذكروا لها وجوهاً ثلاثة:
1. أنّ الآية بصدد بيان حكم مَن يحلف بالله لترك الأُمور الراجحة، وقد ورد في شأن النزول أنّها نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألاّ يدخل على ختنه ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته، فكان يقول: إنّي حلفت بهذا فلا يحلّ لي

1 . البقرة:224.
2 . مجمع البيان:2/123.

صفحه 340
أن أفعله، فنزلت الآية.(1)
وعلى هذا فقوله: (أَنْ تَبَرُّوا) مفعول الأيمان، بتقدير «لا» فيكون المعنى: لا تجعلوا الله عرضة وتحلفوا على أن لا تبرّوا ولا أن تتّقوا ولا أن تصلحوا. نظير قوله سبحانه: (فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(2)، أي أن لا تضلّوا، فتكون الآية نهياً عن الحلف بالله، على ترك الواجبات والمستحبّات، ولفظ الجلالة أعظم وأعلى من أن يقع معرضاً لهذا النوع من الحلف، ففي مثل ذلك على الحالف أن يرجع عن يمينه ويكفّر.
2. أنّها بصدد النهي عن الجرأة على الله بكثرة الحلف به; لأنّ مَن أكثر ذكر شيء فقد جعله عرضة له، وقد قيل: مَن أكثر الحلف قلّت مهابته وكثر حنثه، واتّهم بالكذب، ولأجل ذلك ينهى الله سبحانه عن جعل لفظ الجلالة معرضاً لليمين وقال: (وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لاَيْمَانِكُمْ) فنهانا سبحانه عن الحلف به إلاّ لضرورة، ثمّ ذكر وجه النهي وهو: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ): أي لأن تبرّوا ولتكونوا بررة، أتقياء، مصلحين في الأرض غير مفسدين. وعلى هذا فالأفعال الثلاثة مفعول لأجله للنهي عن جعل الله عرضة للأيمان، وكأنّ مَن كثر حلفه يجعل الله عرضة ليمينه يكون بعيداً عن البر والتقوى والإصلاح. وعلى هذا فلابدّ من تقدير اللام في قوله: (أَنْ تَبَرُّوا): أي لأن تبرّوا، وهذا القول هو خيرة صديقنا المرحوم الشيخ مغنية(رحمه الله)، ويؤيّد ما ذكره من أنّ الغاية من المنع من الإكثار من اليمين، الآيةُ التالية حيث تقسّم اليمين إلى قسمين: بين كونه لغواً وكونه عقدياً،

1 . مجمع البيان:2/122.
2 . النساء:176.

صفحه 341
فالأوّل لا يترتّب عليه الأثر دون الثاني.(1)
ولكن يُبعّده أنّه لو كان المراد ما ذكر لأصبحت عبارة (بَين النّاسِ) زائدة، إذ المراد من «تصلحوا» أن تكونوا صالحين، ومعه لا حاجة إلى قوله: (بَينَ النّاسِ)بخلاف المعنى الثالث الآتي ذكره فإنّ لقوله :(بَيْنَ النّاسِ) مدخلية في النهي عن الحلف.
3. إنّ (عُرْضَةً) بمعنى مانعاً وحاجزاً. فيكون المعنى: لا تجعلوا الله تعالى مانعاً بينكم وبين عمل الخير، بأن تحلفوا به على تركه، تعظيماً لاسمه.
وإلى هذا الوجه يرجع ما يقال: المراد جعل الحلف بالله مانعاً عن عمل الخير، وهذا الوجه يتّحد مع الأوّل نتيجة.
والله سبحانه يتمّ الآية بقوله: (وَاللهُ سَمِيعٌ) لما تحلفون به (عَلِيمٌ) بما يترتّب على كثرة الحلف من الآثار.

الآية الثانية

قال سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ).(2)

المفردات

يؤاخذكم: المؤاخذة مفاعلة من الأخذ بمعنى العدّ والمحاسبة، يقال: أخذه

1 . لاحظ: التفسير الكاشف:1/338ـ 339.
2 . البقرة:225.

صفحه 342
بكذا، عدّه عليه ليعاتبه أو ليعاق