فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الدراسات الفلسفية بين الرفض والقبول*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الدراسات الفلسفية بين الرفض والقبول

صفحه 1
   الدراسات الفلسفية بين الرفض والقبول
   

صفحه 2

صفحه 3
الدراسات الفلسفية
بين الرفض والقبول

صفحه 4
السبحاني التبريزى، جعفر، 1347هـ ـ ق ـ
الدراسات الفلسفية بين الرفض والقبول / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1398.
116ص.
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.   ISBN:978-964-357-626-4
كتابنامه همچنين به صورت زيرنويس.
1. فلسفه ـ ـ دفاعيه ها و رديه ها. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان: بحث موضوعي حول موقف المؤيدين للدراسات الفلسفية في حقل المعارف الدينية وموقف المعترضين لها. ج. عنوان.
4 د 2س/3/1/BBR   105/189
1398
اسم الكتاب:    الدراسات الفلسفية بين الرفض والقبول
المؤلّف:   جعفر السبحاني
الموضوع:   بحوث فلسفية
الناشر:   
المطبعة:   
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1398هـ.ش/1440هـ.ق/2019م
الكمية:    1000نسخة
القطع:   رقعي

صفحه 5
الدراسات الفلسفية
بين الرفض والقبول
بحث موضوعي حول موقف المؤيّدين للدراسات
الفلسفية في حقل المعارف الدينية، وموقف المعترضين عليها
تأليف
العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6

منهجنا في دراسة المسائل الفلسفية

إنّ المناهج الفلسفية ـ قديمها وحديثها ـ مناهج بشرية غير مصونة عن الخطأ ونحن نأخذ من كلّ منهج ما وافق الكتاب العزيز والسنّة المتواترة والعقل الحصيف وقضاء الفطرة والبرهان الواضح.
ونترك ما هو الخارج عن هذه المعايير خضوعاً لقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
هذا هو مقياسنا في التقييم والقضاء حول مختلف المسائل مع تقديرنا لكلّ من بذل جهداً في سبيل تطور العقل البشري ونشر المعارف العلمية الدينية.

صفحه 7
الحمد لله الّذي أمرنا باستماع القول واتّباع أحسنه فقال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(1) ونهانا عن اقتفاء كلّ فكرة مجرّدة عن الدليل، فطلب ممّن خالف الحقّ، إقامة البرهان بقوله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).(2) كما أمر نبيّه بالدعوة إلى الله على بصيرة قائلاً: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)(3)، إلى غير ذلك من الآيات التي ترشد الإنسان إلى أنّه لا يتّبع فكراً ولا يتّخذ عقيدة إلاّ عن حجّة وبيّنة ولا يترك إلاّ عن حجّة كذلك، وهذا أمر يدركه كلّ مَن قرأ الآيات الكريمة عن دقّة وتفكّر.
والصلاة والسلام على مَن جعل طلب العلم فريضة على كلّ مسلم وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
دعوة كريمة
تلقينا دعوة كريمة من مدير الحوزة العلمية في محافظة

1 . الزمر:18.
2 . البقرة:111.
3 . يوسف:108.

صفحه 8
خراسان الرضوي أعني حجّة الإسلام والمسلمين «السيّد مصباح عاملي» (دامت بركاته)، لإلقاء محاضرات حول الدراسات الفلسفية في مدرسة نواب، فشكراً لسماحته ولسماحة مدير المدرسة حجّة الإسلام «إسفندياري»، فاغتنمت الدعوة لما فيها من التوفيق لزيارة الإمام الرؤوف علي بن موسى الرضا سلام الله عليه، الذي يقول في حقّه ابن حبّان(المتوفّى 354هـ) في كتاب الثقات:
«قد زرت قبره(عليه السلام) مراراً كثيرة وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات على جدّه وعليه ودعوت الله إزالتها عنا، إلاّ استجيب لي وزالت عنّي تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم أجمعين».(1)

ما هو الهدف من تأليف هذه الرسالة؟

الغرض من تأليف هذه الرسالة تبيين أنّ المستفاد ممّا ورد في الكتاب والسنّة هو أنّ التفكير فريضة دينية لا منتدح لباحث عنه، ويراد من التفكير هو الصدور في عامّة القضايا عن دليل وبرهان من دون أن يتّخذ منهجاً بشرياً ميزاناً للحقّ والباطل، بل يأخذ من كلّ منهج ما يعضده الدليل ويثبته البرهان دون أن يتّخذ منهاجاً خاصاً

1 . الثقات:8/457.

صفحه 9
لإنسان غير معصوم ويجعله دليلاً قاطعاً على الصحّة.
وعلى ما ذكرنا فنحن لا ندعو في البحوث العقلية والمسائل الفكرية ـ خصوصاً في حقل العقائد ـ إلى اتّباع منهج الفهلويّين أو المشّائين أو الإشراقيّين إلى غير ذلك من المدارس الفلسفية التي هي عصارة أفكار أُناس غير معصومين; بل ندعو إلى اتّباع الحقّ أينما وجد، والحكمة أينما كانت، ففي كلّ منهج صواب وخطأ فالمسلم الواعي يزن الأفكار الإنسانية بموازين فيقتفي الحقّ دون الباطل.
هذا هو الذي تتكفّل ببيانه هذه الرسالة دون أن نتّخذ موضعاً خاصاً لمنهج من المناهج الفلسفية أو الكلامية، ومع ذلك فليس الغرض من كلمتي هذه، الطعن بمنهج دون منهج; بل اعتقد أنّ هؤلاء قاموا بوظائفهم الدينية فربما حالفهم الحقّ تارة، وأُخرى لم يحالفهم.
فالواجب على كلّ دارس هو أن يكيل للعلماء ـ خصوصاً ممّن ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق المعارف الدينية وصرف شطراً من عمره الشريف في إنارة الحقّ وإماتة الباطل ـ التقدير والاحترام.
نعم الإطراء بهذا النحو لا يعني أنّ كلّ ما ذكروه حقّ لا يمكن نقده وخلافه.

النزاع بين الموافق والمخالف لفظيٌّ

ربما نسمع من غير واحد من الأعاظم أو يصل إلينا عن طريق تلاميذهم، المنع عن دراسة المسائل الفلسفية، وأنّ الدراسة على

صفحه 10
ضوء تلك المناهج لا يفيد إلاّ بعداً عن الحقّ دون الوصول إليه.
قلنا: إنّ النزاع بين الموافق والمخالف لفظي; وذلك لأنّ دراسة المسائل الفلسفية لها إطلاقان:
الأوّل: دراسة مجموع منظّمة من أقاويل رجال من إغريقيّين وغيرهم من أُناس لم يكتب لهم النجاح والصواب في كلّ أفكارهم وآرائهم.
فلو أُريد هذا فنحن نصافقهم فإنّ اتّباع منهج غير المعصوم من دون مناقشة واستدلال، يخالف ما دعا إليه القرآن الكريم.
الثاني: دراسة المسائل العقلية على ضوء الدليل والبرهان لا تقليداً للرجال، بل بذل الاهتمام التام لاقتناص الحقائق من الأدلّة القطعية من الكتاب والسنّة وقضاء العقل الحصيف والفطرة السليمة.
والبرهان الواضح يؤخذ من كلّ منهج ماصفا، ويترك ما كدر وهذه شعارنا وعليه عملنا في دراسة المسائل الفلسفية اقتداءً بالكتاب والسنّة.
فلو أُريد من دراسة الفلسفة هذا المعنى فلا أظن أنّ عالماً واعياً ينكر صحّة دراستها ويحاربها، لما عرفت أنّ ذلك هو منهج القرآن.
وحصيلة الكلام: نحن نأخذ من كلّ منهج ما صفا ونترك ما كدر.
إذا عرفت ذلك فنقول: رسالتنا هذه تتضمّن عدّة فصول، تهدف لإنارة الحقّ وعلى الله التكلان.

صفحه 11

الفصل الأوّل:

في دراسة أدلّة المعترضين

إنّ غير واحد من فقهاء المسلمين يذمّون دراسة المسائل العقلية، من غير فرق بين منهج كلامي أو منهج فلسفي، بل يسدّون منافذ التفكير في حقل المعارف، وقد نقل مؤلّف كتاب «تلبيس إبليس» كلمات بعض الفقهاء من السنّة. وإليك بعض نصوصهم:
1. قال الشافعي: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد.
2. قال مالك: إنّ المتكلّمين قوم على استعداد أن يغيّروا دينهم وفقاً للبراهين التي تعرض لهم أو تعرض عليهم.
3. قال إمام الحرمين: لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومَهم وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كلّ ذلك في طلب الحقّ وهرباً من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحقّ بلطيف برّه فأموت على

صفحه 12
دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني.
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما تشاغلت به.(1)
إلى غير ذلك من الكلمات التي كلّها دعايات بلا برهان، ودعاوى مجرّدة عن الدليل. نحن لا ندري ماذا يريد القائل من ذمّ الكلام والمتكلّم؟ فهل يريد ذمّ جماعة يعتمدون في علومهم على الكتاب والسنّة والعقل الحصيف وقضاء الفطرة الذي لا يؤدّي إلاّ إلى الحقّ المبين؟! فذمّ مثل هذا على خلاف البراهين الحقّة.
أو يريد ذمّ أهل الشغب والمغالطة والتظاهر بالغلبة على الخصم دون أن يبتغي الحقّ ويتّبعه، فنحن منهم براء.
لكن هؤلاء الذين يذمّون الكلام ويهاجمون المتكلّمين هم الذين يأخذون عقائدهم ومعارفهم من الأخبار الآحاد التي بثتّها مستسلمة أهل الكتاب بين المسلمين، فلا شكّ أنّ المعارف المأخوذة عن هذا الطريق تضاد طريقة المتكلّمين المبتنية على الدلائل العلمية والعقل الحصيف.
ما ذكرناه من الكلمات يرجع إلى المخالفين القدماء، ثم إنّ

1 . انظر للوقوف على مصدر هذه الكلمات: تلبيس إبليس، ص 82 ـ83 ، ط دار القلم، بيروت.

صفحه 13
الجدد استدلّوا على بطلان التفكير العقلي بالبرهان العقلي وهم في الوقت نفسه يذمّون ترتيب الأقيسة للوصول إلى النتيجة لكن يستدلون بنفس الطريقة على بطلانها، وإن كنت في شكّ فنحن نعرض عليك بعض ما استدلّوا به على بطلان الكلام ودراسة المسائل الفلسفية.

الشبهة الأُولى: لو كان المنطق طريقاً موصلاً لم يقع الخلاف

قالوا: لو كان المنطق طريقاً موصلاً لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القائل استخدم المنطق في إبطال المنطق، فإنّ ما ذكره قياس استثنائي حيث قال: «لكنّا نجدهم مختلفين» فاستنتج بأنّ المنطق ليس طريقاً موصلاً.
وثانياً: أنّ معنى كون المنطق آلة للاعتصام، هو أنّه لو استعمل استعمالاً صحيحاً يعصم من الخطأ، وأمّا أنّ كلّ مستعمل له، يستعمله صحيحاً، فلا يدّعيه أحد، وهذا نظير ما يقال: إنّ السيف آلة القطع، ولكن ليس كلّ مستعمل يستعمله، يترتّب عليه القطع.
وثالثاً: إنّ القواعد المنطقية تصون الإنسان عن الخطأ في الهيئة وتركيب القياس، وأمّا الخطأ في المادّة فليس تمييز الصواب عن الخطأ على عاتق المنطق، ولنمثّل بمثالين:
1. إنّ الموحّد يستدلّ على حدوث العالم بالقياس التالي:

صفحه 14
العالم متغيّر.
وكلّ متغيّر حادث.
فالعالم حادث.
2. إنّ المادّي يستدلّ على قدم العالم بقياس آخر ويقول:
العالم مستغن عن المؤثّر.
وكلّ مستغن عن المؤثّر فهو قديم.
فالعالم قديم.
ترى أنّ أحد الفكرين باطل قطعاً، وكلّ من الدليلين جار على وفق القواعد المنطقية، ولكن الخطأ في المادة.
أمّا أنّ كلاًّ من الدليلين جار على القواعد المنطقية فلأنّ كلاًّ منهما قد صيغا بصورة الشكل الأوّل، ويشترط في إنتاجه أمران:
1. إيجاب الصغرى.
2. كلّية الكبرى.
قال القائل:
وشرطه الإيجاب في صغراه *** وأن يُرى كلّية كبراه
وكلا الدليلين على وفق الشرطين.
لكن مثير الشبهة خلط بين صون الكلام عن الغلط في الهيئة، وصونه عن الغلط في المادة، والمنطق الصوري يتكفّل بالأوّل دون

صفحه 15
الثاني. والغلط في القياس الثاني في مادّته أعني استغناء العالم عن المؤثر.
ثمّ إنّه ربما يقال بأنّه لا اعتداد بالبرهان إذ لا ميزان لتشخيص صحّته عن سُقمه، فالبرهان العقلي لا يكون دليلاً في باب المعارف.
يلاحظ عليه: بأنّ مادّة البرهان إذا كانت من الأوليات والفطريات والتجربيات التي تفيد القطع يكون دليلاً على صحّة النتيجة، وأمّا إذا لم يكن مؤلفاً منها، فلو انتهى عند التحليل إلى أحد هذه الأُمور يكون دليلاً على الصحّة.

الشبهة الثانية: الغاية صدّ الناس عن الكتاب والسنّة

قالوا: إنّ هذه الأُصول إنّما روّجت بين الناس لصدّ الناس عن إتّباع الكتاب والسنّة، أو لصدّهم عن الرجوع إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فيجب علينا الاجتناب.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره ادّعاء بلا دليل، وأنّ اشتغال المسلمين بالكلام كان لغاية الدفاع عن الكتاب والسنّة، ولولا الاحتكاك بسائر الأُمم وانتشار الشبهات في المجتمع لم يكن لهم أي باعث لتدوين الكلام.
ونظير هذه الشبهة أمر القراءات، فقد قيل: إنّ ترويج القراءات المتعدّدة لغاية صدّ الناس عن الرجوع إلى أهل البيت(عليهم السلام).
أقول: إنّ تعدّد القراءات وإن كان أمراً غير صحيح، إذ القرآن

صفحه 16
واحد نزل من عند واحد، فليس للقرآن إلاّ قراءة واحدة، وإنّما جاء الاختلاف من ناحية القرّاء.(1) ولكنّ الاشتغال لم يكن لغاية سدّ باب أهل البيت(عليهم السلام)، بل له سبب أو أسباب أوضحنا حالها في تفسيرنا:(منية الطالبين، قسم المقدّمة، الجزء الأوّل).
ثمّ لنفترض أنّ أعداء أهل البيت(عليهم السلام) استخدموا هذا العلم لغاية سد باب أهل البيت، لكنّه لا يلزم منه بطلان العلم، وإنّما الباطل هو الاشتغال بعلم صحيح لغاية صدّ الناس عن الرجوع إلى أهل البيت(عليهم السلام)، يقول السيد الطباطبائي: ولم يتفطّن المستدلّ به أن تسوية (تمهيد) طريق لغرض فاسد أو سلوكه لغاية غير محمودة لا ينافي استقامته في نفسه، كالسيف يُقتل به المظلوم، وكالدين يستعمل لغير مرضاة الله سبحانه.(2)

الشبهة الثالثة: جعل العقل حاكماً على الله

قالوا: إنّ المتكلّمين غلوا في تعظيم العقل حتى جعلوه حاكماً على الشرع، ومقدّماً عليه عند التعارض، وحتى أوجب بعضهم على الله ـ بالعقل ـ أُموراً، ومنعوا عليه أُموراً أُخرى.(3)

1 . روي عن أبي جعفر(عليه السلام) «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة». لاحظ: التفسير الصافي:1/67، الكافي:2/630.
2 . الميزان في تفسير القرآن:5/257.
3 . موقف المتكلّمين:2/919.

صفحه 17
يلاحظ عليه: أنّ هذه من أقوى شبهاتهم التي يخدعون بها العقول الساذجة ويدّعون أنّ الحكماء والمتكلّمين خصوصاً العدلية منهم يحكّمون آراءهم على الله سبحانه. ولأجل قلع هذه الشبهة ندرسها على وجه يقلعها من جذورها، فنقول: قسّم الحكماء ما يدركه الإنسان على وجه البتّ إلى عقل نظري وعملي. وهذا التقسيم باعتبار المُدْرَك.
قال الفارابي: النظرية هي التي يحوز الإنسانُ علمَ ما من شأنه أن يعلمه إنسان. والعملية هي التي يعرف بها ما شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته.
وقال الشيخ في الإشارات: القوة المسمّاة بالعقل العملي بأنّها هي التي سمّيت، الواجب فيما أن يفعل، ويقابله العقل النظري.(1)
والتعبير الواضح عن هذين المُدْرَكين مع أنّ المُدرِك أمر واحد هو أن يقال: إذا أدرك العقل وجوب العمل بالشيء أو وجوب تركه فهذا ما يوصف بالعقل العملي، كإدراك العقل حسن العدل ووجوب العمل به وقبح الظلم ولزوم الاجتناب عنه.
وأمّا إذا أدرك أمراً غير متعلّق بالعمل بأن كان مطلوباً بنفسه مثل: الله موجود، الله واحد، أو أنّ صفاته عين ذاته. فهذا ما يوصف بالعقل النظري. وعلى هذا فكلا العقلين شأنهما التعقّل لكن النظري من

1 . لاحظ: غرر الفرائد للحكيم السبزواري، المسمّى بشرح المنظومة:ص 305.

صفحه 18
شأنه العلم كما أنّ العملي شأنه العمل.
ويشير الحكيم السبزواري إلى أنّ كلا العقلين هما قوتان للنفس الواحدة، فيقول:
للنفس قوّتان: عقل نظري *** وعمليٌّ، إن تشأ فعبّرِ(1)
إذا علمت ذلك فنقول: إنّ قضاء العقل بأنّ العدل حسن، يجب العمل به، والظلم قبيح يجب الاجتناب عنه، حكم عام يعمّ الممكن والواجب، لأنّ الموضوع عنده هو نفس العدل من أي فاعل، وهكذا الظلم من أي عامل.
وبعبارة أُخرى: فالموضوع عند العقل هو ذات العدل وذات الظلم مجرداً عن أية خصوصية، وعندئذ لا يفرّق في حكمه بين عامل وعامل.
فعموم حكم العقل للواجب سبحانه ليس بمعنى الحكم عليه، بل بمعنى استكشاف الحكم من طرق أوصافه.
بيانه: أنّ الداعي إلى الظلم أحد الأمرين التاليين: إمّا الجهل بقبحه، أو الحاجة إلى إعماله، وكلا المبدأين غير موجودين فيه، فيكون قائماً بالعدل قطعاً ومجتنباً عن الظلم كذلك.
نعم حكمه كذلك ليس بمعنى سلب قدرته عن أحد الطرفين، فهو مع قدرته على كلا الأمرين لكن كونه حكيماً وعارفاً بقبح الظلم

1 . شرح المنظومة:305.

صفحه 19
ومستغنياً عنه، يصدّه عن الظلم، فحكم العقل بأنّه سبحانه عادل وليس بظالم حكم استكشافي.
وبعبارة ثالثة: إنّ المستشكل لم يفرّق بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فخلط أحدهما بالآخر، والأوّل منهما كفر وزندقة، فأنّى للعبد تلك المولوية حتى يكلّف ربّه بما حكم به عقله; وأمّا الثاني فهو نفس التوحيد، أعني: استكشاف الآثار من المؤثّرات، فإذا وقف الباحث على أنّ من صفاته سبحانه كونه عادلاً حكيماً، فيستكشف من خلال هذه الصفات أنّه بريء من الظلم، وأنّه لا يأخذ البريء بذنب غيره.
وإن شئت قلت: يستكشف وجود الملازمة بين كونه حكيماً عادلاً وكونه يفعل كذا ولا يفعل كذا مع وجود القدرة على الخلاف.

عثرة للشيخ الأشعري لا تُستقال

إنّ الشيخ الأشعري لمّا التحق بأهل الحديث وفي مقدمّتهم أحمد بن حنبل، أنكر قضاء العقل بالحسن والقبح، وزعم أنّ القول به لا يخلو من توالي (فاسدة). ثمّ انتهى إلى القول التالي: فإن قال قائل:هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟ قيل له: الله تعالى عن ذلك، وهو عادل إن فعل وكذلك كلّ ما يفعله. ثمّ استدلّ على ذلك وقال: والدليل على أنّ كلّ ما فَعَلَه فله فعله، أنّه المالك القاهر الذي

صفحه 20
ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر...(1)
ترى أنّ الشيخ خلط بين كونه قادراً وبين كونه فاعلاً، أمّا الأوّل فلا يشكّ فيه ذو مسكة، إنّما الكلام في الثاني فهل يفعله أو لا؟ العقل الحصيف الذي به عرفنا وجوده، ينفي عنه ذلك بتاتاً ويقول: إنّه حكيم لا يفعل ما يوصف بضد الحكمة.
ثمّ إنّ كلّ من نفى الحسن والقبح العقليين بالمعنى الذي ذكرناه عجز عن إثبات عامّة المعارف القرآنية، وإليك هذا المثال:
لا شكّ أنّ المعجزة دليل عقلي وبرهان قاطع على صدق المدّعي، وذلك لأنّ الإعجاز فرع وجود قدرة خارقة لدعوى النبوّة فإن كان صادقاً في دعوته، فهو، وإن كان كاذباً فيقع الكلام في أنّه سبحانه كيف سلّط الكاذب على إغراء الناس بإعطاء قدرة فائقة خاصة بالمتنبي دون غيره، والعقل الحصيف ينكر كونه سبحانه مبدأ لهذا الأمر، فيتعيّن القسم الأوّل وهو أنّه صادق.
وهذه البرهنة فرع القول بالحسن والقبح العقليين، فلو جُرّد العقل عن هذا القضاء البات، وقيل بأنّه سبحانه ربما يكون مبدأً للقبيح فلا يوصف الإعجاز بأنّه برهان علمي على صدق المدّعي، والتفصيل في محلّه.

1 . اللمع:116ـ 117.

صفحه 21

الشبهة الرابعة: الاعتراف بالعلل الطبيعية

يضاد التوحيد في الخالقية والربوبية
التوحيد الخالص عند باذر الشبهة ما يبيّنه البيت التالي:
ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة
قالوا: إنّ معنى قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ)(1) هو إنكار سلسلة الأسباب والمسبّبات في الظواهر الكونية، وأنّ هناك علّة واحدة وسبباً فارداً وهو الله سبحانه لا غير، فليس هناك أي شيء يؤثّر في شيء حتّى بإذن الله سبحانه وقدرته، فالقول بأنّ البرودة مقتضى طبع الماء والحرارة مقتضى طبع النار كفر عند أهل الشريعة، كما أنّ القول بأنّ النار سبب للإحراق كفر وإلحاد، ولذلك كان يُدرّس في «الأزهر» البيت المذكور، وهذا ما دعا جمعاً إلى إنكار دراسة الكلام والفلسفة هناك. لأنّها مبنيّة على نظام الأسباب والمسبّبات في دار الوجود.
أقول: إنّ القول بوجود الصلة والرابطة بين الظواهر الكونية لا يضاد التوحيد في الخالقية ولا في الربوبية; وذلك لأنّ الظواهر الكونية لا يؤثّر بعضها في بعض إلاّ بإرادة الله تعالى وحوله وقوّته، لا مستقلّة عن إرادته. ومثل هذا القول لا يخالف التوحيد في عامّة المراحل.

1 . فاطر:3.

صفحه 22
إنّ ما سوى الله سبحانه كما يستمد وجوده من إرادته سبحانه، فهكذا يستمد في تأثيره من أمره سبحانه، فكيف يكون مخالفاً للتوحيد في الخالقية أو الربوبية؟
وبعبارة أُخرى: أنّ لله سبحانه سنناً في العالم، ومن سننه قيام النظام الكوني على أساس سلسلة الأسباب والمسبّبات، وارتباط كلّ ظاهرة من الظواهر الطبيعية، بعلّة وسبب مادّي، فالنظام الكوني ممكن قائم بوجوده، كما أنّ تأثير البعض في البعض قائم بإرادته، فالعالم وما فيه من العلل والمسببات الناهضة إلى أكثر من آلاف الملايين كلّها قائمة بوجوده، مؤثّرة بإرادته فلا تؤثّر إلاّ بإرادة الله وحوله وقوّته سبحانه.
وبذلك يُعلم مفاد الآيات التي تحصر الخالقية بالله سبحانه، قال تعالى: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)(1)، إذ المراد أنّه لا خالق ولا فاعل على وجه الاستقلال إلاّ الله سبحانه وأنّ فاعلية الغير وخالقيته بإذنه وأمره فالجميع يستمد وجوده وفاعليته من الله سبحانه، وشعار المسلم هو قوله:«لا حول ولا قوّة إلاّ بالله».
مذهب أهل الحديث في العلل الطبيعية
نعم ما ذكرناه حول الخالقية يضادّ مذهبَ أهل الحديث حيث

1 . الأنعام:102.

صفحه 23
إنّهم لا يعترفون إلاّ بمؤثّر واحد، وهو الله سبحانه، وأنّهم ينكرون علّية أي موجود سواه، بل يقولون: جرت عادة الله على خلق الحرارة بعد النار، وخلق النور بعد الشمس، وهذا هو ما أسموه بالعادة الإلهية.
فالعادة الإلهية جرت ـ حسب تلك النظرية ـ على ظهور الأثر عقيب وجود ما يُسمّى بالمؤثّر، دون مشاركة أو سببية للمؤثّر في حصول ذلك الأثر مطلقاً.
ولكنّ النظرية مرفوضة لمخالفتها الصريحة للبراهين العقلية وصريح الآيات القرآنية حول تأثير العلل والأسباب الطبيعية في عالم الكون.
فما نتلوه لك من الآيات يصرّح ـ بوضوح كامل ـ بعلّية وتأثير العلل الطبيعية نفسها، وإليك هذه الآيات:
1. (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)
إنّ قوله:(يُسْقَى بِمَاء وَاحِد)كاشف عن دور الماء وأثره في إنبات النباتات ونمو الأشجار، ومع ذلك يفضّل بعض الثمار على بعض.

1 . الرعد:4.

صفحه 24
2. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ).(1)
3. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ).(2)
يصرّح سبحانه في هاتين الآيتين ـ بجلاء ـ بتأثير الماء في الزرع، إذ أنّ «الباء» تفيد السببية، كما هو واضح.
والآيات الدالّة على تأثير الأسباب الطبيعية بمسبّباتها والصلة السائدة بين أجزاء العالم، أزيد ممّا ذكرنا، فمَن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا: «مفاهيم القرآن».(3)
إنّ جهل هؤلاء بمفاد الآيات المخصّصة للخالقية والربوبية بالله سبحانه، سبّب اختيار القول بالجبر وأنّ الإنسان في حياته الدنيوية مكتوف اليد، إذ المفروض أنّ ما في الكون ـ حتى وجود الإنسان وإرادته ـ مخلوق لله سبحانه، وعندئذ نسألهم كيف يُجازى الإنسان على فعل ليس له أي دخل في حدوثه، إلاّ كونه محلاًّ للفعل حسناً كان أو قبيحاً طاعة كان أو عصياناً؟!
نرى أنّه سبحانه في الآية التالية ينسب إلى أحد أنبيائه فعلاً خاصّاً ويصفه بأنّه المبدأ لهذه الأفعال، ويقول سبحانه مخاطباً

1 . البقرة:22.
2 . السجدة:27.
3 . لاحظ: مفاهيم القرآن:1/340.

صفحه 25
المسيح: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(1)ترى أنّه سبحانه ينسب إلى عيسى المسيح(عليه السلام) الأفعال التالية:
1. خلق هيئة الطير بإذن الله.
2. إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.
3. إحياء الموتى بإذن الله.
أفبعد ذلك، يصحّ للمؤمن بالذكر الحكيم، أن يجترّ قول القائل:
ومن لم يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة
وبذلك يظهر بطلان ما يقول الزبيدي في «إتحاف السادة شرحاً لإحياء العلوم»: ثبت ممّا تقدّم أنّ الإله هو الذي لا يمانعه شيء وإنّ نسبة الأشياء إليه على السوية، وبهذا أبطل قول المجوس وكلّ من أثبت مؤثّراً غير الله من علّة أو طبع أو ملك أو إنس أو جن، إذ دلالة التمانع تجري في الجميع، ولذلك لم يتوقّف علماء ما وراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان.(2)
فلو كان القول بأنّ للإنسان مدخلية في أفعاله وسببية في طاعته

1 . المائدة:110.
2 . إتحاف السادة:2/135.

صفحه 26
وعصيانه، كفراً وإلحاداً، فعلى الإسلام السلام، وكأنّه يرى أنّ الإنسان في أعماله الحسنة والسيئة كالريشة المعلّقة في الهواء تقلبها الريح كيفما تميل، وهذا ظن باطل بالله سبحانه حيث إنّه يقول: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(1)، ويقول عزّ وجلّ: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(2).
فلو كان الإنسان كالريشة المعلّقة في الهواء فما معنى هذه الآيات، التي تهيب الإنسان بأنّه سوف يرى آثار عمله، وتقول: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ)(3)؟

الشبهة الخامسة: قول الفلاسفة بقدم العالم

وممّا يؤخذ على دراسة العلوم العقلية، قول الفلاسفة بقدم العالم وممّن اتّهمهم بهذه التهمة، الغزالي في كتابة المعروف «تهافت الفلاسفة»، وقد ذكر عشرين مسألة، كفّر بثلاث منها الفلاسفة(4)، وهي:
الأُولى: إبطال مذهبهم في أزلية العالم.
المسألة الثانية: إبطال مذهبهم في أبدية العالم.

1 . البقرة:286.
2 . الكهف:29.
3 . الزلزلة:7ـ8.
4 . تهافت الفلاسفة:41ـ42، ط دار ومكتبة الهلال.

صفحه 27
المسألة الثالثة: بيان تلبيسهم في قولهم: إنّ الله صانع العالم، وإنّ العالم صنعه.
أقول: نحن نتكلّم في المسألة الأُولى فقط، ولكن نُجلّ الفلاسفة الإسلاميّين عن هذا الرأي الباطل، خصوصاً من تقدّم منهم على الغزالي نظراء: الفارابي، والشيخ الرئيس، ومَن تأخّر عنه كالمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن حسن الطوسي (597ـ672هـ) ومن تربّى على يديه كالكاتب القزويني، والعلاّمة الحلّي، ومَن أتى بعدهم كقطب الدين الرازي(تلميذ العلاّمة الحلي) والمحقّق الداماد ومشايخه وتلاميذه. وإليك دراسة حدوث العالم على ضوء الكتاب والبرهان.
لا شكّ أنّ الذكر الحكيم هو وحي من جانب الله سبحانه لا يخطأ مقدار رأس إبرة، فهو الحجّة الكبرى في المعارف والأحكام. وصريح الكتاب العزيز هو سبق العدم على الكون بأجمعه، وأنّه كان معدوماً غير موجود، فخلقه الله سبحانه دفعة أو تدريجاً.
إنّه سبحانه تبارك وتعالى يعبّر عن المظاهر الكونية بالخلق، ويكرّر قوله سبحانه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام)(1)ولازم كونه مخلوقاً كونه معدوماً غير موجود قبل خلقه، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل وإيجاد الموجود، فلا محيص للمسلم من القول

1 . الأعراف:54.

صفحه 28
بأنّ العالم كان غير موجود ثم صار موجوداً.
وهذه هي عقيدة المسلم وفقاً للكتاب العزيز.
إنّما الكلام في ظرف هذا العدم، فأهل الحديث وكلّ مَن أنكر دراسة المسائل العقلية قالوا بأنّ ظرف العدم هو الزمان، بمعنى يشار إلى زمان لم يكن العالم فيه موجوداً، فتعلّقت إرادته(سبحانه) بخلقه وإيجاده، ولذلك قالوا بأنّ العالم حادث زماناً.
غير أنّ هذا الرأي أوقعهم في مشكلة; لأنّه ينقل الكلام إلى نفس الزمان، فهل هذا الزمان الواقعي(لا الموهوم) حادث زماناً أو لا؟
فإن اختاروا الأوّل لزم أن يكون للزمان زمانٌ، أي أن يكون ثمة زمان لم يكن فيه من الزمان اللاحق أثر ولا خبر، وهذا باطل جدّاً، لأنّه ينقل الكلام إلى الزمان الثاني، وهكذا يتسلسل.
وإن اختاروا الثاني استلزم ذلك قدم الزمان، وهو يضادّ
التوحيد.
نعم اتّفق أهل الشرائع السماوية على أنّ العالم حادث زماناً، كما صرّح به الشيخ الأنصاري في مبحث القطع من رسائله وقال: إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زماناً.(1)
لكن الذي يجب على المسلم هو الاعتقاد بأنّ الكون لم يكن موجوداً بل كان معدوماً ثمّ وُجد بإرادة الله سبحانه، وهذا يكفي في

1 . الرسائل:1/57، طبع لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم.

صفحه 29
الحكم بالإسلام والحنفية الرشيدة، سواء أوصف بالحدوث الذاتي أم وصف بالحدوث الزماني، فالاعتقاد بالنحو المذكور كاف، من دون لزوم وصف الحدوث بالزماني أو الذاتي.
ومع ذلك فإنّ الحكماء الراسخين حلّوا العقدة وأثبتوا الحدوث الزماني لمجموع العالم بالقول بالحركة الجوهرية، لكن لا بنحو يستلزم التسلسل وذلك بوجهين:

الأوّل: تصوير الحدوث الزماني عن طريق الحركة الجوهريّة

إذا كان الزمان منتزعاً من تجدّد المادة وتدرّجها، فكلّ قطعة من المادة السيّالة ترسم عدم القطعة اللاحقة، فتصير كلّ قطعة من المادة موصوفة بأنّها لم تكن في زمان القطعة السابقة، وبالنتيجة لم تكن القطعة اللاحقة موجودة في الزمان السابق عليها.
وبتعبير آخر: إذا كانت كلّ قطعة من المادة السيّالة وكلّ درجة منها متعانقةً مع الزمان، ولم يكن من القطعة اللاحقة فيها عين ولا أثر، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، وهو أنّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، وهكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة.
وبهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال.
وفي هذا الصدد يقول الحكيم صدر الدين الشيرازي:
«لقد ثبت وتحقق أنّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها،

صفحه 30
وأنّ صورتها صورة التغيّر والاستحالة، وكلّ منها حادث الوجود، مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، ولا لطبائعها المرسلة... والطبيعة المرسلة وجودها عين وجود شخصياتها وهي متكثّرة، وكلّ منها حادث ولا جمعية لها(أي لا وجود جمعيّ للعالم) في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم».(1)
وقال: «إنّ الطبائع المادية كلّها متحرّكة في ذاتها وجوهرها... وأنّ جميع الهويات الجسمانية مسبوقة بالعدم الزماني، فلها بحسب كلّ وجود معيّن مسبوقية بعدم زماني غير منقطع في الأزل».(2)
والحقّ أن يقال: هنا فرق بين الحدوث الذاتي والحدوث الزماني، فالأوّل عبارة عن كون الشيء في حدّ ذاته معدوماً فلحقه الوجود، والحدوث الذاتي بهذا المعنى يعمّ صحيفة الكون الإمكاني.
وأمّا الثاني فهو عبارة عن كون شيء غير موجود في زمان ثم وُجد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ ما ذكره صدر المتألهين يتمّ في القطعات المختلفة المتحققة في أزمنة متغايرة. فكلّ قطعة متقدمة تحمل عدم القطعة المتأخرة، وهكذا سائر القطعات المتكثرة،

1 . الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة:7/297.
2 . الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة:7/285.

صفحه 31
فتوصف كلّ قطعة من الوجود الإمكاني بالحدوث الزماني لكونها معدومة في القطعة السابقة لها.
وهكذا نتابع القطعات إلى أن نصل إلى الصادر الأوّل فهو لا يمكن أن يوصف بالحدوث الزماني، فلابدّ من القول بأنّه حادث ذاتاً لا زماناً.
والقول بهذا التفصيل ـ أي وصف الوجودات الإمكانية المتناثرة في أزمنة متتابعة بالحدوث الزماني إلاّ الصادر الأوّل فهو حادث ذاتاً لا زماناً ـ ليس ببعيد عن التحقيق، وخروجه عن معقد الإجماع الذي ادعاه الشيخ ليس بمشكل.
هذا ويظهر من بعض الروايات أنّ معنى قولهم(عليهم السلام):«كان الله ولم يكن معه شيء» معنى دقيقاً غير ما هو المتبادر في أذهاننا من الحدوث الزماني للعالم.
روى الصدوق في كتاب التوحيد بسند متصل عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر(عليهما السلام) أنّه قال:«إنّ الله تبارك وتعالى كان لم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان».(1)
إنّ نفي الزمان والمكان مع الله تعالى كناية عن نفي أيّ وجود شيء معه في مقام الذات ونفي المعية حتى الآن لا ينسجم إلاّ بتنزيه الذات عن أيّ قديم ذاتي حتّى يصدق أنّه سبحانه «الآن كما كان»

1 . توحيد الصدوق:179.

صفحه 32
فالحديث يرمي إلى نفي أي قديم ذاتي مع الله من دون نظر إلى كيفية ما سوى الله من كونه حادثاً ذاتاً أو زماناً وإنّما يطلب هذا من دليل آخر.

الوجه الثاني لإثبات الحدوث الزماني للعالم

هنا بيان آخر لإثبات الحدوث الزماني للعالم وهو ما حقّقه الحكيم المتألّه الشيخ محمد تقي الآملي(قدس سره)في تعليقته على شرح المنظومة للسبزواري الذي أسماه بـ«درر الفوائد»، فقال:
اعلم أنّ الذي يظهر لي في هذا المقام العويص هو أن يقال:
إنّ المراد من العالم بمعنى ما سوى الله.
إمّا أن يكون هو هذا العالم المشهود لنا من السماء والسماويات والعنصر والعنصريات.
وإمّا أن يكون مطلق ما سوى الله ممّا يتصوّر من عالم ماديّ أو مجرّد.
فالأوّل: أعني هذا العالم المحسوس فالحقّ أنّه ليس على قدمه دليل ولا يلزم من حدوثه محذور بل هو حادث زماني، أعني: مسبوق بالعدم الزماني العرضي، ويكون وعاء عدمه زماناً منتزعاً من عالم قبله وهو أي العالم الذي قبله أيضاً حادث زماني مسبوق بعدمه الواقع في عالم ثالث قبل ذاك العالم الثاني.
وليس هذا شيء يخالفه العقل بل الهيئة العصرية ناطقة بأنّ الأمر

صفحه 33
كذلك، إذ شمسنا التي تدور حولها أرضنا مع بقية الكواكب، عندهم عالم من العوالم حادث مسبوق بعدم واقعي قد انقضى الأكثر من عمره وما بقي منه إلاّ صبابة كصبابة الإناء وهو مع جميع توابعه مسبوق بعدم واقعي متأخّر عن عالم متألّف من شمس أُخرى مع ما حولها من كواكبها، وهكذا كلّ كواكب من الثوابت شمس وكم انقضى منها ولم يوجد بعد وكم من موجود منها لم نشاهده ذلك تقدير العزيز الحكيم.
هذا بالقياس إلى حكم العقل ولم يثبت في الشرع ما يدلّ على خلافه، بل لعلّ فيه ما يدلّ على وفاقه من أنّ قبل هذا الخلق، خلق، وقبل هذا العالم عوالم إلى ثلاثين، إلى ثلاثين ألف الكاشف عن كثرتها.
والثاني: أعني مطلق العوالم وجملة ما سوى فالحقّ: أنّ حدوثه بهذا المعنى شيء لم يتّفق عليه الملّيون ولم يثبت له الحدوث بهذا المعنى في شرعنا المقدّس، كيف وقد عرفت ورود ما يدلّ على وجود العوالم قبل عالمنا وكذا بعد خرابه وهو الموافق للحكمة ويطابقه العقل الصريح ويتلاءم مع كونه تعالى دائم الفضل على البرية وباسط اليدين بالعطية، ولا إمساك له عن الفيض. وعلى هذا فيمكن أن يكون النزاع في حدوث العالم وقدمه، لفظياً.(1)

1 . درر الفوائد:272ـ 274.

صفحه 34
وحاصل كلامه أنّ ما اتفقت عليه الشرائع السماوية من حدوث العالم زماناً دليل لبّي يؤخذ بالمتيقن منه، وليس له إطلاق يشمل جميع العوالم حتى نصل إلى العالم الأوّل، فمعقد الإجماع يشمل منظومتنا الشمسية ومجرتها ولكن تقدمت عليهما عوالم أُخرى، فمعقد الإجماع منصرف عن غير منظومتنا ومجرتنا بل منصرف عن العوالم المتقدّمة. فالقول بالحدوث الزماني فيما نشاهد من منظومتنا ومجرتها أمر لا غبار عليه،ه وأمّا كيفية الحدوث في العوالم المتقدّمة فخارج عن معقد الإجماع، وإن كان ملاك البحث موجوداً فيها.

الشبهة السادسة: الفلسفة تبحث في موضوعات ليس عندهم مبادؤها

قالوا: الأنبياء(عليهم السلام) أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله وعن بداية هذا العالم ومصيره وما يهجم على الناس بعد مماتهم، آتاهم الله علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلا تعب، وكفاهم مؤونة البحث و الفحص في علوم ليس عندهم مبادئها ولا مقدّماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصّلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، ولا يؤدّي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.
إنّ الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى جاءوا في هذا العلم بآراء فجّة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة،

صفحه 35
ونظريات مستعجلة فضلّوا وأضلوا.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاعتماد على خصوص الفلسفة الحسيّة والتركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، كما يحكى عنه كلام القائل، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل وأدواته ولا تعترف إلاّ بالحس وتحسبه أداة منحصرة للمعرفة، والعجب أن يَلْهج بهذا الأصل مَن يدّعي الصلة بالإسلام ويعدّ من المناضلين ضد الدعوة المادّية، ففي القول بهذا، إبطال للشرائع السماوية، المبنية على النبوّة والوحي ونزول الملك وسائر الأُمور الخارجية عن إطار الحسّ، والتي لا تدرك إلاّ بالعقل والبرهنة، فمن العجيب أن يتعلّق فريد وجدي وبعده مقلّد الدعوة السلفية «أبو الحسن الندوي» بحبال المادّية من غير شعور واستشعار.
وثانياً: لو فرضت صحّة قول «الندوي»: إنّ هذه العلوم وراء الحسّ والطبيعة، لا تعمل فيها حواسّهم، ولا يؤدّي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية»، يتوجّه عليه أنّه لماذا يطرح الذكر الحكيم لفيفاً من المعارف، ويحرّض على التدبّر فيها وهي ممّا يقع وراء الحسّ والطبيعة، وليست الغاية من طرحها هو التلاوة والسكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لا تخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن وأعماق الروح.

1 . ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين:97.

صفحه 36
وها نحن نذكر نزراً يسيراً من هذه المعارف في الفصل التالي التي لا تدرك إلاّ بالتفكير والتعقّل، والبرهنة التي تخرج عن حيطة العلوم الحسّية:
وحاصل الكلام: أنّ ما ذكره «أبو الحسن الندوي» صورة ناقصة من الدعوة إلى المادّية، وإقصاء العقل عن الأُمور الخارجة عن حيطة الأُمور المحسوسة.

الشبهة السابعة: حصر المعاد بالجانب الروحاني

قالوا: إنّ نتيجة دراسة الفلسفة هو حصر المعاد بالجانب الروحاني، وإنكار المعاد الجسماني العنصري، حيث قالوا بأنّ البدن ينعدم بصورته واعراضه لقطع تعلّق النفس عنه، فلا يُعاد بشخصه، إذ المعدوم لا يُعاد والنفس جوهر باق لا سبيل لتطرّق الفناء إليها فتعود إلى المفارقات.(1)
أقول:إنّ نسبة إنكار المعاد الجسماني العنصري إلى عامّة الفلاسفة، نسبة غير صحيحة، وإن تفوّه به بعضهم لكن الأعاظم ـ خصوصاً فلاسفة الشيعة منهم ـ فهم على اعتقاد قطعي بكلا المعادين الجسماني والروحاني.
يقول الحكيم السبزواري:

1 . شرح منظومة السبزواري:333.

صفحه 37
من قصّر المعاد في الروحاني *** قصّر كالحاصر في الجسماني
وجامع بينهما جا فايزا *** وقصبات السبق كان حائزا
وربما ينسب إلى الشيخ رئيس المشائين إنكار المعاد الجسماني، لكن حاشاه عن ذلك، إلاّ أنّه لم يحقّقه بالبرهان، كما يظهر لمن نظر في إلهيات الشفاء.(1)
ما ذكره ذلك الحكيم هو صريح عبارة الشفاء، قال: يجب أن يُعَلَمَ أنّ المعاد منه ما هو مقبول(منقول) في الشرع، ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوّة، وهو الذي للبدن عند البعث، وخيرات البدن وشروره معلومة لا تحتاج إلى أن يُعلم، وقد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها نبيّنا ومولانا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن.
ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدّقته النبوّة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس، وإن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصوّرها الآن، لما نوضح من العلل. والحكماء الإلهيّون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية، بل كأنّهم لا يلتفتون إلى تلك وإن أُعطوها، ولا

1 . لاحظ: شرح منظومة السبزواري:335.

صفحه 38
يستعظمونها في جنب السعادة التي هي مقاربة الحقّ الأوّل.(1)
هذا هو نصّ كلام الشيخ الرئيس، وأمّا صدر المتألّهين(قدس سره) فالمعاد المرضيّ عنده في شرح الهداية الأثيرية هو الجسماني العنصري، قال: إعلم أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متضافرة عن أصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)(2).
(فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ).(3)
(أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّىَ بَنَانَهُ).(4)
وهذا أمر ممكن غير مستحيل فوجب التصديق به، لكونه من ضروريات الدّين وإنكاره كفر مبين.(5)
وأمّا الحكيم السبزواري فهو أيضاً ممّن يقول بالمعاد الجسماني

1 . الشفاء، قسم الإلهيات:544، المقالة 9، الفصل 7 (الطبعة القديمة)، وج 1، ص 423، طبعة مصر.
2 . يس:78ـ 79.
3 . يس:51.
4 . القيامة:3ـ4.
5 . شرح الهداية الأثيرية:381، ط 1313هـ.

صفحه 39
العنصري، يقول: القول الفصل والرأي الجزل ]وهو الجمع بين المعادين[ لأنّ الإنسان بدن ونفس، وإن شئت قلت: نفس وعقل، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة، وكذا للنفس وقواها الجزئية كمالات وغايات تناسبها، وللعقل وقواه الكلية كمال وغاية، ولأنّ أكثر الناس لا يناسبهم الغايات الروحانية العقلية، فيلزم التعطيل في حقّهم في القول بالروحاني فقط.(1)
نجد في العصر الحاضر أنّ أعلام الفلسفة الإسلامية قالوا بالمعاد الجسماني العنصري، منهم:
1. الحكيم المتألّه المعروف بآقا علي الزنوزي ابن الحكيم عبد الله الزنوزي التبريزي نزيل طهران (المتوفّى عام 1307هـ)، فقد ألّف رسالة خاصّة في إثبات المعاد الجسماني العنصري أسماها «سبيل الرشد» وهو مطبوع منتشر.
2. الشيخ المتألّه الحكيم محمد حسين الاصفهاني، الذي لخّص نظرية الحكيم الزنوزي في رسالة خاصّة، وطبعت الرسالة في مجلة «نور علم»، العدد12.
3. الحكيم المتألّه السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني(المتوفّى عام 1396هـ)، فمن أراد أن يقف على كلامهم فليرجع إلى كتابنا «شبهات وردود:1/51ـ53».

1 . الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة:9/165، قسم التعليقة.

صفحه 40
نعم هناك مَن فسّر المعاد الأُخروي بالجسماني ولم يصفه بالعنصري، كما هو الظاهر من صدر المتألّهين في أسفاره، ونحن نثمّن جهوده، وما ذكره وإن لم يف بما عليه القرآن الكريم، ولكنّ ما ذكره خطوة علمية توصل القارئ إلى المقصد الأسنى، وقد اشتهر قولهم: أنّه لولا الفرضيات لما عُلمت الواقعيات.
وأمّا الإجابة عن شبهات المنكرين للمعاد الجسماني والعنصري فقد أوضحنا حالها في كتابنا «شبهات وردود»، فراجع.

الشبهة الثامنة: القول بوحدة الوجود والموجود

قالوا: بوحدة الوجود والموجود.
يقول السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى»: والقائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلاّ مع العلم بالتزامهم بلوازم مذهبهم من المفاسد.(1)
أقول: نحن في هذا الفصل لسنا بصدد تصويب ما عليه بعض الفلاسفة في مسألة وحدة الوجود والموجود أو كثرتهما، بل بصدد أنّ هذه الآراء في هذه المسألة الاّ رأياً واحداً لا يخالف التوحيد سواء أكانت صحيحة أم لا، فليكن هذا ببالك إلى آخر دراسة الموضوع.
فنقول: أقوال الفلاسفة في المقام آراء مختلفة نشير إليها واحداً

1 . العروة الوثقى:1/146، باب النجاسات، كتاب الطهارة.

صفحه 41
بعد الآخر، من دون أن نتخذ موقفاً مؤيّداً لهذه الآراء.

الأوّل: قول المشّائين

ذهب المشّائون قديمهم وحديثهم إلى أنّ الوجود حقائق متبائنة بالذات وليس بينها وجه اشتراك حتى يحتاج إلى وجه امتياز فهي متمايزات بالذات نظير الأجناس العالية كالجوهر والكم والكيف، فعلى هذا فهذه الحقائق بسائط تفقد التركب، يجمع الجميع عنوان الوجود.
وإلى هذا القول يشير الحكيم السبزواري في منظومته:
وعند مشائيّة حقائق *** تباينت وهو لدي زاهق(1)
سواء أصحّ هذا القول أم لم يصحّ، فالقول به لا يضاد التوحيد ولا يلازم الشرك.

الثاني: قول الفهلويين في حقيقة الوجود

ذهب الفهلويّون إلى أنّ الوجود ـ مكان أن يكون حقائق متباينة كما في القول الأوّل ـ حقيقة واحدة ذات مراتب مشكّكة مختلفة بالكمال والنقص. وأُريد من كون الوجود حقيقة واحدة في الواجب والممكن هو اشتراك الجميع في كونه من مصاديق الوجود بمعنى

1 . شرح منظومة السبزواري:19.

صفحه 42
طرد العدم، وفي الوقت نفسه، له مراتب مختلفة من حيث الشدّة والضعف، والغنى والفقر، والوجوب والإمكان، والتقدّم والتأخّر.
وليُعلم أنّ قولهم بأنّ المراتب مختلفة بالشدّة والضعف لا يُراد به كونه مركّباً من الوجود والشدّة أو الوجود والضعف بل الشدّة والضعف عنوانان مشيران إلى درجة الوجود فهي في الجميع بسيط لكن درجات مختلفة.
ثمّ إنّهم يوضحون أُطروحتهم بالمثال التالي:
وهو قياس الأنوار المعنوية (مراتب الوجود) بالأنوار الحسّية فالثانية ذات مراتب مختلفة كالأشعة والأظلّة، ولكن الشدّة والضعف ليست شيئاً سوى درجة النور لا أنّه مركّب بأحدهما.
وهذه هي خلاصة نظرهم، ومن المعلوم أنّه لا يضاد التوحيد ولا يوجب الشرك.
وقولهم: إنّ الوجود حقيقة واحدة لا يعني كونه نوعاً والواجب والممكن داخلان تحت ذلك النوع، وذلك لأنّ النوع من أقسام الماهية، والوجود يقابل الماهية، فلا يتصوّر فيه الجنس والنوع والصنف، بل يعنون بوحدة الحقيقة كون الجميع طاردٌ للعدم إمّا وجوباً كما في الباري، أو إمكاناً كما في غيره، يقول الحكيم السبزواري:
الفهلويون الوجود عندهم *** حقيقة ذات تشكك نعم

صفحه 43
مراتباً غنى وفقراً تختلف *** كالنور حينما يقوى ويضعف(1)
فالوجود والموجود في هذا القول متكثر كما هو الحال كذلك في القول الأوّل، غير أنّ القول الأوّل يصف الموجودات بحقائق متباينة، وهذا القول يصفها بمراتب مختلفة، وفي الوقت نفسه يجمع الكل كونه طاردٌ للعدم، لا واقعاً تحت جنس أو نوع أو صنف.
وقد وصف الحكيم السبزواري هذا القول بالتوحيد العامي(2)، ولعلّه أراد بقوله:(العامي) أي الشائع الذائع بين الموحّدين عامّة. وليس هذا القول مخالفاً للتوحيد وأُصول الشريعة.
يقول السيد الخوئي(قدس سره): القائل بوحدة الوجود إن أراد الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وأنّه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن، فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف إنّما هو حسب المرتبة، لأنّ الوجود الواجبي
في أعلى مراتب القوّة والتمام، والوجود الممكني في أنزل
مراتب الضعف والنقصان وإن كان كلاهما موجوداً حقيقة وأحدهما خالق للآخر وموجد له، فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود والموجود معاً، نعم حقيقة الوجود واحدة، فهو ممّا لا يضادّ التوحيد بوجه، بل هو مذهب أكثر الفلاسفة، بل ممّا اعتقده المسلمون وأهل

1 . شرح المنظومة:7.
2 . الأسفار:1/71، قسم الهامش.

صفحه 44
الكتاب ومطابق لظواهر الآيات والأدعية، فترى أنّه(عليه السلام) يقول:«أنت الخالق وأنا المخلوق... وأنت الرب وأنا المربوب»(1)، وغير ذلك من التعابير الدالّة على أنّ هناك موجودين متعدِّدين أحدهما موجد وخالق للآخر، ويعبّر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العاميّ.(2)

الثالث: القول المنسوب إلى ذوق التألّه

ذهب بعض الفلاسفة إلى القول بوحدة الوجود وكثرة الموجود، وحاصله: حقيقة الوجود قائمة بذاتها وهي واحدة لا تكثّر فيها بوجه من الوجوه، وإنّما التكثّر في الماهيات المنسوبة إلى الوجود وليس للوجود قيام بالماهيات وعروض لها وإطلاق الوجود على تلك الحقيقة(الله سبحانه) بمعنى أنّها نفس الوجود، وكلّ الماهيات (ما سوى الله) بمعنى أنّها المنسوبة إلى الوجود من مثل اللابن والمشمّس والتاجر، ومن المعلوم أنّ اللبن غير قائم بصاحبه، وهكذا الآخران، وهذا ما وصفه الحكيم السبزواري بتوحيد خاص الخاص.
أقول: سواء أصحّ هذا القول أم لم يصحّ، فهو لا يضاد التوحيد ولا يوجب الشرك، نعم قول باطل.

1 . كما في دعاء يستشير في مفاتيح الجنان.
2 . التنقيح في شرح العروة الوثقى للسيد الخوئي(تقريرات الغروي):3، كتاب الطهارة:75.

صفحه 45
نعم إنّ القائل حاول تعظيم الرب بتحقير العبد، مع أنّ الأوّل لا يتوقّف على الثاني، فإنّ العالم الإمكاني يشتمل على الملائكة المقربين والأنبياء العظام وأصفياء الله سبحانه، فكيف يمكن أن يقال في حقّهم بأنّهم غير موجودين إلاّ بانتسابهم إلى الربّ.
والعجب أنّ صدر المتألّهين اختار هذا القول في كتابه «المبدأ والمعاد»، وقال: إنّ الممكن في مرتبة ذاته لا يكون موجوداً أصلاً، لا في نفسه ولا لنفسه ولا بنفسه، بل له الوجود الاعتباري النسبي إلى المبدأ الأوّل القيّوم بالذات وهو الموجود في نفسه لنفسه بنفسه.(1)
نعم ما اختاره في ذلك الكتاب خلاف مختاره في الأسفار، والمعصوم هو الله سبحانه، ومن عصمه الله من الأنبياء والأولياء.

الرابع: وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما

وهذا القول يثبت الوحدة لكلّ من الوجود والموجود وفي الوقت نفسه يثبت الكثرة.
وقد أوضحه الحكيم السبزواري في حواشيه على الأسفار، بقوله: إنّ المصنّف (صدر المتألّهين) يقول بتكثّر الوجود والموجود معاً، ومع ذلك يثبت الوحدة في عين الكثرة وبيّنه بالمثال التالي:
إذا كان إنسان مقابلاً لمرايا متعدّدة، فالإنسان متعدّد، وكذا

1 . المبدأ والمعاد:23.

صفحه 46
الإنسانية، لكنّهما في عين الكثرة واحد، بملاحظة العكسية وعدم الأصلية، إذ عكس الشيء ـ بما هو عكس الشيء ـ ليس شيئاً على حياله، وإنّما هو آلة للحاظ الشيء، ولو جُعل ملحوظاً بالذات لم يكن عكساً حاكياً عن الشيء، بل حاجباً. فالوجودات إذا لاحظتها بما هي مضافة إلى الحقّ سبحانه بالإضافة الإشراقية، أعني بعنوان أنّها إشراقات نوره لم تكن خالية في ظهورها عن ظهوره، وإذا لاحظتها أُموراً مستقلة بذواتها كنت جاهلاً بحقائقها إذ الفقر ذاتي لها، فللوجودات الخاصّة الإمكانية، حقائقٌ، ولكنّها أضواء شمس الحقيقة وروابط محضة، لا أنّها أشياء لها الربط(1).
وهذا القول قريب من قول الفهلويّين غير أنّ قولهم مبني على العلية والمعلولية والخالقية والمخلوقية، وهذا القول مبني على التجلي وأنّ لازم تجلّيه سبحانه هو ظهور نور منه، قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.
نعم هنا نكتة، وهي أنّ القرآن المجيد يركّز على الخلق، فالله هو الخالق وغيره هي المخلوقات، لكن بعض الأقوال خصوصاً القول الأخير يناسب التجلّي، وهل مرجع الجميع واحد أو لا.
وهذا القول أيضاً لا يضاد التوحيد ولا يورث الشرك لقوله بالكثرة في نظر، وبالوحدة في نظر آخر، ولكن الوحدة ـ إنّما هي أي

1 . لاحظ: الأسفار الأربعة:1/71ـ 72، الهامش.

صفحه 47
في الحقيقة ـ في كون الجميع مشاركاً في طرد العدم، ولكن متميّزاً في كيفية الوجود.
***
الخامس: أنّه ليس في الحقيقة إلاّ موجود واحد وله تطوّرات متكثّرة واعتبارات مختلفة، فهو في الخالق خالق وفي المخلوق مخلوق، وفي السماء سماء، وفي الأرض أرض، فهذا القول باطل، وقد نُسب إلى بعض الجهلة من الصوفية، حتى روي عن بعضهم أنّه قال:ليس في جبتي إلاّ الله. ولا أظن أنّ إنساناً عاقلاً مفكّراً يذهب إلى هذا القول فإنّه زندقة محضة وكفر بواح، أعاذنا الله وإياكم من وساوس الشيطان.

الشبهة التاسعة: كونه سبحانه فاعلاً موجَباً

من القواعد المسلمة في الفلسفة، قولهم: «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، ومرادهم من الشيء هو المعلول، ومعناه أنّ الموجود الإمكاني ما لم يصل إلى حدّ، يجب وجوده، ويُمنع عدمه، لا يوجد.
يقول الحكيم السبزواري:
شرائط التأثير ما يجمع يجب *** معلوله دون المعد اعرف تُصبْ
فزعم صاحب الشبهة أنّه سبحانه موجد للعالم الإمكاني، فلو لم

صفحه 48
يصل فعله إلى حد الوجوب وامتناع العدم لا يصدر منه شيء، ولازم ذلك كونه سبحانه فاعلاً موجَباً غير مختار.
يلاحظ عليه: أنّ مفاد القاعدة كون الفاعل المختار موجِباً ـ بالكسر ـ لا موجَباً ـ بالفتح ـ  .
ومثير الشبهة خلط بين الأمرين فمفاد القاعدة من القضايا التي قياساتها معها، إذ تصوّر معنى العلّة التامّة وأنّها عبارة عمّا يجب من وجودها وجود المعلول، ومن عدمها عدمه، كاف في الحكم بامتناع تخلّفها عنه.(1)
وإن أردت التوضيح الأكثر: افترض أنّ ظاهرة مادّية لها علّة مؤلّفة من خمسة أجزاء، مضافاً إلى ارادة الفاعل فيكون وجودها رهن اجتماع الأجزاء جميعاً في زمان واحد، ولو فرض فقدان واحد منها يَتطرق العدم إليها، فلا يُسدّ باب العدم إلاّ باجتماع الأجزاء.
وعلى ضوء ذلك فلو وجدت الأجزاء يتعقّبها وجود المعلول، وإلاّ ففرض عدم وجوده وتطرق العدم إليه، رهن سبب، فإن كان السبب فقدان جزء من الأجزاء فهو خلف وليس هنا شيء آخر يُعلّل به عدمه فيلزم وجوب وجوده، وعلى هذا فالمعلول يصدر عن الفاعل المختار على نحو القطع والبت، لكن بإفاضة الوجوب من الفاعل إليه.

1 . درر الفوائد للحكيم الآملي:1/373.

صفحه 49
وبذلك تقف على بطلان الشبهة فالقائل خلط بين كون المعلول موجَباً، وبين كون الفاعل موجَباً، فالأوّل يوصف بالوجوب والثاني بإفاضة الوجوب منه إليه عن اختيار فيكون موجِباً.

الشبهة العاشرة: القواعد المنطقية والمسائل الفلسفية علوم مستوردة

ربما يقال بأنّ ما يُسمّى بالقواعد المنطقية أو المسائل الفلسفية، كلّها علوم مستوردة; وذلك لأنّ المسلمين لمّا خرجوا عن الجزيرة العربية ونشروا الإسلام خارجها فصار احتكاكهم بغيرهم سبباً لانتقال هذه العلوم إلى المجتمع الإسلامي، فأخذ من اغترّ بصحّة هذه العلوم، بنقلها إلى اللغة العربية وروّجتها الحكومات السائدة في تلك العصور، فما يسمّى بالفلسفة الإسلامية فهي فلسفة يونانية أو إيرانية أو غير ذلك.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاحتكاك صار سبباً لانتقال غير المنطق والفلسفة أيضاً إلى مدارس المسلمين مثل الرياضيات والهندسة والهيئة والطب وغير ذلك من العلوم التي كانت رائجة خارج الجزيرة العربية، فلو كان الاستيراد ثغرة في العلوم فيجب علينا طرد عامّة العلوم المنقولة مع أنّا نرى أنّ المسلمين عامّة رفعوا قواعد العلوم المستوردة أكثر ممّا كان في موطنها، من غير فرق بين علم دون علم، ويعلم ذلك مَن قرأ تاريخ العلوم والجهود التي بذلها

صفحه 50
القدامى من العلماء في العلوم الطبيعية والرياضية والعقلية.
وثانياً: أنّ المسلمين لم يأخذوا بحرفية هذه العلوم حتى المنطق والفلسفة، بل بدأوا بدارستها وإكمالها وتُنقيتها من الثغرات، قال السيد الطباطبائي: إنّ المسائل الفلسفية يوم ورودها إلى المجامع العلمية لم تكن أزيد من مائتي مسألة وقد بلغت إلى القمة بين المسلمين حتى صارت سبعمائة مسألة.(1)
وثالثاً: الإنسان الواقعي يدرس كلّ مسألة فلسفية بنفسها ثم يقضي على كلّ مسألة بما هو حقّها، وليس من الإنصاف أنّ نصف جميع هذه المسائل الإغريقية أو الفارسية بالضعف والبطلان.
فالناقد المنصف هو مَن يفرّق بين المسائل التي يؤيّدها البرهان والعقل الحصيف، وبين ما يخالفهما، فلا يقضي على الجميع بحكم واحد.
***
إلى هنا تمّ ذكر أكثر الشبهات التي ربما تمنع الطلاب عن دراسة المسائل العقلية والاستضاءة بما في كتب السابقين من عصر الترجمة والتأليف إلى يومنا هذا، فليس من القول الحقّ والقضاء السليم الشطب على جميع الكتب الفلسفية والرسائل المنطقية، بل يجب دراسة كلّ مسألة بإمعان ودقّة، فيؤخذ ما صفا منها ويطرح ما كدر.

1 . مجموعة مقالات:2/11.

صفحه 51

الفصل الثاني

منهج القرآن الكريم في دراسة المعارف الإلهية

مَن قرأ القرآن الكريم قراءة معمّقة، يقف على أنّه سبحانه قد استدلّ على كثير من المسائل العقدية بالبراهين العقلية الّتي لا تنفك عن الرؤى الفلسفية، ولو دلّ ذلك على شيء، فإنّما يدلّ على أنّ طريق الاهتداء للمعارف، هو التفكير والبرهنة والاستدلال. والتفكير الصحيح عبارة عن الاستدلال بما يحكم به العقل الحصيف، وإلاّ فلو رفضنا ذاك النوع من التفكير، لما حصل لنا اليقين بمعرفة دينية من الصانع وصفاته. والاعتماد في تلك المجالات على إخبار القرآن (مجرّداً عن البرهنة)، لا يجدي، لافتراض عدم ثبوت حجيته بعدُ، ونحن إذ نصرّ على لزوم دراسة الفلسفة، فلا نريد الاعتماد على مدرسة معينة من المدارس الفلسفية لفيلسوف معيّن، أو منهج خاص، بل نريد دراسة المسائل والمعارف على ضوء البراهين والأدلّة العقلية الواضحة، سواء أوافقت آراء مدرسة معيّنة أم خالفتها. فإنّ إقصاء العقل عن المعارف ينتهي إلى غلق باب المعرفة.

صفحه 52
وها نحن نشير إلى نزر يسير ممّا ورد في الكتاب المجيد من البرهنة على المعارف الدينية، فإنّ الاستقصاء الناقص فضلاً عن الكامل لا يناسب حجم هذه الرسالة. وقد مرّ بعض الإشارة إلى ذلك عند دراسة الشبهات.

1. البرهنة على التوحيد في الخالقية بوجود الانسجام في الكون

قلّما نجد في الكتاب العزيز الاستدلال على وجود الصانع لكونه أمراً فطرياً وأمراً مقبولاً لأكثر الناس ولذلك يقول سبحانه: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(1)، فالآية مع أنّها تنفي الشك عن وجوده سبحانه، ولكنّها في الوقت نفسه تُقيم برهاناً واضحاً على وجوده وهو خلق السماوات والأرض، فإنّ النظام المتقن في السماء والأرض من الأُمور الممكنة التي لا تنفك عمّن يوجدها ويزيل عنها غبار العدم، ولذلك(كون وجوده سبحانه واضحاً متّفقاً عليه) نرى أنّه غالباً ما يركّز على صفاته سبحانه التي منها التوحيد في الخالقية، قائلاً: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ)(2) فيستدلّ عليه بقوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا

1 . إبراهيم:10.
2 . فاطر:3.

صفحه 53
يَصِفُونَ)(1).
توضيح البرهان: أنّ هذه الآلهة بما أنّهم متعدّدون، فلابدّ أن يتميّز كلٌّ عن الآخر ويتباين كلٌّ عن الآخر، ومن المعلوم أنّ الإله إذا كان متبايناً مع الآخر يكون أثره أيضاً مغايراً لأثر الآخر، فيكون تدبير كلّ إله لمخلوقه، مضاداً لتدبير الآخر لما خلق، فيلزم من تعدّد الآلهة وجود مخلوقات أوّلاً وتدبيرات مختلفة ثانياً، وهو يلازم فقد الانسجام السائد على العالم.
وبعبارة أُخرى: إنّ تعدّد التدبير في ظلّ تعدد الخلق يوجب فقد الانسجام والاتّساق في الكون وانقطاع الصلة بين أجزاء الكون بعضها عن بعض، وذلك لأنّ كلّ إله يستقل بتدبير جزء من العالم منقطعاً عن تدبير الإله الآخر، مع أنّا نرى الانسجام من المجرّة إلى الذرّة، حتى أنّ القوانين الحاكمة على المجرّات حاكمة على كلّ ذرة من ذرّات هذا العالم، وكأنّ العالم نسيج واحد يتّصل بعضه ببعض بقوّة وتماسك. فنستنتج عندئذ وحدة الخالق.

2. البرهنة على التوحيد في الربوبية بنفس البرهان

من المعارف القرآنية كون الله سبحانه متوحّداً في الربوبية، أعني: تدبير الكون أجمع، وليس هناك رب مستقل يدبّره سواه

1 . المؤمنون:91.

صفحه 54
سبحانه... والمفروض في المقام وحدة الخالق وتعدد المدبّر.
ومن المعلوم أنّ هذه المسألة معرفة قرآنية وفي الوقت نفسه مسألة كلامية وفلسفية، وقد أقام القرآن عليها برهاناً عقلياً في قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا).(1)
توضيح الآية: أنّه لو فُرض للعالم أرباباً فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتاً، متباينين حقيقة، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم، فتتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض، لكن النظام الجاري، نظام واحد، متلائم الأجزاء في غاياتها، فليس للعالم مدبّرات فوق الواحد، وهو المطلوب.(2)
وبذلك ظهر أنّ برهاناً واحداً يتكفّل إثبات مسألتين: التوحيد في الخالقية والتوحيد في الربوبية.

3. البرهنة على حضوره سبحانه في الكون كلّه

إنّ القرآن الكريم يطرح معرفة من المعارف التي لا تدرك إلاّ ببرهان عقلي وقياس فلسفي، ونذكر من باب المثال.
قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(3)

1 . الأنبياء:22.
2 . الميزان في تفسير القرآن:4/267.
3 . الحديد:4.

صفحه 55
وقوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).(1)
إنّه سبحانه نهى قبل هذه الآية عن نجوى المنافقين نهياً شديداً، ولأجل تثبيت أنّ نجواهم غير خافية عن الله يستشهد عليه بأمرين:
1. علمه سبحانه بما في السماوات والأرض، قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) فالتناجي والتظاهر عنده سبحانه سواء، لا فرق بينهما.
2. أنّ كلّ مجتمع سواء أكان صغيراً أم كبيراً إلاّ هو معهم كما يقول سبحانه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)، وفي آية أُخرى قال سبحانه: (فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)(2)، وأُريد من وجه الله ذاته سبحانه، فأينما يتولّى الإنسان فهو يستقبل ذاته جلّ وعلا، أفيمكن فهم هذه الحقائق والمعارف بلا برهان عقلي، وبدون التفكّر والتعقّل الصحيح، إلاّ أنّ يقال بأنّ هذه الآيات قد نزلت للتلاوة والتبرّك دون التفكّر والتفهّم وهو كماترى

1 . المجادلة:7.
2 . البقرة:115.

صفحه 56
يضاد قوله: (أفَلا يَتَدبَّرونَ الْقُرآنَ)(1).
ثمّ إنّ أهل الحديث من السنّة الذين يقولون في حقّه سبحانه بأنّه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه، كيف يمكن لهم تفسير هذه الآيات؟
يقول ابن تيمية في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه وكرسيّه وسع السماوات والأرض، وأنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، وإنّه ليئط أطيط الرحل الجديد براكبه.(2)
فإذا جرّدنا النفس عن هذه الآراء المستوردة من مستسلمة أهل الكتاب التي ورثها أهل الحديث منهم من غير وعي، يمكن لنا تفسير إحاطته سبحانه بالكون مع عدم كونه حالاًّ فيه، ومنزّهاً عن الحلول بالبرهان التالي.
إنّ البراهين الفلسفية أثبتت أنّ نسبة المعلول إلى العلّة وقيامه به أشبه بقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، أو كقيام الصور المرتسمة بالنفس، (وإن كان بين المثال والممثل بون شاسع)، فإذا كان كذلك فلا يمكن تصوّر وجود المعنى الحرفي من دون حضور المعنى الاسمي، فإنّ غياب الثاني يلازم انعدام الأوّل.
وبعبارة أُخرى: إنّ المعيّة التي يحكي عنها قوله سبحانه: (وَهُوَ

1 . النساء:83 ، محمد24.
2 . مجموعة التفسير:354ـ 355.

صفحه 57
مَعَكُمْ) ليست معيّة مكانية; بل معيّة قيّوميّة لأنّ نسبة الكائنات إلى الله سبحانه نسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي، أو كنسبة الصور الذهنية إلى النفس المتصوّرة لها، فكما أنّ انفصال المعنى الحرفي عن الاسمي أو انفصال الصور الذهنية عن النفس يوجب انعدامهما، فهكذا العالم والكائنات بأجمعها قائمة بالله سبحانه كقيامهما، فلو كان هناك انفصال بين الخالق والمخلوق، يلزم انعدامه ولا يكون له أثر.
فعلى هذا فالمعية القيومية نفس ذاتنا وعين واقعنا، ففرض عدمها يلازم فرض عدم ذاتنا وواقعنا.
وإلى ما ذكرنا من القيومية يشير الإمام علي(عليه السلام) في تمجيد الله تعالى: «مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُزَايَلَة».(1)
إنّ الوجود الإمكاني ذاته الفقر والتدلّي بالغير، لا أنّه شيء عرض له الفقر والتدلي، وإلاّ يلزم أن يكون في ذاته غنيّاً عرض له الفقر، وهو أمر محال، فإذا كانت حقيقته القيام بالغير، والتدلي به فلا يستمر وجوده إلاّ بوجود الواجب الذي يقوم به، فلا ينفك وجوده عن وجوده، فيكون قائماً به قيام قيّومياً لا حلولياً، وهذا من أدقّ الأسرار التي أُشير إليها في الكتاب العزيز.
ثمّ إنّ بعض أهل الظاهر الذين أجلسوا الله على عرشه فوق

1 . نهج البلاغة: الخطبة1.

صفحه 58
السماوات لمّا زعموا أنّ معيّته سبحانه معنا، توجب الحلول أو حضوره سبحانه في أماكن غير لائقة بذاته، عادوا يفسّرون المعيّة بالمعية العلمية وهي علمه سبحانه بما سواه، لا حضوره بالمعنى الصحيح، فالقوم بما أنّهم أغلقوا باب التعقّل والتدبّر في آياته سبحانه على أنفسهم كانوا يؤوّلون الآيات ويحملونها على غير معناها.(1)
وعلى كلّ تقدير، فالفقرة تهديد ووعيد لكلّ طاغ وباغ، بأنّه سبحانه حاضر في كلّ مكان، ناظر للأعمال كما يقول: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيثيب ويعاقب.

4. ثمانية عشر وصفاً لله لا تُدرك إلاّ بالأقيسة العقلية

ثمّ إنّ القرآن الكريم اشتمل على ثلاث آيات ذكرت ثمانية عشر اسماً أو صفة له سبحانه، وإليك هذه الآيات:
قال سبحانه: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي

1 . لاحظ: العقيدة الواسطية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية:1/400ـ 401.

صفحه 59
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(1)
ففي الآية الأُولى: تكلّم عن أعمّ أسمائه ذاتاً وصفاتاً، أعني: التوحيد والعلم والرحمة.
وفي الآية الثانية: تكلّم عن خالقيته وحاكميته(الملك) وما له من الشؤون، فذكر: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّر.
وفي الآية الثالثة: تكلّم عن خالقيته ومايتبعه من تصوير الإنسان في الأرحام، وكونها على وجه العزّة والحكمة، ولذا ذكر: الخالق، البارئ، المصوّر، العزيز، الحكيم.
ففي هذه الصفات جاء التنزيه عن التجسيم والتشبيه، والتوحيد في الإلوهية، وسعة علمه سبحانه بالغيب والشهادة، والإشارة إلى كمال فعله وجماله. فهل يمكن دراسة هذه الصفات دراسة معمّقة من دون الاستفادة من البراهين العقلية؟!
كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّ منهج القرآن الكريم في فهم المعارف هوالتفكير العقلي الذي لا يفارق التفكير الفلسفي بالمعنى الذي عرفت، فلو عزلنا العقل عن هذا النوع من التفكير فقد منعنا الفهم عن المعارف الواردة في القرآن الكريم.
***

1 . الحشر:22ـ 24.

صفحه 60

5. إبطال زعم المشركين بالبرهان الفلسفي

يقول سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ).(1)
إنّ المشركين كانوا يرفضون الدعوة النبوية والتكاليف الإلهية، ويتصرّفون تصرّف مَن لا يؤمن بالله ولا يعترف بوجوده، بل يدلّ تصرّفهم على أنّهم يدّعون الخلق والربوبية، فالله سبحانه يردّ عليهم بوجوه ثلاثة:
1. أنّهم هل وُجدوا من غير علّة ولا سبب، فلا خالق ولا ربّ لهم ليكلّفهم بالتكاليف؟!
2. أو أنّهم وُجدوا من جانب أنفسهم، فلا موجود فوقهم حتى يكلّفهم بها.
3. أو أنّهم هم الذين خلقوا السماوات والأرض، فلا يتعلّق بهم تكليف، لكونهم أرباباً وآلهةً.
فعلى هذه الاحتمالات هم بمنأى عن التكليف، إذ على الاحتمال الأوّل لا خالق ولا مدبّر، وعلى الاحتمال الثاني فالخالق هم أنفسهم، وعلى الثالث هم الآلهة والمدبّرون. والوجوه الثلاثة باطلة.
ثمّ يعود البيان القرآني إلى القول بأنّ كلّ ذلك أعذار واهية تقمّصوها قائلاً (بأنّهم وجدوا من غير علّة) أمر يرفضه العقل

1 . الطور:35ـ36.

صفحه 61
الحصيف، كما أنّ القول بأنّهم وجدوا بعلّة وهي أنفسهم مثل الأوّل، فالعقل الفطري يحكم بأنّ كلّ حادث رهن محدث كما يحكم بأنّ حدوث الحادث بنفس وجوده مرفوض بالبداهة; لأنّه مستلزم للتناقض، فبما أنّه معلول يجب أن يكون متأخّراً، وبما أنّه علّة نفسه يجب أن يكون متقدّماً، فكيف يمكن أن يكون شيء واحد في حالة واحدة، متقدّماً ومتأخّراً؟!
وبعبارة أُخرى: فرض كونه معلولاً يلازم عدمه قبل الوجود، وفرض كونه علّة يلازم فرض وجوده قبل إيجاد نفسه.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ منهج القرآن في بيان المعارف منصبّ على الأقيسة العقلية الصحيحة التي يصدّقها العقل والفطرة.
***

6. الاستدلال على إمكان المعاد بالبرهان

كان المشركون ينكرون إمكان المعاد، ويتعجّبون من القول به، وقد حكى سبحانه كلامهم هذا في قوله:(وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)(1).
فالله سبحانه يردّ استبعادهم وتعجّبهم بوجهين:
الأوّل: ما في ذيل الآية حيث قال: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)إذ

1 . السجدة:10.

صفحه 62
ليس الاستبعاد والتعجّب، هو السبب لإنكارهم المعاد إذ لو كان هذا هو السبب لكفى في دفعه تلك الدلائل الواضحة على سعة قدرة الله سبحانه، فالقادر على الإنشاء ابتداء، قادر على الإعادة نهاية، ولكن الباعث على هذا الاستبعاد هو أنّهم غير مؤمنين بلقاء ربّهم يوم القيامة للحساب والجزاء، عناداً ولجاجاً، فصار ذلك سبباً للتشبّث بهذه الشبهة.
الثاني: يرد عليهم بقوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).

توضيح الردّ

يأمر سبحانه النبي بقوله:(قُلْ): أي يا محمّد (يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ): أي يأخذكم الملك الموكّل بقبض أرواحكم، وهو كعزرائيل الذي وكّل بقبض روح كلّ ميّت في الوقت المحدّد لانتهاء أجله (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ): أي ثمّ إلى لقاء ربّكم ترجعون.
إنّما الكلام في تبيين كون مفاد الآية جواباً للشبهة.
بيانه: إنّ أساس الشبهة هو أنّ شخصية الإنسان ببدنه وجسده، فإذا مات وتفرّقت أجزاء بدنه وغاب بعضها عن بعض بالبثّ في أطراف الأرض فكيف يمكن إعادة هذا الشخص؟ فجاء الوحي

1 . السجدة:11.

صفحه 63
مبطلاً لهذا الزعم بأن تشخّص الإنسان وواقعه ليس هو البدن المتفرّق، بل تشخّصه بنفسه وروحه الذي يأخذه ملك الموت وهو محفوظ عندنا بشهادة قوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) وعلى هذا فما ضلّ من الجسد وأجزائه بعد الموت ليس واقعَ الإنسان; وذلك لأنّ الروح في بدء وجوده ليس غنيّاً في تكامله عن البدن وإنّما يتكامل شيئاً فشيئاً بالانتفاع بالنعم المادّية، ولا يتحقّق ذلك إلاّ إذا كان مع البدن، فلو ضلّ بالموت فإنّما ضلّت وسيلة من وسائل حياته الدنيوية أو أداة من أدواته، فلا يضرّ ضلاله وتفرّقه في الأرض لكفاية بقاء نفسه وروحه عند الحشر، فما هو الأصل فمحفوظ عندنا، وعلى ذلك فالله سبحانه هو القادر، العارف بأجزاء بدن كلّ إنسان مات، فيجمعها ويتشكّل منها بدنه.
والآية من أظهر الأدلّة على أنّ واقع الإنسان هو روحه ونفسه المجرّدة، فإذا مات وصار جسده كالجماد، فالروح تؤخذ من قبل ملك من ملائكة الله وهي محفوظة إلى يوم القيامة، فإذا شاءت إرادته سبحانه إعادة الإنسان يوم البعث، تحرّكت أجزاء البدن المتفرّقة المبعثرة في الأرض إلى تلك النفس المحفوظة ويتعارفان، فيكون المُعاد هو نفس المبتدى بأمر الله تعالى.
ومن يلخّص الإنسان في البدن ويفسر الروح والنفس بالأُمور المادّية، يصعب عليه تفسير الآية فإنّها تُقسم الإنسان إلى ضالّ وباق، فالبدن وما فيه ضالّ في الأرض، والنفس أو الروح باق ولا يتصوّر

صفحه 64
البقاء إذا كان من غير سنخ الضال.
وليست الآية بصدد بيان انّ المعاذ روحاني لا جسماني بل هي بصدد بيان ناحية خاصة من معاد الإنسان وهي انّ أصله الأصيل هو الروح وهو ليس بضالّ بل موجود عند قابض الأرواح، وأمّا انّ المعاد منحصر في حشر الأرواح أو هي مع الأبدان فليست الآية بصدد بيانه نفياً أو إثباتاً بل تعلم حال ذلك بدراسة سائر الآيات وهي صريحة في الجسماني العنصري.
***
هذا غيض من فيض ونزر من كثير من الآيات التي تبرهن على المعارف ببرهان عقلي وقياس منطقي يقبله كلّ من له روح الاستماع إلى الحقّ واتّباعه، وليكن ذلك أُسوة لنا في كلّ قول يُلقى إلينا بالبرهان والدليل.

صفحه 65

الفصل الثالث

منهج المعصومين(عليهم السلام) في بيان المعارف الدينية

إنّ منهج المعصومين(عليهم السلام) هو نفس منهج القرآن الكريم، فحيثما وجدوا(عليهم السلام) قلوباً طاهرة وآذاناً صاغية وعقولاً واعية، نوّروها بالبراهين الساطعة عند دراسة معرفة من المعارف.
وها نحن نذكر أوّلاً شيئاً من السنة التي تدعو إلى التفكير الصحيح، ثم نشير إلى موارد خاصة اُستدّل فيها بالأقيسة العلمية على المعارف والعقائد.
1. ما نقل عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال:«لا تنظر إلى من قال بل انظر إلى ما قيل».(1)
2. وقال(عليه السلام):«وَلاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ».(2)

1 . كنز العمال:16/197.
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم برقم 113.

صفحه 66
3. وقال عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام):«لو كان في يدك جوزة، وقال الناس: لؤلؤة، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنّها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس: إنّها جوزة، ما كان يضرك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة».(1)
كلام الإمام علي(عليه السلام)في صفاته تعالى   
كلّ ذلك يدلّ على أنّ سيرة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هو دعوة المؤمنين إلى التفكّر، أعمّ من التفكّر في الكتاب والسنّة أو الخارج منهما، فيعم التفكّر في عالم الكون وما فيه من بدائع المصنوعات وعجائب المخلوقات والأقيسة التي تُرشد الإنسان إلى حقائق ومعاني غير محسوسة ولا ملموسة، ولأجل ذلك نأتي بشيء قليل من الدراسات الفلسفية في كلمات أهل البيت(عليهم السلام) وخطبهم، وحقيقة الأمر أنّ كتاب «الكافي» للشيخ الكليني و«نهج البلاغة» لجامعه السيد الرضي(رحمه الله) و«التوحيد»، للشيخ الصدوق و«تحف العقول» للشيخ الحرّاني و«الاحتجاج» للطبرسي وغيرها تحتوي من المفاهيم العقلية والمسائل الفلسفية ما يُدهش العقول، وهو أدلّ دليل على أنّهم زُقّوا العلم زقّاً، ورزقوا علماً جمّاً من دون تعليم عند إنسان أو حضور عند معلم، فلو لم يكن للأئمّة الاثني عشر سوى هذه الخطب والكلمات لكفى في كونها دليلاً واضحاً على أنّهم تعلّموا العلم تعلّماً غيبياً من غير منهاج عادي.

1 . تحف العقول:386.

صفحه 67
وليعلم القارئ أنّا سنأتي بشيء قليل حتى يكون دليلاً على سيرتهم ومنهجم في الدعوة إلى التفكّر في المسائل العقلية، وأوّل ما نبدأ به ـ إن شاء الله ـ هو ما بدأ به السيد الرضي(رحمه الله) كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) به.

الأوّل: كلامه(عليه السلام) في صفاته تعالى

قال الإمام علي(عليه السلام):«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاَصُ لَهُ ، وَكَمَالُ الاِْخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ: فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ».(1)
وقد اكتفينا بنقل هذه القطعة من خطبة الإمام (عليه السلام)، والذي يهمّنا هو تفسيرها وتبيينها على وجه الإجمال، فنقول:
ما نقلناه يشتمل على فقرات:
1. «أوّل الدين معرفته»
فإذا كان الدين مجموع قضايا عقدية ووظائف عملية، فرأسها

1 . نهج البلاغة، الخطبة رقم1.

صفحه 68
معرفة الله سبحانه، لأنّه الأصل على غيره.

2. «وكمال معرفته التصديق به»

والفرق بينه وبين ما سبق هو أنّ المعرفة الأُولى معرفة إجمالية بخلاف المقام، فالمعرفة هنا معرفة تفصيلية، بالبرهان والاستدلال حتى تنقلب المعرفة الإجمالية إلى معرفة تفصيلية.

3. «وكمال التصديق به توحيده»

فإذا كان المراد من التصديق هو المعرفة التفصيلية، ومن المعلوم أنّ معرفة ذاته أمر غير ممكن لنا فلا تدرك الأوهام ولا الأفكار كنه ذاته، والّذي يمكننا معرفته هو معرفة صفاته، فأظهر صفاته توحيده، أي أنّه موجود لا مثل له، وبذلك يظهر أنّ وجه كمال التصديق به هو توحيده.

4. «وكمال توحيده الإخلاص له»

وقد اختلفت كلمة الشارحين في تفسير هذه الفقرة، وذكروا
هنا احتمالات ووجوهاً، والمهم هو بيان أنّ كمال التوحيد لا يتحقّق إلاّ بالإخلاص، والظاهر أنّ المراد من الإخلاص هو تخليص
ذاته عن أي شائبة تكثّر، وتجريده عن أي تعدّد، وتنزيهه عن
أي اشتراك، فالذات الموصوف بالتخليص والتجريد والتنزيه،

صفحه 69
يوصف بكمال التوحيد، وإلاّ فالتوحيد له مراتب مثلاً الإنسان
واحد بالنوع والحيوان واحد بالجنس فأين هذا النوع من التوحيد،
من توحيده سبحانه، فللوحدة مراتب وأكملها أن لا يكون هناك
أي شائبة كثرة.

5. «وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه»

لا شكّ أنّ الله سبحانه ذو صفات جمالية كالعالم والقادر والحي، وذو صفات سلبية جلالية، نظير أنّه سبحانه ليس بجسم ولا
عرض ومع ذلك فأمير البيان يرى كمال الإخلاص الذي هو كمال التوحيد في نفي الصفات عن الله سبحانه، وليس المقصود هو نفي العلم والقدرة والحياة عن الله سبحانه، بل المراد نفي الصفات الزائدة على ذاته بأن تكون الذات مركّبة من علم وقدرة وحياة فتكون الذات غير الصفات، والصفات عارضة للذات، فيحصل التركيب. بل ذاته سبحانه كلّها علم، وكلّها قدرة، وكلّها حياة، فالصفات الجمالية عين ذاته مصداقاً، وإن كانت غير الذات مفهوماً.
وكأنّ الإمام(عليه السلام) كان يتكهّن بأنّه سيأتي زمان يجعلون الصفات زائدة على ذاته سبحانه، غير مميزين بين الزيادة المفهومية والزيادة المصداقية. فإذا قلنا: الله عالم، فهما متغايران مفهوماً ومتحدان مصداقاً.

صفحه 70
يقول الحكيم السبزواري:
والأشعري بازدياد قائلة *** وقال بالنيابة المعتزلة

6. «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف بأنّه غير الصفة»

إنّ أمير البيان(عليه السلام) يستدلّ على أنّ صفاته سبحانه عين ذاته بالبرهان التالي، وهو أنّه لو قلنا إنّ صفاته قائمة بذاته زائدة عليها يلزم التركيب فيكون واقعه مركّباً من شيئين، فيكون المجموع هو الله سبحانه فعندئذ سيصير الغني بالذات محتاجاً إلى كلّ جزء من أجزائه ـ تعالى عن ذلك ـ فهو سبحانه غني بالذات فلا يكون مركّباً من جزأين.
ولو فرضنا غناء كلّ جزء من الجزأين ووجوب كلّ من الذات والصفات فقد أشركنا في أمر التوحيد، فصار الواحد ثلاثة.
إلى هنا تبيّن أنّ الإمام(عليه السلام) استدلّ على بساطة ذاته ونفي التركّب عنه بالدليل والبرهان. والبرهان مبنيّ على أمرين:
1. إنّه سبحانه واحد لا مثل له ولا نظير.
2. «وكمال توحيده الإخلاص له» أي تخليص ذاته عن أيّ شائبة تكثّر.
وهذا النوع من التخليص لا يتحقّق إلاّ بالقول بعينية الصفات

صفحه 71
للذات وأنّ العلم عينه، فالقدرة عين ذاته، فذاته كلّه علم وقدرة، وفي غير هذه الصورة يلزم التركّب والمركّب يحتاج إلى أجزائه، ويوصف بالإمكان لا بالوجوب.

التوالي الفاسدة للقول بالزيادة

ثمّ إنّ الإمام (عليه السلام) يذكر ما للقول بالزيادة من توالي فاسدة، ويقول:

1. «فمَن وصفه فقد قرنه»

أي فمن قال بأنّ لله سبحانه وصفاً زائداً على الذات فقد جعل غيره قريناً له، مركّباً معه.

2. «ومَن قرنه فقد ثنّاه»

فمَن قرن شيئاً إلى ذاته، فلازمه هو التعدّد، وكأنّ هنا واجبين: ذات، وصفة.
3. «ومَن ثنّاه فقد جزّأه»
أي ومَن قال بالتعدّد فإنّما قال بالتركيب أي تركيب الذات بأوصافها، فعندئذ صيّر الذات قابلة للتجزئة أحدهما ذات والآخر وصف.
4. «ومَن جزّأه فقد جهله»
لأنّ لازم التجزئة كون الذات مركّبة من شيئين، والمركّب محتاج

صفحه 72
إلى جزئيه، والمحتاج لا يكون واجباً من جميع الجهات. وتصير النتيجة: أنّه جهل بمعرفة الله سبحانه.
انظر إلى هذا البيان الرصين والدليل المتين كيف يرتّب الأقيسة واحداً بعد الآخر ثم يتوصّل إلى أنّه واحد بسيط من جميع الجهات لا يتثنّى ولا يتكرّر ولا يتجزّأ.
وبذلك يعلم أنّ الاستدلال على المعارف والعقائد بترتيب الأقيسة الصحيحة عين منهج الإمام علي(عليه السلام)والأئمّة المعصومين من بعده.
   *** معنى كونه سبحانه مع الأشياء   
الثاني: كلامه(عليه السلام) في معنى كونه سبحانه مع الأشياء
إنّ للإمام(عليه السلام) كلاماً تارة في تفسير بينونته مع الأشياء، وأُخرى في أزليته ونحن نذكر موضع الحاجة من كلامه في مقطعين:
الأوّل: «بَانَ مِنَ الاَْشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الاَْشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ».(1)
صرّح الإمام(عليه السلام) في غير واحدة من خطبه أنّه سبحانه مع الأشياء وفي الوقت نفسه بائن عنها، فحاول الإمام(عليه السلام) في كلامه هذا إيضاح خصوص البينونة، فقال: إنّ بينونته من الأشياء ليس بمعنى كونه خارجاً عنها تماماً وعدم الصلة بينه وبينها، بل بمعنى كونه قاهراً لها

1 . نهج البلاغة: الخطبة 152.

صفحه 73
والأشياء مقهورة، قادراً عليها والأشياء مقدورة.
كما أنّ بينونة الأشياء منه ليست بمعنى انفصالها عنه تماماً وانقطاع الصلة بينهما، بل بمعنى خضوع الأشياء له ورجوعها إليه يوم القيامة.
فظهر أنّ البينونة من الله كونه قاهراً والعالم مقهوراً، كما أنّ بينونة الأشياء له بمعنى خضوع العالم له وأنّه راجع إليه، كما في قوله: (إنّا للهِ وَإنّا إليهِ راجِعُون).
روى الصدوق عن الإمام علي(عليه السلام) في هذا الصدد قوله:«توحيده تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، إنّه ربّ خالق غير مربوب مخلوق، كلّ ما تصوّر فهو بخلافه».(1)
ومعنى بينونة الصفة هو ما أشار إليه في ذيل كلامه بأن يقال: إنّه رب خالق غير مربوب مخلوق، والعالم مربوب مخلوق.
ثمّ إنّ ما جاء في ذيل هذه الفقرة كلمة لها قيمة سامية، قال: «كلّ ما تصور فهو بخلافه» وقد فُسّرت هذه الكلمة بما روي عن الإمام الباقر(عليه السلام):«كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم».(2)
الثاني: قال(عليه السلام):«مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ

1 . الاحتجاج:1/299.
2 . بحار الأنوار:66/293.

صفحه 74
عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ».(1)
نرى أنّ الإمام(عليه السلام) استدلّ على أزليّته بنفي الصفات عنه، فلو قلنا بالتعدّد بين الذات والصفات يلزم نفي أزليته.
الاستدلال على أزليته بنفي الصفات عنه   
أمّا بيان الملازمة بين التعدد، ونفي الأزلية، فيتم بالبيان التالي: أنّه (عليه السلام) ذكر عدّة ملازمات:
1. أنّ توصيفه بالصفات الزائدة على الذات يلازم تحديده.
2. أنّ تحديد الذات يلازم عدّه.
3. أنّ عدّه سبحانه يضاد أزليته.
فعلينا بيان هذه الملازمات.
أمّا الأُولى فلأنّ وصفه بالمعنى المذكور أي كونه زائداً على الذات ومبايناً معها، وكونه غيرها يلازم المحدودية. لأنّ بينونة الذات مع الصفات التي تلازم كون الذات في مرحلة دونها الصفات وهذا نفس المحدودية.
وأمّا الملازمة الثانية، أعني: كون الذات محدودة، يلازم عروض العدد لها; وذلك لأنّ المحدود غير الحدّ، والذات غير الصفات، فهناك أمران متعدّدان لا أمر واحد.
وأمّا الملازمة الثالثة، أعني: أنّ عروض التعدّد على الذات يضاد أزليّته، فيقول كمال الدين ميثم البحراني في شرح هذه الفقرة: لمّا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 152.

صفحه 75
كان عدّه عبارة عن وصفه بأنّه ذا أجزاء معدودة، وكان ذلك من لواحق الممكنات والمحدثات غير المستحقّة للأزلية بالذات لا جرم كان عدّه بهذا المعنى مبطلاً أزله الذي يستحقّه لذاته.(1)
ويقول السيد الطباطبائي في توضيحه أنّ الأزل هو الوجود غير المسبوق، والوجود الذي هذا شأنه غير محدود بحد، ولا يمكن أن يكون في عرض وجوده موجود آخر، إذ لو كان لكان لابدّ من امتيازه عنه بحد فاصل مميّز بينهما، فينتهي الأمر إلى أنّ الوجود الحقّ المطلق مسبوق بالغير وهو ضدّ الأزليّة.(2)
وقد اقتصرنا بما ذكرنا في إثبات أنّ منهج أهل البيت(عليهم السلام) هو الاحتجاج العقلي والبرهان الفلسفي على المعارف.
بقي هنا شيء، وهو الإشارة إلى الروايات الواردة في كتاب العقل والجهل، من «الكافي» إذ ورد فيها الحثّ على اكتساب المعارف ورفض الجهل عن الفكر; ومن هذه الروايات ما رواه الكليني عن هشام بن الحكم، عن الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) حيث قال: «يا هشام إنّ الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ).(3)

1 . شرح نهج البلاغة للبحراني:3/233.
2 . علي والفلسفة الإلهية: 52.
3 . الكافي:1/13، كتاب العقل والجهل.

صفحه 76
يا هشام إنّ الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان، ودلّهم على ربوبيته بالأدلّة فقال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1) إلى أن قال: يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.(2)
والذي يُرشدنا إلى مكانة العقل في حقل المعارف والعقائد ما ذكره الشيخ الكليني في مقدّمة كتابه القيّم «الكافي» حيث قال: وأوّل ما أبدأ به وأفتتح به كتابي هذا كتاب العقل، وفضائل العلم، وارتفاع درجة أهله، وعلو قدرهم، ونقص الجهل، وخساسة أهله، وسقوط منزلتهم، إذ كان العقل هو القطب الذي عليه المدار، وبه يحتجّ وله الثواب، وعليه العقاب.(3)

1 . البقرة: 163ـ164.
2 . الكافي:1/16، كتاب العقل والجهل.
3 . الكافي:1/9.

صفحه 77

الفصل الرابع

مسائل جديدة لا تُحل عقدتها

إلاّ برفع التفكير الفلسفي
ظهرت في أعصارنا مسائل جديدة طرحها فلاسفة الغرب وفق ما اتّخذوه من أُصول وقواعد، وقد انتشرت في الشرق خصوصاً بين الجامعيّين فنحن لو رفضنا دراسة هذا الحقل في ضوء القواعد العقلية، لأصبحت هذه الشُبه راسخة في الأذهان، ولبلغ السيل الزبى(1) فنحن نذكر شيئاً من هذه المسائل الجديدة التي لها خطر عظيم على الدين والمعارف الإلهية، لولا القيام بحلّها ودراستها، وإليك بيانها:

الشبهة الأُولى: ما هو السبب لنشأة الدين؟

لا شكّ أنّ التوجّه إلى عالم الغيب والإيمان بالله سبحانه من أعرق الأُمور في عامّة الحضارات، فالقرآن الكريم يرشدنا إلى أنّ

1 . الزبى جمع «زبية» وهي الرابية لا يعلوها الماء فإذا بلغها السيل كان جارفاً مجحفاً. يُضرب لما جاوز الحدّ وعند اشتداد الأمر .

صفحه 78
السبب للاعتقاد بالله هو الفطرة حيث عُجنت خلقة الإنسان بمعرفة الله تعالى، يقول سبحانه:(فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(1).
لكن الجدد من أصحاب الفلسفة المادّية يفسّرون هذه الظاهرة بعلل مختلفة ويحتجّون عليها بوجوه، وإليك بيانها:

1. جهل الإنسان بالعلل الطبيعية

   
إنّ الإنسان البدائي عندما واجه الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول والكسوف والخسوف التي تحيط به، ولم يعرف عللها الطبيعية الواقعية، لجأ ـ لجهله ـ إلى اختراع فاعل لها واعتبره العلّة الوحيدة لكلّ شيء مباشرة. فكان الاعتقاد بوجود الله وليد الجهل بأسباب الحوادث الكونية الطبيعية.

2. الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة

قال ويل دورانت: الخوف ـ كما قال لوكريشس ـ أوّل أُمّهات الآلهة وخصوصاً الخوف من الموت.(2)
فهذا العامل وما يشبهه جعل البشر يلوذ إلى قوّة عليا اخترعها ليسكن إلى حمايتها ويرتاح في كنفها.

1 . الروم:30.
2 . قصة الحصارة:1/99ـ100.

صفحه 79

3. العامل الاقتصادي

إنّ الماديّين الماركسيّين لمّا حصروا الوجود في المادّة والطاقة وبذلوا أقصى جهودهم في هذا الحصر، فسّروا ظاهرة الدين بالعامل الاقتصادي، قائلين: إنّ أصحاب الرقيق والإقطاعيّين والرأسماليّين في عهود (الرق والإقطاع والرأسمالية) كلّما خشوا ثورة العبيد والفلاحين والعمّال في وجه المستغلّين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط، عمدوا إلى التوسّل بالمفاهيم الدينية والروحية وترويجها بين المحرومين والكادحين الناقمين، بهدف تخديرهم والتخفيف من غضبهم وصرفهم عن الانتفاضة والثورة.
ونحن أمام هذه الشبهات التي انتشرت في الكتب والجرائد وأخيراً في وسائل الاعلام، فنسأل المعترضين على الدراسات الفلسفية عن الوسيلة التي يمكن لنا نقد هذه الشبهة وقلعها من الجذور؟
فلو كنّا منصفين لتنزّلنا عن القول بعدم الجدوى في الدراسات الفلسفية. ولجأنا إلى القول الصحيح: نأخذ من كلّ منهج ما صفا ونترك ما كدر.
ثمّ إنّا درسنا هذه الشبهة في أبحاثنا الكلامية، ونأتي بموجز الكلام:
إنّ للمتخصصين في علم الاجتماع الحق في تفسير الظواهر

صفحه 80
الاجتماعية التي ليس لها علّة واقعية، كنحوسة العدد(13) مثلاً، فلهم أن يسترسلوا فيها الكلام ويفترضوا افتراضات حتى يتوصلّوا إلى اكتشاف سبب انتشار هذه الظاهرة عند الناس.
وأمّا إذا كان للشيء علّة تكوينية واقعية فليس لهم حق افتراض الفرضيات لتفسيرها.
والظاهرة الدينية والاعتقاد بماوراء الطبيعة أمر فطري للإنسان، وقد أثبت علماء النفس بأنّ للنفس الإنسانية أبعاداً أربعة يكون كلّ منها مبدأً لآثار خاصّة منها:
1. حب الاستطلاع واكتشاف الحقائق، وهذا البعد من النفس هو العامل الخلاّق للعلوم والمعارف.
2. حب الإنسان للجمال في مجالات الطبيعة والصناعة، وهذا البعد عند الإنسان صار مبدأ للصناعات البدوية المستظرفة استيحاءً من ميل الإنسان إلى الجميل.
3. حب الخير والصلاح والانزجار عن الشر والفساد، فيجد كلّ إنسان في أعماق ذاته ميلاً إلى الأوّل وابتعاداً عن الثاني. وأصبح هذا البعد هو الخلاّق للقيم والأخلاق الحسنة.
4. الشعور الديني الذي يتأجج لدى الشباب في سن البلوغ، فيدعو الإنسان إلى الاعتقاد بأنّ وراء هذا العالم عالماً آخر يستمد هذا العالم وجوده منه، وأنّ الإنسان بكلّ خصوصياته متعلّق بذلك

صفحه 81
العالم ويستمد منه.
وهذا البعد الرابع الذي اكتشفه علماء النفس في العصر الأخير وأيدوه بالإختبارات المتنوعة ممّا ركز عليه الذكر الحكيم قبل قرون وأشار إليه في عدد من آياته المباركة. قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).(1)
وقال سبحانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).(2)
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النظرية التي اكتشفها علماء النفس ممّا ركّز عليه الوحي بشكل واضح، وحاصلها إنّ الدين بصورته الكلية أمر فطري ينمو حسب نمو الإنسان ورشده، ويخضع للتربية والتنمية كما يخضع لسائر الميول والغرائر.
***
الشبهة الثانية: ما هي الحاجة إلى الدين؟
هذه هي الشبهة الثانية التي نشرها الماركسيّون في كتبهم، وتدّرس في بعض الجامعات، قائلين بأنّه مرّت على المجتمع الإنساني مرحلتان وكلّ مرحلة كانت مفيدة لأصحابها:
المرحلة الربانية، حيث كان البشر غارقاً في الجهل غير عارف بلسان الطبيعة، فكان يتوسّل بالأُمور الغيبية، ولما تلتها المرحلة

1 . الروم:30.
2 . البلد:10.

صفحه 82
الثانية ـ أعني: مرحلة العلم ـ فلا حاجة إلى التديّن بالغيب، إذ لا أثر له في المجتمع والحياة، فيقع العلم مكان الدين.

دور الدين في الحياة

إنّ باذر الشبهة غفل عمّا للدين من الآثار التي لا تعالجها العلوم الطبيعية،و نشير إلى بعضها:

1. الدين ضمان لتنفيذ القوانين

إنّ الاعتقاد بالله ضمان لتنفيذ القوانين فقد أثبت التاريخ والتجربة أنّ السلطة وحدها ليست كافية في توفير الأمن للمجتمع وإن كانت مُدعمةً بقوّة الشرطة في الردع وفرض الغرامة والحكم بالسجن، بل لابدّ مع ذلك من رقيب(مشرف) داخلي يعمل حتّى في حالة غفلة أجهزة الدولة والشرطة، وليس هو إلاّ الإيمان بالله واليوم الآخر ومخافة الحساب والعقاب وخشية المؤاخذة والمكافأة إلى غير ذلك من آثار بنّاءة للعقيدة الدينية.

2. الدين دعامة الأخلاق

لا شكّ أنّ إقامة الأخلاق والتمسّك بالقيم الأخلاقية، لا ينفكّ عن الحرمان في بعض الأحايين وترك اللذائذ النفسانية في ظروف أُخرى، وعندئذ يجب أن نبحث عن عامل النجاح في هذا المعترك.

صفحه 83
فمن جانب: إنّ الإنسان مقهور بالميول النفسانية والغرائز المتعدية التي لا تعرف لنفسها حدّاً وهي تريد أن تفجر أمامها، وتنال كلّ لذيذ وملائم، وافق القيم أم خالفها، وهذا شيء يحسّه كلّ إنسان في كثير من فترات حياته.
ومن جانب آخر: إنّ الفطرة الإنسانية توحي إلى صاحبها بحفظ القيم والعمل بالأخلاق كما أنّ علماء التربية يوصون بذلك. وعند ذلك يجد الإنسان في نفسه صراعاً عنيفاً بين ميوله، فلابدّ لنجاحه في هذا المعترك من عامل يرجح كفّه الفطرة الإنسانية الموحية بحفظ الأخلاق والعمل بالقيم، فما هو هذا العامل خصوصاً في الفترات التي يغيب فيها الرقيب، وتنام فيها العيون، ولا يسأل الإنسان عمّا يفعل؟
هنا يتجلى الدين بصورة عامل قويّ يرجح كفّه الأخلاق، ويوحي للإنسان بالعمل بالقيم وكبح جماح الغرائز، لأنّ المتديّن يعتقد بأنّ كلّ ما يعمل من خير وشر في الدنيا، سيحاسبه الله سبحانه عليه بأشدّ الحساب وأدقّه:(وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ).(1)
إنّ دور الدين لا ينحصر فيما ذكرنا ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الدراسة العليا في الإلهيات.
***

1 . يونس:61.

صفحه 84

الشبهة الثالثة: تحديد دور الدين بالأُمور الفرديّة

شبهة: النبوّة نبوغ اجتماعي   
إنّ جمعاً من المتدينين المتأثّرين بالمناهج المادّية يصرّون على تضييق دائرة الدين وتحديد دوره، قائلين بأنّه رابطة روحية بين الخالق والمخلوق، ويتلخّص بتصفية الروح باتّصالها بمبدأ الكمال، ولا صلة له بحقل السياسة والاقتصاد والاجتماع، فللدين ميدان وللعقول الجماعية ميدان آخر، وبالتالي يلزم فصل الدين عن السياسة الكلّية وإدراة المجتمع، وحصر الدين في المساجد والمعابد والكنائس، ووظيفة رجال الدين الدعاء والابتهال إلى الله في أوقات معيّنة.
إن باذر الشبهة يخدم أصحاب الحكومات الجائرة المستبدة، فإنّهم يصرون على فصل الدين عن السياسة، وحصر الدين في الجوانب الفردية في البيوت فقط، وحصر عمل العلماء والفقهاء في هذه الأوساط فقط، دون أن يعترضوا على أرباب الحكومات بأعمالهم الإجرامية، هؤلاء لم يفرقوا بين المسيحية الغربية التي نادى بها البابا وبين الدعوة المحمدية التي جاءت بخير الدنيا والآخرة، ناظرة لأحوال المجتمع من بدء تولده إلى لقاء الله سبحانه، فجاء بأحكام وقوانين في عامّة الحقول الفردية والاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، فالنبوّة عند الإلهيين دعوة سماوية لإصلاح المجتمع وسوقه إلى السعادة الدنيوية والأُخروية والفردية والاجتماعية،

صفحه 85
ولذلك جاء الكتاب العزيز بأحكام وافرة حول العبادات والمعاملات والاقتصاد والجهاد مع العدو ونشر الدعوة الإسلامية في رقعة وسيعة، فمثل هذا الدين لا يتصور حصر مسؤوليته في البيت أو تخصيصها بالجوانب الفردية.
***

الشبهة الرابعة: النبوّة نبوغ اجتماعي

إنّ النبوة عند الإلهيّين موهبة إلهية يهبها سبحانه إلى المخلصين من عباده ويجهّزهم بالآيات والبيّنات، ليقوموا بين الناس بالقسط، وأمّا المفكّرون الجدد، فقد فسّروا النبوّة بالنبوغ، وأنّ كلّ مَن ادّعى النبوّة كان نابغة من النوابغ جاء لإنقاذ البشر من الجاهلية، ولأجل إقناع الناس وإلفات نظرهم إلى خطابهم ودعوتهم، نسبوها إلى السماء وإلى ما وراء الطبيعة وإلى الله، لتكون أوقع في النفس.
أقول: أوّلاً: إنّ ناسج الشبهة افترى على الأنبياء افتراء واضحاً وهو أنّهم كانوا كذّابين كذبوا لأجل المصلحة مع انّ العقلاء اتفقوا على أنّ الأنبياء العظام قد بلغوا في مجال القيم الإنسانية القمّة، وقد ضحّوا بأنفسهم في طريق إقرار الدين وإصلاح المجتمع، وهل يمكن لنا أن نصف هذه الفئة التي يبلغ عددها إلى الآلاف بأنّهم كذبوا على الله سبحانه في كونهم سُفراء منه سبحانه.

صفحه 86
وثانياً: وجود الفارق الواضح بين الفريقين من المصلحين، فالسفراء من جانب الله تعالى كانوا مجهزين بالمعاجز التي تدل على صحّة إدعائهم وانتسابهم، بخلاف الآخرين فسلاحهم كان منحصراً في طرح برنامجهم والدعوة إليه، بلا تضحية.
نعم هناك بحوث أُخرى حول هذه الشبهة ذكرناها في كتابنا:«الإلهيات» فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الجزء الخاص بالنبوة منه.
***

الشبهة الخامسة: خلود الشريعة وبقاؤها

إنّ المجتمعات البشرية لم تزل في تغيّر وتبدّل، فكيف يمكن إدارة المتغيّر بقوانين ثابتة وخالدة؟
وبذلك أنكر أصحاب هذه الشبهة خلود الشريعة الإسلامية، قائلين بأنّ المجتمع لم يزل متغيّراً ولكن القوانين السماوية لم تزل ثابتة. إنّ باذر الشبهة كان جاهلاً بحقيقة الشريعة المحمدية حيث
إنّه خلط بين ما هو ثابت في الشريعة وما هو متغيّر فيها، فإنّ
الأُصول المبتنية على الفطرة الإنسانية ثابتة لا تتغيّر ولا تتبدّل لثبات فطرتها.
نعم هناك مقرّرات في الشريعة تتبدّل وتتغيّر حسب تغيّر

صفحه 87
الظروف والحضارات، فالسائل لم يفرّق بين القوانين والمقرّرات، فالثابت هو الأوّل والمتغيّر هو الثاني.
ولأجل إيضاح الموضوع نذكر مثالاً:
أنّ الله سبحانه يأمر الحكومة الإسلامية بالاستعداد العسكري لمواجهة الأعداء وهذا هو الأصل الثابت في الشريعة الإسلامية، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة)(1).
وأمّا المتغيّر فما يشير إليه بعد هذه الفقرة من الآية، بقوله: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) فالتسلح برباط الخيل ليس حكماً شرعياً ثابتاً مدى العصور، بل يتبع الظروف الخاصة بكلّ عصر في مقابلة الأعداء. فالتسلح بالدبابات والطائرات الحربية والصواريخ صورة أُخرى من رباط الخيل.
مثال آخر: الإسلام يدعو إلى التعليم والتعلم ونشر الثقافة ورفض الأُمية وأول آية نزلت على قلب سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) آية القراءة والتعليم بالقلم، قال تعالى: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).(2)
فالثابت هو ما جاء في هذه الآية، وأمّا المتغيّر فهو كيفية التعليم

1 . الأنفال:60.
2 . العلق:1ـ 5.

صفحه 88
فيتبع ما هو رائج ومؤثر في كلّ عصر، فأين الكتابة والنقش على الحجر أو الكتابة بالقصب على الورق من الطباعة بواسطة أجهزة الكامبيوتر(الحواسيب)؟
وموجز الكلام أنّ ما فيه المصلحة أو المفسدة الدائمة لا يتغيّر حكمه، فالبيع والإجارة والنكاح والميراث أحكام ثابتة، كما أنّ الخمر والميسر وأكل لحم الميتة والخنزير أحكام خالدة .
وأمّا المتغيّر فهو الأساليب التي تحقق هذه الأحكام والعقود، والتفصيل في محلّه.
***
شبهة: التعدّدية الدينية   

الشبهة السادسة: التعدّدية الدينية

قد اشتهرت بين متكلّمي الغرب مسألة التعدّدية الدينية، وأُلّفت حولها كتبٌ وكتبت مقالات مختلفة، ولها تفسيران:
الأوّل: إنّ جميع أتباع الأديان (حسب التعبير المعروف) أو الشرائع(حسب التعبير الصحيح) قادرون على التعايش على أساس ما لديهم من المشتركات، وأن يتحمّل بعضهم البعض، وهو ما يُعرف ـ لدى السياسيّين ـ بالتعايش السلمي، فالتعدّدية الدينية بهذا المعنى ممّا نادى به الإسلام وقبلها المسلمون شعوباً وحكّاماً حيث يُتاح للجميع، التعايش مع بعضهم البعض في ظل الإسلام وتحت

صفحه 89
ظل الاحترام المتبادل، وحسابهم في النجاة يوم القيامة على الله تعالى.
الثاني: يكفي في سعادة الإنسان أن يؤمن بالله ويلتزم بإحدى الشرائع السابقة.
وهذا التفسير للتعدّدية الدينية مرفوض بنصوص الشريعة، وهو مردود بوضوح; وذلك بوجوه:
1. إنّ القول بخلود واستمرار كلّ شريعة يفضي إلى إلغاء فائدة تشريع الشرائع المتعدّدة وإرسال الرسل المحوريّين، وسوف لا نجني من ذلك شيئاً سوى التشويش وبثّ الفرقة.
2. إذا قلنا بأنّه يكفي في تحقيق السعادة اتّباع أية شريعة، فلماذا تحدّد مسؤولية كلّ نبي بمجيء النبي الآخر بل و التبشير به؟
3. إذا كانت كلّ الشرائع خالدة فلا موجب لنسخ الأحكام، ولو بشكل إجمالي، ولما قال المسيح:(وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ).(1)
4. إذا كانت شريعة عيسى صالحة ومعترفاً بها رسمياً حين نزول الشريعة اللاحقة، فلا وجه لدعوة القرآن اليهودَ والنصارى لاتّباع الشريعة المحمدية التي تصرّح بضلال أهل الكتاب ما لم يؤمنوا

1 . آل عمران:50.

صفحه 90
بالدين الجديد: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا).(1)
5. عندما نراجع نصوص الكتاب المقدّس والقرآن الكريم وأقوال ورسائل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نجد أنّ هذه النظرية من الهشاشة إلى درجة لا يصدّقها إلاّ مَن يقضي ويبرم جزافاً، ثمّ يبحث عن الدليل ويتشبّث من أجل نجاته بكلّ قشّة فيؤمن بهذه النظرية.
6. تتوقّف حياة الإنسان في الآخرة على عقيدة صحيحة وعمل صالح، وتحقّقهما موجب للثواب. وهنا نسأل: كيف يمكن للتضاد في العقيدة أو العمل بأمرين متضادين، أن يضمن الحياة المعنوية للإنسان؟ وكيف يُسعد الإنسان في الدارين بتبنّي التوحيد على جميع الأصعدة وفي الوقت نفسه يسعد بالإيمان بالتثليث وبتثليث الرب، أو يُسْعد بتجنّب الخمر والربا وكذلك مع الإدمان وأكل الربا؟!
7. لو أعرضنا عن هذا، فإنّ واقعية السعادة التي ستوفّرها هذه الشرائع ستكون مشروطة بعدم تحريفها، فهل هذا الشرط غير موجود في الشرائع السابقة؟ فالإنجيل المتداول ليس هو كتاب الله المنزل على المسيح، بل هو من تحرير تلامذته بشهادة أنّ حياة المسيح قد سجّلت في آخر الأناجيل الأربعة ضبط حياته(عليه السلام) بشكل خاص، وذكر صلبه ودفنه وعروجه إلى السماء.
فهل يمكن للإنجيل الذي خطّته يد البشر أن يُسعد جميع

1 . البقرة:137.

صفحه 91
الناس على وجه الأرض؟ والتوراة أيضاً ـ مثل الإنجيل ـ حامت حولها الشكوك، فالتوراة الحالية قُرئت وكتبت على يد أحد حفّاظ التوراة في زمان نبوخذ نصّر(1) بعد اختفاء النسخة الأصلية، وهذه النسخة بعد مرور سبعين سنة تعرضت للتحريف، واشتملت على أحكام ونصوص تخالف العقل، وقد انتقدها القرآن باعتبارها عاجزة عن توفير السعادة والهداية.
8. ولو أعرضنا عن كلّ ما تقدّم نقول: «إنّ الشرائع الكبيرة هي بمنزلة مجموعة تتشكّل من منظومة عقيدية واحدة» إلاّ أنّنا متى شخصنا الأكمل من بينها فعلينا ـ بحكم العقل ـ اتّباعها، وهذه الحقيقة صرّح بها بعض أنصار البيلوراليزم. يقول«وليم نلسون»: أنا لا اعتقد أنّ جميع الأديان التي امتدت على طول التاريخ حتى اليوم متساوية من المنظار العلمي.
***

الشبهة السابعة: تعارض الدين مع العلم

قد اشتهر على ألسنة المتأخّرين من فلاسفة الغرب مسألة تعارض الدين والعلم، حيث زعموا أنّ هناك تعارضاً بين الكتب السماوية ومعطيات الثورة الصناعية، وقد انتعشت هذه الفكرة، بعد

1 . أي«بخت النصر» ملك بابل، وفي الكتاب المقدّس«بنوكد نصر».

صفحه 92
ما ظهرت نظرية «دارون» في نشوء الإنسان، وقد اتّخذها الملحدون سلاحاً ماضياً لضرب الفكر الديني ومحاربة المتديّنين حيث إنّ الإلهيّين يعتقدون بأنّ الإنسان خلق في أوّل يومه بهذا الشكل على خلاف نظرية «دارون» حيث زعم أنّه مرّت على خلقة الإنسان أصناف من الخلقة حتى تكاملت وصار الإنسان بهذا النحو.
لا شكّ أنّ هذه المسألة لابدّ أن تُدرس على ضوء الكتاب والسنّة وشيئاً من القواعد العقلية، والعلوم الطبيعية، فإذا أغفلنا كلّ دراسة عقلية فمَن المجيب عن هذه الشبهة وأمثالها؟!
إنّ الوحي الإلهي لا يختلف عن الواقع مقدار ذرّة، وأمّا البحوث البشرية التي تتوالى فيها الفروض واحداً بعد الآخر، لا تصمد أمام الدين، ولذلك نرى أنّ الفروض في العلوم الطبيعية التي تتبادر إلى الذهن أنّها تضاد الدين يأتي كلّ بعد الآخر والمتأخر ينادي ببطلان المتقدّم، فها هي مسألة تطور الإنسان توالت عليها فروض كثيرة يُعبّر عنها بأسماء الفارضين:
1. اللاماركية.
2. اللاماركية الجديدة.
شبهة: الهرمنوتيك أو تفسير النصوص   
3. الدارونية.
4. الدارونية الجديدة.
5. أخيراً الطفرة.

صفحه 93
كلّ ذلك يدلّ على أنّ أصحاب هذه النظريات بنوا صرح أفكارهم على بنيان هار.
وخلاصة الكلام أنّه لو وُجد التعارض بين الدين والعلم فلابدّ من أحد الأمرين:
إمّا أن يكون فهمنا عن الدين فهماً خاطئاً، أو أنّ ما استنتجه أصحاب هذه الفرضيات استنتاج غير صحيح وبناء على شفا جرف هار، والشاهد على ذلك أنّ الهيئة البطليموسية كانت سائدة على الأفكار في الغرب والشرق غير أنّ آيات القرآن كانت مخالفة لهذه الفرضية وكان المغترّون بهذه الهيئة يؤولون الآيات القرآنية حتى قضت عليها الهيئة الجديدة، فلم يبق منها إلاّ الأثر في الكتب.

الشبهة الثامنة: حرية الإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي

إنّ الفيلسوف الطائر الصيت «سارتر» ومن نحا نحوه أعطوا للحرية مكانة مرموقة، وكأنّ الإنسان خلق للحرية وفي خدمتها، وهم ـ لأجل ذلك ـ يرفضون الدين لأنّه يحدّد حرّية الإنسان ويزاحمها، وينكرون كلّ أمر فطري أطبق عليه العقلاء في كلّ قرن كحسن العدل وقبح الظلم، بحجّة أنّ الاعتراف بوجود هذا الميل الفطري، يحدّد حرية الإنسان ويضع لها إطاراً خاصّاً، وصارت الحرية عند هؤلاء، إلهاً يُعبد مكان إله العالم.

صفحه 94
إنّ من ينادون بالحرية قد غفلوا عن أنّ الإنسان محكوم بالقوانين الكونية، وأنّه غير حرّ في كثير من الأعمال، فهل هو حرّ في أكل السموم والفضلات؟ وهل هو خلق حراً بأن يستطيع أن ينزل من علو إلى الأسفل بدون أن يصاب بشيء من الكسر؟
كيف ينادون بالحرية المطلقة مع أنّ الحياة الاجتماعية رهن العمل بالقوانين في جميع الأصعدة ابتداء بقوانين المرور
في الشوارع وانتهاءً بالقوانين السائدة في التجارة والصناعة والاقتصاد.
والحقّ أنّ هؤلاء يُريدون كسر القيود والحدود في الحياة الفردية والاجتماعية لغاية التلذذ واشباع غرائزهم الحيوانية.
والعجب أنّهم إذا تجاوز شخص على حقوقهم تثور ثورتهم وينادون بالعمل بالقوانين المدنية واحترام الحقوق الشخصية.
لا شكّ أنّ دراسة هذه المسألة لا تنفك عن دراسة مسألة الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين، فإذا أقفلنا عقولنا عن دراسة هذه الأُصول، فمن المجيب عن هذه الشّبهة التي علقت بأذهان الجامعيّين والمثقّفين؟!

الشبهة التاسعة: الهرمنوتيك أو تفسير النصوص

الهرمنوتيك (الهرمنوطيقا) كلمة يونانية بمعنى تفسير

صفحه 95
النصوص، والغاية من طرح هذه المسألة هو أنّ النصوص الدينية لا يمكن تفسيرها تفسيراً قطعياً، وأنّه يتعذّر اتّخاذ رأي نهائي وقطعيّ في المفاهيم الدينية المأخوذة من الكتاب والسنّة.
كلّ إنسان يوم ولد يكون ذهنه خالصاً عن أيّ تعيّن وتحصّل، ثمّ إنّه عبر حياته في المجتمع يكتسب فروضاً علمية تكون قوالب لكلّ فكرة ترِدُ عليه، وبذلك إذا قرأ كتاباً أو سمع كلاماً يتقولب وفق تلك القوالب. وبما أنّ أذهان الناس ليست على نسق واحد من حيث الفروض، فكلٌّ يفسّر كلام الغير، حسب القوالب التي احتفظ بها الذهن، ولذلك تكون تلك القوالب حائلة بين مراد القائل وفهم المستمع.
إنّ هذه الفكرة من أخطر الأفكار الغريبة لأنّها تجعل النصوص الدينية رموزاً وألغازاً لا يسكن القلب على شيء من المحتملات.
إنّ المطلوب في الدين هو الإيمان الجازم والتصديق القاطع، وقد بعث اللهُ الأنبياءَ لتلك الغاية السامية، يقول سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).(1)
فلو كانت المفاهيم الدينية مفاهيم غير قطعية وإدراكات متزلزلة

1 . البقرة:285.

صفحه 96
تتبدّل كلّ يوم إلى معنى يغاير الأوّل، فلا تحصل الغاية السامية من إنزال الكتب وبعث الرسل، لأنّهم بعثوا لإيجاد الإيمان القاطع بالله سبحانه وكتبه ورسله.
شبهة: الاستغناء بالتسلّح بالأخلاق عن الفقه والشريعة   
إنّ من دواهي العصر الحاضر أنّ بعض المفكرين في العلوم الإنسانية يصيغون الشبهات القديمة بصيغة علمية، حتى يتوهم القارئ أنّها شبهة علمية بِكر، وفكرة جديدة، ولكن المسكين غافل عن أنّها شبهة قد مرّت عليها قرون وأجاب عنها علماء وحكماء الإسلام بأجوبة قالعة لها من رأس، ومن هذا القبيل هو قول المعترضين بأنّ النصوص الدينية لا يمكن تفسيرها تفسيراً قطعياً وذلك لأنّ ذهن الإنسان اكتسب قوالب خاصة تصد الإنسان عن أن يقف على مراد المتكلم ممّا هو عليه.
فإنّ هذا القول نسخة ثانية عن القول بالسفسطة، وقد كان لها أصحاب في اليونان وغيرها ينكرون إمكانية وصول الإنسان إلى فهم الواقع، وقد ارتقوا في ذلك إلى إنكار وجود نفس الواقع. ومن درس نظرية المعرفة في الفلسفة الإسلامية يقف على أنّ هذه النظرية وما شابهها شعبة من القول بالسفسطة، وقد أشبعنا الكلام في نقد هذه الفرضية في كتابنا: «نظرية المعرفة».
***

صفحه 97

الشبهة العاشرة: الاستغناء بالتسلّح بالأخلاق عن الفقه والشريعة

علم الأخلاق يبحث عن الملكات الفاضلة أو الرذيلة التي تختص بالنفس الإنسانية، إلاّ أنّ الفقه يبحث عن أحكام أعمال المكلّفين، فالعلمان متمايزان بالموضوع، فموضوع الأخلاق هو النفس الإنسانية بما أنّها محلّ للخصال الخيّرة والشرّيرة، وأمّا الفقه فموضوعه أعمال المكلّفين من حيث الحرمة والوجوب والاستحباب والكراهة والإباحة، ولا شكّ أنّه مهما كانت الفضائل راسخة في النفس يكون مسير الإنسان هو الطاعة على خلاف ما لو رسخت الرذائل في نفسه فيكون مسيره التمرّد والعصيان.
هذا ما لا غبار عليه، لكن جماعة من الجدد يريدون بهذا الكلام الاصطياد في الماء العكر، ويدّعون انّ تسليح المجتمع بالأخلاق، وبذل الجهد في تعرفه على الفضائل والرذائل، يكفي في بناء شعب عار عن الفساد فاللازم رفع المستوى العلمي، وطرد الجهل والامية عنه، ليميّز الحق عن الباطل والنافع عن الضار وفي ذلك غناء عن الفقه والشريعة، خصوصاً إذا تحلّى بالقوى الثلاث من نظام وتقنين وقضاء، فيصبح كلّ مجتمع، مدينة فاضلة يكون الناس فيه اخواناً متحابين لا أعداءً متحاربين مستغنين عن الشرائع السماوية.
أقول: إنّ القول باغناء الأخلاق المعتمدة على العقل، عن الشريعة، نابع عن الجهل بإمكانية العقل وحدوده في تشخيص ما

صفحه 98
هو اللازم في الحياة الإنسانية، فالعقل يعتمد على حسن الأشياء وقبحها أو مصالحها ومفاسدها، وهذا المقدار من الإدراك والأمر والزجر قاصر عمّا هو اللازم في الحياة الإنسانية، فالعقل وإن كان يأمر بالشكر والعبادة لكن لا يعرف كيفية العبادة والتعبّد، ولذلك نرى أنّ الفقه الإسلامي قد استوعب الحياة الإنسانية في عامة جوانبها مبتدأً من الطهارة والصلاة ومختتماً بالحدود والديات.
***

إكمال

إنّ الفلسفة المادّية المسمّاة بالديالكتيكية سيطرت على العقول في الغرب والشرق في القرن العشرين وشغلت عقول كثير من الجامعيين، ووصل شعاعها إلى بلادنا، وأوّل من قام بالتصدي لهذه الفلسفة ونقدها نقداً علميّاً هو الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي فقد قضى على ما نسجوه من الأوهام قضاء تامّاً، فهدم بنيانها وقوّض أركانها ونشر ما كتبه في نقدها باللغتين الفارسية والعربية وعلّق على ما أفاده تلميذه البارع الشهيد الشيخ مرتضى المطهري، وقد اهتدى بهذا الكتاب الكثير ممّن اغتر بهذه الفلسفة المادية التي لا تقيم للمعنويات أي قيمة.
فلو لم يكن السيد الطباطبائي(قدس سره) مجهزاً بالفلسفة الإسلامية

صفحه 99
ومؤسساً لبعض قواعدها وهادماً للبعض الآخر، لم تتيسّر له هذه الموهبة التي هي كصدقة جارية ينتفع بها كلّ من له اهتمام بالمسائل العقلية.
هذه هي الشبهة، فهل يمكن قلعها وجعلها في مذخرة البطلان بغير الأصول المنطقية والأحكام العقلية.
إلى هنا تمّ ذكر شيء من المسائل الجديدة التي لا تُحل عقدتها إلاّ بدراستها على ضوء العقل الحصيف. وتشحيذ الذهن بالمسائل الفلسفية.

صفحه 100

الفصل الخامس

الآثار السلبية

لتعطيل العقول عن التفكير الفلسفي
الآثار السلبية لتعطيل العقول عن التفكير الفلسفي   
إنّ جمعاً من محدّثي أهل السنّة أغلقوا على أنفسهم دراسة المعارف عن طريق الدليل والبرهان واكتفوا في ذلك بالسماع، ومن المعلوم أنّ الموجود من السماع عندهم في المعارف أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، والمطلوب في العقائد والمعارف هو اليقين لا الظن ولا الاحتمال.
ولأجل أن يقف الباحث على الآثار السلبية لتعطيل العقول عن الدراسة الفلسفية نذكر شيئاً من عقائد هؤلاء.
إنّ أحمد بن تيمية من أشدّ المعارضين للبحوث الفلسفية، ولأجل إعراضه عن إعمال العقل والفكر أحدث منهجاً شاذّاً في باب المعارف عملاً بأخبار الآحاد فيها. ومن عقائده:

صفحه 101

1. جلوس الله سبحانه على عرشه

بدأ ابن تيمية بنشر أفكاره الشاذّة لأوّل مرّة في رسالته في العقيدة الواسطية، ـ أعني: الرسالة التاسعة من مجموعة الرسائل الكبرى ـ ووصف فيها الباري سبحانه بالعبارة التالية:«تواتر عن رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه».(1)
ومعنى العبارة أنّه سبحانه:
1. فوق السماوات،    2. جالس على عرشه.
3. في مكان مرتفع عن السماوات والأرض.
وليس لهذه الجمل معنى سوى أنّه كملك جالس على السرير في مكان مرتفع ينظر إلى العالم تحته.
نعم استند هو في كلامه هذا بما نقله (ابن مندة) في توحيده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال:«ويحك أتدري ما الله؟ إنّ عرشه على سماواته وأرضيه ـ وأشار هكذا بأصابعه ـ مثل القبّة عليها، وإنّه ليئطّ أطيط الرحل بالراكب».(2)
وكأنّه سبحانه جسم كبير، له ثقل على العرش وهو يئط كما يئطّ الرّحل حينما يجلس عليه الإنسان الثقيل.

1 . مجموعة الرسائل الكبرى، الرسالة التاسعة:1/401.
2 . توحيد ابن مندة: 429، طبعة مؤسسة المعارف، بيروت.

صفحه 102
وقد تمسّك ابن تيمية بهذا القول لأنّه يقلّد ابن خزيمة في توحيده وقد جاء الحديث في هذا الكتاب برقم 147 أيضاً.
وأين هذا من التوحيد الذي يصفه الذكر الحكيم ويستفاد من أحاديث وصي رسول الله وأولادهما(عليهم السلام)؟!

2. حركة الباري ونزوله

من العقائد التي يدّعي ابن تيمية وأتباعه تجويز الحركة والانتقال والنزول على الله سبحانه، ويقول: إنّه سبحانه يتنزّل وينتقل من مكان إلى مكان آخر. وقد استند في ذلك إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأُعطيه، مَن يستغفرني فاغفر له».(1)
إنّ متن الحديث ـ مهما صحّ سنده ـ يكفي في كذبه والقدح فيه، إذ يحق لسائل أن يسئل: ما هو الغرض من النزول والحركة، وهو سبحانه غفور رحيم، أسواء نزل أم لم ينزل، ثمّ إنّ النزول والحركة من آثار الجسم إذا وقع في إطار الحركة.
وقد نقل ابن بطوطة في رحلته أنّ ابن تيمية قال في كلامه على

1 . صحيح البخاري:8/71، باب الدعاء نصف الليل، برقم 6321.

صفحه 103
المنبر: إنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنير، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً».(1)

3. تكلّمه سبحانه

الرأي المشهور عند المتكلّمين الشيعة هو أنّ الكلام من الصفات الفعلية لا الذاتية غير أنّ ابن تيمية زعم أنّه من صفات الذات وأنّ التكلّم قائم بذاته، لكنّها ليس أزلية.
يقول في «منهاج السنّة»: وفي الصحيح إذا تكلّم الله بالوحي، سمع أهل السماوات كجرّ السلسلة على الصفوان، فقوله:«إذا تكلّم الله بالوحي» يدلّ على أنّه يتكلّم به حين يسمعونه، وذلك ينفي كون كلامه أزليّاً، وأيضاً فما يكون كجرّ السلسلة على الصفا يكون شيئاً بعد شيء، والمسبوق بغير لا يكون أزليّاً».(2)
ومعنى كون التكلّم من صفات الذات أنّه سبحانه لم يزل متكلّماً كما أنّه لم يزل عالماً قادراً، فإذا كان التكلّم من صفات الذات وإن لم يكن أزليّاً.

1 . لاحظ: رحلة ابن بطوطة:112، طبعة دار الكتب العلمية.
2 . مجموع الفتاوى:6/234.

صفحه 104
لزم أوّلاً: استمرار كلامه قبل خلق العالم.
وثانياً: حدوث ذاته لانّ التكلّم أمر تدريجي يحدث جزء منه بعد جزء والمفروض انّه من صفات الذات.
وأمّا ما هو الغرض من التكلّم ومن المخاطب؟ فابن تيمية هو العارف، إنّ هذا النوع من الخرافات والانحرافات نتيجة حتمية لغلق باب البحث والتدبير في المعارف والعقائد والتمسّك بالأخذ، بروايات ضعيفة لا توجب علماً ولا عملاً.
ثمّ إنّ لابن تيمية عقائد خاصّة أُخرى نشير إلى عناوينها فقط:
1. استقرار الله على العرش وإمكان استقراره على ظهر بعوضة.
2. قعود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع ربّه على العرش.
3. فناء النار والعذاب، عن أهل النار.
   
4. تحريم ذكر الله مفرداً.(1)
***
الآن حصحص الحق
الآن تجلّى الحقّ بأجلى صوره، وأنّه ليس لنا أي مندوحة من ترك دراسة المسائل الفلسفية، كما ليس لنا القبول بعامّة المناهج في هذا الحقل بل اللازم الأخذ بما صفا وترك ما كدر.
وهذا شعارنا وعليه عملنا ودراساتنا. وفي الوقت نفسه، لكلّ من

1 . لاحظ: بيان تلبيس الجهمية:1/568.

صفحه 105
درس العلوم العقلية، الاحترام والتقدير والتكريم وإن خالفنا في بعض الآراء والأفكار.

خاتمة وملاحظات

أمر سبحانه تبارك وتعالى نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده كافّة المؤمنين بالتذكير فقال:(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(1)، فلا شكّ أنّ التذكّر ينفع إذا نبع عن إخلاص ونصح، ووعاه مَن له أُذن صاغية، وقلب طاهر، فأرجو من الله سبحانه أن يجتمع هذان الشرطان في ملاحظاتنا التالية:

الأُولى: الفلسفة ليست من الدروس العامّة

إنّ دراسة الفلسفة رهن توفّر قابلية في المتعلّم وذي صلاحية خاصّة وذهن وقّاد وفكر صائب، وليست شرعة متاحة لكلّ وارد، وقد أشار إلى ذلك الشيخ الرئيس في آخر الإشارات وقال: أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحقّ، وألقمتك(2)قَفيّ(3) الحكم في لطائف الكلم، فصُنه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يُرزق الفطنة الوقّادة والدربة والعادة، وكان صغاه مع الغاغة،

1 . الذاريات:55.
2 . من اللقمة: يقال: لقّمه وألقمه الطعام جعله لقمة.
3 . القفّي: ما يكرم به الطعام، والذي يؤثر للضيف.

صفحه 106
أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن هِمَجهم، فإن وجدت مَن تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرّع إليه الوسواس وبنظره إلى الحقّ بعين الرضا والصدق، فآته ما يسألك منه مدرّجاً مجزّأً مفرّقاً، تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله، وعاهده بالله وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسيّاً بك، فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فالله بيني وبينك، وكفى بالله وكيلاً».(1)
وكان سيدنا الإمام الخميني(قدس سره) أحد المدرّسين الكبار لتدريس الفلسفة في فترة من عمره الشريف، وكان يدرّس شرح منظومة السبزواري والأسفار، ولكن باختبار وامتحان لمَن يحضر درسه، فربما يمنع بعض الطلاب عن المشاركة بتاتاً، أو يأمره بالحضور بعد مدّة، وكان يقول: إنّ الفلسفة ليست درساً عامّاً وإنّما يدرّس لمَن تتوفر عندهم شروط خاصّة وقابلية للاستيعاب.

الثانية: تجريد الكتب الدراسية عن العلوم الطبيعية والفلكية

إنّ الكتب الفلسفية المعدّة للدراسة، كالشفاء للشيخ الرئيس، والأسفار لصدر المتألّهين، وشرح المنظومة للحكيم السبزواري، تشتمل على بحوث وعلوم ليست لها صلة بالفلسفة، وإنّما هي علوم خاصّة، فعلى المحقّقين أن يخلّصوا هذه الكتب عمّا لا صلة له بها،

1 . شرح الإشارات:3/419.

صفحه 107
وذلك لأنّ الفلسفة عبارة عن الأُمور العامّة والإلهيات.
أمّا الثانية، فلا تحتاج إلى التعريف، وأمّا الأُولى فقد عُرّفت بأنّها نعوت كليّة تعرض للموجود بما هوهو من دون اتّصافه بخصوصية طبيعية أو رياضية.
فإذا كان المحور هو ما ذُكر فالكلام في الأُمور التالية خارج عمّا هو المقصد الأسنى منها، نظير:
1. الكلام في حقيقة الجسم الطبيعي، يقول الحكيم السبزواري:
الجسم عند المتكلّم إلتأم *** من ذات الأوضاع التي لا تنقسم
ثمّ إنّه بعد ما درس الجزء الذي لا يتجزّأ ينتهي بحثه إلى تركّب الجسم من الهيولى والصورة، ثم يستدلّ على إثبات الهيولى باصطلاح المشائين بأُمور.
ومن المعلوم أنّ البحث عن الصورة والهيولى في الجسم أمر غير قابل للطرح في أوساطنا العلمية.
2. البحث عن الفلكيات التي كانت رائجة من عهد بطليموس إلى زمان الحكيم السبزواري، فيقول:
الجسم عنصري أو أثيري *** من فلك وكوكب منير
فإنّ البحث في الفلكيات البطليموسية بحث أكل عليه الدهر وشرب، وذلك بفضل علم الفلك الحديث والنواظير الفلكية الكبيرة(التلسكوبات).
3. البحث عن القوى المختلفة الحيوانية.

صفحه 108
إلى غير ذلك من البحوث إمّا الزائدة أو غير المفيدة، ولذلك قام السيد العلاّمة الطباطبائي بتأليف كتابيه المعروفين «بداية الحكمة ونهاية الحكمة» وجعلهما مجرّدين تماماً عمّا لا يمت للفسلفة بصلة قدّس الله سرّه وأعلى مقامه.

الثالثة: عدم منع الطالب المستعد عن دراسة الفلسفة

إنّ منع الطالب عن دراسة الفلسفة على وجه الإطلاق له آثار سيئة فإنّ الحوزة العلمية تتحوّل بذلك إمّا إلى الأخبارية أو السلفية، كما أنّها تعجز عن الذب عن الإسلام عقيدة وشريعة، فاللازم فتح هذا الباب لمن حاز الشرائط المطلوبة.

الرابعة: الاجتناب عن التعبير الموهم

إنّ بعض المعترضين على دراسة الفلسفة ربما يعبّر عن منهجه بالتفكيك، ويؤلّف كتاباً بهذا الاسم، ونحن نقترح أن يعبّر عن منهجه باسم آخر، إذ ربما يتحذه العدو العاشم للإسلام ذريعة إلى التقوّل به بتفكيك الشريعة عن التعقّل والتفكّر، وتجريدها عن الدليل والبرهان غافلاً عن مراد الكاتب.
استخدام التعابير المؤدّبة في النقد   

الخامسة: استخدام التعابير المؤدّبة في النقد

لا شكّ أنّ تكامل العلم رهن تبادر الأفكار ومناقشتها وعليه بُني صرح المعارف والعلوم، فإنّ مناقشة الأفكار كتلاقح الأزهار، أو كالتقاء الأسلاك الكهربائيّة التي تتولّد منه الحرارة والضوء.

صفحه 109
فنحن نستقبل المناقشات العلمية، ولكن بشرط أن يكون التعبير مؤدّباً غير جارح لشخصية الطرف الآخر.
فلو روعي هذا الشرط لكان للتعبير أثر فعّال. إنّ مناقشة المخالف مراعاة للأدب هي التي رسمها القرآن الكريم، فهذا هو سبحانه يخاطب المشركين بقوله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين).(1)ترى أنّه سبحانه يسوّي بين الموحدين والمشركين في خطاب واحد حتّى لا يثير مشاعر المخالفين له، ومع ذلك بيّن أهل الهداية بشكل خفي حيث أنّ الفقرة الثانية من قبيل اللف والنشر المرتب، فقوله: (لَعَلَى هُدًى) ناظر إلى قوله: (إِنَّا) وقوله: (فِي ضَلاَل مُبِين) ناظر إلى قوله: (أَوْ إِيَّاكُمْ)، فعلى من يقتدي بالقرآن الكريم أن يراعي هذا الشرط حتى يكون لكلامه أثر في هداية الطرف المقابل، ولكن نرى في كلام بعض المعترضين ما لا ينسجم مع هذا الشرط، ولنأت بمثال:
إنّ وضع الدين على المقاييس وإثبات ربّ العزة تعالى شأنه بها، إبطال لكلّ ما جاء به الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ أكثر المقاييس وأحسنها قياس البرهان وهو مؤسّس على العلّية والمعلولية، وهي مؤسسة على قياس الواجب بالممكن والنور بالظلمة. والعلّية من

1 . سبأ:24.

صفحه 110
أصلها باطلة، فأحسن الأقيسة أقبحها.(1)
فإنّ هذا التعبير من شيخنا الإصفهانى ـ أعلى الله مقامه ـ لا يناسب مقامه السامي الذي يستدر بدعائه الغمام مضافاً إلى ما في كلامه من الإبهام، فأي برهان أُقيم لإثبات الصانع، وأساسه قياس الواجب بالممكن .
ثم كيف يقول: إنّ العلّية من أصلها باطلة، فلو بطلت العلّية أي حاجة الممكن إلى علّة، لم يستقر حجر على حجر. ونظير تلك العبارة قوله(قدس سره): وكشف الحقائق من الأقيسه عين الضلال المبين; لأنّه ليس إلاّ الاقتحام في الظلمات.
فلو كان الأساس على ما توهّموا عقلاً لانهدم جميع الشرائع ولزم إفحام الأنبياء».(2)

السادسة: الإلتزام بوصية أمير البيان(عليه السلام)

إنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول في إحدى خطبه:«فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ; وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ . وَلكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هـذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ...».(3)

1 . معارف القرآن:1/175.
2 . معارف القرآن: 28.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 50.

صفحه 111
ويستفاد من كلام الإمام (عليه السلام) أنّ الباطل المطلق الذي ليس في مزاجه شيء من الحقّ لم يكتب له البقاء والاستمرار، ولو استمر فلأجل إختلاطه بالحق، فعلى هذا فالكتب الفلسفية المدوّنة من العصور السابقة على الإسلام وبعده إلى يومنا هذا، لا يصحّ الشطب على جميع محتوياتها، بحكم أنّها مطالب باطلة مخالفة للشريعة الحقّة من أوّلها إلى آخرها، وإلاّ لما استمرت دراسة هذه الكتب عبر هذه القرون المتمادية الذي برز فيها النوابغ وكبار العلماء في العصور الإسلامية.
فإقصاء الفلسفة والمنع عن دراستها بتاتاً أمر غير معقول، فلو كان هناك معترض فعليه أن يعنون كلّ مسألة بعد مسألة فيأخذ ما صفا ويترك ما كدر.
وكلمتي الأخيرة في التقريب بين الطائفتين هي أنّ أكثر
ما يشكلون به على الفلسفة الإسلامية إنّما نتَجَ من خلط المسائل العرفانية بالمسائل الفلسفية حيث إنّ الأُولى مبنية على
الذوق والشعور الخاص بخلاف الأُخرى فهي مبنية على البرهان الواضح.
فيجب تجريد المسائل الفلسفية عن المفاهيم العرفانية
ولذلك نرى أنّ ما كتبه الشيخ الرئيس في «الإشارات» أبعد
عن شبهات المعترضين، وإنّما نشأ أكثر هذه الشبهات منذ

صفحه 112
عصر صدر المتألهين الذي قام بالجمع بين الأمرين، وهذا وإن استحسنه أكثر المتأخرين، إلاّ أنّ الحقّ تجريد العلمين وعدم
خلط أحدهما بالآخر.
***
تمّت الرسالة في شهر ميلاد ولي الله الأعظم الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه يوم 14 شعبان المعظم 1440هـ
والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 113
أهم المصادر والمراجع   

أهمّ المصادر والمراجع

نتبرك بالقرآن الكريم .
1 . اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين: محمد بن محمد، الزبيدي، دارالكتب العلمية، بيروت، 1409ق.
2. الاحتجاج: أحمد بن علي، الطبرسي، تحقيق إبراهيم بهادري، بإشراف جعفر السبحاني، اسوة، قم، 1413ق.
3. بحار الأنوار:العلاّمة محمد باقر، المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1403ق.
4. تحف العقول عن آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحقيق علي أكبر الغفاري، دارالكتب الإسلامية، طهران، 1376ق.
5. التنقيح في شرح العروة الوثقى: علي الغروي التبريزي، مطبعة الآداب، النجف، 1378ق.
6. التوحيد: ابن مندة، محمد بن إسحاق، مؤسسة المعارف،بيروت، 1428ق.

صفحه 114
7. التوحيد: محمد بن علي، الصدوق، تصحيح وتعليق السيد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1357ش.
8. تهافت الفلاسفة: محمد بن محمد، الغزالي، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421ق.
9. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة: ملاصدرا، محمد بن إبراهيم، داراحياء التراث العربي، بيروت، 1981م.
10 . درر الفوائد: محمدتقي الآملي، مؤسسة إسماعيليان، قم.
11. رحلة ابن بطوطة : ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحقيق طلال حرب، دارالكتب العلمية، بيروت، 1407ق.
12. الرسائل (فرائد الأُصول): مرتضى، الأنصاري، إعداد و تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1422ق.
13 . شرح الإشارات: الخواجة نصير الدين الطوسي، نشر البلاغة، قم، 1375ش.
14 . شرح المنظومة: السبزواري، طبعة طهران، 1318ق.
15. شرح نهج البلاغة: ابن ميثم البحراني، دارالآثار للنشر، بيروت، دارالعلم الإسلامي، 1401ق.
16. شرح الهداية الأثيرية: ملاصدرا، محمد بن إبراهيم، تحقيق محمد مصطفى فولادكار، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1422ق.
17. الشفاء: الالهيات، ابن سينا، الحسين بن عبد الله، بإشراف إبراهيم

صفحه 115
مدكور .
18. صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل، البخاري، عثمان خليفة، القاهرة، 1314ق.
19. العروة الوثقى: السيد محمدكاظم، الطباطبائي اليزدي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
20. العقيدة الواسطية: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموعة الرسائل الكبرى.
21. علي والفلسفة الإلهية: السيد محمدحسين الطباطبائي، الدار الإسلامية، بيروت.
22. قصة الحضارة: ويل، دورانت، ترجمة زكي نجيب محمود، دارالفكر، بيروت.
23. الكافي : محمد بن يعقوب، الكليني، تحقيق وتعليق علي أكبر الغفاري، دار صعب، بيروت .
24. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، مؤسسة الرسالة،بيروت، 1405ق.
25. اللمع في الرد أهل الزيغ والبدع: علي بن إسماعيل، الأشعري، تصحيح وتعليق حمودة غرابة، مطبعة مصر، القاهرة، 1334ق.
26. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: أبو الحسن الندوي، دارالكتب العربي، بيروت، 1385ق.

صفحه 116
27. المبدأ والمعاد: ملاصدرا، محمد بن إبراهيم، تصحيح وتحقيق محمد ذبيحي، جعفر شاه نظري، مؤسسة الحكمة الإسلامية، طهران، 1381ش.
28. مجموعة الرسائل الكبرى:ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1385ق.
29. مجموعة مقالات: لجماعة من المحققين، مطبعة الهجرة، قم.
30. معارف القرآن: آية الله حاج ميرزا مهدي الإصفهاني(المتوفّى1365).
31. مفاهيم القرآن: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، 1413ـ 1421ق.
32. مواقف المتكلمين: سليمان بن صالح، دار العاصمة، الرياض، 1416ق.
33. الميزان في تفسير القرآن: السيد محمدحسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1393ق.
34. نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي(359ـ 406هـ)، لخطب أمير المؤمنين(عليه السلام)، بيروت، 1387ق.

صفحه 117
   

فهرس الموضوعات

المقدّمة   7
ما هو الهدف من تأليف هذه الرسالة؟   8
النزاع بين الموافق والمخالف لفظيٌّ   9
الفصل الأوّل:
في دراسة أدلّة المخالفين
الشبهة الأُولى: لو كان المنطق طريقاً موصلاً لم يقع الخلاف   13
الشبهة الثانية: الغاية صدّ الناس عن الكتاب والسنّة   15
الشبهة الثالثة: جعل العقل حاكماً على الله   16
   عثرة للشيخ الأشعري لا تُستقال   19
الشبهة الرابعة: الاعتراف بالعلل الطبيعية يضاد التوحيد في الخالقية
   والربوبية   21
   مذهب أهل الحديث في العلل الطبيعية   22
الشبهة الخامسة: قول الفلاسفة بقدم العالم   26
الأوّل: تصوير الحدوث الزماني عن طريق الحركة الجوهريّة   29
الوجه الثاني لإثبات الحدوث الزماني للعالم   32
الشبهة السادسة: الفلسفة تبحث في موضوعات ليس عندهم مبادؤها   34
الشبهة السابعة: حصر المعاد بالجانب الروحاني   36
الشبهة الثامنة: القول بوحدة الوجود والموجود   40

صفحه 118
   الأوّل: قول المشّائين   41
   الثاني: قول الفهلويين في حقيقة الوجود   41
   الثالث: القول المنسوب إلى ذوق التألّه   44
   الرابع: وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما   45
   الخامس: أنّه ليس في الحقيقة إلاّ موجود واحد وله تطوّرات   47
الشبهة التاسعة: كونه سبحانه فاعلاً موجَباً   47
الشبهة العاشرة: القواعد المنطقية والمسائل الفلسفية علوم مستوردة   49
الفصل الثاني
منهج القرآن الكريم في دراسة المعارف الإلهية
   1. البرهنة على التوحيد في الخالقية بوجود الانسجام في الكون   52
   2. البرهنة على التوحيد في الربوبية بنفس البرهان   53
   3. البرهنة على حضوره سبحانه في الكون كلّه   54
   4. ثمانية عشر وصفاً لله لا تُدرك إلاّ بالأقيسة العقلية   58
   5. إبطال زعم المشركين بالبرهان الفلسفي   60
   6. الاستدلال على إمكان المعاد بالبرهان   61
   توضيح الردّ   62
الفصل الثالث
منهج المعصومين(عليهم السلام) في بيان المعارف الإلهية
الأوّل: كلامه(عليه السلام) في صفاته تعالى   67
   1. «أوّل الدين معرفته»   67
   2. «وكمال معرفته التصديق به»   68
   3. «وكمال التصديق به توحيده»   68

صفحه 119
   4. «وكمال توحيده الإخلاص له»   68
   5. «وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه»   69
   6. «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف بأنّه غير
   الصفة»   70
التوالي الفاسدة للقول بالزيادة   71
   1. «فمَن وصفه فقد قرنه»   71
   2. «ومَن قرنه فقد ثنّاه»   71
   3. «ومَن ثنّاه فقد جزّأه»   71
   4. «ومَن جزّأه فقد جهله»   71
الثاني: كلامه(عليه السلام) في معنى كونه سبحانه مع الأشياء   72
الفصل الرابع
مسائل جديدة لا تُحل عقدتها إلاّ بالتفكير الفلسفي
الشبهة الأُولى: ما هو السبب لنشأة الدين؟   77
   1. جهل الإنسان بالعلل الطبيعية   78
   2. الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة   78
   3. العامل الاقتصادي   79
الشبهة الثانية: ما هي الحاجة إلى الدين؟   81
   دور الدين في الحياة   82
   1. الدين ضمان لتنفيذ القوانين   82
   2. الدين دعامة الأخلاق   82
الشبهة الثالثة: تحديد دور الدين بالأُمور الفرديّة   84
الشبهة الرابعة: النبوّة نبوغ اجتماعي   85

صفحه 120
الشبهة الخامسة: خلود الشريعة وبقاؤها   86
الشبهة السادسة: التعدّدية الدينية   88
الشبهة السابعة: تعارض الدين مع العلم   91
الشبهة الثامنة: حرية الإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي   93
الشبهة التاسعة: الهرمنوتيك أو تفسير النصوص   94
الشبهة العاشرة: الاستغناء بالتسلّح بالأخلاق عن الفقه والشريعة   96
إكمال   98
الفصل الخامس
الآثار السلبية لتعطيل العقول عن التفكير الفلسفي
   1. جلوس الله سبحانه على عرشه   101
   2. حركة الباري ونزوله   102
   3. تكلّمه سبحانه   103
الآن حصحص الحق   104
خاتمة وملاحظات   105
الأُولى: الفلسفة ليست من الدروس العامّة   105
الثانية: تجريد الكتب الدراسية عن العلوم الطبيعية والفلكية   106
الثالثة: عدم منع الطالب المستعد عن دراسة الفلسفة   108
الرابعة: الاجتناب عن التعبير الموهم   108
الخامسة: استخدام التعابير المؤدّبة في النقد   108
السادسة: الإلتزام بوصية أمير البيان(عليه السلام)   110
أهم المصادر والمراجع   113
فهرس الموضوعات   117

صفحه 121