فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : تسليك النفس إلى حظيرة القدس*
نویسنده :علاّمة الحلّي*

تسليك النفس إلى حظيرة القدس
تسليك النفس
إلى
حظيرة القدس

صفحه 2
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
علامه حلى، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
      تسليك النفس إلى حظيرة القدس / للعلاّمة الحلّي أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر ; تقديم جعفر السبحاني ; تحقيق فاطمة رمضاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1426 ق. = 1384 .
      264 ص.    ISBN 964 - 357 - 226 - 9
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      1 . كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14. 2. شيعه ـ ـ عقايد. الف. سبحاني تبريزي ، جعفر، 1308 ـ ، مقدمه نويس. ب. رمضانى، فاطمه، مصحح. ج. مؤسسة الإمام الصاق (عليه السلام). د. عنوان .
5ت8ع/ 5/210 BP    4172 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   تسليك النفس إلى حظيرة القدس
المؤلــف:   الحسن بن يوسف بن المطّهر الحلي
تحقيق :   فاطمة رمضاني
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى
تاريخ الطبع:    1426 هـ
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 3
تقديم آية الله جعفر السبحاني
تسليك النفس
إلى
حظيرة القدس
للعلاّمة الحلّي
أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر
(648 ـ 726 هـ)
تحقيق
فاطمة رمضاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم ـ إيران

صفحه 4

صفحه 5
   
    تسليك النفس إلى حظيرة القدس
المقدّمة:    بقلم آية الله جعفر السبحاني

العباقرة في مرآة التاريخ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين أبي القاسم محمد وعلى عترته الطيبين الطاهرين صلاة ما دامت السماوات ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد;
فإنّ التعرّف على مكانة العلماء البارزين وعظمتهم ـ الذين خدموا المجتمع الإنساني بأفكارهم وآرائهم وكتبهم وآثارهم ـ ، يَتمُّ من خلال طريقين:
1. الرجوع إلى كلمات العلماء في حقّهم، فإنّها مرآة لشخصياتهم، وطريق لفهم جوانب حياتهم وإدراك منزلتهم العلمية .

صفحه 6
2. الرجوع إلى الآثار الّتي خلّفوها على الصُّعُد الفكرية والعلمية والثقافية والتربوية.
وبهذين الطريقين يمكن التعرّف على مكانة ودور أي واحد منهم .
الكتاب الّذي بين يديك أثر من آثار أحد أعلام الإسلام، والّذي اشتهر بالنبوغ والعبقرية والتقدّم في ميادين العلوم العقلية والنقلية، ألا وهو العلاّمة الحلّيّ (648 ـ 726 هـ).
ونحن هنا كباحثين محايدين سنقوم بتحقيق هذه الشهرة الّتي لم نزل نسمعها من المشايخ العظام جيلاً بعد جيل، وذلك باتباع الطريقين المذكورين .

كلمات في حقّ المؤلّف

إذا ألقينا نظرة على معاجم الرجال وتراجم العلماء سنجد أنّ كلّ من ذكر العلاّمة الحلّيّ (رحمه الله) أو ترجم له يصفه بما يُوصف به عباقرة العلوم وجهابذة الفنون، وإليك نزراً يسيراً من كلمات الفريقين:
قال الصفدي: الإمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف الّتي اشتهرت في حياته، وكان يصنف وهو راكب، وكان ريّض الأخلاق، مشتهر الذكاء، وكان إماماً في الكلام والمعقولات .(1)
وقال ابن حجر: عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم، وكان آية في

1 . الوافي بالوفيات: 13 / 85 برقم 79. بتلخيص .

صفحه 7
الذكاء. وكان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق .(1)
وقال أيضاً في «الدرر الكامنة»: الحسن بن يوسف ابن المطهّر الحلّيّ الإمامي، جمال الدين الشيعي، ولد في بضع وأربعين وستمائة، ولازم النصير الطوسي مدة واشتغل في العلوم العقلية، فمهر فيها وصنّف في الأُصول والحكمة، وكان رأس الشيعة بالحلّة، واشتهرت تصانيفه، وتخرّج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حلّ ألفاظه وتقريب معانيه وصنّف في فقه الإمامية، وكان قيّماً بذلك داعية إليه.(2)
هذه كلمات أعاظم أهل السنّة في حقّه، وأمّا أقوال علماء الشيعة فهي كثيرة نذكر منها القليل:
فقد عرّفه ابن داود الحلّيّ بقوله: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول .(3)
وقال الحر العاملي: فاضل عالم علاّمة العلماء، محقّق، مدقّق، ثقة ثقة، فقيه، محدّث، متكلّم، ماهر، جليل القدر، عظيم الشأن رفيع المنزلة، لا نظير له في الفنون والعلوم العقلية والنقلية، وفضائله ومحاسنه أكثر من أن تحصى .(4)

1 . لسان الميزان: 2 / 317 .
2 . الدرر الكامنة لابن حجر: 3 / 71 .
3 . رجال ابن داود: 119 برقم 461 .
4 . أمل الآمل: 2 / 80 ـ 81 .

صفحه 8
وقال الميرزا عبد الله الأفندي التبريزي: كان (رضي الله عنه)جامعاً لأنواع العلوم، مصنّفاً في أقسامها، حكيماً متكلّماً فقيها محدّثاً أُصولياً أديباً شاعراً ماهراً، وقد رأيت بعض أشعاره ببلدة أردبيل، وهي تدلّ على جودة طبعه في أنواع النظم أيضاً. وكان وافر التصنيف متكاثر التأليف، أخذ واستفاد عن جمّ غفير من علماء عصره من العامّة والخاصة، وأفاد وأجاد على جمع كثير من فضلاء دهره الخاصة بل من العامة أيضاً، كما يظهر من أجازات علماء الطريقين .(1)
وهذا الطريق الّذي سلكناه في تعريف المؤلف، يدلّ على أنّ الفريقين اتّفقا على نبوغه وذكائه وعلمه وفقاهته. وهلمّ معي الآن لنسلك الطريق الثاني، الّذي يُرشد إليه مَعْلَمان رئيسيان:
أوّلاً: انثال عليه الأفواج من روّاد العلم من كلّ صوب، وانتهلوا من علمه وأفادوا من محاضراته، حتّى احتلّ فريق منهم مكانة سامية في الفقه والأُصول والكلام وغيرها من المجالات، وإليك أسماء عدد منهم:
1 . ولده فخر المحقّقين .
2 . زوج أُخته مجد الدين أبو الفوارس محمد بن علي بن الأعرج الحسيني.
3 . عميد الدين عبد المطلب بن أبي الفوارس .
4 . ضياء الدين بن أبي الفوارس الحسيني.

1 . رياض العلماء: 1 / 359 .

صفحه 9
5 . مهنّا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني المدني.
6 . تاج الدين محمد بن القاسم بن معية الحسني.
7 . ركن الدين محمد بن علي بن محمد الجرجاني.
8 . الحسين بن إبراهيم بن يحيى الاسترآبادي.
9 . الحسين بن علي بن زهرة الحلبي.
10 . أبو المحاسن يونس بن ناصر الحسيني الغروي المشهدي.
11 . عبد الرحمن بن محمد الحلّي، ابن العتائقي.
12 . محمد بن محمد قطب الدين أبو عبد الله الرازي.
هؤلاء اثنا عشر عالماً من أكابر تلاميذه أوردنا أسماءهم كمعالم على الطريق إلى الوصول إلى حقيقة شهرة العلاّمة الحلّيّ، وإلاّ فإن المتخرّجين به من الأعلام أكثر من ذلك بكثير ، قال صاحب الرياض: كان في الحلّة في عصر العلاّمة أو غيره أربعمائة وأربعين مجتهداً. (1) ومن المعلوم أنّ جلّ هؤلاء ممّن استقوا من نمير علمه ومعين عذبه .
ثانياً: الآثار العلمية الّتي تركها للأجيال، فضع يدك على كتبه ومؤلّفاته في شتّى الفنون، ستجده في حقل الفقه والأُصول فقيهاً بارعاً، وأُصوليّاً لامعاً ، وفي حقل المعقول والكلام فيلسوفاً ماهراً ومتكلّماً فذّاً، ويكفي في ذلك أنّه ألّف ما يناهز ثلاثين مؤلفاً في الكلام وأُصول الدين والجدل والاحتجاج وآداب البحث والمناظرة.(2)

1 . رياض العلماء: 1 / 361 .
2 . معجم طبقات المتكلمين: 3 / 105 برقم 287. غير أنّ قسماً منها غير موجود.

صفحه 10
ونحن وإن ذكرنا في تقديمنا لكتاب «نهاية المرام» أسماء كثير من كتب العلاّمة في حقل الكلام، ولكنّنا نستقصي هنا كلّ ما وقفنا عليه في هذا المضمار، وإليك اسماءَها مجرّدة عن التعليق والتوضيح :
1 . الأبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة.
2 . استقصاء النظر في البحث عن القضاء والقدر.
3 . الألفين الفارق بين الصدق والمين.
4 . أنوار الملكوت في شرح الياقوت.
5 . الباب الحادي عشر.
6 . الرسالة السعدية.
7 . كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد.
8 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد.
9 . معارج الفهم في شرح النظم.
10 . مقصد الواصلين في أُصول الدين.
11 . منهاج الكرامة في معرفة الإمامة.
12 . مناهج اليقين.
13 . نظم البراهين في أُصول الدين.
14 . نهج الحقّ وكشف الصدق.
15 . نهج المسترشدين في أُصول الدين.

صفحه 11
16 . واجب الاعتقاد على جميع العباد.
17 . نهاية المرام في علم الكلام.
18 . أجوبة المسائل المهنائية.
19 . منتهى الوصول في علمي الكلام والأُصول .
20 . كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).
21 . رسالة في جواب سؤالين سألهما الخواجة رشيد الدين.
22 . أربعون مسألة في أُصول الدين.

23 . تسليك النفس إلى حظيرة القدس

والأخير هو هذا الكتاب الّذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام، وقد ألّفه العلاّمة الحلّيّ استجابة لرغبة ولده محمد المعروف بفخر المحقّقين، وخصّصه لأهم المسائل الكلامية، الّتي أفرغها في قوالب فلسفية وبرهانية. وهو أشبه بكتاب «تجريد الاعتقاد» لأُستاذه نصير الدين الطوسي، والّذي شرحه العلاّمة بكتابه «كشف المراد» وقال: وجدنا كتابه الموسوم بتجريد الاعتقاد قد بلغ فيه أقصى المراد وجمع جلّ مسائل الكلام على أبلغ نظام .(1)
غير أنّ المصنّف سلك في كتابه هذا مسلك السهولة في البيان، وهو يغاير مسلك الطوسي في كتاب «تجريد الاعتقاد» الّذي يمتاز بالصعوبة،

1 . كشف المراد: 24 .

صفحه 12
ولكنّهما (الأُستاذ والتلميذ) يشتركان في إضفاء الصبغة الفلسفية على المسائل الكلاميّة على نحو صار هذا النمط هو المقبول بين المتأخّرين من المتكلّمين من غير فرق بين السنّة والشيعة. والكتاب كما يصفه المؤلّف في مقدّمته مشتمل على أهم المسائل وأشرفها والنكت العظيمة اللطيفة. فجمع فيه النكات الكلامية وأُصول المطالب العقلية.
وقد قسم الكتاب إلى مراصد، هي:
الأوّل: في الأُمور العامّة.
الثاني: في تقسيم الموجودات.
الثالث: في البحث عن أقسام الموجودات.
الرابع: في أحكام الموجودات.
الخامس: في إثبات واجب الوجود تعالى وصفاته.
السادس: في العدل.
السابع: في النبوة.
الثامن: في الإمامة.
التاسع: في المعاد.
وكلّ مرصد يشتمل على مطالب كثيرة.
فهذا فهرس إجمالي لمراصد الكتاب.
يُذكر أنّ السيد نظام الدين عبد الحميد بن الأعرج الحلّي ابن أُخت

صفحه 13
العلاّمة شرح هذا الكتاب (683 هـ ـ ...) وأسماه: «إيضاح اللبس في شرح تسليك النفس ».
وفي الحقيقة فإنّ «نهاية المرام» هو الكتاب الأُم من مؤلّفات العلاّمة في علم الكلام. وفي الكتاب الماثل بين أيدينا إرجاعات إلى نهاية المرام .

النسخ المعتمدة

قامت الطالبة فاطمة رمضاني بتحقيق وتصحيح هذا الكتاب القيّم، تحت رعاية الأُستاذين:
1. العلاّمة الحجة الشيخ عبد الله النوراني (الأُستاذ المشرف) .
2. الدكتور نجف قلي الحبيبي (الأُستاذ المساعد).
وقد نالت بذلك شهادة الماجستير بدرجة «امتياز» في علم الإلهيات من كلية الإلهيات ـ جامعة طهران، عام 1426 هـ .
وقد اعتمدت المحقّقة ـ حفظها الله ـ في عملها على نسخ ثلاث، اتّخذت الأُولى منها نسخة الأصل. وإليك مواصفات هذه النسخ:
1. النسخة « أ » الموجودة في متحف بريطانيا، بالاستناد إلى صورتها المستنسخة الموجودة في «مركز احياء التراث الإسلامي» في قم المقدسة برقم 1804، وكاتب النسخة هو: علي بن الحسن بن الرضي الحسيني، وقد فرغ مِنْ نَسْخِها في 18 من شهر صفر من شهور عام 716 هـ ، في حياة المؤلّف، وتقع النسخة في 163 صفحة (17 سطر، 26 × 14 سم) .

صفحه 14
وهي بخط النسخ، وفي هوامش النسخة إيضاحات بقلم ولد المؤلّف ـ فخر المحقّقين ـ ربّما تعين على فهم المراد، ونجد فيها لفظة «صحّ» أو «بلغت قراءته» كلّ ذلك يؤيد صحّة النسخة وقلّة الخطأ فيها.
وقد جاء في آخرها قوله: أنهاه أيده الله تعالى، قولاً وبحثاً وفهماً وضبطاً واستنساخاً في مجالس آخرها سابع عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. وكتب محمد بن الحسن بن المطهر.
2. النسخة « ب»، الموجودة في مكتبة آية الله الحكيم (قدس سره)في النجف الأشرف (برقم 929 م)، بالاستناد إلى صورتها المستنسخة والموجودة في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدسة، برقم 2 / 689، وهذه النسخة لم يذكر فيها اسم الناسخ، وتمّ استنساخها في 22 من شهر صفر سنة 722 هـ ، وأنّه استنسخها من نسخة المؤلّف. ألحق بهذه النسخة كتاب «مراصد التدقيق ومقاصد التحقيق» للمؤلف.
وهي غير خالية من الأغلاط لفظاً ومعنى، وجاء في هوامش النسخة «صوابه» و «صحّ ».
وجاء في هامش آخر النسخة: قوله: «بلغت قراءته»، و «أيده الله تعالى»، وربّما يكون ذلك قرينة على أنّها قرئت على العلاّمة الحلّيّ.
والنسخة في 115 صفحة (17 سطر، 24 × 14 سم).
3. النسخة « ج»، الموجودة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي برقم

صفحه 15
62283، ويوجد فلمها المصغّر في مكتبة جامعة طهران، وتقع في 198 صفحة (15 سطر، 20 × 14 سم) وقد سقط من النسخة المطلب الرابع من المرصد التاسع في ثبوت المعاد إلى آخر الكتاب.
والناسخ غير معلوم، وهي غير مؤرخة.

منهج التحقيق

1. لقد اعتمدت المحقّقة الفاضلة على نسخة «أ» كأصل مع تثبيت الاختلافات مع باقي النسخ في الهامش.
2. كلّ ما بين معقوفين ]   [ فهو من إضافات المحقّقة لضرورة يقتضيها السياق أو للعناوين الاستنتاجية للفصول والمطالب لتسهيل المراجعة للقارئ الكريم.
3. كلّ ما بين قوسين (   ) فهو من أحد النسخ.
وقد أخذت المحقّقة على عاتقها بذكر جميع الاختلافات الموجودة بين النسخ في الهامش مع أنّ قسماً كثيراً منها ليس بصحيح قطعاً، وإنّما هي هفوات النسّاخ، فكان اللازم الاقتصار على ما يحتمل الصحّة، ولكنّنا أبقيناها على صورتها، لأنّ ذلك هو المنهج الرائج لتصحيح وتحقيق النسخ الخطية من قبل الجامعيّين.
ومع تثميننا لجهود المحقّقة الفاضلة في تصحيح الكتاب وتحقيقه بهذه الدقة، ولكن كان اللازم عليها أن تورد التعاليق الموجودة في

صفحه 16
هامش النسخة الأُولى والّتي هي من إفادات فخر المحقّقين، لأنّ لها دور الإيضاح.

ختامه مسك

قد وقفت على أسماء الكتب الكلامية الّتي سطرتها يد العلاّمة الحلّيّ والّتي بذل في تأليفها وتصنيفها أوقاتاً ثمينة وأنفاساً قدسية، وشغلت كل أوقاته في الحضر والسفر، وقد ألّف قسماً منها بين عام 707 ـ 716 هـ ، أي خلال تواجده في إيران بمعية الملك (خدابنده) .
عاش العلاّمة (رحمه الله) ثمانية وسبعين عاماً حيث ولد عام 648 هـ وانتقل إلى جوار ربه في 21 محرم الحرام من سنة 726 هـ ، وترك مكتبة ثمينة وغزيرة في أغلب العلوم والمعارف قلّما يتّفق لإنسان أن يأتي بهذا العطاء الثّر، وقد قام العلاّمة الراحل السيد عبد العزيز الطباطبائي باستقصاء جميع ما ألّفه العلاّمة الحلّيّ، وذكر ذلك كلّه في كتاب أسماه «مكتبة العلاّمة الحلي» فبلغ مجموع ما ذكره 120 عنواناً.
هذا هو العلاّمة في مواهبه وقابلياته وآثاره الضخمة، وهو قدوة لكلّ الأجيال ،إذ أنّه نهض بمسؤوليته الفكرية والعلمية والدينية في عصر ماجت فيه التيارات الفكرية من مختلف الفرق ولم يكن له بد من سدّ كلّ ثغرة ببيانه وقلمه.

صفحه 17
ونحن إذ نعيش في هذا العصر العصيب الّذي تعدّدت فيه المناهج الكلامية والتيارات الفلسفية الّتي تبتغي نشر الإلحاد وإطفاء نور الإيمان
في قلوب الشباب، نهيب بكلّ من ينبض قلبه بحب الإسلام وخدمة المجتمع أن يقتدي بالعلاّمة الحلي (رحمه الله) في التصدي إلى البحوث الكلامية والفلسفية بشكل يلائم لسان العصر ومنطق الشباب، إذ لكلّ زمان منطق ولسان.
فلو بعث العلاّمة الحلي وأُستاذه نصير الدين وتلميذه قطب الدين الرازي وغيرهم من الأجلاّء في هذا الزمان، لكان لهم قصب السبق في بيان العقائد الإسلامية والمفاهيم الدينية على مختلف المستويات، ولم يفتّروا عن التأليف والتصنيف، ولم يسأموا من الإرشاد والهداية.
رحم الله جميع علمائنا الماضين وحفظ الله الباقين منهم.
وبما أنّ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)قد اهتمت بتدريس علم الكلام في مستويات عالية، وتخرّج منها جمع من الفضلاء تسلّحوا بمنطق العلم والكلام وانتشروا في البلاد، ولم تزل الدراسات الكلامية مستمرة لنيل شهادات البكلوريوس والماجستير والدكتوراه في معهد علم الكلام التابع للمؤسسة بإشرافنا.
وإتماماً لما قامت به المؤسسة من تحقيق ونشر عدد من مؤلفات العلاّمة الحلّيّ (رحمه الله) في الكلام والأُصول والفقه، أخذنا على عاتقنا طبع ونشر هذه الرسالة الجامعية، شاكرين للمحقّقة الفاضلة وللأفاضل أعضاء لجنة

صفحه 18
الإشراف، جهودهم المضنية الّتي بذلت في تحقيق وتصحيح هذا الأثر القيمّ.
داعين الله لهم بالتوفيق والفلاح.
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة
رابع شهر ذي العقدة الحرام
1426 هـ

صفحه 19
الحمد لله القديم الأزليّ، الدّائم الأبديّ، الإله القهّار، الواجب الغنيّ، المالك القويّ، القديم الجبّار، الحكيم الكريم، العليّ العظيم الغفّار، العليم الحكيم، الرّؤوف الرّحيم، العطوف السّتّار.
أحمدهُ على إنعامِه المدرار، وأشكره على آلائه المسيلة الغزار، وأسأله التّوفيقَ في هذه الدّار لِحُسن العقبى في دار القرار; وصلّى الله على سيّدنا محمّد النّبيّ المختار وعلى آله الأئمّة الأطهار وعترته الأخيار الأبرار، صلاةً تتعاقبُ عليهم تعاقبَ الأعصار.
أمّا بعدُ، فقد أجبتُ سؤالك، أيّها الولد الصّالح، محمّد ـ جعلني الله فداك ـ في تصنيف هذا الكتاب المسمّى بـتسليك النّفس إلى حظيرة القدس، مشتملا على المسائل المهمّة الشّريفة والنّكت العظيمة اللّطيفة، وبينّتُ لك
فيه ـ وفّقك الله لمراضيه وأعانك على امتثال أوامره ونواهيه ـ جميعَ لبّ

صفحه 20
النّكت الكلاميّة، وأوضحتُ لك (فيه) ـ أرشدك الله ـ أصول المطالب العقليّة، أسعدك الله في الدّارين ورزقك تكميل الرّئاستين بمنّه ولطفه.
وقد رتّبتُ(1) هذا الكتابَ على مراصد تسعة.

1 . الف : ترتب.

صفحه 21
المرصدُ الأوّل
في
الاُمور العامّة
وفيه فصول

صفحه 22

صفحه 23

الفصل الأوّل

في المقدمات

المقدّمة الأُولى: ]في التّصور والتّصديق[

العلم إمّا تصوّرٌ، وهو حصولُ صورة الشّيء في العقل من غير حكم; وإمّا تصديقٌ، وهو الحكمُ ببعض المتصوّرات على بعض إيجاباً أو سلباً. وكلٌّ منهما ضروريٌّ ومكتسبٌ:
فالضّروريّ من التّصوّرات، ما لا يتوقّف حصوله على طلب وكسب، كتصوّر الحرارة والبرودة; والمكتسبُ، ما يتوقّف، كتصوّر الجوهر والعرض.
والضّروريّ من التّصديقات ما يكفي تصوّرُ طرفيه في الحكم، كالتّصديق بأنّ «الكلّ أعظمُ من الجزء»; والمكتسبُ ما لا يكفي، كالحكم بحدوث العالم.
وكاسبُ التّصوّر: الحدُّ، وهو التّعريفُ بالأجزاء; أو الرّسمُ، وهو التّعريفُ بالأعراض الخارجيّة.(1)

1 . الف : الخارجة.

صفحه 24
وكاسبُ التّصديق هو الحجّةُ; وهي(1) إمّا قياسٌ، إن استدلّ بالعامّ على الخاصّ; وإمّا استقراءٌ، إن كان بالعكس; وإمّا تمثيلٌ، إن استدلّ بالمُساوي على المُساوي.(2)
والأوّلُ يقينيٌّ والأخيران (2) ظنّيان.

المقدّمةُ الثّانيةُ: ]في التعريف[

اعلم أنّ المعلوم من كلّ وجه، والمجهول من كلّ وجه، لا يمكنُ طلبهما لاستحالة تحصيل الحاصل; وعدم الاشتياق إلى ما لا شعورَ به البتّةَ; فلابُدّ وأن يكونَ معلوماً من وجه ومجهولا من آخر. والوجهان متغايران، والمطلوبُ ليس كلّ واحد منهما، بل معروضُهما، وهو الماهيّة ذاتُ الوجهين.
والماهيّة إن كانت مركّبةً جاز تحديدُها وإلاّ عُرِّفت بالرّسم(4) لا غير; وإن (3) كانت جزءاً من غيرها جاز التّحديدُ بها وإلاّ فلا.
والحدُّ إن اشتمل على جميع المقوّمات فهو التّامّ، وإلاّ فهو النّاقصُ.
والرسم إن افاد تمييز الماهية عن جميع ما عداها فهو التّام والاّ فهو الناقص; والحدُّ إنّما يتألّفُ من الجنس والفصل.

1 . ج : هو .   2 . الف ، ج : مثله .
2 . ب : الآخران .   4 . الف: بالرّسوم.
3 . الف : فإن.

صفحه 25
والجنسُ هو كمالُ الجزء(1) المشترك، وهو الكلّيّ المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو؟
والفصل هو الجزء المميّز، وهو الكلي المقول على كثيرين في جواب أيُّما هو في جوهره.
والمركّبُ منهما هو النّوعُ.
وتترتبُ (2) الأجناسُ بعضُها فوقَ بعض الى ان ينتهي إلى جنس لا جنسَ فوقه، ويُسمّى جنس الأجناس، وفي التّنازل إلى جنس لا جنسَ تحته، وهو الجنسُ السّافلُ، والأنواعُ كذلك.
والخارج عن الماهيّة إن اختصّ بها فهو الخاصّةُ، وإلاّ فهو العرضُ
العامُّ.
فالكليّاتُ هي هذه الخمسةُ لا غير: الجنسُ والفصلُ والنّوعُ والخاصّةُ والعرض العامُّ.

المقدّمةُ الثّالثةُ: ]في القياس[

اعلم أنّ كلّ قياس إنّما يتركّبُ من مقدّمتين لا أزيدَ ولا أقلّ، ويشترك المقدّمتان في حدّ (واحد) هو أوسط، وتتباينان بجزأين (2) آخرين هما الأصغر والأكبر.

1 . ب : الحد.   2 . ب : ترتيب / ج : يتربَّت.
2 . ج : في جزأين .

صفحه 26
وهذا المشترك إن كان محمولا في الصّغرى موضوعاً في الكبرى فهو الشّكل الأوّل; وعكسهُ الرّابعُ; وإن كان محمولا فيهما فهو الثّاني; وإن كان موضوعاً فيهما فهو الثّالثُ.
ويشترط: في الأوّل: إيجابُ الصّغرى وكلّيّةُ الكبرى.
وفي الثّاني: اختلافُ المقدّمتين بالإيجاب والسّلب، وكلّيّة الكبرى.
وفي الثّالث: إيجابُ الصّغرى وكلّيّة إحداهما.
وفي الرّابع: عدمُ اجتماع الخِسّتين(1) إلاّ إذا كانت الصّغرى موجبة جزئيّة، واستعمال السّالبة الكليّة الكبرى مع الموجبة الجزئيّة الصّغرى لا غير.

المقدّمةُ الرّابعةُ: ]في مواد الأقيسة وصورها[

مقدّمتا الدّليل إن كانتا قطعيّتين فالنّتيجة كذلك، وإن كانتا ظنّيتين أو إحداهما فالنّتيجة ظنّيّة; لأنّها تتبعُ أخسّ المقدّمتين.(2)
والضّروريّاتُ ستّةٌ: الأوّلياتُ والمشاهداتُ والمجرّباتُ والحدسيّاتُ والمتواترات وقضايا قياساتُها معها.
ولا يكفي حصول المقدّمتين في اكتساب(2) النّتيجة، بل لابُدَّ

1 . ب : الحيثيتين .   2 . ب : الاخس من المقدّمتين.
2 . ب : في النتيجه.

صفحه 27
من ترتيب مخصوص بينهما، وهو الجزء الصّوريّ للنّظر، والمقدّمتان
أجزاءٌ مادّيّةٌ، وبصحّتهما يصحّ النّظرُ، وبفسادهما أو فساد إحداهما يكون فاسداً.
فهذه إشارةٌ مختصرةٌ إلى كيفيّة اكتساب المطالب، والتّفريعُ مذكورٌ في كتبنا العقليّة.

صفحه 28

الفصل الثّاني

في مباحث الوجود والعدم

وهي أربعةٌ:

]البحثُ[ الأوّل: ]تصوّر الوجود والعدم[

تصوّرُ الوجود والعدم بديهيٌّ، إذ لا تصوّر أجلى(1) منهما. وقد يذكرُ على سبيل التّعريف اللّفظيّ: أنَّ الوجود هو الثّابتُ العين، والمعدومَ هو المنفيُّ العين.
والوجود قد يكون ذهنيّاً وقد يكون خارجيّاً.
وكلّ من الوجود والعدم إمّا أن يكونَ واجباً للماهيّة لذاتها أو ممكناً.
فواجبُ الوجود لذاته هو اللهُ تعالى; وممكنُ الوجود لذاته هو ما عداه; وواجبُ العدم لذاته هو الممتنعُ; ولغيره هو الممكنُ; فكلّ ماهيّة
إذا نُسِبَ الوجودُ إليها إمّا أن تكونَ واجبة الوجود لذاته أو ممكنة أو
ممتنعَةُ.

1 . ب : اعلى / ج: اصلا.

صفحه 29
البحثُ الثاني: في أنّ الوجودَ معنىً مشترك (بينَ الموجودات)
(المشهور أنَّ الوجود معنى مشترك بين الموجودات) وقال أبو الحسين البصريّ (1) وأبو الحسن الأشعريّ(2) إنّه مشترك لفظاً لا معنىً، ووجودُ كلّ شيء نفسُ حقيقته.
والحقُّ: الأوّلُ.
لنا: أنّا نُقسّمُ الوجودَ إلى الواجب والممكن، وموردُ التّقسيم مشترك
فيه.
ولأنَّ العدمَ واحدٌ، لإستحالة التّميّز والاختلاف(3) والتماثل(4) في العدم، فيكونُ مقابلُهُ، وهو الوجود، ]واحداً[،(5) وإلاّ لبطل الحصرُ في الموجود والمعدوم.
احتجّوا: بأنّ محلّ الوجود إن كان معدوماً لزم اتّصاف المعدوم بالوجود، وهو باطلٌ بالضّرورة; وإن كان موجوداً لزم الدّورُ أو التّسلسلُ.
والجواب: المحلُّ الماهيّةُ لا باعتبار القيدين.

1 . هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، المتوفّى 436 هـ ، صاحب كتاب المعتمد في أُصول الفقه.
2 . هو أبو الحسن علي بن إسماعيل شيخ أهل السنّة والجماعة إمام الأشاعرة، كان معتزلياً وتاب من ذلك بعد أن أقام على عقيدتهم أربعين سنة، توفّي 324 هـ . وفيات الأعيان: 1 / 464 .
3 . الف : لاختلاف.
4 . ب : التمكن .
5 . الف، ب : واحدٌ.

صفحه 30
تذنيبٌ
لمّا ثبت أنّ الوجودَ مشترك ثبت أنّه زائدٌ على الماهيّات، لاستحالة أن يكونَ نفسَها، وإلاّ لزم اشتراك الحقائق المختلفة في تمام الماهيّة; وأن يكونَ جزءاً منها، وإلاّ لكان جنساً، لكونه أعم الأجزاء(1) المشتركة، فيفتقرُ إلى فصل، وفصل الوجود موجود، فيكونُ الجنسُ داخلا في الفصل ويتسلسلُ.

البحث الثالث: ] ما هو المعدوم ؟[

ذهب المحقّقون إلى أنّ المعدومَ نفيٌ محضٌ; وليس بشيء. وذهب جماعةٌ من المعتزلة إلى أنّه شيءٌ ثابتٌ خارجَ الذّهن ولا تأثيرَ للفاعل فيه، بل في جَعْلِ الذات موجودةً; وتلك المعدومات متباينة بأشخاصها. والثّابتُ من كلّ نوع عددٌ غيرُ متناه، وإنّها بأسرها متّفقةٌ في كونها ذواتاً، وإنّما تتباينُ بالصّفات.
لنا: أنّ المفهوم من الثّبوت إنّما هو الوجود; فلو كان المعدوم ثابتاً في العدم كان موجوداً، وهو محال; ولأنّه إذا أوجد اللهُ ـ تعالى ـ منها شيئاً، فإن بقيت كما كانت كان الشّيءُ مع غيره كهو(2) لا مع غيره وهو باطلٌ بالضّرورة;

1 . ب : اتمّ الاجزاء.
2 . ج : كما هو.

صفحه 31
وإن نقصت تناهت، فيتناهى مقدوراتُ الله تعالى، وهو محال; ولأنّه يلزمُ الاستغناء عن الفاعل، إذ الذّواتُ أزليّة، فلا تكونُ مقدورةً.
والوجود من قبيل الأحوال عندهم فلا يكون مقدوراً، والاتّصاف ليس أمراً زائداً على الماهيّة والصّفة، وإلاّ لزم التّسلسلُ فتكون الذّاتُ الموجودة غنيّةً عن الفاعل، هذا خلفٌ.
احتجّوا: بأنَّ المعدومَ متميّزٌ. وكلّ متميّز ثابتٌ.
أمّا الصّغرى فلأنّ المعدوم معلوم ; لأنّا نعلمُ طلوعَ الشّمس غداً من المشرق، وكلّ معلوم متميّزٌ; ولأنّ الحركة المقدورة لنا متميّزةٌ عن الممتنعة وإن كانتا معدومتين; ولأنّ بعض المعدومات يرادُ وقوعها كاللّذات، وبعضها لا يرادُ، فتكونُ متميّزةً.
وأمّا الكبرى، فلأنّ المتميّز هو الموصوفُ بصفة لا يُشاركه فيها غيرُه، وذلك يستدعي كونه متعيّناً في نفسه متحقّقاً.(1) ولا نعني بالثّابت إلاّ ذلك.
والجواب: التّميّز قد يكون ذهنيّاً وقد يكون خارجيّاً; والمعدوم متميّزٌ بالاعتبار الأوّل دون الثّاني، كما يتصوّرُ الممتنعاتُ والمركّباتُ والوجود، وليس شيءٌ منها بثابت.(2)

1 . ج : محققاً.
2 . ج : ثابتاً.

صفحه 32
البحث الرّابع: ]لا واسطة بين الموجود والمعدوم[
لا واسطةَ بين الموجود والمعدوم; لأنّ العقلَ قاض بالضّرورة بأنَّ قولنا: «الشّيء إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً» حاصرٌ، فالواسطةُ غير معقولة.
وأثبت أبو هاشم واسطةً بينهما وهي صفة لموجود لا موجودةٌ ولا معدومةٌ ولا معلومةٌ، وسمّاها بـ «الحال».
واحتجّ بأنّ الوجودَ لا يوصفُ بالوجود، أمّا اوّلا، فلاِستحالة التّسلسل، وأمّا ثانياً، فلأنّ الموجودَ كلّ ذات لها صفةُ الوجود، والوجود ليس بذات، فلا يوصف بالوجود ولا يوصف بالعدم للتّغاير(1) بين الوجود والعدم، فإن المعدوم(2) كلّ ذات ليس لها صفةُ الوجود.
والجوابُ: الغلطُ نشأ من تخصيص الموجود والمعدوم بالذّوات،(3)ولا يلزمُ من عدم اتّصاف الشّيء بنفسه ونقيضه ثبوتُ واسطة بينه وبين نقيضه.

1 . ب : للتعاند .
2 . ب : فالمعدوم.
3 . ج : بالذات.

صفحه 33

الفصل الثالث

في مباحث الوجوب وقسيميه

وهي ثلاثة:

(البحث) الأوّل: ]الوجوب والامكان والامتناع[

الوجوب والامكان والامتناع من التّصوّرات البديهيّة، لا شيء منها بثابت، وإلاّ لزم التّسلسلُ ووجود المعدوم، ولأنّها اُمورٌ نسبيّة، فتتوقف على وجود المنتسبين.
والوجوب(1) والإمكان متأخّران عن (هذا) الوجود، هذا، خلفٌ.
والامتناع يتوقّفُ على ما لا يوجد، فلا يكونُ موجوداً.
وأثبت الأوائل الإمكانَ في الخارج، وإلاّ لم يبق فرقٌ بين نفي الإمكان والإمكان المنفيّ.
وهو خطأ; لأنّ التمايز(2) يقعُ في الأحكام العقليّة كما يقعُ في الاُمور العينيّة. ولو اقتضى ذلك الثّبوتَ لزم كون الامتناع ثبوتيّاً.

1 . ب : فالوجوب.   2 . ب : المائز.

صفحه 34
]البحث[ الثاني: ]في خواص الواجب[
الشّيء الواحد لا يكونُ واجباً لذاته ولغيره، لأنّ الواجبَ لذاته مستغن عن الغير، والواجبَ لغيره غيرُ مستغن عن ذلك الغير، فيجتمع النّقيضان.
والواجبُ لذاته بسيطٌ، لافتقار كلّ مركّب إلى جزئه، وجزؤه غيرُه.
ووجوده نفسُ حقيقته; لأنّه لو كان زائداً عليه(1) لكان ممكناً; لأنّه حينئذ يكونُ صفةً له وكلّ صفة مفتقرةٌ إلى الموصوف; والتّالي باطلٌ، لأنّ المؤثّر فيه إن كان غير الله تعالى لزم افتقاره إلى غيره، فيكونُ ممكناً، وإن كان هو الله ـ تعالى ـ لزم تأثيرُ المعدوم في الموجود أو وجودُ الماهيّة مرّتين أو الدّورُ.

البحث الثالث: ]في عروض الامكان للماهيّة[

الإمكانُ واجبُ للماهيّة، وإلاّ جاز انتقالُها منه إلى الوجوب أو الامتناع، وهو مُحال.
وكلّ ممكن الوجود فإنّه لا يوجَدُ ولا يُعدَمُ إلاّ بسبب منفصل، لاستحالة ترجيح أحد الطرفين المتساويين على الآخر لا لمرجّح; ثمّ مع ذلك السّبب يجبُ، وإلاّ فإن بقي الاستواء افتقر إلى غيره; وإن ترجّح أمكن

1 . ب : عليها.

صفحه 35
وقوع المرجوح مع الأولويّة في وقت وعدمِه في آخر. فاختصاصُ أحد الوقتين بالوجود يقتضي الاحتياجَ إلى سبب غير الأوّل، فلا يجوزُ أن يكونَ أحد الطرفين أولى.
والإمكانُ علّةُ الاحتياج إلى المؤثّر، لقضاء العقل به(1) عنده وبانتفائه عند عدمه.
ولا يجوز أن يكونَ هي الحدوثَ، كما ذهب إليه بعضُ قدماء المتكلّمين، لأنّه كيفيّة للوجود، فيتأخّرُ عنه، والوجودُ متأخّرٌ عن الإيجاد المتأخّر عن الاحتياج المتأخّر عن علّة الاحتياج; فلو كانت هي الحدوث لزم تقدّمُ الشّيء على نفسه بمراتب.

تذنيبٌ

لمّا ثبت أنّ علّة الاحتياج(2) هي الإمكان وهو ثابتٌ للباقي ثبت معلولُه، وهو الاحتياج إلى المؤثّر. وذهب بعض قدماء المتكلّمين إلى استغنائه.
واحتجّوا: بأنّ المؤثّر إن لم يكن له فيه أثرٌ كان مستغنياً قطعاً; وإن كان له أثرٌ فان كان هو الوجود الحاصل أوّلا(3) لزم تحصيلُ الحاصل، وهو

1 . ج : ـ به .
2 . ب، الف : الحاجة.
3 . ج : وإلاّ / ب : ـ اوّلا .

صفحه 36
مُحال; وإن كان أمراً جديداً كان التّأثير في الجديد لا في الباقي، فيكون الباقي مستغنياً.
والجوابُ: المنعُ من الملازمة الأخيرة، لأنّ الباقي مفتقرٌ إلى البقاء الجديد.

صفحه 37
المرصد الثّاني
في تقسيم الموجودات
وفيه مقصدان

صفحه 38

صفحه 39

] المقصد[ الأوّل

في التّقسيم على رأي المتكلّمين

قالوا: الموجود إمّا أن يكونَ قديماً أو مُحدثاً، لأنّه إن لم يكن لوجوده أوّل، فهو القديمُ وهو اللهُ تعالى، وإن كان لوجوده أوّلُ فهو المحدثُ، وهو ما عداه.
وقد يفسّرون القديمَ بأنّه: الّذي لا يسبقه العدمُ، والمُحدَث بما سبقه العدم. فهاهُنا مباحث ثلاثةٌ:

] البحث [ الأوّل: في مباحث القديم

معنى قولنا: «الله ـ تعالى ـ قديم» هو أنّا لو قدّرنا أزمنةً لا نهاية لها في جانب الماضي لكان الله(1) ـ تعالى ـ مصاحباً لها. ولا يعتبر في القدم والحدوث الزّمان وإلاّ لكان للزّمان زمان آخر ويتسلسل. وليس القدم والحدوث من الصّفات الثّبوتيّة، بل من الاعتبارات الذّهنيّة، وإلالزم التّسلسل; خلافاً لعبد الله بن سعيد من الأشعريّة في الأوّل، والكرّاميّة في الثّاني.

1 . الف : انه تعالى.

صفحه 40
البحث الثاني: في خواصّ القديم
لا يمكن إسناد(1) القديم إلى المؤثّر المختار، لأنّ الفاعل بالاختيار إنّما يفعل بواسطة القصد والاختيار، وإنّما يصحّ توجّه القصد إلى معدوم ليوجده ولا يصحّ توجّهه إلى موجود. نعم يصحّ إسناده(2) إلى المُوجَب; والتّنازع بين الحكماء والمتكلّمين يرتفع بهذا التّفصيل.
والقديمُ لا يصحّ عليه العدم; لأنّه إمّا واجب لذاته أو معلول له مطلقاً أو بشرط قديم; وعلى كلّ تقدير يستحيل عدم علّته،(3) فيستحيل عدمُه.
لا يقال: لم لا يتوقّف على شرط عدميّ أزليّ، ويجوز زوال الشّرط الأزليّ، لكونه عدميّاً، فيعدم القديم لعدم شرطه.
لأنّا نقول: المقتضي لوجود ملكة ذلك العدم ليس هو القديم ولا معلوله، للتّنافي بينهما; ولا علّته، لاستحالة صدور المتنافيين عن علّة واحدة.
والقديم لا يجوز أن يكون أكثر من واحد; لأنّ واجب الوجود واحدٌ مختارٌ، على ما يأتي، فباقي الموجودات محدثة.

1 . ج : استناد.
2 . ج : استناده.
3 . ج، ب : عليه.

صفحه 41
البحث الثالث: في خواصّ المُحدَث
لمّا كان المُحدَث هو الموجود بعدَ العدم كانت ماهيّته موصوفة بالأمرين، فتكون ممكنةً بالضّرورة، وكلّ ممكن مفتقرٌ إلى غيره، فكلّ محدث مفتقرٌ إلى الغير.
وأثبت الأوائل لكلّ حادث مادّةً(1) ومدّةً سابقتين عليه; لأنّه قبل وجوده ممكن، فلإمكانه محلّ، فليس هو الماهيّة المعدومة، فلابدّ من محلّ هو المادّة، وقبليّة العدم تستدعي معروضاً لها، وهو الزّمان.
وهذا خطأ: أمّا أوّلا، فلأنّ الإمكانَ عدميّ، لما بيّنا أوّلا، وإلاّ لزم التّسلسل.
وأمّا ثانياً، فلأنّ المادّة ممكنة فتفتقرُ إلى مادّة أخرى، ويتسلسل.
وأمّا ثالثاً، فلأنّ المادّة مغايرة للماهيّة، والإمكان صفة للماهيّة، فكيف يصحّ عروضه لغير الموصوف به؟
وأمّا القبليّة فهي أمرٌ اعتباريّ لا تحقّق له في الأعيان وإلاّ لزم التّسلسل.
وأيضاً، فإنّ الزّمان يعرضُ له قبليّاتٌ وبعديّاتٌ، فإن افتقر كلّ موصوف بهما إلى زمان افتقر الزّمان إلى زمان آخر، ويتسلسل، وإلاّ فالمطلوبُ.

1 . ج : ماله.

صفحه 42

المقصد الثّاني

في التّقسيم على رأي الأوائل

الموجود إمّا أن يكونَ واجب الوجود لذاته، وهو الله ـ تعالى ـ خاصّةً، وإمّا أن يكون ممكن الوجود. وهو عشرة: الجوهر والكم والكيف والأين ومتى والمضاف والملك والوضع وأن يفعل وأن ينفعل.
واحدٌ منها جوهرٌ والتّسعة أعراضٌ; لأنّ الممكن إمّا أن يكون في موضوع،(1) أي في محلّ متقوّم بذاته(2) مستغن عن الحالّ فيه، وهو العرضُ; وإمّا أن لا يكون، وجاز أن يكونَ في محلّ، وهو الجوهرُ.
فإن كان محلاّ لمثله فهو المادّة، وإن كان حالاّ فهو الصّورة، وإن كان مركّباً منهما فهو الجسم وإن كان مجرّداً فهو نفسٌ إن تعلّق بالأجسام تعلّقَ التّدبير; وإلاّ فعقلٌ.
فالجوهر: هو الوجود لا في موضوع.
والمادّة: هي(2) الجوهر القابل (للصّورة).
والصّورة هي الجوهرُ المتّصل لذاته الحالّ في المادّة.

1 . ج : موضع.   2 . ج : بذات.
2 . الف : هو .

صفحه 43
والجسم: هو الجوهر القابلُ للأبعاد الثّلاثة المتقاطعة على زوايا قوائمَ.
والنّفسُ: كمالٌ أوّل لجسم طبيعيّ إلى ذي حياة بالقوّة.
والعقل: جوهرٌ مجرّدٌ عن الجسم حلولا وتدبيراً.
والكمُ: هو القابلُ لذاته المساواةَ وعدمها. وهو إمّا متّصلٌ، وهو الخطّ، إن انقسم في بُعد واحد; والسّطح، إن انقسم في بُعدين;(1) والجسم التّعليميّ إن انقسم في ثلاثة أبعاد; والزّمان إن لم يكن قارّاً، وإمّا منفصلٌ هو العدد، لا غير.
والكيفُ: هو العرضُ الّذي لا يتوقفُ تصوّره على تصوّر غيره ولا يقتضي القسمةَ واللاّ قسمة في محلّه اقتضاء أوّليّاً وأنواعه أربعةٌ:
الكيفيّات المحسوسةُ: فإن كانت راسخةً فهي انفعاليّات وإلاّ فهي الانفعالات.
والكيفيّات المختصّة بالكميّات: إما متّصلةٌ، كالاستقامة والانحناء، وإمّا منفصلةٌ، كالزّوجيّة والفرديّة.
والكيفيّات النّفسانيّة: فإن كانت راسخةً فهي الملكاتُ وإلاّ فهي الحالات.
والكيفيّات الاستعداديّة: فإن كان نحو الدّفع فهو القوّة وإلاّ فهو اللاقوّة.

1 . ج : ابعاد.

صفحه 44
والأينُ: نسبةُ الشّيء إلى مكانه.
والمتى: نسبتُهُ إلى زمانه أو طرفه.(1)
والمضاف: وهو النّسبةُ المتكررّة.
والمِلك: وهو نسبةُ التملّك.
والوضعُ: وهو هيئةٌ تعرضُ للجسم بسببِ نسبة أجزائه بعضها إلى بعض، ونسبةِ أجزائه إلى أمور خارجة عنه، كالقيام والانتكاس.(2)
وأن يفعل، وهو التّأثير.
وأن ينفعل، وهو التّأثّر.
والحقّ أنّ المادّة ليست ثابتةً، وإلاّ لزم التّسلسل.(3)
والكمُ هو الجسم أو الخطُّ أو السّطحُ وهي جواهرُ أفراد يأتي البحثُ فيها.
والمتى(4) وما بعده من النّسبيّة; لو كانت ثبوتيّةً لزم التّسلسل.
والكيفيّات المختصّة(5) بالمنفصل فرعٌ على ثبوته وليس، وإلاّ لزم قيامُ العرض بمحلّين.

1 . ج : ظرفه.
2 . ج : انعكاس.
3 . ج : التّسليك.
4 . الف : متى.
5 . الف : المخصوصة.

صفحه 45
المرصد الثالث
في البحث عن أقسام الموجودات
وفيه مباحث

صفحه 46

صفحه 47

] البحث[ الأوّل

في ماهيّة الجسم

المتكلّمون زعموا: أنّ الجسم مؤلّفٌ من جواهر أفراد، (و) كلّ واحد منها ذو وضع لا يقبلُ القسمةَ بالفعل ولا بالقوّة، يتألّفُ على نسبة مّا بحيث يحصل له طولٌ وعرضٌ وعمقٌ.
والحكماء ذهبوا إلى أنّه (مؤلف) من المادّة والصّورة. والبحث في هذه المسألة يتوقّفُ على ثبوت الجزء الّذي لا يتجزّى ونفيه.
وقد استدلّ مثبتوه بوجوه:
الأوّل: أنّ الزّمانَ منه ماض ومنه مستقبلٌ، وهما معدومان، ومنه حاضرٌ، فإن كان منقسماً لم يكن كلّه حاضراً، هذا خُلفٌ. وإن لم يكن منقسماً فالحركة المقطوعة فيه إن انقسمت لزم انقسامه، لأنّ الزّمان الّذي يقع فيه نصفُ الحركة نصفُ الزّمان الّذي يقع فيه كلّ الحركة، وقد فرضنا الزّمانَ غيرَ منقسم، هذا خُلفٌ. فثبت أنّ الحركة الواقعةَ في الآن غيرُ منقسمة.(1)

1 . الف، ب : غير منقسم.

صفحه 48
فالمسافة الّتي يقع فيها تلك الحركة في ذلك الزّمان غيرُ منقسمة، لأنّها لو انقسمت لكانت الحركة إلى نصفها نصفَ الحركة إلى آخرها، فتكونُ الحركة الّتي فَرضَت غيرَ منقسمة منقسمةً، هذا خُلفٌ. فثبت وجودُ جزء لا يتجزّى من المسافة، وهو المطلوب.
الثّاني: إنّ النقطةُ شيءٌ ذو وضع لا جزء له، فإن كانت جوهراً ثبت المطلوبُ، وإن كان عرضاً فمحلّهُ إن انقسم لزم انقسامُها، لأنَّ الحالّ في المنقسم منقسمٌ; لأنّه إن حلّ في جميع أجزائه كان منقسماً بالضّرورة، لاستحالة كون الحالّ في أحد الجزأين عين الحالّ في الآخر، وإن حلّ في بعضها لم يكن ما فرضناه محلاّ بمحلّ، هذا خلفٌ وإن كان غيرَ منقسم ثبت المطلوب.
الثّالث: إذا وضعنا كرةً حقيقيّةً على سطح مستو لاقته بما لا ينقسمُ، وإلاّ كانت مضلّعةً. فاذا دحرجت حتّى انتهت إلى آخر السّطح كانت ملاقيةً له بنقطة عقيبَ اُخرى، وهو المطلوب.
واحتجّ النّافون بوجوه:
الأوّلُ: إذا وضعنا جواهرَ ثلاثةً متماسّةً فالوسطُ إن لم يحجُب الطرفين عن التّماسّ لزم التّداخل، وهو معلوم البطلان، وإن يحجبهما كان الجانب الملاقي لأحد الطرفين غيرَ الملاقي للآخر، فيلزم الانقسام.
الثاني: إذا فرضنا كرةً متحرّكةً أكملت الدّورة(1) على نفسها، فإنّ كلّ

1 . ب : كملّت دورتها.

صفحه 49
جزء يفرضُ على سطح تلك الكرة قد أكمل دورةً واحدةً. فإذا فرضنا جزءاً على المنطقة تحرّك جزءاً غيرَ منقسم فالقريبُ من القُطب إن تحرّك مثله تساوى المداران، وهو ضروريّ البطلان، وإن لم يتحرّك اصلا لزم التّفكيك، وإن تحرّك أقلّ من جزء ثبت المطلوب.
الثالث: إذا فرضنا خطّاً مركّباً من ثلاثة جواهر، ثمَّ وضعنا على طرفيه جزأين وتحرّكا، تلاقيا على منتصف الثالث، فتنقسمُ(1) الخمسة.
الرّابع: المربّع المركّب من ستّة عشر جزءاً يكون قطرهُ من أربعة. فإن تلاقت ساوى القطر الضّلعَ، هذا خلفٌ، وإن تباينت: فإن اتّسع ما بين كلّ جزأين الآخر ساوى القطر الضّلعين، هذا خلفٌ بشكل الحمار(2)، وإن اتّسع لأقل ثبت الانقسام. وههنا حججٌ أخرى من الطرفين ذكرناها في كتاب نهاية المرام(3).

1 . ب : فانقسمت.
2 . لاحظ الأسرار الخفية في العلوم العقلية: 232 .
3 . انظر نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 417، الفصل الأوّل من النوع الأوّل .

صفحه 50
البحث الثّاني

في إبطال حجّة الحكماء في المادّة

قالت الحكماء: الجسم البسيط واحد في نفسه متصل لاستحالة تركّبه من الجواهر الأفراد. ولا شكّ في أنّه قابل للقسمة، وهي عدم الاتّصال عمّا من شأنه أن يكون متّصلا. فالقابل إن كان هو الاتّصال كان الشّيء قابلا لعدمه، وهو مُحالٌ، لاجتماع القابل والمقبول، وإن كان شيئاً آخر فهو المطلوب، لأنّا لا نعني بالمادّة سواه.
والاعتراض من وجوه:
الأوّل: المنع من وحدة الجسم، وقد برهنّا على ثبوت الجزء الّذي لا يتجزى.
الثّاني: إنّ الانقسام المعلوم ثبوته إنّما هو الفرضيّ دونَ الانفكاكيّ. والاوّل لا يقتضي ثبوت المادّة، بل الثّاني.
الثالث: لا يلزم من اجتماع القابل والمقبول مطلقاً اجتماعهما في الوجود; فإنّ مثل هذا القبول لا يتوقفُ على الوجود; إذ المراد به إمكان اتّصاف الشّيء بمقبوله، ولا شكّ في أنّ الماهيّة الممكنة من حيث هي هي مغايرةٌ للوجود والعدم وقابلة لهما، ولا يلزم من ذلك استحالةٌ، فكذا هنا.

صفحه 51
الرّابع: المادّة تنقسمُ بانقسام الصّورة. فلو افتقر(1) انقسام الصّورة إلى محلّ افتقرت المادّة إلى مادّة أخرى وتسلسل.

البحث الثالث

في الاعراض

العرض إمّا أن يفتقر إلى المحلّ لا غير، وهي الكيفيّات المحسوسة والأكوان، وإمّا أن يفتقر إلى المحلّ والبنية، وهو الحياة وما هو مشروط بها، وهو تسعةٌ: القدرة والاعتقاد(2) والظنّ والنّظر والإرادة والكراهة والشّهوة والنّفرة والألم واللّذة وهما من نوع واحد.
وامّا المحسوسات: فإمّا بالبصر، وهو الضّوء واللّون، وإمّا بالسّمع، وهي الأصوات والحروف، وإما بالذّوق، وهي الطعوم، وإمّا بالشّمّ، وهي الرّوائح، وإمّا باللّمس، وهي الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة والثّقل والخفّة واللّين والصّلابة.
وأمّا الأكوانُ، فهو الحركة والسّكون والاجتماع والافتراق.
فلنبحث عن كلّ واحد من هذه الأقسام على سبيل الاختصار في مطالب.

1 . ج : في انقسام.   2 . ج : الاعتقاك.

صفحه 52
في المبصرات   
المطلب الأوّل: في المبصرات
وهي بالذّات شيئان، الضّوء واللّون. أمّا الضّوء، فقيل: إنّه جسمٌ، لتحرّكه بحركة المضيء، وهو خطأ، لتساوي الأجسام في الجسميّة، واختلافها في الإضاءة وعدمها، والحركة ممنوعة، بل يتجدّد بتجدّد المقابلة. وقيل: إنّه اللّون. وقيل: ظهوره. فالظهور المطلق هو الضّوء، والخفاء المطلق هو الظلمة، والمتوسّط هو الظلّ.
وهو خطأ، لاشتراك السّواد والبياض في الإضاءة، واختلافهما بماهيّتهما.(1) بل الحقّ أنّه كيفيّة منبسطة على الجسم الكثيف يحصل عند مقابلة المضيء ومنه أوّل وثان هو الظلّ.
وأمّا الظلمةُ فهي عدم الضّوء عمّا من شأنه أن يكون مضيئاً.
وقال بعض الأشاعرة: إنّها وجوديّة، لأنّها محسوسة. والصّغرى كاذبة.(2)
وأمّا اللّون فعند المعتزلة انّه جنسٌ للسّواد والبياض والحمرة والصّفرة والخضرة، وجعلوا البواقي مركّبة منها. وأثبت البلخيّ(2) الغُبرةَ.
وبعض الأوائل جعل الخالص هو السّواد، وأمّا البياضُ فإنّه يتخيّل(3)

1 . ج : في ماهيتهما.   2 . ج : كان به.
2 . هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة، توفّي 319 هـ . الأعلام: 4 / 65 .
3 . ب : يتحصّل.

صفحه 53
عند مخالطة الهواء للأجسام الشّفّافة الصّغيرة كما في زَبَدِ الماء والثّلج، وهو خطأ، لأنّه محسوس، فيكون وجوديّاً، نعم قد يكون بعض أسبابه ذلك وقد يكون غيره، كما في بياض البيض المسلوق، فإنّه يرى أبيض، مع أنّ النّار لم تحدث فيه هوائيّة، لأنّه بعد الطبخ أثقل.
واتّفق الشّيخان على تجويز زائد على الخمسة في مقدوره تعالى. وأشخاصُ كلّ جنس متماثلةٌ، فإنّ الهيئة المحسوسة من أحد السّوادين هي المحسوسة من الآخر. وهذه الأجناسُ متضادّةٌ. أمّا السّوادُ والبياضُ فمطلقاً وأمّا البواقي، فاذا لم يشرط في الضّدّين غايةُ الاختلاف.
وجوّز المرتضى وجماعةٌ من الأوائل اجتماعَ السّواد والبياض، كما في الغبرة. ولا يفتقرُ اللّونُ إلى البنية، خلافاً للعلاّف، وإلاّ لنقص عند زوال البنية بالسّحق. وليس مقدوراً لنا، وإلاّ لأمكننا تغييرُ ألواننا إلى ما نشتهيه.
وفي الملازمة نظرٌ، لجواز أن يتعلّق قدرته ـ تعالى ـ بالواننا، ويمتنعُ منّا مقاومته.
وقال بعضُ البغداديين: إنّه مقدورٌ لنا، لأنّا نضربُ جسم الحيّ، فيظهر حمرةٌ، كما يوجد ألمٌ. فيجبُ تولّدهما عن الضّرب. ويُضعّفُ: بأنّ تلك حمرةُ الدّم، حيث انزعج بالضّرب، ولا يقع متولّداً، إذ الأسباب المولّدة معروفةٌ، وليس منها ما يولّده.
وذهب البغداديّون إلى أنّه متولّدٌ عن غيره من الألوان، وهو باق، للحكم بأنّ ما شاهدناه ثانياً هو ما شاهدناه أوّلا، ولا يتوقفُ وجوده على

صفحه 54
الضّوء، خلافاً لابن سينا، للحكم القطعيّ ببقاء اللون في الظلمة.
احتجّ: بأنّا لا نراه في الظلمة، وليس ]كذلك[; لأنّ المظلم فيه كيفيّةٌ مانعةٌ عن الإبصار، وإلاّ لتساوى البعيدُ من النّار والقريبُ منها ليلا في عدم الرّؤية، والتّالي باطلٌ، فكذا المقدّم، فلم يبق إلاّ لعدمه.
والجواب: منعُ الحصر، بل عدمُ الرؤية لعدم الشّرط الّذي هو الضوء.
في الأصوات والحروف   

المطلب الثّاني: في الأصوات والحروف

ذهب إبراهيم النّظّام إلى أنّ الصّوت جسمٌ ينقطعُ بالحركة، تسمعهُ(1)بانتقاله إلى الاُذن.
وهو خطأٌ، فإنّ الأجسام مشتركةٌ في الجسميّة وفي كونها ملموسةً ومبصرةً، وليس الصّوتُ كذلك.
وقيل: إنّه اصطكاك الأجسام الصّلبة أو القلع أو القرع، أو تموّجُ الهواء.
والكلّ باطلٌ; فإنّ الاصطكاك والقرع مماسّةٌ، والقلع تفريقٌ، والتّموّجَ حركةٌ، وكلّ ذلك مبصرٌ، بخلاف الصّوت.
نعم سببه تموّج الهواء، لا بمعنى انتقال هواء معيّن، بل حالةٌ شبيهةٌ(2) بتموّج الماء الحاصل بالتّدارك، لصدم بعد صدم، مع سكون بعد سكون.
وسبب التّموّج إمساسٌ عنيفٌ هو القرع أو تفريقٌ عنيفٌ هو القلع، وهو مقدورٌ لنا، لصدوره باختيارنا وإن كنّا لا نفعله إلاّ بسبب هو الاعتماد.

1 . ب : يسمعه / ج : نسمعه.   2 . ج : شبهه.

صفحه 55
ويستحيلُ بقاؤه، وإلاّ لأدركناه في الزّمن الثّاني والثّالث، ولم يكن سماعُ زيد أولى من أن يسمع على سائر تقاليب حروفه الخمسة ويتوقّفُ الإحساسُ به على وصول(1) الهواء الحامل له إلى سطح الصّماخ، لميل صوت المؤذّن على المنارة من جانب إلى آخر عندَ هبوب الرّياح.
وقيل بالمنع; لأنّ حامل كلّ واحد من الحروف إمّا كلُّ واحد من أجزاء الهواء، فيجبُ في من تكلّم بكلمة أن يتكرّر سماعُها للسّامع الواحد بأن تتأدّى إلى صماخِه أجزاء كثيرةٌ من الهواء، أو المجموعُ. فكان(2) لا يسمع الكلام دفعةً واحدةً إلاّ سامعٌ واحدٌ; لأنّ المجموعَ لا ينتقلُ(2) دفعةً إلاّ إلى سامع واحد، وللسّامع من وراء الجدران مع تغيير الشّكل عند صدم الجدار.
وفي الأصوات متماثلٌ ومختلفٌ. واختُلف في التّضاد. فذهب الشّيخان إلى تضادّ ما اختلف فيها وتوقّف قاضي القضاة وأبو عبدالله (3) في ذلك وإذا تموّج الهواء وقاوم ذلك التّموّجَ جسمٌ، كجبل أو جدار املس بحيثُ يردّ ذلك التموّج بصرفه إلى خلف، ويكون شكله شكل الأوّل، وعلى هيئته، حدث من ذلك صوتٌ هو الصّدى.
وأمّا الحرف، فهو هيئة عارضةٌ للصّوت يتميّز بها صوت آخر مثله في

1 . ج : فصول.   2 . ج : فإن كان.
2 . ب : ـ ينقل.
3 . هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن إبراهيم الملقب بالجُعل، من شيوخ المعتزلة، ولد في البصرة ومات في بغداد سنة 369 هـ . الأعلام: 2 / 244 .

صفحه 56
الحِدّة (1) والثِّقل تميّزاً عن المسموع. وهو إمّا مُصوّتٌ، وهو حروف المدّ واللّين، ولا يمكن الابتداء بها. وإمّا صامتٌ، وهو ما عداها.
والكلام هو المركّب من الحروف المنتظمة على نسبة مخصوصة.
واختلف الشّيخان، فقال أبوهاشم: إنّه هو الأصوات المخصوصة، وقال أبو علي: إنّه زائدٌ على الأصوات، وذهب إلى بقاء الكلام دونَ الصّوت وأثبته مسموعاً عند مقارنة الصّوت له.
وذهبت الأشاعرة إلى أنّ الكلام معنىً في النّفس قائمٌ بالمتكلّم شاهداً أو غائباً.
والكلابيّة أثبتوا الكلام النفساني (2) غائباً لا شاهداً.
والخاطر عند أبي هاشم كلامٌ خفيٌّ يفعله الله في داخل سمع المكلّف، أو يفعله الملك بأمره تعالى.
واختلف قول أبي عليّ، فتارةٌ جعله فكراً،(2) واُخرى إنّه اعتقادٌ، وتارةً إنّه ظنٌّ، ومنع من كونه كلاماً.
والتّمنّي عند أبي هاشم معنىً يوجد في النّفس، وعند أبي عليّ إنّه قول مخصوصٌ لابدَّ فيه من اعتقاد وقصد; فإن من قال: «ليت كان كذا»، واعتقد أنّه كان ينتفع به وقصد إلى هذا القول; فإنّه متمنّ. والأصلُ هو القولُ، وما عداه شرط; لأنّ أهل اللغة عدّوه من أقسام الكلام.

1 . ب : في الخفّة.   2 . ب : النفسّي / ج : النفسانيّة.
2 . ب : خاطراً.

صفحه 57
تذنيبٌ
اختلف الشّيخان، فقال أبو عليّ وأبو الهذيل (1): الحكاية هي المحكيّ; لأنّهما جعلا الكلام معنىً باقياً غيرَ الصّوت، وجعلا(2) المراد بالقراءة الصّوتَ وبالمَقرُوِّ الحرف الباقي، وقالا بأنّ هذا المسموع نفس ما أوجده الله تعالى.
وأثبت أبو عليّ الكلامَ موجوداً في المحلّ بغيره كما أوجب (3) وجودَ الجوهر في جهة بغيره وقال: إذا كان متلوّاً وجد مع الصّوت، وإذا كان محفوظاً فمع الحفظ، وإذا كان مكتوباً فمع الكتابة. فأثبت مع الحفظ والكتابة كلاماً كما أثبته مع التّلاوة، لأنّ المسموع لو كان غير ما اوجده الله ـ تعالى ـ لبطلت المعجزة، إذ كان أحدُنا قادراً على الاتيان بمثله.
وقال أبوهاشم: الحكايةُ غيرُ المحكيّ; لأنّ الكلام غيرُ باق،
فالمسموعُ غيرُ ما أوجده الله تعالى. ولو كانت الحكاية هي المحكيّ لكان من حكى عن النّار محترقاً، ولو كان في المكتوب كلامٌ لكان مسموعاً، وكذا الحفظ.

1 . هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، المعروف بالعلاّف، من شيوخ المعتزلة، كفّ بصره في آخر عمره، توفّي سنة 235 هـ . الاعلام: 7 / 131 .
2 . ب : حملوا.
3 . ج : اوجد.

صفحه 58
المطلب الثالث: في الطعوم والرّوائح
الجسم إمّا أن يكونَ عديمَ الطعم إمّا حقيقةً أو حسّاً بأن يكونَ له طعمٌ في نفسه، لكنّه لشدّة تكاثفه لا يتحلّلُ منه شيءٌ يخالط اللّسان. فإذا احتيل في تحليل أجزائه وتلطيفها أُحسّ طعمه، مثل النّحاس والحديد، ويسمّى التَّفِه; وإمّا أن يكونَ ذا طعم.
وبسائطُ الطعوم ثمانيةٌ; لأنَّ الجسمَ الحاملَ للطّعم إمّا أن يكونَ لطيفاً أو كثيفاً أو معتدلا. والفاعل في الثلاثة إمّا الحرارة أو البرودة أو القوّة المعتدلة بينهما.
فالحارّ إن فعل في الكثيف حدثت الحرارة، وإن فعل في اللّطيف حدثت الحرافة، وإن فعل في المعتدل حدثت الملوحة.
والبارد إن فعل في الكثيف حدثت العفوصةُ، وإن فعل في اللّطيف حدثت الحموضةُ، وإن فعل في المعتدل حدث القبضُ.
والمعتدل إن فعل في اللّطيف حدثت الدّسومة، وإن فعل في الكثيف حدثت الحلاوةُ، وإن فعل في المعتدل حدثت التّفاهةُ.
والمعتزلة جعلوا البسائط خمسةً: الحلاوة والحموضة والمرارة والملوحة والحرافة.
في الحرارة والبرودة   
وقد يجتمع طعمان في جسم واحد، كالمرارة والقبض في الحُضض

صفحه 59
ويسمّى البشاعة، والمرارة والملوحة في السّبخة، ويسمّى الزّعوقة، والمرارة والحرافة والقبض في الباذنجان، والمرارة والتّفاهة في الهِندبا.
وليست الطعوم مقدورةً لنا ويصحّ عليها البقاء.
وشرط قاضي القضاة في إدراك الطعم مماسّة اللّهاة لمحلّ الطعم، ولم يشرط أبوهاشم وأبو عبدالله ذلك. فعلى قولهما لو وجد طعمٌ لا في محلّ يصحّ(1) إدراكه، خلافاً للقاضي.
أمّا الرّوائحُ فإنّها لم توضع لأنواعها اسم إلاّ من جهة الموافقة والمخالفة، فيقال: رائحةٌ طيّبةٌ ومنتِنَةٌ، أو يشتقّ لها من الطعوم المقارنة لها اسمٌ، فيقال: رائحةٌ حلوةٌ وحامضةٌ، أو يُضافُ إلى المحلّ فيقال: رائحةُ المسك أو الكافور. وفيها متماثلٌ ومتضادٌّ.

المطلب الرّابع: في الحرارة والبرودة

من خواصّ الحرارة، التّصعيدُ، فيعرض من ذلك الجمعُ بين المتماثلات، والتّفريق بين المختلفات من المركّبات، ولو كان
الالتحام شديداً حدثت حركةٌ دوريّةٌ إن تساوى اللّطيف والكثيف،
وإن غلب اللّطيف تَصَعَّدَ، وإن غلب الكثيف جدّاً لم تقو النّار على تليينه، كالطلق، وإلاّ أثّرت في تليينه، كالحديد; وتسويدُ الرّطب وتبييضُ اليابس. وإفادةُ القوام، كما في بياض البيض، وقد تَحدث بالحركةِ للتّجربة. ولا يلزم

1 . ب، ج : لصحَّ.

صفحه 60
صيرورةُ العناصر ناراً، لعدم القبول في الفلكيّات.
وزعم قومٌ من الأوائل أنّ البرودة عدمُ الحرارة. وهو خطأ; لأنّا نُدرك من الجسم البارد كيفيّةً زائدةً على الجسميّة، والعدم لا يدركُ، بل هي كيفيّة وجوديّة مُضادّةٌ للحرارة.
وفي كونهما مقدورتين(1) لنا خلافٌ بين المعتزلة وكذا في بقائهما. ولا يحتاج في إدراكهما إلى حاسّة عندهم، بل يكفي فيه محلّ الحياة. والحارّ يقال لِما يُحَسُ بسخونته، كالنّار، ولِما يكونُ ظهور الكيفيّة منه موقوفاً على ملاقاة بدن الحيوان، كالغذاء والدّواء، والحرارة جنسٌ للّتي في النّار وفي بدن الحيوان والفائضةِ عن الأجرام الفلكيّة.
في الرّطوبة واليبوسة   

المطلب الخامس: في الرّطوبة واليبوسة

الماء الموصوف بالرّطوبة له وصفان:
أحدهما الكيفيّة الّتي بها يكون سهلَ الالتصاق بالغير، سهلَ الانفصال عنه.
وثانيهما الكيفيّة الّتي بها يكون سهلَ التّشكّل بالحاوي الغريب، سهلَ التّرك له.
وقد فسّرت الرّطوبةُ بكلّ واحد من الوصفين. ويبطل الأوّلُ بقولهم:

1 . ب، ج : مقدورين.

صفحه 61
الهواء رطبٌ بالطبع، فإنّه لا يلتصقُ بالغير، والثّاني بالنّار; فإن لها هذا الوصفُ وليست رطبةً.
واليبوسةُ، قيل إنّها الكيفيّة الّتي يعسُرُ قبول الأشكال الغريبة. وهما(1)متضادّتان.
وفي كون الرّطوبة جنساً لرطوبة الماء والدّهن والعسل والزّيبق وغيرها، أو نوعاً خلافٌ. واختلف الشّيخان، فذهب أبو علي إلى أنّهما مدركتان لمساً، ومنعه أبو هاشم.
واللّينُ، عدمُ ممانعة الغامر، فهو عدميّ عند الأوائل، والمتكلّمونقالوا: إنّه ثبوتيّ، لأنّه محسوس وهو نوع من الرّطوبة عندهم.
السّيلانُ، حركة في أجسام متفاصلة حقيقةً، متواصلة حسّاً لدفع بعضها بعضاً وإن كانت يابسةً كالتّراب.
والحرارة والبرودة فعليّتان. والرّطوبة واليبوسةُ منفعلتان عنهما.
واللّطافةُ، تُقال على رقّة القوام وقبول الانقسام إلى أجزاء صغيرة وسُرعة التّأثّر من الملاقي والشّفافيّة.
واللّزوجيّة كيفيّةٌ يكونُ بها الجسمُ سهلَ التّشكّل عَسِرَ التّفريق، بل يمتدُّ متّصلا.
والهشاشةُ(2) كيفيّةٌ يكونُ بها الجسمُ صعب(3) التّشكّل، سهلَ التّفريق.

1 . يعني : الرطوبة واليبوسة.
2 . ب : الساسة / الف : الهشاسة.
3 . ب : ضعيف التّشكل.

صفحه 62
 
تنبيهٌ
الجسمُ إن اقتضى نوعُه الرّطوبةَ فهو الرّطبُ، وإلاّ فلا. فإن التصق به الرّطب فهو المنتقعُ إن كان غائصاً فيه; وإلاّ فهو المبتلّ والجافّ إن لم يلتصق به الرّطبُ.
في الاعتماد   

المطلب السّادس: في الاعتماد

وهو معنى محسوسٌ، وتسمّيه الحكماء مَيلا. وقد أنكره الكعبيُّ. والحسُّ يدلّ عليه; فإنّ المدافعَةَ ثابتةٌ في الزِّقِّ المنفوخ المُسكّن تحتَ الماء قسراً نحوَ الصّعود، والحجر المسكّنِ في الجوّ يحسُّ فيه بالمدافعة نحوَ السّفل.
وليست هذه المدافعة نفسَ الطبيعة لوجود كلّ منهما دونَ الاُخرى كالمدافعة النّفسانيّة والجسم في مكانه الطبيعيّ; ولا الحركةَ، لوجودها في المسكّن قسراً دونَ الحركة. وهو(1) معنى يوجبُ الحركةَ: إمّا إلى فوق فيُسمّى خفّةً أو إلى أسفل فيُسمّى ثقلا.
فالثّقل قوّةٌ طبيعيّةٌ يتحرّك بها الجسم إلى حيثُ ينطبقُ مركزه على مركز العالم إن كان مطلقاً أو يقربُ من ذلك إن كان مضافاً.
والخفيف المطلق هو الطّافي على سائر العناصر، وهو النّارُ، والمضافُ

1 . يعني : الاعتماد.

صفحه 63
هو الّذي يتحرّك أكثر المسافة الممتدّة بينَ المركز والمحيط حركةً إلى المحيط كالهواء.
والميلُ إمّا طبيعيٌّ، كمدافعة الحجر المسكّن في الجوّ، و إمّا نفسانيٌّ، كما يعتمدُ الحيوان على غيره، وإمّا قسريٌّ، كالحجر المرمىّ إلى فوق قسراً. والجهاتُ الطبيعيّةُ الفوقُ والسّفل; فالاعتمادُ الطبيعيُّ اثنان.
ولا يجتمع ميلان طبيعيّان مختلفا الجهةِ، لاستحالة توجّه الجسم طبعاً إلى جهة وعنها. ويجوز اجتماعُ الطبيعيّ والقسريّ إلى جهتين، فيحصل
حركةٌ مركّبة نحوَ جهة الفاضل منهما إن كان، أو سكوناً إن لم يكن، وإلى جهة واحدة فتزدادُ الحركة. ولو اختلفت الجهةُ قصد(1) جهة متوسّطة بينهما على النّسبة.
واستدلّ الأوائلُ على ثبوته: بأنّه لولاه لساوت الحركة مع العائق الحركةَ بدونه، فإنّه لو تحرّك مع ميل مسافة وبدونه تلك في زمان أقلّ ومع ميل أقلّ على نسبة الزّمانين ساوت زمانَ عديم الميل.
والمتكلّمون: بأنّ الحبلَ إذا جذبه متساويا القدرة وقف لتكافي(2)فِعليهما له; وليس السّكون، لأنّ فعلَ أحدهما من جنس فعل الآخر، والمثلان(3) لا يتمانعان، فهو الاعتماد.

1 . ب : يصير.
2 . ج : لتكافؤ.
3 . ب : الميلان.

صفحه 64
وهو آنيٌّ، لوجوده آن الوصول، وباق، لأنّه علّة الإيصال،(1) فيوجدُ عنده. وهو قابلٌ للشدّة والضّعف.
فالطبيعيّ يشتدُّ خيراً لقلّة المعاوقة، والقسريّ في الوسط لحصول السّخونة بواسطة المُحاكّة، ويضعفُ القوّة، إلاّ أنّ التّلطيفَ المستفادَ بالسّخونة يوفي على ما يفوتُ بالضّعف. فإذا ترادف الصكّ(2) على القوّة ضعفت ولم تبلغ السّخونة مبلغاً يفي(3) بتدارك الضّعف.
وهو مُدرك باللّمس عند أبي هاشم، فلا يحتاجُ في إثباته إلى دليل، بل يحتاجُ إلى ثبوت التّغاير; فإنّ المدركاتِ قد تشتبه باعتبار لها، ومنعه أبو عليّ.
والاعتماد: منه متماثل، وهو ما اختصّ بجهة واحدة، لاستلزام الاتّحادِ في المعلول الاتّحادَ في العلّة; ومنه مختلفٌ، وهو ما تعدّدت جهاته. فعندَ أبي عليّ أنّه متضادٌّ لامتناع اجتماعهما في جسم واحد، وعندَ أبي هاشم أنّه غيرُ متضادّ، لأنّ الجاذبين المتساويين فَعَلا اعتمادين إلى جهتين متضادّتين فقد اجتمعا. ولو كانا ضدّين لما صحّ اجتماعهما.
وأجناسُ الاعتماد ستّةٌ بحسب تعدّد الجهات. فالّذي يصحّ بقاؤه عند المعتزلة، وهو اللاّزم، الاعتمادُ سفلا وصعداً; لأنّه لو لم يبق الاعتمادُ في

1 . ج : الإتصال.
2 . ب : بالصك .
3 . ج : ليفي تدارك .

صفحه 65
الحجر لامتنع علينا حمل الحجر الثّقيل أو كان سهلا جدّاً، والتّالي بقسميه باطلٌ بالوجدان، (فالمقدم مثله). بيانُ الملازمة أنّ الله ـ تعالى ـ إن فعل فيه الاعتمادَ امتنع علينا ممانعته، وإن لم يفعل سهل حركته، لعدم المانع. وما عداهما لا يصحّ بقاؤه. وهو المجتلب. إذ لا عرضَ يشار اليه إلاّ وقد يوجد ولا يبقى معه شيءٌ من هذه الأجناس.
والثّقل عند أبي هاشم راجعٌ إلى الاعتماد اللازم سفلا، وأبو عليّيقول: إنّه يرجعُ إلى تزايد أجزاء الجوهر. وهو باطلٌ بالزّق المنفوخ، فإنّه يمتلئ بالهواء، وهو أخفُّ من أجزاء يسيرة من الرّصاص.
وأقسام توليده ثلاثةٌ: أحدها ما يولّده بنفسه، وهو الاكوان، والاعتماد في محلّه ويولّدُهما في غير محلّه بشرط المماسّة. وثانيها ما يولّده بنفسه بشرط، ولا يصحّ أن يولّده على وجه إلاّ بشرط، وهو الأصوات، فإنّه يولّدها بشرط المصاكّة. وثالثها ما يولّده لا بنفسه، بل بواسطة، وهو التّأليف والألم;(1) لأنّه يولّدُ المجاورة الّتي تولّد التّأليف، ويولّدُ التّفريق في جسم الحيّ. والوهنُ والألم متولّدٌ عنهما. وليس في الأسباب ما يولّد مثله سوى الاعتماد ولا يولّد الاعتماد شيئاً ممّا يولّده إلاّ ويولّد اعتماداً آخر معه.

1 . ج : التفريق.

صفحه 66
في الأكوان   
المطلب السّابع: في الأكوان
الكونُ جنسٌ، تحته اُمورٌ أربعة: الحركة والسّكونُ والاجتماعُ والافتراق
] وفيه اربعة نظرات[:

النّظر الأوّل: في المعنى المشترك بين الأربعة

حصول الجوهر في الحيّز أمر ثبوتيّ. وهل هو معلّل بمعنى، أم لا.
ذهب أبوهاشم إلى ذلك. وتقريره أنّا إذا حرّكنا جسماً أو سكنّاه فَعَلْنا فيه اعتماداً نحوَ الجذب والدّفع، فيحصل التحرّك والسّكون.
وقال أبوهاشم: إنّا نفعلُ معنىً زائداً، يسمّى حركةَ ذلك المعنى يوجب كونَ الجسم متحرّكاً. وذلك المعنى زائدٌ على الاعتماد وعلى التّحرّك; فاثبت الكونَ والمقتضى له والحالةَ المعلّلةَ به وهي الكائنيّةُ ونفاه باقي المتكلّمين.
لنا أنّا لو فعلناه لعلمناه إجمالا أو تفصيلا، والتّالي باطل بالوجدان، فإنّا نجدُ من أنفسنا أنّا لا نعلمه البتّةَ، فالمقدّمُ مثله والشّرطيّةُ ضروريّةٌ، فإنّ القادرَ إنّما يفعل ما يعلمُه. ولأنّ ذلك المعنى إن لم يصحّ وجوده إلاّ بعدَ حصول الجوهر في ذلك الحيّز دار، وإن صحّ: فإن اقتضى حصوله في ذلك الحيّز فهو الاعتمادُ، وإلاّ لم يكن بأن يحصل في ذلك الحيّز أولى من غيره.

صفحه 67
احتجّ: بأنّا لو قدرنا على جعل الجسم كائناً من غير توسّط معنىً لَقَدرْنا على ذاته وسائر صفاته. والتّالي باطلٌ بالضّرورة فالمقدّمُ مثلُه.
وبيانُ الشّرطيّة القياس على الكلام; ولأنّ صفةَ الكائنيّة يصحّ فيها التّزايد، فلا تقع بالفاعل.
بيانُ المقدّم أنّ القويّ يمنعُ الضّعيف عن تحريك ما سكّنه، فقد فعل فيه أمراً زائداً على ما إذا لم يقصد منعه; ولأنّ القادرَين إذا دَفع أحدهما جزءاً حال جذب الآخر لم يكن مقدورهما واحداً، لاستحالة وقوع مقدور بقادرَين.
وبيان الشّرطيّة أنّ الفاعل كالعلّة، فكما أنّها لا تؤثّر في أزيد من
صفة واحدة كذا الفاعل; ولأنّ الوجودَ لمّا كان بالفاعل امتنع فيه التّزايدُ فكذا هنا.
والجوابُ: المنعُ من الشّرطيّة، والقياسُ ضعيفٌ في نفسه وباطل هُنا; فإنّه جعل الفرع أصلا، والتّزائد غير معقول في الكائنيّة، لأنّها عبارةٌ عن الحصول في الحيّز. أو محاذاة الجسم لآخر، والقويّ فعل اعتماداً زائداً، لا كوناً زائداً; فإنّ الأكوانَ عندهم لا حظّ لها في المنع، ونمنعُ استحالةَ وقوع مقدور بقادرَين، ونمنع مساواةَ الفاعل العلّةَ، مع أنّ الأصل ممنوعٌ، ونمنع تعليل امتناع تزايد الوجود بكونه بالفاعل.

صفحه 68
 
النّظر الثّاني: في التّفريع على قول البهشميّةالكونُ منه متماثلٌ ومنه متضادٌّ، فما اختصّ بجهة واحدة من الأكوان فهو متماثلٌ، سواءً اختصّ بجوهر واحد أو بأكثر إذا كانت في تلك الجهة على
البدل، وسواءً اختصّ بوقت أو أوقات، لاشتراكها في المعلول، والمتضادّ ما يصير به الجوهرُ في جهتين، لاستحالة الجمع. والمتضادُّ إمّا متناف، وهو الّذي يصحّ وجودُه على التّعاقب، وإمّا غيرُ متناف، وهو ما يتعاقبُ، كالكون في المكان الأوّل مع الكون في الثّالث. وإذا تعدّد المحلّ تضادّ الكونان في الجنس.
وكلّ الأكوان عند أبي هاشم يصحّ بقاؤها. وقال أبو علي وأبوالهذيل: لا يصحّ بقاءُ الحركة وإلاّ لصارت سكوناً والتزمه(1) أبو هاشم; والأكوان مُدركةٌ لمساً ورؤيةً عندَ أبي عليّ ومنعه أبوهاشم. والحقّ أنّها مدركةٌ بالرّؤية ثانياً وهي مقدورةٌ لنا. والكونُ يولّدُ التّأليفَ بشرط المجاورة، وإلاّ لم يشرط انتفاء الصّحة عن المحلّ.
في الحركة   

النّظر الثّالث: في الحركة

الحركة هي حصولٌ «أوّل» للجوهر في حيّز بعد أن كان في حيّز آخر. وعندَ الأوائل أنّها «كمالٌ أوّلُ لما بالقوّة من حيث هو بالقوّة»، فإنّ الموجود

1 . ب : الزمه.

صفحه 69
بالقوّة من كلّ وجه مُحالٌ، بل إمّا بالفعل من كلّ وجه أو من بعض الوجوه. والثّاني إذا خرج إلى الفعل إمّا(1) دفعةً أو على التّدريج، والثّاني هو الحركة، فوجودها بالفعل الّذي هو أسبقُ الكمالين يستدعي قوّةً مّا للمتحرّك، فإذا وجدت صارت كمالا ثانياً، وهي تفارقُ سائر الكمالاتِ الّتي لا يستعقب وجودَها قوّةٌ لذي الكمال.
وقد اختُلِفَ في وجودها، فالمحقّقون عليه، لأنّها من المحسوساتِ الثّانية،(2) وأنكره جماعةٌ، لأنّ وجودها ليس حال كون المتمكّن في الأوّل، لأنّه بعدُ لم يتحرّك، ولا في الثّاني(2) لانقطاع الحركة، ولا واسطةَ بينهما. وهو إنّما يردُ على نفاة(3) الجزء.
ولابدّ لها من ستّة اُمور: ما منه وما إليه وما فيه وما به وما له والزّمان.
ولا يمكن أن يتحرّك جسمٌ مّا لذاته وإلاّ لبقيت ببقائه. ولا تصحّ الحركة إلاّ في مكان. وقال جماعةٌ من المعتزلة: إنّها تقعُ لا في مكان; لأنّها يحلُّ نفس الجوهر، فلا يفتقر إلى غيره، كاللّون. نعم لابُدّ من الجهةِ. ولو خلق الله ـ تعالى ـ جسماً ثقيلا لهوى عند فَقْدِ العلائق، وإن لم يكن مكانٌ فقد تحرّك لا في مكان. وهو مبنيٌّ على تفسير المكان; وهؤلاء عنوا به ما يمنع اعتماد الثّقيل من النّزول.

1 . الف : فإمّا.   2 . ج : الثابتة.
2 . الف : الثّانية.
3 . ج : فاة.

صفحه 70
والحركةُ المكانيّة قد تكون في الأين وقد تكونُ في الوضع وقد تكون في الكم.
وأمّا الكيفيّةُ، فهي الحركة في الكيف، كما ينتقلُ الجسم من حرارة إلى برودة ومن سواد إلى بياض على التّدريج، ولا تقع الحركة في غير ذلك من المقولات.
ويعرضُ للحركة الانقسامُ باعتبار انقسام الزّمان; فإنّ الحركةَ في زمان ضعفُ الحركة في نصفه; وباعتبار انقسام المسافة، فإنّ الحركةَ إلى نصف المسافة نصفُ الحركة إلى جميعها; وباعتبار انقسام المتحرّك، فإنّها من الأعراض السّارية. وعندَ وحدة الموضوع والزّمان وما هي فيه بالشّخص تكونُ الحركة واحدةً به واختلاف الموضوع نوعاً لا يوجبُ اختلافَ الحركة، بل اختلافَ أحد الثّلاثة ما منه وما إليه وما فيه.
والحركة: إمّا سريعةٌ، وهي الّتي تقطع الأطول في الزّمان المساوي أو الأقصر أو المساوي في الأقصر; وإمّا بطيئةٌ وهي ما يقابلها.
واختُلِفَ في سببهما، فعندَ المتكلّمين خلّوُّ الحركات من السّكنات وعدمه، وعند الأوائل كيفيّاتٌ قائمةٌ بها، وإلاّ لظهرت سكناتُ الفرس السّريع العَدْوِ في الغاية وخفيت حركاته إذا قيست إلى حركات الفلك. وتضادُّ الحركات، لتضادّ ما منه وما إليه باعتبار العارض. وهو إضافة المبدأ والمنتهى وإن اتّحد المحلّ، كالدوريّة.
والحركةُ قد تكونُ مستقيمةً ومستديرةً ومركبّةً.

صفحه 71
واختلف في وجوب السّكون بينَ المتضادّتين:
فأثبته قومٌ، لأنّ علّة التّحريك إلى جهة موجودة آنَ الوصول، وهي غيرُ علّة المفارقة(1) فلابدّ من آن آخر، والآناتُ غير متتالية فلابدّ من زمان سكون; وهو مبنيٌّ على نفي الجوهر وعلى امتناع اجتماع الميلين.
ونفاه آخرون وإلاّ لم يجب رجوعُ الحجر، لأنّ وقوفه إنّما يكونُ لعلّة ويستحيل عدمُها لذاتها ولا للطبيعة أو الجسم أو لشيء ممّا وُجِدَ فيه، وإلاّ لما وُجدَ مع شيء منها، فلم يبق إلاّ سببٌ خارجيّ; فإن كان وصوله واجباً امتنع وجودُها وإلاّ كان اتّفاقيّاً.
والحركة إمّا بالذّات: وهي طبيعيّة أو قسريّة أو إراديّة، أو بالعرض: كالمحويّ المتحرّك بحركة الحاوي.
واختُلِفَ في الحركة القسريّة مع المفارقة فقيل: إنّ المحرّك يولّدُ اعتماداً وذلك الاعتماد يوجِب حركةً، ثمّ تلك الحركة تولّد(2) اعتماداً، وذلك الاعتماد يولّد حركةً إلى أن ينتهي التّوليد بسبب الضّعف الحاصل من الهواء المخروق وقيل إنّ المحرّك يفيدُ المتحرّك قوّةً محرِّكةً إلى جهة مخصوصة وهي باقيةٌ إلى آخر الحركة لكنّها تأخذ(2) في الضّعف بسبب مصاكّات الهواء المخروق إلى أن يبلغ الضّعف بحيث يغلبه القوّةَ الطبيعيّة، فتتحرك الجسمُ إلى أسفل.

1 . ج : هي علّة غير المفارقة.   2 . الف : يولّد.
2 . الف : يأخذ.

صفحه 72
 
النّظر الرّابع: في باقي الأكوان
السّكون هو حصول الجسم في الحيّز بعدَ حصوله في ذلك الحيّز بعينه. وعند الأوائل إنّه «عدمُ الحركة عمّا من شأنه أن يتحرّك». وعندنا «إنّه ثبوتيّ»، لأنّه من نوع الحركة; إذ لا فارقَ بينهما سوى البقاء وعدمه; والنّزاعُ لفظيٌّ; لأنّ للسّاكن نِسباً ثابتةً وعدم حركة، فإن اُطلِقَ السّكونُ على الأوّل، فهو ثبوتيٌّ وإن اُطلقَ على الثّاني فهو عدميٌّ; ولا يمكن خلوُّ الجسم الباقي عن الحركة والسّكون.
أمّا الحادثُ حالَ حدوثه فإنّ حصوله في مكان ليس حركةً ولا سكوناً، ويسمّى كوناً; وقيل: هو سكونٌ، لأنّ الأكوانَ كلّها سكوناتٌ وتكون بعضها حركات باعتبار آخر. وقيل: إنّه حركةٌ. والمحلّ متحرّكٌ.
والاجتماع هو كون الجوهرين في حيّزين بحيث لا يتخلّلهما ثالثٌ.
والافتراقُ هو كونُهما في حيّزين بحيثُ يتخللهما ثالثٌ; وجعل أبو
الهذيل الافتراقَ معنىً زائداً على الأكوان، وهو قول أبي عليّ أوّلا; وأبو
هاشم جعله عبارةً عن الكونين اللّذين يحصلُ بهما الجسمان في مكانين بعيدين.
في الحياة   

صفحه 73
المطلب الثّامن: في الحياة
وهي عرضٌ يحلّ بدنَ الحيّ يقتضي صحّة القدرة والعلم منه، مشروطٌ باعتدال المزاج، وباعتبارها يصيرُ الجملة كالشّيء الواحد. ولابدّ لها من بنية مخصوصة; خلافاً للأشعريّة، وإلاّ لصحّ وجودها في جزء لا يتجزّى.
احتجّوا: بأنّ القائمَ بالمجموع إن كان حياةً واحدةً لزم قيامُ العرض الواحد بمحلّين; وإن تعدّدت لزم الدّور; إن كان قيامُ البعض بالمحلّ موقوفاً على قيام الآخر به وبالعكس أو التّرجيح من غير مرجّح إن لم ينعكس.
والجواب: قيامُ كلّ حياة بمحلّها موقوفٌ على مجامعة الأجزاء، لا على قيام العرض بالأجزاء; وكما احتاجت إلى البنية فهي محتاجةٌ إلى الرّطوبة.
واختُلفَ في حاجتها إلى الرّوح، فأثبته أبوهاشم، لفقدانها عندَ فقدان الرّوح. ونفاه أبو عليّ، وإلاّ لشاعت الحاجة في كلّ محلّ فيه حياة وهي متماثلةٌ لا اختلافَ فيها ولا تضادَّ; لاتّفاق معلولها; وليست مقدورةً لنا; وهي باقية ولا ضدّ لها، وزوالها عند القتل باعتبار أنّ المرجع بالقتل إمّا تفريقُ البنية، فعدِمَت لعدم شرطها، وكذا عند البرد الشّديد والحرّ الشّديد، لحصول التّفريق فيهما.
وأثبتت الأشاعرة وأبو عليّ والكعبيّ وأبو هاشم أولا الموتَ ضِدّاً

صفحه 74
للحياة; لقوله تعالى: (الّذي خَلَقَ المَوْتَ والحَياة)(1). والحق أنّه عدمُ الحياة عمّا من شأنه أن يكونَ حيّاً بعدَ اتّصافه بها.
في القدرة   
المطلب التّاسع: في القدرة
وهي عرضٌ يقتضي كونَ محلّه إذا شاء أن يفعلَ فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، وليست نفسَ المزاج; لأنّه كيفيّةٌ متوسّطةٌ بينَ الحارّ والبارد، فيكونُ من جنسهما، فيكون تأثيره من جنس تأثيرهما، وتأثيرُ القدرة مضادّة لتأثيرهما وهي متقدّمةٌ على الفعل. خلافاً للأشعريّة، وإلاّ لقبح تكليفُ الكافر.
احتجّوا: بأنّها عرضٌ، فلا يبقى.
والجوابُ الطّعنُ في الكبرى وتتعلّق بالضّدَّين، إذ هو معنى القدرة، وللعلم الضّروريّ بأنّ من قدر على الحركة يَمنةً قدر عليها يَسرةً، وإن لم يتصوّر قدرة اُخرى.
والأشاعرة نازعوا في ذلك، وإلاّ لزم وجودهما معاً; إذ ليس أحدهما أولى بالوقوع من الآخر.
والجوابُ: المخصّصُ، الإرادةُ; وتتعلّقُ من أفعال الجوارح بخمسة: الأكوان والتّأليف والاعتماد والصّوت والألم; ومن أفعال القلوب بخمسة: الإرادة والكراهة والفكر والاعتقاد والظنّ.

1 . الملك : 67 / 2.

صفحه 75
ولا يصحّ الفعل بالقدرة إلاّ مباشرةً; وهو أن يبتدي به في محلّها أو متولّداً. وهو أن يقع بحسب فعل آخر يقفُ كثرته وقلّته عليه إمّا في محلّ القدرة أو متعدّ عنه.
والاختراعُ مختصٌّ بالقديم تعالى; والقدرة الواحدة تتعلّقُ بما لا يتناهى من الجنس الواحد في الوقت الواحد إذا تعدّد المحلّ، فإنّه يمكننا أن نحرّك جسماً خفيفاً غير متناه.
وتتعلّقُ من الجنس الواحد في المحلّ الواحد بما لا يتناهى مع تغاير الأوقات; إذ كلّ فعل يصدرُ عنها يمكن إيجادُ مثله مع السّلامة; وإذا كان الجنسُ والوقت والمحلّ واحداً لم يجز أن تتعلّقَ بأكثر من الجزء الواحد وإلاّ لتعلّقت بما لا يتناهى لعدم الأولويّة، فينتفي التّفاضل بين القادرَين، فيمكن رفع الحبال من الضّعيف كما يمكن من ذي القّوة الشّديدة.
وتتعلّق من المختلف مع إتّحاد الوقت والمحلّ بما لا يتناهى; إذ لا شيء إلاّ ويصحّ منّا أن نفعل له إرادةً; ولولا تعلّقُ قدرتنا بجميع هذه الإرادات المختلفة لما صحّ ذلك.
واختلف الشّيخان، فجوّز أبو هاشم خلوّ القدرة عن الأخذ والتّرك إلاّ مع وجود داع إلى أحدِهما; فإنّه لو وجب فإمّا لأمر يرجع إلى كونه قادراً فقط، فيلزم مثله في القديم تعالى، أو لشيء يرجع إلى القدرة مع تساوي نسبتها إلى المتولّد والمبتدأ; ولو جاز في أحدهما لجاز في الثّاني، لكن

صفحه 76
التّالي باطلٌ، وإلاّ لكان الجسمُ إذا سكّنه القوي يكون قد فعل في كلّ حال فيه من السّكون بجميع قدرة، فلا يتأتّى من الضّعيف تحريكه، لكن يصحّ منّا تحريك ما سكّنه القويّ بل القادرُ لنفسه.
وقال أبو عليّ والكعبيّ: لا يجوزُ خلوّ القادر بقدرة من أخذ أو ترك في المباشر من الأفعال إلاّ عندَ منع; إذ لو جازَ الخلوّ وقتاً مّا لجازَ دائماً، وذلك يقتضي جواز خلوّه(1) من الطاعات والمعاصي ومن استحقاق المدح والذّمّ; ولأنّه لو جاز خلوّه من الفعل لوجب إذا دخل دار غيره بإذنه ثمّ نهاه(2) عن القعود; إن ينقلب ذلك الحَسنُ قبيحاً، فلابُدّ من تجديد الكون حالا فحالا ليثبت استحقاق الذّمّ.
وفيه نظرٌ; لمنع الحصر في الأوّل وبقاء الأكوان، ومنع الملازمة في الثّاني، لأنّه يعرض لدواعي الحاجة فلابدّ من كونه فاعلا وقتاً مّا، والمنهيُّ عن القعود مستحقّ للذّم وإن لم يُجدّد الأكوان; لأنّه لم يفعل ما وجب عليه من الخروج كما يستحقّ الذّم لو وضع متاعه بعدَ الإذن، ثمّ حَظرَ عليه مع أنّه لم يجدّد الأكوان فيه.
في الاعتقاد   
ومنعت المعتزلة في تعلّق المقدورِ الواحدِ بقادرين; إذ يجوزُ اختلاف دواعيهما فيعلم أحدهُما حُسنه، فيدعوه الدّاعي إلى إيقاعه ويعتقد الآخر

1 . الف : خلوّ.
2 . ج : منهى.

صفحه 77
قبحه; فيصرفه هذا الاعتقادُ عن إيقاعه، فيجتمع فيه النّقيضان.
وإذا وجب تغايرُ المقدور وجب اختلاف القُدَر، فليست متماثلةً ولا متضادّةً; لأنّ تضادّ المتعلّقات إنّما يصحّ إذا كان المتعلّق واحداً; ثم يتعلّقُ أحدهما بالعكس من تعلّق الآخر; وهذا ممتنعٌ في القُدر، لأنّ تعلّقها غير مختلف، فليس إلاّ لأنّ متعلّقها واحدٌ، وحينئذ تكون متماثلةً. وإذا كانت مختلفةً صحّ وجود الكثير منها في محلّ واحد ويصح البقاء على القُدر من غير توقّف على بقاء المقدور وليست مقدورةً لنا وإلاّ لأمكننا أن نزيدَ في قوانا.
والعجزُ عدمُ القدرة عمّا من شأنه أن يكونَ قادراً; وعند الاشاعرةوأبي عليّ وأبي هاشم أوّلا إنّه صفةٌ وجوديّةٌ مضادّةٌ للقدارة(1); لأنّه ليس كونُ إحداهما عدماً للاُخرى أولى من العكس; وهو ضعيفٌ لأنّ الاحتمال لا يوجب الجزم.(2)

المطلب العاشرُ: في الاعتقاد

وهو أمرٌ ذهنيٌّ يجده الحيُّ من نفسه ويدرك التّفرقة بينه وبينَ غيره بالضّرورة; ويمكن أن يحكم فيه بنفي أو إثبات; وهذا الحكمُ إمّا أن يكون جازماً أو لا، والأوّل إمّا أن يكون مطابقاً أو لا، فإن كان مطابقاً فإمّا أن يكون

1 . ب، ج : للقدرة.
2 . الف : الجرم.

صفحه 78
ثابتاً أو لا، والثّابتُ هو العلم وغيره هو الاعتقاد الحق المستندُ إلى التقليد، وغير المطابق هو اعتقادُ الجاهل، وغير الجازم إن كان راجحاً فهو الظنُّ، وإن كان مرجوحاً فهو الوهمُ، والمتساوي الشّكّ.
واختُلفَ في العلم، فقيل: لا يُحدُّ وإلاّ دار.
وقيل: إنّه سلبيٌّ; وهو خطأٌ، وإلاّ لم يكن سلبَ أيّ شيء كان، بل سلبَ مقابله; فإن كان سلباً كان العلمُ ثبوتيّاً، وإن كان إيجاباً لكان(1) عدمُه صادقاً على العدم، فيكونُ العلم صادقاً على المعدوم.
وقيل: إنّه انطباعُ صورة المعلوم في العالِم; واُبطِلَ بأنّ من تصوّر الحرارةَ كان حارّاً وليس بجيّد، فإنّ الحاصل ليس الماهيّةَ، بل الصّورةُ; والحقّ أنّه صفةٌ حقيقيّةٌ يلزمُها الإضافةُ إلى المعلوم.
القائلون بـ «الأحوال» جعلوا العلمَ عرضاً يوجبُ العالميّةَ، وأثبتوا تعلّقاً للعالميّة بالمعلوم، وكما يتعلّقُ العلمُ بالموجود كذا يتعلّق بالمعدوم، كما نعلم طلوعُ الشّمس غداً; خلافاً لبعضهم، حيث أوجبوا تعلّقَه بالموجود; لأنّ كلّ معلوم متميّزٌ، وكلّ متميّز ثابتٌ.
والجواب: أنّ الثّبوتَ أعمُّ من الذّهنيّ والخارجيّ، ثمّ المعدومُ إن كان بسيطاً عُلِمَ بالنّسبة، كما نقول:(2) ليس لِلّه ـ تعالى ـ ضدٌّ، نسبته إليه نسبةُ السّواد إلى البياض; وإن كان مركّباً تعلّق العلمُ بأجزائه الوجوديّة، كالعلم

1 . ب : كان.
2 . الف : يقول.

صفحه 79
بعدم اجتماع الضّدين; فإنّا نعقلُ السّوادَ والبياضَ والاجتماعَ، ثمّ نعقلُ أنّ ذلك الاجتماعَ غيرُ حاصل بين(1) السّواد والبياض; والعلمُ تابعٌ للمعلوم وحكايةٌ عنه، بمعنى أنّ الأصل في هيئة التّطابق هو المعلوم، وإن جاز تقدّمُ العلم كما يتقدمُ الحكاية.
وفي تعلّقه بنفس العالم إشكالٌ من حيث وجوب تعلّق الإضافة بالمتغايرين.
والاعتذارُ بأنّ كونه عالماً مغايرٌ لكونه معلوماً، أو بتغاير الجزئيّ والكلّيّ باطلٌ; لأنّ التّغايرَ بالعالميّة والمعلوميّة متأخّرٌ عن العلم فيدورُ. والكلّيّ جزء الماهيّة، لا نفسُها.
قال أبو الهذيل: إنّ العلمَ معنىً مغايرٌ للاعتقاد، وإلاّ لكان كلُّ اعتقاد علماً.
وهو خطأٌ; فإنّه اعتقادٌ خاصٌّ.
وقال أبو عليّ: إنّه من قبيل الاعتقاد وإلاّ لكان ضدّاً، فيمتنعُ اجتماعُهما أو مخالفاً، فلا ينتفيان بضدٍّ واحد، فتعيّن التّماثل.
والعلمُ مقدورٌ لنا، لتوجّه الأمر به. نعم الضروريّ من فعله تعالى ولمّا شرطت المطابقةُ في العلم امتنع تعلّق علم واحد بمعلومين.
وجوّز الكعبيّ تعلّقَ العلم الواحد بمعلومين متلازمين; والمعلومُ

1 . ب : من.

صفحه 80
إجمالا معلومٌ من وجه ومجهول من آخر، والوجهان متغايران. فالوجهُ المعلوم لا إجمالَ فيه، والمجهول غير معلوم البتّة.
في الظنّ   
نعم لمّا(1) اجتمعا في شيء ظنّ مغايرةُ الإجماليّ للتّفصيليّ، والتّنافي بينَ اعتقادي الضّدين، ذاتيّ.
ويصحّ تعلّق العلم بالعلم، واختلفوا، فقال الشّيخان: إنّه علمٌ بالمعلوم، وقال أبو عبد الله وأبو إسحاق(2) وقاضي القضاة: إنه علمٌ بكون العلم على حال أو حكم. ولا تضادَّ في العلوم (3)، بل فيها متماثلٌ ومختلفٌ. ويصحّ تضادُّ اعتقادان، سواء كانا جهلين أو أحدهما علماً والآخرُ جهلا.
والعلمُ منه واجبٌ; كمعرفته تعالى; لأنّها دافعةٌ للخوف الحاصل من الاختلاف، ولأنّ الشكر واجبٌ ولا يتمّ بدونها، وكالعلم بما كلّف به.
والسّهو عند الشّيخين وأبي إسحاق أنّه معنىً يضادُّ العلم.(4)
وقال قاضي القضاة وأبو إسحاق ايضاً: إنّه عدمُ العلم بالاُمور الّتي جرت العادةُ بأن تُعلَمَ. والحقُّ أنّه عدمُ العلم بعدَ حصوله.
وأمّا الشّك فعند أبي عليّ وأبي القاسم أنّه معنىً مُضادٌّ للعلم خلافاً لأبي هاشم.
في الظنّ   
واتّفق الشّيخان على جواز بقاء العلوم في جنسها. ومنع أبو إسحاق

1 . ج : لو.
2 . هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفراييني، توفّي سنة 418 هـ . الأعلام: 1 / 61 .
3 . ج : في المعلوم.   4 . ج : مضادّ للعلم.

صفحه 81
وقاضي القضاة من بقاء العلوم وأنواع الاعتقادات أجمعَ، وإلاّ لم تنتف إلاّ بالضّدّ، والتّالي باطلٌ; فإنّ أحدَنا يخرجُ من كونه عالماً بسهو أو شكّ. ولمّا كان العلمُ هو الحصولَ وكان الحصول لا ينفكُّ عن حصول الحصول عندَ اعتبار المعتبرين وجب من العلم بالشّيء العلمُ بالعلم به، خلافاً للشّيخين.
والعقلُ الّذي هو مناطُ التّكليف عندَ جماعة هو العلمُ بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، وإلاّ لصحّ انفكاك أحدهما من الآخر; وهو ضعيفٌ، لإمكان التّلازم.
وقالت المعتزلةُ زيادةً على ما تقدّم: العلمُ بحُسن الحَسَن وقبح القبيح. وقال القاضي أبو بكر (1): هو العلمُ بوجوبِ الواجبات واستحالة المستحيلات ومجاري العادات.
والحقّ أنّه قوّةٌ غريزيّةٌ تلزمها هذه العلومُ البديهيّةٌ عندَ سلامة الحواسّ.

المطلب الحادي عشر: في الظنّ

وهو ترجيح أحد المجوّزين مع تجويز خلافه، ورُجحانُ الاعتقاد غيرُ اعتقاد الرّجحان. وهو من قبيل الاعتقاد عندَ أبي هاشم; فإنّ الظنّ قد يبلغُ مبلغاً يلتبسُ بالعلم، والشّيء إنّما يلتبسُ بما هو من جنسه; والكبرى ممنوعةٌ; فإنّ الإرادةَ تلتبس بالشّهوة.

1 . هو أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني، المتوفّى سنة 403 هـ . التقريب والإرشاد : 1 / 174 .

صفحه 82
وقال أبو عليّ وأبو اسحاق وأبو عبدالله وقاضي القضاة: إنّه مغايرٌ له للفصل بين حالنا عند الظنّ وعندَ الاعتقاد.
والتّحقيقُ أن نقولَ: إن شُرِطَ في الاعتقاد الجزمُ كان مغايراً للظنّ، وإلاّ كان جنساً له، وهو مضادٌّ للعلم إذا تعلّق بمتعلّقه على العكس; كالعلم بأنّ زيداً في الدّار، والظنّ أنّه ليس فيها. ويقع المضادّةُ بينَ أفراده، كظنّ كون زيد في الدّار وظنّ أنّه ليس فيها. وقد يتعلّق الظنّ بالظنّ. ومن الظن حسنٌ وقبيحٌ وواجبٌ.
في النّظر   

المطلب الثّاني عشر: في النّظر

أجودُ حدوده ما حدّدناه نحن في ساير كتبنا.
وهو: «أنّه ترتيبُ اُمور ذهنيّة ليتوصّل بها إلى آخر»، فإنّه جامع للعلل الأربع. ومنه متماثلٌ وهو ما اتفق معلوله; ومختلفٌ، وهو ما عداه.
وهل فيه تضادٌّ; قال أبو عليّ: النّظرُ في أمرين يتضادّان على كلّ وجه متضادّ. ومنعه أبو هاشم; لإشتراط اتّحاد المتعلّق في تضادّ المتعلِّق، وإذا تعلّق النّظران بمنظور واحد تماثلا.
ولا يجوز عليه البقاء عندَ المعتزلة; لخروج أحدنا عن كونه ناظراً من دون ضدّ، إذ ليس في النّظر تضادٌّ لما تقدم، ولا يضادّه غيره; إذ لا شيء إلاّ ويصحّ مجامعته له إلاّ العلمُ بالمدلول، فإنّه لا يجامعُ النّظر في الدّلالة، لا لتضادّهما وإلاّ لم يجامع الظنَّ، لأنّه يضادُّ العلمَ، وما يستحيل وجوده مع

صفحه 83
أحد الضّدّين يستحيل وجوده مع الآخر; والتّالي باطلٌ; إذ ظنُّ المدلول يجامع النّظرَ، بل لإفتقار النّظر إلى تجويز النّقيض المنافي للعلم.
لا يُقال: يزول بما يجري مجرى الضّدّ، وهو العلم بالمدلول.
لأنّا نقول: قد يزول نظره(1) قبل حصول العلم، والفكر المستمرّ ليس واحداً، بل أفكارٌ متجدّدةٌ يجدّدها النّاظر، ووصفه بالطول مجازٌ. وهو مقدورٌ لنا; لصدوره بحسبِ القصد والدّاعي لا متولّداً عن غيره بالاستقراء الدّالّ على نفي ما يولّده، ولا يصحّ عن القصد والدّاعي، وإلاّ لكانت جميعُ الأفعال متولّدةً عنهما; ولامتناع كونهما معاً سببين، لاستحالة تكثّر العلّة مع وحدة المعلول، ولا عن الإرادة; إذ الصّدور عنها جائزٌ، فلا تعدّ(2) سبباً
موجِباً ولا الدّاعي; لأنه قد يكون علوماً ضروريّةً، فيكون المتولّد عنه ضروريّاً، ولا عن(2) النظر وإلاّ لزم وجودُ ما لا يتناهى; وإفادته للعلم(4) ضروريّة، فإن من عَلم أنّ العالَم متغيّرٌ وأنّ كلّ متغيّر مُحدَثٌ علم بالضّرورة كون العالم محدثاً.
وإنكار السُّمنيّة سفسطةٌ; احتجّوا بأنّ العلم بكون الاعتقاد الحاصل عقيب المقدّمتين علماً ليس ضروريّاً، لانكشاف فساده كثيراً، ولا نظريّاً، وإلاّ تسلسل; ولأنّ الاُمور الإلهيّة خفيّة مع عجزنا عن إدراك ذواتنا فكيف يحصل العلم بها.

1 . ج : يظن.   2 . الف : يعد.
2 . ج : غير.   4 . ج : العلم.

صفحه 84
والجوابُ، العلم بأنّ نتيجة القياس المفروض علمٌ نظريٌّ حصل من مقدّمتين، إحداهما أنّ تلك النّتيجة لازمةٌ بالضّرورة لضرورتين، وكلّ لازم لضرورتين علمٌ بالضّرورة، فإذن نتيجةُ القياس المفروض علمٌ بالضّرورة وهذه النّتيجة نظريّة مستفادة من مقدّمتين.
ثمّ العلمُ بأنّ نتيجةَ القياس المفروض علمٌ بالضّرورة، بديهيّ يحصل من نفس تصوّرهما،(1) فينقطعُ التّسلسل، والصّعوبة لا تدلّ(2) على الامتناع.
وحصول العلم عقيب الصّحيح واجبٌ; لاستحالة التّخلّف بالضّرورة، خلافاً للأشعريّة; لأنّ أفعال العباد مستندةٌ إليه تعالى، فحصوله عاديّ، والصّغرى كاذبةٌ ] و[ سيأتي.
وقالت المعتزلةُ على سبيل التّوليد; لأنّه يحصل من النّاظر بتوسّط النّظر، لوقوعه بحسبه على طريقة واحدة مع سلامة الأحوال، بمعنى أنّ النّظر في الحدوث يحصل منه نتيجة الحدوث، لا النّبوّة مثلا; وقياسُ الأشاعرة على التّذكّر المُجمع على عدم توليده لا يفيد اليقين; لضعف القياس، ولا الالزام(3) لو قيل به; لأنّ علّة عدم التّوليد في التّذكّر حصوله في بعض الأوقات من غير قصد المتذكّر بخلاف النّظر، فإن صحّت ظهر الفرق، وإلاّ منعوا حكم الأصل.

1 . الف : تصوّرها.
2 . الف، ج : يدّلُ.
3 . ج : التزام.

صفحه 85
أمّا الفاسد، فقد اتّفقوا على عدم توليده الجهل، وإلاّ لكان الجاهل معذوراً; ولأنّ المُحِقّ لا يحصل له الجهل بنظره في شبهة المُبطِل; وينتقض بالمُبطل لو نظر فى دليل المُحقّ فلابدّ من اعتقاد حِقيّة المقدّمات وصحّة النّظر بصحّة ترتيبه، وهو جزؤه الصّوريّ; وصحّة مقدّماته، وهي الجزء الماديّ، وفساده بفسادهما أو فساد أحدهما ولابُدّ من الأوّل، وإلاّ لشارك العقلاء في النّظريّات وانتفى الغلط، وهما متغايران تغاير الحالّ للمحلّ، ولا تسلسل; لأنّه ثابتٌ بينَ الأجزاء المادّيّة لا مطلقاً.
وحيثُ ثبت وجوب العلم عقيبَ النّظر الصّحيح فلا حاجة إلى المعلّم(1) في معرفته ـ تعالى ـ كغيرها، خلافاً للملاحدة. والاختلافُ لاختلال شرط في النّظر، وألزموا(2) التّسلسل، لافتقار المعلّم إلى معلّم آخر، والدّور لتوقّف العلم بصدقه على العلم بتصديقه ـ تعالى ـ بإظهار المعجزة على يده المتوقّف على العلم به تعالى.
ويندفع الأوّل بزيادة عقله علينا والثّاني بالمشاركة للعقل، فيفيدُ المعلّمُ(3) التّنبيهَ على الأدلّة.
والجواب عن الشّبهات الّتي من جملتها ما يدلّ على صدقه، فيحكم العقل عند التّنبيه. والنّظر طلبٌ فشرطه عدمُ العلم; لاستحالة تحصيل

1 . الف، ب : العلم.
2 . ج : التزموا.
3 . ج : العلم.

صفحه 86
الحاصل وان لا يكون في حكم السّاهي عن المطلوب; والطلب في الدّليل الثّاني الدّلالة ويشكّل إنتاج المطلوب وعدم الجهل المركّب لعدم الطلب مع الجزم.
والتّنافي ذاتيّ عند أبي هاشم، لأنّ النّظر مقارنٌ(1) للشّكّ، والجهل للجزم، وتنافي اللوازم يقتضي تنافي الملزومات. وعند الأوائل للصارف لوجود النّظر مع عدم الشّك.
والنّظر واجبٌ لتوقّف المعرفة عليه; إذ ليست ضروريّةً بالضّرورة، ولا طريقَ سواه وإلاّ لالتجأ العقلاء إليه في بعض الأزمان، والتّقليد يستلزمه وإلاّ لزم التّرجيح من غير مرجّح. ولا ينتفي ضرر الخوف بالظنّ ولو لم يجب شرط إيقاع المطلق، خرج المطلق عن إطلاقه أو لزم تكليف ما لا يطاق، ووجوبه عقليّ وإلاّ لزم إفحام الأنبياء; إذ لا يصحّ معرفة السّمع إلاّ بالنّظر.
ولا يجب فعله قبل العلم بوجوبه، خلافاً للأشعريّة. والمرادُ من قوله تعالى: (وما كنّا مُعَذّبينَ)(2) نفي التّعذيب على الأوامر السّمعيّة قبل البعثة أو(2) استعمال الرّسول في العقل مجازاً، وهو فطريّ القياس، فلا يلزم الإفحام.
في الإرادة والكراهة   
وهو أوّلُ الواجبات عند المعتزلة، وقيل: القصد إليه وقيل: المعرفة. وقال أبوهاشم: الشّكّ. والحقّ أنّ المرادَ إن كان ما هو بالذّات فالمعرفة، وإلاّ

1 . ج : مفارق.   2 . الأسراء : 17 / 15 .
2 . ج : إذ.

صفحه 87
فالقصد إليه. والحاصل من النّظر العلم بالمطلوب ويتبعه العلم بالدّلالة، وهي مغايرة; لأنّها نسبيّةٌ(1) فتتأخّر;(2) ولا يحصل الكسبيُّ بدون النّظر، فإنّ النّقليّات كلّها مستندةٌ إلى صدق الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكلّ مقدّمة يتوقّف عليها العلم بصدقه لا يستفاد من النّقل وإلاّ دار.
وما لا دليل عقليّ عليه، فطريق اكتسابه النّقل وما عداهما يجوز بهما.
قيل، النّقليّات تفتقر إلى نقل اللّغة والنّحو والتّصريف وعدم الاشتراك والمجاز والتّخصيص والنّسخ والإضمار والتّقديم والتّأخير والمعارض العقليّ، وإلاّ دار، وهي ظنيّة.
والحقّ أن هذه منفيةٌ(3) في محكمات القرآن.

المطلب الثالث عشر: في الإرادة والكراهة

اختلف النّاسُ، فقال قومٌ: الإرادة هي الدّاعي، وهو عبارة عن علم الحيّ أو اعتقاده أو ظنّه بما له أو لغيره ممّن يؤثّر خيره فيه منفعة يمكن وصولها إليه أو إلى ذلك الغير من غير مانع من تعب(4) أو معارضة أو غيرهما.
وأثبت آخرون أمراً زائداً; لأنّا نجد من أنفسنا ميلا مرتّباً على هذا

1 . ب، ج : نسبةٌ فيتأخر.
2 . الف : فيتأخر.
3 . ب : منتفيّة / ج : مبنيّة.
4 . ج : بعث.

صفحه 88
العلم، وهو حقّ فينا، لا فيه تعالى. وليست إرادة الشّيء كراهةَ ضدّه; للغفلة عن الضّدّ حالةَ الإرادة، نعم تلزمها بشرط التّفطّن للضّدّ، وهي مغايرة للشّهوة; فإنّ المريضَ يريد شرب الدواء ولا يشتهيه. وبين إرادة الضّدّين تناف ذاتيّ على رأي; فإنّ إرادة أحدهما ترجيحُ وجوده وكذا إرادة الآخر، وكما أنّهما متقابلان فكذا إرادتهما.
وعند آخرين: إرادة أحدهما تَصرف عن إرادة الآخر، وهي مقدورة لنا ابتداءاً من غير سبب يولّدها، لوقوعها بحسب قصدنا ودواعينا; ولأنّ إرادة القبيح قبيحة، فيستحيل صدورُها منه تعالى. ولا يمكن الإشارة إلى مولّد(1)وقد نريدُ من غير سابقة فكر، فلا يتولّد عنه ولا الدّاعي، لإمكان كون العلم ضروريّاً; وفاعل السّبب والمسبّب واحدٌ، والله ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح، وهذه الإرادة لا يمتنع قبحُها، فلا تتولّد عن الدّاعي ولا الإرادة وإلاّ تسلسل.
والإرادة إمّا أن يكونَ لها متعلّقٌ، وهو ما يصحّ حدوثه، وإمّا أن لا يكونَ، وهو ما لا يمكن حدوثه، كالبقاء وغيره; خلافاً لأبي هاشم، حيث قال: لو اعتقد صحّة حدوث الباقي حالا فحالا صحّت إرادته; لأنّ ما لا متعلَّقَ له كيف يصيرُ متعلِّقاً في الحقيقة باعتبار اعتقاد المعتقد، ويصحّ تعلقها بنفسها لحدوثها، كما نأمر غيرنا بالصّلاة تقرّباً إلى الله تعالى، فنريد إرادته، ولا نجب، إذ لا وجهَ لوجوبه من حيث فقدت الدّواعي إليها، فإنّها لا تقع

1 . ج : متولّد.

صفحه 89
مقصودةً في نفسها، بل تفعل تبعاً لغيرها، فلا وجه لوجوب إرادتها. فإذا اُريدَت لم ترد بنفسها بل بإرادة اُخرى، ولا تتعلّق إلاّ بالحادث بالدّوران ولا تتعلق الواحدة على التفصيل إلاّ بمراد واحد، كالعلم.
ومنها متماثلٌ وهو ما اتحد فيه المتعلَّق والوقت والوجه والطريقة; لتماثل ما يصدر عنها، ومختلفٌ، وهو ما عداه لتغاير الوجوه، بأن يريد أحدهما حدوثَ الشّيء على وجه والآخر على غيره، أو الطريقة بأن يريده أحدهما على طريق الجملة والآخر مفصّلا، أو يتغاير الوقت.
ولا تضادّ فيها عندَ أبي هاشم، لوجوب تعلّق أحد الضّدّين المتعلّقين بما تعلّق به الآخر على العكس; إذ لو تغاير المرادُ زال التّضادُّ، وكانتا مختلفتين. وإذا كان تعلّق الإرادة على وجه واحد لا غير، فلو اتّحد متعلَّقهما تماثلتا.
وعند أبي عليّ، «إرادتا الضّدّين يتضادّان»، للتنافي، ولا تضادّها إلاّ الكراهة. ولا يصحّ عليها البقاء، وإلاّ لم يعدم إلاّ بضدّ. وقد يخرج أحدُنا عن كونه مريداً لا إلى ضدّ. وحسنُ الإرادة والكراهة وقبحُهما تابعان(1) لما يتعلّقان به لا بإرادة أو كراهة.
وانتهاء الإرادات إلى إرادة قديمة لا يستلزم نفي الاختيار; لأنّ معناه الإيجادُ بتوسّط القدرة والإرادة، وإن كانا من فعله ـ تعالى ـ بتوسّط أو غير توسّط.

1 . ج : يمانعان.   2 . ج : العدم.

صفحه 90
والعزم (1) إرادة سابقة أو جازمة حصلت بعدَ التّردّد. وأثبته أبو عليّمعنىً مغايراً للإرادة.
والنّيّة إرادةٌ مقارنةٌ، وإنّما يصحان إذا كان العزمُ أو النّيّة والفعل من واحد. والمحبّة إرادةٌ، لكنّها من الله ـ تعالى ـ في حقّ العبد ارادةُ الثّواب، ومن العبد في حقّه ـ تعالى ـ إرادةُ الطاعة. والرّضا إرادة، وقيل: ترك الاعتراض.(2)
في الشّهوة والنّفار   

المطلب الرّابع عشر: في الشّهوة والنّفار

وهما من الكيفيّات النّفسانيّة يجدُهما العاقل من نفسه وجداناً ضروريّاً، وحكمهما وقوع لذّة عند الإدراك أو الم، وليسا بمُدركين حِسّاً، ولا يصحّ وجودهما إلاّ في محلّ، بخلاف الإرادة والكراهة عند مثبتي المعتزلة، ولابُدّ لمحلّهما من حياة وبنية، ولا توجد في أكثر من محلّ واحد وإن افتقرت إلى البنية، ولا يفتقر كثرتهما إلى زيادة البنية، خلافاً للكعبيّ; لقوّة شهوة المريض الضّعيف.
وتعلّق الشّهوة بالقبيح لا يوجب قبحَها، كالقدرة بخلاف الإرادة، لتعلّقِها بالقبيح والحسن على حدٍّ واحد. فلو قبحت قبح الجميع. ولا تتعلّق إلاّ بالمدركات لا بمعنى تعلّقها بالموجود، بل وبالمعدوم على أن يدركه، لأنّه متى حصل للشّيء كونه مدركاً صحّ تعلّق الشّهوة أو النّفرة به، ومتى

1 . ج : العدم.
2 . ب : الاغراض.

صفحه 91
انتفى انتفى التّعلّق، فلا تتعلّق بنفسها، ولا بما يقتضي وجوده، بل بمثله، لتعذّر إعادته.
وليسا باقيين وإلاّ لما عدما (1) إلاّ بالضّدّ. لكنّ أحدنا قد يخرج عنهما لا إلى ضدّ.
وهما متضادّان لامتناع اجتماعهما ولا ضدّ لهما لامتناع إثبات معنى لا حكمَ له، ومعلومٌ أنّه لا واسطةَ بينَ إدراك الشّيء فليتَذُّ به وبين إدراكه والتّألم منه إلاّ زوال الحكمين، وهذا نفي لا يفتقر إلى إثبات معنى، ويتساوى الشّهوتان مع اتّحاد المتعلّق، وإذا اختلف المتعلّق في الجنس اختلفتا كشهوة الحلاوة تخالف شهوة الحموضة، ولا تضادّ فيهما;(2) لأنّ شرط تضادّ المتعلّقات اتّحادُ المتعلَّق. ومتى تعلّقتا بواحد تماثلتا.
وليست الشّهوةُ والنّفرة مقدورةً لنا، وإلاّ لكان الواحد(3) منّا يفعل شهوةً لما هو قادرٌ عليه من المأكول الخشن عند تعذّر ما اشتهاه قوياً من الطعام الرّفيع وهي أصل المنافع، فإنّ الحيّ إنّما ينتفع بإدراك ما يشتهيه وهي من أصول النّعم; إذ لا يمكن الانتفاعُ بالحياة من دون الشّهوة والتّمكّن من المشتهى.

1 . ج : عدميّاً.
2 . ج : فيها.
3 . ب : الفاعل.

صفحه 92
المطلب الخامس عشر: في اللّذّة والألم
وهما أمران يدركهما كلّ عاقل ويفرقُ بينهما وبين غيرهما، فلا يمكن تعريفهما بأنّ اللّذّة «إدراك الملائم»، والألم «إدراك المنافي»، وهما وجوديّان. وذهب ابن زكريّا إلى أنّ اللّذّة عودٌ إلى الحالة الطبيعيّة بعدَ الخروج عنها وخلاصٌ عن الألم، فأخذ بالعرض مكان ما بالذّات، إذ الإدراك إنّما يحصل بانفعال للحاسّة يقتضيه تبدّل حال مّا. وينتقض بمشاهدة صورة جميلة لم يكن له شعورٌ بها أوّلا، حتّى يجعل(1) تلك اللّذّة خلاصاً عن ألم الشّوق.
وعند الأوائل أنّ سبب الألم تفرّق الاتصال. وهو غلط; لأنّه عدميّ، وحاصلٌ في الملتَذّ به، كالغذاء ومنتف عنده، كقطع الإصبع بسرعة وقطع فاقد الحسّ والحذر، بل سوء المزاج المختلف والنّقص بعليّة عدم الحركة للسّكون وعدم السّمع للخرس وعدم الغذاء للجوع، خطأ; لأنّ السّكونَ عندهم عدميّ وليس عدمُ الحركة سبباً فاعلا، بل مُعدّاً.
في الإدراك   
وعندنا السّكونُ مستندٌ إلى الفاعل، وعدم الحركة شرطٌ كعدم الضدّ; والخرسُ عدميّ والجوع بسبب سوء المزاج وحصول(2) الألم عند التّفرّق(2) لا يدلّ على أنّه السّبب.

1 . ج : يحصل.   2 . ب : وصول.
2 . الف : التّفريق.

صفحه 93
ولا تضادّ بينَ الألم واللذّة، خلافاً للكعبيّ، لأنّ المقتضي لهما قد يكونُ واحداً، كحكّة الأجرب، فإنّها توجبُ اللّذّة والألمَ لو كان سليماً.
واختلف الشّيخان، فشرط أبو عليّ والكعبيّ في محلّه الحياةَ، ولم يجوّزا وجودَه في الجماد، ومنعه أبوهاشم وجوّز وجودَ جنسه في الجماد، لكن لا يُسمّى ألماً، لأنّ التّسمية بذلك تقتضي حصول النّفرة عنه مع إدراكه.
والحقّ: الأوّل، وهو مقدورٌ لنا; لوقوعه بحسب أحوالنا، إلاّ أنّه لا يقعُ منّا إلاّ متولّداً. وكذا اللّذّةُ عند أبي هاشم لاتّحادهما في الحقيقة. ومنع أبو عليّ من قدرتنا عليها; والألمُ غير باق، إذ لا ضدّ له يُنفيه، فكان يبقى ببقاء المحلّ، إذ لا شرط عند أبي هاشم سواه، وكلّه متماثلٌ، لاشتراك أفراده في صحّة ادراكه لمحلّ الحياة في محلّها.

المطلب السّادس عشر: في الإدراك

اختلف النّاس هنا، فعند الأوائل وأبي الحسين، أنّه عبارة عن تأثر الحاسّة. والحاصل منه هو علمٌ خاصّ. وعند الباقين أنّه نوعٌ مغايرٌ للعلم، ولتأثر الحاسّة. للفرق بينَ حالة العلم بالشّيء حال إدراكه وبعده; وينقسمُ بانقسام الحواسّ الخمس. والموصوف بهذه الصّفة الجملة دونَ الأجزاء، خلافاً لبشر بن المعتمر. فالحواسُّ تدرك بها ولكن صفة الإدراك لا يصحّ رجوعها إليها.
وأثبت أبو الهذيل الإدراك معنىً، وجعل كونَ أحدنا مدركاً، موقوفاً

صفحه 94
عليه وجوّز حصول كونه حيّاً مع الشّرائط المتعبّرة في الإدراك ولا يدرك المدرك لفقد ذلك المعنى. وهو مذهب الاشاعرة.
ولم يجعله أبو هاشم معنىً، بل جعل أحدنا مدركاً; لكونه حيّاً ووجود المدرك وصحّة الحواس وزوال الموانع، فيكون التّأثر(1) لكونه حيّاً. وهذه الامورُ تكون شروطاً في اقتضاء كونه حيّاً كونَه مدركاً.
وهو الحقّ; لأنّ كونَ المدرك مدركاً صفةٌ تجب لو كانت صحيحةً وكلّ صفة تجب عند صحّتها فإنّها تستغني عن معنى يقتضيها، إذ المقتضي لوجوبها نفسُ ذاتها.
وبيانُ الأولى، أنّها لو لم تجب على تقدير الصّحة لزم السّفسطة، لتجويز أن يكونَ بحضرتنا جبالٌ شاهقةٌ وأصواتٌ هائلةٌ والحواسّ صحيحة والموانع مرتفعة والشّرائط حاصلة، ونحن لا ندركها.
ويرادُ بالحاسّة جسمٌ ذو بنية مخصوصة زائدة على بنية الحياة، فيدرك به ما لا يدرك بغيره، ولا يُراد به كلّ محلّ فيه حياةٌ، وإلاّ لزم في جميع الأعضاء أن تكون حواسّ. ولهذا المعنى نفى أبو هاشم، اللّمسَ حاسّةً، لأنّ محلّ الحياة يشترك في صحّة إدراك الحرارة والبرودة; وهو غلطٌ، لاحتمال اشتراط بعض الحواسّ باُمور زائدة على بنية الحياة دونَ البعض.
وحاسّةُ اللّمس أنفع من غيرها، لأنّ الحيوان مركّبٌ من العناصر،

1 . ب، ج : التأثير.

صفحه 95
وصلاحُه باعتدالها وبقاء مزاجها، وفساده بخروج بعضها عن الاعتدال وتغالبها. فيجبُ في مقتضى الحكمة الإلهيّة إيجادُ قوّة سارية في جميع أجزائه ليدرك بها المنافي، فيحترزَ عنه، وهو اللّمس، وغيره كالذّوق والشّمّ يُراد لجلب النّفع ودفع الضّرر أسبقُ من جلب النّفع.
ويجبُ في كلّ حيوان له قوّةُ لمس أن يكونَ له قوّةُ حركة ليقربَ من الملائم ويبعدَ عن المنافر.
وقوى اللّمس أربعٌ: الحاكمة بينَ الحارّ والبارد، وبينَ الرّطب واليابس، وبينَ الصّلب واللّين، وبين الخشن والأملس، بناءً على أنّ القوّة الواحدة لا يصدرُ عنها أمران، وهو ممنوع.
وخاصّةُ اللّمس أنّ حامله هو الواسطة. ومن شرط الواسطة الخلوّ عن الكيفيّة الّتي يؤدّيها إلى المدرك لينفعل جيداً فيتمُّ الشّعور به، فالأقرب إلى الاعتدال أشدّ إحساساً. وأثبت بعضُ الأوائل الحسّ لبسائط العناصر لقربها من ملائمهما وبُعدها عن منافرها; والحجّة ضعيفةٌ والمطلوب مستبعد.
والذّوقُ يفتقر إلى الرّطوبة اللّعابيّة المنبعثة عن القوّة الملعّبة. ولابُدّ من خلوّها عن الطعوم وإلاّ لم يودّ كما ينبغي كالمرضى، وهذه الرّطوبة يحتملُ أن تنفعل عن ذي الطعم فالإحساس لا بواسطة أو يخالطها أجزاء ذي الطعم. ثمّ تغوصُ في اللّسان حتّى تخالطه، فالإحساس بواسطة.
والشّمّ يدرك بتوسط انتقال أجزاء من ذي الرّائحة يتحلل بواسطة

صفحه 96
التّبخير،(1) ويخالط الهواء المتوسّط، ويصلُ إلى الخيشوم، لأنّ الدَلَك يوجبه أنْ ينفعل الهواء المتوسّط بتلك الكيفيّة، وإلاّ لنقص ذو الرائحة عند كثرة الشّامّين. ومن جعل الشّمّ يتعلّق بالمشموم حيث هو أبعد في المقال ولابُدّ في ذي الرّائحة من أجزاء لطيفة قابلة لاختلاطها بالهواء، ولهذا لا يدرك الرائحة في قطع العُود والعنبر ما لَم يتخلل بالنّار.
والسّمع يفتقر إلى وصول الهواء المنضغط بين قارع ومقروع إلى سطح الصّماخ عندَ الأوائل والنّظام والكعبيّ وأبي عليّ أوّلا، وقد سبق.
واختلف الأوائل في الإبصار، فبعضهم أنّه يحصل لانطباع صورة المرئيّ في العين، وآخرون بخروج شعاع من العين مُصمت مخروط الشّكل، رأسه عندَ البصر وقاعدتُه عندَ المرئيّ. وهو اختيار أبي هاشم، لكنّه جعل الغليظ عند العين; لأنّ حلقة الخاتم إذا قربت(2) من العين يراها أكثر ممّا هي عليه;(3) لأنّ الشّعاع ينفصل متسعاً، فيتخيّل لاتّساعه سعة الحلقة، فإذا تباعدت رآها صغيرةً، لاستدقاق الطرف الآخر.
والقولان عندي باطلان; لامتناع انطباع العظيم في الصّغير، ولأنّه لو كان بالإنطباع لما أدركنا البُعد، فكنّا لا نرى القريب على قربه ولا البعيد على بعده، ولأنّ الخارج من العين إن كان جسماً استحال أن يلاقي نصف الكرة،

1 . ج : بواسطة الشمّ بالتبخير.
2 . ج : تقريب.
3 . ج : تراها الكبرى مما شيء عليه.

صفحه 97
لامتناع خروج جسم بهذا المقدارِ من العين مع صِغَرها، وامتنع أن يخرَق الأفلاك عندكم، وإلاّ استحال عليه الانتقال، ولأنّ حركته ليست طبيعيّة، وإلاّ لكان إلى جهة واحدة، ولا قسريّة، لأنّها تابعةٌ لها، ولا إراديّةً قطعاً; ولأنّ الإبصار يحصلُ مع حصول الأهوية القويّة القالعة للأشجار الكبار من غير تشوّش(1) فيه. بل الحقّ أنّ مقابلةَ العين للمرئيّ مع حصول الشرايط سببٌ مُعدٌّ أو موجبٌ للإدراك.
والإدراك في حقّنا يتوقفُ على عشرة اُمور بعدَ سلامة الحاسّة: كثافةُ المبصَر، بمعنى أن يكون له لون أو ضوء، ووقوع الضّوء عليه، والمقابلة أو حكمها زماناً، وشفافيّة المتوسّط، وعدم إفراط الصّغر والضّوء والبعد والقرب وتعمّد ذي الآلة الإبصار، وعدم اقتران ما يوجبُ الغلط.
ومع حصول الشّرائط يجب الإبصارُ عند الأوائل والمعتزلةُ بالضّرورة، خلافاً للأشعريّة. وليست أجزاء البعيد متساويةَ الوضع عندَ الحدقة، لأنّ العمود المفترض من العين على القاعدة المفروضة عند المرئيّ أقصرُ من الطرفين، لأنّه يُوتِر الحادّة،(2) وهما يؤتران قائمتين.
وسببُ صِغره إمّا إنطباعه في زاوية صغرت(3) لبُعد الخطّين المفروضين أو لتفرق الأشعّة فلا يحصل الإدراك التّامّ.

1 . ج : تشويش.
2 . ج : ايجاده.
3 . ج : صوت.

صفحه 98
وتساوي نسبة الصّقيل إلى العين والمرئيّ سببٌ مُعدٌّ لإدراكه فيه، لا لإنطباع صورة فيه، ثمّ في العين من تلك الصّورة، وإلاّ لم يتغيّر عن موضعها بزوال شيء ثالث،(1) كالحائط إذا اخضرّ بانعكاس الخضرة إليه لم يتغيّر بانتقال النّاظر، ولا لإنعكاس الشّعاع من العين إلى الصّقيل، ثمّ منه إلى المرئيّ.
في بقيّة أعراض وقع فيها الخلاف بين المتكلّمين   
المطلب السّابع عشر: في بقيّة أعراض وقع فيها الخلاف بين المتكلّمين
وهي ثلاثةٌ:
الأوّلُ: البقاء، وقد أثبته الأشاعرة معنىً قائماً بالباقي يقتضي بقاه. وكذا الكعبيّ، خلافاً لباقي المعتزلة، وهو الحقّ; وإلاّ لزم التّسلسل، أو كونُ جعله ذاتاً أولى من جعله صفةً، ولأنّ وجودَ الصّفة تابعٌ لوجود الذّات في كلّ آن. فلو انعكس دار. وكونُ الشّيء باقياً بعدَ أن لم يكن لا يدلّ على وجود البقاء معنىً في نفسه، فإنّ كثيراً من الصّفات الاعتباريّة تتجدّد على الذّات ولا تحقّق لها عيناً.
الثّاني: الفناء، المحققون ذهبوا إلى أنّ الإعدام قد يحصل بالفاعل كما يحصل الايجاد به، وجماعةٌ من المعتزلة منعوا من تعلّق الإعدام(2) بالفاعل

1 . ج : ملايم.   2 . ج : اهدام.

صفحه 99
وأوجبوا طريانَ الضّدّ في الباقي. والنّظام قال: إنّه يفنى لذاته، وكلّ ما يقبل الفناء عنده لا يصحّ بقاؤه أكثر من آن واحد، ثمّ في ثاني حدوثه، يعدَمُ. ومثبتوه جعلوه ضدّاً للجواهر، لأنّها باقيةٌ لذاتها، لا بمعنى تحتاج إليه فيه، ولا ضدّ لها من الأعراض سواه، ولا يصحّ عدمُها لذاتها ولا بالفاعل، وهي واجبة الفناء.
فأثبتوا الفناء عرضاً، لأنّ الجواهر لا تتضادّ مجرّد الامتناع حلول أحد الضّدّين في الآخر حادثاً بعدَ الجواهر وإلاّ لكان إيجاده عبثاً وإن كان ممكن الوجود قبلها، لأنّ القادر على الشّيء قادرٌ على إيجاد ضدّه في تلك الحال آنيّ الوجود، وإلاّ لم يُعدمَ إلاّ بضدّ ويتسلسل غير ذي جهة، خلافاً لابن الإخشيد والصّيمريّ، وإلاّ لكان متحيّزاً، إذ كلّ ذي جهة لا على سبيل التّبعية، متحيّزٌ، متماثلا لتساوي أفراده في فناء(1) الجواهر بها; واتّحاد(2) المعلول يستلزمُ تساويَ العلّة، ليس مقدوراً لنا، وإلاّ لقدرنا على الضّدّ الآخر، وهو الجوهر. والملازمةُ ممنوعةٌ، وأيُّ جوهر فني بطريانه; فنيت جميعُ الجواهر لتجرّده وتساوي الجواهر في الماهيّة فتتساوى في النّسبة إليه.
الثالث: التأليف، أوّل من أثبت التّأليفَ معنىً قائماً بمحلّين، أبو الهذيل العلاّف وتبعه جماعةُ البصريين، كأبي عليّ وأبي هاشم وغيرهما. ونفاه الباقون، لامتناع قيام عرض بمحلّين، كما يمتنع حلول جسم في مكانين.

1 . ج : فناب.
2 . ج : ايجاد.

صفحه 100
واحتجّ المثبتون بأنّ بعضَ الأجسام يصعبُ فكَّها(1) فلابدّ من معنىً يوجبُ ذلك. وليس قائماً بأحد المحلّين لعدم الأولويّة فيجبُ قيامه بالمحلّين. وهو باطلٌ، لاستناد صعوبة التفكيك إلى الفاعل المختار.
ومنع أبو هاشم من قيامه بأكثر من محلّين وإلاّ لزم التّفكيك لو اُزيد جزءٌ واحد منها; لعدم التأليف بعدم محله، والوجود بخلافه، وعدمُ الوجود لا يدلّ على الامتناع، وهو باق، وإلاّ لزم امتناعُ التّفكيك أو سهولته، لأنّ الله ـ تعالى ـ إن أراد إيجادَ التّأليف حالا بعد حال كان مراده أولى بالوجود وإلاّ سُهل فكّه، فينتفي الصّعوبة بالكلّيّة.
قال أبوهاشم: التّأليف يتولّد عن المجاورة، ولهذا يقع بحسبها، فإنّ المتجاورَين طولا يقع التّأليف بينهما(2) فيصحّ وجوده فيما يصعب تفكيكه وما لا يصعبُ لوجود سببه. والمقدّمات ممنوعة، وليس بمدرك لمساً ولا رؤيةً عند أبي هاشم، خلافاً لأبي عليّ، وإلاّ لأدركنا الفرقَ بينَ قليله وكثيره، وهو متماثل لا تضادّ فيه ولا اختلاف، لتساوي جميع أفراده في أخصّ صفاته، وهو افتقاره عندَ الوجود إلى محلّين، ولأنّ إمكانَ اجتماع أفراده ينفي تضادّها. ووجهُ إمكان الاجتماع، أنّ الجزء الواحد يمكن أن يؤلّف(2)مع ستّة أمثاله، وليس للتّأليف ضدّ من غير جنسه، إذ لا عرض يتوهّمُ أنّه
ضدٌّ له سوى الافتراق. وليس ضدّاً له وإلاّ لاتحد محلّهما فكان يفتقر

1 . ج : فكمنا.   2 . ج : بينهما لذلك.
2 . ج : يولّد.

صفحه 101
الافتراق(1) إلى محلّين(2) متجاورين، كما افتقر ضدّه إليهما، والتّالي باطل بالضّرورة فكذا المقدّمُ، وهو مقدورٌ لنا، لوقوعه منّا بحسب القصد والدّاعي متولّداً عن المجاورة الّتي نفعلها لا مباشرةً، خلافاً لأبي عليّ.

1 . ج : اقتراق.
2 . ج : مجلس.

صفحه 102

صفحه 103
المرصد الرّابع
في أحكام الموجودات
وفيه مقصدان

صفحه 104

صفحه 105
   

المقصد الأوّل

في الأحكام العامّة

وفيه مطالب

]المطلب[ الأوّل: في الواحد ومقابله

تصوّر الوحدة والكثرة ضروريٌّ، لما مرّ، لكن الوحدة أعرفُ عندَ العقل والكثرة عند الخيال. وهما من المعقولات الثّانية وإلاّ لزم التّسلسل. وأثبتهما الأوائل. ولمّا كانت الوحدة عارضةً للعرض كانت بالعرضيّة أولى، فالكثرةُ كذلك، لتقوّمها(1) منها. والواحدُ إمّا بالذّات أو بالعرض، كما يقال: حالُ المَلِك عند المدينة كحال الرّبّان عند السّفينة.
والأوّل إن كان مقولا على كثرة وجب اشتراكها في أمر يتّحد به ولا ينقسم باعتباره; فإن كانت الكثرة شخصيّةً اشتركت في الحقيقة النّوعيّة، وإن كانت نوعيّةً اشتركت في الحقيقة الجنسيّة وتتفاوت قرباً وبُعداً.

1 . ج : لثبوتها.

صفحه 106
وإن لم يكن فهو الواحدُ بالشّخص. فإن لم يقبل القسمةَ بوجه مّا، فإمّا أن لا يكونَ له مفهوم زائد على كونه شيئاً غير منقسم، وهو نفسُ الوحدة، وهو أولى باسم الواحد من البواقي، أو يكونَ، فإن لم يكن ذا وضع فهو المفارقُ، وإلاّ فهو النّقطةُ، وإن قبل القسمةَ فهو خطّ أو سطح أو جسم إن قبل لذاته، وإلاّ فإمّا عارضٌ له أو معروضٌ، ولا يمكن اتّحادُ الاثنين، لأنّهما إن عدما ووُجِد غيرهما أو أحدُهما أو بقيا كما كانا فلا اتّحادَ.
وأثبت الأوائل العددَ، إذ هنا معدوداتٌ بالضّرورة وليست ماهيّاتها مجرّدَ كونها أعداداً، بل ماهيّاتها حقائقُ الأشياء، فكونُها أعداداً أمرٌ مغايرٌ لها، وليس عدماً مطلقاً ولا أيّ ملكة كانت، بل إن كان(1) فعدمُ الوحدة. لكنّه متركّبٌ منها. ومجموعُ الامور الوجوديّة لا يكونُ عدمياً.
وهو خطأ، لأنّ أفراد العشرة إن لم يعرض لها أمرٌ يتّحد باعتباره ليصير محلاّ للعشريّة صار الواحد عشرةً، وهو محال وإلاّ نقلنا(2) البحثَ في العارض، بل هي أمرٌ اعتباريّ وتقوّمه إنّما هو من الآحاد، لعدم الأولويّة في الأنواع وامتناع تقوّم الماهيّة بالأجزاء المتكثّرة المتباينة.

1 . ج : إن كان معدوم فعدم.
2 . ب : قبل ان كان.

صفحه 107
المطلب الثّاني: في التّماثل ومقابله
التّكثّر لا يُعقل مع التّساوي من كلّ وجه، بل لابُدّ من مائز هو التّعيّن، وحينئذ يحصل التّغايرُ، فإن سدّ أحدهما مسدّ الآخر من كلّ وجه، فهما المثلان، وإلاّ فالمختلفان; فإن لم يمكن اجتماعهما في شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة فهما المتقابلان. والمثلان لا يمكنُ اجتماعهما فهما ضدّان في الحقيقة عندَ الأوائل والأشاعرة إن لم يشترط التّباعد، وإلاّ لارتفع الامتياز بينهما في الذّاتيّات واللوازم والعوارض. ومشايخ المعتزلة جوّزوا اجتماعهما لاشتداد(1) بعض الألوان ونمنع انحصار السّبب فيه.
والمتقابلان إن كانا وجوديّين فهما المُضافان(2)، إن تلازما تعقّلا وكان كلّ منهما مقولا(2) بالقياس إلى الآخر، وإلاّ فهما الضّدان، وإن كان أحدهما فعدم وملكة إن تخصّصا بموضوع واحد، وإلاّ فمتناقضان.
وليس للواحد أكثرُ من ضدّ واحد إن شرطنا غايةَ التباعد، وإلاّ جاز التّكثّرُ، وقد يكون أحدهما لازماً للموضوع وقد لا يكون، إمّا مع امتناع خلوّ المحلّ عنهما كالصّحّة والمرض، أو لا كالحرارة والبرودة وأشدّ المتقابلات تعانداً(4)، السّلبُ والإيجاب; لأنّ اعتقادَ أنّ الشّيء ليس بأسودَ له يرفع الذّاتيّ واعتقادَ أنّه أبيض يرفع أنه ليس بأبيضَ، وهو عرضيّ، ورافعُ الذّاتيّ

1 . ج : استناد.   2 . ج : الضدان.
2 . ج : معقولا.   4 . ج : معاندة.

صفحه 108
أقوى معاندةً من الرّافع العرضيّ. والشّيء الواحدُ لا يكون ضدّاً للمختلفين، وكلّ ضدّين فلهما جنسٌ اخير،(1) ولا يتضادُّ جنسان بالاستقراء.
والتّماثل والاختلاف والتّضادّ اُمورٌ اعتباريّة من المعقولات الثّانية. والعقلُ جعلها اُموراً معقولةً ويعتبر(2) فيها مثلَها، ولا تسلسل، بل ينقطعُ بانقطاع الاعتبار. وزعم قدماء المعتزلة أنّ الغيرين(2) يتغايران لمعنى، وكذا المثلان والضّدّان والمختلفان. وهو غلطٌ، وإلاّ لزم التّسلسل.

المطلب الثّالث: في العلّة والمعلول

العلّة ما يستند إليها وجود شيء، ويُسمّى ذلك الشّيء معلولا. وهي إمّا جزء المعلول أو خارجةٌ عنه. والأوّل مادّةٌ إن وجد بها المعلول بالقوّة وصورةٌ إن قارن وجودها بالفعل. والخارجة إمّا مؤثّرة فيه وهو الفاعل، أو الّتي لأجلها الشّيء وهي الغاية.
ولا يمكنُ تكثّرُ علل الشخصيّ التّامّة لوجوبه بكلّ منهما فيستغني عن الأخرى. ويجوز تكثّرُ علل النّوعي واختلافها في الماهيّة; لأنّه لذاته يفتقر إلى علّة مّا والتّعيين من قِبلها. ويكثر معلولُ البسيط وإن اتّحدت الاعتبارات، وإلاّ لكان كلّ موجودين في سلسلة واحدة، وهو باطلٌ بالضّرورة.
ومنع الأوائل من ذلك، لأنّ صدور «آ» غير صدور «ب»، فإن عرضا

1 . ج : آخر.   2 . ج : تعيّن.
2 . ج : الضدين.

صفحه 109
للذّات تسلسل، وإن قوّماها أو أحدهما تركبت.
وهو غلطٌ، لأنّه اعتباريّ، كالسّلب والقبول والإضافة. والاعتذارُ بكونها إضافات واردٌ في الصّدور، والدّور باطل بالضّرورة، فإنّ المؤثّر في المؤثّر في الشّيء مؤثّر فيه.
ولا يمكن ترامي (1) العلل إلى ما لا يتناهى; لأنّ مجموعَها مجموعُ امور ممكنة، كلُّ واحد منها مفتقرٌ إلى المؤثر المغاير، فالمجموعُ كذلك.
ولا يمكن أن يكونَ هو الجزء، إذ لا يجبُ به الجملة وتستلزم تأثيره في علله المتسلسلة إلى ما لا يتناهى، فبقي الخارج، وهو الواجبُ; ولأنّ الممكنات وسط، ووُجدَ الطرف الاخر، فيوجدُ الأوّل.
ولا يجوز تخلّفُ المعلول عن علّته التّامّة، وإلاّ لكان ترجيح أحد الأوقات بالوقوع دونَ غيره إن كان لا لمرجّح لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وهو باطل، وإلاّ لكان(2) ] له [ مدخلٌ في العلّيّة، وقد فرض الأوّل تاماً(3)، هذا خلفٌ.
ولا امتناعَ في اتّصاف البسيط بالمؤثريّة والقبولِ لشيء واحد ويكون الوجوب من حيث المؤثريّة والإمكان من حيثُ القبول، فلا استحالةَ.
والعليّة والمعلوليّة من الأوصاف الاعتباريّة الّتي يمكن إلحاقُها بالاُمور

1 . ج : تراقي.
2 . ج : كان.
3 . الف : تامٌ.

صفحه 110
العينيّة والذّهنية على حدّ واحد، فلا امتناعَ من اتّصاف عدم الملكة بهما.
أمّا العدمُ المطلقُ فلا، ويجوز توقّف العلّة العقليّة على شرط وتركّبها وإن كان المعلول بسيطاً. والغايةُ علّةٌ بماهيّتها(1) معلولة بوجودها،(2) والقوّة المحرّكة(3) الحيوانيّة تنبعث عن شوق منبعث عن تخيّل أو فكر. فإن لم تحصل غاية الشّوق فالحركة باطلة، والسّبب المؤدّي إلى مُسبّبه دائماً أو أكثريّاً غايته ذاتيّة وإلاّ إتّفاقيّة.

1 . ج : رابها.
2 . ب : لماهيتها معلولة في وجودها.
3 . ج : مركبة.

صفحه 111
   

المقصد الثّاني

في الأحكام الخاصّة

وفيه فصول ]أربعةٌ[

] الفصل[ الأوّل

في أحكام الجواهر
وهي «الف» اختصاصه بالتّحيّز، وهو الصّورة الجسميّة عند الأوائل، وعند المتكلّمين، المتحيّز هو المختصّ بحال، لكونه عليها يتزايدُ قدره بانضمام غيره إليه، أو يشغل قدراً من المكان بحيث يمنع غيره من أمثاله عن(1) أن يحصل فيه.
ب ـ تركبت الأجسام منها عند المتكلّمين خلافاً للأوائل. فعندَ جماعة من المعتزلة حصول الجسم من ثمانية منها مترتبة في الطول والعرض والعمق. وعند الكعبيّ من أربعة مثلّث، وفوقها رابع صنوبريّ الشّكل، وعند أبي الهذيل من ستّة، وعند الأشعريّ: الجسم هو المركّب مطلقاً، والمؤلّفُ

1 . ج : غير.

صفحه 112
من اثنين، جسمٌ، والنّزاع لفظيّ. ولا يمكن تركّبه من أعراض، خلافاً لضرار بن عمرو، وحفص الفرد والنّظّام، وإلاّ دار.
ج ـ الجوهر يدرك لمساً ورؤيةً عند المعتزلة، وعندَ الأوائل: أنّ المبصر بالذّات هو اللّونُ أو الضّوء، فابصار الجوهر بالعرض. وعندَ الكلابيّة: المدرك هو القائمُ بنفسه، فاخرج اللّونُ عن كونه مرئيّاً.
د ـ الجوهر لا يعقل إلاّ في حيّز ومُحاذاة، ولابُدّ من مكان، إن جعلنا(1)المكانَ هو «البعدُ»، كما قاله بعضُ الأوائل، وإن جعلناه السّطحَ «الباطن من الجسم الحاوي المماسّ للسّطح الظاهر من المحويّ» على ما ذهب إليه بعضهم، أو «ما يعتمد عليه المتمكن ويُقلّه ويثبتُ عليه» على ما اختاره المتكلّمون، استغنى بعض الأجسام عنه لاستحالة التّسلسل. وألزم القائلون بالسّطح حركة الحجر الواقف في الماء والطائر في الهواء وسكون الشّمس، وألزم القائلون بالبعد تداخلَ البعدين عندَ حلول المتمكّن في مكانه والتزموه.
واختلف في المكان بكلا التّفسيرين، هل يمكن خلوه أو يمتنع؟ فجماعةٌ على الأوّل، لاستلزام حركة السطحين المتلاقيين(2) دونَ صاحبه خلوّ الوسط; لإنتفاء الفُرج وامتناع الطفرة وفرض التلاقي ولامتناع الحركة حينئذ، وإلاّ لزم التّداخلُ إن بقي المتحيّز في الثّاني كما كان، والدّورُ إن انتقل

1 . ب : جعلنا له.   2 . ج : بُعد السطحين متلاصقين.

صفحه 113
إلى مكان الأوّل، وحركة جميع أجزاء العالم بحركة النّملة من مكان إلى غيره.
والتّخلخل والتّكاثفُ الحقيقيّان مبنيّان على المادّة، وقد أبطلناها. وأكثرُ الأوائل على الثّاني وبه قال الكعبيّ، لتقدّره، فيكون كمّاً أو ذا كمّ، ولأنّها متناهية، فهي مُشكّلة. فإن كان الشّكل ذاتيّاً تساوى الجزء والكلّ(1)وإلاّ وجب القابل فثبت(2) الجسم; ولأنّه يلزم أن يكون الحركة مع العائق،
كالحركة بدونه، فإنّ السّرعة في مقابلة الرّقة والبطؤ في مقابلة ضدّها. فلو فرضنا الحركة في مسافة معيّنة خالية تقع في زمان وقعت مع العائق في أكثر، ولنفرضه الضّعف، ثمّ نفرض(2) أرقّ من الأوّل بنسبة تفاوت الزّمانين فيتحرّك في زمان الخلأ والتّقدّرُ (4) ذهنيّ لجسم مفروض.
ويُنتقضُ الشّكلُ بالكرة البسيطة، والغلط(3) في جعل الزّمان بسبب المعاوقة، بل للحركة (6) لذاتها قدرٌ من الزّمان، وباعتبار المعاوقة آخر،
(فسيجمعهما ذاتُ المعاوقة ويتفاوت في الزّائد باعتبار المعاوقة فلا يتساويان)(4) أصلا.
هـ ـ الجوهرُ لا ضدّ له. لانتفاء الموضوع عنه. ومن أثبت الصّور النّوعيّة

1 . ج : الشكل.   2 . ج : فيسبب.
2 . ج : نقض.   4 . الف : والتقلّد.
3 . ج : الفاظ.   6 . ج : المحركة.
4 . ج : وكل يتساويان.

صفحه 114
يلزمه تجويز الضّدّية فيها. والجوهرُ هو المقصود إليه بالإشارة لتوقّفها على تشخّص المشار إليه، وتشخّص الأعراض تابعٌ لتشخّص محلّها.
و ـ أثبت جماعةٌ من المعتزلة للجوهر أربعَ صفات غير الصّفات الثّابتة له باعتبار تركّبه مع غيره، كالحياة وما يشترط بها الجوهريّة، وهي صفة الجنس ذاتيّة، فثبت له حالتي الوجود والعدم، بها يشارك ما يشارك، ويخالفُ ما يخالفُ(1); والوجود، وهي الصّفة الحاصلة بالفاعل. والتّحيّز، وهي الصّفة التّابعة للحدوث الصّادرة عن الجوهريّة بشرط الوجود; والحصول في الحيّز، وهي كونه كائنا، المعلّلة بالمعنى. وأثبتوا للأعراض صفةَ الجنس، الصادرة عنها عندَ الوجود والوجود.
ز ـ قالوا: ولا يمكن تزايدُ الجوهريّة والتّحيّز; لأنّ التّزايد يستند إلى علّة تتزايد أو شرط يتزايدُ، ككون المدرك مدركاً عندَ كثرة المدركات، ولا شيء يستند هاتان الصّفتان إليه يصحّ فيه التّزايد; ولأنّ التّحيّز لو تزايد لجاز صيرورةُ الجوهر الفرد على صورة جبل عظيم للزّيادة الحاصلة في الصّفة الموجبة للتّعاظم، ولا الوجود وإلاّ لصحّ منّا إيجاد الموجود وإحداثه حالا فحالا، والتّالي باطل بالضّرورة، فالمقدّم مثله.
وبيانُ الشّرطيّة أنّ كلّ ذات صحّ حصولها على أزيد من صفة واحدة حالة الحدوث صحّ حصولها على الزّائد حالة البقاء; وبعضُ الأوائل جوّز فيه الشّدّة والضّعفَ. وأمّا السكون فجوّزوا فيه التّزايد.

1 . ج : يخالف فيه.

صفحه 115
ح ـ الجواهر حادثة، خلافاً للأوائل; لأنّها لا تخلو عن الحوادث، وكلّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادثٌ بالضّرورة. وأمّا الصّغرى فلانّها لا تخلو عن الحركة والسّكون بالضّرورة; لأنّها إن بقيت في أحيازها كانت ساكنة وإلاّ فهي متحرّكةً ولا واسطةَ بين النّقيضين، وكلاهما حادثان، لأنّ ماهيّة كلّ منهما يستدعي المسبوقيّة بالغير، ولا شيء(1) من القديم كذلك; ولأنّ كلّ واحد من الحركة الشّخصيّة والسّكون لو كان أزليّاً لما عُدم، والتّالى باطلٌ بالحسّ وتسليم الخصم وإمكان مقولة الوضع.
ونوعُ الحركة لو كان قديماً أو مجموع أفرادها كان الشّخص قديماً، لامتناع وجود نوع منفك عن شخص، ولأنّه إن لم يوجد في الأزل شيءٌ من الحركة،(2) فالكلّ حادثٌ وإلاّ كان قديماً. ولا يمكن قدمُ شخص مّا للحركة ولأنّ كلّ جزئيّ حادث فهو مسبوق بعدم(3) لا الاوّل له أزليّ، فمجموع العدمات أزليّ، فإنّ وجد معها شيء من الحركات يساوي المسبوق والسّابق، وإلاّ كان الكلّ حادثاً، فلا يمكنُ ترامي الحوادث إلى ما لا نهايةَ له.
ولأنّ الحركات لو كانت غيرَ متناهية في جانب الماضي لتوقّف وجود اليوم على انقضاء ما لا يتناهى، وهو مُحال. ولأنّا لو فرضنا من الآن إلى الازل جملةً، ومن زمان الطوفان إلى الأزل جملة اُخرى، ثمّ أطبقنا إحداهما

1 . ج : لاغى.
2 . ج : الحركان.
3 . ج : مقدم.

صفحه 116
بالاُخرى، فإن تساويا تساوى الزّائد والنّاقص. وهو باطلٌ بالضّرورة، وإلاّ انقطعت النّاقصة فانقطعتا معاً.
احتجّ الأوائل، بأنّ كلّ ما لابُدّ منه في المؤثريّة إن كان قديماً لزم القدمُ وإلاّ لزم التّسلسل. والملازمة الأولى ممنوعةٌ والثّانيةُ منقوضةٌ بالحادث اليوميّ. وإذا ثبت حدوث الجواهر ثبت حدوثُ ما يتوقّف(1) عليها، وهو الأجسام، لتركّبها منها ولإنسحاب(2) الدّليل بعينه فيها والأعراض.
ط ـ الجوهر غير مقدور لنا. أمّا مباشرةً فلامتناع التّداخل، وكذا التّولّد مع إتحاد المحلّ.(2) وإمّا مع التّغاير فالّذي يُعدى به الفعل عنه هو الاعتماد، وهو لا يولّد الجوهر، وإلاّ لكنّا إذا اعتمدنا على ظرف زماناً أوجدنا فيه جواهر، كما نوجدها بالنّفخ فيه.
وللأوائل في هذا الباب طريقٌ آخرُ، وهو أنّ الفاعل الصّورة; لأنّ القابل لا يكون فاعلا، والصّورة إنّما تفعل بمشاركة(3) الوضع، ولهذا فانّ النّار تسخّنُ ما يُلاقيها. ثمّ ما يلاقي ما يلاقيها بواسطة الملاقي، والفاعل في المركّب فاعل في جزئه معاً، ولا مشاركة في الوضع بين المادّة والصّورة.
ي ـ قد بينّا بطلانَ المادّة. والقائلون بثبوتها منعوا من تجردّها عن الصّورة، وإلاّ فإن حصلت بعدَ اتّصافها بها في كلّ مكان لزم حصول الجسم

1 . الف : توقّف.   2 . ج : لا يستحاب.
2 . ج : العمل.
3 . ج : لمشاركة.

صفحه 117
في أكثر من مكان واحد، وهو باطل بالضّرورة; أو في بعض الأمكنة لزم التّرجيحُ من غير مرجّح، وهو غير تامّ، لدلالته على امتناع اتّصاف المجرّدة بالصّورة. ويُنتقض بجزئيّات العنصر الواحد. ومنعوا من تجرّد الصّورة عنها، وإلاّ كانت نقطةً أو حالّةً إن انقسمت ويمتنعُ استحالة الأوّل واستلزام الانقسام المادّة.

صفحه 118

الفصل الثّاني

في أحكام الأجسام
وهي ] إحدى عشر[ بحثاً:
الف ـ الأجسام متماثلة، خلافاً للنّظّام; لاشتراكها في الماهيّة، وهي كونها طويلة عريضة عميقة، أو أنّها الجواهر القابلة للأبعاد المتقاطعة على زوايا قوائم، ولاشتباهها حسّاً عند اتّفاقها في الأعراض. ويبتني على مشاهدة الجميع وعلى التّساوي في الحقيقة عند التّساوي في الحسّ.
ب ـ الأجسام باقية، خلافاً للنّظّام، للعلم الضّروريّ بأنّ المشاهدَ ثانياً هو المشاهدُ أوّلا، والإعدام مستند إلى الفاعل.
ج ـ التّداخلُ مُحالٌ، خلافاً للنّظّام، للعلم الضّروريّ بأن بُعدين أعظمُ من أحدهما، وامتناع اجتماع جسمين في حيّز واحد.
د ـ يجوزُ خلوّ الأجسام عن جميع الأعراض إلاّ الكون، خلافاً للأشاعرة، لأنّ الهواء كذلك، وقياس اللون على الكون خال عن الجامع وما قبله على ما بعده ممنوع الأصل.
هـ ـ الأجسامُ مرئيّةٌ بواسطه الضّوء واللّون، وهو ضروريٌّ.

صفحه 119
و ـ الأجسامُ متناهيةٌ خلافاً لحكماء الهند،(1) وإلاّ لأمكننا فرضُ خطّين كساقي مثلّث يمتدّان إلى غير نهاية; فالبُعد بينهما كذلك، فيكون ما لا يتناهى محصوراً بينَ حاصرين، وهو باطلٌ بالضّرورة; ولأنّ الكرة المفروض قطرُها موازياً لخطّ غير متناه إذا تحرّكت حركةً وضعيّةً انتقل القطر من الموازاة إلى المسامتة، فيحدث نقطةٌ هي أوّل نقط المسامتة. ولا يمكن ذلك في غير المتناهي; وللتّطبيق.
ز ـ قد بيّنا حدوثَ العالم، ولا يجبُ أن يكونَ أبديّاً، خلافاً للأوائل(2)والكرّاميّة(3); لأنّ ماهيّتهُ قابلةٌ للعدم، وإلاّ لكان قديماً واجباً لذاته، ويمتنعُ استنادهُ إلى الموجب، ويجوزُ استنادُ العدم إلى الفاعل.
ح ـ الجسمُ إمّا بسيط، وهو الّذي ليس فيه تركيبٌ من قوى وطبايع، ويتشابه أجزاؤه في تمام الماهيّة; وإمّا مركّبٌ، وهو ما فيه تركيبٌ من قوى وطبايع، ولا يتشابه أجزاؤه.
والبسيط إمّا فلكيٌّ أو عنصريٌّ. وكلّيّاتُ الأفلاك تسعةٌ، بناءً على عدم قبوله الخرقَ والالتيامَ، وهو ممنوعٌ. والفلك المحيط هو المحدّدُ للجهات; لأنّ جهتي العلو والسّفل مختلفان طبعاً، ولا يمكن أن يكونَ الجهة عدميّةً، إذ لا امتياز فيه; ولانّها مقصدّ المتّحرّك ومتعلّق الإشارة غير منقسمة، وإلاّ

1 . لاحظ : نهاية المرام للمصنّف: 1 / 356 .
2 . الهيات الشفاء: 266، المقالة السادسة.
3 . نقل المصنّف بقاء الاعراض عن الكرّامية، نهاية المرام: 1 / 569 .

صفحه 120
لكان الواصل إلى منتصفها إن قصد الجهة ممّا ورآءه ليس منها، وإلاّ فهو الجهةُ. ولا يمكن التّمايزُ في البعد المتساوي ولا بجسمين متباينين وضعاً; لأنّ كلّ واحد يُحدّد القرب منه دون البعد، فلابدّ من محيط يتحدّد القرب بسطحه(1)، والبعد بمركزه وإعدامُ الملكة قد تتمايزُ بملكاتها. والجسمُ يقصد الحركة إلى البياض وليس موجوداً ومتعلّق الإشارة الأحيازُ والأبعادُ وأطرافها. وأحدُ البُعدين يخالفُ الآخر بخصوصيّته ووضعه، فهو كاف في تمايز الجهة، ولأنّهما طرفا بُعد متوهّم من المركز إلى المحيط، والبُعدُ يحصل بانقطاع الأبعاد.
ط ـ قالوا: الفلك بسيطٌ، وإلاّ لكان مركّباً فصحّ(2) عليه الانحلالُ، والمحدّدُ لا يصحُّ عليه الانحلالُ وإلاّ لكان ذا جهة مسبوقاً بها، فحركته دوريّةٌ لتساوي نسبة أجزائه إلى الأمور الخارجة عنه، فأمكنت الحركةُ عليه; فكان ذا ميل مستدير، فلا يكونُ له مستقيمٌ، للتّنافي بينَ الميلين; فلا يكونُ خفيفاً ولا ثقيلا، ولا يقبلُ الخرقَ والالتيامَ، ولا حارّاً ولا بارداً ولا رطباً ولا يابساً، بل هو طبيعةٌ خامسةٌ مخالفةٌ لطبائع العناصر.
والأصولُ باطلةٌ: أمّا اوّلا، فلإختصاصها لو سُلّمت بالمحدّد.
وأمّا ثانياً، فلاِنتقاضها بالأفلاك الثّمانيّة، إذ يصحّ على كلّ فلك مماسّة غيره بمقعّره، كما يصحّ بمحدّبه.

1 . ج : بمحيطه.
2 . ج : فيصحّ.

صفحه 121
وأمّا ثالثاً، فلأنّ إمكانَ الحركة لا يستلزمُ وجوبَ الميل، إلاّ إذا تمّ الاستعداد، وهو ممنوعٌ.
وأمّا رابعاً، فلأنَّ الميول لو لم تجتمع لتساوت الحركتان عن ضعيف وقويّ.
وأمّا خامساً، فلم لا يجوزُ وجود ميلين في وقتين عندَ حالتين، كالمتحرّك يوجدُ فيه الميل عندَ مفارقة مكانه وعدمُه عندَ حصوله فيه.
وباقي الاعتراضات ذكرناه في كتاب نهاية المرام(1).
ي ـ بسائطُ العناصر أربعةٌ: «الأرض»، وهي في الوسط، مركزها مركزُ العالم، ولها كيفيّتان: فعليّةٌ هي البرودةُ، وانفعاليّةٌ هي اليبوسةُ.
ويحيطُ بها «الماء» إلاّ ربعاً واحداً معموراً، انكشف عن الماء، لحكمةِ نشو الحيوان. وله كيفيّتان: فعليّةٌ هي البرودةُ، وانفعاليّةٌ هي الرّطوبةُ.
و «الهواء» محيطُ بالماء، وله كيفيّتان: فعليّةٌ، هي الحرارة وانفعاليّةٌ هي الرّطوبة بمعنى قبول الأشكال، لا البلّة.
و «النّار» محيطةٌ بالهواء ولها كيفيّتان: فعليّةٌ هي الحرارة وانفعاليّة هي اليبوسةُ.
وهي قابلةُ للكون والفساد، لصيرورةِ النّار هواءً عندَ الإنطفاء

1 . انظر: الجزء الثالث: 243 ـ 246 .

صفحه 122
وبالعكس عندَ النّفخ; والهواء عندَ تبرّده(1) ماءً، كما يجتمعُ قطرات الماء على طرف الإناء الحاوي للجمد وبالعكس عندَ الإسخان; والأرضِ ماءً، كما يفعله أصحاب الاكسير وبالعكس; فإن كثيراً من مياه العيون ينعقد حجارةً صلدةً.
ومن هذه العناصر تتركّب المركّبات المعدنيّة والنّباتيّة والحيوانيّة.
يا ـ العناصر إذا امتزجت انكسرت صرافة كلّ كيفيّة;(2) فإنّ النّار لا تبقى على صرافة حرارتها، ولا الماءَ على صرافة برودته، ولا الهواءَ على صرافة لطافته، ولا الأرضَ على صرافة يبسها، بل تحدث كيفيّةٌ متوسّطةٌ بين هذه الكيفيّات على النّسبة وهي المزاج.
وفيه إشكالٌ; فإنّ الكاسر والمنكسرَ إن اقترن فعلا هما كان المغلوب حال كونه مقهوراً غالباً. وهو محالٌ; فإن تقدّم فعل أحدهما كان المغلوبُ بعدَ انكساره غالباً، وهو محالٌ.
أجابوا بأنّ الفاعل، الصّورةُ والمنفعل، الكيفيّةُ.
ويشكلُ: بأنّ الصّورةَ إنّما تفعلُ بواسطة الكيفيّة وينتقَضُ أيضاً بالماء الحارّ الممتزج بالبارد.

1 . ج، ب : برودة.
2 . ب : صرافتها إلى كيفيّة.

صفحه 123

الفصل الثالث

في أحكام الجواهر المجرّدة
وفيه ] عشرةُ[ مباحث
الف ـ نفاها أكثرُ المتكلّمين وإلاّ لشاركت واجبَ الوجود ـ تعالى ـ في ذاته، وهو غلطٌ: فإنّ المساواة في الصّفات الثّبوتيّة لا تقتضي المساواة في الذّات; فكيف السّلبيّة؟
نعم أدلّةُ ثبوتها ضعيفةٌ.
أما النّفسُ، فاستدلّوا على ثبوتها بأن هُنا معلومات غيرَ منقسمة، كواجب الوجود والوحدة والنّقطة; فالعلم بها غيرُ منقسم، وإلاّ فجزؤه إمّا أن يكونَ علماً بكلّ المعلوم فيتساوى الجزء والكلّ في الحقيقة، أو ببعضه، فينقسمُ البسيط; أو لا يكونَ علماً، فعندَ الاجتماع إن لم يحصل زائدٌ، فالعلم غيرُ علم; أو يحصل، فيكون هو العلم، فالتّركيبُ في فاعله أو قابله، لا فيه، فمحلّ العلم غيرُ منقسم; وإلاّ فإن قام بكلّ جزء منه جزء من العلم انقسم وقد فرضناه غيرَ منقسم وإن قام ببعض الأجزاء نقلنا الكلام فيه، وإن لم يقم بشيء منه لم يكن محلاّ; فكلّ جسم وجسمانيّ منقسمٌ، فمحلّ العلم الّذي هو النّفس شيءٌ مجرّدٌ.

صفحه 124
وهو ضعيفٌ، لأنّ التّساوي في المتعلّق(1) بالمعلوم لا يستلزمُ التّساوي في الماهيّة، لأنّها نسبة خارجة عن الماهيّة وإذا حصل زائدٌ عندَ الاجتماع لم يحصل(2) انتفاء التّركيب عنه، لعوده في كلّ مركّب ولا يلزم من انقسام المحلّ انقسامُ الحالّ، كما يذهبون إليه في الوحدة والنقطة وغيرهما; ونمنع انقسامَ الجسم إلى ما لا يتناهى.
وأمّا العقلَ فاستدلّوا عليه: بأنّه ـ تعالى ـ بسيطٌ، لا يصدرُ عنه أكثرُ من واحد; ولا يجوز أن يكون جسماً، لتركّبه ولا مادّةً، لامتناع كون القابل فاعلا، ولا صورةً وإلاّ كانت مستغنيةً في فاعليّتها عن المادّة، فتكون مستغنيةً في وجودها عنها. ولا نفساً، وإلاّ لاستغنت عن البدن.
وهو ضعيف لإمكان صدور أكثر من واحد عن البسيط، على ما تقدّم; ثمّ هذا في الموجَب، أمّا المختار فلا، ونمنع تركّب الجسم، وقد أبطلنا الهيولى; والقابل جاز أن يكونَ فاعلا، كما تقدّم، سلّمنا، لكن بالاستقبال أو مطلقاً، ممنوعٌ وكذا الصّورة جاز أن تكونَ متوسّطةً بذاتها وكذا النّفسُ.
ب ـ لمّا أبطلنا دليل النّفس النّاطقة ولم يقم برهانٌ على استحالتها بقي القولُ بالجواز، فإن قلنا بها، فالإنسان المكلّف هو هي، وإلاّ فهو أجزاءٌ أصليّةٌ في هذا البدن، لا يتطرّق إليها التّغيّرُ ولا الفناء، باقية من أوّل العمر اِلى آخره. والتّغذية والتّنمية والتّحلّل في الأجزاء الفاضلة.

1 . ج : التعلّق.   2 . ج : لم يلزم.

صفحه 125
ج ـ اختلف مثبتو النّفس في أنّها واحدة بالنّوع أو لا، فبعضهم على الأوّل، لاتّفاقها في حدّ; وهو ضعيفٌ إذ التّحديدُ راجعٌ إلى التّصوّر، وبعضهم على الثّاني لاختلافها في الذّكاء والرّحمة وضدّهما، ولا يلزم من اختلافِ الصّفات اختلاف الماهيّة.
د ـ النّفسُ إن قلنا بها فهي حادثةٌ. وعليه أكثر الأوائل، لأنَّ الأبدانَ حادثةٌ بالضّرورة، فلو كانت سابقةً عليها لكانت إمّا واحدةً أو كثيرةً، والقسمان باطلان. أمّا الأوّلُ، فلأنّها إن بقيت واحدةً بعدَ التّعلّق اتّحدت الأشخاصُ البشريّةُ بالشّخص، وهو باطلٌ بالضّرورة، وإن تكثّرت كانت جسماً، إذ المنقسم هو الجسمُ. وأمّا الثّاني فلامتناع تكثّرها بالذّاتيّات واللّوازم، لاتّحادها في النّوع، وبالعوارض، لأنّ اختصاصَ بعض جزئيّات النّوع بعارض دونَ غيره إنّما هو بسبب المادّة، ومادّةُ النّفس، البدن، فقبله لا مادّة.
هـ ـ التّناسخ باطلٌ. أمّا عندنا، فظاهرٌ، لحدوث النّفس إن أثبتناها. وأمّا ] عند[ أكثر الأوائل، فلأنّ الحادث ينتهي إلى مبدأ قديم عامّ الفيض والحدوث إنّما هو بواسطة استعداد القابل، وقابل النّفس البدن فحدوثه يوجبُ فيضانَ نفس متعلّقة به; فلو انتقلت إليه نفسٌ اُخرى اجتمع نفسان على بدن واحد، وهو محالٌ.
و ـ عند الأوائل، النّفس لا تفنى بفناء البدن، وإلاّ لكان إمكانُ العدم مفتقراً إلى المحلّ، وليس هو النّفس، لإمتناع كون الشّيء محلاّ لإمكان

صفحه 126
عدمه، لوجوب اجتماع القابل والمقبول، فلابدّ من شيء آخر هو المادّة، فتكونُ ماديّةً، فتكون جسماً. ونمنعُ افتقار الإمكان إلى محلّ; سلّمنا، لكنّ القبول صفة القابل فلا يحلّ في غيره، وإلاّ لزم نفي الإمكان مطلقاً، ولا يلزمُ من كونها مادّيةً كونها جسماً، خصوصاً، وعندكم، أنّها مندرجةٌ تحتَ جنس الجوهر، فتكون لها فصلٌ، فتكون مركّبةً.
ز ـ النّفس تدرك الكلّيّاتِ بذاتها، أمّا الجزئيّاتُ فمنع الأوائل منه إلاّ بواسطة القوى الجسمانيّة، فإنّا إذا تخيّلنا مُربّعاً مُجنّحاً بمربّعين فلابدّ من مايز بينهما، وليس بالذّاتيّات واللّوازم، لتساويهما نوعاً، ولا بالعوارض وليس في الخارج، لفرضهما ذهنيّتين، فليس إلاّ مغايرةَ المحلّين ذهناً، ونمنعُ الحصر.
ح ـ أثبت الأوائل قوىً حسّاسةً باطنةً، وهي خمسٌ:
الحسّ المشترك، وهي قوّةٌ مرتبةٌ في مقدّم البطن الأوّل من الدّماغ، يؤدّي إليها جميعُ الحواسّ ما أدركته، للحكم بأنّ صاحبَ هذا اللّون هو صاحبُ هذا الطّعم. فلولا وحدة القوّة لما أمكن هذا الحكمُ. ويبطلُ: بأنّ الحكمَ للنّفس باعتبار الحواسّ وينتقض بالحكم بالكلّيّ على الجزئيّ.
والخيال، وهو خزانة الحسّ المشترك، وهو حافظ، لا مُدرك، للمغايرة بينَ الحافظ والقابل، كالماء ولا يوجب الكليّةَ. ثمّ الحفظ لابُدّ فيه من القبول فيتّصف بهما القوّة الواحدة.
والمتخيّلةُ، وتسمّى المفكّرةَ، لكن باعتبارين، وشأنها التّركيب

صفحه 127
والتّحليل. وليس ذلك للقوى المدركة، لأنّ الواحدَ لا يكونَ علّةً لأمرين. ويبطل: بأنّ التّصرّف(1) يستدعي العلم، والوهميّة وهي مدركةُ المعاني الجزئيّة، كالصّداقة والعداوة الجزئيّتين.
وأكثرُ الأفعال البشريّة مستندةٌ إليها، وهي مغايرةٌ للقوى الّتي لا يدرك المعاني، وللنّفس الّتي لا تدرك الجزئيّات بذاتها. ويبطلُ: بأنّ العداوة المتعلّقة بهذا الشّخص لا تعقل إلاّ متعلّقةً به، فالمدرك لهما واحدٌ.
والحافظةُ، وهي خزانةُ الوهم ويسمّى متذكّرة، لقوّتها على الاسترجاع بعدَ الغيبوبة، والكلام فيه كالخيال.
ط ـ أثبت الأوائل للنّفس النّباتيّة ثلاثَ قوى:
الغاذيةَ، وهي قوّةٌ حالَة في المغتذي، تحيلُ الغذاء إلى مشابهه ليخلفَ بدلَ ما يتحلّلُ.
والنّاميةَ، وهي الّتي تزيدُ في أقطار الجسم على تناسب طبيعيّ ليبلغَ إلى تمام النّشو.
والمولّدةَ، وهي الّتي تفصلُ جزءاً من فضل الهضم الأخير للمغتذي وتودعه قوّةً من مشيجه.(2)
فالغاذيةَ تخدمها أربعُ قوى: الجاذبةُ للغذاء، والماسكةُ له حتى تهضمه، الهاضمةُ، والدّافعةُ

1 . ج : التصديق.   2 . ج : شبحه.

صفحه 128
وفعلُ الغاذية يتمّ بأمور ثلاثة: تحصيلِ الخلط المشابه للمغتذي بالقوّة وتصييره جزءاً للعضو، وتشبيهه به في قوامه ولونه، فإذا انتقصت الرّطوبةُ الغريزيّةُ بعدَ سنّ الوقوف انحلّت، فانطفت الحرارةُ الغريزيّة وبطل عملُها
ويشكلُ: بأنّ المحتاجَ إلى البدل ليس مجموعَ الزّائل(1) والباقي، لأنّه غيرُ موجود بعدَ زوال الزّائل، ولا الزّائلَ وحده، ولا مجموع الباقي والآتي، ولا الآتي; بل إن كان فالباقي، وهو مساو للآتي، فلا يصحّ احتياجُه إليه، ولأن مداخلة الغذاء، توجبُ التّفريقُ الموجب للألم. وأمّا الباقي فلابُدّ من بقاء شيء فيه(2) وليس الصّورة ولا المادّةَ; لأنّ البدنَ دائماً في التّحلّل، وليس البعضُ أولى من الباقي، فيكونُ النّموُّ إحداثاً.
وأمّا المصوّرةُ، فالضّرورة(3) حاكمة باسناد التّشكّلات مختلفة(4)والأعضاء الغريبة إلى فاعل مختار، لا إلى قوّة لا حسَّ لها ولا إدراكَ.
ي ـ الملائكة والجنُّ والشّياطينُ أجسامٌ لطيفةٌ قادرةٌ على التّشكّلات المختلفة. وأثبت الأوائل النّفوس الفلكيّةَ مجرّدات هي الملائكة. وأنكر أوائل المعتزلةِ الجنَّ، لأنّها إن كانت لطيفةً لم تكن قادرةً على شيء من الأفعال وإن كانت كثيفةً وجب أن نشاهدَها. ويُحتمل أن تكونَ لطيفةً بمعنى الشّفافيّة.

1 . الف : الزائد.
2 . ج : منه.
3 . الف : فالصورة.
4 . ب، ج : العجيبة.

صفحه 129

الفصل الرّابع

في أحكام الأعراض
وهي أربعةُ مباحث:
الف ـ الأعراضُ لا يصحّ عليها الانتقالُ عندَ الأوائل والمتكلّمين; لأنّ علّة تشخّصه المحلُّ، وإلاّ لكان مستغنياً بموجده ومشخّصه(1) عن المحلّ، فلا يحلّ فيه; والملازمةُ ممنوعةٌ.
ب ـ لا يمكن قيامُ العرض بمثلِه عندَ المتكلّمين، خلافاً للأوائل ومعمّر، إذ لابدّ من الانتهاء إلى الجوهر، فهو المحلّ. وهو ممنوعٌ، لجواز اشتراط المتوسّط، كالحركة، والسّرعة. والمرادُ من القيام هنا، الاختصاصُ النّاعتُ.
ج ـ الأعراض منها ما يصحّ عليه البقاء، خلافاً للأشاعرة. وادّعى أبو الحسين الضّرورةَ في ذلك، فإنّا نعلمُ بالضّرورة بقاء السّواد في القار والبياض في القُطن، كما نعلمُ بقاء الجسم المشاهد زمانين، ولأنّها ممكنةٌ في الزمان الأوّل وإلاّ لما وجدت، فكذا في الثّاني، وإلاّ لزم انتقال الشّيء من الإمكان الذّاتيّ إلى الامتناع الذّاتيّ.

1 . ب، ج : تشخّصه.

صفحه 130
واعترضناه في النّهاية(1): بأنّ إمكان البقاء مغايرٌ لإمكان الوجود المطلق.(2) والثّاني ثابتٌ دونَ الأوّل، ولا يلزمُ استحالةُ الممكن.(3)
احتجّوا: بأنّ البقاء عرض، فلا يقوم بالعرض، وبأنّ بقاءه يستلزمُ امتناع عدمه; إذ لا يُعدَم لذاته وإلاّ لصار ممتنعاً; ولا لطريان ضدّ، لأنّ شرطَ طريانه عدمُ الأوّل، فلو عُلّل به دار.(3)
ولا للفاعل المختار; لأنّ الإعدامَ نفيُ أثر، لا إيجادٌ، فعندَ ذلك النّفي إن لم يتجدد شيء لم يكن للفاعل أثرٌ (4) البتة، وإن تجدّد فهو وجوديّ، فيكون إيجاداً، لا إعداماً.
ولا لانتفاء الشّرط، لأنّ شرطه الجوهرُ، وهو باق. والكلامُ في عدمه كالكلام في عدم العرض.
ونمنع كونَ البقاء عرضاً، ويجوز قيامُ العرض بمثله، وجاز استنادُ عدمه إلى ذاته في الزّمن الثّالث، كما تجوّزونه(5) في الثّاني.
ونمنع اشتراط الطّريان بانتفاء السّابق، ويجوز استناد الإعدام إلى الفاعل، والصّادرُ لا يجبُ أن يكونَ وجوديّاً، ونفيُ الوجود أثرٌ، كما أنّ

1 . الجزء الأوّل: 300 ـ 301 .
2 . ج : والنطق.   3 . ج : التمكن.
3 . الاحتجاج للأشاعرة كما في النهاية للمصنّف: 1 / 301 .
4 . ج : ايراد إليه .
5 . ج : يجوّزونه.

صفحه 131
تحصيله أثرٌ. ونمنع انحصار الشّرط في الجوهر، بل جاز اشتراط الباقية بأعراض لا تبقى. فإذا انقطع إيجادُها عدمت.
د ـ لا يمكنُ حلول عرض واحد في محلّين، خلافاً لأبي هاشم في التّأليف ولبعض الأوائل في الإضافات المتّفقة، وإلاّ لجاز حلولُ الجسم في مكانين.
والنّقضُ بامتناع حلول الجسمين في مكان واحد بخلاف العرضين باطلٌ، لأنّ الامتناع هناك للحجميّة المنفيّة(1) عن العرض.
قيل: حلولُ عرض في محلّين(2) ـ بمعنى أنّ الحالّ في محلّ هو بعينه حالّ في آخر ـ باطلٌ، وإلاّ لاستغنى بكلّ منهما عن الآخر، فيكون محتاجاً إلى كلّ واحد منهما حال غناه عنه; وبمعنى حلوله في مجموع شيئين صارا باجتماعهما محلاّ واحداً له، ممكنٌ، كالعشريّة القائمة بالآحاد لما انضمّت وقامت بها وحده. والكلام في الوحدة كالكلام في العشريّة.

1 . ب : منتفيّة.
2 . ج : مجلسين.

صفحه 132

صفحه 133
المرصد الخامس
في
إثبات واجب الوجود تعالى وصفاته
وفيه مقاصد

صفحه 134

صفحه 135

] المقصد[ الأوّل

في اثبات واجب الوجود تعالى

ويستدلّ عليه إمّا بالإمكان أو الحدوث، إمّا في الذّات أو الصّفات، فلأقسام أربعة:
الف ـ العالمُ ممكنٌ لتغيّره وكثرته، وسيأتي أنّ الواجب واحدٌ، باق، وكلّ ممكن فلابدّ له من مؤثّر، فإن انتهى إلى الواجب فالمطلوب، وإلاّ تسلسل أو دار; وهما باطلان بما تقدّم.
ب ـ الأجسامُ متساوية في الجسميّة على ما مرّ، فاختصاصُ كلّ واحد منها بعرضه القائم به أمرٌ ممكنٌ فلابدّ له من مؤثّر.
ج ـ الأجسام حادثة، على ما تقدّم، فلابدّ لها من مُحدِث بالضّرورة، وهي طريقة الخليل (عليه السلام) فالمُحدث إن كان قديماً واجباً فالمطلوبُ، وإلاّ تسلسل.
د ـ النّطفةُ تنقلبُ علقةً ثمّ مضغةً، ثمّ لحماً وعظماً ودماً; فلابدّ له من مؤثّر، وليس هو الإنسانَ، ولا أبواه بالضّرورة، فلابدّ من مؤثّر حكيم. ويمتنعُ استناد هذه الآثار الغريبة إلى القوّة المولّدة، فانّه لا شعورَ لها ولا اختيارَ،

صفحه 136
فكان يصدر عنها شيءٌ واحدٌ ويكونُ شكله الكرةَ.
والطريق الأوّل أقواها، فإنّه كما يدلّ على إثبات الصّانع يدلّ على وجوبه، بخلاف باقي الطرق، لافتقارها في الدّلالة على الوجوب إلى الأوّل.
واعلم أنّ ثبوتَ الواجب قريبٌ من البديهة، لأنّ هنا موجوداً بالضّرورة، فإن كان واجباً فالمطلوبُ، وإلاّ كان ممكناً. فإن تسلسل فمجموعُ الامور الممكنة ممكنٌ لابدّ له من علّة.
ولا يكفي في وجود الممكن مطلقُ العلّة، بل لابدّ من علّة تامّة يصيرُ معها واجباً، وبدونها ممتنعاً.
فالعلّةُ التّامّةُ لمجموع الممكنات يجبُ أن تكونَ واجبةً، لأنّها لو كانت ممكنةً، فان كانت علّةً تامّةً لكلّ واحد من الممكنات كانت علّةً لنفسها، لأنّها من جملة الممكنات، وإن كانت علّةً تامّةً لبعض الممكنات دونَ بعض كانت جزءاً من العلّة التامّة لمجموع الممكنات، وهي بعينها علّةٌ لمجموع الممكنات، فيلزمُ كونُ الشّيء جزءاً من نفسه، ولما تقدّم من إبطال التّسلسل والدّور.

صفحه 137

المقصد الثّاني

في صفاته تعالى

وفيه فصلان

] الفصل[ الأوّل

في الصّفات الثّبوتيّة
وفيه مطالب

] المطلب[ الأوّل: في أنّه ـ تعالى ـ موجود

قد تقدّم إثباتُ واجب الوجود تعالى. والثّبوت الوجود بالضّرورة، ولأنّه لو لم يكن موجوداً لكان معدوماً، إذ لا واسطةَ بينهُما، والعدمُ لا يصلحُ للمبدائيّة.
والملاحدةُ قالوا: إنّه ـ تعالى ـ مبدأ للمتقابلات، كالوجود والعدم، والوجوب وقسيميه، والوحدة والكثرة; ومبدأ المتقابلات لا يتّصفُ بأحدها، فهو ليس بموجود بالمعنى المقابل للعدم، ولا بواحد(1) بالمعنى

1 . ب : ولا واجب.

صفحه 138
المقابل للكثرة، ولا واجب بالمعنى المقابل للإمكان، بل ولا مبدأ بالمعنى المقابل لعدم المبدائيّة، ولا مُبدع بالمعنى المقابل لنقيضه، وهو موجودٌ وواحدٌ ومُبدعٌ من حيثُ كونه مبدأً للوحدة والكثرة، ومبدع للوجود والعدمَ المتصوّر(1) بإزاء الوجود. وهذا الكلام لا فائدةَ فيه محصّلةً.

المطلب الثاني: في أنّه ـ تعالى ـ قادرٌ

والمرادُ منه هو أنّه ـ تعالى ـ يفعلُ مع جواز ألاّ يفعل، بل إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، لأنّه لو لم يكن كذلك لكان موجَباً. والتّالي باطلٌ، وإلاّ لزم قِدَمُ العالم أو حدوثُه تعالى، وهما باطلان.
لا يُقال: العالمُ إن كان صحيحَ الوجود في الأزل التزمنا القِدَمَ، وإلاّ لم يجب القدرةُ، لتوقّف الأثر على القابل كالفاعل، ولإمكان الواسطة، ولأنّ الفاعل إن استجمع جميعَ جهات المؤثريّة امتنع التّرك وإلاّ امتنع الفعل، فلا قدرةَ، ولأنّ التّرك غيرُ مقدور، لأنه عدمٌ، فكذا الفعل.
لأنّا نقول العالمُ صحيحُ الوجود في الأزل إن استند إلى الموجب، مستحيلٌ إن استند إلى القادر. سلمنا استحالته مطلقاً، لكن وجوده قبل أن وجد لا يُخرجُه عن الحدوث، فكان يجبُ أن يوجد قبل وجوده، لوجود العلّة التّامّة وانتفاء المانع، والواسطة باطلةُ بالإجماع، ولأنّها ممكنةٌ، فتكون من العالم، فلا تعقَلُ واسطة بينَ الواجب والعالم.

1 . الف : المتصرر.

صفحه 139
وامتناعُ التّرك باعتبار استجماع الشّرائط لا تُخرجُ الفاعلَ عن القدرة، لأنّ المختار إذا أخذ مع قدرته تساوى الطرفان بالنّسبة اليه، وإن ضمّ إليه الدّاعي وجب. ومعنى الاختيار استواء الطرفين بالنّسبة إلى القدرة وحدها. والقادر هو الّذي يصحّ أن يفعل وأن لا يفعل، لا أن يفعل التّرك.

المطلب الثالث: في أنّه ـ تعالى ـ عالمٌ

اتّفق العقلاء إلاّ قدماء الفلاسفة عليه; لأنّه ـ تعالى ـ فعل الأفعال المحكمة المتقنة، وكلّ من كان كذلك فهو عالمٌ. والمقدّمتان ضروريّتان ولأنّه ـ تعالى ـ مختارٌ. فيكون عالماً; لأنّ المختار هو الّذي يفعل بواسطة القصد.
لا يقالُ: المُحكم قد يصدرُ مرّةً اتفاقاً عن الجاهل، فجاز التّعدد، ولأنّ كثيراً من الحيوانات تفعلُ أفعالا مُحكمةً، وليست عالمةً، كالزّنبور، والمحتذى ولأنّ العلم نسبة، فتغاير الذات، فيكون الله ـ تعالى ـ محلاّ للأمور الكثيرة.
لأنّا نقول: الضّرورة قاضيةٌ بالفرق بينَ وقوع المحكم ندرةً ودائماً. والحيوانات عالمةٌ بما يفعله من الاُمور المحكمة(1)، وكذا المحتذى، والنّسب عدميّةٌ والحلول اعتباريٌّ.

1 . الف : الأُمور المحكم.

صفحه 140
 
المطلب الرابع: في أنّه ـ تعالى ـ حيٌّ
اتّفق العقلاء عليه، واختلفوا في معناه. فعند أبي الحسين والأوائل، أنّ معناه: أنّه لا يستحيلُ أن يقدرَ ويعلمَ، وقد ثبت أنّه ـ تعالى ـ قادرٌ عالمٌ، فيكونُ حيّاً بالضّرورة.
وعندَ الأشاعرة وجماعة من المعتزلة أنّه من كان على صفة لأجلها يصحّ أن يعلمَ ويقدرَ، لأنه لولا ذلك لم يكن حصول هذه الصّحة أولى من عدم حصولها; وهو باطلٌ، لأنّ المقتضي للصحّة ذاتُه المخالفةُ لغيرها من الذّوات بحقيقتها.

المطلب الخامس: في أنّه ـ تعالى ـ مريدٌ

اتّفق العلماء(1) عليه واختلفوا في معناه، فعندَ أبي الحسين أنّه نفسُ الدّاعي، وهو علمُه ـ تعالى ـ بما في الفعل من المصلحة الدّاعية إلى الايجاد أو المفسدة الدّاعية إلى التّرك.
وعند النّجار أنّه عبارةٌ عن كونه غيرَ مغلوب ولا مستكره. وعند الكعبيّ أنّ معناه في أفعال نفسه كونُه عالماً بها، وفي أفعال غيره كونُه آمِراً بها.
وعند الأشاعرة وأبي هاشم أنّه من كان على صفة لأجلها يصحّ منه

1 . ب، ج : العقلاء.

صفحه 141
تخصيص الفعل بالإيجاد في وقت دون آخر أو بإيقاعه على وجه دونَ وجه.
ويدلّ على ثبوت الإرادة له ـ تعالى ـ بالمعنى المطلق أنّ العالم حادث، فتخصيصُ إيجاده بوقت دونَ ما قبله وما بعده، مع جوازهما، يفتقرُ الى المخصّص، وليس القدرة، لتساوي نسبتها، ولا العلم لتبعيته، فهو الإرادةُ، ولأنّ تخصيص ما وجد بالإيجاد دونَ غيره من المقدورات يستدعي مخصّصاً هو الإرادةُ.
ويدلّ على إثبات إرادة الفعل منّا أمرُه بالطّاعة، ونهيه عن المعصية، وهما يستلزمان الإرادة والكراهة، خلافاً للأشعريّة الّذين أثبتوا الطلبَ مغايراً للإرادة، لعدم تعقّله، وإلزامُهم بتمهيد عذر السيّد الضّارب عبده للمخالفة إذا أمره مشتركٌ.

المطلب السّادس: في أنّه ـ تعالى ـ مُدرِكٌ

اتّفق المسلمون على أنّه ـ تعالى ـ سميعٌ بصيرٌ، واختلفوا، فقال أبو الحسين والكعبيّ والأوائل: إنّ معناه علمه بالمسموعات والمبصرات، لإستحالة أن يكونَ هو الإحساسَ بالحواس ولا ما عداه غير العلم، لأنّه غيرُ معقول، وسيأتي أنّه ـ تعالى ـ عالم بكلّ معلوم، وللسّمع.
وأثبت الجُبّائيّان والأشعريّ والسّيّد المرتضى والخوارزميّ أمراً زائداً على العلم، لأنّ إدراكنا زائدٌ على علمنا; للفرق بينَ العلم عندَ المشاهدة وبينه

صفحه 142
عندَ عدمها. والمقتضي لذلك كونُ المدرك حيّاً، والله ـ تعالى ـ حيٌّ، فإدراكه زائد، والمقدّماتُ ضعيفةٌ.
ثمّ استدلّوا على ثبوته بأنه ـ تعالى ـ حيّ، فيصحُّ أن يتّصف بالسّمع والبصر، وكلّ من صحّ اتّصافه بصفة وجب أن يتّصف بها أو بضدّها، وضدّها نقصٌ، وهو على الله ـ تعالى ـ مُحال.
والحقّ استنادُ ذلك إلى النّقل، ولا يجبُ صحّةُ اتّصاف الحيّ بالسّمع والبصر، فإنّ أكثرَ الهوامّ والسّمك لا سمعَ لها، والعقربُ والخُلَدُ(1) لا بصرَ لهما. والدّيدان(2) وكثيرٌ من الهوامّ لا سمعَ لها ولا بصرَ. فلو لم يمتنع اتّصافُ تلك الأنواع بالسّمع والبصر لما خلا جميعُ أشخاصها منهما.(3)
وإذا جاز أن يكونَ بعضُ فصول الأنواع مزيلا لتلك الصّحة بطلت الكليّة. ولا يجبُ اتّصاف الشّيء بأحد الضّدّين كالشّفاف. نعم يجبُ أن يتصف القابل للصّفة بها أو بعدمها، ونمنع كونَ ضدّهما نقصاً في حقّه تعالى.
والقياسُ باطلٌ، على أنّ حياته ـ تعالى ـ مخالفةٌ لحياتنا. ولا يجبُ العموميّةُ، لانتفاء القابليّة، كما أن حياتنا مصحّحةٌ للشهوة والنّفرة دونَ حياته تعالى.

1 . ج : الجراد.
2 . ج : الدّيران.
3 . ج : منها.

صفحه 143
 
المطلب السّابع: في أنّه ـ تعالى ـ متكلّمٌ
اتّفق المسلمون على ذلك، لقوله تعالى، (وَكَلَّـمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(1)، ولا دورَ; لأنه إثباتٌ لكلامه ـ تعالى ـ بإخبار الرّسول المعلوم صدقه بالمعجزة، ولأنّه قادرٌ على كلّ مقدور.
واختلفوا، فعندَ المعتزلة، أنّه خلق في أجسام جماديّة أصواتاً دالّةً على معان مخصوصة، فهو متكلّمٌ بهذا المعنى.
والأشاعرة جوّزوا ذلك، لكن اثبتوا معنىً نفسانيّاً قائماً بذات المتكلّم مغايراً للعلم والإرادة. يدلُّ عليه هذه الحروف والأصواتُ وأنّه قديمٌ في حقّه ـ تعالى ـ واحدٌ ليس بأمر ولا نهي ولا خبر; لانّه حيّ يصحّ اتّصافه بالكلام. فلو لم يكن موصوفاً به كان متّصفاً بضدّه، وهو نقصٌ.
ولأنّ أفعاله ـ تعالى ـ لمّا جاز عليها التّقدّم والتّأخّرُ أثبتنا الإرادةَ المخصّصةَ،(2) وأفعالُ العباد متردّدةٌ بينَ الحظر والإباحة وغيرهما من الأحكام فلابدّ من مخصّص غير الإرادة، لأنّه قد يأمر بما لا يريدُ وبالعكس، فهو الكلام الّذي هو الطلبُ النّفسانيّ، ولأنّه مَلِك مُطاعٌ، فله الأمرُ والنّهيُ.
اعترضت(2) المعتزلة: بأنّ الاستدلال على الإثبات(4) فرع تصوّر المستدل عليه. وما ذكرتموه غيرُ متصور ويمنع صحّه اتّصافه تعالى به،

1 . النساء : 4 / 164.   2 . ج : اثبت ارادة مخصوصة.
2 . الف : اعترض.               4 . ج : اتيان / ب : اثبات ممنوع وما التزموه.

صفحه 144
ويمنع وجوب الاتّصاف بأحدهما وكون الضّدّ نقصاً، بل ثبوته نقصٌ، إذ امرُ المعدوم ونهيُه وإخباره سفهٌ. والأحكام عقليّةٌ لا سمعيّةٌ فالمُخصّص إمّا الصّفات أو الوجوه والاعتبارات الّتي تقع عليها الأفعال، ويقبح الأمر بما لا يريدُ.
وتمهيدُ العذر في قتل العبد بإيجاد صورة، الأمر، وهو مشترك بين الطلب والإرادة. والمُطاعُ إن عنوا به نفوذَ قدرته في جميع الممكنات فهو حقٌّ، وإن عنوا ما طلبوه منعناه.

المطلب الثّامنُ: في أحكام هذه الصّفات وهي إحدى عشر بحثاً

الف ـ ذهب جماعة من المعتزلة والأشاعرة الى أنّ هذه الصّفات وجوديّةٌ، وإلاّ لصحّ حملُها على المعدوم. والملازمةُ ممنوعةٌ، فإنّ كثيراً من العدميّات يمتنعُ حملهُ على المعدوم، وعندَ الأوائل وأبي الحسين أنّها ليست وجوديّةً. وإلاّ لزم تعدّدُ القدماء.
ب ـ هي نفسُ الذّات في الخارج وإن كانت زائدةً في التّعقّل، وهو اختيارُ الأوائل وأبي الحسين، لما تقدّم، ولأنّ الوجود لو كان زائداً كان ممكناً، لأنّه وصفٌ للماهيّة، فلا يكونُ واجباً، هذا خُلفٌ. ولأنّ مؤثّره إمّا الماهيّةُ لا بشرط الوجود، فالمعدومُ مؤثّر في الموجود أو بشرطه،(1)فيتسلسل(2) أو يدور أو غيرها، فيفتقر الى الغير.

1 . ج : لشرطه.   2 . الف : فتسلسل.

صفحه 145
وعندَ جماعة من المعتزلة والأشاعرة أنّها زائدةٌ، للمغايرة بينَ قولنا: واجب الوجود موجودٌ، وبين قولنا: إنّه قادرٌ. وللاستفادة بكلّ منهما، بخلاف قولنا: واجبُ الوجود واجبُ الوجود; ولأنّا قد نعلمُ الذّات ونشكّ(1) في الصّفات، وكلّ ذلك يدلُّ على المغايرة الذّهنيّة.
ج ـ هذه الصّفات أزليّةٌ وإلاّ لافتقرت إلى مؤثّر، فإن كان ذاته دار، وإن كان غيره افتقر إلى غيره، ولأن تأثيره في غيره يستلزم ثبوتها، فهي ثابتة قبل علّتها.
د ـ هذه الصّفات ذاتيّةٌ عندَ المعتزلة والأوائل، لامتناع استنادها إلى غير ذاته، لما تقدّم، وعندَ الأشعريّة أنّها معلّلةٌ بالمعاني، فهو قادرٌ بقدرة، عالمٌ بعلم، حيّ بحياة، إلى غير ذلك من الصّفات.
قال نفاةُ «الأحوال» منهم إنّ العلمَ نفس العالميّة، والقدرة نفس القادريّة، وهما صفتان زائدتان على الذات وقال مثبتوها: إنّ عالميّته ـ تعالى ـ صفةٌ معلّلةٌ بمعنى قائم به، وهو العلم.
هـ ـ إرادته إمّا نفسُ الدّاعي، كما تقدّم، أو أمرٌ زائدٌ عليه مستندٌ إلى ذاته، كاختيار النّجّار،(2) خلافاً للجمهور. وعند الجبّائيين أنّه مريدٌ بإرادة حادثة لا في محلّ; إذ لو كان مريداً لذاته لعّمت إرادته، كالعلم، فيريدُ الضّدّين، أو لإرادة قديمة لزم ثبوتُ القدماء، أو لإرادة حادثة في ذاته كان محلاّ

1 . الف : نشكّل.
2 . ب : كاختيار المختار.

صفحه 146
للحوادث، أو في غيره. فان كان حيّاً رجع حكمها إليه، وإلاّ استحال حلولها فيه، ووجودُ إرادة لا في محلّ غيرُ معقول.
و ـ خبره ـ تعالى ـ صدقٌ، لقبح الكذب عقلا، فلا يصدر عنه، ولأنّ الكذبَ إن كان قديماً استحال منه الصّدق، والتّالي باطل، للعلم بإمكان صدور الصّدق من العالم بالشّيء. والأخيرُ دليل الأشاعرة ولا يتمّ، لبنائه على أنّ الكلامَ القديمَ هو عين الخبر، وأنّه خبرٌ واحدٌ، ولعدم دلالته على صدق الألفاظ.
ز ـ قدرته ـ تعالى ـ تتعلّقُ بكلّ مقدور، للتّساوي في العلّة الّتي هي الإمكانُ. ومنع الأوائل من صدور اثنين عنه، لأنّه بسيط، ولا يتأتى في القادر لو صح. ومنع الثّنويّةُ والمجوس من صدور الشّرّ عنه، وإلاّ كان(1) شرّيراً. فعند المجوس فاعلُ الخير يزدانُ وفاعل الشّرّ أهرمن. وعنوا بهما ملكاً وشيطاناً، واللهُ ـ تعالى ـ منزّهٌ عن فعل الخير والشّرّ. والمانويّةُ تسند ذلك(2)الى النّور والظّلمة وكذا الدّيصانيّة.
وعند جميعهم أنّ الخيّر هو الّذي يكون جميع أفعاله خيراً، والشّرّيرَ هو الّذي يكون جميع أفعاله شرّاً. والخيرُ والشّرّ لا يكونان لذاتهما خيراً وشرّاً، بل بالإضافة إلى غيرهما. وإذا أمكن أن يكون شيء واحد بالقياس إلى واحد خيراً وبالقياس إلى غيره شرّاً أمكن أن يكونَ فاعل ذلك الشّيء واحداً.

1 . ج : لكان.
2 . ج : يستندونهما / ب : يستند وكذا.

صفحه 147
ومنع النّظامُ من قدرته على القبيح، لأنّه محالٌ، لدلالته على الجهل أو الحاجة. والاستحالة من جهة الدّاعي، لا من حيث القدرة.
ومنع عَبّاد من قدرته على ما علم وقوعه أو عدمه لوجوبه أو امتناعه وهو ينفي القدرة، والعلمُ تابعٌ.
ومنع البلخيُّ من قدرته على مثل مقدور العبد; لأنه إمّا طاعةٌ أو سفهٌ، وهما وصفان لا يقتضيان المخالفة الذّاتيّة.
ومنع الجُبّائيّان من قدرته على عين مقدور العبد، لامتناع اجتماع قدرتين على مقدور واحد; لأنّه إن وقع بهما استغنى بكلّ منهما عن الآخر، وإن لم يقع بهما كان المانعُ هو وقوعه بالآخر، فيقع بهما حال ما لا يقعُ بهما وإن وقع بأحدهما لم يكن الآخر قادراً، والأخيرة ممنوعةٌ.
ح ـ علمُه ـ تعالى ـ متعلّقٌ بكلّ معلوم، لأنّه حيّ، فيصحّ أن يعلم كلّ معلوم. فلو اختصّ تعلقه بالبعض افتقر إلى مخصّص، وهو محال ولأنّه يصحُّ أن يعلم كلّ معلوم، فيجب، لأنّها صفةٌ نفسيّةٌ متى صحّت وجبت.
وبيانُ المقدّم، أنّه حيٌّ، وهو يصحّ أن يعلم كلّ معلوم، لأنّ الحيّ هو الّذي لا يستحيل أن يعلم. ونسبةُ الصّحّة إلى الكلّ واحدةٌ.
وبعض الأوائل منع من علمه بذاته، لأنّه إضافةٌ فيستدعي المغايرة. وينتقضُ بعلمنا بأنفسنا.
ومنهم من منع علمه بغيره، لاستحالة حلول صور في ذاته. ويُنتقضُ

صفحه 148
بعلم الواحد بنفسه، ولأنّه إضافةٌ، لا صورةٌ، ولأنّ الصّدور(1) عنه أبلغ في الحصول من الصّورة المنتزعة الصّادرة عن العاقل لمشاركة المعقول، ثم تلك الصّورة تعلمُ بذاتها، فهنا أولى.
ومنهم من منع من علمه بالجزئيّات من حيث هي متغيّرةٌ إلاّ على وجه كلّيّ، فلا يعلم أنّ المتغيّر وقع أو سيقع; لأنّه عند عدمه إن بقى العلمُ لزم الجهل، وإلاّ كان متغيّراً.
وأجاب بعضهم بأنّ العلم بأنّ الشّيء سيوجد هو غير العلم بالوجود حينَ الوجود.
وهو غلطٌ، لاستدعاء العلم المطابقةَ، بل الحقُّ أنّ التّغيّرَ في الإضافات كتغيّر المقدور المستلزم تغيّر إضافة القدرة، لا القدرة.
ط ـ وجوبُ وجوده لذاته يقتضي امتناعَ عدمه في وقت مّا. فهو قديمٌ أزليّ باق سرمديٌّ. وبقاؤه لذاته لا لبقاء يقوم به، خلافاً للأشعريّ، وإلاّ افتقر في وجوده إلى غيره، هذا خُلفٌ. ولأنّ بقاءه باق فيتسلسل أو يدور إن بقى بالغير أو بالذّات، وإن بقى لذاته كان أولى بالذّاتيّة.
والتّحقيق أنّ البقاء يراد به امتناع خروج الذّات الثّابتة عن ثبوتها(2) ومفارقة الوجود لأكثر من زمان واحد بعدَ الزّمان الأوّل، والأوّل ثابتٌ في حقّه تعالى، لا زائدَ عليها. والثّاني منتف،(2) لأنّه لا يعقلُ فيما لا يكونُ فانياً.(4)

1 . ج : المصدور.   2 . ج : ثباتها.
2 . ب : مفتقرٌ.   4 . ب، ج : زمانياً.

صفحه 149
كما أنّ الحكم بأنّ الكلّ أعظم من الجزء لا يمكن وقوعه في زمان أو في جميع الأزمنة، كما لا يقال إنّه واقعٌ في مكان أو في جميع الأمكنة. وهو بناءً على أنّ التّغيّر يستدعي الزّمان.
ي ـ قدرتُه، علمه; وإرادته كافيةٌ في الإيجاد، لوجوبه عند اجتماعهما، خلافاً لبعض الحنفيّة، حيث أثبتوا التّكوين صفة أزليّة لله تعالى. والمكوّن محدث، لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(1)فـ «كن» متقدّمٌ على «الكون»، وهو المسمّى بالأمر، والكلمة والتّكوين والاختراع والإيجاد والخلق، ولأنّ القدرة مؤثّرةٌ في صحّة وجود المقدور، والتّكوين مؤثّر في نفس وجوده.
وهو غلطٌ، لأنّ التّكوين إن كان قديماً لزم قدم الأثر، لأنّه نسبةٌ، وإن كان محدثاً تسلسل. وقوله «كن» لا يدلّ على إثبات صفة زائدة على القدرة، والقدرةُ لا تأثيرَ لها في صحّة الوجود، لأنّها ذاتيّةٌ للممكن.
يا ـ أثبت الأشعري «اليد» صفةً وراء القدرة، و «الوجه» صفةً وراء الوجود، و «الاستواء» صفةً اُخرى. وأثبت القاضي (2) إدراكَ الشّمّ والذّوق واللّمس ثلاثَ صفات. وأثبت عبدالله بن سعيد «القدم» صفةً مغايرةً للبقاء، و

1 . يس : 36 / 82 .
2 . هو أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد المعروف بقاضي القضاة، من أئمة المعتزلة، له مصنّفات منها: شرح الأُصول الخمسة، تنزيه القرآن من المطاعن، المغني، مات سنة 415 هـ . الأعلام: 3 / 273 .

صفحه 150
«الرّحمة» و «الكرم» و «الرّضا» صفات غيرَ الإرادة. ولا دليل على شيء من ذلك.
وجزم آخرون بنفي ما زاد على السّبعة، لأنّا كلّفنا بالمعرفة، وإنّما تحصل بمعرفة الصّفات، فلابُدّ من طريق، وليس إلاّ الاستدلال بالآثار والتّنزيه عن النّقصان، وإنّما يدلاّن على السّبعة، ونمنع من التّكليف بكمال المعرفة.

صفحه 151

الفصل الثّاني

في الصّفات السّلبيّة
وفيه مطالبُ ]اثنى عشر[:

] المطلب[ الأوّل: في أنّه ـ تعالى ـ ليس بمتحيّز

اتّفق العقلاء عليه، خلافاً للمجسّمة، لأنّ كلّ متحيّز لا ينفكّ عن الحركة أو السّكون، فيكون مُحدَثاً، ولأنّه حينئذ إمّا جسمٌ فيكون مركّباً فيكون حادثاً أو جزءاً لا يتجزّأ، وهو غير معقول، لإمتناع اتّصاف مثل ذلك بالقدرة والعلم غير المتناهيين، ولأنّه لو كان جسماً لكان مركّباً. فالعلمُ الحاصل لأحد الجزأين ليس هو الحاصل للآخر، فيتعدد الآلهةُ. والظواهر متأوّلةٌ، وعجزُ الوهم لا يعارضُ القطع العقليّ.

المطلب الثّاني: في أنّه ـ تعالى ـ لا يحلّ في غيره

المعقول من الحلول قيامُ موجود بموجود آخر على سبيل التّبعيّة بشرط امتناع قيامه بذاته. وهو محالٌ في حقّ واجب الوجود، ولقضاء العقل بأنّ الغنيّ عن المحلّ يستحيلُ حلوله فيه. فان كان حالاّ في الأزل لزم قدم المحلّ، وإن لم يكن تجدّدت الحاجة، ولأنّ حلول الشّيء في غيره إنّما

صفحه 152
يتصوّر لو كان الحالُّ إنّما يتعيّنُ بواسطة المحلّ، وواجب الوجود لا يتعيّنُ بغيره.
وعندَ بعض النّصارى، أنّه ـ تعالى ـ حالٌّ في المسيح. وعند الصّوفيّةأنّه ـ تعالى ـ حالٌّ في(1) العارفين. والكلّ محالٌّ، فهو إذن ليس بعرض ولا صورة، لافتقارهما الى المحلّ.

المطلب الثّالث: في أنّه ـ تعالى ـ مخالفٌ لغيره لذاته

ذهب أبو هاشم إلى أنّ ذاته ـ تعالى ـ مساويةٌ لسائر الذّوات في الذّاتيّة، ويخالفها بحالة توجبُ الأحوال الأربعة، أعني الحييّة والعالميّة والقادريّة والموجوديّة. وهي الحالة الإلهيّة لأنّ مفهومَ الذّات هو ما يصحّ أن يعلم ويُخبر عنه. وهو غلطٌ; لأنّ هذا المفهوم(2) أمرٌ اعتباريٌّ ليس نفسَ الحقائق الثّابتة في الأعيان، بل من المعقولات الثّانية.
ولا يمكن تساوي كلّ الذّوات، لأنّ اختصاصَ بعضها بما يوجب المخالفة إن لم يكن لمرجّح كان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن، لا لمرجّح، وإلاّ تسلسل.

1 . ج : حالٌّ في الابدان العارفين.
2 . ج : هذا المفهوم ليس امر اعتباري .

صفحه 153
 
المطلب الرّابع: في أنّه ـ تعالى ـ غيرُ مركّب
كلُّ مركّب ممكنٌ، لأنّه يفتقرُ(1) إلى جزئه، وجزؤه غيره، وكلّ مفتقر ممكنٌ، وواجبُ الوجود ليس بممكن، فليس له أجزاءُ ماهيّة، أعني المادّة والصّورة، ولا عقليّة، أعني الجنس والفصل، ولا مقداريّة; ولا يتركّب عنه غيره، فليس جنساً ولا فصلا ولا نوعاً يندرج تحته أفرادٌ، ولا يتركّب عنه غيره، إذ يستحيل أن ينفعل عن غيره.

المطلب الخامس: في أنّه ـ تعالى ـ لا يتحدُ بغيره

اتفق العقلاء من المتكلّمين والحكماء إلى(2) امتناع الاتّحاد، إلاّ فرفوريوس والرّئيس في بعض كتبه، لأنّ الشّيئين بعدَ الاتّحاد إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحدٌ. وإن عُدما فلا اتّحادَ، بل حدث ثالثٌ، وإن عُدم أحدهما لم يتّحد المعدوم بالموجود. وهذا حكمٌ عامٌّ في كلّ الماهيّات. نعم قد يقال: الاتّحادُ بالمجاز على صيرورة شيء شيئاً آخر بأن يخلعُ صورته ويلبس الأخرى، كما يقال: صار الماء هواءً; أو بأن يحدث للأجزاء مزاج(2) وهيئة زائدة على الاخر كما يقال: صار العفصُ والزّاجُ حِبراً، وهو منفيٌّ(4) عن واجب الوجود ـ تعالى ـ ; لاستحالة خروجه عن

1 . ج : مفتقر.   2 . ج : على.
2 . ب، ج : امتزاجاً.   4 . ج : منتف.

صفحه 154
حقيقته وعدم أمر زائد عليها وامتناع تركّبه من غيره أو معه.
وقالت النّصارى باتّحاد الأقانيم الثّلاثة: الأب والأبن وروح القدس، واتّحد ناسوتُ المسيح باللاّهوت.
والصّوفيّةُ قالوا: أنّه ـ تعالى ـ يتّحدُ بالعارفين. والكلُّ غيرُ معقول.

المطلب السادس: في أنّه ـ تعالى ـ ليس في جهة

اتفق العقلاء عليه إلاّ المجسّمة والكرّاميّة، لأنّه ليس بمتحيّز ولا
حالّ في المتحيّز، فلا يكون في جهة بالضّرورة، ولأنّ الكائن في الجهة لا ينفكّ عن الأكوان بالضّرورة، فيكون مُحدَثاً، وواجبُ الوجود ليس بمُحدَث; ولأنّ مكانه مساو لسائر الأمكنة، فاختصاصه به ترجيحٌ عن غير مرجّح، ويلزمُ قِدَم المكان أو حلول المجرّد في مكان بعدَ إن لم يكن. وهو غير معقول.
وأصحابُ أبي عبدالله ابن الكرّام ذهب بعضهم إلى أنّه في جهة فوق العرش لا نهاية لها، والبُعد بينه وبينَ العرش غيرُ متناه أيضاً. وقال بعضهم متناه. والكلّ خطأٌ، لما تقدّم، ولأنّ العالم كرةٌ.

المطلب السابع: في استحالة الألم واللذّة عليه تعالى

اتفق العقلاء على استحالة الألم عليه، لأنّه إدراك مناف، ولا منافي له تعالى. أمّا اللذّةُ فقد اتفق المسلمون على استحالتها عليه، لأنّ اللذة والألمَ

صفحه 155
من توابع اعتدال المزاج وتنافره، ولا مزاجَ له ـ تعالى ـ ، ولأنّ اللّذّة إن كانت قديمةً وهي داعيةٌ إلى فعل الملتذّ به وجب وجوده قبل وجوده لوجود الدّاعي وانتفاء المانع، وإن كانت حادثةً كان محلاّ للحوادث. وفيه نظرٌ، لجواز اتّحاد داعي اللذّة والإيجاد.
والأوائل أثبتوا له لذّةً عقليّةً لا بفعله، بل باعتبار علمه بكماله، فإنّ كلّ من تصوّر في نفسه كمالا ابتهج، كما أنّ من تصوّر نقصاناً في نفسه تألّمَ. ولمّا كان كماله ـ تعالى ـ أعظمَ الكمالات، وعلمه بكماله أتمّ العلوم استلزم ذلك أعظمَ اللّذات.
والصّغرى ممنوعةٌ والقياسُ على الشّاهد ضعيفٌ، والاجماع ينفيه.

تذنيبٌ

يستحيل اتّصافه بكلّ كيفيّة مشروطة بالوضع، كالألوان والطّعوم والرّوائح وغيرها في(1) الأعراض، لامتناع انفعاله تعالى.

المطلب الثّامن: في أنّه ـ تعالى ـ ليس محلاّ للحوادث

اتّفق الأكثرُ عليه، خلافاً للكرّاميّة، لامتناع انفعاله في ذاته، فيمتنع التّغيّرُ عليه، ولأنّ الحادث إن كان صفةَ كمال استحال خلوّه عنها أزلا،(2) وإلاّ

1 . ج، ب : من.
2 . ب : أوّلا.

صفحه 156
استحال اتّصافُه بها، ولأنّه لو صحّ اتّصافُه به كانت تلك الصّحّةُ لازمةً لذاته، لاستحالة عروضها،(1) وإلاّ تسلسل، فتكونُ أزليّةً. وصحّةُ الاتّصاف بالحادث تستدعي صحّة وجود الحادث أزلا،(2) وهو محالٌ.

المطلب التاسع: في أنّه ـ تعالى ـ غنيٌّ

هذا من أظهر المطالب، لأنّه واجب من جميع الجهات، وكلّ ما عداه ممكنٌ محتاجٌ إليه، فلا يُعقل احتياجُه ـ تعالى ـ إلى غيره، ولأنّ ذاتَه واجبةٌ، وصفاته نفسُ حقيقته، فيستغني في ذاته وصفاته، ولأنّه ـ تعالى ـ ليس محلاّ للحوادث، وغيره حادثٌ، والإضافات ليست وجوديّةً.

المطلب العاشر: في أنّه غيرُ معلوم للبشر

هذا مذهبُ ضرار والغزاليّ(3) وجميع الأوائل، لأنّ المعلوم منه ـ تعالى ـ ليس إلاّ السّلوبَ، مثلُ أنّه ليس بجسم ولا عرض، أو الإضافات مثل أنّه قادرٌ عالمٌ خالقٌ رازقٌ. والحقيقةُ مغايرةٌ لذلك بالضّرورة. وعندَ جماهير المعتزلة والأشاعرة، أنّه ـ تعالى ـ معلومٌ، لأنّ وجوده معلوم، وهو نفس حقيقته، ونمنع الصّغرى.

1 . ج : عدمها.
2 . ب : أوّلا.
3 . هو أبو حامد محمد بن محمد المعروف بالغزالي، المتوفّى 505 هـ .

صفحه 157
 
المطلب الحادي عشر: في استحالة الرّؤية عليه تعالى
الأشاعرة خالفوا جميعَ الفرق في ذلك.
أمّا المعتزلةُ والفلاسفة فظاهرٌ.
وأمّا المجسّمة، فلأنّه لو كان مجرّداً لاستحال رؤيته عندهم.
واتفق العقلاء إلاّ المجسّمة على انتفاء الرّؤية، بسبب الانطباع أو الشّعاع، عنه ـ تعالى ـ .
والأشاعرةُ قالوا، إنّا نفرقُ بينَ علمنا حالةَ فتح العين وتغميضها، وليس بالانطباع ولا الشّعاع، فهو راجعٌ إلى حالة اُخرى ثابتة في حقّه تعالى.
والضّرورةُ قاضيةٌ ببطلانه، لانتفاء الجهة، وكلّ مرئيّ(1) مقابلٌ أو في حكمه، ولأنّه لو كان مرئيّاً لرأيناه الآن، لإنتفاء الموانع ووجود الشّرائط، إذ ليست هنا إلاّ صحّة كونه مرئيّاً وسلامة الحاسّة، ولقوله تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ )(2) تمدّح به، لتخلّله بين مدحين، فإثباته نقصٌ، وهو مُحالٌ عليه تعالى، ولقوله: (لَنْ تَرَانِي )،(3) و «لن» لنفي الأبد، وإذا انتفت في حقّ موسى (عليه السلام)فكذا غيره.

1 . الف : كل مراى.
2 . الانعام : 6 / 103 .
3 . الاعراف : 7 / 143 .

صفحه 158
احتجّوا بأنّ الجوهرَ والعرضَ مرئيّان، والحكمَ المشترك لابُدّ له من علّة مشتركة، وليس إلاّ الوجود والحدوث، والأخير لا يصلحُ للعلّيّة، لأنّ جزءه عدميّ، ولقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)،(1)ولأنّه ـ تعالى ـ علّقها على استقرار الجبل الممكن، لأنّه جسمٌ ولأنّ موسى (عليه السلام)سألها.
والجوابُ: وجودُه ـ تعالى ـ نفس حقيقته، وهو مخالفٌ لوجودنا،
فلا يجب تساويهما في الأحكام. ونمنعُ احتياج صحّة الرّؤية إلى علّة، إذ لو وجب تعليل كلّ حكم تسلسل، ولأنّها عدميّةٌ، ونمنعُ تساوي صحّة رؤية الجوهر وصحّة رؤية العرض، ويجوز تعليل المشترك بعلّتين مختلفتين، ونمنع الحصرَ بوجود الإمكان، فيجوزُ أن يكونَ علّةً لإمكان الرؤية وإن كان عدميّاً.
والحدوث هو الوجودُ المسبوق، ولا يلزمُ من وجود العلّة وجود المعلول، لجواز التّوقّف على شرط أو حصول مانع. و «إلى» واحدُ «الآلاء»، أو أنّ فيها إضماراً، تقديره: «إلى نِعَم ربّها» والتّعليق على الاستقرار حالةَ الحركة، وهو محال، والسّؤالُ وقع لقوم موسى، لقوله تعالى: «فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك، فقالوا: (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً)(2).

1 . القيامة: 75 / 22 ـ 23.
2 . النساء: 4 / 53 .

صفحه 159
 
المطلب الثاني عشر: في أنّه ـ تعالى ـ واحدٌ
لو كان في الوجود واجبا الوجودِ لكانا مشتركين في هذا المعنى، فإمّا أن يكونَ ذاتيّاً لهما، أو لأحدهما، أو عارضاً لهما. والأوّلُ يستلزم تركّبَ كلّ منهما، فيكون ممكناً. والثّاني والثالث يستلزم كلّ منهما أن لا يكونَ معروضه في ذاته واجباً.
ولا يجوز أن يكونَ الواجبُ لذاته هو المعنى المشترك خاصّةً، إذ لا وجودَ له في الخارج إلاّ مخصّصاً.
ولا يجوز أن يكونَ المخصّص سلبيّاً، فإن سلبَ الغير لا يتحصّلُ إلاّ بعدَ حصول الغير; ولأنّ المخالفةَ ممكنةٌ، لأنّ كلّ واحد منهما قادرٌ على جميع المقدورات، فيصحّ أن يقصد أحدهما إلى ضدّ ما قصد(1) الآخرُ، فإن حصل المُرادان، اجتمع الضّدّان، وهو محال، وان عدما كان المانع من مُراد كلّ منهما وجودَ مراد الآخر، فيلزمُ وجودهما وإن وُجِدَ أحدهما فهو الإله; وللسّمع.
وقالت الثّنويّةُ بقدم النّور والظلمة وكلّ خير في العالم فمن النّور، وكلّ شر فمن الظلمة، وكلٌّ منهما لا نهايةَ له في الجهات الخمس. والنّورُ حيٌّ عالمٌ والظلمةُ حيّةٌ جاهلةٌ. وسببُ حدوث العالم اختلاط أجزاء من النّور

1 . ب، ج : قصده.

صفحه 160
بأجزاء من الظلمة. وأراد النّورُ الأعظم استخلاصَ تلك الأجزاء من الظلمة. فلم يمكنه إلاّ بخلق هذا العالم وخلق الأجسام النّيّرة فيه، بحيث تستخلصُ بنورها تلك الأجزاء النّورانيّة من الظلمة. فإذا خلصت فنى (1) العالم.
وهذا الكلامُ كلّه خطأ، فإنّ النّورَ عرضٌ لا يقومُ بذاته، والظلمةَ عدميّةٌ، وعدمُ التّناهي مُحالٌ، لما تقدّم.
وقال المجوسُ: إنّ للعالم صانعاً قادراً عالماً حيّاً حكيماً، سمّوه يزدان، وكلّ خير في العالم منه، وأنّه أفكر(2) لو كان لي ضدٌّ في الملك كيف تكونُ حالي معه، فحدث الشّيطانُ من تلك الفكرة، وكلّ شرّ في العالم منه، واسمه اهرمن. وبعضهم قال بقدم الشّيطان وهو ظاهر الفساد أيضاً.
وقالت النّصارى: الباري ـ تعالى ـ جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب وهو وجوده، واُقنومُ الإبن وهو علمه، واقنومُ روح القدس، وهو حياته.
فإن أرادوا الصّفات فلا منازعةَ إلاّ في اللّفظ، وإلاّ فهو خطأ، لما تقدّم.

1 . ج : نفى .
2 . ج : فكر.

صفحه 161
المرصد السّادس
في العدل
وفيه مطالب

صفحه 162

صفحه 163
   

] المطلب[ الأوّل

في الحسن والقبح العقليّين

الفعل إن لم يكن له صفةٌ زائدةٌ على حدوثه فهو كحركة السّاهي والنّائم. وإن كان، فهو إمّا حسنٌ لا صفة زائدة له على حسنه، وهو المباح; أو له صفةٌ زائدةٌ، فإن أوجبت الذّمّ على التّرك فهو الواجبُ، وإلاّ النّدبُ; وإمّا قبيحٌ، وهو ما يستحقّ فاعله العالمُ بحاله الذّمّ.
واتّفقت المعتزلة على أنّ من الأشياء ما يُعلم كونه حسناً وقبيحاً بالضّرورة، كحسن الصّدق النافع والإنصاف والإحسان وشكر المُنعم وقبح الكذب الضّارّ والظلم والفساد وتكليفِ ما لا يُطاق; ومنها ما يعلم حسنه وقبحه بنظر العقل، كحُسن الصّدق الضّارّ وقبح الكذب النّافع، ومنها ما يُعلم من جهة الشّرع، لا بمعنى أنّه علّةٌ في الحُسن والقبح، بل أنّه كاشف لجزم من لم يعتقد الشّرعُ به، ولأنّه لولاه لجاز إظهار المعجزة(1) على يد الكاذب، والخُلف في وعده ووعيده. والتّعذيب على الطاعة والإثابة على المعصية، فينتفي فائدةُ التّكليف ولأُفحِمَتِ الأنبياءُ.

1 . الف : المعجز.

صفحه 164
وقالت الأشاعرة: إنهما شرعيّان، فالحسنُ ما أمر الشّارعُ به، والقبيحُ ما نهى عنه; لأنّ العلمُ به ليس نظريّاً إجماعاً ولا ضروريّاً، وإلاّ لساوى العلم بأنّ الكلّ أعظمُ من الجزء. والتّالي باطلٌ قطعاً، فكذا المقدّمُ، ولأنّ الكذبَ قد يحسنُ إذا اشتمل على مصلحة، كتخليص نبيّ من ظالم، أو قال: لأكذبنّ غداً، ولأنّه ـ تعالى ـ كلّف من علم عدمَ إيمانه، وخلافُ معلوم الله ـ تعالى ـ مُحال، وكلّف أبا لهب بالإيمان بجميع ما أخبر به. ومن جملة ما أخبر(1) أنّه لا يؤمنُ، فقد كلّفه بأن يؤمن بأن لا يؤمن. وهو جمعٌ بينَ النّقيضين; ولأنّ أفعال العبد اضطراريّةٌ، فلا حسنَ ولا قبحَ.
والجوابُ: المنعُ من الملازمة فإنّ التّصديقات الضّروريّة تتفاوتُ بتفاوت التّصوّرات في الكمال والنّقصان، ومن بطلان التّالي، والكذب ليس بحسن مطلقاً. ويجب التّوريةُ لتخليص النّبيّ، فينتفي الكذبُ، أو يأتي بصورة الإخبار من غير قصد له، بل للاستفهام. ويجبُ ترك الكذب في الغد، لاشتماله على وجهي حسن، هما ترك الكذب وترك إتمام العزم عليه وإن اشتمل على وجه قبح، وهو أولى من الكذب المشتمل على وجهي قبح هُما الكذب وإتمام العزم عليه، وعلى وجه حَسن وهو الصدق، والعلم تابعٌ، فلا يؤثّرُ في المتبوع.
ونمنع إخباره عن أبي لهب بعدم الإيمان. والسّورةُ اشتملت(2) على

1 . ج : اجزائه.   2 . ج : إنه اشتملت.

صفحه 165
ذمّه، لا على الإخبار بعدم إيمانه. ويُحتَملُ نزولها بعدَ موته. ويؤيّده قوله تعالى: (مَا أَغْني عَنْهُ)(1) وقوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ)(2) يُحتَمل نزولها بعدَ موتهم أو حالَ غفلتهم. والغافل غير مكلّف. وسيأتي بيانُ إختيار العبد.

تذنيبٌ

القبائحُ إنّما قبحت لما هي عليه. وكذا الواجباتُ، فإنّ العقلاء متى علموا الظلمَ، أو منعَ ردّ الوديعة، أو ترك شكر المنعم،(3) ذمّوا فاعل ذلك، ومتى علموا ردّ الوديعة أو شكر النّعمة مدحوا فاعله. فإذا طلب منهم العلّة بادروا إلى ذكر الظّلم أو منع الوديعة أو كفران النّعمة أو فعل الشّكر أو الرّدّ. فلولا علمهم الضّروريّ بالعلم لما بادروا إليها وللدوران، فإنّ الضّرر متى كان ظلماً كان قبيحاً. وإذا انتفى الظلم انتفى قبحه فكان علّةً.

1 . المسد : 111 / 2.
2 . البقرة: 2 / 6.
3 . ب، ج : النعمة.

صفحه 166

المطلب الثاني

في أنّه ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح ولا يُخلّ بالواجب

يدلّ عليه أنّ له صارفاً عن القبيح، لأنّه غنيٌّ عنه وعالمٌ بقبحه، ولا داعيَ له إليه، لا نتفاء داعي الحاجة والحكمة، فلا يصدرُ الفعل عنه قطعاً.
والأشاعرة أسندوا القبائح إليه ـ تعالى عن ذلك ـ، لأنّه كلّف الكافر مع علمه بامتناع الإيمان منه، وتكليفُ ما لا يُطاقُ قبيحٌ عندكم، ولأنّه ـ تعالى ـ جمع بين الرّجال والنّساء في الدّنيا ومكّن بعضَهم من بعض، وجعل لهم ميلا إلى الاجتماع وحرّمه، وذلك قبيح، كما يقبح منّا جمع العبيد والإماء،
وقد بيّنا أنّ العلمَ تابعٌ، والغرضُ في التّكليف هو التّعريض على معنى أنّه يجعله بحيثُ يتمكن من الوصول إلى النّفع وقد حصل الغرضُ، والجامع بينَ العبيد والإماء إذا نهاهم عن وصول بعضهم إلى بعض وتوعّدهم عليه بعظيم الضّرر، وفعل بهم ما يُقرّبهم من الامتثال ويُبعّدهم عن المخالفة، ونصب لهم من يؤدّبهم إذا أخلّوا بما اُمروا به عاجلا ووعدهم على الامتثال بعظيم النّفع الّذي لا يمكن الوصول إليه إلاّ به لم يكن قبيحاً.

صفحه 167

المطلب الثّالث

في خلق الأعمال

ذهب جهم بنُ صفوان إلى أن لا فاعل إلاّ الله ـ تعالى ـ. وقالت الأشاعرةُ والنّجّاريّة، إنّ المُحدِثَ هو الله ـ تعالى ـ والعبدَ مكتسبٌ، وأنّه ـ تعالى ـ يخلقُ قدرة للعبد والفعل معاً. واختلفوا في الكسب، فقال الأشعريّ: هو إجراء العادة بإيجاد الله ـ تعالى ـ الفعل والقدرة معاً عندَ اختيار العبد، ولا أثرَ لقدرة العبد. وقال بعضُ أصحابه، معناه تأثيرُ قدرة العبد في كون الفعل طاعةً أو معصيةً أو عبثاً وغيرها من صفات الفعل الّتي يتناولها التّكليف وبها يستحقّ المدح والذّمّ. وقال آخرون: إنّه غيرُ معلوم.
وذهب أهل العدل إلى أنّ للحيوان أفعالا تقعُ بقدرتهم(1) واختيارهم، فعندَ أبي الحسين ومن تابعه أنّ العلمَ به ضروريٌّ. وهو الحقّ. وعند باقي مشايخ المعتزلة ومن تابعهم من شيوخ الإماميّة أنّه كسبيٌّ.
لنا أنّ كلّ عاقل يعلمُ بالضّرورة حُسنَ المدح على الإحسان والذّمّ على الإساءة، وهو يتوقفُ على كون الممدوح والمذموم فاعلا، ولأنّ أفعالنا

1 . الف، ب : بقدرهم.

صفحه 168
واقعةٌ بحسب قصودنا ومنتفية بحسب صوارفنا. وهو معنى الفاعل. ولأنّ الضّرورة قاضية بالفرق بينَ حركاتنا الاختياريّة والاضطراريّة، ولقبح منه ـ تعالى ـ الأمر والنّهي كما يقبح أمرُ الجماد ونهيه; وللسّمع.
احتجّ الخصمُ بأنّ العبدَ حالَ الفعل إن لم يمكنه التّرك فهو الجبر;
وإن أمكنه: فإن لم يتوقّف التّرجيحُ على مرجّح لزم ترجيحُ الممكن من
غير مرجّح، وإن توقّف، فإن كان منه عاد البحث، وإلاّ لزم الجبر، لامتناع الفعل من دونه ووجوبه عنده، ولأنّه لو كان موجداً لفعله لكان عالماً بتفاصيله، فإنّ القصد(1) الكلّيّ لا يكفي في حصول الجزئيّ لتساوي نسبته إلى الجميع. والتّالي باطل قطعاً، لعدم العلم بقدر السّكنات المتخلّلة في الحركات البطيئة، ولأنّه لو أراد العبدُ حركةَ جسم وأراد الله ـ تعالى ـ تسكينه، فإن وقعا أو لم يقعا لزم المُحال، وإن وقع أحدهما كان ترجيحاً من غير مرجّح، لاستقلال كلّ منهما; ولأنّه ـ تعالى ـ إن علم الوقوعَ وجب وإلاّ امتنع، فلا قدرةَ.
والجوابُ: أنّه متمكنٌ من التّرك نظراً إلى القدرة وغيرُ متمكّن نظراً إلى الدّاعي ولا يخرجه عن القدرة، لتساوي الطرفين بالنّسبة إلى القدرة وحدَها، وهو آت في حقّ واجب الوجود. والعلم الإجماليّ كاف في الإيجاد. والقصد الكلّيّ قد ينبعث عنه الفعل الجزئيّ باعتبار تخصيصه

1 . الف : الفصل.

صفحه 169
بالمحلّ والوقت لا باعتبار القصد، وقدرته ـ تعالى ـ أقوى، فكان صدورُ فعله أولى، والوجوب المستند إلى العلم لاحقٌ.(1)
وكما أنّ فرضَ أحد النّقيضين يقتضي وجوبَه لاحقاً دونَ امتناع الآخر، كذا فرضُ العلم، لأنّه مطابقٌ له. والأصل في هيئة التطابق هو المعلوم، مع أنّه آت في حقّه تعالى. والكسب غيرُ مفيد، لأنّ تجويز صدور الاختيار يقتضي تجويز صدور غيره، لعدم الأولويّة; ولانسحاب أدلّتهم عليه، فإنّ اختيار المعصية مغايرٌ لاختيار الطاعة. فحصولُ أحدهما إن لم يكن لمرجّح لزم ترجيح أحد الطرفين لا لمرجّح، وإن كان لمرجّح تسلسل. وكذا باقي الأدلّة.

1 . ج : اللاحق.

صفحه 170

المطلب الرّابع

في أنّه ـ تعالى ـ يريدُ الطاعات ويكره المعاصي

هذا مذهبُ العدليّة، خلافاً للأشاعرة، لأنّ له داعياً إلى الطاعة، ولا صارفَ له عنها، وله صارفٌ عن المعصية، ولا داعيَ له إليها، لأنّه حكيمٌ، والحكيمُ له داع إلى الحَسَن، والطاعة حسنة، وله صارفٌ عن القبيح، والمعصية قبيحةٌ; ولأنّ إرادة القبيح قبيحةٌ، لاستحسان العقلاء ذمّ مريد القبيح، ولأنّه أمر بالطاعة ونهى عن المعصية. وهما يستلزمان الإرادة والكراهة; فإنّ الأمر إنّما هو أمرٌ باعتبار إرادة المأمور به; ولقوله تعالى: (كُلُّ
ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
)(1) وكذب من قال: (لَوْ شَاءَ اللهُ مَا
أَشْرَكْنَا )(2) وقوله: (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ)(2)، (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ
الْفَسَادَ )(4)، (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)(3)، و (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ )(4)، (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )(5).

1 . الإسراء: 17 / 38.   2 . الإنعام: 6 / 148 .
2 . آل عمران: 3 / 108 .   4 . البقرة: 2 / 205 .
3 . الزمر: 39 / 7 .
4 . الذاريات: 51 / 56.
5 . البيّنة: 98 / 5.

صفحه 171
احتجّوا بأنّ إرادةَ الطاعة من الكافر تستلزم وقوعها وكراهةَ المعصية تستلزم عدمها; ولأنّ الأمر قد يوجد بدون الإرادة، كطالب العذر عن ضرب(1) عبده بعدم قبوله منه، فيأمره ولا يريد فعلَه، ليظهرَ عذره; وقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)(2).
والجوابُ: أنّه أراد إيقاعَها اختياراً وكره إيقاعَ المعصية اختياراً، لئلاّ يبطلَ التّكليف. والمولى يوجد صورةَ الأمر ولا طلب، كما لا إرادة، والآية يدلّ على القسر.(3)

1 . ج : بضرب العبد.
2 . يونس: 10 / 99.
3 . ج : على التخيير.

صفحه 172

المطلب الخامس

في التكليف

وهو إرادةُ من يجبُ طاعته على جهة الابتداء ما فيه مشقّةٌ بشرط الإعلام. وهو حسنٌ لأنّه من فعلِه تعالى، والله لا يفعل القبيح; ولابُدّ من غرض، لقبح العبثِ، وليس عائداً إليه تعالى، لاستغنائه، ولا إلى غير المكلّف، لقبح إلزام المشقّة لنفع(1) الغير، ولا ضرر المكلّف لقبحه ابتداء، ولا نفعه، لانتقاضه بتكليف من علم كفره، ولا تعريضه للضرر لقبحه
ولا لنفع يصحّ الابتداء به، لأنّه يصيرُ عبثاً، فهو التّعريضُ لنفع لا يمكن الابتداء به.
والأشاعرة نفوا الغرضَ في أفعاله، وإلاّ لكان ناقصاً في ذاته مستكملا بذلك الغرض، إذ بحصوله يحصل له ما هو الأولى له. وليس بجيّد، وإلاّ لزم العبثُ وإبطال غايات المصنوعات الظاهرة حِكمها.(2) والاستفادةُ باطلة، كما في الخالقيّة.
وهو واجبٌ عندَ المعتزلة خلافاً للأشاعرة، وإلاّ لكان مغرياً بالقبيح،

1 . ج : منفعة.   2 . ج : حكمتها.

صفحه 173
لأنّ للعاقل ميلا إلى القبيح ونفوراً عن الحسن.
فلولا التّكليف الزّاجر عن القبيح لزم ارتكابه،
وشرطه كونُ المكلّف عالماً بصفة الفعل لئلاّ يكلّفَ بالقبيح أو المباح، وبقدر المستحقّ عليه من الثّواب ليؤمن انتفاء الظلم، والقدرة على الإيصال، وكونه منزّهاً عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، وأن يكون ما كلّف به ممكناً، لقبح التّكليف بالمُحال، وكونه ممّا يستحقّ به الثّواب، كالواجب والنّدب وترك القبيح، وقدرة المكلّف عليه، مميّزاً بينَه وبينَ ما لم يكلّفه متمكناً من الآلة والعلم بما يحتاج إليه، والعلّة في حسن تكليف المؤمن آتيةٌ في الكافر; فإنّ العلم غير مؤثر والتّعريض للنّفع ثابت فيه. واختيار الكفر(1)لا يُخرج الحَسن عن حُسنه.

1 . ب، ج : اختياره الكفر.

صفحه 174

المطلب السّادس

في اللّطف

وهو ما كان المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعدَ من فعل القبيح،(1) ولم يكن له حظٌّ في التّمكين ولم يبلغ إلى حدّ الإلجاء، فالآلة ليست لطفاً; لأن لها مدخلا في التّمكين. والإلجاء ينافي التّكليف، بخلاف اللّطف وهو واجبٌ خلافاً للأشعريّة، وإلاّ لزم نقض الغرض، فإنّه ـ تعالى ـ إذا علم أنّ المكلّف لا يختارُ الطاعة أو لا يكونُ أقرب إليها إلاّ عندَ فعل يفعله به وجب عليه فعلُه، وإلاّ كان مُناقضاً لغرضه، كمن قدّم طعاماً إلى غيره ويعلمُ أنّه لا يأكلُ(2) إلاّ إذا فعل معه نوعاً من التأدّب لا مشقّةَ فيه ولا غضاضةَ، فلو لم يفعله لم يكن مريداً لأكله.
لا يقال: الفعل بدون اللطف إن كان ممكناً لم يتوقّف على اللّطف، وإلاّ صار من جملة التّمكين، كالقدرة، ولأنّ وجه الوجوب غير كاف فيه ما لم ينتف عنه وجوه(2) القبح، فلم لا يجوزُ اشتمال اللّطف على وجه قبح، ولأنّ اللطف إن اقتضى رجحاناً مانعاً من النّقيض كان إلجاءً. وإن كان غير مانع لم

1 . ج : فعل المعصية.   2 . ج : لا ياكله.
2 . ج : وجوب القبح.

صفحه 175
يكف في وجود الفعل، وإن لم يقتض رجحاناً البته انتفت فائدته.
لأنّا نقول: الفعل يتوقّفُ على الدّاعي. واللّطفُ أمّا الدّاعي أو سببه أو مقوّيه، فيتوقّف عليه الفعل وليس تمكيناً. ووجوه القبح محصورة مضبوطة، لأنّا مكلّفون باجتنابها، وهي منفيّةٌ عن اللطف، واقتضاء الرّجحان المانع من النّقيض لا يستلزم الإلجاء، كالدّاعي الّذي يجب الفعل عنده، وإن كان غيرَ مانع كفى مع الدّاعي والقدرة.
واللطف إن كان من فعله ـ تعالى ـ وجب عليه فعله، وإن كان من فعل المكلّف وجب عليه ـ تعالى ـ أن يُعرّفه إيّاه ويُوجبه عليه، وإن كان من فعل غيرهما لم يجز أن يكلّفه فعلا متوقّفاً على ذلك اللّطف إلاّ إذا علم أن ذلك يفعله قطعاً.

صفحه 176
   

المطلب السّابع

في الآلام والأعواض

الألمُ منه قبيحٌ، وهو صادرٌ عنّا والعوض فيه علينا، ومنه حَسنٌ، فإن كان من فعلنا، مباحاً أو مندوباً أو واجباً فالعوض عليه تعالى، وإن كان من فعله ـ تعالى ـ فإمّا على وجه الاستحقاق بالعقاب،(1) وإمّا على جهة الابتداء.
واختلفَ فيه، فنفاه البكريّة، وقالت الأشاعرة لا عوضَ عليه ـ تعالى ـ في ما يفعله من الألم ولا في ما يأمر به. وقالت التّناسخيّة، إنّه ـ تعالى ـ يؤلمُ على وجه العقوبة لا غير. وعند العدليّة أنّه ـ تعالى ـ يؤلم ابتداءً بشرط اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه، وهو اللّطف إمّا للمؤلم أو لغيره. وان يكونَ في مقابلته عوضٌ للمؤلم يزيد عليه أضعافاً كثيرةً بحيثُ يختارُ المتألمُ العوضَ والألم; لأن عراءه عن العوض ظلمٌ وعن اللّطف عبثٌ.
والعوضُ، هو النّفعُ المستحقُّ الخالي من تعظيم وإجلال، فالمستحقّ علينا مساو للألم، والمستحقّ عليه ـ تعالى ـ بفعله أو إباحته أو أمره أو تمكينه لغير العاقل زائدٌ عليه. واختلف أهل العدل في الأخير، فقال بعضهم بما

1 . ب، ج : كالعقاب.

صفحه 177
تقدّم، وآخرون بأنّ العوضَ على الحيوان. والباقون قالوا: لا عوضَ هنا .
لنا، أنّه ـ تعالى ـ مكّنه وجعل فيه ميلا شديداً إلى الإيلام ولم يخلق له عقلا يزجره عن القبيح مع إمكانه.
احتجّ الخصمُ بقوله (عليه السلام): «يُنتصفُ للجمّاء من القرناء» (1) وإنّما يكون بأخذ العوض من الجاني وبقوله (عليه السلام): «جُرحُ العجماء جبارٌ»(2) والانتصاف بأخذ العوض إمّا من الجاني أو غيره، وصحّ أن يكونَ جباراً لانتفاء القصاص فيه.
والعوض واجبٌ، خلافاً للأشاعرة، وإلاّ لزم الظلمُ، واختلف الشّيوخُ، فقال أبو هاشم والبلخيّ: يجوزُ أن يُمكّن الله ـ تعالى ـ من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي فعله.
ثمّ قال البلخيّ: يجوز أن يخرج من الدّنيا ولا عوضَ له، ويتفضّل الله ـ تعالى ـ عليه بالعوض، فيدفعه إلى المظلوم. ومنعه أبوهاشم وأوجب التّبقيةَ إلى أن يستحقّ عوضاً موازياً، لأنّ الانتصافَ واجبٌ والتّفضّل ليس بواجب، فلا يُعلّقُ عليه الواجبَ. قال المرتضى: التّبقيةُ أيضاً ليست واجبةً، فلا يعلّق عليها الانتصافَ الواجب. بل، يجب أن يكون له في حال ظلمه عوضاً موازياً.

1 . الاقتصاد: 91 ; كشف المراد: 455 .
2 . الموطأ: 2 / 869 ; بحار الأنوار: 87 / 267 .

صفحه 178

المطلب الثّامن

في الآجال والأرزاق والأسعار

الف ـ الأجل، هو الوقتُ الّذي يحدث فيه الشّيء. ويعنى
بالوقت، الحادثُ الّذي جعل علماً لحدوث غيره. كما يقال: قدم زيدٌ
عندَ طلوع الشّمس. وأجلُ الحياة هو الوقت الّذي يحدث فيه، وأجل
الموت كذلك. فأيّ ميّت مات على اختلاف أسباب الموت، فإنّ موته في أجله.
واختلف في المقتول لو لم يقتل فقيل: يعيشُ قطعاً، لأنّه لو مات قطعاً لكان ذابحُ غنم غيره محسناً إليه. وقيل: يموتُ قطعاً، وإلاّ لزم انقلابُ علمه ـ تعالى ـ جهلا لو عاش.
والملازمةُ الأولى ممنوعةٌ، لأنّه فوّته العوضَ على الله تعالى. وهو أزيدُ من العوض عليه. (1)
والثّانيةُ أيضاً، لجواز تعلّق علم الموت بالقتل والحياة لو لاه.
وأمّا الرّزقُ، فعند العدليّة ما صحّ الانتفاع به ولم يكن لأحد منعه منه،

1 . قال المصنّف في كشف المراد: 340: إذ لو ماتت الغنم استحق مالكها عوضاً زائداً على الله فقال، فبذبحه فوت عليه الاعواض الزائدة.

صفحه 179
لقوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ )(1) والله ـ تعالى ـ لا يأمرُ بالحرام.
وعند الأشاعرة، الرّزق ما أكل وإن كان حراماً. ويجوز طلبُه إجماعاً. ولقوله تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ )(2).
وأمّا السّعرُ، فهو تقدير البدل فيما يُباع به الأشياء. ولا يقال: هو البدل; لأنّ البدل هو الثّمن أو المثمنُ. وليس أحدهما سِعراً. وهو إمّا رخصٌ، وهو السّعرُ المنحطّ عمّا جرت به العادة، والوقت والمكان واحدٌ. وإمّا غلاءٌ، وهو ما يقابله، وكلّ منهما إمّا من الله تعالى أو من العباد.

1 . المنافقون: 63 / 10.
2 . الجمعة: 62 / 10.

صفحه 180

صفحه 181
المرصد السابع
في النبوة
وفيه مطالب

صفحه 182

صفحه 183
   

مقدمة(1)

]من هو النّبيّ[

النّبيّ هو الإنسانُ المخبرُ عن الله ـ تعالى ـ بغير واسطة أحد من البشر، فخرجت الملائكة والمُخبرُ عن غير الله تعالى، والعالِمُ.(2) ولابُدّ من اختصاصه بظهور المعجزة على يده تدلّ على صدقه. والمعجزة(3) ما خرق العادةَ، من ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد مع مطابقته للدّعوى ويعدده(4) في جنسه وصفته.

1 . ج : المطلب الأوّل.
2 . ج : من العالم.
3 . الف : المعجز.
4 . ب : يعده، ج : تعذُره.

صفحه 184

المطلب الأوّل(1)

في إمكان البعثة

اتّفق العقلاء عليه، إلاّ البراهمةَ والصّابئةَ، لأنّ فيها مصلحةً للعالَم، ولا مفسدةَ فيها، وما كان كذلك فهو واقعٌ، فيكونُ ممكناً.
احتجّوا بأنّ الرّسول (عليه السلام) إنّما جاء بما يوافقُ العقل، فلا حاجة إليه، لانتفاء الفائدة وإلاّ كان(2) مردوداً.
والجوابُ، الفائدةُ ظاهرةٌ في ما يوافق العقل، وهو تأكيدُ العقليّ بالنقليّ، وقطع عذر المكلّف، كما قال تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)(3) ولأنّ العقل قد يعجز عن إدراك الحقّ فيحتاجُ إلى كاشف، كالصّفات المستفادة من السّمع، وكالقبائح المستندة إليه والمنافع المعلومة منه، كالصّنائع وغيرها. وما لا يوافقُ العقلَ لا يكون مردوداً إذا لم يقتض العقل نقيضَه.

1 . ج : المطلب الثاني.
2 . ب : لكان.
3 . النساء: 4 / 65.

صفحه 185
المطلب الثّاني

في وجوب البعثة

اتّفقت العدليّة عليه، خلافاً للأشاعرة، لأنّ السّمعيّات واجبةٌ إجماعاً وهي ألطافٌ في العقليّات، للعلم الضّروريّ، بأنّ المواظبَ على فعل الواجبات السمعيّة(1) أقربُ إلى فعل الواجبات العقليّة; وقد نبّه الله ـ تعالى ـ عليه في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(2). واللّطف واجبٌ، ولا يمكن معرفةُ السّمعيات إلاّ بالبعثة; ولأنّ العلم بالعقاب ودوامه، ودوام الثّواب ألطافٌ في التّكليف قطعاً، واللّطفُ واجبٌ ولا يمكن معرفة ذلك إلاّ بالسّمع.
وللأوائل في هذا الباب طريق آخر، وهو أنّ الإنسانَ مدنيّ بالطبع، لافتقاره في انتظام أحواله إلى معاون ومشارك بحيثُ يفرغُ كلٌّ منهم لبعض مصالح الآخر، فيحصل من المجموع لكلّ واحد ما يحتاج إليه في اُمور معاشه. ولا شكّ في أنّ الاجتماع مظنّة التّنازع والتغالب، فلا يستمر(2)فائدته إلاّ بسُنّة وعدل ينتظمُ باعتبار استعمالهما(4) أحوال النّوع. وتلك السّنّة

1 . ج : على تعليم الواجبات الشرعية.            2 . العنكبوت: 29 / 45.
2 . ب : فلا تتمُّ.                           4 . الف : استعمالها.

صفحه 186
والعدل لابُدّ لها من ناصب متميّز عن بني النّوع لعدم الأولويّة في الواضع وكان يفضي إلى ما يقربُ منه. وذلك الامتياز، إنّما هو بفعل لا يتمكن غيره من الاِتيان بمثله، وهو المعجزةُ.
ثمّ إنّ كثيراً من النّاس من يستحقرُ اختلالُ(1) حال النّوع بوصول ما يحتاج إليه بحسب الشّخص، فيحتاج إلى تخويف ووعد بوصول ثواب وعقاب إليه اُخرويّين عندَ المخالفة أو الموافقة.
ولمّا كان الإنسانُ في معرض النّسيان احتاج في تذكار ذلك إلى تكرير ذكر الرّب ـ تعالى ـ ووعده ووعيده. وذلك باستعمال التكاليف الشّرعيّة، فوجب في حكمته ـ تعالى ـ بعثٌ رسول منذر(2) بثواب وعقاب، شارع للتكاليف السّمعيّة المتكرّرة، بحسبِ مقتضى الحكمة الإلهيّة.

1 . ب، ج : اختلاف.
2 . ب : ـ رسول منذر.

صفحه 187
المطلب الثّالث

في وجوب العصمة

ذهب الإماميّةُ خاصّةً إلى وجوب عصمة النّبيّ عن فعل قبيح أو إخلال بواجب، خلافاً لجميع الفرق; فإنّ جمهورَ الأشاعرة والحشويّة جوّزوا جميعَ المعاصي عليهم إلاّ الكفرَ والكذبَ في الأداء. وقال بعضُ المعتزلةإنّما يجوز عليهم الصّغائر سهواً، وبعضهم عمداً على سبيل التّأويل، وبعضهم على سبيل القصد إلاّ أنّها تقعُ مكفّرةً.
لنا: أنّ انتفاء العصمة يستلزم نقضُ الغرض بالبعثة، وهو القبول منهم والامتثال لأوامرهم ونواهيهم، فإنّه لو جوّز المكلّفُ المعصيةَ عنهم جوّز كونَ ما أمروا به معصيةً، ولأنّه يجوزُ أن يؤدّي بعض ما اُمِر بإدائه وأن يؤدّي غير ما أمر به، فينتفي فائدةُ البعثة، ولأنّه إذا فعل المعصيةَ وجب الإنكار عليه، فيسقط محلّهُ من القلوب. ولأنا لو جوّزنا المعصيةَ عليه لم يجب علينا امتثالُ قوله إلاّ بعدَ العلم بصدقه، ويلزمُ الدّور.
ويجب أن يكونَ معصوماً من السّهو في ما يؤدّيه، خلافاً لجميع الفرق، وإلاّ لزم نقضُ غرض البعثة، وأن يكونَ مُنزّهاً عن دناءة الآباء وعهر الأمّهات، وإلاّ لزم التّنفير عنه وسقوط محلّه من القلب.(1)

1 . ج : القلوب.

صفحه 188
في نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)   

المطلب الرّابع

في نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

لأنّه ادّعى النّبوّةَ وظهرت المعجزةُ على يده، فيكون صادقاً.
والأُولى ضروريّةٌ.
وأمّا الثّانيةُ، فلأنّه ظهر على يده القرآن، وهو معجزٌ، لأنّه تحدّى به فصحاء العرب وعجزوا عن الإتيان بمثله، لأنّه سألهم المعارضةَ بمثله أو الحربَ، فاختاروا الحربَ; ومعلومٌ أنّه لو تمكّنوا من المعارضة لم يلجأوا إلى أشقّ الأمرين. ولأنّه ظهر على يده معجزاتٌ كثيرةٌ، كانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وغير ذلك. وإن لم يكن كلّ واحد منها متواتراً، فإنّها متواترةُ المعنى.
وأمّا الثّالثةُ فضروريّةٌ، فإنّ من ادّعى رسالةَ ملك وقال بحضور جمع عظيم، أيّها الملك إن كنتُ صادقاً فخالف عادتك، ففعل الملك ذلك مرّةً بعدَ اُخرى جزم الحاضرون بصدقه.
احتجّت اليهود: بأنّ النّسخَ باطلٌ، وإلاّ لزم الأمرُ بالقبيح أو النّهيُ عن الحَسن; ولأنّ موسى (عليه السلام) إن بيّن دوامَ شرعه بطل النّسخُ لصدقه، وإن بيّن

صفحه 189
انقطاعَه وجب تواتره، لتواتر(1) أصل شرعه، وإن لم يبيّن شيئاً اقتضى الفعل مرّةً. ولقوله (عليه السلام): «تمسّكوا بالسّبتِ أبداً »(2).
والجوابُ: «أنّ الحسن والقبيح يختلفُ باختلاف المصالح والمفاسد المختلفة باختلاف الأزمان، وتواترَ اليهود انقطع، والتأبيدَ لا يدلّ(3) على الدّوام، لقوله في التّوراة: لنوح (عليه السلام) عند خروجه من الفلك: «إنّي جعلتُ كلّ دابّة حيّة مأكَلا لك ولذرّيّتك وأطلقتُ ذلك لكم كنبات العشب أبداً ما خلا الدّم فلا تأكلوه»(4)، ثمّ حرّم على لسان موسى (عليه السلام) كثيراً من الحيوانات.
وفي التّوراة: «قرّبوا إليّ كلَّ يوم خروفين، خروف غدوةً وخروف عشيّةً بين المغارب قرباناً دائماً لاحقاً بكم».(5) ثمّ انقطع ذلك الدّوام.
وقال: «يستخدمُ العبدُ سِتّ سنين، ثمّ يُعرضُ عليه العتقُ، فإن لم يقبل ثُقِبَ اُذنه واستُخدِمَ أبداً» .(6)
وفي موضع آخر: «يُستخدمُ خمسين سنةً، ثمّ يعتقُ في تلك السّنة».(7)وهي كثيرةٌ.

1 . ج : كتواتر.
2 . مبادئ الوصول: 178، نقلاً عن سفر الخروج: 144، فصل 31، طبع بيروت ـ 1937 م.
3 . ج : لابُدّ.
4 . التوراة، السفر الأوّل .
5 . التوراة، السفر الثاني; كشف المراد: 487 .
6 . شرح التجريد للشعراني: 504 ; مبادئ الوصول: 179 .
7 . شرح التجريد للشعراني: 504 ; مبادئ الوصول: 179 .

صفحه 190

المطلب الخامس

في وجه إعجاز القرآنذهب الجبّائيّان إلى أنّه الفصاحةُ. وقال البلخيّ: إنّ جنسَ القرآن غيرُ مقدور للبشر. وقال الجوينيّ(1): إنّه الفصاحةُ والأسلوبُ. وذهب المرتضىوالنّظّامُ (2) إلى أنّ الله ـ تعالى ـ صرف العربَ ومنعهم عن المعارضة مع تمكّنهم; لأنّ العربَ كانوا(3) متمكّنين من المفردات والتّركيب، فكانوا قادرين على الجميع.
واحتجّ الأوّلون بأنّ الاعجاز لو كان للصّرفة لوجب أن يكونَ في غاية الرّكاكة، والقدرةُ على مطلق التّأليف مُسلّمٌ، أمّا على تأليف القرآن فإنّه ممنوعٌ، والملازمةُ ممنوعةٌ.
   

1 . هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله المعروف بإمام الحرمين والجويني، توفّي سنة 478 هـ .قاله في كتابه البرهان في أُصول الفقه: 1 / 98 .
2 . هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام المعتزلي، توفّي سنة 231 هـ . الأعلام: 1 / 43 .
3 . ب : كافّة.

صفحه 191
المطلب السّادس

في تحقيق العصمة

من النّاس من سلب القدرةَ على المعاصي عن المعصوم، إمّا مع مساواة الغير في الخواصّ البدنيّة، لكن العصمة هي القدرةُ على الطاعة، أو عدم القدرة على المعصية، وهو قول أبي الحسن الأشعريّ أو مع اختصاصه في نفسه أو بدنه بخاصيّة تقتضي امتناع إقدامه على المعاصي، كما ذهب إليه بعضهم. ومنهم من أثبت القدرةَ وفسّر العصمةَ بانه امرٌ يفعله ـ تعالى ـ بالعبد بحيثُ لا يُقدِمُ معه على المعصية بشرط أن لا ينتهي إلى الإلجاء، وإلاّ لما استحقّ المدحَ ولبطل التّكليفُ; ولقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ )(1).
وأسبابُ العصمة عندهم اُمورٌ أربعةٌ: حصول خاصيّة لنفسه أو بدنه تقتضي ملكةً مانعةً من الفجور، وحصول العلم بالمدح على الطاعة والذّمّ على المعصية; وتأكيدُ تلك العلوم بترادفِ الوحي وترك اهمال معاتبته عند ترك الأولى. وفي اشتراطِ ترادفِ الوحي نظرٌ; فإنّ الأئمّة ومريم وفاطمة(عليهم السلام)معصومون من غير وحي، والتّحقيق أنّ الله ـ تعالى ـ يفعل به لطفاً ينتفي معه داعي المعصية مع قدرته عليها.

1 . المؤمنون: 23 / 33.

صفحه 192

المطلب السّابع

في وقت العصمة

اتّفقت الإماميّة على عصمتهم قبل النّبوة وبعدها عن الصّغائر والكبائر عمداً وسهواً، وإلاّ لزم نقضُ الغرض من الانقياد إليهم والتّعظيم لهم لسقوط محلّ من كان عاصياً، وجوّزت الفضليّةُ(1) من الخوارج بعثةَ من يعلم الله ـ تعالى ـ منه أنّه يكفرُ. وابن فورك(2) جوّز بعثةَ من كان كافراً، ولم يقع. وبعض الحشوية زعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (أنّه) كان كافراً قبل البعثة، لقوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى )(3)، وأطبق المحققون على بطلانه.
وأكثر الأشاعرة جوّزوا الكبيرةَ على الأنبياء قبل البعثة، لقصّة إخوة يوسفَ. ومنع الباقون من نبوّتهم. واتفق من عدا الإماميّة على جواز الصّغائر منهم قبل البعثة، لكنّ النّظّام والأصمّ جوّزه على سبيل السّهو.

1 . ب : الفضيليّة.
2 . هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الاصبهاني الشافعي، درس ببغداد والبصرة، توفّي سنة 406 هـ . الأعلام للزركلي: 6 / 83 .
3 . الضّحى: 93 / 7.

صفحه 193

المطلب الثّامن

في الكرامات

اتّفقت الأشاعرةُ على جوازها، وهو الحقّ عندي; لقصّة مريمَ وآصفَ وما نقل متواتراً عن الأئمّة (عليهم السلام) من المعجزات. ومنع منه المعتزلة، لامتناع(1)الاستدلال به على النّبوّة. والجوابُ: أنّه يتميّز عن المعجزة بالتّحدّي.

1 . ب : لجواز امتناع.

صفحه 194

المطلب التّاسعُ

في أنّ الأنبياء أفضلُ من الملائكة

اتّفقت الأشاعرة عليه إلاّ القاضي، لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ )(1) وهو يتناول الملائكة; ولاشتغالهم بالعبادة مع جواذب الشّهوة والغضب والموانع الخارجيّة، فتكون عبادتهم أشقّ، وقال (عليه السلام): «أفضلُ الأعمال أحمزُها»(2) وقالت
المعتزلة والفلاسفة: الملائكةَ أفضلُ، لقوله تعالى (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ )(3)، وقوله: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)(4)، (مَا هَذَا
بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
)(4)، ولأنّ الملائكةَ جواهرُ مجرّدةٌ، فتكونُ أشرفَ من البشر.

1 . آل عمران: 3 / 33 .
2 . بحار الأنوار: 67 / 191 و 237، وج 79 / 229 .
3 . الاعراف: 7 / 20.   4 . النساء: 4 / 172.
4 . يوسف: 12 / 31.

صفحه 195
والجوابُ: أنّ الآية تدلّ على تفضيل الملك على آدم وقت مخاطبته إبليسَ، لا بعدَ الاجتباء، أو أنّ القصد إلاّ أن تكونا ملكين لا يأكلان الطعام ونفيُ الاستنكاف عن الملائكة لا يدلّ على تفضيلهم على المسيح، بل إنّما ذكرهم بعد المسيح الّذي(1) قالت النّصارى إنّه ابنُ الله، كقول المشركين إنّهم بناتُ الرّحمن. وتخيّلُ النّساء أنّ جمال الملك أكثرُ من جمال البشر لا يدلّ على تفضيل الملك عليه.

1 . ج : نفياً للّذي.

صفحه 196

صفحه 197
المرصد الثّامن
في الإمامة
وفيه مطالب

صفحه 198

صفحه 199

] المطلب[ الأوّل

في وجوبها

الإمامة رياسة عامّة في اُمور الدّين والدّنيا لشخص من الأشخاص. واختُلفَ في وجوبها. فمنع منه الأصمّ والفوطيّ، وذهب الباقون إلى وجوبها. فعند الإماميّة وأبي الحسين البصريّ والبغداديّين أنّ طريقَ وجوبها، العقل; لكن الإماميّة أوجبوها على الله ـ تعالى ـ ، لكونها لطفاً بالضّرورة، فإنّ النّاس متى كان لهم رئيسٌ ينتصفُ للمظلوم ويردَعُ الظالم، كانوا من الصّلاح أقربَ وعن الفساد أبعدَ; واللّطفُ واجبٌ، لما تقدّم.
لا يُقال: يجوزُ أن تكونَ الإمامةُ لطفاً يقومُ غيرُها مقامَها فلا يجبُ عيناً، فإنّ من اللّطف ما لا يقومُ غيره مقامَه، كالعلم باستحقاق الثّواب والعقاب، ومنه ما يقوم غيره، كالتّكاليف السّمعيّة، وإلاّ لم يخل مكلّفٌ من التّكليف السّمعيّ. سلّمنا، لكن يجوز اشتمالها على وجه قبح. ولا يكفي في الوجوب ثبوت وجهه(1) ما لم ينتف عنه وجوه المفاسد.
لأنّا نقول: اتّفاقُ العقلاء في كلّ مكان وزمان على نصب الرّؤساء دليل

1 . ج : وجه.

صفحه 200
على انتفاء غيرها من الألطاف، ووجوه القبح محصورة. وهي منفيّةٌ هنا.
وقال أبو الحسين والبغداديون: إنّها واجبةٌ على العقلاء. وهو خطأٌ، لما فيه من التّنازع المؤدّي إلى الفساد. وذهب الجُبّائيّان والأشاعرة إلى أنّها واجبةٌ سمعاً.

صفحه 201

المطلب الثّاني

في وجوب عصمة الإمام

ذهب إليه الإماميّةُ والإسماعيليّةُ، خلافاً لباقي الفرق، وإلاّ لزم التّسلسل; إذ وجهُ الوجوب جوازُ الخطأ على الاُمّة. فلو كان الرّئيسُ كذلك افتقر إلى رئيس آخر، ويتسلسل.
ولأنّه حافظٌ للشّرع، فيجب أن يكونَ معصوماً.
أمّا الاولى فلأنّ الكتابَ والسّنة غيرُ وافيين بالأحكام الشّرعيّة ولوقوع النّزاع فيهما وتناهيهما وعدم تناهي الحوادث.
ولا الإجماع، لجواز الخطأ، على كلّ واحد، فكذا المجموعُ.
ولا القياسُ، لأنّه ليس حجّة، إذ مبنى شرعنا على اتّفاق المختلفات، كاتّحاد البول والنّوم في الحكم، واختلاف المتّفقات، كإيجاب صوم آخر رمضان وإفطار أوّل شوّال، فلم يبق سوى الإمام; فلو جاز الخطأ عليه لم يبق وثوقٌ بقوله، لجواز خطائه وسهوه.

صفحه 202

المطلب الثالث

في أنّه يجبُ أن يكونَ أفضلَ ]ومنصوصاً[

لأنّه لو كان مساوياً لم يكن أولى بالرّياسة، ولو كان أنقصَ قبح تقديمه على الفاضل عقلا، ولقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1) فيكونُ أعلمَ وأشجعَ وأكرمَ وأزهدَ وأورعَ وأحلمَ، إلى غير ذلك من صفات الكمال. ويكونُ منزّهاً عن دناءة الآباء وعهر الأُمّهات، لئلا يسقط محلّهُ من القلب.
ويجبُ أن يكونَ منصوصاً عليه ، لأنَّ العصمة من امور الباطنة الّتي لا يعلمُها إلاّ الله تعالى. والنّصُّ إمّا بخلق مُعجز على يده عقيبَ ادّعاء الإمامة، أو بتعيين المعصوم عليه، كنبيّ أو إمام.
في أنّ الإمام بعدَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليٌّ(عليه السلام)   

1 . يونس: 10 / 35.

صفحه 203

المطلب الرّابع

في أنّ الإمام بعدَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليٌّ(عليه السلام)

ذهبت الشّيعة إلى ذلك، لوجوه:
الف ـ إن كان الإمام يجبُ أن يكونَ معصوماً فهو عليّ (عليه السلام)، لكنّ المقدّمَ حقٌّ، لما سبق، فالتّالي مثله. وبيانُ الشّرطيّة، الإجماع; إذ لا قائل بعصمة غيره.
ب ـ تواترُ النّصّ من النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تنقله الشّيعة خَلفاً عن سلف ـ في قوله: «سَلّموا عليهِ بإمرة المؤمنين»(1)، و «اسمَعوا وأطيعوا له»(2)، و «أنتَ الخليفةُ مِن بَعدي»(3).
ج ـ قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... )(4) الآية ولفظة «إنّما» للحصر بالنّقل، ولبقاء الوضع وامتناع توارد النّقيضين على محلّ واحد، وورود النّفي على المذكور فتعيّن العكس.

1 . الغدير: 1 / 9 ـ 12 .
2 . معاني الأخبار: 352 .
3 . الصوارم المهرقة: 188 .
4 . المائدة: 5 / 55.

صفحه 204
والمراد بالـ «وليّ» هو الأولى بالتّصرّف عرفاً ووضعاً. والمرادُ: «البعضُ»، لاتّصافه بوصف خاصّ. فهو عليّ (عليه السلام) لانتفاء الوصف عن غيره، وثبوته فيه لمّا تصدّق بخاتمه(1) حال ركوعه.
د ـ تواتر النّقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يومَ الغدير في قوله: «ألستُ أولى منكم بأنفسكم، قالوا بَلى، قال: فَمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مَولاه، اللّهُمَّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداهُ، وانصُر مَن نصَرَه، واخذُل مَن خَذَله».(2) والمراد بالمولى: «الأولى». لسبق تمهيد القاعدة به ولامتناع إرادة غيره من معانيها، لاستحالة أن يجمع النّبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الاُمّة وقتَ الهِجّير وينصبَ شبه المنبر ويأخذَ بعَضُد عليّ (عليه السلام) ويريدُ «مَن كنتُ» ابن عمّه، فهذا عليّ ابن عمّه; أو من كنت خليفتَه فهذا خليفته، أو من كنتُ ناصره فهذا ناصرُه. مع قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض )(3).
هـ ـ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنتَ منّي بمنزلة هارونَ من موسى إلاّ إنّه لا نبيّ بعدي»(3)، والاستثناء يقتضي التّعميمَ.(4)
ومن جملة منازله أنّه لو عاش بعده لكان باقياً على الخلافة، وإلاّ لزم هبوطُ منزلته، ولأنّه معصوم يستحقّ خلافته.

1 . ج: بخاتم.
2 . عيون أخبار الرضا: 2 / 58 .   3 . التوبة: 9 / 71.
3 . الكافي: 8 / 107، الحديث 80 .
4 . ج : العموم.

صفحه 205
و ـ عليّ (عليه السلام) أفضل، فهو الإمام. أمّا الملازمةُ، فلِما تقدّم من قُبح تقديم المفضول. وأمّا صدقُ «الأولى»، فلانتساب العلماء بأسرهم إليه. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أقضاكم عليٌّ»(1) وهو مشروط بالعلم والزّهد، ولرجوع الصّحابة في وقائعهم إليه; وقول عمر في عدّة مواطن «لو لا عليّ لهلك عمر».(2)
ولقضاياه الغريبة «كوزن قيد(3) العبد بالماء»(4) وقسمة ثمانية دراهم في قضيّة «الأرغفة الثّمانية»(5) وإعطاء صاحب الثّلاثة درهماً والباقي للآخر، وغير ذلك من غرائب القضايا.
ولإجماع المفسّرين على أنّ المراد بقوله (وَأَنْفُسَنَا)(6) عليّ (عليه السلام); والاتّحادُ مُحالٌ، فالمرادُ، المُساوي; ولخبر الطائر حين قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ إئت بأحبّ خَلقِك إليك يأكلُ معي من هذا الطائر»(7).
واتّخذه أخاً لنفسه دونَ غيره من الصّحابة. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أرادَ أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى يوشع(8) في تقواه وإلى إبراهيم في

1 . الغدير: 3 / 95 ـ 98 .
2 . ذخائر العقبى: 80 و 82 .
3 . ج : كوزن المقيدة الماء وضمّ.
4 . راجع بحار الأنوار: 40 / 280 ـ 281 .
5 . راجع مناقب ابن شهر آشوب: 1 / 329 ; كنز العمال: 5 / 835 برقم 14512 .
6 . آل عمران: 3 / 61.
7 . أمالي الصدوق: 753، الحديث 3، المجلس 94 ; إرشاد المفيد: 1 / 38 ; مستدرك الحاكم: 3 / 132 ; المعجم الأوسط: 2 / 207 و ج 6 / 90 و ج 7 / 267 .
8 . ج : نوح.

صفحه 206
حلمه(1) وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب»(2)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ خيرُ البشر، فمَن أبى فقد كفر»(3) ، وغير ذلك من الآثار والآيات مذكورٌ في كتاب النّهاية.
ز ـ الإجماع على أنّ أبابكر والعبّاس كانا كافرين، فلا يصلحان للإمامة، لقوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )(4) وعليّ (عليه السلام)لم يسبق له كفرٌ، فتعيّن للإمامة.
في إمامة باقي الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)   

1 . ج : فحكمه.
2 . روضة الواعظين: 28 ; الغدير: 3 / 358 .
3 . من لا يحضره الفقيه: 3 / 493 ; تاريخ مدينة دمشق: 42 / 372 .
4 . البقره: 2 / 124.

صفحه 207

المطلب الخامس

في إمامة باقي الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)

يدلّ عليه ما سبق في إمامة عليّ (عليه السلام) من وجوب العصمة والنّصّ والنّقل المتواتر(1) خَلفاً عن سَلف بأنّ كلّ واحد منهم نصّ على مَن بعده، وتواتر النّقل عن النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في قوله للحسين (عليه السلام): «هذا إبني، إمامٌ، ابنُ إمام، أخو إمام، أبو أئمّة تسعة، تاسعُهم قائمُهم»(2). وغيبةُ الإمام (عليه السلام)مُستندةٌ إلى منع المكلّفين أنفسهم اللّطفَ أو لمصلحة خفيّة(3) استأثر الله ـ تعالى ـ بعلمها; ولا يُنافي اللّطف، لأنّ تجويزَ ظهوره في كلّ آن زاجرٌ عن القبائح.

خاتمةٌ

يجب الأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن المنكر إجماعاً، سمعاً على الأشهر، وإلاّ لما ارتفع معروفٌ ولما وقع منكرٌ، أو كان الله ـ تعالى ـ مُخلاّ بالواجب، لأنّ الأمرَ بالمعروف هو الحملُ عليه، والنّهيَ هو المنعُ من المنكر. فلو وجبا

1 . ج : البقاء المنزلة.
2 . دلائل الإمامة: 240 ; إثبات الهداة: 3 / 617 ح 174 ; كشف اليقين: 118 .
3 . ج : المصلحة خيفيّة.

صفحه 208
بالعقل لوجبا على الله تعالى، لأنّ كلّ واجب عقليّ فهو واجبٌ على من حصل له(1) وجهُ الوجوب. ولهما شرائط: أن يعلمَ المعروفَ معروفاً والمنكرَ منكراً، وتجويز تأثير الإنكار وانتفاء المفاسد عنه وعن بعض المؤمنين.

1 . ج : على من قصده به.

صفحه 209
المرصدُ التّاسعُ
في المعاد
وفيه مطالب

صفحه 210

صفحه 211
   

] المطلب[ الأوّل

في إمكان خلق عالم آخر

اتّفق المليّون(1) عليه، خلافاً للفلاسفة، لتساوي المثلين(2) في الأحكام، والإمكانُ من لوازم الماهيّة وللإجماع، ولقوله تعالى: (أَوَ لَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ)(3) الآية.
احتجّوا بأنّ العالمَ كرةٌ، ويلزمُ الخلأ من وجود اُخرى.
والصّغرى ممنوعةٌ ونمنع استحالةَ الخلأ ولزومه.

1 . ب، ج : المسلمون.
2 . ج : المسلمين.
3 . يس: 36 / 81.

صفحه 212

المطلب الثّاني

في إمكان عدم العالم

اتفق المليّون(1) إلاّ الكراميّة عليه، خلافاً للفلاسفة، لأنّه
ممكنٌ ومُحدثٌ فجاز عدمُه، ويجوزُ عدمُ الزّمان ولا يفتقرُ إلى زمان، كما
في تقدّم بعض أجزائه على بعض. واحتجاج الكراميّة بأنّ عدمه ليس بالفاعل، لأنّ الأعدام إن كان وجوديّاً لم يكن عين عدم العالم، بل مفضياً له، فيكون أعداماً بالضّدّ، وإن لم يكن وجوديّاً امتنع إسناده إلى المؤثّر، إذ لا فرقَ بينَ لا أثر له وبين أثر العدم، ولا بالضّد، لأنّ حدوثه متوقفٌ على انتفاء الضّدّ الآخر.
فلو علّل انتفاء الضّدّ بحدوث هذا دار، ولأنّه ليس انتفاء أحدهما بالآخر أولى من العكس، وقوّة الحادث لتعلّق السّبب مشتركة، ولا بعدم(2)الشّرط إذ ليس إلاّ العرض، فيكون الجوهرُ محتاجاً إلى العرض. وهو دورٌ باطلٌ; لأنّ الاعدام ليس وجوديّاً.

1 . ب : المسلمون.
2 . ب : لعدم / ج: العدم.

صفحه 213
والفرق بين نفي الفعل وفعل العدم ظاهرٌ، فإنّ الأوّل حكم بعدم صدور شيء البتة، وأنّ الحال مستمرّ على ما كان، والثّاني حكمٌ بصدوره عن الفاعل.
وبتجدد العدم بعد أن لم يكن والعدمان يتمايزان: إمّا بالانتساب إلى وجودين أو بانتساب أحدهما خاصّةً. والحادث لا يتوقفُ على عدم الباقي، بل عدم الباقي معلولُ الحادث والحاجة، وإن اشتركت إلاّ أنّ الموجد أقوى من المبقيّ.
لأنّ الإيجاد إعطاء الوجود الّذي لم يكن أصلا. والتّبقية حفظ الوجود الحاصل. ولكونه أقوى يترجّح الحادث ويُعدم المرجوح ويمنعُ انحصار الشّرط في العرض،(1) لجواز أن يكون عدميّاً.
سلّمنا، لكن جهة الاحتياج مختلفةٌ، فإنّ الجوهر المعيّن(2) محتاجٌ إلى عرض مّا، لا بعينه، والعرض المُعيّن محتاج إلى جوهر معيّن.

تذنيبٌ

ذهب جمهورُ المتكلّمين إلى أنّ العالم يُعدم، لقوله تعالى: (كُلُّ
مَنْ عَلَيْهَا فَان
)(2) (كُلُّ شَيءْ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ )(3)، (هُوَ الأَوَّلُ

1 . ج : العوض.   2 . ج : للعين.
2 . الرحمن: 55 / 26.
3 . القصص: 28 / 88 .

صفحه 214
وَالآخِرُ) (1)، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ )(2) ولمّا كان الابتداء عن عدم فكذا الإعادةُ.
وقال أبو الحسين البصريّ: إنّه لا يُعدم بل يتفرقُ أجزاؤه; لأنّه(3) لو عُدم لم يَعُد، والتّالي باطلٌ فالمقدّم مثله. أمّا الشّرطيّة، فلما يأتي. وأمّا بطلان اللازم; فلأنّ المكلّف يستحقّ الثّواب. فلو لم يعد لزم الظلم، وللعلم الضّروريّ من دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتواتر الآيات الدّالّة عليه.

1 . الحديد: 57 / 3 .
2 . الأنبياء: 21 / 104.
3 . ج : إلاّ أنّه.

صفحه 215

المطلبُ الثّالث

في إمكان إعادة المعدوم

اختلف النّاسُ في ذلك، فذهب الجمهورُ إليه; لأنّ ماهيّته قابلةٌ للوجود والعدم، فأمكن تعاقبُهما(1) عليه، وإلاّ لانقلب(2) الإمكان الصّرف إلى أحد قسيميه، وهو باطلٌ بالضّرورة.
وذهبت الفلاسفة وأبو الحسين البصريُّ والكراميّةُ إلى امتناع إعادته لانّه نفيٌ محضٌ، فلا يصحّ الحكمُ عليه بصحّة العود، ولأنّه لو وجد لم يتميّز عن مثله، ولأنّه لو أعيد لأعيد وقته، فيكون مبتدأً معاداً.
والجوابُ: لو لم يصح الحكم عليه بامكان العود لامتنع الحكم عليه بامتناعه، ولأنّ الحكمَ يستدعي الثّبوت الذّهنيّ، وعدمُ الامتياز عندنا لا يقتضي عدمه في نفس الأمر، ويصحّ الحكمُ عليه بالإعادة والابتداء باعتبارين.

1 . ج : يعاقها.
2 . ج، ب : لانتقل.

صفحه 216
المطلب الرّابع

في ثبوت المعاد

اتفق المسلمون كافّةً على إثبات المعاد البدنيّ. أمّا من جوّز إعادة المعدوم فظاهرٌ; لأنّه ممكنٌ، والله ـ تعالى ـ أخبر بوقوعه. وأمّا من منع من إعادة المعدوم فإنّه يقول: الإعادةُ بمعنى جمع الأجزاء بعدَ تفريقها. وهو في نفسه ممكنٌ أيضاً. أمّا بالنّظر إلى القابل، فلأنّ الجسمَ قابلٌ للأعراض القائمة به، وهذا القبول(1) ذاتيّ; وأمّا بالنّظر إلى الفاعل، فلانّه ـ تعالى ـ عالمٌ بكلّ المعلومات، فيعلمُ أجزاء كلّ شخص، وهو قادرٌ على جميع المقدورات، فيجمعُ أجزاء كل بدن، ويخلقُ فيها(2) الحياةَ.
ومنع الأوائل من المعاد البدنيّ، لأنّ حدوثَ المزاج يقتضي حدوثَ نفس، فيتعلقُ نفسان ببدن واحد، ولأنّ إنساناً لو أكل آخر ضاع أحدهما.
والجوابُ ما تقدّم من المنع من وجود النّفس ومن تعلّقها ببدن مستعدّ لنفس ثانية، والمأكول أجزاء فاضلة(2) بالنّسبة إلى الآكل.

1 . الف : لقبول.   2 . ب : فيه.
2 . الف : فاصلة.

صفحه 217
 
تنبيهٌ
كلُّ مَن له حقّ على الله ـ تعالى ـ وعلى غيره يجبُ إعادتُه للانتصاف منه، وقد أجمع المسلمون على إعادة الكفّار وأطفال المؤمنين وإن لم يستحقّوا عوضاً ولا يستحقّ عليهم عوضٌ.

تذنيبٌ

سائر السّمعيات من عذاب القبر، والصّراط، والميزان، وتطاير الكتب، وإنطاق الجوارح، وأحوال الجنّة والنّار، اُمورٌ ممكنةٌ، وقد أخبر الصّادقُ بوقوعها، فتقعُ.

صفحه 218

المطلب الخامس

في الوعد والوعيد

اتّفق أهل العدل إلاّ الكعبيّ على أنّ المطيعَ يستحقُّ بطاعته الثّوابَ، خلافاً للأشعريّة، وإلاّ لكان التّكليفُ قبيحاً، لما مرّ(1) من المشقّة من غير عوض. وذلك العوض إن صحّ الابتداء بمثله كان التّكليف عبثاً، فهو ممّا لا يصحّ الابتداء به، وهو الثّواب.
احتجّوا: بأنّ الطاعة لو أوجبت الثّوابَ لأثيب المرتدّ لو(2) مات على ردّته ثوابَ المؤمن، والتّالي باطلٌ إجماعاً، فكذا المقدّم.
بيانُ الشّرطيّة: أنّه بإيمانه يستحقّ الثّوابَ، فلابُدّ من إيصاله إليه.
والجوابُ: أنّ استحقاق الثّواب يتوقّف على الموافاة، واتّفق أهلُ العدل على أنّ العاصي يستحقّ بمعصيته العقاب، خلافاً للأشعريّة، فعند المُرجئة وبعض الإماميّة أنّ العلم به مُستفادٌ من السّمع. وعند المعتزلةوبعض الإماميّة أنّه مُستفادٌ من العقل، لما فيه من اللّطف، لأنّ العلمَ بالعقاب

1 . ب : فيه.
2 . ب : إذا.

صفحه 219
على ترك الطاعة وفعل المعصية يُقرّبُ إلى فعل الطاعة وترك المعصية، فلابُدّ من العلم بالعقاب; ولأنّه ـ تعالى ـ أوجب أفعالا فإمّا لما فيها من النّفع. وهو باطلٌ بالنّوافل أو لما في تركها من الضّرر، وهو المطلوب.

فائدةٌ

ذهبت المعتزلة ومن وافقها من الاماميّة إلى أنّ العلمَ بدوام الثّواب والعقاب عقليّ، لأنّ المكلّفَ معه يكون أقربَ إلى فعل الطاعة وترك القبيح، فيكونُ أدخلَ في باب اللّطف، فيكونُ أدخلَ في باب الوجوب، ولأنّ المقتضي للثّواب والعقاب والمدح والذّمّ هو الطاعةُ والمعصية، فلمّا كان المدحُ والذّمُّ دائمين وجب دوام الآخرين، لاستلزام دوام المعلول دوامَ علّتها المستلزم لدوام معلولها.
ذهبت المرجئةُ ومن وافقها من الإماميّة إلى أنّه سمعيّ.

تنبيهٌ

يجوزُ توقّف الثّواب على شرط، وإلاّ لكان مَن عرف اللهَ تعالى، ولم ينظر في امر النبيّ فلم يعرفه، مُستحقّاً للثّواب، والتّالي باطلٌ إجماعاً، فالمقدّمُ مثله.
بيانُ الشّرطيّة: أنّ معرفةَ الله ـ تعالى ـ طاعةٌ مستقلّةٌ بنفسها. فلو لم يكن الاستحقاقُ مشروطاً لزم إثابةُ المكذّب للنّبيّ، وهو باطلٌ.

صفحه 220
 
تذنيبٌ
استحقاقُ الثّواب مشروط بالموافاة أو ساقطٌ بالعقاب، لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)،(1) وليس لأنّ العمل وقع باطلا لتعليق البطلان بالشّرك، فإن كان الاستحقاقُ ثابتاً كان معنى البطلان سقوط الثّواب المستحقّ بالشّرك المتجدّد، وإن لم يكن كان معنى بطلان العمل عدمَ الاتيان بشرط الاستحقاق الّذي هو الموافاةُ، فلم يستحقّ الثّواب، فيكون العملُ باطلا.

1 . الزمر: 39 / 65.

صفحه 221

المطلب السّادس

في الإحباط والتكفير

ذهبت الإماميّة والأشعريّةُ والمرجئة إلى نفيهما; لأنّ الثّوابَ والعقابَ إن لم يتنافيا فالمطلوب، وإن تنافيا لم يكن الطارئ بإزالة الباقي أولى من منع الباقي الطارئ من الوجود.
ولأنّ الطارئ إن اعتبر فيه الزّيادة، كما يقوله أبو هاشم في الموازنة، فإن لم يسقط النّاقص منه شيئاً كان وجودُ النّاقص وعدمه سواءً. وهو باطلٌ، لقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة)(1) وإن سقط بإزائه لم يكن بعضُ الآحاد أولى بالسّقوط، وإن سقط الجميعُ لزم خلافُ الموازنة، وإن لم يعتبر فيه الزّيادةُ، بل يكفي في كونه نافياً تأخّره، سواء زاد أو نقص، لزم أن يكون من عَبَدَ الله(2) ـ تعالى ـ مدّةَ عمره ثمّ عزم في آخره على معصية، مُساوياً لمن لم يعبد البتة.
وذهبت المعتزلةُ إلى إثباتهما; لأنّ كلّ واحد من الثّواب والعقاب لو لم

1 . الزّلزلة: 99 / 7 .
2 . ب : عند الله.

صفحه 222
يُحبطُ الآخر عندَ زيادته أو تأخّره لوصلا إلى المكلّف، لبقاء الاستحقاق، ولا يمكن الجمع، فإنّ شرطَ الثواب خلوصُه من الشّوائب،(1) ومقارنة التّعظيم والإجلال له، ولا سبق أحدهما لوجوب دوامهما، وهو ممنوعٌ لما يأتي.

1 . ب : الشوائر.

صفحه 223

المطلب السّابع

في التّوبة

قالت البهشميّة إنّها النّدمُ على المعصية والعزم على ترك المعاودة، ولم يجعل الخوارزميّ الأخير شرطاً ولا جزءاً. وهي واجبةٌ، لأنّها دافعةٌ لضرر العقاب.
فإن كانت من فعل قبيح تتضمّنُ إيصال ضرر إلى الغير، كالظلم والقذف، لم تصحّ إلاّ بعدَ الخروج إلى المظلوم أو ورثته من حقّه إن أمكن والعزم على الأداء إن لم يكن; وإن كان إضلالا لم يصحّ إلاّ بعدَ أن يُبيّنَ للضّالِ بطلانَ قوله ورجوعَه منه إن أمكن. وإن لم تتضمّن إيصال ضرر إلى الغير، كالزّنا وشرب الخمر، كفى النّدمُ والعزمُ على ترك المعاودة.
وإن كانت من إخلال بواجب يمكن فعله في كلّ وقت، كالزّكاة، لم يصحّ إلاّ بعدَ أدائه إن أمكن، وإن اختصّ بوقت، كالصّلاة، افتقر إلى الاشتغال في القضاء إن أمكن.

صفحه 224
 
تنبيهٌ
ذهبت المعتزلةُ إلى وجوب سقوط العقاب عندها، وإلاّ لقبح تكليفُ العاصي بعدَ عصيانه، إذ لم يبق له طريقٌ إلى الخروج من العقاب، فلم يبق له طريقٌ إلى الثّواب، وهو مبنيّ على دوام العقاب.
وذهبت المرجئةُ إلى أنّه تفضّلٌ، وإلاّ لوجب قبول عذر من أساء إلينا بأعظم الإساءة.

تذنيبٌ

ذهب أبوهاشم إلى أنّها لا تصحّ من قبيح دون آخر، لأن التّوبة من القبيح يجبُ أن تكون لقبحه، وإلاّ لم تكن توبةً مقبولةً أو لم تكن مقبولة، والقبحُ حاصل في الجميع، فلو تاب من بعضه لكشف غيره أنّ توبته لا للقبح.
وقال أبو عليّ: تصحُّ، وإلاّ لما صحّ الإتيانُ بواجب دونَ واجب; لأنّ التّوبةَ كما يجبُ من القبيح لقبحه، كذا فعلُ الواجبِ إنّما يجبُ لوجوبه. فإن اقتضى الاشتراك في الأوّل المنعَ من التّخصيص فكذا في الثّاني. والفرقُ ظاهرٌ بينَ الفعل والتّرك.

صفحه 225

المطلب الثّامن

في جواز العفو

منع المعتزلةُ منه سمعاً، فالبصريّون على جوازه عقلا، والبغداديّونعلى منعه عقلا. والحقّ جوازُه سمعاً وعقلا، لأنّه إحسانٌ، فيكون حسناً ولأنّه حقُّ الله تعالى، فجاز إسقاطهُ. ولقوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ )(1) وقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(2) وللإجماع على ثبوت الشّفاعة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليست في زيادة المنافع، وإلاّ لكنّا شافعين في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي من(3) إسقاط المضارّ. ونفي شفيع يُطاع لا يستلزم نفيَ مطلق الشّفيع.
احتجّوا: بأنّ فيه إغراءً بالقبيح، فإنّ العاقل متى علم العفو أقدم، ولإستلزامه الكذبَ في آيات الوعيد. ويُنتقضُ الأوّل بسقوط العقاب بالتّوبة، وتجويز عدمها كتجويز عدم العفو، وآياتُ الوعيد مشروطةٌ بعدم العفو.

1 . الرعد: 13 / 6.
2 . النساء: 4 / 48.
3 . ب : في.

صفحه 226

المطلب التّاسع

في أنّ عذابَ الفاسق منقطعٌ

خلافاً للوعيديّة.
لنا: قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ)(1)، وهو مستحقٌّ للثّواب بإيمانه، فلابُدّ من إيصاله إليه. ولا يمكنُ أن يكونَ قبل العقاب إجماعاً، ولعدم خلوصه من الشّوائب، فيتعيّنُ العكسُ.
احتجّوا بالآيات الدّالّة على الخلود، كقوله تعالى: (وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً)(2) (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)(3) وغير ذلك.
ويُخصُّ بالكفّار أوان الخلود للزمان المتطاول.
أمّا الكفّار،(4) فقد أجمع المسلمون كافّةً على خلودهم في النّار.

1 . الزّلزال: 99 / 7.
2 . الفرقان: 25 / 69.
3 . النساء: 4 / 93 .
4 . «ب» : المسلمون.

صفحه 227

المطلب العاشر

في الأسماء والأحكام

الإيمانُ لغةً التّصديقُ، وشرعاً تصديقُ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ ما علم مجيئه به ضرورةً، ولا يكفي التّصديقُ بالقلب عن التّصديق باللّسان وبالعكس، لقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ )(1) فأثبت المعرفة والكفر، (وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ )(2) وقوله: (وَ مِنَ النَّاسِ
مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )(3) فأثبت الإقرار باللّسان دونَ القلب.
وعند الأشاعرة: أنّه التّصديق النّفسانيّ وعند الكرّاميّة: أنّه الإقرار بالشّهادتين، وعندَ قدماء المعتزلة والقاضي عبد الجبّار، أنّه فعل الجوارح من الطاعات.
وأمّا الكفرُ، فهو عدم الإيمان إمّا بضدّ اعتقاد علمه أو لا بضدّ. والفسقُ

1 . البقرة: 2 / 89.
2 . النمل: 27 / 14.
3 . البقرة: 2 / 8.

صفحه 228
الخروج عن الشّيء، والنّفاق إن يبطن خِلافَ ما يُظهِر، وهو في الشّرع إظهارُ الإيمانِ وإبطان الكفر.
واختلفوا في الفاسق، فعند المعتزلة: أنّه لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، بل هو منزلةٌ بينَ المنزلتين، لأنّ الإيمان فعلُ الواجبات والامتناع عن المحظورات، فلا يكون مؤمناً ولا كافراً، لأنّه يُغسّلُ ويكفّنُ ويُدفَن في مقابر المسلمين، ويُصلّى عليه، وينكحُ ويُقاد به.
وعند الحسن البصريّ أنّه منافقٌ، لأنّ مَن يعتقدُ الضّررَ في فعل يمتنعُ عنه. فلو اعتقد الفاسقُ العقابَ لم يعصِ.
وعندَ الخوارج أنّه كافرٌ وعند الأزارقة منهم أنّه مشركٌ، وعند المرجئةوالإماميّة والأشعريّة أنّه مؤمنٌ، لأنه يُصدّقُ(1) للنّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في جميع ما جاء به بالضّرورة.
واعلم أنّ الإيمانَ لمّا كان هو التّصديقَ لم يقبل الشّدّةَ والضّعفَ ولا الزّيادةَ والنّقصانَ، وعند المعتزلة أنّه اسمٌ لفعل الطاعاتُ فكان قابلا لهما.
وعند الإماميّة: اُصول الإيمان التّصديقُ بالله وبتوحيده وبعدله وبالنّبوّة وبالإمامة.
والمعتزلة قالوا: اُصول الإيمان خمسةٌ: التّوحيد والعدل والنّبوّة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والوعد والوعيد. ومن لم يُقرّ ببعض هذه لم

1 . ب : مُصدّقٌ.

صفحه 229
يكن مسلماً، ومن أقرّ بذلك وفعل كبيرةً لم يكن مؤمناً.
والتّكليفُ ساقطٌ في الآخرة. أمّا أهل الثّواب فلوجوب خلوصه من المشاقّ.
وأمّا المُعاقبُ، فلأنّه نوع إلجاء.
وليكن هذا آخرَ ما قصدنا إثباته(1) في هذا الكتاب، واللهُ الموفّقُ للصّواب.
***
] تمّ الكتاب والحمد لله رب العالمين [

1 . ب : ايراده.

صفحه 230
   

صفحه 231
الفهارس
1 . فهرس الآيات
2 . فهرس الأحاديث والروايات
3 . فهرس الأعلام والرواة
4 . فهرس اسماء الكتب الواردة في المتن
5 . فهرس الفرق والمذاهب
6 . فهرس مصادر التحقيق
7 . فهرس المحتويات

صفحه 232

صفحه 233
فهرس الآيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً (4 / 53)   158
ـ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(10/35)،   202
ـ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
ـ الّذي خَلَقَ المَوْتَ والحَياة (67 / 2)،   74
ـ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (29 / 45)،   185
ـ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (3 / 33)،   194
ـ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (3 / 48)،   225
ـ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (36 / 82)   149
ـ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (23 / 33)   191
ـ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (5 / 55)   203

صفحه 234
ـ أَوَ لَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ (36 / 81)   211
ـ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ (2 / 6)   165
ـ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ (62 / 10)   179
ـ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (2 / 89)   227
ـ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة (99 / 8)   221،226
ـ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (17 / 38)   170
ـ كُلُّ شَيءْ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ (28 / 88)   213
ـ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (55 / 26)   213
ـ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ (21 / 104)   214
ـ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (4 / 65)   184
ـ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (39 / 65)   220
ـ لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ (6 / 103)   157
ـ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (2 / 124)   206
ـ لَنْ تَرَانِي (7 / 143)   157
ـ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
(4 / 172)   194

صفحه 235
ـ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا (6 / 148)   170
ـ مَا أَغْني عَنْهُ (111 / 2)   165
ـ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (7 / 20)   194
ـ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (12 / 31)   194
ـ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (2 / 205)   170
ـ وَالْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض (9 / 71)   204
ـ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ (13 / 6)،   225
ـ وَأَنْفُسَنَا (3 / 61)   205
ـ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ (63 / 10)   179
ـ وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ (27 / 14)   227
ـ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ (75 / 23)   158
ـ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً (4 / 164)   143
ـ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (39 / 7)   170
- وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً (99/01)   171
- وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (98/5)   170

صفحه 236
ـ وما كنّا مُعَذّبينَ (17 / 15)   86
ـ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (3 / 108)   170
ـ وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (51 / 56)   170
ـ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
(2 / 8)   227
ـ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (4 / 93)   226
ـ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (93 / 7)   192
ـ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (25 / 69)   226
ـ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ (57 / 4)   213

صفحه 237
فهرس الأحاديث والروايات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
افضل الاعمال أحمزها   194
اقضاكم عليُّ    205
الست اولى منكم بانفسكم، قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلىّ
مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله.   204
اللهمّ إئتني بأحبّ خلقك اليك يأكل معي من هذا الطائر.    205
انت الخليفةُ من بعدي   203
أنت منّي بمنزلة هارونَ من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي   204
انّي جعلت كل دابة حيّة مأكلا لك ولذريتك و اطلقت ذلك لكم كنبات العشب ابداً ما خلا الدّم فلا تأكلوه   189
تمسّكوا بالسّبت ابداً   189
جُرحُ العجماء جبارٌ   177
«سلّموا عليه» بإمرة المؤمنين   203
علي خيرُ البشر، فمن أبى فقد كفر   206

صفحه 238
قرّبوا إليّ كل يوم خروفين، خروف غدوة و خروف عشية بين المغارب قرباناً دائماً لاحقاً بكم   189
لولا علي لهلك عمر   205
من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه و إلى نوح في تقواه و إلى إبراهيم في حلمه و الى عيسى في عبادته فلينظر الى عليّ بن أبي طالب   205
واسمعوا و اطيعوا له    203
هذا ابني إمام ابن إمام اخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم افضلهم   207
يستخدم العبدُ ستّ سنين، ثمّ يعرض عليه العتق، فان لم يقبل العتق ثقب اُذنه و استخدم أبداً   189
يستخدم خمسين سنة، ثم يعتق في تلك السنة   189
يُنتصفُ للجمّاء من القرناء   177
وزن قيد العبد بالماء المشهورة بـ «قضية الحالف»: قضى علي(عليه السلام)قضية في زمن عمر بن الخطّاب قالوا: إنّه اجتاز عبد مقيّد على جماعة، فقال أحدهم: إن لم يكن في قيده كذا و كذا فامرأته طالق ثلاثاً، فقال الآخر: إن كان فيه كما قلت فامرأته طالق ثلاثاً، قال: فقاما فذهبا مع العبد إلى مولاه، فقالا له: إنّا حلفنا بالطّلاق ثلاثاً على قيد هذا العبد، فحلّه نزنه، فقال سيّده: امرأته طالق ثلاثاً إن حلّ قيده، فطلق الثلاثة نساءهم، فارتفعوا إلى عمر بن الخطّاب و قصّوا عليه القصّة، فقال عمر: مولاه أحقّ به، فاعتزلوا

صفحه 239
نساءهم قال: فخرجوا و قد وقعوا في حيرة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى أبي الحسن(عليه السلام) لعلّه أن يكون عنده شيء في هذا، فأتوه فقصّوا عليه القصّة، فقال لهم: ما اهون هذا! ثمّ إنّه(عليه السلام) اخرج جفنة و امر أن يحطّ العبد رجله في الجفنة و أن يصبَّ الماء عليها، ثمّ قال: ارفعوا قيده من الماء فرفع قيده و هبط الماء فأرسل عوضه زبراً من الحديد و زنوه، فإنّه وزن القيد، قال: فلمّا فعلوا ذلك و انفصلوا وحلّت نساؤهم عليهم خرجوا و هم يقولون: نشهد أنّك عيبة علم النبوة و باب مدينة علمه، فعلى من جحد حقّك لعنة الله و الملائكة و الناس اجمعين.   205
قضية صاحب الأرغفة :
جلس رجلان يتغذيان، مع أحدهما خمسة أرغفة و مع الآخر ثلاثة أرغفة. فلمّا وضعا الغذاءَ بين ايديهما مرّ بهما رجل فسلّم. فقالا: اجلس للغذاء فجلس و اكل معهما و استوفوا في اكلهم الارغفة الثّمانية. فقام الرّجل و طرح اليهما ثمانية دراهم و قال: خذا هذا، عوضاً مما اكلت، لكما و نلته من طعامكما، فتنازعا و قال صاحب الخمسة الارغفة لي خمسة دراهم ولك ثلاثة. فقال صاحب الثلاثة الارغفة: لا ارضى إلاّ أن تكون الدّراهم بيننا نصفين و ارتفعا الى امير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) و قصّا عليه قصّتهما. فقال (عليه السلام)لصاحب الثلاثة الارغفة قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه اكثر من خبزك فارض بالثلاثة فقال: لا، و الله لا رضيتُ منه

صفحه 240
الاّ بمُرّ الحقّ فقال علي (رضي الله عنه): ليس لك في مُرّ الحقّ الاّ درهم واحد و له سبعة فقال الرّجل: سبحان الله يا امير المؤمنين هو يَعْرض عليّ ثلاثة فلم أرض و اشرت عليّ بأخذها فلم أرض، و تقول لي الآن أنه لا يجب في مرّ الحقّ إلاّ درهم واحد. فقال الرّجل: فعرّفني بالوجه في مُرّ الحقّ حتّى أقبله. فقال عليّ (رضي الله عنه): أليس للثّمانية الارغفة اربعة و عشرين ثلثاً، اكلتموها و انتم ثلاثة أنفس، و لا يُعلم الاكثر منكم اكلا و لا الأقلّ فتحملون في اكلكم على السّواء؟ قال: بلى. قال: فاكلت انت ثمانية أثلاث وإنّما لك تسعة اثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثاً، اكل منها ثمانية ويبقى له سبعة واكل لك واحدة من تسعة فلك واحد بواحدك و له سبعة بسبعته. فقال له الرجل: رضيتُ الآن.   205

صفحه 241
فهرس الأعلام والرواة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آدم (عليه السلام)، 195، 205
آصف، 193
إبراهيم(عليه السلام)، 205
إبراهيم النّظّام، 54، 96، 112
ابن الإخشيد، 99
ابن زكريّا، 92
ابن فورك، 192
الأصمّ، 192، 199
أبو إسحاق، 80
أبو بكر، 206
أبو الحسن الأشعريّ، 29
أبو الحسين البصريّ، 29، 93، 129، 140، 144، 167، 199، 200، 214، 215
أبو الهذيل العلاّف، 99
أبو عبد الله، 80
أبو عليّ، 56، 57، 61، 64، 65، 68، 72، 73، 76، 77، 79، 80، 82، 89، 90، 93، 96، 99، 100، 101، 224
أبو هاشم، 56، 64، 65، 68، 75، 77، 80، 81، 86، 89، 93، 94، 96، 99، 100، 140، 177
أبو القاسم، 80

صفحه 242
البلخيّ، 52، 177، 147، 190
الجُبّائيّان، 141، 147، 190، 200
الجوينيّ، 190
الحسن البصريّ، 228
الخليل، 135
الخوارزمي، 141، 223
الرّئيس، 153، 201
الشّيخان، 53، 55، 56، 57، 61، 75، 80، 93
الصّيمري، 99
العبّاس، 206
الغزالي، 156
الفوطي، 199
القاضي = (القاضي عبد الجبار) 149، 194، 227
القاضي أبوبكر، 81
الكعبي، 96، 140، 141
المرتضى، 53، 141، 177، 190
المسيح، 152، 154، 195
النّجار، 140، 145
بشر بن المعتمر، 93
جهم بنُ صفوان، 167
حفص الفرد، 112
ضرار، 156
ضرار بن عمرو، 112
عَبّاد، 147
عبد الله بن سعيد (الأشعري)، 39
علي بن أبي طالب (عليه السلام)، 203، 204، 205، 206، 207
عمر، 205
عيسى (عليه السلام)، 206
فاطمة(عليها السلام)، 191
فرفوريوس، 153
قاضي القضاة، 80
محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، 188، 214
مريم(عليها السلام)، 191، 193

صفحه 243
معمّر، 129
موسى(عليه السلام)، 157، 158، 188، 189، 204
نوح (عليه السلام)، 189
هارون(عليه السلام)، 204
يوسف(عليه السلام)، 192
يوشع(عليه السلام)، 205

صفحه 244
فهرس أسماء الكتب الواردة في المتن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. التّوراة، 189
2. القرآن، 87
3. نهاية المرام، 49، 121، 130، 206

صفحه 245
فهرس الفرق والمذاهب والديانات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأزارقة، 228
الإسماعيليّةُ، 201
الأشاعرة، 52، 56، 73، 74، 77، 84، 94، 98، 107، 140، 143، 144، 145، 146، 156، 157، 164، 166، 167، 172، 176، 179، 187، 192، 193، 194، 200، 227
الأشعريّة، 39، 145، 221، 228
أصحاب الاكسير، 122
الإماميّة، 167، 187، 192، 199، 201، 218، 219، 221، 228
أهل العدل، 167، 176، 218
الأوائل، 33، 41، 52، 53، 60، 61، 63، 68، 70، 72، 86، 92، 93، 95، 96، 97، 105، 106، 107، 108، 111، 112، 113، 114، 116، 125، 126، 127، 128، 129، 131، 140، 141، 144، 145، 146، 147، 155، 156، 216
البراهمةَ، 184
البصريّون، 225
البغداديّون، 53، 200، 225

صفحه 246
البكريّة، 176
البهشميّة، 68، 223
التّناسخيّة، 176
الثّنويّةُ، 146، 159
الحشويّة، 187، 192
الحكماء، 40، 47، 50، 62، 153
حكماء الهند، 119
الحنفيّة، 149
الخوارج، 192، 228
الدّيصانيّة، 146
الشّيعة، 203
الصّابئةَ، 184
الصّوفيّةُ، 152، 154
العدليّة، 170، 176، 178، 185
العقلاء، 85، 86، 139، 140، 151، 153، 154، 157، 165، 170، 184، 199، 200
العلماء، 140، 205
فصحاء العرب، 188
الفضليّةُ، 192
الفلاسفة، 139، 157، 194، 215
الكرّاميّة، 39، 119، 154، 212، 215، 227
الكلابيّة، 56، 112
المانويّة، 146
المتكلّمون، 47، 61، 63، 112
المجسّمة، 154، 157
المجوس، 146، 160
المحقّقون، 30، 69، 98، 192
المُرجئة، 218، 219، 221، 224، 228
المسلمون، 141، 143، 154، 216، 217، 226
المعتزلة، 30، 52، 58، 60، 64، 69، 76، 81، 82، 84، 86، 90، 97، 98، 107، 108، 111، 112، 114، 128، 140، 143، 144، 145، 156، 157، 163،

صفحه 247
167، 172، 187، 193، 194، 218، 219، 221، 224، 225، 227، 228
الملاحدة، 137
المليّون، 211، 212
النّجّاريّة، 167
النّصارى، 152، 154، 160، 195
الوعيديّة، 226
اليهود، 188، 189

صفحه 248

صفحه 249
فهرس مصادر التحقيق
آذرنوش، آذرتاش
ـ فرهنگ معاصر عربى به فارسى، الطبعة 1، نشر «نى»، طهران 1379 هـ . ش.
آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن
ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، طهران، 1355 هـ . ش (1405 هـ)
ـ طبقات اعلام الشيعة، بيروت، دار الكتاب العربي، 1971 ـ 1975 م.
ابن أبي الحديد
ـ شرح نهج البلاغة، المطبعة الميمينة، مصر.
الأفندي، عبدالله بن عيسى
ـ رياض العلماء، باهتمام احمد الحسيني من مخطوطات مكتبة آية الله المرعشي العامة، رقم 5، قم، خيام 1401 / 1981.
الشافعي الطبري، محب الدين أحمد بن عبدالله
ـ ذخائر العقبى، مكتبة القدسي بالقاهرة ـ 1356 ق.
الطبري، محمد بن جرير
   
    تسليك النفس إلى حظيرة القدس
ـ دلائل الامامة، تحقيق مؤسسة البعثة، الطبعة الأُولى، قم، 1413 ق.

صفحه 250
الفتّال النيسابوري، محمد (ف 508 هـ)
ـ روضة الواعظين، منشورات الرضي، قم.
الأميني ـ عبد الحسين
ـ الغدير في الكتاب و السنّة والأدب، الطبعة الخامسة، بيروت، 1403 هـ .
الأنوار، سيد عبدالله
ـ فهرست نسخ خطى، كتابخانه ملى (جمهورى اسلامى)، طهران، 1365 هـ . ش.
الحائري، عبد الحسين، وآخرون
ـ فهرست كتابخانه مجلس شوراى ملى، طهران 1350 ـ 1357 هـ . ش.
الحجتي، السيد محمد باقر
ـ فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه، كلية الإلهيات، جامعة طهران، 1345 هـ . ش.
الحسيني الاشگوري
ـ فهرست نسخه هاى خطى، مركز إحياء التراث الاسلامي - قم.
الحسيني، السيد أحمد
ـ فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه عمومى ـ مرعشى، قم، 1395 هـ .
الحلّي، العلاّمة حسن بن يوسف بن المطهّر
ـ استقصاء النظر في القضاء و القدر، باهتمام علي الخاقاني النجفي،

صفحه 251
النجف الأشرف 1345 هـ / 1935 م.
ـ انوار الملكوت في شرح الياقوت، باهتمام محمد الزنجاني، منشورات جامعة طهران، رقم 543، ط ، طهران 1338 هـ . ش .
ـ الباب الحادي عشر، مع النافع يوم الحشر، المقداد السيوري ومفتاح الباب، أبو الفتح بن مخدوم الحسيني، باهتمام مهدي محقق، سلسلة دانش ايراني رقم 38، ط، جامعة طهران 1365 هـ . ش .
ـ (خلاصة الاقوال)، رجال العلامة، باهتمام محمد صادق بحر العلوم، مكتبة الخيام، قم، 1402 هـ .
ـ «رسالة في سؤالين سأل عنهما الخواجة رشيد الدين» باهتمام عزيز الله العطاردي القوچاني، مجلة «فرهنگ ايران زمين»، 19، 1352
ـ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تصحيح حسن زادة الآملي، الطبعة السابعة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1417 هـ .
ـ نهج الحق و كشف الصدق، تصحيح: عين الله الحسني الارموي، الطبعة الرابعة ، دار الهجرة، قم، 1414 هـ .
ـ نهج المسترشدين، باهتمام مهدي الرجائي، من مخطوطات مكتبة آية الله المرعشي، رقم 10، قم، مكتبة سيد الشهداء، 1405 هـ .
الخوانسارى، محمد باقر
ـ روضات الجنات في احوال العلماء و السادات، اعداد اسدالله اسماعيليان، قم، 1390 هـ .

صفحه 252
دانش پژوه، م.ت و ع. ن. المنزوي
ـ فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه مركزى دانشگاه تهران، 1330 ـ 1356 هـ . ش .
زابينه اشميتگه
ـ انديشه هاى كلامى علامه حلى، ترجمة احمد القاسمي، مؤسسة القدس الرضوي، مشهد، 1378 ش.
الشريف المرتضى، ابوالقاسم علي بن الحسين علم الهدى (ف 436 هـ)
ـ رسائل المرتضى، انتشارات دار القرآن، قم، 1405 هـ .
الشهرستاني، ابوالفتح محمد بن عبدالكريم
ـ الملل و النحل، دار المعرفة بيروت، لبنان 1421 هـ .
الشيخ الطوسي، ابوجعفر محمد بن الحسن
ـ الاقتصاد الهادي الى طريق الرشاد، باهتمام حسن سعيد الطهراني، قم، خيام، 1400 هـ .
الشيخ الصدوق (ف 381 هـ )
ـ من لا يحضره الفقيه، ج 3، الطبعة الثانية، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ .
ـ عيون أخبار الرضا، ج 2، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1404 هـ .

صفحه 253
العاملي، السيد محسن
ـ اعيان الشيعه، اعداد سيد حسن الأمين، طهران، 1374 هـ . ش.
عبد الباقي، محمد فؤاد
ـ المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1364 هـ . ش.
عبد الصاحب الحكيم
ـ منتقى الاصول، منشورات الهادي، الطبعة الثانية، قم، 1416 هـ .
لويس معلوف
ـ المنجد في اللغة و الأعلام، الطبعة العاشرة، دار المشرق، بيروت، 1973 م.
مادلونگ، ويلفرد
ـ مكتبها و فرقه هاى اسلامى در سده هاى ميانه، ترجمة جواد القاسمي، مؤسسة القدس الرضوي، الطبعة الأُولى، 1375 هـ . ش.
المجلسي، محمد باقر
ـ بحار الانوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية، بيروت، 1403 هـ .
المدرسي التبريزي، ميرزا محمد علي
ـ ريحانة الادب، انتشارات شفق، الطبعة الثانية، تبريز.

صفحه 254
المطهري، مرتضى
ـ آشنايى با علوم اسلامى، كلام اسلامى، انتشارات صدرا، الطبعة الثامنة عشرة، 1375 هـ . ش.
المفيد، محمد بن محمد (ف 413 هـ)
ـ الإرشاد، الطبعة الحجرية.
ـ النكت الاعتقاديه، دار المفيد، الطبعة الثانية، بيروت 1414 هـ .

صفحه 255
    تسليك النفس إلى حظيرة القدس
فهرس الموضوعات   
فهرس الموضوعات
الموضوع     الصفحة
   المقدّمة: بقلم آية الله جعفر السبحاني   5
العباقرة في مرآة التاريخ   5
   كلمات في حقّ المؤلّف   6
   تسليك النفس إلى حظيرة القدس   11
   النسخ المعتمدة   13
   منهج التحقيق   15
   ختامه مسك   16
المرصدُ الأوّل
في الأُمور العامّة
الفصل الأوّل: في المقدمات   23
   المقدّمة الأُولى: في التّصور والتّصديق   23

صفحه 256
الموضوع     الصفحة
   المقدّمة الثّانية: في التعريف   24
   المقدّمة الثّالثة: في القياس   25
   المقدّمة الرّابعة: في مواد الأقيسة وصورها   26
الفصل الثّاني: في مباحث الوجود والعدم   28
   البحث الأوّل: تصوّر الوجود والعدم   28
   البحث الثاني: في أنّ الوجودَ معنىً مشترك (بينَ الموجودات)   29
   البحث الثالث: ما هو المعدوم ؟   30
   البحث الرّابع: لا واسطة بين الموجود والمعدوم   32
الفصل الثالث: في مباحث الوجوب وقسيميه    33
   البحث الأوّل: الوجوب والامكان والامتناع   33
   البحث الثاني: في خواص الواجب   34
   البحث الثالث: في عروض الامكان للماهيّة   34
المرصد الثّاني
في تقسيم الموجودات
المقصد الأوّل: في التّقسيم على رأي المتكلّمين   39
   البحث الأوّل: في مباحث القديم   39
الموضوع     الصفحة
   البحث الثاني: في خواصّ القديم   40
   البحث الثالث: في خواصّ المُحدَث   41
المقصد الثّاني: في التّقسيم على رأي الأوائل   42
المرصد الثالث: في البحث عن أقسام الموجودات   45
   البحث الأوّل: في ماهيّة الجسم   47
   البحث الثّاني: في إبطال حجّة الحكماء في المادّة   50
   البحث الثالث: في الاعراض   51
      المطلب الأوّل: في المبصرات   52
      المطلب الثّاني: في الأصوات والحروف   54
      المطلب الثالث: في الطعوم والرّوائح   58
      المطلب الرّابع: في الحرارة والبرودة   59
      المطلب الخامس: في الرّطوبة واليبوسة   60
      المطلب السّادس: في الاعتماد   62
      المطلب السّابع: في الأكوان   66
         النّظر الأوّل: في المعنى المشترك بين الأربعة   66
         النّظر الثّاني: في التّفريع على قول البهشميّة   68
الموضوع     الصفحة
         النّظر الثّالث: في الحركة   68
         النّظر الرّابع: في باقي الأكوان   72
      المطلب الثّامن: في الحياة   73
      المطلب التّاسع: في القدرة   74
      المطلب العاشر: في الاعتقاد   77
      المطلب الحادي عشر: في الظنّ   81
      المطلب الثّاني عشر: في النّظر   82
      المطلب الثالث عشر: في الإرادة والكراهة   87
      المطلب الرّابع عشر: في الشّهوة والنّفار   90
      المطلب الخامس عشر: في اللّذّة والألم   92
      المطلب السّادس عشر: في الإدراك   93
      المطلب السّابع عشر: في بقيّة أعراض وقع فيها الخلاف
بين المتكلّمين   98
الموضوع     الصفحة
المرصد الرّابع
في أحكام الموجودات
المقصد الأوّل: في الأحكام العامّة   105
   المطلب الأوّل: في الواحد ومقابله   105
   المطلب الثّاني: في التّماثل ومقابله   107
   المطلب الثّالث: في العلّة والمعلول   108
المقصد الثّاني: في الأحكام الخاصّة   111
   الفصل الأوّل: في أحكام الجواهر   111
   الفصل الثّاني: في أحكام الأجسام   118
   الفصل الثالث: في أحكام الجواهر المجرّدة   123
   الفصل الرّابع: في أحكام الأعراض   129
المرصد الخامس
في إثبات واجب الوجود تعالى وصفاته
المقصد الأوّل: في اثبات واجب الوجود تعالى   135
الموضوع     الصفحة
المقصد الثّاني: في صفاته تعالى   137
   الفصل الأوّل: في الصّفات الثّبوتيّة   137
      المطلب الأوّل: في أنّه ـ تعالى ـ موجود   137
      المطلب الثاني: في أنّه ـ تعالى ـ قادرٌ   138
      المطلب الثالث: في أنّه ـ تعالى ـ عالمٌ   139
      المطلب الرابع: في أنّه ـ تعالى ـ حيٌّ   140
      المطلب الخامس: في أنّه ـ تعالى ـ مريدٌ   140
      المطلب السّادس: في أنّه ـ تعالى ـ مُدرِكٌ   141
      المطلب السّابع: في أنّه ـ تعالى ـ متكلّمٌ   143
      المطلب الثّامنُ: في أحكام هذه الصّفات   144
   الفصل الثّاني: في الصّفات السّلبيّة   151
      المطلب الأوّل: في أنّه ـ تعالى ـ ليس بمتحيّز   151
      المطلب الثّاني: في أنّه ـ تعالى ـ لا يحلّ في غيره   151
      المطلب الثّالث: في أنّه ـ تعالى ـ مخالفٌ لغيره لذاته   152
      المطلب الرّابع: في أنّه ـ تعالى ـ غيرُ مركّب   153
      المطلب الخامس: في أنّه ـ تعالى ـ لا يتحدُ بغيره   153
الموضوع     الصفحة
      المطلب السادس: في أنّه ـ تعالى ـ ليس في جهة   154
      المطلب السابع: في استحالة الألم واللذّة عليه تعالى   154
      المطلب الثّامن: في أنّه ـ تعالى ـ ليس محلاّ للحوادث   155
      المطلب التاسع: في أنّه ـ تعالى ـ غنيٌّ   156
      المطلب العاشر: في أنّه غيرُ معلوم للبشر   156
      المطلب الحادي عشر: في استحالة الرّؤية عليه تعالى   157
      المطلب الثاني عشر: في أنّه ـ تعالى ـ واحدٌ   159
المرصد السّادس
في العدل
المطلب الأوّل: في الحسن والقبح العقليّين   163
المطلب الثاني: في أنّه ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح ولا يُخلّ بالواجب   166
المطلب الثّالث: في خلق الأعمال   167
المطلب الرّابع: في أنّه ـ تعالى ـ يريدُ الطاعات ويكره المعاصي   170
المطلب الخامس: في التكليف   172
المطلب السّادس: في اللّطف   174
الموضوع     الصفحة
المطلب السّابع: في الآلام والأعواض   176
المطلب الثّامن: في الآجال والأرزاق والأسعار   178
المرصد السابع
في النبوة
مقدمة: من هو النّبيّ   183
   المطلب الأوّل: في إمكان البعثة   184
   المطلب الثّاني: في وجوب البعثة   185
   المطلب الثّالث: في وجوب العصمة   187
   المطلب الرّابع: في نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)   188
   المطلب الخامس: في وجه إعجاز القرآن   190
   المطلب السّادس: في تحقيق العصمة   191
   المطلب السّابع: في وقت العصمة   192
   المطلب الثّامن: في الكرامات   193
   المطلب التّاسعُ: في أنّ الأنبياء أفضلُ من الملائكة   194
الموضوع     الصفحة
المرصد الثّامن
في الإمامة
المطلب الأوّل: في وجوبها   199
المطلب الثّاني: في وجوب عصمة الإمام   201
المطلب الثالث: في أنّه يجبُ أن يكونَ أفضلَ ومنصوصاً   202
المطلب الرّابع: في أنّ الإمام بعدَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليٌّ(عليه السلام)   203
المطلب الخامس: في إمامة باقي الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)   207
خاتمةٌ   207
المرصدُ التّاسعُ
في المعاد
المطلب الأوّل: في إمكان خلق عالم آخر   211
المطلب الثّاني: في إمكان عدم العالم   212
المطلبُ الثّالث: في إمكان إعادة المعدوم   215
المطلب الرّابع: في ثبوت المعاد   216
الموضوع     الصفحة
المطلب الخامس: في الوعد والوعيد   218
المطلب السّادس: في الإحباط والتكفير   221
المطلب السّابع: في التّوبة   223
المطلب الثّامن: في جواز العفو   225
المطلب التّاسع: في أنّ عذابَ الفاسق منقطعٌ   226
المطلب العاشر: في الأسماء والأحكام   227
الفهارس
فهرس الآيات   233
فهرس الأحاديث والروايات   237
فهرس الأعلام والرواة   241
فهرس أسماء الكتب الواردة في المتن   244
فهرس الفرق والمذاهب   245
فهرس مصادر التحقيق   249
فهرس الموضوعات   255