welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية

الوهابية
بين المباني الفكرية والنتائج العملية


(4)

هوية الكتاب

اسم الكتاب:   الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية

تأليف:   آية الله جعفر السبحاني

تعريب:   خضر آتش فراز (ذوالفقاري)

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة:   1426 هـ / الأُولى

المطبعة   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الكمية:   2000 نسخة

الصف والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة WEB: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ السيد محسن البطاط

توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 7745457


(5)

الوهابية
بين المباني الفكرية والنتائج العملية

دراسة تحليلية للأُسس الفكرية والعقائدية الّتي ابتنت

عليها الوهابية والنتائج العملية المترتبة عليها

تأليف

العلاّمة الفقيه

آية الله جعفر السبحاني

تعريب

خضر آتش فراز (ذو الفقاري)

نشر

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


(6)

(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

التجديد الديني

لم تكن فكرة التجديد الديني ـ التي تثار هذه الأيّام بحيث أصبحت المادة الأساسية التي تلوكها الأفواه وتردّدها الألسن هنا وهناك في الصحف والمجلات فضلاً عن الكتب ـ من المسائل المستحدثة كما يحلو للبعض أن يصفها، بل أنّ القضية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإسلامي، ويكفي في صحّة ذلك مراجعة تاريخ العقائد والثقافة الإسلامية.

فبعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) واحتكاك الثقافة الإسلامية بثقافات وأفكار دخيلة كالرومانية والفارسية والهندية، برزت ظاهرة التجديد الديني في الأوساط الإسلامية العلمية، وتحت لواء الإصلاح والتصدّي للانحراف والبدع الدخيلة، رفع البعض راية الإصلاح ووضعوا حجر الأساس لمذاهب وحركات فكرية شتّى، والذي يؤسف له أنّ هذه الحركات والاتجاهات الفكرية لا أنّها لم تنجح في الإصلاح والقضاء على البدعة والانحراف فحسب، بل هي بنفسها أصبحت عاملاً أساسياً وعنصراً فاعلاً في نشوء الكثير من البدع في كيان الأُمّة الإسلامية، ومن المؤسف أيضاً أنّنا نجد بعض الكتاب ـ الذين تابعوا تلك الحركات من بُعد


(8)

ـ يسبغ عليها وصف «التجديد والإصلاح الديني»(1) و الحال أنّها المصداق البارز لقوله تعالى:

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُون).(2)

وأخيراً لبست حركة التجديد الديني ـ المزعومة ـ لباساً جديداً وتأطّرت بإطار خلاّب يبهر العيون ويستهوي القلوب، ويخفق له قلب كلّ موحّد، ألا وهو إطار (محاربة الشرك والتصدي للابتداع)، منطلقة في حركتها من أفكار ابن تيمية الحرّاني ـ التي أثارها في القرن الثامن الهجري ـ وبهذا استطاعت أن تعيد للأوساط الإسلامية في القرن الثاني عشر وعلى يد رجل يدّعي الإصلاح الديني تلك الأفكار التي علاها ركام الإهمال والهجران لقرون عديدة بسبب الموقف الصارم الذي وقفه علماء الإسلام الكبار والتصدّي الصلب والموقف الشجاع الذي وقفوه تجاه ابن تيمية وأفكاره، ثمّ تمكنت تلك الحركة ـ بالإضافة إلى إحياء هذه الأفكار ـ من التصدّي لتصدير معتقداتها وتوجّهاتها إلى شتّى أقطار العالم الإسلامي والدفاع عنها باعتبارها أفكار تجديدية وحركة إصلاحية، محاولين تأطيرها بإطار سياسي.

ولكي يقف القارئ الكريم على مؤسس هذه الحركة ومَن تصدّى لإحيائها ومدى النجاح الذي حقّقوه في التصدّي للشرك و الابتداع ـ كما يزعمون ـ نقول:

ولد أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية في مدينة حرّان عام 661هـ بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد وانغمار المسلمين في مشاكل كثيرة. وتوفّي مسجوناً في قلعة دمشق عام 728هـ.

لم يتصدّ الرجل لعرض أفكاره وآرائه على الملأ العام إلاّ في عام 698هـ،


1 . كما فعل ذلك أحمد أمين المصري (1296 ـ 1372هـ) في كتابه «زعما ءالإصلاح».
2 . البقرة:11.

(9)

ولم تمض فترة طويلة حتى قوبلت أفكاره بمواجهة قوية من قبل كبار العلماء والمفكّرين المسلمين في ذلك الوقت، وقد أخذت تلك المواجهات أبعاداً مختلفة كالمناظرات والرسائل والمحاضرات و... ممّا أدّى إلى انحسار أفكاره وانزوائها في مطاوي الكتب، التي دوّنها هو أو تلميذه ابن قيم الجوزية (691ـ 751هـ)، ولكن بعد مرور أربعة قرون من وفاته انبرى محمد بن عبد الوهاب النجدي (1115ـ 1206هـ) لإحياء تلك الأفكار الدفينة وانتشالها من بين الأنقاض وإزاحة الركام عنها، وإعادتها إلى الساحة الفكرية الإسلامية من جديد، وسعى لنشرها والدفاع عنها ومواجهة كلّ من يتصدّى لها، وقد أعانه وآزره في حركته هذه أُسرة آل سعود، ومع كلّ تلك المعونة والدعم لم يتمكّن الرجل من تجاوز حدود نجد، ولم يوفق لنشر أفكاره خارج تلك المنطقة .

ولكن بعد سقوط الدولة العثمانية وتصدّي آل سعود لسدة الحكم في الجزيرة وبسط نفوذهم على المراكز المهمة كمكة والمدينة، توفّرت الظروف للحركة في الانتشار، خاصة بعد اكتشاف النفط وزيادة العائدات المالية، بحيث استطاعت أن تسخّر الأقلام المأجورة لنشر أفكارها والتبليغ لمبادئها، وقد قام أصحاب تلك الأقلام بالمهمة الموكلة إليهم تحت إغراء الأموال التي كانت تتدفق عليهم.

وقد تصدّى لهذه الأفكار كبار المفكّرين المسلمين ـ شيعة وسنّة ـ في العراق والشام ومصر، وقاموا بالمهمة الملقاة على عاتقهم في الردعليها وبيان زيفها، وستأتي الإشارة إلى بعض تلك الشخصيات التي قامت بذلك وأسماء مصنّفاتهم في مطاوي هذا الكتاب وخاصة في الفصل العاشر منه إن شاء اللّه تعالى.

ونحن بدورنا نحاول في هذه المقدّمة تقييم تلك المعتقدات بصورة إجمالية،


(10)

ونبيّن أهمّ الأُسس الفكرية لتلك الحركة، والتي منها تظهر فداحة الخطب وخطورة الموقف والثمار المرّة التي جناها المسلمون من هذا الفكر. ومن هنا يمكن الإشارة إلى أهمّ خصائصهم ومرتكزاتهم الفكرية، وهي:

1. الدعوة إلى التجسيم

يمتاز الفكر الإسلامي بصفات خاصة تميّزه عن غيره وتفضّله على ما سواه من النظريات والأفكار الأُخرى، ومن بين النقاط الناصعة والعلامات المضيئة في هذا الفكر هو نظرية تنزيه الحق تعالى من الجسم والجسمانيات حتّى عدّ أحد شعارات المسلمين الأساسية قولهم: (لَيْسَ كَمِثْلهِ شَيْءٌ)(1)، وقد بذل الفلاسفة والمتكلّمون المسلمون جهوداً جبارة ومساعي مشكورة لترسيخ تلك النظرية،والتصدّي للمجسّمة والمشبّهة، وإيصاد الأبواب أمام أفكارهم الدخيلة وعدم السماح لها في الدخول إلى حظيرة الإسلام، كما تصدّوا دائماً للتوراة المحرّفة لا التوراة الحقيقية التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: (إِنّا أَنْزَلْنا التَّوراةَ فِيها هُدىً وَنُور).(2) نعم تصدّوا للتوراة المحرفة التي لم تكتف بوصفه بالجسم والجسمانيّة فقط، بل أنزلته سبحانه وتعالى من مقامه السامي إلى الأرض ليدخل على يعقوب في خيمته ويصارعه.(3)

والذي يؤسف له أنّ ابن تيمية تخطّى تلك الجهود محاولاً السماح لفكرة التجسيم والتشبيه بالعودة إلى الأوساط الإسلامية داعياً إليها، حيث صرح بأنّه


1 . الشورى:11.
2 . المائدة:44.
3 . التوراة، كتاب التكوين، الفصل 32، الجمل26ـ 30، طبع عام 1856م.

(11)

تعالى تصح الإشارة الحسيّة إليه بالأصابع، قال في العقيدة الواسطية:«وما وصف الرسول به ربّه من الأحاديث الصحاح التي تلقّاها أهل المعرفة ـ كابن تيمية ومن لفّ لفّه ـ بالقبول، وجب الإيمان بها، كذلك مثل قوله: «ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر...».

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يضحك اللّه إلى رجلين أحدهما يقتل الآخر كلاهما يدخل الجنة.

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حيث يضع ربّ العزّة فيها قدمه».(1)

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّكم سترون ربّكم كما ترون الشمس والقمر».(2)

يقول الرحّالة ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في الفنون إلاّ أنّ في عقله شيئاً، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على المنبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: «إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا» ونزل من درج المنبر.(3)

2. الحطّ من مقامات الأنبياء والأولياء

إنّ للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء الصالحين منزلة ومقاماً لدى اللّه سبحانه وفي قلوب المؤمنين وأوساط المسلمين، ولقد شهدت بذلك الآيات القرآنية الكريمة والروايات الشريفة، وأنّه لا فرق في ذلك بين كون الرسول حيّاً أو ميتاً، فمقامه المعنوي ومنزلته الرفيعة ودرجته السامية محفوظة في حياته وبعد رحيله إلى الرفيق


1 . العقيدة الواسطية: الرسالة التاسعة: 398ـ 400.
2 . مجموعة الرسائل والمسائل:1/203، طبع لجنة التراث العربي.
3 . رحلة ابن بطوطة:112ـ 113.

(12)

الأعلى ولم يتغير ولم ينقص منها شيء أبداً، كذلك الأمر يجري في صلته (صلى الله عليه وآله وسلم) وارتباطه بالأُمّة الإسلامية.

ولكن الذي يمعن النظر في أفكار ابن تيمية والسائرين على نهجه يجد أنّهم يذهبون وبوضوح إلى أنّ الرسول الأكرم شأنه شأن أيّ إنسان عادي تنقطع علاقته بالأُمّة بمجرّد موته، وحينها لا يعود على الأُمّة أدنى نفع أو فائدة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله!!!

3. تكفير المسلمين

لقد سعى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكلّ ما أُوتي من قوة إلى تحكيم أواصر الأُخوّة والمودّة في أوساط المؤمنين بحيث استطاع أن يصنع منهم كياناً متماسكاً يقف سدّاً منيعاً أمام الكفر العالمي، حتّى استطاع المسلمون وببركة وفضل «كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة» من الصمود والثبات أمام ضربات الصليبيين القاسية، وعنجهية وغطرسة وجهل المغول ممّا انجر إلى دخولهم في الإسلام واعتناقهم الديانة الإسلامية في آخر المطاف، وبهذا تمكّن المسلمون أن يجعلوا من ألدّ خصومهم أُناساً مدافعين عنهم وعن شريعتهم ومروّجين لها. ولشديد الأسف أنّ هذه الوحدة الإسلامية تعرّضت لضربة قاصمة من قبل مؤسّس الفكر الوهابي بحيث حصروا الإسلام في تلك الثلّة من الناس التي تعتنق المذهب الوهابي والتي تسير على منهج ابن عبد الوهاب، وإلاّ فلا نصيب لهم من الإسلام!

هذه هي بعض الثمار المرّة التي جنتها الأُمّة الإسلامية من وراء هذه الحركة الفكرية التي تدّعي ـ زيفاً ـ أنّها حركة إصلاحية، وهل يوجد عاقل يحترم عقله ويعتز بدينه وقيمه يستطيع أن يصف الحركة أو رجالتها بأنّها حركة إصلاحية وإنّ


(13)

إمامها محيي السنّة ومميت البدعة؟!!

والكتاب الماثل بين يديك ـ أيّها القارئ الكريم ـ هو دراسة تحليلية للأُسس والمباني الفكرية للمذهب الوهابي محاولين من خلاله تسليط الأضواء على أفكارهم ومعتقداتهم بأُسلوب علمي رصين يعتمد المنهج العقلي والنقلي ولكن بأُسلوب سلس وعبارات واضحة، ليتسنّى لجيل الشباب الاستفادة منها على أكمل وجه، لكي لا يقعوا فريسة في شباك هذه الحركة الهدّامة.

وفي الختام أتقدم بالشكر والامتنان للشيخ الفاضل خضر آتش فراز (ذو الفقاري) الذي قام بترجمة الكتاب ونقله إلى العربية بأُسلوب واضح رصين، وأمانة خالصة كما هو شأنه دائماً، وتصحيحه بدقة متناهية حتّى ظهر بهذه الحلّة القشيبة.

أسأله سبحانه أن يتقبّل مني هذا الجهد اليسير وأن يهدي ثوابه ـ إن كان له ثواب وأجر ـ إلى روح والدي المرحوم آية اللّه الحاج محمد حسين الخياباني التبريزي (قدس سره) الذي يُعدّ ـ و بحق ـ أوّل شخصية عرّفتني حقيقة هذا المذهب والأخطار الكامنة في ذلك الفكر.

جعفر السبحاني                  
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)         
17 ربيع الأوّل يوم مولد           
منقذ البشرية الرسول الأكرم من عام 1426 هـ


(14)

(15)

الفصل الأوّل

 

الاتّحاد رمزّ الانتصار


(16)

(17)

يكمن في الاتّحاد والوحدة رمز انتصار الأُمم وتغلّبها على المشاكل والعوائق التي تقع في طريقها، أو في الحقيقة أنّ سرّ تطوّر الأُمم وتكاملها ورقيّها رهين بمدى اتّحادها وإلفتها واستغلالها لجميع الطاقات والقدرات والإمكانات المودعة فيها مادية كانت أو معنوية، بل انّ أساس نظام الكون والحياة قائم على هذا القانون المحكم والسنّة الإلهية التي لا يمكن أن تتخلّف بحال من الأحوال أبداً وهو قانون «الاتّحاد والتآخي».

ونحن إذا ألقينا نظرة عابرة إلى عالم الطبيعة وغيره من العوالم نجد فاعلية هذا القانون بجلاء ووضوح لا ريب فيه، فالروافد الصغيرة تتحوّل باتّحادها إلى أنهار عملاقة، وهذه الأنهار باتّحادها تخلق بحاراً ومحيطات مترامية الأطراف تغطي قسماً كبيراً من سطح الكرة الأرضية.

وهكذا الأمر إذا نظرنا إلى قطرات المطر الصغيرة كيف تتحول إلى خزانات ماء كبيرة قادرة على تحريك عجلة أعظم المولّدات الكهربائية (التوربين) وانّها في نفس الوقت قادرة على إرواء أراض زراعية شاسعة جداً لتخلق في الأرض ـ إن صحّ التعبير ـ ثورة خضراء وانقلاباً نباتياً يبهر العيون ويحيّر الألباب.

كذلك الأمر بالنسبة إلى القطعات والآلات المتفرّقة للمصانع والماكنات فإنّها تتحوّل باتّحادها وترابطها إلى أجهزة عملاقة ومصانع كبيرة قادرة على صنع الأعاجيب، والكلام نفسه يجري في النباتات فإنّ الشجرة لا تثمر ولاتؤتي أُكلها إلاّ


(18)

من خلال الاتّحاد والانسجام والتناسق بين جميع أعضائها من الجذور إلى الساق والأغصان والأوراق.

ثمّ إذا انتقلنا إلى الأُمور والمؤسسات التنظيمية في الحياة البشرية نجد فاعلية هذا القانون جليّة جداً، فسرّ نجاح المدرسة ـ على سبيل المثال ـ و تكاملها يكمن في الوحدة والتناسق بين جميع مكوناتها البشرية والمادية، ابتداءً بمدير المدرسة ومروراً بالأساتذة والكادر الفني والخدمي، وعروجاً على الطلاب، والأُمور المادية من الكتاب إلى اللوحات والمقاعد و...

بل انّ فهم الدروس واستيعاب المادة الدراسية هو الآخر رهين بتركيز الذهن وجميع القوى العقلية حول موضوع واحد وعنوان خاص. حكمه حكم الآلة الرافعة التي تركز جميع قدراتها على مركز وثقل واحد لتستطيع نقله من مكان إلى مكان آخر.

كما نجد أثر هذا القانون بوضوح في دراستنا لتاريخ الجيوش والحروب التي وقعت في العالم، فكم من جيش كان النصر حليفه والغلبة من نصيبه بسبب اتحاد قواه ومركزية قيادته، إذ يلتف حول قائد بصير ومحنّك ويعمل ضمن خطة موحدة ونظام مرسوم; وفي الوقت نفسه تجد الخيبة والخسران والهزيمة نصيب الجيش المنحلة قواه والمفكّكة عراه الذي تسوده الفوضى وعدم الانسجام، بحيث تجد كلّ فرقة منه أو فوج أو فصيل يعمل على شاكلته ويخطط لوحده ويتحرك بمفرده.

ولا غرابة إذا ما وجدنا مجموعة مكونة من 300رجل تنهزم وتؤسر من قبل رجلين أو ثلاث رجال فقط، وما هذا إلاّ بسبب وحدة الاثنين وتفرق الثلاثمائة!!

ولقد أحسن الحكيم العربي حينما جمع بنيه ليوصيهم بالوحدة والاتّحاد وليبين لهم أنّ سر نجاحهم في الحياة وتغلبهم على مشاق الحياة وصعابها يكمن في


(19)

الاتحاد والتآخي ومعرفة مخاطر الاختلاف والفرقة، وان سر انهزامهم يكمن في التشتت والتشرذم، والقصة معروفة حيث أعطى الشيخ الكبير لكلّ واحد من أبنائه عصا وأمره بكسرها على انفراد، فتمكّن الجميع من كسر العصي، ثمّ جمع لهم العصي في حزمة واحدة فطلب منهم كسرها فعجز الجميع عن كسرها، فأنشد يقول:

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا آحاداً

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسّرت آحادا(1)

إنّ العالم المعاصر الآن يحاول أن يتغلّب على المشاكل التي تعترض طريقه من خلال تشكيل المنظمات والهيئات الدولية و... التي يتم التجمع فيها لتبادل وجهات النظر وطرح الآراء والنظريات المتعددة ووضع الحلول المتنوعة والمقترحات المختلفة، ودراستها دراسة دقيقة ومتأنية والنظر إلى القضايا والمسائل من جميع أبعادها وزواياها، ثمّ الخروج بنتيجة تمثّل حصيلة التشاور وتبادل جميع الآراء وتلاقح الأفكار، بل هي في الحقيقة حصيلة وثمرة العقل الجماعي، بعيداً عن التزمّت والانفراد في الرأي واعمال الآراء الفردية.

وممّا لا ريب فيه أنّ تلاقح الأفكار وتعدّد وجهات النظر وطرح النظريات المختلفة ممّا يمنح الحقيقة دفعة قوية للانطلاق إلى الأمام والوصول إلى الهدف ويزيح الستار والغموض عن وجهها. نعم انّ في الاتحاد سر انتصار الأُمم وتطورها.


1 . جاء في ديوان «گلستان سعدى» الباب الثالث، مجموعة أبيات تتّحد في مضمونها مع ما ذكرناه في المتن.

(20)

الاتّحاد في القرآن الكريم

لقد أولى القرآن الكريم مسألة الوحدة والاتّحاد اهتماماً خاصاً ، وحثّ عليهما، وحذّر من مغبة الوقوع في التفرّق والتشرذم حيث قال سبحانه:

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا).(1)

ولعلّ السرّ في استعمال مصطلح «الحبل» في الآية المباركة هو أنّ مَثَلَ المجتمع الغارق في بحر ظلمات الفرقة والتشتّت وعدم التآخي، والمجتمع المبتلي بالنفاق والشقاق، كمثل الإنسان الواقع في قعر بئر من الظلمات، إذ يسعى جاهداً للإمساك بحبل ينقذه من الورطة التي وقع فيها والمصير الأسود الذي وصل إليه.

بل هناك نكتة جديرة بالانتباه، وهي أنّ من يراجع الذكر الحكيم يجد في بعض آياته إشارة واضحة إلى أنّ التفرّق والتشتّت يُعدُّ من وجهة نظر القرآن الكريم من أشدّ أنواع العذاب الإلهي الذي تبتلي به الأُمم والشعوب حيث يقول سبحانه وتعالى:

(قُلْ هُوَ الْقادِرُ على أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض).(2)

وهناك آيات أُخرى تشير إلى مفهوم دقيق آخر ومهم جداً، وهو أنّ الأُمم والمجتمعات التي تبتلي بالفرقة والتشتّت والتشرذم وتبتعد عن الحركة حول محور قيادي إلهي واحد، بعيدة كلّ البعد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا تربطها به (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . آل عمران:103.
2 . الأنعام:65.

(21)

أيّة رابطة أو علاقة. قال تعالى معبراً عن تلك الحقيقة:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْء).(1)

الاتحاد في السنّة النبوية

لقد سلكت السنّة النبوية نفس المنهج القرآني في الحث على الاتّحاد والتآخي ولمّ الشمل ووحدة الصف، وأثنت على التماسك ورص الصفوف، وقد سعى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ترسيخ هذا المفهوم في وسط المجتمع الإسلامي من الناحية النظرية، كما سعى (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إنزاله إلى حيز التنفيذ بصورة عملية، ومن هنا كانت الخطوة الأُولى التي خطاها (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما وطأت قدماه الشريفتان أرض المدينة واستقر به الأمر فيها أن آخى بين قبيلتي الأوس والخزرج.

وقد انطلق (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله تعالى: (إِنّما المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ).(2)، ليصلح ويؤاخي بين هاتين القبيلتين اللّتين طالما خاضتا حروباً طاحنة بينهما، من هنا حاول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي على الآثار السلبية والضغائن والأحقاد التي خلفتها تلك الحروب بين القبيلتين، فعقد بينهما عقد الأُخوة الإسلامية، وأبدل الضغينة والكره والبغضاء بالود والمحبة والإلفة بين الجانبين.

ولقد كان لهذه الحركة وقع الصاعقة على رؤوس يهود المدينة الذين غاظهم هذا الموقف الحكيم من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فسعوا جادّين لضرب تلك الوحدة والإلفة بين المسلمين، وكان على رأس اليهود شخصية شديدة العناد لهذا المشروع يدعى (شاس)، إذ سعى جادّاً لإحباط مشروع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . الأنعام:159.
2 . الحجرات:10.

(22)

بكلّ الطرق والوسائل. ولقد نقل لنا التاريخ بعض تلك المحاولات والتي منها:

قال ابن إسحاق: ومرّ شاس بن قيس ـ وكان شديد الضغن على المسلمين، وشديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار; فأمر فتى شاباً من يهود فقال له: «اعمد إليهم ثمّ اذكر يوم بعاث وما كان قبله» وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج; ففعل الشاب اليهودي فتكلّم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين فتقاولا، ثمّ قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، فغضب الفريقان وقالوا: السلاح السلاح، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فخرج إليهم في من معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال:

«يا معشر المسلمين! اللّه، اللّه أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! بعد أن هداكم اللّه للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر،وألّف به بين قلوبكم». فعرف القوم انّها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً.(1)

وهناك نموذج آخر ذكره لنا التاريخ في هذا الخصوص وقع في السنة السادسة من الهجرة في غزوة بني المصطلق:


1 . سيرة ابن هشام:2/250.

(23)

قال ابن إسحاق: خرج رسول اللّه إلى بني المصطلق حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع، فهزم اللّه بني المصطلق، فبينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك الماء، وردت واردة الناس، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا; فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد اللّه بن أبي سلول وعنده رهط من قومه.(1)

وكادت أن تقع فتنة لولا أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تصدّى لمعالجة الموقف بحنكته المعروفة حيث أمر بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يرتحل فيها، فارتحل الناس.(2)

وبهذا استطاع الرسول أن يخمد نار الفتنة التي كادت أن تقع، وللرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كلام في هذا المجال حيث قال: «دعوها فإنّها نتنة».

ولأمير المؤمنين(عليه السلام) كلام عميق وجذّاب في هذا المجال قال فيه:

«والزموا السواد الأعظم، فإنّ يد اللّه مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب».

ولم يكتف أمير المؤمنين(عليه السلام) بهذا المقدار من الكلام، بل خطا إلى الأمام خطوة أوسع فقال:

«ألا مَنْ دعا إلى هذا الشِّعار فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه».(3)


1 . نفس المصدر:3/303، غزوة بني المصطلق.
2 . نفس المصدر:3/303، غزوة بني المصطلق.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 127.

(24)

الوحدة الإسلامية في إيران

ومن حسن الحظ أنّ الشعب الإيراني المسلم يعيش ولقرون متمادية ـ و ببركة الاقتداء بالقرآن الكريم وسيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين ـ أفضل حالات الانسجام والاتّحاد والتآخي في اللّه، ولقد استطاع هذا الشعب تحت ظل الوحدة والانسجام التغلّب على الكثير من المشاكل والمعوقات والصعاب التي اعترضت طريقه في مسيرة الحياة.

ولكن ـ و للأسف الشديد ـ تنطلق من هنا و هناك بعض الأصوات الشاذة والنكرة التي تغنّي خارج السرب، والعناصر الساذجة والتي ترتبط بجهات أجنبية مدعومة من قِبل خصوم الإسلام، تحاول ومن خلال إثارة بعض المسائل العقائدية بصورة ساذجة وسطحية وملتوية جداً، بذر الفتنة وزرع الفرقة، سعياً منهم لضرب هذه الوحدة الراسخة والتي تضرب جذورها في أعماق التاريخ.

ومن هنا وانطلاقاً من المهمة الملقاة على عاتق العلماء والمفكّرين في مواجهة تلك الحركات المشبوهة والأفكار الهدّامة، وبيان سذاجة ووهن الأفكار التي يطرحونها على الساحة، قمنا وللّه الحمد ببيان وتوضيح أهمّ المسائل ـ التي يمكن أن ينطلق منها الخصم والتي تتمثل بمسألة «التوحيد والشرك» و «البدعة» ـ بصورة منطقية، معتمدين فيها القرآن الكريم والسنّة النبوية القطعية وحكم العقل الصريح، لتكون إن شاء اللّه مناراً يهتدي به الجيل والنشأ الحاضر المتعطش لنمير الفكر الإسلامي ومفاهيمه الراقية، الجيل الذي يسعى بكلّ إمكاناته وقواه لدرك الحقيقة والتمييز بين الحقّ والباطل، وتمييز الحكمة عن السفسطة، لينقذ نفسه من السقوط في شباك وأحابيل المنحرفين وحيلهم .


(25)

الفصل الثاني

ابن تيمية، حياته، عصره، أفكاره


(26)

(27)

مكانة التوحيد في الفكر الإسلامي

يمثّل التوحيد الأصل الأساسي الذي قامت عليه أُسس جميع الديانات السماوية، وهو الأصل الأوّل الذي أمر اللّه سبحانه أنبياءه ورسله بتبليغه والدعوة إليه ونشره بين الشعوب والأُمم المختلفة، وبالخصوص نبي اللّه إبراهيم الخليل(عليه السلام)(الذي تنسب إليه الديانات التوحيدية الثلاثة الكبرى: اليهودية، المسيحية، والإسلام). من هنا كان لهذا الأصل فاعليته وأهميته القصوى في الدين والمفاهيم الإلهية، الأمر الذي دعا الأنبياء وأتباعهم إلى التأكيد عليه وعدم التهاون فيه ولو تهاوناً يسيراً، فلا يمكن بحال من الأحوال لأيّ إنسان أن يدخل في حيطة الدين الإلهي الحقّ، ويُعدّ من زمرة المسلمين، إلاّ إذا اعتقد أوّلاً وبالدرجة الأُولى بأصل التوحيد والوحدانية. ومن هنا كان شعار المسلمين الذي رفعوه هو كلمة التوحيد: «لا إله إلاّ اللّه»، ومن الواضح أنّ هذا الشعار يحمل النفي والإثبات في آن واحد، نفي جميع الآلهة المصطنعة وإثبات إلوهية اللّه الفرد الصمد، الجدير بالعبودية والخضوع له.

ومن حسن الحظ أنّ المسلمين ـ و بالرغم من وجود بعض المسائل الخلافية ـ متّفقون على أصل التوحيد ولم يشذ فيه أحد منهم، وهناك سنن وعقائد كانت شائعة بين المسلمين ولم يشم منها المسلمون أيّة رائحة شرك أو بدعة في الدين،


(28)

مثل «طلب الشفاعة من أولياء اللّه تعالى والصالحين من عباده» و «تكريم مراقد وقبور الأولياء والاهتمام بها» ولا يرى المسلمون في ذلك تضادّاً مع أصل التوحيد وتجاوزاً على حدوده، وكان بعض الحاج من المسلمين يأخذ التراب من قبر سيد الشهداء حمزة(رض) (شهيد معركة أُحد) ليعمل منه مسبحة، بل نرى أنّ الخاقاني الشرواني من شخصيات القرن السادس الهجري نظم قصيدة يطلب فيها ممّن يزور المدائن ـ قبر الصحابي الجليل سلمان المحمّدي(رض)ـ أن يعمل له مسبحة من تراب قبره الشريف، ولقد كانت هذه القصيدة تقرأ على مرأى و مسمع من كبار المسلمين ، فلم تثر حفيظتهم ولم يروا فيها ما يضاد عقائدهم، بل على العكس من ذلك كان كبار المجتمع المكي يكتبون قصائده بماء الذهب، وكان الخليفة يدعوه إلى مجلسه ويستقبله بحفاوة وإكرام وتبجيل و....(1)

وهكذا استمر الأمر في أوساط المسلمين إلى أوائل القرن الثامن الهجري، حيث ظهر المدعو أحمد ابن تيمية، الذي حاول التشكيك في بعض عقائد وسنن المسلمين وحاول أن يشير بأصابع الريب والشك إلى تلك العقائد معترضاً عليها باعتبارها مخالفة لأصل التوحيد وأنّها على الضد معه، واعتبر أنّ الاعتقاد بها والعمل وفقاً لها، يُعدّ نوعاً من الشرك وابتعاداً عن جادة التوحيد، ومن النماذج التي اعتبرها ابن تيمية من مصاديق الشرك والابتعاد عن خط التوحيد مفهوم طلب الشفاعة من الأولياء، حيث ذهب إلى أنّ أصل الشفاعة في الآخرة حق لا مرية فيه، ولكن طلب الشفاعة من الأولياء في هذا العالم يُعدّ شركاً!

ومن هنا سنحاول ـ إن شاء اللّه تعالى ـ في البحوث القادمة أن نسلّط الأضواء على ادّعاءاته وأفكاره، معتمدين في منهجنا هذا القرآن الكريم والسنّة


1 . انظر ديوان الخاقاني: 323، المقدّمة بقلم محمد العباسي.

(29)

النبوية القطعية، لنبين نقاط القوة والضعف في أفكار الرجل بعيداً عن التعصّب له أو عليه. ولكن هذا لا يمنعنا من أن نبدي أسفنا الشديد على أنّ الرجل طرح أفكاره وعقائده ـ و التي كانت عاملاً مهماً في بذر التفرقة بين المسلمين ـ وأثارها في وقت وظرف حسّاس جداً كان يعيشه المسلمون في تلك الحقبة، حيث كانوا يعانون أزمة شديدة وظروفاً عصيبة من تاريخهم، نعم لقد أُثيرت عقائده في الوقت الذي كانت البلاد الإسلامية تعيش بين كمّاشتين: الصليبية من جهة، والمغول من الجهة الأُخرى. وفي هذا الوقت الذي كانت فيه الأُمّة بأشدّ الحاجة ـ أكثر من أيّ زمان آخر ـ إلى الوحدة ورصّ الصفوف والتلاحم ورأب الصدع لمواجهة تلك الأخطار الجسام والمحن الصعبة، نجد الرجل يثير عقائده ويعلن عن آرائه ومعتقداته.

ومن هنا يكون تحليل ودراسة شخصية ابن تيمية والظروف العصيبة التي كـانت تعيشها الأُمّة الإسـلامية في ذلك العصر بمثـابة دروس وعبـر أسـاسية في التـاريخ الإسـلامي ينبـغي أن تسلط عليها الأضواء وتدرس دراسة متأنّية ودقيقة.

عصر النهصة الإسلامية

تُعدّ بداية القرن الرابع إلى أواسط القرن الخامس الهجري من التاريخ الإسلامي من أفضل العصور وأبرزها، فقد وصل المجتمع الإسلامي في هذه البرهة الزمنية إلى ذروة الرقي والتطوّر والازدهار الحضاري في مجالات الحياة المختلفة، كالعلم والأدب والسياسة و...، وكلّ ذلك حصل ببركة رجال أفذاذ وشخصيات عظيمة استطاعت أن تقفز بالعالم الإسلامي قفزة نوعية من أمثال:


(30)

الفيلسوف الكبير ابن سينا، وأبي ريحان البيروني، والفردوسي، والصاحب بن عباد، والخواجة نظام الملك الطوسي; حيث استطاع هؤلاء الفطاحل من العلماء والأُدباء والسياسيين أن يعرضوا صورة ناصعة للفكر والثقافة والحضارة الإسلامية الأمر الذي حدا بالمستشرقين أن يطلقوا ـ و بحق ـ على هذه الفترة من تاريخ العالم الإسلامي اسم عصر النهضة الإسلامية.

ولكن ـ و لشديد الأسف ـ ابتليت الأُمّة الإسلامية بعد هذا العصر الذهبي بمرض التفرقة، ودبّ في جسدها مرض الاختلافات والتناحر و التشرذم وتعدّد الأهواء والميول السياسية والفكرية، ممّا كان له الأثر الفاعل في تفريغ الأُمّة من الرجال العظام والشخصيات الكبيرة الأمر الذي أدّى بدوره إلى أُفول شمس القوّة الإسلامية وضعف شوكتها، وطمع الأعداء بها.

الحروب الصليبية

لقد كان الغرب الصليبي ـ الذي مازال يتجرّع مرارة الهزيمة أمام الجيش الإسلامي في الأندلس وانتشار الإسلام في القارة الأُوروبية ـ يرصد الوضع في العالم الإسلامي ويراقب الأُمور عن كثب، ويتحيّن الفرصة المناسبة للانتقام من الإسلام والمسلمين، ولمّا أحسّوا بضعف المسلمين وتشتّت كلمتهم في أواخر القرن الخامس الهجري أصدر البابا في روما الأوامر بالهجوم على قبلة المسلمين الأُولى فلسطين فلبّى هذا النداء مئات الآلاف من المسيحيّين الأُوروبيين ـ بصدور ملؤها البغض والكراهة والأحقاد الدفينة للتوحيد والموحّدين ـ فارتكبوا أبشع الجرائم وانتهكوا الحرمات، وحوّلوا القدس إلى حمام دماء وساحة تناثرت فيها الأشلاء، وكانت هذه هي البداية للحروب الصليبية التي استمرت ما يقرب من 200عام


(31)

(489ـ 690هـ.ق الموافق لعام 1095ـ 1291م) والتي راح ضحيتها الملايين من القتلى والجرحى والمشرّدين والمعذّبين.

زحف التتار

والذي يؤسف له أنّ الأُمّة الإسلامية لم تلملم شملها بعد ولم تضمّد جراحها التي تلقتها من الغرب الصليبي، حتى ابتليت بعدو مارد وإعصار كاسح أصابها هذه المرّة من قبل الشرق، والذي تمثّل بجيوش المغول الزاحفة بقيادة جنكيزخان، التي عاثت في أرض المسلمين فساداً، وأهلكت الحرث والنسل، وبعد خمسين عاماً من بداية الهجوم المغولي على الأراضي الإسلامية تمكّن حفيد جنكيزخان، «هولاكو» من دخول بغداد وتدميرها وإنهاء عصر الخلافة العباسية وطي صفحتها من الوجود، وذلك في عام (656هـ).(1)

ولم يقف الزحف المغولي عند بغداد وحدودها بل استمر الزحف باتجاه الشام حيث صنعوا بحلب والموصل مثل ما صنعوا ببغداد، وذلك في الفترة ما بين عام 657إلى 660هـ، في الوقت الذي كانت فيه كلّ من مصر والشام تواجه الغزو الصليبي بعنف وضراوة حتّى أنّ بعض طلائع الجيوش الصليبية قد اقتربت في بعض الفترات من مدينة القاهرة ، ولولا وفاة الخان المغولي الكبير «منگوقاآن» الأخ الأكبر لهولاكو، ممّا اضطر هولاكو لمغادرة الشام والعودة إلى إيران ، وانهزام قائده كيتوبوقا ـ الذي أوكل إليه هولاكو مهمة فتح مصر ـ أمام المسلمين في معركة عين جالوت (في فلسطين)، لما علم ماذا سيكون مصير القاهرة إلاّ اللّه سبحانه.


1 . راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري:12/358ـ 361.

(32)

ولقد كان لهجوم المغول على الأراضي الإسلامية في أوائل القرن السابع الهجري، أثره الإيجابي على الغرب الصليبي، فتلقّوا ذلك الحدث بارتياح تام، واعتبروها فرصتهم الذهبية للقضاء على الإسلام وإنهاء وجوده بالكامل، ومن هنا استثمروا هذه الفرصة الذهبية وبدأوا تحركهم للقضاء على الحضارة الإسلامية في الأندلس، وقد استمرت هذه الحروب ما بين (609ـ 889هـ)، والجدير بالذكر أنّه وطوال تلك الفترة كانت الوفود الصليبية تقوم بحركة مكوكية في البلاط المغولي، وكان همّهم الأساسي ودورهم الرئيسي منصباً على التنسيق مع المغول لوضع العالم الإسلامي بين كمّاشتين والقضاء عليه من الجانبين.ولقد كان تواجد أُسرة ماركوپولو في البلاط المغولي لهذا الغرض.

أضف إلى ذلك أنّ أُمّ هولاكو نفسه وزوجته كانتا من النساء المسيحيات، وكان قائد جيشه في بلاد الشام كيتوبوقا هو الآخر نصرانياً أيضاً.

وهكذا استمر التحالف المغولي الغربي في عهد خلفاء هولاكو الايلخانيين حيث استطاع هولاكو أن يؤسّس دولة مغولية جديدة مستقلة هي الدولة الايلخانية، والتي انفصلت تدريجياً عن الامبراطورية المغولية الكبرى.

نعم استمر التواجد والتأثير المسيحي في هذه الدولة حيث نجد أنّ «اباقاخان» ابن هولاكو والذي حكم ما بين (663ـ 680هـ) قد اقترن بابنت امبراطور الروم الشرقية، وتحالف مع السلاطين الفرنسيين و الانجليز ضد المسلمين، وقاد الجيوش نحو مصر والشام.

والأدهى من ذلك والأفضع موقف ابنه «ارغون» (حكم ما بين 683 ـ 690هـ) حيث وقع الرجل تحت تأثير وزيره اليهودي سعد الدولة الأبهري، الذي راح يسوّل له غزو مكة المكرمة واحتلالها وتحويل الكعبة إلى معبد للأوثان،


(33)

والقضاء على رجال السياسة والدين من المسلمين، فأخذ يُعد العدة ويهيئ الجيوش والعساكر لغزو الحجاز وتنفيذ الخطة المشؤومة،ولكن ومن حسن الحظ انّ اللّه سبحانه كان له بالمرصاد حيث انتهت هذه الغائلة بمرض ارغون ومقتل سعدالدولة.

حتى السلطان المغولي غازان بن ارغون (694ـ 703هـ) والذي يُعد السلطان المغولي الأوّل الذي اعتنق الدين الإسلامي، هو الآخر كان يفكر في بادئ الأمر بفتح دمشق والقاهرة وقد وقعت بالفعل في عصره بين عام 699إلى 702هـ معارك بين جيوش المغول وسلاطين مصر وحظيت تلك الوقائع التي أحدثها غازان، بمباركة وتشجيع ودعم الصليبيين.(1)

في تلك الظروف الحسّاسة والوضع القلق الذي يعيشه العالم الإسلامي ظهر ابن تيمية ناشراً أفكاره ومعتقداته، والتي جوبهت بردة فعل شديدة من قبل علماء المسلمين الأعم من السنّة والشيعة، فأحدثت تلك الأفكار شرخاً كبيراً في جسد الأُمة الذي كان بأشدّ الحاجة إلى الوحدة ولمّ الشمل ومواجهة الأخطار الجسام التي تحيط به.

ولقد كان العالم الإسلامي بحاجة ماسّة في تلك الفترة العصيبة إلى قائد محنّك ورائد كبير يستطيع بقاطعيته وشجاعته أن يجمع المسلمين على المشتركات بينهم، والتي تتمثّل بـ «الإله الواحد والرسول الواحد والكتاب الواحد والقبلة الواحدة»، ليخلق من العالم الإسلامي جبهة متماسكة ووجوداً متّحداً لمواجهة


1 . انظر للاطلاع على الجرائم المروعة والفضائع التي قام بها المغول وتحالفهم مع الصليبيين ضد المسلمين «تاريخ المغول» للمرحوم المحقق عباس اقبال الآشتياني الصفحات:191ـ 197 و202 ـ 204 و 207ـ 216 و 237ـ 245 و 266 ومابعدها.

(34)

العدو المشترك المتمثّل يومها بالصليبيين واليهود والوثنيين.ولكن ـ و لشديد الأسف ـ ما قام به ابن تيمية كان على العكس من ذلك تماماً.

أحمد بن تيمية

ولد أحمد بن تيمية عام 661هـ بعد خمسة أعوام من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد، في مدينة «حرّان» من بلاد الشام، وواصل دراسته الأوّلية فيها حتّى بلغ السابعة عشر من عمره، وفي تلك البرهة كان العالم الإسلامي عامة وبلاد الشام خاصة عرضة لغزو جيوش المغول. وقد أحدثت تلك الهجمات المغولية على أطراف الشام حالة من الرعب الشديد والهلع في قلوب الناس، الأمر الذي حدا بوالده عبد الحليم أن يشد الرحال مع أفراد اسرته وأقاربه تاركاً حرّان ومتوجهاً إلى دمشق حيث ألقى رحله هناك.

وحتى العام 698هـ كان ابن تيمية شخصية مغمورة لم يسمع عنها شيء ما، ولكن مع إطلالة القرن الثامن بدأ الرجل بنشر أفكاره الشاذّة وعرضها بين الناس وخاصة حينما طلب منه أهل «حماة» أن يفسر لهم قوله تعالى: (الرّحمن عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى)(1) حيث زلّت به قدمه في تفسيره لهذه الآية، فأجاب بما هو نص في التجسيم، وأثبت أنّ للّه مكاناً في السماء، وأنّه متكئ على العرش.(2)

إنّ أكثر المسلمين وخاصة الشيعة منهم ينزّهون اللّه سبحانه عن الجسم


1 . طه:5.
2 . انظر الرسالة الحموية:429، ضمن مجموعة «الرسائل الكبرى». والغريب أنّ ابن تيمية قد استدلّ على مدّعاه ـ و اعتبر ذلك ملاك الحقيقة ـ بالتصوّر الساذج والفهم الخاطئ لفرعون، والذي كان يتصوّر إنّ إله موسى مستقر في السماء، فاستدلّ ابن تيمية بقوله: (يا هامانُ ابنِ لي صَرحاً لعَلّي أَبلُغُ الأَسْبابَ * أَسبابَ السَّمواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى).(غافر:36ـ 37).

(35)

والجسمانية، وإنّه تعالى لا يحيطه شيء من الزمان والمكان، وإنّ قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء) و (لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحد)يردعهم عن تشبيه اللّه سبحانه بصفات المخلوقين، ولكن نرى أنّ ابن تيمية قد جاء في تفسيره للآية السابقة بما يخالف تلك الآيات، ويستلزم تشبيهه سبحانه بمخلوقاته.

وقد كان لتفسيره المذكور للآية المباركة ردّة فعل شديدة وأحدث ضجّة كبيرة في أوساط المسلمين طلب على أثرها العلماء من القاضي جلال الدين الحنفي، إحضاره ومحاكمته، فوجّه إليه القاضي المذكور الدعوة لكنّه امتنع عن الحضور إلى قاعة المحكمة.

وهكذا استمر ابن تيمية في عرض أفكاره الشاذّة، وعقائده المخالفة للمشهور في أوساط المسلمين محدثاً بذلك حالة من التشنّج والانفعال في الوسط الإسلامي، حتى حكم عليه في عام 705هـ وأُبعد إلى مصر، ثمّ أُطلق سراحه عام 707هـ ولم يرجع إلى الشام إلاّ عام 712هـ حيث بدأ في نشر أفكاره ونظرياته مجدّداً، حتّى حكم عليه مرّة أُخرى عام 721هـ بالسجن، وبقي مسجوناً إلى أن توفّي مسجوناً عام 728هـ.(1)

ولقد أصدر علماء الشام ومصر الكبار بياناً أوضحوا فيه الخلل في عقائد ابن تيمية وشطحاته الفكرية، وبما أنّ المقام لا يسع لنقل ذلك البيان، نكتفي بذكر خلاصة من بعض كلمات العلماء ليطّلع القارئ على الدور التخريبي الذي أحدثته أفكار الرجل في الوسط الإسلامي، وكيف أنّها بذرت بذرة النفاق في أوساط المسلمين.


1 . انظر تفصيل ذلك في البداية والنهاية:14/4ـ52.

(36)

العلماء الذين تصدّوا له

ولكن قبل التعرّض لذكر أسماء العلماء الذين أصدروا البيان المذكور نحاول أن ننقل مقطعاً من شهادة شهد بها مؤرّخ محايد، شاهدها بأُمّ عينه ونقلها ممّا شاهده، يقول الرّحالة ابن بطوطة:

وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في الفنون إلاّ أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم ويعظهم على المنبر. وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء، ورفعوه إلى الملك الناصر، فأمر بإشخاصه إلى القاهرة ... فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على المنبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: «إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا»، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته.(1)

لا شكّ أنّ ابن تيمية لم يكن بالشر المطلق، بل كانت للرجل نقاط قوّة كما كانت له نقاط ضعف وخلل في التفكير، إلاّ أنّ أتباعه ومريديه ركّزوا على نقاط القوّة في شخصيته، وأغمضوا عيونهم عن نقاط الضعف والخلل في شخصيته، ولكنّ الباحثين عن الحقيقة الذين يحدوهم طلب الحقّ نظروا إلى الرجل من الزاويتين، وأخذوا في نقد أفكاره ونظرياته بنفس علمي بعيداً عن التعصّب والميول الشخصية، ومن العلماء الذين تعرّضوا لدراسة أفكار الرجل ونقدها العلماء التالية أسماؤهم أدناه، والذين يُعدّ كلّ واحد منهم من أساطين العلم


1 . رحلة ابن بطوطة:112ـ 113.

(37)

ورموزه في الشام ومصر، فاعتبروا آراءه مخالفة ومغايرة لتعاليم الأنبياء والأولياء:

1. الشيخ صفي الدين الهندي الأُرموي(644ـ 715هـ).

2. الشيخ شهاب الدين ابن جهبل الكلابي الحلبي (المتوفّى 733هـ).

3. قاضي القضاة كمال الدين الزملكاني (667ـ 733هـ).

4. شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748هـ)

5. صدر الدين المرحّل (المتوفّى 750هـ).

6. علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى 756هـ).

7. محمد بن شاكر الكتبي (المتوفّى 764هـ).

8. أبو محمد عبد اللّه بن أسعد اليافعي(698ـ 768هـ).

9. أبو بكر الحصني الدمشقي (المتوفّى 829هـ).

10. شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفّى 852هـ).

11. جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي (812ـ 874هـ).

12. شهاب الدين ابن حجر الهيثمي (المتوفّى 973هـ).

13. الملا علي القاري الحنفي(المتوفّى 1016هـ).

14. أبو الأيس أحمد بن محمد المكناسي المعروف بأبي القاضي (960ـ 1025هـ).

15. يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني (1265ـ 1350هـ).

16. الشيخ محمد الكوثري المصري (المتوفّى 1371هـ).

17. الشيخ سلامة القضاعي العزامي (المتوفّى 1379هـ).


(38)

18. الشيخ محمد أبو زهرة (1316ـ 1396هـ).(1)

وقد ألّف بعض العلماء كتباً خاصة بنقد أفكاره والرد عليها كتقي الدين السُّبكي الذي ألّف في الردّ على ابن تيمية كتابين: الأوّل منهما تحت عنوان «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»، والآخر: «الدّرة المضية في الرد على ابن تيمية».

ولأجل أن يقف القارئ على آراء معاصريه وغيرهم من مفكّري وعلماء أهل السنّة وتقييمهم للرجل وللأفكار التي جاء بها. نقتطف بعضاً من تلك الكلمات:

كلام الحافظ شمس الدين الذهبي (المتوفّى 749هـ)

يُعدّ الحافظ الذهبي من كبار علماء أهل السنّة في الحديث و الدراية، وكان تربطه بابن تيمية رابطة مذهبية، حيث ينتمي الرجلان إلى المذهب الحنبلي، وقد كتب الذهبي رسالة مطوّلة إلى ابن تيمية ينصحه فيها ويبيّن له نقاط الخلل في منهجه الفكري والعلمي، وممّا جاء في الرسالة :

ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟! إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذمّ العلماء وتتبع عورات الناس؟! مع علمك لنهي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثمّ تعرّض الذهبي لتقييم أتباع ابن تيمية ومريديه فقال: فهل معظم


1 . راجع للاطّلاع على آراء هؤلاء الأعلام موسوعة بحوث في الملل والنحل لآية اللّه جعفر السبحاني:4/37ـ 50.

(39)

أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟! أو عامّي كذّاب بليد الذهن؟! أو غريب واجم قوي المكر؟! أو ناشف صالح عديم الفهم؟! فإن لم تصدقني ففتّشهم وزنهم بالعدل.

ثمّ انتقل الذهبي لبيان أُسلوبه ومنهجه الأخلاقي فقال: إلى كم تصادق نفسك وتعادي الأخيار؟! إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟!

إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟! إلى متى تخاللها وتمقت الزهّاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ و اللّه ـ بها أحاديث الصحيحين؟! يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك!!

ثمّ قال: أمّا آن لك أن ترعوي؟! أما حان لك أن تتوب وتنيب؟! أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟! بلى ـ و اللّه ـ ما أذكر إنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنّك تقبل قولي ولا تصغي إلى وعظي.

وبعد إيراد وعظه أشار الذهبي إلى نكتة مهمة، حيث قال: فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟! وأعداؤك ـ و اللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء، كما أنّ أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة، وبطلة وعود وبقر، قد رضيت منك بأن تسبّني علانية، وتنتفع بمقالتي سرّاً، فرحم اللّه امرءاً أهدى إليَّ عيوبي.(1)

هذه بعض كلمات الذهبي والتي لو تأمل فيها الإنسان لوقف على فداحة المنهج وخطر الفكر الذي كان يعتمده ابن تيمية، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الرسالة جاءت على لسان مشفق محب ودود لا تحمله ضد ابن تيمية ضغينة حقد أو حسد أو عداء مذهبي.


1 . راجع السيف الصقيل:217; والغدير:87.

(40)

الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى 756هـ)

ترجمه ولده في طبقات الشافعية وهو أحد من ردّ على ابن تيمية وألّف كتاباً أسماه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه الصلاة والسلام» و ربّما سمّي «شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة»(1)، وهو يعرّف والده ويقول: «إمام ناضح عن رسول اللّه بنضاله، وجاهد بجداله، حمي جناب النبوة الشريف، بقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره ـ إلى أن قال: ـ قام حين خلط على ابن تيمية الأمر، وسوّل له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سدّ باب الوسيلة، وأنكر شدّ الرحال لمجرد الزيارة، ومابرح يدلج ويسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الذي لا ينتهك، وقد كادت تذود عنه قسراً صدور الركائب.وتجهر قهراً أعنّة القلوب بتلك الشبهة التي كادت شرارتها تعلق بحداد الأوهام... كيف يزار المسجد ويخفى صاحبه أو يخفيه الإبهام؟! ولولاه(عليه السلام)لماعرف تفضيل ذلك المسجد، ولولاه لما قدّس الوالي ولا أُسّس على التقوى مسجد في ذلك النادي، شكر اللّه له، قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع».(2)

وقال أيضاً في خطبة كتابه «الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية» ما هذا لفظه:أمّا بعد فإنّه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب، والسنّة، مظهراً أنّه داع إلى الحقّ، هاد إلى الجنّة، فخرج عن الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّسة، وانّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات اللّه


1 . طبقات الشافعية:10/308.
2 . طبقات الشافعية:10/149ـ 150، وللكلام صلة.

(41)

تعالى، وانّ القرآن محدث تكلّم اللّه به بعد أن لم يكن، وانّه يتكلّم ويسكت، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّة من الملل، ولانحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأُمّة،ولا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة. وكلّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً لكنّه نقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع.(1)

محمد بن شاكر الكتبي(المتوفّى 764هـ) وموقفه من ابن تيمية

قال في «فوات الوفيات» في ترجمة ابن تيمية:«إنّه ألّف رسالة في فضل معاوية وفي أنّ ابنه يزيد لا يسب».(2)

وقال معلّقاً على ذلك: هذه الرسالة تعرب عن نزعته الأُموية، ويكفي القول في الوالد والولد (ووالد وما ولد) انّه بدّل الحكومة الإسلامية إلى الملكية الوراثية، ودعا عباد اللّه إلى ابنه يزيد، المتكبّر، الخمّير، صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يطلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكره وفجوره، ولما استتبّ الأمر ليزيد أوقع بأهل الحرة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش، وظن أنّه قد انتقم من أولياء اللّه، فقال مجاهراً بكفره:


1 . المصدر نفسه:10/186. وتوفّي السبكي تقي الدين والد تاج الدين عام 756هـ وتوفّي الولد عام 771هـ.
2 . فوات الوفيات:1/77.

(42)

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل

وهذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى اللّه ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله; ثمّ من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول اللّه، مع موقعه من رسول اللّه، ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول اللّه له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على اللّه، وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من الكفّار.(1)

شهاب الدين ابن حجر الهيتمي (المتوفّى 973هـ)

قال في ترجمة ابن تيمية: ابن تيمية عبد خذله اللّه، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمّة، الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد; أبي الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم.

ثمّ قال: والحاصل أنّه لا يقام لكلامه ـ ابن تيمية ـ وزن، بل يرمى في كلّ وعر وحزن، ويعتقد فيه أنّه مبتدع، مضل، غال، عامله اللّه بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله.(2)

ولقد كان للمواجهة القوية وردّة الفعل الشديدة من قبل العلماء والمفكّرين


1 . مأخوذ من كتاب (المعتضد)، نقله الطبري في تاريخه:11/77، وانظر فوات الوفيات:1/77.
2 . الفتاوى الحديثية:86.ونقله الشيخ محمد بخيت(المتوفّى 1354هـ) في كتابه «تطهير الفؤاد» : 9، طبع مصر.

(43)

المسلمين تجاه آراء الرجل ومعتقداته أثرها الفاعل في اندحارها وانكفائها ووضعها في زاوية النسيان، وإهمالها إهمالاً كاملاً، وكأنّها لم توجد يوماً ما في الوسط الإسلامي.

وكان موقف العلماء هذا ـ و بحق ـ تجسيداً حيّاً وامتثالاً رائعاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«إذا ظهرت البدع في أُمّتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه».(1)

وهكذا اختفى مذهب ابن تيمية وأفكاره ونظرياته عن الأنظار، إلاّ ما كان منها في كتب تلميذه ابن قيم الجوزية (691ـ 751هـ)، بل حتى تلميذه ابن قيّم الجوزية نفسه وقف متحدّياً أُستاذه في كتاب «الروح».

هذه هي إطلالة سريعة على شخصية ابن تيمية، وموقف علماء المسلمين منها، وبيان سبب انزوائها وخفائها فترة طويلة من الزمن، وحان الوقت للبحث عن العوامل والأسباب التي أدّت إلى إحياء أفكاره من جديد وطرح نظرياته في أوساط المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري، لتخرجها من الظلام وتنفض عنها غبار الإهمال. وهذا ما نبحثه في الموضوع التالي إن شاء اللّه تعالى.


1 . الكافي:1/54، باب البدع والرأي.

(44)

(45)

الفصل الثالث

الوهابية، الأُسس الفكرية، والمنهج العملي


(46)


(47)

1
الظروف التي أُثيرت فيها أفكار ابن تيمية من جديد

قد اتّضح جلياً في الفصل السابق أنّ ابن تيمية أثار أفكاره ونظرياته في وقت كان يعيش فيه العالم الإسلامي أقسى الظروف وأشد الصعاب والتحدّيات، ويواجه أعتى الجيوش الغازية من جهتي المشرق والمغرب المتمثّلة بالمغول والصليبيّين، وكان العالم الإسلامي في تلك البرهة ـ وكما هو واضح ـ بأمسّ الحاجة إلى الوحدة والاتّحاد والتآخي والالتفاف حول المشتركات ونبذ العوامل التي تثير الفرقة والتشتت والانقسام وتثير الجدل.

ومن هنا لو فرضنا ـ جدلاً ـ أنّ أفكار الرجل ومعتقداته كانت قائمة على أُسس متينة وأدلّة محكمة يدعمها القرآن الكريم والسنّة المطهّرة ودليل العقل، إلاّ أنّه ممّا لا ريب فيه أنّ الرجل لم يكن موفقاً في توقيته لإثارة أفكاره من الناحيتين المكانية والزمانية معاً.

هذا إذا سلّمنا بصحّة آراء الرجل ونظرياته، وأغمضنا النظر عن الموقف الصارم الذي وقفه علماء الإسلام منه، سواء في ذلك المعاصرون وغير المعاصرين، فكيف إذا سلّطنا الضوء على آرائه التي تزخر كلّ واحد منها بالمتناقضات،


(48)

و تحمل في طياتها من الخلل والسقم ما لا يخفى، وبيّنا وهنها وضعفها وبعدها عن منطق العقل و البرهان ومفاهيم القرآن والسنّة المطهّرة، كما سيتّضح ذلك من البحوث القادمة إن شاء اللّه تعالى؟!

وعلى كلّ حال فقد تعرّضت أفكار ابن تيمية للنقد والتفنيد منذ الأيام الأُولى لإثارتها ، ولقد كانت الردود والنقود بدرجة من القوّة والمتانة بحيث استطاعت أن تدحر آراءه ومذهبه وتقصيهما عن الساحة في السنين الأُولى; ولكن بالرغم من ذلك وبعد خمسة قرون من الإنزواء والإهمال، أخذت تلك الآراء في العودة إلى الساحة الإسلامية والظهور في الأوساط العلمية من جديد على يد رجل يدعى محمد بن عبد الوهاب. حيث تمكّن الرجل من نفض غبار العزلة والانزواء عنها وإعادتها إلى الوجود، ولكن لا على أساس من المنطق و الدليل والبرهان، بل تحت سطوة السلطان وحد السيف، ممّا أودى بحياة الكثير من المسلمين وسلب ذراريهم ونهب أموالهم، ويكفي في إثبات ذلك مطالعة تاريخ الجزيرة العربية في تلك الفترة وما تلاها. وبهذا تمكّن الرجل من إحداث شرخ في جسد الأُمة الإسلامية وتمزيق صفّها من جديد.

والغريب في الأمر ـ والذي يؤسف له بشدة ـ أنّ إثارة أفكار ابن تيمية من قبل محمد بن عبد الوهاب قد تمّت في ظروف شديدة الحساسية والخطورة بنحو لا تقل عن حساسية وخطورة الظروف التي أثار ابن تيمية أفكاره فيها، إن لم تكن أشدّ خطورة وحسّاسية، وكأنّه قد وضعت تلك الأفكار من أجل إيجاد الفرقة والتشتّت و التصدّع في جسد الأُمّة الإسلامية في أحلك الظروف وأصعبها!!

فلقد روّج محمد بن عبد الوهاب ـ والذي نسبت الطريقة إليه ـ لتلك


(49)

الأفكار مدعوماً بالحماية والإسناد العسكري من قبل بعض شيوخ قبائل نجد، وشرع في غزو المناطق الإسلامية في الحجاز والعراق و الشام واليمن، ما بين النصف الثاني من القرن الثاني عشر إلى أوّليات القرن الثالث عشر الهجري المقارن للتاسع عشر الميلادي في الوقت الذي كانت فيه البلاد الإسلامية تتعرّض لحملة صليبية جديدة من أربعة محاور.

فلقد استطاع الإنجليز السيطرة على القسم الأعظم من الأراضي الهندية، وتمكّنوا من إنهاء الامبراطورية التيمورية الإسلامية فيها بقوّة السلاح تارة، وبالخديعة والمكر أُخرى. و كان يجول في أذهانهم حلم الهيمنة على أراضي البنجاب وكابل و الخليج الفارسي، ولقد كانت طلائع جيوشهم تسير بخطى متواصلة زاحفة باتّجاه جنوب إيران وغربه.

وأمّا الفرنسيون فقد تمكّنوا وبقيادة نابليون من احتلال كلّ من مصر وسورية وفلسطين والهيمنة على مقدّراتها في الوقت الذي كانت فيه الامبراطورية الإسلامية العثمانية منشغلة بكيفية معالجة المشكلة في الأراضي الهندية.

ومن جهة ثالثة نجد الروس (من أتباع الروم الشرقية) أيضاً يفكّرون في التوسّع من خلال اقتطاع جزء من أشلاء جسد الأُمّة الإسلامية، وذلك في محورين: الأوّل: يتمثّل في التقدّم باتّجاه القسطنطينية وفلسطين، والمحور الثاني يتمثّل في الزحف نحو الأراضي الإيرانية وصولاً إلى الخليج الفارسي.

ومن هنا جعلوا في أولويات عملهم الهيمنة العسكرية على الأراضي الإيرانية وتوابع الامبراطورية العثمانية في أُوروبا والقفقاز.

بل حتى الأمريكان اشرأبّت أعناقهم وسال لعابهم للهيمنة على بعض الأراضي الإسلامية وإمكاناتها، في شمال أفريقيا، وقد قاموا فعلاً ولتحقيق حلمهم


(50)

هذا بالغارة على المدن الليبية والجزائرية.

وهكذا توالت الأحداث المريعة واشتدت الهجمة على البلاد الإسلامية، ولم ينته الأمر عند هذا الحدّ، بل نشبت ـ و في تلك البرهة أيضاً ـ الحرب بين الامبراطورية العثمانية والنمسا حول صربيا،وكذلك تمّ التحالف العسكري بين الأُسطولين الهولندي والانجليزي لإحكام الطوق على العاصمة الجزائرية ومحاصرتها.

في هذه الظروف العصيبة والمحنة الشديدة التي يعيشها العالم الإسلامي والتي كانوا فيها في أمسّ الحاجة إلى الوحدة ولمّ الشمل والتكاتف ورصّ الصفوف في وجه القوات الغازية، يعلن محمدبن عبد الوهاب حملته على المسلمين متّهماً إيّاهم بالشرك والخروج عن خط التوحيد، لإيمانهم بـ «طلب الشفاعة من الصالحين»، أو «زيارة قبور الأولياء»، وغير ذلك من المعتقدات، وقد أعمل هو وأتباعه فيهم السيف وقتل الأنفس ونهب الأموال وسبى الذراري، معتبراً كلّ ما يقوم به جهاداً في سبيل اللّه ومواجهة للمشركين و الكافرين!!!

ولم يسلم من سيفه ولسانه السنّة والشيعة على السواء ممّن كانوا في العراق والشام واليمن وغيرها.

والأنكى من ذلك والأعجب أنّه أصدر ـ باعتباره يرى نفسه فقيهاً ـ فتوى لم يسبقه أحد من المسلمين فيها، حيث أفتى فيها بكفر المسلمين وجواز قتلهم واستباحة أموالهم، ودعا أتباعه ومريديه لغزو البلاد الإسلامية وإعمال السيف فيهم إن لم يتوبوا، كلّ ذلك تحت ستار الشرك والخروج من الدين، الأمر الذي كانت له مردودات سلبية ونتائج عكسية طوال هذه الفترة.

قال في كتابه «كشف الشبهات»: «من جعل بينه و بين اللّه وسائط يدعوهم


(51)

ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم كفر إجماعاً».(1)

وقال أيضاً: إنّ من نخا نبيّاً أو ملكاً أو ندبه أو استغاث به، فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .(2)

إنّ القسوة والصلافة التي تكمن في هذا المذهب وصلت إلى حدّ لا يصدّق، وما مظاهر القسوة من القتل والاغتيالات و... التي يقوم بها الوهابيون الآن في الباكستان وأفغانستان إلاّ نماذج حيّة لهذا الوجه القبيح.

إذا عرفنا ذلك نعطف الكلام إلى دراسة حياة مؤسّس المذهب الوهابي،وتسليط الضوء على سلوكه ومنهجه في الحركة.


1 . كشف الشبهات: 87.
2 . نفس المصدر:58.

(52)

2
محمد بن عبد الوهاب

نشأته ووفاته

ولد محمد بن عبد الوهاب سنة 1115 هـ في مدينة «العيينة» في نجد، وكان والده الشيخ عبد الوهاب رجلاً صالحاً متّقياً، بحيث يُعدّ من قضاة المدينة، تلقّى محمد بن عبد الوهاب دروسه الفقهية ـ الفقه الحنبلي ـ في موطنه، ثمّ سافر إلى المدينة ليكمل دراسته فشرع فيها بدراسة الحديث والفقه.

وكان يبدو على قسمات وجهه وفلتات لسانه بين الحين والآخر، ما يكتمه ويخفيه من المعتقدات، وقد كان محمد بن عبد الوهاب ممّن يتفرّس مشايخه وأساتذته فيه الضلال، حينما كان يتردّد إلى مكة والمدينة لأخذ العلم من علمائها، وعندما كان يدرس على الشيخ محمد بن سليمان الكردي والشيخ محمد حياة السندي كانا يتفرّسان فيه الغواية والإلحاد، بل يتفرّس غيرهما فيه مثل ذلك، وكان ينطق الكلّ بأنّه سيضلّ اللّه تعالى هذا الرجل ويضلّ به من أشقاه من عباده، حتّى أنّ والده عبد الوهاب وهو من العلماء الصالحين كان يتفرّس فيه الإلحاد ويحذّر الناس منه، وانّ أخاه سليمان ألّف كتاباً في الرد على ما أحدثه من البدع


(53)

والعقائد الزائفة».(1)

وبعد دراسته في المدينة طاف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، وخمس سنين في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتين في همدان، ثمّ رحل إلى اصفهان، ثمّ شدّ الرحال إلى قم، بعدها توجّه نحو الأحساء ماراً بمدينة البصرة، ثمّ إلى «حُرَيملة» محل إقامة والده.(2)

ولم يكن محمد بن عبد الوهاب يجرأ على الإعلان عن أفكاره وعقائده مادام أبوه حيّاً، وإن كانت تقع بينهما بين الحين والآخر مشادّات ومنازعات، ولكن بعد رحيل والده في سنة 1153هـ، أزاح الستار عن عقائده وأعلن في الملأ العام عمّا تنطوي عليه نفسه من أفكار وعقائد خاصة.

ولقد كان لحركته هذه ردة فعل بين أهل «حريملة»، فأوجدت ضجّة بينهم فهمّوا بقتله، فلم يجد بدّاً من الهرب إلى «عيينة» مسقط رأسه ودار نشأته، وقد تعاهد هو وأميرها «عثمان بن معمر» على أن يشدّ كلّ أزر الآخر، فيترك الأمير الحرية للشيخ في إظهار الدعوة والعمل على نشرها، لقاء أن يقوم محمد بن عبد الوهاب بدوره وبشتى الوسائل لسيطرة الأمير على نجد بكاملها.(3)

لم يطل عمر التحالف بين ابن عبد الوهاب والأمير ابن معمر، لأنّ سليمان الحميدي صاحب الأحساء والقطيف أمر عثمان بن معمر ـ و كان أقوى منه ـ أن يقتل الشيخ فاضطر على أثرها ابن عبد الوهاب للتوجّه إلى «الدرعية» وكان أميرها آنذاك محمد بن سعود جد الأُسرة الحاكمة في السعودية «آل سعود» و تم


1 . الفجر الصادق:17; فتنة الوهابية:66.
2 . تاريخ نجد: 111ـ 113.
3 . هذه هي الوهابية:112.

(54)

إبرام الاتّفاق بين الأمير والشيخ على غرار ما كان قد تم بينه و بين ابن معمر، فقد وهب الشيخ نجد وعربانها لابن سعود، ولتوطيد تلك العلاقة وإحكام الأمر بينهما زوّج محمد بن سعود ابنه عبد العزيز من إحدى بنات محمد بن عبد الوهاب.

بدأ ابن عبد الوهاب حملته التبليغية تحت ظل التحالف الجديد ودعمه المادي والعسكري، فجمع الشيخ أنصاره وأتباعه وحثّهم على غزو البلدان المجاورة المسلمة، أو الدخول في الدعوة الجديدة، وهكذا بدأ سيل الغنائم والأموال يسيل باتّجاه الدرعية، تلك المدينة الفقيرة، ولم تكن تلك الغنائم إلاّ أموال المسلمين الذين أعمل الشيخ وأتباعه فيهم السيف وتركهم أشلاء متناثرة وسبى ذراريهم ونهب أموالهم تحت ذريعة التهمة بالشرك والارتداد عن الدين، وهكذا أباح الشيخ أموال المسلمين لجيشه ومناصريه!! حتّى أنّ الآلوسي ـ المعروف بميوله الوهابية ـ ينقل عن المؤرخ ابن بشر النجدي إشارة واضحة إلى حالة النهب و السلب التي اعتمدها الوهابيون.

شهادة ابن بشر النجدي

«... وكان أهل الدرعيّة ـ يومئذ ـ في غاية الضيق و الحاجة، وكانوا يحترفون لأجل معاشهم....

ولقد شاهدت ضيقهم في أوّل الأمر، ثمّ رأيت الدرعيّة بعد ذلك ـ في زمن سعود ـ وما عند أهلها من الأموال الكثيرة والأسلحة المحلاّة بالذهب والفضّة، والخيل الجياد والنجائب العُمانيات، والملابس الفاخرة، وغير ذلك من أسباب الثروة التامة، بحيث يعجز عن عدّه اللسان ويكلُّ عن تفصيله البيان.


(55)

ونظرتُ إلى موسمها يوماً ـ في الموضع المعروف بالباطن ـ فرأيت موسم الرجال في جانب وموسم النساء في جانب آخر، فرأيت من الذهب والفضة والأسلحة والإبل والغنم والخيل والألبسة الفاخرة وسائر المآكل ما لا يمكن وصفه، والموسم ممتدٌّ مدّ البصر، وكنت أسمع أصوات البائعين والمشترين وقولهم: بعتُ واشتريت كدويّ النحل...».(1)


1 . تاريخ نجد للآلوسي: 117ـ 118.

(56)

3
العوامل التي ساعدت على انتشار الفكر الوهابي

هناك عاملان أساسيان ساعدا في نشر الوهابية في أوساط أبناء الجزيرة العربية، هما:

1. الدعم السياسي والعسكري من قبل أُسرة آل سعود.

2. بعد المجتمع النجدي عن الحضارة والمفاهيم الإسلامية الحقّة.

وعلى هذا الأساس كان الوهابيون يشنّون الغارات والمعارك في نجد وخارجها ـ كاليمن والحجاز و نواحي سورية والعراق ـ و كانوا يبيحون التصرّف بالمدن ـ التي يسيطرون عليهاـ كيفما يشاءون، فإن أمكنهم ضمُّ تلك الأراضي إلى ممتلكاتهم وعقاراتهم فعلوا ذلك; وإلاّ اكتفوا بنهب الغنائم منها.(1)

وممّا لا ريب فيه أنّ كلّ نظرية جديدة ـ وخاصة إذا كانت تتستر بستار التوحيد وترفع شعار الإصلاح ـ تجتذب إليها الكثير من الأعوان والمؤيدين والأنصار في أيّامها الأُولى وتنفذ إلى قلوب الكثير من الناس، وخاصة إذا طرحت في أوساط بعيدة عن العلم والمعرفة، ومن الملاحظ أنّ حركة محمد بن عبد الوهاب


1 . جزيرة العرب في القرن العشرين:341.

(57)

قد حصلت على هاتين الخاصيتين: التظاهر بالدفاع عن التوحيد والإصلاح في المجتمع،والثاني طرحها في أجواء بعيدة عن العلم والمعرفة، ممّا ساعدها على إغفال واستقطاب الكثيرين.

يقول جميل صدقي الزهاوي: لما رأى ابن عبد الوهاب أنّ قاطبة بلاد نجد بعيدون عن عالم الحضارة، لم يزالوا على البساطة والسذاجة في الفطرة، وقد ساد عليهم الجهل حتّى لم تبق للعلوم العقلية عندهم مكانة ولا رواج، وجد هنالك من قلوبهم ما هو صالح لأن تزرع فيه بذور الفساد ممّا كانت نفسه تنزع إليه وتمنّيه به من قديم الزمان، وهو الحصول على رئاسة عظيمة ينالها باسم الدين ـ إلى أن قال: ـ فلم يجد للحصول على أُمنيته طريقاً بين أُولئك، إلاّ أن يدّعي أنّه مجدِّد في الدين، مجتهد في أحكامه.(1)

بل انّ شعارات الحركة انطلت على بعض الشخصيات أيضاً، فقد انخدع بها السيد محمد بن إسماعيل الأمير (1099ـ 1186هـ) مؤلف كتاب «سُبُل السلام في شرح بلوغ المرام» فإنّه لمّا بلغه ـ في اليمن ـ من أحوال الشيخ النجدي ودعوته إلى التوحيد، تفاعل مع الحدث، فأنشأ قصيدته المشهورة والتي كان مطلعها:

سلام على نجد ومن حلّ في نجد *** وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

ثمّ حقّق الأحوال من بعض من وصل إلى اليمن ووجد الأمر على عكس ما روي له، فأنشأ يقول في قصيدة ثانية تائباً عمّا قاله أوّلاً:

رجعت عن القول الذي قلت في نجد *** فقد صحّ لي عنـه خلاف الذي عندي


1 . الفجر الصادق:14.

(58)

وقد صرّح بسبب توبته ومغالاته في التوّهب، حيث قال: وقد قدم إلينا الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي، ووصف لنا من أحوال ابن عبد الوهاب أشياء أنكرناها عليه من سفك الدماء ونهب الأموال والتجرّي على قتل النفوس، ولو بالاغتيال، وتكفيره الأُمّة المحمديّة في جميع الأقطار، فبقي فينا تردّد فيما نقله ذلك الشيخ، حتى قدم إلينا الشيخ «مربد» وله نباهة ومعه بعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفير أهل الإيمان، وقتلهم ونهبهم وحقّق لنا أحواله، فعرفنا أحوال رجل عرف من الشريعة شطراً ، ولم يمعن النظر، ولاقرأ على من يهديه نهج الهداية، ويدلّه على العلوم النافعة ويفقهه، بل طالع بعض مؤلّفات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وقلّدهما من غير إتقان مع أنّهما يحرمان التقليد.(1)

الوهابيون والعتبات المقدّسة

لقد مثّلت المجازر الوهابية في العتبات المقدّسة صفحة سوداء من تاريخ الوهابية، وقد اعترف بهذه الحقيقة المرّة الكاتب الوهابي صلاح الدين المختار حيث قال: وفي سنة 1216هـ جهّز سعود بن عبد العزيز بن محمد جيشاً جراراً من أعراب نجد وعشائر الجنوب والحجاز وتهامة وسائر البلاد، فقصد العراق فوصل في شهر ذي القعدة إلى مدينة كربلاء فحاصرها، فهدم برج المدينة ومنارتها ودخل المدينة بالعنوة، وأعمل السيف فيهم، فقتل من وجد في الأسواق والشوارع والبيوت، وترك المدينة عند الظهر بعد أن استولى على الأموال والغنائم الكثيرة، وتوقّف ليستريح في أرض يقال لها«الأبيض»، فأخرج خمس الغنائم له ثمّ قسّم


1 . كشف الارتياب:8.

(59)

الباقي على المقاتلين سهم للراجل وسهمان للفارس.(1)

وأمّا المؤرّخ ابن بشر النجدي فهو الآخر تحدّث عن تلك الهجمات والتجاوزات التي ارتكبها الوهابيون في العتبات المقدّسة.(2)

وهكذا نقل لنا الكاتب كوران سيز وصف تلك الواقعة حيث قال:

وقد جرت العادة أن يحتفل الشيعة كلّ عام بعيد الغدير في يوم الغدير في النجف الأشرف، فخرج أهالي كربلاء عن بلدتهم، فانتهز الوهابيون فرصة غيابهم عن البلدة واقتحموها، وهم حوالي اثنا عشر ألف جندي، ولم يكن في البلدة إلاّ عدد قليل من الرجال المستضعفين، قتلهم الوهابيون ولم يبقوا أحداً منهم حيّاً، ويقدّر عدد الضحايا خلال يوم واحد بثلاثة آلاف.

وأمّا السلب فكان فوق الوصف، ويقال: إنّ مائتي بعير حمّلت فوق طاقاتها بالمنهوبات الثمينة، فقد استولى الوهابيون على كلّ الكنوز والأموال الثمينة، وجرّدوا القبة من صفائح النحاس المطلية بالذهب.(3)

وقد يتصوّر البعض أنّ الاعتداء والغزو الوهابي اختصّ بالشيعة فقط وأنّ باقي المسلمين كانوا في مأمن ومنأى عن تلك التجاوزات والغارات، وهذا في الواقع تصوّر ساذج بعيد عن الواقع، بل الحقيقة أنّ الظلم الوهابي شمل كافّة المسلمين ولم ينج منهم سكان البلاد الإسلامية الأُخرى كالحجاز والشام واليمن، و ...، ولا ريب أنّ استقصاء تلك الوقائع و الاعتداءات على بلاد المسلمين يحتاج إلى تأليف مفرد، ولذلك سنكتفي بذكر بعض النماذج فقط.


1 . تاريخ المملكة العربية السعودية:3/73.
2 . عنوان المجد في تاريخ نجد:1/337.
3 . تاريخ البلاد العربية:126ـ 127.

(60)

احتلال الطائف عام 1217هـ

قال الجبرتي: في أواخر عام 1217هـ، غار الوهابيّون على الحجاز، فلمّا قاربوا الطائف خرج إليهم الشريف غالب فهزموه، فرجع إلى الطائف وأُحرقت داره وهرب إلى مكة، فحاربوا الطائف ثلاثة أيام حتى دخلوها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا دأبهم في من يحاربهم، وهدموا قبة ابن عباس في الطائف.(1)

يقول زيني دحلان: فدخلوا البلد عنوة في ذي القعدة سنة 1217هـ، فقتلوا الناس قتلاً عاماً حتّى الأطفال، وكانوا يذبحون الطفل الرضيع على صدر أُمّة، وكان جماعة من أهل الطائف خرجوا قبل ذلك هاربين فأدركتهم الخيل وقتلت أكثرهم، وفتّشوا على من توارى في البيوت فقتلوه وقتلوا من في المسجد ـ إلى أن قال: ـ و صارت الأعراب تدخل كلّ يوم إلى الطائف وتنقل المنهوبات حتّى صارت كأمثال الجبال.(2)

ولقد اعتبر جميل صدقي الزهاوي الهجوم الوهابي على الطائف بمثابة الصفحة السوداء في التاريخ الوهابي، وانّ ما قاموا به في الطائف هو من أقذر ما اقترفوه من الجرائم.(3)

وبعد أن نفذ الوهابيون مجزرتهم المروعة وجريمتهم النكراء والإبادة الجماعية في الطائف كتبوا كتاباً إلى علماء مكة يدعونهم فيه إلى الدخول تحت ظل الحركة


1 . أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي:93.
2 . نفس المصدر: 93.
3 . الفجر الصادق:22.

(61)

الوهابية، ثمّ تريّثوا إلى أن انقضت أيام الحج وخرج الحاج من مكة، حينها قصدوا مكة المكرّمة ووصل ابن سعود بقواته إلى مشارف مكة المكرّمة يوم العاشر من محرم فدخلها من دون مقاومة تذكر، ففعل بها وبإهلها ما فعله جنده بأهل الطائف.(1)

ولقد تعرّض شاه فضل رسول قادري «الهندي» في كتابه «سيف الجبار» إلى الإشارة إلى المنهج الوهابي في مواجهة المسلمين وموقف العلماء منهم فقال في مقدمة كتابه المذكور: أمّا بعد فقد ورد الصحيفة الردية، أعني: «الرسالة النجدية» ضحوة الجمعة سابع شهر المحرّم سنة 1221هـ بحرم اللّه المحترم وبيت اللّه المكرّم، وجند شياطين نجد إليها قاصدة، على نيّات خبيثة وعزائم فاسدة، والأخبار موحشة غير راشدة، وما فعلوا بالطائف من القتل والنهب والسبي وهدم مسجد عبد اللّه بن عباس (رضي الله عنه) ، ينذر بإساءة أدبهم في البلد الأمين، فاجتمع علماء مكة المعظّمة ـ زادها اللّه شرفاً ـ بعد صلاة الجمعة عند باب الكعبة، وأكبّوا على مطالعة الرسالة النجديّة ليحقّق ما فيها من الغي والضلال.

وبعد أن تعرّض الشاه فضل لذكر نقاط الخلل والانحراف التي بيّنها علماء مكة في الباب الأوّل من «الرسالة النجدية» قال في خاتمتها:

قالوا ـ أي العلماء ـ : تمّ النظر إلى الباب الأوّل، وحان العصر، وقامت الصلاة فقاموا، فلمّا فرغوا من الصلاة رجعوا وراجعوا في النظر إلى الباب الثاني، فإذا طائفة من مظلومي الطائف دخلوا المسجد الحرام وانتشر ما جرى عليهم من أيدي الكفرة، واشتهر أنّهم لاحقون من أهل الحرم وعامدون لقتلهم، فاضطرب الناس كأنّها قامت الساعة، فاجتمع العلماء حول المنبر، وصعد الخطيب أبو حامد عليه وقرأ عليهم الصحيفة الملعونة النجدية...وقال العلماء والقضاة والمفاتي:


1 . سيف الجبار المسلول:2 و مابعدها.

(62)

سمعتم مقالهم وعلمتم عقائدهم، فما تقولون فيهم؟

فأجمع كافة العلماء والقضاة والمفاتي على المذاهب الأربعة من أهل مكة الشريفة وسائر بلاد الإسلام الذين جاءوا للحج ـ و كانوا جالسين ومنتظرين لدخول البيت عاشر المحرم ـ و حكموا بكفرهم وبأنّه يجب على أمير مكة الخروج لدفعهم عن الحرم، ويجب على المسلمين معاونته ومشاركته، فمن تخلّف بلا عذر يكون آثماً، ومن قاتلهم يكون مجاهداً، ومن قتل على أيديهم يكون شهيداً....(1)

ومن هنا يتّضح أنّ الحركة الوهابية قد أُدينت وفنّدت عقائدها وحكم ببطلانها منذ زمن طويل من قبل علماء المسلمين قاطبة ـ شيعة وسنّة ـ ولم تقتصر مواجهتهم على طائفة دون أُخرى.


1 . سيف الجبار المسلول على الأعداء:2 و 89ـ 90.

(63)

4
روّاد المواجهة الفكرية مع ابن عبد الوهاب

لقد تعرّضت حركة محمد بن عبد الوهاب و أفكاره الشاذّة وتصوّراته الباطلة لموجة من الردّ والتفنيد قام بها ثّلة من العلماء والمفكّرين الواعين في الحرمين الشريفين وغيرهما من الأقطار الإسلامية، أثبتوا خلالها وهن تلك الأفكار الهدّامة وشذوذها وابتعادها عن هدي الإسلام وروحه السامية ومفاهيمه الحقّة، واعتبروا أنّ ابن عبد الوهاب شخصية منحرفة عن الصراط المستقيم، وأنّه مجرّد بوق من أبواق الفكر السلفي لابن تيمية يردّد ما طرحه هو وتلميذه ابن قيّم الجوزية.

ولكي تنجلي الحقيقة نأتي هنا بأسمائهم وأسماء مصنّفاتهم في هذا الصدد:

كان على رأس قائمة الرادّين عليه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، في كتابه الموسوم «الصواعق الإلهية» حيث جاء فيه:

«إنّ هذه الأُمور ـ التي كفّر بها الوهابيون المسلمين ـ حدثت من قبل زمن الإمام أحمد بن حنبل في زمان أئمّة الإسلام وأنكرها من أنكرها منهم، ولا زالت حتّى ملأت بلاد الإسلام كلّها، وفُعلت هذه الأفاعيل كلّها التي تكفرون بها، ولم


(64)

يُروَ عن أحد من أئمّة المسلمين أنّهم كفّروا بذلك، ولا قالوا هؤلاء مرتدّون، ولا أمروا بجهادهم، ولاسمّوا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم أنتم، بل كفّرتم من لم يُكفّر بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها...».(1)

وهكذا توالت الردود على ابن عبد الوهاب من قبل الكثير من العلماء والشخصيات الإسلامية السنيّة مفنّدة آراءه ومبطلة نظرياته، منهم:

1. الشيخ العلاّمة عبد اللّه بن عبد اللطيف الشافعي في كتابه «تجريد سيف الجهاد لمدّعي الاجتهاد».

2. العلاّمة عفيف الدين عبد اللّه بن داود الحنبلي في كتابه الموسوم «الصواعق والردود».

3. العلاّمة المحقّق محمد بن عبد الرحمن ابن عفالق الحنبلي، مؤلف «تحكُّم المقلّدين بمن ادّعى تجديد الدين».

4. أحمد بن علي القباني البصري، ألّف رسالة، تقع في نحو عشر كراريس عقد فصولها كافّة للرد على معتقدات ابن عبد الوهاب وتزييفها وإبطالها.

5. الشيخ عطاء اللّه المكي صاحب «الصارم الهندي في عنق النجدي».

هذه بعض المصنّفات التي تصدّى فيها أصحابها للرد على الوهابية، وهناك ردود كثيرة لم نذكرها هنا روماً للاختصار، وقد أوردناها في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» الجزء الرابع، ص 354ـ 359، فمن رغب في المزيد من التفصيل فعليه بمراجعتها.


1 . الصواعق الإلهية:38.

(65)

الردود الشيعية

وهكذا أدلى الشيعة بدلوهم في هذه القضية، وساهم علماؤهم في التصدّي لأفكار الرجل ودحض مدّعياته وتزييف آرائه، وقد بذلوا جهوداً جبارة في هذا المجال، وجاءوا بما يعجز اللسان عن وصفه. وكان رائدهم في هذا المضمار المرجع المعروف المرحوم آية اللّه الشيخ جعفر كاشف الغطاء، حيث صنّف كتاباً في الردّ على الوهابية تحت عنوان «منهج الرشاد لمن أراد السداد» كشف فيه عن حقيقة الوهابية وزيف أفكارها، كتبه ردّاً على الرسالة التي بعثها سعود بن عبد العزيز إليه يشرح فيها مواقفه من الوهابية، وقد أرسل الشيخ نسخة من الكتاب إلى الأمير المذكور والذي كان معروفاً بميوله الوهابية المتعصّبة.

وهكذا قام حفيده المرحوم آية اللّه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في الرد على الوهابية بعد الجريمة التي اقترفوها في حقّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وهدمهم لمراقدهم الطاهرة في البقيع عام 1344هـ، فصنّف الشيخ (قدس سره) كتابه المعروف «الآيات البيّنات في قمع البدع و الضلالات» الذي استطاع أن يفنّد فيه آراءهم اعتماداً على المنهج القرآني ومنطق الوحي.

ثمّ توالت سلسلة الردود ومازالت تترى، ومن تلك الردود التي يشار إليها بالبنان ما قام به العلاّمة الكبير والمصلح الفقيه آية اللّه السيد محسن الأمين العاملي حيث صنّف كتابه الموسوم بـ«كشف الارتياب عن أتباع محمد بن عبد الوهاب» أجلى فيه الحقيقة وأزاح الستار عن الكثير من الأُمور والمسائل الغامضة، والكتاب يُعدّ وبحق من الكتب التي لا يستغني عنها الباحث في هذا المجال.

هذه نماذج قليلة للردود الشيعية، ولو أردنا استقصاء ذلك لطال بنا المقام.


(66)

5
الانعطاف في بعض الاتجاهات الوهابية

من المسلّم به أنّ الوهابية تقوم أُسسها على الفكر السلفي المتحجّر الذي لا يسمح بأيّ نوع من أنواع الحداثة و التجديد في جميع نواحي الحياة البشرية، وحين استولى عبد العزيز بن عبد الرحمن في عام 1344هـ على الحرمين الشريفين وأحكم قبضته على تلك البقاع المقدّسة واستتب له الأمر وجد نفسه مضطراً إلى إحداث نوع من الانفتاح في حكومته لتنسجم مع الواقع المعاصر له في ذلك الوقت، وانّ النهج البدوي الذي كان يعتمده الوهابيون في حياتهم لابدّ أن يتغيّر نوعاً ما، ولذلك وافق على دخول بعض مظاهر الحداثة إلى بلاده كالهاتف ووسائط النقل والدراجات النارية والهوائية و... الأمر الذي أثار حفيظة وغضب أتباعه المتعصّبين ، الذي يعبّر عنهم في تاريخ المملكة بالإخوان، فأثاروا له مشكلة خاصة تكمن في إصرارهم على السير على النهج الوهابي السابق وتطبيق مبادئ الوهابية، فرموه بموالاة الكفّار الإنجليز، والتساهل في الدين، وأنكروا عليه ألقاب السلطان والملك وتطويل شاربه وثوبه ولبس العقال وغير ذلك، واعتبروا استعمال الهاتف واللاسلكي ووسائط النقل كالسيارات بدعاً، لأنّها من صنع الإفرنج.


(67)

ولقد أشار الكاتب المصري أحمد أمين في ضمن حديثه عن الوهابية إلى حقيقة الفكر الوهابي في ذلك الوقت، وأنّ ما يرى منهم الآن يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا كانوا عليه في تلك الحقبة، حيث قال:

إنّهم ـ أي الوهابية ـ لم يمسّوا الحياة العقلية، ولم يعملوا على ترقيتها إلاّ في دائرة التعليم الديني، ولم ينظروا إلى مشاكل المدنية الحاضرة ومطالبها، وكان كثير منهم يرون أنّ ما عدا قطرهم من الإقطار الإسلامية التي تنتشر فيها البدع ـ حسب اعتقادهم ـ ليست ممالك إسلامية، وأنّ دارهم دار جهاد، فلمّا تولّت حكومة ابن سعود الحاضرة كان لابدّ أن تواجه هذه الظروف وتقف أمام منطق الحوادث، ورأت نفسها أمام قوتين قويتين لا مَعْدى (أي لابدّ) لها عن مسايرتهما:

قوّة رجال الدين في نجد المتمسّكين أشدّ التمسّك بتعاليم ابن عبد الوهاب والمتشدّدين أمام كلّ جديد، فكانوا يَرَون أنّ التلغراف السلكي واللاسلكي والسيارات والعجلات من البدع التي لايرضى عنها الدين.

وقوّة التيار المدني الذي يتطلّب نظام الحكم فيه كثيراً من وسائل المدنية الحديثة، كما يتطلّب المصانعة والمداراة، فاختطّت لنفسها طريقاً وسطاً شاقّاً بين القوّتين. فقد عدلت نظرها إلى الأقطار الإسلامية الأُخرى وعدتهم مسلمين، وبدأت تنشر التعليم الديني وتنظم الإدارة الحكومية على شيء من النمط الحديث... وما أشقه عملاً، التوفيق بين علماء نجد ومقتضيات الزمن، وبين طبائع البادية ومطالب الحضارة.

ومن حسن (1)الحظ أنّ الحكام السعوديين هم أنفسهم ضاقوا ذرعاً بالكثير


1 . زعماء الإصلاح في العصر الحديث:20ـ21.

(68)

من العقائد الوهابية المتحجّرة والرجعية التي تكبّل أقدام الناس و تقيّد أيديهم بشتّى القيود، وتسعى إلى إلغاء السنن الثبوتية والمواريث التاريخية المشتركة والأُسلوب الخشن الذي يعتمده الوهابيون في نشر دعوتهم ومواجهة الأفكار الأُخرى المخالفة لهم بنحو أنّهم يقفون حجر عثرة أمام أيّ ظاهرة عصرية تحت غطاء البدعة والخروج عن الدين.

نعم لقد ضاق هؤلاء الحكّام ذرعاً بهذا المنهج المتخلّف، وبالإضافة إلى ذلك كان للتواصل الحضاري بين المسلمين فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم و بين غيرهم من جهة أُخرى، وانتصار الجمهورية الإسلامية المباركة ودعوتها إلى توحيد الصفوف ولم شمل المسلمين ومواجهة الاستكبار والصهيونية وغير ذلك، كان لكلّ ذلك دوره الفاعل في أن تغيّر الحكومة السعودية من أُسلوبها في التعامل ومنطقها في الحوار و رؤيتها إلى أبناء العالم الإسلامي، وتعيد النظر في الكثير من الأفكار الوهابية المبنية على تكفير الآخرين وإخراجهم من الدين.


(69)

الفصل الرابع

حدود التوحيد والشرك في العبادة


(70)


(71)

من الواضح والجلي أنّ كلّ من أمعن النظر في خلق السماوات و الأرض عامّة والإنسان خاصّة يدرك جيداً أنّ لخلق العالم والإنسان من قبل الحكيم العزيز، هدفاً وغاية يتطلّبها،وفي الحقيقة أنّ هذا الهدف، وتلك الغاية تعود إلى المخلوقات نفسها، وأنّ اللّه القدير غني عن تلك الأهداف والغايات ومنزّه عنها، فلا يعود عليه شيء من النفع أو الزيادة أو الضرر والخسارة في حالة عدم خلقهم. فإذا أخذنا تلك القضية بنظر الاعتبار يتّضح لنا حينئذ وبجلاء أمران مسلّمان، هما:

1. انّ اللّه تعالى غني ولا يمكن أن تتطرق الحاجةوالنقص إلى ذاته المقدّسة أبداً.

2. انّ اللّه خالق حكيم ، فلابدّ أن يتجلّى أثر حكمته في خلقه، بمعنى أنّه يجب أن ينزّه فعله تعالى عن العبث واللغو، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

من هنا ومن خلال هذين الأصلين نصل إلى النتيجة التالية: وهي أنّ خلق العالم والإنسان لم يكن بالأمر العبثي أبداً، بل أنّهما خلقا لهدف وغاية ويتطلّب كلّ منهما الغاية والهدف الذي خلق من أجله، وانّ نتيجة هذا الهدف في الحقيقة، ترجع إلى المخلوق نفسه لا إلى اللّه سبحانه.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحقيقة بقوله:


(72)

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُون).(1)

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما هو الهدف وما هي الغاية من خلق الإنسان؟

في مقام الإجابة عن هذا التساؤل وبصورة إجمالية نقول: إنّ معرفة اللّه سبحانه وصفاته الجلالية والجمالية، ثمّ سوق الروح والنفس الإنسانية نحو الذات الإلهية وتزيينها بتلك الصفات ـ تلك الفضائل والسجايا والخصال الأخلاقية العليا والسامية التي يكمن تكامل الإنسان ورقيّه فيها ـ يرسم لنا الهدف من خلق الإنسان وإيجاده.

وذلك لأنّ معرفة اللّه ـ و بالحد الممكن ـ تُعدّ نوعاً من أنواع الاتّصال بمركز الكمال المطلق، كما أنّ تزيين النفس بالفضائل الأخلاقية والسجايا الإنسانية الفضلى، يُعدّ تجلياً لإنسانية الإنسان وعلامة على وصوله إلى قمّة الكمال.

ثمّ إنّ الإنسان في سعيه وكدحه للوصول إلى نيل الكمال يعتمد مجموعة من السبل والوسائط التي تأخذ بيده لنيل مبتغاه والحصول على غايته، وهذه الوسائط عبارة عن:

الف: تنمية الغرائز الباطنية النزيهة

إنّ غريزة معرفة اللّه والميل نحو الفضائل والأخلاق السامية والنفرة من السجايا والخصال الرذيلة من الأُمور التي عجنت في طينة الإنسان وخلقته، وقد هيمنت على وجوده بصورة واضحة بنحو ترجّح دائماً كفّة الأُمور المعنوية والمفاهيم الأخلاقية، ولقد أثبتت العلوم الحديثة هذا النوع من الميول والغرائز،


1 . المؤمنون:115.

(73)

فاعتبروا أنّ «غريزة التديّن» أو «الشعور الديني» عاملاً فاعلاً في ظهور الميل إلى ماوراء الطبيعة، كما اعتبروا «غريزة حب الجمال» عاملاً أساسياً في ظهور القيم الأخلاقية، وأنّ تلك الغريزة هي المنبع الأساسي لتلك الفضائل والسجايا.

وفي الحقيقة أنّ تلك الميول «الغرائز الباطنية النزيهة» هي بمنزلة العامل الأساسي للإنسان ورأس ماله الأوّل الذي يستطيع من خلال تنميته أن يخطو الخطوة الأُولى في طريق الكمال والرقي المعنوي، وإلاّ ـ أي إن لم ينمّ تلك الغرائز ـ فإنّه سيبقى بعيداً عن قمّة ذلك الكمال و يعيش بعيداً عن كل المثل الأخلاقية العليا.

ب: العقل

إنّ العقل هو الوسيلة الأُخرى التي تأخذ بيد الإنسان نحو الكمال، وهو الضياء الساطع والمصباح المنير الذي ينير للإنسان طريقه، ويبدّد الظلام الحالك الذي يعترض مسيرة حياته، من هنا تكون الاستفادة من هذه النعمة الإلهية العظيمة ـ على أفضل وجه وأكمله ـ عاملاً أساسياً آخر في سوق الإنسان نحو الكمال ووصوله إلى قمّة الرقي الإنساني و التطوّر الحضاري.

ج: الأنبياء والمصلحون الإلهيّون

إنّ الوسيلة الثالثة التي تأخذ بيد الإنسان نحو الكمال وتسوقه نحو الرقي تتمثّل في الأنبياء والصالحين من عباد اللّه الذين جاءوا بتعاليم وإرشادات سامية وبرامج متكاملة للهداية والاستقامة والصيانة من الضلال والانحراف، بل أنّ قسماً من مهام الأنبياء ومسؤولياتهم تكمن في تنمية الاستعدادات و القدرات


(74)

الكامنة في الإنسان، وتهذيب تلك الغرائز والميول الإنسانية النزيهة وتطهيرها عمّا يشوبها من عوامل الدنس والانحراف اعتماداً على المنهج السماوي الذي جاءوا به، وكأنّ وظيفتهم (عليهم السلام) تشبه إلى حد ما وظيفة المهندس الذي يستغل إمكاناته ووسائله لاستنباط الكامن في الطبيعة من القدرات والإمكانات المخزونة فيها.

ولقد أشار أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى هذه الحقيقة بقوله(عليه السلام):

«فبعث فيهم رُسُله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول».(1)

والحقيقة أنّ هذا الميثاق هو نفس الأُمور الفطرية والميول الباطنية التي عجنت في خلقة الإنسان، وأنّ خلق الإنسان مقروناً بهذه الغرائز والميول يُعد نوع ميثاق وعهد على الالتزام به والسير على نهجه.

ومن بين الأُمور الفطرية والجبلية من الغرائز الباطنية النزيهة التي حظيت باهتمام جاد ونالت منزلة خاصة هي غريزة الميل إلى التوحيد والوحدانية. الأمر الذي تتلخّص فيه جميع رسالات السماء وبرامج المصلحين الإلهيّين. ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ).(2)

إنّ هذه الآية المباركة ونظائرها من الآيات تشهد وبوضوح على أنّ نظرية «التوحيد في العبادة» وعبادة اللّه الواحد القهّار وحده لا شريك له، ونفي عبادة


1 . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.
2 . النحل:36.

(75)

كلّ ماعداه من الآلهة المزيّفة، تمثّل عصارة فكر الأنبياء ورسالاتهم، وأنّها بمنزلة الجوهرة الأساسية، في جميع تعاليمهم وأفكارهم ونظرياتهم (عليهم السلام) . من هنا نجد أنّ جميع الديانات الإبراهيمية تؤكّد وبصورة شديدة على هذا الأصل وتضع التوحيد في العبادة والوحدانية على رأس قائمة تعاليمها.

إنّ هذا الأصل وإن تعرّض وعلى طول التاريخ البشري إلى نوع من الانحراف، وزاغ عنه الناس بعض الشيء حتّى أنّهم عبدوا شخصاً، كالسيد المسيح(عليه السلام) أو غير السيد المسيح من الأُمور المادية، ولكن بقي هذا الأصل يلمع في قلوب وعقول وأرواح أصحاب الضمائر الحيّة والنفوس الطاهرة والعقول المستنيرة، ، فنظروا إلى جميع الشرائع الإلهية على أنّها شرائع توحيدية، وأنّ التوحيد هو الأصل المسلّم بين أتباع تلك الشرائع، من هنا نجد القرآن الكريم وفي مقام الاحتجاج على اليهود والنصارى يؤكّد على هذا الأصل المشترك، ويذكّرهم به ويحثّهم للعودة إليه، حيث قال سبحانه:

(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّه وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُون).(1)

مراتب التوحيد

إنّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الإسلام في كتبهم التفسيرية والكلامية، وإنّ «التوحيد في العبادة» يمثّل في الواقع أحد تلك المراتب وفرعاً من فروع التوحيد التي تتمثّل في:


1 . آل عمران:64.

(76)

ألف: التوحيد في الذات

أو ما يعبّر عنه بالتوحيد الذاتي، والمراد منه هو: أنّه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له، كما قال تعالى:

(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد).(1)

ب: التوحيد في الخالقية

والمراد منه: انّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه، ولا مؤثر مستقل سواه، وانّ تأثير سائر الأسباب الطبيعية وغيرها بأمره وإذنه وإرادته سبحانه، قال تعالى:

(قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ).(2)

ج: التوحيد في الربوبية والتدبير

والمراد منه انّ للكون مدبراً واحداً، و متصرّفاً فرداً لا يشاركه في التدبير شيء آخر، وانّ تدبير الملائكة وسائر الأسباب بأمره وإذنه، قال تعالى:

(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُون).(3)

د. التوحيد في العبادة

والمراد منه حصر العبادة في اللّه وحده سبحانه فلا معبود إلاّ هو، لا


1 . الإخلاص:1.
2 . الرعد:16.
3 . يونس:3.

(77)

يشاركه فيها شيء مهما كان، وهذا الأصل ممّا اتّفق عليه الموحّدون فلا نجد موحّداً يجوّز عبادة غير اللّه سبحانه.

إنّ من بين المراتب التي ذكرناها للتوحيد تعتبر هذه المرتبة الأخيرة«التوحيد في العبادة» المحور الأساسي في بحثنا هنا وإن كانت المراتب الأُخرى تحظى هي الأُخرى باهتمام خاص من البحث والدراسة.

وحينما قلنا: إنّ محور بحثنا هنا هو «التوحيد في العبادة» فلا يعني أنّ هذا الأصل في الحقيقة وقع فيه الشكّ أو الترديد في كلّيته أو عموميته، أووقع فيه الالتباس حتى نأتي لإزاحة الستار عن وجه هذا الأصل الأصيل، بل في الحقيقة أنّ كلية وعمومية هذا الأصل من الأُصول المسلّمة التي لاخدشة فيها أبداً وانّ جميع الموحّدين متّفقون على هذا الأصل كما قلنا، فالكلّ شعارهم وكما صرّح القرآن الكريم به (إِيّاك نعبد).

بل لا يمكن أن يدخل الإنسان في قائمة المسلمين ويُعدّ من زمرتهم ما لم يُسلِّم أوّلاً بهذا الأصل الأصيل، وانّ إنكاره بمنزلة الارتداد عن الدين والخروج من ربقته، فهذا الأصل لابدّ من الالتزام به ابتداءً واستمراراً. وانّ إنكاره يساوي إنكار الإسلام من الأساس.

نعم وقع الكلام في بعض المصاديق والجزئيات من قبيل: «الاستغاثة بالأولياء وطلب الدعاء منهم والتوسّل بهم» و«طلب الشفاعة من الأنبياء» و«تكريم مواليد الأنبياء ووفيّاتهم»، فهل ذلك يُعدّ من مصاديق العبادة لهم حتى يحكم على مرتكبه بالشرك لأنّه عبد غير اللّه أو لا؟ فإنّ البعض اعتبروا أنّ كلّ ذلك من مصاديق عبادة غير اللّه سبحانه وأنّه من الشرك الذي يخرج الإنسان من الإسلام!!!


(78)

من هنا عقدنا العزم لدراسة هذه المسألة الحسّاسة; ولابدّ من تركيز البحث على هذه النقطة لتنجلي لنا حقيقة الأمر في هذه الأُمور التي يقوم بها المسلمون من طلب الشفاعة والاحتفال، وما هي حقيقتها؟ وهل هي من الأُمور التي تنافي التوحيد وتعدّ من الشرك أم لا؟وهل انّ عبادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شرك وخروج من التوحيد أو انّ مجرّد تكريمه وتبجيله (صلى الله عليه وآله وسلم) والاحتفال بمولده يعتبر هو الآخر شركاً وخروجاً عن الدين؟

إنّ حلّ هذه الإشكالية والخروج بنتيجة منطقية وعلمية يكمن في دراسة العبادة وتعريفها تعريفاً منطقياً وعلمياً، لكي نضع الحد المائز بين العبادة وغيرها ومعرفة الأُمور المشكوكة والفصل بين «التكريم» و بين «العبادة»، فما لم نعرّف العبادة تعريفاً دقيقاً لا يمكن بحال من الأحوال القضاء البات في تلك الإشكالات التي أُثيرت أو تثار في هذا المجال.

التعريف المنطقي للعبادة

إنّ تعريف أيّ مفهوم أو علم ينبغي أن تتوفر فيه ـ بالإضافة إلى الاختصار ـ صفتان، هما:الجامعية، والمانعية. بمعنى أن يكون التعريف جامعاً لكلّ أفراده ومصاديقه يشملها ولا يشذّ منه فرد منها، وأن يكون مانعاً، بمعنى أنّه يمنع دخول الأغيار ـ المصاديق الغريبة ـ تحت هذا التعريف ولا يسمح لأي فرد غريب في الدخول تحت خيمته. وبالاعتماد على هذه الضابطة لابدّ أن يكون تعريف العبادة بنحو تتوفّر فيه الخصوصيات المذكورة ليتسنّى لنا من خلالها وضع اليد على المصاديق الحقيقية للعبادة، وبيان المصاديق المغايرة لها، وليتسنّى لنا أيضاً تجنب الخلط بين المصاديق بعضها بالبعض الآخر.


(79)

وبالطبع لو تمكّنا من تعريف العبادة تعريفاً منطقياً، فلا ريب أنّه سَتُحلّ لنا كثير من العقد والإشكالات وترتفع حينئذ الكثير من نقاط الاختلاف في القضاء والحكم.

طرق الوصول إلى تعريف العبادة

لكي نصل إلى تعريف العبادة تعريفاً صحيحاً توجد أمامنا مجموعة من الطرق التي ينبغي اعتمادها، وهي:

أ. مراجعة المعاجم اللغوية.

ب. تحليل المسائل التي وردت فيها لفظة العبادة.

ج. تحليل الخصائص القطعية والعناصر المقوّمة للعبادة، سواء كانت هذه العبادة عبادة الموحّدين أم عبادة الوثنيّين.

والجدير بالذكر انّ اعتماد الطريق الأوّل ـ معاجم اللغة ـ لا يوصلنا إلى النتيجة المطلوبة والهدف المنشود من إعطاء الضابطة الدقيقة لتمييز مصاديق العبادة عن غيرها. نعم الذي يوصلنا إلى الهدف المنشود و يضيء لنا الطريق ويحدّد لنا الضابطة الأساسية هو اعتماد الطريق الثالث من تلك الطرق. وها نحن نتعرض لدراسة هذه الطرق واحداً تلو الآخر.

الف: العبادة في المعاجم اللغوية

كما ذكرنا أنّ من الطرق التي يجب دراستها لتحديد مفهوم العبادة وتفسير المعنى المراد منها هو الرجوع إلى الكتب والمعاجم اللغوية، ونحن هنا نسلك هذا الطريق لنرى ماذا يقول أصحابها.


(80)

قال ابن منظور في «لسان العرب»: «أصل العبودية: الخضوع والتذلّل».

وقال الراغب الاصفهاني في «المفردات»: «العبودية: إظهار التذلّل ، والعبادة أبلغ منها، لأنّها غاية التذلّل، ولا يستحقّ إلاّ من له غاية الإفضال وهو اللّه تعالى».

وقال الفيروز آبادي في «القاموس المحيط»: «العبادة الطاعة».

وقال ابن فارس في «المقاييس»: «العبد: الذي هو أصل العبادة، له أصلان متضادان، والأوّل من ذينك الأصلين، يدلّ على لين وذل، و الآخر على شدّة وغلظ».(1)

والملاحظ على هذه التعاريف جميعاً أنّها لا تعطي الضابطة الدقيقة لحقيقة العبادة، بل كلّ هذه التفاسير تعطي المعنى الأعم، فليس التذلّل وإظهار الخضوع والطاعة نفس العبادة، وإلاّ يلزم الالتزام بأُمور لا يصحّ لمسلم الالتزام بها من قبيل:

إنّه يلزم أن يكون خضوع الولد أمام الوالد، والتلميذ أمام الأُستاذ، والجندي أمام القائد عبادة لهم!!!

والحال أنّنا نجد أن القرآن الكريم قد حثّ وبصراحة على بعض تلك الأُمور منها قوله سبحانه في حقّ الوالدين:

(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ).(2)

وفي آية أُخرى نجد الباري تعالى يأمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام)، حيث قال تعالى:


1 . انظر : لسان العرب، مفردات الراغب، قاموس اللغة، مقاييس اللغة، مادة «عبد».
2 . الإسراء:24.

(81)

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمََ...).(1)

وهكذا في آية ثالثة يشير سبحانه وتعالى إلى قصة يوسف(عليه السلام) وموقف يعقوب(عليه السلام) وزوجته وأولاده وسجودهم أمام يوسف(عليه السلام) بقوله:(وَرَفعَ أَبَويْهِ عَلى الْعَرشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجّداً).(2)

فلو أخذنا بالتعريف اللغوي للعبادة يلزم من ذلك أن يكون سجود الملائكة ـ الذي هو من أعلى مظاهر الخضوع ـ لآدم وسجود يعقوب وزوجته وبنيه ليوسف، عبادة لآدم وليوسف (عليهما السلام) !!!

ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يتفوّه بذلك أبداً.

ومن هنا يظهر أنّ تفسير العبادة بنهاية الخضوع والتذلّل وغير ذلك ممّا جاء في كتب اللغة، تفسير غير دقيق، وانّه لا يعطي الضابطة الكلية، وإنّما هو في الواقع ـ وكما قلنا ـ تفسير بالمعنى الأعم، ومن هنا إذا قصرنا النظر في تفسير العبادة على هذه التعاريف، وقلنا بأنّها تعاريف تامّة جامعة للأفراد ومانعة للأغيار، لزم رمي الأنبياء والصالحين والمرسلين والشهداء والصدّيقين بالشرك، إذ ليس منهم من لم يتذلّل أو يخشع أو يخضع لوالديه على أقلّ تقدير.

قد يقال في مقام الدفاع عن سجود الملائكة لآدم: إنّ السجود كان في الحقيقة للّه وحده وليس لآدم، وإنّما كان آدم يمثّل دور القبلة بمعنى أنّ السجود كان للّه تعالى ولكن باتجاه آدم (عليه السلام) كما يفعل المسلمون حيث يسجدون للّه ويجعلون سجودهم باتّجاه القبلة.

لكن يرد على هذا النمط من التفكير والتوجيه أنّه معارض وبصورة تامّة


1 . البقرة:34.
2 . يوسف:100.

(82)

للآيات القرآنية، وذلك لأنّه لو صحّ هذا التوجيه لما كان لامتناع إبليس وتمرده معنى، حيث قال:

(ءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً).(1)

فالآية توضح وبجلاء أنّ الأمر كان موجّهاً للملائكة بأن يسجدوا لآدم لا أن يسجدوا باتجاه آدم(عليه السلام)فقط.

وهنا نكتة لابدّ من أن نلفت انتباه القارئ إليها، وهي أنّنا حينما ناقشنا آراء أصحاب اللغة وعلماء هذا الفن لا يعني ذلك أبداً التقليل من أهمية عملهم، أو إثبات بطلان آرائهم بصورة مطلقة، وذلك لأنّهم في الحقيقة ليسوا في مقام التفسير التفصيلي للمصطلحات، بل هم في مقام بيان التفسير بصورة إجمالية، بمعنى آخر أنّهم ليسوا في مقام بيان الحدود والتعريفات المنطقية (الواقعية) وإعطاء الضابطة الكلية المنطقية والعلمية للمصطلحات.

ب: تحليل المسائل التي وردت فيها لفظة العبادة

إنّ اعتماد هذا الطريق هو الآخر لن يوصلنا إلى النتيجة التي نتوخّاها في تعريف العبادة، بمعنى أنّه لا يمكننا بحال من الأحوال اعتماد هذا الطريق واستقصاء الموارد التي وردت فيها العبادة، واعتبار ذلك هو المعيار لتمييز العبادة عمّا سواها، وذلك لأنّه من الواضح أنّ للّغة من الناحية الصناعية والبلاغية أساليبها الخاصة من «الاستعارة، و المجاز و التشبيه و...فقد ترد لفظة العبادة في آية أو جملة أو بيت شعر أو حكمة ويراد منها المعنى المجازي، أو أنّها استعيرت في معنى آخر أو ...، فعلى سبيل المثال يطلق


1 . الإسراء:61.

(83)

لفظ العبادة على من خضع لغرائزه وميوله، فيقال لشديد الطمع والحريص على كنز المال والثروة أو المنحرف أمام تيار الشهوة الجنسية أو المتلهّف إلى الجاه والسلطان انّه عبد بطنه أو ماله أو فرجه أو عبد المنصب والجاه.

ومن الواضح انّ إفراط هؤلاء في الأكل أو كنز المال وتكديس الثروة وطلب الجاه والمنصب لا يكون عاملاً في إدخالهم في قائمة المشركين وإطلاق لفظ الشرك المصطلح عليهم أبداً، نعم انّ العامل الذي جوّز استعمال هذه اللفظة في حقّهم هو انّهم تركوا زمام أُمورهم بيد تلك الغرائز والشهوات والميول تقودهم حيث تشاء، ولذا عدّوا بنظر الناس عابدين لبطونهم ومناصبهم،... بل انّ هذه الاستعمالات المجازية جاءت في القرآن الكريم نفسه في موارد شبيهة لتلك الموارد المذكورة حيث قال:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).(1)

فالإنسان الغارق في الغضب أو الشهوة والمنحرف مع ميوله وأهوائه المتساهل في أداء العبادات والتارك للفرائض أو شارب الخمر والمرتكب للزنا، مطيع للشيطان، وقد اقترف بعمله هذا المعاصي والموبقات، ولكن ذلك لا يعني أنّه يعبد الشيطان كعبادة اللّه سبحانه، أو كعبادة المشركين للأصنام، ولأجل ذلك لا يكون مشركاً محكوماً عليه بأحكام الشرك، وخارجاً عن عداد المسلمين وزمرتهم مع أنّه من عبدة الشيطان بالمعنى الوسيع الأعم من الحقيقي والمجازي.

ومن هنا يكون اعتماد هذين الطريقين ـ و إن كانا لا يخلوان من فائدة ما ـ


1 . يس:60.

(84)

غير مُجد في إيصالنا إلى الغاية المنشودة والهدف المقصود في «تعريف العبادة تعريفاً منطقياً»، بل لابدّ من اعتماد الطريق الثالث الذي سيأتي الحديث عنه في الفرع التالي.

ج. تحليل الخصائص القطعية والعناصر المقوّمة للعبادة

إنّ الباحث الموضوعي إذا أراد أن يحلّل مفهوم العبادة ويحدّد الخصائص والعناصر المقوّمة لها، لا ريب أنّه سيواجه خصوصيتين أساسيتين: إحداهما ظاهرية والأُخرى باطنية، وهاتان الخصوصيتان بمثابة عنصري الأُوكسجين والهيدروجين المقوّمين لحقيقة الماء، ومن هنا فإنّ هاتين الخصوصيتين سيكون لهما الأثر الفاعل في تحديد ملاك العبادة وتميّزها عن غيرها.

وهذه الخصائص يمكن اقتناصها من أفعال العباد وعقائدهم من غير فرق بين عبادة الموحّدين وعبادة المشركين.

ثمّ إنّ الإمعان في هذا المجال يدفعنا إلى القول بأنّ العبادة عندهم عبارة عن: الفعل الدالّ على الخضوع المقترن مع عقيدة خاصة في حقّ المخضوع له.

من هنا يتّضح انّ العنصرين المقوّمين للعبادة، هما:

1. الفعل المنبئ عن الخضوع والتذلّل.

2. العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له.

أمّا الخاصية الأُولى: والتي يمكن مشاهدتها في جميع مصاديق العبادة ولمسها بسهولة من خلال «الخضوع والتذلّل والخشوع» أمام الطرف المقابل،


(85)

أو بعمل خارجي كالركوع والسجود والانحناء، بل الانحناء بالرأس، أو غير ذلك ممّا يدلّ على ذلّة وخضوع أمام موجود ما. ولا شكّ أنّ جميع المفاهيم تشترك في هذه الخصوصية من قبيل «العبادة، التكريم، الطاعة، إحياء الذكريات» وغيرها، فالكلّ تشتمل على خصوصية الخضوع والخشوع والتذلّل. ومن هنا لا يمكن أن تكون تلك الخصوصية هي المائز الرئيسي والمعيار الأساسي لتحديد المفهوم الحقيقي والمراد النهائي من العبادة، أو تحديد المصاديق الواقعية للعبادة، لذلك اقتضى الأمر أن نفتش عن الحقيقة الثانية وأن ندرسها بدقّة وإمعان للتمكّن من خلالها من تمييز المصاديق الواقعية والحقيقية للعبادة عن المصاديق التي تشبه بظاهرها العبادة وليست هي عبادة حقيقية فنقول:

إنّ معرفة الأهداف والأغراض الباطنية تكمن في تحليل الهدف الذي ينشدونه من العبادة والخضوع، فممّا لا ريب فيه أنّ الهدف الذي ينشده الموحّد المؤمن باللّه تعالى يختلف اختلافاً جوهرياً عن الهدف الذي ينشده غيره.

وبعبارة أُخرى: انّ الموحّدين عامّةوالوثنيين كلّهم، وعبدة الشمس والكواكب يعتقدون بإلوهية معبوداتهم، فالاعتقاد بإلوهية المعبود بهذا المعنى هو المقوّم لصدق العبادة، ولكن الهدف يختلف بينهم اختلافاً جوهرياً كما قلنا، ومن هنا يقتضي الأمر أن نسلّط الضوء على تلك الأهداف، فهدف الموحّدين وأتباع الرسالات التوحيدية يرتبط بدرجة ومرتبة إخلاصهم ومقدار معرفتهم ودرجة فهمهم لمعبودهم تعالى، ولذلك يمكن تصنيف الخصوصية الباطنية لهؤلاء الموحّدين إلى صورتين:


(86)

1. الهدف الذي ينشده الخاصة (العارفون) من الموحّدين.

2. الهدف الذي ينشده العامّة من المؤمنين.

1. الهدف الذي ينشده العارفون باللّه

إنّ الهدف الذي ينشده الخاصّة من الناس والذي يطلق عليهم حسب الاصطلاح لفظ «العارفون» الذين يرتبطون بمركز الحق ارتباطاً خاصاً، فإنّ من الواضح انّ هذه الطائفة من الناس تبتغي من وراء العبادة هدفاً خاصاً وتنشد غرضاً فريداً من نوعه من خلال عملهم هذا، وهذا الهدف يتمثّل في العشق والوله والذوبان في معشوقهم ومعبودهم، وانّ إدراكهم ومعرفتهم بالجمال المطلق قد هيمن على وجودهم بنحو جعلهم تتسمّر أقدامهم، وتخضع أعناقهم، وتنشد أعينهم إلى المعشوق والخضوع له وعبادته من دون أن يفكّروا ولو يسيراً في الجزاء المادي: جنة أو نار، أو ثواب أو عقاب.

وبعبارة أُخرى: انّ المحرّك الأصلي والدافع الأساسي لهم في الخضوع والخشوع والتذلّل للحق المطلق هو عشق الجمال والكمال المتجلّي في اللّه سبحانه والذوبان في الذات الإلهية بنحو لا يرون غيره ولا يرتبطون بسواه.

ولقد أشارت الأحاديث الإسلامية الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة إلى هذه الحقيقة، واعتبرت هذا النوع من العبادة عبادة الأحرار الذين تخلّصوا من كلّ الميول والرغبات المادية وعشقوا اللّه وفنوا فيه. ومن تلك الأحاديث: «وقوم عبدوا اللّه عزّ وجلّ حبّاً فتلك عبادة الأحرار».(1)

ولا ريب أنّ هذا الهدف السامي منحصر بثلّة من المؤمنين ولا يعمّ سائر


1 . وسائل الشيعة:1/55، الباب9 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث1.

(87)

الناس من أصحاب الديانات التوحيدية، بل انّه يختص بتلك الثلّة من الصالحين الذين وصلوا قمّة الكمال الإنساني بنحو أضحى حاديهم ورائدهم إلى العبادة والخضوع للّه هو الحب والعشق الإلهي لا غير.

2. الهدف الذي ينشده عامّة المؤمنين

إنّ الهدف الذي ينشده عامّة المؤمنين والعامل الذي يحدوهم إلى العبادة والخضوع للّه سبحانه وتعالى يكمن في عاملين أساسيّين، هما:

الف: شعورهم بأنّ اللّه تعالى هو خالق الكون ومانح الوجود ومفيضه، وأنّه منبع الحياة.

ب: شعورهم ـ بالإضافة إلى كونه خالقاً ـ بأنّه تعالى هو ربّ العالم ومدبّره، وانّ العالم مرتبط به وجوداً وإدامة، أي أنّ تدبير العالم موكول إليه سبحانه ولم يفوض ذلك لغيره. وانّ مصير العالم والإنسان في الدنيا والآخرة بيده، كما أنّ بداية خلقهم بيده عزّ وجلّ،وأنّه هو الملجأ والملاذ في قضاء الحاجات وإفاضة البركات، وأنّ رفع النقص والحاجة عن الإنسان بيده لا بيد سواه.

إنّ من يمعن النظر في القرآن الكريم وآياته يرى أنّها قد أشارت إلى هذه الحقيقة وشهدت بها، ورتّبتها بصورة واضحة. إذ نرى الآيات عندما تتحدّث عن الخالقية وانّ الخالق للكون والإنسان هو اللّه سبحانه، تردف تلك الشهادة بالمدبّرية، وتؤكّد أنّه هو المدبّر لا غير وانّ أمر العالم بيده، وبعد أن تنتهي من هذه الحقيقة الثانية تنتقل إلى المسألة الثالثة فتطرحها وهي«الدعوة إلى العبادة». ومن الواضح أنّ هذا التسلسل الثلاثي للمطالب يوصلنا إلى النتيجة التالية:


(88)

إنّ عبادة اللّه معلولة ووليدة شعورين في داخل الإنسان، هما: الشعور بكونه تعالى خالقاً، والآخر الشعور بكونه تعالى ربّاً مدبّراً للعالم قال تعالى:

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُون).(1)

وقد أشارت الآية إلى أربعة أُمور وبصورة متسلسلة هي:

ألف: (إِنَّ رَبّكُمُ اللّه الَّذي خَلَق السَّموات والأرض).

ب: (يُدبّر الأمر).

ج: (ما مِنْ شَفيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ).

وبعد أن أشارت الآية إلى أنّ اللّه هو الخالق وهو المدبّر وأنّ تأثير جميع الموجودات تابع لإذنه سبحانه وإرادته، عطفت الكلام على العبادة وحصرها به فقالت: (ذلِكُمُ اللّه ربّكم فاعبدوه) باعتباره سبحانه هو الغني المطلق، وهو الجدير بأن يعبد دون سواه، لأنّ غيره موجودات فقيرة ومحتاجة فلا تستحق العبادة أبداً.(2)


1 . يونس:3.
2 . قد يقال: لماذا جاء التعبير في الآية المباركة عن المؤثرات الأُخرى بلفظ «الشفيع»؟
والجواب واضح: وذلك لأنّ «شفيع» مأخوذ من «الشفع» بمعنى الزوج، وهو يقابل الفرد، وبما أنّ العلل الطبيعية أو أيّ مؤثر آخر في عالم الوجود لا يمكن أن يؤثر مالم يضم إليه الإذن الإلهي. من هنا أطلق لفظ «الشفيع» على تلك العلل والمؤثرات، وكأنّ تأثير المؤثرات وفاعلية العلل الأُخرى اقترنت بالمشيئة الإلهية، وضمّت إليها. فعلى سبيل المثال إذاكان لضياء الشمس ونور القمر والماء دورٌ في نمو النباتات والحيوانات الأُخرى، فما هي ـ في الحقيقة ـ إلاّ مظهراً من مظاهر المشيئة والإرادة الإلهية.

(89)

ثمّ إنّ الموحّدين الذين تربّوا في أحضان الرسالة المحمدية ونهلوا من منبع الوحي الإلهي العذب وعينه الصافية، ساروا في مجال الحقل المعرفي طبقاً للمعارف السماوية،وخطوا خطوات سريعة في كسب العلم والمعرفة، فأدركوا أنّ اللّه هو خالقهم وهو المدبّر لأُمورهم ولا مؤثر في الكون إلاّ بإذنه سبحانه ،من هنا خضعوا للّه وخشعت قلوبهم له وذلّت أعناقهم أمام هيبته سبحانه، ووقفوا أمامه رافعين أكفّهم بالدعاء طالبين منه المغفرة، ومتوسّلين إليه سبحانه في أن يقضي حوائجهم وينجز لهم ما وعدهم وأن يأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير والصلاح، ساعين إلى كسب رضاه واجتناب سخطه سبحانه من خلال امتثال أوامره والاجتناب عن نواهيه تعالى، رافضين عبادة غيره من الموجودات الأُخرى مهما كانت، وكأنّ لسان حال الجميع يقول:

(لا أَمْلِكُ لِنَفْسي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللّهُ).(1)

الهدف الذي ينشده المشركون من العبادة

لا شكّ انّ تكريم وتبجيل وتعظيم المشركين لمعبوداتهم يُعدّ عبادة لها وإن كانت تلك العبادة باطلة ولا تجدي نفعاً ولا تدفع ضرراً.

ولكن لابدّ من تركيز البحث على معرفة الأهداف والغايات التي ينشدها المشركون ويبغونها من وراء عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة والمزيّفة. وقبل أن نشرع في بيان تلك الأهداف والغايات لابدّ من تقديم البحث عن مسألة أُخرى وهي: الإشارة إلى المراحل والمراتب المختلفة للشرك.

نقول: ينقسم المشركون على هذا الصعيد إلى قسمين أو طائفتين، هما:


1 . يونس:49.

(90)

ألف: طائفة من المشركين ذهبت إلى أنّ اللّه الأزليّ والأبديّ قد تجلّى في ثلاثة مظاهر، وهذا ما نشاهده في الديانة الهندوسية حيث قامت ديانتهم على الأُسس التالية:

1. البراهما: الخالق.

2. ويشنو: الواقي.

3. سيفا: المهلك أو المبيد.

لقد حصل في المائة الثالثة قبل الميلاد تحوّل في الديانة البراهماتية أدّى إلى ظهور الديانة الهندوسية إذ ذهبت هذه الديانة إلى أنّ اللّه الأزلي والأبديّ، قد تجلى في الآلهة الثلاثة التي ذكرناها(1) ويوجد في أحد المتاحف الهندية تمثال لذلك الثالثوت المقدّس بهيئة ثلاثة جماجم متلاصقة فيما بينها.

والذي يؤسف له أنّ الديانة المسيحية في القرون الخمسة الأُولى من عمرها وبسبب التأثّر بالأفكار الفلسفية اليونانية والشرقية قد ابتليت هي الأُخرى بالقول بالتثليث، ولكنّه بصورة جديدة تحت عنوان: الأب، الابن، روح القدس.

يقول المسترهاكس: تتألف طبيعة الإله من ثلاثة أقانيم، هي: الإله الأب، والابن، وروح القدس. إلى أن يقول: ولابدّ أن يعرف أنّ هذه الأقانيم متّحدة الرتبة والعمل.(2)


1 . العقائد الوثنية في الديانة النصرانية:10.
2 . قاموس الكتاب المقدس:344 (باللغة الفارسية)، ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم أشار إلى حقيقة تبعية الديانة النصرانية للهندوسية والتقاطها منها نظرية التثليث حيث جاء في الآية 30 من سورة التوبة قوله تعالى: (وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهئُونَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ).

(91)

ولا ريب أنّ هذا النوع من الشرك الهندوسي أو النصراني يضاد التوحيد الذاتي مضادة تامة، وذلك باعتبار أنّ هذا النوع من الشرك يثبت تركّب الذات الإلهية، والقول بالتوحيد الذاتي ينافي هذا التركيب ويثبت بساطة الذات الإلهية.

والمهم في بحثنا هنا هو دراسة نوع الشرك الذي كان رائجاً في العصر الجاهلي وعصر نزول الوحي على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الشرك الذي تعرضت له الكثير من آيات الذكر الحكيم وهو الذي يعتمده الكثير من الباحثين المعاصرين في الدراسات المطروحة في مجال التوحيد والشرك.

إنّ من طالع آيات الذكر الحكيم وتاريخ الجزيرة العربية يدرك أنّ المجتمع الجاهلي لم يكن منحرفاً عن التوحيد في الخالقية، بل كانوا يؤمنون بأنّ الخالق للكون والإنسان والموجد لهما هو اللّه سبحانه، وهذا ما أشارت إليه بعض آيات الذكر الحكيم.(1)

نعم انّ شركهم يتمثّل في المرحلة الأُخرى، وهي مرحلة الشرك في الربوبية وتدبير عالم الخلق، بمعنى أنّهم يعتقدون أنّ الخالق للعالم هو اللّه وحده ولكنّهم يعتقدون في نفس الوقت أنّ المدبّر للعالم والذي بيده مصيره ومصيرهم هو «الأصنام»، لأنّ اللّه سبحانه قد فوّض أمر التدبير إليها.

إنّ كتب الملل والنحل وإن أشارت إلى نقاط مهمة وأساسية في مجال عقائد أبناء المجتمع الجاهلي وطريقة تفكيرهم(2)، ولكنّ أوثق المصادر


1 . انظر: العنكبوت:61; لقمان:25.
2 . انظر: الملل والنحل للشهرستاني، وبلوغ الأرب في أحوال العرب:3/80; والمعضل في تاريخ العرب قبل الإسلام:9/19.

(92)

وأحكمها وأتقنها والذي يمكن الاعتماد عليه بصورة كاملة والركون إليه في بيان عقائدهم ونظرياتهم الدينية وآلهتهم المزيّفة والباطلة هو القرآن الكريم، حيث تحدّث عن تلك العقائد في مناسبات مختلفة، وأزاح الستار عن الكثير من الأُمور التي تدور في هذا الفلك، ومنها أنّه بيّن الأهداف والغايات التي ينشدونها من وراء عبادتهم وطاعتهم للأصنام والأوثان.

ومن هنا يكتسب بحثنا أهمية قصوى وقيمة عليا، وهانحن نقتفي أثر القرآن الكريم ونستمد العون من آياته المباركة لمعرفة الأهداف التي ينشدها المشركون من العبادة، وهذه الأهداف تتمثل بالأُمور التالية:

الهدف الأوّل: طلب النصرة والعزّة

إنّ مشركي العصر الجاهلي ـ و على العكس من الموحّدين ـ يعتقدون أنّ عزّة المجتمع الإنساني وانتصاره على الأعداء والخصوم تقع بيد الأصنام، فهي التي تتمكّن من تحقيق ذلك متى شاءت وأرادت.

ومن هذا المنطلق تراهم يتوجّهون إليها بخشوع وتذلّل طالبين منها المدد والنصرة والعزة والغلبة، ولقد أشار القرآن الكريم في آياته المباركة إلى كلّ من نظرية الموحّدين والمشركين في هذا المجال وبيّن الفارق الجوهري بين النظريتين بما لا لبس فيه ولا يعتريه شك، وذلك بالنحو التالي:

1. إنّ الموحّدين يعتقدون اعتقاداً جازماً أن العزّة والكرامة والرفعة الاجتماعية وغيرها بيد اللّه سبحانه وتعالى وحده:

(فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً).(1)


1 . فاطر:10.

(93)

أمّا المشركون فيعتقدون انّ ذلك كّله بيد الأصنام والأوثان:

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً).(1)

2. يعتقد الموحّدون أنّ النصرة والغلبة والفوز على الأعداء وكسب النصر في الحرب وغيرها من ساحات الصراع بيد اللّه سبحانه وحده ويردّدون دائماً قوله تعالى:

(وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيزِ الحَكيمِ).(2)

وأمّا المشركون فيعتقدون أنّ ذلك بيد آلهتهم المصطنعة:

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لعَلَّهُمْ يُنْصَرُون).(3)

الهدف الثاني: انّهم يملكون مقام الشفاعة

إنّ الهدف الثاني والغاية الأُخرى التي ينشدها المشركون من آلهتهم المزيّفة(الأصنام) هو طلب الشفاعة حيث كانوا يعتقدون أنّ آلهتهم تلك مالكة لمقام الشفاعة، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك حيث اعتقدوا أنّ شفاعة آلهتهم مطلقة وأنّها غير مشروطة بشرط وغير مقيّدة بقيد، ويكفي في نيل تلك الشفاعة عبادة تلك الآلهة والخضوع أمامهم فقط ليكونوا لهم شفعاء يقربونهم من اللّه سبحانه.

ولقد ردّ القرآن الكريم على هذه النظرية الزائفة، وأبطل هذا الادّعاء الواهي، حيث قال سبحانه نافياً الشفاعة عمّا سواه سبحانه، وانّه لا شفيع إلاّ


1 . مريم:81.
2 . آل عمران:126.
3 . يس:74.


(94)

من بعد إذنه:

(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ).(1)

ولقد أشارت إلى هذه الحقيقة آيات أُخرى من الذكر الحكيم.(2)

الهدف الثالث: الأفعال الإلهية

إنّ هذا النوع من التفكير لم يكن من النظريات المخترعة من قبل العرب في العصر الجاهلي، بل انّ هذا النوع من التفكير يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، ويظهر لنا ذلك بوضوح من خلال الآيات التي تعرضت للحديث عن قصة النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وحواره مع المشركين في عصره، فكان إبراهيم(عليه السلام) يؤكّد أنّ مصدر الأفعال والنعم التي يتنعم بها هو خاصة والناس عامّة هو اللّه وحده حيث جاء في حواره معهم:

(الَّذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدين * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُميتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لي خَطِيئتي يَوْمَ الدِّينِ).(3)

فأنت تلاحظ هنا أنّ بطل التوحيد إبراهيم الخليل(عليه السلام) ينسب الأفعال التالية : الهداية، الإطعام والسقي، الشفاء من المرض، الموت والحياة، وغفران الذنوب إلى اللّه الواحد الأحد، وبما أنّه(عليه السلام) في مقام الرد على مشركي عصره في مدينة (بابل) يظهر لنا وبجلاء ـ من خلال عنصر المقابلة ـ أنّهم كانوا


1 . البقرة:255.
2 . انظر: الزخرف:86، مريم:87.
3 . الشعراء:78ـ 82.

(95)

يعتقدون أنّ تلك الأفعال والنعم بيد آلهتهم الباطلة، إذ بإمكانها أن تهديهم وتطعمهم وتسقيهم وتشفيهم من الأمراض وتميتهم وتحييهم و...، ومن هنا خضعوا لها وعبدوها.

ومن هنا أيضاً يتّضح الهدف الثالث الذي ينشده المشركون من خلال عبادتهم لتلك الآلهة، وهذا الهدف يتمثّل في الحصول على الهداية والنعم المادية والأُخروية.

الهدف الرابع: الاعتقاد بأنّ آلهتهم أنداد للّه ومتكافئة معه

إنّ الآيات التالية توضّح وبجلاء عقيدة المشركين في آلهتهم(أصنامهم) ونسبتها إلى اللّه سبحانه، حيث تصرّح بأنّهم يعتقدون أنّ هذه الآلهة أنداد للّه سبحانه ونظراء له ـ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ حيث قال تعالى:

الف: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ).(1)

والأنداد لغة جمع «ند» بمعنى «المثل» و «النظير»،بمعنى أنّهم يعتقدون أنّ آلهتهم مثل اللّه تناظره وتساويه وتكافئه، وهذا يعني أنّهم يعتقدون أنّ آلهتهم تناظر اللّه وتشابهه في القدرة على القيام بجميع الأفعال التي يقوم بها سبحانه من: الإحياء، الإماتة، الرزق، الشقاء، الهداية، غفران الذنوب وحطّ الخطايا و...، فجميع تلك الأفعال التي يعتقد الموحّدون أنّها من خصائصه سبحانه، وأنّه لا يقدر أيّ مخلوق مهما كان على القيام بها بصورة مستقلة; تجد المشركين يعتقدون بأنّ أصنامهم وآلهتهم المزعومة قادرة هي الأُخرى على القيام


1 . البقرة:165.

(96)

بها بصورة مستقلة، وأنّه لا فرق بينها و بين اللّه في هذه الأُمور.

ب: قوله تعالى: (تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلال مُبين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمينَ).(1)

يتّضح ـ بما لا مزيد عليه ـ من خلال هذه الطائفة من الآيات المباركة الهدف الذي ينشده المشركون من وراء عبادتهم لآلهتهم المصطنعة والمزيفة.

خلاصة البحث

1. انّ مشركي عصر الرسالة كان يعتقدون بآلهة صغار قد فوّض اللّه سبحانه إليها ـ بعد أن خلقها ـ أُموراً مهمة، منها: تدبير العالم.

وبعبارة أُخرى: أنّهم منحوا آلهتهم مقام «الربوبية» بحيث اعتقدوا أنّهم يملكون قدرة التصرّف في العالم وإدارته، ومن هذا المنطلق ولهذا الغرض خضعوا لهم وعبدوهم.

إنّ ربوبية تلك الأصنام و الآلهة وسيطرتهم على العالم، ليس لها معيار معيّن وحدّ خاص حيث نرى في بعض الأحيان أنّ المشركين خطوا خطوات خطيرة في شمولية وسعة حدود تلك الآلهة،وذلك في عصر النبي إبراهيم (عليه السلام) حيث جعلوا بيدهم نزول المطر، وشفاء المرضى وحطّ الذنوب وغفرانها والشفاعة.

يذكر ابن هشام: انّ عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق، رآهم يعبدون


1 . الشعراء:97ـ 98.

(97)

الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا; فقال لهم:

أفلا تعطونني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.(1)

إذاً استمطار المطر من هذه الأوثان والاستعانة بها يكشف عن أنّ بعض المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لهذه الأوثان دخلاً في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان.

2. قد يتصوّر البعض أنّ نظرية المشركين في حقّ آلهتهم لا تتعدى القول بأنّهم يملكون مقام الشفاعة المقبولة لدى اللّه سبحانه وتعالى.

ولكن الإمعان في آيات الذكر الحكيم يوضح لنا وبجلاء وهن هذا التصوّر وبطلان هذا الرأي، فإنّ آيات الذكر الحكيم ـ والتي ذكرنا بعضهاـ تصرّح بأنّ المشركين كانوا يعتقدون لآلهتهم أكثر من مقام الشفاعة، حيث كانوا يؤمنون بأنّ: العزة والذلّة، النصر والهزيمة، الشفاعة والمغفرة، كلّ ذلك بيد آلهتهم المزعومة، وكأنّ آلهتهم قد هيمنت على المقام الربوبي وأخذت على عاتقها القيام ببعض الأفعال التي هي من خصائص، الشأن الإلهي.

ثمّ إنّ الاعتقاد بمقام الشفاعة المقبولة للأصنام والأوثان لدى اللّه سبحانه وتعالى، وإن كان اعتقاداً باطلاً، مع هذا لا يمكن أن يُعدّ مائزاً خاصاً لجعلهم أنداداً ونظراء ومتكافئين مع اللّه سبحانه، ومن هنا نجد حالة الحسرة والخيبة بادية على وجوه المشركين مظهرين الندامة على ما اقترفوه من الخطأ في الاعتقاد وحيث تصرّح الآية المباركة بندمهم هذا فتقول: (إِذْ نُسوّيكُم بِرَبِّ العالَمين)


1 . سيرة ابن هشام:1/76ـ 77.

(98)

وهذا واضح بأنّهم كانوا على اعتقاد بأنّ آلهتهم الباطلة تساوي الإله الحقيقي لا أنّهم يعتقدون بمجرّد مقام الشفاعة المقبولة لهم فقط.

3. انّ هدف المشركين في عبادتهم للأوثان، نابع من اعتقادهم القلبي وإيمانهم بأنّ آلهتهم لها مقامات خاصة تتمكن من خلالها من إدارة العالم وتدبير شؤونه و...، ومن هذا المنطلق وبناءً على هذا الاعتقاد عبدوهم وخضعوا لهم باعتبارهم «آلهة» و«أرباب» و «يملكون مقام الشفاعة و الهداية و...».

4. مع الالتفات إلى الأُمور السابقة يمكن أن نعرّف العبادة تعريفاً دقيقاً فنقول: العبادة عبارة عن الخضوع الصادر لمن يتّخذه الخاضع إلهاً، ولقد أجاد المرحوم الشيخ جواد البلاغي حينما عرفها بقوله: العبادة ما يرونه مشعراً بالخضوع لمن يتّخذه الخاضع إلهاً، ليوفيه بذلك ما يراه له من حقّ الامتياز بالإلوهية.(1) سواء كانت هذه الإلوهية حقّة كما في اعتقاد الموحّدين، أو كانت باطلة كما في اعتقاد المشركين.

5. إذا عرفنا أنّ مقوّم العبادة عبارة عن اعتقاد السائل والخاضع والداعي أو المنادي بأنّ المسؤول والمخضوع له «إله» و «ربّ» يملك شيئاً ممّا يرجع إليه في عاجله أو آجله، في مسيره ومصيره، وإنّه يقوم بذلك لكونه خالقاً أو مفوضاً إليه من قبل الخالق، فيقوم على وجه الاستقلال والأصالة، نستطيع أن نقضي في الأعمال التي يقوم بها أتباع الأنبياء ومحبّوهم، بأنّها ليست عبادة أبداً، وإنّما هي من مصاديق التكريم والاحترام، وإن بلغت نهاية التذلّل، لأنّها لا تنطلق من اعتقاد الخاضع بإلوهية النبي، ولا ربوبيته، بل تنطلق من الاعتقاد بكونهم عباد اللّه


1 . آلاء الرحمن:57.

(99)

الصالحين، وعباده المكرمين الذين لا يعصون اللّه وهم بأمره يعملون، نظير:

1. تقبيل الأضرحة وأبواب المشاهد التي تضمّ أجساد الأنبياء والأولياء، فإنّ ذلك ليس عبادة لصاحب القبر والمشهد، لفقدان عنصر العبادة فيما يفعله الإنسان من التقبيل واللّمس وما شابه ذلك.

2. إقامة الصلاة في مشاهد الأولياء تبركاً بالأرض التي تضمّنت جسد النبيّ أو الإمام، كما نتبرّك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتّباعاً لقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى).(1)

3. التوسّل بالنبي، سواء كان توسّلاً بذاته وشخصه، أو بمقامه وشخصيته أو بدعائه في حال حياته ومماته; فإنّ ذلك كلّه لا يكون عبادة، لعدم الاعتقاد بإلوهية النبي ولا ربوبيته.

4. طلب الشفاعة من الأنبياء أو النبيّ الأكرم ليس شركاً، لأنّه يطلبها منه بقيد أنّه عبد مأذون، لا أنّه مفوّض إليه أمرها.

هذه خلاصة البحث حول حصر العبادة باللّه سبحانه وحدودها وحدود الشرك، وإذا أمعنت النظر فيما ذكرنا يمكنك الإجابة عن الكثير ممّا أثارته بعض المناهج الفكرية في الأوساط الإسلامية حول هذه الأُمور، التي نسبت جلّ المسلمين إلى الشرك في العبادة مع أنّهم بمنأى عن الشرك! وقد حان الوقت للحديث عن مسألة أُخرى مهمة وهي:«مفهوم البدعة في الدين».


1 . البقرة:125.

(100)

(101)

الفصل الخامس

مفهوم البدعة في الدين


(102)


(103)

البدعة في الدين

للتوحيد الإبراهيمي ـ و الذي يمثّل حجر الأساس لجميع الأديان السماوية ـ مراتب ودرجات تعرّض لها المتكلّمون الإسلاميّون بالبحث والدراسة بصورة شاملة ومفصّلة، وسلّطوا الأضواء على جميع أبعادها وزواياها، وألّفوا في هذا المجال الكثير من الرسائل والكتب.

ومن مراتب التوحيد تلك مرتبة «التوحيد في التشريع والتقنين» بمعنى الاعتقاد الراسخ أنّ «حق التقنين» منحصر باللّه تعالى وحده، ولا يحق لأحد غيره مهما كان شأنه أن يصدر قانوناً أو تشريعاً من عند نفسه ليعالج به قضية، أو يرسم به خطاً معيّناً، ويجبر الناس على السير على وفق ذلك القانون ويحدّ من حريّاتهم من خلال إلزامهم بذلك التشريع، بل يجب على كلّ موحّد أن يلتزم نظرياً وعمليّاً بأنّ حقّ التقنين وإصدار التشريعات والتوجيهات ورسم الخطط وتحديد حرية الإنسان في هذا المجال، كلّها من شؤون اللّه وحده لا يشاركه فيها سواه. فهو صاحب الحقّ المطلق في التشريع، والتصرّف في الأنفس والأموال، وهو صاحب الأمر والنهي كما يصطلح عليه.

ويمكن إثبات هذه المرتبة من التوحيد من خلال سلوك منهجين، هما:

1. المنهج العقلي.


(104)

2. المنهج النقلي.

وهانحن نشرع في دراسة وتحليل المنهج الأوّل ثمّ نعرّج على الحديث عن المنهج الثاني منهما.

المنهج العقلي

إنّ قضية حصر التشريع والتقنين باللّه وحده ليست وليدة ضيق الأُفق وقصر النظر والتعصّب الأعمى، بل هي وليدة النظرة الموضوعية والرؤية الواقعية للأُمور، ونحن إذا أردنا أن ندرس الأُمور بموضوعية وواقعية، لابدّ أن نسلّط الضوء على الخصائص والمواصفات التي ينبغي أن يتوفّر عليها المقنّن الموضوعي الذي تكون تشريعاته وأحكامه مطابقة للواقع و تمتلك خاصية المعالجة الموضوعية للأُمور.

ومن هذا المنطلق نقول: إنّه ينبغي للمقنّن أن يتوفّر على مجموعة من الشروط والمواصفات التي لا تتوفر إلاّ باللّه وحده وتنحصر به سبحانه، وهي:

1. أن يكون المقنّن ذا معرفة تامّة وكاملة بالإنسان من جميع أبعاد شخصيته وما يحيط بها ويؤثر عليها من العوامل.

2. أن لا ينتفع المقنّن بما يسنّه من القوانين والتشريعات.

3. أن يكون المقنّن منزّهاً عن الميول الحزبية والتكتّلات الفئوية، ومتحرّراً من ضغوط السلطات الحكومية وأصحاب النفوذ.

وممّا لا ريب فيه أنّ هذه الشروط الثلاثة لا يمكن توفّرها إلاّ في خالق العالم وموجده لا غير، وذلك لأنّ:

ألف: لابدّ أن يكون المقنّن عالماً بالإنسان علماً تاماً كي يتسنّى له من


(105)

خلال معرفة الإنسان والإحاطة بميوله وغرائزه وعواطفه أن يرسم له خطاً، ويسنّ لها قانوناً ينسجم مع تلك الغرائز والميول، ويمتلك القدرة على تهذيبها وتربيتها بنحو يسوقها نحو الهداية والكمال المنشود من وراء خلقها.

كذلك لابدّ أن يكون المقنّن ذا معرفة كاملة وعلم تام بالمجتمع بجميع أبعاده وخصوصياته وزواياه، حتى يتمكّن من معرفة مهام ووظائف الأفراد في المجتمع من جهة ويعرف حقوقهم التي ينبغي للمجتمع توفيرها من جهة أُخرى، كذلك يعرف أُسلوب حركة الأفراد في المجتمع والعوامل المؤثرة على حركتهم، وردود الفعل التي يبدونها اتّجاه تلك العوامل والضغوط.

ولا ريب أنّ هذه الخصوصية ـ المعرفة الكاملة بالمجتمع ـ هي الأُخرى من خصائصه سبحانه ولا يشاركه فيها أحد من خلقه مهما كان، ولقد أشارت آيات الذكر الحكيم إلى هذه المسألة، حيث قال سبحانه:

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ).(1)

ثمّ إنّ اللّه الذي خلق ذرّات الإنسان وخلاياه التي لا تحصى وخلق أعضاءه ومكوّناته المختلفة، هو وحده العارف بمتطلّباته وحاجاته المعلنة والخفية، وما ينفعه وما يضرّه، ومصالحه ومفاسده، على أكمل وجه وأتمّ صورة، لا يدانيه في هذه المعرفة أحد أبداً، وهو وحده العالم بطريقة وأُسلوب حركة المجتمع، ومنهج التعايش الذي ينبغي أن يعتمدونه، وردود الفعل التي يبدونها تجاه القوانين والتشريعات، وتحديد المهام والوظائف التي تكون عاملاً في انسجام المجتمع وسوقه إلى الاستقرار والرقي والكمال، ووضع الإنسان في


1 . الملك:14.

(106)

الموضع الذي يليق به ويستحقه.

ب: انّ الواقعية ورعاية مصالح الإنسان ومنافعه تقتضي أن يكون المقنّن بعيداً عن كلّ أنواع الهوى، ومنزّهاً عن حب الذات، والسعي لجلب المنفعة الشخصية أو الفئوية في سنّه للقوانين والتشريعات، وذلك لأنّ الغرائز والميول الضاغطة على الإنسان كالأنانية والنفعية تُعدّ حجاباً غليظاً ومانعاً قوياً بين المقنّن وبين الرؤية الواقعية للأُمور، وانّ المقنّن مهما سعى أن يكون إنساناً موضوعياً منزّهاً عن تلك الميول ومتحرّراً منها، إلاّ أنّها تفعل فعلها في اللاشعور ومن دون إرادته واختياره، وتؤثّر أثرها في التلاعب بالقانون والميل به عن جادة الواقعية والموضوعية.

ج: انّ الميول الحزبية والتوجّهات الفئوية والخوف من أصحاب النفوذ والقدرة في المجتمع تُعدّ هي الأُخرى من العوامل التي تجنح بالمقنّن إلى الميل عن جادة الحق والموضوعية، وتحرفه عن أُصول وأُسس التقنين المتزنة والمحايدة، وتبعده عن النظرة الشمولية واعتماد منهج العدل والإنصاف، ولذلك تجد المقنّن والمشرع وتحت ضغط عامل الخوف والخشية من أصحاب النفوذ والسطوة في المجتمع يسنّ القوانين بطريقة تؤمّن مصالح ومنافع تلك الثلّة حتّى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامّة وسحق الطبقات الأُخرى.

ثمّ إنّ عامل الخشية والخوف من مراكز القدرة وأصحاب السطوة ـ أفراداً كانوا أو جماعات ـ يبقى كالسيف المرهف المسلّط على رقبة المقنّن يسوقه إلى الجهة التي يريدها صاحب السيف وذو السلطة والنفوذ بنحو تجعل المقنن يعيش بين خيارين: إمّا الخضوع إلى السلطة وتلبية رغباتها وسن القانون وفقاً لميولها وإرادتها والانجراف مع تيارها; وأمّا تحمّل أشدّ الضغوط والمصاعب


(107)

كالسجن والإبعاد، أو على أقل تقدير المحاربة بلقمة العيش.

من هنا ندرك أهمية هذا الشرط وقيمته في التشريع، وكيف يكون استقلال المقنّن وتحرّره عاملاً فاعلاً في الرؤية الموضوعية، وممّا لا شكّ فيه أنّ التحرر الكامل والنفوذ المطلق والغنى التام هو من خصائصه سبحانه وحده لا شريك له، ولهذا فهو الجدير بمقام التشريع وسن القانون ولا يستحق هذا المنصب غيره مهما كان.

ومن حسن الحظ أنّ بعض المحقّقين والمفكّرين الغربيين تنبّهوا إلى هذا الشرط ومدى أهميّته في موضوعية القانون وواقعيته من أمثال المفكّر جان جاك روسو حيث يقول في كتابه «العقد الاجتماعي»:«لاكتشاف أفضل القوانين المفيدة للشعوب لابدّ من وجود عقل يرى جميع الشهوات البشرية ولكن لا يجد في ذاته ميلاً نحوها. عقل لا يرتبط بالطبيعة ولا يخضع لضغوطها، ولكنّه يعرفها تمام المعرفة، عقل لا ترتبط سعادته بنا ولكنّه مستعد لئن يعيننا في سعادتنا».(1)

إلى هنا اتّضح لنا حكم العقل في حصر حق التقنين والتشريع في اللّه وحده لا يشاركه في هذا الحقّ غيره مهما كان، وقد حان الوقت لدراسة المسألة من الزاوية الأُخرى لنرى ما هي الرؤية القرآنية في هذه القضية الحسّاسة والمهمة؟

القرآن وحصر التشريع باللّه سبحانه

لقد أقرّ القرآن الكريم حكم العقل بحصر حق التشريع باللّه تعالى حيث


1 . العقد الاجتماعي:81.

(108)

اعتبرت آيات الذكر الحكيم انّ حقّ التقنين خاصاً باللّه وحده، ولا يحق لأحد مهما كان أن يتجاوز على هذا الحق أو يخترق حدود هذا المقام كائناً من كان، ومن الملاحظ انّ الآيات التي وردت في هذا المجال كثيرة، نكتفي هنا بذكر نموذجين منها ـ فقط ـ روماً للاختصار:

1. قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ).(1)

فإنّ جملة : (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّه) تحكي وبوضوح تام انّ كافّة أنواع الحكم والقوانين والدساتير من شؤونه ومختصاته وحده سبحانه وتعالى، وبما أنّ شأن الحكم والتقنين مختص به أردفت الآية الجملة المذكورة بالأمر بعبادته وحده والخضوع له لا لغيره (أمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ).

2. وقوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ وَالْمَسيحَ ابْن مَرْيَم).(2)

إنّ الآية المباركة تشير وبوضوح تام إلى أنّ أهل الكتاب قد تجاوزوا الخط المرسوم لهم، واقتحموا دائرة الحقّ الإلهي في الانفراد في التشريع والتقنين، فمنحوا أحبارهم ورهبانهم هذا الحق، وانّهم بدلاً من الرجوع إلى الكتاب السماوي وأخذ الأحكام منه رجعوا في ذلك إلى أحبارهم ورهبانهم، ومن الواضح أنّ الرهبان والأحبار قد يحلّلون ـ ولأسباب ما ـ ما حرّم اللّه ويحرّمون ما أحلّ اللّه.

من هنا اعتبر القرآن الكريم أهل الكتاب غير موحّدين في التشريع


1 . يوسف:40.
2 . التوبة:31.

(109)

ومنحرفين عن خط التوحيد.

روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم ـ و قد كان نصرانياً ـ قال: أتيت رسول اللّه وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي«اطرح هذا الربق من عنقك» قال: فطرحته، ثم انتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية: (وَاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً ). حتى فرغ منها. فقلت: إنّا لسنا نعبدهم . فقال: «أليس يحرّمون ما أحلّه اللّه فتحرمونه، ويحلّون ما حرم اللّه فتستحلونه؟» قال: قلت: بلى. قال: «فتلك عبادة».(1)

يتّضح ممّا سبق أنّ مركز التشريع وسنّ القوانين وتنظيمها من مختصّاته سبحانه وحده لا يشاركه فيها سواه. وأمّا عمل الأنبياء والأئمّة ووظيفتهم فيكمن في بيان تلك التشريعات والقوانين الإلهية، وانّهم (عليهم السلام) لا يتصرّفون في القانون أبداً.(2)

سؤال وإجابة

إذا كان حقّ التشريع من شؤونه سبحانه وأنّ زمام أمر القانون بيده تعالى، فما هي ياترى وظيفة ومهام المجلس التشريعي في الجمهورية الإسلامية


1 . نور الثقلين:2/209; بحار الأنوار:9/98. وقد روى العلاّمة البحراني في تفسيره «البرهان» أحاديث جمّة بهذا المضمون فراجع ج2، ص 120.
2 . إذا ثبت انّ حقّ التشريع وزمامه بيد اللّه سبحانه وحده دون سواه، فكيف يفسّر ما ورد في الكافي:1/209ـ 210 من الأحاديث التي تثبت أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شرّع بعض الأحكام، والجواب: انّ هذه الروايات لها تفسير خاص لا يتنافى مع القول بالتوحيد في التشريع وقد أجبنا عن الشبهة بصورة مفصّلة في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» فمن أراد الاطّلاع فعليه بمراجعة : الجزء الأوّل ص 553ـ 554، الطبعة الثانية، 1404 هـ، ط. إيران.

(110)

والمسمّى «بمجلس الشورى» ، فهل يعتبر وجود هذا المجلس تجاوزاً على الحق الإلهي واعتداء على حدود مقامه سبحانه في التشريع؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في مسألتين:

الأُولى منهما هي: أنّه ممّا لا ريب فيه أنّ كلّ دولة تسعى إلى الرقي والرفاه وتنظيم أُمورها وتسيير الحياة فيها على أكمل وجه، لابدّ لها من وضع مؤسسة تتكفّل بهذه المهمة، وتقوم برسم الخطط ووضع البرامج التي تسهّل عملية حركة الشعب وتنظيم مسيرته. فإذاً وجود مجلس أو مؤسسة تقوم بهذه المهمة أمر ضروري وحيوي لا يمكن الاستغناء عنه وتجاوزه. وهذا من الأُمور الضرورية التي لا تحتاج إلى مزيد بحث ودراسة.

المسألة الثانية: بعد أن عرفنا أهمية المجلس التشريعي أو مجلس الشورى في إدارة البلاد وتنظيم حركتها لابدّ من التركيز على هذه المسألة، وهي بيان الدائرة التي يتحرك فيها هؤلاء النواب وأعضاء المجلس المذكور، فهل هم يسيرون في دائرة مستقلة عن دائرة القوانين الإلهية وفي خط مواز للتشريع الإلهي؟ أم أنّهم يتحركون في دائرة وإطار التشريعات الإلهية والقوانين السماوية، ويدورون في فلكها، ويعتمدون على الأُصول الكلّية والعامّة للإسلام؟

الحقيقة انّ مجلس الشورى الإسلامي يتحرك في إطار القوانين العامّة للإسلام، وليس مهمته إلاّ رسم الخطط والبرامح في هذا الإطار واعتماداً على هذه القوانين الكلية والأُصول المسلّمة، وليس له حق التشريع المقابل، ومن هنا نجد الدستور في الجمهورية الإسلامية وضع مؤسسة أُخرى للتأكد من صيانة القوانين التي يسنّها المجلس عن الانحراف عن الخط العام للتشريع


(111)

الإسلامي، وقد أُطلق على هذه المؤسسة اسم «مجلس صيانة الدستور».

ومن هنا يتّضح أنّ تشكيل مجلس الشورى لا يمثل أبداً جهة مقابلة ومضادة للحق الإلهي في التشريع، بل هو في الواقع يدور في فلكها ويتحرك في إطارها وضمن أُصولها المسلّمة.

التصرّف في التشريع الإلهي أو «البدعة في الدين»

كما أنّ حقّ التقنين والتشريع ـ و كما أثبتنا ـ منحصر باللّه تعالى وحده ولا يحق لأحد مهما كان أن يتجاوز على هذا الحقّ ويعطي لنفسه أو لغيره حقّ التشريع وسن القوانين، كذلك لا يحق لأحد مهما كان التصرّف والتلاعب في الأحكام والقوانين والتشريعات الإلهية الصادرة منه تعالى، سواء كان هذا التصرّف يتمثّل في الزيادة والإضافة، أو في الحذف والنقصان، فالكلّ «بدعة» لا يحق لأحد القيام بها. وانّ المبتدع خارج عن إطار التوحيد في التشريع.

وبسبب المفاسد والمخاطر التي تكمن في التصرّف في القوانين والتشريعات الإلهية والتي عبّر عنها «بالبدعة» اعتبرت «البدعة» من الذنوب الكبيرة والموبقات التي تهوي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار.

ومن هنا اقتضت الأُمور أن نعرّف البدعة تعريفاً دقيقاً، ونحدّها«نعرفها» حدّاً منطقياً وعلمياً، ونسلّط الضوء على جميع أبعادها وزواياها لتّتضح لنا حقيقة الأمر وينجلي لنا الواقع، وذلك لأنّه يترتّب على تعريف البدعة وتحديدها بصورة دقيقة الكثير من الثمار العملية، ويمكن من خلالها أيضاً الإجابة عن الكثير من الإشكالات والتساؤلات والشبهات التي تثار في هذا المجال.


(112)

تعريف البدعة

في مقام تعريف البدعة لابدّ من التحرك في محورين: التعريف اللغوي والاصطلاحي للبدعة.

البدعة لغة

تعرّض اللغويون لتعريف البدعة في مصنّفاتهم التي دوّنوها لبيان معاني المصطلحات اللغوية.

فقال الخليل: البدع إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة.(1)

وقال ابن فارس: البدع له أصلان: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال.(2)

وقال الراغب: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء.(3)

هذه هي بعض أقوال العلماء في هذا المجال.

وممّا لا شكّ فيه أنّ روحية التجديد والحداثة حاكمة على الإنسان، فهو يطمح إلى الجديد وترنو عينه إلى الحديث فلذلك تراه يملّ الحياة الرتيبة الثابتة ويسعى إلى التجديد والتغيير، ومن هنا نجد المهندسين والمصمّمين للأزياء والأشكال في حركة دؤوبة وسباق جاد، بحيث تجد أنّهم في كلّ يوم يأتون بنمط


1 . كتاب العين:72.
2 . مقاييس اللغة:1/209، مادة «بدع».
3 . مفردات الراغب:38ـ 39.

(113)

جديد يختلف عمّا سبقه على جميع الأصعدة. وقد يطلق على عملهم هذا لغة «البدعة» أو «البديع»، ومن هنا أُطلق مصطلح «البديع» على اللّه سبحانه نفسه، حيث قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمواتِ والأرْضِ)،(1) لأنّه سبحانه قد ابتدع خلق السماوات والأرض والإنسان من دون مثال سابق.

والجدير بالذكر أنّ البدعة بهذا المعنى ليست هي محط بحثنا هنا، وبعبارة أُخرى: ليست هي موضوع التحريم والنهي الذي ورد في النصوص. وذلك لأنّ الدين لا يضاد الحداثة، ولا يخالف التجديد، سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، فالمجتمع البشري الآن يعيش حالة من التنوّع والتجديد في جميع نواحي حياته من المسكن والملبس والمركب والمشرب ووسائل التعليم وأساليبها و... بنحو يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا كان عليه الإنسان في الماضي، وهذه الأُمور وإن كان التعريف اللغوي للبدعة يشملها بحيث يصحّ إطلاق لفظ البدعة لغة عليها، ولكن ذلك ليس من مصاديق البدعة في الاصطلاح والتي تعدّ من الذنوب الكبيرة.

ولقد حدّثنا المؤرّخون: انّ أوّل بدعة حدثت بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين أنّهم عمدوا إلى نخل الدقيق وفصل السبوس«قشور الحب» عنه، ولا ريب أنّ هذه الظاهرة الفتية تُعدّ بدعة مستحدثة في الحياة ليس لها سابقة، ولكن ذلك لا يعني أنّها من مصاديق البدعة التي قال بحرمتها فقهاء المسلمين. ومن هنا اقتضى الأمر البحث في بيان البدعة التي هي موضوع الحكم الشرعي، أي البدعة التي حرّمها الشارع ونهى عنها.


1 . البقرة:117.

(114)

البدعة في اصطلاح المتكلّمين والفقهاء

لا ريب أنّ البدعة من المحرمات الشرعية والتي أكّد الشارع على النهي عنها واجتنابها، واعتبرها من الذنوب الكبيرة التي تورد صاحبها النار، وتلقيه في المهالك، سواء كانت هذه البدعة بإضافة أشياء جديدة وتشريع قوانين مستحدثة، أو كانت تتمثّل في حذف ونقصان بعض التشريعات.

ومن هنا أولى المتكلّمون والفقهاء هذه المسألة أهمية وعناية خاصة، وأشبعوها بحثاً وتحقيقاً، الأمر الذي يكشف عن أهمّيتها وخطرها في مجال الفكر الإسلامي.

وقد عرّف المحقّقون البدعة بتعاريف مختلفة، منها:

الف: عرّفها الشريف المرتضى بقوله: الزيادة في الدين، أو النقصان منه، مع إسناد إلى الدين.(1)

ب: وعرّفها ابن حجر العسقلاني بقوله: المراد بالبدعة ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.(2)

ج: وعرّفها ابن حجر الهيتمي بقوله: ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمّى في عرف الشرع بدعة.(3)

ونكتفي بذكر هذه التعريفات الثلاثة ونغض النظر عن التعاريف الأُخرى والتي لا تختلف عن هذه التعريفات اختلافاً جوهرياً.


1 . رسائل الشريف المرتضى:3/83.
2 . فتح الباري:5/156و 17/9.
3 . التبيين بشرح الأربعين:221.

(115)

وإذا أمعنّا النظر في التعاريف المذكورة للبدعة، نجد أنّها تعتبر مقوّمات البدعة المحرمة والتي تميّزها عن «السنّة» ثلاثة أُمور أساسية، هي:

الأوّل: التدخل والتصرّف في الدين عقيدة أو حكماً بزيادة أو نقيصة.

الثاني: أن لا تكون لها جذور في الشرع تدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

الثالث: أن تكون هناك إشاعة بين الناس.

وبعد أن عرفنا الأُسس والمقوّمات الأساسية للبدعة ـ بصورة إجمالية ـ نشرع في دراسة تلك المقوّمات بصورة مستقلة وعلى نحو التفصيل.

1. التدخّل والتصرّف في الدين عقيدة أو حكماً

لا ريب أنّ التدخّل في الدين بالزيادة أو النقيصة، أو بعبارة أُخرى: استهداف روح الدين وأحكامه وعقائده وإيجاد حالة من التحوّل والتغيّر فيه ونسبة ذلك إلى اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يُعدّ من أنواع التصرّف في الدين المنهي عنه تحت عنوان «البدعة»، وأمّا التجديد والحداثة التي لا يستهدف صاحبها روح الدين وأحكامه وعقائده ولم يتصرّف فيها ولم ينسب ذلك إلى اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنّما يوجد حالة من التحوّل والتطوير في برامج الإجابة وطريقة الطرح ومنهجيّة العرض فقط، فإنّ كلّ ذلك لا يُعدّ من البدعة المصطلحة التي وقعت موضوعاً للنهي والحرمة، وإن كان يصدق عليه معنى البدعة لغة.

نعم قد يكون التصرّف هذا في حدّ ذاته غير جائز لسبب ما، ولكنّه على كلّ حال ليس من مصاديق البدعة المصطلحة.

يتّضح من البيان السابق انّ قسماً من أعمالنا وتصرفاتنا ـ الأعمّ من الجائزة


(116)

والمحرمة ـ لا يمكن أن تدخل تحت مظلة البدعة وإطارها، من قبيل لعبة كرة القدم والسلّة والطائرة وأمثال ذلك، فإنّ كلّ هذه الأُمور المستحدثة بالرغم من انتشارها في المجتمع وشيوعها في الأوساط لا يصدق عليها مصطلح البدعة أبداً.

وخذ على سبيل المثال أيضاً حالة الانفلات الجنسي ورفع الحواجز والموانع بين الرجال والنساء في المجتمع الغربي،واعتبار ذلك من الأُمور الطبيعية التي يتلقّاها المجتمع الغربي بالقبول،فإنّ هذه الحالة من الانفلات الأخلاقي والتهوّر الجنسي بما أنّها لم تنسب من قبل أصحابها إلى اللّه ورسوله ولم توسم بسمة الشرعية، لا تُعدّ بدعة وإن كانت من وجهة نظر المشرّع الإسلامي تُعدّ من المحرّمات والذنوب الكبيرة.

الخلاصة: اتّضح لنا ـ من خلال ما سبق ـ أنّه قد أخذ في مصطلح البدعة قيد «التصرّف في الدين».

وعلى هذا الأساس نحكم على الأُمور المستحدثة بحكمين مختلفين تبعاً لتوفر الشرط وعدمه ، فإذا كانت الأُمور المستحدثة لا تستهدف الدين ولا تنسب نفسها إلى الشرع ودين اللّه ورسوله، لا تدخل حينئذ في إطار البدعة المصطلحة، سواء كانت تلك المستحدثات محللة كلعبة كرة القدم وغيرها، أو كانت محرمة كالاختلاط ورفع الحواجز بين الجنسين.

وأمّا إذا توفر الشرط «التصرّف في الدين» فهي بدعة محرمة منهيٌ عنها.

2. عدم وجود الدليل الداعم للنظرية المطروحة من الكتاب والسنّة

الشرط الثاني لصدق عنوان البدعة المصطلحة هو أن تفتقد الظاهرة


(117)

المستحدثة الدليل الداعم والمؤيّد لها من الكتاب والسنّة لا على نحو الخصوص ولا على نحو العموم، ولذلك تعتبر ـ لهذا السبب ـ تصرّفاً في الدين وتجاوزاً على حدود الشريعة، وأمّا إذا كانت الظاهرة المستحدثة تتوفر على السند الشرعي المؤيد لها فحينئذ لا يمكن اعتبارها تصرّفاً في الدين وبدعة في الإسلام، بل تعتبر في حقيقة الأمر تجسيماً وتفعيلاً لأصل قد غفل عنه الآخرون في الوقت الذي التفت إليه صاحب النظرية المستحدثة.

وهذا الشرط المذكور أعلاه قد صرّح به في تعريف البدعة حيث قالوا: «البدعة ما أُحدث وليس له أصل في الشرع».

وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ الكثير من الأُمور المستحدثة المعاصرة لا تُعدّ من مصاديق البدعة في الدين، وإن نسبها إلى الدين، وذلك لأنّ هذه الأنواع من الحداثة لها جذورها في الشريعة بنحو يمكن استنباط مشروعيتها من الكتاب والسنّة إمّا على نحو الخصوص، أو نثبت مشروعيتها بصورة عامّة.

خذ على سبيل المثال الجيوش في البلاد الإسلامية عامّة وفي الجمهورية الإسلامية خاصة، فإنّها مجهّزة بأحدث التجهيزات والمعدّات العسكرية الحديثة والمتطوّرة، بنحو ترفع درجة القدرات القتالية للجندي المسلم إلى درجة عليا، ومن الواضح أنّ هذه المعدّات وأُسلوب التدريب العسكري والنظام الذي يعتمد في الجيوش المذكورة ليست له سابقة مماثلة في الجيوش في صدر الإسلام وما تلاه من القرون الطويلة. ولكن ذلك التطوّر وهذا التحوّل يمكن أن نلمس له دليله الشرعي الداعم والمؤيّد له في كتاب اللّه المجيد حيث قال سبحانه:

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ


(118)

بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).(1)

فقد ورد في الآية المباركة أمران، أحدهما خاص والآخر عام.

1. أمّا الدستور والأمر العام فيتمثّل في قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة).

2. وأمّا الدستور الخـاص فيتمثّـل في قوله تعالى: (وَمِنْ رِبـاط الخَيْـلِ).

وعلى هذا الأساس يكون تجهيز الجيش بأحدث الأسلحة المتطوّرة وتدريب الجندي على أحدث الفنون القتالية وتعليمه أنواع الأساليب الحربية، داخلاً تحت إطار الأمر الأوّل «العام» المتمثّل في قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة)، ومن هنا يمكن وبلا ريب الاستناد إلى هذه الآية لرفع القدرات القتالية للجيش الإسلامي ونسبتها إلى اللّه سبحانه والشرع الإسلامي، إذ يمكن لنا أن نقول ـ و بحق ـ : إنّ اللّه أمرنا بإعداد القوة وتطوير الجيوش الإسلامية، ولا يعتبر عملنا هذا بدعة في الدين وتجاوزاً على الحدود الإلهية. بالرغم من أنّه لم تتم الإشارة إلى ذكر المعدّات الحربية والوسائل القتـالية بصورة خاصة. إذاً الآية أشارت إلى الأمر بصورة كلّيّة، وتركت الأمر في تحديد الوسـائل والطرق إلى الحكومة هي التي تتكفّل بوضع الخطط المناسبة وشراء المعـدات الحديثة التي تحقّق المفهوم الكلّي والمعنى العام الذي صدر الأمر الإلهي به، وهو إعداد القوّة والتهيّؤ لمواجهة العدو(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة).


1 . الأنفال:60.

(119)

3. الإشاعة بين الناس

الشرط الثالث لتحقّق مفهوم البدعة وصدقها هو أن تكون هناك إشاعة، ونشر للأمر المستحدث بين الناس، وهذا الشرط وإن لم يؤخذ في تعاريف «البدعة» إلاّ أنّه كامن في حقيقتها. وهناك الكثير من القرائن التي تدلّ عليه، فعلى سبيل المثال قد وردت روايات كثيرة توجب الرد على البدع والمبتدعين ومواجهتهم والتصدّي لهم.

ولا شكّ انّ هذا الأمر يكشف عن رواج وانتشار البدعة وشيوعها من قبل أصحابها ونشرها في أوساط المسلمين.

روى مسلم في صحيحه عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».(1)

إنّ هذه الرواية وأمثالها تحكي عن أنّ الظاهرة المستحدثة والتصرف في الدين في الزيادة أو النقيصة إذا كان لوحده وفي بيته ومنزله ولم يطّلع عليه أحدٌ من الناس بأن يزيد في صلاته أو ينقص منها أو ...، فإنّ ذلك كلّه لا يُعدّ «بدعة» وإن كان معصية وحراماً، نعم البدعة تتوقّف على إشـاعة الفكرة الخاطئة والنظرية المبتدعة بين الناس وفي المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع.


1 . صحيح مسلم:8/62، كتاب العلم.

(120)

ومع الالتفات إلى هذه الشروط الثلاثة للبدعة يتّضح لنا جانب مهم من جوانب «مفهوم البدعة».

تحريم البدعة في القرآن الكريم

كما ذكرنا انّ البدعة تعتبر تدخلاً في الشأن الربوبي وتجاوزاً على حدود اللّه في التقنين والتشريع، وذلك لأنّ مهمة «التقنين» حق خاص به سبحانه ولا يتعدّى منه إلى غيره، وانّ كلّ أنواع التدخّل في هذا الشأن يعتبر اعتداءً وانتهاكاً لحدوده سبحانه وتجاوزاً على حقّه تعالى. أضف إلى ذلك أنّ نسبة أيّ حكم أو تشريع أو قانون إلى اللّه تعالى من دون دليل وسند شرعي، يعتبر «افتراءً» و«كذباً» على اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وبسبب وجود هاتين الخاصيّتين في البدعة نجد القرآن الكريم قد ذمّ البدعة والمبتدعين وردّ عليهم، فعلى سبيل المثال نجده يردّ على المشركين في تقسيمهم النعم الإلهية إلى قسمين بعضها حلال وبعضها الآخر حرام، ونسبوا ذلك إلى اللّه سبحانه بلا دليل فقال تعالى:

(ءَ اللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ).(1)

وقال تعالى في آية أُخرى:

(وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُون).(2)


1 . يونس:59.
2 . النحل:116.

(121)

إنّ ذم المبتدع في هذه الآية المباركة ينطلق من كون عمله تدخّلاً في التشريع والتقنين الإلهي، وانّه افتراء على اللّه سبحانه،حيث حرّموا وحلّلوا من عند أنفسهم ومن دون إذنه سبحانه ونسبوا كلّ ذلك إليه تعالى.

كما ذمّ القرآن الكريم اليهود والنصارى لتلاعبهم وتصرفهم في كتبهم السماوية وتحريفهم لكلام اللّه وأحكامه سبحانه ثمّ نسبة ذلك التصرّف كلّه والتغيير إلى اللّه سبحانه ليصلوا من خلال هذا الطريق المنحرف والمنهج الملتوي إلى تحقيق أهدافهم ومآربهم المادية والدنيوية، قال تعالى:

(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ يَكْسِبُون).(1)

البدعة في السنّة

لقد تصدّى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته بقوّة لأصحاب البدع والمتلاعبين بأحكام اللّه وقوانينه، واعتبروا عمل المبتدعين تصرّفاً مذموماً في الدين والشريعة، وأنّ عملهم هذا يُعدّ ضلالاً وغواية لهم وللآخرين ممّن يتبعهم في بدعتهم وتحريفهم. ويجدر بنا هنا أن نشير إلى الرواية التي نقلها علماء المسلمين عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي يكثر خطباء الجمعة افتتاح الخطبة بها، وهي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«أمّا بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأفضل الهُدى هدى محمد،


1 . البقرة:79.

(122)

وشرّ الأُمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة».(1)

نكتفي بهذه الرواية من بين الروايات الكثيرة التي وردت في هذا المجال، والتي ذكرنا ثلاثين رواية منها في كتابنا «في ظلال التوحيد» فمن أراد المزيد من الاطّلاع فعليه بمراجعة المصدر المذكور.(2)

وبالإضافة إلى موقف القرآن الكريم والسنّة المطهّرة الصارم من البدعة والمبتدعين، نجد العقل أيضاً يذمّ ذلك الفعل الشنيع ويستقبحه، لأنّه في الحقيقة يعدّه تعدّياً على حدود اللّه، وتجاوزاً على حريمه سبحانه وتعالى من جهة أُخرى، وافتراء وكذباً عليه سبحانه، وكلّ ذلك من الأُمور الشنيعة والقبيحة التي يذم العقل صاحبها،وينهى عن ارتكابها بنحو لا يحتاج إلى مزيد تفصيل وبحث ودراسة.

خلاصة البحث

قد خرجنا من البحوث السابقة بالنتيجة التالية:

1. انّ حقّ التقنين أمر منحصر باللّه وحده، وأيّ نوع تدخّل في هذا الحقّ وتجاوز على حدوده، أمرٌ يستقبحه العقل ويذمّه الشرع وينهى عنه.

2. انّ انحصار حقّ التقنين باللّه تعالى ينطلق من كون المقنّن لابدّ أن يتوفّر على الخصائص والشروط التالية:

أ. المعرفة الكاملة بالإنسان وخصوصياته.

ب. عدم الانتفاع والاستفادة من القانون الذي يسنّه ويقرره.


1 . مسند أحمد:3/310; ومثله في سنن ابن ماجة:1/17، الباب7، الحديث 45.
2 . انظر ص 63ـ 69.

(123)

ج. عدم الخوف والخشية من أصحاب النفوذ والسطوة والتحرر من هيمنتهم.

ولا ريب أنّ هذه الخصوصيات لا يمكن توفّرها مجتمعة وبالنحو الأكمل إلاّ في اللّه سبحانه لا يشاركه فيها سواه.

وأمّا القوّة التشريعية في النظام الإسلامي، فمهمتها الحركة في فلك التشريع الإسلامي وإطار الأُصول الكلّية المسلّمة، وسنّ القوانين والأحكام والتشريعات، ورسم الخطط على أساسها، ولا يحق لتلك القوّة بأيّ وجه الاستقلال في التقنين والتشريع.

3. انّ أيّ تجاوز على حدود التقنين يُعدّ أمراً محرّماً وممنوعاً، فعلى هذا الأساس تعتبر أيّ زيادة في أحكام اللّه وقوانينه أو الإنقاص منها أمراً محرّماً، وتقع تحت عنوان البدعة المصطلحة التي نهى الشارع عنها.

4. انّ عنوان البدعة المصطلحة انّما يصدق على الأُمور المستحدثة إذا توفّرت فيها الشروط الثلاثة التالية:

أ. التدخّل في الدين عقيدة وحكماً بزيادة أو نقيصة ونسبة ذلك إلى الدين.

ب. أن تكون هناك إشاعة ودعوة في أوساط المجتمع.

ج. أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

5. لقد ذمّ القرآن الكريم المبتدعين باعتبارهم مفترين على اللّه ورسوله، واعتبر ما قاموا به من التدخّل في التقنين أمراً محرماً ، كما ذمّ أهل الكتاب لتصرّفهم وتلاعبهم في الكتب المقدّسة وتحريفهم لها.


(124)

وهكذا كان موقف السنّة الشريفة من البدعة والمبتدعين حيث وقفت موقفاً صارماً منها بدرجة اعتبرت الروايات الصادرة من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ذلك الفعل من أقبح الأفعال وحكمت عليه بالضلالة والانحراف الموجبين لإثارة الغضب الإلهي والدخول في الجحيم.

6. انّ العقل هو الآخر ذمّ البدعة واعتبرها أمراً قبيحاً لا ينبغي ارتكابه، وبذلك أيّد العقل حكم الشرع في هذه القضيّة المهمة.

***

بعد أن تعرّفنا على المعنى اللغوي والاصطلاحي للبدعة وموقف العقل والنقل منها، لابدّ من الانتقال إلى الحديث عن بعض الأُمور الفرعية التي لا يخلو البحث فيها هنا من الفائدة، وهي:

تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة

من التقسيمات الرائجة لدى بعض الكتّاب تقسيم البدعة إلى جميلة وقبيحة، أو حسنة وسيئة.

وفي الحقيقة تعود جذور هذا التقسيم تاريخياً إلى قول الخليفة عمر بن الخطاب، وبالتحديد إلى السنة الرابعة عشرة للهجرة عندما جمع الخليفة الناس للصلاة بإمامة أُبي بن كعب في شهر رمضان في صلاة النافلة. ووصف الجماعة المذكورة بقوله: «نعم البدعة هذه».

فقد روى البخاري ذلك في صحيحه وقال: قال عبد الرحمن بن عبد القارئ: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون ... فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان


(125)

أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم. فقال عمر: «نعم البدعة هذه».(1)

ونحن هنا لسنا بصدد البحث عن جواز إقامة الصلاة المستحبة جماعة أو عدم جوازه، بل نحن في الحقيقة في مقام البحث في التقسيم المذكور الذي كان مصدره كلام الخليفة الثاني.

لقد ذكرنا سابقاً أنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب والسنّة هي التدخّل في أمر الدين بالزيادة أو النقيصة، والتصرّف في التشريع الإسلامي من دون أن تكون لهذا التصرّف والتدخّل جذور في التشريع الإسلامي تدعمه لا على نحو العموم ولا على نحو الخصوص، ومن هنا لا تكون البدعة إلاّ أمراً قبيحاً محرّماً، ولا يصحّ تقسيمها إلى حسنّة وقبيحة بأيّ وجه من الوجوه.

نعم البدعة بالمعنى اللغوي تنقسم إلى قسمين، فكلّ شيء مستحدث أو ظاهرة مستجدة يعتمدها الناس في حياتهم اليومية من العادات والتقاليد والرسوم، إذا قاموا به من دون إسناده إلى الدين ولم يكن ذلك الشيء محرّماً بالذات شرعاً، كان بدعة حسنة، أي كونه أمراًجديداً مفيداً للمجتمع، كما إذا احتفل الشعب بذكرى استقلاله في كلّ عام، أو اجتمع للبراءة من أعدائه.

وأمّا ما كان محرّماً في ذاته فهو محرّم ومنهي عنه ولكن ليس من باب البدعة، لأنّ الحرمة ناشئة من سبب آخر وهو وجود المفسدة في نفس ذلك الفعل، مثل دخول النساء متبرّجات في مجالس الرجال.

إذاً البدعة المصطلحة ليس لها إلاّ قسم واحد وهو كونها أمراً قبيحاً


1 . فتح الباري:4/203; عمدة القاري:6/125، وانظر الصحيح:3/58، كتاب الصوم، باب فضل قيام رمضان.

(126)

ومذموماً، ولا يصحّ وصفها بحال من الأحوال بالحسنة، وأمّا البدعة لغة فيمكن أن تقسّم إلى التقسيمين المذكورين.

وفي الحقيقة انّ هذا التقسيم للبدعة إلى حسنة وسيئة في حقيقته خلط للبدعة في المصطلح الشرعي بالبدعة اللغوية.

عوامل التحريف في الدين

بالرغم من أنّ حقيقة الدين وجوهره تكمن في «التسليم والخضوع أمام اللّه سبحانه» وأنّ قسماً كبيراً من العقائد والأحكام الإسلامية تنبع من هذا الأصل الكلّي، من هنا يطرح السؤال التالي:

كيف يتسنّى للإنسان المسلم القيام بعملية التحريف؟ وما هي العوامل التي تحثّه على القيام بذلك العمل؟ وما هي الغاية التي يتوخّاها من وراء ذلك؟

نشير هنا إلى بعض تلك العوامل والأهداف والتي تندرج جميعها تحت مظلّة «الاجتهاد في مقابل النص»:

1. التقدّس والتحجّر

هناك بعض الناس ممّن يضفي على تصرّفاته الشخصية وتلاعبه في الأُمور الدينية وتدخله في التشريع نوعاً من القداسة، وقد حدّثنا التاريخ عن الكثير من هذه النماذج، نشير إلى نموذج واحد منها، وهو:

من المسلّم به أنّ الصوم محرّم على المسافر، ومن هنا حينما خرج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لفتح مكة المكرمة في شهر رمضان، فعندما وصل إلى نقطة


(127)

يجب عليه الإفطار فيها دعا (صلى الله عليه وآله وسلم) بقدح من الماء ليفطر به وينهي صومه وأفطر معه جمع كبير من المسلمين، ولكن ـ وللأسف الشديد ـ وقف أمام هذا الحكم الإلهي مجموعة من المتحجّرين والمتقدّسين حيث استمروا على صيامهم تحت ذريعة أنّ التوجّه إلى الجهاد وهم صيام أفضل من غيره وأكثر ثواباً!! ولكن حينما وصل خبرهم إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفهم بالعصاة والمذنبين.

روى الكليني عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال:«إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر، فشرب وأفطر، ثمّ أفطر الناس معه، وتمّ أُناس على صومهم، فسمّاهم رسول اللّه العصاة، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه».(1)

2. اتّباع الهوى

من الواضح أنّ لكلّ موضوع حكماً واحداً في الشريعة وقانوناً فارداً لا غير، فلا يمكن أن يكون للموضوع الواحد أكثر من حكم واحد في آن واحد وبلحاظ واحد. ولهذا نجد أنّ القسم الأعظم من الاختلافات التي وقعت بين المسلمين في الأحكام والمفاهيم نابعة من اتّباع الهوى والرغبات والميول الشخصية، وإذا أحسنّا الظن نقول: إنّها ناتجة من الاختلاف في الذوق والسليقة الشخصية، ولقد أشار أمير المؤمنين في إحدى خطبه إلى هذا الأمر بقوله(عليه السلام):


1 . الكافي: 4/127، باب كراهية الصوم في السفر، ح5; صحيح مسلم:7/232.

(128)

«أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تتّبع، وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللّه».(1)

ولقد حدثنا التاريخ الإسلامي بشواهد كثيرة من هذه البدع التي أُحدثت في الإسلام، نكتفي بذكر نموذجين منها فقط، هما:

1. من المعلوم أنّ أحد أقسام الحج هو حجّ التمتّع ، وهو وظيفة المسلم الذي يبعد موطنه عن مكة المكرمة 48ميلاً شرعيّاً أو أكثر، وانّ وظيفة من يحجّ حجّ التمتّع أن يحل من إحرامه بعد أداء مناسك العمرة، فتحل له محرّمات الحجّ جميعاً إلاّ الصيد، ثمّ يحرم مجدداً في اليوم التاسع من ذي الحجة بنية حجّ التمتع ويأتي بأعمال الحجّ المفروضة عليه.

وقد نقل لنا المؤرّخون المسلمون أنّ هذا الحكم الإلهي لم يرق لواحد من الصحابة في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ لم تطق نفسه أن يرى الحاج متنعماً باللذائذ الجنسية المحلّلة بين إحرامي المتعة وإحرام الحجّ، وانّه كيف يحرم إلى الحج ورأسه يقطر من غسل الجنابة؟! ولذلك نجد الرجل حينما استلم دفة الأُمور وتصدّى للخلافة نهى المسلمين عن ذلك وحرّم عليهم متعة الحجّ.(2)

قال القوشجي في أواخر مبحث الإمامة من شرح كتاب التجريد في علم الكلام: إنّ عمر قال وهو على المنبر: أيّها الناس! ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهن وأُحرمهنّ وأُعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل.

ومن الواضح أنّ هذا الموقف من الخليفة وهذا الأمر الصادر منه مخالفة


1 . الكافي: 1/54، الحديث1، باب البدع.
2 . سنن أبي داود:2/156، رقم الحديث1789.

(129)

صريحة لأمر اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يُعدّ بدعة في الدين، لأنّه لا مبرر له ولا سند له إلاّ الميول والرغبات النفسية والأهواء الشخصية.

ومن حسن الحظ أنّ هذا النهي لم يترك أثره في أوساط المسلمين إلاّ فترة قصيرة، حيث نجد الآن أنّ قاطبة المسلمين من أهل السنّة يحجّون حجّ التمتع كإخوانهم الشيعة.

2. نقل مالك بن أنس إمام المذهب المالكي في «الموطأ»: أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.(1)

3. التعصّب الممقوت

ومن العوامل التي تؤدّي إلى نشوء ظاهرة الابتداع في الدين هو عامل التقليد الأعمى للآباء والأجداد، والتعصب الممقوت لسننهم وآدابهم التي كانوا عليها، القبلية منها والقومية، وما شاكل ذلك، فإنّ هذا العنصر يُعدّ من أعظم السدود والموانع التي تقف في طريق المعرفة وتحول بين الإنسان وبين الوصول إلى الحقّ. وهذا المانع هو الذي حال بين الأُمم ـ عبر التاريخ ـ و بين دعوة الأنبياء والرسل (عليهم السلام) ، بالرغم من متانة البراهين وقوّة الأدلّة التي جاء بها هؤلاء الرسل (عليهم السلام) . وليس التاريخ الإسلامي مستثنى من هذه الظاهرة الخطيرة.

فقد حدّثنا التاريخ أنّه حينما جاء وفد من الطائف إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعلنوا استعدادهم للتشرّف بالدين الإسلامي الحنيف والدخول تحت راية الإسلام


1 . موطأ مالك:78، رقم8.

(130)

الحقّة، جعل الوفد المذكور إسلامهم مشروطاً بثلاثة شروط هي:

1. أن يحلّ لهم الربا.

2. أن يحلّ لهم الزنا.

3. أن يدع لهم اللاّت يعبدونها ثلاث سنين.

يقول المؤرّخون: اقترح تميم بن جراشة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عندما جاء على رأس وفد من الطائف يخبره بإسلام قومه ـ أن يكتب لهم كتاباً، بأن يفي لهم بأُمور، يقول: قدمت على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروطاً، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اكتبوا ما بدا لكم ثمّ آتوني به، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا والزنا، فأبى علي (رضي الله عنه) أن يكتب لنا، فسألنا خالد بن سعيد بن العاص، فقال له علي:«تدري ما تكتب؟» قال: اكتب ما قالوا، ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بأمره.

فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا انتهى إلى الربا قال: «ضع يدي عليها في الكتاب» فوضع يده، فقال: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا)(1) ثمّ محاها، وألقيت علينا السكينة فما راجعناه، فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها وقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً)(2) ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا.(3)

ورواه ابن هشام بصورة أُخرى قال: وقد كان ممّا سألوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين.(4)


1 . البقرة:278.
2 . الإسراء:32.
3 . أُسد الغابة:1/216،مادة «تميم» و3/406.
4 . السيرة النبوية:2/537ـ 543.

(131)

وهذه الواقعة تكشف شدّة التعصب المقيت الذي كان يهيمن على وفد الطائف، الأمر الذي جعل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يندهش عند سماع هذه الشروط ويرفضها جملة وتفصيلاً.

ولو كان أهل الطائف قد أسلموا إسلاماً حقيقياً، لكان ينبغي عليهم ألاّ يتفوهّوا بهذه الشروط التافهة وأن يسلّموا للّه ورسوله ويذعنوا إلى الحق ويرفضوا جميع أنواع الباطل، لا السعي للحصول على اعتراف من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأُمور ذميمة تنافي روح الإسلام وجوهره ومبادئه الحقّة، وإذا أردنا أن نحلّل هذا الطلب من قبل وفد ثقيف وندرسه دراسة دقيقة، لوجدنا وبوضوح تام أنّ عنصر العصبية الممقوت هو العامل الفاعل في الطلب المذكور وإن كانت هناك عوامل أُخرى غيره.

إلى هنا تمّ الحديث عن العلل والعوامل المساعدة على نشوء ظاهرة الابتداع في المجتمع، وهناك عناصر وأسباب أُخرى لم نذكرها روماً للاختصار.

تحصين الدين من الابتداع

من مهام الفقهاء والمتكلّمين الأساسية مهمة تحصين الدين من خطر الابتداع وحماية حدود الشريعة من التلاعب فيها والتجاوز على حريمها من خلال دسّ الأفكار المسمومة والتي تؤطّر بأُطر جميلة، وتغلّف بغلاف برّاق. فعلى الفقهاء والمتكلّمين أن يكونوا حذرين ويقظين أمام هذه المحاولات الخادعة، ويتابعوا كلّ ما يصدر أو ينشر من كتاب أو رسالة أو مقالة أو خطاب أو ما شاكل ذلك للتصدّي لها، وبيان زيفها ومخالفتها لمفاهيم وقيم الدين الإسلامي الحنيف. ليصونوا بذلك المجتمع الإسلامي عن الانحراف والانزلاق


(132)

في مهاوي المبتدعين.

ولا ريب أنّ مصونية المجتمع الإسلامي عن الانحراف والسقوط في شباك البدعة والمبتدعين مرهونة بأن يأخذ المسلم دينه من العين الصافية والنبع العذب الذي يتمثّل بالكتاب الكريم والعترة الطاهرة، اللّذين أوصى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهما في حديث الثقلين، فقد تواتر عن الفريقين أنّ الرسول الأكرم أرجع الأُمّة إلى هذين المصدرين، وأمرها بالتمسّك بهما لصيانة نفسها عن الانحراف والضلال، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وأهل بيتي; وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)

وفي رواية أُخرى: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي».(2)

وفي ثالثة: «إنّي تركت ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(3)

والحديث الآخر الذي ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي يُعدّ هو الآخر صمام الأمان للأُمّة الإسلامية من الانحراف، حيث بيّن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه الملاذ والمرجع الذي ينبغي على الأُمّة اعتماده والدخول تحت خيمته هو حديث السفينة حيث شبّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيته بسفينة نوح(عليه السلام) التي كانت العنصر الوحيد للهداية والسلامة في وقتها فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة


1 . مسند أحمد:5/148 ، و قد نقل الحديث بصورة متواترة.
2 . كنز العمال:1/44، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.
3 . كنز العمال:1/44، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم.

(133)

نوح من قومه، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».(1)

فلو أنّ الأُمّة الإسلامية تمسّكت في فروعها وأُصولها بأذيال هذين المصدرين الأساسيّين: القرآن الكريم وأهل بيت الوحي والطهارة مجتمعين، لاهتدت إلى الصراط المستقيم، ولوصلت إلى أرقى درجات الكمال والهداية والرشاد، ولصانت نفسها عن كلّ فكر غريب وبدعة في الدين.

إلى هنا اتّضح لنا معنى «البدعة» و حدودها وشروطها والفرق بينها و بين «السنّة» وسيكون هذا الأصل بمنزلة المفتاح الأساسي والرئيسي في حلّ الكثير من الإشكاليات التي تعترض طريقنا في البحوث القادمة إن شاء اللّه تعالى.


1 . رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر: 3/151.

(134)

(135)

الفصل السادس

زيارة قبور الصالحين
سجيّة إنسانية وسنّة رحمانية


(136)

(137)

حينما يطلّ الإنسان على وادي الصمت المتمثّل في أكبر مقبرة في العالم ، وهي مقبرة النجف الأشرف على مشرّفها آلاف التحية والسلام، ويرى عن كثب ذلك الوادي المرعب ويشاهد فيه الملايين من البشر الصغير والكبير، والشاب والكهل، والمرأة والرجل، والغني والفقير، والضعيف والقوي، والمعدم وأصحاب الجاه والسلطان و...، ويراهم كيف يغطّون في سبات عميق وصمت مخيف في تلك الديار الموحشة والأرض القفرة، والقبور التي اندرس أكثرها فتحوّلت إلى بيوت للحشرات ومأوى للديدان، ولا يقف الأمر عند مقبرة النجف الأشرف، بل تجد الأمر يتكرر في كلّ مدينة أو قرية، حينئذ تنتابه الدهشة والذهول، ويذعن من حيث يشعر أو لا يشعر أنّ مصير الجميع إلى الفناء، ويعترف بعجز الإنسان الذاتي أمام التصدي إلى هذا المصير المحتوم الذي يبيد الجميع ويفني الكلّ ويزيل الملك ويسلب السلطان والسطوة. حينئذ يأخذ الإنسان في التفكير بمصيره وبما يؤول إليه، وانّه لابدّ أن يَعدّ العُدّة لمستقبله ويفكر في عاقبة أمره أمام هذا المصير المجهول، ويُعدّ الزاد لهذا السفر الطويل والبلاء العظيم، ويفكر في إعمار آخرته أكثر ممّا يفكر في إعمار دنياه الفانية، وحينها يعود إلى التفكير في ذاته وأصل وجوده والهدف من خلقة الكون والعالم، وبالنتيجة يعود إلى رشده ويرعوي عن غيّه ويفكّر في الحياة الخالدة التي تنتظره .

انطلاقاً من هذا الدرس التربوي لزيارة القبور نجد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع


(138)

إصبعه على هذا الأمر الحسّاس، وحثّ على زيارة القبور لما فيها من العبرة والاتّعاظ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«زوروا القبور فإنّها تُذكّركم الآخرة».(1)

وفي حديث آخر له (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

«زوروا القبور فإنّ لكم فيها عبرة».(2)

وقد صب الشاعر المرهف المعاصر المرحوم السيد صادق سرمد هذا المعنى في قصيدة عصماء باللغة الفارسية حينما زار مصر وشاهد آثار الفراعنة وقبورهم، وكيف لعبت بها يد الدهر، وكيف تحوّلت إلى عبرة وموعظة للآخرين.(3)

وكان لأهل بيت العصمة والطهارة قصب السبق في الاستفادة من التذكير بالقبور وما يؤول إليه أصحابها في الوعظ و التربية حتّى مع أعتى الطواغيت وفي أشدّ اللحظات.

فقد روى المسعودي في «مروج الذهب» أنّ جماعة من حاشية المتوكّل سعوا بأبي الحسن علي بن محمد(عليه السلام) إلى المتوكل... فأخذوه ـ أي الإمام ـ إلى المتوكل فمثل بين يديه، والمتوكل على مائدة الخمر وفي يده كأس...، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال الإمام(عليه السلام):«واللّه ما خامر لحمي ولا دمي، فأعفني منه»، فعفاه، ثمّ قال له: أنشدني شعراً أستحسنه. فاعتذر الإمام (عليه السلام)وقال: «إنّي لقليل الرواية للشّعر». فألحّ عليه ولم يقبل عذراً، فأنشده:


1 . سنن ابن ماجه:1/500، ح1569.
2 . كنزالعمال:15/647، ح 42558.
3 . ديوان سيد صادق سرمد:90، بالفارسية.

(139)

باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القُلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** فأُودعوا حفراً يابئس مانزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا *** أين الأسرّة والتيجان والحُلَلُ
أين الوجوه التي كانت مُنعَّمة *** من دونها تُضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
أضحت منازلهم قفراً مُعَطّلة *** وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا(1)

وهكذا تجد كيف يستفيد الإمام من الصورة المرعبة والموحشة للقبر في ردع الطاغية عن غيّه، وهو في أشدّ حالات زهوه وبطره وتماديه.

الوقوف على قبور الأحبّة

لا ريب أنّ الذين يفقدون عزيزاً من أعزّتهم تبقى آثاره ـ رغم فقده ـ تلاعب مخيلتهم وذكره في قلوبهم، فلا ينسوه بحكم العلاقة العاطفية والآصرة الروحية التي تشدّهم إليه، ولذلك تجدهم دائماً يذكرونه ويجدّدون ذكراه، وبما أنّ الموت يفصل بينهم وبينه جسديّاً إلاّ أنّهم يعوضون ذلك باللقاء الروحي والمعنوي، سواء كان ذلك بصورة فردية أو جماعية فيجتمعون على قبره ويقيمون المراسم ويهدون لروحه ثواب الفاتحة، وغيرها من الأعمال التي يهدون ثوابها إليه.

إذاً الحزن على فقد العزيز وإقامة مراسم العزاء أو التأبين لفقده أمرٌ رائج بين عامّة الناس، وفي جميع إرجاء المعمورة، ومن هنا يمكن القول إنّ القضية لها جذور في فطرة الإنسان، وبمعنى آخر: انّ نفس القوّة التي تدفع الإنسان وتجذبه


1 . مروج الذهب:4/93.

(140)

نحو الميل إلى الأهل والأحبة في حال حياتهم هي نفسها تدفعه وترغبه للحضور على قبورهم والالتقاء بهم لقاءً روحيّاً ومعنوياً، وتتّضح تلك الظاهرة بصورة أجلى إذا انطلقنا من الرؤية الإسلامية التي تقطع بأنّ الروح لا تفنى بفناء الجسد ولا تنعدم بانعدامه، من هنا يتّضح أمامنا أُفق جديد يحدونا إلى زيارة قبور الأحبّة وتلاوة القرآن الكريم وإهداء الثواب إلى أرواحهم.

لهذا ليس من اللائق نهي الناس وردعهم عن هذا الأمر الفطري وحثّهم على التمرّد عليه، بل الجدير بنا حثّهم ودفعهم إلى السعي لإقامة هذه المراسم وإظهار الودّ والمحبّة لفقيدهم. نعم لابدّ أن نكون حذرين أن لا ينجر الأمر إلى أن تختلط تلك الأعمال والمراسم بنوع من الأفعال غير المحمودة والقبيحة والمذمومة شرعاً.

زيارة قبور العلماء

كان الكلام في النقطة السابقة حول زيارة قبور الأحبّة الذين تربطهم بالإنسان آصرة الدم والقرابة، وتشدّهم إليه عاطفة روحية خاصة، فيتحرك من هذا المنطلق لزيارة قبورهم وقراءة القرآن وإهداء ثواب بعض الأعمال الصالحة إلى أرواحهم والسعي إلى عدم اندراس قبورهم ونسيان ذكرهم.

وهناك طائفة أُخرى من الناس تربطهم بالإنسان رابطة روحية ومعنوية لا تقلّ فاعلية عن الرابطة الأُسرية إن لم تزد عليها،وهؤلاء هم العلماء والمفكّرون الذين أحرقوا كيانهم وأذابوا وجودهم لينيروا للإنسان ظلمات الطريق الحالكة، فهم كالشمعة التي تذوب ليستنير طريق الآخرين، نعم لقد ضحّى العلماء والمفكّرون بكلّ حياتهم ـ رغم العسر والحاجة وقلّة ذات اليد ـ ليتركوا للأجيال


(141)

المعاصرة لهم والآتية فيما بعد الكم الهائل والمخزون الكبير من المعارف والعلوم التي تأخذ بيد الإنسان للرقي الروحي والمعنوي والتطوّر المادي والاجتماعي و ...، وعلى رأس هؤلاء العلماء والمفكّرون الإسلاميون الذين ينتهجون منهج القرآن الكريم والسنّة المطهرة.

من هنا يُعدّ الحضور إلى جنب قبور هؤلاء العلماء وإقامة مراسم التكريم وإهداء الثواب إلى أرواحهم الطاهرة، نوع تكريم، وردّاً للجميل، ووفاءً لحقّهم الكبير على الأُمّة، كما يعتبر في نفس الوقت ترويجاً للعلم والمعرفة وتشجيعاً للآخرين لمواصلة طريق كسب العلم والمعرفة.

ولا ريب أنّ الأُمّة التي تبجّل علماءها وتحترم شخصياتها العلمية والفكرية وتكنّ لهم وافر الاحترام أحياءً وأمواتاً، أُمّة حيّة تجري في عروقها دماء الحياة النابضة، ولا يمكن لمثل هكذا أُمّة أن تصاب بالفقر العلمي والجدب المعرفي أبداً.

زيارة مراقد الشهداء وقبورهم

إنّ هنا طائفة أُخرى من الناس لهم منزلتهم الخاصة في المجتمع، وذلك من خلال الدور الفاعل الذي قاموا فيه في إحياء الأُمّة وإعادة كرامتها المهدورة، وهي طبقة الثائرين والمجاهدين الذين ضاقوا ذرعاً بما يعيشه المجتمع من الظلم وهضم الحقوق وسحق الكرامة.

والتمييز العنصري والقومي، فثاروا أمام الظلم والطغيان، وطالبوا بإعادة الحقوق المهدورة، والكرامة المسحوقة إلى الأُمّة، وبذلوا في هذا الطريق أثمن ما يملكون، وجادوا بأغلى شيء لديهم، ألا وهو نفوسهم الكريمة، ودماؤهم


(142)

الطاهرة.

نعم انّ لهذه الطبقة من أفراد المجتمع منزلة خاصة ومكانة متميّزة، تقتضي أن يؤدّي إليها الجمهور حقّها ـ على أقلّ تقدير بعد رحيلها من هذه الدنيا ـ وذلك من خلال الوقوف على تربتهم الزكية وإحياء ذكراهم، أضف إلى ما في ذلك العمل من المردودات التربوية والروحية السامية. فإنّ الزائر حينما يقف على قبور هؤلاء الأبطال يجدّد بهذا الوقوف العهد معهم للمضي على نهجهم والسير على طريقهم، والوفاء للمبادئ التي ضحّى من أجلها الشهداء، والحفاظ على الراية التي رفعوها خفاقة في ربوع المجتمع، إذ لا ريب أنّ كلّ ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدّر له النجاح، إلاّ بدفع الثمن الباهض، وانّ ثمن الثورة ضد الظالمين وتقويض أركان حكمهم هو دماء الشهداء الزاكية ونفوس الأحرار الأبيّة، ولا شكّ أنّ هذا الطريق يحتاج إلى ديمومة واستمرار، وأنّ من الطرق المهمّة لهذه الديمومة والاستمرار وقوف الشباب على قبور هؤلاء الأبطال والتزوّد من معنوياتهم، والاستلهام من بطولاتهم وأفعالهم الخالدة.

وبعبارة أُخرى: انّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هي نوع من الشكر والتقدير لتضحياتهم، وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

ولننطلق هنا إلى ذكر مثال حي يعيشه المسلمون، وهو:

إنّ زائري بيت اللّه الحرام يقبّلون الحجر الأسود ويمسحون أكفّهم به قبل الطواف، وهذا في حقيقته تجديد للبيعة مع إبراهيم(عليه السلام) في الثبات على القيم والأهداف السامية التي وقف إبراهيم(عليه السلام) مدافعاً عنها، وعلى رأس تلك الأهداف «كلمة التوحيد» فيبايع الحاج إبراهيم(عليه السلام)بأن يبقى وفياً لهذا المبدأ، مدافعاً عنه


(143)

ساعياً إلى نشره في بقاع المعمورة. وبما أنّ الحاج لا تصل يده إلى يد إبراهيم(عليه السلام) ليبايعه، يجعل من الأثر الذي تركه إبراهيم (عليه السلام)وهو الحجر الأسود رمزاً لهذه البيعة والعهد على السير على نفس النهج واعتماد نفس الطريق.

ولقد أشارت الأحاديث الإسلامية إلى هذا المفهوم العظيم والمعنى السامي حيث ورد أنّ الحاج حينما يستلم الحجر الأسود يردّد تلك الكلمات التي يفوح منها شذى الوفاء والاستقامة على طريق الحق فيقول: «أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة».(1)

والنموذج الحي الآخر زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام)وقبور الشهداء الأوفياء الذين سقوا بدمائهم الزاكية شجرة الإسلام التي أراد أعداء الدين عامّة وبنو أُميّة خاصة اجتثاثها من الأرض والقضاء عليها. من هنا يقف الزائر أمام تلك القبور الزاكية مجدّداً العهد مع أصحابها بأن يبقى وفيّاً للمبادئ، محافظاً على الأمانة، حارساً لحدود الدين والشريعة، رافعاً لنفس الراية محافظاً عليها من السقوط.

من هنا تكتسب الزيارة أهميتها الاجتماعية والتربوية والسياسية في حركة الفرد والمجتمع، فإنّ الأُمّة التي تحافظ على مبادئها وتبقى وفية لرجالاتها وعظمائها وراعية للمسيرة التي ساروا عليها، أُمّة حيّة لا يمكن أن تفنى على مرّ القرون والأيام.

زيارة مرقد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الوقوف على قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ـ بالإضافة إلى الشكر والثناء والامتنان للجهود الكبيرة والدور العظيم الذي لعبه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو وأهل


1 . وسائل الشيعة:10/400، الباب12 من أبواب الطواف، الحديث1.

(144)

بيته في هداية الأُمّة، وإنقاذها من الضلال والانحراف، والأخذ بيدها إلى شاطئ الأمان في بحر الظلمات المتلاطم ـ بيعة وعهد معهم للسير على نفس النهج والثبات على المبادئ والقيم التي جاءوا بها.

يقول الإمام الرضا(عليه السلام) في معرض حديثة عن زيارة مراقد المعصومين (عليهم السلام) :

«إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم».(1)

إذاً الزيارة تمثّل في الحقيقة ميثاقاً وتعهداً يبرمه الزائر مع النبيّ الأكرم والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ، بأن يبقى على العهد ويسير على النهج ويحتفظ بالمبادئ ويراعي القيم التي جاء بها هؤلاء العظام.

وكأنّ الزائر يردّد في زيارته للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلمات التالية: يا رسول اللّه يا نبي الإنسانية ويا أعظم إنسان وطأت قدماه هذا الكوكب، إن كان المهاجرون والأنصار قد بايعوك في الحديبية ووضعوا أكفّهم في كفّك المبارك(2)، وإذا كانت النسوّة المؤمنات قد بايعنك في مكة المكرمة على أن لا يشركن ولا يزنين(3)، وإذا كان المؤمنون ـ الذين قد زلّت بهم قدمهم واقترفوا بعض الذنوب وارتكبوا بعض المعاصي ـ قد جاءوك طالبين منك الاستغفار لهم وحطّ ذنوبهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً)(4)، فها أنا أقف بين يديك وإلى جوار قبرك الطاهر مجدداً البيعة التي


1 . وسائل الشيعة:10/346، الباب44 من أبواب المزار، الحديث2.
2 . إشارة إلى قوله تعالى: (لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشَّجرة)(الفتح:18).
3 . إشارة إلى قوله تعالى:(إِذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن باللّه)(الممتحنه:12).
4 . النساء:64.

(145)

بايعوك عليها، ومعاهداً لك على أن أبقى وفيّاً للمبادئ، ومحامياً عن حريم القيم التي جئت بها، متجنّباً السيئات والمعاصي طالباً منك أن تدعو اللّه لي بالتوفيق والسداد، وأن يأخذ اللّه بيدي لما فيه الخير والصلاح، وأن يتجاوز عمّـا بدر مني من الذنوب والمعاصي.

نعم هذا هو لسان حال الزائر، وهذه هي المفاهيم التي تنطوي عليها الزيارة.

وهناك نكتة جديرة بالاهتمام، وهي أنّنا لابدّ أن نفرّق تفريقاً جوهرياً بين زيارة المسلم المؤمن لتلك المراقد الطاهرة وما يقوم به بعض السوّاح ( Tourism) من الأقطار الأُخرى، أو بعض المسلمين الذين لا يدركون معنى الزيارة، فإنّ هدف هؤلاء السوّاح هو الاطّلاع على المعالم والتعرّف على الآثار التاريخية والنتاجات الهندسية والمعمارية، وما تنطوي عليه تلك الأماكن من لذّات وفوائد مادية. ولا ريب أنّ هذه الأُمور إذا تجرّدت عن المحرمات الثانوية كاللعب واللهو وما شابه ذلك، تعدّ في حدّ ذاتها أُموراً مباحة، بل قد تُعدّ أُموراً ممدوحة، فممّـا لا ريب فيه أنّ الإسلام قد حثّ على العلم والمعرفة، وهذه السياحة والتعرّف على تلك الشخصيات العظيمة ومعرفة آثارهم ممّا له دوره في زيادة معارف الإنسان، بل قد يكون ذلك سبباً لهداية الإنسان، ولكن يبقى الفرق بينها و بين زيارة المؤمنين جوهرياً. فهؤلاء يتحرّكون في تلبية وإشباع الحاجات والغرائز المادية، وانّ حركتهم وتعاملهم المادّي مع البناء والآثار فحسب، وأمّا المؤمن فهدفه أكبر وغايته أسمى، لأنّهم انّما يشدّون الرحال للقاء الأرواح الزكية، والنفوس الطاهرة، والمبادئ العالية، والقيم السامية، وتجديد البيعة للسير على ذلك الطريق المهيع والمنهج القويم. إنّ الزائر المؤمن يبحث عن معشوقه في تلك الديار والآثار فلا


(146)

يهمّه إلاّ اللقاء بها، ولا يروي غليله إلاّ وصال الحبيب ولسان حاله يردّد:

أمرّ على الـديار ديار ليلى *** أُقبّـل ذا الجـدار وذا الجــدارا

وما حب الديـار شغفـن قلبي *** ولكن حبُّ من سكن الديارا(1)

ولقد نقل لنا المؤرّخون قصص الزيارة والزائرين بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ و كلاهما من مشايخ الشافعي ـ أنّه قال: كنت جالساً عند قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أعرابي ـ من خارج المدينة ووقف على قبره الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، سمعت اللّه يقول:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً)(2) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي. ثمّ بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثمّ استغفر وانصرف.(3)

إنّ هذا الأعرابي قد أدرك بذهنه الوقّاد، وسريرته الصافية، وفطرته السليمة ما تنطوي عليه زيارة النبي الأكرم من فوائد جمّة، فجاءه زائراً لقبره الشريف.

نعم انّ الزيارة لقبور ذوي الرحم والصالحين والشهداء والعلماء، وزيارة المراقد الطاهرة لأعظم خلق اللّه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ،


1 . شعر عربي مشهور منسوب إلى مجنون ليلى.
2 . النساء:64.
3 . وفاء الوفا:4/1361; الدرر السنيّة:75.

(147)

تنطوي على فوائد جمّة، ومنافع وافرة: اجتماعية وتربوية وأخلاقيةو ...، ومن هنا لابدّ من تسليط الضوء على موضوع الزيارة وبحثه من زوايا مختلفة، فلنعالج الموضوع من خلال الأُمور التالية:

1. زيارة قبور المؤمنين في الكتاب والسنّة.

2. النساء وزيارة القبور.

3. أعلام الأُمّة (الفقهاء والمتكلّمون) وزيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

4. زيارة مرقد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتاب والسنّة.


(148)

1
زيارة قبور المؤمنين في الكتاب والسنّة

لقد ذكرنا في البحوث السابقة أنّ زيارة الإنسان لقبر أحبته وأهله ومن تربطه به صلة رحم أو قرابة يُعدّ سجية إنسانية وطبيعة فطرية تدعو إليها جميع النفوس السليمة في كافة بقاع المعمورة، وأنّها من الأُمور التي أطبق الجميع على العمل بها، أو على أقلّ تقدير عدم رفضها والوقوف في وجهها، ويمكن استنتاج ذلك من الآية المباركة التالية:

(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبداً وَلاَ تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فَاسِقُون).(1)

إنّ الآية المباركة تنطوي على أمرين موجّهين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هما:

1. (لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبداً ).

2. (وَلاَ تَقُمْ عَلى قَبْرِه).

ولابدّ من تركيز البحث على النهي الثاني الوارد في الآية لنرى ماذا يراد من قوله تعالى:


1 . التوبة:84.

(149)

(وَلاَ تَقُمْ عَلى قَبْرِه) وما هو معناه؟

فهل معناه أنّها تنهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الوقوف على قبره حال الدفن فقط، فلا يجوز ذلك في حقّ المنافق ويستحب في حقّ المؤمن؟ أو معناها أعمّ من وقت الدفن وغيره؟

إنّ بعض المفسّرين خصّوا القيام نفياً وإثباتاً بوقت الدفن فقط، ولكن البعض الآخر من المفسّرين من ذهب إلى إطلاق الآية وفسّر النهي في كلا المجالين الأعم من حال الدفن وغيره، وها نحن ننقل بعضاً من كلماتهم في هذا المجال:

فممّن ذهب إلى الإطلاق البيضاوي في تفسيره حيث قال: ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة.(1)

وقد تبنّى هذه النظرية جلال الدين السيوطي في «تفسير الجلالين» حيث قال: ولا تقم على قبره لدفن أو زيارة.(2)

وكذلك الشيخ إسماعيل حقّي البروسوي فقد جاء في تفسيره: (ولا تقم على قبره): أي لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة.(3)

والحقّ مع من أخذ بإطلاق الآية المباركة، ومن هنا يتّضح انّ اللّه سبحانه قد نهى نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كلّ أنواع الوقوف على قبر المنافق، سواء كان ذلك حال الدفن، أو بعد ذلك. وهذا يحكي أنّ للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقف على قبور المؤمنين والصالحين وأن يدعو لهم في حال دفنهم، أو بعد ذلك، وإلاّ لكان النهي


1 . تفسير البيضاوي(أنوار التنزيل):1/416.
2 . تفسير الجلالين: سورة التوبة،تفسير الآية.
3 . روح البيان:3/378.

(150)

الموجّه إلى النبي عن الوقوف على قبور المنافقين لغواً لا طائل فيه.

وعلى هذا الأساس ندرك أنّ الآية المباركة أرادت أن تهدم شخصية المنافق، وأن تحرمه من الفيض الإلهي الوارد عن طريق دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستغفاره، وأن يختص هذا اللطف وتلك الرحمة بالمؤمنين الصالحين، فللرسول أن يقف على قبورهم في حال دفنهم أو بعد ذلك، وأن يطلب من ربّه أن ينزل فيض رحمته وغفرانه على تلك الأرواح المؤمنة.

زيارة القبور في السنّة المطهّرة

بالإضافة إلى الروايات التي ذكرناها في مجال تحليل المفهوم الفلسفي والاجتماعي والتربوي للزيارة، قام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه وبصورة عملية بزيارة القبور، فقد حدّثنا التاريخ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يزور قبور المؤمنين في البقيع ويدعو لهم، وهانحن نذكر بعضاً من هذه الروايات في هذا المجال:

1. روى مسلم عن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما كان ليلتها من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجّلون، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».(1)

2. وعن عائشة في حديث طويل أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لها: «أتاني جبرئيل فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول اللّه؟ فقال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين


1 . صحيح مسلم:3/63، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، من كتاب الجنائز.

(151)

والمسلمين، ورحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون».(1)

3. وروى مسلم أيضاً عن بريدة أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) علّم أصحابه كيفية زيارة القبور فقال: قولوا: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، أسأل اللّه لنا ولكم العافية».(2)


1 . صحيح مسلم:3/64، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز; سنن النسائي:4/91.
2 . صحيح مسلم:3/65.

(152)

2
النساء وزيارة القبور

إنّ المرأة تشارك الرجل في زيارة قبور الأهل والأحبّة والصالحين من أولياء اللّه سبحانه، ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذه المسألة، وذلك لأنّ الأحكام الإلهية والمفاهيم الإسلامية شاملة وعامّة للرجال والنساء، إلاّ إذا دلّ الدليل على الاختصاص بأحدهما.

ونحن إذا أمعنّا النظر في خطاب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) للمجتمع الإسلامي في هذا المجال نجده عامّاً وموجّهاً للجنسين الذكور والإناث، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«زوروا القبور فإنّها تذكّركم الآخرة».(1)

وفي رواية أُخرى:

«زوروا القبور فإنّ لكم فيها عبرة».(2)

صحيح أنّ الخطاب في هذين الحديثين موجّه إلى الرجال بشهادة تذكير الضمير، ولكن وكما قلنا: إنّ جميع الخطابات القرآنية والحديثية التي يوجّه فيها


1 . سنن ابن ماجه: 1/500، الحديث1569.
2 . كنز العمال:15/647، الحديث42558.

(153)

الخطاب إلى الرجال تعمّ في نفس الوقت النساء، إلاّ إذا كان هناك دليل خاص يدلّ على عدم الشمول واختصاص الحكم بالرجال فقط. ومن هنا نجد الآيات التي تأمر بالصلاة أو الزكاة أو الحجّ أو الصيام قد جاء الخطاب فيها موجّهاً إلى جنس الرجال، ومع ذلك لا يوجد عالم أو متعلّم يقول باختصاص تلك الأحكام بالرجال، بل أطبق الجميع على شمولية الخطاب للرجال والنساء على السواء، ومن ذلك قوله تعالى:

(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَمَاتُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ).(1)

صحيح انّ الخطاب حسب قواعد اللغة العربية متوجّه إلى الرجال، ولكن الحكم عام يشمل الجنسين، كما هو واضح.

ومن هنا نعرف أنّ الخطاب في الأحاديث الماضية «زوروا» وإن كان موجّهاً إلى الرجال حسب القواعد، إلاّ أنّه لا توجد دلالة على الانحصار، بل الحكم يعمّ الجميع.

ثمّ بالإضافة إلى الروايات السابقة هناك روايات أُخرى، تبيح للنساء زيارة القبور، ومن هذه الروايات:

1. روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: «لمّا كانت ليلتي التي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه... فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب، فخرج، ثمّ أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت أزراري، ثمّ انطلقت على أثره حتّى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثمّ رفع


1 . البقرة:110.

(154)

يديه ثلاث مرات... إلى أن قالت: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فإنّ جبرئيل أتانى فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم».

قالت عائشة : قلت: كيف أقول لهم يا رسول اللّه...؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون».(1)

ومحور الاستدلال يقوم على الفقرة الأخيرة من الحديث حيث نجد السيدة عائشة تطلب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعلّمها كيفية الزيارة وماذا تقول إذا زارت، ولو كانت الزيارة محرّمة على النساء، فكيف يقوم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعليم زوجته أمراً محرّماً ويقول لها (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قولي...».

أضف إلى ذلك انّ السيدة عائشة حينما نقلت هذه الحادثة إلى نساء المسلمين تلقّين القضية على أنّه مباح للنساء زيارة القبور، وأنّه لا فرق بينهنّ وبين الرجال في هذه القضية أبداً.

2. وهذه فاطمة الزهراء بنت الرسول الأكرم وسيدة نساء العالمين وأحد أصحاب الكساء (عليهم السلام) كانت تخرج إلى زيارة قبر عمّها حمزة كلّ جمعة، فتصلّي وتبكي عنده.

قال الحاكم النيسابوري بعد نقل هذا الحديث: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. ثمّ قال: وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريّاً للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه انّها سنّه مسنونة وصلى اللّه على محمد وآله أجمعين.(2)


1 . صحيح مسلم:3/64، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها من كتاب الجنائز.
2 . مستدرك الحاكم:1/377.

(155)

3. روى الترمذي عن عبد اللّه بن أبي مليكة قال: إنّه لمّا مات عبد الرحمان ابن أبي بكر ـ شقيق عائشة ـ في «الجُنتى» حملوا جثمانه إلى مكة ودفنوه فيها، ولمّا جاءت عائشة إلى مكة ـ من المدينة ـ خرجت لزيارة قبر أخيها وأنشدت بيتين من الشعر».(1)

4. روى البخاري عن أنس أنّه قال:

مرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بامرأة تبكي عند قبر فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اتّق اللّه واصبري».(2)

ولم ينقل البخاري تتمة الحديث، إلاّ أنّ أبا داود نقل ذلك في سننه بالصورة التالية:

فقالت المرأة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إليك عنّي فإنّك لم تُصب ولم تعرفه.

فقيل لها: إنّه النبي! فأتت باب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: لم أعرفك!

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى».(3)

فلو كانت زيارة القبور محرّمة على النساء لنهاها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولما اكتفى بالموعظة والحثّ على الصبر وتحمّل المصاب، ولكنّنا نجده (صلى الله عليه وآله وسلم) اكتفى بالوصية بالتقوى والصبر عند المصيبة فقط دون أن يتعرّض لذكر الحكم الشرعي فيها.

سؤال وإجابة

لقد تمسّك المانعون للنساء عن زيارة القبور بالحديثين التاليين:


1 . سنن الترمذي:3/371، ح 1055.
2 . صحيح البخاري:2/93، باب قول الرجل للمرأة عند القبر اصبري، من كتاب الجنائز.
3 . سنن أبي داود:3/192، الحديث 3123.

(156)

الحديث الأوّل: «لعن اللّه زوّارات القبور».(1) متذرّعين بأنّ ذلك صريح في المنع، لأنّ اللعن لا يجتمع مع الإباحة.

وجوابه

إنّ هذا الحديث لا يصح مستنداً للمنع، لأنّه لا تتوفر فيه شروط الاستدلال، وذلك لأنّه منسوخ وفقاً للأدلّة السابقة، والملاحظ أنّ بعض المحدّثين من أهل السنّة ذهبوا إلى أنّ الحديث منسوخ، منهم: الترمذي ـ ناقل الحديث ـ حيث يقول: وقد رأى بعض أهل العلم أنّ هذا كان قبل أن يرخّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في زيارة القبور، فلمّا رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء.(2)

قال القرطبي: هذا اللعن إنّما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ منهنّ من الصياح ونحو ذلك.(3)

الحديث الثاني:

روى ابن ماجة عن علي(عليه السلام): قال: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا نسوةٌ جُلُوس. فقال: «ما يجلسكنّ؟» قلنَ: ننتظر الجنازة. قال: «هل تغسِلنَ؟» قُلْنَ: لا. قال: «هَلْ تَحْمِلنَ؟» قُلْنَ: لا. قال: «هل تدلين فيمن يُدلي؟» قلن: لا. قال: فَارْجعنَ


1 . سنن ابن ماجة: 1/503، الحديث1576; سنن أبي داود:3/218، الحديث3236وفيه بدل «زوارات» : «زائرات».
2 . سنن الترمذي:3/371ـ 372، باب ما جاء من الرخصة في زيارة القبور.
3 . فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني:3/149.

(157)

مأزورات، غير مأجورات».(1)

الجواب

إنّ هذا الحديث لا يمكن الاستدلال به لوجود المناقشة فيه سنداً ودلالة.

أمّا السند فهو ضعيف لوجود عمرو بن دينار في سلسلة السند، وقد وصفه أصحاب الجرح والتعديل بالصفات التالية: مجهول، كذّاب، متروك، يخطأ!!!

ومع كلّ هذه النعوت الذامّة للرجل كيف يركن لحديث يمثّل هو أحد حلقات سنده؟!

وأمّا الدلالة: لو سلمنا بصحّة السند وأغمضنا النظر عن ضعفه، فإنّ الحديث من ناحية الدلالة فيه مناقشة واضحة، وذلك لأنّ الحديث وارد في خصوص النساء المتجمعات للتفرّج على الجنازة ومن دون أن يكون لهنّ مهمة تذكر في خدمة الجنازة. وهذا لا علاقة له بمسألة زيارة القبور، فإنّ التفرّج على الجنازة شيء وزيارة القبور شيء آخر، ولا يمكن إسراء حكم أحدهما إلى الآخر، لوجود الفارق الجوهري بين المسألتين.

وهنا نكتة جديرة بالاهتمام، وهي أنّ الدين الإسلامي هو دين الفطرة، والشريعة الإسلامية هي الشريعة السهلة السمحة كما ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو الدين القائم على الرفق والرأفة والرحمة، فلو فرضنا أنّ امرأة مؤمنة فقدت ولدها العزيز، فإنّ الشيء الوحيد الذي يسلّي هذه المرأة ويخفّف من حزنها وآلامها هو أن تأتي إلى قبر عزيزها وتذرف الدموع الساخنة عليه، وتدعو اللّه له بالرحمة والمغفرة، وتهدي إلى روحه أنواع الثواب من قراءة القرآن أو الإطعام وما شاكل


1 . سنن ابن ماجة: 1/502ـ 503.

(158)

ذلك، فلو فرضنا أنّ الإسلام يقف أمام هذه المرأة في عملها ـ الذي هو عمل عقلائي ـ فلا ريب أنّه سيوجّه إليها ضربة روحية، ويحمّل هذه المرأة الثكلى أمراً يصعب تحمّله، فهل ياترى يجتمع هذا النهي بما فيه من القسوة والشدّة مع كون الرسالة سهلة وسمحة؟!

ثمّ إنّنا قد عرفنا من خلال البحوث السابقة أنّ في زيارة القبور منافع جمّة تربوية وروحية، وفيها من العبر والدروس الشيء الكثير، وانّها «تذكّر الآخرة» كما ورد في الحديث، وانّها تعتبر الوسيلة للارتباط الروحي بين الميت وأهله وذويه من خلال قراءة القرآن والفاتحة و....

فكيف يمكن أن نتصوّر أنّ الإسلام الحنيف يحرم المرأة من هذه المنافع الكبيرة والفيض الإلهي العظيم؟!

وبعبارة أُخرى: انّ فلسفة زيارة القبور والتي تذكّر الآخرة وتعتبر سبباً أساسياً للاتّعاظ والاعتبار، غير قابلة للتخصيص أبداً.

نعم لابدّ أن تكون هذه الزيارة منزّهة عن كلّ ما يشين الإنسان أو يجرّه إلى ارتكاب الإثم والمعصية، ولعلّ النهي الذي ادّعي وجوده في هذا المجال ناظر إلى النساء اللواتي لا يلتزمن بمراعاة تلك الشروط التي ينبغي الالتزام بها عند زيارة القبور.


(159)

3
أعلام الأُمّة وزيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ علماء الأُمّة ـ الفقهاء منهم والمحدّثون ـ أولوا مسألة الزيارة اهتماماً كبيراً، وبالخصوص زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بعث رحمة للعالمين وبذل في طريق هداية الأُمّة الغالي والنفيس وتحمّل جميع أنواع العناء والعذاب، ولذلك نجدهم قد أفتوا باستحباب زيارة قبره الشريف، ودعوا الناس إلى زيارته والتزوّد من بركة ونعم هذه الزيارة، والتعرض للفيض الإلهي عند قبره الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) . ومن هؤلاء الأعلام الذين أولوا الزيارة أهمية خاصة:

1. الإمام تقي الدين السبكي الشافعي (المتوفّى عام 756هـ) تغمّده اللّه بالرحمة والرضوان، فقد ألّف في هذا المجال كتاباً تحت عنوان «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» حقّق فيه جميع الأبعاد والزوايا التي تتعلّق ببحث الزيارة، وأثبت فيه بالدليل القاطع والبرهان الساطع استحباب زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّها من مسلّمات الفقه الإسلامي، أضف إلى ذلك أنّه عقد باباً خاصاً نقل فيه نصوص كبار العلماء المسلمين على استحباب زيارة قبر سيدنا


(160)

ومولانا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد بيّن أنّ الاستحباب أمر مجمع عليه بين المسلمين.(1)

2. الشخصية الأُخرى التي خاضت غمار هذا البحث العلاّمة الكبير والمحقّق البارع آية اللّه الأميني(1320ـ 1390هـ) في موسوعته القيّمة «الغدير» فقد جاء بكلمات أعلام المذاهب الأربعة من الفقهاء والمحدّثين، فذكر ما يتجاوز الأربعين كلمة من كلمات هؤلاء الأعلام والتي فات العلاّمة السبكي الوقوف عليها.(2)

ولقد كانت لنا في هذا المضمار جولة استدركنا فيها ما فات العلمين المذكورين من الكلمات في هذا الخصوص، وقد أوردنا الجميع في رسالة خاصة ألّفناها في هذا الخصوص تحت عنوان «الزيارة في الكتاب والسنّة» .

ومن الواضح أنّ استعراض جميع الكلمات يعد إطناباً لا طائل من ورائه، لذلك سنكتفي بذكر بعض تلك الكلمات، وهي:

1. قال أبو الحسن أحمد بن محمد المحاملي الشافعي (المتوفّى 425هـ): ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .(3)

2. وأمّا أبو الحسن الماوردي (المتوفّـى 450هـ) فقد قال: فإذا عاد (ولي الحاج) سار بهم إلى طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ليجمع لهم بين حج بيت اللّه عزّ وجلّ وزيارة قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، رعاية لحرمته، وقياماً بحقوق طاعته،


1 . شفاء السقام:65ـ 79.
2 . الغدير:5/109ـ 125.
3 . شفاء السقام:65، نقلاً عن المنهاج في شعب الإيمان.

(161)

وذلك وإن لم يكن من فروض الحجّ، فهو من مندوبات الشرع المستحبة وعبادات الجميع المستحسنة.(1)

3. وممّن بسط الكلام في زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الغزّالي(المتوفّى 505هـ) في كتاب الحجّ من كتاب «إحياء العلوم» حيث قال:

الجملة العاشرة: في زيارة المدينة وآدابها.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من زارني بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي».

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من وجد سعةولم يُفدِ إليَّ فقد جفاني» .

إلى أن قال: فمن قصد زيارة المدينة فليصلّ على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في طريقه كثيراً، فإذا وقع بصره على حيطان المدينة وأشجارها قال: اللّهمّ هذا حرم رسولك فاجعله لي وقاية من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب. ثمّ ذكر آداب الزيارة وصيغتها، كما ذكر زيارة الشيخين وزيارة البقيع بمن فيها،كزيارة قبر عثمان وقبر الحسن بن علي.

ثمّ قال: ويصلّي في مسجد فاطمة ()، ويزور قبر إبراهيم ابن رسول اللّه، وقبر صفيّة عمّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فذلك كلّه بالبقيع، ويستحبّ له أن يأتي مسجد قباء في كلّ سبت ويصلّي فيه، لما روي أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من خرج من بيته حتّى يأتي مسجد قباء ويصلّي فيه كان له عدل عمرة».(2)

4. وقال القاضي عياض المالكي (المتوفّى 544هـ): وزيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) سنّة مجمع عليها وفضيلة مرغّب فيها، ثمّ ذكر عدّة من أحاديث الباب فقال: قال


1 . الأحكام السلطانية:109.
2 . إحياء علوم الدين:1/305ـ 306.

(162)

إسحاق بن إبراهيم الفقيه: وممّا لم يزل من شأن من حج المزور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتبرّك برؤية روضته ومنبره وقبره وملامس يديه ومواطن قدميه والعمود الذي استند إليه، ومنزل جبرئيل بالوحي فيه عليه.(1)

5. قال الإمام القدوة ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني المالكي (المتوفّى 738هـ) بعد أن ذكر لزوم وكيفية زيارة الأنبياء والرسل (صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين) والتوسّل بهم إلى اللّه تعالى وطلب الحوائج منهم قال: وأمّا في زيارة سيّد الأوّلين والآخرين صلوات اللّه عليه وسلامه فكلّ ليزيد عليه أضعافه، أعني: في الانكسار والذّل والمسكنة; لأنّه الشافع المشفّع الذي لا تردّ شفاعته، ولا يخيب من قصده، ولا من نزل بساحته، ولا من استعان أو استغاث به، إذ إنّه عليه الصلاة والسلام قطب دائرة الكمال وعروس المملكة ـ إلى أن قال ـ: فمن توسّل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يردّ ولا يخيب، لما شهدت به المعالية والآثار، ويحتاج إلى الأدب الكلّي، إلى زيارته عليه الصلاة والسلام.

إلى أن قال: وقد قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم: إنّ الزائر يشعر بنفسه بأنّه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته.(2)

6. قال ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي (المتوفّى 973هـ) بعدما استدلّ على مشروعية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدّة أدلّة منها الإجماع.

فإن قلت: كيف تحكي الإجماع على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيميّة من متأخّري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كلّه كما رآه السبكي في


1 . الشفاء:2/194ـ 197.
2 . المدخل:1/257.

(163)

خطّه؟

قلت: من هو ابن تيمية؟! حتى ينظر إليه، أو يعوّل في شيء من مورد الدين عليه؟!! وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمّة ـ الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه، وغلطاته كالعزّ بن جماعة ـ : عبدٌ أضلّه اللّه تعالى وأغواه،وألبسه رداء الخزي وأرداه،وبوّأه من قوّة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان. وأوجب له الحرمان،ولقد تصدّى شيخ الإسلام التقي السبكي (قدس سره) المجتمع على اجتهاده وصلاحه وإمامته للردّ عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد، وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب.(1)

7. قال محمد بن عبد الوهاب: تسنّ زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّه لا يشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه.(2)

8. قال الشيخ عبد الرحمن الجزيري في كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة» الذي جمع فيه فتاوى أئمّة المذاهب الأربعة وفقهائهم: زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل المندوبات،وقد ورد فيها أحاديث، ثمّ ذكر أحاديث ستة، وجملة من أدب الزائر وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .(3)

ولم نجد من الفقهاء المعاصرين من أهل السنّة من تصدّى للرد على دعوى الجزيري وإبطالها بالرغم من أهمية هذه الدعوى وحسّاسيتها، ممّا يعرب عن مقبوليتها عند الجميع، وإلاّ لتصدّوا للرد عليه وإبطال ما نسبه إلى أئمّتهم.

9. ومن الذين التحقوا بركب القائلين الشيخ عبد العزيز بن عبداللّه بن باز


1 . الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم:22.
2 . الهدية السنية: الرسالة الثانية.
3 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/590.

(164)

عند إجابته عن الأسئلة حول زيارة المسجد النبوي: الزيارة للمسجد النبوي سنّةوليست واجبة ـ إلى أن قال: ـ و إذا زار المسجد النبوي شرع له أن يصلّي في الروضة ركعتين، ثمّ يسلّم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما شرع له زيارة البقيع والشهداء، بالسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم.(1)

نكتفي بهذا المقدار من كلمات العلماء في هذا المجال، ومن أراد المزيد من التفصيل، فعليه بمراجعة الرسالة التي أفردناها في هذا البحث.(2)


1 . جريدة الجزيرة: العدد6826، 24/ ذي القعدة ـ1411هـ.
2 . انظر «الزيارة في الكتاب والسنّة»:22ـ 42.

(165)

4
زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتاب والسنّة

ألف: زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم

أمر القرآن الكريم المسلمين بالحضور عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليستغفروا اللّه ويطلبوا من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستغفر لهم، لأنّ دعاءه مستجاب فيهم، فقال تعالى:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً).(1)

وفي آية أُخرى نجد القرآن الكريم يذمّ المنافقين، لأنّهم طُلب منهم أن يحضروا عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليستغفر لهم لكنّهم تمرّدوا على هذا الطلب واستكبروا ولم يعيروا له أيّة أهمية. قال تعالى:

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون).(2)


1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.

(166)

وقد بسط المحقّق تقي الدين السبكي ـ أحد كبار محقّقي أهل السنّة ـ الكلام في هذه الآية وذهب إلى أنّ حكمها يشمل المسلمين في الوقت الحاضر أيضاً،ولا تختص الآية بعصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، إذ بإمكان المسلمين أن يأتوا إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطلبوا منه أن يستغفر اللّه لهم. ومن كلامه في هذا المجال قوله: «دلّت الآية على الحثّ على المجيء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والاستغفار عنده واستغفاره لهم،وذلك وإن كان ورد في حال الحياة، فهي رتبة له ولا تنقطع بموته تعظيماً له».

قد ى(1)قال: صحيح انّ الآية المذكورة والآيات الأُخرى نازلة في حقّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لبيان عظمته ومنزلته السامية،ولكن من الناحية الواقعية والعملية أنّ الإتيان إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والاستغفار عنده وطلب الاستغفار منه ممكن في حال حياته، وأمّا بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى أصبح هذا الأمر من الأُمور المتعذّرة التي لا يمكن القيام بها حتّى إذا أراد الإنسان ذلك.

والجواب: انّ الإشكال غير وارد وانّ الحقّ مع العلاّمة السبكي، وذلك لأنّ الدليل على شمولية الآية لحياته ومماته (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينحصر في هذه الآية فقط، بل هناك أدلّة كثيرة تدلّ على أنّ حياته و مماته (صلى الله عليه وآله وسلم) على السواء، ومن هذه الأدلّة:

الأوّل: انّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الموت ليس نهاية الحياة وانعدام الإنسان، بل هو في الواقع نافذة تطل على حياة أُخرى أوسع وأشمل وأفضل من هذه الحياة الدنيا، وانّ الإنسان في ذلك العالم حيّ يسمع ويرى، وخاصة الشهداء الذين ما تسقط منهم قطرة من دمائهم حتّى تتلقّاهم الملائكة بالبشرى والنعيم الدائم واللّذات الروحية التي لا يحصيها إلاّ واهبها، وقد ورد في هذا المجال


1 . شفاء السقام:81.

(167)

العديد من آيات الذكر الحكيم.(1) وهذا ما نبحثه تحت عنوان «الحياة البرزخية» إن شاء اللّه تعالى.

الثاني: انّ الأحاديث الشريفة تصرّح بأنّ الملائكة تبلّغ خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) سلام من يسلّم عليه، فقد جاء في الصحاح:«ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ اللّه عليّ روحي حتّى أردّ (عليه السلام)».(2)

وفي رواية أُخرى: «صلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيثما كنت».(3)

الثالث: لقد أطبق المسلمون ـ وعلى مرّ العصور ـ على السلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلاتهم بقولهم: «السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته» وليس هذا السلام في واقعه أمراً تشريفياً اعتبارياً، بل هو حقيقة واقعية من الحيّ إلى الحيّ الذي يسمع ويجيب.

إنّ هذه الأدلّة التي ذكرناها تحكي بما لا ريب فيه أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حي يرزق، ويعيش الآن حياة برزخية، ولم تنقطع صلته بهذا العالم، وهو على ارتباط به يسمع كلامنا ويلبّي طلبتنا مع توفّر بعض الشروط الخاصة.

من هنا يمكن القول: إنّ الآيتين المذكورتين تدلاّن على مفهوم أوسع، ومعنى أشمل، حيث تطلب تلك الآيات من المؤمنين فعلاً الحضور عند رسول اللّه، وتأمرهم بالاستغفار في حرمه الشريف، وأن يطلبوا منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستغفر اللّه لهم. ولذلك ورد في زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و التي يقرأها الجميع في حرمه الطاهر (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ الالتفات إلى هذه الآية المباركة، حيث نجد الزائرين يتوجّهون إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويطلبون


1 . انظر آل عمران:169، البقرة:154، يس:26ـ 27، وغير ذلك.
2 . سنن أبي داود:1/470ـ 471، كتاب الحجّ، باب زيارة القبور.
3 . التاج الجامع للأُصول في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) :2/189.

(168)

منه الاستغفار لهم ونزول الرحمة عليهم، والتجاوز عمّا صدر عنهم.

وفي الواقع ليست الزيارة إلاّ الحضور عند المزور، وإهداء التحيّة والسلام إليه، وطلب الدعاء منه لا أكثر.

من هنا يمكن أن يستدلّ بالآيتين الشريفتين على استحباب زيارة مرقد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والشاهد على ذلك ما رواه المحدّثون من أنّه وبعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء أعرابي من خارج المدينة،وبعد أن قرأ الآية المباركة(1)، خاطب رسول اللّه بقوله: «وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي».(2)

ولقد أشار السبكي في كلامه السابق إلى نكتة مهمة، وهي: انّ دعوة المسلمين وحثّهم على الحضور عند رسول اللّه وطلب الاستغفار منه، يُعدّ تعظيماً وتكريماً وتبجيلاً له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا ريب أنّ هذا التكريم والتعظيم والتبجيل من قبل المسلمين لا يختص بحياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الدنيوية فقط، بل أنّ ذلك يجري مطلقاً في حياته وبعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ومن هذا المنطلق نجد المفسّرين يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنّ احترام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يختص بزمن حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، بل لابدّ أن يحفظ ذلك حتى بعد وفاته ورحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

بل نجد انّ الآية التي تنهى المسلمين عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باقية على حيويتها واستمراريتها وقوّتها، حيث يقول سبحانه:


1 . النساء:64.
2 . وفاء الوفا:4/1361; الدرر السنيّة:21.

(169)

(يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ).(1)

لذلك نجد المسلمين ملتزمين بهذا الأمر الإلهي، فلا يرفعون صوتهم حينما يتشرّفون بالدخول إلى حضرته المباركة. والملاحظ أنّ هذه الآية المباركة كتبت ـ و بحق ـ فوق ضريحه المبارك أمام أعين الزائرين جميعاً، وهذا العمل له دلالته الواضحة بأنّ هذه الآية باقية على حيويتها وفاعليتها ولم يؤثر على إطلاقها رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه حيّ يرزق،ولابدّ أن يحترم حيّاً أو ميتاً.

ب: زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنّة المطهّرة

لقد تعرّفنا على حكم القرآن الكريم في مسألة زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحان الوقت لعطف عنان القلم على السنّة المطهّرة لنرى حكمها في هذه المسألة أيضاً.

لقد تضافرت الروايات الشريفة على استحباب زيارة قبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) التي رواها أئمّة المذاهب الأربعة وأصحاب السنن والمسانيد في كتبهم. وقد شمّر عدد من علماء المسلمين عن ساعد الجد للبحث في تلك الروايات وتصحيح أسانيدها وإثبات طرقها حينما ظهرت بدعة التشكيك في زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن هؤلاء الأعلام:

1. تقي الدين السبكي (المتوفّى 756هـ) في كتابه«شفاء السقام» فقد أورد خمس عشرة رواية مع ذكر أسانيدها، وقد صحّح كثيراً من أسانيدها.(2)


1 . الحجرات:2.
2 . شفاء السقام:5ـ39.

(170)

2. وقد قام بنفس المهمّة الحافظ نور الدين علي بن أحمد السمهودي (المتوفّى 911هـ) في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» حيث أحصى سبعة عشر حديثاً من غير ما ورد في ذلك المجال، ولم يشتمل على لفظ «الزيارة».(1)

ثمّ إنّه قام بنفس ما قام به الإمام السبكي من تصحيح للأسناد، وذكر لمصادر الروايات على وجه بديع.

3. كذلك قام الكاتب الإسلامي الشيخ محمد الفقي ـ من علماء الأزهر الشريف ـ بجمع ما ورد من الأحاديث في خصوص زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأورد اثنين وعشرين حديثاً من دون تحقيق للأسناد.(2)

4. كما بذل العلاّمة الأميني جهوداً مشكورة في هذا المجال في متابعة المصادر الحديثية وغيرها وتتبّع الروايات في مظانّها في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، وربّما نقل الأحاديث، كالحديث الأوّل عن واحد وأربعين مصدراً.(3)

ونكتفي هنا بنقل بعض الأحاديث التي أوردها (قدس سره) ، لأنّ استقصاء جميع تلك الروايات لا ينسجم مع حجم هذا الكتاب، ومن أراد التفصيل عليه بمراجعة المصدر المذكور.

الحديث الأوّل

روى الدارقطني في سننه بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من زار قبري وجبت له شفاعتي».(4)


1 . وفاء الوفا:4/1336ـ 1348.
2 . التوسل والزيارة في الشريعة الإسلامية:48ـ 50.
3 . الغدير:5/93ـ96.
4 . سنن الدارقطني:2/278، باب المواقيت، الحديث194.

(171)

الحديث الثاني

روى الطبراني في «المعجم الكبير» والغزالي في «إحياء العلوم» عن عبد اللّه ابن عمر مرفوعاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».(1)

الحديث الثالث: أخرج الدارقطني عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي، فكأنّما زارني في حياتي».(2)

الحديث الرابع: وأخرج الدارقطني أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي».(3)

نكتفي بهذا القبس من الروايات والأحاديث الكثيرة الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ونعطف عنان القلم لنقل بعض الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة في هذا المجال.

زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على لسان العترة الطاهرة (عليهم السلام)

تضافر الحديث عن العترة الطاهرة حول زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نقتبس منه ما يلي:


1 . إحياء العلوم:1/306. وفيه:«لا يهمّه إلاّ زيارتي».
2 . سنن الدارقطني:2/278، باب المواقيت، الحديث192. ورواه البيهقي في السنن: 5/246; والسبكي في شفاء السقام:21; والسمهودي في وفاء الوفا:4/1340; كما أخرجه العلاّمة الأميني عن 25 مصدراً، في الغدير:5/98.
3 . سنن الدارقطني: 2/287، الحديث193; شفاء السقام:23; وفاء الوفا:4/1344; الغدير:5/101، أخرجه الأميني عن 13مصدراً.

(172)

1. روى الحميري (المتوفّى 299هـ)... عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :«من زارني حيّاً وميّتاً، كنت له شفيعاً يوم القيامة».(1)

2. روى الصدوق(306ـ381هـ) بسنده عن الإمام علي(عليه السلام) قال: «أتمّوا برسول اللّه حجّكم إذا خرجتم إلى بيت اللّه; فإنّ تركه جفاء، وبذلك أُمرتم، وأتمّوا بالقبور التي ألزمكم اللّه زيارتها وحقّها».(2)

3. وروى الصدوق أيضاً عن إبراهيم بن أبي حجر الأسلمي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أتى مكة حاجّاً ولم يزرني إلى المدينة، جفوته يوم القيامة; ومن جاءني زائراً، وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة».(3)

4. روى ابن قولويه بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة».(4)

ومن أمعن النظر في هذه الروايات يجد اتّفاق الفريقين على استحباب زيارة قبر النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل يجد انّ الاتّفاق بلغ حدّاً انّها اتحدت في بعض الأحيان مضموناً ولفظاً، منها:

ألف: من حجّ البيت ولم يزر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد جفاه.

ب: من زار قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وجبت له شفاعته.

نكتفي بذكر هذه الروايات الثمانية: أربعة منها من طرق العامّة، والأربعة


1 . قرب الاسناد:31; البحار:97/139.
2 . الخصال:2/406; البحار:97/139.
3 . علل الشرائع:460; البحار:97/140.
4 . كامل الزيارات:12; البحار:97/142.

(173)

الثانية عن طريق العترة الطاهرة، ومن رام التفصيل فعليه بمراجعة المصادر التي جمعت تلك الروايات الكثيرة.

مناظرة الإمام مالك مع المنصور الدوانيقي

نقل القاضي عياض المناظرة التي جرت بين أبي جعفر المنصور الدوانيقي والإمام مالك فقال: حدّثنا ابن حميد، قال: ناظر أبو جعفر ـ يعني المنصور ـ مالكاً في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإنّ اللّه تعالى أدّب قوماً فقال:

(لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ).(1)

ومدح قوماً فقال:

(إِنَّ الّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى).(2)

وذم قوماً فقال:

(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ).(3)

ثمّ أضاف الإمام مالك:

وإنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً . فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد اللّه استقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟


1 . الحجرات:2.
2 . الحجرات:3.
3 . الحجرات:4.

(174)

فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم(عليه السلام) إلى اللّه يوم القيامة؟! بل استقبله واستشفع به فيشفّعه اللّه، قال اللّه تعالى:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول)(1).(2)

زيارة القبور وحفظ الأصالة والقيم

لقد ركّزنا في بحوثنا السابقة على اعتماد الروايات الواردة عن طريق أهل السنّة وأغمضنا النظر عن الروايات الواردة عن طريق أهل بيت العصمة والطهارة رغم كثرتها،وذلك لأغراض منهجّية وإلزاماً للخصم باعتماد مصادره وما يسلّم به ليكون في ذلك دحضاً لحجته، وإبطالاً لمدّعاه.

ونحن إذا راجعنا المصادر الحديثية الشيعية يتّضح لنا وبجلاء أنّ مسألة زيارة القبور عامّة وزيارة قبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسلّمات المذهب الشيعي، بل قد صنّف بعض علماء الإمامية كتباً كثيرة تحت عنوان «المزار»، ومن أبرز هذه المصنّفات كتاب «كامل الزيارات» للشيخ جعفر بن محمد بن قولويه (المتوفّى 367هـ).

من هنا نؤكّد على نقطة مهمة وهي: انّ حفظ القيم والأصالة الإسلامية هي إحدى مهامّنا الأساسية، ونقصد بذلك الأُمور التي تحكي عن الواقع الإسلامي وتؤمّن استمراريته على مرّ العصور.

فمن المعروف أنّ الدين الإسلامي هو خاتم الأديان السماوية، وهو أكمل


1 . النساء:64.
2 . الشفاء:2/41، الفصل التاسع.

(175)

دين وأفضل تشريع نزل إلى الأرض، وقد شاءت الإرادة الإلهية أن تكون هذه الشريعة هي الحلقة الأخيرة التي تتصل بقيام الساعة ونهاية العالم. وبما أنّ الفاصلة الزمنية بين نزول الرسالة المحمدية وقيام الساعة فاصلة طويلة ولا يعلم مداها إلاّ اللّه سبحانه وتعالى، وانّ الكثير من الأجيال التي سوف تأتي تقع بيننا و بين قيام الساعة، الأمر الذي يفرض علينا أن ننقل تلك الأمانة إلى الأجيال القادمة بدقة، وأن نحفظها من كلّ ما يشينها، أو يؤثر عليها من عوامل التحريف والتلاعب.

ولا ريب انّ زيارة قبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) والصالحين من عباده يُعدّ نوعاً من أنواع الحفاظ على الأصالة والقيم. وفي تركها سوف تحرم الأُمّة وعلى مرور الأيّام من البركات والنعم الكثيرة الناتجة من ذلك العمل، إلى درجة قد يصل الأمر أن تأتي بعض الأجيال تعتبر تلك الشخصيات العظيمة شخصيات وهمية لا أساس لوجودها أبداً.

والشاهد الحي على هذا الادّعاء هو أنّ المسلمين ـ وتبعاً للقرآن الكريم ـ يجدون أنّ شخصية السيد المسيح(عليه السلام)شخصية حقيقية ولها دورها الفاعل في حقبة من الزمن، وأنّه كان يمثّل حلقة مهمّة من حلقات سلسلة الرسالات السماوية. ولكن ـ و للأسف ـ نجد الكثير من الشباب الغربي ينظر إلى هذه الشخصية بارتياب وشك، ويعتبرها شخصية أُسطورية صنعتها يد الإنسان، وممّا لا ريب فيه أنّ العامل الأساسي الذي أدّى إلى ظهور هذه الحالة المؤلمة في أوساط الشباب الغربي، هو أنّ هذا الشباب قد جال ببصره وحرّك ذهنه وتحرّى آثار هذه الشخصية فلم يجد لها أثراً ملموساً: فلا أثر لكتابه السماوي الحقيقي الذي نزل عليه، ولا أثر له أو لأُمّه أو لحوارييه من قبر أو مسجد أو....


(176)

ومن هنا نقول: إنّ تعطيل الزيارة، وعدم الاهتمام بالآثار المحسوسة، وعدم الاهتمام بصيانتها في أوساط المجتمع الإسلامي، سوف تؤدي بالشباب المسلم إلى نفس النتيجة التي وصل إليها الشباب الغربي. وهذا أمرٌ خطير جداً لا تحمد عقباه أبداً.

من هنا ينبغي على جميع المسلمين التصدّي إلى هذا الخطر، والوقوف أمام هذا الانحراف من خلال المحافظة على جميع الآثار وصيانتها من عوادي الدهر وأيدي العابثين والمنحرفين، والحفاظ على تلك المراقد الطاهرة والآثار الشريفة حيّة شامخة على مرّ العصور والأيام، لتكون بمثابة الباب الذي تدخل من خلاله سحب الرحمة الإلهية والنافذة التي تعرج من خلالها الأرواح المؤمنة من أجل الالتقاء بالأرواح الطاهرة للرسول الأكرم والأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين، وأرواح الصالحين من عباد اللّه المخلصين.

وسيأتي إن شاء اللّه الحديث عن ذلك بصورة مفصّلة في بحث «صيانة الآثار الإسلامية».


(177)

الفصل السابع

شدّ الرحال إلى زيارة
مرقد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)


(178)


(179)

لقد أثبتنا في البحث السابق أنّ زيارة قبور المسلمين مطلقاً وزيارة القبر الطاهر للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من المستحبّات المؤكّدة في الشريعة الإسلامية، حيث روى المحدّثون ـ الشيعة والسنّة ـ روايات كثيرة في استحباب زيارة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد نقلنا قسماً منها في الفصل السابق. ثمّ إنّ علماء الإسلام قد تسالموا على استحباب زيارة مرقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يشك في ذلك أحدٌ أبداً، بل حتى محمد بن عبد الوهاب ـ الذي يمثّل محور إثارة الشبهات في العقائد الإسلامية ـ نجده هو الآخر لم يختر الصمت في هذه القضية الحسّاسة، بل صرّح باستحباب زيارة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)

ومع الالتفات إلى هذا الاستحباب يمكن تقسيم المسلمين بالنسبة إلى هذه الهبة الإلهية إلى طائفتين، هما:

1. سكان المدينة المنوّرة

من الواضح أنّ سكّان المدينة المنوّرة ينهلون من هذا النبع الإلهي ، ويغرفون من هذا البحر الزاخر، ويتزوّدون بأنواع النعم والآثار المعنوية والفيض الإلهي النازل على تلك الروضة المطهّرة لقبره الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) من دون بذل عناء أو جهد، ويؤدّون هذا العمل المستحب من دون مشقّة أو تعب وعناء.


1 . انظر كلمته التي نقلناها في ص 164.

(180)

2. سكّان سائر البلاد الإسلامية

أمّا سكّان البلاد والمدن الإسلامية الأُخرى فعليهم إذا أرادوا التوجّه إلى قبلة نفوسهم وحبيب قلوبهم ومهوى أفئدتهم، والسلام عليه، أن يقطعوا الفيافي، ويعانوا المتاعب، ويتحمّلوا وعثاء السفر، ومصاعب الطريق خاصة في العصور القديمة التي كانت فيها وسائط النقل بدائية أو معدومة أساساً.

ومن هنا يطرح التساؤل التالي نفسه: ما هو حكم هذا السفر وشدّ الرحال من وجهة النظر الشرعية؟

والجواب: إذا كانت زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً مطلوباً وعملاً مستحبّاً كما دلّت عليه الروايات المتضافرة والسيرة القطعية، يكون شدّ الرحال الذي هو بمنزلة المقدّمة أمراً مستحبّاً، بناءً على الملازمة بين استحباب الشيء واستحباب مقدّمته(1) كما عليه أكثر الأُصوليين.

نعم، ذهب بعض الأُصوليين إلى عدم الملازمة، ولكنّهم متّفقون على لزوم كون المقدّمة مباحة لا محرّمة، لاستلزامه التناقض في التشريع، حيث لا يعقل البعث إلى أمر، مع المنع عمّا يوصل المكلّف إليه، وعلى كلّ تقدير لا يصحّ تحريم السفر مع افتراض كون الزيارة أمراً راجحاً، وفعلاً مستحباً، فلا محيص من القول باستحبابه، أو إباحته، ولا تجتمع حرمة المقدّمة مع استحباب ذيها.

ولقد حدّثنا التاريخ الإسلامي أنّ سيرة المسلمين كانت قائمة ـ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على شدّ الرحال، والتوجّه إلى زيارة


1 . ذهب بعض المحقّقين إلى أنّ مقدّمة الأمر المستحب مستحبة أيضاً، وقد استدلّوا على ذلك بالآية 100 من سورة النساء،والآيات 120ـ 121 من سورة التوبة.

(181)

النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذكر لنا التاريخ نماذج من تلك الزيارات والتي قام بها الصحابة وغيرهم، نذكر القليل منها:

1. بلال مؤذّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يشدّ الرحال للزيارة

روى ابن عساكر باسناده عن أبي الدرداء، قال: لمّا فرغ عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى الجابيّة، سأله بلال أن يقرّه بالشام ففعل ذلك ـ إلى أن قال ـ : ثمّ إنّ بلالاً رأى في منامه رسول اللّه وهو يقول:«ما هذه الجفوة يا بلال، أمّا آن لك أن تزورني يا بلال»، فانتبه حزيناً خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين() فجعل يُضمّهما ويقبّلهما، فقالا له: «نشتهي أذانك الذي كنت تؤذّن به لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد»، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: اللّهُ أكبر، اللّهُ أكبر ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال: رسول اللّه، خرجت العواتق من خدورهنّ، وقالوا: بُعِثَ رسول اللّه. فما رُئي يوم أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول اللّه من ذلك اليوم.(1)

2. عمر بن عبد العزيز يبعث البريد للسلام على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

استفاض الخبر أنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي السلام ثمّ يرجع وقال ابن الجوزي: وكان عمر بن


1 . مختصر تاريخ دمشق:5/265; تهذيب الكمال:4/289.

(182)

عبد العزيز يبرد البريد من الشام يقول: سلّم لي على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)

3. عمر بن الخطاب يطلب من كعب السفر للزيارة

روى الواقدي في «فتوح الشام»: انّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس، وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة، وتزور قبر النبي وتتمتّع بزيارته؟ فقال لعمر: يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك. ولمّا قدم عمر المدينة، أوّل ما بدأ بالمسجد وسلّم على رسول اللّه.(2)

وفي الحقيقة نحن لسنا بحاجة إلى ذكر هذه النماذج الجزئية بعد أن أطبق المسلمون على طول القرون الأربعة عشر الماضية على جواز السفر، وأثبتوا صحّة ذلك، وقاموا بذلك بصورة عملية حيث كانت ولا تزال تسير الوفود والقوافل الكبيرة منطلقة من أقصى المناطق ومن كلّ فج عميق باتجاه المدينة المنوّرة للتشرّف بزيارة النبي الأكرم والانتهال من نمير فيضه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجديد العهد معه.

وهذا هو الإمام السبكي يذكر سيرة المسلمين في أيام الحجّ، ويقول: إنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومنهم من يفعل ذلك قبل الحجّ، هكذا شاهدنا وشاهده مَن قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه، وإن لم يكن في طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الأموال،


1 . مثير الغرم الساكن إلى أشرف الأماكن:2/297.
2 . فتوح الشام:1/244.

(183)

ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مرّ السّنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، وكلّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى اللّه عزّ وجلّ، ومن تأخّر عنه من المسلمين فإنّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير، مع تأسّفه وودّه لو تيسّر له. ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطئ.

ومن نازع في ذلك وقال: فإنّهم يقصدون من سفرهم زيارة المسجد، لا زيارة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلم ينصف وكابر في أمر بديهي. فإنّ الناس من حين يعرجون إلى طريق المدينة، لا يخطر ببالهم غير الزيارة من القربات إلاّ قليلاً منهم، وغرضهم الأعظم هو الزيارة، ولو لم يكن ربّما لم يسافروا، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسر إتيانه، وليس الصلاة فيه بأقل ثواباً من الصلاة في مسجد النبي.(1)

أدلّة القائلين بحرمة شدّ الرحال

كان هذا هو الموقف من الزيارة وشدّ الرحال إليها إلى نهاية القرن السابع حيث كان العلماء مطبقون على إباحة النفر وشدّ الرحال إلى الزيارة، وإن لم يكن ذلك أمراً مستحباً فهو على أقل تقدير أمر مباح ولا يمكن تطرّق الحرمة إليه، ولكن في أوائل القرن الثامن تمسّك ابن تيمية بحديث مروي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتمده دليلاً على الحرمة، مخالفاً بذلك إجماع علماء المسلمين.


1 . شفاء السقام:100ـ 101.

(184)

إنّ الرواية التي تمسّك بها ابن تيميّة نقلت بثلاث صور، والمناسب لما يرومه ابن تيمية في التحريم الصورتان التاليتان:

1. «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى».(1)

2. «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا».(2)

ولقد تمسّك ابن تيمية بهذا الحديث مدّعياً أنّه يجوز السفر إلى هذه المساجد الثلاثة فقط لأداء المراسم العبادية، وأمّا زيارة قبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فغير داخلة تحت هذه الموارد الثلاثة.

وهذا الاستدلال من الوهن بمكان، بحيث إنّ أدنى تأمّل فيه يهدمه من الأساس، ومن هنا سنحاول تحليل الحديث ودراسته لبيان مدى وهن هذا الاستدلال وضعفه فنقول:

إنّ تحليل الحديث يتوقف على تعيين المستثنى منه، وهو لا يخلو من إحدى صورتين:

1. لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد....

2. لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد....

فلو كان المراد الصورة الأُولى كما هو الظاهر، كان معنى الحديث النهي عن


1 . صحيح مسلم:4/126، باب لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، من كتاب الحجّ، والصورة الثالثة للحديث: «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد» صحيح مسلم:4/126. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الصيغة الثالثة لا تدعم ما يرومه ابن تيمية، وذلك لأنّ إثبات جواز السفر إلى هذه المساجد الثلاثة، لا يلازم تحريم السفر إلى غيرها.
2 . صحيح مسلم:4/126، باب لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، من كتاب الحجّ، والصورة الثالثة للحديث: «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد» صحيح مسلم:4/126. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الصيغة الثالثة لا تدعم ما يرومه ابن تيمية، وذلك لأنّ إثبات جواز السفر إلى هذه المساجد الثلاثة، لا يلازم تحريم السفر إلى غيرها.

(185)

شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أيّ مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشدّ الرحال لزيارة الأنبياء والأئمّة الطاهرين والصالحين،لأنّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شدّ الرحال إلى غير المساجد باطل.

وأمّا الصورة الثانية: فلا يمكن الأخذ بها،إذ يلزم منها كون جميع السفرات محرّمة، سواء كان السفر لأجل زيارة المسجد أو غيره من الأمكنة، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.

ثمّ إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.

وفي هذا الصدد يقول الغزالي: القسم الثاني وهو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد... ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء (عليهم السلام) ، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء. وكلّ من يُتبرك بمشاهدته في حياته يُتبرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد; فإنّها متماثلة(في الفضيلة)بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان


(186)

يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه.(1)

يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى، لأجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى، أو زيادة ثواب; لأنّها في الثواب سواء بخلاف الثلاثة، لأنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي مسجد النبوي بألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة، فزيادة الثواب تُحبِّب السفر إليها،وهي غير موجودة في بقية المساجد.(2)

والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً، ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول اللّه يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين».(3)

ولعلّ استمرار النبيّ على هذا العمل كان مقترناً بمصلحة تدفعه إلى السفر إلى قبا والصلاة فيه مع كون الصلاة فيه أقل ثواباً من الصلاة في مسجده.

زيارة المساجد السبعة

تتوزّع في المدينة المنورة مجموعة من المساجد يطلق عليها«المساجد السبعة» وإذا أضفنا إليها كلاً من «مسجد ردّ الشمس» و «مسجد بلال» و«مسجد الإجابة» يزداد العدد إلى أكثر من ذلك، وهذه المساجد يقصدها الحاج لزيارتها والصلاة فيها وخاصة «مسجد الإمام علي(عليه السلام)»، وحينئذ يطرح السؤال


1 . إحياء علوم الدين2/247، كتاب آداب السفر.
2 . البدعة:60.
3 . صحيح مسلم:4/127; صحيح البخاري:2/76; سنن النسائي:2/137، المطبوع مع شرح السيوطي.

(187)

التالي نفسه وهو: إذا كان ثواب الصلاة في هذه المساجد لا يزيد على الصلاة في المساجد الأُخرى المتوزعة في البلاد الإسلامية، فلماذا يقصد الحاج تلك المساجد للزيارة والصلاة فيها؟!

ثمّ إنّه إذا لم يكن قد ورد أمر من الشارع المقدّس بالتوجّه إلى تلك المساجد والصلاة فيها ألا يُعدّ ذلك «بدعة» يجب الاجتناب عنها؟

والجواب: في الحقيقة أنّ الهدف من السفر إلى هذه المساجد لا ينطلق من كون الشارع المقدّس قد أمر بالتوجّه إليها، أو أنّ الصلاة فيها أكثر ثواباً من غيرها، بل الهدف منه أحد أمرين، هما:

1. إحياء ذكرى مسلمي صدر الإسلام الذين شيّدوا هذه المساجد في أحلك الظروف وأقساها،و أسّسوها في الوقت الذي كانت معركة الأحزاب «الخندق» قائمة بين المسلمين والأحزاب، بل أنّ بعض هذه المساجد بُني في مواقع النزال بين المسلمين وبين مشركي مكة من جهـة وبينهم وبين اليهـود من جهة أُخرى، وفي تلك الظروف الحالكة التـي تمكّن فيهـا المسلمون مـن قتـل بطل جيش الأحزاب وقائدهم المشهور «عمرو بن عبدود» على يد علي بن أبي طالب (عليه السلام) الأمر الذي سجّل منعطفاً تاريخياً مهماً في القضاء على حكومة الشرك والطغيان واجتثاث جذور شجرة الشرك والوثنية.

ولا ريب أنّ الحضور في هذه المساجد يُعيد إلى الأذهان تلك المواقف البطولية المشرّفة والباسلة التي سطّرها رجال الإسلام وعلى رأسهم سيّد الوصيين(عليه السلام)، كما يعتبر ذلك تجديداً للعهد مع أُولئك الرجال العظام ومع مبادئهم السامية التي دافعوا عنها بكلّ قوّة وبذلوا من أجلها الغالي والنفيس.

2. يمكن أن تكون الزيارة بقصد التبرّك بتلك البقاع المقدّسة التي أُريقت


(188)

عليها دماء رجال التوحيد وشهدائه. كما أنّ هذه البقاع قد شهدت أجمل صور البطولة والفداء والثبات على المبادئ الصور التي رسمتها ريشة شهداء الحق وأبطال التوحيد، بالإضافة إلى ذلك أنّ هذه المساجد المقدّسة كانت مأوى النفوس الزكية والأرواح الطاهرة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيّد الوصيين والصحابة الميامين.

إنّ هذين الأمرين هما اللّذان يجذبان الحاج إلى تلك المساجد المقدّسة للزيارة والصلاة فيها، وهكذا الأمر يجري في زيارة أرض «خيبر» و «فدك» وغيرها من المناطق المشرّفة.

وأمّا ما يتعلّق بالصلاة فيها فلا ريب أنّه يُعدّ امتثالاً لأمر عام صادر من الشارع المقدّس باستحباب الصلاة ركعتين عند دخول أيّ مسجد، ويطلق على هاتين الركعتين عنوان «تحيّة المسجد»، ومن الواضح أنّ هذه المساجد غير مستثناة من هذا الاستحباب العام. من هنا نعلم أنّ الحاج لا ينطلق من زيارته لتلك المساجد من الاعتقاد بوجود أمر خاص باستحباب الصلاة فيها بالخصوص، بل إنّما ينطلق إليها بسبب أحد العاملين السابقين، وأمّا الصلاة فإنّه يأتي بها امتثالاً للاستحباب العام الوارد في مطلق المساجد، فلا يُعدّ ذلك العمل بدعة أبداً.


(189)

الفصل الثامن

صيانة الآثار الإسلامية وقبور الصالحين


(190)


(191)

الأُمم الحيّة المهتمة بتاريخها تسعى وبكلّ جهد إلى صيانة آثارها التاريخية ـ التي لهاـ صلة بماضيها ـ من عوادي الدهر وتقلّبات الزمن، ليكون ذلك آية لأصالتها وعراقتها في العلوم والفنون، ودليلاً على جذورها التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ البشري.

وقد دعت تلك الغاية السامية الأُمم والشعوب إلى تأسيس دوائر ومؤسّسات خاصة تتكفّل بحفظ التراث و الآثار، يعمل فيها كبار المتخصّصين والمهرة في هذا الفن، فلا يفرّطون في أيّ أثر مهما كان حجمه، سواء كان ورقة مخطوطة، أو إناءً مزخرفاً، أو أثراً منقوشاً على الحجر، أو منارة، أو بناية، أو حصناً ، أو قبراً لأحد شخصياتهم وأبطالهم الذين لعبوا دوراً في بناء هذا التراث وإدارة الأُمّة، إلى حد ينفقون في سبيل ذلك أموالاً طائلة وجهوداً حثيثة، أضف إلى ذلك أنّهم ينظرون إلى رجالهم وشخصياتهم وأسلافهم بأنّها تمثّل «التاريخ المجسّم» للأُمّة، وأنّهم بمنزلة«الهوية الشعبية» لتلك الأُمّة، لأنّ الأُمّة التي تنفصل عن جذورها التاريخية ورجالها العظام كالطفل الذي يفقد أبويه فلا يدري إلى أيّ أصل يعود.

ولا ريب أنّ الحضارة الإسلامية حضارة واسعة لها جذورها التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ، ولقد كانت هذه الحضارة ـ في فترات تاريخية ـ صاحبة الكلمة الأُولى بين شعوب العالم حيث استطاع المسلمون ـ اقتداءً بالتعاليم والقيم


(192)

الإسلامية الراقية ـ أن يشيّدوا أُسس حضارة عملاقة لا مثيل لها بلغت أوجها في القرنين الرابع والخامس الهجريّين، وامتدت ذراعها شرق الأرض وغربها. والشاهد الحي على تلك الحضارة العملاقة «تاج محل» في الهند، والعمارات العملاقة في «إسبانيا» و قد استطاعت هذه المدنية أن تهيمن ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ على الكثير من البقاع والشعوب في العالم.

يعتقد المحقّقون الغربيون أنّ الحضارة والمدنية الإسلامية قد نفذت إلى أُوروبا عن طريق الأندلس والحروب الصليبية، وكان لهذا النفوذ أثره الفاعل في النهضة الأُوروبية والتطوّر الغربي.

ثمّ إنّ الحضارة الإسلامية بدأت مع بعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بل مع ولادته الشريفة باعتبار ما ـ واستمرت هذه الحضارة والمدنية على يد أتباعه والسائرين على نهجه المبارك الذين بذلوا جهوداً جبارة في هذا المجال على طول القرون الماضية.

إنّ الآثار والأبنية المتعلّقة بشخص الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه الأوفياء،هي جزء من التراث العام للحضارة الإسلامية الكبرى، وليست هي ملكاً لشخص أو فئة بحيث يحق له التصرّف في هذا التراث كما يحلو له، بل هي ملك العالم الإسلامي بأسره ـ بل هي ملك للإنسانية عامّة ـ فلا يحق لأيّ حكومة أن تتصرف في هذا التراث العظيم بمعزل عن باقي المسلمين فتقوم بهدم وإزالة هذه الآثار المهمة تحت ذريعة الحفاظ على التوحيد الخالص!!

ولقد نقل لنا التاريخ الإسلامي وقائع ومنعطفات حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتابع ذلك بدقة وإمعان، فولادته كانت في عام 570م، وبعث وهو في سن الأربعين من عمره الشريف وبعد أن قضى 13 عاماً في مكة المكرمة في التبليغ


(193)

والدعوة، شدّ الرحال مهاجراً إلى المدينة المنوّرة حيث قضى فيها عشر سنين من عمره المبارك جاهد خلالها المشركين وعبدة الأوثان، وقدّم خلال هذه النهضة والحركة خيرة القرابين، وسفكت في سبيل إعلاء كلمة التوحيد أزكى الدماء حتى تمكّن في النهاية أن ينشر راية الإسلام خفاقة على ربوع الجزيرة العربية، وفي السنة الحادية عشرة التحق بالرفيق الأعلى ملبّياً نداء ربّه، إلاّ أنّ برحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تسقط راية الإسلام، بل استمرت خفاقة وانتشرت الرسالة الإسلامية خارج الجزيرة العربية في شتّى بلاد العالم.

إنّ الآثار التي تتعلّق بحياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهاده هو وأهل بيته وأصحابه الميامين تمثّل اللبنة الأساسية للحضارة الإسلامية، ولابدّ أن ينظر إليها بأنّها رمز الأصالة الإسلامية، التي ينبغي بذل الجهود في الحفاظ عليها وصيانتها من كلّ خطر يحيق بها.

قبور الصالحين رمز أصالة التاريخ الإسلامي

ينبغي التنبيه إلى نقطة جديرة بالاهتمام وهي: انّ كلّ واقعة أو أي حادثة من الحوادث تُعدّ في الأيام الأُولى لوقوعها من الحقائق القطعية لدى المعاصرين لها، ولكنّها مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال تفقد تلك الواقعة قطعيتها، بصورة تدريجيّة بنحو يلقي الشك والترديد ظلاله عليها إلى درجة قد تصل الحالة إلى أن تعتبر أُسطورة خيالية في نظر بعض الأجيال.

ولا شكّ انّ الحوادث والوقائع التاريخية غير مستثناة من هذه الحالة، فبالرغم من قطعيتها ووضوحها في الأيام الأُولى، ولكنّها قد تصل إذا أُهملت ولم تلق عناية خاصة إلى أن تصبح أُسطورة تاريخية في نظر الأجيال القادمة.


(194)

بل انّ تكرار هذا الخطر وتلك الفاجعة في الحضارة الإسلامية أخطر من غيرها، وذلك باعتبار أنّ الرسالة الإسلامية هي خاتمة الرسالات، وهي الرسالة الخالدة التي تسير مع الإنسان وترسم له طريقه إلى يوم القيامة، ولا شكّ أنّ الأجيال القادمة انّما تتبع هذه الرسالة، وتنهل من نميرها العذب إذا كانت تلك الأجيال على يقين من أحقية تلك الرسالة وعلى علم بواقعيتها وأصالتها، وممّا لا ريب فيه أنّ أحد العوامل الفاعلة والمهمة في ثبوت «قطعية» الرسالة وأصالتها، وتحكيم جذورها التاريخية، تكمن في الحفاظ على الآثار المتعلّقة بتاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهاده وقيادته وحركته في المجتمع.

فصيانة هذه الآثار على وجه الإطلاق تضفي على الشريعة في نظر غير معتنقيها واقعية وحقيقة، وتزيل عن وجهها أيّ ريب أو شك في صحّة البعثة والدعوة، وجهاد الأُمّة ونضال المؤمنين.

ولقد بذل علماؤنا وسلفنا الصالح رحمهمُ اللّه جهوداً جبارة ومساعي مشكورة في مجال الحفاظ على ذلك التراث المهم، وأوصلوا الأمانة سالمة إلى الأجيال اللاحقة، وبذلك قدّموا خدمات عظيمة للأجيال من خلال ذلك العمل الرائع المتمثّل في صيانة الآثار وحفظها، ممّا كان له أثره الفاعل في النظر إلى الدين الإسلامي نظرة واقعية، وإلى الشخصيات الإسلامية نظرة قطعية لا ريب ولا تردّد فيها أبداً.

من هنا يستطيع المسلمون أن يتحدّثوا عن دينهم ويدعو الناس إليه بقوّة واطمئنان تامّين، فهم يواجهون العالم مرفوعي الرأس ويقولون: أيّها الناس لقد بعث رجل في أرض الحجاز قبل 1400سنة لقيادة المجتمع البشري، وقد حقّق نجاحاً باهراً في مهمته التي استمرت 23 عاماً موزّعة على مرحلتين: 13 عاماً منها في مكة، وعشرة منها في المدينة، وهذه آثار حياته محفوظة تماماً في مكة والمدينة،


(195)

فهذه الدار التي ولد فيها، وهذا مسجده، وهذا البيت الذي دفن فيه، وهذه بيوت زوجاته، وهذا غار حراء الذي كان يتعبّد به والذي هبط الوحي عليه فيه وهو في سن الأربعين من عمره الشريف، ومنه بدأت حركة الرسالة الإسلامية، ف آمنت به طائفة وكفرت أُخرى، وقد واجه في طريق الدعوة أشدّ المصاعب في مكة ممّا اضطره للهجرة إلى المدينة، وفي طريق هجرته لجأ إلى «غار ثور» في جنوب مكة، وبعد أن أمن الطلب توجّه صوب المدينة مهاجراً ليستقبله الأوس والخزرج، ويؤسّس هناك نواة الحكومة الإسلامية الجديدة.

وقد خاض (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك الفترة من حياته الشريفة معارك ضارية مع المشركين واليهود، قدّم خلالها قافلة من الشهداء في بدر وأُحد وخيبر وحنين، كما قام (صلى الله عليه وآله وسلم) بإرسال المبلّغين إلى سائر أراضي الجزيرة العربية داعين الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك والوثنية، وبعد أن أتمّ رسالته وأدّى مهمته على أحسن وجه، لبّى نداء ربّه في السنة الحادية عشرة من هجرته الشريفة، وقد استلم الراية التي رفعها أهل بيته وأنصاره وأصحابه، وساروا على النهج الذي سار عليه ونشروا مفاهيم القرآن وقيمه في أرجاء المعمورة.

والآن، إذا قضينا على هذه الآثار، فقد قضينا على معالم وجوده (صلى الله عليه وآله وسلم) ودلائل أصالته وحقيقته، ومهّدنا السبيل لأعداء الإسلام ليقولوا ما يريدون.

إنّ هدم آثار النبوة وآثار أهل بيت العصمة والطهارة لا يُعد إساءة إليهم (عليهم السلام) وهتكاً لحرمتهم فقط، بل هو إعداء سافر على أصالة نبوّة خاتم الأنبياء ومعالم دينه القويم. إنّ رسالة الإسلام رسالة خالدة أبدية وسوف يبقى الإسلام ديناً للبشرية جمعاء إلى يوم القيامة، ولابدّ للأجيال القادمة ـ على طول الزمن ـ أن


(196)

تعترف بأصالتها وتؤمن بقداستها. ولأجل تحقيق هذا الهدف يجب أن نحافظ ـ دائماً ـ على آثار صاحب الرسالة المحمدية (صلى الله عليه وآله وسلم) لكي نكون قد خطونا خطوة في سبيل استمرارية هذا الدين وبقائه على مدى العصور القادمة، حتّى لا يشكّك أحد في وجود نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) كما شكّكوا في وجود النبي عيسى(عليه السلام).

لقد اهتمّ المسلمون اهتماماً كبيراً بشأن آثار النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته وسلوكه، حتّى أنّهم سجّلوا دقائق أُموره وخصائص حياته ومميّزات شخصيته، وكلّ ما يرتبط به كخاتمه، وحذائه، وسواكه، وسيفه، ودرعه، ورمحه، وجواده، وإبله، وغلامه، حتّى الآبار التي شرب منها الماء، والأراضي التي أوقفها لوجه اللّه سبحانه، والطعام المفضّل لديه، بل وكيفية مشيته وأكله وشربه، ومايرتبط بلحيته المقدّسة وخضابه لها،وغير ذلك،ولا زالت آثار البعض منها باقية إلى يومنا هذا.(1)

الاتّعاظ بالتاريخ

إنّ الإنسان يسعى دائماً إلى النظر إلى الأُمور من نافذة الحسّ، وذلك لأنّه يطمئن إلى العلوم الناتجة من الأُمور المحسوسة أكثر من غيرها، وإنّ من أفضل التجارب والمختبرات التي يمكن الركون إليها في مجال القضايا التاريخية والاجتماعية هو الانطلاق من بوتقة التجارب التاريخية، وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعنى في سورة يوسف حيث قال تعالى:

(لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولي الأَلْبابِ ما كانَ حديثاً يُفْترى


1 . حول هذا الموضوع راجع الطبقات الكبرى لابن سعد:1/360ـ 503.

(197)

وَلكِنْ تَصدِيقَ الّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).(1)

هذا، وإذا استعرضنا تاريخ الشرائع السماوية نجد في تاريخ السيد المسيح(عليه السلام) خير شاهد على ما نذهب إليه، فمن المسلّم به أنّ الإنسان المسلم ـ وتبعاً للقرآن الكريم والسنّة المطهّرة ـ يذعن بوجود السيد المسيح(عليه السلام)، ويعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ هذه الشخصية تمثّل حلقة من سلسلة الرسالات والنبوّات الطويلة، وأنّ للسيد المسيح وجوداً حقيقياً و دوراً فاعلاً في تاريخ البشرية عامّة وتاريخ الرسالات خاصة، حيث جاء بتعاليم وإرشادات ودساتير سماوية من خلال كتابه «الإنجيل».

ولكن ـ وللأسف الشديد ـ نجد الشباب الغربيّين لعدم معرفتهم بالمعارف القرآنية الحقّة وعدم اعتقادهم بالدين الإسلامي الذي جاء به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي يعتبر أفضل طريق وأصفى مرآة لإثبات حقيقة السيد المسيح(عليه السلام)، نجدهم ينظرون اليوم إلى شخصية السيد المسيح(عليه السلام) نظرة ارتياب وشك وتردد، وذلك لأنّ الشباب الغربي قد جال ببصره وتتبع التاريخ الأثري، فلم يجد لهذه الشخصية العملاقة أثراً ملموساً لكي يركن إليه، فلم يجد له قبراً(2)، أو لأُمّه مريم، أو لأحد حواريّيه، كما لم يجد له كتاباً متّفقاً عليه، وإنّما نسبت إليه أناجيل كثيرة مضطربة مختلفة فيما بينها لا يمكن تمييز الحق من الباطل منها بسهولة.

وخلاصة الأمر: انّ الشاب الغربي لم يعثر على شيء ملموس يؤدّي به إلى


1 . يوسف:111.
2 . هذا الكلام يصدق وفقاً للتفكير المسيحي المنحرف الذي يذهب إلى أنّ المسيح(عليه السلام) صلب فعلاً. وأمّا حسب النظرية الإسلامية فلا يصح.

(198)

الاطمئنان بأصالة هذه الشخصية والركون إلى أنّها واقعة حقيقة لا يمكن التردّد فيها.

ومن هنا ينبغي علينا نحن المسلمين أن نأخذ العبر والدروس من التاريخ المسيحي، وأن نسعى بكلّ ما أُوتينا من قوّة وجهد في سبيل صيانة الآثار الإسلامية عامّة، وآثار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة مهما كانت صغيرة، وذلك لأنّها تمثّل الشاهد الحي على أصالتنا وأحقيّة دعوتنا،وأن نتجنّب تدميرها بمعول محاربة الشرك الذي اتّخذه البعض ـ و للأسف الشديد ـ ذريعة للقضاء على هذا التاريخ الأثري الملموس والمعلَم الإسلامي المهم، كي لا يصيب أجيالنا القادمة ما أصاب الشباب الغربي من داء الترديد والشك في شخصية السيد المسيح(عليه السلام).

القرآن الكريم وحفظ الآثار

لقد أكّد القرآن الكريم انّ الأُمم السالفة كانت تحتفظ بآثار أنبيائها وتحافظ عليها وتصونها و تتبرّك بها، وكانت تحملها معها في الحروب، ليتسنّى لها من خلال التبرّك بها التغلّب والانتصار على عدوهم .

ومن النماذج التي ذكرها القرآن الكريم في هذا المجال صندوق بني إسرائيل الذي كانت فيه مواريث آل موسى وهارون، قال تعالى:

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتيكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآل هارون تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ في ذلِكَ لآيةً لَكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنين).(1)


1 . البقرة:248.

(199)

ولا ريب انّ هذا الصندوق عظيم البركة بشهادة أنّ الملائكة هي التي تحمله، فلو كان حفظ الآثار وصيانتها بصورة عامّة وحفظ هذا الصندوق الأثري بصورة خاصة غير لائق وغير جدير بالاهتمام، فلماذا يتحدّث عنه القرآن الكريم بهذا اللحن من الخطاب الإيجابي الذي يظهر منه تأييد الفكرة واستحسانها؟! ولماذا تتصدى الملائكة على عظمتها وقداستها لحمله؟! ولماذا تكون عملية استرجاعه من أيدي العمالقة آية على حقّانية قائد الجيش في وقته؟!

نعم انّ الجهلة و ذوي العقول الصبيانية هم الذي يعبثون بتراثهم ولا يعيرون له أهمية تذكر، ولا يرون له ذلك الأثر الفاعل في حركتهم المستقبلية، وأمّا الوارث العاقل واللبيب فإنّه يتعامل مع ذلك الموروث بطريقة أُخرى وبنحو يختلف اختلافاً جوهرياً عن الطريقة السالفة، وذلك لأنّه يعي جيداً ما تنطوي عليه تلك الآثار من تراث معنوي واجتماعي، وما يعكسه هذا التراث من أصالة وحقّانية وإثبات للهوية، لذلك تجده يعض عليها بالنواجذ، ويبذل في سبيل صيانتها الغالي والنفيس.

ومن حسن الحظ أنّ الأُمّة الإسلامية ومنذ الأيام الأُولى قد التفتت إلى أهمية هذا التراث الإسلامي المهم، فحافظت عليه كما حدّثنا التاريخ الإسلامي بذلك، حيث كانوا يحتفظون بكلّ ما يمتّ إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بصلة، من: ثياب، وسلاح، ودار، وكتاب، و غير ذلك من الحاجات الشخصية التي كان يستعملها، بل حتى «شعره» كانوا يحتفظون به في صندوق خاص.

إذا اتّضح ذلك نعطف عنان القلم لدراسة مجموعة من البحوث التي لها ارتباط وثيق بالموضوع، وهي:


(200)

1
مكانة بيوت الأنبياء في القرآن الكريم

لقد أولى القرآن الكريم عناية خاصّة لبيوت الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) ، وليس ذلك الاهتمام منطلقاً من العناية المادية بتلك البيوت، وامتيازها من حيث طراز البناء وشكل الزخرفة، أو نوعية المواد التي أُنشئت منها ، بل انّ هذا الاهتمام منطلق من كون تلك البيوت كانت تضم في جنباتها ويعيش فيها أُناس من الطراز الأوّل في المعرفة والرقي والتكامل الروحي والمعنوي، ومن هنا نجد القرآن الكريم يصف نور اللّه سبحانه وتعالى بقوله:

(اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَة الزُّجاجَةُ كأَنها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ...).(1)

ثمّ بعد ذلك مباشرة يتعرض لبيان مركز وموقع هذا الكوكب الدرّي والمصباح المنير، حيث يقول تعالى:

(في بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصالِ).(2)


1 . النور:35.
2 . النور:36.

(201)

إنّ جملة(يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال) تبيّن السبب والعلّة في رفعة وعظمة تلك البيوت التي وصفت بقوله تعالى: (أَذِنَ اللّه أَن ترفع).

ثمّ تتعرض الآية الأُخرى للحديث عن صفات وسمات الرجال العابدين الذين يسكنونها ويعيشون فيها، حيث قال تعالى:

(رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصارُ).(1)

لقد تحدّثت الآيات المباركة عن تلك البيوت بلحن خاص يشعر بالتعظيم والتحسين، وأشارت إلى سمات الرجال الإلهيين الذين يسكنونها بأنّ دأبهم التسبيح والتمجيد و التهليل والتكبير. ومن هنا لابدّ من تسليط الأضواء على مسألتين أساسيتين، هما:

1. ما المقصود من البيوت في الآية؟

2. في تفسير قوله تعالى: (أَذِنَ اللّه أَن ترفع).

أمّا المسألة الأُولى: فقد اختلف المفسّرون في تفسير «البيوت» حيث اختار كلّ واحد منهم أحد المعاني التالية:

الف: المقصود بها المساجد الأربعة خاصّة.

ب: المقصود بها مطلق المساجد في العالم.

ج: المقصود بها بيوت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة.

د: المقصود بها المساجد وبيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والذي يظهر انّ الاحتمال الثالث هو الاحتمال الصحيح من بين جميع


1 . النور:37.

(202)

الاحتمالات، والشاهد على صحّته:

1. ورد في المجامع اللغوية أنّ «بيوت » جمع «بيت» بمعنى المنزل والمسكن.

قال ابن منظور: بيت الرجل، وبيته قصره.(1)

وقال الراغب: أصل البيت مأوى الإنسان بالليل.(2)

وعلى هذا يكون تفسير «البيوت» الوارد في الآية «بالمساجد» التي هي أماكن العبادة العامّة لا محل إقامة الرجل ليلاً، غير صحيح. وعلى فرض صحّة هذا التفسير يكون المفهوم بعيداً جداً لا يمكن أن يسبق إلى الذهن بدون قرينة تدلّ على ذلك.

وبعبارة أوضح: انّ كلمة «بيت» مشتقة من «البيتوتة» بمعنى «الإقامة في المكان ليلاً».

قال في المنجد: بات و بيتوتة في المكان: أقام فيه الليل.(3) وإذا ما أُطلق لفظ «البيت» على «مسكن الرجل ومنزله»فبسبب انّ الرجل يقضي ليله عادة في ذلك المكان حتى يصبح.

ومع الأخذ بعين الاعتبار المعنى اللغوي لهذا المصطلح، فمن غير الصحيح تفسيره حينئذ بالمسجد أو المساجد من دون نصب قرينة تدلّ على ذلك.

2. انّ من يمعن النظر في آيات الذكر الحكيم يجد انّها إذا أرادت التعبير عن دور العبادة العامة للمسلمين تأتي بمصطلح «مسجد» أو «المساجد»، ومن


1 . لسان العرب:2/14، مادة «بيت».
2 . مفردات الراغب:64 مادة «بيت».
3 . المنجد في اللغة: مادة« بيت».

(203)

هنا نجد أنّ هذه المصطلحات قد تكرّر ذكرها في القرآن الكريم28مرة .

وأمّا إذا أرادت التعبير عن «المسكن» أو «المأوى» فتستعمل مصطلح «بيت» أو «البيوت» .

ومن هنا نجد انّ هذه المصطلحات قد جاءت في الذكر الحكيم 66 مرّة بهذا المعنى .

من هنا نصل إلى النتيجة التالية: وهي أنّ القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح «البيت» و مصطلح «المسجد» بمعنى واحد، وكلّ من يحاول أن يَعدّ المصطلحين مصطلحاً واحداً، فقد جاء عن غير طريق، وقال من دون دليل.

نعم، قد يقال: انّ القرآن الكريم أطلق لفظ البيت على الكعبة المشرّفة حيث قال تعالى:

(جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالقَلائِد...).(1)

والجواب: انّ هذه التسمية لم تنطلق من كون الكعبة المشرفة بيتاً لعبادة الموحّدين، وذلك لأنّنا نعلم أنّ الكعبة هي «قبلة» الموحّدين لا بيت عبادتهم، ومن هنا تكون هذه الإضافة والنسبة من باب التعظيم والتقديس لهذه البقعة من الأرض، وكأنّها بيت للّه حقيقة، وبيت اللّه تعالى يستحقّ التعظيم والتقديس.

3. انّه يوجد بين «البيت» و «المسجد» فرق وتفاوت جوهري، وذلك لأنّ البيت يطلق على البناء المكوّن من الجدران الأربعة والمسقّفة،والحال أنّه يكفي في إطلاق المسجد على المكان الذي يحاط بجدران أربعة فقط ولا يشترط فيه وجود


1 . المائدة:97.

(204)

السقف.

ويشهد على حاجة البيت إلى السقف قوله تعالى:

(وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدةً لَجَعلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فضَّة ومعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ).(1)

ومن الواضح أنّ الآية تشير إلى أنّ مفهوم البيت يتقوّم ـ خلافاً للمسجد ـ بوجود السقف، وأنّه من الممكن أن يميّز اللّه الكافرين من المؤمنين بأن يمكّن اللّه الكافرين من الأُمور المادية بنحو يجعل لبيوتهم سقفاً من فضة،ولكنّه سبحانه لم يفعل ذلك لمصالح اقتضت ذلك.

4. روى الحافظ السيوطي قال: أخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك وبريدة: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية: (في بُيُوت أَذن اللّه أَن ترفع) فقام إليه رجل، قال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه؟ قال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر، وقال: يا رسول اللّه، وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة ـ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نعم ومن أفاضلها».(2)

وقد روي عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) : أنّ المقصود بيوت الأنبياء، وبيوت علي (عليهم السلام) .(3)

فهذه القرائن لو أمعن المفسّـر النظر فيها لأذعن بأنّ المراد من مصطلح «البيوت» الوارد في سورة النور هو بيوت الأنبياء،وبيت النبي الأكرم، وبيت علي (عليهم السلام) ، وبيوت الأولياء والصالحين التي امتازت بفضيلة ومنزلة خاصّة بسبب


1 . الزخرف:33.
2 . الدر المنثور:6/203.
3 . البرهان في تفسير القرآن:3/137.

(205)

ظاهرة التحميد والتسبيح والتهليل التي يقوم بها أصحابها الذين وصفتهم الآية بقولها: (لا تُلْهيهِمْ تِجارةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه)الأمر الذي أدّى إلى أن يأذن سبحانه وتعالى برفعتها وتشريفها، فقال: (أَذن أَن ترفع).

وهناك شاهد واضح يشهد على أنّ المراد من البيوت في الآية المباركة بيوت العترة الطاهرة (عليهم السلام) ، وهذا الشاهد يتمثّل في الآيتين المباركتين التاليتين:

الف: قال تعالى مخاطباً آل إبراهيم(عليه السلام):

(رَحْمَةُ اللّهِ وَبَركاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ).(1)

ب: قوله تعالى: (إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(2)

ولكن قد يقال: إنّ ذيل الآية الذي جاء فيه قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوّ والآصال) قرينة على أنّ المراد من البيوت هي المساجد، لأنّ مسلمي صدر الإسلام كانوا جميعاً يؤدّون صلواتهم في المسجد، ومن الطبيعي أنّ إقامة الصلاة ملازمة للتسبيح والتهليل والتكبير.

ويرد على هذا الرأي: انّه تصوّر خاطئ،وذلك لأنّ الصلاة التي كانت تقام في المسجد هي الصلوات الواجبة، وأمّا الصلاة المستحبة فقد كانت تؤدّى في البيوت، حيث وردت الروايات الكثيرة التي تحثّ المسلمين على تقسيم صلاتهم إلى طائفتين: طائفة تُصلّى في المسجد وهي الصلاة الواجبة،وأُخرى تصلّى في البيوت، وهي الصلاة النافلة (المستحبة). ثمّ إنّ المستشكل غفل عن نكتة


1 . هود:73.
2 . الأحزاب:33.

(206)

أساسية ومهمة وهي أنّ بيوت الأنبياء والأئمّة والصالحين لا تقلّ عن المساجد في التسبيح والتهليل، فإنّهم (عليهم السلام) فيها بين قائم وراكع وساجد، وذاكر وقارئ للقرآن آناء الليل وأطراف النّهار.

ولكي نرفع الشك والوهم عن أذهان البعض حول الرأي الذي ذكرناه، نذكر نماذج من الروايات التي وردت في هذا المجال.

فقد عقد مسلم في صحيحه باباً لاستحباب إقامة النافلة في البيت، روى فيه الأحاديث التالية:

أ. عن ابن عمر، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً».

ب: عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «صلّوا في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً».

ج: عن جابر قال:قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإنّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً».

د: عن أبي موسى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مثل البيت الذي يذكر اللّه فيه والبيت الذي لا يذكر اللّه فيه مثل الحيّ والميت».

هـ: وعن زيد بن ثابت في حديث: «فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء في بيته، إلاّ الصلاة المكتوبة».(1)

و: روى أحمد أنّ عبد اللّه بن سعد سأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أيّما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال: «فقد ترى ما أقرب بيتي من


1 . صحيح مسلم:2/187ـ 188، باب استحباب صلاة النافلة في البيت.

(207)

المسجد، ولئن أُصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أُصلّي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة».(1)

فهذه القرائن المؤكّدة ترفع الستار عن وجه المعنى; فإنّ المراد من الآية هو بيوت الأنبياء وبيوت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيت علي(عليه السلام) وماضاهاها، فهذه البيوت لها شأنها الخاص; لأنّها تخصُّ رجالاً يُسبّحونه ليلاً و نهاراً، غُدُوّاً وآصالاً، يَعيش فيها رجال لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقلوبهم مليئة بالخوف من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار.

ما هو المراد من الرفع الوارد في الآية؟

قد تعرفنا على المقصود من مفهوم «البيوت» المذكور في الآية الشريفة، وحان الوقت لتسليط الضوء على المفهوم الثاني الوارد فيها أيضاً، لنرى ما هو المراد منه؟

لقد ذكر المفسّرون للرفع المعنيين التاليين:

الأوّل: انّ المراد من «الرفع» هو «البناء» بشهادة قوله تعالى:(ءَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها).(2)

الثاني: المراد هو تعظيمها والرفع من قدرها.

قال الزمخشري: ترفعها: إمّا بناؤها، لقوله تعالى: (رَفَعَ سَمْكَها فَسواها)، و(إِذْ يَرْفَعُ إِبراهيمُ القَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسماعيلُ)(3)، أمر اللّه أن تبنى; وإمّا


1 . مسند أحمد:4/342.
2 . النازعات:27ـ 28.
3 . البقرة:127.

(208)

تعظيمها، والرفع من قدرها.(1)

ولقد اختار الكثير من المفسّرين المعنى الثاني للرفع.(2)

ومن الواضح: انّ المراد من رفع البيوت ليس إنشاءها، وذلك لأنّ المفروض أنّ الآية المباركة تتحدّث عن بيوت مبنيّة ومعدّة مسبقاً، بل المراد هو الرفع المعنوي، والحفاظ على مكانة ومنزلة تلك البيوت وقداستها، وصيانتها من الاندثار، وذلك إكراماً منه سبحانه لأصحابها الذين أضفوا عليها تلك القداسة ومنحوها تلك المنزلة الرفيعة، من خلال تهجّدهم آناء الليل وأطراف النهار، وتلاوتهم لكتاب اللّه سبحانه وتعالى، وتسبيحهم وتحميدهم وتهليلهم.

والكلّ منّا يعلم أنّ الرسول الأكرم قد دفن في نفس تلك البقعة التي طالما ناجى فيها ربّه وتهجّد فيها وقام راكعاً وساجداً يخشى اللّه واليوم الآخر، ومن هذا المنطلق الذي جاءت به الآية الكريمة، تكون تلك الدار ذات قداسة ومنزلة خاصّتين يفرضان على المسلم احترامها والمحافظة على رفعتها وقداستها وتعظيمها والرفع من قدرها، بالإضافة إلى صيانتها عمّا يشينها من الدمار والتخريب والإهمال و....

بل انّ قسماً من بيوت المدينة المنوّرة كانت مراقد وقبوراً لكبار الصحابة والشخصيات الإسلامية، وعلى رأس هؤلاء يمكن الإشارة إلى الصدّيقة الطاهرة سلام اللّه عليها فإنّها ـ وحسب رواية الكليني(3) ـ قد دفنت في دارها التي مازالت قائمة حتى الآن.


1 . الكشاف:2/390بتصرف. وانظر : جامع الأحكام:2/226; و روح البيان:6/158.
2 . الكشاف:2/390بتصرف. وانظر : جامع الأحكام:2/226; و روح البيان:6/158.
3 . انظر الكافي:1/461.

(209)

وإذا خرجنا من المدينة إلى العراق واتّجهنا صوب سامراء نجد الإمامين العسكريين: الهادي والعسكري (عليهما السلام) هما أيضاً دفنا في نفس الدار التي كانا يعبدان اللّه فيها تالين لكتابه، مبتهلين إليه سبحانه بالدعاء والتضرّع، قائمين الليل وصائمين النهار، من هنا تكتسب تلك الدار نفس المنزلة التي جاءت في الآية المباركة، فلا يحق بحال من الأحوال ـ وتحت أيّ ذريعة كانت ـ التجاوز على تلك الدار المقدّسة وهدمها أو الاعتداء عليها بما يتنافى ومضمون الآية الشريفة.

وهكذا الأمر في محلّة بني هاشم في المدينة المنوّرة التي كانت تضم بيوت كلّ من الحسن والحسين (عليهما السلام) ومدرسة الإمام الصادق(عليه السلام). ولقد وفّق اللّه كاتب هذه السطور للتشرّف بزيارة تلك البيوت الشريفة ، ولكن ولشديد الأسف ـ تحت ذريعة توسيع المسجد النبوي ـ تعرّضت تلك البيوت الطاهرة للهدم والاندثار والمحو من الخارطة، في الوقت الذي كان بإمكان المسؤولين هناك توسيع المسجد النبوي مع المحافظة على تلك الآثار المهمّة وصيانتها.


(210)

2
مودّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)

لا ريب أنّ مودّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) من الأُصول المؤكّدة في الشريعة الإسلامية، وقد وردت في هذا المجال الكثير من الآيات والروايات التي أكّدت ذلك المفهوم ورسّخته في أوساط المسلمين. بل نجد القرآن الكريم يذهب إلى أبعد من ذلك بحيث يعتبر الإيمان المنجي في الآخرة والباعث على الفوز بالجنة والرضوان، هو الإيمان المقرون بحب اللّه سبحانه وحب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وموالاتهما والجهاد في سبيله، قال تعالى:

(قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَموالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد فِي سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الفاسِقينَ).(1)

فقد أشارت الآية المباركة إلى ثلاثة موضوعات أساسية تربط الإنسان بها


1 . التوبة:24.

(211)

رابطة خاصّة وتشدّه إليها آصرة قوية، وهذه الأُمور الثلاثة عبارة عن:

أ. الأهل والأرحام.

ب. الأموال والعقارات.

ج. التجارة والمعاملات.

ثمّ تشير الآية إلى مفهوم أساسي ومعيار دقيق وهو: انّ المؤمن الحقيقي الذي عجن الإيمان بدمه ولحمه وجميع مشاعره هو الذي يقدّم مودة اللّه وحبه وحب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) والجهاد في سبيله على جميع تلك العلاقات والروابط مهما كانت شدّتها وقوّتها، وحينئذ ترسم الآية للمؤمنين الطريق وتبيّن لهم الميزان الذي على أساسه تقاس درجة الإيمان والإخلاص للّه سبحانه.

ثمّ إذا ألقينا بنظرنا على القرآن الكريم تصادفنا تلك الآية المباركة التي تعلمنا الطريقة التي نرد بها الجميل إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث تحصر ذلك في وسيلة واحدة، وهي موالاة آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبهم واحترامهم، قال تعالى:

(قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْموَدَّةَ فِي الْقُربى).(1)

وقد أشار الرسول الأكرم إلى نفس المعنى، وأكّد ذلك المفهوم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما...».(2)

ثمّ إنّ الروايات الحاثّة على محبّة أهل البيت (عليهم السلام) وموالاتهم كثيرة لا يسع المجال هنا لذكرها جميعاً، ولذلك سنكتفي بذكر نموذجين من تلك الروايات


1 . الشورى:23.
2 . جامع الأُصول:1/37، الحديث 22. وانظر الحديثين20 و 21.

(212)

التي تؤكّد على بيان المنهجية والطريقة التي يمكن من خلالها امتثال هذه الفريضة الإلهية المتمثّلة في مودة أهل البيت (عليهم السلام) .

إنّ الإنسان المسلم إذا أراد الوصول إلى تحقيق ذلك الأمر الإلهي وامتثال تلك الفريضة السماوية يوجد أمامه طريقان ينبغي عليه سلوكهما، هما:

الطريق الأوّل: أن يسعى إلى أن يكون ذا شخصية متوازنة قولاً وعملاً، بمعنى أنّه يعتمد في منهج حياته السير وفقاً لأوامر اللّه سبحانه ونواهيه التي جاء بها الرسول الأكرم. وأن يكون قوله مطابقاً لعمله، بنحو لا يكون هناك انفصام في شخصيته وتناقض في سلوكه من خلال مخالفة فعله لقوله، فإذا كان ينطلق في سلوكه من حبّ اللّه ورسوله، فلابدّ أن يجسّد جميع التعاليم والإرشادات التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حركته وبرنامج حياته، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، إذ من المستحيل الجمع بين المودة والحب والمخالفة والعصيان، ومن هنا قيل: «الحبّ الاتّباع» بمعنى أنّ الحب يلازم الانقياد والاتّباع للمحبوب.

ولقد استشهد الإمام الصادق(عليه السلام) ـ لتأكيد هذا المفهوم الإسلامي الدقيق و الفصل بين الحبّ الواقعي والمودة الحقيقية، وبين التظاهر بالحب والموالاة ـ بالأبيات التالية:

تعصي الإله وأنت تُظهر حُبّه؟! *** هـذا محـال فـي الفعال بديعٌ!

لو كان حبّك صـادقـاً لأطعتـه *** إنّ المحـبّ لمن أحـبّ مطيـع(1)

الطريق الثاني: إظهار الحب وإبراز المودة في المناسبات المختلفة، وذلك من خلال:

ألف: الفرح لفرح المحبوب، والحزن لحزنه.


1 . سفينة البحار: مادة« حبب».

(213)

ب: إقامة مجالس السرور والفرح، كالاحتفال بمناسبة ولادة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو بعثته، أو... .

ج: نشر أفكاره (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليمه وخطبه وأحاديثه في أوساط الأُمّة.

د: صيانة آثاره ومعالمه وكلّ ما يمّت إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاندثار والإبادة.

هـ: الاهتمام بمشهده المقدّس (صلى الله عليه وآله وسلم) والبناء على قبره الشريف بنحو يكون رمزاً ومعلماً إسلامياً بارزاً.

ولا ريب أنّ القيام بتلك الأفعال ونظائرها من الأُمور المشروعة والجائزة، تجاه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته،يُعَدّ نوعاً من أنواع إظهار الولاء والحبّ له (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهل بيته (عليهم السلام) .

وقد روى الترمذي في سننه الرواية التالية:

«انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين، وقال: من أحبّني وأحبّ هذين الغلامين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة».(1)

والكلّ يعلم أنّ السبط الأكبر للرسول الأكرم الحسن المجتبى(عليه السلام) قد دفن في المدينة المنوّرة في مقبرة «البقيع»، وأمّا السبط الشهيد الحسين(عليه السلام) فقد دفن في كربلاء المقدّسة حيث موقع شهادته وأهل بيته وأصحابه الميامين الذين سقوا بدمائهم الزكية شجرة الإسلام النامية وحفظوها من الذبول والموت.

ومن الجلي لكلّ منصف ـ بعيداً عن التعصب والأحكام المسبقة ـ انّ بناء القباب على تلك القبور التي ضمّت جسدي ريحانتي الرسول الأكرم وأحبّ الخلق إليه بعد أُمّهما وأبيهما، يُعدّ نوعاً من إظهار الولاء والحب وإبراز المودة


1 . جامع الأُصول:9/157، الحديث6706.

(214)

للسبطين (عليهما السلام) ، وفي نفس الوقت امتثالاً لقوله تعالى:

(قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربى).(1)

وممّا لا ريب فيه أبداً انّ من يقوم بهذا العمل المبارك سيحظى بالثواب الذي وعد به جدهما الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «...كان معي في درجتي يوم القيامة».

إنّ الشعوب الحيّة والأُمم المتطورة في العالم تسعى إلى الحفاظ على كلّ ما يمتّ إلى شخصياتهم الوطنية ورموزهم (العسكرية،والسياسية، وروّاد الإصلاح في الحقول الثقافية وغيرها) وتستفيد من كلّ السبل والوسائل كي تبقى تلك الشخصيات حيّة ماثلة للعيان أمام أنظار العالم.

ومن هنا تراهم يقومون بأداء أفضل مراسم التشييع والتوديع لتلك الشخصيات، ويدعون إليها ساسة العالم والشخصيات الثقافية والعلمية وغيرها، كما أنّهم يسعون وبجد لاختيار أفضل الأماكن لدفن تلك الشخصيات فيها ثمّ القيام بتشييد البناء عليها ووضع النصب التذكارية لها، ليكون ذلك وسيلة لاستمرار تواجد تلك الشخصيات الوطنية وحضورها بين أوساط الأجيال القادمة.

ومن هنا ينبغي علينا نحن المسلمين، الذين تضرب جذورنا في إعماق التاريخ الإسلامي أن نكون مثالاً للأُمّة الحيّة والشعوب المتطوّرة في الحفاظ على تراثنا واحترام شخصياتنا التاريخية على جميع المستويات، وأن نسعى بكلّ الطرق والوسائل إلى الحفاظ عليها حيّة فاعلة في أوساطنا الحاضرة وأجيالنا القادمة من خلال بناء القباب الشاهقة والمنائر الرفيعة وسائر وسائل التكريم والإحياء.


1 . الشورى:22.

(215)

3
مشاهد الأنبياء (عليهم السلام) وسيرة الموحّدين عبر القرون

لقد ازدهرت ظاهرة السياحة والسفر في أوساط الشعوب كافّة وخاصّة بالنسبة إلى الأماكن التي تضم قبور الأنبياء والصالحين من أبنائهم، الأمر الذي يعكس الأهمية الخاصة التي يوليها أتباع الرسل والأنبياء لتلك الآثار والمراقد المشرّفة، والاهتمام الجاد والسعي المتواصل لصيانتها وحفظها من عوامل التخريب والاندثار،وذلك من خلال بناء القباب الشاهقة والأبنية المزيّنة بأنواع الزخارف والنقوش الجميلة.

ولا زالت تلك المشاهد عامرة وماثلة للعيان بعمارتها الجميلة وزخرفتها الزاهية أمام أعين الجميع في كلّ من: العراق، وسورية، والأردن، وفلسطين المحتلة، ومصر، وإيران، والتي مازالت يقصدها الكثير من الزوّار والسوّاح من جميع أقطار المعمورة.

ولقد حدّثنا التاريخ أنّ الجيوش الإسلامية المحررة حينما فتحت بلاد الشام لم تتعرض إلى تلك القبور المشرّفة للأنبياء بأيّ سوء، ولم ينقل لنا التاريخ أيّة محاولة إساءة أو اعتداء على تلك البقاع الشريفة، بل لم يُبدِ المسلمون أيّة ردّة فعل سلبية


(216)

اتجاهها، فأقرّوا خدمتها والمشرفين عليها على ما هم عليه، وأوصوهم بالحفاظ عليها وصيانتها،فلو كان البناء على قبور الأنبياء والأولياء حراماً ومنافياً للتوحيد وشركاً به سبحانه لسعى المسلمون الفاتحون ـ و بأمر من الخلفاء ـ لتخريبها وإزالتها من الوجود ولم يتركوا لها أثراً يذكر،والحال أنّنا نجد المسلمين لم يتعرّضوا لها ولو بأدنى تعرّض أو تصرّف، فأبقوها كما هي عليه من دون أيّ تغيير. ولقد بقيت تلك القباب الشاهقة والمنائر المزيّنة عامرة إلى هذه اللحظة حيث تحظى باهتمام خاص وعناية فائقة من الموحّدين في جميع أقطار العالم.

أضف إلى ذلك: أنّ المسلمين قد واروا الجسد الطاهر للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته المسقف ولم يخطر ببال واحد من الصحابة الكرام أنّ البناء على القبر أمرٌ محرم ينبغي الاجتناب عنه والتصدّي له! بل نجد سيرتهم قائمة على الاعتناء بتلك الحجرة الشريفة بشتّى الأساليب والطرق.

ثمّ إنّ كتب التاريخ والرحلات التي قام بها بعض علماء المسلمين والتي دوّنوا فيها مشاهداتهم، نقلت لنا صورة بهيّة لمئات المراقد و الأضرحة المجلّلة الموزعة في أرض الوحي وباقي البلاد الإسلامية، نكتفي بذكر بعض تلك المشاهدات، لأنّ ذكر الجميع يحتاج إلى تصنيف مفرد.

1. كلمة المسعودي في حقّ قبور أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)

هذا هو المسعودي الذي توفّي عام (345هـ)، وقد أدرك خير القرون كما يقولون، وولد في أواخره ـ إذا كان خير القرون هو القرون الثلاثة الأُولى ـ يقول:

وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة مكتوب عليها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه مبيد الأُمم ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول


(217)

اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سيدة نساء العالمين وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن أبي طالب، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد.(1)

وبالرغم من أنّ المسعودي كان من رجال القرون التي تعدّها السلفية المتعصبة من خير القرون، وانّ الأعمال التي راجت بين المسلمين في تلك القرون تكتسب مشروعيتها من كونها وقعت في تلك البرهة التي وصفت بأنّها خير القرون، مع ذلك كلّه ـ وللأسف الشديد ـ نجد أنّ تلك الرخامة التي تحدّث عنها المسعودي قد دفنت تحت أطنان التراب بسبب النهج الوهابي الخاطئ، فلا تجد لها اليوم أثراً في أوساط المسلمين.

2. الرحّالة ابن جبير والأبنية على المشاهد

هذا هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي الشاطبي، أحد علماء الأندلس الأكابر في الفقه والحديث يحكي لنا في رحلته عن الأبنية الرفيعة والقباب العالية في المشاهد والمزارات المعروفة يومذاك للأنبياء والصالحين والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وصحابته والتابعين لهم بإحسان.

فقد قام برحلات ثلاث، أهمّها استغرقت أكثر من ثلاث سنوات ، حيث بدأها يوم الاثنين في التاسع عشر من شهر شوال سنة 578هـ، وختمها في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر محرم سنة 581 هـ، وقد وصف في هذه الرحلة ما مرّ به من مدن وما شاهد من عجائب البلدان.

كما وعنى عناية خاصة بوصف النواحي الدينية والمساجد والمشاهد وقبور الأنبياء والأولياء وأهل البيت والصحابة والتابعين، وصفاً دقيقاً، يعرب عن أنّ


1 . مروج الذهب ومعادن الجوهر:2/288.

(218)

هذه القباب والأبنية الرفيعة شُيّدت من قبل قرون تتصل إلى عصر الصحابة والتابعين.

ولم يكن يومذاك أيّ معترض على بنائها فوق قبور هؤلاء، ولم يدر بخُلد أحد أنّ هذه القباب والأبنية ستبعدنا عن التوحيد، بل كانوا يتبرّكون بهذا العمل ويبدون ما في مشاعرهم من ودّ وحبّ لأصحابها.

وكان التبرّك والتقبيل سنّة رائجة بين المسلمين، وهم لم يكونوا يقبّلون باباً ويتبرّكون بجدار،بل يتبرّكون بمن حوتهم، على حدّ قول مجنون بني عامر:

أمرُّ على الديار ديار ليلى *** أقبّل ذا الجـدار وذا الجـدارا
ومـاحبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حبّ من سكن الديارا

وفيما يلي نشير بشكل مقتضب إلى مجمل كلامه.

مشهد رأس الحسين بالقاهرة

يقول ابن جبير في ذكر مصر والقاهرة وبعض آثارها العجيبة: فأوّل ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها اللّه عزّوجلّ، فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، ()، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض، قد بُني عليه بنيان جميل يقصر الوصف عنه، ولا يحيط الإدراك به....

إلى أن يقول: ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا إلى هذا المسجد المبارك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل، شديد السواد والبصيص، يصف الأشخاص كلّها، كأنّه المرآة الهندية الحديثة الصقل.

وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك،وإحداقهم به، وانكبابهم عليه،


(219)

وتمسّحهم بالكسوة التي عليه،وطوافهم حوله، مزدحمين داعين باكين متوسّلين إلى اللّه سبحانه وتعالى ببركة التربة المقدّسة،ومتضرّعين مايذيب الأكباد ويصدع الجماد، والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهول، نفعنا اللّه ببركة ذلك المشهد الكريم.(1)

القباب الرفيعة لأهل البيت في مكة المكرمة

وعن مشاهد مكة المكرمة يقول ابن جبير: فمن مشاهدها التي عايّناها قبّة الوحي، وهي في دار خديجة أُمّ المؤمنين ()، وبها كان ابتناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها، وقبة صغيرة أيضاً في الدار المذكورة، فيها كان مولد فاطمة الزهراء ()، وفيها أيضاً وَلَدَتْ سيدي شباب أهل الجنة،الحسن والحسين ()، وهذه المواضع المقدّسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها.

ومن مشاهدها الكريمة أيضاً مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتربة الطاهرة التي هي أوّل تربة مسّت جسمه الطاهر بُني عليها مسجد لم يُر أحفل بناءً منه،أكثره ذهب منزّل به،والموضع المقدّس الذي سقط فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها اللّه رحمة للأُمّة أجمعين محفوف بالفضة.

ثمّ يعد بعض المشاهد فيقول: دار الخيزران،وهي الدار التي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعبد اللّه فيها سراً مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه (رضي الله عنهم).(2)

ولو أردنا استعراض كلّ ما ذكره ابن جبير في رحلته حول مقامات ومشاهد


1 . رحلة ابن جبير:18ـ 19.
2 . رحلة ابن جبير: 81ـ 82.

(220)

العلماء والصالحين والشهداء في العراق والشام، لطال بنا المقام ولذلك نكتفي بما نقلناه، ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة المصدر.(1)

3. كلام الحافظ محمد بن محمود بن النجار(578ـ 643هـ)(2)

وللرحالة المعروف ابن النجار كلام في هذا المجال منه ما يلي:

والقبران (أي قبر العباس بن عبد المطلب وقبر الحسن بن علي ومعه السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) ) في قبّة كبيرة عالية قديمة البناء في أوّل البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما للزيارة رضي اللّه عنهم.(3)

هذه مجموعة من النماذج التي اخترناها من بعض كتب التاريخ والرحلات،ومن يراجع كتب الرحلات يصل إلى نتيجة قطعية بأنّ البناء على قبور الأنبياء والأولياء والصالحين كانت سنّة رائجة في أوساط الموحّدين من أبناء الأُمّة الإسلامية.

4. ابن الحجاج والقبة البيضاء على قبر الإمام علي(عليه السلام)

إنّ الحسين بن أحمد بن محمد المعروف بابن الحجاج البغدادي أحد الشعراء


1 . ما يتعلّق بالمشاهد في مصر انظر الصفحات: 19ـ 24، وفي مكّة المكرمة الصفحات: 87، 141، 142، وراجع ما يخص المدينة المنورة الصفحات: 173ـ 174، وأمّا الكوفة ففي الصفحات: 187ـ 198،وأمّا مشاهد بغداد ففي 202، وأمّا مشاهداته في الشام ففي الصفحات: 246ـ 249 و 253ـ 254، من كتابه «رحلة ابن جبير».
2 . ولد الرحّالة المعروف ابن النجار في بغداد، وبدأ رحلته التي استغرقت سبعة وعشرين عاماً من العراق مرّ خلالها بالشام ومصر والحجاز وبلاد فارس.
3 . أخبار مدينة الرسول:153.

(221)

المفلقين في القرنين الثالث والرابع(المتوفّى 391هـ) أنشأ قصيدته الفائيّة في مدح الإمام أمير المؤمنين،وأنشدها في الحضرة العلوية عندما زارها يقول في مستهلّها:

يا صاحب القبّة البيضاء على النجف *** من زار قبرك واستشفى لديك شُفي

زوروا أبا الحسن الهادي لعلّكم *** تحظون بالأجر والإقبال والزُّلفِ(1)

والقصيدة تعرب عن وجود البناء والقبّة البيضاء على القبر، والتفاف الزائرين حوله في عصره، ومع ذلك يدّعي بعض الوهّابيين، أنّ البناء على القبور لم يكن في خير القرون وأنّه من البدع المستحدثة.

والعجيب هنا، هو أنّ من النظريات المطروحة في «علم أُصول الفقه» انّ اتّفاق الأُمّة وفي أيّ قرن كان على حكم من الأحكام، علامة على صحّة ذلك الحكم واعتباره الشرعي، وقد أطلقوا على هذا الاتفاق مصطلح «الإجماع» ولكن مع هذا كلّه نجد أنّ هناك حركة نشأت في أوساط الأُمّة الإسلامية لا تُعير أيّ أهمية لإجماع الأُمّة الإسلامية، لا في قرن واحد فحسب، بل على طول قرون متمادية من تاريخ الإسلام.

والأعجب من ذلك انّ أصحاب هذه الحركة لم يقدّموا دليلاً قوياً وبرهاناً محكماً على رفضهم لهذا الإجماع وخروجهم عن الخط العام لكافّة المسلمين!!


1 . اقرأ ترجمته في يتيمة الدهر:3/35، معجم الأُدباء:4/6، المنتظم:7/216; تاريخ بغداد:8/14; وفيات الأعيان:1/168; الكامل لابن الأثير:9/63 إلى غير ذلك من مصادر الترجمة.

(222)

4
البناء على القبور ومنطق المخالفين

لقد استعرضنا الأدلّة المحكمة من الكتاب والسنّة والسيرة العملية للمسلمين والتي تؤكد جميعها شرعية البناء على القبور وصيانتها من الاندثار، والاهتمام بها بشتّى الوسائل، وقد حان الوقت لعطف عنان القلم للحديث عن أدلّة المخالفين لهذا العمل.

إنّ من أهمّ الأدلّة التي تمسّك بها المخالفون للبناء ـ الوهابيون ـ هو رواية أبي الهياج الأسدي، ومن هنا اقتضت الضرورة أن نسلّط الضوء على هذه الرواية بالبحث والتحقيق سنداً ودلالة، لنرى مدى مقاومتها أمام النقد العلمي والبحث الموضوعي.

رواية أبي الهياج الأسدي

لقد تمسّك بها المخالفون للبناء على القبور، واعتبروا ذلك عملاً محرّماً منافياً للتوحيد، وقاموا على أثر ذلك بالاعتداء على مقبرة البقيع بهدم قبور أئمّة الهدى في شوال عام 1344هـ، وبعدما نفذوا ما أمرهم به مشايخهم، نشروا بياناً في جريدة


(223)

«أُمّ القرى»، و فتوى بوجوب هدم القبور مستدلّين بالرواية المذكورة.

وها نحن نذكر الرواية أوّلاً ثمّ نتعرض لدراستها سنداً ودلالة إن شاء اللّه تعالى.

نصّ الحديث

روى مسلم في صحيحه قال: حدّثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن الحرب،قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدّثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته.(1)

زعم المستدل أنّ معناه: ولا قبراً عالياً إلاّ سوّيته بالأرض.

أقول: الاستدلال بالحديث فرع صحّة سنده،وتماميّة دلالته،ولكنّه موهون من كلا الجانبين.

سند الرواية وأقوال العلماء فيه

أمّا السند، فيكفي أنّ علماء الرجال تحدّثوا في رجال الحديث ونقلوا تصريح الأئمّة بضعفهم،وهم عبارة عن :

1. وكيع.

2. سفيان الثوري.


1 . صحيح مسلم:3/61، كتاب الجنائز;سنن الترمذي:2/256، باب ما جاء في تسوية القبور; سنن النسائي:4/88، باب تسوية القبر.

(224)

3. حبيب بن أبي ثابت.

4. أبو وائل الأسدي.

وإليك أقوال العلماء في حقّهم:

1. وكيع

هو وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي الكوفي، روى عن عدّة، منهم: سفيان الثوري، وروى عنه جماعة منهم: يحيى بن يحيى، وهو كما ورد في حقّه المدح، ورد في حقّه الجرح كثيراً،وهذا ابن حجر يعرّفه في «تهذيب التهذيب»، بالنحو التالي:

عن الإمام ابن حنبل: كان وكيع أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيراً.

وقال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع،ووكيع أكثر خطأً منه.

وقال عليّ بن المديني: كان وكيع يلحن،ولو حدّث بألفاظه لكان عَجَباً.

وقال محمد بن نصر المروزي: كان يُحدّث بآخره من حفظه، فيغيّر ألفاظ الحديث كأنّه يحدّث بالمعنى،ولم يكن من أهل اللسان.(1)

وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» بعدما مدحه: قال ابن المديني، كان وكيع يلحن، ولو حدّث بألفاظه كان عجباً.(2)


1 . تهذيب التهذيب: 11 / 123.
2 . ميزان الاعتدال: 4 / 336.

(225)

2. سفيان الثوري

هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، فقد مدحوه، ولكن الذهبي يقول: إنّه كان يدلِّس عن الضعفاء، ولكن كان له نقد وذوق، ولا عبرة بقول من قال يدلِّس ويكتب عن الكذّابين.(1)

وقال ابن حجر: قال ابن المبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلِّس،فلمّـا رآني استحيا وقال: نرويه عليك؟(2)

وقال في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ: قال أبو بكر وسمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلِّس عليَّ رجلاً ضعيفاً فما أمكنه.(3)

والتدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه وبينهما واسطة فلا يذكر الواسطة.

وقال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص ولا حيان بن إياس،ولم يسمع من سعيد بن أبي البردة،وقال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي، وقال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث المسائية(4) يضع ماله حيث يشاء، ولم يسمع من خالد بن سلمة بتاتاً ولا من ابن عون إلاّ حديثاً واحداً.(5)

وهذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مدلّساً، ربّما يروي عن أُناس يوهم أنّه لقيهم ولم يلقهم ولم يسمع منهم.


1 . ميزان الاعتدال:2 / 169 برقم 3322.
2 . تهذيب التهذيب: 4 / 15 في ترجمة سفيان.
3 . تهذيب التهذيب: 11 / 218.
4 . العبد المعتق.
5 . تهذيب التهذيب: 4/115.

(226)

3. حبيب بن أبي ثابت

هو حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار، وثّقه بعض، ولكن قال ابن حبّان في الثّقات: كان مدلّساً، وقال العقيلي: غمزه ابن عون، وقال القطّان: له غير حديث عن عطاء، لا يُتابع عليه وليست محفوظة.

وقال ابن خزيمة في صحيحه: كان مُدلّساً.(1)

وقال ابن حجر أيضاً في موضع آخر: كان كثير الإرسال والتدليس، مات سنة 119هـ.

ونقل عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي من نسخة بخطّ المنذري أنّه نقل فيه حديثاً عن أُبيّ بن كعب في قول جبرئيل: لو جلست معك مثلما جلس نوح في قومه ما بلغت فضائل عمر، وقال: لم يُعِلْه ابن الجوزي إلاّ بعبد اللّه بن عمّار الأسلمي شيخ حبيب بن ثابت.(2)

4. أبو وائل الأسدي

هو شقيق بن سلمة الكوفي، كان منحرفاً عن علي بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لأبي وائل: أيّهما أحبُّ إليك عليّ أو عثمان؟ قال: كان عليّ أحبّ إليّ ثمّ صار عثمان؟(3)

ويكفي في قدحه أنّه كان من ولاة عبيد اللّه بن زياد، قال ابن أبي الحديد:


1 . تهذيب التهذيب: 2 /179.
2 . تهذيب التهذيب:1 / 148.
3 . تهذيب التهذيب: 4 / 362.

(227)

قال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة.

هذا كلّه حول سند الرواية وهؤلاء رواتها، ولو ورد فيهم مدح فقد ورد فيهم الذم، وعند التعارض يقدم الجارح على المادح، فيسقط الحديث عن الاستدلال.

ويكفي أيضاً في ضعف الحديث أنّه ليس لراويه ـ أعني: أبا الهياج ـ في الصحاح حديث غير هذا، فكيف يستدلّ بحديث يشتمل على المدلّسين والمضعّفين؟ وكيف يُعدَل بهذا الحديث عن السيرة المستمرة بين المسلمين؟!

والآن إليك بيان عدم دلالة الحديث على الموضوع بتاتاً:

ضعف دلالة الحديث

إنّ توضيح ضعف دلالة الحديث يتوقّف على بيان معنى اللفظين الواردين فيه:

1. قبراً مشرفاً.

2. إلاّ سوّيته.

أمّا الأوّل: فقال صاحب القاموس: والشرف ـ محركة ـ العلو، ومن البعير سنامه، وعلى ذلك يحتمل المراد منه مطلق العلوّ، أو العلوّ الخاص كسنام البعير الذي يعبّر عنه بالمسنَّم، و لا يتعيّن أحد المعنيين إلاّ بالقرينة.

أمّا الثاني: فهو تارة يُستخدم في بيان مساواة شيء بشيء في الطول أو العرض، فيقال: هذا القماش يساوى بهذا الآخر في الطول.

وأُخرى في التسوية، أي كون الشيء مسطحاً لا انحناء ولا تعرّج فيه.

والفرق بين المعنيين واضح; فإنّ التسوية في الأوّل وصف للشيء بمقايسته


(228)

مع شيء آخر، وفي الثاني وصف لنفس الشيء ولا علاقة له بشيء آخر.

فلو استعمل في المعنى الأوّل لتعدّى إلى مفعولين: أحدهما بلا واسطة، والآخر بمعونة حرف الجرّ قال تعالى حاكياً عن لسان المشركين وأنّهم يخاطبون آلهتهم بقولهم:(إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين)، أي نعدّ الآلهة(1) الكاذبة مساوية لربّ العالمين في العبادة أو في الاعتقاد بالتدبير.

وقال سبحانه حاكياً عن حال الكافرين يوم القيامة: (يَوْمَئِذ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً).(2)

أي يودّون أن يكونوا تراباً أوميتاً مدفوناً تحت الأرض، ويكونون كذلك والأرض متساوية.

ترى أنّ تلك المادة تعدّت إلى مفعولين، وأُدخل حرف الجر على المفعول الثاني. وأمّا إذا استعمل في المعنى الثاني أي فيما يكون وصفاً للشيء بلا علاقة له بشيء آخر فيكتفي بمفعول واحد، قال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى)(3)، وقال سبحانه:(بَلَى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ)(4)، وقال سبحانه: (فإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقعُوا لَهُ ساجِدين)(5)، ففي جميع هذه الموارد يراد من التسوية كونها وصفاً للشيء بما هوهو، وهو فيها كناية عن كمال الخلقة وأنّها بعيدة عن النقص والإعوجاج.

هذا هو مفهوم اللفظ لغة. وهلمّ معي ندرس الحديث ولنرى أنّه على أيّ


1 . الشعراء:98.
2 . النساء:42.
3 . الأعلى:2.
4 . القيامة:4.
5 . الحجر:29.

(229)

من المعنيين ينطبق.

تلاحظ أنّه تعدّى إلى مفعول واحد، ولم يقترن بالباء، فهو آية أنّ المراد هو المعنى الثاني، وهو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل إعوجاجه لا مساواته مع الأرض، وإلاّ كان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول: سوّيته بالأرض ولم يكتف بقوله سوّيته.

أضف إلى ذلك: أنّ ما ذكرناه هو الذي فهمه شرّاح الحديث، وهو دليل على أنّ التسطيح سنّة والتسنيم بدعة، وأمر عليّ (عليه السلام) أن تكافح هذه البدعة ويسطّح كلّ قبر مسنّم، وإليك ذكر نصوصهم:

1. قال القرطبي في تفسير الحديث: قال علماؤنا: ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون واطئة.(1)

أقول: إنّ دلالة الحديث على منع تسنيم القبور ظاهر، وأمّا دلالتها على عدم ارتفاعها كما هو ظاهر قوله: «ومنع رفعها» فغير ظاهر، بل مردود باتّفاق أئمّة الفقه على استحباب رفعها قدر شبر.(2)

2. قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ما هذا نصّه:

مُسنّماً ـ بضمّ الميم وتشديد النون المفتوحة ـ أي: مرتفعاً، زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبي بكر وعمر كذلك، واستدلّ به على أنّ المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية.

وقال أكثر الشافعية ونصّ عليه الشافعي: التسطيح أفضل من التسنيم;


1 . تفسير القرطبي:2/380 تفسير سورة الكهف.
2 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/42.

(230)

لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سطّح قبر إبراهيم، وفعله حجّة لا فعل غيره، وقول سفيان التمّار: رأى قبر النبي مسنّماً في زمان معاوية، لا حجة فيه، كما قال البيهقي; لاحتمال أنّ قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبري صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة ـ إلى أن قال: ـ ولا يخالف ذلك قول علي(عليه السلام)، أمرني رسول اللّه أن لا أدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته، لأنّه لم يرد تسويته بالأرض، وإنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار،ونقله في المجموع عن الأصحاب.(1)

3. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: إنّ السنّة أنّ القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً، ولا يُسنَّم بل يرفع نحو شبر، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه; ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أنّ الأفضل عندهم تسنيمها، وهو مذهب مالك.(2)

ويؤيّد ذلك أنّ صاحب الصحيح(مسلم) عنون الباب بـ«باب تسوية القبور» ثمّ روى بسنده إلى تمامه، قال: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم، فتوفّي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيدة بقبره فسوّي، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بتسويتها، ثمّ أورد بعده في نفس الباب حديث أبي الهياج المتقدّم.(3)

وفي الختام نذكر أُموراً:

1. القول بوجوب مساواة القبر بالأرض مخالف لما اتفقت عليه كلمات فقهاء المذاهب الأربعة، وكلّهم متّفقون على أنّه يندب ارتفاع التراب فوق الأرض بقدر شبر.(4)


1 . إرشاد الساري: 2 / 468.
2 . صحيح مسلم بشرح النووي: 7 / 36.
3 . صحيح مسلم بشرح النووي: 7 / 36.
4 . الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 42.

(231)

ولو أخذنا بالتفسير الذي يرومه الوهابيّون من حديث أبي الهياج من مساواة القبر بالأرض يجب أن يكون القبر لاطئاً مساوياً معه.

2. لو افترضنا صحّة حديث أبي الهياج سنداً ودلالة، فغاية ما يدلّ عليه هو تخريب القبر ومساواته بالأرض، ولا يدلّ على هدم البناء الواقع عليه، فتخريب القباب المشيّدة التي هي مظاهر الودّ لأصحابها استناداً إلى هذا الحديث، عجيب جدّاً.

3. إنّ الصحابة دفنوا النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته من أوّل يوم، وقد وصّى الخليفتان بأن يُدفنا تحت البناء جنب النبيّ الأكرم تبرّكاً بالقبر وصاحبه، فلو كان البناء على القبور أمراً محرّماً ومن مظاهر الشرك; فلماذا وارت الصحابة جثمانه الطاهر (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت البناء؟! ولماذا أوصى الخليفتان بالدفن تحته؟!

ولمّا واجهت الوهابية عمل الصحابة في مواراة النبيّ قامت بالتفريق وقالت: إنّ الحرام هو البناء على القبر لا الدفن تحت البناء، وقد دفنوا النبيّ تحت البناء ولم يبنوا على قبره شيئاً.(1)

ونترك هذا الجواب بلا تعليق، إذ هو في غاية السقوط، إذ أيّ فرق بين الأمرين؟! فإنّ البناء على القبر مَدْعاة للإقبال إليه والتضرع إليه، ففيه فتح لباب الشرك ـ حسب قولهم ـ وتوسّل إليه بأقرب وسيلة....(2)

فإذا كان البناء على وجه الإطلاق ذريعة للشرك وتوجّهاً إلى المخلوق، فلماذا يُرخّص في بعض صوره ويُحرّم بعضها الآخر؟! وماهذا إلاّ لأنّ الوهابية وإن كانوا ينسبون أنفسهم إلى السلفية، إلاّ أنّ السلفية بعيدون عنهم بُعد المشرقين.


1 . رياض الجنّة، لعقيل بن الهادي.
2 . محاسن التأويل:7/30.

(232)


(233)

الفصل التاسع

الحياة البرزخيّة


(234)


(235)

الحياة بعد الموت

لم تزل مسألة الحياة ونشأتها وما تؤول إليه بعد الموت من المسائل الحيّة على طول القرون، بل من المسائل التي لازمت الإنسان منذ أن وطأت قدماه هذا الكوكب، حيث تراه يسعى وبكلّ جهد للوقوف على معالم تلك النشأة وكيفية حدوثها والتعرّف على حقيقة الموت وفلسفته، فهل الموت يمثل نهاية الحياة كسكون العاصفة الذي يعني انعدامها، أو كالمصباح الذي يخمد ضوؤه. فلم يبق من نوره وضيائه شيء بل تعقبها الظلمة الدامسة؟! أو أنّ الموت في حقيقته يمثل النافذة التي يطل منها الإنسان على محيط واسع، وفضاء رحب،وعالم ملؤه النور؟

وبعبارة أُخرى: انّ الموت يمثّل القنطرة التي يعبرها الإنسان للعيش في حياة أُخرى.

من المسلّم به أنّ المسائل والقضايا الفلسفية يمكن تصنيفها إلى صنفين، هما:

1. المسائل والقضايا التي تتوفّر على جنبة تخصّصية ، فلا يتمكّن من الخوض فيها إلاّ طائفة من ذوي الاختصاص في المباحث العقلية العليا والذين يعبّر عنهم (بالفلاسفة).

2. المسائل والقضايا العامّة والتي عجنت في فطرة الإنسان، وهذه القضايا


(236)

يتسنّى للجميع البحث فيها والخوض في غمارها والتفكير بها.

ومن الواضح انّ قضيّة الحياة بعد الموت من مسائل الصنف الثاني، حالها حال مسألة المصير والقدر، فإنّها بالرغم من كونها من المسائل الفلسفية التخصّصية، إلاّ أنّه مع ذلك نرى أنّ الجميع يلج باب التفكير فيها وإن كان تفكيرهم وتأمّلهم في هذه الأُمور لم يوصلهم إلى نتيجة ملموسة ونظرية واضحة المعالم، وإنّما الذي يقوم بذلك الخاصة من المفكّرين من ذوي الاختصاص في البحوث العقلية والروحية، فإنّ هؤلاء هم الذي يستطيعون وببركة فكرهم الثاقب إزاحة الغبار عن الواقع، وكشف الحقيقة، ومعرفة أبعادها.

ثمّ إنّ معرفة مصير الإنسان بعد الموت رهن البحث والتحقيق في ثلاثة أُصول أساسية تتعلّق بالإنسان، هي:

1. ما هي حقيقة الإنسان وواقعه؟ فهل هو عبارة عن هيكل مادي يتكوّن من عروق وأعصاب وعظام وغيرها من الأعضاء والمكوّنات المادية، أم أنّ هناك وراء هذا المظهر المادي جوهراً آخر هو الذي يشكّل حقيقة الإنسان ويشيّد واقعه،وبه يكون الإنسان إنساناً؟

2. ما هي حقيقة الموت؟ فهل الموت يعني انعدام الإنسان وفناءَه؟ أم انّ الموت في الحقيقة يمثّل نافذة تطل بالإنسان على عالم أرحب وفضاء أوسع؟

3. ثمّ على فرض بقاء الإنسان بعد الموت، يأتي البحث عن النقطة الثالثة وهي: هل توجد علاقة بين الحياتين (الدنيا والآخرة)؟ وماهي نوعية العلاقة بينهما، وما هي الكيفية التي تستمر على أساسها تلك العلاقة؟

وهانحن نشرع في البحث عن الأُصول الثلاثة تباعاً إن شاء اللّه تعالى.


(237)

الأصل الأوّل
ما هي حقيقة الإنسان وواقعه؟

هذا هو الأصل الأوّل من الأُصول الثلاثة والتي ينبغي تسليط الضوء عليها لتنجلي الحقيقة وينكشف لنا الواقع فنقول: هل انّ حقيقة الإنسان تنحصر في وجوده المادي فقط؟ أو أنّ هذا الوجود المادي يمثّل في واقعه اللباس الذي يغطي حقيقة أُخرى هي التي تشكّل واقع الإنسان وجوهره؟

وبعبارة أُخرى: هل الإنسان وجود مادّي بحت،وانّ الروح والنفس في الواقع هي انعكاس للتفاعلات المادية لا غير؟ أم أنّ للإنسان وراء الوجود المادي عالماً آخر وحقيقة وواقعية أُخرى، ويكون البدن المادّي بمثابة الآلة لتلك الحقيقة؟

ذهب الماديّون ـ الذين يرون أنّ الوجود مساو للمادة والطاقة، ولا شيء وراءه ـ إلى النظرية الأُولى وبهذا فسّروا الروح بأنّها نتاج خاص للتفاعلات المادية المتناسقة.

وبعبارة أُخرى: ذهبوا إلى أنّ الإنسان موجود آلي مركّب من عروق وعصب ولحم وعظم، وما الشعور والإحساس والعواطف ـ كالحزن والفرح والسرور


(238)

والانشراح والكآبة وغيرها من الحالات النفسية ـ إلاّ نتيجة تفاعل هذه الأجزاء المادية بعضها مع البعض الآخر، وليس وراء هذا التركيب المادي أيّ وجود آخر باسم الروح أو النفس. وقد مثّلوا ترشيح تلك الإحساسات والمشاعر والعواطف بترشّح المواد الكيمياوية من الكبد أو الغدة الصفراء أو ترشّح اللعاب من الغدد.

ومن هنا تكون الروح ـ وفقاً لهذه النظرية ـ أثراً كيمياوياً وانعكاساً للتفاعل المادي بين أعضاء البدن، وليس للروح جوهر مستقل وحقيقة مستقلة.

أمّا النظرية الثانية ـ التي يتبنّاها الفلاسفة والمتكلّمون الإلهيّون ـ فقد ذهبت إلى أنّ الإنسان في الواقع يتكوّن من عنصرين أساسيّين: عنصر مادي،وعنصر غير مادي; وأنّ الذي يمثّل حقيقة الإنسان وواقعه هو البعد غير المادي فيه (أي روحه ونفسه)، وأنّ الروح جوهر مستقل ووجود منفرد، نعم تربطها بالبدن علاقة وآصرة خاصة، وذلك باعتبار انّ البدن المادي يمثّل الأداة والآلة والجهاز الذي تستخدمه الروح للعمل والحركة في هذا العالم المادي. وهذا لا يعني أنّ حقيقة الإنسان مكوّنة من جسم وروح، بل أنّ الواقع فوق ذلك، فالإنسان هو الروح، والجسم بمنزلة الكسوة واللباس فقط.

ونحن لسنا هنا بصدد استعراض أدلّة أصحاب النظرية المادية وتحليلها ونقدها، لأنّ ذلك خارج عن الهدف المنشود وراء تدوين هذه الرسالة، ولقد فصّلنا البحث في هذه المسألة وأشبعناها بحثاً وتحقيقاً ونقداً في كتابنا «أصالة الروح في القرآن الكريم».

نعم نحاول هنا الإشارة إلى بعض الأدلّة التي أقامها الإلهيّون لإثبات نظريتهم في إثبات وجود الروح، وأنّها هي التي تمثّل الحقيقة الإنسانية، علماً أنّهم قد سلّطوا الأضواء على جميع أبعاد القضية وأشبعوها بحثاً، وأقاموا لإثبات


(239)

مدّعاهم عشرة براهين عقلية. ولكننّا سنكتفي هنا بذكر البعض من هذه الأدلّة التي تتّصف بالشمولية والوضوح والاشتمال على الخصوصية التجريبية.

1. الشخصية الإنسانية المعبّر عنها بالـ«أنا»

كلّ إنسان على وجه المعمورة ينسب أفعاله وما يصدر منه من حركات وسكنات وانفعالات إلى موجود يُعبر عنه بالـ«أنا» ، ويقول: «أنا فعلت» ، «أنا كتبت» ، «أنا رأيت» ، «أنا سافرت» و غير ذلك، ولم يكتف الإنسان بذلك، بل تراه ينسب أعضاء جسمه إلى ذلك الموجود الذي يقع وراء المادة فيقول: «رأسي» و «قلبي» و «يدي» و «فكري» و غير ذلك.

بل يتجاوز إلى أكثر من ذلك فينسب نفس البدن بأكمله إلى ذلك الشيء غير المادي، فيقول: «بدني».

ومن هنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما هذا المضاف إليه في جميع هذه الانتسابات من انتساب الأفعال والأعضاء والبدن بأكمله؟

وللإجابة عن هذا التساؤل المطروح نقول: إنّ كلّ قضية تتركّب من موضوع ومحمول، فبداهة العقل تحكم بأنّ لهذه المحمولات موضوعاً، وإن لم يكن مرئياً، إلاّ أنّنا ندركه من خلال تلك المحمولات، فالأفعال البشرية رغم صدورها من أعضاء مختلفة، كالإبصار بالعين، والرفع باليد، والمشي بالرجل و...، إلاّ أنّ الإنسان ينسبها جميعاً إلى مصدر واحد، هو الـ«أنا» فيقول: «أنا شاهدت» و «أنا سمعت» و....

من هنا ندرك انّ هذه المحمولات تتطلّب موضوعاً واحداً لنفسها، حتّى لا تكون تلك القضايا مجرّد انتسابات بلا موضوع،وعندئذ يكون هذا الموضوع


(240)

الواحد هو الشخصية الواقعية للإنسان والتي يُعبر عنها «بروحه ونفسه».

2. ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغيّرات المادية

الشاهد الثاني والدليل الآخر على وجود الروح واستقلاليتها عن النظام المادّي، هو: انّ الإنسان يشعر ـ و في خضّم التغيّرات والتحوّلات المادية التي تطرأ على جسمه خلال مسيرته المادية ـ انّ هناك وجوداً باقياً لم يتغيّر ولم يتحوّل بالرغم من كلّ تلك التحوّلات التي طرأت على جسمه.

وبعبارة أُخرى: انّ الإنسان يمرّ في مسيرة حياته الطويلة بمراحل متعدّدة بدءاً بمرحلة الطفولة، ثمّ الصبا، والشباب، والكهولة والشيخوخة،ولكنّه مع ذلك كلّه يدرك أنّ هناك شيئاً ثابتاً وباقياً وراء ذلك كلّه لم يتغير بالرغم من جميع تلك التحوّلات، فينسب إليه التحوّلات المذكورة والمراحل المتعدّدة فيقول: أنا حينما كنت طفلاً، وأنا حينما كنت يافعاً، وأنا حينما كنت شاباً، وهكذا. فيدرك انّ هناك حقيقة ثابتة وباقية رغم التحوّلات والأطوار المتعدّدة التي مرّ بها الجسم.

فلو كانت حقيقة الإنسان تكمن في وجوده المادّي المتمثّل في الجسم، فمن المستحيل حينئذ الوصول إلى إدراك حقيقة الإنسان في إطار تلك التحوّلات والتغيّرات،وذلك لأنّ البدن عرضة للتحوّلات المتكرّرة والمتغيّرة، فلابدّ حينئذ من البحث عن حقيقة الإنسان وراء ذلك العنصر المادّي المتحوّل، ولا شكّ انّ الإنسان يدرك بوجدانه انّ هناك شيئاً وراء المادّة لم يتغيّر ولم يتحوّل، وقد انطلق معه في جميع تلك المراحل المتعدّدة،وهذا الوجود هو الذي يشكّل حقيقته وتكمن فيه ذاته.

وإذا أردنا أن نصيغ ذلك الدليل بصياغة برهانية منطقية نقول:


(241)

1. يدرك الإنسان انّ له وجوداً ثابتاً في خضم التحوّلات والتغيّرات يطلق عليه مصطلح الـ«أنا».

2. انّ العنصر المادي للإنسان عرضة للتحوّلات والتقلّبات عبر السنين والأيام، وانّ جميع خلاياه في تحوّل وتبدّل دائمين بنحو يستبدل الإنسان جميع خلاياه كلّ ثمان سنين، كما أثبتت ذلك النظريات العلمية.

النتيجة: انّ «الأنا» لا تمثّل القسم المادي من وجود الإنسان أبداً، وانّما تحمل هوية غير مادية ووجوداً مستقلاً، وذلك لأنّه إذا كانت حقيقة الإنسان كامنة في عنصري المادة والطاقة، فلا يمكن حينئذ أن تكون للإنسان شخصية ثابتة وحقيقة باقية، وذلك لأنّ عنصري المادة والطاقة في تحوّل وتغيّر دائمين، فلا يحق لأيّ محكمة في العالم أن تقاضي إنساناً في سن الأربعين على جرم قد اقترفه وهو في سن العشرين، لأنّ الشخصية التي اقترفت الجريمة وارتكبت الجرم قد اندثرت وانتهت بالكامل ، وهو الآن يعيش بشخصية أُخرى، هي شخصية الإنسان في سن الأربعين. والحال انّ الجميع يدركون بالوجدان انّ هناك شيئاً ثابتاً هو الذي توجّه إليه نسبة الجريمة واقتراف المخالفة، سواءً كان في العشرين من العمر، أو الأربعين أو المائة، وهذا الشيء هو الذي يمثّل الحقيقة الثابتة والأمر الواقعي للإنسان والذي يعبّر عنه بالروح.

3. علم الإنسان بنفسه مع غفلته عن بدنه

أقام الفيلسوف الإسلامي الكبير ابن سينا برهاناً على هذه القضية نأتي به مع التصرّف في العبارة بنحو ينسجم مع أُسلوب هذا الكتاب، والبرهان يقوم على الفكرة التالية: لنفرض إنساناً ما يعيش في حديقة غنّاء وفضاء طلق لا يشعر فيه


(242)

بحر أو برد، ولا يوجد طائر أو حيوان أو ما شابه ذلك يعكّر عليه هدوءه، فلا طائر يصدح، ولا غراب ينعب، ولا حيوان يصيح،ولا حفيف شجر ولا تساقط ورق، ولا...، فلا يلامس أعضاءه شيء أبداً.

فإنّ الإنسان في الحالة المذكورة يغفل عن كلّ أعضائه الظاهرة والباطنة، وكونه جسماً ذا أبعاد، وحواسّه وقواه، والأشياء الخارجة عنه جميعاً، كلّ ذلك يغفل عنه،ولكنّه لا يغفل عن شيء واحد رغم ذلك كلّه، وهذا الشيء هو ثبوت ذاته، فإذاً أوّل الإدراكات على الإطلاق وأوضحها هو إدراك الإنسان نفسه، وظاهر انّ مثل هذا الإدراك لا يمكن أن يكتسب بحد أو رسم(أي من خلال التعريف)، أو يثبت بحجة أو برهان.(1)

والحقيقة انّ هذا البرهان لا يحتاج في تقريره إلى كلّ هذه المقدّمات الواسعة، بل يمكن إثباته بصورة مختصرة، فأنت ترى الإنسان قد يغرق أحياناً في التفكير والتأمّل بنحو يغفل عن كلّ شيء إلى درجة قد لا يلتفت ولا ينتبه إلى حوادث مهمة جداً تقع إلى جانبه، ولكنّه مع كلّ ذلك لا يغفل عن شيء واحد، وهو شخصيته العلمية وتفكيره وانّه إنسان مفكّر وهذه المسألة تحكي أنّ حقيقة الإنسان وواقعه شيء وراء البدن والأعضاء المادية، التي طالما يغفل عنها ولا يلتفت إليها.

4. الروح من وجهة الدراسات والبحوث العلمية الحديثة

إلى هنا تعرّفنا على وجود حقيقة تكمن وراء البدن يطلق عليها مفهوم «الروح».


1 . الإشارات والتنبيهات:2/292ـ 293، بتصرّف في العبارة; وانظر الشفاء قسم الطبيعيات:282.

(243)

وما ذكرناه إلى هنا مجموعة من البراهين العقلية والتجريبية، عامّة الفهم والتي يدرك الجميع من خلالها حقيقة تجرّد الروح، وهانحن نعطف عنان القلم إكمالاً للبحث وإتماماً للفائدة للحديث عن النهضة العلمية المعاصرة والتي سلّطت الأضواء على جميع أبعاد الإنسان تحت عنوان «معرفة الإنسان»، ليتّضح لنا موقف العلوم التجريبية والفلسفية في هذه القضية ثمّ نعرّج على الموقف القرآني وحكمه فيها.

تشكّلت في عام 1882م جمعية تحت عنوان «جمعية البحوث الروحية» برئاسة المفكّر الإنجليزي الأُستاذ «جوميك» أُستاذ جامعة «كامبريج».

وقد ضمّت الجمعية كلاً من العالم «أُوليوردلوچ» و المعروف بـ «دارون العلوم الطبيعية»(1)، والكيمياوي الإنجليزي المعروف «وليام كروكس» وكلاً من الأُستاذين: «فردريك ميرس»، و «هورسن» الأساتذة في جامعة «هاروارد» الإمريكية، و «هيزلوپ» الأُستاذ في جامعة «كلومبيا»، و غير هؤلاء من العلماء والباحثين الكبار، أمثال: «عارمي» و «باربت» و «بورمو» و «شارل پيشيه» الأُستاذ في كلية الطب، والرياضي المعروف و الفلكي الفرنسي المعروف «كاميل فلاماريون» و....

وقد عمل هذا الفريق العلمي الكبير وعلى مدى 45عاماً بجهود حثيثة، فكانت ثمرة ذلك العمل إصدار موسوعة كبيرة تتألف من خمسين كتاباً، سلّطوا فيها الأضواء على جميع الموضوعات التي تتعلّق بالروح والنفس، ولقد كان لهذا العمل دوره البارز في حلّ الكثير من الإشكالات والتساؤلات المطروحة في هذا


1 . في مقابل العالم الطبيعي المشهور «دارون».

(244)

المجال.

وفي الحقيقة انّ اللّه سبحانه وتعالى فتح على الإنسان في هذا العصر نافذة من العلم، ثبت من خلالها انّ للإنسان روحاً تستطيع الحياة بصورة مستقلة عن البدن، وهي قادرة على القيام ببعض الأعمال بدون أن تستعين بالبدن المادي.(1)

ثمّ إنّ علم تحضير الأرواح (spritisme)والذي أُقيمت أُسسه في القرن الماضي هو الآخر أزاح الستار عن العالم الآخر وبنحو وفّر للإنسان إمكانية الاتّصال والارتباط بذلك العالم (عالم الروح).

ثمّ إنّ العلوم والحقائق التي اكتشفها العلماء وشاهدوها من خلال جلسات إحضار الأرواح، يمكنها هي الأُخرى أن توصلنا إلى النتيجة التالية، وهي: انّ الإنسان يمتلك ـ بالإضافة إلى البدن المادي ـ روحاً مستقلة لم يتطرّق إليها الفناء بموت الجسد وانعدامه، وانّ العلاقة بين الأموات والأحياء هي خير دليل على استقلال الروح وبقائها، وقدرتها على القيام بالكثير من الأعمال الصعبة بإذنه تعالى.(2)

ولا زالت هذه الحركة قائمة في البلاد الغربيّة، ويمكنها أن تكون عاملاً مهماً في حصول الاطمئنان لدى بعض الناس المعجبين بالنتاجات والنظريات التي هي وليدة البيئة الغربية، أو الناس الذين لا يذعنون للأُمور بسرعة.

بعد هذه الجولة السريعة في البراهين الفلسفية والأدلّة العقلية والإشارة إلى


1 . لمزيد الاطّلاع انظر: دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي، مادتي: «روح» و «وحي».
2 . انظر «عالم ما بعد الموت» تأليف لئون دني ص 78ـ 82. ثمّ إنّنا إنّما ذكرنا ذلك باعتباره مؤيّداً لأصل الموضوع، ولسنا بصدد تصديق كلّ المدعيات التي صدرت من هؤلاء العلماء وحكمهم في مسألة تحضير الأرواح والارتباط بها.

(245)

النتاجات والتحقيقات العلمية المعاصرة، نعطف عنان القلم إلى القرآن الكريم لنعرف موقفه من هذه القضية الحسّاسة.

القرآن وحقيقة الشخصية الإنسانية

إذا استعرضنا آيات الذكر الحكيم نقف على أنّها تدلّ على أنّ حقيقة الإنسان وشخصيته غير جسمه المادي، وهذه الآيات قد توزّعت على عناوين مختلفة، كلّها تشير إلى هذه الحقيقة، ومن هذه العناوين التي يمكن اقتناصها من آيات الذكر الحكيم:

القرآن وتجرّد الروح

لقد أشار الكثير من آيات الذكر الحكيم إلى تجرّد الروح عن المادة وآثارها، وهذا شاهد واضح وجليّ على أنّ حقيقة الإنسان لا تنحصر في هذا البدن المادي، بل انّ البدن في حقيقته ليس إلاّ آلة ووسيلة تستخدمها الروح لتنفيذ أغراضها، وانّ واقع الإنسان وحقيقته يتمثّل في روحه ونفسه، وقد وردت في هذا المجال الكثير من الآيات الكريمة نشير إلى بعضها:

1. توفّي الأنفس حين موتها

لقد أكّد القرآن الكريم بما لا ريب فيه أنّ اللّه تعالى يتوفّى الأنفس حين موتها، وكذلك حين منامها، فيمسك سبحانه النفس التي قضى عليها الموت ويعيد الأُخرى إلى بدنها إلى أجل آخر، قال تعالى:

(اللّهُ يَتَوَفّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتها وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها


(246)

فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْها الْمَوتَ وَيُرسِلُ الأُخرى إِلى أَجَل مُسَمّى إِنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوم يَتَفَكَّرُون).(1)

إنّ لفظة «يتوفّى» و التي تعني الأخذ بصورة كاملة، وكذلك مصطلحي «الإمساك» و «الإرسال» تدلّ جميعها على أنّ هناك جوهراً ووجوداً غير البدن المادي في الكيان الإنساني يتعلّق به «التوفّي» و «الإمساك» و «الإرسال»،وليس المراد من التوفّي في الآية إلاّ أخذ الأنفس وقبضها،ومعنى ذلك أنّه سبحانه يقبض الأنفس إليه، وقت موتها وفي منامها، بيد أنّ من قضى عليه بالموت يمسك روحه إلى يوم القيامة ولا يسمح لها بالعودة إلى الحياة الدنيا،ومن لم يقض عليه به يرسل روحه إلى الدنيا إلى أجل مسمّى.

ومن البديهي انّ شخصية الإنسان لو كانت تتمثّل في جسمه وبدنه المادي، لما كان استعمال هذه المصطلحات والمفاهيم ـ من قبيل: «التوفّي»، «الإمساك»، «الإرسال» ـ استعمالاً صحيحاً، لأنّ هذه المصطلحات إنّما تصدق في مجال الحديث عن الروح لا البدن، وفي هذا دلالة واضحة على وجود الروح واستقلاليتها، لأنّه من المستحيل إمساك المعدوم أو غير الموجود. وبما أنّه سبحانه عبّر بالإمساك، وعرفنا أنّ هذا الإمساك لم يتعلّق بالبدن فلابدّ من الإذعان أنّه يتعلّق بالروح، وهذا خير دليل على وجودها وتجرّدها.

2. حقيقة الإنسان وواقعه عند اللّه سبحانه

لقد تعرّض القرآن الكريم لبيان الإشكال الذي أثاره المشركون حول معاد الإنسان، فقال سبحانه حاكياً شبهتهم: (ءَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ ءَإِنّا لَفِي خَلْق


1 . الزمر:42.

(247)

جَدِيد).(1)

وفي الحقيقة انّ أساس إشكالهم مبني على الفكرة التالية: انّهم اعتقدوا انّ الموت يمثل بطلان الشخصية الإنسانية وانعدامها، لأنّهم تصوّروا أنّ حقيقة الإنسان قائمة ببدنه، وبما أنّ هذا البدن المادي سوف يتفسّخ وينحل إلى جزيئات و ذرّات تتبعثر في الأرض(ضللنا في الأرض)وتختلط بالتراب، فمن المستحيل إعادة تلك الذرّات المتناثرة هنا وهناك مرّة أُخرى لتعود إلى ما كانت عليه قبل الموت إنساناً كاملاً سوّياً!!

ولقد أجاب القرآن الكريم عن هذه الشبهة ببيان بطلان أساسها، حيث بيّن سبحانه وتعالى للمشركين أنّ اعتقادهم بأنّ حقيقة الإنسان تنحصر في العنصر المادّي منه اعتقاد باطل، وتفكير ساذج، لأنّ الإنسان يتكوّن من عنصرين:

أحدهما: البدن المادي، وهذا هو الذي يطرأ عليه الفناء والضلال والتبعثر في الأرض.

وهناك عنصر آخر في الإنسان لا يتطرّق إليه الفناء ولا الضلال في الأرض، وهو الذي يمثّل حقيقة الإنسان وواقعيته، وهذا الشيء الثابت يقبضه ملك الموت بصورة كاملة من دون أيّ نقص أو انعدام، قال تعالى:

(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلِ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).(2)


1 . السجدة:10.
2 . السجدة:11.

(248)

فكما ثبت في الآية الأُولى أنّ «التوفّي» ليس بمعنى الإماتة، بل بمعنى الأخذ والقبض والاستيفاء حيث قال تعالى:(اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُس حينَ مَوتِها)، فهكذا الكلام في الآية الثانية حيث إنّها أشارت إلى أنّ الإنسان في واقعه يتكوّن من قسمين أساسيين، هما:

الف: البدن والجسم الظاهري، وهذا هو الذي يضل في التراب بعد الموت، وهو الذي يتحوّل إلى ذرّات متناثرة هنا وهناك، بل قد يتحوّل إلى مواد أُخرى أثر التفاعلات الكيمياوية وغيرها من العوامل.

ب: القسم الثاني والذي يمثّل حقيقة الإنسان وبه قوام شخصيته، والذي عبّر عنه في الآية الكريمة بلفظ «كم» الوارد في قوله: (يتوفاكم)، فهذا هو جوهر شخصية الإنسان وحقيقته، وانّ الذي يتوفّاه ملك الموت ويأخذه وينتزعه من الجسد، ليس إلاّ الجانب الأصيل الذي به تناط شخصيته وتتقوّم به حقيقته، وهو محفوظ عند اللّه تعالى.

وفي الحقيقة انّ الآية المباركة قد أشارت في مقام الجواب إلى برهان علمي وهو: انّ الذي يضل في التراب من الإنسان ـ بسبب الموت ـ هو القشر والبدن، وأمّا حقيقته وهي الروح الإنسانية التي بها قوام شخصيته، فلا يطالها الفناء ولا ينالها الاندثار.

وهذا البيان يثبت وبجلاء انّ للإنسان ـ وراء بدنه الذي يفنى ـ واقعاً لا تطرأ عليه آثار المادة من الانعدام والضلال في الأرض أبداً.

إلى هنا وصلنا إلى هذه الحقيقة، وهي: أنّ الرؤية القرآنية متطابقة مع الحقائق التي أثبتتها البراهين الفلسفية والأدلّة العقلية والعلوم المعاصرة، والتي تتمثّل في أنّ حقيقة الإنسان وشخصيته تتقوّم في روحه ونفسه، لا في بدنه المادي.


(249)

الأصل الثاني
ما هي حقيقة الموت؟

قد تعرّفنا في الأصل الأوّل على أنّ واقع الإنسان يكمن في روحه ونفسه لا في بدنه المادّي، وانّ هذه النفس لتجرّدها وصيانتها من الآثار والتفاعلات المادية من قبيل : (الانحلال، الفناء،الفساد، والاندثار و...) تكون في قبضته سبحانه خالدة إلى يوم القيامة.

من هذا المنطلق تتضّح حقيقة الموت بصورة واضحة، وذلك لأنّه إذا كانت حقيقة الإنسان وواقعه تتمثّل في روحه ونفسه الخالدة، فحينئذ يكون الموت عبارة عن فصل «الروح» عن «البدن» ونزعها عنه بسبب بعض العوامل والتغيّرات التي تطرأ على البدن ممّا تجعل استمرار عملية الارتباط بينهما غير ممكنة.

وبعبارة أُخرى: انّ الروح الإنسانية تصل إلى درجة من الكمال تنتفي معه الحاجة إلى البدن المادي، وتصل النفس وتحت شروط معينة إلى درجة من الرقي بحيث تستطيع الانتقال إلى الحياة الأُخرى المناسبة لها من دون أن تستصحب معها لباسها المادّي.


(250)

ثمّ إنّ بقاء الروح بعد الموت من الحقائق الفلسفية والعلمية التي أثبتها كبار فلاسفة اليونان، أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو، وابن سينا وشيخ الإشراق وصدر المتألّهين من الفلاسفة الإسلاميين، حيث أقاموا عليها البراهين الفلسفية الدقيقة والأدلّة العقلية المحكمة. وأخيراً وصلت القضية إلى مستوى الحقيقة العلمية بفضل سلسلة من التجارب والجهود العلمية التي قام بها العلماء الغربيون وعلى مدى أعوام طويلة من البحث والمتابعة.

نعم، لقد أصابت العالم في القرن التاسع عشر حُمّى النظرية المادية التي أنكرت قضايا ماوراء الطبيعة من قبيل: اللّه، الملائكة، الروح المجرّدة، وغيرها من العوالم الغيبية، إلاّ أنّه ومع إطلالة القرن العشرين وخاصة النصف الثاني منه عادت عجلة الحركة الفكرية إلى مجراها الطبيعي بصورة ما، بسبب الجهود والمساعي المشكورة التي بذلها الإلهيّون حيث فتحوا أمام العالم نافذة تطل على عالم ماوراء الطبيعة، أثبتوا من خلالها أصالة الروح وبقاءها بعد الموت، وهذا ما تمّت الإشارة إليه حينما تعرضنا للبحث عن الأصل الأوّل.

وفي هذا الأصل نحاول السير مع آيات الذكر الحكيم، لنتعرف على الرؤية القرآنية لمسألة الموت،وكذلك نحاول اقتناص موقف السنّة النبوية الشريفة وسيرة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً.

القرآن الكريم وبقاء الروح

بما أنّ مستندنا في هذا الأصل سيكون آيات الذكر الحكيم والروايات الصادرة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ، فلابدّ من استقراء تلك الآيات والروايات ولو بصورة مختصرة، لبيان موقفها من تجرّد الروح وبقائها بعد الموت.


(251)

ومن حسن الحظ انّ هناك الكثير من آيات الذكر الحكيم التي دلّت وبصراحة على استمرار الحياة الإنسانية بعد الموت،وبما أنّ تلك الآيات من الكثرة بحيث لا يتسنّى نقلها جميعاً مع ذكر التفاسير الواردة فيها، ضمن هذا الكتاب، من هنا نكتفي بذكر نماذج منها:

1. الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون

لقد ورد العديد من آيات الذكر الحكيم التي تؤكّد على أنّ شهداء طريق الحقّ أحياء عند ربّهم يرزقون، نكتفي بذكر ثلاثة موارد منها:

الف: قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ).(1)

قد يتصوّر البعض أنّ الآية المباركة تشير إلى انّ المراد من حياة شهداء الفضيلة وطريق الحق، هو حياتهم وخلودهم الاجتماعي، باعتبار انّ هذه الطائفة المضحّية والتي قد أقدمت على بذل نفوسها في سبيل العقيدة والمبدأ، خالدة وحاضرة دائماً في ضمير الأُمّة وفي فكرها ووعيها وفي قلوب المؤمنين، وانّ تضحياتهم قد رسخت في ذهن الأُمّة بنحو لا يتسنّى لها محو تلك البطولات الرائعة والتضحيات العظيمة، بل انّ الأُمّة قد خطّت مواقفهم بماء الذهب على صفحات تاريخها بحيث أصبحوا يمثّلون عنصراً مهماً ورافداً أساسياً من روافد تاريخها الذي تفتخر به.

ولكن التأمّل في نفس الآية المباركة يثبت ضعف هذه النظرية ووهن هذه


1 . البقرة:154.

(252)

الفكرة، وذلك لأنّ المتمعّن في الآية المباركة يجد في ذيلها الفقرة التالية: (ولكن لا تشعرون)، وهذا يعني أنّ الحياة التي تتحدّث عنها الآية المباركة للشهداء حياة لا يشعر بها الإنسان. ولا يمكن له الإحساس بها . والحال انّ المعنى الذي ذكره أصحاب تلك النظرية معلوم، إن لم يكن للجميع ، فعلى أقل تقدير أنّه معلوم لطائفة كبيرة منهم، حيث إنّ هناك الكثير ممّن يشعرون بهذا المعنى والمفهوم الاجتماعي للحياة، وحينئذ لو كان هذا هو المقصود من الآية المباركة لكان قوله تعالى: (ولكن لا تشعرون) لغواً لا طائل فيه، وبما أنّ كلامه سبحانه وتعالى منزّه عن اللغو والعبث، فلابدّ من الإذعان بأنّ الآية المباركة تتحدّث عن حياة أُخرى يعيشها الشهداء عند ربّهم سبحانه وتعالى تنسجم مع قوله سبحانه: (ولكن لا تشعرون).

ب: قوله تعالى:(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون).

ج: قوله تعالى(1): (فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).(2)

ثمّ تردف الآية المباركة ذلك بقوله سبحانه:(يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنينَ).(3)

فهذه الباقة من آيات الذكر الحكيم تدلّ وبصراحة وقاطعية على الدرجة الرفيعة والمنزلة السامية التي ينالها شهداء الفضيلة،ولم تكتفِ الآيات الكريمة بذلك، بل أثبتت أنّ هؤلاء الشهداء لا انّهم أحياء عند ربّهم فحسب، بل يتمتّعون


1 . آل عمران:169ـ 171.
2 . آل عمران:169ـ 171.
3 . آل عمران:169ـ 171.

(253)

بالإضافة إلى ذلك بالآثار الجسمانية والمعنوية للحياة، لأنّ الرزق والفرح والاستبشار من الآثار الجسمية والروحية للإنسان الحي.

2. قصة مؤمن سورة «يس» وكلامه بعد قتله

اتّفق المفسّرون على أنّ النبي عيسى(عليه السلام) قد أرسل ثلاثة من الرسل إلى أنطاكية داعين أهلها إلى التوحيد وترك عبادة غير اللّه سبحانه، فعارضهم أهل أنطاكية ولم ينصاعوا إلى الدعوة المباركة.

فبينما كان القوم والرسل يتحاجّون، إذ جاء رجل من أقصى المدينة يسعى داعياً الناس إلى تصديق الرسل والإيمان بهم، ومبيّناً لهم الأدلّة المنطقية والعقلية التي تحتم عليهم الإذعان للمرسلين والانصياع لدعوتهم، وقد فصل القرآن الكريم تلك الأدلّة في سورة يس(1). وبعد أن بيّن الوجوه والأدلّة التي تحثّ على الإيمان وتلزم بالانقياد لرسالة التوحيد، أعلن عن موقفه موجهاً كلامه إلى القوم أو إلى الرسل حيث قال:(إِنّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)(2)، وما أن انتهى من إعلان موقفه وبيان إيمانه بالرسالة حتى انثال عليه القوم بالضرب والرجم حتى أردوه قتيلاً مضرّجاً بدمائه، ولكنّه سبحانه جزاه على موقفه هذا بدخول الجنة قال تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ)، فلمّا دخل الجنة ورأى النعيم الإلهي قال: (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ).(3)

ولا ريب أنّ المراد من الجنة هنا الجنة البرزخية لا الحياة الأُخروية، بدليل


1 . يس:20ـ 29.
2 . يس:25.
3 . يس:26ـ27.

(254)

تمنّيه الوارد في الآية: (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ)، إذ من الواضح أنّ الحجب في الحياة الأُخروية مرفوعة وانّ قومه المشركين يعلمون، بل يرون النعم الإلهية التي ينعم اللّه تعالى بها على المؤمنين، وإنّما الحجب موجودة بينهم و بين الحياة البرزخية،ومن هنا يكون تمنّيه أمراً معقولاً ومنطقياً، بخلاف ما لو كان المراد من الحياة هي الحياة الأُخروية، فلا معنى حينئذ لهذا التمنّي مع رفع الحجب والأستار وانكشاف الأُمور إلى درجة تصفه الآية المباركة بقوله تعالى: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد).(1)

ثمّ إنّه سبحانه لم يمهل القاتلين طويلاً ولم يرسل جنداً من السماء لإهلاكهم، بل أهلكهم سبحانه وأطفأ نور حياتهم بصيحة سماوية كانت فيها نهايتهم، حيث قال سبحانه:(وَمَا أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلينَ * إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ).(2)

وخلاصة الكلام: انّ الآيات السابقة تدلّ بوضوح على بقاء الروح وإدراكها وشعورها وتلقّيها الخطابات (قيل ادخل الجنة)، وتمنّيها أن يرى قومها ما أنعم اللّه عليها (قال يا ليت قومي يعلمون)، وهلاك قومه بالصيحة بعد قتله مباشرة، كلّ ذلك يراد به الحياة البرزخية والجنة البرزخية لا الأُخروية.

3. عرض آل فرعون على النار

قال تعالى في وصف حال آل فرعون:(النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً


1 . ق:22.
2 . يس:28ـ29.

(255)

وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ الْعَذابِ).(1)

ومن يمعن النظر في الآية المباركة يجدها تتألّف من شقين أو قسمين، أو أنّها تشير إلى مرحلتين:

المرحلة الأُولى: عرض آل فرعون غدواً وعشياً على النار.

الثانية: قيام الساعة وإدخال آل فرعون أشدّ العذاب.

يتّضح وبجلاء من هذين المقطعين أو من خلال هذين المرحلتين انّ المرحلة الأُولى ناظرة إلى الحياة البرزخية التي يعيشها آل فرعون، والتي يعرضون فيها على النار غدواً وعشياً، وستستمر هذه المرحلة إلى قيام الساعة، ولولا قوله: (ويوم تقوم الساعة)، لما اتّضح لنا هذا المعنى الذي ذكرناه من الآية المباركة.

4. قصة أُمّة النبي نوح(عليه السلام) بعد غرقهم ودخولهم النار

قال تعالى مشيراً إلى عاقبة قوم نوح(عليه السلام):(مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْصاراً).(2)

ذهب البعض من المفسّرين إلى تفسير الجملة الثانية بنار الآخرة، لأنّها وردت بصيغة الماضي فقال: (فأُدْخُلُوا ناراً)بصيغة الماضي لكون تحقّقه قطعياً.(3)

ولكن هذا التأويل ـ بالإضافة إلى عدم وجود شاهد يعضده ـ مخالف لظاهر الآية المباركة، لأنّ ظاهرها أنّ دخولهم النار كان ملاصقاً لغرقهم ومتصلاً به من دون أن تتخلّل بين الأمرين (الإغراق والدخول) فاصلة زمنية طويلة، وذلك


1 . غافر:46.
2 . نوح:25.
3 . مجمع البيان:5/364.

(256)

بدلالة حرف «الفاء» الوارد في الآية.

فلو كان المراد من الآية نفس ما ورد في التفسير المذكور، لكان من اللازم أن يأتي بدل قوله:(فادخلوا)جملة (ثم ادخلوا)، لأنّه بناءً على هذا الاحتمال، لابدّ من وجود الفاصلة الزمنية الطويلة بين الإغراق والدخول في النار، والذي يناسبه عطف الجملة الثانية على الأُولى بحرف (ثم).

نكتفي هنا بهذا المقدار من آيات الذكر الحكيم الدالة على الحياة البرزخية،ومن أراد المزيد من التفصيل فعليه مراجعة كتابنا «في ظلال التوحيد»، وكتابنا الآخر «الحياة البرزخية».

السنّة الشريفة والحياة البرزخية

كان الكلام في بيان الرؤية القرآنية للحياة البرزخية،وقد حان الوقت لعطف عنان القلم لبيان موقف الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الطاهرين من أهل بيته (عليهم السلام) في هذه المسألة.

لقد أولى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) هذه المسألة الحسّاسة أهمية خاصّة، وسلّطوا الأضواء على جميع أبعادها من خلال أحاديثهم والروايات الكثيرة التي وردت عنهم (عليهم السلام) ، حتّى أنّ أصحاب الكتب الحديثية والعقائدية أفردوا أبواباً خاصةً ذكروا فيها تلك الأحاديث الشريفة، ونحن نقتطف بعض النماذج من تلك الروايات:

1. روى مسلم عن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما كان ليلتها من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وآتاكم ما توعدون، غداً مؤجّلون،وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل


(257)

بقيع الغرقد».(1)

فلو كان الأموات لا يسمعون كالجماد يكون السلام عليهم عندئذ عبثاً، وأين منزلة نبي الحكمة من العبث؟!

2. الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلّم عائشة كيفية السلام على الموتى.

قالت عائشة، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ورحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون».(2)


1 . صحيح مسلم:7/41.
2 . صحيح مسلم:3/64، باب ما يقال عند دخول القبور من كتـاب الجنـائز; سنن النسائي: 4/91.

(258)

الأصل الثالث
وجود الصلة بين الحياتين الدنيوية والبرزخية

إلى هنا تمّ البحث عن إثبات الأصلين السابقين:

1. انّ حقيقة الإنسان تكمن في روحه المجرّدة ونفسه الخالدة.

2. انّ الموت يمثّل عملية انتقال من مرحلة إلى أُخرى، ومن حياة إلى حياة أُخرى، ولا يعني بحال من الأحوال أنّه فناء وانعدام للإنسان بالكامل.

وهانحن ننتقل إلى دراسة الأصل الثالث، الذي يحظى بأهمية كبيرة في مجال الدراسات العقيدية، إذ قد يتصوّر البعض أنّ بين الحياتين توجد موانع وأستار وحجب، تمنع من المشاهدة والسماع بين الدارين.

ومن الناحية المنهجية نحاول في هذا الأصل أن نصرف النظر عن تجارب الغربيين وآرائهم في هذا المجال، ونكتفي بدراسة المسألة من الزاويتين القرآنية والحديثية فقط، بالإضافة إلى بعض كلمات علماء المسلمين في هذا الصدد.

القرآن الكريم والصلة بين الحياتين

لقد سلّطت آيات الذكر الحكيم الضوء على هذه المسألة وأزاحت الستار


(259)

عنها، وأثبتت بما لا شكّ ولا ريب فيه وجود الصلة بين الحياتين،وانّ الذين عبروا قنطرة الموت لازالت صلة البعض منهم ـ على أقلّ تقدير ـ باقية مع الحياة الدنيا، وهانحن نشير إلى بعض النماذج من تلك الآيات لتنجلي حقيقة الأمر وتتّضح الحقيقة لمن يرومها.

1. النبي صالح(عليه السلام) يكلّم قومه بعد هلاكهم

من الآيات التي تؤكّد وجود الصلة بين الحياتين مجموعة الآيات التي وردت في قصة النبي صالح(عليه السلام)حيث أكّد القرآن الكريم أنّه(عليه السلام) دعا قومه إلى عبادة اللّه وترك التعرّض لمعجزته «الناقة» بسوء، ولكنّهم عقروها وعتوا عن أمر ربّهم، وقد جاء بيان القصة في الآيات الثلاث التالية:

قوله تعالى: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وعَتَوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلينَ).

وقوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ


(260)

جاثِمِينَ).

وقوله تعالى: (فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ).(1)

وإذا أمعنا النظر في الآيات الثلاث نجد:

إنّ الآية الأُولى أشارت إلى أنّ قوم صالح(عليه السلام) طلبوا العذاب الإلهي الذي وعدهم به النبي صالح(عليه السلام).

وأمّا الآية الثانية فتؤكّد نزول ذلك العذاب عليهم (فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمين).

وأمّا الآية الثالثة فقد نقلت الحديث إلى كلام صالح(عليه السلام) مع قومه بعد نزول العذاب عليهم وهلاكهم،وكيف أنّه(عليه السلام) أخذ يخاطبهم بقوله:(يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ).

والشاهد على أنّه(عليه السلام) تحدّث معهم بعد هلاكهم ونزول العذاب بهم، هو:

1. نظم الآيات بالشكل الذي ذكرناه.

2. حرف «الفاء» الوارد في قوله تعالى:(فَتولّى)المشعر بالترتيب بين الهلاك والخطاب، بمعنى أنّ خطابه(عليه السلام) لهم جاء عقيب هلاكهم مباشرة.

3. جملة (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ) وهذا المقطع من الآية يفيد بأنّهم بلغت بهم العنجهية أن كانوا لا يحبون الناصحين حتى بعد هلاكهم!!!

وظاهر الآية أنّه (عليه السلام) كان يتحدث مع أرواح قومه بصورة جدّية ويخاطبهم بصورة مباشرة مبيّناً لهم عنادهم وعنجهيتهم حتى بعد موتهم بقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ).

وهنا قد يطرح السؤال التالي وهو: من المحتمل أن يكون خطاب صالح(عليه السلام) لقومه لا على نحو الجد، بل من قبيل تغزّل العاشقين وخطابهم للدور وجدران المنازل التي يقطنها الحبيب.

وجواب ذلك: انّ حمل الآية المباركة على لسان الحال والقول بأنّها من قبيل غزل العاشقين وخطابهم للدور و جدران المنازل لهو من أبرز مصاديق التفسير بالرأي، وانّه تفسير وحكم خاطئ لا يقوم على دليل.

ومن الواضح أنّ حقيقة التفسير بالرأي تنبع من اتّخاذ الموقف أوّلاً والاعتقاد


1 . الأعراف:77ـ79.

(261)

مسبقاً، ثمّ محاولة تفسير الآيات وفقاً لهذا الرأي وانسجاماً مع هذا المعتقد بشتّى أنواع التأويل والتحريف، وبما أنّ صاحب هذا التفسير قد أنكر مسبقاً وجود الصّلة بين الحياتين الدنيوية والبرزخية، حينئذ لجأ إلى هذا التأويل البارد للفرار من الحرج الذي وقع فيه أمام هذه الآيات وأمثالها التي تثبت وجود هذه الصلة والعلاقة.

يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ هؤلاء:

«من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(1)

السؤال الثاني: وهناك سؤال آخر يمكن أن يطرح وهو: يمكن القول بأنّه(عليه السلام) كان يخاطب من بقي من قومه على قيد الحياة، أي أنّه كان يخاطب الثلّة المؤمنة من قومه التي بقيت معه والتي لم يمسّها العذاب الإلهي الذي أصاب الكافرين، وحينئذ لا دلالة للآية على وجود الصلة بين الحياتين.

والجواب: انّ هذا الاحتمال هو الآخر ضعيف جداً، بل لا أساس له من الصحّة، إذ لو كان المراد من الآية المباركة نفس ما ورد في متن السؤال وانّ الخطاب كان موجّهاً للمؤمنين من قوم صالح، فلماذا ورد في ذيل الآية قوله تعالى: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ)؟! فهل يوجد عاقل يحتمل أنّ هذا الوصف ينطبق على ثلّة من المؤمنين آمنت بربها وأذعنت لدعوة رسوله وانصاعت لأوامره ونواهيه؟!

إذاً المخاطب بالآية على نحو القطع والبت،هم قوم صالح الذين عمّهم العذاب وشملهم الهلاك.


1 . انظر كشف القناع للبهوي:1/525; وتوحيد الصدوق:91.

(262)

2. النبي شعيب(عليه السلام) يخاطب قومه الهالكين

لقد استعرض لنا القرآن الكريم وفي آيات أُخرى قصة نبي آخر خاطب قومه بعد أن عمّهم الهلاك، وذلك النبي هو شعيب(عليه السلام)، فقد جاءت القصة بالنحو التالي:

قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمين).(1)

ثمّ قال سبحانه في آية أُخرى:(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوا فِيها الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرين).(2)

ثم أردفها سبحانه وتعالى بقوله: (فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْم كافِرين).(3)

ووجه الاستدلال بهذه الآيات هو نفس الاستدلال الذي ذكرناه في قصة النبي صالح(عليه السلام) وخطابه مع قومه.

3. النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤمر بالتكلّم مع الأنبياء

جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى مخاطباً نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ).(4)

والظاهر من الآية الشريفة أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان باستطاعته الاتّصال مع الأنبياء الذين بعثوا قبله وسؤالهم عن ذلك، وما لم يرد دليل عقلي قاطع على


1 . الأعراف:91.
2 . الأعراف:92.
3 . الأعراف:93.
4 . الزخرف:45.

(263)

استحالة ذلك ومنعه، لا يحق لنا رفع اليد عن هذا الظهور أبداً.

وقد يثار التساؤل التالي: أليس من الممكن تأويل الآية بإرجاعها إلى سؤال علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى استظهاراً من قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الِّذِينَ يَقْرأُونَ الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)(1)، وحينئذ لا يكون في الآية السابقة أيّة دلالة على إمكانية الاتّصال بالعالم الآخر فضلاً عن وقوعه.

والجواب: انّ هذا الاحتمال باطل جداً،والدليل على بطلانه هو:

أوّلاً: انّ تفسير آية بآية أُخرى إنّما يصحّ إذا كانت الآية الأُولى مبهمة وتحتاج إلى نوع من البيان والتوضيح، فحينئذ تكون الاستعانة بآية أُخرى لرفع هذا الإبهام أمراً ضرورياً وموضوعياً، وأمّا إذا كانت الآية الأُولى خالية من الإبهام والتعقيد فلا معنى لرفع اليد عن ظهورها وتأويلها بنحو ينسجم مع آية أُخرى، إذ لا منافاة بين الآيتين فمن الممكن للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل كلا الطائفتين، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار انّ هذه الآية الواردة في سورة يونس راجعة إلى سؤال الأُمّة من علماء بني إسرائيل وقرّاء كتبهم،وهذا بخلاف قوله تعالى:(وسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلنا) فإنّها خطاب للنبي حقيقة.

وأمّا الآية الأُولى فهي وإن كان الخطاب فيها موجّهاً إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ الخطاب موجّه إلى الأُمّة لتسأل هي بدورها علماء بني إسرائيل.

والشاهد على هذا المدّعى وانّه سبحانه قد وضع تحت اختيار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقين، هو قوله تعالى في الآية التالية:


1 . يونس:94.

(264)

(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آيات بَيِّنات فَاسْأل بَني إِسرائيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنَ إِنّي لأظنُّكَ يا موسى مَسْحُوراً).(1)

فقد جاء الحديث في هذه الآية عن بني إسرائيل لا العلماء منهم والذين يقرأون الكتاب، ومن هنا لا يحق لنا تأويل الآية الثالثة بلا دليل أو برهان.

ثانياً: انّ الآية الأُولى تحكي عن أنّ المراد من السؤال هو سؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع الأنبياء الذين بعثوا قبله مثل: نوح وإبراهيم و...، والحال أن الآية الثانية يراد منها السؤال من علماء بني إسرائيل عن خصوص المفاهيم والأحكام الواردة في «العهدين» وما أنزله اللّه تعالى على أنبيائهم فقط ووضعه تحت اختيار الأُمّة الإسلامية.

ومن الواضح أنّه لا وجه لتضييق وتحديد المفهوم الواسع للآية الأُولى وحصره في علماء بني إسرائيل من اليهود والنصارى.

ثالثاً: أطبق المفسّرون على أنّ الآية مورد البحث ـ آية سورة الزخرف ـ من الآيات المكّية، ومن الواضح للجميع أنّه لا يوجد في المجتمع المكي أيّ أثر يذكر ووجود بارز لعلماء أهل الكتاب ومن اتّبعهم من اليهود والنصارى حتى يؤمر الرسول بالسؤالهم.

السنّة الشريفة والصلة بين الحياتين

بعد أن تبيّنت لنا الرؤية القرآنية بخصوص الصلة بين الحياتين، وأثبتنا بما لا مزيد عليه أنّ القرآن الكريم يؤكّد هذه الصلة وتلك العلاقة بأدلّة محكمة


1 . الإسراء:101.

(265)

وشواهد قوية، وأنّ الأنبياء كانوا يتكلّمون مع البرزخيين،فقد حان الوقت لنسلّط الأضواء على السنّة الشريفة لنرى موقفها من هذه المسألة.

ومن حسن الحظّ انّ هناك الكثير من الروايات الواردة في هذا المجال والتي تؤكّد وجود الصلة بين الحياتين، نكتفي بذكر نماذج منها:

1. النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يكلّم أهل القليب

حينما وضعت معركة بدر الكبرى أوزارها وانهزم المشركون مخلّفين وراءهم سبعين قتيلاً من صناديدهم وساداتهم ومثلهم من الأسرى، أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بإلقاء القتلى في إحدى الآبار،ثمّ وقف (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطب القتلى واحداً واحداً ويقول:

«يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، و يا أُميّة بن خلف، و يا أبا جهل ـ وهكذا عدّد من كان منهم في القليب ـ هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّاً؟».

فقال له بعض أصحابه: يا رسول اللّه أتنادي قوماً موتى؟!

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم،ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني».

وكتب ابن هشام يقول: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أضاف بعد هذه المقالة وقال: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم،كذبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس».

ثمّ قال: «هل وجدتم ما وعدكم ربّي حقّاً».(1)


1 . السيرة النبوية:1/649; السيرة الحلبية:2/179 و 180 وغيرهما.

(266)

الشعر يضفي على القضية طابعاً خالداً

تعد قصة حديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع قتلى معركة بدر من المسلّمات الحديثية والتاريخية، حيث رواها المؤرّخون والمحدّثون من العامّة والخاصّة. وقد أدلى الشعراء بدلوهم في هذه الواقعة حيث سجّلتها الدواوين الشعرية.

وكان في طليعة الشعراء الشاعر حسان بن ثابت شاعر عصر الرسالة، إذ أنشد قصيدة بائية رائعة سجّل فيها أحداث تلك الواقعة، ومن حسن الحظّ أنّ ديوان حسان بن ثابت عامّة وهذه القصيدة خاصة من الدواوين التي استطاعت أن تفلت من يد الدهر وتبقى حيّة ماثلة أمام الجميع، ولم تتعرض كغيرها إلى الضياع والاندثار والتلف، نقتطف من تلك القصيدة بعض الأبيات والتي جاء فيها:

يناديهم رسول اللّه لمّا *** قذفناهم كباكب(1) في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقاً؟! *** وأمر اللّه يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا *** صدقت وكنت ذا رأي مصيب(2)

على أنّه لا توجد عبارة أشدّ صراحة ممّا قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المقام حيث قال: «ما أنتم بأسمع منهم» وهل ثمة بيان أكثر إيضاحاً وأشدّ تقريراً لهذه الحقيقة من مخاطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) لواحد واحد من أهل القليب، ومناداتهم بأسمائهم وتكليمهم كما لو كانوا على قيد الحياة؟!

فلا يحق لأيّ مسلم مؤمن بالرسالة والرسول أن يسارع إلى إنكار هذه


1 . الكباكب: الجماعات.
2 . ديوان حسان:13ـ 14.

(267)

القضية التاريخية الإسلامية المسلّمة ويبادر قبل التحقيق ويقول: إنّ هذه القضية غير صحيحة،ومن أنكر هذه الواقعة فليس إنكاره إلاّ لأنّها لا تنطبق مع عقليته المادية المحدودة.

وقد نقلنا هنا نص الخطاب، لكي يرى المسلمون الناطقون باللغة العربية، كيف أنّ حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصرّح بهذه الحقيقة بحيث لا يوجد فوق عبارته في الصراحة والدلالة على هذه الحقيقة عبارة.

ومن أراد الوقوف على مصادر هذه القصة فعليه أن يراجع المصادر التالية.(1)

2. مراسم تلقين الميت

إنّ مراسم التلقين التي يؤدّيها المسلمون عند الدفن تدلّ ـ بالإضافة إلى خلود الروح ودوامها ـ على وجود الصلة بين النشأتين والارتباط بين الأموات والأحياء،ولقد كانت هذه القضية بدرجة من الوضوح في أوساط المسلمين حيث ينقل البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أنّه حدّثهم عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه حتّى أنّه يسمع قرع نعالهم...».(2)

فإذا كان الميت يسمع قرع النعال كما ورد في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلابدّ أنّه يسمع الكلام من باب أولى.


1 . صحيح البخاري:5/97ـ 98 و 110 معركة بدر; صحيح مسلم:4/77، كتاب الجنة; سنن النسائي:4/89ـ 90; مسند أحمد:2/131; سيرة ابن هشام:1/639; مغازي الواقدي: الجزء الأوّل، معركة بدر; بحار الأنوار:19/346.
2 . صحيح البخاري:2/90، باب الميت يسمع خفق النعال.

(268)

وقد تعرّض الفقه السنّي هو الآخر لمسألة التلقين فقال الجزيري في كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة»: ويستحب تلقينه أيضاً بعد الفراغ من دفنه وتسوية التراب عليه، والتلقين هنا هو أن يقول الملقّن مخاطباً للميت: يا فلان ابن فلانة، إن كان يعرفه، وإلاّ نسبه إلى حواء(عليها السلام)، ثمّ يقول بعد ذلك: اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، وأنّ الجنة حق، وأنّ النار حق، وأنّ البعث حق، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها،وأنّ اللّه يبعث من في القبور، وانّك رضيت باللّه ربّاً،وبالإسلام ديناً، وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً. وهذا التلقين مستحب عند الشافعية والحنابلة، وخالف المالكية والحنفية، حيث قالت الحنفية: التلقين بعد الفراغ من الدفن لا ينهى عنه ولا يؤمر به، وظاهر الرواية يقضي النهي عنه.

وقالت المالكية: التلقين بعد الدفن وحاله مكروه،وإنّما يندب حال الاحتضار فقط.(1)

روى الغزالي في «إحياء علوم الدين» والشوكاني في «نيل الأوطار» بعد قولهم «ويستحب التلقين»: قال سعد بن عبد اللّه: لما احتضر أبو أُمامة الباهلي، قال لي: لقني بالنحو الذي أمر به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: «أُذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، وانّك رضيتَ باللّه ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً، وبالقرآن إماماً».(2)


1 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/501.
2 . إحياء العلوم:4/476; نيل الأوطار:4/139.

(269)

3. أمير المؤمنين(عليه السلام) يخاطب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين غسله

إنّ من يطالع كتاب «نهج البلاغة» لسيد الفصاحة وإمام البيان علي بن أبي طالب(عليه السلام) يجد فيه أنّه (عليه السلام)حينما كان يتولّى غسل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاطبه بقوله(عليه السلام):«بأبي أنت وأُمّي يا رسول اللّه! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والإنباء وأخبار السماء، خصصت حتى صرت مُسلياً عمّن سواك، وعممت حتى صار الناسُ فيك سواء. ولولا أنّك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون، ولكان الداءُ مماطلاً،والكمدُ محالفاً، وقلاّ لك!ولكنّه ما لا يملك ردُّه، ولا يُستطاع دفعه! بأبي أنت وأُمّي! اذكرنا عند ربّك، واجعلنا من بالك».(1)

وأيّ عبارة أبلغ وأصرح وأدلّ على المطلوب من قوله(عليه السلام):

«اذكرنا عند ربّك،واجعلنا من بالك».

4. أبو بكر يخاطب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته

قال ابن هشام في سيرته: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ـ خبر وفاة الرسول ـ حتّى دخل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسجّى في ناحية البيت عليه بُرد حبراً، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال:

بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب اللّه عليك فقد ذقتها ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً.(2)


1 . نهج البلاغة: الخطبة 235، ط صبحي الصالح.
2 . سيرة ابن هشام:2/656.

(270)

هذه الأحاديث والعشرات من نظائرها تدلّ بما لا ريب فيه على وجود الصلة بين الحياتين، فمن أراد المزيد من التفصيل عليه مراجعة تلك الأحاديث في مظانّها.

الحياة البرزخية في كلمات العلماء

إنّ وجود الحياة البرزخية من الأُصول المسلّمة لدى جميع المسلمين في العالم، حيث صرّح بها كبار العلماء والشخصيات المعروفة في الأوساط الإسلامية،وأدرجوها في رسائلهم ومدوّناتهم التي بيّنوا فيها العقائد الإسلامية وعدّوها من ضمن معتقداتهم المسلّمة،وها نحن نكتفي هنا بذكر بعض الكلمات لبعض علماء أهل السنّة، منهم:

1. الإمام أحمد بن حنبل (المتوفّى 241هـ)

قال: والأعور الدجّال خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكذّابين،وعذاب القبر حقّ،ويسأل العبد عن دينه وعن ربّه ويرى مقعده من النار والجنة، ومنكر ونكير حق، وهما فتّانا القبور، نسأل اللّه تعالى الثبات.(1)

2. أبو جعفر الطحاوي(المتوفّى 321هـ)

قال: (نؤمن) بعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربّه ودينه ونبيّه،على ما جاءت به الأخبار عن رسول اللّه وعن الصحابة رضوان اللّه عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.(2)


1 . السنّة:50.
2 . شرح الرسالة الطحاوية لابن أبي العز، قسم المتن:396.

(271)

3. الإمام الأشعري: (260ـ 324هـ)

قال: ونؤمن بعذاب القبر، وبالحوض،وأنّ الميزان حق، والصراط حق،والبعث بعد الموت حق، وأنّ اللّه عزّ وجلّ يُوقِفُ العباد في الموقف يحاسب المؤمنين.(1)

4. البغدادي

قال: أنكرت الجهميّة والضرارية سؤال القبر، وزعم بعض القدرية أنّ سؤال الملكين في القبر إنّما يكون بين النفختين في الصور وحينئذ يكون عذاب قوم في القبر.

وقالت السالمية بالبصرة: إنّ الكفّار لا يحاسبون في الآخرة.

وزعم قوم يقال لهم الوزنية: أن لا حساب ولا ميزان.

وأقرّت الكرامية بكلّ ذلك كما أقرّ به أصحابنا، غير أنّهم زعموا أنّ منكراً ونكيراً هما الملكان اللّذان وكّلا بكلّ إنسان في حياته، وعلى هذا القول يكون منكر ونكير كلّ إنسان غير منكر ونكير صاحبه.

وقال أصحابنا: إنّهما ملكان غير الحافظين على كلّ إنسان.(2)

5. أبو اليسر محمد البزدوي (421ـ 493هـ) (و هو من الماتريدية)

قال: سؤال منكر ونكير في القبر حقّ عند «أهل السنّة والجماعة»، وهما ملكان يسألان من مات بعد ما حُيِّي: مَن ربّك،وما دينُك،ومَن نبيّك؟ فيقدر المؤمن على الجواب ولا يقدر الكافر.


1 . الإبانة:26.
2 . أُصول الدين:245.

(272)

وفيه أحاديث كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الباب أنّ الملكين يجيئان في القبر إلى الميت ويحيي اللّه تعالى الميت فيسألان عمّا ذكرنا.(1)

6. ابن تيمية

قال ابن قيم الجوزية ناقلاً عن ابن تيمية: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدلّ على عود الروح إلى البدن وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس، وأنكره الجمهور، قابلهم آخرون بأنّ السؤال للروح بلا بدن، وهذا ما قاله ابن مرة وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة تردّه، ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص.(2)

7. التفتازاني

قال: ويدلّ على الحياة بعد الموت قوله تعالى: (النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً)(3)، وقوله: (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً)(4)، وقوله: (رَبَّنا أَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنا اثْنَتَينِ).(5)

وليست الثانية إلاّ في القبر، وقوله: (يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ).(6)

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران» والأحاديث في هذا الباب متواترة المعنى.


1 . أُصول الدين:165 ، المسألة49.
2 . الروح: 50 معبّراً عن ابن تيمية بـ«شيخ الإسلام».
3 . غافر:46.
4 . نوح:25.
5 . غافر:11.
6 . آل عمران : 169ـ 170.

(273)

وقال في موضع آخر:

اتّفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر،وعذاب الكفّار وبعض العصاة فيه، ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة. قال بعض المتأخرين منهم: حُكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو، وإنّما نسب إلى المعتزلة، وهم براء منه لمخالطة ضرار إيّاهم،وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق.

لنا: الآيات، كقوله تعالى في آل فرعون: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيها غُدُوّاً وَعَشِيّاً)(1)، أي قبل القيامة، وذلك في القبر، بدليل قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ العَذابِ)(2). وكقوله تعالى في قوم نوح: (أُغرِقُوا فأُدْخِلُوا ناراً)(3)، والفاء للتعقيب، وكقوله تعالى:(رَبَّنَا أَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنا اثْنَتَينِ)(4) وإحدى الحياتين ليست إلاّ في القبر، ولا يكون إلاّ نموذج ثواب أو عقاب بالاتّفاق، وكقوله تعالى: (وَلاَ تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ).

والأحاديث (5)المتواترة المعنى كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» وكما روي أنّه مرّ بقبرين فقال: «إنّهما ليعذبان».(6)

وكالحديث المعروف في الملكين اللّذين يدخلان القبر ومعهما مرزبتان، فيسألان الميت عن ربّه وعن دينه وعن نبيه ... إلى غير ذلك من الأخبار والآثار


1 . غافر:46.
2 . غافر:46.
3 . نوح: 25.
4 . غافر:11.
5 . آل عمران:169ـ 170.
6 . أخرجه الإمام البخاري في كتاب الوضوء: 1/61 وكتاب الجنائز: ص 89.

(274)

المسطورة في الكتب المشهورة، وقد تواترت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استعاذته من عذاب القبر، واستفاض ذلك في الأدعية المأثورة.(1)

هذه طائفة من كلمات علماء أهل السنّة، وأمّا علماء الشيعة فالقضية عندهم من المسلّمات ويكفي في ذلك أن يعدها كلّ من العلمين الكبيرين: الشيخ الصدوق والشيخ المفيد من عقائد المذهب الشيعي.(2)


1 . شرح المقاصد: 5/112ـ 114.والمرزية: عصاة كبيرة من حديد تتخذ لكسير المدر.
2 . انظر شرح عقائد الصدوق:44; و أوائل المقالات:49.

(275)

الفصل العاشر

التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء الإلهيّين


(276)


(277)

لقد أُرسيت قواعد الخلق على أساس «قانون العليّة والمعلولية»: فكلّ ظاهرة في هذا العالم تنشأ من علّة وسبب خاص، وفي الوقت نفسه تكون تلك الظاهرة سبباً لنشوء ظاهرة أُخرى،ولا ريب أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها خاضع للإرادة والمشيئة الإلهية، فكلّ ظاهرة تعمل عملها وفقاً لإرادته سبحانه، لأنّه تعالى خلق العالم وجعله قائماً على أساس هذا القانون وجعل بين الأسباب والمسببات علاقة العلّة والمعلول.

فلا شكّ أنّ الشمس تمنح الطاقة، والقمر يمنح النور، والنار تمنح الحرارة و....

فكلّ واحدة من هذه الظواهر والعلل المادية تؤثر في ما يصدر عنها وانّه توجد رابطة وعلاقة بين الشمس والطاقة والنار والحرارة و... وانّ مجموع الأثر والمؤثر هما من خلقه وإيجاده سبحانه، فهو الذي أوجد تلك العلاقة بينهما، ولذلك نجد في بعض الأحيان أنّه تعالى يلغي تلك السببيّة والعلّية في الأُمور الطبيعية فيجعل من النار التي أحاطت بإبراهيم(عليه السلام) برداً وسلاماً ، ليتبيّن للجميع أنّ السبب الأصلي والحقيقي يكمن في إرادته سبحانه.

من هنا نصل إلى النتيجة التالية: انّ كلّ ظاهرة أو حادثة في العالم صحيح انّ لها علّة وسبباً مادياً بحيث تنسب إلى تلك العلّة وتلحق بها، ولكن في نفس الوقت تكون تلك الظاهرة هي من فعله سبحانه، ولا توجد أدنى منافاة بين


(278)

الأمرين، لأنّه سبحانه وتعالى مؤثر«مستقل» وفاعل ومبدع غني لا يحتاج في فعله وصنعه إلى غيره مهما كان ذلك الغير والحال انّ الظواهر الأُخرى المؤثرة في العالم، يكون تأثيرها وفاعليتها بالتبع وانّها جميعاً «غير مستقلة» ذاتاً وانّها تابعة في تأثيرها له سبحانه ومحتاجة إليه تعالى.

وفي حقيقة الأمر أنّ صدور الظواهر الطبيعية منه سبحانه، ولكن شاءت إرادته تعالى أن يكون هذا الصدور قائماً على أساس الأسباب والمسببات أي أن تجري الأُمور وفقاً لمجراها الطبيعي.

ثمّ إنّنا جميعاً نعلم أنّ من مراتب التوحيد «التوحيد في الخالقية» بمعنى أنّه لا يوجد خالق إلاّ اللّه سبحانه ولكن التوحيد في الخالقية لا يعني نفي تأثير الأسباب والعلل المادية والطبيعية في العالم، بل المراد منه هو: انّ الخالق المستقل والغني هو اللّه سبحانه، وهو الذي يمنح الأسباب والعلل الأُخرى تأثيرها وفاعليتها، بحيث تعمل ضمن إرادته وتؤثر في إطار مشيئته سبحانه وتعالى.

ولقد أشارت آيات الذكر الحكيم إلى كلا النوعين من العلّية والفاعلية والتأثير، فترى أنّ فعلاً واحداً في الوقت الذي ينسب إلى الإنسان ينسب إلى اللّه كذلك، والحال أنّ الفعل لا يحتاج إلاّ إلى فاعل واحد، ولكن الذي يصحّح هذا الاستعمال وتلك النسبة هو الاختلاف بين الفاعلين، فإنّ الفاعل المادي هنا في طول الفاعلية الإلهية. وبعبارة أُخرى: أحد الفاعلين أصيل بالذات، والآخر فقير وتابع في فاعليته إلى فاعلية الآخر. فلا منافاة في نسبة الفعل إلى كلا الفاعلين بلحاظ الاعتبار الذي ذكرناه.

لقد خاطب القرآن الكريم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:


(279)

(وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى).(1)

فمن الملاحظ أنّ الآية تنسب الرمي إلى فاعلين في آن واحد.

1. تنسبه إلى الرسول الأكرم:(إِذْ رَمَيْتَ).

2. تنسبه إلى اللّه تعالى: (وَلكِنَّ اللّهَ رَمى).

ولا ريب أنّ النسبتين صحيحتان وفي محلّهما، لأنّ فاعلية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ورميه إنّما تكون بحول اللّه وقوته، ولذلك يكون الرمي فعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفعل اللّه في آن واحد.

وهناك آيات كثيرة وردت في هذا المعنى حيث نسبت الفعل تارة إلى اللّه وأُخرى إلى فاعل آخر، نكتفي بذكر نموذجين من تلك الآيات:

1. نجد القرآن الكريم ينسب كتابة الأعمال إلى الملائكة حيث يقول سبحانه: (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)(2) وفي نفس الوقت ينسب ذلك العمل إليه سبحانه حيث قال عزّ من قائل:(وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ).(3)

2. وفي آية أُخرى ينسب سبحانه قبض الأرواح وتوفّي الأنفس إلى الملائكة كما في قوله تعالى: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)(4) ولكن في آية أُخرى ينسب ذلك الفعل إليه تعالى حيث قال: (اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها).(5)


1 . الأنفال:17.
2 . الزخرف:80.
3 . النساء:81.
4 . الأنعام:61.
5 . الزمر:42.

(280)

فهذه الطائفة من الآيات تحكي عن أنّ نظام الخلق قائم على أساس سلسلة من العلل والمعاليل، أو الأسباب والمسبّبات، وانّ الظواهر يؤثر بعضها في البعض الآخر ولكن في نفس الوقت يكون مجموع هذا النظام مرتبطاً به سبحانه وانّه إنّما يعمل في إطار مشيئته وإرادته، وبعبارة أُخرى: انّ جميع العلل والأسباب هي جنود للّه سبحانه تمتثل أوامره وتعمل وفقاً لإرادته ومشيئته(وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ).(1)

ومع ملاحظة هذا البيان، يتّضح أنّه لا منافاة ولا تضاد بين صريح الوحي الإلهي الذي يحصر عالم الخلق والإنشاء باللّه سبحانه، و بين النظريات العلمية والنتاجات التجريبية، التي أثبتت أنّ للأسباب والعلل دورها في حدوث الظواهر الكونية، وانّ من ذهبوا إلى القول بالتعارض بين العلم والوحي الإلهي، أمّا انّهم لم يفسّروا الوحي الإلهي تفسيراً صحيحاً، أو أنّ فهمهم للنتاجات العلمية الحديثة غير صحيح.

وبعبارة أُخرى: انّ كلا الأصلين صحيح وثابت.

1. التوحيد في الخالقية، وانّه لا مؤثر ولا فاعل ـ في عالم الوجود الواسع ـ بالاستقلال إلاّ اللّه سبحانه وحده.

2. انّ العلل المادية سبب لنشوء سلسلة من المعاليل والمسببات، وانّها انّما تفعل فعلها وتؤثر أثرها بمشيئته وإرادته سبحانه ووفقاً لأوامره.

وإذا ما وجدنا من يذهب إلى وجود التنافي والتعارض بين الأصلين المذكورين، فإنّ ذلك في حقيقة الأمر ناشئ من عدم الفهم الصحيح لأصل


1 . المدثر:31.

(281)

«التوحيد في الخالقية» حيث تصوّروا خطأ انّ المراد منه «انّه لا يوجد مؤثر وفاعل لا بالأصل ولا بالتبع إلاّ اللّه سبحانه» وانّ العلل الطبيعية والأسباب المادية لا تأثير لها أبداً، وهذا هو الرأي الذي تذهب إليه الأشاعرة.

أو الخطأ ناشئ من سبب آخر حيث تصوّر البعض خطأ انّ العلل المادية والأسباب الطبيعية مستقلة في فعلها وفي تأثيرها، وهذا ما ذهبت إليه النظرية المادية.

ولا ريب أنّ كلا الاتجاهين باطل وكلا التصوّرين من قبيل الإفراط والتفريط، وذلك لأنّ الاتجاه الثاني حصر العالم في إطار الرؤية المادية الضيقة، وبطلان هذا الاتجاه بدرجة من الوضوح بحيث لا يحتاج معها إلى ردّ. فلا نطيل الكلام مع أصحاب هذه النظرية، لأنّ بحثنا في حقيقة الأمر منصب على الكلام مع الإلهيّين الذين ينكرون الاتّجاه المادي ويقطعون ببطلانه.

ومن هنا نركز البحث على بطلان الاتّجاه الأوّل الذي أنكر تأثير العلل والأسباب الطبيعية، فبالإضافة إلى مخالفته للوجدان الذي يلمس بما لا شكّ فيه تأثير تلك العلل والأسباب .

نقول: كيف يمكن إنكار تأثير العلل والأسباب الطبيعية في معلولالتها ونحن نجده سبحانه يصرّح في تأثير الماء في إخراج الثمر مثل قوله تعالى:

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ).(1)

من هذا المنطلق نذعن بأنّ المشيئة الإلهية اقتضت بأنّه ينبغي على الإنسان


1 . البقرة:22.

(282)

ـ في نفس الوقت الذي يذعن فيه بأنّ الفاعل الحقيقي والمستقل هو اللّه سبحانه وتعالى ـ أن يتوسّل بالأسباب والعلل الطبيعية لتحصيل مآربه ونيل مراده، وهذا الأصل يجري حتى في الأُمور المعنوية كذلك، فالفيض الإلهي والهداية الربانية لا تفاض على الإنسان في الأعمّ الأغلب بصورة مباشرة بل تفاض عليه من خلال الوسائط والأسباب الأُخرى كالفطرة، والعقل، والأنبياء والرسل والعلماء و... ففي الوقت الذي نرى فيه القرآن الكريم ـ و في موارد متعدّدة ـ يعد الهداية من فعله سبحانه وتعالى حيث يقول: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(1) نراه مع ذلك في آية أُخرى يعتبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الهادين إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراط مُسْتَقيم).(2)

ولا منافاة بين الآيتين أبداً، فنسبة الهداية إليه سبحانه، لأنّه هو الأصل والمصدر المستقل الذي تصدر منه تلك الهداية بالاستقلال ومن دون الاتّكاء على شيء آخر، وكذلك تنسب الهداية إلى النبي باعتباره الواسطة والوسيلة لهذا الفيض الإلهي.

ثمّ إنّ الموقف الذي يتّخذه البعض من ذوي الرؤية القاصرة تجاه المسلمين الذين يعتمدون الأسباب والسبل التي أباحها سبحانه وأجاز التوسّل بها للوصول إلى نيل مرضاته والفوز بنعيم الدنيا والآخرة، معتبرين انّ ذلك التوسّل واعتماد الأسباب أمراً منافياً لمفهوم التوكّل أو الرازقية!! لا ريب أنّه موقف نابع من الجهل بالمفاهيم الإسلامية والمعارف القرآنية الدقيقة وقصر باعهم في حقل التفسير وبيان المعارف التي جاء بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .


1 . فاطر:8.
2 . الشورى:52.

(283)

فإنّ طرق باب الأسباب والسعي والمثابرة على تحصيلها لا يُنافي التوحيد والتوكل عليه سبحانه طرفة عين أبداً، لأنّ الموحّد حينما يطرق باب الأسباب الطبيعية أو غيرها إنّما يطرقها وهو يعلم علم اليقين انّها أسباب وعلل تبعية، كلّ ما يصدر منها إنّما هو تجليات ومظهر للإرادة الفاعلة المطلقة المتمثّلة به سبحانه.

وبالطبع لا فرق هنا بين الطلبات التي يبغيها المتوسل، مادية كانت أم معنوية.

من هنا نجد القرآن الكريم يحثّ المؤمنين الموحّدين على طلب الوسيلة واعتماد طريق الأسباب والوسائط حيث يقول سبحانه:

(يا أَيُّها الِّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(1)

وينبغي هنا أن نتعرف على المراد من «تحصيل الوسيلة» الوارد في الآية، وما المقصود منه؟

لقد ذكر أصحاب المعاجم اللغوية ثلاثة استعمالات أو معان للوسيلة هما:

1. المقام والمنزلة:

قال في «مجمع البيان»: وقيل الوسيلة أفضل درجات الجنة، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:

«سلوا اللّه لي الوسيلة فإنّها درجة في الجنة...».(2)

2. الوسيلة: القربة، ووسل فلان إلى اللّه وسيلة إذا عمل عملاً تقرّب به


1 . المائدة:35.
2 . مجمع البيان:3/293.

(284)

إليه.(1)

3. تحصيل أسباب التقرّب:

قال في «النهاية»: الوسيلة هي في الأصل،ما يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به.(2)

ومن المسلم به أنّ المعنى الأوّل ليس هو المراد، لأنّه ـ وطبقاً للروايات ـ انّ مقام النبي الأكرم ومنزلته لدى اللّه سبحانه وتعالى لايدانيه فيها أحد ولا يشاركه فيها غيره مهما كان.

فلابدّ من تفسير الآية بأحد المعنيين الأخيرين، والظاهر انّ المراد من الآية هو المعنى الثالث، بشهادة انّه سبحانه بعد أن أمر بتحصيل الوسيلة أردفه بالأمر بالجهاد الذي هو أحد مصاديق وسائل التقرب إلى اللّه سبحانه وتعالى.

ويظهر ذلك أيضاً من كلام سيّد الوصيين(عليه السلام)حيث فسّر الوسيلة بمعنى تحصيل أسباب التقرّب إليه سبحانه، حيث قال (عليه السلام): «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه تعالى الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله... وإقام الصلاة فإنّها الملّة، وإيتاء الزكاة».(3)

ومن الواضح أنّه(عليه السلام) قد ذكر في خطبته مجموعة من الفرائض الشرعية التي هي وسيلة وسبب للتقرّب إلى اللّه سبحانه.

فالآية الكريمة ترشدنا ـ وبحكم العقل ـ وتبين لنا الطريق حيث تقول: إنّ على الإنسان إذا أراد تحصيل غاياته ومقاصده المعنوية كالتقرّب من اللّه سبحانه،


1 . لسان العرب: 11/724، مادة «وسل».
2 . النهاية:5/185، مادة «وسل».
3 . نهج البلاغة: الخطبة11.

(285)

أن يسلك طريق التوسّل المشروع لنيل ذلك، فمن ابتغى رضا اللّه تبارك وتعالى عليه أن يتوسّل بالأعمال الصالحة التي يكتسب بها رضاه،ومن طلب استجابة دعائه يتوسّل بشيء جُعل في الشريعة وسيلة لها،ومن أراد زيارة بيت اللّه الحرام يتوسّل بما يوصله إليه، وفي الحقيقة أنّ المسألة تشبه التوسّل بالأسباب والعلل لتحصيل المقاصد الدنيوية.

نعم هناك نكتة مهمة ينبغي الالتفات إليها وهي: انّ الوسيلة في الأُمور المعنوية ينبغي أن تحدّد من قبل الشارع نفسه، لأنّ العقل البشري أقصر من أن يدرك أو يحدد وسائل التقرّب ونيل المغفرة التي يتوخّاها الإنسان.

كما أنّه لا يظن البعض أنّ هذه الآية المباركة هي كافية بوحدها لإثبات مشروعية التوسّل بالأنبياء والأولياء، بل الآية تثبت أصلاً كلّياً يدعمه العقل السليم. وأمّا ما هي مصاديق تلك الوسائل والوسائط التي ينبغي اعتمادها للتقرب منه سبحانه ونيل رضاه والزلفى إليه وتأمين الحاجات المعنوية، فالعقل قاصر عن تحديدها وبيانها، ولابدّ من الرجوع إلى الشارع نفسه ليعينه لنا، كما شاهدنا ذلك في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث أشار إلى مجموعة من مصاديق ووسائل التقرب التي منها: الإيمان باللّه والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والجهاد في سبيل اللّه، والصلاة، والزكاة.

بعد أن عرفنا ذلك، حان الوقت لتسليط الضوء على أقسام التوسّلات المشروعة التي ندب إليها الشارع المقدس، وحثّ عليها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه (عليهم السلام) ، ومن هذه الوسائل:


(286)

1. التوسّل بأسمائه وصفاته سبحانه

من الوسائل التي حثّ الشارع المقدّس على اعتمادها والتوسّل بها: التوسّل بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، ولقد ركّزت الروايات الكثيرة على إبراز هذا النحو من الوسيلة وخاصّة الروايات والأدعية الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة، نكتفي بذكر حديثين فقط:

1. اخرج الترمذي عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، أنّ رسول اللّه سمع رجلاً يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت اللّه لا إله إلاّ أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لقد سألت اللّه باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى».(1)

2. روى الشيخ الطوسي في مصباحه عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) ، دعاءً باسم دعاء السمات ورد في مستهلّه:

«اللّهم إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم، الأعزّ الأجلّ الأكرم، الذي إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة، انفتحت، وإذا دعيت به على مضايق أبواب الأرض للفرج، انفرجت، وإذا دعيت به على العسير لليسر تيسّرت...».(2)

ولا يفوتنا التذكير بدعاء الجوشن الكبير الذي يمثّل نموذجاً بارزاً لهذا النوع من التوسّل، الذي يقرأه الجميع في ليالي القدر المباركة.


1 . سنن الترمذي:5/515، الحديث 3475، الباب65 من كتاب الدعوات.
2 . مصباح المتهجد:374.

(287)

إنّ ثناء اللّه وتقديسه ووصفه بما وصف به نفسه في كتابه وسنّة نبيّه، يوجد أرضية صالحة لاستجابة الدعاء ويكشف عن استحقاق الداعي لرحمته وعفوه وكرمه.

ثمّ إنّ هذا القسم من التوسّل ممّا اتّفقت عليه الأُمّة سلفها وخلفها ولم يذكر فيه أيّ خلاف.

2. التوسّل بالقرآن الكريم

من الوسائل التي حثّت الشريعة على اعتمادها كوسيلة للتقرّب منه سبحانه ونيل مرضاته ومغفرته: التوسّل بتلاوة القرآن وقراءته، وفي الحقيقة أنّ هذا النوع من التوسّل يمثّل في واقعه التوسّل بفعل اللّه سبحانه وتعالى، فالتوسّل بالقرآن والسؤال به، توسّل بفعله سبحانه ورحمته التي وسعت كلّ شيء، لأنّ القرآن الكريم هو كلام اللّه الذي أنزله على قلب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ومع ذلك كلّه ينبغي على الإنسان المسلم التحقّق من وجود الدليل على جواز هذا النوع من التوسّل، لأنّ كلّ ما يقوم به الإنسان المسلم ـ من التوسّلات ـ ينبغي أن لا تخدش أصل التوحيد، وحرمة التشريع. ومن حسن الحظ أنّنا نجد الكثير من الروايات التي تؤكّد مشروعية هذه الوسيلة، منها:

روى الإمام أحمد، عن عمران بن الحصين أنّه مرّ على رجل يقصّ، فقال عمران: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، سمعت رسول اللّه يقول: «اقرأوا القرآن واسألوا اللّه تبارك وتعالى من قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس».(1)

والإمعان في الحديث يرشدنا إلى حقيقة ناصعة وهي جواز السؤال بكلّ


1 . مسند أحمد:4/445. ورواه في كنز العمال عن الطبراني في الكبير،والبيهقي في شعب الايمان لاحظ ج1، ص 608برقم 2788.

(288)

شيء له عند اللّه منزلة وكرامة وما وجه السؤال بالقرآن إلاّ لكونه عزيزاً عند اللّه، مكرّماً لديه، وهو كلامه وفعله، ولذلك ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) : انّه يستحبّ في ليلة القدر أن يفتح الإنسان القرآن ويقول: «اللّهمّ إنّي أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الأكبر، وأسماؤك الحسنى، وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار».(1)

3. التوسّل بالأعمال الصالحة

لقد ذكرنا في صدر البحث انّ تحديد السبل والوسائط في تحقيق الأهداف المادية والأغراض الدنيوية هو من وظائف ومهام العقل، فهو الذي يحدد ومن خلال التجربة، الوسائل النافعة والحلول الناجعة التي تحقّق للإنسان ما يرومه، كما يحدد الوقت المناسب والظرف المواتي لكلّ ذلك، فلرفع العطش أو الجوع أو المرض، أو تحصيل وسائل الرفاه وما شابه ذلك من الأُمور المادية يكون للعقل والفكر دوره البارز في تحديد ما ينفع وما يضرّ من الوسائل فيها،وأمّا في مجال الأُمور والأهداف المعنوية فالعقل قاصر عن تحديد الوسائل التي يمكن اعتمادها لتحقيق تلك الأغراض ونيل الأهداف المرجوة بالنحو الأكمل، فلابدّ من طرق باب الغيب والاستعانة به ليحدده لنا وانّه من دون الاعتماد على عنصر الغيب وتحديده للوسائل التي ينبغي التوسّل بها، لا يمكن وصف الأُمور بأنّها وسيلة للتقرب إلى اللّه تعالى، بل يدخل ذلك في «البدعة» المحرمة. ومن هنا ينبغي على الإنسان المسلم أن يتوسّل لتحديد الوسائل المعنوية بالكتاب والسنّة المطهرة ليحددان له تلك الوسائل التي يجوز له اعتمادها.


1 . إقبال الأعمال:41.

(289)

وإذا نظرنا إلى هذه الوسيلة الثالثة «العمل الصالح» نقول:صحيح أنّه لا يوجد تصريح في آيات الذكر الحكيم باعتمادها، إلاّ أنّنا نجد في بعض الآيات تلميحاً إليه، أضف إلى ذلك انّ السنّة النبوية صرّحت بذلك بصورة واضحة وجليّة.

ولا شكّ أنّ العمل الصالح أحسن شيء يتقرب به الإنسان إلى اللّه تعالى، وأفضل وسيلة يتمسّك بها فتكون نتيجة التقرب هي نزول الرحمة الإلهية عليه وإجابة دعائه.

وهانحن نشير إلى بعض الآيات والروايات الواردة في هذا المجال، والتي منها:

1. قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعيلُ رَبّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيّتنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحيم).(1)

ترى أنّ إبراهيم وولده (عليهما السلام) يقدمان إلى اللّه تبارك وتعالى وسيلة وهي بناء البيت، فعند ذلك طلبا من اللّه سبحانه عدّة أُمور، هي:

أ. طلب قبول العمل منهما: (تَقبّل منّا).

ب. التوسّل إليه سبحانه أن يهبهما روح التسليم والخضوع له:(واجعَلْنا مُسلمين لك).

ج. طلبا منه سبحانه أن يعلمهما مناسك الحجّ: (وَأَرِنا مناسكنا).

د. المنّ عليهما بالرحمة والتوبة(وتُبْ عَلَينا).


1 . البقرة:127ـ 128.

(290)

2. قوله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ).(1)

ترى أنّه عطف طلب الغفران بالفاء على قوله:(رَبّنا إِنّنا آمنّا)، وهذا يعرب عن وجود الصلة بين الإيمان وطلب المغفرة.

وأنت إذا سبرت الآيات الكريمة تقف على نظير ذلك، لكنّها جميعاً من قبيل التلميح لا التصريح. غير أنّ السنّة النبوية الشريفة قد تكفّلت بالتصريح بأنّ العمل الصالح الذي يقوم به الإنسان هو أحد مصادر نزول الرحمة الإلهية، فيه تنزل الرحمة ويستجاب الدعاء، وبالنتيجة هو أحد أسباب ووسائط التوسّل إليه سبحانه.

فلقد روى الفريقان القصة التالية:

روى البخاري عن ابن عمر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر. ف آووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه واللّه يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كلُّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عملَ لي على فرق من أرُز، فذهب وتركه، وانّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرُز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك الفرَق، فساقها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك،


1 . آل عمران:16.

(291)

ففرج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة.

فقال الآخر: اللّهم إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة، فجئت وقد رقدا،وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل انتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

فقال الآخر: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحبّ الناس إليّ وإنّي روادتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها... إلى أن قال: فتركتها وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج اللّه عنهم، فخرجوا».(1)

وقد روى المحدّث البرقي أحمد بن خالد(المتوفّى274هـ) القصة في محاسنه بالنحو التالي:

عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن المفضل بن صالح، عن جابر الجعفي، يرفعه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «خرج ثلاثة نفر يسيحون في الأرض فبينما هم يعبدون اللّه في كهف في قلّة جبل حتّى بدت صخرة من أعلى الجبل حتّى التقمت باب الكهف، فقال بعضهم لبعض: عباد اللّه، واللّه ما ينجيكم ممّا وقعتم إلاّ أن تصدّقوا اللّه، فهلمّوا ما عملتم للّه خالصاً، فإنّما اسلمتم بالذنوب.


1 . صحيح البخاري:4/173، كتاب الأنبياء، الباب53; ورواه أيضاً في ج3/69، في كتاب البيوع الباب98.

(292)

فقال أحدهم: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي طلبت امرأة لحسنها وجمالها، فأعطيت فيها مالاً ضخماً، حتّى إذا قدرت عليها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة وذكرت النار، فقمت عنها فزعاً منك، اللّهم فارفع عنا هذه الصخرة، فانصدعت حتى نظروا إلى الصدع. ثمّ ذكر البرقي باقي القصة باختلاف يسير.(1)

ومن الواضح من هذه الرواية التي رواها الفريقان باختلاف في اللفظ انّ الهدف والغاية من تحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما ذكر هو تعليم أُمّته حتّى يتّخذوا ذكر العمل الصالح وسيلة لاستجابة دعوتهم ولو كان ذلك من خصائص الأُمم الماضية لصرّح به.

4. التوسّل بدعاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو سيد الخلق على الإطلاق، وأنّه أشرف مخلوق وطأت قدماه هذا الكوكب، وأنّ له منزلة مرموقة عند ربّه لا يدانيه فيها أحد، ولقد بلغت عناية القرآن الكريم ببيان نواح من مناقبه وخصاله وسجاياه إلى حدّ لا ترى مثل ذلك إلاّ في حقّ القليل من أنبيائه، ولقد كانت تلك الآيات بحد من الكثرة بحيث لا يسع المقام لذكرها جميعاً هنا.

فلقد بلغت منزلته ومقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) درجة عدّه فيها القرآن الكريم أحد الأمانين في الأرض من نزول العذاب، فقال عزّ من قائل:

(وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذِبَّهُمْ وَهُمْ


1 . نور الثقلين: الجزء الثالث في تفسير قوله: (أَم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً)(الكهف:9)، نقلاً عن محاسن البرقي في تفسير الآية.

(293)

يَسْتَغْفِرُونَ).(1)

كما بلغت كرامة الرسول ـ عند اللّه ـ إلى حدّ قرنت طاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) بطاعة اللّه سبحانه حيث قال تعالى:

(وَمَنْ يُطِعِ اللّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً).(2)

فهذه الآية وغيرها من الآيات تحكي جميعاً كرامته ومنزلته العالية لدى اللّه سبحانه المنزلة التي لا يدانيه فيها أحد على صفحة الوجود ولا نظير لها في عالم الخلق، ومن له هذا المقام السامي لا يرد دعاؤه، لذلك أمر المذنبون بالمجيء إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والاستغفار لديه والطلب منه أن يستغفر اللّه لهم كما قال تعالى:

(وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً).(3)

ثمّ إنّ هناك آيات أُخرى تؤكّد أنّ التوسّل بدعاء الإنسان الأمثل كان رائجاً في الرسالات السابقة فنرى أنّ أبناء يعقوب بعدما انكشف أمرهم وبان ظلمهم توسّلوا بدعاء أبيهم وقالوا له:

(يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئين * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم).(4)


1 . الأنفال:33.
2 . الأحزاب:71.
3 . النساء:64.
4 . يوسف:97ـ 98.

(294)

ولا ريب ولا شكّ في جواز هذا النوع من التوسّل بحيث لم يناقش فيه أحد ولا يوجد فيه مخالف، ولكن المهم معرفة السبب والاطلاع على العلة التي جعلت دعاء الأنبياء مستجاباً، فما هي هذه العلّة والسبب؟

إنّ السبب الواقعي لاستجابة دعائهم (عليهم السلام) انّما يكمن في روحهم الطاهرة ونفوسهم الزكية، وقربهم من اللّه سبحانه، فهي التي تضفي على الدعاء أثراً وتجعله صاعداً ومدعماً لدعاء الغير، وممّا لا ر يب فيه أنّ الدعاء النابع من النفوس الزاكية والأرواح الطاهرة والقلوب التي ملؤها الحب للّه والرحمة لعباد اللّه، لا يوجد أمامه أي مانع من موانع قبوله، فلذلك يقبل من دون ترديد.

نعم هناك بحث وكلام في اختصاص ذلك الأمر ـ قبول الدعاء والتوسّل ـ بحياة النبي الجسمانية، أو يعمّ حياته البرزخية التي فيها يُرزق ويفرح ويستبشر، فهناك من يخص الآية بحياته الجسمانية بحجة ورود ذلك فيها، ولكن الأدلّة التي سقناها في بحث الزيارة تثبت عدم وجود الفرق بين الحياتين، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قادر في الحياتين على طلب المغفرة من اللّه سبحانه لمن توسّل به وجعله واسطة بينه و بين ربّه، وسيأتي المزيد من التفصيل في النقطة السادسة.

5. التوسّل بدعاء الأخ المؤمن

من الأسباب التي جعلها اللّه تعالى وسيلة لاستجابة الدعاء هو التوسّل بدعاء الأخ المؤمن.

وقد دلّت الآيات على أنّ الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، وأنّ المؤمنين اللاحقين يستغفرون للسابقين، فقال تعالى:

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ


(295)

وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا).(1)

وقال تعالى:

(وَالَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلاً للَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيمٌ).(2)

يظهر من الآيات المذكورة أنّ دعاء حملة العرش واللاحقين من المؤمنين سبب صالح لاستجابة الدعاء، فينبغي على المسلم الواعي التمسّك بهذا الحبل وهذا السبب وطلب الدعاء منهم، ليكون ذلك سبباً لفوزه برضى اللّه وغفرانه.

ويكفي في الدلالة على استحباب طلب دعاء الأخ المؤمن، ما رواه مسلم في صحيحه من أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع علو شأنه وعظم منزلته ورفيع مقامه يطلب من أُمّته أن تدعو له، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«اسألوا اللّه لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد اللّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة».(3)

فهذا الحديث يدلّ بظاهره على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوسّل إلى اللّه تعالى بدعاء أُمّته له، أن يؤتيه الوسيلة والمقام المحمود في الجنة، ويكون جزاؤه شفاعته في


1 . غافر:7.
2 . الحشر:10.
3 . صحيح مسلم:2/4، كتاب الصلاة، الباب6; سنن الترمذي:5/248برقم3694، كتاب المناقب، الباب الأوّل.

(296)

حقّهم. فإذا كان هذا حال النبي فنحن من باب أولى يحق لنا أن نتمسّك بهذه الوسيلة.

وبما أنّ هذا النوع من التوسّل من الأُمور المتّفق عليها بين المسلمين لذلك نمسك عنان القلم مكتفين بهذا المقدار من الكلام.

6. التوسّل بدعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله

أثبتت البحوث السابقة أنّ سيرة المسلمين كانت قائمة على التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته وانّه كانت أبواب الرحمة مفتحة أمام المذنبين والعاصين منهم انطلاقاً من قوله تعالى:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً).(1)

فقد كانت السبيل أمامهم مشرعة للمجيء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلب الاستغفار منه.

ولقد ذمّ القرآن الكريم المنافقين لعدم استفادتهم من بحر الرحمة الإلهية الزاخر، وعدم استغلال وانتهاز تلك الفرصة الذهبية والولوج من نافذة الرحمة التي فتحها اللّه أمام المذنبين حيث قال تعالى في وصفهم:

(وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُم).(2)

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: صحيح أنّ باب الرحمة والفيض الإلهي


1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.

(297)

كان مفتوحاً في حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولحوقه بالرفيق الأعلى هل بقي هذا الباب على ما هو عليه، بحيث يحقّ للمسلمين التوسّل بدعائه والوقوف في حضرته وطلب الاستغفار منه(ولو انّهم إِذ ظلموا أنفسهم)أم أنّ الباب أوصد برحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

والجواب: لا ريب أنّ سيرة المسلمين قاطبة من عصر الصحابة والتابعين وحتى عصرنا الحاضر قائمة على التوسّل بدعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله ولحوقه بالرفيق الأعلى وماكانوا يرون فرقاً بين الحياتين، فمن تصفح سيرة المسلمين ورجع إلى غضون الكتب وشاهد عملهم في المسجد النبوي قرب مزاره الشريف، يلمس بسهولة استقرار سيرتهم على التوسّل بدعائه من غير فرق بين حياته الدنيوية وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فبالإضافة إلى السيرة المذكورة نجد انّ نفس متن الزيارة التي نقلها الشيعة والسنّة على السواء تتضمن الطلب المذكور، ولكي يطمئن القارئ الكريم نأتي ببعض الكلمات التي رواها كبار العلماء من أهل السنّة في هذا المجال وليتّضح أنّ منهج السلف في الزيارة هو نفس المنهج القائم الآن بين أوساط المسلمين، ومن هذه الكلمات:

1. قال زكريا محيي الدين النووي(631ـ 676هـ): ثمّ يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر... ثمّ يسلّم ولا يرفع صوته، بل يقصد فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا نبي اللّه، السلام عليك يا خيرة خلق اللّه... ثمّ يقول: جزاك اللّه يا رسول اللّه عنّا أفضل ما جزى نبيّاً ورسولاً عن أُمّته، وصلّى عليك كلّما ذكرك ذاكر وغفل عن ذكرك غافل، ... إلى أن يقول: اللّهمّ آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، و آته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون.


(298)

ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: وكنت جالساً عند قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللّه سمعت اللّه يقول: (وَلَو انهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسهُمْ جاءُوكَ فَاستَغْفروا اللّهَواستَغْفَر لَهُمُ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللّه تَوابّاً رَحيماً) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربّي ثمّ أنشأ يقول:

يا خير من دفنت في القاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم(1)

ولا يتصوّر أحد أنّ القول بصحّة طلب الدعاء من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يختص بالنووي وبعض أساتذته، بل روى ذلك النحو من الزيارة محدّثون وفقهاء آخرون في كتبهم أيضاً.

2. نقل ابن قدامة الحنبلي (المتوفّى 620هـ) في باب آداب زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد أن ذهب إلى استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عن أبي هريرة أنّه قال:

ويستحب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما روى الدارقطني باسناده عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي».

وفي رواية: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

وعن أبي هريرة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من أحد سلّم عليّ عند قبري إلاّ ردّ اللّه عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام».


1 . كتاب المجموع (شرح المذهب للشيرازي):8/258، ط مكتبة الإرشاد.

(299)

ثمّ نقل عن العتبي قصة الأعرابي المذكورة آنفاً.(1)

3. نقل السمهودي عن كتاب «المستوعب» لمحمد بن عبد اللّه السامري الحنبلي زيارة الرسول الأكرم بالصورة التالية: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا نبي اللّه... اللّهمّ إنّك قلت في كتابك لنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم) : (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) وانّي قد أتيت نبيّك مستغفراً، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللّهم إنّي أتوجّه إليك بنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم) .(2)

4. نقل الغزالي (المتوفّى 505هـ): في باب زيارة المدينة وآدابها، الزيارة بصورة مفصّلة، فبعد أن ذكر الآداب وطريقة الوقوف والخطاب ثمّ التوجه إلى الرسول الأكرم بالتحية والسلام; قال: ثمّ يرجع ـ الزائر ـ فيقف عند رأس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بين القبر والاسطوانة اليوم ـ ويستقبل القبلة وليحمد اللّه عزّ وجلّ وليمجّده، وليكثر من الصلاة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّك قد قلت وقولك الحقّ (ولو أنّهم إِذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توّاباً رَحيماً)، اللّهم إنّا قد سمعنا قولك وأطعنا أمرك وقصدنا نبيّك متشفعين به إليك في ذنوبنا وما أثقل ظهورنا من أوزارنا تائبين من زللنا، معترفين بخطايانا وتقصيرنا، فتب اللّهم علينا، وشفّع نبيّك هذا فينا، وارفعنا بمنزلته عندك وحقّه عليك.(3)

5. ونقل الشيخ حسن بن عمار الشرنبلاني في كتاب «مراقي الفلاح» زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشكل التالي: «السلام عليك يا سيّدي يا رسول اللّه، السلام


1 . المغني لابن قدامة:3/588، مع الشرح الكبير.
2 . وفاء الوفا:4/1376.
3 . إحياء علوم الدين:1/229ـ 230.

(300)

عليك يا نبي اللّه... انّ الخطايا قد قصمت ظهورنا، والأوزار قد أثقلت كواهلنا وأنت الشافع المشفّع، الموعود بالشفاعة العظمى والمقام المحمود والوسيلة، وقد قال اللّه تعالى:(ولو أنّهم إِذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توّاباً رَحيماً) ، وقد جئناك ظالمين لأنفسنا، مستغفرين لذنوبنا، فاشفع لنا إلى ربّك».(1)

هذه بعض النماذج أوردناها من كتب الإخوة أهل السنّة، والمراجع للمصادر الشيعية يجد أنّ الآية التي ذكرها علماء أهل السنّة في الزيارة قد أوردها أيضاً علماء الشيعة، منهم:

6. السيد ابن طاووس(المتوفّـى 664هـ) حيث نقل عن الإمام الصادق(عليه السلام) كيفية الزيارة بالصورة التالية: «اللّهمّ إنّك قلت لنبيّك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) :(ولو أنّهم إِذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توّاباً رَحيماً)، ولم أحضر زمان رسولك، وقد زرته راغباً تائباً من سيّئ عملي، ومستغفراً لك من ذنوبي ومقرّاً لك بها».(2)

إنّ هذه النماذج التي نقلناها من آداب الزيارة تتّفق جميعها على الاستشهاد بالآية، وإنّ على زائر المدينة على صاحبها آلاف التحية والسلام أن يتلو الآية المذكورة. وفي الحقيقة أنّ الإمعان في الآية يكشف عن أنّها تضع تكليفاً على كاهل المكلّف وآخر على كاهل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

أمّا التكليف الذي يقع على كاهل المكلّف فهو أن يأتي إلى حضرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستغفر اللّه لديه ويطلب منه الاستغفار.


1 . الغدير:5/139 نقلاً عن مراقي الفلاح.
2 . إقبال الأعمال:606.

(301)

وأمّا التكليف الذي يقع على عاتق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيتمثّل بالاستغفار للزائر إذا جاء إلى حضرته وطلب ذلك منه.

ثمّ إنّ الملاحظ من مجموع الآداب والسنن الخاصة بالزيارة انّها تعتبر التوسّل بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) كالتوسّل به في حال حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانّه لا فرق أبداً بين الحالتين في اعتماد هذه الوسيلة للتقرّب إلى اللّه وطلب المغفرة منه.

ابن تيميّة وأتباعه

ذهب ابن تيمية وأتباعه إلى التفريق بين طلب الدعاء في حال الحياة فقالوا بجواز ذلك و بين طلبه بعد وفاته فقالوا بحرمته، قال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: (وابْتَغُوا إِليهِ الوَسِيلَةَ): وتحقيق الكلام في المقام أنّ الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شكّ في جوازه إن كان المطلوب منه حيّاً، وأمّا إذا كان المطلوب منه ميّتاً أو غائباً فلا يستريب عالم أنّه غير جائز وانّه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف.(1)

وفي مقام الرد على هذا الكلام لابدّ من تحديد منزلة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لدى اللّه سبحانه، تلك المنزلة التي دعت إلى أن يحضر المذنبون لديه (صلى الله عليه وآله وسلم) والاستغفار عنده وطلب الاستغفار منه، فهل هذه المنزلة وذلك المقام نابعان من الوضع الجسماني والعنصر المادي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث بمجرد انتهاء هذا العنصر بسبب الموت تنتهي جميع لوازمه وتوابعه، أو أنّ تلك المنزلة والمقام يرتبطان بالعنصر الروحي والنفس الزكية والطهر المعنوي له (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟


1 . روح المعاني:6/125 والآية 35 من سورة المائدة.

(302)

لا ريب أنّ الفرض الأوّل مخالف لحكم العقل والشرع معاً، لأنّنا قد أثبتنا في موضوع الحياة البرزخية انّ واقع الإنسان وسموه وتكامله يكمن في روحه لا في بدنه، وأثبتنا أيضاً انّ للروح حياة أُخرى مستمرة وخالدة وانّ الموت لا يُمثل نهاية الحياة وانعدامها،بل هو في الحقيقة يمثّل بداية حياة جديدة أُخرى، وعلى هذا الأساس تكون جذور منزلة الرسول الأكرم ومقامه ممتدة في عظمة روحه وكرامتها المعنوية، وانّ هذه المنزلة وتلك العظمة والكرامة باقية بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الدنيا.

كما أثبتنا أيضاً في البحوث السابقة انّ العلاقة والصلة بين الحياتين المادية والبرزخية قائمة ولم تنقطع، وأثبتنا بالأدلّة القطعية انّ الأموات يسمعون كلامنا كما كانوا في الحياة الدنيا.

من هذا المنطلق يكون تخصيص مفاد الآية (ولو انّهم إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جاءُوك...) بالحياة الدنيوية فقط، تخصيص لا أساس له من الصحّة ولا يقوم على قواعد علمية ولا يدعمه الدليل.

وبعبارة أُخرى: نسأل المنكرين للتوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله ، لماذا لا تجوّزون ذلك؟

هل لأنّ جميع فضائله (صلى الله عليه وآله وسلم) ترتبط بالعنصر المادي من حياته والتي تفنى بعروض الموت عليه ومع فناء ذلك العنصر تفنى جميع تلك الكرامات والفضائل؟!

أم لأنّ الموت في الحقيقة يمثّل نهاية حياة البشر عامة والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة بحيث لا توجد حياة أُخرى أبداً، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بحي يرزق عند ربّه سبحانه؟!

وهل ـ على فرض الإذعان بوجود حياة أُخرى ـ انّ العلاقة بينه و بيننا


(303)

انقطعت بالكامل، ولا توجد الآن أية صلة تربط بيننا؟

ولا شكّ أنّه لا يمكن قبول الفروض الثلاثة، وحينئذ لابدّ من الإذعان ببقاء التوسّل بدعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحياتين(الدنيوية والبرزخية) على حدّ سواء.

والجدير بالذكر أنّ الشيخ خليل بن أحمد السهارنپوري قد جمع فتاوى 75 عالماً من علماء أهل السنّة، في جواز التوسّل بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ترجمها عبد الرحمن السربازي تحت عنوان «عقيدة أهل السنّة والجماعة في ردّ الوهابية» ونشرت الرسالة عام 1370هـ ش. وممّا جاء فيها: عقيدتنا ـ كما هي عقيدة مشايخنا ـ انّ زيارة قبر سيد المرسلين من أكبر الطرق للتقرب إلى اللّه سبحانه، وانّها تنطوي على ثواب جم، وهي من أفضل الوسائل لنيل الدرجات السامية والمقامات الرفيعة، وانّه يجوز التوسّل بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء والصالحين والشهداء والصديقين في حال حياتهم ومماتهم على السواء.(1)

شبهات وردود

إلى هنا اتّضح وبصورة جلية جواز التوسّل بدعاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله، ولكن توجد في المقام مجموعة من الشبهات التي ينبغي طرحها والرد عليها لتتضح جميع أبعاد المسألة، ومن تلك الشبهات:

الشبهة الأُولى: طلب الدعاء من الميت يُعدّ شركاً باللّه

يعتقد البعض أنّ طلب الدعاء من الإنسان الحي القادر على القيام بالدعاء أمرٌ جائز، ولكن طلب الدعاء من الميت شرك ينبغي التحرز منه


1 . «عقائد أهل سنت و جماعت در وهابيت و بدعت»: 86.

(304)

والاجتناب عنه.

وحينئذ لابدّ من بحث القضية لمعرفة هل انّ هذا التصوّر صحيح أم لا؟

جواب الشبهة

إنّ الشبهة المذكورة قائمة على اعتبار انّ طلب الدعاء من الميت يُعدّ نوعاً من العبادة له، وحينئذ يكون من قبيل الشرك في العبادة.

ولا ريب أنّ هذا التوهّم باطل، وذلك:

أوّلاً: إذا كان طلب الدعاء من الميت عبادة له فلا ريب يكون طلب الدعاء من الحي عبادة أيضاً، وذلك لأنّ ماهية العمل واحدة في الحالتين، لأنّها في الحقيقة«طلب من الغير مقترن بالخضوع» فعلى المستشكل إمّا أن يقبل بأنّ الحالتين من الشرك المحرّم، أو ينفي الشرك عن الحالتين على السواء، وأمّا التفريق بينهما بأن يقبل إحداهما وينفي الأُخرى فهو تفريق لا أساس له من الصحّة ولا يقوم على الدليل والبرهان.

ثانياً: انّنا قد فسّرنا العبادة في الفصل الرابع من هذا الكتاب بصورة منطقية، وقلنا هناك إنّه ليس كلّ خضوع أو دعاء أو نداء أو طلب هو عبادة، بل العبادة هو الخضوع المقترن باعتقاد خاص.

وبعبارة أُخرى: الخضوع أمام من يعتقد كونه ـ و العياذ باللّه ـ ربّاً، أو الاعتقاد بأنّه مخلوق ولكن فوّض إليه فعل الربّ كما يعتقد ذلك الوثنيون وعبدة الأصنام.

وأمّا الخضوع المجرّد عن هذه المعتقدات الباطلة والواهية فليس بشرك.

وبعبارة أوضح: انّ الدعاء المقترن باعتقاد كون الطرف المدعو إنساناً ذا


(305)

شأن ومقام ومنزلة لدى اللّه سبحانه، ومن هنا ينطلق الداعي ليتوسّل به ويطلب منه الدعاء له عند ربّه كما كان يفعل المسلمون في حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته، فلا يُعدّ ذلك العمل مخالفاً للتوحيد والوحدانية أبداً.

الشبهة الثانية: لا جدوى في طلب الدعاء من الميت

قد يقال: إنّ طلب الدعاء من الميت العاجز عن استجابة دعاء الإنسان أمرٌ لا يجدي نفعاً ولا طائل فيه، وحينئذ يكون طلب الدعاء منه أمراً عبثياً وحالة لغوية لا فائدة فيها.

جواب الشبهة

إنّ هذه الشبهة تنطلق من الرؤية المادية للأُمور والتي ترى أنّ الموت يمثل نهاية الحياة وليس وراء هذه الحياة الدنيا شيء، ومن هنا فإنّ الأموات ـ وفقاً لهذه النظرية ـ يعدمون ويفنون بالكامل،ولا معنى حينئذ للطلب من المعدوم أو مخاطبته لأنّها أُمور لغوية وعبثية لا طائل فيها.

ويتّضح جواب هذه الشبهة من الأُصول المسلّمة التي تعرضنا لبيانها في البحوث السابقة وأثبتنا فيها انّ الموت لا يمثل نهاية الحياة، بل هو في الواقع مرحلة انتقال من حياة إلى حياة أُخرى، وانّ الذي يتعرض للفناء هو العنصر المادي من الإنسان، وأمّا العنصر الروحي فيبقى خالداً يحيا حياة أُخرى يطلق عليها اسم الحياة البرزخية، فإذا كان موجوداً وحيّاً فحينئذ تصح مخاطبته وطلب الدعاء منه، وانّه قادر بإذن اللّه تعالى أن يلبّي طلبنا ويستجيب دعاءنا.


(306)

الشبهة الثالثة: وجود الحائل والمانع بين الأموات والأحياء

إنّ أصحاب هذه الشبهة يسلمون أنّ الموت لا يمثل نهاية الحياة وفناء الإنسان بالكامل، بل هناك عنصر مهم من الإنسان وهو الروح ينطلق إلى عالم آخر ليعيش فيه، ولكنّهم يرون في نفس الوقت انّ هناك حائلاً ومانعاً بين الأموات والأحياء أطلق عليه القرآن الكريم عنوان «البرزخ» حيث قال تعالى : (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(1) وعلى هذا الأساس لا يتسنّى للموتى أن يسمعوا دعاء الأحياء، وإذا لم يسمعوه فما الفائدة من مخاطبة موجود لا يسمع الكلام؟!

جواب الشبهة

صحيح انّ البرزخ لغة معناه الحائل والمانع، ولكن المقصود من المانع والحائل هنا، هو المانع والحائل من العودة إلى الحياة الدنيا، لا بمعنى الحائل والمانع من الارتباط والاتصال بهم، وانّ الإمعان في الآية المباركة يوضح لنا وبجلاء المعنى المقصود من البرزخ حيث يقول تعالى:

(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها).(2)

ومن الواضح أنّ الآية تشير إلى حقيقة جلية، وهي انّ المذنبين والمجرمين حينما يأتي أحدهم الموت ويواجه المصير المحتوم الذي طالما


1 . المؤمنون:100.
2 . المؤمنون: 99ـ 100.

(307)

حاول التمرّد عليه والفرار منه، حينئذ يعود إلى نفسه ويدرك الحقيقة ويعرف قيمة العمل الصالح في الدنيا، فيطلب من اللّه تعالى أن يسمح له بالعودة وأن يرجعه إلى الحياة الدنيا ليتدارك ما فات (ولاتَ حينَ مَناص)(1)، وعندئذ جاء الرد الإلهي بقوله: (كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَارئهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).(2)

إذاً المراد من الحائل والمانع هنا هو الحائل والمانع عن العودة والرجوع إلى الحياة الدنيا،ولا علاقة للآية، بالمنع عن الارتباط ونفي الصلة بين الأحياء والأموات أبداً، وبالنتيجة تكون هذه الشبهة واهية كسابقاتها ولا تبتني على أساس محكم ودليل قوي.

الشبهة الرابعة: النبي لا يسمع خطابنا ودعاءنا

تنطلق هذه الشبهة من الفكرة التالية: انّ القرآن الكريم حينما ذم المشركين في عدم تأثرهم بكلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته وعدم انصياعهم للحق، وصفهم بأنّهم كالموتى، فقال تعالى مخاطباً النبي الأكرم: (إِنّك لا تُسْمِعُ الْمَوتى)(3)، وفي آية أُخرى: (وَما أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُور).(4)

وهذا تصريح واضح من القرآن الكريم بأنّ الأصل المسلّم في أنّ الموتى لا يسمعون الخطاب، ولذلك شبه القرآن الكريم المشركين بهم، ومن المعلوم أنّ الآيات مطلقة تشمل جميع الموتى بما فيهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن هنا يمكن


1 . ص :3.
2 . المؤمنون:100.
3 . النمل:80.
4 . فاطر:22.

(308)

القول إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله عن هذه الدنيا هو أيضاً لا يسمع الخطاب الموجّه إليه من الإنسان الحي، وفقاً لإطلاق الآيات المذكورة.

فإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسمع دعاءنا وخطابنا فما هي الفائدة والثمرة من خطابه وطلب الدعاء منه؟!

جواب الشبهة

لا شكّ أنّه يوجد في كلّ عملية تمثيل أو تشبيه «وجه شبه» يدور حوله التشبيه أو التمثيل المذكور، فحينما نشبه: زيداً بالأسد ونقول: «زيد كالأسد»، أو «زيد أسد» فإنّ وجه الشبه هنا هو «الشجاعة» الموجود في المشبه والمشبه به.

وحينئذ لابدّ من التركيز على هذه النقطة لنرى ما هو وجه الشبه بين المشركين والأموات، أو بين المشبه والمشبه به في الآية؟

من المستحيل القول بأنّ وجه الشبه بينهما هو نفي السماع بصورة مطلقة، وذلك لأنّه على فرض صحّة ذلك في الميت وانّ الميت لا يسمع مطلقاً وانّه يفتقد للقوّة السامعة، ولكن ذلك لا يصحّ في حقّ المشركين، لأنّ المشركين يسمعون كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلام غيره ممّن يخاطبونهم ويتكلّمون معهم، وهذا أمر ثابت بالوجدان.

إذاً لابدّ من القول بأنّ وجه الشبه شيء آخر وهو: نفي السماع النافع والمفيد، بمعنى أنّه كما أنّ خطاب الميت ودعوته للقيام بالعمل الصالح لا تجدي له نفعاً، لأنّه قد انقضى زمان العمل، كذلك دعوة المشركين إلى الإيمان والعمل الصالح دعوة لا فائدة فيها ولا طائل وراءها، لأنّ المشرك يفتقد


(309)

كلّ المقومات الروحية التي توفر له أرضية قبول الدعوة والإذعان لها، وحينئذ لا فائدة من مخاطبته أبداً.

وتتّضح هذه الحقيقة من خلال الآيات والروايات الكثيرة التي وردت في إطار الحديث عن الحياة البرزخية للمؤمنين والمشركين.

وبعبارة مختصرة: انّ دعوة المشركين إلى العمل الصالح كدعوة الموتى، لا يجني صاحبها أية ثمرة من خطابه لهم، لأنّ الميت وإن كان يسمع الخطاب ولكنّه لا يستجيب للقيام بالعمل الصالح، لأنّه قد انقضى زمن ذلك، وأمّا المشرك فإنّه هو الآخر لا يقوم بالعمل الصالح لا لأنّه لا يسمع، بل لأنّه لا تتوفر فيه الأرضية المناسبة للقيام بالعمل.

والجدير بالذكر أنّ ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية فسّر الآية في كتابه «الروح» بنفس ما فسّرناها به(1)، ولا ريب أنّ تفسيره للآية بهذا النحو يعني عدوله عن نظرية أُستاذه ومخالفته له فيها.

هذه مجموعة من الشبهات التي قد أُثيرت أو تثار حول النقطة السادسة أي التوسل بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله.

7. التوسّل بذات الأنبياء والصالحين

كان الكلام في التوسّل بدعاء الأنبياء والصالحين، بمعنى أنّ الإنسان المحتاج يتوسّل إلى اللّه بدعائهم ويطلب منهم أن يدعوا له بقضاء حاجته وإنجاح طلبته، وفي الحقيقة يجعل دعاءهم وسيلته للتقرّب إلى اللّه تعالى.


1 . انظر كتاب الروح:45ـ 46.

(310)

وأمّا البحث في هذه النقطة فيقوم على أساس التوسّل بنفس ذوات الأنبياء والصالحين وجعلهم وسيلة لاستجابة الدعاء، والاعتماد على ما لهم من المقام والمنزلة الرفيعة عند اللّه سبحانه.

وبعبارة أُخرى: انّ المتوسّل يجعل تلك الذوات الطاهرة والنفوس الزكية والشخصيات المثالية واسطة بينه و بين ربّه ويتقرّب إلى اللّه بحرمتهم ومقامهم المعنوي، لأنّه يعلم أنّ لهم منزلة ومقاماً عند ربّهم، ولهذا التوسّل صور، منها:

اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك بخاصة أوليائك.

اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك بمقام ومنزلة أوليائك.

اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك بنبيّك الأكرم وأهل بيته الطاهرين.

ففي هذه التوسّلات يجعل المتوسّل الواسطة للتقرّب بينه و بين ربّه نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء والصالحين، وهذا النوع من التوسّل بالإضافة إلى رواجه وشيوعه في الأوساط العلمية، توجد هناك رواية صحيحة تحت عنوان «حديث الضرير» رواها المخالفون وأذعنوا بصحّتها.

توسّل الضرير بنبي الرحمة

عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبيّ فقال: أُدع اللّه أن يعافيني فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرت وهو خير».

قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهم شفعه فيَّ».


(311)

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرّ.(1)

إنّ الاستدلال بالرواية مبني على صحّتها سنداً وتمامية دلالتها مضموناً.

أمّا الأوّل: فلم يناقش في صحّتها إلاّ الجاهل بعلم الرجال، حتّى أنّ ابن تيمية(2) اعترف بصحّة الحديث حيث قال: قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي أنّه علّم رجلاً أن يدعو فيقول: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك.

وروى النسائي نحو هذا الدعاء.

وقال الترمذي: هذا حديث حق حسن صحيح، وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.

وقال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور.(3)

وبعد ذلك فلم يبق لأحد التشكيك في صحّة سند الحديث إنّما الكلام في دلالته، وإليك البيان:

إنّ الحديث يدلّ بوضوح على أنّ الأعمى توسّل بذات النبي بتعليم منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والأعمى وإن طلب الدعاء من النبي الأكرم في بدء الأمر، إلاّ أنّ النبي علّمه دعاءً تضمّن التوسّل بذات النبي، وهذا هو المهم في تبيين معنى الحديث.

وبعبارة ثانية: أنّ الذي لا ينكر عند الإمعان في الحديث أمران:

الأوّل: أنّ الرجل طلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعاء ولم يظهر منه توسّل بذات


1 . سنن الترمذي:5/229، كتاب الدعوات، الباب119، برقم 3659; سنن ابن ماجة:1/441، برقم 1385; مسند أحمد:4/138، إلى غير ذلك من المصادر.
2 . مجموعة الرسائل والمسائل:1/13.
3 . التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 158.

(312)

النبي.

الثاني: أنّ الدعاء الذي علّمه النبي، تضمّن التوسّل بذات النبي بالصراحة التامّة، فيكون ذلك دليلاً على جواز التوسّل بالذات.

وإليك الجمل والعبارات التي هي صريحة في المقصود:

1. اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك

إنّ كلمة «نبيّك» متعلّقة بفعلين، هما:«أسألك» و«أتوجّه إليك»، والمراد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه.

وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيك» حتّى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك، أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل، وتأويل بدون مبرّر، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجهمية والقدريّة.

2. محمد نبي الرحمة

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من اللّه بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «نبيك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأكثر ما يمكن.

3. يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي

إنّ جملة «يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسه، وسيلة في دعائه أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) .


(313)

4. وشفّعه فيّ

إنّ قوله: «وشفّعه فيّ» معناه يا رب اجعل النبي شفيعي، وتقبّل شفاعته في حقّي، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي، فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتّى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاءه في حقّي، ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي; إذ ليس دعاؤه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور غير المهمة حتّى يتسامح الراوي في حقّه. وحتّى لو فرضنا أنّ معناه «تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً، إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم يُنقل لفظه، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء.

لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه، ولكن الترمذي والحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بدل «وشفّعه فيّ».

التوسّل بذات النبي بعد رحيله

إنّ الصحابي الجليل عثمان بن حنيف فهم من الحديث السابق أنّ التوسّل بذات النبي وشخصه يعمّ حياته ومماته، فلأجل ذلك عندما رجع إليه بعض أصحاب الحاجة علّمه نفس الدعاء الذي علّمه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) للضرير، ولحسن الحظ كان ما توصّل إليه ناجحاً.

روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (المتوفّى 360هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف، أنّ


(314)

رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضّأ، ثمّ إئت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح إليّ حتى أروح معك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له ثمّ قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتّى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكنّي شهدت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فتبصر؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي قائد وقد شقّ عليّ. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إئت الميضأة فتوضأ ثمّ صلّ ركعتين، ثمّ ادع بهذه الدعوات، قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط.(1)

إنّ دلالة الحديث على جواز التوسّل بذوات الصالحين، وأخصّ منهم الأنبياء أمر لا سترة فيه.

نعم أنّ بعض مَن لا يروقه هذا النوع من التوسّل كابن تيمية والسائرين


1 . المعجم الكبير:9/16ـ 17، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف، برقم 8310; والمعجم الصغير له أيضاً:1/183ـ 184.

(315)

على منهجه حينما يواجهون تلك الروايات الصحيحة والصريحة، يحاولون الخدش في دلالتها ودلالة غيرها من الروايات الصريحة في التوسّل بذات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتماد تأويلات باردة، حيث يذهبون إلى وجود التقدير في الحديث، ويقولون: إنّ هناك كلمة مقدرة وهي ]الدعاء[، فيكون المقصود ـ حسب رأيهم ـ من جملة: «أتوجّه إليك بنبيّك» يعني «أتوجّه إليك بدعاء نبيّك».

ولا ريب أنّ هذه التأويلات نابعة من الأحكام المسبقة والاعتقادات الراسخة في أذهانهم، لأنّ هذا التقدير لا ينسجم مع جميع الفقرات والجمل الواردة في الحديث.

ثمّ لو كان الضرير قد توسّل حقيقة بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلماذا يعلّمه الرسول الأكرم طريقة التوسّل بأن يقول: «محمد نبي الرحمة» ويعلّمه أيضاً بأن يقول: «يا محمد إنّي أتوجّه إليك»؟!

أضف إلى ذلك أنّ تقدير كلمة الدعاء يجعل الجملة ركيكة، وغير متّزنة أبداً.

ثمّ إنّ الآلوسي البغدادي(المتوفّى 1270هـ) والذي يُعدّ من أقطاب الوهابية والمروّجين والداعين للمذهب الوهابي هو الآخر قد أذعن أمام هذا الحديث، وسلّم بالحق، واعترف بأنّه لا مانع من التوسّل بمقام ومنزلة الأفراد الصالحين الأعم من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره، بشرط إحراز كون الفرد المتوسّل به ذا مقام عند ربّه.(1)


1 . انظر روح المعاني:6/128.

(316)

التوسّل بالصالحين في الأدب العربي

قد أنشد الأُستاذ محمد الفقي قصيدته المعروفة بالفيوضات الربانيّة في الزيارة والتوسل بخير البرية سنة 1378هـ /سنة 1959 م، نأتي بتمامها هنا، وهي:

حسب القوافي وحسبي حين أهديها *** إلى المسامع أنّ الحب يمليها
سجلتُ من عبرات العين أسطرها *** وصغت من مهجتي الحرّى معانيها
فعبَّرت عن أحاسيسي مقاطعها *** وترجمت عن صباباتي قوافيها
وما تحلت بأوزان وقافية *** لكنّها حكم تسمو بتاليها
أضفت على الكون فيضاً من أشعتها *** وقد تجلّى جلال المصطفى فيها
تألّقت بسجاياه فرائدها *** وأشرقت بمعانيه حواشيها
وأسفرت عن دراريه مباسمها *** فافْتَرَّ ثغرُ الأماني عن دراريها


(317)

حوت من الحب آيات مفصلة *** توحي إلى النفس روحاً من تناجيها
سما بها القلب في أسمى منازله *** وماست الروح في أبهى مجاليها
وفارت النفس بالأشواق هاتفة *** يميتها الشوق أحياناً ويحييها
لا تعذلوها إذا لاقت منيتها *** فالموت في الحب من أسمى أمانيها
(لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده *** ولا الصبابة إلاّ من يعانيها)
يا راكبي الريح بسم اللّه مسبَحُها *** وراكبي الفلك بسم اللّه مجريها
دعاكم اللّه فاخترتم ضيافته *** وطابت الدعوة العظمى و داعيها
حسبكم أن (إبراهيم) وجهها *** في سورة الحجّ للدنيا وأهليها
فاستقبلوا من رياض الخلد بهجتها *** ومتَّعُوا النفس في أبهى مغانيها


(318)

لقد قصدتم رحاباً طاب موردها *** وقد جنيتم ثماراً فاز جانيها
فنلتُمو من رضاء اللّه منزلة *** أنستكمُ الأهل والدنيا وما فيها
وما وصلتم إلى ساحات كعبتكم *** إلاّ ظفرتم بفضل اللّه حاميها
يا من نزلتم بهذا الحي حسبكمُ *** أنّ السعادة حققتم دواعيها
قلوبكم في رياض الأنس رائعة *** تفيض بالشكر تقديساً لباريها
وما نظرتم لها إلاّ وأعينكم *** من فرحة الشوق قد فاضت مآقيها
يا حسنها جنة طابت مواردها *** فليس في الكون من روض يدانيها
تشرفت بنزول الوحي ساحتها *** وأشرقت ببقاء المصطفى فيها
يا خاتم الرسل قد يممت روضتكم *** في لحظة من حياة العمر نبغيها


(319)

فيها المصافاة إلاّ أنّها مدد *** وما المصافاة إلاّ في تناجيها
إنّي لأطمع أن أحظى ببارقة *** من النبوة تفنيني معانيها
يا مصدر الخير والخيرات تعرفكم *** بمصدر الخير للدنيا وعافيها
لم يطمع الخلق إلاّ في ضيافتكم *** ويشتهي الناس إلاّ فيض أيديها
وكيف لا يخطب الزوار ودكمُ *** والود منكم حياة جلَّ معطيها
وما وقفت مع الحجاج منتظراً *** ولا بسطت يدي إلاّ لتعطيها
فأنت أدرى بحالي حين تنفحني *** وأرحم الخلق بالدنيا ومن فيها
دعني أناجي ودع روحي مناجية *** فإنّ روحي مناها في تناجيها
وهل تقوم بلا عطف ولا مدد *** والعطف للروح مثل الأنس يحييها


(320)

يا سيد الخلق قد جئنا لنشهدكم *** والنفس ترتع في مرعى ملاهيها
فلا تكلنا إليها إنّها رحلت *** إلى الخطايا وما أخفت مساويها
والنفس أمارة بالسوء جامحة *** وقد أطاعت بليل أمر غاويها
فلا تجانب إلاّ من يُقوِّمها *** ولا تجاوب إلاّ من يجاريها
ولا تكرّم إلاّ من يصانعها *** ولا تصادق إلاّ من يعاديها
لئن تركت لكم نفسي تطهرها *** فقد وهبت لكم روحي ترقيها
فأنت للروح نور في غيابتها *** وأنت للنفس حصن من عواديها
ونظرة منك للأيام تسعدها *** ونفحة منك ترضيني وترضيها
حسبي رضاكم وحسبي أنّه أملي *** من الحياة وحظي من أمانيها


(321)

فما الحياة سوى الرضوان تغدقه *** على البرية في شتى نواحيها
يا موئل الفضل قد لذنا بساحتكم *** وما الرعية إلاّ فضل راعيها
إن لم تكن لجميع الخلق ملتجأ *** بعد الإله ومعواناً يواليها
فمن يكون ومن ترجى معونته *** عند الشدائد في أدجى لياليها
فأنت أولى بنا منا وقد نزلت *** بذلك الآي تعظيماً و تنويها
إليك جاءت وفود الأرض قاطبة *** الوجد سائقها والشوق حاديها
تمشي على نورك الهادي وما عهدت *** نوراً لغيرك يسعى بين أيديها
تسائل اللّه غفراناً وتسألكم *** لها الشفاعة من شتى معاصيها
ومن يجيب دعاها عند حيرتها *** يوم الحساب سواكم أو ينجِّيها
وأنتم الرحمة الكبرى لأُمتكم *** دنيا وأُخرى وعند الهول تحميها


(322)

شفاعة أنت معطاها وقد وجبت *** للزّائرين وهذا القدر يكفيها
يا واهب القلب عرفاناً ومعرفة *** ومانح الروح أسراراً تزكيها
كيف السبيل وقد بتنا على سفر *** وأعين الخلق قد جفَّت مآقيها
إنّ الحجيج إذا ماودعوا تركوا *** قلوبهم عند هاديها وكافيها
وما نودع إذ قمنا نودعكم *** إلاّ الفضائل في أجلى معانيها
نفسي فداك وروحي في تحسُّرها *** من الفراق تعاني من مآسيها
حياتنا كلّها في حبكم هبة *** مبرورة حينما جئنا لنهديها
منّا إليك تحيات نقدمها *** من القلوب وفاء في قوافيها
صلّى عليك إله الخلق ما بزغت *** شموس فضلك في الدنيا وما فيها(1)


1 . التوسل والزيارة:199ـ 201.

(323)

سيرة الأُمم في توسّلهم بالذوات الطاهرة

إنّ من يطالع التاريخ البشري يجد أنّه يشهد وبوضوح تام بأنّ التوسّل بالصالحين والمعصومين والمخلصين من عباد اللّه كان شائعاً في أوساط بني الإنسان قبل بزوغ شمس الإسلام، وكان الموحّدون يدركون بفطرتهم النقية أنّ التوسّل بالشخصيات الطاهرة والنفوس الزاكية أمرٌ مطلوب ومرغوب فيه، ولذلك تجدهم يعتمدون هذه الوسيلة للتقرّب إلى اللّه وطلب إجابة الدعاء وإنجاح الطلبات،ونحن نشير إلى قسم من هذه التوسّلات ليكون القارئ على علم بأنّ الفطرة السليمة تدعو الإنسان إلى التوسّل بالموجودات الطاهرة لجلب رحمته تعالى.

1. استسقاء عبد المطلب بالنبي وهو رضيع

يحدّثنا التاريخ أنّ مكة المكرمة وأطرافها قد أصابها قحط وجفاف وجدب كاد أن يهلك الحرث والنسل ويقضي على كلّ شيء، فلم يجد عبد المطلب بُدّاً إلاّ أن أمسك بيد حفيده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و هو يومذاك طفل رضيع ـ و استسقى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طالباً من اللّه أن ينزل عليهم الغيث ويخلّصهم من تلك الشدة والعسر، حتّى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب يشير بقوله:

وابيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمـال اليتـامى عصْمـةٌ للأرامـل


(324)

إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي معه غلام.(1)

2. استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام

لقد تكرّرت الحالة في فترة زعامة أبي طالب (رضي الله عنه) حيث أُصيبت قريش مرّة أُخرى بقحط وجدب، فهرع القريشيون إلى أبي طالب طالبين منه الاستسقاء، فقرر أن يتوسّل بابن أخيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و كان حينذاك غلاماً ـ و قد نقل ابن عساكر تلك الحادثة عن أبي عرفة، قال:

قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كأنّه شمس دجى تجلّت عن سحابة قتماء، وحوله أُغيلمة، فأخذ النبي أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذَ إلى الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق وأغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي.(2)

وفي ذلك يقول أبو طالب:

وابيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(3)

3. التوسّل بالأطفال والشيوخ في صلاة الاستسقاء

إنّ التوسّل بالأطفال في الاستسقاء أمرٌ ندب إليه الشارع، قال الدكتور


1 . فتح الباري:2/398; دلائل النبوة:2/126.
2 . فتح الباري:2/398; دلائل النبوة:2/126.
3 . فتح الباري:2/494; السيرة الحلبية:1/116.

(325)

عبد الملك السعدي: من السنّة أن نخرج معنا إلى الصحراء الشيوخ والصبيان والبهائم لعلّ اللّه يسقينا بسببهم.(1)

وهذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «وأُحبّ أن يخرج الصبيان ويتنظفوا للاستسقاء، وكبار النساء، ومن لا هيبة منهنّ،ولا أُحبّ خروج ذات الهيبة».(2)

ولا ريب أنّ الهدف من إخراج الصبية المطهّرين من الذنوب والشيوخ الذين أنهكهم الدهر،والحيوانات العجماء، يعني أنّ المستسقين يخاطبون اللّه تعالى بقولهم:

اللّهمّ إن كنّا ـ لذنوبنا وقسوتنا ـ غير جديرين بإنزال الرحمة، والغيث علينا، فارحمنا يا للّه بهؤلاء.

أو يقولون: ربّنا وسيدنا!! الصغير معصوم من الذنب، والكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك، وهما أحقّ بالرحمة والمرحمة، فلأجلهم أنزل رحمتك علينا، حتّى تعمّنا في ظلهم.

هذه الحوادث وغيرها تعرب عن كون التوسّل بالموجودات الصالحة أمراً فطرياً، كان رائجاً قبل بزوغ فجر الإسلام، ولمّا بعث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرّ تلك الوسيلة، وأمضاها.

4. توسّل الخليفة بالعباس عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى البخاري في صحيحه قال: كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا


1 . البدعة:49.
2 . كتاب الأُمّ:1/230.

(326)

استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا،وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون.(1)

والحديث صحيح السند، فما ظنك برواية رواها الإمام البخاري؟! لكن من لا يروق له التوسّل بالذوات الطاهرة أخذ يؤوّل الحديث بأنّ الخليفة توسّل بدعاء العباس لا بشخصه ومنزلته عند اللّه، وأضاف على ذلك أنّه لو كان قصده ذات العباس لكانت ذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل وأعظم وأقرب إلى اللّه من ذات العباس، بلا شكّ ولا ريب، فثبت أنّ القصد كان الدعاء.(2)

لا أظنّ أنّ أحداً يحمل شيئاً من الإنصاف. يسوغ لنفسه أن يفسر الحديث بما ذكره ـ أي التوسّل بالدعاء ـ لأنّ في الموضوع نصوصاً تردُّ ذلك، وإليك الإشارة إليها:

1. قول الخليفة عند الدعاء ... قال: «اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا». وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بالدعاء في مقام الاستسقاء، وتوسّل بعمّ الرسول في دعائه، ولو كان المقصود هو التوسّل بدعائه كان عليه أن يقول: يا عمّ رسول اللّه كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقينا اللّه والآن نطلب منك الدعاء فادع لنا.

2. روى ابن الأثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لمّا اشتدّ القحط فسقاهم اللّه تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا واللّه الوسيلة إلى اللّه والمكان منه.


1 . صحيح البخاري:2/32، باب صلاة الاستسقاء.
2 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 253.

(327)

وقال حسّان:

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا *** فسقى الغمام بغُرة العباس

عمّ النبي وصنو والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناس

أحيا الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرّة الأجناب بعد الياس

ولما سُقي طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.(1)

أمعن النظر في قول الخليفة: هذا واللّه الوسيلة.

3. ويظهر من شعر حسّان أنّ المستسقي كان هو نفس الخليفة وهو الداعي حيث قال: «سأل الإمام...» وكان العباس وسيلته لاستجابة الدعاء.

قال الدكتور عبد الملك السعدي: وقد أوّلوا حديث العباس بأنّ عمر طلب من العباس أن يدعو، لأنّهم كانوا إذا أجدبوا طلبوا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو لهم، فكذا هنا طلب الدعاء من العباس، وهذا التأويل غير مقبول لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ السنّة أن يدعو الإمام نفسه والقوم يؤمَّنون، وهذا ما حصل حيث كان الداعي هو سيدنا عمر لا العباس.

الوجه الثاني: إنّ نص الحديث لا يدلّ على أنّ عمر طلب الدعاء من العباس، بل كان هو الداعي، بدليل قوله: «اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل...» وهذا عين الدعاء، ولم يرد أيّ لفظ يشير إلى أنّه قال للعباس: ادع لنا بالسقيا. ومع ذلك


1 . أُسد الغابة: 3 / 111.

(328)

فأيّ خلل يحصل في الدين أو العقيدة إذا أجرينا النص على ظاهره وتركنا العناد والتعصّب؟

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ويستبين من قصة العباس استحباب الاستسقاء بأهل الخير و الصلاح وأهل بيت النبوة وفيه فضل العباس،وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه.(1)

وأظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تبقي شكّاً ولا ريباً يدور في خلد أحد حول جواز التوسّل بالصالحين.

وأمّا ما ذكره من أنّه لو كان المقصود التوسّل بذات العباس لكان النبي بذلك أفضل وأعلم، فيلاحظ عليه: أنّ الهدف من إخراج عمّ النبي إلى المصلّى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة. فكأنّ المصلّين يقولون: ربّنا إذا لم نكن مستحقّين لنزول الرحمة، فإنّ عمّ النبي مستحقّ لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط و الغلاء وعندئذ تعمّ الرحمة غير العباس أيضاً، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقّق إلاّ بالتوسّل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في المصير وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبي الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسّل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك، بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً للخليفة في المقام.

ولو افترضنا صحّة ما يُدعى من أنّ الخليفة توسّل بدعاء عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو عبارة أُخرى عن التوسّل بذات النبيّ لبّاً، إذ لولا صلته به لما قُدِّم للدعاء.


1 . البدعة: 46.

(329)

التوسّل بحقّ الصالحين في الأحاديث الإسلامية

هناك الكثير من الروايات التي رواها مشايخ أهل السنّة أنفسهم، والتي تشير إلى التوسّل إلى اللّه تعالى بحقّ الصالحين من عباده.

والعجيب أنّه بالرغم من كثرة هذه الروايات التي تملأ العين وفي مصادرهم المعتبرة نجد المخالفين للتوسّل يصرّون على المنع، وما ذلك إلاّ بسبب تقليدهم لابن تيمية وانصياعهم للأفكار التي أثارها، فكانوا ينظرون إلى الروايات بأحكام مسبقة وقناعات مبيّتة، ولم ينطلقوا في منعهم هذا ونهيهم من بحث وتحقيق وإمعان نظر.

وها نحن نشير إلى بعض تلك الروايات، وهي:

1. التوسّل بحقّ السائلين

روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة، إنّما خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أن تعيذني من النار وأن تغفر ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت» إلاّ أقبل اللّه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك».(1)

إنّ دلالة الحديث واضحة لا يمكن لأحد التشكيك فيها، وسند الحديث صحيح ورجاله كلّهم ثقات، نعم اشتمل السند على عطية العوفي وقد وثّقه


1 . سنن ابن ماجة:1/256 برقم 787; مسند أحمد:3/21.

(330)

لفيف من أهل الجرح والتعديل.

قال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال ابن معين: صالح. وقال ابن حجر: عطية بن سعيد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن، صدوق. قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات، توفّي سنة إحدى عشرة ومائة. قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجّاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبَّ علي ـ إلى أن قال: ـ كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وكان أبو بكر البزاز يعدّه في التشيّع روى عن جلّة الناس.(1)

نعم هناك من ضعّفه لا لأنّه غير صدوق، بل لأنّه كان يتشيّع، وليس تشيّعه إلاّ ولاءه لعلي وأهل بيته، وهل هذا ذنب؟!

ثمّ إنّ إتقان الحديث يعرب عن كونه صادراً من مشكاة أهل بيت العصمة والطهارة، ويوجد مثل هذا الحديث الكثير من الأحاديث الإسلامية الأُخرى.

2. التوسّل بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبحقّ من سبقه من الأنبياء

روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ علي (رضي الله عنها) دخل عليها رسول اللّه فجلس عند رأسها، فقال: «رحمك اللّه يا أُمّي، كنتِ أُمّي بعد أُمّي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه اللّه والدار الآخرة».

ثمّ أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً، فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللّه بيده، ثمّ خلع رسول اللّه قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقها، ثمّ دعا رسول


1 . تقريب التهذيب:2/24برقم 216; تهذيب التهذيب:7/227برقم 413.

(331)

اللّه أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول اللّه بيده وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول اللّه فاضطجع فيه وقال: «اللّه الذي يحيي و يميت وهو حي لا يموت اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها،ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين» وكبّر عليها أربعاً وأدخلها اللحد.(1)

والاستدلال بالرواية يتوقّف على تمامية الرواية سنداً ومضموناً.

أمّا المضمون فلا مجال للخدشة فيه، وأمّا السند فصحيح، رجاله كلّهم ثقات، لا يغمز في حقّ أحد منهم، نعم فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم.(2)

نكتفي هنا بذكر هذا المقدار من الروايات الواردة في مصادر أهل السنّة بالرغم من كثرتها.

وأمّا التوسل بحقّ الأولياء والشخصيات الإلهية ففي أدعية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) نماذج كثيرة موزّعة في الصحيفة العلوية،ودعاء عرفة للإمام الحسين(عليه السلام)، والصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) ،وغير ذلك من كتب الدعاء. إليك مقتطفات من تلك الأدعية.

1. يقول الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) في دعاء له:


1 . حلية الأولياء:3/121; المستدرك للحاكم:3/108; الاستيعاب في حاشية الإصابة:4/382; سير أعلام النبلاء:2/118برقم 7; مجمع الزوائد:9/256; كنـز العمـال:13/636برقم 37608.
2 . لاحظ للوقوف على حال روح بن صلاح المصري، ميزان الاعتدال:2/85 برقم 2801.

(332)

«...بحقّ محمّد وآل محمد عليك، وبحقّك العظيم عليهم أن تصلّي عليهم كما أنت أهله، وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين...».(1)

2. ويقول الإمام سيد الشهداء الحسين(عليه السلام)في دعاء عرفة:

«...اللّهم إنّا نتوجه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظمتها ـ بمحمد نبيك ورسولك وخيرتك من خلقك».

3. ويقول الإمام زين العابدين(عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:

«...اللّهم إنّي أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ من تعبّد فيه».(2)

إلى هنا تمت الإشارة إلى بعض الأدلّة على جواز التوسّل بالشخصيات الطاهرة التي لها منزلة ومكانة.

نعم هناك بعض الإشكالات لابدّ من التعرّض إليها بصورة مختصرة في البحث التالي.


1 . الصحيفة العلوية:51.
2 . الصحيفة السجادية: دعاء رقم 44.

(333)

شبهات وردود

الشبهة الأُولى: انّ هذا النوع من التوسّل لم يكن معهوداً في أوساط الصحابة

يقول المستشكل: إنّ هذا النوع من التوسّل لو كان جائزاً لاستفاد منه الصحابة والتابعون، والحال أنّنا لم نعهد منهم الاستفادة منه.

جواب الشبهة

من القواعد الأُصولية الثابتة انّ فعل المعصوم دليل على الجواز، وأمّا ترك الفعل فلا دلالة فيه على الحرمة.

فلنفرض جدلاً انّ الصحابة والتابعين مصونون من الخطأ والاشتباه وانّهم وصلوا إلى درجة العصمة، مع ذلك لا يدلّ تركهم للفعل وعدم استفادتهم من تلك الوسيلة للتوسّل إلى اللّه سبحانه على حرمة ذلك النوع من التوسّل.

أضف إلى ذلك انّ المعيار في تحديد ومعرفة الجائز من غير الجائز هو كلام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين، ومن حسن الحظ انّ هناك الكثير من الروايات الصادرة عنهم ـ سواء التي في كتب الحديث أو كتب الأدعية ـ كلّها تدلّ على جواز التوسّل المذكور بصورة شفافة وجلية.

الشبهة الثانية: ليس لمخلوق ـ مهما كان ـ حقّ على اللّه تعالى

تقوم هذه الشبهة على أساس انّ هذا النوع من التوسّل يتضمن القسم على


(334)

اللّه تعالى بحقّ المخلوقين عليه سبحانه والحال أنّه لا يوجد لمخلوق ـ مهما كان ـ حقّ عليه سبحانه وتعالى، فكيف يدّعي المتوسّل وجود هذا الحق؟! وبعبارة أُخرى: كيف يكون للإنسان حقّ على اللّه؟!

جواب الشبهة

إنّ حقوق المخلوق على الخالق يمكن أن تتصوّر بصورتين، هما:

الف: ينشأ هذا الحقّ من خلال ما يقوم به الإنسان من أعمال حسان، وأفعال بر، ونحو ذلك، فيقع الحقّ بسبب تلك الأفعال الصادرة منه على اللّه تعالى كحقّ الدائن على المدين، ولا ريب انّه لا يمكن، بل يستحيل تصوّر مثل هذا الحقّ الذاتي للإنسان على اللّه تعالى، وذلك لأنّ العبد ـ مهما كان ـ لا يملك شيئاً حتّى يستطيع من خلاله أن يثبت له من خلاله حقّ على اللّه تعالى.

ب: انّ هذا الحقّ نابع في الحقيقة من لطفه وكرمه ومنّه سبحانه، فهو الذي تفضل على خيار عباده. فمنحهم المقام والمنزلة تكريماً لهم، وفي الحقيقة ليس لأحد على اللّه حقّ إلاّ ما جعله سبحانه حقاً على ذمّته تفضلاً وتكريماً.

ولا ريب انّ هذا النوع من الحقّ ـ بالإضافة إلى إمكان تصوّره ـ هناك آيات قرآنية تشير وترشد إليه.

بل نجد بعض الآيات تصفه سبحانه وتعالى بالمستلف والمقترض من عباده حيث يقول عزّ من قائل:

(مَنْ ذَا الِّذِي يُقْرضُ اللّهَ قَرْضاً حَسناً).(1)


1 . البقرة:245.

(335)

وهناك آيات كثيرة تشير إلى أنّه سبحانه بكرمه وفضله ولطفه قد جعل بعض عباده أصحاب حقوق عليه سبحانه، منها:

1. قوله تعالى: (وَكانَ حَقّاً علَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ).(1)

2. وقوله تعالى: (وَعْداً عَلَيْهِ حقّاً فِي التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ).(2)

3. وقوله سبحانه: (كَذلِكَ حَقّاً عَلَيْنا نُنجِ الْمُؤمِنينَ).(3)

4. وقوله تعالى: (إِنّما التَّوبَةُ عَلى اللّهِ للّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجهالة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرْيب).(4)

هذه بعض النماذج من آيات الذكر الحكيم، وهناك الكثير من الروايات والأحاديث الشريفة التي تدعم ذلك وتؤكّده، منها:

1. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حقّ على اللّه عون من نكح التماس العفاف ممّا حرّم اللّه».(5)

2. روى مسلم عن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «هل تدري ما حقّ اللّه على العباد؟!!»، قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: «فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»، ثمّ سار ساعة، قال: «يا معاذ» قلت: لبيك رسول اللّه وسعديك، قال: «هل تدري ما حقّ العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟!!» قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: «أن لا يعذبهم».(6)


1 . الروم:47.
2 . التوبة:111.
3 . يونس:103.
4 . النساء:17.
5 . كنز العمال: 16/276، رقم الحديث 44443، الجامع الصغير للسيوطي :1/579.
6 . الترغيب والترهيب:3/43; وشرح النووي على صحيح مسلم:1/231.

(336)

الشبهة الثالثة: انّ هذا التوسّل يتضمن دعوة غير اللّه سبحانه

تقوم هذه الشبهة على أنّ هناك الكثير من الآيات التي تنهى الإنسان المسلم عن دعوة غير اللّه سبحانه، منها قوله تعالى:(فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحداً)(1)، وقوله عزّ من قائل:(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ).(2) وحينئذ كيف يجوز للإنسان المؤمن أن يدعو غيره سبحانه وأن يتوسّل بمقام ومنزلة غير اللّه سبحانه؟

جواب الشبهة

إنّ من أوهن الإشكالات التي أُثيرت حول التوسّل هو هذا الإشكال والذي تمسّك به المخالفون، وحاولوا تطبيق تلك الآيات ـ التي وردت في ذم عبدة الأوثان والمشركين ـ على المؤمنين الصالحين!! والحال انّ الإمعان في الآيات يكشف وبوضوح أنّ المشركين وعبدة الأوثان كانوا يعتقدون أنّ أصنامهم آلهة مدبّرة للعالم ومتصرفة فيه، في الوقت الذي نرى فيه المؤمنين يرون أنّ الرسول الأكرم عبداً من عباد اللّه سبحانه وداعياً إلى توحيد اللّه والإيمان به وربط الناس به سبحانه وتعالى.

ومن هنا لابدّ من دراسة تلك الآيات وتسليط الضوء عليها، ومن تلك الآيات:

قوله تعالى: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحداً).(3)


1 . الجن:18.
2 . الأعراف:194.
3 . الجن:18.

(337)

إنّ هذه الآية في الحقيقة في مقام النهي عن الدعوة المقترنة بالعبادة والخضوع للمدعو، ولذلك نهت الآية عن هذا النوع من الدعوة، وأمّا الدعوة المجرّدة من الاعتقاد بكون المدعو إلهاً أو فوض إليه فعل الإله فلا تدل الآية على النهي عنه أبداً.

ولو كانت الآية في مقام النهي عن مطلق الدعاء حتى المجرّد من الاعتقاد المذكور لكانت مخالفة لأمره تعالى، حيث أمر سبحانه المؤمنين بالحضور عند الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلب الاستغفار منه، كما في قوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً).(1)

وحينئذ يمكن للإنسان أن يدعو اللّه ويطلب منه المغفرة والتوبة، وفي نفس الوقت يدعو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطلب منه أن يستغفر اللّه له.

وبالنتيجة يكون قوله تعالى: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّه)النهي عن جعل الشريك له سبحانه ودعوة ذلك الشريك على أنّه ربّ قادر على القيام بالعمل وتلبية الطلب بصورة مستقلة، أو أنّه قد فوّض إليه فعل الرب.

ونفس هذا الكلام يجري في خصوص الآية الثانية، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمثالكُم)بقرينة قوله تعالى: (عِبادٌ أَمثالكُم) فيكون معنى الآية : لا تعبدوا تلك الآلهة المزيفة ولا تخضعوا لها، لأنّهم (عِبادٌ أَمثالكُم)ليس لهم امتياز وتفوّق عليكم فما هو المبرر للخضوع لهم وعبادتهم؟!

وعلى هذا الأساس يكون الهدف من نفي دعوة غير اللّه إلى جنبه تعالى


1 . النساء:64.

(338)

(فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّه) أو دعوتهم بصورة مستقلة، هو نفي الدعوة المقترنة باعتقاد الإلوهية للمدعو، وأمّا الدعوة المجردة عن هذا الاعتقاد فلا بأس بها، بل انّها تشكّل الأساس لحركة الحياة البشرية، قال تعالى: (نَدْعُ أبْناءَنا وَأَبْناءَكُم).(1)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً).(2)

وعلى هذا الأساس لا يكون المراد من الآيات السابقة النهي عن مطلق الدعاء والنداء، بل المراد الدعاء الحاكي عن الخضوع والخشوع أمام من يعتقد أنّه اللّه، أو على أقلّ تقدير فوّض إليه فعل اللّه.

ومن هنا نعرف أنّه لا علاقة بين هاتين الآيتين ونظائرها من الآيات، وبين دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره عبداً من عباد اللّه المكرمين، ليس بإله ولا فوّض إليه فعل الإله.

ومع شديد الأسف نجد المخالفين لفكرة التوسّل قد جمعوا تلك الآيات الواردة في حقّ المشركين و الآلهة المزيفة من الأوثان والأصنام، وحاولوا تطبيقها على جميع المسلمين المتوسّلين بالأرواح المقدّسة. والحال انّ هذه الآيات خارجة عن محط النزاع من جهتين:

1. انّ مصبّها المشركون وليس الموحّدين.

2. إنّما اتّسم فعل المشركين بالعبادة باعتبار أنّهم قد اعتقدوا بإلوهية الأوثان ودعوها وخضعوا لها من هذا المنطلق، والحال أنّ خضوع المسلمين


1 . آل عمران:61.
2 . النور:63.

(339)

منزّه من تلك الوسمة، بل هو نوع تكريم واحترام، وتوسّل بالسبب الذي جعله اللّه تعالى وسيلة للتقرب إليه.

فالخلاصة : انّ الدعوة المنهي عنها هي الدعوة بمعنى العبادة، أي المقترنة باعتقاد إلوهية المدعو، وأمّا الدعوة المجرّدة فلا يشملها النهي أبداً، ولكي تتضح مغالطة المخالفين ولفّهم ودورانهم وتحريفهم الموضوعي حيث جاءوا بالآيات الواردة في حقّ المشركين وعبدة الأوثان وطبقوها ـ زوراً وبهتاناً ـ على عمل المسلمين، ومن هذه الآيات:

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء).(1)

وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُون).(2)

وفي آية أُخرى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ).(3)

وقوله سبحانه: (وَالَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير).(4)

وقوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا).(5)

وقوله تعالى: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ).(6)

لقد استدلّ المخالفون للتوسّل ـ على منابرهم وفي رسائلهم وكتبهم ـ بهذه الآيات لإثبات حرمة التوسّل وكونه شركاً، وطبقوا تلك الآيات ـ بلا تورع ـ على عمل المسلمين. والحال أنّ هذه الآيات لا علاقة لها بعمل المسلمين لا من بعيد ولا من قريب أبداً، ومن أراد المزيد من التوضيح فعليه بمراجعة


1 . الرعد:14.
2 . الأعراف:197.
3 . الأعراف: 194.
4 . فاطر:13.
5 . الأنعام:71.
6 . يونس:106.

(340)

الموسوعات التفسيرية ليرى وبوضوح ماذا يراد من تلك الآيات وما هو المقصود منها؟ وسوف يجد بما لا ريب فيه أنّ الآيات في صدد الرد على المشركين الذين يعتقدون اعتقاداً راسخاً انّ العزّ والذل، والنفع والضرر، والنصر والهزيمة في الحرب و... كلّ ذلك بيد آلهتهم المزيّفة والباطلة، ومن هنا يدعونهم لكسب العزّ والنفع والنصر و... وأين هذا من عمل المتوسّلين المؤمنين الّذين يعتقدون أنّ كلّ ذلك بيد اللّه سبحانه ومن خصائصه عزّ اسمه، وانّ أقصى ما يعتقدونه هو أنّ لهؤلاء الصالحين ـ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الأنبياء والأولياء ـ منزلة وكرامة عند اللّه، وأنّهم عباد مكرمون قد منحهم اللّه تعالى هذا المقام وأرشد المؤمنين إلى الاستفادة منه للتقرّب إليه سبحانه ونيل رحمته وغفرانه.

ونحن غالباً ما نردد في الدعاء قولنا:« اللّهم بجاه محمد وآل محمّد» والجاه هنا يعني المنزلة التي وهبها اللّه تعالى لهم، وقد ورد هذا الاصطلاح في بعض آيات الذكر الحكيم كقوله تعالى: (وَكانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً)(1)، ويقول سبحانه في حقّ السيد المسيح(عليه السلام): (وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالآخرة).(2)

الشبهة الرابعة: انّ التوسّل يعني الاستعانة بغير اللّه

إنّ هذه الشبهة تقوم على فرضية كون المتوسّل يستعين بغير اللّه في الشدائد والمحن التي تحيط به، والمفروض أن يستعين باللّه تعالى وحده، كما في قوله: (وَإِيّاك نَسْتَعين).


1 . الأحزاب:69.
2 . آل عمران:45.

(341)

جواب الشبهة

إنّ هذه الشبهة يثيرها من لا علم له بألف باء القرآن الكريم، فقد أثبتنا في بحوثنا السابقة أنّه من الممكن جداً نسبة الفعل إلى اللّه تعالى وإلى العبد في آن واحد، وذكرنا لذلك نماذج متعددة من القرآن الكريم من قبيل: قبض الأرواح، كتابة الأعمال، وغير ذلك.

وذكرنا هناك أنّه لا منافاة بين النسبتين، لأنّ نسبة الفعل للّه على نحو الاستقلال،ونسبته إلى العبد على نحو التبعية.

فإنّه تعالى يقوم بالفعل من دون حاجة إلى الاستعانة بغيره مهما كان ذلك الغير، والحال انّ غيره إنّما يقومون بالعمل في ظل قدرته وعونه سبحانه، ومن هنا يكون فعل العبد في الحقيقة هو فعل اللّه.

وعلى هذا الأساس لا مانع من حصر الاستعانة به سبحانه، لأنّه هو الغني والمطلق، وفي نفس الوقت نستعين بغيره بشرط أن لا تكون تلك الاستعانة في عرض الاستعانة به سبحانه، لأنّ غيره لا يملك حولاً ولا قوّة ليكون في عرض اللّه سبحانه، بل الحقيقة أنّ تلك الاستعانة تقع في طول الاستعانة به سبحانه وهي في المآل ترجع إليه عزّ وجل. وعلى أساس هذه الضابطة نجد القرآن الكريم الذي يحصر الاستعانة به تعالى في قوله (وَإِيّاكَ نَسْتَعين) هو نفسه يأمر بالاستعانة بغيره ويرشد إلى بعض الأُمور التي يمكن للإنسان الاستعانة بها، كقوله تعالى:

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلى الخاشِعينَ).(1)


1 . البقرة:45.

(342)

وفي قصة ذي القرنين وبناء السد في وجه هجوم يأجوج ومأجوج يقول سبحانه:

(قَالَ ما مَكّنّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعينُونِي بِقُوَّة).(1)

فلا ريب أنّ عالم الخلق عامّة والحياة الإنسانية خاصة قائمة على أساس الاستعانة بالأشياء الأُخرى، وليس ذلك مخالفة لأصل التوحيد في الاستعانة، وذلك لأنّ الاستعانة بغيره سبحانه تقع في شعاع وفي ظل الاستعانة بحوله وقوته التي وضعها تحت اختيار البشر.

والعجيب أنّ بعض المخالفين قد فرّق بين الأحياء والأموات، فأباح الاستعانة بالأحياء واعتبرها أمراً جائزاً، وأمّا الاستعانة بالأموات فذهب إلى أنّها أمر محرّم، بل اعتبرها شركاً يجب الابتعاد عنه!!!

ويرد على ذلك أنّ العمل إذا كان شركاً في حقيقته وواقعه، فلا أثر حينئذ للحياة وعدمها فيه أبداً، ومن هنا لابدّ من القول: إنّ الاستعانة بغيره سبحانه جائزة بشرط الاعتقاد بكون المعين إنّما يتحرك ويفعل في إطار قدرته وتمكينه سبحانه وتعالى له، فلا تكون الاستعانة حينئذ شركاً، سواء كان الطرف المعين حيّاً أو ميّتاً.

وفي الختام نشير إلى ثلاثة أُمور، هي:

1. تواتر روايات التوسّل

إنّ روايات التوسّل والتي وردت في المصادر السنية متواترة أو قريبة من التواتر، ومن هنا لا يمكن الخدشة في هذه الروايات عن طريق تضعيف


1 . الكهف:95.

(343)

أسانيدها، وذلك لأنّها تعرب بمجموعها عن كون التوسّل بالأرواح المقدّسة كان أمراً رائجاً بين المسلمين، وإذا كان سند بعض تلك الروايات ـ التي أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار ـ ضعيفاً فلا يضرّ بالمدعى ـ جواز التوسّل ـ أبداً، لأنّ المنهج في الأخبار المتواترة هكذا.

2. الكتب المصنّفة حول التوسّل

لقد نالت مسألة التوسّل بالرسول الأكرم وأهل بيته والصالحين من عباد اللّه، اهتماماً خاصاً من قبل كبار علماء المسلمين، فقد تعرض لها الفقهاء والمحدّثون الذين يعتمد على أقوالهم وآرائهم قبل أن يثير ابن تيمية شبهته وبعدها، ومن تلك المصنفات:

1. كتاب الوفا في فضائل المصطفى: لابن الجوزي (المتوفّى 597هـ)، وقد أفرد باباً حول التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وباباً حول الاستشفاء بقبره الشريف.

2. مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام: تأليف محمد بن نعمان المالكي (المتوفّى سنة 673هـ) وقد نقل السمهودي في كتاب «وفاء الوفا»، باب التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الكتاب نقلاً كثيراً.

3. البيان والاختصار: لابن داود المالكي الشاذلي، وقد ذكر فيه توسل العلماء والصلحاء بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في المحن والأزمات.

4. شفاء السقام: لتقي الدين السبكي (المتوفّى عام 756هـ)، وقد تحدّث عن التوسّل بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكل تحليلي رائع من ص 120ـ 133.

5. وفاء الوفا لأخبار دار المصطفى: للسيد نورالدين السمهودي (المتوفّى


(344)

سنة 911هـ) وقد بحث عن التوسّل بحثاً واسعاً في الجزء الرابع من ص 413ـ 419.

6. المواهب اللدنية: لأبي العباس القسطلاني (المتوفّى سنة 932هـ) وسيوافيك كلامه في التوسّل.

7. شرح المواهب اللدنية: للزرقاني المالكي المصري (المتوفّى سنة 1122هـ) في الجزء الثامن ص 317.

8. صلح الإخوان: للخالدي البغدادي (المتوفّى سنة 1299هـ) وله أيضاً رسالة خاصة في الردّ على الآلوسي حول موضوع التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد طبعت الرسالة في سنة (1306هـ).

9. كنز المطالب: للعدوي الحمزاوي(المتوفّى سنة 1303هـ).

10. فرقان القرآن: للعزامي الشافعي القضاعي،وقد طبع هذا الكتاب مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي في 140صفحة.

أيّها القارئ الكريم: إنّ مطالعة هذه الكتب ـ و خاصة تلك التي تحدّثت بالتفصيل عن التوسّل ، ويأتي كتاب صلح الاخوان و فرقان القرآن في طليعتها، تثبت جريان سيرة المسلمين ـ في كلّ عصر ومصر ـ على التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولنقتصر على هذا المقدار ففيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

3. الاختلاف بين أتباع ابن تيمية وبين الفرق الإسلامية الأُخرى

لقد حاول بعض الكتّاب المتأخّرين الإيحاء إلى القارئ الكريم بأنّ الاختلاف في مسألة التوسّل بالصالحين هي من المسائل الخلافية بين السنّة والشيعة، قاصداً بذلك إيهام القارئ بأنّ علماء السنّة وجميع مذاهبهم مجمعين


(345)

على رأي واحد مقابل الرأي الشيعي، وهذا في الحقيقة إيحاء كاذب وإيهام تختفي وراءه أغراض وأهداف غير نزيهة، لأنّ الحقيقة أنّ المسألة ليست من المسائل الخلافية بين الشيعة والسنّة مطلقاً، بل المسألة في واقع الأمر هي من المسائل الخلافية بين أتباع ابن تيمية وتلميذ مدرسته محمد بن عبد الوهاب وبين المسلمين ـ شيعة وسنّة ـ و يكفي شاهداً على ما نقول المصنّفات التي ذكرناها آنفاً لكبار علماء أهل السنّة والتي ردّوا فيها على هذه المدرسة التي هي منشأ الشك والترديد في التوسّل، ولولا هذان الرجلان وأتباع مدرستهم لما وجدنا لهذا الاختلاف أثراً بين المدارس الإسلامية الأُخرى.


(346)


(347)

الفصل الحادي عشر

الشفاعة وتطهير المذنبين


(348)


(349)

الشفاعة وتطهير المذنبين

إنّ الشفاعة من الأُصول التي أكّدتها وصرّحت بها الآيات القرآنية والأحاديث الإسلامية، وقد أطبقت جميع المذاهب والفرق الإسلامية على التسليم بها باعتبارها أصلاً من الأُصول الإسلامية المسلّمة والقطعية، وإنّ حقيقة الشفاعة هي: انّ أولياء اللّه الصالحين لمنزلتهم وقربهم من اللّه تعالى يطلبون منه سبحانه وتعالى ـ و تحت شروط خاصة ـ التجاوز عن ذنوب المذنبين وتقصيرهم.

ولا ريب انّ أولياء اللّه لا يشفعون لمطلق المذنبين، بل يشفعون لتلك الطائفة من المذنبين الذين حافظوا على الآصرة والعلاقة الإيمانية، ولم يقطعوا علاقتهم الإيمانية والروحية باللّه تعالى من جهة وبالشفعاء من جهة أُخرى.

وبعبارة أُخرى: انّهم من ناحية الكمال الروحي لم يصلوا إلى حدّ السقوط الكامل، ولم يفقدوا طاقة الدفع والرفع الروحية، كما لم يفقدوا إمكانية التحوّل والتبدّل من إنسان مرتكب لبعض الذنوب إلى إنسان طاهر وزكي.

ولقد ترسّخت عقيدة الشفاعة في أوساط المسلمين إلى حدّ يدركها الجاهل فضلاً عن العالم والمفكّر، فلو سألت الجميع عنها لأجابوك بدون أيّ ترديد بأنّها من العقائد الإسلامية المسلّمة، بل تجد وبصورة دائمة انّ الجميع يشيرون في أدعيتهم ومناجاتهم إلى الشفعاء الحقيقيين، وعلى أقلّ تقدير تجد الجميع ينادون


(350)

ربّهم في خصوص النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ اجعله شافعاً ومشفّعاً»، أو قولهم: «وابعثه اللّهم المقام المحمود...».

جريان الفيض الإلهي عن طريق الشفعاء

إنّ نظام الخلق قائم على أساس قانون العلّية والمعلولية، وإنّ الحاجات والمتطلّبات المادية للإنسان إنّما تتوفر من خلال هذا الطريق حيث جعل اللّه سبحانه وتعالى في العلل والأسباب المادية القدرة على تلبية تلك المتطلّبات وسدّ تلك الحاجات، هذا في الأُمور المادية; وأمّا الفيض المعنوي فهو الآخر ليس بخارج عن هذا القانون الإلهي العام، فالهداية والإرشاد، والعفو والمغفرة من الفيوض الإلهية التي تخضع للقانون المذكور.

فعلى سبيل المثال: لقد تعلّقت الإرادة الإلهية بأن تكون إفاضة الهداية في العالم على الإنسان عن طريق الأنبياء، لأنّ الأنبياء هم الذين تنحصر فيهم الجدارة واللياقة في تلقّي الخطاب المباشر من قبله سبحانه.

وعلى هذا الأساس لا مانع من القول: إنّ المغفرة والرحمة الإلهية في عالم الآخرة هي الأُخرى خاضعة لنفس القانون، بمعنى إيصال الرحمة والعفو والمغفرة والتجاوز عن المذنبين ـ الذين يليق بهم أن يشملهم العفو والمغفرة الإلهية ـ عن طريق الأرواح الطاهرة، والنفوس الزكية، شبيه ما كان من أمر الهداية والإرشاد في الحياة الدنيا، فكما كانت الهداية تفاض عن طريق الأنبياء فهنا تفاض الرحمة عن طريقهم أيضاً.

صحيح انّ هذا الفيض من الممكن أن يفاض على المذنبين ـ في الآخرة ـ بصورة مباشرة ومن دون وساطة ولكن شاءت الإرادة الإلهية الحكيمة وتعلّقت بأن


(351)

يكون الفيض المعنوي في عالم الآخرة، مثل عالم الدنيا يمر عبر قانون الأسباب والمسببات وعلى يد أفراد خاصّين، لأنّ أولياء اللّه وعباده الصالحين والملائكة المقرّبين وحملة العرش، كلّ هؤلاء قد بذلوا عمراً في طاعته سبحانه، وخطوا خطوات واسعة في طريق العبودية والتذلّل والخشوع له سبحانه، استحقّوا خلالها التكريم والاحترام، ولا ريب أنّ إحدى مظاهر التكريم والاحترام لهم تتمثّل في قبول دعائهم ـ تحت شروط خاصة ـ في حقّ المذنبين والمقصرين من عباد اللّه.

ومن الواضح أنّ القول بالشفاعة لا يعني أنّ أولياء اللّه يشفعون من دون أيّ قيد أو شرط وبلا رعاية أيّة ضابطة أو قانون، وكذلك لا يعني القول بالشفاعة أنّ الشفعاء يملكون مقام الشفاعة بالذات، بل انّ زمام الأُمور يوم القيامة بيده سبحانه، ووصف (مالك يوم الدين) من مختصّاته سبحانه وتعالى لا يشاركه فيه أحد مهما كانت منزلته.

نعم، انّ هذا المالك المطلق أذن لأوليائه من ذوي المنزلة والمقام والقرب منه بالقيام بذلك الفعل والتصرّف، أعني: الشفاعة.

الشفاعة نوع من التطهير والتنقية

اعتبر القرآن الكريم انّ الموت ليس نهاية الحياة، بل هو بمنزلة النافذة التي تطل بالإنسان على حياة أُخرى وعالم أوسع وأرحب هو عالم البرزخ، والذي تختلف فيه الحياة عن الحياة الدنيا بصورة تامّة، فهناك طائفة معذّبة، وطائفة تعيش في النعيم والرفاه الإلهي.

وهناك طائفة من المذنبين ممّن حافظوا على العلاقة الإيمانية باللّه سبحانه من جهة، ولم يقطعوا تلك الرابطة وذلك الحبل، وكذلك حافظوا على علاقتهم المعنوية مع الشفعاء والصالحين، فإنّ هؤلاء يتعرّضون للعذاب في الحياة البرزخية


(352)

لينالوا إلى حدّ ما جزاء أعمالهم التي اقترفوها في الحياة الدنيا، وهذا الجزاء والعذاب هو في الحقيقة نوع تصفية وتطهير لنفوسهم من بعض تبعات الذنوب، ولكنّهم حينما يقفون على أعتاب المحشر، يقفون وقد طهرت نفوسهم نسبيّاً من الذنوب بسبب ما تعرضوا له من العذاب في الحياة البرزخية، ممّا يجعلهم جديرين بأن تشملهم المغفرة والرحمة الإلهية، ومن هنا يأتي دور الشفعاء والشفاعة لتطهّرهم ممّا بقي من آثار تلك الذنوب، وبذلك تكون حقيقة الشفاعة هي التطهير والتنقية الكاملة من تبعات وعوارض الذنوب وصقل الروح وتصفيتها من آثار الذنوب بصورة تامّة.

الفرق بين الشفاعة والوساطة الدنيوية

يتصوّر البعض ـ و تحت تأثير الدعايات المغرضة وتبليغ الجاهلين ـ انّ الشفاعة تشبه الوساطة الدنيوية، وبعبارة أُخرى: هي نوع وساطة حزبية، وانّها تعدّ نوعاً من أنواع مخالفة القانون والالتفاف عليه، ومن أجل قلع تلك الشبهة من الأذهان ينبغي التركيز على بيان الفوارق الأساسية بين الشفاعة وبين الوساطة الدنيوية.

فنقول: إنّ التفاوت بين الحالتين يكمن في ثلاث نقاط، هي:

1. في الشفاعة الأُخروية يكون زمام الأُمور بيد اللّه سبحانه، ولم تخرج الأُمور من يده، بل هو الذي ينتخب الشفعاء ممّن توفرت فيهم اللياقة والكمال بحيث وصلوا إلى درجة من التقوى والمقام والمنزلة تجعلهم لائقين لهذا المنصب الإلهي، فحينئذ يمنحهم اللّه سبحانه وتعالى ذلك، ويجعل فيض رحمته وغفرانه يجري من خلال طريقهم ليفاض على بعض المذنبين والعاصين وتحت شروط خاصة،


(353)

والحال أنّ الوساطة والشفاعة في الحياة الدنيا تختلف مع ذلك اختلافاً أساسياً، وذلك لأنّ المذنب والمجرم هو الذي يتصدى لاختيار وانتخاب الشفيع والواسطة، ولو لم يتحرّك المجرم ويسعى لانتخاب الواسطة والشفيع لما خطر في بال الشفيع أن يتوسّط أو يشفع له عند خصومه، فإذا ما دعا القرآن الكريم المذنبين في هذه الدنيا بقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(1)، فلا ريب أنّ هذا الأمر والدستور الإلهي صدر منه سبحانه بصورة مباشرة، ولولا أن يأذن هو بذلك لما توجّه المسلمون نحو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا منه الاستغفار والتوبة، وعلى فرض أنّهم ذهبوا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا منه ذلك، لا شكّ أنّه لا أثر لذلك الذهاب ولتلك الدعوة مادام اللّه سبحانه وتعالى لم يأمر بها أو يأذن باستعمالها. وهكذا الكلام في الشفاعة في الدار الآخرة.

2. في الشفاعة الصحيحة يكون الشفيع خاضعاً للأمر الإلهي وواقعاً تحت تأثير المقام الربوبي، وأمّا في الشفاعة الباطلة يكون صاحب القدرة والمقام الحكومي مثلاً واقعاً تحت تأثير كلام وإرادة الشفيع، كما أنّ الشفيع نفسه هو الآخر واقع تحت تأثير وإلحاح وإصرار المجرم، ومن الواضح أنّ هذا فرق أساسي بين الشفاعتين لا يمكن التغافل عنه.

3. في الشفاعة الدنيوية يحدث تمييز في القانون بحيث يستطيع الشفيع أن يتغلب على إرادة المقنّن أو المنفذ للقانون، وبالنتيجة تنحصر سلطة المقنن وقدرته على الضعفاء والفقراء والعاجزين فقط، ممّن لاحول لهم ولا قوّة، والحال أنّ الأمر في الشفاعة الأُخروية يختلف عن ذلك اختلافاً جوهرياً فلا يوجد أحد


1 . النساء:64.

(354)

مهما كان يستطيع أن يفرض إرادته على إرادة اللّه سبحانه،أو يقف أمام القانون الإلهي، بل انّ حقيقة الشفاعة في الآخرة تستمد وجودها من الرحمة الإلهية الواسعة والمغفرة اللامحدودة والعطف اللامتناهي للّه سبحانه ليشمل بذلك كلّه الأفراد الذين استحقوا التطهير والتنزيه من توابع الذنب والرجس.

وأمّا الّذين يحرمون من الفوز بتلك الرحمة الإلهية، فلا يعني ذلك الحرمان انّ هناك عملية تمييز في القانون وتفضيل لطائفة على طائفة من دون أيّة مبررات عقلائيّة، بل انّ حرمانهم ذلك نابع من كونهم غير جديرين بأن تشملهم الرحمة والمغفرة الإلهية بسبب فداحة المعاصي وعظم الذنوب وقطعهم للعلاقة الإيمانية مع اللّه من جهة و مع الشفعاء من جهة أُخرى.

وبعبارة أُخرى: ليست الرحمة الإلهية محدودة كخزانة التاجر أو البنك بحيث تنفد ولا يبقى منها شيء ليعطى للآخرين رغم استحقاقهم لذلك، بل رحمته واسعة وغير محدودة فلا تنفد خزائن رحمته، ولكن المشكلة في أنّ المجرم نفسه لا يستحق أن تفاض عليه تلك الرحمة.

فإذا ما قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه)،(1) فما ذلك إلاّ لأنّ قلب المشرك كمثل الإناء المغلق بحيث لو ألقيته في سبعة أبحر لما نفذت فيه قطرة من الماء أبداً، أو مثله كمثل الأرض المالحة التي لا ينبت فيها إثر هطول الأمطار ـ مهما كثرت ـ إلاّ الأشواك والنباتات غير النافعة للإنسان والحيوان.

وإذا ما وجدنا القرآن الكريم يؤكد أنّ الشفاعة لا تكون إلاّ من نصيب من ارتضى اللّه شفاعته كما في قوله تعالى:


1 . النساء:48و 116.

(355)

(وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى).(1)

فما ذلك إلاّ لأنّه سبحانه وتعالى يعلم من هو اللائق والجدير بأن تشمله الرحمة الإلهية ويعمّه هذا الفيض المعنوي الإلهي، ويعلم من هو غير الجدير بذلك.

ولا يختص الحرمان من تلك النعمة والفيض الإلهي بالمشركين فقط، بل هناك طائفة من العاصين الذين تلطّخت أيديهم بالجريمة وأُوغلوا في المعاصي والذنوب والخطايا، هؤلاء أيضاً لا يشملهم الفيض الإلهي والرحمة الإلهية الواسعة ولا يعمّهم لطفه سبحانه.

الشفاعة في القرآن الكريم

لقد وردت الشفاعة في القرآن الكريم في آيات كثيرة لا يمكن عرضها في هذا البحث المختصر، ومن هنا نكتفي بذكر بعض الآيات التي صرّحت بها مع تقييدها بشرط محدد وهو إذنه سبحانه وتعالى، وهذه الآيات تثبت أصلاً إسلامياً قطعيّاً، وإن كانت لا تشير إلى أسماء الشفعاء، واكتفت بالإشارة إلى بعض صفات وشروط الشافعين.

نشرع هنا بذكر خمس آيات يكفي الإمعان فيها لإثبات أمرين أساسيّين، هما:

الف: انّ الشفاعة يوم القيامة من الأُصول القرآنية المسلّمة.

ب: انّ هناك طائفة لها حقّ الشفاعة تتّصف بصفات خاصة.

أمّا الآيات المباركة فهي:


1 . الأنبياء:28.

(356)

1. (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ).(1)

والذي يظهر من الآية المباركة أنّه لا يحق لأحد أن يشفع من دون أن يأذن اللّه سبحانه له، ولكنّها في نفس الوقت تلوّح بأنّ في ذلك اليوم الموعود هناك شفعاء يشفعون بإذنه تعالى.

2. قوله تعالى: (ما مِنْ شَفِيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ).(2)

3. وقوله عزّ من قائل:(لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً).(3)

أي أنّه لا يحقّ لأحد أن يشفع إلاّ تلك الطائفة التي قد وعدها سبحانه وتعالى بأن يمنحها مقام الشفاعة وقد أخذت منه سبحانه عهداً بذلك.

أضف إلى ذلك أنّ الآية تشير إلى مفهوم آخر، وهو أنّ جميع الآلهة الباطلة لا تمتلك حق الشفاعة، ولم يمنحها اللّه سبحانه وتعالى ذلك، نعم هناك حالة استثناها القرآن الكريم وهو السيد المسيح(عليه السلام) فبالرغم من أنّه قد عُبد من قبل المسيحيّين، إلاّ أنّه تعالى قد منحه هذا المقام، وما ذلك إلاّ لأنّه(عليه السلام) كان على خط التوحيد والوحدانية والخضوع والعبودية للّه تعالى.

4. وقوله سبحانه: (يَوْمَئِذ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولاً).(4)


1 . البقرة:255.
2 . يونس:3.
3 . مريم:87. والمراد من (لا يملكون) هو الآلهة الباطلة التي وردت في الآية 81 من نفس السورة(واتخذوا من دون اللّه آلهة).
4 . طه:109.

(357)

5. قوله تعالى: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).(1)

هذه مجموعة من الآيات التي تصرّح بوجود شفعاء يوم القيامة يشفعون بشروط خاصة وإن لم تصرّح بأسمائهم وسائر صفاتهم، ولكن هناك طائفة أُخرى حدّدت أسماء بعض الشافعين، منها:

1. شفاعة الملائكة

قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمواتِ لا تُغْني شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).(2)

فالآية تشير إلى أنّ الملائكة يشفعون شفاعة واقعية يوم القيامة تحت شروط خاصة.

2. الشفاعة وصاحب المقام المحمود

لقد أكّد القرآن الكريم أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يمتلك «المقام المحمود»، ولقد فسّرت الروايات الإسلامية هذا المقام بمقام الشفاعة، قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً).(3)

قال الزمخشري: ومعنى المقام المحمود، المقام الذي يحمده القائم فيه، وكلّ من رآه وعرفه، وهو مطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، وقيل المراد الشفاعة، وهي نوع واحد ممّا يتناوله.(4)


1 . سبأ:23.
2 . النجم:26.
3 . الإسراء:79.
4 . الكشاف:2/243.

(358)

وأمّا الشيخ الطبرسي فقد قال: وقد أجمع المفسّرون على أنّ المقام المحمود هو مقام الشفاعة، وهو المقام الذي يشفع فيه للناس، وهو المقام الذي يعطى فيه لواء الحمد، فيوضع في كفه ويجتمع تحته الأنبياء والملائكة، فيكون (صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل شافع وأوّل مشفّع.(1)

وقد تواترت الروايات الإسلامية في تفسير «المقام المحمود» بمقام الشفاعة، فقد نقل السيوطي في «الدر المنثور»(2)والبحراني في تفسير «البرهان»(3)عشر روايات عن أئمّة الإسلام نعرض عن ذكرها روماً للاختصار.

3. الرسول الأكرم وقوله تعالى: (وَلَسَوفَ يُعطيكَ ربّك فَتَرضى).

هناك آية أُخرى تحكي أنّ اللّه سبحانه وتعالى سوف يمنح نبيّه من النعم والعطاء حتّى يرضى حيث قال تعالى:

(وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضى).(4)

ومن أمعن النظر في الآيتين يجد إبهاماً في الآية الثانية من جهتين:

أوّلاً: إنّ الآية لم تبيّن زمان ومكان ذلك العطاء الإلهي، فمن أين نعلم أنّ ظرف وزمان العطاء هو يوم القيامة؟

ثانياً: انّ الآية لم تبيّن نوع العطاء وماهيته، فلعل المراد منه غير الشفاعة.


1 . مجمع البيان:3/435.
2 . تفسير الدر المنثور:4/197.
3 . البرهان:4/473.
4 . الضحى:5ـ6.

(359)

أمّا الإبهام الأوّل فيرتفع بمجرّد الرجوع إلى الآية السابقة حيث كانت بصدد الحديث عن الآخرة والثناء عليها وتفضيلها على الدنيا، ثمّ بعد ذلك أعقبت الكلام بالحديث عن العطاء الإلهي ، فقالت: (ولَسَوفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرضى)، وهذا الاتصال بين الآيتين شاهد صدق على أنّ زمان ومكان العطاء في عالم آخر وهو عالم الحياة الأُخرى.

ثمّ إنّ المقام السامي للرسول الأكرم والذي وصفه سبحانه به حيث قال: (رحمّة للعالمين)يقتضي أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك اليوم العصيب والموقف المهول والمرعب في مقام التفكير في مصير أُمّته، وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سيسر ويرتاح حينما يرى الكثير من أُمّته قد شملتهم الرحمة الإلهية والمغفرة الربانية، ومن هذا المنطلق واعتماداً على هذا الأصل سوف يرتفع الإبهام الثاني أيضاً، وانّ المقصود من العطاء الذي يرضيه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الشفاعة في أُمّته.

أضف إلى ذلك أنّ الروايات الإسلامية هي الأُخرى قد فسّرت الآية المذكورة بمقام الشفاعة.(1)

الشفاعة في السنّة

إلى هنا تمّ الحديث عن الشفاعة في القرآن الكريم، وأمّا الروايات فكثيرة جداً بحيث لا يمكن استيعابها في هذا الفصل، ومن هنا نكتفي بذكر بعض النماذج من تلك الروايات:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أُعطيتُ خمساً: و أُعطيتُ الشفاعة، فادّخرتُها لأُمّتي،


1 . انظر تفسير مجمع البيان:5/505; وتفسير البرهان4/473; و تفسير الدر المنثور. وقد نقل المحدّثون عن ابن عباس قوله في تفسير الآية: رضاه ان تدخل أُمّته الجنة.

(360)

فهي لمن لا يشرك باللّه شيئاً».(1)

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «أنا أوّل شافع وأوّل مشفّع».(2)

وفي رواية أُخرى قال أبوذر (رضي الله عنه) : صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة فقرأ بآية حتّى أصبح يركع بها ويسجد بها:(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ)، فلمّا أصبح، قلت: يا رسول اللّه ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: إنّي سألت ربّي عزّ وجلّ الشفاعة لأُمّتي فأعطانيها، فهي نائلة إن شاء اللّه لمن لا يشرك باللّه عزّ وجلّ شيئاً».(3)

نكتفي بهذه الباقة العطرة من الروايات، ومن أراد المزيد من التفصيل فعليه بمراجعة موسوعتنا في التفسير الموضوعي «مفاهيم القرآن»(4)حيث أوردنا هناك ما يقارب المائة من الروايات الواردة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته تتحدّث وبوضوح عن أصل الشفاعة، وشروط الشفعاء، وشروط المشفوع لهم، ونتيجة الشفاعة.

فإذا كان أصل الشفاعة ـ كما أثبتنا ـ من الأُصول المسلّمة لدى الجميع حتى ابن عبد الوهاب(5) وأُستاذه ابن تيمية(6)، من هنا نمسك عنان القلم عن الخوض الزائد في هذا البحث لنعطف عنانه إلى مسألة أُخرى، وهي المسألة التي يحرّمها الوهابيون ألا وهي:


1 . مسند أحمد:1/301; سنن النسائي:1/172; سنن الدارمي:1/323 وغير ذلك.
2 . سنن الترمذي:5/248; سنن الدارمي:1/26.
3 . مسند أحمد:5/149.
4 . مفاهيم القرآن:4/315ـ 337.
5 . كشف الشبهات:16.
6 . مجموعة الرسائل الكبرى:403.

(361)

الفصل الثاني عشر

طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة


(362)


(363)

طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة

إنّ طلب الشفاعة من المأذونين بها من الأُمور الرائجة في أوساط المسلمين منذ عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى اليوم، ولم يخالف في ذلك من علماء الإسلام إلاّ اثنان، هما:

1. ابن تيمية في أوائل القرن الثامن.

2. محمد بن عبد الوهاب في النصف الثاني من القرن الثاني عشر.

فقد ذهب الرجلان إلى منع طلب الشفاعة من الشفعاء الحقيقيين في كتاب الهدية السنيّة ص 42 حيث جاء فيه: ونثبت الشفاعة لنبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد، ونسألها من المالك لها والآذن فيها بأن نقول: اللّهمّ شفّع نبيّنا محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فينا يوم القيامة، أو اللّهمّ شفّع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، أو نحو ذلك ممّا يطلب من اللّه لا منهم، فلا يقال: يا رسول اللّه، أو يا ولي اللّه أسألك الشفاعة أو غيرها....(1)

وقبل أن نتعرّض لبيان ومناقشة أدلّة المانعين لطلب الشفاعة من الصالحين، نشرع في بيان الأدلّة المجوّزة لذلك والواردة في الكتاب والسنّة:


1 . كشف الارتياب:193; وانظر كشف الشبهات:16.

(364)

1. طلب الشفاعة يعني طلب الدعاء

إنّ طلب الشفاعة من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الشفعاء الصادقين لا يعدو عن طلب الدعاء منهم لا غير، ولا ريب أنّ دعاءهم مستجاب قطعاً بسبب قربهم المعنوي ومنزلتهم السامية ومقامهم الرفيع عند اللّه سبحانه، وإذا كان دعاؤهم مستجاباً قطعاً، فحينئذ ينعم المذنب بالمغفرة والرحمة الإلهية تحت ظل ذلك الدعاء المبارك،ومن المعلوم أنّه لا إشكال ولا ضير في طلب الدعاء من الأخ المؤمن فضلاً عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا ما قلنا: «يا وجيهاً عند اللّه اشفع لنا عند اللّه» يعني: ادعو لنا عند اللّه ليغفر لنا ذنوبنا ويعفو عنها.

أضف إلى ذلك أنّه قد ورد كثيراً في الكتب الحديثية استعمال لفظ «الشفاعة» بمعنى الدعاء، حتّى أنّ الإمام البخاري في صحيحه قد استعمل لفظ «الشفاعة» بمعنى الدعاء في بابين من أبواب كتابه الصحيح، وهما:

أ. «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردّهم».(1)

ب. «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط».(2)

والشاهد على أنّ الشفاعة بمعنى الدعاء، ما رواه ابن عباس عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون باللّه شيئاً إلاّ شفّعهم اللّه فيه».(3)

من الواضح أنّ شفاعة هؤلاء الأربعين للميت ليس إلاّ لأنّهم حال أداء


1 . صحيح البخاري:2/29ـ 30.
2 . صحيح البخاري:2/19.
3 . صحيح مسلم:3/54.

(365)

صلاة الميت عليه قد رفعوا أكفّهم بالدّعاء للّه سبحانه طالبين منه العفو والرحمة والمغفرة له وقائلين: «اللّهمّ اغفر له».

وعلى هذا الأساس إذا كانت ماهية الشفاعة وحقيقتها هو الدعاء، فلماذا ياترى يكون طلب الدعاء أمراً محرماً؟!

2. حديث أنس وطلب الشفاعة

روى الترمذي عن أنس بن مالك قال:

«سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل»، قلت: فأين أطلبك؟، فقال: «على الصراط».(1)

والحديث صريح بأنّ أنس بن مالك قد طلب اعتماداً على الفطرة السليمة من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشفع له يوم القيامة، وفي الوقت نفسه نجد الرسول الأكرم يعده بتلبية طلبه ويعين له موعداً، ولم يخطر ببال أنس أبداً أنّ طلب الشفاعة من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نوع شرك لابدّ من الاجتناب عنه.

3. سواد بن قارب وطلب الشفاعة

أنشد الصحابي سواد بن قارب قصيدة بحق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طلب في بعض أبياتها من الرسول الأكرم أن يشفع له، وممّا جاء فيها:

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب(2)


1 . سنن الترمذي:4/621برقم 2433.
2 . الإصابة:2/95ـ 96، رقم الترجمة3583.

(366)

4. علي بن أبي طالب(عليه السلام) وطلب الشفاعة من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

لمّا فرغ أمير المؤمنين(عليه السلام) من غسل وتكفين الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف عن وجهه ثمّ خاطبه قائلاً: «بأبي أنت وأُمّي طبت حيّاً وطبت ميّتاً، واذكرنا عند ربّك».(1)

فإنّ العرب تستعمل جملة «اذكرني عند ربّك» في طلب الشفاعة، وقد ورد ذلك في قصة النبي يوسف(عليه السلام)حيث طلب (عليه السلام) من صاحبه في السجن ـ ساقي الملك ـ قائلاً: (اذكرني عند ربّك).(2)

وفي الختام نشير إلى مسألة مهمة وهي أنّ جميع الآيات والروايات الكثيرة التي وردت في مجال التوسّل بالأنبياء والصالحين هي في حقيقتها طلب للشفاعة منهم، فلا حاجة إلى ذكرها مرّة أُخرى هنا.

أدلّة المانعين لطلب الشفاعة

تمسّك المانعون لطلب الشفاعة بسلسلة من الأدلّة زاعمين أنّها تدلّ على حرمة طلب الشفاعة من الشفيع مباشرة، وهانحن نستعرض تلك الأدلّة مع مناقشاتها، وهي:

1. طلب الشفاعة شرك

إنّ المانعين لطلب الشفاعة من الشفعاء يقولون: يجب أن نقول: «اللّهم


1 . نهج البلاغة، الخطبة230.
2 . يوسف:42.

(367)

اجعلنا ممّن تناله شفاعة محمد» ولا يجوز أبداً أن نقول: «يا محمد اشفع لنا عند اللّه».

ثمّ يقولون: صحيح انّ اللّه تعالى قد منح محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) مقام الشفاعة، ولكنّنا منعنا من طلبها منه مباشرة، وأمرنا بأن نطلبها من اللّه تعالى بأن يشفّع نبيّه فينا.

جواب الشبهة

إنّ الذكر الحكيم يشهد بأنّ هناك طائفة من المؤمنين الموحّدين من الذين ساروا خطوات واسعة على الطريق القويم والعبودية وشهدوا بالحق، يمتلكون مقام الشفاعة يوم القيامة ويشفعون للمذنبين بإذنه سبحانه وتعالى، ومن تلك الآيات قوله تعالى:

(وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(1)

ومن الواضح انّ أداة الاستثناء«إلاّ» الواردة في الآية تشهد بأنّ الشهداء بالحقّ يمتلكون الشفاعة.

علماً أنّ المراد من مالكية الشفاعة هنا هو المالكية المأذون بها من قبله سبحانه وتعالى، وحينئذ يطرح السؤال التالي: إذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد منح بعض عباده الصالحين هذا المقام ـ مقام الشفاعة ـ فما المانع في أن يطلب المذنبون من هؤلاء الشفاعة بصورة مباشرة؟

وبالطبع أنّ طلب الشفاعة لا يلازم قبول الدعاء واستجابته، بل أقصى ما في الأمر أنّ المأذون بالشفاعة يشفع تحت شروط خاصة، وممّا يثير الانتباه دعوى


1 . الزخرف:86.

(368)

مؤسس الوهابيّة حيث قال: ونثبت الشفاعة لنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة ولسائر الأنبياء و... ونسألها من المالك لها والآذن فيها... فلا يقال: يا رسول اللّه، أو يا ولي اللّه أسألك الشفاعة أو غيرها، لأنّنا نهينا عن ذلك.(1)

ويرد على كلامه هذا:

أوّلاً: في أيّة آية ورد النهي الذي يدّعيه صاحب المقالة المذكورة؟ هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إذا كان مراده أنّنا نهينا عن طلبها منهم لأنّها شرك في العبادة، فيردّه أنّنا أثبتنا في البحوث الماضية ـ في تعريف الشرك في العبادة ـ أنّ هذا الطلب من الشفيع لا ينبع من الاعتقاد بأنّ الشفيع ربٌّ، أو فوّض إليه فعل الرب، بل ينبع من الاعتقاد بكونه عبداً من عباد اللّه قد منّ اللّه تعالى عليه بهذا المقام، ومنحه تلك المنزلة، فأيّ شرك في هذا؟!

ثانياً: أنّ المقالة المذكورة تنطوي على تناقض واضح، فكيف ياترى يمكن للإنسان أن يتصوّر أنّ اللّه سبحانه وتعالى منح طائفة من عباده هذه المنزلة والمقام لكي يتسنّى للآخرين الاستفادة منها وفي نفس الوقت ينهى عن طلبها منهم وسؤالهم إيّاها؟!

2. طلب المشركين الشفاعة من الأصنام

الدليل الثاني الذي تمسّك به القائلون بتحريم طلب الشفاعة من الشفعاء هو:

إنّ القرآن الكريم اعتبر علّة شرك الوثنيّين في عصر الرسالة تكمن في طلبهم الشفاعة من أصنامهم وأوثانهم، فقال تعالى:


1 . كشف الشبهات:16.

(369)

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤنا عِنْدَ اللّهِ).(1)

وعلى هذا الأساس يكون طلب الشفاعة من الأنبياء أو الأولياء شركاً شبيه طلب الشفاعة من الأصنام.

ويرد على(2) ذلك:

أوّلاً: أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين طلب الشفاعة من الأصنام وطلبها من الأولياء الصالحين، لأنّ طلب المشركين الشفاعة من أصنامهم ينبع من الاعتقاد بأنّ أصنامهم آلهة أو فوّض إليها فعل الإله، والحال أنّ الموحّدين ينطلقون في طلبهم هذا من الاعتقاد بأنّ الشفعاء عباد للّه أخلصوا له العبودية، فتفضّل عليهم سبحانه ووهبهم هذه المنزلة والمقام، فكيف ياترى جاز اعتبار الطلبين يعودان إلى حقيقة مشتركة وجوهر واحد؟!

وثانياً: أنّ المشركين عبدوا الأصنام أوّلاً ثمّ طلبوا منها الشفاعة ثانياً، وهذا ما تحكي عنه الآية المذكورة حيث قال تعالى أوّلاً: (وَيَعبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه) ثمّ أردف ذلك بقوله: (وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤُنا)، والحال أنّ الموحّدين لا يعبدون إلاّ اللّه تعالى وحده لا شريك له، نعم بعد الخضوع له سبحانه والإيمان به، يطلبون الشفاعة من أوليائه الصالحين، انطلاقاً من إذنه سبحانه وتعالى في هذا الفعل.

اتّضح من هذا البيان أنّ عطف عمل المؤمنين على المشركين واعتبارهما أمراً واحداً، عطف لا أساس له من الصحّة، ولا يقوم على أيّ مستند علمي أو دليل برهاني.


1 . يوسف:18.
2 . انظر كشف الشبهات:14.

(370)

3. طلب الشفاعة من الميّت لغو

هذا الدليل هو آخر ما تمسّك به المانعون لطلب الشفاعة من الأولياء والصالحين.

ويرد عليه: انّنا أثبتنا في بحث الحياة البرزخية أنّ الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون، فإذا كان الشهداء أحياءً عند ربّهم فنبيّ الشهداء من باب أولى يكون حيّاً عند ربّه، وحينئذ لا يكون طلب الشفاعة منه لغواً، لأنّه حي يرزق يسمع كلامنا ويرى مقامنا بإذنه سبحانه.

وعلى فرض التسليم بأنّ الأنبياء والصالحين والشهداء موتى لا يسمعون كلامنا ولا يرون مقامنا، فحينئذ أقصى ما يستلزمه طلب الشفاعة منهم أن يُعد أمراً لغواً، لا أنّه أمرٌ محرم كما يدّعيه أصحاب الفكر الوهابي، والشاهد على ذلك أنّ الغريق يتمسّك بكلّ قشة للنجاة والخلاص، ومن الواضح أنّ عمله هذا لغو لا طائل وراءه، ومع ذلك كلّه لا تجد متعلّماً ـ فضلاً عن العالم ـ يصف الغريق بالشرك أو بارتكاب الحرام.


(371)

الفصل الثالث عشر

مقامات وقدرات الأولياء


(372)


(373)

مقامات وقدرات الأولياء

لا شكّ أنّ الإنسان قد خلق وهو يحمل قدرات وإمكانات محدودة، وقد استطاع من خلال هذه القدرة المحدودة التي وهبها اللّه تعالى له التصرّف في عالم الكون واستغلال الأسباب والعلل الطبيعية والاستعانة بها لتحقيق أغراضه ونيل مآربه وإدارة شؤون حياته.

نعم إنّ هناك ثلّة من عباد اللّه المخلصين توفّروا على قدرات أوسع وإمكانيات أكثر بحيث استطاعوا من خلالها القيام بأعمال يعجز عنها أبناء النوع الإنساني. ولتحصيل هذا النوع من القدرات والإمكانات الواسعة والخارقة للعادة يوجد طريقان، هما:

1. ممارسة الرياضات الصعبة

إنّ عدم الالتفات وعدم الاعتناء بالجسد عامل مهم في تنمية وإعداد القدرات الروحية الكامنة في الإنسان، وكأنّه يوجد تضاد بين الاعتناء والاهتمام الكامل بين (قوى الجسم وقوى الروح) بمعنى كلّما زاد اهتمام الإنسان بتنمية الجسم وإعداده، وغرق في بحر اللّذات الجسمية والشهوات المادية كلّما ابتعد عن العنصر المعنوي والروحي، فلم يبق مجال لإعداد وإنماء وإكمال القوى الروحية


(374)

والمعنوية، وعلى العكس من ذلك كلّما قلّل الاهتمام بالعنصر المادي والتعلّقات الجسمانيّة واللذائذ والشهوات البدنية والتفت إلى العمق الروحي وغاص في المعاني الروحية والقيم المعنوية، استطاع أن ينمي القوى والطاقات الباطنية الكامنة ويظهرها إلى العيان، واستطاع أن يضفي على قدراته وإمكاناته قدرات وإمكانات أوسع وأشمل.

إنّ المرتاضين وتحت تأثير الرياضات الشديدة والأعمال الشاقة التي يقومون بها ـ و المحرمة شرعاً ـ استطاعوا أن يحرروا أنفسهم من القيود والتعلّقات الجسمانية والمادية، ولا ريب أنّ تلك الرياضات بدرجة من الشدّة والتعذيب للروح بحيث يستحيل على الإنسان العادي تحملها والقيام بها، بل المرتاض نفسه يطوي طريق الرياضة بصورة تدريجية ويخطو خطوات متتالية إلى أن يصل في نهاية المطاف إلى النتيجة التي يسعى إليها.

ولا شكّ أنّ هذا المنهج ـ الذي يقوم على قطع العلاقات والميول والشهوات المادية والتسلّط على القوى الباطنيّة والاستعدادات الروحية من خلال هذا الطريق الوعر ـ يُعدّ أمراً مخالفاً للفطرة الإنسانية والقوانين الإسلامية المسلّمة، لأنّه نوع اضرار وتعذيب للروح والبدن وفي الحقيقة هو «رهبانية مسيحية» نهى عنها الإسلام ووقف في وجهها.

2. سلوك طريق العبودية

إنّ الطريق الصحيح والأُسلوب الأمثل لتكامل الروح ورقي النفس يكمن في الالتزام بالتعاليم والإرشادات الإسلامية وطي طريق العبودية المستقيم للّه سبحانه، والعمل وفقاً للأوامر والتشريعات الإلهية التي عيّنتها وحدّدتها السماء ،


(375)

وذلك لأنّ العبادات والوظائف الظاهرية ليست هي المرادة والمقصودة بالذات للشارع المقدّس، وإذا ما أمر بها الإسلام وطالب بالقيام بها وتنفيذها، فإنّ غرضه هو تحقيق الفوائد والآثار التي تعود على الإنسان من خلالها، والتقرّب من اللّه والزلفى لديه سبحانه التي تنتج من خلال القيام بامتثالها، وكذلك التكامل الروحي الحاصل من ورائها، فالإنسان المؤمن ومنذ الخطوات الأُولى التي يخطوها في طريق امتثال الأوامر والدساتير الإلهية يكون ـ و بصورة قهرية ـ قد وضع قدمه على طريق التكامل الروحي والاستعداد المعنوي وتنمية الفضائل والملكات الباطنية.

ولا ريب أنّه ليس كلّ من سلك ذلك الطريق قد وصل إلى ذروة الكمال الروحي والمعنوي فيه، بل الناس فيه مختلفون والمقامات متفاوتة، وذلك لأنّ القضية ترتبط طردياً بدرجة الانقطاع والعبودية والإخلاص للّه سبحانه وتعالى ومن المسلّم به أنّ الناس ليسوا على وتيرة واحدة في الإيمان والطاعة والإخلاص قطعاً.

ولقد وصف الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) المقامات والمنازل العالية لسالكي طريق الحقّ والعبودية، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه».(1)

إنّ الإمعان في الحديث يكشف عن عمق العظمة والكمال المعنوي والروحي الذي يصل إليه الإنسان من خلال سلوك طريق العبودية للّه سبحانه


1 . صحيح البخاري:8/131، باب ما جاء في الزكاة; ونقله في الكافي:2/352باختلاف يسير.

(376)

وأداء الواجبات والقيام بالنوافل على أكمل وجه إلى الحدّ الذي يصبح فيه المؤمن ـ اعتماداً على قدرته تعالى ـ يسمع ما لم يسمعه الإنسان العادي، ويرى من الأشباح والصور ما لا يراه الإنسان العادي أيضاً. وهكذا يتحقّق له كلّ ما يريده ويرومه.

وبلا أدنى ترديد يكون المراد من قوله: «كنت سمعه وبصره و ...» هو انّ الإنسان المؤمن وفي ظل القدرة الإلهية يتوفر على بصيرة أنفذ وقدرة أوسع.

ومن الواضح أيضاً من الحديث الشريف أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرى في الإنسان قدرات عجيبة ومحيّرة يحصل عليها من خلال سلوك طريق العبودية والتعمّق في المعارف الإلهية الصحيحة والأساليب السليمة.

إذا عرفنا ذلك نشير إلى بعض الآثار العجيبة للعبودية للّه سبحانه، والسير في ذلك الطريق المستقيم.

1. الهيمنة والتسلّط على النفس

إنّ الأثر والثمرة الأُولى لسلوك طريق العبودية يتمثّل في سيطرة الإنسان وهيمنته على نفسه وميولها ورغباتها النفسية، بحيث يصبح ذا ولاية عليها، وبالنتيجة يكبح جماح «النفس الأمّارة»، ويصل إلى درجة من الرقي المعنوي والكمال الروحي بنحو يكون زمام أُمور «نفسه الأمّارة» بيده، وهذه المرحلة التي يصل إليها الإنسان يطلق عليها عنوان «الولاية على النفس».

ولقد أشارت آيات الذكر الحكيم إلى هـذه المرحلـة، حيث قال سبحانـه:

(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَالْمُنْكَرِ).(1)


1 . العنكبوت:45.

(377)

يعني أنّ الصلاة تخلق في الإنسان حالة معنوية عظيمة، حيث تُوجد فيه حالة المصونية عن الذنب وارتكاب الفحشاء والمنكر.

2. الرؤية النافذة

من خصائص العبودية للّه انّ الإنسان يحصل من خلالها على بصيرة نافذة ورؤية حادّة،وصفاء خاص بحيث يستطيع أن يميّز بين الحق والباطل بسهولة ويسر، ويحصل أيضاً على نوع من المصونية عن الوقوع في الضلال والانحراف.

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرقاناً).(1)

والمراد من الفرقان هو تلك الرؤية النافذة التي تُمكّن الإنسان من التمييز بين الحق والباطل.

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا).(2)

وفي آية ثالثة:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِِه يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِه).(3)

فإنّ مفاد هذه الآية أنّ ثمرة التقوى والإيمان في هذا العالم هي البصيرة والوضوح، وسوقه نحو الطهر والتزكية.


1 . الأنفال:29.
2 . العنكبوت:69.
3 . الحديد:28.

(378)

3. الهيمنة على الأفكار المتشتّتة

من الأُمور التي يطمح إليها الإنسان المؤمن والآمال التي يرنو إليها هو الهيمنة على قواه العقلية وصبّها على مركز واحد حال العبادة، وهذا المركز هو التوجّه المطلق إلى اللّه تعالى والابتعاد عمّا سواه، ولا ريب أنّ هناك الكثير من الناس ممّن يفتقدون الحضور القلبي تجدهم يذهبون يميناً وشمالاً، وتسرح أذهانهم وأفكارهم هنا وهناك حال الصلاة وحال القيام بالعبادات الأُخرى كالدعاء وتلاوة القرآن وغير ذلك. وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يهيمنوا على القوّة الخيالية ولم تكن لديهم الولاية عليها، ومن هنا لا يستطيعون أن يأتوا بصلاة واحدة ذات أربع ركعات من دون أن تسرح مخيلتهم هنا وهناك،ومن هنا تجدهم في حقيقة الأمر يقفون للعبادة مجرّد هياكل بدنية فقط فأمّا الروح فسارحة مع خيالها الخاص بها بعيداً عن أجواء العبادة.

4. تحرير الروح عن البدن

إنّ العلاقة بين الروح والبدن في عالم الطبيعة علاقة وثيقة وأنّ أحدهما بحاجة ماسة إلى الآخر، فالروح مهمتها تدبير البدن وحفظه من الفساد والخراب فالبدن محتاج إليها، ولكن من جهة أُخرى نجد أنّ الروح هي الأُخرى بحاجة إلى البدن لتنفيذ ما ترومه الروح والقيام بالنشاطات التي تبتغيها من خلال الأعضاء والجوارح المادية، فالروح تسمع من خلال الأُذن وتبصر من خلال العين وهكذا....

ولكن قد تتحرر الروح من البدن بسبب التكامل والقدرات المعنوية التي تحصل عليها عن طريق العبادة والخضوع للحق تعالى، الأمر الذي يصحّ أن يطلق


(379)

عليه عنوان «خلع البدن».

وليس من السهل تصوّر هذا الأمر بالنسبة إلى الناس العادّيين الذين ينظرون إلى الحياة من بعدها المادي فقط، ولكنّه سهل جداً على المؤمنين الذين سلكوا طريق العبودية والعروج الروحي، فإنّ بإمكانهم متى شاءوا خلع البدن المادي والتحرر منه فعلوا ذلك بقدرته وتمكينه تعالى.

ولقد شاهدنا في حياتنا نماذج من تلك الشخصيات التي تمتلك تلك الصفة الكمالية العالية.

5. مشاهدة الأجسام اللطيفة

من الثمار التي يجنيها الإنسان المؤمن والناتجة من القرب الإلهي والسمو المعنوي هو التمكّن من مشاهدة الأجسام اللطيفة والشفّافة، فلا ريب أنّه يوجد في عالم الطبيعة أجسام لطيفة لا يمكن أن تدرك بالعين الباصرة الظاهرية، بل تحتاج إلى حاسة أُخرى لإدراكها ومشاهدتها، فعلى سبيل المثال يؤكّد القرآن الكريم وجود الملائكة تطير في السماء بأجنحة خاصة، كما ورد في قوله تعالى:

(الْحَمدُ للّهِ فاطِرِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُولي أَجْنِحَة مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ).(1)

فعلى هذا الأساس يكون الملائكة موجودات جسمانية ظاهراً وذات أجنحة، والحال أنّنا لم نتمكن من مشاهدة تلك الأجسام اللطيفة، ولكن إذا رجعنا إلى الرؤية القرآنية نجد أنّه يؤكّد أنّ العباد الطاهرين والذوات الزكية


1 . فاطر:1.

(380)

صاحبة القرب الإلهي والسمو المعنوي يشاهدون تلك الملائكة.

بل انّ عباد اللّه المخلصين يتحدّثون مع تلك الأجسام فضلاً عن مشاهدتها. ولقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام)إلى هذا المعنى في الخطبة المعروفة بالقاصعة:

«ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشُمُّ ريح النبوة.

ولقد سمعت رنَّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك الوزير وإنّك لعلى خير».(1)

ولقد أشار القرآن الكريم ـ من بين نساء بني إسرائيل ـ إلى مريم(عليها السلام) بأنّها كانت قادرة على رؤية الملك والحديث معه قال تعالى:

(فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً).(2)

6. التصرّف في عالم الخلق

إنّ الإنسان المؤمن والمنقطع للّه سبحانه بالطاعة والعبودية لا أنّه يهيمن على قواه الجسمانية فقط، بل ـ و في ظل القدرة الإلهية ـ يتمكّن من الهيمنة على


1 . نهج البلاغة:192، ط صبحي الصالح.
2 . مريم:17ـ19.

(381)

عالم الطبيعة بحيث تصبح نفسه قادرة على التصرّف فيه بإذن اللّه تعالى وبدون أن يعتمد على الأسباب الطبيعية. وحينئذ يكون قادراً على القيام بسلسلة من الأعمال الخارقة للعادة من قبيل المعجزات والكرامات.

ولإثبات هذا الادّعاء نأتي بطائفة من آيات الذكر الحكيم والتي تشهد بوضوح على أنّ أولياء اللّه يستطيعون ـ و لمصلحة ما ـ التصرّف في عالم الطبيعة.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى القدرة العظيمة التي وهبها اللّه سبحانه للأنبياء (عليهم السلام) في التصرف ـ بإذنه ـ في عالم الطبيعة، نكتفي هنا بالإشارة وبصورة مختصرة إلى بعضهم (عليهم السلام) ، وهم: يوسف، سليمان، و المسيح (عليهم السلام) .

الف: تصرّف يوسف(عليه السلام) في ردّ البصر إلى والده

أكّد القرآن الكريم هذه القصة بقوله:

(اذْهَبُوا بِقَمِيصي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعينَ * وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَديمِ * فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً).(1)

وأنت ترى أنّ القرآن الكريم يؤكّد تلك الحقيقة في ضمن آيتين:

1.(اذْهَبُوا بِقَمِيصي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً).

2. وقوله: ( فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً).

ولا ريب أنّ المعافي والمشافي الواقعي هو اللّه سبحانه وتعالى، ولكن ـ وكما


1 . يوسف:93ـ 96.

(382)

قلنا ـ إنّه قد شاءت الإرادة الإلهية أن يجري الفيض الإلهي على مخلوقاته سبحانه عن طريق الأسباب الأعم من (الطبيعية وغير الطبيعية).

ولا شكّ هنا أنّ لإرادة يوسف(عليه السلام) تأثيراً واضحاً، وأنّه أرجع القدرة الباصرة إلى أبيه تحت ظل القدرة والفيض الإلهي الذي منح له(عليه السلام).

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو: لماذا استعمل يوسف(عليه السلام) هذه الوسيلة البسيطة جداً ـ القميص ـ و لم يستعمل وسيلة أعقد من ذلك؟

والجواب: انّ منهج الأنبياء في الإتيان بالمعجزة والصالحين في القيام بالكرامات هو اعتماد الوسائل البسيطة جدّاً في القيام بالأعمال العظيمة،وذلك لكي يذعن الجميع بارتباطهم بالسماء وتلقّيهم قدراتهم من ذي القدرة الغير المتناهية،وإلاّ فلو استفادوا من الأسباب والعلل المعقدة والوسائل المتطـوّرة لنسب الناس تلك النتائج إلى تلك العلل والأسباب المعقّدة، وأخيراً لنسبوها إلى علم الأنبياء وإمكاناتهم المادية مثلاً. وحينها تنتفي الغاية والهدف من وراء المعجزة.

ب. أصحاب سليمان(عليه السلام) والقدرات العجيبة

كلّنا يعلم أنّ سليمان(عليه السلام) استدعى ملكة سبأ للحضور عنده، ولكنّه وقبل أن تحضر عنده بلقيس، سأل الحاضرين في ناديه وأصحابه قائلاً:

(يا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمين).(1)

فانبرى أحد الحاضرين ملبيّاً الدعوة ومظهراً استعداده للإتيان به بسرعة فائقة، فقال:


1 . النمل:38.

(383)

(أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِين).(1)

فنهض وزير سليمان وابن أُخته «آصف بن برخيا» ـ كما يقول المفسّرون ـ و أعلن عن استعداده للإتيان به قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه، قال تعالى:

(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرفُكَ فَلَمّا رآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي).(2)

ولابدّ من الإمعان في الآيات الكريمة لنرى من هو فاعل هذه الأعمال العجيبة ـ الإتيان بعرش بلقيس ـ عبر مسافات طويلة جداً وبطرفة عين فقط؟

الظاهر من الآيات أنّ فاعل تلك الأُمور العجيبة هو أصحاب سليمان أنفسهم ـ و لكن بإذنه سبحانه ـ ويمكن تأكيد ذلك من خلال النقاط التالية:

أوّلاً: أنّ سليمان(عليه السلام) قد طلب منهم مباشرة القيام بهذا العمل، وهذا يعني أنّه كان (عليه السلام) يعلم من حالهم أنّهم قادرون على القيام بمثل تلك الأعمال الخارقة للعادة.

ثانياً: انّ الشخص الذي أبدى استعداده للقيام بالمهمة والإتيان بالعرش قبل أن يقوم سليمان من مقامه، أردف كلامه بالجملة التالية فقال:(وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمين).

ومن الواضح أنّه إذا لم يكن للشخص المذكور دور في العمل لما كان لقوله:(وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمين) أيّ معنى، بل يصبح ذلك القول لغواً.


1 . النمل:39.
2 . النمل:40.

(384)

ثالثاً: أنّ الشخص الآخر الذي قال: ( أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرفُكَ ) نسب الإتيان بهذا العمل الخارق للعادة إلى نفسه، وقال: (أَنَا آتيكَ...).

وهل يوجد أصرح من هذا التعبير القرآني الكريم الذي يبيّن بما لا لبس فيه بأنّ أصحاب النفوس الطاهرة والأرواح الزكية يمتلكون من القدرات والإمكانات العجيبة والمحيّرة للعقول في الإتيان بالمعجزات والكرامات، وحينئذ لا يبقى مجال للمشكّكين للتشكيك أو الميل نحو التأويلات الباردة التي لا تقوم على أساس علمي.

رابعاً: أن ّاللّه سبحانه وتعالى قد صرّح بالسبب الذي جعل وزير سليمان قادراً على القيام بذلك العمل بسرعة زمانية قياسية،وهو انّ هذا الإنسان كان يمتلك علماً غير العلم المتوفّر لدى سائر الناس،بل هو من نوع العلوم الخاصة بعباد اللّه سبحانه وتعالى، فقال: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتاب).

ج. سليمان(عليه السلام) والقدرات العجيبة

يصرّح القرآن الكريم بالقدرات التي كان سليمان(عليه السلام) يمتلكها، فقال تعالى:

(وَلِسُلَيمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلى الأَرضِ الّتي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْء عالِمين).(1)

والأمر الجدير بالاهتمام هو أنّ الآية المباركة تؤكّد وبصراحة تامة أنّ حركة الريح وتعيين الجهة التي تتحرك فيها خاضع لأمر سليمان وإرادته النافذة، فيقول


1 . الأنبياء:81.

(385)

سبحانه: (تَجْري بِأَمْرِهِ).

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ...).(1)

وهذا يعني أنّ سليمان(عليه السلام) كان يطوي المسافات البعيدة بفترة زمنية قصيرة بحيث يقطع في يوم واحد المسافة التي كان يقطعها غيره خلال شهرين متتاليين.

نعم، صحيح أنّ اللّه سبحانه وتعالى هو الذي سخّر الرياح وروّحها لسليمان إلاّ أنّ جملة (تَجْري بِأَمْرِهِ) تدلّ بصراحة أنّ لأمر سليمان وإرادته دوراً بارزاً في الاستفادة من هذه الظاهرة الطبيعية، كما في تعيين الوقت وتحديد المسير وإيقاف الحركة، وغير ذلك.

د. قدرات السيد المسيح(عليه السلام) وتصرّفاته

لقد نسب القرآن الكريم إلى السيد المسيح(عليه السلام)أعمالاً خارقة للعادة، تنبع جميعها من القدرة الباطنية والإرادة الخلاّقة له(عليه السلام)، حيث قال تعالى:

(أَنـّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيـهِ فَيَكُونُ طَيـراً بِـإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوتَى بِإِذْنِ اللّهِ).(2)

ففي هذه الآية نسب المسيح(عليه السلام) إلى نفسه مجموعة من الأعمال التي يقوم بها، وهي:

1. أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.


1 . سبأ:12.
2 . آل عمران:49.

(386)

2. فانفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه.

3. أُبرئ الأكمه(من ولد فاقداً للبصر).

4. أُبرئ الأبرص.

5. أُحيي الموتى.

فالسيد المسيح(عليه السلام) كان يرى نفسه فاعلاً لتلك الأعمال جميعها،وليس معنى ذلك أنّه(عليه السلام) كان يطلب من اللّه ويدعوه أن يقوم هو سبحانه بتلك الأُمور، بل كان هو(عليه السلام) يقوم بها ولكن (بإذن اللّه)، وهنا لابدّ من معرفة المراد والمقصود من الإذن الإلهي: فهل هو الإذن اللفظي؟ أم هو شيء آخر؟

لا ريب أنّه ليس من قبيل الإذن اللفظي والإجازة القولية، وإنّما المقصود منه هو الإذن الباطني، بمعنى أنّ اللّه سبحانه وتعالى يمنح عباده الصالحين والمخلصين قدرات خارقة وإمكانات كبيرة جداً، يستطيعون من خلالها القيام بتلك الأُمور العجيبة والمحيّرة.

والشاهد على هذا التفسير أنّ الإنسان بحاجة إلى الإذن الإلهي حتى في القيام بالأُمور الاعتيادية فضلاً عن الأُمور الخارقة للعادة، فبدون إذنه سبحانه يعجز عن القيام بأبسط الأُمور، وهذا يعني أنّ المقصود من إذنه سبحانه هو منحه القدرة والطاقة على الإتيان بالفعل والقيام بالعمل، و من هنا نجد السيد المسيح(عليه السلام) ينسب الأفعال الواردة في الآية إلى نفسه، بل في آية أُخرى نجد أنّ اللّه سبحانه وتعالى ينسب و بصراحة تلك الأفعال إلى السيد المسيح(عليه السلام)حيث يقول تعالى:

(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ


(387)

بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْني وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْني وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتى بِإِذْني).(1)

ولابدّ من الإمعان في الجمل الواردة في الآية لنرى من هو الفاعل وفقاً للرؤية القرآنية؟ انّ اللّه سبحانه وتعالى لم يقل انّي أنا الذي أخلق الطير، أو أشفي الأكمه، أو أُحيي الموتى، بل قال تعالى:

1. (إِذْ تخلق).

2.( وتبرئ).

3. (إِذ تخرج الموتى).

وهل يوجد أصرح من ذلك في نسبة الأفعال إلى السيد المسيح(عليه السلام)؟!

ولكن ومن أجل أن يرتفع اللبس ويتّضح للجميع أنّه لا يوجد مخلوق ـ مهما كان نبيّاً أو غيره ـ يقدر على الإيجاد والإبداع بصورة مستقلة ـ ولكي يبطل القرآن الكريم بعض الأفكار المنحرفة القائلة بالثنوية، أو القائلة بأنّ الإنسان محتاج في وجوده إلى اللّه فقط، وأمّا في أفعاله وأعماله فهو مستقل عن ذلك استقلالاً كاملاً وغير محتاج إلى اللّه تعالى. نعم لكي يبطل القرآن الكريم كلّ هذه المزاعم الباطلة والأفكار الواهية قيّد جميع الأفعال التي كان يقوم بها السيد المسيح(عليه السلام) بإذنه سبحانه وتعالى، ليؤكّد سبحانه التوحيد في الفاعلية ويصونه من الانحراف والقول بالثنوية.

نكتفي بهذا المقدار من التصرفات التكوينية للأنبياء والتي تتم جميعها بإذن من اللّه سبحانه، ومن أراد المزيد من التفصيل فعليه بمراجعة القرآن الكريم، والموسوعات التفسيرية، والموسوعات الحديثية، وكذلك «نهج البلاغة» ذلك الأثر


1 . المائدة:110.

(388)

الخالد لسيد الأوصياء أمير المؤمنين(عليه السلام).

ثمّ لابدّ من الإشارة إلى مسألة مهمة وهي: تصوّر البعض من الكتّاب أنّ القول بالولاية التكوينية للأنبياء والأولياء والاعتقاد بأنّهم قادرون على التصرّف في عالم الخلق، يُعدّ نوعاً من الشرك، غافلين عن أنّ تسلّط الإنسان على التصرّف في عالم الخلق يتم بصورتين، هما:

1. انّ نفس الإنسان يمتلك تلك الهيمنة والسلطة والقدرة، وبحسب الاصطلاح يمتلك «القدرة الذاتية» على ذلك.

2. القدرة والاستعداد النابعه من القدرة الإلهية، وانّ اللّه سبحانه وتعالى ـ ولمصالح ماـ يمنح بعض الأفراد تلك القدرات، ويفيض عليهم بتلك المواهب بحيث يستطيعون القيام بتلك الأعمال الخارقة.

ولا ريب أنّ الصورة الأُولى باطلة قطعاً وأنّها نوع من الشرك، فكلّ نظرية تذهب إلى أنّ الإنسان مستقل في أعماله وأفعاله ـ الظاهرية أو الباطنية ـ عن اللّه سبحانه فهي نظرية إلحادية وشرك باللّه تعالى. وأمّا الصورة الثانية فلا شكّ في صحّتها وانسجامها مع التوحيد، بل هي عين التوحيد، لأنّها مستقاة من القدرة الإلهية المطلقة.

وفي الختام نقول: إنّه ومع الالتفات إلى المقامات والمواهب التي يمنحها اللّه سبحانه لأوليائه الصالحين،فلا ينبغي الترديد والتشكيك بصحّة الكرامات التي تصدر عنهم في أثناء حياتهم أو بعد رحيلهم إلى الرفيق الأعلى، وذلك لأنّ كرامة السيد المسيح (عليه السلام)لا تنحصر بحياته الدنيوية وفي عالم المادة فقط، بل هي نتيجة لقربه المعنوي(عليه السلام)، ومن الواضح أنّ القرب المعنوي محفوظ دائماً، سواء في الحياة الدنيا، أو في عالم البرزخ.


(389)

الفصل الرابع عشر

التبرّك بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وآثاره


(390)


(391)

التبرّك بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وآثاره

من مراتب التوحيد، التوحيد في الخالقية، بمعنى أنّه لا يوجد للعالم إلاّ خالق واحد، وأنّ العالم بكلّ تجلّياته المختلفة مخلوق له سبحانه، وانّ جميع الظواهر المادية وغير المادية فاقدة ذاتاً لكلّ أنواع الكمال، وإذا ما تحلّت ظاهراً بالكمال فما ذلك إلاّ في ظل المشيئة والإرادة الإلهية.

وهذا الأصل من الأُصول المتسالم عليها بين الموحّدين والمشركين،وهذا ما أشارت إليه آيات الذكر الحكيم التي جاءت على نحو السؤال والجواب أو على نحو القضية الشرطية، ومنها قوله تعالى:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ).(1)

نعم، انّ الاختلاف بين الموحّدين وبين مشركي عصر الرسالة كان في «المدبريّة» حيث كان يرى الموحّدون انّ «المدبرية» أيضاً تنحصر في اللّه سبحانه فهو الخالق وهو المدبّر في آن واحد، وأمّا المشركون فقد كانوا يرون أنّ لآلهتهم المزيّفة نصيباً في تدبير العالم وإدارة شؤونه.

وهنا مسألة جديرة بالاهتمام ينبغي الالتفات إليها وهي أنّ حصر الخالقية


1 . العنكبوت:61.

(392)

والمدبّرية في اللّه سبحانه لا يعني بحال من الأحوال نفي تأثير الظواهر المادية وغير المادية بعضها بالبعض الآخر، وذلك لأنّه قد أثبتت آيات الذكر الحكيم وكذلك الأدلّة العلمية والفلسفية أنّ عالم الخلق قائم على سلسلة من العلل والمعاليل، وبعبارة أُخرى: الأسباب والمسبّبات، وأنّ الظاهرة المتقدّمة تؤثر ـ وتحت شرائط خاصة ـ في الظاهرة اللاحقة. ولكن جميع تلك التجلّيات «المؤثّر» و«المؤثّرية» و «الأثر» كلّها تخضع لمشيئته وإرادته سبحانه، فشعاع الشمس، وتلألؤ القمر، والإحراق للنار، ونمو النباتات بواسطة الماء، وغير ذلك من الظواهر، كلّها إنّما تعمل عملها وتؤثر أثرها في ظل إرادته سبحانه، وإذاما انقطعت الإرادة الإلهية ولو لحظة واحدة لم يبق من عالم الخلق شيء يذكر أبداً.

ولمزيد التوضيح نقول: إنّ في عالم الوجود يوجد سبب واحد يتّصف بالأصالة والواقعية وهو اللّه سبحانه،ولكن وفي نفس الوقت يوجد في قلب عالم الوجود سلسلة من الأسباب والعلل الفرعية والتبعية التي تعمل في إطار إرادته ومشيئته سبحانه وتعالى، فعلى سبيل المثال نمو الأشجار وحياة الإنسان يخضعان لسلسلة من العلل والأسباب الطبيعية بحيث لو انتفت لانتفى وجود النبات والإنسان قطعاً. وهذه الأسباب تتمثّل في الماء والهواء والنور و...، ومن هنا يمكن اعتبار تلك الأسباب والعلل من جنود اللّه سبحانه التي تخضع لأوامره وتمتثل مقرراته سبحانه.

ولقد صرحت الآية 22من سورة البقرة بهذا المؤثر التبعي، أو ما يصطلح عليه الفلاسفة بـ «المؤثّر الظلي» حيث جاء فيها:

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ


(393)

ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ).(1)

فإنّ الحرف «ب» في قوله «به» يعطي معنى السببيّة، وهذا تصريح بمؤثّرية الماء في نمو الثمار .

ومن الأُصول المسلّمة لدى علماء الطبيعة عامّة والأحياء خاصة هو البحث عن العلاقات بين الظواهر المتنوعة لغرض معرفة الأسباب والعلل الطبيعية والمادية، لكي يتسنّى لهم من خلال تلك المعرفة الاستفادة من المنافع الناجمة عنها، واجتناب الأضرار التي قد تواجههم في ذلك.

إنّ نقطة الخلل في التفكير المادي تكمن في أنّهم نظروا إلى عالم المادة نظرة أُحادية الجانب بحيث اعتبروا تلك العلل والأسباب التبعية والظلية أسباباً وعللاً مستقلة غافلين عمّا وراء المادة من عالم غيبي هو الفاعل والسبب الحقيقي والواقعي وهو المدبّر للعالم والمانح للأسباب والعلل المادية قدرة الفاعلية وإمكانية التأثير، وهو الذي رسم للعالم المادي وغير المادي مساره ونهجه الذي ينبغي السير عليه.

اللّه واهب السببية وسالبها

ومن هنا يظهر أنّ اللّه سبحانه وتعالى في الوقت الذي يهب السببية والفاعلية للأشياء، فيمنح الشمس القدرة على الإشعاع، والقمر القدرة على الإضاءة، والماء القدرة على الإنبات، و... هو نفسه سبحانه وتعالى قادر أيضاً على سلب ذلك كلّه من العلل والأسباب الطبيعية، فالنار التي تمتلك القدرة على إحراق الأخضر واليابس تتحول وفي طرفة عين إلى برد وسلام على إبراهيم(عليه السلام)


1 . البقرة:22.

(394)

بإرادته ومشيئته سبحانه:(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ * قُلْنا يا نارُ كُوني بَرْداً وَسَلاماً على إِبراهيمَ).(1)

وهو سبحانه الذي يسلب البحر الكثير من خصائصه ويحوله من حالة إلى حالة أُخرى تختلف اختلافاً جوهرياً مع طبيعة الماء في الحالات الاعتيادية، وهذا ما نشاهده في قصة نبي اللّه موسى(عليه السلام) حيث قال تعالى:

(فَلَمّا تَرَاء الجَمْعانِ قَالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلاّ إِنَّ مَعي رَبّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْق كالطَّوْدِ الْعَظيمِ).(2)

ومن هنا ندرك بما لا مزيد عليه أنّ اللّه تعالى هو واهب الأسباب فاعليتها، وهو نفسه قادر على سلب ذلك كلّه منها.

تجلّيات أُخرى لمنح السببية والفاعلية

لقد تعلّقت الإرادة الإلهية بأن تصدر الظواهر من عللها وأسبابها الطبيعية، ولكن قد يحدث ـ و لمصالح ماتقتضي ذلك ـ أن تصدر الظاهرة من غير مجراها الطبيعي، وذلك فيما إذا أراد الأنبياء (عليهم السلام) إثبات أو تأكيد ارتباطهم بالسماء. فحينئذ تقع على أيديهم ما يصطلح عليه عنوان «المعجزة».

ولا ريب أنّ معاجز الأنبياء ـ وبلا استثناء ـ تسير من خلال هذا الطريق، فمن المسلّم أنّ تحوّل العصا إلى ثعبان مبين، وانفلاق البحر بضربه بالعصا، أو إعادة البصر إلى الأكمه وشفاء الأمراض المستعصية و... كلّ ذلك في الواقع وليد


1 . الأنبياء:68ـ 69.
2 . الشعراء:61ـ 63.

(395)

عوامل وأسباب غير طبيعية، ولسنا هنا في صدد بيان ماهيتها.

يتّضح من خلال هذا البيان انّ الفيض الإلهي يصب على الإنسان في الأعم الأغلب من خلال الأسباب والعلل الطبيعية، ولكن قد يصب ذلك الفيض في بعض الأحيان من غير مجراه الطبيعي، وهذا ما يطلق عليه عنوان «المعجزة»، وهذا فيما إذا كان الفاعل بصدد إثبات صدقه في ادّعاء النبوة وارتباطه بالسماء وعالم الغيب، أمّا إذا لم يكن الفعل مقترناً بدعوى النبوة فحينئذ يكون من قبيل «الكرامة».

كرامتان لمريم(عليها السلام)

لقد ذكر القرآن كرامتين كبيرتين للسيدة مريم(عليها السلام).

1. انّها(عليها السلام) كانت تجد رزقها في محراب عبادتها، وهذا ما أشارت إليه الآية التالية:

(فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُول حَسَن وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلها زَكَريّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذا قاَلَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب).(1)

2. حينما جاءها المخاض إلى جذع النخلة تلقت النداء الإلهي (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً).(2)

والملاحظ من الآيتين أنّ السيدة مريم(عليها السلام)كانت تتلقّى رزقها والرطب


1 . آل عمران:37.
2 . مريم:25.

(396)

الجني من غير المجاري الطبيعية، وما ذلك إلاّ لمقامها ومنزلتها الرفيعة عند اللّه سبحانه والروح الزكية والنفس الطاهرة التي كانت تتحلّى بها، وهذه كرامة عظيمة لمريم(عليها السلام)، ومن المعلوم أنّ مريم ما كانت تدّعي مقاماً ما.

إلى هنا تعرفنا على ما يتعلّق بمصطلحي: «المعجزة»، و«الكرامة»، ومن الحريّ بنا أن نتعرّف على مصطلح ومفهوم آخر وهو «التبرّك».

ما هو التبرّك؟

التبرّك لغة مشتق من «البركة» بمعنى الزيادة في النعمة.

وأمّا اصطلاحاً فهو: طلب الموحّدين إفاضة النعم عليهم وزيادة البركة من خلال التبرّك بالذوات الصالحة للنبي الأكرم والصالحين من عباده، أو التبرّك بآثارهم الباقية.

وهذا لا يعني أنّ المتبرّك يسد في وجهه الطرق والأسباب الطبيعية لتحقيق مراده والأُمور التي يتوخّاها، بل في الوقت الذي يعتمد فيه الأسباب و العلل الطبيعية، يبقي أمامه باب التبرّك مفتوحاً ليتسنّى له من خلاله نيل الفيض الإلهي النازل من خلال هذا الطريق بالإضافة إلى الفيوضات النازلة من خلال الطرق والأسباب الطبيعية.

ومن المسلّم به أنّه لا توجد علاقة مادية بين آثار الأنبياء (عليهم السلام) والصالحين، وبين الخيرات التي يجنيها الإنسان من خلال هذا الطريق، ولكن ـ كما قلنا سابقاً ـ انّ الفيوضات الإلهية تارة تفاض على العباد من غير مجاريها الطبيعية حيث تتعلّق الإرادة الإلهية بأن تلبّى حاجات الإنسان المؤمن عن طريق التبرّك بشخص النبي أو الآثار المتبقية منه، وهذه الحقيقة قد أكّدتها آيات الذكر الحكيم والروايات المتواترة، أضف إلى ذلك أنّه لا يوجد مانع عقلي يمنع عن فاعلية آثار النبي


(397)

والصالحين في تلبية حاجات الإنسان وإنجاح طلبته.

وهانحن نستعرض بعض الآيات الواردة في هذا الصدد:

1. التبرّك بمقام إبراهيم(عليه السلام)

لقد اعتبر اللّه سبحانه وتعالى بعض الأراضي التي لامست بدن دعاة التوحيد،محلاً للعبادة. فعلى سبيل المثال جعل من مقام إبراهيم(عليه السلام) مصلّى، حيث قال سبحانه:

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْت مَثابَة لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخذِوا مِنْ مَقامِ إِبراهيمَ مُصلّى).(1)

ولا ريب أنّ الصلاة نفسها لا تختلف من الناحية الجوهرية، سواء أُقيمت في هذا المقام أو سائر نقاط المسجد، وهذا يكشف عن أنّ المقام المذكور قد اكتسب بسبب وجود النبي إبراهيم(عليه السلام) ميزة أُخرى، فأصبح مكاناً مباركاً، لذلك تجد المصلّي يأتي بصلاته هناك لأجل التبرّك بذلك المكان الطاهر.

وفي موضع آخر من القرآن نجد اللّه سبحانه وتعالى يعتبر «المسعى» ـ و هو المسافة الواقعة بين الصفا والمروة ـ محلاً للعبادة، وما ذلك إلاّ لأنّ السيدة الطاهرة والموحّدة «هاجر» قد لامست بقدميها المباركتين هذه الأرض سبعة أشواط بحثاً عن الماء، وليس لذلك الأمر علّة إلاّ التبرّك بهذه البقعة المقدّسة التي لامست جزءاً من بدن أُمّ إسماعيل عليه و(عليها السلام).

2. قميص يوسف(عليه السلام) وعودة البصر إلى يعقوب

لقد عانى يعقوب (عليه السلام) ألم فراق ولده العزيز يوسف (عليه السلام) ردحاً طويلاً من


1 . البقرة:125.

(398)

الزمن، ولقد بكاه طوال تلك المدّة حتّى فقد بصره إلى الدرجة التي وصفه فيها الذكر الحكيم بقوله: (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).(1)

فشاءت الإرادة الإلهية أن يعود إلى يعقوب بصره عن طريق قميص ولده يوسف(عليه السلام) حيث قال تعالى على لسان يوسف(عليه السلام):(اذْهَبُوا بِقَمِيصي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً).(2)

ولا ريب أنّ قميص يوسف(عليه السلام) لا يختلف من الناحية المادية أو من ناحية الشكل عن غيره، ولكن تعلّقت الإرادة الإلهية بأن يصدر الفيض الإلهي إلى عبده يعقوب من خلال هذا الطريق، وقد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة حيث قال سبحانه:

(فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقَاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً).(3)

3. تابوت بني إسرائيل والسكينة

لقد وضع موسى(عليه السلام) وفي الأيام الأخيرة من عمره الشريف، الألواح المقدّسة التي تحتوي على شريعته(عليه السلام)، ودرعه وسلاحه وآثاره الأُخرى في صندوق، وجعل الصندوق عند وصيّه «يوشع بن نون»، ومن هنا اكتسب هذا الصندوق أهمية كبرى لدى بني إسرائيل، فكانوا يحملونه معهم أثناء الحروب التي تقع بينهم وبين خصومهم متبرّكين به، ومستنزلين النصر من اللّه عن طريقه، وكانوا يعيشون حياة عزيزة مادام ذلك الصندوق المبارك بين ظهرانيهم، ولكن لمّا دبّ فيهم الضعف الديني، وقلّ تأثير الوازع الأخلاقي في أوساطهم، تمكّن خصومهم من


1 . يوسف:84.
2 . يوسف:93.
3 . يوسف:96.

(399)

هزيمتهم والتغلّب عليهم، وتمكّنوا كذلك من نهب ذلك الصندوق المبارك.

ولمّا اختار اللّه سبحانه ـ بعد فترة من الزمن ـ طالوت ملكاً وقائداً لبني إسرائيل، قال لهم نبيّهم: إنّ آية صدقه وكونه قائداً منصباً من قبله سبحانه هو أن يأتيكم ذلك الصندوق، ولقد أشار الذكر الحكيم إلى ذلك بقوله سبحانه:

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).(1)

والإمعان في الآية المباركة يكشف أنّ القرآن الكريم ينقل لنا على لسان نبيه، تبرّك بني إسرائيل بذلك الصندوق ويؤكّد كذلك مدى قيمته وشرفه بحيث تحمله الملائكة، وحينئذ نتساءل لو كان هذا العمل مخالفاً لأُصول التوحيد ومتعارضاً معها، فكيف ياترى جاز لذلك النبي أن يلقي إليهم الخبر على نحو البشرى؟!!

4. التبرّك بمقام أصحاب الكهف

حين اكتشف المؤمنون والموحّدون المكان الذي اختفى فيه الفتية«أصحاب الكهف» فأخذوا يتداولون الأمر بينهم ماذا نعمل؟ فكان إطباق الجميع واتّفاقهم على أن يبنوا على قبورهم مسجداً ليكون محلاً للعبادة وللتبرّك بالعبادة إلى جنب تلك الأجساد الطاهرة، ولقد نقل لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(وَقالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(2)


1 . البقرة:248.
2 . الكهف:21.

(400)

قال المفسّرون: إنّ الهدف من بناء المسجد هو إقامة الصلاة والتبرّك بأجسادهم الطاهرة.

إلى هنا نكتفي بهذه الآيات الأربع، والتي يكشف الإمعان فيها عن حقيقة واضحة وترشدنا إلى أصل علمي وقرآني جليّ، وهو أنّ المشيئة الإلهية قد تعلّقت بأن تفاض نعمه ومواهبه المادية والمعنوية على البشر من خلال الأسباب الطبيعية، بلا فرق بين الأُمور المادية والمعنوية، فعلى سبيل المثال شاءت الإرادة الإلهية أن تفاض هدايته على البشر عن طريق الأسباب الطبيعية فأرسل لهم الأنبياء مبشّرين ومنذرين.

ولكن في الوقت نفسه قد تتعلّق الإرادة الإلهية بأن يجري فيضه عن طريق الأسباب والطرق والمجاري غير الطبيعية، وما التبرّك إلاّ واحداً من تلك المجاري التي يتمسّك بها الإنسان لاستنزال الفيض الإلهي والنعم الربّانية عليه.

الغرض من التبرّك

إنّ الغرض من التبرّك يكمن في أمرين:

1. طلب الفيض المعنوي والنعم الإلهية التي قد ترد أحياناً من غير المجرى الطبيعي على الإنسان والتي أشرنا إلى نماذج منها في الصفحات السابقة.

2. لا ريب أنّ مودة النبي الأكرم ومحبّة أهل بيته الطاهرين وأصحابه الميامين من الدساتير الإلهية التي نطق بها القرآن الكريم ونزلت بها الآيات الشريفة، ولا ريب ـ أيضاً ـ أنّ هذه المودة وهذا الحب لابدّ أن يتجلّى بمظاهر معيّنة، ففي حياتهم (عليهم السلام) يتجلّى بما يقوم به التابعون المخلصون لهم، وأمّا بعد مماتهم فيتجلّى بصور أُخرى متنوّعة، أبرزها وأهمها إظهار الفرح والسرور في أيّام


(401)

مواليدهم، والحزن والأسى بمناسبة شهادتهم ورحيلهم من الدنيا، وتقبيل المشاهد التي يرقدون فيها، والأبواب والجدران التي شيّدت على قبورهم الطاهرة، ونحن إذا حلّلنا عمل المسلمين وقرأنا ما يكمن في تصرّفهم هذا نجد أنّهم لا يقبّلون الأبواب والجدران هياماً منهم بها وشوقاً إليها، بل أرواحهم ولهى وقلوبهم هائمة برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته والصالحين من أنصاره وأتباعه ولكن بما أنّ أيديهم لا تصل إلى تلك الذوات الطاهرة التي هاموا بها لذلك يقبلون آثارهم وما يمت إليهم، ولسان حالهم كلسان حال مجنون ليلى حيث يقول:

أمرّ على الديار ديار ليلى *** أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حبّ من سكن الديارا

صحيح أنّ أماكن الزيارة تتألّف ظاهراً من الأحجار والأخشاب والحديد و...، ولكن إظهار المحبّة الباطنية لها والتعلّق بها، يعكس الحب العميق والمودة الكبيرة التي تصل إلى حد الهيام والوله بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ، وانّ تلك الأحجار والأخشاب ما اكتسبت قداستها إلاّ من إضافتها إليهم (عليهم السلام) ، فمن أحبّ شخصاً أحبّ كلّ ما يمتّ إليه بصلة وكأنّه حينما يرى تلك الآثار يرى محبوبه حقيقة.

ومن هنا انطلق المسلمون في التعامل مع آثار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّ ما يمت إليه بصلة، فإنّ حبهم الشديد للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلهم يبحثون عن كلّ أثر من آثاره (صلى الله عليه وآله وسلم) من موضع قدم، أو لباس، أو قبر أو ساحة حرب، أو ... فيسارعون إلى تلك الأماكن يحدوهم الشوق لرؤية تلك الآثار.

ولقد كانت سيرة المسلمين بحد من الانتشار والسعة بحيث لا يمكن نقل جميع تلك الصور في هذا الفصل، ولذلك سنكتفي بنقل نماذج من ذلك.


(402)

1. التبرّك بتحنيك الأطفال

كانت السنّة الرائجة في أوساط المسلمين في عصر الرسالة حينما يرزق أحدهم بمولود يأتي به إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يحنكه بشيء من التمر ثمّ يدعو له، يقول ابن حجر في هذا الصدد: في من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبعض الصحابة من النساء والرجال ممّن مات (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في دون سن التمييز، ... لغلبة الظن على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده حين ولادتهم ليحنكهم ويسمّيهم ويتبرّك عليهم، والأخبار بذلك كثيرة شهيرة، ففي «صحيح مسلم» عن عائشة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم; وأخرجه الحاكم في كتاب الفتن في «المستدرك» عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما كان يولد لأحد مولود إلاّ أتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا له ـ الحديث.(1)

ولما ولد عبد اللّه بن عباس وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنو هاشم في شعب أبي طالب، حنكه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بريقه.

2. التبرّك بالمسح واللمس

لم تنحصر مسألة التبرّك والتحنيك بأطفال المسلمين فقط، بل كان الكبار منهم يصرّون على التبرّك بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث كانوا يطلبون منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمسح على رؤوسهم ويبارك لهم، ومن هؤلاء زياد بن عبد اللّه بن مالك الهلالي، قال ابن حجر: فدخل زياد منزل ميمونة أُمّ المؤمنين وكانت خالته ... فقالت يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه ابن أُختي، فدعاه فوضع يده على رأسه ثمّ حدرها على طرف أنفه،


1 . الإصابة:1/6ـ7; الاستيعاب(في حاشية الإصابة):3/631.

(403)

فكان بنو هلال يقولون: ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد.

ثمّ قال ابن حجر: وذكر ابن سعد القصة مطولة عن هشام بن الكلبي... وقال الشاعر لعلي بن زياد المذكور:

يا ابن الذي مسح الرسول برأسه *** ودعـا له بالخيـر عند المسجد

مـازال ذاك النور في عرنينه *** حتـى تبّـوأ بيته فـي ملحـد(1)

3. التبرّك بماء وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

من الظواهر البارزة والأعمال الرائجة في حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تبرّك الصحابة بماء وضوئه وغسله، بحيث كانوا لا يدعون قطرة منه تسقط على الأرض، وإذا كان ذلك الماء كثيراً يشربونه للبركة، وقد نقل عروة بن مسعود، موفد قريش إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلح الحديبية، الصورة التالية:

يا معشر قريش إنّي قد وفدت على الملوك، على قيصر في ملكه بالشام، وعلى النجاشي بأرض الحبشة، وعلى كسرى بالعراق، وإنّي واللّه ما رأيت ملكاً هو أعظم ممّن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه، واللّه ما يشدّون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يتوضأ بوضوء إلاّ ازدحموا عليه، أيّهم يظفر منه بشيء....(2)

4. التبرّك بقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

ألف: روى الحاكم في «المستدرك» عن داود بن صالح، قال:


1 . الإصابة:1/539ـ 540، رقم الترجمة2856.
2 . كنز العمال:10/493; سيرة زيني دحلان:2/246، صحيح مسلم:3/1943(فضائل ابن موسى).

(404)

«أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته، ثمّ قال: هل تدري ما تصنع؟

فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب الأنصاري، فقال: نَعم، إنّي لم آت الحجر، إنّما جئـت رسول اللّه ولـم آت الحجـر، سمعـت رسـول اللّه يقـول: «لا تبكـوا على الدين إذا وليه أهله،ولكن إبكوا على الدين إذا وليه غيرُ أهله».(1)

إنّ هذه الظاهرة التي نقلها الحاكم في «المستدرك» تحكي أنّ سيرة صحابة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت قائمة على التبرّك بقبره الشريف بوضع الخد عليه، كما تحكي في الوقت نفسه عداء مروان وغيره من رجال البيت الأُموي وخصومتهم للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.

ب: أقام الصحابي الكبير ومؤذن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بلال الحبشي في الشام في عهد عمر بن الخطاب، فرأى في منامه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول له:

«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟

فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) ، فجعل يضمّهما ويقبلهما...».(2)

ج: انّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) سيدة نساء العالمين بنت رسول اللّه، حضرت عند قبر أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي،وهي تقول:


1 . مستدرك الحاكم:4/560، رقم الحديث8571.
2 . أُسد الغابة :1/28.

(405)

ماذا على من شمّ تربـة أحمـد *** ألاّ يشـم مـدى الـزمـان غواليا
صبّت عليّ مصائـب لـو أنّها *** صُبّت على الأيام صِرن لياليا(1)

ومن الواضح إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء(عليها السلام) يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّه وتربته الطاهرة.

نكتفي هنا بذكر هذه المجموعة القليلة جداً من بين الكثير من الوقائع التي تحكي عن اتّفاق الصحابة على التبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومَن تتبّع كتب السير والحديث و التاريخ والصحاح والمسانيد يرى أنّ مسألة التبرّك بالنبي والصالحين قد بلغت حدّ التواتر بحيث يستحيل عند العقل أن تكون موضوعة ومجعولة.

نتيجة البحث

إنّ دراسة التاريخ الإسلامي وسيرة المسلمين في صدر الإسلام تكشف وبوضوح أنّ التبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكلّ ما يرتبط به (صلى الله عليه وآله وسلم) كقبره، وتربته، وعصاه، وملابسه، والصلاة في الأماكن التي صلّى فيها (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو مشى فيها، وكلّ ذلك كان يمثّل في الواقع ثقافة إسلامية رائجة في ذلك الوقت، وكانوا يرومون من ورائه أحد أمرين:

1. التبرّك بالآثار تيمّناً بها لغاية استنزال الفيض الإلهي من خلال ذلك الطريق، كما حدث ليعقوب(عليه السلام) عن طريق قميص ولده يوسف(عليه السلام).

2. الدافع والباعث لهم هو حبّهم ومودتهم للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ يحثّانهم لتكريم كلّ ما ينتسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من درع، أو سيف، أو ملابس، أو قدح


1 . وفاء الوفا:4/1405; المواهب اللدنية:4/563.

(406)

قد شرب بها، أو بئر، أو عصاً كان قد استعملها، أو خاتم، أو... ، فكلّ تلك الآثار كانت مورد اهتمام أصحابه وأنصاره (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل كان الخلفاء يتوارثون ختمه وخاتمه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفي الختام نرى من اللازم التذكير بمسألتين مهمتين، هما:

المسألة الأُولى: كانت للإمام أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة والذي له منزلة وقداسة خاصة في أوساط أهل السنّة ـ رؤية ثاقبة في مسألة التبرّك، وهذا ما أكّدته كلماته التي نقلت عنه وكذلك سيرته، فمن ذلك:

قال العز بن جماعة الحموي الشافعي (المتوفّى 819هـ) في كتاب «العلل والسؤالات» قال عبد اللّه: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتبرّك بمسّه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب اللّه تعالى: قال: لا بأس به.(1)

وقال العلاّمة أحمد بن محمد المقري المالكي (المتوفّى 1041هـ) في «فتح المتعال» نقلاً عن ولي الدين العراقي قال: أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا، قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر(2) وغيره من الحفّاظ: انّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقبيل منبره؟ فقال: لا بأس بذلك.

قال: فأريناه التقي ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد عندي جليل، هذا كلامه أو معنى كلامه.

وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً


1 . وفاء الوفا:2/443.
2 . هو الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل البغدادي توفّـي سنة 550هـ قال ابن الجوزي في المنتظم:10/163: «كان حافظاً متقناً ثقة لا مغمز فيه».

(407)

للشافعي وشرب الماء الذي غسله به.(1)

وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فما بالك بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء (عليهم السلام) ؟(2)

المسألة الثانية: لقد بحث الكثير من العلماء في مسألة التبرّك، إلاّ أنّه قد صنف مؤخراً كتابان قيّمان في هذا المجال قد بذل مؤلّفاهما غاية الجهد، ودرسا المسألة من جميع أبعادها، وسلّطا الضوء على كافة الخفايا التي تكمن في البحث وأوضحا بما لا مزيد عليه تلك القضية البالغة الأهمية. والكتاب الأوّل لأحد أعلام أهل السنّة، والثاني لعالم شيعي،والكتابان هما:

1. «تبرّك الصحابة بآثار النبي والصالحين» للعلاّمة المحقّق والمؤرّخ الخبير محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود المكي، طبع الكتاب في القاهرة، مطبعة المدني، عام 1385هـ.ق .

2. «التبرك» بقلم المحقّق الخبير آية اللّه علي الأحمدي الميانجي(1344ـ 1421هـ)، فقد تتبّع (قدس سره) في كتابه هذا وبنحو يثير الإعجاب حقّاً ـ المسألة من جميع أبعادها التاريخية والحديثية و...، وأثبت بما لا مزيد عليه وبنحو لا يدع للترديد أو الشكّ مجالاً في أنّ سيرة المسلمين عامّة والصحابة والتابعين خاصة كانت قائمة على التبرّك بآثار النبي والصالحين.

وفي الختام: إنّ ما نشاهده اليوم عند قبر خاتم المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما يقوم به من يطلق عليهم لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المنع عن تقبيل ضريح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يمت إليه بصلة تحت غطاء الاتّهام بالشرك والابتداع و...، ففي


1 . ذكره ابن الجوزي في مناقب أحمد: 455، وابن كثير في تاريخه:10/331.
2 . انظر الغدير:5/150ـ 151.

(408)

الحقيقة أنّ ما تقوم به هذه اللجان ذنب لا يغتفر، وانحراف فكري نابع عن عدم إدراك المفاهيم الإسلامية، ولو أنّ مشايخ هذه الطائفة سمحت بانعقاد مؤتمر إسلامي يجتمع فيه علماء الفرق الإسلامية لدراسة المسألة من جذورها، لرفع الكثير من الإبهام، وأُزيل الكثير من اللبس، ولانكشفت القضية بأجلى صورها، ولحلّ بدل التكفير والتفسيق الود والإلفة الإسلامية،ولحل الوئام بدل العداوة والخصام.


(409)

الفصل الخامس عشر

تكريم مواليد أولياء اللّه


(410)


(411)

يشهد التاريخ الإسلامي ومنذ زمن طويل أنّ مسلمي العالم كانوا يحيون ذكرى ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يعتلي الخطباء الخطاب المنابر، والمتحدّثون منصّات الحديث لبيان فضائله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثناء عليه، وبيان السجايا الأخلاقية والخلق الرفيع الذي كان يتحلّى به (صلى الله عليه وآله وسلم) ، صحيح أنّ التاريخ لم يحدّد لنا الزمن الذي نشأت به تلك الظاهرة بصورة دقيقة، إلاّ أنّ المسلّم به هو أنّ جذورها تمتد إلى مئات السنين من عمر التاريخ الإسلامي، وأنّها كانت رائجة في مختلف أقطار العالم الإسلامي.

فهذا أحمد بن محمد المعروف بالقسطلاني من مشاهير أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر (المتوفّى 923هـ) ينقل لنا صورة عن سيرة المسلمين في الاحتفاء بذكرى الرسول الأكرم وتكريم تلك المناسبة، إذ يقول:

ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(عليه السلام)، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم. وممّا جرب من خواصه أنّه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم اللّه امرءاً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشدّ علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء.(1)


1 . المواهب اللدنية:1/148.

(412)

وأمّا الحسين بن محمد بن الحسن المعروف بـ«الدياربكري»(المتوفّى 960هـ) والذي يُعدّ أحد القضاة في مكة المكرّمة،فهو الآخر يكتب في تاريخه:

ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(عليه السلام)، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم.(1)

فهذان النصّان لعالمين من علماء القرن العاشر الميلادي يكشفان وبوضح تام أنّ ظاهرة الاحتفاء بذكرى مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الأولياء والصالحين كانت من المظاهر التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإسلامي، وكانت على مرأى ومسمع من علماء المسلمين الكبار ولم يستنكر منهم أحد هذا العمل ممّا يدلّ على صحّته وجواز إقامته، كما أنّهم كانوا يرون انّ هذه الظاهرة نوعاً من إظهار الحب والمودة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فكلّنا يعلم أنّ من المفاهيم المسلّمة والأُصول الثابتة في الفكر الإسلامي هو إظهار الحب و الولاء والمودة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا ما أكّدته آيات الذكر الحكيم، حيث قال تعالى:

(قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَموالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد فِي سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الْفاسِقين).(2)

كما أكّدت ذلك أيضاً الأحاديث النبوية الشريفة، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) :


1 . تاريخ الخميس:1/323.
2 . التوبة:24.

(413)

«والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبَّ الناس إليه من والده وولده».(1)

والروايات الواردة في هذا المجال بحدّ من الكثرة بحيث لا يمكن ذكرها هنا، ومن هنا نكتفي بالرواية السابقة فقط.

ثمّ إنّ من المسلّم به هو أنّ المسلمين حينما يحيون ذكرى مولد الرسول الأكرم ويحتفلون بهذه المناسبة العظيمة لا يحدوهم في ذلك إلاّ دافع إظهار الحب والولاء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتعبير عن مدى ولائهم وإخلاصهم ومودتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيبرزون ما يكمن في صدورهم ويكن في ضمائرهم من حبّ وشوق له (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ولقد حثّ القرآن الكريم المسلمين ـ بالإضافة إلى الإيمان بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إلى تعزيره وتكريمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث قال سبحانه وتعالى:

(فَالَّذِينَ آمَنُوا بهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(2)

فمن الواضح أنّ الآية الكريمة توجه إلى المسلمين مجموعة من الدساتير، وهي:

1. (آمنوا به).

2. (عزّروه).

3. (نصروه).

4. (واتبعوا النور الذي أنزل معه).


1 . جامع الأُصول:1/237، برقم31.
2 . الأعراف:157.

(414)

ومع الالتفات إلى هذه الدساتير الأربعة، يكون الاحتفال بمولده (صلى الله عليه وآله وسلم) وإحياء تلك المناسبة العطرة، موافقاً لدستوره سبحانه، وامتثالاً لأمره حيث عبّر سبحانه بقوله: (وعَزّروه).

ثمّ إنّ القرآن الكريم حينما يعد النعم الإلهية التي أنعم بها على رسوله الكريم يعد منها نعمة رفع الذكر، حيث يقول عزّ من قائل:

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ).(1)

ولا ريب أنّ إقامة مجالس الفرح التي يقيمها المسلمون بمناسبة ذكرى ولادة الرسول الأكرم والاحتفاء بها هو مصداق بارز من مصاديق رفع الذكر، وتجسيم جليّ لمفاد قوله تعالى: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ).

وحينئذ نتساءل واستناداً لما ورد في الآيات والروايات السابقة، ما هو حكم مجالس الاحتفال بمولد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خلت من المحرمات العارضة، كاستعمال وسائل الطرب واللهو والغناء؟ فهل هي من مصاديق تكريم الرسول الأعظم أم تحقيره؟

وهل هي من مصاديق إظهار المودة والولاء أم من مصاديق العداوة له والبغضاء والشحناء؟ وهل هي من مصاديق رفع الذكر أم طمسه؟

لا شكّ أنّ الجواب أنّها مـن مصـاديـق التكريم وإظهار المودّة والولاء ورفـع الـذكر وإعـلاء الكلمـة، وحينئـذ يطـرح السـؤال الآخـر نفسه: فهل يـاتـرى عملٌ بهذه المواصفات الحسنة والمميـزات الساميـة يمكن أن يكون أمـراً محرماً ينهى الشارع عنه ويعاقب عليه؟!


1 . الإنشراح:1ـ4.

(415)

ذرائع المخالفين

لقد تمسّك المخالفون لإقامة مجالس التكريم والاحتفال بذكرى المولد بذريعتين أدنى ما يقال عنها: إنّها واهية ولا تعتمد على منهج موضوعي، وهانحن نتعرض لبيان هاتين الذريعتين بالنقد والتحليل:

1. إنّ تلك الاحتفالات لم ترد في الكتاب و لا السنّة

يدّعي المخالفون لإقامة مجالس الذكر والاحتفال أنّ هذه المجالس لم يرد لها ذكر في الكتاب ولا في السنّة المطهّرة، وإذا كانت كذلك فهي بدعة، ولا ريب أنّ البدعة أمر محرّم نهى الشارع عنه.

جواب الشبهة

لقد تعرضنا في الفصل الذي عقدناه لدراسة البدعة وبيّنا هناك انّ الملاك في كون الشيء «بدعة» هو أن لا يوجد له جذور في القرآن الكريم والسنّة النبوية، والحال إذا نظرنا إلى ظاهرة إقامة مجالس الاحتفال بالمولد وتكريم الرسول الأعظم نجد أنّ لهذه الظاهرة جذورها في القرآن الكريم حيث حثّت الآيات الكريمة على تكريمه وتعظيمه وتعزيره و....

وأمّا الأحاديث الإسلامية، فصحيح أنّه لم يرد حديث ينص على إحياء ذكرى المولد النبوي بصورة مباشرة، ولا يوجد مسلم يدّعي وجود حديث من هذا القبيل، لكن المسلمين الذين يقومون بإحياء تلك المناسبات


(416)

يستدلّون على شرعية عملهم هذا بقولهم: إنّ اللّه تعالى قد أمرنا ـ بما لا ريب فيه ـ بإظهار الود والولاء للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على طول السنة، فمن حقّنا أن نستعمل تلك المناسبات الكريمة لتجسيد ذلك الأمر، وامتثال ما أمر به سبحانه وتعالى.

وفي الختام نشير إلى نكتة قرآنية ظريفة، وهي أنّ السيد المسيح(عليه السلام) دعا اللّه سبحانه وتعالى أن ينزل عليه وعلى الحواريين معه مائدة من السماء واعتبروا يوم نزول هذه المائدة مناسبة جديرة بالاهتمام والاحتفاء بها واعتبارها عيداً لهم، ولقد أشار الذكر الحكيم إلى ذلك بقوله: (رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوّلنا وآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقينَ).(1)

فإذا كانت تلك النعمة المحدودة التي تشبع البطن وتسد الرمق بصورة مؤقتة تستحق هذا الاهتمام والاحتفاء بها، وإقامـة الاحتفال بمناسبة نزولها، فلماذا ياترى يحرم على المسلمين الاحتفال بالنعـم الكبرى التي أنزلها اللّه سبحانه وتعالى عليهم، مثـل نعمة وجود الرسول الأكرم، أو نعمة مبعثه المبـارك (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك النعم العظيمـة والخالدة؟ أو لماذا لا يحق لهم إقامة مجالس الفرح والسرور بتلك المناسبات العطرة؟!!

2. إنّ الاحتفال نوع من العبادة

والعجيب أنّ البعض يرى أنّ الاحتفال بتلك المناسبة وإقامة مجالس الفرح والسرور، الروحية والمعنوية هو عبادة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ينبغي على المسلمين التنزّه عنها، حيث يقول:

«الذكريات التي ملأت البلاد باسم الأولياء هو نوع من العبادة لهم وتعظيمهم».(2)


1 . المائدة:114.
2 . فتح المجيد:154.

(417)

إنّ مركز الخلل في هذا التفكير هو أنّ أصحاب هذا الاتّجاه اعتبروا كلّ تعظيم عبادة، والحال أنّ حقيقة مفهوم العبادة تتحقّق مع وجود شرطين أساسيّين، هما: التعظيم أوّلاً، وأن يكون هذا التعظيم والخشوع والخضوع مقترناً ونابعاً من الاعتقاد بكون «المخشوع له» ربّاً أو فوّضت إليه بعض صفات الرب ثانياً.

والحال أنّ القائمين بتلك المجالس في جميع أرجاء العالم منزهون من هذا الاعتقاد الخاطئ، بل يعتقدون اعتقاداً راسخاً أنّ النبي الأكرم رسول كريم وواسطة بينهم وبين اللّه تعالى.

أضف إلى ذلك لو سلّمنا بأنّ التعظيم يعتبر نوعاً من العبادة، فحينئذ لا تجد موحداً على وجه الأرض أبداً، لأنّه ما من إنسان إلاّ ويعظّم شيئاً آخر، مثل الأب والأُمّ أو الأُستاذ أو...، وهل تجد عاقلاً يلتزم بهذه النتيجة الواضحة البطلان؟!


(418)

(419)

الفصل السادس عشر

تسمية الأبناء بعبد النبي أو عبد الحسين


(420)


(421)

قد تصل درجة الحب والولاء وشدّة الشوق في الإنسان إلى درجة بحيث يرى نفسه «عبداً» أو «غلاماً» لمن يحبه ويوده، وما ذلك إلاّ إمعاناً منه في إبراز الحب وإظهار التصاغر أمام حبيبه.

ومن هذا المنطلق تجد الكثير من ذوي النفوس الطاهرة والأرواح الزكية يعشقون الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويهيمون به وبالأولياء والصالحين إلى درجة يدفعهم ذلك الحب والشوق والمودة لهم إلى أن يسمّوا أبناءهم «بعبد النبي» أو «عبد الحسين»، وغير ذلك من الأسماء التي تبدأ بكلمة «عبد»، وفي الحقيقة أنّ هذه التسمية هي انعكاس طبيعي وتعبير بريء عمّا تكن نفوسهم من الحب والولاء والشوق للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيت الوحي (عليهم السلام) .

وليس وراء تلك التسمية غاية أو قصد آخر غير ما ذكرنا، وما يدرك ذلك إلاّ ذوو النفوس الطاهرة والأحاسيس المرهفة.

بعد هذه المقدّمة نشير إلى إشكالية أثارها البعض حول تلك التسمية حيث قالوا:

لا ينبغي للإنسان أن يرتدي برداء العبودية إلاّ للّه سبحانه، لأنّ هذا الرداء من شأنه سبحانه وتعالى وحده لا يشاركه فيه أحد مهما كان، كما يقول عزّ وجلّ: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً).(1)


1 . مريم93.

(422)

فإذا كان الإنسان عبداً للّه سبحانه وتعالى فكيف يصحّ أن نسمّيه بـ «عبد زيد» أو «عبد عمرو» فإنّ هذه التسمية تشم منها رائحة الشرك؟!!

جواب الشبهة

من أجل أن تظهر الحقيقة وينجلي الحق، وليتّضح مدى وهن هذا الإشكال لابدّ أوّلاً من معرفة وبيان ملاك «العبودية» ثمّ الانتقال للحديث عن «الانحصار وعدم الانحصار» ثانياً.

وبعبارة أُخرى: لابدّ من التمييز بين العبودية التكوينية التي عجنت مع جوهر الإنسان، و بين العبودية التشريعية أو القانونية التي قد تنفصل عن الإنسان، فإنّ ذلك مهم جدّاً في مقام الإجابة عن الشبهة المطروحة فنقول:

إذا كان الملاك في العبودية هو «الخالقية» و«منح الوجود» للطرف المقابل، فلا شكّ أنّ جميع بني الإنسان يشتركون في هذه العبودية للّه سبحانه وتعالى ولا يشاركه فيها أحدٌ أبداً، وإذا ما وجدنا السيد المسيح(عليه السلام)يقول: