فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : ألطاف الرحمن في فقه القرآن*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

ألطاف الرحمن في فقه القرآن

1
المقدمة   
    ألطاف الرحمن في فقه القرآن / ج 1

2

3
ألطاف الرحمن
في
فقه القرآن/ 1

4

5
ألطاف الرحمن
في فقه القرآن
الجزء الأوّل
في دراسة الآيات الواردة لبيان أحكام الطهارة والصلاة
والصيام والزكاة والأنفال والفيء والخمس والحجّ
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

6
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      ألطاف الرحمن في فقه القرآن / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1397 .
         ISBN 978 - 964 - 357 - 627 - 1 (VOL.1)
ISBN 978 - 964 - 357 - 628 - 8(2VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
ج.1. في دراسة الآيات الواردة لبيان أحكام الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والأنفال والفيء والخمس والحجّ.
      1 . قرآن ـ ـ احكام و قوانين. 2. تفاسير فقهى ـ ـ شيعه . الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
7الف 2س6/ 99 BP    174 / 297
1397
اسم الكتاب:    ألطاف الرحمن في فقه القرآن / ج 1
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1397 هـ ش / 1440 هـ . ق / 2019 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ:    1000نسخة
القطع:    وزيري
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر: 1031   تسلسل الطبعة الأُولى: 487
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

7

تقديم

الحمد لله الّذي أنزل القرآن فيه تبيان لكلّ شيء; والصلاة والسلام على مَن بعثه ليبيّن للناس ما أُنزل إليهم، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1); وعلى آله الّذين «هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ»(2)، صلاة دائمة متواترة مترادفة.
أمّا بعد ;
فالقرآن الكريم الحجر الأساس للتشريع الإسلامي، ويُعدّ الدعامة الأُولى واللبنة الأساسية في بناء الحضارة الإسلامية لا سيّما الجانب الاعتقادي والفقهي والأخلاقي.
بيد أنّ الذي يهمّنا هنا هو الجانب الفقهي، والذي زوّد المسلمين بالتشريع حقبة زمنية طويلة.
إنّ للتشريع القرآني ملامح نشير إلى بعضها:
1. التشريع تدريجياً
نزلت الآيات القرآنية نجوماً، على خلاف الكتب السماوية الأُخرى فإنّها نزلت جملة واحدة.

1 . النحل: 44.
                     2. نهج البلاغة: الخطبة 2 .

8
إنّ السبب لكون التشريع تدريجياً هو مسايرة القرآن للحوادث المستجدة التي كانت تحصل في حياة المسلمين الفردية والاجتماعية، وكانت الأحداث تأتي تباعاً واحداً بعد الآخر.
2. الاقتصار على الأحكام الكلّيّة
يتميّز التشريع القرآني في مجال العبادات والمعاملات وغيرها بعرض أُصول كلّيّة تترك تفاصيلها إلى السنّة الشريفة; لأنّ القرآن هو الدستور العام للمسلمين، فطبيعة الحال تقتضي ترك التفاصيل إلى السُّنّة، ومع اقتصاره على الأُصول، قلّما يتّفق في مورد لم يستمد من آية قرآنية، فكانت آيات الأحكام مع قلّتها لها مادة حيوية تعين الفقيه على التطرق إلى كافة الأبواب الفقهية.
3. مرونة التشريع
إنّ من ملامح التشريع القرآني مرونته وقابليته للانطباق على جميع الحضارات الإنسانية; وما ذلك إلاّ لأنّه جاء بتشريعات خاصّة لها دور التحديد والرقابة على سائر تشريعاته، ولهذا أعطى للدين مرونة ومنعطفاً جديداً يتمشّى مع عامّة الحضارات.
ولنقتصر بذلك في بيان الملامح فنقول: إنّ دراستنا في هذا الكتاب حول الآيات التي تتضمّن تشريعاً كلّيّاً حول العبادات والمعاملات والسياسات وغيرها، عسى أن يكون مفيداً للقارئين ومصباحاً ينير الدرب للطالبين، والله من وراء القصد.
تحديد عدد آيات الأحكام غير مفيد   
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

9

تمهيد

قسّم المفسّرون الآيات القرآنية إلى أقسام ثلاثة:
الأوّل: المعارف والأُصول العقدية.
الثاني: الأحكام والأُصول الأخلاقية.
الثالث: القصص وأخبار الأُمم السالفة.
فالأوّل منها ما يرجع إلى العقل النظري، والمدرك به ما يرجع إلى واقع الأُمور من حيث الوجود والعدم.
وأمّا الثاني فهو يرجع إلى العقل العملي، والمدرك به عبارة عمّا يجب أن يفعل أو لا يفعل.
وأمّا الثالث فهو الذي يبحث عن أحوال الأُمم السالفة وقصصهم وما جرى عليهم من قضاء الله سبحانه.
والذي يهمنا في المقام هو القسم الثاني، أعني: الآيات المتكفّلة لبيان شأن الأفعال من حيث لزوم الإتيان بها أو تركها، إيجاباً أو تفضيلاً، وهي ما يعبّر عنه بالأحكام الشرعية، وقد قام العديد من علماء الفريقين بإفراد التأليف في هذا الصدد، فأقدم تأليف للشيعة فيه، كتاب «أحكام القرآن» لأبي النضر محمد بن

10
السائب بن بشر الكلبي من أصحاب أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق(عليهما السلام)، والّذي توفّي عام 146 هـ .
وقد توالى التأليف من عصره إلى يومنا هذا، فذكر الباحث الكبير الشيخ آقا بزرگ الطهراني في موسوعته«الذريعة» ما يناهز 30 كتاباً في هذا المضمار. (1)
وما ذكره من العناوين يرجع إلى عصر المؤلّف، وقد قام بعده غير واحد من العلماء بالتأليف حول آيات الأحكام. شكر الله مساعي الجميع.

كم هو عدد آيات الأحكام ؟

اختلف المؤلّفون في هذا الفن في عدد الآيات الواردة فيه، والمشهور أنّها تبلغ 500 آية، حتّى أنّ الشيخ فخر الدين أحمد بن متوّج البحراني تلميذ فخر المحقّقين الّذي توفّي عام 772 هـ ، ألّف كتاباً أسماه «النهاية في تفسير خمسمائة آية»، وشرحه نجله بما أسماه «منهاج الهداية في تفسير خمسمائة آية» .(2)
هذا هو المشهور غير أنّ بعض الباحثين من المتأخّرين قلّلوا عدد هذه الآيات، قائلين بأنّها لا تتجاوز 330 آية.
قال عبدالوهاب خلاّف ـ من فقهاء السنّة المعاصرين ـ : إنّ في العبادات بأنواعها نحو 140 آية.
وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووصية وحجر وغيرها نحو سبعين آية.

1 . لاحظ : الذريعة: 2 / 40 ـ 44.
2 . الذريعة: 2 / 42 .

11
وفي المجموعة المدنية من بيع وإجارة ورهن وشركة وتجارة ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
وفي القضاء والشهادة وما يتعلّق بها نحو عشرين آية .(1)
ولعلّ نظره إلى الآيات الصريحة في الأحكام الّتي لا تحتاج إلى الدقّة والتفكير .

تحديد عدد الآيات غير مفيد

والّذي أظن أنّ تحديد عدد آيات الأحكام أمر غير مفيد، لا يصل الباحث فيه إلى نتيجة قطعية; وذلك لأنّ عدد آياتها يختلف حسب ذوق الفقيه ودرايته، فربّ فقيه يلتقط من آية حكماً شرعياً ربّما غفل عنه فقيه آخر، وما ذلك إلاّ لأنّ سعة آفاق دلالته على مقاصده تسبّب ذلك، كيف وقد قال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) .(2) والذي يدلّ على ما نقول به، الأمران التاليان:

1. الذمّي الّذي نقض حكم الذمّة

قُدّم إلى المتوكلّ رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: «يضرب ثلاثة حدود»، فكتب المتوكلّ إلى الإمام الهادي (عليه السلام)يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب:

1 . خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي: 28 ـ 29 .
2 . النحل: 89 .

12
«يضرب حتّى يموت»، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة؟ فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)»(1) فأمر به المتوكلّ فضرب حتّى مات .(2)
تجد أنّ الإمام الهادي (عليه السلام)استنبط حكم الموضوع من آية مباركة لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الأحكام، لعدم صراحتها في الموضوع، غير أنّ الإمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير. ولو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات الّتي استشهد بها أئمة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبّدياً، لوقف على سعة آفاق القرآن.
وقد سمعنا عن بعض مشايخنا أنَّ من العلماء مَن استنبط من سورة المسد أكثر من عشرة أحكام فرعية، كما استنبطوا من قوله سبحانه: (قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ)(3) عدداً من الأحكام، الّتي منها جعل منفعة الحر مهراً، حيث جعل شعيب (عليه السلام)رعي الغنم مهراً لبنته، يقول صاحب الجواهر في شرح قول المحقّق في الشرائع: (يصحّ العقد على منفعة الحر، كتعليم الصنعة والسورة من القرآن، وكلّ عمل محلّل)، بل يصحّ العقد على إجارة الزوج نفسه وفاقاً للمشهور.(4)
فإن قلت: إنّ الاستدلال بمثل هذه الآية يتوقّف على كون الشرائع السابقة

1 . غافر: 84 ـ 85 .
2 . مناقب آل أبي طالب: 4 / 403 ـ 405 .
3 . القصص: 27 .
4 . جواهر الكلام : 31 / 4; شرائع الإسلام: 2 / 323 ـ 324، في المهور.

13
حجّة علينا، إمّا مستقلّة أو بمعونة الاستصحاب.
قلت: إنّ القرآن الكريم كتاب هداية، فعامّة ما ورد فيه حجّة علينا، سواء أكان الوارد في الشرائع السابقة أم في شريعتنا، وليس القرآن كتاب قصّة يسرد شيئاً دون أن يفيدنا نكتة.
نعم ربّما تستنبط من الآية أحكام أُخرى غير خالية من النظر، نظير عدم لزوم تعيين المعقودة حين العقد، أو جواز جعل المهر مجملاً بين الأقل والأكثر، أو جواز تصرّف الولي في مهر البنت، غير أنّ استنباط هذه الأحكام الثلاثة من الآية مورد تأمّل، كما هو واضح للمتدبّر.
نعم قد ينقل عن بعض الناس شيئاً غير صحيح لكن يستدركه بالإنكار حتّى لا يُتلقّى شيئاً صحيحاً، كما ينقل عن إيمان فرعون في أُخريات حياته وقال: (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1) .
فربّما يتوهّم القارئ أنّ الإيمان في هذه اللحظات يكون مؤثّراً في سعادة الإنسان، فلرد هذا التوهّم جاء البيان القرآني قائلاً: (الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(2) .

2. موضوعات خفيّت عن المؤلّفين

والّذي يدلّ على أنّ تحديد عدد آيات الأحكام أمر غير مفيد، أنّه قد وردت في الذكر الحكيم موضوعات عديدة لها أحكام واضحة، لكن المؤلّفين فيها غفلوا

1 . يونس: 90 .
2 . يونس: 91 .

14
عن عنوانها، وبالتالي تركوا دراسة آياتها، وها نحن نشير إلى بعض هذه العناوين:
اختلاف المناهج في تفسير آيات الأحكام   

1. البدعة

إنّ البدعة من الموضوعات الّتي وردت فيها آيات متعدّدة ولكن لا نجد لها عنواناً فيما أُلّف حول آيات الأحكام، يقول سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)(1)، ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ).(2)

2. الإسراف والتبذير

إنّ الإسراف والتبذير من الموضوعات الّتي ورد حكمها في القرآن الكريم ولم نقف على من عنونهما فيه، قال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)(3)، وقال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)(4)، وقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا).(5)

3. التكفير

إنّ التكفير الّذي صار في زماننا هذا مشكلة عظيمة هو من الموضوعات

1 . النحل: 116 .
2 . المائدة: 2 .
3 . الإسراء: 27 .
4 . الإسراء: 26 .
5 . الأعراف: 31 .

15
الّتي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).(1)

4. التعزير

إنّ التعزير أحد الأساليب الّتي يحكم بها القاضي، وهو من الموضوعات الّتي ورد فيها بعض الآيات، قال سبحانه: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)(2)، وقال تعالى: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا).(3)
فقوله: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) إشارة إلى الزاني والزانية، فعلى الحاكم إيذاؤهما تعزيراً، لا حدّاً، لأنّ حدّ الزاني والزانية مائة جلدة. ولذلك ربما توصف الآية بالنسخ.
ثم إنّ الّذي يدلّ على أنّ عدد آيات الأحكام أكثر ممّا ذكروا هو أنّ الآيات الواردة حول الجهاد كثيرة من حيث العدد، غير أنّ المؤلّفين في آيات الأحكام يبحثون عن أُمّهات الآيات الّتي تكون مبدأً لاستنباط الحكم.

اختلاف المناهج في تفسير آيات الأحكام

إنّ الدارج عند أهل السنّة هو دراسة آيات الأحكام حسب ترتيب السور القرآنية، فما ورد في سورة البقرة يبحث فيها حتّى تتم دراسة آيات السورة، ثم

1 . النساء: 94 .
2 . النساء: 34.
3 . النساء: 16 .

16
يبدأون بدراسة ما ورد في سورة آل عمران، وعليه درج الجصّاص في كتابه، ومَن جاء بعده.
ولكن المنهج عند الشيعة غير ذلك، فهم يدرسون جميع الآيات الواردة في موضوع واحد من السور المختلفة في باب، ثم ينتقلون إلى موضوع آخر مثل ما تقدّم، مثلاً يُدرس جميع ما يرجع إلى الوضوء والغسل والتيمم الّتي يجمعها عنوان واحد، مرّة واحدة، وهذا أنسب بالوقوف على مقاصد الآيات .
الكتب المشهورة المؤلّفة في آيات الأحكام عند الفريقين   
قال عبد الوهاب خلاّف: وأوّل واجب على مَن يتأهّل للاجتهاد أن يحصي آيات الأحكام في القرآن، و يجمع آيات كلّ نوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق، وكلّ آياته في الإرث، وكلّ آياته في البيع، وكلّ آياته في العقوبات، وهكذا، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة ويقف على أسباب نزولها، وعلى ما ورد في تفسيرها من السنّة، ومن آثار للصحابة أو التابعين، وعلى ما فسّرها به المفسّرون، ويقف على ما تدلّ عليه نصوصها، وما تدلّ عليه ظواهرها، وعلى المحكم منها، والمنسوخ وما نسخه.(1)
أقول: إنّ ما أوجبه الأُستاذ وهو جعل آيات كلّ باب على حدة ودراستها، قد قام بتحقيقه علماء الشيعة قبل قرون.

الكتب المشهورة المؤلّفة في آيات الأحكام عند الفريقين

قد تقدّم من الباحث الكبير الشيخ آقا بزرگ الطهراني أنّه قد أُلّف في آيات الأحكام ما يناهز 30 كتاباً، غير أنّا نشير هنا إلى أشهر هذه الكتب :

1 . مصادر التشريع الإسلامي: 14.

17
1. «فقه القرآن» للشيخ الإمام قطب الدين الراوندي (المتوفّى 573هـ) وقد طبع عام 1405هـ .
2. «كنز العرفان» للشيخ جمال الدين أبي عبد اللّه المقداد السيوري (المتوفّى 826هـ) من تلامذة الشهيد الأوّل، طبع في جزأين، عام 1384هـ .
3. «زبدة البيان في أ حكام القرآن» للمولى أحمد بن محمد المعروف بالمحقّق الأردبيلي (المتوفّى 993هـ) ، صاحب «مجمع الفائدة والبرهان»، وقد طبع غير مرّة.
4. «مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام» للشيخ الجواد الكاظمي، المتوفّى أواسط القرن الحادي عشر، وقد فرغ من تأليفه عام1043هـ ، طبع في أربعة أجزاء عام 1387 هـ .
5. «قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر» تأليف الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل بن الشيخ عبد النبي الجزائري النجفي (المتوفّى 1151هـ) ، طبع عام 1327هـ .
وأمّا ما ألّفه أهل السنّة، فهو كالتالي:
1. «أحكام القرآن» لأبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي المتوفّى عام (204هـ) بمصر.
2. «أحكام القرآن» تأليف أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصّاص (المتوفّى 370هـ) . طبع سنة 1325 هـ ، وأُعيد طبعه بالأُوفست عام 1406 هـ ، وهو كتاب قيّم استفاد منه أكثر من تأخّر عنه.
3. «أحكام القرآن» لعماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكياهراسي

18
(المتوفّى 504هـ) طبـع في جزأين، نشرته دار الكتـب العلمية، ببيروت عام 1405هـ .
4. «أحكام القرآن» لأبي بكر محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي (468ـ543هـ) طبع في دار المعرفة، بيروت عام 1392 هـ ، وقدّم له علي محمد البجاوي.
5. «تفسير آيات الأحكام» للشيخ محمد علي السايس، وقد جمع مادته من أُمّهات كتب التفسير والحديث والفقه، وقد أُعيد طبعه في دار ابن كثير و دار القادر.
هذه نماذج ممّا ألّفه علماء الفريقين حول آيات الأحكام; ونحن نقتصر هنا بتفسير الآيات التي تضمّنت بيان حكم شرعي فقهي، وأمّا الآيات التي جاءت فيها أسماء العبادات(1) والمعاملات والحثّ عليهما وبيان آثارهما فلا نستعرضها روماً للاختصار، وقد ذكرنا ذلك ليكون عذراً عن قلّة عدد الآيات التي سندرسها في هذا الكتاب.
ونبدأ بما ورد حول الطهارة بإذن الله تبارك وتعالى.
آية الوضوء والغسل والتيمّم   

1 . نظير ما ورد في سورة «المؤمنون» من قوله سبحانه:
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ...).

19

الفصل الأوّل:

أحكام الطهارة في الذكر الحكيم

1. آية الوضوء والغسل والتيمّم في الذكر الحكيم.
2. آية التيمّم.
3. أحكام الحائض في الذكر الحكيم.
4. حكم المشرك في الذكر الحكيم.
5. حكم الخمر تكليفاً ووضعاً في الذكر الحكيم.

20
 

21
 
أحكام الطهارة
      1

آية الوضوء والغسل والتيمّم

في الذكر الحكيم
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)

المفردات

قمتم: أردتم القيام إلى الصلاة.
المرافق: جمع مرفق، وهو من الرفق بمعنى اليُسر في الأُمور، والسهولة في

1 . المائدة: 6 .

22
التوصّل إليها، وخلافه العنف، وإنّما أُطلق على مفصل الذراع بالعضد «المرفق» لأنّ الإنسان يستريح في الاتّكاء عليه، فيقال: ارتفق الرجل إذا اتّكأ على مرفقه في جلوسه.(1)
وهنا وجه آخر وهو أنّ المرفق يُريح الأمر بين الذراع والعضد، حيث يسهل الحركة في القبض والانبساط، ولولاه لما أمكنت الحركة بسهولة.
الكعبين: وفيه احتمالات ثلاثة:
1. قبّة القدم.
2. المفصل بين الساق والقدم.
3. العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين، وسيأتي تحقيقه، كما سيأتي احتمال رابع غير معتد به.
الغائط: المكان المنخفض، وأُريد به هنا قضاء الحاجة من المخرجين.
الصعيد: المكان المرتفع من وجه الأرض. وسُمّي وجه الأرض صعيداً لأنّه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض (2)، وسيأتي ما هو المراد عند التفسير.
كيفية الوضوء في الكتاب العزيز   
تتضمّن الآية حكم الطهارات الثلاث: الوضوء، وغسل الجنابة، والتيمّم، كما أنّ آية سورة النساء تتضمّن بيان سبب الغسل والتيمّم دون الوضوء، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا

1 . التحقيق في كلمات القرآن الكريم:4/196.
2 . مجمع البيان: 2 / 51 .

23
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(1) والسورتان مدنيّتان، والفرق بينهما بالإيجاز والتفصيل، فما في سورة المائدة أوضح بياناً وأوسع مفاداً حيث تعرّض لحكم الوضوء أيضاً .
ويرد هنا سؤال وهو أنّ الصلاة فرضت ليلة المعراج والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بَعدُ لم يهاجر، وهو والمؤمنون يصلّون مع الوضوء في الفترة المكّيّة وقسماً في الفترة المدنية قبل نزول هاتين الآيتين، فمن أين علم المسلمون لزوم تحصيل الطهارة للصلاة؟
والجواب: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)علّمهم كيفية الصلاة وما تتوقّف عليه، فتعليم الوضوء كان بالسنّة قبل نزول الآيتين.
ثم إنّ الآية تدلّ على وجود الملازمة بين الصلاة والطهارة، بأحد الوجوه الثلاثة، إمّا الوضوء كما في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، وإمّا الغسل، ويدل عليه قوله: (فَاطَّهَّرُوا) المفسّر بالغسل، أو التيمّم عند عدم وجدان الماء كما في قوله: (فَتَيَمَّمُوا).
وعلى ذلك فيجب تبيين دلالة الآية على كلّ واحد من الوجوه الثلاثة.

كيفية الوضوء في الكتاب العزيز

بدأ سبحانه الآية بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ): أي إذا أردتم الصلاة، نظير قوله سبحانه: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ)(2): أي أردت أنّ تقيم لهم

1 . النساء: 43.
2 . النساء:102.

24
الصلاة، فعبّر بالقيام إلى الفعل عن إرادة نفس الفعل، وربّما يُعكس فتوضع إرادة الفعل مكانه كما في قوله:(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج مَكَانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا)(1): أي إذا طلّقتم زوجاً وتزوّجتم بأُخرى. وبذلك ظهر أنّه ربّما يطلق القيام إلى الفعل ويراد به إرادته، وبالعكس.
ثمّ إنّ مقتضى السياق أن يقول:«وكنتم محدثين» لكن تُرك ذكره لافتراض أنّ الناس قبل تشريع الوضوء والغسل محدثون، ولا يرتفع الحدث إلاّ بالطهارة التي بدأت الآية ببيانها.
وأمّا حقيقة الوضوء، فتتكون من أُمور أربعة:
1. غسل الوجوه، كما يقول:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
2. غسل الأيدي، كما يقول: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).
3. مسح الرأس، كما يقول: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ).
4. مسح الأرجل إلى الكعبين، كما يقول: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
فالأعمال الأربعة تشكّل حقيقة الوضوء، ونعم ما قال بحر العلوم في منظومته:
إنّ الوضوء غسلتان عندنا *** ومسحتان والكتاب معنا
فلنرجع إلى تفسير الفقرات الأربع التي تتضمّن أحكاماً كذلك.
أمّا الأوّل: وهو غسل الوجوه، في قوله تعالى:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فقد فسّر الراغب الوجه بأوّل ما يستقبلك، وفسّره أبو جعفر الباقر(عليه السلام) عندما سأله زرارة عن

1 . النساء:20.

25
حدّ الوجه فقال: «ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه».(1) إلاّ أنّ حدّه عند غير المالكية من الأُذن إلى الأُذن عرضاً، إلاّ مالكاً فالواجب عنده هو من شحمة الأُذن إلى شحمة الأُذن.(2)
ثمّ إنّ حدّ الواجب للغسل عند فقهاء الإمامية وغيرهم ـ إلاّ مالكاً ـ متقاربان، حيث إنّ الإمامية يغسلون شيئاً زائداً ممّا بين الإبهام والوسطى من باب المقدمة العلمية، بخلاف الآخرين فإنّهم يغسلون بما هو واجب نفسي لا مقدّمي.
ثمّ إنّ قول الإمام الصادق(عليه السلام): «وما جرت عليه الاصبعان مستديراً فهو من الوجه» يفسّر بالنحو التالي:
بما أنّ شكل الوجه هو أقرب إلى الاستدارة فإمرار اليد ـ مفتوحة الأصابع ـ على الوجه من قصاص الشعر إلى آخر الذقن، يشكل دائرة على الوجه.
هذا ما فهمه المشهور من الرواية، غير أنّ شيخنا البهائي فسّر الرواية بوجه آخر، وقال: إنّ كلاًّ من طول الوجه وعرضه هو ما اشتمل عليه الإبهام والوسطى، بمعنى أنّ الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن، وهو مقدار ما بين الاصبعين غالباً إذا فرض إثبات وسطه وأُدير على نفسه ليحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله، والمعنى أنّ الدوران يبدأ من القصاص منتهياً إلى الذقن أو المعنى أنّ الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من

1 . الوسائل:1، الباب17 من أبواب الوضوء، الحديث1.
2 . الخلاف: 1 / 76، كتاب الطهارة، المسألة 23. قال: وقال جميع الفقهاء: إنّ حدّه من منابت الشعر من رأسه إلى مجمع اللحية والذقن طولاً، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضاً إلاّ مالكاً.

26
القصاص إلى الذقن، فإذا وضع طرف الوسطى مثلاً على قصاص الناحية وطرف الإبهام إلى آخر الذقن ثم أثبت وسطه انفراجهما ودار طرف الوسطى مثلاً على الجانب الأيسر إلى أسفل ودار طرف الإبهام على الجانب الأيسر إلى فوق تمّت الدائرة .(1)
يلاحظ عليه: أنّه ما ساقه إلى هذا التفسير إلاّ توغّله في العلوم العقلية عامّة والرياضيات خاصّة، وإلاّ فالمعنى المذكور بعيد في نفسه بالنسبة إلى حال المخاطب.
ويجب الغسل من الأعلى إلى الأسفل ; لأنّه المتعارف والمنصرف إليه الأمر بالغسل، والغسل على غير هذا الوجه خلاف منصرف الآية، فلا يجزي، وإطلاق الآية يقتضي كفاية الغسلة الواحدة. وأمّا حكم الأزيد فيعلم من السنّة.
وأمّا الثاني: أعني: غسل اليدين إلى المرافق كما في قوله تعالى:(وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، فذهبت الإمامية إلى وجوب البدء بالمرفقين وأبطلوا النكس، وذلك لأنّ قوله سبحانه: (إلَى المَرافِق) لتحديد المغسول لا لبيان كيفية الغسل; وذلك لأنّ (اليَد) تارة تطلق على مجموع العضو من الزند إلى رؤوس الأصابع، وأُخرى تطلق على الساعد مع الكف، وثالثة على الكف، ورابعة على الأصابع فقط، ولأجل هذه الإطلاقات جاءت الآية لتحديد المغسول لا لبيان كيفية الغسل، لأنّه أمر واضح لا يحتاج إلى بيان .
وذلك أنّ ما يحتاج إلى البيان هو بيان حدّ المغسول، وأمّا كيفية الغسل فكلّ إنسان يعرفها، فإنّه في كلّ يوم في غير حال الصلاة يغتسل ويغسل من الأعلى إلى

1 . الحبل المتين:14.

27
الأسفل.
ثمّ إنّ القول بوجوب الشروع من أطراف الأصابع والانتهاء إلى المرافق مبني على أنّ قوله:(إِلَى الْمَرَافِقِ) قيد للفعل، أي: فاغسلوا إلى المرافق، ولكن المتبادر من هذه الصيغ أنّه قيد للمتعلّق، أي قوله: (أَيْديكُم)، وإليك بعض الأمثلة، يقال: بعتك الأرض من هنا إلى هنا، أو: قطفت ورد الحديقة من هنا إلى هنا، ويراد تحديد الكمّ والمقدار، لا بيان الكيفية والهيئة.
ربّما يؤيّد ما ذكرنا بأنّ (إِلَى) بمعنى «مع» ما جاء في الآيتين التاليتين:
أ. قوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)(1)، أي مع أموالكم.
ب. خطاب المسيح لحواريه، كما ذكره الله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(2).
نعم في الاستشهاد بالآيتين تأمّل:
أمّا الأُولى فالظاهر أنّ (إِلَى) بمعناها اللغوي غير أنّ الفعل(وَلاَ تَأْكُلُوا)تضمّن معنى الضمّ، أي لا تأكلوا أموالهم منضمّة إلى أموالكم.
وأمّا الآية الثانية فالظاهر أنّه أُريد من (أَنْصَارِي) الذين يتقرّب بهم (إِلَى اللهِ)، إلى نصر دين الله، فاللفظة مستعملة في نفس معناها، ونحو ذلك.
ثمّ إنّه يقع الكلام في دخول المرفق في الحكم أي وجوب الغسل، أو لا؟ والظاهر الأوّل وهو الدخول، إذ من المعروف ـ كما هو المنقول عن بعض علماء الأدب كسيبويه وغيره ـ أنّ ما بعد «إلى» إن كان من نوع ما قبلها دخل في الحدّ، وإلاّ

1 . النساء:2.
2 . الصف:14.

28
فلا يدخل، وعلى هذا تدخل المرافق فيما يجب غسله لأنّها من اليد، بخلاف قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(1); لأنّ الليل ليس من جنس اليوم(النهار) حتى يجب صومه.
وربما يتصوّر أنّ المرفق هو حاصل تركيب أحد العظمين بالآخر ولهذا يقع موضع السؤال، هل يجب غسل المرفق أو لا؟ وقلنا: بأنّه داخل في المحدود. ولكن الظاهر من اللغة أنّ المرفق هو مكان الاتّصال بين الذراع والعضد، قال الجوهري: المرفق موصل الذراع بالعضد، ونحوه في لسان العرب وتاج العروس، وعلى هذا يكون نقطة صغيرة يُغسل قهراً.
وأمّا الثالث: وهو مسح الرؤوس كما في قوله تعالى:(وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)، والمسح هو إمرار اليد على الشيء، وسُمّي المسيح مسيحاً لأنّه كان يمسح على الناس ويشفيهم بإذن الله، ويقابله الغسل، إذ يكفي في المسح إمرار اليد بما فيها من النداوة، وأمّا الغَسْل فلا يطلق إلاّ بعد إسالة الماء على الشيء، وبالمقارنة يُعلم أنّ الواجب في الوجه واليدين هو الغَسْل، أي إسالة الماء عليهما وأمّا المسح فيكفي إمرار اليد، ومن المعلوم بأنّ المتوضّئ بعدما فرغ من غسل اليدين، يوجد في يده نداوة الماء فيمسح بها الرأس، فيكفي مسح جزء من الرأس، والمراد من الجزء هو مقدّم الرأس. وعليه الشافعية أيضاً. وسيأتي أنّه المنصوص في روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
ويدلّ على ما ذكرنا أنّ الفعل متعدّ بنفسه، ويستعمل على وجهين تارة يقال: مسحت الشيء، وأُخرى يقول: مسحت به; فالأوّل ظاهر في الاستيعاب دون

1 . البقرة:187.

29
الثاني. فإقرانه بالباء لابدّ أن يكون لنكتة، فأكثر المفسّرين على أنّ الباء للإلصاق، بمعنى أنّ حركة العضو الماسح ملصقاً بالممسوح مع أنّ الإلصاق مفهوم من تعلّق المسح بالرأس فلا ملزم لذكر «الباء» بمعنى الإلصاق; غير أنّ المرويّ عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ الباء لبيان كفاية بعض الرأس والرجلين، فحينما سأل زرارة أبا جعفر الباقر(عليه السلام)وقال: من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فقال(عليه السلام):«لمكان الباء» وبما أنّ الرواية لا تخلو من فائدة في تفسير الآية نأت بها على وجه التفصيل.
روى الشيخ عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: «يا زرارة، قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثم قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فوصّل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يُغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصّل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)فعرفنا حين قال: (بِرُؤُوسِكُمْ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للناس فضيّعوه».(1)
وعلى ذلك فكفاية المسح ببعض الرأس مقتضى الإطلاق أوّلاً، ومقتضى وجود الباء ثانياً، وما ربما يُنقل عن سيبويه إنكار كون البعض من معاني الباء، لا يضرّ بالمقصود وذلك لوجهين:

1 . الوسائل:1، الباب23 من أبواب الوضوء، الحديث1.

30
1. أنّ الإمام عربي قرشي صميم، وهو أعرف بلسانه من غيره.
2. أنّ البعض مفهوم من الهيئة، حيث إنّ المادة مجرّدة عن الباء يفيد الإلصاق، فما هو وجه إدخال الباء عليها، فلا وجه إلاّ إفادة البعض.
وأمّا كيفية المسح على الرأس، فالآية ساكتة عنها.
بيان إعراب«الأرجل» على رأي الإمامية   
فالمتّبع ما هو المألوف بين الناس، وما في «العروة الوثقى» من قوله: في مسح الرأس: لا فرق بين أن يكون طولاً، أو عرضاً أو منحرفاً،(1) لا يخلو عن بُعد. وأمّا ما هو البعض الذي يجزي مسحه، فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ المراد به مقدّم الرأس. فقد جاء في كتاب الوسائل، وجوب المسح على مقدّم الرأس، كما في قولهم(عليهم السلام): «يمسح على مقدّم رأسه».(2)
قال الشيخ: المسح بعض الرأس هو الواجب والأفضل ما يكون مقداره ثلاث أصابع مضمومة ويجزى مقدار اصبع واحد وقال مالك: يجب مسح الرأس كلّه، وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم المسح يجري، وقال أبو حنيفة: يمسح قدر ثلث الرأس بثلاث أصابع.
وقال العلاّمة:ويجزي أقل ما يصدق عليه الاسم للامتثال فيخرج عن العهدة، ولأنّه (عليه السلام)مسح ناصيته، ويستحب مقدار ثلاث أصابع. وقال بعض علمائنا: يجب وما اخترناه قول الشافعي وابن عمر وداود.(3)

1 . العروة الوثقى: 1 / 384، فصل في أفعال الوضوء، المسألة 24. تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1417 هـ .
2 . لاحظ: الوسائل: 1، الباب22 من أبواب الوضوء.
3 . الخلاف:1/81ـ82 ، المسألة 29. تذكرة الفقهاء:1/161.

31
ولا يخفى أنّ المساعدة مع ما اختاره الشيخ والعلاّمة والشافعي مشكل، وما رواه عن النبي أنّه مسح ناصيته دليل على خلاف قوله; لأنّ الناصية مقدّم الرأس الذي هو مساحة خاصّة من الرأس.
والاكتفاء بإصبع واحد، يوجب كون الوضوء رمزاً من الرموز مع الغاية منه، هو الطهارة وما فضّله الشيخ هو الأحوط لو لم يكن الأقوى.
ثمّ إنّ الواجب هو مسح بشرة الرأس أو الشعر غير الخارج عن محاذاة الرأس، وأمّا الخارج عن محاذاتها كالظفيرة، فلا يجزي.
وأمّا الرابع: أعني: الرجلين، فقال سبحانه: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)فيقع الكلام في موضعين:
الأوّل: حكم الأرجل من حيث الإعراب، ويتبعه حكمها من حيث المسح، أو الغسل.
الثاني: ما هو المراد من الكعبين؟
وهذا الموضع من أهم البحوث في آية الوضوء قديماً وحديثاً، فلنبدأ بدراستهما تباعاً:

بيان إعراب «الأرجل» على رأي الإمامية

إنّ هنا قراءتين:
أ. قراءة بالنصب، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي، ويعقوب.
ب. قراءة بالجر، وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في

32
رواية أبي بكر عنه.
أمّا على القراءة الثانية فلا يشكّ أيّ عربي صميم في أنّ أرجلكم عطف على الأقرب إليه، أعني: (بِرُؤُوسِكُمْ). وأمّا القراءة الأُولى ـ بالنصب ـ فالمتبادر أنّها عطف على موضع (بِرُؤُوسِكُمْ)لأنّه منصوب محلاً لكونه مفعولاً لقوله: (وَامْسَحُوا).
وعلى ما ذكرنا تكون الأرجل محكومة بحكم الرؤوس، على كلتا القراءتين، فهي مطلقاً عطف على الرؤوس إمّا على ظاهرها إذا كانت مجرورة، أو على محلّها إذا كانت منصوبة، والعطف على المحلّ أمر شائع في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في القرآن الكريم، قال سبحانه:(أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)(1) فقراءة «ورسوله» بالضمّ هي القراءة الرائجة، ولا وجه لرفعه إلاّ كونه معطوفاً على اسم أنّ ـ أعني: لفظ الجلالة ـ في قوله: (أَنَّ اللهَ)لكونه مبتدأ، وقد عقد ابن هشام فصلاً خاصّاً للعطف على المحلّ وذكر شروطه.(2)
فعلى ما ذكرنا من القراءتين يُعلم حُكمُ الأرجل من حيث المسح أو الغسل، إذ يتعيّن المسح، كما ذكرنا.
قراءة النصب ورأي أهل السنّة   
ثمّ إنّ القائلين بغسل الأرجل قد وقعوا في حرج شديد في تطبيق الآية ـ على كلتا القراءتين ـ على الغسل. وهذا ما ندرسه تالياً:
قراءة النصب ورأي أهل السنّة
أمّا على النصب فقالوا: إنّ (وَأَرْجُلَكُمْ) معطوف على قوله: (وُجُوهَكُمْ)

1 . التوبة:3.
2 . انظر: مغني اللبيب: 2 / 473، في أقسام العطف، الثاني: العطف على المحل.

33
في أوّل الآية، وهذا كماترى، لانقطاع الحكم في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) بحكم آخر وهو قوله: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)، فطبع العربي الصميم يأبى ذلك في نظائر الآية، فإذا قال قائل: قبّلت وجه زيد ورأسه ومسحت على كتفه ويَدَه. فهل يرضى أن يكون قوله:«ويده» منصوباً عطفاً على (وجه زيد) مع انقطاع الكلام الأوّل وصلاحية قوله:«ويده»، معطوفاً على محل «كتفه» لأنّه منصوب على المفعولية.
مثال آخر: إذا قال: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً، فهل يرضى بعطف «عمراً» على «زيداً» مع صلاحية كونه معطوفاً على محل «بكر»؟!
وقد اعترف بما ذكرنا جمع من علماء السنّة فلنذكر بعض كلماتهم:
1. قال ابن حزم: لا يجوز عطف أرجلكم على وجوهكم، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدئة.(1)
2. وقال أبو حيّان: ومن ذهب إلى أنّ قراءة النصب في (وَأَرْجُلَكُمْ)عطف على قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله:(وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)فهو بعيد، لأنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية.(2)
3. وقال الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي (الحنفي) في تفسير الآية: نصب (وَأَرْجُلَكُمْ) على المحل (أي محل الرؤوس) وجرّها على اللفظ، ولا يجوز أن يكون النصب للعطف على وجوهكم، لامتناع العطف على وجوهكم

1 . المحلّى:2/56.
2 . تفسير النهر المارد:1/558.

34
للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)، والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف عمراً على زيد.(1)
4. وقال الشيخ السندي: وحمل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب لاطراد العطف على المحل، وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح.(2)
وبهذا ظهر أنّه لا محيص على القول بقراءة النصب، هو العطف على المحل لا على الأبعد.
ونقل عن الأخفش في توجيه غسل الأرجل: أنّه قال: هو معطوف على الرؤوس في اللفظ، مقطوع عنه في المعنى، كقول الشاعر:
علفتها تبناً وماء بارداً *** حتى شتت همالة عيناها
أي علفتها تبناً وسقيتها ماء بارداً.(3)
يلاحظ عليه: أنّ في هذا البيت قرينة واضحة على أنّ الماء يُسقى به ولا يعلف، بخلاف المورد.
   
وذكر الزمخشري وجهاً آخر في توجيه الغسل وقال: إنّ الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على

1 . غنية المتملي في شرح منية المصلي المعروف بالشرح الحلبي الكبير: 16.
2 . شرح سنن ابن ماجة:1/88 .
3 . لاحظ مجمع البيان: 3 / 285.الهمالة: فيضان دموع العين. كما في الصحاح للجوهري: 1 / 319 .

35
وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.(1)
ولا تعليق لنا على كلامه بشيء غير أنّه تفلسف لا يدور بخلد أحد من العرب حتى تفسّر الآية به.

قراءة الجر ورأي أهل السنّة

وأمّا على قراءة الجرّ، فالأرجل معطوفة على الرؤوس فتكون محكومة بالمسح عندنا على كلتا القراءتين، وأمّا أهل السنّة فلم يجدوا وجهاً إلاّ القول بأنّه مجرور على الجوار، أي لوقوعه في جوار (بِرُؤُوسِكُمْ)المجرور، نظير قول القائل: جُحرُ ضبٍّ خرب... فإنّ «خرب» خبر لـ «جُحر» فيجب أن يكون مرفوعاً، لكنّه صار مجروراً لأجل الجوار.
وردّه الزجاج بقوله: وهو غير صحيح، لاتّفاق أهل العربية على أنّ الإعراب بالمجاورة شاذّ نادر، وما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليها.(2)
أضف إلى ذلك ما ذكره علاء الدين البغدادي في تفسيره المسمّى بـ«الخازن» فقد ردّ قراءة الجرّ لأجل المجاورة بوجهين:
الأوّل: أنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لأجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في المثال المذكور، لأنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب، بل للجحر.

1 . تفسير الكشاف:1/336.
2 . معاني القرآن واعرابه: 2/153 .

36
الثاني: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون واو العطف، وأمّا معها فلم تتكلّم به العرب.(1)
إلى هنا ظهر أنّه لا مجال في تفسير القراءتين (أعني: النصب والجر) من القول بكون الأرجل معطوفاً على الرؤوس، أمّا على المحلّ أو على ظاهر اللفظ وتكون النتيجة هي المسح.
وأمّا كونه معطوفاً على الوجوه على قراءة النصب أو كونه مجروراً بالجوار على قراءة الجر فكلاهما من الأُمور التي لا يرضى بها الطبع العربي السليم، مع شذوذهما حسب القواعد. فليس للفقيه المتابع للقرآن المجيد إلاّ الإفتاء بالمسح.
ثمّ إن القوم استدلّوا على صحة الجرّ بالجوار بوجهين :
الأوّل: قوله سبحانه: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الاْخِرِينَ * عَلَى سُرُر مَوْضُونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ* يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).(2)
وجه الاستدلال في قوله: (وَحُورٌ عِينٌ) فالقراءة المشهورة هي الرفع معطوفاً على قوله: (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ): أي يطوف عليهم ولدان مخلدون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون.
ويحتمل أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي ولهم حور عين كأمثال اللؤلؤ

1 . تفسير الخازن:2/16.
2 . الواقعة: 12 ـ 23.

37
المكنون; لأنّه لما تقدّم قوله: (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) اقتضى ذلك ذكر الحور العين.
هذا على قراءة المشهور وأمّا على قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي بجرّ: (وحور عين)، فقيل: إنّه مجرور بالجوار، أي: ولحم طير ممّا يشتهون وحور عين.
يلاحظ عليه: أنّه لا يحتجّ بغير القراءة المشهورة إذ لم يثبت تواترها عن النبيّ، فعلى فرض الصحّة فيمكن أن يكون معطوفاً على قوله (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)والتقدير: أُولئك المقرّبون في جنات النعيم وفي حور عين، أي في مقاربة الحور العين، أو معاشرة الحور العين.
الثاني: قوله سبحانه: (أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم أَلِيم)(1)، فإنّ قوله: (أَلِيم)وصف لقوله: (عَذَابَ)ولكنّه صار مجروراً للجوار.
أقول: ورد هذا السياق في غير واحد من الآيات كقوله سبحانه: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(2)، وقوله سبحانه: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير).(3)
والجواب عن الجميع: أنّ الألم وصف للعذاب حقيقة، وبما أنّ اليوم ظرف للعذاب صار هذا مسوغاً لوصف اليوم به، فالأيام في هذه الآيات موصوفة بأنّها مؤلمة باعتبار كونها ظرفاً للألم، وهذا هو المعروف في باب الإسناد المجازي في علم البلاغة.
ومن عجيب القول ما ذكره الآلوسي، قال: لو فرض أنّ حكم

1 . هود: 26 .
2 . يونس: 15 .
3 . هود: 2 .

38
الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية فالغسل يكفي عنه، ولو كان هو الغسل لا يكفي المسح عنه، فبالغسل يلزم الخروج من العهدة بيقين دون المسح; وذلك لأنّ الغسل محصِّل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المسح في الآية عبارة عن إمرار الماسح الممسوح بالنداوة الموجودة في اليد، كما هو ظاهر الآية، وهو غير الغَسْل ـ بمعني: إسالة الماء ـ فالقول بكفاية الثاني عن الأوّل، تشريع وابتداع في الأحكام. فلو أمر المولى عبده بالمسح وقام هو بالغسل لا يُعدّ ممتثلاً. فلو أراد الآلوسي العمل بالاحتياط فعليه التوضّؤ بوضوءين: تارة بالمسح وأُخرى بالغسل.
ومنه يظهر ضعف كلام آخر له، حيث قال: وأيضاً كان يلزم الشيعة الغسل ; لأنّه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب سبحانه وتعالى، لأنّه الأحوط أيضاً.(2)
مسح الأرجل في أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   
يلاحظ عليه: بأنّ لازمه كفاية الغسل عن المسح في الرؤوس أيضاً، مع أنّه لم يقل به أحد، فإذا رأينا أنّ الشارع يأمر بالمسح تارة وبالغسل أُخرى، نقف على أنّ للشارع غرضين: الغسل في مورد، والمسح في مورد آخر، وتجويز الغسل في مورد المسح تحريف للآية.

دراسة كلام صاحب المنار

ثمّ إنّ لصاحب المنار كلاماً زعم أنّه أقوى الحجج اللفظية لأهل السنّة على

1 . روح المعاني:6/78.
2 . روح المعاني:6/78.

39
الإمامية، وهو أنّ الإمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم، ويقولون: إنّه هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد، على رأيهم، ولو صحّ هذا لقال: إلى الكعاب، كما في اليدين (إِلَى الْمَرَافِقِ) لأنّ في كلّ يد مرفقاً واحداً.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لو قلنا بأنّ الكعب عبارة عن العظمين الناتئين في جانبي قدم الإنسان، يكون وجه التعبير بالتثنية كون كلّ رِجل ذات كعبين.
وأمّا لو كان الكعب هو معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم فيكون وجه التعبير بالتثنية كون كلّ إنسان ذا كعبين. فلكلّ وجه. والظاهر أنّ الوجه هو الثاني بشهادة أنّه قال: (أَرجُلكُم): أي أرجل كلّ متوضِّئ أو مكلّف، وأمّا وجه اختلاف التعبير هنا عمّا في غسل الأيد حيث عبّر هناك بالمرافق وفي المقام بالكعبين، فلأجل أنّ لجمال التعبير بهما تأثّراً كبيراً في فصاحة الكلام، فصار هذا سبباً للاختلاف في التعبير، والله العالم.
هذه هي الحجّة القوّية التي يدّعيها صاحب المنار غفر الله له، فكيف حال الحجج الضعيفة؟!

مسح الأرجل في أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد عرفت أنّ القراءتين سواء النصب أو الجر تدلاّن بوضوح على وجوب المسح على الأرجل، وهناك روايات متضافرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تبلغ 15 رواية كلّها تدلّ على أنّ النبيّ كان يمسح الأرجل، كما أنّ هناك روايات عن الصحابة

1 . تفسير المنار:6/233. وفي الصدر مرفق واحد وهو تصحيف.

40
والتابعين تناهز أيضاً خمسة عشر أثراً تدلّ على أنّهم كانوا يمسحون على الأرجل، وقد ذكرنا تلك النصوص في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»، ولأجل أن لا تخلو دراستنا عن هذه الروايات نأتي ببعض النصوص:
1. عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء وتمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هكذا يتوضّأ، يا هؤلاء أكذاك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عنده.(1)
2. عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ كما توضّأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(2)
3. وفي مسند عبداللّه بن زيد المازني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرّتين ومسح رأسه ورجليـه مرّتين.(3)
4. عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة ورجليه إلى الكعبين، ولحيته تهطل على صدره،

1 . مسند أحمد: 1 / 109، الحديث 489 .
2 . كنز العمال:9/436، الحديث 26863.
3 . كنز العمال:9/451، الحديث26922.

41
ثمّ حسا حسوة بعد الوضوء ثمّ قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كذا كان وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)
5. عن عبّاد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه.(2)
6. عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يمسح ظاهرهما.(3)
7. عن رفاعة بن رافع أنّه سمع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّها لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين».(4)
8 . ما روي عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:«ويل للأعقاب من النار» مرّتين أو ثلاثاً.(5)
ثم إنّه ربّما يستدل القائل بالغسل بهذه الرواية بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حذّر الماسحين على الأرجل بقوله: ويل للأعقاب من النار.
يلاحظ عليه: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حذر هؤلاء لأنّ أعقابهم كانت نجسة غير صالحة للمسح، فأمرهم بأن يطهّروا الأعقاب أوّلاً ثم يمسحوا على الأرجل، فلم

1 . كنز العمال: 9 / 448، الحديث 26908. قوله: حساحسوة: شرب شيئاً بعد شيء.
2 . كنز العمال: 9 / 429، الحديث 26822.
3 . مسند أحمد: 1/ 95 و 114 و 124.
4 . سنن ابن ماجة:1/156، الحديث 460 .
5 . صحيح البخاري:1/23، باب من رفع صوته بالعلم من كتاب العلم، الحديث1.

42
يكن التحذير لأجل المسح على الأرجل، بل لأجل كون الممسوح غير صالح له. وكان المسح على ظاهر الأرجل ملازماً لمسح شيء من الأعقاب.
ثم إنّ الرواية على خلاف قول الخصم أدلّ، فإنّها تدلّ على أنّ عبدالله بن عمرو وأمثاله كانوا يمسحون إلى ذلك اليوم .
9. عن أبي مالك الأشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّـى بهم فكبّر بهم ثنتين وعشرين تكبيرة.(1)
10. عن عبّاد بن تميم المازني، عن أبيه أنّه قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.(2)
تلك عشرة كاملة نكتفي بها، ومن أراد الوقوف على الجميع فعليه الرجوع إلى كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف».(3)
   
إلى هنا تمّ الكلام في الموضع الأوّل وهو تبيين وجه القراءتين وما يتبعه من وجوب المسح أو الغسل، إنّما الكلام في الموضع الثاني وهو: ما هو المراد من الكعب؟

1 . مسند أحمد:5/342. الجَفنة: القصعة الكبيرة.
2 . صحيح ابن خزيمة: 1 / 101 .
3 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 1 / 45 .

43

ما هو المراد من الكعب ؟

أقول: إنّ الكعب يطلق على معان أربعة:
1. العظمان الناتئان في جانبي الرجل.
2. العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع فيما بين المفصل والمِشط.
3. المفصل بين الساق والقدم. وهو خيرة صاحب القاموس، قال: الكعب كلّ مفصل للعظام.(1)
4. عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق، حيث يكون مفصل الساق والقدم. وهو قول محمد بن الحسن. وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول: الطرفان الناتئان يسمّيان المنجمين. هكذا رواه القفّال في تفسيره.(2)
أمّا الوجه الرابع فبعيد عن الاعتبار ; لأنّ الكعب عبارة عن الارتفاع كما سيأتي.
ونظيره القول الثالث إذ ليس فيه أيّ ارتفاع، وبما أنّ الآية تتضمّن تكليفاً لكلّ مسلم، أعني: التوضّؤ لكلّ صلاة، فيجب أن يكون التعبير واضح الدلالة مبيّن المراد، بحيث لا يحتاج فهم المراد منه إلى دقّة علمية لا يقف عليها إلاّ الأوحدي.
فتعيّن أن يكون المراد من الكعب أحد الوجهين:
الأوّل: قبة القدم ; لأنّ الكعب ـ كما مرّ ـ عبارة عن الارتفاع، ومنه: جارية

1 . القاموس المحيط: 1 / 124، مادة «الكعب».
2 . تفسير الرازي: 6/162; ولاحظ : جامع المقاصد: 1/220; جواهر الكلام:2/220.

44
كاعب إذا نتأ ثدياها. ومنه الكعب لكلّ ما له ارتفاع. قال سبحانه: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً)(1)أي جواري تكعب ثديهن، مستويات في السنّ. وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بأنّه قبّة القدم.(2) وقد نقل في الجواهر عن عميد الرؤساء أنّه ألّف كتاباً في الكعب وفسّره بظهر القدم الواقع بين المفصل والمِشط، وهو لغوي بارز.(3) وهذا القول هو المشهور بين أصحابنا. وهو المتعيّن لكونه مروياً عن أحد الثقلين.
الثاني: ما عليه فقهاء السنّة وهو: أنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الساق، ولكن يبعده ما مرّ أنّهما يقال لهما: المنجمان.
ومن أراد الاحتياط فليجمع بين الوجهين.
ثمّ إنّ الناس على صنفين: أحدهما مَن يتمكّن من الوضوء، والثاني لا يتمكّن فقد تمّ الكلام في الأوّل، وبقي الكلام في الصنف الثاني، وهذا ما يشير إليه بقوله سبحانـه:(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).

حكم غير المتمكّن من الماء

ذكر سبحانه من هذا الصنف أشخاصاً أربعة:
1. المرضى، كما قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى).

1 . النبأ:31ـ33.
2 . لاحظ: الوسائل:1، الباب15 من أبواب الوضوء، الحديث9، والباب24 منها، الحديث4، والباب 31 منها، الحديث1.
3 . جواهر الكلام:2/220; جامع المقاصد:1/220. والمِشط : العظام الرقاق المفترشة فوق ظهر القدم، وربّما يطلق على القدم أجمع.

45
2. المسافر، كما قال: (أَوْ عَلَى سَفَر).
3. المحدث بالحدث الأصغر، كما قال: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
وقد مرّ أنّ الغائط هو الأرض المنخفضة، والمجيء منه كناية عن قضاء الحاجة الملازم للحدث، وقد عبّر به سبحانه حفظاً للأدب.
4. المحدث بالحدث الأكبر، وقد عبّر عنه سبحانه: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)كنّى به عن الجماع صوناً للّسان من التصريح بما لا يناسب الأدب في الكلام.
فهذه الطوائف الأربع يجب عليهم التيمّم بشرط خاص وهو ما يذكره سبحانه بقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). فعلى هؤلاء التيمّم، كما يقول: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا): أي اقصدوا تراباً أو مكاناً من وجه الأرض طاهراً (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ): أي فاضربوا بأيديكم عليه فامسحوا بها وجوهكم (وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ). وسيوافيك ما هو المراد من الضمير في (مِنْهُ) الراجع إلى الصعيد الطيّب.
بقيت هنا أُمور ترتبط بتفسير الآية:

الأوّل: ما هو المراد من الصعيد ؟

أمّا الصعيد فقد تقدّم تفسيره في المفردات إجمالاً وقد اختلف اللغويون في معناه:
1. فعن جمهرة لغة العرب: التراب الخالص الّذي لا يخالطه سبخ(1) ولا رمل .
2. وعن الزجّاج: هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره حتّى قال: لا أعلم

1 . السبخ بفتح الباء وسكونها: الأرض المالحة.

46
اختلافاً بين أهل اللغة في ذلك فيشمل الحجر والمدر (الطين الخالص الّذي لا يخالطه الرمل) ونحوهما.
3. قال الأزهري: مذهب أكثر العلماء في قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)التراب الطاهر الّذي على وجه الأرض أو خرج من باطنها.(1)
والوجه الثالث يرجع إلى الوجه الأوّل إلاّ أن يقال بأنّ السبخ مضرّ على الأوّل دون الثاني.
   
ولكن الظاهر هو القول الثاني للروايات التالية الّتي تفسّر الصعيد بالأرض الشاملة للتراب والرمل والطين اليابس :
أ. ما روي: يُحشر الناس يوم القيامة عُراة حفاة على صعيد واحد ـ أي أرض واحدة ـ .(2)
ب. ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».(3)
وقوله (عليه السلام): «ربّ الماء هو ربّ الأرض».(4)
وقوله (عليه السلام): «وإن فاتك الماء لم تفتك الأرض» .(5)
إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي تدلّ على جواز التيمّم على الأرض الشامل للتراب والرمل والطين اليابس وغيرها، فيكون تفسيراً للصعيد بشرط أن لا يخرج

1 . لاحظ : مجمع البحرين: 3 / 85 ، مادة «صعد».
2 . لم نعثر في المصادر على هذا النص. نعم وجدنا ما يشتمل على موضع الاستشهاد. راجع: مجمع البيان: 9 / 342، تفسير سورة الرحمن الآية 33.
3 . الوسائل: 2، الباب 7 من أبواب التيمم، الحديث 2 و 3.
4 . الوسائل: 2، الباب 3 من أبواب التيمم، الحديث 1 .
5 . الوسائل: 2، الباب 22 من أبواب التيمم، الحديث 1.

47
عن كونه أرضاً كالمعادن، والتفصيل في محلّه.

الثاني: حدّ الملامسة

الظاهر أنّ الملامسة كناية عن غشيان النساء والإفضاء إليهن، وعليه المفسّرون، وحَمْلُها على إصابة البشرة للبشرة، بعيد عن سياق الآية، وقد حُكي عن الشافعي نقض الوضوء بلمس بشرة المحارم من النساء، وبه قال الزهري والأوزاعي.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه ذكر حكم الجنب إذا كان واجداً للماء، وقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)ومقتضى التقابل أن يذكر حكم الجنب عند فقدان الماء، بأن يقول:وإن كنتم جنباً ولم تجدوا ماءً فلو فسّر قوله: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)بمسّ البشرة، يلزم ترك بيان حكم الجنب عند فقدان الماء، وهذا خلاف مقتضى التقابل.
وبعبارة أُخرى: إنّه سبحانه ذكر حكم المحدث بالحدث الأصغر والأكبر عند وجدان الماء، فلازم السياق ذكر حكمهما عند فقدان الماء، فذكر حكم الأوّل بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)، فلا محيص من حمل قوله: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) على بيان حكم الحدث الأكبر. أي الجنب إذا لم يجد ماءً.
أضف إلى ذلك: أنّ كون مسّ بشرة النساء من المحارم ناقضاً للوضوء، تحقير للنساء التي نزل كثير من الآيات في رفع شأنهن.

48

الثالث: حكم المريض والمسافر

المتبادر من الآية أنّ قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قيد للأصناف الأربعة: المريض، المسافر، المحدث بالحدث الأصغر، والمحدث بالحدث الأكبر، فعليهم جميعاً التيمّم إذا لم يجدوا ماءً، دونما إذا كانوا متمكّنين منه، وهذا هو المفتى به عند الفقهاء.
   
فإذا نسب عدم وجدان الماء إلى الأصناف الثلاثة يُراد به عدم وجدان ماء حقيقة، وإذا نسب إلى المريض يُراد به كون استعمال الماء حرجياً وضررياً، وكُنيّ عن هذا القسم أيضاً بعدم وجدان الماء تغليباً للأكثر على الأقل، فإنّ كون الاستعمال ضررياً يشبّه بعدم وجود الماء; لأنّ وجوده وعدمه في حقّ المريض سيّان.
فإن قلت: إذا كان تيمّم المريض والمسافر مقيّداً بعدم وجدان الماء، كان ذكر كلّ من عنواني المرض والسفر أمراً مستدركاً، إذ لا دخل لهما في لزوم التيمّم وإنّما الموضوع هو عدم وجدان الماء، سواء أكان مريضاً أم مصحّاً، أكان حاضراً أم مسافراً. أو ليس هذا دليلاً على أنّ المسافر والمريض يتيمّمان مطلقاً، سواء كان الماء موجوداً أم لا؟
قلت: إنّ الموضوع كما ذكر هو فقدان الماء بالمعنى الأعم ـ أعني: فقدانه أو كون استعماله مضرّاً ـ وأمّا تخصيص المسافر والمريض بالذكر; لأنّه يغلب عليهما فقدان الماء خصوصاً في الأسفار السابقة التي كان السفر على آباط الإبل في المفاوز والصحارى. فالمرض والمضر أخذا طريقين لفقدان الماء أو لإضراره دون أن يكون لكلّ موضوعية.

49
أضف إلى ذلك: أنّه لو كان القيد (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) راجعاً إلى الصنفين الأخيرين ـ أعني: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)والمفروض بقرينة المقابلة حضورهما في بلدانهم وأوطانهم ـ يلزم حمل القيد على الفرد النادر ; لأنّ الصنفين الأخيرين يتمكّنان من الماء في أغلب الموارد، وأمّا غير المتمكّن من الماء بالمعنى الأعم فهو في الدرجة الأُولى المسافر وبالتالي المريض.
وبذلك ظهر أنّ حكم المريض والمسافر مثل الصنفين الأخيرين فيتيمّمان عند فقد الماء دون وجوده في المسافر وعدم حرجه في المريض.

فتوى شاذّة لصاحب المنار وأُستاذه

إنّ صاحب المنار تبعاً لأُستاذه الشيخ عبده ذهبا إلى أنّ للسفر والمرض تأثيراً مستقلاًّ في العدول إلى التيمّم حتى ولو وجدا الماء ولم يكن استعماله حرجياً. وإليك نصّ كلامهما:
إنّ حكم المريض والمسافر إذا أرادا الصلاة كحكم المحدث حدثاً أصغر أو ملامس النساء ولم يجدا الماء، فعلى كلّ هؤلاء التيمّم، وأنّ الآية واضحة المعنى تقتضي أنّ التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء. ثم استظهرا بأنّه سبحانه رخّص السفر الذي منه قصر الصلاة وجمعها وإباحة الفطر في رمضان، فهل يستنكر مع هذا أن يرخّص للمسافر في ترك الغسل والوضوء وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين.
أو ليس من المجرّب أنّ الوضوء والغسل يشقّان على المسافر الواجد للماء في زماننا هذا، فكيف في الزمان السابق الذي كان السفر على ظهور الإبل في

50
مفاوز الحجاز وجبالها... إلى أن قال: إنّ من عجب العجاب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، واحتمال ربط قوله تعالى:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر) بعيد، بل ممنوع كما تقدّم على أنّهم لا يقولون به في المرضى لأنّ اشتراط فقد الماء في حقّهم لا فائدة له، لأنّ الأصحّاء والحاضرين مثلهم فيكون ذكرها لغواً، يتنزّه عنه القرآن.(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
   
الأوّل: أنّ القيد راجع إلى الجميع، وما ذكره من أنّ لازمه كون ذكر كلّ من عنواني السفر والمرض أمراً لغواً، مدفوع، لما عرفت من أنّ تخصيصهما بالذكر لأجل أنّ الغالب على حالتي السفر والمرض فقدان الماء في المسافر والحرج أو الضرر في المريض، بخلاف الحاضر والمصح إذ يتوفر الماء عند الحاضر، و لا يتحرّج المصحّ من استعمال الماء.
الثاني: أنّ تخصيص قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) بالأخيرين، يلازم ـ كما مرّ ـ حمله على الفرد النادر، لأنّ فقدان الماء عند المجيء من الغائط أو الملامس في الوطن(2)، قليل جدّاً، بخلاف إرجاعه إلى الجميع، فقد عرفت أنّ فقدان الماء في الأوّلين أمر غالبي خصوصاً في الأسفار في الأزمان السابقة حيث يسافرون بالإبل ويقطعون الصحارى والمفاوز....
وحاصل الكلام: أنّ الأُستاذ والتلميذ مع ذكائهما خلطا بين أمرين وقالا: إنّ السفر سبب للرخصة كالمرض، والحال أنّهما أمارة لفقد الماء أو كون استعماله

1 . تفسير المنار:5/120ـ 121.
2 . قلنا: في الوطن، لأجل المقابلة مع السفر الذي مرّ ذكره في الآية.

51
حرجياً.
ثمّ إنّ صاحب المنار نقل عن أُستاذه أنّه قد راجع خمسة وعشرين تفسيراً رجاء أن يجد فيها قولاً لا تكلّف فيه، لكن صاحب المنار قال: أنا لم أراجع عند كتابة تفسيرها إلاّ روح المعاني وهو آخر التفاسير المتداولة تأليفاً وصاحبه واسع الاطّلاع، فإذا به يقول: الآية من معضلات القرآن.(1)
أقول: نحن نوافق صاحب المنار في أنّ الآية ليست من معضلات القرآن، لكن فهم الآية واستنباط الأحكام رهن التدبّر في الآية. وأنّ ذكر العنوانين: المريض والمسافر الأوّلين لغلبة فقد الماء عليهما دون المصحّ والحاضر.

الرابع: كيفية التيمّم

هو أن يضرب يديه على الصعيد ثم يمسح الجبهة بهما من قصاص الشعر إلى طرف أنفه، ثم يمسح ظاهر الكفين. وقيل باستيعاب مسح الوجه والذراعين، والأوّل أظهر.(2)
وجه كونه أظهر أنّه تعالى عبّر بالمسح المتعدّي بالباء، فقال: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)فدلّ ذلك على أنّ المعتمد في التيمّم هو مسح بعض عضوي الغسل في الوضوء، أعني: بعض الوجه وبعض اليد إلى المرفق، فينطبق على ما ورد من طرق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من تحديد الممسوح بالوجه ما بين الجبينين(3) والممسوح باليد بما دون الزند منها. وأمّا أنّه هل تكفي ضربة واحدة

1 . تفسير المنار:5/120.
2 . شرائع الإسلام:1/48.
3 . الجبين: ناحية الجبهة وفي مجمع البحرين: الجبين فوق الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها يتصاعدان من طرفي الحاجبين إلى قصاص الشعر فتكون الجبهة بين الجبينين.

52
على الصعيد، أو لا؟ فهذا على عاتق السنّة في الفقه الشريف، وظاهر الكتاب كفاية الواحدة .
ثم الظاهر من قوله سبحانه: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) لزوم وجود شيء من الصعيد الطيّب في اليد، الذي يعبّر عنه بالعلوق حتى يمسح به وجهه ويديه.
قال في «الكشّاف» لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلاّ معنى التبعيض .(1)
وعلى هذا فـ«من» في قوله:(مِنْهُ) تبعيضية لا ابتدائية، فلابدّ للمتيمّم من السعي في بقاء شيء من الصعيد على اليد، حتى يمسح به الوجه واليدين، فما ربّما يقال: ويستحب نفض اليدين بعد ضربهما على الأرض،(2) فهو محمول على نفض اليدين من الحجارة الصغيرة لا من الغبار، فما ربما يقال من جواز التيمّم على الحجر الأملس الذي ليس عليه شيء من التراب أو الغبار، فلا يساعد عليه الذكر الحكيم.
الغاية من الوضوء، سبب الاختلاف في حكم الأرجل   
ويؤيد ما ذكرنا ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)وقد جاء فيها: (وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ): أي من ذلك التيمّم ; لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجر على الوجه لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها».(3)

1 . تفسير الكشّاف: 1 / 529. أضف إلى ذلك: أنّ التبيينية لا تدخل على الضمير مطلقاً.
2 . شرائع الإسلام :1/49.
3 . الوسائل: 2، الباب 13 من أبواب التيمّم، الحديث 1 .

53

الخامس: الغاية من الوضوء

ثمّ إنّ الغاية من الوضوء هي ما يذكره سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج): أي لا يريد أن يشقّ عليكم، كيف وقد رخّص ترخيصاً إلزامياً بالتيمّم عندما كان الوضوء والغسل حرجيّين، ولكن يريد أمرين:
1. (لِيُطَهِّرَكُمْ) لأنّ الغسل والوضوء يزيل ما في الجسد من أدران، ويحتمل أن يراد به الطهارة المعنوية; لأنّ الوضوء واجب عبادي يجب أن يأتي به متقرّباً إلى الله سبحانه، ولا مانع من أن يكون الوضوء تطهيراً من الرذائل والأقذار كما في الطهارة بالماء ومزكّياً للنفوس والأرواح، كما في التيمّم بالتراب إذ هو مظهر للخضوع، ولعلّ قوله سبحانه: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى الجمع بين النعمتين: الطهارة الجسمية والروحية.
ويحتمل أن يُراد من النعمة: الدين، حيث إنّ الصلاة والوضوء والغسل جزء من الأحكام الشرعية.
قوله تعالى:(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) في مقابل إكمال النعمة حيث أتمّ نعمته ظاهرة وباطنة عملاً واعتقاداً.

السادس: سبب الاختلاف في حكم الأرجل

إذا كانت الآية صريحة في مسح الأرجل، فلماذا نرى أنّ قسماً كبيراً من المسلمين يغسلون الأرجل ولا يمسحون عليها، فما هو الوجه في طروء هذا الاختلاف؟
أقول: إنّ قسماً كثيراً من الفقهاء قالوا بأنّ القرآن نزل بالمسح والسنّة

54
بالغسل، ومعنى ذلك أنّ السنّة نسخت القرآن، وهو كماترى، لأنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن، ولم ينسخ منها شيء.
يقول ابن عاشور: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل وهذا تأويل حسن لهذه الآية، فيكون مسح الرجلين منسوخاً بالسنّة.(1)
سبب الاختلاف في حكم الأرجل   
يلاحظ عليه: أنّ نسخ القرآن بالسنّة أمر مختلف فيه خصوصاً إذا كانت السنّة متعارضة، وقد تقدّم ما يدلّ على المسح من السنّة، كيف وقد روي عن ابن عباس: أبى الناس إلاّ الغسل ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح.(2)
والذي يمكن أن يقال في التوفيق بين الغسل والمسح: إنّه لا شكّ أنّ
النبي الأكرم
(صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ في المدينة المنوّرة على مرأى من أصحابه وأنصاره
وأنّهم رأوا كيفية وضوئه من المسح أو الغسل، فلماذا حصل الاختلاف
بعد رحلته؟
والجواب: أنّ الاختلاف رهن أحد أُمور ثلاثة على نحو مانعة الخلوّ:

الأوّل: الاختلاف في القراءة

قد تفرّق الصحابة بعد رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بلدان قريبة أو بعيدة ولم يكونوا مجمعين على قراءة واحدة لا في هذه الآية ولا في سائر الآيات، وإن كانوا متّفقين على أنّ مابين الدفّتين هو القرآن المنزل لم ينقص منه شيء، ولم يزد عليه، فمَن قرأ بالجر رجّح المسح، ومن قرأ بالنصب رجّح الغسل.

1 . التحرير والتنوير: 5/52 ; تفسير الدر المنثور: 3/10.
2 . تفسير الدر المنثور: 2/262.

55

الثاني: النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يغسل رجليه قبل نزول الآية

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في فترة من عمره الشريف قبل نزول آية الوضوء يغسل رجليه ولمّا نزل القرآن الكريم بالمسح نُسخت السنّةُ بالقرآن، كما نسخت به في مورد القبلة، حيث إنّ الصلاة باستقبال البيت المقدّس ثبتت بالسنّة ولكنّها نسخت بآية القبلة، ولعلّ الناس أخذوا بالسنّة التي كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عليها، غافلين عن أنّ القرآن هو الحاكم عليها، ويدلّ عليه ما روي عن ابن عباس أنّه قال: أبى الناس إلاّ الغسل ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح.(1)

الثالث: إشاعة الغسل من قبل السلطة

إنّ القرآن نزل بالمسح ولكن المصلحة المزعومة لدى الحكّام اقتضت إلزام الناس بغسل الأرجل بدل المسح لخبث باطن القدمين، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص.
روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة أنّ الحجّاج خطبنا بالأهواز، ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.
فقال أنس: صدق الله وكذب الحجّاج، قال الله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.(2)

1 . تفسير الدر المنثور:2/262.
2 . تفسير ابن كثير:2/27; تفسير الطبري:6/82 .

56
وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيّد الغسل، وتؤاخذ من يقول بالمسح، حتّى إنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّ خفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنه فيها ماء فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلّى بهم.(1)
هذه هي الوجوه التي يمكن أن يُبرر بها اختلاف المسلمين في الوضوء بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو أنصفنا لوجب علينا أن نقول: إنّ السبب المهمّ هو إعراضهم عن التمسّك بكلا الثقلين اللّذين أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين بالتمسّك بهما للنجاة من الضلال.
آية التيمّم   

1 . مسند أحمد بن حنبل:5/342; المعجم الكبير:3/280، برقم 3412.

57
 
أحكام الطهارة
      2
 

آية التيمّم

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُورًا).(1)

المفردات

الصلاة: تطلق ويراد بها تارة العبادة المعروفة، وأُخرى المعبد كما في قوله تعالى:(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا).(2)
جُنُباً: بضمتين: مُن أصابته جنابة إمّا من خروج مني أو جماع، سُمّي جنباً

1 . النساء: 43 .
2 . الحج:40.

58
لاجتنابه مواضع الصلاة، وهو يستعمل في المفرد والجمع. ونصب عطفاً على قوله: (وَأَنْتُمْ سُكَارى)حيث إنّ المعطوف عليه جملة حالية محلّها النصب .
سكارى: جمع سكران، الذي فيه الحالة التي تحول بينه وبين عقله.
عابري سبيل: يفسّر تارة بالمجتاز وأُخرى بالمسافر.
الغائط: المكان المنخفض المُعدّ لقضاء الحاجّة من المخرجين، وهذا من أدب القرآن الرفيع، حيث يعبر عمّا لا يستحسن ذكره بالكنايات. نعم صارت الكلمة ـ في زماننا ـ حقيقة في نفس الشيء.
لامستم:كناية ـ أيضاً ـ عن المباشرة الجنسية، وهو من أدب القرآن حيث يعبّر عن هذا العمل بالكناية. وما رُوي عن الشافعي: أنّ الآية تدلّ على نقض الوضوء بلمس بشرة النساء إلاّ المحارم منهن، غير تام لاستعمال المسّ الذي هو يرادف اللمس في غير واحدة من الآيات(1) في المباشرة.
صعيداً: المكان المرتفع من وجه الأرض أو وجه الأرض.
طيّباً: الطيّب: ما كان طاهراً نظيفاً خالياً عن الأذى في النفس والبدن.(2)
وبعد أن اتّضحت معاني المفردات ندخل إلى المقصود، فنقول:
وفي الآية محاور:
1. النهي عن الصلاة في حالة السكر.
2. النهي عن دخول الجنب في الصلاة حتى يغتسل، إلاّ عابر السبيل.

1 . لاحظ: سورة البقرة، الآية 236، 237.
2 . مجمع البحرين: 2 / 111، مادة «طيب».

59
3. حكم المريض والمسافر ومَن جاء من قضاء الحاجة أو لامس النساء إذا فقد الماء.
4. وجوب التيمّم للطوائف الأربع. وإليك دراسة كلّ محور على حدة.
أمّا الأوّل: فالله سبحانه يخاطب المؤمنين ألاّ يدخلوا في الصلاة وهم سُكارى حتى يدركوا ما يقولون في الصلاة، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ): أي لا تدخلوها (وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ): فإنّ السكران لا يتكلّم عن عقل وشعور، فالمؤمن يواجه مقام العظمة والكبرياء ويخاطب رب العالمين فلا يصلح أن يكون سكراناً يتكلّم بلا شعور ولا عقل.
ثمّ إنّ هنا شبهة أثارها بعض المفسّرين وشرحها الرازي قائلاً: بأنّ ظاهر قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) نهي المؤمنين عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل.
أمّا العقل فإنّ تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي التكليف بما لا يطاق.
وأمّا النقل فهو قوله(عليه السلام):«رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»، ولأنّ مثل السكران مثل المجنون، فوجب ارتفاع التكليف عنه.(1)
أقول: عزب عن الرازي أنّ الخطاب للمؤمنين قبل أن يسكروا، فيأمرهم بالاجتناب عن شرب الخمر للحذر عن الابتلاء بهذا الأمر المحرّم.

1 . تفسير الرازي:10/109ـ 110.

60
ثمّ إنّ قوله:(حَتَّى تَعْلَمُوا) ليس غاية للحكم حتى يكون معنى الآية لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، إلى أن تعلموا ما تقولون، فإذا علمتم ما تقولون فلا بأس بالصلاة، حتى يستشمّ منه جواز القرب إلى الصلاة لدى وقت العلم بما يقولون، بل هو تعليل للحكم ـ أي منع الصلاة حال السكر ـ أي لكي تعلموا ما تقولون فإنّ شرب الخمر لا ينفك عن وقوع الصلاة في حال السكر.

تفسير قوله:(إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل)

وأمّا المحور الثاني وهو قوله: (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا): أي لا تقربوا الصلاة جنباً إلاّ عابري سبيل، فلو أُريد من الصلاة العبادة المعروفة فلابدّ من تفسير عابري سبيل بالمسافر، أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلاّ إذا كنتم مسافرين فاقدين للماء فيجوز اقترابها حتى تغتسلوا.
روى السيوطي في «الدر المنثور» عن علي(عليه السلام) في قوله:(وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل)قال:«نزلت هذه الآية في المسافر، تصيبه الجنابة فيتيمّم ويصلّي»، وفي لفظ قال: «لا يقرب الصلاة إلاّ أن يكون مسافراً، تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلّي حتى يجد الماء».(1)
فإن قلت: تفسير الفقرة بهذا النحو وإن كان يوجب انسجام الآية ولكنّه يوجب التكرار ; لأنّ حكم المسافر يأتي ـ في قوله سبحانه ـ في آخر الآية: (أَوْ عَلَى سَفَر).
والجواب: أنّ الوارد في صدر الآية هو خصوص الجنب المسافر الّذي لا

1 . تفسير الدر المنثور: 2/546.

61
يجد ماءً فيتيمّم، وأمّا الوارد في ذيل الآية فالمراد مطلق المسافر، سواء كان محدثاً بالأصغر أو الأكبر .
فإن قلت: قد مرّ الحديث عن الجنب في قوله: (وَلاَ جُنُبًا)، فلماذا ذكره ثانياً في قوله: (أَوْ لاَمَسْتُمُ)؟
قلت: الجُنب في صدر الآية أعمّ حيث إنّ سبب الجنابة لا يختصّ بلمس النساء، بل يحصل بالاحتلام، فصدر الآية أعمّ من ذيلها.
وربما يقال: إنّ المراد من الصلاة المعبد، وعندئذ يكون المعنى: أي لا تقربوا المعبد الذي بُني للصلاة حال كونكم سُكارى إلاّ إذا كنتم متجاوزين دخولاً من باب وخروجاً من باب آخر، فللجنب أن يجتاز المسجد ويحرم عليه المكث فيه إلاّ المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ يحرم فيهما المكث والاجتياز. وعلى هذا تدور الفقرة في بيان حكم الجنب، عند دخوله المسجد.

حكم الطوائف الأربع

وأمّا المحور الثالث: حكم الطوائف الأربع إذا فقدوا الماء، فقال سبحانه:(وَإِنْ كُنْتُمْ):
1. (مَرْضى).
2. (عَلى سَفَر)
3. (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
4. (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).
فظاهر الآية أنّ كلاًّ من العناوين الأربعة، إذا كانوا فاقدين للماء يجب عليهم

62
التيمّم. وبعبارة أُخرى: قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قيد للأربعة جميعاً لا لخصوص الأخيرين.
إنّ كلاًّ من العناوين الأربعة عنوان طريقي إمّا لفقدان الماء كما في العناوين الثلاثة، أو لكون استعماله حرجياً كما في المرضى، وليس للمرض والسفر موضوعية، بمعنى أنّ كلاًّ من المريض والمسافر يجوز لهما التيمّم وإن وجدا الماء أو لم يكن استعماله حرجيّاً، وهذا هو الذي فهمه عامّة المفسّرين إلاّ من شذّ كالشيخ عبده وقد مرّ كلامه في تفسير آية المائدة فلا نعيد.
عليٌّ إمام المتّقين   
وبما ذكرنا تبيّن أنّ القيد راجع إلى العناوين الأربعة، وأنّ المسافر إذا كان واجداً للماء أو المريض إذا كان الماء غير مضر له، يجب عليهما الاغتسال.

المحور الرابع: كيفية التيمّم

ثمّ إنّه سبحانه يذكر كيفية التيمّم ويقول:(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا): أي تحرّوا واقصدوا أرضاً طيّبة (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) والمسح بالوجوه والأيدي لا يتحقّق إلاّ بضرب الكفّين على الأرض، وأمّا أنّه هل تكفي ضربة واحدة أو لكلّ من الوجه والكفين ضربة خاصّة، ظاهر إطلاق الآية كفاية الواحدة للجميع إلاّ أن تدلّ السنّة على التعدّد.
ثم إنّ الباء في قوله: (بِوُجُوهِكُمْ) للتبعيض فيدلّ على عدم وجوب الاستيعاب في مسح الوجوه والأيدي، وأمّا ما هو الحدّ فالآية ساكتة عنه، فيرجع فيه إلى السنّة. وقد مرّ ما هو الحدّ في غسل الوجه.
روى الكليني بسند صحيح عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن التيمّم؟

63
فضرب بيده إلى الأرض ثم رفعها فنفضها، ثم مسح بها جبينه وكفيّه مرّة واحدة.(1)
نعم الآية تدلّ على أنّ صلاة المصلّي بالطهارة الترابية صحيحة لا تحتاج إلى الإعادة ولا القضاء. ثم إنّ الفاضل المقداد قال: وفي الآية أحكام كثيرة... أنهاها إلى 27 حكماً.(2) وفي دلالة الآية على قسم منها تأمّل واضح، فراجع.
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُورًا) فإنّه سبحانه قد رخّص لفاقد الماء عدم الاغتسال حتى يرتفع العذر. لكونه (عَفُوّاً) كثير الصفح والتجاوز، (غَفُورًا): أي كثير الستر على عباده.
***

عليٌّ إمام المتّقين

مَن درس حياة الإمام علي(عليه السلام) عن وعي وبلا رأي مُسْبق، يقف على أنّه(عليه السلام)ترعرع في أحضان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ صباه إلى أن قبض الله سبحانه نبيّه إليه. ونلفت نظر القارئ إلى أمرين:

عليّ ربيب بيت النبوة

إنّ فاطمة بنت أسد أُمّ أمير المؤمنين(عليه السلام) تقول: فولدتُ عليّاً ورسول الله ثلاثون سنة فأحبّه رسول الله حبّاً شديداً وقال لي: اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يلي أكثر تربيته وكان يطهر عليّاً في وقت غسله، ويوجره اللبن عند

1 . الوسائل: 1 الباب 11 من أبواب التيمّم، الحديث 3 .
2 . لاحظ : كنز العرفان: 1 / 30 ـ 31 .

64
شربه ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه(1) في يقظته، ويحمله على صدره ورقبته، ويقول: هذا أخي ووصيّي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يحمله دائماً ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها وفجاجها، صلّى الله على الحامل والمحمول.(2)
   

عدم مفارقة عليّ رسول الله منذ صباه إلى رحيله

يقول ابن هشام: وممّا أنعم الله به على علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) أنّه كان في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل الإسلام. قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما صنع الله له، وأراده من الخير، أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للعبّاس عمّه، وكان من أيسر بني هاشم، يا عبّاس: إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ماترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فنخفّف عنه من عياله، آخذُ من بنيه رجلاً، وتأخذ أنت رجلاً، فنكفلهما عنه. فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنّا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما. قال ابن هشام: ويقال: عقيلاً وطالباً. فأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمّه إليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيّاً، فاتبعه عليّ(رضي الله عنه) وآمن به وصدّقه،

1 . المناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأُمّ صبيّها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. النهاية لابن الأثير: 5 / 88 ، مادة «نغا».
2 . كشف الغمة:1/61ـ 62.

65
ولم يزل جعفر عند العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه.(1)
نعم كان أخذ عليّ ذريعة في الواقع لتربيته على يد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا هو الذي يذكره الإمام (عليه السلام)في خطبته ويقول: «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ (حرّاء) فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا. أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ (رَنَة) الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: «هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْر».(2)
يقول ابن أبي الحديد: فجاور رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حراء في شهر رمضان ومعه أهله خديجة، وعلي بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبرئيل بالرسالة... إلى آخر ما ذكره.(3)
والروايات في هذا الموضوع كثيرة.
ومعنى هذا أنّ عليّاً لم يكن يفارق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ صباه إلى أن رحل إلى ربه. وأمّا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فالله سبحانه أدّبه فأحسن أدبه لم يعبد وثناً ولم يشرب خمراً، عن أبي النعيم في «الدلائل» عن علي(عليه السلام): قيل للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هل عبدت وثناً

1 . السيرة النبويّة:1/245ـ246.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 192، «القاصعة».
3 . شرح نهج البلاغة:13/208.

66
قط؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):لا، قالوا: هل شربت خمراً قط؟ قال: لا.(1)

تحريم الخمر في عامة الشرائع

وروى الكليني بسند صحيح عن الإمام الرضا(عليه السلام):«ما بعث الله نبيّاً قط إلاّ بتحريم الخمر».(2)
وروى الكليني أيضاً عن زرارة عن الإمام الصادق(عليه السلام):«ما بعث الله نبيّاً قط إلاّ وفي علم الله أنّه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً، وإنّما يُنقلون من خصلة إلى خصلة، ولو حُمل ذلك عليهم جُملة لقطع بهم دون الدين».(3)
قال الشيخ البلاغي: معنى هذه الروايات لم تزل حراماً عندالله وفي كلّ دين ولكن قد يستفحل الضلال وحكم الجاهلية في الأُمم إلى أن يروها حلالاً، فإذا بعث الله نبيّاً آخر قد لا يفاجئهم في أوّل نبوّته وتبليغه بتحريمها، لأنّ الحكمة تقتضي أن يتدرّج معهم في بيان المحرّمات ببيان خصلة خصلة، ولو حملهم دفعة على ترك جميع المحرّمات لما انقادوا إلى الدين ولقطع بهم دونه، ويشهد تدرّج القرآن الكريم ببيان أنّ فيها إثماً كبيراً وإثمها أكبر ممّا يزعمه الناس من النفع ، كما مضى في سورة البقرة(الآية:219) وأنّها رجس من عمل الشيطان ليوقع بها العداوة والبغضاء بينهم، كما في سورة المائدة ] الآية 91 [، وما كان كما ذكرناه لابدّ من أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عالماً بتحريمه من أوّل الأمر، ولابدّ في كماله وعصمته وأهليته

1 . كنز العمال: 12 / 406، برقم 35439.
2 . الكافي:1/115، برقم 15.
3 . الكافي:6/395، برقم 3.

67
للنبوّة ودعوتها من أن لا يكون مدّة عمره الشريف قد لوّث قُدسه بشربها قبل النبوّة وبعدها.(1)
هذا هو النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومَن ربّاه في حجره، وهما كالفرقدين في سماء الفضيلة والكرامة، أفيمكن لمثل عليّ أن يفارق معلّمه ومربّيه، فيجتمع مع جماعة عبدوا الصنم في عصر الجاهلية وشربوا الخمر واستمروا عليه طالبين البيان الشافي من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيشرب معهم الخمر، ويكون إماماً لهم فيقرأ قوله تعالى في سورة الكافرون، فيغلط كما رواه القوم.
إنّ لشخينا البلاغي بياناً شافياً في ذلك، حيث يقول: إذن فمن تربّى بتربية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونهج من صغر سنّه نهجه، وتأدّب من طفولته بآدابه، وآمن برسالته من أوّلها، وكان أطوع له(صلى الله عليه وآله وسلم) من ظلّه، كيف يقال في شأنه إنّه كان يشرب الخمر أُمّ الخبائث، والمُوقعة في الفواحش، والسالبة للعقل وشرف الإنسانية، والملحقة للإنسان بمجنون الوحوش.(2)
رواية مجعولة للحطّ من مقام الوصيّ
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ السيوطي نقل الرواية عن جماعة منهم الحاكم، بالنحو التالي: عن عليّ بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدّموني فقرأت: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا

1 . آلاء الرحمن في تفسير القرآن:2/417ـ 418.
2 . آلاء الرحمن في تفسير القرآن: 2 / 417 ـ 418 .

68
تَقُولُونَ)(1)،(2) ولكن يا للأسف أنّ السيوطي أخطأ في روايته عن الحاكم ولم ينقلها صحيحاً، وإليك نصّ ما رواه الحاكم:
عن علي(رضي الله عنه) قال: دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر فحضرت صلاة المغرب فتقدّم رجل فقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فالتبس عليه فنزلت: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).
]وقال بعد الرواية[: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. وفي هذا الحديث فائدة كثيرة وهي أنّ الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)دون غيره، وقد برأه الله منها فإنّه راوي هذا الحديث، وقال الذهبي: صحيح.(3)
أضف إلى ذلك: أنّ الحاكم يرويها عن عبد الرحمن السُّلمي وهو إنسان منحرف عن علي(عليه السلام)، ففي «تهذيب التهذيب» عن الواقدي من أنّ أبا عبد الرحمن السُّلَمي عبد الله بن حبيب شهد مع عليّ صفين ثم صار عثمانياً! أي معادياً لعلي وموالياً لمعاوية.(4)
فما قيمة رواية يرويها العدو في حقّ مَن يعاديه. هذا كلّه يرجع إلى الرواية الأُولى التي نقلها السيوطي في «الدر المنثور»، وأمّا بقية الروايات فحدّث عنها ولا حرج، ففيها تناقضاً في المتن، ففي الرواية الأُوّلى أنّ المضيّف هو عبد الرحمن

1 . النساء:43.
2 . تفسير الدر المنثور: 2 / 165 .
3 . المستدرك على الصحيحين:2/307(الطبعة القديمة)، ج3/1198، برقم 3199، طبعة المكتبة العصرية.
4 . تهذيب التهذيب:5/184.

69
ابن عوف، وعليّ هو الإمام، وفي الرواية الثانية أنّ الإمام هو عبد الرحمن، فلا يمكن الاعتماد على هذه الروايات، والله الحاكم.
إنّ من نسب هذا الأمر الشنيع إلى عليّ، ممّن لم يعرف عليّاً حقّ معرفته، أو عرفه ولكن عاداه، فأراد أن يقرنه إلى من كانت عادته شرب الخمر، حتى يهوّن الأمر عليه، ونعم ما قال علي(عليه السلام) في بعض خطبه، حيث قرنه عمر بن الخطاب مع رجال خمسة هم دون مكانته ومنزلته، قال(عليه السلام):«فَيَالَلّهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إلَى هذِهِ النَّظَائِرِ!».(1)
ثمّ إنّ مَن حقّق الموضوع من علمائنا شيخنا البلاغي في تفسيره القيّم (آلاء الرحمن) وقد صدرنا عن بيانه وإفاضاته.

1 . نهج البلاغة: الخطبة3.

70
 
أحكام الطهارة
      3
   

أحكام الحائض في الذكر الحكيم

الآية الأُولى:
قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَِهّرِينَ)(1).

المفردات

المحيض: من الحيض، وهو في الأصل بمعنى الفيض والسيلان الخفيف من داخل الشيء، كفيضان الصمغ من الشجرة، وفيضان الدم من رحم المرأة، ثم غلب استعماله في المعنى الثاني، وعلى هذا فأُريد من المحيض دم الحيض، بشهادة رجوع الضمير إليه في قوله تعالى:(قُلْ هُوَ أَذًى).
وعلى هذا فالمحيض مصدر كالمجيء والمبيت، بمعنى الحيض. وفي

1 . البقرة:222.

71
الوقت نفسه فهو اسم مكان وزمان، ففي قوله:(عَنِ الْمَحِيضِ) أريد المعنى المصدري، وفي (فِي الْمَحِيضِ)المعنى الثاني أي: مكانه وزمانه.
أذى: فسّر في المفردات بالضرر، فقال: الأذى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر.(1) ولكنّه لا ينسجم مع سائر الآيات، قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَ الاْخِرَةِ)(2).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا)(3).
وقال تعالى: (لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى)(4).
إلى غير ذلك من الآيات التي أُريد منها معنى الإيلام والمنّة لا الضرر، وأمّا المقام فقد أُريد به القذر بشهادة قوله سبحانه في المحرم للحجّ:(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ)(5) وقد فُسّر بالقَمْل في رأس المحرم، والأذى هنا بمعنى القذارة.
وعلى هذا فقد استعمل في الإيلام والمنّة والقذارة، وأمّا الضرر الذي يدّعيه الراغب فلم نعثر عليه في موارد الآيات.
في المحيض: قد مرّ أنّه هنا اسم زمان ومكان، وأُريد مكان الحيض وزمانه، بخلاف قوله:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) فقد أُريد به دم الحيض، كما مرّ.

1 . المفردات للراغب:15، مادة«أذى».
2 . الأحزاب:57.
3 . الأحزاب:58.
4 . البقرة:263.
5 . البقرة:196.

72
يطهرن: بالنقاء، عن خروج الدم، وهذا أمر طبيعي وليس فعلاً اختيارياً، بل ينتهي إليه أمر المرأة طبعاً.
تطهّرن:فعل اختياري يجب تحصيله لمن حصل لها النقاء، وأُريد به إمّا غَسْل الموضع أو الغُسْل أو الوضوء. وهذا يدلّ على أنّه لابدّ من صدور فعل اختياري منها، مضافاً إلى الطهر الخارج عنه.

التفسير

إنّ الداعي إلى السؤال عن هذا الحكم هو، اختلاف الأُمم في معاملة الرجال لزوجاتهم في أيام الحيض، فقد روي أنّ اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، نعم كان النصارى لا يبالون بالحيض وكانوا يجامعون نساءهم، وأنّ أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس.(1)
وأمّا الشريعة الإسلامية فقد اتّخذت موقفاً معتدلاً(وسطاً) وهو أنّها أجازت معاشرتهن وكأنّهن في غير تلك الحالة، إلاّ أنّها نهت عن اقترابهن.
قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ): أي دم الحيض. ثمّ إنّ جهة السؤال مجهولة، ولعلّ السائل سأل عن كيفية المعاشرة أو المجامعة، حسب ما ذكر في الجاهلية، فوافاه الجواب بقوله: (قُلْ هُوَ أَذًى): أي أنّ دم الحيض قذر يلزم أن

1 . تفسير الرازي:6/63.

73
يُجتنب عنه; لذلك رتّب عليه قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ): أي زمان الحيض ومكانه، وبما أنّه ربما يتوهّم منه الاعتزال التام ـ كما في الجاهلية ـ عطف عليه قوله: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ): أي اجتنبوا مجامعتهن في الفرج، فعلم من ذلك كيفية المعاشرة مع النساء في المحيض، وأنّه لا فرق بين الحالتين إلاّ في أمر الدخول فيحرم ولا يحرم سائر الالتذاذات.
ثمّ إنّه سبحانه حدّد منع المقاربة بأمرين:
1. (حَتَّى يَطْهُرْنَ) وهذا عمل طبيعي وحالة طارئة على المرأة بعد انقضاء أيام العادة بالنقاء.
2. (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) وهذا فعل اختياريّ قائم بالمرأة، فيدل على أنّ المنع ينتفي بأمرين: النقاء من جانب المرأة، والثاني قيام المرأة بالتطهّر، وهو مردّد بين غسل موضع الحيض أو الوضوء أو الغُسْل، كما سيأتي.
وممّا ذكرنا يظهر أنّه لا تعارض بين الفعلين لأنّ الأوّل أمر طبيعي خارج عن الاختيار، والأمر الثاني فعل اختياري للمرأة. فعلى ظاهر الآية أنّ النقاء الذي هو فعل خارج عن الاختيار لا يكفي إلاّ أن يُضم إليه فعل من جانب المرأة.
قوله تعالى: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) إنّ لفظ (حَيْثُ) يدلّ على المكان، فيحتمل أن يكون المراد بالأمر بالاعتزال هو الوارد في قوله سبحانه: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ). وعلى هذا فمعنى الفقرة: يجوز لكم إتيان النساء من المكان الذي أُمرتم بالاعتزال عنه، وهو الفرج. يقول الطبرسي: معناه: من حيث أمركم الله بتجنّبه في الحيض وهو الفرج.(1)

1 . مجمع البيان:2/117.

74
نعم الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة، كقوله سبحانه: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ)(1). الوارد بعد النهي عن اقتراب النساء في ليالي شهر رمضان مطلقاً، حيث أحلّه في لياليه كما قال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ).
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) من الذنوب (وَيُحِبُّ الْمُتَطَِهّرِينَ) إمّا طهارة ظاهرية بالماء، أو طهارة واقعية من الذنوب.
ولعلّ وصفه بأنّه (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) إشارة إلى قبول توبة مَن لم يمتلك نفسه في تلك الحالة وجامع زوجته، ثم تاب عن ذلك فالله يقبل توبته.
كما أنّ وصفه بأنّه(يُحِبُّ الْمُتَطَِهّرِينَ) إشارة إلى أنّ النهي عن اقتراب النساء في المحيض، لأجل تطهير المؤمن، والله يحب المتطهّرين.

الآية الثانية:

قال سبحانه:(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لاِنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).(2)
قبل الدخول في حكم الآية نفسّر لفظ «حرث»: وهو إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع، ويُسمّى المحروث ـ أي الأرض المعدّة للحرث ـ أيضاً حرثاً، قال الله تعالى:(أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ).(3)

1 . البقرة:187.
2 . البقرة:223.
3 . القلم:22.

75
وصلة الآية بما قبلها واضحة، لأنّ الآية السابقة منعت الأزواج عن مقاربة النساء وقت المحيض، فناسب أن يمنّ الله سبحانه على عباده برفع المنع بالتطهّر كما قال: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)لأنّ الغرض النهائي من النكاح ليس هو إشباع الغريزة الجنسية فقط، بل المراد منه التناسل، فإنّ لكلّ إنسان رغبة في بقاء نسله فقوله: (حَرْثٌ)يحتمل وجهين:
1. المعنى المصدري أي نثر البذور.
2. أُريد به المحروث، فيطلق على الأرض المعدّة للزرع والغرس، قال سبحانه:(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ)(1): أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها.
والمعنى الثاني هو الأفضل، فإذا كانت النساء محروثة للرجال، فخاطبهم سبحانه بقوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ): أي جيئوا إلى محروثكم، وقال الطبرسي:(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) أي:موضع حرثكم(2)، (أَنّى): أي أيّ زمان (شِئْتُمْ) والقرينة على أنّ (أنّى) هنا زمانية هو أنّهم منعوا من نثر البذور في أيام الحيض، فجاء البيان القرآني يرشد إلى أنّ المنع يختصّ بهذا الزمان، وأمّا غيره فلكم إتيانهن في أي زمان شئتم. وعلى هذا تكون (أنّى) زمانية لا مكانية، وهذا هو المتبادر من الآية بقرينة السياق. وقد صرّح في لسان العرب ومجمع البحرين بأنّ اللفظة تطلق ويراد بها الزمان.(3)

1 . الأنعام:138.
2 . مجمع البيان:2/118.
3 . لسان العرب:2/135; مجمع البحرين:6/210.

76
وحاصل الآية: أنّكم مُنعتم من إتيان النساء في زمان خاصّ، فإذا انقضى ذلك الزمان فأتوهن في أي زمان من الأزمنة، وهذا هو مفاد الآية.
بقي هنا احتمالان بعيدان وهما:
1. أنّ (أنّى) بمعنى من أين، كما في قوله سبحانه في خطاب زكريا لمريم: (أَنّى لَكِ هَذَا)(1) أي: من أين؟ وهذا القول منسوب إلى سيبويه حسب ما نقله القرطبي. وما ذكره صحيح في مورد الآية لكنّه بعيد عن سياق آيتنا، إذ ليس لسان الآية، لسان استفهام، بل مفاده الأمر.
2. أنّ (أنّى) مكانية، ولو فسّرت بهذا يحمل على ما ورد في شأن النزول، حيث قالت اليهود: إنّ الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها خرج الولد أحول، فكذّبهم الله، عن ابن عباس وجابر. وقيل: أنكرت اليهود إتيان المرأة قائمة وباركة، فأنزل الله إباحته،عن الحسن.(2)
وكون الآية بصدد بيان هذا بعيد عن أدب القرآن الكريم.
ربما ينسب إلى مالك أنّه استدلّ بقوله سبحانه: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنى شِئْتُمْ)بجواز إتيان النساء من الدبر، قال الطبرسي: استدلّ مالك بقوله: (أَنّى شِئْتُمْ) على جواز إتيان المرأة في دبرها، ورواه نافع عن ابن عمر، وحكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر.(3)
والمسألة يستدلّ عليها تارة بالآية، وأُخرى بالروايات.

1 . آل عمران:37.
2 . مجمع البيان:2/118.
3 . مجمع البيان:2/120.

77
أمّا الثانية فهي خارجة عن موضوع بحثنا، إنّما الكلام هو الاستدلال بالآية، فنقول: ما نسب إليه غير تام، وذلك لما تقدّم أنّ لفظة (أنّى) في الآية زمانية لا مكانية، والاستدلال مبني على كونها مكانية. وسياق الآية يدلّ على خلاف ما اختاره، حيث يقول:(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ): أي فأتوا موضع حرثكم، ومن المعلوم أنّ محلّ الحرث هو القبل لا الدبر، فالاستدلال بالآية ساقط.
قوله تعالى:(وَقَدِّمُوا لاِنْفُسِكُمْ) فلو قلنا بأنّ المراد: الولد والنسل; لأنّ الولد الصالح خير الدنيا والآخرة، فيكون دليلاً آخر على أنّ المراد من قوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ) هو الإتيان في القبل في أي زمان، فإنّ تقديم ما ينفع غداً من الأولاد لا يتحقّق إلاّ إذا كان المراد ما ذكرنا. نعم ربما يفسّر بالمعنى الأعمّ فيشمل العمل الصالح.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ) لعلّه تحذير لمن يقع في معصية الله في أيام الحيض، ولذلك يقول بعده: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ): أي تلاقونه يوم القيامة، فيجازيكم على البر والإثم، وفي مقابل ذلك يأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) الذين يأتمرون أوامر الله تعالى ويجتنبون عن نواهيه.

جواز إتيان النساء بالنقاء عن الدم وعدمه

هل يجوز إتيان النساء بالنقاء عن الدم؟ يمكن استظهار حكمه من الآية بالبيان التالي:
إنّ قوله سبحانه: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) قرئ بتخفيف «الطاء». نعم قرأ أهل الكوفة ـ غير حفص ـ بتشديد «الطاء» والموجود في المصحف هو التخفيف، فيكون «يطهرن» من طهرت المرأة في مقابل «طمثت» فالتقابل (بين يطهرن، و تطهّرن)

78
يؤيّد قراءة التخفيف في اللفظة الأُولى، فعلى هذا فالمنع في إتيان النساء يكون محدّداً بطهرهن في مقابل طمثهن، فإذا حصل النقاء ارتفع الطمث، وتحقّق الطهر.
والذي يصدّ المفسّر عن الإفتاء بجواز الإتيان بمجرد النقاء، الفقرة التالية بعدها حيث يقول: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) فإنّ التشديد في الفعل يدلّ على لزوم شيء زائد وراء الطُهر، فتكون الآية دالّة على لزوم تحصيل أمر وراء النقاء، وعندئذ يقع الكلام ما هو هذا الشيء، فهل هو غسل الموضع أو اغتسال المرأة؟ وعلى كلّ تقدير فمجرّد النقاء لا يكفي حسب سياق الآيات، لما مرّ من الاختلاف بين (يَطْهُرْنَ) الذي هو فعل خارج عن الاختيار و(تَطَهَّرْنَ)الذي هو فعل اختياري.
هذا على ضوء الكتاب، وأمّا دراستنا على ضوء سائر الأدلّة فنطرح أقوال الفقهاء ثم نسرد الروايات.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا انقطع دم الحيض جاز لزوجها وطؤها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقلّ الحيض أو في أكثره، وإن لم تغتسل.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر مدّة الحيض وهو عشرة أيام حلّ وطؤها، ولم يراع غسل الفرج، وإن انقطع دون العشرة أيام لم يحل ذلك إلاّ بعد أن توجد ما ينافي الحيض، وهو أن تغتسل أو تتيمم وتصلّي، فإن تيمّمت ولم تصل لم يجز وطؤها، فإن خرج عنها الوقت ولم تصل، جاز وطؤها.
وقال الشافعي: لا يحل وطؤها إلاّ بعد أن تستبيح فعل الصلاة إمّا بالغسل مع وجود الماء أو التيمّم عند عدمه، فأمّا قبل استباحة الصلاة فلا يجوز وطؤها على

79
حال.(1)
أمّا ما أفتى به أبو حنيفة فقد أورد عليه المحقّق الأردبيلي في «زبدة البيان»، فقال: أمّا مذهب أبي حنيفة على ما ذكره في الكشّاف،(2) فبعيد عن الآية كثيراً ولا وجه له، وهو أنّه إن كان لأكثر الدّم فيحرم إلى انقطاع الدّم، وفي أقلّه إلى بعد الغسل أو بعد مضيّ وقت صلاة كاملة، مع أنّه بقي حكم الوسط إلاّ أن يُريد بالأقل غير الأكثر أو العكس.(3)
وأمّا فتوى الشافعي فلعلّ ما ذكره تفسير لقوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)، ولكنّه لم يذكر مصدراً لتفسيره من حديث أو أثر، هذا كلّه حول الآية والأقوال، وأمّا المرويّ عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فهو على أصناف ثلاثة:

الأوّل: ما يدلّ على الجواز مطلقاً، نظير:

1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «إذا انقطع الدم ولم تغتسل، فليأتها زوجها إن شاء».
ورواه أيضاً علي بن يقطين عن أبي عبد الله(عليه السلام) مثله.(4)
2. ما رواه عبد الله بن المغيرة، عمّن سمعه، عن العبد الصالح(عليه السلام) في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمسّ الماء فلا يقع عليها زوجها حتّى تغتسل، وإن

1 . الخلاف:1/228، المسألة196.
2 . تفسير الكشّاف:1/266.
3 . زبدة البيان:1/65.
4 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث3 وذيله.

80
فعل فلا بأس به، وقال: «تمسّ الماء أحبّ إلي».(1)
3. ما رواه عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن الحائض ترى الطهر، أيقع بها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال:«لا بأس، وبعد الغسل أحبّ إليّ».(2)

الصنف الثاني: ما يدلّ على المنع، نظير:

1. ما رواه الشيخ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن امرأة كانت طامثاً فرأت الطهر، أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: «لا حتّى تغتسل»، قال: وسألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوماً واثنين، أيحلّ لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ قال: «لا يصلح حتّى تغتسل».(3)
2. وما رواه الشيخ ـ أيضاً ـ عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضّأ من غير أن تغتسل، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال:«لا، حتّى تغتسل».(4)
وصناعة الفقه تقتضي حمل الصنف الثاني على الكراهة، بشهادة ما في الصنف الأوّل من قوله(عليه السلام):«وبعد الغسل أحبّ إليّ».
ومحور كلا الصنفين هو لزوم الاغتسال وعدمه، والجمع الذي ذكره لا إشكال فيه، إنّما الكلام في تفسير قوله سبحانه: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) لأنّه يقتضي أنّ

1 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث4.
2 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث5.
3 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث6.
4 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث7.

81
عليها أمراً آخر وراء النقاء وهذا ما نجد جوابه في روايات الصنف الثالث.

الصنف الثالث: ما يدلّ على تقييد الجواز بغسل الموضع، نظير:

1. ما رواه الكليني بسنده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) في المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيّامها؟ قال:«إذا أصاب زوجها شبق، فليأمرها فلتغسل فرجها، ثم يمسّها إن شاء قبل أن تغتسل».(1)
2. وروى الشيخ بإسناده عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن رجل يكون معه أهله في السفر فلا يجد الماء، يأتي أهله؟ فقال: «ما أحبّ أن يفعل ذلك إلاّ أن يكون شبقاً أو يخاف على نفسه».(2)
وهاتان الروايتان صالحتان لتقييد الصنفين السابقين، فيقيّد ما دلّ على الجواز بهما، كما يقيد المنع بهما كذلك. وهذا القول لا يخلو من قوّة، وهو خيرة الشيخ الصدوق.(3) نعم أورد عليه في «الجواهر» بقوله: «لا يخفى عليك قصوره عن مقاومة ما ذكرنا من وجوه متعدّدة، لا سيما بعد كون الغالب عدم الشبق، فيبعد حمل تلك المطلقات على تقييد هذا الخبر».(4)
أمّا الشبق فليس أمراً غير غالب خصوصاً في الشباب بعد الامتناع عن الوطء أيام الحيض.
وعلى كلّ تقدير فالذي يصدّنا عن القول بالجواز مطلقاً هو قوله

1 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث1.
2 . الوسائل:2، الباب27 من أبواب الحيض، الحديث2.
3 . من لا يحضره الفقيه:1/53.
4 . جواهر الكلام:3/269.

82
سبحانه:(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) ، ومن العجب أنّ الشيخ الطوسي فسّر (تَطَهَّرْنَ) وقال بمعنى طهرن; لأنّ تفعل يجيء بمعنى فعل.(1) وتبعه صاحب الجواهر فقال: أن(تفعّل) بمعنى «فعل» قيل ومنه المتكبّر في أسماء الله تعالى، بمعنى الكبير.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المتكبّر من أوصافه سبحانه بمعناه الحقيقي، وهو حقّ له; لأنّه هو الذي تلبّس بالكبرياء وظهر به، فإذا كان الكبر هو الحالة التي توجب إعجاب المرء بنفسه ورؤية ذاته أكبر من غيره، لاترى لذلك الوصف حقيقة إلاّ في ذاته سبحانه، حيث له الكبرياء والعظمة دون غيره.
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الأحوط لو لم يكن الأقوى، لزوم غسل المحلّ وتطهيره قبل اللقاء، وهو القدر المتيقّن من الروايات.

1 . الخلاف:1/229، المسألة 196.
2 . جواهر الكلام:3/207.

83
 
أحكام الطهارة
      4
حكم المشرك في الذكر الحكيم
قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(1)

المفردات

نجس: قال الفيومي: نجس ـ بالكسر ـ اسم فاعل، و ـ بالفتح ـ وصف بالمصدر. يقال: نجس الشيء نجساً فهو نجس من باب تعب، إذا كان قذراً غير نظيف.(2)
وقال الراغب: النجاسة: القذارة وذلك ضربان:
ضرب يُدرك بالحاسّة.
وضرب يُدرك بالبصيرة.

1 . التوبة:28.
2 . المصباح المنير:2/594، مادة «نجس».

84
والثاني وصف الله تعالى به المشركين، فقال:(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)ويقال: نجّسه أي جعله نجساً.(1)
العيلة: الفقر، يقال: عال يعيل إذا افتقر. قال الشاعر:
وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغنيُّ متى يعيل
روى المفسّرون في شأن نزول الآية أنّ عليّاً(عليه السلام) نادى في سنة تسع من الهجرة وقال: لا يَحجّن بعد هذا العام مشرك. ثم صار ذلك ثقيلاً على المسلمين فإن منعَ المشركين عن الحجّ يوجب ضرراً اقتصادياً في تجارة أهل مكّة، فجاء الوحي الإلهي يؤمنهم بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً)أي فقراً وحاجة، وكانوا قد خافوا انقطاع المتاجر، بمنع المشركين من دخول الحرم (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ): أي فسوف يغنيكم الله من جهة أُخرى، إن شاء أن يغنيكم، بأن يرغّب الناس من أهل الآفاق في حمل الميرة(2) إليكم، رحمة منه ونعمة عليكم.(3)
التفسير
وقبل تفسير الآية نقدّم أُموراً:

الأوّل: في أصناف الكافرين

يُقسّم الكافر إلى مشرك وغير مشرك، والمشركون هم عُبّاد الأصنام

1 . المفردات للراغب:483، مادة «نجس».
2 . الميرة: الطعام الذي يدخره الإنسان.
3 . مجمع البيان:5/41.

85
والأوثان، من غير فرق بين كون الوثن سماوياً أو أرضياً; فعبّاد النجوم مشركون، كما أنّ مشركي قريش الذين كانوا يعبدون الأصنام المنصوبة على البيت، مثلهم.
ثمّ إنّ أهل الكتاب ومن في حكمهم كاليهود والنصارى والمجوس فهم ـ في مصطلح القرآن ـ ليسوا بمشركين ـ وإن كان شرك النصارى أشدّ من شرك عُبّاد الوثن ـ ومع ذلك فالقرآن يفرّق بينهما يقول سبحانه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)(1)، وقال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)(2).
والذي يهمّنا بالبحث عنه هنا هو حكم المشرك من حيث الطهارة والنجاسة لاختصاص الآية به، فخرج اليهود والنصارى والمسلم المرتدّ والنواصب والخوارج عن مصبّ بحثنا. فيطلب حكم هؤلاء بالرجوع إلى المصادر الفقهية.

الأمر الثاني: في نجاسة المشرك وطهارته

إنّ فقهاء الإسلام، في نجاسة المشرك وطهارته، على أقوال:
الأوّل: ذهب فقهاء أهل السنّة ـ إلاّ القليل ـ إلى طهارتهم، ونقل الشيخ في «الخلاف» عن الشافعي قوله: لا بأس باستعمالها(الأواني) ما لم يعلم فيها نجاسة، وبه قال أبو حنيفة ومالك.(3)
قال الرازي: أمّا جمهور الفقهاء فإنّهم حكموا بكون الكافر طاهراً في جسمه. ثم إنّ الرازي أورد على الحنفية ما هذا حاصله، يقول: قال أبو حنيفة

1 . المائدة:82 .
2 . البينة:1.
3 . لاحظ: الخلاف:1/70، المسألة 167، كتاب الطهارة.

86
وأصحابه: أعضاء المحدث نجسة، نجاسة حكمية، وبنوا عليه أنّ الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس.
ثمّ إنّهم قالوا: المشرك طاهر وزعموا أنّ المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة، والمياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، وهذا من العجائب.(1)
الثاني: أنّ نجاسة المشركين نجاسة عرضية; لأنّهم يتناولون الميتة والخمر ولا يجتنبون النجاسات الشرعية، وإلاّ فالمشركون طاهرون بالذات نجسون بالعرض.
وقد نقل القول بها عن جماعة من أصحابنا، منهم:
1. ابن أبي عقيل العمّاني، حيث حكي عنه عدم نجاسة سؤر اليهود والنصارى.(2) وقال في «الجواهر»: لعلّه لعدم نجاسة القليل عنده بالملاقاة إذ السؤر عند الفقهاء ـ على ما قيل ـ : الماء القليل الذي لاقاه فم حيوان أو جسمه.(3)
أضف إلى ذلك: أنّ كلامه هنا إنّما في أهل الكتاب فلا يستنبط منه حكم المشرك، فإنّ نجاسة أهل الكتاب أخفّ من نجاسة المشرك.
2. ابن الجنيد، فقد حكي عن مختصر ابن الجنيد قوله: أنّه لو تجنّب من أكل ما صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم، وكذلك ما وضع في أواني مستحلّ

1 . تفسير الرازي:6/25.
2 . لاحظ: مدارك الأحكام:2/295.
3 . جواهر الكلام:6/42.

87
الميتة ومؤاكلتهم ما لم يتيقّن طهارة أوانيهم وأيديهم، كان أحوط.(1)
ولا يخفى أنّ كلامه غير صريح في النجاسة العرضية. فإنّما يدلّ على أنّ الأحوط الاجتناب عن ذبائح أهل الكتاب وأوانيهم ما لم يتيقّن طهارتها، وهو أعمّ من القول بالنجاسة الذاتية أو العرضية.
3. المفيد في المسائل الغرية، وقد حكاه المحقّق في «المعتبر» عنه، حيث قال بالكراهة.(2) وفي «الجواهر»: لعلّه أراد من الكراهة، الحرمة.(3)
4. الشيخ الطوسي في نهايته، فإنّه قال: ويُكْره أن يدعو الإنسان أحداً من الكفّار إلى طعامه فيأكل معه، فإن دعاه فليأمره بغسل يديه، ثم يأكل معه إن شاء.
وقد حمل كلامه على الطعام الجاف، كالتمر والخبز; وذلك لأنّه قال قبل ذلك ما هو صريح في الحكم بنجاستهم، قال: ولا تجوز مؤاكلة الكفّار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلاّ بعد غسلها بالماء، وكلّ طعام تولاّه بعض الكفّار بأيديهم وباشروه بنفوسهم، لم يجز أكله، لأنّهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إيّاه.(4)
5. صاحب المدارك(المتوفّى 1009هـ): حيث إنّه ناقش في دلالة قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، كما أنّه بعد ما نقل كلتا الطائفتين من الروايات قال: ويمكن الجمع بين الأخبار بأحد أمرين: إمّا حمل هذه (الأخبار الدالّة على

1 . جواهر الكلام:6/42.
2 . لاحظ: المعتبر:1/96.
3 . جواهر الكلام:6/41.
4 . النهاية:580 و590.

88
الطهارة) على التقيّة، أو حمل النهي في الأخبار المتقدّمة على الكراهة.
ثمّ رجّح الثاني ببعض الأُمور، وفي نهاية كلامه استظهر أنّ في صحيحة إسماعيل بن جابر إشعاراً بأنّ النهي عن مباشرتهم للنجاسة العرضية.(1)
مورد الروايات التي يشير إليها صاحب المدارك، هو أهل الكتاب، فتردّده فيهم لا يكون دليلاً على تردّده في المشرك، فتدبر.
6. الفيض الكاشاني(المتوفّى 1097هـ)، فإنّه بعد ذكر الأخبار قال: وقد مضى في باب طهارة الماء خبر في جواز الشرب من كوز شرب منه اليهودي، والتطهير من مسّهم ممّا لا ينبغي تركه.(2) وفيه دلالة على رجحان التطهير منه لا لزومه.
وربما يكون بين المتأخّرين قائل بالنجاسة العرضية، ولم نقف عليه.
***

الثالث: القول بالنجاسة الجعلية الاعتبارية

القول بالنجاسة الذاتية بالجعل الشرعي هو القول المشهور بين الإمامية، وكفى في ذلك ما ننقله عن المرتضى وغيره.
قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكلّ كافر، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وحكى الطحاوي عن مالك في سؤر النصراني والمشرك:«أنّه لا يتوضّأ به» ووجدت المحصّلين من أصحاب مالك يقولون: «إنّ ذلك على سبيل الكراهة لا التحريم» لأجل استحلالهم الخمر

1 . مدارك الأحكام:2/298ـ 299.
2 . الوافي:6/211، ذيل الحديث31.

89
والخنزير، وليس بمقطوع على نجاسته، فالإمامية منفردة بهذا المذهب».(1)
فإن قلت: إنّ كلامه في مورد أهل الكتاب لا المشركين.
قلت: يدل بالأولوية على نجاسة المشرك.
وقال المحقّق البهبهاني: إنّ القول بالنجاسة الذاتية شعار الشيعة، يعرفه منهم علماء العامّة وعوامهم ونساؤهم وصبيانهم، بل وأهل الكتاب فضلاً عن الخاصّة.(2)
ثمّ إنّ صاحب الجواهر تلقّى كون المسألة على مرتبة من الظهور حيث قال:وكيف كان فتطويل البحث في المقام تضييع للأيام في غير ما أعدّها له الملك العلاّم.(3)
ولعلّ هذا المقدار من نقل الكلمات كاف في إثبات الشهرة.
إنّما المهم لنا في هذا المقام استظهار الحكم من الآية، والاستدلال بها على المقصود، وإليك البيان.
فنقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: تفسير الآية وإيضاحها.
الثاني: عرض الأقوال على مفاد الآية.
أمّا الأوّل: فلأنّ قوله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) من قبيل حصر الموصوف على الصفة، وكأنّه لا ماهية ولا واقعية للمشرك سوى كونه نجساً، وأمّا

1 . الانتصار:10.
2 . جواهر الكلام:6/42.
3 . جواهر الكلام:6/44.

90
ما ربما يظهر من الرازي أنّه من قبيل حصر الوصف على الموصوف فهو غير تام، حيث قال: إنّ قوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) يدلّ على فساد هذا القول، لأنّ كلمة (إِنَّمَا) للحصر، وهذا يقتضي أن لا نجس إلاّ المشرك، فالقول بأنّ أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النصّ، والعجب أنّ هذا النص صريح في أنّ المشرك نجس وفي أنّ المؤمن ليس بنجس.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ قول القائل: «إنّما الطائي سخيّ» بصدد بيان حصر واقع الطائي على السخاء، لا حصر السخاء على الطائي.
وعلى هذا فالمشرك بوجوده يجسد النجاسة والقذارة، وليس له واقعية غيرها، فعندئذ نعرض الأقوال على هذا المعنى المستفاد من الآية.

عرض الآراء على مفاد الآية

1.جعل القذارة المعنوية كجعلها على الميسر.(2)
أقول: لو أُريد هذا فمعنى ذلك أنّ المشرك مع أنّه قذر ونجس يجوز مؤاكلته ومشاربته، ومن المعلوم أنّ هذين الأمرين لا ينسجمان، إذ لا يترتّب على جعل القذارة المعنوية أي أثر، ويُعدّ الكلام الثاني نقضاً للكلام الأوّل. فأين حصر واقع المشرك بالقذارة والنجاسة ومع ذلك يجوز أن يتعامل معه كالتعامل مع المسلم الطاهر المطهَّر.
2. القذارة العرفية التي يعرفها كلّ الناس، وهذا أيضاً غير صحيح، ومخالف

1 . تفسير الرازي:16/25.
2 . في قوله سبحانه:(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة:90).

91
للواقع، فإنّ المشركين لا يختلفون عن سائر الطوائف نظافة.
3. النجاسة العرضية، بأن يقال: بأنّ حصر حقيقتهم بالنجاسة، لكونهم يمارسون النجاسات الشرعية.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الآية أنّ النجاسة لا تفارق المشركين ولو كانت عرضية لفارقت في ظرف دون ظرف.
4. النجاسة الشرعية الجعلية، فإنّ الآية وإن كانت جملة خبرية، ولكنّها بصدد إنشاء الحكم، إذ ليس الإخبار من وظائف الشرع، بل من وظائفه جعل الحكم.
فيكون معنى الفقرة: أنّ المشركين عين القذارة ظاهراً وباطناً، فلذلك منعوا من الدخول إلى المسجد الحرام; لأنّ المسجد مركز الطاهرين المطهّرين، لا لمثل هؤلاء.
ربما يطرح سؤالان تجب الإجابة عنهما:
الأوّل: إنّ حمل المصدر على الذات غير صحيح، فلابدّ من تقدير كلمة بأن يقال: إنّما المشركون ذوو نجس، وعلى هذا يسقط الاستدلال المبني على كون الكافر مجسِّداً للقذارة.
يلاحظ عليه: أنّ حمل المصدر على الذات لا يصحّ حقيقة، ولكن يصحّ ادعاءً ومبالغة، كقول الخنساء في صفة الناقة الفاقدة لولدها:

92
ترتاع ما نسيت حتى إذا ذكرت *** فإنّما هي إقبال وإدبار(1)
الثاني: ما ذكره صاحب المدارك ـ ويظهر من غيره ـ قال: إنّ النجس لغة المستقذر، قال الهروي في تفسير الآية: يقال لكلّ مستقذر نجس، والمستقذر أعمّ من النجس بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، والواجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية عند انتفاء المعنى الشرعي، وهو غير ثابت هنا.(2)
يلاحظ عليه:أنّه ليس للنجس إلاّ معنى واحد عرفاً وشرعاً، يقول ابن فارس: أصل صحيح يدلّ على خلاف الطهارة، وشيء نَجِسٌ ونَجَسٌ: قذر، والنَّجَس: القَذَر وليس ببعيد أن يكون منه قولهم: الناجس: الداء لا دواء له. قال ساعدة الهذلي:
والشيب داءٌ نجيسٌ لا دواء له *** للمرءِ كان صحيحاً صائب القُحَمِ(3)
وعلى هذا فالإشكال مبني على أنّ لها معنيين عرفي وشرعي. فالآية تدل على الأوّل دون الثاني، ولكنّه غير تام; لأنّ النجس والنجاسة كسائر الألفاظ مثل البيع والإجارة والرهن والنكاح والطلاق له معنى واحد، والشارع عندما أمضى هذه الحقائق العرفية أمضاها بما عند العرف من المعنى، غير أنّه أخرج مصاديق

1 . هذا البيت للخنساء ترثي بقصيدتها أخاها صخراً، ولكنّها تُشير في هذا البيت إلى ناقة فقدت ولدها بموت أو نحر، فضنّت بلبنها، فلأجل أن تدر اللبن يحشون جلد ولدها بالتبن ويقربوه منها حتى تشمه، وتظنه ولدها فيدر لبنها، ولذلك قالت:
ترتاع(الضمير المستتر) يعود إلى الناقة التي عرفت وصفها (ما نسيت) ولدها (حتى إذا ذكرت) ولدها، فتتوجه إليه. فتارة تقبل به تظن انّه ولدها وتدبر إذا نسيت كونه ولدها.
2 . مدارك الأحكام:2/294ـ295.
3 . المقاييس:5/393ـ394، مادة «نجس».القُحَم جمع القحمة: الأمر الشاقّ والأمر المكروه.

93
عن تحت بعض العناوين وأدخل بعضاً آخر، فأخرج بيع الكلب والخنزير عن قوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)، وعلى هذا فالنجس في الآية بالمعنى العرفي، ولكن الشارع تصرّف في المصاديق وجعل المشرك من مصاديق هذا المعنى، لكن العرف كان غافلاً عنه.
كما أخرج عن النجس القيح والقيء، فإنّهما قذران عرفاً دون الشرع.
وما ذكرناه هو الطريقة الواضحة في أسماء العبادات والمعاملات، فالقول بالحقيقة الشرعية مقابل الحقيقة العرفية يحتاج إلى دليل.
ويدلّ على ذلك أنّ الشرع يتكلّم بلغة العرف، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(1).

الاحتجاج بالروايات(2)

احتجّ القائلون بالنجاسة بالروايات الصحيحة الدالّة على النجاسة، وفي مقابلها ما يستفاد منه الطهارة، لكن مصبّ هذه الروايات ـ نجاسة وطهارة ـ هو المجوس واليهود والنصارى، وعند ذلك لا وجه للبحث عن هاتين الطائفتين، ووجه الجمع بينهما لاختلاف موضوعهما، إنّما اللازم تفسير بقية الآية. وقد مرّ الإيعاز إليه عند نقل كلام صاحب المدارك.
قال تعالى: (فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(3).

1 . إبراهيم:4.
2 . هذه الروايات مبثوثة في: الوسائل:2، الباب14 من أبواب النجاسات، والباب53، 54 من أبواب الأطعمة المحرمة، فلاحظ.
3 . التوبة:28.

94
ثمّ إنّ النهي عن الاقتراب كناية عن دخولهم نفس المسجد أو الحرم، والوجه عن النهي هو حفظ عقائد المسلمين من التأثّر بآراء المشركين وعقائدهم، ثمّ إنّ الآية تكفّلت ببيان حكم المسجد الحرام.

المنع في الآية مختصّ بالمسجد الحرام

وأمّا حكم سائر المساجد فربما يقال بأنّه يُعلم بإلغاء الخصوصية، فإنّ علّة المنع من الدخول في المسجد ـ مضافاً إلى ما قلناه ـ هو احترام المسجد الحرام عند الله، وليس من شكّ أنّ كلّ مسجد هو محترم عند الله; لأنّه منسوب إليه جلّت عظمته والحكم يدور مع علّته إثباتاً ونفياً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الغاء الخصوصية إنّما يصحّ إذا ثبت الحكم في الأضعف أو في المساوي، وأمّا إذا ثبت الحكم في الأقوى فلا يمكن القول بإلغاء الخصوصية وإسراء الحكم إلى الأضعف ولعلّ للأقوى ـ أعني: المسجد الحرام ـ خصوصية ليست في غيره من المساجد.
وعلى هذا فالآية مختصّة بالمسجد الحرام.
نعم يمكن الحكم بالمنع عن مطلق المساجد بأنّ المشرك جنب بلا إشكال ودخوله المسجد حرام ـ بناءً على أنّهم محكومون بالفروع ـ وإدخالهم وتسهيل الأمر لهم للدخول، إعانة على الإثم، ولو تمّ هذا الدليل لعمّ الحكم مطلق الكافر حتى أهل الكتاب فإنّهم كفّار وليسوا بمشركين حسب مصطلح القرآن، كما مرّ، لكن الوجه الجامع بين المشرك وغيره هو كونهم جنباً.

1 . التفسير الكاشف:4/28.

95
ثمّ إنّه سبحانه يقول:(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً): أي فقراً(فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ).

خوف المسلمين الجُدَد من أمرين:

1. لمّا مُنع المشركون من المشاركة في الحجّ، بل حتى الدخول في المسجد، ضجّ جمع من المسلمين، بأنّ هذا المنع سوف يؤثّر على مصالحهم الاقتصادية، فجاء البيان القرآني بأنّكم إن خفتم عيلة، أي فقراً بمنع مشاركة قبائل كثيرة من الحجّ فإنّ الله سيغنيكم عن ذلك، وقد حقّق سبحانه وعده إذ أسلم أغلب المشركين في الجزيرة العربية، فحملوا الطعام والميرة إلى مكّة المكرّمة، خصوصاً اليمنيّين فقد جاءوا بالقوت الكثير.
2. كانوا يخافون من الاختطاف أيضاً فيقولون لو آمنا، يتخطّفنا العرب والعشائر المقيمون خارج الحرم، والله سبحانه يرد عليه بقوله: (وَ قَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(1).
والآية ترد عليهم بأنّ الله سبحانه يرد عنهم كيد الاختطاف، كما يضمن إجباء الثمرات عليهم.
توضيحه: أنّ جماعة من المكيّين يخاطبون النبي بأنّ قولك حقّ، ولكن يمنعنا أن نتّبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطّفنا العرب من أرضنا، ولا طاقة لنا بالعرب، فقال سبحانه رادّاً عليهم هذا القول: أو لم نجعل لهم مكّة أمناً

1 . القصص:57.

96
وأماناً ودفعنا عنهم؟ أفلا نقدر على دفع ضرر الناس عنهم لو آمنوا؟ فحالة الإيمان والطاعة أولى بالأمن والسلامة.
أو لا يرون أنّه تجبى إليهم ثمرات كلّ أرض وبلد، إعطاءً من لدنّا، ولكن أكثرهم لا يعلمون ما أنعمنا به عليهم.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ): أي عليم بأحوال عباده وحكيم في أحكامه.
وفي نهاية المقام نذكر كلمة: إنّ جعل النجاسة عليهم والحكم بكونهم نجساً إنّما هو لغاية الحيلولة بينهم وبين المشركين ومنعاً عن الاختلاط، فإنّ التعايش والاحتكاك يؤثّر، خصوصاً إذا كان أحد الطرفين متمتّعاً بالنعم والشهوات التي تميل إليها النفوس، فينجذب الشباب إليها، فتجويز الاختلاط يجرّ المسلمين ـ خصوصاً شبابهم ـ إلى اقتراف المحرّمات شيئاً فشيئاً، ومن المعلوم أنّه لو دام هذا النوع من المعاشرة سلب المسلمين اهتمامَهم بصيانة دينهم وشريعتهم ويكونوا معتادين لما عليه العدو، فمَن قرأ تاريخ سقوط الأندلس المسلمة بيد الصليبيّين يقف على أنّهم دخلوا في حياة المسلمين عن طريق فتح باب المعاشرة والمجالسة في محافل تسود فيها الشهوات واللذائذ المادّية وتُنسى فيها الحواجز الشرعية. فالإلحاد عملاً، يؤثّر في الإلحاد عقيدة، قال سبحانه:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)(1).
***
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).(2)

1 . الروم:10.
2 . ق:37.

97
    أحكام الطهارة
5

حكم الخمر تكليفاً ووضعاً في الذكر الحكيم

قال تعالى:(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(1)

المفردات

الخمر: اختلفت كلمة المفسّرين في معنى الخمر، هل هو المتّخذ من العنب، أو يعمّ كلّ مسكر؟ والأكثر على الثاني.
1. قال الطبري: الخمر كلّ شراب خمّر العقل فستره، وغطّى عليه، وهو من قول القائل: خمرتُ الإناء إذا غطّيته، ومن ذلك: خمار المرأة، وذلك لأنّها تستر به رأسها وتغطّيه.(2)
2. قال الزجّاج: وتأويل الخمر في اللغة أنّه كلّ ما ستر العقل، يقال لكلّ ما ستر الإنسان من شجر وغيره، وخمار المرأة قناعها.(3)
3. قال ابن دريد: الخمر معروفة، وإنّما سمّيت خمراً لأنّها تخامر العقل، أي

1 . المائدة:90.
2 . تفسير الطبري:1/276.
3 . معاني القرآن:1/291.

98
تخالطه وتداخله.(1)
4. قال الفيّومي: ويقال: هي اسم لكلّ مسكر خامر العقل أي غطّاه.(2)
5. قال الراغب: هو عند بعض الناس اسم لكلّ مسكر، وعند بعضهم اسم للمتّخذ من العنب والتمر.(3)
6. قال الفيروز آبادي: الخمر ما أسكر من عصير العنب، أو عام كالخمرة، والعموم أصحّ; لأنّها حُرّمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلاّ البسر والتمر.(4)
7. وقال الطريحي: والخمر فيما اشتهر بينهم كلّ شراب مسكر، ولا يختصّ بعصير العنب.(5)
8 . وفي «مجمع اللغة»: الخمر الشراب المسكر، وقد سمّي العنب خمراً لأنّه يؤول إليها.(6)
والظاهر من الأكثر هو أنّه اسم للأعم، ويؤيّده قسم من الروايات:
1. صحيح ابن الحجّاج عن الصادق(عليه السلام): «الخمر من خمسة أشياء: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبِتع من العسل، والمزر من الشعير، والنبيذ من

1 . الجمهرة:2/213.
2 . المصباح المنير:1/182، مادة «خمر».
3 . المفردات للراغب:159، مادة «خمر».
4 . القاموس المحيط:2/23، مادة «خمر».
5 . مجمع البحرين:3/292، مادة «خمر».
6 . مجمع اللغة، مادة «خمر».

99
التمر».(1)
2. روى الشيخ في «التهذيب» عن الحسين الحضرمي، عمّن أخبره، عن علي بن الحسين(عليهما السلام)قال:«الخمر من خمسة أشياء: من التمر والزبيب والحنطة والشعير والعسل».(2)
3. روى الشيخ الطوسي في الأمالي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «أيّها الناس إنّ من العنب، خمراً، وإنّ من الزبيب خمراً،
وإنّ من التمر خمراً، وإنّ من الشعير خمراً، ألا أيّها الناس! أنهاكم عن
كلّ مسكر».(3)
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على أنّ (الخمر اسم لكلّ ما يُسكر); نظير ما رواه عطاء بن يسار عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ مسكر حرام، وكلّ مسكر خمر».(4)
الميسر: يطلق على القمار، وأُطلق عليه ذلك لكونها عبارة عن الاستيلاء على مال الغير بيُسر.
الأنصاب: الأوثان، وهو جمع النصب; لأنّها كانت منصوبة للعبادة.
الأزلام: قمار خاص تكفّل ببيانه علماء التفسير، وقد ورد في القرآن الكريم مرّتين: أوّلاً في أوّل سورة المائدة، وثانياً في المقام.

1 . الوسائل:16، الباب1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.
2 . الوسائل:16، الباب1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث2.
3 . الوسائل:16، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث4.
4 . الوسائل:16، الباب15 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث5.

100
رجس: قال الخليل: كلّ شيء يستقذر فهو رجس.(1)
قال الفيومي: الرجس: النتن، والرجس: القذر.
قال الفارابي: وكلّ شيء يستقذر فهو رجس. وقال النقّاش: الرجس: النجس، قال في البارع: وربما قالوا الرجاسة والنجاسة، أي جعلوهما بمعنى واحد، وقال الأزهري: النجس القذر الخارج من بدن الإنسان، وعلى هذا فقد يكون الرجس والقذر والنجاسة بمعنى، وقد يكون القذر والرجس بمعنى غير النجاسة.(2)
وقال المديني: في الدعاء: أعوذ بك من الرجس النجس.
إنّهم إذا بدأوا بالنجس ولم يذكروا الرجس فتحوا النون والجيم، وإذا بدأوا بالرجس ثم أتبعوه بالنجس، كسروا النون، ومعنى الرجس: القذر. وقد يعبّر به عن الحرام.(3)

التفسير

اتّفق المسلمون على حرمة الخمر تكليفاً، ولم يصدّهم تعاطي ذوي الشوكة من بني أُميّة وبني العباس عن الإفتاء بالحقّ.
وبما أنّ كثيراً منهم كانوا متهالكين في شرب الخمر، ربما يجعلون عدم

1 . كتاب العين:6/52، مادة «رجس».
2 . المصباح المنير:1/266، مادة «رجس».
3 . المجمع المغيث:1/739، ط. دارالمديني جدّة.
وقد صدرنا في نقل قسم من الكلمات عن المعجم في فقه لغة القرآن وسرّ بلاغته:المجلد 23، الصادر عن مجمع البحوث الإسلامية في العتبة الرضوية، مشهد ـ إيران.

101
التنصيص بالحرمة على شرب الخمر دليلاً على عدم حرمتها. هذا علي بن يقطين قال: سأل المهديّ أبا الحسن(عليه السلام) عن الخمر، هل هي محرمة في كتاب الله؟ فإنّ الناس يعرفون النهي عنها، ولا يعرفون التحريم لها؟ فقال له أبو الحسن(عليه السلام):«بل هي محرّمة في كتاب الله يا أمير المؤمنين»، فقال: في أيّ موضع محرّمة هي في كتاب الله جلّ اسمه يا أبا الحسن؟ فقال: «قول الله عزّ وجلّ:(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(1) فأمّا قوله: (مَا ظَهَرَ) يعني الزنا المعلن ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الإثم: فإنّها الخمر بعينها، وقد قال الله عزّ وجلّ في موضع آخر:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)(2)».(3)

نجاسة الخمر

إنّما الكلام في الحكم الوضعي أي النجاسة، فالمشهور بين الإمامية هي النجاسة، فذهب الشيخ المفيد والطوسي والمرتضى وأكثر الأصحاب إلى أنّها نجسة العين.(4)
وقال الشيخ بهاء الدين: أطبق علماء الخاصّة والعامّة على نجاسة الخمر إلاّ شرذمة منّا ومنهم، ولم يعتدّ الفريقان بمخالفتهم.(5)

1 . الأعراف:33.
2 . البقرة:219.
3 . الوسائل:16، الباب9 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث13.
4 . مدارك الأحكام:2/290.
5 . الحبل المتين:1/442.

102
وأراد من الشرذمة جماعة منهم:
1. ابن أبي عقيل، قال: مَن أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما، لأنّ الله تعالى إنّما حرّمها تعبّداً لا لأنّهما نجسان، وكذلك سبيل العصير والخل إذا أصاب الثوب والجسد.(1)
2. الشيخ الصدوق(رحمه الله) قال: ولا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر، لأنّ الله عزّ وجلّ حرّم شربها ولم يحرّم الصلاة في ثوب أصابته.(2)
3. المحقّق الأردبيلي، وصاحب المدارك، والخوانساري(3) من المتأخّرين، غير أنّ ظاهر الأوّلين هو التردّد والتشكيك.
وعلى كلّ تقدير فالمعتمد هو الدليل.
أمّا الآية فقد ثبت في قسم المفردات أنّ الرجس والنجس بمعنى واحد، وهو ما يستقذر منه.
وقد تقدّم في دراسة نجاسة المشركين أنّه ليس هناك للفظ معنيان،
معنى لغوي ومعنى شرعي، بل الموضوع له واحد غير أنّ للشارع التصرّف
في المصاديق بإدخال ما لا يعرفه العرف رجساً وإخراج ما يعرفه العرف
نجساً.
وبما ذكرنا يتمّ الاستدلال بالآية على نجاسة الخمر; لأنّ الرجس يعادل

1 . مدارك الأحكام:2/290، نقلاً عن مختلف الشيعة:1/469.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/74، الباب16.
3 . وهو الحسين بن جمال الدين (المتوفّى1099هـ)، مؤلّف: مشارق الشموس في شرح الدروس، والتعليقة على الروضة البهية.

103
النجس شرعاً.
بقي الكلام في أمر واحد، وهو ما ذكره صاحب المدارك وقال:يشكل إرادة المعنى الشرعي من الآية لأنّه يقتضي نجاسة الميسر والأنصاب والأزلام لوقوعه خبراً عن الجميع، ولا قائل به.(1)
وأجاب عنه صاحب الجواهر بوجهين:
1. ولعلّه لا ينافيه وقوعه مع ذلك خبراً عن الأنصاب والأزلام، لإمكان أن يراد به بالنسبة إليهما المستقذر عقلاً من باب عموم المجاز.
2. على أنّه يمكن بل هو الظاهر دعوى كونه خبراً عن الخمر خاصّة، فيقدّر حينئذ لهما خبراً، ولا يجب مطابقة المحذوف والموجود وإن كان دالاًّ عليه، كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعيّن حينئذ كون الرجس بمعنى النجس.(2)
وحاصل الوجه الأوّل أنّ لفظ رجس استعمل في معنيين: النجاسة الشرعية بالنسبة إلى الخمر، والاستقذار العقلي بالنسبة إلى غيرها.
وعلى كلّ تقدير فلو لم نستظهر دلالة الآية على وجه القطع على نجاسة الخمر، ففي الروايات المتضافرة بل المتواترة غنى وكفاية. وربما بلغ عددها قريباً من عشرين خبراً، وفيها الصحيح والموثّق.(3)
وها نحن نستعرض ما هو المهم من كلتا الطائفتين، ثم نشير إلى وجه

1 . مدارك الأحكام:2/291.
2 . جواهر الكلام:6/4.
3 . لاحظ:جواهر الكلام:6/7.

104
الجمع أو الطرح بإذن الله سبحانه.

ما يدلّ على النجاسة

1. ما رواه الكليني باسناده عن عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله(عليه السلام)عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنّه يأكل الجريّ أو يشرب الخمر فيرده، أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال:«لا يصلّي فيه حتى يغسله».(1) وكأنّ نجاسة الخمر كانت أمراً مسلّماً بين السائل والمجيب.
2. ما رواه الكليني باسناده عن يونس، عن بعض من رواه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صليت فيه فأعد صلاتك».(2)
3. ما رواه الكليني باسناده عن خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل(عليه السلام)أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير، أيصلّى فيه أم لا؟ فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه فإنّ الله إنّما حرّم شربها، وقال بعضهم: لا تصلّ فيه، فكتب(عليه السلام): «لا تصلّ فيه، فإنّه رجس».(3)
4. ما رواه الكليني عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن الفقّاع؟

1 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث1. الجريّ والجرّيث نوع من السمك النهري يقال له «ثعبان الماء».
2 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث3.
3 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث4. خيران الخادم ثقة من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام)، وأُريد بالرجل، الإمام علي الهادي(عليه السلام).

105
فقال: «لا تشربه فإنّه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله».(1)
5. ما رواه الشيخ باسناده عن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لا تصلّ في بيت فيه خمر ولا مسكر، لأنّ الملائكة لا تدخله، ولا تصلّ في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل».(2)
6. وفي «قرب الإسناد» عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن النضوح يجعل في النبيذ، أيصلح أن تصلّي المرأة وهو في رأسها؟ قال:«لا، حتى تغتسل منه».(3)
7. ما رواه بإسناده عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الدنّ، يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال:«إذا غسل فلا بأس وعن الإبريق وغيره يكون فيه خمر، أيصلح أن يكون فيه ماء، قال:«إذا غسل فلا بأس».
وقال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرّات، وسئل أيجزيه أن يصبّ فيه الماء؟ قال:«لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات».(4)
8 . ما رواه عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن عبد الله بن الحسن،

1 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث5.
2 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث7.
3 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث15.النضوح ضرب من الطيب.(مجمع البحرين)
4 . الوسائل:2، الباب51 من أبواب النجاسات، الحديث1. كامخ: جمعه كوامخ، إدام يؤتدم به وخصّه بعضهم بالمخلِّلات التي تستعمل لتشهي الطعام.تاج العروس:4/306، مادة «كمخ».

106
عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن الشرب في
الإناء يشرب فيه الخمر قدح عيدان(1) أو باطية(2)، قال:«إذا غسله فلا
بأس».(3)
9. وبالاسناد نفسه قال: وسألته عن دنّ الخمر، يجعل فيه الخل، أو الزيتون أو شبهه؟ قال: «إذا غسل فلا بأس».(4)
10. تضافرت الروايات على نزح ثلاثين دلواً إذا وقعت في البئر قطرة دم أو نبيذ مسكر.(5)
هذه عشرة كاملة اقتصرنا بها، وفيها كفاية.
وقد ذكر البحراني من الأحاديث ما يناهز 16 حديثاً.(6)

ما يدلّ على الطهارة

وفي المقام روايات تدلّ على الطهارة، نذكر منها ما يلي:
1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أصاب ثوبي نبيذ، أُصلّي فيه؟ قال: «نعم»، قلت: قطرة من نبيذ قطّر في حبّ، أشرب منه؟ قال: «نعم، إنّ أصل النبيذ حلال، وإنّ أصل الخمر

1 . قدح عيدان: قدح من الخشب.(الصحاح:2/514، مادة«عود»).
2 . الباطية من الزجاج عظيمة تُملأ من الشراب وتوضع بين الشَّرْب يغرفون منها ويشربون.(لسان العرب:14/74، مادة «بطا»).
3 . الوسائل:17، الباب30 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث5.
4 . الوسائل:17، الباب30 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث6.
5 . لاحظ: الوسائل:1، الباب15 من أبواب الماء المطلق.
6 . لاحظ: الحدائق الناضرة:5/99ـ103.

107
حرام».(1)
والسؤال والجواب ناظران إلى النبيذ وهو عند العامّة حلال وطاهر.
قال المجلسي: لعلّ المعنى أنّ عصير التمر والزبيب لا يحرمان بالغليان ما لم يُسكرا، بخلاف عصير العنب، فإنّه يحرم بمحض الغليان، وإن لم يكن مُسكراً، فهذا مؤيّد لحمل الشيخ، والحمل على التقيّة في هذا الحديث أظهر، لاشتهار حلّيّة النبيذ وطهارته بين العامّة، فالمراد بأصل النبيذ والخمر هما قبل خلطهما بماء القدر.(2)
2. ما رواه الشيخ عن الحسين بن أبي سارة، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إن أصاب ثوبي شيء من الخمر، أُصلّي فيه قبل أن أغسله؟ قال: «لا بأس، إنّ الثوب لا يسكر».(3) والتعليل حاك عن التقيّة، فإنّه ظاهر أنّ الإمام(عليه السلام) بصدد إقناع السائل، وإن كان تعليلاً غير حقيقي.
3. ما رواه الشيخ عن عبد الله بن بكير قال: سأل رجل أبا عبد الله(عليه السلام) ـ وأنا عنده ـ عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب؟ قال:«لا بأس».(4)
4. ما رواه الشيخ عن الحسين بن أبي سارة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون فيمرّ ساقيهم فيصبّ على ثيابي الخمر؟ فقال:«لا بأس به، إلاّ أن تشتهي أن تغسله

1 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث9.
2 . ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار:2/428ـ 429.
3 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث10.
4 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث11.

108
لأثره».(1)
5. روى الصدوق في الفقيه، قال: سُئل أبو جعفر وأبو عبد الله(عليهما السلام) فقيل لهما: إنّا نشتري ثياباً يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها، أنصلّي فيها قبل أن نغسلها؟ فقالا: «نعم، لا بأس، إنّما حرّم الله أكله وشربه، ولم يحرّم لبسه ومسه والصلاة فيه».(2)
6. وروى عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد»... عن عليّ بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي، أغسله أو أُصلّي فيه؟ قال:«صلّ فيه إلاّ أن تقذّره فتغسل منه موضع الأثر، إن الله تعالى إنّما حرّم شربها».(3)
7. ما رواه الشيخ بإسناده عن علي الواسطي قال: دخلت الجويرية ـ وكانت تحت عيسى بن موسى ـ على أبي عبد الله(عليه السلام)، وكانت صالحة، فقالت: إنّي أتطيّب لزوجي، فيجعل في المشطة التي امتشط بها، الخمر، وأجعله في رأسي؟ قال:«لا بأس».(4)
إذا عرفت ذلك فنقول: الحقّ الذي يجب أن يتّبع هو الأخذ بالطائفة الأُولى لجهات:

1 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث12.
2 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث13. الودك: الدسم من اللحم والشحم. و«حاكتها» أي عند من يقوم بحياكتها.
3 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث14.
4 . الوسائل:17، الباب37 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث2.المِشطة: لُمّة من الصوف، يدخلها الزوج في الخمر وتجعلها الزوجة في رأسها ليبدو شعر رأسها كثيراً.

109
الأُولى: موافقتها للكتاب العزيز، فقد مرّت دلالته على نجاسة
الخمر.
الثانية: كونها أكثر عدداً وأقوى سنداً، حتى أنّ الشيخ حسن صاحب المعالم اقتصر على ما يدلّ على النجاسة، قال صاحب الجواهر: ولقد أجاد الشيخ حسن في المنتقى على ما نقل عنه حيث اقتصر عليها في أدلّة النجاسة، وفيها تصديق لما رواه الشيخان في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن (1)، الذي هو ممّن أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصحّ عنه، وأقرّوا له بالفقه والعلم.(2)
الثالثة: عمل المشهور بالطائفة الأُولى وإعراضهم عن الثانية، وقد مرّ أنّ العامل بها قليل جدّاً، كما مرّ كلام شيخنا البهائي في «الحبل المتين»، أنّه أطبق علماء الخاصّة والعامّة على نجاسة الخمر إلاّ شرذمة منّا ومنهم، ولم يعتدّ الفريقان بمخالفتهم.
الرابعة: أنّ بين الروايات أقوى شاهد على أنّ الطائفة الثانية وردت
تقيّة.
1. روى الكليني عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب عبد الله بن
محمد إلى أبي الحسن(عليه السلام): جعلت فداك، روى زرارة عن أبي جعفر وأبي
عبد الله(عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل، أنّهما قالا: «لا بأس بأن يصلّي فيه، إنّما حرم شربها».
وروي عن (غير) زرارة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:إذا أصاب ثوبك خمر

1 . لاحظ: الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث3. وقد مرّ برقم 2 في أدلّة الطهارة.
2 . جواهر الكلام:6/9.

110
أو نبيذ ـ يعني المسكر ـ فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك، فاعلمني ما آخذ به؟ فوقع (عليه السلام) بخطّه، وقرأته: «خذ بقول أبي عبد الله(عليه السلام)».(1)
ومن المعلوم إرادة قوله المنفرد عن قول أبيه، وإلاّ فكلا القولين قوله، والأخذ بهما جميعاً ممتنع، والتخيير غير مقصود، على أنّه لو كان المراد قوله مع أبيه لكان ينبغي إسناده إليهما معاً أو إلى أبي جعفر(عليه السلام) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.(2)
وفي الرواية إيماء إلى أنّ القول الآخر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تقيّة; وذلك لأنّ الرمي بالنجاسة من أشدّ ما يكره على الطبع وأعظم ما يرد على النفس، ولا كذلك التحريم، خصوصاً بالقياس إلى السلاطين الذين لا يتحاشون عن المحرّمات.
فإن قلت: إنّ القول بالنجاسة قول مشهور بين فقهاء العامّة، فلو كان الإفتاء بالنجاسة صدر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تقيّة لأجل كون الحكام في تلك الأيام مولعين بشرب الخمر والمتهالكين عليها، فلماذا لم يتق علماؤهم حيث أفتوا بالنجاسة؟
قلت: قد أجاب عنه صاحب الجواهر بقوله: واشتهار الفتوى بالنجاسة بين علمائهم لا ينافي ذلك، إذ لم يكن عليهم فيه تقية، بل كانوا يتظاهرون بخلاف ما هم عليه، ويجاهدونهم بالردّ والكفاح ولا يراقبونهم في ذلك، بل كان ذو الشوكة

1 . الوسائل:2، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث2.
2 . جواهر الكلام:6/8ـ9.

111
منهم يتحمّله ولا يبالى به، لعلّه بأنّ ذلك لا يحدث فتقاً في سلطانه، ولا يهدم
ركناً في بنيانه، إذ لم يكن فيهم من يرشح نفسه للإمامة و الخلافة الكبرى
والرئاسة العظمى إنّما كانت التقية على أئمّة الحقّ(عليهم السلام)المحسودين للخلق،
وهم الذين لا يدانيهم في الفضل أحد، والذين ورد عليهم من حسد أئمّة الجور ما قد ورد.(1)

حكم الكحول الرائجة في الطبابة

الكحول جمع الكحل ويعبّر عنه باللغة الانجليزية بـ alcohol، فهل هو كالخمر حرام ونجس، أو حرام وليس بنجس؟
أمّا أنّه حرام فلأنّه سمّ من السموم القاتلة، فهو يقتل من شربه بلا شك.
إنّما الكلام في كونه نجساً، هنا احتمالان:
1. مقتضى القاعدة طهارته، لأنّ الحرمة علقت بالمسكر وهو في هذه الحالة ليس بمسكر، بل هو في الحقيقة سم لا يمكن شربه.
نعم لو مُزج بالماء وصار رقيقاً يوصف بالإسكار ومن المعلوم أنّ الحكم على المسكر بالفعل، لا المسكر بالقوّة، وعند الشك يحكم عليه بالطهارة، أخذاً بقوله: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر».
2. قول بالتفصيل وهو أنّه لو أخذ وصنع من مايع مسكر يحكم عليه بالنجاسة; وإن أخذ وصنع من جامد، فهو محكوم بالطهارة. ولعلّ هذا القول أفضل من الأوّل، إنّما الكلام في تخصيص الموجود فهل الكحل الرائج في الأدوية من

1 . جواهر الكلام:6/10.

112
القسم الأوّل أو الثانى؟ ولابدّ من الرجوع إلى المتخصّصين في صنعها والتوقّف في إصدار الحكم بأحد الطرفين قبل الوقوف على كيفية الصنع، والله العالم بحقائق الأُمور.
***
تمّت آيات أحكام الطهارة
وتليها آيات أحكام الصلاة

113

الفصل الثاني:

أحكام الصلاة في الذكر الحكيم

1. أوقات الصلاة في الذكر الحكيم.
2. استقبال الكعبة في الذكر الحكيم.
3. صلاة المسافر في الذكر الحكيم.
4. صلاة الخوف في الذكر الحكيم.
5. صلاة المطاردة في الذكر الحكيم.
6. صلاة الجمعة في الذكر الحكيم.
7. الجهر والمخافتة في الصلاة.
8. التسليم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهّد.
9. الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن.
10. سجود التلاوة.

114
 

115
 
أحكام الصلاة
      1
أوقات الصلاة في الذكر الحكيم   

أوقات الصلاة في الذكر الحكيم

لزوم الاهتمام بالصلاة في أوقاتها

الصلاة فريضة موقوتة، جاءت مواقيتها في الكتاب العزيز وتفاصيلها في السنّة المطهّرة. قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)(1). وهي عليهم فرض في وقت وجوبها(2)، ومعنى ذلك لزوم الاهتمام بإتيانها في أوقاتها.
وأمّا السنّة:
1. فقد روى الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام)، قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):لا ينال شفاعتي غداً لمَن أخّر الصلاة المفروضة بعد وقتها».(3)
2. روى الصدوق عن الإمام الرضا، عن آبائه(عليهم السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على مواقيت الصلوات الخمس، فإذا

1 . النساء:103.
2 . التبيان:3/312ـ 313.
3 . أمالي الصدوق:326، برقم 15.

116
ضيّعهن اجترأ عليه فأدخله في العظائم».(1)
3. روى أبان بن تغلب، قال: صلّيت خلف أبي عبدالله (عليه السلام)بالمزدلفة، فلمّا انصرف التفتَ إليّ، فقال: «يا أبان، الصلوات الخمس المفروضات، مَن أقام حدودهنّ، وحافظ على مواقيتهنّ لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنّة; ومَن لم يقم حدودهن، ولم يحافظ على مواقيتهنّ، لقي الله ولا عهد له، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له ».(2)
4. روى الصدوق عن جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة، كيف محافظتهم عليها؟ وعند أسرارهم، كيف حفظهم لها عن عدونا؟ وإلى أموالهم: كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ».(3)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وأنّ مَن صلّى صلاة الفريضة لوقتها فليس هو من الغافلين، وأمّا مَن استهان بأوقاتها، فهو من الذين ذمّهم سبحانه بقوله: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(4)
فيجب على المسلم التعرّف على أوقات الصلاة: أوقات الفضيلة، وأوقات الإجزاء حتّى يكون من الذاكرين. وهذا ما نتناوله تالياً:

1 . الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 13 .
2 . الوسائل: 2، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب المواقيت، الحديث 16 .
4 . لاحظ : الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب المواقيت ، الحديث 19 .

117

مواقيت الصلوات في الذكر الحكيم

قد تضمّن الذكر الحكيم مواقيت الصلاة في غير واحدة من الآيات، وفسّرتها السنّة النبوية وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فلندرس الآيات، ثم نأتي بما في السنّة بإذن الله سبحانه.

الآية الأُولى:

قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(1).

المفردات

اللام في «دلوك الشمس» إمّا:
«لام تعليل» أي بسبب «زوال الشمس» أو بمعنى «عند» نظير قول
القائل: كتبتهُ لخمس خلون من شهر كذا، أي عند الخمس، والثاني هو
الأظهر .
الدلوك: بمعنى زوال الشمس عن كبد السماء، وهو قول الأكثر، وشذّ مَن فسّره بغروب الشمس. حكى القرطبي عن ابن عطية: الدلوك هو الميل ـ في اللغة ـ فأوّل الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يُسمّى دلوكاً لأنّها في حالة ميل.(2)

1 . الإسراء: 78 .
2 . الجامع لأحكام القرآن: 10 / 304، دار الفكر.

118
وقال الشيخ ابن عاشور: الدلوك بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فرضي في طريق مسيرها اليومي.(1)
وعلى ما ذكره العلمان يصدق الدلوك ما دامت الشمس مائلةً عن وسط السماء إلى جانب الغرب، فالجميع دلوك، ولا يختص الميل بأوّل الزوال. وعلى هذا يكون وقت الظهرين ممتداً مادام الدلوك متحقّقاً.
غسق: اختلفت كلمة اللغويين والمفسّرين في تفسير الغَسَق على أقوال:
أ. ظلمة أوّل الليل، قاله في القاموس، وهو أحد القولين في اللسان، ونقل الشيخ الطوسي في «التبيان» عن ابن عباس وقتادة أنّهما قالا: هو بدءُ الليل.(2)
ب. الظلمة، ذكره قولاً واحداً في مقاييس اللغة (مادة غسق)، وفي اللسان جعله أحد القولين، وحكى الشيخ الطوسي في «التبيان» عن الجُبّائي أنّ غسق الليل ظلمته، وهو خيرة صاحب التفسير الكاشف.(3)
والفرق بين المعنيين واضح، فإنّ بدء الليل لايلازم الظلمة الكاملة الّتي يشير إليها المعنى الثاني.
ج. الظلمة الشديدة الّتي تمتد إلى نصف الليل وهو خيرة الأزهري، قال: غسق الليل تراكم الظلمة واشتدادها (4). وفي المفردات غسق الليل: شدة ظلمته. (5) وهو المروي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وهو خيرة بعض المفسّرين .

1 . التحرير والتنوير: 14 / 144، نشر مؤسسة التاريخ .
2 . التبيان: 6 / 509 .
3 . التفسير الكاشف: 5 / 73 .
4 . مفاتيح الغيب: 21 / 27 .
5 . مفردات الراغب: 360، مادة «غسق».

119
روى ابن إدريس عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن المفضّل، عن محمد الحلبي، عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)في قوله: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)قال: دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل: انتصافه، وقرآن الفجر: ركعتا الفجر».(1)
روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: سألته عمّا فرض الله من الصلاة؟ فقال: «خمس صلوات في الليل والنهار»، فقلت: هل سمّاهنّ الله وبيّنهنّ في كتابه؟ فقال: «نعم، قال الله عزوجل لنبيه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)ودلوكها زوالها، ففي ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربعة صلوات سمّاهن وبيّنهنّ ووقّتهنّ، وغسق الليل انتصافه، وقال: (وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ)»(2).
قُرْآنَ الْفَجْرِ: منصوب بفعل مقدّر: أي أقم قرآن الفجر، أُريد به صلاة الفجر تسمية للشيء ببعض أجزائه، أعني: قراءة القرآن فيها، ولا منافاة مع لزوم القرآن في غيرها(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) فإنّها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. هذا ما يرجع إلى بيان مفردات الآية وتوضيحها .

التفسير

إنّ في الآية دلالة على امتداد وقت الصلوات الأربع من الزوال إلى الغسق، فتكون أوقاتها موسّعة; لأنّ اللام في قوله: (لِدُلُوكِ) بمعنى «عند» و (إلى) في قوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) «للانتهاء»، فيكون معنى الآية: إنّ وقت الصلوات ممتدٌ من

1 . الوسائل: 4، الباب 10 من أبواب المواقيت، الحديث 10 .
2 . تهـذيـب الأحكام: 2 / 24، الباب 12، الحديث 23 .

120
الزوال إلى ذهاب الشفق أو إلى نصف الليل على الخلاف في معنى الغسق، وقد عرفت ما عليه أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في معناه، فتكون النتيجة: أنّ إتيان الصلوات الأربع أداءٌ بين الحدّين، وأنّ كلّ جزء منه صالح له .
وبعبارة أُخرى : إنّ الزمان المحدّد بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت للصلوات الأربع، فله أن يصلي الظهر في أية ساعة من ساعات الحد المذكور، كما له أن يأتي بالعصر كذلك.
هذا هو ظاهر الآية، وهو حجّة للفقيه ما لم يدلّ دليل على التضييق، فعندئذ تُرفع اليد بمقدار الدليل، وفي غيره يكون الظاهر حجّة ومرجعاً.
نعم إنّ السنّة الشريفة قيّدت إطلاق الآية من جهتين:
1. خصّت ما بين الدلوك وغروب الشمس من اليوم بالظهرين، كما خصّت ما بين غروبها إلى غسق الليل بالعشائين.
2. جعلت مقدار أربع ركعات من أوّل الظهر وقتاً مختصاً بصلاة الظهر، فلا تصحّ صلاة العصر فيه، كما خصّت مقدار أربع ركعات من آخر الوقت لصلاة العصر فلا تصحّ فيه غيرها.
ونظير الظهرين العشاءان، فمقدار ثلاث ركعات من أوّل المغرب وقت مختصّ لصلاتها، كما أنّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت وقت مختصّ بصلاة العشاء.

الآية الثانية:

قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ

121
الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)(1).

المفردات

طرفي النهار: عبارة عن الغدوة والعشية، والمراد من الطرف الأوّل الفجر إلى الدلوك وفيه إشارة إلى صلاة الفجر، ومن الطرف الثاني دلوك الشمس إلى آخر النهار، وهو إشارة إلى وقتي الظهر والعصر.
الزلف: جمع زُلفى كالظُلَم جمع ظلمة. (والزلفة) من أزلفه: إذا قرّبه.
والزلف القريب من الليل الساعات الأُولى منه، سمِّيت بذلك لقربها من النهار، والمراد بها هنا المغرب والعشاء.

التفسير

هذه الآية ـ كالآية السابقة ـ تتضمّن بيان أوقات الصلوات الخمس: أمّا الفجر والظهر والعصر، فلقوله:(طَرَفَيِ النَّهَارِ)، وأمّا المغرب والعشاء فلقوله (زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) .
فعلى ما ذكرنا يكون قوله: (وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) عطفاً على قوله:(طَرَفَيِ النَّهَارِ): أي أقم الصلاة طرفي النهار،وأقم الصلاة زلفاً من الليل.
والآية ـ كسابقتها ـ تدلّ على سعة الوقت، وأنّ طرفي النهار وقت للصلوات الثلاث، فالطرف الأوّل لصلاة الصبح، والطرف الثاني لصلاتي الظهر والعصر، وأمّا

1 . هود: 114 .

122
الساعات الأُولى من الليل، فهي وقت العشاءين. وهذا الظهور حجّة ما لم يدلّ دليل على التحديد.
***

الآية الثالثة:

قال سبحانه: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ)(1).
والمعنى: تنزيهاً لله تعالى عمّا لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات نقص أو ما ينافي عظمته، في الإصباح والإمساء والإظهار وفي العشيّ، وأنّ ما في السماوات والأرض من خلق وأمر، يستدعي حمده سبحانه والثناء لله سبحانه.
وقد ذهب جملة من المفسّرين إلى أنّه سبحانه أشار في هاتين الآيتين إلى الصلوات الخمس، وفي الوقت نفسه ذهب آخرون إلى أنّها راجعة إلى مطلق التحميد والتسبيح .
قال أُستاذنا السيد محمد حسين الطباطبائي: يظهر أن المراد بالتسبيح والتحميد معناهما المطلق دون الصلوات اليومية المفروضة، كما يقول به أكثر القائلين بكون القول مقدّراً، والمعنى: (قولوا: سبحان الله، وقولوا: الحمد لله)، فالتسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من غيره، حتّى يكون

1 . الروم: 17 ـ 18 .

123
المعنى: (قولوا: سبحان الله، وقولوا: الحمد لله)، فقد تكرّر في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه، كقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1)، وقوله: (تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ)(2).(3)
وعلى فرض صحّة ما ذهب إليه جملة من المفسّرين من أنّ الآيتين تشيران إلى الصلوات الخمس، فنقول: إنّ لهم في تفسير مفرداتها أقوالاً، نذكر منها أوضحها:
1. (حِينَ تُمْسُونَ): أي حين تدخلون في وقت المساء، وهو ما بعد الظهر إلى قبل المغرب،(4) فيكون إشارة إلى صلاة العصر.
2. (حِينَ تُصْبِحُونَ): أي تدخلون في الصبح فيكون إشارة إلى صلاة الفجر.
3. (حِينَ تُظْهِرُونَ): في حين تدخلون في وقت الظهيرة، وقد يكون إشارة إلى صلاة الظهر.
4. (عَشِيًّا): أي وفي العشيّ، وإنّما عدل من الفعل إلى الاسم; لأنّه لم يُبنَ منه فعل من باب الإفعال، بخلاف المساء والصباح والظهيرة حيث بني منها الإمساء والإصباح والإظهار بمعنى الدخول في المساء والصباح والظهيرة. والعشيّ: آخر النهار.

1 . الصافات: 180 .
2 . الفرقان:1.
3 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 16 / 160 ـ 161 .
4 . لسان العرب: 15 / 281، مادة «مسى» .

124
وعلى هذا فقوله: (عَشِيًّا) تشير إلى صلاتي المغرب والعشاء، لا إلى صلاة العصر، كما ذهب بعضهم، لأنّها لا تناسب وقت العشيّ الّذي مرّ بيانه.
فالآية تشير إلى تفريق الصلوات في الأوقات الأربعة بخلاف آية دلوك الشمس وآية طرفي النهار; لأنّ آيتنا هذه، أفردت الوقت لقوله تعالى:(حِينَ تُظْهِرُونَ) عن وقت العصر لقوله: (حِينَ تُمْسُونَ)أفضل دليل على جواز جمع العشائين لقوله: (عَشِيًّا) ولا ترفع اليد منها إلاّ بدليل.
***

الآية الرابعة:

قال تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)(1).
ومعنى الآية: فاصبر على ما يقولون من أنّك ساحر أو شاعر فإنّه لا يضرّك، وأقبِلْ على ما ينفعك فعله وهو ذكر الله، و «الباء» في : (بِحَمْدِ رَبِّكَ) للملابسة، أي سبِّح حامداً ربّك، في فترات من الليل والنهار.
وما ذُكر في الآية من التسبيح مطلق لا دلالة فيها من جهة اللفظ على أنّ المراد به الصلوات الخمس،(2) ولكن بعض المفسّرين ذهب إليه، وعلى فرض

1 . طه: 130 .
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 14 / 235 .

125
صحّة ذلك، نقول: إنّ هذه الآية على خلاف الآيتين السابقتين تتضمّن آخر أوقات بعض الصلوات الخمس، وإليك البيان:
1. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: إشارة إلى نهاية وقت صلاة الفجر.
2. وَقَبْلَ غُرُوبِهَا: إشارة إلى نهاية وقت صلاتي الظهر والعصر، لكونهما في النصف الأخير من النهار، كما أنّ الفجر في النصف الأوّل.(1)
3. وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ: إشارة إلى العشاءين، وآناء الليل: ساعاته، و«من» في قوله: (مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ)للابتداء، وفيه تنبيه على أنّ ابتداء وقت العشاءين من أوّل الليل، وقدّم الظرف (آناء الليل) على الفعل «فسبح» للاهتمام بفعلها ليلاً، لعدم شغل النفس حينئذ، بخلاف ما سبق حيث قدّم الفعل فيه على الزمان.
4. وَأَطْرَافَ النَّهَارِ: وبما أنّه تمّ الكلام في بيان أوقات الصلوات الخمس لم يبق وجه لذكره ولذلك اختلف المفسّرون في بيانه، والظاهر أنّه تكليف مستقل لتسبيحه سبحانه في أطراف النهار ـ أعني: الغدو من جانب والعشاء من جانب آخر ـ وبذلك تستغني عن الاحتمالات المذكورة في التفاسير.
وفي الآية نص صريح على سعة وقت الصبح إلى طلوع الشمس، والظهرين إلى غروبها; لأنّه سبحانه ذكر أواخر أوقاتها، وعلى هذا فوقت صلاة الصبح يمتد إلى طلوع الشمس، ووقت الظهرين يمتد إلى غروبها، كما أنّ وقت العشاءين باق مادام يصدق آناء الليل وساعاته .

1 . قال ابن عاشور التونسيّ: إنّ الأوقات المذكورة في هذه الآية، هي أوقات الصلوات، ثم قال وهو يعدّدها: ووقتان قبل غروبها وهما الظهر والعصر، وقيل: المراد صلاة العصر. التحرير والتنوير: 16/ 204 .

126
فظاهر الآية يدلّ على سعة الوقت في هذه الصلوات وهو حجّة للفقيه ما لم يدلّ دليل على التضييق والتحديد في السنّة المطهرة وأحاديث العترة(عليهم السلام).
***

الآية الخامسة:

قال سبحانه: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)(1).
ومعنى الآية : سبّح حامداً ربّك قبل الطلوع وقبل الغروب، ولو حُمل التسبيح على ظاهره تُحمل الآية على استحبابه في هذه الفترات، ولو حُمل على الصلاة فالصلاة قبل طلوع الشمس: الفجر، وقبل الغروب: الظهر والعصر، والمراد بقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ)العشاءان. وفي الآية دلالة واضحة على سعة أوقات الصلوات.
أمّا قوله تعالى: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)فيُراد به الركعتان بعد المغرب; وقد روي ذلك عن: عليّ (عليه السلام)، والحسن بن علي (عليه السلام)، وابن عباس، ومجاهد، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.(2) أو الركعتان بعد صلاة العشاء، أعني: المسمّى بالعتمة. والثاني أوفق بقوله:(وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).
حصيلة الآيات: هو امتداد وقت صلاة الظهرين من الزوال إلى المغرب، وامتداد وقت صلاة العشائين من المغرب إلى غسق الليل، غير أنّ الأخذ بالإطلاق إنّما يصحّ إذا لم يرد في السنّة الشريفة ما يحدّد أوقات الصلاة على نحو تكون

1 . ق: 39 ـ 40 .
2 . انظر: تفسير الطبري: 13 / 219 ـ 222 ; والتبيان في تفسير القرآن: 9 / 374 ـ 375 .

127
السنّة مقيّدة لإطلاقات الكتاب، فعلى الفقيه دراسة الروايات، حتى يتبيّن مقدار التقييد.

مواقيت الصلوات في الروايات

الروايات الواردة حول مواقيت الصلوات على أصناف بينها اختلاف في المبدأ والمنتهى:

الأوّل: زوال الشمس وقت الظهرين وغيبوبتها وقت العشائين

1. روى الصدوق باسناده عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة».(1)
2. روى الشيخ باسناده عن عُبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن وقت الظهر والعصر؟ فقال: «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعاً، إلاّ أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتّى تغيب الشمس».(2)
3. روى الشيخ باسناده عن داود بن فرقد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي ثلاث ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتّى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، وإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف

1 . الوسائل:3، الباب4 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:3، الباب4 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث5.

128
الليل».(1)

الصنف الثاني: القامة والقامتان آخر وقتي الظهر والعصر

أ. روى الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح(موسى بن جعفر(عليهما السلام)): «إنّ أوّل وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال، وأوّل وقت العصر قامة، وآخر وقتها قامتان». قلت: في الشتاء والصيف سواء؟ قال: «نعم».(2)
القامة من الإنسان قدّه والجمع قامات.(3) وسيوافيك بأنّ المراد ظل القامة بعد الزوال الذي يبقى على الأرض عند الزوال الذي يعبّر عنه بظل القامة وليس المراد قامة الشخص.
2. روى الشيخ الطوسي عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألت عن وقت الظهر والعصر؟ فقال: «وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين».(4)

الصنف الثالث: الذراع والذراعان أوّل وقتي الظهر والعصر

1. روى الكليني بسنده عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يظلل قامة، وكان إذا كان الفيء ذراعاً وهو

1 . الوسائل:3، الباب17 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث4.
2 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 29. وسيوافيك معنى القامة عن قريب.
3 . صحاح الجوهري:5/2018، مادة «قوم».
4 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 9 .

129
قدر مربض(1) عنز صلّى الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر».(2)
2. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان فيء الجدار ذراعاً صلى الظهر، وإذا كان ذراعين صلى العصر».(3)

الصنف الرابع:القدمان وأربع أقدام أوّل وقتي الظهر والعصر

روى ذريح المحاربي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: سأل أبا عبدالله أُناس وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ فقال بعض القوم: إنّا نصلّي الأُولى إذا كانت على
قدمين، والعصر على أربع أقدام فقال: أبو عبدالله (عليه السلام): «النصف من ذلك
أَحبّ إليّ».(4)

الصنف الخامس: القدمان وأربع أقدام آخر وقتي الظهر والعصر

روى الشيخ الطوسي عن محمد بن الفرج قال: كتبت أسأل عن أوقات الصلاة؟ فأجاب: «إذا زالت الشمس فصلّ سُبحتك، وأُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين، ثم صلّ سُبحتك، وأُحبّ أن يكون فراغك من العصر والشمس على أربعة أقدام، فإنْ عجّل بك أمر فابدأ بالفريضتين، واقضِ بعدهما النوافل، فإذا طلع الفجر فصلّ الفريضة، ثم اقضِ بعد ما شئت».(5)

1 . المربض ـ بفتح الميم وكسر الباء ـ مربط العنز الأُنثى من المعز، و المراد موضع جلوسه كجلوس الإنسان.
2 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 7 .
3 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 10 .
4 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 22 .
5 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 31 .

130
إذا وقفت على هذه الأصناف الخمسة من أوقات صلاتي الظهر والعصر، فاعلم أنّ فهم هذه الروايات يتوقّف على بيان أمرين:
الأوّل: أنّ العناوين الثلاثة: الذراع والذراعين، والقدمين والأقدام الأربعة، والقامة والقامتين، أمر واحد، وإن اختلفا لفظاً وتعبيراً. أمّا الذراع والذراعان فواضح، وأمّا القدمان والأقدام الأربعة، فيرجع إليها; لأنّ ذراع كلّ إنسان يساوي طول قدميه، كما أنّ ذراعيه تساوي أربعة أقدام.
إنّما الكلام في القامة، فقد جاء في الحديث عن علي بن حنظلة قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام):«القامة والقامتان، الذراع والذراعان: في كتاب علي(عليه السلام)». وروي أيضاً عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«القامة هي الذراع». وروي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال له أبو بصير: كم القامة؟ فقال: «ذراع، إنّ قامة رحل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذراع».(1)
أُريد بالرحل ما يوضع على ظهر البعير كالسرج بالنسبة للفرس، ومن المعلوم أنّ المراد من قامة ليست مقدار قامة الإنسان، بل المراد ظلّ قامة الإنسان الذي يبقى على الأرض عند الزوال وهو يختلف حسب الأزمنة والبلاد مرّة يكثر ومرّة يقلّ. روى زرارة: قال لي أبو جعفر(عليه السلام)حين سألته عن ذلك:«إن حائط مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان قامة(أي مقدار قدّ الإنسان)، فكان إذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، وإذا مضى من فيئه ذراعان صلّى العصر»، ثم قال: «أتدري لم يجعل الذراع والذراعان؟» قلت: لم جعل ذلك؟ قال: «لمكان النافلة، فإنّ لك أن تنتفل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفيء ذراعاً، فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت

1 . تهذيب الأحكام:2/23، الحديث 15، 16 و17.

131
الفريضة وتركت النافلة».(1)
إلى هنا تبيّن وحدة المعابير الثلاثة، بشرط أن يفسّر القامة بظلها عند الزوال لا بقامة الشخص وقدّه.

رفع التعارض بين الأصناف الخمسة

الصنف الأوّل: يحدّد وقت الصلاتين بزوال الشمس وغروبها.
الصنف الثاني: يحدّد آخر وقت الظهر بالقامة، والعصر بقامتين.
الصنف الثالث: يحدّد أوّل وقتي الظهر والعصر بالذراع والذراعين.
الصنف الرابع:يحدّد أوّل وقتي الظهر والعصر بالقدمين والأربعة أقدام.
الصنف الخامس: يحدّد آخر وقتي الظهر والعصر بالقدمين والأربعة أقدام.
فالصنف الثاني يتّحد مع الخامس، كما أنّ الصنف الثالث يتّحد مع الرابع.
فكيف الجمع؟
أقول: الجمع بينها واضح بالرجوع إلى بعض الروايات، فإنّ الأصل هو الصنف الأوّل أي تحديد وقتي الظهر والعصر بزوال الشمس وغروبها، وأمّا الأصناف الأربعة الباقية فإنّ التأخير إنّما هو للتنفّل كما مرّ في رواية زرارة، قال: «أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟» قلت: لم جعل ذلك؟قال: «لمكانة النافلة، فإنّ لك أن تنتفل من زوال الشمس إلى أن يمضي الفيء ذراعاً، فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت الفريضة وتركت النافلة». وهذا الجمع هو الذي ركّز عليه سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في درسه الشريف، فقال مشيراً إلى الإشكال

1 . تهذيب الأحكام:2/20، الحديث55.

132
والجواب: أمّا الإشكال فقال: نعم هنا أخبار دالّة على أنّ أوّل وقته صيرورة الفيء قدماً، وأوّل وقت العصر صيرورته قدمين، وأخبار أُخر دالّة على أنّ أوّل وقت الظهر صيرورة الفيء قدمين أو ذراعاً، وأوّل وقت العصر صيرورته أربعة أقدام أو ذراعين، والمراد بالقدم سبع الشاخص وبالذراع قدمان.
وأمّا الجواب فقد قال(قدس سره):الاختلاف بين الأخبار يرتفع بنفس الأخبار حيث دلّت على أنّ اعتبار القدم والقدمين ونحوهما إنّما هو للتنفّل واختلافها في القدر الموضوع للنافلة إنّما هو من جهة اختلاف المتنفّلين في التطويل والتقصير، وهذا الجمع في الجملة ممّا لا إشكال فيه، وتشهد عليه نفس الأخبار.(1)
وهنا وجه آخر للجمع وهو: أنّ الأصل المتّبع هو النصف الأوّل، وسعة الوقت للصلاتين من الزوال إلى الغروب، وأمّا الأصناف الباقية، فلكلّ معنى خاص:
1. أمّا ما يحدّد الأقدام ـ كما هو مفاد الصنف الثاني والخامس ـ فخروج وقتهما كناية عن خروج وقت نافلتهما، فلا نافلة بعد هذين الأمرين.
2. وأمّا ما يحدّد أوّل وقت الظهرين بالذراع والذراعين أو بالقدمين وأربعة أقدام، كما هو مفاد الصنفين الثالث والرابع، فيهدف إلى بيان وقت الفضيلة للصلاتين بناء على أنّ لكلّ صلاة وقت إجزاء ووقت فضيلة.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1. أنّ بين زوال الشمس وغروبها وقت الظهرين.

1 . كتاب الصلاة:47، الطبعة الأُولى.

133
2. أنّ مقدار أربع ركعات من أوّله وأربع ركعات من آخره وقت اختصاصي للظهر والعصر، والوقت الباقي مشترك.
3. وقت فضيلة الظهر إذا كان الفيء ذراعاً، وإذا كان ضعف ذلك فقد دخل وقت فضيلة العصر، وقد مرّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان فيء الجدار ذراعاً صلى الظهر، وإذا كان ذراعين صلّى العصر.
4. أنّ تأخير الإتيان بالفريضة إلى الذراع والذراعين لغاية التنفّل، فلو لم يتنفّل، فله أن يصلّي عند الزوال.
5. ثمّ إنّ المراد من كون الفيء ذراعاً أو ذراعين هو الفيء الموجود في جانب الشرق، ويطلق عليه الفيء الذي هو بمعنى الرجوع لأجل أنّ الظل بعد انتقاصه يكون قد رجع، وأمّا الفيء المتخلّف أو المعدوم في جانب المغرب فليس موضوعاً لشيء.
بقي الكلام في ما هو الوجه في تأخير أهل السنّة صلاة العصر بكثير من الذراعين؟
فالظاهر أنّهم فهموا من كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ظلاًّ حسب قامة الإنسان، وذلك عندما قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا صار الفيء مثل ظل القامة فصلوا الظهر، وإذا كان مثليه فصلوا العصر» فحملوا ظلّ القامة ظلاًّ بقدر القامة، مع أنّ المراد ظل القامة لا ظلاً مثل القامة.(1)

1 . لاحظ: ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار للمجلسي:3/884 .

134

الجمع بين الصلاتين

قد تبيّن ممّا سبق أنّ ما وراء الوقت المختص لكلّ من الظهرين أو العشائين، وقت مشترك، يجوز الجمع بين الصلاتين فيه، جمعاً حقيقياً كلاًّ في وقته.
إنّ الجمع بين الصلاتين في الفقه الإسلامي على أقسام:

1. الجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة

اتّفقت كلمة الفقهاء على رجحان الجمع بين الصلاة في المزدلفة وعرفة من غير خلاف، قال القرطبي: أجمعوا على أنّ الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضاً في وقت العشاء سنّة أيضاً، وإنّما اختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين.(1)

2. الجمع بين الصلاتين في السفر

ذهب معظم الفقهاء، غير الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، إلى جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، فيجوز عند الجمهور ـ غير هؤلاء ـ الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأُولى وتأخيراً في وقت الثانية، وبين المغرب والعشاء، تقديماً وتأخيراً أيضاً.
أخرج مسلم عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء.(2)

1 . بداية المجتهد:1/170، الفصل الثاني في الجمع.
2 . صحيح مسلم:2/150، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.

135

3. الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل العذر

المشهور عند فقهاء السنّة جواز الجمع بين المغرب والعشاء لعذر، خلافاً للحنفية حيث لم يجوّزوا الجمع مطلقاً إلاّ في الحج بعرفة والمزدلفة.

4. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً

اتّفقت الإمامية على أنّه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً، وإن كان التفريق أفضل.
روى الشيخ الطوسي باسناده عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن وقت الظهر والعصر؟ فقال:«إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر، إلاّ أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس».(1)
وبما مرّ يظهر أنّ الجمع بين الصلاتين ليس بمعنى كون صلاة في وقت صلاة أُخرى، بل كلّ في الوقت المشترك، غاية الأمر يفوت وقت الفضيلة لواحدة من الصلاتين، فمن جمع في وقت الظهر يفوته وقت فضيلة العصر، والروايات من أئمّة أهل البيت متوفّرة، خصوصاً ما عرفت من دلالة الآيات على الوقت المشترك... وأمّا الروايات من جانب أهل السنّة، فهناك ثلاثون رواية تدلّ على الجمع نذكر واحدة منها:
روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس، قال:«صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر».(2)

1 . تهذيب الأحكام:2/26.
2 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/213.

136
ومن أراد الإحاطة بتلك الروايات فعليه الرجوع إلى كتابنا«الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»(1)، فسيجد فيه ما يكفيه.

1 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/294.

137
أحكام الصلاة
      2

استقبال الكعبة في الذكر الحكيم

   
استقبال القبلة من أركان الصلاة حيث تبطل بتركه عمداً أو سهواً، قال الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام):«لا تُعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود».(1)
وقد جاء ذكر الاستقبال ضمن آيات في سورة البقرة، ابتداء من الآية 142 إلى الآية 151، غير أنّا نفسّر من الآيات ما لها صلة بالحكم الشرعي، ونترك ما لا صلة له به.

الآية الأُولى:

قال سبحانه:(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).(2)

1 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب الوضوء، الحديث8 .
2 . البقرة:142.

138

المفردات

السفهاء: من السفه، وهو نقصان العقل.
قبلتهم: قال الراغب: القبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل، نحو: الجلسة والقعدة، وفي التعارف صار اسماً للمكان المقابل المتوجّه للصلاة.(1)
ولاّهم: ولّى: فعل ماض من باب التفعيل، فلو استعمل مع لفظة «عن» يفيد معنى الإعراض والإدبار ـ كما في الآية ـ ولو استعمل مع لفظة «إلى» يفيد معنى الإقبال.

التفسير

هذه الآية ومابعدها تتعلّق بمسألة جعل الكعبة قبلة للمسلمين بعد ما كانت القبلة ـ بأمر الله سبحانه ـ بيت المقدس، وقد تحدّث عنها القرآن الكريم في هذه السورة ولم يأت لها ذكر في السور الأُخرى، وهي حادثة عظيمة أوجدت ضوضاء، بين المشركين واليهود الذين يعبّر سبحانه عنهم هنا بالسفهاء.
توضيح ذلك: أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ أوجب الله الصلاة عليه وعلى أُمّته كان يصلّي بأمر الله سبحانه إلى بيت المقدس، وما هذا إلاّ ليتميّز المسلمون عن المشركين الذين كانوا يقدّسون الكعبة ويحترمونها، فلأجل التمييز صار المسلمون يصلّون إلى بيت المقدس. ولمّا هاجر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مهجره، ابتلي بعدو لدود يصلّي إلى بيت المقدس، وكان النبي أيضاً مأموراً بالصلاة إليه، فصار ذلك سبباً لإيذاء النبي وتعييره بأنّك كيف تدّعي أنّ شريعتك ناسخة لشريعة النبي

1 . المفردات للراغب:582، مادة «قبل».

139
موسى وأنت تصلي إلى قبلتنا؟! فصار هذا هو السبب لنزول الوحي بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وبما أنّ هذه الحادثة كانت ضربة لليهود استثقلوها ونشروا الأكاذيب حولها، فنزلت الآية الأُولى تخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بحادثة مؤلمة سوف تقع حتى يكون النبي والمسلمون على أهبة الاستعداد للدفاع عن دينهم وكيانهم. كلّ ذلك قبل تغيير القبلة.

الإخبار الغيبي عن نقاش اليهود في المستقبل

قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) هذه الآية تتضمّن خبراً غيبياً، كما هو الظاهر، وأُريد بالسفهاء هم الذين رغبوا عن ملّة إبراهيم(عليه السلام)، وأنّه سبحانه قد وصفهم بالسفه في آية أُخرى حيث قال: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)(1) والتعبير بالناس ليشمل الطوائف الثلاث: المشركين واليهود والنصارى، وإن كان اليهود قد تولّوا كِبَر الضوضاء، وهؤلاء السفهاء سوف يقولون:(مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ) أي: أيّ شيء حوّلهم وصرفهم ـ أي المسلمين ـ عن بيت المقدس الذي كانوا يتوجّهون إليه في صلاتهم، فالله سبحانه يُعلّم النبي وأُمّته أن يجيبوا عن سؤالهم بقوله: (قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ): أي قل لهؤلاء الذين يعيبون انتقالكم من بيت المقدس إلى الكعبة أنّ المشرق والمغرب ملك لله سبحانه ومتعلّق به، فالصلاة إلى أي نقطة من نقاط العالم صحيحة ومقربة، غير أنّ المصلحة تقتضي إيجاد الوحدة بأن يؤمر الناس بالتوجّه إلى مكان واحد في صلاتهم، فالمصلحة قبل مغادرة مكّة وبعدها بقليل كانت تكمن في التوجّه إلى بيت المقدس، ليتميّز

1 . البقرة:130.

140
المسلمون عن المشركين، لكن المصلحة بعد الهجرة إلى المدينة بشهور اقتضت التوجّه إلى الكعبة حتى يتميّز المسلمون عن اليهود والنصارى، والله (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)فالأمكنة كلّها لله، والصلاة في أي مكان إذا صدرت عن تقرّب وإخلاص، فهي عبادة لله، وأمّا التولّي عن المسجد الأقصى إلى الكعبة لأجل أنّ الحكم الشرعي يتغيّر بتغيّر المصالح.
ولعلّ قوله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)تعريض بأنّ الذي أمر الله به المسلمين هو الهدى دون قبلة اليهود، ولكنّه لم يصرح بذلك وإنّما اكتفى بالتعريض، نظير قوله سبحانه:(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)(1).
ثمّ إنّ الصراط جاء بصورة النكرة وقال: (صِرَاط مُسْتَقِيم) مشيراً به إلى الصراط الحقّ في المقام، وهو كون القبلة هي الكعبة المعظمة، وبما أنّه أمر شخصي استغنى عن الإشارة إليه بلام الجنس، بخلاف قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، فقد أُشير به إلى الشريعة الحقّة اعتقاداً وعملاً بما أنّه مؤلّف من أُمور مختلفة يقع الجميع تحت عنوان واحد، وهو الصراط المستقيم أشار بلام الجنس إليه حتى يشير إلى الجميع. والله العالم.

الآية الثانية:

قال سبحانه:(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ

1 . سبأ:24.

141
عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).(1)

المفردات

لنعلم:أي ليتحقّق ويظهر.
ينقلب على عقبيه: كناية عن الإعراض عن الدين.
إيمانكم: أُريد الصلوات التي صلّوها إلى بيت المقدس، فقد أطلق الإيمان وأُريد به العمل.

التفسير

ما هو السرّ لجعل بيت المقدس قبلة؟

هذا ما يشير إليه سبحانه في هذه الفقرة من هذه الآية، قال: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، ويشير بذلك إلى ما هي المصلحة التي سبّبت كون بيت المقدس قبلة للمسلمين في فترة معيّنة، وليس هو إلاّ قوله: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).
توضيحه: لمّا كان من المترقّب أن يختلج في صدور بعض المؤمنين سؤال، وهو: أنّه إذا كانت الكعبة هي القبلة النهائية، فلماذا جعل في فترة خاصّة بيت المقدس قبلة، ثم نُسِخَ؟ فأُجيب بوجود مصلحتين في ذلك:
1. إنّ الكعبة كانت مورد اهتمام وتكريم كافّة القبائل العربية من غير فرق

1 . البقرة:143.

142
بين المؤمن والمشرك، فقلوب الكلّ كانت معلّقة بها، وعندئذ فإذا أُمروا بالتوجّه إلى بيت المقدس فالمؤمن يتبع بلا تردّد، وأمّا ضعيف الإيمان ربما لا يتحمّل ذلك فيرتدّ على عقبه، وبذلك يتميّز المؤمن الواقعي عن غيره، وإليه يشير بقوله: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).
2. أنّ بالتوجّه إلى بيت المقدس يتميّز صف الموحّدين عن صف المشركين...
كلّ ذلك في الفترة المكّية.
بقي هنا سؤالان:
الأوّل: إنّ ظاهر قوله: (كُنْتَ عَلَيْهَا) أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن متوجّهاً إلى بيت المقدس عند نزول هذه الآية، مع أنّ ظاهر سياق المجموعة من الآيات أنّ القبلة بعدُ لم تُنْسَخ، وأنّ النبي كان يصلّي إلى بيت المقدس كما هو ظاهر قوله في الآية التالية:(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)؟
والجواب: أنّ في الفقرة تقدير، أي ما جعلنا القبلة التي كنت عليها فصرفناك عنها إلاّ لنعلم، وحذف لدلالة الكلام عليه.(1)
والأولى أن يجاب: أنّ الفعل أي (كُنْتَ) ملغى من الزمان، أي أنت عليها الآن.
السؤال الثاني: ما هو المراد من قوله: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ)؟ فالله سبحانه هو العالم بكلّ شيء، يعلم غيب السماوات والأرض و ما تخفي الصدور؟

1 . مجمع البيان:1/447.

143
والجواب: أنّ المراد من العلم هنا علمه الفعلي القائم بالأشياء، لا العلم الذاتي. ولهذه الفقرة نظير في القرآن الكريم، قال تعالى: (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(1).
فالمراد هو التميّز في مقام الفعل وظهوره في الوجود، نظير قوله سبحانه: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا)(2).
ثمّ إنّه سبحانه يستثني طائفة ويقول:(وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً): أي كون بيت المقدس قبلة ثقيلة (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ)، فهم يتّخذونه قبلة برحابة صدر لعلمهم بأنّ الله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل. وأن كلّ تشريع منه لا يخلو عن مصلحة.
نعم ربما يتبادر إلى أذهان المسلمين أنّهم صلّوا إلى بيت المقدس قبل نسخها فما هو حالها؟ وأُجيب بأنّ القبلة قبلة ما لم تنسخ، فالصلاة إليها صلاة صحيحة والله سبحانه لا يضيع أعمالكم، وإليه أشار بقوله: ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) وأُريد من الإيمان العمل، ثم علّله بقوله: (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)وأنّ إيفاء أجر المؤمن من آثار رأفته ورحمته.

1 . آل عمران:179.
2 . الجن:28.

144

الآية الثالثة

قال سبحانه:
(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ).(1)

المفردات

نرى: الرؤية ـ لغة ـ إدراك الشيء بالبصر، وإذا نسبت إلى الله تعالى تكون بمعنى حضور المبصَر لدى الباري.
تقلّب: التحوّل والتصرّف.
السماء: كلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء، كما عن ابن عباس، والقرينة الحاليّة تدلّ عليه.
ترضاها: أي تحبُّها.
شطره: شطر المسجد الحرام أي: نحوه وجانبه(اتّجاهه).
بغافل: الغفلة: السهو عن بعض الأشياء.

1 . البقرة:144. وقد ورد الأمر بالتوجّه شطر المسجد الحرام في هذه الآية وفي الآية 149 و 150، وسيوافيك وجه التكرار.

145

التفسير

الآية على وجازتها تتضمّن أُموراً:
1. انتظار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تحويل القبلة.
2. إجابة تمنّي النبي وترقّبه.
3. أمر النبي بالتوجّه شطر المسجد الحرام.
4. وجوب التوجّه إليه على جميع المسلمين.
5. إنّ علماء أهل الكتاب يعلمون أنّ الكعبة قبلة من الله.
وفي نهاية الآية ما يدلّ على أنّه سبحانه ليس بغافل عن مؤامرة المعاندين.
ما ذكرناه رؤوس ما ورد في الآية:
أمّا الأمر الأوّل: فيشير إليه بقوله: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) فإنّ لفظة (قَدْ) تدلّ على التحقيق، وقد ورد أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في مبعثه يصلّي إلى بيت المقدس جميع أيام مقامه بمكّة وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر فعيّرته اليهود وقالوا: إنّك تابع لقبلتنا، فأحزنه ذلك، وهذا صار سبباً لترقّب النبي وتقليب وجهه في السماء وكان ينتظر الوحي(1).
ثمّ إنّ تقلب وجهه في السماء لم يكن إلاّ توقعاً لنزول الوحي في أمر القبلة حتى يكرمه الله بقبلة تختص به، لا أنّه كان غير راض بكون بيت المقدس قبلة، حاشا رسول الله عن ذلك.
وأمّا الأمر الثاني: فأُشير إليه بقوله:(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وهذا يدلّ

1 . لاحظ: الوسائل:3، الباب2 من أبواب القبلة، الحديث11.

146
على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ساخطاً لكون بيت المقدس قبلة، بل كان يترقّب تحوّل القبلة إلى غيرها حتى ينقطع بذلك تعيير اليهود، والله سبحانه وعده بإنجاز ما يرضاه.
وأمّا الأمر الثالث: فأُشير إليه بقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وإنّما خصّ الوجه بالذكر; لأنّ به يظهر التوجّه، والظاهر أنّه أُريد من الشطر الجانب والناحية لا النصف، أي حوّل نفسك نحو المسجد الحرام.
وأمّا الأمر الرابع: فقد أُشير بقوله:(وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)خصّ رسول الله بالحكم أوّلاً، ثم عمّم الحكم لغيره من المؤمنين حتى لا يتوهّم أنّ الحكم مختصّ به كسائر خصائصه.
روى الصدوق: لمّا صلّى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الظهر ركعتين جاء جبرئيل(عليه السلام) فقال له: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الآية، ثمّ أخذ بيد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فحوّل وجهه إلى الكعبة، وحوّل من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء، والنساء مقام الرجال، فكان أوّل صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، وبلغ الخبر مسجداً بالمدينة، وقد صلّى أهله من العصر ركعتين، فحوّلوا نحو القبلة وكان أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، فسُمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.(1)
وأمّا الأمر الخامس: فأشار إليه بقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أراد به علماء اليهود. وقيل: علماء اليهود والنصارى، (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ): أي يعلمون أنّ تحويل القبلة إلى الكعبة حقّ مأمور به من ربّهم. وإنّما علموا ذلك لأنّه

1 . الوسائل :3، الباب2 من أبواب القبلة، الحديث12.

147
كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبي من صفاته كذا وكذا، وكان من صفاته أنّه يصلّي إلى القبلتين.(1)
وفي ختام الآية يقول: (وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ) من كتمان بشارات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأوصافه، وتواطؤهم على الكذب.
ثمّ إنّ النسخ في المقام ليس من قبيل نسخ القرآن بالقرآن، لأنّ جعل بيت المقدس قبلة، وإن كان بأمر الله سبحانه، لكن لم يكن بالقرآن الكريم، بل بإيحاء من الله إلى النبي أن يصلّي نحوه، فلو قيل بالنسخ يجب أن يقال: نسخ السنّة بالقرآن.

الآية الرابعة

قال سبحانه:
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).(2)
الآية تأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بتولّي وجهه شطر المسجد الحرام، وعندئذ يقع الكلام: ما هو الوجه في هذا التكرار مع أنّه سبق هذا الأمر في الآية 144، حيث ورد فيها: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)؟ وقد ذكر المفسّرون منهم النيسابوري وجوهاً سبعة لبيان

1 . مجمع البيان:1/452.
2 . البقرة:149. وقد مرّ ورود التوجه إلى شطر المسجد الحرام في الآية 144.

148
الفرق بين الآيتين.(1)
والذي يمكن أن يقال: إنّ الغاية من التكرار هو الإعلان عن أنّ استقبال الكعبة في الصلاة المفروضة أمر لازم في الحضر والسفر، فالمراد من قوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ): أي من أي مكان خرجت أو في أي بلاد كنت(2) سواء أكنت حاضراً أم مسافراً، لأنّ السفر مظنّة المشقّة في الاهتداء لجهة الكعبة، فربما يتوهم متوهّم سقوط الاستقبال عنه.(3) وهذا هو وجه التكرار.
ويؤيّد هذا الوجه أنّه سبحانه يؤكّد بعده ويقول: (وَإِنَّهُ): أي استقبال الكعبة (لَلْحَقُّ) الذي يجب أن يقبل ويعمل به، حال كونه (مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ) فهو وعد للطائعين ووعيد للعاصين.

الآية الخامسة

قال سبحانه:
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلاُِتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).(4)

1 . لاحظ: غرائب القرآن ورغائب الفرقان:2/152ـ153.
2 . التبيان:2/26.
3 . التحرير والتنوير:2/440.
4 . البقرة:150. وقد مرّ أنّ التوجّه إلى شطر المسجد الحرام ورد في آيتين سابقتين هما:144 و 149، وقد تقدّم وجه التكرار في الآية 149، ويأتي وجهه في آيتنا هذه فلاحظ.

149

التفسير

قوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ): أيّ من أي مكان خرجت وفي أي مكان حللت (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لا أنت خاصّة بل المؤمنون جمعاء حيث قال: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) وعندئذ يقع الكلام ما هو الوجه في إعادة الجملة السابقة، فإنّها تكرار لما ورد في الآية 144 و 149 حيث عمّم الخطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين؟
والظاهر أنّ وجه التكرار بيان ما يترتّب عليه من العلل حيث علّل سبحانه لزوم استقبال الكعبة للنبي والمؤمنين في السفر والحضر بأُمور ثلاثة:
1. (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ): أي أحبار اليهود (عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) وذلك لأنّهم قرأوا في كتبهم أنّ النبي العربي يستقبل قبلتين، فلولا الاستقبال الثاني لصارت الحجّة عليكم حيث يقولون: إنّ علامة النبي الخاتم كونه مصلّياً إلى القبلتين، وبذلك تمّت الحجّة عليهم، وربما يؤثّر في بعضهم. نعم يستثني طائفة (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) استثناء منقطع، إذ ليس لهم أي حجّة، فهم يشاغبون عليكم ويجادلون (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي): أي فلتكن خشيتكم لي حيث إنّ شبهاتهم وصولتهم سوف تتضاءل شيئاً فشيئاً.
2. (وَلاُِتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) ومن تمام النعمة أن يكون المسلمون ذوي قبلة خاصّة مستقلّة دون أن يكونوا تبعاً لقوم آخرين.
3. (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) هذه هي الحكمة الثالثة لتحويل القبلة، وهي أنّه (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)إلى معرفة لطف الله بإتمام النعمة.

150

ما هو الواجب في الاستقبال؟

إلى هنا تمّ ذكر الآيات المتعلّقة بالموضوع، وذكر تفسيرها، إنّما الكلام في ما هو المستفاد من قوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)؟ قال الفاضل المقداد: في التعبير بالشَّطر بمعنى الجهة، إيماء إلى أنّ أمر القبلة مبنيّ على المساهلة والمقاربة دون التحقيق، فإنّ العراقيّ والخراساني]علامة [قبلتهم واحدة مع أنّه إذا حقّق، كان توجّه العراقي إلى غير موضع الخراساني لاختلاف البلدان في العروض.(1)

كلام المحقّق الأردبيلي في كفاية الجهة

وممّن يؤيّد جواز الاكتفاء بالجهة أي السمت الذي تقع فيه الكعبة من دون لزوم تحرٍّ أكثر من ذلك، المحقّق الأردبيلي حيث رجّح الاكتفاء باستقبال السمت قال: وبالجملة الذي يظهر لي ـ من الأخبار الصحيحة، والآيات الكريمة، والشريعة السمحة السهلة، وقول عظماء الأُمّة من العامّة والخاصّة ـ هو الوسعة، واغتفار التفاوت بين العلامات لاسيّما إذا كان يسيراً، حيث اعتبروا علامات مختلفة لأهل العراق مثلاً وأطلقوا، وكذا لغيره; مثل جعل بنات النعش علامة، مع كونها متعدّدة مختلفة المواضع، واعتبار مهبّ الرياح; واعتبروا القبور والمحاريب في كلّ بلد من بلاد المسلمين، مع أنّا نجد في أكثر بلاد المسلمين الاختلاف الكثير، بل في بلدة واحدة، خصوصاً في بلد العامّة حيث يكفي عندهم ما بين المشرق والمغرب على ما تسمع وترى. ويؤيّده ورود الأخبار مختلفة مجملة. وبُعد الإهمال من

1 . كنز العرفان في فقه القرآن:1/86 ، كتاب الصلاة.

151
الشارع في مثل هذه الدقيقة التي يضرّ بالعمدة من العبادات أدنى الالتفات عنها كما يفهم من كلام الشارح والذكرى وغيره مع اعتبارهم استحباب التياسر على نحو الإجمال قدراً ومحلاًّ.
وعدم طريق ـ إلى التحقيق لمحاذاة البيت ولا بالقرب منه لبلد ما، فكيف بكل البلاد؟! وعدم تحقّق كون غيره من المواضع قبلة، بحيث يكون الخروج عنه مضرّاً بأدنى خروج، مع عدم الأثر ـ ما نجده مناسباً للشريعة: الله يعلم والاحتياط معلوم.(1)

كفاية استقبال الجهة عند صاحب المدارك

وقال صاحب المدارك: واعلم أنّ للأصحاب اختلافاً كثيراً في تعريف الجهة، ولا يكاد يسلم تعريف منها من الخلل، وهذا الاختلاف قليل الجدوى، لاتّفاقهم على أنّ فرض البعيد استعمال العلامات المقرّرة والتوجّه إلى السمت الذي يكون المصلّي متوجّهاً إليه حال استعمالها، فكان الأولى تعريفها بذلك.
ثمّ إنّ المستفاد من الأدلّة الشرعية سهولة الخَطْب في أمر القبلة والاكتفاء بالتوجّه إلى ما يصدق عليه عرفاً أنّه جهة المسجد وناحيته، كما يدلّ عليه قوله تعالى:(فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(2)، وقولهم(عليهم السلام):«ما بين المشرق والمغرب قبلة».(3)و: «ضع الجدي في قفاك وصلّ».(4)وخلو الأخبار ممّا زاد على ذلك مع

1 . مجمع الفائدة والبرهان:2/74ـ75.
2 . البقرة:150.
3 . الوسائل:2، الباب35 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث1.
4 . الوسائل:3، الباب5 من أبواب القبلة، الحديث1.

152
شدّة الحاجة إلى معرفة هذه العلامات لو كانت واجبة، وإحالتها على علم الهيئة مستبعد جدّاً; لأنّه علم دقيق كثير المقدّمات، والتكليف به لعامّة الناس بعيد من قوانين الشرع، وتقليد أهله غير جائز، لأنّه لا يعلم إسلامهم فضلاً عن عدالتهم. وبالجملة: فالتكليف بذلك ممّا علم انتفاؤه ضرورة. والله تعالى أعلم بحقائق أحكامه.(1)

تأييد صاحب الحدائق كفاية الجهة

وممّن يؤيّد هذا القول صاحب الحدائق قال: ويؤيّد ذلك أوضح تأييد
ما عليه قبور الأئمّة(عليهم السلام)في العراق من الاختلاف مع قرب المسافة بينها على
وجه يقطع بعدم انحراف القبلة فيه مع استمرار الأعصار والأدوار من العلماء الأبرار على الصلاة عندها ودفن الأموات ونحو ذلك، وهو أظهر ظاهر في التوسعة.(2)
ويشهد على ما ذكره، جعل الجَدْي علامة لمعرفة القبلة في العراق كلّه، روى الصدوق، قال: قال رجل للصادق(عليه السلام): إنّي أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل، فقال: «أتعرف الكوكب الذي يقال له الجدي؟»، قلت: نعم، قال:«اجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك».(3)
ومن المعلوم أنّه تختلف مناطق العراق بالنسبة إلى تلك العلامة .
وإلى هذا الاختلاف يشير العلاّمة الطباطبائي بحر العلوم في منظومته

1 . مدارك الأحكام:3/121.
2 . الحدائق الناضرة:6/387.
3 . الوسائل:3، الباب5 من أبواب القبلة، الحديث1.

153
الفقهية:
فاجعله خلف المنكب الأيمن في *** أواسط العراق مثل النجف
وكربلاء وسائر المشاهد *** وما يدانيها ولم يباعد
واجعله في شرقيه(1) كالبصرة *** في الأذن اليمنى ففيه النصرة
وبين كتفيك برأي أعدل *** في الجانب الغربي نحو الموصل(2)
أقول: الشريعة الإسلامية شريعة عالمية حجّة لمن يعيش في الأقاليم السبعة، ومن المعلوم أنّ كثيراً من الناس ـ خصوصاً في القرون السابقة ـ كانوا غير مستعدين لتعيين القبلة على وجه الدقّة، مع ابتلائهم بها في صلواتهم وذبائحهم ودفن أمواتهم إلى غير ذلك، فإلزام مَن يعيش في الأقاليم البعداء من الأجهزة العلمية لتعيين القبلة، لا ينسجم مع روح الشريعة الإسلامية(بأي وجه؟).
وما ذكرنا من كلمات الأصحاب بدءاً من الفاضل المقداد إلى المحقّق الأردبيلي إلى تلميذه صاحب المدارك وغيرهم، كلام متين .
ثمّ إنّه يؤيد ما ذكره هؤلاء الأعلام الأُمور التالية:
1. ما ورد من أنّ الجاهل بالقبلة يصلّي إلى أربع جهات. روى الصدوق، قال: في مَن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أنّه يصلي إلى أربعة جوانب.(3)
والحديث يدلّ بالملازمة على أنّ الواجب في حال العلم الصلاة إلى إحداها، وفي حال الجهل يكفي إتيانها إلى الأربع تحصيلاً للعلم بالفراغ، فالصلاة

1 . أي شرقيّ العراق.
2 . جواهر الكلام:7/366.
3 . الوسائل:3، الباب8 من أبواب القبلة، الحديث 1و5.

154
إليها محصّل للشرط الواجب في حال العلم.
2. ما رواه عليّ(عليه السلام) قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرّقوا وغرّبوا»(1)، فإنّ المستفاد منه أنّ خلاف المشرق والمغرب:إمّا قبلة أو دبرها.
3. ما رواه الفريقان أنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة، روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال:«لا صلاة إلاّ إلى القبلة» قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه».(2)
ومن المعلوم أنّ الأخذ بظاهره غير ممكن; لأنّ معنى ذلك سعة القبلة بمقدار نصف الدائرة، وذلك في آخر الربيع الذي تكون الأيام فيه أطولها والليالي أقصر، فلابدّ من حمله على المشرق والمغرب الاعتداليين، كآخر يوم من فصل الخريف الذي تكون الأيام أقصرها والليالي أطولها، فإنّ القوس بين المشرق والمغرب يقرب من تسعين درجة، بخلاف القوس الموجود بين المشرق والمغرب في آخر فصل الربيع.
4. ما روي من جعل الجدي على اليمين، وقد مرّت الرواية، ومن المعلوم أنّ استعلام القبلة بهذا الكوكب يختلف حسب اختلاف البلاد كما مرّ في منظومة بحر العلوم.
إلى غير ذلك من العلائم التي يستفاد منها سعة القبلة للمصلّي، فما ذكره الأعلام الأربعة هو الحقّ المتّبع، وربما يوافقهم قول المحقّق في «المعتبر»، قال:

1 . الوسائل:1، الباب2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث5.
2 . الوسائل:3، الباب10 من أبواب القبلة، الحديث 1 و4. ولاحظ سائر الأحاديث الواردة فيه.

155
القبلة السمت الذي فيه الكعبة لا نفس البنية، وذلك متّسع يمكن أن يوازي جهة كلّ مصلّ.(1)
إلى هنا تمّ ما يمكن تأييد القول بكفاية اتّجاه الجهة، وهناك نظرية أُخرى وهي أنّ القبلة هي عين الكعبة وبنيتها، وقد اتّخذها صاحب الجواهر مذهباً. وأخذ بتعداد قول القائلين بأنّ القبلة الجهة، ويقول بعد ذكر الوجوه التي عرفتها من الأعلام: إلى غير ذلك ممّا لفّقه أتباع المقدّس المزبور ممّا هو معلوم المخالفة لما أجمع عليه الأصحاب قديماً وحديثاً قولاً وعملاً منهم ومن مقلّدتهم في سائر الأعصار والأمصار، ولما هو المستفاد من الكتاب والسنّة، بل الضرورة من الدين من استقبال الكعبة للقريب والبعيد الذي لا يتحقّق عرفاً إلاّ باستقبالها حقيقة الذي منه استقبال الجهة بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً، لا الجهة العرفية المبنية على التسامح وعدم الاستقبال حقيقة.(2)
وقال في موضع آخر: وقد خفي في هذا العصر المراد بالجهة حتى أنّه التجأ متفقّهته للجهل بها إلى ما أحدثه الأردبيلي، وتبعه عليه بعض الناس ممّا هو مخالف لإجماع الأصحاب بقسميه.(3)

نظرية صاحب الجواهر

ثمّ إنّ صاحب الجواهر أصرّ على نظريته من استقبال الكعبة وحاصل كلامه يأتي في ما يلي:

1 . المعتبر:2/66.
2 . جواهر الكلام:7/343ـ 344.
3 . جواهر الكلام:7/342.

156
لمّا كان استعداد الناس وفطانتهم مختلفة أشدّ الاختلاف حتى أنّ منهم من يصل إلى كثير من نتائج العلوم المدوّنة من غير حاجة الى أهلها ومقدّماتها، ومنهم من ليس له إلاّ قابلية التقليد، ناط الشارع هنا التكليف بالعلم مع التمكّن منه بلا عسر وحرج، كما يتيسّر لكثير من أفراد الناس الممارسين المتنبهين من أهل البادية والقرى، بل لعلّ اتفاق ذلك في الأوّلين أكثر، ومع عدم التمكّن فالتحرّي(العمل بالعلائم المفيدة للظن)، ومع عدمهما فالأربع جهات، فلا عسر ولا حرج في ذلك على عامّة المكلّفين، إذ لم يكلّفهم بمعرفة قواعد علم الهيئة الذي هو دقيق المقدّمات، ولا يعرفه إلاّ أوحدي الناس، بل إنّما أمر بالعلم بحصول الاستقبال للمتمكّن كما هو القاعدة في كلّ موضوع، وبالظن لغيره، وبالعلم الإجمالي لفاقدهما، فمَن كان حسن الفطنة يتمكّن من حصول العلم بسبب معرفته في علم الهيئة أو بغير ذلك، وجب عليه، وإلاّ أخذ بالأحرى فالأحرى على حسب استعداده أيضاً، وما يتيسّر له من أسباب الظن إلى أن يصل إلى التقليد وأدون.(1)
وحاصل كلامه: أنّ مَن تيسّر له محاذاة عين الكعبة فهو، وإلاّ فيجب عليه التحرّي بالأمارات التي ذكرت في الأحاديث إذا أفادت الظن، وفي غير تلك الصورتين يصلّي إلى أربع جهات.
ولا يخفى أنّ التكليف بالصلاة إلى أربع جهات يوماً أو يومين، ليست حرجية، وأمّا إذا دامت فلا شكّ أنّها أمر حرجي.

1 . جواهر الكلام:7/344ـ 345.

157

الصف الطويل وكون القبلة عين الكعبة

ثمّ إنّه ربما يعترض على مَن جعل القبلة عين الكعبة بالصف الطويل، إذ لو قلنا بوجوب محاذاة عين الكعبة، لزم بطلان صلاة بعضهم، لافتراض أنّ الصف أوسع من مقدار عرض جدار الكعبة .
قال الشيخ: لو كُلّف التوجّه إلى عين الكعبة لوجب ـ إذا كان في صف طويل خلف الإمام ـ أن تكون صلاتهم أو صلاة أكثرهم إلى غير القبلة... إلى أن قال:ولا يلزمنا مثل ذلك; لأنّ الغرض التوجّه إلى الحرم والحرم طويل، يمكن أن يكون كلّ واحد من الجماعة متوجّهاً إلى جزء منه.(1)
ثمّ إنّ القائلين بأنّ اللازم هو التوجّه إلى عين الكعبة أجابوا عن الإشكال قائلين بأنّ الشيء كلّما إزداد بُعداً إزداد محاذاة.
يقول الفقيه المحقّق الهمداني في توضيح ذلك: إنّ صدق الاستقبال ممّا يختلف بالنسبة إلى القريب والبعيد، فإنّك إذا استقبلت صفّاً طويلاً بوجهك وكنت قريباً منهم جدّاً، لا تكون قبلتك من أهل الصف إلاّ واحداً منها بحيال وجهك، ولكنّك إذا رجعت القهقرى بخط مستقيم إلى أنّ بعدت عنهم بمقدار فرسخ مثلاً، لرأيت أن مجموع الصفّ بجملته بين يديك بحيث لا تُميّز من يحاذيك حقيقةً عن الآخر مع أنّ المحاذاة الحقيقية لاتكون إلاّ بينك وبين ما كنت أوّلاً.
وإن أردت مثالاً أوضح فانظر إلى عين الشمس والكواكب التي تراها قبال

1 . الخلاف:1/295 المسألة 41.

158
وجهك، فإنّ جرم الشمس وكذا الكواكب وما بينها من الفاصل أعظم من مساحة الأرض أضعافاً مضاعفة، ومع ذلك ترى مجموعها بين يديك حيال وجهك.(1)
ثمّ إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي أنكر القاعدة ـ أعني: أنّ الشيء كلما إزداد بعداً إزداد محاذاة ـ وحاصل كلامه في وجه تصحيح صلاة الصف الطويل هو: أنّ الصف ليس مستقيماً في الحقيقة بل له تحدّب غير محسوس، يقول في تعليقته على العروة الوثقى: إنّ الصف المذكور إذا لاحظ كلّ منهم العلامات المجعولة له بنحو الدقّة يكون في الواقع قطعة من دائرة عظيمة مركزها الكعبة، فهو في الواقع متحدّب في الجملة، إلاّ أنّ عظم الدائرة يمنع عن إحساس انحداب قوسها، وهذا بخلاف الصفّ المنعقد في قرب الكعبة فإنّ انحدابه محسوس لصغر الدائرة.(2)
وأوضحه السيد المحقّق الخوئي بالبيان التالي:
إنّ استطالة الصف في البعيد لا تستلزم خروج بعضهم عن استقبال نفس الكعبة، وتوضيح ذلك إنّما يكون بتقريبين: الأوّل: أن يفرض جماعة واحدة حول الكعبة مستديرة وتكبر تلك الدائرة شيئاً فشيئاً إلى أن تصلّ إلى دائرة كبيرة منصفة لكرة الأرض، على أن يكون أحد قطبيها نفس الكعبة وقطبها الآخر النقطة المقابلة لها من الجهة الأُخرى، فكلّ قوس من هذه الدائرة وإن كان مستقيماً في نفسه إلاّ أنّ كلّ جزء منه مواجه لنفس الكعبة، فلو فرض جماعة واحدة تكون استطالة صفوفهم بمقدار سعة الأرض كان كلّ واحد من أهل تلك الصفوف مستقبلاً

1 . مصباح الفقيه:1/21ـ22.
2 . العروة الوثقى:2/294ـ295.

159
حقيقة، وهكذا الكلام في الجماعة الواقعة على الدوائر المتوسطة بين تلك الدائرة وقطبيها، فإن كبر الدائرة يوجب قلّة تقوّس كلّ قوس مفروض فيها بحيث لا ينافي كونه خطاً مستقيماً في حسّ البصر، فالجماعة الذين يكونون بعيدين عن الكعبة بألف فرسخ مثلاً إذا توجّهوا إلى الكعبة في خط مستقيم في الحس لا يعلم عدم مواجهة أحد منهم لعين الكعبة; لاحتمال انصراف الخط ولو بمقدار شعرة، فيكون الخط حينئذ قوساً لا خطاً مستقيماً هندسياً.(1)

مختارنا

والذي يمكن أن يقال: إنّ القبلة للمشاهد كالمصلّي في المسجد الحرام وما حوله ممّا يمكن استقبال عين الكعبة فاللازم عليه استقبالها، وتبطل الصلاة بالانحراف عنها. وأمّا النائي فإن أمكن التوصّل إلى الجهة التي فيها عين الكعبة على وجه الدقّة، كما إذا كان عارفاً بالآلات التي تحدّد القبلة كالبوصلة وأمثالها فعليه العمل بها، وإلاّ فيتحرّى ويعمل بالظن. وإلاّ فالاكتفاء بالجهة التي فيها الكعبة على وجه السعة هو الأقوى. وطريق الاحتياط واضح.

1 . وقد اقتصرنا بذكر الوجه الأوّل فمن أراد الوقوف على الوجه الثاني فليرجع إلى فقه الصادق:4/90.

160
 
أحكام الصلاة
      3

صلاة المسافر في الذكر الحكيم

قال سبحانه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا).(1)
اتّفق المسلمون تبعاً للكتاب العزيز والسنّة النبوية على مشروعية القصر في السفر وإن لم يكن معه خوف.
إنّما الكلام في أنّ القصر في السفر عزيمة، أو سنّة مؤكّدة، أو رخصة؟!
هنا أقوال ثلاثة نشير إليها بالتفصيل:
ذهبت الإمامية والحنفية إلى أنّها عزيمة، وإنّ فرض المسافر في كلّ صلاة رباعية ركعتان.
وقالت المالكية: القصر سنّة مؤكّدة لفعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه لم يُر منه في أسفاره أنّه أتمّ الصلاة.

1 . النساء:101.

161
أخرج الشيخان عن ابن عمر أنّه قال: صحبت النبي فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك.(1)
وقالت الشافعية والحنابلة: القصر رخصة على سبيل التخيير، فللمسافر أن يتمّ أو يقصّر.
قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: التقصير في السفر فرض وعزيمة، والواجب في هذه الصلوات الثلاث: الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، فإن صلّى أربعاً مع العلم وجب عليه الإعادة.
وقال أبو حنيفة مثل قولنا:إلاّ أنّه قال: إن زاد على ركعتين، فإن كان تشهّد في الثانية صحّت صلاته، وما زاد على اثنتين يكون نافلة، إلاّ أن يأتم بمقيم فيصلي أربعاً فيكون الكلّ فريضة أسقط بها الفرض. ولعلّه أراد بالتشهد، ما هو المقرون بالسلام وإلاّ فالركعة الثانية لا تنفك عن التشهّد.
والقول بأنّ التقصير عزيمة مذهب علي(عليه السلام) وعمر، وفي الفقهاء مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي: وهو بالخيار بين أن يصلّي صلاة السفر ركعتين وبين أن يصلّي صلاة الحضر أربعاً، فيسقط بذلك الفرض عنه.
وقال الشافعي: التقصير أفضل.
وقال المزني: والإتمام أفضل، وبمذهبه قال في الصحابة: عثمان وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعائشة، وفي الفقهاء: الأوزاعي وأبو ثور.(2)

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/205، باب صلاة المسافرين وقصرها من كتاب الصلاة برقم 8 .
2 . الخلاف:1/569، كتاب الصلاة، المسألة 321.

162
وهناك مَن يقول بأنّه يقصّر إلاّ إذا نوى إقامة عشرة أيّام كما عليه الإمامية، إلى غير ذلك من المباحث الراجعة إلى صلاة المسافر، ونحن نركِّز على موضوع آخر وهو كون القصر عزيمة أو سنّة مؤكّدة أو رخصة.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع فنقول:
ورد حكم صلاة المسافر في الكتاب العزيز، فقد قال سبحانه:(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا).(1)

تفسير مفردات الآية

1. الضرب في الأرض كناية عن السفر، أي إذا سرتم فيها فليس عليكم جناح ـ يعني: حرج ـ ولا إثم أن تقصروا من الصلاة ـ يعني: من عددها ـ فتصلّوا الرباعيات ركعتين.(2)
وبهذا أيضاً فسّر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن».(3)
ويؤيّد ذلك استعمال الضرب في الأرض في غير واحدة من الآيات، كقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا).(4)
وقال سبحانه:(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ)(5).

1 . النساء:101.
2 . التبيان في تفسير القرآن:3/307.
3 . الجامع لأحكام القرآن:5/351.
4 . النساء:94.
5 . المائدة:106.

163
وقال سبحانه:(إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)(1).
2. وأمّا الجناح فهو بمعنى الإثم، وقد تضافر استعماله في الإثم في آيات كثيرة.
يقول سبحانه:(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).(2)
وقد ورد لفظة «جناح» في الكتاب العزيز 25 مرّة، والمقصود في الجميع هو ما ذكرنا.
3. إنّ قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) جزاء للشرط المتأخّر، فكأنّه قال سبحانه:«فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة».
4. المراد من القصر هو تخفيف عدد الركعات من أربع ركعات إلى ركعتين.
ثمّ إنّ الآية تخصّ القصر بالسفر المرافق للخوف، وظاهرها أنّ السفر ليس موضوعاً مستقلاً، بل الموضوع هو السفر المرافق للخوف، لكنّ السنّة فسّرت الآية وأعطت للسفر استقلالاً للتقصير.
فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقصّر في حالتي الخوف والأمن ـ كما ستوافيك الروايات ـ وأمّا تعليق القصر على الخوف في الآية كأنّه كان لتقرير الحالة الواقعة; لأنّ غالب أسفار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تخلو منه.

1 . آل عمران:156.
2 . البقرة:158.

164
وبعبارة أُخرى: أنّ القيد في الآية قيد غالبي بالنسبة إلى الظروف التي نزلت الآية فيها، فمَن حاول أن يحصر التقصير بسفر الخوف دون سفر الأمن، فقد أخذ بظاهر الآية وترك السنّة النبوية واتّفاق المسلمين وفي مقدمهم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الذين عرّفهم الرسول بكونهم أعدال القرآن وقرناء الكتاب.
ثمّ إنّ من زعم أنّ القصر رخصة تمسّك بظاهر الآية، وهو قوله سبحانه:(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)، ولكنّه غفل عن أنّ هذا التعبير لا يدلّ على مقصوده، لأنّ الآية وردت في مقام رفع توهّم الحظر، فكأنّ المخاطب يتصوّر أنّ القصر إيجاد نقص في الصلاة وهو أمر محظور، فنزلت الآية لدفع هذا التوهّم، لتطيب النفس بالقصر وتطمئن إليه.(1)
وليس ذلك بغريب فقد ورد مثله في قوله سبحانه:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).(2)
روى الصدوق بإسناده عن زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا: قلنا لأبي جعفر(عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ وكم هي؟ فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ يقول:(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ)فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر» قالا: قلنا له: إنّما قال الله عزّ وجلّ:(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) ولم يقل: افعلوا فكيف أوجب ذلك؟ فقال(عليه السلام):«أو ليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة:(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ

1 . تفسير الكشّاف:1/294، ط دار المعرفة.
2 . البقرة:158.

165
اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا). ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض، لأنّ الله عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره الله في كتابه.(1)
إنّ المسلمين لمّا أرادوا الطواف بين الصفا والمروة في عمرة القضاء شاهدوا وجود الأصنام فوق الصفا والمروة، فتحرّج المسلمون من الطواف بينهما، فنزل قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ) .
يقول الطبرسي: كان على الصفا صنم يقال له: اساف وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكان المشركون إذا مرّوا بهما مسحوهما، فتحرّج المسلمون عن الطواف بهما لأجل الصنمين، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، وهو منقول عن الشعبي وكثير من العلماء، فرجع رفع الجناح عن الطواف بهما إلى تحرّجهم عن الطواف بهما لأجل الصنمين لا إلى عين الطواف، كما لو كان الإنسان محبوساً في موضع لا يمكنه الصلاة إلاّ بالتوجّه إلى ما يكره التوجّه إليه من المخرج وغيره، فيقال له: لا جناح عليك في الصلاة إلى ذلك المكان، فلا يرجع رفع الجناح إلى عين الصلاة، لأنّ عين الصلاة واجبة وإنّما يرجع التوجّه إلى ذلك المكان.
ورويت رواية أُخرى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه كان ذلك في عمرة القضاء، وذلك أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام، فتشاغل رجل من أصحابه حتى أُعيدت الأصنام، فجاءوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقيل له : إنّ فلاناً لم يَطُف وقد أُعيدت الأصنام، فنزلت هذه الآية (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا): أي

1 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.

166
والأصنام عليهما، قال: فكان الناس يسعون والأصنام على حالها.(1)
ويجري نفس هذا الكلام في المقام، فإنّ قصر الصلاة وتبديلها إلى ركعتين من الأُمور التي يتحرّج منه المسلم ويتصوّر أنّه ترك للفريضة، ففي هذه الظروف يقول سبحانه: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تقصرُوا مِنَ الصَّلاة) .
وعلى ضوء هذا فالآية لا تدلّ على العزيمة ولا على الرخصة، بل هي ساكتة عن هذا الجانب.
إلى هنا تبين أنّ الآية لا تدلّ على أحد الأقوال، فلا محيص من الرجوع إلى السنّة.
نعم ربما يظهر الوجوب بوجه آخر وهو:
أخرج مسلم عن يعلى بن أُميّة، قال: قلت لعمر بن الخطاب: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)(2) فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «صدقة منّ اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته».(3)
وربما: يقال إنّ المتصدّق عليه، لا يجب عليه قبول الصدقة.
وأجاب الشوكاني عن الاستدلال المذكور بقوله: إنّ الأمر بقبولها يدلّ على

1 . مجمع البيان:1/240 في تفسير الآية.
2 . النساء:101.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/203 برقم4.

167
أنّه لامحيص عنها، وهو المطلوب.(1)
وكان للشوكاني أن يرد على الاستدلال بوجه آخر أيضاً ويقول: إنّ قياس صدقة اللّه وهديته، على صدقات الناس وهداياهم قياس مع الفارق; وذلك لأنّ المهدى إليه أو المتصدّق عليه لا يجب عليه قبول الهدية أو الصدقة إذا كان المتصدِّق إنساناً مثله، وأمّا إذا كان المتصدِّق هو اللّه سبحانه فيجب قبولها، وذلك لأنّ صدقة اللّه أمر امتناني، وامتناناته سبحانه ليست أُموراً اعتباطية، بل هي ناشئة من الحكمة البالغة الإلهية، فحيث يعلم اللّه بأنّ المصالح الذاتية للبشر تقتضي ذلك الامتنان، يمنّ بها على العباد، فيصير القبول أمراً مفروضاً عليهم.
وربما يظهر من أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه يحرم رد صدقة اللّه، حيث قال الصادق(عليه السلام):قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن تُرد عليه؟!».(2)
ثمّ إنّ سيد مشايخنا السيد محمد الحجّة الكوهكمري(قدس سره) كان يستدلّ بالرواية على بطلان مَن صلّى تماماً عالماً بالحكم وصحّة مَن صلّى تماماً جاهلاً به قائلاً: بأنّ المصلّي في الصورة الأُولى يرد هدية المولى على الإطلاق وهو إهانة له، دون الصورة الأُخرى.

أدلّة القول بأنّ القصر عزيمة

دلّت السنّة المتضافرة المبثوثة في الصحاح والسنن والمسانيد على أنّ

1 . نيل الأوطار:3/201.
2 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.

168
القصر عزيمة، وكان النبي يقصّر في عامّة أسفاره، فنذكر من ذلك الكثير ما يلي:
1. أخرج مسلم عن عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأُقرّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.(1)
قال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأنّ صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها كما أنّها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.(2)
2. أخرج مسلم عن عائشة أنّ الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين فأقرّت صلاة السفر وأتمّت صلاة الحضر.
3. أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
4. أخرج مسلم عن موسى بن سلمة الهذلي،قال: سألت ابن عباس كيف أُصلّي إذا كنت بمكّة إذا لم أُصلّ مع الإمام؟
فقال: ركعتين، سنّة أبي القاسم.
5. أخرج مسلم عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين.
إلى أن قال: إنّي صحبت رسول اللّه في السفر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، وصحبت عمر

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/201; وصحيح البخاري:2/55، باب يَقصُـر إذا خرج من موضعه من كتاب الصلاة.
2 . نيل الأوطار:3/246.

169
فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، ثمّ صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، فقد قال اللّه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسوَةٌ حَسَنةٌ) .
6. أخرج مسلم عن أنس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين.
7. أخرج مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ ـ شعبة الشاك ـ(1) صلّى ركعتين. وظاهر الحديث أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يقصر ما لم يصل إلى ثلاثة فراسخ، وهذا على خلاف المشهور ولذلك قال النووي: هذا ليس على سبيل الاشتراط وإنّما وقع بحسب الحاجة ـ إلى أن قال: ـ وإنّما كان يسافر بعيداً من وقت المقصورة فتدركه على ثلاثة أميال أو أكثر أو نحو ذلك فيصلّيها حينئذ.
8 . أخرج مسلم عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلاً، فصلّى ركعتين، فقلت له فقال: رأيت عمر صلّى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له فقال: إنّما أفعل كما رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل.(2)
والحديث دالّ على أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقصر في السفر دائماً، وإنّما الاختلاف في أنّ مبدأ القصر هو الخروج عن البلد كما جرى عليه عمر أو بعد

1 . المراد من «شعبة الشاك»، هو: أنّ التردّد في عبارة:«مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ» من شعبة أحد الرواة الموجودين في سند الرواية.
2 . صحيح مسلم:2/142ـ 145، باب صلاة المسافرين.

170
الخروج مسيرة ثمانية عشر ميلاً.
قال النووي: أمّا قوله: «قصر شرحبيل على رأس 17 ميلاً أو 18 ميلاً» فلا حجّة فيه، لأنّه تابعي فعل شيئاً يخالف الجمهور، أو يتأوّل على أنّها كانت في أثناء سفره لا أنّها غايته، وهذا التأويل ظاهر.(1) وقد مرّ كلامه أيضاً في الحديث المتقدّم.
وعلى كلّ تقدير فما هو موضع الخلاف، خارج عن إطار بحثنا.
9. أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: خرجنا مـع رسـول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مـن المدينة إلى مكّة فصلّى ركعتين ركعتين حتّى رجـع، قلـت: كم أقام بمكـة؟ قـال: عشراً.
ثمّ إنّ قصر النبي في مكّة مع إقامته فيها عشرة أيّام وإن كان يوافق بعض المذاهب لكنّه يخالف مذهب الإمام مالك، كما يخالف مذهب الإمامية، فإنّ نية العشرة قاطعة للسفر موجبة للإتمام، ولعلّ الإقامة لم تكن عشرة كاملة بالضبط بل كانت عشرة عرفية وربما تنقص عن العشرة التامّة.
هذه الأحاديث التسعة نقلها مسلم في صحيحه، ولنذكر ما ورد من روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام):
1. روى الصدوق بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: صلاة الخوف وصلاة السفر تقصران جميعاً؟ قال:«نعم».(2)
2. روى الصدوق أيضاً، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن صلّى في السفر أربعاً

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/201.
2 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.

171
فأنا إلى الله منه بريء».(1)
3. قال: وقال الصادق(عليه السلام): «المتمّم في السفر كالمقصّر في الحضر».(2)
4. روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«سمّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قوماً صاموا حين أفطر وقصّر: عصاة، وقال: هم العصاة إلى يوم القيامة، وإنّا لنعرف أبناءهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا».(3)
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في أبواب صلاة المسافر عن كتاب وسائل الشيعة، وفيما ذكرنا من الأحاديث وما تقدّم في تفسير آية: (لا جُناح) غنى وكفاية.

1 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.
2 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.
3 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.

172
 
أحكام الصلاة
      4

صلاة الخوف في الذكر الحكيم

الآية الأُولى:

قال سبحانه:(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَر أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).(1)
المفردات
أسلحتهم: جمع السلاح، كخمار وأخمرة.

1 . النساء:102.

173
وليأخذوا حذرهم: أخذ الحذر كناية عن شدّة الاحتراز عن العدو، بالاستعداد للدفاع.

التفسير

من أنواع الصلوات صلاة الخوف، وذكر العلاّمة لها أربع صور.(1) والمهم هو بيان الصورة التي جاء ذكرها في الآية.
أقول: الآية قليلة النظير في القرآن، حيث إنّها من قبيل البيان بإيراد المثال لتكون أوضح في عين أنّها أوجز وأجمل.(2)
روى الطبرسي: نزلت الآية والنبي بعُسفان والمشركون بضجنان، فتواقفوا، فصلّى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه الظهر بتمام الركوع والسجود، فهمّ المشركون بأن يُغيروا عليهم، فقال بعضهم: إنّ لهم صلاة أُخرى أحبّ إليهم من هذه، يعنون صلاةَ العصر، فأنزل الله عليه هذه الآية، فصلّى بهم العصر صلاة الخوف.(3) ومن هذا الزمان شُرّعت صلاة الخوف.
ثمّ إنّ السنّة قد تضمّنت بيان كيفية صلاة الخوف، وبها يتّضح مضمون الآية.
روى الكليني بسند صحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن صلاة الخوف؟ قال: يقوم الإمام وتجيء طائفة من أصحابه فيقومون خلفه، وطائفة بإزاء العدو، فيصلّي بهم الإمام ركعة، ثمّ يقوم ويقومون معه فيمثل قائماً ويصلّون هم الركعة الثانية، ثمّ يسلّم بعضهم على بعض، ثمّ ينصرفون فيقومون في مقام

1 . لاحظ: تذكرة الفقهاء:4/422ـ 435.
2 . الميزان في تفسير القرآن:5/62.
3 . مجمع البيان:3/206.

174
أصحابهم ويجيء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلّي بهم الركعة الثانية، ثمّ يجلس الإمام فيقومون هم فيصلّون ركعة أُخرى، ثم يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمه.(1)
وظاهر الرواية أنّ الصلاة إذا كانت ثنائية كالظهرين والعشاء صلّى الإمام بالأُولى ركعة وقام إلى الثانية ويسكت. فينوي مَنْ خلفه الإنفراد واجباً، ويتمّون بركعة أُخرى، ثم يستقبلون العدو، وتأتي الفرقة الأُخرى، فيحرمون ويدخلون معه في ثانية الإمام وهي أولاهم، فإذا جلس الإمام للتشهد أطال، ونهض مَنْ خلفه فأتمّوا وجلسوا وتشهد الإمام بهم وسلّم. (2)
وهل العدو كان في جانب القبلة أو في خلافها؟ و الظاهر هو الثاني لقوله سبحانه في الآية:(فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) وعلى هذا فالآية متضمّنة بيان صورة واحدة دون الصور الباقية، وبما أنّ مهمتنا تفسير الآية، فلنقتصر على هذه الصورة.
قال سبحانه خطاباً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَإِذَا كُنْتَ) أيّها الرسول (فِيهِمْ): أي بين المؤمنين، وبما أنّ الحكم ليس من خصائص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا الحكم حكم كلّ إمام في المقام (فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ)يحتمل أُريد ذكر الإقامة أو الأذان معها، ويحتمل أيضاً أنّه أُريد الصلاة جماعة (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) في الصلاة يقتدون بك ويبقى الآخرون مراقبين العدو، يحرسون المصلّين خوفاً من اعتداء العدو، ثمّ إنّ هؤلاء الذين دخلوا الصلاة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمروا بأخذ أسلحتهم في

1 . الوسائل:3، الباب2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث4.
2 . شرائع الإسلام:1/130.

175
حال الصلاة، كما يقول:(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)ولا يدعوها وحدها، فيكونوا مستعدّين للقتال، واحتمال أنّ الأمر بأخذ السلاح راجع إلى الطائفة الحارسة، بعيد، وسيأتي في نفس الآية أنّ الطائفة الثانية إذا دخلوا في الصلاة في ثانية الإمام يأخذون أسلحتهم .
(فَإِذَا سَجَدُوا): أي المصلّون معك (فَلْيَكُونُوا): أي الطائفة الحارسة (مِنْ وَرَائِكُمْ): أي من خلفكم. يقول صاحب المنار: وأحوج ما يكون المصلّي للحراسة ساجداً لأنّه لا يرى حينئذ من يهمّ به، وعبّر بالسجود عن إتمام الصلاة; لأنّه آخر صلاة الطائفة الأُولى، ويجب حينئذ أن يكون الباقون مستعدّين للقيام مقامهم والصلاة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كما صلّوا(1)، فعندئذ تصل نوبة الطائفة الحارسة حتى يصلّوا مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندئذ تحرسهم الطائفة الأُولى مثل السابقين كما يقول: (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) لأنّ الحراسة عاقتهم عن الصلاة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ): أي التيقّظ والاحتراز من المخاوف (وَأَسْلِحَتَهُمْ) كما فعل الأوّلون.
فإن قلت: إنّ الله سبحانه أمر الطائفة الثانية بأمرين:
1. الأخذ بالحذر، 2. أخذ الأسلحة بخلاف الطائفة الأُولى فأمرهم بأخذ الأسلحة فقط.
قلت: إنّه سبحانه بيّن وجه الأمر بأخذ الأمرين بقوله:(وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي تمنّى الكافرون (لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً): أي حملة (وَاحِدَةً) وأنتم مشغولون بالصلاة واضعون للسلاح، وهذا هو السر لأمر

1 . تفسير المنار:5/373.

176
الطائفة الثانية بالتيقّظ وأخذ السلاح.
ثمّ إنّه سبحانه استثنى صورتين:
1. إذا أمطروا، فشقّ عليهم حمل السلاح كما يقول: (إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَر).
2. (أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى) بالجرح وغيره، ففي هاتين الحالتين لا جناح (أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ)،(وَ)مع ذلك (خُذُوا حِذْرَكُمْ): أي كونوا متيقّظين فإنّ العدو غير غافل، ثمّ إنّه سبحانه تطييباً لنفوس المسلمين يقول: (إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).
وممّا ذكرنا يظهر النظر فيما رواه السيوطي عن أبي عياش الزرقي قال:«كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بعُسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآية بين الظهر والعصر(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ) فحضرت، فأمرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذوا السلاح وصففنا خلفه صفين، إلى آخر ما ذكره».(1)
وجه النظر: أنّه لو صحّ ما ذكر كان اللازم على الطائفة الحارسة الوقوف
أمام النبيّ والمصلّين ليدفعوا عنهم شرّ هجوم العدو عليهم حين الركوع
والسجود.

1 . تفسير الدر المنثور:2/659.

177
هذا فيما إذا كانت الصلاة ثنائية، وأمّا إذا كانت ثلاثية فالإمام بالخيار، إن شاء صلّى بالطائفة الأُولى ركعة وبالثانية ركعتين، وإن شاء بالعكس.(1)

صلاة الخوف ثنائيّة في السفر والحضر

ثمّ إنّ صلاة الخوف صلاة مقصورة، ولذلك عبّر المحقّق بلفظ ثنائية، وأراد رباعية المقصورة، روى الصدوق بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قلت له: صلاة الخوف وصلاة السفر، تقصران جميعاً؟ قال:«نعم، وصلاة الخوف أحقّ أن تقصّر من صلاة السفر، لأنّ فيها خوفاً».(2)
والشاهد على ذلك أنّه لو كانت مقصورة في السفر كان اشتراط الخوف لغواً.
نعم شذّ قول الشيخ الطوسي حيث شرط في القصر الجماعة للآية، لكن إطلاق الصحيحة يخالفه، إذ لم يُقيد بالجماعة.

الآية الثانية:

قال سبحانه: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).(3)

1 . شرائع الإسلام:1/129ـ130.
2 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث1.
3 . النساء:103.

178

ذكر الله بعد إقامة الصلاة

الآية خطاب لمَن صلّى صلاة الخوف وتفرض عليهم أن لا ينسوا ذكر الله بعد أداء الصلاة بل يذكرونه في عامّة الحالات، قائمين، قاعدين، مضطجعين، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، يقول سبحانه: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاَةَ): أي فرغتم من صلاة الخوف أيّها المؤمنون وأنتم في نفس الموقف لا تنسوا ذكر الله (فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)، ولعل قوله:(جُنُوبِكُمْ) كناية عن الحالات الثلاث بعد ترك القعود، وهي وضع الجنب على الأرض يميناً أو يساراً وحال الاستلقاء أيضاً لعدم الخصوصية.
ثمّ إنّه سبحانه يحدّد صلاة الخوف بظروف خاصّة وهي فيما لو اشتدت الأزمة وخيف من هجوم العدو ولم تطمئن القلوب آنذاك، وأمّا إذا زال الخوف وحصلت الطمأنينة فعند ذلك يتمّون الصلاة، يقول سبحانه: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ): أي زال الخوف... وبما أنّه يقابل قوله سبحانه:(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)(1) فأُريد به الرجوع إلى الأوطان أو ترك العدو المعركة ولم يكن هناك سبب للتقصير كأن يكونوا قريبين من الوطن فالواجب عليهم ما يقوله: (فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ): أي أتموها (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)، فقوله:(مَوْقُوتًا)يحتمل وجهين:
1.أي فريضة مؤقّتة منجّمة تؤدّى في أوقاتها ونجومها.
2. أي موجوداً مفروضاً لا يسقط بحال حتى وجبت في الخوف والوجل، وأُمر الناس بإقامتها على وضع خاص، ما هذا إلاّ لأنّ الصلاة واجبة لا تسقط أبداً، وليس كالصوم حيث يسقط بالفدية.

1 . النساء:101.

179
 
أحكام الصلاة
      5

صلاة المطاردة في الذكر الحكيم

قال سبحانه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطىَ وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).(1)

المفردات

قانتين: أي مطيعين، أو عابدين.
فرجالاً: الرجال: جمع راجل، وهو الكائن على رجله، واقفاً كان أو ماشياً.
ركباناً: جمع راكب كالفرسان جمع فارس، وكلّ شيء علا شيئاً فقد ركبه.(2)

التفسير

الآية ناظرة إلى صورة شدّة الخوف، وذلك عند التحام القتال وعدم التمكّن من تركه لأحد، أو اشتدّ الخوف وإن لم يلتحم القتال، فلم يأمنوا أن يهجموا عليهم

1 . البقرة:238ـ239.
2 . مجمع البيان:2/166.

180
لو ولّوا عنهم أو انقسموا، فيصلّون رجالاً ومشاةً على الأقدام وركباناً مستقبلي القبلة واجباً مع التمكّن، وغير مستقبليها مع عدمه على حسب الإمكان. فإن تمكّنوا من استيفاء الركوع والسجود، وجب، وإلاّ أومأوا لركوعهم وسجودهم، ويكون السجود أخفض من الركوع. ولو تمكّنوا من أحدهما، وجب، ويتقدّمون ويتأخرون، لقوله تعالى:(فَإِنْ خِفْتُمْ): أي يمكنكم أن تقوموا قانتين موفين الصلاة حقّها لخوف عرض لكم (فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا...). وعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«مستقبلي القبلة وغير مستقبليها».(1)
وقال الفاضل المقداد: الخوف إذا انتهى إلى حال لا يمكن معه الاستقرار وإيقاع الأفعال، بل إلى المسايفة والمعانقة، صلّى الناس فرادى بحسب إمكانهم.(2)
إذا عُلم ذلك فلندخل في تفسير الآية.
والآية تؤكّد على المحافظة على الصلاة وأنّها لا تسقط بحال، حتى الخوف من العدو واللص والسبع، فيصلّى مهما أمكن، كما يقول: (فَإِنْ خِفْتُمْ) من العدو وغيره (فَـ) صلّوا (رِجَالاً): أي راجلين أو على أرجلكم (أَوْ رُكْبَانًا) على ظهور دوابكم، والآية إشارة إلى صلاة الخوف من العدو وهي ركعتان في السفر والحضر، إلاّ المغرب فإنّه ثلاث ركعات.
روى الطبرسي: أنّ عليّاً صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء، وقيل

1 . صحيح البخاري:6/38; تذكرة الفقهاء:4/435.
2 . كنز العرفان:1/188.

181
بالتكبير، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى يوم الأحزاب إيماءً.(1)
هذا كلّه إذا ساد الخوف، وأمّا في حالة الأمن فيصلون حسب ما تعلّموا، يقول تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ)من العدو وغيره، (فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ): أي صلّوا على السنّة المعروفة في الأمن بإتمام القيام والاستقبال فالركوع والسجود.

1 . مجمع البيان:2/166.

182
 
أحكام الصلاة
    6
صلاة الجمعة في الذكر الحكيم

الآية الأُولى

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(1)

المفردات

الجمعة: ـ بضمّتين ـ والجمعة ـ بضمّة ـ لغتان، وجمعهما جُمَع وجُمَعات، وضمّ الميم لغة جمهور العرب، وسكونها لغة عُقيل.
نودي: بصيغة المجهول فهو كناية عن عدم اختصاص النداء بمناد خاص، بل في كلّ زمان قام إنسان بالنداء مع اجتماع سائر شرائطه يجب على المكلّف السعي إليها.

1 . الجمعة:9.

183
فاسعوا: السعي: المشي السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجدّ في الأمر، خيراً كان أم شراً، قال تعالى: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)(1).
والظاهر أنّه كناية عن الاهتمام بالوصول إلى محل النداء، بترك ما بيده من الأُمور، وأمّا تفسيره بالإسراع دون العدو فهو مخالف لما روي من استحباب السكينة والوقار إلاّ مع ضيق الوقت وخوف فوت الصلاة، فلا يبعد الإسراع حينئذ.(2)
ويؤيّد ما ذكرنا ما روي من أنّ عبد الله بن مسعود قرأ:«فامضوا إلى ذكر الله».(3)
ذكر الله: أُريد به صلاة الجمعة بقرينة الآية التالية:(وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(4)
وتفسير الذكر برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) غير تام، إذ لم يُعهد استعماله فيه، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(5).
فإن قلت: جاءت كلمة «رسولاً» بعد قوله: «ذكراً» في الآيتين التاليتين، قال تعالى:
(فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً يَتْلُوا

1 . البقرة:114.
2 . بحار الأنوار:89/150.
3 . تفسير الكشّاف:3/231، تفسير سورة الجمعة.
4 . الجمعة:10.
5 . المنافقون:9.

184
عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَات)(1).
قلت: الظاهر أنّ رسولاً مفعول لفعل محذوف، أي: أرسل رسولاً يتلو عليكم آياته،... على أنّه لو سلمنا كونه المراد في الآية لكان لوجود القرينة دون المقام.

التفسير

يخاطب الله سبحانه المجتمع الإيماني بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فيكون دليلاً على أنّ ما سيأتي فريضة عامّة للمؤمنين جمعاء، ثم يقول:(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) فاستخدام صيغة المجهول (نُودِيَ) كناية عن عدم اختصاص النداء بمناد خاصّ كما مرّ في تفسير المفردات، بل في كلّ زمان قام إنسان بالنداء مع اجتماع سائر شرائطه يجب السعي إليها. ثم رتّب على النداء قوله: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ): أي امشوا إليها مشياً سريعاً وذروا كلّ ما يلهيكم عن ذكر الله، وذكر البيع من باب المثال الغالب.
ثمّ أشار إلى ما في تلك الفريضة من الخير والبركة بقوله:(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

الآية الثانية

قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2).

1 . الطلاق:10ـ 11.
2 . الجمعة:10.

185

المفردات

قضيت: بمعنى الفراغ عن الصلاة.
فضل الله: هو ابتغاء أسباب المعاش بقرينة النهي في الآية السابقة عن البيع. والأمر في(ابْتَغُوا)ليس للإيجاب، بل لرفع الحظر المستفاد من قوله: (وَذَرُوا الْبَيْعَ).
وقد ثبت في الأُصول أنّ الأمر بعد الحظر أو بعد توهّمه بمعنى رفع الحظر السابق.

التفسير

قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ): أي إذا صلّيتم الجمعة وفرغتم منها(فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ): أي تفرّقوا (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ): أي الرزق في البيع والشراء وغير ذلك.
وفي الوقت نفسه (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا): أي غير منكبّين على طلب المال والرزق; بل تطلبونه بذكر الله كثيراً (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فإنّ الفلاح هو في الجمع بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، والآية دليل على وجوب رعاية التوازن بين طلب الدنيا والآخرة.
إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أقام صلاة الجمعة لأوّل مرّة في مسيره من قبا إلى المدينة، قال ابن هشام: فأدرك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الجمعة في «بني سالم بن عوف» فصلاّها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أوّل جمعة صلاّها بالمدينة.(1)

1 . السيرة النبوية لابن هشام:1/494، طبع مطبعة الحلبي.

186
2. نقل الطبرسي الخطبة التي خطبها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها: قال: «الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور...».(1)
ونقل في الوسائل: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب يوم الجمعة وقال : «إنّ الله تعالى فرض عليكم الجمعة، فمَن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بر له، حتى يتوب».(2)

الآية الثالثة

قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).(3)

المفردات

انفضوا: من الانفضاض من باب الانفعال، مطاوع فضّه، إذا فرّقه فتفرّق، نظير قولهم: كسرته فانكسر.
اللهو: ما يلهي الإنسان، وأُريد هنا ضرب الطبل.
إليها: الضمير يرجع إلى التجارة.

1 . مجمع البيان:9/432.
2 . الوسائل:3، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث28.
3 . الجمعة:11.

187

التفسير

اتّفق المفسّرون على أنّ الآية نزلت في عير وردت المدينة بضرب الطبل والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب فترك المصلّون المسجد متوجّهين إلى التجارة واللهو.
روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فثار الناس إلاّ اثنا عشر رجلاً، فأنزل الله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا).(1)
قيل: كان للتجّار الواردين إلى المدينة طبل يضربونه إذا وردوا فيها لإخبار الناس، فكانوا إذا سمعوا صوت الطبل تركوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً في الصلاة أو الخطبة وذهبوا إليها إمّا للمسارعة إلى التجارة لئلاّ يفوتهم الربح، وإمّا لمحض الطبل والصوت، فنزل قوله سبحانه:(وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يعني يرزق من غير أن يسرع إلى التجارة.(2)
ثمّ إنّه سبحانه أمر نبيّه بتذكير المؤمنين بأنّ ما عند الله خير من التجارة التي انفضّوا إليها، قائلاً: (قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)فإن كان الانفضاض وترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يخطب، لأجل الرزق (وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

وقت صلاة الجمعة بدءاً ونهاية

وقت صلاة الجمعة وقت الظهر يوم الجمعة خاصّة وقت زوال الشمس، وهذا هو المشهور، فلا تصحّ الركعتان قبل الزوال. إنّما الكلام في مبدأ وقتها، فهل

1 . صحيح البخاري، برقم 4899، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الجمعة.
2 . الوافي:8/1080.

188
يكفي وصول الشمس إلى دائرة نصف النهار ولو لم تزل عنها؟
المشهور عدم الجواز، بل يشترط زوالها عن الدائرة; ففي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، ويخطب في الظلّ الأوّل، فيقول جبرئيل: يا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) قد زالت الشمس، فأنزل فصلّ، وإنّما جعلت الجمعة ركعتين، من أجل الخطبتين. فهي صلاة حتّى ينزل الإمام».(1)
والشراك هو قطعة من الجلد تكون في أعلى النعل تربط من الجانبين لتوثق به القدم.
ويدلّ عليه ما ورد في «كنز العمال»:«انقطع شراك نعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فوصله بشيء جديد فجعل ينظر إليه...».(2)
وروى الطبرسي: عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال:«إنّ الرجل ليعجبه شراك نعله، فيدخل في هذه الآية (تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ)»(3).
وعلى هذا يكفي أن تكون الشمس قد زالت عن الدائرة بمقدار أقل من الشبر.
وقال الطريحي: تصلّى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، يعني: إذا استبان الفيّ في أصل الحائط من الجانب الشرقي عند الزوال، فصار في رؤية

1 . الوسائل:5، الباب8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث4. والمراد من الظلّ الأول، ظلّ قبل الزوال كما في «ملاذ الأخيار» للمجلسي، والحديث يدلّ على جواز تقديم الخطبتين على الزوال.
2 . كنزالعمال:7/526، برقم 20085.
3 . مجمع البيان:7/491، والآية 83 من سورة القصص.

189
العين قدر الشراك، وهذا أقلّ ما يعلم به الزوال.(1) بل يعلم الزوال بأقلّ من ذلك بالآلات الحديثة.

آخر وقت صلاة الجمعة

إنّما الكلام في آخر الوقت، فيعلم بملاحظة ما ورد في وقت نافلة الظهر والعصر المشهور أنّ وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع والعصر إلى الذراعين، أي سبعي الشاخص وأربعة أصابعه، فإذا خرج وقت نافلة الظهر دخل وقت فضيلة الظهر، كما أنّه إذا خرج وقت نافلة العصر دخل وقت فضيلة العصر.
إذا علم ذلك فاعلم أنّه قد تضافرت الروايات على أنّ وقت صلاة الجمعة محدّد بمقدار نافلة الظهر ـ أعني: الذراعين أو سبعي الشاخص ـ وبعبارة أُخرى: إذا دخل وقت فضيلة الظهر يخرج وقت صلاة الجمعة.
ويدلّ عليه الروايات المتضافرة التي جمعها الشيخ الحرّ العاملي في الباب الثامن من أبواب صلاة الجمعة نأتي بقسم منها:
1. ما رواه الكليني عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إنّ من الأشياء أشياء موسّعة وأشياء مضيّقة، فالصلاة ممّا وسّع فيه، تُقدّم مرّة وتؤخّر أُخرى، والجمعة ممّا ضيّق فيها، فإنّ وقتها يوم الجمعة ساعة تزول، ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها».(2) فإذا زالت الشمس بمقدار الذراعين هو وقت الظهر في غير يوم الجمعة، وفي الوقت نفسه هو وقت صلاة العصر في يومها.

1 . مجمع البحرين:5/276، مادة «شرك».
2 . الوسائل:7، الباب8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.

190
2. ما رواه أيضاً الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «إنّ من الأُمور أُموراً مضيّقة وأُموراً موسّعة، وإنّ الوقت وقتان، والصلاة ممّا فيه السعة، فربما عجّل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وربما أخّر إلاّ صلاة الجمعة، فإنّ صلاة الجمعة من الأمر المضيّق، إنّما لها وقت واحد حين تزول، ووقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيّام».(1)
3. ما رواه الشيخ عن ابن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا صلاة نصف النهار إلاّ يوم الجمعة».(2)
والرواية تشير إلى أنّ المصلّي في غير الجمعة يتنفّل عند الزوال ولكنّه في هذا الوقت يصلّي الفريضة يوم الجمعة، وقد جاء هذا المضمون في الرواية السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة من الباب المذكور.
وممّا يدلّ على خروج وقت صلاة الجمعة بانتهاء وقت نافلة الظهر ما رواه الصدوق عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «وقت الجمعة زوال الشمس، ووقت صلاة الظهر في السفر زوال الشمس(لسقوط النافلة في السفر)، ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو من وقت الظهر في غير يوم الجمعة».(3)
ومن المعلوم أنّ وقت الظهر من غير يوم الجمعة عند صيرورة الظل ذراعين، وهذا الحدّ في يوم الجمعة وقت صلاتها.
وبالجملة فالروايات الواردة في هذا الباب تناهز إحدى وعشرين رواية

1 . الوسائل:7، الباب8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث3.
2 . الوسائل:7، الباب8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث6.
3 . الوسائل:7، الباب8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث11.

191
تدلّ على أُمور:
1. إنّ أوّل وقتها هو زوال الشمس .
2. إنّ آخر وقتها أوّل وقت فضيلة الظهر في غير يوم الجمعة، بمعنى أنّه يخرج بصيرورة الظل ذراعين.
3. إنّ لازم إقامة الجمعة بالزوال جواز تقديم الخطبتين عليه، وقد مرّ في رواية عبد الله بن سنان أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب في الظل الأوّل، وقد مرّ تفسير الظل الأوّل بالظلّ الموجود في جانب الشرق فما لم تصل الشمس إلى دائرة نصف النهار يُسمّى بالظلّ الأوّل، فإذا رجع الظلّ إلى جانب الشرق ثانياً يُسمّى فيئاً أو ظلاً ثانياً.
فإن قلنا بذلك فهو، وإلاّ فيمكن أن يقال: ما تضافر من الروايات من أنّ وقت صلاة الجمعة هو الظهر أُريد به الصلاة مع خطبتيها، ولعلّ الوجه الثاني أفضل. فعلى الإمام إذا زالت الشمس بمقدار الشراك أن يخطب.
وعلى هذا فعلى أئمّة الجمعة الانتباه حتى لا تقع الصلاة بعد الذراعين، ولعلّه لما ذكرنا كانت الخطب المروية عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي(عليه السلام) خطباً قصيرة ليست بالطويلة. والله العالم.

كيفية صلاة الجمعة

وهي: ركعتان كصلاة الصبح، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأُولى سورة الجمعة وفي الثانية المنافقون، بعد الحمد في كلّ من الركعتين.
وفي الجمعة خطبتان يأتي بهما الإمام قبل الصلاة، وفيها قنوتان: أحدهما

192
قبل ركوع الركعة الأُولى، والثاني بعد ركوع الركعة الثانية، إجماعاً وسنة.(1)

فلسفة كون الخطبتين قبل الصلاة

حكم صلاة الجمعة في عصر الغيبة   
ورد في الحديث عن الإمام الرضا(عليه السلام)، قال:«إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة في أوّل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة; لأنّ الجمعة أمر دائم وتكون في الشهر مراراً وفي السنة كثيراً، وإذا كثر ذلك على الناس ملّوا وتركوا ولم يقيموا عليه وتفرّقوا عنه، فجعلت قبل الصلاة ليحتبسوا على الصلاة ولا يتفرّقوا ولا يذهبوا، وأمّا العيدين فإنّما هو في السنة مرّتين، وهو أعظم من الجمعة...».(2)
قال الزمخشري: وروي عن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث:
1. افتخروا بأنّهم أولياء الله وأحباؤه، فكذّبهم في قوله:(فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(3).
2. افتخروا بأنّهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبّههم بالحمار يحمل أسفاراً.
3. افتخروا بالسبت، وأنّه ليس للمسلمين مثله، فشرّع الله لهم الجمعة.(4)

حكم صلاة الجمعة في عصر الغيبة

اختلفت كلمة الأصحاب في حكم صلاة الجمعة في عصر الغيبة، ونشير

1 . لاحظ: الوسائل:5، الباب6 من أبواب صلاة الجمعة، أحاديث الباب.
2 . الوسائل:5، الباب15 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث4.
3 . الجمعة:6.
4 . تفسير الكشّاف:3/231، تفسير سورة الجمعة.

193
إلى المهمّ من الأقوال:

الأوّل: القول بالتحريم

نسب إلى جماعة من أصحابنا تحريم صلاة الجمعة في عصر الغيبة، واستظهروه من كلامهم من اشتراط إقامة صلاة الجمعة بوجود الإمام الأصل أو مَن نصبه، ونشير إلى بعض من وقفنا على كلامه:
1. قال سلاّر في مراسمه: صلاة الجمعة فرض مع حضور إمام الأصل، أو مَن يقوم مقامه، واجتماع خمسة نفر فصاعداً، الإمام أحدهم.(1)
2. قال الشيخ علاء الدين أبو الحسن الحلبي في (كتاب الصلاة) في «إشارة السبق»: وتجب صلاة الجمعة إذا تكاملت شروطها، فمنها ما يخصّها وهي حضور إمام الأصل، أو مَن نصبه وناب عنه لأهليته وكمال خصاله المعتبرة.(2)
3. قال ابن إدريس: صلاة الجمعة فريضة على مَن لم يكن معذوراً بما سنذكره من الأعذار بشروط، أحدها حضور الإمام العادل أو مَن نصبه للصلاة، اجتماع خمسة نفر فصاعداً، الإمام أحدهم على الصحيح من المذهب.(3)
4. قال العلاّمة في «المنتهى»: ويشترط في الجمعة الإمام العادل أي المعصوم عندنا أو إذنه، أمّا اشتراط الإمام أو إذنه فهو مذهب علمائنا أجمع.(4) فلو أُريد من إذنه، المنصوبُ للإمامة فيكون موافقاً لما ذهب إليه الأعلام الثلاثة، ولو

1 . المراسم العلوية:77.
2 . إشارة السبق:97.
3 . السرائر:1/290.
4 . منتهى المطلب:5/334(الطبعة المحقّقة).

194
أراد من قوله:«من إذنه» الإذن العام، فهو قول آخر.
ونقل المحدّث البحراني القول بالتحريم عن ظاهر المرتضى في أجوبة المسائل «الميافارقيات، والعلاّمة في جهاد التحرير، والشهيد في الذكرى.(1)
أقول: القول بالتحريم قول شاذّ بين القدماء، نعم حُكي عن بعض المتأخّرين. وقال في «مفتاح الكرامة»: وأمّا القول الثاني: وهو التحريم; فهو خيرة «السرائر» و«المراسم» في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال: ولفقهاء الطائفة أن يصلّوا بالناس في الأعياد والاستسقاء، وأمّا الجُمع فلا، و«رسالة» الشيخ إبراهيم القطيفي المعاصر لمولانا الكركيّ و «رسالة» الشيخ سليمان ابن أبي ظبية، وقوّاه في صلاة «المنتهى» في آخر البحث، وجهاد «التحرير»، وجعله في جهاد «السرائر» أظهر، وفي «كشف الرموز» أشبه، وفي «كشف اللثام» أقوى، وجعله في «رياض المسائل» قويّاً، واستظهره في «المقاصد العلية» من «الألفية». وعن الكيدري: إنّه أحوط، ونقله في «مصابيح الظلام» عن الطبرسيّ والتونيّ، وقد يلوح من «جملي علم الهدى والشيخ» و «الوسيلة» وكذا «الغنيّة» المنع.(2)
إنّ القول بتحريم صلاة الجمعة في حال الغيبة أمر غريب جدّاً; وذلك لأنّه لو قيل بأنّ جوازها مشروط بالإمام الأصل أو مَن نصبه للإمامة، فلابدّ أن يُراد من الشرط الإمام الموصوف ببسط اليد، حيث يقيمها بنفسه وينصب النواب لإقامتها في سائر البلدان، دون الإمام المحدود من جانب الأعداء الذي ربما يقتدي بالإمام

1 . الحدائق الناضرة:9/436.
2 . مفتاح الكرامة:5/1003.

195
الجائر أو يأمر شيعته بالاقتداء حفظاً للدماء، فإذا كان الشرط ـ عند القائلين ـ الإمام المقتدر، يلزم أن يكون تشريع وجوب صلاة الجمعة محدّداً بعصر الرسالة وزمناً قليلاً من إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) وشهوراً من زمن إمامة الإمام الحسن(عليه السلام). وهذا ـ تحديد الوجوب بزمان قليل ـ لا يقبله العقل الحصيف لوجوه:
1. إذ كيف يصحّ لفقيه حصر وجوب صلاة نزلت في حقّها سورة كاملة، بسنين معدودة؟!
2. إذا كان التشريع في الحقيقة محدوداً بزمن قليل، فما معنى التأكيد المتضافر في نفس الآيات، أعني قوله:(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ)؟ فإنّ التعبير بالسعي أبلغ تعبير لبيان الاهتمام، كما أنّ وصف صلاة الجمعة بذكر الله، تأكيد آخر.
3. قوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) فترك البيع كناية عن ترك كلّ ما يمتّ للدنيا بصلة، والحضور في الصلاة.
4. قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إذ فيه تشويق إلى الجمعة وتوبيخ لمن تركها.
5. قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) فإنّه توبيخ وذم لمن رجّح التجارة أو اللهو على ذكر الله.
6. أنّ الإمام يقرأ في الركعة الثانية سورة «المنافقون» وفيها قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ

196
فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(1). فالله سبحانه يصف مَن ألهته الأُمور الدنيوية عن ذكر الله، بالخسران.
7. الأحاديث الحاثّة على الاهتمام بصلاة الجمعة المذكورة في الوسائل وغيرها.(2) وسيوافيك قسم منها.
فتخصيص جميع ما ذكر بفترة محدّدة لا يقبله الذوق الفقهي.

أدلّة القائلين بشرطية الإمام المعصوم

لا شكّ أنّ الأصل في العبادة، هو التحريم إذا لم يرد فيها الإذن، فالأصل مع القائلين بالتحريم إلاّ إذا ثبت الإذن بإقامتها.
ثمّ إنّ القائلين بالحرمة في حال الغيبة قالوا بشرطية الإمام الأصل أو مَن نصبه، مستدلّين بروايات نذكرها تباعاً:
1. دعاء الإمام السجاد(عليه السلام) يوم الأضحى ويوم الجمعة:
«اللّهمّ إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها وأنت المقدّر لذلك لا يُغالب أمرُك ولا يُجاوز المحتومُ من تدبيرك كيف شئت وأنّى شئت، ولما أنت أعلم به غير متّهم على خلقك ولا لإرادتك، حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلاً، وكتابك منبوذاً، وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيّك متروكة، اللّهم العن أعداءهم من الأوّلين والآخرين، ومَن

1 . المنافقون:9.
2 . لاحظ: الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، روايات الباب.

197
رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم. اللّهم صل على محمد وآل محمد إنّك حميد مجيد كصلواتك وبركاتك وتحياتك على أصفيائك إبراهيم وآل إبراهيم، وعجلّ الفرج والرّوح والنصرة والتمكين والتأييد لهم».(1)
وجه الاستدلال: أنّ المشار إليه في قوله:«إنّ هذا المقام» هو مقام صلاتي الأضحى والجمعة، فهو لخلفاء الله تعالى.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ من المحتمل أنّ المشار إليه «هذا المقام» هو مقام الإمامة والرئاسة الدينية التي من مظاهرها إقامة صلاتي الجمعة والعيدين، بشهادة قوله: «حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً، وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيك متروكة».(2)
وثانياً: تنديد الإمام(عليه السلام) إنّما هو لجماعة يقيمون صلاتي الجمعة والأضحى بعنوان الإمامة والخلافة، وبذلك اغتصبوا مقام صفوة أولياء الله، فإنّ إقامتهما بهذا العنوان من خصائصهم. وأمّا مَن أقامهما لا بهذا العنوان بل أقامهما بما أنّه من شيعة الإمام إجابة لقوله سبحانه:(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أو لقوله في أوّل الدعاء:«اللّهمّ إنّ هذا يوم مبارك ميمون، والمسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السائل منهم الطالب والراغب والراهب وأنت الناظر في حوائجهم...». فلا يشمله تنديد الإمام وإنذاره.
وما ذكرناه ضابطة كلّية في كلّ ما يمتّ للإمامة بصلة، فلو أخذ أحد

1 . الصحيفة السجادية، الدعاء رقم 48. ابتزّ منه الشيء: سلبه قهراً.
2 . لاحظ: الحدائق الناضرة:9/443.

198
الفرائض المالية بما أنّه إمام الأُمّة وخليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا حرام، وأمّا إذا أخذها الفقيه بما أنّه من شيعة الإمام(عليه السلام)عملاً بقوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى)(1).
وحصيلة الكلام: أنّ كلام الإمام(عليه السلام) ناظر إلى مَن يزاحمونهم في هذا المقام ويسلبون حقوقهم عنهم، وأمّا مَن كان مطيعاً لأمرهم ونهيهم وأقام الصلاة بهذا العنوان، فكلام الإمام(عليه السلام)منصرف عنه.

2. كان زرارة تاركاً لصلاة الجمعة

ما رواه الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال: حثّنا أبو عبد الله(عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنّه يُريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال:«لا، إنّما عنيت عندكم».(2)
وجه الاستدلال: أنّه لو كان زرارة ممّن يصلّي صلاة الجمعة، لم يكن معنى للحثّ عليها، ولذكّره بأنّي أُصلّيها.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القول بأنّ زرارة لم يكن يصلّي صلاة الجمعة، مخالف لما ذكره وليد هذا البيت الرفيع، غالب الزراري في ترجمة جدّه، قال: إنّ زرارة كان وسيماً جسيماً، وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود وبين عينيه سجادة وفي يده عصا، فيقوم له الناس سماطين، ينظرون إليه لحسن هيئته، وربما رجع عن طريقه، وكان خصماً جدلاً، لا يقوم أحد لحجّته، إلاّ أنّ العبادة

1 . الأنفال:41.
2 . الوسائل:5، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.

199
أشغلته عن الكلام، والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه».(1)
وثانياً: كيف يمكن القول بأنّ زرارة كان تاركاً لصلاة الجمعة مع أنّه يروي روايات عديدة عن الباقر(عليه السلام) ممّا يدلّ على وجوب صلاة الجمعة عيناً، وكفى في ذلك ما رواه في الوسائل في الباب الأوّل، برقم 1 و 8 و في الباب الثاني برقم 2 و 4. ونقتصر بذكر رواية واحدة وهي عن أبي جعفر(عليه السلام): «فرض الله عزّ وجلّ على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله عزّ وجلّ في جماعة، وهي الجمعة; ووضعها عن تسعة: عن الصغير، والكبير، والمجنون، والمسافر، والعبد، والمرأة، والمريض، والأعمى، ومَن كان على رأس فرسخين».(2)
وثالثاً: أنّ زرارة كان يقيم الجمعة مع صلاة الآخرين، فحثّه الإمام على إقامة الجمعة بين أبناء الشيعة، وهو إمّا إذن خاص لزرارة، أو إذن عام للشيعة يعمّ الحضور وأيام الغيبة.
فإن قلت: قد ظهر مفاد حديث زرارة، فما هو مفاد حديث عبد الملك: روى زرارة عن عبد الملك، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال:«مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله». قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: «صلّوا جماعة» يعني صلاة الجمعة.(3)
قلت: الظاهر أنّ عبد الملك لم يكن يشارك في صلاة المخالفين، فوبّخه

1 . رسالة أبي غالب الزراري:27ـ 28.
2 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.
3 . الوسائل:5، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 2.

200
الإمام بأنّه يمكنه أن يقيم صلاة الجمعة بين أصحابه، والرواية كالسابقة إمّا إذن خاص له، أو إذن عام للشيعة بأن يقيموا صلاة الجمعة، وفي بعض الروايات: «فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم».(1) والتقييد بعدم الخوف; لأنّ إقامتها في تلك الظروف بلا إذن من الحكام كان يعدّ خروجاً عليهم كما سيوافيك.

3. إذن الإمام لترك صلاة الجمعة في يوم اجتمع فيه عيدان

خبر إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام) أنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام)كان يقول:«إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنّه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الأُولى: إنّه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أُصلّيهما جميعاً، فمَن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له».(2)
وجه الاستدلال: أنّ الإذن في ترك صلاة الجمعة للإمام المعصوم، إذا أدرك صلاة الأضحى أو صلاة الفطر، وأنّ له أن يأذن في تركها إذا رأى مصلحة في ذلك، وهذا يدلّ على كون إقامتها حقّاً له.
يلاحظ عليه: أنّ القائل وإن كان الإمام المعصوم، ولكنّه إخبار عن تشريع عام لأئمة الجمعة جمعاء، فقوله: «ينبغي للإمام أن يقول للناس» أُريد به مطلق مقيم الجمعة، ولا يُريد نفسه. وبذلك عُلم أنّ الإذن في الترك بما أنّه حكم شرعي ليس من شؤون الإمام المعصوم، بل من شؤون إمام الجمعة وإن لم يكن معصوماً.
ثمّ إنّ الرواية بحاجة إلى توجيه; لأنّ التشريع بيد الله سبحانه ومن مراتب

1 . الوسائل:5، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث4.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب صلاة العيد،الحديث3.

201
التوحيد، التوحيد في التشريع، فليس على الإمام على الإطلاق أن يتدخّل في التشريع، بأن يأذن بترك الفريضة، وعلى هذا فلا محيص أن يقال: لمّا كان الحكم الشرعي في حقّ من كان مكانه قاصياً، له أن يُشارك في الصلاة الأُولى ويترك الصلاة الأُخرى، بيّن الإمام هذا الحكم الشرعي في تعبير عاطفي لطيف كماترى.

4. قولهم(عليهم السلام) لنا الجمعة

ما في «الجواهر» عن رسالة الفاضل بن عصفور عنهم(عليهم السلام): «لنا الخمس، ولنا الأنفال، ولنا الجمعة، ولنا صفو المال».(1)
يلاحظ عليه: مع أنّه لم نعثر على سنده، بأنّه على خلاف المطلوب أدلّ; لأنّ الخمس غير مشروط بحضور الإمام، مع أنّه ذكر مع الجمعة والأنفال وصفو المال.

5. الاستدلال بروايات ضعاف

ومنها:
أ. ما في «الجواهر» أيضاً عن النبوي المشهور: «أربع للولاة: الفيء، والصدقات، والجمعة».(2)
يلاحظ عليه: بما تقدّم فقد أُريد من الصدقات الزكوات، وهي غير مشروطة بحضور الإمام(عليه السلام).
ب. ما في «الجواهر» عن رسالة الفاضل بن عصفور، روى مرسلاً

1 . جواهر الكلام:11/158.
2 . جواهر الكلام:11/158.

202
عنهم(عليهم السلام):«إنّ الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا».(1)
ج . وفي النبوي:«إنّ الجمعة والحكومة لإمام المسلمين».(2)
د . ما روي عن «الجعفريات» عن علي(عليه السلام) وفيه:«العشيرة إذا كان عليهم أمير يقيم الحدود عليهم فقد وجب عليهما الجمعة والتشريق».(3)
والجواب: أنّ هذه الروايات ناظرة إلى أنّه لا يجوز لأحد مزاحمة الإمام المعصوم في إقامة الجمعة، فمَن صلّى بعنوان أنّه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، فهو غاصب لحقوقهم; وأمّا من أقام معترفاً بحقّهم ممتثلاً لقوله سبحانه(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ)، فهذه الروايات غير ناظرة إلى منعه، وسيأتي توضيحه.
هـ . وعن «الجعفريات»: أنّ عليّاً(عليه السلام) قال:«لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام».(4)
و. وعنها أيضاً: أنّ عليّاً(عليه السلام) سُئل عن الإمام يهرب ولا يخلف أحداً يصلّي بالناس، كيف يصلّون الجمعة؟ قال: «يصلّون كصلاتهم أربع ركعات».(5)
ز. وعن «دعائم الإسلام» عن جعفر بن محمد(عليهما السلام): أنّه قال:«لا جمعة إلاّ مع إمام عدل تقيّ»(6).

1 . جواهر الكلام:11/158.
2 . رياض المسائل:4/33، وقال محقّق الكتاب: لم نعثر عليه.
3 . مستدرك الوسائل:6/13، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.
4 . مستدرك الوسائل:1/408، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.
5 . مستدرك الوسائل:1/408، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث3.
6 . مستدرك الوسائل:1/408، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث4.

203
والجواب عن هذه الأحاديث ـ مع غضّ النظر عن ضعف أسانيدها ـ هو أنّ الأُمور الدينية على وجه الإطلاق من: نصب القاضي للقضاء، وبعث الجابي لأخذ الزكاة، وتعيين الإمام للمساجد العامّة حتى المؤذّن للصلاة كان يوم ذاك بيد الخلفاء من بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت الممارسة لهذه الأُمور حتى إقامة صلاة الجمعة دليلاً على أنّ الممارس خليفة وإمام للناس أو مأذون منه، سواء أكانت الممارسة حقاً أم باطلاً.
والخلفاء بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يمارسون هذه الأُمور بما أنّهم خلفاء الرسول وساسة البلاد، وبذلك كانوا يغرّون ضعفاء العقول ويجلبون عواطفهم وعقائدهم بصحّة خلافتهم; حتّى أنّ المحقّق في «المعتبر» جعل ذلك دليلاً على شرطية إذن الإمام، قال: ومعتمدنا فعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه كان يعيّن لإمامة الجمعة، وكذا الخلفاء بعده كما يعيّن للقضاء، فكما لا يصحّ أن ينصب الإنسان نفسه قاضياً من دون إذن الإمام، كذا إمامة الجمعة، وليس هذا قياساً بل استدلال بالعمل المستمر في الأعصار فمخالفته خرق للإجماع.(1)
وفي هذه الظروف صدرت هذه الروايات قائلة بأنّ هذه الأُمور لإئمة الحقّ لا للأمويّين ولا للعباسيّين، وأنّهم ابتزّوها وسلبوها عنهم واستولوا عليها. وعلى هذا فبما أنّ ممارسة هذه الأُمور باسم الخلافة حقّ لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فمَن مارسها بهذا العنوان فقد سلب حقّاً من أئمّة الحقّ.
روى الصدوق باسناده عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال:«يا عبد الله ما من عيد للمسلمين أضحى ولا فطر إلاّ ويجدّد لآل محمد فيه حزن».

1 . المعتبر:2/279.

204
قلت: ولم ذاك؟ قال: «لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم».(1)
وعلى هذا فهذه الروايات تندد بكلّ مَن أقام صلاة الجمعة وأخذ الخمس والفيء وغير ذلك بما أنّه إمام وخليفة أو مأذون منهم.
وأمّا مَن أقام صلاة الجمعة في غيبة الإمام أو حضوره من غير أن يكون له هذا الادّعاء، بل كانت الغاية العمل بكتاب الله وسنّة رسوله وامتثالاً لما أمر به أبو جعفر(عليه السلام) من إقامة صلاة الجمعة بين الشيعة، فلا صلة لهذه الروايات المنددة المنكرة لمن يقيمها بما أنّه خليفة الرسول أو المأذون من خليفته.
أقول: كما أنّ لعاملي الزمان والمكان تأثيراً في استنباط الأحكام الشرعية، فهكذا للظروف السائدة حين صدور هذه الروايات تأثير في تفسير مرمى الروايات وهدفها. فمَن نظر إلى هذه الروايات مع قطع النظر عن ظروف الصدور يجعلها دليلاً على اختصاص إقامة صلاة الجمعة بهم وبإذنهم، وأمّا إذا نظر إليها مقرونةً بما ذكرنا من أنّ مَن كان يقيم صلاة الجمعة وأمثالها في تلك الظروف فإنّما كان يقيمها بما أنّه خليفة وإمام وقائد الأُمّة، أو مأذون منهم، وعلى هذا فلا صلة لهذه الروايات بعصر الغيبة الذي نفقد حضور الإمام، وإنّما نقيم الفريضة امتثالاً للكتاب بلا ادّعاء للمقيم ولا للمأمومين.
أضف إلى ذلك: أنّ في أكثر هذه الروايات ضعفاً في السند والدلالة، وهي لا تقاوم الذكر الحكيم، ولا ما دلّ على وجوب الجمعة إذا توفّرت الشروط المجمع عليها.
وربما يستدل على شرطية إذن الإمام بما رواه الشيخ عن حمّاد بن عيسى،

1 . من لا يحضره الفقيه:2/175 برقم 2058; الكافي:4/169 برقم2.

205
عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) قال:«إذا قدم الخليفة مصراً من الأمصار جمع الناس. ليس ذلك لإحد غيره».(1)
ولا يخفى أنّ لسان الحديث يوحي صدوره عن تقية، وعلى فرض الصدور يختص بحال الحضور، وفي «الوافي» أنّ الشيخ حمله في التهذيبين على التقية; لأنّه مذهب كثير من العامة.
ثم أضاف: بأنّ الخليفة إن كان معصوماً فلا يجوز لأحد من الرعية التقدّم عليه، وإن كان جائراً فالتقدّم عليه يوجب الفتنة والفساد، وفي هذا الحديث دلالة بحسب المفهوم على جواز التجميع لغير الإمام المعصوم إذا لم يكن هو شاهداً في البلد.(2)
تمّ الكلام في القول الأوّل، أعني: القول بالتحريم.
***

الثاني: القول بالتخيير

اشتهر القول بالوجوب التخييري لصلاة الجمعة في عصر الغيبة، وحكاه في «مفتاح الكرامة» عن كثير من القدامى والمتأخّرين، قال: وهو خيرة النهاية والمبسوط والمصباح وجامع الشرائع والشرائع والنافع والمعتبر والتخليص(للتلخيص) وحواشي الشهيد والبيان وغاية المراد كما سمعت، والموجز الحاوي والمقتصر وتعليق الإرشاد والميسيّة والروض والمقاصد العليّة

1 . الوسائل:5، الباب20 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث1.
2 . الوافي:8/1129 و 1132.

206
وتمهيد القواعد والذكرى.
ثم قال: وظاهر «كشف الالتباس» و «غاية المرام» أو صريحهما، وهو المنقول عن القاضي وكذا المفيد والتقيّ على ما عرفت.(1)
وقد احتمل في «مفتاح الكرامة» أنّ لقولهم: تجب تخييراً أو لا تجب عيناً إذا صلاّها غير المعصوم والمنصوب من قبله، له معنيان:
أحدهما: ـ وهو المراد ـ أنّه لا يجب عيناً عقدها، و إذا عقدت يجب الحضور فيها.
وهذا هو الظاهر من الفيض في الرسالة الخاصّة لبيان حكم الجمعة قال: إنّ الناس بالخيار في إنشائها وجمع العدد لها وتعيين الإمام لأجلها، فإذا فعلوا ذلك وعزموا على فعلها تعيّن على كلّ مَن اجتمعت له الشرائط الأُخر، حضورها، ولا يسع لأحد التخلّف عنها حينئذ، لا أنّ لآحاد الناس حينئذ التخيير في حضورها وعدمه.(2)
والثاني: أنّه لا يجب الحضور وإن انعقدت، أو عَلِمَ أنّ جمعاً من المؤمنين اجتمع فيهم العددُ المعتبر وحصل لإمامهم شروط الإمامة وأنّهم يعقدونها.(3)
أقول: تحقيق القول بالتخيير يتم بالكلام في مقامين:
الأوّل: دراسة القول على ضوء القواعد الأوّلية فنقول:
الواجب التخييري يتميّز عن الواجب التعييني، هو أنّ الشارع إذا أراد فعلاً

1 . مفتاح الكرامة:5/1007، وسيوافيك أنّ المفيد والتقي أبو الصلاح من القائلين بالوجوب العيني.
2 . لاحظ: الحدائق الناضرة:9/393.
3 . مفتاح الكرامة:5/1008.

207
معيّناً، فهو تعييني، وإن أراد به الدائر بين متعدّد نوعاً فتخييري، ثمّ إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية عدم ثبوت التخييري; وذلك لأنّ حضور المعصوم إمّا شرط لمشروعية الجمعة، أو شرط لوجوبها; فعلى الأوّل، تكون الصلاة محرّمة لعدم كونها مشروعة، وعلى الثاني ـ أي كون الحضور شرطاً للوجوب ـ فينتفي الوجوب بانتفاء شرطه، فمن أين جاء الوجوب التخييري بعد انتفاء الوجوب التعييني .
فإن قلت: إنّ الفقيه الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الإمام ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس، فلتكن صلاة الجمعة من هذا القبيل.
قلت: الفقيه الجامع للشرائط منصوب من قبل الإمام لإجراء الأحكام الباقية بحالها، والمفروض في المقام احتمال انتفاء وجوب صلاة الجمعة بانتفاء شرطه، ومعه كيف صار واجباً تخييرياً.
وإن شئت قلت: إنّ قوله سبحانه:(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) يدلّ على كون الواجب أمراً معيّناً، لا كليّاً مردّداً بين الجمعة والظهر، فإذا ارتفع الوجوب التعييني بانتفاء شرطه، فتبديل التعييني إلى التخييري بحاجة إلى دليل.
فإن قلت: بدلية الظهر للجمعة كانت ثابتة في عصر الظهور، بشهادة أنّ من لم يتمكّن من الواجب تجب عليه صلاة الظهر بدلاً عنها، فليكن عصر الغيبة كذلك، فكلّ مَن لا يتمكّن من إقامة الصلاة مع الإمام المنصوب تنتقل وظيفته إلى الظهر.
قلت:بدلية الظهر ثبتت لمن فاتته صلاة الجمعة بعد وجوبها عليه، وأين هذا من بدلية الظهر لمن لم تفته وبإمكانه اقامتها؟! وأين هذا من الوجوب التخييريّ؟!

208

المقام الثاني: دراسة القول حسب الأدلة الاجتهادية

وقد استدلّ له بوجوه:
الأوّل: خبر الفضل بن عبد الملك، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:«إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم مَن يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر، وإنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين».(1)
قال السيد الخوانساري(قدس سره) بعد ذكر الرواية حيث إنّ صدر هذه الرواية يدلّ على أنّ الساكنين في قرية من القرى يجب عليهم في يوم الجمعة صلاة الظهر أربع ركعات، ووجه التقييد بكونهم في قرية مع أنّ الأحكام لا تختصّ بأهل الأمصار، هو أنّ القرى ليس فيها السلطان أو نائبه بحيث يسوقهم إلى الاجتماع للجمعة، ولكن إقامة الجمعة باختيارهم مع إمام منهم كانت راجحة.(2)
أقول: إنّ في الرواية فقرتين: الفقرة الأُولى ناظرة إلى قرية بعيدة عمّن يخطب ولم يكن عندهم مَن يقوم بصلاة الجمعة بشرائطها وآدابها، إذ ليست الخطبتان مورد كلّ شارد ووارد، وهؤلاء يصلّون صلاة الظهر، ولذلك أخرج أهل قرية من القرى عن إقامة صلاة الجمعة لعدم وجود خطيب يقوم بأمر الخطابة. وأمّا الفقرة الثانية فهي ناظرة لجمع يتمكّن من إقامة الجمعة، فأي صلة للرواية بالوجوب التخييري في زمان الغيبة؟!
وحاصل الرواية: أنّ مَن لم يتمكّن من الخطيب يصلّي الظهر، والمتمكّن يصلّي الجمعة. نظير ما يقال: من وجد الماء يتوضّأ، ومن لم يجد يتيمّم، وما في

1 . الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث6.
2 . جامع المدارك:1/522.

209
ذيل كلامه: «لكن إقامة الجمعة باختيارهم مع إمام منهم كانت راجحة»، خارج عن مفهوم الرواية، وليس في الرواية ما يدلّ عليه.
الثاني: ما استند عليه غير واحد من القائلين بالتخيير، وهو أنّ مقتضى الكتاب والسنّة هو الوجوب العيني غير أنّ الإجماع الذي هو أحد الأدلّة، دلّ على عدمه، والجمع بينه وبين الكتاب والسنّة، حمل الوجوب على التخييري.
وقد طرح الشهيد الثاني هذا الدليل بصورة السؤال والجواب، وقال:
فإن قيل: الأوامر الدالّة على الوجوب إنّما استفيد منها الوجوب العيني، كما هو موضع وفاق بالنسبة إلى حالة الحضور، ومدّعاكم الوجوب التخييري، وأحدهما غير الآخر.
قلنا: أصل الوجوب ومطلقه مشترك بين العيني والتخييري، ومن حقّ المشترك أن لا يخصّص بأحد معنييه إلاّ بقرينة صارفة عن الآخر أو مخصّصة، والوجوب العيني منفيّ حال الغيبة بالإجماع، فيختصّ الفرد الآخر.(1)
وقال في كتاب آخر له: تخييراً لقوّة الأوامر المطلقة والعامّة بها في الكتاب والسنّة، وإجماع المسلمين على وجوبها في الجملة(2)، أمّا الوجوب العيني فمنتف إجماعاً، فيبقى التخييري.
وقال في الروضة:«ولولا دعواهم الإجماع على عدم الوجوب لكان القول به في غاية القوّة».(3)

1 . روض الجنان:2/774.
2 . المقاصد العلية:366.
3 . لاحظ: الحدائق الناضرة:9/420.

210
وقال النراقي: أمّا ثبوت التخييري، فللأخبار المثبتة للوجوب لها عموماً، والوجوب ماهية كلّية صادقة على جميع أفرادها.(1)
وربما تقف على نظير هذه الكلمات في توجيه الوجوب التخييري.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الإجماع المحصّل على نفي الوجوب العيني غير حاصل، والمنقول منه غير طائل، وذلك لأنّ قسماً كبيراً من القدماء اختاروا الوجوب العيني، وسيوافيك ذكر كلماتهم في نهاية البحث عن الوجوب التعييني.
ومع هذه الكلمات الصريحة من قدماء الشيعة، كيف يمكن ادّعاء الإجماع على نفي الوجوب العيني، حتى تكون قرينة على التصرّف في الآية والروايات بحملها على الوجوب التخييري؟!
وفي الحدائق: قد تمحّلوا لتصحيح هذا الإجماع المدّعى في المقام فاصطنعوا له دليلاً ليجدوا إليه سبيلاً، فقالوا: إنّ الاجتماع لمّا كان مظنّة النزاع ومثار الفتن، والحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف، فالواجب قصر الأمر في ذلك على الإمام بأن يكون هو المباشر لهذه الصلاة، أو الإذن فيها.(2)
يلاحظ عليه: بأنّه يكفي في رفع الفتنة تصدّي الفقيه الجامع للشرائط لتعيين الإمام للجمعة في البلاد و المدن.
وثانياً: قد حقّق في علم الأُصول أنّ صيغة الأمر إذا جرّدت عن القرينة تنصرف إلى العيني والنفسي والتعييني، فقوله سبحانه:(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) أو قولهم(عليهم السلام) في الروايات، منصرف إلى العيني، فليس له إلاّ مدلول واحد، فإذا قام

1 . مستند الشيعة:6/57.
2 . الحدائق الناضرة: 9/422.

211
الإجماع على عدم الوجوب العيني، تسقط الآية عن الدلالة على حكم آخر، فمن أين جاء الوجوب التخييري؟ فما استدلّ به النراقي وقبله الشهيد الثاني ناقلاً عن القائلين، مبني على أنّ مدلول الآية وجوب مجرّد عن الدلالة على العينية والتخييرية، فإذا انتفى أحد الفرضين يبقى الفرض الآخر، ومن المعلوم أنّه خلاف التحقيق.
***

الاستدلال على الوجوب التخييري بالاستبعادات

إنّ السيد الخوئي(رحمه الله) لمّا أذعن بأنّ مقتضى الأخبار هو الوجوب التعييني(1)قال: إلاّ أنّ هنا أُموراً تمنعنا من الأخذ بظاهرها ولا مناص من حملها على الوجوب التخييري (2) يجمعها عنوان الاستبعاد، وذكر في ذلك أُموراً:
الأوّل: أنّ صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية لشاع ذلك وذاع، ولكان من المسلّمات الواضحات نظير غيرها من الفرائض اليومية... إلى أن قال: ولم ينقل القول بالوجوب التعييني من أحد من العلماء في المسألة على اختلاف آرائهم في مشروعيتها في عصر الغيبة وعدمها.(3)
يلاحظ عليه: أنّ وجوبها التعييني أمر مسلّم بين سائر الفرق الإسلامية، وأمّا الشيعة فقد ذهب جمع من القدماء إلى وجوبها التعييني كالكليني والصدوق والحلبي وغيرهم، وبما أنّ القيام بهذا الأمر من شؤون الإمام المعصوم، ولم يكن

1 . لاحظ: التنقيح، كتاب الصلاة:1/40.
2 . التنقيح:1/27.
3 . التنقيح:1/26.

212
ذلك ميسوراً لأئمّة الحق(عليهم السلام) صار ذلك سبباً لاختلاف العلماء في وجوبها التعييني. ولو كان الأمر مفوضاً إلى الأئمّة وكانوا قائمين بنصب الإمام في البلاد لما اختلف في الوجوب اثنان.
الثاني: أنّ صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية فلماذا جرت سيرة أصحابهم(عليهم السلام) على عدم إقامتها في زمانهم على جلالتهم في الفقه والحديث؟! فهل يحتمل أن يكونوا متجاهرين بالفسق لتركهم واجباً تعيينياً في حقّهم وفريضة من فرائض الله سبحانه؟! فكيف أهملوا ما وجب في الشريعة المقدّسة ولم يعتنوا بالأخبار التي رووها بأنفسهم عن أئمّتهم(عليهم السلام) ولم يعملوا على طبقها؟!(1)
يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت إعراض أصحابنا عن إقامة صلاة الجمعة، وقد عرفت حال الحديث عن زرارة وهو أنّه كان يشارك العامّة في صلواتهم. نعم كان عبد الملك بن أعين غير مشارك لشبهة أنّ الإمام ليس بعادل، فأمره الإمام بإقامتها فيما بينهم.
وإن شئت قلت: لم نجد دليلاً على إعراض الأصحاب عن إقامة صلاة الجمعة في أعصارهم، ومَن أعرض فإنّما أعرض عن شبهة ودليل وهو مثلاً عدم عدالة إمام الجمعة، مع التسليم بالحكم.
وممّا ذكرنا يظهر ما في قوله:وكيف كان فقد استفدنا من الروايات الواردة أنّ سيرة أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) كانت جارية على ترك الجمعة.(2)
أقول: قد عقد الفيض في الوافي بابين تحت عنوانين:

1 . التنقيح:1/27.
2 . التنقيح:1/30.

213
1. باب صفة الجمعة معهم.
2. باب فضل الصلاة معهم.
يظهر ممّا ورد فيه من الروايات أنّ أكثر الأصحاب كانوا يصلّون الجمعة معهم وربما يعيد بعضهم الصلاة لأجل كون الإمام غير عادل.
أمّا الأوّل: فقد أورد فيه ما يدلّ على أنّهم إذا صلّوا الجمعة في وقت فصلّوا معهم.(1)
أمّا الباب الثاني فقد أورد فيه: إنّ المصلّي معهم في الصف الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل الله. وقد أورد فيه ثمانية أحاديث تحثّ على الصلاة معهم، وحمل الروايات على غير صلاة الجمعة كما ترى.(2)
الثالث: الأخبار الواردة في عدم الحضور لصلاة الجمعة على مَن كان بعيداً عنها بأزيد من فرسخين، وقد عُدّ هذا من جملة المستثنيات، والوجه في دلالتها على عدم وجوب الجمعة تعييناً أنّ الحضور لها إذا لم يكن واجباً على النائي بأزيد من فرسخين وبنينا على أنّ صلاة الجمعة واجبة تعيينية لوجبت إقامتها على مَن كان بعيداً عنها بأزيد من فرسخين في محلّه.(3)
يلاحظ عليه: أنّ لازم ما ذكره عدم كون صلاة الجمعة واجبة تعييناً حتى في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي(عليه السلام)، وهذا خلاف المجمع عليه، فالظاهر أنّ كلمة الفقهاء متّفقة على وجوبها تعييناً في عصر الرسول والوصي إذا كان متمكّناً من

1 . الوافي:1/1215.
2 . الوافي:8/1217.
3 . التنقيح:1/30.

214
إقامتها ونصب الإمام لها.
وأمّا ما أفاده من قوله: إنّ مفروضنا وجوبها على كلّ مكلّف تعييناً، وإمام الجماعة يوجد في كلّ قرية ومكان من بلاد المسلمين.
يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من استثناء مَن بعد فرسخين لأجل صعوبة عودته إلى محلّ إقامة الجمعة، فلأجل ذلك سقط عنه التكليف كما سقط عن أصناف أُخرى. وأمّا عدم إقامتها في محلّه فلعدم وجود مَن يقوم بإيراد الخطبتين وإقامة الصلاة على الوجه المطلوب.
الرابع: الروايات الواردة في أنّ كلّ جماعة ومنهم أهل القرى إذا كان فيهم مَن يخطب لهم لصلاة الجمعة وجبت عليهم صلاة الجمعة، وإلاّ يصلون ظهراً أربع ركعات; كصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن أُناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال:«نعم(و) يصلون أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب».(1)
وقال أيضاً: وتقريب الاستدلال بتلك الروايات أنّ المراد بمَن يخطب في هذه الأخبار ليس مجرّد مَن يتمكّن من إقامة الخطبة ـ شأناً ـ وإن لم يكن قادراً عليها فعلاً، لأنّه فرض نادر التحقّق. وحاصل المعنى: أنّه إن كان هناك مَن يقدم لإقامة الخطبة فعلاً ومتهيّئاً لذلك وجبت الجمعة، وإن لم يقدم بالفعل مع قدرته عليها سقطت وصلّوا الظهر جماعة، وهذا كما ترى لا يلائم الوجوب التعييني، إذ عليه يجب الإقدام والتصدي للخطبة تعييناً وتركها موجب للفسق.(2)

1 . التنقيح :1/31.
2 . المستند في شرح العروة الوثقى:11/26.

215
يلاحظ عليه: بأنّ الحديث بصدد بيان تنجيز التكليف على المكلّفين بأنّه لو وجد فيهم مَن يخطب فيتنجّز الوجوب على الجميع وإلاّ فلا. نعم لو تخلّف الجامع للصفات عن القيام بالإمامة والخطابة فقد عصى وفسق وسقط التكليف عن الآخرين.
فإن قلت: إنّه من البعيد أن ينحصر الخطيب بفرد واحد، إذ في وسع كثير من الناس أن يؤم ويقتصر في الخطابة بأقلّ الواجب.
قلت: هذا ما أشار إليه بقوله:إنّ أقل الواجب هو التحميد والثناء وقراءة سورة والوعظ المتحقّق بقوله: يا أيّها الناس اتّقوا الله، فهو ليس أمراً صعباً.
لكن المعهود من صلاة الجمعة في تلك الأيام هو إقامتها بخطبتين لهما تأثير خاص في أذهان المصلين، وليس مثل هذا شأن كلّ شارد ووارد، ولذلك كثيراً ما يتّفق عدم وجوده; وعلى هذا فالإمام(عليه السلام) يفصّل بين وجود الشرط وعدمه، ففي الأوّل تجب عليهم الجمعة، وفي الثاني تجب أربع ركعات.
وفي نهاية كلامه يقول: والمتحصّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن: أنّ الروايات التي استدلّ بها الخصم وإن كانت ظاهرة في الوجوب التعييني بالظهور الإطلاقي، إلاّ أنّه لا يسعنا الأخذ بهذا الظهور لأجل تلكم القرائن والشواهد التي منها بعض نفس تلك الأخبار ـ كما عرفت ـ فلا مناص من حملها على الوجوب التخييري.(1)
وبذلك ظهر أنّه ليس للقول بالوجوب التخييري أي دليل صالح، إلاّ إذا قلنا بأنّها كانت كذلك منذ عصر الرسالة كما عليه صريح كلامه، وهو بعيد عن ظاهر

1 . المستند في شرح العروة الوثقى:11/27.

216
النصوص وكلمات العلماء.
   
***

القول الثالث:الوجوب التعييني في عصري الحضور والغيبة

قال صاحب مفتاح الكرامة: وهو خيرة الشهيد الثاني في رسالته، وولده في رسالته، وسبطه والشيخ نجيب الدين والمولى الخراسانيّ في كتابيه، والكاشانيّ في المفاتيح والشهاب الثاقب والوافي، والشيخ سليمان في رسالتيه، والسيّد عبد العظيم والشيخ أحمد الخطيّ ومولانا الحرّ في الوسائل، ومولانا الشيخ أحمد الجزائري في الشافية، وصاحب الحدائق، والسيد عليّ صائغ، واحتمله احتمالاً في الذكرى.
ونسبوه إلى المفيد في المقنعة وكتاب الإشراف وإلى أبي الفتح الكراجكيّ وإلى أبي الصلاح التقيّ، وإلى ظاهر الصدوق في المقنع والأمالي، وإلى الشيخ في التهذيب، وإلى الشيخ عماد الدين الطبرسي، وقال بعضهم: إنّ في عبارة «النهاية» إشعاراً به، والإشعار في عبارة «الخلاف» أقوى.(1) وسيوافيك ذكر كلمات القدماء في نهاية البحث.
وقبل كلّ شيء فالآية ظاهرة في الوجوب التعييني حيث لم يذكر البدل لها. وتؤيّده سيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه لم يعدل يوم الجمعة في الحضر إلى الظهر أبداً، وهو دليل على كونها واجباً تعيينياً. والقول بأنّ عدم عدوله لأجل كون صلاة الجمعة أفضل الفردين، يحتاج إلى دليل.

1 . مفتاح الكرامة:5/997.

217
ولنقدّم دلالة الكتاب العزيز على الحكم ثمّ ندرس الروايات بصورة طوائف أربع.(1)
أمّا الكتاب فقد مرّ تفسير الآيات وأنّ دلالتها على الوجوب التعييني واضحة حيث تدلّ على وجوب السعي إلى ذكر الله وترك البيع; وقد مرّ أنّ المراد من الذكر في الآية هو صلاة الجمعة، أو خطبتها، أو هما معاً; ويعضد ذلك ما رواه الكليني في «الكافي» عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قلت له: قول الله عزّ وجلّ:(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ)؟ قال:«اعملوا وعجّلوا، فإنّه يوم مضيّق على المسلمين فيه، وثواب أعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيّق عليهم، والحسنة والسيئة تضاعف فيه»، قال: وقال أبو جعفر(عليه السلام):«والله لقد بلغني أنّ أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا يتجهّزون للجمعة يوم الخميس لأنّه يوم مضيّق على المسلمين».(2)
ثمّ إنّه أُورد على الاستدلال بالآية بأُمور واهية، نذكر بعضها:
الأوّل:إنّ (إذَا) في قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ) غير موضوعة للعموم، فلا
يلزم وجوب السعي كلّما تحقّق النداء، بل يتحقّق بالمرّة، وهي عند تحقّق الشرط.(3)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّها وإن لم تكن موضوعة للعموم، لكن المتبادر من أمثال الموارد، هو العموم. يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ

1 . تصنيف الروايات بصورة طوائف أربع من إفاضات آية الله مرتضى الحائري(قدس سره).
2 . الكافي:3/415، برقم 10; الوسائل:5، الباب31 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.
3 . لاحظ: الحدائق الناضرة:9/399.

218
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)(1).
وثانياً: أنّ إيجاب السعي ولو في الجملة بحيث يتحقّق بالمرّة، على خلاف الإجماع، فلا مناص من الحمل على العموم.
الثاني: أنّ الأمر في الآية معلّق على ثبوت الأذان، فمن أين ثبت وجوب الصلاة مطلقاً; بل تجب إذا أذّنوا، دون ما لو لم يأذّنوا.(2)
يلاحظ عليه: أنّ تعليق السعي إلى الصلاة، على الأذان لأجل أنّ المراد دخول وقت الصلاة. فيكون المعنى: إذا دخل وقت صلاة يوم الجمعة بأن نودي بالنداء المقرر المعهود المستمر كلّ يوم، فاسعوا إلى ذكر الله، وصلّوا صلاة الجمعة.(3)
الثالث: اختصاص الخطابات القرآنية بالحاضرين، ولا يشمل مَن سيوجد إلاّ بدليل خارجي، وليس إلاّ الإجماع وهو غير موجود في المقام.(4)
يلاحظ عليه: أنّ الخطابات القرآنية أشبه بقضايا حقيقية تعمّ المكلّفين كلاًّ في زمانه، فتخصيص الآيات القرآنية بجمع قليل حين نزول القرآن، حاك عن أنّ القائل فرض الخطابات خطابات شخصية مع أنّه أشبه بالخطابات الواردة في الوصايا والكتب والقوانين العامّة.
هذا وهناك إشكالات أُخرى لا تليق بأن تُذكر ويجاب عنها. فإنّ هذه

1 . المائدة:6.
2 . الحدائق الناضرة:9/400، نقله عن المنكرين للوجوب التعييني.
3 . الوافي:8/1079.
4 . الحدائق الناضرة:9/402، نقله عن المنكرين للوجوب التعييني.

219
المناقشات إنّما نبعت من القول بتحريم الجمعة أو عدم وجوبها، فصار ذلك سبباً لمثل هذه الإشكالات.
هذا كلّه حول الكتاب العزيز.

الاستدلال بالروايات

وقبل الدخول بالاستدلال بالروايات نذكر ما ذكره بعض الأعاظم حول الروايات.
قال المحدّث الكبير الشيخ محمد تقي المجلسي، والد العلاّمة المجلسي صاحب البحار، حيث وصف مجموع الروايات الواردة حول صلاة الجمعة بالنحو التالي:
قال(قدس سره): فذلكة: فصار مجموع الأخبار مائتي حديث، فالّذي يدلّ بظاهره على الوجوب خمسون حديثاً، والذي يدلّ على الوجوب بصريحه من الصّحاح والحسان والموثّقات وغيرها أربعون حديثاً، والذي يدلّ على المشروعية في الجملة أعمّ من أن يكون عينياً أو تخييرياً تسعون حديثاً، والذي يدلّ بعمومه على وجوب الجمعة وفضلها عشرون حديثاً، ثمّ الذي يدلّ بصريحه على وجوب الجمعة إلى يوم القيامة حديثان، والذي يدل على عدم اشتراط الإذن بظاهره ستة عشر حديثاً، بل أكثرها كذلك كما مرّت الإشارة إليه في تضاعيف الفصول، وأكثرها أيضاً يدل على الوجوب العيني كما أُشير إليه.(1)

1 . الحدائق الناضرة:9/390، ناقلاً عنه وقال: في رسالة مبسوطة ألّفها في تحقيق المسألة.

220

الطائفة الأُولى: ما يذكر مَن تجب عليه صلاة الجمعة من دون أن يذكر حضور الإمام

1. صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: إنّما فرض الله عزّ وجلّ على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله عزّ وجلّ في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير، والكبير، والمجنون، والمسافر، والعبد، والمرأة، والمريض، والأعمى، ومَن كان على رأس فرسخين».(1)
قوله: «فرضها الله عزّ وجلّ في جماعة» أُريد به العدد المخصوص، ودلالتهاعلى وجوبها على الناس ـ غير ما استثنى ـ واضحة جدّاً، وقد عرفت أنّ المراد من قوله:«في جماعة» العدد الخاص.
2. ما رواه الصدوق في أماليه بسند صحيح عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)قال: «صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل من غير علّة ثلاثة جُمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علّة إلاّ منافق».(2)
ورواه من الوسائل عن عقاب الأعمال للصدوق برقم 12، وهي متّحدة مع ما تقدّم.
وعلى هذا فلزرارة في هذه الطائفة روايتان لا ثلاث.
نعم أورد عليه سيد مشايخنا بقوله:ولا يخفى أنّه ليس بصدد بيان وجوب

1 . الوسائل:5 الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث8 .

221
إقامة الجمعة فضلاً عن وجوبها على كلّ أحد وإن لم يؤذن له من قبل الإمام، ولا في مقام بيان شروط الانعقاد; بل هو بصدد بيان وجوب حضور الجمعة والسعي إليها بعد ما فرض انعقادها بشرائطها، ويشهد لذلك استثناء الذين لا يجب عليهم الحضور.(1)
وفي موضع آخر يقرر ذلك الاشكال بالنحو التالي:ليس الحديث بصدد بيان الوظيفة لنفسه أو لعمّاله بل بصدد بيان وظيفة الناس بالنسبة إلى الجمعات التي كانت تنعقد بشرائطها، أعني: وجوب الحضور والسعي إليها.(2)
يلاحظ عليه: ماذا يُريد بقوله:«بعد ما فرض انعقادها بشرائطها» أو بقوله:«الجمعات التي كانت تنعقد بشرائطها»، فإن أراد الجمعات المعقودة من قبل حكّام بني أُمية وبني العباس، فهذا على خلاف المقصود أدلّ، حيث يلازم عدم اشتراط إقامتها بإمام الأصل أو مَن نصبه.
وإن أراد ـ من الفقرتين ـ الجمعات المعقودة من الشيعة بإذنهم فإنّ المفروض عدمه، إذ لم يكن للشيعة آنذاك جمعات معقودة حتى يكون الحديث ناظراً إليها إلاّ نادراً.
فتعيّن أنّها بصدد بيان وجوبها على الناس إلاّ مَن استثني.
3. ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي بصير ومحمد بن مسلم جميعاً، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«إنّ الله عزّ وجلّ فرض في كلّ سبعة أيام خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلاّ خمسة: المريض،

1 . البدر الزاهر:11.
2 . البدر الزاهر:12.

222
والمملوك، والمسافر، والمرأة، والصبي».(1)
وقد أورد عليه سيد مشايخنا بمثل ما أورده على الرواية السابقة، من أنّ الرواية «صريحة في وجوب السعي والحضور بعد ما فرض انعقاد الجمعة وليست بصدد بيان وجوب العقد».(2)
يلاحظ عليه: بنفس ما سبق، ماذا يُريد بقوله: بعدما فرض انعقاد الجمعة، فإنّ المنعقد آنذاك بين غير صحيح ـ كما هو الحال في زمن الحكّام ـ وبين صحيح غير منعقد كصلاتهم(عليهم السلام)أو مَن نصبوه.
4. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:«الجمعة واجب على كلّ أحد، لا يعذر الناس فيها إلاّ خمسة: المرأة، والمملوك، والمسافر، والمريض، والصبي».(3)
وأورد عليه أيضاً بمثل ما سبق، من أنّ الحديث بصدد بيان
وجوب الحضور،بعد انعقادها بشرائطها لا وجوب عقد الجمعة وإقامتها
على الناس.(4)
ولا يخفى أنّ ما ذكر من الاحتمال لا يتبادر إلى أذهان أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)فضلاً عن غيرهم، بل المتلقّى هو أنّ صلاة الجمعة واجبة على الناس (سوى ما استثني)كلّ يعمل بوظيفته، فعلى الإمام إلقاء الخطبة وإقامة الصلاة، وعلى

1 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث14.
2 . البدر الزاهر:12.
3 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث16.
4 . البدر الزاهر:12، بتصرف للإيضاح.

223
المأمومين الحضور. فالتفكيك بين الحضور والعقد والإقامة، أمر مغفول عنه عند العرف.
5. ما رواه الفريقان عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في خطبة طويلة نقلها المخالف والمؤالف ـ : «إنّ الله تبارك وتعالى فرض عليكم الجمعة، فمَن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا برّ له، حتى يتوب».(1)
ورواه الشهيد الثاني في رسالته مع هذا الذيل:«فمَن تركها في حياتي أو بعد مماتي(وله إمام عادل) استخفافاً...».
وأورد عليه سيد مشايخنا(قدس سره) بنفس ما أورده على الأحاديث الماضية بأنّه بصدد بيان وجوب السعي والحضور لا بوجوب العقد والإقامة، إضافة إلى أنّ المتبادر هو إمام الأصل.(2)
ولا يخفى ضعف كلا الوجهين، أمّا الأوّل فإنّ التفصيل بين الأمرين
(وجوب السعي ووجوب العقد) بعيد عن الأذهان العرفية; بل المتبادر الحثّ
على صلاة الجمعة كلّ حسب وظيفته; وأمّا الثاني ـ كون المراد من الإمام هو
الإمام المعصوم ـ فهو كما ترى، لكثرة إطلاق الإمام في روايات كثيرة على
غير المعصوم.
***

1 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث28.
2 . البدر الزاهر:14.

224

الطائفة الثانية: ما يدلّ على البعث على الإقامة مع عدم كون المقيم هو المعصوم

إنّ في الروايات الواردة حول صلاة الجمعة ما يدلّ على أنّ الإمام المعصوم كان يحثّ شيعته على إقامة صلاة الجمعة ولم يكن هو المقيم، كما لم يكن هناك أي إجازة من الحكام، وإليك ما يلي:
1. روى الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال:حثّنا أبو عبد الله(عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنّه يُريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال:«لا، إنّما عنيت عندكم».(1)
والمتبادر من الرواية أنّ الإمام أكّد على إقامة صلاة الجمعة فيما بينهم، أو الحضور في جمعات الآخرين من الشيعة، وأمّا الحضور في جمعات المخالفين فهو بعيد جدّاً; وبذلك يظهر ضعف ما أُورد على الاستدلال بالرواية من أنّ المقصود الترغيب في حضور جمعات المخالفين لئلاّ تظهر مخالفة الأئمّة(عليهم السلام)وشيعتهم لخلفاء الوقت وعمّالهم.
وجه الضعف: أنّ لفظة «إنّما عنيت عندكم» ينفي هذا الاحتمال، وإلاّ اللازم أن يقول: «عنيت عند غيركم». ثم إنّ سيد مشايخنا البروجردي(قدس سره) أورد على الاستدلال بوجهين:
الأوّل: أن يكون المقصود ترغيبهم في حضور الجمعات التي كان يقيمها المنصوبون من قبل الأئمّة(عليهم السلام)، إذ من المحتمل كون أشخاص معينين منصوبين من قبلهم لإقامتها في بعض الأمكنة.

1 . الوسائل:5، الباب5 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1.

225
يلاحظ عليه: أنّ الظروف السائدة على أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كانت تمنع من نصب أشخاص لإقامة الجمعة من قبلهم. أضف إلى ذلك: أنّه لو كان هناك نصب لم يخف على زرارة وأضرابه، بل كان زرارة أولى بالنصب.
الثاني: أن يكون نفس هذا الكلام منه(عليه السلام) نصباً أو إذناً لهم، إمّا بأن يكون نصباً لأشخاص معيّنين خاطبهم بكلامه، أو بأن يكون إذناً لهم بما أنّهم فقهاء، فيعمّ جميع فقهاء الشيعة، أو بأن يكون إذناً لهم بما أنّهم مؤمنون، فيعمّ جميع المؤمنين.(1)
يلاحظ عليه: إنّ هنا احتمالاً آخر أقرب إلى اللفظ وهو تحريض زرارة وأمثاله على العمل بالفريضة الواردة في كتاب الله، وإقامتها وعقدها بين الشيعة حسب الإمكانات.
ولعمر القارئ لولا أنّ صلاة الجمعة صارت موضع النقاش والجدال عبر قرون عشرة، لما خطر ببال أحد أمثال هذه الاحتمالات حول هذه الروايات الحاثّة على إقامة الجمعة لشيعتهم.
ثمّ إنّ اشتمال كونه إذناً لزرارة يدفعه قوله:«إنّما عنيت عندكم» وإلاّ كان اللازم أن يقول: إنّما عنيت عندك.
2. ما رواه عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قال: «مَثْلك يُهْلَك ولم يصل فريضة فرضها الله»، قال: قلت: كيف أصنع؟ قال:«صلّوا جماعة» يعني صلاة الجمعة.(2)

1 . البدر الزاهر:40.
2 . الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث2.

226
والسند صحيح، وأمّا عبد الملك بن أعين، يقول سيد مشايخنا البروجردي: في وثاقته وتشيّعه خلاف. لكن الظاهر ممّا رواه الكشي كونه شيعياً ثقة; روى الكشي عن زرارة قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) بعد موت عبد الملك بن أعين:«اللهم إنّ أبا ضريس كنّا عنده خيرتك من خلقك، فصيّره في ثقل محمد صلواتك عليه وآله يوم القيامة»، ثم قال أبو عبد الله(عليه السلام):«أما رأيته؟» يعني في النوم، فتذكرت، فقلتُ:لا، فقال: «سبحان الله مثل أبي الضريس لم يأت بعد».(1)
وقد أورد السيد البروجردي على الاستدلال بإشكالين:
1. إنّ جملة (يعني صلاة الجمعة) ليست من كلام الإمام(عليه السلام)، فليست الرواية ظاهرة فيما نحن فيه.
أقول: نفترض أنّ الجملة ليست من كلام الإمام، ولكن أي فريضة يحتمل أنّ عبد الملك تركها غير صلاة الجمعة؟!
2. إنّ الظاهر أنّه(عليه السلام) كان بينه وبين عبد الملك مكاتبات من قبل، ولعلّه كان بين تلك المكاتبات قرينة على أنّ المقصود هو التوبيخ على ترك الحضور للجمعة المنعقدة بإذن الإمام(عليه السلام).(2)
يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاحتمال جار في أكثر الروايات في غالب الأبواب، ولازم ذلك ترك العمل بالروايات لأجل هذا النوع من الاحتمالات.
3. احتمال صدور الكلام المذكور تقية، من عدّة كانوا حاضرين عنده.
يلاحظ عليه: أنّه لا شاهد على هذا الاحتمال.

1 . رجال الكشي:175ـ176
2 . البدر الزاهر:44ـ45.

227
4. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) ، قال: سألته عن أُناس في قرية، هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال(عليه السلام):«نعم(و) يصلون أربعاً إذا لم يكن مَن يخطب».(1)
5. موثّق الفضل بن عبد الملك، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم مَن يخطب لهم، جمّعوا إذا كانوا خمس نفر، وإنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين».(2)
إنّ مفاد الروايتين هو كون الفريضة صلاة الظهر إذا لم يكن عندهم مَن يخطب، وصلاة الجمعة إذا كان لهم مَن يخطب، ومع ذلك فالميزان وجود الشرط الأهم، أعني: الإمام الذي يخطب، فإنّ الخطبتين ليستا أمراً سهلاً.
ثمّ إنّ السيد البروجردي احتمل أن يكون المراد بالجمعة صلاة الظهر يوم الجمعة، ويكون السؤال عن أهل القرية من جهة أنّهم لا يتمكّنون ـ غالباً ـ من إقامة الجمعة لعدم وجود الإمام أو من نصبه.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان السؤال عن صلاة الظهر يوم الجمعة فما معنى قوله(عليه السلام):«إذا كانوا خمس نفر، وإنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين»؟!
***

الطائفة الثالثة: ما يركّز على الوجوب عند العدد المخصوص

روى الصدوق باسناده عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): على مَنْ تجب

1 . الوسائل:5، الباب3 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث3.
2 . الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث6.

228
الجمعة؟ قال: «تجب على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا، أمّهم بعضهم وخطبهم».(1)
ودلالة الرواية على الوجوب التعييني عند وجود العدد المذكور، واضحة، وأنّه يأمّ بعضهم بعضاً وكذلك يخطب.
وقد أورد على الاستدلال بوجهين:
1. انصراف البعض فيه إلى البعض الخاص الذي يكون إقامة الجمعة وقراءة الخطبة من وظائفه ومناصبه. وعليه يكون المراد بالبعض الإمام الأصل أو مَن نصبه.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الكلام لأبي جعفر(عليه السلام) والمخاطب هم المسلمون، فاحتمال كون المراد من البعض هو الإمام الأصل، كماترى.
2. أنّ من المظنون جدّاً أن يكون من قوله:«فإذا اجتمع سبعة... إلى آخره» من كلام الصدوق، كما احتمله (بحر العلوم).(3)
يلاحظ عليه: أنّه لا توجد أيّ قرينة على كونه من كلامه، خصوصاً أنّه يلزم أن يكون في كلام الصدوق شيء ليس في كلام الإمام، حيث قال:«أمّهم بعضهم وخطبهم».
***

1 . الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث4.
2 . البدر الزاهر:49.
3 . لاحظ: البدر الزاهر:49.

229

الطائفة الرابعة: ما ورد في أنّ الخطيب ليس هو الإمام الأصل

قد ورد في تعليم الخطبة ما يدلّ على أنّ الخطيب غير الإمام، وهي خطبة مفصّلة رواها الفيض في «الوافي»، ونحن نقتبس منها ما يلي:
«الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدي الله فلا مضلّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، انتجبه لولايته واختصّه برسالته وأكرمه بالنبوّة، أميناً على غيبه ورحمة للعالمين، وصلّى الله على محمّد وآله وعليهم السلام.
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأُخوفكم من عقابه... إلى أن قال:
ثم اقرأ سورة من القرآن وادعو ربك وصلّ على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وادعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم تجلس، قدر ما تمكن هنيهة ثم تقوم وتقول: الحمد الله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به، ونتوكّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدي الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحقّ ليُظهرَه على الدِّين كلّه ولو كره المشركون، وجعله رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، مَن يُطِعِ اللهَ ورسوله فقد رشد، ومن يَعصيهما فقد غَوى.
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله الّذي ينفعُ بطاعته مَن أطاعه، والّذي يَضرّ بمعصيته مَن عصاه. الّذي إليه مَعادكم وعليه حسابكم. فإنّ التقوى وصيةُ الله فيكم وفي الذين من قبلكم، قال الله تعالى:(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مَنْ قَبْلِكُمْ

230
وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)(1)، انتفعوا بموعظة الله وألزموا كتابه فإنّه أبلغُ الموعظة وخيرُ الأُمور في المعاد عاقبة، ولقد اتّخذ الله الحجّة فلا يَهلكُ مَن هلك إلاّ عن بيّنة، ولا يحيى مَن حيّ إلاّ عن بيّنة، وقد بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أرسل به فألزموا وصيّته وما ترك فيكم من بعده من الثقلين: كتابَ الله وأهل بيته، اللّذين لا يضلّ مَن تمسّك بهما ولا يهتدي من تركهما، اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين.
ثمّ تقول: اللّهمّ صلّ على أمير المؤمنين ووصيّ رسول ربّ العالمين، ثمّ تُسمّي الأئمّة حتّى تنتهي إلى صاحبك، ثم تقول: اللّهمّ افتح له فتحاً يسيراً، وانصره نصراً عزيزاً. اللّهم أظهر به دينك وسنّة نبيّك حتى لا يستَخفي بشيء من الحقّ مخافة أحد من الخلق. اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تُعزُّ بها الإسلام وأهله، وتُذلّ بها النّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك والقادة في سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدّنيا والآخرة. اللّهمّ ما حمّلتنا من الحقّ فعرّفناهُ، وما قصرنا عنه فعلمناه.
ثمّ يدعو الله على عدوّه ويسأل لنفسه وأصحابه ثم يرفعون أيديهم فيسألون الله حوائجهم كلّها حتّى إذا فرغ من ذلك قال: اللّهمّ استجب لنا ويكون آخر كلامه أن يقول: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(2).

1 . النساء:131.
2 . النحل:90.

231
ثمّ يقول: اللّهمّ اجعلنا ممّن تذكّر فتنفعه الذّكرى ثمّ ينزل.(1)
إنّ الرواية بصدد تعليم الشيعة كيفية إيراد الخطبة في جمعاتهم، عندما تمكّنوا من إقامتها، وليس الخطيب ولا الإمام الأصل أو مَن نصبه، مقصودين فيها، فلو كانت الجمعة منحصرة بعصرهم وبمن نصبوه لصارت الرواية قليلة الفائدة.
إلى هنا تمّ ما يمكن أن يستدل به على الوجوب التعييني، وهناك روايات أُخرى مبثوثة في الوسائل يمكن الاستدلال بها على المقصود، ولكن فيما ذكرنا كفاية.
***

بقيت هنا أسئلة نطرحها على طاولة البحث

السؤال الأوّل: القول بالواجب التعييني قول شاذ أعرض عنه الأصحاب عبر القرون، والأدلّة الدالّة عليه تكون أيضاً معرض عنها، فكيف أفتيتم به؟
الجواب: أنّ القول بالوجوب التعييني لم يكن قولاً شاذاً عبر القرون، بل قال به جمع كثير نذكر أسماءهم إلى سنة 1000 من الهجرة:
1. ابن أبي عقيل(المتوفّى حدود 340هـ)، قال: صلاة الجمعة فرض على المؤمنين حضورها مع الإمام في المصر الذي هو فيه، وحضورها مع إمرته في الأمصار والقرى النائية عنه، ومَن كان خارجاً من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعدما صلّى الغداة فيدرك الجمعة، فإتيان الجمعة عليه فرض.(2)

1 . كتاب الوافي للفيض الكاشاني:8/1148ـ1151.
2 . راجع: رسالتان مجموعتان، فتاوى ابن أبي عقيل:36/37.

232
والشاهد في قوله: ومن كان خارجاً من مصر أو قرية... إلى آخر ما ذكره.
2. الشيخ الصدوق (المتوفّى 381هـ)، قال: فرض الله عزّ وجلّ، من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرض الله ـ عزّ وجلّ ـ في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة... ومَن صلاّها وحده فليصلّها أربعاً كصلاة الظهر في سائر الأيام، فإذا اجتمع يوم الجمعة سبعة ولم يخافوا، أمّهم بعضهم وخطبهم.(1)
الوجوب التعييني وأقوال الفقهاء   
3. الشيخ المفيد(المتوفّى 413هـ)، قال: واعلم أنّ الرواية جاءت عن الصادقين(عليهما السلام) أنّ الله عزّ وجلّ فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، لم يفرض فيها الاجتماع إلاّ في صلاة الجمعة خاصّة. فقال ـ جلّ من قائل: ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(2) ففرضها ـ وفّقك الله ـ الاجتماع على ما قدّمناه، إلاّ أنّه بشريطة حضور إمام مأمون على صفات يتقدّم الجماعة، ويخطبهم خطبتين، يسقط بهما وبالاجتماع عن المجتمعين من الأربع الرّكعات ركعتان. وإذا حضر الإمام وجبت الجمعة على سائر المكلفين إلاّ مَن عذّره الله تعالى منهم.(3)
4. أبو الصلاح الحلبي(المتوفّى 447هـ)، قال:لا تنعقد الجمعة إلاّ بإمام الملّة، أو منصوب من قبله، أو بمَن يتكامل له صفات إمام الجماعة عند تعذّر الأمرين،

1 . الهداية:145، كتاب الصلاة، باب أقلّ ما يجزي في إقامة الجمعة.
2 . الجمعة:9.
3 . المقنعة:162ـ163.

233
وأذان و...، فإذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة وانتقل فرض الظهر من أربع ركعات إلى ركعتين بعد الخطبة.(1)
5. الشيخ الطوسي(المتوفّى460هـ) قال في باب صلاة الجمعة:لا بأس أن يجتمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لا ضرر عليهم فيصلّوا جمعة بخطبتين.(2)
وقال في باب الأمر بالمعروف منها«ويجوز لفقهاء أهل الحقّ أن يجمعوا بالناس في الصلوات كلّها، وصلاة الجمعة والعيدين ويخطبون الخطبتين، ويصلّون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضرراً، فإن خافوا في ذلك الضرر لم يجز لهم التعرّض لذلك على حال.(3)
6. الشيخ أبو الفتح الكراجكي في كتابه المسمّى بـ«تهذيب المسترشدين» قال: وإذا حضرت العدّة التي تصحّ أن تنعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة، وكان إمامهم مرضياً متمكّناً من إقامة الصلاة في وقتها، وإيراد الخطبة على وجهها وكانوا حاضرين آمنين ذكوراً بالغين كاملي، العقول، أصحّاء، وجبت عليهم فريضة الجمعة جماعة، وكان على الإمام أن يخطب بهم خطبتين ويصلّي بهم بعدها ركعتين.(4)
7. الشهيد الأوّل(المتوفّى787هـ)، قال: تجب صلاة الجمعة ركعتين بدلاً عن الظهر بشرط الإمام أو نائبه، وفي الغيبة تجمّع الفقهاء مع الأمن.(5)

1 . الكافي في الفقه:151ـ152.
2 . النهاية:107.
3 . النهاية:302.
4 . لاحظ: الحدائق الناضرة:9/381.
5 . الدروس الشرعية:1/186.

234
8 . الشيخ علي الكركي المعروف بالمحقّق الثاني(المتوفّى 940هـ)، قال صاحب روضات الجنات: كتب الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي «رسالة في صلاة الجمعة» أو وجوبها التخييري وأنّها أفضل الأفراد ويتعيّن الوجوب مع الفقيه الجامع للشرائط، النائب للإمام على العموم.(1)
ثمّ إنّ الجدال بين المحقّق الكركي ومعاصره الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي البحراني الغروي كان على أشدّه، فألّف الثاني رسالة في حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة ردّاً على المحقّق الثاني.(2)
الوجوب التعييني وعدم علم الفقهاء من أصحاب الأئمّة به   
9. الشهيد الثاني(المتوفّى966هـ)، قال: إنّ الأصحاب اتّفقوا على وجوبها عيناً مع حضور الإمام أو نائبه الخاص، وإنّما اختلفوا فيه في حال الغيبة وعدم وجود المأذون له فيها على الخصوص، فذهب الأكثر ـ حتى كاد أن يكون إجماعاً أو هو إجماع على قاعدتهم المشهورة من أنّ المخالف إذا كان معلوم النسب لا يقدح فيه ـ إلى وجوبها أيضاً مع اجتماع باقي الشرائط غير إذن الإمام(وبعد أن ذكر الأقوال قال:) والذي نعتمده من هذه الأقوال ونختاره وندين الله تعالى به هو المذهب الأوّل.(3)
10. الشيخ حسين العاملي والد الشيخ البهائي(المتوفّى 984هـ)، قال في رسالته الموسومة بالعقد الحسيني: وممّا يتحتم فعله في زماننا، صلاة الجمعة لدفع تشنيع أهل السنّة، إذ يعتقدون إنّنا نخالف الله ورسوله وإجماع العلماء في تركها،

1 . روضات الجنات:4/368 ـ 369.
2 . الذريعة:15/75.
3 . رسالة في صلاة الجمعة:3 و4.

235
وظاهر الحال معهم، إمّا بطريق الوجوب التخييري وإمّا بطريق وجوبها من القرآن وأحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) الكثيرة الصحيحة الصريحة....(1)
11. المحقّق الأردبيلي(المتوفّى 993هـ)، والظاهر من كلامه وجوبها، قال: إنّ الذي استفيد من الآية الشريفة (يعني الآية 9 من سورة الجمعة) هو وجوب الجمعة على كلّ مؤمن بعد النداء يوم الجمعة مطلقاً وتحريم البيع حينئذ ثمّ إباحته بعدها.(2)
12. السيد شمس الدين العاملي(صاحب المدارك)(المتوفّى 1009هـ) يقول بعد دراسة الأقوال: وبالجملة فالأخبار الواردة بوجوب الجمعة مستفيضة بل متواترة، وتوقّفها على الإمام أو نائبه غير ثابت، بل قد بيّنا أنّه لا دليل عليه، واللازم من ذلك الوجوب العيني إن لم ينعقد الإجماع القطعي على خلافه.(3)
هذه اثنا عشر نصّاً نقتصر بها، وأمّا الإشارة إلى مَن قال بالوجوب بعد هؤلاء فخارج عن وضع كتابنا، وكلّ ذلك يدلّ على عدم الإعراض.

السؤال الثاني

لو كانت صلاة الجمعة واجبة بالوجوب التعييني لعلمه الفقهاء من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)ووصلت إلينا بنقل السلف؟
الجواب: أنّ الفقهاء والأُصوليّين اتّفقوا على أنّ الأمر ظاهر في التعييني دون التخييري، والنفسي دون الغيري، والعيني دون الكفائي، فكفى ذلك في الدلالة

1 . العقد الحسيني:21.
2 . زبدة البيان في أحكام القرآن:117.
3 . مدارك الأحكام:4/80 .

236
على أنّ الوجوب الوارد في سورة الجمعة حول صلاتها واجب تعييني لا تخييري، نفسي لا غيري، عيني لا كفائي، ولأجل هذا الظهور لم تكن هناك حاجة بالتصريح، على أنّ الأخبار الحاثّة على السعي إلى صلاة الجمعة، بل إلى عقدها كافية في التصريح.
وأمّا عدم تصريح أصحاب الأئمّة بالوجوب التعييني فلأجل عدم وجود الخلاف بينهم في أنّها فريضة تعيينية، فكأنّ تسليمهم قلباً وعملاً أغناهم عن عنوان المسألة وبيان حكمها وإنّما ظهر الخلاف في العصور المتأخّرة بعد عصر الصدوق(306ـ381هـ) وقد كانوا ملتزمين بهذه الصلاة إمّا بالمشاركة في صلاة الآخرين كما ظهر ممّا نقلناه في أحوال زرارة بن أعين، أو بالانعقاد مستقلاًّ، فعدم وجود فكرة الخلاف سبّب عدم التصريح بالحكم، ولذلك لاترى أي سؤال عن حكم صلاة الجمعة في الأسئلة التي طرحت على أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
***
في تصدّي غير المنصوبين لإقامة صلاة الجمعة   

السؤال الثالث

لو لم يشترط حضور السلطان العادل أو مَن نصبه كان لكلّ واحد عقدها وإقامتها ولم يتكلّف الناس في تلك الأعصار على الفرسخين مع سهولة اجتماع الخمسة أو السبعة، وأقلّ الواجب من الخطبة أمر سهل يتعلّمه كلّ أحد؟
الجواب: إنّ وجود الخطيب العادل الذي تطمئن إليه نفوس البلد أو القرية، ليس من الأُمور السهلة جدّاً، ولذلك جاء في غير واحد من الأخبار بإقامة الجمعة

237
إذا فرض وجود مَن يخطب.(1)، فلو كان وجوده في كلّ مجتمع من مجتمعات المسلمين معلوماً ضرورياً، لكان الشرط المذكور ملحقاً باللغو.
وببيان آخر: إنّ المرتكز في أذهان المسلمين من صلاة الجمعة ليس مجرّد الاقتصار على صعود الخطيب المنبر والاكتفاء بقوله: أيّها الناس اتّقوا الله ثم ينزل مع قراءة سورة الإخلاص حتى يقال: ما أكثر الخطباء في الأمصار والقرى; بل المرتكز أنّها صلاة لها كيان وعظمة وللخطيب مهابة حين إلقاء الخطبة ولكلامه تأثير في المخاطبين، ولذلك كان أصحاب رسول الله يتهيّأون لتلك الفريضة يوم الخميس كما مرّ، فمثل هذه الصلاة والخطيب لم يكن أمراً متوفّراً في كلّ قرية، ولذلك سمحوا لسكّان الفرسخين أن يصلّوا الظهر مكان الجمعة.
***

السؤال الرابع

كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو بنفسه يعقد الجمعة ويقيمها، وكذلك الخلفاء من بعده حتّى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فكان الخلفاء ينصبون في البلدان أشخاصاً معيّنين لإقامتها، ولم يُعهد في تلك الأعصار تصدّي غير المنصوبين لإقامتها، وصار هذا الأمر مركوزاً في أذهان جميع المسلمين حتى أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، فكان جميع الأخبار الصادرة عنهم(عليهم السلام) ملقاة إلى الذين ارتكز في أذهانهم كون إقامة الجهة من خصائص الخلفاء والأُمراء.(2)

1 . لاحظ: الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث6; والباب5، الحديث3.
2 . البدر الزاهر:23.

238
وقد مرّ قول المحقّق:إنّ معتمدنا فعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه كان يعيّن لإمامة الجمعة وكذا الخلفاء من بعده، فكما لا يصحّ أن ينصب الإنسان نفسه قاضياً من دون إذن الإمام، كذا إمام الجمعة.
الجواب: أوّلاً: أنّا لم نقف على حديث على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نصب شخصاً لخصوص إقامة صلاة الجمعة. نعم كان ينصّب الوالي وهو يقوم بمسؤوليات منها صلاة الجمعة. نعم أرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مصعب بن عمير إلى يثرب لتعليم الناس القرآن والصلاة وإقامتها، وما ذلك إلاّ لأنّ المسلمين لم يكونوا عارفين بالقرآن والصلاة وأحكامها، فالنصب في هذه الموارد التي لا يقيمها في المحل إلاّ المنصوب لا يدلّ على شرطية النصب.
وثانياً: أنّ الفعل فاقد للظهور فلا يدلّ على الشرطية، ولعلّ النصب حتى
في غير مورد مصعب كان لأنّ صلاة الجمعة صلاة خاصّة ولها خصوصيات
لا يقوم بها إمام الجماعة في أيّام الرسالة، فلذلك كان يعيّن من يقوم بهذه
الفريضة.
وثالثاً: أنّ ما ذكره المحقّق من تشبيه المقام بالقضاء تشبيه مع الفارق; لأنّ القضاء تصرّف في النفوس والأموال ولا يصحّ لإنسان أن ينصب نفسه للقضاء لتلك الغاية، وهذا بخلاف إمامة صلاة الجمعة إذ ليس له إلاّ الأمر بالتقوى وإنذار الناس، فلو اجتمع في إنسان شيء من الثقافة وحفظ القرآن والحديث فهذا ما يقبله الناس للإمامة.
في رواية الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا(عليه السلام) في شرطية النصب   
وأمّا نصب الخلفاء أشخاص معيّنين لإقامة الجمعة فلأنّ منبر هذه الصلاة كانت وسيلة لدعم خلافتهم ودعوة الناس إليهم، ولا فرق في ذلك بين الأمويّين

239
والعباسيّين وغيرهم، فإنّهم اتّخذوها وسيلة لدعم منصبهم. فلا يدلّ على أنّ الإقامة منصب جمع خاص.
***

السؤال الخامس

روى الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا(عليه السلام) ما يظهر منه شرطية النصب، وقد جاء في الرواية: فإن قال قائل: فَلِمَ صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الإمام ركعتين وإذا كانت بغير إمام ركعتين وركعتين. قيل: لعلل شتّى. منها ـ إلى أن قال ـ :«أنّ الصلاة مع الإمام أتم وأكمل لعلمه وفقهه وفضله وعدله. ومنها: أنّ الجمعة عيد، وصلاة العيد ركعتان، ولم تقصر لمكان الخطبتين، فإن قال: فلم جُعلت الخطبة؟ قيل :لأنّ الجمعة مشهد عامّ، فأراد أن يكون للإمام سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفات]الأوقات[ ومن الأحوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة، ولا يكون الصائرَ في الصلاة، منفصلاً وليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة»(1).
استدلّ بهذه الرواية على أنّ المراد من الإمام غير إمام الجماعة الذي لا يشترط فيه إلاّ العدالة، وقد اشترط في إمام صلاة الجمعة أُمور أُخرى، وذلك بالتمسّك بالمقاطع التالية:
1. قوله: «إذا كانت مع الإمام ركعتين وإذا كانت بغير إمام ركعتين ركعتين»

1 . عيون أخبار الرضا:2/118; علل الشرائع:1/264ـ265، الباب 182.

240
حيث يدلّ على أنّ إمام الجمعة إمام مطلق غير إمام الجماعة.«فإذا صلّوا الظهر فإنّما يصلّون جماعة، ومع ذلك يصدق عليهم أنّهم صلّوا بغير إمام».
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يدلّ عليه، مغايرة الإمامين من حيث المقدرة على إلقاء الخطبتين، إذ ليس كلّ إمام للجماعة قادراً عليها، لما عرفت من أنّ لصلاة الجمعة كياناً خاصّاً وللإمام مهابة، ولكلامه تأثيراً، وليس ذلك فعل كلّ شارد ووارد، وأين ذلك من كونه إماماً معصوماً أو نائباً عنه؟
2. قوله: «إنّ الصلاة مع الإمام أتمّ وأكمل لعلمه وفقهه». ومن المعلوم أنّه ليس من صفات إمام الجماعة.(1)
في شبهة وجوب صلاة الجمعة على سبعة   
يلاحظ عليه: أنّ الرواية واردة مورد الغالب فإنّ الغالب تصدي منصب الجمعة من قبل العالم الفقيه لا العامّي العادل. مضافاً إلى أنّه يدلّ على كون الإمام موصوفاً بهذه الصفات وهي أعمّ من كونه منصوباً.
3. ما في بعض النسخ «للأمير» وهو لا يصدق على إمام الجماعة.
يلاحظ عليه: بأنّ النسخ مختلفة ففي بعضها: (للإمام لا للأمير).
4. قوله:«وليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة»فإنّه أوضح تعبير على اختلاف الإمامين.
يلاحظ عليه: كما تقدّم من أنّه لا يدلّ على أزيد من كون إمام الجمعة موصوفاً بصفات خاصّة والتي لا تعتبر في إمام الجماعة، وأين هذا من المدّعى من كونه معصوماً أو منصوباً منه؟ على أنّ صاحب الوسائل ذكر أنّ تلك الفقرة غير

1 . هذه الفقرة سقطت من قلم صاحب الوسائل وإنّما نقلناها من كتاب علل الشرائع:1/348، الطبعة المحقّقة: سنة 1430هـ ، نشر كلمة الحق.

241
موجودة في «عيون الأخبار».
5. قوله: «ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق»، فإنّ إمام الجماعة مع المأمومين سيان في ذلك.
يلاحظ عليه: بأنّه وارد مورد الغالب، فبما أنّ صلاة الجمعة صلاة خاصّة في كلّ أُسبوع، فتكون مشروطة بخطبتين لا يقدم أحد على عقدها إلاّ مَن كان له اطّلاع واسع على ما يجري في الدنيا. مضافاً إلى ما مرّ من أنّه لا يدلّ على لزوم كون الإمام منصوباً، بل يدلّ على كون الإمام مطّلعاً عمّا يجري على المسلمين من الحوادث والكوارث.
***

السؤال السادس

ما ورد في رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«تجب الجمعة
على سبعة نفر من المسلمين، ولا تجب على أقلّ منهم: الإمام، وقاضيه،
والمدعي حقّاً، والمدّعى عليه، والشاهدان، والذي يضرب الحدود بين
يدي الإمام».(1)
الجواب: أنّ مضمون الحديث من المعضلات إذ لم يقل أحد من الفقهاء بشرطية حضور من ذكر في الرواية من القاضي والمدّعي والمدّعى عليه، فالحديث مردود إليهم(عليهم السلام).
قال في «الوافي»: كأنّه إشارة إلى العلّة في اعتبار العدد إذ التمدّن لا يخلو

1 . الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث9.

242
غالباً من مخاصمة لا تكاد تتحقّق بأقل منه. أو صدر الحديث عن تقية لاشتراطهم التمدّن في الجمعة، وذلك لعدم اشتراط وجود هذه الأشخاص بعينها في انعقاد الجمعة بالاتّفاق.(1)
***

السؤال السابع

في مناقشة صحيحة زرارة   
روى الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال: قال أبو جعفر(عليه السلام):«الجمعة واجبة على من إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما يصلّي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام، كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رجعوا إلى رحالهم قبل الليل، وذلك سنّة إلى يوم القيامة».(2)
قال السيد البروجردي: ويستفاد من هذه الرواية أنّ إقامة الجمعة ليست بيد كلّ أحد، وكذلك جميع الروايات الدالّة على وجوب حضور الجمعة على من بعد عنها بفرسخين وعدم وجوبه على مَن بعد بالأزيد، كيف ولو لم تشترط بحضور السلطان العادل أو مَن نصبه وكان لكلّ أحد عقدها وإقامتها لم يتكلّف الناس في تلك الأعصار طي الفرسخين مع سهولة اجتماع الخمسة أو السبعة، وأقلّ الواجب من الخطبة أيضاً يسهل تعلّمه لكلّ أحد.(3)
يلاحظ عليه: أنّه ليس سؤالاً جديداً بل هو نفس السؤال الثالث، وقد عرفت

1 . الوافي:9/1129ـ1130.
2 . الوسائل:5، الباب4 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث1. يريد صلاة العصر يوم الجمعة في وقت الظهر في سائر الأيام.
3 . البدر الزاهر:14.

243
أنّ متلّقى الناس من أنّ صلاة الجمعة لم تكن صلاة كسائر الصلوات اليومية، بل كانت عندهم لها مكانة خاصّة من حيث إيراد الخطبتين وغيرهما، ولذلك لم يكن القائم بذلك متوفّراً في القرى والقصبات وإلاّ لم يسمح للمتواجد في الأزيد من الفرسخين ترك الجمعة.
إلى هنا تمّت الأسئلة المطروحة حول وجوب الجمعة تعيينياً، غير أنّ هنا أمراً لابدّ منه وهو أنّ لصلاة الجمعة وقتاً وكيفية وإماماً وخطيباً ومكاناً محدّداً بحدود، فإجراؤها بحاجة إلى أن يكون هناك مسؤول يُشرف على هذه الأُمور وينظّمها، إذ فرق بينها وبين الصلوات اليومية العادية، فالمشرف في عصر الظهور هو الإمام(عليه السلام)، وأمّا في عصر الغيبة فالمشرف عليها هو الفقيه الجامع للشرائط أو السلطان العادل. وعلى هذا فليست صلاة الجمعة أمراً يقيمها كلّ أحد، بل لابدّ من كون الإمام منصوباً من مقام خاص، وهو أحد المقامين.
وبذلك يعلم ضعف ما ذكره بعضهم من أنّ الاجتماع لمّا كان مظنّة النزاع ومثار الفتن، والحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف، فالواجب قصر الأمر في ذلك على الإمام بأن يكون هو المباشر لهذه الصلاة أو الإذن فيها، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومَن بعده من الخلفاء كانوا يعيّنون أئمة الجمعات.(1)
ولكنّك قد عرفت أنّ رفع الفتنة، يحصل بإشراف سلطان عادل، أو فقيه جامع للشرائط يشرف على إقامة الصلاة في البلاد حتى لا تتثنى الصلاتان في مكان أقلّ من فرسخ. والله العالم.

1 . الحدائق الناضرة:9/422.

244

فرع: تعدّد الجمعة في أقلّ من فرسخ

الغرض النهائي من دراسة آيات الأحكام هو تبيين مضامينها ومفاهيمها وأمّا الفروع المترتبة عليها المذكورة في الكتب الفقهية فغير مطروحة لنا، إلاّ أنا عدلنا عن ذلك الأصل في هذا الفرع ليعلم أنّ تعدد الجمعة في أقلّ من فرسخ يعدّ بدعة أصفق عليها علماء الفريقين.
قال المحقّق:أن لا يكون هناك جمعة أُخرى، وبينهما دون ثلاثة أميال (ثلاثة أميال تساوي فرسخاً واحداً)، فإن اتّفقتا بطلتا، وإن سبقت إحداهما ولو بتكبيرة الإحرام بطلت المتأخّرة، ولو لم تتحقّق السابقة أعادا ظهراً.(1)
وربما يتصوّر أنّ هذا الحكم من خصائص الفقه الإمامي ولكن بعد الرجوع إلى ما عليه فقهاء السنّة يعلم أنّ هذه هي سنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال العلاّمة عبد الله بن الصدّيق الغماري(1328ـ 1413هـ) في كتابه: «إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة» ما هذا لفظه:
تعدّد الجمعة في أقلّ من فرسخ   
تعدّد الجمعة لم يكن في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في عهد الصحابة والتابعين.
روى البيهقي في المعرفة من طريق أبي داود في المراسيل عن بكير بن الأشج، قال: كان في المدينة تسعة مساجد مع مسجده(صلى الله عليه وآله وسلم)، يسمع أهلها أذان بلال فيصلّون في مساجدهم. زاد يحيى: ولم يكونوا يصلّون الجمعة في شيء من تلك المساجد إلاّ مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). قال الحافظ: ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الجمعة كما في الصحيح. وصلاة أهل قباء معه، كما رواه ابن ماجة وابن

1 . شرائع الإسلام:1/690.

245
خزيمة.
وروى البيهقي: أنّ أهل ذي الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة. قال البيهقي: ولم ينقل أنّه أذن لأحد في إقامة الجمعة في شيء من مساجد المدينة، ولا في القرى التي يقربها. وقال الأثرم لأحمد: أجمع جمعتين في مصر؟ قال: لا أعلم أحد فعله.
وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس أنّ الجمعة لم تكن تصلى في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عهد الخلفاء الراشدين إلاّ في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وفي تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم في مسجد واحد، أبين البيان بأنّ الجمعة خلاف سائر الصلوات وأنّها لا تصلى إلاّ في مكان واحد. انتهى
وذكر الحافظ ابن عساكر في مقدمة «تاريخ دمشق»: أنّ عمر كتب إلى عمّاله: إلى أبي موسى، وإلى عمرو بن العاص، وإلى سعد بن أبي وقّاص: أن يتخذ مسجداً جامعاً ومسجداً للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى المسجد الجامع، فشهدوا الجمعة.(1)
وذكر الحافظ الخطيب في «تاريخ بغداد»: أنّ أوّل جمعة أحدثت في الإسلام في بلد، مع قيام الجمعة القديمة، في أيام المعتضد في دار الخلافة، يعني بغداد، من غير بناء مسجد لإقامة الجمعة، وسبب ذلك، خشية الخلفاء على أنفسهم. وذلك في سنة ثمانين ومائتين، ثم بني في أيام المكتفي، مسجد فجمعوا فيه.(2)

1 . تاريخ دمشق لابن عساكر:2/322، دارالفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995م.
2 . تاريخ بغداد:4/403ـ 407.

246
 
   
أحكام الصلاة
      7
الجهر والمخافتة في الصلاة
قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا).(1)

المفردات

ادعوا الله: أي سمّوه بأحد الاسمين: الله، والرحمن.
تخافت: يقال: تخافت القوم: تسارّوا فيما بينهم، واللغة الدارجة هي المخافتة. وأمّا أخفت فليست لغة دارجة، نعم هو كثير الورود في الكتب الفقهية.
أيّاً مّا: «أي» اسم استفهام في الأصل، فإذا اقترن بـ«ما» الزائدة، أفادت الشرط، ولذلك جزم الفعل بعدها وهو «تدعو» شرطاً. وجاء الجواب مقروناً بالفاء،

1 . الإسراء:110ـ 111.

247
وهو قوله: (فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى). والجملة الاسمية إذا وقعت جواباً تلزمها «الفاء» للقاعدة المعروفة: كلّ جزاء يمتنع جعله شرطاً فالفاء لازمة.
كان المشركون ينزعجون من سماع كلمة الرحمن، وقد حكاه عنهم سبحانه في قوله:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)(1).
روى أهل السِّير أنّه لمّا جرى الصلح بين قريش المشركة وبين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية، دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً ليكتب وثيقة الصلح، فلمّا أمره أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» قال سهيل بن عمرو(مندوب قريش): لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم.(2)

التفسير

قوله: (قُلِ) يا محمد (ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) فلا حرج في دعائه بأي اسم كان، ثم علّله بقوله: (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى) فكلّ يشير إلى كمال من كمالاته سبحانه. وأمّا كيفية الدعاء فيذكره بقوله:(وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا)، فيقع الكلام في ما هو المراد من الصلاة، وهل هي بمعنى الدعاء، أم العبادة المعروفة؟والظاهر هو الأوّل، أي دعاء الله بأسمائه، والشاهد على ذلك تقدّم قوله سبحانه:(أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى) وعلى هذا فللداعي أن يتّخذ طريقاً وسطاً بين الجهر والمخافتة، وبما أنّه أُريد من المخافتة هو التسارّ، يكون المراد من الجهر هو رفع الصوت بشدّة، فيجب أن يكون الداعي داعياً لله لا

1 . الفرقان:60.
2 . لاحظ: تاريخ الطبري:2/281.

248
بصورة سرّية حتى لا يسمع نفسه، ولا بصورة جهرية أي رفع الصوت عن المتعارف.
نعم الجهر في اللغة بمعنى رفع الصوت على وجه الإطلاق خفيفاً كان أو شديداً، غير أنّ المراد به في الآية بقرينة المخافتة هي رفع الصوت بشدّة، ولولا المقابلة لما فسّر الجهر برفع الصوت شديداً، وبما ذكرنا ورد التفسير عن الإمام الصادق(عليه السلام)، روى سماعة مضمراً عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ:(وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا)، قال: «المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديداً».(1)
وقد روي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«إنّ ربّكم ليس بأصم ولا غائب هو بينكم وبين رؤوس رحالكم».(2) وعن ابن عباس: أنّ معناه: لا تجهر بدعائك ولا تخافت بها ولكن بين ذلك.(3)
والمروي عن ابن عباس وإن ورد في رفع الصوت في الدعاء، ولكن يمكن أن تكون ضابطة كلّية في أكثر المجالات التي يتوجّه فيها الإنسان إلى الله سبحانه.
هذا ويظهر من بعض الروايات أنّ الصلاة في الآية بمعنى العبادة المعروفة، فقد روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أعلى الإمام أن يُسمع مَن خلفه وإن كثروا؟ قال: «ليقرأ قراءة وسطاً، يقول الله تبارك

1 . تفسير نور الثقلين:3/233.
2 . سنن الترمذي:5/172.
3 . مجمع البيان:6/349.

249
وتعالى:(وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا)».(1)
وممّا ذكرنا يعلم أنّ كيفية صلاتنا في الظهرين لا تخالف الآية، فإنّ تلك الكيفية ليست جهراً كما هو واضح لما مرّ من أنّه هو رفع الصوت شديداً وفي الوقت نفسه ليست مخافتة أيضاً; لأنّها عبارة عمّا لا يسمع القارئ نفسه، والرائج هو سماع نفسه وإن لم يسمع غيره. وهذا هو الذي يصفه سبحانه بقوله:(وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً).
وقريب من ذلك ما رواه أصحابنا عن أبي عبد الله(عليه السلام): «الجهر بها رفع الصوت شديداً والمخافته ما لم تسمع أُذنيك، واقرأ قراءة وسطاً ما بين ذلك وابتغ بين ذلك سبيلاً».(2)
ثمّ إنّي رأيت بعض من لم يكن له إلمام باللغة العربية كان يجهر في الظهرين بزعم أنّ الكيفية الرائجة مخافتة منهية، مع أنّك قد عرفت أنّ الآية لو كانت ناظرة إلى العبادة المعروفة فالمراد من الجهر ليس هو مطلق رفع الصوت; بل رفعه بشدّة فيشكّل قرينة على أنّ المخافتة هي التسارّ الذي لا يسمع حتى نفسه، وعليه تكون قراءة الصلاة على نحو الإخفات الذي يسمع المصلّي كلامه أو يسمعه الواقف إلى جانبه من مصاديق الآية فليست جهراً ولا مخافتة.

1 . تفسير نور الثقلين:3/233.
2 . مجمع البيان:6/350.

250
 
أحكام الصلاة
      8
التسليم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهّد   
التسليم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهّد
قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).(1)

المفردات

الصلاة:هي طلب الرحمة، وإذا نسبت إلى الله سبحانه جُرّدت عن الطلب، والغاية هي الاعتناء بشرف النبيّ ورفع شأنه، ومن هنا قال بعضهم: تشريف الله محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:(إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ) أبلغ من تشريف آدم بالسجود له.(2)
تسليماً: التسليم: فيه احتمالان:
1. الانقياد، قال تعالى:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(3)

1 . الأحزاب:56.
2 . كنز العرفان في فقه القرآن:1/131.
3 . النساء:65.

251
2. المراد من التسليم هو الوارد في التشهّد، أعني: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته; وعليه الزمخشري والقاضي في تفسيريهما، وذكره الشيخ الطوسي في تبيانه، وهو الحقّ. لقضية العطف، حيث عطف قوله: (وَسَلِّمُوا)على (صَلُّوا)(1)، حيث يدلّ على التغاير فالآية تدلّ على طلب الرحمة للنبيّ أوّلاً والسلام عليه في التشهّد ثانياً.
ويقع الكلام في مقامين:
1. التسليم والصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهّد.
2. الصلوات عليه خارج التشهّد عند ذكر اسمه.
أمّا المقام الأوّل: فقد اتّحدت المذاهب الأربعة مضافاً إلى الإمامية
بدخول السلام على النبيّ في التشهّد، فإنّ صيغ التشهّد عند المذاهب وإن
كانت تختلف، لكن الجميع يشتمل على عبارة: «السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته».
نعم اختلفوا في وجوب التسليم، قال الشافعية والمالكية والحنابلة: التسليم واجب، وقال الحنفية: ليس بواجب.(2)
والظاهر من الشيخ في «الخلاف» أنّ القائل بالوجوب هو الشافعي في التشهّد الأخير، والباقي على الاستحباب.(3)
وأمّا الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهّد فقد قال الشيخ في «الخلاف»:

1 . كنز العرفان:1/132.
2 . الفقه على المذاهب الخمسة:114، نقلاً عن بداية المجتهد:1/126.
3 . الخلاف:1/376، المسألة 134.

252
الصلاة على النبي فرض في التشهّدين، وركن من أركان الصلاة، وبه قال الشافعي في التشهّد الأخير، وبه قال: ابن مسعود، وأبو مسعود البدري الأنصاري واسمه عقبة بن عمر، وابن عمر، وجابر، وأحمد وإسحاق. وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه: إنّه غير واجب.(1) والمسألة فقهية فهي بحاجة إلى دراسة أدلّة التشهّد.
فالتسليم على النبيّ جزء من التشهّد، وهو غير التسليم الذي يخرج به المصلّي عن الصلاة.

الآية دالّة على أنّ النبيّ حيّ

وهنا أمر نعطف نظر القارئ إليه وهو أنّ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة يمنعون من الصلاة على أولياء الله، قائلين بأنّ الموت صار حاجزاً بيننا وبينهم.
فنقول: قد ورد في الذكر الحكيم أنّ الله سبحانه يصلّي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وملائكته يصلّون عليه، ويأمر المؤمنين بالصلوات عليه، فلو كان الموت حاجزاً فما معنى الأمر بالصلاة والتسليم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
والظاهر أنّ هؤلاء يرون الموت فناءً للإنسان، بحيث لا يبقى منه شيء، ولكن القرآن يرى الموت انتقال الإنسان من دار إلى دار، وعند ذلك يصبح السلام أمراً معقولاً.

1 . الخلاف:1/369، المسألة128.

253

المقام الثاني: الصلاة على النبيّ عند ذكر اسمه

هذا كلّه حول المقام الأوّل، وأمّا المقام الثاني وهو وجوب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير الصلاة أو استحبابها.
قال جمال الدين المقداد: ذهب الكرخي إلى وجوبها في العمر مرّة، وقال الطحاوي: كلّما ذُكر، واختاره الزمخشري، ونقل عن ابن بابويه من أصحابنا.(1)والظاهر من أصحابنا هو الاستحباب.
وعلى كلّ تقدير فسواء أكان واجباً أو مستحبّاً، إنّما الكلام في كيفية الصلاة عليه، فقد علّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين، كيفية الصلاة عليه في حديث نقله الفريقان.
أمّا محدثّو أهل السنّة، فقد رووا الحديث كما يلي:
1. روى كعب بن عجرة قال: قلت: يا رسول الله قد علمنا (أو عرفنا) كيف السلام عليك فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: «اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد كما صلّيت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم». رواه جماعة(2) إلاّ أنّ الترمذي قال فيه: على إبراهيم في الموضعين.(3)
2. روى البخاري في صحيحه بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة... فقال: سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلنا: يا رسول الله كيف

1 . كنز العرفان:1/133.
2 . مسند أحمد:4/241; سنن النسائي:3/48.
3 . سنن الترمذي:1/301.

254
الصلاة عليكم أهل البيت فإنّ الله قد علّمنا كيف نسلّم؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد».(1)
ففي قولهم:«كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟» دلالة على أنّ المرتكز هو الصلاة على النبي وأهل بيته فما في بعض الروايات من إدخال الأزواج في قوله:«اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذرّيته» فلا يعتدّ به.(2) مع ما ورد من الذم لبعضهنّ في سورة التحريم.
أمّا الشيعة فقد رواه الشيخ الطوسي في كتاب المجالس باسناده عن كعب بن عجرة قال:قلت: يا رسول الله، قد علّمتنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللّهم صلّ على محمّد(وآل محمد) كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد(وآل محمد) كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد».(3)
وبذلك يُعلم أنّ الصلوات على النبي بحذف الآل يخالف ما أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأعجب منه أنّهم حذفوا الآل، وعندما أتوا بالآل أضافوا إليه(وصحبه) مع أنّه لم يرد في أي آية أو حديث أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى على الصحابة بما هم صحابة!!
فإن قلت: إنّه سبحانه أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلّي على مَن يأخذ منهم الزكاة،

1 . صحيح البخاري:4/118ـ119، كتاب بدء الخلق، باب يزفّون النسلان في المشي.
2 . صحيح مسلم:2/17، باب الصلاة على النبي بعد التشهّد.
3 . الوسائل:4، الباب35 من أبواب الذكر، الحديث2.

255
وقال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).(1)
قلت: إنّ الآية ناظرة إلى الصلاة على مَن يؤدّي زكاة ماله من غير فرق بين الصحابي وغيره، وليس كلّ صحابي أدّى زكاته إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك أفتى الفقهاء باستحباب الصلاة على المؤدّي للزكاة حين أدائها، وأيّ صلة للآية بالصلاة على الصحابي في كلّ وقت؟!

الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا لم يذكر الآل فيها:

إنّ حذف الآل ـ مضافاً إلى أنّه على خلاف ما رواه في تعليم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ يخالف ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء»، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: «تقولوا: اللّهمّ صلّ على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد».
ثم نقل عن الإمام الشافعي قوله:
يا أهل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنّكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له
فقال: فيحتمل لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة، فيوافق أظهر قوليه.(2)
وهنا كلام لبعض المحقّقين من أهل السنّة حول الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . التوبة:103.
2 . الصواعق المحرقة:146، طبعة عام 1385هـ .

256
نأتي بنصّه، قال:
1. ومن المعلوم أنّ الصلاة المأمور بها التي وردت هي المقرونة بالآل، فقد علّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أُمّته الصلاة المأمور بها في كتاب الله مقرونة بالآل فقال: «قولوا اللّهمّ صلّ على محمد عبدك ورسولك النبي الأُمّيّ وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد».
فمَن صلّى على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من غير أن يذكرهم في صلاته لم يأت كامل الصلاة المأمور بها. فلو جرينا على أصل «أنّ ما خالف سنّة الرسول يكون بدعة سيّئة» لكان كلّ هذه الصلوات بدعة ضلالة، أي حرام فضلاً عن أن يكون لها أجر. أمّا على الأصل الذي قال به مخالفوهم من أنّ مخالفة السنّة ليس بدعة ضلالة، فيحصل بها ثواب أصل الصلاة وإن لم يحصل بها الثواب الكامل الذي يحصل بموافقة السنّة.
2. يلحق كثير من الناس في كلّ صلاة يصلّونها على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة على الصحابة رضوان الله عليهم، ولم تجئ رواية صحيحة بالصلاة على الصحابة.
فعلى أصل هؤلاء من أنّ مخالفة فِعْل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بدعة ضلالة»(1)يكون هذا الإلحاق مخالفاً للسنّة; لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك الصلاة على الصحابة في حديث التعليم، ممّا يدلّ على أنّها مخصوصة للآل.
وأمّا على ما قرّرناه يكون قولها زيادة على المشروع لا يراد بها إلاّ الدعاء لهم فيحصل به الدعاء لهم.(2)

1 . سياق العبارة يدلّ على هذه الزيادة ولعلّها سقطت عند الطبع، وإلاّ فلا تستقيم العبارة.
2 . إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة لعبد الله الصدّيق الغماري:258ـ259.

257

ما ذا يراد من الآل؟

وأمّا ما هو المراد من الآل؟ فقد قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير موقف من المواقف بتبيينه.
روى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم... ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).(1)دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(2)
حتى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخرج بعض أزواجه عن كونهم من أهل البيت.
روى عمر بن أبي سلمة ربيب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لمّا نزلت هذه الآية على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(3)في بيت أُمّ سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلّله بكساء، ثم قال:«اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً». قالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا نبيّ الله؟ قال: «أنت على مكانك، وأنت على خير».(4)

1 . آل عمران:61.
2 . صحيح مسلم:4/1871 برقم 32، طبع دار الحديث، مصر، القاهرة ـ1412هـ .
3 . الأحزاب:33.
4 . سنن الترمذي:5/192، طبع دار الحديث مصر، القاهرة ـ 1419هـ .

258
 
أحكام الصلاة
      9
   
الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن
قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).(1)

المفردات

استمعوا له: اصغوا لغاية الفهم.
أنصتوا: اسكتوا. وفي «كنز العرفان»: لم أجد أحداً من المفسّرين فرّق بين الاستماع والإنصات، فيكون معنى الآية: إذا قرئ القرآن فاستمعوا له، غير أنّ ظاهر العطف هو المغايرة بين المعنيين. والذي يظهر لي أن استمع بمعنى سمع، والإنصات توطين النفس على الاستماع مع السكوت.(2)
ولكن الظاهر من الحديث النبوي أنّ الإنصات هو السكوت، ففي الحديث: جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله ما حقّ العلم؟ قال:«الإنصات له» قال:

1 . الأعراف:204.
2 . كنز العرفان:1/195.

259
ثم مه؟ قال:«الاستماع له»، قال: ثمّ مه؟ قال: «الحفظ له» قال: ثم مه؟ قال:«العمل به»، قال: ثم مه؟ قال: «نشره».(1)
وعلى هذا فمعنى الآية إذا قرئ القرآن فاستمعوا واسكتوا لأجل الاستماع، ويشهد على ما ذكرنا من أنّ الإنصات بمعنى السكوت ما يأتي من الروايات.
وعلى كلّ تقدير فظاهر المجموع هو السكوت لغاية الاستماع.

التفسير

تدلّ الآية على أنّه إذا قرئ القرآن فعليكم باستماعه والسكوت مادام القرآن يتلى. ويترتب على ذلك قوله: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
والظاهر أنّ الخطاب للمؤمنين دون الكافرين; لأنّ عمل الكافرين على ضد هذه الآية كما حكى عنهم سبحانه بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)(2) ومع ذلك لم يحكم بالترّحم بصورة قاطعة بل قال: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لأنّ بين العمل وقبوله، موانع وعراقيل ربما تمنع عن قبوله، ولذلك لم يقل:«وأنتم ترحمون» على سبيل القطع والجزم.
ثمّ إنّ الأمر بالاستماع والإنصات حين قراءة القرآن لغاية تكريمه، فالمتكلّم هو الله سبحانه عن لسان الوحي، ومقتضى ذلك حفظ الأدب في ذلك المقام، مضافاً إلى ما فيه من الهداية والرحمة للمؤمنين.

1 . بحار الأنوار:2/28، برقم8 ، عن الخصال.
2 . فصلت:26.

260

اختصاص السكوت بحال الصلاة عند قراءة الإمام

ثمّ إنّ هنا طائفتين من الروايات:
الأُولى: ما يستظهر منها اختصاص مورد الآية هو الصلاة خاصّة خلف الإمام الذي يُؤتَّم به إذا سمعت قراءته، وفي المجمع: روي ذلك عن أبي جعفر(عليه السلام)قالوا: وكان المسلمون يتكلّمون في صلاتهم، ويسلّم بعضهم على بعض، وإذا دخل داخل فقال لهم: كم صلّيتم؟ أجابوه، فنهوا عن ذلك، وأُمروا بالاستماع.
1. روى السيوطي عن ابن عباس قال: صلّى النبيّ فقرأ خلفه قوم، فنزلت:(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا).(1)
2. أُريد به الخطبة حيث أُمروا بالإنصات والاستماع إلى خطبة الإمام يوم الجمعة.
3. إنّه في الخطبة والصلاة جميعاً.(2)
يقول الشيخ الطوسي: أقوى الأقوال الأوّل; لأنّه لا حال يجب فيها الإنصات لقراءة القرآن إلاّ حال قراءة الإمام في الصلاة، فإنّ على المأموم الإنصات والإستماع.(3)
وظاهر بعض الروايات يؤيّد هذا القول ففي صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبدالله(عليه السلام): سألته عن الرجل يؤم القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها

1 . تفسير الدر المنثور:3/155.
2 . مجمع البيان:4/455.
3 . التبيان في تفسير القرآن:5/68.

261
بالقراءة؟ فقال: «إذا سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له».(1)
وفي رواية عمرو بن الربيع النصري عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) أنّه سئل عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: «إذا كنت خلف إمام تتولاّه وتثق به يجزيك قراءته; وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه، فإذا جهر فأنصت، قال الله تعالى: (وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)».(2)
الطائفة الثانية: ما يدلّ على وجوب السكوت مطلقاً، ويدلّ عليه أمران:
1. ما روي أنّ عليّاً كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوّاء وهو خلفه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(3) فأنصت علي(عليه السلام) تعظيماً للقرآن حتى فرغ من الآية، ثم عاد في قراءته، ثم أعاد ابن الكوّاء الآية فأنصت علي (عليه السلام) أيضاً ثم قرأ فأعاد ابن الكوّاء فأنصت علي(عليه السلام) ثم قال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ)(4) ثم أتمّ السورة ثم ركع.(5)
ولكن في دلالته أيضاً على الوجوب تأمّل، لأنّ الفعل أعمّ من الوجوب لاحتمال كونه مستحباً.
2. روى زرارة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وفي غيرها، وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات

1 . التهذيب:3/35 برقم 127.
2 . التهذيب:3/33 برقم 120.
3 . الزمر:65.
4 . الروم:60.
5 . التهذيب:3/35ـ36 برقم 127.

262
والاستماع».(1)
أقول: لا منافاة بين الطائفتين، فيجب الإنصات عند قراءة الإمام، كما يجب عند سماع قراءة القرآن، فهنا حكمان مثبتان لموضوعين مختلفين.
نعم هذا لولا السيرة العملية على عدم الوجوب في غير حال الصلاة، مضافاً إلى شأن النزول. ومع ذلك الأحوط هو الإنصات مطلقاً.

1 . تفسير العياشي:2/44 برقم 132.

263
 
أحكام الصلاة
      10
سجود التلاوة

الآية الأُولى

قال سبحانه: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ).(1)

الآية الثانية

قال سبحانه:(وَمِنْ آيَاتِهِ الْلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).(2)

الآية الثالثة

قال سبحانه:(وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ *

1 . السجدة:15.
2 . فصّلت:37.

264
فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا).(1)

الآية الرابعة

قال سبحانه:(فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).(2)

حكم سجود التلاوة

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على وجوب سجود العزيمة في السور الأربع خاصّة.
1. روى الكليني بسند صحيح عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«إذا قرأت شيئاً من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبّر قبل سجودك، ولكن تكبّر حين ترفع رأسك، والعزائم أربعة: حم السجدة، وتنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربّك».(3)
2. روى الصدوق بإسناده عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إنّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة».(4)

1 . النجم:60ـ62.
2 . العلق:17ـ19.
3 . الوسائل:4، الباب42، من أبواب قراءة القرآن، الحديث1.
4 . الوسائل:4، الباب42 من أبواب قراءة القرآن، الحديث7.

265
3. روى الطبرسي عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«العزائم: الم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربّك، وماعداها في جميع القرآن مسنون وليس بمفروض».(1)
وأمّا الأمر بالسجود في السور التالية: الأعراف، الرعد، النحل، الإسراء، مريم، والحج في موضعين، والفرقان، والنحل، وص، والإنشقاق، فالسجود فيها مندوب حسب الروايات السابقة.
وأمّا في فقه أهل السنّة، فقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
اتّفق الفقهاء على مشروعية سجود التلاوة، أواجب هو أو مندوب؟
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ سجود التلاوة سُنّة مؤكّدة، وليس بواجب،
قائلاً بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تركه وقد قُرئت عليه سورة «والنجم» وفيها سجدة. واختلف فقهاء المالكية في حكم سجود التلاوة: هل هو سنّة غير مؤكّدة أو فضيلة،
وذهب الحنفية إلى أنّ سجود التلاوة وبدله كالإيماء واجب لحديث «السجدة على مَن سمعها» و«على» للوجوب، ولحديث أبي هريرة، عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله; وفي رواية أبي كريب:
يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت
فلي النار».(2)

1 . الوسائل:4، الباب42 من أبواب قراءة القرآن، الحديث9.
2 . صحيح مسلم:1/61، باب بيان إطلاق اسم الكفر على مَن ترك الصلاة.

266

عدم جواز قراءة إحدى سور العزائم في الفريضة

اتّفقت كلمة فقهاء الإمامية على حرمة قراءة سورة من العزائم في الفريضة، روى الشيخ الطوسي بإسناده عن زرارة، عن أحدهما قال:«لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فإنّ السجود زيادة في المكتوبة».(1)

1 . الوسائل:4، الباب40، من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1.

267

الفصل الثالث:

أحكام الصيام في الذكر الحكيم

1. الصيام فريضة مكتوبة في عامّة الشرائع.
2. الإفطار عزيمة على المريض والمسافر.
3. نزول القرآن في شهر رمضان وحكم المريض والمسافر.
4. تحليل الرفث إلى النساء في ليالي شهر رمضان.
5. حدّ الصوم زماناً.
6. حرمة مباشرة النساء في الاعتكاف.

268
 

269
 
أحكام الصيام
      1
الصيام فريضة مكتوبة في عامّة الشرائع
إنّ الصيام فريضة شرعت في الشرائع السابقة أيضاً ولها آثار بنّاءة على الصعيد الفردي والاجتماعي، وسيوافيك في ثنايا البحث ما يترتّب على هذه الفريضة من المصالح الفردية والاجتماعية. وقد نزل حول الصيام عدد من الآيات الكريمة ندرسها على التوالي:

الآية الأُولى

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1)

المفردات

الصيام: وهو في اللغة مطلق الإمساك. نقل ابن منظور عن أبي عبيدة قوله:

1 . البقرة:183.

270
كلّ ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.(1)
وقال الفيروزآبادي: صام، يصوم: أمسك عن الطعام والشرب والكلام والنكاح، ويؤيّد ذلك قوله سبحانه مخاطباً مريم العذراء:(فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)(2)، فقولها: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ)، تفسير لما نذرته من الصوم، أعني: الإمساك عن الكلام في المقام، لا الطعام والشراب، ولكن الصوم في عرف الشرع هو: الكفّ عن المفطرات من طلوع الفجر إلى الليل مع قصد القربة.
على الذين من قبلكم: أُريد به الشرائع النازلة على الأنبياء السابقين خصوصاً على النّبيّين موسى وعيسى(عليهما السلام)
تتّقون: من الوقاية، وكأنّ الصوم وقاية يتّخذها الصائم عن العقوبة.

التفسير

تشريع الصوم في أيام معدودة

خاطب سبحانه المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وأمّا ما هي الغاية من الخطاب فهي كما يقول: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ): أي فرض عليكم الإمساك عمّا تنازع إليه النفس، من طعام وشراب ونكاح، وغير ذلك، وقوله:(كُتِبَ) جملة خبرية أُريد بها الإنشاء، كقول القائل: ولدي يصلّي. ثم أخبر سبحانه عن تشريع الصوم على أهل الملل السابقة أيضاً، وقال: (كَمَا): أي مثل ما (كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ

1 . لسان العرب:12/351.
2 . مريم:26.

271
مِنْ قَبْلِكُمْ) من اليهود والنصارى. ووجه الشبه هو أصل الكتابة لا الخصوصيات.
وأمّا الغاية فيشير إليها بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) عن المعاصي، إذ مَن قدر على ترك الشهوات المحلّلة من الطعام والشراب والنساء وغير ذلك، فيكون أكثر استعداداً على ترك المحرّمات، خصوصاً أنّ الصائم يترك المحلّلات طلباً لرضاه سبحانه وتقرّباً إليه، وهو في هذه الحالة قلّما يفكّر بالحرام. وقد دلّت الإحصاءات التي تصدرها مراكز الشرطة عن انخفاض عدد الجرائم في أيام شهر رمضان المبارك، بل ربّما تصل في ليالي القدر إلى حدّ الصفر، فكأنّ الصائم بصومه يرفع مقامه عن حدّ البهيمة إلى حدّ الملائكة، فيكون معصوماً نسبياً، ولذلك عُرّف الصوم بأنّه جُنّة من النار.(1)
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) علّم أصحابه كيفية مواجهة الشيطان؟ قال:«الصوم يُسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والمؤازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه».(2)

بقي هنا أمران:

1. ما هو الوجه لذكر أنّ الصوم كان مفروضاً على مَن سبق من الأُمم من أهل الكتاب أيضاً؟
2. بيان ما يدلّ على وجود الصوم في التوراة والإنجيل؟
أمّا الأوّل: فلعلّه: لمّا كان الصوم خصوصاً في الجزيرة العربية في فصل

1 . لاحظ: بحار الأنوار:96/256.
2 . الكافي:4/62.

272
الصيف أمراً شاقّاً، جاء البيان القرآني يذكر بما يُسهّل الأمر على المسلمين من أنّ فرض الصوم ليس أمراً بدعياً، بل الله سبحانه كتبه على مَن سبق من أهل الملل، ولعلّه إلى ما ذكر يشير السيد الطباطبائي بقوله: هداية ذهن المخاطب إلى تشريع صوم رمضان بإرفاق وملائمة بذكر ما يرتفع معه الاستيحاش والاضطراب ويحصل به تطيّب النفس، بأنّه أمر سبق فرضه على غيركم.(1)
ويؤيّد ما ذكره أنّه سبحانه يفرض وجوب الصوم بأُمور مخفّفة، فتارة يقول: (أَيَّامًا مَعْدُودَات)ثم يذكر بأنّ المريض والمسافر لا يصومان وإنّما يقضيان، وأنّ المطيق يكتفي بالفدية، كلّ ذلك لأجل أن يقع الصيام موقع القبول ولا يتلقّاه المكلّف بأنّه أمر حرجي.
وأمّا الثاني: فالظاهر وجود الصيام حتى بين الوثنيّين، يقول صاحب المنار: إنّ الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف عند قدماء المصريّين في أيام وثنيّتهم... إلى أن قال: ولا يزال وثنيّو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن.(2)
إنّما الكلام في صوم اليهود والنصارى، أمّا اليهود فقد جاء في التوراة أنّ موسى(عليه السلام) صام أربعين يوماً، وإليك النصّ: أقمت في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة لا آكل خبزاً ولا أشرب ماء.(3)
وقال مؤلّف قاموس الكتاب المقدّس: اليهود كانوا يصومون غالباً حينما تتاح لهم الفرصة للإعراب عن عجزهم وتواضعهم أمام الله، ليعترفوا بذنوبهم عن

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/6.
2 . تفسير المنار:2/143.
3 . التوراة، سفر التثنية، الفصل 9، الفقرة 9.

273
طريق الصوم والتوبة، وليحصلوا على رضاء حضرة القدس الإلهي.(1)
وأمّا النصارى فالمسيح(عليه السلام) صام أربعين يوماً، فقد جاء في إنجيل متى: ثمّ اصعد يسوع إلى البرية من الروح ليهرب من إبليس، فبعد ما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاء أخيراً.(2)
وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير، قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى والحواريون.(3)
ويظهر من بعض الآيات في قصّة زكريا ومريم أنّهما كانا يصومان عن الكلام مع الصيام عن الطعام والشراب والنساء.(4)

1 . قاموس الكتاب المقدس:228.
2 . إنجيل متى، الاصحاح4، الفقرة 1 و2.
3 . تفسير المنار:2/144.
4 . لاحظ: سورة مريم:10 و 26.

274
 
أحكام الصيام
      2
الإفطار عزيمة على المريض والمسافر

الآية الثانية

قال تعالى:(أَيَّامًا مَعْدُودَات فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(1)

المفردات

أيّاماً: منصوب بفعل مقدّر: أن تصوموا أياماً، فيكون بدلاً عمّا تقدّم من لفظ الصيام.
على سفر: لم يقل مسافراً، ولعلّه لبيان أنّ الموضوع كون الإنسان في حال

1 . البقرة:184.

275
السفر، فخرج ما إذا كان في بلده، وهو يُريد السفر.
معدودات: محصورات، مضبوطات، وهو إشارة إلى كون الأيام قلائل، قال سبحانه في قصة يوسف:(وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَرَاهِمَ مَعْدُودَة وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)(1).
يطيقونه: المطيق: من لا يستطيع الصوم إلاّ بمشقة كبيرة، وهو من الإطاقة، يقال: أطاق الشيء إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف، بحيث يتحمّله مع مشقّة كثيرة.
تطوّع: مَن أطعم أكثر من مسكين واحد أو أطعم المسكين الواحد أكثر من قدر الكفاية.

التفسير

هذه الآية وما بعدها من الآيتين كسبيكة ذهب متّسقة السياق، واضحة المعنى والمرمى، نزل بها أمين الوحي على قلب سيد المرسلين في السنة الثانية من الهجرة تعليماً للعباد وأنّهم بين من يصوم الشهر إذا شهده ومن لا يصوم كالمريض والمسافر ويقضي في أيام أُخر، أو لا يصوم ويعطي الفدية كالمطيق .
دلّت الآية السابقة على أنّ الصيام فُرض على المؤمنين، وأمّا ما هو حدّه من حيث القلّة والكثرة؟ وعلى مَن يجب وعلى مَن لا يجب؟ فجاء البيان القرآني يشرح لنا هذه الأُمور، فقال: (أَيَّامًا)نصب بفعل مقدّر، أي صوموا أياماً (مَعْدُودَات): أي أيّاماً قلائل، حتى لا يستثقلها بعض المؤمنين، وأمّا تعيين هذه

1 . يوسف:20.

276
الأيام من حيث الشهور، فسيأتي في الآية التالية، أعني قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
ثمّ إنّه سبحانه يستثني من قوله:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)(في شهر رمضان) طوائف ثلاثة، يقول:
1. (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا).
2. (أَوْ عَلَى سَفَر).
3.(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): إذا كان مطيقاً، يصوم بجهد كبير.
ومعنى ذلك: أنّه يجب الصوم على كلّ مكلّف إلاّ هذه الطوائف الثلاث، وبذلك ارتفع الإبهام الثاني، أعني: على مَن يجب وعلى مَن لا يجب؟
أمّا الطائفتان الأوليان فقد كتب عليهم صيام عدّة من أيّام أُخر، فهم يفطرون ويقضون الصيام في تلك الأيام، كما يقول: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَـ) كتب عليه صيام (عِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)، وظاهر الآية يدلّ على أنّ واجب هاتين الطائفتين هو الإفطار والقضاء بعد شهر رمضان، وأمّا ما هو حدّ المرض؟ فمناسبة الحكم والموضوع تشهد على أنّ المراد: المرض الذي يضرُّ به الصوم، دونما إذا لم يكن مضرّاً; وذلك لأنّ الآية في مقام الإرفاق وهي تختص بما ذكرنا. روى الصدوق عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر».(1)
وروى الصدوق مرسلاً، جازماً بصحّته:«كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له

1 . الوسائل:7، الباب19 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1.

277
واجب».(1)
وأمّا الطائفة الثالثة وهو المطيق فيقول سبحانه:(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): أي مَن يصومون ولكن ببذل جهد كبير، وطاقة شديدة (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين)، يقول الراغب: المفاداة: ما يقي به الإنسان نفسه من مال يبذله في عبادة قصّر فيها.(2) فبما أنّ المطيق سقط عنه الفرض فهو بالمفاداة يجبر بها ما فاته من آثار الصيام.
فقوله: (طَعَامُ مِسْكِين) بدل من قوله: (فِدْيَةٌ)، وأمّا مقدار الفدية، فالمشهور، أنّه مدّ; وقد روى الكليني بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:«الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، ولا قضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شيء عليهما».(3)
وقد ورد في بعض الروايات أنّه يتصدّق في كلّ يوم بمدّين من طعام، وحمل على الاستحباب.
ثمّ إنّ ما ذكر من المقدار هو أقلّ الواجب (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)بأن يزيد على المدّ أو المدّين شيئاً أو يزد على أكثر من مسكين واحد.
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)وسيأتي الكلام في مرجع هذه الفقرة من الآية.

1 . الوسائل:7، الباب20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث2.ولاحظ بقية روايات الباب.
2 . المفردات للراغب: 374، مادة«فدى».
3 . الوسائل:7، الباب15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1.

278
ثمّ إنّه يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: هل الإفطار في السفر عزيمة أو رخصة؟
الثاني: هل إفطار المطيق عزيمة أو رخصة؟ وإليك دراسة الموضعين.

الموضع الأوّل: هل الإفطار في السفر عزيمة أو رخصة؟

اتّفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الإفطار في السفر، تبعاً للذكر الحكيم والسنّة المتواترة، إلاّ أنّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة، نظير الخلاف في كون القصر فيه واجباً أو جائزاً.
ذهبت الإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) والظاهرية إلى كون الإفطار عزيمة لا رخصة، واختاره جمع من الصحابة والتابعين. وسيوافيك توضيح ما عليه الظاهرية في كلام الشيخ الطوسي.
وذهب جمهور أهل السنّة وفيهم فقهاء المذاهب الأربعة إلى كون الإفطار رخصة، وإن اختلفوا في أفضلية الإفطار أو الصوم.
قال الشيخ في «الخلاف»: كلّ سفر يجب فيه التقصير في الصلاة يجب فيه الإفطار، وقد بيّنا كيفية الخلاف فيه، فإذا حصل مسافراً لا يجوز له فيه أن يصوم، فإن صامه كان عليه القضاء. وبه قال أبو هريرة وستة من الصحابة .
وقال داود: هو بالخيار بين أن يصوم ويقضي وبين أن يفطر ويقضي، فوافقنا في وجوب القضاء، وخالف في جواز الصوم.
وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وعامّة الفقهاء: هو بالخيار بين أن يصوم ولا يقضي وبين أن يفطر ويقضي، وبه قال ابن عباس.

279
وقال ابن عمر: يكره أن يصوم، فإن صامه فلا قضاء عليه.(1)
وها نحن ندرس حكم المسألة على ضوء القرآن الكريم فنقول:
قد بيّن سبحانه حكم المريض والمسافر في موردين:
1. (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).(2)
2. (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ). (3)
والإمعان في الآيتين يثبت أنّ الإفطار عزيمة وذلك بوجوه أربعة:

الأوّل: ترتّب الوجوب على العنوانين

إنّ قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ) بمعنى أنّه يترتّب على المريض والمسافر وجوب صيام أيّام أُخر، وهذا هو الظاهر من غير واحد من المفسّرين حيث يفسّرونه بقولهم: عليه صوم أيّام أُخر.
هذا هو الطبري يقول: فعليه صوم عدّة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره من أيام أُخر.(4)
وهذا هو ابن كثير يقول : أي المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقّة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدّة ذلك من أيام أُخر.(5)

1 . الخلاف:2/201، المسألة 53، كتاب الصوم.
2 . البقرة:184.
3 . البقرة:185.
4. تفسير الطبري:2/77.
5. تفسير ابن كثير:1/376.

280
إنّ هذا الوجوب ـ أي الصوم في أيّام أُخر ـ وجوب تعييني لا تخييري ; لأنّه الأصل في الوجوب دون الآخر لاحتياجه إلى البيان الزائد، فإذا وجب الصيام تعييناً في تلك الأيام يحرم الصوم عليهما في شهر رمضان، إذ لا صوم في الشريعة الإسلامية في كلّ السنة إلاّ صوماً واحداً، ويصير الصيام فيه بدعة.
وإن شئت قلت: إنّ الفاء في قوله: (فعدّة) هي فاء الترتيب التي تدلّ على ترتّب وجوب صيام الأيام الأُخر، على كون المكلّف مريضاً أو على سفر، بحيث يكون كلّ من المرض والسفر موضوعاً مستقلاًّ لوجوب الصيام في أيام أُخر، وجوباً تعيينيّاً لا يعدل به إلى غيره، ولازم ذلك حرمة الصيام في شهر رمضان; لعدم وجوب صومين في سنة واحدة.

الثاني: التقابل بين الجملتين

إنّ في الآية تقابلاً بين الجملتين، الأُولى تدلّ على الأمر بالصوم، والجملة الثانية تدلّ على النهي عنه، فالأمر ظاهر في الوجوب والنهي في الحرمة.
فإذا قال: كما في الآية الثالثة التي سيأتي تفسيرها، أعني قوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)و (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ) فيكون مفاد قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر )بمنزلة قوله: فمَن لم يشهد الشهر مصحّاً إمّا لكونه مريضاً أو مسافراً فلا يصمه، بل يصوم عدّة من أيام أُخر. فكأنّه يقول: تصوم الطائفة الأُولى ولا تصوم الطائفتان الثانية والثالثة، والنهي ظاهر في الحرمة التعيينية; وقد أُشير إلى هذا الاستدلال في رواية عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: قلت له: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)؟ قال

281
الإمام(عليه السلام): «ما أبينها، مَن شهد الشهر فليصمه، ومَن سافر فلا يصمه».(1)

الثالث: ذكر المريض والمسافر في سياق واحد

إنّ الآية ذكرت المريض والمسافر في سياق واحد، وحكمت عليهما بحكم واحد، قال تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)، فهل الرخصة في حقّ المسافر فقط؟ أو تعمّ المسافر والمريض؟
فالأوّل يستلزم التفكيك، فإنّ ظاهر الآية أنّ الصنفين في الحكم على غرار واحد لا يختلفان، فالحكم بجواز الإفطار في المسافر دون المريض لا يناسب ظاهر الآية .
وأمّا الثاني فهل يصحّ لفقيه أن يفتي بالترخيص في المريض إذا كان الصوم ضارّاً أو شاقّاً عليه؟ فإنّ الإضرار بالنفس حرام في الشريعة المقدّسة، كما أنّ الإحراج في امتثال الفرائض ليس مكتوباً ولا مجعولاً في الشرع، قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(2)

الرابع: الواجب من أوّل الأمر هو صيام أيام أُخر

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)هو أنّ المكتوب على الصنفين من أوّل الأمر هو الصيام في أيّام أُخر، فإذا كان الصيام واجباً على عامّة المكلّفين وكان المكتوب عليهم من أوّل الأمر هو الصيام في أيام أُخر، فصيامهم في شهر رمضان يكون بدعة وتشريعاً محرّماً،

1. الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث8 .
2 . الحج: 78.

282
لاتّفاق الأُمّة على عدم وجوب صومين طول السنة.

تقدير «فأفطر» لتطبيق الآية على المذهب

لا شكّ أنّ هذه الوجوه لم تكن خافية على مفسّري أهل السنّة، ولذلك نراهم عند تفسير الآية تفسيراً حرفياً أتوا ببعض الجمل التي تدلّ على وجوب الصيام في الأيام الأُخر لا التخيير بين الصيام والإفطار، ومع ذلك ذهب جُلّهم إلى أنّ الإفطار رخصة، وما هذا إلاّ لأنّهم لمّا وقفوا على أنّ مذاهب أئمتهم في الفقه على الرخصة، جنحوا إلى تأويل هذه الفقرات، فقدّروا كلمة: (فأفطر) في الآيات، وكأنّه سبحانه قال: «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ـ فأفطر ـ فعدّة من أيام أُخر» ومعنى ذلك أنّه لو لم يفطر لما وجب صيام تلك الأيام، ومن المعلوم أنّ الإفطار يكون رخصة لا عزيمة، لكن الكلام في التعرّف على دليلهم على ذلك التقدير المفترض.
من المتّفق عليه أنّ القرآن في مقام التشريع يجب أن يكون بيّن المراد واضح المقصود، فلو كان الحكم مفروضاً على هذا التقدير كان عليه أن يشير إليه في واحدة من الآيتين. وهذا هو الذي أشرنا إليه في صدر المقام وهو أنّ الفقيه يجب أن يفهم الآية بعيداً عن آراء مذهبه المسبقة.
والعجب أنّ صاحب تفسير المنار وقف على مفاد الآية لكنّه تأوّلها وقال: اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزي الصوم في السفر عن الفرض، بل مَن صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، لظاهر قوله تعالى: (فعدّة من أيّام أُخر)... قالوا: ظاهره: فعليه عدّة، أو فالواجب عدّة، وتأوّله

283
الجمهور بأنّ التقدير: فأفطر فعدّة.(1)
ولا ينقضي تعجّبي منه، حيث إنّه يصفه بأنّه تأويل، ومع ذلك يصرّ على صحّة فتوى الجمهور، ومع أنّه يندّد في ثنايا تفسيره بجملة من المقلّدين لأئمة مذاهبهم حيث يؤوّلون ظواهر الآية تطبيقاً لها لفتوى مذهب إمامهم، ويقول في مسألة الطلاق ثلاثاً ـ التي اختار فيها تبعاً لظاهر القرآن بأنّه لا يقع إلاّ مرّة واحدة ـ : ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب الله وسنّة رسوله.(2)

الموضع الثاني: هل إفطار المطيق عزيمة أو رخصة؟

أُريد من المطيق مَن يقدر على الصوم بجهد ومشقّة ببذل جميع طاقاته، قال ابن منظور: الطاقة: أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقّة منه.(3)
وفي «النهاية» عند تفسير شعر عامر بن فهيرة:
كلّ امرئ مجاهد بطوقه *** والثور يحمي أُمَّهُ بروقه
قال: أي أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقّة منه.(4)
ومصداق المطيق: في لسان الفقهاء الشيخ والشيخة وذو العطاش، والحق

1. تفسير المنار:2/153.
2. تفسير المنار:2/386.
3 . لسان العرب:1/225، مادة «طوق».
4 . النهاية، لابن الأثير:3/144، مادة «طوق».والثور: الذكر من البقر، والروق: الجماعة، يقال: جاء روق بن فلان: أي جماعتهم.

284
أنّه ليس لعنواني الشيخ والشيخة مدخلية في الحكم، ولذلك يقول في «الجواهر»:والتحقيق أنّ المراد بالشيخ والشيخة: من توقّف بقاء صحّة مزاجهما على تعدّد الأكل والشرب في أزمنة متقاربة للاستبانة لا لمزيد الهضم، ولا ريب في منافاته للصوم.(1) ثم يشير إلى نقد ما ذكره القاموس من التحديد بالسن.
ثمّ الظاهر: أنّ افطار المطيق عزيمة، حيث إنّ ظاهر الآية أنّ المكتوب على المطيق هو الفدية لا غير نظير ما ذكرنا في المريض والمسافر، وأمّا الروايات فيمكن استظهار العزيمة من بعضها:
1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ».(2)
2. صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان؟ قال:«يتصدّق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين».(3)
وقد مرّ أنّ ظاهر الآية هو العزيمة حيث إنّ ظاهرها أنّ المكتوب على المطيقين هو الفدية لا غير، نظير ما ذكرنا في المريض والمسافر.
لكن أكثرها بصدد بيان الفدية، وليست بصدد بيان كونها عزيمة أو رخصة. ومع ذلك تصحّ استفادة العزيمة وتعيّن الدية في الروايتين الماضيتين بالبيان

1 . جواهر الكلام:17/150ـ151.
2 . الوسائل:7، الباب15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1.
3 . الوسائل:7، الباب15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث5. ولاحظ الأحاديث 1، 3، 4، 7، 9، 10، 11، 12، من ذلك الباب.

285
التالي: أنّ قوله:«يتصدّق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين» في صحيحة ابن سنان، أو قوله:«ويتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدٍّ من طعام» في صحيحة محمد بن مسلم، ظاهر في كون التصدّق واجباً تعيينيّاً لا تخييرياً، إذ لو كان كذلك كان عليه أن يأتي بالعِدْل الآخر، فالسكوت مع كونه في مقام البيان آية كونه تعيينيّاً مع أنّه لم يرد في رواية ضعيفة فضلاً عن غيرها أنّه مخيّر بين الأمرين.
وبذلك لا يمكن الاعتماد على ظهور قوله في صدر رواية محمد بن مسلم:«لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان»، لأنّه ورد في محلّ توهّم الحظر، فالهدف رفع ذلك التوهّم، أي لا يحرم الإفطار، وأمّا كونه واجباً أو رخصة فخارج عن مصبّ الكلام.
نعم ذهب جماعة منهم المحدّث البحراني والماتن إلى التخيير، قال في «الحدائق»: إنّ المراد من الآية هو من أمكنه الصوم بمشقّة، فإنّه قد جوّز له الإفطار والفدية.(1) وقد عرفت مدلول الآية.
بقي الكلام في الفقرتين التاليتين:
1. قوله تعالى:(فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).
2. قوله تعالى:(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
أمّا الأُولى: فهي بمعنى أنّ مَن زاد في الفدية فهو خير له، فلو زاد في الإطعام على مسكين واحد، أو أطعم على أكثر من مسكين واحد فهو خير له، والمقصود من قوله:(خَيْرًا) ما يقارب معنى المال مثل قوله سبحانه: (إِنْ تَرَكَ

1 . الحدائق الناضرة:13/421.

286
خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(1).
وأمّا الثانية:أعني قوله:(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ). فقد وقع ذريعة للقائلين بالرخصة في المريض والمسافر.
قال صاحب المنار: وأمّا مَن يقول بالرخصة في المريض والمسافر أو بخصوص المسافر يتّخذ ذلك ذريعة للرخصة ويقول: إنّ الخطاب فيها لأهل الرخص وأنّ الصيام في رمضان خير لهم من الترخّص بالإفطار.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية الثانية تتشكّل من أربع فقرات بعد بيان أنّ الواجب لا يتجاوز عن كونه أياماً معدودات، وهي:
الأُولى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).
الثانية: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين).
الثالثة: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).
الرابعة: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(3)
وقد جاءت الفقرتان الثانية والثالثة بصيغة الغائب، بخلاف الأخيرة التي جاءت بصيغة الخطاب.
وهذا دليل على أنّ الفقرة الأخيرة منقطعة عن الثانية والثالثة هذا من جانب ومن جانب آخر لا يمكن أن تكون ناظرةً إلى الفقرة الأُولى فقط لما مرّ من عدم صحّة التفكيك، فيكون دليلاً على أنّه تأكيد للخطاب الأوّل بعد التفصيل، أعني

1 . البقرة:180.
2. تفسير المنار:2/158.
3 . البقرة:184.

287
قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .
وثانياً: لو كان الخطاب راجعاً لأهل الرخص فلابدّ أن يرجع إلى خصوص المسافر، لا إلى المريض، لافتراض كون الصوم مضرّاً له; ولا إلى المطيق لفرض كونه حرجياً، وقد رفع وجوب الصوم عنه ولم يشرع في حقّه، فإذا اختصّ رجوعه إلى المسافر كان مقتضى سياق الكلام أن يقول: وأن يصوم المسافر خير من أن يفطر، يعني بصيغة الغائب لا بصيغة الحاضر.
وعلى هذا فالفقرة ناظرة إلى عامّة الحالات على النحو المذكور فيها، فيكون المراد:
1. (أَيَّامًا مَعْدُودَات) للحاضر غير المريض.
2. أنّ المريض والمسافر يفطران ويصومان في أيّام أُخر.
3. أنّ المطيق يفطر ويفدي.
فإن تصوموا على النحو الماضي هو خير لكم، لأنّ فيه جمعاً بين الفريضة وعدم الحرج.

الروايات تؤيّد أنّ الإفطار عزيمة

قد عرفت أنّ الآيات تدلّ بوضوح على أنّ الإفطار عزيمة وليس برخصة، وأنّ المذكورين في الآيات هم أصحاب عزائم لا أصحاب رخص، ومن حسن الحظ أنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وما رواه أهل السنّة عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يدلّ على العزيمة، أمّا القسم الأوّل فالمجال لا يسع لنقله فمن أراد

288
التوسّع فليرجع إلى وسائل الشيعة.(1)
وأمّا القسم الثاني ـ أعني: ما رواه أهل السنّة ـ فنذكر منه شيئاً:
أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج عام الفتح إلى مكّة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعـض الناس قد صام؟ فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».(2)
والمراد من العصيان هو مخالفة أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول الله سبحانه: (وَمَن يَعصِ اللهَ وَرسولَه فقد ضَلّ ضَلالاً مُبيناً).(3)
   
والعجب ممّن يريد إحياء مذهب إمامه يحمل الحديث على أنّ أمره(صلى الله عليه وآله وسلم)كان أمراً استحبابياً، لكنّه بمعزل من الواقع، فأين الاستحباب من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة»؟!
وأخرج ابن ماجة في سننه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر».(4)
ودلالة الحديث على كون الإفطار عزيمة، واضحة، فإنّ الإفطار في الحضر إذا كان إثماً وحراماً فيكون المنزّل منزلته ـ أعني: الصيام للمسافر في نفس هذا الشهر ـ إثماً وحراماً.

1 . لاحظ : الوسائل : 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، عامّة روايات الباب التي يناهز عددها 15 رواية.
2.
صحيح مسلم:3/141ـ142، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
3. الأحزاب:36.
4. سنن ابن ماجة:1/532، برقم 8666; سنن أبي داود:2/217، برقم 2407.

289
 
أحكام الصيام
      3

نزول القرآن في شهر رمضان وحكم المريض و المسافر

الآية الثالثة

قال تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)

المفردات

شهر: جمعه أشهر، وجمع كثرته شهور.
رمضان: شدة وقع الشمس على الرمل.
الفرقان: ما يفرق بين الحقّ والباطل.

1 . البقرة:185.

290
اليسر: ضد العسر.

التفسير

الآية تتضمّن بيان أُمور:
1. تحديد أيام الصيام في شهر رمضان.
2. نزول القرآن في شهر رمضان.
3. اشتمال القرآن على البيّنات والفرقان.
4. مَن شهد الشهر فعليه أن يصومه من الرؤية إلى الرؤية.
5. المريض والمسافر يفطران ويصومان في أيّام أُخر.
6. تعلّق إرادته سبحانه في حقّ المكلّفين على اليسر دون العسر.
7. أمره سبحانه بإكمال العدّة والتكبير.
وإليك دراسة هذه الأُمور واحداً تلو الآخر.

الأمر الأوّل: تحديد أيام الصيام في شهر رمضان

تقدّم في الآية السابقة قوله سبحانه:(أَيَّامًا مَعْدُودَات): أي كتب عليكم الصيام في أيام معدودات، ولمّا كانت الفقرة مبهمة وأنّ هذه الأيام في أي شهر من الشهور الإثني عشر، جاءت آيتنا هذه ترفع الإبهام عن هذه الأيام بالقول بأنّها(شَهْرُ رَمَضَانَ)، وبذلك يُعلم وجه كونه مرفوعاً حيث إنّها خبر لمبتدأ محذوف أي هي أيام معدودات. وإنّما سُمّي هذا الشهر: (رمضان)، ـ كما قال الطبرسي ـ لأنّهم سمّوا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان أيام رمض

291
الحر.(1)
أقول:يريد أنّ العرب قبل الإسلام كانوا يُسمّون الشهور بالأزمنة الّتي وقعت فيها، فسمّوا هذا الشهر رمضاناً، لأنّ التسمية بها كانت في الصيف وفي رمض الحرّ.

الأمر الثاني: نزول القرآن في شهر رمضان

لا شكّ أنّ القرآن نزل في هذا الشهر، وقد جاء ذكره في موضعين آخرين، قال سبحانه:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(2)، وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم)(3).
هذا من جانب ومن جانب آخر إنّه سبحانه يذكر نزول القرآن على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نجوماً، ويقول في نقد من قال: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)فقال: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(4).
فكيف يمكن الجمع بين هاتين الطائفتين؟ أضف إلى ذلك: أنّ من الأُمور المتواترة نزول القرآن نجوماً حسب الأسئلة والحوادث، وهذا أمر ثابت فوق التواتر، فنزول القرآن في ليلة القدر كيف ينسجم مع نزوله نجوماً؟
الجواب: أنّ المفسرين أجابوا عن السؤال بوجوه مختلفة، أكثرها خال عن الدليل، والذي يمكن أن يقال هو ما ذكره الشيخ المفيد في كتاب «تصحيح

1 . مجمع البيان:2/275.
2 . القدر:1.
3 . الدخان:3 و4.
4 . الفرقان:32.

292
الاعتقاد»، ونأتي ببعض نصّه:
قال (رحمه الله): إنّ المراد من نزول القرآن في ليلة القدر هو نزول جملة منه في ليلة القدر، لا كلّه، والقرآن كما يطلق على المجموع يطلق على بعض أجزائه، فأمّا أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر، فهو بعيد عمّا يقتضيه ظاهر القرآن، والمتواتر من الأخبار، وإجماع العلماء على اختلافهم في الآراء.(1)
توضيحه: أوّلاً: إنّا نعلم بالوجدان أنّ قسماً من الآيات لم ينزل في ليلة القدر، أعني: نفس الآيات التي تدلّ على نزول القرآن في ليلة القدر، مثل قوله سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، وقوله سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم)(2).
وثانياً: أنّ قسماً من الآيات تتعلّق بحوادث وقعت في المدينة المنوّرة، كحكم الظهار، الذي يحكيه سبحانه يقول: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ)(3)، والإخبار عن نصر الله ودخول الناس في دين الله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا)(4)، والإخبار عن مجيء المنافقين وشهادتهم على الإيمان: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ)(5)، وكذلك الآيات التي تحكي عن تآمر اليهود والمنافقين ضد الإسلام، فهل يمكن القول بأنّها نزلت في ليلة القدر وأنّه سبحانه أخبر عن وجود الحوادث بلفظها وعينها مع أنّها لم تقع

1 . تصحيح الاعتقاد:58. مع تصرّف يسير في العبارة.
2 . الدخان:3 و4.
3 . المجادلة:1.
4 . النّصر:1ـ2.
5 . المنافقون:1.

293
بعد، وإنّما تقع في المستقبل، ومَن تتّبع هذا القسم من الآيات التي تخبر عن المستقبل، يقف على أنّه لا يمكن القول بنزول جميع الآيات في ليلة القدر أو في مكّة المكرّمة، فلا محيص من القول من أنّ المراد نزول قسم كبير من القرآن في ليلة القدر.
وبهذا النحو ينسجم الأمران، وهما: نزول القرآن في ليلة واحدة، أي قسم كبير منه، ونزوله نجوماً على طول ثلاث عشرة سنة.

الإجابة عن سؤال آخر

وبما ذكرنا يظهر الجواب عن سؤال آخر:
والسؤال هو: أنّ الآية الكريمة تدلّ على نزول القرآن في شهر رمضان،
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ بعثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وفق روايات أهل البيت(عليهم السلام)كانت في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، ومن المعلوم أنّ البعثة
كانت مرفقة بنزول عدّة من الآيات التي وردت في سورة العلق، فكيف يمكن الجمع بينهما؟
والجواب: ما عرفت من أنّ نزول عدد كبير من الآيات في ليلة القدر، لا ينافي نزول آيات معدودة في غيرها، أي في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، ولذلك اتّفقت الروايات على نزول آيات خمس من أوّل سورة العلق لدى البعثة، أعني قوله تعالى:(اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(1).

1 . العلق:1ـ5.

294
وما ذكرنا من وجه الجمع أوضح من جميع الوجوه التي ذكرت في المقام، فلاحظ.
وهنا وجه آخر وهو أنّ السؤال الثاني مبني على وجود المقارنة بين بعثة النبي بالرسالة ونزول القرآن في ذلك اليوم، أو نزول آيات خمس من سورة العلق في ذلك الزمان.
غير أنّ الدليل الدالّ على التقارن بين الأمرين غير نقي السند، وقد أوضحنا حاله في كتابنا «مفاهيم القرآن».(1)
ولذلك يمكن أن يقال: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) تشرّف بالنبوّة والرسالة في اليوم السابع والعشرين، وأمّا الآيات الخمس فقد نزلت في شهر رمضان في نفس السنة، والله العالم.

الأمر الثالث: اشتمال القرآن على البيّنات والفرقان

أُريد من البيّنات ما هو الهادي إلى وظائف الناس عقيدة وتكليفاً، فالقرآن يهدي المجتمع الإنساني إلى ما هو الحقّ فيما يرجع إلى العقل النظري وما يرجع إلى العقل العملي، ولذلك قال: (بَيِّنَات مِنَ الْهُدَى): أي دلالات من الهدى. وأمّا كونه فرقاناً; فلأنّه بدلائله الرصينة يفرّق بين الحقّ والباطل، والظاهر أنّه وصف لعامّة آيات القرآن الكريم; ولكن روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«القرآن: جملة الكتاب، والفرقان: المحكم الواجب العمل به».(2)

1 . مفاهيم القرآن:7/102.
2 . الكافي:2/163 برقم 11، باب النوادر.

295

الأمر الرابع: مَن شهد الشهر فعليه الصوم

لمّا كان قوله :(أَيَّامًا مَعْدُودَات) مجملاً من حيث الزمان والعدد، رفع الإجمال الأوّل بقوله تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ) في صدر الآية، وأمّا الإجمال الثاني فقد رفع بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ): أي مَن شهده من هلال إلى هلال ومن رؤية إلى رؤية، فليصمه.

الأمر الخامس: المريض والمسافر يفطران ويصومان في أيام أُخر

فقد استثني من إيجاب الصوم لمَن شهد الشهر طائفتان: المريض والمسافر، فالواجب عليهم صوم عدّة من أيام أُخر، قال تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).
ثمّ إنّه يقع الكلام في ما هو الوجه في ذكر المريض والمسافر؟ فقد تقدّم حكمه في الآية السابقة. ولعلّ وجهه أنّه ربما يتوهّم من قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) أنّه ناسخ للترخيص المتقدّم في الآية السابقة في حقّ هاتين الطائفتين المذكورتين، فكرّر ذلك ليكون ردّاً لهذين الوهمين، فقال:(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).
ويمكن أن يقال: إنّ التكرار لوجه آخر(لا لرد التوهّم) وهو التأكيد على أنّ الإفطار لهذين الطائفتين عزيمة لا رخصة.

الأمر السادس: تعلّق إرادة الله في حقّ المكلّفين على اليسر دون العسر

يشير قوله تعالى:(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)إلى أنّ التشريع الإسلامي من الطهارة إلى الديات مبني على اليسر دون العسر، ولذلك أمر المصحّ

296
بالصوم لكونه متمكّناً منه، كما أمر المريض والمسافر بالإفطار; لأنّ الصوم شاق عليهما. وكأنّ قوله سبحانه:(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) إشارة إلى قوله سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(1)
وقد استخرج الفقهاء من الآية الأخيرة قاعدة كلّية تستنبط منها أحكام كلّيّة، ويشهد عليها أيضاً قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ).(2)
وقوله تعالى في آيات أُخرى:(لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)(3). وأراد أنّ التشريع الإسلامي منزّه عن تكليف الإنسان فوق طاقته.

سؤال وإجابة

ربما يقال: كيف يقول سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(4)، مع أنّا نلمس الحرج في التكاليف الشاقّة والأحكام الصعبة، وأهل العرف يعدّونه عسراً وحرجاً وضيقاً، كالصوم في اليوم الحار الطويل، والحجّ للنائي، ولزوم الثبات في مقاومة الكفّار، وحرمة الفرار، والتوضّؤ بالماء البارد في الشتاء وفي السفر، ومجاهدة النفس، والسعي في طلب العلم في البلاد البعيدة، وعدم الخوف من لومة لائم، في بيان أحكام الله وإجراء حدوده، والجهاد في سبيله، ونظائر ذلك؟!

1 . الحج: 78.
2 . النور:61.
3 . البقرة:286.
4 . الحج: 78.

297
وقد أجاب القوم عن هذه الشبهة بوجوه متعدّدة تعرّضنا لذكرها في كتابنا: «الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية»(1)، فراجع. ونأتي في المقام بموجز ما فصّلناه فيها وهو:إنّ الأحكام الشرعية على قسمين:
1. قسم بني على الحرج والعسر، بحيث يكون الحرج موضوعاً ومقوّماً لها، وهذا كالجهاد والحج، والمرابطة، فإنّ خصيصة هذه الأحكام الحرج والعسر، وقد شُرّعت لمصالح في تثبيت الأمن، فلو قال الشارع:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)، فهو يعني غير هذه الأحكام.
3. الأحكام التي ليس الحرج مقوّماً لها، بل يعرضها الحرج والضرر، وهذا كالصلاة والصوم، فإنّها بالذات ليست حرجية، وإنّما يعرضها الحرج في ظروف خاصّة، وآيات الباب ناظرة إلى هذا النوع من الأحكام.
***

الأمر السابع: أمره سبحانه بإكمال العدّة والتكبير

قوله سبحانه: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) ناظر إلى قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)والغرض تعليم كيفية القضاء بأنّهما يقضيان حسب عدد ما أفطرا فيه.
ثمّ إنّه سبحانه يعطف على إكمال العدّة قوله: (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)ويحتمل أن يراد به تكبير يوم الفطر الذي ورد استحبابه في ذلك اليوم. قال الطبرسي: المراد به تكبير الفطر عقيب أربع صلوات: المغرب والعشاء الآخرة

1 . الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية:3/36ـ39.

298
والغداة وصلاة العيد على مذهبنا. وقال ابن عباس وجماعة: التكبير يوم الفطر.(1)وهو إشارة إلى التكبيرات التي يردّدها المصلّون جماعة قبل وبعد صلاة العيد، وهي: الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا.(2)
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله:(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) والمراد لتشكروا الله سبحانه على نعمه،ومنها تشريع الصوم على ما فيه من المنافع والمصالح لحال الصائم. والتعبير بحرف الترجي(لعلّ) لأجل جهل حال المكلّف من حيث هوهو، من القيام بالشكر أولا، دون الله سبحانه فإنّه عالم بما أنّه سوف يشكر أو لا يشكر.

الآثار البنّاءة للصوم

تضمّنت الروايات بيان آثار الصوم، وقد خطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر جمعة من شعبان خطبة، وردت فيها إشارات إلى آثار الصوم وفوائده، فمَن أراد الاطّلاع فعليه الرجوع إلى مصادرها.(3)

الآثار الاجتماعية للصوم

ومن آثار الصوم الاجتماعية أنّ الصائم يتحسّس فيه آلام الجوع والفقر، فقد سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله (عليه السلام)عن علّة الصيام؟ فقال:«إنّما فرض الله عزّ وجلّ الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أنّ الغني لم يكن ليجد مسَّ الجوع

1 . مجمع البيان:2/36.
2 . الوسائل:4، الباب20 من أبواب صلاة العيدين، الحديث2.
3 . لاحظ: الوسائل:7، الباب18 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث10 و20.

299
فيرحم الفقير، لأنّ الغني كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم، ليرقَّ على الضعيف فيرحم الجائع».(1)
هذا كلّه حول الآثار الروحية والاجتماعية، وأمّا الفوائد الصحيّة لبدن الإنسان فيكفي في ذلك قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«المعدة بيت الداء، والحمية هي الدواء».(2)
فالإنسان إذا استمر في الأكل والشرب على طول سنة، تتراكم المواد الغذائية الزائدة في بدنه، فالإمساك مدّة معيّنة يوجب ذوبان هذه المواد والتخلّص منها ومن أضرارها.
أضف إلى ذلك: أنّ الإمساك عن الطعام والشراب في شهر واحد يورث استراحة كافية ومناسبة لجهاز الهضم وتنظيفه، بشرط أن لا يكثر الصائم من الطعام عند الإفطار والسحور، لكي يحصل على الآثار الصحّية لهذه العبادة.
إلى غير ذلك من الآثار التي ذكرها الأطباء حول الإمساك عن الطعام.

1 . الوسائل:7، الباب1 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
2 . الخصال:512.

300
 
أحكام الصيام
   4 و5 و6
تحليل الرفث إلى النساء في ليالي شهر رمضان   
1. تحليل الرفث إلى النساء في ليالي شهر رمضان
2. حد الصوم زماناً
3. حرمة مباشرة النساء في إعتكاف

الآية الرابعة

قال سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).(1)

1 . البقرة:187.

301

المفردات

الرفث: قال الراغب: كلام متضمّن بما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، وجُعل كناية عن الجماع، وعُدّي بـ (إلى) في قوله: (الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)لتضمّنه معنى الإفضاء.(1)
لباس: لبس الثوب: استتر به، وجعل اللباس لكلّ ما يغطي الإنسان عن قبيح، وجعل الزوج والزوجة لباساً من حيث إنّه يمنعها ويصدّها عن تعاطي القبيح، كما تمنعه أيضاً عن تعاطيه.
وقد ذكر الرازي وجوهاً خمسة في تشبيه الزوجين باللباس، ثانيها ما ذكره الراغب بوجه كامل، قال: إنّما سمّي الزوجان لباساً ليستر كلّ واحد منهما صاحبه عمّا لا يحلّ كما جاء في الخبر: «مَن تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه».(2)
وربما يقال: شبّه شدّة المخالطة والملامسة والانضمام، بمخالطة الثياب وملامستها وانضمامها لصاحبها.(3) ولا يخفى أنّ الوجه الأوّل أفضل.
ولم يقل: هن ألبسة لكم، حتّى يوافق الخبر للمبتدأ، لأجل أنّ اللّباس مصدر، يستعمل في المفرد والجمع، والغرض من التشبيه هو التعليل للتحليل المستفاد من قوله : (أُحِلَّ).
تختانون: يقال: خانه يخونه خوناً وخيانة، إذا لم يف له، وخان الرجلُ الرجلَ إذا لم يؤدِّ الأمانة. وناقض العهد خائن، وفي الكشّاف: الاختيان من الخيانة،

1 . المفردات للراغب:199، مادة «رفث».
2 . تفسير الرازي: 5 / 106، ولاحظ بقية الوجوه في نفس الكتاب .
3 . زبدة البيان:1/234.

302
كالاكتساب من الكسب، فيه زيادة وشدّة .(1)
وأُريد من الخيانة هنا الجماع المحرّم الذي يعدّ نوع خيانة على النفس بعد ما حرّمه الله تعالى.
باشروهن: إذن في المباشرة، كناية عن الاستمتاع بالجماع، وهذا التعبير يدلّ على أدب القرآن الكريم. حيث لا يشير إليه إلاّ بالكناية كالدخول والمسّ واللمس.
الخيط: معروف وجمعه خيوط، والخياط الإبرة الّتي يخاط بها، قال تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).(2) والخيط الأبيض كناية عن تميّز بياض النهار من سواد الليل، فالفجر فجران، الفجر الكاذب وهو على شكل عمود من الضوء يظهر في السماء كذنب الثعلب، ثم يزول ويظهر بعده الفجر الصادق، وهو بياض شفَّاف أُفقي يظهر في أُفق السماء كخيط أبيض يظهر إلى جوار الخيط الأسود، أعني: سواد الليل، وهذا هو الصبح الصادق، وبه يتعلّق حكم الصوم والصلاة.
وقد روي أن عديّ بن حاتم قال للنبيّ إنّي وضعت خيطين من شعر، أبيض وأسود، فكنت أنظر فيهما فلا يتبيّن لي، فضحك رسول الله حتّى رؤيت نواجذه، ثم قال: «يابن حاتم، إنّما ذلك بياض النهار وسواد الليل» .(3)
إنّ عَديّ بن حاتم كان عربياً صميماً، عارفاً بالاستعارات والكنايات بين

1 . تفسير الكشّاف: 1 / 115 ; تفسير الرازي: 5 / 106 .
2 . الأعراف : 40 .
3 . مجمع البيان: 1 / 43 .

303
الأُمّة العربية، والقرآن نزل بلسان عربيّ مبين، فمن البعيد جداً أن لا يفهم مَن هذا هو شأنه، ما يفهمه غيره من أوساط الناس، حتى يقارن بين خيطين لتمييز الأسود من الأبيض.
وهذا إن دلّ على شيء، فيدلّ على أنّ الحديث مكذوب على لسان النبيّ وعديّ وإن نقله أعلام التفسير من الفريقين.
ويشهد لذلك، ما نقله الراغب في ذيل الحديث، قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً لعدي: «إنك لعريض القفا، إنّما ذلك بياض النهار وسواد الليل».(1) وقد أخذ هذا الكلام من صحيح البخاري.
روى البخاري عن عدي بن حاتم(رضي الله عنه) قال: قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال:«إنّك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين» ثم قال:«لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار».(2)
يلاحظ عليه: أن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو النموذج الأكمل للخلق السامي ومن البعيد جداً ممّن وصفه الباري تعالى بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)(3)، أن يتكلّم بما مرّ، مع أنّ عدي بن حاتم كان شريفاً في قومه وعزيزاً، كيف وهو ابن حاتم الّذي ضرب به المثل في السخاء والكرم. وما وصف بهذا الوصف إلاّ لأنّه وابنه حجر كانا من أصحاب الإمام علي (عليه السلام)وقد شهد الوالد حرب الجمل وقتل ابناه فيها.

1 . المفردات للراغب:161، مادة «خيط».
2 . صحيح البخاري:1102، برقم 4510، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة.
3 . القلم: 4 .

304
دخل عدي بن حاتم على معاوية فقال له معاوية: ما فعلت الطرفات؟ يعني أولاده، وما قصد معاوية بذلك إلاّ الشماتة وجرح قلب عدي قال: قتلوا مع علي.
فقال معاوية: ما أنصفك علي قدّم أولادك وأخّر أولاده، فقال عدي: بل أنا ما أنصفته قتل وبقيت بعده حيّاً.(1)
عاكفون: العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له. ويراد به الاحتباس في المسجد على سبيل القربة.(2) والاعتكاف في الشرع أن يقيم الإنسان في المسجد الجامع ثلاثة أيام بليلتين ـ على الأقل ـ صائماً على أن لا يخرج من المسجد إلاّ لحاجة ضرورية، ويعود بعد قضائها مباشرة، ويحرم على المعتكف مباشرة النساء ليلاً ونهاراً حتّى التقبيل واللمس بشهوة.
حدود: الحد: الحاجز بين الشيئين الّذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يقال: حددتُه بكذا: جعلت له حدّاً يتميّز. وسمّيت أحكام الله حدوداً; لأنّه يتميّز بها الحلال عن الحرام والواجب عن غيره.
التفسير
الآية تتضمّن بيان أحكام ثلاثة:
1. تحليل الرفث إلى النساء في ليالي شهر رمضان
2. حدّ الصوم زماناً
3. حرمة مباشرة النساء في الاعتكاف
وإليك بيان هذه الأُمور:

1 . أعيان الشيعة: 8 / 144 .
2 . المفردات للراغب:343، مادة «عكف».

305
 
أحكام الصيام
   4

تحليل الرفث إلى النساء في ليالي شهر رمضان

قال الطبرسي: روي أنّه كان الأكلّ محرّماً في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراماً بالليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له مطعم بن جبير، أخو عبدالله بن جبير ] رئيس الرماة في غزوة أُحد[... ثم قال: وكان مطعم بن جبير شيخاً ضعيفاً، وكان صائماً، فأبطأت عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلمّا انتبه قال لأهله: قد حرم عليّ الأكل في هذه الليلة، فلمّا أصبح حضر حفر الخندق، فأُغمي عليه، فرآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فرقّ له.
ثم قال: وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرّاً في شهر رمضان، فأنزل الله هذه الآية، فأحلّ النكاح بالليل في شهر رمضان، والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر.(1)
وذكر ابن كثير هذه الرواية أيضاً ولكنّه قال إنّ الرجل هو: قيس بن صرمة الأنصاري .(2)

1 . مجمع البيان: 2 / 41 .
2 . تفسير الدر المنثور: 1 / 475 .

306
إذا تبيّن ذلك فاعلم أنّ للنفس ميولاً لا يملك الإنسان كبح جماحها في كثير من الأحيان، ويشبعها مستخفياً من الناس، أو محرّفاً دين الله، فالأفضل تحليل الشيء المرغوب إن كان هناك وجه للتحليل، كي لا يتمادى الإنسان في الغيّ.(1)
فلمّا كان الإمساك عن الأكل والشرب بعد النوم في ليلة الصيام، أو الإمساك عن مباشرة النساء في الشهر كلّه، أمراً شاقّاً، استدعت الحكمة تحليل الأمرين، ولذلك قال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ)وهي الليلة الّتي يصبح المرء عنها صائماً (الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ): أي مباشرتهن، ثم علّل التحليل بقوله سبحانه: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) وقد مرّ في تفسير المفردات كيفية كون كلّ من الرجل والمرأة لباساً للآخر حيث يحفظ كلّ واحد منهما الطرف الآخر من العصيان. أو إشارة إلى شدّة المخالطة والملامسة.
ولمّا كان مسّ النساء في ليالي شهر رمضان ممنوعاً غير أنّ بعض الشباب كانوا ينكحون بالليل سرّاً، فاقتضت الحكمة تحليل الرفث في ليلة شهر رمضان إلى طلوع الفجر الصادق، كما يقول: (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ)وهذه الفقرة تدلّ على استمرار العمل المحظور (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ)وهو بمنزلة قوله سبحانه: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(2) فالمباشر قبل التحليل يظلم نفسه ويخونها. ولمّا كان هذا الأمر مستمراً، جاء البيان القرآني بالإخبار عن العفو عمّا سبق كما يقول: (فَتَابَ)الله (عَلَيْكُمْ): أي رجع عليكم بالرحمة (وَعَفَا عَنْكُمْ)، فهذان التعبيران يدلاّن على صدور المعصية من هؤلاء، إذ لولا المعصية فما معنى

1 . التفسير الكاشف: 1 / 290 .
2 . البقرة: 57 .

307
توبة الله عليهم وعفوه عنهم مضافاً إلى قوله: (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ)؟!
قال الشريف الرضي (رحمه الله) عن قوله تعالى: (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ): هذه استعارة، لأنّ خيانة الإنسان نفسه لا تصحّ على الحقيقة، وإنّما المراد أنّه سبحانه خفّف عنهم التكليف في ليالي الصيام بأن أباحهم فيها مع أكل الطعام وشرب الشراب، والإفضاء إلى النساء، ولو منعهم من ذلك لعلم أنّ كثيراً منهم يخلع عذار الصبر ويضعف عن مغالبة النفس فيواقع المعصية بفعل ما حظر عليه من غشيان النساء، فيكون قد سبب لنفسه العقاب ونقصها الثواب، فكأنّه قد خانها في نفي المنافع عنها وجرّ المضار إليها، وأصل الخيانة في كلامهم النقص، فعلى هذا الوجه تحمل خيانة النفس .(1)
قلنا: اقتضت الحكمة تحليل ذلك فجاء البيان القرآني لبيان التحليل، وقال: (فَالآنَ)حيث اتّضحت المصلحة الجواز (بَاشِرُوهُنَّ) بما أنّ الأمر ورد في مورد توهّم الحظر، فهو يدلّ على الإباحة (لا الوجوب)، وهذا دليل على جواز الرفث ليلة شهر رمضان.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 9 .

308
 
أحكام الصيام
      5

حدّ الصوم زماناً

هذا هو الحكم الثالث وفي الوقت نفسه الأمر الثاني الذي تضمّنت الآية بيانه، قد تقدّم أنّ الصيام أياماً معدودة، كما تقدّم أنّ تلك الأيام في شهر رمضان، بقي الكلام لبيان حدّ الصيام زماناً، وهذا هو الذي يبيّن قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)والخيط الأبيض فوق الأُفق، والخيط الأسود يكون تحته. فمبدأ الصيام أوّل الفجر ومنتهاه أوّل الليل.
قال الشريف الرضي (رحمه الله) عن هذه الفقرة: وهذه استعارة عجيبة والمراد بها ـ على أحد التأويلات ـ : حتّى يتبيّن بياض الصبح من سواد الليل، والخيطان هاهنا مجاز، وإنّما شبههما بذلك لأن بياض الصبح يكون في أوّل طلوعه مشرقاً خافياً ويكون سواد الليل منقضياً موليّاً، فهما جميعاً ضعيفان إلاّ أنّ هذا يزداد انتشاراً وهذا يزداد استسراراً .(1)

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 9 .

309
 
أحكام الصيام
   6

حرمة مباشرة النساء في الإعتكاف

لمّا كانت مباشرة النساء في الاعتكاف ممنوعة مطلقاً ما دام الرجل معتكفاً من غير فرق بين الليل والنهار، جاء البيان القرآني لاستثنائه قائلاً: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).
إذا تبيّن ذلك فالله سبحانه يوصي المؤمنين بالتعرّف على حدود الله وعدم تجاوزها، وعبّر عن التجاوز بالنهي عن القرب منها، ليكون آكد في النهي عن المقصود، فقال: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ): أي ما ورد من أوّل الآية إلى هنا تحديدات من الله سبحانه (فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، وفي آية أُخرى قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا).(1)
ثم قال تعالى: (كَذَلِكَ)مركّب من كاف التشبيه واسم الإشارة، والكاف بمعنى مثل واسم الإشارة (ذلك) إشارة إلى ما سبق من أحكام الصيام، أي مثل

1 . البقرة: 229.

310
ما سبق (يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ): أي أحكامه وحدوده (لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
عن المخالفة.
***
تمّت آيات أحكام الصيام

311
آيات أحكام الزكاة في الذكر الحكيم   

الفصل الرابع:

أحكام الزكاة في الذكر الحكيم

المنابع المالية للحكومة الإسلامية.
1. وجوب إخراج الزكاة من المال
2. حرمة اكتناز العملة قبل إخراج زكاتها.
3. وجوب أخذ الزكاة على النبي وعلى مَن يقوم مقامه.
4. مصارف الزكاة.
5. إخراج الطيب من الأموال للزكاة.
6. قصد التقرّب في إعطاء الزكاة.
7. أيّهما أفضل: الإبداء بالصدقات أو إخفاؤها؟
8. ما هو اللازم في الإنفاق؟
9. المنع عن إتباع الإنفاق بالمنّ والأذى.

312
المنابع المالية للحكومة الإسلامية   
 

313
 

أحكام الزكاة

قد ورد لفظ الزكاة في الذكر الحكيم ـ بمعنى الفريضة المالية ـ 26 مرّة، كما ورد لفظ الصدقات سبع مرّات، ومن المعلوم أنّ الزكاة ضريبة مالية بها قوام المجتمع، ولذلك جاء الأمر بالزكاة وراء الأمر بالصلاة في كثير من الآيات. غير أنّا نبحث عن الآيات التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي. وقبل الورود في تفسير مثل هذه الآيات، نشير إلى المنابع المالية للحكومة الإسلامية، فنقول:

المنابع المالية للحكومة الإسلامية

لا شكّ أنّ للإسلام برامج خاصّة في إدارة البلد ورفع حاجاته، إذ لا تقوم الحكومة في بلد ما إلاّ إذا كانت لها منابع مالية تعتمد عليها.
إنّ الإسلام أغلق في وجه حكومته كلّ السبل غير المشروعة التي تعتمد عليها الحكومات الحاضرة، كالضرائب المأخوذة على تجارة الخمور والبغاء والقمار وما شابهها، ولكنّه فتح بدلاً من ذلك منابع أُخرى ذكرنا تفصيلها في

314
موسوعتنا«مفاهيم القرآن»(1)، وإليك ذكر هذه المنابع على وجه الإجمال:

1. الأنفال

وهي كلّ أرض مُلكت بغير قتال، وكلّ أرض موات، ورؤوس الجبال وبطون الأودية، والآجام والغابات والمعادن، وميراث من لا وارث له، وما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام، وكافّة المياه العامّة، والأحراش الطبيعية(2)، والمراتع التي ليست ملكاً لأحد، وقطائع الملوك وصفاياهم غير المغصوبة.

2. الزكاة

وهي ضريبة تجب في تسعة أشياء: الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم، والنقدين وهما: الذهب والفضة، والغلاّت وهي: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والأدلّة عليها من الكتاب والسنّة لا تحصى، وأمّا مقدار ما يؤخذ من هذه الأشياء، فيطلب من الكتب الفقهية.

3. الغنائم المأخوذة من أهل الحرب قهراً بالقتال

4. الخمس
الخمس يجب في الأُمور الستة التالية: المعادن، الكنز، الغوص، المال الحلال المختلط بالحرام، الأرض التي اشتراها الذمّيّ من المسلم، ما يفضل من مؤونة سنّة المكتسب ومؤونة عياله من أرباح التجارات والصناعات والمكاسب،

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن:2/570ـ587.
2 . الأحراش: النباتات الطبيعية التي تنتشر بين أشجار الغابات وهي مرتفعة نسبيّاً، بخلاف أعلاف المراتع فهي منخفضة يخطمها الإبل والدواب.

315
وكلّ ذلك من المنابع المالية الّتي يخرج منها الخمس وراء خمس الغنائم.

5. زكاة الفطرة

وتُسمّى بزكاة الأبدان التي تجب على كلّ مسلم في عيد الفطر.

6. الخراج والمقاسمة

وهما ضريبتان مفروضتان على مَن يعمل في الأراضي التي فتحها المسلمون بالقتال.

7. الجزية

وهي الضريبة العادلة المفروضة على أهل الذمّة، على رؤوسهم وأراضيهم، إذا عملوا بشرائط الذمّة المقرّرة في محلّها، وتقديره تابع لنظر الحاكم.

8 . ضرائب أُخرى

هناك ضرائب أُخرى ليس لها حدّ معيّن ولا زمان خاصّ، بل هي موكولة إلى نظر الحاكم الإسلامي يفرضها عند الحاجة إليها من عمران البلاد، أو الجهاد في سبيل الله، أو سدّ عيلة الفقراء، أو غير ذلك ممّا يحتاج إليه قوام البلاد.
ويشهد على ذلك ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم وزرارة عنهما(عليهما السلام)جميعاً، قال:«وضع أمير المؤمنين(عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً».(1)

1 . الوسائل:6، الباب16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.

316
هذه هي المنابع المالية الرئيسية، غير أنّ هناك منابع أُخرى متفرّقة يجوز للدولة الإسلامية التصرّف فيها نظير:

9. المظالم

وهي ما يتعلّق بذمّة الإنسان بتعدٍّ أو إتلاف في مال الغير، ولم يعرف صاحبه، فيجوز للحاكم التصرّف فيها وصرفها في المصارف المقرّرة لها.

10. الكفّارات

مثل كفّارة مخالفة النذر والعهد واليمين فيما يتعلّق بالإطعام والإكساء، فيجوز للحكومة أن تتولّى أمرها بدلاً عن صاحب الكفّارة.

11. اللقطة

وهي الضالّة من الأشياء ولم يعرف لها صاحب، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها حسب الشروط.

12. الأوقاف والوصايا العامة والنذور العامّة

13. الضحايا

وهي الذبائح التي يذبحها الحجّاج في منى، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها وصرفها في مصالح المسلمين.

14. توظيف الأموال في المجالات الاقتصادية الكبرى

وذلك من خلال القيام بإنشاء الصناعات الكبرى، والتجارة، والعمل

317
المصرفيّ، والتأمين، والشركات الزراعية، وتوفير الطاقة وإدارة شبكات الري، والمواصلات الجوية والبرية والبحرية، والخدمات البريدية والهاتفية، وما شابه ذلك... وتأمين قسم كبير من ميزانيّتها في هذه الموارد الضخمة.
ولا يُعنى بذلك جعل الممارسة بهذه الأُمور بيد الدولة الإسلامية وحرمان الشعب عنها، بل المجال مفتوح للشعب والحكومة معاً.
هذه صورة إجمالية للمنابع المالية للحكومة الإسلامية، ذكرناها ردّاً على مَن يتوهم أنّه ليس للحكومة الإسلامية منابع مالية منظمة لإجراء برامجها العمرانية والعلمية والصحّية.
إذا عرفت ذلك فلنبدأ بدراسة أحكام الزكاة، وهاهنا بحوث:

318
 
أحكام الزكاة
      1
   

وجوب إخراج الزكاة من المال

بما أنّ الزكاة هي صلة المؤمن بالمجتمع، كما أنّ الصلاة صلته بالله سبحانه، أكّد الله تعالى في غير واحدة من الآيات على وجوبها، ويؤنب على مَن لا يعطيها، أو يكنزها، ولنبدأ بدراسة الآيات المتعلّقة بالزكاة وأحكامها ومصارفها.
***

الآية الأُولى

قال تعالى:(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ

319
هُمُ الْمُتَّقُونَ).(1)

المفردات

البر: ـ بكسر الباء ـ التوسّع في الخير، مشتقّ من البَر ـ بالفتح ـ وهو في مقابل البحر في تصوّر سعته. وأمّا شرعاً فيظهر من الآية أنّه كلّ ما يتقرّب به إلى الله تعالى من الإيمان والأخلاق و الأعمال الصالحة.
تولّوا: تتوجّهوا.
على حبّه: الضمير يرجع إلى حبّ المال، نظير قوله سبحانه:(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)(2) أي حبّ الطعام.
الرقاب: العبيد.
البأساء: حال الفقر والشدّة.
الضرّاء: حال المرض و السقم والوجع.
البأس: شدّة الحرب.

التفسير

كان أهل الكتاب يتصوّرون أنّ الإنسان البَر عبارة عمّن يتوجّه في صلاته قبل المشرق و المغرب، لكن القرآن الكريم يفسّر البِر بوجه آخر ويقول: إنّ للبر محاور أربعة:

1 . البقرة:177.
2 . الإنسان:8 .

320
1. الإيمان والعقيدة.
2. خدمة المجتمع الإيماني.
3. القيام بالفرائض الشرعية.
4. الالتزام بالأخلاق الفاضلة.
أمّا الأوّل: فهو عبارة عن الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيّين.
وأمّا الثاني: فهو إنفاق المال على ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب.
وأمّا الثالث: فهو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وأمّا الرابع: فهو الوفاء بالعهد، والصبر في مختلف الحالات كالبأساء والضراء وحين البأس.
وفي الختام يصف الله سبحانه من تنطبق عليه هذه المحاور بأنّهم موصوفون بالصدق في إيمانهم والتقوى في حياتهم.
وإليك بيان هذه المحاور:

المحور الأوّل: الإيمان والعقيدة

ويشير إليه بقوله تعالى:(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) بل المهم: الإيمان الذي يبعث الإنسان إلى هذا العمل كما يقول:(وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) الذي هو أساس كلّ فضيلة (وَالْيَوْمِ الآخِرِ) الذي تُجزى فيه كلّ نفس وفق ما عملت (وَالْمَلاَئِكَةِ)، فالإيمان بها رمز للإيمان بالغيب وأنّ رقعة الوجود أوسع من المادّة (وَالْكِتَابِ) الذي أنزل الله سبحانه لإسعاد

321
البشر (وَالنَّبِيِّينَ)فإنّ الإيمان بهم يسوق الإنسان إلى السعادة.
فالإيمان بهذه الأُمور الخمسة جامع لجميع المعارف الحقّة.
بقي هنا سؤال وهو: أنّ المعرَّف (البر) أمر معنوي، وأمُّّا المعرِّف فذات خارجية حيث قال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) فيقع السؤال: كيف أخبر عن أمر معنوي بذات خارجية؟
يقول صاحب المنار: هذا أمر معهود في الكلام العربي الفصيح، يقولون: ليس الكرم أن تدعو الأغنياء والأصدقاء إلى طعامك، ولكن الكرم من يعطي الفقراء العاجزين عن الكسب.(1) لكنّه لم يُشر إلى وجه العدول عن تعريف البِر إلى البَّر. نعم ذكره الشيخ البلاغي بقوله: إنّه أُسلوب فائق من البلاغة يُخرج الكلام به من صورة الفرض الذي لا يهم في البيان إلى صورة الوقوع والحجّة بالعيان... ثم استشهد بأبيات لشعراء الجاهلية منها قول الحطيئة:
وشرّ المنايا ميّت وسط أهله *** كهُلك الفتى قد استلم الحيّ حاضره(2)

المحور الثاني: خدمة المجتمع الإيماني

إنّ الإيمان بالله واليوم الآخر شجرة طيّبة ثمرتها اليانعة اهتمام الإنسان بخدمة أبناء مجتمعه، فيقوم بالأعمال الصالحة كما يُشير:(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ): أي رغم كونه يحبّه، على أصناف:

1 . تفسير المنار:2/110.
2 . آلاء الرحمن:1/288.

322
1. (ذَوِي الْقُرْبى): أي الأقارب، وقد ورد: «لا صدقة وذو رحم محتاج».(1)
2. (وَالْيَتَامَى) وهو من مات كافله.
3. (وَالْمَسَاكِينَ)وهؤلاء أشدّ حاجة من الفقراء. ويطلق عليهم المساكين لأنّه قعد بهم العجز عن كسب ما يحتاجونه.
4. (وَابْنَ السَّبِيلِ) المنقطع في السفر.
5. (وَالسَّائِلِينَ) الذين يسألون الناس لضرورة.
6. (وَفِي الرِّقَابِ): أي في تحرير العبيد والإماء.

المحور الثالث: القيام بالفرائض الشرعية

ذكر سبحانه من الفرائض الشرعية الركنين العظيمين، فقال: (وَأَقَامَ الصَّلاَةَ)والمراد من الإقامة الإتيان بها مع الخضوع والخشوع (وَآتَى الزَّكَاةَ) والتي تمثّل صلة الإنسان بالمجتمع. فلو فسّرنا الزكاة بالضرائب الشرعية المفروضة، فهي تعمّ الخمس.

المحور الرابع: الالتزام بالأخلاق الفاضلة

ذكر سبحانه من أخلاقهم الفاضلة الأمرين التاليين:
1. (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) فإنّ الوفاء بالعهد شارة الشخصية الراقية وعلامة الانضباط والالتزام.
2. (وَالصَّابِرِينَ) نصب بتقدير «أخصُّ»، (فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ

1 . بحار الأنوار:74/58.

323
الْبَأْسِ) وقد مرّ معناها في المفردات.
ثمّ إنّه سبحانه لمّا أتم بيان صفات الأبرار أثنى عليهم بأمرين:
1. (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا).               2. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
أمّا الأوّل: فمن اجتمعت فيه جميع الخصال المذكورة في المحاور الأربعة فهو صادق في عامّة شؤون حياته، صادق في الاعتقاد، صادق في القول، صادق في العمل.
وأمّا الثاني: فإنّ أعمالهم وأحوالهم تشهد على تقواهم وأنّ لهم وقاية خاصّة بينهم وبين سخط الله تعالى.
ثمّ إنّ الفاضل المقداد جعل الآية ممّا دلّ على وجوب الزكاة ومحلّها(1)، فلو أراد من المحلّ ما تتعلّق به الزكاة فلم يُذكر في الآية، وإن أراد المصارف فإنّما وردت قبل قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ...)فلا يكون دليلاً على أنّ ما ذكر هو المصارف .
ثمّ إنّ قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).(2)
يدلّ على أنّ الكّفار محكومون بالفروع كما هم محكومون بالأُصول، إلاّ أنّ الكلام في كون المراد من الزكاة هو الفريضة المعروفة في الكتب الفقهية.

1 . لاحظ: كنز العرفان:1/219، حيث عنون تفسير الآية بقوله: في الوجوب ومحلّه.
2 . فصّلت:6 و7.

324
 
أحكام الزكاة
      2

حرمة اكتناز العملة قبل إخراج زكاتها

الآية الثانية

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم).(1)

المفردات

ليأكلون: أكل الأموال كناية عن الاستيلاء عليها والتصرّف فيها.
يصدّون: يمنعون الناس عن الدخول في الشريعة الحقّة.
يكنزون: الكنز عبارة عن جمع المال تحت الأرض أو فوقها حفظاً له. قال الطبرسي: الكنز في الأصل: الشيء الذي جمع بعضه إلى بعض. ويقال للشيء

1 . التوبة:34.

325
المجتمع: مكتنز، فالكنز مصدر كنز يقال: كنز فلان، إذا ادّخر مالاً.
الذهب: سمّي ذهباً لأنّه يذهب ولا يبقى.
الفضّة: سمّيت فضّة لأنّها تنفضّ أي تتفرّق ولا تبقى.
في سبيل الله: سيأتي الكلام فيه في التفسير.

التفسير

الآية تتضمّن أمرين:
1. ما يرجع إلى عمل الأحبار والرهبان.
2. تحريم كنز الذهب والفضّة على كلّ مكلّف موسوياً كان أو عيسوياً أو محمدياً.

وصف عمل الأحبار والرهبان

أمّا الأمر الأوّل: فقد وصف سبحانه كثيراً من الأحبار والرهبان بأمرين:
1. أكل أموال الناس بالباطل، وما هذا إلاّ لأنّ قسماً منهم كانوا يجتنبون هذا العمل، وهذا يدلّ على موضوعية البيان القرآني.
ثمّ إنّ المراد من أكل أموال الناس بالباطل هو الرشوة حيث يأخذها صاحب السلطة الدينية لأجل الحكم أو المساعدة على إبطال حقّ أو إحقاق باطل، ويحتمل أن يُراد به الربا أيضاً، وهذان النوعان كانا أمرين فاشيين بين الأحبار، وأمّا الرهبان فيحتمل أن يُراد ما يأخذونه جُعلاً على مغفرة الذنوب.
2. الصدّ عن سبيل الله، ولعلّ المراد به صدّ الناس عن الدخول في الإسلام، وهو يختلف أُسلوبه حسب اختلاف الزمان والمكان، وربما لا يقتنعون بصدّ

326
الناس عن الإسلام فقط، بل يحاولون صدّ المسلمين عنه ودعوتهم إلى دينهم المشحون بالوثنية.
هذا ما يذكره القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً، وأمّا اليوم فقد اتّسع نطاق صدّ الناس عن الإسلام وصدّ المسلمين عنه بأساليب مختلفة، فجاءوا تحت غطاء المشاريع الإنسانية لنشر النصرانية، وهي مستشفيات وجامعات ومعاهد علمية إلاّ أنّها في الحقيقة مراكز للتبشير، فعلى المسلمين الغيارى عدم السماح بانتشار هذه المراكز التبشيرية في بلادهم، وعلى أقل التقادير عدم السماح لمؤسّسيها بنشر المسيحية عن طريق هذه المراكز.
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى الأمر الأوّل وهو ما يتعلّق بعمل الأحبار والرهبان.

تحريم اكتناز الذهب والفضة على المسلم والكتابي

وأمّا الأمر الثاني: وهو تحريم كنز الذهب والفضة على وجه الإطلاق، من غير فرق بين أهل الكتاب أو من غيرهم وقال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ): أي يكنزون الدنانير والدراهم بكلّ وسيلة ممكنة، سواء أكانت في الصناديق كما هو المرسوم في القرون السابقة أم البنوك والمصارف كما هو الرائج اليوم (وَلاَ يُنْفِقُونَهَا) الضمير المستتر الذي تحكي عنه «الواو» يرجع إلى الموصول، أعني: (وَالَّذِينَ) والضمير المؤنث عائد إلى الذهب والفضة فقد اكتفي برجوع الضمير إلى أحدهما، عن الضمير الراجع إلى الآخر نظير قوله سبحانه:(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا)(1)، وقوله:( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ

1 . الجمعة:11.

327
احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِيناً)(1): أي لا ينفقون كلاًّ منهما في سبيل الله (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم).
وربما يتوهّم أنّ الآية ناظرة إلى الأحبار والرهبان فهم الذين كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ويكنزون الذهب والفضة ولا يشمل غير أهل الكتاب، فعلى هذا فالنهي عن الكنز مختصّ بهم، ولكنّه وهم باطل، ولو كان كذلك كان اللازم أن يقول: (الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)حتى يكون من أوصافهم، وعلى هذا فالآية تعمّ الناس من غير فرق بين المسلم وغيره، فالجميع أمام الآية سواء.

نزاع بين عثمان وأُبيّ في كتابة الواو

روى السيوطي عن علباء بن أحمر أنّ عثمان بن عفان قال: لمّا أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلغوا الواو التي في «براءة»: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)، قال لهم أُبيّ: لتلحقنّها أو لأضعن سيفي على عاتقي، فألحقوها.(2)
ولعلّ الغاية من إلغاء «الواو» هو تبرير عمل قسم من الصحابة الذين اكتنزوا كنوزاً كثيرة من بيت المال حتى لا تشملهم الآية الكريمة، ومَن أراد أن يتعرّف على مقدار الأموال المكتنزة خلال خلافة الثالث، مِنْ قِبل كثير من حاشيته وأقاربه، فليرجع إلى كتاب «الغدير» حتى يقف على أنّ ميراث عبد الرحمن بن عوف من الذهب والفضة قد كُسّر بالفؤوس.(3)

1 . النساء:112.
2 . تفسير الدر المنثور:4/178.
3 . لاحظ: الغدير:8/284.

328
إذا تبيّن ذلك فنقول ما هو متعلّق التحريم؟
أقول: إنّ متعلّق التحريم هو الكنز المقيّد، وهو كنز المال مع عدم الإنفاق في سبيل الله، وإلاّ فلو اكتنز ومع ذلك أنفق الفريضة في سبيل الله، فهذا ليس بحرام.
يقول الفاضل المقداد: اعلم أنّ مَن يجمع المال للإنفاق على العيال أو بعد إخراج الحقوق المالية خارج عن هذا الوعيد; لأنّه تعالى قيّد الكنز بعدم الإنفاق، وإذا عُدم القيد عُدم الحكم، ولِما روي عنه(عليه السلام) أنّه قال:«ما أُدّي زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكّى فلم يزكَّ فهو كنز وإن كان ظاهراً».(1)وعلى هذا فأُريد من (سَبِيلِ اللهِ) زكاتهما إذا بلغا النصاب، وسيأتي احتمالان آخران في معناه.
ويدلّ على ما ذكره ما رواه السيوطي عن ابن عباس في تفسير الآية: هم الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم، وكلّ مال لا تؤدّى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها.(2)
وروى الشيخ في أماليه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نزلت هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ...): «كلّ مال تؤدّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكلّ مال لا تؤدّي زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض».(3)
وحاصل الكلام: أنّ إدخار المال بعد أداء حقوقه الواجبة أمر جائز وهو من

1 . سنن أبي داود:1/358; كنز العرفان:1/224.
2 . تفسير الدر المنثور:4/177.
3 . البرهان في تفسير القرآن:4/443.

329
ضروريات الفقه الإسلامي، فالإسلام لا يوجب إنفاق كلّ ما يملكه الإنسان من الذهب والفضّة بعد إخراج ما فرض من الحقوق، بل اللازم إخراج ما فرض الله سبحانه من الفرائض المالية كالزكاة والخمس وغيرهما من الكفّارات، ويشهد على ذلك قوله سبحانه:(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(1)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(2)، وقوله سبحانه:(أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)(3) وهذه الآيات صريحة في أنّه لا يجب على الإنسان إنفاق كلّ ما يملكه.
نعم لو سبّب اكتناز العملة حتى بعد إخراجها، أزمةً اقتصادية، واختلالاً في النظام، لحرم الاكتناز أيضاً كما سيأتي.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: أنّ حكم العملة الورقية حكم العملة الذهبية أو الفضية، وذلك لأنّ الإشارة إلى العملتين الأخيرتين لأجل أنّ الآية نزلت في عصر يسود فيه التعامل بها، فإذا صار التعامل بغيرهما يكون حكمه حكم العملتين. وبعبارة أُخرى: أنّ اتّخاذ الذهب والفضة موضوعاً للحكم لأجل أنّ التعامل بهما كان رائجاً في ذلك الزمان، وليس لهما أي موضوعية خاصّة في الحكم. غاية الأمر أنّ الواجب في العملة الذهبية والفضية، إخراج الزكاة وفي الورقية إخراج خمسها إذا تعلّق بها الخمس.

1 . البقرة:3.
2 . المعارج:24 و25.
3 . البقرة:267.

330
الثاني: أنّ المراد في سبيل الله يحتمل أحد أُمور ثلاثة:
1. ما تقدّم من أنّ المراد أداء زكاته.
2. الإنفاق في جهاد العدو; ويؤيّد ذلك احتمال ورود الآية إبّان غزوة تبوك، وقد أمر فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بالتهيّؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة الناس، وشدّة من الحرج، وجدب من البلاد، وحاجة الناس للأموال وما يحمل عليه من الدواب في سبيل الله، فأنفق رجال من أهل الغنى وبَخَل آخرون. وقد جاء رجال من المسلمين للمشاركة في الجهاد وطلبوا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يحملهم فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ).(1)
3. أن يُراد به كلّ ما يتعلّق بمصالح الدين الواجب حفظها وشؤون المجتمع الإسلامي التي ينفسخ عقد المجتمع إذا انفسخت، فمَن كنز ذهباً أو فضّة والحاجة قائمة والضرورة عاكفة، فقد كنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله فليبشر بعذاب أليم، فقد آثر نفسه على ربّه وقدّم حاجة نفسه أو ولده الاحتمالية على حاجة المجتمع الديني القطعية.(2) وعلى هذا تتّسع دائرة وجوب الإنفاق.
الثالث: أنّ الآية ناظرة إلى تحريم كنز العملة، وأمّا الاحتكار فهو موضوع آخر، وله أحكام مذكورة في كتب الفقه.
الرابع: لو قلنا بالوجه الأوّل في تفسير (سَبِيلِ اللهِ) وإنّ تحريم الكنز مشروط بعدم إخراج الحقّ الواجب، فإذا أخرج ما هو الحقّ الواجب فليس بكنز، لكن هناك أمر آخر وهو أنّه لو أدّى هذا العمل ـ أي الكنز ـ بعد إخراج الحقّ

1 . التوبة:92.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/250.

331
الواجب إلى حصول مشاكل في المجتمع الإسلامي تعرقل مسير عجلة الاقتصاد، فهذا النوع من الاكتناز حرام بالعنوان الثانوي، لأنّ حفظ النظام من أوجب الواجبات، فكلّ عمل ينتهي إلى الإخلال بالنظام، فهو محكوم بالحرمة.
إنّ اجتماع النقود (الأموال) عند واحد أو مجموعة من الناس يصيب حركة تبادل الأعيان والثروات بالشلل ويعرقلها، وهذا يعود بالضرر على أفراد المجتمع ويحرمهم من الحصول على حاجاتهم الضرورية.
ثمّ إنّه قد ينسب إلى أبي ذر الغفاري الذهاب إلى حرمة جمع المال مطلقاً سواء أُخرجت زكاته أم لا، فقد ثبت في محلّه بطلان هذه النسبة وإنّها فرية نسبت إلى هذا الصحابي الجليل، وإنّما كانت غايته من تلاوة هذه الآية منصبّة على الكنوز المكتنزة عن طريق عطايا الخليفة من بيت مال المسلمين لأقربائه ورجال بلاطه. وما كان أبو ذر يمنع الناس عن جلب الثروة من طريقها المشروع، ولا يبغي سلب السلطة عمّن ملك شيئاً ملكاً مشروعاً، لكنّه كان ينقم على أهل الإثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين، وخضمهم مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، وما كان يتحرّى إلاّ ما أراد الله سبحانه بقوله عزّ من قائل:(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ)، وما جاء به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الأحكام(الإقتصادية) المالية.(1)
وعلى كلّ حال فالآية من أدلّة وجوب إخراج الزكاة من المال.

1 . لاحظ: الغدير:8/502ـ534، تحت عنوان: لا شيوعية في الإسلام.

332
 
أحكام الزكاة
      3

وجوب أخذ الزكاة على النبيّ وعلى مَن يقوم مقامه

الآية الثالثة

قال سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).(1)

المفردات

صدقة: ما ينفقه المؤمن من قربة لله، وأُريد في الآية الزكاة الواجبة.
تطهّرهم: من دنس البخل والطمع.
تزكّيهم: من قولهم: رجل زكيّ أي زائد الخير والفضل، وأُريد بها هنا تنقية النفس وترفّعها بعمل الخيرات.

التفسير

تقدّم في الآيتين السابقتين، ما يدلّ على وجوب الزكاة، وهذه الآية تدلّ

1 . التوبة:103.

333
على وجوب أخذ الصدقة من التائبين، بقرينة وقوع الآية بعد قوله سبحانه:(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ...).(1)
ولكن المورد غير مخصّص للحكم، وإن كان السبب خاصّاً، يقول سبحانه:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ): أي من أموال التائبين (صَدَقَةً) أُريد بها الزكاة، لأنّ حمله على غيرها بحاجة إلى دليل، ثم علّل سبحانه حكمة أخذ الصدقة بوجهين:
أ. (تُطَهِّرُهُمْ) عن دنس البخل والرذائل الأخلاقية، ومن القسوة على الفقراء والمساكين.
ب. (وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا): أي تزكّي أنفسهم بها، وتزرع مكانها نوعاً من السخاء ورعاية حقوق الآخرين في أنفسهم، ويحتمل أن يُراد به الإنماء، والمعنى أنّه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سبباً للإنماء.(2)
وهل الضمير المستتر في (تُطَهِّرُهُمْ) يرجع إلى الصدقة، أي تطهّرهم الصدقة، فتكون التاء للتأنيث، أو هو خطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والفعل خطاب للنبي؟ الظاهر هو الثاني بقرينة قوله: (وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)فإنّ الضمير المجرور يرجع إلى الصدقة، وتقدير الآية: تطهّرهم بها وتزكّيهم بها.
فإن قلت: على ما ذكر يكون الفعلان جواباً للأمر، أعني:(خُذْ)، ولازم ذلك أن يكونا مجزومين، مع أنّهما مرفوعان.
قلت: إنّ الشيخ الطوسي التفت إلى ذلك وقال: ولا يجوز أن يكون جواباً للأمر لأنّه لو كان كذلك لكان مجزوماً، فعلى هذا فجواب الأمر محذوف، نظير أن

1 . التوبة:102.
2 . تفسير الرازي:16/179.

334
يقال: خذ من أموالهم صدقة، فهو خير لهم، تطهّرهم وتزكّيهم بها.(1)
فعلى ما ذكرنا فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي يقوم بهذين العملين: تطهير النفوس من مساوئ الأخلاق وتزيينها بفضائلها.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعاء والصلاة لمؤدّي الزكاة ويقول:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)وقد روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو لمَن يؤدّي الزكاة، مثلاً يقول:«اللّهم صل على آل أبي أوفى» وظاهر الآية وجوب الدعاء على آخذ الزكاة إلاّ أن يدلّ دليل على استحبابها.
نعم ليس للدعاء صيغة خاصّة، وفي الحقيقة الدعاء من الآخذ نوع شكر لمؤدّي الزكاة، فلو قال: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، فقد أدى الوظيفة.
وممّا يدلّ على فضيلة التصدّق ـ سواء أكانت فريضة أم مندوبة ـ ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام):«كان علي بن الحسين(عليهما السلام) إذا أعطى السائل قبّل يده وشمّها، ثم وضعه في يد السائل، فقيل له: لم تفعل ذلك؟ قال: لأنّها تقع في يد الله قبل يد العبد» وقال:«ليس من شيء إلاّ وُكِّل به ملكٌ إلاّ الصدقة فإنّها تقع في يد الله» قال الفضل: أظنّه يقبّل الخبز أو الصدقة.(2)
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل دعاء النبيّ لمؤدّي الزكاة بقوله: (إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) فإنّ دعاء النبي أو الإمام يورث ارتياح قلوبهم حيث يطمئنون بقبول عملهم وغفران ذنوبهم، ويستعدّون لدفعها في وقت آخر أيضاً.

1 . لاحظ: التبيان في تفسير القرآن:5/296.
2 . تفسير العياشي:2/108، برقم 117.

335
قال الرازي في تفسير قوله:(سَكَنٌ لَهُمْ): إنّ روح محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت روحاً قويّة مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم بالخير، فاضت آثار من قوّته الروحية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم، وانتقلوا من الظلمة إلى النور، ومن الجسمانية إلى الروحانية.(1)
وخُتمت الآية باسمين مباركين، هما: (وَاللهُ سَمِيعٌ)لدعاء النبي (عَلِيمٌ)بكلّ شيء وبما في قلوب المتصدّقين، أو بما في الأمر بأخذ الصدقات من الخير والمصلحة.

جواز الصلاة على المؤمن مفرداً

ظاهر قوله سبحانه:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) جواز الصلاة على المؤمن مفرداً، ولذلك صارت سنّة علمائنا الإمامية الصلاة بعد ذكر أحد الأنبياء والأئمّة مفرداً تبعاً للذكر الحكيم، ومع ذلك نرى أنّ بعض أهل السنّة يتردّد في ذلك أو يستشكل وربما يمنع; لأنّه يؤدّي إلى اتّهامه بالرفض، وإن كنت في شكّ من ذلك فأقرأ ما ذكره الزمخشري في تفسير قوله سبحانه:(إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي)(2) قال: فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟
قلت: القياس جواز الصلاة على كلّ مؤمن لقوله تعالى: (هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ)، وقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) وقوله:اللّهم صلّ على أبي أوفى، ولكنّ للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو أنّها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى الله على النبي وآله، فلا كلام فيها، وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت

1 . تفسير الرازي:16/184.
2 . الأحزاب:56.

336
بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض.(1)
والعجب من ابن حجر في فتح الباري إذ قال: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتّفاق على مشروعيته في الحيّ، فقيل يشرع مطلقاً، وقيل: بل تبعاً ولا يفرد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.(2)
ومعنى ذلك: أنّه لم يجد مبرراً لترك ما شرعه الإسلام، إلاّ عمل الرافضة بسنّة الإسلام، ولو صحّ ذلك، لوجب على القائل أن يترك عامّة الفرائض والسنن التي يعمل بها الروافض حسب زعمه.
ثمّ إنّ الرازي مع كونه إمام المشكّكين قد خضع للحقيقة في المقام وقال: إنّ أصحابنا يمنعون من ذكر «صلوات الله عليه» و «عليه الصلاة والسلام» إلاّ في حقّ الرسول. والشيعة يذكرونه في عليّ وأولاده واحتجّوا عليه بأنّ نصّ القرآن دلّ على أنّ هذا الذكر جائز في حقّ مَن يؤدّي الزكاة. فكيف يمنع ذكره في حقّ علي والحسن والحسين (رضي الله عنهم)، ورأيت بعضهم قال: أليس أنّ الرجل إذا قال: سلام عليكم يقال له: وعليكم السلام، فدلّ هذا على أنّ ذكر هذا اللفظ جائز في حقّ جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حقّ آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام.(3)

1 . تفسير الكشّاف:2/549.
2 . فتح الباري:11/14.
3 . تفسير الرازي:16/181.

337
كما أنصف صاحب المنار في المقام حيث قال: والأفضل الجمع بين الصلاة والسلام عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى آله، وأكثر المسلمين يخصّ بالسلام الأنبياء والملائكة، وكذا جماعة آل بيته(صلى الله عليه وآله وسلم) والشيعة يلتزمون السلام على السيدة فاطمة وبعلها وولديهما والأئمّة المشهورين من ذرية السبطين ويوافقهم كثير من أهل السنّة وغيرهم في الزهراء والسبطين ووالدهما (سلام الله ورضوانه عليهم) إذا ذكروا جماعة أو أفراداً، وأمّا الصلاة والسلام على الآل بالتبع للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو مجمع عليه، ومنه صلاة التشهّد، وكذا عطف الصحابة والتابعين على الآل ذائع في الكتب والخطب والأقوال.(1)
قال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).(2)

قبول التوبة بيد الله

ذكر الطبرسي في سبب نزول هذه الآية: أنّهم لمّا سألوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ من أموالهم ما يكون كفّارة لذنوبهم، امتنع من ذلك انتظاراً لإذن من الله سبحانه فيه، فبيّن الله أنّه ليس قبول التوبة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ ذلك إلى الله عزّ اسمه، فإنّه الذي يقبلها.(3)
فنزلت الآية: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) أُولئك التائبون من ذنبهم(أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ

1 . تفسير المنار:11/26.
2 . التوبة:104.
3 . مجمع البيان:5/128.

338
عَنْ عِبَادِهِ) ثم ضمّ إلى قبول التوبة قوله: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ): أي يتقبّلها بأنواعها، ووجه الجمع أنّ التوبة مطهّرة وإيتاء الصدقة كما مرّ يُطهر، فالتصدّق بالصدقة، توبة ماليّة.
فعلى هذا تكون توبتهم بدفع الصدقات ويحتمل أن تكون بغيره، كتوبة النصوح. ويؤيّد الثاني ما في ذيل الآية: (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ): أي يقبل التوبة (الرَّحِيمُ) رحيم بعباده الذي من مظاهر رحمته قبول الصدقات وصرفها في مواضعها.
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ في هذا التعبير: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) الكثير من اللطافة، فإنّ الله هو الذي يأخذ الصدقات، ومن المعلوم أنّ الآخذ هو النبي أو الإمام أو الجابي، لكن لمّا كان أخذهم بإذن من الله سبحانه، كأنّ الجميع يمثّل أخذ الله سبحانه، وقد مرّ في الحديث السابق أنّ الصدقة، لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب.(1)

تتمة

استدلّ غير واحد من الفقهاء على أنّ الزكاة تتعلّق بالعين، لا بالذمّة، لقوله سبحانه:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)(2)، غير أنّ تعلّقها بالعين يتصوّر على وجوه ثلاثة:
1. التعلّق على نحو الإشاعة، فيكون مستحقّ الزكاة شريك المالك في

1 . البرهان في تفسير القرآن:4/540، برقم 4691.
2 . التوبة:103.

339
النصاب.
2. التعلّق على نحو الكلّي في المعيّن، وهذا ما قوّاه السيّد الطباطبائي في «العروة الوثقى»، قال: الأقوى أنّ الزكاة متعلّقة بالعين، لكن لا على وجه الإشاعة، بل على وجه الكلّي في المعيّن.
وحينئذ فلو باع قبل أداء الزكاة بعض النصاب صحّ، إذا كان مقدار الزكاة باقياً عنده، بخلاف ما إذا باع الكلّ، فإنّه بالنسبة إلى مقدار الزكاة يكون فضولياً محتاجاً إلى إجازة الحاكم.(1)
3. التعلّق على نحو تعلّق الحقّ، ومعنى ذلك أنّ النصاب كلّه ملك للمالك غير أنّه سبحانه أمره بالتصدّق بجزء منه، وهذا الأمر أوجد حقّاً للفقير ونظيره، دون أن يكون مالكاً بالفعل شيئاً في نفس النصاب.
وبعبارة أُخرى: إنّ النصاب ملك للمالك، ولكنّه مأمور بدفع شيء إلى مستحقّي الزكاة كما أنّ ناذر الصدقة مأمور بصرف ما نذره في مورده، فيتولّد من هذا الحكم التكليفي حكم وضعي، وهو تعلّق حقّ (لا ملك) بمال المالك، فيعدّ ملك المالك وثيقة لمستحقّي الزكاة.
والذي يقرب أنّ التعلّق على نحو «الاستيثاق». وإن شئت قلت: تعلّق حقّ لمستحقّ الزكاة بمال المالك، هو الارتكاز العرفي في الضرائب العرفية، فإنّ دائرة الضرائب التي وظيفتها جباية الضرائب لاترى نفسها مالكة بالفعل على نحو الإشاعة أو الكلّي في المعيّن للأموال التي اكتسبها التاجر أو الكاسب، وإنّماترى صاحب الأرباح مكلّفاً من جانب الدولة بإخراج 20% من الأرباح التي اكتسبها من

1 . العروة الوثقى:4/84 ، كتاب الزكاة، المسألة 31.

340
هذه السنة أو السنة الماضية، فأوجد ذلك التكليف، حقّاً لدائرة الضرائب لأن تطلب منه ما فرضته الدولة، وترى نفسها محقّة في هذا الطلب والأخذ على نحو لا تملك إلاّ بدفع المالك، وأخذ الجابي، والتفصيل في محلّه.(1)
وبما ذكرنا يتغيّر حكم قسم من الأحكام المذكورة في الرسائل العملية في مورد التصرّف في المال الزكوي قبل إخراج زكاتها فلاحظ.

1 . لاحظ: كتابنا: الزكاة في الشريعة الإسلامية الغراء:1/454.

341
 
أحكام الزكاة
      4

مصارف الزكاة

الآية الرابعة

قال سبحانه:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(1)

المفردات

الصدقات: الزكوات، بقرينة الآية السابقة، حيث جاء فيها:(وَمِنْهُمْ
مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا
هُمْ يَسْخَطُونَ
)
.(2) ولكن يظهر من شأن النزول أنّها أعمّ من الزكوات
والغنائم.
الفقراء والمساكين: ستقرأ الفرق بينهما في التفسير.

1 . التوبة:60.
2 . التوبة:58.

342

التفسير

الآية بصدد بيان مصارف الزكاة الثمانية، وقبل التفسير نشير إلى ما في الآية من نكات:
1. ابتدأ سبحانه الآية بأداة الحصر، وقال:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) لأجل ردّ لمز المنافقين وغيرهم كما جاء في الآية المتقدّمة، فردّ عليهم ببيان مصارف الصدقات الثمانية وإنّها إمّا لهم أو يُصرف فيهم وليس للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)التجاوز عنها.
2. إنّ اللام في قوله:(لِلْفُقَرَاءِ) للتمليك، فالجميع يملك بحكم اللام المذكورة في المعطوف عليه، أو المقدّرة كما في المعطوف المجرّد عنها، أي(وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ).
وأمّا ما قُرن بلفظة (فِي) فيدلّ على أنّه مصرف لها لا مالك، وهذا كما (وَفِي الرِّقَابِ) بناء على أنّ العبد لا يملك، و(فِي سَبِيلِ اللهِ)كالجهاد وبناء المساجد والقناطر.
3. قوله تعالى: (فَرِيضَةً) فلعلّها مفعول مطلق لفعل مقدّر يدلّ عليه قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ): أي فرض الله الصدقات فريضة، ويحتمل أن تكون منصوبة لكونها حالاً، أي فريضة مؤكّدة لا تعصى.
4. وقد ختمت الآية باسمين شريفين: (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) إشعاراً منه بأنّ تشريع هذه الضريبة، صدر عن علم وحكمة، ومحاسبة دقيقة وأنّ أصحاب الأموال لو قاموا بواجبهم، لسدّوا خلّة الفقراء في الأُمة الإسلامية.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان مصارف الزكاة:
الأوّل والثاني: (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) إنّما الكلام في الفرق بينهما، وقد

343
ذكروا في الفرق بينهما وجوهاً(1)، ويمكن استظهار الفرق بينهما بالبيان التالي:
إنّ لفظ المسكين مفرداً وجمعاً مرفوعاً ومنصوباً ورد في القرآن ثلاثاً وعشرين مرّة، كما ورد لفظ الفقير كذلك ثلاث عشرة مرّة، والإمعان في الآيات يوضح بأنّ المسكين يتميّز عن الفقير بأحد أمرين:
أ. كونه أسوأ حالاً من الفقير قال سبحانه:(يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة)(2)، أي يتيماً ذا قربى من قرابة النسب والرحم، أو مسكيناً قد لصق بالتراب من شدّة فقره وضرّه، وأمّا الفقير فيستعمل في مقابل الغني، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ)(3)، ومن المعلوم أنّ لعدم الغنى مراتب كثيرة وليس كلّ من ليس بغني مسكيناً ذليلاً لاصقاً بالتراب بخلاف المسكين.
ب. كون المسكين من يسأل الناس دون الفقير، ويدل عليه قوله سبحانه:(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيَماهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)(4) أي لا يسألون الناس أصلاً، كما في المجمع(5)، بخلاف المسكين فهو من يسأل الناس قال سبحانه:(فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ

1 . لاحظ: تفسير القرطبي:8/168ـ171.
2 . البلد:15ـ 16.
3 . فاطر:15.
4 . البقرة:273.
5 . لاحظ: مجمع البيان:2/253.

344
عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)(1)، فدخول المسكين علامة السؤال.
وما استفدناه من الآية من الفرقين أُشير إليه في روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ونكتفي هنا بذكر واحدة منها.
روى محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) أنّه سأله عن الفقير والمسكين؟ فقال: «الفقير الذي لا يسأل، والمسكين ـ الذي هو أجهد منه ـ الذي يسأل».(2)
الثالث: قوله:(وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وهم المنصوبون من قبل الإمام أو نائبه الخاص أو العام لأخذ الزكوات وضبطها وحسابها وإيصالها إليه، فإنّ العامل يستحقّ منها سهماً في مقابل عمله وإن كان غنياً. قال العلاّمة الحلّي: يجب على الإمام أن يبعث ساعياً لتحصيل الصدقات من أربابها لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبعثهم في كلّ عام فيجب اتّباعه. ولأنّ تحصيل الزكاة غالباً إنّما يتمّ به وتحصيل الزكاة واجب فيجب ما لا يتم إلاّ به.(3)
ويشترط فيهم: البلوغ والعقل والإيمان والعدالة، كما يشترط معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهاداً أو تقليداً.
الرابع: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) وهم الذين يراد من إعطائهم ألفتهم وميلهم إلى الإسلام أو إلى معاونة المسلمين في الجهاد مع الكفّار أو الدفاع، ومن المؤلّفة قلوبهم: ضعفاء العقول من المسلمين لتقوية اعتقادهم، أو لإمالتهم للمعاونة في الجهاد أو الدفاع.

1 . القلم:23ـ 24.
2 . الوسائل:6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث2، ولاحظ الحديث:6 و7.
3 . تذكرة الفقهاء:5/246.

345
الخامس: (وَفِي الرِّقَابِ) عبّر سبحانه عن هذا الصنف: (وَفِي الرِّقَابِ)بتغيير السياق عن «اللام» إلى (فِي)إشعاراً بأنّ الزكاة تصرف في طريق مصالحهم من فكّهم وعتقهم دون التمليك لهم، كما مرّ. ولذلك فسّره الطبرسي بقوله: «في فكّ الرقاب من العتق». وهم ثلاثة أصناف:
الأوّل: المكاتبة مطلقاً أو مشروطاً.
الثاني: العبد تحت الشدّة.
الثالث: مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحقّ للزكاة.
السادس: (وَالْغَارِمِينَ) وهم الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها وإن كانوا مالكين لقوت سنتهم.
السابع: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) وهو جميع سبل الخير من الجهاد وبناء القناطر والمدارس والخانات والمساجد وتعميرها وتخليص المسلمين من يد الظالمين ونحو ذلك من المصالح كإصلاح ذات البين ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين.
الثامن: (وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو المسافر الذي نفدت نفقته، أو فقد وسيلة سفره، بحيث لا يقدر مع ذلك على السفر والعودة إلى أهله، وإن كان غنيّاً في وطنه، بشرط عدم تمكّنه من الاستدانة أو بيع ما يملكه.
هذه هي المصارف الثمانية للزكاة، والتفصيل في كلّ واحد منها والشروط اللازمة في دفع الزكاة إليهم يحتاج إلى بسط في الكلام، وقد بسطنا الكلام فيها في

346
كتابنا «الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء».(1)
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى بقوله:(فَرِيضَةً مِنَ اللهِ): أي مقدّرة واجبة قدّرها الله وختمها بقوله: (وَاللهُ عَلِيمٌ)بحاجات خلقه (حَكِيمٌ) فيما فرض عليهم.

بحوث حول الزكاة

الأوّل: أنّ الزكاة إحدى المنابع المالية للحكومة الإسلامية، وقد استأثرت باهتمام الفقهاء منذ رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم 32 مرّة، وقُرنت بالصلاة في موارد كثيرة، وقد تضافرت الروايات على وجوبها(2) حتى عدّ السيد الطباطبائي (صاحب العروة الوثقى) وجوبها من ضروريات الدين، ومنكره مع العلم به كافر. وكأنّه مبني على أنّ إنكار وجوبها عند المنكر يلازم إنكار الرسالة للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ثبت في محلّه أنّ الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث.(3)
الثاني: قد دلّت الآيات على أنّ للفقراء والمساكين سهماً في الصدقات وربما يتوهّم من ذلك تثبيت الفقر والمسكنة في المجتمع الإسلامي، إذ لولا الفقر والحاجة لما كان لسهمهما مصرف.ولكنّه توهّم باطل، لوجوه:
أوّلاً: إنّ معنى الآية أنّه لو كان في المجتمع فقير أو مسكين فتسدّ حاجاتهم

1 . لاحظ: الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء:2/14ـ198.
2 . لاحظ: الوسائل:6، الباب1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة. مضافاً إلى ما مرّ من الآيات.
3 . بحار الأنوار:88/248، برقم 8 .

347
عن طريق الصدقات، وقد ثبت في محلّه أنّ صدق القضايا الحقيقية أو الشرطية لا يلازم وجود الموضوع قطعاً; بل يكفي في صدقهما فرض الموضوع. وعلى هذا فلو وجد الفقير والمسكين فتسدّ حاجاتهما بالصدقات، وإلاّ فتصرف في الموارد الستة الواردة في الآية.
ثانياً: إنّ افتراض خلوّ المجتمع من الفقير والمسكين أمر مثالي، فتاريخ الإنسان على البسيطة يشهد على أنّه لم يوجد مجتمع إلى الآن خال من الفقر والحاجة.
ثالثاً:إنّ العوامل المسبّبة لوجودهما لا تنحصر بسوء تدبير الدولة أو نقصان قوانينها، بل لوجود عوامل أُخرى خارجة عن سيطرة الحكومة وتدبيرها، مثلاً ربما يموت الوالد أو يقتل أو يجرح، ويبقى الأولاد فقراء، بسبب عدم وجود الضمان الاجتماعي، أو وجوده ولكن ربما يكون غير كاف في رفع حوائجهم، أو أنّه يخسر في تجارته خسارة فادحة يضيع بها رأس ماله، فيصير فقيراً صفر اليدين، فلابد للدولة الإسلامية من ترميم وضعه، إلى غير ذلك من الحالات والأسباب.
الثالث: قد ذكرنا أنّ للمؤلّفة قلوبهم احتمالات ثلاثة غير أنّ صاحب المنار أسهب في الكلام وذكر أنّ المؤلّفة قلوبهم قسمان: كفّار ومسلمون، والكفّار ضربان والمسلمون أربعة، فمجموع الفريقين ستة، ثم بسط الكلام في بيان كلٍّ، فمن أراد فليرجع إليه.(1)
غير أنّ الذي يجب ذكره أنّ مدرسة الخلافة قد أسقطت سهم المؤلّفة

1 . لاحظ: تفسير المنار:10/574ـ576.

348
قلوبهم وقد جرت سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على دفع السهام إليهم، لكن لمّا ولي أبو بكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم هذا ـ جرياً على عادتهم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فكتب أبو بكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطه عليه، فمزّقه، وقال: لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم; فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له: أنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء الله تعالى، وأمضى ما فعله عمر.(1)
فاستقرّ الأمر لدى الخليفتين ومَن يرى رأيهما على سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم، وصرفه إلى مَن عداهم من الأصناف المذكورين في الآية.
ثمّ إنّ أهل السنّة برّروا عمل الخليفتين بتغيّر المصلحة بتغيّر الأزمان .
قال صاحب المنار: إنّ ذلك اجتهاد من عمر بأنّه ليس من المصلحة استمرار هذا التأليف لهذين الرجلين الطامعين وأمثالهما بعد الأمن من ضرر ارتدادهما لو ارتدّا، لأنّ الإسلام قد ثبت في أقوامهما حتى أنّه لا يترتّب على قتلهما ـ لو ارتدّا ـ أدنى فتنة.(2)
أقول: لو صحّ ما زعمه صاحب المنار من السبب لتبرير عمل الخليفة، لم يستقرّ حجر على حجر، إذ ربما يكون مدعاة لترك كثير من الأحكام بزعم فقدان المصلحة والأمن من المفسدة، وهذا يجرّ لفتح باب الاجتهاد أمام النصّ، وعلى ذلك بنى الخليفة حكمه في نفاذ الطلاق لو أُجري ثلاثاً في مجلس واحد.

1 . الجوهرة النيّرة على مختصر القدوري في الفقه الحنفي:1/164 كما في النص والاجتهاد:42، ولاحظ: تفسير المنار:10/496، روح المعاني:10/122.
2 . تفسير المنار:10/496. وأراد من الرجلين: عيينة بن حصين، والأقرع بن حابس.

349
روى مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.(1)
الرابع: اتّفقت كلمة الفقهاء من السنّة والشيعة على حرمة الصدقات الواجبة على الهاشمي من غير خلاف.
قال الخرقي في متن المغني: ولا لبني هاشم ولا لمواليهم، والمراد من الموالي مَن اعتقهم الهاشمي، وقال ابن قدامة في شرحه: لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة المفروضة، وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«أنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد وإنّما هي من أوساخ الناس» أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة، قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«كخ كخ ـ ليطرحها ـ وقال: أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة»، متّفق عليه.(2)
وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على حرمة الصدقة على بني هاشم. ولكنّه سبحانه عوّضهم برفع حاجاتهم عن طريق الخمس من الغنائم وغيرها، والتفصيل يطلب من الموسوعات الفقهية.
الخامس: لا يشترط الفقر في العاملين على الزكاة، فإنّ الزكاة كالأُجرة لعملهم، إنّما الكلام في شرطية الفقر في صرف الزكاة في سبيل الله كالغازي وإحجاج الغني للحج، والتفصيل يطلب من الفقه.

1 . صحيح مسلم:4/184، باب طلاق الثلاث، الحديث2.
2 . المغني:2/519.

350
 
أحكام الزكاة
      5

إخراج الطيّب من الأموال للزكاة

الآية الخامسة

قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ *الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).(1)

المفردات

الخبيث: ضد الطيّب وهو الرديء من كلّ شيء، وأُريد به ما لا يأخذه المنفق عليه إلاّ بإغماض بقرينة قوله سبحانه: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا)، وتفسير الخبيث بالحرام، بعيد عن سياق الآية.

1 . البقرة:267ـ268.

351
تيمّموا: من التيمّم بمعنى القصد.
تغمضوا: غمض العين في الآية كناية عن التسامح والتساهل في البيع والشراء، فكأنّ المتساهل يغمض عينه ويقبل.
الفقر: الحاجة، وهو ضد الغنى.
الفحشاء: المعاصي.

التفسير

هاتان الآيتان ناظرتان إلى طبيعة المخرَج بعنوان الزكاة، والله يأمر الأغنياء أن ينفقوا أطيب الأموال لا أردأها، معلّلاً بأنّ المنفق لا يقبل الأردأ في مقام المعاملة إلاّ بغمض العين.
ثم تنتقل الآية إلى غرض آخر وهو أنّ الشيطان بوسوسته، يصدّ الناس عن إنفاق المال، ويغريه بأنّه ربما يفتقر ويحتاج إليه، والله سبحانه يرد عليه بأمرين بمعنى أنّ الإنفاق يوجب المغفرة ووفرة المال وزيادته.
إذا تبيّن ذلك فلندخل في تفسير الآيتين:
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) ما تملكون، وهو:
1. (مَا كَسَبْتُمْ) في التجارة ونحوها.
2. (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) من المعادن والزراعة.
هذا من غير فرق بين الإنفاق الواجب كالزكاة، أو المستحبّ كسائر الإنفاقات.
ثمّ إنّه سبحانه تأكيداً على إنفاق أطيب الأموال ينهى عن إنفاق الأردأ،

352
ويقول: (وَلاَ تَيَمَّمُوا): أي لا تقصدوا (الْخَبِيثَ): أي الأردأ (مِنْهُ): أي ما كسبتم (تُنْفِقُونَ): من الأردأ، أي اجعلوا إنفاقكم من أفضل ما تملكون، فساووا بينكم وبين غيركم، فبما أنّكم لا تأخذون الأردأ في مقام المعاملة، فكذلك تعاملوا مع غيره معاملة النفس، كما يقول: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) الواو للحال، والضمير يرجع إلى الخبيث (إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ): أي تتنازلوا وتتساهلوا.
ثمّ ختمت الآية باسمين كريمين ويقول:(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ) عن إنفاقكم (حَمِيدٌ): أي محمود على نعمائه، فلو فرض عليكم الإنفاق فلمصلحتكم في الدنيا والآخرة.
روى الكليني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) فقال: «كان القوم قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية، فلمّا أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدّقوا بها فأبى الله تبارك وتعالى إلاّ أن يخرجوا من أطيب ما كسبوا».(1)
وروى العياشي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) قال:«كان أهل المدينة يأتون بصدقة الفطر إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه عذق يسمّى الجعرور وعذق يسمى معافارة، كانا عظيم نواهما، رقيق لحاهما في طعمهما مرارة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للخارص: لا تخرص عليهم هذين اللونين لعلّهم يستحيون لا يأتون بهما، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ).(2)
وروى الطبرسي، قال: وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف

1 . الكافي:4/48، برقم 10.
2 . تفسير العياشي:1/273، برقم 597/496. الوسائل:6، الباب20 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث5.

353
فيدخلونه في تمر الصدقة; عن علي(عليه السلام)(1).
وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«إنّ الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلاّ الطيّب».(2)
ثمّ إنّ الدافع الذي يدعو بعض المنفقين إلى إنفاق الأردأ بحفظ الأطيب إلى أنفسهم هو أنّهم يخافون الفقر في المستقبل العاجل، فيدخرون الأطيب لأنفسهم، وينفقون الأردأ الذي لا يرغب فيه إلاّ الفقير المدقع، والله سبحانه يردّ هذه الفكرة بأنّها فكرة شيطانية لا رحمانية ويقول: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) ويوسوس في نفوسكم ما ذُكر، (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)ولعلّه أُريد البخل، فإنّ البخل عند عامّة الناس من أقبح القبائح. هذا ما يعد به الشيطان، (وَ) لكن (اللهُ يَعِدُكُمْ)بأمرين مهمّين، هما:
1. (مَغْفِرَةً مِنْهُ) فإنّ الحسنات يذهبن السيئات.
2. (وَفَضْلاً) يخلف عليكم خيراً من صدقتكم ويتفضّل عليكم بالزيادة في أرزاقكم، وكأنّ من سنة الله تعالى أن يخلف على المنفق بما يسهل له من أسباب الرزق، ويرفع من شأنه في القلوب، وأن يحرم البخيل عن مثل ذلك، وعلى هذا فالله سبحانه وعد المنفق بجزائين:
(مَغْفِرَةً) ترجع إلى الآخرة، (وَفَضْلاً) يرجع إلى الدنيا.
ثم ختمت الآية بقوله: ( وَاللهُ وَاسِعٌ): أي ذو سعة وغنى لا يحتاج إلى أحد وإنّما يأمركم بالإنفاق لأجل مصالحكم (عَلِيمٌ) بأفعال العباد وأغراضهم.

1 . مجمع البيان:2/191، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
2 . مجمع البيان:2/208; مسند أحمد:2/404.

354
 
أحكام الزكاة
   6

قصد التقرّب إلى الله في إعطاء الزكاة

الآية السادسة

قال سبحانه:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلاَِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ).(1)

التفسير

الزكاة فريضة ماليّة وفي الوقت نفسه فريضة قربية، لا عباديّة(2) يتقرب بها، وليس كسائر الواجبات التوصلية التي لا تحتاج إلى قصد التقرّب، كدفن الموتى وجواب السلام، بل يلزم أن يكون الإعطاء طلباً لمرضاة الله تعالى.

1 . البقرة:272.
2 . إشارة إلى الفرق بين كون شيء واجباً قريباً يتقرب به إلى الله، دون أن يتعبّد به كالزكاة والخمس والوضوء. وبين كونه قربياً عبادياً، يُعبد به كالصلاة والصوم والحجّ. وقد أوضحنا حالهما في المبسوط عند تقسيم الأوامر إلى توصلية وقربية وتعبدية.

355
الآية تشتمل على مقاطع:
الأوّل: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلاَِنْفُسِكُمْ) والغاية من هذه الفقرة هي التنبيه على أنّ ساحة الداعي منزّهة عن الانتفاع بالإنفاق، وإنّما يعود نفعه إلى المدعوين.
الثاني:(وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ) هذه الفقرة جملة حاليّة وقيد للفقرة السابقة فكأنّه يقول: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم في حال أنّكم لا تنفقونه إلاّ ابتغاء وجه الله. وأُريد بوجه الله، ذات الله ومرضاته، إذ يطلق الوجه ويراد به الذات، كما في قوله سبحانه:(كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(1).
الثالث: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) وهذه الفقرة إشارة إلى دفع توهّم، وهو أنّ ما سبق من قوله: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلاَِنْفُسِكُمْ) ليس مجرّد شعار بل له واقعية (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ)من التوفية، أي يؤدّ إليكم كاملاً، ويؤيّده قوله: (وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ): أي لا ينقص من أجوركم شيء.
ثمّ إنّ في قوله سبحانه: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ) دلالة واضحة على أنّ عملية الزكاة لا تُقبل إلاّ إذا كانت مقرونة بنية القربة إلى الله سبحانه، وبذلك يعلم أنّ العمل الصالح يتقوّم بأمرين:
1. كون العمل صالحاً وحسناً ينتفع به الناس.
2. كون الباعث للعمل هو النية الخالصة عن السمعة والرياء.
وبذلك يفترق المنهج الإصلاحي والتربوي في الإسلام عن المنهج الغربي في ذينك الأمرين. وذلك أنّ كلّ عمل يصبح مفيداً للمجتمع يتمتّع عند الغربيّين

1 . القصص:88 .

356
بالقبول والتقدير; سواء أكان الباعث نيّة هو التقرب إلى الله سبحانه أو لرفع الحاجة عن المستضعفين والطبقة الضعيفة، أو كان لأجل تحصيل الأصوات عند الانتخابات، فالميزان كون العمل حسناً فقط دون النية، وهذا بخلاف ما عليه المنهج الإسلامي فلو كان العمل جميلاً ولكن النيّة مشوبة بالآمال المادية، فلا يثاب فاعله ولا يقدّر عمله، ولذلك يقول سبحانه: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ).

357
 
أحكام الزكاة
      7

أيّهما أفضل: الإبداء بالصدقات أو إخفاؤها؟

في الإخفاء تكفير لبعض السيّئات

الآية السابعة

قال سبحانه:(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).(1)

التفسير

العمل الصالح الذي يتقرّب به العبد إلى الله سبحانه ويحصّل على رضاه به، هو العمل المجرّد عن الرياء والسمعة المرفق بالإخلاص، هذا هو ملاك العمل الصالح، سواء أبداه أو أخفاه، ولذلك يقول سبحانه:(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ): أي تظهروها وتعلنوها (فَنِعِمَّا هِيَ): أي نعم الشيء إظهارها وإعلانها وليس فيه

1 . البقرة:271.

358
كراهة (وَ) لكن (إِنْ تُخْفُوهَا): أي تستروها (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ): أي تؤدوها إليهم في السرّ (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): أي أبلغ في الثواب، ويترتّب عليه ـ وراء الثواب ـ أمر آخر (وَ) هو (يُكَفِّرُ): أي يُمحي (عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ): أي بعض سيئاتكم بشهادة «مِن». ولكن أُبهمت السيئات، ومن المعلوم أنّ السيئات الكبيرة لا تُكفّر بالإنفاق، بل لتكفيرها طرق أُخرى.
قوله تعالى: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ): أي لا تخفى عليه نيّاتكم في الإبداء والإخفاء.
أيّهما أفضل: الإبداء بالصدقات أو إخفاؤها؟   
ثمّ إنّ الظاهر من الروايات التفصيل بين الإنفاق الواجب و الإنفاق المندوب. ففي النوع الأوّل الأفضل هو الإبداء، وفي النوع الثاني الأفضل الإسرار.
روى الكليني عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«كلّ ما فرض الله عليك فإعلانه أفضل من إسراره، وكلّ ما كان تطوّعاً فإسراره أفضل من إعلانه، ولو أنّ رجلاً حمل زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية كان ذلك حسناً جميلاً».(1)
وروى علي بن إبراهيم بسنده عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ)قال: «يعني الزكاة المفروضة»، قلت: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) قال: «يعني النافلة، إنّهم كانوا يستحبون إظهار الفرائض وكتمان النوافل».(2)
ويمكن أن يكون وجه الإبداء في الزكاة المفروضة مرغوباً فيه، هو ترغيب الآخرين إلى العمل بالواجب مضافاً إلى أنّ الإخفاء مظنّة الاتّهام، فلذلك يقوم بأداء