فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : آداب المتعلّمين*
نویسنده :علاّمة الحجّة محمد جعفر الاسترآبادي*

آداب المتعلّمين

1
    شرح آداب المتعلّمين
   

2

3
 
شرح
آداب المتعلّمين

4

5
شرح
آداب المتعلّمين
 
للعلاّمة الحجّة محمد جعفر الاسترآبادي
المعروف بـ :«شريعتمدار»
 
الشارح
العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

6
سبحاني تبريزى، جعفر، 1308 ـ
شرح آداب المتعلّمين / تأليف جعفر السبحاني.ـ شارح. قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1397.
88 ص.
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.   ISBN:978-964-357-629-5
كتابنامه: ص 85ـ 86; همچنين به صورت زيرنويس.
1. شريعتمدار استرآبادي، محمد جعفر، 1198ـ 1263. رسالة آداب المتعلمين، نقد وتفسير. 2.اخلاق اسلامى. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
4 ش 4ش/654/BP   65/297
1397
اسم الكتاب:    شرح آداب المتعلّمين
المؤلّف:   العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني
الموضوع:   الأخلاق والآداب
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1397هـ.ش/1440هـ.ق/2019م
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:   رقعي
التنضيد والإخراج الفنّي:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
   تسلسل النشر:1032         تسلسل الطبعة الأُولى:488
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

7
 
المقدمة
الحمد لله الذي علّم بالقلم، وعلّم الإنسان ما لم يعلم، وجعل مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء; والصلاة والسلام على أفضل بريّته وخاتم رسله محمّد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فلا يخفى على ذي مرية شرف العلم ومكانة العلماء، وكفى فيه أنّه سبحانه فرض طلب العلم على كلّ مسلم وقرنه بالإيمان في كتابه وقال:(الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ)(1) إلى غير ذلك من الآيات والروايات الحاثّة على تعلّم العلم ونشره.
غير أنّ كثيراً من روّاد العلم بعد ما أمضوا سنوات عديدة من

1 . الروم:56.

8
أعمارهم، ربما لا يصلون إلى ما كانوا يبتغونه ويطلبونه، وذلك لا لقصور في المتعلّم، بل بسبب عدم اتّباع منهج صحيح يرشدهم ويوصلهم إلى أهدافهم. ولذلك قام غير واحد من العلماء الكبار بتأليف رسائل بهذا الصدد، ونشير إلى تأليفين منيفين:
الأوّل: ما ألّفه العالم النحرير أُسوة الحكماء والمحقّقين نصير الدين الطوسي(قدس سره)، وقد طبع غير مرّة باسم: «آداب المتعلّمين»، وهو على اختصاره كتاب نافع مفيد جدّاً.
الثاني: «منية المريد في أدب المفيد والمستفيد»: للشهيد الثاني(قدس سره)وهو كتاب قيّم في بيان قيمة العلم وتكاليف التلامذة والأساتذة، والمفتي والمستفتي، وآداب المناظرة والكتابة، وآداب التعليم والتعلّم للعلوم الإسلامية ومراتب العلوم، وعشرات المسائل القيّمة ممّا هو مورد ابتلاء المتعلّمين والمعلّمين. والحقّ أنّ المؤلّف قد بلغ الغاية فلم يبق في القوس منزعاً. وقد طبع عدّة طبعات، أفضلها الطبعة الأخيرة التي قام بتحقيقها شيخنا الفاضل الشيخ رضا المختاري ـ دامت تأييداته ـ .
وبما أنّ الكتاب بلغ القمّة في النفاسة قام غير واحد من العلماء بترجمته إلى اللغة الفارسية.(1)

1 . لاحظ: مقدمة كتاب منية المريد.

9
وفي «منية المريد» غنى وكفاية لطالب الحقّ.
لكنّي وقفت على رسالة وجيزة في بيان آداب المتعلّمين كتبها الشيخ المولى محمد جعفر ابن المولى سيف الدين الاستر آبادي الطهراني الشهير بـ «شريعتمدار»، الذي وصفه شيخنا المجيز الطهراني في «طبقات أعلام الشيعة»، بأنّه أحد كبار علماء الإمامية ومصنّفيهم المتفنّنين في هذا القرن.(1) فأحببت نشرها ليكون ذكراً للمؤلّف الباحث الكبير، ولأجل اختصاره شرحته شرحاً يوضح مقاصده ومراميه، وقد ألّفته لولدي البارّ الفاضل: علي رضا السبحاني حفظه الله ووفّقه لآماليه الشرعية وجعله من العلماء العاملين بحقّ نبيّه وآله الطاهرين.

ترجمه المؤلّف

وقد قمنا بترجمة المؤلّف في موسوعة طبقات الفقهاء بأفضل ما يمكن، ونأتي بخلاصة ما كتبناه هناك في سالف الزمان.
ولد(قدس سره) عام 1198هـ ، في نوكنده(من قرى بلوك أنزان بأستراباد). وأقبل على طلب العلم، وانتقل إلى بارفروش، ومنها إلى العراق، فحضر في كربلاء على السيد علي بن محمد علي الطباطبائي الحائري صاحب الرياض.

1 . الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة:2/253.

10
وعاد إلى استرآباد سنة 1231هـ، ثم توجّه إلى قزوين، وفي سنة 1241هـ ، شارك في الجهاد ضد القوات الروسية، ولمّا رجع حجّ بيت الله الحرام، ثمّ أقام في كربلاء مستوطناً، وعاد إلى إيران في نحو سنة 1248هـ ، فسكن مشهد الرضا(عليه السلام) قائماً بالوظائف الشرعية. أخذ عنه وتخرج به جماعة، منهم: السيد نصر الله الأستر آبادي، ثمّ الطهراني، ومحمد الاندرماني الطهراني، ومحمد جعفر بن محمد طاهر النوري وغيرهم. وصنّف نحو ستين كتاباً ورسالة في فنون شتّى، منها: شوارع الأنام في شرح قواعد الأحكام للعلاّمة، مواليد الأحكام في الفقه على المذاهب الخمسة، دلائل المرام في آيات الأحكام، وغيرها، وتوفّي سنة 1263هـ ولمعرفة المزيد تراجع ترجمته في «موسوعة طبقات الفقهاء».(1)
ومن آثاره القيّمة هذه الرسالة التي نحن بصدد شرحها، وممّن نسب الرسالة إليه شيخنا المجيز الطهراني حيث قال: رسالة في آداب المتعلّمين للحاج المولى محمد جعفر الاسترآبادي، نسخة كتابتها (1244) عند الشيخ مهدي شرف الدين صرّح في أوّلها باسمه ونسبه.(2) ولعلّ المؤلّف فرغ من الرسالة في ذلك العام.

1 . لاحظ: موسوعة طبقات الفقهاء:13/554ـ556، برقم 4307. (وقد ذكرت هناك مصادر عديدة في ترجمته); الكرام البررة:2/253ـ257.
2 . لاحظ: الذريعة:11/5.

11
وممّن صرّح بنسبة الرسالة إليه المحقّق محمد باقر مقدّم في موسوعته (أثر آفرينان استرآباد و جرجان) قال: الثالث: آداب المتعلّمين ثم قال: لم نعثر على نسخة خطيّة منه، ولم يطبع إلى الآن.(1)
ثمّ إنّ النسخة التي عندنا هي ضمن مجموعة من رسائل شيخنا المترجم التي استنسخها ملا علي أكبر عام 1295هـ ، وهي لا تتجاوز عن أربع صفحات، والمجموعة كانت ملكاً لصديقنا المغفور له العلاّمة الشيخ جعفر الإشراقي الذي تملّكها عام 1383هـ ، وقد أهداها ولده البار الحاج حسين إلى مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).
اللهمّ مُنّ برحمتك الواسعة على المؤلّف والناسخ والمتملّك وعلى مَن أهداها إلى مكتبتنا.
وها نحن نشرع بشرح هذه الرسالة شرحاً مزجياً، وقد وضعنا كلام المصنّف بين قوسين (   ) لتمييزه عن الشرح، وعلى الله التكلان.
***

1 . أثر آفرينان استرآباد و جرجان:1/681.

12
 

13
 

]مقدّمة المصنّف[

قال المصنّف: (بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ كلامه بالبسملة امتثالاً للحديث المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «كلّ أمر ذي بال لا يذكر بسم الله فيه فهو أبتر».(1)
(الحمد لله ربّ العالمين) أتبع البسملة بالحمد، وظاهر العبارة تخصيص الحمد بالله سبحانه وأنّه لا يُحمد غيره، ومع ذلك فالحمد بما أنّه على كلّ فعل جميل اختياري يشمل فعل الممكن أيضاً إذا صار مصدراً لفعل جميل. ومع ذلك كيف يكون الحمد منحصراً لله سبحانه.
والجواب: أنّ الممكن ذاته وفعله موهوب من الله سبحانه قائم به، فما له من جلال وجمال فهو من الله سبحانه، فيكون حمده حمداً لله في الحقيقة.

1 . وسائل الشيعة:4، الباب18 من أبواب الذكر، الحديث4.

14
(والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين)، عَطَفَ الآل على «محمد» خضوعاً لما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سئل كيف نصلّي عليك يا نبي الله؟ قال:قولوا: «اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد»(1)، ولم يعطف الصحب على الآل في كلامه خلافاً لما هو الرائج بين أهل السنّة حيث إنّهم إمّا يصلّون على النبيّ وحده، أو يصلّون عليه وآله لكن مقروناً بالصحب مع أنّه لم يرد أي حديث أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه بالصلاة على خصوص الصحب.
(أمّا بعد، فيقول العبد الذليل الغريق في بحر العصيان المتمادي محمد جعفر الاستر آبادي هذه رسالة وجيزة في بيان آداب المتعلّمين)، قد تقدّمت ترجمة المؤلّف وأنّ من آثاره هذه الرسالة الموجزة التي نحن بصدد شرحها بتوفيق من الله سبحانه.
قال(قدس سره):(اعلم أنّه ينبغي) يأتي فاعل الفعل في كلامه أعني:«أُمور»
(لطالب العلم الذي ورد فيه أنّه فريضة على كلّ مسلم ومسلمة) ورد الحثّ على طلب العلم في روايات متضافرة، فتارة اقتصر على قوله:«فريضة على كلّ مسلم» فقط; كما فيما رواه الكليني بسنده عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«قال رسول

1 . مسند أحمد:4/244.

15
الله(صلى الله عليه وآله وسلم): طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، ألا إنّ الله يُحبّ بغاة العلم».(1)
وأُخرى مقروناً بكلمة و «مسلمة» كما في «عدّة الداعي» ناقلاً عن كتاب «منتقى اليواقيت» بالسند المذكور فيه عن أمير المؤمنين(عليه السلام)قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، فاطلبوا العلم من مظانه واقتبسوه من أهله».(2)
وقد ورد الجمع بين المسلم والمسلمة في غير واحد من المصادر.(3) ولا منافاة بين التعبيرين; لأنّ المسلم أُريد به مطلق مَن أسلم، الشامل للذكر والأُنثى، نظير قوله سبحانه: (الّذِينَ آمَنُوا)فالمراد مطلق مَن آمن من الرجال والنساء.
ثمّ إنّه(قدس سره) أشار إلى أحاديث أُخرى وردت في حقّ طالب العلم وقال:(وأنّ الملائكة تضع أجنحتها له تعظيماً له، ونحو ذلك، وأنّه يستغفر له كلّ شيء حتّى الحوت في البحر) ويدلّ عليه ما رواه الصفّار بسنده عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله تعالى به طريقاً إلى الجنّة، وإنّ

1 . الكافي:1/30، الطبعة الإسلامية، قم.
2 . عدّة الداعي:73.
3 . لاحظ: كنز الفوائد:2/107; بحار الأنوار:1/177.

16
الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنّه ليستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض حتى الحوت في البحر».(1)
(وأنّ مداد صاحبه أفضل من دماء الشهداء) أشار بذلك إلى ما رواه الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)قال:«إذا كان يوم القيامة جمع الله عزّ وجلّ الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء».(2)
قال(قدس سره):(إلى غير ذلك من أُمور) فقوله هذا متعلّق بما سبق من قوله:(ينبغي لطالب العلم... من أُمور) ثم شرع ببيان تلك الأُمور:

1 . بصائر الدرجات في فضائل آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم):1/3.
2 . الأمالي للصدوق:168.

17
 

الأوّل:

إخلاص النية هي الأصل في الأعمال

(الأوّل: تخليص النيّة التي هي الأصل في جميع الأعمال) اعلم أنّ كلّ شيء يتصوّر أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سُمّي خالصاً، قال سبحانه:(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(1)، وإنّما يُثاب الإنسان بعمله إذا قام به لوجه الله سبحانه من دون أن يُشرك أحداً به سبحانه، قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(2)، لا شكّ أنّ النيّة روح العمل، فالعمل المجرّد عن كون العمل لله أو المشوب بالرياء والسمعة، كجسد لا روح له، فمن الناس مَن يعتدّ بكثرة العمل،

1 . البيّنة:4.
2 . الكهف:110.

18
ولكنّه سبحانه يقبل أحسنه، حيث قال:(الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(1)، وأُريد خلوصه عن الرياء والسمعة.
قال(قدس سره): (وقصد معرفة الله وأحكامه ورفع الجهل عن نفسه وعن غيره ليتمكّن من العبادةوالطاعة وتحصيل رضا الله تعالى).
كأنّ العبارة خاص بعد العام، وقد ذُكر من فروع الإخلاص أن يكون الغرض معرفة ما وجب عليه أو حَرُم عليه حتى يقوم بالفرائض حسب ما علم، وعند ذلك يكون متمكّناً من العبادة والطاعة ومحصِّلاً رضا الله سبحانه.
قال:(والعمدة في تحصيل ذلك الإعراض عن الأغراض الفاسدة، ودفع أمراض النفوس الحاسدة، والتهذيب عن المعايب، والتجريد عن الشوائب، والتخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل).
أشار(قدس سره)في هذه العبارة إلى أنّ طالب العلم يجب أن يتجرّد عن الأغراض الفاسدة مثل طلب التفوّق على الآخرين، وكسب المناصب الدنيوية، ويقوم بدفع أمراض النفوس الحاسدة، وتجريد النفس عن المعايب والتجريد عن الشوائب.
وبكلمة جامعة: تخلية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالفضائل. (و) مع ذلك كلّه فعلى طالب العلم: (الصبر في المصائب والرضا

1 . الملك:2.

19
بالقضاء وترك الاعتراض والاستكراه عن القدر).
أشار(قدس سره) إلى تعاليم أخلاقية قيّمة، والتي منها، كما قال: (والصبر في المصائب). حكى سبحانه عن لقمان قوله لابنه: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)(1).
إنّ الصبر أساس الإيمان، بل هو الأساس للوصول إلى كلّ ما يتمنّاه الإنسان، فإنّ عالم الطبيعة عالم مؤلّف من أسباب ومسبّبات وعلل ومعاليل، فمَن طلب شيئاً من المسبِّبات فليطلبها عن طريق أسبابها، وهذا أمر واضح لا سترة عليه، غير أنّ الوصول إلى المسبّبات رهن عزم راسخ في طريق تحصيلها، فلولا العزم الراسخ لما بلغ الإنسان ما يتمنّاه، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم بالصبر، أي الاستقامة في طريق المطلوب، ولذلك نرى أنّه يقرن الصبر بالمرابطة التي لا تنفكّ عن بذل الجهد وتحمّل المشاقّ، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2).
ولذلك نرى أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) يصف الصبر بالنحو التالي، يقول: «وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الاِْيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلاَ

1 . لقمان:17.
2 . آل عمران:200.

20
خَيْرَ فِي جَسَد لاَ رَأْسَ مَعَهُ، وَلاَ فِي إِيمَان لاَ صَبْرَ مَعَهُ».(1)
ثمّ إنّ ما ذكرناه من وصف الصبر ناظر إلى مطلقه، ولكنّ المصنّف أشار إلى قسم واحد من الصبر وهو الصبر في المصائب، غير أنّ الصبر مطلوب في غيرها كالصبر في طريق الطاعة، فإنّ الجهاد والغلبة على العدو الغاشم فرع الصبر في طريق الطاعة، ولذلك يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ)(2)، فإنّ الصمود أمام العدو وعدم التولّي نتيجة الصبر في طاعة الله.
وهناك قسم آخر للصبر وهو الصبر والعزيمة على ترك المعصية التي نراها متجلّية في قصة يوسف أمام إغراءات امرأة العزيز، فقد حبسته هذه الامرأة في غرفة خاصّة ظهرت أمامه بلباس فاخر وزينة جذّابة وقالت له: (هَيْتَ لَكَ) وأمّا يوسف فقد تمسّك بذيل الصبر و العزيمة على ترك المعصية، فقال: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).(3)
وقد تبيّن ممّا ذكرنا حُسن الصبر في طريق الطاعات والمعاصي والمصائب.

1 . نهج البلاغة، الخطبة 82.
2 . الأنفال:15.
3 . يوسف:23.

21
ثمّ أشار المصنّف إلى فضيلة أُخرى وقال: (والرضا بالقضاء، وترك الاعتراض والاستكراه عن القدر) وهذه الفقرات الثلاث ترمي إلى شيء واحد، وهو: الرضا بقضاء الله وقدره، وذلك لأنّه سبحانه يحب عباده الصالحين ولا يقدّر في حقّه إلاّ ما فيه صلاحه، هذا من جانب الله سبحانه وأمّا من جانب العبد فإنّ الرضا ثمرة من ثمرات المحبّة وهو من أعلى مقامات المقرّبين، فمَن أحبّ شيئاً فقد أحبّ كلّ ما صدر منه، وإلى ما ذكرنا يشير سبحانه في قوله: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)(1)، ولو فسّر الرضا بالمحبّة من كلا الطريقين تكون الآية مشيرة إلى ما ذكرنا.
إنّ من نعم الله سبحانه يوم القيامة الجنة ومنازلها ودرجاتها ونعمها ومساكنها، لكنّه سبحانه يعدّ رضوانه أفضل ممّا
سبق ويقول:(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)(2)، فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن، كما رفع ذكره فوق الصلاة، حيث قال: ( إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)(3).
يقول المحقّق السبزواري:

1 . المائدة:119.
2 . التوبة:73.
3 . العنكبوت:45.

22
وبهجة بما قضى اللهُ رضا *** وذو الرضى قضى بما ما اعترضا
أعظم باب الله في الرضا وُعي *** وخازن الجنّة رضواناً دُعي
فقراً على الغنى صبور ارتضا *** وذان سيانِ لصاحب الرضا
عن عارف عمّر سبعين سنة *** إن لم يقل رأساً لأشياء كائنة
يا ليت لم تقع ولا لما ارتفع *** ممّا هو المرغوب ليته وقع(1)
ثمّ أشار إلى فضيلة أُخرى وقال:(والحلم عند الغضب) والحلم عبارة عن طمأنينة النفس، بحيث لا يحرّكها الغضب بسهولة، ولا يزعجها المكروه بسرعة، فهو الضدّ الحقيقي للغضب، والحلم أشرف الكمالات النفسية بعد العلم، بل لا ينفع العلم بدونه أصلاً، ولذلك روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«اللّهمّ أغنني بالعلم وزيّنّي بالحلم».(2)

1 . منظومة السبزواري:353.
2 . تهذيب الأحكام:3/73; الجامع الصغير للسيوطي:1/231 برقم 1532.

23
ولمّا كانت الشهوة والغضب أعدى عدو الإنسان، فيكون الصبر عند الشهوة والحلم عند الغضب سلاح المؤمن الذي يمنعه من الوقوع فيما لا تحمد عواقبه، فإنّ القوّة العاقلة سوف يخبو ضوؤها عند فوران الشهوة والغضب فيسدل حجابهما عن رؤية الواقع، ومن المعلوم أنّ المحجوب عن الواقع يقع في الهاوية.
ثمّ إنّه(قدس سره) أشار إلى فضيلة أُخرى (و) هي: (تعظيم أهل العلم والفضل). كيف والله سبحانه فضّل أهل العلم وقال: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(1)، وقال عزّ وجلّ: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(2).
وكفى في ذلك ما رواه الطبرسي في «الاحتجاج» عن الإمام الهادي أنّه وصل إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام)أنّ رجلاً من فقهاء شيعته كلّم بعض النُّصّاب فأفحمه بحجّته حتى أبان عن فضيحته، فدخل على علي بن محمد(عليهما السلام) وكان بحضرته خلق من العلويّين وبني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه]قربه [وأقبل عليه، فاشتدّ ذلك على أُولئك الأشراف، فأمّا العلويّون فأجّلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميّون فقال له شيخهم: يابن رسول الله، هكذا تؤثر

1 . الزمر:9.
2 . المجادلة:11.

24
عامِّيّاً على سادات بني هاشم من الطالبيّين والعباسيّين؟ فقال(عليه السلام):«إيّاكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى عنهم:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)(1) أترضون بكتاب الله عزّ وجلّ حكماً؟ قالوا: بلى، قال: أليس الله يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) إلى قوله:(وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)فلم يرض للعالم المؤمن إلاّ أن يُرفَع على المؤمن غير العالم، كما لم يرض للمؤمن إلاّ أن يُرفَع على من ليس بمؤمن... إلى أن قال: فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله؟! إنّ كسر هذا لفلانَ الناصب بحجج الله التي علّمه إيّاها لأفضل له من كلّ شرف في النسب....(2)
ثمّ قال:(وإعمال الحياء) والحياء على قسمين: ممدوح ومذموم.
أمّا الممدوح فهو خُلق غريزي أو مكتسب يمنع من فعل القبيح وخلاف الآداب والتقصير في الحقوق.
وأمّا المذموم فهو الخجل المفرط، وأساس هذا القسم هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة، وعبّر عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحياء الحمق والجهل.

1 . آل عمران:23.
2 . الاحتجاج:2/259.

25
وإلى القسم الأوّل أشار كثير من الروايات الشريفة، منها:
1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ لكلّ دين خلقاً، وإنّ خلق الإسلام الحياء».(1)
2. وعن الإمام الباقر(عليه السلام):«الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه».(2)
3. وقال الإمام علي(عليه السلام) «كثرة حياء الرجل دليل إيمانه».(3)
4. قال الإمام الصادق(عليه السلام):«لا إيمان لمن لا حياء له».(4)
وإلى القسم الثاني أشار الإمام علي(عليه السلام) بقوله:
«قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ».(5)
وقال(عليه السلام):«وَلاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: لاَ أَعْلَمُ، وَلاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ».(6)
ثمّ قال(قدس سره): (والجود والسخاء ومواساة الأصدقاء). أشار (قدس سره) إلى فضيلة سامية وهي ترجع إلى مواساة الأصدقاء بل المحتاجين على وجه الإطلاق تبعاً لسنّة الله تعالى في عالم الخلقة، فإنّ كثيراً من

1 . سنن ابن ماجة:2/1399 برقم 4182.
2 . الكافي:2/106 برقم 4، باب الحياء.
3 . عيون الحكم والمواعظ للواسطي:390.
4 . الكافي:2/106 برقم5، باب الحياء.
5 . نهج البلاغة، قصار الحكم برقم 21.
6 . نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم 82.

26
الموجودات يتبع طريق الجود، فالشمس تجود كلّ يوم من الطاقة إلى ما حولها وبها يحيى الإنسان والحيوانات والنباتات، كما أنّ الأشجار المثمرة تجود بما زاد على وجودها من الثمرات اليانعة، وهكذا يجب أن يكون الإنسان فيّاضاً معيناً لأبناء جنسه، حتى نرى أنّه سبحانه يوصف بالجواد، قال الإمام علي(عليه السلام) في بعض خطبه:«لاَِنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لاَ يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ»(1).
وقال في بعض كلماته: «قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَة: عَالِم مُسْتَعْمِل عِلْمَهُ، وَجَاهِل لاَ يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَاد لاَ يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ، وَفَقِير لاَ يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ».(2)
ثمّ إنّ الإنسان العاقل الذي يهتمّ بعرضه ومكانته لا محيص له من الجود، حتى يقطع لسان الأغيار عنه، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام):«الْجُودُ حَارِسُ الاَْعْرَاضِ».(3)
نعم السياسة العامّة في الحاكم الإسلامي أو مدير المنطقة تقتضي إعمال العقل، لكن الجود سياسة خاصّة، قال الإمام علي(عليه السلام):«وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ».(4)

1 . نهج البلاغة، الخطبة 91.
2 . نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 372.
3 . نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 211.
4 . نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 437.

27
ثمّ أشار(قدس سره) إلى رذيلتين وأمر بتركهما وقال: (وترك اللهو والمراء) واللهو عبارة عمّا لا يترتّب عليه أثر عقلائي، ويصدّ الإنسان عن الأُمور الجدّية، وما ترتبط سعادة الإنسان به.
وأمّا المراء فهو عبارة عن الطعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير غرض سوى تحقيره وإهانته، وإظهار تفوّقه وكياسته.
قال الإمام علي(عليه السلام):«إيّاكم والمراء والخصومة فإنّهما يُمرضان القلوب على الإخوان، وينبت عليهما النفاق».(1)
ثمّ أشار إلى فضيلة وأمر بترك رذيلة أُخرى وقال: (وصحبة الأخيار والمجانبة عن الأشرار، وأخذ الصديق المعين في أُمور الدين) الإنسان اجتماعي بالطبع، ولذا فلا محيص له من أن يتّخذ صديقاً، والقرآن الكريم لا ينهى عن اتّخاذ الصديق، وإنّما ينهى عن اتّخاذ صديق يفسد الأخلاق والسلوك، ولذلك فإنّ المجرم يوم القيامة يندم ويقول: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً)(2) فالخلّة أمر لابدّ منه، غير أنّ المعاشرة تؤثّر في أخلاق الإنسان وسلوكه، فكم من إنسان سليم النفس والفطرة، إذا عاش مع الفسّاق تخلّى عمّا كان عليه من الصلاح، ولذلك يصرّ المصنّف على صحبة الأخيار ومجانبة الأشرار، قال سبحانه: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ

1 . الوسائل:12، الباب135 من أبواب العشرة، كتاب الحج، الحديث1.
2 . الفرقان:28.

28
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)(1)، وقد نقل الشافعي، قولهم:
ولا يصحب الإنسان إلاّ نظيره *** وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد
وقد جاء في المواعظ والحكم: لا تصحب مَن لا ينهضك حاله، ولا يدلّك على الله مقاله.(2)
ثمّ إنّه(قدس سره) ذكر من الصفات الذميمة أمرين، وقال: (وترك الكبر و العجب). والفرق بينهما هو أنّ الكبر: الركون إلى رؤية النفس فوق الغير، وأمّا العجب فهو استعظام الإنسان نفسه لأجل ما يرى لها من صفة كمال، سواء أكانت له تلك الصفة في الواقع أم لا، وسواء أكانت صفة كمال في نفس الأمر أم لا. وقيل: هو إعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم، وهو قريب ممّا ذكر، ولا يعتبر في مفهومه رؤية نفسه فوق الغير في هذا الكمال وهذه النعمة، وبذلك يمتاز عن الكبر، إذ الكبر هو أن يرى لنفسه مزّية على غيره في صفة كمال. وبعبارة أُخرى: هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبّر عليه، فالكبر يستدعي متكبّراً ومتكبّراً عليه. والعجب لا يستدعي غير المعجب، بل لو لم يخلق الإنسان إلاّ وحده، تصوّر أن يكون معجباً، ولا يتصوّر أن يكون متكبّراً، إلاّ أن يكون مع غيره وهو

1 . الكهف:28.
2 . فيض القدير في شرح الجامع الصغير للمناوي:6/525.

29
يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفة الكمال.(1)
أمّا الكبر فقد ورد في ذمّه ما ورد من الآيات والأخبار، ونكتفي بآية واحدة، قال تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار)(2).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر».(3)
وقال الإمام الباقر(عليه السلام):«الكبر رداء الله والمتكبّر ينازع الله رداءه».(4)
وأمّا العجب فقد ورد في ذمّه آيات وروايات، قال سبحانه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَاَهُ حَسَنًا).(5)
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».(6)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك:

1 . جامع السعادات:1/321.
2 . غافر:35.
3 . الكافي:2/309، باب الكبر.
4 . جامع السعادات:1/348.
5 . فاطر:8.
6 . وسائل الشيعة:ج1، الباب23 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث12 و 15.

30
العجب».(1)
ثم إنّ المصنّف علّل ترك الكبر والعجب بالعبارة التالية:(بملاحظة كونه ظرفاً للنجاسة بين النجسين وبكونه منيّاً وصيرورته ميّتاً).
أقول: لم نقف على ما هو المراد من هذه العبارة، فتركنا فهمها للقارئ الكريم لعلّه يجد لها معنى صحيحاً.
ثمّ إنّه(قدس سره) أشار إلى ذكر أُمور تكون حائلة بين الإنسان والعجب والكبر وقال: (وذكر الموت و الحساب والسؤال والعذاب) وحاصل كلامه: أنّ سالك طريق الحقّ وطالب الكمال يشرع من ذكر الموت إلى أن ينتهي إلى ذكر العذاب.
أمّا ذكر الموت: فهو يُقصر الأمل، ويدفع طوله، ويوجب التجافي عن دار الغرور والاستعداد لدار الخلود، ولذا وردت في فضيلته والترغيب فيه أخبار كثيرة، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أكثروا ذكر هادم اللذات» قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال:«الموت، فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلاّ ضاقت عليه الدنيا، ولا في شدّة إلاّ اتّسعت عليه».(2)

1 . مجمع الزوائد:10/269; بحار الأنوار:99/329.
2 . بحار الأنوار:6/133 برقم 32; مستدرك الوسائل:2/105 برقم 21(1551)، الباب17 من أبواب الاحتضار.

31
وأمّا الحساب في القبر: فهو من الاعتقادات الثابتة لدى عامّة المسلمين. قال الصدوق في رسالة العقائد: اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها، فمَن أجاب بالصواب، فإذا بروح وريحان في قبره، وبجنة نعيم في الآخرة; ومَن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة».(1)
وأمّا السؤال: فقد روى زرّ بن حبيش الأسدي الكوفي(وهو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)) قال: سمعت عليّاً يقول: «إنّ العبد إذا أُدخل حفرته آتاه ملكان اسمهما منكراً ونكيراً، فأوّل ما يسألانه عن ربّه، ثمّ عن نبيّه، ثمّ عن وليّه، فإن أجاب نجا، وإن عجز عذباه» فقال له رجل: ما لمَن عرف ربّه ونبيّه ولم يعرف وليّه؟ فقال:«مذبذب، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ومَن يضلل فلن تجد له سبيلاً، ذلك لا سبيل له».(2)
وأمّا العذاب: فإن أُريد به عذاب القبر فيكفي في ذلك ما كتبه أمير المؤمنين علي(عليه السلام) لمحمد بن أبي بكر قال:«والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».(3)

1 . بحار الأنوار:6/279. ولاحظ: شرح عقائد الصدوق:45، ط تبريز; كشف المراد، المقصد السادس، المسألة 14.
2 . بحار الأنوار:6/233 برقم 46، نقلاً عن بصائر الدرجات:518 برقم9.
3 . بحار الأنوار:6/218.

32
وإن أراد عذاب الآخرة فالآيات فيه كثيرة.
بقي هنا أمر من الأُمور التي ينبغي على طالب العلم أن يتحلّى به دوماً، فقال: (والتوسل بقبور المعصومين(عليهم السلام)، ونحو ذلك ممّا يوجب تحصيل رضا الله تعالى والقرب إليه تعالى). وقد أمر سبحانه من ظلم نفسه أن يتوسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)(1)، وقد ذمّ سبحانه المنافقين عندما دُعوا للذهاب إلى النبيّ حتى يستغفر لهم فرفضوا ذلك ولوّوا رؤوسهم عناداً واستكباراً، قال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).(2)
إنّ التوسّل بالأنبياء سيرة مستمرة بين الإلهيّين، ولهذا نرى أنّ أبناء يعقوب عندما انكشفت حيلتهم وخيانتهم، التجأوا إلى أبيهم فقالوا له: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).(3)
فإن قيل: إنّ مورد الآيات هو حياة الأنبياء، ولا تشمل أيام موتهم؟

1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.
3 . يوسف:97ـ98.

33
قلنا: إنّ الأنبياء والأولياء أحياء عند ربّهم، كيف؟ فإذا كان الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون، فنبيّ الشهداء أولى بذلك، والمسلمون يسلّمون عليه عقيب كلّ صلاة ويقولون: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته. فلو لم يكن حيّاً فما معنى السلام بصورة الخطاب ياتُرى؟!
***
تمّ الكلام في الأمر الأوّل
وإليك الكلام في الأمر الثاني من الأُمور التي أشار إليها المصنّف في صدر الرسالة.

34
 

الأمر الثاني

في تهذيب النفس والثقة بالله

(الثاني): ثمّ أوصى المصنّف في هذا الأمر المتعلّم بوصايا كلّها راجعة إلى تهذيب النفس والثقة بالله وقيام الليل ونظائر ذلك، فقال(قدس سره):
1.(كونه على طهارة مهما أمكنه، فإنّ الله يحب المتطهرين(1)) وقد روى الشيخ المفيد بإسناده في «الأمالي» عن أنس في حديث، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا أنس أكثر من الطهور يزيد الله في عمرك، وإن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهور فافعل، فإنّك تكون إذا مت على طهارة مت شهيداً».(2)

1 . إشارة إلى قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَِهّرِينَ). البقرة:222.
2 . أمالي المفيد:60، برقم 5، الوسائل:1، الباب11 من أبواب الوضوء، الحديث3.

35
وروى الكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «الطهر على الطهر عشر حسنات».(1)
وهذا يدلّ على استحباب الدوام على الطهارة.
2. (وكونه في الصلاة والعبادات من الخاشعين الخاضعين لكونهم هم المفلحين) قال سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ)(2).
3. (والمواظبة على صلاة الليل بالخضوع) قال سبحانه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً)(3).
روى الكليني عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): «أُوصيك في نفسك بخصال فاحفظها، ثمّ قال: اللّهمّ أعنه ـ إلى أن قال ـ : وعليك بصلاة الليل(وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل)».(4)
روى الشيخ في «التهذيب» عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر ولا

1 . الكافي:3/72، برقم 10.
2 . المؤمنون:1 و2.
3 . المزمل:5 و6.
4 . الكافي:8/79 برقم 33; وسائل الشيعة:2، الباب25 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث5.

36
حضر».(1) وأمّا الخشوع فيها فإنّه هو المطلوب في الصلوات كلّها.
4. (وعلى ذكر الله): أي المواظبة على ذكر الله، قال سبحانه: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).(2)
فإنّ ذكر الله ينوّر القلب ويوجب ثقة الإنسان بالله سبحانه، ويسهّل المشاق التي يواجهها في حياته لاعتماده على الله سبحانه. ويقابله نسيان الله سبحانه الذي يورث نسيان النفس، يقول سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(3).
وجه الملازمة: أنّ ذكر الله ممّا فطر عليه الإنسان، قال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(4) فإذا نسي الله سبحانه فكأنّه نسي نفسه التى خُمّرت بمعرفة الله.
5. (والاستغفار ]لا[ سيّما في الأسحار) قال تعالى في وصف

1 . التهذيب:2/15 برقم 39; الوسائل:2، الباب25 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث1.
2 . آل عمران:191.
3 . الحشر:19.
4 . الروم:30.

37
المتقين:(كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(1).
ثمّ إنّ تخصيص الاستغفار بالأسحار مع أنّه مطلوب مطلقاً، هو أنّ ظلمة الليل خصوصاًعند الأسحار قد أسدلت ستارها على الأرض، فأكثر الناس نيام، وقد هدأت الأصوات، فيكون الإنسان المؤمن أكثر توجّهاً للعبادة والاستغفار.
6. (والصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإكثار) قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(2). وإطلاق الآية يقتضي أنّ الصلاة على النبي لا تختصّ بوقت دون آخر.
نعم ذكر الشيخ في كتاب «الإقبال» صلوات على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله يستحب قراءتها في كلّ يوم من أيام شهر رمضان المبارك.
7. (وتلاوة كتابه مع التدبّر في معانيه بقدر وسعه) يقول سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(3).
وقال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ

1 . الذاريات: 17 و18.
2 . الأحزاب:56.
3 . محمد:24.

38
أُولُوا الأَلْبَابِ)(1).
8. (والصدق في الأقوال): الصدق نقيض الكذب، وصدّقه: قبل قوله. يصف الله سبحانه بعض أنبيائه بقوله: (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا)(2): أي ما وعد عِدَةً إلاّ وفى بها.
كما أنّه سبحانه يبشّر الصادقين والصادقات ويقول: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيًما)(3). فالصادقون هم المخبرون بالشيء على ما هو عليه.
9. (وغض الأبصار عن المحارم) يقول سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)(4)، فإنّ النظر إلى المحارم يثير الشهوة، وهي تؤدّي إلى ما لا تُحمد عقباه.
10. (وحفظ اللسان عن الغيبة) فالغيبة هي ذكر أخاك بما يكره

1 . ص:29.
2 . مريم:54.
3 . الأحزاب:35.
4 . النور:30.

39
وهو غائب. قال سبحانه: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)(1).
إنّ الغيبة تجاوز على أعراض الناس في غيابهم، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ الله حرّم من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء».(2)
11. (والبهتان) أي الكذب والافتراء. بهت فلان فلاناً إذا كذب عليه وقال عليه ما لم يفعله. قال الإمام الصادق(عليه السلام):«الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وأمّا الأمر الظاهر فيه مثل الحدّة والعجلة فلا، والبهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه».(3)
12. (وسائر المناهي): خصوصاً التي أوعد الله سبحانه عليها النار، وقد ذكرها أغلب الفقهاء في كتبهم، ومنها: في رواية الصدوق عن الفضل بن شاذان، فيما كتب به مولانا الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون قال: «إنّ الكبائر: هي قتل النفس التي حرّم الله تعالى، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر...».(4)

1 . الحجرات:12.
2 . بحار الأنوار:75/201.
3 . الكافي:2/358.
4 . لاحظ بقية الرواية في الذخيرة:304; عيون أخبار الرضا(عليه السلام):2/121; تحف العقول:422; مستند الشيعة:18/132.

40
13. (وكفّ البطن عن الشبهات): ويقصد به الاجتناب عن أكل ما فيه شبهة، كاحتمال كونه غير طاهر، أو مغصوباً، أو كونه من أموال اليتامى. قال الإمام علي(عليه السلام) في كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، عامله في البصرة: «أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف! فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَة فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الاَْلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ. وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْم،
عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ
مِنْهُ».(1)
14. (وحفظ الفروج عن الوقوع في المحارم) روى الكليني بسنده عن كليب بن معاوية الأسدي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن تزوّج أحرز نصف دينه.(2)
وقد روي أنّ من أعدى أعداء الإنسان غضبه وشهوته، فهما عاملان لثوران الغضب و الشهوة من دون أن يتصوّر الإنسان ما يترتّب على عمله من المفاسد، وما يطفئ نار الشهوة هو التزويج.
15.]كفّ[ اليد عن المعاصي وكذا سائر الأعضاء والجوارح لئلا يورث النسيان وسلب التوفيق).

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45.
2 . وسائل الشيعة:14، الباب1 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث11.

41
لمّا ذكر المصنّف أحكام اللسان والبطن والفرج عاد إلى بيان وظائف عامّة الأعضاء حتى يصونها عن الوقوع في الحرام. وحاصل كلامه: أنّ المتعلّم يجب أن يكون على اطّلاع بوظائف أعدائه، فلا يضرب بيده مظلوماً، ولا يبطش بها في غير مورده، ولا ينظر بعينه إلى ما حرّم الله عزّ وجلّ.
قال الإمام علي(عليه السلام) في أوصاف المتّقين:«غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ. نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ. وَلَوْلاَ الاَْجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ».(1)
ويترتّب على مراقبة الأعضاء ومحافظتها من الوقوع في الحرام ما ذكره تالياً:
16. (وإعمالها في الطاعة على وجه ورد في الشريعة) وقد أُشير إلى ما ذكر ما نقلناه من أوصاف المتّقين.
17. (وينبغي ألاّ تكثر من الهموم لأُمور الدنيا التي لا تخلو عن

1 . نهج البلاغة: الخطبة193، في أوصاف المتّقين.

42
ظلمة القلب). وقد وصف سبحانه الحياة الدنيا: (كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).(1)فهذه الآية تصور لنا جمال الدنيا العاجلة وعدم بقائها على وجه يصبح كأنّه لم يكن شيئاً موجوداً.
قال الإمام علي(عليه السلام): «مَا أَصِفُ مِنْ دَار أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ. مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».(2)
وقال(عليه السلام): «فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَام، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الاَْعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَاز. وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ (للزّوال)».(3)
قال الإمام الصادق(عليه السلام) يوصي هشاماً:«يا هشام إنّ مثل الدنيا مثل الحيّة مسّها ليّن وفي جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرجال ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم.

1 . يونس:24.
2 . نهج البلاغة: الخطبة:82.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 132.

43
يا هشام: إصبر على طاعة الله واصبر عن معاصي الله، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى منها فليس تجد له سروراً ولا حزناً. وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنّك اغتبطت.
يا هشام: مثل الدنيا مثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله».(1)
18. (ويكون اهتمامه لأُمور الآخرة ليزيد نور القلب) قال الإمام علي(عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ. فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الاَْمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَةَ».(2)
***
تمّ الكلام في الأمر الثاني

1 . تحف العقول:396.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 42.

44
 

الأمر الثالث

في آداب المطالعة وشروطها

(الثالث: أن يستعمل عند المطالعة أُموراً، منها):
1. (أن يقرأ ما تعلّمه بعبارته لأنّ الأُنس بالعبارة ممّا يُعين في سهولة فهم المطالب).
ما تقدّم في الأمرين الأوّلين كان راجعاً إلى بناء شخصية المتعلّم، من حيث الجوانب المعنوية، من دون أن يشير إلى كيفية التعليم والتعلّم. وأمّا الأمر الثالث فهو يرجع إلى ما هو المقصود من تأليف الرسالة، وأوّل شيء أوصى(المصنّف) به هو قراءة عبارات الكتاب عند المطالعة، ثم علّله بقوله: لأنّ الأُنس بالعبارة ممّا يُعين على سهولة فهم المطالب.
ثمّ إنّما ذكره(قدس سره)يتمّ في المتون الدراسية التي أُلّفت بقلم واضح

45
من دون تعقيد، وأمّا الكتب الدراسية الملخّصة، فالذي يعين على سهولة فهم المطالب هو التدبّر والتأمّل في العبارة من دون تلفّظ وتقرير.
2. (ومنها: أن يلاحظ مفردات الألفاظ من أقسام الكلمة من الاسم والفعل والحرف، وأقسام الاسم من الثلاثي والرباعي والخماسي والمجرّد والمزيد والجامد والمشتق والصحيح وغيره والمعرفة والنكرة ونحو ذلك).
أشار (قدس سره) إلى أقسام مفردات الألفاظ، فالكلمة إمّا اسم أو فعل أو حرف، وهو تقسيم معروف، وأفضل التعاريف ما حُكي عن الإمام علي(عليه السلام) فقال: «الاسم ما أنبأ عن المُسمّى» سواء كان المُسمّى شخصاً معيّناً كزيد، أو غير معيّن كرجل «والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى» أُريد من الحركة الصادر الفعل عن المسمّى كالضرب والنصر والأكل والشرب والحرف ما أوجد معنى في غيره(1).«والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل».(2)
ومعناه قائم بالمتعلّق كقولك: ذهبت من الكوفة إلى البصرة.

1 . المشتقّات للمحقّق ميرزا صادق التبريزي(قدس سره):6، نقلاً عن العوالم عن ابن سلاّم عن أبي الأسود الدؤلي.
2 . لاحظ: كنز العمال:1/283. ولعله نقل بالمعنى ومفادها بقرينة التقابل يرجع إلى الأُولى.

46
ثم قال المصنّف:«وأقسام الاسم» فإنّه إمّا ثلاثي كفرس، أو رباعي كجعفر ودرهم، وخماسي كسفرجل، وإلى مجرد كضرب، ومزيد كضارب، وجامد كالأعلام مثل زيد، ومشتق كأسماء الفاعل والمفعول، وصحيح ويقابله المعتل، فالضرب صحيح والوعد معتل، والمعرفة كالأعلام، والنكرة كأسماء الأجناس، إلى هنا تمت أقسام الاسم.
ثمّ أشار المصنّف إلى أقسام الأفعال، وقال: (وأقسام الفعل من الثلاثي والرباعي والصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل والمثال والأجوف والناقص).
الفعل ينقسم إلى ثلاثي كنَصَر وعَلم، وإلى رباعي كدحرج، وإلى صحيح وهو ما لا يكون فيه من حروف العلّة التي يعبر عنها بلفظة «واي» كنصر وضرب، ومضاعف ما تكرّر فيه حرف واحد كمدّ يمدّ، والمهموز ما اشتمل على الهمزة كأنس، ثمّ إنّ المعتل على أقسام ثلاثة، فلو وقع حرف العلّة في أوّل الكلمة يقال له المثال كوعد، ولو وقع في أثناء الكلمة يقال له أجوف، كقال، ولو وقع في آخره يطلق عليه الناقص كرمى.
ثمّ إنّ هذا التقسيم ـ أي تقسيم المعتل ـ إلى أقسام ثلاثة لا يختص بالفعل، بل مصدر هذا التقسيم يكون مثل اسم الفعل ينقسم إلى أقسام ثلاثة: كوعد وقول ورمي، فالأوّل يوصف بالمثال ومعتل

47
الفاء، والثاني بالأجوف ومعتل العين، والثالث ناقص ومعتل اللام.
ثمّ إنّ الفعل إمّا لا يشتمل على حرف زائد (و) هو (المجرّد) كضرب، «و»إن اشتمل على حرف زائد فهو (المزيد) فيه.
ثمّ أشار المصنّف إلى الأقسام العشرة للمزيد وقال: (بأقسامه العشرة). وهذه الأقسام راجعة إلى الفعل الثلاثي المجرّد إذا زيد فيه حرف أو حرفان أو حروف ثلاثة وإليك الأقسام:
1. باب الإفعال: كأكرم يكرم إكراماً.
2. باب التفعيل: كصرف، يصرف، تصريفاً.
3. باب المفعالة: كضارب، يضارب، مضاربة.
4. باب الافتعال: كاكتسب، يكتسب، اكتساباً.
5. باب الانفعال: كانصرف، ينصرف، انصرافاً.
6. باب التفعّل: كتصرّف، يتصرّف، تصرّفاً.
7. باب التفاعل: كتضارب، يتضارب، تضارباً.
8. باب الافعلال: كاحمرّ، يحمرّ، إحمراراً.
9. باب الاستفعال: كاستخرج، يستخرج، استخراجاً.
10. باب الافعيلال: كإحمارّ، يحمارّ، إحميراراً.
ثمّ أشار المصنّف إلى قسمين من الفعل وقال: (والمتصرّف والجامد).

48
أُريد بالأوّل أكثر الأفعال التي تأتي منه صيغ مختلفة، وأمّا الجامد فهو قليل كـ :ليس، وقلّ، فربما يستعمل في النفي، قال في الهمع: ومن الفعل الجامد «قلّ» للنفي المحض فترفع متلواً بصفة مطابقة له نحو: قَلّ رجل يقول ذلك، وقلّ رجلان يقولان ذلك، بمعنى ما رجل، وتكفّ عنه بما الكافّة فلا يليها غير فعل اختياراً ولا فاعل لها لأنّه أُجري بها مجرى النفيّ: قلّما قام زيد، وقد يليها الاسم ضرورة كقوله:
صددت واطولت الصّدود وقلّما *** وصال على طول الصدود يدوم(1)
ومن الأفعال الجامدة أيضاً: بئس، نِعْمَ، عسى، ليس، ساء، تبارك، حاشا، هَبْ، خلا، شدّ، طال، وعدا.
قال المصنّف: (والأُصول والفروع) أمّا الأوّل فهو المصادر و«الفعل المعلوم» الذي هو أساس اسم الفاعل، و«الفعل المجهول» الذي هو الأساس لاسم المفعول.
ثم قال: (وأقسام المشتقّ من اسم الفاعل) كالضارب (والمفعول) كالمضروب (واسم التفضيل) كأفضل، (والصفة المشبهة) كشريف (والصيغة المبالغة) كالعلاّم، (واسم المكان) كالمسجد (والزمان)

1 . همع الهوامع في شرح جمع الجوامع:2/83 ، ولاحظ: خزانة الأدب:5/317.

49
كالمقتل (والآلة) كالمضراب (وغير ذلك من المباحث المتعلّقة بعلم الصرف والاشتقاق).
والمشتق هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر، ويسمّى الأوّل فرعاً، والثاني أصلاً، ولابدّ من وجود مناسبة بينهما حتى يتحقّق الأخذ، وقد قسّموه إلى صغير وكبير وأكبر. لأنّ الفرع إمّا أن يشتمل على حروف الأصل وترتيبه، فهو الأوّل، وإذا أطلق لا ينصرف إلاّ إليه. وإمّا أن يشتمل على حروفه دون ترتيبه، وهو الاشتقاق الكبير، كما قيل: إنّ «فَسَّر» مأخوذ من سَفَر، ويقال: «أسفر النقاب» إذا رفع، والتفسير أيضاً رفع النقاب عن وجه المراد; وإمّا أن لا يشتمل على حروفه فضلاً عن ترتيبه وهو الأكبر كثلم وثلب.
وحاصل ما أوصى به المصنّف في هذا الأمر أن يتقن الطالب علم الصرف والنحو والاشتقاق ويكون على خُبرة من صنع الصيغ من مادّة واحدة، والمرجع في الأخير هو شرح الأمثلة الذي يعرّفنا كيفية صُنع الصيغة وكيف تحوّلت مثلاً كلمة طالب إلى طلاّب أو طلبة، وهناك صيغ مشكلة يمتحن بها المتعلّم.
نعم صرف الوقت الكثير إلى حدّ بلوغ الاجتهاد في هذه العلوم أمر مطلوب للمتخصّص في علوم العربية، وأمّا مَن اشتغل بهذه العلوم لأن يتّخذها وسيلة لفهم الكتاب والسنّة واستخراج الأحكام الشرعية من مصادرها، فيكفيه في ذلك تعلّم هذه العلوم تقليداً لا

50
إجتهاداً.
بما أنّ مصادر علومنا هو الكتاب والسنّة وهما باللغة العربية لا محيص لطالب العلم من تعلّم اللغة العربية كما يقول(قدس سره):(ومنها: أن يستعمل علم اللغة): أي يعرفها ويستعملها في خطاباته وكتاباته، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالتعرّف على المعاني كما يقول: (بملاحظة معاني الألفاظ من الأفراد أو الصورية) ويحتمل أنّه أراد المعاني الإفرادية أو التركيبية.(1)
والذي أُؤكّد عليه هنا أنّه يلزم على الطالب المتعلّم بعد تعلّم القواعد تعلّم التكلّم باللغة العربية وإيراد الخطبة بهذه اللغة في المساجد والمحافل العلمية، ويا للأسف أنّ برامج الحوزة ناقصة جدّاً فهي تركّز على تعلّم القواعد دون التكلّم باللغة العربية في رفع الحوائج التجارية والعلمية وبالأخص إيراد الكلام في المؤتمرات السياسية والاقتصادية والفلسفية والفقهية، فعلى مديرية الحوزة رفع هذا الخلل وسدّ تلك النقيصة.

في إتقان القواعد النحوية وعلوم البلاغة

وقد أشار المصنّف إلى الإتقان في التعرّف على القواعد النحوية وعلوم البلاغة والبيان وغيرها فقال(قدس سره): (ومنها):

1 . لاحظ: تفسير البحر المحيط:1/121; تفسير ابن كثير:1/15، وغيرهما.

51
1. (أن يلاحظ مسائل النحو من إسناد الفعل إلى الفاعل).
وقد عرّف ابن مالك الفاعل بقوله:
وَبعدَ فعل فاعلٌ فإنْ ظَهَرْ *** فَهْوَ و إلاّ فضميرٌ اسْتَتَرْ
فالظاهر كقوله:«قام زيد» والمستتر كقوله سبحانه: (كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ)(1) أي بلغت الروح.
2. (أو الخبر إلى المبتدأ).
عرّف ابن مالك المبتدأ والخبر بقوله:
مُبْتَدأٌ زيدٌ و عاذرٌ خَبَرْ *** إنْ قُلتَ زيدٌ عاذرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
ثمّ إنّ جواب الشرط، أعني قوله:«إن قلت» محذوف، دلّ عليه صدر البيت وهو كالتالي فالمبتدأ «زيد» و «عاذر» خبر. وكان على ابن مالك أن يغيّر الشعر حتى لا يحتاج القارئ إلى تقدير الجواب، وذلك بأن يقول:
إن قلت زيدٌ عاذرٌ مَن اعتذر *** فالمبتدأ زيدٌ وعاذرٌ خبر
3. (وسائر المرفوعات).
اخلتفت كلمة النحويين في أنّ أصل المرفوعات هل هو المبتدأ أو الفاعل، والباقي متفرّع عليه؟

1 . القيامة:26.

52
وعلى كلّ تقدير فالمرفوعات بالذات من دون عامل خارجي أربعة:
الأوّل: الفاعل، وقد مرّ تعريفه.
الثاني: نائب الفاعل وهو المفعول القائم مقامه، وصيغة فعله بصورة فُعل أو يُفعل.
الثالث والرابع: المبتدأ والخبر، وقد مرّ تعريفهما.
قلنا: (المرفوع بالذات) خرج ما هو المرفوع بعامل خارجي كخبر «أنّ» و أسماء الأفعال الناقصة وأفعال المقاربة فالجميع خارج عن التقسيم.
4. (و) يعرف (حكم المضاف والمضاف إليه) مثل قوله سبحانه:(اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).(1)
5. (والفاعل) وهو عبارة عمّا أُسند إليه العامل فيه، كقولنا: قال الله تعالى.
6. (والمفاعيل) الخمسة، وهي: أ. المفعول به وهو مَنْ وقع عليه الفعل، والأصل تأخّره وقد يتقدّم جوازاً لإفادة الحصر، نحو: زيد ضربت، ووجوباً للزومه الصدر، نحو: مَنْ رأيت.
ب. المفعول المطلق، وهو مصدر يؤكّد عامله، أو يبيّن نوعه أو عدده، نحو: ضربت ضرباً، أو: ضرب الأمير، أو: ضربتين.

1 . النور:35.

53
ج. المفعول له، وهو المنصوب بفعل فُعل لتحصيله أو حصوله، نحو: ضربت تأديباً، و: قعدت عن الحرب جُبناً.
د. المفعول معه، وهو المذكور بعد واو المعيّة لمصاحبته معمول عامله، نحو: سرت وزيداً.
هـ .المفعول فيه، وهو اسم زمان أو مكان، نحو: جئت يوم الجمعة، أو: صلّيت خلف زيد.
7. (والمبتدأ والخبر)، نحو: زيد عاذر.
8. (والحال)، وهي الصفة المبيّنة للهيئة ويشترط تنكيرها، نحو: جاء زيد راكباً.
9. (والتمييز) وهو النكرة الرافعة للإبهام، نحو قوله سبحانه:(فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى)(1)، أي الحسنى له جزاءً، وقوله سبحانه: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)(2).
10. (وسائر المنصوبات) كالمنصوب برفع الخافض، كقوله سبحانه: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً)(3).
11. (والمجرورات) وهما إثنان:
أ. المضاف إليه وهو ما نُسب إليه شيء بواسطة حرف جرّ مقدّر،

1 . الكهف:89.
2 . مريم:4.
3 . الأعراف:155.

54
نحو: غُلام زيد، أي غلام لزيد.
ب. المجرور بحروف الجرّ، وهو ما نُسب إليه شيءٌ بواسطة حرف جرّ ملفوظ، كقولنا: سرت من البصرة إلى الكوفة.
12. (ونحو ذلك ممّا يتعلق بعلم النحو) كالعلم بأحوال المستثنى، فتارة يرد منصوباً وأُخرى مرفوعاً، فإن كان الكلام موجباً نُصب، نحو: جاءني القوم إلاّ زيداً، وإن كان منفياً فيرفع، مثل: ما جاءني القوم إلاّ زيدٌ.
وهناك بحوث لم يُشر إليها المصنّف كأحكام المنادى ومميّز الأعداد وأحكام المبنيات، وأسماء الإشارات والموصولات إلى غير ذلك، وأحسن كتاب أُلف على وجه التلخيص هو ما سطّره الشيخ بهاء الدين العاملي لأخيه الشيخ عبد الصمد وقد صدرنا عن هذا الكتاب في بيان ما سبق.
13. (ومنها: أن يستعمل قواعد المعاني والبيان عند الإمكان).
أشار المصنّف إلى علمين، أعني: علمي المعاني والبيان; أمّا الأوّل فهو عُلم يُعرف به إيراد الكلام على نحو يطابق مقتضى الحال.
وأمّا البيان فهو إيراد الكلام على أنحاء وطرق مختلفة في الوضوح والخفاء بعيدة عن التعقيد. وأراد المصنّف أن يستعمل قواعد علمي المعاني والبيان في كلامه وتحريره.
ثمّ إنّه أشار إلى ما يرجع إلى علم المعاني، وقال: (بأن يلاحظ بأنّ

55
الإسناد خبري أو إنشائي).
أقول: إنّ الكلام إمّا أن يتضمّن الإنباء عن أمر خارج حيطة التلفّظ والتكلّم، وهذا ما يُسمّى بالاسناد الخبري كقولنا: زيد قائم.
وأمّا إذا كان الكلام مسوقاً لإيجاد مضمونه بنفس الكلام دون أن يكون بصدد الإنباء عن خارج وراء الكلام، فقولك: بعت أو اشتريت، بمعنى إنشاء الانتقال وإنشاء القبول، وهكذا سائر أدوات الإنشاء، من الاستفهام والتمنّي والترجّي، والأمر والنهي. ويدخل فيما ذكرنا: القَسم والنداء والتعجّب والالتماس والسؤال، والجميع من مقولة الإنشاء، فإذا قال: نعم زيد وبئس عمرو، أو قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)(1) فالجميع بصدد إيجاد معنى بهذا اللفظ في عالم التخاطب من دون حكاية عن الخارج.
14. (وأنّ المسند إليه معرفة أو نكرة).
يشترط في المبتدأ كونه معرفة إلاّ إذا كان الإخبار بالنكرة مفيداً، يقول ابن مالك:
و لا يجوز الاِبْتدا بالنَكْرَهْ *** ما لم يُفِدْ كعندَ زيد نَمِرَهْ 15. (مذكور أو محذوف).
ربما يحذف المبتدأ لكونه معلوماً بالقرينة، يقول ابن مالك:

1 . البقرة:104.

56
وفي جواب كيف زيدٌ؟ قُلْ دَنِفْ *** فزيدٌ اسْتُغْنِيَ عنه إذ عُرِفْ
16. (وأنّ المسند كيف يكون).
ولعلّه إشارة إلى أنّ الخبر كالمبتدأ تارة يكون مذكوراً أو محذوفاً، أمّا المذكور فواضح، وأمّا المحذوف فكما أشار إليه ابن مالك بقوله:
وَحذفُ ما يُعْلَمُ جائزٌ كما *** تقول زيدٌ بعدَ مَنْ عندَكما؟ فالسائل يسأل ويقول: مَن عندكما؟ تقول في الجواب: زيد، دون أن تقول: زيد عندنا.
17. (وأنّ الكلام مشتمل على الإطناب والإيجاز).
عُرّف الإيجاز بأنّه التعبير عن المعنى الكامل بأقلّ ما يكون من الحروف، أو هو دلالة اللفظ على المعاني من أقرب طرقه.(1)
كقولك: عفو الله مرجوّ، تريد: عُقد الرجاء على عفو الله
تعالى.
وأمّا الإطناب فهو تأدية المعنى بلفظ أزيد منه، وهو عكس الإيجاز. فلو كانت زيادة اللفظ بلا فائدة فهو ممّا يُعاب به الكلام، وأمّا إذا كانت لفائدة كالإيضاح بعد الإبهام فهو مطلوب، كقول الإمام

1 . لاحظ: الإكسير في علم التفسير:210.

57
علي(عليه السلام): «هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَال، وَمُبْغِضٌ قَال».(1)
18. (الحقيقة والمجاز).
ينقسم الاستعمال إلى حقيقي ومجازي; أمّا الأوّل فهو استعمال اللفظ فيما وضع له، كما إذا قال: رأيت أسداً في الغابة يصارع نمراً، فهنا استعمل الأسد في الحيوان المفترس بقرينة كونه يصارع نمراً.
وأمّا الثاني فهو ـ عند المشهور ـ عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما إذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فالتواجد في الحمام قرينة على أنّه استعمل في الرجل الشجاع. هذا ما لدى المشهور، وأمّا المختار عندنا، فهو غيره.(2)
ثمّ إنّ المصنّف أتمّ كلامه بقوله:(إلى غير ذلك العلم) ولعلّه أراد الإهتمام بسائر العلوم الأدبية، كالعروض والقوافي.
19.(ومنها: أن يتأمّل في استفادة مقصود المتكلّم واستخراج المعاني التركيبية والمسائل المودعة في العبارات بقدر وسعه مع تكرار النظر إن لم يستفد أوّلاً أو ثانياً وهكذا).
إنّ الكتب المؤلّفة بيد العلماء على قسمين:
قسم منها يهتمّ المؤلّف بإبداع المقاصد في قوالب واضحة على

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 117.
2 . لاحظ كتابنا: المبسوط في أُصول الفقه:1/110.

58
وجه يستغني الطالب عن الدقّة في الجمل والعبارات، وإنّما يصبّ اهتمامه بالتفكّر في المعاني والمقاصد لوضوح العبارات في إفادة أغراض المؤلّف.
وفي مقابل ذلك قسم يصبّ المؤلّف اهتمامه بعرض أفكاره ومقاصده من دون اهتمام بالجمل والألفاظ، ولذلك ربما تصبح الكلمات قاصرة عن أداء المقاصد ولا تُستخرج إلاّ بالدقّة في القرائن. وهذا القسم هو الذي يوصي المؤلّف بالتأمّل في العبارات بقدر الوسع، وتكرار النظر مرّة بعد أُخرى.
20. (وينبغي أن يلاحظ بعد ذلك أنّ مُدركه هل هو من التصوّرات أو التصديقات؟).
من التقسيمات المعروفة تقسيم الإدراك إلى تصوّري وتصديقي. أمّا التصوّري فهو الإدراك والعلم الخالي عن التصديق والإذعان بشيء، كتصوّر المفردات من الأعلام والأنواع; وإن كان مقروناً بالإذعان بالنسبة فهو تصديقي، كقولنا: زيدٌ قائم. فالمدركات لا تخلو عن أحد الأمرين.
21. (وإنّما يكشف عن المقصود هو من الحدود التامّة أو الناقصة أو الرسوم كذلك).
هذه العبارة من التعابير التي أوصى المصنّف في السابق بالتدبّر

59
في مثلها حيث قال:«وأن يتأمّل في استفادة مقصود المتكلّم...» والظاهر أنّ مراده أنّ الذي يكشف عن المقصود هو الحدود والرسوم التامّة والناقصة.
توضيحه: أنّ المعرّف إمّا ذاتي أو عرضي، والتعريف بالأوّل (كالناطق) يُسمّى حدّاً، وبالثاني (كالضاحك) يُسمّى رسماً.
ثمّ إنّ كلاًّ منهما إن اشتمل على الجنس القريب كقولنا: «الإنسان حيوان ناطق» يُسمّى حدّاً تامّاً، وقولنا: «الإنسان حيوان ضاحك» يُسمّى رسماً تامّاً; وأمّا الناقص منهما فالتعريف بالفصل القريب وحده (حدّ ناقص) والتعريف بالعرض وحده (رسم ناقص)، وهناك أنواع أُخرى للتعريف مذكورة في محلّها.
ولعلّ نظر المصنّف إلى أنّ الذي يكشف عن المقصود هو الحدود وهي تنقسم إلى تامّة وناقصة، كما مرّ.
22. (أو من القياس أو الاستقراء أو التمثيل).
الظاهر أنّه عطف على قوله: (بعد ذلك أنّ مُدركه...). فيكون المعنى: يلاحظ أنّ مُدركه من أي قسم من الحجج التي يحتجّ بها; لأنّ الاحتجاج تارة يكون بالقياس وهو عبارة عن قول مؤلّف من قضايا يلزمه لذاته قول آخر، كقولنا: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

60
وأُخرى بالاستقراء وهو تصفّح الجزئيات لإثبات حكم كلّيّ، وأفضل مثال له هو التجربة، فإذا جرّبنا شيئاً بعد شيء وفي أحوال مختلفة ومواضع متعدّدة وجدنا أنّ الشيء يلازم الأثر الخاص، فهذا النوع من الاستقراء يفيد اليقين، مثلاً: الحديد يتمدّد بالحرارة.
وثالثة: بالتمثيل وهو بيان مشاركة جزئي لجزئي آخر في علّة الحكم ليثبت فيه، أي ليثبت الحكم الموجود في الجزئي الأوّل.
وإن شئت قلت: تشبيه جزئي بجزئي في معنى مشترك بينهما ليثبت في المشبّه الحكم الثابت في المشبّه به المعلّل بذلك المعنى، كما يقال: النبيذ حرام لأنّ الخمر حرام وعلّة حرمته الإسكار، وهو موجود في النبيذ.
ثمّ إنّ القياس في مصطلح الفقهاء الممنوع عند الإمامية هو التمثيل لا القياس بالمعنى الماضي، الذي يتألّف تارة من اليقينيات(1)وأُصولها أُمور ستة:
1. الأوّليات، كقولنا: الكلّ أعظم من الجزء.
2. المشاهدات، أمّا المشاهدات الظاهرة كقولنا:الشمس مشرقة والنار محرقة، وأمّا الباطنة فكقولنا: إنّ لنا جوعاً وعطشاً.
3. التجربيّات، وقد مرّ مثاله.

1 . أُريد القياس البرهاني فقط دون الجدلي والخطابي والشعري والسفسطي.

61
4. الحدسيّات، كقولنا: نور القمر مستفاد من الشمس.
5. المتواترات، كقولنا: مكّة موجودة.
6. الفطريات، كقولنا: الأربعة زوج.
إنّ في إطلاق الفطري اصطلاحين:
الأوّل: ما يُستفاد من المنطقيين وهو كفاية تصوّر النسبة في القضية في الحكم بها. مثل قولنا: الأربعة زوج، ويوصف بقولهم: قضايا قياساتها معها. وقد أشار إليه الحكيم السبزواري في منظومته بقوله:
وإن يُنَط بغير حسٍّ فالوسط *** إن لم يُغَبْ عن درك ذي الأطراف قط(1)
الثاني: ما يستفاد من القرآن الكريم وهو انجذاب كلّ إنسان في قرارة ضميره، من تلقاء نفسه إلى أمر من دون أن يكون في ذلك متأثّراً ببرهان أو خاضعاً لدليل أو نابعاً من تعليم معلّم أو ما شابه ذلك من المؤثّرات الخارجية، كالميل إلى معرفة الله خصوصاً في لحظات الشدة، وكالميل إلى الخلق السامية، وكالانجذاب إلى العدل والإحسان والانزجار عن الظلم والعدوان، إلى غير ذلك من الأُمور الفطرية التي أوضحنا حالها في كتابنا «مفاهيم القرآن».(2)

1 . شرح المنظومة:89، قسم المنطق.
2 . لاحظ: مفاهيم القرآن:1/41ـ 70.

62
23. (وأنّ القضايا المذكورة فيها من الضرورية أو الدائمة أو المطلقة أو نحو ذلك بقدر الإمكان لحصول الملكة في قواعد الميزان).
أشار المصنّف إلى أقسام من القضايا وهي:
أ. الضرورية، ويراد بها ما إذا كان الحكم ضروري الثبوت للموضوع مادام الموضوع موجوداً، مثل قولنا: كلّ إنسان حيوان بالضرورة.
ب. الدائمة، وهي ثبوت الحكم للموضوع دائماً مادام الموضوع موجوداً. والفرق بين القسمين أنّ الضرورية عبارة عن استحالة انفكاك شيء عن شيء، كاستحالة انفكاك الحيوانية عن الإنسان. وأمّا الدائمة عبارة عن عدم انفكاك الحكم عن الموضوع وإن لم يكن مستحيلاً، كحركة الأرض وغيرها.
ج. المطلقة، وهي القضية التي حكم فيها بكون النسبة متحقّقة بالفعل في أحد الأزمنة الثلاثة من غير تقيّد بالضرورة أو الدوام، كقولنا: كلّ إنسان ضاحك بالفعل.
وهناك أقسام لقضايا لم يشر إليها المصنف وقد أشار إليها بقوله:(ونحو ذلك). وأمّا وجه الاهتمام بالتعرّف على القضايا فهو ما أشار إليه المصنف بقوله:(لحصول الملكة في قواعد الميزان).
ثمّ أشار المصنّف إلى مراحل التعليم وترتيبها فقال:

63

رعاية المراحل في تحصيل العلوم

24. (ويظهر من هذا أنّ المناسب أن يحصّل:
أوّلاً: علم الصرف لمعرفة الصيغ مع معرفة معانيها على وجه الحكابة بتحصيل علم اللغة ولو من الأُستاذ.
وثانياً: علم النحو. وثالثاً: علم المعاني. ورابعاً: علم المنطق. ثم يشرع في المرتبة الخامسة في تحصيل العلوم الشرعية من الكلام والفقه مع أُصوله، ولكن لابدّ أن يكون ذلك بعد تحصيل معرفة الله ومعرفة أحكامه بقدر ما يتحقّق به الإيمان وما يتمكّن من الإتيان بالعمل الصالح مع الإمكان).
إنّ مفتاح العلوم الإسلامية هو تعلّم اللغة العربية، فإنّ الكتاب نزل بهذه اللغة، والسنّة وردت بها، والكتب المؤلّفة في العلوم الدينية حرّرت بها أيضاً، لكن تعلّم هذه اللغة يجب أن يكون على مراحل، فكلّ مرحلة تكون كمقدّمة للمرحلة التالية.
المرحلة الأُولى: ما يجب على المتعلّم تعلّمه أوّلاً هو مفردات اللغة العربية بهيئتها ومادّتها، أمّا الهيئة فتعلم من علم الصرف، فيعرف الماضي ويميّزه عن المضارع، كما يعرف أسماء الفاعلين والمفعولين، وأسماء الزمان والمكان، إلى غير ذلك من الهيئات التي كلّ منها يدلّ على معنى.

64
وأمّا المادّة فإن كان المتعلّم من أبناء اللغة العربية، فالأمر سهل عليه، لأنّه ابن اللغة وهو عارف بمفرداتها.
وأمّا إن كان من غيرهم فالتعرّف على المادّة بواسطة الرجوع إلى المعاجم، أمر صعب عليه، ولذلك ذكر المصنّف أنّه يأخذ معنى المادّة من الأُستاذ. وربما توجد معاجم تفسّر مادة المفردات بغير العربية، كالفارسية والإنجليزية .
المرحلة الثانية: تعلّم علم النحو الذي يبيّن معنى الجمل والتراكيب، فقولنا: زيد قائم، مركّب لا يقف المبتدئ على معنى هذه الهيئة إلاّ بعلم النحو.
المرحلة الثالثة: التي أشار إليها المصنّف هي تعلّم علم المعاني الذي يبحث عن كيفية إيراد الكلام حسب مقتضى الحال، وكان على المصنّف عطف علم البيان على علم المعاني، إذ أنّ علم البيان يبيّن مواضع الوضوح والتعقيد في الكلام.
المرحلة الرابعة: علم المنطق الذي يصون الفكر عن الخطأ في البرهنة.
فإذا أتمّ الطالب هذه العلوم الآلية ينتقل إلى المرحلة الخامسة التي هي بمنزلة ذي المقدّمة، فيشرع بتعلّم علم الكلام الباحث عن المبدأ والمعاد، فإذا أتمّ تلك المرحلة ينتقل إلى الفقه وأُصوله.
فالفقه هو العلم الباحث عن وظائف المكلّف الفردية

65
والاجتماعية .
وأمّا أُصول الفقه فهو العلم الباحث عن كيفية استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية.
نعم يمكن أن يجمع بين بعض المراحل كالفقه وأُصوله، ومع ذلك فالمصنّف يركّز على أن تكون دراسة الفقه وأُصوله بعد تحصيل معرفة الله ومعرفة أحكامه بقدر ما يتحقّق به الإيمان، ولعلّه يُريد بذلك تعلّم فروع الدين بعد تعلّم أُصوله. ثم يشير المصنّف إلى تعلّم الفقه إجمالاً حتى يأتي بالوظائف صحيحة ويقول:(وما يتمكّن من الإتيان بالعمل الصالح مع الإمكان).
إلى هنا تمّ ما ذكره المصنّف حول المراحل التي يجب على المتعلّم طيُّها مرحلة بعد مرحلة. نعم ما ذكره ضابطة غالبية، فالمتعلّم المستعد صاحب الفكر الثاقب والذهن الحادّ ربما يجمع بعض المراحل ببعضها الآخر، وربما يستغني عمّا ذكره أخيراً من تعلّم الفروع لأجل إتيان العمل الصالح، لافتراض أنّه ناشئ في بيئة دينية يعرف أبناؤها الواجبات والمحرّمات وقد تربّى في البيوت العامرة بالإيمان.
***
تمّ الكلام في الأمر الثالث

66
 

الأمر الرابع

في آداب المتعلّم

(الرابع: أن يكون درسه أقلّ من قوّته).
أشار المصنّف في هذا المقطع إلى كيفية الدراسة وأشار إلى الأُمور التالية:
1. المحافظة على سلامة الذهن وعدم إجهاد النفس، حيث قال:(أن يكون درسه أقلّ من قوّته) مثلاً لو كان مستعدّاً أن يحضر أربعة دروس في اليوم، فليحضر ثلاثة فقط، (ولا أقل من التساوي) كحضور أربعة دروس لا أكثر.
وقد أشار المصنّف إلى سبب ذلك بقوله: (لئلا يكسل ويتنّفر) فإنّ العمل فوق الطاقة يورث الكسل في الإنسان.
2. (وأن يطالع كلّ يوم درسين ممّا قبل درس ذلك اليوم تحصيلاً للملكة وإبقاء لما حصّل)، ويريد المصنّف أنّ المتعلّم مثلاً إذا حضر

67
درس يوم الاثنين كان عليه أن يطالع ما تعلمه في اليومين الماضيين (السبت والأحد) قبل الحضور في درس يوم الاثنين ويعلم ذلك بقوله:(تحصيلاً للملكة وإبقاء لما حصّل) ليترسّخ ما تعلّم في ذهنه.
وما أشار إليه هو عمل فردي للمتعلّم، وعليه عمل آخر وهو عمل جماعي، وهو المباحثة مع شريكه في درسه، وذكر شروط هذا الشريك، فقال:
3. (وكذا ينبغي المباحثة مع الشريك) يُريد أنّه يتباحث فيما تعلّمه مع زميله في الدراسة عند نفس الأُستاذ، ولكن يجب أن يتمتّع هذا الشريك بالصفات التالية:
أ. (البر): أي أن يكون صاحب أخلاق ساميّة.
ب. (صاحب الطبع المستقيم). بعيداً عن الذهن المشوّش.
ج. (الساعي غير الكسل ومضيّع العمر) فإنّ للشريك تأثيراً خاصّاً على روحيات المتعلّم، فلو كان ملتزماً مستقيم الفكر جادّاً، يؤثّر في الإنسان. وقد قيل في هذا المضمون:
صاحب أخا ثقة تحظى بصحبته *** فالطبع مكتسب من كلّ مصحوب
فالريح آخذة ممّا تمرّ به *** نتناً من النتن أو طيباً من الطيب

68
 

الأمر الخامس

في مواصفات الأُستاذ وكيفية التعامل معه

(الخامس): هذا الأمر يشتمل على فرعين:
الأوّل: مواصفات الأُستاذ.
الثاني: كيفية التعامل مع الأُستاذ، وإليك دراستهما:

الأوّل: مواصفات الأُستاذ

قال المصنّف(قدس سره): (أن يختار الأُستاذ) بشرط أن تتوفّر فيه الشروط التالية:
أ. (الأعلم) أي الأتقن في تدريس المادّة.
ب. (الأورع) أي صاحب الملكة التي تصدّه عن المعاصي الكبيرة والصغيرة.

69
ج. (الأسن) لأنّه أكثر تجربة في الدراسة والتدريس.

الثاني: كيفية التعامل مع الأُستاذ

ذكر المصنّف أنّه يجب على المتعلّم مراعاة الأُمور التالية:
(ويواظب على الأدب عند الأُستاذ في الجلوس والتكلّم والتعظيم وترك المجادلة وترك تكذيب قوله وإظهار قول من قال بخلافه).
لمّا كان الأُستاذ أباً ثانياً للمتعلّم فيجب عليه أن يعامله معاملة الأب الحقيقي، فيحترمه في جميع الحالات: في حالة الجلوس والتكلّم، ويعظّمه بترك المجادلة غير المفيدة، خصوصاً ترك تكذيب قوله إذا نقل كلاماً عن الغير، بأن يقول إنّ ما تنقله عن الغير فهو يقول خلاف ذلك.
إنّ رعاية الأدب لا يختصّ بما أفاده(قدس سره) فكلّ إنسان يدرك من صميم ذاته كيفية التكريم والتعظيم، فمنها: تقبيل يد الأُستاذ عند الوداع، والقيام عند دخوله محل الدراسة أو خروجه منه، وحمل كتبه وحاجياته، وخاصّة إذا كانت ثقيلة، إلى نحو ذلك.
وربما يكون الأُستاذ متعباً ولا يقف على مقاصد المتعلّم فيفسّرها بغير ما أراد، وهذا هو الذي أشار إليه المصنّف بقوله:(فإن أدرك من الأُستاذ الخروج عن إدراك الحقّ فينبغي أن يقول هل يصحّ هذا المعنى الذي فهمته أم لا).

70
وبذلك يوقفه على مراده، ويصدّه عن الخروج عن إدراك الحقّ.
وربما يختلج في بال المتعلّم عدة اعتراضات على مقالة الأُستاذ، فأشار المصنّف إلى كيفية عرضها ويقول:(فينبغي ترك الاعتراض والجدال وأن لا يتكلّم إلاّ بطريق السؤال).
تقدّم أنّه ربما تختلج في ذهن المتعلّم شبهة في كلام الأُستاذ، فكيف يعرضها؟ وهذا ما يشير إليه المصنّف بقوله: (وإن كان له شبهة ينبغي أن يقول: لي شبهة في هذا المقام، أو ما أدركتُ ما أفدتَ فالتمَسَ تكرار البيان، إلى غير ذلك ممّا هو مستحسن عند العقلاء وتركه مستقبح عندهم بلا مراء).
الحقيقة بنت البحث، فكما يتفجّر النور من التقاء أسلاك الكهرباء الموجبة والسالبة، فهكذا يظهر وجه الحقيقة من التباحث وتبادل الأفكار. وهذا هو الأمر المهم، نعم إلى جانب ذلك، يجب أن يعلو المحاورة غطاء من الأدب والاستعداد لفهم الحقيقة لا الغلبة والمغالبة.

ما ينبغي على الأُستاذ

قال المصنّف(قدس سره): (وينبغي للأُستاذ أيضاً) تحرّي (ما هو خير للمتعلّم). وأمّا ما هو المراد من الخير، فقد ذكره ضمن أُمور:

71
1. (ويحسن إليه في القول والفعل بالرفق والشفقة من غير حسد). وذلك بأن يكون حواره معه على رفق في القول ولين في الكلام دون أن يصرخ بوجهه.
روى معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمَن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمَن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبّارين، فيذهب باطلكم بحقّكم».(1)
ولم يعلم ما هو المقصود من قوله:«من غير حسد» ولعلّ النسخة سقيمة.
2. (ويعلّمه الحقّ عند وقوعه في الشبهة بالبرهان اللائق بحاله أو نحو ذلك) فإنّ الشبهة إذا رسخت في ذهن المتعلّم لا تُنزع إلاّ بالبرهان اللائق بحاله من الفهم والذكاء.
وقوله: (ونحو ذلك) يريد التمثيل بأمثلة محسوسة أو قريبة من الحس الذي يقرّب البعيد. كلّ ذلك (لقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِوَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)(2)).
ولمّا كانت الآية مشيرة إلى طرق ثلاثة لهداية الإنسان، فسّر

1 . الكافي:1/36، باب صفة العلماء، الحديث1.
2 . النحل:125.

72
المصنّف كلّ واحد من هذه الطرق، وقال:
1. (فإنّ الحكمة هي المقالة المحكمة، والدليل الموضح للحقّ، المزيل للشبهة للخواص).
إذا كان المخاطب من أهل العلم والبرهان، فإزالة الشبهة رهن البرهان القالع لها من الأذهان .
وأفضل مثال لذلك قوله سبحانه:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(1).
توضيحه: أنّ المدبِّرين إن كانا متساويين من كلّ الجهات لم تصدق هناك اثنينية قهراً، وإن تعدّدا فتعدّد المدبِّر يعني ـ بالضرورة ـ اختلاف المدبّرين من جهة أو جهات، ومعلوم أنّ اختلافاً كهذا يؤثّر لا محالة في تدبير المدبَّر.
يقول السيد الطباطبائي: إنّه لو فُرض للعالم آلهة فوق الواحد، لكانوا مختلفين ذاتاً متباينين حقيقة، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم، فتتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض، لكن النظام الجاري، نظام واحد، متلائم الأجزاء في غاياتها، فليس للعالم آلهة فوق الواحد، وهو المطلوب.(2)
2. (والموعظة الحسنة) عبارة عن (الخطابات المقنعة والعبر

1 . الأنبياء:22.
2 . الميزان في تفسير القرآن:14/267.

73
النافعة للعوام) وهذا ما سلكه القرآن الكريم في حواراته مع المشركين حيث وجّه أنظارهم إلى الأُمم السابقة الذين هلكوا بعقابات سماوية وأرضية، لأجل شركهم، ومخالفتهم دعوات الأنبياء، يقول سبحانه: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(1).
3. (والمجادلة بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة) وهي: (ما تكون مع الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر والمقدّمات الأشهر)، وأفضل مثال لذلك هو محاورات القرآن الكريم مع كبار النصارى ورهبانهم، حيث قالوا ببنوّة المسيح(عليه السلام) استناداً إلى أنّه ولد من غير أب، فنزل الوحي لأجل إبطال هذه الشبهة يسألهم بأنّه لو صحّ ما ذكرتم فآدم(عليه السلام) أولى أن يكون ابناً لله سبحانه، لأنّه تولّد بلا أب ولا أُمّ، قال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2).
ثمّ إنّ المصنّف أشار بكلمة قصيرة إلى أنّ كلاًّ من هذه الطرق تهدي طالب الحقّ إلى بغيته، وقال: (فبذلك يهتدي المهتدون) بشرط أن يكون باحثاً عن الحقيقة، وطالباً لها.
ثمّ إنّ المصنّف ختم رسالته بالدعاء التالي: (وفقنا الله لمراضيه

1 . آل عمران:137.
2 . آل عمران:59.

74
وجعل مستقبلنا خيراً من ماضيه).
أمّا طلب التوفيق لمرضاة الله سبحانه، فهو غاية المُنى، وأمّا طلب جعل المستقبل أفضل ممّا مضى فهو لأجل أن يلقى ربه بقلب مطمئن ووجه مشرق.
إنّ المصنّف لم يذكر في المقام تاريخ تأليف هذه الرسالة وفراغه منها، وقد مرّ في صدر الرسالة: انّه من المحتمل أنّه فرغ منها عام 1244هـ ، والموجود في نسختنا هو تاريخ استنساخ الرسالة، حيث ذكر الناسخ بقوله: (كتبته بعون الله وقوّته في يوم السبت السابع والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1295هـ).
***
تمّ شرح الرسالة بقلم العبد جعفر السبحاني
صبيحة يوم الثلاثاء، السابع عشر
من شهر ربيع الثاني من شهور
سنة1440 من الهجرة النبوية
على هاجرها وآله آلاف الصلاة والسلام
والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات

75
 

الأمر السادس

في آداب الدراسة وشروطها

قد فرغنا من شرح الرسالة القيّمة تصنيف العالم الربّاني الشيخ محمد جعفر الاسترآبادي(قدس سره) وقد أدّى حقّ المقال، ولكن قد يختلج في البال أنّ بلوغ المنى رهن أُمور أُخرى نشير إليها تالياً إكمالاً للبحث، ولعلّ ما سأُسطره هو نتيجة تجاربي في الدراسة والتدريس، قرابة ثمانية عقود، وإن شئت فاجعله أمراً سادساً ليكون المجموع كشيء واحد فأقول:

1. اختيار العلم الموافق للاستعداد

لا شكّ أنّ الإنسان لم يخلق على نمط واحد في الاستعداد، فتارة خلق على استعداد أعلى فيوصف بأنّه من النُخبة، وأُخرى على

76
استعداد متوسط، وثالثة دون المتوسط. فالمتعلّم يجب أن يختبر استعداده ثم يختار العلم الذي هو مستعد لتعلّمه وأخذه.
فالمتعلّم الذي نشأ في بيت أدبي وتربّى فيه وترعرع عليه، لو اشتغل بالعلوم الرياضية أو الطبيعية لما كان له فيها حظ كبير، وكثيراً ما يفشل عند الامتحان والاختبار، وهذا على خلاف مَن له استعداد رياضي ورغبة في ضرب الأعداد بعضها ببعض والأخذ بالنتيجة في لحظة واحدة، فلو اشتغل بالعلوم الأدبية فلا يأتي بنتيجة ترضيه وترضي أساتذته، بخلاف ما لو درس العلوم الرياضية فربما يتفوّق فيها، وقس على ذلك سائر الأذواق و الاستعدادات.
ومن هذا المنطق أُوصي طلاب العلوم الدينية، باختبار الأذواق فلو كانت لهم رغبة في تعلّمها فليدخلوا فيه، وأمّا لو كانت الرغبة إلى غيرها فليتركوا تحصيل العلوم الدينية وليشتغلوا بما يحدوهم إليه ذوقهم وميلهم.
وقد جاء في الأمثال في اللغة الفارسية ما ترجمته: في رأس كلّ إنسان عند بلوغه رغبات، فهنيئاً لمن اكتشف ما خلق له.

2. اتّباع أُسلوب المراحل في الدراسة

بما أنّ المخاطب في كلامنا هذا هو طلاب العلوم الدينية، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ الغاية هي البلوغ إلى حدّ الاجتهاد في

77
الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، فمثل هذه الغاية رهن كون العلوم الأدبية راسخة في ذهنه حتى لا يغيب عنه عند قراءة الكتاب والسنّة قواعد الصرف والنحو وغيرها من المباني. ولا يحصل ذلك إلاّ إذا كان ما يتعلّمه متجذّراً في ذهنه، راسخاً في فكره، والتجذّر والرسوخ فرع الاشتغال في فترة من العام الدراسي بمادة واحدة فقط، كالصرف والنحو وغير ذلك، وإلاّ فلو اشتغل بعلوم مختلفة في وقت واحد، فما يتعلّمه يكون كشجيرة ضعيفة تميل بها الريح العاصفة، وربما تقلعها عن مكانها.
وقد بلغنا أنّ بعض مشايخنا الماضين(رحمهم الله) أدلى بكلمة قيّمة وهي أنّ مَن اشتغل بدراسة مادّة واحدة، يبلغ مناه في سنة مثلاً، ومَن اشتغل في فترة واحدة بدراسة مادّتين، يبلغ مناه في سنتين، وأمّا مَن اشتغل بدراسة ما فوق المادّتين، فهو لا يبلغ مناه ولا يصل إلى ما يتمنّاه.
ومع الأسف أنّ النظام الدراسي في الحوزة العلمية يجري على خلاف ما رسمناه، فالمتعلّم في السنة الأُولى يشتغل بدراسة مواد مختلفة، وهكذا في السنة الثانية والثالثة.

3. ممارسة الخطابة والكتابة

الغاية من تعلّم العلوم ـ مضافاً إلى أنّ تحصيلها كمال ـ هي

78
إرشاد الناس وتعليمهم، ومن الواضح أنّ الوسيلة الوحيدة لتلك الغاية أمران:
أ. النطق والبيان.
ب. الكتابة والتحرير.
فعلى المتعلّم أن يسعى للحصول على ملكة الخطابة وإظهار ما في فكره بعبارات واضحة وأُسلوب مؤثّر. كما يلزم عليه تحصيل ملكة الكتابة والتحرير، وذلك بأن يكتب ما يحصل عليه في يومه في دفتر خاص، وبذلك تحصل له بالتدريج ملكة إيراد الكلام والخطابة والتدريس بسهولة، كما يتمتع بموهبة التحرير وكتابة ما يحمله في ذهنه بعبارات سهلة غير معقدة، فقد عشنا في حياتنا مع جماعة بلغوا القمّة في العلم والكمال ولكنّهم لا يقدرون على تحرير ما يجول في خواطرهم ممّا حصلوه طوال أعمارهم. وربما يعجزون عن التدريس على نحو يرغب فيه المتعلّم، وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يمارسوا الخطابة والكتابة في عنفوان دراستهم وهم شباب يافعون.

4. الاهتمام بحفظ ما يدرسه

النفس الناطقة بوحدتها كلّ القوى، فمن قواها الذاكرة، ولولاها لما بقيت للعلم دعامة، غير أنّ تلك القوّة أمر مركوز في أعماق النفس، فكلّما استعملها الإنسان تتقوّى شيئاً فشيئاً، وفي تشبيه

79
ناقص هي كالبئر كلما نُزحَتْ من مائها، ينبع ماءٌ جديد من أعماقها، ولو أحسّ الطالب أنّ الذاكرة في حالة الضعف فليستعن بحفظ القرآن الكريم خصوصاً قصار السور، فعندئذ يحس أنّ الذاكرة تأخذ شيئاً فشيئاً بالتحوّل من الضعف إلى القوّة. نعم حفظ كلّ ما يدرس بخصوصياته أمر مشكل لأغلب الناس، ولكن حفظ ملخّص ما درسه أمر ممكن، وقد اشتهر بين الناس: أنّ العالم من إذا راجع علم، ولكن العالم ـ عندي ـ من إذا سُئل تمكّن من الإجابة بوجه ملخّص وإنّما يرجع إلى المصادر طلباً للتفصيل.
ونحن نوصي طلاب العلم وروّاد الحقيقة بالاهتمام بحفظ القرآن ولو أجزاء محدودة منه، ثمّ حفظ ألفية ابن مالك، وحفظ قصار الأحاديث وبعض المتون الفقهية، فإنّ جميع ذلك يعين المتعلّم في مقام الاستنباط.

5. صبّ الاهتمام على أمر واحد

قال سبحانه: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)(1)، وانطلاقاً من هذه الآية الكريمة نوصي المتعلّمين أن يصبّوا همهم على أمر واحد، أعني: الدراسة فقط، دون أن يشتغلوا معها بأمر آخر كالتجارة، أو الاشتغال في دوائر الدولة، أو غيرها إلى غير ذلك ممّا

1 . الأحزاب:4.

80
يعوق الطالب عن الوصول إلى هدفه.

6. المحافظة على النظام الدراسي السائد في الحوزات العلمية

النظام الدراسي في الحوزات العلمية (خصوصاً الشيعية) له جذور تمتد إلى فترة ألف سنة أو أزيد، فمنذ أن صار العراق موطناً للشيعة ـ خصوصاً الكوفة وما حولها ـ ابتكر المعنيّون بالدراسة نظاماً دراسياً سائداً إلى يومنا هذا، خصوصاً عندما هاجر الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف الأشرف(عام 448هـ)، فقد استمرّ هذا النظام إلى يومنا والذي كان مثمراً جدّاً، فتركه والأخذ بالنظام الدراسي السائد في الجامعات الغربية والشرقية، خسارة كبيرة، والفرق الكبير بين النظامين واضح للمتدبّر فيهما.
وأمّا ما هو الفرق بين النظامين الدارسيّين، فيعلم بالرجوع إلى البرامج وكيفية التدريس.
ثمّ إنّ هنا أمراً آخر وهو: إنّ الطالب في الحوزات العلمية يدرس لغاية التعلّم وتزيّن النفس بالعلم، فيرى العلم كمالاً والجهل نقصاً، فيسعى إلى التجمّل بالأوّل والاجتناب عن الأمر الثاني; لكن الطالب في الجامعات يدرس ـ غالباً ـ لأجل النجاح في الامتحان، وأخذ الشهادات العلمية، حتى يشتغل خارج الجامعة إما لإدارة حياته ومعيشته، أو هذا الهدف مقروناً بهدف آخر مشروع وحسن وهو

81
خدمة الناس مثلاً.
إنّ نيّة الطالب في الحوزات العلمية نيّة سامية، فهو يدرس تلبية لقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة» لكن الطالب في الجامعات ينطلق غالباً من مبدأ آخر وهو التمكّن من الحصول على الثروة والتمتّع بزينة الحياة الدنيا.
ولذلك أُوصي طلاب العلوم الدينية أن يعرّفوا أنفسهم بالألقاب الدارجة بين العلماء كثقة الإسلام، أو مروّج الأحكام، أو حجّة الإسلام، إلى غيرها من الألقاب الحوزوية، والاجتناب عن أن يصف الطالب نفسه أو غيره بالدكتوراه ونحو ذلك.
وأُتمّم كلامي بوصية سابعة تتعلّق بالجوانب المعنوية، وهي الاهتمام بالمرابطة.

7. الاهتمام بالمرابطة

يقول المحقّق النراقي: فأوّل الأعمال في المرابطة: (المشارطة): وهي أن يشارط النفس ويأخذ منها العهد والميثاق ـ في كلّ يوم وليلة مرّة ـ ألاّ يرتكب المعاصي، ولا يصدر منها شيء يوجب سخط الله، ولا يقصّر في شيء من الطاعات الواجبة، ولا يترك ما تيسّر له من الخيرات والنوافل، والأولى أن يكون ذلك بعد الفراغ عن فريضة

82
الصبح وتعقيباتها.(1)
وثانيها: (المراقبة): وهي أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال، فيلاحظها بالعين الكالئة، فإنّها إن تركت طغت وفسدت، ثم يراقب الله في كلّ حركة وسكون، بأن يعلم أنّ الله تعالى مطلع على الضمائر، عالم بالسرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كلّ نفس بما كسبت، وأنّ سرّ القلب في حقّه مكشوف، كما أنّ ظاهر البشرة للخلق مكشوف، بل أشدّ من ذلك، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(2)، وقال: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى).(3)
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»(4).(5)
وثالثها: (المحاسبة بعد العمل): فإنّ العبد كما يختار وقتاً في أوّل كلّ يوم يشارط فيه النفس على سبيل التوصية بالحقّ، ينبغي له أن يختار وقتاً آخر كلّ يوم ليطالب النفس فيه بما أوصى به ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجّار في آخر كلّ سنة مع

1 . جامع السعادات:3/74.
2 . النساء:1.
3 . العلق:14.
4 . صحيح البخاري:6/20، تفسير سورة لقمان; بحار الأنوار:67/196.
5 . جامع السعادات:3/75.

83
الشركاء. وهذا أمر لازم على كلّ سالك لطريق الآخرة معتقد للحساب في يوم القيامة.
وقد ورد في الأخبار عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكّر فيما صنع الله إليه، وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال».(1)
ولذلك كان الصدر الأوّل من الخائفين ومَن تقدّمنا من سلفنا الصالحين في غاية السعي والاهتمام في محاسبة النفس، بحيث كانت عندهم من الطاعات الواجبة.(2)
رابعها: ـ وهو آخر مقامات المرابطة ـ (معاتبة النفس): فإذا حاسب نفسه، فوجدها خائنة في الأعمال، مرتكبة للمعاصي، مقصّرة في حقوق الله، متوانية بحكم الكسل والبطالة في شيء من الفضائل، فلا ينبغي أن يهملها، إذ لو أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي، وأنس بها بحيث عسر بعد ذلك فطامها عنها، فينبغي للعاقل أن يعاتبها أوّلاً بما يناسب روحه وفكره، مثلاً إذا أكل لقمة مشتبهة ينبغي أن يعاقب البطن بالجوع، وإذا نظر إلى غير محرم يعاقب العين بمنع النظر، وإذا اغتاب مسلماً يعاقب اللسان بالصمت

1 . الخصال:525; وسائل الشيعة:11، الباب96 من أبواب جهاد العدو، الحديث4.
2 . جامع السعادات:3/78.

84
والذكر مدّة كثيرة، وكذلك يعاقب كلّ عضو من أعضائه إذا صدرت منه معصية بمنعه من شهواته، وإذا استخف بصلاة ألزم نفسه بصلاة كثيرة بشرائطها وآدابها. وإذا استهان بفقير أعطاه صفو ماله، وهكذا الحال في سائر المعاصي والتقصيرات.(1)
هذا ما اقتبسناه باختصار من كتاب «جامع السعادات» للعالم الجليل الأُسوة في العلم والعمل الشيخ محمد مهدي النراقي .
وبذلك نجعجع بالقلم عن الإفاضة، وأنّ فيما ذكرنا كفاية لطالب الحقيقة وسالك طريق الحقّ، جعلنا الله وإيّاكم من سالكيه بحقّ نبيه الأكرم وأهل بيته الطيّبين الطاهرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

1 . جامع السعادات:3/79ـ80.

85
 
   

فهرس المصادر

1. نبدأ بالقرآن الكريم تبرّكاً.
2. اثر آفرينان استرآباد و جرجان: محمد باقر مقدم.
3. الاحتجاج: للطبرسي: أحمد بن علي(من أعلام القرن السادس الهجري).
4. الأمالي: الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي(306ـ 381هـ).
5. الأمالي: المفيد: محمد بن محمد بن النعمان(336ـ 413هـ).
6. بحار الأنوار:محمد باقر المجلسي(المتوفّى 1110هـ).
7. بصائر الدرجات: محمد بن الحسن بن فروخ الصفّار(المتوفّى290هـ).
8. تحف العقول: الحرّاني الحسين بن علي(من أعلام القرن الرابع الهجري).
9. تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن الطوسي(385ـ 460هـ).
10. شرح عقائد الصدوق(تصحيح الاعتقاد): للشيخ المفيد(336ـ 413هـ).
11. الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي(849ـ 911هـ).
12. جامع السعادات: محمد مهدي النراقي(المتوفّى 1209هـ).
13. الخصال: الشيخ الصدوق(306ـ 381هـ).
14. الذخيرة: الشريف المرتضى(355ـ 436هـ).
15. الذريعة: آقا بزرگ الطهراني(المتوفّى 1389هـ).
16. السنن: ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني(207ـ 275هـ)

86
17. الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل(المتوفّى 256هـ).
18. عدة الداعي: أحمد بن فهد الحلّي(المتوفّى 841هـ).
19. عيون أخبار الرضا(عليه السلام): الشيخ الصدوق(306ـ381هـ).
20. عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الواسطي الليثي(من أعلام القرن السادس الهجري).
21. فيض القدير: محمد المدعو بعبد الرؤوف المناوي.
22. الكافي: محمد بن يعقوب الكليني(المتوفّى 329هـ).
23. الكرام البررة : آقا بزرگ الطهراني(المتوفّى 1389هـ).
24. كشف المراد: العلاّمة الحلّي(648ـ 726هـ).
25. كنز العمال:المتقي الهندي(المتوفّى 975هـ).
26. كنز الفوائد: الكراجكي محمد بن علي(المتوفّى 449هـ).
27. مجمع الزوائد: الهيثمي علي بن أبي بكر(735ـ 807هـ).
28. مستدرك الوسائل: المحدّث النوري (1254ـ 1320هـ).
29. مستند الشيعة: أحمد بن محمد مهدي النراقي(المتوفّى 1245هـ).
30. المسند: أحمد بن حنبل(المتوفّى 241هـ).
31. مفاهيم القرآن: جعفر السبحاني(مؤلف هذا الكتاب).
32. المنظومة: السبزواري
33. موسوعة طبقات الفقهاء: نشر مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم.
34. الميزان في تفسير القرآن: العلاّمة الطباطبائي(1321ـ 1402هـ).
35. نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي(359ـ 404هـ).
36. همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: جلال الدين السيوطي(849ـ 911هـ).
37. وسائل الشيعة: الحرّ العاملي محمد بن الحسن(1033ـ 1104هـ).

87
 

فهرس المحتويات

   مقدّمة   7
   ترجمه المؤلّف   9
الأمر الأوّل: إخلاص النيّة هي الأصل في الأعمال   17
الأمر الثاني: في تهذيب النفس والثقة بالله   34
الأمر الثالث: في آداب المطالعة وشروطها   44
   في إتقان القواعد النحوية وعلوم البلاغة   50
   رعاية المراحل في تحصيل العلوم   63
الأمر الرابع: في آداب المتعلّم   66
الأمر الخامس: في مواصفات الأُستاذ وكيفية التعامل معه   68
   الأوّل: مواصفات الأُستاذ   68
   الثاني: كيفية التعامل مع الأُستاذ   69

88
   ما ينبغي على الأُستاذ   70
الأمر السادس: في آداب الدراسة وشروطها   75
   1. اختيار العلم الموافق للاستعداد   75
   2. اتّباع أُسلوب المراحل في الدراسة   76
   3. ممارسة الخطابة والكتابة   77
   4. الاهتمام بحفظ ما يدرسه   78
   5. صبّ الاهتمام على أمر واحد   79
   6. المحافظة على النظام الدراسي السائد في الحوزات العلمية   80
   7. الاهتمام بالمرابطة   81
فهرس الموضوعات   85