فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الشفاعةفي الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

الشفاعةفي الكتاب والسنّة

صفحه 1
الشفاعة
في
الكتاب والسنّة
الشفاعة
في
الكتاب والسنّة
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
سبحانى تبريزي، جعفر، 1308 ـ
الشفاعة في الكتاب والسنّة / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396.
125 ص . ISBN: 978 - 964 - 357 - 613 - 4
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
1 . شفاعت. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام).ب. عنوان.
7 ش 2س/ 7 / 222 BP 44 / 297
1396
اسم الكتاب : الشفاعة في الكتاب والسنّة
المؤلف : الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة : الأُولى ـ 1439 ه
المطبعة : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 992 تسلسل الطبعة الأُولى: 474
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة الّا بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ه; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir
الشفاعة في الكتاب والسنّة

صفحه 2

صفحه 3

صفحه 4

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف
مقدّمة المؤلّف
الحمد لله رب العالمين; وصلى الله على نبيّه محمد الصادق الأمين وآله الغر الميامين .
أمّا بعد; فانّ الدين الإسلامي يتّسم في أبرز ما يتّسم به ، بأنّه دين الدنيا والآخرة ، ومن هنا يجب على المسلم أن يهتم بالجانبين ، فيعمل لآخرته كما يعمل لدنياه ، ويتزوّد من حياته الحاضرة لحياته الأبديّة المستقبلة كما قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا).(1)
ولهذا كان من الواجب على المسلم أن يعمل بالفرائض الدينية ، ويتجنّب المحرّمات الإلهية ، ويلتزم بقواعد الشرع الحنيف ، جهد امكانه ، فيصلّي الخمس ، ويصوم شهر رمضان ، ويزكّي ماله ، ويحجّ بيت الله الحرام ، ويأمر بكل خير قَدِر عليه ، ويعتمد في تحصيل السعادة الأُخروية على العمل الصالح ، والطاعة لله تعالى ، كيف وقد نصّت الآيات القرآنية على أنّ كلّ امرى مرهون بعمله ، ان

-1-. القصص : 77.

صفحه 8
خيرآ فخير وان شرآ فشر؟!
كما نصّت الأحاديث الشريفة المأثورة عن رسول الله?(صلي الله عليه و آله)? وعترته الطاهرة: وصرّحت بضرورة العمل والطاعة للحصول على النجاة والسعادة الأُخرويّتين .
فقد رويأنّ الإمام الصادق (عليه السلام) أمر بحضور جميع أقربائه قبيل وفاته ، ثمّ التفت اليهم وأكّد على أهمية الصلاة . واليك الحديث بأكمله :
روى أبو بصير من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) قال: دخلت على أُمّ حميدة )زوجة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)) أُعزِّيها بأبي عبد الله (عليه السلام)فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله(عليه السلام) عند الموت لرأيت عجبآ، فتح عينيه ، ثم قال: « أجمعوا كلّ من بيني وبينه قرابة » .
قالت: فلم نترك أحدآ الّا جمعناه ، قالت: فنظر اليهم ثم قال : « انّ شفاعتنا لا تنال مستخفّآ بالصلاة » .(1)
فليس للمسلم أن يعوّل على شيء اذا أهمل الواجبات وترك الفرائض ، أو استهان بها.
نعم ، خلق الإنسان ضعيفآ ـ بحكم جبلته ـ محاصَرآ

-1-. ثواب الأعمال: 228 ; بحار الأنوار : 47 / 2
ح 5 .

صفحه 9
بالشهوات ، محاطآ بالغرائز، ولذلك ربما سها ولها، وربّما بدرتْ منه معصية ، واستحوذ عليه الشيطان ، ووقع في شباكه وشراكه ، فعصى من حيث لا يريد، وخالف من حيث لا يجب ، ثم تعرّض لضغط الوجدان ، ووخْزِ الضمير، فهل له أن ييأس في هذه الحالة ويقنط ، وقد قال ربّ العزّة: ( وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ اِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ اِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ).(1)
كلّا ليس له الّا الرجاء في رحمة الله، والأمل في عفوه ولطفه ، وقد فتح الإسلام نوافذ الأمل والرجاء أمام العاصي النادم ، ليعود الى ربه ، ويواصل مسيرة تكامله في ثقة وطمأنينة .
ومن هذه النوافذ: التوبة والإنابة والاستغفار، ومنها: الشفاعة للمذنبين ، الشفاعة التي تنالهم وفق معايير وردت في الكتاب والسنّة ، الشفاعة التي يبعث الأمل فيها بصيصآ من الرجاء في نفوس العصاة ، ويمنع من قنوطهم ويأسهم ، ويبعث فيهم روح العمل والنشاط .
وهذا لا يعني تمهيد الطريق للعصاة ، لما للشفاعة من شروط وقيود، بل هي عملية زرع الأمل ، والرجاء في النفوس ، مادام الأصل هو العمل والإتيان بالواجبات واجتناب المحرّمات .

-1-. يوسف : 87.

صفحه 10
وتوضيحآ لهذه الحقيقة ، وتبيينآ لهذا المفهوم القرآني الإسلامي أعددنا هذا الكتاب ، آملين أن نلقي الضوء على احدى السبل الإسلامية لمعالجة اليأس والقنوط الذي يصيب المذنبين، سائلين المولى القدير أن يقع موقع الرضا والقبول .
ويقع الكلام في مباحث .
المؤلّف

صفحه 11
موقف علماء الإسلام من الشفاعة
المبحث الأوّل
موقف علماء الإسلام من الشفاعة
أجمع علماء الأُمّة الإسلاميّة على أنّ النبيّ ?(صلي الله عليه و آله)? أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلّين على ذلك بقوله سبحانه: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى )(1) والذي أُعْطي هوحقّ الشفاعة الذي يُرضيه، وبقوله
سبحانه: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ)(2) واتّفق المفسّرون
على أنّ المقصود من المقام المحمود، هو مقام الشفاعة .
انّ الشفاعة من المعارف القرآنية التي لا يصح لأحد من المسلمين ايجاد الخلاف والنقاش في أصلها، وان كان يمكن لهم الاختلاف في بعض فروعها، فها نحن نورد آراء كبار علماء الإسلام ـمن القدامى والجدد ـ حتى يُعلَم موقفهم من هذا الأصل :
1 ـ أبو منصور الماتريدي السمرقندي )المتوفّى 333 ه (، امام أهل السنّة في المشرق الإسلامي ، قال بعد أن أورد قوله سبحانه: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة )(3) ، وقوله تعالى: (وَلاَ يَشْفَعُونَ اِلاَّ

-1-. الضحي : 5.
-2-. الإسراء: 79.
-3-. البقرة : 48.

صفحه 12
لِمَنْ ارْتَضَى)(1) قال: انّ الآية الأُولى وان كانت تنفي الشفاعة ، ولكن
هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير اليها هذه الآية.(2)
2 ـ تاج الإسلام أبوبكر الكلاباذي )المتوفّى 380 ه ( قال: انّ العلماء قد أجمعوا على أنّ الإقرار بجملة ما ذكر الله سبحانه وجاءت به الروايات عن النبي ?(صلي الله عليه و آله)? في الشفاعة واجب ، لقوله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(3) ولقوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامآ مَحْمُودآ)(4) وقوله: ( وَلاَ يَشْفَعُونَ اِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)(5) . وقال
النبي ?(صلي الله عليه و آله)?: « شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي» .(6)
3 ـ الشيخ المفيد )336 ـ 413 ه ( قال: اتّفقت الإماميّة على أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته ، وانّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ،

-1-. الأنبياء: 28.
-2-. تفسير الماتريدي المعروف بـ « تأويلات أهل السنّة » : 148،والمشار اليه هي الآية الثانية .
-3-. الضحي : 5.
-4-. الإسراء: 79.
-5-. الأنبياء: 28.
-6-. التعرّف لمذهب أهل التصوّف: 54 ـ 55 تحقيق د. عبد الحليم محمود، شيخالأزهر الأسبق .

صفحه 13
وانّ أئمة آل محمد: كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيرآ من
الخاطئين.(1)
وقال في موضع آخر: انّ رسول الله (صلي الله عليه و آله) يشفع يوم القيامة في مذنبي أُمّته فيشفّعه الله عزّ وجلّ ، ويشفع أمير المؤمنين فيشفّعه الله عزّ وجلّ ، وتشفع الأئمة في مثل ما ذكرناه فيُشفّعهم الله، ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ، ويشفّعه الله. وعلى هذا القول اجماع الإمامية الّا من شذّ منهم ، وقد نطق به القرآن ، وتظاهرت به الأخبار، قال الله تعالى في الكفّار عند اخباره عن حسراتهم وعلى الفائت لهم ممّا حصل لأهل الإيمان: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ* وَلاَ صَدِيق حَمِيم)(2) ; وقال رسول الله(صلي الله عليه و آله): « انّي
أشفع يوم القيامة فأُشفّع ، ويشفع عليّ (عليه السلام) فيشفّع ، وانّ أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من اخوانه » .(3)
4 ـ الشيخ الطوسي )385 ـ 460 ه ( قال: حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في اسقاط المضار دون زيادة المنافع ، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي (صلي الله عليه و آله) فَيشفِّعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقّين من أهل الصراط لما روي من قوله (صلي الله عليه و آله): « ادّخرت

-1-. أوائل المقالات: 15.
-2-. الشعراء: 100 ـ 101.
-3-. أوائل المقالات: 53.

صفحه 14
شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي» ... والشفاعة ثبتت
عندنا للنبيّ(صلي الله عليه و آله)، وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين.(1)
5 ـ الإمام أبو حفص النسفي )المتوفّى 538 ه ( قال: والشفاعة ثابتة للرسل والأخيار في حقّ الكبائر بالمستفيض من الأخبار.(2)
وقد أيّد التفتازاني في « شرح العقائد النسفية » هذا الرأي وصدّقه دون أي تردّد أو توقّف.(3)
6 ـ الزمخشري )المتوفّى 538 ه ( قال في تفسير قوله تعالى : ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل)(4) : كانت اليهود تزعم أنّ
آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فَأُويِسوا.
ثم أتى بكلام في حدّ الشفاعة وأنّها للمطيعين لا للعاصين(5) ،
وسنوافيك عن ذلك في فصل خاص.
7 ـ القاضي عياض بن موسى )المتوفّى 544 ه ( قال: مذهب أهل السنّة هو جواز الشفاعة عقلا ووجودها سمعآ بصريح الآيات

-1-. التبيان: 1 / 213 ـ 214.
-2-. العقائد النسفية: 148.
-3-. المصدر نفسه.
-4-. البقرة : 48.
-5-. تفسير الكشّاف: 1 / 314 ـ 315.

صفحه 15
وبخبر الصادق (عليه السلام)، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر
بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنّة عليها.(1)
8 ـ الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي قال في كتابه: « الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال » : وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنّة والجماعة فأُولئك يرجون رحمةَ الله، ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وانما ادّخرت لهم ، وليس في الآية دليل لمنكريها; لأنّ قوله: ( يَوْمآ ) في قوله : (وَاتَّقُوا يَوْمآ لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئآ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة )(2) أخرجه
منكرآ. ولا شكّ أنّ في القيامة مواطن ، يومها معدود بخمسين ألف سنة . فبعض أوقاتها ليس زمانآ للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيّد البشر، عليه أفضل الصلاة والسلام .
وقد وردت آيات كثيرة ترشد الى تعدّد أيامها واختلاف أوقاتها، منها قوله تعالى: (فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ)(3) ، مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض

-1-. صحيح مسلم بشرح النووي: 3 / 35، ط دار احياء التراث العربي .
-2-. البقرة : 48.
-3-. المؤمنون : 101.

صفحه 16
يَتَسَاءَلُونَ)(1) ،
فيتعيّن حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين ، أحدهما محل للتساؤل ، والآخر ليس له ، وكذلك الشفاعة ، وأدلّة ثبوتها لا تُحصى كثرة.(2)
9 ـ البيضاوي قال في تفسير قوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْمآ لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئآ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة )(3) : ربّما تجعل
الآية ذريعة على نفي الشفاعة لأهل الكبائر. وأُجيبوا بأنّها مخصوصة بالكفّار، للايات والأحاديث الواردة في الشفاعة . ويؤيده أنّ الخطاب هنا مع الكفّار، والآية نزلت ردّآ لما كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم تشفع لهم.(4)
10 ـ الفتال النيسابوري ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ قال: لا خلاف بين المسلمين أنّ الشفاعة ثابتة مقتضاها اسقاط المضار والعقوبات.(5)
11 ـ الرصاص ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ قال في كتابه « مصباح العلوم في معرفة الحيّ القيوم » : انّ شفاعة النبيّ (صلي الله عليه و آله)

-1-. الصافات : 27.
-2-. الانتصاف المطبوع بهامش تفسير الكشّاف: 1 / 214، ط 1367 ه .
-3-. البقرة : 48.
-4-. أنوار التنزيل وأسرار التأويل )تفسير البيضاوي(: 1 / 152.
-5-. روضة الواعظين : 406.

صفحه 17
يوم القيامة ثابتة قاطعة .(1)
12 ـ ابن تيمية الحرّاني الدمشقي )المتوفّى 728 ه ( قال : للنبيّ(صلي الله عليه و آله) في يوم القيامة ثلاث شفاعات ـ الى أن قال: ـ وأمّا الشفاعة الثالثة فيشفع في من استحقّ النار وهذه الشفاعة له (صلي الله عليه و آله) ولسائر النبيّين والصدّيقين وغيرهم في من استحق النار أن لا يدخلها ويشفع في من دخلها.(2)
13 ـ ابن كثير الدمشقي )المتوفّى 773 ه ( قال في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاَّ بِاِذْنِهِ)(3) : هذا من عظمته
وجلاله وكبريائه عزّ وجلّ أنّه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده الّا باذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة عن الرسول (صلي الله عليه و آله):« آتي تحت العرش فأخرّ ساجدآ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع رأسك وقل تُسمع ، واشفع تُشفّع . قال: فيحدّ لي حدّآ فأدخلهم الجنّة » .(4)
14 ـ نظام الدين القوشجي )المتوفّى 879 ه ( قال في شرحه على « تجريد الاعتقاد» : اتفق المسلمون على ثبوت
الشفاعة لقوله تعالى:

-1-. مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم المعروف بـ)ثلاثين مسألة(.
-2-. مجموعة الرسائل الكبري: 1 / 403 ـ 404.
-3-. البقرة : 255.
-4-. تفسير ابن كثير: 1 / 309. والحديث مروي في صحيح البخاري في تفسيرسورة الإسراء، ج 6، لكن بلفظ آخر.

صفحه 18
(عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ) وفسّر بالشفاعة.(1)
15 ـ المحقّق الدواني قال: الشفاعة لدفع العذاب ، ورفع الدرجات حق لمن أذن له الرحمن من الأنبياء، والمؤمنين بعضهم لبعض ، لقوله تعالى: (يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ اِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا).(2)
16 ـ الشعراني قال في المبحث السبعين: انّ محمدآ هو أوّل شافع يوم القيامة ، وأوّل مشفّع وأولاه فلا أحد يتقدّم عليه ، ثم نقل عن جلال الدين السيوطي: انّ للنبي(صلي الله عليه و آله) يوم القيامة ثمان شفاعات ، وثالثها: فيمن استحقّ دخول النار أن يدخلها.(3)
17 ـ العلّامة المجلسي )المتوفّى 1110 ه ( قال: أمّا الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين، وذلك بأنّ الرسول يشفع لأُمّته يوم القيامة ، بل لُمم الأُخرى ، غير أنّ الخلاف انّما هو في معنى الشفاعة وآثارها هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات ، أو اسقاط العقوبة عن المذنبين ؟ والشيعة ذهبت الى أنّ الشفاعة تنفع في اسقاط العقاب وان كانت ذنوبهم من الكبائر،
ويعتقدون أيضآ بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبي (صلي الله عليه و آله) والأئمة

-1-. شرح التجريد: 501، ط 1307 ه .
-2-. شرح العقائد العضدية: 207، ط مصر.
-3-. اليواقيت والجواهر: 2 / 170.

صفحه 19
من بعده ، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله لهم بذلك.(1)
18 ـ محمد بن عبد الوهاب )1115 ـ 1206 ه ( قال: وثبتت الشفاعة لنبينا محمد(صلي الله عليه و آله) يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد، ونسألها من المالك لها والآذن فيها بأن نقول: اللّهمّ شفِّعْ نبينا محمدآ فينا يوم القيامة أو اللّهمّ شَفِّعْ فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك ، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم ـ الى أن قال: ـ انّ الشفاعة حقّ في الآخرة ، ووجب على كلّ مسلم الإيمان بشفاعته ، بل وغيره من الشفعاء الّا أنّ رجاءها من الله، فالمتعيّن على كل مسلم صرف وجهه الى ربّه ، فاذا مات استشفع الله فيه نبيه.(2)
19 ـ السيد سابق قال: المقصود بالشفاعة سؤال الله الخير للناس في الآخرة . فهي نوع من أنواع الدعاء المستجاب ، ومنها الشفاعة الكبرى ، ولا تكون الّا لسيّدنا محمد رسول الله; فانّه يسأل الله سبحانه أن يقضي بين الخلق ليستريحوا من هول الموقف ، فيستجيب الله له فيغبطه الأوّلون والآخرون ، ويظهر بذلك فضله على العالمين وهو المقام المحمود الذي وعد الله به في قوله
سبحانه: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ)(3) .

-1-. بحار الأنوار: 8 / 29 ـ 63 ; حق اليقين: 473.
-2-. الهدية السنية ، الرسالة الثانية: 42.
-3-. الإسراء: 79.

صفحه 20
ثم نقل الآيات والروايات الخاصّة بالشفاعة والمثبتة
لها وقد ذكر بعض شروط قبولها.(1)
20 ـ الدكتور سليمان دنيا، قال: والشفاعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حقّ لمن أذن له الرحمن من الأنبياء، والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: (يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ اِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا)(2) وقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاَّ بِاِذْنِهِ)(3)(4)
21 ـ الشيخ محمد الفقي قال: وقد أعطى الله الشفاعة لنبيه ولسائر الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين وكثير من عباده المؤمنين; لأنّه وان كانت الشفاعة كلّها لله كما قال: ( للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعآ)(5) الّا أنّه تعالى يجوز أن يتفضّل بها على من اجتباهم من
خلقه واصطفاهم من عباده وكما يجوز أن يعطي من ملكه ما شاء لمن شاء ولا حرج.(6)

-1-. العقائد الإسلامية: 73.
-2-. طه : 109.
-3-. البقرة : 255.
-4-. محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين: 2 / 628.تحقيق الدكتور سليمان دنيا.
-5-. الزمر: 44.
-6-. التوسل والزيارة في الشريعة المقدسة: 206، ط . مصر.

صفحه 21
هذا نزر من كثير، وغيض من فيض أوردناه ليكون القارى على بصيرة من موقف علماء الإسلام من هذه المسألة المهمّة . والاستقصاء لكلمات المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين ، يدعونا الى تأليف مفرد في خصوص هذا الفصل، والغرض اراءة نماذج من كلماتهم . وهي نصوص وتصريحات لا تترك ريبآ لمرتاب ، ولا شكآ لأحد بأنّ الشفاعة أصل من أُصول الإسلام نطق بها الكتاب الكريم ، وصرّحت بها السنّة النبوية والأحاديث المعتبرة من العترة الطاهرة ، وأنّ الاختلاف انّما هو في معناها وبعض خصوصياتها، وسنوافيك بالتفاصيل .

صفحه 22
المبحث الثاني
الشفاعة في القرآن الكريم
وردت مادّة الشفاعة في القرآن الكريم بصورها المتنوعة ثلاثين مرّة في سور شتّى ، ووقعت فيها موردآ للنفي تارة والإثبات أُخرى . هذا وتنمّ كثرة ورودها والبحث حولها عن مدى اهتمام القرآن بهذا الأصل سواء في مجال النفي أو في مجال الإثبات . غير أنّ الاستنتاج الصحيح من الآيات يحتاج الى جمع الآيات على صعيد واحد، حتى يفسّر بعضها بعضآ ويكون البعض قرينة على الأُخرى .
ومن الواضح أنّ الآيات المتعلّقة بالشفاعة على أصناف ، يرمي كلّ صنف الى هدف خاصّ كالآتي :
1 .الصنف الأوّل: ما ينفي الشفاعة
وهوآية واحدة، يقول سبحانه وتعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوامِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْقَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّة وَلاَ شَفَاعَة

صفحه 23
وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)(1):
الّا أنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تصرّح بوجود الشفاعة عند الله سبحانه ، الّا أنّها مشروطة باذنه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاَّ بِاِذْنِهِ).(2)
قال العلّامة الطباطبائي: انّ لوازم المخالّة اعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أُموره ، فاذا كانت لغير وجه الله كان نتيجتها الإعانة على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد كما قال تعالى بشأن الظالمين يوم القيامة : (يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنآ خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ اِذْ جَاءَنِي)(3).أمّا الأخلّاء من المتقين فانّ خُلَّتهم تتأكد
وتنفعهم يومئذ. وفي الخبر النبوي: « اذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام وقلّت الأنساب وذهبت الإخوة الّا الإخوة في الله، وذلك قوله: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُو اِلاَّ الْمُتَّقِينَ)(4) » .(5)
وعلى ذلك ، فكما أنّ المنفيّ هو قسم خاص من المخالّة دون مطلقها، فهكذا الشفاعة ، فالمنفيّ بحكم السياق ، قسم خاص
من الشفاعة . أضف الى ذلك أنّ الظاهر هو نفي الشفاعة في حق

-1-. البقرة : 254.
-2-. البقرة : 255.
-3-. الفرقان : 28 ـ 29.
-4-. الزخرف : 67.
-5-. الميزان في تفسير القرآن: 18 / 128.

صفحه 24
الكفّار بدليل ما ورد في ذيل الآية ، حيث قال: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ).
2 .الصنف الثاني: ما يفنّد عقيدة اليهود في الشفاعة
وهو الآيات التي خاطبت اليهودَ الذين كانوا يعتقدون بأنّ أنبياءهم وأسلافهم يشفعون لهم وينجُّوهم من العذاب، سواء كانوا عاملين بشريعتهم أو عاصين ، وأنّ مجرد الانتماء والانتساب يكفيهم في ذلك المجال . يقول تعالى: ( يَا بَنِي اِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمآ لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئآ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ).(1)
انّ وحدة السياق تقضي بأنّ الهدفَ من نفي قبول الشفاعة هو الشفاعة الخاطئة التي كانت تعتقدها اليهود في تلك الفترة من دون أن يشترطوا في الشفيع والمشفوع له شرطآ أو أمرآ. ولا صلة لها بالشفاعة المحدودة المأذونة .
3 .الصنف الثالث: ما ينفي شمولَ الشفاعة للكفّار
وهو الآيات التي يستشف منها نفي وجود الشفيع يوم القيامة

-1-. البقرة : 47 ـ 48.

صفحه 25
للكفّار الذين انقطعت علاقتهم عن الله لأجل الكفر به وبرسله وكتبه ، كما انقطعت علاقتهم الروحية عن الشفعاء الصالحين لأجل انهماكهم في الفسق والأعمال السيّئة ، فانّه ما لم يكن بين الشفيع والمشفوع له ، ارتباط روحي لا يقدر أو لا يقوم الشفيع على انقاذه وتطهيره وتزكيته . يقول تعالى :(يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(1) ويقول تعالى أيضآ: (اِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَمَا
أَضَلَّنَا اِلاَّ الْمُجْرِمُونَ* فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ* وَلاَ صَدِيق حَمِيم) ويقول أيضاً :(وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ).(2)
4 .الصنف الرابع: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة
وهذا الصنف يرمي الى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة ، وذلك لأنّ عرب الجاهلية كانت تعبد الأصنام لاعتقادها بشفاعتها عند الله، وهذه الآيات هي :
أ ـ ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ

-1-. الأعراف : 53.
-2-. المدثر: 46 ـ 48.

صفحه 26
شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ).(1)
ب ـ ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الاَْرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).(2)
ج ـ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) .(3)
د ـ ( أَمْاتَّخَذُوا مِنْدُونِاللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئآ وَلاَ يَعْقِلُونَ).(4)
ه ـ ( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً اِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُر لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئآ وَلاَ يُنقِذُونِ).(5)
والحاصل أنّ القرآن مع أنّه فنّد العقائد الجاهلية وعقائد الوثنيين في باب الشفاعة ، وأبطل كون النظام السائد في الآخرة عين النظام السائد في الدنيا، لم يُنكِر الشفاعة بالمرّة ، بل أثبتها لأوليائها،
في اطار خاص وبمعايير خاصة . وعلى ذلك فالآيات النافية نزلت

-1-. الأنعام : 94.
-2-. يونس : 18.
-3-. الروم : 13.
-4-. الزمر: 43.
-5-. يس : 23.

صفحه 27
بشأن تلك العقيدة السخيفة التي التزمت بها الوثنية وزعمت بموجبها وحدة النظامين ، وأنّ تقديم القرابين والصدقات الى الأصنام والخشوع والبكاء لديهم ، يُصحِّح قيامهم بالشفاعة وأنّهم قادرون على ذلك بتفويض منه سبحانه اليهم ، بحيث صاروا مستقلين في الفعل والترك .
والآيات المثبتة تشير الى الشفاعة الصحيحة التي ليست لها حقيقة سوى جريان فيضه سبحانه ومغفرته من طريق أوليائه الى عباده باذنه ومشيئته تحتَ شرائط خاصة .
5 .الصنف الخامس: يخصّ الشفاعة به سبحانه
وهذه الآيات تبيّن أنّ الشفاعة مختصّة بالله سبحانه لا يشاركه فيها غيره ، والآيات الكريمة هي :
أ ـ ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا اِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِي وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .(1)
ب ـ ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبآ وَلَهْوآ وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِي
وَلاَ شَفِيعٌ) .(2)

-1-. الأنعام : 51.
-2-. الأنعام : 70.

صفحه 28
ج ـ ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِي وَلاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ).(1)
د ـ (قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعآ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(2)
وجدير بالذكر أنّ الله سبحانه لا يشفع لأحد عند أحد; فانّه فوق كل شيء، وذلّ كل شيء لديه ، وبذلك يُصبح معنى قوله سبحانه: (للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعآ) رفضآ لعقيدة المشركين التي أشار اليها سبحانه في آية سابقة ، أعني: ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ)(3) ،
فيكون المراد أنّ كل شفاعة فانّها مملوكة لله; لأنّه المالك لكل شيء ومنه شفاعتهم ، فلا يشفع أحد الّا باذنه .
فهنا شفاعتان: احداهما لله، والأُخرى لعباده المأذونين . فما لله فمعناها: مالكيّته لكل شفاعة مأذونة بالأصالة لا أنّه سبحانه يشفع لأحد لدى أحد. وأما ما لعباده المأذونين ، فهي شفاعتهم لمن
ارتضاه سبحانه، وسنوافيك توضيحه في الصنف السادس من الآيات .

-1-. السجدة : 4.
-2-. الزمر: 44.
-3-. الزمر: 43.

صفحه 29
6 .الصنف السادس: يثبت الشفاعة لغيره سبحانه بشروط
انّ هذا الصنف من الآيات يصرّح بوجود شفيع غير الله سبحانه وأن شفاعته تقبل عند الله تعالى في اطار خاص وشرائط معيّنة في الشفيع والمشفوع له . وهذه الآيات وان لم تتضمن أسماء الشفعاء، أو أصناف المشفوع لهم ، الّا أنّها تحدّد كلّاً منهما بحدود واردة في الآيات :
أ ـ ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاَّ بِاِذْنِهِ).(1)
ب ـ ( مَا مِنْ شَفِيع اِلاَّ مِنْ بَعْدِ اِذْنِهِ).(2)
ج ـ ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ اِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدآ).(3)
والضمير في قوله (لاَ يَمْلِكُونَ ) يرجع الى الآلهة التي كانت تعبد، وأُشير اليه في قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّآ* كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّآ).(4)

-1-. البقرة : 255.
-2-. يونس : 3.
-3-. مريم : 87.
-4-. مريم : 81 ـ 82.

صفحه 30
د ـ ( يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ اِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا).(1)
ه ـ ( وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ اِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى اِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).(2)
و ـ ( وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ اِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .(3)
والضمير المتّصل في ( يَدْعُونَ ) يرجع الى الآلهة الكاذبة كالأصنام فهؤلاء لا يملكون الشفاعة الّا من شهد بالحق وهم يعلمون ، أي شهد بعبوديّة ربّه ووحدانيّته كالملائكة والمسيح .
ويستفاد من هذه الآيات الأُمور التالية :
1 ـ انّ هذه الآيات تصرّح بوجود شفعاء يوم القيامة يشفعون بشروط خاصة وان لم تصرّح بأسمائهم وسائر خصوصياتهم .
2 ـ انّ شفاعتهم مشروطة باذنه سبحانه ، حيث يقول: (اِلاَّ بِاِذْنِهِ ).
3 ـ يشترط في الشفيع أن يكون ممّن يشهد بالحق ، أي يشهد بالله سبحانه ووحدانيته وسائر صفاته .

-1-. طه : 109.
-2-. سبأ: 23.
-3-. الزخرف : 86.

صفحه 31
4 ـ أن لا يظهر الشفيع كلامآ يبعث غضب الله سبحانه ، بل يقول قولا مرضيآ عنده ، ويدلّ عليه قوله: ( وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ).
5 ـ أن يعهد الله سبحانه له بالشفاعة كما يشير اليه قوله: ( اِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدآ ).
ثم انّ هناك سؤالا يطرح في هذا المقام ، وهو كيف يصح الجمع بين هذا الصنف من الآيات التي تثبت الشفاعة لغيره سبحانه ، والصنف الخامس الذي يخصّها بالله سبحانه ؟
والجواب: أنّ مقتضى التوحيد في الأفعال ، وأنّه لا مؤثر في عالم الكون الّا الله سبحانه ، ولا يوجد في الكون مؤثر مستقل سواه ، وأنّ تأثير سائر العلل انّما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه ومشيئته ، والاعتراف بمثل العلل التابعة لا ينافي انحصار التأثير الاستقلالي في الله سبحانه ، ومن ليس له المامٌ بالمعارف القرآنية يواجه حيرة كبيرة تجاه طائفتين من الآيات ; اذ كيف يمكن أن تنحصر شؤون وأفعال ، كالشفاعة ، والمالكية ، والرازقية ، وتوفّي الأرواح ، والعلم بالغيب ، والإشفاء بالله سبحانه ، كما عليه أكثر الآيات القرآنية ، بينما تُنسب هذه الأفعال في آيات أُخرى الى غير الله من عباده . فكيف ينسجم هذا الانحصار مع هذه النسبة ؟ غير أن الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ هذه الأُمور على وجه الاستقلال والأصالة قائمة بالله سبحانه ، مختصة به ، في حين أنّ

صفحه 32
هذه الأُمور تصدر من الغير على وجه التبعية وفي ظل القدرة الإلهية .
وقد اجتمعت النسبتان في قوله تعالى: ( وَمَا رَمَيْتَ اِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)(1) .فهذه الآية عندما تنسب الرمي بصراحة الى النبي
الأعظم ، تَسْلِبه عنه وتنسِبه الى الله سبحانه ، ذلك لأنّ انتساب الفعل الى الله )الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته( أقوى بكثير من انتسابه الى العبد، بحيث ينبغي أن يعتبر الفعلُ فعلا لله، ولكن شدّة الانتساب لا تسلب المسؤولية عن العبد.
وعلى ذلك فاذا كانت الشفاعة عبارة عن سريان الفيض الإلهي )أعني: طهارة العباد عن الذنوب وتخلّصهم عن شوائب المعاصي( على عباده ، فهي فعل مختصّ بالله سبحانه لا يقدر عليه أحد الّا بقدرته واذنه . وبذلك تصح نسبتُه الى الله سبحانه بالأصالة والى غيره بالتبعية ، ولا منافاة بين النسبتين ، كالملكية ، فالله سبحانه مالك الملك والملكوت ، ملك السماوات والأرض بايجاده وابداعه ، ثم يملكه العبد منه باذنه ولا منافاة في ذلك ، لأنّ الملكية الثانية على طول الملكية الأُولى . ونظيرها كتابة أعمال العباد، فالكاتب هو الله سبحانه ، حيث يقول: (وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ )(2)

-1-. الأنفال : 17.
-2-. النساء: 81.

صفحه 33
وفي الوقت نفسه ينسبها الى رسله وملائكته ، ويقول: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )(1) .فاذا كانت الملائكة والأنبياء والأولياء مأذونين في
الشفاعة; فلا مانع من أن تنسب اليهم الشفاعة ، كما تنسب الى الله سبحانه ، غير أنّ أحدهما يملك هذا الحقّ بالأصالة والآخر يملكها بالتبعية .
7.الصنف السابع: يُسمّي من تقبل شفاعتُه
ويتضمّن هذا الصنف أسماء وخصوصيات من تُقْبل شفاعته يوم القيامة . وهذه الآيات هي :
أ ـ ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدآ سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ اِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) .(2)
وهذه الآيات تصرّح بأنّ الملائكة التي اتّخذها المشركون أولادآ لله سبحانه ، معصومون من كل ذنب لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون ، ولا يشفعون الّا لمن ارتضاه الله سبحانه ، وهم مشفقون من خشيته .
ب ـ ( وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئآ اِلاَّ

-1-. الزخرف : 80.
-2-. الأنبياء: 26 ـ 28.

صفحه 34
مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).(1)
وهذه الآية كالآية السابقة تفيد كون الملائكة ممّن ترضى شفاعتهم باذن الله سبحانه في حقّ من يشاء الله ويرضاه .
ج ـ ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) .(2)
وهذه الآية تعد حملة العرش ومن حوله ممّن يستغفرون للّذين آمنوا. والآية مطلقة; تشمل ظروف الدنيا والآخرة. وهل طلب المغفرة الّا الشفاعة في حقّ المؤمنين؟
هذه هي الأصناف السبعة من الآيات الواردة في الشفاعة . فهي غير نافية على وجه الإطلاق ، ولا مثبتة كذلك ، بل تثبتها تحت شروط خاصة وتصرّح بوجود شفعاء مأذونين ولا تَذكر أسماءهم سوى الملائكة وذلك للمصلحة الكامنة في هذا الإبهام ، ولأجل أن يتميّز المقبول من المرفوض نورد خلاصة الآيات :
الشفاعات المرفوضة:
1 ـ الشفاعة التي كانت تعتقدها اليهود الذين رفضوا كل قيد وشرط في جانب الشافع والمشفوع له ، واعتقدوا أنّ الحياة

-1-. النجم : 26.
-2-. غافر: 7.

صفحه 35
الأُخروية كالحياة الدنيوية ، حيث يُمكن التخلّص من عذاب الله سبحانه بالفداء. وقد ردّ القرآن في كثير من الآيات وقال: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)(1) وقد أوردنا
هذا في الصنف الثاني من الأصناف السبعة المذكورة .
2 ـ الشفاعة في حقّ من قطعوا علاقاتهم الإيمانية مع الله سبحانه فلم يؤمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، أو أفسدوا في الأرض ، وظلموا عباده ، أو غير ذلك ممّا يوجب قطع رابطة العبد مع الله سبحانه حتى صاروا أوضح مصداق لقوله سبحانه: ( نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ )(2) ، وقوله سبحانه: ( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا
فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى )(3) ، وقوله سبحانه: (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا
نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)(4) الى غير ذلك من الآيات الواردة في حق
المشركين والكافرين والظالمين والمفسدين ; وهؤلاء كما قطعوا علاقتهم الإيمانية مع الله سبحانه كذلك قطعوا صلاتهم المعنوية مع الشافع ، فلم تبق بينهم وبين الشافعين أيّة مشابهة تصحح شفاعتهم له .

-1-. البقرة : 48.
-2-. الحشر: 19.
-3-. طه : 126.
-4-. الأعراف : 51.

صفحه 36
وقد ورد في الصنف الثالث من الأصناف السبعة المذكورة ما يوضح هذا الأمر.
3 ـ الأصنام التي كانت العرب تعبدها كذبآ وزورآ، وقد نفى القرآن أن تكون هذه الأصنام قادرة على الدفاع عن نفسها فضلا عن الشفاعة في حقّ عبادها. )لمزيد من التوضيح راجع الصنف الرابع من الأصناف المذكورة(.
هذه هي الشفاعات المرفوضة في القرآن الكريم .
الشفاعات المقبولة :
أما الشفاعات المقبولة فهي :
1 ـ الشفاعة التي هي من حقّ الله سبحانه ، وليس للمخلوق أن ينازعه في هذا الحق أو يشاركه فيه )لاحظ الصنف الخامس من الأصناف السبعة(.
2 ـ شفاعة فئة خاصة من عباد الله سبحانه ، الذين تقبل شفاعتهم عند الله بشروط خاصة ذكرت في الآيات الواردة في الصنف السادس وان لم تُذكَر أسماؤهم وخصوصياتهم .
3 ـ شفاعة الملائكة وحملة العرش ومن حوله ، حيث يستغفرون للّذين آمنوا، فهؤلاء يقبل استغفارهم الذي هو قسم من الشفاعة ، والفرق بين هذا وما تقدّم ، هو أنّه قد ذكرت أسماء

صفحه 37
الشفعاء وخصوصياتهم في هذه الآيات دون ما تقدمها.
وبالوقوف على هذه الأصناف السبعة بامكاننا تمييز الشفاعة المرفوضة عن المقبولة كما نصّ عليها القرآن الكريم .

صفحه 38
المبحث الثالث
حقيقة الشفاعة
انّ الشفاعة في القرآن الكريم على معان أو أقسام ثلاثة :
أ ـ الشفاعة التكوينية .
ب ـ الشفاعة القيادية .
ج ـ الشفاعة المصطلحة .
أ ـ الشفاعة التكوينية
اتّفق الواعون من المسلمين على أنّه لا مؤثر مستقل في الوجود غيره سبحانه ، وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير اليه سبحانه ، ولأجل ذلك صار شعار القرآن في حق الإنسان وفي حق غيره قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ اِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* اِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد* وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز)(1)
وقوله سبحانه: (وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ )(2) وقال

-1-. فاطر: 15 ـ 17.
-2-. محمد: 38.

صفحه 39
سبحانه على لسان
نبيّه الكريم موسى(عليه السلام): (رَبِّ اِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ اِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ).(1)
فبما أنّ عالم الكون عالم امكاني لا يملك من لدن ذاته وجودآ ولا كمالا، بل كلّ ما يملك من وجود وكمال فقد أُفيض اليه من جانبه سبحانه فهو بحكم الإمكان موجود مفتقر في عامة شؤونه وتأثيره وعلّيته .
ونظرآ لتوقف تأثير كل ظاهرة كونيّة على اذنه سبحانه كما جاء في قوله تعالى: (اِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مَا مِنْ شَفِيع اِلاَّ مِنْ بَعْدِ اِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(2) ، فانّ الآية بعدما تصف
اللهَ سبحانه بأنّه خالق السماوات والأرض في ستة أيام وأنّه استوى بعد ذلك على العرش ، وأنّه يدبر أمر الخلق ، تُعلِن بأنّ كل ما في الكون من العلل الطبيعية والظواهر الماديّة يؤثر بعضه في البعض باذنه سبحانه ، وأنّه ليست هناك علّة مستقلة في التأثير، بل كل ما في الكون من العلل ، ذاته وتأثيره ، قائمان به سبحانه وباذنه ، فالمراد من الشفيع في الآية هو الأسباب والعلل المادية وغيرها، الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحقّقها وانّما سمِّيت العلة شفيعآ;

-1-. القصص : 24.
-2-. يونس : 3.

صفحه 40
لأنّ تأثيرها يتوقف على اذنه سبحانه ، فهي )مشفوعةً الى اذنه سبحانه( تؤثر
وتعطي ما تعطي .
وعلى ذلك تخرج الآية عن الدلالة على الشفاعة المصطلحة بين المفسّرين وعلماء الكلام ، وانّما اخترنا هذا المعنى لوجود قرائن في نفس الآية ، فانّها تبحث في صدرها عن خلق السماوات والأرض وتحديد مدّة الخلق والإيجاد بستة أيام ، ثم ترجع الآية ، وتنص على سعة قدرته على جميع ما خلق واحاطته بهم ، وأنّه بعدما خلق السماوات والأرض ، استوى على عرش القدرة وأخذ يدبّر العالم . وعند ذلك يتساءل القارى: اذا كان الله جلّ وعلا هو المدبّر والمؤثّر فما حال سائر المدبّرات والمؤثّرات التي يلمسها البشر في حياته ؟ فللإجابة عن هذا السؤال قال سبحانه: ( مَا مِنْ شَفِيع اِلاَّ مِنْ بَعْدِ اِذْنِهِ) مصرِّحآ بأنّ كل تأثير وتدبير في سبب من الأسباب انّما هو باذنه ومشيئته ، ولولا اذنه ومشيئته لما قام السبب بالسببية ، ولا العلة بالعلية ، وهذه القرائن توجب حمل هذه الجملة على ما يجري في عالم الكون والوجود من التأثير والعلية ، وتفسيرها بالشفاعة التكوينية ، وأنّ كل ظاهرة مؤثرة كالشمس والقمر والنار والماء لا تؤثر الّا بالاستمداد من قدرته سبحانه والاعتماد على اذنه ومشيئته حتى يتم بذلك التوحيد في الخالقية والتدبير.

صفحه 41
ب ـ الشفاعة القيادية
وهو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعمالهم وآثار سيئاتهم . والفرق بين الشفاعة المصطلحة والشفاعة القيادية هو أنّ الشفاعة المصطَلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له ، والشفاعة القيادية توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق . والظاهر أنّ اطلاق الشفاعة على هذا القسم ليس اطلاقآ مجازيآ، بل اطلاق حقيقي . وقد شهد بذلك القرآن والأخبار، قال سبحانه: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا اِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِي وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(1) . والضمير
المجرور في ( بِهِ ) يرجع الى القرآن.(2)
ولا شك أنّ ظرف شفاعة هذه الأُمور انّما هو الحياةُ الدنيويةُ ، فانّ تعاليم الأنبياء وقيادتهم الحُكمية وهداية القرآن وغيره ، انّما تتحقّق في هذه الحياة الدنيوية ، وان كانت نتائجها تظهر في الحياة الأُخروية ، فمن عمل بالقرآن وجعله أمامه في هذه الحياة; قاده الى الجنّة في الحياة الأُخروية . ولأجل ذلك نرى أنّ النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله) يأمر الأُمّة بالتمسك بالقرآن ويصفه بالشفاعة ويقول: « فاذا التَبَست

-1-. الأنعام : 51.
-2-. مجمع البيان: 2 / 304.

صفحه 42
عليكم الفتنُ كقطع الليل المظلم فعليكُم بالقرآن فانّه شافعٌ
مشفَّع وماحِل مصدَّق ، ومن جَعَلَه أمامَه قاده الى الجنّة ، ومن جعله خلفَه ساقه الى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبرهان » .(1)
فانّ قوله: « ومن جعله أمامه » ، تفسير لقوله : « فانّه شافع مشفَّع » .
والحاصل: أنّ الشفاعة القيادية شفاعة بالمعنى اللغوي ، فانّ المكلّفين بضمّ هداية القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمة الى ارادتهم وطلباتهم ، يفوزون بالسعادة ويصلون الى أرقى المقامات في الحياة الأُخروية ويتخلّصون عن تبعات المعاصي ولوازمها.
فالمكلّف وحده لا يصل الى هذه المقامات ، ولا يتخلّص من تبعات المعاصي ، كما أنّ خطاب القرآن والأنبياء وحده ـ من دون أن يكون هناك من يسمع قولهم ويلبّي نداءهم ـ لا يؤثر ما لم ينضم عمل المكلّف الى هدايتهم ، وهدايتهم الى عمل المكلّف، فعندئذ تتحقّق هذه الغاية .
ج ـ الشفاعة المصطلحة
وحقيقة هذه الشفاعة تعني أن تصل رحمتهُ سبحانه ومغفرته

-1-. الكافي: 2 / 238.

صفحه 43
وفيضه الى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده ، وليس هذا بأمر
غريب; فكما أنّ الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه ، تصل الى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه وكتبه ، فهكذا تصل مغفرته سبحانه وتعالى الى المذنبين والعصاة يوم القيامة من عباده عن ذلك الطريق .
ولا يبعد في أن يصل غفرانه سبحانه الى عباده يوم القيامة عن طريق خِيرة عباده ، فانّ الله سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سببآ، ونصّ بذلك في بعض آياته . فنرى أنّ أبناء يعقوب لمّا عادوا خاضعين ، رجعوا الى أبيهم ، وقالوا له: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا اِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ )(1) فأجابهم يعقوب بقوله: (سَوْفَ
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ).(2)
ولم يقتصر الأمر على يعقوب فحسب، بل كان النبيّ الأكرم (صلي الله عليه و آله) ممّن يستجاب دعاؤه أيضآ في حق العصاة ، قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ اِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابآ رَحِيمآ )(3). وهذه الآيات ونظائرها
ممّا لم نذكرها مثل قوله: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ اِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ

-1-. يوسف : 97.
-2-. يوسف : 98.
-3-. النساء: 64.

صفحه 44
لَهُمْ )(1)
تدلّ على أنّ مغفرته سبحانه قد تصل الى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء، وقد تصل بلاتوسيط واسطة ، كما يفصح عنه سبحانه بقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا اِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحآ )(2) وقوله :
(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ اِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)(3) ، الى غير ذلك
من الآيات التي تكشف عن أنّ توبة العبد تجلب المغفرة بلا واسطة أحد وقد تصل بتوسيط واسطة هي من أعز عباده وأفضل خليقته وبريته .
وتتضح هذه الحقيقة اذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق ـ وبخاصة دعاء الصالحين ـ من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول ، ولا تنحصر العلة في العلل الواقعة في اطار الحس فانّ في الكون مؤثرات خارجة عن احساسنا وحواسنا، بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا، يقول سبحانه: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقآ* وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطآ* وَالسَّابِحَاتِ سَبْحآ* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقآ* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرآ).(4)
فما المراد من هذه ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرآ ) أهي مختصة

-1-. التوبة : 103.
-2-. التحريم : 8.
-3-. هود: 90.
-4-. النازعات : 1 ـ 5.

صفحه 45
بالمدبّرات الطبيعية المادية ، أو المراد هو الأعم منها ؟ فقد روي عن علي (عليه السلام)
تفسيرها بالملائكة الأقوياء الذين عهد الله اليهم تدبير الكون والحياة باذنه سبحانه ، فكما أنّ هذه المدبّرات يجب الإيمان بها وان لم تعلم كيفية تدبيرها وحقيقة تأثيرها، فكذلك الدعاء يجب الإيمان بتأثيره في جلب المغفرة ، ودفع العذاب وان لم تعلم كيفية تأثيره .

صفحه 46
المبحث الرابع
مبرّرات الشفاعة
هناك مبررات لجعل الشفاعة من أسباب المغفرة ورفع العذاب ، نورد بعضها على سبيل المثال :
أ ـ ابتلاء الناس بالذنب والتقصير
ربما يقال: اذا كان المنقذ الوحيد للإنسان يوم القيامة هو عمله الصالح كما صُرّح به في الآيات فلماذا جعلت الشفاعة وسيلة للمغفرة وسببآ لرفع العذاب ، أوَ ليس الله بقائل: ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحآ فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى )(1) ، ( فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحآ
فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ )(2) ، (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ
وَعَمِلَ صَالِحَآ )(3) وعلى ذلك فلماذا أُدْخِلت الشفاعة في سلسلة
العلل لجلب المغفرة؟

-1-. الكهف : 88.
-2-. القصص : 67.
-3-. القصص : 80.

صفحه 47
الإجابة عن هذا السؤال واضحة فالفوز بالسعادة وان كان يعتمد على العمل أشدّ الاعتماد، غير أن صريح الآيات الأُخر هو أنّ العمل بنفسه ما لم تنضم اليه رحمته الواسعة لا يُنقِذ الإنسان من تبعات تقصيره ، قال سبحانه: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ اِلَى أَجَل مُسَمّىً)(1) ، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ
النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة ).(2)
ب ـ سعة رحمته لكل شيء
انّ التدبّر في الآيات القرآنية يعطي أنّ رحمة الله سبحانه واسعة تسع كلّ الناس ، الّا من بلغ حدّآ لا يقبل التطهّر ولا الغفران . قال سبحانه حاكيآ عن حملة العرش: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمآ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ )(3) نرى أنّ حملة العرش يعلّلون
طلب غفرانه سبحانه للتائبين والتابعين لسبيله ، بكون رحمته واسعة قد وسعت كل شيء.
كما نرى أنّه سبحانه يأمر نبيّه أن يواجه الناس كلّهم ـ حتى

-1-. النحل : 61.
-2-. فاطر: 45.
-3-. غافر: 7.

صفحه 48
المكذّبين لرسالته ـ بقوله: ( فَاِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة )(1) ونرى في آية ثالثة يعد الذين يجتنبون الكبائر بالرحمة
والمغفرة ويقول: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ اِلاَّ اللَّمَمَ اِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ )(2) وهذه الآيات توضح
مضامين الأدعية الإسلامية من قوله (عليه السلام): « يا من سبقت رحمتُه غضبَه » .
كيف لا ! ونحن نرى أنّ الله سبحانه يعد القانط من رحمة الله والآيس من روحه كافرآ وضالاّ، ويقول: ( وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ اِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ اِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ )(3) ، ويقول تعالى أيضآ: (
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلاَّ الضَّالُّونَ)(4) ، ويقول سبحانه: (قُلْ يَا
عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ اِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَآ اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).(5)
فاذا عرَّفَنا القرآن أنّ الله سبحانه ذو رحمة واسعة تفيض على كل شيء، فعند ذلك لا مانع من أن تفيض رحمته وغفرانه عن

-1-. الأنعام : 147.
-2-. النجم : 32.
-3-. يوسف : 87.
-4-. الحجر: 56.
-5-. الزمر: 53.

صفحه 49
طريق أنبيائه ورسله وأوليائه ، فيقبل أدعيتهم في حقّ عباده بدافع أنّه سبحانه ذو رحمة واسعة ، كما لا مانع أن يعتقد العصاة في شرائط خاصة بغفرانه سبحانه من طرق كثيرة لأجل أنّه عدّ القانط ضالاّ والآيس كافرآ.
واجمالا: فكما يجب على المربّي الديني أن يذكّر عباد الله بعقوبته وعذابه وما أعدّ للعصاة والكفّار من سلاسل ونيران ، يجب عليه أيضآ أن يذكّرهم برحمته الواسعة ومغفرته العامة التي تشمل كل شيء، الّا من بلغ من الخبث والرداءة درجة لا يقبل معها التطهير كما قال سبحانه: ( اِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).(1)
ج ـ الأصل هو السلامة
دلّت التجارب والبراهين العقلية على أنّ الأصل الأوّلي في الخليقة هو السلامة ، وأنّ المرض والانحراف أمران يعرضان على المزاج ، ويزولان بالمداواة والمعالجة ، وليس هذا الأصل مختصآ بالسلامة من حيث العيوب الجسمانية ، بل الأصل هو الطهارة من الأقذار والأدران المعنوية ، فقد خلق الإنسان على الفطرة النقيّة السليمة من الشرك والعصيان التي أشار اليها القرآن بقوله: ( فِطْرَةَ اللهِ

-1-. النساء: 48.

صفحه 50
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )(1) ، وقال النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله): « كُل مولود
يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » .(2)
وعلى ذلك فلا غرو في أن تزول آثار العصيان عن الإنسان بالعلاج والمداواة الخاصة في مواقف شتى حتى تظهر الخليقة الأُولى التي فُطِر عليها; فقد جعل الله سبحانه المواقف التي يمرّ بها الإنسان بعد موته في البرزخ ويوم القيامة; وسائل لتطهير الإنسان وتصفيته من آثار الذنوب وتبعاتها. ولا غرو في أن يكون الشفعاء المرضيون عند الله، أطباء يعالجون أُولئك المرضى ، بتصرفاتهم ونفوسهم القويّة حتى يزيلوا عنهم غبار المعصية ، ودرن الذنب حتى تعود

-1-. الروم : 30.
-2-. التاج الجامع لُصول: 4 / 180
; تفسير البرهان: 3 / 261، الحديث 5.

صفحه 51
الجوهرة الإنسانية نقيّةً صافيةً ناصعةً ، فيستحقّ الإنسان نعيمَ الآخرة ودخول الجنة الّا من بلغ حدآ لا يقبل العلاج والتداوي ، لأجل أنّ ذاته قد انقلبت الى ما يضاد الجوهرة الإنسانية النقية التي لا تقبل أيّةَ مداواة أو علاج ، كما لو اتّخذ لربّه شريكآ فاستحق الخلودَ في النار.
فليس التوقّف في البرزخ ولا في المراحل المتنوعة في يوم القيامة ولا الدخول في النار مدةً محدودة ولا شفاعة الأنبياء
والأولياء في حقّهم ، الّا تصرّفآ تكوينيآ في حقّهم حتى تعود الجوهرة الأوليّة الى حالتها الطبيعية الأُولى وتصفو من كل شائبة تعلَّقت بها نتيجة العصيان والتمرّد.
د ـ الآثار البنّاءة والتربويّة للشفاعة
انّ تشريع الشفاعة ، والاعتراف بها في النظام الإسلامي انّما هو لأجل غايات تربوية تترتب على ذلك التشريع والاعتقاد به; ذلك لأنّ الاعتقاد بالشفاعة المقيّدة بشروط معقولة ، من شأنه بعث الأمل في نفوس العصاة وأفئدة المذنبين ، يدفعهم الى العودة عن سلوكهم الإجراميّ، واعادة النظر في منهج حياتهم .
ولكن هناك من يعترض ويقول: انّ الشفاعة توجب الجرأة وتحيي روح التمرّد في العصاة والمجرمين . الّا أنّ الواقع يفصح أنّ الشفاعة سبب في اصلاح سلوك المجرم ووسيلة لتخلّيه عمّا يرتكبه من آثام وما يقترفه من ذنوب .
وتظهر حقيقة الحال اذا لاحظنا مسألة التوبة ، وهي التي اتفقت عليها الأُمّة ونصّ عليها الكتاب المجيد والحديث الشريف; فانّه لو كان باب التوبة مُوصدآ في وجه العصاة والمذنبين ، واعتقد المجرم بأنّ عصيانه مرّة واحدة أو مرّات سيخلده في عذاب الله، ولا مناص له منه ، فلا شكّ أنّ هذا الاعتقاد يوجب التمادي في اقتراف
السيّئات وارتكاب الذنوب; لأنّه يعتقد بأنّه لو غيّر وضعه وسلوكه

صفحه 52
في مستقبل أمره لا يقع ذلك مؤثرآ في مصيره وخلوده في عذاب الله; فلا وجه لأن يترك المعاصي ويغادر اللذة المحرّمة ، ويتحمّل عناء العبادة والطاعة ، بل يستمر في وضعه السابق حتى يوافيه الأجل .
وهذا بخلاف ما اذا وجد الطريق مفتوحآ، والنوافذ مشرعة واعتقد بأنّه سبحانه سيقبل توبته اذا كانت نصوحآ، وأنّ رجوعه هذا سيغيّر مصيره في الآخرة ، ويُنقِذه من تبعات أعماله ، وأليم العذاب ، فعند ذاك سيترك العصيان ويرجع الى الطاعة ويستغفر لذنوبه ويطلب الإغضاء عن سيئاته .
فهذا الاعتقاد له الأثر البنّاء في تهذيب الناس والشباب خاصة ، وكم من شباب اقترفوا السيئات وأمضوا الليالي في اللذة المحرّمة ، ثم عادوا الى خلاف ما كانوا عليه في ظل التَّوبة والاعتقاد بأنّها تجدي المذنبين ، وبأنّ أبواب الرحمة والفلاح مفتوحة لم تغلق بعد، فعادوا يسهرون الليالي في العبادة ، ويحيونها بالطاعة .
وليس هذا الّا أثر ذلك الاعتقاد، وذاك التشريع . ومثل ذاك ، الاعتقاد بالشفاعة المحدودة ، فانّه اذا اعتقد العاصي بأنّ أولياء الله سبحانه قد يشفعون في حقّه في شرائط خاصة اذا لم يهتك الستر، ولم يبلغ حدآ لا تنفع معه شفاعة الشافعين ، فعند ذاك سوف يعيدُ
النظر في سيرته الشخصيّة ، ويحاول تطبيق سلوكه على شرائط

صفحه 53
الشفاعة حتى يستحقّها، ولا يحرمها.
نعم ، انّ الاعتقاد بالشفاعة المطلقة ، المحرّرة من كلّ قيد، من جانب الشفيع والمشفوع له ، هو الذي يوجب التجرّي والتمادي في العصيان . وهذه الشفاعة مرفوضة في منطق العقل والقرآن ، وكأنّ المعترض قد خلط بين الشفاعة المحدودة والشفاعة المطلقة من كل قيد، ولم يُميز بينهما وبين آثارهما.
فالشفاعة الموجبة للتجرّي ومواصلة العناد والتمرّد، هي الاعتقاد بأنّ الأنبياء والأولياء سيشفعون في حقّه يوم القيامة على كلّ حال وفي جميع الشرائط وان فعل ما فعل ، وارتكب ما ارتكب . وعند ذلك سيستمر في عمله الإجرامي الى آخر حياته رجاءَ تلك الشفاعة التي لاتخضع لضابط ولا قانون ، ولا تقيّد بقيد ولاشرط.
وأمّا الشفاعة التي نطق بها الكتاب وأقرّت بها الأحاديث واعترف بها العقل فهي الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له والشافع . ومجمل تلك الشرائط هو أن لا يقطع جميع علاقات العبودية مع الله، ولا يفصم وشائجه الروحية مع الشافعين ، ولا يصل تمرّده الى حدّ القطيعة ونسف الجسور. فالاعتقاد بهذا النوع من الشفاعة مثل الاعتقاد بتأثير التوبة في الغفران ماهية وأثرآ.

صفحه 54
ه ـ الأمر بيده سبحانه أوّلا وآخرآ
ما ذكرناه من الوجوه هي مبررات الشفاعة والجهات التعليلية لجعلها في صميم العقائد الإسلامية ، ومع ذلك كلّه فالأمر اليه سبحانه فهو ان شاء أذن في الشفاعة وان لم يشأ لم يأذن ، وهو القائل سبحانه: (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(1)
وصفوة القول: أنّ الشفيع انّما يشفع باذنه ، وفي اطار مشيئَته ، وتحت الشروط التي يرتضيها; اذ هو الذي يبعثُ الشفيعَ على أن يشفع في حقّ المشفوع له . وعند ذلك فلا تستلزم شفاعة الشافعين خروج الأمر عن يده ، وتحديد سلطته )تعالى( وملكه .

-1-. فاطر: 2.

صفحه 55
المبحث الخامس
أثر الشفاعة
هل هو اسقاط العقاب أو زيادة الثواب؟
هل انّ نتيجة الشفاعة هو حطّ ذنوب المذنبين واسقاط العقاب والمضار عنهم والعفو عن العصاة ، أم هي زيادة الثواب ورفع الدرجات للمطيعين؟
لقد ذهب جمهور المسلمين الى الأوّل ، والمعتزلة الى الثاني .
انّ فكرة الشفاعة كانت عند اليهود والوثنيين قبل الإسلام ، الّا أنّ الإسلام طرحها مهذّبةً ممّا علق بها من الخرافات .
وغير خفيّ على من وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة ، أنّ الشفاعة الدارجة بينهم ـ خصوصآ اليهود ـ كانت مبنيّة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم وآبائهم في حطّ ذنوبهم وغفران آثامهم ، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ، ويرتكبون الذنوب تعويلا على ذلك الرجاء.
وفي هذا الموقف يقول سبحانه ردّآ على تلك العقيدة الباعثة

صفحه 56
على الجرأة: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاَّ بِاِذْنِهِ)(1) . ويقول أيضآ
رفضآ لتلك الشفاعة المحرّرة من كل قيد: ( وَلاَ يَشْفَعُونَ اِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)(2) . وحاصل الآيتين أنّ أصل الشفاعة التي يدّعيها اليهود
ويلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابت في الشريعة السماوية ، غير أنّ لها شروطآ أهمّها اذنه سبحانه للشافع ورضاؤه عن المشفوع له .
ولعلّ أوضح دليل على عمومية الشفاعة في الإسلام ما اتّفق على نقله المحدِّثون من قوله (صلي الله عليه و آله): « ادّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي » .(3)
فكان دافع المعتزلة بتخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة هو الموقف الذي اتخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب في أبحاثهم الكلامية; فانّهم قالوا بخلود أهل العصيان في النار.
ومن الواضح أنّ من يتخذ مثل هذا الموقف لا يصح له أن يعمّم آيات الشفاعة الى العصاة ، وذلك لأنّ التخليد في النار لا يجتمع مع التخلص عنها بالشفاعة .
قال الشيخ المفيد: اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في

-1-. البقرة : 255.
-2-. الأنبياء: 28.
-3-. سنن ابن ماجة: 2 / 1441، وغيرها.

صفحه 57
النار متوجّه الى الكفّار خاصّة ، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى ، والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة . وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك ، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عام في الكفّار وجميع فسّاق أهل الصلاة .
واتّفقت الإمامية على أنّ من عُذِّب بذنبه من أهل الإقرار والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأُخرج من النار الى الجنة ، فينعم فيها على الدوام ووافقهم على ذلك من عددناهم ، وأجمعت المعتزلةُ على خلاف ذلك وزعموا أنّه لا يخرج من النار أحدٌ دخلها للعذاب.(1)
نعم ، نسب العلّامة الحلي في « كشف المراد» تلك العقيدة الى بعض المعتزلة لا الى جميعهم(2) ، وكذلك نظامُ
الدين القوشجي في شرحه على التجريد.(3)
وقد خالفهم أئمة المسلمين وعلماؤهم في هذا الموقف وقالوا بجواز العفو عن العصاة عقلا وسمعآ.
أمّا العقل فنّ العقاب حق لله تعالى فيجوز تركه .
وأمّا السمع ، فللايات الدالّة على العفو فيما دون الشرك ، قال

-1-. أوائل المقالات: 14.
-2-. لاحظ : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 261، ط . صيدا.
-3-. شرح التجريد: 501.

صفحه 58
سبحانه: ( اِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).(1)
والآية واردة في حق غير التائب; لأنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضآ، وقال سبحانه: ( وَاِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ )(2)
أي تشملهم المغفرة مع كونهم ظالمين .
وقال سبحانه: ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ اِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعآ)(3) ، الى غير ذلك
من النصوص المتضافرة على العفو في حق العصاة . ومع ذلك لا مانع من شمول أدلّة الشفاعة لهم .
وأوضح دليل على العفو بدون التوبة قوله سبحانه: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ )(4) فانّ عطف قوله :
(وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ) على قوله: ( يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ) بـ « واو العطف » ، يدلّ على التغاير بين الجملتين ، وانّ هذا العفو لا يرتبط بالتوبة والّا كان اللازم عطفُه بالفاء.
وقال سبحانه : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ

-1-. النساء: 48.
-2-. الرعد: 6.
-3-. الزمر: 53.
-4-. الشوري : 25.

صفحه 59
وَيَعْفُو عَنْ كَثِير )(1) .فانّ الآية واردة في غير حق التائب ، والّا فانّ الله
سبحانه يغفر ذنوب التائب جميعها لا كثيرها مع أنّه سبحانه يقول : ( وَيَعْفُو عَنْ كَثِير).
فتلخّص من ذلك أنّه لا مانع من القول بجواز العفو في حق العصاة كما لا مانع من شمول آيات الشفاعة لهم .
نعم ، يجب الفات النظر الى نكتة وهي أنّ بعض الذنوب الكبيرة ربما تقطع العلائق الإيمانية بالله سبحانه ، كما تقطع الأواصر الروحية مع النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله) فصاحب هذه المعصية لا تشمله الشفاعة ، فيجب عليه دخول النار حتى يتطهّر بالعذاب وتصفو روحه من آثار العصيان ، ويليق لشفاعة الشافعين .

-1-. الشوري : 30.

صفحه 60
المبحث السادس
طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة
قد تجلّتِ الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله) ولفيفآ من الأولياء والصالحين يشفعون عند الله في ظروف خاصة وأنّهم مأذونون من جانبه سبحانه يوم القيامة .
كما تبيّن أنّ المفهوم الواضح لدى العامّة من الشفاعة ، هو دعاء الرسول وطلبه من الله غفرانَ ذنوب عباده ، اذا كانوا أهلا لها. اذن يرجع طلب الشفاعة من الشفيع الى طلب الدعاء منه لتلك الغاية ، وهل ترى في طلب الدعاء من الأخ المؤمن اشكالا ؟! فضلا عن النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله)، الذي يُستجاب دعاؤه ولا يُردّ بنص الذكر الحكيم.(1)
فعندما كان النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله) حيّآ في دار هجرته ، كان طلبُ أصحابِه الدعاءَ منه ، راجعآ الى طلب الشفاعة منه، والاختلاف في الاسم لا في الواقع والحقيقة .
وبعد انتقاله من الدنيا الى عالم البرزخ ، يرجع طلب الشفاعة

-1-. لاحظ : النساء: 64، المنافقون : 5.

صفحه 61
منه أيضآ الى طلب الدعاء منه لا غير.
فلو أنّ أعرابيآ جاء الى مسجده فطلب منه أن يستغفر له ، فقد طلب منه الشفاعة عند الله. ولو جاء ذاك الرجل بعد رحيله ، وقال له : يا أيّها النبي ، استغفر لي عند الله. أو قال: اشفع لي عند الله، فالجميع بمعنى واحد لبّآ وحقيقةً ، وانّما يختلفان صورةً وظاهرآ. فالإذعان بصحة أحدِهما، والشك في صحة الآخر كالتفكيك بين المتلازمين .
نعم ، هناك سؤال يطرح نفسَه وهو أنّه اذا كان النبي (صلي الله عليه و آله) حيّآ يُرزَق في هذه الدنيا ويسمع كلام السائل ، فلا فرق بين طلب الدعاء وطلب الشفاعة .
وأمّا بعد رحيله وانتقاله الى رحمة الله الواسعة ، فلا يسمع كلامَ السائل ، بأيّ صفة خاطبَه وكلَّمه سواء أقال: استغفر لي ، أم قال : اشفع لي .
والإجابة واضحة ، لأنّ الكلام مركَّز في تبيين معنى طلب الشفاعة منه حيّآ وميّتآ وأنّ حقيقته أمرٌ واحدٌ بجميع صوره ، وأمّا أنّه يسمع أو لا يسمع ، أو أنّ الدعوة تنفع أو لا تنفع ، فهو أمرٌ نرجع اليه بعد الفراغ من صميم البحث . ولإيضاح الأمر نورد بعض النصوص من المفسّرين في تفسير الشفاعة :
قال الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ

صفحه 62
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمآ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)(1) انّ الآية تدلّ على حصول
الشفاعة للمذنبين ، والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تُذْكر الّا في اسقاط العقاب ، أمّا طلب النفع الزائد فانّه لا يسمّى استغفارآ. وقوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) يدلّ على أنّهم يستغفرون لكل أهل الإيمان ، فاذا دللنا على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن ، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة.(2)
نرى أنّ الإمام الرازي جعل قول الملائكة في حق المؤمنين والتائبين ، من أقسام الشفاعة ، وفسّر قوله: ( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا) بالشفاعة . وهذا دليل واضح على أنّ الدعاء في حق المؤمن ، شفاعة في حقّه ، وطلبه منه طلبُ الشفاعة .
ونقل نظام الدين النيسابوري ، في تفسير قوله تعالى: ( مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا)(3) عن مقاتل: انّ الشفاعة
الى الله انّما هي دعوة الله لمسلم ، لما روي عن النبي (صلي الله عليه و آله): «
من دعا

-1-. غافر: 7.
-2-. مفاتيح الغيب: 7 / 285 ـ 286، ط . مصرآ والجزء 27 / 34
ط دار احياء التراثالإسلامي ، بيروت .
-3-. النساء: 85.

صفحه 63
لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له ، وقال الملك: ولك مثل ذلك » .(1)
والذي يوضح أنّ شفاعة النبي عبارة عن دعائه في حقّ المشفوع له ، ما رواه مسلم في « صحيحه » عن النبي الأكرم أنّه قال: « ما من ميّت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له الّا شُفِّعوا فيه » .(2)
وفسّر الشارح قوله (صلي الله عليه و آله): « يشفعون له » بقوله : أي يدعون له ، كما فسّر قوله(صلي الله عليه و آله): « الّا شُفِّعوا فيه » بقوله: أي قبلت شفاعتهم .
وروي أيضآ عن عبد الله بن عباس أنّه قال: سمعت رسول الله (صلي الله عليه و آله) يقول: « ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئآ الّا شفّعهم الله فيه » (3)
أي قبلت شفاعتهم في حق ذلك الميّت فيغفر له .
فاذا كان مرجع الاستشفاع من الصالحين الى طلب الدعاء، فكل من يطلب من النبي الشفاعة لا يقصد منه الّا المعنى الشائع.(4)

-1-. غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 5 / 118.
-2-. صحيح مسلم: 4 / 53، ط . مصر، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده .
-3-. المصدر نفسه .
-4-. لو كان للشفاعة معني آخر من التصرف التكويني في قلوب المذنبين ،وتصفيتهم في البرزخ ، ومواقف القيامة، فهو أمر عقلي لا يتوجّه اليه الّاالأوحدي من الناس .

صفحه 64
الى هنا تبيّن أنّ طلب الشفاعة يرجع الى طلب الدعاء، وهو أمر مطلوب في الشرع من غير فرق بين طلبه من الشفيع في حال حياته أو مماته ، فهو لا يخرج عن حد طلب الدعاء، وأمّا كونه ناجعآ أو لا ؟ فهو أمر آخر نرجع اليه كما مرّ.
والذي يحقّق هذا الأمر هو صدور مثله من السلف الصالح في العصور المتقدمة واليك نزرآ منه :
السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله)
1 ـ الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب ، ووجوده في زمن النبي (صلي الله عليه و آله) فقد روى الترمذي في « صحيحه » عن أنس قوله: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة ، فقال: « أنا فاعل » ، قال: قلت: يا رسول الله فأنّى أطلبك ، فقال: « اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط » .(1)
فالسائل يطلب من النبي الأعظم ، الشفاعة دون أن يخطر بباله أنّ هذا الطلب يصطدم مع أُصول العقيدة .
2 ـ هذا سواد بن قارب ، أحد أصحاب النبي (صلي الله عليه و آله) يقول مخاطبآ ايّاه :

-1-. صحيح الترمذي: 4 / 621، كتاب صفة القيامة ، الباب 9.

صفحه 65
فكن لي شفيعآ يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(1)
3 ـ روى أصحاب السير والتاريخ ، أنّ رجلا من قبيلة حِمير عرف أنّه سيولد في أرض مكة نبي الإسلام الأعظم (صلي الله عليه و آله)، ولمّا خاف أن لا يدركه ، كتب رسالة وسلّمها لأحد أقاربه حتى يسلّمها الى النبي (صلي الله عليه و آله) حينما يبعث ، وممّا جاء في تلك الرسالة قوله: « وان لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني» (2) ولمّا
وصلت الرسالة الى يد النبي (صلي الله عليه و آله) قال: « مرحبآ بتُبَّع الأخ الصالح » فانّ وصف النبي(صلي الله عليه و آله) لطالب الشفاعة بالأخ الصالح، أوضح دليل على أنّه أمر لا يتعارض وأُصول العقيدة.
4 ـ وروى المفيد عن ابن عباس أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا غسّل النبي (صلي الله عليه و آله) وكفّنه كشف عن وجهه وقال: « بأبي أنت
وأُمّي طبتَ حيّآ وطبت ميّتآ... اذكرنا عند ربك » .(3)
وروى الشريف الرضي في « نهج البلاغة » : أنّ عليّآ (عليه السلام) قال

-1-. الإصابة: 2 / 95، الترجمة 3576، وقد ذكر طرق روايته البالغة الي ست ،وراجع أيضآ الروض الأُنف: 1 / 139
; بلوغ الإرب: 3 / 299 ; عيون الأثر: 1 / 72.
-2-. لاحظ : نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري: 16/ 127; السيرة الحلبية :2/ 88.
-3-. أمالي المفيد: 103، المجلس الثاني عشر .

صفحه 66
عندما ولي غسل رسول الله (صلي الله عليه و آله): « بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك » .(1)
5 ـ روي أنّه لمّا توفي النبي (صلي الله عليه و آله) أقبل أبوبكر فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وقال: « بأبي أنت وأُمّي طبت حيّآ وميّتآ اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن من بالك » .(2)
وهذا استشفاع بالنبي(صلي الله عليه و آله) في دار الدنيا بعد موته .
6 ـ وختامآ نذكر ما ذكره الدكتور عبد الملك السعدي في كتابه « البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق » : أمّا طلب الشفاعة من رسول الله(صلي الله عليه و آله) بصورة عامّة وبدون قيد بعد أذان أو غيره فقد ورد في السنّة ، حيث قد طلبها منه بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دون نكير من رسول الله (صلي الله عليه و آله). والأحاديث الواردة بهذا الخصوص وبمواضع ومناسبات عديدة كثيرة جدّآ نذكر منها :
عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منّا فأتى النبيّ (صلي الله عليه و آله) وقال: انّي سائلك سؤالا، قال: « وما هو ؟» قال: أسألك
أن تجعلني ممَّن تشفع له يوم القيامة ، قال: « من أمرك هذا ؟» أو « من علّمك هذا ؟» أو « من دلّك على هذا ؟» قال: ما أمرني به أحد الّا نفسي ، قال: « فانّك ممّن أشفع له يوم القيامة » . أورده الهيتمي في « مجمع

-1-. نهج البلاغة : الخطبة 235.
-2-. السيرة الحلبيّة: 3 / 474، ط . دار المعرفة، بيروت .

صفحه 67
الزوائد» وقال: رواه الطبراني .
وقد أورد الهيتمي بهذا الموضوع كثيرآ من الأحاديث(1).
هذا في حياته(صلي الله عليه و آله).
أمّا بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى فهل يصح طلب الشفاعة منه لاسيما أمامَ قبره الشريف وعند السلام عليه ؟ بما أنّه ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الأموات يسمعون ويتكلّمون ويدعون في عالم البرزخ وبخاصّة هو (صلي الله عليه و آله) عندما يُسلَّم عليه تردّ اليه روحه الشريفة ، فلا موجب للتفرقة في طلب الشفاعة بين حياته قبل انتقاله وبين حياته; الحياة البرزخية بعد انتقاله . ومن ادّعى المنع فعليه بالدليل والله الموفق.(2)
كل هذه النصوص تدلّ على أنّ طلب الشفاعة من النبيّ (صلي الله عليه و آله) كان أمرآ جائزآ وشائعآ، وذلك لأنّهم يرونه مثل طلب الدعاء منه ، ولا فرق بينها وبينه الّا في اللّفظ ، وقد عرفت صحّة اطلاق لفظ
الشفاعة على الدعاء، والاستشفاع على طلب الدعاء، وممّا يدلّ على ذلك أنّ البخاري عقد بابين بهذين العنوانين ، وهما :
1 ـ اذا استشفعوا ليستسقى لهم لم يردهم .
2 ـ واذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط.(3)

-1-. مجمع الزوائد: 10 / 369 ; صحيح مسلم: 1 / 289.
-2-. البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: 105 ـ 106.
-3-. صحيح البخاري : 2 / 18 ـ 19 ، كتاب الاستسقاء، الباب 11 ـ 12.

صفحه 68
فنرى أنّ البخاري يطلق لفظ الاستشفاع على الدعاء وطلبه من الإمام في العام المجدب ، من دون أن يخطر بباله أنّ هذا التعبير غير صحيح .
وعلى العموم أنّ طلب الشفاعة من النبي (صلي الله عليه و آله) داخل فيما ورد من الآيات التالية: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ اِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابآ رَحِيمآ )(1) ،
(قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا اِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ...اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).(2)
وقوله سبحانه: ( وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ )(3) فكلّ ما يدلّ
على جواز طلب الدعاء من المؤمن الصالح يمكن الاستدلال به
على صحة ذلك .

-1-. النساء: 64.
-2-. يوسف : 97 ـ 98.
-3-. المنافقون : 5.

صفحه 69
المبحث السابع
أسئلة حول طلب الشفاعة
قد اتّضح أنّ طلب الشفاعة بمعنى طلب الدعاء; ليس ممّا يرتاب في جوازه مؤمن واع ، عارفٌ بالكتاب والسنّة ،نعم ربما تُثار هنا شبهات أو أسئلة يجب رفعها أو الإجابة عنها، وليست الأسئلة مطروحة على صعيد واحد، ولأجل ذلك نذكر كلّ واحد بعنوان يُعرّف مغزاه ، والجميع يرجع الى طلب الدعاء من الشفيع بعد رحيله بعد تجويزه في حياته .
السؤال الأوّل: الشفيع ميّت كيف يُطلبُ منه الدُعاء؟
انّ طلب الشفاعة وان كان طلباً للدعاء لكنّه لا جدوى فيه لكون الشفيع بعد الموت لا يستطيع أن يقوم بالدعاء.
على هامش السؤال :
السؤال جدير بالدراسة والتحليل ، وهو عالق في ذهن لفيف من الناس فهم يتحدّثون مع أنفسهم كيف يُطلَب الدُعاء والشفاعة من النبي الأكرم وهو ميّت لا يستطيع اجابة طلب الطالب ؟

صفحه 70
أوّلا: انّ الرجوع الى القرآن المجيد، واستنطاقه في هذا المجال يوقفنا على جليّة الحال ، وهو يعترف بموتهم مادّيآ لا موتهم على الإطلاق ، بل يصرّح بحياة لفيف من الناس الذين انتقلوا من هذه الدنيا الى الدار الآخرة من صالح وطالح ، وسعيد وشقي، وها نحن نتلو على القارى الكريم قسمآ منها ليقف على أنّ الموت أمرٌ نسبي ، وليس بمطلق ، ولو صار بدن الإنسان جمادآ، ليس معناه بطلانه وانعدام شخصيته ، وليس الموت الّا انتقالا من دار الى دار، ومن ضيق الدنيا الى سعة الآخرة واليك لفيفآ من الآيات :
1 ـ قال سبحانه: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتآ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) .(1)
والآية صريحة في المقصود، صراحةً لا تتصوّر فوقها صراحة ، حيث أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم وتبشيرهم لمن لم يلحقوا بهم ، وما يتفوهون به في حقّهم بقولهم : لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وعلى ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل الله تعالى فهل يكون هذا المطلب لغوآ ؟!

-1-. آل عمران : 169 ـ 170.

صفحه 71
2 ـ انّ القرآن يعدّ النبي شهيدآ على الأُمم جمعاء، ويقول سبحانه: ( فَكَيْفَ اِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدآ) .(1)
فالآية تصرّح بأنّ النبي (صلي الله عليه و آله) شاهد على الشهود الذين يشهدون على أُممهم فاذا كان النبي(صلي الله عليه و آله) شاهدآ على الأُمم جمعاء، أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة ، وبدون الاطلاع على ما يجري فيهم من الأُمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟!
ولا يصح لك أن تفسّر شهادة النبي (صلي الله عليه و آله) بشهادته على معاصريه فقط ، وذلك لأنّه سبحانه عدّ النبي شاهدآ في عداد كونه مبشّرآ ونذيرآ، وهل يتصوّر أحدٌ أن يختص الوصفان الأخيران بمن كان يعاصر النبي ؟!
كلّا. فاذن لا وجه لتخصيص كونِهِ شاهدآ على الأُمّة المعاصرة للنبي(صلي الله عليه و آله).
3 ـ الآيات القرآنية صريحة في امتداد حياة الإنسان الى ما بعد موته ، يقول سبحانه في حقّ الكافرين: ( حَتَّى اِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحآ فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ اِنَّهَا كَلِمَة هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ اِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .(2)

-1-. النساء: 41.
-2-. المؤمنون : 99 ـ 100.

صفحه 72
فهذه الآية تصرّح بامتداد الحياة الإنسانية الى عالم البرزخ ، وانّ هذا العالم وعاءٌ للإنسان يعذّب فيها مَن يُعذّب وينعَّم فيها من ينعَّم .
أمّا التنعُّم فقد عرفت التصريح به في الآية الواردة في حقّ الشهداء.
وأمّا العقوبة ، فيقول سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّآ وَعَشِيّآ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).(1)
4 ـ هذا هو الذكر الحكيم ينقل بيانآ عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ، وأيّد رسل المسيح ، فلمّا قتل خوطب باللّفظ التالي : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) فأجاب بعد دخوله الجنة: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ)(2) الى غير ذلك من الآيات
الدالة على امتداد الحياة ، واستشعار لفيف من عباد الله لما يجري هنا وهناك ، غير أنّا لا نَسمع بيانَهم ولا نفهم خِطابهم ، وهم سامعون ، عارفون باذن الله سبحانه .
ثانيآ: انّ الأحاديث الواردة في هذا المورد فوق الحصر فحدِّث عنها ولا حرج ، وقد روى المحدِّثون عنه (صلي الله عليه و آله): « ما من أحد يسلّم عليّ الّا ردّ الله روحي حتى أردّ عليه السلام »
(3). كما نَقَلوا

-1-. غافر: 46.
-2-. يس : 26 ـ 27.
-3-. وفاء الوفا: 4 / 1349.

صفحه 73
قوله: « انّ لله ملائكةً سيّاحين في الأرض
يبلّغوني من أُمّتي السلام » .(1)
ثالثآ: نرى أنّه سبحانه يسلّم على أنبيائه في آيات كثيرة ، ويقول: (سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ)، (سَلاَمٌ عَلَى اِبْرَاهِيمَ )، (سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ )، (سَلاَمٌ عَلَى اِلْ يَاسِينَ )، (وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) .(2)
كما يأمرنا بالتسليم على نبيّه والصلوات عليه ويقول بصريح القول: (اِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمآ)(3) ، فلو كان الأنبياء والأولياء أمواتآ غير
شاعرين بهذه التسليمات والصلوات فأيّ فائدة في التسليم عليهم وفي أمر المؤمنين في الصلاة; بالسلامِ على النبي (صلي الله عليه و آله) ؟ والمسلمون أجمع يسلّمون على النبي في صلواتهم بلفظِ الخطاب ، ويقولون: السلامُ عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، وحَمْلُ ذلك على الشعارِ الأجوف والتحية الجوفاء، أمرٌ لا يجترى عليه من له المامٌ بالقرآن والحديث .

-1-. وفاء الوفا: 4 / 1350.
-2-. الصافات : 79، 109، 120، 130، 181 علي الترتيب .
-3-. الأحزاب : 56.

صفحه 74
السؤال الثاني: الشفيع ميّت وهو لا يسمع ؟
هذا هو السؤال الثاني الذي ربّما يُطرَح في المقام ، وهو أيضآ جديرٌ بالدراسة ، ولكنّه في التحقيق صورة صغيرة من السؤال السابق ، فالتركيز ـ هنا ـ على خصوص عدم السماع ، ولكنّه في السابق على معنى أعم وهو عدم الاستطاعة على شيء سماعآ كان أو غيره .
ونقول: ربما يقال: ظاهر الذكر الحكيم على أنّ الموتى لا يسمعون ، حيث شبّه المشركين بهم . ووجه الشبه هو عدم السماع . قال: ( اِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)(1) ، فالآية تصف المشركين بأنّهم أموات وتشبِّهُهُم بهم ،
ومن المعلوم أنّ صحة التشبيه تتوقّف على وجود وجه الشبه في المشبَّه به بوجه أقوى وليس وجه الشبه الّا أنّهم لا يسمَعون ، فعند ذلك تُصبح النتيجة: انّ الأموات مطلقآ غير قابلين للإفهام ، ويدل على ذلك أيضآ قوله سبحانه: ( اِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ).(2)
ووجه الدلالة في الآيتين واحد.

-1-. النمل : 80.
-2-. فاطر: 22.

صفحه 75
على هامش السؤال
القرآن الكريم منزّه عن التناقض والاختلاف وكيف لا يكون كذلك وهو يقول: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفآ كَثِيرآ )(1) وهو يصرّح في غير واحدة من آياته على أنّ الأنبياء كانوا
يكلّمون الموتى ويخاطبونهم . ونلمس ذلك بوضوح في قصتي صالح وشعيب .
أمّا الأُولى: فالقرآن يحكي خطابَه لقومه ـ بعد هلاكهم وأخذ الرجفة لهم ـ فيقول: ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ).(2)
أمعن النظر في قوله: ( فتولّى ) حيث تصدَّر بالفاء الدالة على الترتيب: أي بعدما عمّهم الهلاك أعرض صالح بوجهه عنهم وخاطبهم بقوله: يا قوم ...
أمّا الثانية: فهي أيضآ قرينة الأُولى ونظيرتها قال سبحانه : (فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبآ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبآ كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ*

-1-. النساء: 82.
-2-. الأعراف : 78 ـ 79.

صفحه 76
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ ).(1)
انّ الأُوليين من الآيات صريحتان في نزول البلاء عليهم وابادتهم واهلاكهم جميعآ ـ فبعد ذلك ـ يخاطبهم نبيُّهم شعيب معرِضآ بوجهه عنهم ، مشعرآ بالتبرّي ويقول: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ... وليس لنا، ولا لغيرنا تأويل القرآن لأخذ موقف مسبق في الموضوع ، بل يجب عرض الرأي عليه لا عرض القرآن على الفكر الإنساني .
ونكتفي من الآيات بما تلوناه عليك وهناك آيات أُخرى موحدة في المضمون نترك نقلها للاختصار.
السنّة لا تتفق مع عدم السماع
انّ السنّة الكريمة ، عدل القرآن ، يُحتَجُّ بها كما يُحتجّ به ، فقد أخذت موقف الإيجاب فهي لا تتفق مع عدم السماع واليك نزرآ يسيرآ منها :
1 ـ ما أنتم بأسمعَ منهم
هذه الكلمة ألقاها النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله) عندما كان بمقربة من

-1-. الأعراف : 91 ـ 93.

صفحه 77
قتلى قريش ، وقد تقدّم ذكر هذه الرواية مفصّلا في رسالتنا: الحياة البرزخية فراجع.(1)
2 ـ رواية الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف
روى الحافظ الطبراني عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف: أنّ رجلا كان يختلف الى عثمان بن عفان في حاجة له ، وكان لا يلتفت اليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى ابنَ حنيف فشكا اليه ذلك ، فقال له ابنُ حنيف: ائت الميضأة ، فتوضّأ ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين ، ثم قل: اللّهمّ انّي أسألك وأتوجّه اليك بنبيّنا محمد نبيّ الرحمة ، يا محمد انّي أتوجّه بك الى ربّك أن تقضي حاجتي ، وتذكر حاجتك .
فانطلق الرجل فصنع ما قال ، ثم أتى باب عثمان فجاءَه البوّاب حتى أخذ بيده ، فاُدخِلَ على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: ما حاجتك ؟ فذكر حاجته وقضى له ، ثم قال له: ما

-1-. انّ تكلّم رسول الله 6 مع رؤوس الشرك الموتي الذين أُلقيت أجسادُهمفي البئر من مسلّمات التاريخ والحديث ، وقد أشار الي هذا من بين المحدّثينوالمؤرّخين: صحيح البخاري: 5 / 76 و 77 ـ 87 في معركة بدر ; صحيحمسلم: 8 /163 كتاب الجنة باب مقعد الميت ; سنن النسائي: 4 / 89 و 90باب أرواح المؤمنين; مسند أحمد: 2 / 131; السيرة النبوية لابن هشام : 1 / 639 ; المغازي: 1 / 112 غزوة بدر ; بحار الأنوار: 19 / 346.

صفحه 78
ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة ، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثم انّ الرجل خرج من عنده فلقى ابن حنيف فقال له : جزاك الله خيرآ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت اليّ حتى كلّمتَه فيّ.
فقال ابن حنيف: والله ما كلّمته ، ولكن شهدتُ رسول
الله، وأتاه ضرير فشكا اليه ذهاب بصره ، فقال له النبي (صلي الله عليه و آله) :
ان شئت دعوتُ أو تصبر، فقال: يا رسول الله انّه ليس لي قائدٌ
وقد شقّ عليّ، فقال له النبي: ائت الميضأة فتوضّأْ ثم صلّ
ركعتين ثم ادعُ بهذه الدَعَوات . قال ابنُ حنيف: فو اللهِ ما
تفرَّقْنا وطال بنا الحديثُ حتى دَخَلَ علينا الرجلُ كأنّه لم يكن به ضر.(1)
قال الترمذي: هذا حديث حق حسنٌ صحيحٌ .
وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيحٌ .
وقال الرفاعي: لا شك أنّ هذا الحديث صحيحٌ ومشهورٌ.(2)
الشفاعة فعل الله سبحانه ، ولا يُطلب فعلُه من غيره ، قال

-1-. سنن ابن ماجة: 1 / 441 برقم 1385 ; مسند أحمد: 4 / 138 وغير ذلك .
-2-. التوصل الي حقيقة التوسل: 158.

صفحه 79
سبحانه: ( قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعآ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(1)
فاذا كانت الشفاعة مملوكة لله وهو المالك لها، فكيف يُطلَب ما يرجع اليه من غيره؟
لا شك أنّ الشفاعة لله كما هو صريح الآية وما يرجع اليه سبحانه لا يُطلَب من غيره . مثلا انّ الرزق والإحياء والإماتة له لا تُطلَب من عباده . غير أنّ المهم تشخيص ما يرجع اليه سبحانه ، وتمييزه ما أعطاه لعباده الصالحين .
انّ الشفاعة المطلقة ملك لله سبحانه ، فلا شفيع ولا مشفوع له ، بلا اذنه ورضاه; فهو الذي يسنُّ الشفاعة ويأذن للشافع ، ويبعث المذنب الى باب الشافع ليستغفر له ، الى غير ذلك من الخصوصيات . فلا يملك الشفاعة بهذا المعنى الّا هو، وبذلك يردّ القرآن على المشركين الذين كانوا يزعمون أنّ أربابهم يملكون الشفاعة المطلقة فالشفاعة بهذا المعنى غير مسؤولة ولا مطلوبة من النبي (صلي الله عليه و آله).
والمسؤول والمطلوب من النبي والصالحين هو الشفاعة

-1-. الزمر: 44.

صفحه 80
المرخّصة المحدّدة ، من الله سبحانه ، أي ما رخّص لهم في أن يشفعوا ويطلبوا لعباده الغفران ، فمثل هذه الشفاعة المرخّصة المأذونة ليست له; لأنّه سبحانه فوق كل شيء، لا يَستأذن ولا يُؤذن ولا يُحدّد فعله .
وبعبارة واضحة: المراد من قوله سبحانه: ( قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعآ )(1) ليس أنّه سبحانه هو الشفيع دون غيره; اذ من الواضح أنّه
سبحانه لا يشفع عند غيره ، بل المراد أنّ المالك لمقام الشفاعة هو سبحانه وأنّه لا يشفع أحد في حقّ أحد الّا باذنه للشفيع وارتضائه للمشفوع له ، ولكن هذا المقام ثابت لله سبحانه بالأصالة والاستقلال ، ولغيره بالاكتساب والإجازة ، قال سبحانه: ( وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ اِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(2)
فالآية صريحة في أنّ من شهد بالحق يملك الشفاعة ولكن تمليكآ منه سبحانه وفي طول ملكه .
وعلى ذلك فالآية أجنبية عن طلب الشفاعة من الأولياء الصالحين الذين شهدوا بالحق وملكوا الشفاعة ، وأُجيزوا في أمرها في حقّ من ارتضاهم لها.

-1-. الزمر: 44.
-2-. الزخرف : 86.

صفحه 81
وأنت أيّها الأخ المتحرر من كل رأي مسبق ، اذا لاحظتَ ما ذكرته سابقآ في تفسير الآية ، يتضح لك ، أنّ طلب الشفاعة من الصالحين ، ليس طلبَ فعله سبحانه من غيره .
انّ طلب الشفاعة يشبه عمل عَبَدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الكاذبة الباطلة ، وقد حكى القرآن ذاك العمل منهم ، قال سبحانه: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)(1) وعلى ذلك فالاستشفاع من غيره سبحانه
عبادة لهذا الغير.
ما كنت أُفكّر أيّها الأخ أن تغتر بظواهر الأعمال وتقضي بالبساطة والسذاجة ، مع أن القرآن أمر بالتدبّر والتفكّر والدقّة في مصادر الأعمال وجذورها، لا بالاغترار بظاهرها.
فالفرق واضحٌ بين عمل المسلم والمشرك لأنّك اذا أمعنتَ النظر في مضمون الآية تقف على أنّ المشركين كانوا يقومون بعملين :

-1-. يونس : 18.

صفحه 82
1 ـ عبادة الآلهة ويدلّ عليه: ( وَيَعْبُدُونَ ... ).
2 ـ طلب الشفاعة ويدل عليه: ( وَيَقُولُونَ ... ).
وكان سبب اتّصافهم بالشرك هو العمل الأوّل لا الثاني; اذ لو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها بالحقيقة ، لما كان هناك مبرّرٌ للإتيان بجملة أُخرى ، أعني قوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا ) بعد قوله: (وَيَعْبُدُونَ ...) اذ لا فائدة لهذا التكرار، وتوهم أنّ الجملة الثانية توضيحٌ لُولى خلاف الظاهر; فانّ عطف الجملة الثانية على الاُولى يدلّ على المغايرة بينهما.
اذن لا دلالة للاية على أنّ الاستشفاع بالأصنام كان عبادة ، فضلا عن كون الاستشفاع بالأولياء المقربين عبادة لهم .
وهناك فرق واضح بين طلب شفاعة الموحِّد من أفضل الخليقة ـ عليه أفضل التحية ـ وطلب شفاعة المشرك ، حيث انّ الأوّل يطلب الشفاعة منه بما أنّه عبدٌ صالح أذن له سبحانه ليشفع في عباده تحت شرائط خاصة ، بخلاف المشرك; فانّه يطلب الشفاعة منه ، بما أنّه ربّ يملك الشفاعة يعطيها من يشاء ويمنعها عمّن يشاء. أفيصح عطفُ أحدهما على الآخر والحكم بوحدتهما جوهرآ وحقيقة ؟!
كيف يصح لمسلم واع اتخاذ المشابهة دليلا على الحكم ، فلو صح ذلك لزم عليه الحكم بتحريم أعمال الحج والعمرة فانّها

صفحه 83
مشابهة لأعمال المشركين ، أمام أربابهم وآلهتهم .
(اِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).(1)
السؤال الخامس: ان طلب الشفاعة دعاء الغير، وهو عبادة له
طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام; فانّ ذلك دعاء لغير الله وهو حرام . قال سبحانه: ( فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدآ )(2) واذا كانت
الشفاعة ثابتة لأوليائه وكان طلب الحاجة من غيره حرامآ فالجمع بين الأمرين يتحقّق بانحصار جواز طلبها من الله سبحانه خاصة ، ويوضح ذلك قوله سبحانه: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ اِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(3) ، فقد عبّر عن
العبادة في الآية بلفظ الدعوة في صدرها وبلفظ العبادة في ذيلها، وهذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى . وقد ورد قوله (صلي الله عليه و آله) :« الدعاء مُخُّ العبادة » .

-1-. ق : 37.
-2-. الجن : 18.
-3-. غافر: 60.

صفحه 84
على هامش السؤال
لا أظن أنّ أحدآ على وجه البسيطة يجعل الدعاء مرادفآ للعبادة . والّا لم يمكن تسجيل أحد من الناس ـ حتى الأنبياء ـ في ديوان الموحدين ، فلابد أن يقترن بالدعاء شيءٌ آخر، ويصدر الدعاء عن عقيدة خاصة في المدعوّ والّا فمجرّد دعوة الغير حيآ كان أو ميتآ، لا يكون عبادة له .
هل ترى أنّ الشاعرة التي تخاطب شجر الخابور بقولها :
أيا شجر الخابور ما لك مورِقا كأنّك لم تجزع على ابن طريف
أنّها عبدته ؟ كلّا ثم كلّا.
انّ العمل لا يتّسم بالعبادة الّا اذا كانت في نية الداعي عناصر تضفي عليه صفة العبادة وحدّها; وهو الاعتقاد بالوهية المدعو وربوبيته وانّه المالك لمصيره في عاجله وآجله ، وان كان مخلوقآ أيضآ. والمراد من الدعاء في قوله تعالى: (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدآ ) ليس مطلق دعوة الغير، بل الدعوة الخاصة المضيّقة المترادفة للعبادة ، ويدلّ عليه قوله سبحانه في نفس هذه الآية: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِِ ).
وما ورد في الحديث من « أنّ الدعاء مُخُّ العبادة »
فليس المراد

صفحه 85
منه مطلق الدعاء، بل المراد دعاء الله مُخُّ العبادة . كما أنّ ما ورد في الروايات من أنّه : من أصغى الى ناطق فقد عَبَدَه ، فانْ كان ينطق عن الله فقد عبد الله، وان كان ينطق عن غير الله فقد عبد غيرالله.(1) فليس المراد من العبادة هنا: العبادة المصطلحة ، بل
استعيرت في المقام لمن يجعل نفسه تحت اختيار الناطق .
وعلى ذلك فيكون المراد من النهي عن دعوة الغير هو الدعوة الخاصة المقترنة بالاعتقاد، أي كون المدعو ذا اختيار تام في التصرّف في الكون وقد فُوِّض اليه شأن من شؤُونه سبحانه .
فاذا كان طلب الشفاعة مقترنآ بهذه العقيدة فانّه يُعَدُّ عبادةً للشفيع. والّا فيكون طلب الحاجة كسائر الطلبات من غيره سبحانه الذي لا يشكّ ذو مسكة في عدم كونه عبادة .
وبعبارة أُخرى: طلب الشفاعة انّما يُعَدُّ عبادة للشفيع اذا كان مقرونآ بالاعتقاد بالوهيته وربوبيته ، وأنّه مالك لمقام الشفاعة أو مفوَّض اليه ، يتصرّف فيها كيف يشاء، وأمّا اذا كان الطلب مقرونآ باعتقاد أنّه عبدٌ من عباد الله الصالحين يتصرف باذنه سبحانه للشفاعة ، وارتضائه للمشفوع له ، فلا يُعَدُّ عبادة للمدعوّ، بل يكون وزانه وزان سائر الطلبات من المخلوقين ، فلا يعدُّ عبادة بل طلبآ محضآ، غاية الأمر لو كان المدعو قادرآ على المطلوب يكون الدعاء

-1-. الكافي: 6 / 434، الحديث 4.

صفحه 86
ـ عقلا ـ أمرآ صحيحآ، والا فيكون لغوآ.
فلو تردّى انسان وسقط في قعر بئر وطلب العون من الواقف عند البئر القادر على نجاته وانقاذه ، يُعَدّ الطلب أمرآ صحيحآ، ولو طلبه من الأحجار المنضودة حول البئر يكون الدعاء والطلب منها لغوآ مع كون الدعاء والطلب هذا في الصورتين غير مقترن بشيء من الإلوهية والربوبية في حق الواقف عند البئر، ولا الأحجار المنضودة حولها.
انّ الآية تحدّد الدعوة التي تُعَد عبادة بجعل المخلوق في رتبة الخالق سبحانه كما يفصح عنه قوله: ( مَعَ اللهِ )(1) وعلى ذلك فالمنهيُّ
هو دعوة الغير، وجعله مع الله، لا ما اذا دعا الغيرَ معتقدآ بأنّه عبدٌ من عباده لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرآ ولا نفعآ ولا حياةً ولا بعثآ ولا نشورآ الّا بما يتفضل عليه باذنه ويقدر عليه بمشيئته ، فعند ذاك فالطلب منه بهذا الوصف يرجع الى الله سبحانه .
وبذلك يبدو أنّ ما تدل عليه الآيات القرآنية من أنّ طلب الحاجة من الأصنام كان شركآ في العبادة ، انّما هو لأجل أنّ المدعوّ عند الداعي كان الهآ أو ربّآ مستقلا في التصرف في شأن من شؤُون وجوده أو فعله . قال سبحانه: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ

-1-. النمل : 60 وغيرها.

صفحه 87
يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)(1) ترى أنّه سبحانه يستنكر دعاءهم
بقوله : (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) وقوله : (عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ )(2) مُذكِّرآ بأنّ عقيدتهم في حق هؤلاء عقيدة كاذبة وباطلة
فالأصنام لا تستطيع نصرة أحد، وهذا يكشف عن أنّ الداعين كانوا على جانب النقيض من تلك العقيدة وكانوا يعتقدون بتملّك الأصنام لنصرهم وقضاء حوائجهم من عند أنفسهم .
وحصيلة البحث: أنّ الدعاء ليس مرادفآ للعبادة ، وما ورد في الآية والحديث من تفسير الدعاء بالعبادة لا يدل على ما يراه المستدِلّ ، فالمراد من الدعاء فيهما قسمٌ خاص ى منه ، وهو الدعاء المقترن باعتقادِ الإلوهية في المدعّو والربوبيّة في المطلوب منه، كما عرفت .

-1-. الأعراف: 197.
-2-. الأعراف : 194.

صفحه 88
المبحث الثامن
الشفاعة في الأحاديث الإسلامية
لقد اهتمّ الحديث بأمر الشفاعة وحدودها وشرائطها وأسبابها وموانعها اهتمامآ بالغآ لا يوجد له مثيل الّا في موضوعات خاصة تتمتع بالأهمية القصوى ، وأنت اذا لاحظت الصحاح والمسانيد والسنن وسائر الكتب الحديثية لوقفت على جمهرة كبرى من الأحاديث حول الشفاعة بحيث تدفع الإنسان الى الإذعان بأنّها من الأُصول المسلّمة في الشريعة الإسلامية . ولأجل هذا التضافر نرى أنفسنا في غنى عن المناقشة في الاسناد.
نعم لو كانت هناك رواية اختصت بنكتة خاصة غير موجودة في الروايات الأُخر، فاثبات النكتة الخاصّة يحتاج الى ثبوت صحة سندها كما هو المحقّق في علم الحديث.
ولمّا كانت الأحاديث حول الشفاعة وفروعها كثيرة جدآ، ومبثوثة في الكتب جمعناها في هذه الصحائف تحت عناوين خاصّة ، ولسنا ندّعي أنّنا قد أحطنا بكل الأحاديث في هذا المجال ، وانّما ندّعي أنّا قد جئنا بقسم كبير من الأحاديث.(1)

-1-. لقد جمع العلّامة المجلسي أحاديث الشفاعة الواردة من طرق أئمة2أهل البيت: في موسوعته « بحار الأنوار» فلاحظ: 8 / 29 ـ 63كما أنّه أورد بعضها في الأجزاء التالية من موسوعته: بحار الأنوار: 100
/116،162، 170، 265، 303، 307، 331، 340، 345، 349، 351، 376، 379،ولاحظ : 101 / 8، 211، 212، 213، 293، 297، 298، 299، 372، 374،ولاحظ: 102 / 31، 32 ، 33، 35، 36، 44، 47، 71، 171، 181، 183، اليغير ذلك من الموارد. وعقد أحمد بن محمد بن خالد البرقي بابآ للشفاعة فيموسوعته « المحاسن » فلاحظ : 1 /184.

صفحه 89
أحاديث الشفاعة عند أهل السنّة:(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « لكلّ نبي دعوة مستجابة فتعجّل كلّ نبي دعوته وأنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأُمّتي وهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئآ» .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « اُعطيت خمسآ... واُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمّتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئآ» .(3)

-1-. وقد عقد العلّامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي )المتوفّي975 ه ( بابآ خاصآ للشفاعة نقل فيه طائفة من الأخبار، فلاحظ : كنز العمال: 4/ 638 ـ 640.كما عقد الشيخ منصور علي ناصف في كتابه « التاج الجامعلُصول » أبوابآ للشفاعة، لاحظ التاج: 5 / 348 ـ 360 وقد جاء فيهابأحاديث طوال قد أخذنا موضع الحاجة منها. غير أنّ ملاحظة مجموعالأحاديث لا تخلو عن فائدة . وعقد النسائي في سننه أبوابآ أربعة خاصة للشفاعة لاحظ سنن النسائي: 3 / 622 ط دار احياء التراث الإسلامي .
-2-. سنن ابن ماجة: 2 / 1440، وبهذا المضمون راجع مسند أحمد: 1 / 281،وموطّأ مالك: 1 / 166; وسنن الترمذي: 5 / 238; وسنن الدارمي: 2 / 328;وصحيح مسلم: 1 / 130; وصحيح البخاري: 8 / 83 و :9 170.
-3-. مسند أحمد: 1 / 301 و :4 416 و :5 148، وبهذا المضمون سنن النسائي :1/ 172، وسنن الدارمي: 1 / 323 و:2 224، وصحيح البخاري: 1 / 92 و119.

صفحه 90
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « شفاعتي نائلة ان شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئآ» .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) في تفسير قوله: ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ): « هو المقام الذي أشفع لأُمّتي فيه » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « أنا أوّلّ شافع وأوّل مشفّع » .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « شفاعتي لمن شهد أن لا اله الّا الله مخلصآ يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه » .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ شفاعتي يوم القيامة لأهل
الكبائر من أُمّتى » .(5)

-1-. مسند أحمد: 2 / 426.
-2-. مسند أحمد: 2 / 528، 444، 478; سنن الترمذي: 3 / 365.
-3-. سنن الترمذي: 5 / 448; سنن الدارمي: 1 / 26 و 27.
-4-. مسند أحمد: 2 / 307 و 518.
-5-. سنن ابن ماجة: 2 / 1441; وبهذا المضمون مسند أحمد: 3 / 213، وسننأبي داود: 2 / 537، وسنن الترمذي : 4 / 45.

صفحه 91
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « رأيت ما تلقى أُمّتي بعدي )أي من الذنوب( فسألت الله أن يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله الّا الله خالصآ من قلبه أو نفسه » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « أنا أوّل شافع في الجنة » .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « شفاعتي لكل مسلم » .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « اذا كان يوم القيامة كنت امام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» .(5)
ـ قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): « أنا سيد ولدآدم وأوّل شافع
وأوّل مشفّع ولا فخر» .(6)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّي لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة » .(7)

-1-. مسند أحمد: 6 / 428.
-2-. صحيح البخاري: 1 / 36.
-3-. صحيح مسلم: 1 / 130; سنن الدارمي: 1 / 27.
-4-. سنن ابن ماجة: 2 / 1444.
-5-. سنن الترمذي: 5 / 247; سنن ابن ماجة: 2 / 1443.
-6-. سنن ابن ماجة: 2 / 1440; وبهذا المضمون صحيح مسلم: 7 / 59، ومسندأحمد: 2 / 540.
-7-. مسند أحمد: 5 / 347.

صفحه 92
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « ليخرجنّ قوم من أُمّتي من النار بشفاعتي يسمّون الجهنميين » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « خُيّرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمّتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنّها أعمّ وأكفى ، أترونها للمتقين ؟ لا، ولكنّها للمذنبين الخطّائين المتلوثين » .(2)
ـ وحكى أبو ذر: أنّ رسول الله (صلي الله عليه و آله) صلّى ليلة فقرأ آية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: (اِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَاِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَاِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَاِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(3) فلمّا أصبح قلت: يا رسول الله ما
زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها، قال: « انّي سألت ربّي عزّ وجلّ الشفاعة لأُمّتي فأعطانيها فهي نائلة ان شاء الله لمن لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئآ» .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « يشفع النبيّون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي» .(5)

-1-. سنن الترمذي: 4 / 114; سنن ابن ماجة: 2 / 1443; وبهذا المضمون: مسندأحمد: 4 / 434، وسنن أبي داود: 2 / 537.
-2-. سنن ابن ماجة: 2 / 1441.
-3-. المائدة: 118.
-4-. مسند أحمد: 5 / 149.
-5-. صحيح البخاري: 9 / 160; وبهذا المضمون مسند أحمد: 3 / 94.

صفحه 93
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ الله يخرج قومآ من النار بالشفاعة » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « فاذا فرغ الله عزّ وجلّ من القضاء بين خلقه وأخرج من النار من يريد أن يخرج ، أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع فيعرفون بعلاماتهم: انّ النار تأكل كل شيء من ابن آدم الّا موضع السجود» .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « ... فيؤذن للملائكة والنبيّين
والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من ايمان » .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « اذا ميّز أهل الجنة وأهل النار، فدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار، قامت الرسل وشفعوا» .(5)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « يشفع الأنبياء في كل من يشهد أن

-1-. صحيح مسلم: 1 / 122 ; وبهذا المضمون صحيح البخاري: 8 / 143.
-2-. سنن ابن ماجة: 2 / 1443.
-3-. سنن النسائي: 2 / 181.
-4-. مسند أحمد: 5 / 43، بتلخيص منّا.
-5-. مسند أحمد: 3 / 325.

صفحه 94
لا اله الّا الله مخلصآ، فيخرجونهم منها» .(1)
ـ ذكرت الشفاعة عند رسول الله (صلي الله عليه و آله) فقال: « انّ الناس يعرضون على جسر جهنم ... وبجنبتيه الملائكة يقولون : اللّهمّ سلّم سلّم ...» .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) في حديث: « أمّا أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم نار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتتهم اماتة ، حتى اذا كانوا فحمآ أذن في الشفاعة فيخرجون ضبائر ضبائر» .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) في حديث: « ... فيشفعون حتى يخرج من قال لا اله الّا الله ممّن في قلبه ميزان شعيرة » .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « يشفع الشهيد في سبعين انسانآ من أهل بيته » .(5)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « من تعلّم القرآن )من قرأ القرآن(

-1-. مسند أحمد: 3 / 12.
-2-. مسند أحمد: 3 / 26.
-3-. مسند أحمد: 3 / 79; وبهذا المضمون سنن ابن ماجة: 2 / 1441، وسننالدارمي : 2 / 332، ومسند أحمد: 3 /5.
-4-. مسند أحمد: 3 / 345.
-5-. سنن أبي داود: 2 / 15; وبهذا المضمون: مسند أحمد: 4 / 131، وسننالترمذي : 3 / 106.

صفحه 95
فاستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله الله به الجنة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت له النار» .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) في حديث: « اذا بلغ الرجل التسعين غفر الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وسمّي أسير الله في الأرض ، وشفّع في أهله » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل
من أُمّتي أكثر من بني تميم » .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ من أُمّتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر» .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيّين أو مثل أحد الحيّين ربيعة ومضر» .(5)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ الرجل من أُمّتي ليشفع للفئام من الناس فيدخلون الجنة ، وانّ الرجل

-1-. سنن الترمذي: 4 / 245; سنن ابن ماجة: 1 / 78; مسند أحمد: 1 / 148 و149.
-2-. مسند أحمد: 2 / 89، وبهذا المضمون ما في: 3 / 218.
-3-. سنن الدارمي: 2 / 328; سنن الترمذي: 4 / 46; سنن ابن ماجة: 2 / 1444;مسند أحمد: 3 / 470 و 5 / 366.
-4-. مسند أحمد: 4 / 212.
-5-. مسند أحمد: 5 / 257.

صفحه 96
ليشفع للقبيلة ، وانّ الرجل ليشفع للعصبة ، وانّ الرجل ليشفع للثلاثة ، وللرجلين ، وللرجل » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « يصف الناس )أهل الجنة( صفوفآ: فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استقيت فسقيتك شربة ؟ قال: فيشفع له ، ويمرّ الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهورآ ؟ فيشفع له » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) في حديث: « لا يصبر على لأوائها )أي المدينة( وشدّتها الّا كنت له شفيعآ أو شهيدآ يوم القيامة » .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) لخادمه: « ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة ، قال: ومن دلّك على هذا ؟ قال : ربي ، قال: أما فأعنّي بكثرة السجود» .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « من صلّى على محمد وقال : اللّهمّ أنزله المقعد المقرّب عندك يوم القيامة ، وجبت له شفاعتي » .(5)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « من قال حين يسمع النداء : « اللّهمّ

-1-. مسند أحمد: 3 / 20 و 63; سنن الترمذي: 4 / 46.
-2-. سنن ابن ماجة: 2 / 1215.
-3-. موطأ مالك: 2 / 201; مسند أحمد: 2 / 119 و 133 ومواضع أُخر من هذاالكتاب .
-4-. مسند أحمد: 3 / 500، وبهذا المضمون ما في: 4 / 59.
-5-. مسند أحمد: 4 / 108.

صفحه 97
ربّ هذه الدعوة التامّة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامآ محمودآ الذي وعدته » حلّت له شفاعتي يوم القيامة » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلّوا عليّ; فانّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه عشرآ، ثم سلوا الله عزّ وجلّ لي الوسيلة; فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « من غشّ العرب ، لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودّتي» .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ اللعّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة » .(4)

-1-. صحيح البخاري: 1 / 159; وبهذا المضمون ما في مسند أحمد: 3 / 354،وسنن ابن ماجة: 1 / 239، وسنن الترمذي: 1 / 136، وسنن النسائي: 2 / 22،وسنن أبي داود: 1 / 126.
-2-. سنن أبي داود: 1 / 124; صحيح مسلم: 2 / 4; سنن الترمذي: 5 / 246 و247; سنن النسائي: 2 / 22; ومسند أحمد: 2 / 168.
-3-. مسند أحمد: 1 / 72. ولا يتوهم أنّ هذا الحديث تكريس للقومية المبغوضة في الإسلام; لأنّ من المعلوم أنّ المراد من العرب المسلمين فيكون بمنزلة « من غشّ مسلمآ فليس بمسلم » لأنّ المسلم يوم ذاك كانمنحصرآ في العرب .
-4-. مسند أحمد: 6 / 448; صحيح مسلم: 8 / 24.

صفحه 98
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « تعلّموا القرآن; فانّه شافع لأصحابه يوم القيامة » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ سورة من القرآن ثلاثين
آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام: أي ربّي منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني فيه ، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه ، قال: فيشفعان » .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « ان أقربكم منّي غدآ وأوجبكم عليَّ شفاعة: أصدقكم لسانآ وأدّاكم لأمانتكم ، وأحسنكم خلقآ، وأقربكم من الناس » .(4)
ـ روى أنس بن مالك عن أبيه قال: سألت النبي (صلي الله عليه و آله) أن يشفع لي يوم القيامة فقال: « أنا فاعل » ، قلت: يا رسول الله فأين أطلبك ؟ قال: « اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط » ، قلت: فان لم

-1-. مسند أحمد: 5 / 251.
-2-. مسند أحمد: 2 / 199 و 321; سنن الترمذي: 4 / 238.
-3-. مسند أحمد: 2 / 174.
-4-. تيسير المطالب في أمالي الإمام علي بن أبي طالب ، تأليف السيد يحيي بنالحسين من أحفاد الإمام زيد )المتوفّي 424 ه (: ص 442 ـ 443.

صفحه 99
ألقك على الصراط ؟ قال: « فاطلبني عند الميزان » ، قلت: فان لم ألقك عند الميزان ؟ قال: « فاطلبني عند الحوض فانّي لا أخطا هذه الثلاث
المواطن » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله) في حديث: « أنا سيد الناس يوم القيامة ... ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع ، فأرفع رأسي فأقول: يا ربّي أُمّتي يا ربّي أُمّتي يا ربّي أُمّتي ، فيقول: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة » .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « أنا أوّل الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعآ» .(3)
ـ أخرج ابن مردويه عن طلق بن حبيب: كنت أشد الناس تكذيبآ بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم لسنّة رسول الله منّي ؟ انّ الذين قرأت هم أهلها هم المشركون ، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبآ فعذّبوا ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه الى أُذنيه ، فقال: صمّتا ان لم أكن سمعت رسول الله

-1-. سنن الترمذي ج 4، الباب التاسع ، الحديث 2550.
-2-. سنن الترمذي ج 4، الباب العاشر، الحديث 2551.
-3-. صحيح مسلم: 1 / 130.

صفحه 100
يقول: يخرجون من النار بعدما دخلوا، ونحن نقرأ كما قرأت .
وعن ابن أبي حاتم عن يزيد الفقير، قال: جلست الى جابر
بن عبد الله وهو يحدّث ، فحدّث أنّ ناسآ يخرجون من النار، قال : وأنا يومئذ أنكر ذلك ، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أنّ الله يخرج ناسآ من النار والله يقول: ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا)(1) فانتهرني أصحابه وكان أحلمهم ، فقال: دعوا الرجل انّما
ذلك للكفّار، فقرأ: ( اِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الاَْرْضِ جَمِيعآ وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) حتى بلغ ( وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ )(2) أما تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى قد جمعته ، قال: أليس الله يقول :
(وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ )(3) فهو ذلك المقام فانّ الله تعالى يحتبس أقوامآ بخطاياهم في النار
أن ما شاء لا يكلّمهم فاذا أراد أن يخرجهم أخرجهم قال : فلم أعد بعد ذلك الى أن أكذب به ....(4)

-1-. المائدة : 37.
-2-. المائدة : 36 ـ 37.
-3-. الإسراء: 79.
-4-. تفسير ابن كثير: 2 / 54 كما في حياة الصحابة للشيخ محمد يوسفالكاندهلوي: 3 / 471 ـ 472 .

صفحه 101
هذه خمسون حديثآ رواها أهل السنّة عن النبي الأعظم (صلي الله عليه و آله)
ولو أضفنا اليها الصور المختلفة لكل حديث لتجاوز عدد الأحاديث المائة، ولكن اكتفينا بهذا المقدار وأشرنا الى المواضع التي نقلت فيها صورها المختلفة، والناظر فيها يذعن بأنّ الاعتقاد بالشفاعة كان أمرآ مسلّمآ بين جماهير المسلمين كما يذعن بأنّها لم تكن عندهم مطلقة عن كل قيد، بل لها شرائط خصوصآ في جانب المشفوع له ، وأنّ هناك شفعاء، وسنشير في خاتمة المطاف الى فذلكة الروايات وعصارتها في المواضع المختلفة .
هلمّ معي نقرأ ما روته الإمامية في هذا الباب من الأحاديث الكثيرة عن النبي الأكرم والأئمة المعصومين ، ولأجل سهولة الإرجاع اليها نحافظ على التسلسل المذكور في الأحاديث السابقة .
أحاديث الشفاعة عند الشيعة الإمامية
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّي لأشفع يوم القيامة وأُشفّع ، ويشفع علي فيُشفّع ، ويشفع أهل بيتي فيشفّعون » .(1)
ـ قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): « أُعطيت خمسآ... أُعطيت الشفاعة » .(2)

-1-. مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 15; وبهذا المضمون في مجمع البيان: 1 / 104.
-2-. من لا يحضره الفقيه: 1 / 155.

صفحه 102
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ الله أعطاني مسألة فادّخرت مسألتي لشفاعة المؤمنين من أُمّتي يوم القيامة ففعل ذلك » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ من اُمتي من سيدخل الله الجنة بشفاعته أكثر من مضر» .(2)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي » .(3)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « الشفعاء خمسة: القرآن ، والرحم ، والأمانة ، ونبيكم ، وأهل بيت نبيكم » .(4)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة : أي ربّي عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا، فشفّعني فيه فيقول: اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها» .(5)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « ادّخرت شفاعتي لأهل
الكبائر من أُمّتي» .(6)

-1-. أمالي الطوسي: 36.
-2-. مجمع البيان: 10 / 392.
-3-. من لا يحضره الفقيه: 3 / 376.
-4-. مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 14.
-5-. مجمع البيان: 10 / 392.
-6-. مجمع البيان: 1 / 104، ويقول الطبرسي: انّ هذا الحديث ممّا قبلته الأُمّة الإسلامية .

صفحه 103
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « انّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين من اخوانه » .(1)
ـ قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): « أيّما امرأة صلّت في اليوم والليلة خمس صلوات ، وصامت شهر رمضان ، وحجّت بيت الله الحرام ، وزكّت مالها، وأطاعت زوجها، ووالت عليّآ بعدي، دخلت الجنة بشفاعة بنتي فاطمة » .(2)
أحاديث الشفاعة عن الإمام عليّ(عليه السلام):
ـ قال علي (عليه السلام): « لنا شفاعة ولأهل مودّتنا شفاعة » .(3)
ـ قال علي (عليه السلام): « ثلاثة يشفعون الى الله عزّ وجلّ فيشفّعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» .(4)
ـ قال علي (عليه السلام) لولده محمد ابن الحنفية: « اقبل من
متنصّل عذره ، فتنالك الشفاعة » .(5)
ـ قال علي (عليه السلام): « اعلموا أنّ القرآن شافع ومشفّع ، وقائل ومصدّق ، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه » .(6)

-1-. مجمع البيان: 1 / 104.
-2-. أمالي الصدوق: 291.
-3-. خصال الصدوق: 624.
-4-. خصال الصدوق: 156.
-5-. من لا يحضره الفقيه: 4 / 279.
-6-. نهج البلاغة : الخطبة 171.

صفحه 104
ـ قال علي (عليه السلام): « قال رسول الله (صلي الله عليه و آله): اذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من أُمّتي فيشفّعني الله فيهم ، والله لا تشفّعت فيمن آذى ذرّيتي» .(1)
ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): « انّ للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصدّيقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا فلا أزل واقفآ على الصراط أدعو وأقول: ربّ سلّم شيعتي ومحبّي وأنصاري ومن تولّاني في دار الدنيا، فاذا النداء من بطنان العرش: قد أُجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك ، ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولّاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفآ من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا اله الّا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل
البيت » .(2)
ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): « سمعت النبي يقول: اذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول الله انّ الله جلّ اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك فكافئهم بما شئت، فأقول: يا ربّ الجنة.

-1-. أمالي الصدوق: 177.
-2-. الخصال: 408 ح 6، باب الثمانية.

صفحه 105
فأُنادى: فولّهم منها حيث شئت ، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به » .(1)
ـ عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: « قالت فاطمة (عليهاالسلام) لرسول الله(صلي الله عليه و آله): يا أبتاه أين ألقاك يوم الموقف الأعظم ويوم الأهوال ويوم الفزع الأكبر ؟ قال: يا فاطمة عند باب الجنة ومعي لواء الحمد وأنا الشفيع لأُمّتي الى ربّي . قالت: يا أبتاه فان لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني على الحوض وأنا أسقي أُمّتي ، قالت: يا أبتاه ان لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني على الصراط وأنا قائم أقول: ربّ سلّم أُمّتي ، قالت: فان لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني وأنا عند الميزان ، أقول: ربّي سلّم أُمّتي ، قالت: فان لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني على شفير جهنّم أمنع شررها ولهبها عن اُمتي، فاستبشرت فاطمة بذلك ، صلّى الله
عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها» .(2)
أحاديث الشفاعة عن سائر أئمة أهل البيت ::
ـ قال الحسن (عليه السلام): « انّ النبي قال في جواب نفر من اليهود سألوه عن مسائل: وأمّا شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم » .(3)

-1-. أمالي الطوسي: 298 ح 586، المجلس الحادي عشر.
-2-. أمالي الصدوق: 350 ح 422، المجلس السادس والأربعون.
-3-. خصال الصدوق: 355.

صفحه 106
ـ عن الحسين (عليه السلام) وهو ينقل كلام جدّه معه في منامه قائلا: « حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلا بدمائك مذبوحآ بأرض كربلا على أيدي عصابة من أُمّتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة » .(1)
ـ قال علي بن الحسين (عليهما السلام) في الدعاء الثاني من صحيفته : « عرّفه في أهله الطاهرين ، وأُمّته المؤمنين من حسن الشفاعة ، أجل ما وعدته » .(2)
ـ قال علي بن الحسين (عليهما السلام): « اللّهمّ صلّ على محمد
وآل محمد وشرّف بنيانه وعظّم برهانه ، وثقّل ميزانه ، وتقبّل شفاعته » .(3)
ـ قال علي بن الحسين (عليهما السلام): « فانّي لم آتك ثقة منّي بعمل صالح قدمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته، الّا شفاعة محمد وأهل بيته عليه وعليهم سلامك » .(4)
ـ قال علي بن الحسين (عليهما السلام): « الهي ليس لي وسيلة اليك الّا

-1-. مكاتيب الأئمة: 2 / 41.
-2-. الصحيفة السجادية ، الدعاء الثاني .
-3-. الصحيفة السجادية ، الدعاء الثاني والأربعون .
-4-. الصحيفة السجادية: الدعاء الثامن والأربعون .

صفحه 107
عواطف رأفتك ، ولا ذريعة اليك الّا عوارف رحمتك ، وشفاعة نبيك نبي الأُمّة » .(1)
ـ قال علي بن الحسين (عليهما السلام): « صلّ على محمد وآله واجعل توسلي به شافعآ يوم القيامة نافعآ انّك أنت أرحم الراحمين » .(2)
ـ قال محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): « انّ لرسول الله (صلي الله عليه و آله) شفاعة في أُمّته » .(3)
ـ قال محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): « من تبع جنازة
مسلم أُعطي يوم القيامة أربع شفاعات » .(4)
ـ قال محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): « يشفع الرجل في القبيلة ، ويشفع الرجل لأهل البيت ، ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله ، فذلك المقام المحمود» .(5)
ـ قال محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): « انّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين انسانآ، فعند ذلك يقول أهل النار: فما لنا من

-1-. الصحيفة السجادية )الأبطحي(: 414 برقم 191 .
-2-. الصحيفة السجادية )الأبطحي(: 554 برقم 244 .
-3-. المحاسن للبرقي: 184.
-4-. تهذيب الأحكام: 1 / 455.
-5-. مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 14.

صفحه 108
شافعين ، ولا صديق حميم » .(1)
ـ سئل محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) عن أرجى آية في كتاب الله ؟ فقال الإمام(عليه السلام) للسائل )بشر بن شريح البصري(: « مايقول فيها قومك » ؟ قال:قلت: يقولون: ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ )، قال: « لكنّا أهل البيت لا نقول بذلك » ، قال السائل: قلت: فأيّ شيء تقولون فيها ؟ قال: « نقول: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة » .(2)
ـ دخل مولى لامرأة عليّ بن الحسين (عليهما السلام) على أبي جعفر
)الباقر( يقال له أبو أيمن فقال: يغرون الناس فيقولون شفاعة محمد، قال : فغضب أبو جعفر حتى تربد وجهه ، ثم قال: « ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عفّ بطنك وفرجك ، أما والله لو قد رأيت أفزاع يوم القيامة لقد احتجت الى شفاعة محمد، ويلك وهل يشفع الّا لمن قد وجبت له النار» .(3)
ـ عن محمد بن مسلم قال: سمعت أباجعفر(عليه السلام) يقول : « لفاطمة وقفة على باب جهنم فاذا كان يوم القيامة كتب بين عيني

-1-. الكافي: 8 / 101، وبهذا المضمون في تفسير فرات الكوفي: 108.
-2-. تفسير فرات الكوفي: 18.
-3-. المحاسن: 1 / 183.

صفحه 109
كل رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه الى
النار، فتقرأ بين عينيه محبآ، فتقول: الهي وسيدي سمّيتني
فاطمة وفطمت بي من تولّاني وتولّى ذريتي من النار ووعدك
الحق وأنت لا تخلف الميعاد، فيقول الله عزّ وجلّ: صدقت يا
فاطمة انّي سمّيتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولّاك
وأحب ذريتك وتولّاهم من النار ووعدي الحق ، وأنا لا أخلف الميعاد وانّما أمرت بعبدي هذا الى النار لتشفعي فيه فأُشفّعك ليتبيّن لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك منّي ومكانتك عندي، فمن قرأت بين عينيه مؤمنآ فجذبت بيده وأدخلته الجنة » .(1)
ـ قال جعفر بن محمد (عليهما السلام): « والله لنشفعنّ لشيعتنا، والله لنشفعنّ لشيعتنا، والله لنشفعنّ لشيعتنا حتى يقول الناس فما لنا من شافعين ولا صديق حميم » .(2)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « لكل مؤمن خمس ساعات يوم القيامة يشفع فيها» .(3)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « شفاعتنا لأهل الكبائر

-1-. بحار الأنوار: 8 / 51 نقلا عن علل الشرائع: 179 ح 6، الباب 142 .
-2-. مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 164.
-3-. صفات الشيعة : 36.

صفحه 110
من شيعتنا، وأمّا التائبون فانّ الله عزّ وجلّ يقول: ما على المحسنين من سبيل » .(1)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج ، والمساءلة في القبر، والشفاعة » .(2)
ـ قال معاوية بن عمّار لجعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) : « من ذا الذي يشفع عنده الّا باذنه ؟ قال: « نحن أُولئك الشافعون » .(3)
ـ سئل جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) عن المؤمن هل يشفع في أهله ؟ قال: « نعم المؤمن يشفع فيشفّع » .(4)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « اذا كان يوم القيامة نشفع في المذنب من شيعتنا وأمّا المحسنون فقد نجّاهم الله » .(5)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « نمجّد ربنا ونصلّي على نبيّنا ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربّنا» .(6)

-1-. من لا يحضره الفقيه: 3 / 376.
-2-. الأمالي للشيخ الصدوق: 177.
-3-. تفسير العياشي: 1 / 136، وبهذا المضمون في المحاسن : 183.
-4-. المحاسن : 1 / 184.
-5-. فضائل الشيعة للشيخ الصدوق: 109 ح 45.
-6-. المحاسن : 1 / 183، وبهذا المضمون في البحار: 8 / 41 عن الإمامالكاظم 7.

صفحه 111
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « انّ المؤمن ليشفع لحميمه ، الّا أن يكون ناصبآ، ولو أنّ ناصبآ شفع له كل نبي مرسل وملك مقرّب ما شفعوا» .(1)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « انّ الجار ليشفع لجاره والحميم لحميمه ، ولو أنّ الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين شَفّعوا في ناصب ما شُفّعوا» .(2)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « انّ المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيشفّع فيهم حتى يبقى خادمه فيقول ـ فيرفع سبابتيه ـ يا رب خويدمي كان يقيني الحر والبرد، فيشفّع فيه » .(3)
ـ كتب جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) الى أصحابه : « واعلموا أنّه ليس يغني عنهم من الله أحد من خلقه شيئآ، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا من دون ذلك، فمن سرّه أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب الى الله أن يرضى عنه » .(4)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « اذا كان يوم القيامة

-1-. ثواب الأعمال : 251.
-2-. المحاسن : 184.
-3-. بحار الأنوار: 8 / 56 و 61 نقلا عن الاختصاص للمفيد وتفسير العياشيبتفاوت يسير.
-4-. الكافي: 8 / 11.

صفحه 112
بعث الله العالم والعابد، فاذا وقفا بين يدي الله عزّ وجلّ قيل للعابد: انطلق الى الجنة ، وقيل للعالم: قف تشفّع للناس بحسن تأديبك لهم » .(1)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) في تفسير قوله سبحانه: « (لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ اِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدآ)
« لا يشفع ولا يشفّع لهم ولا يشفعون الّا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده فهو العهد عند الله » .(2)
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): « يا معشر الشيعة فلا تعودون وتتّكلون على شفاعتنا، فو الله لا ينال شفاعتنا اذا ركب هذا )الزنا( حتى يصيبه ألم العذاب ويرى هول جهنم » .(3)
ـ سئل جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) عن المؤمن هل له شفاعة ؟ قال: « نعم » ، فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن الى شفاعة محمد ؟ قال: « نعم ، انّ للمؤمنين خطايا وذنوبآ وما من أحد الّا يحتاج الى شفاعة محمد يومئذ» .(4)

-1-. بحار الأنوار: 8 / 56 نقلا عن عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق .
-2-. تفسير علي بن ابراهيم القمي : 417، ونُقل عن الإمام الباقر أيضآ كما فيالبحار: 8 / 37.
-3-. الكافي: 5 / 469; من لا يحضره الفقيه: 4 / 28.
-4-. تفسير العياشي المعاصر للشيخ الكليني: 2 / 314، وفي المحاسن: 1 / 184 ومع زيادات في بحار الأنوار: 8 /48.

صفحه 113
ـ قال جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) أو محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) في تفسير قوله: ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ) قال : « هي الشفاعة » .(1)
ـ عن سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن شفاعة النبي (صلي الله عليه و آله) يوم القيامة ؟ قال: « يلجم الناس يوم القيامة العرق ويقولون: انطلقوا بنا الى آدم يشفع لنا عند ربّه ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لنا عند ربّك فيقول: انّ لي ذنبآ وخطيئة فعليكم بنوح ، فيأتون نوحآ فيردّهم الى من يليه، وكلّ نبي يردّهم الى من يليه حتى ينتهون الى عيسى فيقول: عليكم بمحمد رسول الله ـ صلّى الله عليه وعلى آله وعلى جميع الأنبياء ـ فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه فيقول : انطلقوا، فينطلق بهم الى باب الجنة ويستقبل باب الرحمن ويخرّ ساجدآ فيمكث ما شاء الله، فيقول عزّ وجلّ: ارفع رأسك واشفع تشفّع وسل تعط وذلك قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ)» .(2)
ـ عن عيسى بن القاسم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): « انّ أُناسآ

-1-. تفسير العياشي: 2 / 314.
-2-. بحار الأنوار: 8 / 35 ـ 36 نقلا عن تفسير علي بن ابراهيم: 387. الذنب الذيورد في الحديث بمعني ما يتبع الإنسان لا بمعني المعصية ، وعلي كل حالفحسنات الأبرار سيئات المقرّبين .

صفحه 114
من بني هاشم أتوا رسول الله (صلي الله عليه و آله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله للعاملين عليها فنحن أولى به ، فقال رسول الله (صلي الله عليه و آله): يا بني عبد المطلب انّ الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكنّي وُعدت الشفاعة، ثم قال: والله
أشهد أنّه قد وعدها فما ظنّكم يا بني عبد المطلب اذا أخذت بحلقة الباب أتروني مؤثرآ عليكم غيركم ، ثم قال : انّ الجن والإنس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد فاذا طال بهم الموقف طلبوا الشفاعة فيقولون: الى من ؟ فيأتون نوحآ فيسألونه الشفاعة ، فقال : هيهات قد رفعت حاجتي ، فيقولون الى من ؟ فيقال: الى ابراهيم ...» .(1)
ـ عن سماعة، عن أبي ابراهيم(عليه السلام) في قول الله تعالى : (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ ) قال: « يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عامآ ويؤمر الشمس فتيركب على رؤوس العباد ويلجمهم العرق ، ويؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئآ، فيأتون آدم فيتشفّعون منه فيدلّهم على نوح ، ويدلّهم نوح على ابراهيم، ويدلّهم ابراهيم على موسى، ويدلّهم موسى على عيسى، ويدلّهم عيسى فيقول: عليكم بمحمد خاتم البشر، فيقول محمد: أنا

-1-. بحار الأنوار: 8 / 47 ـ 48، وذيل الحديث موافق لما تقدمه ولأجل ذلكتركناه .

صفحه 115
لها، فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدقّ فيقال له : من هذا ـ والله أعلم ـ فيقول: محمد ! فيقال: افتحوا له ، فاذا فتح الباب استقبل ربه فيخر ساجدآ فلايرفع رأسه حتى يقال له: تكلّم وسل تعط واشفع تُشفّع ، فيرفع رأسه فيستقبل ربّه فيخر ساجدآ فيقال له مثلها فيرفع
رأسه حتى أنّه ليشفع من قد أُحترق بالنار، فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأُمم أوجه من محمد (صلي الله عليه و آله) وهو قول الله تعالى : (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامآ مَحْمُودآ )» .(1)
ـ قال موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام): « لمّا حضر أبي )جعفر بن محمد( الوفاة قال لي: يا بني انّه لا ينال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة » .(2)
ـ قال موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام): « كان رسول الله (صلي الله عليه و آله) يقول: لا تستخفوا بفقراء شيعة علي; فانّ الرجل منهم ليشفع بعدد ربيعة ومضر» .(3)

-1-. بحار الأنوار: 8 / 48 ـ 49 نقلا عن تفسير العياشي: 2 / 315 ح 151 . والمرادمن « استقبل ربه » : استقبل رضوانه أو باب رحمته أو ما يناسبذلك كما ورد في الحديث المروي عن الإمام الصادق 7.
-2-. الكافي: 3 / 270 و :6 401; التهذيب: 9 / 107; وبهذا المضمون في من لايحضره الفقيه: 1 / 133، ونقله الشيخ في التهذيب: 9 / 106 عن الإمامالصادق 7.
-3-. بحار الأنوار: 8 / 59; وبهذا المضمون في أمالي الشيخ الطوسي: 63، وبشارة المصطفي: 55.

صفحه 116
ـ قال موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام): « شيعتنا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجّون البيت الحرام ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت ويتبرأون من أعدائهم ، وانّ
أحدهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر فيشفّعه الله فيهم لكرامته على الله عزّ وجلّ» .(1)
ـ قال علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ناقلا عن علي (عليه السلام): « من كذّب بشفاعة رسول الله لم تنله » .(2)
ـ قال علي بن موسى الرضا (عليهما السلام): « مذنبو أهل التوحيد لا يخلّدون في النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم » .(3)
ـ قال علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ناقلا عن آبائه عن رسول الله(صلي الله عليه و آله): « أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريّتي ، والقاضي لهم حوائجهم ، والساعي في أُمورهم عندما اضطرّوا اليه ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه » .(4)
ـ قال علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، ناقلا عن آبائه عن رسول الله(صلي الله عليه و آله): « من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله شفاعتي، ثم

-1-. صفات الشيعة : 164، الحديث الخامس .
-2-. عيون أخبار الرضا: 2 / 66.
-3-. عيون أخبار الرضا: 2 / 125.
-4-. عيون أخبار الرضا: 2 / 24، وباختصار يسير في بشارة المصطفي: 140.

صفحه 117
قال (عليه السلام): انّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل » ، قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا(عليه السلام) :
يا بن رسول الله فما معنى قول الله عزّ وجلّ: ( وَلاَ يَشْفَعُونَ اِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)؟ قال: « لا يشفعون الّا لمن ارتضى الله دينه » .(1)
ـ قال علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) كما في الزيارة الجامعة : « ولكم المودّة الواجبة والدرجات الرفيعة والمقام المحمود، والمقام المعلوم عند الله عزّ وجلّ والجاه العظيم ، والشأن الكبير والشفاعة المقبولة » .(2)
ـ قال الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) ناقلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ضمن حديث: « لا يزال المؤمن يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه » .(3)
ـ قال الحجة بن الحسن (عليهما السلام) في الصلوات المنقولة عنه : « اللّهمّ صلّ على سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة ربّ العالمين ، المرتجى للشفاعة » .(4)
هذه هي الأحاديث الواردة عن طرق الشيعة الإمامية، وأنت

-1-. أمالي الصدوق: 5.
-2-. من لا يحضره الفقيه: 2 / 616.
-3-. بحار الأنوار: 8 / 44.
-4-. مصباح المتهجّد : 284.

صفحه 118
اذا أضفتها الى ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد، يتجلّى لك
موقف الشفاعة في الشريعة الإسلامية وأنّها من الأُمور الثابتة والقطعية كما يتجلّى لك معناها، الى غير ذلك من الخصوصيات التي مرّ بيان الخلاف فيها.
ثم بقيت في المقام روايات مبعثرة في الكتب والصحاح والمسانيد، يستلزم جمعها افراد رسالة في المقام، ولأجل ذلك اكتفينا بما ذكرناه .
بحث وتمحيص حول الروايات الواردة في الشفاعة

صفحه 119
خاتمة المطاف:
بحث وتمحيص
حول الروايات الواردة في الشفاعة
قد وقفت على النصوص والروايات التي نقلناها من الصحاح والمسانيد لأهل السنّة والمجاميع الحديثية للشيعة الإمامية، والواجب هنا هو الوقوف على مضمون هذه الروايات على وجه الاختصار، واليك ما تدلّ عليه تلك المأثورات :
1 ـ يستفاد من الروايات المختلفة أنّ الشفاعة من ضروريات التشيّع وأنّ أئمة أهل البيت يجاهرون بذلك ، فلاحظ الأرقام التالية من الأحاديث المتقدّمة: 86، 106، 109.
2 ـ انّ الدقة فيما مرّ من الروايات المتواترة يقضي ببطلان ما ذهب اليه المعتزلة في معنى الشفاعة ، وأنّ الحقّ في الشفاعة هو ما عليه جمهور المسلمين من أنّه عبارة عن غفران الذنوب الكبيرة ببركة شفاعة الشفيع ودعائه ، فلاحظ الأرقام التالية من الأحاديث المتقدّمة: 1، 7، 15، 16، 55، 58، 65، 66، 85، 109 وغيرها من الروايات .

صفحه 120
3 ـ انّ الشفاعة كما تحفظ من دخول النار توجب خروج المذنب من النار بعد الدخول فيها، فلاحظ الأرقام التالية: 26، 50، 57، 107 وغيرها.
4 ـ انّ شفاعة الشافعين مشروطة بوجود مؤهلات في المشفوع لهم وقد جاءت شروطها في الروايات . منها: أن لا يكون مشركآ، ومنها: أن يكون مسلمآ، ومنها: أن يكون مؤمنآ، ومنها: أن يكون محبّآ لأهل البيت لا ناصبآ لهم العداء، ومنها: أن لا يكون مستخفآ بالصلاة ، نعم من كان مؤديآ لمانة ، وحسن الخلق ، وقريبآ من الناس يشفع له قبل كل أحد، فلاحظ في ذلك كلّه الأرقام التالية : 2، 3، 6، 9، 11، 17، 24، 91، 92، 103.
5 ـ انّ القرآن وان أجمل مسألة الشفيع ولم يصرّح في ذلك الّا في مورد أو موردين ، غير أنّ الأحاديث أعطت صورة مفصّلة عن الشفعاء، واليك أسماءهم مع الإشارة الى الأحاديث الدالّة عليها.
أ ـ الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله) من الشفعاء، فلاحظ الأرقام التالية من الأحاديث الماضية: 4، 5، 7، 8، 10، 14، 56، 69، 73، 74، 76، 100، 101.
ب ـ الملائكة من الشفعاء، فلاحظ الأرقام التالية: 18، 21، 22.
ج ـ الأنبياء من الشفعاء، فلاحظ الأرقام التالية: 20، 21، 22.

صفحه 121
د ـ أهل البيت من الشفعاء، فلاحظ الأرقام التالية: 51، 56.
ه ـ علي من الشفعاء، فلاحظ الرقم: 61.
و ـ فاطمة من الشفعاء، فلاحظ: 60، 82.
ز ـ العلماء من الشفعاء، فلاحظ: 20، 62، 95.
ح ـ الشهداء من الشفعاء، فلاحظ: 20، 22، 28، 62.
ط ـ القرآن من الشفعاء، فلاحظ: 43، 44، 56، 64.
ي ـ متعلّم القرآن والعامل به من الشفعاء، فلاحظ: 29.
ك ـ المؤمن من الشفعاء، فلاحظ: 77، 78، 88، 91، 93، 105، 111.
ل ـ من بلغ التسعين يشفع ، لاحظ: 30.
م ـ من كان حافظآ للرحم مؤدّيآ لمانة يشفع ، لاحظ: 56.
ما ذكرناه عصارة هذه الروايات ، وأمّا الوقوف على الجزئيات فيتوقف على ملاحظتها واحدة بعد الأُخرى .
***

صفحه 122
فهرس المحتويات
فهرس المحتويات
مقدّمة المؤلّف 7
المبحث الأوّل: موقف علماء الإسلام من الشفاعة 11
المبحث الثاني: الشفاعة في القرآن الكريم 22
1. الصنف الأوّل: ما ينفي الشفاعة 22
2. الصنف الثاني: ما يفنّد عقيدة اليهود في الشفاعة 24
3. الصنف الثالث: ما ينفي شمولَ الشفاعة للكفّار 24
4. الصنف الرابع: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة 25
5. الصنف الخامس: يخصّ الشفاعة به سبحانه 27
6. الصنف السادس: يثبت الشفاعة لغيره سبحانه بشروط 29
7. الصنف السابع: يُسمّي من تقبل شفاعتُه 33
الشفاعات المرفوضة 34
الشفاعات المقبولة 36
المبحث الثالث: حقيقة الشفاعة 38
أ ـ الشفاعة التكوينية 38
ب ـ الشفاعة القيادية 41
ج ـ الشفاعة المصطلحة 42
المبحث الرابع: مبرّرات الشفاعة 46
أ ـ ابتلاء الناس بالذنب والتقصير 46
ب ـ سعة رحمته لكل شيء 47
ج ـ الأصل هو السلامة 49
د ـ الآثار البنّاءة والتربويّة للشفاعة 51
ه ـ الأمر بيده سبحانه أوّلا وآخرآ 54
المبحث الخامس: أثر الشفاعة 55
المبحث السادس: طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة 60
السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم 6 64
المبحث السابع: أسئلة حول طلب الشفاعة 69
السؤال الأوّل: الشفيع ميّت كيف يُطلبُ منه الدُعاء؟ 69
على هامش السؤال 69
السؤال الثاني: الشفيع ميّت وهو لا يسمع ؟ 74
على هامش السؤال 75
السنّة لا تتفق مع عدم السماع 76

صفحه 123
1 ـ ما أنتم بأسمعَ منهم 76
2 ـ رواية الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف 77
السؤال الثالث: الشفاعة فعل الله 78
على هامش السؤال 79
السؤال الرابع: طلب الشفاعة يشبه عمل المشركين 81
على هامش السؤال 81
السؤال الخامس: ان طلب الشفاعة دعاء الغير، وهو عبادة له 83
على هامش السؤال 84
المبحث الثامن: الشفاعة في الأحاديث الإسلامية 88
أحاديث الشفاعة عند أهل السنّة 89
أحاديث الشفاعة عند الشيعة الإمامية 101
أحاديث الشفاعة عن الإمام عليّ 7 103
أحاديث الشفاعة عن سائر أئمة أهل البيت : 105
خاتمة المطاف: بحث وتمحيص حول الروايات الواردة في الشفاعة 119
فهرس المحتويات 123