فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : عصرة المنجود*
نویسنده :العلاّمة زين الدين النباطي البياضي*

عصرة المنجود

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
في علم الكلام
تأليف
العلاّمة زين الدين علي بن محمّد بن
يونس العاملي النباطي البياضي
المتوفّى 877 هـ ق
تحقيق
حسين التنكابني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
نباطي عاملي، علي بن محمد، 791 ـ 877 ق .
      عصرة المنجود / زين الدين أبو محمد علي بن محمّد بن يونس العاملي النباطي البياضي ; اشراف جعفر السبحاني ; صححه حسين الشهسواري . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1386 .
      365 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 275 - 4
      كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14 . الف. سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ . مشرف. ب. شهسواري، حسين، مصحح. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. عنوان.
6ع2ن/ 6/210 BP    4172 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   عُصرة المنجود
المؤلــف:   زين الدين علي بن محمّد بن يونس العاملي النباطي البياضي
الموضوع:    علم كلام
الطبعــة:   الأُولى
تاريخ الطبع:   1428 هـ
المطبعـة:    مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:    1500 نسخة
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6
جبل عامل أرض العلم الخصبة   
    عُصرة المنجود

صفحه 7

مقدّمة المشرف

جبل عامل

أرض العلم الخصبة

اشتهر جبل عامل بنقاء التربة، وطيب الهواء، وعذوبة الماء، واعتدال المناخ، ولذا كثرت خيراته وعطاءاته، ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ بل انعكس على الجوانب الروحية والمعنوية، فقد انتج هذا الجبل الأشمّ فقهاء كباراً، وعلماء فطاحل صار كلّ منهم غرّة ناصعة في جبين الدهر. وترك كلّ منهم آثاراً علمية خالدة في مختلف جوانب المعرفة والّتي سنخص بالذكر منها جانبي العقيدة والشريعة، وإن شئت قلت: الفقه الأكبر والفقه الأصغر.
إنّ من راجع المعاجم وكتب التراجم يقف على أنّ للعامليّين السهم الأوفر في إرساء صرح الحضارة الإسلامية والمعارف الدينية.
ولا بأس هنا من الإشارة إلى أبرز مشاهير هذه البلاد على سبيل الأُنموذج:
1. الشيخ محمد بن مكي المستشهد سنة 786 هـ ، المعروف بالشهيد الأوّل، الملقّب بإمام الفقه.

صفحه 8
2. الشيخ علي الكركي المتوفّى 940 هـ ، المعروف بالمحقّق الثاني مؤلف «جامع المقاصد» والّذي يُعد مؤسساً للفقه الجعفري لقسم من القواعد، ومنزلته في الفقه بمنزلة المفيد في الكلام والعقيدة، وللرجلين حق عظيم على الشيعة الإمامية في كلا الحقلين.
3. الشيخ زين الدين الجبعي المعروف بالشهيد الثاني المستشهد سنة 966 هـ ، صاحب «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» الّتي أصبحت كتاباً دراسياً منذ قرون.
4. محمد بن الحسين بن عبدالصمد الجبعي المعروف بالشيخ بهاء الدين العاملي المتوفّى 1030 هـ ، المتفنن في العلوم، وقلّما يتّفق أن يأتي الزمان بمثله في الإحاطة بالفنون المتنوعة.
إنّ الشهيد الأوّل وإن كان بطل النهضة العلمية في هذه الديار، إلاّ أنّه قد سبقه عدد من رواد النهضة والممهدين لها، نظراء:
1. إسماعيل بن الحسين العودي الجزّيني (المتوفّى 580 هـ).
2. جمال الدين بن يوسف بن حاتم المشغري (المتوفّى 664 هـ).
3. طومان بن أحمد المناري (المتوفّى 728 هـ).
4. صالح بن مشرف الطلوسي (المتوفّى أوائل القرن الثامن للهجرة).
هذه نماذج من علماء جبل عامل وأكابرها وفطاحلها جئنا بها كأنموذج.

صفحه 9
وفي حقل الحديث فيكفي أنّ نذكر محمد بن الحسن المشغري صاحب كتاب «وسائل الشيعة» المتوفّى 1104 هـ ، الّذي نبغ من هذه البلدة وترك هذا الأثر الحديثي الّذي فاق على جميع الجوامع الروائية في حسن التبويب والتنظيم، وقد قام هو بتأليف مفرد في تراجم علماء بلده ومسقط رأسه وأسماه بـ «أمل الآمل في علماء جبل عامل» وقد اشتغل بتأليفه عام 1096 هـ .
ولما كان المتخرجون من مدرسة «جبل عامل» أكثر ممّا سجّله الشيخ الحر العاملي في كتابه قام غير واحد من أعلام الطائفة بكتابة مستدركات له يقف عليها من له إلمام بعلم التراجم.(1)
وقد قام صديقنا الجليل الشيخ جعفر المهاجر بتأليف كتاب حول الحركة الفكرية في جبل عامل خلال قرنين هما (أواسط القرن 8 ـ إلى أواسط القرن 10 هـ) أسماه: «جبل عامل بين الشهيدين» .(2)
وممّن نبغ من هذه البلدة الشيخ أبو محمد زين الدين علي بن يونس العاملي، النباطي، البياضي صاحب كتاب «الصراط المستقيم» و «عصرة المنجود» الّذي نحن بصدد التقديم له.

1 . راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 3 / 337 ـ 339 و ج 4 / 411 .
2 . طبع في دمشق عام 2005 م.

صفحه 10
 
ولادته ووفاته:
لم نجد في كتب المعاجم ما يشير إلى عام ولادته بدقة، وقد ذكر السيد شهاب الدين النجفي المرعشي في تقديمه لكتاب «الصراط المستقيم» أنّه ولد لأربع مضين من شهر الله المبارك سنة 791 هـ .(1) ولكنه لم يُشر إلى مصدر كلامه ولم نجده في ما بين أيدينا من المعاجم.
ولكن شيخنا المجيز الشيخ آغا بزرگ الطهراني استخرج من بعض القرائن أنّه من مواليد حدود سنة 804 أو 805 هـ على وجه التقريب لا التحديد .(2)
أمّا وفاته فقد اتّفقوا على أنّه توفّي عام 877 هـ . فعلى القول الثاني يكون قد عاش ثلاث أو أربع وسبعين عاماً.

مكانته العلمية

إنّ للتعرف على مكانة الإنسان طريقتين:
الأُولى: كلمات العلماء في حقّه
إنّ رأي من عاصره أو جاء بعده في حقّه أفضل طريق للتعرّف على مكانته العلمية ونبوغه الفكري، ويتيسر ذلك بالرجوع إلى المعاجم وكتب

1 . الصراط المستقيم: 1 / 5 .
2 . الصراط المستقيم (قسم التقديم): 2 / 12 .

صفحه 11
التراجم. فإذا راجعنا كلمات أصحاب المعاجم في حق المؤلف، نرى أنّ الكلّ يصفونه بكلمات تعرب عن مكانة علمية كبيرة ، وإليك بعضها لا كلّها:
يقول الشيخ تقي الدين إبراهيم الكفعمي: «إن زبدة البيان وإنسان الإنسان، المنتزع من تفسير مجمع البيان، من جمع الإمام العلامة فريد الدهر ووحيد العصر، مهبط أنوار الجبروت، فاتح أسرار الملكوت، جامع كمالات المتقدّمين والمتأخّرين، بقية الحجج على العاملين، الشيخ زين الملة والحق والدين، علي بن يونس لا أخلى الله الزمان من أنوار شموسه، وإيضاح براهينه ودروسه، بمحمّد وآله» .
وكتب ـ أيضاً ـ ما لفظه: «الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم» للشيخ الأجل العلاّمة زين الدين علي بن يونس البياضي العنفجوري دام ظله».(1)
وقال الشيخ الحر العاملي: الشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي النباطي البياضي، كان عالماً فاضلاً محققاً مدققاً ثقة متكلماً شاعراً أديباً متبحّراً... الخ.(2)
وقال عبدالله الأفندي التبريزي: الفاضل العالم الفقيه، الأديب الشاعر الجامع، المعروف بالشيخ زين الدين البياضي، وتارة بالشيخ علي بن يونس البياضي، صاحب كتاب «الصراط المستقيم»، فلا تظنّن المغايرة، وكان

1 . الصراط المستقيم: 2 / 17، نقلاً عن رياض العلماء: 586 .
2 . أمل الآمل: 1 / 135 .

صفحه 12
معاصراً للكفعمي، بل كان عصره قريباً من عصر الشيخ ابن فهد الحلي... الخ.(1)
إلى غير ذلك من الكلمات الناصعة الّتي تعرفنا على شخصية المؤلف ومكانته العلمية المرموقة.
وهناك طريقة أُخرى هي أفضل من الأُولى، لأنّها طريقة اجتهادية لا تقليدية وهي التعرف على مثلث الشخصية. وهاك بيانه:

الثانية: مثلث الشخصية

التعرف على: أساتذة الشخص، وتلامذته، وآثاره الّتي تركها بعده يلقي الضوء على مكانة المؤلّف ومقامه في عالم العلم والكتابة، ولكن المؤسف له أنّ التاريخ سكت عن القسمين الأوّلين بالنسبة لمؤلفنا الجليل، فلم يذكر لنا أسماء مَن تخرّج عليه، أو مَن تخرّجوا عليه بصورة مباشرة، وإنّما يمكن التعرف على ذلك من بعض الإجازات الّتي كتبها المؤلف إلى تلامذته .
فقد ذكر بعض مشايخه في إجازته الّتي كتبها عام (852 هـ) للشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي الحساوي المتوفّى عام 853 هـ . وأدرج العلامة المجلسي صورة هذه الإجازة في «بحار الأنوار» .(2)

1 . رياض العلماء: 586 ـ 587 .
2 . بحار الأنوار: 104 / 221 .

صفحه 13
 
1. أساتذته ومشايخه
1. السيد زين الدين علي بن دقماق الّذي وصفه في الإجازة بقوله: رب الفضائل بالإطلاق، المبرز على الكائنات بالآفاق.
2. جمال الدين أحمد بن حسين بن مطهر الذي وصفه بقوله: الشيخ المعظم، والبحر المفعم، ذي العلم المفتخر، والنفس المتعطر.
هذا هو الّذي ذكره المؤلف في إجازته إلى تلميذه، ومع ذلك فبما أنّه كرّس حياته في تلك البلدة العامرة بالعلم والّتي كانت آنذاك تطفح بالعلماء الكبار فلابد من القول أنّه قد حضر دروس عدة من الأساتذة والشيوخ، وأخذ منهم حظاً وافراً، وإن لم يذكر التاريخ أسماءهم.

2. تلامذته والراوون عنه

إنّ التاريخ كما بخس ذكر مشايخه فكذلك بخس ذكر من أخذ عنه، ونحن نذكر بعض ما وقفنا عليه:
1. الشيخ ناصر البويهي (المتوفّى عام 853 هـ) ، فقد وصفه في إجازته له بقوله: فقد التمس مني الشيخ الطاهر، ذو الفضل الظاهر، والعلم الوافر المولى الأجل الشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي الحساوي إجازة لجانب من مصنّفات علماء الشيعة الإمامية والنُّقّال للشريعة المصطفوية، فأجبته إليها ليكون تذكرة لعبده لديه ونعماً سابغة عليّ وعليه.

صفحه 14
2. الشيخ تقي الدين بن علي بن محمد بن صالح الكفعمي (المتوفّى 905 هـ )، فقد ذكر شيخنا المجيز آغا بزرگ الطهراني أنّ الكفعمي نصّ في بعض الإجازات على روايته عن البياضي. ويؤيد ذلك كلامه الماضي في حق البياضي .(1)
3. الشيخ شرف الدين بن جمال الدين بن شمس الدين بن سليمان، فقد استنسخ الرسالة اليونسية للبياضي في حياته وقابلها وصحّحها مع الأصل، وفرغ منها سنة 864 هـ .
هذا بعض ما يمكن أن يذكر حول تلامذته، ومن البعيد أن ينحصر من أخذ عنه العلم في بلدة عامرة بالعلم بهذا العدد القليل.

3. آثاره وتآليفه

ترك مؤلفنا الجليل آثاراً في حقلي: الكلام والفقه، كلّها تدلّ على مكانته السامية ومقامه الرفيع، وإليك أسماؤها:
1. «الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح»، وقد نقله العلاّمة المجلسي بتمامه في مجلد السماء والعالم في بحار الأنوار.
2. «ذخيرة الإيمان» وهي أُرجوزة في علم الكلام، توجد منه نسخة في مكتبة السماوي، ومكتبة السيد الحسين بن علي الهمداني وكلاهما في النجف الأشرف.

1 . الصراط المستقيم (قسم التقديم): 2 / 16 .

صفحه 15
3. رسالة في الكلام .
4. «زبدة البيان وإنسان الإنسان» في تفسير القرآن.
5. «الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم» في الخلافة وإثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر(عليهم السلام)، وهو مطبوع منتشر.
6. «فاتح الكنوز المحروزة في ضمن الأرجوزة».
7. «الكلمات النافعات في تفسير الباقيات الصالحات».
8. اللمعة في المنطق.
9. «المقام الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى»، وقد أدرجه الكفعمي في كتابه المسمّى «بالمقام الأسنى» الّذي ألحقه بكتابه «البلد الأمين».
10. «منخل الفلاح».
11. «نجد الفلاح في مختصر الصحاح».
12. «الرسالة اليونسية في شرح المقالة التكليفية» (شرح فيه المقالة التكليفية للشهيد الأوّل)، وقد طبعت ضمن كتاب «أربع رسائل كلامية» تحقيق ونشر مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الإسلامي، قم ـ 1422 هـ .
13. مجموعة الرسائل والفوائد المتفرقة.
14. «عُصْرةُ المنجود» في علم الكلام.
والعُصرة ـ بضم الأوّل وسكون الثاني وضم الثالث ـ بمعنى «المنجاة»

صفحه 16
والملجأ، و «المنجود» ـ بفتح الأوّل وسكون الثاني وضم الثالث ـ بمعنى المكروب، والمغموم .
وقال أبو زبيد:
صادياً يستغيث غير مغاث *** ولقد كان عصرة المنجود (1)
وقد ألفه البياضي بعد كتابه «الصراط المستقيم» بشهادة أنّه يحيل إليه في مواضع عديدة من كتابه .(2)
وعصرة المنجود أحد ألقاب الإمام علي (عليه السلام). (3) وقد اختاره المؤلف اسماً لكتابه وكأنّه يشير إلى أمرين:
أوّلاً: أنّ التمسّك بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه هي الوسيلة الوحيدة بعد القرآن الكريم للنجاة من الهلاك.
ثانياً: بما أنّ كتابه هذا مقتبس من أنوار الكتاب العزيز وآثار أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فهو عصرة المنجود من كل كرب وغمّ.
وقبل الخوض في بيان خصائص الكتاب ومنهج التحقيق نشير إلى جانب من حياة المؤلف في حقل الأدب فنقول:

1 . صحاح اللغة: مادة «عَصُرَ» و «نجد».
2 . لاحظ عصرة المنجود: ص 275 و 294 و 297 و 320 و 322 و 326.
3 . مناقب الخوارزمي: 43 ; مناقب آل أبي طالب (ابن شهر آشوب): 3 / 71 ; كشف الغمّة: 1 / 73 ; إحقاق الحق: 22 / 384 .

صفحه 17
 
قريحته الشعرية
والحق أنّ المؤلّف صار أمير البيان في النثر والنظم، وكان نثره كالماء الرقراق يجري على قلمه دون تكلّف، كما هو كذلك في نظم المعاني والمفاهيم الكلامية، ويشهد على ذلك أُرجوزته الكلامية باسم «ذخيرة الإيمان» وهي الّتي تقرب من 60 بيتاً أوّلها:
الحمد لله على تمامه *** والشكر لله على أنعامه
وقال في آخرها:
وهذه أرجوزة الضعيف *** عليُّ اللاجي إلى اللطيف
والرسل والأئمة الأنجاب *** ليشفعوا في موضع الحساب
سميتها (ذخيرة الإيمان) *** هدية مني إلى الإخوان
والحمد لله العليّ الكافي *** على الّذي أولى ونعم الكافي(1)
قال السيد الأمين في «أعيان الشيعة»:(2) وجدت في آخر كتاب «الصراط المستقيم» أبياتاً من نظم المؤلف قال: إنّه سمحت بها فكرتي عند تمامه وهي:
جمعـت مـن الدين القويم صحائفاً *** هداني إليها خالقي بجلاله

1 . الذريعة: 1 / 494، وج 10 / 14 ـ 15 .
2 . أعيان الشيعة: 8 / 309.

صفحه 18
وحررت فيها للولي لطائفاً *** تجلي عمى عين الغبي وباله
وأوضحت فيه للغوي طرائفاً *** سرائرها مطوية في خلاله
وقررت فيه كلّ قول منضد *** يزحزحه في دينه عن ضلاله
فلا وامق إلاّ هدى بكماله *** ولا مارق إلاّ هوى بنصاله
يساق إليه الموت عند نزاله *** ويساق للافحام عند جداله
وسميته باسم الصراط تيمّناً *** ليسلك فيه للنبي وآله
وأرجو إلى الرحمن منهم شفاعة *** تصرف عني من عظيم وباله

خصائص الكتاب

1. انّ العلاّمة البياضي يصدر في كتابه هذا وراء القواعد العقلية عن الكتاب والسنة خصوصاً فيما يرجع إلى باب الإمامة.
2. انّ المؤلّف لم يقتصر على بيان مذهبه ومعتقده في كل باب، وإنّما أشار إلى آراء الآخرين بالنقد والتحليل، ولذلك صار كموسوعة شاملة في علم الكلام.
3. قد أشار إلى فرق كلامية لا نرى أثراً لها فيما بين أيدينا من المصادر كفرقة المقاربة(1)، وهذا يُعرب عن أنّ له اطّلاع واسع في موضوع الملل والنحل.

1 . لاحظ الصفحة 31 من هذا الكتاب .

صفحه 19
4. ينقل في هذا الكتاب عن بعض المصادر الّتي ليس لنا منها أثر كالدر النضيد لابن بابويه (الصدوق)، وقد نقل عنه في كتابه هذا وفي كتابه الآخر، أعني: «الصراط المستقيم». (1)
5. تأثّر المؤلّف بمدرسة السيد المرتضى وتلميذه المحقّق الطوسي، ولذلك ذكر عند البحث عن المعاجز مسألة الصرفة الّتي هي من آراء السيد المرتضى في مبحث إعجاز القرآن الكريم. وقد ذكرنا هناك في الهامش ما يفيد المقام.(2)

منهج التحقيق:

اعتمد محقّق الكتاب على نسختين:
الأُولى: نسخة مكتبة آية الله السيد المرعشي برقم 6591، وقد نسخت بخط جميل عن نسخة المؤلف، بقلم الكاتب محمد بن محمد الّذي فرغ من نسخها أواسط جمادى الآخرة عام 957 هـ ، أي بعد 80 سنة من وفاة المؤلف .
وقد رمز المحقّق لهذه النسخة بالحرف «ن».
الثانية: نسخة مكتبة آية الله السيد الحكيم في النجف الأشرف، المسجّلة برقم 361، والّتي اطّلع المحقّق على صورتها الموجودة على

1 . الصراط المستقيم: الباب الثالث، الفصل الثالث ; وانظر: عصرة المنجود، باب النبوات، ص 237.
2 . راجع تعليقتنا حول المسألة في ص 234، الهامش رقم 1 .

صفحه 20
القرص الكمپيوتري، الّذي أهداه إليه صديقه (المجتهدي) مؤسس مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام)في مدينة مشهد الرضا (عليه السلام).
وقد رمز المحقّق لهذه النسخة بالحرف (ح).
كما أنّ البحاثة الطهراني ذكر أنّ لهذا الكتاب نسخة في مكتبة الشيخ محمد السماوي في النجف الأشرف، ونسخة أُخرى عند السيد حسين الهمداني في نفس البلد منضمّة إلى «ذخيرة الإيمان ».(1)
ولعلّ النسخة الموجودة في مكتبة السماوي هي الّتي انتقلت إلى مكتبة السيد الحكيم بعد وفاة الأوّل، حيث نقل أنّ السيد الحكيم اشترى النسخ الخطية من هذه المكتبة وأوقفها على مكتبته، شكر الله مساعيهم في حفظ الآثار العلمية.
أمّا عمل المحقّق فيمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
1. مقابلة النسختين مع بعض وتثبيت الصحيح في المتن مع الإشارة إلى الاختلافات في الهامش.
2. استخراج الآيات ومصادر الروايات .
3. استخراج مصادر الأقوال الّتي ذكرها المؤلف في متن كتابه.
4. تقطيع نصوص الرسالة وضبطها على وجه يسهّل فهم المراد.
5. الرجوع إلى الكتب الكلامية الأساسية، ككشف المراد للعلاّمة

1 . الصراط المستقيم: 2 / 26 .

صفحه 21
الحلّي، وشرح المواقف للشريف الجرجاني، وشرح المقاصد للتفتازاني، وغيرها.
وفي الختام ندعو الله للمحقّق العلاّمة الشيخ حسين الشهسواري حفظه الله بالتوفيق والقبول على هذا العمل المبارك، والذي يُعدّ باكورة خير ننتظر أن تتبعها أعمالٌ أُخرى في إحياء التراث.
كما نشكر لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)حيث بذلوا جهوداً مضنية في إتمام عمل المحقّق وسد خلله ونواقصه.
كما لا أنسى أن أُثمّن جهود السيد محسن البطاط الّذي قام بالإخراج الفنّي للكتاب وإظهاره بهذه الحلّة القشيبة.
شكر الله مساعي الجميع وجعلنا ممِنْ يستمعون القول ويتبعون أحسنه... انّه على ذلك قدير.
جعفر السبحاني
قم المقدسة
22 / صفر المظفر / 1428 هـ

صفحه 22
   

صفحه 23
وبه نستعين
الحمد لله ربّ العالمين الّذي حصل في العقول وجوب معرفته، ووصل في النقول حتمها على بريّته، وجعل الساعي فيها من أكمل الأشخاص، والداعي إليها من أكمل أهل الاختصاص.
وصلواته على أنفس النفوس البشريّة المصطفى من سائر البريّة، محمّد رسوله وعبده.
وعلى آله وبقيّة جدّه، خصوصاً على أعلاهم في هذه المرتبة، وأحضاهم بهذه العناية، وديد (1) الطالب الغالب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، إذ رياض التوحيد والعدل من خطبه وكلامه، ومدارج العارفين على قطبه ونظامه (2)، حتّى تفرّعت منها معارف إلى الأقطار، وتفرغت لحلّ قلوب ذوي

1 . الوديد: المحبّ.
2 . يعني أن رياض التوحيد والعدل غِراس من خطبه، ومدارج العارفين دائرة على قطبه ونظامه.

صفحه 24
الأنظار، وقد تمدّح بكمال عرفانه مدحاً مبيناً في قوله: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً»(1)، وقد جمع بين التوحيد والعدل في كلمتين وحرس (2)فقال: «التوحيد له ألاّ تتوهّمه، والعدل له ألاّ تتّهمه»(3)، فعليهم من الله درور الصلوات، على مرور الأوقات.
فلمّا كان ذلك رأيت أن أضع فيها وما يتبعها كتاباً سهل الطريقة، يوصل الناظر فيه إلى كشف تلك الحقيقة، لا يحتاج معه إلى كدّ البحث والتدقيق، ولامدّ الحثّ والتعميق، وسمّيته «عصرة المنجود»(4)، واستعنت لإتمامه بعناية ذي الجود، ورتّبته على أبواب، وإلى الله المآب.

1 . بحار الأنوار: 67 / 142 ; غرر الحكم، 2086 ; إرشاد القلوب، ج 1، ص 124 .
2 . كذا في النسخ، ولعلّه «حرفين»..
3. نهج البلاغة، قصار الحكم، 470. ليس في المصدر «له».
4. الملجأ والمنجاة، يقال: بَلَّ المطر ثيابَه حتّى صارت عصرة، كادت تُعصَر. المنجود: المكروب، المغموم.
«عصرة المنجود» من جملة ألقاب مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام).
«كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار»، ج 1، ص 382، نقلاً عن «أسماء أمير المؤمنين(عليه السلام)» للحسن بن الفقيه.

صفحه 25
الباب (الأوّل: في )
ماهيّة النظر
وما يتبعه

صفحه 26
في ماهية النظر وما يتبعه   
النظر هنا هو الفكر في أُمور تؤدّي إلى المطلوب، وهو واجب لوجوب المعرفة المتوقّفة عليه، فعلم من هذا أنّ وجوبها سابق لوجوبه رتبة، ووجوبه سابق لوجوبها ترتيباً، وعليه يحمل كلام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في قوله: «أوّل الدين معرفته»(1)، كما أنّ وجوبه سابق لوجوب القصد إليه رتبة، ووجوب القصد سابق لوجوبه ترتيباً. والواجب ما يذمّ تاركه لا مطلقاً، بل إذا كان مختاراً أو لم يوجد له بدلاً; ويقابله القبيح وهو ما يذمّ فاعله لا مطلقاً، بل إذا فعله مختاراً.
ثمّ الواجب معيّن ومخيّر، والمعرفة من القسم الأوّل لدفعها الخوف وهو ألم نفسانيّ ناش من اختلاف العقلاء في المذاهب، ولوجوب شكر المنعم الّذي مدار ضروبه عليها، وقريب من هذا مذهب القاضي عبد الجبّار وأبي هاشم حيث جعلا وجه وجوبها كونها لطفاً، إذ من عرف أنّ له صانعاً يثيب على الطاعة ويعاقب على المعصية كانت تلك المعرفة باعثاً وزاجراً فكانت لطفاً.
وقال أبوعلي: طريق وجوبها دفعها للجهل الّذي هو قبيح، إذ وجه وجوبها عنده إنّما هو قبيح تركها. وهو فاسد لأنّا لانعرف قبح ترك الواجب

1. نهج البلاغة، خ 1.

صفحه 27
ما لم نعرف وجوب الواجب، فلو كنّا إنّما نعرف وجوب الواجب من قبح ترك الواجب لزم الدور، ولأنّا قد ننفكّ عن معرفة وجوب الواجب وعن معرفة قبح تركه.
وله قول آخر: إنّ معرفته وجبت لوجوب شكره على نعمه.
وردّه القاضي بأنّ العلم بوجوب شكر نعمه متأخّر عن العلم بالله، وأنّه قصد بالمنفعة الإحسان إليه.
قلنا: متى جوّز كونها نعمة أو نقمة وجبت معرفة فاعلها ليشكره أو يتحرّز منه، فسقط بذلك ردّ القاضي.
و المعرفة مرادفة للعلم، وقد يفرق بينهما، وحصولها ضروريّ للنفس كالألم، والعلم ضروريّ وهو ما لا يمكن نفيه عن النفس، وكسبيّ يقابله، والضروريّ منه ما يحصل ابتداءً كعلم الإنسان بشهوته وطينته، ومنه ما يقف على طريق إليه كالعلم بالمدركات أو ما يجري مجرى الطريق كالعلم بعدم خلو الذات من الوجود والعدم والحدوث والقدم، لأنّ العلم بنفس الذات ليس طريقاً إلى ذلك لجواز بقاء العلم بالمدركات وإن عدمت المدارك ولا يجوز في ما يشبه الطريق ذلك فإنّه إذا زال العلم بالذات زال العلم بعدم خلوّها عن المذكورات.

صفحه 28
 
فصل
لا يجوز كون المعرفة بالله ضروريّة مع بقاء التكليف، أمّا مع عدمه، كما في أهل الآخرة وكما في المحتضر إذا شاهد الملك، فلا قاطع على المنع منه.
و ذهب أصحاب المعارف كالجاحظ والأسواري وتابعيها إلى جواز كونها ضروريّة في الدنيا والآخرة، لأنّها لو كانت من فعلنا لجاز أن نختار الجهل بدلاً من العلم بعد النظر، إذ للقادر على الشيء(1) اختياره أو اختيار ضدّه.
قلنا: إذا حصل العلم عقيب سبب يوجبه(2) هو النظر كان بالحصول أو لا، ولايبقى للاختيار معنى كما لا يصح اختيار اعتقاد عدم الإصابة عند حصولها بالرميّ بدلاً من الإصابة لوجود سبب الإصابة بخلاف اختيار أحد الضدين قبل النظر.
قالوا: الناظر يجوز أن يقع في الجهل بدلاً من العلم، والجهل قبيح، والفعل الّذي لا يؤمن معه من القبيح قبيح، فالنظر قبيح فلا يكلّف به .
قلنا: قد علمنا بصرورة عقولنا حسن النظر عند التباس الأُمور علينا،

1. المشى «ح».
2. بوجه «ح».

صفحه 29
وتجويز حصول الجهل عنده إنّما هو مع النظر الشبهة لا في الدليل، على أنّ الواقع هو الجهل بالمطلوب، فالنظر يؤدّي إلى زواله وإن لم يؤدّ لزم تحصيل الحاصل; ثمّ نقلّب(1) عليهم الاستدلال فنقول: ترك النظر لا يؤمن معه الجهل، بل هو الواقع فيكون تركه قبيحاً كما ذكرتم، فلو تمّت شبهتكم لزم وجوب المتنافين.
قالوا: لو كلّفنا بالمعرفة لوجب أن نكون عارفين بصفتها، لأنّ التكليف بما لم يعلم غير مطاق فيكون العلم بصفتها من فعل غيرنا فنستغني عن النظر، لأنّ العلم بصفة المعرفة علم بمعرفة الله فيكون ضروريّة.
قلنا: سبب المعرفة وهو النظر يقوم مقام العلم بصفة المعرفة فلا تكليف بما لا يطاق.
قالوا: نحمد الله على المعرفة به فهي من فعله فهي ضروريّة.
قلنا: إنّما نحمده على فعل سببها من نصب الأدلّة وإزاحة العلّة.
و ذهب البلخي (2) والنجّار(3) إلى أنّها نظريّة في الدارين، لأنّ الله إنّما يعرف بالنظر في الدنيا فلا يعرف بالضرورة في الآخرة، لأنّ ما يعرف بالأنظار لا يجوز أن يعرف بالاضطرار.

1. يقلّب «ح».
2 . هو أبو القاسم عبدالله بن أحمد الكعبي البلخي، معتزلي، توفّي سنة 317 هـ . وفيات الأعيان: 2 / 248 .
3. النجّارى «ح». وهو أبو عبدالله الحسين بن محمد النجّار الرازي، وهو متكلّمي المجبّرة، توفّي نحو سنة 220. الأعلام للزركلي: 2 / 276 .

صفحه 30
قلنا: لا مانع منه كما لو علمنا أنّ زيداً في الدار بخبر عرفنا مطابقته بالاستدلال ثمّ رأيناه في الدار فقد علمنا بالاضطرار ما علمنا بالأنظار.
ولقائل أن يمنع العلم الثاني، لأنّه يلزم منه تحصيل الحاصل، نعم رؤيته(1) لقوله للعلم الأوّل وهي الإدراك المختلف فيه هل هو زائد على العلم أم لا؟ وقد حقّق في المطوّلات.
و ذهب السيّد المؤيّد إلى جواز كونها ضروريّة لبعض كالأولياء، لأنّهم لا يمكنهم نفيها عن أنفسهم بشكّ ولاشبهة.
وفيه نظر! لأنّ المعرفة لمّا كانت لطفاً - على ما سلف - وجب اشتراك(2) الكل فيها لإزاحة العلّة، وعدم اعتراء الشكّ للأولياء ليس لأنّ معارفهم ضروريّة، بل لمجلى(3) طرقهم ارتفعت الشبهة عنهم.
قلنا: إنّها لو كانت ضروريّة لما توقّفت على النظر الحاصل بحسب دواعينا، ولا كانت كثرته سبباً لكثرتها، ولا كان حصولها على حسب حصوله، ولا كان ممكناً نفيها بشبهة عن أنفسنا.
قال القاضي: ما يعلم ضرورة لابدّ من كونه مشاهداً كالأجسام أو صفة لمشاهد كالسواد. ولمّا امتنعت المشاهدة وصفتها عليه امتنعت معرفته بالضرورة.
وهذا منقوض بمعرفته تعالى في الآخرة بالضرورة عنده مع عدم

1. روايته «ح».
2. اشراك «ن».
3. لجلاء «ن».

صفحه 31
المشاهدة وصفتها. ثمّ نرجع ونقول: لو كانت ضروريّة من فعل غيرنا لعذّر عادمها فلا لوم على الكفار حينئذ في عدمها.
إن قلت: هم يعلمون الله ضرورة ولكن يجحدون.
قلت: الجحود لا يجوز من العدد الكثير فيما علم ضرورة وإن جاز من القليل.
وما يقال: «من أنّها لو كانت ضروريّة لما اختلف العقلاء فيها واختلافهم معلوم فيها، بل منهم من ارتدّ أو تزندّق بعد حصولها كالورّاق وابن الراوندي» لا يجدي نفعاً، لأنّ الضروريّات قد تختلف فيها لخفاء تصوراتها لتفاوت الأذهان في إدراكها كمسائل الحساب المنتهية إلى الضرورة ونحوها.

تذنيب

و لا يصحّ كون التقليد طريقاً إليها وإلاّ لجمع المقلّدين المتناقضات(1)لتناقض معتقديها إن قلّد جميعهم، ورجّح بلا مرجّح إن قلّد بعضهم، ولم يزل به خوفه لتجويزه خطاهم.
وذهب إلى التقليد مطلقاً طائفة تسمّى المقاربة(2) وليست للصواب مقاربة.

1. المناقضات «ح».
2. الملل والنحل، ج 1، ص 239 ـ 241، طبعة دار ومكتبة الهلال، بيروت.

صفحه 32
إن قالوا: إنّا نقلّد من كان زاهداً عفيفاً.
قلنا: في أهل كلّ مذهب من هو كذلك ويلزم المحذور.
إن قيل: فلم قلّدتّم المفتي والبيّنة في الشرعيات فهلاّ جاز هنا؟
قلنا: قبلنا ذلك لدلالة الإجماع عليه لا للتقليد فيه، وللفرق بين الفروع المطلوبة للعمل والأُصول المطلوبة للاعتقاد.
وخصّ جواز التقليد بالمعصوم الملاحدة(1). وهي أسوأ حالاً من الأولى وإن كانت عن الحقّ متباعدة، لأنّا لانعلم المعصوم إلاّ بعد معرفته تعالى وأنّه عدل لا يرسل من يجوز كذبه، وإلاّ لم يكن مزيحاً للعلّة فإذا لم نعرف الله إلاّ منه لزم الدور، نعم إن أرادوا أنّه لاتّساع فهمه وتأييده بعناية من ربّه يهدينا إلى مقدّمات خفيّة توصلنا إلى الحقّ فهو حقّ و لا يصحّ كون تصفية الباطن طريقاً إليها، وإلاّ لاتّفق المرتاضون في المعتقدات، والمعلوم أنّ كلاًّ منهم لا يعرف إلاّ ما يوافق مذهبه، والحقّ لا يكون في جهات متناقضة.

1. هم الإسماعيليّة.

صفحه 33
 
فصل
استدلّ مَن ادّعى أنّ الله يعرف بالضرورة في الآخرة بأنّه تعالى قادر على أن يخلق فينا العلم به فيكون ضروريّاً(1).
و فيه نظر! إذ لا يلزم من القدرة على الشيء وقوعه، ولو لزم ذلك، لزم ذلك العلم الضروريّ في الدنيا، بل يلزم أن يوجد كلّ ممكن دفعة.
وقيل: لو كانوا لايعرفون الله جوّزوا انقطاع ما هم فيه من الثواب فيتكدّرون ومن العقاب فيتروّحون، وهو باطل بالإجماع.
و فيه نظر! لجواز أن ينسيهم الله ذلك كما ينسيهم أقاربهم المعذّبين لئلاّ يتكدّرون بالحزن عليهم أو شغلهم تعظيم ثوابهم وأليم عقابهم عن الفكر في ذلك، فإنّا نشاهد في الدنيا من يشتغل بذلك عن ذلك.
قالوا: فبقي أنّهم يعرفونه فامّا بالاستدلال وهو يستلزم المشقّة المنفيّة عن أهل الجنّة مع جواز أن يتركوا النظر أو يعتريهم شبهة تزيل العلم بالله عنهم فيجوّزون انقطاع ما هم فيه ويلزم الكدر فتكون ضروريّة. وفيه النظر السالف.

1. واحتجّ من السمع بقوله تعالى: (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، وفيه نظر إذ يلزم منه عدم كشفه فى الدنيا مع إمكانه، فيكون منافياً للطف إلاّ أن يقال: جعل كونها نظريّة لاكتسابها الثواب بخلاف حال الآخرة.

صفحه 34
وقيل: لو كانت معارف أهل الآخرة بالاكتساب لجاز أن يكتسبوا من المعارف ما يوصلهم إلى مثل ثواب الأنبياء، وهو باطل. وفيه نظر! إذ ليس كلّ جايز واقعاً وإلاّ فما المانع منه في دار الدنيا.
وقيل: لو كلّفوا النظر لوجب أن يعلموا الانتفاع بغايته ولا غاية له سوى التوبة الّتي لا تقبل لوجود الالجاء إليها. وفيه منع! إذ ليس كلّما كلّف به يلزم أن يكون له غاية، أو إن كانت لا تجب لم تكون معلومة .

فصل

لمّا بيّنّا أنّ وجوب النظر سابق لوجوب المعرفة ترتيباً لم يدلّ على سبقه لكلّ واجب، بل بيان قد يقاربه(1) واجب آخر، كمن توسّط أرضاً مغصوبة ثمّ كمل عقله وكلّف النظر فانّه يجب عليه الفكر والخروج معاً، بل المراد أنّه أوّل الواجبات الّتي لايخلو كامل العقل عنها، وظاهر أنّ كامل العقل يمكن خلوّه عن الكون في المغصوب بخلاف النظر، لأنّه لابدّ أن يعتريه الخوف بخاطر أو داع أو واعظ أو كتاب فيجوز أن يكون له صانعاً إن عصاه عاقبه، ومتى قدّر خلوّه من ذلك كلّه لم يكن مكلّفاً فيجب عليه دفع الخوف عن نفسه بالنظر تعييناً، لأنّه ألم يلحقها يقيناً لما سلف من بطلان طريق غيره فلم ينفك منه لعدم انفكاكه من موجبه الّذي هو الخوف الّذي لا يندفع إلاّ

1. واجب بيانه بلى قد تقاربه «ح».

صفحه 35
به، لأنّ سائر الواجبات متأخّرة عن معرفة الله المتأخّرة عن النظر فيكون أسبق من الجميع.
إن قلت: لم لايكون ردّ الوديعة وقضاء الدين أسبق منه.
قلت: هذا يخلو المكلّف عنه وليس الكلام فيه.
إن قلت: لم لايكون شكر النعمة أوّل الواجبات.
قلت: النعمة إمّا لله فشكره مسبوق بالمعرفة المسبوقة بالنظر، وإمّا من غيره فيجوز انفكاك المكلّف عنها حتى من والديه لجواز موتهما قبل ولادته فلانعمة فلاشكر.
إن قيل: فهلاّ كان أوّلها القصد إليه وظاهر سبقه عليه؟
قلت: القصد تابع للنظر فما يدعوا إليه فكأنّا قلنا: النظر وما يتبعه أوّل الواجبات على أنّ الفعل قد يقع من دون القصد، لما قيل: إنّ الواقف بين الجنّة والنّار العالم بما فيهما من المنافع والمضارّ وسلبه الله إرادة دخول الجنّة وخلق فيه إرادة دخول النّار، فإنّه يريد دخول الجنّة مع فقد القصد ولا يريد دخول النّار مع وجود القصد (فليجز أن يحصل النظر بغير قصد)(1)فلايجب سبق القصد.
وفي هذا نظر! لأنّ خلق إرادة دخول النّار ان اقتضى الإلجاء تحتّم دخول النّار، وإن لم يقتض الالجاء دخل الجنّة بالقصد إليها والاختيار، نعم قد يلقى عليه مقدّمتان مستلزمتان علماً فيدركه بسرعة حدسه ولا قصد.

1. بين القوسين ليس في «ح».

صفحه 36
إن قيل: فهلاّ كان أوّل الواجبات النظر في أنّ النظر واجب؟
قلنا: لا، لأنّ الإنسان إذا خاف ضرراً من ترك النظر عرف بالضرورة وجوب النظر على أنّا لم نقل إنّ النظر الّذي تليه المعرفة بلا فصل أوّل الواجبات، فإنّ النظر في وجوب النظر داخل فيه، لأنّه طريق إلى الطريق إلى المعرفة.
إن قيل: فهلاّ كان أوّل الواجبات مشاهدة الأدلّة.
قلنا: إن احتيج إليه كان نظراً في طريق المعرفة ـ كما سلف ـ فدخل في إطلاق أنّ النظر أوّل الواجبات.
وأخطأ أبو هاشم حيث جعل الشك أوّل الواجبات نظراً منه إلى
أنّ غير الشاك لاينظر فصار شرطاً والشرط مقدم فيه وإطلاقه فاسد، فإنّه لايلزم من شرطية الشيء وجوبه وإلاّ لوجب الجهل الّذي هو شرط العلم النظري.
ويمكن حمل كلامه على أنّه أوّل ساقط من الله على المكلّف، لأنّ الوجوب هو «السقوط» ومنه (وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)(1). وفي سقوطه من الله نظر! لأنّه كما لا يجوز أن يفعل الجهل فكذا الشك، نعم قد يسقط عليه الشك من غير الله لا أنّه واجب على العبد لا يدعوه اليه داع. وعلى هذا المحمل يمنع كونه أوّلاً، لأنّ العلوم البديهية أسبق منه في الوجوب من الله تعالى والجهل

1. قوله تعالى: (... فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا ...)، الحج (22)، الآية 36.

صفحه 37
البسيط أيضاً أسبق منه لقوله: (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً)(1).
 
نكتة
الخوف لايدخل في معلوم الوقوع ولامعلوم العدم، بل في المظنون ولهذا أنّا لانخاف الموت المعلوم في الجملة وإنّما نخاف نزوله بنا في كلّ وقت، لأنّه غير معلوم وليس خوف الملائكة في قوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ)(2) مع علمهم بعدم معاقبته لهم لعدم معصيتهم خوفاً حقيقيّاً على ما قاله أبو هاشم، بل خوف توقّ وحذر فكأنّهم يقولون: لو لم نجتنب المعصية كيف كان توقّينا من عقابه.

1. النحل (16)، الآية 78.
2. النحل (16) الآية 50.

صفحه 38
في أوّل نعمة على العبد   
 
فصل
في أوّل نعمة على العبد

مقدّمة

النعمة هي المنفعة الحسنة الواصلة إلى الغير على قصد الإحسان إليه، ويدخل في المنفعة دفع المضرة، بل أولى من جلب المنفعة كالعفو عن الجريمة وكشف البليّة، وخرج بـ«الحسنة» المنفعة القبيحة فإنّها ليست نعمة، كمذهب القاضي وأبي علي الجبّائي، لأنّ من حقّ النعمة استحقاق الشكر بها ولايكون الشكر شكراً إلاّ على سبيل التعظيم للمنعم، ولا يحسن التعظيم على فعل القبيح، ولهذا لو فرّقت الظَلَمَة الأموال المغصوبة على المساكين مع معرفتهم أربابها لايكونون منعمين على المساكين.
و قال أبوهاشم: المنفعة نعمة وإن كانت قبيحة، لأنّ إثابة غير المستحق قبيحة لوجوب مقارنها للتعظيم والتعظيم لغير المستحق له قبيح ومع ذلك هي نعمة ولو أخرج الإنسان جميع ماله كان قبيحاً للنهي عنه في قوله: (وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)(1) مع أنّه نعمة.
والجواب: أنّا بيّنّا وجوب الشكر عليها المقارن للتعظيم المستقبح على

1. الإسراء(17)، الآية 29.

صفحه 39
فعل القبيح، ونفس الإثابة ودفع كلّ المال ليس نعمة إنّما النعمة وصول الغير إلى تلك المنفعة لا نفس الإيصال. وخرج باشتراط «الغير» ما يصل من المنافع إلى نفس الفاعل كأكله ونحوه فإنّه لا يسمّى نعمة. وخرج بـ «قصد الإحسان» المعاوضات فإنّ في العوض منفعة وليست نعمة، لأنّ كلاًّ من المتعاملين قصد نفع نفسه، وخرج ما لو ألبس جواريه الثياب الفاخرة لتعلموا قيمتها، أمّا إلباس الأولاد ففيه سرورهم وسروره فهو نعمة من وجه، ولو كلّفنا الأجير عملاً شاقاً لم نكن منعمين بالأُجرة عليه لعدم قصد الإحسان إليه، وليس من ذلك تكليف الله سبحانه لنا، لأنّه نعمة من حيث إنّه مؤدّ إلى النعمة الّتي هي الثواب المقصود به الإحسان إلينا.
و في هذا الفرق نظر! فإنّ المستأجر إذا قصد الإحسان إلى الأجير بغير منّة سقط الفرق فلم يكن التكليف على هذا الوجه نعمة، نعم هو نعمة من أنّه مقارن للتعظيم ومن حيث الزيادة على الفعل، فتمّ الفرق.
و اعلم أنّ جميع النعم من الله سبحانه لأنّه خالقها وخالق مسدّيها وخالق الحياة المصحّحة لقبولها.

صفحه 40
في الشكر   
 
فصل
الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم مع ضرب من تعظيمه، ولا يكفي الاعتراف وحده، لأنّه لو قال: «أعطاني فلان» وسكت لم يكن شاكراً بل مقرّاً حتّى يضيف نحو «جزاه الله خيراً»، أو دفع عنه مكروهاً.
و محلّه ثلاثة: للقلب الاعتراف بها، وللسان الحمد عليها، وللأركان خدمتها، وهذا هو الشكر الكامل. والاّ فقد جاء في الحديث القدسي: «يا داود! أشكرني على قدر نعمتي، فقال: يا ربّ كيف أشكرك والشكر نعمة منك يجب شكرها؟ فقال: إذا عرفت أنّ النعمة منّي فقد رضيت منك ذلك شكراً»(1). ولايجب إظهار الشكر باللسان إلاّ عند التهمة بالكفران، ولابدّ من نعمة أُخرى على الشكر بالعبادات، لأنّه تعالى ألزم بها وهي من المشقّات لئلاّ يلزم الظلم على الموصوف بالكمالات.
إن قيل: فالعلم بكمال شكر الله تفصيلاً غير ممكن لقوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا)(2).
قلت: لا يكلّف بشكر كلّ نعمة تفصيلاً بل إجمالاً، كمن علم أنّ له والداً بارّاً وهو إليه بضروب النعم مسدياً ولايعلمها تفصيلاً فقد أدّى شكره

1 . الجواهر السنية، ص 88 ; إرشاد القلوب، ج 1، ص 122، باب 36، في شكر الله تعالى.
2. إبراهيم (14)، الآية 34.

صفحه 41
إذا شكره إجمالاً، ويدخل في هذا الشكر الإجمالي الإقدار على الشكر وإلهام الشكر ولا يتسلسل.
إذا عرفت هذا فأوّل نعمة لله على الواحد منّا خلقه حيّاً لينفعه(1)، فلانعمة على المعدوم، ولا على الجماد الموجود، ولا على الحيّ المخلوق لا لنفعه كخلق الكفّار في الآخرة لعقوبتهم، وهذا معنى ما روى جابر عن ابن عباس: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ عند قوم فيهم أبوبكر وعمر وعثمان وعلي (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)(2)، فقال: قولوا ما أوّل نعمة؟ فخاضوا في الرياش والمعاش والذريّة والأزواج، فقال: قل يا أبا الحسن! فقال: أن خلقني ولم أك شيئاً مذكوراً، وأحسن بي فجعلني حيّاً، متفكّراً، واعياً، شاعراً، ذاكراً، وهداني لدينه ولن يضلّني عن سبيله، وجعل لي مردّاً(3) في حياة لا انقطاع لها». النبيّ يقول في كلّ كلمة: صدقت، ثمّ قال: فما بعد ذلك؟ فقال: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا )(4)، فتبسّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: لتهنك الحكمة، ليهنك العلم، أنت وارث علمي والمبيّن لأُمّتي»(5). فالحاصل أنّ الحياة أوّل نعمة لأنّها مصحّحة لباقي المنافع.
إن قلت: فهي مصحّحة للمضارّ فلم لا تكون نقمة لا نعمة؟
قلت: إنّه قصد بها الإحسان ولحوق المضارّ لا يقدح في كونها نعمة،

1. لنفعه «ح».
2. لقمان(31)، الآية 20.
3. مراداً «ح».
4. ابراهيم(14)، الآية 34.
5. أمالي الطوسي، ج 2، صص 105 و 106، مع اختلاف يسير.

صفحه 42
لأنّ المضارّ إن كانت منه تعالى فلابدّ من عوض يوفّى عليها فهي نعمة أُخرى، وإن كانت من غيره انتصف له بما يقابلها فتصير كأن لم يلحقه ضرر أصلاً.
إن قلت: فهلاّ كانت البليّة أو الشهوة أوّل نعمة؟
قلت: لأنّه لايصحّ الانتفاع بهما إلاّ بعد وجود الحياة.

تذنيب

يلزم المجبّرة أن لا يكون لله نعمة على مسلم ولا كافر في دين ولا دنيا، أمّا سلب نعمة الدين عن المسلم فلأنّه على رأيهم لا يؤمن أن يسلبه الله الإيمان ويخلق فيه الكفر، و سلب نعمة الدنيا عنه فلتجويزه ألاّ يقصد بهذه المنافع شيئاً أصلاً لنفي الغرض عندهم والمنفعة لا تكون نعمة إلاّ بقصد الإحسان، وأمّا سلب نعمة الدين عن الكافر فلأنّه خلق الكفر فيه ومنعه القدرة على الخلوص منه، وسلب نعمة الدنيا عنه فلأنّه خلق له هذه المنافع ولم يقصد بها نعمه بل يجوز استدراجه(1) بها إلى النار والهلاك. وإذا لزمهم أن لا يكون الله منعماً على أحد لزمهم أن لا يكون إلهاً لأحد، لأنّه لا يكون إلهاً إلاّ إذا صحّ أن يكون منعماً، فلو لم يصح أن يكون منعماً لم يصح كونه مستحقّاً للشكر والعبادة.

1. اشارة إلى آية 182 من سورة الاعراف(7)، وآية 44 من سورة القلم (69).

صفحه 43
الباب (الثاني)
الطريق المؤدّي إلى
معرفة الله تعالى

صفحه 44
الطريق المؤدّي إلى معرفة الله تعالى   
وهو النظر في الدليل الّذي عرفت بأنّه ما يلزم من النظر فيه العلم بشيء آخر إثباتاً أو نفياً.
و الأدلّة في الجملة أربعة: حجّة العقل، والكتاب، والسنّة، والإجماع، والثلاثة الأخيرة لاتعلم كونها أدلّة إلاّ بعد معرفة الله لاستناد حجّيّة الكتاب والإجماع إلى الرسول المستند صدقه إلى عدل الله المفرّع على معرفة وجوبه وعموم علمه وغنائه الموجب لامتناع إظهار المعجزة على الكذّاب.
و يلزم المجبّرة امتناع عرفان النبوات لتجويزهم الكذب(1) وغيره من القبائح عليه تعالى فيجوز عليه إظهار المعجزة على الكذّاب. فلم يبق مؤدّياً في هذا الباب سوى حجّة العقل كدلالة وجود المحدث وهو الأجسام والأعراض الّتي لا يدخل جنسها أو صفتها تحت مقدور البشر ويستثنى منها الفنا على القول بأنّه عرض، لأنّه إنّما ثبت بالسمع المتأخّر عن معرفة الله - كما سبق - فالتي لا يدخل جنسها كالجواهر والألوان والحياة والشهوة، والّتي يدخل بعض نوعها أو صفتها كحركات العروق الضوارب، لأنّ جنس

1. الكذاب «ح».

صفحه 45
الحركة مقدور أمّا هذه الحركة المخصوصة فلا، لأنّها لا تحصل بداعي محلّها ولا بغيره من ذوي القُدَر لعدم اعتماده(1) الّذي هو شرط في فعله. ومثله الألم الزائد من لسع الزنبور(2) مثلاً، لأنّ ذلك الغرز لو وجد من فاعل غيره لم يولد ذلك الألم ولا من فعل الملسوع لعدم داعيه ولا من فعل قادر بقدرة لعدم اعتماده.
قيل: ومثله العقل، لأنّه علوم مخصوصة جنسها مقدور لنا، أمّا العلوم الّتي هي العقل فلا، لأنّه ليس من فعل محلّه لاشتراط العقل فعله في فيدور، ولا من غيره من ذوي القدر لعدم اعتماده، بل ولو اعتمد لم يوجده، ولهذا لو اعتمدنا على صدر مجنون لم يولد له عقلاً مع قبول قلبه له .
وفيه نظر، إذ الحقّ انّ العقل غريزة يلزمها العلم بالبديهيات عند سلامة الآلات. ولا يحمل على العقل النظري، لأنّ لنا فيه تصرفاً فلايدلّ على خالق غيرنا.
و منه كلام الجماد معجزة فإنّ جنسه مقدور بالفم واللسان ولايقدر على إيجاده في الجماد ولا بالاعتماد، وغير المقدور لوصفه كنقل مدينة دفعة.

1. احتماله «ح».
2. الزُنبُور: حشرة من فصيلة الزنبورات ورتبة غشائيّات الأجنحة، لونها أصفر وأسود، يستدق جسمها بين الصدر و البطن، يعيش كالنحل في مستعمرات ولكنّها لاتنتج العسل. منها الأجناس الكبيرة، فلسعتها مؤلمة وهي تلحق أضراراً فادحة بالنحل....

صفحه 46
إذا عرفت هذا فالاستدلال إمّا بحدوث الأعراض المخصوصة أو بحدوث الأجسام الّتي لا تخلو عن الحوادث.
و نقل عن الفلاسفة والنجّارية أنّ هذه الأعراض المدركة إنّما هي نفس محالّها.
و تبطله تماثل الأجسام واختلافها وحاجتها إلى الأجسام وغناء الأجسام عنها وبقاء الأجسام وعدمها، ولا يخفى جمع النقيضين حينئذ فيها.
و قال أصحاب الكمون: إنّ هذه الأعراض قديمة وإنّما يظهر بعضها فبطن حدوثه و يكمن بعضها فبطن عدمه. وهذا باطل بالضرورة فإن استظهر نا بالاستدلال.
قلنا: سنبيّن حدوث الأجسام الّتي هي محلّها وظاهر امتناع قدمها مع حدوث محلّها، ولأنّ الحركة مثلاً لو كمنت في الجسم الساكن ولم تعدم مع أنّ صفتها الذاتية لها تنقل الجسم في الاخبار بها وذلك يوجب بقاء مقتضاها، لأنّ الصفة الذاتية لاتزول عن الذات مع بقائها، لأنّها كالعلّة الموجبة لها وصفة السكون الذاتية عدم التنقل فيلزم اجتماع المتنافيين، فظهر أنّ الحركة تعدم والقديم لايعدم، لأنّ قدمه صفة ذاتية له، إذ لايصحّ أن يكون قدمه له بعلّة موجبة قديمة، لأنّا ننقل الكلام إلى قدمها وتسلسل، ولأنّه ليس استناد أحد القدمين إلى أحد القديمين أولى من الآخر، أو إن كان قدم العلّة ذاتياً لزم دوامها فيلزم دوام معلولها فيلزم ثبوت امتناع عدم القديم، وظاهر أنّه لايكون بفاعل مختار، لأنّ فعل المختار يسبقه العدم فلا يجوز

صفحه 47
عليه القدم، ولأنّه لو جاز على القديم العدم لكان بطريان ضدّ والقديم لا ضدّ له لوجوب كون صفة ضدّه على العكس من صفته وصفة القديم الوجود لذاته فصفة ضده العدم لذاته، وهذا يوجب تمانعهما، وأيضاً لو كانت الأعراض قديمة لتماثلت لاشتراكها في القدم وهو صفة نفسية والاشتراك في الصفة النفسية يوجب التماثل وظاهر أنّ الأعراض مختلفة.

صفحه 48
الباب (الثالث)
معرفة حدوث الأجسام
فهنا طريقان

صفحه 49
معرفة حدوث الأجسام   
الأوّل: لو كانت قديمة لكانت مثلا للقديم، لأنّ القدم صفة نفسية والاشتراك فيها يوجب التماثل .
الثاني: قيل: وأوّل مَن استدل به أبوالهذيل، أنّها لاتخلو من الحوادث وهي الأكوان الأربعة، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. وهذا الدليل مبنيّ على دعاو أربع أنّ في الجسم أكوان مغايرة له، وأنّها حادثة، وأنّه لا يخلو منها، وهذه الثلاث اشتمل عليها صغراه وانّ ما لا يخلو عن المحدث فهو محدث وهذه كبراه.
وإنّما سمّيناها دعاوياً دون أن نسمّيها أُصولاً أو أُموراً، لأنّ الدعوى كلّ خبر لا نعلم صحّته وفساده إلاّ بالدليل.
و هذه الأربع فيها خلاف فنفاه الأعراض من الفلاسفة والنجّارية والأصم وهشام بن الحكم نازعوا في مغايرتها للجسم. وأصحاب الكمون سلّموا مغايرتها ونازعوا في احدوثها. و أصحاب الطبائع والهيولى سلّموهما ونازعوا في خلوّ الجسم عنها، وجماعة من الفلاسفة سلّموا الثلاثة ومنعوا حدوث الجسم ومال إليه ابن الراوندي وجوّزوا أن يحلّ فيه قبل كلّ حادث حادث لا إلى أوّل.
فإذا أردنا إثبات الأكوان الأربعة احتجنا إلى الدليل فمغايرتها للأجسام

صفحه 50
وحدوثها قد أثبتناهما في الباب السالف. والمخالف في ذلك منكر للمحسوسات، ومقالة أصحاب الطبائع والهيولى انّ أعيان العالم قديمة والتراكيب محدثة، وانّه كان واحداً خالياً من الأكوان الأربعة ثمّ صار كثيراً بحدوثها فيه فيفسدها، انّ الجسم لو خلا منها ماضياً لجاز خلوّه منها حاضراً وآتياً.
إن قيل: هذا قياس فما جامعه؟
قلنا: هذا الجسم هو الّذي كان لم يتغيّر عليه سوى الزمان والمكان ولا تأثير لهما فيما يصحّ عليه أو يجب ألا ترى أنّه لمّا صحّ عليه قبول الأربعة في الآن صحّ في كل آن ومكان ومعلوم عدم صحّة الخلوّ في الآن ولا يصحّ الماضي من الأزمان.
إن قيل: لمَ لايكون الله أجرى العادة بعدم الخلوّ في الآن وبالخلوّ في الماضي من الزمان؟
قلنا: لو كان كذلك لجاز اختلاف العادة في المكان والزمان كالحرّ والبرد والمطر و الثلج، ولمّا امتنع خلوّها من الأكوان بطل لزومها بالعادة مع أنّ الصوفية والإماميّة يجوّزون نقض العادة فإنّ العادة غير لازمة لذي العادة، وأيضاً فإنّ حصول الجسم في الحيّز من ضروراته(1) ولوازمه، ولزوم الأكوان للحصول من ضروراته ولوازمه. فالخصم إن نازع في جواز خلوّه من الحيّز.

1. ضرورياته «ح».

صفحه 51
قلنا: تحيّزه إنّما هو لذاته بشرط وجوده والصفة الذاتية لم تزل ولاتزول.
إن قيل: فلمَ لايكون تحيّزه بغيره؟
قلنا: الغير إمّا علّة واجبة(1) فتدوم بدوامها، أو فاعل مختار فلا يعقل إخراجه عن تحيّزه إلاّ إلى انقلابه عرضاً أو إلى عدمه وليس الكلام فيه فبقي أن يكون متحيّزاً بشرط الوجود وهو موجود أزلاً في زعم الخصم.
إن قلت: قد ذهب قوم إلى جواز خلوّ بعض الأجسام عن الحيّز كما في محدّد الجهات.
قلنا: الحيّز هو البُعد المفطور ولا يعقل خلوّ المحدّد منه، نعم ربّما يتمّ ذلك على القول بأنّه السطح لكنّه ضعيف.

1. علّة واجبة موجبة «ح».

صفحه 52
 
فصل
و الدليل على الدعوى الرابعة وهي أنّ ما لا يخلو من المحدث فهو محدث ان حطه(1) في الوجود مقارن لحط(2) المحدث إنّما تقدّمه(3)بالعلّيّة لا بالزمان فقضت الضرورة بأنّه مثله محدث.
إن قيل: فالجسم لا يخلو من العرض وهو ليس بعرض فلا يلزم من عدم خلوّه من المحدث أن يكون محدثاً.
قلنا: الجسم والعرض حقيقتان مختلفتان لا يحمل أحدهما على الآخر في ذاته لا أنّه لايحمل عليه في وجوده كما أنّ حكم السواد حكم البياض في الوجود لا في الحقيقة وحكم زيد حكم عمرو في الوجود لا في كون أحدهما قرشيّاً والآخر حبشيّاً.
إن قيل: فلم لا يكون نوع الحوادث الّتي تحلّ في الجسم قديماً وكلّ فرد حادثاً قبله حادث آخر لا إلى نهاية فلا يلزم حدوث الجسم.
قلنا: هذا مناقضة لاستلزام حدوث كلّ فرد حدوث الجملة، وليس هذا إلاّ مثل قولنا: «كلّ زنجي أسود ومجموعهم ليس بأسود»، و«كلّ يهودي

1. خطه «ح».
2. لخط «ح».
3. نقدّمه «م».

صفحه 53
كافر ومجموعهم ليس بكافر».
إن قيل: لا يمتنع مخالفة حكم الآحاد لحكم الجملة كجواز الخطأ على أخبار الآحاد بخلاف المتواتر وهو خبر الجملة.
قلنا: إنّما أثبتنا المخالفة لدليل هو أنّ الهيئة الاجتماعية حصل فيها معنى أوجب الحزم ولم يحصل في الآحاد ولا دليل على مخالفة الجملة للآحاد في الحدوث، بل قام الدليل على عدمها مع قضاء الضرورة بالمساواة فيه.
إن قيل: فالجسم لايخلو من حادث وهو ليس بحادث بل باق، فجاز أن لايخلو من جملة الحوادث ولا يجب أن يكون حادثاً.
قلنا: الفرق أنّ حدوثه هنا سبق حدوث بعض أفرادها، أمّا هناك فحدوثه غير سابق لحدوثها.
إن قيل: فالجسم لا يخلو ممّا لا يبقى ولا يجب أن يكون مثله لا يبقى فليجب أن لا يخلو من المحدث ولا يجب أن يكون مثله محدثاً.
قلنا: مقارنة الجسم لما لا يبقى لا يلزم منها أن يكون لا يبقى، لأنّ بقاء المحلّ وعدم بقاء الحالّ صفتان لا يبقى إحداهما على الأُخرى أمّا قديم وله أوّل يبقى إحداهما الأُخرى .
إذا مضى هذا فلأصحاب الطبائع على القدم شبه:
أ) لم نجد بيضة إلاّ من دجاجة وبالعكس، ولم يخبرنا أحد بوجدان إحداهما لا من الأُخرى، فيكون الأمر كذلك لا إلى نهاية.

صفحه 54
قلنا: عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود، فإنّا لم نجد الزمان إلاّ ليلاً ونهاراً وليس هو هما، ولم نجد على قولهم إلاّ الطبائع الأربع وهم أثبتوا للفلك خامسة بلا وجدان، وبعد فانّ الدجاجة والبيضة إن كانتا قديمتين فمحال تولّد القديم عن غيره للزوم تأخّره عن مولده فهو حادث، وإن كانت إحداهما قديمة والأُخرى حادثة فقد وجدت إحداهما لا من الأُخرى، وهو خلاف ما وجدوه فهما حادثتان.
ب) لو كان العالم محدثاً لكان له محدث فَعَلَه لغرض هو نفعه والعلم بنفعه أزليّ فيدعوه إلى فعله فهو أزليّ لأزليّة علّته.
قلنا: الداعي قسمان: داعي الحاجة وهذا يجب عند حصوله حصول المدعو إليه، وداعي الحكمة وهو بخلافه ألاترى أنّا إذا تصدّقنا على فقير مع علمنا بحسن الصدقة لم يجب سبق الصدقة لسبق العلم بحسنها؟
ج) القدرة قديمة وهي المؤثّرة في الفعل فهو قديم.
قلنا: يتمّ في الموجَب لا المختار.
د) لو كان محدثاً لتقدّم فاعله بأوقات قديمة، إذ لو كانت حادثة (بقدم الفاعل عليها بأوقات أُخر فإن كانت حادثة)(1) تسلسل والوقت مقدار الحركة المحتاجة إلى الجسم فهو قديم.
قلنا: الوقت مقدار حركات الفلك وفي الأزل لا فلك فلا وقت

1. بين الهلالين ليس في «ح»، العبارة في «ن» هكذا: «لو كانت حادثة فتسلسل».

صفحه 55
فتقدم(1) الفاعل لا بوقت حقيقي، بل بوقت تقديري، أي لو قدّر أوقات لكانت بلا نهاية.
إن قيل: إنّ تقدير الأوقات يلزم منه امتناع حدوث العالم كما يلزم من تحقّق(2) الأوقات الغير المتناهية، إذ لا فرق بين الوقت المقدّر والمحقّق.
قلنا: بلى، لأنّه يصحّ حدوثه بعد تقدير أوقات لا يتناهى ولا يصحّ بعد تحقّق ما لا يتناهى فإنّه إذا توقّف وجود شيء على تحقّق اجتماع الضدّين كان وجوده محالاً ولو توقّف على تقدير اجتماعهما لم يكن محالاً، ووقوع الظلم من الله تعالى يستلزم الجهل والحاجة وتقدير وقوعه لا يستلزمهما ووقوع الكذب من النبيّ يقدح في نبوّته وتقديره لا يقدح في نبوّته، ولو ساوى تحقّق الشيء عدمه لزم كون وجود الشيء مع غيره كهو لا هو معه.

1. فبقدم «ن».
2. تحقيق «ن».

صفحه 56
الباب (الرابع)
إثبات الصانع

صفحه 57
إثبات الصانع   
إذا عرفنا حدوث العالم حكمنا ضرورة بأنّ له محدثاً فإن استظهرنا بالاستدلال، قلنا: أفعالنا محتاجة إلينا لحدوثها، لأنّها تابعة في وقوعها لدواعينا.
لا يقال: جنس العالم مخالف لجنس أفعالنا فلايلزم من احتياجها إلينا احتياجه إلى فاعل.
لأنّا نقول: إنّما احتاجت إلينا لحدوثها لا لجنسها، والعالم يشاركها في الحدوث فيجب أن يشاركها في الحاجة إلى الفاعل وإن خالفها في الجنس، لأنّ احتياجهما معلولاً علّة واحدة هي الحدوث.
إن قيل: فما أوجب كون فاعل العالم مخالفاً له.
قلنا: لو كان مثله لصحّ على الواحد منّا أن يفعل مثله فيجعل لنفسه من الأولاد والأموال ما يشاء، والمعلوم خلافه.
إن قيل: فلم لايكون فاعل العالم ذاتاً أحدثها الله وأقدرها عليه؟
قلنا: القادر بقدرة لايقدر على خلق الجسم، يبيّن ذلك أنّ القُدَر وإن اختلفت فمقدوراتها متجانسة، فما من جنس يصحّ أن يفعل بواحدة منها إلاّ ويصحّ أن يفعل بالأُخرى، فلو صحّ بواحدة صحّ بكلّ واحدة فكان يصحّ أن

صفحه 58
يفعله بقدرتنا والمعلوم خلافه، لأنّ مخالفة القدرة المفروضة ليست أكثر من مخالفة بعض هذه القُدَر لبعض، ولأنّ القادر بالقدرة لايفعل إلاّ مباشرة وهي الفعل في محلّ القدرة، فلو فعل الجسم لزم التداخل أو تولّد أو هو فعل بسبب فعل آخر أمّا في محلّ القدرة كالعلم، وقد عرفت منه لزوم التداخل أو متقدّماً عنه وإنّما هو بالاعتماد و قد صدر منّا اعتمادات ولم تولد الجسم.
إن قيل: قد يتولّد منه جواهر ويتفرّق سريعاً فلا يحسن بها.
قلنا: لو أدخلنا أيدينا في زق فارغ وشددنا فمه على أيدينا شدّاً وثيقاً واعتمدنا دهراً طويلاً لم نحدث جواهراً، وإلاّ لامتلأ الزق.
إن قيل: ففي الزق مسام صغيرة يجوز أن نخرج الجوهر منها ولايحسن به كما يخرج منه الجسم اللطيف السريع النفوذ.
قلنا: فلنمثّل ذلك بزجاج يمتنع النفوذ منه ونشدّ رأسه بغراء ونحوه.
إن قيل: فلِمَ لا يصحّ أن نفعله ولكن لايقع لمانع؟
قلنا: فالمانع إمّا قديم فيمتنع زواله فيمتنع الفعل وهو المطلوب أو حادث فيجوز زواله فيوجد جسماً وهو محال، والأولى دعوى الضرورة في ذلك.
إن قيل: فلِمَ لا يفعله اختراعاً؟
قلنا: الاختراع هو الفعل لا في محلّ القدرة ولا بسبب، فلو صحّ منّا الاختراع لصحّ أن يوجد في الأجسام البعيدة جداً أكواناً متعاقبة، والمعلوم خلافه.

صفحه 59
إن قيل: فلِمَ لايجوز حدوث العالم بالطبع؟
قلنا: إن أُريد بالطبع الفاعل المختار فهو قولنا، والنزاع في العبارة، وإن أُريد الموجَب القديم لزم قدم العالم وقد أثبتنا حدوثه، وإن أُريد الموجَب الحادث نقلنا الكلام إلى حدوثه ويتسلسل، أو ينتهي إلى الواجب المختار وهو المطلوب.

صفحه 60
الباب (الخامس)
فيما يلزم المكلّف
من معرفة أُصول الدين

صفحه 61
فيما يلزم المكلّف من معرفة أُصول الدين   
اعلم أنّ أصل الدين هو التوحيد المستند إلى وجوب الوجود المعلوم من حدوث العالم لبطلان الدور والتسلسل، والتوحيد هو معرفة وجود الله وصفاته الثبوتية والسلبية التي من جملتها وجوبه وغناؤه وعموم علمه، فإذا عرف ذلك تفرّع عليه العدل وهو باب أفعاله عاجلا وآجلا(1) فلا يفعل قبيحاً ولايترك واجباً، ويتفرّع من العدل النبوّة وصفات الأنبياء، وإنزال الكتب، ووضع الشرائع، ونصب الأوصياء، ونفي ما تنفي العقول عنهم،معرفة المعاد للجزاء; لأنّ هذه أُصول العقائد وجرت فيها المنازعات والاختلافات فوجب معرفة الحقّ فيها من الباطل.
وجعل القاضي عبد الجبّار في «المغني» ما يلزم المكلّف إثبات التوحيد والعدل، وفي «مختصر الحسنى» أضاف النبوّات والشرائع.
و المخالف في هذه الأُصول منه كافر، وهو المخالف في توحيد الله، أو في سلب صفاته الذاتية، أو في إثبات صفات المحدثات له، أو جواز القبح عليه، وكذلك من أنكر أنّ الله وعد وتوعّد، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر. ومنه محط وهو المخالف في الفروع والتشعّبات.
ثمّ اعلم أنّ التوحيد لغة هو ما يصير الشيء به واحداً، كما أنّ السواد ما

1. آجلا ليس في «ح».

صفحه 62
يصير به الشيء أسود، ثمّ استعمل في اعتقاد التوحيد والإخبار به.
و العدل لغة التسوية ثمّ استعمل في اعتقاد تنزيه الباري عن فعل القبيح والإخلال بالواجب.
إن قيل: فقد فعل الله الصور القبيحة؟
قلنا: المراد ما يكون قبيحاً من جهة العقل لا كونه غير مستحسن، والشيء قديكون حسناً وقبيحاً من وجهين فإنّ الماشي مشية مليحة في السعاية حسنة من جهة، قبيحة من أُخرى، والأعرج الماشي في تخليص مظلوم حسنة وقبيحة من جهتين، فيدخل في نفي فعل القبيح، نفي الظلم والعبث وتكليف غير المطاق والأمر بالقبيح والنهي عن الحسن، ويدخل في ترك الإخلال بالواجب ترك التكليف واللطف والعوض والثواب والانتصاف.
ومن فروع العدل: الوعد والوعيد; والوعد قيل: كلّ خبر تضمّن ايصال نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه في المستقبل وهو منهوض بالبشارة والإقرار والشهادة، ويقابله الوعيد وهو كل خبر تضمّن إيصال ضرر أو دفع نفع في المستقبل وهو منهوض بإنكار الحقوق.

تذنيب

حكي عن قوم من الكراميّة: أنّ الله لايعاقب أحداً أصلاً!. وهذا ردّ لما علم بالضرورة من دين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه يعاقب الكفّار.

صفحه 63
وعن مقاتل بن سليمان أنّ الله لا يعاقب الفسّاق، وأنّه لايضرّ مع الإيمان شيء. وفي هذا إغراء بالقبيح(1) وهو قبيح، وهذا يقابل مذهب الوعيديّة انّ الله لا يعفو عن الفسّاق.
قالوا: وما يقال «يجوز كون عقابهم مشروطاً بشرط أو استثناء» لم يبيّنه الله مثل (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)(2) المراد به: «إن جازيناه»، باطل، لأنّ فيه إغراءً وتلبيساً، ولو جاز الاستثناء في عمومات الوعيد جاز في عمومات الأوامر، وهو باطل لعدم الثقة باخبار الله فيها.
لا يقال: نفرّق بين عمومات الوعيد، لأنّه ليس علينا فيها تكليف فيجوز الاستثناء فيها بخلاف عمومات التكليف فلا يجوز شرط واستثناء لم يبيّنه تعالى.
لأنّا نقول: لا فرق، لأنّه يلزمنا اعتقاد موجبها لكونه لطفاً في الإقدام والإحجام. هذا آخر كلامهم هنا.
و الحقّ خلافه فإنّ الله وعد بالعفو وسمّى نفسه به مع حسنه شاهداً وهو تعالى صادق والإغراء يلزم لو وجب عليه العفو على أنّه لايلزم من الوعد بالعفو عموم العفو فيصدق بالعفو عن جريمة أو عن شخص، ولمّا كان المعفوّ عنه غير معيّن لم يحصل لأحد الأمن ولا الاغراء.

1. استند إلى قوله: (لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى) الليل/15، وهو الكافر. قلنا: قد جاء «الأشقى» بمعنى الشقي مثل (جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ ) مريم/52، ولأنّ النار المذكورة منكرة فلايدلّ على أنّه ليس لغير الأشقى ناراً أُخرى.
2. النساء (4)، الآية 93.

صفحه 64
 
تتمّة
صاحب الكبيرة مؤمن كمذهب المرجئة لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)(1) عطف العمل على الإيمان، وقوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم )(2)، وفي هذه نظر، إذ لا يلزم من وصف إيمانهم بعدم إلباس الظلم أن يوجد الإيمان مع إلباس الظلم لجواز أن يكون الوصف لا للتمييز، بل لأنّه لايكون إلاّ كذلك مثل قولهم: «الممكن الذاتي»، وقوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(3) ونظائره، ولأنّهم يناكحون و يوارثون وبين المسلمين يدفنون.
و ذهب الخوارج إلى أنّه كافر. وقد عرفت الردّ عليهم.
و ذهب الحسن البصري إلى أنّه منافق. وهو باطل، لأنّه لايظهر بخلاف ما يبطن.
و ذهب واصل بن عطاء ومن تابعه إلى أنّه فاسق لا مؤمن ولا كافر ولا منافق بل منزلة بين بين، لأنّه لا يستحق كمال مدح المؤمن ولا كمال ذمّ الكافر فلايلحق بأحدهما وكمال المدح مرتب على الايمان وكمال الذمّ مرتب على الكفران فانتفى عنه الأمران، ومن المعلوم أنّ الصحابة الكرام ما كانوا يجرون شارب الخمر مجرى الكافر في الأحكام، وكان

1. العنكبوت (29)، الآية 7.
2. الأنعام (6)، الآية 82.
3. البقرة (2)، الآية 61.

صفحه 65
اميرالمؤمنين(عليه السلام) يلعن معاوية وابن العاص والسلمي والأشعري.
وفي هذا نظر، لجواز أن يلعنهم لكفرهم لا لفسقهم، كما ذهب إليه جماعة من المحقّقين «انّ محاربي علي(عليه السلام) كفرة ومخالفوه فسقة»(1).

فايدة

قال شارح «الأُصول الخمسة» للقاضي عبد الجبّار (2): سبب الاعتزال أنّ واصلاً كان من أصحاب أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة وكان قائلا بتلك المنزلة فناظره عمرو بن عبيد فيها فرجع إلى واصل وأفرد إليهما حلقة فسمّاهم أصحاب الحسن البصري معتزلة.
ويحكى: أنّ السبب أنّ أُسامة أقبل بسيفه على أعرابيّ معه غنيمات فتشهّد، فقال أُسامة: إنّما تشهّدت خوفاً فقتله وجاء إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بذلك فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هلا شققت عن قلبه؟ وأنزل الله (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(3)، فندم أُسامة وحلف لايقاتل من يقول «لا إله إلاّ الله»، فلمّا كان حرب الجمل انعزل في جماعة عن الفريقين فسمّوا معتزلة.(4)

1 . القائل هو نصير الملّة والدين في التجريد في آخر المقصد الخامس من المقصد الثالث. نقله عنه القاضي التستري في إحقاق الحق: 3 / 446 .
2 . هو عبد الجبار بن أحمد بن عبدالجبار الهمذاني الأسدآبادي، أبو الحسين قاضي القضاة، شيخ المعتزلة في عصره، توفّي 415 هـ . الأعلام: 3 / 273.
3. النساء (4)، الآية 94.
4 . راجع تفسير مقاتل بن سليمان، ص 250 ; كنز العمال، ج 1، ص 309، برقم 1460 .

صفحه 66
الباب (السادس)
الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر

صفحه 67
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر   
الأمر: حقيقة في طلب الفعل من الغير بالقول مع الرتبة، فلو صدر من الهابط إلى العالي لم يكن أمراً، والحق أنّه لايفتقر في دلالته إلى الإرادة خلافاً للجبائيين قد حرّرالأُصول.
والمعروف: كلّ حسن عرف فاعلُه حسنَه أو دلّ عليه; فأفعال الله سبحانه ليست معروفاً لعدم تعريفه حسنها أو الدلالة عليها، وكذا أفعال البهائم. وما يرد في الدعاء: «يا من هو بالمعروف معروف»(1) المراد به الإحسان، ومن ذلك يعرف النهي والمنكر. وانّ القبائح الواقعة من الأطفال والمجانين والبهائم لا تسمّى منكراً.
والإجماع حاصل على وجوبهما واختلف في طريقه، فأبو علي وجماعة على الوجوب عقلاً كالسمع، وأبوهاشم وجماعة على الوجوب سمعاً لا غير إلاّ في موضع واحد، وهو ما إذا تألّم إنسان بظلم شخص من ثالث فإنّه يجب عليه عقلاً إزالة ذلك المنكر دفعاً لضرر الألم عن نفسه، فظهر من ذلك أنّ السمع لم ينفه أبوعلي بل اختصّ الخلاف بالعقل هل هو طريق أم لا؟ لوروده في الكتاب في قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(2)، وفي السنّة وهو كثير فمنه ما

1. أمالي الطوسي، ص 36 .
2. آل عمران (3)، الآية 104.

صفحه 68
روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتّى تغيّر»(1).
حجّة أبي علي وجوب الإتيان بالمعروف وترك المنكر يستلزم وجوب الأمر والنهي.
قلنا: قياس لغير جامع ويلزم منه الوجوب على الله سبحانه.
قال: لو لم يوجب الله علينا الأمر والنهي لكان قد أباح ترك المعروف وفعل المنكر.
قلنا: ينتقض، فإنّ الله لم يوجبها ولم يلزم إباحة تركها.
حجة أبي هاشم: لو وجبا عقلاً لكان لوجوبهما وجهٌ عقلاً والوجه إمّا لئلاّ يقع المعروف أو يقع منكر، وهذا يلزم منه الوجوب على الله فإن فعله لزم ضد المحسوس وإن لم يفعله أخلّ بالواجب، وإمّا لأنّ علينا فيه ضرراً فيلزم أن لايجب النهي عن المنكر وترك العبادة لعدم الضرر، وإمّا لأنّ فيه نفعاً فطلب النفع غير واجب، وإمّا لأنّهما لطفٌ لنا فانّا لانعلم هذا اللطف بعقولنا، فإنّ الآمر أو الناهي لا يجد فيهما لنفسه تقريباً وتبعيداً ولا يقاسان على معرفة الله، لأنّها تستلزم كون الثواب والعقاب من جهته فهي لطف عقلي بخلافهما.
واختلف أيضاً في وجوبهما أ هو على الكفاية للآية السالفة المشتملة على «من» المقتضية للتبعيض، أو على الأعيان لقوله: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

1 . أمالي الطوسي، ص 55 .

صفحه 69
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(1)؟ والحقّ أنّ الوجوب في الجملة عيني، فإن قام به أحد فأثّر سقط وإلاّ تمّ الوجوب على كلّ من يجوز التأثير.
ولوجوبهما شرائط: العلم بحالهماو عليه الظنّ بالتأثير في مخاطبيهما، وعدم الظنّ بلحوق ضرر بسببهما وإن كان لغير الزاجر عنهما، وان يظهر الاستمرار من مخالفهما كأن يرى المجلس مهيّئاً بآلات اللهو وشرب الخمر ويرى وقت الصلاة قد تضيّق ولم يتهيّأ لها.
واختلف فيما إذا سقط الوجوب لفقد شرط التأثير هل يتمّ الحسن؟ فقيل: لا، لأنّه عبث، والعبث قبيح; وقيل: بلى، لأنّه كاستدعاء الكفّار للدين والشريعة مع العلم أو الظنّ بعدم القبول; وقيل: إن كان الزاجر ليس إذلاله إعزاز الدين سقط الحسن، وإن كان في إذلاله إعزاز الدين تمّ الحسن. وعلى هذا يحمل إقدام الحسين(عليه السلام) على الجهاد وإن غلب في ظنّه القتل، لأنّ في إذلاله إعزاز الدين، فحسن منه الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا التفصيل أقوى.
واعلم أيضاً أنّ مراتب النهي الأسهل فالأسهل، القلب، ثمّ اللسان، ثمّ اليد، لقضاء العقل بأنّ انحاء الأسهل بمنع جواز الأثقل، وقد أمر الله بإصلاح الطائفتين قبل المقاتلة في قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ)(2).

1. آل عمران (3)، الآية 110.
2. الحجرات (49)، الآية 9.

صفحه 70
واعلم أيضاً أنّ الأمر بالواجب واجب، وبالندب ندب، لأنّ عدم وجوبه على المأمور يستلزم أولوية عدم وجوبه على الآمر.
إن قيل: فمن اعتاد ترك النوافل وجب نهيه مع ندبها.
قلنا: النهي إنّما هو عن اعتياد تركها وهو قبيح لتأذّنه بالتهاون بالدين كأكل ذوي المروات في الطرقات. فإنّه مباح الجملة قبيح من هذه الحيثيّة، أمّا المنكر فلمّا كان كلّه قبيحاً كان النهي عنه كلّه واجباً، وتشارك الصغيرة فيه الكبيرة لاشتراكهما في مطلق القبح، ولأنّه ما من صغيرة إلاّ ويجوز أن تكون كبيرة.
واعلم أيضاً أنّ الأمر والنهي ضربان:
أحدهما: لا يقوم به إلاّ الإمام(عليه السلام)، كحفظ بيضة (الإسلام و) المسلمين، وجهاد الكافرين، وتولية الحكّام لقطع الخصومات، وإقامة الحدود لرفع المنكرات.
وثانيهما: ما يقوم به الإمام وغيره، كالأمر بالعبادات والنهي عن المحرّمات.

صفحه 71
الباب (السابع)
إثبات كونه تعالى
قادراً

صفحه 72
إثبات كونه تعالى قادراً   
لمّا دلّ حدوث العالم على إثبات الذات، دلّ على إثبات القدرة لإبطال الإيجاب، ودلّ إحكامه على علمه وتغايره على إرادته وكراهته وعموم علمه لفقد المخصّص على سمعه وبصره. وظهر من كل واحدة إثبات حياته. بل ونقول: إثبات القدرة يستلزم إثبات الذات، لأنّه كالدليل الانّي لها، حيث إنّ الفعل بنفسه يدلّ عليها وبوسائطه يدلّ على غيرها، إذ كلّ صفة لا يدلّ الفعل أو وسائطه عليها لا يصحّ إثباتها. والدليل على اثبات القدرة صحّة الفعل الدالّ عليها وقوعه بعد عدمه، لأنّا نعلم أنّ الفعل من الصحيح لو لم يكن لصفة زائدة على المريض لامتنع منه كما يمتنع من المريض، ولا يعقل هنا صفة زائدة سوى القدرة.
إن قيل: أليس في المعدوم ما يصحّ وجوده وما يمتنع فافترقا لا لأمر فكذا من يصحّ منه الفعل قد يفارق ما يمتنع من لا لأمر والموجود منه ما يصحّ بقاؤه وما يمتنع فافترقا لا لأمر.
قلنا: يمنع كون ذلك لا لأمر فالمعدوم الممكن فارق الممتنع لصحّة القادر عليه دون الممتنع والموجود الّذي صحّ عليه البقاء فارق ما لايصحّ لأمر يرجع إلى اختلاف الجنس، فثبت أنّ من صحّ منه الفعل فارق من لا يصحّ لصفة هي القدرة.

صفحه 73
إن قيل: فقد يكون تعذّر الفعل من العاجز لصفة وصحّته من الفاعل لعدمها لا لكونه قادراً.
قلنا: صحّة الفعل أمر ثبوتي فلا يعلّل بعدمي ولو كانت علّة الصحّة عدميّة لوجب أنّ كلّ من عدمت عنه يفعل ذلك الفعل بعينه، لأنّه لا اختصاص لها بشخص دون آخر، وفي ذلك وقوع مقدور بقادرين وهو محال.
إن قيل: فلم لا يكون الأمر اعتدال المزاج لا القدرة؟
قلنا: إن عنيت بالاعتدال صفة راجعة إلى الجملة فليست إلاّ القدرة ويصير النزاع في التسمية، وإن عنيت استواء الكيفيات لم يجز أن يؤثّر في حكم واحد لتضادّها. وفي هذا نظر لجواز كون المؤثّر هو نفس الاعتدال وهو واحد كما أنّه أثر قبول الشهوة والصحّة والقوة والحركة. فالأسدّ في الجواب أنّه لو كان هو العلّة لوجد مثل ذلك الفعل من كلّ مزاج معتدل لعدم المخصص.
إذا عرفت هذا فالله تعالى قادر أزلاً وأبداً على ما لا يتناهى من أجناس المقدورات، لأنّ القدرة لو كانت محدثة فإمّا منه بلا قدرة وهو محال، أو بقدرة هي المفروضة أوّلاً فيدور، أو غيرها فيتسلسل، وإمّا من غيره فيحتاج إليه. ووجه أبديّتها كونها صفة ذاتية فلا يجوز خروجها عنها بحال وإلاّ لم تكن ذاتيّة; ووجه عمومها انّ الّذي يحصر المقدور في جنس إنّما هو القدرة الزائدة وقدرة الله ذاتيّة فصحّ عموم تعلّقها، وإذا صحّ وجب وإلاّ لخرجت عن كونها ذاتيّة.

صفحه 74
الباب (الثامن)
إثبات كونه تعالى
عالماً

صفحه 75
إثبات كونه تعالى عالماً   
دليله فعله المحكم ابتداءً واحترزنا بالابتداء عن المحتدى فانّه يفعل المحكم لا ابتداءً فلا يكون عالماً، ومنهم من أسقط هذا القيد وجعل المحتدى عالماً. أمّا فعله المحكمات فظاهر في الفلكيات والعنصريات وذلك أبلغ من الاحكام المشاهد منّا في الصناعات فيما أوردنا من الإجماعيات على كونه قادراً يمكن إيراده على كونه عالماً. وقد عرفت الجواب عنها آنفاً.
إن قيل: فلم لا يوجد المحكم لأجل كونه معتقداً أو ظانّاً لا عالماً؟
قلنا: قضت الضرورة بأنّ المعتقد أو الظانّ لصحّة للمحكم منه إذا توجه لفعله تعذّر عليه الإتيان به.
إن قيل: فقد وجد من الباري تعالى ما ليس بمحكم كالمخلوق ناقصاً فإن دلّ المحكم على علمه دلّ غيره على جهله.
قلنا: غير المحكم فعله لغرض حكمي، ألا ترى أنّ المحكم للكتابة قد يفعلها غير محكمة لغرض هو أنّ ظالماً يريد أن يجعله له كاتباً فيكتب غير المحكم فإذا رآه رغب عنه، ويكون الغرض في ناقص الخلقة تضاعف شكر كاملها عند رؤيتها وللناقص أعواض توفّى على الغمّ منها يرضى بها بدلاً لها(1).

1. كما في حديث ذي النمرة. الكافي، ج 8 (الروضة)، ص 277، ح 531.

صفحه 76
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه تعالى عالماً أزلاً، لأنّه لو تجدّد كان محدثاً فيكون للحوادث محلاًّ ويستمر علمه أبداً، لأنّه صفة ذاتية فلا تزول كما سلف آنفاً.
إن قيل: فهلاّ يصح تجدّد كونه عالماً كما تجدّد كونه مدركاً.
قلنا: لأنّ وجود المدرَك شرط في كونه مدركاً وليس وجود المعلوم شرطاً في كونه عالماً فافترقا.
وأمّا عموم علمه وتعلّقه بما لا يتناهى فلأنّه ما من معلوم يصحّ أن يعلمه أحد إلاّ ويصحّ أن يعلمه كلّ أحد فصحّ أنّ الله يصحّ أن يعلم كلّما يصحّ أن يكون معلوماً ومتى صحّ وجب لكونه صفة ذاتية.

توضيح

ليس قولنا: «متى صحّ وجب» ملزوماً لتوقّف الواجب على الجائز حتّى يقال: إنّه محال، بل معناه متى صحّ في الدليل ظهر منه الوجوب، كما أنّ وجود الواجب تعالى موقوف على وجود الحادث في الاستدلال لا في نفس الأمر وهو برهان إنّ.

صفحه 77
الباب (التاسع)
إثبات كونه تعالى
حيّاً، موجوداً، واحداً

صفحه 78
إثبات كونه تعالى حيّاً، موجوداً، واحداً   
اعلم أنّ هذا من أظهر الأشياء بعد إثبات القدرة والعلم أو أحدهما له، ولأنّه لو لا اختصاصه بصفة مصحّحة للقدرة والعلم لم يكن أولى بهما ممّن ليس له تلك الصفة(1) من الجمادات كالواحد منّا لما صحّ منه القدرة والعلم دون الجماد عرفنا اختصاصنا بالحياة عن الجماد.
إن قيل: فالواحد منّا إذا كان قادراً عالماً حيّاً وجب كونه جسماً فالقديم تعالى إن كان كذلك وجب كونه جسماً.
قلنا: اختصاصنا يحتاج إلى بيّنة لأجل زيادتها علينا صفات الباري ذاتية فلم تحتج إلى البيّنة.
إن قيل: فكون أحدنا حيّاً يصحّ كونه مشتهياً ونافراً.
قلنا: إنّما صحّح كون الواحد منّا حياً كونه مشتهياً ونافراً لأجل جواز الزيادة والنقصان علينا وكذلك منتف عن بارينا.
إن قيل: فالاستدلال بالقدرة على الحياة يستلزم إثبات الشيء بنفسه لعدم تغايرهما.
قلنا: بينهما تغاير عقلاً يعرف من اختلاف حكميهما فإنّ حكم القدرة صحّة الفعل وحكم الحياة صحّة الإدراك.

1. الصحة «ح»، «ن».

صفحه 79
إن قيل : فلم لا يصحّ استناد هذين الحكمين إلى صفة واحدة، فإنّ التحيّر صفة واحدة استند إليها صحّة احتمال الغرض وصحّة الإدراك بالحواس.
قلنا: لا قياس لأنّ صحّة الفعل وصحّة الإدراك لواستندا إلى صفة واحدة لكان كلّ من صحّ منه الإدراك صحّ منه الفعل وهو باطل، لأنّ المريض يساوي الصحيح في الإدراك ويخالفه في صحّة الفعل والأذن مثلاً تدرك ولا يقدر على الفعل.
إن قيل: فالاستدلال بالقدرة والعلم على الحياة دور، لأنّهما فرع عليها فما لم تثبت لم يثبتا.
قلنا: يصحّ كون الفرع أصلاً للأصل في الاستدلال به لا في وجوده كما في برهان انّ.
إذا عرفت هذا فيجب العلم بكونه تعالى حيّاً أزلاً للزوم الدور إن كان حدوثها منه والاحتياج إلى غيره إن كان حدوثها منه، وأبداً أيضاً لأنّها صفة ذاتية فلا يزول; وقد سلف ذلك فيما سلف.
وذهب جماعة من المحقّقين إلى كون الحياة صفة سلبية وهي عدم امتناع القدرة والعلم .

صفحه 80
الباب (العاشر)
إثبات كونه تعالى
سميعاً، بصيراً، مدركاً

صفحه 81
إثبات كونه تعالى سميعاً، بصيراً، مدركاً   
أمّا سميع، بصير فصفتان ثبوتيتان أزليّتان أبديّتان، وأمّا سامع ومبصر ومدرك فمن الإضافيّات مقرون ثبوتها بوجود المدركات.
واختلف في الأصل الّذي بنى عليه السمع والبصر على قولين:
(القول) الأوّل: لأنّه تعالى حيّ لا آفة به; أمّا أنّه حيّ فقد سلف، أمّا عدم الآفة فلأنّها إنّما تلحق الجسم وقد تقدم أنّه سبحانه ليس بجسم وكلّ حيّ لا آفة به فهو سميع بصير لا محالة لاستحالة الموانع عليه تعالى وانّ هاتين غير زائدتين على كونه حيّاً. واستدلّ على عدم الزيادة بالتلازم لامتناع وجدان حيّ لا يوصف بهما أو موصوف بهما وليس بحيّ. والملازمة ممنوعة لوجود الحياة في الديدان دونهما ولو سلّمت الملازمة لم يدلّ على الاتّحاد كالجوهر والعرض والمتضايفين والعلّة والمعلوم.
أمّا الإدراك فزائد في حقّنا على علمنا عند قوم، لأنّا ندرك ما لا نعلم كقرص البرغوث والصوت الموجب لانتباه النائم، ونعلم ما لا ندرك كعلمنا بالقديم تعالى وصفاته وهذا يتمّ على اختصاص الإدراك بمتعلّق الحواس الظاهرة، أمّا إذا استعمل في العلم مطلقاً فلا زيادة. وفي حقّ الباري تعالى وهو العلم بالمدركات فهو صفة ثبوتية والإدراك مفرّع على الحياة، لأنّ اليد

صفحه 82
الصحيحة المتصلة تدرك بخلاف الشلاء أو المبانة فالعلّة الحياة.
إن قيل: لِمَ لا يكون الاتصال بحملةِ حيّة هو العلّة لا الحياة؟
قلنا: منقوض بالظفر والشعر.
القول الثاني: إنّ الصفات الثلاث راجعة إلى كونه عالماً وهو مذهب البلخي والنجّاريّة وهو الأقوى، لأنّ هذه الثلاث علوماً خاصة بالسمع والبصر والمدرك وإن كانت الحياة شرطاً فيها.

تذنيب

ذهب أبو القاسم بن سهلويه الملقّب بقاتل الأشعري إلى أنّ الله لا يدرك الألم واللذّة، لأنّ إدراكهما إنّما هو لمحلّ الحياة في محلّ الحياة ولو كان مدركاً لهما في محلّ الحياة كان جسماً.
قلنا: إنّما وجب إدراكهما فينا لمحلّ الحياة في محلّ الحياة لزيادة حياتنا وحياة الله غير زائدة فلا يلزمهم ما يلزمنا.
قال: لو أدركهما لكان متألّماً ملتذاً وهو محال.
قلنا: إنّما يوصف المدرك بالألم واللذّة بشرط النفرة والشهوة الممتنعتين عليه تعالى فانتفى ما ذكر.

صفحه 83
 
توضيح
إنّما لقب ابن سهلويه بقاتل الأشعري، لأنّه ناظره فلمّا قطع الأشعري فحم ومات، فلقّب بذلك .

فصل

ظهر من أزليّة تلك الصفات أزلية الموصوف بها لامتناع أزلية الصفة مع حدوث محلّها وأيضاً فلو كان صانع العالم محدثاً افتقر إلى محدث ضرورة فمحدثه إن كان قديماً فهو الواجب، وإن كان محدثاً نقلنا الكلام إليه، فامّا ينتهي إلى واجب هو المطلوب أو نذهب لا إلى نهاية وهو محال، لأنّه يلزم أن لا يوجد المعلوم بالمشاهدة حدوثه كالحادث اليوميّ، لأنّه يكون موقوفاً على انقضاء ما لا ينقضي فلا تصل النوبة إليه ويجري ذلك مجرى من قال: لا أعطي فلاناً شيئاً حتّى أعطي آخر قبله، وقال في الآخر كذلك، وكذا قال في كلّ واحد يفرض فيعلم أنّه لا يعطي أحداً شيئاً فلا يوجد الحادث اليوميّ أبداً.

صفحه 84
الباب (الحادي عشر)
كيفيّة استحقاقه تعالى
لهذه الصفات

صفحه 85
كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات   
قال أبو هاشم وشارح الأُصول للقاضي: يستحقّها لأمر هو عليه في ذاته، فكونه مريداً وكارهاً لحصول هاتين الصفتين له، وكونه مدركاً لكونه حيّاً وهو قول ابن جرير أنّه يستحقّها لمعان هي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والقدم. وقال: إنّ هذه الصفات لا توصف بالوجود والعدم والحدوث والقدم، لأنّ الصفة لو وصفت لزم التسلسل.
قلنا: لا يجب أن توصف الصفة وصفة الصفة وإن كان جائزاً فإنّ ما يترتّب على الوجوب لا يترتّب على الجواز فلا تسلسل.
وقال ابن كلاب: تلك المعاني أزليّة ولم يسمّها قديمة لئلاّ يخرق الإجماع بأنّه لا قديم إلاّ الله وهربه من ذلك تسمية لا تزيل التناقض عنه اعتقاداً لعدم الفرق بين القديم الحقيقي والأزلي. وأطلق الأشعري عليها القدم ودفع ما هو معلوم بالإجماع لقلّة مبالاة بالدين.
والحق كأبي علي وابن الهذيل أنّه يستحقّها لذاته، لأنّ المعاني إن لم تكن معلومة فإثباتها جهالة وإن كانت معلومة فهي إمّا معدومة ولا اختصاص لها حينئذ بأحد لاستواء نسبتها، وإمّا موجودة فهي إمّا محدثة فإن تجرّدت أو حلّت في غيره تعالى فهو غير معقول وإن حلّت فيه فهو محدث لزم

صفحه 86
حدوثه لغيره وقبوله، ولأنّها إن حدثت منه وجب سبقها على نفسها لاحتياج الأحداث إليها وإن حدثت من غيره احتاج إليه وإمّا قديمة فيلزم تعدّد القديم.
شبهة جهم وهشام بن الحكم على حدوث علمه تعالى انّه لم يكن عالماً بحدوث العالم أزلاً ولا عالماً بأنّه فعله أزلاً وإلاّ كان جهلاً فحدث العلم بهذين.
قيل في الجواب: المتغيّر المعلوم لا العلم كما يتبدّل على اليوم اسم غد واسم أمس و هو واحد.
وفيه نظر: إذ لا يلزم من تغيّر الاسم تغيّر المسمّى لزيادته عليه على الأصحّ بخلاف العلم الّذي شرطه المطابقة ومطابقة شيء واحد لضدّين محال، وهذا يرجع إلى جواز تعلّق علم واحد بمعلومات.
وفيه بحث وقد اشتهرت أجوبة النقاد على هذه الشبهة بما لا يخلو من دخل .
واستدلّ بآيات على تجدّد العلم، منها: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ)(1)، ومنها: (اَلآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً)(2)، ومنها: (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)(3).

1. محمّد (47)، الآية 31.
2. الأنفال (8)، الآية 66.
3. الأعراف (7)، الآية 129.

صفحه 87
والجواب: لا يصحّ الاستدلال بالسمع هنا لبناء صحّته على عدل الله وحكمته المبنيين على علمه بقبح القبيح المبني على أنّه عالم لذاته، إذ لو لم يكن عالماً لذاته لصحّ خروج بعض الأشياء عن علمه، فيخرج العلم بقبح القبيح أو العلم بالغناء عنه فيفعله ويكون من جملته وضع هذه الآيات وهي غير صحيحة على أنّها تقبل التأويل وهو «حتّى يقع الجهاد المعلوم من حالكم ويقع الضعف المعلوم من حالكم ويقع المعلوم من عملكم» أو يكون المراد: «حتّى يعلم رسولنا» لأنّ الله جعل رسوله بمنزلته في قوله:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ)(1).

فصل

ذهب قوم إلى زيادة علمه تعالى على ذاته. قالوا: لأنّ العالم من له العلم ولولاه لم يكن أولى بالأحكام من الجماد.
قلنا: الإضافة قد تصدق بلا مغايرة مثل نفس الشيء وذات الله والأولويّة لخصوصيّة الذات المخالفة لغيرها.
قالوا: الواحد منّا إذا كان له علم كان عالماً، وإذا لم يكن لم يكن.
قلنا: لا قياس لثبوت فروق فينا نمنع القياس علينا.
قالوا: علمنا أنّ من كان له حركة كان متحرّكاً ومن لم تكن له لم يكن، والعلّة يجب فيها الانعكاس فيتلازمان نفياً وإثباتاً.

1. الفتح (48)، الآية 10.

صفحه 88
قلنا: نمنع وجوب الانعكاس، لأنّ كون الفعل ظلماً عليه قبح فكلّ ظلم قبيح ولا ينعكس كلّيّاً بأن تصير كلّ قبيح ظلماً.
قالوا: علمُنا يجدد بعد أن لم يكن فلابدّ من زيادة معنى وإلاّ ترجيح بلا مرجّح.
قلنا: ليس لله علماً متجدد على الأصحّ - كما سلف - فلا قياس.
قالوا: لم نجد في الشاهد عالماً إلاّ بعلم فكذا في الغائب.
قلنا: عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود، ولأنّا لم نجد في الشاهد عالماً إلاّ جسماً بعلم محدث حالّ في قلبه فيلزم على قولكم مثله في الغائب.
قالوا: ليس حقيقة العالم من صحّ منه الفعل المحكم، لأنّ أحدنا يكون عالماً بفعل غيره ولا يصحّ منه إيقاعه محكماً، بل حقيقته من له العلم فكذلك في الغائب، لأنّ الحقائق لاتختلف.
قلنا: لو كانت حقيقته من له العلم لزم أنّ من علم العالم علم علمه وليس كذلك ضرورة بل نقول: العالم في الغائب هو ذات منكشف لها المعلوم من موجود أو معدوم.
قالوا: عالم مشتق من العلم ولا اشتقاق من أصل كاذب.
قلنا: الاشتقاق يدلّ في العبارات ولا يصحّ إثبات المعاني بالعبارات لوجوب تقدّمها على العبارات، ولو كان عالم مشتقّاً من العلم لكان أعلم مشتقّاً من كثرة العلم وأنتم لا تقولون إنّ لله سوى علم واحد، ولو اشتقّ عالم

صفحه 89
من علم لوجب أن يعقل أهل اللغة العلم قبل وضع لفظ العالم. وفيه نظر إذ لا دليل على عدم علمهم بالعلم.
قالوا: نعلم ذات الله سبحانه ثمّ يتجدّد لنا العلم بعلمه فلو كان هو الذات لكان المتقدّم هو المتأخّر والمعلوم هو المجهول.
قلنا: يصحّ كون الواحد معلوماً من وجه الاجمال، مجهولا من وجه التفصيل.
قالوا: الواحد منّا إذا كان عالماً وجب أن يحتاج إلى العلم فالحاجة لا يجوز أن ينشأ من جواز كونه عالماً لحصول هذا الجواز في حقّ الجاهل ولا حاجة له فهي ناشئة من مجرد كونه عالماً فالله سبحانه محتاج إلى العلم لكونه عالماً والشيء لا يحتاج إلى نفسه لامتناع الدور.
قلنا: لا، إنّما أوجب الحاجة إلى العلم تجدّد كونه عالماً مع الجواز، وهذا غير ثابت في حقّ الله على أنّا نقلّب الحديث عليهم بأنّ حاجة الواحد منّا إلى الموجد لا يجوز أن تنشأ من جواز الوجود لحصول هذا للمعدوم ولا حاجة له فهي ناشئة من مجرد الوجود، والله تعالى موجود فوجب احتياجه إلى الموجد.
قالوا: لو كان تعالى عالماً لذاته كما تقولون كانت ذاته علّة لعلمه.
قلنا: لا يلزمنا ذلك بل هو كما نقول الجوهر جوهر لذاته لا أنّ ذاته علّة له.
قالوا: قال تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)(1)، و(وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ)(2)، (وَلاَ

1. النساء (4)، الآية 166.   2 . فاطر (35)، الآية 11.

صفحه 90
يُحِيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلْمِهِ )(1) ولم يقل بذاته.
قلنا: لا يصحّ الاستدلال بالسمع هنا - وقد سلف تقريره أوّل الباب - على أنّ الذات إذا كانت هي العلم فلا مشاحة في التعبير بأيّهما كان، وتؤوّل الآيات بأنّ المراد «أنزله وهو عالم به»، «ولا تضع إلاّ ما هو عالم به»(2)، فالمراد بالعلم العالم مثل قول القائل: جرى هذا بعلمي. وفي هذا المثال نظر لزيادة علم القائل على ذاته فلا يدلّ على أنّه عنى «بعلمه» ذاته(2). والمراد بقوله: «ولا يحيطون بشيء من علمه» معلومه كما يقال: هذا علم أبي حنيفة.
إن قيل: لو كان المراد «لا يحيطون بشيء من معلومه» لم تعلم الخلق شيئاً.
قلنا: بلى يعلمون ولكن لا على وجه الإحاطة فإنّ ذلك مختصّ به تعالى أو نقول: المراد «لا يحيطون بشيء من ذاته» وعبّر عنها بعلمه لاتّحادهما.
إن قيل: هذا التأويل باطل لاستلزامه كثرة ذاته تعالى لمكان «على» و«من» المقتضيان للتبعيض.
قلنا: يحملان على الزيادة والتبيين، على أنّ لو جوّزنا الاستدلال بالسمع في المسألة كان الكتاب لنا لا علينا، لقوله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْم عَلِيمٌ)(4)، فلو كان له علم زائد كان فوقه عليماً.

1. البقرة (2)، الآية 255.         2 . ولاتضع الاّ وهو عالم به «ن».
2. بعلم ذاته «ن».   4 . يوسف (12)، الآية 76.

صفحه 91
الباب (الثاني عشر)
ما يسلب عنه تعالى
وفيه فصول

صفحه 92
في كونه غنيّاً   

(الفصل) الأوّل

في كونه غنيّاً

وهذا الحكم من أظهر الأشياء بعد إثبات وجوب الوجود له تعالى، لأنّ الوجوب والحاجة لا يجتمعان، ولأنّ الحاجة إنّما تجوز على العرض لحلوله - وقد سلف أنّ الواجب ليس بعرض وسيأتي أيضاً - أو على الجسم لتحيّزه وتركّبه والواجب ليس بجسم، وسيأتي إن شاء الله.
ووجه الحصر في الجسم أنّ الحاجة لا تجوز إلاّ على من يجوز عليه النفع والضرّ، وهما لا يجوزان إلاّ على مَن تجوز عليه الشهوة والنفرة، وهما لا يجوزان إلاّ على من يجوز عليه الألم واللذّة، وهما لا يجوزان إلاّ على مَن يجوز عليه الزيادة يتناول ما يشتهيه فيصلح عليه جسمه والنقصان يتناول ما ينفي عنه فينقص عليه جسمه هكذا قيل.
وقد نقض أبو هاشم كون الزيادة والنقصان من حكم الشهوة والنفرة بأنّ الجسم ينقص مع الشهوة كما في أكل الطين، وكما في إدراك العاشق معشوقه ونزيد مع النفرة كما في استعمال الدواء المرّ. قال: وإنّما الشهوة والنفرة من فعل الله تعالى بمجرى العادة.

صفحه 93
والأصوب أنّه لو كان مشتهياً لكان إمّا بشهوة ذاتية فيلزم وجود المشتهيات أزلاً ويصير كالملجأ إلى خلقها لما فيها من النفع ولا مانع من إيجادها. وفي الإلجاء نظر، إذ ليس كلّما لا ينفع منه يجب وجوده. وإمّا بشهوة قديمة ويلزم مع ذلك تعدّد القدماء أو بشهوة محدثة فيكون أيضاً كالملجأ إلى خلق المشتهى، لأنّ من علم أنّ له في الشهوة نفعاً ولا يتمّ إلاّ بالمشتهى فعله لا محالة، ولأنّها تستلزم حدوثه بحلولها.
وإمّا النفرة فلأنّها إمّا ذاتية فلا يوجد ما ينفى أبداً، لأنّه يجب أن يكون نافراً عن كلّ ما يصحّ أن ينفى عنه وإذا صح وجب، لأنّ صفة النفس كذلك ; وإمّا قديمة فيكون مثلا للقديم، لأنّ القدم من صفات النفس فالاشتراك فيها يوجب التماثل والقديم لا مثل له ; وإمّا محدثة فيستلزم حدوثه بحلولها فيه.

صفحه 94
في سلب الجسميّة عنه تعالى   

الفصل الثاني

في سلب الجسميّة عنه تعالى

الجسم هو الطويل العريض العميق. قيل: ولم تطلقه أهل اللغة إلاّ على ذلك.
فقالوا: هذا جسم وهذا أجسم منه. قال شاعرهم:
و أجسم من عاد جسوم رجالهم *** وأكثر أن عدّوا عديداً من التراب
وهو في الأشهر ما ألف ثمانية جواهر على وجه مخصوص.
وقالت الأشاعرة: الجسم ما يقسم، وتبطله الشهرة.
وقالت المجسّمة: هو القائم بذاته، والربّ تعالى قام بذاته. فالذين ماثلوه منهم بالأجسام حقيقة سنبطله، والذين أطلقوا عليه الجسم تسمية فالنزاع معهم لغة.
لنا: إنّه تعالى لو كان جسماً لاحتاج إلى حيّز وأبعاض ولكان مماثلا للأجسام فيكون محدثاً كهي، أو قديمة كهو، وهذا مبنيّ على تماثل

صفحه 95
الأجسام، وعلى أنّ الأجسام لا تفترق في الحدوث والقدم.
أمّا الأوّل فلتركب الأجسام من الجواهر والجواهر متماثلة، لأنّ كلّما صحّ على بعضها من التحيّز والوجود وغيرهما صحّ على سائرها وما يقبله بعضها من الأعراض دون بعض فلأجل شرط زائد لالذاتها.
وأمّا الثاني: وهو أنّ الأجسام لا تختلف في القدم والحدوث فلأنّ الأمثال هي المشتركة في سائر صفات الذات وإلاّ لم يكن أمثالا.
إن قيل: فأليس الله شيئاً لا كالأشياء وقادراً وعالماً وحيّاً لا كقدرة غيره(1) وعلمه وحياته فما المانع من كونه جسماً لا كالأجسام؟
قلنا: المانع التناقض فإنّ الجسم يستدعي طولا وعرضاً وعمقاً ولا كالأجسام يستدعي عدم ذلك.
وفيه نظر فإنّ الجسم عندهم ما قام بذاته فيجوز أن يقال على مختلفين باصطلاحين إمّا شيء لا كالأشياء فلا تناقض فيه، لأنّ شيء فيه الإثبات ولا كالأشياء فيه نفي المماثلة، فأنّ الشيء قد يقال على مختلفين وكذلك إذا قلنا قادر، عالم، حيّ، يفيد إثبات هذه الصفات، وإذا قلنا لا كالقادرين والعالمين والأحياء أفاد أنّ غيره لايستحقّها على وجه استحقاقه سبحانه لها فلاتناقض، ولأنّه تعالى لو كان جسماً لكان قادراً بقدرة زائدة، إذ لوكانت ذاتية لعمّت وللعلم الضروري بحدوثها للجسم والقادر بقدرة يمتنع منه فعل الجسم لحصر فعله في المباشرة والتولّد - وقد سلف كلام في

1. قادر وعالم وحيّ لا كقدرة غير «ن»، «ح».

صفحه 96
ذلك - فلو كان تعالى جسماً لامتنع منه فعل الجسم لكنّه فعل الجسم فهو ليس بجسم.
وللمجسّمة شبه:
أ) الواحد منّا لمّا كان عالماً قادراً كان جسماً والله تعالى عالم قادر فيكون جسماً.
قلنا: لا قياس لزيادة صفاتنا فتحتاج إلى بيّنة «وعدم زيادة صفاته فلا تحتاج إلى بيّنة فلا جسم»(1).
ب) لا معقول إلاّ جسم أو عرض والربّ ليس بعرض فهو جسم.
قلنا: نمنع حصر المعقول فيهما فانّا نحن وهم قد عقلنا ذاتاً ليست عرضاً ولا جسماً هو لحم ودم حيث قالوا لا كالأجسام.
ج ) ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )(2) والاستواء من صفات
الأجسام.
قلنا: لا يصحّ الاستدلال بالسمع هنا لبناء صحّته على عدل الله وحكمته المبنيّ على علمه بالقبيح والغناء عنه المبنيّ على وجوبه المنافي لتجسّمه لاحتياج الجسم إلى غيره فجاز لأجل الحاجة وقوعه ويكون
من جملته، ذكر الاستواء مع امتناعه، على أنّه يراد بالاستواء «الاستيلاء»، ومنه:

1. ما بين القوسين ليس في «ح».
2. طه (20)، الآية 5.

صفحه 97
«ولمّا علونا واستوينا عليهم»(1)
] و [ «قد استوى بشر على العراق»(2)
وإنّما خصّ العرش لعظمه فالاسيتلاء عليه استيلاء على غيره; وقد يراد بالعرش «الملك» مثل قولهم: «ثلّ عرش بني فلان» أي زال ملكهم، ومنه:
إذا ما بنو مروان ثلّت عروشهم *** و أودت كما أودت أياد وحمير
د) (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني )(3) وذو العين لا يكون إلاّ جسماً.
قلنا: العين يراد بها «العلم» أي على علمي.
هـ) (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(4) واليد الجسم.
قلنا: اليد القدرة مثل «لفلان يد في صنعته» أو المراد: خلقت ليدي فأقام «الباء» مقام «اللام» أي لنعمتي فإنّ اليد النعمة، «و كم لظلام الليل عندي

1 . تمام البيت كما يلي:
ولما علونا واستوينا عليهم *** تركناهم صرعى لنسر وكاسر ***
2 . تمام البيت هو:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
والقائل هو البعيث المجاشعي على ما في التبيان: 4 / 422 ومجمع البيان: 9 / 383، وهو خداش بن بشر بن خالد التميمي البصري (المتوفّى 134 هـ). الأعلام: 2 / 302. وقيل: الأخطل النصراني كما في البداية والنهاية لابن كثير: 9 / 10 . وهو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو (19 ـ 90 هـ) من بني تغلب اشتهر في عهد بني أُمية وأكثر من مدحهم. الأعلام: 5 / 123.
3. طه (20)، الآية 39.   4 . ص (38)، الآية 75.

صفحه 98
من يد».
إن قيل: فما معنى التثنية حنيئذ؟
قلنا: جرت العادة بوضع المثنى موضع المفرد، كما قيل في قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ )(1) المراد ألق يا خازن النار. ومنه:
فإن تزجراني يا ابن عفّان انزجر *** وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا(2)
و منه:
فإن بخلت سدوس بدرهميها *** فان الريح طيبة قبول (3)
أي بدرهمها. وقد قيل: إنّ المقصود بالتثنية نعمتي الدنيا والآخرة.
و) (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ)(4) والجنب جسم.
قلنا: المراد به الطاعة مثل «اكتسب فلان مالا في جنب فلان» أي في طاعته وخدمته.
ز) (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)(5) وذو اليمين جسم.
قلنا: المراد القوّة. ومنه:

1. ق (50)، الآية 24.
2 . القائل هو سويد بن كراع (كما في المحرر الوجيز: 5 / 163) العكلي (المتوفّى نحو 105 هـ) كان في العصر الأموي صاحب الرأي والتقدم في بني عكل. الأعلام: 3 / 146 .
3 . البيت للأخطل .
4. الزمر (39)، الآية 56.
5. الزمر (39)، الآية 67.

صفحه 99
إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين
ح) (كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(1) وذوالوجه جسم.
قلنا: المراد الذات مثل «هذا وجه الرأي» أي نفسه، ولو كان الوجه هنا غير الذات لدخلت في الهلاك.
ط) (وَجَاءَ رَبُّكَ )(2) والمجيء إنّما هو للجسم.
قلنا: المراد أمره ومثل هذا كثير في كلام الله وكلام العرب.
 
الفصل الثالث
القديم ليس بعرض لافتقار العرض وغنائه، ولصحّة زوال العرض ووجوب بقائه، و لأنّه يوصف بصفات الأحياء والعرض لايوصف بصفات الأحياء، ولأنّه إمّا أن يكون مجموع الأعراض فيلزم تضاد ذاته لتضاد الأعراض، وإمّا واحداً منها فما من عرض إلاّ ويجوز عليه ما لا يجوز على الله. وبالجملة فهذا حكم لايثبته لله تعالى ذوعقل.

1. القصص (28)، الآية 88.
2. الفجر (89)، الآية 22.

صفحه 100
في سلب الرؤية عنه تعالى   
 
الفصل الرابع

في سلب الرؤية عنه تعالى

وفيه أبحاث:
(البحث) الأوّل: ان سلّم للمجسّمة كونه جسماً سلّمنا لهم جواز الرؤية وإن امتنعت عليه الجسميّة، سلّموا لنا امتناع الرؤية فلا منازعة بيننا في الرؤية، بل في الأصل المبنيّة عليه. وقد علمت فساد أصلهم; والحمد لله.
وإنّما الكلام مع الأشعريّة حيث أثبتوا الرؤية ونفوا الجسميّة. ودليل النفي وجوه:
أ) لو رُئي لكان في جهة فاحتاج إليها، ولأنّه قبل خلق العالم الّذي من جملته الجهة لم يكن في جهة فإذا صار في الجهة تغيّر من حال إلى حال وهو محال، ولأنّ الحصول في الجهة إن كان صفة كمال لزم قدمها لامتناع خلوّه عن الكمال، وإن كان صفة نقصان امتنع وصفه به لامتناع وصفه بضدّ الكمال، ولأنّه تعالى خلق الجهة فإن كان يعلم أنّه يحصل فيها وانّها تستلزم النقص لم يكن حكيماً حيث فعل في نفسه نقصاً، وإن كان لا يعلم حصول النقص لم يكن علمه تامّاً.

صفحه 101
ب) ذكر الله سبحانه في كتابه نفي الرؤية، والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في سنّته، ويصحّ الاستدلال بهما على نفي الرؤية، لأنّ صحّتهما لا تقف على نفيها إذ يمكننا معرفة الله وتوحيده حكمته مع الشك في جوازها، ولا يقتضي ذلك الجهل بالله ولابصفاته بل نكون جاهلين بأنفسنا هل يمكنّا أن نراه أم لا؟ وكذا موسى(عليه السلام) حيث طلب الرؤية لم يكن جاهلا بالله وصفاته بل جاهل بحال نفسه هل يمكنه الرؤية أم لا؟
فمن الكتاب قوله تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(1). فتمدح بنفيها فيلزم النقص من إثباتها والاستدلال بهذه يبني على مقدّمات:
1) الإدراك بالبصر لا يحتمل إلاّ الرؤية. 2) التمدّح بنفيها. 3) انّ النفي عامّ لأنّه راجع إلى ذاته. 4) انّ النفي الراجع إلى الذات يستلزم إثباته نقصاً. 5) انّ النقص على الله محال. أمّا ان الإدراك بالبصر لا يحتمل إلاّ الرؤية فلأنّا لو قلنا: «أدركنا ببصرنا ولم نَرَ» كُنّا قد تناقضنا فاتفقت فائدتهما فترادفا.
إن قيل: فالمحبّة والإرادة فائدتهما واحدة ولا ترادف لهما فإنّ القائل يقول: «أحبّ جاريتي» ولا يقول: أريدها.
قلنا: لا يمنع اتفاقهما في الفائدة، وتستعمل إحداهما فيما لاتستعمل فيه الأُخرى مجازاً، كما أنّ الغائط هو البراز، والمكان المطمئن فاستعمل الغائط مجازاً في البراز ولم يستعمل المكان المطمئن فيه.

1. الأنعام (6)، الآية 103.

صفحه 102
إن قيل: يمنع أنّ الإدراك بالبصر لايحتمل إلاّ الرؤية، لقول القائل: أدركت حرارة الميل ببصري ولم أر الميل.
قلنا: هذا ليس من كلام العرب بل اخترعه ابن أبي بشر الأشعري، لأنّ «الباء» تدخل على الآلة مثل «كتبت بالقلم، ومشيت بالرجل» وليس البصر آلة لإدراك الحرارة وإلاّ لم يدرك إلاّ به كالسمع لما كان آلة لإدراك الصوت لم يمكن إدراكه إلاّ به، والحرارة تدرك باللمس فليس البصر آلة له وإنّما أدركت الحرارة في العين باللمس(1).

1. روي أنّ محمّد بن عبيد كتب إلى الرضا(عليه السلام) يسأله عمّا يرويه العامة والخاصة في الرؤية، فكتب(عليه السلام): «اتّفق الكلّ على أنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورية فهذه المعرفة إذا وقعت في الآخرة، فإن كانت إيماناً لزم كون المعرفة بالكسب في الدنيا... لأنّها ضد تلك فلايكون في الدنيا مؤمن...لم يروه وإن كانت الضروريّة... زوال المعرفة الّتي من جهة الاكتساب....». قلت: ويلزم منه أن يكون الإيمان في الدنيا والآخرة بالاكتساب ومتى كان بالاكتساب امتنعت الرؤية في الدارين.
فـ «لاتدركه الأبصار» سالبة كلية، لأنّ بعضها «وهي الأبصار تدركه» موجبة جزئيّة عندهم فتدركه كل الأبصار كاذبة فيصدق نقيضها. وقال: عموم «لا تدركه الأبصار»، إن قيل: يجوز كون «تدركه الأبصار» جزئيّة وهي لا تناقض «لا تدركه» لجواز اجتماع الجزئيتين على الصدق. قلنا: فلابدّ لها من نقيض هي كل الابصار تدركه وقد عرفت ما فيه. انتهى ما في الهامش.
أمّا الرواية المذكورة في «التوحيد» لشيخنا الصدوق، باب ما جاء في الرؤية، ح 8 هكذا: عن محمّد بن عبيدة قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا(عليه السلام) أسأله عن الرؤية وما ترويه العامّة والخاصّة وسألته أن يشرح لي ذلك، فكتب(عليه السلام) بخطه: «اتّفق الجميع لاتمانع بينهم أنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يرى الله عزّجلّ بالعين وقعت المعرفة ضرورة، ثمّ لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيماناً أو ليست بإيمان، فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيماناً فالمعرفة الّتي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنّها ضدّه، فلايكون في الدنيا أحد مؤمناً، لأنّهم لم يروا الله عزّ ذكره، وإن لم تكن تلك المعرفة الّتي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذه المعرفة الّتي هي من جهة الاكتساب أن تزول أو لاتزول في المعاد، فهذا دليل على أنّ الله عزّ ذكره لايرى بالعين، إذ العين تؤدّي إلى ما وصفنا (وصفناه). شرح توحيد الصدوق، قاضي سعيد القمّي، ج 2، صص 282- 286.

صفحه 103
وأمّا التمدّح بنفيها فلأنّه تعالى حكيم أدخله بين مدحين ويقبح إدخال ما ليس مدحاً بين مدحين، وربّما كان ذلك إجماعاً. وانّما الخلاف في أنّ التمدّح هل هو مخصوص ببعض الأزمان وبعض الأشخاص كمذهب الأشعري أو هو عام كمذهب أهل الحق; وذلك يظهر من تقرير المقدّمة الثالثة. أمّا عموم الأشخاص فلوجود «لام الجنس» في «الأبصار» المقتضي للاستغراق، وأمّا الأزمان فلأنّه نفاها عن نفسه في المستقبل ولم يخصّ وقتاً فيكون عامّاً. وهذا النفي راجع إلى ذاته تعالى لا إلى فعله أي لا إلى أنّه لايفعل الأمر الّذي يصحّ أن يرى به لأنّه ليس إلاّ ضد الإدراك والإدراك ليس بمعنى فلا ضد له.
إن قيل: فأيّ مدح في عدم الإدراك والمعدوم وشيء من الموجود كذلك ولا مدح لها بذلك ؟
قلنا: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) إنّما تصير مدحاً بانضيافها إلى (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)وهذه غير حاصلة للمعدوم وأخيه، بل مختصّة به تعالى، إذ المعقولات أربعة، ما يدرك و يدرك كالحيوان، وما لا ولا كالعدم، وما يدرك ولا يدرك كالجماد، وما يدرك ولا يدرك وليس إلاّ الله سبحانه، على أنّ المدرك من الحيوان إنّما يدرك المبصرات لا الابصار، ولهذا قال في آخرها:

صفحه 104
(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )، وهو لفّ ونشر، (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) للطفه، (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) لخبره.
إن قيل: فإذا لم تقتض اللفظة مدحاً بانفرادها لم تقتضه بانضمامها، فإنّ قولنا: «شيء عالم أو موجود قادر» لما لم يكن في «شيء» و «موجود» مدحاً، لم يضرّه بالانضمام إلى قادر وعالم مدحاً فكذا (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)إذا انضمت إلى (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) لم تضره مدحاً.
قلنا: ليس ذلك في كل مادة، فإنّ قوله تعالى: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) (1) ليس مدحاً بالانفراد لمشاركة الجماد، فإذا انضمّ إلى قوله: (الْحَيُّ
الْقَيُّومُ)(2) صار مدحاً، و كذا قوله: (وَلاَ يُطْعَمُ )(2) ليس مدحاً لمشاركة الجماد، بل بانضمام (وَهُوَ يُطْعِمُ)(4).
إن قيل: فبيّنوا لنا انّ مادة (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) من القسم الموجب للمدح مع الانضمام.
قلنا: لمّا عرفت من انقسام المعقولات إلى أربعة واختصاص الربّ من بينها بأنّه وحده يدرك ولا يدرك، فلمّا بانها من كلّ وجه وجب كون ذلك مدحاً.
أمّا المقدّمة الرابعة: وهي أنّه إذا كان نفيه مدحاً راجعاً إلى الذات كان إثباته نقصاً، فلأنّ الله لما تمدح بنفي السنة والنوم والولد والصاحبة مدحاً

1 و 2 . البقرة (2)، الآية 255.
2 و 4 . الأنعام (6)، الآية 14.

صفحه 105
راجعاً إلى ذاته كان إثبات ذلك نقصاً فكذا هنا.
إن قيل: فما وجه النقص في أن يرى؟
قلنا: لأنّ «لا يرى» وصف ذاتي له لا من صفات فعله - كما سلف - فلو رأى لانقلب عمّا هو عليه في ذاته ولا نقص أعظم منه.
إن قيل: فظاهر الآية يدلّ على أنّ الأبصار لا تراه ونحن نقول إنّما يراه المبصرون.
قلنا: أوّل ما فيه، انّه تأويل خارق لإجماع المفسّرين; وثانياً أنّ الأبصار على قولهم لا تراه ولا يرى غيره إنّما الرائي المبصرون وحينئذ يذهب التمدّح لوجود المشاركة; وثالثاً أنّ القرآن منزل على عادة العرب من تعليق الفعل بآلة الجملة وإن كان الفعل للجملة فيقولون: سَمِعَتْ أذني، ومَشَتْ رجلي، والمراد أنا سمعت ومشيت، على أنّ تعليق الفعل بالآلة أبلغ من الجملة، لأنّ قولك: سمعت فلاناً يحتمل الواسطة، سمعت أذني لا يحتمل الواسطة.
إن قيل: فإذا كان المراد بـ (الأَبْصَارَ) المبصرين وجب أن يكون قوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) أي المبصرين، لتقع المطابقة بين النفي والإثبات، فعلى هذا يجب أن يرى نفسه، لأنّه مبصر وحينئذ يصحّ أن يراه غيره لأنّ المرئيات غير مقصودة على بعض الرأس دون بعض.
قلنا: الله سبحانه مبصر لا يبصر فجاز أن يدرك نفسه ولايدركه ذو بصر، على أنّ نفي الرؤية لما كان راجعاً إلى ذاته كان إثباتها نقصاً فلايرى

صفحه 106
نفسه كما لايراه غيره على أنّ تفسير رؤيته لنفسه بالعلم بها لامتناع الآلة.
وأمّا المقدّمة الخامسة وهي كون النقص محالا عليه تعالى فظاهرة من وجوبه المستلزم لكماله. وإذ قد سلمت هذه المقدّمات ثبت صحّة الاستدلال بالآية على نفي الرؤية. والحمد لله.

البحث الثاني

احتجّ الخصم على جواز الرؤية بوجوه:
(الوجه) الأوّل قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(1)وهذه الآية تارة يوردونها سؤالا على (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ويقولون: هي خاصة بأهل الآخرة لقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ) و(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) عامّة والعام يبني على الخاص ويعمل بهما.
قلنا: أوّل ما فيه انّ آية «الوجوه» سنبيّن أنّها لاتدلّ على الرؤية في الآخرة فلا تكون مخصّصة لآية (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ولا بناء حينئذ. والثاني انّ العامّ يبني على الخاص، أمّا إذا امتنع فلا، لأنّ تمدّحه بنفي الرؤية راجع إلى ذاته كما بيّناه فلايصحّ خروجه عن هذا النفي لامتناع انقلاب صفة الذات وإلاّ لانقلب الذات.
وتارة يقيمونها دليلا ويقولون: إنّ النظر هو الرؤية أو النظر المقرون بحرف «إلى » يفيد الرؤية.

1. القيامة (75)، الآية 22 ـ 23.

صفحه 107
قلنا: ليس النظر هو الرؤية بل هو تقليب الحدقة الصحيحة التماساً للرؤية، ولو كان النظر هو الرؤية لتناقضت اللغة في قولهم: «نظرت إلى الهلال فلم أره» فكأنّهم قالوا: «رأيته فلم أره». ولأنّهم يعنون النظر بالرؤية فيقولون نظرت حتّى رأيت والشيء لا يعني بنفسه، ولأنّا نعلم ضرورة نظر غيرنا إلى الهلال ولانعلم رؤيته منه، ولأنّ النظر يتنوّع إلى نظر راض وغضبان وذلك يعرف بالمشاهدة والرؤية لا يتنوّع، ولأنّ الله أثبت النظر ونفى الرؤية في قوله: (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)(1)، ولو كان النظر هو الرؤية تناقضا.
إن قيل: النظر إذا علّق بالوجه لا يحتمل إلاّ الرؤية.
قلنا: لا، وإلاّ لجاز أن يقال: «نظرت بوجهي» وهو محال كما لا يقال: شممت بوجهي وذقت بوجهي. ونمنع أنّ النظر المقرون بـ «إلى » يفيد الرؤية، لأنّ الله قال: (وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ)(2) فدلّ على أنّ النظر إذا عدّي بحرف «إلى » لا يفيد الرؤية، لأنّه لا يجوز حملها على أنّ الله لايراهم بلاخلاف فيكون (وَلاَ يَنْظُرُ) أي «لا يرحمهم»، وفي دلالتها على المطلوب نظر، لأنّ فيها سلب النظر والسلب لا يستلزم الإثبات، نعم يفهم منه أنّ ماعدا المذكورين ينظر إليهم أي يرحمهم، فيكون «النظر» قد عدّي بـ «إلى » وليس المراد به الرؤية بل الرحمة.
إن قيل: فـ «النظر» المعدّى بـ «إلى » لا يفيد إلاّ الرؤية.

1. الأعراف (7)، الآية 198.
2. آل عمران (3)، الآية 77.

صفحه 108
قلنا: سلف قولهم: «نظرت إلى الهلال فلم أره»، وقال شاعرهم:
إنّي إليك لما وعدت لناظر *** نظر الفقير إلى الغني الموسر(1)
و قد جاء في اللغة أنّ «إلى » واحد الآلاء وبنوا عليه شعرهم:
أبيض لايرهب النزال ولا *** يقطع رحماً ولا يخون إلى(2)
أي لا يخون نعمة. وتأويل الآية مطابق لهذا أي منتظرة نعمة ربّها أو ثواب ربّها مثل (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ )(3)، أي منتظرة. وقال شاعرهم:
تراه على قرب وان بعد المدى *** بأعين آمال اليك نواظر
إن قيل: إذا فسر النظر بالانتظار أوجب الغمّ المنفي عن أهل الجنّة.
قلنا: إنّما يوجب الغمّ إذا لم يوثق بحصول المنتظر امّا الموثوق به المستغنى عنه في الحال بغيره فإنّما يوجب السرور كمن كان على مائدة وعليها كلّ ما يحتاج إليه وما ينتظره يعلم بالعادة وصوله لا محالة فإنّه يكون أسرّ وأهنأ، وإضمار الثواب جايز وهو كثير، ومنه (وَجَاءَ رَبُّكَ)(4) أي أمر

1 . البيت للشاعر جميل بن عبدالله بن معمر العذري القضاعي، المعروف بـ «جميل بثينة» من عشاق العرب، افتتن ببثينة من فتيات قومه فتناقل الناس أخبارهما، توفّي سنة 82 هـ في مصر. الأعلام: 2 / 138 .
2 . القائل هو وائل الأعشى كما في أمالي السيد المرتضى، ج 1، ص 28، المجلس 3. وفيه: «الهزال» بدل «النزال». وأيضاً شرح المواقف، ج 8، ص 131 .
3. النمل (27)، الآية 35.
4. الفجر (89)، الآية 22.

صفحه 109
ربّك، (إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي)(1) أي إلى حيث أمرني، (وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ )(2) أي إلى طاعته. وقال حميد بن ثور:
سل الربع انّى يمّمت أمّ مالك *** وهل عادة بالربع أن يتكلّما
أراد أهل الربع. وتفسير النظر بالانتظار وبتقدير الإضمار مرويّان عن أمير المؤمنين(عليه السلام)وابن عباس وكثير من الصحابة والتابعين; على أنّ الاستدلال بالآية على جواز الرؤية لا يصحّ لبناء صحّة السمع على عدل الله الملزوم لرفع القبيح عنه وأنتم تجوّزون عليه فعل القبيح فيجوز حينئذ عليه الكذب في هذه الآية.

هداية

الرأي بالحاسة لا يرى إلاّ المقابل أو حكمه وهما ممتنعان عليه تعالى يحصرهما في الجسم والعرض المسلوبين عنه تعالى فلايرى.
إن قيل: فالله يرى الواحد منّا وليس الله مقابلا ولا في حكمه.
قلنا: الله يرى لابحاسته ونحن قلنا الرأي بالحاسة فافترقا.
إن قيل: فلم لايكون الله أجرى العادة بأنّ الواحد منّا لا يرى إلاّ المقابل أو حكمه والعادة يجوز اختلافها فنراه في الآخرة وإن لم يكن مقابلا ولا في حكمه.

1. الصافات (37)، الآية 99.
2. غافر (40)، الآية 42.

صفحه 110
قلنا: ما كان بالعادة يجوز اختلافه بالمكان والزمان كالحرّ والبرد فلو كان المانع من رؤية غير المقابل العادة لكان يجب أن نصدق من أخبرنا أنّ في أقصى العالم من يرى لا بالمقابلة لا حكمها ومعلوم أنّ من قال ذلك أو من صدقه فليس بعاقل.
إن قيل: فقد لا تختلف العادة كما استقرّت في التوالد من الزوجين والزرع من البذر و طلوع الشمس من الشرق.
قلنا: فقد اختلفت العادة في ذلك خلق آدم من غير أبوين وعيسى من غير أب، والزرع قد يحصل من غير بذر وبالعكس، وطلوع الشمس مختلف بالمشارق المتعددة، ولمّا لم يصحّ رؤية الشيء على وجه من الوجوه بدون مقابلة أو حكمها علمنا أنّ المانع ليس العادة ولو كان المانع العادة وقد بيّنا جواز اختلافها لكان يجوز أن يرى المستور واللطيف والبعيد دون أضدادها.
إن قيل: فلم لايخلق الله لنا حاسّة سادسة نراه بها في الآخرة كما ذهب إليه ضرار بن عمر.
قلنا: السادسة لا تخالف هذه بأكثر من مخالفة بعضها ببعض السعة والضيق والشهل و الكحل فإذا لم يصحّ أن يرى ببعضه لم يصحّ أن يرى بسادسة. وفيه نظر، إذ لا مانع من أن يكون في مقدورة حاسة محلّها لهذه تغير ما ذكرنا، ولكن نعارض بأنّه لو صحّ أن يرى بسادسة صحّ أن تذاق بسابعة ويسمع بثامنة ويشمّ بتاسعة ويلمس بعاشرة.

صفحه 111
 
تتمّة
لو صحّ عليه الرؤية لرأيناه الآن لحصول الشرايط وارتفاع الموانع، ولو لم تجب الرؤية مع ذلك جاز أن يكون بحضرتنا جبال شاهقة وأبحار دافقة ولا نراها.
إن قيل: العلم بعدم ذلك ضروري فلا يلزمنا أن نجوّز وجودها بحضرتنا.
قلنا: بل يلزمكم ارتفاع هذا العلم الضروري، لأنّ العلم بأنّها ليست بحضرتكم مستندٌ إلى أنّه لو كان لرُئي، فإنّ من جوّز كون الشيء بحضرته ولا يرى لا يمكنه القطع بعدم حضوره كما أنّ الأعمى إذا جوّز كون شيء بحضرته ولا يراه لم يمكنه القطع بنفيه عن حضرته.
إن قيل: أ لستم جوّزتم قدرة الله على قلب الجبل ذهباً ثمّ قطعتم بعدم ذلك فهلاّ جوّزتم حصول تلك الأجسام بحضرتكم وقطعتم بعدم حصولها؟
قلنا: عدم انقلاب الجبل ذهباً علم ضرورة من الله أمّا أنتم فلا يمكنكم القطع بعدم تلك الأجسام بحضرتكم لأنّكم لاتوجبون رؤيتها حيث إنّ الله قد لايخلق لكم إدراكها.
إن قيل: فالشعاع جاز أن يقلّبه الله عن سمت المرئي فلايدرك الأجسام وإن كانت بحضرتنا.

صفحه 112
قلنا: فإذا قلّبه ذهب الشرط وهو صحّة الحاسة على أنّه لو كان منقلباً الآن لم نر شيئاً أو لم نر شيئاً على صورته.
إن قيل: لمَ لا يجوز أن يكون لله مانع من الرؤية غير معقول ؟
قلنا: إثبات ما لايعقل جهالة، وإلاّ لجاز أن يكون بحضرتنا أجسام عظيمة ولانراها لمانع غير معقول.
إن قيل: فلم لا يكون الله لو شاء أن يرينا نفسه أراناها؟
قلنا: المشيّة تتعلّق بالممكن والرؤية لا تمكن. وفي هذا نظر إذ هو مصادرة على المطلوب فالرجوع إلى أنّه لو كان المانع عدم المشيّة لجوّزنا أن يكون بحضرتنا أجسام عظيمة ولم يشأ الله أن يريناها ولو شاء لرأيناها.
الوجه الثاني قوله تعالى عن موسى(عليه السلام): (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ )(1) ولولا جوازها لم يسألها والسؤال له لأنّه إضافة إلى نفسه، ولأنّه لمّا نزلت الصاعقة قال: (تُبْتُ إِلَيْكَ)(2). أجاب أبوالهذيل بأنّ أدنى معناه أعلمني نفسك ضرورة. وفيه منع إذ لو كانت الرؤية بمعنى العلم لم تقرن بـ «إلى » مثل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ)(3)، (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ )(4) ونظائرها، والحقّ انّ سؤاله كان لقومه لقوله تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ

1. الأعراف (7)، الآية 143.
2. الآية السابقة.
3. الفيل (105)، الآية 1.
4. الرعد (13)، الآية 41.

صفحه 113
جَهْرَةً)(1)، ولقول موسى(عليه السلام)عند الصاعقة: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ )(2).
إن قيل: فلو امتنعت الرؤية لما جاز أن يسألها موسى(عليه السلام) عن نفسه ولا عن غيره.
قلنا: جاز أن يعتقد أنّ جوابه لا يقنعهم فإذا ورد من الله كان أوقع وأقطع وإضافة السؤال الى نفسه لا تدلّ على نفي السؤال لقومه فإنّ الشافع في غيره يقول: «للمشفوع إليه اقض حاجتي وأجب مسألتي»، ولا خلاف أنّ موسى(عليه السلام) لم يسأل الرؤية إلاّ مرّة واحدة، وتوبته عند الصاعقة لأجل أنّه سأل قبل أن يؤذن له، فإنّ الأنبياء لا يسألون بحضرة الأُمم قبل إذن الله في السؤال لجواز أن لايكون الصلاح في الاجابة فان فعله خالف المصلحة وان لم يفعل نفرت الأُمم عن الرسل وكان ذلك صغيرة من(3) موسى(عليه السلام) عند قوم، ولم تكن الصاعقة عقوبة بل امتحاناً وابتلاء كما ابتلى إبراهيم(عليه السلام)وغيره.
وقد قيل: إنّ موسى(عليه السلام) سأل عن نفسه ولا يقتضي ذلك جهله بربّه، لأنّ المرئي ليس له بكونه مرئياً صفة.
وقيل: إنّه أراد أن يؤكّد بالسمع ما قضى به العقل من امتناع الرؤية.
وقيل: إنّه أراد التلذّذ بخطاب الله له بقوله: (لَنْ تَرَانِي )(4) كما قال بعضهم:

1. النساء (4)، الآية 153.
2. الأعراف (7)، الآية 155.
3. عن «ح».
4. الأعراف (7)، الآية 143.

صفحه 114
فمُنّي على سمعي بلن إن منعت *** أن أراكي فمن قبل لغيري لذّت
و لفظة «لن» حقيقة لنفي التأبيد، فإن استعملت في غيره فبالمجاز كما أخبر الله عن اليهود بقوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)(1)، وبقوله عنهم: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)(2)، أيضاً فإنّ الله قال في جوابه: (انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ
مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي
)(2).
فقالوا: هنا علّق الرؤية على الاستقرار الممكن فهي ممكنة.
قلنا: علّقها على قراره حال حركته، فالقرار محال للزوم جمع المتنافيين ومعلوم أنّه كان قبل الحركة مستقراً ولم يكن موسى(عليه السلام) للقديم رائياً. وإنّما قلنا: أردنا باستقراره حال حركته، لأنّه لو أراد بعد حركته لزم أن يكون موسى(عليه السلام) قد رآه لأنّه استقرّ ومعلوم أنّه لم يره، فيكون المراد حال الحركة فعلّق الله المحال على المحال; مثل قوله: (وَ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(3) ومثل قول الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي *** وصار القار كاللبن الحليب(4)
الوجه الثالث: قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ)(5)، وقوله:

1. البقرة (2)، الآية 95.   2 . الزخرف (43)، الآية 77.
2. الأعراف (7)، الآية 143.
3 . الأعراف (7)، الآية 40.
4 . مجمع البيان، ج 3 ـ 4، ص 419 و 449. وفي أمالي المرتضى، ج 4، ص 128، وفيه رجوت بدل «أتيت»، وبدل القار: القير.
5. الكهف (18)، الآية 110.

صفحه 115
(تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ )(1)، واللقاء هو الرؤية.
قلنا: ليس اللقاء حقيقة هو الرؤية بل هو ملاصقة الجسمين، ولو كان حقيقة فيها لتلازما وهو محال، لأنّك تقول: «رأيت السماء» ولا يصحّ «لقيت» ويقول الأعمى: «لقيت فلاناً» ولا يصحّ «رأيت» فالمراد «يرجو لقاء ثوابه» و«يوم يلقون ملائكته» والإضمار كثير مستعمل قرآناً وشعراً على أنّ اللقاء لو كان هو الرؤية لزم أن يراه المنافقون في الآخرة لقوله تعالى عنهم (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) .(2)
الوجه الرابع: أخبر الله أنّ الكفّار عنه محجوبون بقوله: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ)(3) فدلّ على أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين.
قلنا: أوّل ما فيه انّه دليل خطاب و ليس بحجّة عند المحقّقين،
والثاني لو فرضنا أنّه حجّة فإنّه لم يقل عن رؤية ربّهم بل قال: (عَنْ رَبِّهِمْ). فإن عدلوا عن الظاهر وقالوا: المراد «عن رؤيته»، قلنا: بل المراد عن
ثوابه.
الوجه الخامس: إجماع الصحابة على أنّه تعالى يرى في الآخرة.
قلنا: دعوى باطلة، لأنّه روي عن العالم الربانّي أمير المؤمنين(عليه السلام)خلاف ذلك الّذي خرجت عنه خطب التوحيد وتنزيه الربّ المجيد، وقال

1. الأحزاب (33)، الآية 44.
2. التوبة (9)، الآية 77.
3. المطفّفين (83)، الآية 15.

صفحه 116
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ»(1)، وروي أيضاً عن ابن عباس وعائشه وغيرهم.
الوجه السادس: ما رواه قيس بن أبي حازم عن حريز بن عبد الله البلخي من قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون البدر»(2) لا تضامون في رؤيته.
قلنا: أوّل ما فيه انّه متضمّن لتشبيه الله بغيره.
وثانياً: أنّه خبر واحد لا يمكن الاعتماد عليه في المسائل العلمية.
وثالثاً: إنّ قيساً خولط في عقله لما روي أنّه كان محبوساً في بيت يضرب بيده على بابه كلّما طقطق ضحك. وروى عنه البلخي في كتاب «نقض السنّة والجماعة» أنّه قال لرجل أعطني عصاً أضرب بها كلاب المدينة، فجاز أن يكون رواه حال جنونه.
ورابعاً: أنّه كان خارجياً أظهر بغض عثمان حيث قال: وددت انّي وعثمان برمل عالج يحثو عليّ وأحثو عليه، حتّى يموت الأعجز منّا. وأظهر بغض عليّ(عليه السلام) حيث قال: منذ سمعت عليّاً يقول لأصحابه انفروا إلى بقيّة الأحزاب - يعني أهل النهروان - دخل بغضه قلبي.
خامساً: أنّه إذا سلم عن هذه المطاعن وجب تأويل الرؤية بالعلم مثل

1. مناقب آل أبي طالب، ج 3، صص 60ـ62.
2. صحيح البخاري ج 8، ص 179، كتاب التوحيد; صحيح مسلم ج 2، ص 114، باب فضل صلاتي الصبح والعصر; سنن الترمذي ج 4، ص 93، باب ما جاء في رؤية الله.

صفحه 117
(أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا)(1)، وقال شاعر (2):
رأيت الله إذ سمى نزارا *** وأسكنهم بمكة قاطنينا
و قال حاتم طيّ:
أ مأوى أن يصبح يداي بفقرة *** من الأرض لا ماء لديّ ولاخمر
ترى ان ما انفقت لم يك ضرّني *** وان يدي ممّا بخلت به صفر
ترى أي تعلمي. قال اللغويون: الرؤية بمعنى المشاهدة تتعدى إلى مفعول واحد مثل رأيت زيداً والتي بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين مثل رأيت زيداً عالماً.
إن قيل: ففي الخبر (سترون ربّكم) فتعدى إلى مفعول واحد، فدلّ على أنّ المراد المشاهدة.
قلنا: يجوز الاقتصار على مفعول واحد، على أنّ في الخبر مفعولين أحدهما «ربّكم» والآخر «كما» إذ الــ«كاف» بمنزلة «مثل» فهي اسم بدليل دخول حرف الجرّ عليها، في قول الشاعر:

1. الأنبياء (21)، الآية 30.
2 . القائل هو الكميت بن زيد الأسدي شاعر أهل البيت المعروف، كما في أعيان الشيعة: 6 / 422.

صفحه 118
يضحكن عن كالبرد المسهّم(1)
إن قيل: لو أُريد بالرؤية العلم، بطلت البشارة لسبق العلم به في الدنيا.
قلنا: البشارة حصلت بالعلم الضروري العاري عن مشقّة الاستدلال ولم يكن ذلك في الدنيا.
إن قيل: فيجب أن يكون الخبر أيضاً بشارة للكفّار، لأنّهم يعلمونه تعالى ضرورة في الآخرة.
قلنا: البشارة بالعلم الضروري إنّما هي لأهل الجنّة حيث علموا من صفاته دوام ثوابهم والعلم الضروري لأهل النار يوجب العلم بدوام عقابهم فلابشارة لهم، ثمّ نرجع ونقول: هذا الخبر معارض بأخبار أُخر، روى أبو فلانة عن أبي ذر قلت للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «رأيت ربّك؟ فقال: نور هو، أنا أراه»; وروى أبو الزبير عن جابر قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة».
وقيل لأمير المؤمنين(عليه السلام): «هل رأيت ربّك؟ فقال: أ فأعبد ما لا أرى! لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(2).
وروي مثل ذلك عن الصادق(عليه السلام)، فقال السائل: «الله أعلم حيث يجعل رسالته»(3).

1 . مغني اللبيب، ص 239، حرف الكاف. والبيت بتمامه:
بيض ثلاث كنعاج جم *** يضحكن عن كالبرد المنهّم
2. التوحيد، ص 109، باب ما جاء في الرؤية، ح 6.
3. الكافي، ج 1، كتاب التوحيد، باب في ابطال الرؤية (و هكذا عن أبي جعفر(عليهما السلام))، ص 97 - 98، ح 5 و 6.

صفحه 119
وقيل لعائشة: إنّ مسروقاً يقول: إنّ محمّداً رأى ربّه، فقالت: قفّ شعري ممّا قلت - ثلاث مرّات - من زعم أنّه رآه فقد أعظم الفرية على الله. قيل لها: فقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى )(1)، قالت: رأى جبرئيل في صورته الأصلية مرتين.(2) ونحن نقول سياق الآية من الوصف بـ «الأفق» و«الدنوّ» و «التدلّي» ينافي حملها على الله لامتناع ذلكم عليه سبحانه، فيجب تأويل الخبر بما ذكرناه لمعارضة أخبارنا إيّاه.(3) ولرد العقل والسمع لما اقتضاه.
الوجه السابع قالوا: إثبات الرؤية لايؤدّي إلى حدوث الله، ولا إلى كونه جسماً،لا الى تشبيهه بخلقه، ولا إلى تجويزه في حكمه، ولا إلى تكذيبه في خبره فيجب أن تصحّ عليه. وهذه الشبهة أخذوها من كلام أبي علي حيث قال: من يقول إنّ الله يرى بلا كيف لايكون كافراً، لأنّ الرؤية على هذا الوجه لا تؤدي إلى شيء من ذلك.
قلنا: وإن لم يؤدّي ثبوتها إلى ذلك لكن ذلك لا يوجب ثبوتها، على أنّ نفي الرؤية أيضاً لا يؤدي إلى شيء من ذلك فيجب نفيها على ما ذهبوا إليه، بل يلزمهم انّ إثبات الرؤية يؤدّي إلى جميع ذلك، لأنّ الرؤية تستلزم الجهة المستلزمة للجسميّة والعرضية المستلزمة للحاجة المستلزمة لجواز التجويز

1. النجم (53)، الآية 13.
2 . صحيح البخاري: 6 / 50، سورة والنجم; صحيح مسلم: 1 / 111، باب في قوله (عليه السلام)ان الله لا ينام.
3. التوحيد، الباب الثامن في ما جاء في الرؤية، والكافي، ج 1، كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية .

صفحه 120
والتكذيب وهذا كفر، أمّا الرؤية بلا كيف فإنّها لا توجب التكفير إلاّ أنّ في صحّة معناها حينئذ منع ظاهر.
الوجه الثامن: الجوهر مرئي والمصحّح لصحّة رؤيته الوجود والربّ تعالى موجود.
قلنا: أوّل ما فيه أنّ جماعة منعوا رؤية الجوهر وإن سلمت رؤيته فقد تكون المصحّح لها تحيّزه المنفي عن الله أو حدوثه أو إمكانه أو خصوصية(1) ذاته ولو حصرنا المصحّح في الوجود لم يشتركا في صحّة الرؤية لمخالفة وجود الله لوجود غيره.
إن قيل: فالمختلفان قد يلزمهما لازم واحد كالثقل اللازم للماء والحجر والخف اللازم للنار والهواء.
قلت: هذان استويا من وجه وهو مطلق الجسميّة والله تعالى مباين لجميع الأشياء من كلّ وجه فلا قياس ولا يلزم من لزوم شيء واحد لمختلفين سريان ذلك في كلّ مادة بل الأكثر وقوعاً عدم السريان فالماء والحجر اختلف لازمهما وهو السيلان والجمود، والنار والهواء اختلف لازمهما بالرطوبة واليبوسة; فأرشدونا إلى أنّ وجود الله ووجود غيره لزمهما لازم واحد هو جواز الرؤية.

1. خصوصه «ح»، «ن».

صفحه 121
في سلب الشريك عنه تعالى   
 
الفصل الخامس

في سلب الشريك عنه تعالى

مقدّمة

قد يراد بالواحد ما لا جزء له - وقد سلف نفي الجسم عنه - وقد يراد به أنّه واحد في صفات لا يشاركه في مجموعها غيره ولا قائل بأنّ الله ثانياً على هذا الحد، وقد يراد به أنّ معه قديماً يشاركه في بعض صفاته وهذا قال به الثنويّة. فهنا أبحاث:

(البحث) الأوّل:

لو كان معه قديم وجب أن يماثله، لأنّ القدم من صفات النفس كما بيّنّاه من قبل وبيّنّا أنّ الاشتراك فيها يوجب التماثل فيشتركان في القدرة فيقدر كلّ منهما على الشيء وعلى ضدّه، فإذا علما المصلحة في أحدهما وجب حصول داعيها إلى فعله فيقع بهما، وهو محال للزوم اجتماع علّتين على معلول شخصي، وإن علم أحدهما أنّ الآخر يوقعه فإن علم الآخر ذلك وقع بهما أيضاً بل يلزم أن لا يقع بهما ولا بأحدهما، وإن لم يعلم الآخر ذلك

صفحه 122
نقص علمه وبطل التماثل المفروض وجوب وجوده، وإن علما وقوعه من أحدهما وعلما عدم وقوعه من الآخر خرج أحدهماعن الحكمة حيث لم يقصد إلى فعل المصلحة.
إن قيل: إنّما يخرج إذا لم يعلم وقوعه من الآخر.
قلنا: فقد احتاج في حصول حكمته إلى فعل الآخر وإن علما المصلحة فيهما فإن دعاهما ذلك إلى فعل كلّ منهما اجتمع على الأثر الواحد مؤثّران وخرجا عن الحكمة حيث إنّ كلاّ منهما توجّه إلى فعل الضدين الممتنع وقوعهما أو الواجب وقوعهما، لأنّ المانع من وقوع كلّ منهما إنّما هو وجود الآخر فيلزم حصول وجودهما حال حصول عدمهما وبالعكس وإن أراد أحدُهما أحدَهما والآخرُ الآخرَ وقع التمانع بينهما فلايوجد مقدورهما، لأنّ كلّ شيئين لزم اجتماع الضدين من وجودهما استمر عدمهما وحينئذ يكون القديمان عاجزين ضعيفين حيث لم يقع مرادهما.
و يدلّ أيضاً تمانعهما على تناهي مقدورهما، ومتناهي المقدور لابدّ من كونه قادراً بقدرة، والقادر بقدرة لابدّ من كونه جسماً والجسم لابدّ من كونه محدثاً وصانع العالم لايكون محدثاً.

تذنيب

الله تعالى عدل حكيم لا يجوز عليه الكذب وصدق رسوله لا يتوقّف

صفحه 123
على وحدته، وقد أخبر بأنّه واحد في قوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(1)، (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ )(2).
إن قيل: ليس في هاتين دليل قاطع على نفي الثاني فإنّ كلّ اثنين أحدهما واحد.
قلنا: قد بيّنّا في المقدّمة أنّ المقصود بالواحد الّذي لايشاركه في مجموع صفاته غيره، فلو شاركه غيره لم يكن واحداً وكذا نقول إذا شاركه في بعض صفاته وهو القدم فإنّ المشاركة فيهايوجب المشاركة والمماثلة في الذات لكونها صفة النفس - كما سلف - والمماثلة في الذات توجب المشاركة في جميع الصفات إلاّ أنّ في لزوم المماثلة للاشتراك في صفة الذات إشكالا فالاعتماد على ما فصّلناه أوّلا أو على السمع أولى، على أنّ هنا من الآيات ما لا يحتمل الوهم والتشكيك مثل: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)(3)، و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء )(4)، (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ)(5).
إن قيل: لا يلزم من نفي البرهان على الشيء نفيه وإلاّ لكان الجُهَلاء أكثر علماً من العلماء، ولو لزم من نفي الدليل نفي المدلول لم يكن الله موجوداً أزلا لعدم الدليل أزلا، ولأنّ أكثر الأدلّة متأخّرة عن المدلولات فلو

1. التوحيد (112)، الآية 1.
2. النساء (4)، الآية 171.
3. البقرة (2)، الآية 255.
4. الشورى (42)، الآية 11.
5. المؤمنون (23)، الآية 117.

صفحه 124
لزم أنّ من تخلّفها(1) عن المدلولات عدم المدلولات لزم عدم أكثر الماهيات.
قلنا: إثبات ما لا دليل عليه جهل ولا يلزم من نفي الدليل على الله في الأزل نفيه، لأنّه لا عاقل هناك يستدلّ فيثبت أو ينفي ونمنع تأخّر الأدلّة عن المدلولات إنّما المتأخر المستدلّون.
إن قيل: فقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)(2) ظاهره(3)التثنية.
قلنا: المراد بأيّهما دعوت جاز، قال ابن عباس: «سبب ذلك انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)دعا «يا رحمن يا رحيم» فقال المشركون: يزعم أنّ إلهه واحد ويدعو مثنى»(4).

البحث الثاني: في الرد على الثنوية

منهم المانوية، قالوا: بقدم النور والظلمة وأنّهما حيّان، وأنّ النور من جهة العلو لا نهاية له ولا يشوبه ظلمة وجوهره حسن، فاضل وفعله الخير بطبعه ولايقدر على الشر، وانّ الظلمة من جهة السفل لا نهاية لها ولايشوبها نور وجوهرها قبيح وفعلها الشرّ بطبعها ولا تقدر على الخير.

1. فلو فلزم من تخلّفهما، «ح».
2. الاسراء (17)، الآية 110.
3. ظاهرة «ح»، «ن».
4. روح الجنان وروح الجنان (تفسير أبي الفتوح الرازي)، ج 7، ص 292. ومجمع البيان، ج 6، ص 446.

صفحه 125
وقالت مزدكية منهم: إنّ النور يفعل بالقصد والاختيار وانّه حيّ درّاك، والظلام يفعل بالخبط وانّه ميّت جاهل.
وقريب منه قول الديصانية والمرفونية: أثبتوا ثالثاً جامعاً بينهما ممزجاً لهما وحصل بسبب امتزاجهما هذا العالم.
والمجوس منهم: يسمّون النور يزدان والظلمة أهرمن. فمنهم من يقول بقدمهما، ومنهم من يقول بحدوث أهرمن. ولهذه الفرق أنواع من الهذيان لا تشتبه على إنسان.
و الدليل على فساد ذلك كلّه: انّ النور والظلمة لو كانا قديمين لكانا مثلين لما قلنا من أنّ القدم صفة نفسية يوجب الاشتراك فيها الاشتراك في الذات ولو تماثلا تمانعا - كما سلف - وتشاركا في مقدورهما فيقدر كلّ منهما على الخير والشر، ولأنّه يلزم قبح الأمر والنهي والمدح والذم، لأنّ الآمر والناهي بطبعه لا قصد له فلايمدح ولايذم بل ولا أمر ولا نهي.
و قول المرقونيّة بالثالث باطل، لأنّه لابدّ أن يكون قديماً والقدم يوجب الاشتراك، لأنّه صفة النفس فيقدر على الخير والشر ويلزم الاستغناء به عن النور والظلمة. ويلزم المجوس من حدوث أهرمن أنّ يزدان لابدّ أن يكون أحدثه فإذا أحدثه وهو أصل الشر جاز أن يخلق الشر.
ولا يقال: إنّ الله خلق الشيطان وهو أصل الشر فجاز أن يفعل الشر.
لأنّا نقول: خلق الشيطان لايوجب وقوع الشر من الشيطان، لأنّه مكلّف مختار. وهم قالوا: الظلمة موجبة للشر، نعم هذا يلزم المجبّرة القائلين أنّ

صفحه 126
قدرة الشر من فعل الله وهي موجبة للشر فجاز أن يفعل الشر.
و من المجبّرة من يقول: إنّ الكفر مثلا يحصل بفاعلين أحدهما الله وهو حسن من جهته والآخر العبد وهو قبيح من جهته، والمجوس قالوا: مزاج العالم حصل بفاعلين أحدهما النور وهو حسن من جهته والآخر الظلام وهو قبيح من جهته. والمجبّرة حسنت نهي الكافر عن الكفر ولايقدر عليه وأمر المؤمن بالإيمان ولايقدر عليه على الانفصال عنه، والمجوس يصعدون ببقرة إلى شاهق ويدهدهونها منه ويقولون: أنزلي ولا تنزلي فإذا نزلت قالوا: عصمت وأكلوها. والمجبّرة قالوا: نكاح المحرمات بقضاء الله وقدره وكذلك المجوس، بل المجبرة أسوأ حالا، لأنّ المجوس يعتقدون أنّ كلّ هذا حسن وهو بقضاء الله والمجبّرة يعتقدون قبحه وهو بقضاء الله فصدق على المجبّرة قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «القدرية مجوس هذه الأُمّة».(1)
قال قاضي القضاة: القدري اسم ذم فنخصّ بمذهب مذموم وهو الإجبار، والقدري اسم نسمّيه، نقل علوي ودهري وبصري. فالملهج يذكر القدر قدري والمجبرة تكثر ذكره. فنقول: في كل حادثة هذا بقضاء الله وقدره وأيضاً فالقدري اسم لمن ثبّت القدر وهم المجبّرة لا لمن ينفيه.
إن قالوا: بل هم أنتم، لأنّكم تثبتون لأنفسكم قدرة.
قلنا: فأنتم تثبتون لله قدرة فعلى هذا كلّنا قدريّون وربّنا قدري. وأيضاً فإنّ في الحديث النبوي: «هم خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود

1 . التوحيد للصدوق، ص 382، باب بيانه في تفسير الأجل; شرح المقاصد، ج 4، ص 267.

صفحه 127
الشيطان»(1). وهذه الأوصاف صادقة على المجبّرة فإنّ الله إذا قال للكفّار: ألم أقدركم على الإيمان وأزيح عللكم؟ فلابدّ على مذهب المجبّرة أن يقولوا: لا، ولا أردت الإيمان منّا بل خلقت الكفر فينا; ولا خصومة أبلغ من هذه; وإذا قال لإبليس: لم أضللت الناس؟ فيقول: أنت خلقت فيّ الإضلال ولو لم ترده لم يكن. فيقول: من يشهد لك بذلك؟ فلم يجد سوى المجبّرة، وصاروا جنده لأنّهم نصروه وعذّروه. وروى عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لعنت القدرية على لسان سبعين نبيّاً قالوا: ومن هم؟ قال: قوم يعملون القبائح ويقولون قضاها الله».(2)
إن قالوا: بل هم أنتم، لأنّ المجوس أثبتوا فاعلين وأنتم أثبتّم ربّكم فاعلا وأنتم أيضاً.
قلنا: تشبيه القدريّة بالمجوس يقتضي اختصاص التشبيه لوصف يختص بالمجوس.
و اليهود قالوا بفاعلين الله والعبد، والنصارى قالوا بثلاثة، على أنّا نقول: الربّ تعالى و نحن فاعلون بالاختيار ونقدر على الخير والشر. والمجوس لم يقولوا بفاعلين على هذا النحو بل ما يقدر على الخير لايقدر على الشر عندهم وبالعكس، والمجبرة تقول: الكافر لايقدر على الإيمان

1 . شرح المقاصد، ج 4، ص 267; عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 115، باب 11، ما جاء منه (عليه السلام)في التوحيد، ح 38 ; بحار الأنوار، ج 5، ص 96 باختلاف.
2 . شرح المقاصد، ج 4، ص 267; عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 115، باب 11، ما جاء منه (عليه السلام)في التوحيد، ح 38 ; الطرائف، ص 344 باختلاف في الألفاظ .

صفحه 128
ويقدر على الكفر ولايقع بالاختيار، لقولهم بالقدرة الموجبة وكذا الكلام في المؤمن.
قال جعفربن حرب: ما أحد من أهل المذاهب إلاّ واعتقد صحّة مذهبه وانّه من الله و بطلان غيره ونفاه عن الله، والمجبرة اعتقدوا انّ جميع المذاهب حقّها وباطلها من الله فهم أسوأ حالا من سائر الأديان.

شبهة الثنويّة

الآلام كلّها قبيحة والملاذّ كلّها حسنة فهما ضدّان والفاعل الواحد لايوصف بضدّين، كما أنّ المحلّ الواحد لا يوصف بضدّين فلابدّ من فاعلين. ونحن نمنع قبح الآلام كلّها لحسن تحمّل آلام الأسفار للأرباح، ونمنع حسن الملاذّ كلّها لقبح الالتذاذ بالمغصوب وقد يكون الحسن من جنس القبيح فلاتضاد كداخل الدار بإذن ربّها وبدونها، ولو سلّم تضادّهما جاز اجتماعهما في الفاعل كمن حرّك بإحدى يديه شيئاً وسكن بالأُخرى آخر، والفعل يضاف إلى الجملة، فقد صحّ منها ضدّان أيضاً فالسواد في الشعر حسن والبياض في الوجه حسن فيجب أن يفعلهما يزدان وهما ضدّان، وقد اجتمع في الظلمة ضياع المال وخفاء المظلوم وفي النور ضدّ ذلك فهما من واحد.
وهذا ألزمه أبو الهذيل لثنويّ فأسلم على أنّه يجوز جمع ضدّين في محلّ واحد في وقتين فجمْعُهما في فاعل واحد أجوز. وأيضاً فالعاصي يعلم عصيانه والعصيان شرّ والعلم به خير فإن وقعا من النور أو من الظلمة

صفحه 129
انتقض قولهم. ومثل ذلك فعل الجناية الاعتذار منها.
إن قيل: فقد يكون الاعتذار من غير الجاني كمن اعتذر لإساءة ابنه.
قلنا: اعتذار غير الجاني قبيح وحسن اعتذار الوالد لابنه من حيث تقصيره في أدبه فله جناية، والغاصب إذا ردّ المغصوب فإن وقعا من النور أو من الظلمة بطل ما قسموه.
و قد يتعلّقوا بقوله تعالى: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(1)، وهو ضعيف جدّاً، لأنّ النور جسم أو عرض على اختلاف الرأيين، وليس الله أحدهما، والمراد بالآية: انّ الله منوّر السماوات والأرض. وقد جاءت تسمية الفاعل باسم فعله مثل رجل عدل ورجل رضيّ، وفي الآية (مَثَلُ نُورِهِ)فأضاف النور إلى نفسه فدلّ على المغايرة.

البحث الثالث: في الرد على النصارى، فهنا طرفان:

أحدهما: في التثليث، والآخر في الاتحاد .
أمّا الأوّل، فقالوا: إنّ الله تعالى جوهر واحد هو ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، قيل: وعنوا به ذات الله، وأقنوم الابن، قيل: وعنوا به الكلمة. وأقنوم روح القدس، قيل: وعنوا به الحياة.
فالجواب: أنّ كونه جوهراً يوجب تميّزه وحدوثه، وقولهم واحد هو ثلاثة متناقض لانتفاء الوحدة بثبوت الثلاثة والعكس.

1. النور (24)، الآية 35.

صفحه 130
إن قيل: أوَ لستم تطلقون على الإنسان الوحدة وعلى الدار ولهما أجزاء فهلاّ جاز لنا مثله؟
قلنا: إنّا نريد بوحدة الإنسان والدار وغيرهما انّه واحد من جملة وأنتم قلتم إنّه واحد على الحقيقة وثلاثة على الحقيقية، ثم نقول: أقنومي روح القدس والابن إن كانا قديمين بطلا بدلائل وحدة القديم وإن كانا حادثين لزم حدوثه تعالى وإن كانا صفتين فالذات الواحدة لا تتعدّد بتعدّد صفاتها على أنّ لله صفاتاً كثيرة غيرهما فلا طريق إلى الاقتصار عليهما.
و اعلم أنّ الكلابية تضاهي النصارى في قولها، لأنّ النصارى تقول: إنّ هذين الأقنومين لا ذات الله ولا غيرها، وابن كلاب يقول: إنّ المعاني من الحياة والكلام وغيرهما لا هي ذات الله ولاغيرها.
وأمّا الطرف الثاني وهو الاتحاد فاتفقوا على اتحاده تعالى بالمسيح(عليه السلام)وحصل له طبيعتان لاهوتية وناسوتية، ثمّ اختلفوا فقالت اليعقوبية الاتّحاد وقع بالذات، وقال غيرهم: الاتحاد وقع بالمشيّة. فنقول لليعقوبية: إذا اتّحدت ذات الله بالمسيح اجتمع المتنافيان التجرد والتحيّز، والفردية والزوجيّة، والوجوب، والإمكان، هذا إن بقيا موجودين وهو الظاهر من قولهم، ولو فرض عدمهما أو عدم أحدهما فلا اتحاد.
فإن قالوا: بل ذات الله جاورت ذات المسيح(عليه السلام).
قلنا: المجاورة لاتوجب الاتحاد إذ لايصحّ على الجوهرين المتجاورين أن يصيرا بذلك متحدين.

صفحه 131
فإن قالوا: حلّت ذات الله في ذات المسيح(عليه السلام).
قلنا: الحلول مع الغناء عنه محال، ومع الحاجة يستلزم الحدوث. ونقول للذين قالوا: إنّه اتّحد بالمشيّة، أنّ المشيّة إن كانت لله ذاتية لايصحّ أن ينتقل عنه إلى المسيح(عليه السلام)، وإن كانت حادثة في ذات الله استلزمت حدوثه ولا في محلّ فلا اختصاص لها بالمسيح(عليه السلام)، وإن حلّت في المسيح(عليه السلام)وجب أنّ كلّ ما أراده الله أراده المسيح(عليه السلام) وبالعكس، وهو محال، لأنّ الله يريد خلق الأجسام ولا يريده المسيح(عليه السلام) ويريد المسيح(عليه السلام) التملّي(1) والتخلّي ولا يريده الله.
 
شبهتهم
إنّ المسيح(عليه السلام) ظهر عليه إحياء الأموات وإبراء ذوي العاهات ولا يصحّ ذلك من القادر بالقدرة، فلولا اتّحاد الله به لامتنع ذلك منه.
قلنا: فقد ظهرت المعاجز الّتي لايصحّ من القادر بالقدرة على غيره من الأنبياء فيلزم اتّحاده تعالى بجميعهم إذ لا اختصاص لعيسى من بينهم.

1. التحلّى «ح».

صفحه 132
الباب (الثالث عشر)
إثبات كونه تعالى
عدلا

صفحه 133
إثبات كونه تعالى عدلاً   
العدل يذكر ويراد به الفعل فيقال: للموفر حقّ الغير والمستوفى الحقّ منه عَدَلَ. وهذا ينقض بخلق العالم فإنّه عدل وليس فيه توفير ولا استيفاء; والأولى أنّه «كلّ فعل حسن فعل لنفع الغير أو لضرره المستحقّ أو الموفى عوضه عليه». ويذكر العدل ويراد به الفاعل لهذا الفعل سمّي باسم فعله.
وفي الاصطلاح «هو تنزيه الله سبحانه عن فعل القبيح والإخلال بالواجب». فمن أجاز عليه ضد هذين لم يكن معدّلا له، وكذلك من يقول: إنّ أفعاله خالية عن الحسن والقبح.
والدليل على نفي القبيح عنه علمه بقبحه، لأنّه عالم بكلّ شيء حيث إنّ علمه صفة ذاتية وغنى عنه لوجوب وجوده المستلزم لسلب الحاجة عنه وعالم بغنائه عنه لعموم علمه، والمتّصف بما ذكرناه لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب، وهذا يعلم بالاستقراء التامّ فإنّ الظلمة لو علموا غناءهم عن غصب الأموال لتركوها، والسوقة لو علموا أنّهم يربحون بالصدق ما يربحون بالأكاذيب لم يختاروها.
إن قيل: فهذه الدلالة مبنية على أنّا مختارون في أفعالنا.
قلنا: سنبيّنه على أنّ المانع من ذلك نقول بالكسب فيصحّ ما أردناه.
إن قيل: ففيما ذكرتم تعليل الحكم الواحد وهو عدم الفعل بعلل كثيرة

صفحه 134
وهي العلم بالقبح والغناء عنه والعلم بالغناء، ولايجوز تعليل الواحد بعلل.
قلنا: لا تأثير لهذه في الحكم وإنّما هي كاشفات ومعرّفات، ولأنّا نختار الصدق على الكذب عند اعتقادنا بتساويهما ولولا علمنا بقبح الكذب وبغنائنا عنه لجاز أن نختاره بدلا منه.
إن قيل: فرض تساويهما محال، لأنّ الصدق يلزم المدح والثواب والكذب يلزمه الذم والعقاب فلهذا نختار الصدق على الكذب.
قلنا: فالرجل قد يكون ملحداً لايعتقد ثواباً ولا عقاباً ونعلم أنّه يختار الصدق على الكذب ويجوز أن يفعل الصدق أو الكذب ولا يشعر به أحد فيمدحه أو يذمّه، ونعلم أنّه يختارالصدق على أنّا لانسلّم لزوم المدح والثواب للصدق والذم والعقاب للكذب بل قد ينقلب الحال كما في الاعلام بالشيء المطلوب للقتل.
إن قيل : فقد قسّم القديم في أنّه لا يفعل القبيح على الواحد منكم، فنحن نرى أنّ الواحد منّا لايفعل الحسن إلاّ لحاجة والربّ لا حاجة له فلايفعل الحسن فيلزم من صحة قياسكم صحة قياسنا.
قلنا: لانسلّم انّا لانفعل الحسن إلاّ لحاجتنا فإنّا نختار الصدق على الكذب المفروض تساويهما - كما سلف - لا لحاجتنا بل لكونه حسناً لا غير، ولأنّا قد ننعم على محتاج ليرشد مكفوفاً إلى طريق الحسن ذلك في نفسه لا لحاجتنا.
إن قيل: فقد يفعل ذلك لاكتساب مدحه ولنيل الثواب لأجله.

صفحه 135
قلنا: فالأعمى قد لايجتمع بمرشده أبداً فيمدحه والمرشد قديكون زنديقاً لايعتقد ثواباً.

تذنيب: اختلف في حسن الأفعال وقبحها:

فقيل: حسن الحسن لعينه وقبح القبيح لعينه; وهو باطل وإلاّ لبطل نسخ الحسن إلى القبيح وبالعكس، ولأنّ السجدة الواحدة إن قصد بها الرحمن حسنت والأوثان قبحت، فلو كان حسنها أو قبحها لعينها لم يختلف حالها.
و قالت المجبّرة: حسنت وقبحت بالأمر والنهي; وهو باطل وإلاّ لكان الله لو أمرنا بالإلحاد والزندقة حسنا، ولو نهى عن العدل والتوحيد قبحا. ولو كان المحسن والمقبح إنّما هو الأمر والنهي لكان من لا يعرف الأمر والآمر والنهي والناهي لا يعرف الحسن والقبيح والمعلوم خلافه.
إن قيل: فلم لا يكونون معتقدين للحسن والقبح اعتقاداً لا علماً؟
قلنا: فعلى هذا لا مانع من أن نفرّق بين الألوان اعتقاداً لا علماً، لأنّ النفس فيما قلناه وما قالوه ساكنة على حدّ واحد، فعلم أنّهم يعلمون الحسن والقبيح.
فإن قيل: لم لايكون فعلنا للقبيح لأنّا محدوثون مملوكون والربّ قديم مالك فلايقبح منه شيء.
قلنا: لو كان فعلنا للقبيح للحدوث والمملوكيّة لم نفعل حسناً أبداً لوجود تلك العلّة دائماً.

صفحه 136
والنجّارية تقول: لو انفرد الله بخلق الظلم والكذب كان قبيحاً فقد فعل القبيح عندهم وليس بحادث ولا مملوك.
و الجبرية قالت: إنّ الله لايقدر على التفرّد بخلق الظلم. وذهب النظّام إلى أنّه سبحانه لايقدر على ما لو فعله لكان قبيحاً; ويبطله إنّ الله خلق فينا العلم الضروري فيكون قادراً على فعل الجهل وهو قبيح، لأنّ القادر على شيء قادر على جنس ضدّه، ولأنّه قادر على إحياء الميّت معجزة للنبيّ فيكون قادراً عليه عقيب دعوى المتنبّي، لأنّ كذبه لايحيل كونه قادراً كما أنّ صدقه لايوجب كونه قادراً، والإحياء عقيب دعوى الكاذب قبيح، ولأنّ الضعيف منّا يقدر على إلقاء طفل في النار، والله على قوله لايقدر عليه، فيكون أضعف من ضعيفنا ولأنّه تمدح بنفي الظلم في قوله: (وَ لاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)(1) ونحوها فلولا القدرة عليه بطل التمدح كما أنّه لايصحّ تمدّح الأعمى بأنّه لايطّلع على حرم الناس ولا تمدح الزمنى بأنّها لا تمشي إلى المعصيات.
إن قيل: الربّ تمدّح بنفي السَّنَة والنوم والولد والصاحبة وهو غير مقدور.
قلنا: التمدّح منه ما يرجع إلى الذات وهذا يصحّ وإن لم يكن مقدوراً كما يتمدّح أحدنا بحسن صورته وطول قامته، ومنه ما يرجع إلى الفعل. وهنا لايكون تمدّحاً إلاّ مع القدرة، ومن يجوّز على الله فعل القبيح يلزمه

1. الكهف (18)، الآية 49.

صفحه 137
تجويز أن يأمر به فلا يقع النقد بالكتاب الإلهي وما فيه من الأوامر والنواهي.
والمجوّزون للقبيح عليه تعالى، منهم من جوّزالكذب منه وهو العطوي من أصحاب الشافعي، وقال: إذا جاز عليه من القبائح ما فوق الكذب فبالأولى جواز الكذب. و منهم من منع جواز الكذب لأنّه قبيح والله لايقدر عليه. وقد عرفت القدرة عليه. ومنهم من قال: لأنّه يدلّ على جهله وحاجته. وهذا سخف منهم لأنّهم جوّزوا غيره من القبائح فإن دلّ على الجهل والحاجة اشتركا في المنع وإلاّ اشتركا في الجواز. ومنهم من قال: لأنّه صادق لذاته فلو جاز عليه الكذب انقلبت صفة الذات.
قلنا: وما بيان أنّ الله صادق حتّى يكون صادقاً لذاته.
إن قال: إنّه أخبر عن خلق السماء والأرض وهو على ما أخبره.
قلنا: لا مانع من أن يكون خبره عن سماء وأرض غير هذه وانّه خلقها ولم يكن خلقها فيكون كاذباً، وأيضاً فكونه صادقاً من صفات فعله فيصح انقلابها فلايقاس على صفات ذاته، ولأنّ الله عندكم آمر لذاته ببعض الأشياء وناه عن بعضها فهلاّ جاز كونه صادقاً في بعض الأشياء وكاذباً في بعضها، ولأنّه لو امتنع عليه الكذب من حيث كان صادقاً لذاته فلا مانع من أن يخلق حروفاً فيها انّه يثيب الصالحين ويعاقب الكافرين ويكون مخبره بخلاف خبره فيلزم جواز الكذب عليه من كل وجه. ثمّ نرجع ونقول: لو جاز منه فعل القبيح جاز أن يعاقب الصالحين على إيمانهم ويثيب الجاحدين على كفرانهم.

صفحه 138
إن قالوا: يجوز ذلك لولا أنّ الله أخبر أنّه لايفعل.
قلنا: قد عرفتم بما اعترضنا على أنّ خبره صدق، وانّما الحقّ انّه لا يفعله لأنّ معاقبة المطيع ظلم وإثابة العاصي تستلزم التعظيم وهو لغير مستحقّه قبيح، ولو جاز منه فعل القبيح جاز أن يصدق المدّعي للنبوة بإظهار المعجز ليضلّ الخلق على هذا الأصل إذ لا مانع منه ولا جواب شاف عنه فإن خيلتم(1) بشيء فهو ملحق بالهذيان والمجون والله المستعان على ما تصفون. وبالجملة يلزمكم أن لاتعرفوا حقيقة الإسلام المفروض من الخالق حيث لاتميّزون بين المتنبّي الكاذب من النبي الصادق.

1. حيّلتم.

صفحه 139
الباب (الرابع عشر)
خلق الأعمال

صفحه 140
خلق الأعمال   

مقدمة

ماهية الفعل معقولة بالضرورة فإن ذكر تعريف لفظي فلا محال فيه، مثل ما قيل: إنّه ما وجد وكان الغير قادراً عليه وغير ذلك. ثمّ اعلم أنّ أقسام الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقبح وعدمهما ستّة: ما ليس له صفة تزيد على حدوثه كحركات الساهي والنائم، و ما له صفة زائدة إمّا أن لايكون للقادر عليه العالم به فعله وهو القبيح، أو يكون وهو الحسن، فإن ساوى فعله تركه فمباح، وإن ترجّح مع المنع من تركه فواجب ولا معه فندب، وإن ترجّح تركه مع المنع من فعله فحرام وهو القبيح الّذي سلف ولا معه فمكروه، إذا عرفت هذا فالحقّ أنّ أفعال العباد هم محدثوها وعند المجبّرة: الله محدثها.
ثمّ اختلفوا: فذهب جهم بن صفوان (1) إلى أنّه ليس لهم فيها أثر احداثاً ولا كسباً، وذهب النجّار والأشعريّ إلى أنّ الله محدثها ولهم الكسب. لنا وجوه:
الأوّل: دعوى الضرورة في ذلك فإنّ جميع العقلاء تحكم بذلك وإنّما يعتري بعضهم خلافه عند إيراد الشبهات كالماء إذا خضخض فإنّه إذا ترك صفا.

1 . هو أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي، رأس الجهمية، قُتل سنة 128 هـ. الأعلام للزركلي: 2 / 138 .

صفحه 141
الثاني: انّها واقعة بقصودنا منتفية عند صوارفنا.
إن قيل: فقد يكون الله خالقها وتاركها عند قصودنا وصوارفنا لمجرى العادة.
قلنا: العادة تختلف بحسب الأزمان والبلدان كالحرّ والبرد فلو أخبرنا واحد: انّ في البلاد المتباعد من يفعل مع الصارف ولايفعل مع الداعي لنازعنا إلى تكذيبه، وأخبرنا بأنّ الضعيف يفعل ما لا يقدر عليه القوي، والجاهل بالكتابة وغيرها يفعل ما لايفعله العالم بها لَدخل هو ومن صدّقه في حدّ السوفسطائية.
إن قيل: فالملجاء يفعل بقصد غيره.
قلنا: لا، بل وافق داعيه داعى الملجئ حتّى لو فقد داعيه فقد الفعل.
إن قيل: فأفعال الساهي والنائم وقعت من غير قصدهما فيجب أن لايكون منهما.
قلنا: هذا عكس الدليل وهو غير لازم على الدليل إنّما لازمه(1) طرده ثمّ نقول: إنّ أفعالهما واقعة بقدرتهما ولهذا لو مدّ النائم رجلَه فصادفت شيئاً خفيفاً زحزحته، ولو كان ثقيلا لم تحرّكه، ولأنّ النائم يرى أنّه بمكان آخر وهذا الاعتقاد جهل لايصدر منه تعالى لقبحه، و لا من فاعل غير النائم لعدم اعتماده عليه بل ولو اعتمد لم يقع، لأنّ الاعتماد لا يولد الجهل فلم يبق إلاّ أنّه فعله.

1. لازمة «ن».

صفحه 142
الثالث: لو كانت طاعتنا ومعصيتنا من الله لما حسن مدحنا وذمّنا كما لايحسن مدحنا وذمّنا على صورنا وألواننا ولقبح أمرنا ونهينا.
إن قيل: فلم لاينسب ذلك إلينا، لأنّ الأفعال من كسبنا؟
قلنا: أوّل ما فيه أنّ الكسب غير معقول ولو سلّم فلا يصلح عليه لذلك، لأنّ تصرّفاتنا حصولها من الله بسائر صفاتها وحقائقها عندكم فكيف يجوز تعلّق المدح والذمّ وغيرهما بكسبكم، ثمّ إنّ الكسب مع الصحّة يجب فلا يجوز كونه علّة لحسن المدح والذم وغيرهما، لأنّ الفاعل حينئذ كالمرمى من شاهق فلا يحسن مدحه ولاذمّه ولا غيرهما.
إن قيل: فلم لا يحسن توجّه ذلك إلينا وإن كان الفعل من غيرنا كما نذمّ من ألقى طفلا إلى النار فأحرقه الله بمجرى العادة.
قلنا: إنّما نذمّه على الإلقاء لا الإحراق.
الرابع: لو كانت أفعالنا من ربّنا لقبحت بعثة الرسل حيث إنّه لا فائدة فيها لتوجّه أمرها ونهيها إلى من لا أثر له ولا قدرة عليها.
إن قيل: فأنتم تحمدون ربّكم على إيمانكم فلو لا انّه من فعله يناقض كلامكم.
قلنا: إنّما نحمده على مقدّماته من الخلق والإحياء والإقدار ونصب الأدلّة والتعويض للثواب كمن أعطى غيره مالا واشترى به متاعاً فإنّه يحمده على المال الّذي هو السبب لا على المتاع. وجرت مناظرة عند سلطان بين مجبّر ومعدّل فقال المجبّر: أ لسنا نحمد الله على الإيمان فكيف لا يكون

صفحه 143
منه؟ فقال المعدّل: لسنا نحمده عليه بل هو يحمدنا عليه. فانقطع المجبّر، فقال المعدّل: شنعت المسألة فسهلت.
الخامس: في أفعالنا قبائح فإن كانت منه فهو باطل - لما سلف بيانه - وإن كانت منّا وهو الصحيح فاللوم علينا ولو جاز منه القبيح لجاز أن يرسل رسولا يضلّ الناس عن الإيمان ويدعوهم إلى الكفران بل يجب، لأنّ مجيء الرسول يجب أن يطابق إرادة المرسل و ارادته كفر الكافر وإذا طلب ايمان الكافر كان محجوجاً بقول الكافر: «أنت تأمرني بالايمان والله كرّهه لي، وتنهاني عن الكفران والله أراده بما منّي بل خلقه فيّ» فلابدّ أن يقول الرسول على هذا الأصل الفاسد: «نعم آمرك بما كرّهه الله لك وأنهاك عمّا أراده منك». فيقول الكافر: «فأنت حنيئذ لست برسول».
السادس: يلزم على هذا الأصل الخسيس كون النبي أسوأ حالا من إبليس، لأنّه يأمر الكافر بما يخالف إرادة الله وكراهته وإبليس يأمره بما يوافقهما.
السابع: يلزم قبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّ الله إن خلقهما لم يقدر العبد على فعلهما لوجوبهما به تعالى وإن لم يخلقهما لم يقدر العبد أيضاً على فعلهما، لأنّه لا فاعل غيرالله لهما.
الثامن: يقبح جهاد الكفّار حيث لا قدرة لهم على تبديل كفرهم بالإيمان، كما أنّ الروم والزنج يقبح إيقاع جهادهم لكي تبدلّوا بياضهم بسوادهم.

صفحه 144
التاسع: في أفعال العباد شتم القديم تعالى، وقتل أنبيائه، فإن كان ذلك منه كان شاتماً لنفسه قاتلا لأوليائه، والحكيم لايفعل ذلك، وفي أفعالهم ظلم وكذب فإن كانت منه كان ظالماً كاذباً و الحكيم لايفعل ذلك.
إن قيل: لا تطلق هذين عليه تعالى للإجماع على أنّ من قال: إنّ الله تعالى ظالم كاذب فقد كفر.
قلنا: الكفر لايلزم بإطلاق الاسم، ولهذا لو اعتقد أنّ لفظ ظالم معناه عادل لم يكفر بل باعتقاد فعل الظلم، والقوم يعتقدون ذلك فالكفر لازمهم.
إن قيل: لا نسلّم أنّ الظالم من فعل الظلم بل من حلّ فيه الظلم والربّ لايحلّ فيه الظلم فلايوصف به.
قلنا: لا، بل هو من فعل الظلم ولو كان الظلم من حلّه الظلم لم يكن أحدنا ظالماً، لأنّه إن ضرب فالظلم ليده وإن كذب فالظلم للسانه، والظلم هو الضرر المخصوص ولا شك في حلوله بالمظلوم فيكون المظلوم ظالماً، وبعد فلو كان الظالم اسماً لمن حلّه الظلم كان العادل اسماً لمن حلّه العدل فلا يكون الله تعالى عادلا لأنّ العدل لايحلّه.
إن قيل: فأليس الله خلق الحركة والسكون والسواد والبياض والولد واللحية ولا يوصف بها، فهلاّ جاز أن يخلق الظلم ولايوصف به؟
قلنا: الفاعل يشتق له اسم من فعله إلاّ ما منع السمع منه نحو حارس وفاضل وفقيه وطبيب فإنّ هذه الأسماء في اللغة ولا تجري عليه تعالى فالرب إذا فعل ما ذكرتم اشتقّ له منه اسم فاعل لا اسم محلّ الفعل فهو

صفحه 145
محرّك لا متحرّك ومسكّن لا ساكن ومسوّد ومبيّض لا أسود وأبيض ومولّد لا والد وملحّى لا ملتحى، فظهر أنّ ما ذكرتم اسم لمحلّ الفعل وما ذكرنا اسم فاعل، أمّا ظالم فانّه اسم فاعل فيطلق عليه تعالى لو فعل الظلم.
العاشر: السمع وهو أمور:
أ) قوله تعالى: (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت )(1) والتفاوت المنفي ليس من جهة الخلقة لاختلافها في الكمّ والكيف وغيرهما فهو من جهة الحكمة فلو كانت أفعال العباد منه لوجد التفاوت من جهة الحكمة إذ لاتفاوت أعظم ممّا بين الظلم والكفران والعدل والإيمان.
إن قيل: فالتفاوت المنفي إنّما هو من جهة الانشقاق لقوله في آخرها: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور )(2).
قلنا: التخصيص بذكر الفطور في آخرها لا يمنع من عموم أوّلها، وهذا مثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)(3) وهذا عام في البوائن وغيرهنّ ثمّ خصّ الرجعيّات في آخرها فقال: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ )(4)، ولأنّ الله تمدح بنفي التفاوت ولا تمدح بعدم الفطور.
إن قيل: فالخالي عن التفاوت من جهة الحكمة إذا كان منه تعالى وجب أنّ كلّما لا تفاوت فيه من الطاعات منه تعالى.

1. الملك (67)، الآية 3.
2. نفس الآية.
3. البقرة (2)، الآية 238.
4. الآية السابقة.

صفحه 146
قلنا: هذا دليل خطاب وليس حجّة، على أنّ الأمر المعلّق فيه على فاعل لا يجب صدور كلّما هو مخالف له، فإنّا إذا قلنا: «فلان لايظلم» لايوجب أن يكون فاعلا لكلّ عدل.
إن قيل: فالاستدلال بالسمع هنا دور لبناء صحّته على عدل الله وحكمته فما لم يثبت امتناع الكذب منه لم يوثق بكلامه.
قلنا: ذكرناه ليعلم منه مطابقة السمع للعقل.
ب) (اَلذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ )(1) فالمراد بـ «أحسن» ليس معنى الإحسان فإنّ في خلقه ما لا يكون إحساناً كالعقوبات المستحقّة وغيرها، فالمراد أنّه خلق الحسن الّذي هو قسيم القبيح فلا يكون فعل العباد منه لما فيه من القبيح.
إن قيل: إنّما أراد بـ «أحسن» علمه أي علم كلّ من خلقه مثل قولهم: «فلان يحسن الصنعة» أي علمها.
قلنا: «أحسن» لايستعمل في العلم وإن جاز استعمال «يحسن» ولا مانع من الفرق بين الماضي والمضارع بل ذلك واقع فإنّ «عسى» ماضي ولا يقال: «يعسى ولا «عاسي» وعكسه مثل «يذر» و«يدع»، ولايقال: «وذر» و«ودع» ولا «واذر» ولا «وادع» فكذا أحسن لايقال بمعنى يحسن.
ج) (صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيء )(2) ولا يكفي في الإتقان وجه

1. السجدة (32)، الآية 7.
2. النمل (27)، الآية 88.

صفحه 147
الإحكام والإيساق ما لم يكن حكمة، لأنّ الشاعر إذا نظم قصيدة مشتملة على الفحش والسخف لم تكن متقنة، بل إذا اشتملت على الحكمة، فلو كان الله فاعلا لأفعال العباد وفيها الكفر والزندقة الخالية من الحكمة لم تصدق الآية.
إن قيل: فالكفر متقن من حيث دلالته على الله حيث جعله مناقضاً للإيمان.
قلنا: كونه دليلا لا يكفي في كونه متقناً، فإنّ القصيدة المشتملة على الخنا دالة على علم واضعها و ليست متقنة، بل لابدّ في إتقانها أن تكون محكمة.
د) في القرآن ذمّ، ولوم، وتوبيخ، وتفريع مثل: (وَ مَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا )(1)، (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ )(2)، وهل هذا إلاّ مثل إغلاق الواحد على غلامه بيتاً مظلماً، ثمّ يقول: له عبداً ليس ما منعك أن تخرج وماعليك لو خرجت.
هـ) قوله تعالى: ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(3) ونحوها ولا جزاء لهم إذا كان العمل ليس منهم وإذا كان للعامل فهو لله ويلزم حاجته إليه سبحانه.
و) (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ )(3)، فكيف يلومهم والإعراض منه لا منهم.

1. الإسراء (17)، الآية 94. والكهف (18)، الآية 55.
2. الانشقاق (84)، الآية 20.   3 . السجدة (32)، الآية 17.
3. المدّثّر (74)، الآية 49.

صفحه 148
ز) (وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً )(1) فعلى قولهم كلّ باطل في الدنيا من الكفر وغيره منه تعالى وبيّن الله في هذه الآية كفر القائل به فقال: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)(2).
ح) (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ )(2) فعلى قولهم العبادة منه تعالى.
ط) (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا )(3) ثم قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)(5)، فلو كان فاعلا للأمرين كان ولياً للجميع ولم يفصل بين الولايتين ولو استقرينا آيات الكتاب لطال بها الكتاب.
و للقوم شبه عقلية وسمعية ظاهرها الجبر ونفي أفعال العباد يجب تأويلها بما لايخرج ألفاظها عن موضوعاتها.
ولا يقال: بل نأوّل الآيات المقابلة لها.
لأنّا نقول: تأويل المخالف للعقل المنافي للعدل أولى وأوجب.

تذنيب: في بطلان الكسب

مذهب جهم وقدماء المجبّرة أنّه ليس للعبد فعل احداثاً ولا كسباً، بل الله يفعله والعبد كالظرف له. وضرار جعل الفعل من الله والكسب من العبد،

1 و 2 . ص (38)، الآية 27.
2. الذاريات (51)، الآية 56.
3 و 5 . البقرة (2)، الآية 257.

صفحه 149
وقال: إنّ المباشر والمتولّد كسب لنا. والأشعريّة والنجّارية حصروا الكسب في المباشر دون المتولّد.
و اعلم أنّ الكسب في أصل اللغة هو الفعل الجار نفعاً أو الدافع ضرراً، والقوم يقولون: هو كلّ ما كان واقعاً من أفعال العقلاء وغيرهم من الأطفال والمجانين والبهائم.
إن قيل: فنحن اصطلحنا على ذلك.
قلنا: لا يصحّ اصطلاح اللفظ لا لمعنى معقول، والكسب غير معقول لأحد، لأنّه لو كان معقولا لهم لعقله غيرهم ومعلوم أنّ فرَق متعددة من الخوارج والإماميّة والمعتزلة والزيدية ناظروهم بأوّل الدهر في مجالس الرؤساء، ومحافل الكبراء، وأظهروا عن أنفسهم عدم تعقّله.
إن قيل: عقلوه ولكن جحدوه.
قلنا: الجحود ممتنع من العدد الكثير، وإلاّ لجاز أن يقال: إنّ أنبياء وشرايع أعلم النبيّ بأنّها ستجيء وجحدها المسلمون كافّة، ولأنّه لو كان معقولا لأهل اللغة لوجب أن يضعوا له اسماً لاشتداد الحاجة إليه، ولمّا لم، فلم. وربما قالوا في تصويره: إنّه ما وقع باختيار الفاعل أو ما وقع وكان للقادر قدرة عليه أو هو المُكنة من الفعل أو وصف الفعل بالطاعة والمعصية ونحو ذلك.
قلنا: تحديد الشيء لا يكون موجباً لتصويره، بل الأمر بالعكس أي لابدّ أن يكون متصوراً ثمّ يحدّ فإنّ الجسم لايصير معقولا بتحديده بل

صفحه 150
تحديده تابع لمعقوليّته ومع ذلك فإنّ ذكر الاختيار والقدرة والمُكنة في التعريف ينافي مذهبهم من نفي القدرة والاختيار للعبد ويلزم كون فعل الله كسباً لوقوعه باختياره وقدرته ومكنته، ومن لا فعل له لايكون طائعاً ولا عاصياً. والعذر بأنّ الكسب هو الفعل بآلة والله لا يفعل بآلة لا يجدي نفعاً، لأنّ الفعل لا بآلة لا يمنع من كونه مكتسباً كما لايمنع من كونه فاعلا على أنّ في أفعالنا ما لايكون بآلة كالاعتقادات. ومن مذهبهم أنّ فعل الساهي والنائم كسب لهما مع وقوعه لا عن اختيارهما.
إن قيل: نفرّق بين الحركة الاختيارية في أبداننا والاضطرارية، فالاختيارية هي الكسب.
قلنا: هذه التفرقة راجعة إلى أنّا أحدثنا الاختيارية دون الاضطرارية لا إلى الكسب، وأيضاً فهذه التفرقة واقعة في واقعة في المتولّد كما في من يكتب طائعاً كارهاً فيلزم الكسب في المتولّد وهم يخصّونه بالمباشر، وأيضاً فالوجه الدالّ على تعلّق الفعل بنا من جهة الكسب دالّ على تعلّقه بنا من جهة الحدوث وهو الوقوع بقصودنا والانتفاء بصوارفنا، ولأنّ الكسب تابع لخلق الفعل من الله فإن خلقه وجب الكسب وان لم يخلقه امتنع فالعبد على هذا كالملجأ إلى الكسب وإثبات التفرقة لنا لا لكم لأنّكم تقولون الكلّ من الله سبحانه.
في الاحتجاج على أنّ الأفعال كلّها من الله   

صفحه 151
 
فصل

احتجّوا على أنّ الأفعال كلّها من الله بوجوه:

أ) لو تعلّق الفعل بنا من جهة حدوثه تعلّق بنا من جهة صفاته من كونه شيئاً وعرضاً و حسناً وقبيحاً وملذّاً ومؤلماً ولمّا لم يتعلّق بنا من جهة صفاته لم يتعلّق بنامن جهة حدوثه.
قلنا: فهذه الصفات واجبة الوقوع عند الحدوث فلهذا لم يتعلّق بنا والحدوث يجوز وقوعه وعدمه فيتعلّق بنا فافترقا وبعد فهذا ينقلب عليكم في الكسب، لأنّ الفعل كما يتجدّد له الصفات المذكورة ولم يتعلّق بنا يتجدد له الكسب فيلزم أن لايتعلّق بنا من جهة الكسب أو أن يعلّق بنا من جهة الكسب دون الصفات المذكورة فلم لايجوز تعلّقه بنا من جهة الحدوث دون الصفات المذكورة.
ب) الحركة الاختيارية شاركت الاضطرارية في الحدوث فتشاركها في الاحتياج الى فاعلها وفاعل الاضطرارية الله فكذا الاختيارية.
قلنا: لايلزم من الشركة في الحدوث الشركة في فاعل بعينه بل في مطلق الفاعل فلايجب كون الفاعل لإحداهما هو الفاعل للأُخرى.

صفحه 152
ج) حدوث الحركة وحدوث اللون متماثل واللون ليس منّا فالحركة ليست منّا، أو إن كانت الحركة منّا فاللون منّا، وهو محال.
قلنا: إنّما المتعلّق بنا ذات الحركة على صفة الحدوث لا نفس الحدوث ولايلزم من التماثل والاختلاف إنّما يدخل في المعلومات والصفات لانعلم منفردة وانّما نعلم الذوات على هذه الصفات.
د) لو قدرنا على إحداث الفعل قدرنا على إعادته كالقديم تعالى لما قدر على الإحداث قدر على الإعادة، ولمّا لم نقدر نحن على الإعادة لم نقدر على الإحداث.
قلنا: لمَ لايكون خصوصية القديم توجب القدرة عليهما دوننا أو خصوصيّتنا وموانعنا يوجب عجزنا عن الإعادة دونه على أنّ في مقدوره تعالى ما لا يمكن إعادته كالصوت والألم واللذة والارادة على القول بحدوثها إذ لو صحّت اعادة هذه الأشياء لايمكن وجودها في وقتين فتخلّل العدم بين الشيء ونفسه.
هـ) الله قادر لذاته فتعمّ قدرته الأشياء فيدخل فيها مقدورنا فيكون منه كما أنّه لمّا كان عالماً لذاته دخل فيه معلومنا.
قلنا: المعلومات غير مقصورة على بعض العالمين فما من معلوم إلاّ ويصحّ أن يعلمه كلّ أحد امّا المقدورات فمقصورات فلا يلزم أنّ كلّ ما قدر عليه قادر قدر عليه كل قادر، وأيضاً فإذا كانت قدرة الله تقتضي العموم لكونها ذاتية وجب كونه قادراً على الكسب فيكون مكتسباً.

صفحه 153
و) الله تعالى أقدرنا عندكم على أفعالنا فيكون أقدر منّا عليها. فيكون منه لأنّ صفة الذات متى صحّت وجبت.
قلنا: صفة الذات إنّما تجب مع الصحّة لا مع الاستحالة ونحن نعلم أنّ من أفعالنا النكاح وغيره ولا يقدر عليه الله، ولأنّ الله أقدرنا على إرادة الإيمان ولا يقدر أن يخلق لنفسه إرادة الإيمان فجاز أن يقدرنا على شيء ولايكون قادراً عليه، ولو لزم ذلك لكان الله تعالى مكتسباً لأنّه أقدرنا على الكسب.
ز) لو أحدثنا أفعالنا لعلمنا تفاصيلها، ولا شك أنّا لا نعلم عدد خطواتنا وأجزاء حركات أيدينا في أفعالنا، فإذا لم نعلمها لم نفعلها.
قلنا: بلى نعلمها حال وقوعها والغايب عنّا بعده تفصيلها لا مجموعها، أو نقول: الله يعلم تفصيل أفعاله لكون صفته ذاتية متى صحّت وجبت، ونحن لانلزم من صحّة علمنا بتفصيل أفعالنا وجوبه على أنّا نعارض بالكسب ونقول أنّا لانعلم تفاصيل كسبنا فلايكون منّا.
ح) لو كان الفعل منّا لأمكنّا أن نفعل مثله ثانياً ولكن لانفعل فليس منّا.
قلنا: نعلم قطعاً أنّ أحدنا يصحّ أن ينطق بحرف واحد مراراً وأن نريد قدوم زيد مراراً والحاذق في الصنعة يمكنه ذلك مراراً.
ط) لو أحدث الواحد منّا فعله لجاز أن يقال له: خالق، إذ الخلق والإحداث واحد لكن لا يصحّ تسميته خالق للإجماع على أنّه لا خالق إلاّ الله، ولقوله: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ )(1).

1. فاطر (35)، الآية 3.

صفحه 154
قلنا: لا مانع من تسمية أحدنا خالق لغة وقرآناً، لأنّ الخلق هو التقدير ومنه «خلقت الأديم»، وقول الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ *** ـض القوم يخلق بم لا يفري
و قال الحجاج لعنه الله: أنا إذا وعدت وفيت وإذا خلقت قريت. وقال الله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(1)، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)(2); نعم اسم خالق يطلق في الرب ويقيد في العبد، لأنّ الله لايفعل إلاّ على المصلحة مطلقاً والعبد قد يفعل لغيرها أو يقصدها فيقع غيرها والإجماع في أنّه لا خالق غير الله لايمنع الإطلاق علينا مقيداً من جهة اللغة، وقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ )(3) لا يمنع أيضاً لأنّ في الآية (يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ )(4) وهذا لايبقى خالقاً يرزق.
ي) الله مالك لعباده فمالك لتصرّفاتهم.
قلنا: لا يلزم من ملكهم ملك تصرّفهم، فإنّ أحدنا يملك عبداً ولايملك تصرّفه.
يا) قوله تعالى: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)(5)، و«ما» مع ما بعدها في تأويل المصدر فكأنّه قال: خلقكم وخلق عملكم.

1. المؤمنون (23)، الآية 14.
2. المائدة (5)، الآية 110.
3. فاطر (35)، الآية 3.
4. يونس (10)، الآية 31.
5. الصافات (37)، الآية 95 و 96.

صفحه 155
قلنا: لايصحّ استدلالكم بالسمع هنا، لأنّكم تجوّزون على القبيح فجاز أن يقول: إنّ عملكم منه، ولم يكن منه.
فإن قالوا: هو إلزام لكم.
قلنا: لا إلزام فإنّ الله أضاف «النحت» و«العبادة» إلى العباد فلو كانا منه كذبت الإضافة، ولأنّ الآية وردت لذمّهم وتوبيخهم ولو كان الفعل منه ذهب ذلك إذ يكون معناه: «خلق عبادتكم ونحتكم»، وتأويل الآية: خلقكم وما تعملون فيه من الأجسام الّتي تنحتونها وتعبدونها مثل قولهم: «هذا الباب عمل فلان» أي ما عمل فيه، مثل قوله تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ)(1) الآية، أي يعملون له في هذه الأجسام محاريب وتماثيل، ومثل قوله في عصا موسى: (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)(2) فيه من الحبال والعصي.
يب) (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء )(2) وأفعال العباد شيء.
قلنا: هذا تمدح ولاتمدح بخلق الكفر وغيره من المعاصي، والآية مخصوصة بخروج ذات الله منها، وقد اختلف في العام المخصوص: أ هو حجّة في الباقي أم لا؟ على أنّ الكلّ يراد به البعض كما في (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ
شَيء
)(4)، (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءًا )(3) فأُريد الخاص وأُطلق العام.

1. سبأ (34)، الآية 13.   2 . الأعراف (7)، الآية 117.
2. الرعد (13)، الآية 16.   4 . النمل (27)، الآية 23.
3. البقرة (2)، الآية 260.

صفحه 156
يج) (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا)(1)، وأفعال العباد بينهما.
قلنا: الـ «بين»(2) في كلام العرب يستعمل بمعنى الوصل وبمعنى الفصل وأفعال العباد إنّما هي أعراض مخصوصة فلايصح فيها الوصل والفصل. فالمراد بـ «ما بينهما» الأجسام.
إن قيل: المراد البينيّة المكانية فيصدق على الأعراض كالألوان فكذا أفعال العباد.
أجبنا بأنّه (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام)(3)، وأفعال العباد لم تحصر في ستة أيام; وقال تعالى: (وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ )(4) وفي أفعال العباد اللعب واللهو.
يد) (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ )(5)، وقد أراد بعض أفعال العباد فهو خالقه فيكون خالقاً للكل لعدم القائل بالفرق.
قلنا: الله عندكم مريد لذاته أو بإرادة قديمة فيلزم خلق الكلّ أزلا ويلزم قدم العالم بما فيه.

1. الفرقان (25)، الآية 59.
2. (قال الشاعر: قيس بن ذريح):
لعمرك لولا البين لانقطع الهوى *** ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف
و قال الله تعالى في سورة الأنعام: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ )، وقال الطبرسي: أي وصلكم وجمعكم.
3. الفرقان (25)، الآية 59 .
4. الدخان (44)، الآية 38.
5. هود (11)، الآية 107.

صفحه 157
إن قيل: أراد في الأزل خلق العالم فيما لايزال.
قلنا: يصحّ أن يريد خلقه في الأزل فيصحّ خلقه في الأزل، وإذا صحّ وجب، لأنّه صفة الذات متى صحّت وجبت، على أنّه تمدح في الآية ولا مدح في خلق الكفر والإلحاد الّذي هو في أفعال العباد فتخصّ الآية بأنّه فعّال لما يريد من أفعال نفسه.
يه) (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا )(1) دلّت على أنّ كلّ المصائب منه.
قلنا: الضمير في «نبرأها» للأقرب وهو الأنفس و الآية تمدح ولا تمدح في خلق المصائب القبيحة، فالمراد بها الآلام وقطع الآجال.
يو) (وَ اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوَانِكُمْ )(2) فاللغات منه.
قلنا: في اللغات الفحش ولا يصحّ كونه منه، والمراد اختلاف الألسن اللحمانية في تراكيبها، لأنّ الألسن حقيقة فيها.
إن قيل: المراد اللغات تسمية للمسبب باسم السبب.
قلنا: هو مجاز. قالوا: غلب استعماله. قلنا: غلبة استعماله لاتمنع من الحمل على الحقيقة، وقد قيل: في الأُصول إنّ الحمل على الحقيقة المرجوحة أولى من المجاز الراجح.

1. الحديد (57)، الآية 22.
2. الروم (30)، الآية 22.

صفحه 158
يز) (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)(1) دلّت على أنّ السرّ والجهر من خلقه.
قلنا: المراد ألايعلم السرّ والجهر من خلق الصدور بل هو الأظهر، لأنّ من لن يعقل والسرّ والجهر لايعقل فالضمير للفاعل، أو يعلم المحل للسرّ والجهر الّذي هو العبد.
إن قيل: فالله علّق العلم بذات الصدور فهو غيرها وهو ما حلّ فيها فهو السرّ، ثمّ قال: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) يعني السرّ.
قلنا: لا يلزم المغايرة بين ذات الصدور والصدر لجواز الإضافة إلى النفس مثل ذات الشيء، ولأنّ المراد لو كان هو السرّ ذهب التمدح لمشاركة صاحب السرّ لله في علم السرّ.
إن قيل: فالمشاركة حاصلة بالعلم في الصدر فلاتمدح أيضاً.
قلنا: لا مشاركة فإنّ الله يعلم حقيقة الصدر وغيره بخلاف غيره.
يح) (وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكَى )(2).
قلنا: المراد خلق له مايصحّ معه وقوعهما فيه و هو البيّنة.
يط) (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ )(3) فالإسلام منه وإلاّ لخلا الدعاء عن الفائدة.

1. الملك (67)، الآية 13 - 14.
2. النجم (53)، الآية 43.
3. البقرة (2)، الآية 128.

صفحه 159
قلنا: كيف يكون منه وقد أمرنا به وضمّن لنا الثواب فيه، فالمراد ألطف لنا حتّى نكون مسلمين أو سمّنا بالإيمان وأحكم به علينا.
ك) (وَ جَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً )(1) فالرأفة والرحمة من خلقه.
قلنا: لا، فإنّ الله نهى عن الرأفة في قوله: (وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ )(2) فلا تكون من فعله لبطلان فائدة نهيه، أو معنى «جعلنا» لطفنا وحكمنا.(3)

1. الحديد (57)، الآية 27.
2. النور (24)، الآية 2.
3. الجعل بمعنى اللطف، (وَ جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ); وبمعنى الحكم: (وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا)، (وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا).

صفحه 160
الباب (الخامس عشر)
الاستطاعة

صفحه 161
في الاستطاعة   
الاستطاعة والقدرة والطاقة قيل مترادفات، وقيل: لا، بل الطاقة والاستطاعة الفعل بمشقّة، والقدرة قد لا تكون معها مشقة، ولهذا لايطلق على الله أنّه مطيق ولا مستطيع مع أنّ الله قال: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)(1)فمفهومه أنّ الله يستطيع والأرجح المغايرة لتقديم التأسيس على التأكيد. إذا عرفت هذا فالاستطاعة متقدّمة على الفعل. وقالت المجبّرة: مع الفعل. وقد ثبت انّ أفعالنا منّا فتتقدّمها قدرتنا، ولمّا قالت المجبّرة: أفعالنا من الله قالت بتقدّم قدرته عليها.
لنا على تقدّمها: إنّها لو قارنته لما وقع بها من حيث إنّ فعلها متأخّر عن وجودها فلو قارن وجوده وجودها لتقدّم على أثرها. ولنا: إنّ الكافر مكلّف بالإيمان حال كفره فلولا قدرته عليه كلّف ما لم يطق.
قالت الأشعرية: لا محال فيه بل واقع فإنّ الله تعالى طلب من الملائكة معرفة الأسماء مع علمه أنّها لاتقدر على ذلك.
قلنا: ذلك ليس تكليفاً بل تفريع بالعجز مثل: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث

1. المائدة (5)، الآية 112.

صفحه 162
مِثْلِهِ)(1)، (فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ )(2) وقبح تكليف ما لا يطاق معلوم بالضرورة
ويؤكّده: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)(2) ونحوها، وقوله: (وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(3)، فإذا لم يرد العسرفبأولى أن لايكلّف غير المطاق، وقد ثبت كونه تعالى عدلا فيكون في قوله صادقاً.
ولنا: قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ)(4)، وقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَات عَلَيْهِمْ )(5) فلو لا تقدّم قدرتهم لم يتحسّروا، لأنّ الشخص لم يتحسّر على ما يمتنع عليه فعله كصعود السماء ونحوه. ولنا: انّا نعلم تعلّقها بالضدين فلو قارنتهما(6) وجدا معاً، وهو محال.
إن قيل: فلم لايوجد أحدهما لتعلّق الاختيارية؟
قلنا: الاختيار من فعلنا فلابدّ أن نفعله بقدرة صالحة لاختيار أحد الضدين ولاختيار الآخر، فإمّا أن يجتمعا أو يلزم الترجيح بلا مرجّح، وكلاهما محال.
إن قيل: جاز أن يكون مع اختيار أحدهما اختياراً آخر للاختيار فترجّح لأجله.

1. الطور (52)، الآية 34.   2 . يونس (10)، الآية 38.
2. البقرة (2)، الآية 286.
3. البقرة (2)، الآية 185.
4. البقرة (2)، الآية 184.
5. البقرة (2)، الآية 167.
6. قاربها.

صفحه 163
وقلنا: يلزم تسلسل الاختيار.
إن قيل: فيقطع بالانتهاء إلى اختيار ضروريّ من فعل الله.
قلنا: لو كان كذلك لوجدنا من أنفسنا الاضطرار إلى الاختيار وليس كذلك على أنّا نقول: الساهي والنائم لا اختيار لهما ويقع أحد الضدين منهما.
إن قيل: القدرة عندكم صالحة للضدين فيجب وقوعهما بها كما ألزمتمونا.
قلنا: القدرة عندنا غير موجبة وعندكم موجبة فافترقا. واحتجّوا أيضاً بجواز تكليف ما لايطاق بأنّه كما حسن التكليف بالإيمان مع العلم بعدم وقوعه حسن مع العلم بعدم القدرة عليه.
قلنا: العلم بعدم وقوعه تصاحبه القدرة وإزاحة العلّة وتردّد الدواعي فأُطيق بخلاف العلم بعدم القدرة فإنّه لم يطق.
قالوا: لو قدر على الإيمان مع علم الله باستمرار كفره كان قادراً على تغيير صفة الله حيث أقلب علمه جهلا.
قلنا: القدرة على خلاف المعلوم غيرمستحيلة، لأنّه قد ثبت أنّها متعلّقة بالضدين، فإذا علم وقوع أحدهما فإن استحال خلاف المعلوم لم يتعلّق بالضد الآخر، لأنّ الله عالم بأنّه لايقيم الساعة، الساعة مع قدرته على قيامها الساعة فهذه قدرة على خلاف المعلوم فيلزم أن يكون تعالى قادراً على تجهيل نفسه وانّه محال، لأنّ العلم صفة ذاتية لايقدر على انقلابها. وإن قلنا:

صفحه 164
إنّها صفة حادثة كما قيل قدر على تغييرها فيقدر غيره على تغييرها; وفيه نظر لأنّه تعالى يقدر على ما لايقدر غيره فلا اشتراك بل نرجع ونقول: قد أمر الله المعلوم دوام كفره بالإيمان فكأنّه على ما أوردتم أمره بتجهيله.
إن قيل: يمنع قدرته حينئذ على قيام الساعة الآن.
قلنا: فلا يجب حينئذ كونه قادراً على الضدّين.
إن قيل: نعم.
قلنا: لو كان كذلك لوجب أن يكون الله ملجأ إلى إيقاع المعلوم وقوعه لوجوب أن يفعله وامتناع أن لايفعله فلايكون مختاراً في فعله، وهو محال.
و لنا: انّ القدرة لو قارنت المقدور لزم قدم العالم لقدمها أو لكونها ذاتية أو يلزم حدوثها لحدوثه.
قالوا: يستحيل الفعل عند عدم القدرة فيجب عند وجوبها فتكون موجبة فتكون مقارنة.
قلنا: لايلزم من استحالة الفعل عند عدمها وجوبه عند وجودها، بل الواجب إنّما هو صحّة الفعل بها كما أنّ المحلّ يستحيل حلول السواد فيه عند عدمه ولا يجب حلوله فيه عند وجوده.
قالوا: لو تقدّمت على الفعل لصحّ عدمها حال الفعل فيقع الفعل من عاجز.
قلنا: يتقدّم ويبقى فتقارن بل قد يجوز الفعل وإن عدمت كالتولّدات

صفحه 165
إذا أوجدت القدرة سببها كالرمي فإنّ الإصابة قد تحصل وإن خرج الرامي عن القدرة بل وعن الحياة.
قالوا: لو تقدّمت وبقيت جاز أن لايقع بها الفعل أوقاتاً كثيرة وذلك يؤدّي إلى جواز أن يبقى الإنسان طول عمره خالياً من الطاعة والمعصية.
قلنا: لايلزم من الجواز الوقوع مع أنّ عند أبي علي أنّ القادر بقدرة لا يجوز أن يخلو عن الأخذ والترك، وأبو هاشم وإن جوّز الخلوّ لايجوّز أن يخلو(1) طول عمره لأنّه معرض للدواعي. وفي الإصحاح بهذين نظر إذ فيهما المعونة للخصم فإنّه حيث قال: «لو تقدّمت بقيت ولو بقيت لجاز الخلوّ» والمعنى أنّ جواز الخلوّ محال فيرجع إلى أنّ الجواز لايلزمه الوقوع.
قالوا: لو تقدّمت وبقيت لوجب قطع الرغبة إلى الله في سؤاله القدرة والقوة.
قلنا: نسأله ذلك ليبقى لنا أسبابها من صحّة البنية والآلات وإنّما يلزم قطع الرغبة إلى الله عندكم حيث قلتم المعلوم لله واجب الوقوع ممتنع العدم فإذن الإيمان واجب وامتنع خلافه فلا وجه للرغبة.
قالوا: الفعل دليل على القدرة والدليل مقارب للمدلول فالقدرة مقاربة للفعل.
قلنا: لو وجب مقاربة الدليل للمدلول لزم إمّا قدم العالم أو حدوثه تعالى لأنّه دليله عليه.

1. يخلق «ن»، «ح».

صفحه 166
قالوا: القدرة من المعاني المتعلّقة بالأغيار والمتعلّق بالغير لايجوز تعلّقه بضدّ ذلك الغير فالقدرة لا تتعلّق بالضدين.
قلنا: هذا معارض بالعجز فإنّه عندكم معنى يتعلّق بالأغيار وهو يتعلّق بالضدين فيلزمكم أنّه إذا تعلّق بالضدين أن تتعلّق القدرة بالضدين، إذ لو تعلّقت بأحدهما لوجب أن لاتضادّ العجز من جهة الآخر فيلزم كون الآخر مقدوراً معجوزاً عنه وفيه جمع المتنافيين.
قالوا: القدرة عون والعون لايكون على الشيء وضدّه.
قلنا: العون ليس هو مجرد التمكين من الفعل بل مع إرادة الفعل، ألا ترى أنّ الدافع إلى غيره سيفاً ليقتل به إنساناً يقال: إنّه أعانه، ولو لم يرد به قتله لا يقال: انّه أعانه، فالقدرة عون على الايمان لأنّ الله أراده دون الكفر.
قالوا: الكافر تارك الإيمان فيجوز منه الإيمان، لأنّه لايكون تاركاً إلاّ لما يجوز وقوعه، فإن جاز منه الإيمان مع الكفران اجتمع المتنافيان فبقى أنّه يجوز بشرط أن لا يكون كان الكفران وكان بدله الإيمان.
قلنا: لا نسلّم أنّ الكافر تارك، لأنّ التارك لاتستعمل إلاّ في من يكون قادراً وعندكم الكافر ليس بقادر، وأيضاً فجواز الإيمان منه بشرط أن لايكون الكفر وجد تعليق للجواز بشرط انتفاء أمر وجد وهو الكفر فيجب أن يرتفع الجواز. ولله الحمد.

صفحه 167
الباب (السادس عشر)
إثبات كونه تعالى مريداًو كارهاً
و ما يريد من الأفعال وما لايريد

صفحه 168
في الإرادة والكراهة   

مقدّمة

الإرادة والكراهة صفتان وجدانيتان فلا يجدان، وقد تشتبه الإرادة بالشهوة والكراهة بالنفرة.
إن قيل: فالاشتباه بغيرهما يرفع ضرورتهما.
قلنا: قد يكون الشيء ضرورياً وتشتبه بغيره فإنّ الكون معلوماً بضرورة في نفسه. وكثير من الأوائل ذهب إلى أنّه نفس محلّه والّذي يفرق بين الشهوة والإرادة، إرادة شرب الدواء المرّ مع عدم الشهوة بل مع النفرة، وشهوة الملاذّ المحرّمة مع عدم الارادة، والانفكاك دليل المغايرة.
إن قيل: فالمثال الأوّل كاف في المغايرة، فالثاني حشو.
قلنا: الفائدة العلم بأنّ بينهما تباين جزئي(1) ولو لا المثال الثاني جاز أن يقال: بعموم إحداهما على الأُخرى دون العكس. فيظهر من المثالين أنّ بينهما تبايناً جزئياً(2) لوجود كلّ بدون الأُخرى - كما سلف - واجتماعهما في إرادة الغذاء المشتهى.

1. جرى «ن»، «ح».
2. حرينا «ن»، «ح».

صفحه 169
ثمّ اعلم أنّ ما يمكن إثبات الصفتين لله سبحانه بعد إثبات عدله وحكمته. ولو لا ذلك جاز ثبوت العبث في أفعاله فلم يستلزم الإرادة وجاز الأمر بما لايريد والنهي عمّا لايكره، وهذا هو الوجه في تأخير باب هاتين عن باب العدل. فهنا فصلان:

صفحه 170
في إثبات الصفتين لله سبحانه    
 
(الفصل) الأوّل

في إثبات الصفتين لله سبحانه

و قد خالف في ذلك البلخي وأتباعه من البغداديين فلم يثبتوا لله إرادة ولا كراهة إلاّ ما تعلّق بفعل غيره فجعلوهما نفس أمر الغير ونهيه وما يتعلّق بأفعال نفسه، والمراد به أنّه فاعل لا على سبيل السهو والتنحيت، فأمّا أنّ له إرادة مثل الواحد منّا فلا، لأنّ الواحد منّا إنّما صحّتا عليه لكونه ذا قلب والله ليس بذي قلب.
قلنا: لا، بل إنّما علّلنا كونه ذا قلب لصحّة كونه مريداً وكارهاً لا بالعكس كما قلتم أي لمّا صحّتا عليه أي على الواحد منّا احتاج إلى بنية هي القلب وانّما المصحّح لهما قدرتنا وعلمنا لا حياتنا.
قلنا: فإذا سلّما ذلك فالله تعالى قادر عالم فتصحّ عليه الإرادة والكراهة على أنّ الإنسان يصحّ أن يكون قادراً عالماً ولايكون مريداً وكارهاً لوجود القدرة والعلم في أفعال التناهي دونهما ووجود الإرادة والكراهة دون القدرة كما في إرادتنا لفعل غيرنا ودون العلم كما في الظانّ والشاك فيبطل كون المصحّح لهما القدرة والعلم فلم يبق إلاّ الحياة، والله تعالى حيّ فيصحّان

صفحه 171
عليه فيجبّان له لاختلاف أوجه فعله وأزمنة خلقه فلولا الاختصاص بأمر لزم اتحاد الوجهين. وبعدُ فقد أمر الله ونهى بـ (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(1)، (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنا )(2) وغيرهما.
إن قيل: الأمر والنهي لا يدلاّن على الارادة والكراهة.
قلنا: هذا مكابرة مع أنّ الله قد صرّح بذلك في قوله: (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ )(3) ونحوها ولمّا عدّد أنواعاً من المعاصي قال: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)(4).
قال النافون للإرادة والكراهة عنه تعالى: إنّهما لو ثبتا ثبت الشهوة، لأنّها هي الإرادة والنفرة، لأنّها هي الكراهة.
قلنا: قد بيّنّا قريباً عدم الاتحاد بوجود الانفكاك.
إن قيل: لو كان الله مريداً وكارهاً لكان إمّا بصفتين قديمتين أو ذاتيّتين، ويلزم وجود المرادات أزلا فيلزم قدم العالم وان لايقدر الله على شيء بعده بل ويلزم أن لايوجد شيء لمضادّة الكراهة أو يلزم وجود الضدّين لحصول الصفتين، ولتعلّق الإرادة بالضدّين لأنّها صفة ذاتية متى صحّ تعلّقها بشيء وجب، وأمّا بصفتين حادثتين ويلزم التسلسل ان حدثتا منه تعالى، والحاجة إلى الغير إن حدثتا منه، ثمّ إن حلّتا في ذاته تغيّر بحلول الحوادث فيه وفي

1. البقرة (2)، الآية 43.
2. الإسراء (17)، الآية 32.
3. النساء (4)، الآية 28.
4. الإسراء (17)، الآية 38.

صفحه 172
غيره، فإمّا حيوان فيتصرّف(1) بهما دون الله فلايكونا من صفات الله، وإمّا في جماد فلايعقل حلولهما في جماد لاشتراطهما بالحياة، وإمّا لا في محلّ فلايعقل قيام صفة بغير محلّ.
قلنا: نختار انّهما ذاتيان ولايلزم وجود المرادات أزلا لعدم تعلّقهما في الأزل بشيء فإن حدث التعلّق حدث الفعل وإلاّ فلا، وهذا يجده الإنسان من نفسه فإنّه يكون مريداً لشيء ولا يفعله حتّى يتعلّق الإرادة به.
قال من ذهب إلى حدوث الإرادة: انّها لو كانت ذاتية لصحّ تعلّقها بكلّ مراد، لأنّ صفة الذات كذلك، ومتى صحّت وجبت، فإذا أراد العبد شيئاً تعلّقت به إرادة الله فيقع بهما، وهو محال لامتناع مقدور بقادرين.
قلنا: يجوز كونها ذاتية ويتعلّق ببعض المرادات لذاتها كما أنّ القدرة ذاتية ويتعلّق ببعض المقدورات لذاتها ولايلزم إرادة الضدّين ولا وقوعهما، لأنّ الإرادة تتبع المعلوم صحّة وقوعه والمعلوم امتناع الضدين فلايرادان.
إن قالوا: لا محال في حدوثها وكونها لا في محلّ.
قلنا: يلزم عدم اختصاص القديم بها لاستواء نسبتها.
إن قالوا: وجه الاختصاص الاشتراك في التجرّد.
قلنا: التجرّد أمر عدمي فلايصحّ كونه علّة للاختصاص، ولأنّها لو اختصت بالقديم لعلّة لتجرّد وجب اختصاص الغنى بالقديم عند القائل به لعلّة التجرّد فيفنى الواجب.

1. الحيوان فيتصرّف «ح».

صفحه 173
إن قالوا: إنّما يفنى الضدّ والقديم ليس بضدّ.
قلنا: لا اختصاص للضد به. وقد قيل إنّه يفنى لذاته لا بفناء آخر، فإذا جاز أن يفنى لذاته ولا ضدّ به فيها لنفسها جاز أن تفنى الذات المخالفة لها، وان لم يكن ضداً لها.
قالوا عند قولنا: لو كانت الإرادة حادثة لزم التسلسل، لا يلزم ذلك، لأنّ الإرادة إنّما تحتاج إلى إرادة أُخرى إذا كانت الإرادة مقصودة في نفسها ولهذا انّ الواحد منّا إذا توجّه الى فعل أحدث له الإرادة لا بإرادة أُخرى تحدث بها الإرادة فكذا القديم تعالى.
قالوا: إن قلتم إنّ إرادتنا تنتهي إلى إرادة ضرورية فينقطع بها التسلسل، أجبنا بأنّه لو كان كذلك لوجب أنّ الواحد منّا يجد من نفسه انّه مضطرّ إلى الإرادة.
قلنا: نحن لا نوجب (1) في كلّ الاضطراريات وجدانها فإنّ الإنسان مضطر إلى الخير وقد يغفل عن تحيّر نفسه مضطر إلى حصول أعضائه وقد يغفل عن حصولها لنفسه بل الإنسان حاصل لنفسه مع جواز غفلته في كثير من الأحوال عن نفسه.
قالوا عند قولنا: ان حلّت الإرادة الحادثة فيه تغيّر، لانسلّم التغيّر لأنّا نعلم أنّ الواحد منّا لايكون مريداً ثمّ يصير مريداً وذاته في الحالين واحدة فكذا القديم.

1 . يجب «ح» و «ن».

صفحه 174
قلنا: لو صحّ ذلك لوجب كون وجود الشيء مع غيره بمثابة عدمه وهو محال فإنّا نعلم انّ مجموعها مغاير لأحدهما. وفيه نظر إذ لايلزم من مغايرة مجموعهما لأحدهمامغايرة أحدهما لنفسه حتّى يكون غير ما كان أوّلا فإنّ كل فرد من المجموع لم يتغير في نفسه عند الانضمام إلى أمثاله انّما المتغيّر الهيئة الاجتماعية، نعم لو كان بين الأجزاء تفاعل كما في العناصر المجتمعة في الجسم لزم التغيّر في نفس الجزء.
قالوا عند قولنا: ذات القديم قبلت الإرادة وقبولها ذاتي لها متى صحّ وجب فيجب المقبول وهو الإرادة فتكون أزليّة، لانسلّم وجود المقبول وإلاّ لوجد الخلق والإنعام عليه أزلا لكون الخالق والانعام صفتين والذات قابلة لهما ولم يلزم من حدوثهما وحلولهما في ذاته تعالى تغيّره.
قالوا عند قولنا: قادر أزلا فمريد أزلا، لأنّ صحة كونه مريداً لكونه قادراً أي يصحّ أن يفعل الإرادة لكونه قادراً ومتى صحّ فعلها وجب، لانسلّم انّما يلزم من الصحّة الوجوب في الصفة الذاتية لا الفعلية وإلاّ لصحّ وجود العالم أزلا.
قالوا عند قولنا: لم يكن الله ساهياً ولا غافلا أزلا فيكون مريداً أزلا، لانسلّم انّه يلزم سلب السهو والغفلة إثبات الإرادة لجواز أن لايكون الإرادة ضدّاً لهما، وإن قدرناها جاز الخلوّ عنها وعنهما فانّا نعلم أنّا غير ساهين عن مضيّ الكتابيّين إلى معبدهم وتصرف الناس في أسواقهم ولسنا مريدين لذلك. وقد يجاب عن ذلك كلّه بأنّ الإرادة إن كانت صفة نقص جلّ الله عنها، وإن كانت صفة كمال استفاد الكمال بها، ولزم خلوّه عن الكمال لأجل

صفحه 175
حدوثها ولزم امتناع زوال هذا الخلوّ لامتناع زوال القديم، فلاتوجد الإرادة أبداً.
إن قيل: فهذا يلزمكم في كونه خالقاً ورازقاً ونحوهما مع حدوث ذلك فإن كان صفة نقص جلّ الله عنه وإن كان صفة كمال استفاده الله منه ولزم أن لايوجد الخلق والرزق لامتناع هذا الخلوّ كما قلتم.
قلنا: نفرّق بينهما بأنّ الخلق والرزق إنّما كمل بهما غيره بخلاف الصفة الراجعة إلى نفسه.
و بالجملة فالقول بحدوث الإرادة لا يخلو من قوّة تظهر من الأبحاث الماضية، ولأنّ الله علّق مشيّته بالشرط في قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ)(1)، فدلّ أنّها فعله ألاترى أنّه لا يصحّ لو علم ولو قدر، وفيه بطلان قول المجبّرة انّ مشيّته أزليّة فلا يقدر على أن لايشاء.

1. الأنعام (16)، الآية 112.

صفحه 176
في ما يريده تعالى من الأفعال وما لا يريده   
 
الفصل الثاني

فيما يريده تعالى من الأفعال وما لا يريده

اعلم أنّه متى حسن الفعل حسنت إرادته ومتى قبح قبحت إرادته إذا كان الفعل والإرادة من فاعل واحد، واحترزنا بهذا عن من يستحقّ العقاب لو أراده من الله كان المراد حسناً والإرادة قبيحة، واعلم أيضاً أنّ الله يريد سائر أفعال نفسه إلاّ الإرادة والكراهة عند من يقول بحدوثهما فإنّ الله لايريدهما ولايكرههما لعدم الفائدة لا بمعنى انّه لايكون موصوفاً بهما بل لايريد أحداثهما لامتناع التسلسل ولعلمنا أنّ أحدنا يريد الشيء ولايريد إرادته، أمّا أفعال غيره فأقسام:
منها: ما يكرهه كالمعصيات، ومنها: ما يريده كالطاعات، منها: ما لايريده ولايكرهه كالحركة اليسيرة الّتي تقع منّا حال المناظرة، وكذا المباح في دار الدنيا لايريده ولايكرهه للزوم العبث حيث لا غاية في فعله ولا تركه، وأمّا في الآخرة فاختلف الشيخان فيه: فقال أبوعلي: هو كذلك في الآخرة للزوم العبث المذكور. وقال أبوهاشم: يريده لعدم العبث، فإنّ فيه عرضاً هو أنّ أهل الجنّة إذا علموا أنّ الله يريد منهم تناول المباحات كان ذلك أهنى لهم; فعلى هذا يكون قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ

صفحه 177
تَعْمَلُونَ )(1) أمر على الحقيقة. وعند أبي علي هذا الأمر محمول على الإطلاق والإباحة.
إذا عرفت هذا فالله يريد الطاعات لدلالة أمره وترغيبه عليها ويكره المعصيات لدلالة نهيه وتحذيره عليها، والعبد المطيع هو الّذي يفعل ما أراد مولاه لقوله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ )(2) أمر بفعل ما أراده.
إن قيل: المطيع الفاعل لما أمر به مولاه لا ما أراده.
قلنا: لو تعلّقت الطاعة بمجرد صيغة الأمر لكان قوله تعالى لإبليس: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ)(2) الآية، ففعله كان عظيماً ولكان عبد
الأخرس لا يعصيه أبداً لعدم الأمر منه(4)، ومن المعلوم أنّه يعصيه(3) إذا خالف مراده، وأمّا أنّ الله لا يفعل القبيح ولا يريده - فقد سبق فيه كلام - وها
هنا نريده(6)، قال تعالى: (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ)(4) وظلماً يكره منفيه(8) فهي عامة.
إن قيل: إنّما نفى ظلم نفسه وقد يريد أن يظلم بعضاً.
قلنا: تخصيص بغير دليل فهو ملحق بالعناد ومعارض بقوله: (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ )(5). فيقال: يريد نفي فساد نفسه ويحبّ الفساد من العباد.

1. الطور (52)، الآية 19.   2 . غافر (40)، الآية 18.
2. الإسراء (17)، الآية 64.   4 . الأمر فيه «ح».
3. بعينه «ح».   6 . مريده «ح».
4. غافر (40)، الآية 31.   8 . من فيه «ح».
5. البقرة (2)، الآية 20.

صفحه 178
قلنا: ولمّا عمّ نفي محبة الفساد عمّ نفي ظلم العباد.
إن قيل: إرادة القبيح لايلزم أن تكون قبيحة كما أنّ القدرة على القبيح لا يلزم أن تكون قبيحة.
قلنا: القدرة على القبيح لايوجب القبيح أمّا إرادة القبيح فموجبة عندكم للقبيح، والموجب للقبيح، قبيح.
قالوا عند قولنا «لو أراد القبيح أو فعله كان ناقصاً مثل الواحد منّا» لمَ لا يكون الفرق بيننا وبينه زيادة إرادتنا دونه فيقبح منّا دونه؟
قلنا: صفة النقص لاتختلف بسبب المعنى الزائد وعدمه، ألا ترى انّ الجهل والعجز لمّا كانا صفتا نقص لم يختلفا بسبب المعنى وعدمه. وللقوم في هذه المسألة شبه: منها: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ)(1)و«اللام» للغرض فقد أراد لهم دخول النار ولايريده إلاّ وقد أراد سببه وهو الكفر والمعاصي.
قلنا: ليس «اللام» هنا للغرض، لأنّ «لام» الغرض إنّما تدخل في المصادر والأفعال المضارعة مثل: «دخلت بغداد لطلب العلم»، ولاتدخل على الأسماء الجامدة فلا يصحّ: «دخلت بغداد للسماء والأرض»، وجهنّم اسم جامد فلا يدخل «لام» الغرض عليه.
فإن قيل: المراد «و لقد ذرأنا لعقاب جهنّم».
قلنا: عدول عن الظاهر. فلنا أن نقول: المعنى «و لقد ذرأنا كثيراً من الجنّ والإنس وعاقبتهم جهنّم»، فـ «اللام» للعاقبة مثل: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ

1. الأعراف (7)، الآية 179.

صفحه 179
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا )(1) ولم يكن غرضهم صيرورته عدوّاً بل كانت عاقبة كونه
عدوّاً ومثله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً)(2)، ومثله: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)(2) أي عاقبتهم ذلك لا أنّ الغرض بهم ذلك. وقال الشاعر:
أ أم سماك فلا تجزعي *** فللموت ما تلد الوالدة
و قال:
رُبّ ساع لقاعد *** آكل غيرحامد
و الوالدة لم تلد لغرض الموت، ولا سعى الساعي لغرض أكل القاعد.

بديعة

الفرق بين «لام» الغرض و «لام» العاقبة: انّ «لام» الغرض قد يقع ما تعلّقت به وقد لايقع مثل قوله: (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(4)
فوقعت العبادة من البعض دون البعض; و «لام» العاقبة لابدّ من وقوع ما تعلّقت به مثل: «لدوا للموت وابنوا للخراب»(3) - كما سلف من النظم والكتاب -.
ومنها: لو وقع في العالم ما لايريد الله كان ضعيفاً عاجزاً كالملك لو أراد من رعيته أمراً فأوقعت غيره.

1. القصص (28)، الآية 8.   2 . آل عمران (3)، الآية 178.
2. يونس (10)، الآية 88.   4 . الذاريات (51)، الآية 56.
3 . نهج البلاغة: 4 / 33، شرح محمد عبده.

صفحه 180
قلنا: ما يريده تعالى من أفعال نفسه ومن أفعال غيره على سبيل الإلجاء لو لم يقع دلّ على عدم قدرته، ومايريد من أفعال غيره على سبيل الاختيار لايكون سبحانه عاجزاً إذا لم يفعل كإرادة الإمام والمسلمين ترك البيع والكنائس من الكتابيين بحيث يكونون في ذلك مختارين، فإذا لم يفعلوا لم يدلّ على عجز المسلمين، وإنّما يدلّ مخالفة الرعية على ضعف الملك وعجزه من حيث إنّه يتقوّى بهم حتّى لو أمرهم بصوم أو غيره فلم يفعلوا لم يدلّ على عجزه، والربّ تعالى لايتقوّى بخلقه لغنائه، فإذا لم يقع لم يدلّ على عجزه، على أنّا نقول: إذا دلّت المخالفة على عجز الملك دلّت مخالفة الكافر المأمور بالإيمان على عجز الربّ سبحانه.
إن قالوا: لاتدلّ المخالفة على عجز الربّ وإن أمره.
قلنا: فلا تدلّ المخالفة على عجزه وإن أراد.
إن قيل: الملك يأمر بما يريد فالمخالفة دالّة على عجزه، والربّ يأمر بما لايريد فلا تدلّ المخالفة على عجزه.
قلنا: قد أسلفنا أنّ الله لايأمر بما لايريد، على أنّا نعلم أنّ الملك قد يأمر جنده بما لايريد كما إذا علم بؤسهم(1) عليه عند الأمر بما لايريدون فإنّه يأمرهم بما لايريد فإذا وقع دلّ على عجزه، ولأنّ الأمر لايصير أمراً إلاّ بالإرادة عند قوم، ومع ذلك يقلب عليهم الدليل في المحبّة والرضى، ونقول: الملك إذا وقع من جنده ما لايحبّ و يرضى دلّ على عجزه، فالقديم تعالى

1. توبتهم «ح».

صفحه 181
إذا وقع في العالم ما لايحبّه ويرضاه - وهو الكفر - دلّ على عجزه إلاّ أنّ هذا لايرد على الأشاعرة لقولهم: إنّ الله يريد الكفر ويحبّه ويرضاه، وقد ردّوا محكم القرآن الموجب للكفر في قوله: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)(1)، نعم يرد على النجّاريّة حيث قالوا: إنّ الله يريد الكفر ولايحبّه ولايرضاه; فنقول لهم: الألفاظ الثلاثة مترادفة على معنى واحد حتّى لو قال واحد: أُريد كذا ولا أحبّه ولا أرضاه، كان مناقضاً وكذا العكس، ونقول أيضاً: إنّ الله عندكم لايريد الكفر من حيث إنّه ظلم ولكن يريده من حيث إنّه مناقض للإيمان ودليل على صحّته(2) - كما سلف منكم - فقد وقع ما لايريده فدلّ على عجزه، وذلك لأنّ الله أمر الكافر بالإيمان الّذي لايريده منه فقد أمره بتعجيزه وتضعيفه والمعلوم خلافه، ولو كان ما أوقعه العاصي من المعاصي مراداً لله كان العاصي ليس بعاصي فلم يكن أولى من المؤمن بالعقوبات ولا المؤمن أولى منه بالمثوبات، ولأنّ الإنسان منّا لايريد ما نهى عنه فكيف أحكم الحاكمين يريد ما نهى عنه.
ومنها: انعقاد الإجماع على قولهم: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»، دلّ على أنّ كلّ الكائنات بمشيّة الله.
قلنا: أوّل ما فيه منع الإجماع وإنّما هو من إطلاقات المجبّرة(2) ولو كانت الكائنات كلّها بمشيّة الله لوجب أن يستغفر الله من كلّ ما أراد الله، على

1 . الزمر (39)، الآية 7.   2 . محبّته «ح».
2. في هذا نظر لوروده في أدعية الأيام عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن الأقوى أنّه مخصوص لبعض عقل وهو فاعل المنع من إطلاقه من الأدلّة المذكورة.

صفحه 182
أنّ الإجماع إنّما يكون حجّة بعد معرفة النبي الّذي لايكون قوله حجّة إلاّ بعد معرفة عدل الله وسلب القبيح، ومشيّته ومحبّته ورضاه عنه تعالى، فمتى جاز عليه ذلك جاز أن يصدق كذّاباً كان من جملة كذبه «إجماع أُمّتي حقّ»، وبعد فإنّ قولهم «ما شاءالله كان وما لم يشأ لم يكن» غير معلوم فيؤوّل بما شاء من أفعال نفسه وكذا ما لم يشأ، ويؤيّد ذلك وجوب تأويل قول الله وقول رسوله عند مخالفتهما الدليل العقلي فكيف لايؤوّل الإجماع إذا خالف، وكلامهم هذا إنّما هو مدح لله ووصف اقتداره وانّما ثبت(1) ذلك في فعل نفسه دون فعل غيره كما أنّ العبد قد يفعل مع ضعف مولاه ولايفعل مع قوّته، وأيضاً فأجمع المسلمون على قولهم لا مردّ لأمر الله مع أنّ الكفّار يردّون أمر الله.
إن قالوا: المراد لا مردّ لعقوبة الله. قلنا: فالذي شاءه وغيره المراد به من أفعال الله.
ومنها: انّ الله مريد لذاته، والمرادات غير مقصودة على بعض المريدين، فما من مراد لأحد إلاّ ويصحّ أن يريده كلّ أحد فصحّ أن يريد الله الكلّ، وإذا صحّ وجب لأنّها صفة ذاتية، ومن المرادات القبائح فوجب كونها مرادة لله.
قلنا: جاز أن يتعلّق بالبعض لخصوصيتها أو لارتباطها بالأصلح، أمّا إذا قلنا بحدوثها لا في محلّ سقطت الشبهة.

1. يثبت «ح».

صفحه 183
ومنها: قد ثبت انّ الله خالق للقبيح فمريد له، لأنّ العالم بما يفعله يكون لا محالة مريداً له.
قلنا: قد يحصل الفعل والعلم به ولا تحصل إرادته فانّا نفعل الإرادة والكراهة ولا نريدهما لامتناع التسلسل.
ومنها: انّ الله عالم بالقبائح في العالم قادر على رفعها وله رفعها فإذا لم يرفعها دلّ على أنّه مريد لها، كما أنّ الملك إذا شاهد من جنده الفساد في ملكه فلم يمنعهم كان مريداً لفسادهم(1).
قلنا: فالإمام والمسلمون يعلمون مضي الكتابيين إلى معبدهم وانّهم يشتمون الرسول وقادرون على منعهم وليسوا مريدين لفعلهم.
إن قالوا: قد قيّدنا بقولنا: «و له رفعها» والإمام والمسلمون ليس لهم رفع ما يفعله الذمّيّون.
قلنا: هذا الاحتراز لمجرد دفع الإلزام وهو لايصحّ إذ لو صحّ لما أمكن قطع أحد من المبطلين إذ لكلّ واحد منهم أن يحترز في كلامه بما يرفع وجوه إلزامه، وأيضاً فكما أنّه ليس للإمام والمسلمين منع الذمّيّين فليس للقديم منع العباد من الكفر والإلحاد، لأنّه يريد استمرار التكليف والمنع ينافي التكليف، ومع ذلك فإنّ السلطان يعلم من الحربي المرور بالبيَع والكنائس وله منعهم ولم يفعل مع أنّه ليس مريداً له.
ومنها: لو حلف «ليصومنّ غداً إن شاء الله»، فإذا لم يصم لم يحنث

1. بني عدي ألا فانهوا سفيهكم *** انّ السفيه إذا لم ينه مأمور

صفحه 184
بالإجماع، فدلّ على أنّ الله لم يشأ الصوم وإلاّ لحنث.
قلنا: المشيّة تقف اليمين عن الانعقاد، وقال أبوعلي: المراد «إن شاء الله أن يلطف لي فأصوم»، فإذا لم يصم علمنا أنّه لم يلطف له.
ومنها: انّ الله أمر بجهاد الكفّار وهو لايتمّ إلاّ بكفرهم فيكون مريداً لكفرهم.
قلنا: إنّما أراد جهادهم بشرط كفرهم فإن حصل وجب وإلاّ فلا، كما أنّه أمرنا بالغسل عن الاحتلام ولايجب أن يكون مريداً للاحتلام.
ومنها: إبليس يريد موت الأنبياء والصالحين ويقبح منه والله يريده ولايقبح منه، فلمَ لايقبح منّا الشيء ولايقبح منه؟
قلنا: إنّما قبح من إبليس لأنّه يريده على وجه تضعيف الإسلام، والحكيم تعالى يريده على وجه الاصطلاح حتّى لو قدر إرادة إبليس على وجه الاصطلاح لم يحكم عليها بالاستقباح.
ومنها: ( لَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا )(1)، (وَ مَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ)(2).
قلنا: الاستدلال بالسمع هنا دور لبناء صحته على صدق الرسول المبني على عدل الله المثبت فيه امتناع الكذب عليه كما بيّنّاه في جواب الشبهة الثالثة، ولأنّ في الآيتين تعليق القتال بالمشيّة وتعليق المشية بالمشيّة، وإرادة الله ذاتية عندهم فلايخصّ بالمشيّة والله تعالى خصّ ذلك بالمشيّة، على أنّهما يؤوّلان بمشيّة الإجبار المنفيّة، لأنّ وجودها يرفع التكليف

1. البقرة (2)، الآية 253.   2 . التكوير (81)، الآية 29.

صفحه 185
المطلوب بقاؤه لله سبحانه. ويوضحه قوله تعالى: (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)(1) أي بالإكراه، ثمّ نبّه بقوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )(2).
و يدلّ أيضاً على فساد مذهب المجبّرة قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ
)(2).
ففيها خمسة أوجه: 1) (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). 2) (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا )، والبأس العذاب ولايكون إلاّ على باطل. 3) (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم)، وهذا لايقال إلاّ للمبطل. 4) (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) 5) (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ )أي تكذبون.

تذنيب

لايجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم، لأنّه ظلم.
إن قيل: لا ظلم لأنّه مالك.
قلنا: لايذهب الظلم بذلك لقبح إيلام الدوابّ بغير الوجه المشروع.
إن قيل: إنّما قبح منّا للنهي.

1 و 2. يونس (10)، الآية 99.
2. الأنعام (6)، الآية 148.

صفحه 186
قلنا: فحينئذ لايعرف القبح من لايعرف النهي كالملحدة والمعلوم خلافه وحيث أثبتنا عدله تعالى صحّ لنا الاستدلال على ذلك بكلامه. فمنه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(1)، ومنه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(2)والطفل لم يبعث إليه رسولا. ومنه: (وَ أَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى )(3)، (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى )(4) والصبي لم يسع. ومنه: (كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )(5) والصبي لم يكسب.
إن قيل: لا يلزم من رهينة من كسبت عدم رهينة من لاكسبت.
قلنا: بلى، لأنّ نفي الحكم عن غير المكسبة أولى فهو مفهوم موافقه، فهو حجة، وحيث أثبتنا عصمة رسوله استندنا إلى قوله: «رفع القلم عن النائم والمجنون والصبيّ»(6) مع أنّ لزوم الظلم كاف بسياق.
و ذهب الخوارج وبعض المجبّرة إلى جواز تعذيبهم بكفر آبائهم; ولهم شبه:
منها: أنّهم أجزاء من آبائهم فيحسن عذابهم كما يحسن عذاب أعضائهم.

1. الأنعام (6)، الآية 164.
2. الإسراء (17)، الآية 15.
3. النجم (53)، الآية 35.
4. طه (20)، الآية 15.
5. المدّثّر (74)، الآية 38.
6. مستدرك الوسائل: 1 / 84 ; سنن الترمذي: 2 / 438 باختلاف في الألفاظ.

صفحه 187
قلنا: لا جزئيّة بأنّ ما يجده أحدهما من الألم واللذة لايجده الآخر ويكون متألّماً حال التذاذ الآخر.
و منها: انّ عذابهم يؤلم آباءهم فيحسن.
قلنا: كيف يحسن عذاب من لم يعص والربّ قادر على زيادة آلام الآباء بدون تعذيب الأبناء.
إن قيل: فله الخيار في أنواع العذاب.
قلنا: إذا استلزم ظلمه غير المستحق لم يجيزه لعدله وحكمته.
و منها: أنّه علمه من حالهم انّهم لو بلغوا وكلّفوا كفروا فيحسن عذابهم.
قلنا: ذلك لايجوز عذابهم مع نفي الكفر بالفعل عنهم.
و منها: أنّ حكمهم حكم آبائهم في الدنيا فكذا في العقبى.
قلنا: لا جامع، على أنّ الذميّين بحكم المسلمين في الدنيا دون العقبى. فالمراد أنّهم بحكم آبائهم في أُمور يتميّزون بها عن أطفال المسلمين لضرب من الصلاح ولو جاز تعذيبهم بذنوب آبائهم في العقبى جاز في الدنيا فيقطعون ويجلدون بسرقة آبائهم وزنائهم. وقد قال مقاتل وعطاء والربيع: إنّ الله أعقم قوم نوح أربعين سنة قبل العذاب فأهلكهم وليس فيهم صبيّ فلم يعذبهم بكفر آبائهم.
و منها: أن يأمرهم في القيامة باقتحام النار فيعصون فيعذّبون.

صفحه 188
قلنا: هذا لو صحّ لكان عذابهم لعصيانهم لا لكفر آبائهم ولا أمر في القيامة لانقطاع التكليف على الأقوى من المذهب.
و منها: سؤال خديجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أطفالها في الجاهلية، فقال: لو شئت لأسمعتك ضغاهم في النار.
قلنا: خبر واحد لايعتمد عليه في المسائل العلمية، مع قبوله التأويل بأنّ الطفل قد يراد به البالغ لغة قال شاعر:
عرضت لعامر والحسد يردى *** بأطفال الحروب مشمرات
و منها: قوله في قوم نوح: (وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً)(1).
قلنا: معناه سيصير إلى ذلك مثل: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ)(2).
و منها: ما روي من قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه»(3)، فدلّ على أنّه يستحقّ العقوبة.
قلنا: خبر واحد وقابل التأويل باستمرارهما على تلك المذاهب صيّروا الولد عليها، إذ لو أسلما انفعل بالتبعيّة عنها أو يفعلان ذلك بتلقينهما ايّاه فيستقيم عليه إذا بلغ، على أنّهم موجودون به إذ كيف يعذّب من تولّد على الفطرة، ولكنّ الأصحّ انّه تولد ليكون على الفطرة، ولو كان مولوداً بالفعل على الفطرة حكم بارتداد كل كافر عن الفطرة.

1. نوح (71)، الآية 27.
2. الحجّ (22)، الآية 1.
3. صحيح البخاري، ج 2، ص 97 و 104، باب ما جاء في عذاب القبر.

صفحه 189
الباب (السابع عشر)
معرفة حسن الآلام وقبحها

صفحه 190
في معرفة حسن الآلام وقبحها   
ذهب الثنوية إلى أنّ الآلام كلّها قبيحة والملاذّ كلّها حسنة. والحقّ انقسامها إلى الحسن والقبيح، إذ من المعلوم أنّ الالتذاذ بمال الغير قبيح والألم الدافع لأعظم منه حسن.
ذهب قوم إلى أنّ الآلام لاتحسن إلاّ إذا كانت مستحقّة فلمّا عورضوا بآلام الأطفال و البهائم قالوا: يستحقّها حيث عصت في قالب آخر قبل هذا. وهذا باطل، لأنّه كان يجب أن يتذكّر الإنسان ذلك ويعرفه.
إن قالوا: ذهب التذكّر لأجل زوال العقل وطول المدّة.
قلنا: ذلك لا يؤثّر في المعرفة كمن أعطى حكومة بلد ثمّ جنّ دهراً فعزل فإنّه يعرف ما سلف وطول المدّة لايزيل إدراك الأُمور العظيمة، ثمّ إنّ هذا يفرض في الأنبياء فانّهم يتألّمون ولا عصيان لهم أصلا.
و البكريّه لمّا قالت بقبح الآلام غير المستحقّة، وألزمناهم بآلام الأطفال والمجانين ولم يمكنهم القول بالتناسخ، التجأوا إلى أنّ هذه الأصناف لاتدرك الآلام أصلا. وهذا ردّ بقضاء الضرورة بأنّ الصبيّ إنّما يصرخ من الألم، ولأنّ كلّ عاقل يعلم أنّه كان في حال صباه يتألّم بالفصد والختان.

صفحه 191
و ذهب عباد الصيمري (1) إلى أنّه يحسن من الله الألم لا لنفع ولا لدفع ولا لاستحقاق. و هذا بعينه مذهب المجبّرة حيث قالوا: يحسن من الله الألم وإن لم يشتمل على ذلك. وهو فاسد، لكونه ظلماً وضرراً محضاً فكان قبيحاً.
إذا عرفت هذا فالألم الواصل من الله لابدّ فيه من عوض يوفّى عليه لئلاّيكون ظالماً و لابدّ فيه من لطف لئلاّيكون عبثاً، وأجاز بعضهم خلوّه عنهما لأنّ لله على خلقه ضروب النعم فحسن منه الألم لأجل إيصال النعم كما يحسن من المنعم أن يكلّف المنعم عليه بفعل شاقّ، ولأنّ الصحة والسلامة عارية من الله عندنا، فحسن منه استردادهما.
قلنا: يمنع حسن المشقة العظيمة مقابل النعم الجسيمة والعارية المذكورة يستقبح استردادها بغير عوض يوفّى على النعم اللاحق بفواتها إلاّ أنّ السمع ورد في ردّ عاريتنا لغيرنا ولا عوض علينا.
إن قيل: لو حسن من الله الألم لأجل العوض لحسن منّا لأجل العوض.
قلنا: لا كلام في حسن الألم المستحقّ أو الّذي يجلب النفع كأسفار التجارات للربح وضرب الأولاد لتعلّم الآداب أو لدفع الضرر كالفصد والحجامة والحلاق إنّما هو في طريق ذلك.
فقال أبوعلي: السمع; وقال أبو هاشم: العقل; وهو الصحيح، وأمّا الألم المبتدأ الخالي عن هذه الفروض فحسن من الله لوجود العوض المعلوم له قدرة، ولقدرته على إيصاله، ولعدله المانع من إخلاله، وللطف المقرون به

1 . هو عباد بن سليمان الصيمري، عُدّ في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة.

صفحه 192
في علمه، ولزيادته على ألمه، ولا يحسن منّا لسلب تلك الشروط عنّا; واختلف في اشتراط اللطف والاعتبار مع العوض، فشرطه أبو هاشم وهو الصحيح ليخرج به عن العبث، وكان أبوه أبو علي يذهب إلى عدم اشتراطه ثمّ رجع.
إن قيل: فلِمَ لا يحسن الألم لمجرد العوض، لأنّ الألم المستحق له مزيد على المتفضّل به.
قلنا: لايحسن للزوم العبث كمن يستأجر شخصاً ليغرف ماء الفرات منها ويرده إليها، وشرطنا زيادة العوض لئلاّ يلزم العبث، ولهذا شرطنا في الثواب أن يكون على وجه لايحسن التفضّل بمثله وإلاّ لقبح التكليف والعوض كذلك لو حسن التفضّل بمثله قبح الإيلام لأجله.
إن قيل: فلمَ لايحسن من الله لمجرد اللطف والاعتبار؟
قلنا: المولم إمّا غير مكلّف و ظاهر أنّه لا لطف له فيكون ظلماً في حقّه، وإن كان لطفاً لغيره; وإمّا مكلّف فالحاصل له باللطف والاعتبار إنّما هو الثواب فهو مستحقّ له على فعل نفسه الّذي هو الاعتبار فيبقى الألم خالياً عن العوض فيصير ظالماً.
ثمّ اعلم أنّ العوض وهو النفع الخالي عن التعظيم لايجب دوامه كمذهب أبي هاشم وأبي علي أخيراً وكان قد ذهب إلى دوامه ثمّ رجع، وإلى دوامه ذهب أبو الهذيل.
دليلنا: أنّه لو دام العوض كدوام الثواب لقبح التكليف لأجل الثواب

صفحه 193
لأنّه ما من قدر من العوض إلاّ ويجوز التفضّل به حتّى يبلغ قدر الثواب فيتساويان إذا حسن التفضّل بقدر الثواب قبح التكليف لأجله، ولأنّه يحسن تحمّل المشاقّ بالأسفار لأعواض منقطعة.
إن قيل: لنا عليها أعواض دائمة عند الله فحسنت لذلك.
قلنا: لو كان دوام العوض شرطاً في حسن الألم لوجب أنّ الملحدة الجاهلة بالعوض ودوامه يتحمّل تلك المشاقّ. حجة القائل بدوامه لحوق(1) الألم والمشقّة عند انقطاعه فله على ذلك عوض من آخر ويتسلسل.
قلنا: المستحقّ له إن كان من أهل الثواب جاز أنّ الله يقطعه قليلا قليلا بحيث لايشعر به أو يشعر به ولايكون معتدّاً بفواته وإن اعتدّ والتذّ بحصوله كمن ينقص لقماً يسيرة من طعامه فإنّه وإن التذّ بحصولها لايتألّم بفواتها أو يتفضّل الله عليه بمثله دائماً، وإن كان من أهل العقاب جاز أن يوفّى عليه ما يستحقّه من الأعواض في الدنيا أو(2) في الآخرة قبل دخول النار أو يخفّف
من عذابه في النار فإذا(2) انتهى المستحقّ تفضّل(4) عليه بمثله دائماً، وإن كان غير مكلف فإذا دخل الجنة جاز أ ن يتفضّل الله عليه بمثل عوضه دائماً.
هذا والألم الصادر منّا منه حسن وقبيح، وكلاهما إمّا من فعل الإنسان لنفسه أو لغيره، وكلاهما إمّا ان يستحقّ عليه عوضاً أو لا، فالحسن المفعول

1. لخوف «ح».   2 . و «ح».
2. فان «ح».   4 . بفضل «ح».

صفحه 194
منه لنفسه(1) وعليه عوض فكشرب الدواء المرّ لإزالة مرضه فعوضه على ربّه حيث أحوجه بالمرض(2) إلى شربه والحسن الّذي لا عوض له فكشربه الأدوية الكريهة ليزيد في بدنه وشهوته، والقبيح فكقتل نفسه ولا عوض له بل يستحقّ العقوبة به، والحسن المفعول بغيره ولا عوض له فكالحد قبل
توبته، والّذي له العوض فكالحد بعد ندمه، والقبيح المفعول بغيره لايكون إلاّ بعوض عليه، والألم الحاصل من الحيوان الأعجم عوضه على الله لتمكينه منه بخلقه(3) وقدرته وشهوته من الافتراس وعدم خلقه عقلا يزجره فكان بذلك ضامناً له.
وقيل: يكون عوضه على الحيوان كالصبيّ المتلف مال غيره فإنّه يجب العوض على الوليّ من مال الصبيّ.

تذنيب

قال بعض العلماء: لايجوز أن يمكّن الله الظالم من ظلمه إلاّ وله في الحال عوض يوازنه ليمكن الانتصاف(3) الواجب عليه تعالى بالأخذ منه.
قلنا: يمكن الانتصاف(4) بدفع العوض من عنده.
قالوا: لا يسمّى انتصافاً إلاّ بأخذ العوض من ظالمه.

1. من «أو لغيره وكلاهما...» إلى «...منه لنفسه» ليس في «ح».
2. بأمراض «ح».   3 . يخلقه «ن».
3. الاتصاف «ح».
4. الاتصاف «ح».

صفحه 195
قلنا: لا حقّ له سوى ما يدفعه اليه فكيف لايكون انتصافاً(1) منه ولايقاس على القاضي إذا أراد القضاء عن الغريم فإنّ في وجوب قبوله إشكالا، لأنّ للربّ سبحانه الولاية العظمى بخلاف غيره.
و منهم من أجاز التمكين قبل العوض ويتفضّل الله عليه به أو بالبقية إلى أن يكتسبه.
قالوا: الانتصاف(2) واجب والتفضّل والبقية جائزان فلا يتعلّق(3)الواجب بهما.
قلنا: جاز كونهما واجبين من حيث تعلّق علم الله بحصولهما. وفيه نظر لعدم كون العلم موجباً كما أجابوا به عبّاداً أن يقول: يجب البقية أو العوض عنه لتمكينه(4) كما في الحيوان الأعجم.
وفيه نظر إذ لا وجوب هنا عليه تعالى لخلقه العقل الزاجر المفقود في الأعجم، أو نقول: إنّه لو لم يتمكّن الظالم منه إلاّ بعوض لم يحسن منّا مدح من ترك الظلم إلاّ بعد أن يعلم حصول العوض له ليكون بحصوله متمكّناً من تركه، إذ قيل: حصوله يكون ملجأ إلى تركه فلا يمدح على نفيه ولكن العقلاء تسارع إلى مدحه من دون العلم بعوضه.

1. الاتصافاً «ح».
2. الاتصاف «ح».
3. والبقيّة والتفضّل جازان فلا يعلّق «ن».
4. أو العوض لتمكّنه «ح».

صفحه 196
 
فائدة
خلق الحيوانات الموذية(1) حسن لما سلف من حسن جميع أفعاله تعالى، ولأنّ لها انتفاعاً بأنفسها من المأكل وغيره، ولغيرها انتفاع بها أمّا في الدنيا فقد قال الأطباء: إنّ الحيّات والعقارب يؤخذ منها معاجين بها، وأمّا في العقبى فلأنّ الله توعّد بمثل جنسها، فإذا شاهدنا ضررها انزجرنا عمّا يوجب أضعاف ألَمها، ولو كان توجّه الضرر من المخلوق يقبح خلقه لقبح خلق أكثر الآدميّين لعدم الانفكاك من ضررهم كلّ حين وناهيك بالحجّاج وغيره من الظالمين، بل الانفكاك من ضرر تلك الحيوانات أغلب وهدمه(2) من الأناسي أغلب فكان الاعتراض به أدرب.
شرّ السباع الضواري(3) دونه وزر *** والناس شرّهم ما دونه وزر
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع *** وما رأى بشر لم يؤذه بشر(4)

1. موذية «ح».
2. عدمه «ح».
3. الافاغ الضوارى «ح». وفي بقية النسخ: شر اللفاع الصواري. وما أثبتناه من «يتيمة الدهر» للثعالبي، ج 4، ص 383 نقلاً عن أبي سليمان الخطابي أحمد بن محمد بن إبراهيم، وكان صديقاً له حيث قال في حقّه: ولأبي سليمان كتب من تأليفه وأشهرها كتاب في غريب الحديث وهو في غاية الحسن والبلاغة. وأنشدني غير واحد له...
4 . القائل هو أبو سليمان أحمد وقيل: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، الفقيه الأديب، له مصنّفات، منها: غريب الحديث، معالم السنن في شرح سنن أبي داود، أعلام السنن في شرح البخاري، وغيرها. توفّي سنة 388 هـ . وفيات الأعيان: 2 / 214 ; هدية العارفين: 1 / 68 .

صفحه 197
الباب (الثامن عشر)
التكليف واللطف
فهنا فصلان

صفحه 198
في التكليف    
 
(الفصل) الأوّل

(في) التكليف

وهو مأخوذ من الكلفة وهي المشقّة. قال الإمام الطبرسي(1): وأصله من الكلف الّذي يظهر أثره، والتكليف يظهر أثره على من لزمه.
قيل: هو بعث من تجب طاعته على ما فيه مشقّة ابتداء بشرط الإعلام، فالبعث يشمل الأمر والنهي، ويخرح بـ «واجب الطاعة» غيره، وبـ «المشقّة» غيرها إلاّ نادراً، وبـ «الابتداء» بعث الرسول وشبهه، وشرط الاعلام لقبح تركه من حيث لا علم للمكلف(2) بصفة فعله فلايدخل في قدرته، وعليه قوله تعالى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة)(3)، ولظهور ذلك لم يشتبه على المجبّرة قبح تكليف ما لايعلم كما اشتبه عليهم قبح تكليف ما لايقدر; والاعلام إمّا بخلق علم ضروري فينا أو بنصب الأدلّة لنا، والمشقة قد تكون في نفس الفعل كالصلاة والحجّ وقد تكون في سببه كالمعرفة بالله

1 . مجمع البيان، ج 2، ص 112 .
2. المكلّف «ن».
3. الأنفال (8)، الآية 42.

صفحه 199
فإنّه مشقة فيها بل النفس تستريح إليها، وإنّما المشقة في النظر في أدلّتها.
اعترض بالشهادتين و نحوها فإنّها تكليف ولا مشقة فيها، أُجيب بحصول المشقّة فيها عند تكرارها.
و فيه نظر لورود الاعتراض فيها قبل تكرارها.
اعترض بأنكحة الحلائل فإنّها تكليف ولا مشقة فيها، وأُجيب بحصول المشقّة قصر النفس عليها وعدم تخطّيها إلى محرّم غيرها.
اعترض بأنّ شروط حسن التكليف كثيرة بالنسبة إلى المكلّف والمكلَّف والفعل المكلّف به فلا وجه لذكر الاعلام دونها، على أنّ الشرط لايجب ذكره في تعريف الماهية لخروجه عنها، وأجيب بأنّه أولى من غيره لأنّ الماهية لاتكاد توجد بدونه; وفيه نظر لمشاركة باقي(1) شروطه.
و الأولى في تعريفه: «انّه بعث الربّ العبد على فعل راجح أو كفّ كذلك للتعريض بالثواب»، فإنّه سالم عن تلك الاعتراضات وهذا الثواب لايحسن الابتداء به لمقارنته(2) التعظيم الّذي لايحسن لغير مستحقّه كما لايحسن تعظيم الأب مثل تعظيم الربّ ولا تعظيم الجهول مثل تعظيم الرسول.
ثمّ اعلم أنّ الكافر شارك المؤمن في حسن التكليف، لأنّه تعالى أوجد قدرته وأزاح علّته وقوى داعيته وقصد منفعته فأبى لنفسه حسن الاختيار

1. بعض «ح».
2. لا يحسن لابتدائه به لمقارنة التعظيم «ح».

صفحه 200
الموجب لعذاب النار فتلك الإساءة(1) إلى نفسه بالكفران لايخرج تكليفه عن الحسن والإحسان، ومثل ذلك مَن قدّم إلى جائعيَنْ طعاماً قاصداً تخليصهما فأكل أحدهما فنجا وامتنع الآخر فهلك، أو دلا إلى غريقين حبلا فثبت(2) به أحدهما ومات الآخر حيث تركه فلم يخرج ما فعله الباذل عن الفضل بترك من أهمل الآكل والتمسّك بالحبل.
و اعلم أنّ المجبّرة يتوصّلون بتكليف الكافر إلى إلزامنا بأنّ الله يفعل القبيح لعلمه بعدم إيمانه، فإذا فعله وهو قبيح جاز منه فعل كلّ قبيح. والملحدة المنكرة للصانع الحكيم يتوصّلون به إلى عدمه، ويقولون: ليس بحكيم من يكلّف من يعلم كفره فيدخل(3) النار.
قلنا للمجبّرة: بيّنّا حسن تكليف الكافر، وللملحدة أثبتنا الصانع الحكيم، وقلنا: يحسن ذلك منه.
إن قيل: علم الله من الكافر عدم الإيمان فقبح تكليفه.
قلنا: وجه حسن الفعل أو قبحه مقارن له، واختيار الإيمان أو الكفر متأخّر عن التكليف به فلايؤثّر فيه حسناً ولا قبحاً. وعلم الله عدم(4) إيمانه لايؤثّر قبح تكليفه، وإلاّ لقبح وضع الطعام وإدلاء الحبل ممّن علم عدم الأكل والتمسك، وليس العلم بقبول التكليف شرطاً في حسن التكليف وإلاّ لم

1. الاساة «ن».
2. فيثبت «ن».
3. فتدخل «ن».
4. بعدم.

صفحه 201
يحسن مدّ الطعام والحبل إلاّ لمن علم منه التناول والمعلوم حسنه، وإن علم عدم تناوله.
إن قيل: فلمَ لايقبح تكليف الكافر لأنّه يتضرر به، إذ لولاه لم يعاقب، وليس ذلك إلاّ كمن أدلى حبلا إلى إنسان وهو يعلم أنّه يخنق به نفسه.
قلنا: ليس الضرر من التكليف وإن وقع عنده بل من سوء اختياره فالضرر من نفسه وإذا لزم(1) الضرر من هذا الوجه لايخرج التكليف به عن اللاختيار والانعام ولو كان حصول الضرر بسببه يقلّبه عن النعمة لم تكن حياتنا نعمة علينا، إذ بسببها يصل الضرر إلينا، والمدلى إليه الحبل إن كان يعلم أنّه لايتمكن(2) من قبل نفسه إلاّ عند إدلائه قبح إدلاؤه، وإن كان يمكنه من قبلها ويحابها لم يقبح إدلاؤه، لأنّه تمكين ولا قبح في التمكين، وإلاّ لقبح كلّ تمكين، لأنّه لا يحسن إلاّ وهو تمكين للحسن والقبيح.
إن قيل: فتكليف مَن علم منه عدم الإيمان عبث والعبث قبيح.
قلنا: العبث ما لاغرض فيه، وفي تكليف الكافر غرض هو التعريض للثواب.
إن قيل: فلِمَ لايقبح تكليف المعلوم دوام كفره، لأنّ الله لايصحّ أن يريده، لأنّ المعلوم عدم وقوعه لايكون مراداً والإرادة شرط حسن التكليف.

1. الزمه «ح».
2. انّه يتمكّن «ح».

صفحه 202
قلنا: المعلوم عدم وقوعه مثل المعلوم وقوعه(1) في صحّة أن يراد، ومن المعلوم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد من أبي لهب الإيمان ورغّبه فيه بعد أن أعلمه الله بعدمه منه، والمسلمون يريدون إيمان الكفّار دفعة ويعلمون عدم وقوعه دفعة.
إن قيل: إذا علم الله دوام كفره لزم أن لايقدر على إيمانه لامتناع قدرته على قلب صفة خالقه(2).
قلنا: قد بيّنّا تعلّق القدرة بالضدين ولو كان خلاف المعلوم غير مقدور لم يتعلّق بالضدين ولزم في القديم تعالى مثله.
إن قيل: لو أراد تعالى نفع الكافر كلّفه بما يستحقّ الثواب في فعله وعدم العقاب في تركه.
قلنا: ذلك ليس إلاّ النوافل ولايحسن التكليف بها ابتداء بل تبع للفرائض، لأنّها مكمّلة لها فلايجب بدونها هكذا قيل.
وفيه نظر يعلمه من اعتبر، والأصح أن (يقال): التكليف بالواجب لايمنع حسن تكليف الكافر لأجل الثواب الوافر، بل هو أولى بالتعريض من النفل القاصر.
في اللطف   

1. من «لايكون مراداً...» إلى «مثل المعلوم وقوعه» ليس في «ح».
2 . يمتنع على أبي لهب قلب علم خالقه بأن يؤمن وبالتالي يصير علمه سبحانه جهلاً.

صفحه 203
 
الفصل الثاني

في اللطف

اللطف كلّ شيء قرب المكلّف من الإقدام على الطاعة والإحجام عن المعصية ولا حظّ له في التمكين ولم يبلغ الإلجاء، وهو إمّا من فعل الله كأن يعلم طاعة العبد بإعطائه ما لاينتفع به فيجب فعله على الله لإزاحة علّته; وإمّا من فعل المكلّف لنفسه فعلى الله إيجابه و على العبد فعله لدفع الضرر به كالصلاة (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ )(1); وإمّا من فعل غيرهما، كأداء الرسالة فعلى الله إيجابه لإزاحة العلّة به وعليه فعله وللرسول فيه لطف وثواب.
و اعلم أنّ المجبّرة لم توجب اللطف على الله بل ولا غيره، لعدم إحداث العبد لتصرّفاته فلا فائدة في فعل اللطف له حيث لا صدور منه. ولم يوجبه البغداديّون من المعتزلة أيضاً، قالوا: لأنّ في مقدوره تعالى أن يفعل لكلّ مكلّف من اللطف ما يختار معه الطاعة والكافر لم يخيّر(2) الطاعة فلا لطف له، وإلاّ لزم إخلال الله سبحانه بالواجب.

1. العنكبوت (29)، الآية 45.   2 . لم يختر «ح»، «ن».

صفحه 204
قلنا: يجوز أن يكون في معلومه أنّه لو فعل لم يؤمن فلا يكون مقدوراً له.
قالوا: الله قادر على أن يفعل المفسدة بكلّ مكلّف فقادر على فعل اللطف لكلّ مكلّف لقوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ)(1).
قلنا: جاز أن يعلم أنّ ضد المفسدة ليس لطفاً، ولأنّ الله قال: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)(2)، فدلّ على عدم اللطف المدّعى مقدريته لله سبحانه.
و الدليل على الوجوب: انّ الله إذا أراد الفعل من العبد وعلم أنّه لايختاره إلاّ بفعل يفعله له ولم يفعله نقض غرضه، كمن أراد حضور شخص طعامه وعلم عدمه إلاّ بنوع تأدّب أو إرسال رسول فلم يفعله نقض غرضه.
إن قيل: إنّما قبح نقض الغرض من العبد، لأنّ فيه الضرر لتضييع طعامه بخلاف الربّ.
قلنا: قد لايتضرر بأن يأكله معه خاصته وجيرانه.
إن قيل: فيلزم على ذلك أنّه إذا علم أنّه لايحضر إلاّ بنقل أملاكه إليه وجب لئلاّ ينقض غرضه، وإذا علم أنّ عبده لا يناوله الكوز إلاّ إذا أعتقه وجب لئلاّ ينقض غرضه.

1. الشورى (42)، الآية 27.
2. البقرة (2)، الآية 145.

صفحه 205
قلنا: لمّا كان المراد من حضور طعامه نفع نفسه ونفع الغير تابع لنفع نفسه لم يجب نقل أملاكه لعظم ضرره، ولو قدر انّ في حضوره منافع يزيد على ملكه كملك يحصل له في جنب حضوره أموال وحشمه وجب لئلاّ ينقض غرضه، ولو كان قد أشرف على الهلاك من العطش وجب عتق العبد لدفع ضرر أعظم منه ولئلاّ ينقض غرضه.
إن قيل: فعلى ما قلتم إذا دعا أحدنا كافراً إلى الإيمان وعلم عدم إجابته إلاّ بهبته مالا وجب لئلاّ ينقض غرضه.
قلنا: الواحد منّا ليس بمكلّف فلايلزم دفع المال لأجل ذلك الإيمان والربّ تعالى مكلّف فيجب عليه اللطف المقرّب إلى الإيمان، أو نقول: دعاؤنا للكافر إلى الإيمان متى كان فيه نفع لنا نريد على ذلك المال وجب دفعه لئلاّ ينتقض الغرض.
دليل آخر لنا على وجوب اللطف: هو أنّ الله خلق الخلق بشهوة ونفرة فلابدّ من غرض وإلاّ كان عبثاً، وليس الغرض الإغراء لقبحه فلابدّ من تكليف لايتمّ إلاّ باللطف فيجب.

صفحه 206
الباب (التاسع عشر)
الكلام في الكلام

صفحه 207
الكلام في الكلام   
و هو المنتظم من حرفين فصاعداً مثلين مثل «دد»، أو مختلفين مثل «رد»، ولايوجد من حرف واحد، والحرف المفهم مثل «ق» في قوة حرفين لامتناع الابتداء بالساكن والوقوف على المتحرك، فلو كان واحداً اجتمع النقيضان.
و وجه وضع البحث عن كلامه تعالى في باب العدل أنّه حادث من فعل الله - على ما يأتي -، ولأنّه تعمّة علينا من حيث رجوعنا في الاحكام إليه.
فذهب ابن كلاب (1) والأشعري إلى أنّ كلام الله معنى واحد قائم بذاته; قال الأشعري: وهو قديم، قال ابن كلاب: وهو أزلي وتحاشا من تسميته قديماً للإجماع على أنّه لا قديم سواه تعالى. واعلم أنّه لا فرق بين القديم الحقيقي والأزلي. قال ابن كلاب: وهذا المسموع حكاية عنه. وقال: الأشعري: عبارة عنه وتحاشامن تسميته حكاية لأنّ الحكاية من جنس المحكيّ فيكون كلامنا من جنس كلامه تعالى وهو محال، وله أن يقول: فالعبارة من جنس المعبر عنه، فإن منع الأشعرى الجنسية في العبارة منعها ابن كلاب في الحكاية.
و الحقّ انّ كلامه تعالى هو المتلوّ المسموع المركّب من الحروف،

1 . هو عبدالله بن سعيد بن كلاب القطان، من رؤساء الحشوية، توفّي سنة 245 هـ . الأعلام: 4 / 90 .

صفحه 208
وهو مخلوق وإن لم يكن نفس ما أحدثه الله بل هو حكاية عنه، ولايلزم منها معارضته بها كما توهّمه من لا تحصيل له فجعل الحكاية نفس المحكيّ، لأنّ من حكى بديع كلام غيره لايعدّ آتياً بمثله وإلاّ لتساوى بأقلّ وحسبان.
و قد اختلف أبوعلي وابنه فقال: إنّ الحروف المنظومة غير الأصوات المقطّعة، وقال ابنه: هي للملازمة بين الأصوات والحروف. وفيه نظر إذ الملازمة لايستدعي الاتحاد كالجوهر والعرض بل الظاهر إيجاب التغاير حيث إنّها نسبة بين لازم وملزوم، على أنّه لا ملازمة لوجود الصوت في نحو الضرب المصوّت ولا حرف. إذا عرفت هذا فالقول بأنّ كلام الله هو المسموع المتلوّ وهو قديم، ظاهر البطلان لتركّبه، وانتهائه، وتأخّره، واحتياجه، وعدمه، ولقوله تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ)(1)، والموصوف بالتنزيل والحسن والحديث والكتب والتشابه لايكون قديماً، ولقوله: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ)(2) والمحكم
والمفصّل لايكون إلاّ حادثاً، ولقوله: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ)(2) والقول بأنّه معنى قائم بنفسه باطل أيضاً لعدم الطريق إليه إذ لا علم ضروري به ولا سمعي فيه ولا فعل يدلّ عليه.
إن قيل: بل يعلم بالضروري(4)، لأنّ الإنسان يجد في نفسه قبل العبارة معنى فذلك هو الكلام.
قلنا: ذلك هو إرادة الكلام أو الفكر في ترتيبه امّا زائد على ذلك فغير

1. الزمر (39)، الآية 23.   2 . هود (11)، الآية 1.
2. الأنبياء (21)، الآية 2.   4 . بالضرورة «ح».

صفحه 209
معقول. و حكى عن بعضهم: انّ المعنى هو الفكر، وهذا يوجب كون الله متفكّراً، وهو يضاهي قول المجوس: إنّ الله افتكر فكرة رديّة(1) تولّد منها أهرمن.
إن قيل: فأهل اللغة عقلوا المعنى حيث قال عمر: «زورت في نفسي كلاماً»(2)،(3) وقال الشاعر:
انّ الكلام لفي الفؤاد وانّما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا(4)
قلنا: لايصحّ إثبات المعنى(5) بالعبارة عنه لاشتراطها بإدراكه أوّلا فيدور، ومعارض لقولهم: «في نفسي سفر وفي نفسي يشا»، ثم نرجع ونقول: معنى «قيام المعنى بذات الله» إمّا أن يراد به الانتصاب مثل «قام زيد»، أو الثبات مثل: «السقف قام بالاسطوانة»، أو الحلول مثل: «العرض قام بالمحلّ»، وهذه الوجوه تستلزم الجسمية المنفية عنه تعالى.
إن قالوا: نريد انّه موجوداً بالله أي أنّه فعله.
قلنا: تركتم مذهبكم.
إن قالوا: نريد لولاه لما وجد.
قلنا: فيلزم قيامه بالقدرة والحياة، لولاهما لما وجد.

1. «رديّة» ليس في «ح».
2. في نسخة «ح» هكذا: قال عمر: ان وردت في نفسي كلاماً.
3 . فتح الباري، ج 13، ص 383 ; تفسير الرازي، ج 1، ص 20 .
4. البيت لغياث بن الصلت بن طارق بن عمرو من بني تغلب. شرح المقاصد، ج 4، ص 150.
5. معنى «ح».

صفحه 210
إن قالوا: نريد أنّه دائم مثل قوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ )(1).
قلنا: ليس معناه للدوام بل هو القائم بذاته المقيم لغيره. والمعنى: لا قائم بذاته ولا مقيم لغيره غيره.
ثمّ اعلم أنّ المتكلم اسم لفاعل الكلام لا من قام به الكلام، ولمّا عقل اللغويّون أنّه اسم للفاعل، قالوا: «تكلّم الجنّي على لسان المصروع»، وبعد فاسم المتكلّم أُطلق على فاعله، لأنّ الكلام أوجب له(2) صفة إذ لا طريق إلى إثباتها إذ لا علم ضروري بها ولا حكم من أحكامها يستدلّ به عليها وما يجده الإنسان من نفسه إذا كان متكلّماً يرجع إلى فعله للكلام لا إلى حالة وصفة ولو كان له بكونه متكلّماً حالة أو صفة لوجب أن تعلم قبل الكلام والأمر بالعكس فانّا لانحكم بكونه متكلّماً إلاّ بعد كلامه ولايجوز أن يكون المتكلّم متكلّماً ، لأنّ الكلام حلّه وإلاّ لكان لسان الإنسان هو المتكلّم دونه فهو القاذف فلايحدّ الظهر دونه ولسان النبي هو المؤدّى للرسالة دونه، وقد عرفت أنّ أقلّ الكلام حرفان وهما لايجتمعان في اللسان، فلو كان المتكلّم من حلّه الكلام لم يوجد أبداً كلام ولايجوز كونه متكلّماً، لأنّ الكلام يؤثّر في آلة كلامه معنى ينفى الخرس، لأنّ الكلام لا ضدّ له - كما سيأتي - ويجوز كونه متكلّماً، لأنّ له الكلام لأنّ «اللام» في «له» إمّا للملك مثل «الدار لفلان»، أو للاتصال مثل «الرأس لفلان»، والكلام ليس ملكاً لله ولا متصلا به فلم يبق إلاّ لأنّه فعل الكلام.
ثمّ اعلم انّا نعلم كونه تعالى متكلّماً بخلق(3) الكلام في شجر أو حجر

1. البقرة (2)، الآية 255.   2 . (له) ليس في «ح».   3 . يخلق «ح».

صفحه 211
فذلك لا يفعله القادر بالقدرة، أو بإخبار الرسول الصادق بالمعجز انّ القرآن كلامه، إذ لولا خبره لجوّزنا كونه من كلامه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعطاه الله علوماً يتأتّى له بها القرآن، ولأنّه لو كان من عنده لاختلف كما قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)(1).

تذنيب

قيل: القرآن من كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله تعالى:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ )(2)، والمنزل على القلب المعنى لا اللفظ.
وقيل: من كلام جبرئيل لقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين )(2).
وقيل: بل خلقه الله سبحانه، وهو الأصحّ لقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ )(4)، ولأنّه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)(3)ولايلزم من نزوله على القلب أن لاينزل على اللسان، ولا من كونه قول جبريل أن لايكون قول غيره.
ثمّ اعلم أنّه لايجوز حلول كلامه تعالى في ذاته لما بيّنّا من حدوثه ولا قيامه بنفسه وإلاّ لانقلب عن جنسه فهو قائم بغير فاعله إذ لايجب حلول الفعل في فاعله كالمتولّدات عنه.

1. النساء (4)، الآية 82.   2 . الشعراء (26)، الآية 193 ـ 194.
2. التكوير (81)، الآية 19 ـ 20.   4 . البروج (85)، الآية 21 ـ 22.
3. النساء (4)، الآية 82.

صفحه 212
و اختلف الشيخان، فقال أبو هاشم: لايحتاج الكلام إلى بنية مخصوصة كالفهم واللسان بل يكفي مجرد المحلّ، لأنّ حكمه مقصور على المحلّ وهو الصحيح. وقال أبوه: يحتاج قياساً على احتياج كلامنا. وأجاب ابنه بأنّا إنّما لم يمكنّا فعل الكلام إلاّ بنيته لأنّا قادرون(1) بقدرة فلم يمكنّا الكلام(2) إلاّ بسبب والرب قادر لذاته فيصحّ منه فعل الكلام في محلّ ابتدأ بلا سبب. ثمّ اعلم أنّ القائل بقدم كلامه سبحانه له شبه:
منها: انّ الاسم نفس المسمّى والمسمّى قديم فالاسم قديم، والحقّ اليقين أنّ الاسم غير المسمّى - وقد أوضحناه في «المقام الأسنى في الأسماء الحسنى» - وحكي أنّ رجلا يقول: باتحادهما، كتب «الله» في لوح وقال لأبي الهذيل: أ تقول إنّ هذا هو الله؟ قال: لا، قال: هذه مكابرة، فكتب أبوالهذيل: «الله» في موضع آخر، ثمّ قال: إنّها «الله» فانقطع.
و منها: قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)(2)، فالأمر ليس بخلق وإلاّ لبطل العطف، فكذا باقي الأشياء ليس، ولعدم القائل بالفرق.
قلنا: العطف لايدلّ على المغايرة فإنّه قد يكون للتعظيم، مثل (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح)(3)، (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(4) فعلى قولهم محمّد ليس من الأنبياء، والفحشاء ليست من

1. لقادرون «ح».   2 . الكلام في محل ابتدأ إلاّ «ن».
2. الأعراف (7)، الآية 54.
3. الأحزاب (33)، الآية 7.
4. العنكبوت (29)، الآية 45.

صفحه 213
المنكر، ثمّ نعارض بقوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً)(1) والمفعول لا يكون قديماً.
و منها: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ )(2) فالقرآن ليس بخلق.
قلنا: لا يدلّ ذكر الخلق الإنسان(2) على نفيه عن غيره، على أنّ قوله: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) يدلّ على حدوثه، لأنّ التعليم لايكون إلاّ في المحدث، ويجوز وصف القرآن بأنّه مخلوق أي مفعول، ومنع منه بعض الخراصين.
قالوا: لأنّه يوجب جواز الموت عليه.
قلنا: إنّما يجوز الموت على الحيّ وإلاّ لجاز على الجمادات، ولو جاز الموت على غير الحيّ جاز الموت على الموت. وارتكب بعضهم ذلك لما روي من قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «يؤتى في الآخرة بالموت في صورة كبش أملح فيذبح وينادى بالخلود ولا موت»(3). فإذا انتهى الكلام إلى هنا فالواجب الإعراض عنه بالسكوت.
قالوا: لو كان مخلوقاً جاز أن يكون منقوضاً.
قلنا: فكلّ واحد من الملائكة والأنبياء مخلوق وليس منقوضاً.
قالوا: لو وصف بكونه مخلوقاً لأوهم كونه كذباً لإطلاق الخلق على الكذب لغة.

1. الأحزاب (33)، الآية 37.   2 . الرحمن (55)، الآية 1 ـ 3.
2. من «خلق الإنسان...» إلى «...الخلق الإنسان» ليس في «ح».
3 . راجع. بحار الأنوار ج 8، ص 345 و 346، باب ذبح الموت.

صفحه 214
و منها: قولهم «قصيدة مخلوقة»، وقوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ)(1) .
قلنا: الخلق حقيقة التقدير - كما سلف - فإن استعمل في غيره فبالمجاز، وإنّما قالوا: «قصيدة مخلوقة» أي نسبت إلى غير قائلها وإلاّ فلو اشتملت على الأوامر والنواهي لم توصف بالكذب، لأنّه لايدخل إلاّ في الاخبار، وقوله تعالى عنهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ ) لا يعني به القرآن بل ما كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقوله من أحوال الآخرة.
وأمّا الخلق في الاصطلاح فكلّ فعل مقدّر مطابق للمصلحة، ولهذا لايوصف به على الإطلاق إلاّ الله. وقيل: هو الفعل الواقع اختراعاً. وقال البلخي: هو الفعل لا بآلة، وقد ذهب أبو هاشم وأبوعبدلله البصري إلى أنّ الخلق معنى(2) يقع به الفعل. ثمّ اختلفا، فقال أبوهاشم: هو الإرادة; وقال البصري: هو الفكر. شبهتهما قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ *** ـض القوم يخلق ثم لا يفري(2)
أثبت الخلق ونفى الفري. فالخلق غيرالمخلوق.

1. الشعراء (26)، الآية 137.   2 . معنى ليس في «ح».
2 . البيت للشاعر زهير بن أبي سلمى، حكيم الشعراء في الجاهلية، ومن أئمة الأدب مَن يفضّله على شعراء العرب كافة، قال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعراً وخاله شاعراً وأُخته سلمى شاعرة وابناه كعب وبجير شاعرين وأُخته الخنساء شاعرة. الأعلام: 3 / 52 .
والبيت المذكور ذكره الاسترآبادي في شرح شافية ابن الحاجب ص 229 ; والنحاس في معاني القرآن ج 1، ص 377 ; والبغدادي في خزانة الأدب ج 6، ص 297 .

صفحه 215
قلنا: ذلك بالمجاز، فلا يقدح في حقيقة الخلق الّذي هو التقدير، والحقّ نفى هذا المعنى، وإنّما الخلق نفى واقع على وجه.
دليل آخر: لو كان الكلام قديماً لكان مثلا لله، لأنّ القدم صفة نفسية فالاشتراك فيها يوجب التماثل. وفيه نظر تقدم.
دليل آخر: كلام الله إمّا مخالف لما نعقله فلا يصحّ إثباته، لأنّ إثبات ما لا يعقل جهالة كما نثبت سواداً وبياضاً مخالفاً لما نعقله أو مماثل فهو مركب محدث.
دليل آخر: قوله تعالى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي) (1) فامتنّ به على موسى ولا يمتنّ إلاّ بمحدث إذ لايمتنّ بكونه قادراً عالماً.
دليل آخر: هذا المسموع إمّا كلام الله فهو المطلوب أو غيره فهو ردّ لما علم بالضرورة من دين الإسلام وردّ لقوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ )(2).
إن قالوا: المراد حتى يسمع حكاية كلام الله أو عبارة كلام الله.
قلنا: الأصل عدم الإضمار وأيضاً فالحكاية والعبارة من جنس المحكيّ عنه والمعبر وهما محدثان فهو محدث. هذا وقد ذهب محمّدبن عيسى البصري وهو الملقّب ببرغوث: إلى أنّ الله متكلّم لذاته. وفساده ما بيّنّا من كونه فعله ولو كان متكلّماً لذاته لصحّ أن يتكلّم بسائر ضروب الكلام وأجناسه لأنّها غير مقصورة على بعض المتكلّمين وإذا صحّ وجب فيكون متكلّماً بالكذب والتشبيه والقبيح.

1. الأعراف (7)، الآية 144.   2 . التوبة (9)، الآية 6.

صفحه 216
إن قالوا: هو صادق لذاته فانتفى عنه الكذب لذاته.
قلنا: لا أولويّة.
إن قالوا: أخبر الله عن خلق السماوات والأرض وطابق مخبره خبره فالصدق أولى.
قلنا: قد يكون أراد سماوات وأرض غير هاتين وأخبر أنّه خلقهما ولم يكن خلقهما، ولأنّه لو كان متكلّماً لذاته لكان متكلّماً لذاته فيكلّم جميع الخلق جهرة كما كلّم موسى(عليه السلام).
إن قالوا: الله عالم، قادر، حيّ لذاته ولايجب أن يكون معلّماً ومقدّراً ومحيياً لذاته فكذا الكلام في الكلام.
قلنا: نفرّق بأنّ ما به كان معلّماً ومقدّراً ومحيياً إنّما هو خلق تلك الصفات وكونه عالماً، قادراً، حيّاً، إنّما هو لذاته لا بخلقه. أمّا كونه مكلّماً فإنّه بما يكون به متكلّماً فإذا كان متكلّماً لذاته كان مكلّماً لذاته، ولو كان متكلّماً لذاته لزم قدم كلامه فيلزم الكذب في اخباره عن إرسال نوح وإهلاك عاد وثمود ولزم الهذيان بالأمر والنهي لغير موجود.
إن قيل: يجوز التعبير عن المستقبل بالماضي مثل (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)(1)، (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ)(2)، (وَقَالُوا مَا
لَنَا لاَ نَرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ )(2) ونحو ذلك كثير.

1. الزخرف (43)، الآية 77.   2 . الأعراف (7)، الآية 44.
2. ص (38)، الآية 62.

صفحه 217
قلنا: عندكم أنّ كلامه صفة ذاتية والصفة الذاتية لايصحّ أن يؤثّر فيها القصد والإرادة فلا يجوز أن يتغيّر الخبر بالماضي إلى المستقبل بالقصد والإرادة.
إن قالوا: أ ليس الله كان عالماً في الأزل بأنّ العالم سيوجد، فلمّا وجد كان ذلك العلم هو بعينه العلم بوجوده فجاز كونه مخبراً عن الماضي والمستقبل بخبر واحد.
قلنا: دلّت الدلالة على اتّحاد العلم لامتناع عدم العلم القديم وامتناع حدوث علم آخر للزوم حدوث الله بحلوله فيه ولم تدلّ على اتحاد خبر الماضي والمستقبل بل دلّت على المغايرة.
وللقوم شبه:
منها: لو لم يكن متكلّماً أزلا لكان متّصفاً بضد الكلام وهو الخرس، وهو نقص تعالى الله عنه.
قلنا: ليس كلّ من خلا عن الكلام اتّصف بالخرس كالجمادات، وقد أثبتنا كون الكلام فعلا فلايكون حاصلا أزلا.
إن قالوا: صحّ أن يكون الله متكلّماً الآن فصحّ في الأزل، ومتى صحّ وجب كما أنّه لما صحّ أن يكون عالماً الآن صحّ في الأزل ومتى صحّ وجب.
قلنا: معارض بكونه صحّ أن يكون فاعلا الآن ولم يصحّ في الأزل والعلم صفة ذاتية فلا يقاس عليه الكلام، لأنّه صفة فعلية. فإن قالوا: هو صفة ذاتية. قلنا: ليس النزاع إلاّ فيه.

صفحه 218
وأيضاً فالكلام لا ضدّ له فيه، وامتناع اجتماع حروفه الموهم للتضادّ انّما هو لأجل الآلة المخصوصة، والآلة الواحدة يمتنع أن تكون بصفة آلات مختلفة; امّا الربّ فمتكلّم لا بآلة فلايمتنع خلقها جملة في جسم، ولا يضادّه غيره والخرس الموهم للضدّية راجع إلى فساد الآلة وفسادها لا تضادّ الكلام لإمكان أن يخلقه الله فيها ويمتنع جمع ضدّين.
و منها: لو كان كلامه محدثاً فإمّا قائم بنفسه فيخرج عن جنسه أو بغيره فلاتحلّ صفة الشيء في غيره، أو بذاته تعالى فيلزم تحيّزه إذ كلّ محلّ متحيّز.
قلنا: فهذه الأقسام واردة في الكلام القديم على أنّ عندكم انّ باقي المعاني قامت به وهو خير متحيّز،يجوز قيام الصفة الفعلية بغيرالموصوف كالضرب القائم بالمضروب وهو صفة الضارب.
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1)، فلو كان «كن» محدثاً لاحتاج إلى «كن» آخر ويتسلسل فهو قديم فكذا غيره لعدم القائل بالفرق.
قلنا: فـ «كن» مركّب من حرفين فوجودهما سابق لوجوده فيكون محدثاً وإذا دخلت «أن» على الفعل المضارع أفادت الاستقبال فـ «كن» واقع في الاستقبال فمحدث، ولأنّ «كن» اتصل به «فيكون» وهي للتعقيب فالكون حادث والمتصل بالحادث حادث لأنّه يمكن الإشارة إلى أوّل وجود «كن»

1. النحل (16)، الآية 40.

صفحه 219
فلايكون قديماً، ولأنّ «كن» لو أثّر في فعل الله لأثّر في فعلنا، لأنّ المؤثّر لايختلف بحسب الفاعلين، ومن المعلوم أنّ أفعلنا لايقع بـ «كن»، ويلزم كون الله محتاجاً في أفعاله إلى «كن» ونحن غنيّون عنه، ولايصحّ غناؤنا عن شيء وافتقارالله إليه ، ولأنّ المخاطب بـ «كن» إمّا موجود فيلزم تحصيل الحاصل، أو معدوم فمخاطبة المعدوم لاتجوز.
والحاصل: أنّ المراد بـ «كن» سرعة استجابة الأشياء له تعالى، مثل قوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(1). ولا قول منه ولا منها مثل قول الشاعر:
فقالت له العينان سمعاً وطاعة *** وحدرتا كالدر لما تثقب(2)
و لا قول منهما بل هو سرعة استجابة الدمع.
قال علي بن عيسى: الأمر بـ «كن» هنا أفحم من الفعل فهو بمنزلة ما يقول للشيء: كن فيكون في الحال. قال الإمام الطبرسي: إنّ «كن» إخبار بحدوث مايريد. وقيل: إنّما هذا القول في التحويلات نحو (كُونُوا قِرَدَةً)(3)، (كُونُوا حِجَارَةً)(4)، وقيل: إنّه يريد بإحداث لفظ «كن» إعلام الملائكة بما يريد فعله. وأبو الهذيل أجاز الفعل بـ «كن» لكنّه غير لازم لكلّ «كن» فلايلزم التسلسل و لكن تلزمه المحالات الأُخر.

1. فصّلت (41)، الآية 11.
2 . مجمع البيان، ج 3 ـ 4، ص 498; وج 5 ـ 6، ص 185، و ج 7 ـ 8، ص 435 .
3. البقرة (2)، الآية 65.
4. الإسراء (17)، الآية 50.

صفحه 220
الباب (العشرون)
النبوّات وفيه فصول

صفحه 221
في النبوّات   
بعثة الأنبياء إنّما هي لمصالح العباد وألطافهم فحسنت ووجبت، ويكون لابتداء شريعة، ولإحياء شريعة، ولزيادة شريعة(1)، ونقصان شريعة. وخالف البراهمة في حسنها مع اعترافهم بتوحيد الصانع وعدله، والأشاعرة في وجوبها.

شبهة البراهمة

إنّ الرسول إن أتى بما دلّ العقل عليه(2) فهو كاف عنه، وإن أتى بما منع منه وجب ردّه.
قلنا: يأتي بالموافق فيؤكّده ويفضّله، أو بالمخالف له فيردّه إلى الصواب لشبهة عرضت له ويرشده إليه بمقدّمات عسرت عليه، أو يأتي بما لا حكم للعقل فيه وكيف يكون العقل كاف عنه مع شدّة اختلاف العقول في المقتضيات حتّى في الضروريات.
قالوا: فصدق النبي إنّما طريقه المعجز، وهو ملتبس بالسحر والشعبذة، فلا طريق معلوم إليه فيجب ردّه.
قلنا: الفرق جواز معارضة السحر دون المعجز.

1. «و لاحياء شريعة ولزيادة شريعة» ليس في «ح».
2. «بما دلّ العقل عليه» ليس في «ح».

صفحه 222
و اعلم أنّ من الأفعال ما لايجوز تغيّره ونسخه لكون حسنه أو قبحه لصفة تخصّه كردّ الوديعة، وقضاء الدين، وشكر النعمة، والظلم، والكذب، والعبث. ومنها ما يحسن لجلب نفع أو دفع ضرر، ويقبح لجلب ضرر أو دفع نفع وهذا يجوز تغيّره بتغيّر وجهه فينتج.
ثمّ اعلم أنّ النبي والرسول إذا أطلق فهو رسول الله وغيره يقيد مثل رسول الروم ورسول فلان ويستعمل النبي مهموزاً من الإنباء وهو الخبر ومشدداً غير مهموز من النبوة وفي الرفعة(1); فقيل يستعملان في رسول الله لتقارب معنياهما; وقيل يستعمل فيه مشدداً لا غير لما روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سمع رجلا يقول : يا نبيء الله! فقال : «لست نبيء الله وانّما أنا نبيّ الله»(2).
ثم اعلم أنّ النبي هو الرسول حتى لو قيل: فلان نبي لا رسول أو بالعكس تناقض الكلام.
و في الناس من فرّق بينهما استناداً إلى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي)(2) والعطف دليل المغايرة.
قلنا : بل هو للتفخيم والتعظيم مثل: (وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)(4)، و (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)(3)، و (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح)(4).

1. من الرفعة «ح».   2 . الإتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 262 .
2. الحجّ (22)، الآية 52.                     4 . البقرة (2)، الآية 98.
3. الرحمن (55)، الآية 68.
4. الأحزاب (33)، الآية 7.

صفحه 223
 
شبهة الأشاعرة
إنّ الله هو الحاكم فمن يوجب عليه شيئاً؟ قلنا: وجب من حيث الحكمة، فإنّ الإنسان قد يوجب على نفسه شيئاً بنذر وشبهه ومن حيث الحكمة أيضاً قال الشاعر:
قضيت على نفسي بأن لست بارحاً *** بأرض بني ذبيان ما طلع الفجر

فصل

إثبات النبوة يتوقّف على دعوتها، لأنّ معرفة النبي لا تتمّ إلاّ بها وعلى المعجزة المطابقة لها لتوقّف تميّزه عن المتنبّي عليها. والمعجز اصطلاحاً: أمر يفعله الله أو ما يجري مجراه ناقضاً للعادة عقيب دعواه مطابقاً لها متعذّراً على من سواه في جنسه أو صفته في زمان تكليف(1) خال عن معارضة. فيخرج بقيد «فعل الله» غيره، و «ما يجري مجرى فعله» هو تركه وما يفعله غيره بإقداره كان بقدر النبي على فعل لايطيقه غيره، و «ناقضاً للعادة» لعدم دلالة المعتاد على صدقه لطلوع النيّر من مشرقه، و «عقيب دعوته» ليسارع العقل إلى أنّها إجابة لسؤاله مطابقة لها لعدم دليل المخالفة على صدقه، بل ربما دلّت على كذبه متعذّراً على غيره كإحياء الموتى هذا في جنسه، وكنقل

1. تكليفه «ح».

صفحه 224
مدينة دفعة هذا في صفة. ويخرج بـ «زمن التكليف» أشراط الساعة، وبـ «الخلوّ عن المعارضة» السحر وخفة اليد في تلك الصناعة.

تنبيه

معاقبة المعجز للدعوى شرط في ابتداء النبوة لا غير، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر بغايبات بعد ثبوت نبوته متأخّرة عن دعوته، ويكفي خرق العادة في قطر دون آخر كما لو قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «معجزي نزول الثلج في قطر لم يحدث فيه قبل ذلك»، فهذا معجز وإن اعتيد في غيره، وقد يكون نفس الدعوى معجزاً(1) كنطق عيسى في المهد (إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً)(2).
في وجوب بعث الأنبياء   
ثمّ اعلم أنّه قد قيل : «إنّ معجز كلّ نبيّ من الجنس الّذي تعاطاه قومه ليكون أقرب إلى معرفة صدقه» ففي زمن موسى السحرة فأُعطي «قلب العصا حيّة» و «اليد البيضاء» فعلم السحرة أنّ هذا لايتأتّى(3) بحيلة فآمنوا، والأطباء في زمن عيسى فأُعطي «إبراء الأكمه والأبرص» و «إحياء الموتى» فعلم الأطباء أنّ هذا لايتأتى بمعالجة فآمنوا، والفصحاء في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فأُعطي «القرآن» فعلموا مع شدّة بلاغتهم وتفاخرهم بها أنّه ليس فخر

1. قيل: منّا لاتعتبر المطابقة لأنّها نسبة ولا نسبة بين الشيء ونفسه. قلنا: يكفي المغايرة الاعتبارية فكلام عيسى من حيث إنّه دعوى مغاير من حيث إنّه معجز.
2. مريم (19)، الآية 30.
3. لايأتى «ح».

صفحه 225
مقدور كلام البشر فآمنوا به، كلبيد وقيس وكعب والأعشى وغيرهم.
قال الإمام ويروى: انّ الوليد بن المغيرة وكان يسمّى ريحانة قريش لمّا سمع النبي يقرأ قال: «سمعت من محمّد كلاماً ما هو من كلام الإنس والجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وأعلاه مثمر، وأسفله مغدق»(1). فقد اعترف الأعيان بالعجز عن مثل القرآن.

فصل

لمّا كانت البعثة لطفاً للأُمّة وفيها إزاحة للعلّة وجب ذلك على أبلغ الوجوه، لأنّ ما دلّ على أصل اللطف دلّ على بلوغه إلى ذلك الوصف فوجب تنزيه النبيّ عن كلّ ما ينفر عنه من المعاصي وغيرها كبيرها وصغيرها قبل البعثة وبعدها.
و أبو علي أجاز الكبيرة قبل البعثة لا بعدها; وقوم من الحشوية أجازوها قبلها وبعدها وقالوا : إنّ يوسف هَمّ بالزنا، وداود راود امرأة أوريا.
إن قيل : فالتوبة(2) تمحوا ما سلف ويتمّ الغرض.
قلنا: لايتمّ أبلغ(3) الوجوه، ولهذا انّ الحجّاج لو تاب ووعظ هو

1 . مجمع البيان، ج 10، ص 178 تفسير سورة المدثر، الآيات 11 ـ 31 .
2. والتوبة «ح».
3. على أبلغ «ح».

صفحه 226
والحسن البصري (1) لم يقبل الناس منه كالبصري.
إن قيل : فلم لايجوز الكبيرة ولايظهر(2) للناس، فلم تنفر ويتمّ الغرض.
قلنا : لو علم النبي المعصية سرّاً من نفسه جوّزها على الملك المؤدّي إليه الرسالة عن ربّه فلم يقبل منه، وكذلك نحن لو جوزناها عليه سرّاً لنفرنا عنه كما أنّ واعظاً لو جوّزنا أن يعصي ليلا ويعظ نهاراً لنفرنا عنه.
و أجاز بعضهم الصغيرة إذا لم تكن منفّرة ولا متعلّقة(3) بأداء الرسالة وحملوا عليها قول آدم : (ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا )(4) وقوله تعالى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)(5)، وأمّا المنفّرة نحو الطمع بمال الغير والمتعلّقة بأداء الرسالة نحو الكذب اليسير فلا.
و من المنفّرات الألغاز، والتلبيس، والزمانة، وقبح المنظر، والمباح المستهجن، والمسقط للمروّة، والغلظة والفضاضة، وعلى هذا قال الله لنبيّنا(عليه السلام): (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(6).
في جواز نسخ الشرائع   

1 . هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، تابعي توفّي سنة 110 هـ . الأعلام: 2 / 226 .
2. ولم يظهر «ح».
3. ولا معلقة «ح».
4. الأعراف (7)، الآية 23.
5. الفتح (48)، الآية 2.
6. آل عمران (3)، الآية 159.

صفحه 227
 
فصل

في جواز نسخ الشرائع

خالف اليهود فيه، واتفقوا على تكذيب عيسى ومحمّد صلى الله عليهما، قالوا : لأنّه يلزم أن يصير الحقّ وهو ما أمر به موسى باطلا وقد كان ما أتى به محمّد باطلا فيصير حقاً وهو محال، ولأنّه يستلزم البداء. ومنهم من أجازه عقلا ومنعه سمعاً، وهو ما أخبر به موسى انّ شريعته لا تنسخ مادامت السماوات والأرض. والمحصّلون منهم أجازوه عقلا و سمعاً ومنعوا من نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)لعدم ثبوت معجزة عندهم. ومنهم من قال : إنّ محمّداً كان نبيّاً صادقاً لكن بعث إلى العرب خاصة.
و الحقّ جوازه ووقوعه لاختلاف المصالح باختلاف الأشخاص، كمن له ولدان يصطلح أحدهما بالعنف والآخر باللطف أو ولد واحد يصطلح بالتشديد في وقت والتسهيل في وقت فيجوز من الله لعلمه بالمصالح نقل عباده من شرع إلى شرع كالطبيب الّذي ينقل المريض من غذاء إلى غذاء بحسب المصلحة فقد كان في شريعة آدم تزويج بناته ببنيه على ما قيل وحرّم في شرع موسى، وأختتن إبراهيم على الكبر وحتم في

صفحه 228
شرع موسى على الصغر، وأباح ليعقوب جمع الأُختين في النكاح وحرمه على موسى لما علم فيه من الصلاح.
فإن اعترفوا بما ذكرناه بطل كلامهم، وإن أنكروه وقالوا: إنّ موسى ما أتى إلاّ بما أتى به مَن تقدّمه.
قلنا : فلا يضاف الشرع إليه، لأنّ محلّه مع من تقدّمه محلّ وصيّه يوشع فكما لايضاف إلى يوشع لايضاف إليه.
فإن قالوا: هو كذلك فقد تركوا اليهودية ، فإمّا قولهم يلزم من النسخ صيرورة الباطل حقّاً وبالعكس.
قلنا : إنّما يلزم ذلك أن لو كان محمّد أمر بعين ما نهى عنه موسى أو بالعكس لزما إذا أمر بمثل ما نهى عنه موسى(1) أو نهى مثل ما أمر به لم ينقلب الباطل حقّاً ولا بالعكس ، فإنّ مثل الحق يجوز أن يكون باطلا وبالعكس، فإنّ الفعل الواحد كالسجدة تحسن إذا قصد بها الله وتقبح إذا قصد بها غيره. فإذا جاز في فعل واحد هاتين عليه ففي فعلين أجوز منه ، وأيضاً فإنّ اعتقاد نبوّة موسى قبل بعثه كان باطلا وبعدها صار حقّاً; فكذا في نسخ الشريعة.
و أمّا من منع النسخ لأنّه بداء. قلنا : لا، فإنّ النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه، والبداء لابدّ أن يجمع اتّحاد المأمور والفعل والوجه والوقت فلهذا يدلّ على ظهور ما لم يكن ظاهراً، أمّا النسخ فلا، فإنّ

1. من «أو بالعكس...» إلى «...عنه موسى» ليس في «ح».

صفحه 229
أحدنا إذا أمر أحد عبديه بشراء اللحم ونهى الآخر أو أمر عبده بشرائه في وقت وتركه في آخر أو بشرائه سميناً وتركه هزيلا أو بشرائه وترك غيره لا يكون بداء.
وأمّا من منع نبوته(صلى الله عليه وآله وسلم)، استناداً إلى قول موسى(عليه السلام): «علوّ شريعتي لا تنسخ»(1)، فممنوع بعدم تواتره، ولهذا لم نشاركهم في روايته، وخالفهم العنانيّة فيه، وطريق المسألة العلم فلا يجعل خبر الواحد طريقاً إليه. ثمّ إن صحّ الخبر فإمّا أن يراد به «انّ شريعتي لاتنسخ على يدي من معه معجز»، فهذا يقدح في نبوّته لأنّه إذا كان لا يلزمنا قبول قوله، مع المعجز لم يلزمنا قبول قول موسى مع المعجز، أو يراد «لاتنسخ على يد من ليس معه معجز»، وهذا لانزاع فيه، وعلى تقدير صحّة الخبر يجب حمله عليه; ولأنّا قد أثبتنا نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أخبر أنّ شريعته ناسخة لشريعة موسى فيتناقض أخبار الأنبياء، ويزول التناقض بالحمل على ما ذكرناه.
قالوا : أمر موسى بشريعته وهو يقتضي التكرار.
قلنا : في تكراره منع حقّق في الأُصول، و لو سلّم جاز تكراره إلى أن يأتي ناسخ وقد أتى لثبوت نبوّة محمّد(عليه السلام)بمعجزته وذلك لخروجه في الوقت الثاني عن اللطفيّة.
قالوا: أمر موسى دليل على حقّية شريعته، فلو نسخ خرج الدليل عن دلالته .

1 . قواعد المرام في علم الكلام، ص 134 .

صفحه 230
قلنا : أمر موسى دليل على حقّيّة شريعته ما دام على مصلحته ولطفيّته. وأمّا من صدّقه وخصّ نبوّته بالعرب فباطل لما علم بالتواتر من قوله(عليه السلام): «بعثت إلى الكافة»(1); وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)(2).

فصل

   

في تكميل الكلام في المعجز

أمّا ظهور القرآن على يده فالضرورة قاضية بأنّه لم يسمع من أحد من قبله كما علم بالضرورة نزول الكتب على متقدميه. وأمّا اعجازه فلأنّه تحدّى به العرب في قوله: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)(2)، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)(4)، لا
يأتون بمثله فعجزوا، فقال: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ)(3)، فعجزوا فقال: (فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ )(4)، ثمّ قال : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)(5)، وهذا غاية التحدّي به فعجزوا مع حرصهم على توهين شأنه وتبطيل أمره; وقد روى أبو القاسم

1 . مجمع البيان ج 4 ، ص 375 .   2 . سبأ (34)، الآية 28.
2. الطور (52)، الآية 34.   4 . الإسراء (17)، الآية 88.
3. هود (11)، الآية 13.
4. يونس (10)، الآية 38.
5. البقرة (2)، الآية 24.

صفحه 231
الرقّي في كتاب «التنزيل» أنّ إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن فدخل بعض تلامذته على الإمام العسكري(عليه السلام)فقال : «قل له: هل يجوز أن يكون المتكلّم به أراد غير المعاني الّتي ظننتها أنت فتكون واصفاً لغير معانيه»، فلمّا أبلغه قال : من أين لك هذا؟ قال: عرض بقلبي، قال : كلاّ ما مثلك، من بلغ هذه المنزلة؟ قال: أمرني به أبو محمد. قال: ما كان ليخرج إلاّ من أهل هذا البيت. ثمّ أحرق جميع ما ألّفه.(1)
إن قيل: إنّ آيات التحدّي لم يسمعوها منه وإنّما زيدت فيه.
قلنا: فيجوز زيادة غيرها حينئذ فلا يوثق بشيء منه، فيبطل العلم الضروري الحاكم نزوله عليه، ومع ذلك فقد سمع تلك الآيات قرون بعده ولهم المراتب العالية في البلاغة ولم يقدروا على معارضة شيء منه وحرصهم على إبطال أثره معروف، ضرورة لعزله رياستهم بثبوت رياسته وطلبه منهم الانخراط في سلك طاعته حتى ركبوا الصعب والمذلول في عداوته و بذلوا المهج في محاربته.
إن قيل: فقد لا يفهموا انّ المعارضة تبطل أمره.
قلنا: ذلك معلوم حتّى للصبيان إذا قال أحدهم: أنا أظفر هذا الشيء وأنت لا تقدر عليه، فإنّ الآخر يعلم أنّ دعواه تبطل إذا فعل مثل فعله.
إن قيل: فلمَ لايكون قد عورض ولم ينقل؟

1 . مناقب آل أبي طالب، ج 3، ص 526 باختلاف في الألفاظ.

صفحه 232
قلنا: بتوفّر الدواعي إلى نقلها كنقله، أمّا من المخالف فلا يطالبه بها، وأمّا من الموافق فليتّضح أنّ المعارضة لم تحصل بها، ولا يعقل نقل إحدى واقعتين عظيمتين دون الأُخرى وبعد فقد نقل إلينا معارضات ركيكة جدّاً، فلو عورض بمثله لكان نقله أولى من غيره، ولو عورض بمثله لكانت الحجّة هي المعارضة، والقرآن هو الشبهة وغير جائز ان تكتم الحجّة وتظهر(1) الشبهة على وجه لا يمكن حلّها.
إن قيل: فعدم المعارضة لا يدلّ على العجز.
قلنا: هذا ظاهر بعد ولهم إلى ما هو أشقّ منها.
إن قيل: إنّما تركت لأنّ الفصاحة كانت قد تناقصت في زمانه(صلى الله عليه وآله وسلم).
قلنا: لا، وانّما تناقص الشعر لمكان القرآن.
إن قيل: إنّما عدلوا عنها ليستأصلوه(2) دفعة ويفزعوا(3) منه.
قلنا: إنّه لم يتحدّاهم بالمحاربة، ولأنّهم لو قتلوه لم يلزم منه إبطال أمره.
إن قيل: إنّما لم يعارضوه لأنّهم كانوا جهالا فأخطأوا طريق المعارضة كما أخطأوا في عبادة الأصنام.
قلنا: قد بيّنّا أنّها معلومة حتّى للصبيان.

1. «و غير جايز أن تكتم الحجّة وتظهر» ليس في «ح».
2. ليست صلوة «ح».
3. يقرعوا «ح».

صفحه 233
إن قيل: إنّما لم يعارضوه لاشتماله على قصص الماضين.
قلنا: فيه ما ليس بقصص فهلاّ عارضوه، ولأنّهم طلبوا أحاديث رستم وغيره ليعارضوا بها فما قدروا.
إن قيل: إنّما تركوها لاعتقادهم أنّهم لو فعلوها لم يزل الخلاف
بينهم بأن يتعصّب للنبيّ من يقول: ليست معارضة، ولهم من يقول: هي معارضة.
قلنا: لا يشترط في المعارضة التسوية من كلّ وجه بل يكفي المقاربة واشتباه الحال فلو أتوا بما يقاربه لم ينسب(1) على أحد أنّه معارضه، وبهذا يجيب عن قولهم: لا يمتنع أن يكون في جماعة العرب واحد هو المدّعي للنبوة يفوقهم في الفصاحة فلا يبلغوا الإتيان بمثله.
إن قيل: لو كان القرآن دالاّ على نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يؤمن العجم به لعدم تمكّنهم من معرفة إعجازه.
قلنا: عرفوا ذلك إجمالا بالنقل عن فصحاء لغته والعجز عن مقارنته(2); فإذن هذا القرآن خارق للعادة فهو أعظم معاجزه وأكبر دلائل نبوّته. هذا وقد ذهب السيد المرتضى (3) إلى أنّ جهة إعجازه إلى أنَّ الله صرف العرب عن معارضته ، وهو مذهب قوي إذ لايعقل أنّهم مع شدّة

1. لم يثبت.
2. مقاربته «ح».
3 . رسائل المرتضى، ج 1، ص 348 .

صفحه 234
بلاغتهم وفرط فصاحتهم عجزوا عن مثل سورة الكوثر ونحوها، و من نظر في مفرد كلامهم وتركّبه وجد فيه ما يقاربها.(1)
في شبهات الملحدين   

فصل

طعنت الملحدة في القرآن بأُمور يتوصّلوا بها إلى نفي الصانع الحكيم.
منها: اشتماله على التناقض مثل (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(2) مع قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(3)، فإنّ ظاهرها يقتضي أنّه لا مثل لمثله ففيها إثبات المثل،

1 . قال العلاّمة الفقيه آية الله جعفر السبحاني:
نجم في القرن الثالث مذهب اشتهر بمذهب الصرفة، وإليه ذهبت جماعة من المتكلّمين، وهو يقوم على أساس أنّ العرب لم يقدروا على الإتيان بمثل القرآن، لا لإعجازه بحدّ ذاته، وأنّ القرآن بلغ في فرط الفصاحة والبلاغة، وروعة النظم وبداعة الأُسلوب شأواً لا تبلغه الطاقة البشرية، بل لأجل أنّه سبحانه صرف بلغاء العرب وفصحاءَهم عن المعارضة بطريق من الطرق الآتي ذكرها.
وحكي هذا المذهب عن عدّة، نظير: أبي إسحاق النظام، وعبّاد بن سليمان الصيمري، وهشام بن عمر الحوطي. واختاره من الإمامية الشيخ المفيد في «أوائل المقالات»، والسيد المرتضى في رسالته الخاصة في هذا الموضوع الّتي أسماها «الموضح عن جهة إعجاز القرآن (الصرفة)» وقد طبع أخيراً بتحقيق محمد رضا الأنصاري القمي، نشر مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1424 هـ .
ولكن هذه النظرية نظرية غير تامة لوجوه ناقشناها في محاضراتنا المطبوعة باسم كتاب الإلهيات: ج 3، ص 344 ـ 350، فمن أراد فليرجع إليها.
2. التوحيد (112)، الآية 1.
3. الشورى (42)، الآية 11.

صفحه 235
ومثل (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ )(1) مع قوله: (كِتَاباً مُتَشَابِهاً)(2)، ومثل (فَالْيَوْمَ
نَنْسَاهُمْ)(2) مع قوله: (وَ مَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً)(3)، ومثل (وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)(4) مع قوله: (فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ)(5)، ومثل قوله: (إنّ لله عيناً ويداً ويميناً وجنباً)، مع قوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)، ومثل (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) مع قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
قلنا: لايتصوّر في هذه تناقضاً سوى الجهول لعدم شرايطه من اتحاد الموضوع والمحمول. وقد عمل القاضي عبدالجبار وغيره كُتُباً في الرد على ذلك السبيل؟ ونحن نردّ هنا بالإجمال والتفصيل.
أمّا الاجمال فلأنّه نزل بلغة العرب العارفين بوجوه التناقض فلو وجدوه لطعنوا به ولو طعنوا لنقل، ولمّا لم يطعن(6) لم ينقل، ولمّا لم يطعن لم يوجد، ومن تخيّل فيه تناقضاً فلقصوره عن وجوه البلاغات، وأيضاً فالقرآن سواء كان من كلام الله أو كلام النبيّ لا يجوز فيه التناقض، لأنّ الله سبحانه عالم حكيم لايجوز أن يفسد كلامه بكلامه والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كامل الفصاحة في قوله، والرصانة في عقله، وأراد بالقرآن إثبات حكمته ونبوته فالتناقض مناف لإرادته.

1. هود (11)، الآية 1.   2 . الزمر (39)، الآية 23.
2. الأعراف (7)، الآية 51.
3. مريم (19)، الآية 64.
4. الصافات (37)، الآية 24.
5. الرحمن (55)، الآية 39.
6. لم ليس في «ن».

صفحه 236
وأمّا التفصيل: فالتوحيد لا ينافي (كَمِثْلِهِ) لأنّها ليست «كاف» التشبه، بل «كاف» الزيادة. مثل قول الشاعر:
(و غير ودّ جاذل أو ودين) *** وصاليات ككما يُؤَثفَين(1)
وإحكام الآيات لا يناقض تشابههما، إذ المراد باحكامها في الإعجاز والدلالة على النبوة وأحكام الشريعة، والمتشابه أي يشبه بعضه بعضاً في ذلك وتماثل بعضه بعضاً في الجنس والصواب والبعد عن الاضطراب، على أنّه جائز لغة إطلاق العام وإرادة الخاص فالمحكم بعض والمتشابه بعض آخر فلا تناقض لعدم تناقض الجزئيين(2)، والنسيان المثبت هو الترك، أي فاليوم نتركهم في العذاب; والمنفي هو الموجب له وال(3) الشيء بعد حضوره، والسؤال المثبت قيل: عن البدع، وقيل: عن الخطايا، وقيل: عن التوحيد.
و قال الخدري: «عن ولاية علي بن أبي طالب»(4) فهو سؤال توبيخ; والسؤال المنفى سؤال الاستفهام لسبق العلم بأعمالهم، وقيل: لايسألون أ هم من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنّ الله ميّزهم بحسن الوجوه وقبحها، فعلى هذا السائل المنفي هو العباد، والمثبت هو الربّ تعالى. و«العين» المراد بها

1. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ص 239. والرجز لحطام بن نصر المجاشعي:
لم يبق آي بها يحلين *** غير رماد وحطام كنفين
و غير ودّ جاذل أو ودين *** وصاليات ككما يؤثفين
2. راجع مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 410، آل عمران، الآية 7.
3. آل .   4 . العمدة، ص 301 .

صفحه 237
العلم، لأنّها لمّا أدقّ في الشاهد إلى العلم أطلق عليه اسمها مجازاً من اطلاق اسم السبب على المسبّب، واليد القدرة ومثلها اليمين ويقال: الشيء الفلاني في يدي أو في حكمي، واقتداري; قال الشاعر:
رأيت عرابة الأوسي يسمو *** إلى العليا(1) ممتنع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقّاها عرابة باليمين (2)
و «الجنب» المراد به الثواب أو الطاعة أو القرب من الجنّة أو الطريق المؤدي إلى الله. وعن الصادق(عليه السلام): «نحن جنب الله»(3). (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)(4) محكمة لا تقبل التأويل، وقد حرّرت في نفي الرؤية، وآية النظر محذوفة المضاف أي إلى ثواب ربّها أو نعمة ربّها. وقد رواه ابن بابويه في «الدر النضيد» عن الرضا(عليه السلام)(5). فقد زال التناقض الموهوم بما أزال الهموم لعدم اتحاد المحمول والموضوع فظهر أنّ القرآن خير موضوع.
قالوا: فلا حكمة في جعل بعضه محكماً وبعضه متشابهاً.

1. إلى العلياء «ح».
2 . البيتان للشاعر الشماخ بن ضرار ضمن قصيدة في مدح عرابة الأوسي وهو رجل من الأنصار ذكرت في ديوانه، ص 97 على ما نقله تاج العروس ج 18، ص 597. وراجع خزانة الأدب للبغدادي: 3 / 38 و 42 .
وهو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وهو من طبقة لبيد والنابغة. الأعلام ج 3 ص 175 .
3 . بصائر الدرجات، ص 83 .
4. الأنعام (6)، الآية 103.
5. التوحيد، ص 116، ح 19.

صفحه 238
قلنا: فإنّ الله أوجب علينا المعرفة وحرّم التقليد فوضع المتشابه ليكون أقرب إلى الاستدلال بالنظر فيه فكان لطفاً، وكلّفنا حمل المتشابه على المحكم تعريضاً لزيادة الأجر بالمشقّة، ولأنّه تعالى أراد أن يجعله في أعلى طبقات الفصاحة ليكون معجراً لنبيّه فلابدّ فيه من المجاز والاستعارة فإنّه إذا خلا عنهما خلا عنها، أُنظر إلى قوله: (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)(1)، وإلى قوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(2)، وإلى قوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ)(3).
و بنحو ما سلف طعنت المجبّرة ليتوصلوا به إلى إضافة القبائح إليه تعالى، ويقولون: اختلافه بالأحكام والتشابه قبيح، فإذا وقع منه ذلك جاز وقوع كلّ قبيح.
و ممّا طعن به الزيادة والنقصان وهذا منسوب إلى شرذمة قليلة من الإمامية، قالت: سقط من القرآن كثيره حتّى حكي عنها أنّ سورة الأحزاب كانت حمل جمل.
قلنا: لو صحّ ذلك لم نثق(4) بأحكامه وشرائعه وعباداته لجواز

1. الحاقة (69)، الآية 11 و 12.
2. هود (11)، الآية 44.
3. البقرة (2)، الآية 179.
4. لم يثق «ح».

صفحه 239
أن يكون تعبّدنا بأشياء سقطت منه.
قالوا: اختلاف الصحابة فيه دليل أنّه لم يكن مجموعاً في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). ولهذا نسب جمعه إلى عثمان.
قيل في الجواب: قد اتّصلت الأخبار بأنّ جبريل كان ينزل به آية آية (ويأمره)(1) بوضعها في موضعها، وقد حفظ القرآن جماعة من الصحابة قبل عثمان كعلي بن أبي طالب وأُبيّ وغيرهما.
و روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأُبيّ: «إنّ فاتحة الكتاب هي السبع المثاني».(2)
وقال: «ألا أُخبركم بسورة تشفع لصاحبها يوم القيامة ، ألا وهي سورة الملك»(3)، وقد روي أنّ القرآن كان يختم في التراويح على عهد عمر، وهذا كلّه يرفع أنّ عثمان هوالّذي جمعه، وخلاف ابن مسعود في المعوذتين، زال بالاتّفاق بعده وسبب إطلاق جمعه على عثمان أنّه وقع في زمانه مقتلة قتل فيها قوم من حفّاظ القرآن فخشى الدراسة فجمع ما كان مجموعاً عند الصحابة ودوّنه في المصاحف وبعثه إلى البلاد لا أنّه كان يتلقّف سورة سورة وآية آية من أفواه الرجال كما قيل فيه.

1 . ويأمرها «ح» و «ن» .
2 . أمالي الصدوق، ص 240، الحديث 255 .
3 . كنز العمال، ج1، ص 594، برقم 2707 باختلاف .

صفحه 240
في مطاعن الحشوية   
 
فصل
و ممّا طعن الحشوية الحنابلة فيه أنّه لايمكن عرفان المراد من ظاهره وإنّما تعبّدنا بتلاوته(1) لا غير، واستندوا إلى قوله: (وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ)(2) ويقفون هنا ويبتدئون بقوله: ( وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)(3).
قلنا: لولا فهم معناه لكان الخطاب به عبثاً قبيحاً كمن يخاطب العربي بلغة غيره والتلاوة لاترفع ذلك ومعنى الآية: «و الراسخون في العلم يعلمون تأويله قائلين آمنّا به»، وذلك مثل قوله: (وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ)(2) أي قائلين سلام عليكم، ومثل قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)(5) أي قالوا ذلك ، ومثل قول الشاعر:
و الرمح يبكى شجوه *** والبرق يلمع في الغمامة(3)

1. من تلاوته «ح».   2 و 3. آل عمران (3)، الآية 7.
2. الرعد (13)، الآية 23، 24.   5 . الزمر (39)، الآية 3.
3. في مجمع البيان ج 2، ص 241 ، البيت لابن المفرغ الحميري.
و الريح تبكي شجوة *** والبرق يلمع في غمامه
وابن المفرغ هو أبو عثمان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، لقّب جده مفرغاً لأنّه راهن على سقاء لبن أن يشربه كلّه فشربه حتّى فرغ فلقّب به، هو الّذي وضع «سيرة تبع وأشعاره» كان من أهل تبالة (قرية بالحجاز من جهة اليمن) واستقر بالبصرة، وكان هجّاءً مقذعاً، هجا عباد بن زياد بن أبيه وأباه وأهله، فقبض عليه عبيدالله بن زياد في البصرة فسجنه وأراد قتله فكلّم فيه بعض الناس معاوية، فوجّه بريداً إلى البصرة بإخراجه، فأطلق وسكن الكوفة ومات بها سنة 69 هـ. الأعلام ج 8، ص 183 ; مستدرك سفينة البحار، ج 8، ص 186 .

صفحه 241
أي والبرق أيضاً يبكي شجوه لامعة في الغمامة. وقد مدحهم الله بقوله:(يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) وكيف يمدحهم بما لايعلمونه وقد وصف الله القرآن بكونه هدى ونوراً وشفاءً و انّه ما فرّط فيه من شيء فتبطل هذه الأوصاف إذا كانوا لا يعلمونه. وقال: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) (1)، فكيف يكتفون(2) إذا كانوا لايعلمون، ولأنّ النبي لابدّ أن يعرف
مراد الله منه فإمّا(2) بالضرورة وهو محال، لأنّ الله إذا لم يعرف بالضرورة لم تعرف صفته وهي إرادته بالضرورة; وإمّا بموضوع اللغة فكلّ من عرف اللغة(4) عرف المراد منه.
قالوا: لو عرف من ظاهره المراد منه لا ستغنى عن التفسير.
قلنا: إنّما احتاج إليه من لايعرف اللغة العربية. أمّا أهل اللغة فلا، وعلى هذا قال علي(عليه السلام): «نحن الذين عندهم علم الكتاب»(3)، وقال: «والله لاتسألون عن شيء إلاّ أخبرتكم عن تأويله»، وقال ابن عباس: «أنا ممّن يعلم تأويله».(6)

1. العنكبوت (29)، الآية 51.   2 . يكفون «ح».
2. وامّا «ح».   4 . «من عرف اللغة» ليس في «ح».
3 . مناقب آل أبي طالب، ج 3، ص 211، عن الحسين (عليه السلام).   6 . الدر المنثور، ج 2، ص 7 .

صفحه 242
و قال تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(1). وقال: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(2)، وقال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(3)، وأيضاً فلابدّ من التأويل
وإلاّ فما يصنع الموحد بقوله: (تَجْري بِأَعْيُنِنَا )(3)، (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(5)،
والمجسّم بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(4)، (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ )(7). هذا وذهبت المرجئة إلى أنّ معرفة المراد منه لاتمكن إلاّ بقرينة، إذ ليس للعموم صيغة مخصوصة إذ ما من صيغة موهمة للعموم إلاّ وتستعمل في الخصوص وبالعكس فجاز أن يكون في عموماته شرط أو استثناء لم يبيّنه الله.
قلنا: فأسماء العدد للعموم قطعاً وتستعمل في الخصوص مثل: «له عشرة إلاّ خمسة دراهم» ولم يخرجها الاستعمال في الخصوص عن العموم و «من» في المجازات يفيد العموم لصحة الاستثناء فيه.
قالوا: لو كان للعموم لفظ لما دخل التوكيد فيه للاكتفاء به عنه مثل «كلّهم أجمعون».
في معجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   
قلنا: فالتوكيد يدخل على الخصوص ولايقدح فيه، فلا يقدح في العموم مثل «جاءني زيد نفسه»، على أنّ التوكيد يفيد تقوية فلو أفاد معنى آخر لم يكن تأكيداً ولو جاز أن يكون في عمومات القرآن شرط أو استثناء

1. النساء (4)، الآية 59. في «ن» هكذا: «و ما اختلفتم فيه من شيء فردّوه إلى الله والى الرسول». وفي سورة الشورى (42)، آية 10: «و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله».
2. النساء (4)، الآية 83.   3 . النحل (16)، الآية 43.
3. القمر (54)، الآية 14.   5 . المائدة (5)، الآية 64.
4. الشورى (42)، الآية 11.   7 . الأنعام (6)، الآية 103.

صفحه 243
لم يبيّنه تعالى(1) لزم تكليف ما لايطاق، وقد رجعت الصحابة في معرفة التكاليف إلى ظواهره وقد سلف، قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)(2)، لأنّه إذا لم يعرف المراد منه إلاّ بقرينة، فالقرينة كلام لايعرف المراد منها إلاّ بقرينة ويتسلسل.

فصل

(معجزات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم))

نقل المسلمون عنه(عليه السلام) نحو ألف معجزة(2) وإن كانت بطريق الآحاد فقد تواترت معنى.
منها: إطعام الجمّ الغفير من الطعام اليسير.(3)
ومنها: مجيء الشجرة إليه لمّا دعاها إليه، ثمّ أمرها فعادت.(4)
لا يقال: كان معه جوهر له خاصيّة(6) يقتضي مجيئها.
قلنا: لو كان لرُئي، لأنّه لايجذب الجسم العظيم إلاّ ما يقاربه كحجر المغناطيس لم يجذب الحديد الكثير إلاّ إذا كان كبيراً، وأيضاً فإنّها رجعت

1. لم يبيّنه الله تعالى «ح».   2 . العنكبوت (29)، الآية 51.
2. معجز «ح». راجع الخرائج والجرائح، ج 3، ص 972 ; وقواعد المرام، ص 130 .
3 . راجع مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 89 .
4 . راجع مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 112 .   6 . جوهر خاصة «ح».

صفحه 244
فإن كان معه ما يقتضي مجيئها وردّها اجتمع المتنافيان فلم يتحرّك.
ومنها: انّه كان يأخذ الحصاة(1) في يده فتسبح بالتسبيحات الأربع.(2)
ومنها: نبوع الماء من بين أصابعه لمّا كان في غزاة فنفد الماء فأُتي بميضاة فوضع يده في فمها ففار حتّى شربوا وأرووا.(2)
ومنها: انشقاق القمر (4) بنصفين حتّى رُئي أبوقبيس بينهما ونزل: (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ)(3).
إن قيل: المعنى وسينشقّ، مثل (وَ قَالُوا لجُلُوِدِهمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا)(6) ونحوها.
قلنا: في الآية ما يمنع الاستقبال وهو قوله: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ )(4). وما قال المنجّمون من أنّ الكواكب لايجوز عليها الخرق والفساد، فباطل لحدوثها المجوّز ذلك عليها.
ومنها: إخباره بالغيوب مثل قوله لعلي(عليه السلام): «إنّك تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين»(5).
في استحقاق الثواب والعقاب على الأفعال   
وقوله لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية وآخر زادك لبن»(6).

1. الحصا «ح».   2 . راجع مناقب آل أبي طالب، ج1، ص 80 .
2 . راجع المناقب، ج 1، ص 91.    4 . راجع روضة الواعظين، ص 63 .
3. القمر (54)، الآية 1.   6 . فصّلت (41)، الآية 21.
4. القمر (54)، الآية 2.
5 . راجع الخصال، ص 558 و ص 573 ; علل الشرائع، ج 1، ص 222 .
6 . راجع بحار الأنوار، ج 33، ص 19 .

صفحه 245
وقوله لسلمان: «سيوضع على رأسك تاج كسرى»(1) وكان ذلك كلّه.
ومنها : حديث شاة أُمّ معبد فإنّه لمّا هاجر في جماعة من الصحابة فانتهوا إلى خيمتها قرب المدينة فاستسقوها لبناً فلم يكن عندها وكان في كثير الخيمة شاة خلفها الجهد عن الغنم(2) فاستأذن النبي في حلبها فأذنت فمسح يده على ضرعها فدرّت ما أرواهم.(3)

فصل

(استحقاق الثواب والعقاب على الأفعال)

لمّا كلّفنا الله سبحانه بالأفعال الشاقّة استحقينا بفعلها ثواباً عليه تعالى إلاّ قبح التكليف.
إن قيل: فالمدح على الفعل يكفي عن الثواب.
قلنا: لا اعتداد بالمدح إذا عرى عن الثواب، قيل لمن تحمّل المشاقّ العظيمة لمدح السلطان له. قلنا: لايحسن تحمّلها لمجرد مدحه بل لجلب نفع من جهة عند عظم منزلته على أنّ من جملة التكاليف إزهاق النفس في

1 . راجع مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 95.
2. و كان خلفها الجهد من الغنم «ح».
3 . راجع بحار الأنوار ج 18، ص 43 .

صفحه 246
الجهاد فلا يجوز أن يكون جهة حسنه مدح يتوقّعه بعد الموت مع عدم النفع.
إن قيل : فالعرب كانوا يتحاربون ويقتلون لمدح يتوقّعونه بعد الموت فليحسن التكليف للمدح بعد الموت.
قلنا: إنّما حسن ذلك لاعتقادهم النفع به بعد الموت، ولهذا كانوا يأمرون بضرب الخيام على قبورهم وذكر مناقبهم، والهند يحرقون أنفسهم لاعتقادهم انّهم يخلصون به من عالم الظلمة إلى عالم النور.
إن قيل: قولكم الثواب يستحقّ على المشقّة منقوض بالمعرفة بالله، والتلفّظ بالشهادتين، ودنوّ الرجل من امرأته فإنّ في ذلك ثواباً ولا مشقّة.
قلنا: قد يكون في الفعل كالصلاة، وقد يكون في سنّته(1) والمشقّة حاصل في النظر المؤدّي إلى المعرفة، وفي تكرار الشهادتين، وفي توطين النفس على القصر على الحليلة وعدم التخطّي إلى غيرها.
هذا وقال البلخي: لايستحقّ بالتكليف ثواب، بل هو جزاء للنعم السالفة وإنّما يجب الثواب من حيث الجود، وتمثّل بأنّ الإنسان يحسن منه تحميل ولده مشاقّ الخدمة لأجل نعمه عليه.
قلنا: لو خلّينا وعقولنا لاستقبحنا تحميله تلك المشاقّ لأجل نعمه(2)لولا ورود السمع به لأنّ للولد أن يقول: كان من حقك أن لا تنعم عليّ ولا

1. سببه «ح».
2. من «لو خلينا...» الى «... لأجل نعمه» ليس في «ح».

صفحه 247
تكلّفني هذه المشقّة. وقوله: «الثواب يجب من حيث الجود» مناقضة، لأنّ الجود هو التفضّل فالوجوب ينافيه.
و أمّا استحقاق العقاب على فعل القبيح وترك الواجب، فلأنّ إيجاب الفعل أو الترك لابدّ له من وجه يحسن لأجله، وليس الوجه هو الثواب لأنّه نفع وجلب النفع غير واجب فلايحسن الإيجاب لأجل ما لا يكون واجباً فلم يبق الوجه إلاّ الخلوص من الضرر وهو العقاب.
إن قيل: فلمَ لايكون وجه حسن ذلك ترك الذم وهو ضرر وليس هو العقاب.
قلنا: الذمّ إذا لم يحصل بضرر لم يعقل كما لم يعتدّ بدم المخالف للملّة لعلمنا عدم الضرر فيه.
إن قيل: فقد يكون وجه حسن إيجاب الأشياء من الله وجوبها فقط، لا لأنّه يستحقّ تركها ضرر آخر.
قلنا: وجوب الشيء لا يكفي في حسن إيجابه كما أنّه إذا علمنا أنّا لانتخلّص من ضرر السلطان إلاّ بدفع مالنا فإنّه يجب ذلك علينا ولايحسن إيجابه لهذا الوجه.
قال أبوهاشم في هذا الباب: لمّا خلق الله فينا شهوة القبيح والنفور عن الحسن فلو لم نكن مستحقّين للعقاب على فعل القبيح وترك الواجب، لكان مغرياً لنا بذلك لعلمنا بعدم الضرورة(1) في الحال والمآل.
إن قيل: لا إغراء، لأنّ حصول الخوف من العقاب كاف.

1. الضرر «ح».

صفحه 248
قلنا: إنّما يحصل خوف الضرر إذا علم حصول الضرر من هذه الجهة، أمّا إذا لم يعلم حصول الضرر لم يحصل خوف الضرر فيكون الإيجاب ليحصل علم الضرر خوف الضرر.
و اعلم أنّ حاصل هذه الأقوال يرجع إلى أنّ الإنسان وإن خلا من التكليف فإنّه يستحقّ العقاب على فعل المقبّحات(1) وترك الواجبات.
فإن قلنا: إنّها قبحت لذاتها وانّه يستحقّ العقاب عليها فلا فائدة بالتكليف بها إلاّ أن يكون السمع ورد مؤكّداً لما قضى العقل فيها على أنّا جرّبنا أنفسنا فلم نجدها تشعر بشيء من ذلك وإذا عدم الشعور قبح العقاب من الحكيم تعالى على أنّها لو قبحت لذاتها امتنع نسخ الشرائع لامتناع زوال صفة النفس، بل ونقول على ذلك: إنّ جميع الشرائع إنّما تكون مؤكّدة لما قضى به العقل من استحقاق العقاب، وإن كانت تنهى(2) الشارع فقبله لاقبح فلا استحقاق للعقاب فلا استدفاع له بترك القبيح وفعل الواجب وإن قبحت لوجوه يقع عليها وهو الأقوى.
استحقاق الثواب والعقاب   
فأمّا أن يعلم المكلّف تلك الوجوه قبل النهي وهو محال، فإنّا لانجدها من أنفسنا وإذا لم يعلم الوجوه لم يحسن تحتّم العقاب، فظهر أنّ التكليف بالمنهيّات لا لدفع العقوبات إلاّ أن يقال: لمّا ورد النهي عرفنا به استحقاق العقاب من قبل إجمالا لعدم دليل العقل على استحقاق العقاب لولا ورود الآي والأخبار فيه وإجماع الأُمّة عليه. وفيه نظر فإنّه إذا أخلّ بما كلّف فاستحقّ العقاب لزم كون التكليف الّذي سببه إسقاط العقاب موجباً للعقاب

1. القبيحات «ح».   2 . وان كان نهى «ح».

صفحه 249
وكيف يكون الشيء سبباً لدفع شيء ولزومه وعلّة الكون إذا طولبت بالجري في الإفساد لايجري.
قال ابن رواندي: إذا كلّفنا بفعل الواجب وترك القبيح لنفعنا، فإذا منعنا النفع أنفسنا كيف يحسن عقابنا ولانفع لله فيه، ولا لأحد منّا.
قلنا: إنّما حسن عقابنا لأنّا عن الواجب أحجمنا(1) وعلى القبيح أقدمنا لا لثبوت نفعنا كما يحسن ذمّنا.

فصل

(استحقاق الثواب والعقاب)

المؤمن المطيع يستحقّ الثواب الدائم، والكافر العاصي يستحقّ العقاب الدائم. وأمّا المؤمن الفاسق وهوالّذي خلط عملا صالحاً وآخر سيّئاً فهو مستحقّ للثواب بإيمانه وللعقاب بعصيانه، فإن كانا دائمين لزم الجمع بين المتنافيين، وإن انقطعا(2) أو يقطع الثواب فهو باطل بالإجماع فيتعيّن(2)العقاب حينئذ للانقطاع، وإن عرض للعاصي توبة أو عفو أو شفاعة سقط عقابه. وقد قال الجبائيّان بالإحباط والتكفير. والحقّ نفيه وإن كان القول بالموازنة أقرب إلى العدل من الآخر.

1. احتجمنا «ح».   2 . فان انقطع «ح».
2 . فيعيّن «ح»، «ن».

صفحه 250
و ذهبا إلى أنّه لايجوز تساوي الاستحقاقين لاستلزام اجتماع الثواب والعقاب الدائم أو الخروج عنهما لمنع كلّ منهما استيفاء الآخر، وهو باطل بالإجماع، أنّه لا دار إلاّ الجنّة أو النار فلابدّ وأن يفضل أحدهما ليعامل بالفاضل ويترك الناقص.
و ذهب قوم إلى جواز تساويهما كما في أهل الأعراف. قال ابن عباس وابن مسعود: «هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فحالت بينهم وبين الجنّة والنار، فجعلوا هناك حتّى يقضي الله فيهم ويدخلهم الجنّة»(1).
وعن الصادق(عليه السلام): «هم آل محمّد صلّى الله عليهم لايدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه».(2)
وقال أيضاً: «الأعراف كثبان(3) بين الجنّة والنار، يقف عليها كلّ نبي وخليفة مع المذنبين من أهل زمانه».(4)
ويؤيّده ما رواه عمر بن شيبة: «انّ علياً(عليه السلام)قسيم الجنّة والنار».(5)
وعن النبي(عليه السلام): «يا علي كأنّي بك وبيدك عصا من عوسج تسوق قوماً إلى الجنّة وآخرين إلى النار».(6)
جواز العفو عن الفاسق والكافر   
و أسند الحسكاني أنّ ابن الكوّاء سأل عليّاً عن الآية فقال: «ويحك

1. مجمع البيان، ج 4 ، ص 261، آية 46 من سورة الأعراف.
2. في مجمع البيان ج 4، ص 261 عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام).
3. جمع كثيب أي التلّ من الرمل.
4. مجمع البيان ج 4، ص 261 عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام).
5. مجمع البيان، ج 4، ص 262 .   6 . مجمع البيان، ج 4، ص 262 .

صفحه 251
نحن نقف بين الجنّة والنار فمّن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار»(1)، قلت: فلهذا سمّيوا أهل الأعراف لا لاستواء حسناتهم وسيئاتهم.

فصل

(جواز العفو عن الفاسق والكافر)

يجوز العفو من الله سبحانه عن عقاب الفاسق، ولولا الكتاب المبين وسنّة سيد المرسلين وإجماع المسلمين على عقاب الكافرين لما كان في العقل مانع، لأنّه حقّه فله إسقاطه، ولأنّه إحسان فله فعله، ولقوله: (وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ )(2) ونحوها من الآيات وقد يمدح العقلاء به، وقال الشاعر:
فتى شرع المجد المؤثل والعلا *** مأربه والمكرمات شرائعه
إذا وعد السرّاء أنجز وعده *** وإن أوعد الضّراء فالعفو مانعه(3)

1. مجمع البيان، ج 4، ص 262 .
2. الشورى (42)، الآية 25.
3 . البيتان لأبي الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي المعروف بالسري الرفاء الشاعر المشهور، كان في صباه يرفو ويطرز فعرف بالرفاء، قصد سيف الدولة الحمداني بحلب فمدحه وأقام عنده مدة، ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد ومدح جماعة من الوزراء والأعيان. كانت بينه وبين محمد وسعيد بن هاشم الخالدي مهاجاة فآذياه وأبعداه عن مجالس الكبراء فضاقت دنياه واضطر للعمل في الوراقة (النسخ والتجليد) وركبه الدين، ومات ببغداد على هذه الحالة سنة 366 هـ ، وقيل: 344 هـ ، وقيل: 360 هـ له ديوان شعر. الأعلام: 3 / 81. وله في أعيان الشيعة: 7 / 194 ـ 217 ترجمة مفصّلة ذكر فيها نماذج كثيرة من شعره وما قيل فيه من ضمنها البيتان المذكوران فراجع.

صفحه 252
و منع البلخي وجعفربن حرب وتابعوهما منه من حيث إنّ العقاب لطف ومتى علم المكلّف وقوعه كان البعيد(1) من المعصية وأقرب إلى الطاعة واللطف يكون على أبلغ الوجوه فإذا جوز المكلف العفو سقط اللطف.
قلنا: لا يسلّم(2) وجوب كون اللطف على أبلغ الوجوه لعدم وجوب الأصلح، ولأنّ الله لم يفعل للمكلّف أنواع عقابه مع أنّه أبلغ ولو وجب لفعله. سلّمنا لكن إنّما يجب الأبلغ إذا كان مقدوراً ولا قدرة للمكلّف على القطع بأنّ الله يعاقبه هكذا قيل(2). وفيه نظر لجواز أن يخبره بذلك وقد تقرّر عنده امتناع الكذب في خبره.
إن قيل: فقد أخبر بالعقاب بالآيات فأخرجوها بالتأويلات.
قلنا: إن كان في مقدوره تعالى كلام لايقبل التأويل فلمَ لاينزّله، وإن لم يكن في مقدوره ذلك لزم على كلّ حال أن لايعلم المكلّف وقوع النكال، والأصوب المعارضة بالتوبة فانّهم اعترفوا بسقوطه بها مع أنّ الأبلغ في اللطف الإعلام بعدم قبولها.

1. أبعد «ح».   2 . لا نسلّم «ح».
2. «هكذا قيل» ليس في «ح».

صفحه 253
إذا عرفت هذا فذهب مقاتل بن سليمان وجماعة من الخرسانية إلى أنّ الله لايعذّب الفسّاق فإنّ مع ثواب إيمانهم لا تضرّهم معصية على الإطلاق لظاهر قوله: (وَ هَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)(1). وإليه ذهب الكماميّة، حتّى قالوا: إنّ الله لايعاقب الكفّار أيضاً، وربما استندوا إلى قوله: (إِنَّ اللهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
)(2)، وإلى قوله: (وَ مَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً)(2)ويفسد ذلك لزوم الإغراء بالقبيح إذا قطع المكلّف بعدم عقابه ولدلالة عمومات القرآن على عقابه مثل: (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا)»(3) وهذه ونحوها تدلّ بعمومها على خلود الفاسق إلاّ أنّ الخلود محمول على الكافر للتوفيق بين جواز العفو وبين تلك العمومات.
و قد قيل: إنّ الخلود حقيقة في الزمان المتطاول، فقالوا: وقف مخلّد، والسارق في الثالثة يخلّد بحبس، واستعمل في التأبيد مثل (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ)(4) فهو للقدر المشترك، فإن حمل على التأبيد فبقرينة أو بمعاضدة دليل آخر.
و قد ذهب جماعة منهم السيد المرتضى إلى أنّه لاصيغة مخصوص للعموم وقد حقّق في الأُصول.

1. سبأ (34)، الآية 17.   2 . الزمر (39)، الآية 53.
2. الإسراء (17)، الآية 59.
3. النساء (4)، الآية 14.
4. الأنبياء (21)، الآية 34.

صفحه 254
قالوا: فقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ )(1) يدلّ على ذلك.
قلنا: جزاؤه جهنّم ان جازيناه.
قالوا: هذا شرط لم يبيّنه الله فيكون ملغزا.
قلنا: لا محال فيه إذ القرآن مشتمل على الإضمارات والمجازات وإلاّ لخرج عن الفصاحة. قالوا: الجزاء مصدر يبنى على الفعل فلا يجوز حمله على الاستحقاق دون الفعل.
قلنا: فالـ «فاء» في جزائه للتعقيب ولم يقع الجزاء عقيب القتل بل الواقع استحقاق(2) الجزاء، فيجب الحمل عليه.
قالوا: الحمل على الجزاء في الاستقبال أقرب إلى الحقيقة من الحمل على الاستحقاق العاري عن الجزاء.
قلنا: فالتعقيب يدلّ على أولوية ما قلناه.
قالوا: فقوله تعالى في موضع آخر (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)(2) تعمّ الفاسق أيضاً.
قلنا: إنّما وردت في الكفّار لقوله في آخرها (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبى الدَّارِ)(3).

1. النساء (4)، الآية 93.   2 . عقيب استحقاق «ح».
2. الجنّ (72)، الآية 23.
3. الرعد (13)، الآية 42.

صفحه 255
قالوا: تخصيص آخر الآية لايمنع عموم أوّلها كما في قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(1) ثمّ خصّ الرجعيّات بقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)(2).
قلنا: فالتائب وفاعل الصغيرة يخرجان من العمومات فيخرج الفاسق.
قالوا: لايلزم من خروجها لدلالة خروج الفاسق لعدم الدلالة.
قلنا: لانسلّم عدم الدلالة.
و الجواب عن الجميع: انّ الله وصف نفسه بالعفوّ الغفور والصغائر مكفّرة بالأعمال الصالحة على ما صحّ في الأخبار الواضحة. فإن لم يعف عن الكبائر بطل التمدّح ولحسن العفو شاهداً فكذا عايناً(2) بطريق الأولى، وهذه قرائن مقالية تصرف تلك العمومات وما بنى عليها عن ظواهرها، ولأنّه لو دام عقاب صاحب الكبيرة لزم الظلم حيث انقطعت المعصية ولم ينقطع عقابها.
إن قالوا: فيلزم الظلم في عقاب الكافر حيث انقطعت معصيته ولم ينقطع عقابها.
قلنا: لاقياس لمصاحبة كفر الكافر له دائماً لعدم قبول توبته عند مشاهدة العذاب لكونها إلجاء ودوام العلّة الّتي هي الكفر يستلزم دوام معلولها الّذي هو العقاب.

1 و 2. البقرة (2)، الآية 228.
2. ولحسن العفو شاهداً عاماً بطريق الأولى «ح».

صفحه 256
قالوا: يجوز دوام ذمّ الفاسق فيجوز دوام عقابه لأنّهما معلولا علّة واحدة.
قلنا: لا قياس للزوم الضرر بدوام العقاب بخلاف دوام الذمّ على أنّ لنا أن نمنع دوام الذمّ، لأنّه تابع للعقاب الساقط.
قالوا: عظم نعمة المنعم يعظم قدر المعصية ويصغر قدر الطاعة فإذا كان الثواب المستحق على الطاعة مع صغرها دائماً فالمستحق على المعصية مع كبرها أولى أن يكون دائماً.
قلنا: لا قبح في دوام الثواب على الطاعة لعدم الظلم فيه بخلاف دوام العقاب لوجود الظلم فيه.
قالوا: الكافر يعاقب دائماً على الكبيرة لقبحها فكذلك يعاقب الفاسق عليها دائماً لقبحها.
قلنا: دوام عقاب الكافر عليها لمصاحبة الكفر بخلاف الفاسق على انّا نمنع دوام عقابه على الكبيرة وإن دام عقاب كفره، ولأنّ الفاسق له طاعات تردّ عقابه من الدوام إلى الانقطاع كما ذهب إليه الخالدي بخلاف الكافر فانّه لا طاعات له.
قالوا: قد يكون له طاعات كردّ الودائع وبناء القناطر.
قلنا: هذه ليست طاعات، لأنّ الطاعة فعل المأمور به لأجل الأمر به والكافر لايفعل ذلك لأجل الأمر، والخبر المتلقّى بالقبول «يخرج قوم من النار وقد صاروا حمماً وفحما».(1)

1 . التبيان، ج 3، ص 83 .

صفحه 257
قالوا: خبر واحد.
قلنا: عضّده القرائن السالفة.
قالوا : معارض بما روي: لا يدخل الجنّة نمّام،(1) ولا مدمن خمر
ولاعاقّ،(2) ومن قتل نفسه خالد في النار أبداً(2).
قلنا : محمول على الكافر والمستحل لصيرورته كافراً لإنكاره ما علم من الدين ضرورة.
قالوا: ظاهر الخبر الناطق بـ «الحمم والفحم» انّ من صار بهذا الحال لا يبقى معه حياة و تأوّلوه خرجوا وقد كادوا يكونون(4) حمماً وفحماً كما قال: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)(3)، فالخروج كناية عن قبول التوبة في الدنيا.
قلنا: إذا صحّ الحمل على الظاهر فلا حاجة إلى التأويل، ثمّ لايبعد وجود الحياة مع هذا الحال فإنّ عذاب النّار ينافي الحياة أكثر من هذا الحال وقد رفع القادر الجبّار المنافاة بينه وبينهما. وقال: لا يقع(6) عليهم فيموتوا ولا يخفّف عنهم من عذابها وهل ذلك إلاّ تعجيز القادر(4) بذاته عن بلوغ مراداته.
و لنا على انقطاعه أيضاً قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ

1 . راجع بحار الأنوار، ج 72، ص 268 .            2 . راجع الخصال، ص 436 .
2 . راجع ا لكافي، ج 7، ص 45.                  4 . وقد كانوا حمماً وفحماً «ح».
3. آل عمران (3)، الآية 103.                     6 . لا يقضى «ح».
4. تعجيز للقادر «ح».

صفحه 258
فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)(1) فالسماوات والأرض زائلة لقوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)(2) والمعلّق على الزائل زائل، والاستثناء بالمشيّة دليل ذلك.
قالوا: لايتمسّك بظاهر الآية وإلاّ لانتهى عقاب الكافر لدخوله في «الذين شقوا».
قلنا: أخرجه الإجماع.
قالوا: المراد بالتعليق التبعيد لا التوقيت كما جرت عادة العرب إذا أرادوا تبعيد أمر علّقوه بما يبعد كونه في العادة كقولهم: «لا أفعل ذلك ما لاح كوكب، وما بلّ بحر صوفه»، و قال الشاعر:
الى أن يؤوب القارظان(2) كلاهما *** وينشر في القتلى(3) كليب بن وائل(4)
قلنا: ليس حملكم على التبعيض أولى من حملنا على التوقيت لاحتمال اللفظ لهما و يرجّح قولنا «نمدحه تعالى بالعفوّ الغفور».

1. هود (11)، الآية 106 - 107.   2 . ابراهيم (14)، الآية 48.
2. العارضان «ح».
3. في قلبى كلب ابن وابل «ح».
4 . ديوان الهذليين، ج 1، ص 145 نقله عنه تاج العروس، ج 10، ص 484، مادة «قرظ».
والبيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد بن محرث، من بني هذيل بن مدركة، من مضر، شاعر فحل مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام وسكن المدينة. واشترك في الغزو والفتوح. توفّي بمصر نحو 27 هـ . له ديوان أبي ذؤيب ـ مطبوع. الأعلام، ج 2، ص 325 .

صفحه 259
قالوا: لو صحّ الحمل على التوقيت هنا لصحّ في «الذين سعدوا» مثله فيزول ثوابهم لزوال المعلّق عليه.
قلنا: يحمل هنا على التبعيد للإجماع ولزوم الظلم حيث إنّ علّة الثواب الإيمان وهو دائم فيدوم معلوله.
قال الجبائي: المراد سماوات الآخرة وأرضها، فإنّ النار طبقات فما فوق سماء وما تحت أرض.
قلنا: هو بالمجاز لعدم تبادر الذهن إليه، ولا ضرورة توجب الحمل عليه.
و لنا أيضاً قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(1) وتدخل في هذا الكبائر.
قالوا: علّق الله غفران مادون الشرك بالمشيّة فدلّ على أنّه يغفر بعض مادون الشرك.
قلنا: المفهوم ضعيف، ولأنّ غفران جميع مادون الشرك إنّما يقع بالمشيّة.
قالوا: شرط الله في تكفير السيّئات اجتناب الكبائر في قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(2). فلو جاز تكفير الكبائر بطل معنى الشرط.

1. النساء (4)، الآية 48.   2 . النساء (4)، الآية 31.

صفحه 260
قلنا: الخطاب في الآية للحاضر فجاز كون الغائب بخلافه، وفي الجملة الأُولى وهي: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)(1) إضمار «هو» تفضّلا(2)فيجب أن يكون مضمراً في قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)(3) أي تفضّلا لا بالتوبة، لأنّ غفرانه بالتوبة إنّما يكون واجباً والمغفور تفضّلا لا يكون إلاّ كبيراً لأنّ الصغير يقع مكفّراً.
قالوا: اشتراط المشيّة فيما دون الشرك يوجب التوقّف وعدم القطع، لأنّ الشرط دخل المغفور لا فيما يغفره.
قلنا: إنّما يجب ذلك أن لو قال: «و يغفر مادون ذلك ان شاء» و قد علمنا الفرق بين ذلك وبين «لمن يشاء».
و لنا أيضاً: (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)(4)، (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ)(5)، و «على» تدلّ على الحال مثل: لقيت الأمير على أكل.
قالوا: فيدخل الشرك، لقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(6) وهو باطل.
قلنا: خرج بالإجماع ويجوز إطلاق العام وإرادة الخاص، وهو كثير مستعمل.

1. النساء (4)، الآية 116.
2. تفصيلا «ح»، وهكذا الموارد الآتية.
3. النساء (4)، الآية 116.
4. الزمر (39)، الآية 53.
5. الرعد (13)، الآية 6.
6. لقمان (31)، الآية 13.

صفحه 261
قالوا: يلزم الإغراء بالذنوب لعدم الضرر آجلا، ولوجود الالتذاذ عاجلا.
قلنا: إنّما الإغراء مع وجوب العفو كمذهب المرجئي لا مع جوازه.
قالوا: نؤوّل الآية بأنّه ذو مغفرة للناس على ظلمهم مع التوبة.
قلنا: مع التوبة يخرجون عن كونهم ظالمين.
قالوا: لا لعدم اشتراط بقاء المعنى في صدقه.
قلنا: خرجوا شرعاً.
و لنا: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى)(1). وهذا هو الكافر والفاسق ليس بكافر فلا يصلاها.
قالوا: تنكير النار في الإثبات دليل عدم العموم فيجوز أن يكون هناك نار لا يصلاها إلاّ الأشقى ولايمتنع(2) أن يكون هناك نار أُخرى يصلاها(3)غير الأشقى وهو الفاسق.
قلنا: عمّت بقرينة تلظّى فإنّها صفة لكلّ نار لأنّه لا يوجد نار يعذّب بها إلاّ تلظّى، على أنّه يمكن حمل «لا يصلاها» على أنّه لايستحقّ أن يصلاها أو لأن يصلاها على الدوام، ولله المنّة.

1. الليل (92)، الآية 14 ـ 16.
2. ولايمنع «ح».
3. نار وهو يصلاها «ح».

صفحه 262
 
فصل
   

في الشفاعة

لا خلاف في ثبوت شفاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أمره الله بها في قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)(1). والفاسق مؤمن على المذهب الحق; فالأمر إمّا للوجوب أو الندب وإنّما كان يحصل الغرض لامتناع إخلاله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالواجب، ولشدّة شفقته على أُمّته، و عندنا جواز الشفاعة لأئمّتنا وصالحينا لما أورده الإمام أبوعلي الفضل بن الحسن الطبرسي حيث قال: صحّ مرفوعاً إلى النبي(عليه السلام) أنّه قال:
«إنّي أشفع يوم القيامة فأشفّع، ويشفع عليٌّ فيشفّع، ويشفع أهل بيتي فيشفّعون، وانّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين من إخوانه كلٌّ قد استوجب النار»(2).
وفي موضع آخر في ثلاثين(3).
واعلم أنّ الشفاعة قد تكون في طلب المنافع كمن يشفع لملك أن

1. محمّد (47)، الآية 19.
2. مجمع البيان، ج 1، ص 104، (ذيل آية 48 من البقرة).
3. الكافي، ج 8 (روضة الكافي)، ص 87، ح 72.

صفحه 263
يجعل لفلان وصيّه، وقد يكون في دفع المضارّ كمن يشفع إلى ملك ليسقط عن فلان عقوبته، فالمعتزلة على أنّ شفاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في زيادة المنافع بناءً منهم على عدم جواز العفو عن الفاسق. والمرجئة والإماميّة على أنّها في إسقاط المضارّ بناءً على جوازه وقد سبق تحقيقه.
لنا: انّ المتبادر والأشهر في الشفاعة إنّما هو في إسقاط المضارّ، ولو كانت في زيادة المنافع لكنّا شافعين في النبيّ حيث قلنا: وارفع درجته.
إن قالوا: الرتبة معتبرة بين الشافع والمشفوع فيه ولا رتبة(1) لنا عليه بل الرتبة له(صلى الله عليه وآله وسلم).
قلنا: نمنع اعتبار الرتبة ولو اعتبرت لاعتبرت بين الشافع والمشفوع وهو باطل بشفاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بريرة وهي أخفض منه، ولقوله(عليه السلام): «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي»(2). ولأنّ المحتاج إليها الفاسق دون الطائع.
احتجّوا بقوله تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)(3).
قلنا: الناصر هو المغالب ولا مغالب له تعالى والشفاعة سؤال وخضوع فبينهما تناف، فإنّا نعلم أنّ بعض الرعية لو سأل الملك العفو عن ضعيف مسيء لايكون ناصراً له من الملك.
قالوا: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَ لاَ شَفِيع يُطَاعُ)(4).

1. فلا رتبة «ح».
2. مجمع البيان، ج 1، ص 104 (تفسير آية 48 من سورة البقرة).
3 . البقرة (2)، الآية 270.   4 . النساء (4)، الآية 64.

صفحه 264
قلنا: نفي المطاع لايلزمه نفي المجاب.
قالوا: ذكر أهل المعاني أنّ المراد نفي الشفيع مطلقاً، مثل (لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً)(1)، والمراد نفي السؤال مطلقاً. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد
تَرَوْنَهَا)(2)، والمراد نفي العمد مطلقاً. وقال مسلم بن الوليد (2):
لا يعبق الطيب خدّيه (3) ومفرقه(4) *** ولا يمسح عينيه من الكحل
والمراد نفي الطيب والكحل مطلقاً.
قلنا: قال المرتضى: «إنّ على المتعاطي لتفسير كلام الله أن يذكر الوجوه الّتي يحتملها اللفظ، وليس عليه تعيين مراد اللافظ، فإنّ ذلك مغيب عنه». فنقول: إذا احتمل اللفظ الوجهين وجدنا الترجيح معنا بمعاضدة الآيات والروايات.
قالوا: فقوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ)(6)، (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(7).
قلنا: محمولات على الكفّار جمعاً بين الأدلة، وهذا الحمل صالح لجميع ماتمسّكوا به.

1. البقرة (2)، الآية 273.   2 . لقمان (31)، الآية 10.
2 . هو أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري بالولاء، المعروف بصريع الغواني، شاعر غزل، وهو من أهل الكوفة، نزل بغداد ومدح الرشيد والبرامكة واتصل بالفضل بن سهل فولاّه بريد جرجان، فاستمر إلى أن مات بها سنة 208 هـ . الأعلام ج 7، ص 223.
3. في بعض المصادر: كفيه. راجع أعيان الشيعة، ج 9، ص 301 ; تاريخ بغداد، ج 14، ص 336.
4. معرفة «ح».   6 . البقرة (2)، الآية 123.   7. المدّثّر (74)، الآية 48.

صفحه 265
قالوا: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)(1) والفاسق غير مرتضى.
قلنا: مرتضى إيمانه أو لمن ارتضي أي أذن، لقوله (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(2)، (لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)(2)، ولأنّ الرضا المذكور لايتعلّق بذواتهم بل بإيمانهم وطاعاتهم فلابدّ من إضمار، فعندهم المضمر الإيمان والطاعات وعندنا الشفاعة، أي لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى الشفاعة له.
قالوا: قد ثبت حسن الرغبة إليه تعالى أن يجعلنا من أهل شفاعة نبيّه، ولو كانت الشفاعة مخصوصة بالعصاة لكنّا راغبين إلى الله في أن يجعلنا عصاة وهو قبيح.
قلنا: هذا معارض بما ثبت من حسن الرغبة أن يجعلنا من التوابين المستغفرين، لأنّ ذلك لايكون إلاّ من الذنوب وقد اتّفقنا على جوازه، ومتى منعوا منه منعنا نحن من سؤال الشفاعة، ومتى قالوا: إنّ الدعاء بهذين مشروط بأنّا متى فعلنا ما نستحق به العقاب; قلنا: لهم ذلك في الشفاعة.
قالوا: بل معناه «اللهم الطف بنا حتّى نكون من التوابين» ومثل هذا لا يمكن في الشفاعة.
قلنا: بلى، فإنّ لنا أن نقول: المعنى «اللهم اخطرنا على قلوب الشافعين فيشفعون فنكون من المشفوعين».

1. الأنبياء (21)، الآية 28.   2 . البقرة (2)، الآية 255.
2. النجم (53)، الآية 26.

صفحه 266
 
فصل

في عذاب القبر

و الكلام إمّا في ثبوته، أو في حكمته، أو في وقته، أو في كيفيّته.
أمّا ثبوته فمجمع عليه إلاّ من ضرار بن عمر. وطريقه السمع خاصّة في قوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا)(1) و «الفاء» للتعقيب ونار الخلود ليست حاصلة على التعقيب، وفي
قوله: (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )(2)، ففي القبر إحدى الحياتين. وفي قوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا)(2) دلّ الغدوّ والعشي والعطف بالساعة على عذاب القبر، وفي صحيح مسلم والبخاري قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
«إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة، وإن كان من أهل النار فمن النار، يقال: هذا مقعدك حتّى يبعثك ربّك».(3)

1. نوح (71)، الآية 25.   2 . غافر (40)، الآية 11.
2. غافر (40)، الآية 46.
3 . صحيح البخاري، ج 2، ص 103، باب ما جاء في عذاب القبر; صحيح مسلم، ج 8، ص 160، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار.

صفحه 267
و فيما روي عنه(عليه السلام):
«أنّه مر بقبرين؟ فقال: إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير، انّ أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر لا يتنزّه من البول»(1)، وغير ذلك من الأخبار، وسيأتي شيء منهما.
إن قيل: فالمصلوب يستمرّ دهراً ولايرى عليه آثار العذاب.
قلنا: لايلزم من العذاب إدراك أثره.
إن قيل: وكم من ميّت نبش ولم ير عليه أثر العذاب.
أجبنا بما سلف، وبأنّه يجوز أن يأخّر الله عذابه لعلمه بأنّه نبش ثمّ يعذّبه بعد ذلك، أو يخلّص النفس وهي الأجزاء الأصليّة منه، فيعذّبها.
إن قيل: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ الميّت ينضرب في قبره بمرزبة يسمعها المخلوقات ماعدا الثقلين»(2)، كيف ذلك ونحن صحيحو السمع؟!
قلنا: لا استبعاد في أن يرسل الهواء بالصوت إلى بعض دون بعض.
و أمّا وجه الحكمة منه، فلعلم المكلِّف تعالى من صلاح المكلّفين ولطفهم فيكون إعلام المكلّف بذلك على الطاعة باعثاً وعن المعصية زاجراً.
و أمّا وقته، فيجوز أن يكون بين النفختين، ويجوز أن يكون حال وضعه في القبر.

1 . صحيح البخاري، ج 1، ص 61، باب المسح على الخفّين.
2 . راجع بحار الأنوار، ج 6، ص 237 ; تفسير السمرقندي، ج 2، ص 243 .

صفحه 268
و أمّا كيفيّته، فإنّ الله يحييه ويعيد عليه عقله لامتناع إدراكه العذاب من دون الحياة، ثمّ يأتيه الملكان فيسألانه فيعذبانه أو يبشّرانه، وقال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ)(1). قال الإمام الطبرسي: «أجمع المفسّرون على أنّهم أحياء على الحقيقة، قال: وهو الصحيح»(2)، وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) بطريقين:
«إذا دخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما ويخدّان(2) الأرض بأصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان: مَن ربّك؟ ومَن نبيّك؟ فيقول: الله ربّي وديني الإسلام ونبيّي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقولان: ثبّتك الله فيما تحب وترضى وهو قول الله جل وعز : (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (4)، ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره ويفتحان له باباً إلى الجنّة ويقولان: نم قرير العين نوم الشباب الناعم، فإنّ الله يقول:
(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً)(3)، قال: وإذا كان لربّه عدوّ يأتيه أقبح من خلق الله زيّاً وأنتنه ريحاً، ويقول: أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم، فإذا دخل القبر أتاه ممتحناه فألقيا أكفانه وقالا: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك، فيقول: لا أدري، فيقولا: لا دريت ولا هديت، فيضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ما خلق الله

1. البقرة (2)، الآية 154.   2 . مجمع البيان، ج1، ص 236.
2. يحدّان «ح».   4 . إبراهيم (14)، الآية 27.
3. الفرقان (25)، الآية 24.

صفحه 269
من دابّة إلاّ يذعر لها ما خلا الثقلين، ثم يفتح له باب إلى النار، ويقولان: نَم بشرّ حال فيه، من الضيق ما فيه حتى أنّ دماغه يخرج من بين ظفره ولحمه ويسلّط الله عليه حيّات الأرض وعقاربها وهوامّها فتنهشه حتّى يبعثه الله من قبره وانّه ليتمنّى قيام الساعة ممّا هو فيه من الشرّ»(1).
ونحوه عن الصادق(عليه السلام) إلاّ أنّ فيه: «يفسح للمؤمن في قبره تسعة أذرع، ويسلّط على الكافر تسعة وتسعون تنّيناً لو أنّ واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت(2) شيئاً أبداً»(2).
و روى جابر عن الباقر(عليه السلام)أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«كنت أنظر إلى الغنم وإلى الإبل وأنا أرعاها - ليس من نبيّ إلاّ ورعى الغنم - كنت أنظر إليها قبل النبوّة وهي منكبة(3) ماحولها شيء يهيّجها حتّى تذعر وتطير، فأقول: ما هذا؟ وأعجب حتّى حدّثني جبرئيل(عليه السلام): إنّ الكافر يضرب ضربة ما خلق الله شيئاً إلاّ سمعها فتذعر لها إلاّ الثقلين، فقال: ذلك ضربة الكافر، فنعوذ بالله من عذاب القبر»(4). وعن أبي جعفر(عليه السلام) مثله من طريق آخر.
و حدّث عليّ بن الحسين(عليه السلام) ضمرة:

1 . الكافي، ج 3، ص 231، ح 1 .   2 . ما ثبت «ح».
2. الكافي، ج 3، ص 236، ح 7 .
3. في الكافي هكذا: «و هي متمكّنة في المكينة».
4. الكافي، ج 3، ص 233.

صفحه 270
«انّ الميّت يناشد حامليه»، فقال ضمرة: إن كان يتكلّم يوشك أن يثبّ عن أعناق حامليه، فقال(عليه السلام): «اللّهم إن كان ضمرة مهزيّاً بحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فخذه»، فمات بعد أربعين يوماً، فلمّا دفن جاء مولى له إلى علي بن الحسين(عليه السلام) وقال: وضعت وجهي حين سوّى عليه فسمعته يقول: يابن معبد اليوم خذلك كلّ خليل وصار مصيرك إلى الجحيم فيها بيتك والمقيل. فقال(عليه السلام): «أسأل الله العافية، هذا جزاء من يهزأ بحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)»(1).
و عن الصادق(عليه السلام) من طرق ثلاثة:
«لا يسأل في القبر إلاّ من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، والآخرون ملهى عنهم»(2). ونحوه عن أبي جعفر(عليه السلام)(2).
وعن الصادق(عليه السلام) «يسأل وهو مضغوط»(3).
وقال أبوبصير للصادق(عليه السلام): أ يفلت من ضغطة القبر؟ فقال(عليه السلام): «نعوذ بالله منها! ما أقلّ من يفلت منها انّ النبيّ وقف على قبر رقية ورفع رأسه إلى السماء ودمعت عيناه، ثمّ قال: استوهبتُها من ضمّة القبر، فوهبها الله لي. ولمّا خرج من جنازة سعد وقد شيّعه سبعون ألف ملك قال: أَوَ مثل سعد يضمّ»(4).

1. الكافي، ج 3، ص 234، ح 4.            2 . الكافي، ج 3، ص 235، ح 1، فيه «يلهون».
2. نفس المصدر، ح 3.
3. نفس المصدر، ص 236، ح 5.
4. نفس المصدر، ح 6.

صفحه 271
و عن أبي جعفر:
«يسأل عن الحجة القائم، فيقول المؤمن: هو إمامي، فيقال: نم أنام الله عينك ويفتح له باب من الجنة فلايزال ينفخه من ريحها إلى القيامة، ويقول الكافر: سمعت وما أدري، فيقولان: لا دريت، ويفتح له باب من النار فلايزال ينفخه من حرّها إلى يوم القيامة»(1).
و عن الكاظم(عليه السلام):
«يقال للمؤمن في قبره: مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومَن نبيّك؟ فيقول: الله والإسلام ومحمّد. فيقال: مَن إمامك؟ فيقول: فلان. فيقال: كيف؟ فيقول: هداني الله وثبّتني، فيقال: نم نومة لا حلم فيها، نومة العروس ويفتح له باب إلى الجنّة فيدخل عليه من رزقها وريحانها، فيقول: ربّ عجّل قيام الساعة لعلّي أرجع إلى أهلي ومالي; ويقال للكافر: مَن ربّك ودينك ونبيّك؟ فيقول: الله والإسلام ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقولون: ممّن علمت؟ فيقول: سمعت الناس يقولون، فقلت فيضربانه بمرزبة لو اجتمع عليها الثقلان الإنس والجنّ لم يطيقوها، فيذوب كما يذوب الرصاص، ثمّ يعيدان فيه الروح فيوضع قلبه بين لوحين من نار، فيقول: ياربّ أخّر قيام الساعة»(2).
و عن الصادق(عليه السلام):
«يزدحم الملائكة على تشييع المؤمن إلى قبره فإذا انتهى إليه قالت له

1. نفس المصدر، ص 237، ح 8.            2 . نفس المصدر، ص 238، ح 11.

صفحه 272
الأرض: مرحباً بك وأهلاً قد كنت أحبّ أن يمشي عليَّ مثلك ليرى ما أصنع بك فيوسع له مدّ بصره ويدخل عليه قعيدا القبر: منكر ونكير، فتلقيان فيه الروح إلى حقويه ويقعدانه ويسألانه من ربّك ودينك ونبيّك وإمامك؟ فيقول: الله، والإسلام، ومحمّد، وفلان. فيُناديا من السماء: صدق عبدي افرشا له في قبره من الجنّة وافتحا له باباً إليها وألبساه من ثيابها حتّى يأتينا وما عندنا خير له، ثمّ يقال له: نم نومة عروس لا حلم فيها; قال: والكافر تشيّعه الملائكة إلى قبره يلعنونه وتخاطبه الأرض على ضد المؤمن وتضيق عليه حتّى تلتقي جوانحه ويأتيه قعيدا: القبر منكر ونكير. قال أبوبصير: يأتيان المؤمن والكافر في صورة واحدة؟ قال: لا، فيلقيان ] فيه [ الروح إلى حقويه ويقعدانه ويقولان: مَن ربّك؟ وما دينك؟ ومَن نبيّك؟ فيتلجلج فيقولان: لا دريت، ويسأل عن إمام زمانه، ويُنادى من السماء: كذب عبدي، افرشا له في قبره من النار وافتحا له باباً إليها وألبساه من ثيابها حتّى يأتينا وما عندنا شرّ له، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلاّ يتطاير قبره ناراً ولو ضرب بها جبال تهامة لكانت رميماً ويسلّط عليه
في الميزان   
الحيّات تنهشه والشيطان يغمّه ويسمع عذابه خلق الله إلاّ الجنّ والإنس وانّه ليسمع خفق نعالهم ونقض أيديهم وهو قول الله: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)(1) الآيه(2).

1. إبراهيم (14)، الآية 27.
2. الكافي، ج 3، ص 239، ح 12.

صفحه 273
و سئل الصادق(عليه السلام) عن المصلوب يصيبه عذاب القبر؟ فقال:
«إنّ ربّ الأرض هو ربّ الهواء يوحى إليه فيضغطه ضغطة أشدّ من ضغطة القبر»(1).

فصل

وفيه أطراف

1) الميزان، قال الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً)(2) ونحوها، وفيه أحاديث عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(3). واختلف فيه فذهب جماعة إلى أنّه عبارة عن العدل في أهل الموقف ، وعلى هذا قوله تعالى: (وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ)(4). وجماعة إلى أنّه ذوالكفتين، لأنّه حقيقة فيه فلا يحمل على المجاز الّذي هو العدل إلاّ لمانع، قال الأوّلون: المانع كون الأعمال أعراضاً لاثقل فيها فتوزن فيه، أجابوا: لجواز وزن الصحف أو يجعل في كفّة نوراً علامة الطاعات وفي أُخرى ظلمة علامة المعصيات.

1. الكافي، ج 3، ص 241، ح 17.
2. الأنبياء (21)، الآية 48.
3. راجع بحار الأنوار، ج 7، (كتاب العدل والمعاد، باب 10)، صص 242 - 253.
4. الحديد (57)، الآية 25.

صفحه 274
2) المحاسبة، قال الله سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً)(1) الآية، ونحوها. وفيها أحاديث أيضاً.(2) ويخلق كلام يقرب من سمع كل مكلّف، وعلى هذا قال تعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْس وَاحِدَة)(3).
3) المساءلة، قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)(4) ونحوها وفيها أحاديث أيضاً(4) لا وجه للتطويل بذكرها.
4) نشر الصحف، قال تعالى: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)(5) ونحوها وفيه أحاديث أيضاً.
5) تطيير الكتب، قال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً)(7) ونحوها، وفيه أحاديث(6).
6) إنطاق الجوارح، قال تعالى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ)(7) إلى قوله: (أَنْطَقَنَا اللهُ الذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء)(10) ونحوها، وفيه
في الصراط   
أحاديث(8).

1. الانشقاق (84)، الآية 7 - 8.
2. راجع بحار الأنوار، ج 7، صص 253 - 277، باب 11 (محاسبة العباد).
3. لقمان (31)، الآية 28.   4 . الحجر (15)، الآية 92.
4. راجع بحار الأنوار، ج 7، صص 277 - 285.
5. التكوير (81)، الآية 10.   7 . الاسراء (17)، الآية 13.
6. راجع بحار الأنوار، ج 7، (كتاب العدل والمعاد، باب 16)، صص 306 - 325.
7. فصّلت (41)، الآية 20 .   10. فصّلت: 21 .
8. راجع بحار الأنوار، ج 7، (كتاب العدل والمعاد، باب 16)، صص 306 - 325.

صفحه 275
و صورة الإنطاق إمّا بأن يخلق تلك الأعضاء احياء عاقلة فتشهد، فتقدير الآية حينئذ: «شهد عليهم ما كان سمعهم وكان بصرهم وكان جلودهم» ويكون المراد «بأنطقنا» خلق فينا الإقدار على النطق; وإمّا بأن يخلق فيها كلاماً يتضمّن الشهادة، ويكون المراد فعل فينا النطق.
7) الصراط، وذكرُه مشهور في الكتاب الإلهي والخبر النبويّ(1); واختلف فيه، فقيل: هو طريق إلى الجنّة يسهل سلوكه على أهلها، وإلى النار يصعب سلوكه على أهلها، و يتهافتون منه إليها(2).
قالت الحشوية: وهو أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف. قال الغزالي حيث مثّله بالخط الهندسي، وفيه نظر إذ ما هذا شأنه يمتنع المرور عليه. وقيل: المراد به الأدلّة الواضحة، وقال جهم بن صفوان: هو العبادات، وهما مجازان لايعدل إليهما عن الحقيقة لغير مانع. وحقيقة الصراط هوالطريق. وقد أوردنا في كتابنا المسمّى بـ «الصراط المستقيم» جملة أحاديث من طريقي العامّة والخاصة «انّ الصراط المستقيم محمّد وأهل بيته» ، ومنها ماهو مخصوص بولاية علي صلوات الله عليه فليراجع منه(3). ولا ينافي ذلك انّ الصراط هو الطريق لأنّهم طريق النجاة، ويكون لفظ الطريق مقولا

1. راجع بحار الأنوار، ج 8، (كتاب العدل والمعاد، باب 22)، صص 64 - 71.
2. أورد الإمام الطبرسي في تفسير سورة البلد أقوالا في المراد بـ «العقبة» ثالثها «الصراط... في جنبه كلاليب وخطاطيف كشكوك السعدان فمرتاح ومكردس، واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء». مجمع البيان، ج 10، ص 495.
3. مجمع البيان، ج 1، في تفسير «اهدنا الصراط المستقيم». وراجع الصراط المستقيم، ج 1، صص 283 - 285، ونهج الايمان، ص 539، وتصحيح الاعتقاد ، ص 108.

صفحه 276
على القدر المشترك من كلّ ما يوصل به إلى مطلوب أو يسلك فيه إلى مرغوب أو مرهوب.

تذنيب

الحكمة في جميع ذلك أمّا في الدنيا فاللطف، لأنّ علم المكلّف بها يبعث على الطاعة ويزجر عن المعصية، وأمّا في العقبى فتعجيل لسرور المؤمن وغمّ الكافر.
في التوبة   

صفحه 277
 
فصل

في التوبة

و هي الندم المقرون بالأسف على ما فرّط في الماضي والعزم على ترك المعاودة في المستقبل. واختلف في العزم، فقيل: شطر لتألّفها منهما، وقيل : شرط لأنّ العزم إرادة فلا يتعلّق بالترك، وفيه منع. وقيل: لازم، وفيه نظر لجواز(1) غفلة النادم عن العزم على الترك ولا وجود لملزوم بدون لازم. ويظهر من قول أبي علي «بجوازها من قبيح دون آخر» عدم اعتبار العزم، لأنّ المندوم عليه في الماضي غير المعزوم عليه في الآتي.
و التوبة واجبة عن الكبيرة لدفعها الضرر وزمانها قبل أشراط الساعة. لما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
«بادروا بالأعمال ] قبل[ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وحويصة أحدكم - يعني الموت - وأمرالعامة - يعني القيامة-».(2)

1. لزوال غفلة «ح».
2 . بحار الأنوار، ج 6، ص 296 ; مجمع البيان، ج 3 ـ 4، ص 388، تفسير الآية 158 من سورة آل عمران. وفيه خويصة بدل حويصة، وفي البحار: خريصة أحدكم.

صفحه 278
و قيل: يجوز أن يحجب عن التوبة عند بعض هذه دون بعض. وامّا عن الصغيرة فقيل: لا، لوقوعها مكفّرة بالأعمال الصالحة،و لأنّ الله ضمن غفران الصغيرة في قوله: (إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)(1) على ما قاله ابن مسعود والشعبي.
و اختلف في إسقاطها للعقاب. فقال القاضي: تسقط بمجردها، وقال البلخي: تسقط بإسقاط الله إيّاه، فقيل: ذلك تفضّلا، وقيل: وجوباً، قال الإمام الطبرسي: وعلى الوجوب إجماع الأُمّة ويجب عن القبيح، سواء كان فعلا بحرام أو إخلالا بواجب لقبحه، ولا تصحّ من قبيح دون آخر على مذهب أبي هاشم وتصحّ على مذهب أبيه(2)، وسيأتي القول فيه. و شرطنا «الأسف» ليخرج المعفوّ عنه من أهل الجنّة فلا يجب التوبة على ذلك من أهل الجنّة لعدم الكدر فيها. قيل: ويسقط بها جميع المعاصي إلاّ ما يحكى عن ابن عباس: انّها لا تسقط. قيل: المؤمن لأنّها تسقط عقاب الكفر وهو أعظم منه. وشرطنا التوبة للقبح، لأنّه لو تاب لغرض آخر كمن يتوب عن السكر لدفع الصداع أو عن القبيح لخوف النار لم يقبل.
ثمّ اعلم أنّه لو جهل ما فعل أ هو كبير أو صغير؟ وجبت التوبة لدفع الضرر المظنون.
قيل: ولو اعتقد المكلّف حسن بعض الكبائر ثمّ عمل كبيرة وتاب

1. النجم (53)، الآية 32.
2. وبه قال أصحابنا وصاحب الياقوت منّا أيضاً.

صفحه 279
عنها وقعت توبته محبطة في جنب ذلك الاعتقاد، كالخارجي المعتقد حسن قتل المسلم إذا أقدم على كبيرة وتاب عنها.
حجّة أبي هاشم اشتراك القبائح في القبح كمن يتوب عن مطعوم لوصف مشترك ولم يتب عن مثله، فالتوبة عن واحد دون آخر يلزمها وقوعها عن شيء واحد وهو القبح و نفيها عنه وهو تناقض.
حجّة أبي علي صحّة الإتيان بواجب لوجوبه دون آخر فكذا تصحّ التوبة عن قبيح لقبحه دون آخر، فإن لزم من الاشتراك في القبح عدم التوبة عن البعض لزم من الاشتراك في الوجوب عدم الإتيان بالبعض، وهذا باطل فكذا أُجيب بأنّ الإتيان بكلّ واجب في وقت واحد ممتنع بخلاف الإخلال بكلّ قبيح.
قال أبوعلي: لو لم تصحّ من قبيح دون آخر لم تصحّ من قبيح حتّى يتوب عن حسن، كمن أقدم على كبيرة وهو يعتقد بطلان النبوّة ولكنّه يعتقد صحّتها لهوى نفسه أو لعوض دنياوي، فإنّ توبته عن الكبيرة لاتقبل على مذهب أبي هاشم إلاّ مع التوبة عن اعتقاد صحّة النبوّة حسن فلايتوب عن الكبيرة حتّى يتوب عنه وهو محال(1).
أجاب أبوهاشم بأنّ ما يدعوه إلى التوبة عن النبوّة لقبحها يدعوه إلى التوبة عن صحّة النبوّة وإن لم يكن اعتقاده جهلا قبيحاً.

1. قال الجرجاني: لا فرق بين الفعل والترك فإنّ أكل الطعام قد لا يكون لذلك الوصف فقط لجواز الميل الطبيعي إلى أخصّ منه أو اعتقاد يقع فيه فلايجب التعميم أمّا الترك فلاخصوصية فيه لبعض منعم.

صفحه 280
قال أبوعلي: أجمعت الأُمّة على قبولها عن قبيح دون آخر، أجاب أبوهاشم بمنع الإجماع بل المروي عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في بعض خطبه عدم الصحّة. وعن القاسم بن إبراهيم، وعن الرضا، وعن واصل بن عطاء، وعن جعفر بن مبشر، وعن بشر بن المعتمر، وغيرهم فلا إجماع.
قال أبوعلي: يلزم أبا هاشم انّ الّذي إذا كسر قلماً لغيره ثمّ تاب عن ذنبه أن لا تقبل توبته، وهو باطل إجماعاً. وقول أبي هاشم قويّ جداً إلاّ أن يقال: يجب التوبة عن القبيح لقبحه، ولوجه قبحه، ولاشكّ أنّ وجوه القبح مختلفة بالشدّة والضعف فجاز أن يدعو بعضها إلى التوبة دون بعض فإنّه لايلزم من اشتراكها في مطلق القبح اشتراكها وتساويها في وجوه القبح.

تذنيب

ربّما وجد عن أبي علي: انّ القبائح إن اتّحد جنسها لم تصحّ التوبة عن بعضها كمن يتوب عن شرب قدح خمر مع الإصرار على شرب آخر وإن اختلف الجنس فتجب عن البعض، وربّما اعتبر العظم وإن اتّحد الجنس فمن تاب عن الزنا بشريفة دون وضيعة صحّت توبته بخلاف من تاب عن الزنا بإحدى متساويتين دون الأُخرى. وهذان يؤمنان إلى ما ذكرنا من اختلاف وجوه القبح.
   

صفحه 281
الباب (الحادي والعشرون)
الإمامة
وفيه فصول

صفحه 282
في الإمامة   

(الفصل) الأوّل

الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص ذكر إنساني نيابة عن نبيّ نصبه في حياته ليتصرّف بعد وفاته.
واختلف في وجوب نصب الإمام، فالأصمّ المعتزلي (1) وجماعة من الخوارج نفوه، والموجبون له اختلفوا في مدرك وجوبه، والجبائيان والأشعرية والمحدثون هوالسمع، وأبو الحسين البصري والبغداديون والإماميّة هوالعقل.
و الموجبون له عقلا اختلفوا في محله: فالإمامية هوالله سبحانه، وأبو الحسين والبغداديون هوالعقلاء.
لنا: على الوجوب عقلا عليه تعالى: انّ الإمام لطف يقرّب من الطاعة ويبعّد من المعصية، وهذا ضروري ولايسدّ غيره مسدّه لإلجاء جميع الخلق إليه دون غيره واللطف واجب على الله سبحانه وقد سلف.
إن قيل: لمَ لايكون في الإمام مفسدة يعلمها الله دوننا فينبغي الوجوب

1 . هو أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي، فقيه مفسّر، توفّي نحو 225 هـ . الأعلام: 3 / 323 .

صفحه 283
عنه بخلاف الوجوب علينا إذ يكفي ظنّ نفيها في حقّنا.
قلنا: وجوه المفاسد محصورة لتكليفنا اجتنابها ونعلم يقيناً عن الإمام نفيها، ولأنّ المفسدة إمّا لازمة للإمامة فلايوجد من الله إمامة لامتناع المفسدة منه، إذ لايوجد الملزوم بدون لازمه(1) ولكن قد وجد من الله إمامة في قوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(2); وإمّا مفارقة فيجوز انفكاكها فتجب حينئذ، وفيه نظر إذ لايلزم من جواز الانفكاك وقوعه لعدم وجوب وقوع الجائز.
إن قلت: هذا وجوب غيريّ عند تحقّق العلّة.
قلت: ننقل الكلام إلى عدم وجوب تحقّق العلّة.
إن قيل : فإمامكم لغيبته لا لطف فيه لعدم تصرّفه فلايجب على الله لعدم إخلاله بالواجب.
قلنا: نفس وجوده لطف لتجويز الحياة في كلّ وقت ظهوره فيهم فيأخذهم بجرائمهم، وتصرّفه لطف يأتي موقوف بعد وجوده وقبوله على مساعدة رعيته وقبولها لأوامره ونواهيه وهذا قد أخلّت الرعية به.

1. من «لامتناع المفسدة...» إلى «...بدون لازمه» ليس في «ح».
2. البقرة (2)، الآية 124.

صفحه 284
في صفات الإمام   
 
الفصل الثاني

في صفات الإمام، وفيه إبحاث

(البحث) الأوّل

ذهبت الإمامية والسبعية إلى وجوب عصمته. وخالف من عداهم.
لنا: لولا هي لزم التسلسل، إذ المقتضي لوجوبه جواز خطأ رعيّته، فإذا جاز عليه ما جاز عليها ان لم يفتقر إلى إمام يكون لطفاً له لزم مع الإخلال(1)بالواجب الترجيح بلا مرجّح، وإن افتقر فإمّا إلى جائز الخطأ وظاهر فيه عدم تناهي الأئمّة، ويلزم من عدم تناهيها عدم وجود المكلّفين لاشتراط وجودهم باللطف فيقف وجودهم على أئمّة غيرمتناهية فلا يوجدون، وامّا إلى ممتنع الخطأ وهو المطلوب، ولأنّه حافظ الشرع لعدم إحاطة الكتاب والسنّة به والإجماع، لأنّه إن استند إلى دليل وجبت شهرته، وإن استند إلى أمارة فالخلق لايتّفقون على أمارة، وإن يسند كان باطلا والقياس باطل في نفسه والبراءة الأصلية ترفع جميع الأحكام، فلم يبق سوى الإمام ولو جاز

1. مع الاختلال «ح».

صفحه 285
خطاؤه جاز أن يزيد فيه وينقص منه عمداً أو سهواً فلا يوثق به وهو يناقض الغرض من وضعه.
قيل: لِمَ لايكون المجموع حافظاً وان لم يكن كلّ واحد كافياً.
قلنا: لا يصحّ ذلك إذ الفروع الّتي لا تتناهى يمتنع حصرها في طرق(1)متناهية.
ثمّ اعلم أنّ العصمة لطف يفعله الله بالشخص بحيث لايتوجّه داعيه إلى فعل معصية وترك طاعة مع القدرة عليهما، وقيل: لا، وهو باطل وإلاّ لم يستحقّ مدحاً ولا ذماً لوجود الإلجاء المنافي للتكليف.

البحث الثاني

يجب كون الإمام أفضل من رعيّته لأنّه لو ساواها ليرجّح بلا مرجّح عليها، وإن كان مفضولا عنها قبح عقلا تقديمه عليها ولهذا ذمّ الله الذين لا يعتبرون وللمرجوح يرجّحون (2) بقوله: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّى إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(2) في العلم والكرم والشجاعة وجميع الفضائل النفسيّة والبدنية، ويلزم من ذلك وجوب خلوّه عن جميع المنفّرات، كالبرص والجذام والأبنّة والفضاضة والغلظة وقد نبّه الله بقصة طالوت، على ذلك في قوله: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(4)، ولولا أنّه شرط لم يكن لذلك معنى، وكان أعلم بني إسرائيل في وقته وأشجعهم.

1. في طريق «ح».   2 . لا يعتبرون أي لا يقدّمون الراجح ولا يفضلونه، بل للمرجوح يرجّحون.
2 . يونس (10)، الآية 35.   4 . البقرة (2)، الآية 247.

صفحه 286
 
البحث الثالث
في إمامة علي (عليه السلام)   
اختلف في طريق إثبات الإمام، فالعباسية النص أو الميراث، والزيدية النص أو الدعوة، وأكثر المسلمين النص أو الاختيار. والحقّ تعيين النص للإجماع عليه، ولأنّا شرطنا العصمة فيه وهي خفيّة لا يطّلع عليها بدونه، فوجب من الله العالم بالسرائر فعله، و قد أشار إليه في آيات كثيرة، وصرّح به رسوله في مواضع شهيرة دوّنها المفسرون واعتنى بها الناقلون.
و يبطل الميراث أمّا عند الجمهور فلما رووه من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لانورّث، ما تركناه صدقة»(1)، وأمّا عندنا فيلزم انتقال الإمامة إلى فاطمة(عليها السلام) دون العباس ولم يقل به أحد، وإن اختصّت بالعصبات، فعليّ أولى منه بإجماعنا لتقرّبه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأبويه والعباس بأبيه.
تبطل الدعوة بأنّها لا تجوز إلاّ للإمام فإذا لم تثبت إمامته إلاّ بها لزم الدور. ويبطل الاختيار باشتراط العلم بالعصمة والمشترطة، ولا طريق للمختارين إليه وحسن الظاهر لا يدلّ عليه لوجود النفاق في كثير وقد عرف ذلك من غير نكير، ولأنّ اختيار بعض الأُمّة لا يكفي لأنّه ترجيح بلا مرجّح وجمع الكلّ محال لاختلاف المرعيات وتعطيل الأحكام بتطاول الأوقات،

1 . وهو خبر واحد، لم يعرفه ولم يسمعه ولم يروه يومذاك غير أبي بكر، وإن صار من المتواترات في عهد معاوية. وقد ألّف الشيخ المفيد رسالة حول هذا الحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» ذكر أدلّة الشيعة في ردّ هذا الخبر وردّ الاستدلال به .

صفحه 287
وكيف يكون الرعية المفضولة أئمّة وحاكمة على الأفضل وملزمة له، ولأنّ قوله: «ان اعترف بها»(1) كان حاكماً لنفسه وعليها ومزكّياً لها، وان خرج عنها كيف يقبل حكمها وقد خرج أفضلها وإن أرجحها منها.

البحث الرابع

الإمام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بلافصل عليّ(عليه السلام) لاختصاصه عمّن قبلت بعد النبيّ فيه بالنص و العصمة وكلّ من شرط العصمة قال به(عليه السلام). ووجد النص عليه جليّاً في قوله(عليه السلام): «سلّموا عليه بإمرة المؤمنين»(2)، «أنت الخليفة بعدي»(3)، «أنت وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة»(4)، ولحديث الغدير، والمنزلة المتواترين، وفي قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(5) ولا خلاف في نزولها فيه، إذ تصدّق بخاتمه حال ركوعه، وفي قوله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )(6) وفي قوله: (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(7)، ولظهور المعجز على يده كقلع باب خيبر وغيره، وسيأتي; ولسبق كفر غيره، و لقول أبي بكر: «أقيلوني. وانّ لي شيطاناً

1 . اعترفها «ح»، «ن».
2 . راجع الكافي، ج1، ص 292 ; أمالي الصدوق، ص 436 .
3 . راجع مشارق أنوار اليقين، ص 296 .
4 . راجع بحار الأنوار، ج 39، ص 293.
5. المائدة (5)، الآية 55.
6. التوبة (9)، الآية 119.
7. النساء (4)، الآية 59.

صفحه 288
يعتريني(1)»،(2) ولقول عمر منه: «كانت بيعة أبي بكر فلتة»(3)، وشكّ عند موته في استحقاقه حيث قال: «ليتني كنت سألت رسول الله، هل للأنصار في هذا الأمر حقّ»(4)، وكان جاهلا بالأحكام فلم يعرف الكلالة ولا ميراث الجدّة وقطع يسار سارق; ولأمر عمر برجم حامل، وأُخرى مجنونة فنهاه عليّ(عليه السلام)فقال: «لولا عليّ لهلك عمر»(5)، وشك في موت النبيّ حتّى تلا عليه أبوبكر: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)(6)، وقضى في الحدّ بمائة قضية، وقيل سبعين، وكلّم في الشورى بالخطاء وحيث حكم بقتل الستة إن مضت ثلاثة ولم يختاروا; وآثر عثمان أهله بالأموال وحمى لنفسه، وضرب ابن مسعود، وفتق بطن عمّار ، نفى أباذر، وأسقط القود عن ابن عمر، والحدّ عن الوليد، وأحدث في المدينة أُموراً أوجبت اجتماع الصحابة على قتله واستفاضة ذلك يغني عن نقله، وآوى الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله، وقد روى صاحب كتاب «الشفا» من الجمهور «من أحدث في المدينة حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله». (7) فهذه الأُمور ونحوها دلّت على عدم استحقاق الثلاثة لها.

1. يغرّنى «ح».
2 . راجع بحار الأنوار ج 10، ص 28 و 348 .
3 . راجع صحيح البخاري، ج 8، ص 26، باب رجم الحبلى من الزنا.
4 . راجع بحار الأنوار، ج 28، ص 383 .
5 . راجع مناقب الخوارزمي، ص 81، ح 65 .
6. الزمر (39)، الآية 30.
7 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ج 2، ص 57 .

صفحه 289
 
البحث الخامس
عليّ أعلم الصحابة(1) لشدة حدته، وقوّة نفسه، وملازمة رسوله، ولأنّه أقضاهم بنصّ نبيّه، ولرجوعهم في وقائعهم إليه عمّا اعتمدوا عليه، ولأنّه نفس الرسول، وزوّجه الله بالبتول، واختص بكثرة الشجاعة، وأفضليّة البراعة، وزيادة القناعة، وخرق العادة في عظم العبادة، وملازمة الزهادة، واختص بسبق الإيمان، وأفصحيّة اللسان وبسط البنان، وعلم البيان، وأشرفية الخلق، والدَوَران مع الحقّ، والأخوّة من الله للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ووجوب المودّة من الربّ العليّ، فالتمييز بهذه الكمالات موجب لاستحقاقه جميع الولايات، ولما نظر عزالدين ابن أبي الحديد إلى هذه المزايا الموصوف بها دون البرايا قال:
و خلافة ما إن لها لو لم تكن *** منصوصة عن جيد مجدك معدل
عجباً لقوم أخّروك وكعبك ال *** عالي وخدّ سواك أخدع أسفل(2)
و قال غيره:

1. وقد أخبر بغائبات فعارض بعض قوله: «و لله غيب السموات والأرض». قلنا: ليس ذلك بعلم غيب بل يتلقى من الرسول حيث قال: عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحد إلاّ من ارتضى من رسول، وقد قيل لأمير المؤمنين(عليه السلام): تعلم الغيب؟ فقال: ما هو بعلم غيب بل هو علّمه الله لرسوله فعلّمنيه. قال الطبرسي: ومن قال إنّهم يعلمون الغيب فهو خارج عن الإسلام. قلت: بل هو علم تناقلوه عن جدّهم عن جبرئيل عن ربّهم.
2 . الروضة المختارة (شرح القصائد السبع العلويات) لابن أبي الحديد، ص 153. وفيه «أضرع» بدل «أخدع».

صفحه 290
يأبى الخلافة أن يكون لغير من *** نطق الكتاب بفضله وتنزّلا
و العقل يأبى أن يولّى ربّنا *** في خلقه من لا يكون مكمّلا
و ليس للأُمّة الاختيار وبشهواتها *** قبل أن تنظر في كتاب ربّها
إذ هو تبيان(1) لجميع مهمّاتها، وأجمعت الأُمّة على منع إهمال الخليفة عنها، وعلى أنّ لله خيرة اصطفاها منها لقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)(2)، وعلى أنّ الخيرة المتّقون لقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(3)، وعلى أنّ من المتّقين خيرة هم المجاهدون لقوله: (وَ فَضَّلَ اللهُ الُْمجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ )(4)، وعلى أنّ في المجاهدين خيرة هم السابقون لقوله: (لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ)(5) الآية، وعلى أنّ له خيرة من السابقين هم الأكثر نكاية في أعداء الدين لقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ)(6)، وعلى أنّ عليّاً أكثر جهاداً من أبي بكر فهو أفضل فهو أحقّ.

1. بيان «ح».
2. القصص (28)، الآية 68.
3. الحجرات (49)، الآية 13.
4. النساء (4)، الآية 95.
5. الحديد (57)، الآية 10.
6. الزلزلة (99)، الآية 7.

صفحه 291
واجتمعت أيضاً هم الخاشعون وعلى أنّ الخاشعين هم العالمون لقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(1). وعلى أنّ العالمين هم الأحكمون بالعدل لقوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)(2)، وعلى أنّ الأحكم بالعدل هو الأهدى إلى الحقّ لقوله: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ)(3). فعليّ أحقّ أن يتّبع لأنّه أهدى إلى الحق لقول النبيّ: «أقضاكم عليّ» فهو أعلم، فهو أخشى، فهو أتقى، فهو أكرم، فهو أولى; وأيضاً فالذين كانت الصحابة تأخذ عنهم أبواب شرائعهم خمسة: عليّ وابن عباس وعمر وابن مسعود و زيد بن ثابت; فإذا اجتمعوا يؤمّهم أقرأهم لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)«يؤمّكم أقرأكم»، والاجماع انّ الأربعة أقرأ للكتاب من عمر، ثمّ القرشي أولى لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمّة من قريش» فسقط ابن مسعود وابن ثابت، وبقي علي وابن عباس قرشيّان، وأجمعت على إمامة الأكبر سنّاً والأقدم هجرة للحديث في ذلك وهو عليّ، وفي هذا كفاية لانفراد عليّ بالولاية(4). إذ لا يعدل عن الكتاب والسنّة وإجماع الأُمّة إلاّ من عاند الله ورسوله أو كان قاصر الهمّة وقد ارتجزنا معاني هذا البحث حيث إنّ النظم يدخل الأذن بلا إذن فهو أولى بقبول الذهن فهو أشهى إلى النفس فهو أضبط للدرس فعليك بها إن رمت أن تثبتها.

1. فاطر (35)، الآية 28.
2. المائدة (5)، الآية 95.
3. يونس (10)، الآية 35.
4 . الصراط المستقيم، ج 1، ص 82.

صفحه 292
 
البحث السادس
في إمامة باقي الأئمّة(عليهم السلام) وهم: الحسن بن عليّ، ثمّ أخوه الحسين، ثمّ بلا فصل ابنه عليّ، ثمّ ابنه محمّد، ثمّ ابنه جعفر، ثمّ بلافصل ابنه موسى، ثمّ ابنه عليّ، ثمّ ابنه محمّد، ثمّ ابنه عليّ، ثمّ ابنه الحسن، ثمّ ابنه المنتظر المهدي، بكلمة «اثنا عشر إماماً». فهنا أطراف:

(الطرف) الأوّل: في بلوغ هذا العدد والاقتصار عليه

أخرج صاحب المصابيح من العامّة قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمّة اثني عشر كلّهم من قريش»(1).
وقوله: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» (2).
وقوله: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان».
في إمامة باقي الأئمة(عليهم السلام)   
و أسنده البخاري في الجزء الأوّل من صحيحه(3) عن ابن سمرة، وفي موضع آخر عن عيينة، وعن ابن عمر; ومسلم في صحيحه (4) بطرق عدّة، والثعلبي في تفسيره،(5) وأبو داود في سننه، والحميدي في الجمع بين

1 . بحار الأنوار، ج 36، ص 266 .
2 . بحار الأنوار، ج 36، ص 266 .
3 . صحيح البخاري، ج 4، ص 155; وج 8، ص 104.
4 . صحيح مسلم، ج 6، ص 3 و 121 .
5 . تفسير الثعلبي، ج 8، ص 336 و 337 .

صفحه 293
الصحيحين، وفي الجمع بين الصحاح الستة في مكانين.(1)
وفي تفسير السدي: «أمر الله الخليل بالنزول بإسماعيل في بيته التهامي»، وقال: «إنّي ناشر به ذريّته وجاعل منهم نبيّاً عظيماً ومن ذرّيته اثني عشر عظيماً».(2)
وقد جعل الله لعددهم أمثالا وتعييناً، فقال: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا )(3)، (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً)(4)، (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ
شَهْراً)(4)، (وَ قَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً(5))(6) ; و لمّا بايع النبيّ الأنصار ليلة العقبة قال: «أخرجوا لي منكم اثنى عشر نقيباً»(8)، فعلّم بذلك أنّ هذا العدد طريقاً مطلوباً وأمراً مرغوباً.
و في حديث ابن مسعود: سُئل النبيّ عن عدد الأوصياء، فقال: «(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ)(7) عددهم عدد البروج، وربّ الليالي والشهور والأيّام والأعوام، عددهم عدد الشهور» ثمّ وضع يده على كتف عليّ، وقال: «أوّلهم هذا وآخرهم المهديّ من ولده».(10)
وروى ابن بابويه عن ابن عباس قال: سمعنا النبيّ يقول: «أنا وعليّ

1 . نقلاً عن الصراط المستقيم، ج 2، ص 101 .
2 . نقلاً عن الصراط المستقيم، ج 2، ص 101.
3 . البقرة (2)، الآية 60 .   4 . المائدة (5)، الآية 12.
4 . التوبة (9)، الآية 36 .
5. قال الزجّاج: السبط: الجماعة يرجعون إلى أب واحد.
6 . الأعراف (7)، الآية 160 .         8 . مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص 157 .
7. البروج (85)، الآية 1.            10 . الصراط المستقيم، ج 2، ص 103.

صفحه 294
والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون»(1).
في العدد المصاحب لأسماء الأئمة (عليهم السلام)   
وروي أيضاً عن علي(عليه السلام)قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم الله فهمي وعلمي وحلمي وخلقهم من طينتي، فويل للمتكبّرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي».(2)
وقال: «الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا عليّ وآخرهم القائم الّذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها».(3)
وروى هذا العدد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود، وجابر بن سمرة، وأبو جحيفة، وعمر بن الخطاب، وابنه عبدالله، وعبدالله الأسلمي، وأنس، وأبو هريرة، وأبو قتادة، وأبو أيّوب، و عبد الرحمن بن سمرة، والخدري، والزيدان بن ثابت وابن أرقم، وأبو أمامة، وواثلة، وعمران بن حصين، وحذيفة، وعمّار، وجندب، وسلمان، وأبو سلمى، وعبدالله بن جعفر، وجابر بن عبدالله، والعباس، وولده عبدالله; ومن النساء: فاطمة(عليها السلام)، وعائشة، وأُمّ سلمة، وأُم سليم، وقد ذكرنا تفصيل مانتلوه في كتابنا المسمّى بـ «ا لصراط المستقيم في مستحقي التقديم»(4) وذكرنا فيه جملة من الأخبار المنقولة عن الأئمّة الأطهار من وفق لها وقف عليها(5).

1. كمال الدين، ج 1، ص 280، ح 28; عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 52، ح 30 - 31.
2 . كشف الغمة، ج 3، ص 311 .
3 . نفس المصدر .
4. الصراط المستقيم، ج 2، ص 112.
5. راجع الباب العاشر من «الصراط المستقيم».

صفحه 295
 
الطرف الثاني: في العدد المصاحب للأسماء وفيه نصوص
منها: الصحيحة الّتي أخرجها جابر وقال: أشهد بالله إنّي هكذا رأيته مكتوباً في اللوح:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من الله العزيز العليم(1) لمحمّد نوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمّد أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا قاصم الجبّارين ومذلّ الظالمين وديّان الدين(2)، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذّبته عذاباً لا أُعذّبه أحداً من العالمين، فإيّاي فاعبد،
وعليّ فتوكّل، إنّي لم أبعث نبيّاً فأكملت أيّامه وانقضت مدته إلاّ جعلت له وصيّاً، وإنّي فضّلتك على الأنبياء وفضّلت وصيّك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك بعده وسبطيك حسن وحسين(2)، فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وضمنت(4)
له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة، جعلت الكلمة التامّة معه والحجّة البالغة عنده، بعترته أُثيب وأُعاقب، أوّلهم عليّ سيد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه(3) جدّه المحمود محمّد الباقر

1. الحكيم «كمال الدين».                  2 . ديّان يوم الدين «كمال الدين».
2. الحسن والحسين «كمال الدين».            4 . ختمت «كمال الدين».
3. سمي جدّه «كمال الدين».

صفحه 296
لعلمي والمعدن لحلمي(1)، سيهلك المرتابون في جعفر الرادّ عليه كالراد
عليّ حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر و لأسرّنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، انتجب(2) بعده موسى، وانتحب(3) بعده فتنة عمياء حندس لان خطة فرضي لا تنقطع وحجّتي لا تخفى وانّ أوليائي لا يشقون(4)، الا ومن
جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ومن غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ، وويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي انّ المكذّب بالخامس(4) مكذّب بكلّ أوليائي، وعليّ وليّي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوّة وامتحنه(5) بالصلاح(6) يقتله عفريت متكبّر(7) يدفن بالمدينة الّتي بناها العبد الصالح(8) إلى جنب شرّ خلقي، حقّ القول منّي لأقرّنّ عينه بمحمّد ابنه وخليفته من بعده، فهو وارث علمي ومعدن حكمي وموضع(9) سرّي وحجّتي على خلقي جعلت الجنّة مثواه وشفّعته في

1. لحكمتي «كمال الدين».
2. وانتحبّت بعد موسى فتنة عمياء حندس لأنّ خيط فرضي لا ينقطع «كمال الدين»، انتحب أي تنفّس شديداً.
3. «أتيحت»، «أبيحت».   4 . لا يشقون أبداً «كمال الدين».
4. وخيرتي إلاّ انّ المكذب بالثامن مكذب «كمال الدين»; في هامش كلتا النسختين «يحتمل كونه الثامن».
5. وامتحنه بالاضطلاع يقتله «كمال الدين».
6. بالاضطلاع.
7. مستكبر «كمال الدين».
8. الصالح ذوالقرنين «كمال الدين».
9 . حكمتي «كمال الدين».

صفحه 297
سبعين من أهل بيتي كلّهم قد استوجب(1) النار، فأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب ستدلّ(2) أوليائي في زمانه ويتهادون(3) رؤوسهم كما يتهادون رؤوس الترك والديلم، فيقتلون
ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، أُولئك أوليائي حقّاً، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأرفع الآصار والأغلال، أُولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة، وأُولئك هم المهتدون»(3).
قال عبدالله بن سالم(4): قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك، فصنه إلاّ عن أهله. وقد روى هذه الصحيفة عن جابر نيّف وأربعون رجلا. ورويت صحيفة أُخرى بعبارة أُخرى من أرادها وقف عليها في كتابنا «الصراط المستقيم»(5)، وقد روينا نيّف وأربعين حديثاً في ذلك.
قال صاحب المقتضب(6): من أعجب الروايات في أعداد الأئمّة

1. من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار «كمال الدين».
2. ستذلّ «كمال الدين».   3 . وتهادون «ن».
3. الكافي، ج 1، ص 527، ح 3; وكمال الدين، ج 1، ص 309، باب 28.
4. عبد الرحمن بن سالم «كمال الدين».
5. القطب الثاني من الباب العاشر من الصراط المستقيم.
6. مقتضب الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر، مطبوع في مجلة علوم الحديث، العدد التاسع، السنة الخامسة (محرم الحرام - جمادى الآخرة 1422 هـ)، ص 319.

صفحه 298
وأسمائهم من طريق المخالفين ما أسنده عبد الصمد بن مكرّم الطستي
إلى داود بن كثير الرقّي، قال: دخلت على الصادق(عليه السلام) فقال: «ما أبطأك؟» فقلت: عرض لي حاجة بالكوفة. فقال: «ما رأيت بها؟» فقلت: عمّك
زيداً يدعو الى نفسه. قال: «يا سماعة! إيتني بتلك الصحيفة» فجاءه فدفعها إليّ، وقال: «هذه ممّا أخرج إلينا أهل البيت يرثه كابر عن كابر من لدن
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)»، فقرأتها فإذا فيها سطران; الأوّل: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، والثاني (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)(1) عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والخلف منهم الحجة لله، يا داود أتدري أين كان ومتى كان مكتوباً؟ قلت: الله أعلم ورسوله وأنتم، فقال: قبل خلق آدم بألفي عام».

الطرف الثالث: في نصّ كلّ إمام على من بعده

في نصّ كلّ إمام على من بعده   
أسند الشيخ أبو جعفر القمّي إلى الأصبغ بن نباتة قول علي(عليه السلام) ليلة ضربه: «أنت يا حسن وصيي والقائم بالأمر من بعدي، وأنت يا حسين شريكه فانصف ما نطق، وكن لأمره تابعاً ما بقى، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالأمر عنه».

1. براءة (9)، الآية 36.

صفحه 299
و روت الشيعة أنّ الحسن عند وفاته أوصى إلى أخيه ودفع مواثيق النبوّة وعهود الإمامة ونصبه لها علماً ودلّها عليه، وكتب الحسين وصيته
ودفعها إلى أُمّ سلمة وجعل طلبها منها علامة على إمامة الطالب لها، فطلبها زين العابدين منها، ورأى جابر الباقر غلاماً فسأل زين العابدين عنه فقال: «ابني ووصيّي وخليفتي من بعدي»، وسئل الباقر عن القائم بعده فضرب بيده على الصادق، وقال: «هذا والله قائم آل محمّد» - يعني أنّه القائم بعد أبيه لا أنّه الغائب المنتظر - وسأل عيسى بن عبدالله الصادق(عليه السلام): إن كان كون - ولا أراني الله ذلك - فبمن أأتمّ فأوصى بيده إلى موسى. وقال أيضاً لجماعة من خاصّته: «استوصوا بابني موسى خيراً فإنّه أفضل ولدي والقائم مقامي، والحجّة على كافّة الخلق بعدي».
وروت الثقات أحاديث كثيرة في نصّ الكاظم على الرضا منها عن القابوسي: «انّ ابني عليّ ينظر معي في الجفر ولا ينظر فيه ] ألاّ [ نبيّ أو وصي نبيّ». ومنها: «الأمر بعدي إلى ابني عليّ»، ومنها: «إنّ كتابه كتابي وهو وصيي وخليفتي من بعدي والقيّم ]القائم [بأمري»، ومنها: «من ظلم ابني هذا حقّه وجحد إمامته كان كمن ظلم علي بن أبي طالب إمامته»، وقال الرضا للجواد: «هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني فهو وصيي وخليفتي»، وقال الجواد لإسماعيل بن مهران لمّا استدعى به المعتصم: «الأمر بعدي إلى ابني عليّ وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي»، وقال الهادي: «صاحبكم بعدي ابني الحسن، عنده ما تحتاجون إليه، واليه

صفحه 300
ينتهي عرى الإمامة وأحكامها»، وقال العسكري لحكيمة عند ولادة المهدي
بنصف شعبان(1): «انّ الله سيظهر في هذه الليلة حجّة الله في أرضه»، وقال الأهوازي: أرانيه، وقال: «هذا صاحبكم بعدي هذا».(2) وقد صنّف النعماني كتاب «الغيبة»، والعالم الكبير ابن بابويه، فيهما كفاية لمن طلب الهداية.

الطرف الرابع :

في شيء من المعاجز الّتي ظهرت عليهم (عليهم السلام)   
ظهر عن كلّ واحد العلوم العقليّة والشرعية ولم يتعلّموا من سواهم ولا درسوا الكتب السالفة لمن هداهم إنّما أخذوا ذلك عن جدّهم عن جبريل عن ربّهم، وهو من الأدّلة الواضحة على صحّة إمامتهم، فأبوهم أمير المؤمنين(عليه السلام) أحكامه مشهورة اعترف الشيخان وغيرهما بسعتها وصحّتها. وحكم الحسن بيض النعام المكسور من المحرم بإرسال الابل بعددها. وعلّم الحسين الفرزدق المناسك وغيرها. وزين العابدين أخذ عنه الزهري وعطاء وغيرهما. وأخذ عن الباقر علم التفسير وغيره. وشأن الصادق لايخفى أخذ عنه أربعة آلاف رجل أحكاماً لاتعفى، وقال: «وجدت علم الناس في أربعة أن تعرف ربّك، وما صنع بك، وما أراد منك، وما يخرجك عن دينك»(3). وأخذت الناس عن الكاظم كثيراً وسأله أبو حنيفة عن أفعال العباد، فقال: «إن كان الله تفرد بها سقط عنهم ذمّها، وإن شاركهم شاركهم في

1. ذكر الشيخ جمال الدين في كتاب: «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال»: انّه ولد ثمان من شعبان.
2 . الصراط المستقيم، ج 2، ص 160 وما بعدها.
3. الخصال للصدوق، ج 1، ص 222، ح 78.

صفحه 301
لازمها، إن تفردوا بها تفردوا بما عليها» فبهت. والرضا أخذ عنه الخاصّ والعام أحاديث في التفسير والكلام. وللجواد رجال أخذوا عنه العلوم وظهر فضله على العموم وقطع يحيى بن أكثم في مسألة صيد المحرم. والهادي والعسكري ظهر منهما ما ظهر من آبائهما، ذكر الحميري في كتاب «المكاتبات» رجال العسكري(عليه السلام)، والإمام المهدي سيأتي ان شاء الله فيه الكلام.

الطرف الخامس: في شيء من المعاجز الّتي ظهرت عليهم

قد وضع في ذلك عدة كتب، مثل: «الدلائل» لعبد الله بن جعفر الحميري، و «الخرائج» لسعيد بن هبة الله الراوندي، و «الواحدة» لابن جمهور القمّي، و «الدرجات» لسعيد بن عبد الله، و «بصائر الدرجات» لمحمّد بن الحسن الصفار، ونحن مختصرون من ذلك ما يكفي في التواتر المعنوي.

الأوّل: أمير المؤمنين(عليه السلام) وهي أُمور، منها:

إنّ أصحابه قالوا: لو كان موسى وعيسى يريان المعجزات فلو أريتنا شيئاً نطمئنّ إليه، فأراهم جنّات من جانب وسعيراً من جانب، فقال أكثرهم: سحر، وثبت اثنان، فأراهما حصى مسجد الكوفة ياقوتاً، وقال لخارجي: اخسأ فإذا رأسه رأس كلب، وأحيا لرجل من بني مخزوم صديقاً له، وتكلّم في أذن خياط مغنّي فحفظ القرآن لوقته، وأخبر إنساناً ببقر بطنه فكان، وقرأ

صفحه 302
على أكمه ومكفوف ومقعد وأبرص فقاموا من غير علّة، ودعا على بشر بن أرطاة بسلب عقله فخولط فيه، ودعا على العيزار بالعمى فما دارت الجمعة حتّى عمى، وعلى أنس بالبرص فكان، ودعا شجرة كمثّرى يابسة ولرمّانة لذلك(1) فاخضرتا وحملتا وأكلوا منهما، ولمّا رجع من صفين كلّمته الفرات، وخرج إليه من جبل بطريقه إلى صفين هامّة ولحية(2) ووجه وسلّمت عليه بامرة المؤمن(3)، فسأله جماعة عنه فقال: هو شمعون وصي عيسى.

الثاني: الحسن(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

إنّ رجلا من بني أُميّة سبّه وسبّ أباه فدعا ربّه فقلبه أُنثى وسقطت لحيته وشاع أمره.
وأخبر أنّ معاوية يرسل إلى زوجته سمّاً فتسقيه فكان.
وأخبر بمنع دفنه عند جدّه فكان.
نزل تحت نخلة يابسة فدعا فاخضرت وحملت وأكلوا منها.
وبعث معاوية رسولا بمسائل فابتدأه بها قبل ذكرها(4).

1. كذلك.
2. هامة لحية «ح».
3. المؤمنين «ح».
4. من «منها وبعث...» إلى «...قبل ذكرها» ليس في «ح».

صفحه 303
وأخبر أصحابه انّ قومه وعسكره يغدرون به فكان.
 
الثالث: الحسين(عليه السلام). وهي أُمور، منها:
ماتت امرأة ولم توص، فدعا فعاشت وأوصت ثمّ ماتت.
وأخبر أعرابيّاً بما في قلبه فطابقه.
وأخبر غلمانه إن خرجوا يوم كذا أخذوا فخرجوا وأخذوا.
وتمسح الملك المكسور جناحه بمهده فأعيد.
ومسح بيده على وجه أُمّ سلمة فرأت مضجعه ومصرع أصحابه.
وقرأ رجل عند رأسه بدمشق (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)(1) فقال الرأس: «أعجب من أهل الكهف قتلي وحملي» .
ورأى الأعمى(2) رجلا في الطواف يقول: اللّهم اغفر لي وأنا أعلم انّك لاتفعل، فسأله؟ فقال: كنت ممّن حمل رأس الحسين إلى يزيد فنزلنا عند دير فإذا كفّ خرج من الحائط يكتب:
أترجوا أُمّة قتلت حسيناً *** شفاعة جده يوم الحساب

1. الكهف (18)، الآية 9.
2. في «الصراط المستقيم»، ج 2، الفصل الثاني من القطب الرابع من الباب العاشر هكذا «الأعمش».

صفحه 304
فجزعنا، فلمّا دخلنا على يزيد في الحرس ليلا فهبط آدم وإبراهيم وموسى وعيسى و محمّد في ملأ من الملائكة، فنفخ جبريل على أصحابي واحداً واحداً، فلمّا دنا منّي قال النبيّ: دعه لا يغفر الله له، فتركني.

الرابع: عليّ بن الحسين(عليهما السلام). وهي أُمور، منها:

إنّ عبدالملك بن مروان لقيه في الطواف، فقال: ما يمنعك أن تصير إلينا لتنال من دنيانا، فبسط رداه(1) وقال: «اللّهم أره حرمة أوليائك»، فإذا رداه مملوء درّاً.
ونازعه ابن الحنفية في الخلافة فتحاكما إلى الحجر الأسود فشهد له.
وأقبلت إليه ظبية مستأنسة وشكت انّ الصياد أخذ ابنها ولم ترضعه فأقسم على الصياد فردّه وحمحمت وجرى دمعها.
وقعد مع جماعة يأكل فأتى ظبي وشكا إليه الجوع، فقال: أدن فكل معنا، فوضع رجل يده على ظهره فنفر، فقال: لا بأس عليك فرجع وأكل.
وكان الكابلي يخدم ابن الحنفيّة ويعتقد إمامته فجاء إلى زين العابدين فقال: مرحباً بك يا كنكر: فقال : الحمد لله الّذي لم يمتني حتّى عرفت إمامي، هذا ما سمّتني أُمّي ولم يعرفني به أحد إلى يومي.
وأُتي بمجنونة فقال لأبي خالد: قل في أُذنها اليسرى يا خبيث يقول لك علي بن الحسين: أخرج منها ولا تعد، فقال: فعوفيت.

1. رداءه.

صفحه 305
وأخذ بيد حمّاد القطّان من مكان بعيد ودخل به مكة في خطوات. ولمّا حبس هشام الفرزدق دعا له الامام فخلص، فجاءه وقال: محي اسمي من الديوان فأعطاه الإمام رزق أربعين سنة، وقال: لو علمت أنّك تحتاج أكثر منه لأعطيتك(1)، فمات بعد الأربعين.
وشكا إليه ذئب عسر زوجته، فدعا له فخلصت، فقال: لك الله عليّ أن لا أعرض أنا وولدي لأحد من شيعتك.
ولمّا هدم الحجاج الكعبة وأراد عمارتها كان العلماء يضعون الحجر الأسود فلا يستقرّ، فوضع الإمام فاستقرّ وكبّر الناس.

الخامس: محمّد الباقر(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

إنّه قال: من حقّ المؤمن على الله انّه لو قال لنخلة: أقبلي أقبلت، فتحرّكت نخلة، فقال: قرّي ما عنيتك.
وأخبر الدوانيقي بملكه وجمعه الأموال فكان.
ومسح بيده على وجه أبي بصير - وهو أعمى - فأبصر وراء(2) ما عدا الشيعة في صورة كلب وخنزير وقرد، فقال: إن أحببت أن تكون هكذا وحسابك على الله أو كما كنت وثوابك الجنّة؟ فقال: الجنّة، فمسح على وجهه فعمى.
وقطع سارقاً فاعترف وتاب، فقال: إنّ يدك قد سبقتك إلى الجنّة

1. «و قال: لو علمت انّك تحتاج أكثر منه لأعطيتك» ليس في «ح».
2. رأى.

صفحه 306
بعشرين سنة، فمات بعد العشرين.
وقال لمحمّد بن مسلم: «لئن ظننتم أنّا لانراكم ولا نسمعكم فبئس ما ظننتم»، قلت: أرني علامة، قال: «وقع بينك وبين زميلك حتّى عيّرك بحبّنا»، قلت: أي والله، فمن يخبرك؟ قال: «ينكت في قلوبنا وينقر في آذاننا ولنا مع كلّ واحد رجل من المؤمنين يخبرنا».
ومشى إلى نخلة يابسة فحمد الله ودعاه وقال: «أطعمينا ممّا فيك فتساقطت رطباً» .
وأخبر بموت راشد من أهل إفريقيّة وإنّه كان وليّاً محبّاً وقال : «و الله لايخفى علينا شيء من أعمالكم فاحضرونا جميلا».
ودخل عليه مؤمن من الرملة وقال: مات أبي وكان يتولّى(1) بني أمية فخبّى(2) ماله عنّي لإيماني، فكتب(عليه السلام) له كتاباً وقال: امض به إلى البقيع وناد: يا درجان، فمضى فنادى فأعطاه الكتاب فجاءه بأبيه أسود، فقال: ما غيّرك؟ قال: لهب الجحيم، كنت أتولّى بني أُمية وأفضّلهم على أهل بيت النبي، والمال تحت الزيتونة مائة وخمسين ألفاً فادفع الى الباقر خمسين ولك الباقي ففعل، وأتاه بالخمسين من قابل.
وأحيا لجدّ محمّد بن راشد أخاه، فقال: يا أخي اتّبعه ولا تفارقه، ثمّ عاد في قبره.

1. يتوالى.
2. فخبّأ.

صفحه 307
 
السادس: جعفر الصادق(عليه السلام). وهي أُمور، منها:
إنّه دعا بنخلة يابسة فأرطبت، فقال أعرابي: سحرٌ، فدعا عليه فمسخ كلباً يعوي فرحمه ودعا له فعاد.
وذكر عنده الشيخان، فقال: قد جلسا مجلس أمير المؤمنين غصباً فلا غفر الله لهما، فأنكر البلخي عليه، فقال: هلاّ أنكرت إذ فرشت جارية فلان بعد عبورك النهر؟ فقال: والله لقد مضى لهذا أكثر من عشرين سنة.
وبعث إليه ملك الهند(1) بجارية فخانه الرسول فيها، فمنعه الإمام من الدخول عليه لخيانته، فحلف ما خان، فاستنطق(عليه السلام)الفروة فشهدت عليه.
ودخل عليه عربيّ وفارسيّ ونبطيّ وحبشيّ وصقلبيّ فحدّثهم بحديث واحد بالعربي ففهم كلّ واحد بلسانه.
وقال له عبد الرحمن بن الحجّاج: ما حقّ الإمام؟ قال: لو قال لهذا مُر لمار، فسار جبل هناك فقال: لم أعنك.
وقال شعيب العقرقوفيّ: بعث معي رجل إليه بألف دينار، فأخذت منها خمسة جيدة ووضعت بدلها خمسة ستوقه فميّزها وقال: خذ خمستك وهات خمستنا، وأتيته بثلاثمائة دينار فأخذ منها قبضة وقال: ردّ هذه المائة، فعددتها فإذا هي مائة.
وقال له رجل: لا يعيش لي ولد فقال: سيدخل إليك كلبة فتريد

1. السند «ح».

صفحه 308
امرأتك أن تطعمها فامنعها وقل للكلبة: إنّ أبا عبدالله أمرني أن أقول: أميطي عنّا لعنك الله فإنّه تعيش أولادك، ففعل فعاش له ثلاثة.
ووشى رجل إلى المنصور انّ الصادق يأخذ لنفسه البيعة، فأرسل إليه فأنكر، فحلف الواشي فمات، فلمّا جهّز قعد على سريره، وقال: لقاني ربي السخط واللعنة بالذي كان منّي ] إلى [ الصادق فاتّقوا الله ولاتهلكوا فيه، ثمّ رجع إلى موته.

السابع: موسى الكاظم(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

نازعه الأفطح في الإمامة فأضرم ناراً وجلس في وسطها ساعة يحدّث الناس، ثمّ قام وقال: إن كنت إماماً فافعل ذلك فخرج.
ومرّ برجل مغربي حاج مات حماره، فضربه بقضيب فعاش. وأدخل رجل امرأة يتمتّع بها فأرسل إليه لاتمسّها فإنّها من أمية أهل بيت اللعنة.
ودخل عليه السندي بن شاهك وسأله: هل لك منّي حاجة؟ فقال: لا، فلمّا خرج قال: إنّه يموت الليلة، فكان.
ووضع سبع يديه على كفل بغلته، وهمهم فأصغى الإمام إليه، فقال: شكا عسر ولادة لبوته، فدعوت الله لها فقال: امض فلم يسلّط عليك ولا على ذرّيّتك وشيعتك شيء من السباع.
وسأله الحسن بن عبدالله: مَن الإمام اليوم؟ قال: أنا، فطلب منه علامة، فقال: أدع الشجرة عن لساني، فدعاها فأقبلت.

صفحه 309
وأخبر رفقاءه انّه تأتيهم ريح سوداء تطرح(1) بعض الإبل فكان.
وسقطت ركوته في بئر فقال: ربّ مالي سواها فعلا الماء بها حتّى أخذها ثمّ وضع الرمل فيها وأسقى السويق منها.

الثامن: الرضا(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

طلب إبراهيم القزاز منه شيئاً فحكّ بسوطه في الأرض فخرجت سبيكة ذهب.
وقدم عليه الهمداني لقضاء دينه ولم يعلمه فقبض قبضة من الأرض وقال: خذها فإذا هي دنانير فمضى ليعدّها فسقط منها واحد فإذا عليه مكتوب: هي خمسمائة، فلمّا أصبح قلّبها مراراً فلم يجد الدينار فيها وإذا هي خمسمائة.
ومسح شفتي أبي إسماعيل السندي فتكلّم بالعربيّة لوقته.
وخرج معه قوم فقال: حملتم للماطر آلته؟ قلنا: لاحاجة إليها، قال: لكني حملت وستمطرون فمطرنا.
وتمرغ بين يديه عصفور وصاح فأعطى سليمان سعفة وقال: أدخل البيت فإنّه يقول: إنّ فيه حيّة تريد أكل فراخه فدخل فقتلها.
وقال ابن المغيرة: كنت واقفيّاً فدعوت الله أن يرشدني إلى خير الأديان فقدمت على الرضا فقال: قد أجاب الله دعاءك وهداك إلى خير

1. في «الصراط المستقيم»: تطرد.

صفحه 310
الأديان، قلت: أشهد أنّك حجّة الله على خلقه.
وأخبر بكر بن صالح أنّ امرأته تلد توأمين ذكر وأنثى فكان.
ودعا بخشف فأقبل فمسح برأسه.
وقال لعبد الله بن سرقة: أَوَ لم تؤمن؟ قال: بلى أنت حجّة الله.
وأخبر المأمون ان خطيبته تلد غلاماً في يده اليسرى ورجله اليمنى خنصران زائدان فكان.
وأخبر خادمه أبا الصلت الهروي بموضع قبره وعلّمه كلمات يقولها فيمتلئ ماءً يظهر فيه سميكات، ثمّ تخرج واحدة كبيرة فتبتلعها ثمّ يعيد الكلمات فيذهب الماء، فلمّا قضى(عليه السلام)حضر المأمون حفر قبره فكان ما قال، فقال المأمون: لم يزل يرينا العجائب في حياته وبعد وفاته.

التاسع: الجواد(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

مسح على بصر محمّد بن ميمون فعاد.
ومسح على ركبة جارية مُرَيوَحة، فقامت لوقتها ولم تشتك بعدها.
وأخذت ريح عمامة القاسم بن الحسن بطريق مكة فتصدّق برغيف، فلمّا قدم المدينة قال الجواد لغلامه: آته بعمامته، فجاء بها بعينها، فقال: كيف صارت إليك؟ قال: تصدّقت فشكر الله لك.
وشكا إسماعيل بن عباس إليه ضيق المعاش، فأخرج له سبيكة ذهب من التراب.

صفحه 311
وقال الصيرفي: كتبت إليه بأشياء ونسيت أن أسأله عن سلاح رسول الله هل هو عنده؟ فردّ الجواب، وفي آخره: وعندنا سلاح رسول الله إمام بعد إمام، وأضمرت في نفسي شيئاً لايعلمه إلاّ الله فدخلت عليه، فقال: استغفر الله ممّا أضمرت ولا تعد، قال: وحدّثني أنّه سيصيبني وجع فحدث في رجلي عرق فأتيته، وقلت: عوّذها. فقال: لا بأس عليها ولكن أعطني الصحيحة فعوّذها فخرج فيها، فقلت: قد عوّذها فعافاني الله منها.
وقال له عمران بن محمّد: إنّ زوجتي تسألك ثوباً من ثيابك يكون لها كفناً. قال: قد استغنت عنه، فخرجت فأخبرت أنّها ماتت قبل ذلك.
وخرج قوم حجّاجاً فنُهبوا، فدخل منهم أحمد بن حديد عليه المدينة، فأعطاه دنانير، وقال: فرّقها على قدر ما ذهب لكم ففعلت فكان بقدره لا زيادة ولا نقيصة.

العاشر: الهادي(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

أرسل المتوكّل إليه ليقتله، فابتهل الاصفهاني في نفسه إلى الله أن يدفع عنه، فنظر إليّ وقال: قد استجاب الله لك وطوّل عمرك وكثر مالك وولدك فكان كما قال، فقلت بإمامته.
ودعا المتوكّل بيوسف النصراني فخافه فنذر مائة دينار للهادي ولم يعلم بداره، فركب حماره: وقال في نفسه: حيث وقف وقفت، فتخرق الأسواق ووقف بدار فجهدت أن يزول فلم يزل، فقلت: لمن الدار؟ قيل لابن الرضا، قلت: هذه دلالة، فخرج خادم وقال: أنت يوسف؟ قلت: نعم،

صفحه 312
وهذه ثانية، فدخل وخرج وقال: هات الدنانير في الكاغذ من كُمّك، قلت: هذه ثالثة، ثمّ أدخلني عليه قال: ما آن لك؟ قلت: ظهر ما فيه كفاية، قال: إنّك لاتسلم ولكن يسلم ولدك، قال هبة الله: فلقيت ابنه فأخبرني انّه مات نصرانياً وانّه أسلم بعده، وكان يقول: أنا بشارة مولاي.
وجلس أبرص له في طريقه ليسأله العافية، فقال قبل سؤاله: تنحّ عافاك الله، فنام ليلة ثمّ أصبح ولا شيء على بدنه منه.
وزار المتوكّل الهادي فقال: تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام، قال زراقة: فقال لي شيعيّ: إنّه سيموت بعد ثلاث، فأخذت متاعي من داره فمات بعد ثلاث فتشيّعت وخدمت الإمام(عليه السلام).
ورأى أحمد بن عيسى النبيّ في النوم وأعطاه كفّاً من تمر فعدّه خمساً وعشرين، فلمّا قدم الهادي دخل عليه فأعطاه كفّاً من تمر، وقال: لوزادك رسول الله لزدناك فعدده فإذا هو خمس وعشرون.
وقال أبو العباس: خرجنا مع الهادي إلى العراق فجعنا وعطشنا وتعبنا، فنظر إلينا وقال: عرّسوا وكلوا واشربوا فتعجّبت حيث لا شجر ولا ماء فأخذت القطار لأنيخه وإذا بشجرتين عظيمتين وعين ماء تسيح في الأرض لانعرفها وفينا من سلكها مراراً فجعلت أتأمّله، وهو يتبسّم فدفنت سيفي وعلّمته بحجرين وغائط فلمّا رحلنا ساعة رجعت فلم أجد شيئاً فوجدت السيف، فلمّا لحقت قال: فعلتها؟ قلت: نعم، وقد كنت شاكّاً فأصبحت متيقّناً.
وقال أبوهاشم: دخلت على الهادي فكلّمني بالهنديّة فلم أحسن

صفحه 313
فمصّ حصاة ودفعها إليّ فمصصتها فتكلّمت بثلاث وسبعين لساناً.
وقال الجعفري: شكوت إليه ضيق يدي فقبض كفّاً من الرمل وقال: اتّسع بهذا واكتم، فإذا هو ذهب.

الحادي عشر: العسكري(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

قال الجعفري : ركبت يوماً مع العسكري فافتكرت في قضاء ديني، فخطّ بسوطه الأرض ثمّ قال: أنزل فخذ واكتم، فإذا سبيكة ذهب، جاءت على وفق ديني.
وقال أحمد بن جعفر: حججت من جرجان ومعي مال، فوافيت الإمام بسرّ من رأى وقلت في نفسي: لمن أسلّمه؟ فابتدأني وقال: لخادمي، ثمّ قال: إنّك تحجّ وترجع سالماً أوّل نهار الجمعة لثلاث من ربيع الآخر، فإذا رجعت فأعلم أصحابك: انّي أوافيهم في ذلك اليوم، فرجعت في ذلك فأوّل من سأله نظر بن خالد(1) في بصره فمسح عليه فبرأ.
ودخل عليه يماني فقال: هذا من ولد الأعرابية صاحبة الحصاة الّتي طبع فيها آبائي بخواتيمهم، ثمّ أخذ حصاة فطبع فيها بخاتمه.
وكتب إلى أحمد بن طاهر أنّي نازلت الله في هذا الطاغي ـ يعني المستعين ـ وهو آخذه بعد ثلاث، فقتل كما قال.
وقال لعلي بن زيد: استبدل بفرسك قبل المساء، فشحّ به فمات في

1. من سأله النضر بن خالد «الصراط المستقيم».

صفحه 314
العتمة، فقال في نفسه لو أخلف عليّ، فابتدأه وقال: نعم نخلّف عليك، فأعطاه برذونا.
وشكا جعفر إليه الحبس، فكتب انّك تصلّي الظهر في منزلك فكان، وأراد أن يطلب منه معونة فاستحيا، فبعث إليه بمائة دينار، وكتب إذا كانت لك حاجة فلا تستحي واطلبها تأتك.
وقال ابن الفرات: كنت أشتهي الولد فقلت: تراني أرزق ولداً؟ فقال برأسه: نعم، قلت: ذكراً؟ قال برأسه: لا، فولدت أُنثى.
وخرج على جماعة فرفع قلنسوته ووضعها وضحك في وجه واحد منهم، فقال: أشهد أنّك حجّة الله، قالوا: ما شأنك؟ قال: كنت شاكّاً فيه فقلت في نفسي: إن أخذ القلنسوة من رأسه قلت بإمامته.
ووقع وهو طفل في بئر وأبوه يصلّي، فصاح النسوان، فلمّا فرغ قال: لا بأس عليه فرأوه وقد ارتفع الماء به إلى رأس البئر.
وقال أبو هاشم قلت في نفسي: أطلب من الإمام فضة أصوغها خاتماً أتبرّك به، فرما إليه خاتماً وقال: أردت فأعطيناك خاتماً.

الثاني عشر: صاحب الزمان(عليه السلام). وهي أُمور، منها:

قول حكيمة: قرأت على أُمّه نرجس وقت ولادته «التوحيد» و «القدر» و «آية الكرسي» فأجابني من بطنها بقراءتي، فأخذه أبوه وقال: انطق بإذن الله فتعوّذ وسمّى وقرأ (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)(1)

1. القصص (28)، الآية 5.

صفحه 315
الآيتين وصلّى على محمّد وعلى و فاطمة والأئمّة كلّ واحد باسمه.
وقالت نسيم ومارية: سقط من بطن أُمّه جاثياً رافعاً سبّابته إلى السماء قائلا لمّا عطس: الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمّد وآله، زعمت الظلمة أنّ حجّة الله داحضة.
وقال في المهد لطريف: أنا خاتم الأوصياء وبي يدفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي.
وجاء كابل(1) المزني يسأل العسكري عن مقالة المفوّضة وقال في نفسه: لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفته، فابتدأه المهدي وهو صبيّ باسمه، وقال: جئت تسأل هل يدخل الجنّة إلاّ من قال بمقالتك؟ قلت: نعم، قال: إذاً والله ليقلّ داخلها، والله ليدخلنّها قوم يقال لهم الحقّيّة يحلفون بحقّ عليّ ولا يعرفون حقّه، وجئت تسأل عن مقالة المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيّة الله، فنظر العسكري إليه وقال: ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجّة من بعدي.
وحمل محمّد بن مهران(2) مالا فضعف في الطريق فقال لابنه: ردّني واتّق الله في المال، فمات فقدمت العراق وأقمت أيّاماً كاتماً أمري، فإذا رسول معه رقعة فيها كذا وكذا فسلّمته إليه وبقيت أيّاماً مغتمّاً، فخرج إليّ: أقمناك مقام أبيك فاحمد الله.

1. في «الصراط المستقيم» كامل المدني.
2. في «الصراط المستقيم» محمّد بن مهزيار: حمل أبي مالا...، وفي الكافي، ج 1، ص 518، محمّد بن علي بن مهزيار....

صفحه 316
وأخبر علي بن زياد أنّه يموت سنة ثمانين فمات فيها فبعث له كفناً.
وأوصى يزيد بن عبد الملك خادمه أن يدفع الشهري والسمند والسيف والمنطقة إلى مولاه فقوّمها الخادم في نفسه بسبعمائة دينار فإذا الكتاب من العراق: وجّه بالسبعمائة ثمن كذا وكذا.
وقال يوسف بن أحمد: رأيت أربعة في محمل، فقال أحدهم: أتحبّ أن ترى صاحب زمانك؟ قلت: إنّ له علامات فرأيت الجمل وما عليه يرتفع إلى السماء.
وعن أبي القاسم حججت في السنة الّتي أمرت القرامطة فيها بردّ الحجر إلى مكانه، فكان أكبر همّي مشاهدة من يضعه، فمرضت في الطريق فأعطيت معروفاً رقعة أسأله فيها عن مدّة عمري، قال: معروف فكلّما وضعه أحد لم يستقرّ، فوضعه شابّ أسمر فاستقرّ، ومضى فتبعته، فقال: هات، فناولته الرقعة، فقال من غير أن ينظر فيها: لا عليه من هذه العلّة وسيكون ما لابدّ منه بعد ثلاثين سنة، فكان كما قال.
وأخبر أبا محمّد الدعجلي: انّ عينه تذهب فكان.
وحمل أحمد بن إسحاق إلى العسكري صرراً، فميّز ابنه(عليه السلام) حلالها من حرامها وأعلمه بكميّة كلّ واحدة قبل فتحها.
في وجود المهدي وبقائه وخروجه وملكه   
وقال العمريّ: انفذ إلى الإمام رجل مالا فردّه، وقال: أخرج حقّ ولد عمّك منه وهو أربعمائة، فتعجّب الرجل وحسب فوجد ذلك فيه ثمّ قبله(عليه السلام).
ودفع المهدي إلى الأوديّ حصاة فكشف عنها، فإذا هي سبيكة ذهب

صفحه 317
فقال: قد بيّنت عليك الحجّة، أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا المهدي أملؤها عدلا كما ملئت ظلماً، وهذه أمانة في رقبتك تحدّث بها إخوانك.
فهذا بعض جليل ونزر قليل، فمن أراد الزيادة عليه فعليه بالكتب الموضوعة فيه، على أنّ الراوندي أضرب عن تعداد معاجز ونوادر خوفاً من إضراب الناظر، ومن المحال في العقل السليم أن يخصّ الربّ الحكيم بعلائم الإمامة من ليست له زعامة، إذ فيه إغراء الخليقة وإخفاء الحقيقة.

الطرف السادس

في وجود المهدي وبقائه وخروجه وملكه وعدله وإحياء ما درس من شريعة جدّه و معالم دينه.
وقد ظهر في كتب الكلام انّ الإمام لطف عامّ لايجوز الإخلال به من الخبير اللطيف في شيء من زمن التكليف، وفي ذلك أحاديث يدخل بعضها في بعض تبلغ حدّ التواتر القاطعة للجدال المزيلة للضلال، وقد تقدّم أيضاً في الأطراف السالفة ما فيه غنية ظاهرة لمن يتأمّلها وبغية وافرة لمن يحصّلها، وقد جرت عادة الملك الديّان بنصب الأنبياء والأوصياء في ما خلا من الأزمان وقد أسند ذلك البخاري ومسلم إلى أبي هريرة، والترمذي إلى ابن مسعود، والبغوي في شرح السنّة، وأبو داود إلى عليّ وإلى أُمّ سلمة، والثعلبي إلى أنس في تفسير (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ)(1) فقال

1. الإسراء (17)، الآية 71.

صفحه 318
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ قوم يدعون بإمام زمانهم»(1) .
ولا اعتبار بقول ابن الجوزيّ، ومحمّد بن إسحاق، وابن قانع، وعبد الرزاق: انّ العسكري مات لا عن ولد، لأنّهم خصم وشهادتهم على نفي، ويعارضون بما جاء(2) من طرقهم، فقد ذكر الكنجى الشافعي في كتاب «المناقب»: انّ العسكري خلّف ابنه وهو الإمام المنتظر.
وذكر مثله سبط الجوزي في «الخصائص»، وخطيب دمشق محمّد بن طلحة الشافعي، وقد ذكر أبو العلا ـ وهو من أعاظمهم ـ أنّ عيسى يصلّي خلفه، وأخرج أبو نعيم في كتاب «العين» ـ وهو من ثقاتهم ـ قول عيسى للمهدي: إنّما بعثت وزيراً ولم أبعث أميراً، وذكر فيه أنّ ابن سيرين سئل: المهدي خير أم أبو بكر وعمر؟ قال: هو خير منهما.
وقد روى أبو نعيم في كتاب «نعوت المهدي» وخروجه وما يكون في زمانه ومدته مائة وستة وخمسين حديثاً برجالها.
وروى الحسين بن المنادي في كتابه المسمّى بـ «الفيض على محدّثي العوام نبأ ملاحم عابر الأنام» في خروج المهدي(عليه السلام) ثمانية عشر حديثاً برجاله.(3)
وفي تفسير «السلولي» عن بعض الأئمّة(عليهم السلام): «يصلّي عيسى خلف

1. تفسير الثعلبي، ج 6، ص 115.
2. على ما جاء «ح».
3 . راجع الصراط المستقيم، ج 2، ص 219 ـ 220 .

صفحه 319
المهدي»، وعن ابن عباس في قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(1) بالفتح(2) قال: نزول عيسى من السماء وخروج المهدي.
وتفسير «المزني» في معنى (حَم عسق): «ح» حزب قريش، «م» ملأ بني أُميّة، «ع» علوّ العباسيّين، «س» سناء المهدي.(3)
البيهقي في كتاب «البعث والنشور»، وأبو داود وابن ماجة، وابن شيبة: المهدي من عترتي من ولد فاطمة، وفي «البعث والنشور» أيضاً، أمّا حديث أنس: ولا مهديّ إلاّ عيسى، تفرّد به محمّد بن خالد، وهو مجهول، واختلف في اسناده، فرواه مرّة عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس، ومرّة عن ابن عباس وهو متروك عن الحسن عن النبي وهو منقطع.(4) وقال بعض أصحابنا الـ «واو» في قوله: «و لا مهدي»، «واو» الحال أي ولا يقوم إلاّ حين
لا حجّة لله في خلقه ويصير الناس كلّهم شرار، أو لا مهديّ فيهم إلاّ
عيسى.
وذكر الشيخ الموثوق به عثمان بن سعيد العمري: انّ الشيعة شاجرت ابن أبي غانم القزويني عند إنكاره ولادة المهدي فكتبوا إلى الناحية وكانوا يكتبون لا بمداد بل بالقلم الجاف ليكون معجزاً فورد الجواب:

1. الزخرف (43)، الآية 61.
2. أي بفتح اللام في «لَعَلَم» .
3 . تفسير الثعلبي، ج 8، ص 303 .
4 . راجع مجمع البيان، ج 7، ص 120 .

صفحه 320
بسم الله الرحمن الرحيم
عافانا الله وإيّاك من الضلال والفتن، انّه انتهى إلينا شكّ جماعة منكم في الدين وفي ولادة وليّ أمرهم فغمّنا ذلك لكم لا لنا، أما علمتم ماجاءت به الآثار ممّا في أئمّتكم يكون، أفما رأيت كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها من لدن آدم إلى أن ظهر الماضي(عليه السلام)، كلّما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلمّا قبضه اليه ظننتم انّه أبطل دينه وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلاّ ما كان ذلك ولا يكون حتّى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون، فاتّقوا الله وسلّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا، فقد نصحت لكم والله شاهد عليّ وعليكم.(1)
هذا وقد أثبتنا في كتابنا «الصراط المستقيم»(2) جملة أحاديث في ذلك من طريقي العامّة والخاصّة تذهب الاشتباه وتوجب النجاة.
منها عن الديلمي، ومنها عن حذيفة، ومنها عن أبي الحافظ، ومنها عن الثعلبي، ومنها في الجمع بين الصحاح الستة عن الخدري، ومنها عن الفراء في مصابيحه، ومنها عن ابن المغازلي، ومنها عن الروضة للكليني(3)، وقد روى الهمداني من أفضل علمائهم أثنى عليه محمّد بن النجّار حتّى قال: تعذّر وجود مثله في أعصار كثيرة، ـ في أخبار المهديّ أحاديث ـ منها عن عبد الله بن عمر، ومنها عن شهر بن حوشب عن الزهري: يخرج من مكة في

1 . الصراط المستقيم، ج 2، ص 235 .
2 . راجع الصراط المستقيم، ج 2، ص 241 ـ 243 .
3. للكلبي «ن».

صفحه 321
ثلاثمائة وثلاثة عشر فيلتقي هو وصاحب جيش السفياني(1)، ويسمع صوت من السماء ألا إنّ أولياء الله أصحاب فلان يعني المهدي .
وفي كتاب «العين» للخليل بن أحمد: له أصحاب مطرودون من باب السلطان تأتيه كأنّها قزع الخريف.
وفي مواليد الأئمّة: يظهر وعلى رأسه غمامة تدور حيث دار، وينادى بصوت فصيح هذا المهدي، وروي: أنّ النداء يفهمه كلّ قوم بلسانهم.
قال أبو جعفر(عليه السلام): «و الله كأنّي أنظر إليه بين الركن والمقام، يبايع الناس بكتاب جديد وأمر شديد وسلطان من الله لا تردّ له راية» .
قال عبد المحمود: وجدت في الكتاب المسمّى بـ «المخفي في مناقب المهدي» مائة وعشرة أحاديث من طرق المذاهب الأربعة، فمن الجمع بين الصحيحين اثنين، ومن المفقر للكسائي (2) اثنين، ومن الاستيعاب اثنين، ومن البخاري ثلاثة، ومن الرعاية للفرغاني ثلاثة، ومن كتاب الحضرمي ثلاثة، ومن فردوس الديلمي أربعة، ومن تفسير الثعلبي خمسة، ومن المصابيح خمسة، ومن غريب الحديث للدينوري ستة، ومن فضائل الصحابة تسعة، ومن كتاب الدار قطني تسعة، ومن صحيح مسلم أحد عشر، ومن الجمع بين الصحاح الستة أحد عشر، ومن الملاحم لابن جعفر أربعة وثلاثين. قال: ورأيت في كتاب «السنن» سبعة أحاديث بأسانيدها في خروج المهدي.

1. «السفياني» ليس في «ح».
2. في «الصراط المستقيم» المفتقد للكسائي.

صفحه 322
و بالجملة فمن أراد الزيادة من الاستفادة لكمال السعادة فعليه بـ «الصراط المستقيم فى مستحقي التقديم» فانّا وضعناه بعد التصفّح لنيّف وخمسين كتاباً، منها «نهج الايمان» لابن جبير ذكر في ديباجته «انّه بعد الوقوف على ألف كتاب أو ما يقاربها»(1). وأمّا الكتب الّتي نقلت منها فمائتان ونيّف وأربعون كتاباً من طريقي العامة والخاصة.
أعداد رجال المهدي وأماكنهم   

تذنيب: فيما وصل إلينا من أعداد رجاله وأماكن أبطاله.

قد أسلفنا أنّ مجموعهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، روى ابن رميح المروزي: انّهم عدد أهل بدر. والظاهر أنّهم الخواصّ لتضافر الأحاديث بكثرة جيوشه وسعة أتباعه، فمن كتاب «المناقب» لابن شهر آشوب روى: أنّه يخرج من فرغانة رجل، ومن كرو رجل، ورجل من حرّان، ورجل من حمص، ورجل من بعلبك، ورجل من عدن، ورجل من القادسيّة، ورجل من عكبرة، ورجلان من طوس، ورجلان من سجستان، ورجلان من همدان، ورجلان من تكريت، ورجلان من الموصل، ورجلان من سنجار، ورجلان من نصيبين، ورجلان من الجزيرة، ورجلان من احلاط، ورجلان من الرقّة، ورجلان من انطاكيا، ورجلان من تدمر، ورجلان من فروان، ورجلان من البحرين، ورجلان من فارس، ورجلان من الصعيد، ورجلان من كربلاء، ورجلان من واسط، وثلاثة من قم، وثلاثة من قزوين، وثلاثة من الرافقة، وثلاثة من الرحالذان(2)، وثلاثة من حضرموت، وثلاثة من عانة،

1. نهج الايمان، ص 21.   2 . الرحوان «ح».

صفحه 323
وثلاثة من الأنبار، وثلاثة من السن، وثلاثة من الايلة، وأربعة من بلد، وأربعة من طبرستان، وأربعة من حلب، وأربعة من جرجان، وأربعة من الكوفة، وأربعة من عمان، وخمسة من دمشق، وخمسة من مصر، وخمسة من سلمية، وخمسة من كلپايكان، وخمسة من البصرة، وخمسة من نودع، وستة من كرمان، وستة من طبرية، وسبعة من الري، وسبعة من بغداد، وسبعة من المدائن، وعشرة من باع ، وعشرة من قاشان، وعشرة من أردبيل، وعشرة من اليمن، وعشرة من اليمامة، وعشرة من العريان. الصادق(عليه السلام): يخرج معه من ظهر الكعبة سبعة وعشرون رجلا: خمسة عشر من قوم موسى، وسبعة أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان الفارسي، وأبو دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر، والمقداد الكندي، يكونون بين يديه أنصاراً وحكّاماً(1).
قال الرضا(عليه السلام): قوله: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً )(2). انّ المراد

1. تفسير العياشي، ج 2، ص 32. قال الإمام الطبرسي عند تفسير (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجاً): واستدل جماعة من الإماميّة بدخول «من» الموجبة للتبعيض على أنّ هذا ليس يوم القيامة لقول الله: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) وقد تظاهرت الأخبار عن الأئمّة(عليهم السلام) انّ الله يحيي عند قيام المهدي قوماً من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً من أعدائه لينتقم منهم على أيدي أوليائه وينالهم الذل بما يشاهدون من علو كلمته، وذلك غير ممتنع على الله لكمال قدرته. وتأويل بعضهم الأخبار بذلك برجوع الدولة دون إحياء تلك الأشخاص ظنّاً منهم أنّ الرجعة تنافي التكليف ، وليس كذلك إذ لا إلجاء إلى فعل الواجبات كما صح التكليف وظهور المعجزات، على أنّ المعول في تلك الرجعة على إجماع الشيعة لا على تلك الأخبار وإن كان يعضد الإجماع ويؤيده. مجمع البيان، ج 7، ص  234.
2. البقرة (2)، الآية 148.

صفحه 324
أصحاب المهدي، والله أن لو قام قائمنا يجمع الله إليه جميع شيعتنا من جميع البلدان.(1)
في خطبة البيان المنسوبة إلى علي(عليه السلام)أسماءهم وتفريق الممالك عليهم.
إن قيل: فأنصاره الآن أكثر ممّا ذكرتم فلمَ لايخرج؟
قلنا: علمنا ذلك بالخبر على أنّ الكثرة لاتعتبر، فقد حارب النبيّ في بدر بذلك ولم يكن معه إلاّ سبعة أسياف والباقون بجريد النخل، ولم يحارب في الحديبيّة ومعه ألف وسبعمائة بحسب المصلحة.
قالوا: ظهوره مشروط بزوال خوفه ولا علم عنده بما في قلوب الناس له فلايزول خوفه(2) فلايظهر أبداً لدوام علّة خفائه.
قلنا: قيل: إنّ آباءه أعلموه بمدّة غيبته وبعلامات وقت خروجه، على أنّه يكفيه غلبة الظن بسلامته كما يجب النهي عند امارة انجاعه.
و اختلف في سبب غيبته، فقيل: في أصلاب الكفّار قوم يؤمنون إذا ولدوا خرج لئلايعدموا عند قتله آباءهم كما منع الله نبيّه عام الحديبيّة من الفتح، وعلّل ذلك في قوله: (وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْم لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ

1 . مجمع البيان، ج 1، ص 429 .
2. «و لا علم عنده بما في قلوب الناس له فلايزول خوفه» ليس في «ح».

صفحه 325
تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)(1)، أي لولا أن يصيبكم اثم أو سبّه بقتل أهل دينكم لدخلتم وعذبنا الذين كفروا منهم بأيديكم.
و قيل: إنّ سببها الخوف وهو الظاهر من الأحاديث المتضافرة به، وقد روى أحمد بن الخازن عن الباقر وعن الصادق(عليهما السلام): انّه إذا قام تلا: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ)(2).
وقيل: سببها غير معلوم لنا بل استأثر الله سبحانه بعلمه. وقد اسند الشيخ إلى عبد الله بن الفضل الهاشمي: انّه سمع الصادق(عليه السلام)يقول: لصاحب هذاالأمر غيبة لابدّ منها لأمر لايؤذن لنا في كشفه ولا ينكشف إلاّ بعد ظهوره كما لم تنكشف الحكمة في فعل الخضر لموسى إلاّ عند فراقه، يرتاب منها كلّ مبطل، والحكمة فيها كما في غيبة من تقدّمه من حجج الله»(3).
أشرقت الشمس ولاح الوجود *** وانكشف الغيم وزال الغبار
فمن تولّى بعدها *** لم يزل عن غيبة يكثر فيه العثار

1. الفتح (48)، الآية 25.
2. الشعراء (26)، الآية 21.
3 . كمال الدين، ص 482 .

صفحه 326
في سبب طعن المنكرين لولادته ـ عجل الله فرجه الشريف ـ   
 
خاتمة
غاية طعن المنكرين لولادته مستندة إلى نفي رؤيته ـ وقد أسلفنا ما ورد في ذلك آنفاً ـ وحرّرنا في «الصراط المستقيم»(1) من ذلك أُموراً. والتحقيق أنّ طرق العلوم لم ينحصر في المشاهدة وإلاّ لبطل وجود الربّ سبحانه وعالم الأمر جميعه، وقد عرف وجود الأبدال بغير مشاهدة. قال ميثم البحراني في شرحه لنهج البلاغة: نقل أنّهم سبعون رجلا، منهم أربعون بالشام، وثلاثون في سائر البلاد. وفي الحديث عن علي(عليه السلام) «الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق»، وهذه (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)(2) الّتي حكى القرآن أمرها (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ)(3) وجدن ولم تر بعد هلاك بانيها إلاّ نادراً ولم تدلّ عدم رؤيتها على عدم وجودها.
وقد روى وهب بن منبه: «انّ عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له في صحارى عدن فوجدها ودخلها ودهش منها وحسبها الجنّة الّتي جاء من الله وصفها وحمل ما استطاع من جواهرها وخرج إلى اليمن فأظهرها، وأعلم الناس شأنها فبلغ معاوية خبرها فأرسل إليه فجاء وقصّ عليه ما رأى فيها، فبعث إلى كعب الأحبار فحضر وأخبره عنها وانّ رجلا أحمر قصيراً

1. الفصل السادس من الباب الحادي عشر، ص 243 .
2. الفجر (89)، الآية 7.   3 . الفجر (89)، الآية 8.

صفحه 327
أشقر يدخلها»(1)، فهذا حال خفاء مدينة عن الأبصار فكيف يمتنع خفاء شخص على مرور الأعصار والمحيل لذلك من أهل الأمصار، يخرج الربّ المجيد عن الاقتدار.
وقد ذكر الإمام الطبرسي في كتابه «مجمع البيان» عند قوله تعالى (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)(2) فروى عن ابن عباس ، والسدي، والربيع، والضحّاك، وعطاء، والباقر(عليه السلام): «انّهم من وراء الصين لايصل إليهم منّا أحد فتح الله لهم نفقاً من الأرض فساروا فيه سنة ونصف»(3).
وروى أصحابنا: «انّهم يخرجون مع قائم آل محمّد»، و «انّ ذا القرنين رآهم». وان سنح ما قاله بعض الموالي في أهل المعالي:
إذا ما بلغت الصادقين بنا الرضا *** فحسبك من هاد يشير إلى هادي
مقاويل أن قالوا بها ليل ان دعوا *** وطاة لميعاد كفاه لمرتاد
إذا أوعدوا أعفوا وإن وعدوا أوفوا *** فهم أهل فضل عند وعد وميعاد(3)

1 . راجع مجمع البيان، ج 10 ص 351 .
2. الأعراف (7)، الآية 159.   3 . مجمع البيان، ج 4، ص 489.
3. ميعادى «ح».

صفحه 328
كرام إذا ما أنفقوا المال أنفدوا *** وليس لعلم أنفقوه من انفاد(1)
ينابيع علم الله أطواد دينه *** فهل من نفاد إن علمت لأطواد؟
نجوم متى نجم خفى مثله بدا *** فصل على الخابي المهيمن والبادي
عباد لمولاهم موالي عباده *** شهود عليهم يوم حشر وأشهاد
هم حجج الله اثنتي عشرة متى *** عددت فثاني عشرهم خلف الهادي
بميلاده(2) الأنباء جاءت شهيرة *** فأعظم بمولود وأعظم بميلاد(3)

1. انفادى «ح».
2. باقلاده «ح».
3 . نقل هذه القصيدة أحمد بن عياش الجوهري في مقتضب الأثر، ص 50 .
وصاحب هذه الأبيات هو أسلم بن مهوز، أبوالغوث الطهوي المنجبي، من شعراء أهل البيت(عليهم السلام)المتقين، من أهل منبج، وهو موضع في نواحي حلب، وكان معاصراً للبحتري الّذي مدح الخلفاء، والمنبجي كان يمدح الإمام الهادي (عليه السلام)وأهل البيت. توفّي سنة 254 هـ . راجع أعيان الشيعة، ج 3، ص 304 ; موسوعة المصطفى والعترة(عليهم السلام)، ص 453 .

صفحه 329
وهذا آخر ما أردنا إيراده، ومنتهى ما قصد نا ارتياده،
حامدين لله على إفضاله، ومصلّين على رسوله
وأكارم آله، متوصّلين(1) عن صحابته
المقتدين بأقواله، المتأسين
بأفعاله، داعين لأتباعهم بالتوفيق لاتّباعهم، سائلين انّه
لنا ولهم السلوك في مناهجهم، والعروج إلى
معارجهم، انّه الكريم الوهّاب، العظيم
الثواب، ربّ اختم بخير يا
كريم يا الله.(2)

1. من هنا إلى آخره ليس في «ح».
2. وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب المبارك من نسخة الأصل نهار الجمعة المعظم قدره في أواسط شهر جمادى الآخر من شهور سنة سبع وخمسين وسبعمائة هجريّة (757 هـ ق) على مشرّفها التحيّة والسلام على يد العبد الفقير الحقير الراجي عفو ربّه القدير الواثق بالملك المعين محمّد بن محمّد بن عبد المحمّد غفر الله له ويهدي والديه إلى الحقّ اليقين. ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات انّك يا مولاى سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله وصلّى الله على محمّد وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً بكرة وأصيلا.
ان تجد عيباً فسدّ خللا *** جلَّ من لا عيب فيه وعلا
تمّت بعون الله الملك الوهّاب

صفحه 330
الفهارس العامة
فهرس الآيات
فهرس الأحاديث
فهرس الأشعار
فهرس المعصومين (عليهم السلام)
فهرس الأنبياء (عليهم السلام)
فهرس الامكنة
فهرس المذاهب والفرق
فهرس مصادر التحقيق
فهرس المحتويات

صفحه 331

صفحه 359
فهرس الموضوعات   
    عُصرة المنجود

فهرس الموضوعات

الموضوع     الصفحة
مقدّمة المشرف:
جبل عامل أرض العلم الخصبة
حياة المؤلّف   9
ولادته ووفاته   10
مكانته العلمية   10
كلمات العلماء في حقّه   10
مثلث الشخصية   12
أساتذته ومشايخه   13
تلامذته والراوون عنه   13
آثاره وتآليفه   14
قريحته الشعرية   17
خصائص الكتاب   18
منهج التحقيق   19

صفحه 360
الموضوع    الصفحة
الباب الأوّل في ماهية النظر وما يتبعه   25
فصل: لا يجوز كون المعرفة بالله ضرورية مع بقاء التكليف    28
   تذنيب: لا يصح كون التقليد طريقاً إليها    31
فصل: استدل مَن ادّعى أنّ الله يعرف بالضرورة في الآخرة...   33
فصل: أنّ وجوب النظر سابق لوجوب المعرفة ترتيباً    34
   نكتة: الخوف لايدخل في معلوم الوقوع ولا معلوم العدم    37
فصل: في بيان أوّل نعمة على العبد    38
   مقدمة: النعمة هي المنفعة الحسنة الواصلة إلى الغير   38
فصل: الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم مع ضرب من تعظيمه    40
   تذنيب: يلزم المجبّرة أن لا يكون لله نعمة على مسلم ولا...   42
الباب الثاني: في الطريق المؤدّي إلى معرفة الله تعالى   43
الباب الثالث: معرفة حدوث الاجسام، وفيها طريقان    48
الطريق الأوّل: لوكانت قديمة لكانت مثلا للقديم تعالى   49
الطريق الثاني: أنّها لا تخلو من الحوادث   49
   فصل: انّ ما لايخلو من المحدث فهو محدث   52
الباب الرابع: إثبات الصانع    56
الباب الخامس: فيما يلزم المكلف من معرفة أُصول الدين    60
   تذنيب: انّ الله لايعاقب أحداً أصلاً    62

صفحه 361
الموضوع    الصفحة
   تتمة: صاحب الكبيرة مؤمن    64
   فائدة: في سبب الاعتزال   65
الباب السادس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر    66
الباب السابع: إثبات كونه تعالى قادراً   71
الباب الثامن: إثبات كونه تعالى عالماً    74
   توضيح (قوله): متى صح وجب    76
الباب التاسع: إثبات كونه تعالى حياً، موجوداً، واحداً    77
الباب العاشر: إثبات كونه تعالى سميعاً، بصيراً، مدركاً    80
   تذنيب: ذهب أبوالقاسم إلى أنّ الله لايدرك الألم واللذة    82
فصل: ظهر من أزلية تلك الصفات أزلية الموصوف بها    83
الباب الحادي عشر: كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات   84
فصل: ذهب قوم إلى زيادة علمه تعالى على ذاته    87
الباب الثاني عشر: ما يسلب عنه تعالى، وفيه فصول   91
الفصل الأوّل: في كونه تعالى غنياً (ليس محتاجاً)   92
الفصل الثاني: في سلب الجسمية عنه تعالى    94
الفصل الثالث: القديم ليس بعرض    99
الفصل الرابع: في سلب الرؤية عنه تعالى، وفيه أبحاث    100
   البحث الأوّل: مع المجسّمة والأشعرية    100

صفحه 362
الموضوع    الصفحة
   البحث الثاني: احتج الخصم على جواز الرؤية بوجوه   106
الفصل الخامس: في سلب الشريك عنه تعالى    121
   مقدمة: في معنى الواحد، وفيه أبحاث    121
   البحث الأوّل: لو كان معه قديم وجب أن يماثله   121
   البحث الثاني: في الرد على الثنوية   124
      شبهة الثنوية: الآلام كلّها قبيحة والملاذ كلّها حسنة    128
   البحث الثالث: في الرد على النصارى، فهنا طرفان    129
      الطرف الأوّل: في التثليث    129
      الطرف الثاني: في الاتحاد    130
الباب الثالث عشر: إثبات كونه تعالى عدلاً   132
   تذنيب: اختلف في حسن الأفعال وقبحها    135
الباب الرابع عشر: خلق الأعمال    139
   مقدّمة: ماهية الفعل   140
   تذنيب: في بطلان الكسب    148
فصل: احتجّوا على أنّ الأفعال كلّها من الله بوجوه    151
الباب الخامس عشر: الاستطاعة    160
الباب السادس عشر: إثبات كونه تعالى مريداً وكارهاً   167
   مقدّمة: الإرادة والكراهة   168

صفحه 363
الموضوع    الصفحة
الفصل الأوّل: في إثبات الصفتين لله سبحانه    170
الفصل الثاني: فيما يريده تعالى من الأفعال وما لايريده    176
   بديعة: الفرق بين لام الغرض ولام العاقبة    179
   تذنيب: لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم    185
الباب السابع عشر: معرفة حسن الآلام وقبحها    189
   تذنيب : لا يجوز أن يمكّن الله الظالم من ظلمه   194
   فائدة: خلق الحيوانات الموذية حسن    196
الباب الثامن عشر: التكليف واللطف   197
الفصل الأوّل: في التكليف    198
الفصل الثاني: في اللطف    203
الباب التاسع عشر: الكلام في الكلام   206
   تذنيب: قيل القرآن من كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)    211
الباب العشرون: النبّوات    220
فصل: إثبات النبوة يتوقف على دعوتها   223
   تنبيه: معاقبة المعجز للدعوى شرط في ابتداء النبوة لا غير   224
فصل: لمّا كانت البعثة لطفاً للأُمّة... وجب ذلك   225
فصل: في جواز نسخ الشرايع    227
فصل: في تكميل الكلام في المعجز    230

صفحه 364
الموضوع    الصفحة
فصل: طعن الملحدة في القرآن    234
فصل: وممّا طعن الحشوية الحنابلة فيه   240
فصل: في معجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   243
فصل: في استحقاق الثواب والعقاب على الأفعال   245
فصل: في استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم   249
فصل: في جواز العفو عن الفاسق والكافر   251
فصل: في الشفاعة    262
فصل: في عذاب القبر    266
فصل: فيه أطراف: الميزان، المحاسبة   273
   تذنيب: الحكمة في جميع ذلك في الدنيا والآخرة    273
فصل: في التوبة    276
   تذنيب: القائم إذا اتّحد جنسها لم تصح التوبة   276
الباب الحادي والعشرون: الإمامة، وفيه فصول    279
الفصل الأوّل: تعريف الإمامة   281
الفصل الثاني: في صفات الإمام، وفيه أبحاث    282
   البحث الأوّل: عصمته    284
   البحث الثاني: يجب كون الإمام أفضل من رعيته    285
   البحث الثالث: طريق إثبات الإمام    286

صفحه 365
الموضوع    الصفحة
   البحث الرابع: خليفة النبى بلا فصل علي(عليه السلام)    287
   البحث الخامس: علي (عليه السلام) أعلم الصحابة    289
   البحث السادس: في إمامة باقي الأئمة(عليهم السلام)، وفيها اطراف    292
الطرف الأوّل: في بلوغ هذا العدد والاقتصار عليه    292
الطرف الثاني: في العدد المصاحب للأسماء   295
الطرف الثالث: في نص كلّ إمام على مَن بعده    298
الطرف الرابع: ظهور العلوم العقلية والشرعية منهم   300
الطرف الخامس: في شيء من المعاجز الّتي ظهرت عليهم   301
الطرف السادس: في وجود المهدي(عليه السلام) وبقائه، وخروجه   317
      تذنيب: فيما وصل إلينا من أعداد رجاله وأماكن أبطاله    322
خاتمة: غاية طعن المنكرين لولادته   326