welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 2

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء2
(2)

صفحه 2

صفحه 3
2
مقدمة في علوم القرآن
الجزء الثاني
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1397 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 621 - 9(VOL.2)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه: ص. 345 ـ362; همچنين به صورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1397
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء2
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1397 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2018 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:    377 صفحة
القطع:     وزيري
عدد النسخ :    1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر:1017   تسلسل الطبعة الأُولى:482
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير بريّته محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد;
لم يلق كتاب سماوي من الاهتمام من قبل أتباعه، ما لقيه القرآن الكريم، فقد اهتمّ المسلمون بكتابهم المجيد، منذ نزوله وتعاهدوه قراءة، وحفظاً، وتعلّماً، وتفسيراً وكتابة، و...
وقد ألّفوا حول تفسيره وبيان مكامن أسراره مئات الموسوعات التفسيرية وآلاف الكتب والرسائل والمقالات.
ولو تمكّن أحدٌ من جمع ما أُلّف حول القرآن من التفاسير على تعدّد أنواعها، وجعلها في مركز معيّن لنشأت مكتبة ضخمة، تضم أنواع العلوم والمعارف.
ومع هذا الاهتمام فالركب بعدُ سائر، لأنّ الحقائق القرآنية و المعارف الإلهية غير متناهية، كيف تنتهي والقرآن الكريم فعل الله سبحانه، ومظهر من مظاهر علمه، فإذا كانت ذاته غير متناهية فليكن فعله أيضاً كذلك، ولذلك يصف النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن بقوله: «وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، له ظهر وبطن، فظاهره حكم،

صفحه 8
وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم(1)، وعلى نجومه نجوم، لا تُحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظرة، ينج من عطب و يتخلّص من نشب».(2)
ونحن في تقديمنا هذا نشكر الله سبحانه على توفيقه لهذا العبد الضعيف في خدمة القرآن الكريم في التفسير تارة وفي بيان أهم المباحث المتعلقة بعلوم القرآن الكريم أُخرى.
وهذا هو الجزء الثاني من كتابنا حول العلوم القرآنية، حيث جعلناه مع ما سبقه كمقدّمة لتفسيرنا المسمّى بـ«منية الطالبين في تفسير القرآن المبين»، وسيجد القارئ الكريم فيه بحوثاً حول الأقسام والأمثال في الذكر الحكيم، وأسباب النزول، ومؤهّلات المفسّر، وإلى غير ذلك من المباحث الهامّة.
أسأل الله سبحانه أن يتقبّل منّا هذا العمل بفضله الكريم ويجعله خالصاً لوجهه، وأن ينفع به القرّاء الكرام.
إنّه بذلك جدير وعلى الإجابة قدير
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
23 ذي القعدة الحرام 1439هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. وفي بعض النسخ:«تخوم».
2.الكافي:2/238.

صفحه 9
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء2

المبحث التاسع عشر

الأقسام في القرآن الكريم

إنّ من آفاق القرآن ومعانيه السامية هو أقسامه المتنوّعة، فقد أقسم القرآن الكريم بأُمور مختلفة ربّما يبلغ عددها إلى أربعين حلفاً أو أكثر، وهي تمتاز عن الأقسام الرائجة في العصر الجاهلي بأنّها انصبّت على ذوات مقدّسة أو ظواهر كونية ذات أسرار عميقة، في حين امتاز القسم في العصر الجاهلي بالحلف بالمغاني والمدام ـ أي الخمر ـ وجمال النساء، إلى غير ذلك من الأُمور المادّية السافلة.
ثمّ إنّ أوّل من أفرد أقسام القرآن بالتأليف هو شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيّم الجوزية (المتوفّى 751هـ) ولم يَذكر كتاباً غيره، ثم جمع السيوطي أقسام القرآن وجعله نوعاً من أنواع علومه، فبحث عنها بحثاً موجزاً لا يتجاوز الخمس صفحات.(1)
إنّ القسم يتكوّن من أُمور ثلاثة:

1 . الإتقان في علوم القرآن:4/46ـ51.

صفحه 10
1. لفظ القسم: كقوله سبحانه:(لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(1) أو ما يعادله من الحلف أو أدوات القسم، أعني: الباء والتاء والواو واللام.
2. ما يُحلف به أو المقسم به: فإنّ لكلّ قوم أُموراً مقدّسة يحلفون بها، وأمّا القرآن فقد حلف بأُمور تجاوزت عن الأربعين مقسماً به، وهذه هي سورة الشمس حلف فيها سبحانه بأُمور ثمانية غير الحلف بذاته المقدّسة وقال:(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)إلى قوله: (وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا)(2).
3. ما يحلف عليه، أي المقسم عليه: والمراد هو جواب القسم الذي يراد منه التأكيد عليه وتثبيته وتحقيقه، وهذا ما يقال: القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده.
ففي الآية التالية تتجلّى الأركان الثلاثة وتقول:(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ)(3)، فقوله:(وَأقْسَمُوا) فهو الركن الأوّل و قوله:(بِاللهِ) هو ما يحلف به.
وقوله: (لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) هو المقسم عليه.
وهناك أمر رابع جدير بالإشارة وهو أنّ أكثر المفسّرين حينما تطرّقوا إلى الأقسام الواردة في القرآن الكريم ركّزوا جهودهم لبيان ما للمقسم به من أسرار و رموز، كالشمس والقمر في قوله سبحانه: (والشَّمْسِ وَضُحاها*

1 . القيامة:1.
2 . الشمس:1ـ7.
3 . النحل:38.

صفحه 11
وَالْقَمرِ إِذا تَلاها)(1)، أو قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون) (2)، ولكنّهم غفلوا عن دراسة بيان الصلة والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه، لاحظ مثلاً قوله سبحانه: (وَالضُّحى * وَالليلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)(3) فالضحى والليل مقسم بهما، وقوله:(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) هو جواب القسم الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه، وهو أنّه لماذا لم يُقسم بالشمس ولا بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحى والليل لأجل المقسم عليه، أعني قوله: (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)؟ سواء علمنا بها أم لا؟
وصفوة القول: إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر وتأكيده، ولكن يقع الكلام في كلّ قسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون سائر الأُمور الكثيرة التي يقسم بها؟ فمثلاً: لماذا حلف في تحقيق قوله: (ما ودّعك) بقوله: (وَالضُّحى * وَالليلِ) ولم يقسم بالشمس والقمر؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن، ولم يتعرّض له أكثر المفسّرين ولا سيّما ابن قيّم الجوزية في كتابه «التبيان في أقسام القرآن» إلاّ نزراً يسيراً.
ثمّ إنّ الغالب هو ذكر جواب القسم، وربّما يحذف كما يحذف جواب «لو» كثيراً، كقوله سبحانه: (وَلَو أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ

1 . الشمس: 1ـ2.
2 . التين:1.
3 . الضحى: 1ـ3.

صفحه 12
الأَرْضُ أَوْكُلِّمَ بِهِ الْمَوتى)(1)، فإنّ الجواب محذوف، تقديره: «لما آمنوا».
وهناك أمر خامس وهو: ما هي الغاية المتوخّاة من القسم؟
أقول: الغاية هي أحد أُمور ثلاثة:
1. تحقيق الخبر ودعوة المخاطب إلى الإيمان والإذعان به كما هو الغالب.
2. إلفات النظر إلى عظمة المقسم به وما يكمن فيه من أسرار ورموز، كما هو الغالب في الأقسام الواردة في سورة الشمس البالغة إلى ثمانية، من (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)إلى قوله:(وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا).
3. بيان قداسة المقسم به وكرامته كقوله: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون).(2)
فإن قلت: إنّ حلفه سبحانه إن كان لأجل المؤمن فهو يصدّقه بلا حلف، وإن كان لأجل الكافر فهو لا يصدّقه حتّى مع الحلف.
قلت: إنّ حلفه سبحانه لأجل المؤمن غير أنّ إيمان المؤمن بصدق إخباره سبحانه لا ينافي تأكيده بالحلف، مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى كرامته وقداسته أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز.

1 . الرعد:31.
2 . الحجر:72.

صفحه 13

جواز الحلف بغير الله سبحانه

إنّ كتاب الله سبحانه هو الهادي إلى ما هو الحقّ، وقد حلف سبحانه بغير ذاته من مصنوعاته إمّا لأجل التذكير بما فيها من الأسرار، أو لبيان قداسة المقسم به. وقد حلف سبحانه في كتابه بذاته ومصنوعاته فلو كان الحلف بغير الله سبحانه أمراً محظوراً لذكره، واحتمال أنّ الحلف بغير الله من خصائصه سبحانه يحتاج إلى دليل قاطع، على أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)حسب ما رواه مسلم قد حلف بغير الله سبحانه.
أخرج مسلم في صحيحه أنّه جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم؟ فقال: أمّا ـ وأبيك ـ لتنبِّئنّه أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء.(1)
وهذا هو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) قد حلف بغيره سبحانه في غير واحدة من خطبه:
1. «وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ، وَخَابَطَ الْغَيَّ، مِنْ إدْهَان وَلاَإيِهَان».(2)
2. «وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلاَبِهِمُ الْعُهُودُ».(3)
إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في كلامه(عليه السلام) وكلام سائر أئمّة أهل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . صحيح مسلم:3/94، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة. ولاحظ ج :1/32، باب ما هو الإسلام.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 23.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 85.

صفحه 14
البيت(عليهم السلام).

أنواع الأقسام الواردة في القرآن الكريم

حلف سبحانه في الكتاب العزيز بأُمور، وهي بين قسم مفرد، وقسم متعدّد، وإليك الكلام فيهما:

القسم الأوّل: الأقسام المفردة

إنّ المراد من القَسَم المفرد هو ما إذا حلف سبحانه بأمر واحد ولم يضم إليه حلفاً آخر، سواء تكرّر في سورة أُخرى أو لا. وإليك نماذج من هذا القَسَم:
1. القَسَم بلفظ الجلالة:
كقوله سبحانه: (تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)(1).
2. القَسَم بالرَّب:
كقوله سبحانه: (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ).(2)
3. القَسَم بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
كقوله سبحانه:(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).(3)

1 . النحل:63.
2 . المعارج:40.
3 . الحجر:72.

صفحه 15
4. الحلف بوصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه شاهد:
كقوله سبحانه:(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِد وَمَشْهُود * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ).(1) فالمراد من الشاهد هو النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة أنّه سبحانه وصفه بهذا الوصف ثلاث مرات، وقال:
(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).(2)
(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ).(3)
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).(4)
فإن قلت:إنّ الكلام مركّز على الحلف بأمر مفرد، والحلف في الآية جاء ضمن أُمور أُخرى.
قلت: إنّ تخصيص ذكر «الشاهد في المقام» لأجل أنّه حلف بالوصف من أوصاف النبي فناسب ذكره في ضمن الحلف بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وإن كان المورد خارجاً عن المقسم.
5. الحلف بالقرآن الكريم:
حلف سبحانه بالقرآن الكريم في ثلاث آيات:
   أ. (يَس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ).(5)

1 . البروج:1ـ4.
2 . الأحزاب:45.
3 . المزمل:15.
4 . الفتح:8.
5 . يس:1 و2.

صفحه 16
   ب. (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ).(1)
   ج. (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ).(2)
6. الحلف بالكتاب المبين:
حلف سبحانه بالكتاب المبين مرّتين، وقال:
   أ. (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ).(3)
   ب. (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).(4)
7. الحلف بالعصر:
حلف سبحانه بالعصر مرّة واحدة وقال: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر).(5)
8. الحلف بالنجم:
حلف سبحانه بالنجم مرّة واحدة وقال:(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى).(6)
9. الحلف بمواقع النجوم:

1 . ص:1.
2 . ق:1.
3 . الدخان:1ـ3.
4 . الزخرف:1ـ3.
5 . العصر:1ـ2.
6 . النجم:1.

صفحه 17
حلف سبحانه وتعالى في سورة الواقعة بمواقع النجوم وقال: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ).(1)
10. الحلف بالسماء ذات الحبك:
قال سبحانه:(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف).(2)
إلى هنا تمّ ذكر الحلف بأمر واحد وقد اقتصرنا الكلام في هذا القسم ولم نذكر شيئاً في ما هو الوجه للحلف بالمقسم به، كما لم نذكر، صلة الجواب بالمقسم به. وأمّا من أراد الوقوف على هذه الجهات فليرجع إلى تفسيرنا هذا «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» يجد فيه بغيته. وإليك الكلام في القسم الثاني أعني الحلف بأُمور متعدّدة مجتمعة.
***

القسم الثاني: الأقسام المتعدّدة

قد عرفت الأقسام المفردة التي حلف فيها سبحانه بأمر واحد، وإليك الكلام في الأقسام المتعدّدة في موضع واحد، وهذا ما نذكره حسب السور:

الأوّل: القسم في سورة الصافات

أقسم سبحانه في هذه السورة بأُمور ثلاثة يمكن أن تكون كلّها من صفات الملائكة، قال:

1 . الواقعة:75.
2 . الذاريات:7ـ 8.

صفحه 18
(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ).(1)
فالمقسم به عبارة عن أُمور ثلاثة، وجواب القسم قوله: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ). إنّما الكلام فيما هو المقصود من الأُمور الثلاثة، فنقول:
(الصَّافَّاتِ): جمع صافّة، وهي من الصف بمعنى جعل الشيء
على خط مستو، يقول سبحانه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا)(2).
(فَالزَّاجِرَاتِ) من الزجر، بمعنى الصرف عن الشيء بالنهي والتهديد.
(فَالتَّالِيَاتِ) من التلاوة، وهي جمع تال أو تالية، غير أنّ المهمّ بيان ما هو المقصود من هذه العناوين؟ ولعلّ الرجوع إلى القرآن الكريم يزيح الغموض عن كثير منها.
أمّا الأوّل: فيمكن أن يراد به الملائكة، يقول سبحانه: (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)(3).
نعم وصف سبحانه الطير أيضاً بهذا الوصف وقال:(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَيَقْبِضْنَ)(4)، كما وصف البعير المعدّ للنحر بقوله: (صَوَافَّ) قال سبحانه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ

1 . الصافات:1ـ4.
2 . الصّف:4.
3 . الصافات:164ـ 166.
4 . الملك:19.

صفحه 19
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)(1) ولكن إرداف هذا الوصف بوصفين آخرين يعني: الزاجرات والتاليات، يُشكّل قرينة على أنّ المراد غير الطير والبُدن.
وأمّا الثاني ـ أعني: الزاجرات ـ : فلم يرد في القرآن ما يرشدنا إلى المقصود منها فيحتمل أن يراد بها أيضاً الملائكة حيث يزجرون العباد عن المعاصي بالإلهام إلى قلوب الناس قال سبحانه:(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ).(2) ومع ذلك يحتمل أن يراد كلّ من يزجر العباد عن المعاصي، وعلى رأسهم الأنبياء العظام.
وأمّا الثالث ـ أعني: التاليات أي الذين يتلون الوحي على النبي الموحى إليه ـ : فالمراد هم الملائكة وفي الوقت نفسه يحتمل أن يكون المراد العلماء، أعني: الجماعة التالين لآيات الله.
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ)، هو أنّ الملائكة أو الأنبياء والعلماء هم دعاة التوحيد وروّاده وأبرز مصاديق الدعاة إلى توحيد الله سبحانه.

الثاني: القسم في سورة الذاريات

لقد حلف سبحانه بأُمور أربعة متتابعة وقال:

1 . الحج:35.
2 . البقرة:102.

صفحه 20
(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ)(1).
ثم حلف بخامس منفصلاً عن هذه الأقسام الأربعة أعني قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)(2).
وقد تقدّم ذكر الخامس عند ذكر الأقسام المفردة.
وعلى ذلك فلنذكر معاني الأُمور الأربعة:
أمّا الأوّل ـ أعني: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) ـ فأُريد بها الريح التي تُنشر شيئاً في الفضاء بقرينة قوله سبحانه: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيًما تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)(3).
وأمّا الثاني ـ أعني: (فَالْحَامِلاَتِ) ـ فهي من الحمل والوقر ـ على زنة الفكر ـ ذو الوزن الثقيل، ولعلّه أُريد بها السُّحب، يقول سبحانه: (هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)(4)، وقال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ).(5)
وأمّا الثالث ـ أعني: الجاريات ـ فهي جمع جارية وأُريد بها السفن بشهادة قوله سبحانه: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)(6).

1 . الذاريات:1ـ6.
2 . الذاريات:7.
3 . الكهف:45.
4 . الرعد:12.
5 . الأعراف:57.
6 . البقرة:164.

صفحه 21
وأمّا الرابع ـ أعني: المقسمات ـ المراد الملائكة التي تقسّم الأرزاق بواسطتها التي ينتهي إليها التقسيم.
قال العلاّمة الطباطبائي: والآيات الأربع تشير إلى عامّة التدبير حيث ذكرت أُنموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البرّ وهو (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)، وأُنموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البحر وهو (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا)، وأُنموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في الجو وهو (فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا)، وتمّم الجميع بالملائكة الذين هم وسائط التدبير، وهم (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا).(1)
أمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فهو: إنّه سبحانه بعدما أقسم بالأُمور التي يتمّ بها أمر التدبير، يذكر أنّ الخلق والتدبير ليسا سُدىً ولا بلا غاية، وإنّما غايتهما هو يوم الدين، وعودة الإنسان إلى يوم الجزاء، إذ لولا هذه الغاية لأصبح أمر الخلق والتدبير عبثاً بلا غاية، فكأنّه سبحانه يريد إلفات نظر الإنسان من التدبّر في أسباب التدبير إلى الغاية المتمثّلة في يوم الجزاء.

الثالث: القسم في سورة الطور

حلف سبحانه في سورة الطور بأُمور خمسة، وقال: (وَالطُّورِ * وَكِتَاب مَسْطُور * فِي رَقّ مَنْشُور * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِع).(2)

1 . الميزان في تفسير القرآن:18/365.
2 . الطور:1ـ 8.

صفحه 22
تفسير الأُمور:
أمّا الأوّل: (وَالطُّورِ) اسم جبل خاص لا مطلق الجبل بشهادة قوله مقروناً بالألف واللام.
أمّا الثاني ـ أعني: (وَكِتَاب مَسْطُور) ـ : أُريد به المثبّت بالكتابة، قال سبحانه: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)(1).
وقد كتب في: (رَقّ مَنْشُور) ـ فالرق ما يكتب فيه شبه الكاغذ، والمنشور من النشر بمعنى البسط، يقول سبحانه: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)(2).
وأمّا الثالث ـ أعني:(وَالْبَيْتِ الْمَعْمُور) ـ : أي البيت الذي عمر بالطائفين.
وأمّا الرابع ـ أعني: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) ـ : أي المرتفع .
وأمّا الخامس ـ أعني: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)ـ : فالمسجور من السجر وهو تهييج النار، يقال: سجّرت التنور.
إلى هنا تبيّن معاني المفردات يبقى الكلام في ما هو المراد؟

تفسير ما هو المراد من الأقسام الخمسة؟

الأوّل: الطور: والظاهر هو الجبل المعروف الذي كلّم الله فيه موسى(عليه السلام).

1 . الإسراء:58.
2 . التكوير:10.

صفحه 23
وأمّا الثاني ـ أعني: (وَكِتَاب مَسْطُور) ـ : فأُريد به القرآن الكريم الذي كان يكتب في الورق المأخوذ من الجلد.
ومع ذلك يحتمل أن يراد التوراة بقرينة اقترانه بالحلف بالطور، كما يحتمل أن يراد به صحائف الأعمال، وقد وصفه سبحانه بالنشر وقال:(وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا)(1).
وأمّا الثالث ـ أعني:(وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) ـ : فيحتمل أن يراد به الكعبة المشرّفة ووصفه بالعمارة لكونه معموراً بالطائفين والعاكفين.
وأمّا الرابع ـ أعني: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) ـ : فأُريد به السماء، لقوله سبحانه: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)(2).
وأمّا الخامس ـ أعني: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) ـ : فلعلّ المراد هو البحر المحيط بالأرض الذي سيلتهب قبل يوم القيام ثم ينفجر، قال سبحانه: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)(3)، وقال تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ)(4).
ثمّ إنّ الأقسام الثلاثة الأُولى يجمعها شيء واحد وهو صلتها بالوحي وخصوصياته، حيث إنّ الطور هو محل نزول الوحي، والكتاب المسطور هو القرآن أو التوراة، والبيت المعمور هو الكعبة أو البيت الذي تطوف به الملائكة الذين هم رسل الله.

1 . الإسراء:13.
2 . الرحمن:7.
3 . التكوير:6.
4 . الانفطار:3.

صفحه 24
وأمّا الاثنان الآخران، أعني: السقف المرفوع والبحر المسجور، فهما من الآيات الكونية ومن دلائل توحيده ووجوده وصفاته.
وأمّا المقسم عليه فهو قوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِع).
أمّا وجه الصلة بين المقسم به ـ على تعدّده ـ والمقسم عليه هو: أنّ وقوع العذاب على وجه القطع وعدم القدرة على دفعه، يناسب في التأكيد عليه أن يقسم بالكتاب، أي بالتوراة أو القرآن اللّذين جاءت فيهما أخبار القيامة وحتميتها. كما ناسب أن يحلف بمظاهر القدرة وآيات العظمة كالسقف المرفوع والبحر المسجور حتى يُعلم أنّ صاحب هذه القدرة لقادر على تحقيق هذا الخبر: إنّ عذابه لواقع، وليس له دافع يدفعه عن المجرمين فينجيهم منه إذا حلّ بهم.

الرابع: القسم في سورة القلم

حلف سبحانه في سورة القلم بأمرين: 1. القلم. 2. مايسطرون، وقال: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون)(1).
والظاهر أنّ لفظة «ن» من الحروف المقطّعة، تفسّر كما تفسّر غيرها.
حلف سبحانه بالقلم، ولعلّ المراد جنس القلم الذي يكتب به من في السماء ومن في الأرض ويؤيّده قوله سبحانه: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا

1 . القلم:1ـ2.

صفحه 25
لَمْ يَعْلَمْ).(1)
كما حلف بـ (وَمَا يَسْطُرُونَ) فلو كانت «ما» موصولة، يكون المراد المكتوب; ولو كانت مصدرية، يكون المراد نفس السطر والكتابة.
ثمّ إنّ في الحلف بالقلم وبالمكتوب أو الكتابة إلماعاً إلى مكانة القلم والكتابة في الإسلام، كما أنّ في قوله سبحانه: (علّم بالْقَلم) إشارة إلى ذلك، والعجب أنّ القرآن الكريم نزل وسط مجتمع يسوده التخلّف والجهل والأُميّة، وكان عدد مَن يجيد القراءة والكتابة في العصر الجاهلي لا يتجاوز عدد الأصابع، وقد سرد البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» أسماء سبعة عشر رجلاً في مكة، وأحد عشر من يثرب،(2) كانوا عارفين بالقراءة والكتابة.
وهذا ابن خلدون يحكي في مقدّمته: أنّ عهد قريش بالكتابة لم يكن بعيداً، بل كان حديثاً وقريباً بعهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) . (3) ومع ذلك يعود القرآن ليؤكّد بالحلف بالقلم على مكانة القلم والكتابة في الحضارة الإسلامية، وجعل في ظل هذا التعليم أُمّة متحضّرة احتلّت مكانتها بين الحضارات. وليس هذه الآية وحيدة نسجها في الدعوة إلى القلم والكتابة، بل ثمة آية أُخرى هي أكبر آية في الكتاب العزيز، يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلا يَأْبَ

1 . العلق:1ـ5.
2 . فتوح البلدان : 457 .
3 . مقدّمة ابن خلدون:418.

صفحه 26
كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمهُ اللّهُ فَلْيَكْتُب...).(1)
وفي نهاية الكلام نختم الدراسة بحديث رواه الشيخ يحيى البحراني عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه «الشهاب في الحكم والآداب» قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاثة تخرق الحجب وتنتهي إلى ما بين يدي الله:
1. صرير أقلام العلماء.
2. وطء أقدام المجاهدين.
3. صوت مغازل المحصنات».(2)
أمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فهو أنّ القلم والكتابة آية العقل والدراية، فحلف به لغاية نفي الجنون عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

الخامس: القسم في سورة الحاقّة

حلف سبحانه بما يُبصر وبما لا يُبصر، قال سبحانه: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(3) فحلف بأمرين:
الأوّل: (بِمَا تُبْصِرُونَ) أقسم سبحانه هنا بما يُبصر أي ما له علاقة بالبصر ولم يُقسم بغيره ممّا هو محسوس بسائر الحواس، ولعلّه داخل في

1 . البقرة:282.
2 . الشهاب في الحكم والآداب:22.
3 . الحاقّة:38ـ 43.

صفحه 27
القسم الثاني.
الثاني:(وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ) أقسم سبحانه بما لا نبصر وما أكثره وأعظم خطره، فيشمل الموجودات الدنيوية والأُخروية والأجسام والأرواح والإنس والجن والنعم الظاهرة والباطنة، حتى ولعلّه يشمل الخالق والمخلوق وإن استبعده السيد الطباطبائي قائلاً: بأنّه من البعيد من أدب القرآن أن يجمع الخالق والمخلوق في صف واحد ويعظمه تعالى وما صنع، تعظيماً مشتركاً في عرض واحد.(1)
هذا هو المقسم به، وأمّا المقسم عليه فهو قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فالمقسم عليه مركّب من أُمور إيجابية ـ أعني كونه: قول رسول كريم، وأنّه تنزيل من ربّ العالمين ـ وسلبية وهو أنّ القرآن ليس بقول شاعر ولا كاهن.
وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فيمكن أن يقال: إنّه سبحانه وتعالى حلف بعالم الغيب والشهادة ـ أي بمجموع الخليقة والنظام السائد على الوجود الإمكاني ـ على وجود هدف مشترك لهذا النظام، وهو صيرورة الإنسان في هذا الكوكب إنساناً كاملاً مظهراً لأسمائه وصفاته، ولا يتمّ تحقيق ذلك الهدف في عصر الرسالة إلاّ من خلال بعث رسول كريم ومعه كتاب جليل لا يشبه شعر شاعر أو سجع كاهن.

1 . الميزان في تفسير القرآن:19/403.

صفحه 28

السادس: القسم في سورة المدّثّر

حلف سبحانه في سورة المدّثّر بأُمور ثلاثة، هي: القمر، والليل عند إدباره، والصبح عند ظهوره، قال: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ * كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ).(1) وإليك دراسة الكلّ:
1. (وَالْقَمَرَ): وهو يتجلّى في الليل، ولولا الليل لما كان لضوئه ظهور; لأنّه يختفي نوره في النهار لتأثير الشمس.
2. (وَاللَّيْلِ إِذا أَدْبَرَ): عبّر عن نهاية الليل بقوله: إذا أدبر.
3. (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ): أي إذا ظهر.
وفي الآية إشارة إلى نظام عجيب، فكأنّه سبحانه يقول: احلف بتجلّي القمر في وسط السماء الذي يسير مع الليل شيئاً فشيئاً، إلى أن يدبر ويسفر الصبح، هذا مفاد الآيات التي تضمّنت المقسم به.
وأمّا المقسم عليه فهو عبارة عن قوله: (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)(2) والضمير في (إِنَّهَا) يرجع إلى الآيات القرآنية في قوله سبحانه: (كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا)(3).

1 . المدثر:31ـ 37.
2 . المدثر:35ـ37.
3 . المدثر:16.

صفحه 29
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فيمكن أن يقال: إنّ القمر في الليل الدامس يهدي السائرين، كما أنّ الصبح وطروء النهار يبدّد الظلام ويظهر النور، فناسب أن يحلف سبحانه بأسباب الهداية، ومعادن النور ومظاهره، بُغية إثبات أنّ القرآن لإحدى المعاجز الكبرى التي تهدي البشر إلى سبيل الرشاد. نعم على القول بأنّ الضمير في (أنّها) يرجع إلى (سقر)فالمناسبة غير واضحة.

السابع: في سورة القيامة

حلف سبحانه في سورة القيامة بأمرين:1. يوم القيامة. 2. النفس اللوّامة وقال: (لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ).(1)
إنّ المقسم به أمران:
1. يوم القيامة: فهو يوم البعث الذي يجمع الله فيه الناس على صعيد واحد، وإنّما سمّي يوم القيامة لأجل أنّه يقوم فيه الحساب قال سبحانه حاكياً عن إبراهيم(عليه السلام): (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)(2)، ويحتمل أن يكون وجهه قيام الناس كما يقول: (يَوْمَ يَقُومُ

1 . القيامة:1ـ5.
2 . إبراهيم:41.

صفحه 30
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(1).
2. النفس اللوّامة: فهي صيغة مبالغة من اللوم، وهي عذل الإنسان لعمله أو لعمل غيره. وقد اختلف المفسّرون في المراد من النفس اللوّامة على وجوه أفضلها أن يقال: أُريد مطلق النفس، إذ ليس من نفس برّة أو فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها يوم القيامة، إن كانت عملت خيراً قالت: هلاّ ازددت، وإن كانت عملت سوءاً قالت: يا ليتني لم أفعل.
ويحتمل أن يراد النفس اللوّامة التي تظهر بين الحين والآخر في الحياة الدنيا وتزجر الإنسان عن ارتكاب الذنوب، وهذا الذي يُسمّيه علم النفس في يومنا هذا بالوجدان الأخلاقي، ويصفون الوجدان بأنّه محكمة لا تحتاج إلى قاض سوى النفس، وهي التي تقوم بتأسيس المحكمة، وتشخّص المجرم، وتصدر الحكم بلا هوادة، ودون أي تهاون.
ثمّ إنّ القرآن الكريم جعل للنفس الإنسانية مراتب:
1. النفس الأمّارة. 2. النفس اللوّامة. 3. النفس المطمئنة. 4. النفس الراضية المرضية. فراجع في الوقوف على مفاهيمها كتابنا:«الأقسام في القرآن الكريم».(2)
قد عرفت أنّ المقسم عليه مقدّر بمعنى «لتبعثن» والصلة بينه وبين الإقسام بيوم القيامة واضحة، وهكذا بينه وبين الإقسام بالنفس اللوّامة لما

1 . المطففين:6.
2 . يلاحظ: الأقسام في القرآن الكريم:122ـ127.

صفحه 31
مرّ من أنّها تلوم الإنسان في يوم القيامة.

الثامن: القسم في سورة المرسلات

حلف سبحانه في هذه السورة بأُمور خمسة وقال:
أ. (وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا).
ب. (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا).
ج. (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا).
د. (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا).
هـ . (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ).(1)
وظاهر السياق يبعثنا إلى تفسيرها بأمر واحد تنطبق عليه هذه الصفات، فقسم من المفسّرين جعل الأمر الواحد الرياح وهو يصحّ في الثلاثة الأُولى دون الرابعة والخامسة، وإليك البيان:
1. (وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا): أي أُقسم بالرياح التي أُرسلت متتابعة، فقوله: عُرفاً نُصب على الحال بمعنى متتابعة.
2. (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا): أي أُقسم بالرياح الشديدة الهبوب.
3. (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا): أي أُقسم بالرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء نشراً للغيث.
4. (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا): أي أُقسم بما يفرّق بين الحقّ والباطل، وهذا ممّا

1 . المرسلات:1ـ7.

صفحه 32
لا يمكن تفسيره بالرياح، التي تفرّق بين السحاب فتبدّده، لأنّه بعيد.
5. (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا): أي أقسم بمَن يلقي الذكر، وهذا ما لا يمكن تفسيره بالرياح أيضاً.
6. (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا): أي إعذاراً من الله وإنذاراً إلى خلقه.
إلى هنا تبيّن بأنّه لا يمكن تفسير الجميع بالرياح.
وربّما يفسّر الجميع بالملائكة بالنحو التالي:
1. (وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا): أي الملائكة المرسلين إلى الرسل متتابعين.
2. (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)، وهذا ما لا يمكن تفسيره بالملائكة، وأمّا ما يقال من تشبيه سرعة نزولهم بشدّة الريح، فبعيد عن الأذهان.
3. (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا): أي ينشرون صحف الوحي.
4. (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا): أي الملائكة التي تأتي بما يُفرّق به بين الحقّ والباطل.
5. (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا): أي الملائكة التي تلقي الذكر على الأنبياء. (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا): فالذي تلقيه الملائكة بين كونه عذراً أو نذراً.
وهنا وجه آخر ذكرناه في تفسيرنا «منية الطالبين»(1).
وعلى كلّ تقدير فالمقسم عليه قوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ).
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فلو قلنا بأنّ الأقسام الخمسة

1 . لاحظ:منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:29/447.

صفحه 33
تشير إلى الملائكة أو القرآن الكريم فالصلة واضحة، لأنّ أهم ما توحيه الملائكة إلى الأنبياء، أو أهمّ ما يشتمل عليه الكتاب المجيد هو الدعوة إلى الإيمان بالبعث والنشور، ولذلك جاء الجواب على نحو التأكيد بأنّ الموعود لواقع قطعاً.
ولو قلنا بأنّ المراد من الأقسام الخمسة هو الرياح وقلنا بأنّ الصفات كلّها ترجع إليها، فعندئذ يمكن أن يقال: إنّ المقسم به بأوصافه الخمسة ينبئ عن وجود تدبير في العالم، ومن المعلوم أنّ التدبير لا ينفكّ عن غرض يترتّب عليه، وليس هذا الغرض إلاّ اليوم الموعود الذي فيه يجمع الناس للحساب والجزاء، ولذلك جاء الجواب:(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ).

التاسع: القسم في سورة النازعات

حلف سبحانه في هذه السورة بأُمور خمسة وقال:
أ. (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا)
ب. (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا)
ج. (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا)
د. (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا)
هـ . (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ).(1)

1 . النازعات:1ـ9.

صفحه 34
حلف سبحانه في هذه السورة بطوائف وصفها بـ :
النازعات، الناشطات، السابحات، السابقات، المدبرات.
ذكر المفسّرون وجوهاً أفضلها القول بأنّ الموصوفين هم الملائكة وإليك البيان:
1. (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا)، وهم الملائكة الذين ينتزعون أرواح الكفّار من أبدانهم بشدّة وقوّة، بقرينة قوله: (غَرْقًا)، وهو بمعنى المبالغة في الشدّة.
2. (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا): وهم الملائكة الموكَّلون بنزع أرواح المؤمنين برفق وسهولة وخفّة في الحركة.
3. (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): وهم الملائكة النازلين من السماء بسرعة، وقد مرّ أنّ السبح: الإسراع في الحركة، كما يقال للفرس: سابح إذا أسرع في جريه.
4. (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا): وهم الملائكة تتسابق في تنفيذ الأوامر الإلهية، ويمكن أن يكون متعلّق السبق أمراً آخر أيضاً.
5. (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا): أي الملائكة المدبّرة للأُمور، فكأنّ أمر التدبير منقسم بين الملائكة لكلّ منهم وظيفة خاصة، فجبريل يدبّر أمر الرياح والجنود والوحي، وميكائيل يدبّر أمر القطر والنبات، وعزرائيل موكّل بقبض الأرواح، وإسرافيل يتنزّل بالأمر وهو صاحب الصور.
وأمّا المقسم عليه فكأنّه مقدّر أي لتبعثنّ (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ *

صفحه 35
تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ).
وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فيمكن أن يقال: إنّ الملائكة القائمين بهذه الأُمور العظيمة لابدّ أن تكون لأعمالهم غاية، إذ لا يمكن أن تكون أعمالهم عبثاً وبلا هدف، وقد أُشير في الآيات إلى عملية النزع والنشط والسبح والسبق وتدبير الأُمور، فالغاية من القيام بهذه الأُمور العظيمة من نزع الأرواح وغيره، كأنّه مقدّمة لبعث الإنسان يوم القيامة، وإلاّ كانت أعمالهم بلا غاية.

العاشر: القسم في سورة التكوير

قد حلف سبحانه في سورة التكوير بالكواكب بحالاتها الثلاث، مضافاً إلى الليل المدبر، والصبح المتنفس، وقال: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين).(1)
الحلف الأوّل:(فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ) فالمجموع قسم واحد. وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذا القسم بعد تفسير «الخنّس» بالانقباض والكنّس بمعنى التراجع، ولعلّ المراد الكواكب الخمسة المعروفة ـ أعني: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ـ وهي بالإضافة إلى الأرض ستة كواكب تدور حول الشمس، وهناك كواكب أُخرى تدور حولها أيضاً لا تُرى بالعين المجرّدة، أعني: أورانوس، وبلوتو،

1 . التكوير:15ـ21.

صفحه 36
ونبتون.
إنّ نجوم السماء ـ ماوراء الخمسة ـ تظهر وتغيب بشكل جماعي من دون أن تتغيّر الفواصل والمسافات فيما بينها، وكأنّها لآلئ صُبّت على لوحة كبيرة فتتحرك اللوحة وبتبعها تتحرّك النجوم من دون أن يحصل بينها اختلاف في المسافات. وأمّا هذه الكواكب الخمسة فهي بين خنوس ـ أي انقباض ـ وكنوس ـ أي تراجع ـ ولعلّ المراد أنّها منقبضات حينما تتقارب فواصلها، ثم إنّها بالجري يبتعد بعضها عن بعض ثم ترجع إلى حالتها الأُولى، فهي بين الانقباض والابتعاد بالجري ثم الرجوع إلى حالتها الأُولى.
الثاني: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ): أي إذا أدبر بظلامه. وقد روي هذا المعنى عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.(1)
الثالث:(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ): أي إذا أسفر وأضاء وامتدّ ضوءه حتى يصير نهاراً.
وأمّا الجواب فقوله سبحانه: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم) وعلى كلّ تقدير فالغرض من الإقسام بهذه الكواكب ـ مع ما لها من الصفات ـ إثارة الفكر الإنساني إلى التطلّع في هذه السيارات ليتأمّل فيها ويطّلع فيها على الأسرار الكامنة، وبالتالي على قدرة البارئ عزّ وجلّ.
وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فيمكن أن يقال: إنّ

1 . التبيان في تفسير القرآن:10/285.

صفحه 37
القرآن أمام المستعدّين للهداية كالصبح في إسفاره، فهو لهم نور وهداية، كما أنّ للمدبرين عنه، كالليل المظلم، وهو عليهم عمى، والله العالم.

الحادي عشر: القسم في سورة الانشقاق

قال سبحانه:(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ *وَاللَّيلِ وَما وَسَقَ * وَالقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق * فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرآنُ لا يَسْجُدُون).(1)
أقسم سبحانه في هذه الآيات بالأُمور التالية:
1. الشفق.
2. الليل.
3. ما وسق.
4. القمر في حالة الاتّساق.
وإليك تفسيرها:
1. (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ): فهو وإن كان بظاهره نفي القسم، ولكنّ المتفاهم منه في العرف هو الكناية عن القسم، فأقسم سبحانه بالحمرة التي تظهر في الأُفق الغربي عندما ترسل الشمس آخر خيوطها وهي تجنح للمغيب، إذ يُرتسم على الأُفق منظر رائق، بهيج الألوان، يروي ظمأ العيون للجمال، ويُلهم الشعراء المعاني العرفانية الغرّاء.

1 . الانشقاق:16 ـ 21.

صفحه 38
2. (وَاللَّيلِ): أقسم سبحانه بالليل لأنّه ـ كالنهار ـ عماد الحياة، ولولا الليل لارتفعت حرارة الأرض بشروق الشمس الدائم على الكائنات الحيّة ولانعدمت الحياة فيها.
3. (وَما وَسَقَ): أقسم سبحانه بما جمع، أي كأنّ ظلمة الليل هي السبب لعودة الإنسان إلى منزله، والحيوان إلى مربضه، والطير إلى وكره.
4. (وَالقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ): حلف سبحانه بالقمر عند اكتماله بالليالي الثلاث لما فيه من روعة وجمال.
فهذه أقسام أربعة بينها ترتيب طبيعي تقريباً، فقدّم الشفق على الليل مع أنه يظهر بعد مضيّ شيء قليل من الليل، لأنّ الشفق من نور الشمس عند استتارها تحت الأُفق، ولذلك قدّمه على الليل.
ثمّ يتلوهما القمر في حالة الاكتمال.
وأمّا المقسم عليه فهو ما أشار إليه بقوله تعالى:(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق).
وأمّا الجواب فهو (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق) وهو إشارة إلى المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته وأوضحها هي الحياة الدنيوية، ثم الموت، ثم الحياة البرزخية، ثم الانتقال إلى الآخرة، ثم الحياة الأُخروية، ثم الحساب والجزاء.
أمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فيمكن أن يقال: إنّ القرآن يقسم بأُمور متتابعة الوقوع ذات تسلسل زماني خاص كما مرّ، فإذا

صفحه 39
كان المقسم به بهذا النحو، فالطبقات التي يركبها الإنسان، مثل المقسم به، مترتبة متتالية فيبدأ بالدنيا ثم إلى عالم البرزخ ومنه إلى يوم القيامة.

الثاني عشر: القسم في سورة البروج

قال سبحانه: (وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ *وَاليَومِ المَوعُودِ *وشاهد وَمَشْهُود * قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُودِ * النارِ ذاتِ الوَقُودِ *إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ *وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمْؤمِنينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللّهِ العَزيزِالحَمِيد).(1)
أقسم سبحانه في أوائل هذه السورة بأقسام أربعة ضمن الآيات الثلاث الأُولى، وذلك لبيان قصة أصحاب الأُخدود والتنبيه على ما فيها من الدروس والعبر.
1. (وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ): البروج هو الأمر الظاهر ويستعمل في القصر العالي، ويُسمّى سور البلد للدفاع برجاً، وعلى ذلك فالمراد بالبروج هنا هو مواضع الكواكب من السماء، لقوله سبحانه: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)(2)ولكن الأظهر أنّ المراد نفس الكواكب بظهورها.
2. (وَاليَومِ المَوعُودِ): وهو يوم القيامة الذي وعده سبحانه لعباده للقضاء بينهم.
3. (وشاهد وَمَشْهُود): تضاربت أقوال المفسّرين في معنى شاهد

1 . البروج:1 ـ 8.
2 . الواقعة:75.

صفحه 40
ومشهود، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم يتبيّن لنا مفاد الكلمتين.
أمّا الشاهد فقد وصف الله به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(1).
وأمّا المشهود فالمراد به يوم القيامة لأنّه من صفاتها. قال سبحانه: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)(2) أي يشهده الخلائق كلّهم ويحضرون فيه من الملائكة والجن والإنس والأوّلين والآخرين، ولا يوصف بهذه الصفة يوم سواه. وقد مرّ الكلام فيه في تفسير الأقسام المفردة.
وأمّا جواب القسم فهو قوله: (قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُودِ) الظاهر أنّه دعاء على أصحاب الأُخدود وإبراز غضب الله عليهم، فيكون قوله: (قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُودِ) بمنزلة:«قاتلهم الله»، وعلى هذا يكون المراد: إنّ الذين عذّبوا المستضعفين من المؤمنين، لُعنوا بتحريقهم المؤمنين في الدنيا بلا جرم.
وهنا وجه آخر ذكرناه في تفسيرنا.(3)
وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فيمكن أن يوضح بوجهين:

1 . الأحزاب:45.
2 . هود:103.
3 . لاحظ: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:30/234.

صفحه 41
1. يقصد سبحانه بهذه الآيات تثبيت قلوب المؤمنين وتصبيرهم على الأذى، خصوصاً إذا قلنا بأنّ الجواب محذوف وهو أنّ كفّار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأُخدود.
2. أنّه سبحانه حلف بالسماء ذات البروج لبيان أنّه كما يدفع عن السماء كيد الشياطين، كما قال سبحانه: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلاَِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب)(1): أي يرمون بالشهب من كلّ جانب من جوانب السماء إذا أرادوا الصعود إلى السماء للاستماع، فكذلك يدفع عن المؤمنين كيد الكافرين. وهذا الوجه يبين وجه المناسبة للحلف بالسماء ذات البروج دون وجه الحلف بالباقي.

الثالث عشر: القسم في سورة الطارق

قال سبحانه: (وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ *وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ *النَّجْمُ الثاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْس لَمّا عَلَيْها حافِظ).(2)
أقسم سبحانه في بدء السورة بأمرين عظيمين، هما:
1. السماء.
2. الطارق الظاهر بالليل.
فقوله:(وَالسَّماءِ): أي أحلف بالسماء (وَالطّارِقِ): أي وما يظهر فيها.

1 . الصافات:6ـ8.
2 . الطارق:1ـ 4.

صفحه 42
ثم قال: (وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ) هذا النوع من الخطاب لبيان تعظيم الشيء، ثمّ رفع سبحانه الإبهام في الآية التالية وقال: (النَّجْمُ الثاقِبُ): أي الذي يخرج في ظلمات الليل ويضيء السماء.
والمراد به جنس النجم، أي مطلق النجم من غير تحديد، وخصّه بعضهم بزحل لقوة شعاعه، ويحتمل أن يراد به القمر لأنّه يطلع بالليل.
هنا تمّ الإقسام وأمّا الجواب فقوله: (إِنْ كُلُّ نَفْس لَمّا عَلَيْها حافِظ) .
وأمّا الصلة بين القسمين والجواب فيمكن أن يقال: إنّ المراد من قوله:(حافِظ) هو حفظ النفوس.
وبعبارة أُخرى: إنّ للنفوس رقيباً يحفظها ويدبّر شؤونها في جميع أطوار وجودها ويحفظ صور أعمالها، كما أنّ للسماء مدبّراً لشؤونها ـ بما تحتويه من أنظمة رائعة ومعقدّة ـ وحافظاً لها، فلكلّ حافظ.

الرابع عشر: القسم في سورة الفجر

قال سبحانه:(وَالْفَجْرِ * وَلَيال عَشْر * وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ * واللَّيلِ إِذا يَسْرِ * هَلْ في ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْر).(1)
ابتدأ سبحانه هذه السورة بأقسام خمسة:
الفجر، وليال عشر، والشفع، والوتر، والليل إذا يسر. وإليك تفسيرها:
1. (وَالْفَجْرِ): أي فجر الصبح، عبّر عن الصبح بالفجر الذي هو بمعنى

1 . الفجر:1ـ 5.

صفحه 43
الشقّ; لأنّ الصبح يشقّ الأُفق ويبدّد ظلام الليل شيئاً فشيئاً حتى تطلع الشمس.
2. (وَلَيال عَشْر): التنكير في «ليال» للتفخيم، وقد ذكر المفسّرون وجوهاً واحتمالات أفضلها: بأنّ الليالي العشر هي: من أوّل ذي الحجّة إلى عاشرها. ولا يخفى ما للعشرة الأُولى من ذي الحجّة من الفضيلة ففيها ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر، إذ كلّ منها يضفي على هذه الليالي ميزة وفضيلة.
ويحتمل أن يراد الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، وفيها نزول القرآن وليلة القدر على وجه.
3. (وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ): ذكر المفسّرون احتمالات كثيرة نذكر احتمالاً واحداً وهو:
الشفع: هو كلّ ما خلقه الله، قال سبحانه: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً)(1).
والوتر هو الله تعالى، وكان اللازم على هذا القول أن يستدلّ صاحبه بآية أُخرى وهي:(وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(2) فما سوى الله تبارك وتعالى شفع، والوتر الحقيقي هو الله.
وأمّا المقسم عليه فهو: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)(3).

1 . النبأ:8.
2 . الذاريات:49.
3 . الفجر:14.

صفحه 44
وأمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فهو أنّ من كان ذا لبّ، علم أنّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه دلائل على قدرته وحكمته، فهو قادر على أن يكون بالمرصاد لأعمال عباده فلا يعزب عنه أحد ولا يفوته شيء من أعمالهم، لأنّه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم، خصوصاً إذا نظرنا إلى ما عاقب به قوم عاد وثمود مع ما كان لهم من القوّة والمنعة.

الخامس عشر: القسم في سورة البلد

قال سبحانه: (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا البَلَدِ * وَوالِد وَما وَلَدَ * لَقَدْخَلَقْنَا الإِنْسانَ في كَبَد).(1)
أقسم سبحانه في هذه السورة بالأُمور التالية:
1. (الْبَلَدِ)
2. (وَوالِد)
3. (وَما وَلَدَ)
أمّا الأوّل فأُريد بالبلد مكّة المكرّمة بشهادة قوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا البَلَدِ).
وأمّا الثاني: (وَوالِد) فهل المراد بقرينة البلد هو إبراهيم(عليه السلام)، أو أنّ المراد كلّ والد إنساناً كان أم حيواناً؟
وأمّا الثالث: (وَما وَلَدَ) فلو قيل: إنّ المراد من (والِد) هو إبراهيم

1 . البلد:1ـ 4.

صفحه 45
يكون المراد من الثاني هو إسماعيل.
ولو قيل: كلّ والد يكون المراد كلّ مولود.
وأمّا جواب القسم فهو قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ في كَبَد): أي في نصب وشدّة.
وأمّا وجه الصلة فلأنّ حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحياة إبراهيم وولده كانت مقرونة بالتعب، فكون نتيجة القسم بالأنبياء الثلاثة أنّهم من المصاديق الواضحة لخلق الإنسان في كبد.

السادس عشر: القسم في سورة الشمس

قال سبحانه: (وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها * وَالنَّهار إِذا جَلاّها* وَاللَّيلِ إِذا يَغْشاها * وَالسَّماءِ وَما بَناها * وَالأَرْضِ وَما طَحاها * وَنَفْس وَما سَوّاها * فأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْأَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها).(1)
أقسم سبحانه في هذه السورة بأحد عشر قسماً، وهي:
1. الإقسام بالشمس. 2. الإقسام بضحى الشمس، 3. الإقسام بالقمر. 4. الإقسام بالنهار. 5. الإقسام بالليل، 6. الإقسام بالسماء، 7. الإقسام بما بناه، 8. الإقسام بالأرض، 9. الإقسام بما طحاها، 10. الإقسام بالنفس، 11. الإقسام بما سوّاها.

1 . الشمس:1ـ10.

صفحه 46
وقد تكرّر الموصول ثلاث مرّات وأُريد به الخالق فينزل عدد الأقسام إلى تسعة. وإليك بيان المقسم به:
1. (وَالشَّمْسِ): أقسم سبحانه بالشمس وهي النيّر الكبير الذي له دور في استقرار الحياة على الأرض وهي مصدر النور والحرارة.
2. (وَضُحاها) حلف بضحى الشمس وهو انبساط نورها وضوئها، فإنّ لضوئها أثراً خاصاً في نشوء الحياة وبقائها والفتك بالأمراض وزوالها.
3. (وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها): حلف بالقمر إذا تلا الشمس في الليالي البيض من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى الخامسة عشرة منه وقت امتلائه حتى يضيء الليل كلّه من غروب الشمس إلى الفجر.
4. (وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها): حلف سبحانه بالنهار إذا جلا الأرض وأظهرها، والضمير يرجع إلى الأرض المفهوم من سياق الآية.
5. (وَاللَّيلِ إِذا يَغْشاها): حلف بالليل إذا غطّى الأرض وسترها في مقابل الشمس إذا جلا الأرض وأظهرها. وعلى ما ذكرنا فالضمير أيضاً في يغشاها يرجع إلى الأرض.
6 و7. (وَالسَّماء وَما بَناها): حلف بالسماء وبانيها، بناء على أنّ «ما» موصولة بقرينة ما يأتي في قوله:(وَنَفْس وَما سَوّاها). وفي ذكر السماء وبانيها إلماع إلى أنّه يمتنع أن يكون رهن الصدفة، بل لا يتحقّق إلاّ بصانع حكيم قد أحكم وضعها وأجاد بناءها، خصوصاً بناء الكواكب التي ترتبط أجزاؤها البعض بالبعض، ولولا هذا الترابط لما كان لها تماسك.

صفحه 47
8و9. (وَالأَرْضِ وَما طَحاها): حلف بالأرض وطاحيها، والطحو كالدحو، وهو البسط، وإبدال الطاء من الدال جائز، والمعنى وسّعها.
10 و11. (وَنَفْس وَما سَوّاها): والمراد من تسوية النفس إعطاؤها القوّة الكثيرة الظاهرة والباطنة. وعلى هذا فتسوية النفس هو تعديل قواها من الظاهرة والباطنة، ولو أُريد من النفس الروح والجسم فتسوية الجسم هو إيجاده بصورة متكاملة.
إلى هنا تمّ بيان الحلف بأحد عشر أمراً ظاهراً وبتسعة أشياء لبّاً، وهذه الآيات تشتمل على أكثر الأقسام الواردة في القرآن الكريم.
وأمّا المقسم عليه فهو قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها).
وأمّا الصلة بين الأقسام والجواب فهي واضحة، وهي أنّه سبحانه يذكر نعمه الهائلة في هذه الآيات التي لو فقد البشر واحداً منها لتوقّفت عجلة الحياة عن السير نحو الأمام، فمقتضى إفاضة هذه النعم وإنارة الروح بإلهام (وتوضيح) الفجور والتقوى، هو المشي على درب الطاعة، وتزكية النفس دون الولوج في طريق الفجور وإخفاء الدسائس الشيطانية.

السابع عشر: القسم في سورة الليل

قال سبحانه: (وَاللَّيل إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى * وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالأُنثى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشتّى).(1)

1 . الليل:1ـ 4.

صفحه 48
أقسم سبحانه في هذه السورة بأقسام ثلاثة:
1. (وَاللَّيل إِذا يَغْشى): أي إذا غطّى، والظاهر أنّ المراد غشيانه النهار، لقوله سبحانه: (يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ)(1)، ومعناه أنّ الليل يُجلّل النهار كما أنّ النهار يغطي اللّيل، ولم يذكر هذا لكونه معلوماً من الكلام. والإغشاء هو إلباس الشيء ما رقّ بما يجلّله. وفي الحقيقة أنّ الليل يغطّي بظلامه نصف الكرة الأرضية الذي كان مُضاءً قبل غشيانه.
2. (وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى): والمراد ظهور النهار على الأرض فيشق ظلام الليل ويغمر كلّ شيء بالنور.
3. (وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالأُنثى): الظاهر أنّ «ما» موصولة والمراد هو الله سبحانه الذي خلق الذكر والأُنثى المختلفين.
وأمّا الجواب فهو قوله سبحانه: (إنَّ سَعْيَكُمْ لَشتّى) فمن الناس من يسعى نحو الأهداف السامية، ومن الناس من يسيطر عليه إرضاء الشهوات والغرائز السافلة.
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه وهي أنّه سبحانه أقسم بالمتفرّقات خلقاً وأثراً، على المساعي المتفرّقة في أنفسها وآثارها وقال: (إنَّ سَعْيَكُمْ لَشتّى) فأين التقوى والتصديق من البخل والتكذيب.
الثامن عشر: القسم في سورة الضحى
قال سبحانه:(وَالضُّحى * وَاللَّيلِ إِذا سَجى).

1 . الأعراف:54.

صفحه 49
أقسم سبحانه في هاتين الآيتين بشيئين:
1. أقسم بوقت الضحى.
2. أقسم بالليل إذا سكن، وغطّى وجه الأرض وعمّت ظلمته جميع أنحاء البسيطة.
وأمّا ما هي الصلة بين المقسم به ـ أعني: (وَالضُّحى * وَاللَّيلِ إِذا سَجى) ـ وسبب نزول الآية(1)، فالأولى أن يقال: إنّ القسم بالضحى يناسب نزول الوحي، كما أنّ القسَم بالليل يناسب نزول الوحي نجوماً، إذ فيه تثبيت لقلب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ في الليل تثبيتاً لبقاء الحياة; وذلك لأنّه لو نزل الوحي جملة واحدة وأوصد بابه وانقطعت صلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعالم الغيب، لفقد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) النعمة الكبرى، وهي تثبيت قلبه الناشئ من الاتصال بالله، في فترة بعد فترة، وهذا بخلاف ما إذا كانت هناك صلة بين الأرض والسماء، فعندئذ يعيش النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ظل إمدادات غيبية تزيل الصدأ العالق على قلبه من خلال مواجهة المشركين والكافرين.
وأمّا جواب القسم فهو قوله: (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى): أي ما تركك ربّك وما أبغضك، والآية تتضمّن ترويحاً لنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الوقت نفسه إبطالاً لما أذاعه المشركون من أنّ ربّه تركه وقلاه، دون أن يستولي على النبي الظن بأنّ ربّه تركه وقلاه، وعندئذ فالغاية من الآية إبطال الإشاعة

1 . كان الوحي ينزل على النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) تدريجاً فاتّخذه المشركون ذريعة للشماتة.

صفحه 50
التي نشرها المشركون، ولا تدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) استولت عليه تلك الفكرة.
وأمّا الصلة بين المقسم به وجوابه فيمكن أن يقال: إنّ نزول الوحي يناسب الضحى، وانقطاعه بمعنى نزوله نجوماً يناسب الليل، وهنا وجهان آخران ذكرناهما في كتابنا «الأقسام».(1)
***

التاسع عشر: القسم في سورة التين

قال سبحانه: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الأَمينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلينَ * إِلاّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون).(2)
أقسم سبحانه في هذه السورة بأُمور أربعة:
1. التين، 2. الزيتون، 3. طور سينين، 4. البلد الأمين.
أمّا الأوّلان فهما فاكهتان معروفتان، حلف بهما سبحانه لما فيهما من فوائد جمّة وخواص نافعة، فالتين فاكهة خالصة من شائبة التنغيص، وفيه أعظم عبرة لأنّه عزّ اسمه جعلها على مقدار اللقمة، وهيّأها على تلك الصورة إنعاماً على عباده بها، وهي تشتمل على منافع كثيرة.
وأمّا الزيتون فإنّه يعتصر منه الزيت الذي يدخل في أكثر الأطعمة،

1 . لاحظ: الأقسام في القرآن الكريم:176.
2 . التين:1 ـ 6.

صفحه 51
وهو إدام.
وبما ذكرنا عُلم وجه القسم بهما.
وأمّا الثالث ـ أعني: الحلف بطور سينين ـ فهو الجبل الذي كلّم الله فيه موسى وقال سبحانه:
(إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ المُقَدَّسِ طُوى) (1).
وأمّا الرابع ـ أعني: البلد الأمين ـ فأُريد به مكّة والشاهد عليه أمرُ نبيه أن يقول: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(2).
وأمّا جواب القسم للأُمور الأربعة وهو قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلينَ) فالمراد من خلق الإنسان في أحسن تقويم هو جودة خلقته واستقامة وجوده من صباه إلى شبابه إلى كماله فيتمتع بكمال الصورة وجمال الهيئة وشدّة القوّة، فلم يزل على تلك الحال حتى يواجه بالنزول أي رده إلى الهرم والشيخوخة فتأخذ قواه الظاهرة والباطنة بالضعف، وتنتكس خلقته، قال سبحانه: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ).(3) لكن هذا التفسير لا يناسبه الاستثناء الوارد بعده، قال سبحانه: (إِلاّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون): أي غير مقطوع.

1 . النازعات:16.
2 . النمل:91.
3 . يس:68.

صفحه 52
نعم لو قلنا بأنّ المراد من التقويم هو القسم المعنوي والمراد من ردّه إلى أسفل سالفين هو انحطاطه إلى الشقاء والخسران، فعند ذلك يصحّ استثناء المؤمنين والعاملين للصالحات من الحكم السابق.
وعلى كلّ تقدير لو قلنا بأنّ المراد من التين والزيتون هو الفاكهتان المشتملتان على أنفع الأغذية للإنسان، فالصلة بين المقسم به والمقسم عليه واضحة; لأنّ الإنسان مركّب من بدن وروح، فهاتان الفاكهتان تغذيان بدنه.

العشرون: القسم في سورة العاديات

قال سبحانه: (وَالعادِيات ضَبحاً * فَالمُورياتِ قَدحاً * فَالمُغيراتِ صُبحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِِهِ جَمْعاً * إِنَّ الإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود * وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيد * وَإنّهُ لحبّ الخَيْر لَشديد).(1)
أقسم سبحانه في هذه السورة بأُمور ثلاثة: 1. العاديات، 2. الموريات، 3. المغيرات.
أمّا الأوّل ـ أي العاديات ـ فهو من العدو أي الجري بسرعة، والضبح صوت أنفاس الخيل عند عدوها ـ ومعنى الآية: أُقسم بالخيل التي تعدو وتضبح ضبحاً.
وأمّا الثاني ـ أي الموريات ـ فالموريات من الإيراء وهو إخراج النار، والمراد الخيل التي تخرج النار بحوافرها حين ضربها الأحجار.

1 . العاديات:1ـ 8.

صفحه 53
وأمّا الثالث ـ أي المغيرات ـ والإغارة بمعنى الهجوم على العدو بغتة بالخيل. والمعنى: أُقسم بالخيل المغيرة على العدو بغتة في وجه الصبح.
وجه القسم بهذه الأُمور الثلاثة هو تحقّقها حين الجهاد، فالله يحلف بالخيول التي تسرع إلى ميدان الجهاد بسرعة حتى تضبح ويتطاير الشرر من تحت حوافرها باستدامة ضرب الحافر للأحجار، وعند انجلاء الصبح تشنّ هجوماً شديداً يثير الغبار في كلّ جانب ثم تتوغل إلى قلب العدو وتشتّت صفوفه. وهذا يعرب بأنّ الجهاد له منزلة عظيمة إلى حد استحقّ أن يقسم الله بخيوله وبالشرر المتطاير من حوافرها وبالغبار الذي تثيره في الهواء.
وأمّا جواب القسم وهو قوله: (إِنَّ الإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود) والكنود اسم للأرض التي لا تنبت، ويطلق على الإنسان الكافر والبخيل، فكأنّه جُبِلَ على نكران الحقّ وجحودهِ وعدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه والخضوع له.
وأمّا وجه الصلة فقد اجتمعت طائفة لمباغتة المسلمين والهجوم على المدينة والإطاحة بالدولة الإسلامية الفتية. ومن المعلوم أنّ هذه الطائفة التي يعبّر عنهم بالإنسان الكنود، لا تصلحهم إلاّ العاديات الموريات المغيرات التي تهاجم الأعداء كالصاعقة، وتفرّقهم وتجعل كيدهم في تضليل.
***
وممّا تجدر الإشارة إليه هو أنّ ما ذكرنا من وجه الصلة بين المقسم به

صفحه 54
والمقسم عليه، هو ممّا توصلنا إليه بالتدبّر في الآيات الشريفة، وإنّي في هذا المقام أترسّم قوله تعالى: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)(1).

1 . سبأ:50.

صفحه 55

المبحث العشرون

الأمثال في القرآن الكريم

المثل في الاصطلاح غير المثل في القرآن الكريم.
المثل في مصطلح الناس قسم من الحِكَم يرد في واقعة لمناسبة اقتضت وروده فيها، ثم يتناوله الناس في غير واحدة من الوقائع التي تشابهها دون أدنى تغيير، لما فيه من وجازة وغرابة ودقة في التصوير.
فالمثل السائر: «في الصيف ضيّعت اللبن» يضرب به في كلّ مورد ضيّع الشخص فيها الفرصة وأهدرها، كما أنّ قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ينتطح فيها عنزان» عَلَمٌ لكلّ أمر ليس له شأن يعتدّ به.(1)
كما أنّ قول أبي عبد الله الحسين بن علي(عليهما السلام):«لو ترك القطا ليلاً لنام» الذي تمثّل به الإمام(عليه السلام) في جواب بنته سكينة(عليها السلام)، عَلَمٌ لكلّ مَن لا يُترك بحال، أو مَن حُمل على مكروه من غير إرادة، إلى غير ذلك من الأمثال الدارجة.

1 . مجمع الأمثال:2/225.

صفحه 56
وأمّا المثل في القرآن الكريم وهو التمثيل الذي تعرّض إليه علماء البلاغة في علم البيان وهو قائم بأحد الأُمور الأربعة: التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز، وقد سمّاه القزويني في «تلخيص البيان» المجاز المركّب، فجميع ما ورد من الأمثال في القرآن فهو من قبيل التمثيل لا المثل المصطلح.
وقد ألّف غير واحد من العلماء كتباً ورسائل حول أمثال القرآن وربّما بلغ عدد المؤلّفات إلى أربعة عشر كتاباً ذكرناها في كتابنا:«الأمثال في القرآن الكريم».(1) ولعلّ هناك كتاباً أو رسالة لم نقف عليها، فالأولى صرف عنان القلم إلى بيان الأمثال الواردة في القرآن الكريم على وجه الإيجاز.
البقرة
   1

التمثيل الأوّل

قال سبحانه: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ

1 . لاحظ: الأمثال في القرآن الكريم:27ـ28.

صفحه 57
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ).(1)
افتتح سبحانه كلامه هنا بشرح حال طوائف ثلاث:
الأُولى: المؤمنون، واقتصر فيهم على آيتين.
الثانية: الكافرون، واقتصر فيهم على آية واحدة.
الثالثة:المنافقون، وذكر أحوالهم وسماتهم ضمن اثنتي عشرة آية.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النفاق بؤرة الخطر، وأنّهم يشكّلون خطورة جسيمة على المجتمع الإسلامي، وقد مثّل بمثلين يوقفنا على طبيعة نواياهم الخبيثة وما يبطنون من الكفر.
مثلاً: نفترض أنّ أحداً ضلّ في البيداء وسط ظلام دامس، وأراد أن يقطع طريقه دون أن يتخبّط فيه، ولا يمكن أن يهتدي ـ والحال هذه ـ إلاّ بإيقاد النار ليمشي على ضوئها ونورها ويتجنّب المزالق الخطيرة، وما أن أوقد النار حتى باغتته ريح عاصف أطفأت ما أوقده، فعاد إلى حيرته الأُولى.
فحال المنافقين كحال هذا الرجل حيث إنّهم آمنوا في بادئ الأمر واستناروا بنور الإيمان ومشوا في ضوئه، لكنّهم ـ بعد ذلك ـ استبدلوا الإيمان بالكفر فعمّهم ظلام الكفر لا يهتدون سبيلاً.
وهذا التمثيل الذي برع القرآن الكريم في تصويره، يعكس حال المنافقين في عصر الرسالة، فالنار التي اهتدى بها المنافقون عبارة عن نور

1 . البقرة:14ـ18.

صفحه 58
القرآن، وسنّة الرسول وسيرته، حيث كانوا يتشرّفون بحضرة الرسول ويستمعون إلى كلامه وحججه في بيانه ودلائله في إرشاده وتلاوته لكتاب الله، والريح التي أطفأت نارهم هي تمرّدهم على الله بنفاقهم، فخرجوا عن كونهم أهلاً للتوفيق والتسديد، فأوكلهم الله إلى أنفسهم الأمّارة بالسوء، وعمّتهم ظلمات الضلال بسوء اختيارهم فـ(ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ).
فعند ذلك ظهر معنى الآية (مَثَلُهُمْ): أي أحوالهم وأوصافهم في الإيمان والكفر (كَمَثَلِ): أي كأحوال (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ): أي عادت الظلمة وأطفأ الله عليه النار (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ).
فإن قلت: إنّ قوله: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) يحتاج إلى جواب، فما هو جوابه؟
قلت:الجواب محذوف لأجل الوجازة، وهو كقوله: «خمدت».
فإن قلت: فعلى هذا فبم يتعلّق قوله: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ)؟
قلت: هو كلام مستأنف راجع إلى بيان حال الممثَّل، وتقدير الكلام هكذا: فلمّا أضاءت ما حوله خمدت فبقوا متخبّطين في ظلام متحيّرين متحسّرين على فوات الضوء، خائبين بعد الكدح من إيقاد النار.
فحال المنافقين كحال هؤلاء، أشعلوا ناراً ليستضيئوا بنورها لكن (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ).

صفحه 59
البقرة
   2

التمثيل الثاني

قال سبحانه: (أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)

بيان التمثيل

نفترض أنّ قوماً يسيرون في الفلاة في أجواء يسودها الظلام الدامس، فإذا بصيّب من السماء يتساقط عليهم بغزارة، فيه رعود قاصفة وبروق لامعة تكاد تخطف الأبصار من شدّتها، وصواعق مخيفة، فتولاّهم الرعب والفزع والهلع ممّا حدا بهم إلى أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم خشية الموت للحيلولة دون سماع ذلك الصوت المخيف، فعندئذ وقفوا حيارى لا يدرون أين يولّون وجوههم، فإذا ببصيص من البرق أضاء لهم الطريق فمشوا فيه هنيئة، فلمّا استتر ضوء البرق أحاطت بهم الظلمة مرّة أُخرى وتوقّفوا عن المشي.
ونستخلص من هذا المشهد أنّ الهول والرعب والفزع والحيرة قد

1 . البقرة:19ـ20.

صفحه 60
استولى على هؤلاء القوم لا يدرون ماذا يفعلون، وهذه الحالة برمّتها تصدق على المنافقين.
وبما أنّ التمثيل كما ذكره الزمخشري من قبيل التمثيلات المركّبة دون المفرّقة فلنفسر التمثيل في مقاطع ثلاثة:
الأوّل:إحاطة الرعب والهلع بالمنافقين إثر انتشار الإسلام في الجزيرة العربية ودخول القبائل فيه وتنامي شوكته، ممّا أوجد رعباً في قلوبهم وفزعاً في نفوسهم المضطربة، ويجدون ذلك بلاءً أحاط بهم كالقوم الذين يصيبهم الصيّب من السماء فيه ظلمات و رعد وبرق، وإليه أشار قوله سبحانه: (أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ).
الثاني:أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا كان يخبرهم عن المستقبل المظلم للكافرين والمدبرين عن الإسلام والإيمان ـ خصوصاً بعد الموت ـ صار ذلك كالصاعقة النازلة على رؤوسهم، فكانوا يهربون من سماع آيات اللّه ويحذرون من صواعق براهينه الساطعة، مع أنّ هذا هو منتهى الحماقة، لأنّ صمّ الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَجْعَلُون أَصابعهُمْ في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَر المَوتِ وَاللّهُ مُحيطٌ بِالكافِرين) .
الثالث:كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوهم إلى أصل الدين ويتلو عليهم الآيات البيّنة ويقيم لهم الحجج القيّمة، فعندئذ يظهر لهم الحقّ، فربّما كانوا يعزمون على اتّباعه والسير وراء أفكاره، ولكن هذه الحالة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما يعودون إلى تقليد الآباء، وظلمة الشهوات والشبهات، وإلى ذلك يشير

صفحه 61
قوله سبحانه: (يَكادُ الْبَرقُ يَخْطَفُ أَبْصارهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشوا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) .
إلى هنا تمّ التطبيق المركّب لكن في مقاطع ثلاثة.
ثمّ إنّه سبحانه أعقب التمثيل بقوله: (وَلَو شَاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصارِهِم إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدير):أي أنّه سبحانه قادر أن يجعلهم صمّـاً وعميّاً حتى لا ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تجدي هداية هاد.
وذهاب سمعهم وأبصارهم نتيجة أعمالهم الطالحة التي توصد باب التوفيق أمامهم فيصيرون صمّـاً وبكماً وعميّاً.
البقرة
3

التمثيل الثالث

قال سبحانه:(إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ).(1)
إنّه سبحانه لمّا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت تكلّم فيه قوم من المشركين وعابوا ذكره، فأنزل الله هذه الآية.(2)

1 . البقرة:26.
2 . مجمع البيان:1/129.

صفحه 62
قوله: (يَسْتَحْيِي) من الحياء الذي يصدّ الإنسان عن إبراز ما يضمره من الكلام، والله سبحانه ينفي هذا المعنى عن نفسه.
قوله: (يَضْرِبَ مَثَلاً): أي يصف حال المشبّه عن طريق حال المشبّه به. و«البعوضة» حيوان ضعيف يشبه خرطومه خرطوم الفيل، وهو أجوف، وله قوة ماصّة تسحب الدم.
قوله: (فَمَا فَوْقَهَا): أي فما فوقها في الضعف. يقال بأنّ فلاناً يقترف جريمة لأجل دينار بل فوقه أي نصف دينار، فالمراد من الفوقية هو الفوقية في الضعف والحقارة. فلمّا كان الملاك في ضرب الأمثال كونه مفيداً فلا فرق بين صغير الأشياء وكبيرها.
وعلى كلّ تقدير فالآية بصدد بيان أنّ الملاك في صحّة التمثيل ليس صغر ما مثّل به أو كبره، فلا التمثيل بالبعوضة عيب ولا التمثيل بالإبل والفيل كمال، وإنّما الكمال أن يكون المثل مبيّناً لحقيقة وواقعة غفل عنها المخاطب، من دون فرق بين كون المثل صغيراً أو كبيراً.
وأمّا قوله سبحانه في ذيل الآية: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) فواضح إذ ليس إضلال الله سبحانه هؤلاء إلاّ لفسقهم كما يقول: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) وليس هذا أمراً بعيداً لأنّ المواعظ الشافية لها تأثير معاكس في العقول المنتكسة، فالقلوب المستعدّة تتأثّر منها إيجابياً، والمنتكسة منها تتأثّر سلبياً.

صفحه 63
البقرة
4

التمثيل الرابع

قال سبحانه:(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).(1)
لمّا كان اللازم على بني إسرائيل بعد ما رأوا الآية العظيمة من إحياء الموتى بذبح البقرة، أن تلين قلوبهم، إلاّ أنّهم صاروا على خلاف ذلك، فجاء التمثيل ليبيّن قسوة قلوبهم وأنّها أشدّ من الحجارة، بشهادة أنّ الحجارة تتفجّر منها الأنهار و تشقّق فيخرج منها الماء، وأنّ منها لما يهبط من خشية الله; بخلاف هؤلاء فهم أصلب من الحجارة .
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).
البقرة
5
التمثيل الخامس
قال سبحانه:(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً

1 . البقرة:74.

صفحه 64
وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).(1)
النعيق: صوت الراعي لغنمه زجراً. والنداء: أخصّ من الدعاء، ففيه الجهر بالصوت ونحوه بخلاف الدعاء.
وقد قيل في تفسير الآية وجهان أفضلهما ما يأتي:
يشبّه حال النبي بالراعي العالي صوته، كما يشبّه المشركين الذين لا يتدبّرون في كلامه بالأغنام التي تسمع كلام الراعي ولا تتدبّر فيه، فعلى هذا فالمشبّه متعدّد كما أنّ المشبّه به كذلك، ووجه الشبه عدم التعقّل.
أقول: هذا الوجه قريب بالنسبة إلى سياق قوله سبحانه: (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)(2) ولكن لمّا كان ظاهر الآية هو تشبيه الكافرين بالراعي الناعق بما لا يسمع إلاّ دعاء ونداء لا تشبيه النبي بالراعي الناعق، فلابدّ في تطبيق الآية على هذا الوجه من تقدير في موضعين بأن يقال: (وَمَثَلُ) داعي (الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ) الراعي (الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
البقرة
6
التمثيل السادس
قال سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا

1 . البقرة:171.
2 . البقرة:170.

صفحه 65
مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ).(1)
يقول سبحانه: إنّ الابتلاء بالبأساء والضراء سنّة إلهية جارية في الأُمم كافّة ولا تختصّ بالأُمّة الإسلامية، فالتمحيص وتمييز المؤمن الصابر عن غير الصابر رهن الابتلاء. فلا يتمحّض إيمان المسلم إلاّ إذا غربل بغربلة الامتحان ليخرج نقيّاً، ولا يترسّخ الإيمان في قلبه إلاّ من خلال الصمود والثبات أمام أعاصير الفتن الهوجاء.
وكأنّ الآية تسلية لنبيه وأصحابه ممّا نالهم من المشركين وأمثالهم، لأنّ سماع أخبار الأُمم الماضية يسهّل الخطب عليهم، وأنّ البلية لا تختصّ بهم بل تعمّ غيرهم أيضاً، ولذلك يقول: (أَمْ حَسِبْتُمْ): أي أظننتم وخلتم أيّها المؤمنون (أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ): أي أن تدخلوا الجنة ولما تبتلوا وتمتحنوا بمثل ما ابتليت به الأُمم السالفة وامتُحنوا به. فعليكم بالصبر والثبات كما صبر هؤلاء وثبتوا.
وعلى ضوء هذا فالمثل بمعنى الوصف ـ وقد تقدم منّا القول ـ بأنّ من معاني المثل هو الوصف. فقوله: (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ): أي «لمّا يأتكم وصف الذين خلوا من قبلكم» فلا يدخلون حظيرة الإيمان الكامل إلاّ أن يكون لهم وصف مثل وصف الذين واجهوا المصائب والفتن بصبر وثبات وعانوا الكثير من القلق والاضطراب،

1 . البقرة:214.

صفحه 66
كما قال تعالى في حقّ المؤمنين:(وَزلزلوا زِلزالاً شَديداً) ففي خِضمّ هذه الفتنة التي تنفد فيها طاقات البشر، فإذا بالرحمة تنزل عليهم من خلال دعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وصالح المؤمنين.
كما قال سبحانه: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ) والجملة ليست إلاّ طلب الدعاء للنصر الذي وعد اللّه به رسله والمؤمنين بهم واستدعاءً له، كما قال تعالى: (وَلَقدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُون)(1) ، وقال تعالى: (كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلي).(2)
ثمّ إنّه سبحانه يعد المؤمنين بقوله: (أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ).
البقرة
7
التمثيل السابع
قال سبحانه:(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِائَةُ حَبَّة وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).(3)
وعد الله سبحانه في غير واحدة من الآيات بالجزاء المضاعف، قال

1. الصافات:171ـ172.
2. المجادلة:21.
3 . البقرة:261.

صفحه 67
سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(1)
هذه إشارة إلى أنّ الأعمال الصالحة يمليها الله عزّ وجلّ لأصحابها كما يملي لمن بذر في الأرض الطيبة.
وظاهر الآية أنّ المشبّه هو المنفق، والمشبّه به هو الحبة المتبدّلة إلى سبعمائة حبّة، ولكن التنزيل في الواقع بين أحد أمرين:
أ. تشبيه المنفق بزارع الحبة.
ب. تشبيه الإنفاق بالحبّة المزروعة.
ففي الآية أحد التقديرين.
ثمّ إنّ ما ذكره القرآن من التمثيل ليس أمراً وهمياً وفرضاً خيالياً، بل هو أمر ممكن واقع، بل ربّما يتجاوز هذا العدد، فقد حكى لي بعض الزرّاع أنّه جنى من ساق واحدة ذات سنابل متعدّدة تسعمائة حبة، ولا غرو في ذلك فإنّه سبحانه هو القابض والباسط.
البقرة
8
التمثيل الثامن
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَان عَلَيْهِ

1 . البقرة:245.

صفحه 68
تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).(1)
إنّه سبحانه شبّه أصحاب المنّ والأذى بالمرائي الذي لا يبتغي بعمله مرضاة الله تعالى، ولا يقصد به وجه الله غير أنّ المانّ والمؤذي يقصد بعمله مرضاة الله ثم يتبعها بما يبطله بالمعنى الذي عرفت، والمرائي لا يقصد بأعماله وجه الله سبحانه فيقع عمله باطلاً من رأس، ولذلك صحّ تشبيههما بالمرائي مثل تشبيه الضعيف بالقوي.
وأمّا حقيقة التمثيل فتوضيحها بالبيان التالي:
نفترض أرضاً صفواناً ملساء عليها تراب ضئيل يخيل لأوّل وهلة
أنّها أرض نافعة صالحة للنبات، فأصابها مطر غزير جرف التراب
عنها فتركها صلدةً صلبة ملساء لا تصلح لشيء من الزرع، كما قال سبحانه:(كَمَثَلِ صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا).
فعمل المرائي له ظاهر جميل وباطن رديء، فالإنسان غير العارف بحقيقة نيّة العامل يتخيّل أنّ عمله منتج، كما يتصوّر الإنسان الحجر الأملس الذي عليه تراب قليل أنّه صالح للنبات، فعندما أصابه مطر غزير شديد الوقع ونفض التراب عن وجه الحجر تبيّن أنّه حجر أملس لا يصلح للزراعة، فهكذا عمل المرائي إذا انكشفت الوقائع ورفعت الأستار تبيّن أنّ

1 . البقرة:264.

صفحه 69
عمله رديء عقيم غير ناتج.
ثمّ إنّ عمل المانّ والمؤذي بعد الإنفاق أشبه بعمل المرائي.
البقرة
9

التمثيل التاسع

قال سبحانه:(وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغاءَ مَرضَاتِ اللّهِ وَتَثْبيتاً مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنة بِرَبْوَة أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَين فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(1)
وقبل الدخول في تفسير الآية وبيان ما فيها من تمثيل، نوضح معاني عدد من مفرداتها:
«الربوة» : هي التل المرتفع .
و«الطلّ»: المطر الخفيف، يقال: أطلت السماء فهي مطلة. وروضة طلّة: ندية.
شبّه سبحانه في التمثيل السابق عمل المانّ والمؤذي بعد الإنفاق، والمرائي بعمله، بالأرض الصلبة التي عليها تراب يصيبها مطر غزير يكتسح التراب فلا يظهر إلاّ سطح الحجر لخشونته وصلابته، على عكس

1. البقرة:265.

صفحه 70
التمثيل في هذه الآية حيث إنّها تشبّه عمل المنفق لمرضاة اللّه تبارك
وتعالى بجنة خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة تستقبل النسيم الطلق و المطر الكثير النافع، وقيد المشبّه به ببستان مرتفع عن الأرض،
لأنّ تأثير الشمس والهواء فيه أكمل فيكون أحسن منظراً وأذكى ثمراً،
أمّا الأماكن المنخفضة التي لا تصيبها الشمس في الغالب إلاّ قليلاً فلا تكون كذلك .
وعلى كلّ حال فهذا النوع من الأرض إن أصابها وابل أتت أُكلها ضعفين فكان ثمرها مثلي ما كانت تثمر في العادة، وإن لم يصبها وابل بل أصابها الطل تعطي أُكلها حسب مايترقّب منها.
فالذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه أشبه بتلك الجنة ذات الحاصل الوافر المفيد والثمين.
ثمّ إنّ قوله سبحانه: (ابْتِغاءَ مَرضَاتِ اللّهِ وَتَثْبيتاً مِنْ أَنفُسِهِمْ)
بيان لدوافع الإنفاق وحواجزه وهو ابتغاء مرضاة اللّه أولاً، وتقوية روح الإيمان في القلب ثانياً، ولعلّ السرّ في دخول (مِنْ) على (أَنفُسِهِمْ)
مع كونه مفعولاً لقوله (تَثْبيتاً) لبيان أنّ هذا المنفق ينفق من نفس قد روّضها وثبّتها في الجملة على الطاعة حتى سمحت للّه بالمال الغزير فهو يجعل من مقاصده في الإنفاق، تثبيتها على طاعة اللّه وابتغاء مرضاته في المستقبل.

صفحه 71
البقرة
10

التمثيل العاشر

قال سبحانه:(أَيَوَّدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون).(1)
التمثيل مركّب من مشبّه ومشبّه به.
أمّا المشبّه فهو عبارة عمّن يعمل عملاً صالحاً ثم يردفه بالسيئة، ولعلّ المراد إتباع عمله بالمنّ والأذى.
وأمّا المشبّه به فهو عبارة عن رجل طاعن في السن لحقته الشيخوخة وله أولاد صغار غير قادرين على العمل وله جنّة محفوفة بالنخيل والأعناب تجري من تحتها الأنهار وله من كلّ الثمرات، وقد عقد على تلك الجنّة آمالاً كبيرة، وفجأة هبّت عاصفة محرقة فأحرقتها وأبادتها عن بكرة أبيها، فكيف يكون حال هذا الرجل في الحزن والحسرة والخيبة والحرمان بعد ما تلاشت آماله؟! فالمنفق في سبيل الله الذي هيّأ لنفسه أجراً وثواباً أُخروياً عقد به آماله، فإذا تبع عمله بالمعاصي، فيكون قد سلّط على أعماله الحسنة تلك الأعاصير المحرقة التي تبيد كلّ ما عقد عليه من آمال.

1. البقرة:266.

صفحه 72
البقرة
11

التمثيل الحادي عشر

قال سبحانه:(الّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذلِكَ بأنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللّهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا فَمَنْ جاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).(1)
حاصل الآية: أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام مَن يتخبّطه الشيطان فيصرعه، فكما أنّ قيامه على غير استواء فهكذا آكل الربا.
فالتشبيه وقع بين قيام آكل الربا وقيام المصروع من خبط الشيطان، فيطرح هنا سؤالان:
1. ما هو المراد من أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام المصروع؟
2. ما هو المراد من كون الصرع من مسّ الشيطان؟
أمّا الأوّل: فقد اختلفت فيه كلمة المفسّرين، والذي ورد في الرواية أنّ المراد قيامه يوم القيامة قيام المتخبّطين، فكأنّ آكل الربا يُبعث يوم القيامة مجنوناً، وذلك كالعلامة المخصوصة بآكلي الربا، فيعرفه أهل الموقف أنّه آكل الربا في الدنيا.

1. البقرة:275.

صفحه 73
وربّما يقال: إنّ الناس إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله سبحانه: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا)(1) إلاّ أكلة الربا فإنّهم يقومون ويسقطون. والله العالم.
وأمّا الثاني: وهو كون الجنون معلولاً لوطأة الشيطان مع أنّ العلم الحديث لا يصدّقه.
فنقول: إنّ العلم له حقّ الإثبات وليس له حقّ السلب، فالعلم وإن كشف أنّ الصرع نتيجة وجود اختلالات في الجهاز العصبي، وأمّا أنّه ليس بعد ذلك من علّة أُخرى، فليس للعلم سلب ذلك; لأنّ أدواته قاصرة عن إفادة ذلك، فهو يعتمد على التجربة، والتجربة لا تنتج إلاّ في الأُمور المحسوسة أو ما هو قريب منها، وأمّا عوالم المجرّدات كالأرواح والشياطين، فهي لم تنكشف أسرارها لنا حتى تؤكّد على عدم تأثيرها في الصرع وغيره.
***
تمّت الأمثال الأحد عشر الواردة في سورة البقرة.

1 . المعارج:43.

صفحه 74
آل عمران
    1
التمثيل الثاني عشر
قال سبحانه:(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحقّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).(1)
كانت النصارى تتبنّى أُلوهية المسيح وأنّه يؤلّف أحد أضلاع مثلث الإلهية: الرب، والابن، وروح القدس. وكانوا يحتجّون بذلك بأنّه ولد من مريم بلا أب، فهو ابن الله.
ولمّا احتجّوا بهذا الدليل أمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وافاه الوحي مجيباً عن استدلالهم بأنّ كيفية خلق المسيح تضاهي كيفية خلق آدم، حيث إنّ آدم خلق من تراب بلا أب وأُمّ، فإذا كان هذا أمراً ممكناً، فمثله المسيح حيث ولد من أُمّ بلا أب فهو أهون بالإمكان.
آل عمران
    2
التمثيل الثالث عشر
قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ

1 . آل عمران:59ـ60.

صفحه 75
الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).(1)
الصرّ: الريح الباردة. والمراد من (حَرْثَ قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الذين زرعوا في غير موضع الزراعة أو في غير وقتها، فهبّت عليه العواصف فذهب أدراج الرياح، إذ لا شكّ أنّ للزمان والمكان تأثيراً بالغاً في نمو الزرع، فالنسيم الهادئ الذي يهبّ على الزرع ويلامسه، والأرض الخصبة كلّها عوامل تزيد من طراوة الزرع ونضارته.
هذا هو المشبّه به، فالكافر إذا أنفق ماله في هذه الحياة الدنيا بغية الانتفاع به، فهو كمن زرع في غير موضعه أو زمانه، فلا ينتفع من إنفاقه شيئاً، فإنّ الكفر وما يتبعه من الهوى يبيد إنفاقه، ولذلك قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا).
الأنعام
1

التمثيل الرابع عشر

قال سبحانه:(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا

1 . آل عمران:116ـ 117.

صفحه 76
يَعْمَلُونَ).(1)
الآية تشتمل على تشبيهين:
الأوّل: تشبيه المؤمن بالميّت المحيا الذي معه نور.
الثاني: تشبيه الكافر الفاقد للنور بالباقي في الظلمات.
والغرض أنّ المؤمن من قبيل التشبيه الأوّل دون الثاني.
أمّا التشبيه الأوّل فأُشير إليه بقوله: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ).
وأمّا التشبيه الثاني: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا).
وحاصل الآية: أنّ مثل مَن هداه الله بعد الضلالة ومنحه التوفيق لليقين الذي يميّز به بين المحقّ والمبطل والمهتدي والضال، مثل مَن كان ميتاً فأحياه الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس مستضيئاً به، فيميز بعضه من بعض.
هذا هو مثل المؤمن، ولا يصحّ قياس المؤمن بالكافر، المتخبّط في ظلمات الكفر كالمتحيّر الذي لا يهتدي إلى سبيل الرشاد.

1 . الأنعام:122.

صفحه 77
الأعراف
1

التمثيل الخامس عشر

قال سبحانه:(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَشْكُرُونَ).(1)
«أقلّت» من الإقلال وهو حمل الشيء بأسره. «النكد» العسر الممتنع من إعطاء الخير. «البلد الطيّب»: ما يخرج زرعها نامياً زاكياً، و«البلد الخبيث» هي الأرض السبخة التي خبث ترابها.
وحاصل التشبيه: أنّه سبحانه ذكر في الآية الأُولى بأنّه يرسل الرياح مبشرة برحمته، فإذا حملت سحاباً ثقالاً بالماء ساقه سبحانه إلى بلد ميّت فتحيا به الأرض وتؤتي ثمراتها.
وعاد سبحانه في الآية الثانية إلى القول بأنّ هطول المطر وسقي الأرض جزء ممّا يتوقّف عليه خروج النبات، وهناك شرط آخر وهو أن تكون الأرض خصبة صالحة للزراعة دونما إذا كانت خبيثة، هذا هو حال المشبّه به.

1 . الأعراف:57ـ58.

صفحه 78
وأمّا المشبّه فهو أنّه سبحانه يشبّه المؤمن بأرض طيبة تلين بالمطر ويحسن نباتها ويكثر ريعها، كما يشبه قلب الكافر بالأرض السبخة لا تنبت شيئاً، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة وقلب الكافر كالأرض السبخة.
الأعراف
2

التمثيل السادس عشر

قال سبحانه:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الّذي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغَاوِين* وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْركْهُ يَلْهَث ذلِكَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ* ساءَ مَثَلاً الْقَومُ الّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُون).(1)
«النبأ»: الخبر عن الأمر العظيم. «السلخ»: النزع. (أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ): لصق بها. «اللهث»: أن يدلع الكلب لسانه من العطش.
المعروف أنّ مورد الآية الأُولى هو بلعم بن باعور الذي كان عالماً من علماء بني إسرائيل، والرجل بلغ مكاناً شامخاً في العلم والدراية ولكن سقط في الهاوية.

1. الأعراف:175ـ177.

صفحه 79
إلى هنا تمّ تفسير الآية الأُولى وأمّا الآية الثانية ـ أعني قوله: (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها...) ـ يراد أنّه سبحانه لو شاء لرفعه بتلك الآيات ولكنّه ما شاء، لفقدان الأرضية الصالحة، لأنّه أخلد إلى الأرض ولصق بها، وكأنّها كناية عن الميل والنزوع إلى التمتع بالملاذ الدنيوية، ومعه كيف تشمله العناية الربّانية. فكأنّ الضلالة والغواية صارت سجية وطبيعة له كما أنّ اللهث أثر طبيعي للكلب فلا يمكن أن يخلّص نفسه منها كما قال: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْركْهُ يَلْهَث).
إلى هنا تمّ حال المشبّه به وأمّا المشبه فقد اختلفت كلمة المفسّرين في شخصه فقيل المراد: أُمية بن أبي الصلت الثقفي، وربّما قيل: المراد أبو عامر الراهب، والظاهر أنّ المشبه ليس خصوص هذين الرجلين; بل كما قال الإمام الباقر(عليه السلام):«الأصل في ذلك بلعم، ثم ضربه الله مثلاً لكلّ مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة».(1)
التوبة
1

التمثيل السابع عشر

قال سبحانه:(وَالذّين اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنينَ وإِرْصاداً لِمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ الحُسْنى وَاللّهُ

1 . مجمع البيان:2/500.

صفحه 80
يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوم أَحقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرين* أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوان خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على شَفَا جُرُف هار فَانْهارَ بهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لا يَهْدي القَومَ الظّالِمين).(1)
«الضرار»: إيجاد الضرر عن عناد. «البنيان»: مصدر بنى. «شفا»: شفا البئر وغيره، ويضرب به المثل في القُرب من الهلاك.«الجرف»: جرف الوادي: جانبه. قال الراغب: يقال للمكان الذي يأخذه السيل فيجرفه، أي يذهب به. «هار»: هار البناء: سقط.
الآية وردت في المسجد الذي بناه المنافقون قرب مسجد «قبا» ليكون مركزاً لأبي عامر الذي كفر بعد أن أسلم وهرب إلى مكة.
فالآية تأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ألاّ يقوم في هذا المسجد الذي بناه المخالفون، بل يقوم في المسجد الذي بني على التقوى.
إلى هنا تمّ تفسير الآيتين بقي تفسير الآية الثالثة التي هي مصبّ التمثيل فنقول: إنّ الآية تشير إلى الفرق الشاسع بين مَن بنى بنياناً على أساس محكم ومَن بناه على شفا جرف، فالأوّل يبقى عبر العصور ويحتفظ بكيانه في الحوادث المدمرة، بخلاف الثاني فإنه سوف ينهار لا محالة بأدنى ضربة.
فالمؤمن هو الذي يعقد إيمانه على قاعدة محكمة وهو الحقّ الذي

1. التوبة:107ـ 109.

صفحه 81
هو تقوى الله ورضوانه، بخلاف المنافق فإنّه يبني إيمانه على أضعف القواعد وأرخاها وأقلّها بناء وهو الباطل، فإيمان المؤمن ودينه من مصاديق قوله:(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوان) ولكن دين المنافق كمن (أَسَّسَ بُنْيانَهُ على شَفَا جُرُف هار) فلا محالة ينهار به في نار جهنم.
يونس
1

التمثيل الثامن عشر

قال سبحانه: (إِنَّما مَثَلُ الحَياة الدُّنيا كَمَاء أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْهَا أَتاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأن لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوم يَتَفَكَّرُون* واللّهُ يَدعُو إلى دارِالسَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِراط مُسْتَقِيم).(1)
الله سبحانه يشبّه الدنيا بالأمر التالي: مثلاً نفترض أرضاً خصبة رابية صالحة لغرس الأشجار وزرع النبات وقد قام صاحبها باستثمارها من خلال غرس كلّ ما ينبت فيها، فلم يزل يتعاهدها بالماء والرعاية، فغدت روضة غنّاء مكتظة بأشجار ونباتات متنوّعة، وصارت الأرض كأنّها عروس تزيّنت وتبرّجت، وأهلها مزهوّون بها يظنّون أنّها بجهدهم ازدهرت،

1. يونس:24ـ 25.

صفحه 82
وبإرادتهم تزيّنت، وأنّهم أصحاب الأمر لا ينازعهم فيها منازع. فيعقدون عليها آمالاً طويلة، ولكن في خضمّ هذه المراودات يباغتهم أمره سبحانه ليلاً أو نهاراً فيجعل الطري يابساً، كأنّه لم تكن هناك أي جنة ولا روضة.
هذا هو المشبّه به والله سبحانه يمثل الدنيا بهذا المثل، وهو أنّ الإنسان ربّما يغتر بالدنيا ويعوّل على الكثير من الآمال والأماني مع سرعة زوالها وفنائها، وعدم ثباتها واستقرارها.
يقول مؤيد الدين الاصفهاني المعروف بالطغرائي في لاميّته المعروفة بلاميّة العجم:
ترجو البقاء بدار لاثبات لها *** فهل سمعتَ بظلِّ غير منتقل
هود
1

التمثيل التاسع عشر

قال سبحانه:(إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبتُوا إِلى رَبّهِمْ أُولئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُون* مَثَلُ الفَريقَين كَالأَعْمى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُون).(1)
إنّه سبحانه وصف الكافر والمؤمن بالتمثيل الآتي، وقال:

1. هود:23ـ 24.

صفحه 83
(مَثَلُ الفَريقَين كَالأَعْمى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُون).
أي مثل فريق المسلمين كالبصير والسميع، ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم، لأنّ المؤمن ينتفع بحواسّه بإعمالها في معرفة المنعم وصفاته وأفعاله، والكافر لا ينتفع بها فصارت بمنزلة المعدومة.
ثمّ إنّه قارن بين الأعمى والأصم كما قارن بين البصير والسميع، وذلك لإفادة تعدّد التشبيه بمعنى:
إن حال الكافر كحال الأعمى.
وحال الكافر أيضاً كحال الأصم.
كما أنّ حال المؤمن كالبصير.
وحاله أيضاً كالسميع.
وحاصل الكلام: أنّه لا يستوي البصير والسميع مع الأعمى والأصم، والمؤمن والكافر أيضاً لا يستويان.

صفحه 84
الرعد
1
التمثيل العشرون
قال سبحانه: (لَهُ دَعْوَةُ الحقِّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيء إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَمَا دُعاءُ الكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلال).(1)
المثل يبيّن حال المشركين الذين يدعون الأصنام والأوثان لغاية قضاء حوائجهم، فالله سبحانه يشبّه دعوتهم برجل بسط كفّيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله ويسكّن به غلّته، وذلك الماء لا يبلغ فاه لبعد المسافة بينهما، فكذلك ما كان يعبده المشركون من الأصنام لا يصل نفعه إليهم ولا يستجيب دعاءهم.(2)
الرعد
2
التمثيل الحادي والعشرون
قال سبحانه: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فسالَتْ أَودِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَة أَوْ مَتاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْربُ

1. الرعد:14.
2 . مجمع البيان:3/284.

صفحه 85
اللّهُ الحقّ وَالبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأمَّا مَا يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ).(1)
الآية من غرر الآيات القرآنية التي تبحث عن طبيعة الحقّ والباطل وتكونهما وكيفية ظهورهما والآثار المترتّبة عليهما، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا:«الأمثال في القرآن الكريم».
إنّ الآية تمثّل للحقّ والباطل مثلاً واحداً تستبطن منه تمثيلات متعدّدة:
الأوّل: أنّ السيل المتدفّق من أعالي الجبال الجاري في الوديان يحمل معه في سيره زبداً رابياً عليه، فالحقّ كماء السيل، والباطل الزبد الطافح عليه.
الثاني: أنّ المعادن والفلزات المذابة في القدر إذا أوقدت عليها النار، تذوب ويبقى الخبث، فالغاية من الإذابة هو فصل المعادن والفلزات النفيسة عن خبثها وزبدها.
وعندئذ فالحقّ كالذهب والفضة والمعادن النفيسة، والباطل كخبثها وزبدها الطافح.
الثالث: أنّ ما له دوام وبقاء ومكث وينتفع به الناس كالماء وما يتّخذ للحلية أو المتاع، يمثّل الحق، وما ليس كذلك كزبد السيل، وخبث القدر الذي يذهب جفاءً، يمثّل الباطل.

1. الرعد:17.

صفحه 86
إبراهيم
1

التمثيل الثاني والعشرون

قال سبحانه: (مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
في يَوْم عَاصِف لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْء ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ
الْبَعِيدُ
).(1)
إنّه سبحانه يشبّه عمل الكافرين في عدم الانتفاع به برماد في
مهبّ الريح العاصف، فكما لا يقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرّق، فكذلك هؤلاء الكفّار لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء فلا ينتفعون بأعمالهم ألبتة.
وقال سبحانه في آية أُخرى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)(2).
والمراد من أعمالهم ما يعد صالحاً في نظر العرف كصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأُسارى وإغاثة الملهوفين، لأنّهم بنوا أعمالهم على غير معرفة الله والإيمان به فلا يستحقون شيئاً عليه.

1. إبراهيم:18.
2 . الفرقان:23.

صفحه 87
إبراهيم
2
التمثيل الثالث والعشرون
قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ).(1)
إنّه سبحانه مثّل للحقّ والباطل أو الإيمان والكفر بتمثيلات مختلفة، وشبّه الإيمان في هذا التمثيل بشجرة طيّبة أصلها وجذورها راسخة في أعماق الأرض وفروعها وأغصانها مرتفعة إلى السماء (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين): أي في كلّ فصل وزمان فهي دائمة الإثمار في كلّ وقت وقّته الله لإثمارها.
هذا حال المشبه به وأمّا المشبّه فالمراد: الاعتقاد الحقّ الثابت، فهي عقيدة ثابتة طيّبة لها ثمارها في الحياتين.
وبعبارة أُخرى: إنّ كلّ عقيدة صحيحة لها جذور في القلوب، ولها فروع وأغصان في حياة الإنسان ولهذه الفروع ثمار، فالاعتقاد بالواجب العادل الحكيم المعيد للإنسان بعد الموت يورث التثبّت في الحياة والاجتناب عن الظلم والعبث والفساد إلى غير ذلك من العقائد الصالحة التي لها فروع.

1 . إبراهيم:24ـ 25.

صفحه 88
إبراهيم
3

التمثيل الرابع والعشرون

قال سبحانه: (وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار).(1)
مثّل الله سبحانه وتعالى للعقيدة الصالحة بالمثل السابق، ومقتضى الحال أن يمثّل للعقيدة الباطلة بضد المثل السابق، فهي على طرف النقيض ممّا ذكر في الآية السابقة، وإليك البيان:
فالكفر كشجرة لها الأوصاف التالية:
أ. أنّها خبيثة مقابل الطيّبة، أي لا تطيب ثمارها، كشجرة الحنظل.
ب. (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ) في مقابل قوله: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)، أي ليس لتلك الشجرة من ثبات فالريح تنسفها وتذهب بها، وبالتالي ليس لها فروع وأغصان وثمار.
هذا هو المشبّه به، وأمّا المشبّه فهو عبارة عن العقيدة الضالّة
الكافرة التي لا تعتمد على برهان ولا دليل، تزعزعها أدنى شبهة
وشكّ.

1 . إبراهيم:26.

صفحه 89
إبراهيم
4

التمثيل الخامس والعشرون

قال سبحانه: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).(1)
المشبّه هو الأُمم اللاحقة الذين رأوا العذاب فاستمهلوا الأجل وندموا ولم ينفعهم الندم.
والمشبّه به هو حال الأُمم الهالكة بأفعالهم الظالمة.
وحاصل مفاد الآية: حلفتم قبل نزول العذاب بأنّه ليس لكم زوال من الراحة إلى العذاب، وظننتم أنّكم بما تمتلكون من القوّة والسطوة أُمّة خالدة مالكة لزمام الأُمور، فلماذا تستمهلون حالة نزول العذاب؟! ثم يخاطبهم بجواب آخر وهو قوله: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ): أي سكنتم ديار مَن كذّب الرسل فأهلكهم الله وعرفتم ما نزل بهم من البلاء والهلاك والعذاب كقوم عاد

1 . إبراهيم:44ـ 46.

صفحه 90
وثمود، وضربنا لكم الأمثال وأخبرناكم بأحوال الماضين لتعتبروا فلم تتّعظوا.
النحل
1

التمثيل السادس والعشرون

قال سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(1)
الآية الأخيرة تدلّ على أمرين:
الأوّل: (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ): أي يصفون الله سبحانه بما هو أرفع منه.
الثاني: (وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى): أي الوصف الحاكي عن الكمال.
أمّا الأوّل ـ أي وصفه سبحانه بما هو أرفع منه ـ فقد جاء في
الآية التالية: (وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للهِ

1 . النحل:56ـ60.

صفحه 91
بِزَعْمِهِمْ).(1) فكأنّه سبحانه فقير يجعلون له نصيباً ممّا يحرثون وممّا يربّون من أنعامهم.
وأيضاً أنّهم كانوا يبغضون البنات ويجعلونها لله ويحبون البنين ويجعلونهم لأنفسهم ويشير إليه بقوله: (وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)(2).
إلى هنا تبيّن أنّ المشركين يصفون الله بالمثل السوء.
وأمّا الثاني أنّ لله سبحانه المثل الأعلى فقد جاء في الآية التالية: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى).(3)
النحل
2

التمثيل السابع والعشرون

قال سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ

1 . الأنعام:136.
2 . النحل:57.
3 . الحشر:23ـ 24.

صفحه 92
تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).(1)
الآيات تصف معبود المشركين ومعبود المؤمنين بالتمثيل التالي:
افرض مملوكاً لا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً حتى نفسه، فهو بتمام معنى الكلمة مظهر الفقر والحاجة، ومالكاً يملك الرزق ويقدر على التصرّف فيه، فيتصرّف في ماله كيف شاء وينعم كيف شاء. فهل هذان متساويان؟! كلاّ. فمثل معبودات المشركين مثل العبد الرق المملوك غير المالك لشيء، وأمّا مثل معبود المؤمنين فهو المالك للخلق والرزق والرحمة والمغفرة والإحسان والإنعام.
النحل
3

التمثيل الثامن والعشرون

قال سبحانه: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).(2)
كان التمثيل السابق يبيّن موقف الآلهة الكاذبة بالنسبة إلى العبادة

1 . النحل:73ـ75.
2 . النحل:76.

صفحه 93
والخضوع وموقفه سبحانه تبارك وتعالى حيالها، ولكن هذا التمثيل جاء لبيان موقف عبدة الأصنام والمشركين وموقف المؤمنين والصادقين، فيشبّه الأوّل بالعبد الأبكم الذي لا يقدر على شيء، ويشبّه الآخر بإنسان حرّ يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.
وما ذكرنا من التمثيل مبنيّ على أنّ التمثيل بصدد بيان موقف الكافر والمؤمن، غير أنّ هناك احتمالاً آخر، وهو أنّ التمثيل تأكيد للتمثيل السابق وهو تبيين موقف الآلهة الكاذبة والإله الحقّ.
النحل
4

التمثيل التاسع والعشرون

قال سبحانه: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).(1)
الأنكاث: «الإنقاض». «الدخل»: ما أُدخل في الشيء على فساد، وربّما يطلق على الخديعة.

1 . النحل:91ـ 92.

صفحه 94
إنّ لزوم العمل بالميثاق من الأُمور الفطرية التي جبل عليها الإنسان، ولذلك نرى أنّ الوالد إذا وعد ولده شيئاً، ولم يف به فسوف يعترض عليه الولد، وهذا كاشف أنّ لزوم العمل بالمواثيق والعهود أمر فطر عليه الإنسان.
فالله سبحانه يشبّه مَن نقض عهده بامرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثم تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها، واسمها: ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة، وكانت تُسمّى فرقاء مكة.(1)
النحل
5

التمثيل الثلاثون

قال سبحانه: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).(2)
يصف سبحانه قرية عامرة بصفات ثلاثة:
1. آمنة: أي ذات أمن يأمن فيها أهلها لا يغار عليهم، ولا يُشنّ عليهم

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/335.
2 . النحل:112ـ 113.

صفحه 95
بقتل النفوس وسبي الذراري ونهب الأموال، وكانت آمنة من الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول.
2. مطمئنة: أي قارّة ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بخوف أو ضيق، فإنّ ظاهرة الاغتراب إنّما هي نتيجة عدم الاستقرار، فترك الأوطان وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمّل المشاق رهن عدم الثقة بالعيش الرغيد فيه، فالاطمئنان رهن الأمن.
3. (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان) الضمير في (يَأْتِيهَا) يرجع إلى القرية، والمراد منها حاضرة ما حولها من القرى.
إنّه سبحانه يصف قرية تغمرها النعم المادية والمعنوية. أمّا الأُولى فبالنحو التالي:
1. (كَانَتْ آمِنَةً) من تسلّط العدو وغاراته.
2. (مُطْمَئِنَّةً): أي ساكنة ومستقرة.
3. (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا): أي أقواتها (رَغَدًا): أي وافراً من كلّ مكان.
هذا كلّه حول النعم المادية وأمّا النعمة المعنوية فأشار إليها بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ).
هذا هو حال القرية والمترقّب من أهلها أن يشكروا الله سبحانه ويعبدوه لكنّهم كفروا بأنعم الله، وأمّا كيفية كفرهم بأنعم الله فلم يرد في الآية، وأمّا الروايات فقد جاء في بعضها ما لا يصدقه العقل الحصيف.
وأمّا النعمة المعنوية ـ أعني: الرسول ـ فقد كفروا بها كما

صفحه 96
يقول:(فَكَذَّبُوهُ).
وأمّا رد فعله سبحانه على التكفيرَيْن: أمّا في مقابل تكفير النعم المادية فيقول سبحانه: (فَأذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعونَ)فسلّط الجوع والخوف عليهم فصارا كاللباس يحيط عامّة جوانبهم ولذلك استخدم كلمة اللباس.
وهنا سؤال مطروح وهو: إنّه سبحانه يعبّر عن ردّة فعله بالإذاقة وقال:(فَأذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ) مع أنّ اللباس لا يذاق؟
أقول: أجاب عنه الشريف الرضي بقوله: بأنّه قد عرف في لسان العرب أن يقولوا لمن عوقب على جريمة، أو أُخذ بجريرة: «ذق غِبَّ فِعلك، واجنِ ثمرة جهلك»، وإن كانت عقوبته ليست مما يُحسُّّ بالطَّعم ويُدرك بالذوق، فكأنّه تعالى لمّا شملهم بالجوع والخوف على وجه العقوبة حَسُن أن يقول: فأذاقهم الله ذلك، أي أوجدهم مرارته، كما يجد الذائق مرارة الشيء المرير، ووخامة الطعم الكريه.(1)
هذا كلّه حال المشبّه به وأمّا المشبه وهو حال مكة; لأنّهم كانوا في أمن وطمأنينة، بشهادة قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء)(2).
ثمّ أنعم الله عليهم بنعمة عظيمة وهي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فكفروا به وبالغوا

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:95.
2 . القصص:57.

صفحه 97
في إيذائه، فلا جرم أن سلّط عليهم البلاء.
وأمّا تسلّط الجوع فقد روى المفسّرون بأنّ الله عذّبهم بالجوع في تفسير قوله سبحانه:(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ)(1).
وأمّا الخوف، فهو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.
هذا كلّه حول الجانب المادّي وأمّا الجوانب المعنوية فقد كذّبوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
الإسراء
1

التمثيل الحادي والثلاثون

قال سبحانه: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).(2)
«الغل»: ما يقيّد به وتجعل الأعضاء وسطه. ومعنى قوله: (مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ): أي مقيّدة به.

1 . الدخان:12.
2 . الإسراء:29ـ 30.

صفحه 98
تتضمّن الآيتان تمثيلاً لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، والأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير، فشبّه منع الشحيح بمن تكون يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الإعطاء والبذل، فيكون التشبيه لغاية المبالغة في النهي عن الشح والإمساك، كما شبّه إعطاء المسرف جميع ما عنده بمن بسط يده حتى لا يستقر فيها شيء، وهذا كناية عن الإسراف، فيبقى الثالث وهو المفهوم من الآية وإن لم يكن منطوقاً، وهو الاقتصاد في البذل والعطاء، وقد تضمّنته آية أُخرى في سورة الفرقان، وهي: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).(1)
الكهف
1

التمثيل الثاني والثلاثون

قال سبحانه: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ

1 . الفرقان:67.

صفحه 99
رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا).(1)
«الحفّ» من حفّ القوم بالشيء إذا أطافوا به، وحفاف الشيء جانباه كأنّهما أطافا به، فقوله في الآية (وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل): أي جعلنا النخل مطيفاً بهما، وقوله: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ) فهو من باد الشيء، يبيد بياداً إذا تفرّق وتوزّع في البيداء أي المفازة.
«حسباناً»: الحسبان ما يحاسب عليه، فيجازى بحسبه فتكون النار والريح من مصاديقه، وفي الحديث أنّه قال(صلى الله عليه وآله وسلم) في الريح:«اللّهمّ لا تجعلها عذاباً ولا حسباناً».(2)
«الصعيد»: يقال لوجه الأرض. «زلق»: أي ملساء لا نبات فيه، ويرادفه الصلد، كما في قوله سبحانه: (فَتَرَكَهُ صَلْدًا).(3)
وحقيقة هذا التمثيل أنّ أخوين مات أبوهما وترك مالاً وافراً فأخذ أحدهما حقّه منه و هو المؤمن منهما فتقرّب إلى اللّه بالإحسان والصدقة،

1 . الكهف:32ـ 43.
2 . المفردات للراغب:116، مادة «حسب».
3 . البقرة:264.

صفحه 100
وأخذ الآخر حقّه فتملك به ضياعاً بين الجنتين، فافتخر الأخ الغني
على الفقير، وقال: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا)، وما هذا إلاّ لأنّه كان
يملك جنتين من أعناب ونخل مطيفاً بهما و بين الجنتين زرع وافر، وقد تعلّقت مشيئته سبحانه بأن تأتي الجنتان أُكلها ولم تنقص شيئاً وقد تخلّلها نهر غزير الماء و راح صاحب الجنتين المثمرتين يفتخر على صاحبه بكثرة المال والخدمة.
وكان كلّما يدخل جنته يقول: ما أظن أن تفنى هذه الجنة و هذه الثمار ـ أي تبقى أبداًـ وأخذ يكذّب بالساعة، ويقول: ما أحسب القيامة آتية، ولو افترض صحة ما يقوله الموحّدون من وجود القيامة، فلئن بعثت يومذاك، لآتاني ربي خيراً من هذه الجنة، بشهادة إعطائي الجنة في هذه الدنيا دونكم، و هذا دليل على كرامتي عليه.
هذا ما كان يتفوّه به وهو يمشي في جنته مختالاً، و عند ذاك يواجهه أخوه بالحكمة والموعظة الحسنة.
و يقول: كيف كفرت باللّه سبحانه مع أنّك كنت تراباً فصرت نطفة، ثمّ رجلاً سويّاً، فمَن نقلك من حال إلى حال وجعلك سويّاً معتدل الخلقة؟
وبما أنّه ليس في عبارته إنكار للصانع صراحة، بل إنكار للمعاد، فكأنّه يلازم إنكار الربّ.
فإن افتخرت أنت بالمال، فأنا أفتخر بأنّي عبد من عباد اللّه لا أُشرك به أحداً.

صفحه 101
ثمّ ذكّره بسوء العاقبة، وانّك لماذا لم تقل حين دخولك البستان ما شاء اللّه، فإنّ الجنتين نعمة من نعم اللّه سبحانه، فلو بذلت جهداً في عمارتها فإنّما هو بقدرة اللّه تبارك و تعالى.
ثمّ أشار إلى نفسه، وقال: أنا وإن كنت أقلّ منك مالاً وولداً ، ولكن أرجو أن يجزيني ربي في الآخرة خيراً من جنتك، كما أترقّب أن يرسل عذاباً من السماء على جنتك فتصبح أرضاً صلبة لا ينبت فيها شيء، أو يجعل ماءها غائراً ذاهباً في باطن الأرض على وجه لا تستطيع أن تستحصله.
قالها أخوه و هو يندّد به ويحذّره من مغبّة تماديه في كفره وغيّه ويتكهن له بمستقبل مظلم.
فعندما جاء العذاب وأحاط بثمره، ففي ذلك الوقت استيقظ الأخ الكافر من رقدته، فأخذ يقلّب كفّيه تأسّفاً وتحسّراً على ما أنفق من الأموال في عمارة جنتيه، وأخذ يندم على شركه، ويقول: يا ليتني لم أكن مشركاً بربي، ولكن لم ينفعه ندمه ولم يكن هناك مَن يدفع عنه عذاب اللّه ولم يكن منتصراً من جانب ناصر.

صفحه 102
الكهف
2

التمثيل الثالث والثلاثون

قال سبحانه: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنيا كَماء أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيء مُقتدراً).(1)
«الهشيم»: ما يكسر و يحطم في يبس النبات.
«الذر»: تطيير الريح الأشياء الخفيفة في كلّ جهة.
وحقيقة التمثيل أنّه سبحانه يشبّه المال والبنين بالورود والأزهار التي تظهر على النباتات، ووجه الشبه هو طروء الزوال بسرعة عليها، وهكذا الأموال والبنون.
الحج
1

التمثيل الرابع والثلاثون

قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثلٌ فَاستَمِعُوا لَهُ إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلوِ اجْتَمعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوه

1. الكهف:45.

صفحه 103
مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمَطْلُوبُ* ما قَدَرُوا اللّهَ حقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز).(1)
كان العرب في العصر الجاهلي موحّدين في الخالقية ومشركين في التوحيد في الربوبية، فالله سبحانه كما يدّعون خلق السماوات والأرض وفوّض تدبيرهما إلى الآلهة المزعومة.
فقد روي أنّ العرب كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله، يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثلٌ فَاستَمِعُوا لَهُ إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ): أي يعبدونه والدعاء هنا بمعنى العبادة.
(لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلوِ اجْتَمعُوا لَهُ) مع صغره (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوه) كما عرفت من أنّ الذباب ربّما يأكل العسل الموجود على رؤوس الأصنام.
وفي نهاية الآية يقول سبحانه: (ضَعُفَ الطّالِبُ): أي العابد (وَالمَطْلُوبُ): أي المعبود.
النور
1

التمثيل الخامس والثلاثون

قال سبحانه: (اللّهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكوة فِيها مِصْباحٌ المِصْباحٌ فِي زُجاجَة الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرة مُبارَكة

1. الحج:73ـ74.

صفحه 104
زَيْتُونَة لا شَرْقِيَّة وَلا غَرْبِيّة يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُور يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).(1)
«المشكاة»: كوّة غير نافذة تتّخذ في جدار البيت لوضع بعض الأثاث ومنها المصباح.
«المصباح»: السراج وهو يتألّف من أُمور أربعة:
أ. وعاء للزيت. ب. فتيل يشتعل بالزيت. ج. زجاجة منصوبة عليه. د. آلة التحكّم بالفتيل.
ثمّ إنّ أفخر أنواع الزيوت هو المأخوذ من شجرة الزيتون المغروسة في مكان تشرق عليه الشمس من كلّ الجوانب حيث يكون في غاية الصفاء وسريع الاشتعال، بخلاف المغروسة في جانب الشرق أو جانب الغرب، فإنّها لا تتعرّض للشمس إلاّ في أوقات معيّنة.
فالمشبّه به هو النور المشرق من زجاجة مصباح، موقد من زيت جيّد صاف موضوع على مشكاة.
وأمّا قوله في آخر الآية: (نُورٌ عَلى نُور)بمعنى تضاعف النور وأنّ نور الزجاجة مستمد من نور المصباح في إنارتها.
هذا حال المشبّه به، وأمّا المشبه فقد طبّقت كلّ طائفة حال ذلك التمثيل على ما ترومه فقد ناهز عدد الأقوال العشرة نذكر واحداً منها:
المشبّه هداية الله، إذ قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات

1 . النور:35.

صفحه 105
وصارت بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.(1)
النور
2

التمثيل السادس والثلاثون

قال سبحانه: (وَالّذينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَمآنُ ماءً حَتّى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ).(2)
«السّراب» ما يُرى في الفلاة من ضوء الشمس في وقت الظهيرة.
«القيعة» جمع «القاع» وهو المنبسط المستوي من الأرض.
(الظَمآنُ) هو العطشان.
الآية تشبّه أعمال الكافرين بالسراب، وحاصل التمثيل: هو أنّ الطاعة والعبادة والقربات كلّها لله تبارك وتعالى، فمن قدّمها إليه وقام بها لأجله فقد بذر بذرة في أرض خصبة سوف ينتفع بها في لقائه سبحانه.
وأمّا من عبد غيره وقدّم إليه القربات راجياً الانتفاع بها، فهو كرجاء

1 . لاحظ بقية الأقوال والتطبيقات في كتابنا «الأمثال في القرآن الكريم»:207ـ210.
2. النور:39.

صفحه 106
الظمآن الذي يتصوّر السراب ماءً فيجيئه لينتفع به ولكنّه سرعان ما يرجع خائباً.
هذا حال الكافر وأمّا المؤمن فهو عند مجيئه إلى الانتفاع بأعماله يجد الله هو المجازي لا غيره، وأنّه سبحانه يجزيه بأعماله، فيوفيه حسابه، وما ذلك إلاّ لأنّ الله سريع الحساب.
النور
3

التمثيل السابع والثلاثون

قال سبحانه: (أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور).(1)
«اللجّيّ» منسوب إلى «اللُجّة» وهو في اللغة: البحر الواسع العميق، وكُنّي في لازم معناه، وهو تردّد أمواجه، فإنّ البحر كلّما كان عميقاً تزداد أمواجه، فيكون المراد من قوله: (بَحْر لُجِّيّ): أي بحر متلاطم.
إنّه سبحانه شبّه في الآية السابقة أعمال الكافرين ـ بسبب عدم الانتفاع بها ـ بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ولكنّه تعالى شبّه أعمالهم

1 . النور:40.

صفحه 107
في هذه الآية ببحر لجيّ فوقه سحابة سوداء ممطرة، ويعلو ماءه موج فوق موج، فراكب هذا البحر تغمره ظلمة دامسة لا يرى أمامه شيئاً حتى لو أخرج يده فإنّه لا يراها مع قربها منه.
هذا هو المشبّه به، وأمّا المشبّه فالأعمال التي يقوم بها الكافر باطلة محضة ليس فيها من الحقّ شيء مثل هذا البحر اللجيّ المحيطة به عتمة الظلام الذي ليس فيه نور.
ثمّ إنّ الآية تشير إلى ظلمات ثلاث:
الأُولى: ظلمة البحر المحجوب من النور.
الثانية: ظلمة الأمواج المتلاطمة.
الثالثة: ظلمة السحاب الأسود الممطر.
فتراكم هذه الظلمات يحجب كلّ نور من الوصول، وهكذا الحال في الكافر، ففي أعماله ظلمات ثلاث يمكن بيانها بأنحاء مختلفة:
النحو الأوّل: ظلمة الاعتقاد، ظلمة القول، ظلمة العمل.
النحو الثاني: ظلمة القلب، ظلمة البصر، ظلمة السمع.
النحو الثالث: ظلمة الجهل، ظلمة الجهل بالجهل، ظلمة تصوّر الجهل علماً.(1)

1 . تفسير الرازي:24/98.

صفحه 108
العنكبوت
    1

التمثيل الثامن والثلاثون

قال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ).(1)
ضرب سبحانه لآلهة المشركين مثلاً بالذباب تارة، وببيت العنكبوت أُخرى، أمّا الأوّل فقد مضى البحث عنه، وأمّا الثاني فهو ما تتضمّنه الآية من تشبيه آلهة المشركين ومعبوداتهم بأوهن البيوت وهو بيت العنكبوت.
إنّ العنكبوت حشرة معروفة ذكورها أصغر أجساداً من إناثها، وهي تتغذّى على الحشرات التي تصطادها بالشبكة التي تمدّها على جدران البيوت، فتصنع تلك الشبكة من مادة تفرزها لها غدد في باطنها محتوية على سائل لزج تخرجه من فتحة صغيرة، فيتجمّد بمجرد ملامسته للهواء و يصير خيطاً في غاية الدقّة، وما أن تقع الفريسة في تلك الشبكة حتى تنقض عليها وتنفث فيها سمّاً يوقف حركاتها، فلا تستطيع الدفاع عن نفسها.(2)

1 . العنكبوت:41ـ 43.
2. انظر: دائرة معارف القرن العشرين:6/772.

صفحه 109
ومع ذلك فما نسجته بيتاً لنفسها من أوهن البيوت، بل لا يليق
أن يصدق عليه عنوان البيت، الذي يتألّف من حائط حائل، وسقف مظل، وباب ونوافذ، وبيتها يفقد أبسط تلك المقوّمات، هذا من جانب،
ومن جانب آخر فإنّ بيتها يفتقد لأدنى مقاومة أمام الظواهر الجوية والطبيعية، فلو هبّ عليه نسيم هادئ لمزّق النسيج، ولو سقطت عليه قطرة من ماء لتلاشى، ولو وقع على مقربة من نار لاحترق، ولو تراكم عليه الغبار لتمزّق.
هذا هو حال المشبّه به، والقرآن يمثل حال الآلهة المزيّفة بهذا المثل الرائع، وهو أنّها لا تنفع ولا تضرّ، لا تخلق ولاترزق، ولا تقدر على الإستجابة لأي طلب.
بل حال الآلهة المزيّفة الكاذبة أسوأ حالاً من بيت العنكبوت، وهو أنّ العنكبوت تنسج بيتها لتصطاد به الحشرات ولولاه لماتت جوعاً، ولكن الأصنام والأوثان لا توفر شيئاً للكافر.
الروم
1

التمثيل التاسع والثلاثون

قال سبحانه: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً من أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذلِكَ

صفحه 110
نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوم يعْقِلُون).(1)
ألقى سبحانه المثل بصورة الاستفهام الإنكاري، وحاصله: هل ترضون لأنفسكم أن يكون عبيدكم وإماؤكم شركاء لكم في الأموال التي رزقناكم إيّاها على وجه تخشون التصرّف فيها بغير إذن هؤلاء العبيد والإماء ورضاً منهم، كما تخشون الشركاء الأحرار.
والجواب: لا، أي لا يكون ذلك أبداً ولا يصير المملوك شريكاً لمولاه في ماله، فعندئذ يقال لكم: كيف تجوّزون ذلك على الله، وأن يكون بعض عبيده المملوكين ـ كالملائكة والجن ـ شركاء له، إمّا في الخالقية أو في التدبير أو في العبادة.
والحاصل: أنّ العبد المملوك وضعاً، لا يصحّ أن يكون في رتبة مولاه على نحو يشاركه في الأموال، فهكذا العبد المملوك تكويناً، لا يمكن أن يكون على درجة الخالق المدبّر فيشاركه في الفعل، كأن يكون خالقاً أو مدبّراً، أو يشاركه في الصفة كأن يكون معبوداً. فالشيء الذي لا ترضون لأنفسكم، كيف ترضونه لله سبحانه، وهو ربّ العالمين.
فاطر
1

التمثيل الأربعون

قال سبحانه: (وَما يَسْتَوي البَحْران هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا

1. الروم: 28.

صفحه 111
مِلْحٌ أُجاجٌ وَمن كُلّ تَأْكُلُون لَحْماً طَريّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِليةً تَلْبَسُونَها وَتَرى الفُلكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(1)
«الفرات»: الماء العذب. «الأُجاج» شديد الملوحة والحرارة. «مواخر» من مخر بمعنى شقّ، فالسفن تشق الماء بجؤجئها.
والآية بصدد ضرب المثل في حقّ الكفر والإيمان، أو الكافر والمؤمن.
وحاصل التمثيل: أنّ الإيمان والكفر متمايزان لا يختلط أحدهما بالآخر، كما أنّ الماء العذب الفرات لا يختلط بالملح الأُجاج.
وفي الوقت نفسه لا يتساويان في الحسن والنفع، قال سبحانه: (وَما يَسْتَوي البَحْران هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) بل أنّ الكافر أسوأ حالاً من البحر الأُجاج الذي يشاطر البحر الفرات في أمرين:
أ. يستخرج من كلّ منهما لحماً طريّاً يأكله الإنسان كما قال سبحانه: (وَمن كُلّ تَأْكُلُون لَحْماً طَريّاً).
ب. يستخرج من كلّ منهما اللآلئ بالغوص في البحر فتلبسونها وتتزينون بها.

1. فاطر:12.

صفحه 112
فاطر
2

التمثيل الحادي والأربعون

قال سبحانه: (وَما يَسْتَوِي الأَعْمى وَالبَصِيرُ * وَلا الظُّلُماتُ وَلاَ النُّورُ* وَلاَ الظِلُّ وَلاَ الْحَرُورُ* وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ وَلاَ الأَمْواتُ إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمع مَنْ فِي الْقُبُور).(1)
«الحرور»: الريح الحارّة.(2)
في الآيات تمثيل للكافر والمؤمن، أمّا الكافر فقد شبهته بالصفات التالية:
1. الأعمى. 2. الظلمات. 3. الحرور. 4. الأموات.
كما شبّهت المؤمن بأضدادها التالية:
1. البصير. 2. النور. 3. الظل. 4. الأحياء.
وما ذلك إلاّ لأنّ الكافر لأجل عدم إيمانه بالله سبحانه وصفاته وأفعاله، فهو أعمى البصر تغمره ظلمة دامسة لا يرى ممّا وراء الدنيا شيئاً، وتحيط به نار، قال سبحانه:(انّ جَهَنّم لَمُحيطَةٌ بِالكافِرين)(3)، وظاهر الآية أنّ

1. فاطر:19ـ 22.
2 . المفردات للراغب:111، مادة «حر».
3. التوبة:49.

صفحه 113
النار محيطة بهم في هذه الدنيا، وإن لم يشعروا بها، كما أنّه ميّت لا يسمع نداء الأنبياء وإن كان حيّاً يمشي، هذا بخلاف المؤمن فإنّه يبصر بنور الله يغمره نور زاهر، يرى دوام الحياة إلى ما بعد الموت، فهو في ظل ظليل من رحمته، وإنّه يسمع نداء الأنبياء ويؤمن به.
وبعبارة واضحة: الكافر مجادل مكابر، والمؤمن واع متدبّر.
يس
1

التمثيل الثاني والأربعون

قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ * قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليمٌ).(1)
روى المفسّرون أنّ أُبي بن خلف أو العاص بن وائل جاء بعظم بال متفتت، وقال: يا محمد أتزعم أنّ الله يبعث هذا؟ فقال: نعم، فنزل قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسانُ...)(2)، فضرب الكافر مثلاً وقال: كيف يحيي الله هذه العظام البالية؟
وضرب سبحانه مثالاً آخر وهو أنّه يحييها من أنشأها أوّلاً، فمَن قدر

1. يس: 78 ـ 79 .
2 . يس:77.

صفحه 114
على إنشائها ابتداءً يقدر على الإعادة، وهي أسهل من الإنشاء والابتداء، ومن المعلوم أنّ إطلاق لفظ الأسهلية إنّما هو من منظار الإنسان، وأمّا الحقّ جلّ وعلا فكلّ الأشياء أمامه سواء. قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً): أي ضرب مثلاً في إنكار البعث بالعظام البالية، واستغرب ممّن يقول إنّ الله يحيي هذه العظام ونسي خلقه: (قالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ)ومثّل سبحانه بالردّ عليه بمثال آخر، وقال: (قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليمٌ)من الابتداء والإعادة، وقد مرّ هذا المثل بعبارة أُخرى في قوله: (وَهُوَ الَّذي يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ).(1)
الزمر
1

التمثيل الثالث والأربعون

قال سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فيهِ شُركاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُل هَلْ يَسْتَويانِ مَثلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ).(2)
«الشكس» السيِّئ الخلق. «سَلَماً»: خالصاً لا يملكه إلاّ شخص واحد...
هذه الآية تمثّل حالة الكافر والمؤمن، فهناك مشبّه ومشبّه به.

1 . الروم:27.
2. الزمر:29.

صفحه 115
أمّا المشبّه به، فهو عبارة عن عبد مملوك له شركاء سيّئي الخُلق متنازعون فيه، فواحد يأمره وآخر ينهاه، وكلّ يُريد أن يتفرّد بخدمته، في مقابل عبد مملوك لرجل واحد يطيعه ويخدمه ولا يشرك في خدمته شخصاً آخر، فهذان المملوكان لا يستويان.
وأمّا المشبّه فحال الكافر نفس حال المملوك الذي فيه شركاء متشاكسون، فهو يعبد آلهة مختلفة لكلّ أمره ونهيه وخدمته، ولا يمكن الجمع بين الآراء والأهواء المختلفة، بخلاف المؤمن فإنّه يأتمر بأمر الخالق الحكيم القادر الكريم.
وهذا المثل وإن كان مثلاً واضحاً ساذجاً مفهوماً لعامّة الناس، ولكن له باطن لا يقف عليه إلاّ أهل التدبّر في القرآن، فهو سبحانه بصدد البرهنة على توحيده التي أشار إليه في قوله:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُون).(1)، وقال سبحانه: (ءَأَربابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الواحِدُ القَهّار).(2)

1 . الأنبياء:22.
2. يوسف:39.

صفحه 116
الزخرف
   1

التمثيل الرابع والأربعون

قال سبحانه: (وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيّ فِي الأَوّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيّ إِلاّ كانوا بِهِ يَسْتَهْزءُون* فَأَهْلَكْنا أَشدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمضى مَثَلُ الأَوّلِين) .(1)
«البطش»: تناول الشيء بصولة.
الآيات تشتمل على مشبّه به ومشبّه، أمّا الأوّل فهو الأُمم الماضية التي بعث الله سبحانه رسله إليهم، فكفروا بأنبيائه، فأهلكهم الله بأنواع العذاب.
وأمّا المشبّه فهو عبارة عن مشركي عصر الرسالة الذين كانوا يستهزئون بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيوعدهم سبحانه بما مضى على الأوّلين، بأنّه سبحانه أهلك مَن هو أشدّ قوّة ومنعة من قريش وأتباعهم فيعتبروا بحالهم، يقول سبحانه: (وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيّ فِي الأَوّلِينَ): أي الأُمم الماضية (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيّ إِلاّ كانوا بِهِ يَسْتَهْزءُون)، فكانت هذه سيرة الأُمم الماضية، ولكنّه سبحانه لم يضرب عنهم صفحاً فأهلكهم، كما قال: (فَأَهْلَكْنا أَشدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمضى مَثَلُ الأَوّلِين): أي مضى في القرآن ـ في غير موضع منه ـ ذكر قصّتهم وحالهم العجيبة التي من حقّها أن تصير مثلاً.

1. الزخرف:6ـ8.

صفحه 117
الزخرف
2

التمثيل الخامس والأربعون

قال سبحانه: (فَاسْتَخَفَّ قوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِين* فَلَمّا آسفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقناهُمْ أَجْمَعِين* فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخِرِينَ).(1)
«آسفونا» مأخوذ من أسف أسفاً، إذا اشتدّ غضبه. وقال الراغب:الأسف: الحزن والغضب معاً.
إنّه سبحانه يخبر عن انتقامه من فرعون وقومه ويقول:(فَلَمّا آسفُونا): أي أغضبونا (انْتَقَمْنا مِنْهُمْ)بالغرق، كما يقول: (فَأَغْرَقناهُمْ أَجْمَعِين) وهذا هو المشبّه به، وأمّا المشبّه فيُشير إليه بقوله: (فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخِرِينَ) منهم مشركو أهل مكّة. فمصير فرعون وقومه عبرة لهؤلاء.
الزخرف
3

التمثيل السادس والأربعون

قال سبحانه: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ

1. الزخرف:54ـ56.

صفحه 118
أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).(1)
«الصد»: الانصراف عن الشيء، قال سبحانه: (يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)(2)، ولكن المراد به في الآية هو ضجّة المجادل إذا أحسّ بالإنتصار.
ذكر المفسّرون في سبب نزول هذه الآيات أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قرأ: (وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ)(3)، امتعضت قريش من ذلك امتعاضاً شديداً، فقال عبد الله بن الزبعرى: يا محمد أخاصّة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأُمم؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأُمم». فقال: خصمتك وربّ الكعبة، ألست تزعم أنّ عيسى بن مريم نبي وتثني عليه خيراً، وعلى أُمّه، وقد علمتَ أنّ النصارى يعبدونهما، وعُزير يُعبد، والملائكة يُعبدون، فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا.(4)
أمّا حقيقة التمثيل فقد شبّهوا آلهتهم بالمسيح ورضوا بأن يكونوا مع

1 . الزخرف:57ـ61.
2 . النساء:61.
3 . الأنبياء:98ـ 100.
4 . تفسير الكشّاف:2/100، السيرة النبوية لابن هشام:1/385.

صفحه 119
المسيح في مكان واحد، وبما أنّ المسيح في الجنة وليس في النار، فهكذا آلهتهم. والله سبحانه يردّ على تمثيلهم قائلاً بأنّهم ما تمسّكوا بهذا المثل إلاّ جدلاً، كما يقول: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً) وهم يعلمون بطلان دليلهم، إذ ليس كلّ معبود حصب جهنم، بل المعبود الذي دعا الناس إلى عبادته كفرعون لا كالمسيح الذي كان عابداً لله رافضاً الشرك، فاستدلالهم كان مبنيّاً على الجدل وإنكار الحقيقة، وهذا هو المراد من قوله سبحانه: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).
محمد
1

التمثيل السابع والأربعون

قال سبحانه: (مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيًما فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).(1)
«آسن»: يقال: أسن الماء يأسن، إذا تغيّرت ريحه، تغيّراً منكراً.
«الحميم»: الماء الشديد الحرارة.

1 . محمد:15.

صفحه 120
المشبّه به: في هذه الآية هو الجنّة، ولها صفات منها:
أنّ فيها أنهار أربعة، وهي عبارة عن:
أ. (أَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن): أي الماء الذي لا يتغيّر طعمه ورائحته ولونه لطول بقائه.
ب. (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ): أي يعتريه الفساد بمرور الزمان.
ج. (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ)، فتقييد الخمر بكونه لذة للشاربين احتراز عن خمر الدنيا.
د. (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفًّى): أي خالص من الشمع.
وأمّا المشبّه فهو مكان أهل الجحيم، وقد أُشير إليه بقوله: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) وإنّما يسقون بماء حميم، كما يقول: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيًما فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) فلو أردنا أن نجعل الآية من قبيل الأمثال فهو من قبيل التمثيل الإنكاري، وإلاّ فالتمثيل الحقيقي غير موجود.
الفتح
1

التمثيل الثامن والأربعون

قال سبحانه: (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ

صفحه 121
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً).(1)
«السيما»: العلامة، فقوله: (سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ): أي علامة إيمانهم في وجوههم.
«شطأه»: الشطأ: البراعم، وهي فروخ الزرع.
«الأزر»: القوّة الشديدة.
«الغلظة»: ضد الرقّة.
«سوق»: جمع ساق.
شبّه سبحانه أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار، هذا حاصل المثل، وأمّا التفصيل فقد وصف المشبّه بأوصاف:
1. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ).
2. (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ).
3. (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا).
4. (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا).

1 . الفتح:28ـ 29.

صفحه 122
وأمّا المشبّه به فهو كزرع قويَ وغلظ وقام على سوقه، يعجب الزارعين بجودة رُشده.
وجه الشبه: أنّ المجتمع الإسلامي بإيمانه وعمله وجهاده وحركته الدؤوبة نحو التكامل يثير إعجاب الأخلاّء ويغضب الألدّاء.
غير أنّ هذا الوصف ليس لكلّ صحابي، وذلك بشهادة قوله سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً)فقوله:«من» في قوله: (مِنْهُمْ)تبعيضية، لا بيانية، لأنّ البيانية منها لا تدخل على الضمير.
الحديد
1

التمثيل التاسع والأربعون

قال سبحانه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الاْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).(1)
«الكفّار»: جمع الكافر بمعنى الساتر، والمراد الزارع ويطلق على

1 . الحديد:20.

صفحه 123
الكافر بالله لستر الحقّ، كما أنّ الزارع يستر الحبّ تحت التراب.
«يهيج»: أي ييبس.
«مصفراً»: إذا قارب اليبس.
«الحطام»: كسر الشيء، قال سبحانه: (لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ)(1).
الآية ترسم المراحل المختلفة التي تمرّ على الإنسان بالنحو
التالي:
أ. اللعب، ب. اللهو، ج. الزينة، د. التفاخر، هـ . التكاثر في الأموال والأولاد.
هذا هو المشبّه، والمشبّه به هو النبات الذي تعجب الزرّاع طراوته ونظارته ثم يتحوّل إلى عُشب يابس تذروه الرياح، يقول تعالى: (كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا).
وحاصل التمثيل: تشبيه الدنيا وحياة الإنسان فيها بداية ونهاية بالنبات الذي تعجب الزرّاع طرواته ونضارته، ثم سرعان ما يتحوّل إلى عشب يابس، فمتاع الحياة الدنيا متاع الغرور.

1 . النمل:18.

صفحه 124
الحشر
1

التمثيل الخمسون

قال سبحانه: (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).(1)
الحصن: جمعه حصون، والقرى المحصّنة التي تحيطها القلاع المنيعة التي تمنع من دخول الأعداء.
البأس والبأساء: الشدّة.
الوبال: الأمر الذي يُخاف ضرره.
تشبّه الآيتان حال بني النضير من اليهود الذين أجلاهم الرسول وقد تآمروا على قتله، بمشركي قريش الذين قُتلوا ببدر قبل جلاء بني النضير بستة أشهر، فأُشير إلى المشبّه بقوله: (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ).
وأُشير إلى المشبّه به بقوله: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ).

1 . الحشر:14ـ 15.

صفحه 125
الحشر
2

التمثيل الحادي والخمسون

قال سبحانه: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).(1)
تشير هذه الآية إلى قصّة بني النضير، فإنّهم لمّا تآمروا على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالجلاء، ولكنّ المنافقين وعدوهم بالنصرة، فقالوا لهم: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ)(2) ولكنّهم لم يفوا بوعدهم، فما ظهر منهم أي نصر ومؤازرة، هذا هو المشبّه.
وأمّا المشبّه به فهو أنّ وعدهم كان كوعد الشيطان، إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال: إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين، بمعنى أنّه أمره بالكفر ولكنّه تبرّأ منه في النهاية، وأشار سبحانه إلى ذلك بقوله: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ).

1 . الحشر:16.
2 . الحشر:12.

صفحه 126
الجمعة
1

التمثيل الثاني والخمسون

قال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).(1)
«الأسفار»: جمع السِفر وهو الكتاب.
قد جاءت البشارة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصافه في التوراة، ولكن اليهود لم ينتفعوا بكتابهم، فصاروا يبثّون الشكوك في طريق رسالته، فالله سبحانه يشبّههم ـ في عدم الانتفاع بالتوراة ـ بالحمار الذي يحمل أسفاراً ـ أي كتباً ـ لكنّه لا ينتفع بها.
التحريم
1

التمثيل الثالث والخمسون

قال سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ

1 . الجمعة:5.

صفحه 127
ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).(1)
يذكر سبحانه في هذه السورة قصة إفشاء سر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة اثنتين من أزواجه، يقول سبحانه: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْض فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَني الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ).(2)
وبما أنّ مستمع السرّ كمفشيه، عاص، يعود سبحانه يندّد بهما ويأمرهما بالتوبة لأجل ما كسبت قلوبهما من الآثام.
وبما أنّ السورة تكفّلت ببيان تلك القصّة ناسب أن يمثّل سبحانه حالهما بزوجتين لنبيّين من أنبياء الله تعالى أذاعتا سرّهما وخانتاهما. إذ لم تكن خيانتاهما خيانة فجور لما ورد: «ما بغت امرأة نبيّ قط» وإنما كانت خيانتهما في الدين، فقط.
التحريم
2

التمثيل الرابع والخمسون

قال سبحانه: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّني مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّني مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *

1 . التحريم:10.
2 . التحريم:3.

صفحه 128
وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ).(1)
«الحصن»: جمع حصون وهي القلاع، ويطلق على المرأة العفيفة، لأنّها تحصّن نفسها بالعفاف تارة وبالتزويج أُخرى.
«القنوت»: لزوم الطاعة مع الخضوع.
هذا التمثيل في مقابل التمثيل المتقدّم، حيث يشبّه النساء المحصّنات العفيفات المتّقيات بامرأتين:
الأُولى: آسية بنت مزاحم
وهي امرأة فرعون، فقد بلغت من الإيمان والتقوى بمكان أنّها طلبت من الله سبحانه أن يبني لها بيتاً في الجنّة، فقد آمنت بموسى(عليه السلام) لمّا رأت معاجزه الباهرة ودلائله الساطعة، فأظهرت إيمانها غير خائفة من بطش فرعون، وقد نُقل أنّه وتدها بأربعة أوتاد واستقبل بها الشمس.

الثانية: مريم بنت عمران

والله سبحانه يصفها بالصفات التالية:
أ. (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) فصارت عفيفة كريمة.
ب. (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) أجرى روح المسيح فيها، فهي امرأة لا زوج لها انجبت ولداً صار نبيّاً.

1 . التحريم:11ـ 12.

صفحه 129
ج. (صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ): أي آمنت بالكتب النازلة.
د. (وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ): أي مطيعة لله تعالى.
***
تمّ ذكر الأمثال الواردة في القرآن الكريم واقتصرنا على الآيات التي ورد فيها تشبيه قوم بقوم، أو شيء بشيء، وأمّا الآيات التي ورد فيها الوصف من دون إشارة إلى مشبّه، أو ورد فيها رفض المقايسة بين شيء وشيء. فقد تركنا ذكرها ـ إلاّ القليل ـ لأنّها ليست من التمثيل المصطلح.

صفحه 130

المبحث الحادي والعشرون

في أسباب النزول

لا شكّ أنّ القرآن الكريم نزل نجوماً، وهذا ما يصرّح به الذكر الحكيم في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(1).
كما لا شكّ أنّ القرآن الكريم نزل ليعالج الأعراف الباطلة الرائجة بين العرب قبل البعثة النبوية، فهذان الأمران يؤكّدان على أنّ لقسم من الآيات أسباباً خاصّة لنزولها على وجه لولاها لما تعرّض لها الذكر الحكيم، وهذا ما يبعث المفسّر إلى الفحص عن هذه الأُمور التي سببت نزول الآيات في شأنها وعلاجها.
مثلاً: إنّه سبحانه يأمر بإتيان البيوت من أبوابها دون ظهورها، والإنسان عندما يتفكّر في مضمون هذه الآية يتحيّر فيما هو المراد من دخول البيوت من الأبواب، وهل تُدخل البيوت من غير أبوابها، ولكن

1 . الفرقان:32.

صفحه 131
المفسّر إذا رجع إلى أسباب نزول الآية يتجلّى له مفاد الآية بأجلى مظاهره، وهي كما روى السيوطي وقال: إنّ الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه ولا داراً من بابها، وكان الحُمُس لا يدخلون البيوت من أبوابها، فدخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه داراً، وكان رجل من الأنصار يقال له (رفاعة بن تابوت) فجاء فتسوّر الحائط، ثم دخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما خرج(صلى الله عليه وآله وسلم) من باب الدار خرج معه رفاعة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما حملك على ذلك»؟ قال: يا رسول الله لأنّك خرجت منه فخرجت منه. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي رجل أحمس، فقال: إن تكن رجلاً أحمس فإنّ ديننا واحد، فانزل الله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).
ونظير ذلك قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)(2) فلا شكّ أنّ السعي بين الجبلين جزء من العمرة
والحج، فهو أمر واجب، فكيف يقول سبحانه: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا): أي لا إثم عليه؟
ولكن الرجوع إلى أسباب النزول يرفع الإجمال عن وجه الآية.
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه سُئل عن السعي بين الصفا والمروة فريضة أم سُنّة؟ فقال: «فريضة»، قلت: أو ليس قال الله عزّ وجلّ: (فَلاَ جُنَاحَ

1 . البقرة:189; تفسير الدر المنثور:2/492.
2 . البقرة:158.

صفحه 132
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)؟ قال: «كان ذلك في عمرة القضاء. إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصفا والمروة، فتشاغل رجل وترك السعي حتى انقضت الأيام، وأُعيدت الأصنام فجاءوا إليه، فقالوا: يا رسول الله، إنّ فلاناً لم يسع بين الصفا والمروة، وقد أُعيدت الأصنام، فأنزل الله عزّوجلّ: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا): أي وعليهما الأصنام».(1)
فأسباب النزول في هذين الموردين ترفع تعجب الإنسان من مضمون الآية ومفادها.
وربّما يكون مفهوم الآية أمراً غير مثير للعجب، ولكن تحوطه هالة من الإجمال، يقول سبحانه: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).(2)
فقبل الرجوع إلى أسباب النزول يسأل الإنسان نفسه عن الأُمور التالية:
1. مَن هم هؤلاء الثلاثة؟
2. كيف كان تخلّفهم؟
3. كيف ضاقت الأرض وأنفسهم عليهم؟
4. لماذا تاب الله عليهم ليتوبوا؟

1 . الكافي:4/435، برقم 8; البرهان في تفسير القرآن:2/42، برقم 728.
2 . التوبة:118.

صفحه 133
فهذه الأسئلة الأربعة تحتاج إلى الإجابة، وبالرجوع إلى أسباب النزول يقف الإنسان على مفاد الآية.
قيل: لمّا أعلن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) النفير العام إلى الجهاد، وذلك في فصل الصيف الملتهب والمتقارن مع نضج الفواكه وحصاد المنتجات الزراعية، لبّى المسلمون نداء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) غير أنّه قد تخلّف ثلاثة منهم، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن ربيع، وهلال بن أُميّة، فقد تخلّفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق، ولكن عن توان، ثم ندموا، فلمّا قدم(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، جاءوا إليه واعتذروا، فلم يكلّمهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقدّم إلى المسلمين بألاّ يكلّمهم أحدٌ منهم، فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن له: يا رسول الله نعتزلهم؟ فقال: لا، ولكن لا يقربوكن، فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّموهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد منهم، فهلا نتهاجر نحن أيضاً، فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وبقوا على ذلك خمسين يوماً يتضرّعون إلى الله تعالى ويتوبون إليه، فقبل الله تعالى توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية.(1)
فالإمعان فيما نقلناه من أسباب النزول يؤدّي إلى وضوح الآية بتمام معناها والإجابة عن الأسئلة التي طرحناها.
وربّما يُتّخذ ظهور الآية ذريعة لتحليل الحرام، نحو قوله سبحانه:

1 . مجمع البيان:5/149.

صفحه 134
(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(1).
فربّما تتّخذ الآية دليلاً على جواز شرب المسكر قليلاً، إذا قوي إيمان الرجل وصلح عمله، غفلة عن أنّ الآية ناظرة إلى ما قبل نزول التحريم، ولذلك نرى أنّ قُدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر بن الخطاب فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فقال: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا)الآية، فأراد عمر أن يدرأ عنه الحدّ، فقال عليّ(عليه السلام): «أديروه على الصحابة، فإن لم يسمع أحداً منهم قرأ عليه آية التحريم فادرؤا عنه الحدّ، وإن كان قد سمع فاستتيبوه وأقيموا عليه الحدّ، فإن لم يتب وجب عليه القتل».(2)
يقول السيوطي: وحكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معدي كرب أنّهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتّجان بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا). ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك، وهو: أنّ ناساً قالوا لمّا حُرّمت الخمر: كيف بمن قتل في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس؟ فنزلت. أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما.(3)
أقول:إن إجتهاد الرجلين لم يكن على أساس صحيح، فاستنباط

1 . المائدة:93.
2 . مجمع البيان:3/484.
3 . الإتقان في علوم القرآن: 1 / 93 .

صفحه 135
الحكم الشرعي من آية واحدة، مع غض النظر عن سائر الآيات، اجتهاد خاطئ يُعدّ من عمل أنصاف المتعلّمين، إذ كيف تكون الخمر مباحة مع أنّه سبحانه يعدّها من عمل الشيطان ويصفها بأنّها رجس ويأمر بالاجتناب عنها ويقول: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(1)
ونظير هذا الاجتهاد ما روي عن بعضهم من حصر المحرّمات فيما جاء في هذه الآية: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .(2)
وكأنّه لأجل هذا الحصر حكي عنه بأنّه أحلّ لحم الكلب لعدم ذكره في الآية، ولكن الاجتهاد في غير محلّه، نابع عن الغفلة في سياق الآية، وما جاء في سورة أُخرى، وذلك لأن العرب قبل البعثة حرّموا كثيراً من الأنعام واللحوم كما يدلّ عليه قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).(3)
وفي نفس السورة الّتي فيها آيتنا هذه ورد قوله سبحانه: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا

1 . المائدة: 90 .
2 . الأنعام: 145.
3 . المائدة: 103 .

صفحه 136
وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)(1). ثم إنّه سبحانه يردّ عليهم بقوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْم إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).(2)
ثم إنّ الذكر الحكيم في ردّ هذه البدع والتشكيكات الشيطانية، يقول: (مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا)أُمور أربعة:
1. الميتة. 2. الدم المسفوح. 3. لحم الخنزير. 4. ما أهل لغير الله به .
لا ما تدّعون من المحرّمات الّتي ما أنزل الله بها من سلطان، وأمّا أنّه ليس هنا محرّم آخر فالآية غير ناظرة إلى جانب النفي وإنّما تؤكّد على جانب الإثبات، يعني هذه هي المحرّمات لا ما تدّعون من السائبة والوصيلة وغيرها، وعند ذلك كيف يستدلّ بها على حصر المحرّمات في الأربعة؟

القرآن كتاب الأجيال والقرون

الإسلام دين عالمي وكتابه كتاب للعالمين عبر القرون، يقول سبحانه:

1 . الأنعام: 138 ـ 139 .
2 . الأنعام: 143 ـ 144 .

صفحه 137
(إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)(1) وقال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا).(2) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدلّ على كون الذكر الحكيم لعامّة الناس منذ نزوله إلى يوم لقاء الله تعالى، ولو أردنا أن نذكر ما يدلّ على سعة رقعة الذكر الحكيم لطال بنا الكلام، وعلى ذلك فالعبرة في الأخذ بمفاد الآية هو عموم الدليل وإطلاقه لا السبب، إذ لو كانت العبرة بالسبب لزم كون التشريع بالقرآن الكريم مختصّاً بفئة دون فئة، وأين هذا من قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)(3) وبذلك يُعلم أنّه ربّما يُعد من ثمرات أسباب النزول تخصيص الحكم بخصوص السبب، ليس بشيء ومعنى ذلك تخصيص التشريعات برجل وامرأة صارا سبباً لنزول الآية، كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أُمية، وآية حدّ القذف في مَن رمى إحدى زوجات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى غير ذلك من الآيات، وهذا النوع من التفكير غفلة عن موقف القرآن الكريم حيث حاولوا تخصيص تشريعاته بمورد خاص. وقد روي عن الإمام الباقر(عليه السلام)ما يصرّح بما ذكرنا من أن العبرة بعموم اللفظ وإطلاقه، حيث قال: لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنّه يجري فيمَن بقي كما جرى فيمَن مضى.(4)

1 . ص: 87 .
2 . يس: 69 ـ 70 .
3 . الأعراف: 158 .
4. الكافي:1/192 برقم 3.

صفحه 138

التأكّد من صحّة سبب النزول

قد تقدّم أن الرجوع إلى سبب النزول لا يخلو من فائدة وهي رفع الإبهام عن وجه الآية، غير أنّ ما روي من أسباب النزول لا يخلو من هَن وهنّ، فالسائد على الأكثر هو الإرسال فضلاً عن الوضع والدّس في قسم منها، وهذا ما يصرّح به الإمامان في علوم القرآن الكريم(الزركشي والسيوطي).
قال بدر الدين الزركشي: يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع، فإنّه كثير .
وقال الميموني: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: ثلاث ليس لها أُصول أو لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير.
قال المحقّقون من أصحابه: يعني أنّ الغالب، أنّها ليس لها أسانيد صحاح متّصلة الإسناد. وإلاّ فقد صحّ من ذلك كثير .(1)
وقال جلال الدين السيوطي: الّذي صحّ من ذلك قليل جدّاً، بل أصل المرفوع منه (أي المتّصل الإسناد) في (غاية) غالب القلّة... ثم ذكر في نهاية كتابه ما لا يبلغ على الثلاثمائة حديث مرفوع، ما بين ضعيف وسقيم، وموصل، والباقي مرسل لا حجيّة فيه أصلاً.(2)
وها نحن نذكر نماذج من الروايات الّتي ذكرت أسباب النزول والّتي

1 . البرهان في علوم القرآن: 2 / 173 .
2 . الإتقان في علوم القرآن: 4 / 181 و 214 ـ 257. وفي طبعة أُخرى: 2 / 473 .

صفحه 139
لا تصدقها الدلائل القطعية:

1. أُسطورة الغرانيق

وهي أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى)(1) ألقى الشيطان على لسانه، بِما كان يحدّث به نفسه ويتمنّى أن يأتي به قومه: «تلك الغرانيق العُلى، وإنّ شفاعتهن ترتَجى» .
وهذه الأُسطورة رواها الطبري في تفسيره وتاريخه، ويجترّها المستشرقون، وهي باطلة تماماً، وقد شرحنا حال القصة في تفسيرنا لسورة النجم .(2)

2. تأخير نزول الوحي لجرو ميّت تحت السرير

قد جمع أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري أسباب النزول في كتاب واحد رتّبها على حسب السور، فنقل عن حفص بن سعيد القرشي قال: حدّثتني أُمّي عن أُمّها خولة ـ وكانت خادمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ماحدث في بيتي؟ جبرئيل (عليه السلام)لا يأتيني، قالت خولة: لو هيّأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء ثقيل، فلم أزل حتّى أخرجته فإذا جرو ميّت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته

1 . النجم: 19 ـ 20 .
2 . لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 27 / 129 ـ 132 .

صفحه 140
الرعدة، فقال: يا خولة دثّريني، فأنزل الله تعالى: (وَالضُّحى * وَالليلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى).(1)
يلاحظ عليه:ـ مضافاً إلى غرابة المضمون جدّاً ـ أنّ السورة مكيّة وهذه الآية كذلك، وأمّا السيّدة خولة فقد كانت خادمة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة المنوّرة، فكيف الجمع بين الأمرين؟!
ثم إنّ ابن الأثير نقل الخبر بسنده عن حفص بن سعيد القرشي... إلى آخره، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) كذا قيل: والصحيح أنّ هذه السورة نزلت من أوّل ما نزل من القرآن، لمّا انقطع عنه الوحي، فقال المشركون: إنّ محمداً قد وَدَّعه ربُّه، فأنزل الله هذه السورة .(2)

3.امتناع أبي طالب عن التكلّم بالتوحيد

روى النيسابوري أيضاً بسنده عن سعيد بن المسيّبَّ عن أبيه، قال: لمّا حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية فقال: أي عمّ قل معي: (لا إله إلاّ الله) أحاجّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وابن أبي أُميّة: يا أباطالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتّى قال آخر شيء كلمهم به «على ملّة عبدالمطلب»، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأستغفرن لك ما لم أُنه عنه، فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ

1 . أسباب النزول: 256 .
2 . أُسد الغابة في معرفة الصحابة: 5 / 271 .

صفحه 141
الْجَحِيمِ)(1).(2)

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: أن أبا طالب مات في السنة العاشرة من البعثة وسورة التوبة نزلت في السنة التاسعة من الهجرة النبوية أي بعد وفاة أبي طالب باثنتي عشرة سنة، فكيف يكون امتناع أبي طالب ووعد النبي سبباً لنزول هذه الآية.
ثم إنّ السيوطي لمّا وقف على ما ذكرنا حاول حلّ المشكلة بالحمل على تعدّد النزول وتكرّره خصوصاً أنّ القصّة نقلها الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو جمع بلا دليل.
الثاني:أنّ الدلائل القاطعة التي لا يشكُّ في صحّتها مَنْ له أدنى درجة من الإنصاف، أنّ أبا طالب آمن برسول الله، منذ بعث إلى أن لبّى دعوة ربه، وتشهد على ذلك أشعاره وأقواله، وتفانيه في الدفاع عن نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحياته في شعب أبي طالب ثلاث سنين لا يجد فيها شيخ البطحاء ما يسدّ به جوعه وعطشه، ومن أراد أن يقف على آثاره الأدبية فليرجع إلى ديوان شعره، وقد فصّلنا الكلام في هذا الموضوع في محاضراتنا المطبوعة باسم «سيد المرسلين».(3)

1 . التوبة:113.
2 . أسباب النزول: 150.
3 . لاحظ: سيد المرسلين:1/524ـ533.

صفحه 142

4. صلاة رسول الله على المنافق

روى البخاري عن نافع عن ابن عمر قال: لمّا توفّي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يُصلّي عليه، فقام رسول الله ليصلّي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما خيّرني الله فقال:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)وسأزيده على السبعين. قال: إنّه منافق. قال: فصلّى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ).(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ في نفس الحديث دليلاً واضحاً على كذبه ووضعه حيث يشتمل على التناقض; وذلك لأنّ عمر بن الخطاب يقول: تصلّي عليه وقد نهاك ربك أن تصلّي عليه، مع أنّ النهي نزل بعد حواره مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث جاء في آخر الرواية: فصلى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم انصرف فلم يمكث إلاّ يسيراً حتّى نزلت الآيتان من براءة (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا).
وثانياً: أنّ كلّ عربي صميم يفهم من قوله سبحانه: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(2) يفهم من هذه الآية أنّ عدد السبعين

1 . صحيح البخاري:1153، برقم 4670، كتاب تفسير القرآن، سورة التوبة.
2 . التوبة:80.

صفحه 143
جاء للمبالغة، وأنّ الآية بصدد عدم الفائدة من الاستغفار لهم، لأنّ الاستغفار إنّما يفيد إذا كان المحل قابلاً للغفران وهؤلاء (كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) فلا يفيدهم الاستغفار أبداً.
هذا ما فهمه عمر بن الخطاب، ولا يختصّ به; بل كلّ عربي صميم يفهم هذا المعنى من الآية، ولكن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فهم منه التخيير، ولذا قال: «إنّما خيّرني الله... وسأزيد على السبعين».
ومعنى ذلك أنّ عمر أفهم بمفاد الوحي ممّن نزل عليه الوحي!! مع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المعلم دون غيره، كما قال سبحانه:(وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين)(1).
ثمّ إنّ شرّاح الصحيحين وعلى رأسهم ابن حجر في فتح الباري مالوا يميناً ويساراً ليجعلوا للقصّة معنى صحيحاً.(2) مع أنّه كلّما حاولوا الإصلاح لم يأتوا بشيء يسكن إليه القلب، وإلى الله المشتكى.

5. تصميم النبي على التمثيل بسبعين من المشركين

روى الواحدي بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم قتل حمزة ومُثِّل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلنّ بسبعين رجلاً منهم، فأنزل الله عزّ وجلّ:(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ

1 . الجمعة:2.
2 . لاحظ: فتح الباري:8/252ـ253.

صفحه 144
لِلصَّابِرِينَ)(1) فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): بل نصبر يا ربّ.(2)
يلاحظ عليه: أنّ سورة النحل مكّية، كما تشهد على ذلك مضامين آياتها، فكيف تكون الآية نازلة بعد استشهاد حمزة في غزوة أُحد؟! مع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المنادي بالعدالة، فكيف يقول: لأُمثلنّ بسبعين رجلاً منهم، في مقابل رجل واحد؟! فنزل جبرئيل بهذه الآيات.
ولو قيل بإمكان تعدّد النزول فلابد أن يكون منزّهاً عمّا نسب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من التجاوز عن العدل. والصحيح ما رواه العيّاشي عن الحسن بن حمزة قال:سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«لمّا رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما صُنع بحمزة بن عبد المطلب قال: اللّهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى، ثم قال: لئن ظفرت لأُمثلنّ ولأُمثلنّ، قال: فأنزل الله:(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أصبر أصبر».(3)

1 . النحل:126.
2 . أسباب النزول للواقدي:163.
3 . الميزان في تفسير القرآن:17/377، عن تفسير العيّاشي2/274 برقم 85.

صفحه 145

المبحث الثاني والعشرون

القصص القرآنية

القصص القرآنية أحد المواضيع التي اهتم بها الذكر الحكيم وربّما تُعدّ أحد ثلاثة محاور رئيسية تدور عليها آياته، وهذه المحاور هي:
أ. العقائد والمعارف والقيم الإيمانية.
ب. القوانين والأحكام.
ج. قصص الأنبياء وحواراتهم.
إنّ القرآن الكريم لم يذكر إلاّ القليل من الأنبياء، إذ بلغ عدد من تعرّض لذكر حياتهم ودورهم في أُممهم التي بعثوا لهدايتها نحو (25)نبيّاً، وإلى هذه الحقيقة أشار سبحانه بقوله:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)(1)، ومع ذلك فإنّ فيما ورد في قصصهم غنى وكفاية لما فيها من عبر وعظات ودروس تُستجلى من مواقفهم، وأهمّ محطات حياتهم، ومآل أقوامهم وما أصابها من بأساء

1 . غافر:78.

صفحه 146
وضراء، جزاءً لما اقترفوا من أعمال.
أمّا الأنبياء الذين ذُكرت قصصهم فهم:
1. آدم أبو البشر.      2، النبي إدريس معلّم الخط.      3. نوح شيخ الأنبياء.      4. هود المبعوث إلى قوم عاد.      5. النبي صالح المبعوث إلى قوم ثمود.      6. إبراهيم بطل التوحيد.   7. إسماعيل الذبيح.   8. إسحاق بن إبراهيم.      9. النبي لوط في أرض المؤتفكات.      10. النبي شعيب في مدين    11. يعقوب بن إسحاق.   12. يوسف بن يعقوب.      13. النبي أيوب الصابر.   14. موسى كليم الله.      15.هارون أخو موسى   16.النبي داود.      17. سليمان بن داود.      18. النبي إلياس.      19. النبي ذو الكفل.   20.النبي اليسع.      21. يونس بن متى.      22. النبي زكريا.       23. النبي يحيى بن زكريا.   24. النبي عيسى بن مريم.   25. محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين.
هذا كلّه في قصص الأنبياء.

القصص القرآنية في غير الأنبياء

ذكر سبحانه من قصص هؤلاء أربع عشرة قصّة تتعلّق بما يلي:
1. أصحاب الأخدود.   2. أصحاب الأيكة.      3. أصحاب الجنة. 4. أصحاب الرسّ.   5. أصحاب السبت.      6. أصحاب الفيل. 7. أصحاب القرية.      8. أصحاب الكهف.      9. الخارجون من ديارهم حذر الموت.      10. ذو القرنين.      11. القرية الخاوية على

صفحه 147
عروشها.   12. لقمان الحكيم.   13. المنسلخ من آيات الله.      14. هاروت و ماروت.
***
إنّ التحدّث عن هؤلاء الأنبياء والعظام من غير الأنبياء وتلكم الأقوام من دون أن يكون بيد المحدّث مصدر يستند إليه، أقوى دليل على أنّ الجميع وحي من الله سبحانه.
حيث إنّ المحدّث رجل أُمّي عاش بين أُمّة أُمّية جاهلة، ومع ذلك يقصّ تاريخ حياة هؤلاء بوجه دقيق، وكأنّه عاش معهم وفي زمانهم.
إنّ القصص القرآنية دائرة معارف تحتاج إلى تفسير وتفصيل لما جاء في ثنايا الآيات من عظات وحكم، والغرض إيقاف الإنسان على حياة الأُمم السابقة وعلائم عزّها ومنعتها، أو هبوطها وسقوطها، وبالتالي الوقوف على سنن الله سبحانه في تاريخ الأُمم. إنّما المهمّ الوقوف على خصائص هذه القصص، ويمكن الإشارة إلى ميزاتها على نحو الإجمال:

أ. الموضوعية والواقعية

تمتاز القصص القرآنية بالموضوعية والواقعية، خلافاً لأكثر ما يكتب باسم القصّة، فإنّها وليدة خيال الكاتب الذي يُحلِّق في سماء الوهم فيأتي بحوادث يصوّرها من عنده بما ينسجم والجو الذي يريد أن يدخله في قصّته.
وعندما يحسّ القارئ أن لا واقعية للقصّة يقلُّ تأثّره بها في مجال

صفحه 148
العبرة والاتّعاظ، وهذا بخلاف ما لو كانت القصّة حاكية لظاهرة واقعية برزت على سطح الحياة وظهرت آثارها الإيجابية والسلبية، فعندئذ يتّخذ القارئ منها دروساً وعظات وافرة ويتأثّر بمعطياتها.
إنّ الذكر الحكيم يشير إلى هذه الميزة في غير واحدة من آياته ويقول:(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)(1).
فهذه الآية ـ كما نرى ـ تشير إلى أنّ ما في هذه القصص، هو أُمور واقعية وليست خيالية.

ب. تصحيح التحريف

ما يقصّه القرآن الكريم من أنباء الرسل والأنبياء مع أُممهم، ممّا لم ينفرد بذكره القرآن الكريم، بل سجّلته أيضاً الكتب السماوية السالفة، ولكن المائز بينهما أنّ القرآن الكريم حينما يذكر هذه القصص يسردها على ما هي عليه منزهةً عن الترّهات والأباطيل والخرافات، في حين نرى الكتب السماوية الأُخرى المتداولة مشحونة بها.
ومن هنا أصبح القرآن الكريم مهيمناً على الكتب السماوية، أي ميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل الوارد في الكتب المعروفة بالسماوية. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)(2).
فالكتاب العزيز بما أنّه مصدّق لما ورد فيما سبقه من الكتب ومسيطر

1 . آل عمران:62.
2 . المائدة:48.

صفحه 149
عليها، فهو يقصّ ما ورد فيها على نهج صحيح، ويبيّن ما هو الحقّ من القصّة مجرّداً عمّا ألصق بها من زيادات أو وقع فيها من تحريف.
فلو رغب كتابيٌّ في الوقوف على التوراة أو الإنجيل الصحيحين فعليه أن يرجع إلى القرآن الكريم وبخاصّة في المواضع المشتركة، فإنّه سوف يجد الحقّ الّذي لا مرية فيه.

ج. الإيجاز في سرد القصّة

يهتمّ أغلب القصّاص في كتاباتهم وكلماتهم بالتسلية والفكاهة والإثارة وإبراز قدراتهم في الوصف والبيان، وهذا ما يدعوهم إلى الإطناب، والإشارة إلى كلّ جوانب القصّة سواء أكان مهمّاً أم لا، مؤثّراً كان أم غير مؤثّر، لأنّ الهدف عنده هو التفكّه والإلهاء، والإثارة، ولكن القرآن الكريم لا يستهدف سوى الإشارة إلى الآثار الإيجابية في قصصه، ولذا يوردُ شيئاً ويُعرض عن شيء، وما هذا إلاّ لأنّه يذكر المؤثّر في كلامه وبيت القصيد في بيانه.
وقلّما يتّفق أن يذكر القصّة من أوّلها إلى آخرها وفي عامّة خصوصياتها، إلاّ في مورد واحد وهي قصّة يوسف، لأنّ الإيفاء بالغرض فيها رهن ذكرها جميعاً في موضع واحد، بخلاف سائر القصص فربّما يذكر شيئاً ويترك الباقي.
ولهذا نجد أنّ قصة أبينا آدم وغيره قد توزّعت على أكثر من سورة واحدة، لأنّ الغرض الّذي يرمي إليه القرآن، هو تجلية الأبعاد التربوية

صفحه 150
والخلقية من القصة، وإبراز مواضع العبرة منها، فيذكر منها ما يكون مؤثّراً في الغاية الّتي سبق لأجلها الكلام.

د. المحافظة على كرامة الأنبياء

يمتاز القرآن الكريم في قصصه بالحفاظ على كرامة الأنبياء، بينما نرى أنّ التوراة تحطّ من كرامتهم. فلم يأت ذكر نبيّ من الأنبياء في القرآن إلاّ وقد أحاطت به هالة من التقديس والتبجيل والتكريم، كما ونزّههم عن الأدناس على وجه الإطلاق. وإليك نماذج من هذا التكريم:
1. بعد ما يذكر قصّة نوح يقول:(سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)(1).
2. ويصف إبراهيم بقوله:(سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)(2).
3. ويذكر موسى وهارون ويصفهما بقوله: (سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)(3).
4. ويذكر النبي الياسين ويصفه بقوله:( سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)(4) .

1 . الصافات:79ـ81.
2 . الصافات:109ـ111.
3 . الصافات:120ـ 122.
4 . الصافات:130ـ 132.

صفحه 151
5. ويذكر النبي يحيى ويصفه بقوله: (أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَة مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)(1).
6. ويذكر يوسف(عليه السلام) ويقول:(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)(2).
إلى غير ذلك من كلمات كريمة جُلّل بها الأنبياء الكرام، وتجعلهم مجاري للمُثل العُليا، هذا إذا نظرنا إلى مواصفاتهم، وأمّا لو درسنا قصصهم نرى فيها أنّ القصّة جاءت على كمال الاتزان موافقة لمقتضى العقل الحصيف، بعيدة عن الغلو والخرافة وعمّا لا يليق بأوسط الناس فضلاً عن الأنبياء العظام، وإن كنت في شكّ فقارن بين قصّة نوح في الذكر الحكيم مع ما ورد عنه في التوراة.
وقارن ـ أيضاً ـ قصّة آدم وإبراهيم ولوط في الكتاب الكريم مع ما ورد عنهم في التوراة... إلى غير ذلك من المواضع التي يختلف فيها القرآن الكريم عمّا جاء في التوراة، ولذلك فالقرآن الكريم جاء (مُهَيْمِناً)على عامّة الكتب السماوية، قال سبحانه:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)(3).
ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذا النوع من الاختلاف، نأتي بموجز القول من كلا الكتابين في مورد هؤلاء الأنبياء العظام.

1 . آل عمران:39.
2 . يوسف:24.
3 . المائدة:48.

صفحه 152

1. قصّة آدم في التوراة والذكر الحكيم

القرآن الكريم يذكر إغراء الشيطان لآدم بعيداً عن كلّ اسطورة، ويقول: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لاَ يَبْلَى)(1)، فصار هذا سبباً لإصغاء آدم لكلام الشيطان والذي لم يكتف بذلك; بل عزّز ذلك بكلام آخر: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)(2).
وإليك ما ورد في التوراة: وكانت الحيّة أحيل جميع حيوانات الحقول الّتي صنعها الربّ الإله. فقالت للمرأة: أيقيناً قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنة؟ فقالت: المرأة للحيّة: من ثمر أشجار الجنة نأكل، وأمّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منها ولا تمسّاها كي لا تموتا». فقالت الحيّة للمرأة: موتاً لا تموتان، فالله عالم أنّكما في يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر.(3) أين هذا من ذاك؟!

2. قصّة نوح(عليه السلام) في التوراة والقرآن الكريم

إنّ القرآن الكريم قد عرض في قصّة نوح (كما هو الشأن في سائر القصص) ما هو موضع العبرة والعظة والفائدة مع مراعاة مقام النبي وسمّوه

1 . طه:120.
2 . الأعراف:20.
3 . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح3، الفقرات:1ـ 16.

صفحه 153
وعظمته انسجاماً مع دعوة القرآن إلى إعلاء شأن القيم والفضائل وأصحابها، على خلاف التوراة المتداولة التي أساءت لساحته المقدّسة، استجابة لنزعة الحقد لدى اليهود وسعيهم إلى تحقير الإنسان وإهدار كرامته ونشر الفساد في الأرض.
وممّا جاء في التوراة على سبيل المثال: وابتدأ نوح فلاحاً وغرس كرماً، وشرب من الخمر فسكر، وتعرّى في خبائه، فأبصر حام...».(1)

3. قصة لوط(عليه السلام) في التوراة والقرآن الكريم

الغريزة الجنسية نعمة من الله سبحانه لكلّ إنسان ليصون بها نسله، لكن إعمالها في الجنس الموافق انحراف عن الفطرة وصرف للنعمة في غير محلّها.
غير أنّ قوم لوط كانوا متوغّلين في إطفاء الغريزة الجنسية عن طريق الجنس الموافق، وقد عارضهم النبي لوط إلى حدّ قالوا ـ مهدّدين له ولمن آمنوا معه ـ: (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)(2)، وفي آية أُخرى: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)(3)، فالله سبحانه نجّاه ومن آمن معه.
ما تقدّم هو وصف القرآن الكريم لنبي الله لوط(عليه السلام). وأمّا التوراة

1 . التوراة: سفر التكوين، الإصحاح التاسع.
2 . الأعراف:82.
3 . الشعراء:167.

صفحه 154
(المحرّفة) فهي تصف هذا الرجل المثالي بالنحو التالي: وصعد لوط من صُوغَر وسكن في الجبل وابنتاه معه، لأنّه خاف أن يسكن صُوغَر، فسكن في المغارة هو وابنتاه.
وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كلّ الأرض.
هلمّ نسقي أبانا خمراً ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها... إلى آخر ما جاء في القصّة(1)، مع شديد الاعتذار لمقام هذا النبي الجليل.

4. قصّة يعقوب(عليه السلام) في التوراة والقرآن الكريم

يصف الذكر الحكيم النبي يعقوب(عليه السلام) بقوله: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْم لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(2)، وفي آية أُخرى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(3).
وأمّا التوراة، فتصفه بالإنسان الماكر الذي انتهب النبوّة من أخيه «عيسو»، وإن كنت في شكّ من ذلك فاقرأ النص التالي:أنّ «إسحق» أراد أن

1 . التوراة: سفر التكوين: الإصحاح التاسع عشر.
2 . يوسف:68.
3 . البقرة:133.

صفحه 155
يعطي ابنه «عيسو» بركة النبوّة فخادعه «يعقوب» وأوهمه أنّه «عيسو»، وقدّم له طعاماً وخمراً فأكل وشرب، وبهذه الحيلة والكذب المتكرّر توسّل إلى أن باركه الله... ولمّا جاء عيسو علم أنّ أخاه يعقوب قد انتهب بركة النبوة فقال لأبيه: باركني أنا أيضاً يا أبي. فقال: جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. ثم قال عيسو: أما أبقيت لي بركة؟ فقال إسحق: إنّي قد جعلته سيداً لك، ودفعت إليه جميع إخوته عبيداً، وعضدته بحنطة وخمر فما أصنع إليك يا ابني؟ ورفع عيسو صوته وبكى».(1)
وكأنّ اليهود لم يتوانوا في الحطّ من كرامة الأنبياء حتى لقد مدّوا يد التلبيس إلى حياة أبيهم يعقوب، وجعلوه مزوراً لبّس الأمر على أبيه إسحاق لينتهب النبوّة من عيسو حيث كان مرشحاً لها من قبل أبيه، على ما عرفت.(2)
يقول السيد الخوئي(قدس سره): أفهل يعقل انتهاب النبوّة؟ وهل يعطي الله نبوته لمخادع كاذب، ويحرم منها أهلها؟ وهل أنّ يعقوب بعمله هذا خادع الله أيضاً كما خادع إسحاق، ولم يقدر الله بعد ذلك على إرجاعها إلى أهلها؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.(3)

1 . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح السابع والعشرون.
2 . التمهيد في علوم القرآن:7/75.
3 . البيان في تفسير القرآن:52.

صفحه 156

النبي يعقوب يصارع الرب!!

ظهر يعقوب في القصة السابقة بأنّه بطل التدليس، وأمّا في هذه القصة فسيظهر بأنّه بطل المصارعة، حتى أنّه كان يصارع الرب، وإن كنت في شكّ فاقرأ الإصحاح الثاني والعشرين، الفقرات 22ـ 29: ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوق. أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقي يعقوب وحده. وصارعه إنسان حتّى طلوع الفجر. ولمّا رأى أنّه لا يقدر عليه ضرب حُقّ فخذه. فانخلع حُق فخذ يعقوب في مصارعته عنه معه، وقال: أطلقني لأنّه قد طلع الفجر. فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. فقال: لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل. لأنّك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك؟ فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك.(1)
قد اشتهر أنّ التجسيم والتشبيه، ظهر في الديانة اليهودية وهذا ليس بأمر بعيد، ومن صوّر ربّه نازلاً من عرشه، مصارعاً مع عبده، إلى حدٍّ لم يقتدر على غلبته حتى ضرب حُقّ فخذه، فانخلع حقّ فخذ يعقوب، في مصارعته معه.
أين هذا الكتاب المحرّف الذي يُعرّف أفضل الخلائق بأسوأ الأوصاف، من الكتاب العزيز الذي يعدّهم من المخلصين الذين أخلصوا أنفسهم ودينهم لله تبارك وتعالى.

1 . التوراة (العهد القديم): 54، سفر التكوين، الإصحاح22.

صفحه 157

5. هارون في التوراة والقرآن الكريم

إنّ الذكر الحكيم يعدّ (هارون) في عداد الأنبياء العظام، قال تعالى:(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) يعني إبراهيم(عليه السلام)(دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ)(1)، كما يصفه بأنّه كان خليفة موسى(عليه السلام) عند ذهابه إلى الميقات كما يقول: (وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(2).
ويظهر من القرآن المجيد أنّ الاخوين كانا كالفرقدين في كثير من الصفات لا يفترقان، قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ)(3)، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدلّ على أنّه من الأنبياء العظام لم يفترق عن سبيل أخيه قيد شعرة.
غير أنّ الظاهر من التوراة أنّه أيضاً عبد العجل كسائر بني إسرائيل، وإن كنت في شك فاقرأ سفر الخروج الإصحاح 22، فقد جاء فيه: ولمّا رأى الشعب أنّ موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. لأنّ هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم فأتوني بها، فنزع كلّ الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره

1 . الأنعام:84.
2 . الأعراف:142.
3 . الأنبياء:48.

صفحه 158
بالأزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً. فقالوا: هذه إلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر.(1)

1 . التوراة، سفر الخروج، الإصحاح22، الفقرات 1ـ6.

صفحه 159

المبحث الثالث والعشرون

التفسير و حاجة القرآن إليه

التفسير مأخوذ من «فسَّر» بمعنى: أبان و كشف.
قال الراغب: الفَسْر، والسَفْر متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما، والفرق بينهما أنّ الأوّل يستعمل في إظهار المعنى المعقول، كقوله سبحانه: (وَلا يَأتُونَكَ بِمَثَل إلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا)(1) أي أحسن تبييناً.
والثاني يُستعمل في إبراز الأعيان للأبصار، يقال: أسفر الصبحُ، أو سفرتْ المرأة عن وجهها.(2)
وأمّا في الاصطلاح فبما أنّ التفسير علم كسائر العلوم فلا محيص من تعريفه وبيان موضوعه ومسائله وغايته.
أمّا التعريف فقد عرّف بوجوه، منها:
1. هو العلم الباحث عن تبيين دلالات الآيات القرآنية على مراد اللّه

1 . الفرقان: 33.
2 . مقدّمة جامع التفاسير للراغب:33.

صفحه 160
سبحانه.
وبعبارة أُخرى: إزالة الخفاء عن دلالة الآية على المعنى المقصود.
وعرّفه الزركشي بقوله: علم يعرف به فهم كتاب اللّه تعالى المنزل على نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.(1)
وأمّا موضوعه فهو كلام اللّه سبحانه المُسمّى بالقرآن الكريم.
وأمّا مسائله فهي ما يستظهر من الآيات بما أنّه مراده سبحانه.
وأمّا الغرض منه فهو الوقوف على مراده سبحانه في مجالي المعارف والمغازي والقصص واستنباط الأحكام الشرعية منه.
ثمّ إنّ الرأي السائد بين المسلمين أنّ القرآن غير غني عن التفسير، إمّا من جانب نفسه كتبيين معنى آية بأُختها، أو تبيينه بكلام مَن نزل على قلبه.
يقول سبحانه:(وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون)(2) ولم يقل«لتقرأ» بل قال: (لتُبيّن)إشارة إلى أنّ القرآن يحتاج وراء قراءة النبي، إلى تبيين، فلو لم نقل أنّ جميع الآيات بحاجة إليه، فلا أقل أنّ هناك قسماً منها يحتاج إليه بأحد الطريقين: تفسير الآية بالآية، أو تفسيرها بكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
والذي يكشف عن حاجة القرآن إلى التبيين أُمور، نذكر منها ما يلي:
1 . أنّ أسباب النزول، للآيات القرآنية، كقرائن حالية اعتمد المتكلّم

1 . البرهان في علوم القرآن:1/33.
2 . النحل: 44.

صفحه 161
عليها في إلقاء كلامه بحيث لو قُطع النظر عنها، وقُصَر إلى نفس الآية، لصارت الآية مجملة غير مفهومة، ولو ضمّت إليها تكون واضحة شأن كلّ قرينة منفصلة عن الكلام، وإن شئت لاحظ قوله سبحانه: (وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أنْ لا مَلجَأَ مِنَ اللّهِ إلاّ إليهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لَيَتُوبوا إنّ اللّهَ هُوَ التَّوابُ الرَّحيم)(1).
ترى أنّ الآية تحكي عن أشخاص ثلاثة تخلّفوا عن الجهاد حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعند ذلك يسأل الإنسان نفسه، مَن هم هؤلاء الثلاثة؟ ولماذا تخلّفوا؟ ولأيّ سبب ضاقت الأرض والأنفس عليهم؟ وما هو المراد من هذا الضيق؟ ثم ماذا حدث حتى انقلبوا وظنّوا أنّه لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المتراكمة حول الآية، لكن بالرجوع إلى أسباب النزول تتّخذ الآية لنفسها معنى واضحاً لا إبهام فيه.(2)
وهذا هو دور أسباب النزول في جميع الآيات، فإنّه يُلقي ضوءاً على الآية ويوضح إبهامها، فلا غنىً للمفسّر من الرجوع إلى أسباب النزول قبل تفسير الآية، وقد مرّ الكلام فيه في مبحث أسباب النزول، المتقدّم.
2 . أنّ القرآن مشتمل على مجملات كالصلاة والصوم والحجّ لايفهم منها إلاّ معاني مجملة، غير أنّ السنّة كافلة لشرحها، فلاغنىً للمفسّر عن الرجوع إليها في تفسير المجملات.

1 . التوبة: 118.
2 . سيوافيك الكلام في الآية أيضاً عند البحث عن مؤهّلات المفسّر.

صفحه 162
3 . أنّ القرآن يشتمل على آيات متشابهة غير واضحة المراد في بدء النظر، وربّما يكون المتبادر منها في بدء الأمر، غير ما أراد اللّه سبحانه، وإنّما يعلم المراد بإرجاعها إلى المحكمات حتى تفسّر بها، غير أنّ الذين في قلوبهم زيغ، يتبعون ما يتبادر إلى الذهن من الظهور البدائي للآية ويجعلونه تأويل الآية، وأمّا الراسخون في العلم فيتّبعون مراده سبحانه بعدما يظهر من سائر الآيات التي هي أُم الكتاب.
قال سبحانه: (مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمّا الّذِينَ في قُلوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وابتغاءَ تأويلِه)(1).
وعلى هذا لا غنى من تفسير المتشابهات بفضل المحكمات، وهذا يرجع إلى تفسير القرآن نفسه بنفسه، والآية بأُختها.
4 . أنّ القرآن المجيد نزل نجوماً، لغاية تثبيت قلب النبي طيلة عهد الرسالة.
قال سبحانه: (وقالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلا)(2)، فمقتضى النزول التدريجي تفرّق الآيات الباحثة عن موضوع واحد في سور مختلفة، ومن المعلوم أنّ القضاء في موضوع واحد يتوقّف على جمع الآيات المربوطة به في مكان واحد حتى يستنطق بعضها ببعض، ويستوضح بعضها ببعض آخر، وهذا ما يشير

1 . آل عمران: 7.
2 . الفرقان: 32.

صفحه 163
إليه الحديث النبوي المعروف: «القرآن يفسّر بعضه بعضاً»(1).
وقال الإمام علي (عليه السلام): «كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْض، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْض، وَلاَ يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، وَلاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ»(2).
وفي كلامه(عليه السلام)ما يعرب عن كون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هو المفسّر الأوّل للقرآن الكريم يقول:«وَخَلَّفَ فِيكُمْ(أي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)) مَا خَلَّفَتِ الاَْنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا، إذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلا، بِغَيْر طَرِيق وَاضِح، وَلاَ عَلَم قَائِم. كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ: مُبَيِّناً حَلاَلَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ (متسابقة)، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ (جمله)، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ» (3).
وهذه الوجوه ونظائرها تثبت أنّ القرآن لايستغني عن التفسير.

سؤال وإجابة

أمّا السؤال: فربّما يتصوّر أنّ حاجة القرآن إلى التفسير ينافي قوله سبحانه: (وَلَقَد يَسَّرنا القرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِر)(4) .

1 . حديث معروف مذكور في التفاسير ولم نقف على مصدره.و لكن يوجد مضمونه في كلام الإمام علي
(عليه السلام) التالي.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 133.
3 . نهج البلاغة: الخطبة1. والظاهر أنّ قوله: مبيِّناً، بيان لوصف النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والضمائر ترجع إلى القرآن الكريم لا إلى اللّه سبحانه.
4 . القمر: 17.

صفحه 164
ونظيره قوله سبحانه في موارد مختلفة: (بِلسان عَربيّ مُبين)(1)، فإنَّ تَوصيف القرآن باليسر وَكَونِه بِلسان عَرَبي مُبين، يهدفان إلى غناه عن أيّ إيضاح وتبيين؟
وأمّا الإجابة: فإنّ وصفه باليسر، أو بأنّه نزل بلغة عربية واضحة يهدفان إلى أمر آخر، وهو أنّ القرآن ليس ككلمات الكهنة المركّبة من الأسجاع والكلمات الغريبة، ولامن قبيل الأحاجي والألغاز، وإنّما هو كتاب سهل واضح، من أراد فهمه، فالطريق مفتوح أمامه; وهذا نظير ما إذا أراد رجل وصف كتاب أُلّف في علم الرياضيات أو في الفيزياء أو الكيمياء فيقول: أُلّف الكتاب بلغة واضحة وتعابير سهلة، فلا يهدف قوله هذا إلى استغناء الطالب عن المعلِّم ليوضح له المطالب ويفسر له القواعد.
ولأجل ذلك قام المسلمون بعد عهد الرسالة بتدوين ما أُثر عن النبي أو الصحابة والتابعين أو أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في مجال كشف المراد وتبيين الآيات، ولم تكن الآيات المتقدّمة رادعة لهم عن القيام بهذا الجهد الكبير.
نعم إنّ المفسّرين في الأجيال المتلاحقة ارتووا من ذلك المنهل العذب (القرآن) ولكلِّ طائفة منهم منهاج في الاستفادة من القرآن والاستضاءة بأنواره، فالمنهل واحد والمنهاج مختلف: (لِكُلّ جَعَلنا مِنُكم شِرعةً وَمِنهاجاً)(2).

1 . الشعراء: 195. وفي سورة النحل: 103:
(وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبي مُبِينٌ) .
2 . المائدة: 48.

صفحه 165

القرآن وآفاقه اللامتناهية

يتميّز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية بآفاقه اللامتناهية كما عبّر عن ذلك خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال:
«ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لاتحصى عجائبه، ولاتبلى غرائبه»(1).
وقد عبّر عنه سيد الأُوصياء(عليه السلام)، بقوله:
«وَسِرَاجاً لاَ يَخْبُو تَوَقُّدُهُ، وَبَحْراً لاَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وَمِنْهَاجاً لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعَاعاً لاَ يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ، وَفُرْقَاناً لاَ يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ، وَتِبْيَاناً لاَ تُهْدَمُ (تنهدم)أَرْكَانُهُ، وَشِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ، وَعِزّاً لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، وَحَقّاً لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ. فَهُوَ مَعْدِنُ الاِْيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ، وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ، وَأثَافِيُّ الاِْسْلاَمِ وَبُنْيَانُهُ، وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ. وَبَحْرٌ لاَ يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ، وَعُيُونٌ لاَ يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ(2)، وَ مَنَاهِلُ لاَ يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ»(3).
ولأجل ذلك صار القرآن الكريم، النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لايزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه إلاّ معرفة أنّ الإنسان لايزال في الخطوات الأُولى من التوصّل إلى مكامنه الخفية وأغواره البعيدة.

1 . الكافي: 2/238.وفي بعض النسخ: له نجوم، وعلى نجومه نجوم.
2 . الماتح: المستقي، وكذلك المتوح. تقول: متح الماء يمتحه متحاً إذا نزعه. صحاح الجوهري: 1 / 403، مادة «متح».
3 . نهج البلاغة: الخطبة 198.

صفحه 166
والمترقّب من الكتاب العزيز النازل من عند اللّه الجليل، هو ذاك وهو كلام من لاتتصوّر لوجوده وصفاته نهاية، فيناسب أن يكون فعله مشابهاً لوصفه، ووصفه حاكياً عن ذاته، وبالتالي يكون القرآن مرجع الأجيال وملجأ البشرية في جميع العصور.
ولمّا ارتحل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتحق بالرفيق الأعلى، وقف المسلمون على أنّ فهم القرآن وإفهامه يتوقّف على تدوين علوم تسهّل التعرّف على القرآن الكريم، ولأجل ذلك قاموا بعملين ضخمين في مجال القرآن:
الأوّل: تأسيس علوم الصرف والنحو واللغة والاشتقاق وما شابهها، لتسهيل التعرّف على مفاهيم ومعاني القرآن الكريم أوّلاً، والسنّة النبوية ثانياً، وإن كانت تقع في طريق أهداف أُخرى أيضاً لكن الغاية القصوى من القيام بتأسيسها وتدوينها، هو فهم القرآن وإفهامه.
الثاني: وضع تفاسير لمختلف الأجيال حسب الأذواق المختلفة لاستجلاء مداليله، ومن هنا لانجد في التاريخ مثيلاً للقرآن الكريم من حيث شدّة اهتمام أتباعه به، وحرصهم على ضبطه، وقراءته، وتجويده، وتفسيره، وتبيينه.
وقد ضبط تاريخ التفسير أسماء ماينوف على ألفين ومائتي تفسير، وعند المقايسة يختصّ ربع هذا العدد بالشيعة الإمامية(1).

1 . لاحظ معجم المفسّرين لـ «عادل نويهض» وطبقات المفسّرين لـ «الحافظ شمس الدين الداودي» المتوفّى عام 945 هـ ، وما ذكرنا من الإحصاء مأخوذ من« معجم المفسّرين»، كما أنّ ما ذكرنا من أنّ ربع هذا العدد يختصّ بالشيعة مأخوذمن ملاحظة ما جاء في كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» من ذكر 450 تفسيراً للشيعة.
ولكن الحقيقة فوق ذلك، فإنّ كلّ ما قام به علماء الشيعة في مجال التفسير باللغات المختلفة في العصر الحاضر لم يذكر في الذريعة، ولأجل ذلك يصحّ أن يقال: إنّ ثلث هذا العدد يختصّ بالشيعة، كما أنّه فات صاحب «معجم المفسّرين» ذكر عدّة من كتب التفسير للشيعة الإمامية وإن كان تتّبعه جديراً بالتقدير. ولقد أتينا بذكر أُمّة كبيرة من المفسّرين الشيعة من عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، من الذين قاموا بتفسير القرآن بألوان مختلفة، في تقديمنا لكتاب «التبيان» لشيخ الطائفة الطوسي
(قدس سره) وقد طبع مع الجزء الأوّل. كما طُبع أيضاً في نهاية الجزء العاشر من موسوعاتنا التفسيرية«مفاهيم القرآن».

صفحه 167
هذا ماتوصّل إلى إحصائه المحقّقون من طريق الفهارس ومراجعة المكتبات عدا ما فاتهم ذكره ممّا ضاع في الحوادث المؤسفة كالحرق والغرق والغارة.
وعلى ضوء هذا تصعب جدّاً الإحاطة بعدد التفاسير وأسمائها وخصوصياتها طيلة أربعة عشر قرناً حسب اختلاف بيئاتهم وقابلياتهم وأذواقهم.

صفحه 168
مؤهلات المفسِّر أو شروط المفسِّر وآدابه   

المبحث الرابع والعشرون

مؤهلات المفسِّر
أو
شروط المفسِّر وآدابه
فتح المفسّرون باباً باسم «معرفة شروط المفسِّر وآدابه» وذكروا كلّ ما يحتاج إليه المفسّر في تفسير كلام اللّه العزيز، فمنهم من اختصر كالراغب الإصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير»، ومنهم من أسهب كالزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن » و السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن»، ونحن نسلك طريقاً وسطاً في هذا المضمار. وبما أنّ ما ذكره الراغب صار أساساً لكلّ من جاء بعده، نأتي هنا بملخّص ما ذكره، ثمّ ندخل في صلب الموضوع ، فنقول:
ذكر الراغب الإصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير» الشروط التالية:
الأوّل: معرفة الألفاظ، وهو علم اللغة.
الثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض، وهو علم الاشتقاق.
الثالث: معرفة أحكام ما يعرض الألفاظ من الأبنية والتعاريف

صفحه 169
والإعراب، وهو الصرف والنحو.
الرابع: ما يتعلّق بذات التنزيل، وهو معرفة القراءات.
الخامس: ما يتعلّق بالأسباب التي نزلت عندها الآيات، وشرح الأقاصيص التي تنطوي عليها السور من ذكر الأنبياء (عليهم السلام)والقرون الماضية، وهو علم الآثار والأخبار.
السادس: ذكر السنن المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمّن شهد الوحي ممّن اتّفقوا عليه وما اختلفوا فيه ممّا هو بيان لمجمل أو تفسير لمبهم، المنبأ عنه بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكر لِتُبَيِّنَ لِلنّاس ما نزل إِليهم)(1)، وبقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه)(2)، وذلك علم السنن.
السابع: معرفة الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والإجماع والاختلاف، والمجمل والمفصّل، والقياسات الشرعية، والمواضع التي يصحّ فيها القياس والتي لا يصحّ، وهو علم أُصول الفقه.
الثامن: أحكام الدين وآدابه، وآداب السياسات الثلاث الّتي هي سياسة النفس والأقارب والرعية مع التمسّك بالعدالة فيها، وهو علم الفقه والزهد.
التاسع: معرفة الأدلّة العقلية والبراهين الحقيقية والتقسيم والتحديد، والفرق بين المعقولات والمظنونات، وغير ذلك، وهو علم الكلام.

1 . النحل:44.
2 . الأنعام:90.

صفحه 170
العاشر: علم الموهبة، وذلك علم يورثه اللّه مَنْ عَمِلَ بما علم، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قالت الحكمة: مَن أرادني فليعمل بأحسن ما علم» ثمّ تلا: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) (1).
وما روي عنه حين سئل: هل عندك علم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقع إلى غيرك؟ قال: لا، إلاّ كتاب اللّه و ما في صحيفتي(2)، وفهم يؤتيه اللّه مَن يشاء وهذا هو التذكّر الذي رجّانا تعالى إدراكه بفعل الصالحات، حيث قال: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذي القُربى) (3) إلى قوله: (لعلّكُمْ تَذَكَّرُون) ، وهو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: (وَالَّذينَ اهتَدَوْا زادَهُمْ هُدى)(4)، وهو الطيب من القول المذكور في قوله: (وَهُدُوا إِلى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَولِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الحَمِيد).(5)
فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسّر، ولا تتمّ صناعة إلاّ بها، هي هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو، والقراءات، والسير، والحديث، وأُصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة. فمَن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها خرج عن كونه مفسّراً للقرآن برأيه.(6)

1 . الزمر:18.
2 . الثابت عندنا غير هذا، بل الثابت كتاب علي
(عليه السلام) بإملاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المخزون عند الأئمة الطاهرين(عليهم السلام).
3 . النحل:90.
4 . محمد:17.
5 . الحج:24.
6 . مقدّمة جامع التفاسير: 94 ـ 96، نشر دار الدعوة.

صفحه 171
هذا نصّ كلام الراغب الإصفهاني، وقد ذكر أُمّهات الشرائط التي ينبغي على المفسّر التحلّي بها، وبيت القصيد في كلامه هو ما ذكره في الشرط العاشر وهو علم الموهبة.
والحقّ أنّ تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ذوق خاص على حدّ يخالط القرآن روحه وقلبه ويتجرّد في تفسيره عن كلّ نزعة وتحيّز، وهو عزيز المنال والوجود بين المفسّرين.
ولكن الذي يؤخذ على الراغب الإصفهاني هو أنّ بعض ما عدّه من شروط التفسير يعدّ من كمال علم التفسير، كالعلم بأُصول الفقه وعلم الكلام، فإنّ تفسير الكتاب العزيز لا يتوقّف على ذينك العلمين على ما فيهما من المباحث التي لاتمتُّ إلى الكتاب بصلة.نعم معرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيّد وكيفية العلاج، أو معرفة العموم والخصوص وكيفية التخصيص، والإجماع والاختلاف وأُسلوب الجمع بينهما، والمجمل والمبيّن ـ التي هي من مباحث علم الأُصول ـ ممّا يتوقّف عليه تفسير الكتاب، كما أنّ الآيات التي تتضمّن المعارف الغيبية كالاستدلال على توحيد ذاته وفعله وعبادته لا تفسّر إلاّ من خلال الوقوف على ما فيها من المباحث العقلية التي حقّقها علماء الكلام والعقائد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بالقرآن.
وما ربّما يقال من أنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين كانوا مفسّرين للقرآن على الرغم من عدم اطّلاعهم على أغلب هذه المباحث، غير تام; فإنّ المعلّم الأوّل ـ بعد النبيّ ـ للتفسير و المصدر الأوّل للعلوم

صفحه 172
الإسلامية هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد روي عنه في علم الكلام ما جعله مرجعاً في ذينك العلمين حتّى فيما يرجع إلى أُصول الفقه من معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص، قال (عليه السلام): «إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلا، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً، وَعَامّاً وَخَاصّاً، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِهاً، وَحِفْظاً وَوَهْماً. وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيباً، فَقَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
إلى أن قال بعد تقسيم الناس إلى أربعة أقسام:
«وَآخَرُ رَابِعٌ، لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللهِ، وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللهِ، وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) وَلَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهَ عَلَى مَا سَمِعَهُ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْء مَوْضِعَهُ».(1)
هذا بعض كلامه (عليه السلام)حول ما يمتّ إلى أُصول الفقه، وأمّا كلامه فيما له صلة بالعقائد والمباحث الكلامية فحدّث عنه ولا حرج، فهذه خُطَبه (عليه السلام)فيها، وقد أخذ عنه علماء الكلام ما أخذوا.(2)
وأمّا مَن لا خبرة له بهذين العلمين من الأقدمين فقد اقتصروا بالتفسير بالمأثور وتركوا البحث فيما لم يرد فيه نص، ولذا عاد تفسيرهم تفسيراً نقلياً محضاً، وسيوافيك البحث في هذا النوع من التفسير.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 210.
2 . لاحظ: بحوث في الملل والنحل:3/187ـ192.

صفحه 173
إلى هنا تمّ ما أردنا نقله من كلام الراغب،وبما أنّ لجلال الدين السيوطي كلاماً في شروط التفسير نذكره لما فيه من اللطافة وإن كان ذيله لا يخلو من الشذوذ، قال:
قال العلماء: مَن أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أوّلاً من القرآن، فما أُجملَ منه في مكان، فقد فُسّر في موضع آخر; وما اختصر في مكان، فقد بُسط في موضع آخر منه.
وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً فيما أجمل في القرآن في موضع وفسّر في موضع آخر منه، وأشار إلى أمثلة منه في نوع المجمل.
فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضحة له، وقد قال الشافعي: كلّ ما حكم به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو ممّا فهمه من القرآن، قال تعالى: (إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّه)(1) في آيات أُخر وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا إنّي أُوتيت القرآن ومثله معه»، يعني السنّة.
فإن لم يجده في السنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنّهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصّوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.(2)
فما ألطف كلامه في المقطعين الأوّلين دون المقطع الثالث فقد بخس فيه حقوق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ السنّة النبوية ليست منحصرة بما رواه

1 . النساء:105.
2 . الإتقان في علوم القرآن:2/1197.

صفحه 174
الصحابة والتابعون، فإنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)عيبة علم النبي ووعاة سننه، فقد رووا عن آبائهم عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)روايات في تفسير القرآن الكريم، كيف وهم أحد الثقلين اللّذين تركهما رسول اللّه وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».
ولعمر اللّه إنّ الإعراض عن أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)لخسارة فادحة على الإسلام والمسلمين .
ثمّ إنّ الرجوع إلى أقوال الصحابة لا ينجع مالم ترفع أقوالهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمجرّد أنّهم شاهدوا الوحي والتنزيل لا يثبت حجّية أقوالهم ما لم يسند إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقول بحجّية قول الصحابي بمجرّد نقله وإن لم يسند قوله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قول فارغ عن الدليل، فإنّه سبحانه لم يبعث إلاّ نبيّاً واحداً لا أنبياء حسب عدد الصحابة إلاّ أن يرجع قولهم إلى قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
إذا عرفت كلام هذين العلمين فلنذكر شروط التفسير حسب ما نراها.

شروط التفسير ومؤهّلات المفسّر

لا محيص للمفسّر من تبنِّي علوم يتوقّف عليها فهم الآية وتبيينها، وهذه الشروط تأتي تحت عناوين خاصّة، مع تفاصيلها:
1. معرفة قواعد اللغة العربية
إنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ

صفحه 175
الأَمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرين * بِلسان عَربيّ مُبِين)(1)، ومعرفة اللغة العربية فرع معرفة علم النحو والاشتقاق والصرف.
فبعلم النحو يميّز الفاعل عن المفعول، والمفعول عن التمييز، إلى غير ذلك من القواعد التي يتوقّف عليها فهم معرفة اللغة.
وأمّا الاشتقاق فهو الذي يُبيّن لنا مادة الكلمة وأصلها حتى نرجع في تبيين معناها إلى جذورها، وهذا أمر مهم زلّت فيه أقدام كثير من الباحثين، هذا هو المستشرق «فوجل» مؤلّف «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» الذي جعله كالمعجم لألفاظ القرآن الكريم وطبع لأوّل مرة عام 1842م، قد التبست عليه جذور الكلمات في موارد كثيرة، ذكر فهرسها محمد فؤاد عبدالباقي مؤلّف «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» في أوّل معجمه.
حيث زعم أنّ قوله: «وقرن» في قوله سبحانه مخاطباً لنساء النبيّ: (وَقرن في بُيوتِكُنَّ)(2) مأخوذ من قَرَن مع أنّه مأخوذ من «قرَّ» فأين القَرْن من القرّ والاستقرار؟! كما زعم أنّ المرضى في قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَ لاَ عَلَى الْمَرْضَى) (3) مأخوذ من رضي مع أنّه مأخوذ من مرض، فأين الرضا من المرض؟! و قس على ذلك غيره.
وأمّا علم الصرف فبه يعرف الماضي عن المضارع وكلاهما عن الأمر

1 . الشعراء:193ـ195.
2 . الأحزاب:33.
3 . التوبة:91.

صفحه 176
والنهي إلى غير ذلك، وما ذكرناه من الشرط ليس تفسيراً لخصوص القرآن الكريم، بل هو شرط لتفسير كلّ أثر عربي وصل إلينا.

2. معاني المفردات

إنّ الجملة تتركّب من مفردات عديدة يحصل من اجتماعها جملة مفيدة للمخاطب، فالعلم بالمفردات شرط لازم للتفسير، فلولا العلم بمعنى «الصعيد» كيف يمكن أن يفسّر قوله سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(1).
وقد قام ثلّة من الباحثين بتفسير مفردات القرآن، و في طليعتهم أبو القاسم حسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني (المتوفّى عام 502هـ) فألّف كتابه المعروف بـ «المفردات»و هو كتاب قيّم،وأعقبه في التأليف مجد الدين أبو السعادات مبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (544 ـ 606 هـ ) فألّف كتابه «النهاية في غريب الحديث والأثر» وهو و إن كان يفسّر غريب الحديث لكن ربّما يستفيد منه المفسّر في بعض الموارد.
نعم ما ألّفه المحقّق فخر الدين بن محمد بن علي الطريحي (المتوفّى عام 1085هـ) باسم «مجمع البحرين ومطلع النيرين» يعمّ غريب القرآن والحديث معاً، و هذا لا يعني عدم الحاجة إلى الرجوع إلى سائر المعاجم، كالصحاح للجوهري (المتوفّى 393هـ)، ولسان العرب لابن منظور الافريقي (المتوفّى 707هـ)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي

1 . المائدة:6.

صفحه 177
(المتوفّى 834هـ) .
وفي المقام أمر مهمّ، وهو أن يهتمّ المفسِّر بأُصول المعاني التي تشتقّ منها معان أُخرى، فإنّ كلام العرب مشحون بالمجاز والكنايات، فربّما يستعمل اللفظ لمناسبة خاصة في معنى قريب من المعنى الأوّل فيبدو للمبتدئ أنّ المعنى الثاني هو المعنى الأصلي للكلمة يفسّر بها الآية مع أنّها معنى فرعيّ اشتقّ منه لمناسبة من المناسبات.
وأفضل كتاب أُلّف في هذا الموضوع ـ أي إرجاع المعاني المتفرّعة إلى أُصولها ـ كتابان:
أ: «المقاييس» لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395هـ) و قد طبع في ستة أجزاء.
ب: «أساس البلاغة» لمحمود الزمخشري (المتوفّى عام 538هـ). فبالمراجعة إلى ذينك المرجعين يعرف المفسِّر المعنى الأصلي الذي يجب أن تُفسر به الكلمة في القرآن الكريم مالم تقم القرينة على خلافه، ولنأت بمثال:
قال سبحانه في قصة آدم: (وَعَصى آدمُ رَبَّهُ فَغَوى) (1)، فإنّ بعض المتعاطين لعلم التفسير يتّخذون الكلمتين ذريعة لعدم عصمة آدم بذريعة أنّ لفظة «عصى» عبارة عن المعصية المصطلحة، و«الغواية» ترادف الضلالة، لكن الرجوع إلى أُصول المعاني يعطي انطباعاً غير ذلك، فلا لفظة

1 . طه:121.

صفحه 178
«عصى» ترادف العصيان المصطلح، ولا الغواية ترادف الضلالة.
أمّا العصيان فهو بمعنى خلاف الطاعة.
يقول ابن منظور: العصيان خلاف الطاعة، والعاصي الفصيل، إذا لم يتّبع أُمّه.(1)
فمَن خالف أمر مولاه، أو نصح الناصح، يقال: عصى، وعلى ذلك فليس كلمة «عصى» إلاّ موضوعة لمطلق المخالفة، سواء أكانت معصية كما إذا خالف أمر مولاه، أم لم تكن كما إذا خالف نصح الناصح.
ولا يمكن أن يستدلّ بإطلاق اللفظ على أنّ المورد من قبيل مخالفة الأمر المولوي مع احتمال كونه أمراً إرشادياً أو نصيحة، لما في المخالفة من التعب والوصب .
وأمّا الغيّ فهو ـ كما في لسان العرب ـ يستعمل في الخيبة والفساد والضلال(2)، ومن الواضح أنّ هذه المعاني أعمّ من المعصية الاصطلاحية، ومن مخالفة نصح الناصح.

3. تفسير القرآن بالقرآن

إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بأنّه تبيان لكلّ شيء و يقول: (وَنَزّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء)(3) فهل يصحّ أن يكون مبيّناً لكلّ شيء ولا

1 . لسان العرب:14/67.
2 . لسان العرب:14/140.
3 . النحل:89.

صفحه 179
يكون تبياناً لنفسه إذا كان فيه إجمال؟
هذا من جانب ، ومن جانب آخر أنّ القرآن تناول موضوعات مهمّة في سور متعدّدة لغايات مختلفة، فربّما يذكر الموضوع على وجه الإجمال في موضع ويفصّله في موضع آخر، فما أجمله في مكان فقد فصّله في موضع آخر، وما اختصر في مكان فإنّه قد بسطه في مكان آخر، و بذلك يمكن رفع إجمال الآية الأُولى بالآية الثانية، كيف وقد وصفه سبحانه بقوله: (اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتشابهاً مَثَانِيَ)(1)، فإنّ المراد من المتشابه هو تشابه معاني الآيات بعضها مع بعض وتسانخها وتكرّر مضامينها بقرينة قوله:(مَثَانِيَ) ، و بذلك يظهر أنّ رفع إجمال الآية بنظيرتها شيء دعا إليه القرآن الكريم لكن بعد الإمعان والدقة فيه. ولنضرب لذلك مثالاً:
يقول سبحانه في وصف تعذيب قوم لوط: (وَأَمْطرنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين)(2) ربّما يتصوّر القارئ أنّهم عُذّبوا بالمطر الغزير الذي يستعقب السيل الجارف فغرقوا فيه، ولكن في آية أُخرى أتى سبحانه ما يرفع إبهام الآية فقال:
(وَأَمطرنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيل)(3) فصرّح بأنّهم أُمطروا مطر الحجارة فهلكوا بها، كما أهلك أصحاب الفيل بها كما قال سبحانه: (تَرْمِيهِمْ

1 . الزمر:23.
2 . الشعراء:173.
3 . الحجر:74.

صفحه 180
بِحِجارَة مِنْ سِجِّيل)(1) . ولنأت بمثال آخر:
يقول سبحانه في حقّ اليهود: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمامِ وَالمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُور)(2) فظاهر الآية أنّهم كانوا ينتظرون مجيء اللّه تبارك وتعالى في ظلل من الغمام ولكن الآية الأُخرى ترفع الإبهام وانّ المراد مجيء أمره سبحانه يقول:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون).(3)

4. الحفاظ على سياق الآيات

إنّ من أهمّ وظائف المفسّر الحفاظ على سياق الآيات الواردة في موضوع واحد; فتقطيع الآية بعضها عن بعض، والنظر إلى الجزء دون الكل لا يعطي للآية حقّها في التفسير، فالآيات الواردة في موضوع واحد على وجه التسلسل كباقة من الزهور تكمن نظارتها وجمالها في كونها مجموعة واحدة، وأمّا النظر التجزيئي إليها فيسلب ذلك الجمال والنظارة منها، حتى أنّ بعض الملاحدة دخل من ذلك الباب فحرّف الآية من مكانها وفسّرها بغير واقعها، ولنأت بمثال:
إنّه سبحانه تبارك و تعالى يخاطب بني آدم بخطابات أربعة في بدء

1 . الفيل:4.
2 . البقرة:210.
3 . النحل:33.

صفحه 181
الخلقة، أي بعد هبوط آدم إلى الأرض، فخاطب أولاده في تلك الفترة بالخطابات التالية، وقال:
1. (يَا بَني آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سَوْءاتِكُمْ وَريشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللّه لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). (1)
2. (يا بَني آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُريَهُما سَوْءاتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنا الشَّياطينَ أَوْلياءَ لِلَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ)(2).
3. (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).(3)
4. (يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(4).
فقد احتجّ مَن ينكر الخاتمية بالآية الأخيرة على أنّه سبحانه يرسل الرسول بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشهادة هذه الآية التي نزلت على النبي، أعني: (يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ...) .
والمسكين فسّر القرآن بالرأي وبرأي مسبق، حيث فَصَلَ هذه الآية عمّا تقدّمها من الآيات التي تحكي خطاب اللّه سبحانه في بدء الخليقة وأنّه

1 . الأعراف:26.
2 . الأعراف:27.
3 . الأعراف:31.
4 . الأعراف:35.

صفحه 182
سبحانه في تلك الفترة خاطب بني آدم بهذه الآية، فلو كان النبي يتلو هذه الآية، فإنّما يحكي خطاب اللّه سبحانه في ذلك الأوان لا في عصر رسالته وحياته، ويكفي في ذلك مراجعة المجموعة (التي هذه الآية جزء منها في سورة الأعراف) من الآية 19 إلى الآية 35، فالجميع بسياق واحد ونظم فارد يحكي خطاب اللّه في بدء الخليقة لا خطابه سبحانه في عهد الرسول، وهذا ما دعانا إلى التركيز على أنّ حفظ السياق أصل من أُصول التفسير.
وما ذكرنا من لزوم الحفاظ على سياق الآيات لا يعني أنّ القرآن الكريم كتاب بشري يأخذ بالبحث في الموضوع فإذا فرغ عنه يبتدئ بموضوع آخر دائماً، وإنّما المراد أنّ الحفاظ على سياق الآيات إذا كان رافعاً للإبهام وكاشفاً عن المراد لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليه، ومع ذلك فإنّ القرآن الكريم ليس كتاباً بشرياً، فهو ربّما يطرح في ثنايا موضوع واحد موضوعاً آخر له صلة بالموضوع الأصلي ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل، وإليك شاهدين:
الشاهد الأوّل:إنّ القرآن يبحث في سورة البقرة عن أحكام النساء، مثل المحيض والعدّة والإيلاء وأقسام الطلاق من الآية 222 إلى 240، ومع ذلك فقد طرح موضوع الصلاة في ثنايا هذه الآيات، وذلك في الآيتين 237 و 238، ثمّ استأنف البحث في الموضوع السابق، وإليك صورة إجمالية ممّا ذكرنا، يقول سبحانه:
(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا

صفحه 183
تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوف). (1)
ويستمر في البحث في الموضوع بشقوقه المختلفة ويقول:
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْفَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَة...) .
وقبل أن يُنهي الكلام في الموضوع شرع بالأمر بالصلاة والحفاظ عليها وبالخصوص الصلاة الوسطى ويقول:
(حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى وَقُومُوا للّهِ قانِتين). (2)
(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَماعلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون).(3)
ترى أنّه انتقل من الموضوع الأوّل إلى موضوع آخر، وهو الحفاظ على الصلوات وتعليم كيفية صلاة الخوف، ثمّ بعد ذلك نرى أنّه رجع إلى الموضوع الأوّل وقال:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحَوْل...) .
وأمّا ما هو الحافز إلى بيان حكم الصلاة، قبل إنهاء أحكام المرأة فهو موكول إلى علم التفسير.
الشاهد الثاني:أخذ الوحي في تبيين مكانة نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . البقرة:232.
2 . البقرة:238.
3 . البقرة:239.

صفحه 184
والمهمّات الثقيلة الملقاة على عاتقهن، وابتدأ به في سورة الأحزاب من الآية 28 وختمها بالآية 35 ، ومع ذلك طرح في ثنايا هذا الموضوع موضوعاً آخر باسم طهارة أهل البيت من الرجس.
يقول سبحانه:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنيا وَزِينَتها...).(1)
ويقول:
(وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَه).(2)
وقبل أن يُنهي البحث حول أزواج النبي، حتى قبل أن يكمل تلك الآية، أخذ بالبحث حول أهل البيت على نحو يكون صريحاً أنّ المراد منهم غير أزواج النبي وقال:
(إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطهِّركُمْ تَطهِيراً) .
ثمّ رجع إلى الموضوع الأوّل و قال:
(واذكُرْنَ ما يُتلى في بُيُوتِكُنَّ من آياتِ اللّهِ والْحِكْمَةِ) .
وأمّا الدليل على أنّه لا صلة لآية التطهير بنساء النبي هو لفظ الآية، أي تذكير ضمائرها «عنكم» ، «يطهركم» وغير ذلك من القرائن المتّصلة والمنفصلة التي تقرأها على وجه التفصيل في قسم التفسير.

1 . الأحزاب:28.
2 . الأحزاب:33.

صفحه 185
على أنّ لحن الآيات في نساء النبي هو لحن التنديد والتخويف بخلاف هذه الآية فإنّ لحنها لحن التمجيد والثناء.
فأين قوله سبحانه: (يا نِساء النَّبيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنة) من قوله سبحانه: (إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيتِ)؟!
وأمّا الصلة بين الموضوعين فإليك بيانها:
إنّه سبحانه خاطب نساء النبي بالخطابات التالية، وقال:
1. (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضاعَفْ لَها الْعَذابُ ضِعْفَيْن) .
2. (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ...) .
3. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَةِ الأُولى) .
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وذلك لوجهين:
1. تعريفهنّ على جماعة بلغوا في الورع والتقوى، الذروةَ العليا; وفي الطهارة عن الرذائل والمساوئ، القمّةَ. وبذلك استحقّوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل، فيلزم عليهن أن يقتدينّ بهم ويستضيئنّ بضوئهم.
2. التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة أُمّة طاهرة من الرجس ومطهّرة من الدنس، ولهنّ معهم لحمة القرابة ووصلة الحسب، واللازم عليهنّ الحفاظ على شؤون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساوئ،

صفحه 186
والتحلّي بما يرضيه سبحانه، ولأجل ذلك يقول سبحانه : (يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ)، وما هذا إلاّ لقرابتهنّ منه (صلى الله عليه وآله وسلم)وصلتهنّ بأهل بيته. وهي لا تنفك عن المسؤولية الخاصة، فالانتساب للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولبيته الرفيع، سبب المسؤولية ومنشؤها، وفي ضوء هذين الوجهين صحّ أن يطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبي والكلام حول شؤونهن.
ولقد قام محقّقو الإمامية ببيان مناسبة العدول في الآية ، نأتي الواحد من تحقيقاتهم، قال السيد القاضي التستري: لا يبعد أن يكون اختلاف آية التطهير مع ما قبلها على طريق الالتفات من الأزواج إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته (عليهم السلام)على معنى أنّ تأديب الأزواج وترغيبهن إلى الصلاح والسداد، من توابع إذهاب الرجس والدنس عن أهل البيت(عليهم السلام).(1)

5. الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين

إنّ كثيراً من الآيات المتعرّضة لأحكام الأفعال والموضوعات مجملة ورد تفسيرها في السنّة القطعية وإجماع المسلمين وأحاديث أئمّة أهل البيت كالصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك ممّا لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليه في رفع الإجمال وتبيين المبهم، وهو أمر واضح.
وهناك سبب ثان للرجوع إليه، وهو أنّه ورد في القرآن مطلق، ولكن أُريد منه المقيّد، كما ورد عموم أُريد منه الخصوص; وذلك وفقاً لتشريع

1 . إحقاق الحق:2/570.

صفحه 187
القوانين في المجالس التشريعية، فإنّهم يذكرون المطلقات والعمومات في فصل كما يذكرون قيودها ومخصصاتها في فصل آخر باسم الملحق، وقد حذا القرآن في تشريعه هذا الحذو فجاءت المطلقات والعمومات في القرآن الكريم والمقيّد والمخصّص في نفس السنّة، ولنأت بمثال:
يقول سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(1) وجاء في السنّة مخصصها، وأنّه لا ربا بين الزوج والزوجة والولد والوالد، فقد أجاز الإسلام الربا هنا.
قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): «ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد و عبده ربا».(2)
وروى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «ليس بين الرجل وولده، وبينه و بين عبده، ولا بين أهله ربا، إنّما الربا فيما بينك و بين ما لا تملك».(3)
ولعلّ قوله سبحانه: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(4) يوحي إلى هذا المعنى.
غير أنّ المهم إحراز صحّة الأحاديث الواردة في تفسير القرآن الكريم، أمّا ما يرجع إلى السنن وتبيين الحلال والحرام بالتخصيص والتقييد فقد وردت فيه روايات صحاح وحسان، إنّما الكلام فيما يرجع

1 . البقرة:275.
2 . الوسائل: 12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث 1.
3 . الوسائل: 12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث 3. وقد ذكر الإمام
(عليه السلام) نكتة التشريع في كلامه.
4 . الحشر:7.

صفحه 188
إلى المعارف والعقائد والقصص والتاريخ فالحديث الصحيح في ذلك المورد في كتب أهل السنّة قليل جدّاً، يقول الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث كتب ليس لها أُصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. قال المحقّقون من أصحابه: مراده أنّ الغالب أنّها ليس لها أسانيد صحاح متّصلة.(1)
ومن عجيب الأمر أنّه لم يرد عن طرق الصحابة والتابعين مسنداً إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يرجع إلى تفسير ما ورد من الآيات حول العقائد والمعارف، وكأنّهم اكتفوا بقراءتها والمرور عليها كما عليه جملة من السلفيّين.

6. الرجوع إلى العقل الحصيف أو أحد الثقلين

ثمّ إنّه من المعلوم أنّ الإحاطة بمعاني الألفاظ والجمل لا تكفي في تفسير قوله سبحانه: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكنَّ اللّهَ رَمى)(2)، حيث إنّه يثبت الرمي للرسول وفي الوقت نفسه ينفي عنه وهما متضادان.
كما أنّه لا تكفي الإحاطة بالأدب العربي ومعاني المفردات لفهم قوله سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ الحَكيم)(3) ، حيث اتّحد الشاهد والمشهود ومع ذلك كيف يشهد

1 . البرهان في علوم القرآن:2/156.
2 . الأنفال:17.
3 . آل عمران:18.

صفحه 189
على وحدانيته؟!
ففي هذه الآيات لا محيص للمفسِّر من أن يرجع إلى أحد الثقلين، أي بما أُثر عن أئمة أهل البيت، أو إلى العقل الحصيف، وإلاّ تبقى الآية على إجمالها، وبالتالي تصبح قراءة الآية ـ نعوذ باللّه ـ لقلقة لسان.

النبيّ هو المفسّر الأوّل

إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حسب القرآن الكريم هو المفسِّر الأوّل، وأنّه لا تقتصر وظيفته في القراءة والتلاوة، بل يتعيّن عليه بعد القراءة تبيان ما أجمل وتفسير ما أُبهم يقول سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (1).
ترى أنّه سبحانه يجعل غاية النزول بيان الرسول حقائق القرآن للناس مضافاً إلى أنّه سبحانه يشير في بعض الآيات إلى أنّ عليه وراء البيان ، القراءة والجمع، يقول: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنّ عَلَينا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَينا بَيانَهُ)(2).
فالآية ترشد إلى الوظائف الثلاث: (القراءة، والجمع، والبيان) التي على عاتق النبي بأمر من اللّه سبحانه.
أمّا التلاوة يقول سبحانه: (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمِيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا

1 . النحل:44.
2 . القيامة:16ـ19.

صفحه 190
عَلَيْهِمْ آياتِهِ) .(1)
وأمّا الجمع فالحقّ أنّه قد جمع القرآن في حياته ولم يترك القرآن متشتّتاً هنا وهناك. وقد مرّ بيانه في مبحث جمع القرآن.
وأمّا البيان فقد كان يبيّن آيات الذكر الحكيم بالتدريج; قال أبو
عبد الرحمن السلمي: حدّثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان بن عفان،
و عبد اللّه بن مسعود وغيرهما أنّهما كانوا إذا تعلّموا من النبي عشر
آيات، لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا:
فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، ولهذا كانوا يبقون مدّة في
حفظ السورة.(2)
لكنَّ جميع ما ورد عن النبي من التفسير ـ غير ما ورد من أسباب النزول ـ لا يتجاوز المائتين وعشرين حديثاً تقريباً، وقد أتعب جلال الدين السيوطي نفسه فجمعها من مطاوي الكتب في آخر كتابه «الإتقان» فرتّبها على ترتيب السور من الفاتحة إلى الناس.(3)
ومن المعلوم أنّ هذا المقدار لا يفي بتفسير القرآن الكريم ولا يمكن لنا التقوّل بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)تقاعس عن مهمته، وليس الحل إلاّ أن نقول بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أودع علم الكتاب في أحد الثقلين الذين طهرهم اللّه من الرجس تطهيراً، فقاموا بتفسير القرآن بالمأثور عن النبي المودَع في مجاميع كثيرة يقف

1 . الجمعة:2.
2 . الإتقان في علوم القرآن:4/175ـ 176، ط مصر.
3 . لاحظ: الإتقان في علوم القرآن:4/170، ط مصر.

صفحه 191
عليها المتتبّع في أحاديث الشيعة.(1)
وبما ذكرنا عُلم أنّ الاقتصار في التفسير بالمأثور على ما روي في كتب القوم لا يرفع الحاجة، وليس للمفسِّر الواعي محيص من الرجوع إلى ما روي عن علي وأولاده المعصومين (عليهم السلام)في مجال التفسير وهي كثيرة. ولعلّه إليهم يشير قوله سبحانه: (ثُمَّ أَورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)(2) فالمصطفون من عباده هم الوارثون علم الكتاب.
ولنذكر نموذجاً من تفسير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نزل قوله سبحانه: (وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسودِ منَ الفَجْر)(3)قال عدي بن حاتم: إنّي وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود، فكنت أنظر فيهما، فلا يتبيّن لي، فضحك رسول اللّه حتى رؤيت نواجذه، ثمّ قال: «ذلك بياض النهار، وسواد الليل».(4)

7. معرفة أسباب النزول

إنّ لمعرفة أسباب النزول دوراً مهمّاً في رفع الإبهام عن الآيات التي وردت في شأن خاص; لأنّ القرآن الكريم نزل نجوماً عبر ثلاثة وعشرين عاماً: إجابة لسؤال، أو تنديداً بحادثة، أو تمجيداً لعمل جماعة، إلى غير ذلك من الأسباب التي دعت إلى نزول الآيات; فالوقوف على تلك الأسباب لها

1 . كتفسير البرهان للسيد البحراني، ونور الثقلين للحويزي، وقبلهما تفسير علي بن إبراهيم وغيرها.
2 . فاطر:32.
3 . البقرة:187.
4 . مجمع البيان:1/281، ط صيدا.

صفحه 192
دور في فهم الآية بحدّها، ورفع الإبهام عنها، وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أسباب النزول فلا نعيد.
وفي الختام نضيف: أنّه لا يمكن الاعتماد على كلّ ما ورد في الكتب باسم أسباب النزول، بل لابدّ من التحقيق حول سنده والكتاب الذي ورد فيه، فإنّ أكثر المفسّرين في القرون الأُولى أخذوا علم التفسير من مستسلمة أهل الكتاب، خصوصاً فيما يرجع إلى قصص الأنبياء وسيرة أقوامهم، فلا يمكن الاعتماد على كلام هؤلاء.
يقول المحقّق الشيخ محمد جواد البلاغي: وأمّا الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء والضحّاك، كما ملئت كتب التفسير بأقوالهم المرسلة، فهو ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين اللّه ولا تقوم به الحجّة، لأنّ تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة، ولا يكون حجّة من المسانيد إلاّ ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة، ولو لم يكن من الصوارف عنهم إلاّ ما ذكر في كتب الرجال لأهل السنّة لكفى.(1)
ثمّ ذكر (قدس سره)ما ذكره علماء الرجال في كتبهم في حقّ عكرمة ومجاهد وعطاء والضحّاك وقتادة ومقاتل، الذين هم المراجع في نقل كثير من الإسرائيليات والمسيحيات في تفسير الآيات.

1 . آلاء الرحمن في تفسير القرآن:1/45ـ46.

صفحه 193

8. الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام

بُعِث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من بين أُمّة أُميّة لها ثقافتها الخاصّة وتقاليدها وعاداتها، فالقرآن الكريم يشير في كثير من الآيات إلى تلك العادات الجاهلية المتوارثة، إنّ الاطّلاع على تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده يوضح مفاد كثير من الآيات ويكشف النقاب عنها، فلنذكر نماذج لذلك:
أ: أنّه سبحانه يذكر في سورة الأنعام تقاليد العرب وعاداتهم ويقول:
(وَجعَلُوا للّهِ مِمّا ذَرأ مِنَ الحَرْثِ والأَنعامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذا للّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُركائِنا فَماكانَ لِشُركائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللّهِ وما كانَ للّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُون * وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلَ أَولادِهِمْ شُركاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتراءً عَليهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ).(1)
إنّ هذه الآيات يسودها كثير من الغموض والإبهام، ولكن إذا رجعنا إلى ما رواه المؤرّخون في ذلك المضمار عن تقاليد العرب الجاهلية حولها، يزاح الغموض الذي يكتنفها.
ولا يقتصر المفسِّر على هذا المقدار من التاريخ، بل يلزم عليه الرجوع إلى الكتب المؤلّفة في السيرة النبوية إذ لها دور عظيم في تفسير

1 . الأنعام: 136 ـ 138.

صفحه 194
الآيات النازلة في الغزوات والحروب، وفي بعث السرايا حتى يرتفع الإبهام وتنكشف الحقيقة على ماهي عليه.
وفي وسع المفسِّر أن يرجع إلى الكتب المعدّة لبيان تاريخ الإسلام، وأخصّ بالذكر: «السيرة النبوية» لابن هشام (المتوفّى 218هـ)، وتاريخ اليعقوبي (المتوفّى 290هـ)، وتاريخ الطبري (المتوفّى 310هـ) وتفسيره، و «مروج الذهب» للمسعودي (المتوفّى 345هـ)، و«الإمتاع» للمقريزي (المتوفّى 845هـ) إلى غير ذلك من الكتب المعتمدة.
قال الشيخ محمد عبده: أنا لا أعقل كيف يعقل لأحد أن يفسّر قوله تعالى: (كانَ الناسُ أُمّةً واحدةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبيينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرين)(1) الآية، وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتّحدوا؟ وكيف تفرّقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أو ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة الأنبياء فيهم؟(2)
والحقّ أنّ تفسير الآيات الواردة في الأُمم الغابرة ابتداءً من آدم(عليه السلام)وانتهاءً إلى نبيّنا خاتم الأنبياء والرسل(صلى الله عليه وآله وسلم) رهن الوقوف على تاريخهم وسيرتهم وأعرافهم.

9. تمييز الآيات المكّية عن المدنية

عرّف المكّيّ بما نزل قبل الهجرة، والمدني بما نزل بعدها، سواء نزل

1 . البقرة:213.
2 . لاحظ:تفسير المنار:2/276ـ283.

صفحه 195
بمكّة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجّة الوداع أو بسفر من الأسفار.(1)
ثمّ إنّ الوقوف على الآيات المدنيّة وتمييزها عن المكّية يحصل من خلال أُسلوبين:
الأوّل: الأخذ بأقوال المفسِّرين ومؤلّفي علوم القرآن، فقد ميّزوا السور المكّيّة عن السور المدنية، كما ميّزوا الآيات المدنية التي جعلت في ثنايا السور المكّيّة وبالعكس.
الثاني: دراسة مضمون الآية وأنّها هل تناسب البيئة المكّيّة أو المدنية؟ حيث إنّ الطابعَ السائد على أكثر الآيات المكّيّة هو مكافحة الشرك والوثنية، ونقد العادات والتقاليد الجاهلية، والدعوة إلى الإيمان بالمعاد، والتنديد بالكافرين والمشركين; في حين أنّ الطابَع السائد على أكثر الآيات المدنية هو تشريع الأحكام في مختلف المجالات، والجدال مع أهل الكتاب في إخفاء الحقائق، والتنديد بالمنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، إلى غير ذلك من العلائم والملامح التي يمكن أن يتميّز بها المكّيّ عن المدني.
وقد ذكر السيوطي بسند خاص عن ابن عباس أسماء السور المدنيّة بعدما أنهى ذكر السور المكّية.
وإليك أسماء السور المدنية، وبالوقوف عليها تعلم السور المكّية:
سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ

1 . الإتقان في علوم القرآن: 1/26.

صفحه 196
النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ القتال، ثمّ الرعد، ثمّ الإنسان، ثمّ الطلاق، ثمّ لم يكن، ثمّ الحشر، ثمّ إذا جاء نصر اللّه، ثمّ النور، ثمّ الحج، ثمّ المنافقون، ثمّ المجادلة، ثمّ الحجرات، ثمّ التحريم، ثمّ الجمعة، ثمّ التغابن، ثمّ الصف، ثمّ الفتح، ثمّ المائدة، ثمّ براءة.(1)
وأمّا الحاجة لتمييز المكّيّ عن المدني، فلأنّه يرفع الإبهام العالق ببعض الآيات، مثلاً: أنّ سورة الشورى التي ورد فيها قوله سبحانه: (قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَليه أَجراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى)(2) سورة مكّيّة مع أنّ هذه الآية حسب المأثور المتواتر نزلت في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أعني: علياً و فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ـ فربّما يستبعد نزولها في حقّ أهل البيت بحجّة أنّ السورة مكّيّة ولم يكن يومذاك في مكّة الحسن والحسين، ولكنّه لو وقف على أنّ مكّيّة السورة لا تلازم مكّيّة عامّة آياتها، لما استبعد نزولها في حقّهم، فكم من سورة مكّيّة وقعت في ثناياها آيات مدنية وبالعكس، وهذه السورة من القسم الأوّل وإن كانت مكّيّة لكن بعض آياتها مدنية ومنها هذه الآية، وقد صرح به علماء التفسير في كتبهم(3)، حتى أنّك تجد في المصاحف المصرية المطبوعة تحت إشراف مشيخة الأزهر، التصريح بأنّ سورة الشورى مكّيّة إلاّ الآيات 23، 24، 25، 27 فمدنية.

1 . الإتقان في علوم القرآن:1/31.
2 . الشورى:23.
3 . لاحظ كتاب «نظم الدرر و تناسق الآيات والسور»: تأليف إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي من علماء القرن التاسع، وقد ذكر في كتابه أنّ الآية مدنية.

صفحه 197

10. الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية

إنّ الآراء الموروثة من الصحابة والتابعين ثمّ علماء التفسير إلى يومنا هذا ثروة علمية ورثناها من الأقدمين، وهم قد بذلوا في تفسير الذكر الحكيم جهوداً كبيرة، فألّفوا مختصرات ومفصّلات وموسوعات حول القرآن الكريم، فالإحاطة بآرائهم والإمعان فيها وترجيح بعضها على بعض بالدليل والبرهان من أُصول التفسير شريطة أن يبحث فيها بحثاً موضوعياً بعيداً عن كلّ رأي مسبق.

11. الاجتناب عن التفسير بالرأي(1)

المراد من التفسير بالرأي هو أنّ المفسِّر يتّخذ رأياً خاصّاً في موضوع لسبب من الأسباب، ثمّ يعود فيرجع إلى القرآن حتى يجد له دليلاً من الذكر الحكيم يعضده، فهو في هذا المقام ليس بصدد فهم الآية وإنّما هو بصدد إخضاع الآية لرأيه وفكره، وبذلك يبتعد عن التفسير الصحيح للقرآن.
وقد حذّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كافّة المسلمين من التفسير بالرأي أو التفسير بغير علم، فقال: «مَن قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار».(2)
وقال: «مَن تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».(3)

1 . وفي الحقيقة، التفسير بالرأي من موانع التفسير الصحيح لا من شرائطه. وقد شرحنا حقيقة التفسير بالرأي في مبحث مستقل. لاحظ: المبحث الخامس عشر، ولهذا أوجزنا الكلام في المقام.
2 . أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس كما في: البرهان في علوم القرآن:2/161.
3 . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي على ما في البرهان.

صفحه 198
وليس النهي عن التفسير بالرأي منحصراً بالأحاديث النبوية، بل القرآن الكريم يندّد بالتقوّل على اللّه بما لا يعلم ويقول: (وَأَن تَقُولُوا عَلى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون)(1)، ويقول:(ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم).(2)
فمَن يفسّر القرآن برأيه، فقد قضى بما ليس له به علم وتقوّل على اللّه بما لا يعلم .
وقد راج التفسير بالرأي بطابَع علمي في العصور المتأخّرة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب، لكنّ الفروض العلمية التي طرحت من قبل علماء الطبيعة والفلك هي فروض غير مستقرّة لا يمكن الركون إليها في تفسير الذكر الحكيم، ولذلك سرعان ماتتبدّل النظريات العلمية إلى أُخرى; فمن حاول أن يخضع القرآن الكريم للاكتشافات العلمية الحديثة، فقد فسّر القرآن برأيه، وإن صدق في نيّته وأراد إبراز جانب من جوانب الإعجاز القرآني، ولنذكر نموذجاً:
نشر شارلز داروين كتابه «أصل الأنواع» عام 1908م فأثبت فيه وفق تحقيقاته أنّ الإنسان هو النوع الأخير من سلسلة تطور الأنواع، وأنّ سلسلته تنتهي إلى حيوان شبيه بالقردة، فذكر آباءه وأجداده بصورة شجرة خاصة مترنماً مضمون قول الشاعر:
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم...

1 . البقرة:169.
2 . الإسراء:36.

صفحه 199
وكان لنشر هذه النظرية ردّة فعل سيّئة في الأوساط الدينية دون فرق بين الأوساط المسيحية والمسلمة واليهودية الذين اتّفقوا على أنّ الإنسان كائن إبداعي وأنّ سلسلته تنتهي إلى آدم أبي البشر الذي خُلق بهذه الصورة من دون أن تكون له صلة بسائر الحيوانات.
ثمّ إنّ بعض السُّذَّج من الناس اتّخذوا تلك الفرضية ذريعة لتعارض العلم والدين وفصله عن الآخر، فزعموا أنّ منهج الدين غير منهج العلم، فربّما يجتمعان وربّما يفترقان.
وهناك مَن لم يؤمن بفصل العلم عن الدين فحاول إخضاع القرآن الكريم للفرضية، فأخذ يفسّر ما يرجع إلى خلقة الإنسان في سور مختلفة على وجه ينطبق على تلك الفرضية.
هذا و كان السجال حادّاً بين المتعبّدين بالنص والمتأوّلين له إلى أن أثبت الزمان زيف هذه الفرضية والفروض التي جاءت بعدها حول خلقة الإنسان.
وليست خلقة الإنسان موضوعاً فريداً في هذا الباب، بل لم يزل أصحاب البدع والنحل في دأب مستمر لإخضاع القرآن لآرائهم وعقائدهم، فأصحاب هذه النحل الكثيرة السائدة بين المسلمين اتّخذوا القرآن ذريعة لعقائدهم، فما من منتحل إلاّ ويستدلّ بالقرآن على صحّة عقيدته مع أنّ الحقّ واحد وهؤلاء متكثّرون.
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

صفحه 200
ولقد كان لتفسير القرآن بالرأي دور في ظهور النحل والبدع بين المسلمين، وكأنّ القرآن نزل لدعم آرائهم ومعتقداتهم!! أعاذنا اللّه وإيّاكم من التفسير بالرأي.
هذه شرائط أحد عشر ينبغي للمفسِّر أن يتحلّى بها، وهناك آداب أُخرى ذكرها العلماء في كتبهم لم نتعرّض إليها خشية الإطالة.
وثمّة كلمة قيمة للعلاّمة الشيخ المرحوم محمد جواد مغنية جاء فيها:
ولابدّ لهذا العلم من معدّات ومؤهّلات، منها العلوم العربية بشتّى أقسامها، وعلم الفقه وأُصوله، ومنها الحديث وعلم الكلام، ليكون المفسّر على بيّنة ممّا يجوز على اللّه وأنبيائه، وما يستحيل عليه وعليهم، ومنها كما يرى البعض علم التجويد والقراءات.
وهنا شيء آخر يحتاج إليه المفسّر، وهو أهم وأعظم من كلّ ما ذكره المفسّرون في مقدّمة تفاسيرهم، لأنّه الأساس والركيزة الأُولى لتفهّم كلامه جلّ وعلا. ولم أر مَن أشار إليه، وقد اكتشفته بعد أن مضيت قليلاً في التفسير، وهو أنّ معاني القرآن لا يدركها، ولن يدركها على حقيقتها، ويعرف عظمتها إلاّ مَن يحسّها من أعماقه، وينسجم معها بقلبه وعقله، ويختلط إيمانه بها بدمه ولحمه، وهنا يكمن السر في قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ذاك القرآن الصامت، وأنا القرآن الناطق».(1)
***

1 . التفسير الكاشف:1/9ـ10.

صفحه 201
   

المبحث الخامس والعشرون

المناهج التفسيرية

تمهيد

قبل الخوض في استعراض المناهج التي يغلب عليها الطابَع العقلي أو النقلي، نذكر نكتة في غاية الأهمية، وهي ضرورة التمييز بين موضوعين، هما:
1. المنهج التفسيري.
2. الاهتمام التفسيري.
فنقول : إنّ هاهنا بحثين:
الأوّل: البحث عن المنهج التفسيري لكلّ مفسّر، وهو تبيين طريقة كلّ مفسّر في تفسير القرآن الكريم، والأداة والوسيلة التي يعتمد عليها لكشف الستر عن وجه الآية أو الآيات؟ فهل يأخذ العقلَ أداةً للتفسير أو النقل؟ وعلى الثاني فهل يعتمد في تفسير القرآن على نفس القرآن، أو على السنّة، أو على كليهما، أو غيرهما أيضاً؟

صفحه 202
وبالجملة ما يتّخذه مفتاحاً لرفع إبهام الآيات، وهذا هو ما نسمّيه بالمنهج في تفسير القرآن.
الثاني: البحث عن الاهتمامات التفسيرية، والمراد منها المباحث التي يهتم بها المفسّر في تفسيره مهما كان منهجه وطريقته في تفسير الآيات، مثلاً تارة يتّجه إلى إيضاح المادة القرآنية من حيث اللغة، وأُخرى إلى صورتها العارضة عليها من حيث الإعراب والبناء، وثالثة يتّجه إلى الجانب البلاغي، ورابعة يعتني بآيات الأحكام، وخامسة يصبّ اهتمامه على الجانب التاريخي والقصصي، وسادسة يهتم بالأبحاث الأخلاقية، وسابعة يهتم بالأبحاث الاجتماعية، وثامنة يهتم بالآيات الباحثة عن الكون وعالم الطبيعة، وتاسعة يهتم بمعارف القرآن وآياته الاعتقادية الباحثة عن المبدأ والمعاد وغيرهما، وعاشرة بالجميع حسبما أُوتي من المقدرة.
ولا شك أنّ التفاسير مختلفة من حيث الاتجاه والاهتمام، إمّا لاختلاف أذواق المفسّرين وكفاءاتهم ومؤهّلاتهم، أو لاختلاف بيئاتهم وظروفهم، أو غير ذلك من العوامل التي تسوق المفسّر إلى صبِّ اهتمامه إلى جانب من الجوانب المذكورة أو غيرها، ولكن هذا النوع من البحث لايمتّ إلى البحث عن المنهج التفسيري للمفسّر بصلة، فمَن تصوّر أنّ البحث عن اختلاف الاهتمامات والاتجاهات راجع إلى البحث عن المنهج التفسيري فقد تسامح.
وإن شئت أن تفرّق بين البحثين فنأتي بكلمة موجزة، وهي أنّ البحث في المناهج بحث عن الطريق والأُسلوب، والبحث في الاهتمامات بحث

صفحه 203
عن الأغراض والأهداف التي يتوخّاها المفسّر، وتكون علّة غائية لقيامه بالتأليف في مجال القرآن. والكلام في المقام في الأوّل منهما.

أنواع المناهج التفسيرية

إذا تبيّن الفرق بين البحثين فنقول: إنّ التقسيم الدارج في تبيين المناهج هو أنّ المفسّر إمّا يعتمد في رفع الستر عن وجه الآية على الدليل النقلي أو على الدليل العقلي أو كليهما، ونحن أيضاً نقتفي في هذا البحث أثر هذا التقسيم لكن بتبسيط في الكلام.

المنهج الأوّل: تفسير القرآن بالقرآن

إنّ هذا المنهج من أسمى المناهج الصحيحة الكافلة لتبيين المقصود من الآية، كيف وقد قال سبحانه: (وَنَزّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبياناً لِكُلِّ شَيء).(1)
فإذا كان القرآن موضحاً لكلّ شيء، فهو موضح لنفسه أيضاً، كيف والقرآن كلّه «هدى» و «بيّنة» و «فرقان» و «نور» كما في قوله سبحانه: (شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبيِّنات مِنَ الهُدى والفُرقان)،(2) وفي قوله سبحانه: (وأنزَلنا إلَيكُمْ نُوراً مُبيناً).(3)
وعن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ القرآن يصدّق بعضه بعضاً».(4)

1 . النحل:89 .
2 . البقرة: 185.
3 . النساء:174.
4 . مجمع الزوائد:1/171.

صفحه 204
وقال الإمام علي(عليه السلام)في كلام له يصف فيه القرآن: «كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْض، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْض، وَلاَ يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، وَلاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ»(1).
ولنذكر مثالاً: تفسير المطر الوارد في قوله سبحانه: (وأمطَرنا عَلَيهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ المُنذَرين)(2) بالحجارة الواردة في آية أُخرى في هذا الشأن قال: (وأمطَرنا عَلَيهِم حِجارَةً مِن سِجِّيل).(3)
وفي الروايات المأثورة عن أهل البيت(عليهم السلام) نماذج كثيرة من هذا المنهج يقف عليها المتتبّع في الآثار الواردة عنهم عند الاستدلال بالآيات على كثير من الأحكام الشرعية الفرعية وغيرها، ومن ذلك:
1 . سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر(عليه السلام)عن وجوب القصر في الصلاة في السفر مع أنّه سبحانه يقول: (وَلَيْسَ عَلَيكُم جُناح)(4) ولم يقل: افعلوا؟
فأجاب الإمام(عليه السلام)بقوله: «أو ليس قد قال اللّه عزّ وجلّ في الصفا والمروة: (فَمَن حَجَّ البَيتَ أوِ اعتَمرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما)(5) ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض»(6).

1 . نهج البلاغة: الخطبة129.
2 . الشعراء:173.
3 . الحجر:74.
4 . الأحزاب: 5.
5 . البقرة: 158.
6 . الوسائل: 5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.

صفحه 205
2. روى المفيد في إرشاده: أنّ عمر أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمَّ برجمها فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن خاصمتك بكتاب اللّه خصمتك، إنّ اللّه تعالى يقول: (وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً)(1). ويقول: (وَالوالِداتُ يُرضِعنَ أولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أراد أن يُتِمَّ الرّضاعَة).(2)
فإذا تم، أتمّت المرأة الرضاع لسنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً كان الحمل منها ستة أشهر»، فخلّى عمر سبيل المرأة.(3)
فالآية الثانية فسّرت مقدار زمن الحمل في الآية الأُولى.
3. يقول سبحانه: (حم * والكِتابِ المُبينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكة).(4)
والآية الثالثة تدلّ على أنّ القرآن نزل في ليلة مباركة، وأمّا أيّة ليلة تلك، وفي أي شهر فيستفاد من ضم آيتين أُخريين، يقول سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة القَدْر)(5)، وقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضان الَّذي أُنْزلَ فيهِ القُرآن)(6)، فمن ضمّ هذه الآيات الثلاث يستفاد أنّ القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان.

1 . الأحقاف: 15.
2 . البقرة: 233.
3 . تفسير نور الثقلين: 5/14; الدر المنثور للسيوطي: 7/441، طبع دار الفكر بيروت.
4 . الدخان:1ـ3.
5 . القدر:1.
6 . البقرة:185.

صفحه 206
4. يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .(1)
غير أنّ حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه يعلوه إبهام يفسّره
قوله سبحانه: (وَلا تَكُونُوا كَالّذينَ نَسُوا اللّه فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون).(2)
فإنساء الذات الذي هو فعله تعالى عبارة عن حيلولته بين المرء وقلبه، ومَن نسي ذاته فقد أهلك نفسه.
5. يقول سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأَرْض نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللّهُ يَحْكُمُ لا مُعقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَريعُ الحِساب)(3) ولا شكّ أنّ الأرض لا تنقص بل ربّما تزيد كالسماء في قوله سبحانه: (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْد وَإنّا لَمُوسِعُون)(4) ، ففي الآية إبهامان: إبهام في الأرض، وإبهام في النقص; أمّا الأوّل فيرتفع الإبهام فيه بآية أُخرى حيث أطلق وأُريد منها البلد العامر، يقول: (إِنّما جَزاءُ الّذينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقتَّلُوا أَو يُصلَّبوا أَو تُقطّعَ أَيديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف أَو ينفوا مِنَ الأَرضِ ذلكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم)(5)، فإنّ المراد من الأرض

1 . الأنفال:24.
2 . الحشر:19.
3 . الرعد:41.
4 . الذاريات:47.
5 . المائدة:33.

صفحه 207
هو البلد العامر الذي يقطن فيها المحارب فينفى منها ليعيش بين البراري والقفار.
وأمّا النقص فتفسّره السنّة ، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)حيث قال: «فقد العلماء ».(1)
6. يقول سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيديَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ).(2)
فقد أطلق اليد وأبهم المراد منها، حيث إنّها تطلق على خصوص الأصابع، وعلى خصوص الكف، وعليه إلى المرافق، أو إلى الكتف، فيرفع الإبهام بقوله سبحانه: (وَأنّ المساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَع اللّهِ أَحداً)(3) حيث إنّ المستفاد منه على أنّ مواضع السجود للّه، وراحة الكف من مواضع السجود، وما كان للّه لا يُقطع.
7. يقول سبحانه: (إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ عَلى السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَالجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإِنْسانُ إِنّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً)(4)، فالآية تدلّ على كرامة الإنسان، بحيث أُهّل لحمل الأمانة.
وأمّا ما هو المراد من تلك الأمانة فيفسّرها قوله سبحانه: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ

1 . من لا يحضره الفقيه: 1 / 186 برقم 560، باب النوادر: ليس شيء أحب إلى إبليس من موت فقيه.
2 . المائدة:38.
3 . الجن:18.
4 . الأحزاب: 72.

صفحه 208
لِلْمَلائِكةِ إنّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَليفَةً)(1) ، فخلافة الإنسان عن اللّه سبحانه هي الأمانة التي وضعها اللّه سبحانه على عاتق الإنسان، فبما أنّه خليفة للّه سبحانه يجب أن يكون بصفاته وأفعاله مظهراً لصفات اللّه وأسمائه وأفعاله.
إلى غير ذلك من الآيات التي يفسّر بعضها بعضاً من دون رأي مسبق.
أقول: هذا النمط من التفسير كما يتحقّق بالتفسير الموضوعي، أي تفسير القرآن حسب الموضوعات; يتحقّق بالتفسير التجزيئي ـ أيضاً ـ ، أي حسب السور، سورة بعد سورة; وهذا هو تفسير «الميزان» كتب على نمط تفسير القرآن بالقرآن، لكن على حسب السور، دون الموضوعات، فرفع إبهام آية بآية أُخرى.
ولكن الصورة الكاملة لهذا النمط من التفسير تستدعي الإحاطة بالقرآن الكريم، وجمع الآيات الواردة في موضوع واحد، حتى تتجلّى الحقيقة من ضمِّ بعضها إلى بعض، واستنطاق بعضها ببعض، فيجب على القائم بهذا النمط، تفسير القرآن حسب الموضوعات، وهو نمط جليل يحتاج إلى عناء كثير، وقد قام العلاّمة المجلسي برفع بعض مشاكل هذا النمط فجمع الآيات الواردة في كلّ موضوع حسب الأبواب. وقد قامت اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) باستخراج ما جاء من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار وطبع بعنوان «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» في ستة أجزاء.

1 . البقرة:30.

صفحه 209
ولكن النمط الأوسط منه هو قراءة القرآن من أوّله إلى آخره، والتدقيق في مقاصد الآيات، ثم تصنيف الآيات حسب ما ورد فيها من الأبحاث والموضوعات، ففي هذا النوع من التفسير تستخرج الموضوعات من الآيات ثم تصنّف الآيات حسب الموضوعات المستخرجة، وهذا بخلاف ما قام به العلاّمة المجلسي، فهو صنّف الآيات حسب الموضوعات على ضوء ما جادت بها فكرته، أو جاءت في كتب الأحاديث والأخبار.
وهذا النمط من التفسير لايعني قول القائل: «حسبنا كتاب اللّه» المجمع على بطلانه عند عامّة المسلمين، لاهتمامهم بالسنّة مثل اهتمامهم بالقرآن، وإنّما يعني أنّ مشاكل القرآن ومبهماته ترتفع من ذلك الجانب.
وأمّا أنّه كاف لرفع جميع المبهمات حتى مجملات الآية ومطلقاتها فلا، إذ لاشكّ أنّ المجملات كالصلاة والزكاة تبيّن بالسنّة، والعمومات تخصّص بها، والمطلقات تقيّد بالأخبار، إلى غير ذلك من موارد الحاجة إلى السنّة.
هذا بعض الكلام في هذا المنهج، وقد وقع مورد العناية في هذا العصر، فقد آثرنا هذا النمط في تفسيرنا للذكر الحكيم، فخرج منه باللغة العربية عشرة أجزاء باسم «مفاهيم القرآن»، وباللغة الفارسية أربعة عشر جزءاً، طُبع باسم «منشور جاويد»، ولا ننكر أنّ هذا العبء الثقيل يحتاج إلى لجنة تحضيرية أوّلاً، وتحريرية ثانياً، وإشراف من الأساتذة ثالثاً، رزقنا اللّه تحقيق هذه الأُمنية.

صفحه 210
إنّ تفسير ابن كثير يستمد من هذا النمط أي تفسير الآيات بالآيات بين الحين والآخر، كما أنّ الشيخ محمد عبده في تفسيره الذي حرّر بقلم تلميذه اتّبع هذا المنهج في بعض الأحايين.
والأكمل من التفسيرين في اتّباع هذا المنهج هو تفسير السيد العلاّمة الطباطبائي فقد بنى تفسيره«الميزان» على تفسير الآية بالآية.
غير أنّ هذه التفاسير الثلاثة كما عرفت كتبت على نحو التفسير التجزيئي، أي تفسير القرآن سورة بعد سورة لا على تفسيره حسب الموضوعات.
وعلى كلّ تقدير فتفسير القرآن بالقرآن يتحقّق على النمط الموضوعي كما يتحقّق على النمط التجزيئي غير أنّ الأكمل هو اقتفاء النمط الأوّل.

المنهج الثاني: التفسير البياني للقرآن

هذا المنهج الذي ابتكره ـ حسب ما تدّعيه الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) ـ أُستاذها الأمين الخولي المصري، عبارة عن استقراء اللفظ القرآني في كلّ مواضع وروده للوصول إلى دلالته وعرض الظاهرة الأُسلوبية على كلّ نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة ثم سياقها العام في المصحف كلّه التماساً لسرّه البياني.
وحاصل هذا المنهج يدور على ضوابط، وهي:

صفحه 211
ألف: التناول الموضوعي لما يراد فهمه من القرآن، ويُبدأ بجمع كلّ ما في الكتاب المحكم من سور وآيات في الموضوع المدروس.
ب: ترتّب الآيات فيه حسب نزولها، لمعرفة ظروف الزمان والمكان كما يستأنس بالمرويات في أسباب النزول من حيث هي قرائن لابست نزول الآية دون أن يفوت المفسّر أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية.
ج: في فهم دلالات الألفاظ يُقدّر أنّ العربية هي لغة القرآن، فتلتمس الدلالة اللغوية الأصلية التي تعطينا حس العربية للمادّة في مختلف استعمالاتها الحسيّة والمجازية.
ثم يخلص لِلَمحِ الدلالة القرآنية بجمع كلّ ما في القرآن من صيغ اللفظ وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة، وسياقها العام في القرآن كلّه.
د : وفي فهم أسرار التعبير يحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم ملتزمين ما يحتمله نصّاً وروحاً، ويعرض عليه أقوال المفسّرين فيقبل منها ما يقبله النص.
هذه خلاصة هذا المنهج الذي ابتكره الأُستاذ الخولي المصري واقتفت أثره تلميذته بنت الشاطئ، فخرج من هذا المنهج كتاب باسم «التفسير البياني للقرآن الكريم» في جزأين تناول في الجزء الأوّل منه تفسير السور التالية: «الضحى، الشرح، الزلزلة، النازعات، العاديات، البلد، والتكاثر» كما تناول في الجزء الثاني تفسير السور التالية: «العلق، القلم،

صفحه 212
العصر، الليل، الفجر، الهمز، والماعون».
ولاشكّ أنّه نمط بديع بين التفاسير، إذ لايماثل شيئاً ممّا أُلّف في القرون الماضية من زمن الطبري إلى العصر الأخير الذي عرف فيه تفسير الإمام عبده وتفسير المراغي، فهذا النمط لايشابه التفاسير السابقة، غير أنّه لون من التفسير الموضوعي أوّلاً، وتفسير القرآن بالقرآن ثانياً، والنقطة البارزة في هذا النمط هو استقراء اللفظ القرآني في كلّ مواضع وروده في الكتاب.
وبعبارة أُخرى: يهتم المفسّر في فهم لغة القرآن بالتتبع في جميع صيغ هذا اللفظ الواردة في القرآن الكريم ثم يخرج من ضمّ بعض إلى بعض بحقيقة المعنى اللغوي الأصيل، وهو لا يترك هذا العمل حتى في أوضح الألفاظ. مثلاً تتبع في تفسير قوله سبحانه: (ألَم نَشرَح لَكَ صَدرَك) كلّ آية وردت فيها مادّة «الشرح» بصورها، أو كلّ آية ورد فيها مادّة «الصدر» بصيغها المختلفة، وهكذا في كلّ كلمة حتى وإن كان معناها واضحاً عندنا لكنّه لايعتني بهذا الوضوح، بل يرجع إلى نفس القرآن ثم يطبّق عليه سائر الضوابط من تدبّر سياق الآية وسياق السورة، وسياق الآية العام في القرآن كلّه.
والذي يؤاخذ على هذا النوع من التفسير أنّه أمر بديع قابل للاعتماد، غير أنّه لا يكفي في تفسير الآيات الفقهية بلا مراجعة السنّة، لأنّها عمومات فيها مخصّصها، أو مطلقات فيها مقيّدها، أو مجملات فيها مبيّنها.
نعم هذا النمط من التفسير يُغني عن كثير من الأبحاث اللغوية التي

صفحه 213
طرحها المفسّرون، لأنّ المفسّر في هذا النمط يريد أن يستخرج معنى اللفظ من التدبّر في النص القرآني، نعم معاجم العربية وكتب التفسير تعينه في بداية الأمر.
وربّما يوجد في روايات أهل البيت(عليهم السلام) في مواضع، هذا النوع من النمط، وهو الدقّة في خصوصيات الآية وجملها ومفرداتها.
1 . روى الصدوق بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك وقال: «يازرارة قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ونزل به الكتاب من اللّه عزّ وجلّ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم)فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يُغسل، ثم قال: (وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِق) فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يُغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلامين فقال: (وامسَحُوا بِرؤُوسِكُم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان «الباء» ثم وصل الرجلين بالرأس، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثم فسّر ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)للناس فضيّعوه»(1).
2. روى الكليني بسند صحيح عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سئل عن التيمّم، فتلا هذه الآية: (والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقطَعُوا أيْدِيَهُما) وقال: (فاغسِلُوا وجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِق)قال: «فامسح على كفّيك من حيث موضع القطع»(2).

1 . الوسائل: 1، الباب 23من أبواب الوضوء، الحديث1. والآية 6 من سورة المائدة.
2 . الوسائل: 2، الباب 13 من أبواب التيمّم، الحديث2.والآية 38 و 6من سورة المائدة .

صفحه 214
فقد استظهر الإمام(عليه السلام) في التيمّم كفاية المسح على الكفّين بحجّة أنّه أطلق الأيدي في آية السرقة والتيمّم ولم تقيّد بالمرافق وقال: (فَلَم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيّباً فَامسَحُوا بِوجُوهِكُم وأيْدِيكُم مِنه)(1)، فعلم أنّ القطع والتيمّم ليس من المرفقين.
وأمّا التعبير عن الزند بموضع القطع ـ مع أنّه ليس موضع القطع عند السرقة كما مرّ ـ فإنّما هو لأجل إفهام مبدأ المسح بالتعبير الرائج ذلك اليوم، أي موضع القطع عند القوم.
3. سأل أبو بصير أحد الصادقين(عليهما السلام): هل كانت صلاة النبيّ إلى بيت المقدس بأمر اللّه سبحانه أو لا ؟ قال: «نعم، ألا ترى أنّ اللّه تعالى يقول: (وَما جَعَلنا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيها إلاّ لِنَعلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ)»(2).

المنهج الثالث: تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية

في هذا المنهج يهتم المفسّر اهتماماً شديداً بالقراءة حتى يقف على الصحيح منها، لأنّه ينبعث عن تحريف القراءة، تحريف اللفظ القرآني المنزل، ومن ثمّ تحريف المعنى.
فالحرص على سلامة المنطق حرص على سلامة معنى النص القرآني، وصيانته من الشبهة أو التحريف.
والاهتمام بالقراءة يستدعي ـ منطقياً ـ الاهتمام بالصنعة النحوية، في

1 . المائدة: 6.
2 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب القبلة، الحديث2.والآية 143من سورة البقرة.

صفحه 215
النص القرآني إذ أنّ هذا الاهتمام بضبط أواخر الكلمات، إنّما يقصد أساساً إلى المعنى، فعلى المعنى يدور ضبط الكلمة وإعرابها، فالفاعل يُرفع والمفعول به يُنصب وما لحقه من الجر بسبب من أسبابه يُجر.
فالتفات النحويّين إلى إعراب القرآن كان التفاتاً طبيعياً، لأنّ الغاية من وضع النحو هو خدمة معنى القرآن وتحليته.
ففي ضوء ضبط القراءة ثم ضبط الإعراب القرآني، يتّضح مفاد الآية في هذا الإطار الخاص، مضافاً إلى تحقيق مفردات الآية لغوياً، وتوضيح معانيها الأصيلة.
وعلى هذا النمط تجد التفاسير الآتية:
1 . «معاني القرآن»: تأليف ابن زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (المتوفّى 207هـ) ففسّر مشكل إعراب القرآن ومعانيه على هذا المنهج، وقد طبع الكتاب في جزأين، حقّقهما محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي.
ويبدو من ديباجة الكتاب أنّ الفرّاء شرع في تأليفه سنة 204هـ .
والكتاب قيّم في نوعه، وإن كان غير واف بعامّة مقاصد القرآن الكريم.
2 . «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (المتوفّى213هـ وقيل غير ذلك).
يقول في مقدّمة الكتاب: قالوا: إنّما أُنزل القرآن بلسان عربي ومصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أُخرى: (وَما أرسَلنا مِن رَسُول إلاّ

صفحه 216
بِلسانِ قَومِه)(1) فَلم يحتج السلف ولا الّذين أدركوا وحيه إلى النبي أن يسألوا عن معانيه ،لأنّهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، و عمّا فيه ممّا في كلام العرب من وجوه الإعراب، ومن الغريب والمعاني.(2)
وهذا يعرب عن أنّه كان معتقداً بأنّ الإحاطة باللغة العربية، كافية في إخراج معاني القرآن، وهو كما ترى.
نعم القرآن نمط من التعبير العربي لكن ليس كلّ تعبير عربي غنيّاً عن البيان، خصوصاً في مجال التشريع والتقنين الذي نرى تفصيله في السنّة.
ولايقصد أبو عبيدة من المجاز ما يقابل الحقيقة، بل يريد ما يتوقّف فهم الآية على تقدير محذوف، وما شابه ذلك، وهو على غرار «مجازات القرآن» للشريف الرضي ـ رضوان اللّه عليه ـ ولكن الشريف الرضي خصّص كتابه بالمجاز بمعناه المصطلح.
مثلاً يقول أبو عبيدة: ومن المحتمل من مجاز ما اختصر وفيه مضمر، قال: (وانطَلَقَ المَلأُ مِنهُم أنِ امشُوا وَاصبِرُوا)(3) فهذا مختصر فيه ضمير مجازه: (وانطَلَقَ المَلأُ مِنهُم) ثم اختصر إلى فعلهم، وأضمر فيه: وتواصوا أن امشوا، أوتنادوا: أن امشوا، أو نحو ذلك.

1 . إبراهيم: 4.
2 . مجاز القرآن:8، تحقيق د. محمد فؤاد سزكين، طبعة دار الفكر.
3 . ص: 6.

صفحه 217
وفي آية أُخرى: (ماذا أرادَ اللّهُ بِهذا مَثلاً)(1) فهذا من قول الكفّار، ثم اختصر إلى قول اللّه، وأُضمر فيه: قل يامحمّد: (يُضِلُّ بِهِ كَثيراً)(2)، فهذا من كلام اللّه.
ومن مجاز ما حُذف وفيه مضمر، قال: (واسْئَلِ القَرْيَةَ التي كُنَّا فِيها والعِيرَ التي أَقبَلْنا فِيها)،(3) فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: واسأل أهل القرية، ومَن في العير.(4)
وقد طبع الكتاب وانتشر.
3 . «معاني القرآن» لأبي إسحاق الزجّاج (المتوفّى 311هـ)، ويحدّد ابن النديم تاريخ تأليف هذا الكتاب في نص قرأه على ظهر كتاب المعاني: ابتدأ أبو إسحاق إملاء كتابه الموسوم بـ«معاني القرآن» في صفر سنة 285هـ وأتمّه في شهر ربيع الأوّل سنة 301 هـ .
والكتاب بعد مخطوط، ومنه نسخ متفرّقة في المكتبات.
4. «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: تأليف الشريف الرضي أبي الحسن، محمد بن الحسين (359 ـ 406 هـ) .
يقول في أوّله: إنّ بعض الإخوان جاراني وذكر ما يشتمل عليه القرآن من عجائب الاستعارات وغرائب المجازات، التي هي أحسن من الحقائق

1 . البقرة: 26.
2 . البقرة: 26.
3 . يوسف:82.
4 . مجاز القرآن:8.

صفحه 218
مَعْرضاً، وأنفع للعلّة معنى ولفظاً، وإنّ اللفظة التي وقعت مستعارة لو أوقعت في موقعها، لفظة الحقيقة لكان موضعها نابياً بها، ونصابها قلقاً بمركّبها، إذا كان الحكيم سبحانه لم يورد ألفاظ المجازات لضيق العبارة عليه، ولكن لأنّها أجلى في أسماع السامعين، وأشبه بلغة المخاطبين، وسألني أن أجرّد جميع ما في القرآن في ذلك على ترتيب السور ليكون اجتماعه أجلّ موقعاً وأعمّ نفعاً، ولتكون في ذلك أيضاً فائدة أُخرى.
(إلى أن قال): وقد كنت أوردت في كتابي الكبير «حقائق التأويل في متشابه التنزيل» طرفاً كبيراً من هذا الجنس، أطلتُ الكلام والتنبيه على غوامض العجائب التي فيه من غير استقصاء أوانه(1).
وبهذا البيان امتاز نمط هذا التأليف عمّا ألّفه أبو عبيدة وأسماه بمجاز القرآن.
فالشريف يروم من المجاز القسم المصطلح، ولكنّ أبا عبيدة يروم الكلام الخارج على غير النمط العادي من حذف وتقدير وتأخير، وإضمار وغير ذلك.

المنهج الرابع: تفسير القرآن بالمأثور عن النبي والأئمة (عليهم السلام)

ومن التفسير بالمنقول هو تفسير القرآن بما أثر عن النبي والأئمة المعصومين(عليهم السلام)أو الصحابة والتابعين، وقد ظهر هذا النوع من المنهج بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن المعروفين في سلوك هذا المنهج بعد عهد الرسالة

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 2، طبعة عالم الكتب.

صفحه 219
عبد اللّه بن عباس، وهو القائل: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب(عليه السلام).(1) وحسبك هذه الشهادة من ترجمان القرآن.
نعم روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه دعا له بالفقه والحكمة وتأويل القرآن.(2)
وقد ذاع هذا المنهج من القرن الأوّل إلى عصرنا هذا، فظهر بين المفسّرين مَن يكتفون في التفسير بالأثر المروي ولايتجاوزون عنه، حتى أنّ بعض المفسّرين لايذكر الآية التي لايجد حولها أثراً من النبي والأئمة، كما هو ديدن تفسير «البرهان» للسيد البحراني، فإليك أشهر التفاسير الحديثية بين الفريقين.
أمّا أشهر المصنّفات على هذا النمط عند أهل السنّة فهي عبارة عن:
1. تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310هـ) وسماه بـ «جامع البيان في تأويل آي القرآن»، وهذا الكتاب أوسع ما أُلّف في هذا المجال، ومن مزايا هذا التفسير ذكر الروايات مسندة أو موقوفة على الصحابة والتابعين، وقد سهّل بذلك طريق التحقيق والتثبيت منها، نعم فيها من الإسرائيليّات والمسيحيّات ما لا يحصى كثرة.
2. ويليه في التبسط تفسير الثعلبي (المتوفّى 427هـ) باسم «الكشف والبيان»، وقد طبع أخيراً وانتشر، ومؤلّفه من المعترفين بفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روى نزول كثير من الآيات في حقّ العترة الطاهرة، وينقل

1 . مناهل العرفان: 1/ 468.
2 . لاحظ: أُسد الغابة: 3/193.

صفحه 220
عنه كثيراً السيد البحراني في كتبه مثل «غاية المرام» و«تفسير البرهان».
3. تفسير «الدر المنثور» للسيوطي (المتوفّى 911هـ) ففيه ما ذكره الطبري في تفسيره وغيره ويبدو من كتابه «الإتقان» أنّه جعله مقدّمة لذلك التفسير، وقد ذكر في خاتمة «الإتقان» نبذة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من أوّل الفاتحة إلى سورة الناس.
هذه أشهر التفاسير الحديثية عند أهل السنّة، اكتفينا بذلك روماً للاختصار.
وأمّا التفسير بالمأثور عند الشيعة، فأشهرها ما يلي:
1. تفسير محمد بن مسعود العيّاشي المعاصر للكليني الذي توفّي عام 329هـ ، وقد طبع في جزأين، غير أنّ ناسخ الكتاب في القرون السابقة، جنى على الكتاب جناية علمية لاتغتفر حيث أسقط الأسانيد، وأتى بالمتون، وبذلك سدّ على المحقّقين باب التحقيق.
وقد قامت مؤسسة البعثة في قم المقدّسة بتحقيق الكتاب وطبعه في عام 1421 هـ في ثلاثة أجزاء، يحتوي الجزء الثالث منه على ملحقات مهمة، منها استدراك ما سقط من الأحاديث في النسخة الأصلية والإتيان بها من المصادر الأُخرى الّتي نقلت الأحاديث عن العيّاشي وخلت منها النسخة الموجودة. كما قامت لجنة التحقيق باستخراج أسانيد الكتاب من المصادر الّتي نقلت الأحاديث عن العيّاشي مع أسانيدها، كرجال الكشي، وكمال الدين، وعلل الشرائع، وشواهد التنزيل، وكامل الزيارات وغيرها، فأعادوا للكتاب بعض اعتباره، فجزاهم الله خير الجزاء.

صفحه 221
2. تفسير علي بن إبراهيم القمّي (الذي كان حيّاً عام 307 هـ)، وتفسيره هذا مطبوع قديماً وحديثاً، غير أنّ التفسير ليس لعلي بن إبراهيم القمّي وحده، وإنّما هو تفسير ممزوج من تفسيرين، فهو ملفّق ممّا أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس، وما رواه تلميذه بسنده الخاص، عن أبي الجارود عن الإمام الباقر (عليه السلام)، وقد أوضحنا حاله في أبحاثنا الرجالية(1).
3. «البرهان في تفسير القرآن» للسيد هاشم البحراني (المتوفّى 1107 هـ).
4. تفسير «نور الثقلين» للشيخ عبد علي الحويزي من علماء القرن الحادي عشر.
والاستفادة من التفسير بالمأثور يتوقّف على تحقيق اسناد الروايات، لكثرة تطرّق الإسرائيليّات والمسيحيّات والمجوسيّات المروية من مسلمة أهل الكتاب إليها أو مستسلمتهم.
وهناك كلمة قيّمة لابن خلدون يقول: إنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولاعلم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونّات، وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت

1 . راجع: كليات في علم الرجال: 311 ـ315.

صفحه 222
التفاسير من المنقولات عنهم وتُلقّيت بالقبول، وتساهل المفسّرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلّها ـ كما قلنا ـ من التوراة أو ممّا كانوا يفترون(1).
ولأجل ذلك ترى أنّ ما أتى به الطبري في تفسيره حول قصة آدم وحواء يطابق ما جاء في التوراة.
والعجب أنّ كتب التفسير مملوءة من أقاويل هؤلاء (أي مسلمة أهل الكتاب) ومَن أخذ عنهم، من المسلمين أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء والضحّاك.
فهؤلاء مضافاً إلى ما ورد فيهم من الجرح والطعن في كتب الرجال المعتبرة عند أهل السنّة، كانوا يأخذون ما أثر عنهم من التفاسير من اليهود والنصارى.(2)
وأمّا ما يتراءى من نقل أقوالهم في تفاسير الشيعة كـ«التبيان» لشيخ الطائفة الطوسي، و«مجمع البيان» للشيخ الطبرسي، فعذرهم في نقل أقوالهم هو رواجها في تلك العصور والأزمنة بحيث كان الجهل بها نقصاً في التفسير وسبباً لعدم الاعتناء به.
وعلى كلّ تقدير فالتفسير بالمأثور يتوقّف على توفر شرائط الحجّية فيه، إلاّ إذا كان الخبر ناظراً إلى بيان كيفية الاستفادة من الآية، ومرشداً إلى

1 . مقدّمة ابن خلدون: 439.
2 . لاحظ: آلاء الرحمن: 1/ 46.

صفحه 223
القرائن الموجودة فيها، فعندئذ تلاحظ كيفية الاستفادة، فعلى فرض صحّة الاستنتاج يؤخذ بالنتيجة وإن كان الخبر غير واجد للشرائط، كما عرفت نماذج منه.
وأمّا إذا كان التفسير مبنياً على التعبّد فلا يؤخذ به إلاّ عند توفّر الشرائط.
هذه هي المناهج التفسيرية على وجه الاختصار وقد عرفت المقبول والمردود، غير أنّ المنهج الكامل عبارة عن المنهج الذي يعتمد على مجموع الأساليب الصحيحة، فيعتمد في تفسير القرآن على العقل القطعي الذي هو كالقرينة، كما يفسّر القرآن بعضه ببعض، ويرفع إبهام الآية بأُختها، ويستفيد من الأثر الصحيح الذي يكون حجّة بينه وبين ربّه، إلى غير ذلك من المناهج التي مرّ بيانها.
***
بعد أن تعرّفت على أنواع المناهج التفسيرية حان الوقت لبيان أنواع الاهتمامات التفسيرية، وهذا ما ستقرأه في المبحث التالي.

صفحه 224

المبحث السادس والعشرون

أنواع الاهتمامات التفسيرية

قد عرفت في المبحث السابق الفرق بين المناهج التفسيرية والاهتمامات التفسيرية، وقد تمّ الكلام في الأُولى، وإليك بيان أنواع هذه الاهتمامات، فنقول:

الأوّل: تفسير القرآن في ظل العقل الحصيف

قد يطلق التفسير بالعقل، ويراد به التفسير بغير النقل، سواء أكان التفسير بالعقل الفطري، أم بالقواعد الدارجة في المدارس الكلامية، أو بتأويلات الباطنية، أو الصوفية، أو التفسير حسب العلوم الحديثة. والتفسير بالعقل بهذا المعنى يعم جميع هذا النوع من التفسير. وبهذا صار أيضاً ملاكاً لتقسيم المناهج التفسيرية إلى المنهج العقلي والنقلي.
وقد يطلق ويراد به تفسير الآيات من منظار العقل الفطري والعقل الحصيف والبراهين المشرقة غير الملتوية الواضحة لكلّ أرباب العقول، وهذا هو المراد في المقام، وهو بهذا المعنى قسم من المناهج التفسيرية

صفحه 225
العقلية فلاحظ.(1)
وبما أنّ العقل ينقسم إلى عقل نظري وإلى عقل عملي(2)، فالآيات الواردة حول العقائد والمعارف تفسّر في ظل العقل النظري، كما أنّ الآيات الواردة حول الحقوق والأخلاق والاجتماع تفسّر بما هو المسلم عند العقل العملي.
ولأجل إيضاح هذا النوع من التفسير بالعقل الذي يفارق التفسير على سائر المعايير العقلية كما أشرنا إليها، نذكر نماذج في مجالي العقل النظري والعقل العملي، ولنقدّم الكلام في الأوّل على الثاني.

1. واحد لا ثاني له

يقول سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير)(3) فالآية تنفي أن يكون له سبحانه أيُّ مثل وندّ، وفي سورة أُخرى يقول: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد)(4) وهذه عقيدة صريحة إسلامية، يمكن أن تُفسّر في ضوء الحكم العقلي بالبيان التالي:
أ. صرف الوجود لا يتعدّد
إذا كان الموجود منزّهاً عن كلّ حدّ وقيد، على نحو ليس له واقعية

1 . والعقل بالمعنى الأوّل مقسم للمناهج الستة، وبالمعنى الثاني قسم منها.
2 . المراد من العقل النظري: إدراك ما يجب أن يعلم، كحاجة الممكن إلى العلّة; والمراد من العقل العملي، إدراك ما يجب أن يعمل ويطبَّق على الحياة، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح.
3 . الشورى:11.
4 . الإخلاص:4.

صفحه 226
سوى الوجود المطلق فهو لا يتكرّر ولا يتعدّد، بمعنى أنّه لا تتعقّل له الاثنينية والكثرة، لأنّ ما فرضته ثانياً بحكم أنّه أيضاً منزّه عن كلّ قيد وحدّ وخليط، يكون مثل الأوّل فلا يتميّز ولا يتشخّص، وقد قام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)بتفسير الآية على ضوء هذا الحكم العقلي.
روى الصدوق أنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إنّ اللّه واحد؟ قال: فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب، فقال أمير المؤمنين: «دعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم»... ثمّ قال شارحاً ما سأله عنه الأعرابي: «وقول القائل واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال: ثالث ثلاثة».
ثمّ قال: «معنى هو واحد: أنّه ليس له في الأشياء شِبْه، كذلك ربّنا ، و قول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديُّ المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ».(1)
فالإمام (عليه السلام)لم يكتف ببيان المقصود من وصفه سبحانه بأنّه واحد، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحديّ الذات، الذي يهدف إلى كونه بسيطاً لا جزء له في الخارج والذهن. و التوحيد بهذا المعنى هو القسم الثاني(2) من التوحيد الذاتي المبحوث عنه في محلّه.

1 . توحيد الصدوق:83ـ 84.
2 . والقسم الأوّل هو أنّه واحد لا مثل له.

صفحه 227

ب. التعدّد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر، لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، ولابدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك، كما هو الحال في كلّ مثلين، وذلك يستلزم تركّب كلّ منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز، والمركّب بما أنّه محتاج إلى أجزائه لا يكون موصوفاً بكونه واجب الوجود، بل يكون ـ لأجل الحاجة ـ ممكناً، وهو خلاف الفرض.
وباختصار لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما، وذلك أنّهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميّزا لم تحصل الاثنينية، وإن تميّزا لزم تركّب كلّ واحد منهما ممّا به المشاركة وما به الممايزة، وكلّ مركّب ممكن، فيكونان ممكنين، وهذا خلاف الفرض.

ج. الوجود اللا متناهي لا يقبل التعدّد

هذا البرهان مؤلّف من صغرى و كبرى، والنتيجة هي وحدة الواجب وعدم إمكان تعدّده، وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كلّ من صغراه وكبراه.
وجود الواجب غير متناه.
وكلّ غير متناه واحد لا يقبل التعدّد.
فالنتيجة: وجود الواجب واحد لا يقبل التعدّد.
وإليك البرهنة على كلّ من المقدّمتين.

صفحه 228
أمّا الصغرى: فإنّ محدودية الموجود، ملازمة لتلبّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى لاحظ الكتاب الموضوع بحجم خاص، فإنّك إذا نظرت إلى أيّ طرف من أطرافه ترى أنّه ينتهي إليه وينعدم بعده، ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها، حتّى أنّ جبال الهملايا مع عظمتها محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حدّها، وهذه خصيصة كلّ موجود متناه زماناً أو مكاناً أو غير ذلك، فالمحدودية والتلبّس بالعدم متلازمان. وجلّ الواجبُ أن يكون متلبّساً بالعدم.
وبتقرير آخر: إنّ عوامل المحدودية تتمحور في الأُمور التالية:
1. كون الشيء محدوداً بالماهية ومزدوجاً بها، فإنّها حدّ وجود الشيء والوجود المطلق بلا ماهية غير محدّد ولا مقيّد وإنّما يتحدّد بالماهية.
2. كون الشيء واقعاً في إطار الزمان، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدّد وجود الشيء في زمان دون آخر.
3. كون الشيء في حيّز المكان، وهو أيضاً يُحدّد وجود الشيء ويخصّه بمكان دون آخر.
وأمّا الكبرى: فهي واضحة بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ فرض تعدّد اللامتناهي يستلزم أن نعتبر كلّ واحد منهما متناهياً من بعض الجهات حتى يصحّ لنا أن نقول هذا غير ذاك، ولا يقال هذا إلاّ إذا كان كلّ واحد متميزاً عن الآخر، والتميّز يستلزم أن لا يوجد الأوّل حيث يوجد الثاني، وكذا العكس. وهذه هي «المحدودية» وعين «التناهي»، والمفروض أنّه سبحانه غير

صفحه 229
محدود ولا متناه.
فيستنتج من هاتين المقدّمتين أنّ وجود الواجب واحد لا يقبل التعدّد.
ومن لطيف القول ما نجده في كلامه سبحانه حيث إنّه بعد ما يصف نفسه بالوحدانية يعقبه بوصف القهّارية ويقول: (الواحِدُ القَهّارَ) (1) ،وما ذلك إلاّ لأنّ المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإذا كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، فكأنّ اللامحدودية تلازم وصف القاهرية، وقد عرفت أنّ ما لا حدّ له يكون واحداً لا يقبل التعدّد، فقوله سبحانه: (وَهُوَ الواحِدُ القَهّار) من قبيل ذكر الشيء مع البيّنة والبرهان.

2. لا مدبّر للكون إلاّ اللّه

إنّ القرآن يستدلّ على وحدة المدبّر ببرهان شيّق، ويقول: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُون)(2)، والمراد من الإله في المقام هو الإله الخالق ردّاً على الثنوية الذين يظنون أنّ خالق الخير غير خالق الشر، أو النصرانية حيث ذهبت إلى التثليث.
وحاصل البرهان: إذا افترضنا أنّ للكون خالقين وأنّ العالم مخلوق لإلهين، فإنّه لابدّ أن نقول ـ بحكم كونهما اثنين ـ إنّهما يختلفان عن بعض في جهة أو جهات، وإلاّ لما صحّت الاثنينية والتعدّد أي لما صحّ ـ حينئذ ـ

1 . الرعد:16.
2 . الأنبياء:22.

صفحه 230
أن يكونا اثنين دون أن يكون بينهما أي نوع من الاختلاف.
ومن المعلوم أنّ الاختلاف في الذات سبب للاختلاف في طريقة التدبير والإرادة بين المختلفين ذاتاً.
فإذا كان تدبير العالم العلوي ـ مثلاً ـ من تدبير واحد من الإلهين وتدبير العالم السفلي من تدبير إله آخر، فإنّ من الحتميّ أن ينفصم الترابط بين نظامي العالمين، ويزول الارتباط بينهما، لأنّه من المستحيل تدبير موجود ذي أجزاء منسجمة بتدبيرين متنافيين متضادّين.
وينتج من ذلك التفكّكُ بين جزئي العالم، وبالتالي فساد الكون بأسره من سماوات وأرض وما بينهما، لأنّا جميعاً نعلم بأنّ بقاء النظام الكوني ناشئ من الارتباط الحاكم على أجزاء المنظومة الشمسية بحيث لو فقد هذا الارتباط على إثر الاختلاف في التدبير ـ مثل أن تختل قوّتا الجذب والدفع ـ لتعرّض الكون بأسره للخلل ولم يبق للكون وجود ولا أثر.
هذا هو البرهان المشرق الذي يفسّر الآية بالعقل الصريح.

3.اللّه تبارك وتعالى فوق الرؤية

يقول سبحانه:(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ)(1)، أنّ الذكر الحكيم يُجلُّ اللهَ سبحانه من أن تدركه الأبصار، وفي الوقت نفسه هو يدرك الأبصار، ويمكن تفسير هذه الآية بالوجوه التالية:

1 . الأنعام:103.

صفحه 231
1. أنّ اللّه تعالى ليس في جهة ولا في مكان بدليل أنّ ما كان في الجهة والمكان، مفتقر إليهما وهو محال عليه، واللّه تعالى ليس بمرئي بدليل أنّ كلّ مرئي لابدّ أن يكون في جهة.(1)
وبعبارة أُخرى: أنّ الرؤية إنّما تصحّ لمن كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والمقابلة إنّما تكون في حقّ الأجسام ذوات الجهة، واللّه تعالى ليس في جهة فلا يكون مرئياً.
2. أنّ الرؤية إمّا أن تقع على الذات كلّها أو على بعضها، فعلى الأوّل يلزم أن يكون محدوداً متناهياً محصوراً شاغلاً لناحية من النواحي، وخلوّ النواحي الأُخرى منه تعالى، وذلك مستحيل، وإمّا أن تقع على بعض الذات فيلزم أيضاً أن يكون مركباً، متحيّزاً، ذا جهة، إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة الباطلة المرفوضة في حقّه تعالى.
3. أنّ الرؤية بواسطة العين نوع إشارة بها إلى المرئي وهو سبحانه منزّه عن الإشارة.
4. أنّ الرؤية لا تتحقّق إلاّ بانبعاث أشعة من المرئي إلى العين وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً ذات أبعاد ومعرضاً لعوارض وأحكام جسمانية، وهو المنزّه عن كلّ ذلك.(2)

1 . مجموعة الرسائل العشر، المسألة16ـ17.
2 . لاحظ: أنوار الملكوت في شرح الياقوت:82ـ83 ; اللوامع الإلهية:81ـ82 ; كشف المراد:182.

صفحه 232

4. هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن

يصف سبحانه نفسه بأنّه الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، ويقول: (هُوَ الأَوّلُ وَالآخرُ وَالظّاهرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَليمٌ) .(1)
وهذه الصفات صفات متناقضة لا تجتمع في شيء واحد مع أنّه سبحانه يصف نفسه بها، فلو كان أوّلاً كيف يكون آخراً؟ ولو كان ظاهراً كيف يكون باطناً؟ فأوّل الناس في العمل لا يكون آخرهم فيه، وهكذا الظاهر والباطن.
ولكن يمكن تفسير ذلك من خلال كونه محيطاً بالموجودات الإمكانية أوّلاً، وقيامهم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي ثانياً.
فإذا كان محيطاً بوجوده على كلّ شيء فكلّما فرض أوّلاً فهو قبله بحكم كونه محيطاً والشيء محاطاً، فهو الأوّل دون الشيء المفروض أوّلاً، وكلّ ما فرض آخراً فهو بعده لحيثية إحاطة وجوده به من كلّ جهة، فهو الآخر دون الشيء المفروض وليس أوّليته تعالى ولا آخريته زمانية ولا مكانية، بل بمعنى كونه محيطاً بالأشياء على أيّ نحو فرضت وكيفما تصوّرت.
فإذا كان العالم قائماً به قيام المعنى الحرفي بالاسمي، فكيف يمكن خلو العالم عن وجود الواجب؟ فالعالم بما فيه من الصغير والكبير، ومن الذرة إلى المجرّة، ومن المادّي إلى المجرد، قائم به سبحانه قيام المعنى

1 . الحديد:3.

صفحه 233
الحرفي بالمعنى الاسمي، فيكون سبحانه ظاهر العالم وباطنه.
وبالجملة إحاطته له وقيمومته للوجود الإمكاني يجعله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ويترتّب عليه قوله سبحانه (وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ ما كُنْتُمْ)(1)، ومن الخطأ الواضح تفسير هذه المعيّة بالمعيّة العلمية، بل هي معيّة وجودية قيوميّة حسب ما ذكره الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)في خطبته: «لَمْ يَحْلُلْ فِي الاَْشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ».(2)
إلى هنا تبيّنت كيفية تفسير الآية بالعقل الحصيف، وقد أتينا بنماذج أربعة من هذه المقولة، أعني:
أ. واحد لا ثاني له.
ب. ليس للعالم مدبّر سواه.
ج. أنّه سبحانه فوق الرؤية.
د. أنّه سبحانه هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن.
كلّ ذلك من قبيل تفسير الآية بالعقل الحصيف النظري في مقابل التفسير بالعقل الحصيف العملي الذي سنوضحه تالياً.

القرآن والعقل العملي

قسّم الحكماء العقل إلى عقل نظري وعقل عملي، والمراد هو تقسيم

1 . الحديد: 4.
2 . نهج البلاغة: الخطبة:65، ولاحظ: الخطبة: 179.

صفحه 234
المُدرَك إلى هذين القسمين، وإلاّ فالعقل المدرِك واحد بجوهره ووجوده، فما يدركه لو كان من قبيل ما يجب أن يُعلم ويُدرك فهو عقل نظري ـ كما عرفت من الأمثلة السابقة ـ حيث أدركنا أنّ اللّه سبحانه واحد لا نظير له، وأنّه مدبّر لا مدبّر سواه، وأنّه فوق أن يُرى وأنّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن.
وأمّا ما يدركه العقل ممّا يجب أن يعمل ويُطبّق على الحياة فيعبّر عنه بالعقل العملي أي المدرَك الذي يجب أن يعمل به في نظر العقل، وهذا ما يعبّر عنه بالتحسين والتقبيح العقليّين الذي له فروع وشؤون في نظر العقل.
فهناك مَن يفسّر القرآن الكريم بالعقل الصريح العملي، وإليك نموذجين من هذه المقولة.

1. تنزيهه سبحانه عن العبث

إذا قلنا بالتحسين والتقبيح العقليين وأنّ العقل يدرك لزوم ما يحسّنه العقل والاجتناب عمّا يقبّحه، يفسّر بذلك لفيف من الآيات:
أ. أنّه سبحانه يصف فعله بالنزاهة عن العبث واللغو، ويقول:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَانّكُمْ إِلينا لا تُرجعُون) .(1)
(وَما خَلَقْنا السَّموات وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبين) .(2)
(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ

1 . المؤمنون:115.
2 . الدخان:38.

صفحه 235
لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّار).(1)
(وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُون) .(2)
وعلى ضوء ذلك فأفعاله سبحانه لا تنفكّ عن الأغراض، لكن الغرض غاية للفعل لا للفاعل، وبذلك يعلم جواب السؤال التالي:
لو كان فعله تعالى نابعاً عن الغرض لكان ناقصاً بذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الاكتمال.
والجواب: أنّ السائل خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال موجود في الأوّل دون الثاني، والقائل بأنّ أفعاله سبحانه ليست منفكّة عن الغايات والدواعي إنّما يعني بها الثاني، أي كونه غرضاً للفعل دون الأوّل، فإنّ الغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنياً بالذات، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً وعن كونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع بين كونه غنياً غير محتاج إليه وكونه حكيماً منزّهاً عن العبث واللغو يحصل باشتمال أفعاله على مصالح وحكم ترجع إلى العباد والنظام لا إلى وجوده وذاته.
نعم ربّما يمكن أن يقال: إنّ هذا النوع من التفسير يرجع إلى تفسير الآية في ضوء المدارس الكلامية مع أنّ البحث في غيره.

1 . سورة ص:27.
2 . الذاريات:56.

صفحه 236
والجواب: أنّ المقصود من المدارس الكلامية هو الأحكام العقلية غير الواضحة على أكثر العقول، وأمّا الظاهر عليه فهو تفسير بالعقل الصريح، والتحسين والتقبيح من هذا النوع من الإدراكات العقلية وإن استخدمته العدلية في مدارسهم الكلامية.

2. اللّه عادل لا يجور

إنّه سبحانه يصف نفسه بكونه قائماً بالقسط، يقول: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَة وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ).(1)
وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط، عرّف الغاية من بعثة الأنبياء بإقامة القسط بين الناس.
قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلنا بِالبَيّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ).(2)
كما صرّح بأنّ القسط هو الركن الأساس في محاسبة العباد يوم القيامة، إذ يقول سبحانه: (وَنَضَعُ المَوازينَ القِسْطِ لِيَوْمِ القِيامَة فَلا تظلِمُ نَفسٌ شَيْئاً).(3)
وما في هذه الآيات وغيرها إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بأنّ العدل كمال لكلّ موجود حيّ مدرك مختار، وأنّه يجب أن

1 . آل عمران:18.
2 . الحديد:25.
3 . الأنبياء:47.

صفحه 237
يوصف اللّه تعالى به في أفعاله في الدنيا والآخرة، ويجب أن يقوم سفراؤه به.
وبعبارة أُخرى: اللّه سبحانه عادل، لأنّ الظلم قبيح، ولا يصدر القبيح من الحكيم، فلا يصدر الظلم من اللّه سبحانه.
هذا نموذج ثان لتفسير الآيات بالعقل العملي الصريح، وعليك الإمعان في سائر الآيات التي ترجع إلى العقائد، كي تستخرج منها ما يرجع إلى العقل النظري وما يرجع إلى العقل العملي وتفسيرها بأحدهما في نهاية الأمر.
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: أنّه سبحانه يصف نفسه في سورة الحشر بصفات لا يمكن تفسيرها إلاّ في ضوء العقل الصريح، فمَن رفض العقل في تفسير القرآن الكريم يعرقل خطاه في تفسير هذا القسم من الآيات التالية:
(هُوَ اللّهُ الّذي لا إلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادةِ هُوَ الرّحمنُ الرَّحيم).(1)
( هُوَ اللّهُ الّذي لا إلهَ إِلاّهُوَ المَلِكُ الْقُدُوس السَّلام المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيِزُ الجَبّار المُتَكَبِّر سُبحانَ اللّه عَمّا يُشْرِكُونَ).(2)
(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارئُ المُصَوِّر لَهُ الأَسماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي

1 . الحشر: 22 .
2 . الحشر: 23.

صفحه 238
السَّماوات وَالأَرض وَهُوَ العَزيزُ الحَكيم).(1)
وفي هذا القسم من التفسير لا يهتم المفسّر في إخضاع الآيات لمنهج عقلي كلامي خاص، وإنّما هو من قبيل الاستضاءة بهذه الأُصول الثابتة عند العقل في تحصيل الآيات.
الثاني: أنّ مَن اتّخذ العقل أداة وحيدة للتفسير يجب عليه الاقتصار على تفسير الآيات الراجعة إلى العقائد والمعارف وشيئاً ممّا يرجع إلى الأخلاق والمسائل الاجتماعية ولا يتمكّن من تفسير آيات الأحكام والقصص والمغازي وما أشبههما.
الثالث: قد وقفت على كتاب أسماه مؤلّفه السيد نور الدين بن شفيع العراقي (المتوفّى عام 1341هـ. ق) «القرآن والعقل» و قد طبع في أجزاء ثلاثة، فقد قام بتفسير القرآن بما يوحي إليه عقله الشخصي ويدركه بوجدانه، وإنّما أسمى كتابه بهذا لأنّه لم يكن حين تأليف التفسير كتاب سوى تفسير الجلالين، وقد ألّفه وهو في ساحات الحروب ينتقل من مكان إلى آخر.
تفسير القرآن على ضوء المدارس الكلامية والسنن المختلفة   
وعلى كلّ تقدير فليس ما ألّفه على غرار ما ذكرنا من التفسير بالعقل السليم، فلاحظ.
***

1 . الحشر: 24.

صفحه 239

الثاني: تفسير القرآن على ضوء المدارس الكلامية

والسنن المختلفة
هذا هو القسم الثاني من تفسير القرآن بالعقل أي بغير الأثر المروي، والمراد من هذا القسم هو إخضاع الآيات للعقائد التي اعتنقها المفسّر في مدرسته الكلامية، ونجد هذا اللون من التفسير بالعقل غالباً في تفاسير أصحاب المقالات: المعتزلة والأشاعرة، فإنّ لهؤلاء عقائد خاصّة في مجالات مختلفة، زعموا أنّها حقائق راهنة على ضوء الاستدلال، وفي مجال التفسير حملوا الآيات على معتقدهم، وإن كان ظاهر الآية يأباه ولا يتحمّله، غير أنّ هذا النمط من التفسير بالرأي والعقل، يختلف حسب بُعد المعتقد عن مدلول الآية، فربّما يكون التفسير بعيداً عن الآية، ولكن تتحمّلها الآية بتصرّف يسير، وربّما يكون الأصل الكلامي بعيداً عن الآية غاية البعد بحيث لا تتحمّله الآية حتى بالتصرّف الكثير فضلاً عن اليسير.
وإليك نماذج من التفسير على ضوء المدارس الكلامية.

الأوّل: تفسير الآيات على ضوء مدرسة الاعتزال

1. الشفاعة حطّ الذنوب أو رفع الدرجة

إنّ الشفاعة لم تكن فكرة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين جميع أُمم العالم من قبلُ وخاصةً بين الوثنيّين واليهود. نعم إنّ الإسلام قد طرحها مهذَّبة من الخرافات، وممّا نُسِج حولها

صفحه 240
من الأوهام.
ومن وقف على آراء اليهود والوثنيّين في أمر الشفاعة يقف على أنّ الشفاعة الدارجة بينهم كانت مبنيّة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم في حطّ الذنوب وغفران آثامهم، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ويرتكبون الذنوب، تعويلاً على ذلك الرجاء، فالآيات النافية للشفاعة والمثبتة لها تحت شرائط خاصّة، كلّها راجعة إلى الشفاعة بهذا المعنى فلو نُفِيَت فالمنفي هو هذا المعنى، ولو قُبِلت والمقبول هو هذا المعنى، وقد أوضحنا في محلّه(1) أنّ الآيات الواردة في مجال الشفاعة على سبعة أنواع لايصحّ تفسيرها إلاّ بتفسير بعضها ببعض، وتمييز القسم المردود من الشفاعة عن المقبول.
ومع ذلك نرى أنّ المعتزلة يخصُّون آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة ويرتكبون التأويل في موردها، وما هذا إلاّ للموقف الذي اتّخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب، في أبحاثهم الكلامية، فقالوا بخلود أهل العصيان في النار إذا ماتوا بلا توبة.
قال القاضي عبد الجبار: إنّ شفاعة الفسّاق الذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا، يتنزّل منزلة الشفاعة لِمن قتلَ ولدَ الغير، وترصّد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح، فكذلك هاهنا.(2)
والذي دفع القاضي إلى تصوير الشفاعة في حقّ المذنب بما جاء في

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن: 4/177ـ 199.
2 . شرح الأُصول الخمسة: 688.

صفحه 241
المثال، هو اعتقاده الراسخ بالأصل الكلامي الذي يعدّ أصلاً من أُصول منهج الاعتزال(خلود العاصي إذا مات بلا توبة في النار) وفي الوقت نفسه يعرب عن غفلته عن شروط الشفاعة، فإنّ بعض الذنوب الكبيرة تقطع العلائق الإيمانية باللّه سبحانه كما تقطع الأواصر الروحية بالشفيع، فأمثال هؤلاء ـ العصاة ـ محرومون من الشفاعة، وقد وردت في الروايات الإسلامية شروط الشفاعة وحرمان طوائف منها.
ولو افترضنا صحّة ما ذكره من التمثيل فحكمه بحرمان العصاة من الشفاعة اجتهاد في مقابل نصوص الآيات وإخضاع لها لمدرسته الفكرية.
يقول الزمخشري في تفسير قوله سبحانه: (أنفِقُوا مِمّا رَزَقنَاكُمْ مِن قَبْلِ أنْ يَأتِيَ يَومٌ لا بَيعٌ فِيه ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَة)(1): (ولا خُلَّة) حتى يسامحكم أخلاّؤكم به، وإن أردتم أن يحطّ عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأنّ الشفاعة ثمّة في زيادة الفضل لا غير.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد نفي الشفاعة بالمعنى الدارج بين اليهود والوثنيّين لأجل أنّهم كفّار، وانقطاع صلتهم عن اللّه سبحانه، وبالتالي إثباتها في حقّ غيرهم بإذنه سبحانه ويقول في الآية التالية: (مَن ذا الّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاّ بإذنِه)، وأمّا أنّ حقيقة الشفاعة زيادة الفضل لا حطّ الذنوب فهو تحميل للعقيدة على الآية، فلو استدلّ القائل بها على نفي الشفاعة بتاتاً لكان أولى

1 . البقرة:254.
2 . تفسير الكشاف: 1/291 في تفسير الآية رقم 254 من سورة البقرة.

صفحه 242
من استدلاله على نفي الشفاعة للكفّار، وذلك لأنّ المفروض أنّ الشفاعة بمعنى زيادة الفضل لا حطُّ الذنوب، وهو لا يتصوّر في حقّ الكفّار لأنّهم لايستحقّون الثواب فضلاً عن زيادته.

2. هل مرتكب الكبيرة يستحقّ المغفرة أو لا ؟

اتّفقت المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في النار إذا مات بلا توبة(1)، وفي ضوء ذلك التجأوا إلى تأويل كثير من الآيات الظاهرة في خلافه نذكر منها آيتين:
الأُولى: يقول سبحانه (وإنّ ربَّكَ لَذُو مَغفِرة لِلنّاسِ عَلى ظُلمِهِمْ وإنَّ ربَّكَ لَشديدُ العِقاب).(2)
فالآية ظاهرة في أنّ مغفرة الربّ تشمل الناس في حال كونهم ظالمين، ومن المعلوم أنّ الآية راجعة إلى غير صورة التوبة وإلاّ لايصحّ وصفهم بكونهم ظالمين، فلو أخذنا بظاهر الآية فهو يدلّ على عدم جواز الحكم القطعي بخلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة، لرجاء شمول مغفرة الربّ له، ولمّا كان ظاهر الآية مخالفاً للأصل الكلامي عند صاحب الكشّاف، حاول تأويل الآية بقوله: «فيه أوجه:
1 . أن يريد ـ قوله: (عَلى ظُلمِهِمْ) ـ السيئات المكفَّرة، لمجتنب الكبائر.

1 . لاحظ: أوائل المقالات: 14، وشرح الأُصول الخمسة: 659.
2 . الرعد: 6.

صفحه 243
2 . أو الكبائر بشرط التوبة.
3 . أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال.(1)
وأنت خبير بأنّ كلّ واحد من هذه الاحتمالات مخالف لظاهر الآية أو صريحها.
الثانية:قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء).(2)
والآية واردة في حقّ غير التائب، لأنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضاً، فيعود معنى الآية أنّ اللّه سبحانه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء وإن مات بلا توبة، فتكون نتيجة ذلك عدم جواز الحكم القطعي بخلود مرتكب الكبائر في النار، ولمّا كان مفاد الآية مخالفاً لما هو المحرّر في المدرسة الكلامية للمعتزلة، حاول صاحب الكشّاف تأويل الآية فقال:
الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين بقوله تعالى: (لِمَنْ يَشاء) كأنّه قيل: «إنّ اللّه لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك» على أنّ المراد بالأوّل من لم يتب وبالثاني من تاب، نظير قولك: إنّ الأمير لايبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لايبذل الدينار لمن لايستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله.(3)

1 . تفسير الكشّاف: 2/158.
2 . النساء: 48.
3 . تفسير الكشّاف: 1/401 في تفسير الآية المذكورة.

صفحه 244
يلاحظ عليه: أنّ ماذكره خلاف ظاهر الآية وقد ساقته إليه مدرسته الكلامية فنزّل الأوّل مورد عدم التوبة، والثاني موردها، حتى تتّفق الآية مع معتقده.
كما أنّه لا دلالة في الآية على تقييد الثاني بالتوبة، لأنّه تفكيك بين الجملتين بلا دليل، بل هما ناظرتان إلى صورة واحدة وهي صورة عدم اقترانهما بالتوبة فلا يغفر الشرك لعظم الذنب ويغفر ما دونه.
ومن هذا القبيل أيضاً، تفسيره لقوله سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِناً مُتَعَمداً فَجَزاؤهُ جَهَنَّم خالِداً فِيها وَغَضب اللّه عَلَيْهِ وَلَعَنهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظيماً).(1)
فقد فسّره الزمخشري على ضوء مذهب الاعتزال من خلود أصحاب الكبائر ـ إذا ماتوا بلا توبة ـ في النار، وجعل هذه الآية من أدلّة عقيدته، فقال: هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخطب غليظ، ـ إلى أن قال: ـ والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، ثمّ لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتّباعهم هواهم، وما يخيّل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة:(أَفلا يتدبّرون القُرآن أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالها) .
فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناول قوله (وَمَنْ يَقْتُل)أيّ قاتل كان ما من مسلم أو كافر، تائب أو غيرتائب، إلاّ أنّ التائب أخرجه الدليل، فمن ادّعى إخراج

1 . النساء:93.

صفحه 245
المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.(1)
إنّ ما ذكره الزمخشري بطوله قد ذكره القاضي عبد الجبار على وجه الإيجاز، وقال: وجه الاستدلال أنّه تعالى بيّن أن مَن قتل مؤمناً عمداً جازاه، وعاقبه، وغضب عليه، ولعنه وأخلده في جهنم.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ دلالة الآية بالإطلاق، فكما خرج منه القاتل الكافر إذا أسلم، والمسلم القاتل إذا تاب، فليكن كذلك من مات بلا توبة ولكن اقتضت الحكمة الإلهية أن يتفضّل عليه بالعفو، فليس التخصيص أمراً مشكلاً.
وثانياً: أنّ المحتمل أن يكون المراد: القاتل المستحل لقتل المؤمن، أو قتله لإيمانه وهذا غير بعيد لمن لاحظ سياق الآيات. و مثل هذا يكون كافراً خالداً في النار.
***

الثاني: التفسير على ضوء المنهج الأشعري

إنّ فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (543ـ 606هـ) ممّن فسر كثيراً من الآيات القرآنية على ضوء مذهبه ومنهجه الذي يتبعه وهو مذهب الإمام الأشعري، وهو أشعري في العقيدة، شافعي في الفقه، فلنذكر نماذج من تفاسيره:

1 . تفسير الكشاف:1/416.
2 . شرح الأُصول الخمسة:659.

صفحه 246

1. جواز التكليف بما لا يطاق

إنّ جواز التكليف بما لا يطاق من مذاهب الأشاعرة، ولقد احتجّ الرازي على مذهبهم بالآيات التالية:
قوله سبحانه: (إِنَّ الّذين كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون).(1)
وقوله سبحانه: (لَقَدْحَقَّ الْقَولُ عَلى أَكْثرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُون).(2)
وقوله: (ذَرني وَمَنْ خَلْقتُ وَحيداً ـ إلى قوله : ـ سأُرهِقُهُ صعوداً).(3)
وقوله:(تبّت يدا أَبي لَهَب).(4)
ثمّ أخذ بتقرير دلالة هذه الآيات على جواز التكليف بما لا يطاق بوجوه أربعة:
أوّلاً: أنّه تعالى أخبر عن أشخاص معيّنين أنّهم لا يؤمنون قط، فلو صدر منهم الإيمان، لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذباً.
وثانياً: أنّه تعالى لمّا علم منهم الكفر، فكان صدور الإيمان منهم مستلزماً لانقلاب علمه تعالى جهلاً.
وثالثاً: أنّه تعالى كلّف هؤلاء ـ الذين أخبر عنهم بأنّهم لا يؤمنون ـ

1 . البقرة:6.
2 . يس:7.
3 . المدثر:11ـ17.
4 . المسد:1.

صفحه 247
بالإيمان ألبتة، والإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون قط، وهذا تكلّف بالجمع بين النفي والإثبات.(1)
يلاحظ عليه : أنّ الوجدان السليم والعقل الفطري يحكم بامتناع تكليف ما لا يطاق، فلا تظهر الإرادة في لوح نفس الآمر وضمير روحه إذا علم أنّ المأمور غير قادر على العمل، ولذلك قلنا في محلّه إنّ مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالاً، ولذلك يقول سبحانه: (لا يُكَلّف اللّهُ نَفساً إِلاّ وُسعَها).(2)
وأمّا الوجوه التي اعتمد عليها الرازي فموهونة جدّاً، وذلك أنّ علمه الأزلي الذي اعتمد عليه في الوجهين الأوّلين لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كلّ فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه، وعلى ضوء ذلك تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، فتعلّق علمه بوجود الإنسان بوصف كونه فاعلاً مختاراً وصدور فعله عنه اختياراً ـ فمثل هذا العلم ـ يؤكّد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.
وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة

1 . تفسير الرازي:2/42.
2 . البقرة:286.

صفحه 248
كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية كان علمه سبحانه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر و اضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحليل ما ذكره الرازي بلفظه، فقال:
فلو صدر منهم الإيمان لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذباً، فنقول:
إنّ هؤلاء لا يصدر منهم الإيمان إلى يوم القيامة قطعاً لكن لا من جهة إخباره سبحانه عنه بل لأجل اختيارهم وانتخابهم عدم الإيمان إلى يوم القيامة، فالإخبار عن عدم تديّنهم شيء، و كون الإيمان خارجاً عن الاختيار شيء آخر، والآية تخبر عن الأوّل دون الثاني.
ومنه يظهر ضعف كلامه الثاني حيث قال: «فكان صدور الإيمان منهم مستلزماً لانقلاب علمه تعالى جهلاً»، وذلك لأنّه سبحانه أخبر عن عدم صدور الإيمان وبما أنّه مخبر صادق لا يصدر منهم الإيمان لكن لا لأجل أنّ اللّه أخبر عنه، بل لأجل مبادئ كامنة في أنفسهم تجرّهم إلى عدم الإيمان، فالإخبار عن عدم الإيمان شيء، وكون الإيمان خارجاً عن اختيارهم شيء آخر، والآية تخبر عن الأوّل دون الثاني.
وبما ذكرنا من التحليل تقدر على تحليل الوجه الثالث، إذ نمنع أنّهم كانوا مكلّفين بعدم الإيمان؟ بل كانوا مكلّفين بإخبار الله عن عدم ايمانهم

صفحه 249
اختياراً، وقد كان أبو لهب مكلّفاً بالتوحيد والرسالة، والله سبحانه أخبر عن عدم إيمانه، فبقاؤه على الكفر ليس لأجل إخباره سبحانه، بل لأجل علل نفسية موجودة في قرارة نفسه تمنعه عن الإيمان.

2. امتناع رؤية اللّه أو إمكانها

ذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته سبحانه يوم القيامة، وهذا هو الأصل البارز في مدرستهم الكلامية، ثم إنّ هناك آيات تدلّ بصراحتها على امتناع رؤيته سبحانه فحاولوا إخضاع الآيات لنظريتهم، وإليك نموذجاً واحداً، يقول سبحانه:
(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعبدُوهُ وَهوَ عَلى كُلِّ شَيء وَكيلٌ * لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وَهُو يُدرِكُ الأبصارَ وَهوَ اللَّطيفُ الخَبير)(1).
ومن المعلوم أنّ الإدراك مفهوم عام لايتعيّن في مورد البصري أو السمعي أو العقلي إلاّ بالإضافة إلى الحاسّة التي يراد الإدراك بها، فالإدراك بالبصر يراد منه الرؤية بالعين، والإدراك بالسمع يراد منه السماع، هذا هو ظاهر الآية، وهي تنفي إمكان الإدراك بالبصر على الإطلاق.
ولمّا وقف الرازي على أنّ ظاهر الآية أو صريحها لا يوافق أصله الكلامي، لأنّها ظاهرة في نفي الإدراك بالبصر، قال: إنّ أصحابنا (الأشاعرة) احتجّوا بهذه الآية على أنّه تجوز رؤيته والمؤمنون يرونه في الآخرة، وذلك لوجوه:

1 . الأنعام: 102ـ 103.

صفحه 250
1 . أنّ الآية في مقام المدح فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدّح بقوله: ( لا تُدرِكُهُ الأبصارُ)ألا ترى أنّ المعدوم لا تصح رؤيته، والعلم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لاتصح رؤية شيء منها ولا يمدح شيء منها في كونها «لاتدركه الأبصار» فثبت أنّ قوله: ( لا تُدرِكُهُ الأبصارُ) يفيد المدح، إلاّ إذا صحّت الرؤية.
والعجب من غفلة الرازي عن أنّ المدح ليس بالجزء الأوّل فقط، أعني: (لا تُدرِكُهُ الأبصارُ)، بل المدح بمجموع الجزأين المذكورين في الآية كأنّه سبحانه يقول: واللّه جلّت عظمته يدرك أبصاركم، ولكن أبصاركم لا تدركه، فالمدح بمجموع القضيتين لا بالقضية الأُولى.
2. أنّ لفظ «الأبصار» صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق بمعنى أنّه لاتدركه جميع الأبصار، وهذا لا ينافي أن تدركه بعض الأبصار.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الآية تفيد عموم السلب لاسلب العموم، بقرينة كونه في مقام بيان رفعة ذاته، وشموخ مقامه.
كأنّه سبحانه يقول: «لا يدركه أحد من جميع ذوي الأبصار من مخلوقاته ولكنّه تعالى يدركهم، وهذا نظير قوله سبحانه: (كَذلِكَ يَطبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلبِ مُتَكبِّر جَبّار)(2)، وقوله: (إنَّ اللّهَ لا يُحبُّ كُلَّ مُختال فَخُور)(3).

1 . تفسير الرازي:13/125.
2 . غافر: 35.
3 . لقمان: 18.

صفحه 251
إلى غير ذلك من الوجوه الواهية التي ما ساقه إلى ذكرها إلاّ ليُخضِعَ الآيةَ، لمعتقده.
***

الثالث: التفسير على ضوء السنن الاجتماعية

غير خفيّ على الباحث أنّ لله سبحانه سنناً في حياة الإنسان والتي يعبّر عنها سبحانه في كتابه العزيز بـ(سُنَّةَ اللهِ) وبالتعرّف عليها يقف الإنسان على أسباب تقدّم الأُمم وتدهورها، بل ربّما يقف على المشاكل التي تعوقه عن التطور والازدهار، كما يقف على كيفية رفعها وعلاج أدوائها.
إنّ صاحب المنار استلهاماً من أُستاذه الشيخ محمد عبده، يُعدّ من رجالات التفسير في عصره، وقد بنى تفسيره على بيان ما في القرآن من الإشارات إلى السنن والضوابط التي هي من سنن الله سبحانه. نعم قد غفل القدامى من المفسّرين عن استنطاق القرآن في هذا المجال، مع أنّ في كلام إمامهم(عليه السلام) إشارة إلى ذلك. يقول الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ: أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ».(1)
فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم، فالحقّ أنّ القدامى لم يولوا العناية بهذا الجانب من التفسير إلاّ شيئاً يسيراً، وأوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه هو السيد جمال الدين الأسدآبادي، فقد وجه أنظار المسلمين

1 . نهج البلاغة: الخطبة 158.

صفحه 252
إلى الجانب الاجتماعي من التفسير، فقال في خطبته المعروفة:
عليكم بذكر اللّه الأعظم، وبرهانه الأقوم، فإنّه نوره المشرق، الذي به يخرج من ظلمات الهواجس، ويتخلّص من عتمة الوساوس، وهو مصباح النجاة، مَن اهتدى بها نجا، ومَن تخلّف عنه هلك، وهو صراط اللّه القويم، مَن سلكه هُدي، ومَن أهمله غوى.

خصائص تفسير المنار

إنّ لتفسير المنار خصائص تميّزه عن سائر التفاسير، وها نحن نشير إلى رؤوسها:
1. التحرّر من قيود التقليد وإعمال العقل في الأقوال والآراء المروية في الآيات، وفهم كتاب اللّه من دون نظر إلى مذهب إمام دون إمام على وجه يكون القرآن هو المتبع دون مذهب الإمام.
2. الاهتمام ببيان الأنظمة الاجتماعية ومشاكل الأُمّة الإسلامية خاصّة، ومشاكل الأُمم عامّة، وبيان علاجها بما أرشد إليه القرآن من أُصول وتعاليم.
3. التوفيق بين القرآن والنظريات العلمية على وجه لا يكون القرآن مخالفاً للعلم.
فلنأت لكلّ ميزة بمثال.
أمّا الميزة الأُولى فيكفي الإمعان فيما ذكره حول آية الوصية للوالدين.

صفحه 253

الوصية للوالدين ليست منسوخة

يقول سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصيةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى الْمُتَّقين) .(1)
قال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.(2)
وقال صاحب المنار: الآية صريحة في جواز الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصية ثمّ عمّم الموضوع وقال: «والأقربين» ليعم كلّ قريب وارثاً كان أم لا، غير أنّ جمهور الفقهاء من أهل السنّة رفضوا الآية وقالوا بأنّ الآية منسوخة بآية المواريث، ولكنّ الإمام عبده خالف رأي الجمهور وقال: لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، فإنّ السياق ينافي النسخ، فانّ اللّه تعالى إذا شرّع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب فإنّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيد لمن بدله.(3)
وهذا دليل على أنّ الإمام نظر إلى الآية بعقلية حرّة من دون أن يتبع رأي الأئمّة الأربعة، وبذلك وجّه لوم المتحجّرين إلى نفسه كما هو شأن كلّ مصلح.

1 . البقرة:180.
2 . الخلاف:2/41، كتاب الوصية، المسألة1.
3 . تفسير المنار:2/136ـ 137.

صفحه 254
وأمّا الميزة الثانية فالحقّ أنّ تفسير الإمام مشحون بهذه المباحث ولا يمكن لنا عرض معشار ما جاء في ذلك الكتاب من هذا النوع من المسائل، ولنقتصر بالمورد التالي:

الصبر وأثره البنّاء

يقول الإمام في تفسير قوله سبحانه: (وَتَواصَوا بِالصَّبْر): والصبر ملكة في النفس يتيسّر معها احتمال ما يشقّ احتماله، والرضى بما يكره في سبيل الحقّ، وهو خُلق يتعلّق به ـ بل يتوقّف عليه ـ كمال كلّ خُلق، و ما أتى الناس من شيء مثل ما أتوا من فقد الصبر أو ضعفه، كلّ أُمّة ضعف الصبر في نفوس أفرادها، ضعف فيها كلّ شيء، وذهبت منها كلّ قوة، ولنضرب لذلك مثلاً: بنقص العلم عند أُمّة من الأُمم كالمسلمين اليوم، إذا دقّقت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإنّ من عرف باباً من أبواب العلم، لا يجد في نفسه صبراً على التوسّع فيه، والتعب في تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هيّن ليّن، لا يكلّفه مشقّة، ولا يجشمه تعباً، ويسلّي نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه، لاتّخذهم أُسوة له في عمله، فحذا حذوهم، وسلك مسلكهم، وكلّف نفسه بعض ما حمّلوا أنفسهم عليه واعتقد كما كانوا يعتقدون أنّهم ليسوا بمعصومين.(1)
وكم للأُستاذ من بيانات شافية حول المحرّمات كالقمار والزنا،

1 . تفسير جزء عمّ، تفسير سورة العصر. نقلاً عن التفسير والمفسّرون للذهبي:2/563.

صفحه 255
وحول الجهاد وتحريم الربا إلى غير ذلك من الأُسس الاجتماعية في الإسلام.
وأمّا الميزة الثالثة فنقتصر بالمورد التالي:

انشقاق السماء عند اختلال نظامها

يذكر في تفسير قوله سبحانه: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(1) انشقاق السماء مثل انفطارها الذي مرّ تفسيره في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)(2)، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد اللّه خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشقّقت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره.(3)
وهذه الأمثلة نقلناها من تفسيره المعروف لجزء عمّ، ذلك التفسير الذي ألّفه بقلمه بمشورة من بعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية ليكون مرجعاً لأساتذة مدارس الجمعية في تفهيم التلاميذ معاني ما يحفظونه من سور هذا الجزء، وعاملاً للإصلاح في أعمالهم وأخلاقهم،

1 . الانشقاق: 1 .
2 . الانفطار: 1 .
3 . تفسير جزء عمّ: 49.

صفحه 256
وقد أتمّ الأُستاذ تفسير هذا الجزء سنة 1321 هـ وهو في بلاد المغرب.
وأمّا الدروس التي ألقاها الإمام فقد ابتدأ بأوّل القرآن في غرّة محرّم سنة 1317 هـ ، وانتهى عند تفسير قوله تعالى: (وللّهِ ما فِي السَّمواتِ وََما فِي الأَرضِ وَكانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيطاً) (1) في منتصف محرّم سنة 1321 هـ ، إذ توفّي (رحمه الله)لثمان خلون من جمادى الأُولى من السنة نفسها. وقد أملى الأُستاذ هذه الدروس على تلاميذه.
ومع الأسف أنّ ما أملاه الإمام لم ينشر على وفق ما أملاه بلا تصرّف بزيادة أو نقيصة، فإنّ تلميذه السيد محمد رشيد رضا لمّا كتب تفسيره المسمّى بتفسير «المنار» أدخل فيه ما كتبه عن أُستاذه من آراء وأقوال ومزجها بآرائه وأفكاره، ولذلك لا يمكن أن ينسب كلّ ما فيه إلى الإمام إلاّ إذا صرح الكاتب به.
وعلى كلّ حال فقد ابتدأ التلميذ بأوّل القرآن وانتهى عند قوله تعالى من سورة يوسف: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَني مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَني مِنْ تَأْويلِ الأَحاديثِ فاطِرَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيّ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحينَ). (2)
ثمّ وافته المنيّة قبل أن يتمّ تفسير القرآن.

1 . النساء:126.
2 . يوسف:101.

صفحه 257

مؤاخذات على تفسير المنار

قد تعرّفت على المزايا الإيجابية لتفسير المنار، وما فيه من اهتمام بالغ بتفسير القرآن وفق المعايير الاجتماعية السائدة على الحياة.
بيد أنّ التفسير المذكور لا يخلو من سلبيات في موارد وأخصّ بالذكر المعاجز والكرامات، فقد حاول في كثير من الآيات المشتملة على هذا النوع من خوارق العادات، أن يخرجها عن طابعها الغيبي ويصبغها بالطابعَ المادي.
والذي دفع المصنّف إلى هذا النوع من التفكير هو انبهاره بالحضارة الغربية المادّية حينما نُفي أوائل القرن الرابع عشر الهجري من مصر وألقى رحل الإقامة في منفاه(باريس)، فشاهد عن كثب تقدّم العلوم الطبيعية وازدهارها في مختلف المجالات وصار العلم يثبت لكلّ ظاهرة علّة مادّية دون أن ينسبها إلى عوامل غيبية من الجن والملك.
وقد دفع ذلك، الأُستاذ إلى محاولة الجمع بين الدين والعلم من خلال تفسير الخوارق بالأسباب الطبيعية على نحو يخرجها عن كونها أمراً خارقاً للعادة، وقد تأثّر بهذا المنهج كثير من تلامذته وهذه المحاولة ـ في الحقيقة ـ إخضاع الوحي للعلوم الطبيعة وتفسير له من هذا المنظار.
وها نحن نذكر في المقام نماذج من هذه التأويلات ونقتصر من أجزاء المنار على الجزء الأوّل، كما نقتصر منه على بعض ما ذكره في تفسير سورة البقرة ونحيل الباقي إلى القارئ الكريم.

صفحه 258
1. (وَلَقَد عَلِمتُمُ الّذِينَ اعتَدَوْا مِنكُم فِي السَّبتِ فَقُلنا لَهُم كُونُوا قِرَدةً خاسئِين * فَجَعَلناها نَكالاً لِما بَينَ يَدَيها وَما خَلفَها وَمَوعِظةً للمتَّقين)(1).
كتب ما يلي:
إنّ السلف من المفسّرين ـ إلاّ من شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله: (كُونُوا قِرَدةً خاسئِين) أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيّين.
وإنّما نسب هذا المعنى إلى السلف، لأنّه يصطدم بالمنهج الذي اختاره الأُستاذ في تفسير القرآن، حيث لاتصدقه أنصار الحضارة المادية الّذين ينكرون إمكان صيرورة إنسان قرداً حقيقة دفعة واحدة، ولأجل ذلك مال الأُستاذ إلى رأي مجاهد الذي قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثّلوا بالقردة كما مثّلوا بالحمار في قوله تعالى:
(مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التَّوراة ثمَّ لَم يَحمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أسفاراً).(2)
ثم أخذ في نقد قول الجمهور ـ إلى أن قال ـ : فما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة.(3)
ولا يخفى أنّه إذا صحّ هذا التأويل، فيصحّ لكلّ مَن ينكر المعاجز والكرامات وخوارق العادات، هذا النمط من التأويل، وعندئذ تبطل

1 . البقرة: 65 ـ 66.
2 . الجمعة: 5.
3 . تفسير المنار: 1/343 ـ354.

صفحه 259
المعارف ويكون الكتاب العزيز لعبة بيد المحرّفين.
2 . نقل صاحب المنار عن بعض المفسّرين مذهباً خاصّاً في معنى الملائكة وهو أنّ مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات، وخلقة حيوان، وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصّة بما هو أدقّ من ظاهر العبارة، وهو أنّ هذا النمو في النبات لم يكن إلاّ بروح خاص نفخه اللّه في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلّي قائم بنظام مخصوص تمّت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنّما قوامه بروح إلهي، سُمِّي في لسان الشرع مَلَكاً، ومن لم يقل في التسمية بالتوقيف يسمّي هذه المعاني بالقوى الطبيعية إذا كان لايعرف من عالم الإمكان إلاّ ما هو طبيعة أو قوّة يظهر أثرها في الطبيعة.
وقال الإمام عبده بعد نقل نظير هذه التأويلات: ولو أنّ نفساً مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس على ما أبصرت من الحق.(1)
ولايخفى أنّ هذا التأويل لو صحّ في بعض الأحاديث لما صحّ في الملائكة الوارد ذكرهم في قصة آدم وغيرها، وما هذا التأويل إلاّ للخضوع للمنهج الخاص الذي اختاره الأُستاذ في تفسير القرآن.
3. يقول سبحانه: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللّه جَهْرَة

1 . تفسير المنار: 1/273.

صفحه 260
فَأَخَذتكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(1)
المتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت، والخطاب لليهود المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)باعتبار أحوال أسلافهم، ولا يفهم أيّ عربي صميم من لفظة (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوتِكُمْ)، غير هذا، إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل، أي أنّه بعد ما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أنّهم سينقرضون، بارك اللّه في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحقّ الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها.(2)
ولم يكن هذا التفسير من الأُستاذ إلاّ لأجل أنّ الاعتراف بالإحياء بعد الموت في الظروف المادّية ممّا لا يصدقه العلم الحسّي والتجربة، فلأجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى، وما أظن أنّ الأُستاذ يتفوّه بهذا التفسير في نظائر الآية من القرآن الكريم.
4. أمر سبحانه بني إسرائيل بذبح البقرة، وقال: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُركُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ باللّهِ أَنْ أَكُون مِنَ الجاهلين) إلى أن قال: (وإِذْ قَتَلتُمْ نَفْساً فَادّارءتُمْ فيها وَاللّهُ مُخرجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُون * فَقُلْنا اضْربُوه ببَعضِها كَذلك يُحيِي اللّهُ المُوتى ويُريكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ

1 . البقرة: 55 ـ 56 .
2 . تفسير المنار:1/322.

صفحه 261
تَعْقِلُون).(1)
ومجمل القصّة هو أنّ رجلاً قتل قريباً له غنياً ليرثه، واختفى قتله له، فرغب اليهود في معرفة قاتله، فأمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض المقتول ببعض البقرة فإنّه يحيا، ويخبر عن قاتله.
وهذا هو ما اختاره الجمهور في تفسير الآية، وهو صريح قوله سبحانه:
(فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحيِي اللّهُ المَوتى) .
وأمّا الأُستاذ فقد سلك طريقاً آخر تحت تأثير موقفه المسبق من المعاجز والكرامات وخوارق العادة، فهو بعد أن نقل رأي الجمهور، قال: قالوا: إنّهم ضربوه فعادت إلى المقتول الحياة، وقال: قتلني أخي، أو ابن أخي فلان، قال: والآية ليست نصّاً في مجمله فكيف بتفصيله؟
ثمّ فسر الآية بما ورد في التوراة من أنّه إذا قتل قتيل ولم يعرف قاتله، فالواجب أن تذبح بقرة في واد دائم السيلان ويغسل جميع أفراد القبيلة أيديهم على البقرة المكسورة العنق في الوادي، ويقولون: إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم. اغفر لشعبك إسرائيل، ويتّمون دعوات يبرأ بها مَن يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنّه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء.
ثمّ قال: وهذا الإحياء على حدّ قوله تعالى :(وَلَكُمْ فِي القِصاصِ

1 . البقرة:67ـ 73.

صفحه 262
حَياةٌ) (1) ومعناه حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قاتل تلك النفس.(2)
وأنت ترى أنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله: (فقُلنا اضرِبُوهُ بِبَعضِها): أي اضربوا النفس المقتولة ببعض جسم البقرة (كَذلِكَ يُحيِي اللّهُ المَوتى)، فهل كان في غسل الأيدي على البقرة المكسورة العنق، ضرب المقتول ببعض البقرة؟! هذا أوّلاً.
وأمّا ثانياً: كيف استند الأُستاذ ـ في تفسير الآية الحاضرة ـ بما ورد في التوراة، مع أنّ المشهور منه أنّه يستوحش كثيراً من بعض الروايات التي ربّما توافق ما ورد في الكتب المقدّسة، ويصفها بالإسرائيليات والمسيحيات، ومع ذلك عدل عن مسلكه واستند في تفسير الذكر الحكيم بالكلم المحرفة؟!
وليس هذا التفسير ـ في حقيقته ـ إلاّ لأجل ما اتّخذه الأُستاذ من موقف مسبق تجاه المعاجز والكرامات، وخوارق العادة، وغير ذلك ممّا يرجع إلى عالم الغيب.
5. قال اللّه تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَالْمَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحياهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْل عَلَى النّاس ولكِنَّ أَكْثَر النّاس لا يشكُرون).(3)

1 . البقرة:179.
2 . تفسير المنار:1/345ـ 350.
3 . البقرة:243.

صفحه 263
ذهب الجمهور إلى أنّهم قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون أو من الجهاد فأرسل عليهم الموت، فلمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً منه، فأماتهم اللّه جميعاً وأمات دوابّهم ثمّ أحياهم لمصالح وغايات أُشير إليها في الآية.
لكن الأُستاذ أنكر ذلك واختار كون الآية مسوقة سوق المثل، وأنّ المراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوّة والقدرة من أعدائهم فلم يدافعوا عن استقلالهم وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف، فقال لهم اللّه: موتوا موت الخزي والجهل، والخزي موت، والعلم وإباء الضيم حياة، فهؤلاء ماتوا بالخزي ثمّ أحياهم بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحقّ، فقاموا بحقوق أنفسهم واستقلّوا في أمرهم.
يلاحظ عليه: أنّه لو كانت الآية مسوقة سوق المثل وجب أن تذكر فيه لفظة «المثل» كما هو دأبه سبحانه في الأمثال القرآنية، مثل قوله :(كَمَثَل الَّذي اسْتَوقَدَ ناراً) .(1)
وقوله تعالى: (إِنّما مَثَلُ الحَياة الدُّنْيا كَماء أَنْزَلْناهُ). (2)
وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذينَ حمِّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أَسفاراً).(3)
فحمل الآية على المثل وإخراجها عن كونها وردت لبيان قصّة

1 . البقرة:17.
2 . يونس:24.
3 . الجمعة:5.

صفحه 264
حقيقية، تفسير بلا شاهد، وتأويل بلا دليل.
وكم للأُستاذ رشيد رضا في تفسيره هذا زلاّت وغفلات أجملنا الكلام فيها، ونذكر منها أمرين:
الأوّل: توغّله في التوهّب ودفاعه العنيف عن ابن تيمية وتعريفه بشيخ الإسلام على وجه أصبح من دعاة الوهابية، وناشري أفكارها.
الثاني: تحامله على الشيعة في غير واحد من المواضع على وجه دعا السيد محسن الأمين العاملي على إفراد كتاب أسماه «الحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حقّ الشيعة» وقد أغرق فيه نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزعاً. كما أنّه قد دارت بين العلمين حوارات حول ما نشر في مجلة المنار. وقد قامت اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) بتحقيق هذه الحوارات تحت إشرافنا وتعاليقنا وطبع هذا الأثر القيّم بعنوان «حوارات علمية بين العلمين»، فلاحظ.
***
   

الرابع: التفسير على ضوء العلم الحديث

ومن المولعين بهذا النمط من التفسير الشيخ طنطاوي جوهري (1287ـ 1358هـ) في كتابه المعروف «الجواهر في تفسير القرآن» وهو يهتم بهذا النمط، قائلاً بأنّ في القرآن من آيات العلوم ما يربو على 750 آية في حين أنّ علم الفقه لا تزيد آياته الصريحة على 150 آية.

صفحه 265
ثمّ إنّه يهيب بالمسلمين أن يتأمّلوا في آيات القرآن التي ترشد إلى علوم الكون، ويحثّهم على العمل بما فيها، ويندّد بمَن يغفل عن هذه الآيات على كثرتها، وينعى على مَن أغفلها من السابقين الأوّلين ووقف عند آيات الأحكام وغيرها ممّا يتعلّق بأُمور العقيدة.
ثمّ إنّ الشيخ الذهبي قد ذكر نماذج من هذا النوع من التفسير استخرجها من دراسة تفسير الطنطاوي، وقال : إنّا لنجد المؤلّف (رحمه الله) يفسّر آيات القرآن تفسيراً علمياً يقوم على نظريات حديثة وعلوم جديدة لم يكن للعرب عهد بها من قبل ثمّ قال: وإليك بعض ما جاء في هذا التفسير.
1. يقول سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتهُمْ وَأَيديهِم وَأَرجُلهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون)(1)، وقوله سبحانه: (الْيَومَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيديهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون) (2)، والشيخ طنطاوي يفسّر الآيتين ونظائرهما بما أثبته العلم.
يقول: «أو ليس الاستدلال بآثار الأقدام، وآثار أصابع الأيدي في آياتنا الحاضرة، هو نفس الذي صرح به القرآن، وإذا كان اللّه يعلم ما في البواطن بل هو القائل للإنسان: (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوم عَلَيْكَ حَسيباً)(3)، والقائل: (بَل الإِنْسانُ عَلى نَفْسهِ بَصيرة) (4)، أفلا يكون ذكر الأيدي والأرجل والجلود

1 . النور: 24.
2 . يس:65.
3 . الإسراء:14.
4 . القيامة:14.

صفحه 266
وشهادتها يوم القيامة ليلفت عقولنا إلى أنّ من الدلائل ما ليس بالبيّنات المشهورة عند المسلمين؟ وأنّ هناك ما هو أفضل منها؟ وهي التي يحكم بها اللّه فاحكموا بها. ويكون ذلك القول لينبهنا ويفهمنا أنّ الأيدي فيها أسرار، وفي الأرجل أسرار، وفي النفوس أسرار، فالأيدي لا تشتبه، والأرجل لا تشتبه، فاحكموا على الجانين والسارقين بآثارهم، أو ليس في الحقّ أن أقول: إنّ هذا من معجزات القرآن وغرائبه؟ وإلاّ فلماذا هذه المسائل التي ظهرت في هذا العصر تظهر في القرآن بنصّها وفصّها.(1)
2. يقول سبحانه: (أَوَ لَمْ يَر الَّذين كَفَرُوا انّ السَّمواتِ وَالأرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِكُلّ شَيْء حَيّ أَفلا يُؤمِنُون).(2)
فقد فسّر القدماء فتق السماء بنزول المطر وفتق الأرض بخروج النبات، غير أنّ الشيخ طنطاوي يفسّره بما يوحي إليه العلم الحديث، يقول: ها أنت قد اطّلعت على ما أبرزه القرآن قبل مئات السنين، من أنّ السماوات و الأرض أي الشمس والكواكب وما هي فيه من العوالم، كانت ملتحمة فصلها اللّه تعالى، وقلنا: إنّ هذه معجزة، لأنّ هذا العلم لم يعرفه الناس إلاّ في هذه العصور، وهذه معجزة تامّة للقرآن، وعجيبة من أعجب ما يسمعه الناس في هذه الحياة الدنيا.(3)

1 . الجواهر في تفسير القرآن:3/9.
2 . الأنبياء:30.
3 . الجواهر في تفسير القرآن:10/199.

صفحه 267
3. يذكر في تفسير قوله سبحانه: (وَخَلَقَ الجانّ مِنْ مارِج مِنْ نار)(1)قوله: والمارج المختلط بعضه ببعض، فيكون اللهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أنّ الإنسان من عناصر مختلفات هكذا الجان من أنواع من اللهب مختلطات، ولقد ظهر في الكشف الحديث أنّ الضوء مركّب من ألوان سبعة غير ما لم يعلموه. فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أنّ اللهب مضطرب دائماً، وإنّما خلق الجن من ذلك المارج المضطرب، إشارة إلى أنّ نفوس الجان لا تزال في حاجة إلى التهذيب والتكميل. تأمّل في مقال علماء الأرواح الذين استحضروها إذ أفادتهم أنّ الروح الكاملة تكون عند استحضارها ساكنة هادئة، أمّا الروح الناقصة فإنّها تكون قلقة مضطربة.(2)
هذه النماذج ونظائرها استخرجها الأُستاذ الذهبي من تفسير الشيخ طنطاوي، وأعقبها بقوله:
والكتاب ـ كما ترى ـ موسوعة علمية، ضربت في كلّ فن من فنون العلم بسهم وافر، ممّا جعل هذا التفسير يوصف بما يوصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه (فيه كلّ شيء إلاّ التفسير) بل هو أحقّ من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به، وإذا دلّ الكتاب على شيء، فهو أنّ المؤلف كان كثيراً ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره، ويطوف في نواح شتى من العلم بعقله وقلبه، ليجلي للناس آيات اللّه في الآفاق وفي

1 . الرحمن:15.
2 . الجواهر في تفسير القرآن:24/17.

صفحه 268
أنفسهم، ثمّ ليظهر لهم بعد هذا كلّه أنّ القرآن قد جاء متضمّناً لكلّ ما جاء به الإنسان من علوم ونظريات، ولكلّ ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث، تحقيقاً لقول اللّه تعالى في كتابه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء)، ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه.(1)
ويلاحظ على ذيل ما ذكره الذهبي أنّ المراد من (الْكِتَابِ) في الآية هو الكتاب التكويني للّه سبحانه، لا التدويني، يظهر ذلك لمن أمعن في الآية وسياقها.
***

1 . التفسير والمفسّرون:2/517.

صفحه 269

الخامس: التفسير حسب تأويلات الباطنية

تطلق الباطنية ويراد بها الإسماعيلية الذين قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)بعد رحيل أبيه، وعرفوا بالباطنية لأخذهم باطن القرآن دون ظاهره.
وقد أشبعنا البحث حول عقائد الإسماعيلية في كتابنا «بحوث في الملل والنحل» و قلنا بأنّ إسماعيل بن جعفر (عليه السلام)بريء من هذه الوصمة، وإنّما هي أفكار موروثة من محمد بن مقلاص المعروف بأبي الخطّاب الأسدي وزملائه، نظراء: المغيرة بن سعيد، وبشار الشعيري، وعبد اللّه بن ميمون القداح، إلى غير ذلك من رؤساء الباطنية، وقد تبرّأ الإمام الصادق (عليه السلام)والأئمّة المعصومون من هذه الفرقة في بلاغات وخطابات خاصّة إلى أتباعهم،ولعنوا الخطابية، ولم نعثر لهم على كتاب تفسيري يفسّر القرآن برّمته، وإنّما حاولوا تفسير الموضوعات الواردة في القرآن والأحاديث وأسموها بباطن القرآن.
إنّ الباطنية وضعوا لتفسير المفاهيم الإسلامية ضابطة ما دلّ عليها من الشرع شيء، وهي أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، وإنّ باطنه يؤدّي إلى ترك العمل بظاهره، واستدلّوا على ذلك بقوله سبحانه:
(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ

صفحه 270
الْعَذَابُ).(1)
وعلى ضوء ذلك فقد أوّلوا المفاهيم الإسلامية بالنحو التالي:
1. الوضوء عبارة عن موالاة الإمام.
2. التيمّم هو الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الذي هو الحجّة.
3. والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول بدليل قوله تعالى في الآية 45 من سورة العنكبوت: (إِنَّ الصَّلاة تَنْهى عَنِ الفَحْشاء وَالْمُنْكر) .
4. والغسل تجديد العهد فمَن أفشى سرّاً من أسرارهم من غير قصد، وإفشاء السر عندهم على هذا النحو هو معنى الاحتلام.
5. والزكاة هي تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين.
6. والكعبة النبي.
7. والباب علي.
8. والصفا هو النبي.
9. والمروة علي.
10. والميقات الإيناس.
11. والتلبية إجابة الدعوة.
12. والطواف بالبيت سبعاً موالاة الأئمة السبعة.
13. والجنة راحة الأبدان من التكاليف.

1 . انظر: الفرق بين الفرق:18، والآية 13من سورة الحديد.

صفحه 271
14. والنار مشقّتها بمزاولة التكاليف.(1)
هذا ما نقلناه عن كتاب «المواقف»، وإن كنت في شكّ ممّا ذكره فنحن ننقل شيئاً من تأويلاتهم من كتاب «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان الذي كان قاضي قضاة الخليفة الفاطمي المعز لدين اللّه مؤسّس القاهرة وجامعة الأزهر، وهذا الكتاب يضمّ في طيّاته تأويل الأحكام الشرعية بدءاً بالطهارة والصلاة وانتهاءً بكتاب الجهاد، فقد أوّل كلّ ما جاء في هذه الأبواب من العناوين والأحكام، وطبع الكتاب في مطبعة دار المعارف في مصر، وإليك نزراً من هذه التأويلات .
جاء في كتاب «تأويل الدعائم»: عن الباقر (عليه السلام): «بني الإسلام على سبع دعائم:(2) الولاية: و هي أفضلها وبها و بالوليّ يوصل إلى معرفتها، والطهارة، والصلاة،والزكاة،والصوم، و الحج، و الجهاد»، فهذه كما قال (عليه السلام): دعائم الإسلام وقواعده، و أُصوله التي افترضها اللّه على عباده.
ولها في التأويل الباطن أمثال، فالولاية مَثلُها مَثلُ آدم(عليه السلام) لأنّه أوّل من افترض اللّهُ عزّوجلّ ولايته، و أمر الملائكة بالسجود له، و السجود: الطاعة، وهي الولاية، و لم يكلّفهم غير ذلك فسجدوا إلاّ إبليس، كما أخبر تعالى، فكانت المحنةُ بآدم(عليه السلام) الولاية، وكان آدمُ مثلَها، ولابدَّ لجميع الخلق من اعتقاد ولايته، و من لم يتولّه، لم تنفعْهُ ولاية من تولاّه من بَعده، إذا لم يدُن بولايته ويعترف بحقّه، و بأنّه أصل مَنْ أوجب اللّهُ ولايتَه من رسله و أنبيائه

1 . شرح المواقف:8/390.
2 . المرويّ من طرقنا: بني الإسلام على خمس.

صفحه 272
وأئمّة دينه، و هو أوّلهم وأبوهم.
والطهارة: مَثَلُها مَثَلُ نوح (عليه السلام)، وهو أوّل مبعوث و مرسل من قبل اللّه لتطهير العباد من المعاصي والذنوب التي اقترفوها، ووقعوا فيها من بعد آدم (عليه السلام)، وهو أوّل ناطق من بعده، وأ وّلُ أُولي العزم من الرسل، أصحاب الشرائع،وجعلَ اللّه آياته التي جاء بها، الماء، الذي جعله للطهارة و سمّاه طهوراً.
والصلاة: مَثَلُها مَثَلُ إبراهيم (عليه السلام) وهو الذي بَنى البيتَ الحرام، ونصبَ المقام، فجعل اللّه البيت قبلة، والمقامَ مصلّى.
والزكاة: مثلها مثل موسى،وهو أوّل من دعا إليها ، و أُرسل بها، قال تعالى: (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى * إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ المُقَدَّسِ طُوى * اذْهَبْ إِلى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى) .(1)
والصوم: مَثَلُه مثل عيسى (عليه السلام)وهو (2) أوّل ما خاطب به أُمّه، أن تقولَ لِمَنْ رأته من البشر، وهو قوله الذي حكاه تعالى عنه لها:(فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَومَ إِنْسِيّاً).(3) وكان هو كذلك يصوم دهره، و لم يكن يأتي النساء، كما لا يَجوز للصائم أن يأتيهنّ في حال صومه.
والحج: مَثَلُه مَثَلُ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هو أوّل مَن أقام مناسك الحج، و

1 . النازعات:15ـ18.
2 . الظاهر أنّ ضمير الفاعل يرجع إلى الروح الأمين.
3 . مريم:26.

صفحه 273
سنَّ سنته، وكانت العرب و غيرها من الأُمم، تحجّ البيت في الجاهليّة و لا تقيم شيئاً من مناسكه، كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله: ( وما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَ تَصْدِيَةً).(1)
وكانوا يطوفون به عُراة، فكان أوّلُ شيء نهاهم عنه ذلك فقال، في العُمرة التي اعتمرها، قبل فتح مكة، بعد أن وادعَ أهلَها، وهم مشركون:«لا يطوفنّ بعد هذا بالبيت عريان، ولا عريانة»، وكانوا قد نصبوا حول البيت أصناماً لهم يعبدونها، فلمّا فتح اللّهُ مكّة كسّرها، وأزالها، وسنَّ لهم سُنن الحجّ، و مناسكه، وأقام لهم بأمر اللّهِ معالمه، وافترض فرائضه. و كان الحجّ خاتمة الأعمال المفروضة، وكان هو (صلى الله عليه وآله وسلم)خاتم النبيين، فلم يبق بعدَ الحجّ من دعائم الإسلام غير الجهاد، وهو مثل سابع الأئمّة ، الذي يكون سابع اسبوعهم الأخير، الذي هو صاحب القيامة.(2)

مع الشهرستاني في كتابه «مفاتيح الأسرار»

الرأي السائد في مذهب الشهرستاني (467ـ 548هـ) هو أنّه سنّي أشعري يدافع عن السنّة على ضوء المذهب الأشعري، وقد قمنا بترجمة حياته في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» على ضوء تأليفاته لا سيما كتابه المشهور «الملل والنحل» غير أنّا وقفنا على كتابه في تفسير القرآن الكريم أسماه «مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار» الذي طبع عام 1409هـ في

1 . الأنفال:35.
2 . تأويل الدعائم:1/51ـ52.

صفحه 274
طهران على نسخة وحيدة منه في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي. وقد تصفّحنا بعض فصوله، فدلّ ـ لو صحت نسبة الكتاب إليه ـ على أنّه إسماعيلي يتستر بغطاء التسنّن، ولكنّه إسماعيلي غير متطرّف فيأخذ بظواهر القرآن وفي الوقت نفسه يطلب له تأويلاً ينسجم مع الفكر الإسماعيلي.
يقول في مقدّمته: لقد كانت الصحابة (رضي اللّه عنهم) متّفقين على أنّ علم القرآن مخصوص بأهل البيت (عليهم السلام)، إذ كانوا يسألون علي بن أبي طالب (عليه السلام)هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن؟ وكان يقول: «لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ بما في قراب سيفي هذا».
فاستثناء القرآن بالتخصيص دليل على إجماعهم بأنّ القرآن وعلمه، تنزيله، وتأويله مخصوص بهم، ولقد كان حبر الأُمّة عبد اللّه بن عباس (رضي اللّه عنه) مصدر تفسير جميع المفسّرين، وقد دعا له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن قال: «اللّهمّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل» فتلمّذ لعلي (عليه السلام)حتى فقّهه في الدين وعلَّمه التأويل.
ولقد كنت على حداثة سنّي أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعاً مجرّداً حتى وُفقْتُ، فعلّقته على أُستاذي ناصر السنّة أبي القاسم سلمان بن ناصر الأنصاري (رضي اللّه عنهما) تلقفاً(كذا).
ثمّ أطلعتني مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم (رضي اللّه عنهم) على أسرار دفينة وأُصول متينة في علم القرآن، وناداني مَن هو في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة الطيبة (يا أَيُّها

صفحه 275
الَّذينَ آمنوا اتَّقُوا اللّه وَكُونُوا مَعَ الصّادِقين) (1)، فطلبت الصادقين طلبَ العاشقين، فوجدت عبداً من عباد اللّه الصالحين كما طلب موسى (عليه السلام)مع فتاه (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً)(2)، فتعلّمت منه مناهج الخلق والأمر، ومدارج التضاد والترتيب، ووجهي العموم والخصوص، وحكمي المفروغ والمستأنف، فشبعت من هذا المِعَا الواحد، دون الأمعاء التي هي مآكل الضُّلاّل ومداخل الجُهّال، وارتويت من شرب التسليم بكأس، كان مزاجه من تسنيم فاهتديت إلى لسان القرآن: نظمه، وترتيبه، وبلاغته، وجزالته، وفصاحته، وبراعته.
ثمّ إنّه بعد ما يشير إلى أنّ القرآن بحر لا يدرك غوره،ولا يدرك ساحله، والسباحة في هذا البحر كانت مقرونةً بالخطر، يقول: فوجدت الحبر العالم فاتّبعته على أن يعلِّمني ممّا عُلّم رُشداً، وآنست ناراً، فوجدت على النار هدى، فنقلت القراءة والنحو واللغة، والتفسير، والمعاني من أصحابها على ما أوردوه في الكتب نقلاً صحيحاً، من غير تصرّف فيها بزيادة أو نقصان، سوى تفسير مجمل، أو تقصير مطوّل، وعقّبتُ كلّ آية بما سمعت فيها من الأسرار، وتوسمتها من إشارات الأبرار، ولقد مرّ على الخوض فيها فصول في علم القرآن هي مفاتيح العرفان، وقد بلغت اثنا عشر فصلاً، قد خلت عنها سائر التفاسير وسمّيت التفسير بـ«مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار» وأستعيذ باللّه السميع العليم من القول فيها برأي واستبداد

1 . التوبة:119.
2 . الكهف:65.

صفحه 276
دون رواية واسناد، والخوض في أسرارها ومعانيها جزافاً وإسرافاً دون العرض على ميزان الحقّ والباطل، وإقامة الوزن بالقسط وتقرير الحقّ وتزييف الرأي المقابل له.(1)
ثمّ إنّه ذكر في الفصل الثامن معنى التفسير والتأويل، وبما أنّ لأكثر كلامه مسحة من الحقّ نأتي به.
يقول: ثمّ التأويل المذكور في القرآن على أقسام:
منها: تأويل الرؤيا بمعنى التعبير: (هذا تَأْويلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْل) .(2)
ومنها:تأويل الأحاديث: (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الأَحادِيثِ).(3)
ومنها: تأويل الأفعال:(ذلك تَأويلُ ما لَمْ تَسَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).(4)
ومنها : الرد إلى العاقبة والمآل:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ).(5)
ومنها: الرد إلى اللّه والرسول: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).(6)
ومنها: تأويل المتشابهات: (فَأَمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ

1 . مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار:1/2.
2 . يوسف:100.
3 . يوسف:6.
4 . الكهف:82.
5 . الأعراف:53.
6 . النساء:59.

صفحه 277
مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ).(1)
وفي القرآن أحكام المفروغ، وأحكام المستأنف، وأحكام متقابلات على التضاد، وأحكام متفاضلات على الترتّب، فرؤية المستأنف هو الظاهر والتنزيل والتفسير، ورؤية حكم المفروغ هو الباطن والتأويل والمعنى والحقيقة(وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الأَلْباب)(2).(3)
فهذا المقطع من كلامه يبيّن موقفه من تأويل القرآن، فالأسرار التي يودعها في تفسيره إن كانت مستندة إلى نصّ معتبر فهي مقبولة، وإلاّ فيرجع إلى التفسير بالرأي.ومن أراد أن يقف على منهج تفسيره وتأويله، فلينظر إلى تفسير قوله سبحانه: (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا الاّإِبْليسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ)(4) فلاحظ ص 117ـ 121 من التفسير المذكور.(5)
***

1 . آل عمران:7.
2 . آل عمران:7.
3 . مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار:1/19.
4 . البقرة:34.
5 . ونحن نرفع آية الاعتذار إلى القرّاء الأعزّاء لإطناب الكلام فيه، وما ذلك إلاّ نتيجة الغموض الذي كان يكتنف بعض جوانب سيرة المؤلّف، حتى وقفنا على تفسيره فاطّلعنا على جانب من حياته ومذهبه الّذي كان مكتوماً حقبة طويلة من الزمن، وإن كان في بعض الكلمات التي نقلناها في كتابنا«الملل والنحل» إشارة إليه.

صفحه 278

السادس: التفسير حسب تأويلات الصوفية

التفسير الصوفي قد تأثّر إلى حدّ كبير بأفكار الباطنية، واستخدم القرآن في هدف خاصّ وهو دعم الأُسس العرفانية والفلسفية، وفي الحقيقة أنّهم لم يخدموا القرآن الكريم بشيء وإنّما خدموا آراءهم وأفكارهم من خلال تطبيق الآيات على آرائهم.
فالتفسير الصوفي شعبة من شعب التفسير الباطني في قالب معيّن، كما أشرنا إليه.
وهو ينقسم إلى: تفسير نظري، وفيضي.
أمّا الأوّل، فهو التفسير المبني على أُصول فلسفية ورثوها من أصحابها، فحاولوا تحميل نظرياتهم على القرآن الكريم.
وأمّا التفسير الفيضي، فهو تأويل الآيات على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات رمزية تظهر لأرباب السلوك من غير دعم بحجّة أو برهان.
وبعبارة أُخرى: التفسير الفيضي يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل بها إلى درجة تنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف الإلهية.
وعلى كلّ تقدير فتفاسيرهم من غير فرق بين النظري والفيضي مبنية على حمل القرآن على ما يعتقدون به من الأُصول والقواعد من دون حجّة وبرهان.

صفحه 279
وهانحن نذكر شيئاً من تفاسيرهم:

1. تفسير التستري

ولعلّ أوّل تفسير ظهر هو تفسير أبي محمد سهل بن عبد اللّه التستري(200ـ 283هـ) وقد طبع بمطبعة السعادة بمصر عام 1908م ، جمعه أبو بكر محمد بن أحمد البلدي، فهو يفسّر البسملة بالشكل التالي:
أ. الباء: بهاء اللّه، والسين: سناء اللّه، والميم: مجد اللّه، واللّه: هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلّها، وبين الألف واللام منه حرف مكنّى، غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر.(1)
ب. من ذلك ما ذكره في تفسير الآية: (وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)(2)، لم يرد اللّه معنى الأكل في الحقيقة، وإنّما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره، أي لا تهتم بشيء هو غيري، قال: فآدم (عليه السلام)لم يعصم من الهمة والفعل في الجنة، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك، قال: وكذلك كلّ مَن ادّعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظراً إلى هوى نفسه، لحقه الترك من اللّه مع ما جبلت عليه نفسه، إلاّ أن يرحمه الله فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها.(3)
ج. ومنها ما ذكره في تفسير الآية 96 من سورة آل عمران: (إِنّ أوّلَ بيت وُضِعَ لِلنّاسِ...): أوّل بيت وضع للناس بيت اللّه عزّوجلّ بمكة، هذا هو

1 . تفسير التستري:12.
2 . البقرة:35.
3 . تفسير التستري: 16ـ17.

صفحه 280
الظاهر، وباطنها الرسول يؤمن به مَن أثبت اللّه في قلبه التوحيد من الناس.(1)
د. ومنها ما ذكره في تفسير الآية 36 من سورة النساء:(وَالجارِ ذِي القُربى وَالجارِ الجُنُبِ وَالصاحِبِ بِالجَنْبِ وَابنِ السَّبِيل...) : وأمّا باطنها، فالجار ذي القربى هو القلب، والجار الجنب: هو الطبيعة، والصاحب بالجنب: هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل: هو الجوارح المطيعة للّه.(2)

2. حقائق التفسير للسلمي

إنّ ثاني تفاسير الصوفية التي ظهرت إلى الوجود، هو تفسير أبي عبد الرحمن السلمي (330ـ 412هـ) المسمّى بـ«حقائق التفسير» وكان شيخ الصوفية ورائدهم بخراسان، وله اليد الطولى في التصوّف.
أ. قال في تفسير الآية: (وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ)(3): قال محمد بن الفضل: (اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)بمخالفة هواها، (أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ): أي أخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم(ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ) في العدد، كثير في المعاني، وهم أهل التوفيق والولايات الصادقة.(4)

1 . تفسير التستري:40.
2 . تفسير التستري:45.
3 . النساء:66.
4 . تفسير السلمي:49.

صفحه 281
ب. وفي سورة الرعد عند قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) .(1)
يقول: قال بعضهم: هو الذي بسط الأرض، وجعل فيها أوتاداً من أوليائه وسادة من عبيده، فإليهم الملجأ وبهم النجاة، فمَن ضرب في الأرض يقصدهم فاز ونجا، ومَن كان بغيته لغيرهم خاب وخسر.(2)
ج. وفي سورة الحجّ عند قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أنَّ اللّهَ أنزلَ من السَّماءِ ماءً فتُصبِحُ الأرضُ مُخْضَرّة).(3)
يقول: قال بعضهم: أنزل مياه الرحمة من سحائب القربة وفتح إلى قلوب عباده عيوناً من ماء الرحمة، فأنبتت فاخضرّت بزينة المعرفة، وأثمرت الإيمان، وأينعت التوحيد، أضاءت بالمحبة فهامت إلى سيّدها، واشتاقت إلى ربّها فطارت بهمتها، وأناخت بين يديه، وعكفت فأقبلت عليه، وانقطعت عن الأكوان أجمع. ذاك آواها الحقّ إليه، وفتح لها خزائن أنواره، وأطلق لها الخيرة في بساتين الأنس، ورياض الشوق والقدس.(4)
د. وفي سورة الرحمن عند قوله تعالى: ( فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الأَكْمامِ)(5) يقول: قال جعفر: جعل الحقّ تعالى في قلوب أوليائه رياض

1 . الرعد:3.
2 . تفسير السلمي: 138.
3 . الحج:63.
4 . تفسير السلمي: 212.
5 . الرحمن:11.

صفحه 282
أنسه، فغرس فيها أشجار المعرفة، أُصولها ثابتة في أسرارهم، وفروعها قائمة بالحضرة في المشهد، فهم يجنون ثمار الأنس في كلّ أوان، وهو قوله تعالى: (فِيهافاكِهةٌ والنَّخلُ ذاتِ الأكمام): أي ذات الألوان، كلّ يجتني منه لوناً على قدر سعته، وما كوشف له من بوادي المعرفة و آثار الولاية.(1)
وهاهنا كتب أُخرى أُلّفت على هذا الغرار نظير:

3. لطائف الإشارات

لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري (376ـ 465هـ).

4. تفسير الخواجه

لعبد اللّه الأنصاري (المتوفّى 480هـ).

5. كشف الأسرار وعدّة الأبرار

لأبي الفضل رشيد الدين الميبدي(كان حياً سنة 520هـ)، وهو بسط وتوضيح لمباني تفسير الخواجه عبد اللّه الأنصاري .

6. تفسير ابن العربي

هو لأبي بكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بابن العربي (560ـ 638هـ).

1 . تفسير السلمي: 344.

صفحه 283
يقول في تفسير الآية 19 ـ20 من سورة الرحمن:(مَرجَ البَحرين يَلتقيان * بَينَهُما بَرزخٌ لا يَبغيان)بأنّ مرج البحرين هو بحر الهيولى الجسمانية الذي هو الملح الأُجاج، وبحر الروح المجرّد هو العذب الفرات، يلتقيان في الموجود الإنساني، وإنّ بين الهيولى الجسمانية والروح المجرّدة، برزخ هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الروح المجرّدة ولطافتها، ولا في كثرة الأجساد الهيولائية وكثافتها، ولكن مع ذلك لايبغيان، أي لايتجاوز أحدهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصّيته، فلا الروح المجرّدة تجرّد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه، ولا البدن يجرّد الروح ويجعله مادياً(1).

7. عرائس البيان في حقائق القرآن

لأبي محمد روزبهان بن أبي نصر البقلي الشيرازي (المتوفّى 666هـ).

8. التأويلات النجمية

لأبي بكر عبد اللّه الرازي المعروف بـ«داية» (المتوفّى 654هـ). إلى غير ذلك من التفاسير.(2)
وفي الختام نكتفي بما ذكره الذهبي حول هذه التفاسير، وقال:

1 . تفسير ابن العربي: 2/280.
2 . وقد صدرنا في تحرير هذا الموضوع عن كتاب «التفسير والمفسّرون»، للمحقّق الأُستاذ محمد هادي معرفة الّذي وافاه الأجل في أواخر عام 1427 هـ .

صفحه 284
نحن لا ننكر على ابن عربي أن ثمّ أفهاماً يلقيها اللّه في قلوب أصفيائه وأحبائه، ويخصّهم بها دون غيرهم، على تفاوت بينهم في ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت في درجات السلوك ومراتب الوصول، كما لا ننكر عليه أن تكون هذه الأفهام تفسيراً للقرآن وبياناً لمراد اللّه من كلامه، ولكن بشرط: أن تكون هذه الأفهام يمكن أن تدخل تحت مدلول اللفظ العربي القرآني، وأن يكون لها شاهد شرعي يؤيّدها، أمّا أن تكون هذه الأفهام خارجة عن مدلول اللفظ القرآني وليس لها من الشرع ما يؤيّدها، فذلك ما لا يمكن أن نقبله على أنّه تفسير للآية وبيان لمراد اللّه تعالى، لأنّ القرآن عربي قبل كلّ شيء كما قلنا، واللّه سبحانه و تعالى يقول في شأنه: (كتابٌ فُصِّلت آياتُهُ قُرآناً عَرَبِيّاً لقوم يَعْلَمُون)(1)، وحاشا للّه أن يلغز في آياته أو يعمّي على عباده طريق النظر في كتابه، وهو يقول: (وَلَقَد يَسَّرنا القُرآنَ للذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدّكِر)(2).(3)

التفسير الإشاري بين القبول والرفض

هناك منهج اصطلحوا عليه بالتفسير الإشاري وهو نفس التفسير الصوفي، وعرّفوه بأنّ نصوص القرآن محمولة على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ويمكن

1 . فصلت:3.
2 . القمر:17.
3 . التفسير والمفسّرون:2/374.

صفحه 285
التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.(1)
وبعبارة أُخرى: ما يظهر من الآيات بمقتضى إشارات خفيّة تظهر لأرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها و بين الظواهر المرادة.
وبعبارة ثالثة: القائل بالتفسير الإشاري لا ينكر كون الظاهر مراداً، ولكن يقول بأنّ في هذه الظواهر، إشارات إلى معان خفيّة تفهمها عدّة من أرباب السلوك وأُولو العقل والنهى، وبذاك يمتاز عن تفسير الباطنية فإنّهم يرفضون كون الظواهر مرادة ويأخذون بالبواطن، هذا هو حاصل التفسير الإشاري.
واستدلّ القائلون بالتفسير الإشاري بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ القرآن يدعو إلى التدبّر والتفكّر فيه، ومعنى ذلك هو أنّ القرآن يحتوي على معان وحقائق لا تدرك بالنظرة الأُولى، بل لابدّ من التأمّل والتعمّق حتى يقف الإنسان على إشاراته ورموزه، يقول سبحانه: (فَما لهؤلاءِ القومِ لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) .(2)
وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدبّرونَ القُرآنَ ولَو كانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللّهِ لوجَدُوا فِيهِ اختلافاًكَثِيراً) .(3)
وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقفالُها).(4)

1 . شرح العقائد النسفية لسعد الدين التفتازاني:142.
2 . النساء:78.
3 . النساء:82.
4 . محمد:24.

صفحه 286
فهذه الآيات تصف الكافرين بأنّهم (لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) لا يريد بذلك أنّهم لا يفهمون نفس الكلام، لأنّ القوم كانوا عرباً، والقرآن لم يخرج عن لغتهم، فهم يفهمون ظاهره بلا شك، وإنّما أراد بذلك أنّهم لا يفهمون مراده من الخطاب، فحضّهم على أن يتدبّروا في آياته حتى يقفوا على مقصود اللّه ومراده، وذلك هو الباطن الذي جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال بهذه الآيات على ما يدّعون من الضعف بمكان، فإنّها تدعو إلى التدبّر في نفس المفاهيم المستفادة من ظاهر الآيات وكون القرآن عربياً، وكون القوم عرباً، لا يكفي في فهم القرآن الكريم من دون التدبّر والإمعان، فهل يكفي كون القوم عرباً في فهم مغزى قوله سبحانه:
(هُوَ الأَوّل وَالآخر وَالظّاهر وَالباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَليم)(2)؟
أو في فهم قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(3)؟
أو في فهم قوله سبحانه: (وما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضهُم عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّه عَمّا يَصِفُون)(4)؟

1 . التفسير والمفسّرون، نقلاً عن الموافقات:3/382ـ 383.
2 . الحديد:3.
3 . الأنبياء:22.
4 . المؤمنون:91.

صفحه 287
فالدعوة إلى التدبّر لا تدلّ على أنّ للقرآن وراء ما تفيده ظواهره، بطناً.
وثانياً: أنّه يمكن أن يكون الأمر بالتدبّر هو تطبيق العمل على ما يفهمونه من القرآن، فربّ ناصح يدلي بكلام فيه نصيحة الأهل والولد، ولكنّهم إذا لم يطبقوا عملهم على قول ناصحهم، يعود الناصح إليهم، ويقول: لماذا لا تتدبّرون في كلامي؟ لماذا لا تعقلون؟ مشعراً بذلك أنّكم ما وصلتم إلى ما أدعوكم إليه وإلاّ لتركتم أعمالكم القبيحة وصرتم عاملين بما أدعو إليه.
الوجه الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):«بأنّ للقرآن بطناً وظهراً» أنّه يحتمل وجوهاً على نحو مانعة الخلوّ:
1. المقصود من البطن هو أنّ ما ورد في القرآن حول الأقوام والأُمم من القصص، وما أصابهم من النعم والنقم، لاينحصر على أُولئك الأقوام، بل هؤلاء مظاهر لكلامه سبحانه وهو يعم غيرهم ممّن يأتون في الأجيال اللاحقة، فقوله سبحانه: (وضَربَ اللّهُ مَثَلاً قَريةً كانَت آمنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيها رِزقُها رَغَداً مِن كُلِّ مَكان فَكَفَرت بِأنعُمِ اللّهِ فَأذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعونَ * وَلَقد جاءَهُمْ رَسولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذهُمُ العَذابُ وَهُم ظالِمون)(2)وإن كان وارداً في قوم خاصّين، لكنّها قاعدة كلّية مضروبة على الأُمم

1 . الكافي:2/598، الحديث2.
2 . النحل: 112 ـ113.

صفحه 288
جمعاء.
2 . المراد من بطن القرآن هو الاهتداء إلى المصاديق الخفيّة التي يحتاج الوصول إليها إلى التدبّر، أو تنصيص من الإمام، ولأجل ذلك نرى أنّ عليّاً(عليه السلام)يقول في تفسير قوله سبحانه: (وإن نَكَثُوا أيْمانَهُم مِن بَعدِ عَهدِهِم وطَعَنُوا في دِينِكُم فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ إنّهُم لا أيْمانَ لَهُم لَعَلّهُم يَنتَهُون)(1): «إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتى اليوم».
وفي رواية أُخرى قال علي(عليه السلام): «عذرني اللّه من طلحة والزبير بايعاني طائعين، غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته» ثم تلا هذه الآية(2).
3 . وهناك احتمال ثالث للبطن، وهو حمل الآية على مراتب مفهومها وسعة معناها واختلاف الناس في الاستفادة منها حسب استعداداتهم وقابلياتهم، لاحظ قوله سبحانه: (أنزَلَ مِن السّماءِ ماءً فَسالت أوديةٌ بِقَدَرِها فاحتَملَ السَّيلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ في النّارِ ابتغاءَ حِلية أو متاع زَبَدٌ مِثلُهُ كَذلِكَ يَضربُ اللّهُ الحقَّ والباطِلَ فأمّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيمكُثُ فِي الأرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللّهُ الأمثالَ).(3)
إنّ للآية مراتب ودرجات من التفسير كلّ يستفيد منها حسب قابليته،

1 . التوبة: 12.
2 . البرهان في تفسير القرآن: 1/105.
3 . الرعد:17.

صفحه 289
والكلّ يستمد من الظاهر، ونظيرها آية النور.(1) فقد خاض المفسرون في تفسير الآية وتطبيقها على موارد مختلفة وكلّ استفاد من نورها حسب مؤهّلاته وكفاءاته.
وحاصل القول في التفسير الإشاري: إنّ ما يفهمه المفسّر من المعاني الدقيقة إن كانت لها صلة بالظاهر، فهو مقبول، سواء سمّي تفسيراً على حسب الظاهر أو تفسيراً إشارياً; وعلى كلّ تقدير فالمفسّر على حجّة من ربّه في حمل الآية على ما أدرك، وأمّا إذا كان مقطوع الصلة عن الظاهر، المتبادر إلى الأذهان، فلايصحّ له حمل القرآن عليه إلاّ إذا حصل له القطع بأنّه المراد، وعندئذ يكون القطع حجّة له لا لغيره وإن كان مخالفاً للواقع، ولإيضاح الحال نأتي بأمثلة:
يخاطب الله سبحانه أُمّ المسيح بقوله: (وهُزّي إلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطباً جَنيّاً).(2)
فلو قال أحد: إنّه سبحانه هيّأ مقدّمات الولادة ومؤخّراتها لأُمّ المسيح، حتى الرطب في غير فصله من الشجرة اليابسة، ومع ذلك أمرها أن تهُزَّ بجذع النخلة مع أنّ في وسع المولى سبحانه أن يرزقها الرطب بلا حاجة إلى أمرها بالهز، هذا لتفهيمها أنّها مسؤولة في حياتها عن معاشها، وأنّه سبحانه لو هيّأ كلّ المقدّمات فلا تغني عن سعيها وحركتها ولو بهز جذع النخلة.

1 . لاحظ: النور:35.
2 . مريم: 25.

صفحه 290
هذا ما ربّما يعلق بذهن بعض المفسّرين، ولابأس به، لأنّ له صلة بالظاهر.
روي أنّه بعدما نزل قوله سبحانه: (اليومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتمَمتُ عَليكُمْ نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسلامَ ديناً)(1)، فرِحَ الصحابة وبكى بعضهم فقال: الآية تنعى إلينا رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(2).
وكأنّه فهم الملازمة بين إكمال الدين ورحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم هناك تفاسير باسم التفسير الإشاري لايصحّ إسنادها إلى اللّه سبحانه، كتفسير «الم» بأنّ الألف إشارة إلى اللّه، واللام إلى جبرئيل، والميم إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه أشبه بالتفسير بالرأي إلاّ إذا كان هناك نصّ من المعصوم.(3)
ولو صحّ هذا التفسير، فيمكن تفسيره بوجوه كثيرة بأنّ يقال الألف إشارة إلى ألف الوحدانية، واللام إلى لام اللطف، والميم إشارة إلى الملك، فمعنى الكلمة: من وحّدني تلطفت له فجزيته بالملك الأعلى.
وأسوأ من ذلك تفسير قوله سبحانه: (والجارِ ذِي القُربَى والجارِ الجُنُبِ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ وابنِ السّبِيل)(4) بأن يقال: (وَالجارِ ذِي القُربى) هو القلب، (وَالجارِ الجُنُبِ)، هو الطبيعة، (وَالصاحِبِ بِالجَنْبِ)هو العقل

1 . المائدة:3.
2 . لاحظ: روح المعاني للآلوسي: 6/60.
3 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:18/7.
4 . النساء: 36 .

صفحه 291
المقتدي بالشريعة، (وَابنِ السَّبِيل)هو الجوارح المطيعة للّه.
فمثل هذا النوع من التفسير يلتحق بتفاسير الباطنية التي مضى البحث فيها.

صفحه 292

ختامه مسك

حول كتاب «التفسير والمفسّرون»

ألّف الدكتور محمد حسين الذهبي(المتوفّى1397هـ)، الأُستاذ في علوم القرآن والحديث كتاباً أسماه بـ«التفسير والمفسّرون» كتب فيه بحثاً تفصيليّاً عن نشأة التفسير وتطوّره وألوانه ومذاهبه مع عرض شامل لأشهر المفسّرين، وتحليل كامل لأهم كتب التفسير من عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عصرنا الحاضر. وخصص قرابة 234 صفحة من الجزء الثاني لبيان عقائد الشيعة وكتبهم التفسيرية، والكتاب جدير بالمطالعة فإنّ المؤلّف أتعب نفسه في الأهداف التي مرّ ذكرها، وقرأ كثيراً من التفاسير حتى خرج بتحليل كلّ تفسير.
غير أنّ المؤلّف لم يكن معصوماً وله زلاّت كثيرة، وإليك ذكر بعضها:

الأُولى: جعل الإمام علي(عليه السلام) ثالث المفسّرين من الصحابة

عقد الذهبي فصلاً خاصّاً أسماه بـ «المفسّرون من الصحابة» وأشهرهم، فعدّ عبد الله بن عباس في المرتبة الأُولى، ثمّ عبد الله بن مسعود في المرتبة الثانية، وعلي بن أبي طالب في الثالثة. مع أنّ الدلائل الواضحة تشهد على أنّ ابن عباس تلميذ الإمام(عليه السلام) وقد أخذ منه شيئاً كثيراً، والإمام

صفحه 293
مؤدّبه وهو حصيلة عمره، أفيصحّ أن يُعدّ باب مدينة العلم في الدرجة الثالثة. ونحن لا نطيل الكلام فيه، وضمير الحرّ الواقف على مكانة الإمام من العلم والذكاء خير شاهد على خلاف ما ارتكبه الذهبي.

الثانية: اعتماده في بيان عقيدة الشيعة على خصومهم

إنّ الدكتور الذهبي (سامحه الله) عقد فصلاً أسماه بـ«موقف الإمامية الإثنى عشرية من تفسير القرآن الكريم» وأعتمد في بيان بعض عقائد الشيعة على كتب خصومهم، كضحى الإسلام لأحمد أمين المصري، وكتاب الوشيعة في نقد عقائد الشيعة لموسى جار الله.(1)
ولأجل هذا نسب إلى الشيعة الإمامية أُموراً لا أصل لها إلاّ في عقول خصمائهم أو في بعض الكتب غير المعتبرة عند الشيعة، وإليك نصّ ما كتبه: وأعلم أنّ الزيدية والإمامية منهم، يكفّر بعضهم بعضاً، والعداوة بينهم قائمة دائمة، والكيسانية يعدّون في الإمامية، واعلم أنّ جميع من ذكرنا هم من فرق الإمامية متّفقون على تكفير الصحابة، ويدّعون أنّ القرآن قد غُيّر عمّا كان عليه، ووقعت فيه الزيادة والنقصان من قبل الصحابة، ويزعمون أنّه قد كان فيه النصّ على إمامة عليٍّ فأسقطه الصحابة منه، ويزعمون أنّه لا اعتماد على القرآن الآن ولا على شيء من الأخبار المروية عن المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويزعمون أنّه لا اعتماد على الشريعة التي في أيدي المسلمين، وينتظرون إماماً يُسمّونه «المهدي» يخرج ويُعلّمهم الشريعة،

1 . لاحظ: التفسير والمفسّرون:2/23 و25.

صفحه 294
وليسوا على شيء من الدين وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم حتى يتوسّعوا في استحلال المحرّمات الشرعية، ويعتذروا عند العوام بما يعدّونه من تحريف الشريعة وتغيّر القرآن من عند الصحابة، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شيء من الدين».(1)
أقول: أُقسم بالله ـ وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم ـ أنّ جميع ما نسب إلى الشيعة الإمامية باطل لا يمتّ لعقائدهم بصلة، والمؤلّف مكان أن ينقل عقائد الإمامية من كتبهم استند إلى كتاب «التبصير في الدين» للإسفرائيني، وهو من أئمة الأشاعرة، وبما أنّ الدكتور قد انتقل إلى رحمة الله فلا أقول في حقّه شيئاً إلاّ أنّه قد قصّر في بيان عقائد أُمّة كبيرة من المسلمين.

الثالثة: مفسّرو الشيعة يُخضِعون الآيات لعقائدهم

ممّا نقد به كافّة تفاسير الشيعة التي قرأها أنّهم يُخضعون الآيات والنصوص القرآنية لعقائدهم وآرائهم، وهو عند ما يتكلّم عن «مجمع البيان» يؤاخذه بهذا، فيقول:
إنّ مفسّري الشيعة، يحاولون إخضاع النصوص القرآنية لآرائهم ومذاهبهم.(2)

1 . التبصير في الدين:24، 25، وقال الذهبي في هذا الهامش: وقد تقدّم أنّ هذا التطرّف قد شذّ عنه نفر قليل من الإمامية!! لاحظ: التفسير والمفسّرون:2/10ـ 11.
2 . لاحظ: التفسير والمفسرون:2/27.

صفحه 295
أقول: لو صحّ هذا ـ ولن يصحّ لأنّهم يستنطقون القرآن ويتبعون ما نطق به الذكر الحكيم دون أن يخضعوا النصوص لآرائهم ـ لعمّ البلاء، فإنّ كلّ مفسّر يفسّر القرآن ويخرج بدلالة القرآن على ما يتبنّاه.
إنّ المؤلف مع أنّه أظهر بعض الإنصاف حول تفسير «مجمع البيان» للشيخ الطبرسي، قال: والحق أنّ تفسير الطبرسي ـ بصرف النظر عمّا فيه من نزعات تشيّعية وآراء اعتزالية ـ كتاب عظيم في بابه، يدلّ على تبحّر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة. والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه، في تناسق تام وترتيب جميل، وهو يجيد في كلّ ناحية من النواحي التي يتكلّم عنها، فإذا تكلّم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلّم عن المعاني اللغوية للمفردات أجاد....
ومع كلّ هذا المديح من المؤلّف، فقد قال: وإذا كان لنا بعض المآخذ عليه فهو تشيّعه لمذهبه وانتصاره له، وحمله لكتاب الله على ما يتّفق وعقيدته، وتنزيله لآيات الأحكام على ما يتناسب مع الاجتهادات التي خالف فيها هو ومَن على شاكلته.(1)
أقول: إنّ هذه المؤاخذة ـ لو صحّت ـ لتوجّهت إلى عامّة المفسّرين من أهل نحلته، فإنّ صاحب الكشّاف، وصاحب التفسير الكبير (الرازي) حملا كتاب الله على ما يتّفق وعقيدتهما في العقائد والمعارف، فأين موقف الرازي من موقف الزمخشري في الأُصول والمعارف؟!

1 . التفسير والمفسرون:2/105.

صفحه 296
فالزمخشري معتزلي والرازي أشعري.
كما أنّ القرطبي لأجل تسنّنه قد نزّل آيات الأحكام مع ما يتناسب مع الاجتهادات التي خالف فيها هو من على شاكلته... وكأنّ الذهبي يتصوّر أنّ عامّة المفسّرين يجب أن يفسّروا القرآن حسب ما يراه هو ومَن على شاكلته، ومَن تخلّف عن ذلك، فقد حاد عن طريق الحق.
هذا ما سمح به الوقت، غير أنّ الكتاب بما فيه من تحليلات غير صحيحة، يحتاج إلى نظارة التنقيب والتمحيص، ولعلّ اللهُ يوفّق مَن يقوم بهذا العمل في المستقبل القريب، والله من وراء القصد.

صفحه 297
منهج أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير القرآن المجيد   

المبحث السادس والعشرون

منهج أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير القرآن المجيد

تواتر عن النبي الأكرم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» والثقل ـ بفتحتين: ـ كلّ شيء نفيس، والحديث يحكي عن استمرار الاتّفاق بينهما إلى يوم القيامة ولزوم الرجوع إليهما إلى ذلك اليوم.
و لايشكُّ في صحّة الحديث وتواتره من له إلمام به وبعلومه.
وقد حدّد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الكساء ما هو المراد من قوله:«وعترتي»، فقد قام(صلى الله عليه وآله وسلم)بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة نشير إليها:
1. صرّح بأسماء مَن نزلت آية التطهير في حقّهم حتى يتعيّن المنزول فيه باسمه ورسمه.
2. قد أدخل جميع مَن نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء، ومنع من دخول غيرهم، وأشار بيده إلى السماء وقال:«اللّهمّ إنّ لكلّ نبي أهل بيت، وهؤلاء أهل بيتي».
3. كان يمرّ ببيت فاطمة(عليها السلام) عدّة شهور، كلّما خرج إلى الصلاة

صفحه 298
فيقول:الصلاة أهل البيت(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1).
وقد ذكرنا لكلّ قسم نماذج من الروايات التي رواها الجمهور في صحاحهم ومسانيدهم، فمَن أراد فليرجع إلى موسوعتنا «مفاهيم القرآن».(2)
ثمّ إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من المصطفين الذين أُشير إليهم في قوله سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(3).
فقد ورث الكتاب قوم وصفهم الله تعالى بقوله: (اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)وأُريد صنف من الأُمّة الإسلامية الذين لهم صلاحية الحكم بالقرآن وتبيين مجمله وتفسير معضلاته وعلى رأسهم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) الذين قُرنوا مع الكتاب المجيد في حديث التمسّك بالثقلين حيث قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا إذاً أبداً».
إذا تبيّن ذلك فلنذكر منهج الأئمّة الطاهرين في تفسير آيات الذكر الحكيم.
التتبّع في الروايات الواردة عنهم(عليهم السلام) حول تفسير الآيات يثبت أنّ

1 . الأحزاب:33.
2 . لاحظ: مفاهيم القرآن:10/142ـ 153.
3 . فاطر:32.

صفحه 299
لهم أساليب مختلفة في تفسير القرآن لكلّ أُسلوب محلّه وموضعه:

الأوّل:استنطاق نفس الآية

إنّ من أساليب تفسيرهم(عليهم السلام) استنطاق نفس الآية لرفع الإبهام أو الإستدلال على المطلوب ونأتي هنا بنماذج:

1. الاستغفار سبب نزول الرزق

قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).(1)
وقد احتجّ الإمام علي(عليه السلام) بذلك حيث قال في بعض خطبه:«وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحانَهُ الاِْسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحانَهُ : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) فَرَحِمَ اللهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ!».(2)

2. المسح ببعض الرأس لوجود (الباء)

روى الكليني عن علي بن إبراهيم... عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، ثم قال:«يا زرارة، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل به

1 . نوح:10ـ 12.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 143.

صفحه 300
الكتاب من الله لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يُغسل، ثم قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، ثم وصل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) فعرفنا حين قال: (بِرُؤُوسِكُمْ)أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء».(1)
لا شكّ أنّ فعل: مسح، كغسل، متعدّ بنفسه، يقال: مسحه مسحاً، غير أنّه إذا قيل: فامسحوا رؤوسكم يتبادر منه مسح تمام الرأس، بخلاف ما إذا قيل: مسح بعنق الفرس أو بساقه أو بالركن أو بالحجر، فلا يتبادر منه إلاّ أنّه أمرّ يده على إحدى هذه الأشياء، من غير فرق بين إمراره على الكلّ أو على البعض.
وعلى ما ذكرنا فلا فرق بين القول بأنّ «الباء» للتبعيض وإنّه من معانيها، أو أنّها للإلصاق، غير أنّ المتبادر من المدخول المحلّى بالباء هو التبعيض. فإنكار بعض أهل اللغة وضع الباء للتبعيض لا يضر، غير أنّ الحجّة هو المتبادر.
وبذلك يُعلم حكم التيمّم في مسح الوجوه والأيدي، قال سبحانه:(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)(2) فلو قيل: امسحوا وجوهكم وأيديكم، فهنا يفيد الاستيعاب.

1 . الكافي:3/50، كتاب الطهارة، برقم 4.
2 . المائدة:6.

صفحه 301

3. تعلّق الخمس بكلّ فائدة

قال سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(1).
اختلفت كلمة الفقهاء، فأكثر فقهاء السنّة على اختصاص الآية بالغنائم الحربية، إلاّ أنّ المعروف من مذهب أهل البيت(عليهم السلام) تعلّقه بالغنائم والفوائد كلّها حربية كانت أو غيرها، فعن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام) في جواب سؤال سماعة عن الخمس، فقال:«في كلّ ما أفاد الناس من قليل وكثير»(2)، أخذاً بظهور اللفظ في مطلق الفوز بالشيء، قال الأزهري: قال اللبيب: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(3) حتى أنّ الذكر الحكيم استعمل تلك المادّة في مطلق الغنائم. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)(4)، وبذلك تُعلم قيمة تفسير الإمام واستنطاقه الآية. قال الإمام أبو جعفر الجواد(عليه السلام): «فأمّا الغنائم والفوائد، فهي واجبة عليهم في كلّ عام. قال الله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ

1 . الأنفال:41.
2 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث6.
3 . تهذيب اللغة: مادة «غنم».
4 . النساء:94.

صفحه 302
بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) والغنائم والفوائد ـ يرحمك الله ـ فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يُحتسب».(1)

4. بطلان الطلاق في الحيض

اتّفقت كلمة فقهاء الإمامية على بطلان الطلاق في الحيض، ويشترط أن يكون الطلاق في طهر من الحيض، غير أنّ الكثير من فقهاء أهل السنّة يعتبرون هذا الطلاق صحيحاً، ولكن الإمام الباقر(عليه السلام)باستنطاقه للآية يثبت عدم صحّة مثل هذا الطلاق. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ)(2)
روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: عن أبي الجارود، عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله:(فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) : والعدّة الطهر من الحيض، (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ).(3)
توضيح كلامه: أنّ اللام في قوله: (لِعِدَّتِهِنَّ) إمّا للغاية أو بمعنى «في»، فعلى الأوّل، يكون معنى قوله:(فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ): أي لغاية أن يعتددن، على نحو يترتّب الاعتداد على الطلاق بلا فصل ولا تريّث، والمفروض أنّ

1 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5.
2 . الطلاق:1.
3 . الوسائل:15، الباب9 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث7.

صفحه 303
الحيض فاصل بين الطلاق والاعتداد، هذا إذا كانت اللام بمعنى الغاية.
ولو قلنا إنّ اللام بمعنى «في» ـ كما هي خيرة القرطبي ـ فيكون معنى (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ): أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن، وقد حصل الإجماع على أنّ الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه.(1)
ثمّ إنّ القروء في قوله سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(2) سواء فسّرت بالأطهار كما عليه الإمامية، أو بالحيضات، فقد اتّفق فقهاء السنّة على أنّ الحيضة التي طلّقت فيها المرأة، لا تعدّ من الحيضات الثلاث التي بها تخرج المرأة عن العدّة، فالطلاق فيها صحيح لكن تتربّص حتى تطهر، ثم تحيض وعندئذ تبتدئ بالاعتداد.
وعلى هذا فلو صحّ الطلاق في أيام الحيض، لزم وجود الفاصل الزماني بين إنشائه وأيام الاعتداد وهو خلاف ظاهر الآية على كلا الوجهين.
قال الرازي: اللام ـ هنا ـ بمنزلة «في» نظير قوله تعالى: (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ)(3). وفي هذه الآية بهذا المعنى; لأنّ المعنى: فطلّقوهن في عدّتهن، أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن.(4)

1 . تفسير القرطبي:18/153.
2 . البقرة:228.
3 . الحشر:2.
4 . تفسير الرازي:30/30.

صفحه 304
وقال الزمخشري: «فطلّقوهن» مستقبلات «لعدتهن» كقولك: أتيته ليلة بقيت من الشهر، أي مستقبلاً لها.(1)
وهناك آيات أُخرى قد فسّرت باستنطاق الآية بنفسها، وما ذكرنا هنا نماذج من هذا الأُسلوب.

الأُسلوب الثاني: تفسير الآية بآية أُخرى

ومن نماذج هذا الأُسلوب:
إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بقوله:(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَاني تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد)(2)فقوله: (مَثانِي) بمعنى تكرّر مضامينه حسب اقتضاء المقام، ولذلك يتمكّن المفسّر من رفع إبهام الآية بأُختها إذا وردتا في موضع واحد، وهذا ما يقال له: تفسير القرآن بالقرآن.
يقول الإمام علي(عليه السلام): «كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْض، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْض، وَلاَ يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، وَلاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ».(3) ونأتي بنماذج من ذلك:

1 . تفسير الكشّاف:4/199.
2 . الزمر:23.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 129.

صفحه 305

1. تفسير شاهد ومشهود

تضاربت الأقوال في معنى الشاهد والمشهود، غير أنّ الحسن بن علي(عليهما السلام) فسّره بآية أُخرى.
روي أنّ رجلاً دخل مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا رجل يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: فسألته عن الشاهد والمشهود، فقال: نعم، الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة; فجزته إلى آخر يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فسألته عن ذلك؟ فقال: أمّا الشاهد فيوم الجمعة، وأمّا المشهود فيوم النحر; فجزتهما إلى غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود؟ فقال: «نعم; أمّا الشاهد فمحمد، وأمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعت الله سبحانه يقول:(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(1)، وقال: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)».(2) فسألت عن الأوّل، فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر، وسألت عن الثالث: فقالوا: الحسن بن علي(عليهما السلام).(3)

2. استنباط حكم قصر الصلاة من حكم الطواف

روى الصدوق بسنده عن زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا: قلنا لأبي جعفر(عليه السلام):ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي وكم هي؟ فقال:«إنّ

1 . الأحزاب:45.
2 . هود:103.
3 . مجمع البيان:10/355.

صفحه 306
الله عزّ وجلّ يقول: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ)(1) فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر» قالا: قلنا: إنّما قال الله عزّ وجلّ:(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) ولم يقل افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال(عليه السلام): «أو ليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة:(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض لأنّ الله عزّ وجلّ ذكَره في كتابه وصنعه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وذكره الله تعالى ذِكْرُه في كتابه...».(2)
ثمّ إنّ التعبير (فَلاَ جُنَاحَ) في الموردين لنكتة خاصّة، فعن أبي عبد الله(عليه السلام):«أنّه كان ذلك في عمرة القضاء، وذلك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شرط عليهم(قريش) أن يرفعوا الأصنام، فتشاغل رجل من أصحابه حتى أُعيدت الأصنام، فجاءوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل له: إنّ فلاناً لم يطف وقد أُعيدت الأصنام، فنزلت هذه الآية:(فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).(3)، أي والأصنام عليهما.
وأمّا الثاني ـ أي التقصير في الصلاة ـ فلعلّ التعبير بـ(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) لردّ ما ربّما يتوهّم من أنّ الاقتصار على ركعتين نوع استخفاف بالصلاة، وهو لا يخلو عن شيء من الإثم، فنزلت الآية بهذا التعبير ردّاً على

1 . النساء:101.
2 . الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.
3 . مجمع البيان:1/478، تفسير الآية 158 من سورة البقرة.

صفحه 307
هذا الوهم، والله العالم.

3. تفسير الاجتناب عن الخمر بآية أُخرى

لم يرد لفظ التحريم حول شرب الخمر، وإنّما ورد فيه لفظ الاجتناب، قال سبحانه: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1) والآية كافية لمَن أراد فهم حكم الخمر حيث قرنها بالميسر والأزلام، مضافاً إلى قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ)، غير أنّ بعض مَن لا يرتدع عن هذه الجريمة ربّما يحتج بعدم ورود التحريم في مورد الخمر، وقد سأل المهدي العباسي الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) عن ذلك، قال: هل هي محرّمة في كتاب الله عزّ وجلّ، فإنّ الناس إنّما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون التحريم لها؟
فقال له الإمام(عليه السلام): «بل هي محرّمة في كتاب الله، يا أميرالمؤمنين».
قال: في أي موضع هي محرّمة في كتاب الله، يا أبا الحسن؟
فقال:«في قول الله عزّ وجلّ:(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(2). قال (عليه السلام):«أمّا (مَا ظَهَرَ) فهو الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية، وأمّا (وَمَا بَطَنَ) فيعني ما نُكح من الآباء، لأنّ الناس قبل البعثة إذا كان للرجل زوجة ومات عنها، تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أُمّه. قال: «وأمّا (وَالإِثْمَ)

1 . المائدة:90.
2 . الأعراف:33.

صفحه 308
فإنّها الخمرة بعينها. وقد قال تعالى في موضع آخر: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)(1)».(2)
وعلى ما ذكرنا فالإثم وضع للمعنى الجامع والذي من مصاديقه الخمر أي شربها، وربّما يظهر ممّا أنشده بعض الأدباء أنّ «الإثم» اسم للخمر، وقد كان ذلك شائعاً في عصر الرسالة، فقد أنشد الأخفش:
شربت الإثم حتّى ضل عقلي *** كذاك الإثم يذهب بالعقول
وقال آخر:
نهانا رسول الله أن نقرب الخنا *** وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا(3)
وقال ثالث:
نَشرب الإثم بالصُّواع جِهاراً *** وتَرى المِسْكَ بيننا مُسْتعاراً(4)

4. الواجب قطع الأصابع من أُصولها

قال سبحانه: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ).(5)

1 . البقرة:219.
2 . الكافي:6/406.
3 . مجمع البيان:4/272.
4 . لسان العرب:12/7، مادة «أثم».
5 . المائدة:38.

صفحه 309
لا شكّ أنّ اليد تطلق ويراد بها تارة الأصابع، وأُخرى كلّ الكف، وثالثة إلى المرفق، ورابعة إلى المنكب، فكأنّه مشترك معنوي يستعمل في هذه الموارد حسب القرائن، إنّما الكلام في حدّ السارق وقطع يده، فمن أين يقطع.
قال الشيخ: موضع القطع في اليد من أُصول الأصابع دون الكف، ويترك له الإبهام، ومن الرِجْلِ عند معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم، يترك له ما يمشي عليه، وهو المروي عن عليّ(عليه السلام) وجماعة من السلف.(1)
روى العياشي في تفسيره باسناده إلى زرقان صاحب ابن أبي داود قاضي القضاة قال: أُتي بسارق إلى محضر المعتصم، وقد أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه. فجمع الخليفة لذلك الفقهاء، وقد أُحضر محمّد بن علي الجواد(عليه السلام)، فسألهم عن موضع القطع؟
فقال ابن أبي داود: من الكرسوع (طرف الزند) واستدلّ بآية التيمّم، ووافقه قوم، وقال آخرون: من المرفَق، نظراً إلى آية الوضوء.
فالتفت الخليفة إلى الإمام الجواد مستفهماً رأيه في ذلك، فاستعفاه الإمام، لكنّه أصرّ على معرفة رأيه، وأقسم عليه بالله أن يُخبره برأيه.
فقال الإمام (عليه السلام):«أمّا إذا أقسمت عليّ بالله، إنّي أقول: إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأصابع، فيُترك الكف».

1 . الخلاف:5/437، المسألة 31، حدّ السرقة.

صفحه 310
قال الخليفة: وما الحجّة في ذلك؟
قال الإمام (عليه السلام): قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «السجود على سبعة أعضاء، الوجه واليدين والركبتين والرجلين» فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق، لم يبق له يدٌ يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يُسجد عليها (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا)(1) وما كان لله لم يقطع».(2)
وهناك نماذج أُخرى من تفسير الأئمّة(عليهم السلام) للآيات القرآنية بمثلها من كتاب الله.

الأُسلوب الثالث: تفسير الآية بشكل بديع خاف عن أذهان العامّة

ربّما يستدلّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بآية ويفسّروها بشكل خاف عن أذهان المفسّرين، مهما كانوا في القمّة من العلم، ونأتي هنا بمثالين:

1. الذمّي الّذي نقض حكم الذمّة

قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: «يضرب ثلاثة حدود»، فكتب المتوكّل إلى الإمام الهادي(عليه السلام)يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتّى يموت»، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة؟ فكتب: «بسم الله الرّحمن الرّحيم:(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ

1 . الرعد:18.
2 . تفسير العياشي:2/47، برقم 1269/110.

صفحه 311
وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)(1) فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات.(2)
نجد أنّ الإمام الهادي(عليه السلام) استنبط حكم الموضوع من آية مباركة لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الأحكام، لعدم صراحتها في الموضوع، غير أنّ الإمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير.
ولو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات الّتي استشهد بها أئمّة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبّدياً، لوقف على سعة آفاق القرآن.

2.تحديد أقل الحمل بالجمع بين آيتين

ومن نماذج هذا الأُسلوب تحديد أقل الحمل بالجمع بين آيتين.
روى البيهقي عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي أنّ عمر أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك علياً(رضي الله عنه) فقال: «ليس عليها رجم»، فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه فسأله فقال: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وقال: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا)فستة أشهر حمله، حولين تمام(الرضاعة)، لا حدّ عليها، أو

1 . غافر:84ـ85.
2 . مناقب آل أبي طالب:4/403ـ 405.

صفحه 312
قال: لا رجم عليها، قال: فخلّى عنها ثم ولدت.(1)

3. الاستدلال على أنّ الحسنين ابني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحرمة التزويج

لم يكن أي شكّ في أيام الرسالة، أنّ الحسنين من أبناء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بهما للمباهلة امتثالاً لقوله سبحانه:(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)(2).
غير أنّ الأمويين وأذنابهم من العباسيّين حاولوا التشكيك في هذه الفضيلة التي لا يشكّ فيها من نظر إلى الموضوع بنظر مجرّد عن أي تحيّز، ولذلك احتجّ الإمام الباقر(عليه السلام) على المشكّكين بوجه آخر، غير آية المباهلة وغير الآية التي جاء فيها المسيح معدوداً من آل إبراهيم(عليه السلام) قال سبحانه: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى)(3) فجعل عيسى ابن مريم من ذرية نوح(عليه السلام).
ولمّا كان المتعصّبون والمعاندون يشكّكون في دلالة هاتين الآيتين على كون الحسنين من أبناء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تشكيكاً ضلالاً، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب الله جلّ وتعالى: أنّهما من صلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يردّها إلاّ الكافر».

1 . سنن البيهقي:7/442; الدر المنثور:1/688.
2 . آل عمران:61.
3 . الأنعام:84ـ 85.

صفحه 313
قلت: وأين ذلك جعلت فداك؟
قال: «من حيث قال الله تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ)(1)، فسلهم يا أبا الجارود: هل كان يحل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم كذبوا وفجروا، وإن قالوا: لا فهما ابناه لصلبه».(2)

الأُسلوب الرابع: التفسير بالإشارة إلى أبرز المصاديق

أكثر ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حول تفسير الآيات هو الإشارة إلى أبرز المصاديق وأكملها وأولاها، وربّما يتصوّر مَن ليس له إلمام بأساليبهم في التفسير أنّ الإمام بصدد تخصيص الآية بالمورد ونزولها فيه، غافلاً عن أنّ الإمام(عليه السلام) يعتقد بعموم الآية وإطلاقها وفي الوقت نفسه يشير إلى أبرز المصاديق، وإليك نماذج من ذلك:

1. النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة القائمون مقامه هم الصراط المستقيم

يقول الطبرسي: ورد في الروايات في تفسير قوله سبحانه:(اهْدِنَا

1 . النساء:23.
2 . الكافي:8/317ـ318، برقم 501.

صفحه 314
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(1) المراد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة القائمون مقامه، وهو المروي في أخبارنا.(2)
ومن المعلوم أنّ صراط هؤلاء لا يختلف عن صراط سائر الأنبياء والأولياء لكنّ صراط هؤلاء من أبرز المصاديق وأكملها، ولذلك نرى أنّ الطبرسي بعدما نقل هذا القول قال: والأولى حمل الآية على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه، لأنّ الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله تعالى به من التوحيد والعدل وولاية مَن أوجب الله طاعته.(3)

2. المنذر هو الرسول وعليّ الهادي

قال سبحانه: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد)(4)، ولا شكّ أنّ هذه الآية على عمومها أو إطلاقها لا تختصّ برسول ولا بإمام معيّنين وإنّما هي ضابطة كليّة تصدق على المنذرين والهادين فيما سبق من الأُمم ومَن سيأتي، ومع ذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يقول:«رسول الله المنذر وعليّ الهادي»(5) وهذا من باب تفسير الآية بأبرز المصاديق وأكملها.
3. الأئمّة هم أهل الذكر
الفطرة الإنسانية تجر الإنسان إلى سؤال أهل العلم والذكر، عمّا لا

1 . الفاتحة:6.
2 . مجمع البيان:1/48.
3 . نفس المصدر.
4 . الرعد:7.
5 . الكافي:1/284، كتاب الحجة، باب إنّ الأئمّة
(عليهم السلام) هم الهداة، الحديث 3 و4.

صفحه 315
يعلم، وسؤال الجاهل العالمَ قضية فطرية لعامّة البشر عبر القرون، وإلى هذا الأمر الفطري يشير سبحانه في قوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1). فأهل الذكر مفهوم عام لكلّ مورد له مصداقه، فالسؤال عن علائم النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)يتوجّه إلى علماء اليهود، ولذلك أمر الله سبحانه المشركين وغيرهم بسؤال الأحبار والرهبان، فقال:(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)ومع ذلك نرى أنّ الإمام الرضا(عليه السلام) يشير إلى أبرز المصاديق.
روى الكليني عن الوشّاء قال: سألت الرضا(عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(2) فقال: «نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون» فقلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون؟ قال: «نعم»، قلت: حقّاً علينا أن نسألكم؟ قال: نعم، قلت: حقّاً عليكم أن تجيبونا؟ قال: «لا، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى:(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب)(3)».(4)

4. الإشارة إلى مصداق مَن يعلمون ومَن لا يعلمون

من القضايا الفطرية التي لا يشكُّ فيها أي إنسان عاقل عدم التسوية بين العالم والجاهل، يقول سبحانه:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ

1 . النحل:43.
2 . النحل:43.
3 . ص:39.
4 . الكافي:1/211، كتاب الحجة.

صفحه 316
يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ)(1)، والآية على عمومها وإطلاقها تدلّ على عدم التسوية بين الطائفتين غير أنّ الإمام يشير إلى أبرز المصاديق.
روى الكليني عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ)؟ قال: «نحن الذين يعلمون، وعدوّنا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أُولو الألباب».(2)

5. تفسير (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)

قال سبحانه في مورد الآيات المتشابهة: ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ)(3).
قال الراغب: رسوخ الشيء: ثباته ثباتاً متمكّناً، والراسخ في العلم المتحقّق به الذي لا تعرضه شبهة.(4)
وعلى ذلك فيشمل كلّ مَن له هذا الوصف، ولذلك نرى أنّه سبحانه يصف بعض علماء اليهود بالراسخين في العلم ويقول: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)(5).

1 . الزمر:9.
2 . الكافي:1/212، كتاب الحجّة.
3 . آل عمران:7.
4 . المفردات:1/399، مادة «رسخ»، دار القلم، دمشق.
5 . النساء:162.

صفحه 317
ومع ذلك، فإنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يصف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بقوله:«نحن (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)ونحن نعلم تأويله».(1)
كما روى بريد بن معاوية عن أحدهما(عليهما السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(2) فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الراسخين في العلم، قد علّمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه».(3)

6. أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم المصطفون

قال الله سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ).(4)
وقد تقدّم أنّ المصطفين صنف من الأُمّة الذين لهم صلاحية الحكم بالقرآن وتبيين مجمله وتفسير معضلاته، وهو لا يختصّ بالرسول والأئمّة، بل العلماء المفهمون يقومون بتأويل المشتبهات بارجاعها إلى المحكمات. ومع ذلك يشير الإمام إلى أبرز المصاديق.
روى سالم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ

1 . الكافي:1/213، كتاب الحجّة، الحديث1.
2 . آل عمران:7.
3 . الكافي:1/213، كتاب الحجّة، الحديث2.
4 . فاطر:32.

صفحه 318
بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ)؟ قال: «السابق بالخيرات: الإمام، والمقتصد: العارف للإمام، والظالم لنفسه: الذي لا يعرف الإمام».(1)

7. أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم نعم الله تعالى

إنّ لله سبحانه نعماً كثيرة دنيوية وأُخروية، معنوية ومادّية، فالمؤمن يشكر الله سبحانه على عامّة نعمه، ولا يكفر بها وليس الشكر إلاّ صرف النعمة في محلّها، ولا شكّ أنّ الأنبياء والرسل والأئمّة المنصوبين من جانب الله من أفضل النعم، فمَن عدل عنهم إلى غيرهم، قد كفر بنعم الله تعالى، وعلى هذا السياق روى الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدلوا عن وصيّه؟ لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب» ثم تلا هذه الآية:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ)(2) ثم قال: «نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز مَن فاز يوم القيامة».(3)

8. تفسير صدور الذين أُوتوا العلم

قال سبحانه في وصف القرآن المجيد:(بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ).(4)

1 . الكافي:1/214، كتاب الحجة، الحديث1.
2 . إبراهيم:28ـ 29.
3 . الكافي:1/217، كتاب الحجّة، الحديث1.
4 . العنكبوت:49.

صفحه 319
لا شكّ أنّ الذكر الحكيم نزل لهداية عامّة الناس، فبهداه يهتدي من استعدّ للهداية، فعلى هذا ففي القرآن دلالات واضحات حوتها صدور العلماء من غير فرق بين المعصوم وغيره، غير أنّ أبا جعفر(عليه السلام)يشير إلى أبرز المصاديق.
يقول أبو بصير: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول في هذه الآية:(بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا)فأومأ بيده إلى صدره.(1) وما هذا إلاّ من باب الجري وتطبيق الآية على أكمل المصاديق.

9. الأئمّة(عليهم السلام)هم المتوسّمون

إنّ الله سبحانه بعدما يذكر قصة قوم لوط(عليه السلام) ويذكر كيفية إهلاكهم بقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)(2) ثم يقول: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم)(3).
لا شكّ أنّ كلّ إنسان فطن يعتبر بما حلّ بقوم لوط من العذاب الشديد نتيجة جرائمهم، ولا يختصّ ذلك الاعتبار بشخص دون شخص، ومع ذلك فإنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يقول:«نحن المتوسّمون».(4)
وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(إِنَّ

1 . الكافي:1/213، كتاب الحجّة، الحديث1.
2 . الحجر:73ـ74.
3 . الحجر:75ـ76.
4 . الكافي:1/218، كتاب الحجة، الحديث1.

صفحه 320
فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ)قال: «هم الأئمّة(عليهم السلام)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله عزّ وجلّ في قول الله تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ)».(1)

10. ردّ الأمانات إلى أهلها

إذا إئتمن أنسان شيئاً لدى آخر، سواء أكان نفيساً أم لا، فهو أمانة يجب بحكم العقل والشرع ردّها إلى صاحبها، والأمانة لا تختصّ بالأمانة الدنيوية، فالمعنوية منها أيضاً أمانة، والكتاب والعترة أمانة الله سبحانه لدى الأُمّة، فلو عملوا بهما فقد ائتمنوا وإلاّ فقد خانوا; وإلى هذا المصداق البارز يشير الإمام الرضا(عليه السلام) إلى ذلك. فقد روى أحمد بن عمر قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)(2)قال: «هم الأئمّة من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يؤدّي الإمام الأمانة إلى مَنْ بعده، ولا يخصّ بها غيره، ولا يزويها عنه».(3)
هذه عشرة كاملة جئنا بها كنماذج عن قسم من الروايات التي شأنها كشأن ما ذُكر، والجميع بصدد بيان أبرز المصاديق، أو المصاديق التي ربّما تخفى عن أكثر الناس.
***

1 . الكافي:1/218، كتاب الحجة، الحديث3.
2 . النساء:57.
3 . الكافي:1/276، كتاب الحجّة، الحديث3.

صفحه 321

الأُسلوب الخامس: مزج الآية بجملة إيضاحيّة

إنّ سيرة المفسّرين هي مزج الآية بجمل توضيحية خارجة عن متن الآية، لغاية تبيين المقصود من الآية، وبهذا الأُسلوب جاء بعض ما ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) في تفسير الآيات:
1. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)(1) فقد جاء في التفاسير عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) في فضل عليّ.
روى الثعلبي في معنى الآية قال: قال أبو جعفر محمد بن علي(عليه السلام): «معناه بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك في فضل علي بن أبي طالب(عليه السلام)».(2)
وروى الطبرسي في الاحتجاج باسناده إلى محمد بن علي الباقر(عليه السلام)في حديث طويل، فيه: يا محمد إنّ الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ويقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) في عليّ(وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).(3) وربّما يتوهّم مَن له ليس إلمام بأساليبهم في تفسير الآيات، أنّها جزء الآية سقط منها.
2. قال سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)(4).
فقد اختلف المفسّرون في تفسير الفقرة فالأكثر على أنّها تهدف إلى

1 . المائدة:67.
2 . تفسير الثعلبي:4/92; البرهان في تفسير القرآن:2/339
، برقم 13(3226).
3 . تفسير نور الثقلين:2/268، برقم 298.
4 . النساء:24.

صفحه 322
المتعة وهي العقد المؤقت وقد يستشهدون بما نقل عن ابن عباس.
نقل الطبرسي عن أبي نظرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة؟ فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: فما تقرأ(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)، إلى أجل مسمّى، قلت: لا أقرؤها هكذا.(1)
وبهذه الطريقة يفسّر قسم من الروايات ربّما يتوهّم الإنسان أنّه جزء الآية، مع أنّه بصدد إيضاح الآية.
نعم أنّ المتسرّعين في القضاء يجعلون هذه الروايات دليلاً على التحريف، لكن قضاءهم نابع عن عدم التعرّف على طريقة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في التفسير.

الأُسلوب السادس: الاستئناس بالآية على المورد

إنّ من أساليب أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في التفسير ـ من أجل إقناع المخاطبين ـ هو الاستئناس ببعض الآيات على مقاصدهم، وإن لم يكن المورد من مصاديق الآية، لكن بينهما صلة، فقوله سبحانه: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(2).
لا شكّ أنّ الآية ناظرة إلى أمر الوراثة وأنّ الأقرب يمنع الأبعد، لكن الإمام استدلّ بها على أنّ الإمامة جرت بعده من أولاد علي بن الحسين(عليهما السلام)استدلالاً بهذه الآية وإنّ الولد أولى من أبناء الأخ.

1 . مجمع البيان:3/69.
2 . الأنفال:75.

صفحه 323
روى الحسين بن شوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:
لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبداً، إنّما جرت من علي بن الحسين كما قال الله تعالى:(وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي
كِتَابِ اللهِ
)فلا تكون بعد علي بن الحسين(عليهما السلام) إلاّ في الأعقاب وأعقاب الأعقاب».(1)
والناظر في الروايات المروية عنهم(عليهم السلام) في تفسير الآيات يرى هذا الأُسلوب في كلماتهم فيتصوّر غير العارف بأساليبهم، عدم صحّته، زاعماً بأنّ الإمام بصدد الاستدلال، بينما الحقّ هو أنّه بصدد الاستئناس.
ومن حسن الحظ أنّ هذا النوع من الكلام كثير في كلمات الفقهاء والفصحاء والبلغاء، فيستعملون الكثير من الكلمات الواردة في مقاصدهم، مع أنّ المورد ليس من موارد التمثيل، غير أنّ بينه وبين اللفظ القرآني نوع تشابه وتسانخ.
***

الروايات الموضوعة على لسانهم

ألّف غير واحد من أصحابنا كتباً أوردوا فيها ما نسب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من الروايات الواردة حول تفسير الآيات، وإليك ذكر قسم منها حسب تاريخ تأليفها:

1 . الكافي:1/285، كتاب الحجّة.

صفحه 324

1. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام)

وقد ورد في مقدّمة هذا التفسير أنّه من إملاء الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري(عليهما السلام)، أملاه على أبي يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبي الحسين عليّ بن محمّد بن سيّار، كانا من أهل أسترآباد، وحضرا سامراء في طلب العلم لدى الإمام(عليه السلام) والراوي عنهما أبو الحسن محمّد بن القاسم الخطيب، المعروف بالمفسّر الأسترآبادي، غير أنّ النفرين الأوّلين مجهولان، والراوي عنهما أيضاً مجهول، فهنا ثلاثة مجاهيل حفّوا بهذا التفسير.(1)

2. تفسير علي بن إبراهيم القمّي

يروي التفسير عن عليّ بن إبراهيم، تلميذه أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر(عليه السلام). ومع الأسف، إنّه لم يوجد لراوي التفسير(العبّاس بن محمد) ذكر في الأُصول الرجاليّة، بل المذكور فيها ترجمة والده المعروف بن «محمد الأعرابي» وجدّه «القاسم» فقط. فقد ترجمه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام)بعنوان محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى العلوي.(2)
ثمّ إنّ هذا التفسير تفسير ممزوج ممّا روي عن علي بن إبراهيم وما روي عن أبي الجارود(زياد بن المنذر)، أمّا الأوّل فقد خصّ الراوي تفسير

1 . الذريعة:4/285; التمهيد في علوم القرآن:9/446; معجم رجال الحديث:12/147 و ج17/157.
2 . رجال الطوسي:392، برقم 5787.

صفحه 325
سورة الفاتحة والبقرة، وشطراً قليلاً من آل عمران بما رواه عن علي بن إبراهيم، ولما وصل إلى الآية 45 من آل عمران أدخل في التفسير ما أملاه الإمام الباقر لزياد بن المنذر أبي الجارود في تفسير القرآن، وعلى هذا فالتفسير ملفّق من تفسير علي بن إبراهيم، وتفسير أبي الجارود.
ورغم ذلك فالتفسير لا يخلو من هن و هنات، ونذكر لذلك نموذجين:
1. قال في تفسير قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(1) ما يلي: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) يعني حواء برأها الله من أسفل أضلاعه.(2) وهذا نفس ما جاء في التوراة، وهو: فأوقع الرب الإله سُباتاً على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم إمرأة وأحضرها إلى آدم، فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تُدعى امرأة لأنّها من إمرئ أُخذت.(3)
والظاهر أنّ راوي تفسير القمي قد أخذ ذلك من الإسرائيليات التي تنتهي إلى العهدين.
2. قال في تفسير قوله سبحانه: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِنْهُمَا اذْكُرْنِي

1 . النساء:1.
2 . تفسير القمي:1/130.
3 . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثاني.

صفحه 326
عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)(1): فلمّا أراد مَن رأى في نومه(أَنَّهُ) يعصر الخمر، الخروج من الحبس، قال له يوسف (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) فكان كما قال الله عزّ وجلّ: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ)أخبرنا الحسن بن علي عن أبيه عن إسماعيل بن عمر عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: إنّ يوسف أتاه جبرئيل فقال له: يا يوسف إنّ رب العالمين يقرؤك السلام ويقول لك من...ـ إلى أن قال ـ : فإنّ ربّك قد جعل لك (جل) عقوبة في استغاثتك غيره، فلبث في السجن بعض سنين.(2)
أقول:إنّ عبارته صريحة ظاهرة في أمر، وصريحة في أمر آخر.
أمّا الأوّل فظاهر العبارة، وأنّ الناسي هو يوسف، وأنّ الشيطان أنساه ذكر الله سبحانه.
أقول: هذا التفسير غير تام لوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّه على خلاف وحدة السياق، إذ لو صحّ ما ذكر يلزم أن يكون المراد من الرب في قوله:(اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) هو الملك، ومن الثاني هو الله سبحانه، وهذا على خلاف وحدة السياق، والظاهر أنّ الناسي هو الناجي، وأنّ المراد من الرب في كلا الموضعين هو الملك. والمعنى اذكرني عند الملك فأنساه الشيطان أن يذكره عند الملك.

1 . يوسف:42.
2 . تفسير القمي:1/343ـ 345.

صفحه 327
الثاني: أنّ يوسف من المخلَصين كما يدلّ عليه قوله سبحانه:(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)(1) ودلّت الآيات على أنّ الشيطان ليس له طريق على المخلَصين، كما قال سبحانه:(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(2) وعندئذ كيف وجد الشيطان طريقاً إلى أحد المخلَصين؟!
الثالث: أنّ في نفس السورة دليل على أنّ الناسي هو الناجي بشهادة قوله سبحانه عنه:(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)(3)، فقوله: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة): أي ذكر بعد زمان، فيكون دليلاً على أنّ الناسي هو الناجي الذي ذكر بعد زمان ما أوصاه يوسف. .
هذا كلّه حسب الظاهر، وأمّا ما هو الأمر الصريح فهو أنّ سبب بقاء يوسف في السجن هو التمسّك بالأسباب مع أنّه ليس أمراً مذموماً بل هو أمر ممدوح، وهذا هو ذو القرنين الذي يصفه سبحانه بقوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا)(4)، فكيف يكون تمسّك يوسف بسبب من الأسباب أمراً مذموماً، وهو يعلم أنّ الأمر بيد الله، وأنّ قيام السبب بالأمر إنّما هو بإذن الله سبحانه، فلو أذِنَ لأثّر، وإلاّ فلا.
وقد ظهر في القرن الحادي عشر تفسيران على أساس نقل كلّ ما أثر

1 . يوسف: 24.
2 . ص:82ـ 83.
3 . يوسف:45.
4 . الكهف:84ـ85.

صفحه 328
من النبي والأئمّة وغيرهم، بعد ذكر الآيات، وهما:
3. ما جمعه عبد علي بن جمعة الحويزي(المتوفّى 1091هـ) وقد أسماه «تفسير نور الثقلين».
4. ما ألّفه المحدّث الماهر السيد هاشم البحراني(المتوفّى 1107هـ) باسم «البرهان في تفسير القرآن».
والكتابان من أفضل ما أُلف في تفسير القرآن بالمأثور، ولكن دون تنقيح، فعلى المفسّر بالمأثور بعد دراسة السند، عرضه على القرآن الكريم...
ما قدّمناه من أساليب أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير القرآن الكريم، هو المعتمد عندنا، ومع ذلك فقد نُسبت إليهم(عليهم السلام) روايات مكذوبة، انتحلها الغلاة لأغراض خاصّة، ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)يقول: «احذروا على شبابكم الغلاة، لا يفسدوهم، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله، يصغرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله، والله إنّ الغلاة أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس، والذين أشركوا».(1)
وروى الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال:«مَن قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه برآء في الدّنيا والآخرة، يا ابن خالد وَضَعَ الأخبارَ عنّا في التشبيه والجبر الغلاةُ الذين صغّروا عظمة الله تعالى، فمَن أحبهم فقد أبغضنا ومَن أبغضهم فقد أحبّنا، ومَن والاهم فقد

1 . بحار الأنوار:25/265، كتاب الإمامة.

صفحه 329
عادانا، ومَن عاداهم فقد والانا».(1)
وقد عقد العلاّمة المجلسي باباً تحت عنوان نفي الغلو في النبي والأئمّة(عليهم السلام) ونقل فيه ما يناهز 94 رواية من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ينكرون الغلو ويتبرّأون من الغلاة في حقّهم، ويحكمون بكفرهم وشركهم، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الجزء 25، الصفحة 261ـ 327 من موسوعة بحار الأنوار.
ونزيد بياناً أنّه ورد في دعاء يقرأ بعد زيارة الإمام الرضا(عليه السلام) يصرّح بأنّهم(عليهم السلام) عباد مكرّمون وإنّ تدبير العالم بيده سبحانه «يا مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ اِلاّ هُوَ، يا مَنْ لا يَصْرِفُ السُّوءَ اِلاّ هُوَ، يا مَنْ لايَخْلُقُ الْخَلْقَ اِلاّ هُوَ».(2)
وعلى ضوء ما ذكرنا فالروايات المأثورة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)والتي لا تنسجم مع الأُصول المتّفق عليها بين المسلمين فالجميع من مدسوسات تلك الطغمة الذين تبّرأ منهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام). نعم ورودها في الكتب ليس دليلاً على أنّ المؤلف كان مقتنعاً بها، إذ ربّما يكون أُسلوب التأليف يعتمد على الجمع فقط وليس على التحقيق والتدقيق.
***

1 . بحار
الأنوار:25/266، كتاب الإمامة.
2 . مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الرضا
(عليه السلام).

صفحه 330
   

المبحث السابع والعشرون

المفسّرون في عصر الرسالة وبعدها

دلّ قوله سبحانه:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1) على أنّ من مناصب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو وظائفه تبيين القرآن وراء قراءته وتلاوته، ولذلك صار الرسول الأعظم هو المفسّر الأوّل للقرآن الكريم.
قال أبو عبد الرحمن السلَميّ: حدّثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان بن عفّان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنّهما كانوا إذا تعلّموا من النبي عشر آيات، لم يتجاوزوها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.(2) ولهذا كانوا يبقون مدّة في حفظ السورة.
أخرج الطبري باسناده عن ابن مسعود، قال: كان الرجل منّا إذا تعلّم

1 . النحل:44.
2 . الإتقان في علوم القرآن:4/175ـ176، ط مصر.

صفحه 331
عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ. وقال أبو عبد الرحمن السلَميّ: حدّثنا الذين كانوا يقرئوننا، أنّهم كانوا يستقرئون من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتّى يعلموا بما فيها من العمل، قال: فتعلّمنا القرآن والعمل جميعاً.(1)
وعندئذ يطرح سؤال وهو: إذا كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مأموراً من جانبه سبحانه ببيان القرآن وتفسيره، فأين هذه الأحاديث التي صدع بها الرسول ووعاها السلف الصالح؟ نرى أنّ جميع ما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من التفاسير المصرّح برفعها إليه ـ غير ما ورد من أسباب النزول ـ لا يتجاوز المائتين وعشرين حديثاً تقريباً. وقد أتعب جلال الدين السيوطي نفسه، فجمعها من مطاوي الكتب في آخر كتابه «الإتقان»، فرتبها على ترتيب السور من الفاتحة إلى سورة الناس.(2)
ومن المعلوم أنّ المقدار لا يفي بتفسير القرآن الكريم، ولا يمكن لنا التقوّل بأنّه تقاعس ـ والعياذ بالله ـ عن مهمته، أو أنّه لم يكن مأموراً بأزيد من ذلك.
أقول: لا شكّ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قام بمهمته الكبيرة، وبلّغها، غير أنّ كثيراً من الأُمّة لم يهتموا بنقل ما أُثر عنه، نعم بلغها المستحفظون من الأُمّة وهم عليٌّ وأوصياؤه، فلو رجعت الأُمّة إلى ما أُثر عنهم لاستغنوا في تفسير القرآن من الرجوع إلى مستسلمة أهل الكتاب وغيرهم.

1 . تفسير الطبري:1/27ـ28 و 30.
2 . الإتقان في علوم القرآن: 4/170.

صفحه 332

الوصي هو المفسّر الثاني

مَن سبر كتب التفسير والحديث يجد أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)هو المفسّر الأكبر بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعنه أخذ كثير من الصحابة. قال السيوطي: أمّا الخلفاء فأكثر ما روي عنه منهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، والرواية من الثلاثة نزرة جدّاً، فأمّا عليّ(عليه السلام) فروي عنه الكثير. وقد روى معمّر عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً يخطب، فيقول: «فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل».(1)
روى الكليني: قال الإمام علي(عليه السلام): «فما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ، فكتبتها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها. ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها. فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه عليّ وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا. وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون، ولا كتاب مُنزَل على أحد قبله من طاعة أو معصية، إلاّ علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفاً واحداً. ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً. فقلت: يا نبيّ الله ـ بأبي أنت وأُمّي ـ منذ دعوتَ الله لي بما دعوت، لم أنس شيئاً ولم يَفُتني شيء لم أكتبه، أفتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا، لستُ

1 . الإتقان في علوم القرآن:4/204.

صفحه 333
أتخوّف عليك النسيان والجهل!».(1)
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام عليّ(عليه السلام):«إنّ الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأن أُعلّمك ولا أجفوك. فحقيق عليّ أن أُعلّمك، وحقيق عليك أن تعي».(2)
وقال(عليه السلام): «كنت أوّل داخل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وآخِر خارج من عنده، وكنت إذا سألتُ أُعطيت، وإذا سكتُّ ابتدئتُ، وكنت أدخل على رسول الله في كلّ يوم دخلةً، وفي كلّ ليلة دخلةً، وربّما كان ذلك في بيتي، يأتيني رسول الله أكثر من ذلك في منزلي. فإذا دخلت عليه في بعض منازله أخلى بي وأقام نساءه، فلم يبق عنده غيري، وإذا أتاني لم يُقم فاطمة ولا أحداً من ولدي. فإذا سألته أجابني، وإذا سكتُّ عنه ونفدت مسائلي ابتدأني. فما نزلتْ على رسول الله آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ وكتبتها بخطّي، فدعا الله أن يفهمني ويعطيني، فما نزلت آية من كتاب الله إلاّ حفظتها وعلّمني تأويلها».(3)
ومع ذلك فإنّ الدكتور محمدحسين الذهبي جعل الإمام(عليه السلام) بحسب كثرة من روى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في الدرجة الثالثة، وجعل عبد الله بن عباس في الدرجة الأُولى، وعبد الله بن مسعود في الدرجة الثانية، وكان عليه أن يجعل

1 . الكافي:1/64، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، رقم1.
2 . المعيار والموازنة لأبي جعفر الاسكافي(المتوفّى220هـ):301; الخصال:576، أبواب السبعين وما فوقه.
3 . المعيار والموازنة:300.

صفحه 334
الإمام(عليه السلام) في الدرجة الأُولى، فإنّ ما رواه ابن عباس، إنّما أخذه من الإمام(عليه السلام)وقد لازم عليّاً قرابة ثلاثين سنة، قال ابن أبي الحديد: ومن العلم علم تفسير القرآن، وعنه أُخذ، ومنه فُرِّع. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك، لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عبّاس. وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذه وخرّيجه. وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.(1)
ومَن أراد أن يقف على نموذج من علم الإمام(عليه السلام) في التفسير وأقسامه المختلفة فعليه الرجوع إلى الخطبة المروية عنه حول القرآن الكريم، وقد نقلها محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني(وهو من تلاميذ الكليني) في تفسيره، غير أنّ تفسيره مفقود، ليس منه أثر.
نعم رواها القمّي في أوّل تفسيره، وأدرجها البحراني في تفسيره عند البحث في مقدّمات التفسير، كما نُقلت في رسالة (المحكم والمتشابه) المنسوبة إلى الشريف المرتضى في أوّلها.(2)

المفسّرون بعد الإمام علي(عليه السلام)

المفسّرون بعد الإمام علي(عليه السلام) من الصحابة هما:
1و 2. الإمامان الهمامان السبطان الشريفان الحسن والحسين(عليهما السلام) وقد

1 . شرح نهج البلاغة:1/19.
2 . لاحظ: رسالة المحكم والمتشابه:56ـ 59، الطبعة المحقّقة.

صفحه 335
أغفل الذهبي ذكرهما، ولكنّه معذور لقصور يده عمّا روي عنهما في مجال التفسير.
3. وبعد ذلك كلّه فعبد الله بن عباس هو المفسّر الكبير بعد أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وهو حِبر الأُمّة، وترجمان القرآن، وأعلم الناس بالتفسير ـ تنزيله وتأويله ـ وهو تلميذ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، الموفَّق وتربيته الخاصّة، وقد بلغ من العلم مبلغاً قال في حقّه الإمام أمير المؤمنين:«كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق» ولا غرو فإنّه دعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأنه حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«اللّهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل». وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ولكلّ شيء فارس، وفارس القرآن ابن عبّاس».(1)
ومن درس حياة حبر الأُمّة يقف على أنّه لازم الإمام قرابة ثلاثين سنة إلى أن استشهد(عليه السلام) وهو معه في الكوفة، ويكفي في ولائه للإمام(عليه السلام) أنّه
هو النفر الأوّل الذي دعا الناس إلى بيعة الإمام الحسن(عليه السلام)، ومع ذلك
نرى أنّ الأمويين الذين لا يرضون بوجود شخصية كبيرة ـ كابن عباس ـ داعية للإمام(عليه السلام)، اتّهموه بسرقة بيت المال من البصرة وهربه إلى مكّة، وهذه تهمة وقحة، لربانيّ هذه الأُمّة، مع أنّه لم يفارق الإمام(عليه السلام) إلى اليوم الذي استشهد فيه.
وبعد هؤلاء، فقد اشتهر عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب ممّن أُثر عنهم التفسير، وأمّا الخلفاء، فلم يعهد عنهم التفسير إلاّ من علي(عليه السلام)، قال

1 . تفسير القرطبي:1/35.

صفحه 336
السيوطي: اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عبّاس، وأُبيّ بن كعب، و زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير. أمّا الخلفاء فأكثر من رُوي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان) نزرة جدّاً.(1)
***
أقول:إنّ ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ابتداء من الحسن المجتبى حتى الإمام الحسن العسكري(عليهم السلام) فقد دوّن في المجاميع الحديثية وأسنادهم موصولة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
هذا كلامنا في الصحابة، وأمّا التابعون فقد كثر عنهم النقل، غير أنّ عدداً منهم، لا يصحّ الاعتماد على أقوالهم، قال الشيخ البلاغي: وأمّا الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء والضحّاك ـ كما مُلئت كتب التفسير بأقوالهم المرسلة ـ فهو ممّا لا يُعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين الله، ولا تقوم به الحجّة، لأنّ تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة، ولا يكون حجّة من المسانيد إلاّ ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة، ولو لم يكن من الصوارف عنهم إلاّ ما ذُكر في كتب الرجال لأهل السُّنّة لكفى، وإن الجرح مُقدّم على التعديل إذا تعارضا.
أمّا عكرمة فقد كثر فيه الطعن بأنّه كذاب غير ثقة، ويرى رأي

1 . الإتقان في علوم القرآن:4/204.

صفحه 337
الخوارج.(1)
وأمّا مجاهد فيكفي في ذمّه أنّه فسّر قوله سبحانه: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)(2) بقوله: يجلسه معه على العرش.(3)
وأمّا الضحاك بن مزاحم، فعن يحيى بن سعيد قوله: الضحّاك ضعيف عندنا، وكان يروي عن ابن عباس وأنكر ملاقاته له، حتى قيل: إنّه ما رآه قط.(4)
وأمّا قتادة فقد ذكروا أنّه مدلّس.(5)
وأمّا مقاتل بن سليمان، قال ابن حبّان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم.(6)
إلى غير ذلك من رجال التفسير الذين ضعّفوا في علم الرجال.(7)

1 . لاحظ: ميزان الاعتدال:3/96.
2 . الإسراء:79.
3 . ميزان الاعتدال:3/439.
4 . ميزان الاعتدال:2/320.
5 . ميزان الاعتدال:3/385.
6 . ميزان الاعتدال:4/175.
7 . وقد صدرنا في تقييم هؤلاء إلى ما ذكره شيخنا البلاغي في مقدّمة تفسيره «آلاء الرحمن»، لاحظ: آلاءالرحمن:1/103ـ 104.

صفحه 338

المبحث الثامن والعشرون

في فضائل القرآن

وردت روايات كثيرة في فضائل القرآن الكريم، كما وردت أحاديث في فضائل بعض السور، ونحن نقتصر بما ورد في فضائل القرآن، وسيأتي ما هو الوجه في الاقتصار على الأوّل.
ثمّ إنّه يكفي في فضيلة تلاوة القرآن أنّه النور النازل من الله سبحانه كما قال عزّ وجلّ:(قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)(1)، وفي الوقت نفسه فهو برهان من الله كما يقول: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)(2).
فإذا كان الكتاب كتاب الله العزيز، نوراً من الله وبرهاناً منه، فتلاوته تنوّر القلوب وتزيد في الإيمان واليقين، ويهتدي بها الإنسان إلى ما هو

1 . المائدة:15.
2 . النساء:174.

صفحه 339
الحقّ كما يقول: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)(1). ولذلك نرى أنّه سبحانه تبارك وتعالى يؤكّد على تلاوة القرآن الكريم ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ).(2)
وفي آية أُخرى يحثّ على التلاوة حقّ تلاوته ويقول: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).(3)
وفي الوقت نفسه يحذّر مَن ينبذ القرآن وراء ظهره ويقول: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(4).
إنّه سبحانه يأمر بالتلاوة مع التدبّر، يقول عزّ وجلّ:(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)(5).فإنّ تلاوة
الذكر الحكيم تورث خشوع القلب، وخضوعه للحقّ كما يقول: (أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحقِّ وَلاَ يَكُونُوا


1 . الشورى:52.
2 . فاطر:29.
3 . البقرة:121.
4 . البقرة:101.
5 . النساء:82.

صفحه 340
كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)(1).
وبعد هذه فنحن في غنى عن ذكر أي فضل لتلاوة آياته وسوره، ومع ذلك نردف البحث ببعض الروايات الواردة عن رسول الله وأئمّة أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) في فضل تلاوة القرآن الكريم:
1. قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض ما أوصى به أبا ذر:«عليك
بتلاوة القرآن وذكر الله كثيراً فإنّه ذكر لك في السماء ونور لك
في الأرض».(2)
2. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«يا معاشر قرّاء القرآن اتّقوا الله عزّ وجلّ فيما حمّلكم له من كتابه فإنّي مسؤول، وإنّكم مسؤولون، إنّي مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأمّا أنتم فتُسألون عمّا حُمّلتم من كتاب الله وسنّتي».(3)
3. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا سلمان عليك بقراءة القرآن فإنّ قراءته كفّارة للذنوب... ـ إلى أن قال: ـ وأنّ المؤمن إذا قرأ القرآن نظر الله إليه بالرحمة وأعطاه بكلّ حرف نوراً على الصراط. يا سلمان، المؤمن إذا قرأ القرآن فتح الله عليه أبواب الرحمة، وخلق الله بكلّ حرف يخرج من فمه مَلَكاً يسبّح له

1 . الحديد:16.
2 . الخصال:2/105.
3 . الكافي:2/606.

صفحه 341
إلى يوم القيامة».(1)
4. قال الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، في وصية لولده محمد بن الحنفية: «عليك بتلاوة القرآن في ليلك ونهارك والعمل به، ولزوم فرائضه وشرائعه، وحلاله وحرامه، وأمره ونهيه، والتهجّد به، والتلاوة في ليلك ونهارك فإنّه عهد من الله تعالى إلى خلقه، فهو واجب على كلّ مسلم أن ينظر كلّ يوم في عهده».(2)
5. قال الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام): «إنّ هذا القرآن حبل الله المتين، وهو النور البيّن، والشفاء النافع، فاتلوه فإنّ الله يؤجركم على تلاوته بكلّ حرف عشر حسنات».(3)
6. قال الإمام علي(عليه السلام):«يُقال لصاحب القرآن: اقرأْ وارقه(4)، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها».(5)
وكم لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من كلمات درّية في فضل تلاوة القرآن الكريم، وقد حفلت بهذه الكلمات كتب المحدّثين، فقد خصّص شيخنا المجلسي جزءاً من بحار الأنوار حول فضائل القرآن الكريم، كما أنّ سيد

1 . مستدرك الوسائل:4/257، عن جامع الأخبار:46; جامع أحاديث الشيعة:15/18.
2 . من لا يحضره الفقيه:2/628.
3 . مجمع البيان:1/15.
4 . الهاء: للوقف.
5 . مجمع البيان:1/16.

صفحه 342
مشايخنا المحقّق البروجردي أودع ما يرجع من الروايات إلى فضائل القرآن في جزء خاص من كتابه «جامع أحاديث الشيعة».(1)
إلى غير ذلك ممّن ألّف حول فضائل القرآن كتاباً خاصّاً، وقد
قام ولدنا الروحاني الأُستاذ جعفر الهادي حفظه الله بتأليف
كتاب بعنوان:«القرآن الكريم في أحاديث الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل
بيته الطاهرين(عليهم السلام)»، وقد ترجم إلى الفارسية باسم: «قرآن در احاديث اسلامى».

ضعف الأحاديث الواردة في فضائل السور

هذا وقد تقدّم منّا تخصيص الدراسة بفضائل القرآن دون فضائل سوره، فإنّ كثيراً من رواياتها ضعيفة جدّاً وقد ضعّفها كثير من علماء الفريقين، وإليك بعض الكلمات:
1. قال صديق حسن خان: وأمّا أحاديث فضائل سورة سورة فلا خلاف بين مَن يعرف الحديث إنّها موضوعة مكذوبة، وقد أقرّ به واضعها أخزاه الله بأنّه الواضع لها وليس بعد الإقرار شيء، ولا اغترار بمثل
ذكر الزمخشري لها في آخر كلّ سورة، فإنّه وإن كان إمام اللغة والآلات
على اختلاف أنواعها، فلا يفرّق في الحديث بين أصحّ الصحيح وأكذب الكذب، ولا يقدح ذلك في علمه الذي بلغ فيه غاية التحقيق، ولكلّ

1 . لاحظ الجزء التاسع من موسوعته الحديثية.

صفحه 343
علم رجال، وقد وزع الله سبحانه الفضائل بين عباده، والزمخشري نقل
هذه الأحاديث عن تفسير الثعلبي، وهو مثله في عدم المعرفة بعلم
السنّة.(1)
2. وقال السيد الخوئي: وهناك حثالة من كذبة الرواة، توهّموا نقصان ما ورد في ذلك، فوضعوا من أنفسهم أحاديث ـ في فضل القرآن
وسوره ـ لم ينزل بها وحي ولم ترد بها سنّة، وهؤلاء كأبي عصمة فرج بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري.
وقد اعترف أبو عصمة المروزي بذلك، فقد قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال:«إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة».
وقال أبو عمرو عثمان بن الصلاح في شأن الحديث الذي يروى
عن أُبي بن كعب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في فضل القرآن سورة سورة:
«قد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى مَن اعترف بأنّه وجماعة وضعوه. وقد أخطأ الواحدي وجماعة من المفسّرين حيث أودعوه في تفاسيرهم».(2)

1 . فتح البيان:1/27ـ 28.
2 . البيان في تفسير القرآن: 36.

صفحه 344
انظر إلى هؤلاء المجترئين على الله كيف يكذبون على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث؟ ثم يجعلون هذا الافتراء حسبة يتقرّبون به إلى الله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1).(2)
***
تمّ الكتاب بفضله سبحانه
بيد مؤلّفه جعفر السبحاني التبريزي
عامله الله بلطفه الخفيّ

1 . يونس:12.
2 . البيان في تفسير القرآن:36ـ 37.

صفحه 345
فهرس مصادر التأليف   

فهرس مصادر التأليف

 

نبدأ تبركاً بـ القرآن الكريم
حرف الألف
1. آلاء الرحمن في تفسير القرآن: محمد جواد البلاغي(المتوفّى1352هـ) مطبعة العرفان، صيدا ـ 1352هـ .
2. الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطي(المتوفّى 911هـ) دار الفكر، لبنان ـ 1416هـ .
3. أجوبة المسائل المهنائية: العلاّمة الحلّي(648ـ726هـ) مطبعة الخيام، قم ـ 1401هـ .
4. إحقاق الحق: نور الله التستري المرعشي(الشهيد في بلاد الهند سنة 1019هـ) مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم.
5. أسباب النزول: الواحدي علي بن أحمد النيسابوري(المتوفّى468هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1402هـ .

صفحه 346
6. الاستبصار: الطوسي محمد بن الحسن(385ـ 460هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397هـ .
7. الاستيعاب: أبو عمرو يوسف بن عبد الله بن عبد البر(المتوفّى 463هـ) دار الجيل، بيروت ـ 1412هـ .
8. أُسد الغابة: ابن الأثير علي بن أبي الكرم(المتوفّى630هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9. الأُصول :للسرخسي محمد بن أحمد بن أبي سهل(المتوفّى 490هـ) دارالكتب العلمية.
10. أُصول الفقه: محمد رضا المظفر(المتوفّى1383هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1414هـ .
11. أُصول مذهب الشيعة الإمامية: ناصر القفاري، دار الحرمين، القاهرة، الطبعة الثانية ـ 1415هـ .
12. الأضداد: محمد القاسم بن محمد بن بشار ابن الأنباري، نشر هوتسما، ليدن ـ 1881م.
13. الأضداد: محمد بن المستنير النحوي المعروف بقطرب(المتوفّى 206هـ)
14. الاعتقادات: الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي(306ـ381هـ)، دار المفيد، الطبعة الثانية ـ 1414هـ .
15. إعجاز القرآن: الباقلاني محمد بن الطيب(المتوفّى 403هـ) دار المعارف، مصر.
16. الأقسام في القرآن الكريم: جعفر السبحاني(مؤلّف هذا الكتاب) مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1420هـ .

صفحه 347
17. الإلهيات: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1430هـ .
18. الأمالي: أبو علي القالي(288ـ 356هـ) دار الكتاب العربي، بيروت.
19. الأمالي: الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي(306ـ 381هـ)، مؤسسة البعثة، قم ـ 1417هـ .
20. الأمالي: الطوسي محمد بن الحسن(385ـ 460هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
21. الأمالي: الشريف المرتضى علي بن الحسين(المتوفّى 436هـ) منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم ـ 1325هـ .
22. الأمثال في القرآن الكريم: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم.
23. أنوار الملكوت في شرح الياقوت: العلاّمة الحلّي(المتوفّى 726هـ) منشورات الشريف الرضي بالأُفست، قم.
24. أوائل المقالات: المفيد محمد بن محمد بن النعمان(336ـ 413هـ) دار المفيد، بيروت ـ 1414هـ .
25. الإيضاح: الفضل بن شاذان (المتوفّى 260هـ) تحقيق سيد جلال الدين الأرموي المحدّث، مؤسسة انتشارات جامعة طهران، طهران ـ 1363ش.
حرف الباء
26. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي(المتوفّى 1110هـ) مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403هـ .
27. بحوث في الملل والنحل: جعفر السبحاني(مؤلّف هذا الكتاب) مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم.

صفحه 348
28. البرهان في تفسير القرآن: السيد هاشم البحراني(المتوفّى 1107هـ) مؤسسة البعثة، قم.
29. البرهان في علوم القرآن: محمد بن عبد الله الزركشي(المتوفّى 794هـ) دار إحياء الكتب العربية ـ عيسى البابي الحلبي وشركاءه ـ 1376هـ .
30. بصائر الدرجات: محمد بن الحسن بن فروخ الصفّار(المتوفّى 290هـ) منشورات الأعلمي، طهران ـ 1404هـ .
31. بغية الوعاة: جلال الدين السيوطي(المتوفّى 911هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأُولى ـ 1384هـ .
32. بيان إعجاز القرآن: الخطابي حمد بن محمد البستي(المتوفّى 388هـ) طبع القاهرة ـ 1955م.
33. البيان في تفسير القرآن: السيد أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ) دار الزهراء. بيروت ـ 1395هـ .
34. البيان والتبيين: الجاحظ عمرو بن بحر(163ـ 255هـ) طبعة مصر.
حرف التاء
35. تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي(499ـ571هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1415هـ .
36. تاريخ القرآن: الزنجاني أبو عبد الله بن نصر الله(1309ـ 1360هـ) طبع مصر ـ 1354هـ .
37. تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب (المتوفّى284هـ) دار صادر، بيروت.
38. تأويل الدعائم: القاضي النعمان المغربي(المتوفّى363هـ) طبع القاهرة.

صفحه 349
39. التبصير في الدين:الإسفراييني طاهر بن محمد(المتوفّى 471) عالم الكتب، لبنان ـ 1983م.
40. التبيان في تفسير القرآن: الطوسي محمد بن الحسن(385ـ 460هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
41. التحبير في علم التفسير: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1408هـ .
42. التحرير والتنوير: ابن عاشور التونسي(1296ـ 1393هـ) مؤسسة التاريخ، بيروت ـ 1420هـ .
43. تحت راية القرآن: مصطفى صادق الرافعي(1298ـ 1356هـ).
44. تصحيح اعتقادات الإمامية:الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان(336ـ 413هـ) دار المفيد، بيروت ـ 1414هـ .
45. تفسير ابن عربي: ابن عربي(المتوفّى 638هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1422هـ .
46. تفسير التستري: محمد سهل بن عبد الله التستري(المتوفّى 283هـ) منشورات محمد علي بيضون / دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1423هـ .
47. تفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي(المتوفّى 427هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1422هـ .
48. تفسير الرازي: محمد بن عمر الرازي(المتوفّى 606هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
49. تفسير السلمي: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي(المتوفّى 412هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1421هـ .

صفحه 350
50. التفسير الصافي: الفيض الكاشاني(المتوفّى 1091هـ) مكتبة الصدر، طهران ـ 1416هـ .
51. تفسير الطبري:(جامع البيان): محمد بن جرير الطبري(المتوفّى 310هـ) دار المعرفة، بيروت.
52. تفسير العياشي: محمد بن مسعود بن محمد الكوفي(من أعلام القرن الثالث الهجري) المكتبة الإسلامية، طهران.
53. تفسير القرطبي: محمد بن أحمد الأنصاري(المتوفّى 671هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
54. تفسير القمي: علي بن إبراهيم(من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري) مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم ـ 1414هـ .
55. التفسير الكاشف: محمد جواد مغنية(المتوفّى 1400هـ) دار العلم للملايين، بيروت ـ 1981م.
56. تفسير الكشّاف: محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي(467ـ 538هـ) شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر ـ 1385هـ .
57. تفسير المنار: محمد رشيد رضا(المتوفّى 1354هـ) دار القلم، القاهرة، الطبعة الثانية.
58. التفسير المنسوب للإمام العسكري: تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي(عليه السلام)، قم ـ 1409هـ .
59. التفسير والمفسّرون: الذهبي محمدحسين(المتوفّى 1397هـ)، دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية ـ 1396هـ .

صفحه 351
60. التفسير والمفسّرون: محمد هادي معرفة(المتوفّى1428هـ)، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، مشهد ـ 1418هـ .
61. تلخيص البيان في مجازات القرآن: الشريف الرضي(المتوفّى 406هـ) دار إحياء الكتب العربية ـ عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة ـ 1374هـ .
62. التمهيد: ابن عبدالبر(المتوفّى 463هـ) نشر وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب ـ 1387هـ .
63. التمهيد في علوم القرآن: محمد هادي معرفة(المتوفّى 1428هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1414هـ .
64. تنقيح المقال: عبد الله المامقاني(المتوفّى 1351هـ) المطبعة المرتضوية، النجف الأشرف ـ 1352هـ .
65. تنوير الحوالك: جلال الدين السيوطي(المتوفّى 911هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1418هـ .
66. تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر(773ـ852هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1404هـ .
67. تهذيب اللغة: الأزهري محمد بن أحمد(282ـ 370هـ) المؤسسة المصرية العامّة، القاهرة ـ 1384هـ .
68. التوحيد: الصدوق(306ـ 381هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
حرف الجيم
69. جامع أحاديث الشيعة: أُلّف تحت إشراف السيد حسين الطباطبائي البروجردي(المتوفّى 1383هـ)، المطبعة العلمية، قم ـ 1399هـ .

صفحه 352
70. الجواهر في تفسير القرآن: طنطاوي بن جوهري المصري(1287ـ 1358هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1412هـ .
71. جواهر الكلام: محمد حسن النجفي(المتوفّى 1266هـ) دار الكتب الإسلامية، إيران ـ 1392هـ .
حرف الخاء
72. الخصال:الصدوق(306ـ381هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1403هـ .
73. الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي(المتوفّى 573هـ) مؤسسة الإمام المهدي(عليه السلام)، قم ـ 1409هـ .
74. خلاصة الأقوال: العلاّمة الحلّي(المتوفّى 726هـ) مؤسسة نشر الفقاهة، قم ـ 1417هـ .
75. الخلاف: الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1407هـ .
حرف الدال
76. دائرة معارف القرن العشرين: محمد فريد وجدي(1295ـ 1373هـ) طبع القاهرة.
77. الدر المنثور: جلال الدين السيوطي(849ـ 911هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1403هـ .
حرف الذال
78. الذريعة في تصانيف الشيعة: آقا بزرگ الطهراني(المتوفّى1389هـ) دار الأضواء، بيروت ـ 1403هـ .

صفحه 353
حرف الراء
79. رجال الطوسي: محمد بن الحسن(385ـ 460هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1415هـ .
80. رجال الكشي: أبو عمرو(من أعلام القرن الرابع الهجري) مؤسسة الأعلمي، كربلاء، العراق.
81. رجال النجاشي: أحمد بن علي(372ـ 450هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
82. الرسالة الشافية: عبد القاهر الجرجاني(المتوفّى 471هـ).
83. رسالة في إعجاز سورة الكوثر: الزمخشري محمود بن عمر(467ـ 538هـ) المطبوعة في مجلة تراثنا، ج13، نشر مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1408هـ .
84. روح المعاني: محمود الآلوسي البغدادي(المتوفّى 1270هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
85. روض الجنان: حسين بن علي بن محمد النيشابوري المعروف بأبي الفتوح الرازي(المتوفّى أوائل القرن السادس) منشورات آستان قدس رضوي، مشهد ـ 1371هـ .ش.
حرف السين
86. سعد السعود: السيد ابن طاووس(المتوفّى 664هـ) منشورات الرضي، قم ـ 1363هـ .
87. سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني(207ـ 275هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

صفحه 354
88. سنن البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي(المتوفّى 458هـ) دار الفكر.
89. سنن الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة (209ـ 279هــ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
90. سيبويه في النحو: عمرو بن عثمان بن قنبر الملقّب بـ:«سيبويه»(المتوفّى 180هـ).
91. سيد المرسلين: جعفر السبحاني(مؤلّف هذا الكتاب) ترجمة جعفر الهادي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1429هـ .
92. السيرة النبوية: ابن هشام عبد الملك بن أيوب الحميري(المتوفّى 213 أو 218هـ) دار التراث العربي، بيروت.
حرف الشين
93. شرح الأُصول الخمسة: القاضي عبد الجبار(المتوفّى 415هـ) مكتبة وهبة، القاهرة ـ 1384هـ .
94. شرح العقائد النسفية: التفتازاني(المتوفّى 793هـ) ط الآستانة، 1313هـ .
95. شرح المواقف: الجرجاني علي بن محمد، منشورات الشريف الرضي، قم ـ 1412هـ .
96. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي(المتوفّى 655هـ) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ـ 1378هـ .
97. الشهاب في الحكم والآداب: ابن حكمون القضاعي، نشر محمود أفندي الشابندر، مطبعة الشابندر، بغداد ـ 1327هـ/1909م.
حرف الصاد
98. صبح الأعشى: أحمد بن علي القلقشندي(المتوفّى821هـ) دار الكتب العلمية،

صفحه 355
بيروت.
99. الصحاح: الجوهري إسماعيل بن حمّاد(المتوفّى 393هـ) دار العلم للملايين، بيروت ـ 1407هـ .
100. الصحيح: البخاري: محمد بن إسماعيل(المتوفّى 256هـ) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر ـ 1314هـ .
101. الصحيح: مسلم بن الحجّاج القشيري(المتوفّى 261هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
حرف الطاء
102. الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (المتوفّى 230هـ) دار صادر، بيروت، 1380هـ .
103. الطراز: يحيى بن حمزة العلوي اليمني(المتوفّى 749هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1402هـ .
حرف العين
104. العروة الوثقى: السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي(المتوفّى 1337هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1417هـ .
105. علوم القرآن: السيّد محمد باقر الحكيم(المتوفّى1425هـ) مؤسسة الهادي، قم ـ 1417هـ .
حرف الغين
106. الغدير: العلاّمة عبد الحسين أحمد الأميني(1320ـ 1390هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1387هـ .

صفحه 356
حرف الفاء
107. فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني(773ـ852هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
108. فتح البيان: صديق حسن خان (المتوفّى 1307هـ) دار الفكر العربي.
109. فتح القدير: محمد بن علي بن محمد الشوكاني(المتوفّى 1250هـ) عالم الكتب.
110. فتوح البلدان: أحمد بن يحيى البلاذري(المتوفّى 279هـ) مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ـ 1956م.
111. الفَرق بين الفِرَق: عبد القاهر البغدادي(المتوفّى 429هـ) مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة.
112. الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم الأندلسي(المتوفّى 456هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1395هـ .
113. الفهرست: ابن النديم محمد بن أبي يعقوب البغدادي(المتوفّى 438هـ) تحقيق رضا ـ تجدد.
114. الفهرست: الطوسي محمد بن الحسن(385ـ 460هـ) مؤسسة نشر الفقاهة، قم ـ 1417هـ .
حرف القاف
115. قاموس الرجال: محمد تقي التستري(المتوفّى 1415هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1425هـ .
116. القوانين المحكمة: المحقق القمي أبو القاسم بن محمد حسن(1151ـ 1231هـ)، مكتب الإعلام الإسلامي، قم ـ 1420هـ .

صفحه 357
حرف الكاف
117. الكافي: محمد بن يعقوب الكليني(المتوفّى 329هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397هـ .
118. الكتاب المقدّس: مجمع الكنائس الشرقية، نشر دار المشرق، بيروت ـ 1988م.
119. كشف الظنون: حاجي خليفة (المتوفّى 1067هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
120. الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة: أبو الوليد محمد بن رشد القرطبي الأندلسي(520ـ 595هـ).
121. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: العلاّمة الحلّي(المتوفّى 726هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
122. كلّيات في علم الرجال: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1428هـ .
123. كنز العرفان في فقه القرآن: المقداد بن عبد الله السيوري(المتوفّى 826هـ)، المكتبة الرضوية، طهران ـ 1384هـ .
124. كنز العمال: المتقي الهندي(المتوفّى 975هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1405هـ .
حرف اللام
125. لسان العرب: العلاّمة ابن منظور محمد بن مكرم(المتوفّى 711هـ) قم ـ 1405هـ .
126. اللوامع الإلهية: الفاضل المقداد بن عبد الله بن محمد السيوري(المتوفّى 826هـ) تحقيق السيد محمد علي القاضي الطباطبائي، تبريز ـ 1396هـ .

صفحه 358
حرف الميم
127. مجاز القرآن: لأبي عبيدة التيمي(المتوفّى 210هـ) تحقيق محمد فؤاد سزكين، مؤسسة الرسالة ـ 1401هـ .
128. مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي(المتوفّى 1085هـ) المكتبة الرضوية، قم.
129. مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي(471ـ 548هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1408هـ .
130. مجمع الزوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي(735ـ 807هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1402هـ .
131. مجمع الفائدة والبرهان: المحقّق الأردبيلي(المتوفّى 993هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
132. مجموعة الرسائل العشر: الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
133. المحاسن: للبرقي أحمد بن محمد بن خالد(المتوفّى 274 أو 280هـ) دار الكتب الإسلامية، قم.
134. محاضرات في الإلهيات: علي الربّاني الگلپايگاني، تلخيص لمحاضرات العلاّمة المحقق جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1423هـ .
135. المستدرك: للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله(المتوفّى 405هـ) دار المعرفة، بيروت.
136. مستدرك الوسائل: الشيخ النوري الحسين بن محمد تقي(1254ـ 1320هـ) مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1407هـ .

صفحه 359
137. المسند: أحمد بن حنبل(المتوفّى 241هـ) دار الفكر، بيروت.
138. مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1427هـ .
139. معاني الأخبار: الشيخ الصدوق(المتوفّى 381هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1379هـ .
140. المعجزة الخالدة: هبة الدين الشهرستاني(1301ـ 1386هـ) طبع بغداد.
141. معجم الأدباء: ياقوت الحموي(المتوفّى 626هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1400هـ .
142. معجم رجال الحديث: أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ) بيروت ـ 1413هـ .
143. معجم المفسّرين: عادل نويهض، مؤسسة نويهض الثقافية، بيروت.
144. معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكريا(المتوفّى 395هـ) مكتبة الإعلام الإسلامي ـ 1404هـ .
145. المعيار و الموازنة: أبو جعفر الأسكافي محمد بن عبد الله المعتزلي(المتوفّى 240هـ) تحقيق محمد باقر المحمودي، بيروت.
146. مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار: محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني(479ـ 548هـ) دائرة المعارف الإسلامية، طهران ـ 1409هـ .
147. مفاتيح الجنان: الشيخ عباس القمي(المتوفّى 1359هـ) مكتبة العزيزي، قم ـ 1385هـ . ش/2006م.
148. مفاهيم القرآن: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1428هـ .
149. مفتاح الكرامة: السيد محمد جواد الحسيني العاملي(المتوفّى1226هـ) مؤسسة

صفحه 360
النشر الإسلامي، قم ـ 1419هـ .
150. مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الاصفهاني (المتوفّى حدود 425هـ) طليعة النور، قم ـ 1427هـ .
151. مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي(732ـ808هـ) المكتبة التجارية، مصر.
152. الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر(479ـ 548هـ) دار المعرفة، بيروت.
153. من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق(المتوفّى 381هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري.
154. المناقب(مناقب آل أبي طالب): ابن شهر آشوب السروي المازندراني(المتوفّى 588هـ) المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف ـ 1376هـ .
155. مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد بن عبد العظيم الزرقاني، دار إحياء الكتب العربية، بيروت ـ 1372هـ .
156. منتخب كنز العمال: المتقي الهندي(المتوفّى 975هـ) المطبوع في هامش مسند أحمد، دار صادر، بيروت.
157. منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1434هـ .
158. الموافقات: أبو إسحاق الشاطبي، دار المعرفة، بيروت.
159. المواقف: عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (المتوفّى 756هـ) دار الجيل، بيروت ـ 1417هـ .

صفحه 361
160. موسوعة طبقات الفقهاء: تأليف اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، 1418ـ 1424هـ .
161. الموطأ: مالك بن أنس(المتوفّى179هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1406هـ .
162. ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي(المتوفّى 748هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1382هـ .
163. الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطباطبائي (المتوفّى1402هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
حرف النون
164. الناسخ والمنسوخ: النحاس، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1412هـ .
165. الناسخ والمنسوخ: ابن خزيمة الفارسي، مطبعة السعادة ـ 1323هـ .
166. النشر في القراءات العشر: ابن الجزري الدمشقي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
167. النص الخالد لم و لن يحرّف أبداً: السيد علي الموسوي الدارابي، مجمع البحوث الإسلامية ـ مشهد، 1433هـ .
168. نظم الدرر وتناسق الآيات والسور: البقاعي الشافعي إبراهيم بن عمر (المتوفّى885هـ).
169. نفحات الرحمن: الشيخ محمد بن عبد الرحيم الغروي النهاوندي(المتوفّى1371هـ)، مؤسسة البعثة، قم.
170. النكت في إعجاز القرآن: علي بن عيسى الرُّمّاني(296ـ 384هـ)دهلي ـ 1934م.

صفحه 362
171. النواة في حقول الحياة: محمد حبيب بن سليمان العبيدي(1296ـ 1383هـ).
172. نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي (المتوفّى 1112هـ) مؤسسة إسماعيليان، قم ـ 1412هـ .
173. النهاية: ابن الأثير الجزري(المتوفّى 606هـ) مؤسسة إسماعيليان، قم ـ 1364هـ .ش.
174. نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي لخطب وكلمات الإمام علي(عليه السلام)(المتوفّى 406هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1408هـ .
حرف الواو
175. الوحي المحمدي: محمد رشيد رضا(المتوفّى 1354هـ) الطبعة السادسة ـ 1960م.
176. وسائل الشيعة: محمد بن الحسن الحرّ العاملي(المتوفّى 1104هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1403هـ .

صفحه 363
فهرس المحتويات   

فهرس المحتويات

الموضوع    الصفحة
المبحث التاسع عشر: الأقسام في القرآن الكريم
جواز الحلف بغير الله سبحانه   12
أنواع الأقسام الواردة في القرآن الكريم   14
   القسم الأوّل: الأقسام المفردة   14
   القسم الثاني: الأقسام المتعدّدة   17
      الأوّل: القسم في سورة الصافات   17
      الثاني: القسم في سورة الذاريات   19
      الثالث: القسم في سورة الطور   21
         تفسير ما هو المراد من الأقسام الخمسة؟   22
      الرابع: القسم في سورة القلم   24
      الخامس: القسم في سورة الحاقّة   26

صفحه 364
الموضوع    الصفحة
      السادس: القسم في سورة المدّثّر   28
      السابع: في سورة القيامة   29
      الثامن: القسم في سورة المرسلات   31
      التاسع: القسم في سورة النازعات   33
      العاشر: القسم في سورة التكوير   35
      الحادي عشر: القسم في سورة الانشقاق   37
      الثاني عشر: القسم في سورة البروج   39
      الثالث عشر: القسم في سورة الطارق   41
      الرابع عشر: القسم في سورة الفجر   42
      الخامس عشر: القسم في سورة البلد   44
      السادس عشر: القسم في سورة الشمس   45
      السابع عشر: القسم في سورة الليل   47
      الثامن عشر: القسم في سورة الضحى   48
      التاسع عشر: القسم في سورة التين   50
      العشرون: القسم في سورة العاديات   52
         المبحث العشرون: الأمثال في القرآن الكريم
      التمثيل الأوّل   56
      التمثيل الثاني   59
بيان التمثيل   59
      التمثيل الثالث   61

صفحه 365
الموضوع    الصفحة
      التمثيل الرابع   63
      التمثيل الخامس   63
      التمثيل السادس   64
      التمثيل السابع   66
      التمثيل الثامن   67
      التمثيل التاسع   69
      التمثيل العاشر   71
      التمثيل الحادي عشر   72
      التمثيل الثاني عشر   74
      التمثيل الثالث عشر   74
      التمثيل الرابع عشر   75
      التمثيل الخامس عشر   77
      التمثيل السادس عشر   78
      التمثيل السابع عشر   79
      التمثيل الثامن عشر   81
      التمثيل التاسع عشر   82
      التمثيل العشرون   84
      التمثيل الحادي والعشرون   84
      التمثيل الثاني والعشرون   86
      التمثيل الثالث والعشرون   87

صفحه 366
الموضوع    الصفحة
      التمثيل الرابع والعشرون   88
      التمثيل الخامس والعشرون   89
      التمثيل السادس والعشرون   90
      التمثيل السابع والعشرون   91
      التمثيل الثامن والعشرون   92
      التمثيل التاسع والعشرون   93
      التمثيل الثلاثون   94
      التمثيل الحادي والثلاثون   97
      التمثيل الثاني والثلاثون   98
      التمثيل الثالث والثلاثون   102
      التمثيل الرابع والثلاثون   102
      التمثيل الخامس والثلاثون   103
      التمثيل السادس والثلاثون   105
      التمثيل السابع والثلاثون   106
      التمثيل الثامن والثلاثون   108
      التمثيل التاسع والثلاثون   109
      التمثيل الأربعون   110
      التمثيل الحادي والأربعون   112
      التمثيل الثاني والأربعون   113
      التمثيل الثالث والأربعون   114

صفحه 367
الموضوع    الصفحة
      التمثيل الرابع والأربعون   116
      التمثيل الخامس والأربعون   117
      التمثيل السادس والأربعون   117
      التمثيل السابع والأربعون   119
      التمثيل الثامن والأربعون   120
      التمثيل التاسع والأربعون   122
      التمثيل الخمسون   124
      التمثيل الحادي والخمسون   125
      التمثيل الثاني والخمسون   126
      التمثيل الثالث والخمسون   126
      التمثيل الرابع والخمسون   127
المبحث الحادي والعشرون: في أسباب النزول
القرآن كتاب الأجيال والقرون   136
التأكّد من صحّة سبب النزول   138
   1. أُسطورة الغرانيق   139
   2. تأخير نزول الوحي لجرو ميّت تحت السرير   139
   3.امتناع أبي طالب عن التكلّم بالتوحيد   140
   4. صلاة رسول الله على المنافق   142
   5. تصميم النبي على التمثيل بسبعين من المشركين   143

صفحه 368
الموضوع    الصفحة
المبحث الثاني والعشرون: القصص القرآنية
القصص القرآنية في غير الأنبياء   146
خصائص القصص القرآنية   147
   أ. الموضوعية والواقعية   147
   ب. تصحيح التحريف   148
   ج. الإيجاز في سرد القصّة   149
   د. المحافظة على كرامة الأنبياء   150
مقارنة بين قصص الأنبياء في التوراة والقرآن   152
   1. قصّة آدم في التوراة والذكر الحكيم   152
   2. قصّة نوح(عليه السلام) في التوراة والقرآن الكريم   152
   3. قصة لوط(عليه السلام) في التوراة والقرآن الكريم   153
   4. قصّة يعقوب(عليه السلام) في التوراة والقرآن الكريم   154
      النبي يعقوب يصارع الرب!!   156
   5. هارون في التوراة والقرآن الكريم   157
   المبحث الثالث والعشرون: التفسير و حاجة القرآن إليه
سؤال وإجابة   163
القرآن وآفاقه اللامتناهية   165

صفحه 369
الموضوع    الصفحة
         المبحث الرابع والعشرون: مؤهلات المفسِّر
                  أو شروط المفسِّر وآدابه
شروط التفسير ومؤهّلات المفسّر   174
   1. معرفة قواعد اللغة العربية   174
   2. معاني المفردات   176
   3. تفسير القرآن بالقرآن   178
   4. الحفاظ على سياق الآيات   180
   5. الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين   186
   6. الرجوع إلى العقل الحصيف أو أحد الثقلين   188
   7. معرفة أسباب النزول   191
   8. الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام   193
   9. تمييز الآيات المكّية عن المدنية   194
   10. الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية   197
   11. الاجتناب عن التفسير بالرأي   197
      المبحث الخامس والعشرون: المناهج التفسيرية
تمهيد   201
أنواع المناهج التفسيرية   203
   المنهج الأوّل: تفسير القرآن بالقرآن   203
   المنهج الثاني: التفسير البياني للقرآن   210

صفحه 370
الموضوع    الصفحة
   المنهج الثالث: تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية   214
   المنهج الرابع: تفسير القرآن بالمأثور عن النبي والأئمة :   218
   المبحث السادس والعشرون: أنواع الاهتمامات التفسيرية
الأوّل: تفسير القرآن في ظل العقل الحصيف   224
نماذج من التفسير في مجالي العقل النظري والعملي   225
   1. الله واحد لا ثاني له   225
      أ. صرف الوجود لا يتعدّد   225
      ب. التعدّد يستلزم التركيب   227
      ج. الوجود اللا متناهي لا يقبل التعدّد   227
   2. لا مدبّر للكون إلاّ اللّه   229
   3.اللّه تبارك وتعالى فوق الرؤية   230
   4. هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن   232
القرآن والعقل العملي   233
نماذج من تفسير القرآن بالعقل الصريح   234
   1. تنزيهه سبحانه عن العبث   234
   2. اللّه عادل لا يجور   236
   الثاني: تفسير القرآن على ضوء المدارس الكلامية والسنن المختلفة   239
الأوّل: تفسير الآيات على ضوء مدرسة الاعتزال   239
   1. الشفاعة حطّ الذنوب أو رفع الدرجة   239

صفحه 371
الموضوع    الصفحة
   2. هل مرتكب الكبيرة يستحقّ المغفرة أو لا ؟   242
الثاني: التفسير على ضوء المنهج الأشعري   245
   1. جواز التكليف بما لا يطاق   246
   2. امتناع رؤية اللّه أو إمكانها   249
الثالث: التفسير على ضوء السنن الاجتماعية   251
   خصائص تفسير المنار   252
   الوصية للوالدين ليست منسوخة   253
   الصبر وأثره البنّاء   254
   انشقاق السماء عند اختلال نظامها   255
   مؤاخذات على تفسير المنار   257
الرابع: التفسير على ضوء العلم الحديث   264
الخامس: التفسير حسب تأويلات الباطنية   269
   مع الشهرستاني في كتابه «مفاتيح الأسرار»   273
السادس: التفسير حسب تأويلات الصوفية   278
   1. تفسير التستري   279
   2. حقائق التفسير للسلمي   280
   3. لطائف الإشارات   282
   4. تفسير الخواجه   282
   5. كشف الأسرار وعدّة الأبرار   282
   6. تفسير ابن العربي   282

صفحه 372
الموضوع    الصفحة
   7. عرائس البيان في حقائق القرآن   283
   8. التأويلات النجمية   283
التفسير الإشاري بين القبول والرفض   284
ختامه مسك: حول كتاب «التفسير والمفسّرون»   292
زلاّت وقع فيها الذهبي في تفسيره   292
   الأُولى: جعل الإمام علي(عليه السلام) ثالث المفسّرين من الصحابة   292
   الثانية: اعتماده في بيان عقيدة الشيعة على خصومهم   293
   الثالثة: مفسّرو الشيعة يُخضِعون الآيات لعقائدهم   294
         المبحث السادس والعشرون: منهج الأئمّة
               في تفسير القرآن المجيد
الأئمّة(عليهم السلام) وأساليبهم المختلفة في التفسير   299
   الأُسلوب الأوّل:استنطاق نفس الآية   299
   1. الاستغفار سبب نزول الرزق   299
   2. المسح ببعض الرأس لوجود (الباء)   299
   3. تعلّق الخمس بكلّ فائدة   301
   4. بطلان الطلاق في الحيض   302
الأُسلوب الثاني: تفسير الآية بآية أُخرى   304
   1. تفسير شاهد ومشهود   305
   2. استنباط حكم قصر الصلاة من حكم الطواف   305

صفحه 373
الموضوع    الصفحة
   3. تفسير الاجتناب عن الخمر بآية أُخرى   307
   4. الواجب قطع الأصابع من أُصولها   308
الأُسلوب الثالث: تفسير الآية بشكل بديع خاف عن أذهان العامّة   310
   1. الذمّي الّذي نقض حكم الذمّة   310