welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 14*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 14

صفحه 1
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 14
 
(14)

صفحه 2

صفحه 3
14   
 
 
الجزء الرابع عشر ويشتمل على تفسير السورتين التاليتين:
هود، يوسف
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1397 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 622 - 6 (VOL.14)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1397
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 14
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1397 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2018 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    وزيري
عدد النسخ :    1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر: 1018   تسلسل الطبعة الأُولى: 483
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
سورة الأنبياء   
 
 
 

سورة هود

(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير * إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى

صفحه 8
 
أُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ

صفحه 9
 
أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الاْخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم أَلِيم * فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ

صفحه 10
 
إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ * وَأُوحِيَ إِلَى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلاٌَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ

صفحه 11
 
ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ * قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِعَاد قَوْمِ هُود * وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ

صفحه 12
 
ابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير * وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لَِثمُودَ * وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْل حَنِيذ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيئَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ

صفحه 13
 
بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْن شَدِيد * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُحِيط * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ * قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لاََنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوح أَوْ قَوْمَ هُود أَوْ قَوْمَ صَالِح وَمَا قَوْمُ لُوط مِنْكُمْ بِبَعِيد * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ * قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ

صفحه 14
 
فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرُفُودُ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْء لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاْخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَ مَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَل مَعْدُود * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا

صفحه 15
 
شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ * فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب * وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).

صفحه 16
خصائص السورة   
 

خصائص السورة

تسمية السورة

سمّيت السورة في المصاحف بسورة «هود»، تنويهاً بالنبي هود(عليه السلام)الذي ورد اسمه في هذه السورة، عند عرض قصّته، خمس مرّات، كما عرضت السورة أيضاً لقصص أنبياء الله الآخرين، وهم: نوح، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى(عليهم السلام). وقد جاءت التسمية في رواية للحاكم النَّيسابوري عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:«شيّبتني هود، والواقعة، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت».(1)
وسيأتي الكلام حول ذلك عند تفسير قوله تعالى:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ)(2).
ومن غُرر آيات السورة قوله سبحانه:(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير)، وقوله سبحانه:(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).(3)
وهي إحدى السور الخمس المفتتحة بالحروف المقطعة (الر) وسائر

1 . المستدرك على الصحيحين:2/343.
2 . هود:112.
3 . هود:56.

صفحه 17
السور هي: يونس، يوسف، إبراهيم، الحِجر.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها مئة وثلاث وعشرون آية في عدّ الكوفي والبصري، ومئة واثنتان وعشرون في عدّ المدني، وقد ذكر في «مجمع البيان»(1) مواضع اختلافهم.
والسورة مكّية في قول الأكثرين، واستثنيت آية واحدة، وهي قوله تعالى:(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)(2)، وسيوافيك الكلام فيها في محلّه.

أغراض السورة

تتناول هذه السورة ـ كسائر السور المكّية ـ بيان أُصول المعارف، وتبتدئ بالتحدّي بالقرآن الكريم، والدعوة إلى التوحيد ونبذ الشِّرك، والإيمان بالبعث والنشور والحشر. ثمّ تذكر ـ تطييباً لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قصص الأنبياء السابقين(عليهم السلام) ولكنّها تفصّل في بيان قصة هود(عليه السلام) أكثر من غيرها.
وبما أنّ بين هذه السورة، والتي تقدّمتها (سورة يونس) اشتراك في كثير من المضامين، فقد أشار السيد الطباطبائي إلى الفرق بين السورتين وقال: إنّ سورتي يونس وهود مسوقتان لغرضين مختلفين، فسورة يونس

1 . لاحظ: مجمع البيان:5/263.
2 . هود:114.

صفحه 18
تبيّن أنّ السُّنّة الإلهية جارية على القضاء بين الرُّسل وبين أُممهم المكذِّبين لهم، ثم تُوعد هذه الأُمّة بما جرى مثله على الذين من قبلهم، وسورة هود تبيّن أنّ المعارف القرآنية ترجع بالتحليل إلى التوحيد الخالص، كما أنّ التوحيد يعود بحسب التركيب إلى تفاصيل المعارف الأصلية والفرعية.(1)

الآيات: الستّ الأُولى

(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير * إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين).

المفردات

أُحكمت: من الإحكام بمعنى إتقان الصنع، وكون الشيء خالياً من

1 . الميزان في تفسير القرآن:10/136.

صفحه 19
الخلل، ومنه قوله سبحانه: (آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)(1). وأمّا ما هو المراد من الإحكام في المقام فلا يعلم إلاّ من مُقابله، أعني قوله: (ثُمَّ فُصِّلَتْ) فإذا كان التفصيل ـ كما سيأتي ـ فصل أجزاء الشيء بعضها عن بعض، يكون الإحكام ضمّ أجزاء الشيء بعضها إلى بعض. وسيأتي ما هو المقصود من الضمّ والفصل عند التفسير.
فُصِّلت: من التفصيل، المشتقّ من الفَصْل، وهو إبانة أحد الشيئين من الآخر بحيث يكون بينهما فُرجة، ومنه قيل المَفاصل، الواحد مَفْصِل...، وفصل الخطاب ما فيه قطع الحكم.(2)
حكيم: يوصف به سبحانه لإتقان صنعه، وربما يوصف به لكون فعله منزَّهاً عن العبث واللَّغو. والمناسب للمقام، هو المعنى الأوّل.
خبير: العالم بخفايا الأشياء، ولعل المراد العالم بما يحتاج إليه الإنسان في حياته وما يصلحه أو يفسده.
يثنون: من الثني: الطيّ، أي يطوون رؤوسهم وصدورهم على معاداة النبيّ; نقل أنّ قوماً من المشركين قالوا: إذا غلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم بنا؟ فأنبأه الله تعالى عمّا كتموه.(3)
ليستخفوا: من الاستخفاء وهو طلب خفاء الشيء، يقال: استخفى وتخفّى بمعنى واحد.

1 . آل عمران:7.
2 . المفردات للرّاغب:381، مادّة «فصل».
3 . مجمع البحرين:1/73، مادة «ثنى».

صفحه 20
مستقرّها: المستقرّ: مكان الاستقرار الدائم.
مستودعها: المستودع: مكان الاستقرار المؤقّت.
التفسير
1. (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير):
تعتبر هذه الآية من غُرر الآيات في السُّورة .
قوله: (الر)، من الحروف المقطَّعة في أوائل عدد من السور، والمراد بها ـ على وجه الإيجاز ـ هو أنّ القرآن مؤلَّف من هذه الحروف، فإن كنتم في ريب من أنّ القرآن من صنع الله تعالى، فقوموا بصنع سورة من سور القرآن، فإنّ المادّة ـ أعني: الحروف الهجائية ـ في متناولكم، ولذلك نرى أنّه سبحانه بعد ذكر الحروف المقطَّعة يشير إلى القرآن وصفاته في أكثر السور المصدَّرة بهذه الحروف. وسيوافيك الكلام فيها بتفصيل في صدر سورة الأحقاف.
قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير) هذه الفقرة تتضمّن أُموراً أربعة ناظرة إلى كيفية نزول القرآن من الله سبحانه إلى رسوله:
1. إحكام آيات القرآن.
2. تفصيل تلك الآيات.
3. أنّ المُنزِل حكيم.
4. أنّ المُنزِل خبير.

صفحه 21
فيقع الكلام فيما هو المراد من الإحكام والتفصيل، وما هي الصلة بين هذين الأمرين وبين وصفه تعالى بالحكيم والخبير؟
أمّا الأوّل، فقيل في المراد منه وجوه خمسة، أشار إليها الطبرسي في «مجمع البيان» ولو صحّ ما ذكره فأحسن الوجوه في معنى إحكام الآيات قوله: إنّها أُتقنت فليس فيها خلل ولا باطل، لأنّ الفعل المحكم ما قد أتقنه فاعله حتى لا يكون فيه خلل.(1)
وأمّا الثاني، فقد عرفت أنّ الفصل عبارة عن إبانة أحد الشيئين من الآخر، فآياته فصّلت فجاءت في سور مختلفة. وقد أُشير إلى هذا الوجه في المجمع بقوله: أُحكمت آياته جملة، ثمّ فرّقت في الإنزال آية بعد آية ليكون المكلّف أمكن من النظر والتدبّر.(2)

تبيين المراد من الإحكام والتفصيل

والظاهر أنّ المراد غير هذا، ويُعلم واقع المراد من مقابلة الإحكام مع التفصيل بأن يقال: إنّ مرحلة الإحكام مرحلة وجود إجمالي جمعي في اللّوح المحفوظ، إذ لم يكن قرآناً يُقرأ ولا عربيّاً يُعرب، فلم يكن فيه فصل شيء منه عن شيء آخر. وأمّا التفصيل فيراد به إنزاله إلى مرتبة البيان بحيث يتمكّن السامع العارف بأساليب البيان من فهم معانيه وتعقّل مقاصده.
والذي يدلّ على هذا المعنى مضافاً إلى قرينة: (فُصِّلَتْ)، ما ذُكر في

1 . مجمع البيان:5/265.
2 . المصدر نفسه. وسيوافيك البيان ـ أيضاً ـ حول الإحكام والتفصيل في تفسير سورة «فصّلت».

صفحه 22
قوله سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)(1).
ثمّ إنّه سبحانه يحكي عن أنّ القرآن نزل من(لَدُنْ حَكِيم خَبِير) فكون المُنزِل حكيماً، آية كون فعله متقَناً لأنّ المُنزل حكيم وفعل الحكيم لا ينفكّ عن الإحكام والإتقان.
ثمّ إنّ قوله:(مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير) قيد لكلا الفعلين، كأنّه قال: أُحكمت وفصّلت من لدن حكيم خبير.
هذا، وفي قوله:(أُحْكِمَتْ) دليل على أنّ القرآن مُحدَث إذ الإحكام من صفات الأفعال ولا يجوز أن يكون إحكامه غيره; لأنّه لو كان إحكامه غيره لكان قبل أن يُحكمه غيرَ محكم، ولو كان كذلك لكان باطلاً، لأنّ الكلام متى لم يكن محكماً وجب أن يكون باطلاً فاسداً، وهذا باطل.(2)
وأمّا كون المُنزل خبيراً، فلعلّه إشارة إلى أنّه خبير بحقائق الأشياء وما يصلح الإنسان وما يفسده، ولذلك جاء تفسيره في الآية التالية بدعوة الإنسان إلى التوحيد الذي هو رأس المعارف، واجتناب الشِّرك الذي هو آية انحطاط الإنسان.
2. (أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ):
الآية تشير إلى أُسّ المعارف ورأسها الذي بعث لأجله الأنبياء عبر القرون، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا

1 . البروج:21ـ 22.
2 . التبيان في تفسير القرآن:5/446، نقله عن الجُبّائي.

صفحه 23
الطَّاغُوتَ)(1)، فكأنّ قوله سبحانه: (أَلاَّ تَعْبُدُوا) شيئاً (إِلاَّ اللهَ) دليل على كونه خبيراً بحقائق الأُمور ومصالحها ومفاسدها، وأنّ في التوحيد كلّ المصلحة ويقابله الشِّرك. ثم يأمر النبيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول: (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)فالنبيّ منذر، أي مخوّف من التمرّد على الله وعصيانه بشديد عقابه، مبشِّر بحُسن ثوابه على طاعته سبحانه، وامتثال أمره ونهيه. وقوله:(نَذِيرٌ)راجع إلى قوله: (أَلاَّ تَعْبُدُوا)الدالّ على نهيه سبحانه عن عبادة غيره، وأمّا قوله:(وَبَشِيرٌ) فناظر إلى أمره بعبادة الله وحده، فيكون اللَّفّ والنَّشر مرتَّباً.
3. (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير):
لمّا كان الخطاب في الآية السابقة متوجّهاً إلى المشركين، الذين دلّت الآية على أنّهم كانوا يعبدون غير الله، جاء البيان القرآني يدعوهم للاستغفار أوّلاً والتوبة ثانياً وقال:(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) بالنّدم على ما مضى من الذَّنب (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) بالعزم على عدم العود في المستقبل، وبهذا ظهر عدم التكرار بين الفقرتين.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى (ثُمَّ) في قوله:(ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)؟ قلت: استغفروا من الشِّرك، ثمّ ارجعوا إليه بالطاعة.(2)

1 . النحل:36.
2 . تفسير الكشّاف:2/207.

صفحه 24
وللسيد الطباطبائي بيان آخر في رفع التكرار، قال: الظاهر أنّ المراد بالتوبة في الآية الإيمان، كما في قوله تعالى:(فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)(1)، فيستقيم الجمع بين الاستغفار والتوبة مع عطف التوبة عليه بثمّ، والمعنى: اتركوا عبادة الأصنام بعد هذا واطلبوا من ربّكم غفران ما قدّمتم من المعصية، ثمّ آمنوا بربّكم.(2)
ثمّ إنّه سبحانه يرتّب على استغفارهم وتوبتهم أمرين:
أ. (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى): أي يمتّعكم في الدنيا بالنِّعم السابغة إلى الوقت الذي قُدّر لكم في الدنيا.
ب. (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ) وأراد من الفضل الأوّل عمل الخير، ومن الفضل الثاني الجزاء في الآخرة، ومعنى الفقرة: يجزي كلَّ من عمل عملاً صالحاً جزاءه في الآخرة. إلى هنا تمّ ما يرجع إلى المستغفر والتائب.

وجود الصلة بين الاستغفار والسعادة

ثمّ إنّه يستفاد من قوله سبحانه:(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) أنّ بين أعمال الإنسان وما يترتّب عليها من السعادة والشقاء صلة واضحة، حيث إنّ الاستغفار يسبّب تمتُّع الإنسان متاعاً حسناً، وهذا ما أشار إليه سبحانه في غير واحدة من الآيات، أوضحها ما في سورة نوح، قال تعالى: حاكياً عن نوح:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ

1 . غافر:7.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/141.

صفحه 25
أَنْهَارًا)(1). وسيوافيك شرح هذا الموضوع في تفسير سورة نوح، فانتظر.
هذا وقد قال الشيخ الرئيس ابن سينا: واعلم أنّ أكثر ما يقرّ به الجمهور ويفزع إليه، ويقول به، فهو حقّ، وإنّما يدفعه هؤلاء المتشبّهة بالفلاسفة جهلاً منهم بعلله وأسبابه، وقد عملنا في هذا الباب كتاب البِرّ والإثم، فتأمّل شرح هذه الأُمور من هناك، وصدق بما يحكى من العقوبات الإلهية النازلة على مدن فاسدة، وأشخاص ظالمة، وانظر أنّ الحقّ كيف يُنصر، واعلم أنّ السبب في الدعاء منّا أيضاً وفي الصدقة وغير ذلك، وكذلك حدوث الظلم والإثم إنّما يكون من هناك، فإنّ مبادئ جميع هذه الأُمور تنتهي إلى الطبيعة والإرادة والاتّفاق.(2)
بقيت هنا طائفة، وهم مَن لم يقلع عن الشِّرك وبقي على عبادة
غير الله، وإليهم يشير سبحانه بقوله:(وَإِنْ تَوَلَّوْا): أي أعرضوا عمّا أُمروا
به: (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير) أطلق الخوف وأُريد به اليقين. ووصف اليوم بالكِبَر بمعنى كبير شأنُه، ويحتمل أن يراد: كبير عذابُه، لقوله سبحانه:(وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا)(3) والإيعاد بعذاب الآخرة ربما يدلّ على دوام نعم الدنيا في حقّهم، وهو من مظاهر رحمته سبحانه على المؤمن والكافر.
4. (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):

1 . نوح:10ـ12.
2 . الشفاء:439، الإلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الأوّل.
3 . الفرقان:19.

صفحه 26
لمّا أوعدهم في الآية السابقة بالعذاب الأُخروي، علّل ذلك بأنّ الجميع صائرون إلى الله سبحانه فقال: (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) ومنه رجوعكم إلى الله يوم البعث.
5. (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ):
للوقوف على معنى الآية نمهّد لذلك بما يلي:
بما أنّ الشرك ملّة واحدة، فيظهر أنّ عمل المشركين في الفترة المكّية كان نظير عمل المشركين في عهد مَن تقدّم من الأنبياء، مثل نوح(عليه السلام)
الذي وصف موقف مشركي عهده من دعوته بقوله:(وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)(1). هذا حال مشركي عهد النبي نوح(عليه السلام) ومنه يظهر معنى الآية، وهو أنّه كلّما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو عليهم الكتاب وينذرهم، فإنّ ردّة فعلهم كانت على نحوين:

ما هو المراد من ثني الصدور؟

1. (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ)والثَّني ـ كما تقدّم في المفردات ـ عبارة عن العطف والطيّ، فالآية تتحدّث عن حالة نفسيّة للمشركين، حيث كانت صدورهم مملوءة بالحقد والعداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فصارت هذه الحالة النفسيّة تظهر بالعمل الجوارحي، وهي أنّهم عند ما

1 . نوح:7.

صفحه 27
يَرون النبيّ وهو يقرأ القرآن يطأطئون رؤوسهم ويعطفون صدورهم على بطونهم (لِيَسْتَخْفُوا)من سماع كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو من رؤيته .
2. (أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ): أي وفي الوقت نفسه كانوا يستغشون ثيابهم، أي يَتغَطَّون بها، إمعاناً في الاستخفاء منه لئلاّ يراهم يستمعون إليه، وإشعاراً بأنّهم لا يسمعون كلامه بتاتاً.
ثمّ إنّه سبحانه أنذرهم بقوله: (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ): أي حينما يغطّون رؤوسهم بثيابهم، فإنّ الله يعلم ما يخفون وما يعلنون (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وعلمه بذات الصُّدور كناية عن علمه بالنيّات المكنونة، وبما تضمره النّفس من أسرار. وبهذا نكون قد خرجنا بتفسير للآية من دون أن نجعلها كناية أو مجازاً عن شيء.
ويؤيّد هذا التفسير ما رواه الكليني عن سَدير عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنّ المشركين كانوا إذا مرّوا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا، وغطّى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله عزّ وجلّ(أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).(1)
وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني في تفسير الآية قوله: يطأطئون رؤوسهم ويحنون صدورهم.
هذا، وقد نقل السّيوطي شيئاً كثيراً عن ابن عباس ممّا لا يناسب سياق

1 . الكافي:8/144 برقم 115; تفسير نور الثقلين:2/335.

صفحه 28
الآية.(1)
ثمّ إنّ ما ذكرناه هو ما اختاره صاحب «تفسير المنار» حيث قال: والأقرب أن يكون تصويراً لما كان يحاوله بعض الكفّار ثمّ المنافقين عند سماع القرآن من الاستخفاء بتنكيس الرأس، وثني الصدر على البطن كما يطوى الثوب، حتى يخفى فاعله بين الجمع، خجلاً ممّا فيه من القرع والصداع، فالمعنى:ألا إنّ هؤلاء الكافرين الكارهين لدعوة التوحيد يحنون ظهورهم وينكسون رؤوسهم كأنهم يحاولون طيَّ صدورهم على بطونهم عند سماع القرآن، وهو معنى بليغ... .(2)
وقال السيد الطباطبائي: فالمراد بقوله:(يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ)أنّهم يميلون بصدورهم إلى خلف ويطأطئون رؤوسهم ليتخفّوا من الكتاب أي من استماعه حين تلاوته، وهو كناية عن استخفائهم من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حضر عنده حين تلاوة القرآن عليهم للتبليغ، لئلاّ يُروا هناك فتلزمهم الحجّة.(3)
يلاحظ عليه: أنّ الصحيح أن يقول: يميلون بصدورهم إلى بطونهم لا إلى الخلف، لأنّ الميل إلى الوراء هو من مظاهر الإقبال، كما أنّ الأَولى حذف كلمة كناية، إذ ليس في الآية كناية.
ويظهر من السيد الرضيّ(رحمه الله) أنّه جعل الآية استعارة وقال: هذه استعارة

1 . تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم:6/1999 برقم 10660.
2 . تفسير المنار:12/10. والأولى حذف كلمة «المنافقين»، لأنّ الآية مكّية، ولم يكن في مكّة نفاق.
3 . الميزان في تفسير القرآن:10/147.

صفحه 29
لأنّ حقيقة الثني لا تتأتّى في الصدور، والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ أنّهم يثنون صدورهم على عداوة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك كما يقول القائل: هذا الأمر في طيّ ضميري، أي قد اشتمل عليه قلبي، فيكون قوله تعالى:(يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) بمنزلة قوله: يطوون صدورهم، ولفظ يثنون أعذب استماعاً، وأحسن مجازاً.(1)
6. (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين):
الآية تشتمل على فقرات ثلاث كلّ بحاجة إلى تفسير:
أ. (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا).
ب. (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا).
ج. (كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين).
هذا بالإضافة إلى بيان صلة الآية بما قبلها من الآيات.
أمّا الفقرة الأُولى، فالدابّة عبارة عن كلّ ما يدبّ في الأرض أي يسير فيها سواء أكان السير بسرعة أم ببطء، فيشمل الفرس والنّملة، كما أنّ المراد من الرِّزق هو العطاء المستمرّ الذي به حياة الدابّة، فالفقرة تحكي عن أنّ الله تعالى قد تكفّل برزق كلّ دابّة وألزم نفسه بذلك، كما يدلّ عليه قوله: (عَلَى اللهِ) فقد التزم سبحانه من جانب نفسه فصار ملتزماً أن يُرزِق كلَّ دابّة، فيكون سبحانه مَن عليه الحقّ، والدابّة مَن لها الحقّ، وهذا ليس أمراً محالاً

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:58.

صفحه 30
ولا قبيحاً; لأنّه سبحانه لأجل تفضّله ولطفه ألزم نفسه بهذا، حتى أنّه تظاهر بالاقتراض من عباده وقال:(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا)(1)، كما أنّه سبحانه ألزم نفسه بإنجاء الرُّسل والمؤمنين وقال: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ)(2).
ثمّ إنّ تكفّله سبحانه برزق كلّ دابّة لا يستفاد منه وصول الرِّزق بلا كدٍّ ولا سعي، وإنّما جعل وصول رزقه مرتبطاً بالأسباب. وسيوافيك توضيحه في تفسير قوله سبحانه:(إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(3).
قال صاحب «تفسير المنار»: إنّ بعض العبّاد والشعراء زعموا أنّ الكسب وعدمه سواء، نظير قول بعض الخياليّين الجاهلين المتواكلين غير المتوكّلين:
جرى قلم القضاء بما يكونُ *** فسيّان التحرك والسكونُ
جنون منك أن تسعى لرزق *** ويُرزَق في غشاوته الجنينُ
فهذا الشاعر أحقّ بصفة الجنون ممّن يصفهم بها.(4)
كيف يقول ذلك، والله يأمرنا بالسَّير لكسب الرزق ويقول:(فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)(5)؟

1 . البقرة:245.
2 . يونس:103.
3 . الذاريات:58.
4 . تفسير المنار:12/14.
5 . الملك: 15.

صفحه 31
وقد ورد في الحديث: «أنّ الله تعالى ليبغض العبد الفارغ»(1)، كما ورد: «ملعون من ألقى كَلَّه على النّاس»،(2) إلى غير ذلك من الروايات. ثمّ إنّه سبحانه قد هيّأ لمريم(عليها السلام) جميع الأُمور من جانب الغيب، فحملُها لعيسى وولادتُها وما يمتّ لذلك بصلة، كلّه كان عملاً غيبياً خارجاً عن قدرة مريم، ولكنّها لمّا احتاجت إلى الغذاء بعد وضع الحمل أمرها سبحانه بهزّ جذع النخلة، ولم يشأ أن يرزقها الرُّطب من دون قيامها بهذا العمل.
ومن عجيب الأمر ما ذكره الرازي في المقام قال: تعلّق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أنّ الرِّزق قد يكون حراماً، قالوا لأنّه ثبت أنّ إيصال الرزق إلى كلّ حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد وبحسب الاستحقاق، والله تعالى لا يخلّ بالواجب، ثمّ قد نرى إنساناً لا يأكل من الحلال طول عمره، فلو لم يكن الحرام رزقاً لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه، فيكون تعالى قد أخلّ بالواجب، وذلك محال، فعَلمنا أنّ الحرام قد يكون رزقاً.(3)
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه قد وفى لنا بما وعد، فبيّن لنا ما هو الحلال والحرام، ومكّن العبد من تحصيل الحلال واجتناب الحرام، وحينئذ فمن الناس مَن يؤْثِر الحلال على الحرام، ومنهم مَن يختار العكس، أي الحرام على الحلال، فلو كان هناك لوم فإنّما هو على العبد وأنّ مولاه سبحانه قد وفى بوعده ولم يُخلفه.

1 . من لا يحضره الفقيه:3/169.
2 . الكافي:5/72.
3 . تفسير الرازي:17/186.

صفحه 32

إيضاح المراد من المستقرّ والمستودع

سورة هود: الآيات 1 ـ 6   
وأمّا الفقرة الثانية، أعني قوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا)فالضميران يرجعان إلى الدابّة، والفقرة بحاجة إلى تفسير ما هو المراد من المستقرّ والمستودع. ويمكن أن يقال: إنّ المستودع عبارة عن المكان الذي كانت فيه قبل أن تدبّ في الأرض، وهي الأرحام للجنين، والمستقرّ الذي قرّت فيه بعد الدبيب، بخروج الفرخ من البيضة، والجنين من الرَّحِم، فالله سبحانه يوجد أسباب العيش والحياة لكلّ دابّة في مستودعها ومستقرّها. وهذا هو الظاهر من صاحب «الكشّاف»، حيث قال: المستقرّ: مكانه من الأرض ومسكنه، والمستودع حيث كان مودَعاً قبل الاستقرار من صُلب أو رَحِم أو بيضة.(1) واختاره أيضاً غير واحد من المفسّرين، ولكن يلزم من هذا التفسير تقديم المستودع على المستقرّ، ولذلك عدل السيد الطباطبائي إلى وجه آخر، حاصله: أنّ الدوابّ على قسمين، فقسم ما كان في مستقرّه لا يخرج منه كالحيتان في الماء، والرّخويات(ذات الأصداف) في الأماكن التي استقرّت فيها من الأرض، فهذه الدوابّ يرزقها سبحانه في مستقرّها، وقسم آخر يخرج عن مستقرّه وهو في مستودع سيتركه إلى مستقره كالطير في الهواء والمسافرين النازحين عن أوطانهم والأجنّة في الأرحام، فهذه الدوابّ يرزقها سبحانه في مستودعها إلى أن ترجع إلى مستقرها، فالله تعالى عالم بحال كلّ دابّة في الأرض، وكيف لا وعليه تعالى رزقها ولا يصيب الرِّزق المرزوق إلا بعلم من الرازق بالمرزوق وخبرة منه

1 . تفسير الكشّاف:2/90.

صفحه 33
بما حلّ فيه من محلّ دائم أو معجّل، ومستقرّ أو مستودع.(1)
وبذلك يُعلم وجه تقديم المستقرّ على المستودع، لأنّ الأوّل هو الأصل في حياة الدابّة.
وأمّا الفقرة الثالثة فهي قوله: (كُلٌّ): أي كلّ واحد من الدوابّ أرزاقها ومستقرّها ومستودعها مكتوب (فِي كِتَاب مُبِين) ولوح محفوظ، كتب الله فيه مقادير الخلق كلّها، قال سبحانه:(وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)(2)، وقال سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ).(3)
وقال الإمام علي(عليه السلام):«قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَعَدَدَ أَنْفُسِهِمْ، وَخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمُسْتَقَرَّهُمْ وَمُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الاَْرْحَامِ وَالظُّهُورِ، إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ...».(4)
وأمّا وجه اتصال الآية بما قبلها، فإنّه سبحانه لمّا ذكر علمه بما يسرّون وما يعلنون وبما في ذات الصدور، عطف عليه بأنّه لا يخفى عليه شرّ هؤلاء، كيف؟ وهو الذي يرزقهم ويرزق كلّ دابّة ويعلم مستقرّها ومستودعها.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:10/148(مع تصرّف في بعض العبارات).
2 . الأنعام:38.
3 . العنكبوت:60.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 90.

صفحه 34
سورة هود: الآيتان 7 ـ 8   

الآيتان: السابعة والثامنة

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

المفردات

أُمّة: الأُمة: الجماعة الذين يعيشون في مكان واحد وتربطهم أواصر مختلفة، ويُطلَق أيضاً على الزمان، كما في قوله تعالى:(وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة)(1)وهذا المعنى هو المراد هنا.
حاق: نزل وأحاط.

التفسير

7. (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ

1 . يوسف:45.

صفحه 35
مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ):
الآية تشتمل على المقاطع التالية:
1. خلق السماوات والأرض في أيام ستة.
2. كون عرشه على الماء يومذاك.
3. الغاية من خلق النظام السائد، هي ابتلاء الإنسان .
4. تلقي الكفّار الوعيد بالبعث على أنّه سحر.
وإليك دراسة الجميع:
أمّا الأوّل فيشير إليه بقوله:(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام)، تكرّر ذكر خلق السماوات والأرض في ستة أيام في ست سور أُخرى.(1) والأيام جمع اليوم ويراد به مقدار معتدّ به من الزمان، وليس من الواجب أن يطابق اليوم في كلّ ظرف ووعاء، يومَ أرضنا الحاصل من دوران الأرض حول محورها دورة واحدة، بشهادة أنّ اليوم الواحد في القمر يعدل (29) يوماً من أيام الأرض، كلّ ذلك يلزمنا القول أنّ المراد من الأيام هو الأدوار التي تمّ فيها خلق السماوات والأرض، فإنّ اليوم يستعمل ويراد به الوقت مطلقاً ومنه قول الإمام علي(عليه السلام): «وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ».(2) وقوله(عليه السلام) في حقّ مروان وولده:«وَسَتَلْقَى الاُْمَّةُ

1 . لاحظ: الأعراف:54، يونس:3، الفرقان:59، السجدة:4، ق:38، الحديد:4.
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم، برقم 396.

صفحه 36
مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ!».(1)
وعلى هذا فالمراد من (أَيَّام) في قوله: (سِتَّةِ أَيَّام) هو المقدار المعتدّ به من الزمان، لا الأيام في مقابل اللّيالي، وقد مرّ في الروايات أنّه يطلق اليوم ويراد به الزمان نفسه.
ويشهد لِما ذكرنا دراسة حقيقة الزمان، فإنّها مقدار الحركة، فلو لم يكن هناك جوهر في مسير التحوّل والتدرّج لا يتحقّق الزمان بشهادة أنّه مقدار الحركة وهي فرع وجود المتحرِّك عند سيلانه، وعلى هذا فلا تتعلّق القدرة على خلق الزمان ابتداءً ما لم يكن هناك جوهر متحرّك.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ المراد من ستة أيام ليس وجودها مستقلّة عن خلق السماوات والأرض حتى يتصوّر بأنّها خُلقت في نفس الفترة وفي ظرفها إذ لازم ذلك كون الزمان مخلوقاً مستقلاًّ، وقد عرفت امتناعه.
فإن قلت: إنّ أفعال الله تعالى لا تقدّر بالزمان، لقوله سبحانه:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2).
قلت: أُريد من الأيام المدّة التي تكونت فيها السماوات والأرض وتمّت فيها تسويتها على الصورة التي أرادها الله تعالى، وتهيّأت الأرض لاستقبال الحياة. فتعلّقت مشيئته على تكوّن العالم بالتدريج، وهو مفاد «كن» في المقام. قال الآلوسي: والمراد باليوم الوقت مطلقاً لا المتعارف إذ لا يتصوّر ذلك حين لا شمس ولا أرض.(3)

1 . نهج البلاغة، الخطبة 73.
2 . يس:82.
3 . روح المعاني:12/4.

صفحه 37
والذي يؤيّد ذلك، أي أنّ السماوات والأرض لم تُخلقا دفعة واحدة، هو قول الباحثين بأنّ خلق الكون قد مرّ بأدوار ومراحل لا يعلم قدرها إلاّ الله سبحانه. وسيوافيك بيانه في تفسير سورة (السجدة)، فانتظر.
وأمّا المقطع الثاني، وهو ما في قوله تعالى: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)فالبحث فيه تارة عن معنى العرش وأُخرى عن كونه على الماء.
أمّا العرش فهو في اللُّغة سرير المَلك الذي يجلس عليه وهو يدبّر شؤون البلد، وربّما يُكنى به عن القدرة وزوالها، فيقال: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) بمعنى ملك أو استقام أمر المُلك له، ويقال في خلافه: ثُلَّ عرشُه، بمعنى هلك وزال ملكه، قال الشاعر:
إذا ما بنو مروان ثُلّت عروشهم *** وأودت كما أودت إيادٌ وحِمْيَرُ(1)
وبما أنّه سبحانه متعال عن الجسم والجسمانيات، فلا يمكن تفسير عرشه بسرير الملوك، لأنّه يستلزم الجسم والجهة، تعالى عن ذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(2)، فلا محالة أن يكون المراد استيلاؤه على عرش التدبير، دون أن يعجز عن تدبير ما خلق أو يفوّضه إلى غيره. وقد مرّ توضيح ذلك في تفسير قوله:(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)(3)، فلاحظ.

تبيين كون عرشه سبحانه على الماء

الكلام هنا حول متعلّق السُّلطة والمُلك في الآية، حيث قال: (وَكَانَ

1 . مجمع البيان:4/294(تفسير الآية 54 من سورة الأعراف).
2 . الشورى:11.
3 . الأعراف:54.

صفحه 38
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) وكونه على الماء كناية عن أنّ ملكه وسلطانه كان مستقرّاً يومئذ على الماء الذي هو مادّة الحياة. وبما أنّ قوله: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) جملة حالية تتعلّق بقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) فهو يدلّ على وجود الماء قبل السماوات والأرض حين خلقهما، والحال أنّ ملكه وسلطانه كان على الماء. هذا هو الظاهر من الآية، ولو أردنا إيضاحها بما توصّل إليه العلم الحديث، فيمكن أن يقال: إنّ الماء وإن كان هو المائع السائل المستعمل للشرب والتطهير إلاّ أنّه قد يطلق على كلّ سائل مائع كالفلزات المائعة وما أشبه ذلك، وعلى ذلك فيمكن أن يقال:إنّ في بداية الخلق كان عالم الوجود على صورة مواد مذابة، وهي التي تشكّل مادة السماوات والأرض، فعلى هذا فعالم الوجود وعرش قدرة الله كان مستقرّاً على المواد المتراكمة الذائبة.(1)
وحصيلة الكلام: إنّ الماء يُطلق على شيئين:
1. الماء الذي خُلق منه كلّ شيء حيّ، قال سبحانه:(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)(2).
2. السائل (وهو إحدى الحالات الثلاث للمادة)(3) ولذلك أُطلق على النُّطفة، قال سبحانه: (خُلِقَ مِنْ مَاء دَافِق)(4)، وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلَ

1 . انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:6/442.
2 . الأنبياء:30.
3 . والحالتان الأُخريان، هما: الحالة الغازية، والحالة الصلبة.
4 . الطارق:6.

صفحه 39
نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَة مِنْ مَاء مَهِين).(1) ويقول سبحانه: (وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد)(2)، وهو القَيح المختلط بالدم.
ثمّ إنّ القرطبي فسّر كون العرش على الماء برواية كعب الأحبار(3)، ذلك اليهودي الماكر الذي أدخل الإسرائيليات في أحاديث المسلمين.
هذا ما وصل إليه الإنسان في تفسير الكون الذي يمكن أن يكون تفسيراً للآية، ومع ذلك فالآية يكتنفها الإبهام، ولعلّ المستقبل الكشّاف يفسّر لنا هذه الآية بنحو أفضل من ذلك.
يقول صديقنا الشيخ مغنية(رحمه الله):(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) المراد بعرش الله ملكه واستيلاؤه، والماء معروف، وتدلّ الآية على أنّ الماء كان موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، أمّا من أين جاء، وهل كان قائماً على قرار؟ فلا نصّ على شيء من ذلك في آية، أو رواية متواترة، والعقل وحده لا يملك العلم به، لذا نترك البحث عنه، وكلّ ما قرأنا في هذا الباب لا يعدو الحدس والتخمين، أمّا المادة الأُولى التي وُجد منها الكون فلا تفسير لها عندنا إلاّ قوله تعالى: كوني فكانت، ومَن أنكر هذا علينا تلونا قوله سبحانه:(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).(4)
ونعمَ ما يقول صاحب الظلال: إنّ القرآن هو الأصل والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء، أمّا الحقائق العلمية التجريبية فمجالها غير

1 . السجدة:8.
2 . إبراهيم:16.
3 . تفسير القرطبي:9/8.
4 . التفسير الكاشف:4/210ـ211.

صفحه 40
مجال القرآن، وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته... إلى آخر ما ذكر.(1)

العبرة في الأعمال بالكيفية لا بالكمية

وأمّا المقطع الثالث، أعني قوله:(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) فظاهره أنّ ما تقدّم من خلق السماوات والأرض في ستة أيام كان من أجل اختبار الناس، وبهذا يعطي للإنسان مكرمة ومقاماً حيث إنّه الغاية الكبرى لخلق ما سواه، لكنّه سبحانه يختبر الإنسان بحسن العمل لا بكثرته كما يقول:(أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، وهذا يدلّ على أنّ العبرة بالكيفية لا بالكمية.
روى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عمر: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تلا (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ثم قال: أيّكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرعكم في طاعة الله.(2)
وروى سفيان بن عُيينة عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، قال: «ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً، وإنّما الإصابة خشية الله والنيّة الصادقة»، ثم قال: «الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، والعمل الخالص الذي لا تُريد أن يحمدك عليه أحدٌ إلاّ الله عزّ وجلّ، والنِّيّة أفضل من العمل، ألا إنّ النِّيّة هي العمل، ثم تلا قوله عزّ وجلّ:(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)(3) يعني على

1 . في ظلال القرآن:10/518.
2 . تفسير القرآن العظيم:6/2006 برقم 10705.
3 . الإسراء:84.

صفحه 41
نيّته».(1)
ومن هنا قال أحد المعاصرين: النوايا الصّادقة طليعة جيش الأعمال الصالحة.(2)
وأمّا المقطع الرابع، أعني قوله:(وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)، فذكر فيه سبحانه إنكار المشركين البعث بعد الموت على وجه التعجّب. ووجهه واضح لأنّ الفقرة مرتبطة بخلق السماوات والأرض لغاية ابتلاء الإنسان، فإذا كان الإنسان هو الأصيل في الخلق وسُنن الوجود، فلابدّ أن يكون لخلقه غاية، وليس هي إلاّ الابتلاء، ثمّ الجزاء حسب ابتلائه.

ما هي الغاية من ابتلاء الإنسان؟

جدير بالتنبيه أنّ ابتلاء الإنسان لا يعني عدم علمه سبحانه بمصير الإنسان، وما تنطوي عليه نفسه، وإنّما الغاية تمييز الصادق في إيمانه وأفعاله من الكاذب فيهما، وإظهار ما هو مكنون في ذات الإنسان من خير وشرّ وإخراج ما هو بالقوة إلى الفعل، من غير فرق بين كون الإنسان سعيداً أو شقيّاً، فالله سبحانه يعامل الناس معاملة المختبر«لِتَظْهَرَ الاَْفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ».(3)
ومثال ذلك: الابتلاء الشديد الذي تعرّض له المسلمون في غزوة

1 . الكافي:2/16، باب الإخلاص، برقم4.
2 . القيم الإنسانية للدكتور محمود الموسوي:42.
3 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 193.

صفحه 42
الأحزاب(الخندق)، والذي تكشّفت عنه ثلاث طوائف: أقوياء الإيمان، وضعاف الإيمان، والمنافقون. وسيوافيك تفصيل ذلك في تفسير سورة الأحزاب إن شاء الله تعالى.
ثمّ إنّ نسبة البعث بعد الموت إلى السّحر نابع عن جهل المشركين بأنّ البعث مرتبط بناموس الكون، وأنّ الحياة الدنيوية مقدّمة للحياة الأُخروية، فكيف يمكن فصل الحياتين؟
ثمّ إنّ وصف البعث بعد الموت بالسِّحر أُريد بالسِّحر الكلام العاري عن الحقيقة لأنّه لا أساس له، لا السّحر المصطلح.
8. (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
يظهر من بعض الآيات أنّ الاستهزاء بنزول العذاب كان سنّة في الأُمم السابقة أيضاً، يقول سبحانه: (وَلِكُلِّ أُمَّة رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).(1)
وحكى سبحانه عن أُمّة نوح أنّهم كانوا يخاطبون نبيّهم(عليه السلام) بقولهم: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا).(2)
وإلى هذه السنّة تشير آيتنا هذه. ويظهر من سياق الآية أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . يونس:47ـ48.
2 . هود:32.

صفحه 43
كان يوعدهم بالبعث وأنّهم سيُجزَون فيه على أعمالهم السيئة، فكان المشركون المعاندون يحتجّون على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لو صحّ كلامك هذا، فلماذا لا ينزل علينا العذاب؟ فهؤلاء كانوا جاهلين بسبب تأخير العذاب وأنّه سوف يشملهم العذاب في يوم معيّن، ولكن للتأخير سبب وهو:

ما هو السبب لتأخير العذاب؟

أوّلاً: وجود الفرق بين الأُمّة الإسلامية والأُمم السالفة، حيث إنّه لا يعذّبهم بعذاب الاستئصال مادام النبيّ بينهم.(1)
وثانياً: إنّ في تأخير العذاب مصالح منها إيمان كثير من المشركين وأولادهم بالإسلام، فكم قد ولد للكفّار من أولاد نشأوا بعد رحيل الآباء في الإسلام. ولعلّ هناك مصالح أُخرى يمكن أن تكون سبباً لتأجيل العذاب، فعلى هذا فمعنى قوله سبحانه:(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ): أي عذاب الاستئصال (إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة): أي إلى زمان مؤجَّل، فهو لسبب، وإنْ كان المشركون جاهلين بالمصلحة، ولذلك (لَيَقُولُنَّ) على وجه الاستهزاء (مَا يَحْبِسُهُ): أي أيّ شيء يؤخّر عنّا هذا العذاب إن كان حقّاً؟ ثمّ يوعدهم بقطعية نزول العذاب بقوله: (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ): أي يوم القيامة (لَيْسَ)هذا العذاب (مَصْرُوفًا عَنْهُمْ): أي مردوداً عنهم (وَحَاقَ بِهِمْ): أي نزل بهم (مَا)الذي (كَانُوا بِهِ):أي بالعذاب الإلهي(يَسْتَهْزِئُونَ) ويسخرون منه قبل وقوعه.

1 . لاحظ: الأنفال:33.

صفحه 44

الآيات: التاسعة إلى الحادية عشرة

(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).

المفردات

سورة هود: الآيات 9 ـ 11   
أذقنا: الذَّوق: وجود الطَّعم في الفم، وأصله فيما يقلّ تناوله دون ما يكثر.
نزعنا: نزع الشيء: جذبه من مكانه وقلعه، وأُريد به هنا سلب النِّعمة.
ليئوس: يؤوس: مبالغة في اليائس. واليأس، هو انقطاع الأمل.
كفور: مبالغة في الكفر، وأُريد كافر النِّعمة.
نعماء: النّعماء: الخير والمنفعة.
ضرّاء: من الضُّرّ، وهو سوء الحال في النَّفس أو البدن أو في حالة ظاهرة من قلّة مال وجاه.
مسَّتْه: نالتْه.
فَرِح: مغترّ بالنِّعمة.
فخور: شديد الفخر، والفخر: ذكر المناقب للتباهي والتطاول بها على السّامع.

صفحه 45

التفسير

هذه المجموعة من الآيات تتحدّث عن أنّ الإنسان الذي لا يعرف مبدأ النعمة ومنشأها، ولو عرفه أيضاً لم يشكره، أنّ هذا الإنسان تعرض له حالتان:
1. إذا سُلبت منه النِّعمة صار يؤوساً كفوراً من تبديل حالته إلى حالة أُخرى.
2. إذا نالته نعمة من نعم الله، لا يقابلها بشكره عليها، بل يفرح ويفتخر بها على غيره على خلاف الذي يأتي ذكره في الآية الثالثة من هذه المجموعة. وعلى هذا فالظاهر أنّ المراد بالإنسان هنا أعمّ من الكافر، فيشمل أيضاً الغافل عن مبدأ النعمة وإن كان مؤمناً بالله تعالى.
9. (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ):

الحالة الأُولى للإنسان

يقول سبحانه: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ): أي منحنا الإنسان، وأُريد به الذي لا يعرف مصدر النعمة أو الذي يغفل عنه، فيشمل الكافر والفاسق والمؤمن الغافل(مِنَّا رَحْمَةً) كالسَّعة في المال والصحّة والولد وغير ذلك من نعم الدنيا (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ): أي سلبنا منه تلك النعمة لمصلحة، تجده (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ): أي قنوط من رحمة الله (كَفُورٌ): أي كافر بالنّعمة غير شاكر لها، فلو كان مؤمناً بالله الذي وسعت رحمته كلّ شيء إيماناً راسخاً، لَما

صفحه 46
يئس من رحمته ورجا رجوع النِّعمة، ولم يكفر بها بل يشكرها.
هذه حالته الأُولى، وأمّا حالته الثانية فهي كما تحكيه الآية التالية:
10. (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ):

الحالة الثانية للإنسان

فلو تعلّقت مشيئته سبحانه بإعادة النِّعمة عليه بعد سلبها منه، كما يقول:(وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ): أي بعد سلب النِّعمة لأصبح في حالة جديدة وهي (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) أُريد بها الشدائد والآلام، ثمّ (إِنَّهُ لَفَرِحٌ) لشديد الفرح، أي بَطِر بالنِّعمة مغترٌّ بها (فَخُورٌ)شديد الفخر، يباهي الناس ويفاخر بالنَّعماء، فهو لا يذكر مَن أذهب عنه السيئات، وبدّلها إلى النّعماء فيشكره، بل ينسى كلّ ذلك ولا يعتدّ به، ويغمره الفرح الشديد.
روي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قرأ... وقوله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) قال: «إذا أغنى الله العبد ثم افتقر أصابه الإياس والجزع والهلع، فإذا كشف الله عنه ذلك فرح».(1)
11. (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ):

1 . تفسير القمي:1/323.

صفحه 47

استثناء الصابرين والعاملين

لمّا وصف سبحانه الإنسان المجرّد عن الإيمان بالله أو الغافل عنه باليؤوس إذا سُلبت منه النعمة، وبالفَرِح الفخور إذا رجعت إليه، استثنى الإنسان المؤمن، إذ هو على طرف النقيض ممّن آثر الدنيا وحرص عليها (الكافر وغيره)، وقال: (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) عند نزع الرحمة ونزول البلاء (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) عند النَّعماء، بالمبادرة إلى استعمالها فيما يرضيه من أعمال البرّ والخير ومنفعة العباد، وهو ثمرة الإيمان، وتعبير عن شكر المُنعم جلّ شأنه، فالله سبحانه يجزي هؤلاء بجزاءين:
1. (أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) بإمحاء ما صدر منهم من الذنوب.
2. (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) والمراد به ـ كما يظهر ـ الجنّة وما فيها من نعيم.
وحصيلة الآية: إنّ الصبر عند البلاء والشكر عند نزول النعمة من آثار الإيمان بالله الحكيم الذي لا يقدّر في حقّه إلاّ ما فيه المصلحة.
وأشير إلى هذا في آية أُخرى، قال تعالى:(لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)(1).
بقي هنا سؤال، طرحه صديقنا الشيخ الفقيد محمد جواد مغنية(رحمه الله)، قال: إنّ ما تقدّم من كون الإنسان يؤوساً أو كفوراً عند نزول البلاء، فخوراً وفرحاً عند الرّخاء والنعمة. هل هو لازم طبيعة الإنسان، أو هو لازم سلوك الإنسان في بعض مواقفه، وقد ورد ما تقدّم من الأوصاف في بعض الآيات أيضاً، قال تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ

1 . الحديد:23.

صفحه 48
الْخَيْرُ مَنُوعًا)(1)(2)؟ وهذا ما يدعونا إلى الاسترسال في الكلام للإجابة عن السؤال.

الإنسان في القرآن الكريم

يظهر من بعض الآيات أنّ الإنسان لا يخلو من الميل إلى الشرّ والابتعاد عن الخير، ويظهر هذا المعنى من الآيات التالية:
1. قال تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(3).
2. قال تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا).(4)
3. قال تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً).(5)
4. قال تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)(6).
5. قال تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ).(7) والمراد بالخير هنا: المال.
وهناك قسم آخر من الآيات يدلّ على رفعة مقام الإنسان وشرف خلقته، وهي:

1 . المعارج:19ـ21.
2 . التفسير الكاشف:4/213، بتصرّف.
3 . إبراهيم:34.
4 . الإسراء:100.
5 . الكهف:54.
6 . المعارج:19ـ21.
7 . العاديات:8.

صفحه 49
1. قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً).(1)
2. قوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا).(2)
3. قوله تعالى:(قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ).(3)
4. قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ).(4)
5. قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).(5)
6. قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم).(6)
7. قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).(7)
8. قوله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).(8)
فالقسم الأوّل يصف الإنسان بصفات سلبية، مثل كونه ظلوماً كفّاراً، وقتوراً، وأكثر شيء جدلاً، وهلوعاً، وجزوعاً إذا مسّه الشرّ، ومَنوعاً إذا مسّه الخير، وشديد الحب للخير، فهذه الأوصاف تصوّر الإنسان موجوداً راغباً عن الخير، ميّالاً إلى الشّرّ.
وأمّا القسم الثاني فيصف الإنسان بصفات إيجابية، مثل كونه خليفة

1 . البقرة:30.
2 . البقرة:31.
3 . البقرة:33.
4 . البقرة:34.
5 . الإسراء:70.
6 . التين:4.
7 . الروم:30.
8 . الشمس:8.

صفحه 50
الله في الأرض، ومعلِّم الملائكة بالأسماء التي علّمه إيّاها سبحانه، ومسجودَ الملائكة، ومكرّماً عند الله، ومُنشَأً بأحسن تقويم، ومفطوراً على التوحيد، ومُلهَماً بأسباب الفجور والتقوى.
فكيف الجمع بين هذين القسمين من الآيات؟
أقول: يمكن الجمع بأحد وجهين:

الأوّل: أنّ الإنسان جُبل على الخير والشرّ معاً

وحاصل هذه النظرية: إنّ الله سبحانه خلقه مزيجاً من دواعي الخير ودواعي الشرّ، فهو يحسّ من صميم ذاته باليأس والاستعجال وغير ذلك من الميول السافلة، كما أنّه يحسّ من صميم ذاته بالميول العالية كالصبر والشكر والرجاء، ولأجل أنّ طبيعته تكمن فيها دواعي كلٍّ من الخير والشرّ، فالله سبحانه يختبر الإنسان فيهما، فلو استجاب لدواعي الخير فيجزى بالخير، وإن استسلم لدواعي الشرّ فيجزى بالشرّ.

الثاني: أنّ الإنسان جُبل على الخير فقط

سورة هود: الآيات 12 ـ 14   
إنّ ما ذكره من الأوصاف المتضادّة ليست تحديداً لحقيقة الإنسان وماهيّته، وإنّما هو تفسير لسلوكه في بعض المواقف، فالإنسان الذي هو خليفة الله في أرضه، والمتعلّم عند ربّه، والمعلّم للملائكة، خُلق على أحسن خلقة ظاهرة وباطنة، وليس في حدّ ذاته شيء من الأوصاف الرذيلة، غير أنّه خلق موجوداً مختاراً في الجنوح إلى أي جانب من جانبي الخير والشرّ، فمفتاح الأمرين بيده، فهو مختار في فتح أيّ باب من أبواب الخير والشرّ.

صفحه 51
وإن شئت قلت: إنّ الغرائز السافلة التي تشير إليها آيات القسم الأوّل، هي دون حدّ الإنسان وطبيعته وإنّما نتعرّف إليها عند سلوكه في بعض المواقف، ولذلك نرى أنّه سبحانه يصف صنفاً من الناس باليأس والكفر والفخر والفرح، ويستثني منهم الإنسان المؤمن، مع أنّ الفطرة واحدة، والخلقة متشاكلة، وإنّما تعرض هذه الحالات في بعض المواقف، والله العالم.

الآيات: الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة

(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

المفردات

ضائق:ضائق وضيِّق بمعنى واحد، لكن اختير الأوّل لكونه مشاكلاً لقوله: (تارك).
قال في الكشّاف: فإن قلت: لِمَ عدل من ضيِّق إلى ضائق؟ قلت: ليدلّ على أنّه ضِيق عارض غير ثابت; لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفسح الناس

صفحه 52
صدراً. ومثله قولك: زيد سيِّد وجواد، تريد السيادة والجود الثابتين المستقرّين، فإذا أردت الحدوث قلت: سائد وجائد.(1)
كنز: الكنز: ما يُدَّخر من المال في الأرض.
وكيل:رقيب، أو موكَّل بحراسة الأُمور.
مسلمون:مذعنون، أو خاضعون.

التفسير

لمّا تقدّم في صدر السورة أنّه تعالى جعل آيات القرآن محكمة ثمّ فصّلها وبيّنها، وأنّ المشركين كانوا يثنون صدورهم حتى لا يسمعوا شيئاً من القرآن الكريم، صار ذلك سبباً للعودة إلى القرآن، وبدأ كلامه بقوله:
12. (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ):

المقترحات الباطلة للمشركين

الآية تحكي عن أمرين:
1. مظنّة كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تاركاً بعض ما يوحى إليه كما يقول: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)ولفظ «لعلّ» يستعمل للترجّي والتوقّع، وهو

1 . تفسير الكشّاف:2/209.

صفحه 53
بالمعنى الحقيقي محال في حقّه سبحانه لاستلزامه الجهل بالواقع، وسيوافيك وجه وروده في كلامه تعالى.
2. ضِيق صدر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يُطلب منه من نزول كنز عليه من السماء أو مجيء مَلَك معه، كما يقول:(وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ).
وعندئذ يقع السؤال: كيف يحتمل من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك بعض ما يوحى إليه؟ وإن كان ضيق صدره عن بعض اقتراحاتهم أمراً طبيعياً لا ينافي العصمة.
توضيح ذلك: أنّه يظهر من قوله سبحانه: (بَعْضَ مَا يُوحَى) أنّ المشركين كانوا يستهزئون بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عند تلاوة الآيات التي تمسّ عقائدهم وسلوكياتهم كالأمر بالتوحيد ورفض الوثنية، وكانوا يقولون له: لو كنت صادقاً فيما تقول لأمطرتنا ذهباً أو فضة أو لأتى ملك من الملائكة معك يشهد بنبوّتك. ويظهر هذا من غير واحدة من الآيات، يقول سبحانه:(وَ قَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا)(1).
وقد ورد ذكر ضيق صدر النبيّ من كلماتهم في آية أُخرى قال سبحانه:(كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى

1 . الفرقان:7ـ8.

صفحه 54
لِلْمُؤْمِنِينَ)(1)، فعلى هذا فالمشركون كانوا ينزعجون من قسم من الآيات القرآنية التي تخالف مبادئهم وسلوكياتهم فعند ذلك كانوا يطلبون من النبيّ أحد الأمرين، فصار ذلك مظنّة للاستفهام الإنكاري بأن يخاطب نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (فَلَعَلَّكَ) ولفظ «لعلّ» وُضع للترجّي ويُستعمل فيه بالإرادة الاستعمالية، ويراد به تارة الترجّي جدّاً وهو شيمة العاجز، وأُخرى للاستفهام الإنكاري، أي: هل أنت (تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ): أي ليس من شأنك ولا المترقَّب منك أن تقوم بذلك، والضمير في (بِهِ)يرجع إلى مقترحاتهم التي يدلّ عليها ذيل الآية. ويُحتمل رجوعه إلى الموصول في قوله: (مَا يُوحَى إِلَيْكَ)(2)، والأوّل أفضل، (أَنْ يَقُولُوا): أي مخافة أن يقولوا (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ). وبذلك يتجلّى أمران:
1. أنّ لفظ «لعلّ» استعمل بالإرادة الاستعمالية في الترجّي، لكن أُريد به الاستفهام الإنكاري.
2. أنّ هذين الاقتراحين أفضل دليل على أنّهم لم يجدوا ثغرة في معجزة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فلجأوا إلى المغالطة وطلبوا هذين الأمرين. ولمّا كان تعنّتهم يسبّب للنبيّ الهمّ وضيق الصدر، خاطبه سبحانه بقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ) فلا تكترث لقول هؤلاء ومغالطاتهم، ومع ذلك فالله لا يهملهم لأنّه كما يقول:(وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ): أي رقيب حفيظ للأُمور.
وبما ذكرنا ظهر وجود الصلة بين تلاوة بعض الآيات وطلب الأمرين، كما ظهر وجود الصلة بين ترك تلاوته وترك هذين الطلبين،

1 . الأعراف:2.
2 . لاحظ: التحرير والتنوير:11/217.

صفحه 55
ووجه الصلة هو أنّ قسماً من الآيات يسبّب هذا الطلب، وتركه ترك الطلب لا كلّ الآيات.
ومنه يظهر أنّ الآية بصدد تطييب نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ وجود تلك المظنّة صارت سبباً لهذا الاستفهام الإنكاري قائلة بأنّك هل تفعل ذلك؟ كلاّ ولا، أنت لا تفعل ذلك، وليس هذا هو المترقّب منك. ويؤيّد ذلك ما ذكره الطبرسي في شأن النزول عن ابن عباس: أنّ رؤساء مكة من قريش أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: يا محمد، إن كنت رسولاً فحوِّل لنا جبال مكّة ذهباً، أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوّة، فأنزل الله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ...)الآية.(1)
ويبدو من السيد الطباطبائي أنّ الآية ليست بصدد تسلية النبيّ وتطييب نفسه إثر ما كان يناله من الحزن والأسى; بل الكلام مسوق ليتوصّل به إلى ذكر قوله:(إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ)(2) والظاهر أنّه لا منافاة بين الأمرين.
وربما يقال: إنّه متى أُمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغ حكم فوري فمن المسلّم به أنّه يبلّغه بلا إيهام، ولكن يتّفق ـ أحياناً ـ أن يكون وقت التبليغ موسَّعاً والنبيّ يؤخِّر البلاغ تبعاً لأُمور... هذه الأُمور ليس لها جانب شخصيّ بحيث تعود للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، بل لها جانب عام ودفاع عن الدين، وهذا التأخير ليس ذنباً قطعاً... وهذا مثل ما ورد في سورة المائدة من أمر الله للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتبليغ، وأن لا يخاف من تهديدات الناس، وأنّه سبحانه هو

1 . مجمع البيان:5/274.
2 . الميزان في تفسير القرآن:11/160.

صفحه 56
الحافظ، حيث يقول عزّ وجلّ:(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(1).(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الدعوة إلى التوحيد ونبذ الأصنام والحثّ على البعث كان أثقل شيء على المشركين الذين ولدوا وعاشوا على الوثنية، وهو من أكثر الأشياء التي يتضايق منها المشركون، ومع ذلك فالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يترك ما يوحى إليه إلى وقت آخر موسَّع له فيه، وأمّا ما استشهد به من آية التبليغ فالظاهر أنّ الغرض هو التأكيد على التبليغ وإشارة إلى أهمية الموضوع .
13. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):

التحدّي بعشر سور

قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ) فيه وجهان:
1. أنّ لفظة (أَمْ) متّصلة، لكون قوله:(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ) في معنى الاستفهام، والتقدير: أفأنت تارك بعض ما يوحى إليك خوفاً من مقترحاتهم المعجِزة (أَمْ يَقُولُونَ): أي خوفاً من أن

1 . المائدة:67.
2 . لاحظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:6/451.

صفحه 57
يقولوا إنّك افتريته علينا.(1)
2. أن تكون لفظة (أَمْ) منقطعة، والمعنى: بل يقولون افتراه. والوجه الأوّل أفضل.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لهم، ردّاً عليهم وتحدّياً لهم، بأن يأتوا (بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ)والضمير في (مِثْلِهِ) راجع إلى القرآن أو إلى السورة بما أنّها قرآن، والفقرة مع إيجازها تفيد معنى أبسط وهو إنّكم تقولون إن هذا القرآن قد افترتيه على الله وإنّه يمكن لإنسان أن يأتي بمثله فإن كنتم صادقين في هذه الدعوى (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ)في البلاغة والنظم، وفي علوّ المعاني وروعة الصياغة (مُفْتَرَيَات): أي مختلَقات، واستعينوا في مقام المعارضة بغيركم كما يقول: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ) في دعواكم (صَادِقِينَ)بأنّ القرآن مفترىً على الله تعالى.
والآية برهان واضح على أنّ القرآن ليس من صنع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه ليس من جنس كلام البشر، إذ لو كان كذلك لوُجد بينكم من يأتي بعشر سور من سور القرآن، فإنّكم فرسان الفصاحة والبلاغة وأهل اللَّسَن والبيان، والسابقون في فنون الشعر والخطابة.
14. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ):
بعد أن دعا سبحانه المشركين في الآية السابقة، على سبيل التحدّي

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:11/162.

صفحه 58
والمحاججة، إلى الاستعانة بالإنس والجنّ لمعارضة عشر سور من سور القرآن، أعني قوله:(وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ)، فرّع عليه بقوله:(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ): أي فيما دُعوا له.
ثمّ إنّ في المخاطب في قوله:(لَكُمْ) وجهين:
الأوّل: أنّ الخطاب موجّه للمشركين وأنّه من تمام كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي أُمر بقوله تعالى: (قُلْ) أن يلقيه إليهم، وعلى هذا فضمير الجمع في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) راجع إلى كلّ من استعانوا به، المدلول عليه بقوله: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ)، والمعنى: فإن لم يستجب لكم معاشرَ المشركين هؤلاء الذين دعوتموهم من آلهتكم ومن بلغاء أهل لسانكم العارفين بأساليب الكلام وعلماء أهل الكتاب الذين عندهم الكتب السماوية وأخبار الأنبياء والأُمم، فاعلموا أنّما أُنزل هذا القرآن بعلم الله.(1) وإلى هذا الوجه يشير الزمخشري بقوله: أن يكون الخطاب للمشركين والضمير في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لـ(مَنِ اسْتَطَعْتُمْ)يعني: فإن لم يستجب لكم مَن تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه وأنّ طاقتهم أقصر من أن تبلغه.(2)
الثاني: أنّ هذا خطاب للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين، والمراد أنّ الكفّار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة، فاعلموا أنّما أنزل بعلم الله. والمعنى: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقيناً وثبات قدم على

1 . الميزان في تفسير القرآن:10/171ـ 172.
2 . تفسير الكشّاف:2/210.

صفحه 59
أنّه منزل من عند الله.(1)
ولا يخفى أنّ الوجه الأوّل هو الأوفق بالسياق. وعلى هذا فالخطاب (فَاعْلَمُوا) موجّه أيضاً للمشركين، أي أيقِنوا أنّ القرآن (أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ): أي فيه أثر لعلمه سبحانه، فألفاظه الفصيحة ومعانيه البليغة وما فيها من حقائق ترجع إلى الكون والآخرة، كلّ ذلك أثر من آثار علمه سبحانه فلا يمكن أن يكون مثل ذلك مفترى، فاشتمال القرآن على معارف عليا وأُصول أخلاقية كريمة وأحكام تنظّم حياة الفرد والمجتمع وغير ذلك، يدلّ على أنّ القرآن مضافاً إلى عجيب نظمه وسموّ معانيه واشتماله على كلّ ما يحتاج إليه الإنسان، من آثار علمه سبحانه، ومثل ذلك يمتنع أن يكون مفترىً، فالقرآن بذاته، لِما له من هذا الكمال، يدفع عن نفسه وصف الافتراء.
ثمّ يؤكّد على أُسّ المعارف ويقول: (وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): أي خاضعون لما علمتم من عدم كون القرآن مفترىً وأنّه من صنع البشر؟ فالقرآن الكريم يدلّ بنفسه على نفسه، ومثله كمثل الشمس لا تحتاج رؤيتها إلى ضوء غيرها.
إلى هنا انتهينا من تفسير الآيات وبيان معانيها، وبقي أمران:

الأمر الأوّل: التحدّي بوجوه مختلفة

لقد تحدّى القرآن المعاندين تارة بالإتيان بمثله، وأُخرى بالإتيان بعشر سور، وثالثة بالإتيان بسورة واحدة.

1 . تفسير الرازي:17/196.

صفحه 60
أمّا الأوّل فقد جاء التحدّي به في سورتَي الإسراء والطُّور، قال في الأُولى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا)(1)، وقال في الثانية: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)(2).
وأمّا التحدّي بعشر سور ففي آيتنا هذه، وأمّا التحدّي بسورة واحدة فهو في سورتَي البقرة ويونس، قال في الأُولى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).(3)، وقال في الثانية: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).(4)
وقيل في الجواب عن سرّ التحدّي بهذه الصور المختلفة: إنّ التحدي إنّما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظوم الكلام، فيجوز أن يتحدّى مرّة بالأقلّ، ومرّة بالأكثر.(5)
وحاصله: إنّ الله تعالى تحدّى فصحاء قريش الذين هم أفصح العرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن في جملته، فلمّا عجزوا تحدّاهم بعشر سور مثله، فلمّا عجزوا تحدّاهم بسورة واحدة مثله. فعندئذ يَرِد عليه الإشكال بأنّ المروي في ترتيب نزول السور يخالف ذلك، فإنّ سورة هود نزلت عقب

1 . الإسراء:88.
2 . الطور:34.
3 . البقرة:23.
4 . يونس:38.
5 . مجمع البيان:5/276.

صفحه 61
سورة يونس(1)، وقد جاء التحدّي في الأُولى بسورة واحدة، وفي الثانية بعشر سور، فيلزم مخالفة الترتيب.
ويمكن أن يقال: إنّ ترتيب نزول السور على النحو الموجود في فهرست ابن إسحاق النديم وفي كتب العلوم القرآنية، قد وردت به أخبار مرسلة غير مسندة، وعلى فرض الإسناد هي أخبار آحاد لا يمكن أن يعتمد عليها في الأمر المطروح هنا، بل أكثر ما روي في شأن النزول وأسبابه وترتيب نزول القرآن وفضائل السور أخبار آحاد، لا يعتدّ بها ما لم تثبت صحّتها، فصار الاعتماد على أخبار الآحاد سبباً للبحث الطويل في تفسيري المنار والميزان.
وعلى كلّ تقدير، فقد أُجيب على فرض صحّة الأخبار بوجوه، نذكر منها ما يلي:
الأوّل: أنّ ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور، فقد كانت تنزل الآية فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول، فمن المحتمل أنّ آية يونس نزلت بعد آية هود فأمر النبي بإلحاقها بسورة يونس، فكان الترتيب محفوظاً في الواقع.
الثاني: قال سيد قطب: إنّ التحدّي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول، لأنّ القرآن كان يواجه حالات واقعة محدّدة، مواجهة واقعة محددة، فيقول مرّة: ائتوا بمثل هذا القرآن، أو ائتوا بسورة، أو بعشر سور دون ترتيب زمني، لأنّ الغرض كان هو التحدّي في ذاته بالنسبة لأيّ شيء من هذا

1 . لاحظ: الفهرست لابن النديم:44، مطبعة الاستقامة، القاهرة.

صفحه 62
القرآن، كلّه أو بعضه أو سورة منه على السواء، فالتحدّي كان بنوع هذا لا بمقداره، والعجز كان عن النوع لا عن المقدار، وعندئذ يستوي الكلّ والبعض والسورة، ولا يلزم ترتيب، إنّما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة، فهو الذي يجعل من المناسب أن يقال سورة أو عشر سور أو هذا القرآن، ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن.(1)
الثالث: ما أجاب به صاحب المنار، وقد أتعب نفسه في الجواب، الذي استغرق عدة صفحات من تفسيره، وخلاصته: إنّ القرآن الكريم معجز في جميع ما يتضمّنه من المعارف والأخلاق والأحكام والقصص وغيرها، وينعت به من الفصاحة والبلاغة وانتفاء الاختلاف، وإنّما تظهر صحّة المعارضة والإتيان بالمثل عند الإتيان بعدّة سور يظهر به ارتفاع الاختلاف وخاصة من بين القصص المودعة فيها مع سائر الجهات كالفصاحة والبلاغة والمعارف وغيرها.
وإنّما يتمّ ذلك بالإتيان بأمثال السور الطويلة التي تشتمل على جميع الشؤون المذكورة وتتضمّن المعرفة والقصة والحجّة وغير ذلك كسورتي الأعراف والأنعام.
والتي نزلت من السور الطويلة القرآنية ممّا يشتمل على جميع الفنون المذكورة قبل سورة هود على ما ورد في الرواية هي سورة الأعراف وسورة يونس وسورة مريم وسورة طه وسورة الشعراء وسورة النمل

1 . في ظلال القرآن:4/523ـ 524.

صفحه 63
وسورة القصص وسورة القمر وسورة ص، فهذه تسع من السور عاشرتها سورة هود، وهذا هو الوجه في التحدّي بأمرهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات.(1)
وأورد عليه بوجوه:
1. أنّ ما عوّل عليه في ترتيب نزول السور أخبار آحاد لا يُبنى عليها تفسير القرآن.
2. أنّ ظاهر قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)أنّ رميهم النبيّ بالافتراء على الله سبحانه، قول تقوّلوه بالنسبة إلى جميع السور القرآنية طويلاتها وقصيراتها من غير أن يخصّوا به سورة دون سورة، فيترتّب على ذلك أنّ عجزهم عن الإتيان بعشر سور مفتريات طويلة تجمع الفنون القرآنية لا يثبت به كون الجميع حتى السور القصيرة كسورتي الكوثر والعصر من عند الله تعالى.
3. أنّ الضمير في قوله:(بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ) راجع إلى القرآن، وعلى هذا فالقرآن تحدّاهم بالإتيان بعشر سور مفتريات مثله مطلقاً، سواء في ذلك الطوال والقصار، فتخصيص التحدّي بعشر سور طويلة جامعة تقييد للفظ الآية من غير مقيِّد.(2)
وأنت خبير بأنّ هذه البحوث الطويلة قد بنيت على خبر واحد، وهو تقدّم نزول سورة يونس على هود، وقد علمت أنّه لا يعتدّ به.

1 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:10/164ـ 165.
2. لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:10/165.

صفحه 64
وهناك أجوبة أُخرى من أراد فليرجع إلى تفسيرَي الميزان، والأمثل.

الأمر الثاني: ما هو وجه ورود الافتراء في هذه الآية؟

لم يرد الافتراء في شيء من آيات التحدّي إلاّ في هذه الآية، إذ جاء فيها: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)، ولم يرد مثل ذلك في قوله: (فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ)، فلم يقل: فأتوا بسورة مثله مفتراة، وكذا في بقية آيات التحدّي، فما الوجه في ذلك؟
والجواب: هو أنّه سبحانه عقّب هذه الفقرة بقوله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ)فدلّ على أنّ التحدّي فيها إنّما هو بكون القرآن متضمِّناً لما يختصّ علمه بالله تعالى ولا سبيل لغيره إليه، وهذا أمر لا يقبل الافتراء بذاته، فكأنّه قيل: إنّ هذا القرآن لا يقبل بذاته افتراءً فإنّه متضمّن لأُمور من العلم الإلهي الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، وإن ارتبتم في ذلك فأتوا بعشر سور مثله مفتريات تدّعون أنّها افتراء، واستعينوا بمَن استطعتم من دون الله، فإن لم تقدروا عليه فاعلموا أنّه من العلم المخصوص به تعالى.(1)
أقول: هذا الجواب يتمّ في السور التي اشتملت على علم من علوم الله سبحانه ممّا يرجع إلى المعاد والمعارف والأحكام إلى غير ذلك ممّا لا سبيل للعلم به لغيره سبحانه.
سورة هود: الآيتان 15 ـ 16   
 
 

1 . الميزان في تفسير القرآن:10/169.

صفحه 65

الآيتان: الخامسة عشرة والسادسة عشرة

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

المفردات

نوفِّ إليهم: أي نوصل إليهم، يقال: وفى بعهده، أي تمّم العهد.
لا يُبخَسون: البَخْس: نقص الشيء على سبيل الظلم.
حبط: الحَبْط: البُطلان وعدم الانتفاع.

التفسير

15.(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ):

لكلّ ساع سعيه مؤمناً كان أم كافراً

دلّ قوله سبحانه في الآية السابقة:(فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) على أنّه يطلب منهم التسليم لدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) القائمة على التوحيد والاعتقاد بالبعث والانقياد للأحكام الشرعية التي تحدّد انتفاع الإنسان من الدنيا وزينتها، بحدود وموازين خاصّة، فجاء البيان القرآني مذكّراً بأنّ مَن يريد الآخرة،

صفحه 66
فإنّ اتّباع الرّسول هو السبيل لذلك، وأمّا مَن يريد الشهوات والحظوظ الدنيوية والكبرياء والسيادة في الدنيا كما يقول: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا)فنحن (نُوَفِّ): أي نؤدِّ (إِلَيْهِمْ) ثمرات (أَعْمَالَهُمْ) التي يعملونها وافية تامّة حسب سُننا في الأسباب والمسبِّبات (فِيهَا): أي في الدنيا (وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ): أي لا يُنقَصون فيها شيئاً من نتائج كسبهم لأجل كفرهم، فإنّ مدار الأرزاق في الدنيا على الأعمال السببيّة، لا على النيّات والمقاصد الدينية.(1)
وحاصل الكلام: إنّ الله تعالى جعل لكلّ شيء سبباً في الدنيا، فمَن أخذ بما تهيّأ له من الأسباب، وعمل بمقتضاه بنحو صحيح يصل إلى المسبّب سواء أكان مؤمناً أم كافراً، وما أحسن قول صديقنا المرحوم الشيخ مغنية حيث يقول: مَن يزرع يحصد، ومَن يتاجر متقناً فنّ التجارة يربح، ومَن يجتهد في مدرسته ينجح... إلى آخر ما ذكر.(2)
وبكلمة قصيرة: لكلّ ساع سعيُه، من غير فرق بين أن يكون السّاعي مؤمناً أو كافراً، فالأرزاق تأتي نتيجة اتّباع السّبب، لا الكفر ينقصها ولا الإيمان يزيدها، وهذا هو الذي يشير إليه سبحانه في قوله:(نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ).
وهناك احتمال آخر للآية، وهو أنّه سبحانه أراد من قوله:(نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ): أي نوفّر عليهم جزاء أعمالهم في الدنيا تامّاً، فلو عملوا خيراً فيُجزَون في الدنيا.

1 . تفسير المنار:12/48.
2 . التفسير الكاشف:4/217.

صفحه 67
وبعبارة أُخرى: إنّ كلّ ما يستحقّون عليه من الأجر فإنّه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا، فإذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثرٌ من آثار الخيرات، بل ليس لهم منها إلاّ النار.(1)
وعلى هذا فالفقرة ناظرة إلى آثار الأعمال الخيرية لا الآثار الطبيعية التابعة للأسباب كما في التفسير الأوّل.
هذا حال هؤلاء في الدنيا، يعيشون متنعّمين بالشهوات واللَّذائذ، وأمّا حالهم في الآخرة فتتحدّث عنه الآية التالية:
16. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
قوله: (أُولَئِكَ): أي الذين انغمسوا في الدنيا معرضين عن الآخرة (الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ) جزاء (إِلاَّ النَّارُ). ولمّا كان هناك مظنّة سؤال، وهو:
إنّ بعض هؤلاء ربما يعملون أعمالاً صالحة كإقراء الضيف وإطعام اليتيم وإيواء الغريب إلى غير ذلك من الأعمال، فالله سبحانه يخبر عن بطلان أعمالهم كما يقول: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا): أي في الحياة الدنيا (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وما ذلك إلاّ لأنّ الأعمال بمقاصدها وغاياتها وهؤلاء لم يقصدوا في أعمالهم وجه الله تعالى، فلن يستحقّوا عليها ثواباً ولا أجراً، يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ

1 . مجمع البيان:5/278، تفسير الرازي:17/200.

صفحه 68
مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور).(1)
ويؤكّده ما روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نَوَى، فمن كانت هِجرتُه إلى دنيا يُصيبها، أو إلى امرأة يَنكحُها، فهِجرتُه إلى ما هاجرَ إليه».(2)
وبذلك يظهر أنّ كلتا الفقرتين، أعني قوله: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا)وقوله: (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)تفسير لقوله: (لَيْسَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ).
ثمّ إنّ منهج القرآن في تبيين حال أحد الفريقين (المؤمنين والكافرين) هو المقارنة بين حالي كلٍّ منهما، وقد تعرّض لحال فريق الكافرين في آيتنا هذه، وأمّا حال فريق المؤمنين فسوف يذكرها في الآية الثالثة والعشرين، أعني قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...)(3)إلخ.
وقد جاء بيان حال كلا الفريقين في مواضع أُخرى، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الاْخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ

1 . النور:39ـ 40.
2 . صحيح البخاري:1/5، كتاب بدء الوحي، برقم 1.
3 . هود:23، ومابعدها.

صفحه 69
مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَلَلاْخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)(1)، وقال عزّ مَن قائل: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنْ نَصِيب).(2)

الإسلام يحثّ على كلا الدارين

ربما يتبادر إلى أذهان بعضهم من خلال هذه الآية أنّ الإسلام يحثّ على التفرّغ للحياة الأُخروية ويصدّ أتباعه عن الاهتمام بالدنيا، لقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) وكأنّ الدنيا مكروهة في نظر الإسلام. إلاّ أنّ هذا الرأي بعيد عن الحقيقة، لأنّ مصبّ الآية إدانة من يريد الحياة الدنيا فقط ويعدّها الميدان الوحيد لتحقيق مصالحه المادية الشخصية، ولا يقيم للآخرة وزناً ولا قيمة، وأين هذا ممّن يقول: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً)(3) يريد خير الدارين؟ ولذلك يقول سبحانه في حقّ هذا الطالب: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).(4) فالآية تثبت أنّ لهذه الطائفة نصيب في الدنيا والآخرة.
ومن هنا ورد الحثّ على طلب الرزق الحلال في كثير من الروايات، نقتصر على ذكر واحدة منها، فقد روى الكليني بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: إنّ محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أظن أنّ علي بن الحسين يدع خلفاً أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن

1 . الإسراء:18ـ 21.
2 . الشورى:20.
3 . البقرة:201.
4 . البقرة:202.

صفحه 70
علي فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟ فقال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيني أبو جعفر محمد بن علي وكان رجلاً بادناً ثقيلاً وهو متكئ على غلامين أسودين أو موليين فقلت في نفسي: سبحان الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحالة في طلب الدنيا أما لاَعظنّه.
فدنوت منه فسلَّمت عليه فردّ عليَّ بنهر(1) وهو يتصابُّ عرقاً، فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال ما كنت تصنع؟ فقال: «لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في ]طاعة من[(2)طاعة الله عزّ وجلّ، أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وإنّما كنت أخاف إن جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله». فقلت: صدقت يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني.(3)
سورة هود: الآية 17   

الآية: السابعة عشرة

(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ

1 . في بعض النُّسخ: ببهر ـ بالباء الموحّدة المضمومة ـ والبُهْر: تتابع النَّفَس من الإعياء. صحاح الجوهري:2/598، مادة «بهر».
2 . في نسخة أُخرى.
3 . الكافي:5/73، كتاب المعيشة، برقم 1.

صفحه 71
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ).

المفردات

بيّنة:«التاء» للتأكيد لا للتأنيث، وهو ما يتبيّن به الشيء. وتسمّى الحجّة بالبيّنة لأنّها تميّز الحقّ عن الباطل. كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان».(1) وقد يطلق على نفس البصيرة الإلهيّة كما في قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ).(2)والظاهر أنّ المعنى الثاني هو المراد من الآية.
يتلوه: من التلو بمعنى يتبعه، لا من التلاوة بمعنى القراءة، والسياق يشهد لذلك.
الأحزاب: قال الراغب: الحزب: جماعة فيها غلظ أي كثافة وكثرة، ويجب أن يضاف إليه وحدة الأهواء، فلذلك تارة يضاف إلى الله، وأُخرى إلى الشيطان.
موعده: الموعد: مكان الوعد.
مرية:شكّ.
التفسير
17.(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ

1 . وسائل الشيعة:18، الباب2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.
2 . الأنعام:57.

صفحه 72
كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ):
اختلف المفسّرون فيما هو المراد من الآية وسبب ذلك كثرة الاحتمالات فيما هو المراد من مفردات الآية ومراجع الضمائر فيها، كلّ ذلك صار سبباً لتفسير الآية على وجوه مختلفة، وقد جمع ابن عطية مواضع الاختلاف في تفسيره،(1) ومثله القرطبي(2)، وقد خصّ الرازي(3)محل الاختلاف بألفاظ أربعة:
1. ما هو المراد من الموصول في قوله:(فَمَنْ
2. ما هو المراد من قوله: (بَيِّنَة
3. ما هو المراد من قوله: (يَتْلُوهُ
4. ما هو المراد من قوله: (شَاهِدٌ
وقبل الخوض في تفسير الآية نذكر المعنى الجملي لها، وهو أنّ مَن كان على بيّنة من ربّه في أمر، وشهد شاهد عليه منه، وقبله كتاب موسى وهو إمام ورحمة، فهو ليس كغيره من الناس الغافلين المغفَّلين، فهو يؤمن بما عنده من أمر الله، ولا يوحشه إعراض أكثر الناس عمّا عنده.
وعلى هذا فجواب الاستفهام محذوف، والمراد: أفمَن كان على بيّنة

1 . لاحظ: المحرّر الوجيز:3/157.
2 . لاحظ: تفسير القرطبي:9/16
3 . تفسير الرازي:17/200.

صفحه 73
من ربّه كمَن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس له في الآخرة إلاّ النار؟ ونظيره قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)(1).
والذي يلزم الالتفات إليه أنّ مفاد الآية ضابطة كلّية لا يختصّ ظاهرها بشخص دون شخص، ومضمون الآية يدلّ على كونها ضابطة; لأنّ مَن اجتمعت فيه هذه الخصال من بصيرة إلهية ويتبعه شاهد منه وقبله كتاب موسى إماماً ورحمة، يؤمن بالرسالة الإلهية الخاتمية والقرآن الذي أُنزل، فسلامة النّفس بضميمة أمرين آخرين تلازم الإيمان. نعم، مَن لم يتمتّع بما ذكرناه فهو يكفر به، ومن المعلوم أنّ مصير هؤلاء هو النّار.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالآية ضابطة بحسب الإرادة الاستعمالية، وأمّا بحسب الإرادة الجدّيّة فسيوافيك أنّ الآية ناظرة إلى النبيّ الخاتم، فهو الذي كان على بصيرة إلهية وتلاه شاهد منه، أي من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، كما أنّ التوراة شهدت بما ذكرنا.
وعلى ضوء هذه الضابطة، فعليك يا رسول الله (حسب ظاهر سياق الآية) وعلى الناس (بالاستعمال الجدّي) أن يؤمنوا به، ولكن ـ يا للأسف ـ أنّ (أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ).
واعلم أنّ الآية تبرهن على صدق دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتزيل الشكّ والمرية عن قلب كلّ مَن يريد الإيمان، والحجج هي:
1. أنّ النبيّ على بيّنة من ربه وبصيرة إلهية، يرى الواقع على ما هو عليه.

1 . فاطر:8.

صفحه 74
2. ويتبعه شاهد من نفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) يشهد على صدق دعوته.
3. ومن قبل هذا الشاهد كتاب موسى(عليه السلام)، حال كونه إماماً ورحمة، يشهد على صدق دعوته.
فمَن اجتمعت فيهم هذه الأُمور الثلاثة يؤمنون بالرّسالة الإلهية من غير فرق بين النبيّ وغيره، لكن الأحزاب لا يؤمنون، فلا تبتئس بعدم إيمانهم فإنّ موعدهم النار، ومصيرهم إليها.
إذا عرفت ذلك فلنفسّر الآية ضمن مقاطع، هي:
1. قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ) الاستفهام إنكاريّ، والفقرة ضابطة كلّية ـ حسب ما عرفت في المعنى الجملي ـ وإن كان الغرض تطبيقها على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّما الكلام في تبيين ما هو المراد من البيّنة؟

ما هو المراد من «البيّنة»؟

الظاهر أنّ المراد بها البصيرة الإلهية التي أُوتيها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والله سمّى تلك البصيرة الإلهية في مورد سائر الأنبياء بيّنة، فقال في سورتنا هذه في حقّ نوح(عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي)(1).
وقال ـ أيضاً ـ في حقّ صالح(عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي)(2)، وفي حقّ شعيب(عليه السلام)قال: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي)(3)، فالجامع بينهم هو البصيرة الإلهية التي يُميّز بها الحقّ عن الباطل،

1 . هود:28.
2 . هود:62.
3 . هود:88.

صفحه 75
وربما تفسّر بالمعجزة، ولكنّه غير ظاهر، لأنّ تعبير القرآن عن المعجزة يختلف مع تعبيره في هذه الموارد، حيث يقول هناك: (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)(1) وقوله: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ)(2) فالاختلاف في التعبير (الإيتاء والمجيء) دليل على الاختلاف في المراد.
أضف إلى ما ذكرنا: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل كونه ذا بصيرة إلهية في غنىً عن الإعجاز، وإنّما يؤيَّد بالإعجاز لأجل إيمان الآخرين به، ولذلك نرى أنّ النبيّ موسى(عليه السلام) آمن برسالته قبل تأييده بالإعجاز، يقول سبحانه في حقّه(عليه السلام) :(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الاْمِنِينَ)(3) .
والشاهد على أنّ الإعجاز للاحتجاج على الآخرين، هو قوله: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ).(4)
2. قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ) من التّلو والتبعيّة، لا التلاوة، أي يتبعه (شَاهِدٌ مِنْهُ)، الضمير في (يَتْلُوهُ) عائد على الموصول (فَمَن)، وأُريد من قوله:(شَاهِدٌ)مَن يشهد على صدق دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأُريد من الشهادة تأديتها لا تحمّلها; لأنّ المفيد هو الأوّل لا الثاني. وبما أنّ هذا الشاهد يتلو

1 . الأعراف:105.
2 . الأنعام:157.
3 . القصص:30ـ 31.
4 . القصص:32.

صفحه 76
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أي يحتلّ مكانة بعده، فيجب أن يكون ذا بيّنة مثل بيّنة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أي يكون ذا بصيرة إلهية مثله، وبذلك يعلم أنّ الضمير المجرور في قوله:(مِنْهُ) يرجع إلى الموصول لا إلى الربّ، أي شهد به مَن هو من نفسه، نظير قوله:(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا)(1)، يقول السيد الطباطبائي: المراد بهذا الشاهد بعض مَن أيقن بحقّيّة القرآن وكان على بصيرة إلهية من أمره، فآمن به عن بصيرة وشهد بأنّه حقّ منزل من عند الله تعالى كما يشهد بالتوحيد والرسالة، فإنّ شهادة الموقن البصير على أمر، تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش وريب التفرّد، فإنّ الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرّد فيه ربما أوحشه التفرّد فيه إذا لم يؤيّده أحد في القول به، أمّا إذا قال به غيره من الناس وأيّد نظره في ذلك زالت عنه الوحشة وقويَ قلبه وارتبط جأشه، وقد احتجّ تعالى بما يماثل هذا المعنى في قوله:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ)(2).(3) وأمّا ما هو المراد من الشاهد مصداقاً، فسنذكره بعد إتمام تفسير الآية.

وجه وصف كتاب موسى بأمرين

3. قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) الضمير المجرور يصلح لأن يرجع إلى الموصول وإلى شاهد، فإنّ كتاب موسى الذي نزل من قبل شهد على نبوّة من كان على بيّنة، فإنّ أوصاف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وردت في

1 . يوسف:26.
2 . الأحقاف:10.
3 . الميزان في تفسير القرآن:10/185.

صفحه 77
التوراة على وجه التفصيل.
ثمّ إنّ وصف كتاب موسى(عليه السلام) (التوراة) بالوصفين المذكورين لأجل أنّه يؤتَمّ ويُقتدى به في الأُمور الدينية، وهو سبب لرحمة الله تعالى لمن عمل به.
وإنّما خصّ التوراة بالذِّكر لأجل أنّ البشارة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وردت فيها بشكل أوضح وأوسع من الإنجيل، كما أنّ وصف التوراة بالإمام لأجل أنّها كانت مصدراً لحكم أنبياء بني إسرائيل بمَن فيهم عيسى(عليه السلام)، حيث كانوا يرجعون في تعاليمهم إليها.
4. قوله تعالى:(أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) الظاهر أنّ الإشارة بصيغة الجمع ترجع إلى ما تقدّم، أي مَن كان على بيّنة من ربّه، وشهد على صدق دعوته شاهدٌ من نفسه، وشهد قبله كتاب موسى إماماً ورحمة، فهؤلاء يؤمنون بالقرآن، فكيف أنت يا رسول الله الذي جُمعت فيك هذه الأُمور الثلاثة؟ فأنت على بيّنة من ربّك، ولك شاهد من نفسك، وقد صدّقتِ التوراةُ دعوتَك ونبوّتك ورسالتك.
فإن قلت: إنّ صيغة (أُولئِكَ) صيغة جمع مع أنّ المشار إليه مفرد وهو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف أُشير بصيغة الجمع إلى المفرد؟
قلت: هناك فرق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدّية، فما تقدّم من الفقرات الثلاث استُعمل في معنىً كلّيّ، وإن كانت الغاية الفرد المعيّن، ولا يحصل الغرض الذي سيقت لأجله الآية إلاّ بجعل الفقرات الثلاث أمراً كلّيّاً حتى يخاطب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بأنّ مَن كان على هذه الصفات يؤمن به، فكيف أنت يا رسول الله وأنت جامع لها؟

صفحه 78
وعلى هذا، فاسم الإشارة يرجع إلى الموصول، والضمير المجرور، أعني(بِهِ) يرجع إلى القرآن الذي يدلّ عليه السياق.
وربما يقال: إنّ (أُولئِكَ) إشارة إلى المؤمنين، وهذا لا يوافق السياق، لأنّ الغرض من الآية تطييب نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والتأكيد على ثباته في مواقفه أمام العتاة المعاندين.
5. قوله تعالى:(وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ).
لمّا تقدّم ذكر إيمان من اجتمعت فيه الخصال الثلاث، عاد البيان القرآني إلى مصير المعاندين الذين اجتمعوا على محاربة الدعوة الإسلامية، وقال: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) الضمير يرجع إلى القرآن(مِنَ الأَحْزَابِ)فإلى النّار مصيره، يَرِدها لا محالة، كما قال: (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ).
يقول صاحب المنار: أُريد بالأحزاب هم الذين تحزّبوا من أهل مكة وزعماء قريش للصدّ عنه، وقال مقاتل: هم بنو أُميّة، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل طلحة بن عبيد الله، والذين سيتحزّبون لمثل ذلك من أهل الكتاب.(1)
وقال الرازي: المراد من الأحزاب أصناف الكفّار، فيدخل فيهم اليهود والنّصارى والمجوس.(2)
6. قوله تعالى:(فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ) الضمير يرجع إلى القرآن، والخطاب للنبيّ بالإرادة الاستعمالية، والمخاطب الواقعي بالإرادة الجدّية

1 . تفسير المنار:12/52.
2 . تفسير الرازي:17/203.

صفحه 79
هو كلّ مَن على خلاف ما سبق، وهو من باب (إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة)، وعلى هذا فسياق الآية وإن كان ظاهراً متوجّهاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً له بأنّ مَن كان على هذه الأوصاف يؤمن بما أنزل إليه، (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ)، غير أنّ الغرض الأصلي هو إنذار المشركين، بأنّه إذا كان الداعي على هذه الصفات، فما وجه الشكّ في دعوته وكتابه ورسالته؟ وبذلك يُعلم معنى الفقرة التالية.
7. قوله تعالى: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) الظاهر أنّ مرجع الضمير في (إِنَّهُ)هو القرآن، فهو تأكيد لما مرّ في قوله: (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ) .
8. قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)بسبب الاستكبار أو العصبية، وظاهر الفقرة أنّ أهل مكة لا يؤمنون فعلاً ولا مستقبلاً وأنّ إيمانهم بعد فتح مكة لم يكن إيماناً من صميم القلب.
والآن نعود إلى السؤال المتقدّم: مَن هو هذا الشاهد مصداقاً في قوله:(وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)؟ لنجيب عنه.

تضافر الروايات على أنّ المراد من الشّاهد مصداقاً، هو الإمام علي(عليه السلام)

بيّنّا فيما سبق أنّ الكلام أُخرج على نحو القضية الكلّية، ولكنّ المصداق المنطبق عليه عند نزول الآية هو الإمام عليّ(عليه السلام) حسب ما ورد في الروايات، ومنها:
روى إبراهيم بن محمد الثقفيّ في كتاب «الغارات»(1) عن المنهال

1 . انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:6/136ـ137.

صفحه 80
ابن عمرو، عن عبد الله بن الحارث; وابنُ أبي حاتم الرّازيّ(1) عن المنهال، عن عبّاد بن عبد الله]الأسديّ[; وابن جرير الطبريّ(2) عن جابر]الجُعفيّ[، عن عبد الله بن نُجَيّ(واللّفظ له)، قال: قال عليّ(عليه السلام): ما من رجل من قريش إلاّ وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: فأيّ شيء نزل فيك؟ فقال عليّ: أما تقرأ الآية التي في هود:(وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ
ورواه أيضاً محمد بن الحسن الصفّار(3) عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة; وأبو جعفر الطوسيّ(4) عن أبي الحسن الرّضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين(عليهم السلام).
كما رواه الحاكم الحسكانيّ(5) عن حبيب بن يسار ]الكندي[، عن زاذان; ونقل روايته أيضاً عن بسّام بن عبد الله]الصيرفيّ[، عن أبي الطُّفيل ]عامر بن واثلة الكنانيّ الصحابيّ[.(6)
وأخرج ابن عساكر، وابن مردويه، عن عليّ(عليه السلام)، قال: قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ) أنا، و (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) عليّ.(7)
وروى نحوه الحاكم الحسكاني عن الحارث ]الهمْدانيّ[، عن

1 . تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم:6/2014 برقم 1076.
2 . جامع البيان(تفسير الطبريّ):12/23 برقم 18064.
3 . بصائر الدّرجات:1/272ـ 273، الباب(9)، برقم 511.
4 . الأمالي:371، المجلس (13)، برقم 800.
5 . شواهد التنزيل:1/366 برقم 384.
6 . شواهد التنزيل:1/363 برقم 377.
7 . انظر: فتح القدير للشّوكاني:1/1008 برقم 1322; كنز العمّال للمتّقي الهندي:2/439 برقم 4439.

صفحه 81
عليّ(عليه السلام)، ورواه أيضاً عن ابن عبّاس، وعن أنس]بن مالك[.(1)
وروى الكليني عن أحمد بن عمر الحلاّل قال: سألت أبا الحسن]الرّضا[(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)، فقال:«أمير المؤمنين الشاهد على رسول الله، ورسول الله على بيّنة من ربّه».(2)
وممّا يؤكّد ما تقدّم، وأنّ مصداق الشاهد، عند نزول الآية، الذي يلي صاحب البيّنة(أي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بحسب انطباق المورد)، هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، ما رواه البخاري من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ:«أنت منّي وأنا منك»(3)، وما رواه النّسائي عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي...».(4)

وقفة مع تكذيب الآلوسيّ للخبر

قال السيّد الآلوسيّ، بعد أن نقل بعض الأخبار التي تذكر أنّ المراد بالشاهد في الآية أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال: إنّ هذا الخبر ممّا لا يكاد يصحّ. وأضاف: ويكذّبه ما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والطبرانيّ في الأوسط عن محمد بن الحنفيّة، قال: قلت لأبي: إنّ الناس يزعمون في قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) أنّك أنت التالي؟ قال:

1 . شواهد التنزيل:1/365 برقم 382، وص 366 برقم 383.
2 . تفسير نور الثقلين:2/345.
3 . صحيح البخاري:3/68، كتاب الصلح، و ج4/207، كتاب مناقب المهاجرين وفضلهم، ولاحظ رقم 2699، كتاب الصلح، باب كيف يُكتب، طبعة دار الفكر.
4 . السنن الكبرى: 5/127، برقم 8457.

صفحه 82
وددت أنّي هو، ولكنّه لسان محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
ولم يذكر الآلوسي سند هذا الخبر المرويّ عن محمد بن الحنفية، ولو رجعنا إلى مصادره لرأينا أنّ مداره على عروة بن الزّبير بن العوّام(2)، وعروة هذا من المنحرفين عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، اتّهمه بذلك تلميذه الزُّهريّ(3)(المقرّب عند بني أُميّة).
ويؤكّد انحرافه قول أبي جعفر الإسكافي المعتزليّ(المتوفّى 240هـ): وقد تظاهرت الرواية عن عروة بن الزُّبير أنّه كان يأخذه الرَّمع(4) عند ذكر عليّ(عليه السلام)، فيسبّه ويضرب بإحدى يديه على الأُخرى، ويقول: وما يغني أنّه لم يخالف إلى ما نُهي عنه، وقد أراق من دماء المسلمين ما أراق.(5)
وما رواه أيضاً عليّ بن محمد بن سليمان النوفليّ بإسناده عن حمّاد ابن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إيّاهم في الشِّعب، وجمعه لهم الحطب لإحراقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته إذ هم أبَوا البيعة فيما سلف.(6)
أليس من الغريب بعد هذا، أن لا يذكر الآلوسي اسم الراوي لهذا الخبر عن ابن الحنفيّة، ولا يلتفت إلى موقفه السّلبيّ من الإمام(عليه السلام)، فيعتمد

1 . روح المعاني:12/28.
2 . انظر الخبر في: جامع البيان(تفسير الطبري):12/22 برقم 18046; والمعجم الأوسط للطبرانيّ:5/134 برقم 6828.
3 . انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:4/64.
4 . الرَّمَع: تحرُّك الأنف غضباً.
5 . شرح نهج البلاغة:4/69.
6 . مروج الذهب للمسعودي:3/276 برقم 1943.

صفحه 83
خبره، ويكذِّب به جميع الأخبار التي تقدّم ذكرها آنفاً، والتي رويت عن عليّ(عليه السلام) من طرق متعدّدة، وعن غيره؟!!
وثمّة نكتة في الخبر جديرة بالتأمُّل، فعلى الرغم من أنّ بغض عروة للإمام دفعه إلى هذا المكر، وهو محاولة نفي أمر كونه(عليه السلام) هو التالي الشاهد، بلسان الإمام نفسه، وعن طريق ابنه!! إلاّ أنّه لم يستطع كتمان تداول النّاس لهذا الأمر، وشيوعه بينهم، في حياة الإمام: «إنّ النّاس يزعمون في قوله:(وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)أنّك أنت التالي»، وهذا له مغزىً كبير.
ونذكّر مرّة أُخرى بأنّ الآية نزلت بصورة ضابطة كلّية، وأنّ انطباقها على الرسول والوصيّ من باب كونهما من أظهر المصاديق.

تفسير آخر للآية

ما ذكرنا من التفسير هو ما توصّلنا إليه بعد التدبّر في الآية، وما ذكره المفسّرون حولها وأخصّ بالذِّكر ما ذكره السيد الطباطبائي(رحمه الله)، وهناك تفسير آخر للآية وهو أنّها تخاطب المؤمنين، والغرض الحثّ على إيمانهم، وعلى هذا فالموصول في قوله:(أَفَمَنْ كَانَ) وما بعده راجع إلى المؤمنين بالنحو الآتي.
المعنى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة) وبصيرة في دينه (مِنْ رَبِّهِ)، فهو كقوله سبحانه:(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ)(1)، (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): أي ويتبع هذا النور الفطريّ والبرهان العقلي المراد بالبيِّنة، ويؤيّده نور آخر غيبيّ إلهيّ منه، يشهد بحقّيّته وصحّته، وهو هذا القرآن

1 . الزمر:22.

صفحه 84
الذي هو مشرق النور والهدى والبرهان (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً): أي يتبعه ويؤيّده شاهد آخر جاء من قبله وهو الكتاب الذي أُنزل على موسى(عليه السلام)، حال كونه إماماً متَّبعاً في الهدى والتشريع (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ): أي أُولئك الموصوفون بمَن ذكر من الجمع بين البيّنة الوهبية وشهادة الوحي لعقائدهم يؤمنون بهذا القرآن (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ) أهل مكة (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ): أي من هذا الوعد (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)وهو الحقّ الكامل (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ).(1)
أقول: ما ذكر من التفسير لا يخلو من نظر في جهتين:
1. أنّ تفسير (شاهد) في قوله: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) بالقرآن، لا يناسب قوله: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ) إذ الجميع على مستوى واحد، لا أنّ القرآن يقع تلو الفطرة والبرهان العقليّ.
2. أنّ لازم ما ذكره أنّ الضمير المنصوب في قوله:(وَيَتْلُوهُ) يرجع إلى البيّنة، مع أنّ المرجع مؤنّث، ورجوع الضمير المذكّر إلى المؤنث رهن تكلّف.
سورة هود: الآيات 18 ـ 24   
ثمّ إنّ ابن عاشور فسّر الآية على غرار هذا التفسير، وفي كلامه تكلّف وإشكال، مَن أراد الاطّلاع عليه فليرجع إلى تفسيره.(2)

الآيات: الثامنة عشرة إلى الرابعة والعشرين

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى

1 . تفسير المنار:12/51ـ 52.
2 . لاحظ: التحرير والتنوير:11/223ـ224.

صفحه 85
رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الاْخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ).

المفردات

الأشهاد: جمع شاهد، كأصحاب جمع صاحب، وقيل: جمع شهيد كشريف وأشراف.
روى الرازي عن أبي علي الفارسي أنّ كون الأشهاد جمع شاهد أرجح، لأنّ ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل، كقوله:(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(1)، و(وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)(2).(3)

1 . البقرة:143.
2 . النساء:41.
3 . تفسير الرازي:17/204.

صفحه 86
لعنة: اللَّعن :الطرد من رحمة الله.
يُصدُّون عن سبيل الله: يصرفون الناس عنه ويمنعونهم من الاعتقاد
به.
عوجاً: العِوَج: الالتواء، وأُريد به العدول عن طريق الصواب.
معجزين: المُعجِز: مَن يُعجِز غيرَه، كمَن أُفلت ممّن يروم إضراره.
لا جرم: قال الراغب: أصل الجَرم: قطع الثمرة عن الشجر.(1) نقل الطريحي عن الفرّاء: هي كلمة في الأصل بمعنى لابدّ ولا محال، فجرت على ذلك، وكثرت حتى تحوّلت إلى معنى القَسم وصارت بمعنى «حقّاً» فلذلك يجاب عنها باللاّم، ثم يبتدأ بها كقوله تعالى: (لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ)(2).(3)
أخبتوا: الإخبات: الخضوع والتواضع. وربما يفسّر بالاطمئنان
حيث يطلق «الخبت» على الأرض المطمئنّة، والثاني أنسب بسياق
الآية، يقال: أخبتَ الرجل، أي قصد الخبت، نحو: أسهلَ، وأنجدَ، أي
طلب الأرض السّهلة أو النجد. ويستعمل الخبت مع «إلى» تارة، ومع«اللاّم» أُخرى، ويراد به الخشوع، قال تعالى: (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)(4): أي
تلين وتخشع.

1 . مفردات الراغب:91، مادة«جرم».
2 . النحل:62.
3 . مجمع البحرين:6/27ـ28، مادة «جرم».
4 . الحج:54.

صفحه 87

التفسير

هذه الآيات السَّبع بصدد بيان الفرق بين أهل البصيرة الإلهية ومَن عميت عين بصيرتهم، ويظهر ذلك من تفسير الآيات، التي بدأت بذكر الفريق الثاني الذين بلغ بهم التمادي في الكفر والعناد حدّاً أن صاروا لايستطيعون سماع دعوات الإيمان ولا أن يبصروا آياته، وقد وصفهم سبحانه بخمسة عشر صفة، في مقابل من آمن وعمل صالحاً وأخبت إلى ربّه.

أوصاف المتمادين في الكفر

18. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ):
قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا) الاستفهام هنا يراد به النفي، وقد جاء في صيغة الاستفهام، ليكون أبلغ في تقرير النفي، والمعنى: لا أحد أظلم منه. والافتراء من أظهر مصاديق الظلم، ويُقدَّر قبحُه بحسب مكانة المكذوب عليه، وأعظم الافتراء هو الافتراء على الله سبحانه في صفاته وأفعاله وأحكامه، ولذلك وَصَفَ مرتكبَه بأنّه أظلم لنفسه من كلّ ظالم.
وصلة الآية بما قبلها واضحة حيث إنّهم وصفوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمفتري،

صفحه 88
وقالوا ـ كما حكى القرآن عنهم ـ (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)(1) فقابله سبحانه بأنّهم هم المفترون لا أنت يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا ما هو المفترى به فيختلف بحسب موارد الآية، فتارة يكون من مقولة العقائد كاتّخاذ الشركاء والأولياء والشفعاء له بدون إذنه أو اتّخاذ الولد، وأُخرى يكون الافتراء في الأحكام كتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة وغيرها كما في قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).(2)
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الله سبحانه وصف من عميت بصيرتهم بأوصاف:
1. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا) قد مضى تفسير هذه الفقرة، وهي تعمّ المشركين في تحريم ما لم يحرّمه سبحانه من جانب، وأهل الكتاب من جانب آخر، حيث جعلوا الواحد ثلاثة، إلى غير ذلك من الأكاذيب.
2. (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ) والعرض هو إظهار الشيء، ولمّا كان ارتفاع الحجب بينهم وبين ربّهم يوم القيامة أمراً قطعيّاً، كُنّي عنه بالعرض، أي عرض أعمالهم الإجرامية على الله جلّ شأنه.
3. (وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ) فيشهدون على كذبهم على الله تعالى، مشيرين إليهم بقولهم:(هَؤُلاَءِ) ليحصل لهم الخزي

1 . هود:13.
2 . المائدة:103.

صفحه 89
والنكال والفضيحة العظيمة. وأمّا مَن هم الأشهاد في ذلك المقام؟ فيمكن أن يراد بهم الملائكة الكرام الكاتبين، أو سائر شهود الأعمال.
4. (أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ): أي يُطلب طردهم من رحمة الله بعد تلك الشهادة.
19. (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ):
5. (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ويمنعون الناس من اعتناق دينه بمنطق القوّة والتهديد، وهؤلاء هم الذين يصفهم الله في آية أُخرى بقوله:(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).(1)
6. (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) الضمير يرجع إلى (سَبِيلِ) وهو يذكّر ويؤنّث، فمع أنّ سبيل الله سبيل مستقيم فهؤلاء يريدون أن يجعلوها معوجّة منحرفة حتى لا ينتهجها الناس، وذلك بإلقاء الشكوك والشبهات والتضبيب على الدلائل الواضحة، نظير قولهم:(مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ).(2) وهذا أيضاً صدّ بقوّة المنطق ـ حسب زعمهم ـ ولكنّه ليس إلاّ خيالاً وخبالاً. روى أبو عبيدة]الحذّاء[ قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا)قال: «أي يطلبون لسبيل الله زيغاً عن

1 . الأنعام:16.
2 . الجاثية:24.

صفحه 90
الاستقامة يحرّفونها بالتأويل ويصفونها بالانحراف عن الحقّ والصواب».(1)
7. (وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ): أي هم كافرون بالبعث والجزاء. والاعتقاد بالبعث والنشور هو من صميم الدين، فكلّ دين يخلو من الإيمان بالبعث فهو مسلك دنيوي ورابطة قومية بين الناس. وقد جاء نظير هذه الآية في موضع آخر من القرآن لكنّه يخلو من لفظ (هُمْ) ـ الثانية ـ قال تعالى:(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ)(2).
20. (أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ):
الآية بصدد تهديد المفترين والصادّين عن سبيل الله بوجوه مختلفة.
8. (أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ): أي لم يكونوا فائتين فيها هرباً من الله تعالى. والفقرة ردّ لما يُتخيّل من إفلاتهم من عذابه.
9. (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) يتولّون أمرهم وأنصار يمنعونهم من الله تعالى إذا أراد من عقابهم، ولكن اقتضت حكمته سبحانه أن يمهلهم ولكن لا يهملهم ويستدرجهم من حيث لا يشعرون. والفقرة ردّ لما يُتخيَّل أنّ لهم أنصاراً ينصرونهم ويحولون بينهم وبين عذاب الله

1 . البرهان في تفسير القرآن:3/96ـ97.
2 . الأعراف:45.

صفحه 91
سبحانه.
10. (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) لماذا يضاعف؟ لأنّهم ضالّون ومضلّون، فتعدّد العقاب لأجل فسادهم وإفسادهم، لأنّ جريمتهم مضاعفة، فلا ينافي قوله سبحانه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(1) لأنّ ضعف العذاب عذاب متعلّق به دون أن ينتقل من الآخرين إليه. نعم لو تابوا وأصلحوا أمرهم يتوب الله عليهم.
11. (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ): أي يشقّ عليهم أن يسمعوا دعوة الهدى والإيمان. وسلب الاستطاعة كناية عن نفورهم من سماع كلام الله ورسوله، ولذلك كانوا ـ كما وصفهم القرآن ـ (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ)(2). والفقرة إجابة عن سؤال يطرأها وهو ما هو السبب لإعراضهم؟ والجواب أنّ العصبية غلبت على عقولهم فصاروا ينفرون من سماع دعوة الحقّ كما أنّهم:
12. (وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) آياته بعين البصيرة. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا).(3) وقوله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(4) فمَن كان حاله هذا فهو أشبه بمَن لا يتذوّق الطعام الحلو ويزعم أنّه مُرّ. وأمّا نهاية أمرهم إذا ماتوا على الكفر، فهو ما تذكره الآية

1 . الإسراء:15.
2 . هود:5.
3 . الجاثية:7ـ8.
4 . فصلت:26.

صفحه 92
التالية.
ذكر صاحب «المنار» وهو في صدد تفسير قوله:(مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أنّه أعطى رجل مؤمن رجلاً متفرنجاً منهم كتاب «الوحي المحمديّ» الذي شهد له مَن قرأه من طبقات الناس المختلفة بطلاوة عبارته وحسن بيانه وموافقة أُسلوبه وترتيبه وتبويبه لذوق هذا العصر، ثم سأله بعد أيام كيف رآه؟ ظاناً أنّه قرأه كلّه بشغف وأنّه سيشكر له هديته، فقال: إنّني لم أستطع أن أقرأ منه صفحة واحدة، واعترف بأنّه يقرأ كتب أشهر الملاحدة الطاعنين في القرآن بلذّة ورغبة كما يقرأ القصص (الروايات) الغرامية.(1)
21. (أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ):
13. (أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) إذ لم ينتفعوا بحياتهم وأسماعهم وأبصارهم، فهم أشبه بمن كان عنده رأس مال لم يتّجر به، بل تركه فضاع منه.
14. (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) يحتمل أن يراد أنّه غابت عنهم الآلهة المكذوبة يوم القيامة. وقد مرّ أنّه ليس لهم من أولياء، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الشفعاء يشفعون لهم، ونظير الآية قوله سبحانه:(فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَ مَا كَانُوا

1 . تفسير المنار:12/56ـ57.

صفحه 93
يَفْتَرُونَ).(1)
22. (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الاْخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ):
15. (لاَ جَرَمَ): أي لم يكن لهم بدٌّ، أو لا محالة (أَنَّهُمْ فِي الاْخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) فصارت نتيجة عرضهم على ربّهم كونهم محكومين بأنّهم الأخسرون في الآخرة، حيث حُرموا من سعادة الدارين: الدنيا والآخرة، فلم ينتفعوا برأس مالهم في الدنيا، وحُكم عليهم بالعذاب المضاعف في الآخرة. أُعطوا الشريف الرفيع، وبدّلوه بالخسيس.
23. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):
الظاهر أنّ الآية تقابل كلّ ما مرّ من قوله:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا) إلى قوله: (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الاْخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ)، فلو أنّ الطائفة الأُولى كانوا خاسرين بل شديدي الخسارة، فإنّ الطائفة الثانية هم الرابحون، بشهادة أنّهم في الجنة خالدون. وأمّا هذه الطائفة ففيهم خصال ثلاث:
أ. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مجالي المعارف والأحكام.
ب. قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) والعمل الصالح من آثار الإيمان الصادق، أي طبّقوا أعمالهم على ما ورد في الشريعة .

1 . الأحقاف:28.

صفحه 94
ج. قوله تعالى: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ): أي اطمأنّوا إلى الله تعالى، فلا يتزلزل ما في قلوبهم من الإيمان، ولا يزيغون ولا يرتابون، كالأرض المطمئنّة. وربما يفسّر بالمتواضعين غير المستكبرين أو الخاشعين. والوجه الأوّل أَولى.
ثمّ تتحدّث الآية عن جزائهم بأنّ (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أي ماكثون فيها أبداً.
24. (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ):

تمثيل لحال الكافر والمؤمن

سورة هود: الآيتان 25 ـ 26   
لمّا تقدّم وصف الطائفة الأُولى بقوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ)، كما تقدّم وصف الطائفة الثانية بالأوصاف الثلاثة من الإيمان والعمل الصالح والإخبات، أي الاطمئنان إلى الله الذي يتضمّن تصديق ما وعد الله، صار ذلك سبباً لتمثيل فريق المؤمنين بالبصير والسميع، وفريق الكافرين بالأعمى والأصمّ، لأنّ المؤمن ينتفع بحواسّه الظاهرية والباطنية في معرفة المنعم وصفاته وأفعاله، بخلاف الكافر الجاحد فإنّه لا ينتفع بها، ثمّ إنّه سبحانه في قوله:(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ)عطفَ الأصمَّ على الأعمى والسميع على البصير لإفادة تعدّد التشبيه في المعنى:
1. أنّ حال الكافر كحال الأعمى، وحاله أيضاً كحال الأصمّ.

صفحه 95
2. أنّ حال المؤمن كالبصير، وحاله أيضاً كحال السميع.
ثمّ إنّ وجه التشبيه في الموردين مختلف، فالكافر كالأعمى في
عدم الاهتداء إلى الدلائل التي تدرك بالبصر، ثمّ هو كالأصمّ في
عدم الانتفاع بالمواعظ التي طريقها السمع، فهو كالأعمى من جهة وكالأصمّ من جهة أُخرى، وأمّا المؤمن فبما أنّه يهتدي بالدلائل
التي طريقها البصر فهو كالبصير، وينتفع بالمواعظ النافعة التي طريقها السمع فهو كالسميع.
وعلى ما ذكرنا فقد شبّه كلّ واحد من الفريق المؤمن والفريق الكافر بتشبيهين. وأتمّ سبحانه الآية بقوله:(هَلْ يَسْتَوِيَانِ)وهو استفهام يراد به تقرير النَّفي، أي لا يستوي الفريقان أبداً. وقوله:(أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)فيه إشارة إلى إمكان علاج هذا العمى والصّمم، وإذا كان ممكناً فلماذا لا يسعَون إلى علاجهما؟!

الآيتان: الخامسةوالعشرون والسادسة والعشرون

(وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم أَلِيم).

المفردات

أخاف عليكم: أي أخوِّفكم من يوم ينزل فيه عليكم من الله عذاب أليم.
أليم: مؤلم.

صفحه 96
التفسير

قصص الأنبياء السبعة

25. (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ):

القصة الأُولى: قصة نوح(عليه السلام)

بدأت هذه الآية وما يأتي بعدها من الآيات ببيان قصص الأنبياء، مفتتحة بقصة نوح(عليه السلام) ومختتمة بقصة موسى(عليه السلام).
وجاءت بينهما قصص هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب(عليهم السلام)، والغاية من ذلك تسلية نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بما لاقى قبله هؤلاء الرُّسل من أقوامهم، أو تذكير المشركين بأنّ رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليست أمراً جديداً، بل سبقتها رسالات أُخرى من الله سبحانه، ولذلك بدأ بذكر قصة نوح مع قومه، وقدّمها على قصص سائر الأنبياء، لأنّه شيخهم وأوّل مَن نهض بوجه الوثنيين وحاورهم ونصح لهم. وكان سبحانه قد ذكر قصته بإيجاز في سورة يونس، وأعادها في هذه السورة لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم.(1)
صدّر سبحانه كلامه بلام القسم وقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)لأنّ المقام يقتضي التأكيد، فالمخاطبون ينكرون بشدّة رسالة البشر. ثمّ بيَّن(عليه السلام) مغزى رسالته، قائلاً لهم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ): أي منذر لكم ومخوّف من عذاب الله إن تمرّدتم عليه.

1 . تفسير الرازي:17/210.

صفحه 97
26. (أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم أَلِيم):
دلّت الآية السابقة على أنّه سبحانه أرسل نوحاً إلى قومه وبعثه إليهم، ولمّا كانت هنا مظنة سؤال عمّا أُرسل به، جاءت هذه الآية توضيحاً له، وأنّه أرسل لنشر التوحيد في العبادة والمنع عن عبادة غيره، كما قال: (أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ)، وما هذا إلاّ لأنّ التوحيد أمر مكتوب بقلم التكوين عن لوح النفس، قال سبحانه:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(1)، وقال في آية أُخرى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(2).
روى الكليني باسناده عن إسماعيل الجُعفي عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام)قال: «كانت شريعة نوح(عليه السلام) أن يُعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، وأخذ الله ميثاقه على نوح(عليه السلام) وعلى النبيّين(عليهم السلام) أن يعبدوا الله تبارك وتعالى، ولا يشركوا به شيئاً، وأمر بالصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحلال والحرام، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث، فهذه شريعته».(3)
ثمّ إنّه هدّدهم وخوّفهم بعذاب الاستئصال وقال: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم أَلِيم)وبما أنّ تعذيب المشركين كان أمراً حتميّاً، فصار هذا قرينة على أنّ المراد من خوفه، هو تخويفهم من ذلك العذاب.

1 . الروم:30.
2 . الشمس:8 .
3 . الكافي:8/282ـ 283 برقم 424; تفسير العياشي:2/144.

صفحه 98
قلنا: إنّ المراد بالعذاب هو عذاب الاستئصال بشهادة قوله ـ فيما بعد ـ : (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).(1)
فالآيتان ظاهرتان في أنّ العذاب الموعود إنّما يأتيهم في هذه الدنيا، وأنّهم غير معجزين، ولا دافعين عنهم هذا العذاب. ويمكن أن يقال: إنّ قوم نوح كانوا يخافون من أوثانهم ومعبوداتهم الكاذبة، فعمد نوح(عليه السلام)إلى تغيير خوفهم من الخوف من الأوثان إلى الخوف من الله تعالى، وأنّ الذي يُخاف منه حقيقة هو الله سبحانه لا الآلهة المكذوبة، لأنّ الأُمور بيدالله سبحانه لا بأيدي الأوثان والأصنام.
سورة هود: الآية27   

الآية: السابعة والعشرون

(فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).

المفردات

الملأ: أشراف القوم وزعماؤهم، مأخوذ من قولهم: ملئ. ووصفوا بذلك لأنّ عظمتهم الظاهرية تملأ القلوب أو العيون.
أراذلنا: أخسّاؤنا. قال الطبرسي: الرَّذل: الخسيس الحقير من كلّ شيء

1 . هود:32ـ 33.

صفحه 99
ويجمع على الأرذُل، ثم يجمع على أراذل، كقولك: كلب وأكْلُب وأكالُب.(1)
بادي: قرأها الجمهور بالياء بلا همزة، وهو الظاهر من قولك: بدا الشيء: إذا ظهر، ومنه يقال: بادية لظهورها وبروزها للناظر. قال الراغب: في مادة بدأ: قوله: بادئ الرأي، أي ما يُبدأ من الرأي وهو الرأي الفطير، وقرئ باديَ بغير همزة، أي الذي يظهر من الرأي ولم يُرَوَّ فيه.(2)
الرأي: رأي العين، لا رأي القلب، أي أن كونهم أراذل أمر ظاهر لكلّ مَن يراهم.

التفسير

لم يزل المصلحون وما زالوا في قفص الاتّهام، وعلى رأسهم الأنبياء العظام، فقد رُمي كلّ نبيّ في عصره بتهم كاذبة، تشهد حياة الأنبياء بكذبها وتفاهتها. والتُّهمة ـ بلا ريب ـ سلاح الجاهل الّذي يقعد به العجز عن مواجهة دعوة النبيّ وحججه الدامغة، فيلجأ إلى إثارة التُّهم حتّى يسقطه من أعين الناس، وكان هذا الخط حاكماً طول التاريخ بين الجهلة والأنبياء. وقد ذكر القرآن الكريم عدداً من التُّهم والاعتراضات الّتي وجّهها قوم نوح لنبيّهم، واتّخذوها ذرائع لموقفهم المتعنّت منه(عليه السلام)، وإليك ما ورد منها في آيتنا هذه.

1 . مجمع البيان:5/290.
2 . مفردات الراغب:40، مادة «بدأ».

صفحه 100

ذرائع قوم نوح الواهية

احتجّ قوم نوح عليه بوجوه أربعة، واستندوا إليها في رفض رسالته وعدم اعتناق دعوته والاستجابة لها. وقد نسب الذكر الحكيم الاحتجاج للأشراف الذين كفروا من قومه، وأمّا عامّة القوم فهم تَبَع لهم، كما قال: (فَقَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) واقتران الجواب بالفاء دليل على السرعة في طرح الجواب. وإليك الوجوه الّتي احتجّوا بها:
1. (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا) غريب أمر هؤلاء الطغاة يخلقون من أهوائهم وتصوّراتهم المريضة مقاييس ونظريات، ثمّ يعجبون من جريان الأُمور على خلاف مقاييسهم ونظرياتهم!! وقولهم: إنّ النبيّ ينبغي أن لا يكون من البشر، نابع من نزعتهم الاستعلائية. والمتبادر من الفقرة أنّ وجه الشبه كون نوح بشراً مثلهم، فإذاً لا وجه لأن تكون متبوعاً ونحن تبع. والظاهر من صاحب المنار أنّ وجه الشبه كونه مثلهم في المكانة الاجتماعية، ثم استنتج من هذا أنّ نوحاً كان من طبقتهم أو ما يقرب منه، وهكذا كان كلّ رسول من وسط قومه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك عدم الحاجة إلى قوله:(بَشَراً) إذ يكفي أن يقولوا: ما نراك إلاّ مثلنا، وهذا يدلّ على أنّ وجه الشبه ليس المثلية في المكانة الاجتماعية، بل المثلية الجنسية، أي كونه بشراً مثلهم، فلا وجه لتفوّق أحدهما على الآخر.
2. (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ). وكأنّ ملاك

1 . تفسير المنار:12/62.

صفحه 101
الفضل والحقّ والصواب عند قوم نوح(عليه السلام)هو الثراء والجاه والقوّة، ومن هنا نفروا من دعوته(عليه السلام)، لالتفاف الضعفاء والمحرومين حوله، لأنّ أصحاب الثروة والمقدرة ـ حسب زعمهم الفاسد ـ هم أَولى الناس باتّباع الداعي لو كان محقّاً!! أمّا هؤلاء الأراذل والأخسّاء ـ في نظرهم ـ فقد أسرعوا إلى اتّباعه من دون تفكّر ولا تدبّر(بَادِيَ الرَّأْيِ). وهل يُعقل ونحن الأسياد والوجهاء ـ كما يتخيّلون ـ أن نقف على قدم المساواة معهم، وننضوي جميعاً تحت لواء دعوة واحدة؟!
وهذا المنطق الأعوج ـ للأسف الشديد ـ لا يزال قائماً في أكثر المجتمعات، ويتحكّم في مفاصل حياتها.
ثمّ إنّ في قوله:(بَادِيَ الرَّأْيِ) وجهين:
أ. أن يكون قيداً لقوله:(هُمْ أَرَاذِلُنَا): أي هم أراذلنا بادي الرأي، والطبقة السفلى في بدء النظر وأوّل وهلة.
ب. أن يكون قيداً لقوله: (اتَّبَعَكَ): أي اتّبعوك في ظاهر الرأي من غير تعمّق وتفكّر، ولو تفكّروا لَما آمنوا بك.
والأول أنسب لسياق الآية لقربه للأراذل وشبهه بمنطق القوم، وذلك لأنّ القوم لا يرون للفقراء والمساكين أيّ عقل ورأي حتى يصنّفوا رأيهم إلى صنفين: النظر البادئ، والنظر المقرون بالتأمُّل.
3. (وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل) وكأنّهم يريدون أنّ القائد يجب أن يتفضّل على المقود بشيء من المناصب أو الأموال الدنيوية أو شيئاً من الأُمور الغيبية، وأنت وقومك ـ بشهادة قوله: (لَكُم)ـ تفقدون هذا الفضل، فكيف نؤمن بكم؟!

صفحه 102
4. (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) أخّروا هذا الاحتجاج حتى يصحّ لهم الجدال بالوجوه الثلاثة المتقدّمة، وإلاّ فلو ذكروا هذا الوجه أوّلاً وأنّ الداعي ومَن تبعه كاذبون، لم يكن مجال ولا حاجة للجدال بالوجوه السابقة. والظنّ هنا هو الاعتقاد.
هذه هي التُّهم والاعتراضات التي اختلقها القوم، وجعلوها سبباً لعدم إيمانهم، وبما أنّ منطق الأنبياء في مقابل جدال القوم هو المنطق الصحيح، فهم يستمعون لكلام الطرف المقابل بصدر رحب ثم يُحلّلون احتجاجاته بشكل يقنع روّاد الحقيقة. وإليك مجموعة الآيات التي أجاب بها نوح عن هذه الاحتجاجات.
سورة هود: الآيات 28 ـ 31   

الآيات: الثامنة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ).

صفحه 103

المفردات

أرأيتم:أخبروني عن رأيكم في هذا الموضوع. وقد استعمل هذا اللَّفظ في هذا المعنى في غير هذا المورد، قال سبحانه:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً)(1).
فعُمّيت: خَفيت. والتعبير عن الخفاء بعُمّيت كناية عن التشديد في الخفاء.
أنلزمكموها: أي أنلزمكم إيّاها بالجبر والإكراه.
تزدري:الازدراء: من الزراية، يقال: زَرى على فلان، يزري، إذا عابه واستهزأ به، وأزرى به إزراءً: تهاون به. والمراد: تستخفّونهم وتحتقرهم أعينكم لما ترَون عليهم من الفقر والمسكنة.
التفسير

أجوبة نوح عن تهم واعتراضات قومه

هذه المجموعة من الآيات تشتمل على تحليل جدال القوم ونقده وردّه، كما تشتمل على أُمور أُخرى لو تأمّلها القوم لرجعوا عن جدالهم.
28. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ):

1 . يونس:59.

صفحه 104

الإجابة عن الاعتراض الأوّل

خاطبهم بلفظة (يَا قَوْمِ) استعطافاً وإيذاناً بأنّه بصدد إيصال الخير إليهم، ثم خاطبهم بقوله: (أَرَأَيْتُمْ): أي أخبروني، وفي هذا أيضاً دليل
على عطفه وحنانه عليهم، ثم قال: (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً
مِنْ عِنْدِهِ
) بما أنّ القوم اعتمدوا على كون نوح بشراً مثلهم وأنّه لا مزيّة
له عليهم، ردّ على منطقهم الواهي بأنّه لا مانع من أن يتفضّل الله عليه بأمرين:
أ. (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي) أراد من البيّنة ـ كما تقدّم ـ البصيرة الإلهية، فوق البصيرة الفطرية التي تبصر الحقائق وتعرفها. وقد مرّ وجه القول بأنّ المراد بالبيّنة هي البصيرة لا المعجزة، في تفسير قوله سبحانه:(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ)(1).
ب. (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) وهي النبوّة والتعاليم التي تستتبعها، فهي رحمة لي ولقومي. ولأجل هاتين المزيّتين بعثني الله سبحانه لهدايتكم إلى التوحيد، وإنقاذكم من الوثنيّة، وبهذا تبيّن فساد قولكم: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا).
ثمّ إنّ السبب لامتناعكم عن الإيمان برسالتي هو جهلكم بهاتين المزيّتين وخفاؤهما عليكم كخفاء الأشياء عن الأعمى، كما يقول:(فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ): أي خفيت رسالتي عليكم وعجزتم عن فهمها.
فلم يبق هنا سبيل لإجابة دعوتي إلاّ أن أُكرهكم على الإيمان كما قال:

1 . هود:17.

صفحه 105
(أَنُلْزِمُكُمُوهَا)(1): أي أَنُكرهكم على الإيمان بها (وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ): أي مع كراهتكم لها وإعراضكم عنها؟! وشأن الأنبياء هو الدعوة إلى الإيمان بالدليل والبرهان، لا الإكراه والإجبار. والفقرة تدلّ على أنّه لا إكراه في الدين ـ وكان ذلك سنّة في الشرائع السماوية من عصر نوح إلى عصر الشريعة الخاتمة ـ بمعنى أنّ الالتزام القلبي لا يقبل الإكراه.
29. (وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ):
أعاد نوح(عليه السلام) نداءه لقومه وقال: (وَيَا قَوْمِ) لنفس النكتة المذكورة، لأنّه منهم ولا يدعوهم إلاّ إلى خيرهم وصلاحهم.
ولمّا كانت هنا مظنّة توهُّم أنّ الغاية من الدعوة إلى الإيمان
به وبرسالته هي أخذ المال منهم طمعاً فيه، جاء الجواب عن هذا
الأمر المتوهَّم بأنّه: (لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً) وما هذا إلاّ لأنّي مأجور
من الله سبحانه:(إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ)وهذا هو منطق كلّ الرُّسل عبر
الزمان، فتراهم يؤكّدون على هذه المقولة، تجد ذلك في قصص
الأنبياء المذكورة في سورة الشعراء، فقد تكرّرت هذه الفقرة ما يناهز
العشر مرّات.

1 . في قوله:
(أَنُلْزِمُكُمُوهَا) ضمائر ثلاث: ضمير المتكلِّم، وضمير الغائب، وضمير المخاطب، فتدبّر.

صفحه 106
ويحتمل أن يراد:أنا لا أطلب المال على تبليغ دعوة الرسالة حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيراً أو غنيّاً، فالفقير والغنيّ أمامها سيّان.

الإجابة عن الاعتراض الثاني

ولمّا اعترضوا على نوح(عليه السلام) بأنّ مَن آمن به هم من الطبقة السفلى بقولهم:(أَرَاذِلُنَا) وكأنّهم أرادوا بذلك أنّك لو طردتهم عنك ربما نؤمن بك، أجاب عنه بقوله: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) إذ لا مبرّر لطردهم إلاّ أنّهم فقراء، وليس الفقر ذنباً عند الله تعالى (إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ): أي مبعوثون يوم القيامة وهو أعلم بمقاصدهم وضمائرهم، فكأنّهم اتّهموا أتباعه بأنّهم آمنوا به عن هوىً وطمع فلا يغترّ بإيمانهم فأجاب بقوله:(إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ): أي حسابهم على ربّهم (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ): أي جاهلون بما يمتاز به البشر بعضهم على بعض، حيث جعلتم الملاك المالَ والجاه، دون التمسّك بالحقّ، وهؤلاء يتفضّلون عليكم بإيمانهم بالله سبحانه. قال الإمام علي(عليه السلام): «النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا».(1)
والذي يدلّ على أنّهم جعلوا إيمان الفقراء والضّعفاء مانعاً من إيمانهم ما نُقل عنهم في سورة أُخرى:(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ* قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا

1 . نهج البلاغة، قسم الحكم برقم 172. وفي الديوان المنسوب إلى الإمام
(عليه السلام):«الجاهلون لأهل العلم أعداء».(الديوان:24).

صفحه 107
بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ).(1)
ويظهر من آية سورة الأنعام أنّ هذا كان منطق مشركي مكة أيضاً، حيث إنّه سبحانه ينهى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن طرد هذه الطبقة استجابةً لرغبة عتاة قريش، قال تعالى:(وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ).(2)
30. (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ):
تذكر الآية بأنّ طرد المؤمنين ذنب لا يغفر، حيث يقول: (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ): أي مَن يمنعني من عذاب الله (إِنْ طَرَدْتُهُمْ) بعد إيمانهم بما أدعو إليه من التوحيد وطاعته سبحانه (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)وتتفكّرون أنّه ظُلم، والله سبحانه ينتصر للمظلوم يوم القيامة، فأكون مستوجباً للعقاب، ومَن ذا الذي يخلّصني من عذاب الله؟
إلى هنا تمّت الإجابة عن الاعتراضين الأوّلين، وأمّا الثالث فقد أجاب عنه في الآية التالية.
31. (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ):

1 . الشعراء:111ـ 115.
2 . الأنعام:52.

صفحه 108

الإجابة عن الاعتراض الثالث

كان خطاب القوم في الاعتراضين الأوّلين متوجّهاً إلى نوح نفسه، بخلاف الاعتراض الثالث فإنّهم وجّهوه إليه وإلى مَن آمن به وقالوا: (وَمَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل)(1) فعلى هذا يجب أن يكون الدفاع شاملاً لنفسه ولمتّبعيه، أمّا عن نفسه فقد نفى عنها الأُمور الثلاثة:
1. (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ) أُريد بخزائن الله، أرزاق الناس للعيش والإنفاق، قال سبحانه:(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لاََمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا)(2).
2. (وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) غيّر السياق ولم يقل: ولا أقول إنّي أعلم الغيب، لعدم الملازمة بين عدم القول بالعلم بالغيب وبين عدم علمه به، فلأجل نفي الثاني بتاتاً قال: (وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ): أي لا أدّعي العلم التامّ.
3. (وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) نفى ذلك لما تقرّر عند الناس من أنّ أكمل المخلوقات في القدرة والقوّة هم الملائكة، وبذلك بيّن نوح(عليه السلام) بأنّه لا فضل له على قومه لأجل هذه الأُمور. نعم، هو يتفضّل عليهم بالبصيرة الإلهية والنبوّة والرحمة، ولأجل ذلك صار قائداً يدعوهم إلى الرَّشاد.
إنّ نفي الأمرين الأوّلين لأجل دفع ما يُتوهَّم من أنّ المرسَل عن الله سبحانه يجب أن تكون له قدرة مطلقة، بيده أرزاق الناس، ويعلم مصائر الأُمور، فالنبيّ نوح ينفي هذين الأمرين، كما أنّه ينفي أن يكون ملَكاً لا

1 . هود:27.
2 . الاسراء:100.

صفحه 109
لكونه أفضل منه; بل لأنّ مقتضى الرِّسالة أن يكون المُرسَل من جنس المرسَل إليهم.
جدير بالتذكير أنّه سبحانه أمر نبيّه الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُعلن لقومه عن نفي هذه الأُمور الثلاثة عن نفسه، قال تعالى:(قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)(1)، فبالتأمُّل في موقف هذين النبيَّين في الأُمور الثلاثة يظهر أنّ المشركين كانوا يتصوّرون أنّ المرسّل من قبل الله تعالى يجب أن يتفوّق عليهم في الجوانب الثلاثة المشار إليها آنفاً.
إلى هنا تمّ دفاع نوح(عليه السلام) عن نفسه، وأمّا دفاعه عن المؤمنين به، فهذا ما تتضمّنه الفقرة التالية:
4. (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ): أي لا أقول في شأن الذين تنظرون إليهم نظرة استصغار واحتقار (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا) في الدنيا والآخرة، خلافاً لكم حيث ترون الترف هو مقياس الحقّ والخير، وأمّا عند الله فمقياس الخير هو التقوى والعمل الصالح (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ) من الإيمان والإخلاص، وإنّما عليّ قبول ظاهر إيمانهم بالله وتصديقهم بدعوتي، ولو قلتُ ذلك في حقّهم (إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) حيث تجاوزت على حقوقهم. وبذلك عُلم أنّ الآية من أوّلها إلى آخرها دفاع عن النبيّ نوح(عليه السلام) نفسه وعن المؤمنين به.
وأمّا الاعتراض الرابع، أعني قولهم: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) فقد تُركت

1 . الأنعام:50.

صفحه 110
الإجابة عنه، لأنّ مبنى ظنّهم بكذب نوح، هو الوجوه الثلاثة التي أبطلها نوح بأوجز البيان، ولذلك لم يحتج إلى جواب خاصّ.
ثمّ إنّ التأمُّل في هذه التُّهم يدلّ على أنّ النبيّ نوحاً(عليه السلام) قد بلغ من الطهارة والقداسة حدّاً لم يتمكّن فيه أعداؤه من اتّهامه بمساوئ الأخلاق ورذائل الأعمال، ولكن عنادهم دفعهم إلى توجيه الاتّهامات الثلاثة التي لا تؤثِّر ولا تمَسّ قداسة النبيّ، التي تفوح من سيرته العطرة، ومع ذلك فإنّ نفس هذه التهم تنفع العالِم الاجتماعي الذي يسعى لدراسة حياة الأنبياء ومعرفة سلوكهم في مجتمعاتهم، وهي خير وسيلة للوصول إلى معرفة قداستهم.

رفع شبهة

لمّا دلّت الآيتان على أنّ الأنبياء لا يعلمون الغيب، صار ذلك سبباً لنفي علم الغيب عنهم أعمّ من الذاتي والاكتسابي، وهذا هو صاحب «المنار» يقول: إنّ هذين الأمرين]يريد ما في قوله سبحانه:(وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)(1)[ نفاهما كتاب الله عن رسله، يثبتهما مبتدعة المسلمين وأهل الكتاب لمن يسمّونهم الأولياء والقدّيسين منهم، وقد بيّنّا بطلان هذا مراراً.(2)
أقول: إنّ العلم بالغيب على ضربين:
أحدهما: ما هو مختصّ بالله سبحانه لا يشاركه فيه غيره، ولا يتجاوزه

1 . الأعراف:188.
2 . تفسير المنار:12/67.

صفحه 111
إلى سواه، وهو العلم الذاتي غير الاكتسابي الذي لا يُحدّ كمّاً ولا كيفاً. وما جاء في الذكر الحكيم من الإشارة إلى علم الغيب، لا يراد منه إلاّ هذا، فقوله سبحانه:(قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ)(1) لا يراد منه إلاّ هذا المعنى المختص به تعالى كسائر أوصافه ونعوته.
ثانيهما: ما يتّصف به غيره سبحانه من ملائكته ورسله ومن يُظهره على غيبه، وهو العلم الاكتسابي (بتعلُّم من ذي العلم) المحدود كمّاً وكيفاً. وهذا لا يصحّ إطلاقه على الله سبحانه، والتقسيم هذا كما يجري في علم الغيب كذلك يجري في سائر نعوته وصفاته، مثل قدرته وحياته و... فما يجري منها على الواجب سبحانه لا يمكن تشريك الغير فيه، ولا يصحّ إطلاقه عليه، وما يجري على من سواه لا يصحّ إطلاقه عليه سبحانه، ولا يطلق إلاّ على غيره من المخلوقين.
إنّ من لاحظ سياق الآيات والقرائن الحافّة بها، وسير كتب التاريخ والحديث، يقف على أنّ المتبادر من «العلم بالغيب» في عصر الرسالة وبعده كان هو العلم الذاتي لا العرضي، ولأجل ذلك كان الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) مع ما أخبروا به من المغيَّبات ممّا لا يحصى، يتحاشَون توصيف أنفسهم بأنّهم عالمون بالغيب، ناسبين علومهم ومعارفهم وما يخبرون به من ملاحم وأحداث وفتن، إلى التعلّم من ذي علم(2)، أو الوراثة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وهذا هو هشام بن الحكم يصف الإمام الصادق(عليه السلام) وهو من أكابر

1 . النمل:65.
2 . لاحظ: نهج البلاغة: الخطبة128.

صفحه 112
أصحابه، بأنّه يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب عن جَدّ(1)، وهذا أقوى دليل على أنّ المتبادر، في عصر الرسالة وبعده، من العلم بالغيب هو القسم اللائق بساحته سبحانه.
وكون العلم اكتسابياً أو غير اكتسابي ليس من المفاهيم الغامضة التي لا تنقدح في الأفهام الوسطى فضلاً عن العليا، فإنّ الإنسان العارف بالله، مهما تنازل وبعُد عن المعارف، يقف على أنّ هناك موجوداً غنيّاً من جميع الجهات، والغنى نفسه وذاته، فوجوده وعلمه وقدرته وحياته، كلّ ذلك ثابت له من دون استناد إلى غيره، وأنّ هنا موجوداً فقيراً ومخلوقاً لغيره يعتمد في كلّ كمال وجمال إلى خالقه وبارئه، ولا نعني من الذاتي والاكتسابي غير هذا.
هذا هو موجز الجواب عن الإشكال، ولو سبر الإنسان القرآن الكريم لوقف على أنّ الأنبياء العظام أخبروا عن الغيب بتعليم من الله سبحانه، وتنبّأوا به بدءاً بالنبيّ آدم(عليه السلام) وختاماً بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن أراد المزيد فليرجع إلى موسوعتنا مفاهيم القرآن.(2)
سورة هود: الآيات 32 ـ 35   

الآيات: الثانية والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين

(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ

1 . الكافي:1/173، كتاب الحجّة، باب الاضطرار إلى الحجّة، برقم4.
2 . لاحظ: مفاهيم القرآن:3/415ـ 496.

صفحه 113
بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ).

المفردات

جادلتنا: قال الراغب: الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جدلت الحبل أي أحكمت فتله، ومنه الجديل، ثمّ قال: الجدال: فكأنّ المتجادلين يفتل ]يصرف[ كلّ واحد الآخر عن رأيه.(1)
نُصحي: النُّصح: تحرّي الصلاح والخير للمنصوح له، والإخلاص فيه قولاً وعملاً، من قولهم: ناصح العسل لخالصه المصفّى منه.
يُغويكم: الغيّ: الضلال، الخَيبة، الفساد. وقد يطلق عند العرب على كلّ شرّ.
إجرامي: قال الراغب: أصل الجَرْم قطع الثمرة عن الشجرة، واستعير لكلّ اكتساب مكروه.(2)
التفسير

ثبات نوح(عليه السلام) في طريق دعوته

32. (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا

1 . المفردات:89ـ90، مادة «جدل».
2 . المفردات:91، مادة «جرم».

صفحه 114
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
الآية تدلّ على أمرين:
1. كثرة جدال نوح(عليه السلام) مع قومه.
2. استعجالهم العذاب.
إنّ صبر نوح(عليه السلام) واستقامته في طريق دعوته ممّا يضرب به المثل، إذ أنّه مكث في قومه تسعمئة وخمسين عاماً قضاها في طريق التبليغ والإرشاد من غير سأم ولا كلل رغم قلّة المؤمنين به وإعراض جلّ قومه عنه.
وليس دأبه على التبليغ والنصح لقومه ليلاً ونهاراً وعدم الاستسلام لعنادهم وعتوّهم إلاّ دليلاً على ثباته وعزمه على تحقيق رسالته، وبلوغ أُمنيته في هدايتهم وإرشادهم إلى الحياة الكريمة.
ولم يزل(عليه السلام) يدعوهم ويحاورهم ويحاججهم بأبلغ حجّة وأجمل بيان حتى ضاقت صدورهم به لبطلان كلّ حججهم وشبهاتهم، وسقوط جميع تهمهم فضجّوا قائلين: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا): أي خاصمتنا وحاججتنا(فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) واستقصيت فيه، فلم تدَع لنا حجّة إلاّ دحضتها حتى مللنا وسئمنا، والفقرة تدلّ على كثرة جداله معهم في تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد.
إلى هنا تمّ الأمر الأوّل. وأمّا الثاني، أي استعجالهم العذاب، فيدلّ عليه قوله سبحانه:(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)من عذاب الله، في إشارة منهم إلى العذاب

صفحه 115
الذي مرّ في قوله:(إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم أَلِيم)(1)، (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)فيما تحكي عن الله سبحانه.
33. (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ):
لمّا كان ظاهر قولهم: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) أنّ أمر العذاب بيد نوح(عليه السلام)، ردّ عليهم هذا الزعم بقوله: (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ) فلو قضت مشيئته بذلك لأنزله بكم (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ): أي ولستم بالذين لا تفوتونه هرباً، قال تعالى: (لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا)(2).
34. (وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):
الآية تشتمل على شرطين، كلٍّ بحاجة إلى جواب، أمّا الشرطان، فهما:
1. (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ).
2. (إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ).
وأمّا جواب هذين الشرطين، فيستفاد من قوله تعالى:(وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي)، وتقدير الآية: إن أردت أن أنصح لكم، وكان الله يريد أن يغويكم، لا ينفعكم نصحي.
أمّا مفاد الآية فلا شكّ في أنّ الله سبحانه لا يغوي عباده، فإنّ الإضلال

1 . هود:26.
2 . الجن:12.

صفحه 116
من عمل الشيطان وقد أقسم على إضلال الناس: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)(1)، ولذا فللمفسّرين في تفسير هذه الآية رأيان مختلفان:
1. تفسير الغيّ بمعنى العذاب، وهو خيرة الوزير المغربي حيث قال:(أَنْ يُغْوِيَكُمْ): أي يعذّبكم، من قوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)(2).(3) ومن المعلوم أنّ تعذيبهم لأجل الشرك والعناد، أمر معقول لا إشكال فيه. ولعلّ تفسيره بالعذاب لأجل الفرار من دلالة الآية على الجبر، وقد نقله الرازي عن الحسن البصريّ، ونقل عن الجُبّائي أنّها بمعنى الخيبة، أي الخيبة من خير الآخرة.(4)
2. أنّ الغواية بمعنى الضلالة، والإضلال على قسمين: إضلال ابتدائي من دون أن يصدر من العبد ما يوجبه ويستحقّه، وهو أمر قبيح لا يصدر من الله سبحانه، كيف؟ وقد بعث أنبياءه لهداية الناس، فكيف تتعلّق مشيئته بإضلالهم؟! وإضلال بعنوان المجازاة، بمعنى أنّه إذا تمادى الإنسان في عصيانه لربِّه واستمر على لَجاجته، ففي هذه الحالة يُخلّيه سبحانه ونفسه ويقطع عنه أسباب التوفيق، وعندئذ يصحّ أن يقال: إنّ الله أغواه لفسقه وخروجه عن طاعته سبحانه، كما يقول:(يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)(5). وعلى هذا فمعنى الآية: أنّه إذا بلغتم حدّاً تعلّقت

1 . ص:82.
2 . مريم:59.
3 . تفسير المصابيح:568.
4 . تفسير الرازي:17/219.
5 . البقرة:26.

صفحه 117
مشيئته بقطع أسباب التوفيق عنكم فلا ينفع نصحي ولا نصح غيري بعد هذه المشيئة (هُوَ رَبُّكُمْ) وأنتم المربوبون ومصيركم بيده (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)فيجزيكم حسب أعمالكم وراء الاستئصال.
وبما ذكرنا ظهر أنّ الآية ليست دليلاً على الجبر، خلافاً للرازي، حيث قال: الآية صريحة في مذهبنا.(1)
35. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ):
اختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية، فمن قائل: إنّها آية معترضة في قصّة نوح، حكاية لقول مشركي مكّة في تكذيب هذه القصص، إلى قائل بأنّها من قصّة نوح. ولعل الأوّل أفضل، والثاني أوفق لمقتضى السِّياق.
أمّا الأوّل: فلأنّ ما حكاه سبحانه من قصّة النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) مع مشركي قريش، ينطبق تماماً مع ما حصل مع نوح(عليه السلام) من قبل قومه، فقد جاء في سورة الأنعام في مورد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:(قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ)(2)، وقوله تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)(3) حتى أنّ ما احتجّ

1 . تفسير الرازي:17/218.
2 . الأنعام:50.
3 . الأنعام:52.

صفحه 118
به(صلى الله عليه وآله وسلم) يشبه تماماً ما احتجّ به نوح(عليه السلام) على قومه(1)، ولهذه المناسبة صحّ هنا أن يعطف موضوع اتّهام قريش للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالافتراء، على قصة اتّهام نوح به من قبل قومه، ويقول: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ): أي افترى النبيُّ القرآنَ، (قُلْ) يا رسول الله (إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي): أي عقوبة جرمي عليّ، لا تؤاخَذون به (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ): أي لا أُؤاخذ بجرمكم.
يقول الرازي في تفسير قوله: (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي): فهذا من باب حذف المضاف لأنّ المعنى: فإنّ عليّ عقاب إجرامي. وفي الآية محذوف آخر، وهو أنّ المعنى: إن كنت افتريتُه فعليّ عقاب جرمي، وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب، إلاّ أنّه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه.(2)
ثمّ إنّه لو قلنا بتجسّم الأعمال وتمثّلها فلا حاجة إلى تقدير العقوبة; وذلك لأنّ معنى التمثُّل هو أنّ للشيء ظهورين: ظهور في الدنيا بصورة الجرم، وظهور في الآخرة بصورة العقوبة، فهنا شيء واحد يتمثّل بصورتين.
سورة هود: الآيات 36 ـ 39   
وقد جاءت هذه الآية في ثنايا قصة نوح(عليه السلام)، ليلتفت إليها المشركون، وكأنّها قصّتهم، ثمّ لينتبهوا إلى ما سيجيء بعدها، من أخذ الله سبحانه وتعالى للظالمين والمكذّبين.(3)
وأمّا الثاني: فالأوفق لمقتضى السِّياق أنّها ذات صلة بنوح(عليه السلام)،

1 . لاحظ: الأنعام:46ـ 49.
2 . تفسير الرازي:17/220.
3 . التفسير القرآني للقرآن:6/1137.

صفحه 119
والضمير في (يَقُولُونَ) يعود إلى قوم نوح، والمعنى قل يا نوح لقومك، إن كنت كاذباً فيما أقول كما تزعمون فأنا المسؤول عن ذلك(فَعَلَيَّ إِجْرَامِي)، وإن كنت صادقاً فأنتم المسؤولون عن أعمالكم(وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ).

الآيات: السادسة والثلاثون إلى التاسعة والثلاثين

(وَأُوحِيَ إِلَى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلاٌَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ).

المفردات

فلا تبتئس: من الابتئاس بمعنى الحزن، قال الشاعر:
فلا تبتئس من نقد من ليس حظُّهُ *** من الدهر، إلاّ أن يُرى وهو ساخرُ
بأعيننا: الأعين هنا كناية عن شدّة العناية بالمراقبة والحفظ، فالله سبحانه يصونه عن أن يزيغ في صنع السفينة عن الصواب، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحدٌ من أعدائه، والشاهد لذلك قوله سبحانه:(وَلِتُصْنَعَ عَلَى

صفحه 120
عَيْني)(1)، وقوله مخاطباً رسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(2).
وهذا النوع من التفسير، حملٌ للظاهر على المعنى الظاهر، وليس تأويلاً وذلك للفرق بين الظهور الإفرادي وبين الظهور الجُملي، فالعين والأعين إذا أُفردت تكون بمعنى الجارحة، وأمّا إذا وردتا ضمن جملة فقد يتبادر منها معنى العناية والحفظ، كقول الشاعر:
وإذا السّعادة لاحظتْك عيونُها *** نَم، فالمخاوفُ كُلّهُنّ أمانُ
فتفسير العين بالمعنى اللُّغوي جمود على الظهور الإفرادي وليس هو بحجّة، وإنما الحجّة هو ظهور مجموع الجملة، فإنّك لو أثنيتَ على شخص وقلت: فلان مبسوط اليد، فالمتبادر من اليد عند الإفراد هو الجارحة، لكن المتبادر من مجموع الجملة هو أنّه يعطي بسخاء.

التفسير

صُنع الفُلْك(السفينة) وسخرية قومه

لقد اقتضت إرادة الله سبحانه بإبادة الكافرين وإهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وبإنقاذ المؤمنين من الهلاك، ولمّا كانوا جميعاً يعيشون في منطقة واحدة فقد اقتضى ذلك توجيه الأمر إلى نوح بأن يصنع الفلك،

1 . طه:39.
2 . الطور:48.

صفحه 121
ليحفظ به حياة المؤمنين.
بدأ نوح بعمله في البَرّ بعيداً عن الماء، ولم يكن ذلك مناسباً لصنع الفُلك، الّذي ينبغي أن يُصنع قرب الشواطئ ليسهل إلقاؤه في الماء، ومن هنا أخذ قومه يهزأون به ويسخرون منه (وكانوا يقولون يتّخذ سفينة في البرّ)(1)، وهذا يدلّ على أنّ طبائعهم قد جُبلت على العناد والجحود والسخرية.
إنّ الفُلك الّذي يحمل المؤمنين، ومن كلّ جنس من أجناس الحيوانات زوجين اثنين، والطعام الّذي يحتاج إليه الركّاب طول فترة الطوفان، إن هذا الفلك لابدّ أن يكون عظيماً قوياً يقاوم الأمواج العاتية، وأن يكون صنعه بتعليم من الله سبحانه وتسديده، لأنّ نوحاً وقومه لم يروا سفينة من قبل، ولم يعرفوا كيفية صنعها.
هذا، وقد اختلفت كلمات المؤرّخين في خصوصيات هذا الفُلك، ومهما اختلفوا في عرضه وطوله وسعته فالآيات الّتي تشير إلى أنّه حُمل فيه كلّ ذلك، تدلّ على سعته وكبره. روي عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)أنّه قال: إنّ طولها كان ألفاً ومئتي ذراع وعرضها ثمانمئة ذراع وطولها في السماء ثمانون ذراعاً. ونقل ابن كثير أقوال الباقين في خصوصيات الفلك بما لا حاجة إلى ذكرها هنا. ومن المعلوم أنّ ذلك الفلك كان مؤلّفاً من طبقات بعضها للناس، وبعضها للدوابّ، وبعضها للوحوش، وبعضها

1 . روي هذا القول عن الإمام علي
(عليه السلام). انظر: النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين، للجزائري:73.

صفحه 122
للطيور.(1)
36. (وَ أُوحِيَ إِلَى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ):

الإخبار عن عدم إيمان الموجودين من قومه

قوله تعالى: (وَ أُوحِيَ إِلَى نُوح): أي أوحى الله سبحانه إليه(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) ولعلّ لفظة (قَدْ) إشارة إلى رسوخ إيمانهم، (فَلاَ تَبْتَئِسْ): أي لا تحزن ولا تغتمّ (بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) من سوق الاتّهامات الباطلة والازدراء والإصرار على الكفر. والشاهد على تولّيهم وإصرارهم على ما هم عليه قولُه سبحانه حاكياً عن نوح(عليه السلام):(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا * وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)(2).
ثمّ إنّه سبحانه يخبر عن عدم إيمان الموجودين من قوم نوح، غير أنّ المتبادر من دعاء نوح عدم إيمان الموجودين وذرِّيتهم، حيث قال: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا)(3)، ولعلّ النبيّ نوحاً(عليه السلام) دعا بهذا الدعاء بعد هذه الآية وقبل الأمر بصنع الفلك.

1 . النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين للجزائري:72.
2 . نوح:6ـ7.
3 . نوح:26ـ 27.

صفحه 123
نقل الرازي أنّ أصحابه استدلّوا بقوله: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) على صحّة قولهم في القضاء والقدر، وقالوا إنّه تعالى أخبر عن قومه أنّهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم لكان إمّا مع بقاء هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلاب هذا العلم جهلاً. والأوّل ظاهر البطلان لأنّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقاً، ومع كون العلم بعدم الإيمان حاصلاً حال وجودِ الإيمان، جمع بين النقيضين; والثاني أيضاً باطل، لأنّ انقلاب خبر الله كذباً وعلم الله جهلاً محال، ولمّا كان صدور الإيمان منهم لابدّ وأن يكون على هذين القسمين وثبت أنّ كلّ واحد منهما محال، كان صدور الإيمان منهم محالاً مع أنّهم كانوا مأمورين به.
كما أنّه أورد في ذيل كلامه إشكالاً آخر وقال: وأيضاً القوم كانوا مأمورين بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كلّ ما أخبر عنه، ومنه قوله:(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) فيلزم أن يقال: إنّهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليف الجمع بين النقيضين.(1)
أقول: الظاهر من كلامه انّه استدلّ بالأوّل من الإشكالين على القول بالجبر، وبالثاني على جواز التكليف بمالايطاق. وإليك نقدهما.
أمّا الأوّل: فيلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أحد المحذورين (اجتماع النقيضين أو انقلاب العلم جهلاً) مبنيٌّ على فرض فرضه الرازي ورتّب

1 . تفسير الرازي:17/221.

صفحه 124
عليه أحد المحذورين وهو قوله: «فلو حصل إيمانهم»، ومن المعلوم أنّه يترتّب على هذا الفرض ما ذكره، ولكنّ المفروض في كلامه سبحانه عِلمُه بعدم إيمانهم عن اختيار. وعلى هذا الفرض قال سبحانه:(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ). وعلى هذا الفرض لا يترتّب عليه أحد المحذورين.
وإن شئت قلت: إنّه سبحانه عَلمَ أنّهم لا يؤمنون ـ مهما عاشوا ـ باختيارهم، ولذلك أخبر عن عدم إيمانهم، وعلمُه لا يتخلّف عن الواقع، فالقول «فلو حصل إيمانهم» خارج عن مفروض كلامه سبحانه.
هذا كلّه حول الإشكال الأوّل.
وأمّا الإشكال الثاني، فهو ما يكرّره المجبّرة في مورد أبي لهب أيضاً، حيث قالوا: إنّ الله تعالى كلّف أبا لهب بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن وأنّه من أهل النار، فقد صار مكلّفاً بأنّه يؤمن بأنّه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال.(1)
والجواب عنه: أنّ أبا لهب بلغ من العصيان والطغيان درجةً أن خُتم على قلبه، فما كان يؤمن بعدها أبداً، ولذلك سقط التكليف بالإيمان لأجل الطغيان الذي سلب عنه كلّ الإمكانات، فكان تكليفه بالإيمان تكليفاً لاغياً غير مفيد. وهذا الجواب نفسه يقال أيضاً في الجواب عن قوم نوح(عليه السلام).
بقي هنا سؤال، وهو أنّ النبيّ نوحاً(عليه السلام) من أين علم أنّ ذرية هؤلاء لا

1 . تفسير الرازي:32/171.

صفحه 125
يلدون إلاّ فاجراً كفّاراً كما في سورة نوح؟(1)
والجواب: أنّه رأى بنور النبوّة عدم وجود أي مؤمن ومؤمنة في ذرّيتهم. وهذا نوع من علم الغيب المكتسب المحدود المفاض من الله تعالى إلى مثل نوح الذي مكث في قومه تسعمئة وخمسين عاماً مرشداً ومبلغاً. وسيوافيك مزيد كلام في تفسيرنا لسورة نوح.
37. (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ):

أمرُه سبحانه نوحاً بصنع الفلك تحت مراقبته

لمّا دلّ نهي الله سبحانه نوحاً(عليه السلام) عن الحزن والغمّ بأفعال قومه الإجرامية على قرب حلول عذاب الاستئصال بهم، صار ذلك سبباً لأمر نوح(عليه السلام) بصنع الفُلك لأنّ المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الاستئصال بالغرق، ولأجل ذلك أمره سبحانه بصنع الفلك لينجو هو ومن آمن معه بها، وقال: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) قيّد صنع الفُلك بأمرين:
أ. كون الصُّنع بعين الله سبحانه، وهو كناية عن المراقبة والمحافظة.
وذُكرت بالجمع هنا (بِأَعْيُنِنَا) لإفادة شدّة العناية بالمراقبة والحفظ، فإنّ العرب تعبّر برؤية العين الواحدة عن العناية، وبالأعين عن المبالغة فيها، قال تعالى لموسى:(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني)(2) وقال للنبيّ

1 . لاحظ: نوح:27.
2 . طه:39.

صفحه 126
محمد(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(1).
ب. كون الصنع بإيحاء من الله سبحانه، كما في قوله:(وَوَحْيِنَا): أي تعليمنا، حتى يصان صُنع الفُلك من الخطأ والخلل.
وعلى هذا فالمراد من الوحي هنا ليس الوحي التشريعي.
ثمّ نهاه سبحانه عن مراجعته ومسألته في أمر الظالمين وقال: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي): أي لا تدْعني (فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): أي في استدفاع العذاب عنهم (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): أي إنّهم محكوم عليهم بالغرق، فلا تنفع الشفاعة في حقّهم.
وعلى هذا، فلو كان ابن نوح من الظالمين لكان محكوماً بالعذاب أيضاً، وكان اللائق بنوح(عليه السلام) أن لا يسأل عنه، كما سيوافيك بيانه.
38. (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلاٌَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ):

سخرية قوم نوح منه لصنعه الفُلك

لمّا شرع نوح(عليه السلام) في صنع الفلك على اليابسة، أخذ الجاهلون في السخرية منه، كما يقول سبحانه:(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) صيغة المضارع تدلّ على أنّه اشتغل بصنعه في زمن مستمر وكان قومه كلّما اجتازوا به، وهو يصنع الفلك، قابلوه بالسخرية، كما يقول:(وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلاٌَ مِنْ قَوْمِهِ): أي جماعة من كبراء قومه ورؤسائهم (سَخِرُوا مِنْهُ) وكأنّهم يقولون: اتّخذ سفينة في

1 . الطور:48.

صفحه 127
البَرّ، غير أنّهم كانوا جاهلين بأمر الله وأنّه يجعل البَرّ بحراً موّاجاً، والفُلك طافية على الماء. ويظهر من قوله: (قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)ولم يقل «فإنّي أسخر منكم» ليدافع عن نفسه وعن المؤمنين به. والسخرية (وهي تعبير عن الإهانة) وإن كانت قبيحة إلاّ أنّها ليست كذلك إذا كانت بعنوان المجازاة، وهي حقٌّ للمظلوم، قال تعالى: (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(1).
نعم السخرية أمر قبيح إذا صدر من الإنسان ابتداءً، وأمّا إذا صدر من باب الجزاء فلا يستقبح، قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(2)، وقال سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)(3). ومن غريب ما روي عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ نوحاً(عليه السلام) لمّا غرس النّوى، مرّ عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد غرّاساً، حتى إذا طال النخل، وكان جبّاراً طوّالاً، قطعه ثم نحته، فقالوا: قد قعد نجاراً، ثم ألّفه فجعله سفينة، فمرّوا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاّحاً في فلاة من الأرض حتى فرغ منها».(4)
39. (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ):

1 . التوبة:79.
2 . البقرة:194.
3 . الشورى:40.
4 . الكافي:8/283 برقم 426.

صفحه 128
يخبر نوح(عليه السلام) بقوله هذا عن أمرين:
1. إتيان العذاب المخزي
2. حلول عذاب مقيم
أمّا الأوّل، فأُريد به التغريق في الماء الذي صار عذاباً مخزياً موهناً لهم، قال سبحانه:(رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)(1)، وأيّ خزي وإهانة أشدّ من التغريق في الماء، تنقطع به أنفاسهم وتذهب نفائسهم، أو الإحراق بالنّار. وأمّا الثاني، فأُريد به عذاب الآخرة الذي هو عذاب مقيم ودائم.
سورة هود: الآيات 40 ـ 43   

الآيات: الأربعون إلى الثالثة والأربعين

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ).

1 . آل عمران:192.

صفحه 129

المفردات

أمرُنا: تعلُّق إرادته سبحانه بالعذاب.
فار: من الفوران، وهو غليان الماء في القدر.
التنّور: الموقد الذي يُخبز فيه الخبز، وسيوافيك المراد منه.
من كلّ زوجين: الزوجان عبارة عن كلّ شيء يكون أحدهما ذكراً والآخر أُنثى، ووصفه باثنين للدلالة على أن لا يزيد عليهما. والزوج يطلق على المذكر والمؤنث.
مَجراها: مصدر ميمي، بمعنى الجري والحركة، أي مسيرها. ويجوز أن يكون اسم زمان.
مُرساها:مصدر ميمي من أرسى، أي موقفها، يقال: رسا الشيء يرسو: إذا ثبت، وأرساه غيره، قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) (1). ويجوز أن يكون اسم زمان.
مَعزِل: مكان عُزلة وانفراد.
سآوي: سألجأ.
عاصم:مانع.
التفسير
40. (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ

1 . النازعات:32.

صفحه 130
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ):
المتبادر من الآية أنّ السخرية كانت مستمرة من القوم منذ بدأ النبيّ نوح(عليه السلام) بصنع الفلك إلى الوقت الذي جاء فيه أمر الله، كما يقول: (حَتَّى إِذَا): أي كانوا يسخرون إلى أن (جَاءَ أَمْرُنَا): أي تحقّق (وَفَارَ التَّنُّورُ)، في تفسير الفقرة وجهان:
1. أنّ فوران الماء من التنُّور كان علامة جعلها الله لنوح(عليه السلام)، أي إذا فار الماء من تنّوره علم أنّ ذلك مبدأ الطوفان، فعندئذ دعا من آمن به إلى ركوب الفلك. واللام في «التنّور» للعهد الخارجيّ.
2. أنّ فوران الماء من التنُّور مثَل يراد به اشتداد الحال، وأُريد هنا الغضب، كما يقال: حَمِيَ الوطيس، بمعنى اشتدّت الحرب.(1) قال الطبرسيّ في بيان هذا الوجه: إنّ (فَارَ التَّنُّورُ) معناه: اشتدّ غضب الله عليهم ووقعت نقمته بهم، كما تقول العرب: حميَ الوطيس إذا اشتدّ الحرب بينهم، وفار قِدر القوم، إذا اشتدّ حربهم، واستشهد بقول الشاعر:
تفور علينا قِدرُهم فَنُذيمُها *** ونفثأها(2) عنّا إذا حَمْيُها غلى(3)
وروى الأعمش مرفوعاً إلى علي(عليه السلام) في تفسير الفقرة: أما والله ما هو

1 . الوطيس ـ كما في المنجد ـ التنُّور وشبهه.
2 . القدر: الحرب، ونذيمها: نسكنها، ونفثأها: نلقي عليها الماء ليسكن غليانها.
3 . مجمع البيان:5/279.

صفحه 131
تنُّور الخبز ثم أومأ بيده إلى الشمس فقال: طلوعها.(1) وقال الأزهري اللُّغويّ: وعن علي(رضي الله عنه): تنوير الصُّبح.(2)
ثمّ إنّه سبحانه أمر نوحاً(عليه السلام) بحمل الطوائف التالية معه في الفلك:
1. (مِنْ كُلّ): أي من كلّ جنس من الحيوان (زَوْجَيْنِ) ذكراً وأُنثى، وإنّما قال: (اثْنَيْنِ) بعد قوله:(زَوْجَيْنِ) لأجل ألاّ يزيد على اثنين، ولأجل الحفاظ على بقاء الحيوانات، أمره بالحمل.
2. (وَأَهْلَكَ) واستثنى (إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) وهي امرأته التي وصفها الله سبحانه في سورة التحريم بقوله:(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(3).
وقد كان لنوح ثلاثة أبناء، وهم سام وحام ويافث، ولكلّ واحد منهم امرأة، فالمراد من سبق عليه القول امرأته وابنه وكانا كافرين.
3. (وَمَنْ آمَنَ): أي احمل فيها مَن آمن بك. ثم أخبر سبحانه وقال: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)، واختلفوا في عدد المؤمنين، وأكثر ما قيل في ذلك أنّهم ثمانون فرداً، وعلى هذا فقد آمن به ـ كمعدَّل ـ في كل اثني عشر سنة شخص واحد، فيالله ولصبره العجيب!؟(سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ).(4)
ثمّ إنّ الرازي قال: احتجّ أصحابنا بقوله: (إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) في

1 . تفسير العياشي:2/147.
2 . تهذيب اللغة: مادة «تنر».
3 . التحريم:10.
4 . الصافات:79.

صفحه 132
إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب، لأنّ قوله: (سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) مشعر بأنّ كلّ مَن سبق عليه القول لا يتغيّر عن حاله.(1)
يلاحظ عليه: أنّ قوله: (إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) لا يدلّ على الجبر كما توهّمه الرازي، لأنّه بمعنى من أشرنا إلى أنّه لا يؤمن باختياره.
41. (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ):
بعد أن أحضر نوح(عليه السلام) أهله ومَن آمن معه أمرهم بركوب السفينة:(وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا): أي في السفينة (بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا). الظاهر أنّ المجموع كلام واحد، أي(بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا)وكلا اللفظين يتعلّقان بالفعل (ارْكَبُوا)حالان من الضمير فيه. فإن قلنا: إنّ المَجرى والمُرسى اسما زمان يتضمّنان معنى الوقت، فيكون المعنى: اركبوا قائلين باسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها.
ولو قلنا: إنّهما مصدران ميميّان يقدّر فيهما الوقت المضاف، كما يقال: خفوق النجم، أي وقت غروب النجم، ومَقدَم الحُجّاج، أي وقت قدومهم، فيكون المعنى: اركبوا فيها مسمِّين الله، أو قائلين باسم الله.
روى علي بن إبراهيم القمي عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ: (ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا) يقول:«مجراها أي مَسيرها، ومُرساها أي موقفها».(2)

1 . تفسير الرازي:17/227.
2 . تفسير القمي:1/327.

صفحه 133
يقول السيد الطباطبائي: ونوح(عليه السلام) أوّل إنسان حكى الله سبحانه عنه التسمية باسمه الكريم فيما أوحاه من كتابه، فهو(عليه السلام) أوّل فاتح فتح هذا الباب كما أنّه أوّل مَن أقام الحجّة على التوحيد، وأوّل مَن جاء بكتاب وشريعة، وأوّل مَن انتهض لتعديل الطبقات ورفع التناقض عن المجتمع الإنسانيّ.(1)
ثمّ عقّب نوح(عليه السلام) كلامه بقوله:(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)ولعلّ بعض مَن آمن معه كان مذنباً، فناسب أن يقول نوح(عليه السلام) ذلك لتأكيد عظم رحمة الله، حيث لم يهلكه بذنبه وتقصيره، وإنّما أهلك الكافرين. روى الطّبراني وابن مردويه وغيرهما عن الحسين بن علي(عليهما السلام)قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أمان لأُمّتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم: (بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، و(وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)إلى آخر الآية.(2)
42 و43. (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ):

1 . الميزان في تفسير القرآن:10/228.
2 . الدر المنثور:4/432.

صفحه 134

دعوة نوح ابنه إلى الرّكوب في السّفينة

الآية الأُولى تتضمّن أمرين:
1. تحكي المنظر الرهيب لظهور الطوفان حيث إنّ المياه تنهمر من آفاق السماء والأرض تفجّرت عيوناً، والسفينة تسير في الماء وسط موج يشبه الجبال في علوّه وارتفاعه، وهذا النوع من الموج يسبّبه هبوب الرياح العاتية، التي ترفع كميات كبيرة من الماء إلى الأعلى، وهذا ما يحكيه بقوله:(وَهِيَ): أي السفينة (تَجْرِي بِهِمْ): أي بنوح(عليه السلام) ومن معه (فِي مَوْج كَالْجِبَالِ) في عظمها وارتفاعها. وسيوافيك الكلام حول الطّوفان، وهل كان عالمياً، أو لا؟ فانتظر.
2. أنّ النبيّ نوحاً(عليه السلام) ركب في السفينة ورأى ابنه (الذي يقال إنّ اسمه كنعان) في مكان منعزل عنه، كما قال:(وَكَانَ فِي مَعْزِل)، فناداه بقلب لهيف: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) ولكنّه أبى أن يُلبّي نداء الوالد المشفق، معتذراً بأنّه سيلجأ إلى جبل عال يحفظه من الماء (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ).
ثم إنّه قال: (وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) ولم يقل من الكافرين، والفرق بينهما واضح، فالأوّل غير ظاهر في كونه كافراً، وإنّما يكون ظاهراً في كونه مع المتخلِّفين عن الرّكوب في السفينة، بخلاف الثاني فهو ظاهر في كونه كافراً. وظاهر الآية أنّ الابن لم يُجب بشيء.
وكان يتصوّر أنّ المياه مهما ماجت فلن تصل إلى سفح الجبل فضلاً عن قمّته، ثم لم تلبث أن تنحسر، وأنّه سوف ينجو من الغرق بصعوده

صفحه 135
الجبل، فأجابه نوح(عليه السلام) البصير بعظمة الله وقدرته و: (قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ)، فلو كان قوله: «لا عاصم» بمعنى «لا معصوم» يكون الاستثناء متّصلاً، وإلاّ يكون منقطعاً، إذ المستثنى منه «لا حافظ» والمستثنى لا محفوظ. ولكن هذا المفتون بجهله وغروره لم يفهم مغزى هذا القول، ولم يدرك أنّه لن يفلت أحد من غضب الله إلاّ بالرجوع إليه تعالى، وظلّ سادراً في غيّه إلى أن حدث ما حدث (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ): أي بينه وبين أبيه(فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ).

كيف طلب نوح من ابنه الرّكوب في السفينة؟

إنّ هنا سؤالاً قد شغل بال المفسِّرين وهو أنّه كيف طلب نوح من ابنه الرّكوب في السفينة مع كونه كافراً؟
أقول: ذكر المفسّرون أجوبة مختلفة والذي يمكن أن يقال: إنّ النبيّ نوحاً لم يكن يعلم كفر ابنه، وكان الابن يخدع أباه فلذلك ناداه، ولولا ذلك لما أحبّ نجاته.
والذي يؤيّد ذلك خطابه بقوله:(وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) حيث يشير إلى عدم وقوفه على كفر ابنه، حيث يكون المعنى: لا تتخلّف مع الكافرين فتغرق معهم(1)، وإلاّ فلو كان كافراً كان اللازم أن يقول «وَلاَ تَكُنْ من الْكَافِرِينَ»، وهذا ما جعل نوحاً(عليه السلام) يسأل ربّه عن وجه غرق ابنه مع كونه من أهله، ولم يكن كافراً ـ عند أبيه ـ محكوماً بالغرق.
والشاهد على ذلك أنّه(عليه السلام) لم يسأل الله عن امرأته مع كونها كانت من

1 . مجمع البيان:5/311.

صفحه 136
أهله من دون ريب، وما ذلك إلاّ لأنّه كان يعلم أنّها كافرة، ولذا تركها تغرق دون أن يسأل عنها. وهذا الجواب أفضل من سائر الأجوبة.
وقد طرح الرازي سؤالاً آخر وهو أنّه كيف يكون ولد النبي المعصوم كافراً؟ ثم أجاب عنه بأنّه لا بُعد في ذلك، فإنّه ثبت أن والد رسولنا(صلى الله عليه وآله وسلم) كان كافراً، ووالد إبراهيم(عليه السلام) كان كافراً بنصّ القرآن.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما أفسده أكثر ممّا أصلحه، فإنّ والد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً موحِّداً فإنّ بيت عبد المطَّلب كان بيت التوحيد. وقد ذهبت الإمامية والزيدية وجملة من محقّقي أهل السنّة إلى إيمانهما وكونهما(أي والدي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)) على خط التوحيد، وشذّ مَن قال: «إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع كثرة ما أنعم الله عليه ووفور إحسانه إليه، لم يرزقه إسلام والديه»، فإنّ هذه الكلمة صدرت من غير تحقيق، فالتاريخ لم يضبط من حياتهما إلاّ شيئاً يسيراً، وفيما ضبط إيعاز لو لم نقل دلالة على إيمانهما وكونهما على الصراط المستقيم، كيف يكون كافراً وهو ولد عبد المطَّلب الرجل الأوّل في هذا البيت؟ يقول اليعقوبي في الحديث عنه:... ورفض عبد المطَّلب عبادة الأصنام، ووحّد الله عزّ وجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة من رسول الله بها، وهي: الوفاء بالنَّذر، ومئة من الإبل في الدِّيَة، وأن لا تُنكح ذات محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها...(إلى أن قال): ولمّا قدم صاحب الفيل خرجت قريش من الحرم فارّة من أصحاب الفيل، فقال عبد المطّلب: والله لا أخرج من حرم الله،

1 . لاحظ: تفسير الرازي:17/231.

صفحه 137
وأبتغي العزّ في غيره... فكانت قريش تقول: عبد المطّلب إبراهيم الثاني. وكان المبشِّر لقريش بما فعل الله بأصحاب الفيل، عبد الله بن عبد المطّلب أبو رسول الله.(1)
وقد بسطنا الكلام في ذلك في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».(2)
وأمّا قوله في والد إبراهيم(عليه السلام) فباطل جدّاً، وسيأتي بيانه في تفسير قوله سبحانه:(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)(3).
بقي هنا شيء وهو أنّ مقتضى السياق أنّ النبيَّ نوحاً(عليه السلام) نادى ابنه قبل جري السفينة على سطح الماء، مع أنّه ذكره بعده حيث قال:(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ).
وجهه: أنّ الواو لا تدلّ على الترتيب، فكان النداء قبل جريان السفينة وحركتها على سطح الماء.
وقد التفت إليه ابن عاشور وقال: إنّ نداءه ابنه كان قبل جريان السفينة في موج كالجبال، إذ يتعذّر إيقافها بعد جريها، ولم يذكر شيئاً من السؤال والجواب . وقد مرّ أنّ الواو يدلّ على الجمع لا الترتيب بخلاف «الفاء»، قال ابن مالك:
و «الفاءُ» لِلترتيبِ باتّصالِ *** و «ثُمَّ» للترتيبِ بانفصالِ

1 . تاريخ اليعقوبي:2/10ـ11، دار صادر ـ بيروت.
2 . لاحظ: مفاهيم القرآن:5/263ـ 269.
3 . إبراهيم:41.

صفحه 138
سورة هود: الآية 44   

الآية: الرابعة والأربعون

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

المفردات

ابلعي: البَلْع: تجرّع الشيء وازدراده، فشبّه قبض الأرض للماء وشربه فيها بذلك.
سماء: أُريد بها السماء المظلّة.
أَقلعي: الإقلاع: انتزاع الشيء من أصله، وأقلع عن الأمر: تركه. والمعنى: أقلعي وأمسكي عن الإمطار.
غيضَ: غاض الماء. نقَص، أو غار وذهب في الأرض.
قُضيَ الأمر: إشارة إلى جميع القصّة من فوران التنُّور وإهلاك الأُمم وإنجاء أهل السفينة.
استوت: استقرّت.
الجوديّ: اسم جبل معروف.
بُعداً: أي أبعد الله الظالمين من رحمته.
التفسير
44. (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ

صفحه 139
الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ):
بدأت الآية ببيان مصير السفينة وركّابها بعد نهاية الطوفان، وعلى هذا فهناك شيء مقدّر ترك الوحيُ ذكره لوضوحه، وهو أنّه لمّا انتهى أمر الطوفان وحان وقت نزول ركّاب السفينة إلى الأرض، قيل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ): أي اشربي الماء الذي نبع من باطنك، والتعبير بـ(ابْلَعِي) دليل على سرعة ذهاب الماء حيث إنّ البلع يستعمل فيما إذا كان أكل الطعام غير مقرون بالمضغ على خلاف ما جرت به العادة، وذلك أدلّ على القدرة، وأحقّ بالعبرة.
قوله:(وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي): أي أمسكي وكفّي عن الإمطار (وَغِيضَ الْمَاءُ): أي غار الماء الذي فاضت به الأرض بسبب الأمر الإلهيّ، وذهب في باطنها(وَقُضِيَ الأَمْرُ): أي نَفَذَ الأمر بإهلاك الظالمين ونجاة نوح ومن معه (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ): أي استقرّت السفينة على الجبل المعروف (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)دعاء عليهم بالبُعد من الرحمة.

استواء السفينة على الجوديّ

إنّ الفلك التي أقلّت نوحاً(عليه السلام) ومَن معه استقرّت في نهاية الأمر على الجوديّ، وهو ـ كما قيل ـ جبل بديار بكر من بلاد الجزيرة في جبال تتّصل بجبال أرمينيا. قال في «القاموس المحيط»: والجوديّ جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح(عليه السلام) ويسمّى في التوراة آراراط.
وقال في «مراصد الاطلاع»: جبل مطلّ على جزيرة ابن عمر في

صفحه 140
شرقي دجلة، من أعمال الموصل.
وجاء في تفسير القمي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: واستوت السفينة على جبل الجوديّ وهو بالموصل جبل عظيم.(1)
وكلّ ذلك أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها، والعلم عند الله سبحانه وعند مَن علّمهم من المعصومين.

الجانب البلاغي في الآية

بلغت هذه الآية من مراتب الإعجاز أقاصيها وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان، فقد تكلّم صاحب «الطراز في علم الإعجاز» عن الآية على وجه التفصيل، ولخّص السيد الآلوسي في «روح المعاني» من كلام السَّكّاكي وغيره بتصرّف، وتبعهما صاحب المنار، غير أنّ الذي يمكن لنا الإشارة إليه هو في ما ذكرناه في محاضراتنا في «الإلهيات» تحت عنوان آيتان على منضدة التشريح. وإليك ما ذكرناه هناك.
قلنا: هذه الآية الكريمة من بدائع آيات القرآن الكريم، وهي التي أُنزلت، فأنْزلت قريش معلّقاتها السبع عن جدران الكعبة، والآية شغلت بال عباقرة الأدب، كعبد الله بن المقفع وغيره، وبال أساتذة البديع لأنّها اشتملت على عشرات الأنواع من المحسّنات البديعية، بينما هي لا تتجاوز سبعة عشر لفظاً، وإليك الإشارة إلى بعضها:
1. المناسبة التامّة بين (ابْلَعِي) و(أَقْلِعِي).
2. الاستعارة فيهما.

1 . تفسير القمي:1/328.

صفحه 141
3. الطباق بين الأرض والسماء.
4. المجاز في قوله: (يَا سَمَاءُ)، فإنّ الحقيقة: يا مطر السماء.
5. الإشارة في:(وَغِيضَ الْمَاءُ)، فإنّه عبَّر به عن معان كثيرة، لأنّ الماء لا يغيض حتى يُقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء.
6. الإرداف في قوله:(وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) فإنّه عبّر عن استقرارها في المكان بلفظ قريب من لفظه الحقيقي.
7. التمثيل في قوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ)، فإنّه عبّر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظ بعيد عن المعنى الموضوع.
8. التعليل، فإنّ (غِيضَ الْمَاءُ)، علّة الاستواء.
9. صحّة التقسيم، فإنّه استوعب أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلاّ احتباس ماء السماء، وغَيض الماء النابع من الأرض، وبقاء الماء الذي على ظهرها.
10. الاحتراس في قوله: (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، إذ الدعاء يشعر بأنّهم مستحقّو الهلاك احتراساً من ضعيف يَتوهّم أنّ الهلاك لعمومه، ربما يشمل غير مستحقّه.
11. المساواة، لأنّ لفظ الآية لا يزيد على معناها.
12. حسن النسق، فإنّه تعالى قصّ القصّة وعطف بعضها على بعض بحسن الترتيب.
13. ائتلاف اللَّفظ مع المعنى، لأنّ كلّ لفظة لا يصلح معها غيرها.

صفحه 142
14. الإيجاز، فإنّه تعالى أمر فيها ونهى، وأخبر ونادى، ونعت وسمّى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقصّ من الأنبياء ما لو شرح لاستغرق كتاباً مفرداً.
15. التفهيم، لأنّ أوّل الآية يدلّ على آخرها.
16. التهذيب، لأنّ مفرداتها موصوفة بصفات الحُسن، إذ كلّ لفظة عليها رونق الفصاحة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة وتعقيد التركيب.
17. حسن البيان، لأنّ السامع لا يتوقّف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه.
18. الاعتراض، وهو قوله:(وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ).
19. الكناية، فإنّه لم يُصرّح بمَن أغاض الماء، ولا بمَن قُضي الأمر، ولا بمَن سوّى السفينة وأقرّها في مكانها، ولا بمن قال:(وَقِيلَ بُعْدًا) كما لم يصرّح بقائل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، و (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) في صدر الآية، سالكاً في كلّ واحد من ذلك سبيل الكناية، لأنّ تلك الأُمور العظام لا تتأتّى إلاّ من ذي قدرة قهّارة لا يُغالَب. فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره سبحانه قائل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي)، ولا أن يكون غائض ما غاض، ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، غيره.
20. التعرّض، فإنّه تعالى عرّض بكلّ مَن سلك مسلكهم في تكذيب الرّسل ظلماً، وأنّ الطوفان وتلك الأُمور الهائلة ما كانت إلاّ لأجل ظلمهم.

صفحه 143
21. التمكين، لأنّ الفاصلة مستقرّة في محلّها، مطمئنّة في مكانها غير قلقة ولا مستدعاة.
22. الانسجام، لأنّ الآية بجملتها منسجمة، كالماء الجاري في السلاسة.
23. اشتمالها على بعض البحور الشعرية، إذ قوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)، على وزن «مستفعلن مستفعلن فاعل». (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) على وزن «مفاعلن مفاعل».
24. تنزيل مَن لا يعقل منزلة مَن يعقل في النداء والمخاطبة.
25. الإبهام في قوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) وهو اسم الجبل المعروف، وقيل هو الزِّقّ المنفوخ الذي تستقر عليه السُّفن المائية.
26. المحافظة على فواصل الآيات، فإنّ الرويّ في قوله: (بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) مطابق للآيات المتقدّمة والمتأخّرة.
27. التكرار، كما في «الماء»، معرَّفاً باللام تارة وبالإضافة أُخرى.
28. تخيّل مالكية الأرض، بحيث لها سلطة في إرجاع الماء.
إلى غير ذلك من المحاسن البديعية التي يدركها الممعن في الآية.
فهذه بعض الميزات الواردة في الآية الكريمة، وليس كلّ واحدة منها ولا جميعها أمراً معجزاً، ولكن المجموع أعطى للآية نظماً خاصّاً، وأُسلوباً بديعاً، يعرف الذوق العربي أنّه يغاير سائر الأساليب والنظم الكلامية. وهذا الجمال الطبيعي، يخلق في النفس جذبة روحية خاصّة، كأنّها كهرباء القلوب ومغناطيس الأرواح، ولأجل ذلك يقول الكرماني في كتاب

صفحه 144
«العجائب»:
«أجمع المعاندون على أنّ طوق البشر قاصرٌ عن الإتيان بمثل هذه الآية، بعد أن فتّشوا جميع كلام العرب والعجم، ولم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن نظمها، في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال»(1).(2)
ثمّ إنّ الرازي طرح هنا سؤالاً وقال: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يُغرق الأطفال بسبب جرم الكبار؟ ثم أجاب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ كثيراً من المفسِّرين يقولون إنّ الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يغرق إلاّ مَن بلغ سنّه الأربعين. ثم ردّه بقوله: لو كان الأمر كذلك لكان ذلك آية عجيبة قاهرة، ويبعد مع ظهورها استمرارهم على الكفر.
سورة هود: الآيات 45 ـ 49   
الثاني: أنّه لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله.(3)
يلاحظ عليه: أنّ الجواب الثاني التزام بالإشكال ومبنيٌّ على إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وهو كماترى، لا ينكره مَن راجع وجدانه، فهل المحسن والمسيء عنده سيّان، أو أنّ مَن يقابل الإحسان بالإحسان مثل من يقابل الإحسان بالسيّئة؟
وأمّا ما أورده على الجواب الأوّل فمنقوض بما ذكره سبحانه في قوم

1 . «العجائب» نقلاً عن المعجزة الخالدة للسيد هبة الدين الشهرستاني:60، وقد توفّي
(رحمه الله) في الكاظمين، عام 1386هـ .
2 . الإلهيات:2/308ـ 312، الدار الإسلامية ـ بيروت، 1410هـ/1990م.
3 . تفسير الرازي:17/234.

صفحه 145
فرعون، قال تعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)(1). ومع ذلك فقد استمرّوا على كفرهم.
والأَولى أن يجاب بما ذكره الآلوسي حيث قال: إنّه مجرّد سبب للموت بالنسبة إليهم، وأيّ محذور في إماتة من لا ذنب له، وفي كلّ وقت يميت الله سبحانه من ذلك ما لا يُحصى؟(2)

الآيات: الخامسة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

1 . الأعراف:135.
2 . روح المعاني:12/62.

صفحه 146

المفردات

نادى: دعا.
اهبط: الهبوط: النزول والانحدار.
بسلام منّا: بسلامة منّا ونجاة.
وبركات عليك: أي نِعَم دائمة وخيرات نامية.
أُمم: جمع أُمّة: الجماعة الكثيرة المتّفقة على ملّة واحدة.

التفسير

45 و 46. (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ):

سؤال نوح(عليه السلام) عن سبب غرق ولده

قد تقدّم أنّ ابن النبيّ نوح(عليه السلام)أبى أن يلبّي نداء الوالد المشفق بأن يركب معهم في السفينة، وظلّ سادراً في غيّه إلى أن حال بينه وبين أبيه الموج، فلمّا رأى نوح(عليه السلام) فلذة كبده وثمرة حياته يتقلّب بين الأمواج، ويعاني صرعات الغرق والموت، أراد أن يستنجز وعد الله بنجاة أهله.
والآيتان تتضمّنان سؤال نوح(عليه السلام) عن غرق ابنه، وجواب الله سبحانه

صفحه 147
عنه. وإليك تفسير الآيتين.
(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ) لفظة (نَادَى) حاك عن أنّ تضرّعه كان بصوت عال مستنجزاً وعده في ابنه لأنّه من أهله كما يقول: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) وهذا يدلّ على أنّ ابنه الغريق ولداً صلبياً (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) ولعلّه يشير إلى قوله سبحانه: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ)(1) ولم يفصح(عليه السلام) عن طلبه بنجاة ابنه تأدّباً أمام الله سبحانه، وإلاّ كان يقتضي أن يقول: يلزم ألاّ يغرق ولدي لأنّه من أهلي.
ثمّ إنّه سبحانه أجابه بوجوه ثلاثة:
1. (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح):أي إنّه ذو عمل غير صالح، فليس هو من أهلك الّذين وعدتك نجاتهم.
فإن قلت: لماذا قال: (عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح) ولم يقل «عامل غير صالح»؟
قلت: بما أنّ المراد أنّه كان مُبطناً للكفر ومظهراً للإيمان، والمنافق أشدّ من الكافر، فهو إذاً قد بلغ من الفساد إلى حدّ صار عملاً غير صالح، لا عاملاً غير صالح، على حدّ قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت *** فإنّما هي إقبال وإدبارُ(2)
وبتعبير آخر: صلته بنوح لمّا كانت صلة جسمانية لا صلة روحية، فلا يعدّ مثل هذا ولداً أو أهلاً حقيقة، وما ربما يقال من أنّه لم يكن ولداً صلبياً له، مخالف لظاهر قوله (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي).
2. (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ): أي لا ينبغي لنوح أن يسأل ما ليس

1 . العنكبوت:33.
2 . أي ذات إقبال وإدبار. انظر: التبيان في تفسير القرآن:5/495.

صفحه 148
له به علم.
فإن قلت: إنّ من شأن المؤمن أن يسأل ما ليس له به علم. وبعبارة أُخرى: السؤال عمّا لا يعلم لغاية تحصيل العلم، ليس عيباً، فلماذا خاطبه سبحانه بهذا الملاك؟وقد قال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).(1)
قلت: السؤال عمّا لا يعلم شأن المؤمن بشرط أن لا يكون ممزوجاً بالاعتراض، فلمّا كان سؤاله عنه ممزوجاً به، خاطبه سبحانه بوجه يتضمّن العتاب الخفيف، وقال: (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).
3. (إِنِّي أَعِظُكَ): أي أنهاك (أنْ تَكُونَ مِن) زمرة (الجَاهِلينَ).
فإن قلت: إنّ لازم قوله سبحانه: (أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أنّ النبيّ نوحاً كان منهم أو واقعاً في عتبتهم، وهو لا يناسب شأن الأنبياء المعصومين؟
قلت: إنّ الجهل تارة يطلق في مقابل العلم، وأُخرى في مقابل الحكمة، فبما أنّ سؤال نوح(عليه السلام) كان خارجاً عن حدود الحكمة، خاطبه سبحانه أن لا يكون من تلك الزمرة الذين لا توصف أفعالهم بالحكمة; وذلك لأنّه(عليه السلام) بعد ما كان عالماً بأنّ الله عالم حكيم، فلازم ذلك ترك السؤال لأنّ غرقة كان عدلاً وحكمة، فيكون سؤاله خارجاً عن حدود الحكمة.
وقال ابن جُزيّ الكلبيّ المالكيّ(المتوفّى 741هـ) في تفسير هذه الفقرة: تقديره: أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك

1 . النحل:43.

صفحه 149
وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام.(1)

نقد كلام صاحب المنار في تفسير الآية

ثمّ إنّ صاحب المنار عدّ سؤال نوح(عليه السلام) ما سأله لابنه من مقولة الخطأ في الاجتهاد، وقال: ومثل هذا الاجتهاد لم يُعصم منه الأنبياء فيقعون فيه أحياناً ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربّهم وتكميله إيّاهم آناً بعد آن، بما يصعدون به في معارج العرفان.(2)
والظاهر أنّه تبع في هذا القول ما جاء في تفسير الرازي، فقد ورد فيه: فالزَّلّة الصادرة عن نوح(عليه السلام)، هو أنّه لم يستقص في تعريف ما يدلّ على نفاقه وكفره، بل اجتهد في ذلك، وكان يظنّ أنّه مؤمن، مع أنّه أخطأ في ذلك الاجتهاد، لأنّه كان كافراً فلم يصدر عنه إلاّ الخطأ في هذا الاجتهاد.(3)
أقول: لا شكّ أنّ علم الأنبياء يزيد يوماً بعد يوم، وهذا هو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب من الله سبحانه زيادة العلم، قال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْمًا)(4) وهذا أمر لا غبار عليه، وليس ثمّة ما يمنع من أن يكون الواقع مستوراً عن نوح(عليه السلام) لتظاهر ابنه بالإيمان.
إنّما الكلام في كونهم مخطئين في الاجتهاد في بعض الأوقات، فهذا أمر غير جائز، لأن تسرُّب الخطأ في الاجتهاد يورث الشكّ عند الناس في

1 . التسهيل لعلوم التنزيل:1/398.
2 . تفسير المنار:12/86.
3 . تفسير الرازي:18/5.
4 . طه:114.

صفحه 150
سائر ما يرويه ويحكيه من الوحي، وليس الناس حكماء فيفرّقوا بين تلاوة الوحي وممارسة شيء خارج عن مجال الوحي، حتى لا يضرّ التخلّف في الثاني بالعصمة في الأوّل.
47. (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ):
لمّا أحسّ نوح(عليه السلام) أن طلبه هذا من ساحة الباري تعالى لم يكن صحيحاً وأنّ ابنه كان كافراً في الواقع، توجّه إلى الله معتذراً مستغفراً، و(قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ): أي أعتصم بك أن أسألك ما لا أعلم أنّه صواب، ومعناه الخضوع والتذلّل لله سبحانه ليوفّقه ولا يَكِلَه إلى نفسه (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) قال الطبرسي: إنّما قال ذلك على سبيل التخشّع والاستكانة لله تعالى وإن لم يسبق منه ذنب(1). وقد مرّ أنّه لم يكن عالماً بكفر ولده.
وهذا كلام صورته التوبة وحقيقته الشكر على ما أنعم الله عليه من التعليم والتأديب، أمّا أنّ صورته صورة التوبة، فإنّ في ذلك رجوعاً إلى الله تعالى بالاستعاذة، ولازمها طلب مغفرة الله ورحمته، أي ستره على الإنسان ما فيه زلّته، وشمول عنايته لحاله، والمغفرة بمعنى طلب السِّتر أعمّ من طلبه على المعصية المعروفة عند المتشرّعة، وكلّ ستر إلهي يسعد الإنسان ويجمع شمله.
وأمّا كون حقيقته الشكر، فإنّ العناية الإلهية التي حالت بينه وبين

1 . مجمع البيان:5/318.

صفحه 151
السؤال الذي كان يوجب دخوله في زمرة الجاهلين، كانت ستراً إلهياً على زلّة في طريقه، ورحمة ونعمة أنعم الله سبحانه بها عليه، فقوله:(وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) بمعنى أنّه إن لم تُعذني من الزلاّت، لخسرت، فهو ثناء وشكر لصنعه الجميل.(1)
وتظهر حقيقة هذا الكلام ممّا قدمناه في قصة آدم من أنّ كثيراً من المباحات تعدّ ذنباً نسبيّاً بالنسبة إلى طبقة خاصّة من الأولياء والأنبياء، فعند صدور مثل ذلك يجب عليهم ـ تكميلاً لعصمتهم ـ طلب الغفران والرحمة، حتى لا يكونوا من الخاسرين، وليس الخسران منحصراً بالإتيان بالمعصية، بل ربّ فعل سائغ يُعدُّ صدوره من الطبقة العليا خسراناً وخيبة، كما أوضحناه في قصة آدم(عليه السلام).
نعم لم يصدر من شيخ الأنبياء في ذلك المقام فعل، غير أنّه وقع في مظنّة صدور ذلك الفعل منه، وهو السؤال عمّا لا يعلم، فلأجل ذلك صحّ له أن يطلب الستر على تلك الحالة بالعناية الإلهية الحائلة بينه وبين صدوره.
إلى هنا تبيّن مفاد الآيات وأنّه ليس فيها إشعار بصدور الذَّنب، بل حتى ما يوجب العتاب واللَّوم.
ثمّ إنّ لبعض المفسِّرين من العدلية أجوبة أُخرى للأسئلة المطروحة ـ حول عصمة الأنبياء(عليهم السلام)ـ ، فمَن أراد الوقوف عليها، فليرجع إلى مظانّها.(2)

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:10/238.
2 . لاحظ: تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى:18ـ19; مجمع البيان:3/167; بحار الأنوار:11/313ـ 314، وغيرها.

صفحه 152
48. (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ):

استواء سفينة نوح(عليه السلام) على الجوديّ

لمّا استوت السفينة على الجوديّ خوطب نوح(عليه السلام) بأمرين:
1. (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا). التعبير بالهبوط في (اهْبِطْ)إمّا لأجل وقوف السفينة على الجوديّ وهو جبل فوق الأرض فناسب أن يقال (اهْبِطْ)، أو أنّ سطح السفينة للخروج كان عالياً كما هو الرائج فقيل (اهْبِطْ بِسَلاَم).
والسلام يطلق ويراد به تارة السَّلامة وأُخرى التحيّة، غير أنّ المراد في الآية هو الأوّل; لأنّ قوله في آخر الآية: (ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) يؤيّد أن المراد هو السَّلامة.
2. (وَبَرَكَات عَلَيْكَ) أُريد بها الخيرات الكثيرة; وذلك لأنّ الطوفان قد دمّر كلّ آثار الحياة على الأرض التي غمرتها المياه، الأمر الذي اقتضى إنزال البركات على نوح(عليه السلام) ومن معه حتّى يعيشوا في ظلّ بركات جديدة، كما قال:(وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ)ولفظة «مِن» في (ممّن) بيانية وأُريد بها الأُمم الصالحة من أصحاب السفينة إذ كانوا كلّهم سعداء (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ). ولعلّه سبحانه أراد قوم عاد وثمود ومن تلاهم .
إنّما الكلام: هل هذه الأُمم المعذّبون من ذرّية نوح أو من ذرّية مَن كان معه في السفينة؟ الظاهر أنّ هؤلاء المعذَّبون كانوا من ذرّية نوح لا من

صفحه 153
ذرية مَن معه في الفلك; لأنّه سبحانه يقول: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ)(1)، وظاهر هذه الآية أنّ الباقين في الأرض كانوا من ذرّية نوح فقط لا من ذرّية غيره، فالأقوام التي نشأت بعد الطوفان وهلكوا كانوا قسماً من ذرّية نوح لا ذرّية غيره، ولم يكن لغيره ذرّية فلم يعقبوا أو أعقبوا وماتوا بلا عقب، ولذلك يعدّ نوح الأب الثاني للإنسانية.
يقول الرازي: إنّه تعالى صيّر نوحاً أبا البشر لأن جميع مَن بقي كانوا من نسله وعند هذا قال هذا القائل: إنّه لمّا خرج نوح من السفينة مات كلّ مَن كان معه ممّن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلاّ من ذريّته، فالخلق كلّهم من نسله وذرّيته. وقال آخرون: لم يكن في سفينة نوح (عليه السلام)إلاّ مَن كان من نسله وذرّيته، وعلى التقديرين فالخلق كلّهم إنّما تولّدوا منه ومن أولاده، والدليل عليه قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ)(2) فثبت أنّ نوحاً (عليه السلام)كان آدم الأصغر، فهذا هو المراد من البركات الّتي وعده الله بها.(3)
49. (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ):
الإشارة بـ(تِلْكَ) إلى ما تقدّم من قصّة نوح(عليه السلام) من أوّلها إلى آخرها، ووصفها بأنّها (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ)، إشارة إلى أنّها وصلت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . الصافات:77.
2 . الصافات:77.
3 . تفسير الرازي: 18 / 7 .

صفحه 154
من جانب ربّه بوساطة الوحي، وقوله:(نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ)تفسير للغيب (مِنْ قَبْلِ هَذَا)الإيحاء إليك، وهو دليل واضح على صحّة نبوّتك ورسالتك، فعلى المنصفين أن يخضعوا لندائك، فإن تمادوا في الغيّ (فَاصْبِرْ)على مشاقّ الرسالة وأذى القوم، فإنّ الصبر شيمة الأنبياء وبه يصل المرء إلى مقاصده السامية، لكنّ صبر الأنبياء لا يقاس بصبر غيرهم، وهذا هو النبيّ نوح قد مكث في قومه (950) عاماً صابراً على معاناة التبليغ والإرشاد.
(إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) كما عُلمت من قصّة نوح، فإنّ المتقين نجَوا، وغيرهم غرق.
بقيت هنا مسائل نشير إليها:
الأُولى: إذا ولد الإنسان من ماء الرجل ونشأ في رحم الأُم يوصف بأنّه ولد لهما، سواء أكان بينهما صلة معنوية أو لا، ولذلك يمكن أن يكون الوالد مسيحياً والولد مادّياً، لكن الإسلام يعتقد أنّ الولد الحقيقي وراء الرابطة المادّية عبارة عمّا يكون بين الوالد والولد من صلة معنوية ومن عقيدة واحدة تجمعهما، ولذلك وُصف ابن نوح بأنّه (عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح)بل سُلبت منه تلك العلاقة، أعني: كونه من أهله.
وبعبارة أُخرى: العلائق المادّية إنّما تُحترم إذا كانت مبنيّة على علائق روحية وإلاّ تنقطع تلك العلائق.
الثانية: رسّخ القرآن الكريم من خلال قصة امرأة نوح (وامرأة لوط أيضاً) قاعدة ربّانية ذات أثر كبير في حياة المجتمع وفي تقييم المواقف، وهي أنّ تزكية الإنسان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإيمانه وإخلاصه وحسن سيرته

صفحه 155
وصدق سريرته، وأنّ الرابطة الأُسرية وآصرة القربى من أزكى الناس وأطهرهم، لا تُجدي شيئاً إذا لم تعزّزها العقيدة الصالحة والأعمال المثمرة والمسلك القويم.
إنّ أسوأ ما قام به المنتفعون والمتحجّرون، هو استغلال وشائج القربى وإيحاءاتها الباطلة في خلق مقامات زائفة لهم بين الناس، وإضفاء صفة القدسية على أنفسهم وعلى آرائهم ومواقفهم.
والمثل الّذي ضربه الله تعالى في هذا المجال، مستوحىً من امرأتي نوح ولوط، فهما على صلتهما بنبيّين كريمين، كانتا رمزاً للكفر والخيانة، ولم تنفعهما تلك الصلة في قليل ولا كثير (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).(1)
وفي قبال ذلك يعرض القرآن صورة لامرأة عاشت في قصر مليء بأسباب الراحة والترف والنعيم، وقائم على الكفر والظلم والطغيان، فلم ترهب هذا، ولم تغترّ بذاك، بل آثرت العزّ الباقي والنعيم الدائم في جوار الله على العزّ الكاذب والنعيم الزائل في ظلال القصر، فنالتهما ولم يضرّها كفر وظلم صاحب القصر وأعوانه، قال تعالى:(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّني مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّني مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(2)

1 . التحريم:10.
2 . التحريم:11.

صفحه 156

الثالثة: هل كان الطوفان عالميّاً؟

اختلف العلماء في موقفهم من هذا الأمر، ففريق رجّح شمول الطوفان للأرض كلّها، وقد ذهب بعضهم إلى حدّ تبنّي هذا الرأي، وفريق آخر رجّح وقوعه في جزء من الأرض، وقد مال بعضهم إلى تبنّي هذا الرأي، وثالث لم يرجّح هذا ولا ذاك، واعتبر إبداء الرأي في هذا المجال يدخل في إطار الظنّ ولا يستند إلى أدلّة واضحة، وأنّ معرفته ليست بذات قيمة في تحقيق أهداف القصص القرآنيّ.
ويعتمد الفريق الأوّل في ترجيحه على عدد من الشواهد والقرائن، منها ظاهر الآيات الكريمة، كإطلاق لفظ الأرض في قصة نوح (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)، (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)(1)، والأمر بحمل زوجين اثنين من كلّ جنس من أجناس الحيوان، فلو كان الطوفان ـ كما يقولون ـ خاصّاً بناحية من نواحي الأرض لما كان ثمّة حاجة إلى الأمر بحمل ذلك(2)، ومنها وجود بعض الأصداف والأسماك المتحجّرة في أعالي الجبال، وهو دليل ـ كما يقولون ـ على أنّ الماء قد صعد إليها، ولن يكون ذلك حتّى يكون قد عمّ الأرض.
وأُجيب عن هذه الشواهد والقرائن بما يلي:
1. أنّ القرآن المجيد يذكر الأرض ويريد بها منطقة معيَّنة، كقوله تعالى حكاية عن خطاب فرعون لموسى وهارون(عليهما السلام): (وَتَكُونَ لَكُمَا

1 . نوح:25.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/264.

صفحه 157
الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ)(1) يعني أرض مصر، وقوله: (وَ إِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا)(2) والمراد بها مكّة المكرّمة.
2. أنّ حمل الأحياء في السفينة، ربما يكون بهدف المحافظة على نسلها من الانقطاع في القسم الذي عمّه الطوفان، خصوصاً أنّ نقل الحيوانات وانتقالها في ذلك اليوم لم يكن أمراً هيّناً.(3)
ونقول: إنّ عالَم الأحياء الّتي تعيش على الأرض عالم واسع جداً، ويضمّ أنواعاً لا حصر لها، تعدّ بعشرات أو مئات الآلاف من الأنواع، ولا ندري كيف نتصور أنّ نوحاً(عليه السلام) قد حمل جنسين من كلّ نوع من هذا الكم الهائل من الأنواع، وأنّ السفينة قد استوعبت كلّ ذلك؟!
3. أنّ وجود الأصداف وغيرها في قُلل الجبال قد يكون لأسباب أُخرى غير طوفان نوح(عليه السلام).
هذه الإجابات وبعض القرائن حدت بالفريق الثاني إلى ترجيح حدوث الطوفان في جانب من الأرض.
ومن المسائل الّتي ذُكرت لدعم القول بمحدودية الطوفان، هي أنّ طوفان نوح كان بمثابة العقاب لقومه، وليس هنا ـ كما يقولون ـ دليل على أنّ دعوة نوح شملت الأرض كلّها، وعادة فإنّ وصول دعوة نوح في مثل زمانه إلى جميع نقاط الأرض أمر بعيد.(4)

1 . يونس:78.
2 . الإسراء:76.
3 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:6/501.
4 . الأمثل في تفيسر كتاب الله المنزل:6/502. وانظر تفسير المراغي:23/67(ط. دار إحياء التراث العربي).

صفحه 158
ونقول: إذا سلّمنا بافتقارنا إلى دليل يدلّ على شمول دعوة نوح(عليه السلام)، واستبعدنا وصول دعوته إلى جميع نقاط الأرض، فإنّ الدليل يعوزنا أيضاً في إثبات أنّ الأرض كلّها كانت مأهولة بالسكّان، خصوصاً إذا لاحظنا هذين الأمرين:
1. قرب العهد بين نوح وآدم أبي البشر(عليهما السلام). وإذا صحّ ما ذكره المؤرّخون والنسّابون من وجود ثمانية آباء بينهما،(1) أدركنا حجم المجتمع البشري آنذاك، وعدم تفرّقه في مناطق نائية جدّاً.
2. ما اشتهر على ألسنة المؤرِّخين والمفسِّرين بأنّ جميع البشر ـ بعد حادثة الطوفان ـ هم من ذرّية نوح(عليه السلام)، ولذا اعتبروه الأب الثاني للبشر ـ كما مرّ ـ ، وثمة من يقول بأنّهم من ذرّيته(عليه السلام) ومن ذرّية من كان معه في السفينة. وهذان القولان يستلزمان عدم وجود أُمم (غير أُمّة نوح) في بعض الأقطار الشاسعة.

الرابعة: دروس وعبر في قصة نوح(عليه السلام)

قد سردنا لك قصة نوح مع قومه على ضوء الآيات الكريمة معرضين عمّا جاء حولها من القصص والحكايات الّتي ربما لا تنسجم
مع القرآن الكريم والعقل الحصيف، بقي الكلام في الوقفات الّتي
يستفاد منها تعليمياً وتربوياً، والعبر الّتي يمكن استلالها من خلال تدبّر الآيات:

1 . قالوا: هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس بن لود( أو يارد) بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم
(عليه السلام).

صفحه 159
1. يظهر من كلام كثير من المفسرين أنّ نوحاً(عليه السلام) هو أوّل مرسل بشريعة شاملة لكلّ المجتمع البشري، وقد بُعث ومعه كتاب (سُمّي بصحيفة النور)، وهو أوّل الكتب السماوية المشتملة على شريعة. وممّا استدلّوا به على ذلك، قوله سبحانه:(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ).(1)
قال العلاّمة الطباطبائي عند تفسيره لهذه الآية: إنّ المراد ممّا وصّى به نوحاً، شريعة نوح(عليه السلام)، وإنّ شريعته كانت محدودة بما هو الأهمّ من العقائد والأعمال، ولذا عبّر عنها بالتوصية دون الإيحاء (وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) الّذي اختصّت به شريعة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) لكونها جامعة لكلّ ما جلّ ودقّ، محتويةً على الأهمّ وغيره.(2)
وقال أيضاً: إنّ الآية في مقام الامتنان على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا يقضي بأنّ الشرائع الإلهية المنزّلة على البشر هي هذه الّتي ذُكرت لا غير، وأوّل ما ذُكر من الشرائع، شريعة نوح.(3)
وممّا يعزّز ذلك، ما ورد في تفسير قوله تعالى:(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا

1 . الشورى:13.
2 . انظر الميزان في تفسير القرآن:18/28، ولكن الظاهر أنّ المراد من
(مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) هو قوله:(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا) وكأنّه بدل من الموصول في (مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) ولعلّه ـ رضوان الله عليه ـ أراد بالشريعة ما ذكرناه.
3 . الميزان في تفسير القرآن:10/263.

صفحه 160
الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)(1) حيث جاء في كثير من التفاسير أنّ المراد بأُولي العزم: مَن أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة مَن تقدّم من الأنبياء، وهم خمسة: أوّلهم نوح ثمّ إبراهيم ثمّ موسى ثمّ عيسى ثمّ خاتم الرُّسل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم). وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق(عليهما السلام).(2)
روى سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): قول الله عزّ وجلّ:(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ)فقال: «نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد صلّى الله عليه وآله وعليهم»، قلت: كيف صاروا أُولي العزم؟ قال:«لأنّ نوحاً بعث بكتاب وشريعة، وكلّ مَن جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه، حتّى جاء إبراهيم(عليه السلام) بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفراً به فكلُّ نبيّ جاء بعد إبراهيم(عليه السلام) أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف، حتّى جاء موسى بالتّوراة وشريعته ومنهاجه، وبعزيمة ترك الصحف، وكلُّ نبيّ جاء بعد موسى(عليه السلام) أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه، حتّى جاء المسيح(عليه السلام) بالإنجيل; وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، فكلُّ نبيّ جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه، حتّى جاء محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلالٌ إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أُولو العزم من الرسل(عليهم السلام)».(3)
2. قد اشتهر بين المفسّرين وغيرهم أنّ رسالات أُولي العزم من الرسل (وأوّلهم نوح)، كانت عالمية. ولعلّ ظاهر رواية سماعة بن مهران

1 . الأحقاف:35.
2 . التبيان:9/287; مجمع البيان:5/94(طبعة صيدا); تفسير البيضاوي:2/398.
3 . الكافي:2/17ـ 18، برقم 2.

صفحه 161
يؤيّد هذا الرأي، حيث عطفت رسالة نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على رسالاتهم، ولا شكّ أنّ رسالة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عالمية أوّلاً وخاتمة للرسالات ثانياً. فتكون رسالة مَن تقدّمه عالمية مثلها.
لكنّ الظاهر من بعض الآيات أنّه بعث إلى قومه، يقول سبحانه:(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)(1)، وقال سبحانه مخاطباً نوحاً: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ)(2); وإرساله إلى قومه وإن كان لا ينافي إرساله إلى غيرهم، لكن الاقتصار على القوم دون أن يكون فيه خصوصية قد يدلّ على حصر رسالته بهداية قومه.
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّه لم يكن في الأرض ـ حين بُعث نوح ـ غير قومه وعشيرته، وعندئذ تكون رسالته عالمية بهذا المعنى. وقد تقدّم الحديث عن ذلك في مبحث (هل كان الطوفان عالمياً؟).
3. إلغاء الامتيازات الناجمة عن التقديس الزائف للثروة والجاه، وخلقُ تصوّر جديد قائم على اعتبار الإيمان والتقوى ملاكاً للفضل والفضيلة، وتجسيده في الواقع باحتضان النبيّ نوح(عليه السلام) للمؤمنين المستضعفين والمحرومين والدفاع عنهم أمام دعوات المترفين الطغاة لطردهم وإبعادهم:
ما الفقرُ عارٌ وإنْ كشّفتَ عَوْرَتَهُ *** وإنّما العار مالٌ غيرُ محمودِ(3)
4. أنّ حياة النبيّ نوح على امتدادها كانت حياة حافلة بالجهاد

1 . نوح:1.
2 . هود:36.
3 . البيت للشريف الرضي في ديوانه:1/244.

صفحه 162
والكفاح الدائبيْن، وقد واجه كلّ عناد قومه وجهلهم وتمرّدهم وسماجتهم بصبر عجيب، وعزم راسخ، واستقامة لا تعرف الزيغ والانحراف.
وتعتبر حياته(عليه السلام) دروساً بليغة في الإيمان بالله والتسليم له والثبات والمضيّ على الحقّ، حريّ بالعاملين من أجل تحقيق القيم والمبادئ الإلهية، أن يستذكروها كلّما ألمّ بهم ضعف أو ملل أو تعب من أهوال الطريق وشدائده.
5. أنّ انتهاز فرص الخير واستثمار ما أُتيح من النعم وورود ينابيع الخير، هي ضمانة الفوز والنجاة وسلامة المسيرة، ولكنّ الركون إلى النفس، والانسياق وراء أهوائها، يودي بها ويوردها موارد الهلكة.
ألاترى ابن نوح مع قربه من منهل الخير ومصدر النور، قد زلّ وهلك، لمّا غفل عنهما، فلم يُصدر عن ذاك، ولم يستضئ بهذا:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظره *** إذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلَم(1)
6. أنّ زمام القوى المادية كلّها بيد الله جلّت قدرته، وهي سرعان ما تنهار إذا شاءت إرادته، فلا تنفع من يعتصم بها. وليس هذا دعوةً إلى رفض الأسباب الطبيعية وعدم الأخذ بها، بل دعوة إلى التمسّك بها مع الإيمان بأنّها غير مستقلّة بذاتها، بل خاضعة لإرادة الله وتعمل بمشيئته، ولذا خاب ظنُّ ابن نوح في النجاة من الهلاك بارتقاء جبل من الجبال، لأنّ الله قضى بأن يقطع الأسباب جميعاً، غير سبب واحد (الفُلك)، وأن لا يعصم إلاّ مَن يعتصم به.

1 . البيت للمتنبيّ في ديوانه:262.

صفحه 163
7. أنّ الإصلاح والتغيير على نوعين: تدريجيّ وجذريّ، ولكلّ منهما مجال خاص، فإذا ظهر الفساد في بعض جوانب المجتمع بشكل جزئيّ وكانت الأركان سالمة عن دبيب الفساد، فالإصلاحات الجزئية التدريجية أفضل أُسلوب لإصلاح هذا المجتمع.
وأمّا إذا دبّ الفساد في أركان المجتمع وانتشر فيه بصورة وسيعة فالإصلاحات الجزئية دواء لا ينتج إلاّ الداء، فهذا المجتمع لا يصلح إلاّ بالتغيير الجذريّ الشامل. فإذا لم يوجد في المجتمع إلاّ الفساد ولم يكن هناك أي مُناد للإصلاح فآخر الدواء الكيّ، ولا يصلح إلاّ بإهلاكهم وإبادتهم. وهذا هو نظير مجتمع نوح(عليه السلام)فقد طهّر الله هذه الأرض من هذه العناصر الفاسدة الّتي لا تلد إلاّ الكفر والفجور، وهذه هي سيرة الله سبحانه الماضية في الأقوام الّتي تلتهم.
8. أنّ مرافقة المؤمنين وصحبة الأولياء إنّما يظهر أثرها إذا صادفت قلباً زاكياً، وأمّا إذا اسودّ القلب وانسدّت نوافذه، فالصحبة لا تلد إلاّ وزراً ووبالاً، كما هو الحال في امرأة نوح الّتي لم تنفعها مصاحبة زوجها ليلاً ونهاراً في مسكنه ومضجعه.
9. قد يبلغ التحجّر والجمود بالإنسان إلى درجة يرفض معها كلّ مناقشة وحوار، ويُغلق نوافذ عقله أمام كلّ منطق وحجّة وبرهان، فلا يقبل إلاّ ما يمليه عليه تفكيره واعتقاده، وإن كان نتاجَ جهل وهوىً وغرور، «فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي، وَالضَّلاَلَ فِي

صفحه 164
الْمَغَاوِي».(1)
10. أنّ القرآن الكريم قد عرض من قصة نوح (كما هو الشأن في سائر القصص) ما هو موضع العبرة والعظة والفائدة مع مراعاة مقام النبيّ وسموّه وعظمته انسجاماً مع دعوة القرآن إلى إعلاء شأن القيم والفضائل وأصحابها، على خلاف التوراة المتداولة(المحرّفة) الّتي أساءت لساحته المقدّسة، استجابة لنزعة الحقد لدى اليهود وسعيهم إلى تحقير الإنسان وإهدار كرامته ونشر الفساد في الأرض.
وممّا جاء في التوراة على سبيل المثال: وابتدأ نوح فلاّحاً وغرس كَرْماً، وشرب من الخمر فسكر، وتعرّى في خبائه، فأبصر حام... .(2)
وثمة أُمور في قصة نوح خالف القرآن فيها التوراة الّتي تحدّثت مثلاً عن نجاة امرأة نوح، ولم تتطرّق إلى قصة ابن نوح الّذي أبى أن يركب السفينة، فكان من المغرقين.
سورة هود: الآيات 50 ـ52    
والحقّ أنّ هذا الاختلاف يُعد من الأدلّة على صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وارتباطه بالغيب (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ)(3)، إذ لم تكن هذه المعلومات متداولة بين أبناء عصره، كما أنّها تثبت صدق القرآن وهيمنته على سائر الكتب السماوية (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 153. والمغاوي: جمع مِغواة، وهي الشبهة يذهب معها الإنسان إلى ما يخالف الحقّ.
2 . الإصحاح التاسع من سفر التكوين.
3 . هود:49.

صفحه 165
مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ).(1)

الآيات: الخمسون إلى الثانية والخمسين

(وَإِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).

المفردات

أخاهم: وُصِفَ هود بكونه أخا عاد لأنّه من نسبهم كما يقال: يا أخا العرب، بمعنى يا عربيّ، وفي المقام: يا عاديّ. ومنه يعلم معنى قول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث خاطب رجلاً بقوله: يا أخا كلب، عندما قال الرجل لعليّ: لقد أُعطيت علم الغيب يا أمير المؤمنين، فضحك(عليه السلام) وقال للرجل ـ وكان كلبيّاً ـ : «يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْم»(2)، فهو بمعنى: يا كلبيّ، أي المنسوب إلى قبيلة بني كلاب.
فطرني: خلَقني، الفَطْر هو الشَّقّ، فكأنّ الإيجاد شَقٌّ للعدم، وإيجاد للوجود من بطنه وداخله.

1 . المائدة:48.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 128.

صفحه 166
مِدراراً: المِدرار: صيغة مبالغة كقوله: مِعْطار، ومِقْدام، وهو من الدُّرور أي الصبّ، فيكون المعنى: غزيراً، والمراد الدارّ الكثير، المتتابع على قدر الحاجة إليه دون الزائد المفسد المضرّ.
قوّة: أُريد بها هنا المال والولد.

التفسير

القصة الثانية: قصّة هود(عليه السلام)

تقدّمت قصّة هود في سورة الأعراف ضمن ثمان آيات، ووردت في سورتنا هذه ضمن إحدى عشرة آية، ولكلّ منهما سياق وأُسلوب ونظم خاص، وفي كلّ منهما من العلم والعبرة والموعظة ما ليس في الآخر. وستأتي قصّته في سورة الشعراء بأُسلوب ونظم آخر، وكذا في سورة (المؤمنون)، و(الأحقاف) بدون ذكر اسمه(عليه السلام)، وذُكر عقاب قومه(عاد) في السور التالية: فُصّلت والذاريات والقمر والحاقّة والفجر.(1)
ثمّ إنّ ذكر قصة نبيّ من الأنبياء في سور مختلفة دون وجود أي اختلاف في المضمون هو أفضل دليل على أنّ القرآن وحي منزل من الله سبحانه، كما أنّ تكرار القصة في كلّ مورد لغاية خاصّة وغرض آخر، لا يُعدّ من الأُمور المُخلّة بالبلاغة.
لقد شاءت إرادة الله تعالى أن تستمر خلافة الإنسان في الأرض بعد

1 . تفسير المنار:12/114.

صفحه 167
أن أهلك قوم نوح بذنوبهم، إذ أنشأ من بعدهم أُمماً، كما وعد نوحاً بقوله: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)(1).
فكان قوم عاد ـ وهم من ذرية نوح ـ من الأُمم التي أخبر سبحانه أنّهم يُمتَّعون ثمّ يُعذَّبون بسبب طغيانهم، وقد بعث الله إليهم هوداً لأجل هدايتهم وتذكيرهم.
ولعلّ الله تبارك وتعالى قد بعث بعد الطوفان رسلاً قبل هود لم يقصص علينا قصصهم، كما قال (وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ).(2)
ويستفاد من الآيات التالية أنّ مضمون دعوته كان يتلخّص في أُمور ثلاثة:
1. الدعوة إلى عبادة الله وحده والتنزُّه عن عبادة غيره.
2. عدم طلب الأجر على دعوته.
3. أنّ الرجوع إلى الله يزيد في النِّعم.
وهذه الأُصول الثلاثة تستفاد من الآيات التالية.
أمّا الأوّل: أعني الدعوة إلى عبادة الله وحده، والتحذير من عبادة غيره تعالى، ففي قوله جلّ شأنه:
50. (وَإِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ

1 . هود:48.
2 . النساء: 164 .

صفحه 168
إِلَه غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ):
قوله:(وَإِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا) عطف على قوله: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)(1) فتقدير الآية: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، واعلم أنّه تعالى وصف هوداً بأنّه أخوهم. ومعلوم أنّ تلك الأُخوّة ما كانت في الدين، وإنّما كانت في النَّسب، لأنّ هوداً كان رجلاً من قبيلة عاد، وهي قبيلة من العرب، وكانوا يسكنون الأحقاف (بين بلاد الشام واليمن).
(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ) الفقرة تدلّ على أنّهم كانوا مشركين في العبادة، وبما أنّ العبادة من خصائص مَن هو إله، علّل قوله: (اعْبُدُوا اللهَ) بقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ) وبما أنّهم كانوا يعبدون غير الله، صاروا كاذبين في ادّعاء أُلوهيّة أصنامهم، كما يقول: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ): أي كاذبون في وصفهم آلهة. والآية بإيجازها اشتملت على أُمور:
1. إرسال هود إلى قوم عاد.
2. أمرهم بعبادة الله تعالى.
3. تعليل الأمر بحصر الألوهية في الله سبحانه.
4. وصف القوم بكونهم كاذبين في وصف الأصنام آلهة. ويا لله من هذا الإيجاز وكثرة المعاني.
يقول الرازي: دخلت بلاد الهند فرأيت أُولئك الكفّار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله، وأكثر بلاد الترك أيضاً كذلك، وإنّما الشأن في عبادة الأوثان، فإنّها آفة عمّت أكثر أطراف الأرض. وهكذا الأمر كان في ذلك

1 . هود:25.

صفحه 169
الزمان، أعني: زمان نوح وهود وصالح(عليهم السلام)، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام فكان قول (اعْبُدُوا اللهَ)معناه لا تعبدوا غير الله. والدليل عليه أنّه قال عقيبه: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)وذلك يدلّ على أنّ المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام .(1)
51. (يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):

الثاني: عدم طلب الأجر على دعوته

عقّب نبيُّ الله هود(عليه السلام) كلامه المتقدّم بأنّه لا يطلب منهم أجراً وقال: (يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) حتى تتّهموني بأنّي استدرّ به نفعاً. وقد اقتدى بكلامه هذا بالنبيّ نوح(عليه السلام) حيث قال: (وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ)(2)، وهنا قال هود(عليه السلام): (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) فإنّ الذي فطرني وأبدعني وخلقني هو الذي يرزقني (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): أي أفلا تتفكّرون فيما أدعوكم إليه وأنّي أُريد به صلاحكم؟
ثمّ إنّ تذكير النبيَّين بعدم طلب الأجر يعرب عن وجود فكرة شيطانية عند القوم بأنّ دعوة الدعاة لأجل الاستدرار وكسب المال، والنبيّان العظيمان نفيا عن نفسيهما ذلك بتاتاً، ونسبا الأجر إلى الله غير أنّ نوحاً(عليه السلام)

1 . تفسير الرازي: 18 / 10 .
2 . هود:29.

صفحه 170
قال: (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ) بينما قال هود(عليه السلام): (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي). وفيه إشارة إلى وجه كون أجره عليه.
إنّ سيرة الأنبياء العظام وكلّ المصلحين جرت على الإخلاص في الدعوة والتبليغ وترفُّعهم عن طلب الأجر، إيماناً منهم بأهدافهم وتفانيهم من أجلها، فإنّ الأهداف عندهم أعزّ من النَّفس والنَّفيس.
52. (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ):

الاستغفار يزيد في النعم

يخاطب النبيُّ هود(عليه السلام) قومه بقوله: (وَيَا قَوْمِ) مرّة بعد أُخرى استعطافاً، وأنّه منهم ولا يريد إلاّ خيرهم، فلو أمر بالتوحيد ونبذ الشِّرك فلأجل أنّ الإيمان بالله وعبادته والاستغفار يزيد في النِّعم، كما يقول:(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أمرهم بالاستغفار وهو طلب المغفرة للذَّنب وعدم المؤاخذة على ما مضى منهم من الشِّرك، ثمّ أمر بالتوبة وهو النَّدم على ما مضى والعزم على عدم العود، فتكون النتيجة الاستمرار على خطّ التوحيد.
ثمّ إنّه(عليه السلام) يذكر جزاء هذا العمل (الاستغفار والتوبة) وهو أمران:
1. (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) وكأنّ بين الإقلاع عن الذَّنب في المستقبل والنَّدم على ما سلف، وكثرة النِّعم، صلة. وقد سبقه إلى هذا الوعد النبيّ نوح، قال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ

صفحه 171
مِدْرَارًا)(1).
ومن المحتمل أنّه أُريد من السماء هنا المطر، تسمية للشيء باسم مصدره، أي يرسل المطر مدراراً، فقد كانت قبيلة (عاد) أهل زرع وكُروم، وكانوا بحاجة إلى الماء.
ثمّ التركيز على كونه سبحانه يمطرهم مدراراً لأجل أنّ مساكنهم كان تُعرف بالأحقاف، جمع حِقْف وهو الرمل، ومثل هذه الأرض شديدة الحاجة إلى الماء لأنّ الرمل يسرع إليه الجفاف إذا قلّ المطر.
يظهر من بعض المأثورات أنّ الله أمسك عن (عاد) القطر ثلاث سنين، فقال لهم هود:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) فأبَوا إلاّ تمادياً.(2) ويؤيّده قوله سبحانه في حقّ هؤلاء:(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).(3)
2. (وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) التي جعلها فيكم. ويظهر من بعض الآيات أنّ القوم كانوا معجبين بقوة رجالهم كما يحكيه سبحانه بقوله:(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)(4).
قال الرازي: ذكر المفسّرون أنّ قوم عاد كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال:

1 . نوح:10ـ 11.
2 . الدر المنثور:4/442.
3 . الأحقاف:24.
4 . فصّلت:15.

صفحه 172
أحدهما: أنّ بساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطّيب والبهجة، والدليل عليه قوله:(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ)(1).
ثانيهما: أنّهم كانوا في غاية القوّة والبطش، ولذلك قالوا:(مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)(2). ولمّا كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين، وعدهم هود(عليه السلام) أنّهم لو تركوا عبادة الأصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة، فإنّ الله تعالى يقوّي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيهما درجات كثيرة، ولذلك قال: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) والمدرار: الكثير الدَّرّ، وهو من أبنية المبالغة (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) وفُسِّر بالمال والولد، لأنّ كلّ ذلك ممّا يتقوّى به الإنسان.(3)
وذكر الزمخشري: عن الحسن بن علي (عليه السلام)أنّه وفد على معاوية فلمّا خرج تبعه بعض حجّابه فقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي فعلّمني شيئاً لعلّ الله يرزقني ولداً، فقال: عليك بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتّى ربّما استغفر في يوم واحد سبعمئة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته ممّ قال ذلك؟ فوفد وفدة أُخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود (عليه السلام): (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)وقول نوح (عليه السلام)(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ).(4)
ثمّ إنّه يظهر من قوله:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ

1 . الفجر:7ـ 8.
2 . فصّلت: 15.
3 . تفسير الرازي:18/11ـ 12. ولاحظ: تفسير المنار:12/116.
4 . تفسير الكشّاف: 2 / 221 .

صفحه 173
مِدْرَارًا) أنّ هناك علاقة بين الأُمور المعنوية والأُمور المادّية حيث إنّ الاستغفار والإقلاع عن الذنب صار سبباً لإمطار السماء وزيادة القوّة، وهذه الحقيقة قد نصّ عليها القرآن الكريم في غير واحدة من الآيات، كما مرّ عليك آنفاً، وأوضح آية تدلّ على تلك العلائق قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)(1)، فهناك إذاً علاقة ورابطة تكوينية بين الإقلاع عن الذنوب والإيمان والتقوى، وبين نزول النِّعم على الإنسان أو المجتمع وإن لم ندركها ولم نقف على سببها.
قال الطبرسي في تفسير سورة نوح: روى الرَّبيع بن صَبيح أنّ رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: أُدعُ الله أن يرزقني ابناً، فقال له استغفر الله، فقلنا: أتاك رجال يشكون أبواباً، ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كلّهم بالاستغفار، فقال: ما قلت ذلك من ذات نفسي، إنّما اعتبرت فيه قول الله تعالى حكاية عن نبيّه نوح، أنّه قال لقومه:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) إلى آخره.(2)
أقول: المراد بالحسن هنا الحسن البصري(المتوفّى 110هـ)، لا الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام)، والرَّبيع هذا بصريّ، وهو من الرواة عن الحسن البصريّ(3)، وقد توفّي سنة (160هـ).(4)

1 . الأعراف:96.
2 . مجمع البيان:10/147.
3 . ميزان الاعتدال:2/41 برقم 2741.
4 . تقريب التهذيب:1/245 برقم 44.

صفحه 174

تحذير هود قومه من التولّي

وفي نهاية المطاف حذّرهم من التولّي عن دعوته إلى التوحيد، فبعد أن أنجز النبيّ هود(عليه السلام) ما عليه من المسؤولية وأوضح لهم نهج الحقّ، حذّرهم من مخالفته بمعنى التولّي عن التوحيد إلى الشِّرك، وقال: (وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ): أي لا تُعرضوا عمّا دعوتكم إليه من التوحيد مُصرِّين على إجرامكم وآثامكم، وقد أفاض الله سبحانه نعمه عليكم.
سورة هود: الآيات 53 ـ 57    

الآيات: الثالثة والخمسون إلى السابعة والخمسين

(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ).

المفردات

اعتراك: أصابك.

صفحه 175
بناصيتها: الناصية: شَعر مقدَّم الرأس، والأخذ بالناصية تمثيل للتمكّن من الأمر، كما تقول في الدُّعاء: ناصيتي بيدك.

التفسير

53. (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ):

إجابة قوم هود دعوة نبيّهم(عليه السلام) بالرَّفض

واجه الكافرون دعوة هود بالرَّفض بأُمور ثلاثة، وهي:
1. ادّعاؤهم أنّه لم يجئ بالمعجزة التي تثبت صلته بالله تعالى.
2. أنّهم ليسوا بتاركي عبادة آلهتهم لأجل قوله.
3. أنّهم ليسوا بمصدّقين له.
أمّا الأمر الأوّل، فأُشير إليه بقوله:(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة) ولعلّ مرادهم المعجزة التي اقترحوها والتي ربما لا تكون دليلاً على صلة الداعي بالله سبحانه، نظير اقتراح مشركي قريش على النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أُموراً مستحيلة أو غير دالّة على صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، وإلاّ فيمتنع أن يبعث الله نبيّاً إلى قوم عتاة معاندين بلا بيّنة تدلّ على صلته بالله سبحانه إلى حدٍّ احتمل فيه بعض المفسِّرين أنّهم كذبوا في قولهم هذا، وإلاّ فالنبيّ هود جاءهم

1 . لاحظ: الإسراء:90ـ 94.

صفحه 176
بالبيّنة. والأفضل ما ذكرنا.
وأمّا الثاني، فهو ما أُشير إليه بقوله:(وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ): أي لا نتركها تركاً صادراً عن قولك بأن يكون كلامك سبباً لتركنا الآلهة. وهذا يدلّ على كبرهم وعنادهم، وأنّه لو أتى بما يطلبون من المعاجز لن يتركوا آلهتهم.
وأمّا الثالث، فهو ما أُشير إليه بقوله:(وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ). وبما أنّ نفي الإيمان بدعوة هود(عليه السلام) يثير سؤالاً، وهو أنّه لماذا لا يؤمنون بدعوته؟ جاء الجواب الذي حكاه عنهم سبحانه في الآية التالية.
54 و 55. (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ):

اتّهام هود(عليه السلام) باختلال العقل

زعم قوم هود أنّ بعض آلهتهم قد مسّت هوداً بضُرّ لأجل سبّه إيّاها، فصار ذلك سبباً لاختلال عقله والدعوة على خلاف الرأي العام كما يقول: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ): أي أصابك (بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء) وهذه التُّهمة بنفسها تدلّ على أنّهم لم يجدوا في حياته وسلوكه شَيناً يصفونه به، وإلاّ لطبّلوا وزمّروا له وما كلّفوا أنفسهم هذا العناء في خلق هذه التُّهمة.
وهذه شنشنة نعرفها من كلّ جاهل يبرّر مناهضته لإصلاح المصلحين، أعني: إلصاق تُهمة الجنون بهم،ولذلك نرى أن النبيّ

صفحه 177
الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)رُميَ بهذه التُّهمة أيضاً، يقول سبحانه: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)(1) وقد وردت هذه التُّهمة في عدّة مواضع من القرآن الكريم.(2)

موقف هود(عليه السلام) الحازم من قومه وآلهتهم المدّعاة

قد مرّ أنّه لا يمكن أن يبعث الله رسولاً بلا معجزة باهرة مقنعة لمَن يريد الهداية، وقد كانت لهود(عليه السلام)بيّنة، ولكنّ القوم لم يعتدّوا بها لكونها لا تنسجم مع مقترحاتهم، فعمد(عليه السلام)، في هذه الآية، إلى إقامة بيّنة عقلية تدلّ على أنّ هذه الآلهة فاقدة لكلّ قدرة على توجيه أي سوء وأذية له، وقد أكّد ذلك بالعبارات التالية:
1. (إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ)ووجه إشهاده الله على ما يقول لثقته بأنّه على بيّنة منه سبحانه في دعوته.
2. (وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ) وجه إشهادهم عليه لإعلامهم بعدم مبالاته بهم وبما يزعمون من قدرة شركائهم على إيذائه، أي إن كنتم تزعمون أنّ آلهتكم أصابتني بسوء فإنّي أؤكّد على البراءة منها، ولا اعتدّ بقولكم هذا.
3. دعوة قومه إلى أن يكيدوه مجتمعين ما يستطيعون، كما قال: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ): أي قوموا أنتم وآلهتكم فصبّوا جهودكم على إيذائي وتدبير السُّوء لي.

1 . الحجر: 6 .
2 . انظر: الشعراء: 27; الطور:29; القلم:2; التكوير:22.

صفحه 178
وهذا الموقف الشجاع والحالة الروحية السامية من خصائص الأنبياء، حيث خاطبهم بأنّه لا يخشى أذاهم وجبروتهم ومكرهم بالرغم من شدّة بطشهم(ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ): أي لا تمهلونِ إن استطعتم الكيد لي، فأنا لا أخافكم ولا أخاف آلهتكم.
قلنا: هذا هو منطق الأنبياء الذين لا يخافون لومة لائم، ونرى هذا المنطق نفسه يجهر به نوح(عليه السلام)ويقول:(وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ)(1)، كما أنّه منطق النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ذاته، إذ خاطب قريشاً بقوله: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنْظِرُونِ)(2).
يقول الرازي: واعلم أنّ هذا معجزة قاهرة، وذلك أنّ الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال لهم: بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجّلون، فإنّه لا يقول هذا إلاّ إذا كان واثقاً من عند الله تعالى بأنّه يحفظه ويصونه عن كيد الأعداء.(3)
56. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
الآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:

1 . يونس:71.
2 . الأعراف:195.
3 . تفسير الرازي: 18 / 13 .

صفحه 179
1. توكّل النبيّ هود على الله الذي هو ربّه وربّ قومه.
2. أنّ كلّ دابة في قبضته وهو قاهر لها.
3. أنّ ربّه على صراط مستقيم فيما يحكم ويقضي.
أمّا الأوّل، فأُشير إليه بقوله: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) وكأنّه دليل واحتجاج على عدم خوفه منهم ومن آلهتهم لأنّه وَكَل أمر حفظه إلى ربّ العالمين، وهو ربّ الكلّ.
وأمّا الثاني، فأُشير إليه بقوله: (مَا مِنْ دَابَّة)تدبّ على الأرض (إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا). قد مرّ أنّ الناصية شَعر مقدَّم الرأس، وهو تمثيل للقهر والتمكّن من الأمر.
واعلم أنّ العرب إذا وصفوا إنساناً بالذلّة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلاّ بيد فلان، أي إنّه مطيع له، لأنّ كلّ مَن أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزّوا ناصيته، ليكون ذلك علامة لقهره، فخوطبوا بالقرآن بما يعرفون(1)، فتكون الآية كناية عن كونه القاهر فوق عباده، ولا مهرب ولا مفرّ لأحد من قدرته، وأنتم أيضاً تحت قدرته.
وأمّا الثالث، فأُشير إليه بقوله:(إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)، وليس كونه على صراط مستقيم إلاّ كون سُننه في الخليقة على منهاج العدل والحكمة، كما أنّ سُننه في التشريع والتقنين كذلك، فهو يُحقُّ الحقّ ويُبطل الباطل.

1 . تفسير الرازي:18/13.

صفحه 180
وعن علي (عليه السلام)في قوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) يعني أنّه على حقّ، يجزي بالإحسان إحساناً، وبالسيِّئ سيّئاً، ويعفو عمّن يشاء ويغفر، سبحانه وتعالى.(1)
57. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ):
سورة هود: الآيات 58 ـ 60    
كأنّ هذه الآية فصل الخطاب بأنّكم إن تولّيتم عمّا بلّغتكم ولم تنتهوا عن أعمالكم الإجرامية، فقد أتممت الحجّة عليكم، كما يقول:(فَإِنْ تَوَلَّوْا): أي فإن تُعرضوا عن الاستجابة لدعوتي (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ): أي أبلغتكم رسالة ربّي التي أُمرت بتبليغها، فإن بقيتم على هذه الحالة فقد حقّت عليكم كلمة العذاب بأن يهلككم ويطهّر الأرض من وجودكم (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) كما كان الحال في الأُمّة السابقة، حيث أهلك قوم نوح واستخلفكم مكانهم، فإن تماديتم في الشِّرك فستجري عليكم السُّنّة نفسها فيستأصلكم ويأتي بخلق هو أطوع لله منكم (وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا)بإصراركم على الكفر، ومن ثمّ لا تضرّون رسوله (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْء حَفِيظٌ): أي رقيب، فهو رقيب على أعمالكم وأعمال عامّة العباد لا يعزب عن علمه عازب ولا يفوت من قدرته فائت. وبما أنّه سبحانه أعلم بأحوالكم يُذهب بكم، وبما أنّ الأرض لا تخلو من خليفة لله يستخلف

1 . تفسير العياشي: 2 /312 برقم 2029.

صفحه 181
قوماً غيركم، وقد جرت عليه سنّتُه وتعلّقت به مشيئتُه.

الآيات: الثامنة والخمسون إلى الستين

(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد * وَ أُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِعَاد قَوْمِ هُود).

المفردات

جاء: اقترب.
أمرنا: الأمر: أُريد به الأمر التكوينيّ، أي العذاب، فيكون معنى قوله: (جاءَ أَمْرُنا): أي اقترب عذابنا. ويمكن أن يكون جاء بالمعنى اللُّغوي بتقدير الوقت، أي جاء وقت أمرنا. والأوّل أبلغ.
غليظ: شديد. وفي المجمع: الثقيل العظيم.(1)
جحدوا: الجحد: الإنكار الشديد.
اتبّعوا: أطاعوا.
جبّار: الجبّار إذا وصف به غير الله سبحانه فهو بمعنى المتكبِّر العاتي،

1 . مجمع البيان:5/324.

صفحه 182
وأمّا لو وصف به الله عزّ وجلّ فهو إمّا بمعنى كون إرادته نافذة، أو بمعنى كونه عالياً لا يُنال.
عنيد: مبالغة في المعاندة، وهي مخالفة الحقّ مع العلم به.
أُتبعوا: أي لحقتهم لعنتان في الدنيا والآخرة.
لعنة: اللَّعن: الإبعاد من كلّ خير.

التفسير

هذه الآيات الثلاث تدلّ على أُمور ثلاثة:
1. إنجاء هود(عليه السلام) ومن آمن معه.
2. بيان أوصاف القوم، التي استحقّوا بها العذاب.
3. إبعادهم من رحمة الله في كلا الدّارين.
وإليك بيان هذه الأُمور:
58. (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ):

الأمر الأوّل: إنجاء هود(عليه السلام) ومن آمن معه

لمّا بلغ القوم من الجهل والعناد مبلغاً راحوا معه يصوّرون عبادة الآلهة أمراً حقّاً وعبادة الله وحده أمراً باطلاً، ويتّهمون نبيَّهم بكونه مصاباً ببعض آلهتهم، ولم يكن يُرجى منهم أيّ صلاح وفلاح في الأرض،

صفحه 183
استحقّوا أن تُطهّر الأرض منهم، كما يقول:(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) التكوينيّ، فاقترب عذابنا أو جاء وقت أمرنا(نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا)الظاهر أنّ المراد من قوله:(بِرَحْمَة)هي الرحمة الخاصّة بالمؤمنين، والتي هي مظهر لأحد أسمائه الحسنى، أعني: (الرحيم)، ثمّ (وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ): أي من عذاب شديد، وهو عذاب الاستئصال، وقد عبّر عنه سبحانه في آية بالرِّيح العقيم، قال:(وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)(1)، وفي آية أُخرى:«بِرِيح صَرْصَر» قال تعالى:(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة).(2)
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله): وهذه استعارة لأنّ العذاب في الحقيقة لا يوصف بالغلظ ولا بالدقّة، لأنّه الألم الذي يلحق الحيّ في قلبه أو جسمه، وإنّما وصفه سبحانه تعالى بالغلظ على طريقة كلام العرب لأنّهم يصفون الأمر الهيّن بالضؤولة والدقّة، كما يصفون الأمر الشاقّ بالغلظ والشدّة.(3)
59. (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد):

الأمر الثاني: بيان أوصاف القوم، التي استحقّوا بها العذاب

تذكر هذه الآية سبب نزول العذاب(وَتِلْكَ عَادٌ) التي تضمّنت الآيات

1 . الذاريات:41.
2 . الحاقّة:6.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:62.

صفحه 184
السابقة ذكرهم، فسيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا بما آل إليه أمرهم حينما بدت منهم مواقف ثلاثة:
1. (جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ): أي كفروا بالآيات التي تدلّ على أنّ الربّ واحد لا كثير، وما اتّخذوه من الآلهة ليس لهم من الأُلوهية إلاّ الاسم.
2. (وَعَصَوْا رُسُلَهُ)وإنّما قال ذلك مع أنّهم عصوا رسوله هوداً، لأنّ عصيان الواحد عصيان للجميع لوحدة المنهج، وهو الدعوة إلى التوحيد في الربوبيّة والعبادة.
3. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد) وساروا تحت ركابهم، فكانوا عوناً لهم على الظلم والاستبداد والتمادي في الباطل، وخصماً للحقّ والعدل والإصلاح، فالقوم إذاً كانوا على طبقتين: قادة، وأتباع، وهؤلاء مكان أن يستضيئوا بنور عقولهم وينضمّوا إلى أهل الحقّ، كانوا يتّبعون (أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد) من رؤسائهم الطغاة العتاة، الذين جحدوا البيّنات.
60. (وَ أُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِعَاد قَوْمِ هُود):

الأمر الثالث: إبعادهم من رحمة الله في كلا الدارين

الآية تحكي أنّه لحقت بهم لعنتان من الله تعالى:
لعنة في الدنيا كما في قوله:(وَ أُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً): أي إبعاداً من رحمة الله، وآية ذلك هلاكهم بالعذاب. ويحتمل أن يراد: أنّ كلّ مَنْ وقف على سيرتهم لعنهم.

صفحه 185
ولعنة في الآخرة كما يقول:(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)ومظهرها يومذاك عذاب الجحيم. ولعلّ المراد أنّ الأشهاد يلعنونهم، وفي نهاية المطاف يُشهد على كفرهم بربّهم (أَلاَ)أيّها الناس اشهدوا على (إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ)إمّا بربوبيّته سبحانه، حيث أسندوا بعض الظواهر الكونية إلى أصنامهم، أو في العبادة، حيث عبدوا أجساماً خاوية من الحسّ والشعور، فصارت نتيجة ذلك شهادة أُخرى (أَلاَ بُعْدًا لِعَاد قَوْمِ هُود)دعاء عليهم بالإبعاد من الرحمة، وقد كرّر ذلك تعظيماً لأمره.

كلمة في قوم هود(عليه السلام)

إنّ النبيّ هوداً هو النبيّ الثاني ـ على احتمال ـ من الله سبحانه إلى الناس، بُعث لتهديم الوثنية والدعوة إلى التوحيد في العبادة. وذكر المؤرّخون نسبه إلى نوح بالنحو التالي: هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وكان قومه يسكنون الأحقاف كما جاء في قوله تعالى:(وَاذْكُرْ أَخَا عَاد إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ).(1)
وقد جاء تفصيل قصّتهم في سورة الأحقاف أبسط ممّا ذكر في المقام، كما أنّه سبحانه تحدّث عنهم في سور أُخرى.(2)
يُذكر أنّ اسم النبيّ هود ورد في القرآن الكريم سبع مرات(3) واسم

1 . الأحقاف:21.
2 . لاحظ: الأعراف:65، الفجر:6ـ8.
3 . لاحظ: الأعراف:65، هود:50 و 53 و 58 و60 و89، الشعراء:124.

صفحه 186
الذين بُعث إليهم(عاد) أربعاً وعشرين مرّة(1)، وأمّا التوراة فلم تذكر من قصّته شيئاً، فلولا القرآن الكريم لصارت أثراً بعد ما كانت عيناً.
والمعروف أنّ هوداً(عليه السلام) هو أوّل مَن تكلّم باللغة العربية فهو أوّل رسول عربيّ. ومن أراد الإحاطة بقصّة هود بتفاصيلها فعليه الرجوع إلى كتابنا القصص القرآنية.(2) وسيوافيك تفصيل حياتهم في تفسيرنا لسورتي الشعراء والأحقاف.
سورة هود: الآية 61    

الآية: الحادية والستون

(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ).

المفردات

أنشأكم: الإنشاء: الإيجاد ابتداء من غيراستعانة بشيء من الأسباب، كما يقال: أنشأ فلان حديثاً أو شعراً.
استعمركم: من العُمران، أي جعلكم قادرين على عمران الأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ: الأعراف:45، 74، التوبة:70، هود:50، 59، 60، 89 ، إبراهيم:9، الحج: 42، الفرقان:38، الشعراء:123، 124، العنكبوت:38، ص:12، غافر:31، فصلت:13، 15، الأحقاف: 21، ق: 13، الذاريات: 41، القمر:18، النجم:50، الحاقّة:4، الفجر:6.
2 . لاحظ: القصص القرآنية:1/137ـ161.

صفحه 187

التفسير

القصّة الثالثة: قصّة النبيّ صالح(عليه السلام)

تعلّقت مشيئته سبحانه بهداية البشر إلى الحياة الروحية بالإضافة إلى حياتهم المادّية، وذلك من خلال بعث الأنبياء إليهم، كما شاءت إرادته تعالى أن يصبّ العذاب على الأُمم الغابرة ويهلكهم إذا دلّت الأمارات القطعيّة على أنّهم لا يؤمنون، بل يستكبرون، كما عرفنا ذلك في دراستنا لحياة قوم نوح وقوم هود.
لقد ورثت (ثمودُ) الأرضَ من بعد (عاد)، وأرسل الله إليهم نبيّهم صالحاً(عليه السلام)، وهو ثالث الأنبياء المذكورين في القرآن ممّن دعوا إلى التوحيد، وناهضوا الشِّرك، وقد ذكره تعالى بعد نوح وهود(عليهما السلام)، كما أنّه النبيّ الثاني من العرب، وقد سكن قومه (الحِجر) بين الحجاز والشام.
يُذكر أنّ قصّة ثمود ونبيَّهم صالحاً(عليه السلام) قد جاء ذكرها في سور أُخرى من القرآن الكريم، وهي: الأعراف، والحِجر، والشعراء، والنَّحل، وفصّلت، والذاريات، والنَّجم، والقمر، والحاقّة، والشمس، وورد اسم صالح فيها تسع مرّات.(1)
وقد ذكر تعالى قصّتهم في هذه السورة ضمن ثمان عشرة آية، والآية التي نحن بصدد تفسيرها تُعرب عن محتوى رسالته، وهو الدعوة إلى التوحيد في العبادة، حيث كان القوم غارقين في الوثنية، فقال:

1 . لاحظ: الأعراف:73 و 75 و 77، هود: 61، 62، 66، 89 ، الشعراء:142، النحل:45.

صفحه 188
61. (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ):
قوله:(وَإِلَى ثَمُودَ)عطف على قوله:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)وتقدير الآية: أرسلنا أخاهم صالحاً إلى ثمود (قَالَ يَا قَوْمِ) هي كلمة استعطاف وإخبار بأنّه منهم ولا يبتغي إلاّ خيرهم. ثم خاطبهم بأمرين: إيجابيّ وسلبيّ.
أمّا الأوّل فهو: (اعْبُدُوا اللهَ) فإنّ العبادة والخضوع من خصائص الموجود الجامع لكافّة صفات الجمال والكمال.
وأمّا الثاني، أي السلبيّ فهو قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ). والعبارة هنا هي العبارة ذاتها التي نطق بها هود(عليه السلام) حيث قال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ).(1) وهو يدلّ على أنّ جميع الأنبياء بعثوا لأصل واحد وهو نشر التوحيد والمنع من عبادة غير الله.
ثم أشار إلى أمرين مستدِلاًّ بهما على لزوم اختصاص العبادة بالله سبحانه:
1. (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ): أي ابتدأ خلقكم من الأرض لأنّه خلق آدم من تراب، وأمّا غيره فكلّ إنسان يتولّد من النطفة التي تتخلّق من نبات الأرض ومياهها.

1 . هود:50.

صفحه 189
2. (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا): أي جعلكم قادرين على عمارة الأرض، فأنتم بين زارع وصانع وبنّاء. أو طلب منكم عمارة الأرض، كما طلب من غيركم; فقد روي عن أمير المؤمنين أنّه قال: «مَن وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله».(1)
فمقتضى كونه منشئاً للإنسان من الأرض، وجعله قادراً على عمارتها، أن لا يعبد إلاّ إيّاه.
وتظهر حقيقة كونهم عمّاراً للأرض ممّا جاء في سائر السور، ففي سورة الأعراف قال تعالى:(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)(2)، وفي سورة الشعراء قال تعالى:(أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّات وَعُيُون * وَزُرُوع وَ نَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ)(3) والغاية من ذكر قوله سبحانه:(وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هو الدعوة إلى عبادة الله لكونه المُنعم دون غيره.
وبما أنّ القوم قد صرفوا أعمارهم في عبادة الأوثان، كانت هنا مظنّة سؤال، وهو أنّهم إذا رفضوا الوثنية وعبدوا الله كيف يكون حال ما سبق من أعمالهم، فلأجل الإجابة عن هذا السؤال قال:(فَاسْتَغْفِرُوهُ): أي اقلعوا عن الذنب وكونوا نادمين على ما سبق (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) جازمين على عدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . وسائل الشيعة: 12، الباب9، من أبواب مقدّمات التجارة (باب استحباب العمل باليد)، الحديث 13.
2 . الأعراف:74.
3 . الشعراء:146ـ149.

صفحه 190
الرجوع. وقد تقدّم نظير ذلك في قصّة هود حيث قال:(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)(1)، (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ)لا يخفى عليه استغفاركم (مُجِيبٌ)لدعوة عباده.

الظلّ القاتم للفظ (الاستعمار)

من غريب الأمر أنّ لفظة (الاستعمار) الذي هو بمعنى طلب العمران وتحقيق الرفاه للأُمم، خرجت عن معناها الواقعي واستُعملت في استعباد الأُمم واستغلال خيراتهم وثرواتهم، والتحكّم في مقدّراتهم الاقتصادية والسياسية. لقد جاءت ـ مثلاً ـ القوى الغربيّة إلى الشرق وهي تتظاهر بنوايا صالحة وأنّها تُريد عمران الأراضي وتعمل على تطوير البلدان وازدهارها، ولكنّ ذلك لم يكن سوى واجهة لنواياها الفاسدة، فإنّ تلك القوى لمّا أنشبت مخالبها في البلدان المستعمَرة، كشفت عن غاياتها، وهي الاستعباد والاسترقاق لكن بصورة جديدة، ليّن ظاهرها، قاتل باطنها، وإلى الله المشتكى.
سورة هود: الآيات 62 ـ 68    
قال الوزير المغربيّ: قوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ) فهذا دليل على أنّ الله يريد العمارة دون التخلّي والتبتُّل بالوحدة. وكانت ثمود قد أُطيلت أعمارهم حتى أنّ الرجل يبني البناء من المَدَر فتنهدم وهو حيّ، فاتّخذوا البيوت من الجبال.(2)
 

1 . هود: 52.
2 . المصابيح في تفسير القرآن:573.

صفحه 191

الآيات: الثانية والستون إلى الثامنة والستين

(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير * وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب* فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لَِثمُودَ).

المفردات

مرجوّاً: نرجو منك الخير.
مريب:ما يورث التُّهمة والرِّيبة.
تخسير: خسران.
داركم: أُريد بالدار هنا البَلَد الذي كانوا يعيشون فيه، لا الدار بمعنى

صفحه 192
البيت .
جاثمين: ساقطين على وجوههم. يقول الرازي: الجثوم هو السكون: يقال للطير إذا باتت في أوكارها أنّها جثمت، ثم إنّ العرب أطلقوا هذا اللَّفظ على ما لا يتحرّك من الموت، فوصف الله تعالى هؤلاء المهلَكين بأنّهم سكنوا عند الهلاك، حتّى كأنّهم ما كانوا أحياء.(1)
لم يَغنَوا فيها: لم يقيموا فيها، يقال: غَنيَ بالمكان إذا أقام فيه.
بُعداً:طرداً من الرحمة.

التفسير

62. (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب):

اعتذار قوم صالح عن عدم قبول دعوته

اعتذر قوم صالح(عليه السلام) عن عدم قبولهم دعوته بقولهم:(يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا): أي كانت لك مكانة عالية عندنا لما لمسنا منك من العقل والرأي، فبَعد ما نهيتنا عن عبادة الأوثان خاب ظنُّنا فيك، لأنّك تخالف السِّيرة المستمرّة بين أجدادنا وآبائنا إلى يومنا هذا، قالوا: (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا): أي أتنهانا عن السنّة المقدّسة العريقة في قومنا، والتي

1 . تفسير الرازي: 18 / 22 .

صفحه 193
بها يتّحد قومنا؟! وفي التعبير عن سنّة عبادة الأوثان بقولهم: (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) دون أن يقولوا: أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا، لأجل بيان استمرار السنّة إلى زمان الحوار، بخلاف التعبير الثاني فإنّه لا يحكي عن الاستمرار.(1) ولأجل مخالفتك للرأي العام والسنّة المقدّسة (وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب): أي في شك من صحّة ما تدعونا إليه، وأمرك مريب يوجب التُّهمة.
وما اعتذر به قوم صالح(عليه السلام) هو منطق الوثنيّين في كلّ زمان ومكان، فإنّهم يعتمدون على التقاليد والعادات دون أن يعتمدوا على منطق العقل والفكر. وسيوافيك في ختام تفسير قصّة صالح(عليه السلام) الأُمور المشتركة بين قصّة هود وقصّة صالح.
63. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير):

يقين صالح(عليه السلام) بصدق بعثته وسلامة مسيرته

قد أشرنا غير مرّة أنّ بعث الأنبياء كان في كلّ زمان مقروناً بالمعجزة الباهرة التي تثبت صحّة دعوتهم واتّصالهم بعالم الوحي، ولذلك أجاب صالح(عليه السلام) ـ بهذا المنطق ـ على احتجاجهم ضمن بيان أُمور:
1. (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي) فهل المراد من البيّنة في الآية البصيرة

1 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن: 10 / 312 .

صفحه 194
الإلهية، بمعنى أنّ النبيّ لا يشكّ أنّه مبعوث من الله سبحانه لهداية الناس؟ أو المراد المعجزة الّتي يستدلّ بها النبيّ على نبوته؟
الظاهر هو الأوّل ; لأنّ الأنبياء حينما يتحدّثون أو يتحدّث القرآن الكريم عن بيّناتهم تختلف تعابيرهم أو تعابيره في المقام، ففي عدد من الموارد تُستخدم معها كلمة المجيء، ومنها:
أ. (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ).(1)
ب. (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ).(2)
ج. (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ). (3)
د. (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).(4)
فالمراد بالبيّنة في الموارد المذكورة، المعجزة.
وفي موارد أُخرى يتغيّر التعبير، كما في الآيات التالية:
أ. (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ).(5)
ب. (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ).(6)
ج. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً).(7)

1 . الأنعام:157.
2 . الأعراف: 73 .
3 . الأعراف: 85 .
4 . الأعراف: 105.
5 . هود: 17 .
6 . هود: 28.
7 . هود: 63.

صفحه 195
فاللازم حمل التعبير في هذه الموارد على معنى آخر، وهو البصيرة الإلهية.
ويشهد على ذلك في المقام أنّ النبيّ صالحاً استشهد بالمعجزة بالآية التالية وقال: (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً)(1)، وبذلك يُعلم أنّ تفسير البيِّنة بالمعجزة ـ كما عليه السيد الطباطبائي ـ يخالف ما حقّقه(قدس سره) في غير هذا المقام.
ثمّ إنّ نبيّ الله صالحاً عبّر بقوله: (إِنْ كُنْتُ) مكان قوله:«إذا كنت»، مع أنّ الأوّل يُستعمل في مورد الشكّ، دون الثاني، وكان هو(عليه السلام) على يقين من أمره، ولعلّ الوجه في ذلك، هو رعاية حال المخاطب المخالف، لئلاّ يثير حفيظته .
2. أنّه قد شملته الرحمة الإلهية كما يقول: (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) وأُريد بها النبوّة. وقد تقدّم نظير ذلك في قصة نوح(عليه السلام)(2) وهو دليل على أنّ منطق الأنبياء في تلقّي الدعوة واحد.
3. أنّ هاتين الحجّتين تلزمانه(عليه السلام) بالاستمرار في الدعوة لما في تركها من عصيان الربّ، كما قال: (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) بكتمان الرسالة.
4. أنّ إيثار ما عندهم على ما عند الله، واشتراء رضاهم بسخط الله لا يزيده(عليه السلام) إلاّ خسراناً، كما يقول:(فَمَا تَزِيدُونَنِي)بإصراركم عليّ بترك الدعوة والرجوع إليكم (غَيْرَ تَخْسِير): أي غير الخسران، فإنّ مخالفة الحقّ

1 . هود: 64 .
2 . هود:28.

صفحه 196
خسارة واضحة.
64. (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ):

إشارة صالح(عليه السلام) إلى معجزته الدالّة على صحّة رسالته

في هذه الآية يشير صالح(عليه السلام) إلى معجزته الدالّة على صحّة رسالته، ويحذّرهم من عصيان ما يأمرهم به في شأنها، ويقول:(وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ): أي إن شككتم في دعوتي فهذه الناقة معجزة لي، وإضافتها إلى الله تشريفاً لها، كما يقال: بيت الله، (لَكُمْ آيَةً): أي حجّة ظاهرة(فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ): أي فاتركوها ولا تتعرّضوا لها (وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء) كالقتل والجرح وغيره، وإلاّ(فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ): أي عاجل لا يتأخّر عنكم.
وهنا يثار سؤال: لماذا صارت حجّة صالح(عليه السلام) ومعجزته تلك الناقة؟
والجواب: أنّهم سألوه أن يخرج لهم من إحدى الصخور ـ وأشاروا إلى صخرة منفردة ـ ناقة مخترجة(1) جوفاء وبراء، وقالوا: إن فعلت صدّقناك وآمنّا بك، فسأل صالح(عليه السلام) الله سبحانه ذلك فانصدعت الصخرة صدعاً كادت عقولهم تطير منه، ثمّ اضطربت كالمرأة يأخذها الطَّلْق، ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء.(2)
وروي أيضاً أنّه(عليه السلام) قال لقومه: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم عن

1 . المخترجة ما شابه البُخْت، وهي الإبل الخراسانية.
2 . مجمع البيان:2/441.

صفحه 197
الوجه الّذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدّقون بما أُرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثمّ قام إلى مصلاّه فصلّى لله عزّ وجلّ ما قدر له، ثمّ دعا ربه عزّ وجلّ أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله عزّ وجلّ تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عُشَراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا، أو على الصفة التي نعتوا.(1)
65. (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب):
أوحى الله تعالى إلى صالح(عليه السلام) أنّه سيرسل الناقة اختباراً لهم ليتميّز المطيع من العاصي والطيِّب من الخبيث، وأسفر الامتحان والاختبار عن النتيجة التي كان يتوقّعها ويحسّ بها نبيُّهم من خلال التأكيد عليهم بقوله: (وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء) لكنّ الطغاة أقدموا على عقرها كما يقول:(فَعَقَرُوهَا)يقال: عقر الناقة بالسيف إذا ضرب قوائمها به أو نحرها، ولكن القوم قتلوا الناقة عقب الإنذار، غير مبالين بالوعيد، فضرب لهم صالح(عليه السلام)أجلاً للعذاب، بعد ثلاثة أيام (فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام): أي استمتعوا بحياتكم في دار الدنيا ثلاثة أيام، وهذا الأجل الذي أُجِّلتم به وعد من الله وعَدكم (ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب): أي وعدُ صدق لا كذبَ فيه.

تآمُر أشقيائهم على عقر الناقة

لقد أعمت قومَ صالح العصبية والتبعيّة للآباء والأجداد، فقاموا بعقر

1 . قصص الأنبياء لابن كثير:120.

صفحه 198
حيوان كان يدرّ عليهم باللَّبن في نفس اليوم الذي كان يشرب منه الماء، وكان القوم ممنوعين من الشّرب، حيث روى الكلينيّ بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) قال: قلت له: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَل وَسُعُر)(1) قال: هذا فيما كذّبوا صالحاً، وما أهلك الله عزّ وجلّ قوماً قطّ حتى يبعث قبل ذلك الرُّسل فيحتجُّوا عليهم.
فبعث الله إليهم صالحاً فلم يجيبوه وعَتَوا عليه، وقالوا: لن نؤمن لك حتى تُخرج إلينا من هذه الصخرة ناقة عُشَراء، وكانت الصخرة يعظّمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كلّ سنة ويجتمعون عندها، فقالوا: إن كنت كما تزعم نبيّاً رسولاً فادع لنا إلهك حتى يُخرج لنا من هذه الصخرة الصمّاء ناقة عُشَراء، فأخرجها الله كما طلبوا منه.
ثمّ أوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا صالح قل لهم: إنّ الله قد جعل لهذه الناقة لها شِرب يوم ولكم شِرب يوم فكانت الناقة إذا كان يومها شربت الماء ذلك اليوم فيحبسونها فلا يبقى صغير وكبير إلاّ شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا غدَوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم فمكثوا بذلك ما شاء الله.
ثمّ إنّهم عَتَوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لنا شِرب يوم ولها شِرب يوم. ثم قالوا: مَن الذي يلي قتلها ونجعل له جُعْلاً ما أحبّ؟ فجاءهم رجل أحمر

1 . القمر:23ـ 24.

صفحه 199
أشقر أزرق ولد زنا لا يُعرف له أب يقال له: قُدار، شقيٌّ من الأشقياء مشؤوم عليهم فجعلوا له جُعْلاً.
فلمّا توجّهت الناقة إلى الماء الذي كانت تَردُه تركها حتى شربت وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم يعمل شيئاً، فضربها ضربة أُخرى فقتلها وخرّت إلى الأرض على جنبها، وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل فرغا ثلاث مرات إلى السماء، وأقبل قوم صالح فلم يبق منهم أحد إلاّ شركه في ضربته، واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلاّ أكل منها.
فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم وقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم؟ أعصيتم أمر ربّكم؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح(عليه السلام):إنّ قومك قد طغَوا وبغَوا وقتلوا ناقة بعثها الله إليهم حجّة عليهم ولم يكن لهم فيها ضرر وكان لهم أعظم المنفعة، فقل لهم: إنّي مرسل إليهم عذابي إلى ثلاثة أيام فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت إليهم عذابي في اليوم الثالث.(1)
ثمّ إنّ هنا سؤالاً طرحه الرازي، قال: كيف يعقل أن تظهر فيهم هذه العلامات مطابقة لقول صالح(عليه السلام)ثم يبقون مصرّين على الكفر، ثم أجاب عنه بقوله: مادامت الأمارات غير بالغة إلى حدّ الجزم واليقين لم يمتنع بقاؤهم على الكفر وإذا صارت يقينية قطعية، فقد انتهى الأمر إلى حد الإلجاء، والإيمان في ذلك الوقت غير مقبول.(2)

1 . الكافي:8/187، برقم 214.
2 . تفسير الرازي:18/20.

صفحه 200
يلاحظ عليه: أن التعبير بالإلجاء يشعر بالجبر وسلب الاختيار عنهم وهوغير تامّ، والأولى أن يقال ما في ذيل كلامه من أنّ الإيمان في ذلك غير مقبول; لأنّ الإيمان لأجل الفرار من العذاب ليس إيماناً حقيقياً بل إيماناً عَرَضياً، بحيث إذا ارتفع العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه .
والقصّة بتمامها تكشف عن مدى شقاوتهم وعنادهم وعمى بصيرتهم.
66. (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ):

نزول عذاب الاستئصال على قوم صالح(عليه السلام)

قد مرّ أنّ المراد من الأمر هو الأمر التكويني، أي عذاب الاستئصال، ومعنى قوله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا): أي جاء وقت العذاب، قمنا بأُمور ثلاثة:
1. (نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا): أي برحمة خاصّة بالمؤمنين.
2. (وَ) نجّيناهم (مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذ): أي من خزي ذلك اليوم، وذلَّته وفضيحته.
قوله:(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ): أي مقتدر لا يعجزه في إنجاز وعيده شيء، وغالب على أمره.
وصدر هذه الآية يماثل ما ورد في صدر الآية في قصّة هود، باستثناء أمر واحد، وهو الابتداء في المقام بالفاء، وبالواو هناك. وسوف يوافيك

صفحه 201
وجهه.
67. (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ):
3. هذا هو الأمر الثالث في هذا المشهد الرهيب، قال: (وَأَخَذَ): أي أصاب (الَّذِينَ ظَلَمُوا) وتجاوزوا الحدود، حيث استهانوا بالآية البيّنة، وهي الناقة التي أقدموا على عقرها(الصَّيْحَةُ): أي الصوت الذي تفزع له القلوب.(فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ): أي ساقطين على وجوههم.
ويستفاد من قوله سبحانه:(وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أنّهم أُهلكوا بها، ولكنّ المستفاد ممّا ورد في سورة الأعراف أنّهم هلكوا بالرجفة كما يقول:(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(1) كما أنّ المستفاد من قوله سبحانه: (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ)(2) أنّهم أُهلكوا بالصاعقة، فكيف يتمّ الجمع بينها؟
والجمع بينها، هو أنّ الصاعقة تُحدث رجفة في الأرض وصوتاً مهيباً في الهواء، والصَّيحة العظيمة توجب تموّج الهواء تموّجاً شديداً، وإذا تعدّى إلى صماخ الإنسان يمزّق غشاء الدماغ ويؤدّي إلى الموت، وقد ذكر سبحانه في كلّ سورة شيئاً من هذه الأُمور الثلاثة.
68. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا

1 . الأعراف:78.
2 . الذاريات:44.

صفحه 202
لَِثمُودَ):
كانت الصيحة السماوية الشديدة على حدٍّ لم يبق منهم أي أثر يُلمس، وهذا هو الذي يعبِّر عنه سبحانه بقوله: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا): أي كأن لم يقيموا فيها. ثم شهد سبحانه بأمرين:
1. (أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ): أي كفروا بآيات ربّهم وجحدوها.
2. (أَلاَ بُعْدًا لَِثمُودَ): أي أبعدهم الله من رحمته.
بقيت هنا نكتتان:
1. أنّه سبحانه يقول في قصّة صالح(عليه السلام): (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)مفتتحاً بالفاء، وفي الوقت نفسه جاء هذا التعبير في قصّة هود مفتتحاً بالواو، قال: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)(1) فما هو الفرق؟
ويجاب بأنّه ربما يكون للتنوّع في التعبير، وربما يكون المناسب لقصّة صالح(عليه السلام) هو الفاء لأنّ الفقرات المتقدّمة عليه جاءت كلّها بالفاء، كما في قوله:(فذروها)، وقوله:(فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) وقوله: (فَعَقَرُوهَا)، وهذا خلاف ما مضى من قصة هود إذ ليس فيها هذا النوع من الترتيب.
وأمّا صاحب المنار فبعد ما ذكر ما تقدّم قال: فما كان المناسب في هذا إلاّ أن يكون بالفاء تعقيباً على ما قبله كما قال في آخر سورة الشمس:(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا)(2)، ثم قال: وإنّما بيّنت هذا من نكت البلاغة لأنّني لم

1 . هود:58.
2 . الشمس:13ـ14.

صفحه 203
أره في التفاسير التي تُعنى بها.(1)
2. ما يُستعظم من أنّه كيف يستأصل الله قوماً قتلوا حيواناً واحداً؟
أقول: إنّ عملهم هذا له ظاهر وله باطن، أمّا الأوّل فكما ورد في السؤال، وأمّا الثاني أي باطن هذا العمل، فإنّ الإقدام على عقر الناقة جرأة على الله واستهانة بآياته وبيّناته، وقد عبّروا عن شديد عداوتهم للحقّ وغوايتهم وغلظتهم بأن طلبوا من نبيّهم في تحدٍّ صلف أجوف أن يأتيهم بالعذاب الّذي توعّدهم به، قالوا: (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)(2).
إنّها لجريمة كبرى أن تُنال بسوء آية لله تتجلّى فيها عظمته سبحانه، فتُحرم الأُمّة من خيرها ونفعها. ومن هنا وُصف عاقر الناقة بأنّه أشقى الأوّلين، وكذلك وُصف مَن اغتال الآية الكبرى، ووصيّ المصطفى(عليه السلام)بأنّه أشقى الآخرين.
روى الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يا عليّ أتدري مَن أشقى الأوّلين؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: عاقر الناقة، ثم قال:أتدري من أشقى الآخرين؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: قاتلك...».
وفي رواية أُخرى قال: «أشقى الآخرين مَن يخضّب هذه من هذه»

1 . تفسير المنار:12/125. ولكن ما ذكره منقوض، وذلك أنّه جاءت الفقرة نفسها في قصة لوط مفتتحة بالفاء كما في الآية 82 ، وليس هناك فاء في الفقرات السابقة ولا التالية، فلاحظ.
2 . الأعراف:77.

صفحه 204
وأشار إلى لحيته ورأسه.(1)

الجهات المشتركة بين قصّتي هود وصالح(عليهما السلام)

التدبّر فيما يذكره القرآن الكريم من حجاج النبيَّين(عليهما السلام) مع قومهما، يُظهر أنّ بين القصّتين جهات مشتركة، نشير إليها:

1. الوحدة في الهدف والغاية

يقول النبيّ هود(عليه السلام):(يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)(2).
ويقول النبيّ صالح(عليه السلام): (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)(3).

2. ردّ الدعوة بمنطق واحد

سورة هود: الآيات 69 ـ 76    
اعتذر قوم هود(عليه السلام) بقولهم: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)(4).
واعتذر قوم صالح(عليه السلام) بقولهم:(أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ابَاؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب)(5).

3. نقد الردّ بكلامين متقاربين

ردَّ النبيّ هود على قومه مقالتَهم، بقوله:(إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي

1 . مجمع البيان:2/443.
2 . هود:51.
3 . هود:61.
4 . هود:53.
5 . هود:62.

صفحه 205
بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)(1).
وردّ النبي صالح على قومه مقالتهم، بقوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ).(2)
فنرى أنّ الألفاظ والتعابير وإن كانت مختلفة ولكن روح الحوار من الجانبين واحدة.

الآيات: التاسعة والستون إلى السادسة والسبعين

(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْل حَنِيذ * فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود).

1 . هود:54.
2 . هود:63.

صفحه 206

المفردات

بالبشرى: البشرى: اسم للتبشير والبشارة، وأُريد بالبشارة ما تضمّنته الآية نفسها:(فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)والباء في قوله: (بِالْبُشْرى) للمصاحبة، أي كان مجيئهم مقروناً بالبشارة، وأمّا الإخبار بالتبشير ووقته فلا يدلّ على كونه مقروناً بالمجيء; بل كان متأخّراً عن عملية التكريم.
سلاماً: منصوب بفعل مقدّر هو: سلّمنا سلاماً.
سلام: مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، أي: أمري سلام، نظير قوله:(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).(1)
لبث: اللَّبث: الإبطاء، ومعنى (فَمَا لَبِثَ) هنا: ما أبطأ.
حَنيذ: قال الراغب: حنيذ أي مشويّ بين حجرين، وإنّما يفعل ذلك لتتصبّب عنه اللُّزوجة التي فيه. (2)وفي القاموس: حنذ الشاة يحنذها حنذاً وتحناذاً: شواها وجعل فوقها حجارة محمّاة لتُنضجها، فهي حنيذ، أو هو الحارّ الذي يقطر ماؤه بعد الشَّيّ.(3)
أوجس: أحسّ، فيكون معنى:(وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً): أي أضمر ولم يُظهر.
يا ويلتى: أصلها يا ويلي كما يقال: يا عجباً بدل يا عجبي، وهي كلمة تقال عندما يواجه الإنسان أمراً مهمّاً من بليّة أو فجيعة أو فضيحة تعجُّباً

1 . يوسف:18.
2 . المفردات للراغب:133، مادة «حنذ».
3 . القاموس المحيط:1/352، مادّة«حنذ».

صفحه 207
منها، واستنكاراً لها، وهذه الصيغة تجري على لسان النساء غالباً. وعن الفرّاء: أصل الويل، «وي» وهو الخزي، يقال:«وي» لفلان، أي خزيٌ له، وقوله:«ويلك»: أي خزي لك» وعلى هذا فالألف في «يا ويلتا» مبدَّلة من ياء الإضافة «يا ويلتي».(1)
بعلي: البعل: الزوج، وأصله: القائم بالأُمور.
الرَّوع: الخيفة.
يجادلنا: أي يسائلنا في قوم لوط، لما بينهم من المؤمنين.
لَحليم: الحِلْم: صفة تقتضي تحمّل الأذى والصفح عن الإساءة.
أوّاه: تأوّه تأوُّهاً: إذا توجّع، ومثله: أوّه تأويهاً. قال أبو عبيد:
الأوّاه: المتأوِّه شَفقاً وفَرَقاً، المتضرّع يقيناً ولزوماً للطاعة.(2) وقال
الوزير المغربيّ: شديد التأوّه من خوف الله تعالى. قال عمرو القنا الخارجيّ:
معي كلُّ أوّاه يرى الصوم حسبةً *** وفي الوجه منه نَهْكَةٌ وشحوبُ(3)
منيب: راجع إلى الله سبحانه في جميع أُموره. ويلازمه كونه منقطعاً عن الناس وراجعاً إلى الله تعالى.

1 . تفسير الرازي:18/27.
2 . تهذيب اللغة للأزهري: مادة «أوه».
3 . تفسير المصابيح:576.

صفحه 208

التفسير

القصّة الرابعة: قصّة إبراهيم (عليه السلام)

إنّ إبراهيم(عليه السلام) هو النبي الأعظم الذي أُوتي شريعة وكتاباً والمقامات الثلاثة: النبوّة والرسالة والإمامة، وقد ذكر الله سبحانه في كتابه المجيد اسم نبيه إبراهيم(عليه السلام)(69) مرة في خمس وعشرين سورة.(1)
ولأجل إلقاء الضوء على أبرز مقاصد وأهداف قصّة إبراهيم(عليه السلام)، يجب دراستها من عدّة جوانب، أهمها:
1. فضائله(عليه السلام) وسماته ومنزلته الرفيعة.
2. نشأته(عليه السلام).
3. مناظراته وحواراته مع الوثنيّين، وعَبَدة الأجرام السماوية، وملك عصره المدّعي للربوبيّة.
4. تحطيم الأصنام.
5. إصدار الحكم بإحراقه(عليه السلام).
6. هجرته(عليه السلام) من أرض قومه.

1 . البقرة:124، 125، 126، 127، 130، 133، 135، 136، 140، 258، 260; آل عمران:33، 65، 67، 68، 84، 95، 97; النساء:54، 125، 163; التوبة:70، 114; هود:69، 74، 75، 76; يوسف:6 و 38; إبراهيم:36; الحجر:51; النحل:120، 123; مريم:41، 46، 58; الأنبياء:51، 60، 62، 69; الحج:26، 43، 78; الشعراء:69; العنكبوت:16 و 31; الأحزاب:7; الصافات:83 ، 104، 109; ص:45; الشورى:13; الزخرف:26; الذاريات:24; النجم:37; الحديد:26; الممتحنة:4; الأعلى:19.

صفحه 209
7. مجيء الملائكة إليه وتبشيره بولادة إسحاق ويعقوب، وجداله مع الملائكة في أمر قوم لوط.
8. بناء الكعبة.
9. الابتلاء العظيم.
10. طلب إراءة إحياء الموتى.
11. تنصيبه لمقام الإمامة.
12. مناجاته وأدعيته.
وفي المقام تشير هذه الآيات الثمان إلى جانب من جوانب حياته، وهو حواره مع الملائكة وتبشيرهم إيّاه بالإنجاب، وجداله معهم في أمر لوط، فلذلك نقتصر على تفسير هذا الجانب، تاركين بقية الجوانب إلى محلّها.
هاجر إبراهيم(عليه السلام) إلى أرض فلسطين وهو بعد لم يُرزق ولداً ـ لا ذكراً ولا أُنثى ـ ولمّا ألقى عصا التِّرحال في أرض فلسطين بشّره الله سبحانه بولادة ولدين هما: إسماعيل الحليم وإسحاق العليم، إذ أنجبت (هاجر) ولده إسماعيل أوّلاً، ثمّ بعد فترة أنجبت (سارة) ولده إسحاق.
وقد استجاب الله سبحانه دعاءه، الّذي رفعه إليه تعالى مبتهلاً: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)(1) فحباه الله سبحانه بهذين الولدين على كبر سنّه، فقال:(الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ

1 . الصافات:100.

صفحه 210
الدُّعَاءِ)(1).
وكان (عليه السلام) قد تزوّج بـ(سارة) أوّلاً إلاّ أنّها كانت عاقراً فلم يُرزق منها بولد حتى تقدّمت بهما السنّ، ثمّ تزوّج بجارية مصرية اسمها (هاجر) فرزق منها بإسماعيل.
ثمّ شاء الله سبحانه أن يُبشّره (بواسطة ملائكته) بأنّه سيرزق ولداً من (سارة)، رحمة بأهل هذا البيت وإفاضةً لنعمه عليهم.
وهؤلاء الملائكة هم الرُّسل الذين أُرسلوا إلى إهلاك قوم لوط، وقد نزلوا ـ وهم في مسيرهم إليهم ـ بيت إبراهيم في هيئة الآدميين، فحيّوا إبراهيم بالسلام، فردّ عليهم بمثله.
69. (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْل حَنِيذ):

مجيء الرسل إلى إبراهيم(عليه السلام) مقروناً بالبشرى

قد أخبر تعالى عن مجيء الرُّسل بخبر مؤكّد بالقسم وقال:(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ) تأكيداً لصحّة الخبر، وقد وردوا على بيت إبراهيم متمثّلين بصورة البشر، وتلقّاهم إبراهيم(عليه السلام) على أنّهم من جنس البشر، واختلف في عدد الملائكة، فقيل كانوا ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وقيل غير ذلك. (بِالْبُشْرى): أي مصطحبين بالبشارة دون إظهارها عند الورود، بل أظهروها بعد حين (وهي قضية إنجابه إسحاق وثم منه يعقوب،

1 . إبراهيم:39.

صفحه 211
وسيأتي قوله تعالى فيها)، وردوا على إبراهيم(عليه السلام) و (قَالُوا سَلاَمًا) التعبير حكاية عمّا صدر عنهم أي:نسلّم سلاماً، وكأنّه دعاء للمخاطب، فأجاب إبراهيم (عليه السلام) بقوله: (سَلاَمٌ) وهو أبلغ في الترحيب من كلام الملائكة، فالخليل(عليه السلام)ـ كما نُقل عن بعضهم ـ حيّا بأحسن ممّا حُيِّي به بالنظر إلى الأدب الإلهيّ الذي علّمنا إيّاه القرآن المجيد بقوله تعالى:(وَإِذَا حُيِّيِتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(1) فحكى ذلك بأوجز لفظ في العربية أداء لمعنى كلام إبراهيم. ولعلّ الأبلغية هو إيجاز جوابه بخلاف تحيّة الملائكة، حيث إنّ سلاماً مفعول لفعل مقدّر. ثمّ إنّ وقوع النكرة (سلام) مبتدأ لأجل تضمّنه معنى الكمال: سلام كامل تامّ عليكم.
وبما أنّ إبراهيم(عليه السلام) ظن أنّهم ضيوف قام بإكرامهم كما يقول:(فَمَا لَبِثَ): أي ما أبطأ (أَنْ جَاءَ بِعِجْل حَنِيذ)مشويّ. فقوله: (فَمَا لَبِثَ) دليل على أنّ العجل كان معدّاً لمن يجيء من الضّيوف، فقد كان(عليه السلام)معروفاً بالكرم وحسن الضيافة، وإلاّ فذبح العجل وتطهيره ثم نضجه على الحجارة المحميّة لا ينفكّ عن اللبث والتأخير.
70. (فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط):
لمّا قدّم إبراهيم (عليه السلام) الطّعامَ لهؤلاء المرسلين (الذين ظنّهم بشراً) ورأى أنّ أيديهم لا تمتدّ إلى الطعام، أنكرهم وأضمر منهم خوفاً كما يقول:(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ) الملائكة (لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ): أي إلى الطّعام (نَكِرَهُمْ

1 . النساء:86.

صفحه 212
وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) دون أن يظهرها، فإنّ أهل ذلك الزمان كانوا إذا
أكل بعضهم طعام بعض آمنه صاحب الطعام على نفسه وماله، وربما
قيل في سبب خوفه منهم غير ذلك.(1). وفي هذا الحال التفت الملائكة
إلى خوف إبراهيم منهم ونكرانه لهم فكشفوا له عن حقيقتهم (قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط): أي لا تخف نحن لا نريد بك سوءاً وإنّما أُرسلنا لإهلاك قوم لوط. وفي آية أُخرى:(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ* لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً)(2).
قيل: إنّ إبراهيم قدّم الطعام إلى الملائكة مع علمه بأنّهم ملائكة; وذلك لأنّهم بشّروه حين الورود كما مرّ في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى)(3) وعلى هذا فالعقل لم يكن مانعاً من أكل الملائكة الطّعام، وإنّما عُلم ذلك بالإجماع وبهذه الآية.(4)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذُكر إنّما يكون دليلاً لو كانت البشارة على وجه التفصيل كما في قوله: (لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم)(5)، ولكنّه غير معلوم.
71. (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ):

1 . مجمع البيان:5/341.
2 . الذاريات:32ـ33.
3 . هود: 69 .
4 . نقله الشيخ الطوسي في التبيان في تفسير القرآن:6/28.
5 . الحجر: 53.

صفحه 213

تبشير الرُّسل بأنّه يُرزق ولداً من زوجه العاقر

كانت امرأة إبراهيم(عليه السلام) تسمع ما يجري من حديث بين زوجها والملائكة والله يحكي ذلك بقوله: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ) واحتمل المفسّرون أنّ قيامها كان للخدمة (فَضَحِكَتْ): أي تعجّباً ممّا رأت وسمعت، أو سروراً بالأمن من الخوف، فلذلك رتّب عليه سبحانه البشارة فقال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) وعلى هذا التفسير يكون معنى الآية على النحو التالي:
1. (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ) للخدمة.
2. (فَضَحِكَتْ) ضحكاً لا يفارق التعجّب من البشارة .
3. (فَبَشَّرْنَاهَا) بولدين.
ففي تفسير الآية وجهان:
1. في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: فبشّرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت بعد البشارة، فعلى هذا فالضحك يكون واقعاً في مورده بما قالت: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ).
ويؤيّد ما ذكرناه آية أُخرى: (قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ).(1)
2. أنّ «ضحكت» بمعنى حاضت، وأنّ الضَّحك ـ بفتح الضاد ـ هو الحيض، وعلى هذا فلا يحتاج الكلام إلى تقديم وتأخير، فإنّ ضحكها بمعنى رؤية دم الحيض، وصار ذلك دليلاً على قابليتها للحمل والإنجاب.

1 . الذاريات: 28 ـ 29 .

صفحه 214
وعلى هذا يكون رؤية الدم مرفقة مع البشارة، لكنّه رهنُ ثبوت أنّ الضَّحك في لغة العرب بمعنى رؤية الدم .
72. (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ):
إنّ البشارة التي زفّتها الملائكة لامرأة إبراهيم(عليه السلام) بأن تلد إسحاق ويليه يعقوب وهي عجوز، أثارت عجبها ولذا(قَالَتْ) معربة عن تعجُّبها: (يَا وَيْلَتَى): أي واعجبا (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ): أي امرأة مُسنّة (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا): أي هَرِماً، والبَعْل: الزَّوج. ولمّا كان مثلهما لا يُنجبان، وصفت البشارة بأن يأتيهما ولد بقولها: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ): أي يورث عجب الإنسان.
73. (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ):
لمّا سمعت الملائكة كلام المرأة ووقفوا على إعجابها نبّهوها بقولهم: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) الذي لا يُعجزه شيء، والقادر على إجراء الأُمور على خلاف العادة إذا اقتضت الحكمة؟! هذا عموماً وأمّا بالخصوص فنبّهوا بقولهم: (رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ): أي شملت رحمة الله إبراهيم وأهل بيته بلطفه ورحمته وعنايته. وهذه البشارة هي من شآبيب رحمته وفضله وبركته عليكم(إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)تعليل لما قبله من شمول رحمة الله وبركاته على أهل البيت، ببيان أنّه مصدر كلّ فعل محمود ومَنشأ كلّ كرم وجود يفيض من رحمته (حَمِيدٌ): أي محمود فعله (مَجِيدٌ): أي عظيم

صفحه 215
الشأن لا حدّ لنعمته.
74 و 75. (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ):

مجادلة إبراهيم(عليه السلام) مع الرُّسل في أمر لوط(عليه السلام)

كان إبراهيم(عليه السلام) تساوره نفسه خوفاً(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ)وصار ذهابه مقروناً بالبشارة (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرى) صار ذلك سبباً لأن يجادل الله في قوم لوط، وأمّا ما هي مجادلته، فلم تُذكر في الآية على وجه التفصيل وإنّما أُشير إليها في سورة العنكبوت، قال سبحانه: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)(1)، ولكن الظاهر أنّ دائرة الجدال كانت أوسع من خوفه على لوط ابن أخيه، ففي رواية الصدوق عن أحدهما (عليهما السلام):«...فجادل إبراهيم عنهم وقال: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا) قال جبرئيل (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا)فزاده إبراهيم فقال جبرئيل يا إبراهيم أعرض عن هذا».(2)
وفي «الدر المنثور» قال: حين أخبروه أنّهم أُرسلوا إلى قوم لوط وأنّهم ليسوا إيّاه يُريدون، قال إبراهيم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا:إن كان فيهم خمسون لم نعذِّبهم. قال: أربعون؟ قالوا:

1 . العنكبوت:31ـ 32.
2 . نور الثقلين:2/385.

صفحه 216
وأربعون. قال: ثلاثون؟ قالوا: وثلاثون، حتى بلغ عشرة قالوا: وإن كان فيها عشرة؟ قال: ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير.(1)
والظاهر أنّ مورد الجدال كان في غير المسلمين، لأنّ إبراهيم(عليه السلام) أعلم من كلّ أحد بأنّ الله سبحانه لا يعذِّب بريئاً بذنب المجرم، بل كان جداله في حقّ غير المسلمين، ويدلّ على ذلك وصف إبراهيم(عليه السلام)بقوله:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، حيث وصفه سبحانه بأوصاف ثلاثة لها صلة بمورد الآية:
1. لَحَليم: يدلّ على أنّ جداله كان في أمر يتعلّق بالحلم.
2. أوّاه: فإنّ الحليم يتأوّه ويتوجّع إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير، فلمّا وقف أنّ نزول الملائكة لغاية إهلاك قوم لوط عظم حزنُه بسبب ذلك وأخذ يتأوّه.
3. مُنيب: لأنّ مَن كان ذا شفقة عظيمة على الغير فإنّه يتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم، أو تأخيره لعلّهم يتوبون عن عملهم.(2)
يقول السيد الطباطبائي: إنّ قوله سبحانه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)مسوق لتعليل قوله في الآية السابقة: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوط)وفيه مدح بالغ لإبراهيم (عليه السلام)وبيان أنّه إنّما كان يجادل فيهم لأنّه كان حليماً لا يعاجل نزول العذاب على الظالمين رجاء أن يأخذهم التوفيق فيصلحوا ويستقيموا، وكان كثير التأثّر من ضلال الناس وحلول الهلاك بهم مُراجعاً إلى الله في

1 . الدر المنثور:4/454.
2 . لاحظ: تفسير الرازي:18/30.

صفحه 217
نجاتهم، لا أنّه (عليه السلام)كان يكره عذاب الظالمين وينتصر لهم بما هم ظالمون وحاشاه عن ذلك.(1)
76. (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود):
لمّا استمرّ جدال إبراهيم النابع من كونه حليماً أوّاهاً، مع الملائكة، ولعلّه كان لأجل تأخير العذاب عن قوم لوط رجاء أن يؤمنوا، فتلحقهم رحمة الله، جاء الخطاب القاطع يأمره بالإعراض عن الجدال في أمرهم والاسترحام لهم، كما قال: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) ثم علّل وجه ذلك بقوله: (إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ): أي نفذ القضاء بإهلاكهم بما لا مردّ له ولا تبديل. وقضاء الله على قسمين:
الأوّل: يكون معلّقاً على شرط. والثاني: إذا انتفى يكون المشروط منتفياً، كما هو الحال في رفع العذاب عن قوم يونس حيث كان القضاء بعذابهم مشروطاً بعدم إنابتهم، فلمّا انتفى الشرط انتفى المشروط.
والمورد من القسم الثاني، لأنّ القوم بلغوا من الفساد إلى حدّ لا يرجى معه أي صلاح أو فلاح منهم، كما يقول:(إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) لا يُدفَع بدافع ولا يُبدَّل بمبدِّل (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود): أي غير مدفوع عنهم بدافع، كما قال تعالى: (وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(2).

1 . الميزان في تفسير القرآن: 10 / 326 ـ 327 .
2 . الرعد:41.

صفحه 218
سورة هود: الآيات 77 ـ 80    

الآيات: السابعة والسبعون إلى الثمانين

(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْن شَدِيد).

المفردات

سِيءَ بهم: وقع فيما ساءه وغمَّه بمجيئهم.
ذرعاً: أي طاقة، يقال: ضاق بالأمر ذرعاً، إذا صعب عليه احتماله. والذَّرْع: يوضع موضع الطاقة. والأصل فيه أن يذرع البعير بيديه في سيره ذَرْعاً على قَدْر سَعَة خَطوه، فإذا حملته على أكثر من طَوْقه، ضاق ذَرعه عن ذلك ومدّ عنقه ضعفاً عمّا حُمل عليه، ويقال: ما لي به ذَرْع ولا ذِراع، أي ما لي به طاقة.(1)
عصيب: العصيب: الشّديد في الشَّرّ خاصّة. قال الشاعر:
فإنّك إن لم تُرضِ بَكْرَ بن وائل *** يكن لك يومٌ بالعراق عصيبُ

1 . انظر: تهذيب اللغة للأزهري: مادة «ذرع».

صفحه 219
يُهرعون: يُسرعون. وعن مجاهد: هو مشيٌ بين الهرولة والعَدْو.
لا تخزون: لا تخجلوني.
رشيد: الرَّشيد: ذو الرُّشد والعقل.

التفسير

القصة الخامسة: قصة النبيّ لوط(عليه السلام)

مارس قوم لوط(عليه السلام) أقبح الأعمال وأشنعها بعد أن نضب ماء وجوههم إذ كانوا يقطعون الطريق على المارّة ويمارسون معهم عمليات السَّلب والشذوذ الجنسيّ، ويتعاطَون في مجالسهم كلَّ منكر ورذيلة وفساد.
وقد قام النبيّ لوط(عليه السلام) بمهمّته الرسالية على أتمِّ وجه، حيث وعظ قومه ونهاهم عن ارتكاب الفواحش وخوّفهم من بأس الله تعالى وعذابه، ولكنّهم لم يأبهوا له ولم يرتدعوا، فقضت مشيئته سبحانه بتطهير الأرض من الفاسقين الذين أمعنوا في ارتكاب الفواحش ولم يبق بصيص من الأمل في انتشالهم من هذا الوحل، وهذا ما تذكره هذه المجموعة من الآيات.
77. (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ):

صفحه 220
جرى القرآن في بيانه، لغرض الإيجاز، على حذف ما دلّ عليه المقام، والتقدير هنا: أنّ الملائكة فارقوا إبراهيم(عليه السلام) وتوجّهوا إلى قرية لوط(عليه السلام) (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا): أي دخلوا بيته (سِيءَ بِهِمْ): أي وقع فيما ساءه وغمَّه بمجيئهم (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا): أي ضاق ذرعاً بأضيافه، وهو كناية عمّن لم يجد حيلة في أمر يريده.
وعلى كلّ تقدير، فالآية تحكي عن تضايق لوط من ضيوفه، مع أنّ استقبال الضيف بوجه طلق وقلب مشروح، هي من شيَم الكرام وسيرتهم، وفي طليعتهم الأنبياء، ولكن لوطاً ساءه مجيء ضيوفه، وتبرّم بهم (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ): أي شديد الشَّرّ. قاله في نفسه وتكلّم به في فكره، وما هذا إلاّ لخوفه من أن يعتدي قومه على ضيوفه، ويفضحوه فيهم باغتصابهم قهراً.
78. (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ):
كان هاجس اعتداء القوم على الضيوف يساور ذهن النبيّ لوط(عليه السلام)، وفي هذه الحال (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ): أي يُسرعون في المشي كأنّما يساقون إلى أُمنيتهم، ولم تتعرّض الآية لذكر الغاية من إسراعهم ولكن أشارت إليها في قوله: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ): أي يعملون الفواحش مع الذكور، فصار ذلك قرينة على أنّهم أسرعوا إلى تلك الغاية الخبيثة. وأمّا من الذي أخبرهم بذلك، ففي «مجمع البيان»: لمّا رأتهم امرأة

صفحه 221
لوط صعدت فوق السطح فصفّقت، فلم يسمعوا، فدخّنت، فلمّا رأوا الدُّخان أقبلوا يُهرَعون.(1)

استخدام أساليب لصرف القوم عن مقصدهم

لمّا واجه لوط(عليه السلام) بما عليه قومه، استخدم أساليب مختلفة في زجرهم عن التطاول على ضيوفه:
1. حاول أن يعيدهم إلى الفطرة السليمة ويرشدهم إلى الأسلوب الصحيح في إطفاء شهواتهم العارمة، فعرض عليهم نكاح بناته و(قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ). وقد اختلف المفسّرون في واقع هؤلاء البنات على وجهين:
الأوّل: أنّه عرض عليهم بناته لصلبه. والمراد أنّه دعاهم إلى التزوّج بهنّ، وفيه قولان: أحدهما: أنّه دعاهم إلى التزوّج بهنّ بشرط أن
يقدموا الإيمان. والثاني: أنّه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر
في شريعته.(2)
لقد أراد مسّهن عن نكاح لا سِفاح، فحاشا نبيّ الله عن ذلك، لأنّ السِّفاح لا طهارة فيه أصلاً، وقد قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)(3)، وهو يقول في المقام: (هُنَّ أَطْهَرُ)، وصيغة التفضيل مجرّدة عن التفضيل، لأنّ المراد أنّ النكاح طهر، دون غيره، مثل قول

1 . مجمع البيان:5/350.
2 . تفسير الرازي: 18 / 33.
3 . الإسراء:32.

صفحه 222
يوسف(عليه السلام):(السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)(1) أي هذا محبوب دون الآخر.
الثاني: أنّه أراد نساء أُمّته لأنهنّ كالبنات له، فإنّ كلّ نبيّ أب لأُمّته وأزواجُه أُمّهاتهم. وهذا خيرة الرازي قائلاً بأنّ إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجّار أمر مستبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بأكابر الأنبياء؟!(2) والله العالم.
2. ألانَ كلامه معهم حتى ينصرفوا عن عزيمتهم فقال:(فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) لأنّ التطاول عليهم على جانب الضدّ في التقوى أوّلاً، وإهانة لي واعتداء على كرامتي ثانياً .
يقول السيد الطباطبائي: قوله: (فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)بيان للمطلوب، وقوله: (وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)عطف تفسيري لقوله: (فَاتَّقُوا اللهَ)فإنّه (عليه السلام)إنّما كان يطلب منهم أن لا يتعرّضوا لضيفه لتقوى الله لا لهوى نفسه وعصبية جاهلية منه، ولم يكن عنده فرق بين ضيفه وغيرهم فيما كان يردعهم، وقد وعظهم بالرَّدع عن هذا الذَّنب الشنيع، وألحّ على ذلك سنين متمادية.(3)
3. حاول أن يستثير فيهم عقولهم إنْ بقي منها شيء، فقال: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ):أي ألا يوجد فيكم رجل ذو رُشد وعقل، فينهى
عن المنكر ويزجر هؤلاء عن قبيح فعلهم ويردّ هؤلاء الخبثاء عن

1 . يوسف:33.
2 . تفسير الرازي: 18 / 32 .
3 . الميزان في تفسير القرآن: 10 / 340 .

صفحه 223
ضيوفي؟
وروي عن أحدهما (عليهما السلام): أنّ النبيّ لوطاً وضع يده على الباب ثم ناشدهم فقال: (فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي).(1)
إلى هنا تمّت المحاولات الثلاث لحفظ ضيوفه عن تطاول القوم. وستوافيك المحاولة الرابعة بعد تفسير الآية التالية.
79. (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ):
تشير هذه الآية إلى جوابهم عمّا دعاهم إليه لوط(عليه السلام) من النكاح المباح، لذا (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ): أي حاجة، وما ليس للإنسان فيه حاجة فكأنّه لا حقّ له فيه. ويحتمل أن يُراد بالحقّ الحظّ والنصيب دون الحقّ الشرعي أو العرفي، أي لا رغبة لنا فيهنّ لأنّهن نساء ولا ميل لنا إليهنّ.(2)
ثمّ أضافوا إلى ذلك قولهم:(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) وهذه الفقرة تكشف عن أنّ العمل المنكر كان متفشِّياً فيهم ومألوفاً لديهم إلى درجة غدا واقعاً وينبغي أن تقام عليه موازين اجتماعية جديدة في مجتمعهم ولا ينكره أحد.
80. (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْن شَدِيد):

1 . تفسير العياشي:2/156 برقم 54; البرهان في تفسير القرآن:3/127.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/340.

صفحه 224

لوط(عليه السلام) يتمنّى أن يمتلك القدرة على دفع الفاسقين

هذه هي المحاولة الرابعة، حيث يتمنّى أن تكون له منعة وقدرة، أو جماعة وعشيرة، يَتقوّى بهما على هؤلاء المتجاوزين، فيدفعهم عن ضيوفه: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً): أي ليت لي قدرة أستطيع بها أن أدفع شرَّكم عن ضيوفي (أَوْ آوِي إِلَى رُكْن شَدِيد) الرُّكن ما يُتقوّى به، والمعنى: لو كان لي مَن أستعين به في دفاعكم. وقيل: إنّ المراد بالرُّكن الشديد هنا، العشيرة. والتعبير بـ (لَوْ)الامتناعية لعلمه بعدم وجودها وأن القوم غارقون في المثليّة.
ومع هذه المحاولات المختلفة كان القوم مستمرين على غلوائهم ولم ينصرفوا عن فكرتهم الخبيثة.
بقي هنا سؤال، وهو: أنّ ظاهر قوله: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) هو أنّ القوم أسرعوا إلى بيته والكلّ يأمل أن ينال حاجته منهم، فكيف يمكن لهؤلاء جميعاً نيل حاجتهم من ضيوفه، وهم قليلون بلا شكّ؟
الجواب: أُريد بقوله:(قَوْمُهُ) رؤساؤهم، وإنّما عبّر عنهم بذلك لمظاهرة القوم لهم، حتى يتمّ مرادهم، ويدلّ على ذلك أنّ لوطاً عرض بناته لنكاحهم وهن محدودات العدد، فكيف يقتنع بهنّ أهل القرية وهم جمع كثير. والحلّ هو أنّ الغاية نكاح الرؤساء المحدودي العدد لا كلّ من يعيش في القرية.
سورة هود: الآيات 81 ـ 83    

الآيات: الحادية والثمانون إلى الثالثة والثمانين

(قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ

صفحه 225
بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد).

المفردات

فأسرِ: سرْ بأهلك ليلاً.
بقِطْع: بقسم من الليل. ويحتمل بعدما يمضي أكثر الليل وتبقى قطعة منه.
سجِّيل: طينٌ متحجّر.
منضود: صفة لسجّيل، أي نُضد بعضه على بعض، فيقع طائفة بعد طائفة.
مسوّمة: صفة لحجارة، أي مُعْلَمة، جعلت فيها علامات.

التفسير

لقد أتمّ النبيّ لوط(عليه السلام) الحجّة على المنحرفين الذين حاولوا أن يتطاولوا على ضيوفه، ولكنّهم لم يكترثوا له، وأصرّوا على القيام بأفعالهم المنكرة. ومن هنا استحقّوا العذاب الذي يطهّر الأرض من هذا الكيان المِسْخ، وهذه الآيات الثلاث ناظرة إلى إنجاء لوط(عليه السلام) وأهله، وإهلاك الآخرين من قومه.

صفحه 226
81. (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب):
تبشير الضيوف لوطاً بإهلاك قومه
لمّا رأى الملائكة ما لقيه لوط(عليه السلام) من قومه الفاسقين وما اعتراه من قلق وحزن من إصرارهم على فعل ما يريدون، بشّروه بما في هذه الآية، وأخبروه بالأمر الإلهي القاضي بإهلاكهم وقطع دابرهم، كما حكى سبحانه ذلك عنهم بقوله: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) أُرسلنا لإهلاك قومك فلا تغتمّ، فإنّهم (لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ): أي لا ينالونك بسوء أبداً.
روي عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام)أنّه قال:... وتدافعوا على الباب وكسروا باب لوط وطرحوا لوطاً ; فقال له جبرئيل: (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ)فأخذ كفّاً من بطحاء فضرب بها وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فعمي أهل المدينة كلهم.(1)
ثمّ إنّهم أوصَوا لوطاً بالأُمور التالية:
1. (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ): أي أُخرج أنت وأهلك في ظلمة الليل كي لا يراكم أحد من القوم.
2. (وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ): أي لا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه من القرية. وهذا كما يقول القائل: امضِ لشأنك ولا تعرّج على شيء. وعلى

1 . الكافي: 5 / 546، برقم5.

صفحه 227
هذا فيكون تأكيداً لما سبق.
والظاهر أنّ المراد به السُّرعة في المشي لقرب نزول العذاب، والالتفات إلى هذا الطرف وذاك يورث التأخير.
2. (إِلاَّ امْرَأَتَكَ) مستثناه من الأهل في قوله:(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فإنّ العذاب نازل بها وحالها في ذلك حال القوم، كما قال: (إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ). و التعبير بالماضي في قوله تعالى:(مَا أَصَابَهُمْ) لتأكيد وقوع العذاب.
ثمّ إنّ الملائكة حدّدوا وقت إهلاك القوم قائلين:(إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ): أي يبدأ العذاب من مطلع الفجر وينتهي بشروق الشمس، ويدلّ على امتداد العذاب بين الطلوعين قوله تعالى:(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ)(1)، وقوله تعالى:(وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ)(2).
قوله تعالى: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب) حكاية ما قاله الملائكة للنبيّ لوط. قيل: وفيه تسلية له (عليه السلام).
82. (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود):

في بيان كيفية إهلاكهم

قوله تعالى:(فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) أُريد من الأمر العذاب. ويحتمل أن يراد

1 . الحجر:73.
2 . القمر:38.

صفحه 228
وقت عذابنا. وهذه الآية تستعرض شيئاً من هذا العذاب الذي حلّ بهؤلاء، وأنّهم كيف هلكوا به، وذلك ببيان أمرين:
1. قلب القرية أسفلها أعلاها، كما يقول:(جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)ولعلّها كانت بحدوث خسف في أرضهم على نحو دفنت القرية فيها فصار أعلاها أسفلها.
2. الإمطار بالحجارة، كما يقول:(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)ولعلّهم عندما كانوا يحاولون الخروج من بيوتهم يتبعهم الإمطار بالحجارة التي عبّر عنها سبحانه بقوله:(حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل): أي من طين متحجِّر.
وبما أنّ الحجارة الصغيرة لا تقتل الإنسان وصفها سبحانه بقوله:(مَنْضُود): أي نُضد وتراكب بعضه فوق بعض فينزل طائفة بعد طائفة، ولأجل هذا التراكب والتواتر عبّر عنه في موضع آخر بقوله:(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)(1) والحجارة إذا تقاطرت وترتبت وتراكمت تقتل الإنسان شرّ قتلة.
ويدلّ بعض الآيات على أنّ العذاب بُدئ بالصيحة كما يقول سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا).(2)
83. (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد):
قوله تعالى:(مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ): أي الحجارة كانت مُعْلَمة، وأمّا ما هي العلامة وما هي الغاية منها، فالآية ساكتة عنهما، لكن قال بعضهم: كان في

1 . الشعراء:173.
2 . الحجر: 73 ـ 74 .

صفحه 229
هذه الأحجار علامات تدلّ على أنّها ليست كسائر الأحجار العادية، بل هي خاصة لنزول العذاب الإلهيّ لئلاّ تختلط مع الأحجار الأُخرى. وقال آخرون: إنّ هذه الأحجار لم يكن لها شبه مع أحجار الأرض بل تدلّ مشاهدة وضعها على أنّها أحجار سماوية وقد نزلت إلى الأرض وكانت خارجة عنها.
قوله تعالى:(وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد) يتضمّن وعيداً لكفّار مكّة، فليحذروا من أن يُصيبهم مثلُ ما أصاب قوم لوط من الهلاك والدمار إن هم أصرّوا على تكذيب النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
أقول: إنّ عذاب الله ليس ببعيد عن الظالمين في كلّ عصر وقرن، ونحن إذ نُجري القلم على هذه الصفحات، تتوارد إلى أسماعنا أنباء المآسي والآثار الكارثية للحرب العدوانية الظالمة التي شنّها(التحالف السُّعودي) على شعب فقير أعزل (وهو الشعب اليمنيّ العزيز)، وصدر القرار بإشعال فتيلها من (واشنطن) في شهر آذار من شهور سنة (2015م)، حيث إنّ الطائرات الحربية تقصف البيوت والمنشآت الحيوية والمرافق التعليمية والصحّية، ولم تسلم من حُممها حتى المعالم والآثار التاريخية في هذا البلد العريق في حضارته. ولم يكد يمضي يوم إلاّ وتؤلم ضمير كلّ إنسان حرّ، مناظر الدماء والدّمار، وأشلاء الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ الأبرياء. دع عنك ما سبّبه الحصار الخانق على هذا البلد من معاناة الإصابة بمرض (الكوليرا) وانتشار المجاعة بين قطّاعات كبيرة من اليمنيين، الأمر الذي أنذرت الأُمم المتحدة من نتائجه الكارثية مرّة بعد مرّة، ولكن (خدّام الحرمين الشريفين!) قد صُمّت آذانهم، فلا يقدّرون لإنسان

صفحه 230
قيمة ولا لجار حرمة.
والحقّ أنّهم ما نقموا على الشعب اليمني، وصبّوا عليه هذه الأهوال، إلاّ لأنّه أراد الحرية والعيش بكرامة، واعتزم التحرّر من الهيمنة الأمريكية ومن تسلّط الحكام الظلمة، وسعى إلى تشكيل حكومة لبلاده نابعة عن إرادة الشعب، تتولّى إدارة البلد بلا ضغوط وتدخّل من الدول الخارجية.

كلام في الشذوذ الجنسي

لقد جرت سنّة الله سبحانه على استمرار وجود هذا الإنسان على وجه الأرض إلى يوم القيامة، وهذا لا يتأتّى إلاّ من خلال ميل الجنس البشري إلى الجنس الآخر، والارتباط معه بعقد الزواج المعروف. وهذا أمر فطريّ تعارف عليه البشر.
وأمّا إطفاء الغريزة الجنسية عن طريق الجنس الموافق، فهو يضادّ حكمة خلق الذكر والأُنثى، ويؤدّي بالنّسل البشري إلى الانقطاع، مضافاً إلى ما فيه من آثار نفسية وصحّية سيّئة، كشف عنها العلم، أخطرها مرض عوز أو نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) الذي يهاجم فيه (فيروس) هذا المرض كريات الدم البيضاء، ممّا يؤدّي إلى تحطيم الوظيفة الطبيعية في جهاز المناعة. ويعتبر الاتصال الجنسي بصورة أساسية السبب الرئيسي لانتقال هذا الفيروس، ويكون احتمال الانتقال أكبر في اللِّواط (الشذوذ الجنسي)، كما يؤدّي الزِّنا دوراً كبيراً في انتقال (الفيروس)، وغالباً ما يقود هذا المرض في نهاية المطاف إلى الموت.(1)

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:3/457.

صفحه 231
والعجب أنّ بعض المفكّرين في الدول الغربية ومجالس التشريع فيها (كمجلس العموم البريطاني)(1)، قد أضفَوا على هذه الفاحشة النكراء الصبغة الشرعية والقانونية، ووضعوا لذلك حدوداً وقوانين، وهم في الوقت نفسه يدّعون التقدّمية، ويتّهمون الآخرين بالتأخّر والوحشية.
وعلى هذا يركّز لوط(عليه السلام) في خطابه لقومه:(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ(2)فالغريزة الجنسية نعمة من الله سبحانه لكلّ إنسان، ليصون بها نسله ووجوده في المجتمع، وقد جعل الله هذه الغريزة في الزَّوجين المتخالفين في الجنس، فإعمالها في الجنس الموافق، انحراف عن الفطرة وصرف للنعمة في غير موردها، والّتي يعبّر عنها بالإسراف، يقول سبحانه:(إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ).(3)
ويظهر من قوله تعالى: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ)(4) أنّه ما نزا ذكر على ذكر قبل قوم لوط، وربما يُفسَّر قوله بأنّهم كانوا يفعلون ذلك بالغرباء لا بغيرهم، وهؤلاء الذين كانوا يرتكبون تلك الجريمة من قوم لوط وصفهم نبيُّهم بقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ): أي متجاوزون للحدود الّتي تقرّها العقول والشرائع، وقوله: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) إلى غير ذلك من

1 . أقرّ هذا المجلس في عام (1967م) حقّ ممارسة هذه الرذيلة، الّتي تعبّر عن انحطاط النفوس، وانحراف الطبائع.
2 . الشعراء:165ـ 166.
3 . الأعراف:81.
4 . الأعراف:80.

صفحه 232
التنديدات الواردة في الكتاب العزيز.
إنّ عدم نجاح لوط(عليه السلام) في ردعهم عن اقتراف هذا العمل الشائن، يكشف عن تحوّله إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة، وإلى مرض وبيل سرى في نفوسهم إلى حدٍّ، لم يَعُد يُجدي معه أيّ علاج سوى استئصال تلك الأنفس الخبيثة الملوّثة بهذه الأرجاس.
سورة هود: الآيات 84 ـ 86    

الآيات: الرابعة والثمانون إلى السادسة والثمانين

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُحِيط * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ).

المفردات

الميزان: أُريد ما يوزن به بقرينة (الْمِكْيَالَ)حيث إنّه بمعنى ما يُكال به .
تبخسوا: البَخْس نقص الشيء على سبيل الظلم. قال الخليل: البخس

صفحه 233
هو الظلم، كما تقول: تبخس أخاك حقّه، تنقصه.(1) وسيوافيك في تفسير الآية أنّه أعمّ من التطفيف.
تَعثَوا: تُفسدوا.
بقيّة الله:أي ما يبقى لكم بعد إيفاء الكيل والميزان من الرِّزق الحلال.

التفسير

القصّة السادسة: قصّة نبيّ الله شعيب(عليه السلام)

يُعدّ النبيّ شعيب(عليه السلام) أحد أنبياء الله الذين أُرسلوا لنشر عقيدة التوحيد، ومكافحة الفساد، وقد تقدّم ذكره في سورة الأعراف في بضع آيات.(2) وأمّا المقام فقد جاء ذكره ضمن اثنتي عشرة آية وفيها حواره مع قومه ببيانات مختلفة، كما سيوافيك.
ويظهر من قوله سبحانه:(وَمَا قَوْمُ لُوط مِنْكُمْ بِبَعِيد)(3) أنّ مسكنهم كان قريباً من مسكن قوم لوط، وقد عبّر عنه سبحانه هنا وفي مواضع أُخرى بمدين وقال:(وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)(4)، و«مَدْيَن» الآن قريبة من تبوك. وربما يقال: إنّه اسم للقبيلة، فيدلّ على أنّ قبيلته كانت من العرب، ولذا عُدّ(عليه السلام) من أنبياء العرب الذين بعثهم

1 . كتاب العين:4/203، مادة «بخس».
2 . لاحظ: الأعراف:85 ـ 92.
3 . هود:89.
4 . العنكبوت:35ـ 36.

صفحه 234
الله سبحانه لهداية الناس، وقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) قوله:«لم يبعث الله عزّ وجلّ من العرب إلاّ خمسة: هوداً وصالحاً وإسماعيل وشعيباً ومحمداً خاتم النبيين(صلوات الله عليهم)، وكان شعيب بكّاءً».(1)
ولعلّ هذا المقدار يكفي في التعرّف عليه، فلندخل في تفسير الآيات.
84. (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُحِيط):
هذه الآية مع ما يليها تجمع أُصول دعوة النبيّ شعيب، وإليك توضيحها:
يشترك جميع الأنبياء في أُصول معيّنة كالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشِّرك، والإيمان بيوم القيامة، ومع ذلك فإنّ كلّ نبيّ قد امتازت دعوته بصفة تتعلّق بالفساد المستشري في مجتمعه، وإليك أُصول دعوة شعيب التي ذكرتها هذه المجموعة من الآيات:

1. الدعوة إلى التوحيد

قال سبحانه: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) عطف على ما سبق من قوله سبحانه:(وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)(2) والمعنى: أرسلنا شعيباً إلى أهل

1 . بحار الأنوار:12/335.
2 . هود:25.

صفحه 235
مدين، إذا كان اسماً للمحلّ، فيكون مثل قوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)(1)، دونما إذا كان للقبيلة فإنّه لا يحتاج إلى التقدير، ووصفه بالأخ لكونه منهم. ويكفي في الوصف به وجود صلة الرَّحِم بينه وبينهم ـ وسيأتي قوله: (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ)(2) ـ فدعاهم إلى نبذ الشِّرك، فـ(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)، وهذا الأصل يشترك فيه الأنبياء كافّة.

2. حفظ الحقوق في المعاملات

إنّ حفظ حقوق الآخرين في التعامل من شُعَب القسط الذي أُمر الأنبياء بتقريره، قال سبحانه:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(3)، وقال في المقام: (وَلاَ تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ): أي لا تنقصوا ما تَكيلون وما تَزِنون. ويظهر من قوله سبحانه في سورة «المطفّفين» أنّ هذه الخصيصة السيّئة كانت متفشِّية عند قريش، قال تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).(4)
ثمّ إنّه علّل نهيه عن نقص المكيال والميزان بوجهين:
أ. (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر) وأُريد (بِخَيْر) المال لقوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)(5)، والمعنى: أنا أشاهد فيكم المال والثروة والخصب فلا حاجة

1 . يوسف: 82 .
2 . هود:91.
3 . الحديد:25.
4 . المطففين:1ـ3.
5 . البقرة:180.

صفحه 236
لتنقيص المكيال والميزان والاستيلاء على أموال الناس بحيلة رذيلة.
ب. ارتقى في تعليل النهي بإخافتهم من عذاب الله، وقال: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُحِيط)، والإحاطة صفة العذاب، أي محيط عذابه،لا ينجو منه أحد. ووَصْف اليوم به من باب المجاز.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله): وهذه استعارة من وجهين: أحدهما: وصف اليوم بالإحاطة، وليس بجسم فيصحّ وصفه بذلك. والوجه الآخر: أنّ لفظ محيط هاهنا كان يجب أن يكون من نعت العذاب فيكون منصوباً فجعلَه سبحانه من نعت اليوم فجاء مجروراً... والوجه في نقل نعت العذاب إلى نعت اليوم أنّ العذاب لمّا كان واقعاً في ذلك اليوم كان ذلك اليوم كالمحيط به، لأنّه ظرفٌ لحلوله، ووقتٌ لنزوله.(1)
85. (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ):

الأمر بإيفاء المكيال والميزان

الفرق بين هذه الآية وسابقتها أنّ شعيباً(عليه السلام) نهاهم في السابقة عن نقص المكيال والميزان، وأمّا في هذه الآية فأمرهم بإيفاء المكيال والميزان بالقسط. والتحرّز عن النقص وإن كان ملازماً لإيفاء المكيال والميزان، لكن لمّا كانت هذه العادة الخبيثة عريقة فيهم فاحتاج إلى التكرار لكن بتفنّن، ولا يُعدّ مثله عيباً.

1 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن:64.

صفحه 237
ولذلك نرى أنّه سلك في هذه الآية مسلك التدرّج، فأمر أوّلاً بإيفاء المكيال والميزان بالعدل، وقال:(وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ).
ثم ارتقى فنهاهم عن شيء أوسع من ذلك، وهو أكل أموال الناس ولو من غير هذا الطريق، وأشار إليه بقوله:(وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) فإنّ البخس يشمل النقص والعيب، وربما يكون الرجل موفياً في الكيل والوزن، لكنّه ربما يبيع الرَّديء مكان الجيّد، والمعيب مكان الصحيح.
ثم ارتقى إلى النهي عن الفساد على وجه الإطلاق وقال: (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) كقطع الطريق وتهديد الأمن وقطع الشجر وقتل الحيوان وغيره. وهذا النوع من البيان في آيتنا هذه من أساليب الحكمة التي تسبِّب التأثير في المخاطب، وهي تدلّ على أنّ النبيّ شعيباً(عليه السلام) قد بلغ الغاية في أمر التبليغ، ويتّضح ذلك بتفسير الآية التالية.
86. (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ):

ما هو المراد من بقيّة الله؟

بعدما نهاهم(عليه السلام) عن التنقيص وأمرهم بإيفاء الكيل والوزن; بل نهاهم عن مطلق الإفساد، أخذ يُذكّرهم بأنّكم إذا كِلتم أو وزنتم حسب القسط والعدل، ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من الزيادة الحاصلة من التطفيف والبخس، فالربح الحلال الحاصل للبائع هو (بَقِيَّةُ اللهِ) وهو (خَيْرٌ لَكُمْ) من سرقة أموال الناس بحيلة رذيلة، وكأنّ هذا الربح بقية إلهية هداكم الله إليها من طريق فطرتكم، وهو أفضل بكثير من التطفيف(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي مصدّقين صحّة قولي.

صفحه 238
قوله: (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ)كلمة جامعة لكلّ ما ينتسب إلى الله سبحانه، وتطلق على الشيء النفيس المبارك ولذلك يوصف قائم آل محمد الإمام المهدي (عج) ببقية الله في أرضه. نقل أحمد بن علي الطبرسيّ في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في حديث: «هم بقية الله ـ يعني المهدي (عليه السلام) ـ يأتي عند انقضاء هذه النظرة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».(1)
وروى الصَّدوق بإسناده عن محمد بن مسلم الثَّقفيّ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر(عليه السلام)يقول: «القائم منّا منصور بالرُّعب، مؤيّد بالنّصر... (إلى أن قال): فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، وأوّل ما ينطق به هذه الآية: (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، ثم يقول: أنا بقيّة الله في أرضه وخليفته وحجّته عليكم، فلا يسلِّم عليه مسلِّم إلاّ قال: السلام عليك يا بقيّة الله في أرضه».(2)
قال السيد الشهيد محمد بن محمد صادق الصدر: والمراد من هذا اللقب، كون المهدي(عليه السلام) هو الباقي من خطّ الأنبياء والأولياء والصالحين، الذين مهّدوا لوجوده، وضحّوا من أجل تطبيق عدله، فأصبح هو النتيجة الطبيعية الكبرى لجهودهم، والقيمة العليا لأقوالهم وأعمالهم، وإنّما نُسبت البقيّة إلى الله مباشرة باعتبار كون هذا الخطّ المقدّس على طوله، خطّ ممثِّل لعدل الله ودعوته الحقّة، وهو ـ عزّ وجلّ ـ مؤسّسه ومخطّطه من أجل تربية

1 . الاحتجاج: 1 / 252 .
2 . كمال الدين: 1 /330ـ 331، برقم 16.

صفحه 239
البشرية، والسَّير بها نحو الكمال.(1)
ثم قال تعالى: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ): أي ما يرجع إليّ هو تبليغ الرسالة وإرشادكم، لا إكراهكم على ما أقول، أو لا قدرة لي على منعكم من هذا العمل القبيح.
وهذا هو منطق سائر الأنبياء، قال تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ)(2) فليس عندي قدرة أحفظكم بها عن الرذائل أو أعاقبكم عليها.
روى الكليني بإسناده عن جابر] الجعفي[ عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام)قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام)بالكوفة عندكم يغتدي كلّ يوم بكرةً من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً ومعه الدرّة على عاتقه، وكان لها طرفان وكانت تسمّى «السَّبيبة» فيقف على أهل كلّ سوق فينادي: يا معشر التجّار! اتقوا الله عزّوجلّ. فإذا سمعوا صوته (عليه السلام)ألقوا ما بأيديهم وارعوا إليه بقلوبهم وسمعوا بآذانهم، فيقول (عليه السلام): قدّموا الاستخارة وتبرّكوا بالسهولة واقتربوا من المبتاعين وتزيّنوا بالحلم وتناهَوا عن اليمين وجانبوا الكذب وتجافوا عن الظلم وأنصفوا المظلومين ولا تقربوا الرِّبا وأوفوا الكيل والميزان: (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)فيطوف في جميع أسواق الكوفة، ثمّ يرجع فيقعد للناس».(3)
إلى هنا تمّ تبليغ شعيب قومه إلى أُصول دعوته، وفي الآيات التالية

1 . انظر: الجزء الثالث من موسوعة الإمام المهدي، تاريخ ما بعد الظهور:258ـ260.
2 . الأنعام:104.
3 . الكافي: 5 / 151، باب آداب التجارة، برقم3.

صفحه 240
سندرس جواب قومه له وردّة فعلهم على ذلك.

الآيات: السابعة والثمانون إلى التسعين

سورة هود: الآيات 87 ـ 90    
(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لاََنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوح أَوْ قَوْمَ هُود أَوْ قَوْمَ صَالِح وَمَا قَوْمُ لُوط مِنْكُمْ بِبَعِيد * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ).

المفردات

الحليم: الحِلم: صفة تقتضي تحمّل الأذى والصفح عن الإساءة، وبعبارة أُخرى: الحليم، هو الشخص الذي لا يتعجّل.
الرَّشيد: العاقل الذي لا يقدم إلاّ إذا استبان له الرُّشد.
أُخالفكم: أعمل خلاف ما نهيتكم عنه.
أُنيب: الإنابة: الرجوع إلى الله تعالى.
لايجرمنّكم:لا يكسبنّكم، قال الراغب: الجَرْم: قطع الثمرة من

صفحه 241
الشجرة، ثم استُعير لكلّ اكتساب مكروه.
شِقاقي: خلافي ومعاداتي

التفسير

87. (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لاََنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ):

جواب قوم شعيب له وردّه عليهم

كان قوم شعيب متوغّلين في العقيدة الفاسدة المنحرفة، كما كانوا غارقين في الظلم والفساد الاقتصادي، وقد أشار النبيّ شعيب إلى كلا الأمرين:
1. الفساد العَقَدي
2. الفساد الاقتصادي
ولمّا كان القوم متمسّكين بأهداب تقاليد الآباء، رفضوا دعوة شعيب في كلا المجالين، ولذلك (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ) بهذين الأمرين:
1. (أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) مع أنّ عبادة الآلهة من التقاليد الموروثة، فرفضُها رفضٌ لأصالتنا وقوميّتنا.
2. (أَوْ) تصدّنا عن(أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) من التنمية والاستغلال بحذق وحيلة. ونهيك يخالف حرّيتنا، كما يشير إليه قولهم: (مَا نَشَاءُ) .

صفحه 242
وأمّا أنّه كيف صارت صلاته سبباً لهذين الأمرين، فسيوافيك بيانه.
ثمّ إنّهم حاولوا صرفه عن الدعوة بشيء من المداهنة وذلك بإثبات وصفين له، قائلين: (إِنَّكَ لاََنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): أي أنّه يقبح بك وأنت الحليم الرشيد أن تندفع إلى إبداء مثل هذا الأمر الذي يدلّ على السَّفَه والطيش. وكيف تأمرنا بترك تقاليدنا التي ورثناها عن الآباء؟ وكيف تسلبنا حريتنا في التصرّف بأموالنا كيف نشاء، وقد رسخ حلمك وتكامل رشدك؟(1)
وأمّا ما هو السبب لنسبة دعوة شعيب إلى الصلاة (أَصَلاَتُكَ) مع أنّ النبيّ شعيباً قد نسب دعوته في كلا الأمرين إلى الله سبحانه، فيمكن بيانه بأحد وجهين:
الأوّل: أنّ نسبتهم ذلك إلى الصلاة من باب السخرية والتهكُّم; لأنّ الصلاة كانت عملاً بارزاً في حياة شعيب(عليه السلام)، فقد روي أنّه كان أكثر الأنبياء صلاة، وكانت صلاته عند قومه أشبه بأفعال المجانين، فلأجل هذا نسبوا دعوته إلى صلاته، تهكُّماً وسخرية، أي أنّ عملك هذا الذي تمتاز به، يأمرك ويجعلك مأموراً لأن تحملنا على أمرين هما: ترك عبادة الآلهة، وترك تنمية أموالنا كما نشاء.
الثاني: أنّ دأب شعيب(عليه السلام) واستمراره على الصلاة والتوجُّه إلى عبادة الله تعالى طول حياته وما يتضمّن ما يتلوه المصلّي في صلاته، كان يجسّد ـ عمله هذاـ في ذهن هؤلاء هذين الأمرين، وأنّه يجب رفض عبادة غير الله

1 . مجمع البيان: 5 / 358 .

صفحه 243
أوّلاً، والانتهاء عن الظلم والغشّ والاحتيال في تنمية الأموال ثانياً، ولذلك ورد في الشريعة الإسلامية قوله تعالى:(إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(1). وربّما يفسَّر: أدينك يأمرك بترك دين السلف؟(2)
ثمّ إنّ محتوى دعوته يدلّ على أنّ رسالة الأنبياء لا تنحصر بالدعوة إلى إقامة الشعائر، بل تشمل أيضاً الحياة الاجتماعية، فهي تحدّ من
حرية الإنسان في تصرّفاته، وتقيّدها بعدم الاعتداء على غيره، وتحجُر
عليه كلّ عمل يستلزم الإضرار بالفرد أو الجماعة، وأوضح دليل على
ذلك قوله تعالى: (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ
مُفْسِدِينَ
).
كما أنّ هذه الآية دلّت على أنّ أشدّ الناس عداوة للأنبياء
والمصلّين هم الذين يجمعون المال بالخديعة والاحتيال، ويتصرّفون
في مقدّرات الناس على أهوائهم، تماماً كما تفعل شركات الاستغلال والاحتكار.(3)
88. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ):

1 . العنكبوت:45.
2 . مجمع البيان: 5 / 358 .
3 . التفسير الكاشف:4/260، بتصرّف.

صفحه 244

احتجاج شعيب (عليه السلام) على قومه بوجوه ستة

لمّا نسب القوم دعوة النبي شعيب(عليه السلام) إلى عمله وهي صلاته، جاء البيان القرآني ليردّ عليهم تلك المزعمة بأنّه مأمور من ربّه سبحانه، واحتجّ عليهم بوجوه ستة:
الأوّل: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي): أي على بصيرة منه تعالى ـ كما مرّ بيانه ـ فالآية تثبت أنّ دعوته دعوة إلهية لا تمتّ إلى غير الله تعالى بصلة.
الثاني:(وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) أراد بذلك أنّه نال الرزق الحسن عن طريق الحلال، بدون تطفيف مكيال ولا تنقيص ميزان، ولابخس لحقّ أحد من الناس. وجواب قوله: (إِنْ كُنْتُ) محذوف وهو «لا يسعني مع هذه النِّعم أن أخون في وحيه وأُخالفه في أمره ونهيه».
الثالث:(وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) بما أنّ القوم قد ذهب بهم الوهم إلى أنّ النبيّ شعيباً إنّما ينهاهم عن سلوكهم المنحرف بتنقيص المكيال والميزان لغاية أن يصدّ الناسَ عنه حتّى يرتكبه هو خفاء، دفع عنه هذا الوهم، وقال: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ) مائلاً (إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ).
قال الزّمخشريّ: يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت موَلّ عنه، يعني أن أسبقكم إلى أعمالكم التي نهيتكم عنها لأستبدّ بها دونكم.(1)
وبعبارة أُخرى: ما أُريد بما نهيتكم عنه أن أمنعكم عنه، وفي الوقت نفسه أن أفعله، فلم أكن لأنهاكم عن شيء وأنا فاعله. وفي معناه قال

1 . تفسير الكشّاف:2/230.

صفحه 245
الشاعر:
لا تَنهَ عن خُلُق وتأتيَ مثلَهُ *** عارٌ عليك ـ إذا فعلتَ ـ عظيمُ(1)
الرابع: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ): أي لا أُريد في دعوتي هذه إلاّ إنقاذ المجتمع من الوثنية والفساد الاقتصادي، دون النفع الشخصيّ، وكأنّه تأكيد للمقطع السابق أي لا أنهاكم عن شيء وأنا فاعله، وإنّما أُريد صلاح المجتمع. والفقرة أفضل دليل على أنّ من أهمّ أهداف الأنبياء، إصلاح المجتمع، ليس في مجال العقيدة وحسب، بل في مجال السلوك وطريقة التعامل، من خلال مراعاة موازين الحقّ والعدل وتطبيقها على جميع أفراده، ومكافحة عوامل الاستئثار والاستغلال، وأمّا أنّهم هل وُفّقوا لذلك أو لا؟ فهو موكول إلى توفيق الله سبحانه كما يقول:(وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في تبليغ رسالتي لا على حولي وقوّتي (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ): أي أرجع في أُموري كلّها إليه تعالى.
فإن قلت: أليس ما ذكره النبيّ شعيب (عليه السلام)من قوله: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)من باب تزكية المرء نفسه، وقد قال سبحانه: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى(2)
قلت: إن تزكية المرء نفسه لأجل الافتخار والتقدّم على الغير، أمر قبيح، وأمّا إذا كان الإنسان ذا مسؤولية كبيرة كهداية الناس وصدّهم عن المنكر، فاللازم التعريف بنفسه حتّى يقف المخاطب على مقامه ومنصبه

1 . أورده عبد القادر البغدادي في «خزانة الأدب:8/567» ضمن قصيدة حكمية لأبي الأسود الدؤليّ، ونسبه غيره كالأصفهاني في «الأغاني:12/188» إلى المتوكّل اللَّيثيّ الكنانيّ.
2 . النجم: 32.

صفحه 246
حتّى يتبعه فالإخفاء هنا يوجب عدم تحقّق الغاية الّتي لأجلها صار ذا مسؤولية، يقول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ».(1)
89. (وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوح أَوْ قَوْمَ هُود أَوْ قَوْمَ صَالِح وَمَا قَوْمُ لُوط مِنْكُمْ بِبَعِيد):
الخامس: لمّا خالف شعيب (عليه السلام)الرأي العام وندّد بقومه لعبادتهم الأوثان، ونهاهم عن تنمية الأموال عن طريق الغشّ والحيلة، صار ذلك سبباً لتأجيج نار العداء بينه وبين القوم. ومن المعلوم أنّ العداء يصنع حجاباً بين عقل الإنسان ومنطق العدوّ، فربما يرفض منطق العقل الصحيح، للعداء الموجود في ذهنه، فهنا يذكِّر شعيب(عليه السلام) قومه بقوله: (وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ): أي لا يكسبنّكم (شِقَاقِي) خلافي وعداوتي المركوزة في نفوسكم بسبب ما أدعوكم إليه (أَنْ يُصِيبَكُمْ) عذاب الاستئصال(مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوح أَوْ قَوْمَ هُود أَوْ قَوْمَ صَالِح): أي كما أصاب قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالرِّيح العقيم، وقوم صالح بالصَّيحة (وَمَا قَوْمُ لُوط)الذين أُهلكوا بالخسف (مِنْكُمْ بِبَعِيد)فديارهم قريبة من دياركم، فاعتبروا بما جرى عليهم. ويحتمل أن يكون المقصود البُعد الزّماني، أي أنّهم قريبون منكم زماناً، لأنّ إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها، إلى زمان شعيب.
سورة هود: الآيات 91 ـ 95    

1 . نهج البلاغة: الرسائل برقم 28 .

صفحه 247
90. (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ):
السادس: لمّا هدّدهم النبيّ شعيب (عليه السلام)بعذاب الاستئصال الذي حلّ بالأقوام الغابرة، فتح لهم باب الرحمة إذا أرادوا دخوله، وهو يحصل بأمرين:
1. قال لهم: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) بالإقلاع عمّا كانوا غارقين فيه.
2. (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) بالعزم على تركه في المستقبل.
واعلموا أنّه سبحانه يقبل توبتكم، والسّبب (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ) بعباده، فيعفو عن معاصيهم، (وَدُودٌ): أي شديد المحبّة لهم.

الآيات: الحادية والتسعون إلى الخامسة والتسعين

(قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ).

صفحه 248

المفردات

نَفْقَهُ: من الفقه، بمعنى الفهم الدقيق.
رهطك:الرَّهط: عشيرة الرجل وقومه.
لرجمناك:الرَّجْم: الرمي بالحجارة.
أعزّ:أقوى، نقيض الأذلّ.
ظِهْريًا:جَعْل الشيء وراء الظهر حتى يُنسى.
مكانتكم: المكانة: من مكُنَ مكانة، إذا تمكّن كلَّ التمكُّن، وأُريد هنا منتهى تمكُّنكم. ويحتمل أن يكون من المكان، أي مكانكم الذي أنتم فيه وموقعكم.
جاثمين: قد مرّ تفسير الجثوم، وأُريد به هنا كونهم مكبّين على وجوههم في ديارهم.
لم يغنَوا فيها: لم يُقيموا بها وقتاً من الأوقات.

التفسير

هذه المجموعة من الآيات تتضمّن جدال قوم شعيب معه واحتجاجهم على عدم قبول دعوته، كما تتضمّن ردّ شعيب على حِجاجهم، حتى انتهى الأمر بالإنذار وجاء أمر الله تعالى فاستأصلهم كأن لم يقيموا ببلادهم، وصاروا خبراً بعد عين.

صفحه 249

حِجاج قوم شعيب(عليه السلام)

91. (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز):
احتجّ قوم شعيب بوجوه واهية:
الأوّل: روي أنّ شعيباً(عليه السلام) كان خطيب الأنبياء ومع ذلك نرى أنّ قومه يخاطبونه بقولهم:(قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ): أي لا نفهم لبّ دعوتك من رفض عبادة الآلهة، واجتناب تنمية الأموال بالطرق الحرام.
ويمكن تفسير ذلك بوجوه:
أمّا أنّ رغبتهم عنه وكراهيتهم له وتعصّبهم لمسلك الآباء وحرصهم على تنمية الأموال بأيّة وسيلة، صارت سبباً لعدم التأمُّل والتفكّر في محتوى دعوته، وعلى ذلك فقولهم:(مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) تعبير حقيقي نابع عن تقصيرهم في التفكّر فيه.
أو أنّهم فهموا مغزى دعوته ومفاد كلامه فهماً واقعياً، ولكنّه لمّا كان على خلاف عاداتهم وميولهم وجشعهم الماديّ، تظاهروا ـ عناداً ولجاجاً ـ بأنّهم لا يفهمون كلامه، وهو تعبير عن رفضهم له، وهذا كما إذا قال أحد المدَّعيَين للآخر: ما أدري ما تقول.
أو أنّهم جعلوا كلامه هَذَياناً وتخليطاً لا ينفهم كثير منه.(1) والوجه الثاني أنسب.

1 . تفسير الكشّاف:2/112.

صفحه 250
الثاني: منطق القوة، وذلك أنّه لما أحسّ القوم من أنفسهم الضعف في مواجهة قوة منطق نبيّهم، انتقلوا إلى منطق القوّة فقالوا:(وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا): أي لا قوة ولا قدرة لك، وقد زلّ مَن فسّر الضعف بكونه أعمى; لأنّ من شروط بعث الأنبياء أن لا تكون فيهم جهة منفّرة حتى يتمّوا الحجّة على الناس.
واستدلّ صاحب «الكشّاف» على ردّ هذا القول بوجه آخر وقال: لأن(فِينَا) يأباه، ألاترى أنّه لو قيل: إنّا لنراك فينا أعمى، لم يكن كلاماً، لأنّ الأعمى فيهم وفي غيرهم.(1)
الثالث: (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ): أي لولا أقاربك الأدنَون وهم نفر قليل (كما تدلّ على ذلك كلمة الرَّهط) لقتلناك شرّ قتلة. ومعلوم أنّ امتناعهم من رجمه إنّما هو تكريم لرهطه لا خشية من قوّتهم. والتعبير يُشعر بأنّ رهطه كانوا على دين القوم وإلاّ لما نالوا كرامة ومكرمة لديهم. ثمّ أتمّوا كلامهم بقولهم: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز): أي لستَ عندنا بمكرَّم حتى نمتنع من رجمك، وإنّما نمتنع من ذلك رعاية لموقع رهطك.
92. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ):

النبيّ شعيب(عليه السلام) يدحض حجّتهم

اعتمد قوم شعيب في حِجاجهم على أمرين:

1 . تفسير الكشّاف:2/112.

صفحه 251
1. ادّعاء عدم فهم ما يقوله شعيب(عليه السلام) ويدعو له.
2. الاستهانة به(عليه السلام) ولولا أنّهم يراعون جانب رهطه لقتلوه.
ولكنّ النبيّ شعيباً(عليه السلام) لم يعتدّ بالأمر الأوّل لعلمه بأنّه مغالطة وادّعاء كاذب، وأنّهم قد فهموا ما يقول وشرع في الردّ على الأمر الثاني لتصحيح مقاييسهم الخاطئة وإثبات صلابته في موقفه، ولذلك (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي)الذين صار وجودهم مانعاً لكم عن قتلي (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ)؟ مع أنّ أمره سبحانه أَولى أن يُتَّبع (وَ)الحال أنّكم (اتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا): أي نسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يُعبأ به، والإنسان إذا لم يعتدّ بشيء طرحه وراء ظهره. و«الظِّهري» منسوب إلى الظَّهر والكسر من لوازم النِّسبة، نظير قولهم في النسبة لأمس«إمسيّ» بكسر الهمزة.(1)
واستدلّ الوزير المغربيّ بقول القائل:
تميم بني قيس لا تكوننّ حاجتي *** بظهر ولا يعيا عليّ جوابُها
ثمّ أضاف: ويقال: حدّثته الحديث ظِهريّاً، أي لم اهتمّ به فاكتمه.(2)
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هذه الفقرة: هذه استعارة لأنّ الله سبحانه لا يجوز أن يُجعل ظِهريّاً على الحقيقة، فالمراد أنّكم جعلتم أمر الله سبحانه وراء ظهوركم، وهذا معروف في لسان العرب، أن يقول الرجل منهم لمن أغفل قضاء حاجته: جعلتَ حاجتي وراء ظهرك، أو تركتَ مقالي

1 . تفسير الكشّاف:2/232.
2 . المصابيح في تفسير القرآن:579.

صفحه 252
دَبْرَ أُذُنك. أي لم تُعنَ بحاجتي، ولم تُصغِ إلى معاتبتي.(1)
ثمّ إنّ النبيَّ شعيباً(عليه السلام) هدّدهم بقوله:(إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) فهو عالم بأحوالكم لا يَخفَى عليه شيء.
هذا، وقد فسّر عدد من المفسِّرين الإحاطة بالإحاطة العلمية، مع أنّ ظاهر الآية فوق ذلك، فالله سبحانه حاضر في كلّ الأزمنة والأمكنة وفي جميع الأحوال لا حضوراً حلوليّاً بل حضوراً قيّوميّاً، لأنّ العالَم الإمكاني لا يتقوّم إلاّ بوجود واجب يقوم به، قيامَ المعنى الحرفيّ بالاسميّ.
وعلى كلّ تقدير، واصل النبيّ شعيب الردّ عليهم كاشفاً عن ثباته على موقفه وعدم مبالاته بتهديدهم، كما قال:
93. (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ):

النبيّ شعيب(عليه السلام) يهدّد قومه بعذاب الاستئصال

قد وردت لفظة «مكانة» مضافةً إلى الضمير «هم، و كم» في مواضع أُخرى من القرآن الكريم(2)، وهي لا تخلو من أحد وجهين:
1. أنّها مؤنث مكان، فيقال: مكان ومكانة كمقام ومقامة، ويؤيّده قوله

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:65.
2 . لاحظ: الأنعام:135، هود:121، الزمر:39، يس:67.

صفحه 253
تعالى: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)(1).
2. أن تكون مصدراً من «مَكُن» فهو «مَكين».
فعلى الأوّل يكون المعنى: اعملوا قادرين على جهتكم التي أنتم عليها من الشِّرك والشَّنَآن لي.
وعلى الثاني اعملوا متمكِّنين من عداوتي.(2)
والظاهر أنّه أُريد من المكانة، المُكنة والقدرة، والمعنى: اعملوا
حال كونكم موصوفين بغاية المُكنة والقدرة وكلّ ما في وُسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إليّ(إِنِّي) أيضاً (عَامِلٌ) بقدر ما آتاني الله من
القدرة.(3)
وبتعبير أوضح إنّه يقول: ابذلوا كلّ ما في وسعكم من القدرة فيما ترومون، كما أنا أبذل كلَّ قدرتي فيما أُريد، فكونوا أنتم على حالتكم وأنا على حالتي (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ): أي سوف تميّزون الصادق من الكاذب والمُحقّ من المُبطل، فنزول عذاب الخزي والهوان بشخص يكشف عن كونه كاذباً، وأمّا نجاة آخر منه فيكشف عن كونه صادقاً.
ثمّ إنّ مقتضى القياس أن يقول: مَن يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق، فالفقرة الأُولى تنطبق على القوم، والثانية على النبيّ شعيب نفسه،

1 . يوسف:77.
2 . تفسير الكشاف:2/113.
3 . تفسير الرازي:18/81.

صفحه 254
غير أنّه عدل عن ذلك لأنّ القوم وصفوه بأنّه كاذب، أي الكاذب في زعمكم وادّعائكم.
فإن قلت: لماذا لم يقل «فسوف تعلمون مَن يأتيه...».
قلت: كأنّه جواب عن سؤال مقدَّر فكأنّ القوم قالوا: ماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ).
لقد ألقى النبيّ شعيب(عليه السلام) بكلامه هذا بصورة كليّة، دون أن يعيّن الصادق والكاذب، غير أنّ المستقبل سوف يميط السِّتر عن وجه الحقيقة والمصداق، ولذلك قال: (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ): أي منتظر. والرقيب بمعنى المنتظر، من رَقَبَه إذا انتظره، والصفة المشبهة هنا بمعنى فاعل، أي معكم راقب.
روى الصدوق عن أبي الحسن الرِّضا (عليه السلام) أنّه قال: «ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أما سمعت قول الله عزّوجلّ: (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)، (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)(1) فعليكم بالصبر، فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس، فقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم».(2)
94. (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ):

1 . يونس: 102 .
2 . كمال الدين: 2 / 645 .

صفحه 255

نزول عذاب الاستئصال على قوم شعيب(عليه السلام)

لقد هدّد النبيّ شعيب قومه بعذاب الاستئصال لكن هؤلاء المغفَّلين لم ينتبهوا من نومتهم وغفلتهم واستمرّوا على مسلكهم وأصرّوا على تكذيبه والسُّخرية منه حتى أنّهم طلبوا منه(عليه السلام) أن يُنزل عليهم العذاب وقالوا: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(1)، فلما تمّت الحجة عليهم ولم يبق بصيص أمل في هدايتهم جرت مشيئة الله على تطهير الأرض من هذه العناصر الفاسدة، كما جرت مشيئته الحكيمة عند إهلاك قوم على إنقاذ نبيّهم والمؤمنين معه، وهذه هي إحدى الأُمور الخارقة للعادة.
وقوله تعالى في آيتنا هذه يحكي عن كلا الأمرين، ولكن قدّم الثاني على الأوّل، وقال: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)أُريد بالأمر الأمر التكوينيّ، أي العذاب (نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) مصحوبين (بِرَحْمَة مِنَّا).
وأمّا الأوّل، فأشار إليه بقوله: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ): أي منكبّين على وجوههم. وبذلك تحقّق الوعد الإلهيّ وأنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وهؤلاء المكذِّبون لأنبياء الله ورسله كانت لهم جولة وصخب وهياج.
95. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ):
إنّ حال الباطل حال الزَّبد يعلو وجه الماء ولكنّه سوف يتلاشى ولا

1 . الشعراء:187.

صفحه 256
يبقى له أثر، وهذا حال قوم شعيب كما يقول:(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا): أي كأن لم يُقيموا من قبل في ديارهم فصاروا خبراً بعد عين (أَلاَ بُعْدًا لِمَدْيَنَ)بُعداً منصوب على كونه مفعولاً مطلقاً كـ«تبّاً له» أو «سُحقاً»، والبُعد كناية عن التحقير الملازم لكراهية الشيء كأنّه يُريد أن لا يراه، وقد شُبّه بُعدهم ببعد ثمود خاصّة، لأنّهم أُهلكوا بالصَّيحة كما أُهلكت ثمود بمثل ذلك مع الرجفة.(1)
وقد روي أنّ جبرئيل (عليه السلام)صاح بهم صيحة، فزهق روح كلّ واحد منهم حيث هو .(2)

الدروس والعبر في قصة شعيب(عليه السلام)

1. إنّ الرسالات السماوية كما تهتمّ بالجانب الروحيّ، فإنّها تهتم أيضاً بالجانب الاجتماعيّ، وتضع الحدود والضوابط التي تحكمه، وتؤكّد على الترابط الوثيق بينهما، وتأثير كلّ منهما على الآخر.
وفي قصّتنا هذه (قصة شعيب(عليه السلام)) نرى الدعوة إلى عقيدة التوحيد وتقوى الله تعالى تسير جنباً إلى جنب مع الدعوة إلى ترك الغشّ في الكيل والوزن، وإيفائهما بالقسط، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وتجنّب الفساد في الأرض.
وتبرز هذه العلاقة بين الجانبين في الخطاب الموجّه من قوم شعيب إلى نبيّهم، حيث (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ

1 . التبيان في تفسير القرآن:6/57.
2 . تفسير جوامع الجامع: 2 / 164 .

صفحه 257
نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ).
ولا شكّ في أنّ الرسالة الخاتمة، هي أشمل الرسالات الإلهية، إذ تناولت كافّة المجالات الّتي تخصّ الإنسان، وعالجت جميع شؤونه وحاجاته.
2. إنّ الحرص على تكثير الأموال وحيازتها لا يقف عند حدّ، وإنّ حاجة الإنسان ليست هي الدافع الوحيد وراء ذلك، بل البُعد عن القيم الروحية والمسؤولية الأخلاقية، هو الّذي يفتح طموحاتها المجنّحة، وعندئذ يسترقّها الطمع، وتطلب ما تجد وما لا تجد، وتقتحم الموانع والحواجز في سبيل اصطياد المزيد من الفرص الّتي تتيح لها الثراء والغنى الفاحش، دون أن تكترث لزفرات الفقراء وآهاتهم بما يصيبهم من ظلم وحرمان، ودون أن تعبأ بما تتركه أساليبهم الماكرة في الكسب من آثار سلبية على المجتمع وأمنه وصفائه، وعلى قيم العدل والخير والإنصاف.
وقد تجلّى هذا الحرص، والغشّ والاحتيال في التعامل في قوم شعيب(عليه السلام)، فعلى الرغم من غضارة عيشهم، فإنّ نفوسهم الطامعة سوّلت لهم التلاعب بالمكاييل والأوزان، والاعتداء على حقوق الناس، والإفساد في الأرض، الأمر الذي عرّضهم لسخط العزيز الجبار وغضبه، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يقيموا فيها ولم يكنزوا الثروات والأموال.
3. إنّ الأنبياء(عليهم السلام) هم الأُسوة والقدوة في الاستقامة ومَزْج القول بالعمل، فلا ينكرون منكراً إلاّ وقد تناهَوا عنه، ولا يأمرون بمعروف إلاّ وقد سبقوا إليه، منطلقين في ذلك من دوافع ذاتية وفطرية، صقلها عمق الإيمان بالله تعالى والإخلاص له والذوبان فيه والخشية منه والثقة بما وعد عباده

صفحه 258
المؤمنين.
وهذا هو النبيّ شعيب(عليه السلام) يضرب المثل الأعلى في الالتزام برسالته الإصلاحية الداعية إلى الإنصاف في التعامل والتنزّه عن الغشّ في المكاييل والأوزان واحترام حقوق الناس. ومن هنا صارح قومه بسلامة مسيرته ومواقفه، ووضوح أهدافه الّتي لا يشوبها هوىً ولا مصلحة ذاتية، قائلاً لهم: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
وهذا الدرس ينبغي أن يتمثّله المصلحون والرساليون، وأن يضعوا نصب أعينهم قول أمير المؤمنين علي(عليه السلام):«الدَّاعِي بِلاَ عَمَل كَالرَّامِي بِلاَ وَتَر»(1)، وقوله: «الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ: فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ; وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ ارْتَحَلَ عَنْهُ»(2)، فالمفاهيم والأفكار والنظريات مهما كانت صائبة وصادقة، فإنّها لا تؤثِّر التأثير المرجوّ لها ما لم تُقرن بالتجسيد والتطبيق والممارسة.
سورة هود: الآيات 96 ـ 99    
4. إنّ دعوة شعيب(عليه السلام) قومه إلى أن يزنوا بالقسطاس المستقيم، وإن كانت تتعلّق بوجوب تحرّي العدل عند تقويم الموزونات، إلاّ أنّه يمكن الاستفادة من هذه الضابطة وتعميمها على مجال أوسع وأُفق أرحب، يتمثّل في السعي إلى أن نزن ونقوّم كلّ عمل وكلّ جهد يبذله الإنسان وفي كافّة مجالات الحياة، وفق مقاييس العدل والإنصاف، لأنّ ذلك يعتبر الضمانة الأكيدة لتجنُّب الظلم، ووضع الأشياء في غير موضعها، وما يبعثه ذلك من

1 . نهج البلاغة:4/79، برقم 337.
2 . نهج البلاغة:4/85، برقم 366.

صفحه 259
آثار سلبية ومشاعر سيئة تُخمد المواهب والطاقات الفاعلة، وتصدّ عن العطاء، وتهدّد العلاقات الاجتماعية والأواصر الإنسانية بالصميم.
5. إنّ التهديد بالنفي الّذي تعرّض له شعيب(عليه السلام) من مستكبري قومه، هو نتيجة طبيعية لشعورهم بالعجز عن مقارعة الحجّة بالحجّة، والمنطق بالمنطق.
ولا ريب في أنّ المستكبرين في كلّ زمان ومكان يخشَون تأثير الدعوة الخيِّرة والكلمة الصادقة الّتي يطلقها المصلحون والخيّرون، وعندما تتعثّر أساليبهم الماكرة في ثنيهم عن مواصلة مسيرتهم، لم يجدوا بدّاً من استعمال القوة لإبعادهم عن الساحة، وخنق أصواتهم، حفاظاً على مصالحهم غير المشروعة، ووجاهتهم المزيفة.

الآيات: السادسة والتسعون إلى التاسعة والتسعين

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرُفُودُ).

المفردات

برشيد: الأمر الرشيد: الذي فيه رُشد، في مقابل الأمر الغيّ الذي فيه ضلال.

صفحه 260
يَقدُم قومَه: يتقدّم أمامهم ويقودهم.
الوِرد: هو ما يُراد ويطلب، وغلب استعماله في الماء.
المورود: ما وُرد عليه. والوارد: الّذي يتقدّم القوم فيسقي لهم، قال تعالى: (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ )(1): أي ساقيهم من الماء المورود.
ويقال لكلّ من يَرِد الماء، وارد.
الرِّفد: العطاء.
المرفود: المُعطى.
التفسير

القصة السابعة: قصّة موسى(عليه السلام) مع فرعون

جاء في هذه الآيات الأربع قصّة موسى(عليه السلام) مع فرعون على وجه الإيجاز، وقد ورد تفصيل قصّته مع فرعون في كثير من السور حتى لقد ذُكر باسمه(عليه السلام) في مئة وواحد وثلاثين موضعاً في أربع وثلاثين سورة، وإنّما جاءت قصّته مع فرعون في المقام لوجود المناسبة بين قصّته وقصّة مَن تقدّم ذكرهم من الأنبياء، وهي نزول عذاب الاستئصال على أقوامهم. وببيان قصته يتمّ بيان القصص في هذه السورة.
96 و 97. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد):

1 . يوسف: 19 .

صفحه 261
قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى) هذا عطف قصّة على قصص المتقدّمين (بِآيَاتِنَا) التسع التي جاء تفصيلها في سورة الإسراء في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)(1)، وأمّا تفاصيل الآيات فقد ذكرت في سور أُخرى.
قوله: (وَسُلْطَان مُبِين): أي الحجّة الباهرة في سبيل دعوته، حيث استدلّ على فرعون بقوة المنطق في غير مورد من الموارد، وسُميّت الحجّة سلطاناً; لأنّ صاحبها يقهر من لا حجّة معه كما يقهر السلطان غيره، قال سبحانه:(إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى* قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَاب لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى * الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَات شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لاُِولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى).(2)
ويحتمل أن يراد به العصا، فيكون من قبيل ذكر الخاصّ بعد العام.
قوله: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) خصّ بالذكر أشراف القوم وزعماءهم، لأنّهم القادة، والرعايا أتباعهم (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ): أي اتّبع الملأ أمر فرعون، وأظهر اسم فرعون للتشهير به (وَ) لكن (مَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد): أي بسديد ولا بهاد إلى الحقّ والصّواب، يستحسنه العقل ويصدّقه، بل هو الغواية والضلال.

1 . الإسراء:101.
2 . طه:48ـ 55.

صفحه 262
98. (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ):
تصوّر لنا هذه الآية حياتهم الأُخروية، فبما أنّ فرعون قد ضلّ وأضلّ، وصار قدوة للملأ ثمّ للأتباع في الحياة الدنيا، فيكون كذلك في الحياة الأُخروية كما يقول:(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): أي يتقدّم أمامهم والملأ والأتباع وراءه، فبما أنّ الاقتداء به في الحياة الدنيا كان سبباً لورودهم وحل الضلالة، فيكون أيضاً سبباً لورودهم النّار في الحياة الأُخروية، كما يقول: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) ويدخلهم إيّاها. ويظهر من بعض الآيات أنّهم يعذّبون في البرزخ بعرضهم على النار، وأمّا يوم القيامة فيدخلون النار، قال سبحانه: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ* النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(1).
سورة هود: الآيات 100 ـ 104    
قوله تعالى: (وَبِئْسَ الْوِرْدُ) والورد هو الماء، واستعمل هنا في النّار مجازاً (الْمَوْرُودُ) الذي يردونه. وإنّما أطلق سبحانه على النّار اسم الورد ليطابق ما يرد عليه أهل الجنة من الأنهار والعيون، فشبّه الله تعالى فرعون بمن يتقدّم الواردة إلى الماء، وشبَّه أتباعه بالواردين إلى الماء فقال: الورد الذي يورَدون (أتباعه) النّار مكان الماء، لأنّ الورد إنّما يُراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنّار ضدّه.
99. (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرُفُودُ):

1 . غافر:45ـ 46.

صفحه 263
قوله:(وَأُتْبِعُوا): أي أُلحقوا (فِي هَذِهِ) الدنيا(لَعْنَةً) لتماديهم في الكفر والطُّغيان فأبعدهم الله عن رحمته(وَ)أُتبعوا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لعنة أُخرى:(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرُفُودُ): أي بئس العطاء المُعطى، وهو اللَّعنة في الدّارين. وإنّما سمّيت اللَّعنة رفداً وهو العطاء والعَون على الأمر تهكُّماً بهم، ولأنّه في مقابلة ما يُعطى أهل الجنّة من أنواع النَّعيم. سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرُفُودُ) قال: هو اللَّعنة بعد اللعنة، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة.(1)
قال الشريف الرضي(رحمه الله) حول هذه الفقرات: فقوله تعالى:(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) وقوله تعالى:(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرُفُودُ)استعارتان لأنّه تعالى جعل فرعون في تقدمه قومه إلى النار بمنزلة الفارط المتقدّم للوارد إلى المورود، كما كان في الدنيا متقدّمهم إلى الضلالة وقائدهم إلى الغواية. وجعل النار بمنزلة الماء الذي يورد، ثم قال تعالى: (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) لأنّه لا يجيز الغَصّة ولا ينقع الغُلّة.(2)

الآيات: المئة إلى الرابعة بعد المئة

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْء لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ

1 . تفسير الرازي:18/55.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:66.

صفحه 264
غَيْرَ تَتْبِيب * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاْخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَل مَعْدُود).

المفردات

ذلك: إشارة إلى ما سبق من القصص، وهو مبتدأ، وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرى) خبره، وقوله:(نَقُصُّهُ) خبر بعد خبر.
أنباء: جمع نبأ: الخبر المهمّ.
قائم: الزرع المستقلّ على سُوقه، أو الأثر القائم من آثار القرى.
حصيد: المحصود من الزرع، أو ما عُفي من الآثار.
تَتبيب:مصدر (تَبَّبَ)، يقال: تَبَّبَه، إذا أوقعه في التَّباب، أي الخسارة. وفي الرواية عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام): «وما زادوهم غير تتبيب: أي غير تخسير».(1)
أخْذ ربِّك: كناية عن التعذيب والاستئصال.
التفسير

ما هو الهدف من سرد القصص

ذكر سبحانه من الآية الخامسة والعشرين إلى هنا قصص الأقوام

1 . البرهان في تفسير القرآن: 3 / 131 .

صفحه 265
الهالكة، ابتداء من قوم نوح وانتهاء بقوم فرعون، والغاية من ذكر مصير هؤلاء وما دار بينهم وبين أنبيائهم من الجدال والحِجاج، هي أن تعتبر بهم المجتمعات التي يصلها الخطاب القرآني، وتتّعظ بما حلّ بهم.
100. (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ):
الآية تصنّف ما بقي من آثار القرى أو من أهلها إلى صنفين، وتشبِّه ما بقي من الآثار أو الأنسال بالزّرع القائم على سوقه، وأمّا المدّمر من الآثار أو الأنسال فشبّهته بالزرع المحصود، كما يقول:(ذَلِكَ) إشارة إلى ما سبق من القصص، ويفسّره قولُه: (مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرى): أي بعضها، بناءً على أنّ (مِنْ)تبعيضية، فهذا القصص (نَقُصُّهُ عَلَيْكَ): أي نذكره لك ونخبرك به تزكية وتسلية لك (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) لعلّه أُشير بـ (قَائِمٌ) إلى ما بقي من آثارها كالأهرام في مصر، وبـ(حَصِيدٌ) إلى ما باد منها كديار «عاد» التي انمحت آثارها. هذا كلّه إذا كان المراد من القرى هو الدِّيار والأبنية، وأمّا إذا أريد أهلها فلعلّ «القائم» هو ما بقي من نسل المؤمنين الذين نجَوا مع صالح وشعيب(عليهما السلام)، والحصيد هم الذين استؤصلوا عن آخرهم كقوم فرعون وقوم لوط(عليه السلام).
101. (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْء لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب):

صفحه 266

ما حلّ بهم هو نتيجة تلبُّسهم بالظُّلم

جاءت هذه الآية معقِّبة على الأنباء التي مرّ ذكرها، وأشارت إلى أمرين:
1. إنّ استئصال هؤلاء بالعذاب الإلهيّ كان نتيجة تلبُّسهم بالظُّلم، كما قال: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالشرك والبغي والفساد، فالله سبحانه عادل لا يجور، ولا يظلم أحداً.
2. أنّهم كانوا يعبدون آلهتهم المكذوبة رجاء عونهم وإنقاذهم عند نزول البلاء، ويحفظونهم من طوارق الحدثان، ولكن خاب سعيهم وانقطع رجاؤهم إذ لم تُفِدهم شيئاً حينما نزل بهم عذاب الله كما يقول:(فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْء لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ). ثمّ أشار إلى ما هو أزيد من ذلك، وهو أنّ الآلهة ليس فقط لم تنصرهم عند حلول العذاب بهم، بل أوقعتهم في التّباب والخسارة، كما يقول: (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب). ولعلّ المراد أنّهم لما أحسّوا بالعذاب التجأوا إلى الأصنام ودعوها لكشفه فصار ذلك سبباً لتشديد العذاب وتغليظ العقاب فصدق (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب).
ويحتمل أن يقال: إنّ اعتقادهم بشفاعة الآلهة عند الله سبحانه حال بينهم وبين التوبة عند سماع الوعيد بالعذاب، فصار ذلك سبباً للخسارة. وعلى كلّ تقدير، فنسبة التتبيب إلى الآلهة لا يخلو من نوع مجاز.
102. (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ):

صفحه 267
الآية بصدد تهديد مشركي عصر الرسالة من قريش وما حولها وأنّ سنّة الله لا تتغيّر ولا تتبدّل، فمن أخَذ القرى السابقة وأهلكهم واستأصلهم، يأخذ كلّ قرية ظالمة بالاستئصال، فما تقدّم من القصص من مصاديق سنّة الله الحكيمة الجارية في القرى الظالمة، من غير فرق بين قرية دون قرية، فليحذر مشركو قريش من أن يشملهم عذاب الله سبحانه.
هذا هو مفاد الآية، وبما أنّ مضمونها هو تشبيه السنّة الحكيمة الكلّية على المصاديق الجزئية فالأمر يحتاج إلى تفسير الآية بالنحو التالي:(وَكَذَلِكَ): أي مثل ما مرّ من إهلاك الأُمم وأخْذهم بالعذاب (أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ)وفي وصفها بالظالمة إشعار بسبب أخْذها، يقول سبحانه: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَةً)(1). وأُريد من ظلم القرية، ظلم أهلها، يقول سبحانه حاكياً عن المستضعفين: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)(2) وظلم الأهل، مجاوزتهم للحقّ، وأعظمه الكفر والشّرك بالله سبحانه، ومنه العدوان على عباده. قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ، الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ».(3)
قوله:(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ): أي مؤلم موجِع، صعب على المأخوذ. والآية ـ كما سبق ـ تحذير من سوء عاقبة الظلم لكلّ قرية ظالمة، من غير فرق بين مكّة وغيرها.
روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ الله لَيُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم

1 . الأنبياء:11.
2 . النساء: 75 .
3 . نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 221.

صفحه 268
يُفِلتْه»، ثمّ قرأ هذه الآية.(1)
103. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاْخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ):
قوله تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي ما سبق من القصص وما أُشير إليه من السنّة الإلهية الحكيمة الكلّية (لاَيَةً): أي عبرة وتبصرة (لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الاْخِرَةِ) وخشي عقوبة الله يوم القيامة. وخصّ الخائف بالذكر لأنّه المنتفع بهذه القصص والسنّة الحكيمة.
وبما أنّ كلمة عذاب الآخرة تتضمّن معنى اليوم، جاء البيان القرآني لشرح وصف هذا اليوم، فوصفه بوصفين:
1. (ذَلِكَ): أي يوم الآخرة (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ): أي يُجمع له الناس كلّهم، ليُجزى كلّ إنسان بعمله.
2. (وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ): أي يشهده الخلائق كلّهم من الجنّ والإنس.
104. (وَ مَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَل مَعْدُود):
سورة هود: الآيات 105 ـ 109    
الآية جواب لما يتبادر في بعض الأذهان عن سبب تأخير ذلك اليوم الذي وُصف بالوصفين المتقدِّمين، فأجيب (وَ مَا نُؤَخِّرُهُ): أي ذلك اليوم (وهو يوم القيامة) (إِلاَّ لاَِجَل مَعْدُود): أي لوقت محدَّد معيَّن. وفي هذا صلاح الخلق في إدامة التكليف والإنابة والتوبة، فإنّ الله سبحانه حدّد النظام السائد بآجال فإذا انتهت تلك الآجال جاء وقت القيامة.

1 . صحيح البخاري:3/211، كتاب التفسير، برقم 4686.

صفحه 269

الآيات: الخامسة بعد المئة إلى التاسعة بعد المئة

(يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ* فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص).

المفردات

نفسٌ:اسم جنس يعمّ جميع النفوس، لأنّ النَّكرة في سياق النفي تفيد العموم.
شقيّ: صفة مشبِّهة من شَقيَ، وهو المتلبِّس بالشقاء، أي سوء الحال.
سعيد: صفة مشبهة من سَعِدَ (ضدّ شقيَ)، وهو المتلبِّس بحسن الحال.
زفير وشهيق: قال ابن فارس: الزفير إخراج النَّفَس، والشهيق ردّه.
مجذوذ:مقطوع.

صفحه 270

التفسير

هذه الآيات بصدد بيان جزاء الناس من شقيّ وسعيد، ليكون عبرة للآخرين.
105. (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ):
الآية تخبر عن أحوال الناس الذين اجتمعوا على صعيد واحد يوم القيامة، وهي كالتالي:
1. (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ): أي لا يملك أحدٌ فيه قولاً إلاّ بإذنه، وقد جاء هذا المضمون في غير واحدة من الآيات، قال تعالى:(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)(1).
نقل الطبرسي عن الجُبّائي في تفسير قوله: (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) أنّه قال: «أنّه لا يتكلّم فيه إلاّ بالكلام الحسن المأذون فيه، لأنّ الخلق مُلجأون هناك إلى ترك القبائح، فلا يقع منهم فعل القبيح، وأما ما هو غير قبيح فإنّه مأذون فيه».
وفسّره الطبرسي بوجه آخر فقال: والأظهر أن يقال: أنّه لا يتكلّم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة ووسيلة إلاّ بإذنه .(2)
فإن قلت: إن الظاهر من قوله سبحانه: (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) هو وجود التكلُّم يوم القيامة بإذن الله سبحانه، لكنّ الظاهر من بعض الآيات

1 . النبأ:38.
2 . مجمع البيان: 5 / 369 .

صفحه 271
عدم التكلُّم مطلقاً، كقوله سبحانه: (هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ)(1)، وقوله سبحانه: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ).(2)
قلت: إن المنفي هو التكلُّم بلا إذن، والمثبت هو التكلُّم عن إذن.
وربّما يجاب بأن يوم القيامة يشتمل على مواقف مختلفة، قد يؤذن لهم بالكلام في بعضها دون بعض. والأَولى أن يقال: المراد نفي تكلّمهم بمثل كلامهم في الدنيا حيث كانوا يتكلّمون بالحق والباطل، فيسلب منهم ذلك الاختيار.
2. إنّ الناس في ذلك اليوم على قسمين، كما يقول:(فَمِنْهُمْ): أي من أهل الموقف(شَقِيٌّ)بسوء اختياره، حيث تمرّد على الله تعالى، وتولّى عن دعوة الحقّ والهدى(وَ) منهم (سَعِيدٌ) بحسن اختياره، حيث أقبل على الإيمان بالله ووحدانيته وامتثل أمره ونهيه. ثمّ إنّ السعادة والشقاء من المقولات ذات المراتب، فلأجل ذلك يختلف جزاؤهم حسب اختلاف درجاتهم في السعادة والشقاء.

مشكلة اتحاد الظرف والمظروف

بقي الكلام في قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ) في صدر الآية، فقد قرأ ابن عامر وأهل الكوفة غير الكسائي بحذف الياء: يأت، والباقون بإثباتها:يأتي. ثمّ إنّ الضمير في (يَأْتِ) يرجع إلى:(يَوْمَ) فيكون المعنى: يوم يأت يوم لا تكلّم نفس، فعندئذ يتحد الظرف والمظروف، وقد أجاب عنه صاحب

1 . المرسلات: 35 ـ 36 .
2 . يس: 65 .

صفحه 272
المنار بقوله: فسّرت كلمة (يَوْمَ) في الآية بالوقت المطلق أي غير المحدود لأنّه ظرف لليوم المحدود الموصوف بما ذكر، الذي هو فاعل يأت.(1)
وحاصله: أنّه أُريد من (يَوْمَ) الواقع في صدر الآية مطلق الزمان، ومن الضمير تحته أريد زمان مقيّد بأوصاف منها: (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ).
وأورد عليه مؤلف الميزان بأنّه خطأ لاستلزامه ظرفية اليوم لليوم، لعَود المعنى حقيقة إلى قولنا: في الوقت الذي يجيء فيه ذلك الوقت المعيّن أو اليوم الذي يجيء فيه ذلك اليوم المعيّن. والتفرقة بين اليومين يجعل أحدهما خاصّاً ومعيَّناً، والآخر عامّاً ومرسلاً، لا ينفع في دفع محذور ظرفية الشيء لنفسه ومظروفية الزمان، وهو ظرف بذاته لزمان آخر، وهو محال لا ينقلب ممكناً بتغيير اللَّفظ.
وما ذكره من التفرقة بين اليومين بالإطلاق والتحديد مجرّد تصوير لا يغني شيئاً، فإنّ اليوم الذي يأتي فيه ذلك اليوم الموصوف وذلك اليوم الموصوف متساويان إطلاقاً وتحديداً وسعة وضيقاً.(2)
وممّا ذُكر يظهر أنّ ما ذكره ابن عاشور قريب ممّا ذكره صاحب المنار، حيث قال: وضمير (يَأتِ)عائد إلى (يَوْمٌ مَشْهُودٌ) وهو يوم القيامة، والمراد بإتيانه وقوعه وحلوله.(3)
ومن المعلوم أنّ لازمه أن يكون لليوم ظرف.

1 . تفسير المنار:12/158.
2 . الميزان في تفسير القرآن:11/9ـ10.
3 . التحرير والتنوير:11/330.

صفحه 273
واختار صاحب الميزان بأنّ الضمير في (يَأتِ) يرجع إلى الأجل الوارد في قوله:(وَ مَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَل مَعْدُود) والمعنى: يوم يأت الأجل الذي تؤخَّر القيامة إليه، لا تكلّم نفس إلاّ بإذنه.
ولا يخفى أنّ الإشكال غير مندفع لأنّ الأجل عبارة عن الزمان، وهو نفس اليوم الوارد في الآية، والأَولى أن يقال: إنّ التعبير تعبير عُرفي، فربما يتصوّر للزمان زمان، فيقال:(يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)(1) فإنّ الساعة تعبّر عن يوم القيامة، وكما يقال: يوم يأتي العيد، وأُريد من العيد الزمان الخاص، والمحادثات العُرفية لا تبتني على الدقائق الفلسفية.
وأضعف الوجوه ما ذكره صاحب الكشّاف، حيث قال: فاعل (يَأْتِي)هو الله تعالى، كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)(2).(3) وهذا عجيب من صاحب الكشّاف لأنّ القائل به هم اليهود، فكيف يفسِّر كلامَ الله بمقالة اليهود؟!
106. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ):

للشقيّ زفير وشهيق

لمّا تقدّم تقسيم الناس إلى قسمين، بدأ البيان القرآني بذكر مصيرهما يوم القيامة فقال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الروم:12; الجاثية:27.
2 . البقرة:210.
3 . تفسير الكشّاف:2/235.

صفحه 274
(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا): أي تلبّسوا بالشقاء وسوء الحال، فلهم شؤون وحالات :
1. (فَفِي النَّارِ): أي مستقرّهم ومثواهم فيها.
2. و (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ): أي ترتفع أصوات أنفاسهم إخراجاً وردّاً، وهو يلازم شدّة الكرب والحزن.
107. (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ):
هذا هو الوصف الثالث للأشقياء، وهو أنّهم (خَالِدِينَ فِيهَا): أي ماكثين في النّار (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) .
وهنا سؤالان :
الأوّل: إنّه سبحانه كيف يعلّق خلودهم في الجنّة بدوام السماوات والأرض مع أنّ النظام الموجود ينهدم يوم القيامة وأنّ هذه الأرض تُبدَّل إلى غيرها وكذلك السماوات، قال سبحانه:(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)(1).
أقول: هاهنا جوابان:
الأوّل: هو أنّ هذا التعبير كناية عن الدَّوام والخلود.
وإن شئت قلت: أُريد بالإرادة الاستعمالية دوام السماوات والأرض، وأريد بالإرادة الجدّية خلود هؤلاء سواء أدامت السماوات والأرض أم لم

1 . إبراهيم:48.

صفحه 275
تدوما. وبعبارة أُخرى: لا يُشترط في الكناية وجود المكنّى به فضلاً عن دوامه، يقال: زيد كثير الرَّماد، فصدقُ القضية يدور مدار سخائه وعطاياه سواء أكان في بيته رماد أم لا، فضلاً عن الكثرة، والذي يدلّ على أنّ هذا التعبير كناية عن الخلود هو تنوّع التعبير عن الدوام بصور قريبة ممّا في الآية، قال الإمام علي(عليه السلام):«أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً!».(1)
وقال دعبل الخزاعي في قصيدته التي أنشدها بحضور الإمام الرضا(عليه السلام):
سأبكيهمُ ما ذرّ في الأُفق شارقٌ *** ونادى منادي الخير في الصلواتِ(2)
ومن الأمثلة الرائجة قولهم:«ما اختلف المَلَوان أو كرّ الجديدان»، كلّ ذلك تعبير عن الدَّوام.
الثاني: أُريد من السماوات والأرض ما يحدث يوم القيامة، ويمكن أن يُستظهر ذلك من قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)(3) وقوله: (وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)(4)، فيدلّ على وجود أرض وسموات بهيئة وصورة غير التي عليهما في الدُّنيا. ولكنّ الجواب الأوّل أَولى.

1 . نهج البلاغة، الخطبة 126.
2 . نور الأبصار للشبلنجي:140.
3 . إبراهيم:48.
4 . الزمر:74.

صفحه 276
السؤال الثاني:كيف استثنى تعالى ممّن هم في النّار بقوله:(إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)مع أنّ الكفّار خالدون في النار؟
والجواب: أنّ غير واحد من المفسرين قد حمل ذلك على من دخل فيها من أهل التوحيد الذين ضمّوا إلى إيمانهم وطاعتهم، ارتكابَ المعاصي، فقال سبحانه:«إنّهم معاقبون بالنّار إلاّ ما شاء ربك من إخراجهم إلى الجنّة وإيصال ثواب طاعاتهم إليهم.(1)
وهذا هو الذي أيّده السيد الطباطبائي، حيث قال: والمعنى: هم جميعاً خالدون فيها إلاّ من شاء الله أن يخرج منها ويدخل في الجنّة، فيكون تصديقاً لما في الأخبار أنّ المذنبين والعصاة من المؤمنين لا يدومون في النار بل يخرجون منها ويدخلون الجنّة بالآخرة للشّفاعة، فإنّ خروج البعض من النّار كاف في انتقاض العموم وصحّة الاستثناء.(2)
ولا يخفى أنّ نفس الاستثناء جاء في حق السُّعداء ـ كما سيأتي في الآية التالية ـ ولا يصحّ هذا الوجه (الخروج من الجنّة) في حقّهم، ولابدّ من تفسيره في كلا الموردين بوجه واحد.
وذكر الطبرسي وجوهاً أُخرى في الاستثناء ناهزت خمسة وجوه.
والأَولى أن يقال: إنّ الآية بصدد بيان أنّ الحكم عليهم بالخلود لا يلازم خروج هذا الأمر عن يده، بل أنّ القدرة كانت ومازالت في يده سبحانه في تبديل الأمر، ويؤيّد ذلك قوله تعالى في ذيل الآية:(إِنَّ رَبَّكَ

1 . انظر: مجمع البيان:5/373.
2 . الميزان في تفسير القرآن:11/28ـ 29.

صفحه 277
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ). وسنعود إلى توضيحه في الآية التالية.
108. (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ):
جاء البيان القرآني لبيان وصف السُّعداء فلو حُكم على الأشقياء بالخلود في النار، فقد حُكم على السُّعداء بالخلود في الجنّة، قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا) فحكم عليهم بالخلود (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) والكلام في ما هو المراد من السماوات والأرض قد مرّ في الآية المتقدّمة، فهي إمّا كناية عن الخلود، وإمّا أن يراد بها الأرض والسماوات في هيئتها الحادثة يومئذ. أمّا الاستثناء في قوله: (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)فلا يجري فيه ما ذكر من الوجه الأول في الآية المتقدمة، فإنّ من يدخل الجنّة لا يخرج منها أبداً، لإجماع الأُمّة على أنّ من استحقّ الثّواب ودخل الجنّة لا يخرج منها بعد دخوله فيها.
والأَولى هو ما ذكرناه من الجواب، وهو أنّ الاستثناء مسوق لإثبات قدرة الله المطلقة، وأنّ قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة، وسلطنته لا تنفد، وملكه لا يزول ولا يبطل، وأنّ الزمام بيده، وقدرته وإحاطته باقية على ما كانت عليه]من[ قبل، فله تعالى أن يخرجهم من الجنّة، وإن وعدهم البقاء فيها دائماً، لكنّه تعالى لا يُخرجهم لمكان وعده، والله لا يخلف الميعاد.(1) وهؤلاء السُّعداء يعطيهم النَّعيم في الجنّة (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ): أي غير مقطوع، بل ممتدّ إلى غير نهاية.

1 . الميزان في تفسير القرآن:11/29.

صفحه 278

زلّة لا تُستقال

قال الرّازي في تفسير هذه الفقرة من الآية:(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ): «اعلم أنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد، وعلى بعضهم بأنّه شقيّ، ومن حكم الله عليه بحُكم وعلم فيه ذلك الأمر، امتنع كونه بخلافه، وإلاّ لزم أن يصير خبر الله تعالى كذباً، وعلمه جهلاً، وذلك محال. فثبت أنّ السعيد لا ينقلب شقيّاً، وأنّ الشقيَّ لا ينقلب سعيداً». ثم استشهد على كلامه بما روي عن عمر أنّه قال:«لمّا نزل قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) قلت: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أم على شيء لم يُفرَغ منه؟ فقال: على شيء قد فُرغ منه يا عُمر، وجفّت به الأقلام، وجرت به الأقدار، ولكن كلٌّ ميسَّر لما خُلق له».(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: لا شكّ أنّ الآيات والروايات تدلّ بوضوح على أنّ الإنسان خُلق على فطرة سليمة بعيدة عن كلّ ما يشين، وليس الشقاء والضلالة من ذاتياته، فلا هي جنس له ولا فصل ولا هي من الأُمور التي لا تنفكّ عن الإنسان، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، وإنّما يَكْتسبُ كلاًّ بفعله وعمله، يقول سبحانه:(إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).(2)وقال سبحانه: (مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(3) أي يسّر سبيل الهداية والسعادة لكلّ إنسان، ومع ذلك فلا معنى لكون الشقاء أمراً ذاتيّاً لصنف من الأصناف، قال

1 . تفسير الرازي:18/61.
2 . الإنسان:2ـ3.
3 . عبس:19ـ 20.

صفحه 279
تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(1).
وثانياً: إنّ ما اعتمد عليه الرازي في قوله:«إنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد وعلى بعضهم بأنّه شقيّ» وأسماه دليلاً قاطعاً، فهو بالمغالطة أشبه منه بالدليل، فالحكم منه سبحانه وإن كان في زمن نزول الآية لكنّ زمان الاتّصاف به هو يوم القيامة، فكيف يقول:«إنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد» فعلاً «وعلى بعضهم بأنّه شقيّ» كذلك؟ فالله تعالى إنّما حكم في زمن النزول بأنّ الناس يوصفون في المستقبل بأحدهما لا أنّهم يوصفون بأحدهما في زمان الحكم القائم بالحاكم، فاستفادة كون الأشخاص سعداء أو أشقياء بالفعل وفي زمن نزول الآية نابع عن الخلط بين زمانَي الحكم والاتّصاف، فالحُكم فعليّ، والاتّصاف استقباليّ، وعندئذ لا تدلّ الفقرة على ما يتبنّاه من كون السعادة أو الشقاوة لازمة للإنسان في الدنيا ولا تنفكّ عنه، وأنّه بالفعل من زمان طفولته إلى كهولته وهرمه محكوم بأحد الحُكمين.
وأمّا الرواية التي استشهد بها الرازي فهي بالإسرائيليات أشبه منها بالإسلاميات، والقرآن ينصّ على عدم الفراغ من العمل، قال سبحانه:(كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)(2) وقال سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(3).
أضف إلى ذلك بأنّه يمكن توجيه قوله:«اعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خُلق

1 . الكهف:29.
2 . الرحمن:29.
3 . الرعد:39.

صفحه 280
له» بأنّ المراد من الموصول(ما) في قوله:«لِما خلق له» هو معرفة الله وعبادته لا الكفر به وإنكاره، قال تعالى:(وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(1)، فإذا كانت الغاية من الخلقة هي العبادة أو المعرفة يكون كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«اعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له» ناظراً إلى هذه الغاية لا السعادة والشقاء. ويؤيّد ذلك ما ورد في بعض الروايات أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى)(2)، وقد ورد هذا التفسير في كلام مرويّ عن الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) حيث يقول ـ بعدما سئل عن معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق له» ـ : إنّ الله عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عزّ وجلّ:(وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)فيسّر كلاًّ لما خُلِقَ له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».(3)

سؤال وإجابة

لو صحّ ما ذكر من أنّ السعادة والشقاء من الأُمور المكتسبة، فما معنى الحديث المرويّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «الشَّقيّ من شَقيَ في بطن أُمّه، والسَّعيد من سَعدَ في بطن أُمّه»؟(4)
والجواب: إنّ السعادة والشقاء من المفاهيم الواضحة ولا يحتاجان إلى التفسير ولكنّهما يتشعبّان ويختلفان حسب اختلاف متعلّقهما، فسعادة

1 . الذاريات:56.
2 . الليل:5ـ7.
3 . التوحيد للصدوق:356، باب السعادة والشقاوة(58)، الحديث3.
4 . التوحيد:356، باب السعادة والشقاوة(58)، الحديث3.

صفحه 281
كلّ شيء أن ينال ما لوجوده من الخير الذي يكمل بسببه، فهي في الإنسان ـ وهو مركّب من روح وبدن ـ أن ينال الخير حسب قواه الجسمانية والروحية فيتنعّم به ويلتذّ، وشقاؤه أن يفقد ذلك ويُحرم منه. وعلى ضوء ذلك، فالإنسان من حيث الصحّة والسُّقم ينقسم إلى سعيد وشقيّ، ومن حيث الغنى والفقر في حاجات الحياة يتّصف بأحدهما، كما هو كذلك إذا قيس إلى الزوجة والرفيق وغير ذلك من ملابسات الإنسان، فيوصف بأنّه سعيد من هذه الجهة، أو شقيّ.
وعلى ذلك، فليس معنى السعيد على الإطلاق المؤمن التقيّ الخالد في الجنّة، والشقيّ الطاغي الخالد في النّار، وإنّما هما من أقسامهما ومصاديقهما. نعم، المراد منهما في الآية المتقدِّمة هو ذاك، بشهادة قوله سبحانه:(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) و(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ)، ولكنّه معلوم من سياق الآية، لا أنّهما موضوعان للسعيد والشقيّ في الآخرة ليس غير.
وعلى ضوء ذلك، فالخبر المرويّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس إلاّ قوله:«الشقيّ من شقيَ في بطن أُمّه، والسعيد من سعد في بطن أُمّه»، وهو كلام مطلق لا قرينة فيه على أنّ المراد منه هو القسم الوارد في الآية الكريمة، بل يمكن أن يقال: المراد منهما هو السعادة والشقاء من حيث الخلقة والمزاج بقرينة قوله:«في بطن أُمّه»، فمن المحتمل ـ إذا صحّ سند الحديث وثبت صدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أن يكون المراد أنّ الإنسان في بطن أُمّه على صنفين: شقيّ وسعيد. فالجنين المتكوّن من نطفة وبويضة لأبوين سالمين روحاً وجسماً يتصف بالسعادة في بطن أُمّه وترافقه في

صفحه 282
حياته الدنيوية، وهذا بخلاف الجنين المتكوّن من نطفة وبويضة لأبوين عليلين ومريضين جسماً وروحاً، فهو من هذا الآن محكوم بالشّقاء، وإذا وُلد رافقه إلى آخر عمره(إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فالرواية لا صلة لها بالسّعادة والشّقاء الأُخرويين. وبالنتيجة لا ترتبط ببحث الجبر والاختيار، وإنّما حملوها على ذلك لأجل كون السّعادة والشّقاوة في الآية راجعتين إلى الحياة الأخروية، ولكنّه ليس بدليل.
فإن قلت: ما ذكرت من التفسير لا يناسب النصّ الذي نقله ابن أبي حاتم بهذه الصيغة: أيها الناس إنّكم مجموعون في صعيد واحد يسمعكم الداعي وينفذكم البصر، والشّقيّ من شقي في بطن أُمّه...(1)
قلت: لو صحّ الحديث فلا محيص من تفسيره بما رواه الصَّدوق بإسناده عن محمد بن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام)عن معنى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الشقيّ مَن شقيَ في بطن أُمّه، والسعيد مَنْ سعد في بطن أُمّه». فقال: «الشقيّ من علم الله وهو في بطن أُمّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أُمّه أنّه سيعمل أعمال السُّعداء».(2)
109. (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص):
الآية تتضمّن أمرين:

1 . تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم:6/2084 برقم 11222.
2 . التوحيد: 356، باب السعادة والشقاوة(58)، الحديث3.

صفحه 283
1. أنّه سبحانه أشار إلى مصير عبدة الأوثان ثمّ أتبع ذكرهم بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء، فصار ذلك سبباً لأن يشير إلى مصائر كفّار قومه في هذه الآية. ثمّ إنّ ظاهر الخطاب موجّه للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو لجميع الناس بأنّ أمر هؤلاء في العبادة ليس إلاّ استمراراً لما عليه آباؤهم، فهم مقلّدون للآباء، كما يقول:(فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ): أي مشركو عصر الرسالة (مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ)لتحجّر عقولهم، فلا يفكّرون فيما يُعرض أمامهم من البيّنات والآيات الدالّة على الوحدانية، فكأنّ الوثنية عبادة بدعيّة بدأت من عصر نوح وامتدّت إلى زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وهذه الآية تسلية للنبيّ وتقوية لروحه.
ويحتمل أن يراد بالآباء عمرو بن لُحَيّ وأولاده الّذين سنّوا الوثنية في مكّة المكرّمة، يقول ابن هشام: إنّ عمرو بن لُحَيّ خرج من مكّة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآب(1)، من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق ـ وهم ولد عِمْلاق، ويقال: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ـ رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً، فأسيرَ به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يُقال له هُبَل، فقدم به مكّة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. (2)
2. (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص): أي لَنؤتيهم جزاء أعمالهم

1 . كذا يسمّيها العرب، ويسمّيها الأقدمون«موآب» وهي في وادي الأردن، بالبلقاء. الأعلام للزّركليّ:5/84.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 77 .

صفحه 284
وافياً غير منقوص عن مقدار ما استحقّوه، فتكون الفقرة مشيرة إلى إيفاء الجزاء يوم القيامة. وفي «الكشّاف»: أي حظّهم من العذاب كما وفّينا آباءهم أنصباءهم.(1) ولو أُريد خصوص العذاب يكون التعبير من باب التهكُّم، لأنّ توفية النصيب يناسب مطلق العمل أو خصوص العمل الحسن، دون خصوص العمل السيّئ.
وحمَله صاحب المنار على أعمالهم الخيرية في هذه الدنيا كبرّ الوالدين وصلة الأرحام وإغاثة الملهوف وعمل المعروف، وأنّه سبحانه يوفّيهم جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرِّزق وكشف الضُّرّ جزاءً تامّاً وافياً لا ينقصه شيء، ]ولا[يجزون عليه في الآخرة .(2) غير أن سياق الآية ـ وأعني: صدرها ـ لا يناسب ما ذكره.
سورة هود: الآيتان 110 ـ 111    

الآيتان: العاشرة والحادية عشرة بعد المئة

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب * وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).

المفردات

مُريب: ذو رَيب، والرَّيب أقوى من الشكّ.

1 . تفسير الكشّاف:2/117.
2 . تفسير المنار:12/162.

صفحه 285
لَيُوفّينّهم: يعطيهم جزاء أعمالهم وافياً تامّاً، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.

التفسير

وجه صلة الآية بما قبلها هو أنّ الآية بصدد تطييب نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وتسليته ببيان أنّ أهل الكتاب قد أوتوا الكتاب ومع ذلك اختلفوا فيه، فلا تأسَ لاختلاف قومك عليك، ولا تغتمّ لذلك، فهذه شيمة مستمرة وقد أشار سبحانه إلى اختلاف أهل الكتاب في غير واحدة من الآيات: قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)».(1)
110. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب):
تفسير الآية رهن إيضاح أُمور:
1. ما هو المراد من قوله تعالى: (فَاخْتُلِفَ فِيهِ
2. ما هو المراد من قوله: (كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
3. ما هو مرجع الضمير في قوله: (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، وما عطف عليه من قوله: (وَإِنَّهُمْ

1 . الجاثية: 16 ـ 17 .

صفحه 286
وإليك إيضاح هذه الأُمور:

1. ما هو المراد من الاختلاف ؟

قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ).
الاختلاف على قسمين:
1. الاختلاف قبل العلم، وهو دراسة الموضوع بتضارب الآراء، وقد قيل: (الحقيقة بنت البحث)، فهذا النوع من الاختلاف يشقّ الطريق إلى الحقيقة، ويرفع حواجز الشكّ عن وجهها.
2. الاختلاف بعد العلم وظهور الدلائل والبيّنات، وهذا يُعدّ عناداً ولجاجاً. والمراد من اختلافهم في الكتاب من هذا القبيل، أي اختلفوا اختلافاً عظيماً، فمنهم من آمن ومنهم من زاغ عن الحقّ واتّبع هواه. وهكذا كلّ أُمّة قديماً وحديثاً لم تتّفق كلمتها على نبيّها ومرشدها الناصح الأمين، ولم يشذّ عن ذلك قوم موسى (عليه السلام)فقد أُحرقت التوراة في فترة من حياة بني إسرائيل عندما هاجم نُبوخذ نُصَّر (ملك بابل)مدينة القدس عام (587 أو 586ق. م)، ثمّ جدّدها رجل من كهنتهم يُسمّى (عزرا) من حفظه، عندما أرادوا أن يرجعوا من بابل ـ بعد إنقضاء السَّبي ـ إلى الأرض المقدّسة، وما تلاه هذا الرجل أُصيب ـ أيضاً ـ بالاختلاف بإخفاء بعض وإظهار بعض آخر، كما تدلّ عليه الآيات. وقد عبّر سبحانه عن الاختلاف في آية أُخرى بإخفاء بعض الكتاب، قال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير).(1)

1 . المائدة: 15 .

صفحه 287

2. ما هو المراد من سبق الكلمة؟

هنا سؤال مقدّر وهو أنّه سبحانه لماذا لم يستأصلهم بعذاب الدنيا، فأُجيب عنه بقوله: (وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ): أي لولا أن سبق قضاؤه بتأخير العذاب. إنّما الكلام: ما هو السرّ في هذا القضاء؟
يقول الطبرسي: لما عَلِم في ذلك من المصلحة (1) وقد أُشير إلى ذلك الإنظار في قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).(2)
ويمكن أن يقال: إن التفريق بين الطائفتين لأجل الأمر التالي، وهو وجود الفرق بين من ردّ دعوة الرسل جحوداً وعناداً كقوم عاد وثمود، والفراعنة، فهذا يشمله عذاب الاستئصال، وبين من قِبَل دعوة الرُّسل لكن اختلفوا في كتابه بين إخفاء بعض وإظهار بعض آخر، فهذا ما يمهلهم فيه إلى يوم القيامة، ولولا ذلك (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ).

3. ما هو مرجع الضمير في (بَيْنَهُمْ)؟

الضمير يرجع إلى المختلفين في الكتاب، المفهوم من قوله: (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) وأنّه لولا كلمة الله السابقة لقضى بينهم في هذا الاختلاف بتعجيل العذاب وإهلاك البغاة المثيرين للاختلاف فيه بأهوائهم...
ثم إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب) الضمير المنصوب أيضاً يرجع إلى المختلفين أيضاً، والضمير المجرور في (مِنْهُ)

1 . مجمع البيان: 5 / 380 .
2 . يونس:93.

صفحه 288
يرجع إلى الكتاب، أي إنّهم لفي شكّ عظيم من أمر كتابهم. وربما يقال بإرجاع الضمير الأوّل إلى مشركي مكة، ورجوع ضمير (مِنْهُ) إلى القرآن، ولكن سياق الآية لا يوافقه .
111. (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ):
أخبر سبحانه في هذه الآية بأنّ كلَّ المختلفين سيُجزون ما يستحقّونه على أعمالهم، كما يقول:(وَإِنَّ كُلاًّ)من الجاحدين والمخالفين أو من المصدّقين والمكذِّبين (لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ): أي يعطيهم جزاء أعمالهم وافياً تامّاً.
وقد مرّ أن استعمال كلمة (التوفية) في المقام من باب التهكٌّم إذا أُريد أعمالهم السيِّئة. نعم لو أُريد أعمالهم الحسنة أو المختلطة بين السيِّئة والحسنة كان استعمالاً حقيقياً.
سورة هود: الآيات 112 ـ 115    
قال الرازي: سمعت بعض الأفاضل قال: إنّه تعالى لمّا أخبر عن توفية الأجزية على المستحقّين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات: أوّلها: كلمة «إنّ» وهي للتأكيد. وثانيها: كلمة «كلّ» وهي أيضاً للتأكيد. وثالثها: اللاّم الداخلة على خبر «إنّ» وهي تفيد التأكيد أيضاً. ورابعها: حرف «ما» إذا جعلناه على قول الفرّاء موصولاً. وخامسها: القَسم المضمر، فإنّ تقدير الكلام: «وان جميعهم والله ليوفّينّهم» وسادسها: اللاّم الثانية الداخلة على جواب القسم. وسابعها: النون المؤكّدة في قوله:(لَيُوَفِّيَنَّهُمْ)، فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالّة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدلّ على أنّ أمر

صفحه 289
الربوبية والعبودية لا يتمّ إلاّ بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر، ثمّ أردفه بقوله:(إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)وهو من أعظم المؤكّدات.(1)
ثمّ إنّه سبحانه علّل توفية الجزاء بقوله:(إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ولذلك لا يُتصوَّر في حقّه سبحانه التمييز والتفريق في الإيتاء في حقّ بعضهم دون الآخرين.

الآيات: الثانية عشرة بعد المئة إلى الخامسة عشرة بعد المئة

(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ).

المفردات

فاستقم: الاستقامة: الدوام والثبات على جهة واحدة.
تركنوا: قال الخليل: ركن إلى الدنيا: مال إليها واطمأنّ، والرُّكن: ناحية قوية من جبل أو دار.(2) وقال الجوهريّ: ركن إليه يركُن: مالَ إليه وسكن،

1 . تفسير الرازي:18/70.
2 . العين:5/354، مادة «ركن».

صفحه 290
ورُكن الشيء: جانبه الأقوى(1). ونحو هذا قال الفيروزآبادي.(2) أمّا صاحب الكشّاف ففسّره بالميل اليسير.(3)
طرفي النهار: الغُدوة والعشيّة.
زُلَفاً: جمع زُلفى كالظُّلَم جمع ظُلمة، وهي الطائفة من اللَّيل. والزُّلفى من أَزْلَفه إذا قَرّبه.

التفسير

اشتملت هذه المجموعة من الآيات على عدد من الأوامر والنواهي. أمّا الأوامر، فهي:
1. (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
2. (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ).
3. (وَاصْبِرْ).
وأمّا النواهي ، فهي:
1. (وَلاَ تَطْغَوْا).
2. (وَلاَ تَرْكَنُوا).
إذا عرفت ذلك فلندخل في تفسير الآيات:

1 . صحاح الجوهري:5/212، مادة «ركن».
2 . القاموس المحيط:4/229.
3 . تفسير الكشّاف:2/296.

صفحه 291
112. (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ):
أمر سبحانه نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالثبات والدوام على ما أُمر وقال:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ): أي كن ثابتاً على ما أُمرت، في غير واحدة من الآيات، حيث أمره سبحانه بالثبات على الدين الحنيف في قوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(1)، وقوله تعالى:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(2)، فالاستقامة على الدين الحنيف هي عدم العدول عنه، وبما أنّ الأمر بها ورد بعد ذكر قصص المشركين واستئصالهم حيث عدلوا عن خطّ التوحيد إلى الشّرك، يكون المراد من الأمر بالاستقامة هو الثبات على الدين الحنيف أي التوحيد الخالص من دون خروج عنه.
روي عن ابن عباس أنّه قال: ما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في جميع القرآن آية أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية.ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشَّيب: «شيّبتني هود وأخواتها».(3)
ثم بقي ذكر أمرين:
1. قد عرفت أنّه أُريد بقوله: (كَمَا أُمِرْتَ) ما ورد في سورتي يونس والروم، وقد اشتهر بين المفسّرين أنّ سورة يونس نزلت قبل سورة هود،

1 . يونس:105.
2 . الروم:30.
3 . التحرير والتنوير:11/340; المعجم الكبير للطبراني:17/287 و ج22/123.

صفحه 292
فما جاء في «روح المعاني» في تفسير قوله:(كَمَا أُمِرْتَ):«لمّا بيّن أمر المختلفين في التوحيد والنبوة وأطنب سبحانه في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله بالاستقامة مثل الاستقامة التي أُمر بها، وهذا يقتضي أنّه أمر بوحي آخر ولو غير متلوّ كما قاله غير واحد»(1)، في غير محلّه، وقد عرفت أنّه أُمر به بوحي متلوّ وهو ما جاء في سورتي يونس والروم .
2. لمّا عرفت أنّ مصبّ الاستقامة هو الثبات على خطّ التوحيد بشهادة الآيتين وبشهادة قوله: (وَلاَ تَطْغَوْا) الذي هو بمعنى العدول عن خطّ التوحيد إلى خطّ الشِّرك، يُعلم ضعف ما ذكره البيضاوي في تعميم مصبّ الاستقامة حيث قال: لما بيّن أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد والوعيد، أمر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستقامة مثل ما أمر بها، وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسُّط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أُنزلت، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوّت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر.(2)
إنّ ما ذكره من التعميم لا يناسب سياق الآية لِما عرفت من أنّ الأمر بالاستقامة جاء بعد ذكر قصص الأنبياء مع أُممهم الهالكة التي زاغت عن الدين الحنيف وتوغّلت في الوثنية، ولا صلة للآية بالمباحث الكلامية كصفات الله تعالى حتى تفسَّر الاستقامة في العقائد بمعنى التوسُّط بين التشبيه والتعطيل، فما ذكره لا يمتّ للآية بصلة. ومنه يظهر أنّ ما أطنب به

1 . روح المعاني:12/152.
2 . تفسير البيضاوي:1/472.

صفحه 293
صاحب «المنار» حيث ذكر تعقيباً على كلامه حول التوسّط في صفات الله تعالى، كلّه خارج عن مساق الآية، وتطويل للكلام.
ثمّ إنّ البيضاوي لمّا أدخل في تفسير قوله تعالى:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)موضوع الصفات الخبرية، ككونه سبحانه ذا يد ووجه وغير ذلك، وقال: الطريق الصحيح في تفسير تلك الصفات هو التوسُّط بين التشبيه والتعطيل حتى يبقى العقل مصوناً من الطرفين(1)، أثار ذلك حفيظة صاحب «المنار»، وقال: سقط بعضهم في خيال التعطيل وبعضهم في خيال التشبيه، وبعضهم في حيرة النفي المحض هرباً من الأمرين، وبعضهم في الذبذبة بتأويل بعض النُّصوص دون بعض وهو ما سمّاه البيضاوي وسطاً، فهم يتأوّلون علوّ الربّ على جميع خلقه واستوائه على عرشه ورحمته بعباده، وحبّه للمحسنين والمتوكّلين، وأمثال هذه الصفات المرغّبة في الحق والعدل والمنفّرة من الظلم والبغي يتأوّلونها هرباً من التشبيه بزعمهم، لأنّها مستعملة في صفات البشر.(2)
أقول: إنّ صاحب «المنار» لم يخرج عن هذه الأصناف التي ذكرها، بشهادة قوله: فأحقّ النُّصوص بالاتّباع من غير تصرّف، نصوص العقائد من صفات الله تعالى، وعالم الغيب، إذ لا مجال للعقل والرأي فيها... إلى أن قال: فالواجب إذاً أن نؤمن بأنّ كلّ ما وصف الله تعالى به نفسه فهو حقّ وكمال، إلاّ أنّه أعلى وأكمل من صفات خلقه التي وضعت لها تلك الأسماء وكذلك

1 . تفسير البيضاوي:1/472.
2 . تفسير المنار:12/167.

صفحه 294
الأفعال، وقد قالوا في رؤيته تعالى أنّها حقٌّ بلا كيف.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ إجراء الصفات الخبرية بمعانيها اللُّغوية هو التشبيه والتجسيم بعينه، وإجراءها على الله سبحانه مقيّدة بلا كيف هو التأويل، إذ لم يَرِد في النصوص قوله:(بلا كيف)، فصاحب «المنار» من جانب يريد إحياء ما عليه ابن تيمية ومشايخه من إجراء الصفات الخبرية بنفس معانيها، ولذلك يردّ على أمثال البيضاوي في كلامه، ومن جانب آخر يريد أن يفرّ من التشبيه والتجسيم الذي هو وصمة في جبين المحدّثين، فيلجأ إلى قوله: «بلا كيف» ولا نعلم من أين أتى بهذا القول.
قال ابن تيمية (مثير الدعوة السلفية): إنّ لله يدَين مختصّتين به، ذاتيّتين له كما يليق بجماله، وإنّه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وإنّه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماء بيده اليمنى.(2)
ثمّ إنّه سبحانه عطف على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤمنين معه وقال:(وَمَنْ تَابَ مَعَكَ): أي وليستقم معك مَن تاب من الشِّرك وآمن بك واتّبعك. وعلى هذا فأُريد من التوبة العدول عن الشّرك إلى التوحيد، وهذا ليس ببعيد، قال سبحانه:(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)(3). أمّا تخصيص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالذكر فلغاية تكريمه كما هو الحال في قوله سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ

1 . تفسير المنار:12/166ـ 168.
2 . علاقة الإثبات والتفويض:59.
3 . غافر:7.

صفحه 295
وَالْمُؤْمِنُونَ)(1). ثم نهى سبحانه بصورة العموم عن الطغيان وقال: (وَلاَ تَطْغَوْا): أي الخروج عن فطرة التوحيد، أو تجاوز الحدّ في كلّ شيء، فإنّ الإفراط فيه ـ كالتفريط ـ زيغ عن الصراط المستقيم، فالمفرط والمفرّط كلاهما زائغان عن الطريق السويّ، قال الإمام علي(عليه السلام):«وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالا النَّمَطُ الاَْوْسَطُ فَالْزَمُوهُ».(2)
وقال(عليه السلام):«الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ»(3)، وقال (عليه السلام):«نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى، بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي»(4).
ثم علّل سبحانه ذلك بقوله:(إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): أي فاستقم أنت والمؤمنون معك، فالله سبحانه عالم بما تعملون فيجزي كلّ إنسان حسب عمله.
وقد ورد مثل هذا المضمون في سورة الشورى، قال تعالى:(فَلِذَلكِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)(5).

1 . البقرة:285.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 127.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 16.
4 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 109.
5 . الشورى:15.

صفحه 296
وقد أشار سبحانه إلى أثر الإستقامة في آية أُخرى، قال: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا).(1)
113. (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ):
تفسير الآية يحتاج إلى تبيين أمرين:
1. ما هو المراد من الرُّكون المنهيّ عنه بقوله: (وَلاَ تَرْكَنُوا
2. ما هو المراد بالذين ظلموا؟ هل هم المشركون أو أعمّ منهم؟
أمّا الأمر الأوّل، فقد مضى في المفردات قول أهل اللغة أنّ الركون هو الميل مع السُّكون والاطمئنان. أمّا المفسّرون فقد اختلفت كلمتهم في معنى الرُّكون على أقوال:
1. الميل مع السُّكون ـ كما عليه أرباب اللُّغة ـ قال الطبري في تفسير قوله تعالى:(وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ).(2): لقد كدت تميل إليهم وتطمئنّ (شَيْئًا قَلِيلاً) وذلك ما كان(صلى الله عليه وآله وسلم) همّ به من أن يفعل بعض الذي كانوا سألوه فعله.(3)
وقال الشيخ الطوسي في تفسير الآية: امتنّ الله تعالى على نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لولا أنّه ثبّته بلطفه وكثرة زواجره وتواتر نهيه، لقد كان

1 . الجنّ: 16 .
2 . الإسراء:74.
3 . تفسير الطبري:8/120.

صفحه 297
يركن أي يسكن ويميل إلى المشركين قليلاً، على ما يريدون.(1)
وأنت ترى نظير هاتين الكلمتين في غير واحد من التفاسير.
2. مجرّد المَيل، قال الزّمخشريّ: فإن الرُّكون هو الميل اليسير، كما فسّر قوله: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)بهذا النحو: الّذين وُجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين. ثم استشهد بما روي أن الموفَّق صلّى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية، فغشُي عليه، فلما أفاق قيل له، قال: هذا فيمن ركن إلى من ظلَم، فكيف بالظالم؟!(2)
3. ما عليه السيد الطباطبائي من أنّ المراد من الركون إلى من اتّسم بسمة الظلم ليس مجرّد الميل; بل الميل المقرون بالاعتماد على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية(3)، بمعنى أخذ الظالم عماداً يعتمد عليه عن ميل ورغبة، بحيث يبني عقيدته الدينية أو سلوكه على عقيدته وسلوكه فتكون عقيدة الظالم وسلوكه ركناً تنبني عليه عقيدة المؤمن وسلوكه.
هذا هو مفاد الآية، وكون الآية خطاباً للمؤمنين لا ينافي ذلك ودخول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فيهم غير ثابت، وعلى فرض ثبوته فالغرض هو تأديب الأُمّة، ونرى نظير ذلك في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبي اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)(4) وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ

1 . التبيان في تفسير القرآن:6/506.
2 . تفسير الكشّاف: 2 / 237 .
3 . الميزان في تفسير القرآن:11/55.
4 . الأحزاب:1.

صفحه 298
الْخَاسِرِينَ)(1)، إلى غير ذلك من الآيات.
والذي يبعث إلى تفسير الآية بهذا الشكل أنّ الآية وردت بعد ذكر قصص الأنبياء وجهادهم مع أقوامهم المشركين كقوم نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب، فإنّ الأتباع من أقوامهم ركنوا إلى الظالمين في الأُمور الدينية وسلوكياتهم العرفية فاتّخذوهم سناداً في كلّ ما مرّ، فظهر أنّ الميزان ليس مجرد الميل، بل الميل المقترن بالاعتماد في مجالي العقيدة والسلوك.
وعلى ما تقدّم، فإنّ أعوان الظلمة غير داخلين في الآية، لأن الموضوع هو الاعتماد على الظالمين في العقيدة والسلوك، وأخذ عقيدتهم وسلوكهم قدوة في كلا المجالين، وأمّا الدخول في زمرة الظالمين وإعانتهم بفعل، صغيراً كان أو كبيراً، فهو وإن كان أمراً محرّماً لكنّ الآية لا تعمّه، فإنّ إعانة الظالمين وقبول الولاية منهم شيء، والركون والاعتماد على الظالم دون أن يكون تحت حمايته ومظلّته شيء آخر.
4. أن المراد هو الرُّكون إلى الظالم والاعتماد عليه بمعنى أخذه سناداً وعماداً في حياته الفردية والاجتماعية، سواء أوافقه في العقيدة أم لا. وهذا يشمل كلّ ظالم سواء أكان مشركاً أو كتابياً أو مسلماً، فالميزان هو الاعتماد عليه، وكون الرجل من أتباعه ودائراً في فلكه. وعلى هذا فقبول الولاية من الظالم داخل في الآية، وهو لا يجوز إلاّ بعنوان ثانوي.
وأمّا الأمر الثاني، أعني المراد بالذين ظلموا في الآية، ففيه قولان:

1 . الزمر:65.

صفحه 299
1. أنّهم الذين صدر منهم ظُلم ما. وبحسب تعبير الزّمخشريّ الذي مرّ آنفاً: الذين وُجد منهم الظُّلم.
وعقّب محمد رشيد رضا في تفسيره «المنار» على قول الزّمخشريّ هذا، بقوله: ومعنى هذا أنّ الوعيد في الآية يشمل من مال ميلاً يسيراً إلى من وقع منه ظلم قليل، أيّ ظلم كان، وهذا غلط.(1)
ويلاحظ على قول الزّمخشريّ في تفسيره للذين ظلموا بالذين وُجد منهم الظُّلم، بأنّه ربّما يُطلق الفعل ويراد به الوصف، أي كونهم ظالمين، نظير قوله سبحانه:(فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)(2)،حيث عبّر عن الوصف بالفعل.
2. أنّهم المشركون، قال صاحب«المنار»: المراد بالذين ظلموا في الآية، فريق الظالمين من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردّوهم عنه، فهم كالذين كفروا في الآيات الكثيرة التي يراد بها فريق الكافرين، لا كلّ فرد من النّاس وقع منه كفر في الماضي، وحسبك منه قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)(3).(4)
ويُردّ على صاحب «المنار» من تخصيص الظالمين بالمشركين، هو

1 . تفسير المنار:12/170.
2 . النازعات:37ـ 41.
3 . البقرة:6.
4 . تفسير المنار:12/170ـ 171.

صفحه 300
أنّ ما ذكره خلاف إطلاق الآية، فأيّ دليل يدلّ على قصور الآية عن الشمول للظالمين من أهل الكتاب، وقد ذكرهم الله أخيراً في زمرة الظالمين باختلافهم في كتاب الله بغياً؟ وقد نهى الله عن ولايتهم وشدّد فيه حتى قال: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)(1)، وقال في ولاية مطلق الكافرين: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء)(2).(3)
وعلى كلّ تقدير فقد أوعد الله سبحانه الذين يركنون إلى الظَّلَمة بقوله: (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ): أي تصيبكم النّار لركونكم إليهم (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ): أي مناصرون يقدرون على منعكم من عذابه (ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ): أي ثم لا تجدون من ينصركم ويدفع عنكم ذلك البلاء.

بحث استطرادي

هل تجوز إطاعة السلطان الجائر؟

الظاهر من جمهور فقهاء السنّة جواز طاعة السلطان حتى وإن كان ظالماً فاسقاً. وقد استدلوا على ذلك بروايات نذكرها تالياً، كما نذكر كلام بعضهم .
روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله... ـ إلى أن قال:ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون

1 . المائدة:51.
2 . آل عمران:28.
3 . الميزان في تفسير القرآن:11/54.

صفحه 301
بسنّتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».
وروى عن أبي هريرة، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة الجاهلية... إلى أن قال: ومن خرج على أُمّتي يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه».(1)
ترى أنّ هاتين الروايتين لا تختلفان عن الركون إلى الظالمين قيد شعرة وقد تأثر بهما قسم من متكلّمي السنّة، ونذكر شاهدين على ذلك:
1. قول أبي بكر محمد بن الطيّب الباقلاني(المتوفّى403هـ) في «التمهيد»:إن قال قائل: ما الذي يوجب خلع الإمام عندكم؟ قيل له: يوجب ذلك أُمور: منها: كفر بعد إيمان، ومنها: تركه الصلاة والدعاء إلى ذلك، ومنها: عند كثير من الناس فسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرّمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع بهذه الأُمور ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله، إذ احتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متضافرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وإنْ جاروا واستأثروا بالأموال وأنّه قال(عليه السلام):واسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي،

1 . صحيح مسلم:6/20ـ 24، باب الأمر بلزوم الجماعة، باب حكم من فارق أمر المسلمين.

صفحه 302
وصلّوا وراء كلّ بَرّ وفاجر. وروي أنّه قال: وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة.(1)
2. قول الشيخ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النَّسَفي(المتوفّى537هـ) في «العقائد النسفية»: ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور... ويجوز الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر.
وعلّله التفتازاني(شارح الكتاب) بقوله: لأنّه قد ظهر الفسق واشتهر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسَّلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجُمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.(2)
أقول: ما أتفه هذا الدليل!! والعجب أنّ الشيخ أبو زهرة ارتضى هذا التوجيه، قال: إنّ التابعين الذين عاشوا في العصر النبويّ إلى أكثر من ثلثي زمانه، فقد رأوا مظالم كثيرة ومع ذلك نَهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين، وكانوا ينصحون الخلفاء والولاة إن وجدوا آذاناً تسمع وقلوباً تفقه، وعلى كلّ حال لا يخرجون ولا يؤيّدون خارجه.(3)
ثمّ إنّ صاحب «المنار» وقف على التعارض بين مسألة طاعة الملوك والسلاطين والأُمراء الظالمين، وإن تفاقم ظلمهم فسلبوا الأموال وضربوا ظهور الرجال ماداموا لا يُظهرون الكفر البَواح، وحرمة الركون إلى الظالمين، فأراد أن يرفع التعارض بقوله: الحق أنّه لا تعارض بين وجوب طاعة الأئمة والأمراء فيما لا معصية فيه لله تعالى من المعروف، وبين النهي

1 . التمهيد:186.
2 . شرح العقائد النسفية:185 و 186.
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية:2/322.

صفحه 303
عن الركون إلى الظالمين.(1)
ثمّ إنّه لم يأت بشيء يرفع التعارض إلاّ بنقل جمل من الفقهاء والمحدّثين. وأوضح دليل على وجود التعارض هو أنّ قبول ولايتهم وتولّيهم وإشغالهم منصة الخلافة وإطاعتهم في المباح نوع ركون إليهم، فإنّ وصفهم بإمرة المؤمنين في خطب الجمعة والدعاء لهم، أفضل دليل على الركون، فلنقتصر على ما ذكرنا فإنّ الحديث ذو شجون.
والعجب أنّهم يستندون في ذلك إلى أحاديث هي من موضوعات الأُمويين ووعّاظ السّلاطين لدعم خلافة الأمويين والتي منها ما روي عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلاّ أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان.(2)
هذا إجمال القول في وجود التناقض بين سلوك القوم مع الظالمين، وقبول الولاية والقضاء عنهم، وبين ظاهر الآية التي تقول:(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا).
114. (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ):
لمّا أمر سبحانه نبيّه الأعظم بالاستقامة ونهى المؤمنين عن الطغيان، أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأعظم العبادات التي يستعان بها على الاستقامة في أمر

1 . تفسير المنار:12/182.
2 . تفسير المنار:12/183ـ 184.

صفحه 304
الدين، ولذلك عطف على قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) قوله: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ).
وقد اختلفت كلمة المفسرين في تفسير الآية، والّذي يمكن أن يقال: إنّ الآية ذكرت للنّهار طَرَفين، ولمّا كان طرف الشيء داخل في الشيء، فطَرَفا النّهار إذاً يجب أن يكونا منه. ومن المعلوم أن النهار يبتدئ بطلوع الفجر وينتهي بغروب الشمس، وهذا يعني أنّ الطرف الأوّل يتحقّق بطلوع الفجر، والطرف الثاني يتحقّق قُبيل غروب الشمس. وعلى هذا تنطبق الآية على ثلاث صلوات: صلاة الفجر، وصلاتي الظهر والعصر، وبين الحدّين أوقات لها، غير أن الدليل حدّد صلاة الفجر بين الطلوعين: طلوع الفجر وطلوع الشمس، كما حدّد وقت صلاة الظهرين بدلوك الشمس إلى غروبها.
فالآية تدلّ على دخول وقت صلاة الظهرين بدلوك الشمس، غير أن الظهر تتقدّم وقتاً وفعلاً على العصر بمقدار أربع ركعات، وأما الباقي فوقت مشترك بينهما.
وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ). وأمّا قوله: (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ): أي أَقم الصلاة في قطعات من اللّيل، فهو يشير إلى وقت صلاتي المغرب والعشاء، والزُّلف من اللّيل هو الساعات الأُولى منه سمّيت بذلك لقربها من النهار، فيكون مفاد الآية هو نفس مفاد قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ

صفحه 305
كَانَ مَشْهُودًا)(1)، فالفقرة الأُولى، أعني: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)تشير إلى أوقات أربع صلوات، كما أن قرآن الفجر يشير إلى وقت صلاة الصبح.
هذا هو ما يتبادر من الآية، نعم هنا وقت الفضيلة ووقت الإجزاء، فلكلّ من الظهر والعصر وقت للفضيلة، فوقت فضيلة صلاة الظهر من الزّوال إلى أن يبلغ ظل الشاخص (العمود) مثله، ووقت فضيلة العصر من المِثل إلى المِثلين(أي كون الظلّ بطول الشاخص مرّتين)، وأمّا غير هذين الوقتين فهو وقت الإجزاء لكلتا الصلاتين، والتفصيل في محلّه.
هذا، وللمفسرين في تفسير الطرفين والزُّلف أقوال أُخرى، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى «كنز العرفان» للفاضل المقداد.(2)
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل إقامة الصلاة في أوقات خاصّة بقوله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فكأنّ الصلوات الخمس تكفِّر السيّئات. ولعلّه أُريد بالسيّئات، السيّئات الصغيرة فهي تُكفَّر بأمرين:
إحداهما: إقامة الصلوات في أوقاتها.
الثاني: اجتناب الكبائر، كما يقول:(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(3).
وقد تضافرت الروايات على أنّ التوضّؤ بأحسن وجه، ثمّ إقامة الصلوات الخمس تحطّ الخطايا، ولنذكر منها حديثين:

1 . الإسراء: 78 .
2 . لاحظ: كنز العرفان:1/72 ـ 73.
3 . النساء:31.

صفحه 306
1. روى أبو داود الطّيالسيّ بإسناده عن أبي عثمان]النَّهْديّ[ قال: كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصناً منها يابساً فهزّه فتحاتّ ورقه، فقال: ألا تسألني لمَ أفعل هذا؟ قلت: ولمَ تفعله؟ قال: هكذا فعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم قال: يا سلمان ألا تسألني لمَ أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعل هذا يا رسول الله؟ قال: «إنّ المسلم إذا توضّأ فأحسن الوضوء، ثم صلّى الصلوات الخمس ـ قال أحسبه قال في جماعة ـ ، تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ ورق هذه الشجرة، وتلا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ)إلى آخرها».(1)
2. روى العيّاشي عن أبي حمزة الثُّمالي قال: سمعت أحدهما(عليهما السلام)(2)يقول:«إنّ عليّاً(عليه السلام) أقبل على الناس فقال: أيّ آية في كتاب الله أرجى عندكم؟ فقال بعضهم: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)(3) الآية، فقال: حسنةٌ وليست إياها، وقال بعضهم: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)(4) قال: حسنةٌ وليست إياها، وقال بعضهم:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)(5) قال: حسنة وليست إياها، وقال بعضهم:(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً)(6) الآية، قال: حسنة وليست إياها، قال: ثم أحجم الناس فقال: ما لكم يا معشر المسلمين؟ فقالوا: لا والله ما عندنا شيء، قال: سمعت حبيبي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أرجى آية في كتاب الله:(وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ)

1 . مسند أبي داود الطيالسي:90ـ91 برقم 652. وانظر: مسند أحمد بن حنبل:5/437.
2 . يعني أبا جعفر الباقر، أو أبا عبد الله الصادق
(عليهما السلام).
3 . النساء:48.
4 . النساء:110.
5 . الزمر:53.
6 . آل عمران:135.

صفحه 307
وقرأ الآية كلّها، قال: يا علي، والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً إنّ أحدكم ليقوم من وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل وعليه من ذنوبه شيء، كما ولدته أُمه، فإن أصاب شيئاً بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عدّ الصلوات الخمس، ثم قال: يا عليّ، إنّما منزلة الصلوات الخمس لأُمّتي كنهر جار على باب أحدكم، فما يظنّ أحدكم لو كان في جسده دَرَن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات؟ أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لأُمّتي.(1)
ثم إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ): أي هذا الّذي ذُكر ـ وهو أن الحسنات يُذهبنَ السيّئات ـ على رفعة قدره، فيه تذكرة وموعظة لعباده الذين هم في ذكر دائم لله تعالى.
115. (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ):
أمر الله سبحانه نبيّه بتحمل المشقة في سبيل تبليغ رسالته والقيام بالوظائف العملية حتى الصلاة، قال سبحانه:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا).(2) ويظهر من بعض الآيات انّ الإنسان يستعين بالصلاة أيضاً في طريق طاعة الله، قال سبحانه:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)(3) ثم علّل وجه الصبر بقوله:(فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) بل

1 . أورده الطّبرسي في «مجمع البيان»:5/385ـ386. وأورده أيضاً محمد متولّي الشّعراوي في «قصص الصحابة والصالحين»:341ـ342.
2 . طه:132.
3 . البقرة:45.

صفحه 308
يكافئهم عليه بأعظم الأجر.

الآيات: السادسة عشرة بعد المئة إلى التاسعة عشرة بعد المئة

فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).

المفردات

سورة هود: الآيات 116 ـ 119    
لَولا: تحضيضية بمعنى هلاّ، يقول ابن مالك:
و بهما التَّحضيضَ مِزْ و هَلاّ *** ألاّ ألا و أوْلِيَنْهَا الْفِعْلا
وتفترق التحضيضية عن (لَوْلا) الامتناعية باختصاص الأُولى بالفعل، والثانية بالجملة الاسمية، مثل قوله: لولا عليٌّ لهلك عمر.
حُكي عن الخليل أنّه قال: كلّ ما كان في القرآن من كلمة «لولا» فمعناه: هلاّ، إلاّ التي في الصافّات.(1) ثم إنّ صاحب الكشّاف نقد تلك القاعدة وذكر موارد جاءت فيها كلمة «لولا» وهي ليست بمعنى هلاّ، قال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ: تفسير الكشّاف:2/297.

صفحه 309
وما صحّت هذه الحكاية في غير الصافّات:
1. (لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ)(1).
2. (وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ)(2).
3. (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ)(3).(4)
القرون: جمع قرن، وهو أهل كلّ عصر.
أُولو بقيّة: البقيّة ما يبقى من الشيء بعد ذهاب أكثره، ويستعمل في الخيار والأصلح انطلاقاً من أنّ كثيراً من الناس يستبقي ممّا ينفقه الأجود والأفضل، ولذا يكون المعنى: أولو فضل وخير.
أُترفوا: نعِّموا، وتَرِف: تنعَّم، وأترفَتْه النِّعمة: أبطرَتْه وأطغَتْه.
بظلم: الباء للملابسة، أي موصوفاً ومتلبساً بظلم.

التفسير

116. (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ):

1 . القلم:49.
2 . الفتح:25.
3 . الإسراء:74.
4 . تفسير الكشّاف:2/238.

صفحه 310

ما هو السبب لهلاك الأُمم؟

الآية تشير إلى سنّة تاريخية إلهية بأنّه لو كان بين الأُمم والأقوام جماعة من أصحاب النُّهى والرأي ينهَون الطغاة العتاة عن ارتكاب الظلم والفساد لما حلَّ بهم الدّمار والهلاك، ولَحالت ممارسة دورهم في مواجهة الفساد دون استئصالهم، ولكن ـ يا للأسف ـ لم يكن بين تلك الأقوام من ينهض بذلك الدَّور. وعلى هذا، فآيتنا هذه لها صلة بما تقدّم في السُّورة نفسها، أعني قوله:(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ)(1)، ففرّع على هذه قوله هذا بصورة التحضيض الذي يفيد التعجيب، وقال: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ): أي هلاّ كان من الأُمم الماضية قبلكم (أُولُوا بَقِيَّة): أي أصحاب خير وفضل (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ)حتى لا يحلّ بهم ما حلّ. والآية تشير إلى أنّه لو قامت، في الأُمم الماضية، جماعة من أهل الصلاح والفلاح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكان مصيرها غير ما سبق.
وبما أنّ ظاهر الآية عدم وجود مثل تلك الجماعة بين الأقوام الماضية كما هو المتبادر من (لولا) التحضيضية استثنى سبحانه فئة قليلة منهم وقال: (إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) والمراد بهم الصالحون الذين آمنوا بالرُّسل وكانوا ينهون عن الفساد فأنجاهم الله مع رسلهم من العذاب الذي حلّ بأقوامهم. ثمّ أشار سبحانه إلى الكثرة الكاثرة منهم، وقال: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا): أي الذين تجاوزوا الحدود واعتدوا (مَا أُتْرِفُوا فِيهِ): أي ما نُعِّموا به

1 . هود:102.

صفحه 311
من صنوف النِّعم، فقادهم الانقطاع إليها والاغترار بها إلى الترف والبطر (وَ)بذلك (كَانُوا مُجْرِمِينَ): أي مصرّين على الإجرام.
117. (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ):

انتشار الفساد في المجتمع رهن أمرين

لمّا دلّ مضمون قوله سبحانه: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) على إهلاكهم واستئصالهم، بيّن في هذه الآية أنّهم لو كانوا مصلحين لما حلّ بهم العذاب، بل أُهلكوا لظلمهم وإفسادهم، كما قال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى): أي ليس من شأنه سبحانه(لِيُهْلِكَ) أهل (الْقُرى بِظُلْم): أي إهلاكاً متلبّساً بظلم ومقروناً به (وَ)الحال (أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ): أي قائمون بالإصلاح، وهو فِعل الصّلاح، وإنّما يُهلكهم لأنّهم متلبّسون بالفساد، قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(1).
إن دراسة الآيتين، أعني قوله سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ...)وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم...)ترشدنا إلى أن شيوع الفساد في المجتمع بأنواعه المختلفة رهن أمرين:
1. وجود المترفين الّذين لا يهمّهم إلاّ إشباع غرائزهم الحيوانية، ولا يقيمون لأحد حقاً على أنفسهم، فالحقّ عندهم، هو ما يلبّي حاجاتهم وشهواتهم، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) .

1 . القصص:59.

صفحه 312
2. عدم وجود علماء ربّانيّين يُرشدونهم إلى وظائفهم قبال الله سبحانه وقبال الناس، ويكبحون أطماعهم، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة)، وقد مرّ أنّ المراد بقوله: (أُولُوا بَقِيَّة)أهل الفضل والخير. وفي كلام الإمام علي (عليه السلام)الذي رواه الصَّدوق إشارة إلى ما ذُكر، قال (عليه السلام): «قوام الدِّين بأربعة: بعالم ناطق مستعمل له، وبغنيٍّ لا يبخل بفضله على أهل دين الله، وبفقير لا يبيع آخرته بدنياه، وبجاهل لا يتكبّر عن طلب العلم، فإذا كتم العالم علمَه، وبخل الغنيُّ بماله، وباع الفقير آخرتَه بدنياه، واستكبر الجاهلُ عن طلب العلم، رجعت الدنيا إلى ورائها القهقرى، فلا تغرّنّكم كثرة المساجد وأجساد قوم مختلفة».(1)
118. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ):

الإيمان عن اختيار يعدّ كمالاً

لعلّ الآية ناظرة إلى حرص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على إيمان جميع من حوله، فجاءت لبيان ذلك، وأنّه سبحانه قادر على أن يخضعهم ويجبرهم على الإيمان، ولكنّه لا يفعل ذلك كما يقول:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) بالإلجاء والإجبار بأن يكون حالهم كالملائكة المفطورين على الإيمان، وما ذلك إلاّ لأنّ انتهاج طريق الحقّ يعدّ كمالاً وفخراً إذا سلكه الإنسان باختياره، وبه يستحقّ الجزاء الأوفى في الآخرة، وقد قضت مشيئته

1 . الخصال: 197، باب الأربعة، برقم5.

صفحه 313
جلّت حكمته أن يجعل فيه الاستعداد لاتّباع الحقّ والباطل فأيّهما اختار فبحسَبه يُجازى، يقول سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)(1). وبما أنّه سبحانه خلقهم مختارين صاروا (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) في أمر الدِّين، فمن غلب عقله على هوى نفسه، آمن بالرُّسل وكُتبهم ونهج طريقهم، ومن غلب هواه على عقله، أعرض عن رسله وبيّناتهم وضلَّ عن نهجهم.
119. (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ):

شمول الرحمة هو الغاية من الخلق

لمّا دلّت الآية السابقة على اختلاف الناس في أمر الدين نتيجة اختيارهم في قبول الحقّ والباطل، استثنى طائفة اختاروا طريق الهدى واجتمعوا على الحقّ ولم يختلفوا فيه، وذلك لشمول رحمة الله لهم، كما قال: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)فتمسّكوا بأهداب الحقّ، واجتنبوا الهوى.
ولمّا دلّ قوله سبحانه:(إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) على اختصاص الرحمة بفريق خاصّ وذلك لا ينسجم مع ما سمّى به تعالى نفسه، أعني الرحمن الذي يفيد الرحمة العامّة الشاملة لكلّ عباده، ذكر سبحانه أنّه تعالى خلق الجميع للرحمة وقال:(وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ): أي خلق النّاس للرحمة، فهي الغاية من خلقه لينالوا بذلك سعادتهم الأبدية غير أنّ منهم من يُعرّض نفسه

1 . الإنسان:3.

صفحه 314
لنفحاتها فينتفع بها، ومنهم من حاد عنها ولم ينتفع بها.
ويحتمل أن يكون قوله: (لِذَلِكَ) إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام من التمكّن والاختيار الذي كان عنه الاختلاف، فخلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار من يختار الباطل.(1)
روى أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن قول الله عزوجل: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)؟ قال: خلقهم ليفعلوا ما استوجبوا به رحمته فيرحمهم.(2)
وأمّا ما يقال بأنّ اسم الإشارة في قوله: (لِذَلِكَ) إشارة إلى الاختلاف، أي خلقهم للاختلاف، فبعيد عن سياق الآية لأنّ الظاهر أنّه إشارة إلى القريب أي الرحمة المستفادة من قوله:(إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)والإشارة إلى الرحمة باسم الإشارة بما يشار إلى المذكَّر لأجل أنّ المصدر يجوز فيه الوجهان قال سبحانه:(إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)(3)، (وَ) لمّا كان كثير من عباده سبحانه يخرج عن طاعة الله بإرادة واختيار منهم ولم يستظلّوا برحمته (تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ): أي أُحكم أمره وقضاؤه سبحانه في حقّ هؤلاء، فلا تبديل فيه ولا تغيير (لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) جزاءً لأعمالهم. وقد جاء مضمون هذه الآية في آية أُخرى، قال سبحانه:(وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْس هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنّي لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ

1 . تفسير الكشّاف:2/239.
2 . التوحيد، للصدوق: 403 .
3 . الأعراف:56.

صفحه 315
الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).(1)
ثمّ إنّ الرازي احتجّ بقوله: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) على مقالة الجبر، وقال: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ الهداية والإيمان لا تحصل إلاّ بتخليق الله تعالى لأنّ الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب وإزاحة العذر، فإنّ كلّ ذلك حاصل في حقّ الكفّار ]يعني ولم يهتدوا[ ، فلم يبق إلاّ أن يقال: تلك الرحمة هو أنّه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الرحمة، هو الهداية الإلهية، كما يشهد له قوله سبحانه: (فَهَدَىَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ)(3). ومن المعلوم أنّ هذه الهداية هداية ثانوية لا ينتفع بها إلاّ من كان مستعدّاً للهداية الأُولى والانفتاح على كلام الرسول وعدم الجمود على الآراء والمواقف المسبقة، فعندئذ تشمله التوفيقات الربّانية ويثبّت الله بها أقدامه، قال سبحانه في حقّ أصحاب الكهف:(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)(4)، وعلى هذا فكفر الكافر وإيمان المؤمن نابع عن اختيارهما، بمعنى أنّ إيمان المؤمن نتيجة هداية الله الثانوية النابعة عن الهداية الأُولى التي يُقبِل عليها المؤمن باختياره.
فتلّخص ممّا ذكرنا عدة أُمور:

1 . السجدة:13ـ 14.
2 . انظر: تفسير الرازي:18/77ـ78.
3 . البقرة:213.
4 . الكهف:13.

صفحه 316
1. الإنسان المكلّف مقيّد حسب التشريع، فقد فرضت عليه الواجبات الّتي ليس له تركها، كما حرّمت عليه المحرّمات الّتي ليس له فعلها، ورخِّص له في أُمور من المستحبّات والمكروهات والمباحات، كلّ ذلك حسب مصالحه ومفاسده.
هذا حاله بالنسبة إلى التشريع، وأما التكوين فهو مختار في عامّة أعماله، قادر على كلّ ما شاء من الممكنات فعلاً أو تركاً.
ووجه ذلك أن التقيّد حسب التشريع يلازم صلاحه وكماله، فلو خُلّيَ ونفسه لم يصل إلى ما خُلق له من الكمال الممكن بخلاف عالم التكوين، فبلوغه الكمال فرع كونه حرّاً قادراً على ترك الواجبات وفعل المحرّمات، ولو كان أُحاديَّ التعلّق فلا يُعدّ فعله كمالاً ولا تركه جمالاً، وبهذا اقتضت المصلحة أن يكون مقيّداً حسب التشريع، وحرّاً في مقام التكوين.
2. أنّ اختلاف الناس في الدين ليس نابعاً عن عجز الله سبحانه على جعلهم على أمر واحد ولو شاء لجعل الناس أُمّة واحدة لا يختلفون في الدين، ولكنّه لم يشأ لأنّ الإيمان النابع عن تعقّل واختيار هو وسام الفضل والفضيلة، دون الإيمان النابع عن الإلجاء إليه.
3. لمّا خُلق الإنسان على استعداد خاصّ لأن يتّبع طريق الحق أو طريق الباطل، دبّ الاختلاف بينهم في أمر الدِّين، من أصل الخلقة إلى يومنا هذا، وإليه أشار بقوله:(وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).
سورة هود: الآيات 120 ـ 123    
4. لمّا كان هناك مظنّة توهّم شمول الاختلاف لعامّة الناس، استثنى سبحانه طائفة خاصّة بقوله:(إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فعصمهم من الاختلاف

صفحه 317
لأنّهم استناروا بنور العقل وبيان الرُّسل.
ولمّا كان هنا مظنة توهّم اختصاص رحمته بطائفة معيّنة أشار إلى سعة رحمته بقوله:(وَلِذَلِكَ): أي للرحمة (خَلَقَهُمْ)لكنّ التقصير من المختلفين حيث لم يستظلّوا بظلال رحمته سبحانه.
5. وفي نهاية الأمر بعدما ثبت استحقاق الذين اختلفوا في الحقّ وتفرّقوا عنه للعذاب، حكى ما قضاه سبحانه في بدء الخلقة بأنّه تمّت كلمته على المتمرّدين من الجنّ والإنس بإدخالهم جهنّم.

الآيات: العشرون بعد المئة إلى الثالثة والعشرين بعد المئة

(وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).

المفردات

وكلاًّ: التنوين فيه عوضاً عن المضاف إليه، كأنّه قيل: وكلَّ نبأ.
أنباء الرسل: قصصهم مع أُممهم.
نثبّت: التثبيت: أُريد في المقام حفظ القلب عن الاضطراب والتزلزل.
مكانتكم: المكانة: من مَكُن مكانة إذا تمكّن كلَّ التمكُّن. والمعنى: بما

صفحه 318
تملكون من قوّة واستعداد لمحاربة الأنبياء.

التفسير

لما تضمّنت السورة قصص أنبياء ستة، وهم: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى(عليهم السلام)، ذكر سبحانه في ختامها السبب لبيان قصصهم مع أقوامهم الذين كذّبوهم وعصَوهم، فحلّ بهم عذاب الاستئصال، والسبب هو ما ذكرته الآية:
120. (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ):

الغاية من سرد قصص الرُّسل

قوله تعالى: (وَكُلاًّ): أي كلّ نبأ (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) على الأساليب المختلفة لأجل الغايات التالية:
1. (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ): أي نقوّي روحك في طريق التبليغ، حيث تقف على جهود من سبقك من الأنبياء في طريق دعوتهم، وتقف على أنّ السُّنن في الماضي والحال سواء، فطريق الدعوة إلى الله ليس طريقاً مذلَّلاً سهلاً، بل يواجه الداعية أشواكاً ومصاعب، فإنّ تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم.
2. (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ) الأنباء التي قصّها الله عليك (الْحَقُّ) فقد كانت أنباء من سبق من الرُّسل معروفة بين الناس، لكن اختلط فيها الحق بالباطل،

صفحه 319
فما ورد في القرآن كلّه حقّ لا باطل فيه.
3. (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) فلو كان ذكر أنباء من سبق سبباً لتثبيت فؤاد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو بالنسبة للمؤمنين تذكير وعظة حتى يعتبروا بأحوالهم.
121 و 122. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ):
لمّا كان إيراد أنباء الرُّسل سبباً لتذكّر المؤمنين واتّعاظهم بها، في وقت كان يقف منها المشركون موقف العناد والتكذيب، جاء البيان القرآني ليهدّدهم في مرحلتين:
أوّلاً: الدعوة إلى جمع القوى من كلا الجانبين كما يقول:(وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ): أي قوموا بمحاربتي بكلّ ما تتمكّنون من قوّة واستعداد، فاعملوا ما شئتم من إيذائي وإيذاء من آمن بي، أي اعملوا أنتم (إِنَّا عَامِلُونَ) فسوف ترَون من ينتصر.
ثانياً: تهديدهم بالعذاب، وأنّ المنتصر هو الداعي والمؤمنون، كما قال:(وَ انْتَظِرُوا) ما وعد الله سبحانه بتعذيبكم (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) ما وعدنا من النّصر والعلوّ.
وعلى هذا فالآية تبشّر المؤمنين تلويحاً، وتهدّد الكافرين تصريحاً.
وكأنّ الآية ختام للجدال والخصام بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ينتظر انتصاره كما ينتظر خذلان القوم، وقد سبق أن جاء هذا البيان في حوار شعيب(عليه السلام) مع قومه، حيث قال:(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي

صفحه 320
مَعَكُمْ رَقِيبٌ)(1).
123. (وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ):
لمّا تقدّم تبشير المؤمنين بالانتصار وتهديد الكافرين بانتظار ما يحلّ بهم، جاء البيان القرآني ليقرّر أنّه سبحانه قادر على ذلك، لأنّ كلّ ما في الوجود قائم به وقادر عليه وخالق له، فمن كانت له هذه المكانة يقدر على الوفاء بما وعد وأوعد.
وبعبارة أُخرى: لمّا وعد سبحانه المؤمنين بالخير المغيَّب كما أنذر المشركين بالشرّ المغيَّب، وكلٌّ منهما يُعدّ من غيب السماوات والأرض، جاء البيان القرآني ليقرّر أنّه سبحانه يملك غيب السماوات والأرض، كما قال: (وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)ولا يشاركه فيه أحد، وعلى هذا فيفي بوعده ووعيده المغيَّبَين، (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ)لا إلى غيره، فبيده الإنعام على من يستحقّه، وبيده تعذيب من يستحقّه. ثم أمر نبيّه بأمرين:
1. (فَاعْبُدْهُ) رتّب التوحيد في العبادة على ما سبق، فإنّ مالك الملك ومن بيده أزمّة الأُمور هو الأَولى بالعبادة دون الآلهة المصطنعة، التي ليست لها من الأُلوهية إلاّ الاسم.
2. (وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ): أي كن متوكّلاً على الله سبحانه واثقاً بوعده. وختم سبحانه الآية بقوله : (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ): أي لا يخفى عليه شيء

1 . هود:93.

صفحه 321
من أعمال عباده، فهو يجازي كلاًّ حسب عمله.

تذييل

بعد أن فرغ الشيخ محمد رشيد رضا من تفسير هذه السورة بدأ ببيان خلاصة إجمالية لها، وبما أنّ بعض ما استنتجه كان غير صحيح، أحببنا هنا أن نشير إلى بعض ما ذكر:

1. عطف عمل المسلمين على عمل الوثنيّين

قال: إنّ الله سبحانه نهى المشركين عن عبادتهم الوثنية التقليدية وهي دعاء غير الله لجلب النَّفع، وكشف الضُّرّ، والذبح لغير الله، وشدّ الرحال لتعظيم غير الله تعظيماً تعبُّدياً يتقرّبون به إلى غير الله ليقرِّبهم إلى الله، ويشفع لهم عنده، ويظنّون أنّ المراد بغير الله من هذه المعبودات خاص بالأصنام، كما يرون تفسيرها في مثل «الجلالين»، وأنّ دعاء الأنبياء والأولياء لدفع الضُّرّ وجلب النَّفع والنُّذور وتقريب القرابين لهم لا ينافي دين الله وتوحيده على هذا التفسير.(1)
أقول: إنّ عطف عمل المسلمين على عمل المشركين من مقولة عطف المباين على المباين، إذ ثمّة فرق شاسع بين دعاء الفريقين، فالمشركون يدعون آلهتهم المزعومة بما أنّ بيدها مصائرهم في الدنيا والآخرة ولذلك يتقرّبون إليها بذبح القرابين، بينما يدعو المسلمون أنبياء الله وأوليائه دون أن يعتقدوا أنّ بيدهم كشف الضُّرّ وجلب النَّفع لهم.

1 . تفسير المنار:12/199.

صفحه 322
وبعبارة أُخرى: إنّ المشركين يعتقدون بربوبية الأوثان والأصنام وأنّ بيدها النَّفع والضُّرّ والصحّة والمرض والجدب والخصب، وهم يتوسّلون بها بهذا الاعتقاد، وأين هذا من عمل الموحِّدين في الحرم النبويّ مثلاً، فإنّهم يتوسّلون برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنّه عبد من عباد الله الصالحين وأنّه أشرف الخلائق أجمعين، فهم يتوجّهون إليه بهذه العقيدة حتى يشفع لهم عند الله سبحانه بقضاء حوائجهم؟!
ثمّ إنّ عمل المسلمين بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو عملهم ذاته في حياته، وقد أمر الله سبحانه المؤمنين بالرجوع إليه وطلب الدعاء منه وقال:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).(1)
والعجب أنّه يسوّي بين عمل المسلمين وعمل الوثنيِّين ويقول: ولا فرق في هذا التوجّه بين تسميته عبادة كما كانت العرب تقول وهي أعلم بلغتها، وبين تسميته توسّلاً أو استشفاعاً كما فعل بعض المتأخّرين، فالمعنى واحد لا يختلف حكمه باختلاف أسمائه.(2)
كيف يقول المعنى واحد والاختلاف إنّما هو في الأسماء؟! إذ كيف يكون عمل المسلمين الذين يوحّدون الله تبارك وتعالى خالقاً وربّاً وعبادة، ولا يرَون له ندّاً ولا يساوونه بشيء من المخلوقات، مساوياً لعمل المشركين الذين يجعلون لله أنداداً(3)، ويسوّون آلهتهم المزعومة برب

1 . النساء:64.
2 . تفسير المنار:12/199.
3 . فصلت:9.

صفحه 323
العالمين؟! قال سبحانه حاكياً عن المشركين يوم القيامة:(تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(1) فهل يصحّ في منطق العقل أن نقول في حقهم أنّ الاختلاف في الأسماء دون الحقيقة؟!
إنّ القضاء الصحيح في الأعمال المشتركة بين المشرك والموحِّد هو النِّيّات والضمائر دون الصور والظواهر وإلاّ فعمل المسلمين في فريضة الحجّ لا يفترق عن عمل المشركين فإنّ الطَّواف حول الكعبة واستلام الحجر الأسود وذبح الهَدْي هو العمل نفسه الصادر من المشركين، فمن لم يقف على نيّات الحجّاج وضمائرهم لا يفرّق بين العملين، فالذي يفرّق أحد العملين عن الآخر إنّما هو النِّيّات والضمائر.

2. تفسير الربّ بالخالق

قال في بيان توحيد الرُّبوبية: الربّ هو الخالق المربّي والمدبِّر لعباده والمتصرّف فيهم بذاته....(2)
أقول: إنّ تفسير الربّ بالخالق خلطٌ بين مفهوميهما، فالخالق هو الموجِد للأشياء، والربّ هو المدبِّر والمدير، يقال: ربّ الدار، وربّ الضيعة، وربّ الإبل، فمشركو عصر الرسالة كانوا موحِّدين في الخالقية بشهادة آيات كثيرة، منها قوله تعالى:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)(3)، وكانوا مشركين في الرُّبوبية إذ كانوا

1 . الشعراء:97ـ 98.
2 . تفسير المنار:12/99.
3 . الزخرف:9.

صفحه 324
يرَون أنّ النَّصر بأيدي الآلهة، كما يحكي عنهم سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)(1)، كما يرَون أنّ العزّة بأيدي الآلهة، قال تعالى:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)(2).
وقد ثبت أنّ قريشاً كانوا يستمطرون بالأصنام والأوثان، وذلك هو الهدف الذي أراده (عمرو بن لُحَيّ) الذي أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها، فقد ذكرنا في الصفحات المتقدّمة أنّه رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عن شؤونها قالوا: «هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا» فقال لهم: أفلا تعطوني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فاستصحب معه صنماً كبيراً باسم «هبل»، ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعا الناس إلى عبادته.(3)
والذي يدلّ بوضوح على أنّ الربّ غير الخالق قوله سبحانه:(بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ)(4)، فلو كان المقصود من الربّ هنا هو الخالق والموجِد، لكانت جملة (الذِي فَطَرَهُنَّ) زائدة، بدليل أنّنا لو وضعنا لفظة الخالق مكان الربّ في الآية للمسنا عدم الحاجة حينئذ إلى الجملة المذكورة، أعني قوله: (الذِي فَطَرَهُنَّ).
وكذا الحال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي

1 . يس:74.
2 . مريم:81.
3 . السيرة النبوية لابن هشام:1/79.
4 . الأنبياء:56.

صفحه 325
خَلَقَكُمْ)(1)، فإنّ لفظة الربّ في هذه الآية ليست بمعنى «خالقكم»، إذ لو كان الربّ بمعنى الخالق لما كان لذكر جملة: (الَّذِي خَلَقَكُمْ)وجه، بخلاف ما لو قلنا بأنّ الربّ يعني المدبّر فتكون جملة: (الَّذِي خَلَقَكُمْ) علّة للتوحيد في الرُّبوبية، إذ يكون المعنى حينئذ: إنّ الذي خلقكم هو مدبّركم.

3. تفسير عدم طلب الأجر بصلة الأرحام

ذكر تحت عنوان عدم طلب الأجر، قوله سبحانه:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(2) وقال: الاستثناء في هذه الآية منقطع، والمعنى لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، سنّة الله في النبيِّين والمرسلين، ولكن أسألكم المودّة في أولي القربى لكم وصلة أرحامكم، وكانت هذه الوصية بما يحمدونه من هدى الإسلام لتعصّبهم لأنسابهم، ويفسّرها قوله تعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْريَ إِلاَّ عَلَى اللهِ)(3).
يلاحظ عليه: كيف يفسِّر المودّة في القربى بصلة الأرحام مع أنّ مودّة القربى ليست مندوبة على إطلاقها ولذلك قال تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ).(4)
أضف إلى ذلك أنّ القرآن بلغ من الفصاحة والبلاغة ما عجز فصحاء العرب وبلغاؤهم عن مقابلته، أفهل يصحّ أن تكون المودّة في القربى هنا

1 . البقرة:21.
2 . الشورى:23.
3 . سبأ:47; تفسير المنار:12/210.
4 . المجادلة:22.

صفحه 326
كناية عن صلة الأرحام والإحسان إليهم مع أنّ الأمر بذلك قد ورد بأفضل العبارات في مواضع أُخرى؟ قال سبحانه:(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)(1) وقال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ).(2)
كما أنّ مودّة كلّ إنسان قريبه أمر ممدوح، لكن لا يعدّ أجراً للنبيّ بأيّ وجه فُسّر الاستثناء.
وأمّا ما هو المراد من القربى وكيف تكون مودّة القربى أجراً للرسالة مع أنّ شعار الأنبياء هو عدم طلب الأجر، فسيوافيك تفصيله في تفسيرنا لسورة الشورى بإذن الله سبحانه. ونذكر هنا شيئاً موجزاً وهو أنّ طلب هذا الأجر هو أمر صوري ويرجع نفعه إلى المسلمين، فإنّ حبّ أهل الخير والكمال يسبّب في المحبّ كمالاً لأجل أنّ الحبَّ لا ينفكّ عن الاقتداء بهم في الحياة الدنيوية.
وبعبارة أُخرى: حبُّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) الذي هو أجر الرسالة لا ينتفع به النبيّ والآل وإنّما ينتفع به المؤمنون، إذ لا ينفك الحبُّ الواقعي عن الاقتداء بهم واتِّباعهم وطاعتهم.
ونِعمَ ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال: ما عرف الله من عصاه، وأنشد:
تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّهُ *** هذا لعمرك في الفعال بديعُ

1 . الرعد:21.
2 . الإسراء:26.

صفحه 327
لو كان حبّك صادقاً لأطعتهُ *** إنّ المحبَّ لمن أحبَّ مطيعُ
وقد بقيت هناك أُمور أُخرى أوردها صاحب المنار في المقام، ضربنا عنها صفحاً، غفر الله لنا وله يوم الجزاء.
***
تمّ تفسير سورة هود(عليه السلام)

صفحه 328
 

صفحه 329

سورة يوسف

(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَل مُبِين * اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ

صفحه 330
 
قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَ جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَم كَذِب قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ * وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَرَاهِمَ مَعْدُودَة وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ

صفحه 331
 
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُر وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُل فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُر فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُر قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ * وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَل مُبِين * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ

صفحه 332
 
الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الاْيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الاْخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْء ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الاْخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ

صفحه 333
 
رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ * وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات يَا أَيُّهَا الْمَلاَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الاْنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لاََمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ

صفحه 334
 
رَحِيمٌ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاََجْرُ الاْخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلاَ تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْ