welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 1
الزكاة
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الأوّل
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 2
اسم الكتاب:    الزكاة في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف:    جعفر السبحاني
الجزء:    الأوّل
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ:    1424 هـ ق / 1382 هـ ش
الكمية:    2000 نسخة
الناشر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 7745457

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي جعل الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً من الكبر، والزكاة تزكية للنفس، ونماءً في الرزق، واختباراً للأغنياء، ومعونة للفقراء، وتحصيناً للأمـوال. والصلاة والسلام على أفضل رسله وأشرف أنبيائـه الذي به أكمـل دينـه وأتمّ نعمته وعلى آله الطاهرين الذين هم حفظة سننـه وعيبة علمـه صـلاة لا نهاية لها.
أمّا بعد، فلا شكّ انّ الزكاة إحدى المنابع المالية للحكومة الإسلامية، وقد استأثرت باهتمام الفقهاء منذ رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، ويعلم ذلك من خلال كثرة البحوث التي دارت حولها، وهذه الأهمية تتزايد في الوقت الحاضر لاسيما بعد قيام الحكومة الإسلامية في إيران.
هذا وذاك ممّا دعاني إلى تلبية طلب لفيف من الفضلاء في إلقاء محاضرات فيها فنزلت عند رغبتهم وجعلت محور الدراسة كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه الطباطبائي اليزدي(قدس سره).
وأرجو من اللّه سبحانه أن ينتفع به روّاد العلم وطلاب الحقيقة.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6

وجوب الزكاة من ضروريات الدين

قال المصنّف: كتاب الزكاة التي وجوبها من ضروريات الدين، ومنكره مع العلم به كافر، بل في جملة من الأخبار: انّ مانع الزكاة كافر.*
* أقول: الزكاة في اللغة النموّ، يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة وكأنّ المال ينمو بالزكاة. هذا ما ذكره الراغب في مفرداته.
ويظهر من «المقاييس» كونه مشتركاً بين النمو والطهارة، قال: «زكي» أصل يدلّ على نماء وزيادة. ويقال: الطهارة زكاة المال.
قال بعضهم: سمّيت بذلك لأنّها ممّا يرجى به زكاء المال، وهو زيادته ونماؤه; وقال بعضهم: سمّيت زكاة لأنّها طهارة.
قالوا: وحجّة ذلك (استعمالها في الطهارة) قوله جلّ ثناؤه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهمْ بها)(1).(2)
ويؤيده أيضاً قوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها).(3) أي طهّرها وأصلحها بطاعة اللّه وصالح الأعمال.(4)
ثمّ إنّ الماتن وصف وجوب الزكاة من ضروريات الدين، وتحقيق هذا الكلام يتوقّف على تحديد ضروريات الدين ليعلم انطباقه على وجوب الزكاة.
ويمكن أن يحدّد بالبيان التالي: انّ الحكم التشريعي إذا بلغ من الوضوح مرتبة لا يجهله إلاّ شُذّاذ الناس من المسلمين ممّن يعيش بعيداً عن الأوساط

1 . التوبة: 103.
2 . المقاييس: 3/17، مادة «زكى».
3 . الشمس: 9.
4 . مجمع البيان: 5/497.

صفحه 7
الإسلامية، فهو من ضروريات الدين; وإلاّ فيمكن أن يكون من ضروريات الفقه، كحرمة وطء الحائض; أو لا يكون واحداً منهما، كوجوب السورة التامة في الصلاة، أو لزوم الترتيب في الغسل غير الارتماسي.
فمثلاً هناك فرق بين وجوب الصلاة ومعرفة دية الإنسان على وجه التحديد، فالأوّل لا يجهله أحد بخلاف الثاني، ووجوب الزكاة من القسم الأوّل.
ويكشف عن ذلك انّه سبحانه ذكر الزكاة في كتابه 32 مرّة ، مضافاً إلى أنّها قورنت بالصلاة في موارد كثيرة، وقد تضافرت الروايات على وجوبها.(1)
غير أنّ الظاهر من المحقّق الأردبيلي تحديد الضروري بنحو آخر، حيث قال: المراد من الضروري الذي يُكفَّر منكره، الذي ثبت عنده يقيناً كونه من الدين ولو بالبرهان ولو لم يكن مجمعاً عليه.
إذ الظاهر انّ دليل كفره هو إنكار الشريعة وإنكار صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مثلاً في ذلك الأمر مع ثبوته يقيناً عنده، وليس كلّ من أنكر مجمعاً عليه يكفّر، بل المدار على حصول العلم والإنكار وعدمه إلاّ انّه لما كان حصوله في الضروري غالباً، جعل ذلك مداراً وحكموا به، فالمجمع عليه ما لم يكن ضرورياً لم يؤثّر.(2)
وحاصل كلامه: انّ تفسير الضروري بالمجمع عليه ليس بصحيح، إذ ليس إنكار كلّ مجمع عليه ما لم يصل إلى حدّ الضرورة موجباً للكفر وكم من مسألة مجمع عليها في الفقه، وهي ليست من ضروريات الشريعة.
والمدار في الكفر أن ينكر ما ثبت عنده يقيناً من الدين ولو بالدليل وإن لم يكن مجمعاً عليه.
غير انّ عدول العلماء عن هذا الملاك، إلى إنكار الأمر الضروري من الدين،

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.
2 . مفتاح الكرامة: 1/246، طبع بيروت.

صفحه 8
إنّما هو لوجود ما اختاروا من الملاك في الضروري غالباً، وإلاّ فالميزان، هو إنكار ما ثبت عنده من الدين، سواء أكان مجمعاً عليه أم لا، ضرورياً أم لا.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ إنكار الضروري بما هوهو ليس من موجبات الكفر، لما ثبت في محلّه انّ الإيمان والكفر منوطان بأُمور ثلاثة:
الإقرار بالتوحيد، الإقرار بالرسالة، والإقرار بالمعاد; أو إنكارها. فمن اعترف بالثلاثة فهو مسلم، وإن أنكر واحداً منها فهو كافر.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّاللّه، والتصديق برسول اللّه، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث».(1)
وعلى ذلك فليس إنكار الضروري بنفسه من أسباب الكفر، نعم إذا كان ملازماً لإنكار أحد الأُصول الثلاثة، يكفر لأجلها.
وقال العاملي: وهنا كلام في أنّ جحود الضروري كفر في نفسه أو يكشف عن إنكار النبوة مثلاً ظاهرهم الأوّل، واحتمل الأُستاذ الثاني قال: فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بتكفيره، إلاّ أنّ الخروج عن مذاق الأصحاب ممّا لا ينبغي. (2)
قلت: ما ذكره ذيلاً غير صحيح خصوصاً بالنظر إلى «درء الحدود بالشبهات».
وعلى أيّ حال المراد الملازمة العرفية بين الإنكارين عند المنكر لا الملازمة العرفية بينهما عند المخاطب. ولذلك لو أنكر لشبهة أو لغير ذلك لم يُكفّر، ولذلك قيّد المصنّف بقوله: «ومنكره مع العلم به كافر».
ثمّ إنّ مانع الزكاة وُصف في بعض الروايات بالكفر.(3)
ولكن المراد منه هو الكفر في مقابل الشكر.
توضيح ذلك: انّ الكفر يطلق ويراد منه كفر الملّة، وهذا هو الكفر المقابل للإيمان. وربّما يطلق ويراد منه كفر النعمة أي من يملك النعمة، ولا يشكر معطيها، وعلى هذا المعنى قوله سبحانه: (وللّهِ على النّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إِليهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين).(4)
ونظيره قوله سبحانه: (لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَفإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَريم).(5)

1 . بحار الأنوار: 88/248، الحديث 8.
2 . مفتاح الكرامة: 1/246 ، طبع بيروت.
3 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 7و8.
4 . آل عمران: 97.
5 . النمل: 40.

صفحه 9
في شرائط وجوب الزكاة
ويشترط في وجوبها أُمور ستة:
1. البلوغ
2. العقل
3. الحريّة
4. المالكية
5. التمكن التام من التصرّف في المال
6. النصاب
وإليك تفاصيلها:

صفحه 10

صفحه 11

في شرائط وجوب الزكاة

ويشترط في وجوبها أُمور:
الأوّل: البلوغ، فلا تجب على غير البالغ في تمام الحول فيما يعتبر فيه الحول، ولا على من كان غير بالغ في بعضه.*
* اتّفقت كلمة الأصحاب على عدم وجوب الزكاة لغير البالغ في النقدين، وإنّما الخلاف بينهم في الغلات والأنعام على تفصيل سيوافيك.

صفحه 12
وأمّا أهل السنّة فالمشهور بينهم هو انّ مال الصبي مثل مال البالغ تجب فيه الزكاة. وهو المروي عن مالك والليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأحمد، والشافعي، وعدّة من الصحابة والتابعين; غير أنّ الأوزاعي والثوري قالا بأنّه تجب الزكاة في ماله ولكن لا يجب الإخراج، بل تحصى حتى إذا بلغ، عرّفوه مبلغ ذلك فيُخرجه بنفسه، وبه قال عبد اللّه بن مسعود، (وبه قال ابن حمزة من أصحابنا كما سيوافيك) .
نعم ذهب ابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه إلى عدم الوجوب من دون تفصيل.(1)
وأمّا أصحابنا فاختلفوا إلى أقوال:
1. عدم تعلّق الزكاة بمال الصبي. وبه قال ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، والسيد المرتضى في الجمل. وسلاّر، وابن إدريس.
2. عدم تعلّقها به إلاّ في الغلاّت والمواشي. وبه قال الشيخان، وأبو الصلاح، وابن البراج. ونقله السيّد في الناصريات عن أكثر أصحابنا.
3. تلزم الزكاة في ماله، ولا يجب أداؤها. وهو ظاهر ابن حمزة في وسيلته قال: ومن لا تجب عليه وتلزم في ماله وهو الصبي.(2)
4. ليس في مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به، فإن اتّجر به ففيه زكاة والربح لليتيم.(3)
أقول: المراد من «اليتيم» في الروايات هو غير البالغ، سواء أمات أبوه أم لا. ولندرس أدلّة الأقوال:

1 . الخلاف: 2/40، كتاب الزكاة، المسألة 42.
2 . الوسيلة: 121.
3 . مختلف الشيعة: 3/151ـ 152.

صفحه 13

دليل القول بعدم التعلّق

استدلّ على القول الأوّل بوجوه:
1. قوله سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)(1)، فإنّ الخطاب للمكلّفين بقرينة عدّ الزكاة تطهيراً لذنوبهم، وما ربّما يقال من أنّ الخطاب ـ حسب السياق ـ للمنافقين بقرينة قوله سبحانه : (وَآخَرونَ اعْتَرفُوا بِذُنُوبِهِم خَلَطُوا عَملاً صالِحاً وآخَر سيِّئاً عسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم)(2)، ليس بتام، فإنّ المورد غير مخصّص، والحكم لمطلق المكلّفين على غرار قوله: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ).(3) وهو خطاب للمؤمنين.
نعم يرد عليه أنّه يثبت وجوب الصدقة على المكلّف، ولا يدلّ على عدم وجوبها على غير البالغ بل هو ساكت عنه، ولو تمّ دليل المخالف على وجوبها على غير البالغ في مورد الغلات والمواشي لا يكون مزاحماً له، لكون الحكمين مثبتين.
2. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم...»(4) وإطلاق الحديث يقتضي رفع مطلق القلم من غير فرق بين قلم التكليف أو الوضع، وكون المرفوع في حقّ النائم هو قلم التكليف لا الوضع لا يكون قرينة على الانصراف إلى التكليف، لأنّ المرفوع في المجنون هو مطلقه. نعم منصرف الحديث إلى ما إذا لم يكن الرفع موجباً لتضرر الآخرين، وإلاّ فالحديث منصرف عنه، ولذلك يتعلّق

1 . التوبة: 103.
2 . التوبة: 102.
3 . المجادلة: 12.
4 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 11.

صفحه 14
الضمان بمال الصبي، في قيم المتلفات وأُروش الجنايات. ويمكن أن يقال إنّ رفع وجوبها على خلاف الامتنان بالنسبة إلى الفقراء كما في صحيح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ اللّه عزّوجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، ولولا ذلك لزادهم».(1)
ولأجل ذلك فالمهم في المقام هو الروايات المتضافرة التي تتجاوز العشر وفيها الصحاح، وقد عمل بها كثير من الفقهاء، وقد تضافر عنهم قولهم: «ليس على اليتيم زكاة» ، أو: «ليس في مال اليتيم زكاة».
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: في مال اليتيم عليه زكاة؟ فقال: «إذا كان موضوعاً فليس عليه زكاة، فإذا عملت فأنت له ضامن والربح لليتيم».(2)
وقوله موضوعاً بمعنى الثابت في مقابل ما يُتّجر به.
2. صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «ليس على مال اليتيم زكاة وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه فيما بقي حتى يُدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة، ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من النّاس».(3)
قوله: «فليس عليه لما مضى زكاة» ردّ لما روي عن الأوزاعي والثوري حيث قالوا بالتعلّق ولكن يخرج عند البلوغ.
ثمّ إنّ قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» ورد في غير واحد من الأحاديث ربّما تبلغ ثمانية، وإليك بيانه.

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1و3.
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1و3.

صفحه 15
3. صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا(عليه السلام)أسأله عن الوصي أيزكّي زكاة الفطر عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ قال (عليه السلام): «لا زكاة على يتيم». (1) ومورد السؤال هو زكاة الفطرة لكن العبرة بعموم الجواب.
4. ما رواه البزنطي في جامعه عن عاصم بن حُميد، عن أبي بصير المرادي، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «ليس على مال اليتيم زكاة».(2)
5. صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) : قال: سألته عن مال اليتيم؟ فقال: «ليس فيه زكاة».(3)
6. صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: «ليس في مال اليتيم زكاة».(4)
7. خبر (5) مروان بن مسلم، عن أبي الحسن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم: ليس عليه زكاة».(6)
8. خبر أحمد بن عمر بن أبي شعبة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن مال اليتيم، فقال: «لا زكاة عليه إلاّأن يعمل به».(7)
9. خبر العلاء قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا».(8)
إلى غير ذلك من الروايات التي تفيد القطع بصدور مضمونها من الإمام.
فإن قلت: إنّ النسبة بين هذا «ليس في مال اليتيم زكاة» وما دلّ على وجوب الزكاة بصورة الحكم الوضعي في كلّ من الأنعام، والغلات والنقدين عموم من

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7 .
4 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8.
5 . لوقوع علي بن يعقوب الهاشمي في سنده ولم يوثق.
6 . الوسائل: 6، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث9 .
7 . الوسائل: 6، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث10 .
8 . الوسائل: 6، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 12.

صفحه 16
وجه، ففي الأنعام نظير قوله: «في كلّ أربعين شاة، شاة»(1)، وفي الغلاّت: «في الزكاة ما كان يعالج بالرشاء والدوالي والنضح ففيه نصف العشر، وإن كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل أو سماء ففيه العشر كاملاً» (2)، وفي زكاة النقدين في الذهب في كلّ عشرين ديناراً نصف دينار(3); فإذا قيس قوله: «ليس في مال اليتيم» إلى كلّ واحد من هذه الأدلّة المتعرّضة للحكم الوضعي الشامل للبالغ وغيره تكون النسبة عموماً من وجه، حيث إنّ الأوّل (ليس في مال اليتيم زكاة) عامّ يعمّ مورد كلّ واحد وغيره، وخاص باليتيم، كما أنّ كلّ واحد منها عامّ يعمّ البالغ وغيره وخاص بمورده فيتعارضان.
قلت: أوّلاً : إنّ ما دلّ على وجوب الزكاة في الأنعام والغلات والنقدين بمنزلة دليل واحد وُزّع على الأبواب المختلفة، فعندئذ تنقلب النسبة إلى الخصوص المطلق. فكأنّه قال: «في الغلات والأنعام والنقدين زكاة بشرائطها» وعندئذ يصبح قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» مخصصاً له.
ثانياً: سلّمنا لكن قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» حاكم لكونه متعرّضاً لما لم يتعرّض له دليل المحكوم، من كون اليتم مانعاً من تعلّقها بماله.
وبعبارة أُخرى: ما دلّ على وجوب الزكاة في الأُمور الثلاثة مقتض، واليتم مانع عنه.
ثالثاً: سلمنا انّ النسبة عموم من وجه، فيعامل معهما معاملة المتعارضين فيتساقطان ويرجع إلى الأصل وهو عدم وجوب الزكاة على اليتيم.

1 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.
2 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 5.
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.

صفحه 17

دليل القول بتعلّقها بغلات اليتيم ومواشيه

أوجب الشيخان وأبو الصلاح وابن البراج الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين ومواشيهم(1)، واستدلّوا بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم انّهما قالا: ليس على مال اليتيم من الدين والمال الصامت شيء، فأمّا الغلات فعليها الصدقة واجبة.(2)
والوارد فيها وإن كان الغلات، لكن المواشي، تلحق بها لعدم القول بالفصل، إذ ليس هنا من يقول بوجوبها في الأُولى دون الثانية.
ومقتضى القاعدة تخصيص ما تضافر من أنّه «ليس على مال اليتيم زكاة»، بالصحيحة لكن المشهور من المتأخرين توقّفوا عن التخصيص، وذلك لوجوه:
1. موثّقة (3) أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس»(4).
وهي تنفي الزكاة في نفس ما تثبته الصحيحة، والسند لا غبار عليه، غير انّ الأُولى صحيحة وهذه موثقة، وقد عمل الأصحاب بأحاديث أبناء فضّال، وإن كانوا فطحيّين.
2. احتمال صدور صحيح زرارة تقيّة، لذهاب جمهور فقهاء السنة إلى

1 . مختلف الشيعة: 3/156.
2 . الوسائل: 6 ، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.
3 . لأجل علي بن الحسن بن فضال في السند، والعباس الوارد في السند هو العباس بن معروف الثقة.
4 . الوسائل: 6، الباب 1من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

صفحه 18
الوجوب غير أبي حنيفة.
ويؤيّد ذلك خبر أبي الحسن (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم: ليس عليه زكاة».(2)
3. حمل قوله «واجبة» على مطلق الثبوت بأنّ الوجوب بمعنى الثبوت الأعم من الوجوب والاستحباب.
ثمّ إنّ الشيخ لمّا عمل برواية زرارة، حاول الجمع بينها وبين رواية أبي بصير بحمل الثانية على نفي الوجوب في جميع الغلات فلا ينافي ثبوتها في بعض الأربع.
يلاحظ عليه: أنّ غير اليتيم أيضاً كذلك، حيث لا زكاة عليه في جميع الغلات وإنّما هي في بعض الأربع، فما هو الوجه لتخصيص اليتيم به؟!
وربما تضعَّف رواية أبي بصير بأنّ الشيخ أخذها من كتاب علي بن الحسن بن فضّال، وفي سنده إليه في المشيخة: «ابن عبدون (المتوفّى 423 هـ) سماعاً، وإجازة عن علي بن محمد بن الزبير (المتوفّى348هـ) عن علي بن الحسن بن فضال» ولم يرد توثيق في حقّهما.
يلاحظ عليه: أنّ الأوّل من مشايخ النجاشي حيث قال في حقّه: أبو عبد اللّه شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب.(3)

1 . المردّد بين الإصفهاني والأنباري، وكلاهما يرويان عن أبي عبد اللّه ولم يرد في حقّهما توثيق، ويحتمل أن يكون المراد أبو الحسن الليثي لما في الفهرست من أنّ لأبي الحسن الليثي كتاباً يروي عنه هارون بن مسلم; وعلى هذا، ففي السند تصحيف حيث بُدّل هارون بـ «مروان». وسيأتي نظيره في باب عدم الزكاة على الحليّ، واللّه العالم.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9.
3 . رجال النجاشي: 1/ 228، برقم 209.

صفحه 19
فيعتبر ابتداء الحول من حين البلوغ، وأمّا ما لا يعتبر فيه الحول من الغلاّت الأربع فالمناط البلوغ قبل وقت التعلّق، وهو انعقاد الحب وصدق الاسم على ما سيأتي.*
وقال الشيخ: أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، أجاز لنا بجميع ما رواه، مات سنة 423 هـ .(1) ومشايخ الإجازة في غنى عن الوثاقة، والنجاشي لا يروي إلاّعن ثقة.
نعم لم يرد في حقّ الثاني إلاّ قول النجاشي في ترجمة ابن عبدون: وكان قد لقي علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير، وكان علوّاً في الوقت.(2) وربما استظهر من قوله: «كان علواً في الوقت» وثاقته وجلالته، لكن الظاهر انّ المراد هو العلو في الاسناد، حيث إنّه يروي عن علي بن الحسن بن فضّال الذي كان شيخ العياشي، وليس هذا دليلاً على وثاقته.
ولو افترضنا عدم صحّة الاحتجاج برواية أبي بصير، لكن رواية زرارة لا تقاوم الإطلاقات المتضافرة، لأنّ تخصيص مثلها بخبر الواحد أمر مشكل، وـ لذلك ـ استشكلنا في حقّ المارّة لمخالفته الإطلاقات المتضافرة في أنّه لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه .
فالحقّ ما عليه المشهور من عدم تعلّقها بمال اليتيم مطلقاً.
* يقع الكلام في مقامين:
1. فيما يعتبر في تعلّق الزكاة به، مرور الحول كالنقدين والأنعام.

1 . رجال الطوسي: 413، برقم 5988.
2 . رجال النجاشي: 1/228 برقم 209.

صفحه 20
2. فيما لا يعتبر فيه سوى كونه بالغاً حين انعقاد الحب وصدق الاسم كالغلاّت الأربع.

الأوّل: ما يعتبر فيه الحول

فلا شكّ في عدم تعلّق الزكاة إذا ملك وكان تمام الحول غير بالغ، لقوله : «ليس على مال اليتيم زكاة» ، إنّما الكلام إذا ملك سنة وبلغ في أثناء السنة كأوّل النصف الثاني من السنة، فهل يتعلّق به الزكاة ، أو لا؟
وبعبارة أُخرى: هل الملفّق ممّا قبل البلوغ وبعده، موضوع أيضاً أو لا؟ فيه وجوه:
1. عدم الاحتساب، وإنّ مبدأ السنة هو مبدأ البلوغ.
2. الاحتساب، فلو ملك بدء السنة وبلغ أثناءها حسب ما قبله أيضاً، ويكون المبدأ للسنة مبدأ مالكيته.
3. التفصيل بين البلوغ قبل الشهر الثاني عشر، فيحسب، وإلاّ فلا، لأنّ الحول في الزكاة يتحقّق بحلول الشهر الثاني عشر.
أمّا الأوّل، فهو المعروف بين المتأخرين، وقد استدلّ له بوجهين:
1. انّ المتبادر من قولهم: «ليس على مال اليتيم زكاة» انّ البلوغ جزء الموضوع، لا شرط الحكم، فكأنّه قال: المالك البالغ إذا حال عليه الحول، يزكّي ماله، والمفروض عدمه، لأنّه حال عليه الحول دون أن يكون الموضوع بجزئيه محقّقاً، فليس عليه شيء.
وهذا نظير قوله (عليه السلام): «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك

صفحه 21
حتى يقع في يديك».(1) ومعنى ذلك انّ الموضوع للزكاة هو المال الحاضر، الواقع تحت سلطة المالك، وأمّا غيره فليس موضوعاً له.
وذهب المحقّق السبزواري في كتابيه: «الذخيرة» و «كفاية الأحكام» إلى كفاية البلوغ في أثناء السنة حيث قال: إذ المستفاد من الأدلّة، عدم وجوب الزكاة على الصبي ما لم يبلغ، وهو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه عليه، إذ لا يستفاد من أدلّة اشتراط الحول، كونه]جميع الحول[ في زمان التكليف.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» هو خروجه عن كونه موضوعاً لوجوب الزكاة وتعلّقه، فيصير الموضوع بحكم عدم الواسطة اليتيم والبالغ، هو مال المالك البالغ، وعليه يجب مرور سنة على الموضوع، والحول الملفق من الزمانين ليس مصداقاً له، فإذا كان في النصف الأوّل من السنة غير بالغ، فقد حالت شهور على المال لا السنة الكاملة.
وربّما يستدلّ على عدم الاحتساب بما رواه الشيخ عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس».(3)
وجه الاستدلال انّ قوله : «وإن بلغ اليتيم» جملة شرطية، وقوله : «فليس

1 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.
2 . الذخيرة، كتاب الزكاة، ص 4 والمطبوع غير مرقم.
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ، الحديث 11. ورواه الكليني عن أبي بصير بمتن يختلف مع ما نقله الشيخ.

صفحه 22
]الشرط[ الثاني: العقل، فلا زكاة في مال المجنون في تمام الحول أو بعضه، ولو إدواراً، بل قيل: إنّ عروض الجنون آناً ما يقطع الحول، لكنّه مشكل بل لابدّ من صدق اسم المجنون وانّه لم يكن في تمام الحول عاقلاً.
عليه لما مضى» جزاء الشرط، والمراد من الموصول «الزمان» قليله أو كثيره فيشمل السنة وبعضها، فلو كان يتيماً كلّها أو بعضها، فليس عليه في تلك البرهة زكاة، فلو ضم ذلك البعض إلى البعض الذي بلغ فيه لكان مخالفاً لإطلاق الرواية.
يلاحظ عليه: أنّ مورد الرواية لا يحتمل ذلك المعنى لورودها في الغلات التي لا يعتبر فيها شيء سوى كون المالك بالغاً حين انعقاد الحب وصدق الاسم، ففي مثله، لا تتعلّق الزكاة إلاّ إذا كان المالك بالغاً أوان تعلّقها وهو انعقاد الحبّة وصدق الاسم، وأمّا ما يعتبر فيه حيلولة الحول منذ كونه مالكاً فهل يعتبر فيه البلوغ في تمام السنة، أو يكفي التلفيق؟ فلا دلالة للحديث على واحد من الأمرين.
ثمّ إنّ المحقّق الهمداني(1) ذكر في تفسير الحديث وجوهاً أربعة وزاد بعض المعاصرين وجهاً خامساً، أوجد تعقيداً في تفسيره، ولكن الظاهر انّ المراد من الموصول هو الزمان، ولكنّه خاص بما لا يعتبر فيه السنة كما لا يخفى.

المقام الثاني: ما لا يعتبر فيه الحول

أمّا ما لا يعتبر فيه الحول من الغلاّت الأربع فالمناط البلوغ وقت

1 . مصباح الفقيه: 13/14.

صفحه 23
والجنون آناً ما ـ بل ساعة أو أزيد ـ لا يضرّ بصدق كونه عاقلاً.*
التعلّق، وهو انعقاد الحب وصدق الاسم، وما في المتن بأنّ المناط هو البلوغ قبل وقت التعلّق مبنيّ على اعتباره شرطاً فيعتبر تحقّقه قبله، وأمّا على القول بأنَّ اليتم مانع فيكفي عدمه حين انعقاد الحبّ.
* الأقوال في المجنون بين الأصحاب نفسها في الصبي وقد عطف الشيخ المجنونَ على الصبي ثمّ ذكر الأقوال التي تعرّفت عليها في مورد اليتيم فلا نعيد.
وهكذا الأمر عند السنّة فالمجنون والصبي عندهم سواسية، قال الخرقي: الصبي والمجنون يُخرج عنهما وليّهما. ثمّ نقل وجوب الإخراج عن عدّة من الصحابة والتابعين.
نعم نقل عن الحسن البصري وسعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وأبي وائل والنخعي وأبي حنيفة أنّه لا تجب الزكاة في أموالهما، كما حكي عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي أنّه: «تجب الزكاة ولا تُخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه».(1)
هذه هي الأقوال والمشهور بين الإمامية خصوصاً المتأخّرين عدم وجوب شيء على المجنون سواء أكان ممّا تعتبر فيه السنة أم لا. ويدلّ عليه أُمور:
الأوّل: انصراف أدلّة التشريع تكليفاً ووضعاً عن المجنون فهو بالحيوان أقرب منه إلى الإنسان.
الثاني: إطلاق حديث رفع القلم، فالمجنون حسب هذا الإطلاق لم يكتب عليه شيء من التكليف والوضع وتخصيص الرفع بالإثم على خلاف الإطلاق.

1 . المغني: 2/519.

صفحه 24
وأمّا ضمان أُروش الجنايات وقيّم المطلقات فهو لأجل انّ الحديث حديث امتنان ولا امتنان، في رفع الضمان في هذه الموارد، وأمّا غيرهما وما أشبههما فالقلم مرفوع على الإطلاق.
الثالث: اشتراك المجنون مع الصبي في غالب الأحكام، ولكن في «الجواهر» عدم دليل معتدّ به على هذه التسوية إلاّمصادرات لا ينبغي للفقيه الركون إليها.(1)
ويمكن أن يقال: انّ ملاك الاستدلال في المقام هو قياس الأولوية، فإذا كان وجوب الزكاة مرفوعاً عن الشاب المراهق فأولى أن يكون مرفوعاً عن المجنون.
الرابع: ما يظهر من السيد الخوئي من أنّه سبحانه خاطب العقل بقوله: «إيّاك أُثيب وإيّاك أُعاقب»(2) ولكن في صحّة الاستدلال نظر ظاهر، لأنّ العقل جُعل ملاك المثوبة والعقوبة لا ملاك التكليف الوضعي، أي تعلّق الحقّ بالمال الزكوي كتعلّق نفقة الأقارب والزوجات وأُروش الجنايات وقيّم المطلقات بماله.
الخامس: صحيحة عبدالرحمن بن حجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة ، أعليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، وإن لم يعمل به فلا».(3)وموضع الاستشهاد هو الشق الثاني.
السادس: معتبرة موسى بن بكر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: «إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(4) وموضع الاستشهاد هو مفهوم القضية الشرطية.

1 . الجواهر: 15/28.
2 . الوسائل: 1، الباب 3 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث2; ولاحظ روايات الباب.
3 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 .
4 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.

صفحه 25
وسند الحديث لا غبار عليه، وقد روي بطريقين في أحدهما سهل بن زياد، وقد قيل فيه: « الأمر في سهل سهل»، وفي الثاني «محمد بن الفضيل» والمراد منه محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي الذي عدّه المفيد في الرسالة العددية من الفقهاء والرؤساء الأعلام الذين يؤخذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ولا يطعن عليهم بشيء.
وقال الأردبيلي في جامعه: إنّ المراد من محمد بن الفضيل عند الإطلاق هو محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة واحتمله التفريشي في رجاله.
وعلى كلّ تقدير فالسند لا غبار عليه.
ومنصرف الروايتين وإن كان هو النقدين لكن القيد المفهوم (النقدان) من الرواية ليس احترازياً، بل لأجل انّ الاتجار يتحقّق به غالباً فكان الموضوع مال المجنون على وجه الإطلاق. فيعمّ النقدين والغلاّت والمواشي لانّ عدم الاتجار أعمّ من عدم القابليّة فيشتمل الجميع.
وعلى ضوء هذه الأدلّة فالموضوع للوجوب هو البالغ العاقل الذي حال الحول على ملكه في مورد النقدين، وكونه كذلك عند انعقاد الحبّة والتسمية في غيرهما.
ثمّ إنّ إخراج الزكاة عند الاتّجار واجب أو مندوب سيوافيك بيانه في المسألة الثانية.

حكم الجنون الآني

لا فرق في خروج المجنون عن الموضوع للوجوب إطباقياً كان أو إدوارياً، وذلك لصدق المجنون، إنّما الكلام في الجنون الآني كما إذا جنّ دقيقة أو خمس دقائق ثمّ أفاق، فهل يضر بوجوب الزكاة أو لا؟

صفحه 26
الثالث: الحرية، فلا زكاة على العبد وإن قلنا بمـلكه مـن غير فـرق بيـن القـن والمدبّـر وأُمّ الولـد والمكاتب المشروط والمطلق الذي لم يؤد شيئاً مـن مـال الكتابة، وأمّا المبعّض فيجب عليه إذا بلغ ما يتوزع على بعضـه
مال الماتن إلى عدم كونه مخلاً به، قائلاً بأنّه يصدق انّه كان عاقلاً طول السنة أو عاقلاً حين انعقاد الحبة وصحة التسمية.
لكنّ المتأخّرين من المحقّقين لم يرتضوا هذا الرأي، وذلك لأنّ الميزان هو الدقة العرفية في مقابل الدقة الفلسفية لا المسامحة العرفية، فلا مجال للثاني في الفقه البتة.
فإذا كان كذلك فلا شكّ انّه لا يصدق عليه انّه كان عاقلاً طول السنة، ومثل هذا عامة التحديدات الشرعية، مثل عدّة الوفاة والمسافة الشرعية والكر وأيّام الاعتكاف وأقل الحيض، فالميزان في الجميع هو الدقة العرفية; فلو تزوجت قبل انقضاء العدة ولو بساعة، أو غمس يده النجسة في الماء الكر الذي ينقص عنه بغرفة، لحرمت الزوجة أبداً وصار الماء القليل نجساً.
والحاصل: انّ الميزان هو صدق الموضوع المحدّد على المورد بدقّة على المستوى العرفي.
نعم ربّما تقوم القرينة على أنّ المراد غير المصداق الدقيق، وهذا كما إذا باع كرّاً من حنطة، فلو دفع بالخليط من تراب غير المنفك عنه في الخارج فقد وفى بعقده وعهده، وذلك لأنّه قلّما يتفق ان تخلص الحنطة من التراب. فتلخص من ذلك انّ الميزان هو تطبيق المفهوم على المورد بدقة عرفية إلاّ إذا قام الدليل على التوسعة في مقام التطبيق كما مثلنا.

صفحه 27
الحر النصاب.*
الرابع: أن يكون مالكاً فلا تجب قبل تحقّق الملكية، كالموهوب قبل القبض، والموصى به قبل القبول، أو قبل القبض، وكذا في القرض لا تجب إلاّ بعد القبض.* *
* عدم الابتلاء بموضوع المسألة يغنينا عن إفاضة الكلام فيه، فلنعطف عنانه إلى ما هو اللازم.
** لا شكّ انّ الزكاة ضريبة على مال المالك مضافاً إلى قوله سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة)(1) وقولهم (عليهم السلام): «إنّما الزكاة على صاحب المال» وقوله (عليه السلام): «لا تجب عليه الزكاة إلاّفي ماله» إلى غير ذلك من الأحاديث.(2)
والمتبادر من الآية والروايات هو الملكية الشخصية، وأمّا الملكية العامّة فهي على أقسام:
أ: إذا تمّ تأسيس شركة مساهمة على نحو يكون المالك هو عنوان الشركة تديرها هيئة من ذوي السهام أو من غيرهم، فلا شكّ انّه تجب الزكاة حينئذ. لأنّ الملكية وإن كانت بالجهة لكنّها عنوان رسمي وقانوني، والمالك الحقيقي هو مُلاّك السهام. وهذا ما يفهم من الأدلّة بإلغاء الخصوصية.
ب: إذا كانت الملكية العامة وقفاً على جهة خاصة كعلماء البلد أو ساداتهم فبلغ نصيب كلّ واحد حدّ النصاب، فهل تجب الزكاة على كلّ واحد؟

1 . التوبة : 103.
2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1، 2، 3.

صفحه 28
الظاهر عدم تعلّق الزكاة، لأنّه يتعلّق على من يكون مالكاً حين انعقاد الحبة وصدق التسمية، والمفروض انّ النصاب في هذه الحالة لم يكن ملكاً شخصياً لأحد وإنّما يصير ملكاً شخصياً بعد القبض، وهو لا يفيد، لأنّ الملكية حصلت بعد تعلّق الزكاة.
والعجب من السيد المحقّق الخوئي حيث يقول بوجوب الزكاة في هذا المورد (الوقف) بعد القبض، وإليك نصّ عبارته: وعلى الجملة فمثل هذه الأوقاف التي هي وقف على الجهات العامة بنحو الصرف أو ملكية العنوان لا زكاة فيها إذا لم يقبضها شخص معيّن. نعم بعد القبض وحصول الملكية للشخص ـ على القول بأنّ الوقف تمليك ـ وجبت الزكاة حينه.(1)
ثمّ إنّه أفتى في مقام آخر بخلاف ما ذكره هنا، حيث قال: أمّا الوقف فلا تجب الزكاة فيه لقصور الملك من الأوّل، فإنّ الوقف وإن تضمّن التمليك على الصحيح إلاّ أنّه نوع ملكية محدودة مقصورة من جهة الانتفاع وليس للموقوف عليه السلطنة على العين من حيث البيع أو الهبة أو الرهن ونحو ذلك ممّا يتمتع الملاّك بأملاكهم. فأدلّة الزكاة منصرفة عن مثل هذه الملكية.(2)
وعلى كلّ تقدير فبما انّ هذا الشرط من الشروط الواضحة فلابدّ أن يكون ذكره لغرض آخر، وهو إخراج الموارد الثلاثة التي ذكرها الماتن في كلامه كما سيوافيك.
ثمّ إنّ المحقّق الحلي ذكر هذا الشرط بقوله: والملك شرط في الأجناس كلّها ولابدّ أن يكون تاماً.

1 . مستند العروة الوثقى، كتاب الزكاة: 1/36.
2 . مستند العروة الوثقى، كتاب الزكاة: 1/43ـ44.

صفحه 29
وقد اختلف الشرّاح في تفسير هذا القيد، والظاهر انّ نظر المحقّق إلى إخراج العين المرهونة لأجل تعلّق حقّ الغير به، أوالوقف الخاص لأجل تعلّق البطون اللاحقة به. وسيوافيك الكلام فيهما في الشرط الخامس.
وأمّا الماتن فقد ذكر هذا الشرط لأجل إخراج الصور الثلاث:
1. الموهوب قبل القبض.
2. الموصى به قبل القبول.
3. القرض قبل القبض.
أمّا الأوّل، أعني: الموهوب قبل القبض، فلا تجب الزكاة على الموهوب له، لأنّ القبض جزء السبب المملك فلا ملكية للمتهب قبله، فكيف تجب عليه الزكاة ولا يصدق انّه ماله؟ فالقبض إمّا ناقل أو كاشف ولكن كشفاً حكمياً بمعنى عدم حصول الملكية إلاّعند الإجازة ولكن يترتّب على ما مضى أثر مالكية الموهوب له، وترتيب الأثر غير كونه مالكاً والزكاة على المالك.
وعلى ما ذكرنا تقف على أحكام الفروع التالية.
1. إذا وهب لشخص أحد النقدين البالغين حدّ النصاب ولم يُقبض لم يجر الحول على الموهوب له إلاّ بعد القبض.
2. إذا حال الحول بعد العقد وقبل القبض وجبت الزكاة على الواهب، لأنّه حال الحول في ملكه لما عرفت من أن ّ القبض مملّك أو كاشف كشفاً حكمياً .
3. لو مات الواهب قبل القبض انتقل إلى وارثه دون الموهوب له فلا تجب الزكاة عليه، بل تجب على وارث الواهب إن كان واجداً للشرائط، وإلاّ فلا تجب عليهما.

صفحه 30
4. لو فرضنا انّ شخصين ملك كلّ منهما كمية من الدنانير غير بالغة حدّ النصاب فوهباه من زيد ولم يقبض، فإنّه لا تجب الزكاة على الموهوب له لعدم القبض، ولا على الواهب لعدم بلوغ حصة كلّ منهما النصاب على الفرض، وسيوافيك انّ النصاب معتبر في ملك كلّ شريك على حدة.
هذا هو المعروف بين الأصحاب وربما احتمل كون القبض كاشفاً حقيقياً عن الملكية من حين العقد أو شرطاً للزوم العقد، فعندئذ تختلف أحكام الفروض السابقة لكن الاحتمالين الأخيرين ضعيفان، والتفصيل موكول إلى محلّه.
وأمّا الثاني، أي الموصى به قبل القبول، فلا تجب الزكاة فيه إلاّ إذا حال الحول بعد قبول الموصى له مال الوصية، لأنّ القبول شرط مالكيته.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر وراء القبول قبض الموصى له أيضاً مع أنّه لا يشترط فيه القبض وإنّما يشترط القبول فقط، ولعلّه أراد من القبض القبول الفعلي.
هذا كلّه بناء على أنّ الوصية التمليكية من قبيل العقود، فالإيجاب من الموصي قبل الوفاة، والقبول من الموصى له بعد وفاته، وهذا هو المشهور.
قال الماتن في كتاب الوصية: أمّا التمليكية فالمشهور على أنّه يعتبر فيها القبول جزءاً وعليه تكون من العقود أو شرطاً على وجه الكشف أو النقل فيكون من الإيقاعات.(1) ولكنّه احتمل قوياً عدم اعتبار القبول فيها بل يكون الرد مانعاً وعليه تكون من الإيقاع الصريح.
وما احتمله الماتن أخيراً هو الأقوى، فإنّه كيف يمكن أن يكون من العقود مع وجود الفصل الطويل بين إنشاء التمليك وقبوله الذي ربما يبلغ الفصل عشرة

1 . العروة الوثقى، كتاب الوصية: 661.

صفحه 31
أعوام ولا يجوز مثل ذلك في حال الحياة.
وعلى ذلك فالزكاة على الموهوب له ويجري الحول من حين تمليكه. اللّهمّ إلاّ أن يكون غير متمكن من التصرف فعندئذ يفتقد الشرط الخامس.
وممّا يؤيد عدم الحاجة إلى القبول ما ورد في الروايات من أنّه إذا مات الموصى له قبل القبول يعطى لورثته.(1) وهذا يدل على أنّ الوصية التمليكية يكفي فيها التمليك غاية الأمر انّ للموصى له حقّ الرد، فما ورد في الرواية على وفق القاعدة بخلاف الهبة، فلو مات الموهوب له قبل القبول يرد الموهوب إلى الواهب كما مرّ.
وأمّا الثالث، أي القرض قبل القبض، فلا تتعلّق الزكاة بالمقترض إلاّ بعده، ويدلّ عليه لفيف من الروايات:
1. صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالاً قرضاً، على مَن زكاته، على المقرض أو المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها ـ إن كانت موضوعة عنده حولاً ـ على المقترض».(2)
2. صحيحة يعقوب بن شعيب قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء اللّه ، على مَن الزكاة، على المقرض أو المستقرض؟ فقال: «على المستقرض، لأنّ له نفعه وعليه زكاته».(3)
هذا كلّه إذا كان النصاب باقياً، وأمّا إذا صرفه أو اشترى به ما لا يتعلق به الزكاة فحكمه واضح .
هذا كلّه حول الشرط الرابع.

1 . الوسائل: 1، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1 و 2.
2 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1و 5.
3 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1و 5.

صفحه 32
]الشرط[ الخامس: تمام التمكّن من التصرف، فلا تجب في المال الذي لا يتمكّن المالك من التصرف فيه بأن كان غائباً ولم يكن في يده، ولا في يد وكيله، ولا في المسروق والمغصوب، والمجحود والمدفون في مكان منسيّ، ولا في المرهون، ولا في الموقوف، ولا في المنذور التصدّق به. والمدار في التمكّن على العرف، ومع الشك يعمل بالحالة السابقة، ومع عدم العلم بها فالأحوط الإخراج.*
* جعل الماتن، الشرط الخامس تمام التمكّن من التصرف ـ والمراد التمكّن طول السنة لا خصوص آخرالحول، لأنّ التمكّن منه فيه شرط لوجوب الأداء ـ ثمّ إنّه رتّب عليه موارد سبعة يكون عدم التمكّن في أربعة منها، تكوينياً، كالغائب الذي لم يكن المال في يده، ولا في يد وكيله، والمسروق والمجحود (بالدال المهملة) غصباً أو اشتباهاً، والمدفون في مكان منسي; وفي ثلاثة منها، يكون عدم التمكّن تشريعياً: كالعين المرهونة إذا جعلها المرتهن بعد الرهن عند الراهن، والموقوفة ـ بناء على أنّ العين الموقوفة ملك للموقوف عليهم ـ ومنذور التصدّق من النقدين أو الأنعام . فلو رهن أثناء السنة أو وقف أو نذر كذلك لا تجب الزكاة لعدم التمكّن شرعاً من التصرف وإن كان متمكناً خارجاً.
فلو صحّ كون الموضوع هو عدم التمكّن تكويناً أو تشريعاً، كان لما ذكر وجه، وإلاّ فلو كان الموضوع عدم التمكّن من التصرّف تكويناً كما إذا كان خارجاً عن يده وسلطته كما في الموارد الأربعة، فيختص عدم الوجوب بها، وأمّا الموارد الثلاثة فيبحث فيها على ضوء القواعد.
فيجب علينا دراسة كلمات العلماء أوّلاً، ولسان الروايات ثانياً.

صفحه 33

أمّا كلمات العلماء

1. قال الشيخ: من كان له مال دراهم أو دنانير فغُصبت أو سرقت أو جحدت، أو غرقت أو دفنها في موضع ثمّ نسيها وحال عليه الحول، فلا خلاف انّه لا يجب عليه الزكاة منها، لكن في وجوب الزكاة فيه خلاف فعندنا لا تجب فيه الزكاة ; وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وهو قول الشافعي في القديم; وقال في الجديد: تجب الزكاة فيه. وبه قال زفر.(1)
2. وقال في المقنعة: ولا زكاة على مال غائب عن صاحبه إذا عدم التمكّن من التصرف فيه والوصول إليه.(2)
3. وقال في النهاية: ولا زكاة على مال غائب إلاّ إذا كان صاحبه متمكّناً منه أيّ وقت شاء، فإن كان متمكّناً منه لزمته الزكاة... ومن ورث مالاً ولا يصل إليه إلاّبعد أن يحول عليه حول أو أحوال فليس عليه زكاة إلاّ أن يصل إليه ويحول عليه حول.(3)
4. وقال في المهذب: من ورث مالاً ، ولم يصل إليه ولا يتمكّن من التصرف فيه إلاّ بعد الحول لم يلزمه زكاته في ذلك الحول.(4)
5. وقال في الغنية: وأمّا شرائط وجوبها في الذهب والفضة: فالبلوغ، وكمال العقل، وبلوغ النصاب، والملك له، والتصرّف فيه بالقبض أو الإذن، وحؤول الحول عليه وهو كامل في الملك.(5)

1 . الخلاف: 2/30، كتاب الزكاة، المسألة 30.
2 . المقنعة: 239، باب زكاة الغائب.
3 . النهاية: 175، باب ما تجب فيه الزكاة.
4 . المهذب: 1/160، باب زكاة الذهب.
5 . الغنية: 2/118، الفصل الأوّل. نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

صفحه 34
6. وقال في السرائر: ولا زكاة على مال غائب إلاّ إذا كان متمكّناً منه أي وقت شاء بحيث متى مارامه قبضه، فإن كان متمكّناً منه لزمته الزكاة، وقد ورد في الروايات: إذا غاب عنه سنين ولم يكن متمكّناً منه فيها ثمّ حصل عنده يخرج منه زكاة سنة واحدة وذلك على طريق الاستحباب دون الفرض والإيجاب.(1)
7. وقال في إصباح الشيعة: ومن كان عنده نصاب فغصب منه أو غاب أو ضلّ ولا يتمكّن منه ثم عاد إليه في أثناء الحول استأنف به الحول غير معتد بما سبق.(2)
8. وقال في الشرائع: والتمكّن من التصرّف في النصاب معتبر في الأجناس كلّها.(3)
9. وقال في الجامع للشرائع: ومن خلّف ذهباً أو فضة نفقة لعياله وهو حاضر فعليه الزكاة، وإن كان غائباً بحيث لا يتمكّن منه فلا زكاة عليه.(4)
إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في كون الشرط هو التمكّن الخارجي ، مقابل العاجز عنه تكويناً، لا الممنوع شرعاً.
وبذلك يعلم أنّ ادّعاء الإجماع على عنوان مطلق التمكّن عقلاً أو شرعاً، غيرتام بعد ظهور كلمات القدماء في قسم واحد منه.
وأمّا النصوص، فهي لا تتجاوز عن هذا الحدّ، نذكر منها المهم:
1. صحيح العلاء بن رزين، عن سَدير بن حكم الصيرفي (الذي قد روى

1 . السرائر: 1/443، باب ما تجب فيه الزكاة.
2 . إصباح الشيعة: 114، الفصل الثالث.
3 . الجواهر: 15/ 48، قسم المتن.
4 . الجامع للشرائع: 124.

صفحه 35
الكشي في مدحه وقدحه روايات ، غير انّ في نقل الأجلاء عنه دلالة على وثاقته، حيث نقل عنه: ابن مسكان، وفضالة بن أيوب والحسن بن محبوب) قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول، ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن انّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ إنّه احتفر الموضع الذي في جوانبه كلّها، فوقع على المال بعينه كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه بسنة واحدة، لأنّه كان غائباً عنه وإن كان احتبسه».(1)
وما دلّ على تزكيته لسنة واحدة محمول على الاستحباب لما سيوافيك في المسألة الرابعة عشرة.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار قال سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الرجل يكون له الولد، فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو، ومات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: «يعزل حتى يجيء»، قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: «لا حتى يجيء» قلت : فإذا هو جاء أيزكّيه؟ قال: «لا حتى يحول عليه الحول في يده».
ورواها أيضاً يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)فهما رواية واحدة (2) تدلان على عدم وجوب التزكية مطلقاً حتى لسنة واحد فتكون قرينة على حمل الأوّل على الاستحباب.
3. صحيح رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلا يردّ (3) رأس المال كم يزكّيه؟ قال: «سنة

1 . الوسائل: 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1و3.
2 . الوسائل: 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1و3.
3 . أن يخسر في تجارته ولا يردّ رأس ا لمال.

صفحه 36
واحدة».(1) والذيل محمول على الاستحباب جمعاً بين ما دلّ على وجوب شيء وما دلّ من الزّكاة لسنة واحدة كما سيوافيك في المسألة الرابعة عشرة.
4. معتبرة (2) عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أخذ مال امرأته فلم تقدر عليه، أعليها زكاة؟ قال: «إنّما هو على الذي منعها».(3)
إنّ إيجاب الزكاة على الآخذ قرينة على أنّه أخذه قرضاً مع اجتماع سائر الشرائط.
5. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك».(4)
6. موثّقة عبد اللّه بن بكير عمن رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه؟ قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لسنة لعام واحد، فإن كان يدعه متعمّداً وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين».(5)
7. صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهما ثمّ يأخذهما متى يجب عليه الزكاة؟ قال: «إذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول، يزكّي».(6)
8. ما في «قرب الاسناد» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان أبي يقول: إنّما

1 . الوسائل: 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث4.
2 . السند لا غبار عليه وأمّا علي بن سندي فنقل الكشي عن نصر بن الصباح انّه وثقه وروى عنه محمد بن أحمد بن يحيى في نوادره ولم يستثنه ابن الوليد، له 84 رواية في الكتب الأربعة.
3 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5، 6، 7.
4 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5، 6، 7.
5 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5، 6، 7.
6 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

صفحه 37
الزكاة في الذهب إذا قرّ في يدك».(1)
9. موثّقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يشتري الوصيفة (2) يثبتها عنده لتزيد وهو يريد بيعها أعلى ثمنها زكاة ؟ قال: «لا حتى يبيعها»، قلت: فإن باعها أيزكّي ثمنها؟ قال: «لا، حتى يحول عليها الحول وهو في يده».(3)
10. ما دلّ على عدم الزكاة فيما تركه لأهله نفقة وغاب عنهم.(4)
هذا مجموع ما وقفنا عليه من الروايات وتجمعها المحاور التالية:
1. المال المدفون المجهول مكانه الحديث 1.
2. مال الوارث الغائب الحديث 2.
3. المال الغائب عن الإنسان، سائر الروايات.
والجميع ظاهر فيما إذا كان هناك بين المالك والمال، مانع خارجي يمنعه عن إعمال السلطة، وأين هو من المال الذي هو تحت يده لكن يمنعه عن التصرّف حكم الشرع، كما في مورد الرهن والوقف، ومنذور التصدّق؟!
فلو قلنا بفهم العرف عدم الخصوصية ولو بمناسبة الحكم والموضوع فهو، وإلاّ يختص عدم الوجوب بالعجز الخارجي، ولابدّ عندئذ من عرض ما لم يتمكّن من التصرّف لأجل المنع الشرعي، على سائر القواعد، فنقول:

1 . الوسائل: 6، الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 10.
2 . الوصيفة مؤنث الوصيف، وهو الغلام دون المراهق.
3 . الوسائل: 6، الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.
4 . الوسائل: 6، الباب 17 من أبوا ب زكاة النقدين.

صفحه 38

1. العين المرهونة

هل تتعلّق الزكاة بالعين المرهونة إذا حال الحول مطلقاً أو لا؟ أو يفصّل بين التمكّن من الفك وعدمه فتتعلق في الأوّل دون الثاني؟ فالكلّ محتمل .
قال الشيخ: ومتى رهن قبل أن تجب فيه الزكاة، ثمّ حال الحول وهو رهن وجبت الزكاة وإن كان رهناً. لأنّ ملكه حاصل ثمّ ينظر فيه، فإن كان للراهن مال سواه، كان إخراج الزكاة فيه; وإن كان معسراً ، فقد تعلّق بالمال حق المساكين يؤخذ منه، لأنّ حقّ المرتهن في الذمّة بدلالة انّه إن هلك المال، رجع على الراهن بماله ثمّ يليه حقّ الرهن الذي هو رهن به.(1) وهو صريح في وجوب تعلّقها مطلقاً، لكن قوله: بأنّ حق المرتهن في الذمة، غير تام بل حقّه محصور في العين المرهونة مادام موجوداً، نعم لو هلك يرجع إلى ذمة الراهن لا أنّ حقه من أوّل الأمر على ذمة الراهن.
ولكنّه (قدس سره)أفتى في «الخلاف» بعدم التعلّق مطلقاً قال: إذا كان له ألف فاستقرض ألفاً غيرها، ورهن هذه عند المقرض، فإنّه يلزمه زكاة الألف التي في يده إذا حال عليه الحول دون الألف التي هي رهن.(2)
والظاهر عدم تعلّقها لما عرفت في الشرط من انصراف الأدلّة إلى الملكية التامة، وهي في المقام ناقصة، لتعلّق حقّ الغير به على نحو لو لم يف دينه فللمرتهن بيعه واستيفاء حقّه، وقد قلنا فيما سبق من أنّ قيد التمامية في عبارة الشرائع، ناظر إلى إخراج العين المرهونة وإن أبيت فالأحوط التفصيل بين التمكّن من الفك وغيره.

1 . المبسوط: 1/208.
2 . الخلاف: 2/110، كتاب الزكاة، المسألة129.

صفحه 39

2. العين الموقوفة

هل العين الموقوفة ملك للّه سبحانه أو للواقف، أو للموقوف عليهم، أو ليس ملكاً بل فكّ ملك؟
لا سبيل إلى الأوّل، لأنّه إن أُريد منه القسم التكويني، فليس هذا من خصوصيات الوقف، فهو سبحانه مالك الملك والملكوت بما انّه خالق لما سواه. وكون الوقف للّه، بمعنى كون الغاية منه التقرّب إلى اللّه سبحانه لا أنّه ملك للّه تعالى.
ومثله الثاني، لأنّ الغاية من الوقف، إخراج العين الموقوفة عن سلطانه وحوزة سلطنته، فكيف تبقى على ملكه، ثمّ إنّه كيف يملك وهو رميم في التراب، ليس منه عين ولا أثر مع بقاء العين الموقوفة عبر القرون؟!
ويليه في الضعف، الرابع، لأنّ لازمه جواز استيلاء كلّ فرد عليها، من غير فرق بين الموقوف عليه وغيره. فتعيّن الثالث، وهو الذي اختاره المحقّق في «الشرائع» حيث قال: الوقف ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، لأنّ فائدة الملك موجودة فيه، والمنع من البيع لا ينافيه كما في أُم الولد وقد يصح بيعه على وجه.(1)
وعلى ذلك فلو تعلّقت الزكاة بنفس الرقبة الموقوفة، كما إذا وقف على أولاده أربعين شاة للانتفاع بنمائها، فلا تتعلّق به الزكاة، لأنّ الغاية من الوقف هو ما جاء في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم): «حبس الأصل وسبل الثمرة» والتحبيس ينافي التصرّف فيه.
وأمّا إذا تعلّقت بنمائها، كما إذا وقف بستاناً مع نخيلاتها فلا وجه لعدم تعلّقها إذا بلغ نصاب كلّ واحد من الموقوف عليهم حدّ النصاب، وقد صرّح بما

1 . الشرائع: 2/450، كتاب الوقف، النظر الثالث.

صفحه 40
ذكرناه الشيخ في «المبسوط» في الأنعام والغلاّت فقال: وإن وقف على إنسان أربعين شاة وحال عليها الحول لا تجب فيه الزكاة، لأنّها غير مملوكة والزكاة تتبع الملك فإن ولدت وحال على الأولاد الحول وكانت نصاباً وجب فيها الزكاة إذا كان الواقف شرط انّ جميع ما يكون منها للموقوف عليه; وإن ذكر انّ الغنم وما يتوالد منها وقف فانّما لهم منافعها من اللبن والصوف، لا تجب عليهم الزكاة، لما قلنا من عدم الملك.(1)
وقال ـ قبل ذلك ـ : إذا كان وقف على إنسان واحد أو جماعة ضيعة فدخل منها الغلّة وبلغت نصاباً، فإن كان لواحد (وبلغ النصاب) تجب فيه الزكاة، وإن كان لجماعة وبلغ نصيب كلّ واحد النصاب كان عليهم الزكاة ـ إلى أن قال: ـ وإنّما أوجبنا الزكاة لأنّهم يملكون الغلّة وإن كان الوقف غير مملوك.(2) وسيأتي الكلام من المصنّف في الوقف في المسألة الثامنة.

3. منذور التصدّق

سيأتي البحث عنه في المسألة الثانية عشرة.
ثمّ إنّ المدار في التمكّن هو العرف، لأنّه المخاطب إنّما الكلام إذا شكّ فيه فهل يصحّ التمسّك عند الشكّ بإطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة أو لا؟ وعلى فرض عدم الصحة فما هو المرجع؟
فنقول: قد ظهر ممّا ذكرنا انّ الموضوع للتعلّق وعدمه هو التمكّن من إعمال

1 . المبسوط: 1/205، والأولى أن يقول بعدم تمامية الملك.
2 . المبسوط: 1/205.

صفحه 41
السلطة والتصرّف في المال وعدمه دون الغيبة والحضور، وذلك لأنّه ربما يكون غائباً ولكن يتعلّق بماله الزكاة، كما إذا أمكن إعمال السلطة عن طريق الهاتف وغيره، وربّما يكون المال حاضراً في يده ولكن يعجز عن التصرّف في ماله خوفاً من الظالم، فيكون التمكّن وعدمه ملاكاً للحكم.
وعلى ذلك فلو شكّ في التمكّن وعدمه فهل المرجع إطلاقات أدلّة الزكاة أو الأُصول العملية؟ الأقوى هو الثاني، وذلك لأنّ الشبهة شبهة موضوعية وفيها لا يصح التمسك لا بالمخصِّص ولا بالمقيِّد، ولا بالعام والإطلاق.
أمّا عدم جواز التمسّك بالمخصص والمقيِّد، أعني: عدم وجوب الزكاة في المال الذي لا يتمكّن المالك من التصرّف فيه، فلأنّ المورد يكون شبهة مصداقية للدليل ولا يتمسّك به في مورد الشكّ، فلو شككنا انّ زيداً العالم عادل أو فاسق لا يمكن التمسك بالمخصص : لا تكرم العالم الفاسق.
وأمّا عدم جواز التمسّك بإطلاقات أدلّة الزكاة وعموماتها، فلما قرّر في محلّه من أنّ المخصّص إذا كان منفصلاً وإن كان لا يزاحم ظهور عموم العام لكنّه يزاحم حجّية عموم العموم في مورد عنوانه، فيسقط عموم العام عن الحجية في المقام فتكون النتيجة في مورد البحث هي سقوط العام والمخصص عن الحجّية.
وإن شئت قلت: الموضوع لوجوب الزكاة مركّب من عنوانين: المال الزكوي، المتمكن منه.
والقيد الأوّل وإن كان محرزاً لافتراض انّ المال زكوي، لكن القيد الثاني غير محرز، فلا مناص من الرجوع إلى الأُصول العملية، فلو كانت للمال حالة سابقة يعمل بها، لتقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول وإلاّ فالمرجع هو البراءة.

صفحه 42
السادس: النصاب كما سيأتي تفصيله.*
وبذلك يعلم أنّه مع عدم العلم بالحالة السابقة فالأولى الإخراج لا انّه الأحوط كما في المتن.
هذا وللمسألة ذيل يأتي في المسألة التاسعة، فانتظر.

اعتبار النصاب

* النصاب هو القدر المعتبر في تعلّق الزكاة، وفسّر في اللغة بالأصل، والمرجع ، أوّل كلّ شيء، مقبض السكين(1)، ويظهر من المنجد انّه كلمة دخيلة والظاهر انّه من النصب بمعنى العلامة، وكأنّ وصول الشيء للمقدار المعلوم علامة تعلّقها به، ثمّ إنّ شرطيّة النصاب من ضروريات الفقه وفي «الجواهر» إجماعاً بل ضرورة المذهب إن لم يكن الدين.(2) وفي الأخير تأمل واضح.

1 . المصباح المنير: مادة «نصب».
2 . الجواهر: 15/76.

صفحه 43
المسألة 1: يستحبّ للوليّ الشرعيّ إخراج الزكاة في غلاّت غير البالغ ـ يتيماً كان أو لا، ذكراً كان أو أُنثى ـ دون النقدين، وفي استحباب إخراجها من مواشيه إشكال، والأحوط الترك.
نعم إذا اتّجر الوليّ بماله يستحبّ إخراج زكاته أيضاً.
ولا يدخل الحمل في غير البالغ، فلا يستحب إخراج زكاة غلاّته ومال تجارته.
والمتولّي لإخراج الزكاة هو الوليّ ومع غيبته يتولاه الحاكم الشرعي ولو تعدّد الوليّ جاز لكل منهم ذلك، ومن سبق نفذ عمله. ولو تشاحّوا في الإخراج وعدمه قدّم من يريد الإخراج. ولو لم يؤدّ الوليّ إلى أن بلغ المولّى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة إليه.*
* في المسألة فروع:

الأوّل: استحباب إخراج الزكاة من غلات غير البالغ

أفتى الماتن تبعاً لغيره باستحباب إخراج الزكاة من غلات غير البالغ دون النقدين ولكن في إخراجها من مواشيه إشكال. قد تقدّم الكلام في ذلك عند البحث في الشرط الأوّل، أعني: البلوغ وانّ الشيخين وأبا الصلاح وابن البراج أوجبوا الزكاة في غلات غير البالغ ومواشيه دون النقدين.
أمّا النقدان فلم يقل بوجوب الزكاة فيهما أحد منّا، ولم يرد به نص; وأمّا الآخران، فقد ورد النصّ في الغلات، دون المواشي، وإلحاق الثاني بالأوّل لا يخلو من إشكال.

صفحه 44
وأمّا الغلات، ففي صحيح زرارة ومحمد بن مسلم ـ على نقل الشيخ ـ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليه السلام)«فأمّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة».(1)
نعم ربّما ينافيه صحيح أبي بصير: «وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة».(2)
وقد اختلفت كلمتهم في علاج التعارض إلى وجوه:
1. الجمع الدلالي: وانّ المراد من قوله: «واجبة» هو «ثابتة» وهي أعمّ من الوجوب والاستحباب ، وحمل الرواية الثانية على نفي الوجوب فلا تعارض بينهما. وقد اختار هذا كلّ من قال باستحباب الإخراج.
2. حمل صحيحة زرارة على التقية، لما عرفت من اتّفاقهم على وجوبها في أمواله إلاّ أبا حنيفة، وهو خيرة صاحب الوسائل.
يلاحظ عليه: أوّلا: بأنّ الرجوع إلى المرجّحات فرع عدم إمكان الجمع العرفي، وإلاّفيقدم الجمع على الطرح لأجل التقية، وعليه جرى الأصحاب.
وثانياً: انّ التفصيل بين الغلات وغيرها ليس مذهب أحد من العامّة وقد عرفت مذاهبهم عند البحث في شرطية البلوغ.
3. انّ الحديثين من أقسام المتعارضين، وذلك لأنّ صحيح زرارة تضمن ثبوت الزكاة في غلات اليتيم، وصحيح أبي بصير يدلّ على عدم ثبوتها فيها حيث يقول: «ليس على غلاته زكاة» فيكونان من قبيل المتعارضين، فإن أمكن الترجيح بواحد من المرجحات، وإلاّفيتعارضان ويتساقطان فيرجع إلى إطلاقات الباب، أعني: «ليس على مال اليتيم زكاة» وبذلك يشكل إثبات استحباب الإخراج.

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2و11.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2و11.

صفحه 45
وهناك وجه رابع وهو انّ الإمام (عليه السلام)في صحيح زرارة ليس بصدد بيان الحكم الشرعي، بل بصدد بيان ما كان يسود في أعصارهم حيث إنّ الحكام كانوا يطلبون الزكاة من أصحاب الأموال، التي كانت بمرأى ومسمع منهم، أعني: الغلات والمواشي، دون النقدين لإمكان إخفائهما، ففي هذه الظروف قال (عليه السلام): «ليس على مال اليتيم من الدين والمال الصامت شيء، فأمّا الغلات فعليها الصدقة» ثابتة مطلقاً رضي صاحب المال أم لا.
فتكون النتيجة عدم استحباب الإخراج مطلقاً على الوجوه الثلاثة الأخيرة، وعلى فرض ثبوته، فالحكم بالاستحباب بملاك الطفل وبما انّه غير مكلّف خوطب الولي بالإخراج وأُسند الاستحباب إليه. وسيأتي الكلام في أنّه إذا لم يؤدّ الولي فيؤدّيه إذا بلغ، وما هذا إلاّ لأنّه المخاطب حقيقة.
ثمّ إنّ الوارد في لسان الروايات هو اليتيم، لكن لا خصوصية لليتيم، بل الموضوع غير البالغ وإن لم يكن يتيماً، ويشهد على ذلك صحيحة يونس بن يعقوب الماضية.(1)

الثاني: إذا اتّجر الولي بمال اليتيم

وللفرع صور:
1. إذا اتّجر بمال اليتيم له وكان الاتّجار سائغاً.
2. إذا اتّجر بمال اليتيم لنفسه كما إذا استقرض الولي من ماله وكان جائزاً لكونه مليّاً.

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

صفحه 46
3. إذا اتّجر بمال اليتيم وكان الاتّجار غير سائغ وكان الاتّجار لليتيم.
4. تلك الصورة وكان الاتّجار لنفسه.
أمّا الصورة الأُولى، فالقول باستحباب الإخراج هو المشهور والقول بالوجوب قول نادر، وعليه الشيخ المفيد في مقنعته قال: لا زكاة عند آل الرسول (عليهم السلام)في صامت أموال الأطفال والمجانين من الدراهم والدنانير إلاّ أن يتّجر الولي لهم أو القيّم عليهم بها، فإن اتّجر بها وحرّكها وجب عليه إخراج الزكاة منها.(1)
ولمّا كان القول بالوجوب بعيداً قال الشيخ في شرحه على المقنعة: مراد الشيخ المفيد(رحمه الله)بالوجوب هنا الاستحباب دون الفرض الذي يستحقّ بتركه العقاب.(2)
وجه البعد انّه إذا كان إخراج الزكاة للبالغ في مورد التجارة أمراً مندوباً، فمن البعيد أن يكون إخراجه لغير البالغ واجباً.
نعم يمكن أن يقال انّ الشيخ اعتمد في الإفتاء بالوجوب على روايات الباب الظاهرة في الوجوب كصحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا، إلاّ أن يتّجر به ويعمل به».(3)
وخبر محمد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن صبية صغار، لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال: «لا يجب في

1 . المقنعة: 238.
2 . تهذيب الأحكام: 4/27 في ذيل الحديث 64.
3 . وسائل الشيعة: 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

صفحه 47
مالهم زكاة حتى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزكاة، فأمّا إذا كان موقوفاً فلا زكاة عليه».(1)
ووصفه بالخبر لأجل محمد بن الفضيل، لتردّده بين محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي الذي ضعّفه الشيخ ولم يوثّقة النجاشي، وبين محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة، قال النجاشي: ثقة هو وأبوه وعمه العلا وجدّه الفضيل، روى عن الرضا (عليه السلام)له كتاب.
وظهور هذه الروايات محمولة على الاستحباب المؤكّد لإعراض المشهور عن ظهوره على أنّه لو كان الإخراج واجباً لاشتهر وبان.
وأمّا الصورة الثانية: إذا اتّجر الولي بمال اليتيم لكن لنفسه لا لليتيم بأن استقرض ماله وكان الاستقراض جائزاً أو ذات مصلحة، فالزكاة على المقترض لكون التجارة له.
ويدلّ عليه صحيح أبي العطارد الحنّاط، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «مال اليتيم يكون عندي فأتّجر به؟ فقال: «إذا حرّكته فعليك زكاته»، قال: قلت: فإنّي أُحرّكه ثمانية أشهر وأَدعه أربعة أشهر، قال: «عليك زكاته».(2)
فبما انّ الزكاة على التاجر يعرب عن اتجاره لنفسه تجارة سائغة كالاستقراض من مال اليتيم وإلاّفلو كانت التجارة غير سائغة لما وجبت الزكاة على التاجر.
قال الأردبيلي: يجوز للوليّ تملّك المال بالقرض ونحوه إذا كان ملياً والتجارة به وكان الربح له والزكاة عليه ومال الطفل عليه.

1 . وسائل الشيعة: 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.
2 . وسائل الشيعة: 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.

صفحه 48
وقالوا: إنّما يشترط الملاءة ـ يعني وجود المال للولي بقدر ما أخذ من مال الطفل ـ بعد مستثنيات الدين حتى قوت اليوم والليلة إذا لم يكن أباً ولا جدّاً (بأن كان وصياً من قبلهما أو قبل أحدهما) .(1)
ويدل على شرطية الملاءة في صحّة الاستقراض معتبر منصور الصيقل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: فقال: «إذا كان عندك مال وضمنته فلك الرّبح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال».(2)
والحديث يدلّ على اشتراط الملاءة في صحة الاستقراض، ولذلك لو عمل به وليس له مال فالربح للغلام والتاجر ضامن .
الصورة الثالثة: إذا اتّـجر بمال اليتيم له وكان الاتّجار غير سائغ لعدم كونه ولياً فربح، فتكون التجارة فضولية تحتاج إلى إجازة الولي، فلو أجاز لما فيه مصلحة اليتيم يكون الربح لليتيم والزكاة عليه.
ويدلّ عليه صحيح زرارة وبكير، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «ليس على مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به ، فإن اتّجر به ففيه الزكاة، والربح لليتيم، وعلى التاجر ضمان المال».(3)
فالحكم بكون الربح لليتيم والزكاة عليه، مع ضمان التاجر محمول على كون التجارة غير سائغة، وإلاّ فلا وجه للضمان.
ثمّ إنّ الظاهر من المحقّق الخوئي عدم الحاجة إلى إجازة الولي، لصدورها

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/13 ثمّ استشكل في اشتراط الملاءة بأنّه غير مفيد في موارد.
2 . وسائل الشيعة: 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7، 8.
3 . وسائل الشيعة: 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7، 8.

صفحه 49
من الولي الأصلي وهو الشارع بمقتضى الروايات الواردة في المقام المتضمنة انّ الربح لليتيم والخسران على المتّجِرَ الذي تدلّ بالالتزام على صحّة المعاملة المساوقة لحصول الإجازة كما لا يخفى فتشمله حينئذ إطلاقات استحباب الزكاة في مال اليتيم.
ولكنّه مبني على كون الحديث بصدد بيان تلك الناحية أيضاً وإلاّ فسكوت الحديث عن شرطية إجازة الولي لا يدلّ على عدمها.
قال المحقّق الأردبيلي: ولو لم يكن ولياً واتّجر بعين مال الطفل، فالظاهر انّها باطلة أو موقوفة على إذن الولي أو الطفل بعد صلاحيته لذلك لو جاز الفضولي فيه، ويكون ضامناً، ولا زكاة على أحد.(1)
الصورة الرابعة: إذا اتّجر بمال اليتيم لنفسه مع كون التجارة غير سائغة فلا شكّ انّ التجارة فضولية ووقوعها لليتيم بحاجة إلى إجازة الولي، فحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة فالربح لليتيم والزكاة عليه، والضمان على التاجر، ولا يمكن أن يحكم مضافاً إلى الضمان بإخراج الزكاة; كيف وفي موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتّجر به، أيضمنه؟ قال: «نعم»، قلت: فعليه زكاة؟ فقال: «لا، لعمري، لا أجمع عليه خصلتين: الضمان والزكاة».(2)
ثمّ إنّ ما ذكرنا من الأحكام فيما إذا اتّجر بمال اليتيم بأن جعل الثمن نفس مال اليتيم; وأمّا إذا اتّجر بثمن في الذمة ثمّ دفع في مقام أداء الدين مال اليتيم، فتقع المعاملة للتاجر ويكون الربح له والزكاة عليه ويصير ضامناً لمال اليتيم.

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/15.
2 . وسائل الشيعة: 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

صفحه 50
وما ذكرنا من التفصيل خاص بالصورة الرابعة، وأمّا الصورة الثالثة فبما انّه اتّجر لليتيم فلا يتفاوت كون الثمن شخصياً أو في الذمة.
وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الأردبيلي بقوله: ولو اتّجر لنفسه في الذمّة يكون الربح له وعليه الزكاة ويكون ضامناً لمال اليتيم.(1)
إلى هنا تمّ حكم الصور الأربع وربّما نسب إلى الأردبيلي نفي الاستحباب في الصورتين الأخيرتين، قائلاً: بأنّ المتيقّن أو الظاهر من الأدلّة أن تكون التجارة بمال اليتيم لليتيم نفسه، وأمّا إذا لم تكن له وإن رجعت النتيجة إليه فأدلّة الاستحباب منصرفة عنه، فإذاً إخراج الزكاة يحتاج إلى الدليل ولا دليل على الاستحباب.(2)
وقد أشار إليه الأردبيلي في كلامه السابق.
ولكن الظاهر بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو تعلّق الزكاة بالربح المتعلق باليتيم بعقد صحيح حدوثاً أو بقاءً.

الثالث: عدم دخول الحمل في موضوع الحكم

هل الحمل محكوم بنفس الحكم الموجود في غير البالغ؟ قال المصنّف بعدم دخوله ولا يستحب إخراج زكاة غلاته ومال تجارته.
والدليل هو انصراف العنوان عنه فإنّ العناوين الواردة لا تتجاوز عن عنوان اليتيم ، صبية صغار، وهما لا يصلحان للحمل، فالمرجع هو أصل البراءة.

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/15.
2 . مستند العروة الوثقى: 9/65.

صفحه 51
المسألة2: يستحبّ للوليّ الشرعيّ إخراج زكاة مال التجارة للمجنون

الرابع: المتولّي لإخراج الزكاة

إنّ المتولي لإخراج الزكاة في مال اليتيم هو الولي كما هو المتولّي لسائر أعماله، ومع غيبته فالحاكم الشرعي. وفي «مجمع الفائدة» انّ المتولّي للإخراج هو الولي، وعلى تقدير عدم حضوره يمكن التوقّف حتى يوجد أو يبلغ فيقضي، ويحتمل جواز الأخذ لآحاد العدول والمستحقين.(1)
ولا يخفى تقدّم الرجوع إلى الحاكم الشرعي على الرجوع إلى آحاد العدول. ولو تعدّد الولي جاز لكلّ واحد منهم ذلك، كما في الجدّ والأب، نظير ذلك نكاح الجد والأب فينفذ المتقدّم منهما .
ولو تشاحّوا في الإخراج وعدمه، ليس للآخر أن يمنع المخرج.

الخامس: إذا لم يؤدّ الولي

إذا لم يؤدّ الولي إلى أن بلغ المولّى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة إليه. وذلك لأنّ المحكوم بأداء الزكاة واقعاً هو الطفل، وبما انّه لا يمكن له القيام بالمباشرة يقوم الولي بالعمل من جانبه، فعدم تأدية الولي لا يوجب سقوط الحكم الشرعي كما هو واضح.

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/12.

صفحه 52
دون غيره، من النقدين كان أو من غيرهما.*
* يقع الكلام في المجنون في موردين:
1. تعلّق الزكاة بغلاته ومواشيه دون النقدين إذا كانتا صامتين، لماعرفت من ثبوته في الصبي، لاشتراكهما في كثير من الأحكام.
يلاحظ عليه أوّلاً: عدم ثبوتها في المقيس عليه، فإنّ ما يدلّ على الثبوت كصحيح زرارة، معارض بصحيح أبي بصير الدالّ على عدم الثبوت، وعندئذ يسقطان ويرجع إلى البراءة. وقد تقدّم الكلام في الجمع بين الروايتين.
وثانياً: لو ثبت في المقيس عليه فلا دليل على ثبوتها في المقيس إلاّالقياس المردود.
2. تعلّق الزكاة بتجارة المجنون كالصبي وهو ثابت، وقد عقد صاحب الوسائل لذلك باب ذكر فيه روايتين:
صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة أعليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، وإن لم يعمل به فلا».(1)
وخبر (2) موسى بن بكر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: «إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(3)
ثمّ إنّ ظاهر الحديثين، هو الوجوب نظير ما مرّ من الصبي، لكن يحمل على

1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.
2 . لوقوع محمد بن الفضيل في سنده، وهو مختلف فيه.
3 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

صفحه 53
المسألة3: الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه في أثناء الحول، وكذا السكران. فالإغماء والسكر لا يقطعان الحول فيما يعتبر فيه، ولا ينافيان الوجوب إذا عرضا حال التعلّق في الغلات.*
الاستحباب للإجماع أوّلاً، وبُعد كونه واجباً على المجنون، ومستحبّاً على البالغ. والظاهر انّ الزكاة تتعلّق بماله وأمّا خطاب الولي بالأداء، فلأنّه الفرد الصالح للتصرّف في أمواله، فإذا لم يؤدّ، يستحبّ للمجنون عندما أفاق، أداؤها.
* لا خلاف في وجوب الزكاة على النائم والسكران، فلا يلحقان بالمجنون، إنّما الكلام في المغمى عليه والأدلّة من الجانبين غير مقنعة.
استدلّ العلاّمة على عدم التعلّق بأنّه تكليف وليس المغمى عليه من أهله.(1)
يلاحظ عليه: إن أراد من التكليف، الحكم التكليفي الذي يعبّر عنه بخطاب التكليف، فهو أمر مشترك بين النائم والساهي والسكران، والمغمى عليه، وإن أراد الحكم الوضعي فليس الإغماء، كالنوم مانعاً عن تعلّقها بماله كما هو مفهوم الوضع.
ويمكن الاستدلال أيضاً بما رواه موسى بن بكر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يُغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة، أو أكثر من ذلك؟ قال: «ألا أُخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء، كلّ ما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أولى بالعذر».(2)

1 . التذكرة: 5/16.
2 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 8.

صفحه 54
المسألة 4: كما لاتجب الزكاة على العبد كذا لاتجب على سيّده فيما ملكه على المختار من كونه مالكاً. وأمّا على القول بعدم ملكه فيجب عليه مع التمكّن العرفيّ من التصرّف فيه.*
يلاحظ عليه: أنّ المتيقن منه ما إذا استغرق العذر تمام الوقت المكلَّف فيه بأداء الواجب، كما إذا أُغمي عليه حين التعلّق وبقى على تلك الحالة حتى مات، وأمّا إذا أفاق بينهما، فيجب الأداء كما إذا أفاق قبل الغروب، فتجب الصلاة عليه، هذا كلّه في الغلات، وأمّا ما اعتبر فيه العام كالنقدين والمواشي فالقدر المتيقن من كونه مانعاً أن يكون مغمى عليه تمام العام، لا بعضه.
وربما يستدلّ على التعلّق تارة بإطلاق قوله: «فيما سقته السماء العشر».
يلاحظ عليه: أنّه بصدد بيان ما يجب، وليس بصدد بيان من يجب عليه الأداء حتى يتمسّك بإطلاقه.
وأُخرى بوجود الفرق بين المغمى عليه والمجنون، بأنّ الثاني من قبيل فقد المقتضي والملاك، بخلاف الأوّل فالملاك فيه موجود، فإذا ارتفع المانع يخاطب بالأداء.
يلاحظ عليه: أنّه رجم بالغيب، فمن أين نعلم بوجود المقتضي فيه دون المجنون؟!
وبذلك ظهر انّ الأدلّة من الطرفين غير مقنعة، فالمرجع هو الأصل، أعني: البراءة.
* عدم الابتلاء بالمسألة أغنانا عن إفاضة القول فيها.

صفحه 55
المسألة 5: لو شكّ حين البلوغ في مجيء وقت التعلّق ـ من صدق الاسم وعدمه ـ أو علم تاريخ البلوغ وشكّ في سبق زمان التعلّق وتأخّره، ففي وجوب الإخراج إشكال، لأنّ أصالة التأخّر لا تثبت البلوغ حال التعلّق، ولكنّ الأحوط الإخراج.
وأمّا إذا شكّ حين التعلّق في البلوغ وعدمه، أو علم زمان التعلّق وشكّ في سبق البلوغ وتأخّره أو جهل التاريخين فالأصل عدم الوجوب .
وأمّا مع الشكّ في العقل فإن كان مسبوقاً بالجنون وكان الشك في حدوث العقل قبل التعلّق أو بعده فالحال كما ذكرنا في البلوغ من التفصيل.
وإن كان مسبوقاً بالعقل فمع العلم بزمان التعلّق والشكّ في زمان حدوث الجنون فالظاهر الوجوب، ومع العلم بزمان حدوث الجنون والشكّ في سبق التعلّق وتأخّره فالأصل عدم الوجوب .
وكذا مع الجهل بالتاريخين.
كما أنّ مع الجهل بالحالة السابقة وأنّـها الجنون أو العقل كذلك.*
* وقبل الخوض في تفاصيل المسألة نذكر صورها بصورة موجزة، وأساس التقسيم هو انّ الشكّ تارة يتعلّق بوجود الشيء عند العلم بالحادث الآخر، وأُخرى بسبقه عليه أو تأخره عنه.
1. إذا علم بالبلوغ، وشكّ في هذه الحالة، في انعقاد الحبة وعدمه الذي يعبّر عنه بالشكّ في التعلّق، وفي هذا القسم تعلّق الشكّ بأصل وجود الحادث.
2. إذا علم بالبلوغ وتاريخه، وشكّ في سبق انعقاد الحبة عليه، أو تأخّره عنه.

صفحه 56
وفي هذين القسمين، علم وجود البلوغ وتاريخه، وجهل الآخر، أعني: التعلّق، وجوداً أو تقدّماً وتأخّراً.
ولو انعكس الأمر، بأن علم انعقاد الحبة (التعلّق) وشك في وجود البلوغ حين التعلّق أو تقدّمه أو تأخّره، فيتولّد قسمان آخران، أعني:
3. لو علم بالتعلّق، وفي هذه الحالة شك في أصل البلوغ وتحقّقه.
4. لو علم بالتعلّق وتاريخه، وشكّ في تقدم البلوغ عليه أو تأخّره عنه.
5. إذا جهل تاريخ كلا الحادثتين.
هذه صور خمس، تحصل من مقارنة البلوغ الذي هو أحد الشرائط العامة، مع التعلّق الذي هو عبارة عن انعقاد الحبة في مورد الغلات .
ولك أن تلاحظ العقل الذي هو أيضاً من الشرائط العامة، مع التعلّق غير انّ البلوغ إذا شكّ فيه يكون مسبوقاً بالعدم; بخلاف العقل، فتارة يشك فيه عند التعلّق ويكون مسبوقاً بالجنون، وأُخرى يشك فيه عند التعلّق ويكون مسبوقاً بالعقل، وثالثة تجهل الحالة السابقة عند التعلّق وانّها الجنون أو العقل. وإليك البيان:
6. إذا كان مسبوقاً بالجنون وشكّ في طروء العقل حين العلم بالتعلّق . ومثله ما إذا شك في تقدّمه على التعلّق وتأخّره عنه. ولأجل وضوح حالهما وحكمهما جعلنا الشك في الوجود والسبق صورة واحدة.
7. وإن كان مسبوقاً بالعقل: فتارة يكون طروء الجنون مجهول التاريخ، والتعلّق معلومه، وأُخرى على العكس. ففي الأوّل يكون المورد، مجرى لاستصحاب العقل، وفي الآخر مجرى لاستصحاب عدم التعلّق، وتختلف النتيجة بالوجوب في الأوّل وعدمه في الثاني.

صفحه 57
8. يكون مسبوقاً بالعقل، ولكن يكون طروء الجنون والتعلّق مجهول التاريخ.
9. يعلم بطروء الحالتين، مع الجهل بالحالة السابقة وانّها الجنون أو لا.
فناهزت الصور حسب ما ذكره المصنّف إلى تسع، وإليك تفاصيلها:
الصورة الأُولى : أعني: إذا شكّ ـ حين العلم بالبلوغ ـ في انعقاد الحبة، أو في: احمرار التمر أو اصفراره.
أمّا البلوغ فبما انّه معلوم التاريخ لا يجري الأصل فيه، لأنّ الاستصحاب عبارة عن إطالة عمر المتيقن في عمود الزمان، وبما انّه معلوم التاريخ وانّه حدث يوم الخميس، لا سترة في الواقع حتى يزيله الأصل. وتصور انّه بالقياس إلى الحادث الآخر من حيث التقدّم والتأخّر عنه، مشكوك فيه بالوجدان، غير مفيد إذ ليس كلّ شك موضوعاً لحفظ اليقين وعدم نقضه. بل الشكّ الذي يحوم حول الشيء ويجعله مغموراً ومخفياً في نظر الإنسان من حيث قصر عمره أو طوله، والمفروض انّ معلوم التاريخ ليس فيه أي خفاء وكونه بالقياس إلى الحادث الآخر مشكوكاً فيه، لا يُضفي للشيء بالذات، خفاءً وستراً حتى يزيله الاستصحاب.
والحاصل انّ الاستصحاب شُرّع لأجل رفع الابهام عن واقع الشيء، والمعلوم تاريخه لا إبهام فيه في واقع وجوده.
فالمجرى للاستصحاب هو مجهول التاريخ، أعني : انعقاد الحبة الذي نعبّر عنه بالتعلّق على ذلك فلو قلنا بحجيّة أصل خاص باسم «أصالة تأخّر الحادث» برأسه من دون إرجاعه إلى أُصول أُخرى، يجب إخراج الزكاة لثبوت الموضوع، أعني: كون التعلّق بعد البلوغ، لكن المحقّقين من عصر الشيخ الأعظم (قدس سره) رفضوا

صفحه 58
هذا الأصل وانّه ليس عليه دليل، فينحصر الأصل في الاستصحاب وهو عدم حدوث التعلّق إلى وقت البلوغ، فلو كان له أثر يترتب عليه وإلاّفهو لا يثبت كون التعلّق بعد البلوغ أو حينه خلافاً للماتن كما مرّ، فإذا كان الأصل مثبتاً، يكون المرجع البراءة وإنّما احتاط الماتن خروجاً عن شبهة حجّية أصالة تأخر الحادث.
الصورة الثانية: إذا علم وقت البلوغ وشكّ في تقدّم التعلّق عليه أو تأخّره عنه فالكلام فيها نفس الكلام في الصورة الأُولى، فالماتن احتاط فيها أيضاً لأجل الخروج عن شبهة حجّية أصالة تأخّر الحادث، ولكن الحقّ عدم حجّيته; وأمّا الأصل الآخر، فقد عرفت أنّه لا يثبت التقارن ولا التأخّر.
الصورة الثالثة: عكس الصورة الأُولى، يشك ـ حين العلم بالتعلّق ـ في البلوغ وعدمه ، وقد أفتى الماتن بعدم الوجوب جازماً، وذلك لأنّه لا موجب للاحتياط على كلّ تقدير، إذ لو قلنا بحجية أصالة تأخّر الحادث، فلازمه، تأخّر البلوغ من التعلّق ويكون دليلاً على عدم الوجوب، خلافاً للصورتين الماضيتين، والمفروض انّ الشرط تقدّمه عليه، أو تقارنهما.
وأمّا الأصل الآخر، وهو أصالة عدم حدوث البلوغ إلى وقت التعلّق، فيكفي في نفي موضوع الوجوب، ومعه لا حاجة إلى التمسّك بالأصل الحكمي، أعني: أصالة عدم الوجوب ـ كما في المتن وبالجملةـ لا وجه للاحتياط هنا.
الصورة الرابعة: عكس الصورة الثانية ، علم التعلّق وشكّ في تقدّم البلوغ عليه أو تأخّره عنه، فالكلام فيها نفس الكلام في الثالثة، وهو انّه لا وجه للاحتياط.
وربما يقال: «لا يصحّ التمسّك بالاستصحاب لإثبات عدم البلوغ حال

صفحه 59
الشك في البلوغ في كلتا الصورتين، لعدم إحراز حجّية الاستصحاب في حقّه ، نعم لو شكّ بعد القطع بالعقل والبلوغ في حصولهما حال التعلّق أمكن التمسّك به إن كان له أثر».
«وكذا يجوز لغيره استصحاب عدم البلوغ بالنسبة إليه إن كان له أثر».
الظاهر انّ مراد المصنّف هو ما ذكره في ذيل كلامه فانّ المجتهد ينوبه في استخراج ما هو الحجّة في حقّه كسائر الموارد بالنسبة إلى البالغين حيث إنّ جريان الأصل مشروط بشروط لا يتمكّن العامي من تحصيلها فينوبه المجتهد. ويستخرج الحكم الشرعي المشترك بين الجمع في هذه الواقعة.
الصورة الخامسة: أعني: ما لو علم بالبلوغ والتعلّق وشكّ في المتقدّم منهما والمتأخّر لأجل الجهل بالتاريخين، فأصالة تأخّر الحادث ـ لو قلنا بها ـ متعارضة كما أنّ الاستصحاب في كلّ من الجانبين متعارض ، فلم يحرز موضوع الوجوب ومعه لا حاجة إلى البراءة.
فتلخّص ممّا ذكرنا: عدم وجوب الإخراج في جميع الصور الخمس. وانّه لا وجه للاحتياط في الصورتين الأُوليين.
الصورة السادسة: إذا شكّ في وجود العقل حين التعلّق وكانت الحالة السابقة الجنون حيث ولد ونشأ مجنوناً وان صار بعده عاقلاً ولكن لا يدري هل طرأ العقل حين التعلّق أو لا، ومثله ما إذا شكّ في سبقه على التعلّق أو تأخّره عنه، فهناك جنون واحد، وعقل كذلك، لكن شكّ في وجوده حين التعلّق أو في تقدّمه وتأخّره عنه، فالصورتان محكومتان بحكم واحد، وهو جريان الأصل في جانب المجهول وهو الجنون والحكم ببقائه إلى زمان التعلّق، وهو كاف في نفي الوجوب

صفحه 60
بنفي موضوعه، ولمّا كانت الصورتان متحدتان دليلاً وحكماً جعلناهما صورة واحدة تبعاً للماتن. وشُبه المقام بالشك في البلوغ مع العلم بزمان التعلّق حيث إنّ استصحاب الجنون، نظير استصحاب عدم البلوغ كاف في نفي الوجوب بنفي موضوع الوجوب.
الصورة السابعة: تلك الصورة ولكن كانت الحالة السابقة هو العقل، فنشأ عاقلاً ثمّ طرأ عليه الجنون وشكّ في وجوده حين التعلّق، أو شكّ في سبقه عليه أو تأخّره عنه. فقد فصّل الماتن بين كون التعلّق معلوم التاريخ والجنون مجهوله، فيستصحب بقاء العقل إلى زمان التعلّق ويحرز موضوع الوجوب، وبين العكس، أي كون التعلّق مجهوله، والجنون معلومه وشك في سبق التعلّق أو تأخره، فالأصل عدمه، لأصالة بقاء عدم التعلّق إلى زمان الجنون، فيكفي في رفع الوجوب، عدم ثبوت موضوعه، وهو التعلّق في زمان العقل. هذا.
وأورد عليه السيد الخوئي(قدس سره)بعدم الفرق بين القسمين وانّه تجب الزكاة فيهما قائلاً: بل مقتضى الأصل هو الوجوب فانّ استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلّق (القسم الأوّل) يترتب عليه وجوب الإخراج، وأمّا استصحاب عدم التعلّق إلى زمان الجنون (القسم الثاني) ، فلا يترتب عليه كون المال حال التعلق مال المجنون وما لم يثبت ذلك يجب الإخراج، لأنّ الخارج عن دليل وجوب الزكاة، هو ما كان مال المجنون.(1)
وحاصل كلامه: انّ الأصل الجاري في كلا القسمين، هو استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلّق وذلك لأنّ استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلق، يثبت

1 . تعليقة العروة الوثقى. هذا وقد جاء الرقم في التعليقة المطبوعة مع العروة في غيرمحله فلاحظ.

صفحه 61
موضوع الوجوب فيتعلّق به من غير فرق بين كون التعلّق، معلوم التاريخ، والعقل مجهوله أو العكس، بناء منه على جريانه في المعلوم تاريخه.
وأمّا الأصل الآخر، أعني : استصحاب عدم التعلّق إلى زمان الجنون، فلا يثبت موضوع عدم الوجوب وهو كون المال مال المجنون، لأنّه بالنسبة إليه مثبت.
يلاحظ عليه: أنّه لم يرد في النصّ كون الخارج من الوجوب «هو مال المجنون»، وإنّما فهم من سكوت الإمام(عليه السلام)عنه، وعن عنايته ببيان حكم ماله عند التجارة (1)، وعلى ذلك فبما انّه لا واسطة بين العقل والجنون فلو كان الخارج مال المجنون، كان الباقي مال العاقل، فلو كان استصحاب عدم التعلّق، لا يثبت كون المال، مال المجنون; فهكذا استصحاب بقاء العقل لا يثبت كون المال، مال العاقل. فلاحظ.
الصورة الثامنة: تلك الصورة يكون الفرد مسبوقاً بالعقل ولكن جهل تاريخ الحالتين: الجنون والتعلّق: فانّ الأصلين: أصالة عدم التعلّق إلى زمان الجنون، وأصالة عدم الجنون إلى زمان التعلّق، متعارضان متساقطان، فلم يثبت موضوع الوجوب وهو كاف في نفيها.
وعلى ما ذكره السيد الخوئي، يجري أحد الأصلين: أصالة عدم الجنون إلى زمان التعلّق، فيجب عليه الزكاة; دون الآخر: أصالة عدم التعلّق إلى زمان الجنون، إذ لا يترتّب عليه كون المال حال التعلّق مال المجنون . وقد عرفت نظرنا في كلامه.
الصورة التاسعة: إذا جهل التاريخان، مع الجهل بالحالة السابقة، فالأُصول متعارضة، ويكون المرجع هو أصل البراءة عن الوجوب.

1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1، 2.

صفحه 62
المسألة 6: ثبوت الخيار للبائع ونحوه لا يمنع من تعلّق الزكاة إذا كان في تمام الحول، ولا يعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمانه، بناء على المختار من عدم منع الخيار من التصرّف. فلو اشترى نصاباً من الغنم أو الإبل مثلاً وكان للبائع الخيار، جرى في الحول من حين العقد لا من حين انقضائه.*
هذا كما إذا علم وقت التعلّق وانّه يوم الخميس وعلم بتوارد الجنون والعقل عليه في نفس الأُسبوع، وشكّ في المتقدّم والمتأخّر، فأصالة بقاء العقل إلى زمان التعلّق معارض ببقاء الجنون إليه فيتعارضان ويتساقطان على القول بالجريان والتساقط وإن كان الحقّ عدم جريانهما فلا تصل النوبة إلى التعارض والتساقط، لانصراف أدلّة الأُصول عن أطراف العلم الإجمالي.
وأمّا من ملك شيئاً في فترة من الزمان، وشكّ بعدها انّه هل كان عاقلاً فيها أو مجنوناً؟ فالأصل هو السلامة وانّه كان عاقلاً.
* ذكر الفقهاء في أحكام الخيار مسألتين:
1. هل المبيع ينتقل إلى المشتري بالعقد، أو به وبانقضاء الخيار معاً؟ فيه أقوال ثلاثة:
القول الأوّل: العقد هو السبب التام للانتقال من دون توقّف على انقضاء الخيار.
القول الثاني: التوقّف على انقضاء الخيار، وهو المحكي عن ابن الجنيد والشيخ الطوسي، وربّما ينسب إلى ابن سعيد لكن كلامه في الجامع يشهد على

صفحه 63
خلاف ذلك.(1)
القول الثالث: التفصيل بين خيار المشتري وحده وغيره، فيخرج عن ملك البائع في الأوّل دون غيره، والأوّل هو المشهور وتشهد عليه سيرة العقلاء وعمومات الكتاب والروايات الصحيحة.(2)
2. هل يجوز لغير ذي الخيار التصرّف فيما انتقل إليه تصرّفاً متلفاً أو ناقلاً أو لا؟ فيه أقوال:
أ. الجواز مطلقاً.
ب. عدم الجواز كذلك.
ج. الفرق بين الخيار الأصلي كخيار المجلس والحيوان، والخيار المجعول كخيار الشرط. فيجوز في الأوّل دون الثاني. حيث إنّ المتبادر من الثاني، هو الالتزام بإبقاء العين إلى انقضاء مدّته.
د. الفرق بين ما يكون ثابتاً بالفعل وما يكون ثابتاً فيما بعد، فلا يجوز في الأوّل ويجوز في الثاني، مثل خيار التأخير والرؤية والغبن.
والمشهور هو القول الأوّل وانّه يجوز له التصرّف المانع عن استرداد العين عند الفسخ، ومبنى ذلك تعلّق الخيار بالعقد لا بالعين فلذي الخيار حل العقد. وبعد حلّه فإن كان باقياً في ملك المشتري فيأخذه، وإلاّ ـ كما إذا صار معدوماً أو منتقلاً إلى الغير ـ يأخذ المثل أو القيمة.
نعم لو قلنا بأنّ لذي الخيار ـ وراء حل العقد ـ حقّاً في العين أيضاً فلا يجوز

1 . الجامع للشرائع: 248.
2 . لاحظ المختار في أحكام الخيار: 603ـ 610.

صفحه 64
للآخر التصرف.
فإن قلت: إنّ الخيار حقّ يتعلّق بالعقد، المتعلّق بالعوضين من حيث إرجاعهما بحل العقد إلى ملكهما السابق، فالحقّ في النتيجة متعلّق بالعين التي انتقلت منه إلى صاحبه، فلا يجوز أن يتصرّف فيها بما يبطل ذلك الحقّ بإتلافها أو نقلها إلى شخص آخر، وجواز الفسخ مع التلف بالرجوع إلى البدل، لا يوجب جواز الإتلاف، لأنّ الحقّ متعلّق بالعين وإن كان ينتقل إلى بدلها لو تلفت كلّها أو بعضها كما في العين المرهونة.
قلت: الإجابة عنه واضحة بملاحظة ما ذكره الشيخ بقوله : إنّ الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز التفاسخ في حال تلف العينين، هي سلطنة ذي الخيار على فسخ العقد المتمكّن في حالتي وجود العين وفقدها، فلا دلالة في مجرّد ثبوت الخيار على حكم التلف جوازاً ومنعاً فالمرجع فيه أدلّة سلطنة الناس على أموالهم.
إلى أن قال : فالحاصل انّ عموم «الناس مسلّطون على أموالهم » لم يعلم تقييده بحق يحدث لذي الخيار يزاحم به سلطنة المالك فالجواز لا يخلو عن قوة في الخيارات الأصلية، فأمّا الخيارات المجعولة بالشرط فالظاهر من اشتراطها إرادة إبقاء الملك ليستردّه عند الفسخ، بل الحكمة في أصل الخيار هو إبقاء السلطنة على استرداد العين، إلاّ انّها في الخيار المجعول علّة للجعل، ولا ينافي ذلك بقاء الخيار مع تلف العين.(1)
إذا علمت ذلك فبما انّ الحقّ عدم توقف الملك على انقضاء الخيار وانّ

1 . المتاجر، أحكام الخيارات: 295ـ 296.

صفحه 65
المشتري له حقّ التصرّف في العين وإن كان للبائع الخيار ، ذهب المشهور إلى أنّ ثبوت الخيار للبائع ونحوه لا يمنع من تعلّق الزكاة إذا كان في تمام الحول ولا يعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمان الخيار لما عرفت من أنّ الملكية تامة وله التصرّف فيما ملك، وعلى ذلك فلو اشترى نصاباً من الغنم أو الإبل مثلاً وكان للبائع الخيار، يحسب الحول من حين العقد لا من حين انقضائه .
فإن قلت: ما الفرق بين الخيار وحق الرهن حيث إنّ الخيار غير مانع عن تعلّق الزكاة، وبين كون العين رهناً عند آخر حيث لا يجوز التصرّف في العين المرتهنة لكونها متعلّقة لحقّ الغير كالمقام؟
قلت: الفرق واضح، لأنّ الحقّ في المقام متعلّق بالعقد لا بالعين، بخلاف العين المرهونة فانّ حقّ المرتهن متعلّق بالعين وله بيعها عند امتناع الراهن من أداء الدين.
ثمّ إنّ هذا كلّه في مطلق الخيار سواء كان أصلياً كخيار المجلس والحيوان والغبن والتدليس، أو جعلياً كخيار الشرط من غير تقييد بردّ الثمن، وأمّا الخيار المشروط برد الثمن الذي يعبر عنه ببيع الخيار في فقه الإمامية وبيع الوفاء في فقه أهل السنّة فهو قسم من خيار الشرط، وقد استثناه لفيف من المحقّقين من الحكم فانّ مثل هذا البيع مشروط بحسب الارتكاز بالتحفّظ على العين وعدم التصرّف فيها ليتمكّن ذو الخيار من استردادها خلال تلك المدة المضروبة، فعندئذ لا يكون للمشتري ملكية تامة صالحة للتصرف.
ومن مصالح تشريع هذا النوع من البيع صدّ الناس عن أكل الربا، حيث إنّه ربما تمسّ الحاجة إلى النقود ولا تتحصل إلاّ بالربا، فيبيع داره بإرادة جدية بثمنه الواقعي أو أقلّ منه كما هو الغالب حتى ينتفع هو بثمنها، والمشتري بالمبيع

صفحه 66
بالإسكان والإيجار، ولكنّه ربما لا يريد أن يقطع علقته تماماً عن المبيع، لأنّه ربما يحتاج إليه في المستقبل خصوصاً مع شيوع أزمة السكن فيشترط على المشتري انّ له استرجاع المثمن برد الثمن في مدة مضبوطة، وهذا ما يسمّيه فقهاء أهل السنّة ببيع الوفاء ولهم فيه دويّ.
ثمّ إنّ الفرق بين هذا الخيار وبين مطلق خيار الشرط هو:
1. اشتراط ردّ الثمن في الفسخ في المقام دون خيار الشرط.
2. انّ التصرّف في الثمن في غيره موجب لانتفاء الخيار بخلاف هذا القسم، لأنّه شُرّع لانتفاع البائع بالثمن والمشتري بالمبيع فلو سقط به لزمت لغوية المعاملة.
ثمّ ربما يقال بأنّ المنع من التصرّف في الخيار المشروط بردّ الثمن حكم تكليفي لا يستوجب قصراً في الملك ولا نقصاً في الوضع والسيطرة على العين بل غايته العصيان لو خالف لا البطلان، والشرط الارتكازي المزبور المتعلّق بالمحافظة على العين لا يتضمن إلاّ الحكم التكليفي بوجوب الإبقاء وإلاّ فالعين تحت يد المشتري وفي قبضته وتصرفه فإنّها ملكه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المقام أشبه بتعلّق حق المرتهن بالعين المرهونة، فالعين متعلق لحقّ البائع في المقام مع كونه ملكاً للمشتري.
وإن أبيت إلاّ عن عدم تعلّق حقّ البائع بالعين فنقول: كونه ممنوعاً شرعاً وقانوناً من التصرّف يورث نقصاً في المالكية وإن كان العين ملكه، فليس المشتري مبسوط اليد قانوناً في التصرّف في العين.

1 . مستند العروة الوثقى: 1/81، كتاب الزكاة.

صفحه 67
المسألة 7: إذا كانت الأعيان الزكويّة مشتركة بين اثنين أو أزيد يعتبر بلوغ النصاب في حصّة كلّ واحد، فلا تجب في النصاب الواحد إذا كان مشتركاً.*
المسألة 8: لا فرق في عدم وجوب الزكاة في العين الموقوفة بين أن يكون الوقف عامّاً أو خاصّاً. ولا تجب في نماء الوقف العام، وأمّا في نماء الوقف الخاصّ فتجب على كلّ من بلغت حصّته حدّ النصاب.* *
* سيوافيك الكلام في هذه المسألة في المسألة الثالثة في فصل زكاة الأنعام عند تعرض المصنّف لها وإجمال الكلام فيه انّ المتبادر من قوله سبحانه : (خذ من أموالهم صدقة )هو انحلال الحكم حسب آحاد المكلفين، فإذا قورن هذا الخطاب بما دلّ على شرطية النصاب تستنتج منه شرطية بلوغ النصاب في حصة كلّ واحد من الشركاء مضافاً إلى ما ورد في غير مورد ما يؤيد ذلك.
روى زرارة، عن أبي جعفر في حديث... قلت له : مائتي درهم بين خمس أُناس أو عشرة، حال عليها الحول وهي عندهم، أ يجب عليهم زكاتها؟ قال: «لا هي بمنزلة تلك ـ يعني جوابه في الحرث ـ ليس عليهم شيء حتى يتمّ لكلّ إنسان منهم مائتا درهم» قلت: وكذلك في الشاة والإبل والبقر والذهب والفضة وجميع الأموال؟ قال: «نعم».(1)
** وجهه انّ مـن شـرائط الزكاة كـون العين الزكوية ملـكاً يتمكّن المالك من التصرّف فيه تمام التصرّف والعين الموقوفة إذا افترضنا كـونه ملكاً للموقوف عليه لا يجوز التصرّف فيه تكليفاً ووضعاً فليس للموقوف عليه سلطنة فيها

1 . وسائل الشيعة: 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2.

صفحه 68
المسألة 9: إذا تمكّن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المجحود ـ بالاستعانة بالغير أو البيّنة أو نحو ذلك ـ بسهولة، فالأحوط إخراج زكاتها. وكذا لو مكّنه الغاصب من التصرّف فيه، مع بقاء يده عليه، أو تمكّن من أخذه سرقة، بل وكذا لو أمكن تخليصه ببعضه، مع فرض انحصار طريق التخليص بذلك أبداً . وكذا في المرهون إن أمكنه فكّه بسهولة.*
بالتصرّف والإتلاف.
هذا من غير فرق بين كون الوقف عاماً أو خاصاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حبِّس الأصل وسبِّل الثمرة» إنّما الكلام في النماء; فقد فصّل المصنّف بين نماء الوقف العام فلا تجب، ونماء الوقف الخاص فتجب على كلّ من بلغت حصته حدّالنصاب.
وجهه: انّ النماء في الأوّل ملك للجهة الكلية كالفقراء والعلماء، وإنّما يملكه الفرد من هذا العنوان بالقبض سواء انحصر الكلي في فرد أو لا والزكاة على من كان مالكاً حين التعلّق لا بعده. والمفروض انّ القبض بعده.
وأمّا الوقف الخاص فيملكه الموقوف عليه من حين ظهور النماء الذي يلازم انعقاد الحبة فيجب عليه الزكاة.
اللّهمّ إلاّ إذا وقفه على نحو المصرفية لا الملكية بأن ينتفع الموقوف عليه في حاجاته من دون أن يملك شيئاً من النماء فالحكم بالزكاة عليه غير صحيح.
* قد تقدّم في الشرط الخامس انّ الموضوع للتعلّق هو التمكّن من إعمال السلطة والتصرّف في المال عرفاً دون الغيبة والحضور، إذ ربما يكون المال غائباً ولكن يتمكّن من التصرّف فيه بسهولة عن طريق وكيله بالأمر به عن طريق المكاتبة أو الهاتف، وربما يكون حاضراً لكن لا يتمكّن من التصرّف فيه خوفاً من

صفحه 69
الظالم إذا حذّره منه.
وعلى هذا فالموضوع لوجوب الزكاة ما يكون المال تحت سلطته بالفعل لا بالقوة.
وهو الظاهر من صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك».(1) فمعناه أن يكون تحت سيطرته وسلطته بالفعل، نظير قوله سبحانه: (قُلْ لِمَنْ في أَيديكُمْ مِنَ الأَسرى إِنْ يَعْلم اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيراً يُؤْتِكُمْ خَيراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ ...).(2)
وعلى ضوء ما ذكر لا تتعلّق الزكاة بالصور التي ذكرها المصنف.
لكن الظـاهر من موثقة عبد اللّه بن بكير كون الموضوع أعمّ من السلطنة الفعلية أو القريبة منها . روى ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه قال: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فإن كان يدعه متعمداً، وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين».(3)
أمّا السند فلا غبار عليه، نعم في بعض النسخ كالاستبصار : عبد اللّه بن بكير عمّن رواه، فيكون مرسلاً، والظاهر انّه تصحيف، وذلك :
أوّلاً: انّ المذكور في الوافي(4) روايته عن زرارة.
وثانياً: انّ عبد اللّه بن بكير يروي كثيراً عن عمّه «زرارة» وربما يبلغ ثلاثة وسبعين مورداً.

1 . وسائل الشيعة: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.
2 . الأنفال: 70.
3 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.
4 . الوافي: 10/114برقم 9257.

صفحه 70
وهذا قرينة على أنّ اللفظ مصحف «عن عمّه زرارة»، ولعلّ التشابه الخطّي صار سبباً لهذا التصحيف، وعلى ذلك.
أمّا الدلالة فيدلّ على أنّ الموضوع ما يكون تحت سلطته بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل.
وذلك لأنّ المفروض في الرواية صورتان:
الأُولى: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، فقال: فلا زكاة عليه.
الثانية: في رجل يدع ماله عمداً فهو مع كونه غائباً عنه قادر على أخذه، وكأنّه يريد بالترك الفرار عن الفريضة، فأجاب بقوله : «فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين».
وعلى ذلك، يكفي وجود السلطة الفعلية أو القوة القريبة منها.
وعلى ضوء ما ذكرنا يعلم أحكام ما ورد في المتن من حيث التعلّق وعدمه.
1. إذا تمكّن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المجحود بالاستعانة بالغير أو البينة أو نحو ذلك بسهولة فقال المصنّف: فالأحوط إخراج زكاتها، ولعلّ وجهه وجود السلطة القريبة من الفعل منه.
لكن الأقوى عدم التعلّق; فإنّ الاستعانة بالغير أو بإقامة البيّنة، تحصيل للقدرة، ومعه لا يصدق على العين أنّها في متناول المالك وتحت يده، إذ غاية ما يمكن أن يقال وجوب الزكاة فيما لا يتوقف على مؤنة بحيث يراه العرف مقتدراً ومسلّطاً على ماله.
2. تمكّن من أخذه سرقة لكن من دون مشقة ولا مهانة ولا بأس به.
3. أمكن تخليصه ببعضه، بإيهاب بعض ماله للظالم حتى يردّ عليه البعض

صفحه 71
المسألة 10: إذا أمكنه استيفاء الدين بسهولة ولم يفعل لم يجب عليه إخراج زكاته، بل وإن أراد المديون الوفاء ولم يستوف اختياراً، مسامحة أو فراراً من الزكاة. والفرق بينه وبين ما ذكر من المغصوب ونحوه أنّ الملكيّة حاصلة في المغصوب ونحوه، بخلاف الدين فإنّه لا يدخل في ملكه إلاّ بعد قبضه.*
مع انحصار طريق التخلّص بذلك أبداً لكن الأقوى عدم الوجوب وانصراف ما دلّ على شرطية المتمكن عن هذه الصورة.
4. في المرهون إن أمكن فكّه بسهولة، والأقوى أيضاً عدم التعلّق، لانصراف أدلّة التمكّن عمّا إذا كان المالك معذوراً شرعاً في عدم استعادة ماله إلى سلطته، فعدم الوجوب في جميع هذه الصور لا يخلو من قوة، إلاّ السرقة بلا مشقة ولا مهانة.
** الفرق بين هذه المسألة وما يأتي في المسألة 11 من قوله: «زكاة القرض على المقترض بعد قبضه» واضح، فإنّ الدين في المقام عبارة عن المال الكلّي في ذمّة المديون على نحو لو أدّى، تعلَّق به الزكاة مع اجتماع الشرائط كالنقدين والأنعام سواء كان استيلاء المديون عليه عن طريق الاستقراض والتصرّف فيما استقرض بالإتلاف أو النقل، أو عن طريق اشتراء شيء نسيئة وجعل الثمن من قبيل النقدين في ذمّته.
وهذا بخلاف القرض في المسألة التالية، فالكلام فيها فيما إذا كان عين ما استقرضه من الدينار أو الدرهم باقياً عند المستقرض على نحو حال عليه الحول وهو عنده وهو مالكه.
ولذلك عبر المحقّق عن المسألة الأُولى بالدين وعن الثانية «بالقرض حتى

صفحه 72
يرجع إلى صاحبه» مشعراً ببقاء العين المستقرضة في الثاني. قال: ولا تجب الزكاة في القرض حتى يرجع إلى صاحبه ولا على الدين.(1)
وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال:
1. لا زكاة على الدين مطلقاً، لا على الدائن ولا على المدين. وهو خيرة ابن إدريس في السرائر(2)، والعلاّمة في المختلف(3)، ووصفه في الجواهر: بالشهرة العظيمة بل عليه إجماع المتأخّرين.(4)
2. لا زكاة على الدين إلاّ إذا كان تأخّره من جهة صاحبه. وهو قول المفيد في المقنعة(5)، والشيخ في الخلاف.(6)
3. الزكاة على المديون. وهذا هو الظاهر من النهاية قال: وإن أداره (القرض) في تجارة كان عليه مثل ما لو كان المال له ملكاً، وتسقط زكاته عن القارض.(7)
4. الزكاة على المستدين (بمعنى الدائن) إلاّ إذا ضمن المدِين وعندئذ لم يكن للمستدين شيء. وهو قول ابن البرّاج.(8)
وأمّا السنّة فقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: لا زكاة في الدين، ولم يفصِّلا; وقال الشافعي في عامّة كتبه : إنّ فيه الزكاة.(9)
ويدلّ على القول الأوّل ـ مضافاً إلى ما مرّ في ضمن الشرط الخامس من أنّه

1 . الجواهر: 15/57ـ 58 قسم المتن.
2 . السرائر: 1/444.
3 . المختلف: 3/161.
4 . الجواهر: 15/59.
5 . المقنعة: 239.
6 . الخلاف: 2، كتاب الزكاة، المسألة 96.
7 . النهاية: 312، كتاب الدين.
8 . المختلف: 3/161.
9 . الخلاف: 2، كتاب الزكاة، المسألة 96.

صفحه 73
لا زكاة فيما ليس في يده أو ليس عنده ـ طوائف ثلاث من الروايات:
الأُولى: ما يدلّ على عدم الزكاة في الدين من دون تقييد بشيء، نظير:
1. صحيح عبد اللّه بن سنان: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك».(1)
2. موثّق الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له : ليس في الدين زكاة؟ قال: «لا».(2)
والحديثان وإن وردا مطلقين لكن منصرفهما ما يأتي في الطائفة الثانية وهو «ما لم يقبض».
الثانية: ما يدلّ على عدم الزكاة ما لم يقبض فإذا قبض، فهل تتعلّق الزكاة حين القبض أو بعد حيلولة الحول، الظاهر هو الثاني، كما هو صريح لفيف من الروايات وما دلّ على الأوّل يحمل على الاستحباب، نظير:
3. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الدين عليه زكاة؟ قال: «لا حتى يقبضه» قلت: فإذا قبضه أيزكّيه؟ قال: «لا حتى يحول عليه الحول في يده».(3)
4. موثّقة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس تجب فيه الزكاة؟ قال: «ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه، فإذا قبضه فعليه الزكاة، وإن هو طال حبسه على الناس حتى يمرَّ لذلك سنون فليس عليه زكاة، حتى يخرج، فإذا هو خرج زكّاه لعامه ذلك»(4) ولعلّ المراد العام المتحقّق بعد القبض.

1 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2، 4، 3 .
2 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2، 4، 3 .
3 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2، 4، 3 .
4 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

صفحه 74
5. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل يكون نصف ماله عيناً، ونصفه ديناً فتحلّ عليه الزكاة؟ قال: «يزكّي العين، ويدع الدين»، قلت: فإنّه اقتضاه بعد ستة أشهر، قال: «يزكّيه حين اقتضاه»(1) والاقتضاء طلب الدين وأخذه.
والحكم بالتزكية حين الاقتضاء قبل مرور عام عليه، محمول على الاستحباب، ويؤيد ذلك ذيل الحديث الذي أورده صاحب الوسائل في الباب 49 من أبواب المستحقين، الحديث 4.
الثالثة: ما يدلّ على عدم وجوبه وإن تساهل من أخذه وكان التأخير من جانب صاحبه.
6. روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: «ليس على الدين زكاة إلاّ أن يشاء ربّ الدين أن يزكّيه».(2)وإطلاقه يعمّ صورة التساهل.
7. وروى عنه (عليه السلام)أيضاً، قال: سألته عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء، قبَضَه صاحبه، هل عليه زكاة؟ قال: «لا، حتى يقبضه ويحول عليه الحول».(3)
وهذه الطوائف الثلاث تؤكد على عدم الوجوب عند التساهل بإطلاقها أو بتصريحها على ما إذا تساهل صاحب المال في أخذه وقبضه.
استدلّ للقول الثاني، أعني: عدم الوجوب إلاّ إذا كان هناك تأخير من صاحب المال بروايات:
1. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ليس في الدين زكاة إلاّ

1 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9، 14، 15.
2 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9، 14، 15.
3 . الوسائل: 6 الباب6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9، 14، 15.

صفحه 75
أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخّره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه».(1)
وعمر بن يزيد مشترك بين بيّاع السابري الثقة الجليل، وظبيان الصيقل الذي له كتاب ولم يرد في حقّه توثيق، فلا يحتج بالخبر، لكن احتمل السيد الخوئي(قدس سره)انّه كلّما ذكر عمر بن يزيد فالمراد منه بيّاع السابُري ولم يذكر لمختاره دليلاً مقنعاً.
2. خبر عبد العزيز، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يكون له الدين أيزكّيه؟ قال: «كلّ دين يدعه هو إذا أراد، أخذه، فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة».(2)
والمراد من «عبد العزيز» هو عبد العزيز العبدي الذي هو من رجال الإمام الصادق (عليه السلام)ولكن لم يوثّق; ومن المحتمل تطرّق التصحيف إلى السند بتبديل «بن» إلى «عن» والصحيح ميسّر بن عبد العزيز الذي وثّقه الكشّي، ويؤيّد ذلك انّ ميسّر من رجال الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام)وتوفّي في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، فمن البعيد أن يروي عن «عبد العزيز العبدي» المتأخّر عنه زماناً وإن كان شيئاً قليلاً، فتأمّل.
3. خبر الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل ينسئ أو يعير فلا يزال ماله ديناً كيف يصنع في زكاته؟ قال: «يزكّيه».(3)
نعم ظاهر هذه الرواية وجوب إخراج الزكاة حتى من الدين المؤجل أو الحال ولكن لم يقبض ولم يتساهل، ولكن يحمل بشهادة الروايات السابقة على ما لم

1 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.
2 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

صفحه 76
يقبض ولكن تساهل في قبضه.
ومقتضى القاعدة هو الجمع بين ما دلّ على عدم وجوب الزكاة ما لم يقبض سواء تساهل صاحب الدين أو لا، وبين ما دلّ على وجوب الزكاة فيما إذا تساهل وذلك بحمل المطلق (ما دلّ على القول الأوّل بالطوائف الثلاث من الروايات) على المقيد، ومع ذلك كلّه فالمشهور بين المتأخّرين هو عدم الزكاة ما لم يقبض، وذلك:
أوّلاً: عدم نقاوة سند ما دلّ على القول الثاني.
وثانياً: احتمال ورودها استحباباً لا وجوباً.
وثالثاً: احتمال ورودها تقية لما عرفت من أنّ الشافعي ذهب في عامّة كتبه إلى أنّ فيه الزكاة. والشافعي وإن كان متأخراً عصراًعن عصر صدور الروايات، لكن كان لفتاواه جذور في كلام من تقدّم عليه من التابعين وغيرهم.
ورابعاً: حملها على زكاة التجارة.
وخامساً: معارضتها لما في خبر الحميري(1)، خصوصاً الثاني منه حيث ورد في المياسير.
وسادساً: بُعْد تقييد المطلقات المتضافرة، فإنّ تقييد المطلق بالمقيد المنفصل عنه وإن كان أمراً دارجاً لكنّ وُرود المطلقات بصورة التضافر من دون قيد ربما يورث الاطمئنان بكون الموضوع مطلقاً غير مقيد، ولذلك قلنا في محله انّه لا يمكن تقييد المطلقات المتضافرة بخبر الواحد والمفروض ورود المطلقات من دون تقييد بعدم التساهل في الأخذ في المقام.
وأمّا القولان الأخيران ـ أعني: قول الشيخ في النهاية من أنّ الزكاة على

1 . برقم7 من الطائفة الثالثة.

صفحه 77
المديون، أو قول ابن البراج من أنّ الزكاة على الدائن إلاّ إذا ضمن المديون ـ فلم نجد شيئاً صالحاً للأوّل منهما وأمّا الثاني منهما (الرابع) هو نفس القول الثاني بإضافة سقوطه عن ذمّة الدائن إذا ضمن المديون، فالقول الأوّل هو المشهور المنصور.
ويؤيّد موقف المشهور أُمور:
1. ما دلّ من الأخبار على وجوب الزكاة إذا حال عليه الحول، ففي صحيحة الفضلاء زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد العجلي والفضيل بن يسار، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) قالا: «وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه».(1)
ومن الواضح ظهور حيلولة الحول في العين الشخصية لا في الكلّي المضمون في الذمة المعدوم ظاهراً وواقعاً، فلا يطلق عليه حيلولة الحول أوّلاً ولا كونه عند المالك ثانياً.
2. ما في الجواهر من أنّه لو كان الدين حيواناً فأولى بعدم الوجوب لعدم صدق السوم ـ ثمّ قال: ـ ولعلّه لذا صرّح بنفيها في محكي المبسوط الذي قد سمعت القول منه في الوجوب في كتاب الخلاف.
3. المراد من الدين في المقام، هو الدين الحالّ الذي يجوز للدائن مطالبته، ويتمكّن من وصوله لا الدين المؤجّل الذي لا يجوز للدائن مطالبته، فضلاً عن تمكّنه من التحصيل.
وعلى ضوء ذلك فلو تعلّقت الزكاة بالدين الحالّ، المتمكّن من تحصيله، لم يبق فرق بين العين والدين، لما عرفت في المسألة 9 من أنّه إذا تمكّن من تخليص

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.

صفحه 78
المغصوب بسهولة، يجب إخراج زكاته، فيكون التركيز في الروايات على الدين أمراً لغواً مع أنّ الظاهر منها، انّ للدين مدخلية في الحكم، قال: «ليس على الدين زكاة» أو «يُزكّي العين ويدع الدين».
فلو قدمنا الروايات المثبتة للزكاة على النافية يلزم ذلك المحذور، بخلاف العكس إذ لم يلزم منه إلاّ حمل المثبتة على الاستحباب وهو أمر رائج.
ثمّ إنّ هناك سؤالاً يطرح نفسه، وهو انّه ما الفرق بين هذا المقام الذي ذهب المشهور إلى عدم وجوب التزكية وإن سهل أخذه من المديون وبين المغصوب الذي يمكن استيفاؤه واسترداده بسهولة حيث قيل فيه بوجوب الزكاة؟
هذا هو السؤال، وقد أجاب عنه المصنّف بقوله: الفرق بينه وبين ما ذكر من المغصوب، هو انّ الملكية حاصلة في المغصوب ونحوه، بخلاف الدين فإنّه لا يدخل في ملكه إلاّ بعد قبضه.
وأورد عليه السيد الخوئي بقوله: ولكن الفرق كما ترى بل لا يرجع إلى محصل، لحصول الملك في كلتا المسألتين غايته انّ المملوك هنا شخصي وفي المسألة الآتية كلّي في ذمّة الغير، ومجرّد ذلك لا يستوجب الاختلاف في الحكم ما لم يقم برهان على اعتبار الملك الشخصي في تعلّق الزكاة، فكما أنّ المملوك الكلّي يتعلّق به الخمس مثل ما لو كان له مال في ذمة الغير فاتّجر وربح فإنّه يجب تخميسه بلا إشكال فهلا تكون الزكاة أيضاً كذلك.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الأدلّة انّ الزكاة تتعلّق بالعين الخارجية لا بالكلّي في الذمة وهكذا الخمس يتعلّق بالعين الخارجية لا بالكلّي في الذمم، وأمّا ما مثّل به من تعلّق الخمس بالعكس في الذمم إذا اتّجر وربح ففيه انّ الخمس لا

1 . مستند العروة الوثقى: 1/87.

صفحه 79
المسألة 11: زكاة القرض على المقترض بعد قبضه لا المقرض، فلو اقترض نصاباً من أحد الأعيان الزكويّة وبقي عنده سنة وجب عليه الزكاة .
نعم يصحّ أن يؤدّي المقرض عنه تبرعاً.
بل يصح تبرع الأجنبي أيضاً: والأحوط الاستئذان من المقترض في التبرع عنه، وإن كان الأقوى عدم اعتباره.
ولو شرط في عقد القرض أن يكون زكاته على المقرض فإن قصد أن يكون خطاب الزكاة متوجّهاً إليه لم يصحّ، وإن كان المقصود أن يؤدّي عنه صحّ. *
يجب ما لم يقبض. وقد أوضحنا حاله في كتاب الخمس، فما ذكره الماتن فارق صحيح بين البابين على مبناه.
نعم على ما اخترناه لا يجب الخمس في كلا الموردين كما مرّ.
ثمّ إنّه لو قلنا باختصاص الزكاة بالنقدين: الذهب والفضة المسكوكين فقط، ولا تعمّ الأوراق الرائجة، تكون المسألة في أعصارنا فاقدة للموضوع; لعدم وجودهما أوّلاً، وعلى فرض وجودهما، ليسا رائجين، بحيث يقعان ثمناً للمبيع، كما لا يخفى.
وأمّا الأنعام الثلاثة، فقدعرفت فقد الشرط ـ أعني: السوم في الصحراء ـ إذ لا يوصف ما في الذمّة بها.
نعم لو قلنا بإلغاء الخصوصية وانّها تتعلّق بالأوراق الرائجة كالريال والدولار، تكون للمسألة ثمرة فلاحظ.
* الكلام فيما إذا استقرض أحد الأعيان الزكوية وبقيت عنده حتى حال

صفحه 80
عليه الحول وكان بالغاً حدّ النصاب، وأمّا إذا استقرض وتصرّف فيه قبل حيلولة الحول فلا زكاة فيه لا على المستقرض، ولا على القارض ـ عند حلول الأجل ـ لما عرفت من عدم تعلّق الزكاة على الدين الحالّ إلاّ إذا قبض.
والمسألة مورد اتفاق، قال الشيخ في الخلاف:
لا خلاف بين الطائفة انّ زكاة القرض على المستقرض دون القارض.(1)
قال العلاّمة: ولا زكاة على المقرض مطلقاً أمّا المستقرض فإن ترك المال بعينه حولاً وجبت الزكاة عليه وإلاّ فلا. وهو اختيار ابن أبي عقيل، والشيخ في النهاية في باب الزكاة والخلاف، والمفيد في المقنعة، والشيخ علي بن بابويه في الرسالة، وابن إدريس.(2)
وفي الجواهر بلا خلاف كما عن الخلاف والسرائر وغيرهما، بل في التنقيح هو مذهب الأصحاب مشعراً بالإجماع عليه، ولعلّه كذلك بشهادة التتبع وكلمات الأصحاب، فإنّي لا أجد فيها خلافاً في ذلك كالنصوص.(3)
والاتّفاق مستند إلى النصوص المتضافرة، ففي صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالاً قرضاً على مَن زكاته، على المقرِض أو على المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولاً على المقترض» قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: «لا يُزكى المال من وجهين في عام واحد وليس على الدافع شيء لأنّه ليس في يده شيء إنّما المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكّاه».(4)

1 . الخلاف: 2/111، كتاب الزكاة، المسألة 129.
2 . المختلف: 3/163.
3 . الجواهر: 15/ 57.
4 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

صفحه 81
وحاصل التعليل: انّ الزكاة تتعلّق بمال المالك والعين الزكوية ملك للمقترض فعليه زكاته.
وفي صحيح يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء اللّه على مَن الزكاة؟ على المقرض أو على المستقرض؟ فقال: «على المستقرض لأنّ له نفعه وعليه زكاته».(1)
إنّما الكلام في الفروع الواردة في المسألة وهي عبارة:
1. هل يصحّ أن يؤدّي المقرض الزكاة عنه تبرعاً؟
2. هل يصح تبرّع الأجنبي أيضاً؟
3. هل يلزم الاستئذان من المقترض في التبرع عنه؟
4. هل يصحّ أن يشترط المقترض الزكاة على المقرض؟
5. هل تبرأ ذمته بنفس الاشتراط أو يتوقّف على أداء المقرِض؟ وإليك الكلام في هذه الفروع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: تبرّع المقرض عن المقترض

الكلام فيه يقع في موضعين:
أحدهما: مقتضى القاعدة الأُولى.
الثاني: مقتضى النصّ.
أمّا المقام الأوّل، فإنّ مقتضى القاعدة الأُولى هو لزوم المباشرة في الأعمال العبادية فانّ سقوط العبادة بفعل الغير يحتاج إلى دليل، بل ربما يمكن أن يقال

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 ولاحظ الحديث 7.

صفحه 82
انّ مقتضى التكليف هو المباشرة عبادياً كان أو توصلياً إلاّ إذا عُلم كفاية النيابة أو حصول المقصود بفعل غير المكلّف.
هذا مقتضى القاعدة الأُولى وأمّا مقتضى النصّ فقد دلّ الدليل على كفاية أداء المقرض عن المقترض، روي عن منصور بن حازم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل استقرض مالاً، فحال عليه الحول وهو عنده، قال: «إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدّي أدّى المستقرض».(1)
وإلزام المستقرض على أداء الزكاة ـ إذا لم يؤدّ المقرض ـ دليل على توجّه الخطاب إليه، غير انّه إذا قام المقرض بالأداء تبرعاً، يسقط عنه وإلاّ يتعين عليه. وقد فسّر العلاّمة الحديث في «المختلف» بذلك، فقال: إنّا نقول بموجب الحديث فانّ المقرض لو تبرّع بالأداء سقط عن المستقرض.(2)
ويحتمل وروده في مورد اشتراط المستقرض الزكاة على المقرض، لكن مجرّد الشرط لا يُبرئ ذمّة المكلّف الأصيل (المستقرض) إذا أدّى وإلاّيتعين عليه الأداء. وصحّة الاشتراط دليل على كونه قابلاً للنيابة، فيدلّ ضمناً على صحّة التبرع.
وعلى كلّ تقدير فسواء أكان مورد الحديث هوالتبرّع أو الاشتراط؟ فالحديث كاف في سقوط الزكاة بفعل الغير.
ثمّ إنّ العلاّمة استدلّ في «المنتهى» على جواز تبرّع المقرض بما ورد من جواز التبرّع بالدين فقال: لو أدّى القارض الزكاة عن المقترض برأت ذمته، لأنّه بمنزلة قضاء الدين عنه.(3) ثمّ ذكر الصحيح مؤيداً للحكم.

1 . الوسائل: 6، الباب7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.
2 . المختلف: 3/164.
3 . المنتهى: 1/477، الطبعة الحجرية.

صفحه 83
وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه قياس مع الفارق من ناحيتين:
إحداهما : من ناحية المالك، فإنّه في الدين شخص معين وهو الدائن فيجري فيه التبرّع بمقتضى القاعدة، إذ للمالك إسقاط حقّه ابتداءً بلا عوض بإبراء ونحوه، فمع العوض الذي يتسلّمه من المتبرّع بطريق أولى فيجوز الدفع إليه تفريغاً لذمّة المديون وتبرأ ذمته بطبيعة الحال.
وأمّا المقام فالمالك كلّي الفقير لا شخص معين، ولذلك ليس لأحد من الفقراء إبراء من عليه الزكاة وإسقاط الحقّ عنه لعدم كونه مالكاً كي يسوغ له ذلك، ولأجله لا أثر للتبرّع (يريد الإبراء) من الفقير في حصول البراءة لمن اشتغلت ذمّته بالزكاة.
الثانية: من ناحية المملوك فإنّه في الدين كلّي في الذّمّة قابل للانطباق على كلّ ما كان مصداقاً له ولو كان حادثاً من التبرع، وهذا بخلاف الزكاة فإنّها متعلّقة بالعين الزكوية على الخلاف في كيفية التعلّق من كونها بنحوالإشاعة أو الكلّي في المعين أو الشركة في المالية ، وعلى أي حال فمتعلّق الحقّ هي تلك العين الخارجية فلابدّ وأن يدفع النصاب منها.
نعم قام الدليل الخارجي على أنّ من عليه الزكاة يجوز له دفع مقدار النصاب من ماله الآخر ولا يلزمه الدفع من نفس العين ولم يقم مثل هذا الدليل بالنسبة إلى شخص آخر ليسوغ التبرع منه بماله حتى ولو كان ماله من الأعيان الزكوية، فالاجتزاء بدفعه بدلاً عمّا تعلّقت به الزكاة على خلاف مقتضى القاعدة. فاتّضح انّه لا وجه لإلحاق الزكاة بالدين في صحّة التبرع بعد وجود الفرق بينهما من هاتين الناحيتين.(1)

1 . مستند العروة : 1/99ـ 100، كتاب الزكاة.

صفحه 84
يلاحظ عليه: أنّ كلاً من الوجهين غير مؤثر في نفي جواز التبرّع.
أمّا الوجه الأوّل فحاصله: انّ للمالك إسقاط دينه ابتداءً بلا عوض، فمع العوض بطريق أولى، بخلاف الزكاة إذ ليس للفقير إبراء من عليه الزكاة .
يلاحظ عليه: انّه لا ملازمة بين جواز إبراء المالك، وجواز تبرّع الأجنبي، حتى يستدلّ بجواز الإبراء في الدين على صحّة التبرّع وبعدمه في مورد الزكاة على عدم صحّة التبرّع.
وذلك لأنّ في إبراء الفقير ذمّة المالك، ضرر على أصحاب الزكاة فلا يجوز له ذلك، بخلاف قبول الزكاة من المقرض تبرعاً من ناحية المالك، ففيه تمويل للفقير، لا سلب حقّ له.
وأمّا الثاني، فلأنّ قيام الدليل على أنّه يجوز للمالك تبديل العين الزكوية بثمنها، دليل عرفاً على أنّ الغرض المنشود من تشريع الزكاة، هو تمويل الفقير من هذا الطريق من غير فرق بين قيام المالك بذلك مباشرة، أو قيام الآخر عنه نيابة، فاعمال التعبّد بأنّه لا يكفي الثاني وتجب مباشرة المالك مبني على أنّه يشترط المباشرة في التكاليف، وقد عدلنا عنه بصحيحة منصور بن حازم، فلاحظ.

الثاني: تبرع الأجنبي

هل يختص التبرّع بالمقرض أو يصحّ من الأجنبي؟ الظاهر عدم الفرق بين المقرض وغيره لانقطاع صلة المال عن المالك، فالمالك والأجنبي سواسية، ومن قال بجواز تبرّع المقرض فعليه القول بجواز التبرّع هنا.

صفحه 85

الثالث: لزوم الاستئذان من المقترض عند التبرّع عنه

مقتضى إطلاق صحيحة منصور بن حازم عدم لزوم الاستئذان، حيث قال: « إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه».(1) إلاّ أن تحمل الرواية على صورة الاشتراط فيكون الإذن متحقّقاً.
ويمكن الاستدلال على عدم لزوم الاستئذان بما ورد من شرعية العبادات التي يقوم بها الإنسان عن الوالدين.
روى الكليني عن محمد بن مروان، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين، يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما ويحجّ عنهما ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع، لهما، وله مثل ذلك، فيزيده اللّه عزّوجلّ ببره وصلته خيراً كثيراً».(2)
نعم لو كان تبرّع الأجنبي عن المقترض إهانة له أو سبباً لإيذائه فلا يجوز .

الرابع : اشتراط المقترض الزكاة على المقرض

هل يجوز أن يشترط المقترض الزكاة على المقرض؟ فقد قسّمه المصنّف إلى قسمين:
الأوّل: أن يقصد توجّه خطاب الزكاة إليه.
الثاني: أن يقصد قيام المقرض بأداء الزكاة عنه.
أمّا الأوّل فهو باطل لوجهين:

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.
2 . الوسائل: 5، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.

صفحه 86
أ . انّه على خلاف الكتاب والسنّة، لأنّ الزكاة حسب ما مرّمن الروايات على المقترض، فكيف يشترط توجهه ابتداءً إلى المقرض؟
وربّما يقال: إنّ هذا النوع من الشرط ليس شرطاً مخالفاً للكتاب والسنّة، لأنّ الشرط المخالف عبارة عمّا إذا كان الفعل في حدّ نفسه ـ لولا الشرط ـ ممّا يمكن أن يصدر عن المشروط عليه وأن يفعله وأن لا يفعله، فيحكم بوجوب صدوره منه مع الشرط إلاّ إذا تعلّق بفعل حرام أو ترك واجب ممّا خالف الكتاب والسنّة، مثل أن يشترط أن لا يصلّي صلاة الفجر أو يفطر شهر رمضان أو يشرب الخمر، وهذا غير منطبق على المقام لوضوح انّ تعلّق الوجوب وتوجيه الخطاب بالزكاة فعل من أفعال الشارع وخارج عن قدرة المشروط عليه واختياره بالكلية فلا يمكن صدوره من هذا الشخص بتاتاً كي يكون موافقاً للكتاب والسنّة ومخالفاً أُخرى. فعدم نفوذ هذا الشرط لكونه خارجاً عن الاختيار.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا مانع أن يكون باطلاً من كلتا الجهتين ولا يشترط في الشرط المخالف أن يكون فعلاً من أفعال البائع أو المشتري. كيف، وقد عدّ في غير واحد من الروايات جعل الولاء لغير من أعتق من الشروط المخالفة لقضاء اللّه وحُكْمه، وذلك عندما اشترطت عائشة أن يكون ولاء بريرة لها لا لمعتِقِها فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ ردّاً لشرطها ـ : «قضاء اللّه أحق، وشرط اللّه أوثق، وإنّما الولاء لمن أعتق».(2)
وقد ورد في غير واحد من الروايات، انّ جعل الطلاق بيد المرأة من الشروط

1 . مستند العروة الوثقى: 1/103، كتاب الزكاة.
2 . صحيح البخاري: 3/192، باب الشروط في الولاء، الحديث 1.

صفحه 87
المخالفة للكتاب والسنّة.(1) والمراد أن يكون لها هذا الحقّ شرعاً وقانوناً.
وأمّا القسم الثاني ـ أعني: اشتراط النيابة عنه ـ ، فالظاهر الصحة لعموم المؤمنون عند شروطهم، ولم يخالف إلاّ العلاّمة في «المختلف»: قال الشيخ في باب القرض من النهاية: وتسقط زكاته عن القارض إلاّ أن يشترط المستقرض عليه أن يزكّيه عنه فحينئذ تجب الزكاة على القارض دون المستقرض.(2)
وأورد عليه العلاّمة وقال: إنّه ملك المستقرض فالزكاة عليه والشرط غير لازم، لأنّه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه وانّه باطل، كما لو شرط غير الزكاة من العبادات.
ويظهر من العلاّمة في «المنتهى» انّ للشيخ قولاً آخر وهو عدم الجواز، قال العلاّمة: الرابع قال الشيخ لو اشترط المقترض الزكاة على القارض فليس بوجه، والأقرب وجوب الزكاة على المقترض شرط أو أطلق.(3)
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل على الصحّة هو عموم قوله : «المؤمنون عند شروطهم» بعد ما تبيّن قبوله للنيابة.

الخامس: عدم براءة ذمّته بنفس الاشتراط

ثمّ إنّ الاشتراط لا يوجب انتقال الزكاة من ذمّة المقترض إلى ذمّة القارض، فلو أدّى عن جانبه سقط وإلاّيبقى على ذمّة المقترض. وذلك لأنّ المكلّف

1 . لاحظ الوسائل: 15، الباب 41 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 5; والباب 13 من تلك الأبواب، الحديث 2.
2 . النهاية ، كتاب الديون باب القرض وأحكامه، 312.
3 . المنتهى: 1/477، الطبعة الحجرية.

صفحه 88
المسألة 12: إذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة، فإن كان مطلقاً غير مؤقّت ولا معلّقاً على شرط لم تجب الزكاة فيها، وإن لم تخرج عن ملكه بذلك لعدم التمكّن من التصرّف فيها، سواء تعلّق بتمام النصاب أو بعضه. نعم لو كان النذر بعد تعلّق الزكاة وجب إخراجها أوّلاً ثمّ الوفاء بالنذر.
وإن كان مؤقّتاً بما قبل الحول ووفى بالنذر فكذلك لاتجب الزكاة إذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب، وكذا إذا لم يف به وقلنا بوجوب القضاء ـ بل مطلقاًـ لانقطاع الحول بالعصيان.
نعم إذا مضى عليه الحول من حين العصيان وجبت على القول بعدم وجوب القضاء. وكذا إن كان مؤقّتاً بما بعد الحول، فإنّ تعلّق النذر به مانع عن التصرف فيه .
وأمّا إن كان معلّقاً على شرط، فإن حصل المعلّق عليه قبل تمام الحول لم تجب وإن حصل بعده وجبت، وإن حصل مقارناً لتمام الحول ففيه إشكال ووجوه، ثالثها: التخيير بين تقديم أيّهما شاء، ورابعها: القرعة.*
الواقعي بالأداء هو المقترض، فهو في ذمّته إلى أن يحصل الأداء، فإذا خالف المقرِض، بقيت الزكاة على ذمّته وليس الاشتراط بنفسه ناقلاً الزكاة من ذمته إلى ذمّة المقرِض.

* في المسألة فروع

1. إذا نذر أن يتصدّق بالعين الزكوية، قبل حلول الحول ـ قبل تعلّق الزكاة ـ من دون أن يحدِّد الوفاء بالنذر بوقت خاص ولا مشروطاً بحدوث شيء ـ كبرء

صفحه 89
المريض المعلوم ـ وبعبارة أُخرى: لم يكن في المقام إلاّ النذر قبل الحول.
2. تلك الصورة لكن نذر بعد حلول الحول وتعلّق الزكاة ، فلم يكن في المقام لا توقيت ولا تعليق إلاّ النذر بعد تعلّق الزكاة. والناذر، ينذر في جميع الصور قبل حلول الحول، إلاّفي هذه الصورة، فإنّما ينذر، بعد تعلّق الزكاة بالمال الزكوي، فليُحفظ ذلك يفيدك في الإحاطة بالصور على وجه صحيح.
وهاتان الصورتان راجعتان إلى صورة النذر المطلق غير المؤقّت والمعلّق; وأمّا الصورة المؤقّتة غير المعلّقة فلها صور أربع، فالنذر في الجميع قبل حلول الحول; لكن التوقيت أي العمل بالنذر تارة يكون ظرفُه، قبل الحول، وأُخرى بعده مع تقدّم النذر على الحول. وإليك صوره:
3. إذا نذر التصدّق قبل الحول، وكان الوفاء مؤقتاً بما قبل الحول وفرضنا أنّه وفى بنذره قبله.
4. تلك الصورة أي نذر قبل الحول وكان الوفاء مؤقّتاً بما قبله، ولكن لم يف بنذره، وقلنا بوجوب القضاء وانّ عدم الإتيان بالمنذور المؤقّت في وقته، لا يكون سبباً لسقوط التكليف.
5. تلك الصورة وقلنا بسقوط التكليف بالقضاء.
وهذه الصور الثلاث راجعة إلى توقيت الوفاء بالنذر بما قبل الحول، على وجه يكون النذر فعلياً، والوفاء استقبالياً محدَّداً بما قبل الحول.
6. إذا نذر قبل الحول ولكن جعل الوفاء بالتصدّق بما بعد الحول فالنذر فعلّي والوفاء به استقبالي محدّد بما بعد الحول.
هذه الصور الأربع راجعـة إلى النذر الفعلي المؤقّت وفـاءً، وأمّا المعلّق

صفحه 90
فصوره ثلاث:
7. إذا نذر قبل الحول، معلِّقاً على حصول شيء وحصل المعلّق عليه قبله.
8. تلك الصورة وحصل المعلّق عليه بعد الحول.
9. تلك الصورة وحصل المعلّق عليه مقارناً لتمام الحول.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفاصيل الصور فنقول:
أمّا الصورة الأُولى فقال المصنّف: إنّه لا تجب الزكاة فيها وإن لم تخرج عن ملكه بذلك ـ وعلّله ـ بعدم التمكّن من التصرّف فيها سواء تعلّق بتمام النصاب أو بعضه .
إنّ تحقيق ما ذكره يتوقّف على تحليل معنى النذر، فنقول هنا احتمالات:
الأوّل: انّ النذر تمليك العمل المنذور للّه سبحانه حيث إنّ اللام في قوله «للّه» لام التمليك، فإذا قال: «للّه عليّ أن أتصدّق ذلك النصاب للفقراء» فقد ملّك عملَ التصدق به للّه سبحانه، فيكون العمل من الناذر مملوكاً للّه سبحانه وعهدة الناذر (عليّ) ظرف له ، والظرف (للّه) خبر مقدّم، والفعل (أن أتصدّق) مؤوّل بالمصدر مبتدأ له، كأنّه يقول: للّه عليّ التصدّق به فكأنّه يُنشئ ملكية العمل للّه، فإذا صار العمل ملكاً للّه، يكون النصاب موضوع حقّ له سبحانه.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ تمليك العمل بما هوهو أمر غير متعارف بين العقلاء وانّما يتعلّق التمليك عندهم بالأعيان، أو بالأعمال القائمة بها كتمليك الأجير عمله للموجرـ : انّ ما ذكره غير متبادر من الجملة، ولا هو مقصود الناذر، إذ لا معنى لأن يملِّك العبدُ، عملَه الضئيل لمالكَ الملك والملكوت.
نعم يصحّ للّه سبحانه أن يخبر عن مالكيته للخمس ويقول: (وَاعْلَمُوا أنّما

صفحه 91
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَإنَّ للّه ِخُمُسَهُ)(1)، أو يطلب القرض من عباده ويقول (مَنْ ذَا الَّذي يُقرضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ)(2)، تلطّفاً لدعوة العباد إلى فعله، وتأكيداً للجزاء عليه، وأين هو من أن يُملِّك العبد خالقه الذي يملكه وما ملك؟! وإن كنت في شك فاسأل الناذرين العرب الأقحاح عن معنى الجملة المذكورة.
الثاني: انّ مفهومه تعجيز الناذر نفسه من التصرّف فيه بالإتلاف والبيع وغيرهما التي كانت سائغة له قبل النذر.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره غير متبادر من الصيغة، والتعجيز من أحكام النذر ولوازمه فإن حبس شيء في مورد يمنع بطبعه عن استعماله في مورد آخر.
الثالث: نوع عقد واتّفاق من العبد مع اللّه سبحانه على أن يفعل كذا.
يلاحظ عليه: أنّ العقد والاتّفاق من الطرفين يتوقّف على إيجاب من أحد الطرفين وقبول من الطرف الآخر على أنّ المناسب لهذا المعنى ، هو استخدام لفظ عاهدت اللّه، لا «للّه علي».
الرابع: هو انّ النذر، هو التزام الإنسان بعمل قاصداً به كسب رضاه وقربه فهو يلتزم أن يعمل كذا، لأجله، فإذا كان النذر جامعاً للشرائط وراجحاً في نفسه أمضاه سبحانه، ويجب عليه الوفاء، وهذاهو المتبادر من قول امرأة عمران حيث قالت: (رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْني مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنّك أَنْت السَّمِيعُ العَليم)(3)، أي أوجبت لك بأن اجعل ما في بطني خادماً للبيعة.

1 . الأنفال: 41.
2 . الحديد: 11.
3 . آل عمران: 35.

صفحه 92
وممّا يدلّ على أنّ النذر ليس تمليكاً للّه، إنّه لو كان كذلك، لما كان لقوله: «محرّراً» وجه، وإنّما يتناسب ذلك مع كونه التزاماً نفسياً، غير انّ متعلّقه يختلف وهو في الآية كونه محرّراً.
إذا عرفت ذلك يظهر وجه ما أفاده المصنّف حيث إنّ مثل هذا النذر وإن لم يُخرج المنذور (النصاب) عن ملك المالك، لكنّه يمنع عن تعلّق الزكاة لعدم التمكّن من التصرّف فيه من البيع ولا الإتلاف ولا غير ذلك، وقد عرفت أنّ من شرائط تعلّق الزكاة تمكّن المالك من التصرّف، إلاّعلى قول من خصّ التمكّن، بالتمكّن التكويني بأن كانت العين تحت يده وقد عرفت أنّ المنع التشريعي مثله، لأنّه يوجب انصراف دليل الزكاة عن مورده .
هذا من غير فرق بين تعلّق النذر بتمام النصاب أو بعضه. أمّا الأوّل فيمنع عن تعلّقه بتاتاً، وأمّا الثاني فإنّما يمنع إذا كان الباقي غير بالغ حدّ النصاب بعد الوفاء، وأمّا لو بلغ إلى حده ـ حتى بعد الوفاء ـ تتعلّق الزكاة بالباقي إذ ليس ممنوع التصرّف فيه.
الصورة الثانية: لو نذر ـ بعد تعلّق الزكاة بالنصاب بحولان الحول، أن يتصدّق به; فقد أفتى المصنّف بأنّ النذر اللاحق، لا يؤثر في رفع وجوب الزكاة بعد تعلّقه، بمال جامع للشرائط، فعليه إخراج زكاتها أوّلاً، ثمّ الوفاء بالنذر .
أقول: إنّ ما ذكره واضح في موردين:
1. إذا نذر بعد حيلولة الحول، التصدّق بما عدا مقدار الزكاة.
2. إذا نذر بعد الحيلولة، النصابَ بلا استثناء لكن كان القدر المتيقّن من نيّته، هو العمل به بعد الزكاة على نحو لو كان ملتفتاً بأن نذر الجميع، يستعقب إخراج الزكاة من مال آخر، لما نذر.

صفحه 93
إنّما الكلام في غير هاتين الصورتين، فربما يحتمل انّه يجب عليه الجمع بين إخراج الزكاة من غير العين والوفاء بالنذر بعامّتها. فان علمه بالحكم الشرعي بأنّه لا يصحّ الوفاء بالنذر بالمال الزكوي، ربما يشكّل قرينة على التزامه بإخراج الزكاة من غيرها والوفاء بالنذر بالنصاب. وعلى كلّ تقدير فالمعتبر هو إحراز قصد الناذر، وإلاّ فيؤدّي الزكاة من العين ثمّ يفي بما بقي.

أقسام المؤقّت

إلى هنا تمّ قسم المطلق، غير المؤقّت وغير المعلّق، وإليك أقسام المؤقّت، والمراد منه كون الوفاء بالنذر مؤقّتاً لا نفس النذر.
الصورة الثالثة: إذا نذر قبل الحول وكان الوفاء مؤقّتاً بما قبله ووفى بالنذر فلا تجب الزكاة، إذ لم يبق بعد ذلك موضوع للزكاة.
الصورة الرابعة: إذا نذر قبل الحول وكان الوفاء مؤقّتاً بما قبل الحول لكنّه عصى ولم يف بنذره وكان النصاب باقياً بحاله وقلنا بوجوب القضاء، وانّ وجوب الوفاء بالنذر المؤقّت لا يسقط بالمخالفة ، لم تجب الزكاة وذلك لانقطاع الحول بالعصيان، ـ حسب تعبير المصنّف ـ أو انقطاعه بالنذر وبحكم الشارع بالوفاء به قبل الحول، حيث إنّه لم يكن متمكّناً من التصرّف طول الحول لأجل النذر.
نعم لو قلنا بأنّ المخل هو المنع التكويني لا التشريعي وجبت الزكاة، لكنّك عرفت أنّ المنع التشريعي كالمنع التكويني، أضف إلى ذلك انّه يمكن أن يقال انّه ليس من مصاديق غير المتمكّن بل خطاب الشارع بالوفاء بالنذر قبل الحول وبعده يشكّل قرينة على انصراف وجوب الزكاة عن هذه الصورة.
الصورة الخامسة: تلك الصورة ولكن قلنا بعدم وجوب القضاء إذا فات

صفحه 94
وقت الوفاء، فقد عطف المصنّف هذه الصورة إلى ما قبلها، وذلك لانقطاع الحول بخطاب الشارع بالوفاء بالنذر قبل المخالفة.
وقد عرفت عند البحث في الشرط الخامس أنّ المراد من التمكّن هو التمكّن طول السنة، ويكفي في انقطاع الحول، إيجاب الوفاء بالنذر قبل حولان الحول أداءً وإن لم يكن إيجاب، قضاءً ، لعدم القضاء في عصيان النذر المؤقّت.
الصورة السادسة: إذا نذر قبله مؤقّتاً الوفاء به بعد الحول فحكمه حكم النذر المطلق، لأنّ العبرة بتقدّم الوجوب على تعلّق الزكاة فيصدق انّه غير متمكّن من التصرّف بالإعدام والبيع، فيشكّل أيضاً قرينة على انصراف دليل وجوبها عن هذه الصورة، فإنّ الإيجاب في المقام أشبه بالواجب المعلّق فالوجوب فعلي والواجب استقبالي.

أقسام المعلّق

إن نذر معلّقاً على شرط فله أقسام ثلاثة، تشكّل الصور الثلاث الباقية، وإليك تفاصيلها.
الصورة السابعة: إذا نذر قبل الحول وعلّقه على شرط وحصل الشرط قبل الحول، كان حكمها حكم النذر المطلق، فانّ المشروط بعد حصول شرطه كالمطلق، وكأنّه لم يعلّق على شيء، لأنّه بإيجاب الوفاء عليه بعد حصول المعلّق عليه، صار ممنوع التصرّف شرعاً، ومع هذا الوصف لا يؤثر حولان الحول في وجوب الزكاة إلاّ أن يُمنع تأثير المنع الشرعي في المقام واقتصر بما إذا لم يتمكّن عقلاً ولا عرفاً.
الصورة الثامنة: إذا نذر قبل الحول معلّقاً على برء مريضه ولكن حصل

صفحه 95
المعلّق عليه، بعد الحول; فقد أفتى المصنّف بوجوب الزكاة، لأنّه وجبت الزكاة جامعة للشرائط ولم يكن هناك أي منع شرعي من التصرّف قبل حصول المعلّق عليه.
غير انّ كثيراً من المعلّقين على العروة اختاروا عدم وجوبها قائلين بأنّ إنشاء النذر قبل الحول ـ وإن لم يحصل المعلّق عليه ـ سلب عنه التمكّن من التصرّف، قال المحقّق الخوئي: الظاهر عدم الفرق بين حصول المعلّق عليه قبل الحول أو بعده في المانعية عن تعلّق الزكاة، فلو بنينا على أنّ الحكم التكليفي، أعني: وجوب الصرف في الصدقة، يمنع عن تعلّق الزكاة لم يفرق فيه بين الصورتين .(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على كون الوجوب فعلياً قبل حصول المعلّق عليه، وعندئذ تكون العين المنذورة طرفاً للحق ولا يتمكّن من التصرّف، وأمّا لو قلنا بأنّ الوجوب إنشائي، إذ لا بعث ولا إلزام بالوجدان، قبل حصول المعلّق عليه(2) والغاية من جعل الحكم الإنشائي هو صيرورته فعلياً في ظرف وجود المعلّق عليه، وربما لا يتمكّن الإنسان من الإنشاء في هذا الظرف، ولعلّ القائلين بوجوب الوفاء بالنذر خلطوا بين المؤقّت والمعلّق، فانّ الوجوب في الأوّل فعلي، دون المقام، وما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ المعلّق هو الوفاء بالنذر دون الوجوب، أمر غير ظاهر. بل الظاهر انّ المعلّق عليه هو المنشأ أي وجوب الصرف.
وأقصى ما يمكن أن يقال: انّ المعلّق عليه لو كان فعلاً اختيارياً للناذر، أو غير اختياري ولكن يعلم تحقّقه في ظرفه ففي هذه الصورتين يجب الوفاء بالنذر، لأنّه نظر العرف محكوم بحفظ المال وعدم التصرّف فيه إلى ظرف المعلّق عليه.
الصورة التاسعة: إذا حصل المعلّق عليه مقارناً لتمام الحول فقد ذكر الماتن

1 . مستند العروة الوثقى: 1/111.
2 . لاحظ المحصول: 1/512تجد فيه تحقيق المسألة.

صفحه 96
فيها وجوهاً: وجوب الزكاة ، وجوب الوفاء بالنذر، التخيير بين تقديم أيّهما شاء من الزكاة والصدقة، والقرعة. وكان عليه أن يضيف احتمالاً خامساً وهو الجمع بين الأمرين بأداء الزكاة من غير العين.
أمّا الأوّل فلأنّه كان متمكّناً من التصرّف في العين عبْـر السنة، إلاّ في وقت قصير تقارن انقضاء السنة مع حصول المعلّق عليه، وهو لأجل قلّته يتسامح فيه العرف ويعدّه متمكّناً من التصرّف طول السنة.
يلاحظ عليه: أنّ التسامح إنّما يصحّ فيما إذا لم يكن هناك تحديد من الشارع، وأمّا إذا كان هناك تحديد منه فلا وجه للمسامحة وعدّما ليس مصداقاً للتمكّن مصداقاً له.
وأمّا الوجه الثاني فلما مرّ في الصورة الثامنة من أكثر المعلّقين من أنّ تقدم الوجوب يمنع عن تعلّق الوجوب بالعين.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الوجوب إنّما يمنع عنه إذا كان فعلياً، لا إنشائياً، فانّ وجوب الوفاء بالنذر والتعهّد مشروط بحصول المعلّق عليه والمفروض عدمه.
وأمّا التخيير فلأنّ المقام من قبيل المتزاحمين حيث إنّ العمل بكلّ من الواجبين أمر غير ممكن فيتخير. وليس المقام من قبيل التخيير بين الخبرين المتعارضين، لأنّه فيما إذا كان بين الخبرين من النسب، التباين لا العموم من وجه كما في المقام حيث إنّ بين دليلي إيجاب الزكاة وإيجاب الوفاء بالنذر عموم من وجه.
وربما يقال بخروج المقام عن المتزاحمين، فانّ جريان أحد الدليلين يرفع موضوع الدليل الآخر فلا طريق إلى إحراز الملاكين.
يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من رفع الموضوع وجود التنافي بين العمل بكلا

صفحه 97
المسألة 13: لو استطاع الحجّ بالنصاب، فان تمّ الحول قبل سير القافلة والتمكّن من الذهاب وجبت الزكاة أوّلاً، فان بقيت الاستطاعة بعد إخراجها وجب، وإلاّ فلا .
وإن كان مضي الحول متأخّراً عن سير القافلة وجب الحجّ وسقط وجوب الزكاة. نعم لو عصى ولم يحجّ وجبت بعد تمام الحول.
ولو تقارن خروج القافلة مع تمام الحول وجبت الزكاة أوّلاً لتعلّقها بالعين بخلاف الحجّ.*
الدليلين فهو من مقوّمات التزاحم، وإن أُريد وجود التنافي بين الوجوبين حيث إيجاب كلّ يوجب عدم بقاء الموضوع للدليل الآخر، فهو غير لازم لإمكان أداء الزكاة من غير العين.
وأمّا القرعة فموردها هو الشبهات الموضوعية لا الحكمية كما في المقام.
وأمّا الجمع بأداء الزكاة من غير العين والعمل بالنذر بدفع العين فلم نجد له دليلاً صالحاً، مضافاً إلى استلزامه الضرر على المالك.
ولعلّ التخيير أوجه الوجوه، واللّه العالم.
* صور المسألة ثلاث:
1. إذا تمّ الحول قبل التمكّن من الذهاب.
2. إذا تمكّن من الذهاب، قبل تمامية الحول.
3. إذا تقارن التمكّن منه مع زمان حلول الحول.
والمراد من التمكّن من الذهاب هو سير القافلة وخروج الرفقة، وفي العصر

صفحه 98
الحاضر صدور الجواز وتأشيرة الدخول وسماح الدولة بالخروج من البلد مع القوافل المشخصة. وإليك تفاصيلها:
الصورة الأُولى: إذا تمّ الحول قبل سير القافلة وخروج الرفقة، تجب الزكاة لاجتماع شرائط الوجوب والتمكّن من التصرّف في العين بعد السنة، لافتراض انّه تمّ الحول قبل أن يجب الحجّ لعدم تحقّق شرطه وهو التمكّن من السفر، ولا يجب الحجّ، لانتفاء الاستطاعة لعدم التمكن من السفر.
هذا على القول بأنّ وجوب الحجّ يتوقّف ـ مضافاً إلى الزاد والراحلة وتخلية السرب ـ على التمكّن من السفر; وأمّا على القول بكفاية الثلاثة الأُول وإن لم يتمكّن من السفر فيكون ممنوعاً من التصرّف لوجوب حفظ المال للحج للعلم بتمكّنه في المستقبل، فيجب الحجّ دون الزكاة، لكن المشهور انّ التمكّن من السفر جزء الاستطاعة ومن مقوماتها، فلا يعد مستطيعاً إلاّ به، وهو يختلف حسب اختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد، وعلى ذلك فإن أخرج الزكاة وبقيت الاستطاعة وجب الحجّ وإلاّفلا.
الصورة الثانية: إذا تمكّن من الذهاب قبل تمامية الحول، قال المصنّف: وجب الحجّ وسقط وجوب الزكاة.
أمّا الأوّل: لتحقّق شرطه وهو الاستطاعة بأجزائها الأربعة : الزاد، والراحلة، وتخلية السرب، والتمكّن من السفر.
وأمّا الثاني: فلفقد موضوعه، أي المال المتمكن من التصرّف فيه عقلاً وشرعاً بعد وجوب حفظه للحج.
هذا إذا خرج إلى الحجّ ثمّ حال الحول، وأمّا إذا تمكّن وكان الفاصل الزماني

صفحه 99
بين التمكّن وتمامية الحول، قليلاً، فلو بدّل العين الزكوية قبل حيلولة الحول، وجب الحجّ وسقط وجوب الزكاة، وأمّا لو ترك التبديل وحال الحول فهل يجب الحجّ؟ أو تجب الزكاة؟ يظهر من غير واحد من المعلّقين، منهم: السيد البروجردي، وجوب الزكاة مطلقاً.
قال العلاّمة في القواعد: لو استطاع بالنصاب وجب الحجّ ثمّ مضى الحول على النصاب، فالأقرب عدم منع الحجّ من الزكاة.(1)
وقال في الجواهر: لو استطاع الحجّ بالنصاب وكان مضي الحول متأخراً عن أشهر الحجّ وجب الحجّ بلا إشكال، فلو عصى ولم يحجّ حتى الحول وجبت الزكاة واستقر الحجّ في ذمّته وإن ذهبت الاستطاعة بتقصيره.(2)
وهناك من فصّل بين توقّف الحجّ على صرف عين المال، فلا تجب الزكاة، وإن حال الحول، سواء حجّ أم لا، لأنّه إذا وجب الحجّ، وجب حفظ المال مقدّمة له وحرم التصرّف فيه فينتفي شرط وجوب الزكاة بعد حولان الحول، لأنّ وجوب الدفع مشروط بالتمكّن من التصرف، المنتفي بوجوب الحجّ المقتضي لحفظ المال عن التلف.
وبين ما لا يتوقّف على صرف عينه، فإن بدّل العين الزكوية بغيرها فهو وإلاّ فإن بقيت بحالها وحال الحول عليها وجبت الزكاة، وحينئذ إذا كان وجوبها موجباً لثلم الاستطاعة سقط وجوب الحجّ.(3)
وحاصله: انّه إذا كان الحجّ غير متوقف على صرف عين المال كان في وسع

1 . إيضاح القواعد: 1/170 قسم المتن ولاحظ التذكرة : 5/26.
2 . الجواهر: 15/47.
3 . المستمسك: 9/44ـ 45.

صفحه 100
المكلّف الجمع بين الحجّ وعدم تعلّق الزكاة، بأحد الوجهين:
1. أن يحجّ قبل حولان الحول.
2. إذا أخّر إلى أن حال الحول، لكن كان في وسعه قبل الحول أن يبدّل العين الزكوية بغيرها ممّا لا تتعلّق به الزكاة. فانّ في التبديل جمعاً بين حفظ المال للحج، والصد عن تعلّق الزكاة لأجل التبديل، فإذا قصّر، تجب عليه الزكاة لاستجماع شرائطها، فيسقط وجوب الحجّ:
« وربما يحتمل وجوب الزكاة والحجّ معاً. أمّا الزكاة فلما مرّ; وأمّا الحجّ فلأنّ فوات الاستطاعة يكون مستنداً إلى تقصيره من عدم التبديل، وإذا استند فوات الاستطاعة إلى تقصير المكلّف استقر عليه الحجّ ووجب ولو متسكعاً».(1)
يلاحظ عليه: أنّ إيجاب الزكاة في المقام غفلة عمّا هو الشرط لوجوبها، فانّ الشرط ليس التمكّن من مطلق التصرّف ولو بالتبديل، بل الشرط كما مرّ تمام التمكّن من التصرّف بالإتلاف والهبة والبيع وهو غير موجود في المقام لوجوب حفظ مالية المال للحجّ ولو بالتبديل ومعه كيف تجب الزكاة؟ فما أفاده في المتن هو الأقوى.
الصورة الثالثة: إذا تقارن خروج القافلة مع تمام الحول، قال المصنف: وجبت الزكاة لتعلّقها بالعين بخلاف الحجّ.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يتم فيما إذا توقّف الحجّ على صرف خصوص العين الزكوية كما هو الحال في النقدين في العصور السابقة.
وثانياً: أنّ تعلّقها بالعين إنّما يفيد إذا لم يكن ممنوع التصرّف فيها والمفروض

1 . المستمسك: 9/44ـ 45.

صفحه 101
المسألة 14: لو مضت سنتان أو أزيد على ما لم يتمكّن من التصرف فيه ـ بأن كان مدفوناً ولم يعرف مكانه، أو غائباً، أو نحو ذلك ـ ثمّ تمكّن منه استحبّ زكاته لسنة، بل يقوى استحبابها بمضيّ سنة واحدة أيضاً.*
انّه بالاستطاعة صار ممنوع التصرّف للزوم حفظ الاستطاعة وما يقال من أنّ الممنوعية في جزء يسير لا يضر في صدق التمكّن قد عرفت ما فيه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ وجوب الحجّ فرع إحراز كون المال مختصاً بالمالك، حتى تصدق الاستطاعة وهو بعدُ غير محرز لاحتمال وجوب الزكاة، وأمّا الزكاة فهي تتعلّق بالعين من غير إناطة بشيء فتأمّل.
* لا خلاف في أصل الحكم، قال الشيخ في النهاية : فإن لم يكن متمكّناً وغاب عنه سنين ثمّ حصل عنده يُخرج زكاتَه سنة واحدة.(1)
وقد مضى كلامه في الخلاف(2) في الشرط الخامس .
وقال في الشرائع: فإن مضى عليه سنون وعاد زكّاه لسنة استحباباً.(3)
وقال في المنتهى: إذا عاد المغصوب أو الضالّ إلى ربه استحب له أن يزكّيه بسنة واحدة. ذهب إليه علماؤنا. وقال مالك: يجب.(4)
وقد مرّ في الشرط الخامس ما يدل على وجوب الزكاة في مثل المورد، وعليه فلو دلّ دليل على الزكاة يحمل على الاستحباب كما في الروايات التالية:

1 . النهاية: 175 باب ما تجب فيه الزكاة.
2 . الخلاف: 2، كتاب الزكاة، المسألة 30.
3 . الجواهر: 15/57، قسم المتن.
4 . المنتهى: 1/475

صفحه 102
1. موثّقة ابن بكير عمّن رواه، وعن زرارة ـ وقد مرّ انّ الثاني أقرب ـ عن أبي عبداللّه (عليه السلام)انّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد».(1)
2. صحيح رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلا يردّ رأس المال، كم يزكّيه؟ قال: «سنة واحدة».(2)
3. حسنة سدير الصيرفي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام)ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه؟ فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثمّ إنّه احتفر الموضع الذي من جوانبه كلّه فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة لأنّه كان غائباً عنه وإن كان احتبسه».(3)
فيحمل الجميع على الاستحباب جمعاً بينها وبين ما دلّ على أنّه لا زكاة فيه، وقد مرّ في الشرط الخامس.
ومع ذلك كلّه ففي الروايات احتمال آخر وهو لزوم أداء الزكاة، بعد مرور سنة من وقت التمكّن، ولا يلزم منه إيضاح الواضح، لأنّه بصدد نفي ماعليه «مالك» وأمثاله من وجوب الزكاة على السنوات الماضية، ولذلك أكّد على سنة واحدة بعد التمكّن لأجل الردّ على القائل بوجوبها فوراً لما مضى من السنين.
إنّما الكلام في موردين:
الأوّل: هل الحكم مختص بالمال الغائب الوارد في روايتي زرارة ورفاعة والمال

1 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.
2 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

صفحه 103
المسألة 15: إذا عرض عدم التمكّن من التصرّف بعد تعلّق الزكاة أو بعد مضيّ الحول متمكّناً فقد استقر الوجوب فيجب الأداء إذا تمكّن بعد ذلك وإلاّ فإن كان مقصّراً يكون ضامناً وإلاّ فلا.*
الضالّ الوارد في رواية سدير، أو يعم كلّ ما لم يتمكّن منه فيعم المغصوب؟ الظاهر هو الثاني لإلغاء الخصوصية، ويؤيّده التعليل الوارد في حسنة سدير «لأنّه كان غائباً عنه». وليس المراد من الغيبة عدم الحضور، بل الحيلولة بينه وبين ماله.
الثاني : هل الحكم مختص بما إذا لم يتمكّن ثلاث سنين فما فوق ـ كما في حسنة سديرـ أو يعم الأقلّ والوارد في النصوص بين ثلاث سنين وخمس سنين وسنتين، والاختلاف يعرب عن عدم خصوصية للكثرة وإنّما ذكر من باب التأكيد على عدم الزكاة للسنوات الماضية، وعلى ذلك يكفي عدم التمكّن سنة واحدة كما عليه المصنّف حيث قال: بل يقوى استحبابها بمضي سنة واحدة أيضاً.
* لا شكّ انّ التمكّن من التصرّف الإتلافي أو الانتقالي أو ما أشبههما عبر السنة شرط لتعلّق الزكاة على ماله. كما مرّ في الشرط الخامس. وهناك شرط سادس وهو التمكّن من الأداء ـ وهو وراء الشرط الخامس ـ لكن الكلام في أنّه هل هو أيضاً شرط التعلّق والوجوب على نحو لو تمت السنّة جامعة للشرائط، لكن لم يتمكّن من الأداء للمستحقّ، لا تتعلق بماله الزكاة، أو انّه شرط الضمان بعد التعلّق مطلقاً تمكن من الأداء أو لا، فالظاهر من المحقّق في «الشرائع» والعلاّمة في «المنتهى»، كون التمكّن من الأداء شرط الضمان، لا التعلّق والوجوب.
قال المحقّق: وإمكان أداء الواجب معتبر في الضمان لا في الوجوب.(1)

1 . الجواهر: 15/51، قسم المتن.

صفحه 104
وقال العلاّمة: وليس التمكّن من الأداء شرط في الوجوب (التعلّق) . ذهب إليه علماؤنا أجمع ، وبه قال أبوحنيفة، وقال مالك: التمكّن شرط فيه، وللشافعي قولان. لنا قوله: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، فجعل حولان الحول غاية للوجوب (وقد حصلت الغاية وإن لم يتمكّن من الأداء) .(1)
وممّا ذكرنا يظهر انّ الأولى التعبير عن المسألة، بما عبّر به المحقّق وابن أُخته، دون ما في المتن، وكان على المصنّف أن يقول: «إذا عرض عدم التمكّن من الأداء بعد تعلّق الزكاة (كما في الغلات) أو بعد مضي الحول متمكّناً فقد استقرّ الوجوب (التعلّق...) .
وذلك لأنّ عدم التمكّن من الأداء، أعم مطلقاً من عدم التمكّن من التصرف، فتارة يجتمعان، كما إذا غُصب أو سرق بعد حولان الحول، وأُخرى يتمكّن من التصرّف من البيع والهبة، لكن لا يتمكّن من الأداء لعدم وجود المستحق، أو منع الجائر من العمل بالشريعة فالملاك في المقام عدم التمكّن من الأداء، سواء أوافق مع عدم التمكّن من التصرّف أو فارق.
والدليل على ذلك ، مضافاً إلى النبوي: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» عدم الدليل على كون الوجوب والتعلّق مشروطاً بإمكان الأداء، وراء اشتراطه بإمكان التصرّف عبر السنة.
فإن قلت: كيف تجب الزكاة عليه، بعد مضي الحول متمكّناً مع أنّه غير متمكّن من الامتثال، أعني: الأداء؟
قلت: الوجوب في المقام، وجوب وضعي بمعنى تعلّق الزكاة بماله، وشركة

1 . المنتهى: 1/490.

صفحه 105
المسألة 16: الكافر تجب عليه الزكاة، لكن لا تصحّ منه إذا أدّاها. نعم للإمام(عليه السلام)أو نائبه أخذها منه قهراً. ولو كان قد أتلفها فله أخذ عوضها منه.*
المستحق معه في المال بنحو من الأنحاء هو غير متوقّف على إمكان الأداء.
فإذا وجبت عليه الزكاة بمضي السنّة متمكّناً ، فلو عرض عدم التمكّن من الأداء بالمعنى الأعم، يدخل تحت قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فيكون ضامناً عند التفريط دون غيره.
لكن الظاهر من بعض الروايات انّ دائرة الضمان أوسع من التفريط، فلو أخّر في الأداء من دون تفريط، كما إذا أخّر ـ مع وجود المستحق ـ للدفع إلى الأفضل والآكد، ضمن.
ففي صحيح محمد بن مسلم: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها».(1)
وفي صحيح زرارة : «إن عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها».(2)
* في المسألة فروع:
1. يجب إخراج الزكاة على الكافر.
2. لا تصح مادام كافراً.
3. للإمام أو نائبه أخذ الزكاة منه قهراً.
4. إذا أتلف الكافر الزكاة فهو لها ضامن.

1 . الوسائل: 6، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 6، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

صفحه 106
وكان عليه تذييلها بفرع خامس تعرض له في المسألة السابعة عشرة وهو انّه إذا أسلم الكافر ـ بعد ما وجبت عليه الزكاة ـ سقطت عنه وإن كانت العين موجودة. وإليك دراستها تفصيلاً:
أمّا الأوّل، أعني: هل الإسلام شرط في التكليف أو لا؟ ذهب المشهور إلى أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالأُصول.
قال العلاّمة في «المنتهى»: الكفّار مخاطبون بفروع العبادات في الأمر والنهي معاً، خلافاً للحنفية مطلقاً ولبعض الناس في الأوامر.(1)
وقال ابن قدامة: فأمّا الكافر فلا خلاف في أنّه لا زكاة عليه.(2)
وخالفهم من الأُصوليّين المحقّق الأردبيلي، وصاحب الذخيرة، وسيد المدارك كما سيوافيك نقله; ومن المحدّثين : الأمين الاسترابادي(3)، والمحدّث الكاشاني(4)، وصاحب الحدائق(5)، ووافق هؤلاء من المتأخّرين ـ على ما حكي ـ : الشيخ محمد هادي الطهراني، والمحقّق الخوئي في شرح العروة.(6)
وقد استدلّ على مختار المشهور بالأدلّة الأربعة:

الاستدلال بعموم الآيات

1. انّ الاستدلال بعموم الآيات على وجوه تعلّق الخطاب بعنوان الناس مكان تعلّقه بعنوان المسلمين أو المؤمنين، كاشف عن كون الموضوع هو الأعم،

1 . منتهى المطلب: 2/188.
2 . المغني: 2/519.
3 . الفوائد المدنية: 226.
4 . الوافي: 2/82، باب معرفة العباد.
5 . الحدائق: 3/39.
6 . مستند العروة الوثقى: 1/124، كتاب الزكاة.

صفحه 107
قال سبحانه: (وَللّهِ عَلى النّاس حِجُّ البَيت)(1)، وقوله: (يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة)(2)، إلى غير ذلك من عموم الآيات.
2. قال سبحانه: (ما سَلَكَكُمْ في سَقَر * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضينَ * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين)(3)، فانّ تكذيبهم بيوم الدين دليل على أنّ المراد من المجرمين هم الكفّار. وقد علّل سلوكهم في سقر بترك الصلاة.
3. قال سبحانه: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَولّى).(4) فإنّ التنديد بترك الصدقة والصلاة دليلُ وجوبهما عليهم.
4. قال سبحانه: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكين * الَّذينَ لا يؤتُون الزَّكاة وَهُمْ بِالآخرة هُمْ كافِرون).(5)
وقد أورد على الاستدلال ببعض هذه الآيات بأنّ المراد من قوله: (لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين)أي أنّا لو آمنّا وصرنا مكلّفين بالصلاة وصلّينا لنجونا ولكن لم نك من المصلّين لعدم كوننا من المسلمين.
وكذا قوله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى)لا يدلّ على التكليف بالصلاة في حال عدم التصديق، بل مثل هذه العبارة يقال في المرتب، فانّه إذا قيل لزيد: «أضف عمراً» فإذا أضفته أعطه درهماً، فإنّ وجوب الإعطاء مشروط بالضيافة، فإذاترك زيد كليهما يقال: لا أضاف ولا أعطى ولا يلزم وجوب كلّ منهما مطلقاً.(6)

1 . آل عمران: 97.
2 . النساء: 1.
3 . المدثّر: 42 ـ 46.
4 . القيامة: 31 ـ 32.
5 . فصّلت: 6 ـ 7.
6 . العناوين: 2/716، العنوان 91.

صفحه 108
وإلى ذلك الجواب يشير السيد الخوئي بقوله: لا دلالة في الآيتين على تكليف الكفّار بالفروع، لجواز كون المراد من عدم الكون من المصلّين ومطعمي المسكين، الإشارة إلى عدم اختيار الإسلام والتكذيب بيوم الدين كما في ذيل الآية الأُولى، وكذا يراد من عدم إيتاء الزكاة تركها بترك الإسلام والكفر بالآخرة كما في ذيل الآية المباركة، فلا تدلّ على تعلّق العقاب بترك هذه الفروع بأنفسها.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكره القائل يجب تقديم تكذيب يوم الدين على ترك الصلاة، مع أنّا نرى أنّه سبحانه ذكر كلّ واحد من المحرمات بواو العطف وذكر التكذيب بيوم القيامة في آخر الآيات، فقال: (لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضين * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوم الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقين).(2)
كما أنّه سبحانه يقول: (فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى)ولو كان المراد ما ذكره القائل لكان الأنسب أن يقول: كذّب وتولّى فلا صدّق ولا صلّى. كلّ ذلك يدلّ على أنّ الجواب على خلاف المتبادر من الآيات، خصوصاً قوله: (ما سَلَككم في سقر)حيث يعلّل وجه سلوكهم في سقر، بقوله: (لم نك من المصلّين)أي ترك الصلاة وغيرها جرّنا إلى الدخول في سقر.

الاستدلال بالروايات

استدلّ للقول بعمومية التكليف بروايات:
1. ما رواه صفـوان وأحمـد بن محمـد بن أبي نصر قـالا: ذكرنـا له الكوفة ومـا وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقـال: «من أسلم طـوعاً

1 . مستند العروة الوثقى: 1/125.
2 . المدّثّر: 43 ـ 47.

صفحه 109
تركت أرضه في يده».
إلى أن قال: «وما أُخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبّله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بخيبر...، وعلى المتقبلين سوى قبالة الأرض، العشر ونصف العشر في حصصهم» الحديث.(1)
وجه الدلالة: انّ النبي وضع على المتقبلين من يهود خيبر سوى الخراج، العُشر أو نصفه الذي هو الزكاة.
ومع ذلك كلّه فهناك احتمال يسقطه عن الدلالة، وذلك لاحتمال أن يكون وجوب العشر بمقتضى الشرط في ضمن العقد الواقع على قبالة الأرض وهو أجنبي عن تعلّق الزكاة عليهم ابتداءً الذي هو محلّ الكلام.
2. ما رواه علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الدين الذي افترض اللّه عزّوجلّ على العباد مالا يسعهم جهله، ولا يقبل فيهم غيره، ما هو؟
فقال: «شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، وصوم شهر رمضان، والولاية».(2)
فأي تصريح أصرح من قوله: «افترض اللّه عزّوجلّ على العباد».
3. روى سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن الفرائض التي فرض اللّه على العباد، ما هي؟ فقال: « شهادة أن لاإله إلاّ اللّه، وأنّ

1 . وسائل الشيعة: 10، كتاب الجهاد، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث 1.
2 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.

صفحه 110
محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان، والولاية، فمن أقامهنّ وسدّد وقارب، واجتنب كلّ مسكر، دخل الجنة».(1)

الاستدلال بالعقل

إنّ العقل يستقل بحسن العدل وقبح الكذب إلى غير ذلك من المستقلات العقلية الكاشفة عن حكم الشرع، والموضوع لحكم العقل هو الإنسان المختار وهو يعم المسلم والكافر، فكيف يمكن لنا تخصيص الأحكام الشرعية المستكشفة عن طريق العقل، بالمسلم وإخراج الكافر مع أنّ الموضوع عند العقل والشرع مطلق الفاعل المختار؟!

الاستدلال بالإجماع

قد ادّعى غير واحد من علمائنا الاتّفاق على عمومية الحكم للكافر والمؤمن. وقد مرّ كلام العلاّمة في «المنتهى».
يقول صاحب الجواهر عند قول المحقّق: «والكافر تجب عليه الزكاة» بلا خلاف معتد به فيه بيننا، لأنّه من الفروع التي قد حكي الإجماع في كتب الفروع والأُصول على خطابه بها للعموم وغيره.(2)
وقد عرفت مخالفة الأمين الاسترابادي والمحدّث الكاشاني وصاحب الحدائق أيضاً .

1 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 17.
2 . الجواهر: 15/61ـ62.

صفحه 111

أدلّة القائلين بالاختصاص

استدلّ القائل باختصاص التكاليف بغير الكفّار بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بالكتاب

قال سبحانه: (الزّاني لا يَنْكِحُ إِلاّ زانيةً أَوْ مُشركَةً وَالزَّاِنيةُ لا يَنكِحُها إِلاّزان أَو مُشْرِكٌ وَحُرِّم ذلِكَ عَلى المُؤْْمِنينَ). (1)
وجه الاستدلال: أنّ المراد بالنكاح ليس هو العقد قطعاً لعدم جوازه بين المسلمة والمشرك، أو المسلم والمشركة باتّفاق المسلمين قاطبة، بل المراد الوطء الخارجي فتشير الآية إلى ما هو المتعارف خارجاً بمقتضى قانون السنخية من أنّ الزاني لا يجد من يزني بها إلاّ زانية مثله أو مشركة، فإنّ الطيور على أشكالها تقع، والجنس إلى الجنس يميل، وإلاّ فالمؤمنة لا تطاوعه على ذلك أبداً، وكذا الحال في الزانية، ثمّ قال تعالى: (وَحُرّم ذلك عَلى المؤمنين)فخصّ سبحانه حرمة الزنا بالمؤمن دون الكافر.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: لو صحّ تفسير الصدر بما ذكره من التعارف الخارجي، فليكن الذيل أيضاً على هذا المنوال، وهو انّ المؤمن حسَب إيمانه وميله الباطني يجتنب عن الزانية والمشركة، وعندئذ لا تبقى دلالة على اختصاص التحريم بالمؤمنين. إذ ليس المراد من التحريم، التكليف الشرعي.
وثانياً: أنّ ما ذكره من الدليل إنّما يتم لو قلنا بمفهوم اللّقب وهو كما ترى، إذ لا مفهوم للّقب.

1 . النور : 3.
2 . مستند العروة الوثقى: 1/125ـ 126.

صفحه 112
وثالثاً: أنّ تفسير الآية يتوقّف على بيان المراد من الزاني والزانية اللّذين تبنّت الآية بيان حكمهما، فنقول:
المراد منهما هو المتلبس بالمبدأ (الزنا) وجُلد، ولكن لم تظهر منهما التوبة.
وأمّا كون الموضوع هو المجلود، فلورود الآية بعد بيان حدّ الزاني والزانية، قال سبحانه قبل تلك الآية: (الزّانِيةُ والزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِد مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة...).(1)
أمّا كون الموضوع مقيداً بعدم التوبة، فلوضوح انّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، فمن البعيد أن يصفها القرآن بالزنا فانّه يبعد من أدب القرآن ودأبه في التائب .
إذا علمت ذلك فالظاهر انّها لبيان الحكم الشرعي، وانّ الزاني المجلود، غير التائب يحرم عليه أن ينكح أيّ امرأة سوى الزانية أو المشركة، كما أنّ الزانية بالوصف السابق يحرم نكاحها على أي إنسان، إلاّإذا كان العاقد زانياً أو مشركاً.
وهذا هو المفهوم من الآية ويؤيّده ما روي من شأن نزولها .
قال الطبرسي في شأن نزول الآية : المراد بالنكاح العقد ونزلت الآية على السبب، وهو انّ رجلاً من المسلمين استأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أن يتزوّج «أم مهزول» وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت الآية وهو مروي عن عبد اللّه بن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والزهري.
وعن أبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبد اللّه (عليه السلام)انّهما قالا: « هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مشهورين بالزنا، فنهى اللّه عن أُولئك الرجال والنساء والناس على تلك المنزلة، فمن شهر بشيء من ذلك وأُقيم عليه الحدّ فلا تزوّجوه حتى

1 . النور: 2.

صفحه 113
تعـرف تـوبتـه».(1)
نعم لازم مفاد الآية جواز النكاح بين المسلم الزاني، والزانية المسلمة والمشركة، أو بين المسلمة الزانية، والزاني المسلم والمشرك، ولكن الجواز منسوخ بقوله سبحانه: (وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ... ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكينَ حَتّى يُؤْمِنُوا).(2)
هذا هو الصدر، وأمّا الذيل فهو صريح في تحريم تلك الأنكحة على الطاهرين من الأُمّة. فلا يجوز للمسلم الطاهر أن ينكح الزانيةَ والمشركةَ، كما لا يجوز للمسلمة الطاهرة أن تنكح الزاني والمشرك; فالموضوع في الذيل ليس مطلق المؤمن، بل القسم الخاص من المؤمنين والمؤمنات.
وممّا ذكرنا يعلم وجه تخصيص الحكم بالمؤمنين، لعدم إمكان جعل الحكم المشترك بين المؤمن والمشرك، وذلك لدخول الكافر بل المؤمن المجلود غير التائب في الصدر، والكلام في اشتراك المسلم والمؤمن في الأحكام في موارد يصلح جعل الحكم للمؤمن والكافر كما لا يخفى.

الثاني: الاستدلال ببعض الروايات

1. ما رواه الكليني في «الكافي» من الأخبار الدالّة على توقّف التكليف على الإقرار والتصديق بالشهادتين، فقد روي في الصحيح عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟
فقال: «إنّ اللّه بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الناس أجمعين رسولاً وحجة للّه على خلقه في أرضه، فمن آمن باللّه وبمحمد رسول اللّه واتّبعه وصدّقه، فإنّ معرفة الإمام منّا

1 . مجمع البيان: 4/125.
2 . البقرة: 221.

صفحه 114
واجبة عليه; ومن لم يؤمن باللّه وبرسوله ولم يتّبعه ولم يصدّقه ويعرف حقهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن باللّه ورسوله ويعرف حقهما؟!».
وجه الاستدلال: فانّه متى لم تجب معرفة الإمام قبل الإيمان باللّه ورسوله فبطريق أولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقاة من الإمام، وقد ذكر المحدّث الكاشاني بعد نقل الحديث : «انّ فيه دلالة على أنّ الكفّار ليسوا مكلفين بشرائع الإسلام كما هو الحق خلافاً لما اشتهر بين متأخري أصحابنا».(1)
وقد سبقه في الاستدلال: الأمين الاسترابادي في فوائده حيث قال: إنّ حكمة اللّه تعالى اقتضت أن يكون تعلّق التكاليف بالناس على التدريج بأن يكلّفوا أوّلاً بالإقرار بالشهادتين، ثمّ بعد حدوث الإقرار عنهم يُكلّفون بسائر ما جاء به النبي، ثمّ ذكر الرواية.(2)
وإلى ذلك يشير المحقّق الخوئي يقول: مضافاً إلى ورود رواية معتبرة عن «الكافي» تضمّنت أنّ الكافر يؤمر أوّلاً بالإسلام ثمّ بعده بالولاية، فإذا لم يكن مكلّفاً حال كفره بالولاية التي هي أعظم الفروع وأهمها، وإنّما يؤمر بها بعد اختيار الإسلام، فما ظنّك بسائر الأحكام.(3)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان الترتيب الطبيعي للمعرفة وهو تقدّم معرفة اللّه والرسول على معرفة الإمام، كتقدّم معرفة اللّه على معرفة الرسول لا انّ معرفة المتأخّر مشروطة

1 . الوافي: 2/82، ولاحظ الحدائق: 3/40.
2 . الفوائد المدنية: 226.
3 . مستند العروة الوثقى: 1/126.

صفحه 115
بحصول معرفة المتقدّم، فكم فرق بين القول بالترتيب الطبيعي بين المعارف، وبين القول بأنّ المعرفة المتأخّرة حسب الطبع مشروط بحصول المعرفة المتقدّمة، وإلى ما ذكرنا من الجواب يشير صاحب العناوين ويقول:
بل المراد منه الترتيب في المطلوب بمعنى كون معرفة اللّه والرسول مطلوبة قبل معرفة الإمام، لا أنّ معرفة الإمام (عليه السلام)طلبها مشروط بحصول معرفتهما.(1)
2. ما رواه صاحب الاحتجاج عن أمير المؤمنين في حديث الزنديق الذي جاء إليه مستدلاً بآي من القرآن قد اشتبهت عليه، حيث قال (عليه السلام): «فكان أوّل ما قيّدهم به الإقرار بالوحدانية والربوبية والشهادة أن لا إله إلاّاللّه، فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالإقرار لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالنبوة والشهادة بالرسالة، فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثمّ الحج».(2)
يلاحظ عليه: بأنّ المراد هو الإشارة إلى تدريجية التشريع وانّه فرض أوّلاً كذا وثانياً كذا، لا مشروطية التشريع الثاني بالأوّل.
على أنّ الحديث مرسل لا يحتج به في مثل هذه المسألة.

الثالث: الاستدلال بالسيرة

وذلك ببيانين:
1. احتج في الحدائق وقال: إنّه لم يعلم منه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه أمر أحداً منهم بالغسل من الجنابة بعد الإسلام مع أنّه قلّما ينفك أحد منهم من الجنابة في تلك الأزمنة المتطاولة، ولو أمر بذلك لنقل وصار معلوماً كغيره; وأمّا ما رواه في «المنتهى» عن قيس بن عاصم واسيد بن حصين ممّا يدلّ على أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالغسل لمن أراد

1 . العناوين: 2/719.
2 . الاحتجاج: 1/601، ط الأوقاف والشؤون الخيرية.

صفحه 116
الدخول في الإسلام فخبر عامي لا ينهض حجة.(1)
يلاحظ عليه: بما ذكره صاحب العناوين بأنّ الظاهر انّ الاغتسال بعد الإسلام كان من الأُمور المعتادة الواضحة كما يكشف عنه طريقتنا في زماننا هذا.
مضافاً إلى كفاية الأمر العام في ذلك فلا يحتاج إلى الأمر بالخصوص.(2)
2. ما ذكره المحقّق الخوئي متمسكاً بالتاريخ وهو انّه لم ينقل في التاريخ رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد المعصومين (عليهم السلام)المبسوطة أيديهم جباية الزكوات من الكفّار ومطالبتهم إيّاها، ولو كان لبان ونقل إلينا بطبيعة الحال، بل كانوا يُقرّون على مذاهبهم كما يقرّون على سائر أموالهم وإن لم يكن مالاً بنظر الإسلام ، كثمن الخمر والخنزير وما يكسبون من الربا والقمار وما يرثونه على خلاف قانون الإسلام مما يثبت في أديانهم، ونحو ذلك ممّا لا يخفى.(3)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح في الكافر الذمّي دون الحربي، فقد جرت السيرة على أنّ حُكّام الإسلام كانوا مكتفين بما ضرب عليهم في عقد الذمة لا غير، وذلك لأنّ مفاد عقد الذمة انّه لا يؤخذ منهم سوى ما ذكر في الجزية، فللحكام ضرب الجزية عليهم مع العشر أو نصف العشر، كما فعل النبي بمتقبلي أراضي خيبر على ما مرّ.(4) وله أن يقتصر بغير ذلك، وبما انّ الكفّار الذين كانوا تحت سلطة المسلمين كانوا من أهل الذمة لم يؤخذ منهم سوى ما عقد، ويدلّ على ذلك بعض الروايات:

1 . الحدائق: 3/420.
2 . العناوين: 2/720.
3 . مستند العروة الوثقى: 1/127.
4 . الوسائل: 10، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث1.

صفحه 117
منها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن أهل الذمة ماذا عليهم ممّا يُحقنون به دماءهم وأموالهم، قال: «الخراج وإن أخذ من رؤوسهم الجزية، فلا سبيل على أرضهم، وإن أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم».(1)
ومنها: صحيحة أُخرى له عن أبي جعفر في أهل الجزية يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية، قال: «لا».(2)
ولعلّ هذا هو الوجه لعدم إرسال الجابي إلى مزارعهم ومرابطهم لأخذ الزكاة، لأنّ عقد الذمة كان بمعنى انّه ليس عليهم ضريبة سوى الجزية، فأخذ الزكاة من النقود والأنعام والغلاّت يخالف العقد إلاّ إذا جعل الزكاة جزءاً من الجزية كما مرّ.

الرابع: الاستدلال بالعقل

وذلك لوجهين:
1. لو وجبت الصلاة لكانت إمّا حال الكفر أو بعده. والأوّل باطل لامتناعه، والثاني باطل للإجماع على سقوط القضاء لما فات حالة الكفر، ولأنّه لو كان واجباً لوجب القضاء كالمسلم، والجامع تدارك المصلحة المتعلّقة بتلك العبادات.(3)
وإلى هذا الاستدلال يشير صاحب العناوين بقوله:
لا يمكن صدور العمل من الكافر على وجه يوافق الأمر أصلاً، بل إمّا

1 . الوسائل: 11، الباب68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2 وفي الباب ما يدل على ذلك سوى ما ذكرنا.
2 . الوسائل: 11، الباب68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3 وفي الباب ما يدل على ذلك سوى ما ذكرنا.
3 . المنتهى: 3/189.

صفحه 118
الشرط (الإسلام) منتف وإمّا الأمر (القضاء) منتف، فلا معنى لقولنا الكافر مكلّف بالفروع.(1)
نجيب عن الأوّل بأنّ امتثال الفروع أمر مقدور، بمقدورية مقدّمتها وهو الإسلام ويكفي في الأمر مع العلم بعدم قيام المكلّف به، ترتّب الأثر عليه ، وهو ترتّب العقاب.
ونجيب عن الثاني بالفرق بين المسلم الذي فاتت منه الصلاة، وبين الكافر، وذلك لأنّ أمر الأوّل بالقضاء لا يوجب التنفير بخلاف الكافر فإنّ أمره بالقضاء يوجب ابتعاده وعدم إيمانه.
2. الاستدلال باستهجان الخطاب عرفاً، إذ يقبح تكليف من لا يعتقد بالأُصول، بالفروع، فخطاب الكافر المنكر للّه أو رسالة الرسول بالصلاة وغيره والزكاة يعد أمراً قبيحاً عند العقلاء.
لا أقول إنّه تكليف بغير المقدور، لما عرفت من أنّ المقدور بالواسطة مقدور، وإنّما ادّعي عدم حسن الخطاب.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القبيح على فرض التسليم، هو الحكم التكليفي، وأمّا الحكم الوضعي كالجنابة وشركة الفقراء في أموالهم إلى غير ذلك من الأحكام الوضعية التي لا تختص بالمسلم كالغرامات والضمانات والعقود والإيقاعات والأسباب الفعلية من حيازة وإحياء موات فليس بقبيح.
وثانياً: إنّما يقبح خطاب الكافر بالخصوص، وأمّا إذا جعل الحكم على عنوان يعم المسلم والكافر ويشملهما بما انّه إنسان أو ناس فلا قبح، فعندئذ تتم

1 . العناوين: 2/717، العنوان 91.

صفحه 119
الحجة على كلّ من صدق عليه عنوان الناس وغيره، وإلاّ فلو قلنا بقبح الخطاب يلزم قبح خطاب العاصي أيضاً، لأنّا نعلم أنّه لا ينبعث ولا ينزجر من الحكم ومع ذلك فالحكم يعم المطيع والعاصي.
إلى هنا تمّ ما يمكن أن يستدلّ به لهذا القول، وقد علمت أنّ الحقّ هو عمومية الأحكام التكليفية والوضعية للمؤمن والكافر. وإليك دراسة الفروع الثلاثة الباقية.

الفرع الثاني: عدم الصحة عند الأداء

هذا هو الفرع الثاني الذي عبر عنه المصنّف بقوله: « ولكن لا تصحّ منه إذا أدّاه» وهو أيضاً نفس تعبير الشرائع.(1)
وليس المراد من الصحّة مطابقة المأتي به للمأمور به لإمكان تحصيله للكافر حتى قصد القربة إذا كان مؤمناً باللّه سبحانه فيدفع الزكاة إلى الفقير تقرباً إلى اللّه تعالى، وإنّما المراد من الصحّة هو القبول، ويدلّ على ذلك أُمور:
قوله سبحانه: (وما مَنَعَهُمْ أنْ تُقْْبَلَ نَفقاتُهُمْ إلاّ أنّهُمْ كَفَرُوا باللّهِ وبِرَسُولِهِ ولاَ يَأتُونَ الصَّلاةَ إلاّ وَهُمْ كُسَالى وَلا يُنْفِقُونَ إلاّ وَهُمْ كارِهُونَ).(2)
فإذا كان قبول العبادة مشروطاً بالولاية كما تضافرت عليه الروايات(3)، فأولى أن يكون مشروطاً بالإيمان والإسلام.

1 . المسالك: 1/362، قسم المتن.
2 . التوبة : 54.
3 . الوسائل: 1، الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.

صفحه 120

الفرع الثالث: للإمام أخذ الزكاة قهراً

وقد أشار إليه المصنّف بقوله: نعم للإمام أو نائبه أخذها منه قهراً.
إذا كان وجوب الزكاة مزيجاً من الحكم الوضعيّ والتكليفي، فبما انّ الفقراء شركاء المالك في ماله بنحو من الأنحاء فهو حكم وضعي، وبما انّه يجب عليه إخراجه للّه سبحانه فهو حكم تكليفي، والحاكم واقف على أنّ الكافر لا يمتثل الحكم التكليفي فعليه أن يستوفي حق الفقراء من ماله ويدفعه إليهم عملاً بالحسبة، كما هو الحال في المسلم الممتنع فإنّ الحاكم يأخذ منه قهراً، وسيوافيك في ختام كتاب الزكاة ضمن المسائل المتفرقة انّه يجوز للحاكم أخذ الزكاة من الممتنع كرهاً ويكون هو المتولّي للنية.(1)
قال الشهيد الثاني عند قول المحقّق: «فإذا تلفت لا يجب عليه (الكافر) ضمانها وإن اهمل»: لا تظهر فائدته مع إسلامه لما عرفت من أنّه تسقط عنه وإن بقي المال، بل إنّما تظهر فائدة التلف فيما لو أراد الإمام أو الساعي أخذ الزكاة منه قهراً، فانّه يشترط فيه بقاء النصاب، فلو وجده قد أتلفه لم يضمنه الزكاة وإن كان بتفريطه، ولو تلف بعضه سقط منها بحسابه وإن وجده تاماً أخذها كما يأخذ من المسلم الممتنع من أدائه، ويتولّى النية عند أخذها منه ودفعها إلى المستحق.(2)
والعبارة صريحة في أنّ للفقيه أخذها منه قهراً، وأمّا عدم ضمانه عند التلف فلعلّ وجهه ما يلي:
إنّ دليل الضمان هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، فالمحكوم

1 . العروة الوثقى، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، المسألة السابعة والثلاثون.
2 . المسالك: 1/363.

صفحه 121
بالضمان من يتمكّن من الأداء فإذا لم يتمكّن منه فلا يحكم عليه بالضمان.
يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّه متمكّن من الأداء بالإسلام والإيمان فلا محذور في الحكم عليه بالضمان عند التلف إذا كان فيه تفريط.

الفرع الرابع: ضمانها عند الإتلاف

وقد أشار إلى هذا الفرع بقوله: «ولو كان قد أتلفها، فله أخذ عوضها منه» وقد تبيّن وجهه ممّا ذكرنا فإنّ دليل الضمان يعمّ التلف والإتلاف، فإذا كان ضامناً عند التلف ففي صورة الإتلاف بطريق أولى، ولعلّ من قال بعدم الضمان فدليله هو نفس الدليل في التلف وهو عدم التمكّن من الأداء، وقد عرفت تمكّنه منه.
فقد تبيّن ممّا ذكرنا الأُمور التالية:
1. انّ الكافر محكوم بالفروع كما هو محكوم بالأُصول.
2. انّ الكافر محكوم بأداء الزكاة كالمسلم.
3. إذاكان الكافر ذمّياً ولم يذكر في عقد الذمّة العشر ولا نصفه ولا مضاعفه (الخمس) كما في بعض الروايات (1) لا يجب عليه أداء الزكاة.
4. الكافر الحربي تؤخذ منه الزكاة قهراً.
5. كلّ من وجب عليه أداء الزكاة فهو ضامن عند التلف والإتلاف من غير

1 . منها: رواية ابن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أرايت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس من أرض الجزية ويأخذ من الدهاقين جزية رؤوسهم أما عليهم في ذلك شيء موظف؟ فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للإمام أكثر من الجزية إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم وليس على أموالهم شيء، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شيء. ( وسائل الشيعة: 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2) . فانّ المراد من الخمس هو ضعف العشر الذي هو من مقادير الزكاة.

صفحه 122
المسألة 17: لو أسلم الكافر بعدما وجبت عليه الزكاة سقطت عنه وإن كانت العين موجودة، فانّ الاسلام يجبُّ ما قبله.*
فرق بين المسلم والكافر.
* نصّ على السقوط جماعة من أصحابنا، قال الشيخ الطوسي:
قسم منهم إذا لم يُخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، كان ثابتاً في ذمَّتهم، وهم جميع من كان على ظاهر الإسلام; والباقون هم الذين متى لم يُخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، لم يَلْزمهم قضاؤُه وهم جميع من خالف الإسلام، فإنّ الزكاة وإن كانت واجبة عليهم بشرط الإسلام ولم يخرجوها لكفرهم، فمتى أسلموا لم يلزمهم إعادتها.(1)
وقال أيضاً في «المبسوط»: فأمّا شرائط الضمان فاثنان: الإسلام، وإمكان الأداء. لأنّ الكافر وإن وجبت عليه الزكاة لكونه مخاطباً بالعبادات، فلا يلزمه ضمانها إذا أسلم.(2)
وقد خصّ في « الشرائع» السقوط بما إذا تلفت وقال: فإذا تلفت لا يجب عليه ضمانها وإن أهمل.(3)
قد ادّعى غير واحد الإجماعَ على السقوط مطلقاً سواء أتلفت أم لا، قال المحقّق الأردبيلي: فلو كان المسلم متمكّناً من الأداء بمعنى أنّ المستحق موجود وليس هنا شيء يمنع الإعطاء شرعاً، فما أعطى، استقر الضمان في ذمّته ولزمه الأداء مطلقاً بقى المال أو تلف.

1 . النهاية: 174، باب وجوب الزكاة ومعرفة من تجب عليه.
2 . المبسوط: 1/150.
3 . الجواهر: 15/63، قسم المتن.

صفحه 123
أمّا لو كان صاحب المال كافراً وجبت عليه على ما هو رأي الأصحاب، فلو أسلم لم يضمن، يعني: يسقط عنه الزكاة، كأنّه للإجماع والنص، مثل « الإسلام يجبّ ما قبله».
وكذا لو تلفت مع عدم الإمكان كعدم المستحق، ولو تلف البعض فمثل الكلّ كما مرّ.(1)
وقال صاحب الجواهر: وتسقط عنه بالإسلام، كما نصّ عليه غير واحد، بل لم نجد فيه خلافاً ولا توقّفاً قبل الأردبيلي والخراساني وسيد المدارك، بل ليس في كلام الأوّل على ما قيل سوى قوله: كان ذلك للإجماع والنص مثل: «الإسلام يجبّ ما قبله»، وهو خال عن التوقّف فضلاً عن الخلاف، فانحصر ذلك فيهما.(2)
وقال العاملي في «مفتاح الكرامة»: نص عليه المفيد في كتاب «الإشراف» والشيخ وابن إدريس وكذا ابن حمزة وسائر المتأخّرين، وما وجدنا مَن خالف أو توقّف قبل صاحب المدارك وصاحب الذخيرة ـ إلى أن قال: ـ بل في «المعتبر» و «التذكرة» و «كشف الالتباس» و «المسالك» إنّها تسقط عنه بالإسلام وإن كان النصاب موجوداً، وهو قضية كلام الدروس فيما سيأتي.(3)
وقد استدلّوا على السقوط بوجوه:
الأوّل: قوله سبحانه: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنْتَهُوا يُغفَر لَهُم ما قَدْ سَلف وإن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأَوّلِين).(4)

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/26.
2 . الجواهر: 15/61.
3 . مفتاح الكرامة: 2/30، كتاب الزكاة، ط مصر.
4 . الأنفال: 38.

صفحه 124
بتقريب انّه سبحانه أمر نبيَّه بدعائهم إلى التوبة والإيمان وقال: قل يا محمد للذين كفروا إن ينتهوا ويتوبوا عمّا هم عليه من الشرك ويمتنعوا منه، يغفر لهم ما قد سلف ومضى من ذنوبهم.
ولكن هنا وجهاً آخر للآية ولعلّه أظهر من الأوّل، وهو ان ينتهوا عن المحاربة إلى الموادعة يغفر لهم ما قد سلف من المعاقبة وان يعودوا إلى القتال فقد مضت سنة اللّه في آبائكم وعادته في نصر المؤمنين وكبت أعداء الدين والأسر والاسترقاق.(1)
ويفسر العلاّمة الطباطبائي الآية على هذا النحو ويقول: قل لهم ان ينتهوا عن المحادة للّه ولرسوله يغفر لهم ما قد سلف، وان يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد علموا بما جرى على سابقتهم.(2)
وعلى ذلك فليست الآية بمعنى رجوع الكافر إلى الإسلام حتى تغفر ذنوبه أو تسقط ما وجب عليه من الأحكام، بل هي بمعنى الانتهاء عن المحادة والمحاربة واللجوء إلى الصلح، ويؤيده انّه سبحانه يقول بعد تلك الآية: (وقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(3)
فإنّ المراد من قوله: (فإن انتهوا)هو الانتهاء عن المقاتلة لا الورود إلى حظيرة الإسلام.
الثاني: الحديث المعروف بحديث «الجب» أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله».

1 . مجمع البيان: 2/542، ط صيدا.
2 . الميزان: 9/74.
3 . الأنفال: 39.

صفحه 125
والجَبّ ـ بفتح العين ـ مصدر جبّه: قطعه وغلبه.
وقد ورد الحديث بلفظه ومضمونه في مواضع مختلفة يورث الاطمئنان بصدوره بلفظه أو بمعناه إذ من البعيد التواطؤ على الكذب مع وروده في مجالات مختلفة، نذكر منها ما يلي:
1. أخرج مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص، قال: فلمّـا جعل اللّه الإسلام في قلبي أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي قال: «مالكَ يا عمرو؟»، قال: قلت: أردت ان اشترط قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله».(1)
2. روى أحمد بن حنبل عن أبي شماسة، قال: إنّ عمرو بن العاص قال: لمّا ألقى اللّه عزّ وجلّ في قلبي الإسلام ، قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليبايعني فبسط يده إليّ، فقلت: لا أُبايعك يا رسول اللّه حتى تغفر لي ما تقدّم من ذنبي، قال: فقال لي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عمرو أما علمت أنّ الهجرة تجبّ ما قبلها من الذنوب، يا عمرو أما علمت أنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله من الذنوب».(2)
3. وروي أيضاً انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: « إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله وانّ الهجرة تجبّ ما كان قبلها».(3)
4. وروى ابن الأثير: قال: وروى محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جدّه، كنت جالساً مع رسول اللّه منصرفاً من الجعرّانة، فأطلع هبّار بن الأسود أتى

1 . صحيح مسلم: 1/78، باب انّ الإسلام يهدم ما قبله.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 4/205.
3 . مسند أحمد بن حنبل: 4/199.

صفحه 126
من باب رسول اللّه ـ إلى أن قال ـ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «فقد عفوت عنك، وقد أحسن اللّه إليك حيث هداك اللّه إلى الإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله».(1)
5. وروى ابن شهر آشوب في مناقبه، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إنّي طلقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين، فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل: ما تقول؟ قال: كما أنت حتى يجيء علي بن أبي طالب، فجاء علي (عليه السلام)فقال: قصّ عليه قصتك، فقصّ عليه القصة، فقال علي (عليه السلام): «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة».(2)
6. روى الحلبي في سيرته: انّ عثمان شفّع في أخيه ابن أبي سرح، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما بايعته وأمّنته؟»، قال: بلى ولكن يذكر ما جرى منه معك من القبيح ويستحيي.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله».(3)
7. وروى أيضاً في حوادث غزوة وادي القرى: أنّ خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مسلمين، وطلبوا منه أن يغفر اللّه لهم، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الإسلام يجبّ ما قبله».(4)
8. روى الشيخ عن جعفر بن رزق اللّه، قال: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)وسؤاله عن ذلك، فلمّا

1 . أُسد الغابة: 5/53.
2 . مناقب ابن شهر آشوب: 2/364، فصل في ذكر قضاياه (عليه السلام)في عهد عمر.
3 . السيرة الحلبية: 3/778 في غزوة وادى القرى، ط دار المعرفة.
4 . السيرة الحلبية: 3/778 في غزوة وادى القرى، ط دار المعرفة.

صفحه 127
قدم الكتاب كتب أبو الحسن (عليه السلام): «يُضرب حتى يموت»، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن هذا فانّه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به السنّة، فكتب: انّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم تجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا بما أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟
فكتب: بسم اللّه الرحمن الرّحيم، (فلَمّا رَأوْا بَأسَنا قَالُوا آمنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيْمانُهُمْ لَمّا رَأوْا بَأسَنا سُنّةَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنُالِكَ الكافِرُونَ)(1)، قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.(2)
ويظهر من الرواية انّ «حديث الجبّ» كان أمراً مسلماً في عصر الإمام الهادي (عليه السلام).
9. نقل ابن أبي الحديد انّ المغيرة بن شعبة، وفد مع جماعة من بني مالك على المقوقس ملك مصر، فلمّا رجعوا قتلهم المغيرة في الطريق، وفرّ إلى المدينة مسلماً، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمّا إسلامك فقد قبلته، ولا نأخذ من أموالهم شيئاً ولا نخمّسها لأنّ هذا غَدْر، والغدر لا خير فيه» فأخذني ما قرب وما بعُد فقلت: يا رسول اللّه إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثمّ أسلمتُ حين دخلتُ إليك الساعة، فقال (عليه السلام): «الإسلام يجبّ ما قبله».(3)
10. وقال ابن الأثير في «النهاية» في مادة «جبب» ومنه الحديث: إنّ الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها، أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب. (4)

1 . غافر: 84 ـ 85.
2 . الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث2.
3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد20/9ـ10 في شرح الكلمة 413 من كلمات الإمام علي(عليه السلام).
4 . النهاية: مادة «جبّ».

صفحه 128
وعبارته صريحة انّ ما ذكره من التفسير من عند نفسه، فما في مجمع البحرين في تلك المادة في الحديث «الإسلام يجبّ ما قبله» و «التوبة تجبّ ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب» خلط منه بين الحديث وتفسيره بشهادة انّ ابن الأثير ذكره بصورة التفسير وقال: «أي».
هذه مصادر عشرة جاء فيها ذكر الحديث، والمتتبع يجده في غير تلك المواضع أيضاً، ولعلّ هذا المقدار منه يثبت تضافره وصدوره في غير واحد من الموارد.
إنّما الكلام في مدلول الحديث.

مدلول الحديث

إنّ في الحديث في بدء الأمر احتمالات ثلاثة:
الأوّل: انّ الإسلامَ يمحو الكفر.
الثاني: انّ الإسلام يرفع آثار الكفر.
الثالث: انّ الإسلام يرفع كلّ ما صدر من الكافر من الخطيئات، من ترك الواجبات واقتراف المحرمات، وبالتالي يرفع ما يتبعها من التعزير والحدّ، والقضاء والضمان، والحاصل يفرض كأنّه لم يصدر منه الخطيئة.
فالاحتمال الأوّل كأنّه توضيح للواضح، ونظيره الاحتمال الثاني فإنّ الحكم ينتفي بانتفاء موضوعه; فلو قلنا بنجاسة بدن الكافر، فإذا أسلم تنتفي النجاسة لانتفاء الموضوع، وهذا أمر كالبديهي، فتعيّن الثالث، والمراد انّ العقوبات الثابتة في الإسلام لمن ارتكب الحرام أو ترك الواجب مسلماً كان أو كافراً إذا أسلم ترتفع وتنتفي، والإسلام يقطع بين الحالتين ويرفع تلك العقوبات.

صفحه 129
ويؤيد ذلك موارد الروايات التي مرّت، ففي الحديث الثاني، قال عمرو بن العاص للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا أبايعك يا رسول اللّه حتى تغفر لي ما تقدّم من ذنبي...
وفي الحديث الرابع ارتكب هبّار جريمة وهو انّه عرض لزينب بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في نفر من سفهاء قريش حين أرسلها زوجها أبو العاص إلى المدينة، فأهوى إليها هبّار وضرب هودجها ونخس الراحلة وكانت حاملاً فأسقطت، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن لقيتم هبّاراً هذا فأحرقوه بالنار ثمّ اقتلوه، فانّه لا يعذب بالنار إلاّ رب النار».(1)
كما أنّ الحرمة الأبدية بعد طلقات ثلاث، عقوبة من الشارع على الزوج، لأنّه يهتك حرمة الزوجة ، وهو جريمة، فإذا أسلم ارتفعت تلك العقوبة، كما في الحديث الخامس.
كما أنّ المغيرة بن شعبة ارتكب جريمة لا تغتفر بقتله رفقة سفره من دون جرم، ولذا أسماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالغدر وهو محرم، ولو ارتكبها المسلم لعوقب، فإذا كان الفاعل كافراً وأسلم رفعت تلك الجريمة. إلى غير ذلك من الموارد.
وربما يقال بأنّ المكاتبة (8) صريحة في عدم اعتناء الإمام بمضمون حديث الجب وإنّما هو أمر معروف ولم يثبت عندنا، والمسألة التي تضمّنتها الرواية محرّرة في الفقه، وقد أفتى الأصحاب بعدم سقوط الحد عن الزاني، سواء أسلم قبل صدور الحكم من الحاكم أم بعده.(2)
يلاحظ عليه : بأنّ عدم عمل الإمام بحديث الجبّ في المقام لم يكن لأجل عدم حجّية القاعدة، بل لأجل عدم كون المسألة من مصاديقها، لأنّ المراد من

1 . أُسد الغابة: 5/53.
2 . مستند العروة: 1/135، كتاب الزكاة.

صفحه 130
الإسلام الذي يجبّ ما قبله هو الإسلام النابع من صميم الإرادة والاختيار لا النابع من الخوف والفرار من الحد كما في المقام، حيث إنّ النصراني لمّا رأى انّه يجرى عليه الحد أسلم لإسقاط الحدّ، فيكون إسلامه إسلاماً غير نابع من صميم الذات، بل للفرار من الحد، وهو لا يجبّ ما قبله.
وعلى ذلك فكلّ ما صدر منه من الخطيئات بين ترك الفريضة أو اقتراف الجريمة، يُفرض كأنّه لم يصدر عنه، وبالتالي العقوبات المترتبة على الفاعل المختار ومنه الكافر إذا أسلم فيسقط، ومنه يعلم عدم سقوط الأُمور التالية:
1. أحكام الأحداث والنجاسات: فإنّ إمكانها ليست من قبيل العقوبات، بل أحكام نابعة من صميمها تابعة لمصالح ومفاسد في مكامنها.
2. العقود والإيقاعات والديون ونحوها ممّا لا يرتفع بالإسلام فلو أعتق الكافر عبداً بقي على حريته بعد إسلامه، ولو استدان مالاً بقي على ذمته بعد الإسلام، فإنّ هذه الالتزامات العقلائية التي أمضاها الشارع أيضاً ليست عقوبة.
كما أنّه لو باع خمراً أو اشتراه، أو باع ربوياً، أو مجهولاً، فبما انّ هذه المعاملات تستعقب عقوبة إسلامية أقلّها بطلان تصرفاتهم ترتفع بالإسلام، خصوصاً بالنظر إلى ما ورد في مورد الربا (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ ما سَلَفَ)(1)، وقوله في مورد الجمع بين الأُختين: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُُخْتَيْنِ إلاّما قَدْ سََلَفَ).(2)
بقي الكلام في الزكاة فلو لم يؤدّ الزكاة حتى تلفت أو أتلفها، فقد ترك الواجب الذي يستعقب ضماناً; فإذا أسلم يفرض كأنّه لم يصدر منه الخلاف، وبالتالي يرتفع الضمان.

1 . البقرة: 275.
2 . النساء: 23.

صفحه 131
المسألة 18: إذا اشترى المسلم من الكافر تمام النصاب بعد تعلّق الزكاة وجب عليه إخراجها.*
ولذلك قلنا بالضمان عند التلف والإتلاف مالم يسلم.
نعم، لو أسلم والنصاب موجود فلا وجه لسقوط الزكاة، فإنّ إيجابها لم يكن عقوبة حتى تسقط وإنّما كان حكماً شرعياً وتعاوناً اجتماعياً أوجبها سبحانه على كلّ فاعل مختار، فلا وجه لسقوطها بعد الإسلام، كما لا وجه لخروج حولان الحول في زمان الكفر أو الإسلام عن التأثير.
وبذلك يظهر انّ قول المصنّف: «سقطت عنه وإن كانت العين موجودةً» غير تام.
هذا بعض ما يمكن أن يقال في القاعدة والتفصيل موكول إلى محلّه.
* والحكم على وفق القاعدة فإنّ الزكاة حقّ ثابت في العين بنحو من الأنحاء فلا وجه لسقوطها بانتقالها من الكافر إلى المسلم.
وإنّما قيّده بتمام النصاب، لأجل انّ تعلّق الزكاة بالنصاب ـ عند المصنّف ـ من قبيل الكلّي في المعين، فلو بقي عند البائع مقدار يفي بالواجب، فلا شيء على المشتري أخذاً بحكم الكلّي من المعين، نعم لو قلنا بأنّ تعلّق الزكاة بالنصاب من قبيل الإشاعة، وانّ أصحاب الزكاة شركاء في كلّ جزء من النصاب، فلا يكون هناك فرق بين شراء تمام النصاب أو بعض منه غاية الأمر يجب على المشتري حسب ما اشتراه.
وتؤيد ذلك صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد

صفحه 132
اللّه (عليه السلام): رجل لم يزكّ إبله أو شاته عامين فباعها، على مَن اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: «نعم، تؤخذ منه زكاتها ويُتَّبعُ بها البائع أو يؤدِّي زكاتها البائع».(1)
نعم، ورد في باب الخمس بأنّ انتقال ما فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه لا يؤثر في وجوب الخمس على الآخذ لأحاديث التحليل، وأمّا في باب الزكاة فلم يرد فيه شيء.
نعم انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يخرج الزكاة من غنائم الكفّار بعد جمعها، ويحتمل أن يكون ذلك لأجل عدم إحراز شروط وجوبها من حولان الحول وبلوغ نصيب كلّ فرد حدّ النصاب، أو كان لأجل الولاية التشريعية في صرف الزكاة أيضاً في مصارف الغنائم.
وعلى كلّ تقدير لا يجوز لنا أن نرفض القاعدة المذكورة بفعل لم يُعلم وجهه.
تمّ الكلام في شروط الوجوب

1 . الوسائل: 6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.

صفحه 133
الفصل الأوّل
في الأجناس التي تتعلّق بها الزكاة

صفحه 134

صفحه 135

الفصل الأوّل

في الأجناس التي تتعلّق بها الزكاة*

تجب في تسعة أشياء:
الأنعام الثلاثة وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
والنقدين، وهما: الذهب والفضة.
والغلاّت الأربع وهي: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. ولا تجب فيما عدا ذلك على الأصحّ. * *
* انّ البحث في الأجناس التي تتعلّق بها الزكاة، هو بيت القصيد في هذا الباب.
فانّ المشهور وإن ذهب إلى وجوبها في الأجناس التسعة، لكن يوجد القول بكون الموضوع أوسع من التسعة كما سيوافيك.
أضف إلى ذلك ما ورد من تعلّقها بأزيد من التسعة على ما سيأتي.
على انّ تعلّقها بالحنطة والشعير، وعدم تعلّقها بالأُرز ونحوه، ممّا يثير العجب فلو ثبت الاختصاص ـ كما هو كذلك ـ بالتسعة، ففي عدم تعلّقها بالأُرز والذرّة، حكمة خفية علينا.
** انّ وجوب الزكاة فيما ذكر مما اتّفقت عليه كلمة فقهاء الإسلام، إنّما الكلام فيما وراءها وممّن نقل الاتّفاق من أصحابنا: العلاّمة الحلّي في «التذكرة»،

صفحه 136
ومن غيرهم ابن رشد.
فقال الأوّل: قد أجمع المسلمون على إيجاب الزكاة في تسعة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.(1)
وقال الثاني: أمّا ماتجب فيه الزكاة من الأموال فإنّهم اتّفقوا منها على أشياء، واختلفوا في أشياء.
أمّا ما اتّفقوا : فصنفان من المعدن: الذهب والفضة، اللتين ليستا بحليّ; وثلاثة أصناف من الحيوان: الإبل والبقر والغنم; وصنفان من الحبوب: الحنطة والشعير; وصنفان من الثمر: التمر والزبيب.(2)
فالوجوب في التسعة ليس مورد خلاف. ولذلك وصف صاحب الجواهر الوجوب فيها من ضروريات الفقه، إن لم يكن من ضروريات الدين والنصوص به متواترة، كتواترها من أنّه لا تجب فيما عدا ذلك.(3)
ولعلّ الضرورة في جانب الإثبات، أي الوجوب في التسعة لا في جانب النفي أي عدم وجوبها في غيرها وإن وردت فيه أيضاً أخبار مستفيضة.
وقد ورد التصريح بعدد التسعة في أكثر الكلمات نذكر منها ما يلي:
1. قال الصدوق في «المقنع» : اعلم أنّ الزكاة على تسعة أشياء: على الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، وعفا رسول اللّه عمّا سوى ذلك.(4)
2. قال المفيد: والزكاة إنّما يجب جميعها في تسعة أشياء خصّها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . التذكرة: 5/43.
2 . بداية المجتهد: 242.
3 . الجواهر: 15/65.
4 . المقنع: 155.

صفحه 137
بفريضتها فيها، وهي: الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم; وعفا رسول اللّه عمّا سوى ذلك.(1)
3. وقال السيد المرتضى: وممّا ظن انفراد الإمامية به، القول بأنّ الزكاة لا تجب إلاّ في تسعة أصناف: الدنانير، والدراهم، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم; ولا زكاة فيما عدا ذلك. وباقي الفقهاء يخالفونهم في ذلك.(2)
4. وقال الشيخ في «النهاية»: الذي تجب فيه الزكاة فرضاً لازماً تسعة أشياء.(3)
ثمّ ذكر أسماء التسعة على غرار ما مرّ في كلمات الآخرين، ولم يذكر في الخلاف عدد التسعة، لكن نفى في ضمن مسائل، الزكاة عن غيرها، فقال مثلاً: لا زكاة في الزيتون، أو لا زكاة في العسل، أو لا زكاة في مال التجارة.(4)
5. وقال الديلمي: تجب الزكاة في الأشياء التسعة، وانّه لا تجب في غيرها....(5)
6. وقال ابن البرّاج: الذي تجب فيه الزكاة تسعة أشياء، وهي: الذهب، والفضة، والإبل، والغنم، والبقر، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.(6)
7. وقال ابن حمزة: ما تجب فيه الزكاة من الأموال تسعة أشياء: ثمّ ذكرها على غرار ما سبق ذكرها من غيره.(7)

1 . المقنعة: 234.
2 . الانتصار: 207.
3 . النهاية: 175.
4 . الخلاف: 2/64، 91 وغيرهما.
5 . المراسم: 127، ط بيروت.
6 . المهذب: 1/159.
7 . الوسيلة: 122.

صفحه 138
8. وقال ابن زهرة: فزكاة الأموال تجب في تسعة أشياء.(1)
9. وقال ابن إدريس: فأمّا الذي تجب فيه الزكاة فتسعة أشياء.(2) ثمّ ذكرها على غرار السابقين.
10. وقال الكيدري: وزكاة الأموال تجب في تسعة أشياء: الذهب، والفضة، والخارج من الأرض من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي الإبل، والغنم، والبقر; ولا تجب في ما عدا ذلك.(3)
11. قال المحقّق : تجب في الأنعام، والبقر، والغنم، وفي الحجرين: الذهب والفضة، وفي الغلات الأربع: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب; ولا تجب في غير ذلك. وهو مذهب علمائنا من غير ابن الجنيد; وبه قال الحسن، وابن سيرين، والحسن بن صالح بن حي، وابن أبي ليلى، وإحدى الروايتين عن أحمد.(4)
12. وقال ابن سعيد: لا تجب الزكاة إلاّ في الذهب، والفضة ، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم.(5)
13. وقال العلاّمة: تجب الزكاة في تسعة أصناف، هي: أنعام، وأثمان، وأثمار. وقد اتّفق علماء الإسلام على وجوب الزكاة في هذه الأصناف، ولا تجب في غيرها. وذهب إليه علماؤنا أجمع; وبه قال: ابن عمر، وموسى بن طلحة، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح بن حي، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبو عبيدة، وأحمد في إحدى الروايتين.(6)
14. وفي الختام ذكر العلاّمة في «المختلف»، اختلاف ابن الجنيد، مع غيره

1 . الغنية: 2/114.
2 . السرائر: 1/428.
3 . إصباح الشيعة: 107.
4 . المعتبر: 2/493.
5 . الجامع للشرائع: 125.
6 . المنتهى: 1/473.

صفحه 139
في مواضع:
الف: تؤخذ الزكاة في أرض العُشْر من كلّ ما دخل القفيز من حنطة وشعير، وسمسم، وأَرز، ودخن، وذرة، وعدس، وسلت، وسائر الحبوب، ومن التمر والزبيب.
ب: أوجب ابن الجنيد الزكاة في الزيتون والزيت إذا كانا في الأرض العشرية.
ج: أوجب ابن الجنيد الزكاة في العسل المأخوذ من أرض العشر.
د: اختلف علماؤنا في مال التجارة على قولين، فالأكثر قالوا بالاستحباب، وآخرون قالوا بالوجوب.(1)
ويظهر ممّا رواه الكليني في ذيل حديث أبي بكر الحضرمي عن يونس بن عبد الرحمن انّ رسول اللّه وضعها وسنّها في أوّل نبوته على تسعة أشياء، ثمّ وضعها على جميع الحبوب.(2)
وأمّا أقوال أهل السنّة فقال ابن قدامة:
قال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر إلاّ التمر والزبيب، ولا في حبّ إلاّ ما كان قوتاً في حالة الاختيار لذلك، إلاّ في الزيتون على اختلاف، وحكي عن أحمد إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهذا قول ابن عمر وموسى بن طلحة والحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبي عبيد، والسلت نوع من الشعير، ووافقهم إبراهيم وزاد الذرة، ووافقهم ابن

1 . مختلف الشيعة: 3/195، 197، 191.
2 . الوسائل: 6، الباب8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث5، لاحظ التعليقة.

صفحه 140
عباس وزاد الزيتون، لأنّ ما عدا هذا لا نصّ فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه فيبقى على الأصل.
وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو أنّه قال: إنّما سنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وفي رواية عن أبيه، عن جدّه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «والعشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير».
وعن موسى بن طلحة، عن عمر أنّه قال: إنّما سن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الزكاة في هذه الأربعة : الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وعن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعثهما إلى اليمن يعلّمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلاّمن هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب. رواهن كلّهن الدارقطني ولأنّ غير هذه الأربعة لا نصّ فيها ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسه عليها ولا إلحاقة بها فيبقى على الأصل.
وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في كلّ ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلاّ الحطب والقصب والحشيش، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فيما سقت السماء العشر» وهذا عام، ولأنّ هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب.(1)
أمّا القول المشهور فرواه فضلاء أصحاب الصادقين والكاظمين(عليهم السلام)من الثقات وغيرهم وتنتهي اسنادها إلى: 1. زرارة، 2. محمد بن مسلم، 3. أبي بصير، 4. بريد بن معاوية العجلي، 5. الفضيل بن يسار، 6. عبد اللّه بن سنان، 7. البلخي، 8.

1 . المغني: 2/549ـ 550.

صفحه 141
جميل بن درّاج، 9. أبو سعيد القمّـاط ولعلّ المراد هو خالد بن سعيد الذي لم يوثّق، 10. الحسن بن شهاب الدين ، له في التهذيبين روايات يروي عنه جعفر بن بشر الذي لا يروي إلاّ عن ثقة، 11. أبو بكر الحضرمي، 12. مسعدة بن صدقة، 13. علي بن جعفر، 14. الفضل بن شاذان، 15. بكير بن أعين. ولو ادّعي التواتر فإنّما هو بالنسبة إلى ما ينتهي إليه الاسناد، ولعلّه كذلك إلى أن يصل السند إلى أرباب الكتب.
فخلاصة القول: إنّ في المقام روايات تحصر الوجوب في التسعة، مع ذكر عفو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن غيرها، وروايات تحصر الوجوب فيها دون أن تذكر عفو الرسول ـ صلوات اللّه عليه ـ عن غيرها، وقد ورد بالمضمون الأوّل إحدى عشرة رواية(1)، وبالمضمون الثاني اثنتان(2)فلاحظ، وهناك طائفة ترد القول بتعلّقها بغير التسعة، ويكذبها.(3)
وبذلك أصبحت الروايات الدالّة على الحصر، على طوائف ثلاث:
1. ما يحصر ويذكر عفو رسول اللّه .
2. ما يحصر ولا يذكر منه شيئاً.
3. ما يحصر ويرد قول من قال بوجوبها بغيرها.
وها نحن نذكر من كلّ طائفة حديثين:

1 . لاحظ الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1، 3، 4، 5، 8، 10، 11، 12، 13، 16، 17.
2 . المصدر نفسه، الحديث 2، 9.
3 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3، 12.

صفحه 142

الف : ما يدلّ على الحصر مع ذكر العفو

1. روى ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لمّا أُنزلت آية الزكاة (خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ِبها)فأمر رسول اللّه مناديه فنادى في الناس : إنّ اللّه تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض اللّه عليكم من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفا عمّا سوى ذلك.(1)
2. روى حريز، عن زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد بن معاوية العجلي والفضيل بن يسار كلّهم، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)قالا: «فرض اللّه عزّ وجلّ الزكاة مع الصلاة في الأموال، وسنَّها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في تسعة أشياء، وعفا عمّا سواهنّ، في الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والحنطة والشعير، والتمر والزبيب، وعفا رسول اللّه عمّا سوى ذلك».(2)
ثمّ إنّ الظاهر انّ غرض الإمام من نقل فعل رسول اللّه، هو بيان الحكم الشرعي المستمر إلى يوم القيامة مستنداً إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويؤيّد ذلك انّه (عليه السلام)يندد بقول مَن يزعم انّ موضوع الزكاة هو أوسع من التسعة، مستنداً إلى عفو الرسول، ولا يتم الردّ إلاّ إذا كانت الغاية من نقل عمل الرسول هو بيان الحكم الفعلي.

ب: ما يدلّ على الحصر من دون التعرض للعفو

1. روى الفضيل بن شاذان عن الرضا (في حديث) قال: والزكاة على تسعة

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.

صفحه 143
أشياء: على الحنطة والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم، والذهب والفضة.(1)
2. روى زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن صدقات الأموال، فقال: «في تسعة أشياء ليس من غيرها شيء: في الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم السائمة وهي الراعية، وليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة الأصناف شيء، وكلّ شيء كان من هذه الثلاثة الأصناف فليس فيه شيء حتى يحول عليه الحول منذ يوم ينتج».(2)

ج: ما يردّ القول بتعلّقها بغير التسعة

1. روى أبو سعيد القمّاط، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه سئل عن الزكاة؟ فقال: «وضع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الزكاة على تسعة وعفا عمّا سوى ذلك: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والإبل» فقال السّائل: والذّرة، فغضب (عليه السلام)، ثمّ قال: «كان واللّه على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)السّماسم والذّرة والدّخن وجميع ذلك» فقال: إنّهم يقولون: إنّه لم يكن ذلك على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك؟ فغضب وقال: «كذبوا، فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان، ولا واللّه ما أعرف شيئاً عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».(3)
2. روى محمد بن جعفر الطيار قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عمّا تجب فيه

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2. ولاحظ الباب 9، الحديث9.
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9. ولاحظ الباب 9، الحديث9.
3 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث3.

صفحه 144
الزكاة؟ فقال: في تسعة أشياء : الذهب والفضة، والحنطة والشعير والتمر والزّبيب، والإبل والبقر والغنم، وعفا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا سوى ذلك» فقلت: أصلحك اللّه فإنّ عندنا حباً كثيراً، قال: فقال: «وما هو؟» قلت: الأُرز، قال: «نعم ما أكثره»، فقلت: أفيه الزكاة؟ فزبرني، قال: ثمّ قال: « أقول لك: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عفا عمّا سوى ذلك وتقول لي: إنّ عندنا حبّاً كثيراً، أفيه الزكاة؟!».(1)
هذه كلّها حول ما دلّ على انحصار الزكاة في التسعة، وقد عرفت أنّها على أقسام ثلاثة، وأمّا ما يعارضها فإليك بيانه.

الأخبار المعارضة

وهناك روايات تدلّ على أنّ موضوع الزكاة أوسع من التسعة تنتهي اسنادها إلى زرارة ومحمد بن مسلم وأبي مريم ومحمد بن إسماعيل وأبي بصير، والعجب انّ بعض هؤلاء كزرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير ممّن نقلوا ما دلّ على الحصر على التسعة كما مرّ.
ثمّ إنّ ما يدلّ على أنّ الموضوع أوسع على أصناف:
الأوّل: انّ الموضوع هو كلّما يكال ففيه الزكاة، وقد ورد بهذا المضمون روايات أربع (وراء رواية علي بن مهزيار التي سنرجع إليها) .
1. روى زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)في الذرة شيء؟ فقال لي: «الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير، وكلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق التي يجب فيها الزكاة فعليه فيه الزكاة».(2)

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث12.
2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 10، ولاحظ الحديث 3، 7.

صفحه 145
2. روى محمد بن إسماعيل قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام)انّ لنا الرطبة وأُرزاً، فما الذي علينا فيها؟ فقال: «أمّا الرطبة فليس عليك فيها شيء، وأمّا الأُرز فما سقت السماء، العشر، وما سقي بالدلو فنصف العُشر من كلّ ما كِلْتَ بالصاع، أو قال: وكيل بالمكيال».(1)
الثاني: ما يظهر منه انّ الموضوع هو الحبوب، ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سألته عن الحبوب ما يزكّى منها؟ قال (عليه السلام): «البرّوالشعير والذرة والدخن والأُرز والسلت والعدس والسمسم، كلّ هذا يزكّى وأشباهه».(2)
الثالـث: ما يظهـر انّ الموضـوع «ما أنبتـت الأرض » روى زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة، وقال: جعل رسول اللّه الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض إلاّما كان في الخضر والبقول، وكلّ شيء يفسد من يومه».(3)
يمكن إرجاع الضابطة الثالثة إلى الأُولى: حيث إنّ الإمام عرف الموضوع بقوله: «كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق...» ثمّ نقل فعل رسول اللّه ...، ومن المعلوم أنّ قول الإمام أصرح في بيان الموضوع من فعل الرسول.
وأمّا الثانية فلم يرد الحبوب إلاّ في كلام الراوي، فلو كان الموضوع هو الحبوب كان الأظهر أن يقول في الحبوب كلّها زكاة من دون حاجة إلى عدّها ، فالأظهر انّ الموضوع هو ما يكال، فلو كان ممّا يوزن لا ممّا يكال وبلغ النصاب كورق السدر والآس، فهل فيهما الزكاة أو لا، وجهان، والأظهر الإلحاق.
الرابع: ما يظهر ممّا كتب الإمام أبو الحسن الهادي (عليه السلام)إلى عبد اللّه بن محمد،

1 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2، ولاحظ الحديث 3، 7.
2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.
3 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.

صفحه 146
تصويب كلا القولين ورواه الكليني وقطّعه صاحب الوسائل في البابين 8و9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ونحن ننقله من «الكافي»:
عن عليّ بن مهزيار قال: قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمّد إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «وضع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الزّكاة على تسعة أشياء: الحنطة والشعير والتّمر والزّبيب، والذّهب والفضّة، والغنم والبقر والإبل. وعفا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا سوى ذلك»; فقال له القائل: عندنا شيء كثير يكون أضعاف ذلك، فقال: وما هو؟ فقال له: الأُرز، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أقول لك: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وضع الزّكاة على تسعة أشياء وعفا عمّا سوى ذلك وتقول: عندنا أرز وعندنا ذرة، وقد كانت الذّرة على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)».
فوقّع (عليه السلام): «كذلك هو، والزكاة على كلّ ما كيل بالصّاع».
وكتب عبد اللّه: وروى غير هذا الرّجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سأله عن الحبوب فقال: وما هي؟ فقال: السّمسم والارز والدخن، وكلّ هذا غلّة كالحنطة والشعير، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «في الحبوب كلّها زكاة».
وروى أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشّعير والتّمر والزّبيب، قال: فأخبرني جعلت فداك هل على هذا الأُرز وما أشبهه من الحبوب الحمّص والعدس زكاة؟ فوقّع (عليه السلام): «صدقوا الزّّكاة في كلّ شيء ِكيل».(1)
انّ هذه الرواية تشهد على صدق كلتا الطائفتين وصدورهما من الإمام، حيث إنّ الراوي في المكاتبة الأُولى يحكي عمّا روى عن أبي عبد اللّه من أنّ رسول

1 . الكافي: 3/510 ح3و4.

صفحه 147
اللّه وضع الزكاة على تسعة وعفا عمّا سواها، فيصدقه الإمام بقوله: «كذلك هو»، وفي الوقت يعقبه فوراً بقوله: «والزكاة على ما كيل بالصاع» فيجمع بين القولين، ويصدق القول الأوّل، مع صحّة القول الثاني أيضاً.
كما أنّه يحكي في المكاتبة الثانية عن أبي عبد اللّه انّه قال: كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ثمّ يسأل الإمام عن الحبوب والحمص والعدس، فيجيب الإمام: «صدقوا الزكاة في كلّ شيء كِيل» وما معنى الجمع بين القول بالاختصاص والقول بالتوسعة؟
هذه هي روايات الباب، وقد عرفت أقسامها، وقد اختلفت كلمة الأصحاب في الجمع بينها، فهناك وجوه من الجمع نشير إليها:
الأوّل: ما يظهر من يونس بن عبد الرحمن وربما يعبر عنه بـ «يونس » مولى علي بن يقطين وقد روى بعنوان «يونس بن عبد الرحمن» حوالي 263 حديثاً، فقد روى الكليني عنه وقال: قال يونس: معنى قوله: إنّ الزكاة في تسعة أشياء وعفا عمّا سوى ذلك إنّما كان ذلك في أوّل النبوة كما كانت الصلاة ركعتين ثمّ زاد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فيها سبع ركعات، وكذلك الزكاة وضعها وسنّها أوّل نبوته على تسعة أشياء ثمّ وضعها على جميع الحبوب.(1)
ولعل إلى ذلك يشير ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «... جعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض إلاّ ما كان في الخضر والبقول، وكلّ شيء يفسد من يومه».(2)

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 5، قسم التعليقة، وقد حذف صاحب الوسائل ما نقل الكليني عن يونس ونقله محقّق الكتاب في التعليقة.
2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 6.

صفحه 148
وحاصله: انّ تشريع كلا الأمرين كان في عصر الرسول، فهو الذي حصره أوّلاً في التسعة وعفا عن غيره، ثمّ وضعها على جميع الحبوب.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكر، يضاد مضمون روايات العفو التي هي ظاهرة في بقاء العفو إلى رحيله، وإلاّ فلو كان العفو مختصاً بفترة خاصة من حياته، لما صحّ الاحتجاج بعفوه على حكم الأجيال الآتية، مع أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)قد احتجّوا بها على معاصريهم ومن يأتي بعدهم.
وثانياً: أنّ الطائفة الثالثة ـ كما مرّت ـ ترد أصل النسبة، ففي مرسلة القمّاط عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «كذبوا، فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان، ولاواللّه ما أعرف شيئاً عليه الزكاة غير هذا».(1)
وفي رواية محمد الطيار عن أبي عبداللّه (عليه السلام): «أقول لك إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عفا عمّا سوى ذلك وتقول لي إنّ عندنا حباً كثيراً».(2)
نعم في سند كلتا الروايتين ضعف، إذ الأُولى مرسلة، والثانية مشتملة على مجهول، أعني: محمداً الطيّار، نعم مضمونالحديث موجود في ما رواه علي بن مهزيار.
***
الثاني: حمل ما دلّ على الزكاة في غير التسعة على الاستحباب، وهو الذي اختاره المفيد في «المقنعة» والشيخ الطوسي في «التهذيب».
قال الأوّل: وتزكّى سائر الحبوب ممّا أنبتت الأرض فدخل القفيز والمكيال بالعشر ونصف العشر كالحنطة والشعير سنّة مؤكّدة دون فريضة واجبة، وذلك انّه

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 3.
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 12.

صفحه 149
قد ورد في زكاة سائر الحبوب آثار عن الصادقين (عليهم السلام)مع ما ورد عنهم في حصرها في التسعة، وقد ثبت انّ أخبارهم لا تناقض، فلم يكن لنا طريق إلى الجمع بينها إلاّإثبات الفرض فيما أجمعوا على وجوبه وحمل ما اختلفوا منه مع عدم التأكيد في الأمر به على السنّة المؤكدة.(1)
وقال الشيخ ـ بعد نقل ما رواه محمد بن مسلم، وأبو مريم الداليّن على وجوب الزكاة في سائر الحبوب ـ: وما يجري مجراهما ممّا يتضمن وجوب الزكاة عليه فإنّها محمولة على الندب والاستحباب دون الفرض والإيجاب، وإنّما قلنا ذلك لئلاّ تتناقض الأخبار.(2)
وأورد عليه صاحب الحدائق: بأنّه لو كان ما يدّعونه حقّاً من أنّ أخبار الوجوب إنّما خرجت عنهم(عليهم السلام)مراداً بها الاستحباب، وانّه لا تناقض ولا تدافع بين الأخبار في هذا الباب، لما خفي هذا المعنى على أصحاب الأئمّة المعاصرين لهم، ولما احتاجوا إلى عرض هذه الأخبار المنقولة عن المتقدمين، على المتأخرين عنهم(3) (كما في رواية علي بن مهزيار) .
والحقّ معه، فإنّ الممعن في الروايات يرى بينها تدافعاً ظاهراً، فإنّ قوله: «وليس فيما أنبتت الأرض شيء إلاّ في هذه الأربعة أشياء»(4)، أو قوله: «ليس في شيء أَنبتت الأرض من الارز والذرّة والدخن والحمص والعدس وسائر الحبوب والفواكه غير هذه الأربعة الأصناف»(5)، يضاد مع ما دلّ على أنّ «كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة».(6)

1 . المقنعة: 244، باب حكم الحبوب بأسرها في الزكاة.
2 . التهذيب: 4/3، باب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 7.
3 . الحدائق: 12/109.
4 . لاحظ الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 8 .
5 . لاحظ الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 9.
6 . لاحظ الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 3.

صفحه 150
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي استوجه كلام صاحب الحدائق، وانّ روايات الباب من المتناقضين في نظر العرف بحيث لا قرينية لإحداهما على الأُخرى، لكنّه عدل عمّا ذكره وقال: «غير انّ هناك رواية واحدة من أجلها نحكم بالاستحباب، وهي صحيحة علي بن مهزيار، ثمّ ذكر الرواية الماضية» وقال : فإنّ تصديق الإمام لتلك الروايات المتعارضة المروية عن الصادق (عليه السلام)ليس له وجه صحيح عدا إرادة الاستحباب فيما عدا التسع، وإلاّفلا يمكن في مثله الحمل على التقية بالضرورة، إذ لا معنى للتقية في تصديق الخبرين المتعارضين (إذ يكفي في رفعها، نقل أحدهما الموافق للتقيّة) .(1)
يلاحظ عليه: أنّ أثر التقية ظاهر في الرواية، إذ لو كان الإمام بصدد بيان انّ الواجب هو التسعة وماعداها مستحب، كان في وسعه بيان ذلك بأوضح العبارات لا بالنحو الوارد في المكاتبة.
توضيح ذلك: انّ الرواية تشتمل على مكاتبتين:
ففي المكاتبة الأُولى حكى الراوي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وضع الزكاة على التسعة وعفو رسول اللّه عمّا سواها، وضمّ إليه ما دار بينه (عليه السلام)وبين شخص آخر، حيث طرح الأُرز على أمل أن تكون فيها الزكاة، لكن الإمام لم يعجبه كلامه وقال: « أقول لك: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وضع الزكاة على تسعة أشياء وعفا عمّا سوى ذلك وتقول عندنا أُرز...».
هذا هو الذي كتبه عبد اللّه بن محمد إلى الإمام أبي الحسن الهادي(عليه السلام)فأجاب الإمام بجملتين:
الف: «كذلك هو» : أي ما نقلت من الحديث عن الإمام الصادق صحيح

1 . مستند العروة: 1/141ـ142، كتاب الزكاة.

صفحه 151
حتى الحوار الذي دار بينه وبين شخص آخر.
ب: والزكاة على كلّ ما كيل بالصاع: أي مع أنّ الأوّل صحيح لكن موضوع الزكاة أوسع من التسعة.
هذا هو الجواب الذي كتبه الإمام، فلو كان الهدف من تصديق المتناقضين هو كون الزكاة في الأُولى واجبة وفي مطلق الحبوب مستحبة كان في وسعه أن يبيّنه بلفظ قالع للشبهة ورافع للحيرة، مع أنّه اقتصر بتصديق المتناقضين، وهذا يعرب عن أنّ الإمام كان بصدد بيان أمر آخر.
وفي المكاتبة الثانية ، حكى الراوي عن الإمام الصادق (عليه السلام)خلاف ما حكاه عنه في المكاتبة الأُولى حيث نقل عنه أنّه قال في الحبوب كلّها زكاة، وانّ كلّ ما دخل القفيز فهو في حكم الغلاّت الأربع، فعندئذ صدّقه الإمام ووقع: صدقوا، الزكاة في كلّ شيء.
وهذا النوع من الجواب (تصديق المتناقضين في الأُولى) واختيار أحد المتناقضين في الثاني، لا يكون دليلاً على ما استفاده المحقّق الخوئي، من الوجوب في التسعة والاستحباب في غيرها.
بل الحقّ انّ هذا النوع من التكلّم من أفصح الناس وأبلغهم، دليل على اقتران ظرف الجواب بمحذور أو محاذير دفعته إلى هذا النوع من التكلّم المحفوف بالإجمال.
وقد أشار صاحب الحدائق إلى بعض ما ذكرنا فقال: «فلو لم يحمل كلامه على التقية للزم التناقض بين الكلامين، ولو كان الاستحباب مراداً لما خفي على أصحاب الأئمّة المعاصرين لهم، ولما احتاجوا إلى عرض هذه الأخبار على الإمام، ومع تسليم الخفاء عليهم كان الأظهر في الجواب أن يقال: انّ المراد ممّا ظاهره

صفحه 152
الوجوب، الاستحباب لا انّه يقرّ السائل على الحصر على التسعة، ومع هذا يوجب عليه إخراج الزكاة فيما عداها.(1)
الثالث: حمل ما دلّ على سعة الموضوع على التقية، وأوّل من أشار إليه، هو السيد المرتضى في « الانتصار» حيث إنّه ـ بعد ما نقل الخلاف عن يونس بن عبدالرحمن وابن الجنيد ـ قال: والأخبار التي تعلّق ابن الجنيد بها الواردة من طريق الشيعة الإمامية معارضة بأظهر وأكثر وأقوى منها ويمكن حملها بعد ذلك على أنّها خرجت مخرج التقية، فإنّ الأكثر من مخالفي الإمامية يذهبون إلى أنّ الزكاة واجبة في الأصناف كلّها.(2)
وممّن أيّد خروج هذه الأخبار مخرج التقيّة صاحب الحدائق حيث قال: الأظهر عندي حمل هذه الأخبار الأخيرة على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كلّ بلية، فإنّ القول بوجوب الزكاة في هذه الأشياء مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف وأحمد كما نقل في «المنتهى».(3)
ويؤيد الحمل على التقية روايات:
1. ما في مرسلة القمّاط(4) من قوله ، فقال : إنّهم يقولون إنّه لم يكن ذلك على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما وضع على تسعة لمّا لم يكن بحضرته غير ذلك؟ فغضب وقال: «كذبوا فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان» فهو ظاهر في أنّ القول بالتعلّق بمطلق الحبوب كان قولاً مشهوراً عند السنّة.

1 . الحدائق: 12/109.
2 . الانتصار: 210 ط مؤسسة النشر الإسلامي.
3 . الحدائق: 12/108.
4 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث3.

صفحه 153
2. ما روي من التأكيد على عدم التعلّق كما في صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر عن صدقات الأموال؟ فقال: «في تسعة أشياء، ليس في غيرها شيء».(1)
وخبر الطيّار حيث إنّ السائل عند ما سأل عن الزكاة من الأُرز، فنهره الإمام وزبره وقال: «أقول لك انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عفا عمّا سوى ذلك وتقول لي إنّ عندنا حبّاً كثيراً أفيه الزكاة؟!».(2)
وسند الرواية وإن كان غير صحيح، لكن مضمونها موجود في رواية علي ابن مهزيار(3)، وبذلك يصير خبراً معتبراً.
إلى غير ذلك من الروايات التي تصلح لأن تكون قرينة على صدور الطائفة الأُخرى من باب التقيّة.

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 12.
3 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.

صفحه 154
نعم يستحبّ إخراجها من أربعة أنواع أُخر:
أحدها: الحبوب ممّا يكال أو يوزن، كالأُرز، والحمص، والماش، والعدس، ونحوها .
وكذا الثمار كالتفاح، والمشمش، ونحوهما .
دون الخضر والبقول كالقثّ والباذنجان، والخيار، والبطيخ، ونحوها.
الثاني: مال التجارة على الأصحّ.
الثالث: الخيل الأُناث دون الذكور، ودون البغال والحمير والرقيق.
الرابع: الأملاك والعقارات التي يراد منها الاستنماء، كالبستان، والخان، والدكّان، ونحوها.*
* أفاد المصنّف استحباب استخراج الزكاة من أنواع أربعة:
الأوّل: عامة الحبوب، ومن الثمار: التفاح والمشمش ونحوها، ولا يستحب في الخضر والبقول، فنقول:
أمّا الحبوب فقد عرفت حال ما دلّ على الزكاة فيها وانّها وردت تقية، فكيف يمكن الحكم فيها بالاستحباب؟ إلاّمن باب الصدقة المطلقة.
وأمّا الثمار: فقد ذكر التفاح والمشمش ونحوهما ممّا لها إمكان البقاء، فإنّ الأوّل إذ جُني غير ناضج يبقى مدّة مديدة، والثاني يبقى بالتجفيف، إنّما الكلام في وجود الدليل على تعلّق الزكاة بالثمار، والفواكه، فإنّ العناوين الواردة في روايات الطائفة الثانية الموسِّعة لموضوع الزكاة لا يتجاوز عن الأُمور التالية:

صفحه 155
1. الحبوب.
2. كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة.(1)
3. كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب.(2)
4. الصدقة في كلّ شيء ممّا أنبتت الأرض.
5. الخضر.
أمّا الأوّل فالثمار ليست منها قطعاً.
وأمّا الثاني والثالث، فالثمار تباع بالوزن أو بالعدّ، أو بالمشاهدة لا بالكيل مطلقاً الذي منه القفيز.
وأمّا الرابع فالمتبادر «ممّا أنبتت» هو الحرث، لا الأشجار فثمرة الأرض هي نباتها وثمرة الشجر، هي الفواكه فلا يطلق على ثمار الأشجار انّه ممّا أنبتت الأرض وإن كان حسب الدقة مما أنبتته الأرض، ولذلك عطف الإمام في صحيحة زرارة «الفواكه»، على ما أنبتته الأرض، مشعراً بمغايرتهما وقال: «ليس في شيء أنبتت الأرض من الأُرز والذرّة، والدخن والحمص، والعدس وسائر الحبوب والفواكه...».(3) بناءً على عطف الفواكه على «شيء».
وفي صحيحة أُخرى له: «جعل رسول اللّه الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض، إلاّما كان من الخضر والبقول وكلّ شيء يفسد من يومه» فإنّ(4) الاستنباط ظاهر في كون المستثنى منه، من سنخه وهو الحرث والنبات النابت من الأرض

1 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث3، 1، 6.
2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.
3 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.
4 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.

صفحه 156
الموضوع عليها أو المرتفع عنها بقليل.
نعم ورد في روايتين (1)، عدّ الحنطة والشعير والزبيب والتمر ممّا أنبتته الأرض، لكن الإطلاق من باب التغليب، أي وصف الثمرتين بما يوصف به الأصفران من كونهما من نبات الأرض.
فما جنح إليه الفقيه الهمداني من أنّه لا يبعد دعوى خروج ثمر الأشجار عن منصرف إطلاق ما أنبتته الأرض متين(2)، ودعوى شموله لها(3)، غير واضح.
فتبيّن انّه لا دليل على وجوب الزكاة أو استحبابه في الثمار.
وأمّا الخضر، فلا يطلق على ثمار الأشجار وعلى فرض الإطلاق فهو منصرف عن الثمار.
إلى هنا تبيّن حكم الحبوب والثمار، بقي حكم الخضر بما هوهو من غير تقييد بالثمار، فنقول:
قد تضافرت الروايات على عدمها في الخضر ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)انّه سئل عن الخضر فيها زكاة وإن بيعت بالمال العظيم؟ فقال: «لا، حتى يحول عليه الحول».(4) والضمير يرجع إلى المال العظيم أي النقدين.
***

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الـزكاة، الحديـث 14، والبـاب 9 منـه ، الحديث 8.
2 . مصباح الفقيه: كتاب الزكاة: 13/111.
3 . مستند العروة، كتاب الزكاة: 1/142.
4 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.

صفحه 157
الثاني: أعني استحباب الزكاة في التجارة، وسيأتي الكلام فيه من المصنّف في الفصل الخامس المختص بما يستحب فيه الزكاة، ونحن نحيل البحث فيها إليه.
الثالث: استحباب الزكاة في الخيل الإناث دون الذكور، روى محمد بن مسلم وزرارة عنهما (عليهما السلام)قالا: «وضع أمير المؤمنين (عليه السلام)على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً».(1)
والعتاق جمع العتيق، والمراد به كريم الأصل وهو ما كان أبواه عربيين، والبرذون ـ بكسر الباء ـ خلافه.
ولأجله يذم الشاعر: «برذون» أبا عصام بأنّه ليس فرساً، وإنّما هو حمار، دق باللّجام يقول:
كإن برذون أبا عصـام *** زيد، حمار دُقَّ باللجام
وروى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)هل في البغال شيء؟ فقال: «لا» فقلت: فكيف صار على الخيل ولم يصر على البغال؟ فقال: «لأنّ البغال لا تلقح والخيل الاناث ينتجن وليس على الخيل الذكور شيء». قال قلت: فما في الحمير؟ فقال: ليس فيها شيء. قال: قلت هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شيء؟ فقال: «لا»، ليس على ما يعلف شيء ، إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء». (2)
أقول: المرج ـ بالجيم ـ: المرعى.
وإنّما حملت هاتان الروايتان على الاستحباب مع أنّ ظاهرهما الوجوب لما

1 . الوسائل: 6، الباب16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.
2 . الوسائل: 6، الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.

صفحه 158
المسألة 1: لو تولّد حيوان بين حيوانين يلاحظ فيه الاسم في تحقّق الزكاة وعدمها سواء كانا زكويّين أو غير زكويّين أو مختلفين، بل سواء كانا محلّلين أو محرّمين أو مختلفين مع فرض تحقّق الاسم حقيقة، لا أن يكون بمجرد الصورة، ولا يبعد ذلك فإنّ اللّه قادر على كلّ شيء.*
تقدّم من انتفاء الوجوب عن ما سوى الأصناف التسعة.
واحتمل بعضهم انّ هذه الزكاة كانت تؤخذ في عصر الإمام علي (عليه السلام)من أموال المجوس يومئذ جزية أو عوضاًعن انتفاعهم بمراعي المسلمين. وظاهر الخبر الثاني يدفعه كما نبّه بذلك في الحدائق.(1)
***
الرابع: الأملاك والعقارات التي يراد منها الاستنماء كالبستان والدكان ونحوها. وليس له دليل صالح وإلحاقه بالتجارة غير معلوم، لأنّها عبارة عن تبادل الأموال بعقود مختلفة من البيع، والاجارة، والرهن والجعالة، وأمّا المقام فالأموال ثابتة ويراد منها الاستنماء والاستغلال.
* وذلك لأنّ الأحكام تدور مدار الأسماء، وهي قاعدة فقهية مبحوث عنها في القواعد الفقهية.

1 . الحدائق: 12/152.

صفحه 159
الفصل الثاني
في زكاة الأنعام الثلاثة

صفحه 160

صفحه 161

الفصل الثاني

في زكاة الأنعام الثلاثة

ويشترط في وجوب الزكاة فيها ـ مضافاً إلى ما مرّ من الشرائط العامّة ـ أُمور:
الأوّل: النصاب وهو في الإبل اثنا عشر نصاباً:
الأوّل: الخمس وفيها شاة.
الثاني: العشر وفيها شاتان.
الثالث: خمسة عشر وفيها ثلاث شياه.
الرابع: العشرون وفيها أربع شياه.
الخامس: خمس وعشرون وفيها خمس شياه.
السادس: ستّ وعشرون وفيها بنت مخاض، وهي الداخلة في السنة الثانية.
السابع: ستّ وثلاثون، وفيها بنت لبون، وهي الداخلة في السنة الثالثة.
الثامن: ستّ وأربعون وفيها حُقّة، وهي الداخلة في السنة الرابعة.
التـاسـع: إحـدى وستّون، وفيهـا جـذعـة وهــي الّتـي دخلـت فـي

صفحه 162
السنة الخامسة.
العاشر: ستّ وسبعون وفيها بنتا لبون.
الحادي عشر: إحدى وتسعون وفيها حقّتان.
الثاني عشر: مائة وإحدى وعشرون، وفيها في كلّ خمسين حقّة وفي كلّ أربعين بنت لبون.*
* النصاب هوالشرط الأوّل ويليه الشرط الثاني وهو السوم، والثالث أن لا تكون عوامل، والرابع مضيّ الحول، وسيوافيك الجميع في محلّه .
أمّا لزوم النصاب فعليه النصّ والفتوى، أمّا الأوّل فيدلّ عليه ما يمر عليك من بيان النصب المختلفة المنتهية إلى اثني عشر نصاباً، وأمّا الثاني: فقال في الحدائق بالإجماع من علماء الإسلام على ما نقله جملة من الأعلام(1) ولو كان هنا خلاف فإنّما هو في عدد النصب كما سيوافيك بيانه.
وقال ابن قدامة: أجمع المسلمون على أنّ ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه.(2)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: وقد أجمع المسلمون على وجوب الزكاة في الإبل وقد تقدّم والشرط فيه الملك والنصاب والسوم والحلول بلا خلاف بين العلماء.
وقبل الخوض في الاستدلال نذكر أمرين:
الأوّل: في بيان المراد من «بنت مخاض» وغيرها.(3)

1 . الحدائق: 12/43 وسيوافيك نصّ العلاّمة في ذلك المورد.
2 . المغني: 2/479.
3 . المنتهى: 1/479.

صفحه 163
قال الصدوق: أسنان الإبل، أوّل ما تطرحه أُمّه إلى تمام السنة حِوار.
فإذا دخل في السنة الثانية سمِّي ابنُ مخاض، لأنّ أُمّه قد حملت (ومثله بنت مخاض) .
فإذا دخل في الثالثة سمّي ابنُ لبون، لأنّ أُمّه قد وضعت وصار لها لبن.
فإذا دخل الرابعة سمّي الذكر حِقّاً والأُنثى حقّة، لأنّه قد استحق أن يحمل عليه.
فإذا دخل في الخامس سمّي جَذَعاً(1) وبما انّ الصدقة تؤخذ من ابن المخاض إلى الجذع. اكتفينا بهذا المقدار، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى «الفقيه».(2)
الثاني: اتّفقت كلمة الأصحاب ـ عدا ابن أبي عقيل ـ على أنّ نصاب الإبل هو اثنا عشر، وهو كما ذكره المصنّف وإليك توضيحه :

بيان ما في هذه النصب من الخصوصيات

الفاصل بين النصابين في الخمسة الأُولى، هو الخمس فإذا بلغ خمساً وعشرين إبلاً، ففيها خمس شياه، وزكاة هذه النصب من جنس الغنم، لا من جنس ما يُزكّى أي الإبل، بخلاف النصب التالية فإنّ زكاة كلّ نصاب، من جنس الإبل.
كما أنّ الفاصل بين النصابين، في النصاب السادس والسابع، هو العشر على النحو التالي:

1 . وجه التسمية لأنّه يُجذع مقدّم أسنانه ويسقط.
2 . الفقيه: 2/13.

صفحه 164
فمن 26 ـ 35 إبلاً بنت مخاض.
وفي 36 ـ 45 إبلاً بنت لبون.
كما أنّ الفاصل بين النصب الثلاثة التالية هو خمس عشرة:
فمن 46 ـ 60 إبلاً حقّة.
وفي 61ـ 75 إبلاً جذعة.
وفي 76 ـ 90 إبلاً بنتا لبون.
والفاصل بين الحادي عشر والنصاب الثاني عشر، هو الثلاثون .
فمن 91 ـ 120 حقّتان.
وإذا تجاوز عنه ، فليس بعده أي نصاب فيها في كلّ خمسين حقة وفي كلّ أربعين بنت لبون.
فتحصل انّ الفاصل بين النصابين من النصب الخمسة الأُولى، هو الخمس; والفاصل بين النصابين من النصاب السادس والسابع ، هو العشر; والفاصل بين النصب الثلاثة: الثامن والتاسع والعاشر، هو الخمس عشرة; والفاصل بين الحادي عشر إلى الثاني عشر هو الثلاثون، ولا نصاب بعد الثاني عشر.
إذا عرفت فاعلم أنّ النصاب عند أهل السنّة لا يتجاوز عن أحد عشر نصاباً بإسقاط النصاب السادس ووافقهم ابن أبي عقيل كما سيوافيك.
فقد اتّفقوا معنا إلى أربعة نصب أي إلى العشرين، ففيه أربع شياه عندنا وعندهم، وافترقوا بأنّه إذا بلغ:
5. خمساً وعشرين فعندنا فيه خمس شياه، وإذا بلغ:
6. ستاً وعشرين فعندنا فيه بنت مخاض وإذا بلغ:

صفحه 165
7. ستاً وثلاثين فعندنا فيه بنت لبون إلى خمس وأربعين.
وأمّا عند السنة: فإذا بلغ عندهم:
5. خمساً وعشرين فيه بنت مخاض.
6. اسقطوه .
7. ستاً وثلاثين ففيه ابنة لبون إلى خمس وأربعين.
فقد أَسقطوا النصاب السادس: «الست والعشرون».
وقد تبعوا في ذلك الكتاب الذي كتبه أبو بكر لما وجّه أنس إلى البحرين، وجاء فيه: في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كلّ خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أُنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أُنثى.
وقال ابن قدامة : بعد ما روى كتاب أبي بكر بطوله: ولا يصحّ عن علي (رضي الله عنه)ما روي عنه في خمس وعشرين يعني ما حكي عنه خمس وعشرين خمس شياه.(1)
قال ابن رشد القرطبي: وأجمع المسلمون على أنّ في كلّ خمس من الإبل شاة إلى أربع وعشرين; فإذاكانت خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا كانت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستاً وأربعين ففيها حقة إلى ستين، فإذا كانت واحداً وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين ، فإذا كانت ستاً وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت واحداً وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة.

1 . المغني: 2/479.

صفحه 166
لثبوت هذا كلّه في كتاب الصدقة الذي أمر به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمل به بعده أبو بكر وعمر واختلفوا منها في مواضع: منها فيما زاد على العشرين والمائة.(1)
وهذا أيضاً هو المروي عن ابن أبي عقيل.
قال العلاّمة: المشهور انّ في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، فإذا زادت واحدة، وجب بنت مخاض أو ابن لبون ذكر، ذهب إليه الشيخان والسيد المرتضى، وابنا بابويه، وسلاّر، وأبو الصلاح، وابن البراج وباقي علمائنا إلاّ ابن أبي عقيل وابن الجنيد(2) فانّهما أوجبا في خمس وعشرين بنت مخاض.
قال ابن أبي عقيل: فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين ، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون.(3)
وعلى هذا يكون الفاصل بين النصابين أحد عشر لا العشر.
وقد عطف صاحب المدارك، ابنَ الجنيد على ابن أبي عقيل وانّه أيضاً أسقط النصاب السادس، لكن العبارة التي حكاها العلاّمة عنه في «المختلف»، تدلّ على أنّه لم يُسقط النصاب السادس وقال فيه بمثل مقالة المشهور، وإنّما خالفهم في النصاب الخامس (خمس وعشرون) فإنّ النصاب فيه عند المشهور، خمس شياه فقط وعنده بنت مخاض أُنثى، فإن لم تكن في الإبل فابن لبون ذكر، فإن لم يكن فخمس شياه، فإن زاد على الخمس والعشرين بواحدة ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، وقد نبّه بذلك صاحب

1 . بداية المجتهد: 259.
2 . شاركا في أنّ الواجب في النصاب الخامس هوبنت مخاض، ولم يشاركا في إسقاط النصاب السادس حيث أسقطه الأوّل دون الثاني كما سيتضح.
3 . المختلف: 3/168 ـ 169.

صفحه 167
الحدائق.(1) فلاحظ.
إذا عرفت الأمرين، فاعلم أنّه يدلّ على قول المشهور روايات متضافرة نظير صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج التي رواها في « الكافي» و «التهذيب»، وصحيحة أبي بصير وصحيحة زرارة التي رواها الصدوق في «الفقيه» وهي مثل صحيحة أبي بصير إلاّ في ذيلها، وإليك الصحيحة:
قال أبو جعفر(عليه السلام): «ليس فيما دون الخمس من الإبل شيء، فإذا كانت خمساً ففيها شاة إلى عشرة، فإذا كانت عشراً ففيها (فإذا بلغت عشراً ففيها) شاتان، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث من الغنم، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإن زادت على خمس وثلاثين بواحدة، ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقّة، وإنّما سمّيت حقّة لأنّها استحقّت أن يُركب ظهرها، إلى ستّين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة فحُقّتان إلى عشرين ومائة، فإن زادت على العشرين والمائة واحدة ففي كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين ابنة لبون».(2)
ومع هذه الروايات المتضافرة، وفتوى المشهور بمضامينها لا يعتد بالفتوى الشاذة المنقولة عن ابن أبي عقيل وإن وردت على مضمونها رواية، وهي رواية الفضلاء التي يمكن أن يحتجّ بها لفتوى ابن أبي عقيل.
روى زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد العجلي والفضيل كلّهم، عن

1 . الحدائق: 12/44.
2 . الوسائل: 6، الباب 2 من زكاة الأنعام ، الحديث 1.

صفحه 168
أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)قالا: « في صدقة الإبل: في كلّ خمس، شاة إلى أن تبلغ خمساً وعشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، ثمّ ليس فيها شيء حتى تبلغ خمساً وثلاثين فإذا بلغت خمساً وثلاثين ففيها ابنة لبون...».(1)
فقد خالفت الصحيحة فتوى المشهور في ثلاثة موارد:
1. جعل الواجب في خمس وعشرين بنت مخاض دون خمس شياه.
2. جعـل بنت لبـون لخمس وثلاثين ، مـع أنها عنـدهم للسـت والثلاثين.
3. أَسقط النصاب السادس، أعني: الست والعشرين.
ولا يحتج بها لوجوه:
أوّلاً : أنّه موافق في عدد النصاب وعقوده مع الكتاب الذي كتبه أبو بكر إلى البحرين وقد نقلنا شطراً منه، وهذا يعرب انّ الرواية لم تصدر لبيان الحكم الواقعي، وإنّما يوافقهم في موردين دون مبدأ العقد ومنتهاه كما هو معلوم عند المطابقة.
ثانياً: أنّ المحدّث الحرّ العاملي نقله عن كتاب «معاني الأخبار» وقال: ورواه الصدوق في «معاني الأخبار»، بسند ينتهي إلى حمّاد بن عيسى، مثله، إلاّ أنّه قال على ما في بعض النسخ الصحيحة: فإذا بلغت خمساً وعشرين فإن زادت واحدة ففيها بنت مخاض ـ إلى أن قال: ـ فإذا بلغت خمساً وثلاثين فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون، ثمّ قال : إذا بلغت خمساً وأربعين وزادت واحدة ففيها حقّة، ثمّ قال...(2)

1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام ، الحديث6.
2 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام ، الحديث 7.

صفحه 169
وعلى هذا فلا محيص من أحد الأمرين: الحمل على التقية، أو الإضمار. والأوّل أسهل وتدلّ عليه صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج حيث إنّه ذكر النصب إلى خمس وعشرين وقال: وفي خمس وعشرين خمس; وفي ست وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين.
وقال عبد الرحمان : هذا فرق بيننا وبين الناس.
فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين ، فإذا زادت واحدة ففيها حقّة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كثرت الإبل ففي كلّ خمسين حقّة.(1)
وثالثاً: انّ الإشكال في الصحيحة المذكورة ليس مخصوصاً بهذا الموضع، بل الإشكال في جملة النصب المتأخرة إلى النصاب الأخير حيث جعل مبدأ النصاب السادس هو 35 إبلاً، ومبدأ السابع هو 45 إبلاً، ومبدأ الثامن هو 60 إبلاً; مع أنّ المبدأ في الجميع عند الفريقين يزيد بواحدة فإنّه لا قائل به بين العامة والخاصة.
وعلى كلّ تقدير فلا يحتجّ به.

1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام ، الحديث4.

صفحه 170
بمعنى: أنّه يجوز أن يحسب أربعين أربعين وفي كلّ منها بنت لبون، أو خمسين خمسين وفي كلّ منها حقّة. ويتخيّر بينهما مع المطابقة لكلّ منهما، أو مع عدم المطابقة لشيء منهما. ومع المطابقة لأحدهما الأحوط مراعاتها، بل الأحوط مراعاة الأقلّ عفواً ففي المائتين يتخيّر بينهما لتحقّق المطابقة لكلّ منهما، وفي المائة وخمسين الأحوط اختيار الخمسين، وفي المائتين وأربعين الأحوط اختيار الأربعين، وفي المائتين وستّين يكون الخمسون أقلّ عفواً، وفي المائة وأربعين يكون الأربعون أقلّ عفواً.*
* انّ الصور المذكورة في عبارة المصنف ثلاث:
1. إذا كان كلّ من العددين قابلاً للانقسام لكلّ من العددين وعادّاً للإبل الموجودة، بحيث إذا عُدّا بكلّ واحد لا يبقى عقد(1)، في البين سواء بقي شيء دون العشرة أو لا، فانّ النيَّف(2)، والكسور قد عفي عنه، ففي صحيحة الفضلاء: «وليس على النيَّف شيء، ولا على الكسور شيء».(3) فيصحّ الإخراج على وفق كلا العددين، وهذا كالمائتين : فيها أربع خمسينات وفي كلّ، حقة، كما أنّ فيها خمس أربعينيات وفي كلّ، بنت لبون، فيجوز العد بكلّ، والعمل على وفقه ولا يبقى شيء في البين، ولو افترضنا انّ الإبل فوق المائتين ودون العشرة لا يضر بقاء ما بقي من الآحاد بين العقود.
2. إذا كان معدوداً بأحد العددين دون الآخر، أي قابلاً للانقسام إلى

1 . العقد، الواحد إلى العشرة، ومنها إلى العشرين وهكذا.
2 . والنّيف هو الآحاد، بين العقدين، يقال: عشر ونيّف.
3 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام ، الحديث6.

صفحه 171
أحدهما دون الآخر، وذلك كما في المائة والخمسين، ففيها ثلاث خمسينات، وفي كلٍّ حقة، وهل يصحّ عدّه بالأربعين، ففيها ثلاث أربعينيات، فيزيد ثلاثين؟ ظاهر الجواهر(1) تبعاً للمدارك هو التخيير أيضاً، أخذاً بإطلاق صحيح زرارة : «فإن زادت على العشرين والمائة واحدة، ففي كلّ خمسين حقة وفي كلّ أربعين ابنة لبون»(2). فله الأخذ بكلّ خمسين، كما له الأخذ بكلّ أربعين.
يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال إنّما يصحّ إذا كان الموضوع هو المائة والإحدى والعشرين فقط، فإذا حكم فيه بالتخيير يلزم إلغاء العشرين من الإبل من النصاب إذا عد بالخمسين، ويكون دليلاً على جواز الإلغاء في المائة والخمسين إذا عدّت بالأربعين، وأمّا إذا كان الموضوع هو الكلي أي المائة والاحدى والعشرين فما فوق من المراتب، فلا يكون الحكم بالتخيير منحصراً بالمائة والإحدى والعشرين حتى يدلّ تلويحاً على جواز إلغاء العشرين إذا عدّ بالخمسين.
ويدلّ على ذلك الوارد في صحيحة عبد الرحمن وأبي بصير ـ بعد قوله: فإذا زادت واحدة ففيها حقّتان إلى عشرين ومائة ـ : «فإذا كثرت الإبل ففي كلّ خمسين حقة».(3) فالموضوع ما زاد على المائة والعشرين وله مصاديق كثيرة.
فالظاهر من الروايات في أمثال المقام ان جعل التخيير بين العددين لأجل الجمع بين حقوق الفقراء وتيسير العملية، فإذا كان أحد العددين عادّاً بحيث لا يبقى في البين عقد دون الآخر، كما في المائة والخمسين، يصدق عليه انّ فيه ثلاث خمسينات، ومعه كيف يعدل عنها إلى ثلاث أربعينات؟!
3. أن لا يكون واحد منهما عادّاً وكان العدد غير قابل للانقسام، وهذا

1 . الجواهر: 15/81.
2 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
3 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث2و4.

صفحه 172
كالمائة والسبعين ففيها ثلاث خمسينات ويزيد عشرون، وأربع أربعينيات فيبقى عشرة ، فهناك أقوال:
الأوّل: القول بالتخيير مثل الصورة الثانية، والفرق بين الصورتين هو انّ أحد العددين كان عادّاً في السابق ولم يكن يبقى في البين عقد، دون الآخر; بخلاف المقام ، فالعددان غير عادّين، ويبقى عقد في البين على كلّ تقدير وعقدان على عد آخر.
الثاني: مراعاة الأقل عفواً، وهو الذي اختاره الماتن، وأوضح ذلك بمثالين:
الف: في المائتين والستين يختار الخمسين، لكونه أقل عفواً وهو العشرة، بخلاف الأربعين فيزيد العشرون هو أكثر من العشر.
ب: في المائة والأربعين يختار الأربعين لكونه أقلّ عفواً، إذ يبقى عندئذ عشرون، بخلاف ما إذا عدّ بخمسين، إذ عندئذ يزيد أربعون.
وهذا أيضاً خيرة «الجواهر» قال: نعم قد يقال بوجوب مراعاة الأقل في خصوص المائتين وستين.(1)
الثالث: التلفيق حيث لا يبقى معه موضوع للعفو وهو خيرة سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي وكثير من أعلام العصر.
وجهه ـ كما أفاده المحقّق الخوئي (قدس سره)ـ انّ مائة وواحداً وعشرين يتألف من ثلاث أربعينيات، فإن كان الزائد عشرة تضاف على واحد منها يصير خمسيناً وأربعينين، وإن كان عشرين يضاف على اثنين منها فيصير أربعيناً وخمسينين، وإن كان ثلاثين، يضاف على كلّ منها، فيصير ثلاث خمسينات، وإن كان أربعين،

1 . الجواهر: 15/81.

صفحه 173
المسألة 1: في النصاب السادس إذا لم يكن عنده بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون، بل لا يبعد إجزاؤه عنها اختياراً أيضاً . وإذا لم يكونا معاً عنده تخيـّر في شراء أيّـهما شاء.*
فيحاسب بحسابه في حيال تلك الثلاثة فلا تتصور زيادة عقد ليتكلم في العفو عنه ويراعى الأقل عفواً.(1)
وحاصله: الأخذ بما يستوعب العقود منهما ولو بالتفريق، بأن يحاسب بعضها بالأربعين، وبعضها بالخمسين، وعلى هذا لا يكون عفو في شيء من العقود وينحصر العفو في الآحاد بين العقود.
ففي المائتين وستين، يحسبها خمسينين وأربع أربعينات، ولا يبقى شيء حتى يكون موضوعاً للعفو، وفي المائة وأربعين يحسبها خمسينين وأربعين.
والقول الثالث هو الأقرب ذلك ـ مضافاً إلى حفظ حقوق الفقراء ـ انّه إذا كان الإبل مائة وأربعين، فلو حوسب بالأربعين بقي العشرون ولو حوسب بالخمسين لبقى الأربعون، فهذا المقدار الباقي مصداق لقوله: «في كلّ أربعين ابن لبون» فكيف يترك ذاك العدد؟ وعلى ذلك فالتلفيق بين العددين ليس شيئاً خارجاً من مفهوم الحديث بالدلالة المطابقية.
*. الفروع المذكورة في العبارة ثلاثة:
1. إذا لم يكن عنده بنت مخاض يجزي عنها ابن اللبون، لما في صحيحة زرارة وأبي بصير وغيرهما: «فإن لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر».(2)

1 . مستند العروة: كتاب الزكاة: 1/157.
2 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1، 2، 3.

صفحه 174

الكلام في زكاة البقر

وأمّا في البقر فنصابان:
الأوّل: ثلاثون، وفيها تبيع أو تبيعة وهو ما دخل في السنة الثانية.
الثاني: أربعون، وفيها مسنّة، وهي الداخلة في السنة الثالثة.
وفيما زاد يتخيّر بين عدّ ثلاثين ثلاثين ويعطي تبيعاً أو تبيعة، وأربعين أربعين ويعطي مسنّة.*
2. إذا كان عنده البدل والمبدل، فهل يجزي البدل، نظراً إلى قيام علوّ السنّ مقام الانوثة أو لا؟ ظاهر النصّ انّ الإجزاء مشروط بعدم وجود المبدل وإلاّ فلا يجزي، وما ذكره من قيام علو السن مقام الأُنوثة أمر ظني لم يدلّ عليه دليل.
3. إذا لم يكن عنده المبدل والبدل، فهل يجب عليه تحصيل المبدل، أو يكون مخيراً بينهما؟ مقتضى البدلية هو لزوم تحصيل المبدل، وما ورد في النصّ (الفرع الأوّل) من إجزاء البدل عند عدم المبدل في تقدير خاص وهو ما إذا كان عنده بدل، لا ما إذا لم يكن عنده.
* هنا أُمور:
1. عدد النصاب منحصر في ثلاثين وأربعين.
2. ما هو الواجب في الأوّل والثاني؟
3. إذا زاد على الأربعين فهو مخيّر بين العدّ بأحدهما.
4. هل الواجب في الثلاثين خصوص التبيع أو يكفي التبيعة أيضاً؟
وإليك التفصيل:

صفحه 175

الأمر الأوّل: في نصاب البقر

إنّ نصاب البقر منحصر في ثلاثين وأربعين، وأمّا الزائد على الأربعين فيعدّ بأحد العددين.
قال الشيخ: لا شيء في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة، وهو مذهب جميع الفقهاء.
وقال سعيد بن المسيب والزهري: فريضتها في الابتداء كفريضة الإبل في كلّ خمس، شاة إلى ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع.(1)
وقال ابن قدامة: وإذا ملك الثلاثين من البقر فأسامها أكثرَ السنة ففيها تبيع أو تبيعة إلى تسع وثلاثين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنّة إلى تسع وخمسين.(2)
ويدلّ عليه من النصوص، صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام)قالا في البقر: «في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حولي، وليس في أقلّ من ذلك شيء، وفي أربعين بقرة مسنّة، وليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين، شيء حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة...».(3)
وعن الأعمش، عن جعفر بن محمد في حديث شرائع الدين : «وتجب على البقر الزكاة إذا بلغت ثلاثين بقرة تبيعة حوليّة(4)، فيكون فيها تبيع حولي إلى أن تبلغ أربعين بقرة، ثمّ يكون فيها مسنّة إلى ستين».(5)

1 . الخلاف: 2/18، كتاب الزكاة، المسألة 14.
2 . المغني، قسم المتن، للشيخ الخرقي2/493.
3 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.
4 . هذا القيد ورد في هذا الحديث، مع أنّ الزكاة تجب في مطلق البقر. نعم أفتى سلاّر باشتراط الأُنوثة فلا زكاة في الذكران عنده بالغاً ما بلغت، لاحظ المراسم: 129، والمختلف: 3/167.
5 . الوسائل: 6، الباب10 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.

صفحه 176
والمسألة مورد اتفاق إلاّ ما سمعته من الشيخ.

الأمر الثاني: في إجزاء التبيعة

إنّ الوارد في الروايتين هو «تبيع حولي» (وسيوافيك معنى اللفظين) لكن المفتى به لدى المشهور، هو الأعم من التبيع والتبيعة; فقد عطف الثانيةَ على الأوّل كل من الشيخين في المقنعة، والخلاف والمبسوط، والسيد المرتضى، وسلاّر، وأضاف العلاّمة: وباقي المتأخّرين.(1)كما في الوسيلة(2) والغنية(3)، والسرائر(4) والشرائع(5)، والجامع لابن سعيد.(6)
ولكن الوارد في النصوص هو التبيع فقط ، ففي صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام)قالا في البقر: «في كلّ ثلاثين بقرة، تبيع حوليّ»(7) كما أنّ رواية الخصال عن الأعمش، عن جعفر بن محمد «وتجب على البقر الزكاة إذا بلغت ثلاثين بقرة تبيعة حوليّة فيكون فيها تبيع حولي إلى أن تبلغ أربعين بقرة».(8)
فعليهما يتعيّـن التبيع ولا تُجزي التبيعة. وعليه ابن أبي عقيل، وعلي بن بابويه.(9)
وممّن نبّه بهذا صاحب الحدائق، قال: إنّ التخيير بين الفردين المذكورين لم نقف له على دليل في الأخبار، وصحيـحة الفضلاء إنّما تضمّنت التبيع خاصـة

1 . المختلف: 3/178.
2 . الوسيلة: 125.
3 . الغنية: 1/222.
4 . السرائر: 1/436.
5 . الشرائع: 1/111.
6 . الجامع للشرائع: 128.
7 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
8 . الوسائل: 6، الباب10 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.
9 . المختلف: 3/178.

صفحه 177
كمـا عرفت.(1)
وقد حاول صاحب الجواهر(2) وغيره أن يدعم فتوى المشهور، فذكروا وجوهاً، نذكرها تباعاً:
الوجه الأوّل: انّ المحقّق في «المعتبر» نقل صحيحة الفضلاء بما يطابق القول المشهور، ولعلّه كان في بعض الأُصول التي كانت عنده، فروى: وفي البقر من كلّ ثلاثين تبيع أو تبيعة.(3)
يلاحظ عليه: أنّ العبرة بالمصدرين: «الكافي» و «التهذيب» وليس فيهما عنها عين ولا أثر، ولعلّه صدر عن قلمه سهواً.
الوجه الثاني: انّ الصدوق وإن اقتصر في «الفقيه» و «المقنع» على قوله: «تبيع حولي» لكنّه في النُّصُب المتأخّرة كالستين والسبعين عبر بما يلي: فإذا بلغت ستين ففيها تبيعتان إلى سبعين، ثمّ فيها تبيعة ومسنّة إلى ثمانين.
يلاحظ عليه: إنّ النسخة المحقّقة الصحيحة على سبع نسخ من المقنع على خلاف هذا، فقد جاء فيها «تبيعان» مكان «تبيعتان» و «تبيع» مكان «تبيعة».
ثمّ نقل المحقّق في الهامش اللفظ المؤنث عن نسختين، ويظهر من مقدمة المحقّق انّه صحح النسخة المطبوعة على سبع نسخ، فعلى هذا ففي خمس منها جاء اللفظ مذكراً وفي اثنتين مؤنثاً.(4)
الوجه الثالث: قد جاء في نصاب التسعين في رواية الفضلاء، قوله: «فإذا

1 . الحدائق: 12/56.
2 . الجواهر: 15/115.
3 . المعتبر: 260، الطبعة الحجرية.
4 . المقنع: 159، ط مؤسسة الإمام الهادي(عليه السلام).

صفحه 178
بلغ التسعين ففيها ثلاث تبايع حوليات» كما عليه نسخة الوسائل(1). والتبايع جمع التبيعة.
يلاحظ عليه: إنّ الموجود في «التهذيب» ثلاث حوليات.(2) ونقله صاحب الحدائق(3) هكذا: ففيها ثلاث حوليات تبيعات، وهي في غير ذوي العقول جمع للمذكر والمؤنث، وعلى ذلك فلا يبقى اطمئنان بنسخة الوسائل وإن كان الموجود في الكافي أيضاً مثلها.
الوجه الرابع: انّ في تذكير العدد «ثلاث تبايع أو تبيعات» دلالة على تأنيث المعدود، لأنّ العدد بين الثلاث والتسع يخالف المعدود في التذكير والتأنيث.
وأجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ التأنيث لأجل التأويل إلى الجماعة لا باعتبار تأنيث المفرد، كما وقع نظيره في بعض النصوص كروايتين وردتا في باب الشهادة على الزنا فقد عبر فيهما بأربع شهود.(4) مع عدم ثبوته بشهادة أربع نسوة جزماً فكان اللازم أن يعبر فيهما بأربعة شهود.
يلاحظ عليه: أنّ التأنيث لأجل التأويل إلى الجماعة خلاف الظاهر، وما استشهد من الحديثين ففي غير محلّه، وذلك لأنّ النسخة المصححة من «التهذيب» على خلاف المطبوع من الوسائل.
روى في الوسائل الرواية الأُولى، هكذا: «حدّ الرجم أن يشهد أربع انّهم رأووه...» ولكن في التهذيب المطبوع المصحح، هكذا: أن يشهد أربعة انّهم رأووه.

1 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
2 . التهذيب: 4/25، باب زكاة الغنم، الحديث1.
3 . الحدائق: 12/55.
4 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب حد الزنا، الحديث 1و3.

صفحه 179
روى في الوسائل الحديث الثاني: حتى يشهد الشهود الأربع.
ولكن الموجود في التهذيب المصحّح: حتى تقوم البيّنة الأربعة شهود، أنّهم....(1)
والعجب انّ السيد الخوئي مع أنّه لمس ما في هذه الكتب المطبوعة من التحريف والتحوير اعتمد على النسخة المطبوعة من الوسائل وجعلها شاهداً لكلامه.
والأولى أن يجاب بما نوّه به، وهو انّ سياق الصحيح يشهد بأنّ المراد إنّما هو «التبيع» لا «التبيعة»، وذلك لأنّ الحكم في المراتب اللاحقة ليس حكماً ابتدائياً، وإنّما هو تطبيقات وتفريعات على الضابط المذكور في الصدر من أنّ في كلّ ثلاثين تبيع وفي كلّ أربعين مسنّة، ولأجله تنحصر أُصول نُصُب البقر في نصابين كما مرّ، فالستون والسبعون والثمانون والتسعون والمائة والعشرون كلّها مصاديق لتلك الكبرى لا أنّها تتضمن حكماً جديداً، وحيث إنّ المذكور في الصدر تبيع في الثلاثين ولأجله ذكر تبيعان في الستين، فلا جرم يكون المراد ثلاثة تبايع ذكور في التسعين.(2)
الوجه الخامس: ما رواه صاحب «المستدرك» عن كتاب عاصم بن حميد الحنّاط عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: « ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء، فإذا كانت الثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، وإذا كانت أربعين ففيها مسنّة».(3)

1 . التهذيب: 10/2، باب حدود الزنا، الحديث 4و 2.
2 . مستند العروة الوثقى: 1/169.
3 . المستدرك: 7/60، باب تقدير النصب في البقر.

صفحه 180
والحديث غير مسند كما هو الحال في أكثر ما ينقله النوري في مستدركه، إذ لم يثبت انّ النسخة التي نقل عنها المحدّث النوري تطابق نسخة المؤلّف إذ ليس له سند إلى الكتاب.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ذكر ورود التبيعة في الفقه الرضوي ورواية الأعمش في الخصال.(1) ولكن النسبة غير صحيحة.
أمّا الرضوي فقد نقلها في «المستدرك» هكذا : «في البقر إذا بلغت ثلاثين بقرة ففيها تبيع حولي».(2)
وأمّا رواية الأعمش فقد سبق منّا القول بموافقتها لصحيحة الفضلاء، وإليك نصّها: إذا بلغت ثلاثين بقرة تبيعة حولية فيكون فيها تبيع حولي إلى أن تبلغ إلى أربعين بقرة.(3)
ولعلّ وجود التبيعة وصفاً لما يُزكّى في حديث الأعمش صار سبباً لخطأ الباصرة وتوهم أنّها وصف لما يجب على المالك إخراجه.
الوجه السادس: ما ذكره العلاّمة فـي «المختلف» بـأنّ التبيعة أفضل من التبيع، فإيجابها يستلزم إيجـاب التبيـع دون العكس، وهو أحـوط فيتعين التخيير.(4)
وما ذكره مضافاً إلى أنّه غير تام، لأنّه ربّما يكون التبيع أفضل لضراب

1 . مستند العروة: كتاب الزكاة: 1/169.
2 . المستدرك: 7/61، الباب 3 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.
3 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1.
4 . المختلف: 3/178. وكأنّه يريد من الايجاب «الامتثال» إذ لا معنى انّ ايجاب «الأفضل» يستلزم ايجاب «الفاضل» فتدبّر.

صفحه 181
الفحل والحرث وغير ذلك، انّه أشبه بتنقيح المناط بصورة ظنية، وهي ليست بحجّة.
فلم يبق في المقام شيء يستند إليه سوى الشهرة الفتوائية الآنفة الذكر مع رواية حميد الحنّاط، ولعلّ المشهور جعلوا ذكر «التبيع» رمزاً للتبيعة، أي البقر الحولي من دون نظر إلى الذكورية أو الأُنوثية كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم». وفي الآيات التي تتخذ المؤمنين موضوعاً للحكم مع أنّها أعمّ.
وعلى كلّ تقدير فالأحوط الاقتصار على التبيع دون التبيعة.
إلى هنا تمّ الكلام في الأمرين.

الأمر الثالث: ما هو معنى التبيع والمسنّة؟

قد ذكر الجوهري والفيروزآبادي أنّ التبيع ولد البقر في السنة الأُولى، ويظهر من بعضهم أنّه ولد البقر إذا أتمّ السنة الأُولى ودخل في الثانية.
ففي «اللسان» التبيع من البقر يسمّى تبيعاً حينما يستكمل الحول، ولا يسمّى تبيعاً قبل ذلك، فإذا استكمل عامين فهو جَذْع، فإذا استوفى ثلاثة أعوام فهو ثني.(1)
ويؤيد ذلك رواية الفضلاء : «في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حولي»; فلو كان المراد هو البقر في السنة الأُولى لما احتاج إلى كلمة حولي، لأنّ ولد البقر إذا ولد يكون في السنة الأُولى، فأراد انتقاله من السنة الأُولى إلى الثانية، والحولي منسوب إلى الحول كأنّه يحول من حول إلى حول بإكمال السنة الأُولى.
وأمّا المسنّة فهي الثنية التي كملت لها سنتان ودخلت في الثالثة.

1 . لسان العرب: 8/29، مادة «تبع».

صفحه 182
قال العلاّمة في «التذكرة»: إنّ ولد البقر إذا كمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، وهي المسنة شرعاً.(1)
ويظهر من «اللسان» انّها عبارة عمّا يستكمل ثلاثة أعوام، يقول: فإذا استوفى ثلاثة أعوام فهو ثني وحينئذ مسنّ، والأُنثى مسنّة، وهي التي تؤخذ في أربعين من البقر.

الأمر الرابع: في كيفية عدّ فوق الأربعين

اختار المصنّف فيه التخيير وقال: وفيما زاد يتخيّر بين عدّ ثلاثين ثلاثين ويعطي تبيعاً أو تبيعة، وأربعين أربعين ويعطي مسنّة.
وظاهر العبارة انّه يتخيّر في العدّ كما كان يتخيّر في عدّ الإبل; فعلى ذلك فلو كان عنده ستون بقرة يتخيّر بين عدّها بالثلاثين فيعطي تبيعين، كما أنّ له عدّها بالأربعين فيعطي مسنّة.
ومثله السبعون فله عدّه بأحد العددين، ولكنّه غير مراد قطعاً فإنّ الإمام قد صرّح بعده بالثلاثين في الستين وبالتلفيق في السبعين، فقال: «فإذا بلغ الستين ففيها تبيعان إلى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع ومسنّة إلى الثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففي كلّ أربعين مسنّة إلى تسعين» وهذا يدلّ على لزوم التطبيق على أحد العدّين أو التلفيق.

1 . التذكرة: 1/213.

صفحه 183

]الكلام في زكاة الغنم[

وأمّا في الغنم فخمسة نُصُب:
الأوّل: أربعون، وفيها شاة.
الثاني: مائة وإحدى وعشرون، وفيها شاتان.
الثالث: مائتان وواحدة، وفيها ثلاث شياه.
الرابع: ثلاثمائة وواحدة، وفيها أربع شياه.
الخامس: أربعمائة فما زاد، ففي كلّ مائة شاة. وما بين النصابين في الجميع عفو فلا يجب فيه غير ما وجب بالنصاب السابق.*
* قال الشيخ: زكاة الغنم في كلّ أربعين، شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاثة شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا بلغت ذلك ففي كلّ مائة شاة: وبهذا التفصيل قال النخعي والحسن بن صالح بن حي.
وقال جميع الفقهاء: أبوحنيفة ومالك والشافعي وغيرهم مثل ذلك، إلاّ أنّهم لم يجعلوا بعد المائتين وواحدة أكثرمن ثلاث إلى أربعمائة، ولم يجعلوا في الثلاثمائة وواحدة أربعاً كما جعلناه.
وفي أصحابنا من ذهب إلى هذا على رواية شاذة، وقد بيّنّا الوجه فيها، وهو اختيار المرتضى.(1)

1 . الخلاف: 2/21، كتاب الزكاة، المسألة 17.

صفحه 184
ويظهر من العلاّمة انّ الخلاف بين أصحابنا في موردين:
الأوّل: انّ أول نصب الغنم أربعون عند الشيخين وابن الجنيد وابن أبي عقيل والسيد المرتضى وسلاّر وابن البرّاج وابن حمزة.
غير انّ ابنا بابويه ذهبا إلى أنّه ليس على الغنم شيء حتى يبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين وزادت واحدة ففيها شاة.(1)
الثاني: ما أشار إليه الشيخ في كلامه من أنّ نصاب الغنم خمسة; وهو خيرة الشيخ، وابن الجنيد، وأبي الصلاح، وابن البراج.
وهناك من ذهب إلى أنّ النصاب أربعة حيث لم يجعلوا بعد المائتين وواحدة أكثر من ثلاث إلى أربعمائة، ولم يجعلوا في الثلاثمائة وواحدة أربعاً، وهو خيرة السيد المرتضى، كما هو خيرة ابن أبي عقيل، وابن بابويه، وسلاّر، وابن حمزة، وابن إدريس.(2)
فعلى هذا القول فالنصب بالنحو التالي:
الأوّل: أربعون، وفيها شاة.
الثاني: مائة وإحدى وعشرون وفيها شاتان.
الثالث: مائتان وواحدة وفيها ثلاث شياه.
الرابع: ثلاثمائة فما زاد ففي كلّ مائة شاة.
وعلى كلا القولين رواية.
أمّا خيرة الشيخ فتدلّ عليها صحيحة الفضلاء. فقد جاء فيها:

1 . المختلف: 3/ 81 .
2 . المختلف: 3 / 179.

صفحه 185
1. في كلّ أربعين شاة شاة.
2. فإذا زادت على مائة وعشرين (واحدة) ففيها شاتان.
3. فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه.
4. فإذا بلغت ثلاثمائة وزادت واحدة ففيها أربع شياه.
5. فإذا تمت أربعمائة كان على كلّ مائة شاة.(1)
ويدلّ على القول الآخر رواية محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ليس في ما دون الأربعين من الغنم شيء، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة.
فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين.
فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة».(2)
وعلى ذلك فالروايتان متعارضان فيمن كان له ثلاثمائة وخمسين غنماً، فعلى الصحيحة، يدفع أربع شياه، وعلى رواية محمد بن قيس يدفع ثلاث شياه، لتصريحها بأنّه لكلّ مائة بعد المائتين وواحدة، شاة، فيقع الكلام في معالجة التعارض فذهب العلاّمة إلى وجود الضعف في طريق الرواية الثانية وقال: بأنّ في طريقه محمد بن قيس، وهومشترك بين أربعة أحدهم ضعيف، فلعلّه إيّاه.(3)
يلاحظ عليه: أنّه مشترك بين ستة أشخاص; وهم بين: ضعيف وممدوح، ومهمل وثقة; لكنّه عند الإطلاق ينصرف إلى محمد بن قيس البجلي صاحب

1 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
2 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2.
3 . المختلف: 3/180.

صفحه 186
الأقضية، ومحمد بن قيس أبو نصر الأسديّ، وكلاهما ثقة.(1)
وينحصر العلاج في الجمع، أو الطرح.
أمّا الأوّل فيمكن أن يقال لا تعارض بين الصحيحين، لخلو صحيح ابن قيس عن التعرّض لذكر زيادة الواحدة على ثلاثمائة، فإنّ قوله (عليه السلام): «فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة» يقتضي كون بلوغ الثلاثمائة غاية لفرض الثلاث داخلة في المغيّا.
والكلام الذي بعده «فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة» يقتضي إناطة الحكم بثبوت وصف الكثرة، وفرض زيادة الواحدة ليس من الكثرة في شيء، فلا يتناوله الحكم حتى يقع التعارض، بل يكون خبر الفضلاء مشتملاً على بيان حكم لم يُتعرض له في الصحيح المزبور لحكمة ولعلّها التقية.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الحديث انّ الإمام في مقام البيان، فعدم ذكره النصاب الرابع، أعني: «الثلاثمائة وواحدة» يكشف عن عدم كونه نصاباً، بل النصاب بعد الثلاثمائة، هو لكلّ مائة شاة، وعلى ضوئها ففي ثلاثمائة وواحدة ثلاث شياه، مع أنّ مقتضى صحيحة الفضلاء ، هو أربع شياه.
والوجه الواضح ما في ذيل كلامه من أنّ عدم ذكر النصاب الرابع للتقيّة، ويؤيّد ذلك أنّه فتوى فقهائهم، ففي «المغني»: فإذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت ففي كل مائة شاة، شاة.(3)

1 . معجم رجال الحديث: 17/175ـ176.
2 . الجواهر: 15/84 ـ 85 نقلاً عن بعض الأفاضل.
3 . المغني: 2/497.

صفحه 187

سؤال وإجابة

ثمّ إنّ هنا سؤالاً طرحه المحقّق ـ على ما في المدارك ـ في درسه (1) وحاصله:
ما هي فائدة تشريع النصاب الخامس، فإذا كان الواجب في أربعمائة ما هو الواجب في ثلاثمائة وواحدة، فأيّ فائدة في تشريع نصابين، فإنّ الواجب لا يتغيّر من ثلاثمائة وواحدة إلى أربعمائة وتسع وتسعين، فتشريع النصاب الرابع باسم أربعمائة أمر لا فائدة فيه؟
وهذا السؤال لا يختص بقول المشهور بل يطرح على القول الآخر، فإذا كان الواجب في ثلاثمائة وواحدة نفس الواجب في المائتين وواحدة، فأي فائدة في تشريع النصاب الرابع، لأنّ الواجب في كلا النصابين ثلاث شياه ولا تتغير الفريضة حتى تبلغ أربعمائة.
وقد أجاب عنه المحقّق في «الشرائع» بقوله: «تظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان».(2)
وإليك توضيح الفائدتين:
أمّا الفائدة الأُولى فتنحصر في تعيين متعلّق الوجوب، فلو قلنا بأنّ النصاب بعد الثلاثمائة وواحدة هو الأربعمائة فتكون الأخيرة متعلّقةً للوجوب، وأمّا إذا قلنا بأنّه لا نصاب بعد الثلاثمائة وواحدة إلاّ أن يبلغ إلى خمسمائة تكون الأخيرة متعلقةً للوجوب.
هذا من جانب ومن جانب آخر لو قلنا بأنّ تعلّق الزكاة بالنصاب من باب

1 . المدارك: 5/63.
2 . الجواهر: 15/87، قسم المتن.

صفحه 188
الشركة والإشاعة ومن المعلوم أنّ الإشاعة فيما يقع تحت النصاب لا الخارج عنه الذي يسمّى بالعفو، وعلى هذا فلو ملك أربعمائة فلا يجوز له التصرف فيه قبل إخراج حقّ الفقير لكونه متعلّقاً للنصاب.
نعم يجوز له التصرف بين الثلاثمائة وواحدة وأربعمائة كما يجوز له التصرف بين أربعمائة وأربعمائة وتسع وتسعين، وأمّا في خصوص الأربعمائة فلا لكونه متعلّقاً للوجوب.
بخلافه على القول الآخر فيجوز له التصرف بعد الثلاثمائة وواحدة حتى في أربعمائة إلى أربعمائة وتسع وتسعين.
نعم هذه الثمرة مبنية على القول بتعلّق الزكاة بالعين على وجه الإشاعة والشركة، وأمّا على القول بأنّ تعلّقها من قبيل الكلّي في المعيّن أو المالية السيّالة كما هو المختار فالثمرة منتفية. لأنّ التصرّف في النصاب جائز إلى أن يبقى بمقدار الواجب على القول بأنّ التعلّق من قبيل الكلّي في المعيّن، ومطلقاً على القول بالمالية السيّالة، لأنّه عندئذ تنتقل الزكاة إلى عوض النصاب.
هذا كلّه حول الثمرة الأُولى، وأمّا الثمرة الثانية التي أشار إليها المحقّق بقوله: في الضمان، وهي أيضاً متفرعة على محل الوجوب، وما سيوافيك من أنّ تلف ما بين النصابين الذي يسمّى بالعفو لا يكون مؤثراً في سهم الفقير من الزكاة، فلو قلنا بأنّ الأربعمائة نصاب فلو تلفت واحدة من أربعمائة بعد الحول بغير تفريط فقد سقط من الوجوب جزء من مائة جزء من شاة، لأنّ كلّ شاة من النصاب تقسم إلى مائة جزء، فجزء منه للفقير والباقي (التسع والتسعون) للمالك هذا إذا قلنا بأنّ أربعمائة نصاب، وأمّا إذا لم نقل به فلا يسقط من الوجوب شيء ما لم يصل إلى الخمسمائة، لأنّ الأربعمائة من مصاديق العفو على هذا القول.

صفحه 189
المسألة 2: البقر والجاموس جنس واحد، كما أنّه لا فرق في الإبل بين العراب والبخاتي(1)، وفي الغنم بين المعز والشاة والضأن. وكذا لا فرق بين الذكر والأُنثى في الكلّ.*
وأمّا إذا قلنا بأنّ النصاب هو الثلاثمائة وواحدة فلو تلفت واحدة من ذلك النصاب يسقط جزء من ثلاثمائة جزء وجزء، من أربع شياه أي يقسم أربع شياه إلى ثلاثمائة وواحدة فيسقط منه جزء، وذلك لأنّ نسبة التالف إلى النصاب نسبـة 301/1 فيسقط من 4 شياه، بمقدار هذه النسبة أي جزء من 301 جزءاً.
وإلى ما ذكرنا يشير الشهيد الثاني في «الروضة» بقوله: ومنه تظهر فائدة النصابين الأخيرين من الغنم على القولين، فإنّ وجوب الأربع في الأزيد والأنقص يختلف حكمه مع تلف بعض النصاب كذلك (بلا تفريط) فيسقط من الواجب بنسبة ما اعتبر من النصاب.
فبالواحدة من الثلاثمائة وواحدة، (يسقط) جزء من ثلاثمائة جزء وجزء، من أربع شياه، ومن الأربعمائة جزء من أربعمائة جزء منها.(2)
* أمّا عدم الفرق بين البقر والجاموس فيدلّ عليه مضافاً إلى صدق الاسم عليهما صحيحة زرارة قال: قلت له: في الجواميس شيء؟ قال: «مثل ما في البقر».(3)
وأمّا عدم الفرق بين العراب والبخاتي فيدلّ عليه مضافاً إلى صدق الاسم عليهما ما في صحيحة الفضلاء قال: فما في البخت السائمة شيء؟ قال: «مثل ما

1 . البخت نوع من الإبل، الواحد بختي مثل روم ورومي، وهناك نوع آخر من الإبل يسمى لوكاً وهو قسم من الإبل قليل الشعر. لاحظ المبسوط: 1/201; إصباح الشيعة: 113.
2 . الروضة البهية: 2/21.
3 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.

صفحه 190
المسألة 3: في المال المشترك إذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب وجبت عليهم، وإن بلغ نصيب بعضهم وجبت عليه فقط، وإن كان المجموع نصاباً، وكان نصيب كلّ منهم أقلّ لم يجب على واحد منهم.*
في الإبل العربية».(1)
* المسألة مورد خلاف بيننا وبين فقهاء السنّة، فانّه لا عبرة عندنا بالخلط في الزكاة; من غير فرق بين خلطة الأعيان، كالشركة المشاعة مثل أن يكون بين الرجلين أربعون شاة مشتركة مشاعة، أو خلطة الأوصاف كما إذا كان مال كلّ واحد منهما معيناً لكن يشتركان في المرعى والفحولة; خلافاً للشافعي حيث قال بأنّه لو كان بينهما أربعون شاة كان فيها شاة كما لو كانت لواحد، كما أنّه لو كان بينهما ثمانون ففيها شاة أيضاً كما لو كانت لواحد، بل لو كانت مائة وعشرون شاة لثلاثة ففيها شاة واحدة، كما لو كانت لواحد.(2)
وأمّا على ضوء ما ذكرنا من أنّه لا تأثير للخلطة والإشاعة، فلو بلغ نصيب كلّ حدّ النصاب يجب على كلّ منهم إخراجها، فلو بلغ البعض دون الآخر، يجب على من بلغ فقط، وإن لم يبلغ نصيب كلّ النصاب لا يجب على الجميع.
وحكم الجميع واضح، لأنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم» خطاب للمكلّف، والخطاب والشرط متحقّقان في الجميع كما في القسم الأوّل أو في القسم الثاني فيجب على كلّ واحد ما يجب في نصابهم أخذاً بالإطلاق، وليس كذلك في الثالث خصوصاً بالنظر إلى ما رواه زرارة عن أبي

1 . الوسائل: 6، الباب 3من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.
2 . الخلاف: 2/35، كتاب الزكاة، المسألة 35.

صفحه 191
المسألة 4: إذا كان مال المالك الواحد متفرّقاً ـ ولو متباعداًـ يلاحظ المجموع، فإذا كان بقدر النصاب وجبت، ولا يلاحظ كلّ واحد على حدة.*
جعفر : قلت له: مائتا درهم بين خمسة اناس أو عشرة حال عليهما الحول وهي عندهم أتجب عليهما زكاتها ؟ قال (عليه السلام): لا هي بمنزلة تلك ـ يعني جوابه في الحرث ـ ليس عليهم شيء حتّى يتم لكلّ إنسان منهم مائتا درهم. قلت: وكذا في الشاة والإبل والبقرة والذهب والفضة وجميع الأموال؟ قال: نعم.(1)
* لا عبرة بالتفرق في المكان إذا كان المالك واحداً فيلاحظ المتفرقات كأنّها مجتمعة في مكان واحد، كما إذا كان في المكان الواحد حقيقة، مثلاً إذا كان لرجل واحد ثمانون شاة في موضعين أو مائة وعشرون في ثلاثة مواضع لا يجب عليه أكثر من شاة واحدة لما مرّ في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام): «في كلّ أربعين شاة، شاة وليس فيما دون الأربعين شاة، شيء ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ عشرين ومائة... فإذا زادت واحدة ففيها شاتان.(2) خلافاً للشافعي، حيث قال: لا يجمع بين ذلك بل يؤخذ منه في كلّ موضع إذا بلغ النصاب ما يجب فيه، وكأنّه يرى تعلق الزكاة بالنصاب تعلّقاً وضعياً فأينما وجد أربعون شاة فواحدة منها للفقراء مثلاً سواء أكان المالك واحداً أو كثيراً، والمفروض انّ هنا ثمانين شاة في موضعين فيجب شاتان وإن كان المالك واحداً، وقد عرفت أنّه خلاف ظاهر الأدلّة .
وأمّا ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع».(3)

1 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب، الحديث2.
2 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.
3 . سنن أبي داود: 2/98 برقم 1568; الوسائل: 6، الباب11 من زكاة الأنعام، الحديث 1و 2.

صفحه 192
المسألة 5: أقلّ أسنان الشاة الّتي تؤخذ في الغنم والإبل من الضأن الجذع، ومن المعز الثنيّ. والأوّل ما كمل له سنة واحدة ودخل في الثانية، والثاني ما كمل له سنتان ودخل في الثالثة. ولا يتعيّن عليه أن يدفع الزكاة من النصاب، بل له أن يدفع شاة أُخرى، سواء كانت من ذلك البلد أو غيره، وإن كانت أدون قيمة من أفراد ما في النصاب، وكذا الحال في الإبل والبقر، فالمدار في الجميع الفرد الوسط من المسمّى لا الأعلى ولا الأدنى، وإن كان لو تطوّع بالعالي أو الأعلى كان أحسن وزاد خيراً. والخيار للمالك لا الساعي أو الفقير، فليس لهما الاقتراح عليه، بل يجوز للمالك أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقيّة، من النقدين أو غيرهما . وإن كان الإخراج من العين أفضل.*
فهو كلام مجمل، يحتمل أن يكون راجعاً إلى آداب الصدقة، مضافاً إلى ما ذكره الشيخ في «الخلاف» وقال: أمّا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع» فنحمله على أنّه لا يجمع بين متفرق في الملك لتؤخذ منه زكاة رجل واحد، ولا يفرّق بين مجتمع في الملك، لأنّه إذا كان ملكاً للواحد، وإن كان في مواضع متفرقة لم يفرّق بينه.(1)
* في المسألة فروع:
الفرع الأوّل: أسنان الشاة التي تؤخذ في الإبل والغنم.
الفرع الثاني: معنى الجذع في الضأن والثنيّ في المعز.
الفرع الثالث: عدم تعيّن الدفع من النصاب.

1 . الخلاف: 2، كتاب الزكاة، المسألة 35.

صفحه 193
الفرع الرابع: المدار عند الدفع من النصاب هو الفرد الوسط من المسمّى.
الفرع الخامس: الخيار في تعيين الشاة للمالك لا للساعي وللفقير.
الفرع السادس: يجوز للمالك الإخراج بالقيمة السوقيّة من النقدين وغيرهما.
فهذه فروع ستة نذكرها تباعاً:

1. ما هو المأخوذ من أسنان الشاة؟

قال الشيخ في الخلاف: المأخوذ من الغنم، الجَذَع من الضأن، والثنيّ من المعز. فلا يؤخذ دون الجذعة، ولا يلزمه أكثر من الثنية. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ إلاّالثنية فيهما.
وقال مالك: الواجب الجذعة فيهما.
دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً روى سويد بن غفلة، قال: أتانا مصدق رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: نهانا أن نأخذ من المراضع وأمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية.(1)
وقال الخرقي في متن «المغني»: ويؤخذ من المعز، الثنيّ، ومن الضأن الجذَع.(2)
ثمّ إنّ الأصحاب بين من أطلق واكتفى بقوله: «فيها شاة» كالمفيد في مقنعته(3)، والشيخ في نهايته(4)، وابن البراح في مهذبه(5)، وابن حمزة في وسيلته(6)، وابن إدريس في سرائره(7)، فما في الجواهر من نسبة التقييد إلى ابن حمزة وابن

1 . الخلاف: 2/25، كتاب الزكاة، المسألة 20.
2 . المغني: 2/4ـ5.
3 . المقنعة: 238.
4 . النهاية: 181.
5 . المهذب: 1/164.
6 . الوسيلة: 125.
7 . السرائر: 1/436.

صفحه 194
إدريس ليس بموضعه، وبين من قيّده مثل الشيخ في الخلاف، قال ابن زهرة: والمأخوذ من الضأن الجذع، ومن المعز الثني، ولا يؤخذ دون الجذع ولا يلزم فوق الثني، بدليل الإجماع المشار إليه.(1)
وقال الكيدري: والمأخوذ من الضأن الجذع، ومن المعز الثني، ولا يؤخذ دون الجذع ولا يلزم فوق الثني.(2)
قال المحقّق : والشاة التي تؤخذ في الزكاة ، قيل: أقله الجذع من الضأن أو الثني من المعز، وقيل ما يسمّى شاة، والأوّل أظهر.(3)
واستدلّ عليه بأُمور:
1. ما عرفت من رواية سويد بن غفلة، فقد روى مضمونها في سنن أبي داود، عن مسلم بن شعبة في حديث قال: قد نهانا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن نأخذ شافعاً، قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناقاً جذعة أو ثنية.(4)
2. ما رواه ابن أبي جمهور في كتابه قال في الحديث: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عامله على الصدقة أن يأخذ الجذع من الضأن والثني من المعز.(5)
3. ويؤيد ذلك ما روي في باب الأضحية، ففي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما انّه سئل عن الأضحية، فقال: والجذع من الضأن يجزي والثني من المعز.(6)
وفي صحيحة حماد بن عثمان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أدنى ما يجزي من أسنان الغنم في الهدي؟ فقال: «الجذع من الضأن»، قلت: فالمعز، قال: «لا يجوز

1 . غنية النزوع: 2/123.
2 . إصباح الشيعة: 1/110.
3 . شرائع الإسلام: 1/147.
4 . سنن أبي داود: 2، كتاب الزكاة برقم 1581.
5 . عوالي اللآلي: 2/230، كتاب الزكاة ، الحديث 10.
6 . الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب الذبح، الحديث 3.

صفحه 195
الجذع من المعز»، قلت: ولِمَ؟ قال: «لأنّ الجذع من الضأن يلقح، والجذع من المعز لا يلقح».(1)
هذه هي أدلّة المسألة والإجماع غير متحقّق والروايتان غير نقيّتي السند، وما ورد في باب الأضحية لا يستدلّ به ما لم يحرز وحدة المناط بين باب الزكاة وباب الأضحية، فليس هناك دليل تطمئن به النفس في تقييد الإطلاقات، أعني قوله: في خمس من الإبل شاة، وفي أربعين شاة، شاة.
نعم الأحوط هو إخراج الجذع من الغنم والثني من المعز.

2. ما هو معنى الجَذَع والثني؟

اختلفت أقوال اللغويين في تفسيرهما.
أمّا الجذع فقد عرّفه المصنّف تبعاً لبعض اللغويين بما كمل له سنة واحدة ودخل في الثانية، وعرّف الثانية بما كمل له سنتان ودخل في الثالثة. ووافقه في ذلك بعض اللغويين.
قال في الصحاح: الجذع قبل الثني، تقول لولد الشاة في السنة الثانية ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة أجذع.
وقال في القاموس: الجذع ولد الشاة في السنة الثانية.
وهناك من فسّر بغير هذا المعنى.
قال ابن الأثير في نهايته: الجذع من أسنان الدواب هو ما كان منها شاباً فتيّاً فهو من الإبل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل أقل منهم.
وقال الطريحي: في الحديث تكرر ذكر الجَذع وهو من الإبل ما دخل في

1 . الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب الذبح الحديث 4 و غيره.

صفحه 196
الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في الثانية.
وفي المُغرب: الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن ثمانية أشهر.
وفي حياة الحيوان: الجذع من الضأن ما له سنة تامة، هذا هو الصحيح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل: ماله ستة أشهر، وقيل: ماله سبعة ، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة.(1)
وفسره ابن قدامة وقال : الجذع من الضأن ما له ستة أشهر، والثني من المعز ما له سنة.(2)
ومع هذا الاختلاف لا يبقى اطمئنان بتفسيره بأحد المعاني، فقد فُسِّر بالسنتين والسنة الواحدة، ابن عشرة أشهر، ثمانية أشهر، سبعة أشهر، ستة أشهر.
كما اختلفت كلماتهم في تفسير الثني وإن كان أقلّ اختلافاً من الجَذَع.
فقال الجوهري: الثني الذي يُلقي ثنيّه، ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة.
وقال ابن الأثير في النهاية: الثني من المعز ما دخل في السنة الثانية والذكر ثني.
وقال ابن منظور في اللسان: الثني من المعز ما دخل في الثانية.
وقال الطريحي في مجمع البحرين: الثني من المعز ما دخل في الثانية.
فالاختلاف بين الدخول في الثانية والثالثة.
وبما انّ المخصص في كلا المقامين مجمل مردّد بين الأقل والأكثر، يؤخذ بالقدر المتيقّن عدم جواز الإخراج لأقل من ستة أشهر من الضأن والسنة في المعز، وفي غيره يرجع إلى إطلاق قوله: «في أربعين شاة، شاة أو في خمس من الإبل شاة». نعم ما ذكره في المتن هو الأحوط.

1 . مجمع البحرين: مادة جذع: 1 / 355، عن حياة الحيوان: 1 / 187 .
2 . المغني: 2/504.

صفحه 197

3. إخراج الزكاة من خارج النصاب

إذا كان المزكّى، مثل الإبل فلا محيص عن الإخراج من غير النصاب لعدم اشتمال النصاب على الشاة دائماً، ومثله ما إذا اتّفق عدم اشتماله عليه، كما إذا وجب «التبيع» من البقر، ولم يكن فيه «تبيع» إنّما الكلام فيما إذا اشتمل النصاب عليه، فهل له إخراجه من خارج النصاب من دون اعتبار القيمة؟ وأمّا إخراجه على وجه القيمة فسيوافيك بيانه في الفرع السادس.
نعم قد خصّ النراقي الجواز على وجه القيمة قائلاً بأنّه لا دليل على كفاية مطلق الجنس ولو من غير النصاب، فإنّ الإطلاقات كلها ممّا يستدلّ بها على التعلّق بالعين كقولهم: في أربعين شاة، شاة، ونحوه، ولا يثبت منه أزيد من كفاية المطلق مما في العين، وأمّا المطلق من غيره فلا دليل عليه.(1)
وربما يرد بأنّه نظير قوله: «في كلّ خمس من الإبل شاة»، أفهل يحتمل أن يكون المراد منه هو الشاة التي في الإبل الخمسة التي هي خالية عنها بالمرّة؟ فوحدة اللسان واتحاد السياق تكشف عن الإطلاق وعدم التقييد بالعين الزكوية في كلا المقامين بمناط واحد.(2)
يلاحظ عليه: أنّ القياس مع الفارق، لوجود القرينة العقلية في الثاني دون الأوّل لعدم اشتمال الخمس من الإبل على نفس الواجب، بخلاف الأربعين من الشاة.
فالأولى الاستدلال بوجوه أُخرى غير القياس على ما ورد في الإبل.
1. ادّعاء الإطلاق في كلّ ما ورد في باب الأنعام، حيث لم يقيّده بالدفع من

1 . مستند الشيعة: 9/223.
2 . مستند العروة: 1/188، كتاب الزكاة.

صفحه 198
النصاب، ففي صحيح أبي بصير: «فإذا زادت واحدة (46 إبلاً) ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين».(1)
وفي صحيح الفضلاء: قالا في البقر: «في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حولي، وليس في أقل من ذلك شيء».(2)
ومثل قوله: في زكاة الغنم: «في كلّ أربعين شاة، شاة»(3)، فلوكان الدفع من النصاب لازماً طلب لنفسه البيان مع كثرة الروايات الواردة في الأنعام.
2. صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل لم يزكّ إبله أو شاته عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: «نعم، تؤخذ منه زكاتها ويتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(4)
فقوله: «أو يؤدي زكاتها البائع» منصرف إلى الأداء من جنس الواجب، أو مطلق يعمّه والقيمة.
أضف إلى ذلك انّ ملتقى العرف في هذه المقامات تمويل الفقراء والمستحقين بالزكاة فإلزام الدفع من خصوص النصاب يحتاج إلى التنبيه.
وبذلك يظهر عدم الفرق بين كونه من ذلك البلد أو غيره للإطلاق ولكن يظهر من الشيخ في «الخلاف»(5) انّه يؤخذ نوع البلد، لا من نوع بلد آخر، لأنّ الأنواع تختلف.

1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
2 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
3 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
4 . الوسائل: 6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
5 . الخلاف: 2/17، كتاب الزكاة، المسألة 12.

صفحه 199
ثمّ إنّ المصنّف عمّم الجواز إلى ما إذا كان الخارج من النصاب أدون من أفراد ما في النصاب، وكان عليه أن يقيّده بشرط صدق اسم المتوسط عليه، لما سيوافيك في الفرع الآتي انّ الميزان هو الفرد الوسط.

4. المدار هو الفرد الوسط من المسمّى

إذا كان النصاب مشتملاً على أفراد متفاوتة من حيث السمن والهزل وغير ذلك، فهل المدار هو الوسط من المسمّى كما عليه الماتن، أو الخيار للمالك في انتخاب أي واحد شاء وإن كان الأدنى؟
ذهب إلى الأوّل صاحب الجواهر، وتبعه المصنّف، قائلاً بأنّه قد يقوى وجوب الوسط بما يصدق عليه اسم الفريضة في المقام وغيره فلا يكلف الأعلى ولا يجزيه الأدنى، لأنّه المنساق إلى الذهن من أمثال هذه الخطابات.(1)
وحاصل هذا الدليل: هو انصراف الخطابات إلى الفرد الوسط من المسمّى، ولكن الاعتماد عليه في مقابل الإطلاقات مشكل، إذ ليس الانصراف إلى حدّ يكون كالقرينة المتصلة بحيث يوجب صرف الإطلاق.
ويمكن الاستدلال بقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبات ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).(2)
أخرج الكليني عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في تفسير الآية، قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أمر بالنخل أن يزكّى يجيء قوم بألوان من التمر وهو من

1 . الجواهر: 15/245.
2 . البقرة : 267.

صفحه 200
أردأ التمر يؤدّونه من زكاتهم تمراً، يقال له: الجعرور والمعافارة، قليلة اللحاء عظيمة النوى، وكان بعضهم يجيء بها عن التمر الجيد، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تخرصوا هاتين التمرتين، ولا تجيئوا منهما بشيء، وفي ذلك نزل (وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِ آخِذِيهِ إلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيه)والإغماض أن يأخذ هاتين التمرتين».(1)
والاستدلال به فرع أن يكون الأدنى بالغاً حدّ الخبيث الذي لا يرغب إليه.
مضافاً إلى قاعدة العدل والإنصاف فإنّ المستحقين شركاء المالك بنحو من الأنحاء، فدفع الأدنى مع وجود الوسط والأعلى نوع تعد لحقوقهم، كما أنّ إلزام الأعلى يعدُّ إجحافاً للمالك، والاقتصار على الفرد الوسط هو الأقوى إلاّ أن يكون الجميع من قبيل الأدنى.

5. الخيار للمالك لا للساعي أو الفقير

ويدلّ على ذلك أنّه المخاطب بإيتاء الزكاة فيدفعها على مقتضى ما خوطب به.
وإن شئت قلت: يجب عليه إخراج شاة من الغنم فيكون هو المخيّر في إيجاد الطبيعة بأي فرد.
نعم لو قلنا بتعلّق الزكاة بنحو الإشاعة فإنّ الإفراز يتوقّف على رضا الطرفين، وهذا من الأدلة الواضحة على عدم كونها من باب الإشاعة.
مضافاً إلى صحيحة بريد بن معاوية، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول:

1 . الوسائل: 6، الباب 19 من أبواب زكاة الغلات، الحديث1.

صفحه 201
«بعث أمير المؤمنين (عليه السلام)مصدّقاً من الكوفة إلى باديتها، فقال له: يا عبد اللّه انطلق وعليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، إلى أن قال: ... فاصدع المال صدعين ثمّ خيّره أي الصدعين شاء، فأيّهما اختار فلا تعرض له، ثمّ اصدع الباقي صدعين ثمّ خيره فأيّهما اختار فلا تعرض له، ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّه في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق اللّه منه، وإن استقالك فأقله ثمّ اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أوّلاً حتى تأخذ حق اللّه في ماله، فإذا قبضته فلا توكل به إلاّ ناصحاً شفيقاً أميناً حفيظاً غير معنف بشيء منها».(1)

6. الإخراج بالقيمة السوقية

المشهور بين الأصحاب الاجتزاء بالقيمة في الغلاّت والنقدين والأنعام، أمّا الأُوليان فقد ورد النص به كما سيوافيك في محلهما، إنّما الكلام في الاجتزاء بها في الأخيرة فذهب الشيخ المفيد إلى عدم الجواز فقال: «لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الأنعام إلاّ أن تعدم الأسنان المخصوصة في الزكاة».(2)
ويظهر من المحقّق في «المعتبر» الميل إليه، حيث ردّالإجماع والأخبار التي استدلّ بهما الشيخ في الجواز(3) ومع ذلك قال المحقق في «الشرائع»: «ويجوز أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية ومن العين أفضل، وكذا في سائر الأجناس».(4)
ويظهر من صاحب المدارك اختياره حيث قال: إنّ إقامة غير الفريضة

1 . الوسائل: 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.
2 . المقنعة: 253، باب من الزيادات في الزكاة.
3 . المعتبر: 2/517.
4 . الجواهر: 15/125، قسم المتن.

صفحه 202
مقامها حكم شرعي يتوقّف على الدليل الشرعي.(1)
والمهم في المقام عدم النص في الأنعام ووروده في النقدين والغلاّت، ومع ذلك فالمشهور بين الأصحاب هو الجواز.
قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز إخراج القيمة في الزكاة ، كلها، وفي الفطرة أيّ شيء كانت القيمة، ويكون القيمة على وجه البدل لا على أنّه أصل. وبه قال أبو حنيفة ـ إلى أن قال ـ دليلنا : إجماع الفرقة فانّهم لا يختلفون في ذلك; ثمّ استدلّ بروايتي: البرقي عن أبي جعفر، وعلي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام).(2)
وعلى كل تقدير فيمكن تقريب الجواز بوجوه:
1. روى الكليني بسنده إلى أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد البرقي، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): هل يجوز أن يخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة أو الشعير، وما يجب على الذهب، دراهم، بقيمة ما يسوّي أم لا يجوز إلاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب (عليه السلام): «أيّما تيسّر يخرج منه».(3)
وجه الاستدلال: إنّ السائل وإن سأل عن الحنطة والشعير والنقدين غير انّه ذكرهما بعنوان المثال بشهادة قوله: «إلاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه» فيصير السؤال عن لزوم الإخراج في الزكاة بالجنس أو تقوم القيمة مقامه.
ويؤيده قوله: «أيّماتيسّر» حيث إنّ الظاهر انّ المدار هو الميسور.
2. صحيح علي بن جعفر، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم بالقيمة، أيحل ذلك؟ قال: «لا بأس به».(4)

1 . المدارك: 5/92.
2 . الخلاف: 2/50، كتاب الزكاة، المسألة 59.
3 . الوسائل: 6، الباب 14من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.
4 . الوسائل: 6، الباب 14من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2.

صفحه 203
فإنّ مورد الرواية الثانية وإن كان الأثمان حيث تعلّق الزكاة بالدينار فيخرجها بالدرهم أو بالعكس، كما أنّ مورد الأُولى في قسم الغلاّت هو الحنطة والشعير فيخرجها بأحد النقدين، لكن الأصحاب لم يفرّقوا بين المنصوص في الغلاّت وغيره فيها كالتمر والزبيب، وما ذلك إلاّ لأنّ الفهم العرفي في المقام يناسب إلغاء الخصوصية في متعلّق الزكاة، فيجوز إخراج زكاة الزبيب والتمر، بالأثمان وإن لم يردا في الرواية الأُولى، كما يجوز إخراج الأنعام بها وإن لم يرد فيها نصّ.
3. خبر «قرب الاسناد» عن يونس بن يعقوب قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عيال المسلمين أُعطيهم من الزكاة فاشتري لهم منها ثياباً وطعاماً وأرى أنّ ذلك خير لهم قال فقال: «لا بأس».(1)
إنّ في قوله: «أُعطيهم من الزكاة...» احتمالات:
أ: عزل الزكاة من العين ودفعها إلى المستحقّ ثمّ شراء ما يحتاج إليه المستحق من الثياب والطعام بها، وهذا ليس بمراد قطعاً، لأنّ جوازه من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى السؤال.
ب: عزل الزكاة من العين وإفرازها من المال، لغاية الإعطاء لعيال المسلمين، ولمّا وجدهم قاصرين لا ينتفعون بها، استجاز الإمام أن يتصرّف في أموال المستحقّين، بشراء ما يحتاجون إليه من الأطعمة والألبسة، بما أفرزه من العين فأجاز الإمام الاحتمال وهو الذي قوّاه المحقّق الخوئي.(2)
ج: قوله: «أُعطيهم من الزكاة » كناية عن تقويم الواجب بالأثمان، ولمّا كان

1 . الوسائل: 6، الباب 14 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 4.
2 . مستند العروة: 1/197.

صفحه 204
التصرّف فيها متوقّفاً على الولاية، سأل الإمام التصرّف فيها باشتراء ما فيه الخير للمستحق، فيكون دليلاً على هذا الفرع.
د: «أُعطيهم من الزكاة» مجمل يوضحه قوله: «فاشتري لهم منها ثياباً وطعاماً» وليس المراد، إفراز الزكاة بإخراج العين، أو إخراجه بالقيمة، بل دفع الثياب والطعام مكان الزكاة، فيكون دليلاً على الفرع الآتي.
ولعل ثالث الوجوه أظهرها فيكون من أدلّة الباب.
4. ما دلّ على إحجاج الموالي والأقارب، ففي صحيحة علي بن يقطين أنّه قال لأبي الحسن الأوّل(عليه السلام)يكون عندي من الزكاة أ فأُحجّ مواليّ وأقاربي؟ قال: «نعم، لا بأس».(1)
والإحجاج لا يكون إلاّبإخراج الزكاة بالقيمة، وإطلاق الرواية يعمّ الأنعام.
5. ما دلّ على جواز احتساب الديون من الزكاة، إطلاقه يعم العين أَنعاماً.(2)
6. ما دلّ على جواز تصرف المالك في الزكاة وصرفها في الموارد الثمانية التي منها الغارمون، وفي الرقاب، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتقويم الزكاة ثمّ صرف قيمتها في الموارد المذكورة.
7. قال العلاّمة: إنّ المقصود، هو دفع حاجة الفقير، وهو كما يحصل بدفع العين، فكذا يحصل بدفع القيمة.(3) بل ربما يكون دفع العين في بعض الأوقات ضرراً على الفقير لحاجته إلى السياسة العاجز عنها.(4)

1 . الوسائل: 6، الباب42 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث1.
2 . الوسائل: 6، الباب46 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث1.
3 . المختلف: 3/230.
4 . الجواهر: 15/127.

صفحه 205
وما ذكره العلاّمة قرينة واضحة على أنّ الشارع، لم يُلزم المالك بدفع العين وإن ضعّفه صاحب المدارك(1) وتبعه صاحب الحدائق(2)ولكن التضعيف في غير محله فهل تجد من نفسك انّ الشارع ألزم المالك بدفع عين الأنعام إلى الفقير الذي لا يملك محلاً لحفظها، ولا تعليفها ولا...؟
إلى غير ذلك من الوجوه التي يشرف الفقيه على القطع بالحكم الشرعي.
قال صاحب الجواهر: لا يكاد يخفى على من تصفّح النصوص في الباب ـ حتى ما ورد من المقاصة بها عن الدين، ودفع الكفن بها ونحو ذلك وقد رزقه اللّه معرفة لسانهم ولحن خطابهم ـ ظهور اجتزاء الشارع بالقيمة لو دفعها المالك وانّه لا يكلف العين.(3)
وقال المحقّق الهمداني: مع أنّ الحقّ عدم الحاجة في إثبات جواز إخراج القيمة إلى التشبّث بشيء من الأُمور المزبورة، بل يستفاد جواز إبدالها بالقيمة بل وجوبه غالباً لمن يتولّى صرفها إلى مصارفها من الأصناف الثمانية التي ستعرفها من الكتاب والسنّة الآمرة بصرفها إلى هذه المصارف بدلالة الاقتضاء، حيث إنّ الغالب تعذّر صرف عين الفريضة أو تعسّره من غير تبديل أو تغيير، خصوصاً إذا كانت من جنس الأنعام، إلى تلك المصارف; إذ كيف يتمكّن من صرف بنت المخاض أو بنت اللبون بعينها في عمارة المساجد وبناء القناطر ومعونة الحاج وغير ذلك من وجوه البِرّ، أو في أداء مال الكتابة وفكاك الرقاب ووفاء دَين الغارمين الذين لا يبلغ دَينُهم هذا المبلغ، أو لا يرضى صاحبه إلاّ بحقّه!
فليس الأمر بصرف الزكاة إلى هذه الوجوه إلاّ كالوصيّة بصرف ثلث تركته من

1 . المدارك: 5/19.
2 . الحدائق: 13/137.
3 . الجواهر: 15/128.

صفحه 206
المواشي والعقار والغلاّت إلى استئجار العبادات، أو شيء من مثل هذه الوجوه، فإنّ مفادها عرفاً ليس إلاّ إرادة صرف ثلثه إلى هذه المصارف بأيّ وجه تيسَّر.
وستعرف أنّه يجوز للمالك أن يتولّى بنفسه صرف الزكاة إلى مصارفها، بل هو المكلَّف بذلك أوّلاً وبالذات، وإن جاز له إيكاله إلى الإمام (عليه السلام)، أو الساعي، أو وجب عليه ذلك لدى مطالبته، وحيثما يجوز له الصرف، يجوز له الإبدال بالقيمة، بل قد يجب ذلك، كما لو انحصر المصرف فيما لا يمكن صرفها إليها إلاّ بالقيمة، ومتى جاز له الإبدال لم يتفاوت الحال في ذلك بين أن يبيعها من شخص آخر، ويصرف ثمنها في مصرفها، أو يخرج قيمتها ابتداءً بدلاً عمّا وجب عليه; إذ لا وجه لاعتبار خصوصيّة البيع أو المعاوضة مع الغير في ذلك، كما لا يخفى.(1)

الفرع السادس: الإخراج من غير النقدين

كان الفرع السابق متمحّضاً في الإخراج بالنقدين، وأمّا هذا الفرع فهو يتمحّض في أنّه يقوّم الزكاة بشيء من الأثمان من دون أن يخرجها منها، فيدفع مكانها جنساً آخر، فيدفع مثلاً عن التبيع المقوّم بشيء، فرساً، أو ثياباً تعادله من القيمة ولو لم يقوم العين بشيء من الأثمان، لا تعلم قيمتها، وبالتالي لا يصحّ دفع الجنس الآخر مكانه.
يظهر من «الخلاف» كون الجواز إجماعياً، قال: يجوز إخراج القيمة في الزكاة، كلّها، وفي الفطرة ، أيّ شيء كانت القيمة.(2)
فإنّ قوله: «أي شيء كانت القيمة» راجع إلى الزكاة والفطرة لا إلى خصوص الفطرة، كما يظهر العموم من إطلاق كلام المحقّق: ويجوز أن يخرج من غير جنس

1 . مصباح الفقيه: 13/220.
2 . الخلاف: 2/50، كتاب الزكاة، المسألة 59.

صفحه 207
الفريضة بالقيمة السوقية.(1) حتى أنّ الشهيد جوّز أن تكون المنفعة بدلاً من العين، قال: لو أخرج من الزكاة منفعة بدلاً من العين، كسكنى الدار، فالأقرب الصحة، وتسليمها بتسليم العين ـ ثمّ قال: ـ ويحتمل المنع لأنّها تحصل تدريجاً، ولو آجر (من عليه الزكاة) الفقيرَ نفسه أو عقاره ثمّ احتسب مال الإجارة جاز وإن كان معرضاً للفسخ.(2)
وفصَّل صاحب المدارك بين احتساب مال الاجارة فاستجوده وبين احتساب المنفعة فاستشكله، وقال: بل يمكن تطرق الإشكال إلى إخراج القيمة ما عدا النقدين، لقصور الروايتين عن إفادة العموم.(3)
ومقصوده من الروايتين: صحيحا البرقي، وعلي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)الآنف ذكرهما.
ومن مشاهير العصر من يستشكل الإخراج من غير النقدين وما بحكمهما(4)، ويقول الآخر: الأحوط الاقتصار على النقدين.(5)
وقد استدلّ على الجواز برواية يونس بناءً على الاحتمال الرابع، والأولى أن يستدلّ بما عرفته من صاحب المصباح من أنّ الأمر بصرف الزكاة إلى هذه الوجوه إلاّكالوصية بصرف ثلثه من المواشي والعقار في الأُمور الخيرية، فإنّ مفادها عرفاً ليس إلاّ إرادة صرف ثلثه إلى مصارفها بأيّ وجه تيسّر.
مضافاً إلى ما ورد من جواز صرفها في الكفن، أو تقاص الدين، فلو كان

1 . الجواهر: 15/128، قسم المتن.
2 . البيان: 186.
3 . المدارك: 5/96.
4 . العروة الوثقى: 2 / 265، تعليقة المحقّق الشاهرودي .
5 . العروة الوثقى: 2 / 265، تعليقة المحقّق الخوئي .

صفحه 208
المسألة 6: المدار في القيمة على وقت الأداء، سواء كانت العين موجودة أو تالفة لا وقت الوجوب، ثمّ المدار على قيمة بلد الإخراج إن كانت العين تالفة، وإن كانت موجودة فالظاهر أنّ المدار على قيمة البلد الّتي هي فيه.*
الكفن موجوداً عند المؤدّي، أو كان الدين من غير الأنعام، فهل يشك أحد في احتساب الكفن أو الدين من الزكاة؟! أو كان عنده ما يعمّر به المساجد، ويبني القناطير أو يعان به الحجاج، فهل يشكّ أحد في احتساب ماعنده من الزكاة؟!
والحقّ انّ منظر الإسلام في هذه الأُمور العرفية المعلومة الغاية، أوسع ممّا يتصور، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تُكرِهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه، فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى».(1)
* قد عرفت أنّه يجوز للمالك إخراج الزكاة بالقيمة السوقية، ولكن القيمة تختلف حسب الزمان والمكان، فيقع البحث في تعيين القيمة من حيث الزمان والمكان، وإنّ المدار هل هو وقت الأداء أو وقت الوجوب وتعلّق الزكاة؟ وهكذا في المكان هل المدار بلد الإخراج أو بلد العين؟
فالمصنّف ذهب إلى أنّ الاعتبار من حيث الزمان بزمان الأداء، سواء أكانت العين موجودة أم تالفة، ولكن من حيث المكان ببلد العين إن كانت موجودة، وبلد الإخراج إن كانت تالفة.
ولكنّ الحقّ انّ المدار هو بلد الإخراج فقط زماناً ومكاناً، موجودة كانت العين أو تالفة.

1 . الكافي: 2/86، باب الاقتصاد في العبادة.

صفحه 209
والكلام في المقام في اعتبار القيمة قبل إخراج الزكاة وعزلها خارجاً، وأمّا الكلام في لحاظ القيمة بعد العزل فسيوافيك الكلام فيه من المصنّف في المسألة 34 من زكاة الغلات، فانتظر. ونحن نقتفي أثره ونخصّ البحث بصورة قبل الإخراج، فنقول هنا فرعان:

أ: ما هو المدار في الزمان؟

إذا كانت للعين قيم مختلفة عبر الزمان، فما هو الواجب على المالك عند التقويم؟ فهنا احتمالات:
الأوّل: انّ المدار هو وقت الأداء، سواء أكانت العين موجودة أم تالفة. وهو خيرة المصنّف.
الثاني: ذاك القول فيما إذا كانت موجودة، وأمّا إذا كانت تالفة فيفرق بين المثلي كالغلاّت، والقيمي كالأنعام; فالمدار في الأوّل يوم الأداء، وفي الثاني قيمة يوم التلف. وهو خيرة بعض الأعاظم في تعاليقه.
الثالث: المدار وقت تعلّق الوجوب، وهو احتمال ذكره المصنّف ولم نعثر على قائل به.
والحقّ هو خيرة المصنّف من غير فرق بين كون النصاب موجوداً أو تالفاً، وفي صورة التلف بين كونه مثلياً أو قيمياً.
وجهه: انّ المستحق وإن كان شريك المالك في النصاب بنحو من الأنحاء التي ستوافيك، لكن المالك حسب الشرع مخيّر في مقام الأداء بين أُمور ثلاثة:
أ: الإخراج من النصاب.
ب: الإخراج من خارج النصاب.

صفحه 210
ج: التقويم ودفع القيمة.
وهذا نظير إرث الزوجة في الأعيان، فإنّ الإرث يتعلّق بالعين، فهي شريكة الورثة في الأعيان غير انّ للوارث تبديل ما ورثته بالقيمة.
فإذا جاز له التبديل بالقيمة يتبادر منه دفع قيمة زمان التبدل وزمان التقويم على وجه تقوم القيمة مقام العين، فالمستحقّ شريك المالك في النصاب، إلاّ إذا لوحظ حقّه وبُدِّلَ إلى القيمة، ومعنى ذلك هو انتقال حقّه إلى قيمة زمان التقويم.
هذا إذا كانت العين موجودة، وأمّا إذا كانت تالفة فكذلك، لأنّ المستحقّ وإن تعلّق حقّه بالعين وقد تلفت ولكن كان للمالك الخيار من بدء الأمر بين أُمور ثلاثة: الدفع من النصاب، الدفع من خارج النصاب، الدفع من القيمة السوقية.
فإذا امتنع الدفع من الأوّل فله الدفع من خارج النصاب كما له تقويم ما هو الموجود في خارجه وإفراغ الذمة بالقيمة، فإذا خوطب هو بدفع قيمة الموجود خارج النصاب، يتبادر منه قيمة حالة التقويم وزمان الملاحظة.
والحاصل: انّ كون المالك عند التلف مخيّراً بين أمرين: الدفع من خارج النصاب أو قيمته، يكون المتبادر قيمة خارجِه حين التقويم والأداء.
هذا هو الوجه الأوّل ودليله.
وأمّا الوجه الثاني، أعني: التفصيل في صورة التلف بين المثلي والقيمي فبيانه: انّ الواجب إذا كان مثلياً كالغلاّت تكون ذمّته مشغولة بالمثل، فإذا حاول تبديلها إلى القيمة يكون المدار وقت الملاحظة والتبديل، وأمّا إذا كانت الفريضة قيمية كالأنعام تكون المسألة من صغريات مسألة الضمان بالتلف وانّ القيمة

صفحه 211
المضمون لها، قيمة يوم التلف، لأنّه اليوم الذي تبدل المضمون من العين إلى القيمة.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من قوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» انّ المالك مسؤول عن العين والخروج عن عهدتها إلى زمان الأداء، فما لم يتحقّق الأداء فهو مسؤول عن العين من غير فرق بين القسم المثلي والقيميّ.
لا أقول إنّ العين الشخصية في الذمّة حتى يقال انّ وعاء الأعيان هو الخارج ، والذمّة وعاء الكليات، فكيف تكون العين الخارجية في ذمة الضامن؟ بل أقول: إنّ الضامن مسؤول عن العين مطلقاً، ـ قيميّة كانت أومثليّةـ إلى أن يؤدّي، فإن خرج عن العهدة بدفع نفس العين أو مثلها فهو، وإلاّ فهو مسؤول عن العين وإن كان قيمية إلى وقت الخروج عنها، فإذا حاول الخروج عنها بأداء القيمة وقيامها مقام العين يكون المدار طبعاً هو قيمة زمان الخروج لا القيم السابقة، لأنّ إرادة غير هذا يتوقّف على دليل خاص.
وبهذا يعلم أنّه لا فرق بين المثلي والقيمي حتى في صورة التلف.
وأمّا الوجه الثالث، أعني: كون الميزان قيمة وقت الوجوب، فهو احتمال ذكره المصنّف، ولعلّ وجهه عدم تعلّق الزكاة بالعين وجعل مالية الشاة في النصاب للفقير في ذمّة المالك، ولما كانت مالية الشاة مختلفة باختلاف الأزمنة فمقتضى الإطلاق المقامي هو تعيين وقت الوجوب، لأنّ تعيين غيره يحتاج إلى الدليل.
وضعفه ظاهر لعدم تعلّق الزكاة بمالية الشاة في ذمّة المالك، بل يتعلّق بنفس

1 . المستمسك: 9/86.

صفحه 212
العين كما سيأتي تفصيله.

ب: ما هو المدار في المكان؟

إنّ قيمة الشاة كما تختلف زماناً كذلك تختلف مكاناً، ففي تعيين مكان القيمة وجوه وأقوال:
أ: كون الميزان بلد الإخراج.
ب: كون الميزان بلد الإخراج إذا كان تالفاً وإلا فبلد العين الّتي تكون الزكاة فيه، وهو خيرة الماتن.
ج: بلد التلف.
د: أعلى القيمتين، من قيمة البلد الذي هي فيه وقيمة بلد الإخراج.
والأوّّل هو المختار، والثاني خيرة المصنّف، والثالث خيرة بعض المعلّقين، والرابع خيرة السيد البروجردي وغيره.
أمّا وجه القول الأوّل فقد عرفت أنّ المالك مخيّر من أوّل الأمر بين أُمور ثلاثة:
الإعطاء من النصاب أومن خارجه أو دفع القيمة، فإذا حاول الامتثال والخروج عن العهدة بالتقويم يكون المتبادر هو دفع بلد الإخراج مثل تبادر زمان الإخراج.
وبعبارة أُخرى: عندما يقوم المالك بتقويم الشاة ليدفع قيمتها يكون المتبادر دفع قيمة البلد الذي يقوّم به بهذه المهمة.
هذا من غير فرق بين كون العين تالفة أو موجودة.

صفحه 213
وأمّا وجه القول الثاني الذي هـو خيـرة المصنّف، أعني: التفصيـل بين كـون العين تالفة فبلد الإخراج وموجودة فالبلد الذي تكون العين فيه، فمبني على مشاركة الفقير للمالك في العين الشخصية بنحـو الإشاعة أو الكلّي في المعيّـن.
فعلى هذا فيجب عليه الخروج عن عهدة العين الموجودة المتشخصة بالزمان والمكان ، فيكون الميزان قيمة البلد الذي تكون العين موجودة فيه، ولكن المبنى ضعيف لما ستعرف من كون الفريضة ليس على وجه الإشاعة، بل بنحو المالية السيّالة بين العين والدفع من خارج النصاب أوالقيمة.
وأمّا وجه القول الثالث: أي كون المدار بلد الإخراج إن كان موجوداً وإلا فبلد التلف، فلأنّه بالتلف تتبدّل الفريضة إلى القيمة، فيكون الواجب أداء قيمة بلد التلف، لأنّ غيره يحتاج إلى الدليل.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره إن صحّ فإنّما يصحّ في باب الضمانات فهو أحد الأقوال فيه، وأمّا المقام فقد عرفت أنّ تلف النصاب لا يوجب الانتقال إلى القيمة، بل له العمل بالفريضة بالدفع من نصاب آخر دون أن ينتقل إلى القيمة، فما دلّ على جواز الدفع من نصاب آخر هو الفاصل بين المقام وباب الضمانات.
وثانياً : ما عرفت من أنّ تلف الشيء القيمي لا يوجب تبدّل الفريضة إلى القيمة، بل المسؤولية بالنسبة إلى العين على عاتق الضامن إلى أن يخرج، فإذا حاول الخروج بالتقويم يكون المدار بلد الإخراج.
وأما الرابع فهو الموافق للاحتياط.

صفحه 214
المسألة 7: إذا كان جميع النصاب في الغنم من الذكور يجوز دفع الأُنثى وبالعكس، كما أنّه إذا كان الجميع من المعز يجوز أن يدفع من الضأن وبالعكس، وإن اختلفت في القيمة، وكذا مع الاختلاف يجوز الدفع من أيّ الصنفين شاء، كما أنّ في البقر يجوز أن يدفع الجاموس عن البقر وبالعكس، وكذا في الإبل يجوز دفع البخاتي عن العراب وبالعكس، تساوت في القيمة أو اختلفت.*
* إنّ في المسألة فروعاً ثلاثة:
الأوّل: إذا كان النصاب في الغنم كلّه ذكوراً فهل يجوز دفع الأُنثى من خارج النصاب أو لا؟ وهكذا بالعكس.
الثاني: إذا كان النصاب من صنف واحد كالضأن فهل يجوز دفع الزكاة من صنف آخر كالماعز أو لا؟
ومثله إذاكان الإبل كلّه عرابياً فهل يجوز دفع الزكاة من البخاتي أو لا؟ وهكذا بالعكس.
ومثله البقر والجاموس إذا كان النصاب كلّه بقراً فهل يجوز دفع الجاموس أو لا؟ وهكذا بالعكس.
الثالث: إذا كان النصاب مشتملاً على الضأن والماعز، فهل يتخيّر المالك بين الصنفين أو يجب التقسيط؟
وحكم الفروع الثلاثة مبني على ما هو المختار في تعلّق الزكاة، فلو قلنا بالإشاعة يجب في الأوّل والثاني كون المدفوع من سنخ ما تعلّق به الوجوب، وفي الثالث التقسيط بين الصنفين. وستوافيك كيفية التقسيط في الفرع الثالث.

صفحه 215
وأمّا إذا قلنا بأنّ تعلّق الزكاة بالعين ليس على وجه الإشاعة، بل يتخيّر المالك بين الدفع من النصاب أو من خارجه أو القيمة السوقية، فيكون الحكم هو الجواز في جميع الصور .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفاصيل الفروض.
أمّا الأوّل: أي دفع الذكر مكان الأُنثى إذا كان النصاب أُنثى أو بالعكس، فقد ذهب الشيخ إلى عدم جواز دفع الذكر مكان الأُنثى في كتاب «الخلاف» وجوّزه في كتاب «المبسوط»، مستدلاً بتناول الاسم.
قال في الأوّل: مَن كان عنده أربعون شاة أُنثى، أخذ منه أُنثى، وإن كانت ذكوراً كان مخيّراً بين إعطاء الذَّكَر والأُنثى.(1)
ولعلّ وجهه انّ الأُنثى أعلى قيمة من الذكر، فدفع الذكر مكان الأُنثى نوع إضرار على المستحق، ولكنّه قال في «المبسوط»: إن كانت كلّها ذكوراً أخذ منه ذكر، وإن كانت أُنثى أخذ منه أُنثى، فإن أعطى بدل الذكور أُنثى أو بدل الأُنثى ذكراً أخذ منه، لأنّ الاسم يتناوله.(2)
وفصل العلاّمة في «المختلف» بين مساواة الذكر للأُنثى فيجوز وإلاّفلا، قال: لنا انّه مع مساواة القيمة يكون قد أخرج الواجب عليه فيخرج عن العهدة، ومع القصور يكون قد أخرج معيباً عن صحاح، لأنّ الذكورة بالنسبة إلى الأُنوثة عيب فلا يقع مجزئاً ثمّ ردّ استدلال الشيخ بتناول الاسم للذكر والأُنثى بأنّ التناول مسلم، لكن الواجب الإخراج من العين أو القيمة ولم يفعله أحدهما فلا يقع مجزئاً، كما لو أخرج المعيب عن الصحيح وإن شاركه في الاسم.(3)

1 . الخلاف: 2/25، كتاب الزكاة، المسألة 22.
2 . المبسوط: 1/200.
3 . المختلف: 3/258.

صفحه 216
وكلامه يعرب عن قوله بالإشاعة في الزكاة وانّه إذا أخرج الواجب بالقيمة يجب دفع قيمة ما شارك فيه، ففي الأُنثى دفع قيمة الأُنثى، والذكر ليس مساوياً لها في القيمة، ولكنّ الحقّ ما ذكره المصنّف من جواز دفع الأُنثى مكان الذكر وبالعكس أخذاً بإطلاق الدليل، حيث إنّ في أربعين شاة، شاة، من غير فرق بين أن يكون النصاب ذكوراً أو إناثاً، فالواجب ما يصدق عليه الشاة، وهي مشتركة بين الأُنثى والذكر.
اللّهمّ إلاّ أن يقال من انصراف إطلاق الفريضة إلى واحدة من صنف النصاب الموجود عنده المتعلّق به الزكاة، فإن كان ذكوراً فالواجب هو الذكر وإن كان إناثاً فالواجب هو الأُنثى، ولكنّ الانصراف ضعيف وإن مال إليه المحقّق الهمداني في هذه الفروع كما سيوافيك كلامه.
وأمّا الثاني: إذا كان النصاب كلّه من الضأن فهل يجوز دفع الماعز أو لا، وهكذا العكس؟
قال في «التذكرة»: الأقرب، جواز إخراج ثنية من المعز عن الأربعين من الضأن، وجذعة من الضأن عن أربعين من المعز، وهو أحد وجهي الشافعي.
الثاني: المنع فيؤخذ الضأن من المعز دون العكس، لأنّ الضأن فوق المعز.(1)
وقال في «الجواهر»: يجزي عن نصاب كلّ من الصنفين فرد من الصنف الآخر، فيجزي عن نصاب الضأن ثني من المعز، وعن نصاب المعز جذع من الضأن كما عن «التذكرة» التصريح به.(2)
وقد مرّ في المسألة الخامسة انّ أقلّ أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم والإبل،

1 . التذكرة: 5/116، المسألة 59، تحت عنوان فروع.
2 . الجواهر: 15/153.

صفحه 217
من الضأن الجذع ومن المعز الثنيّ.
ووجهه: إطلاق الدليل فانّ الشاة يعم الماعز والضأن، فيكفي كلّ مكان الآخر، غير انّه يجب مراعاة أسنان الشاة التي تؤخذ في الغنم، فمن الضأن الجَذَع (ما دخل في الثانية) ومن المعز الثنيّ (ما دخل في الثالثة) وقد سبق الكلام في لزوم مراعاته.
نعم ادّعى صاحب المصباح انصراف إطلاق الفريضة (فيما إذا لم تكن من غير الجنس كالشاة بالنسبة للإبل) إلى واحد من صنف النصاب الموجود عنده، المتعلّق به الزكاة، فإن كان جميع النصاب من الجاموس فتبيع منه (لا من البقر) ، وإن كان الجميع من البقر فتبيع منه، وكذا إن كان الجميع من الضأن فواحدة منه، أو من المعز فكذلك، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأصناف التي تتفاوت بها الرغبات، إلى آخر ما أفاد.(1) ولكن التبادر بدوي.
وأمّا الثالث: أعني إذا كان النصاب مشتملاً على الضأن والماعز يجوز الدفع من أي الصنفين شاء، فوجهه هو إطلاق الدليل، قال في الشرائع: والنصاب المجتمع من المعز والضأن، وكذا من البقر والجاموس، وكذا من الإبل العراب والبخاتي تجب فيه الزكاة والمالك بالخيار في إخراج الفريضة من أي الصنفين شاء(2). أي مطلقاً تساوت القيم أم اختلفت كلّ ذلك لإطلاق الدليل.
واحتمل في «الجواهر» مراعاة الأمرين في الاجتماع على حسب النسبة ، وقال: نعم لو كان هناك خطابان: أحدهما يقتضي وجوب تبيع الجاموس لو كان هو النصاب والآخر يقتضي تبيع البقـر، اتجـه مـراعاة الأمـرين في الاجتماع على حسب

1 . مصباح الفقيه: 13/266.
2 . الجواهر، قسم المتن: 15/151.

صفحه 218
المسألة 8: لا فرق بين الصحيح والمريض، والسليم والمعيب، والشابّ والهرم في الدخول في النصاب والعدّ منه. لكن إذا كانت كلّها صحاحاً لا يجوز دفع المريض، وكذا لو كانت كلّها سليمة لا يجوز دفع المعيب، ولو كانت كلّ منها شابّاً لا يجوز دفع الهرم، بل مع الاختلاف أيضاً الأحوط إخراج الصحيح من غير ملاحظة التقسيط، نعم لو كانت كلّها مراضاً أو معيبة أو هرمة يجوز الإخراج منها.*
النسبة.(1)
وعلى ذلك لو كان عنده عشرون من البقر وعشرون من الجاموس، وقيمة المسنة من البقر اثنا عشر درهماً مثلاً ومن الجاموس أربعة عشر يجب دفع مسنّة قيمتها ثلاثة عشر، بقراً كان أو جاموساً.
وهو كما ترى إذ لازم ذلك أن يكون لكلّ نصاب خاص، وعلى ذلك فلو كان عنده خمسة عشر من البقر ومثلها في الجاموس، لم يجب عليه الزكاة، لعدم بلوغ الموجود إلى حدّ النصاب.
والحاصل ; انّ التفاوت في القيمة مغتفر تسهيلاً للأمر.
وبذلك يعلم الجواب عمّا يمكن أن يقال: انّ أصحاب الزكاة مشاركون مع المالك في المالية السيّالة ـ حسب مختارنا ـ فاللازم، هو مراعاة التقسيط، وذلك لأنّ إطلاق الدليل حاكم على رعاية هذا النوع من الحقّ.
* للمسألة فروع:
1. إذا كان جميع ما في النصاب صحاحاً.

1 . الجواهر: 15/152.

صفحه 219
2. إذا كان النصاب مختلطاً من الصحيح والمريض، والمعيب والسليم، والشاب والهرم.
3. إذا كان الكل مِراضاً أو معيبة أو هرمة.
لا إشكال في أنّ عامة الأقسام داخلة في النصاب، ويعدّ منه لإطلاق الأدلّة، وإنّما الكلام في كيفية الأداء مع الحالات الثلاث.
أمّا الأوّل، أعني : ما إذا كان الجميع صحاحاً، فلا يجوز دفع المريض، أو إذا كان الجميع سليمة من العيب فلا يجوز دفع المعيب، أو كان الكل شاباً لا يجوز دفع الهرِم.(1)
قال في «الحدائق»: قد صرح الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بأنّه لا تؤخذ المريضة من الصحاح ولا الهرمة ولا ذات العوا ر (والعوار مثلثة: العيب كما في القاموس) . والحكم بعدم أخذ هذه مجمع عليه بينهم.(2)
ويدلّ عليه:
1. قوله سبحانه: (يا أَيُّهَـا الَّـذينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِـنْ طَيِّبـات ما كَسَبْتُـمْ وَ مِمّـا أخْرَجْنـا لَكُـمْ مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبيـثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُـمْ بِآخِـذيهِ إِلاّ أَنْ تَغْمِضُوا فيهِ)(3): أي تقصدوا الرديّ من المال، وإطلاق الآية يعـمّ الصـدقة الفريضة والمقطوع بها، وكون مورد الآية ما كسب بالتجارة لا يـوجب الاختصاص بعد وحدة الملاك، وانّ الإنسان لا يتصـدّق ما لا يأخـذه مـن

1 . الهرِم ـ بكسر الراء ـ صفة مشبهة : من بلغ أقصى الكبَر. وبفتحها مصدر: بلوغ أقصى الكبر، ويطلق أيضاً على المخروط المضلّع الذي تكون قاعدته مثلّثة أو مربَّعة أو كثيرة الأضلاع، جمعه أهرام. ومنه أهرام مصر.
2 . الحدائق: 12/65.
3 . البقرة: 267.

صفحه 220
غرمائه إلاّ بغمض العين.
2. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث زكاة الإبل : «ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار، إلاّأن يشاء المصدّق، ويعد صغيرها وكبيرها».(1)
3. روى محمد بن قيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث: «ولا تؤخذ هرمة وذات عوار إلاّ أن يشاء المصدّق، ولا يفرق بين مجمع، ولا يجمع بين متفرق، ويعدّ صغيرها وكبيرها» .(2)
وفي الروايتين غنى وكفاية وقد روى في «المستدرك»(3) ما يؤيد ذلك.
وأمّا الثاني، أعني: إذا كان النصاب مختلطاً، فقال المصنّف: الأحوط، إخراج الصحيح من غير ملاحظة التقسيط، وعن عدة من الأصحاب مراعاة التقسيط في صورة التلفيق منهم صاحب الحدائق قال: «والمخرج يخرج منه بالنسبة » وما ذكره المصنّف هو الأقوى، للحديثين الماضيين، لأنّ حملهما على ما إذا كان الجميع صحاحاً، أو سليماً، حمل على الفرد النادر، لأنّ الغالب، هو اشتمال النصاب على المريض، والمعيب والهرم، وهذا هو القدر المتيقّن من الحديث.
نعم مقتضى الشركة، على وجه الإشاعة أو المالية السيّالة ـ التي هي المختار عندنا ـ هو التقسيط لكن النصّ حاكم عليها.
وأمّا الثالث، أعني: إذا كانت كلّها مِراضاً أو معيبة أو هرمة، لا يكلّف صاحبها بشراء صحيحة

1 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3.
2 . الوسائل: 6، الباب6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث2 ولاحظ ذيل الحديث في التعليقة.
3 . المستدرك: 7/65، الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام.

صفحه 221

]الشرط الثاني: السوم[

الشرط الثاني: السوم طول الحول، فلو كانت معلوفة ولو في بعض الحول لم تجب فيها، ولو كان شهراً بل أُسبوعاً، نعم لا يقدح في صدق كونها سائمة في تمام الحول عرفاً علفها يوماً أو يومين .
ولا فرق في منع العلف عن وجوب الزكاة بين أن يكون بالاختيار، أو بالاضطرار ـ لمنع مانع من السوم، من ثلج، أو مطر، أو ظالم غاصب، أو نحو ذلك ـ ولا بين أن يكون العلف من مال المالك أو غيره، بإذنه أو لا بإذنه، فإنّها تخرج بذلك كلّه عن السوم، وكذا لا فرق بين أن يكون ذلك بإطعامها للعلف المجزوز، أوبإرسالها لترعى بنفسها في الزرع المملوك.
نعم لا يخرج عن صدق السوم باستئجار المرعى، أو بشرائه إذا لم يكن مزروعاً، كما أنّها لا يخرج عنه بمصانعة الظالم على الرعي في الأرض المباحة.*
للزكاة، بل تؤخذ منها.
قال الشيخ : إذا كانت الإبل كلّها مراضاً لا يكلّف صاحبها شراء صحيحة للزكاة، وتؤخذ منها. وبه قال الشافعي، وقال مالك: يكلف شراء صحيحة .
قال: دليلنا إجماع الفرقة، وأيضاً الخبر الذي تضمّن ذكر كتاب أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى عامله قال فيه: فلا تدخلنّ عليه دخول متسلّط، واجعل الخيار إلى ربّ المال، يدلّ على ذلك.(1) وهو خيرة صاحب الحدائق.(2)
وعلى ذلك فيدفع الفرد المتوسط من الفريضة وإن كان الجميع مراضاً.
* في المسألة فروع:
الأوّل: في لزوم كون الماشية سائمة طول السنة.

1 . الخلاف: 2/15، كتاب الزكاة، المسألة 9.
2 . الحدائق: 12/66.

صفحه 222
الثاني: حكم التعليف يوماً أو يومين أو أُسبوعاً.
الثالث: الاضطرار إلى التعليف لمانع على نحو يسلب عنها عنوان السائمة.
الرابع: التعليف من مال الغير بإذنه أو لا بإذنه.
الخامس: الرعي في الزرع المملوك.
السادس: حكم السوم في المرعى المستأجر أو المشترى.
السابع: الرعي في الأرض المباحة بمصانعة الظالم.
فلنذكر حكم الجميع واحداً تلو الآخر:

الأوّل: اشتراط السوم في تعلّق الوجوب

اتّفق الفقهاء شيعة وسنّة على شرطية السوم في تعلّق الوجوب ولم يخالف إلاّ مالك حيث قال: تجب في النعم الزكاة سائمة كانت أو غير سائمة فاعتبر الجنس، وقد تفرّد مالك بهذا الرأي تبعاً لشيوخه الثلاثة: مكحول وربيعة وقتادة .(1) وبما انّ الشرط مورد اتّفاق بين الفقهاء قاطبة إلاّ من عرفت فلا حاجة إلى نقل كلماتهم، وإنّما المهم في المقام بيان أمر آخر، وهو انّه يظهر من المتأخّرين انّ الزكاة رهن شروط أربعة:
1. النصاب، 2. الحول، 3. السوم، 4. عدم العمل.
وعليه المصنّف في المتن، فعندهم السوم وعدم العمل شرطان مستقلان، لكن الظاهر من فقهائنا المتقدّمين هو وحدة الشرط لا تعدّده وانّ الشرط عبارة عن السوم، منهم: المفيد (2)، والشيخ (3)، وسلاّر (4)، وابن البراج (5)، وابن

1 . المدونة الكبرى لفتاوى مالك: 1 / 313 ; المغني: 2 / 456 ; الخلاف: 2 / 51 ـ 52، المسألة 61 .
2 . المقنعة: 246 .
3 . النهاية: 177 والمبسوط: 1 / 191 .
4 . المراسم العلوية: 139 .
5 . المهذب: 1 / 161، 163، 164 .

صفحه 223
زهرة (1)، وابن إدريس (2)، والكيدري(3)، وابن سعيد الحلّي(4).
نعم الظاهر من الشيخ في «الخلاف» والمحقّق في «الشرائع» انّ عدم العمل شرط برأسه وراء السوم قال في «الخلاف»: لا تجب الزكاة في الماشية حتّى تكون سائمة للدرّ والنسل، فإن كانت سائمة للانتفاع بظهرها وعملها فلا زكاة فيها.(5)
ترى أنّه عد العمل مانعاً من تعلّق الزكاة مع كون الماشية سائمة.
وقال في «الشرائع»: الشرط الثاني: السوم ـ إلى أن قال ـ : الشرط الرابع: أن لا تكون عوامل، فانّه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة .(6)إلى غير ذلك من الكلمات.
والمهم هو دراسة الروايات وانّ المتبادر منها هل هو وحدة الشرط أو تعدّده؟ والظاهر هو الأوّل، وإليك الروايات:
1. صحيحة الفضلاء الأُولى عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)في حديث زكاة الإبل، قالا: «وليس على العوامل شيء، إنّما ذلك على السائمة الراعية».(7)
2. صحيحة الفضلاء الثانية عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) في حديث زكاة البقر، قالا: «ولا على العوامل شيء إنّما الصدقة على السائمة الراعية».(8)
3. صحيحة الفضلاء الثالثة: قالا:
«ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء، إنّما الصدقات على السائمة الراعية».(9)
والّذي يهمّنا في هذه الأحاديث هو بيان أمرين:

1 . الغنية: 2 / 119 .
2 . السرائر: 1 / 432 .
3 . إصباح الشيعة: 114 .
4 . الجامع للشرائع: 126، 129 .
5 . الخلاف: 2، كتاب الزكاة، المسألة 62 .
6 . الشرائع: 1 / 110 .
7 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
8 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2.
9 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 5.

صفحه 224
الأوّل: انّ الإمام جعل السائمة في مقابل العوامل، وما ذلك إلاّ لأجل انّ الغالب عليها هو عدم السوم، فلو لم تكن الزكاة دائرة مدار السوم وعدمه فلا معنى للتقابل.
الثاني: انّ الإمام جعل الضابطة في آخر الأحاديث هو السوم، وقال: «إنّما ذلك على السائمة الراعية» وركّز عليها وهذا يدلّ على أنّ الميزان هو السوم.
ويقرب من هذا صحيحة زرارة قال:
4. قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): هل على الفرس والبعير يكون للرجل يركبها شيء؟ فقال: «لا، ليس على ما يعلف شيء، إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الّذي يقتنيها فيه الرجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء»(1).
وجه الدلالة على أنّ الشرط هو السوم وأنّ عدم تعلّق الزكاة بالعوامل المركوبين، وأجاب الإمام بأنّه ليس على ما يُعلف شيء وإنّما الصدقة على السائمة، فلو كان للعمل موضوعية ومانعية فكان على الإمام أن يجيب بأنّه ليس على المركوب شيء ولكنّه (عليه السلام) يجيبه بأنّه «ليس على ما يُعلف شيء»، وهذا دليل على أنّ عدم تعلّقها بالمركوب لأجل كونها معلوفة لا عاملة.
ثمّ إنّ الإمام أشار إلى الضابطة الكلية وقال: «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها». ومن المعلوم أنّ السائمة المرسلة في المرج لا تعدّ للركوب ولا للنضح ولا للنقل إذ تكون خارجة عن تحت يد المالك.
5. موثّقة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، وكلّ شيء من هذه الأصناف من

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3 .

صفحه 225
الدواجن والعوامل فليس فيها شيء»(1).
وجه الدلالة انّ الإمام قسّم الأنعام إلى أقسام ثلاثة:
أ. السائمة في الصحراء، المرسلة في مرجها، وهذا هو المراد من قوله: الإبل والبقر والغنم.
ب. الدواجن والأنعام الأهلية الّتي تربّى في المنازل.
ج. العوامل الّتي يعلف عليها في المعطن والمعلف.
ترى أنّه ذكر العوامل في جنب الدواجن لاشتراكهما في كونهما معلوفتين.
إلى هنا تمت الروايات الدالّة على أنّ الميزان هو السوم ولا مدخلية للعمل بما هو هو إلاّ أنّه يلازم التعليف، لأنّ العمل فرع كون الحيوان تحت اختيار المالك وهو لا يجتمع مع السوم في الصحراء إلاّ قليلاً.
نعم هنا رواية ربّما يتبادر منها انّ عدم العمل بما هو هو شرط مستقل، وهو ما رواه ابن أبي عمير في حديث قال: كان علي (عليه السلام) لا يأخذ من جمال العمل صدقة، كأنّه لم يحب أن يؤخذ من الذكورة شيء، لأنّه ظهر يحمل عليها.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ لفظ الإمام ينتهي عند قوله: «لا يأخذ من جمال العمل صدقة» وليس في كلامه إشارة إلى ما هو السبب لعدم الأخذ، فهل هو التعليف أو مانعية العمل؟
وأمّا ما ذكره ابن أبي عمير من قوله: «كأنّه لم يحب أن يؤخذ من الذكورة شيء، لأنّه ظهر يحمل عليه» فهو استنباط شخصي من الراوي حيث استنبط من الحديث شرطية الأُنوثة ومانعية العمل.

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 4 .

صفحه 226
فإن قلت: ذهب الفقهاء إلى أنّ حول السخال من حيثن النتاج تبعاً للراواية (1) مع أنّها ليست بسائمة.
قلت: لو افترضنا العمل بالرواية، نقول: إنّ السخلة قبل التمكّن من الرعي ليست بسائمة ولا معلوفة، فلو دلّ الدليل على اشتراط السوم فإنّما يدلّ فيما إذا كان الحيوان قابلاً للسوم والتعليف، والسخلة الّتي تعيش بلبن الأُم لا سائمة ولا معلوفة فلا يضرّ عدّها من النصاب باشتراط السوم في تعلّق الزكاة، لأنّ الشرط مختصّ بما يقدر عليه، دونما لا يقدر.
على أنّ العلاّمة ذهب في «المختلف» إلى أنّ السخال لا تعد مع الأُمهات، بل لها حول بانفرادها.(2)
فإن قلت: يلزم على شرطية السوم خروج أكثر الأنعام عن مصبّ الحكم لاسيّما في إيران والبلاد الباردة حيث إنّ الحيوان يعلف في المعاطن عدة شهور.
قلت: سيوافيك جوابه في الفروع الآتي وانّه يكفي كونها سائمة في أكثر الحول ولا يضرّ التعليف مادام يوصف كونها سائمة.
فإن قلت: ما مرّ من الأخبار يدلّ على شرطية السوم في الإبل والبقر الصالحين للعمل وليس فيها ما يدلّ على شرطيته في الغنم الّذي ليس صالحاً إلاّ للدرّ والنسل وغيرهما.
قلت: ورد تقييد الغنم في السوم في روايات الفريقين.
أخرج أبو داود في سننه وهكذا غيره كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الّذي بعث مصدقة به وفيه: وفي سائمة الغنم إذا كان أربعيناً ففيها شاة.(3)

1 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 4 .
2 . مختلف الشيعة: 3 / 168 .
3 . سنن أبي داود: 2 / 97، باب زكاة ا لسائمة، برقم 1567 ; صحيح البخاري: 3 / 146 ; سنن الدارقطني: 2 / 114 ; وسنن البيهقي: 4 / 100 .

صفحه 227
كما ورد في موثّقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صدقات الأموال؟ فقال: «في تسعة أشياء ليس في غيرها شيء: في الذهب والفضة، والحنطة والشعير والتمر والزبيب، والإبل والبقر والغنم السائمة ـ وهي الراعية ـ وليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة الأصناف شيء، وكلّ شيء كان من هذه الثلاثة الأصناف فليس فيه شيء حتّى يحول عليه الحول منذ يوم ينتج» .(1)

الثاني: حكم التعليف يوماً أو يومين أو أُسبوعاً

إذا كانت سائمة طول السنة إلاّ يوماً أو يومين أو أُسبوعاً، فهل يسقط وجوب الزكاة؟ فهناك أقوال:
1. يراعى الأغلب في ذلك، وسقوط الزكاة مع التساوي، وهو خيرة الشيخ في «المبسوط».
2. يعتبر أن تكون سائمة طول الحول، ولا يعتبر الأغلب. وهو خيرة ابن إدريس، والمحقّق في «المعتبر».
3. الحكم يدور مدار الاسم، فإن بقي عليها اسم السوم وجبت الزكاة وإلاّ سقطت وهو المشهور بين المتأخرين.(2)
هذا بعض ما قيل في المقام، وقد عرفت من الماتن أنّ الميزان كونها سائمة في نظر العرف، وليس علفها يوماً أو يومين مخلاً في نظر العرف، وهو المرجع في هذه المجالات.
أقول: لا يخفى ما في هذه الأقوال من الإفراط والتفريط، فعلى قول الشيخ

1 . الوسائل: 7، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه، الحديث 9 .
2 . الحدائق: 12/79.

صفحه 228
الطوسي يكفي كونها سائمة سبعة أشهر ومعلوفة في باقيها، كما أنّه على قول المحقّق يزول عنوان السائمة بالعلف اليسير مع أنّ الماشية مهما كانت سائمة لا ينفك عن العلف اليسير طول السنة.
فالحقّ ما عليه المشهور ببيان خاص، أشار إليه الشيخ الأعظم في كتاب الزكاة ، قال:
وتحقيقه انّ الحكم مرتب على السائمة لا السوم، وبعد ملاحظة اعتبار حلول الحول على الملك الخاص، الواجد للشروط المقررة للمال الزكوي، يعتبر أن يكون في تمام الحول سائمة، لا بمعنى أن يتلبّس بالسوم في طول الحول كما يعتبر تلبسه بالمملوكية طول الحول، كيف وهو ينام ويشرب ويسكن وغير ذلك، بل يعتبر أن يكون من المصاديق الحقيقية للسائمة التي هي من المشتقات التي لا يشترط في صدقها قيام المبدأ بها بالفعل، فإنّ الغنم إذا سامت إلى حدّ يصدق عليها عرفاً انّها سائمة، فكما يصدق عليها في حال السوم انّها سائمة، فكذلك حال اشتغالها بالاعتلاف يصدق عليها انّها سائمة إلاّ أن يبلغ الاعتلاف حدّاً يصدق أنّها غير سائمة، والحدّ الموجب لصدق السائمة والمعلوفة موكول إلى العرف.
والظاهر تحقّق الأوّل بمجرّد بناء المالك على أن لا يعلفها ما تحتاج إليه، ويكتفي عن ذلك برعيها في المرعى، ويمضي على ذلك مدّة، فإذا اتّفق بعد ذلك يوم لا يرعاها لمانع من المرعى فاعلفها، فيقال: إنّها سائمة أعلفت في هذا اليوم، ولا يسلب عنها صدق هذا المشتق بمجرّد يوم أو يومين بل أكثر.(1)
فحاصل ما ذكره هو انّ المناط استمرار صدق عنوان السائمة طول الحول لا

1 . كتاب الزكاة للشيخ الأنصاري: 228 .

صفحه 229
استمرار السوم ولا يقاس بالملك، فإنّ الماشية إذا خرجت عن الملك لحظة واحدة ثمّ عادت يكون مخلاً، لأنّ عنوان الملك لا يتحقّق إلاّ بالتلبس بالمبدأ دائماً، فلهذا يقدح انقطاعه لحظة.
ونزيد بياناً:
إنّ صدق عنوان السائمة والمعلوفة كصدق عنوان النجّار والخبّاز، فكما أنّ عدم مزاولة النجارة والخبازة لمدة قصيرة لا يضرّ بصدق العنوان، فهكذا الحال في السائمة والمعلوفة فتعليف السائمة لمدة قصيرة لا يخرجها عن صدق عنوان السائمة; ومثلها المعلوفة فإنّ رعيها في المراتع أياماً معدودة لا يخرجها عن صدق عنوان المعلوفة، فكأنّ المالك يقسّم ماشيته إلى قسمين:
قسم منها خاص للرعي في الصحراء للدرّ والنسل ولا يرجعها إلى المِعْلف إلاّ لغاية خاصة، وقسم منها معدّة للتعليف في المِعْلف ولا يرسلها إليه إلاّ لغاية خاصة.
فمادامت الماشية تحمل أحد هذين العنوانين: من شأنها الرعي في المرج، أو من شأنها التعليف في المِعْلَف، يترتب على كلّ منها حكمه الخاص.
وعلى هذا فيكفي كونها سائمة في أكثر السنة ولا يضر الأقل وإن كان شهراً أو شهرين ما دام يصدق عليها أنها سائمة .
هذا كلّه إذا قلنا بأنّ السوم شرط، وانّ الموضوع هو السائمة، وأمّا إذا قلنا بأنّ الموضوع هو الماشية وانّ التعليف مانع، كما هوالظاهر من صحيحة زرارة: «ليس على ما يعلف شيء» فالمتبادر هو ما إذا كانت معدة للتعليف طول السنة، وأمّا إذا كانت معدّة للسوم في المرج ولكن اقتضت الحاجة والضرورة التعليف في

صفحه 230
المِعْلف فلا يصدق عليه انّه ممّا يُعلف، فإنّ ظاهره هو الاستمرار على ذلك.(1)

الثالث: الاضطرار إلى التعليف لمانع

إذا اضطر إلى التعليف في المِعلَف على نحو يسلب عنه عنوان السائمة فلا تجب فيه الزكاة، مثل صورة الاختيار، فلو منع مانع من السوم، من ثلج أو مطر أو ظلم ظالم على نحو تخرج عن كونها سائمة، لأنّ الحكم يتبع الموضوع وإن كان السبب غير اختياري.

الرابع: التعليف من مال الغير بإذنه أو لا بإذنه

إذا كان العلف بشكل لا يوجب مؤونة على المالك وذلك في الصور الآتية:
الأُولى: إذا كان العلف من مال المالك لكن بدون إذنه حيث يستقر الضمان على عهدة العامل.
الثانية: إذا كان العلف من غير المالك بإذنه.
الثالثة: إذا كان العلف من غير المالك يبذله شخص آخر من دون رضا مالك العلف.
ففي هذه الصور الثلاث ربما يتصوّر إلحاقها بالسائمة لعدم المؤونة لاستقرار ضمان العلف على العامل في الأُولى والثالثة والمفروض في الثانية كون العلف برضا مالكه، وهذا ما احتمله الشهيد في «البيان» واستوجهه في «المسالك»(2) متمسّكاً بأنّ المناط في عدم الزكاة على السائمة لأجل عدم المؤونة والملاك موجود في هذه الصور.
لكن الكلام في حجّية العلة المستنبطة.

1 . المستمسك: 9 / 90 .
2 . المسالك: 2 / 307 .

صفحه 231

الخامس: الرعي في الزرع المملوك

إذا أرسلها للرعي في الزرع المملوك فالظاهر انّه لا يصدق عليها السائمة لما في الرواية في تحديد السائمة في صحيحة زرارة من قوله : «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيها الرجل».(1) فإنّ المَرج يطلق على الأرض الواسعة فيها نبت كثير يمرج فيها الدواب، وأمّا الأرض الواسعة المزروعة من قبل المالك فلا يطلق عليها المرج.
نعم احتمل سيدنا الأُستاذ في تعليقته على العروة بأنّ ما يخل بالسوم هو الرعي في الأراضي المعدّة للزرع إذا كانت مزروعة على النحو المتعارف المألوف وأمّا لو فرض تبذير البذور التي هي من جنس كِلاء المرعى في المراتع من غير عمل في تربيتها فلا يبعد عدم إخلاله بالسوم.
وعلى ما ذكره فهناك فرق بين الرعي في الأراضي المعدة للزرع وما ليست كذلك ولكن لو بذر صاحب الماشية البذور في الأرض من دون رعاية وعناية على نحو تصبح كأنّها نباتات طبيعية، لا تتعلّق به الزكاة.

السادس: حكم السوم في المرعى المستأجر أو المشترى

إرسالها للرعي في المرعى المستأجر أو المشترى إذا لم يكن مزروعاً من قبل المالك بل كان طبيعي المنبت.
ففي الفرع وجهان:
1. انّها سائمة، لأنّ الرعي في المرج سوم، سواء أكان ملكاً أم لم يكن، كما هو مقتضى اللغة والعرف.

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الانعام، الحديث 3 .

صفحه 232
2. انّها ملحقة بالمعلوفة لوجود الغرامة والمؤونة على المالك.
ولكن الحقّ هو الأوّل، خصوصاً إذا قلنا بأنّ الموضوع الماشية والتعليف مانع كما هو مقتضى رواية زرارة(1) ومن المعلوم عدم صدق المعلوفة.
اللّهمّ إلاّ أن يقال بأنّ المرج يطلق على الأرض الواسعة التي لم يتملكها أحد، بل يعد من المباحات للناس وليس المفروض منه.
وبعبارة أُخرى : ليس الملاك هو الرعي في مقابل التعليف بالعلف المجزوز، بل صدق السائمة، ومن المحتمل مدخلية المرعى في الأراضي المباحة في صدقها.
ومنه يعلم عدم كفاية الرعي في نبات الدار والبستان وإن صدق عليها الرعي والسوم، إنّما الإشكال في صدق عنوان السائمة.
ومن هنا يتبيّن التأمّل فيما يقال أنّه لا تتعلّق الزكاة بالأنعام في إيران لا سيّما في المناطق الباردة.
قال صاحب الجواهر: والأمر سهل بعدما عرفت من أنّ المدار ذلك الذي يعلم منه عدم الزكاة في بهائم إيران وخراسان وآذربيجان إلاّما شذّ وندر منها، لأنّها على ما قيل تعلف الشهرين والثلاثة لا تخرج إلى المرعى وعدمها أيضاً في المعلوف ليلاً، والسائم نهاراً، والأمر واضح في ذلك كلّه، فتأمل.(2)

السابع: الرعي في الأرض المباحة بمصانعة الظالم

أي الرعي في الأرض المباحة بمصانعة الظالم، لصدق عنوان السائمة، ولا مدخلية للمؤونة في سلب اسم السائمة.

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الانعام، الحديث 3 .
2 . الجواهر: 15 / 97 .

صفحه 233

]الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل[

الشرط الثالث: أن لا تكون عوامل، ولو في بعض الحول بحيث لا يصدق عليها أنّها ساكنة فارغة عن العمل طول الحول، ولا يضرّ إعمالها يوماً أو يومين في السنة كما مرّ في السوم.*

]الرابع: مضيّ الحول[

الشرط الرابع: مضيّ الحول عليها جامعة للشرائط، ويكفي الدخول في الشهر الثاني عشر، فلا يعتبر تمامه، فبالدخول فيه يتحقّق الوجوب، بل الأقوى استقراره أيضاً، فلا يقدح فقد بعض الشروط قبل تمامه، لكن الشهر الثاني عشر محسوب من الحول الأوّل، فابتداء الحول الثاني إنّما هو بعد تمامه.*
* مرّ الكلام في هذا الشرط في الشرط الثاني فلا نعيد.
** في المسألة فروع:

الأوّل: تعلق الوجوب مشروط بمضيّ الحول جامعة للشرائط

أُعتبر في تعلّق الزكاة بالأنعام مضيُّ الحول عليها جامعة للشرائط بأن يكون مالكاً للنصاب طول السنة، وتكون الأنعام سائمة، فلو اختلت بعض الشروط في أثناء السنة انقطع الحول.
قال الشيخ: إذا مات المالك في أثناء الحول وانتقل ماله إلى الورثة، انقطع حوله، واستأنف الورثة الحول.

صفحه 234
وللشافعي قولان: في القديم: لا ينقطع حوله، وفي الجديد: مثل قولنا.(1)
وكلامه صريح في شرطية بقاء الملكية للنصاب طول السنة.
وقال: إذا كان لإنسان أربعون شاة، فأقامت في يده ستة أشهر ثمّ باع نصفها، بطل حوله... وقال الشافعي: إنّ حوله باق إذا باع مشاعاً، فمتى حال عليه الحول وجب عليه الزكاة.(2)
وهذا صريح في شرطية بقاء النصاب طول السنة.
وقال أيضاً: إذا كانت الماشية سائمة دهرها، فإنّ فيها الزكاة; وإن كانت دهرها معلوفة أو عاملة، لا زكاة فيها.(3)
هذا ما لدى الشيعة وأمّا ما لدى السنّة:
ففي مختصر الخرقي: ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
وقال ابن قدامة في شرح تلك العبارة: روى أبو عبد اللّه بن ماجة في السنن باسناد عن عمر : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
ثمّ استدلّ على لزوم النصاب في جميع الحول بقوله: لنا: قول النبي صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فهو يقتضي مرور الحول على جميعه، ولأنّ ما اعتبر في طرفي الحول اعتبر في وسطه كالملك والإسلام.(4)
ولو كان هناك اختلاف من الشافعي فإنّما هو في صورة الانتقال إلى الورثة أو إذا باع على وجه الإشاعة كما مرّ وإلاّ فلاكلام في أصل الشرط.

1 . الخلاف: 2/48، كتاب الزكاة، المسألة 56.
2 . الخلاف: 2/38، كتاب الزكاة، المسألة 38.
3 . الخلاف: 2/53، كتاب الزكاة، المسألة62.
4 . المغني: 2/522ـ 526.

صفحه 235
هذه كلمات العلماء وأمّا ما يدلّ على شرطية أصل الحول إجمالاً من الأخبار ـ فمضافاً إلى النبوي السابق ـ صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) قالا: «ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء ـ إلى أن قال ـ وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه».(1)
ونحوه مرسل محمد بن سماعة، عن رجل، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السَّلام .(2)
إنّما الكلام فيما يدلّ على اعتبار بقاء الشروط الماضية طول السنة، فتدل الصحيحة السابقة على شرطية بقاء الملك والنصاب في طول العام حيث إنّها بعد ما ذكرت نصب الغنم ذيله بقوله: «وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا حول عليه» فبما انّ الموصول: «ما لم يحل» كناية عن النصاب، تكون صريحة في بقاء النصاب طول السنة في ملك ربه.
وأمّا ما يدلّ على شرطية السوم طول السنة فهو قوله في صحيحة زرارة: «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيه الرجل».(3)
إلى هنا تم الكلام في الفرع الأوّل وهو لزوم مضيّ السنة مع اجتماع الشرائط.

الثاني: حدّ الحول، الدخول في الشهر الثاني عشر

اتّفق الأصحاب على أنّ حدّ الحول، وبتعبير آخر حولان الحول ، أن يمضي له أحد عشر شهراً ويحلّ الثاني عشر، وعند هلاله تجب ولو لم تكمل أيام الحول،

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2.
3 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث3.

صفحه 236
وإليك بعض كلماتهم:
قال الشيخ في «النهاية»: وإذا استهلّ هلال الشهر الثاني عشر، فقد حال على المال الحول، ووجبت فيه الزكاة، فإن أخرج الإنسان المال عن ملكه قبل استهلال الثاني عشر، سقط عنه فرض الزكاة، وإن أخرجه من ملكه بعد دخول الشهر الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، وكانت في ذمّته إلى أن يخرج منه.(1)
وقال ابن إدريس في «السرائر»: وإذا استهلَّ هلال الثاني عشر، فقد حال على المال الحول، ووجبت الزكاة في المال ليلة الهلال، لا باستكمال جميع الشهر الثاني عشر، بل بدخول أوّله.(2)
وقال المحقّق الحلي في «المعتبر»: إنّه مذهب علمائنا.(3)
وقال أيضاً في «الشرائع»: فحدّه أن يمضي أحد عشر شهراً ثمّ يهلّ الثاني عشر، فعند هلاله تجب ولو لم تكمل أيام الحول.(4)
وقال العلاّمة الحلي في «التذكرة»: وحولان الحول هو مضيّ أحد عشر شهراً كاملة على المال، فإذا دخل الثاني عشر وجبت الزكاة وإن لم تكمل أيّامه.(5)
وقال الشهيد الأوّل في «الدروس»: الحول، وهو مضي أحد عشر شهراً كاملة.(6)
إلى غير ذلك من الكلمات.
والدليل على ذلك صحيحة زرارة حيث يفسر الحول الوارد في النصوص ـ

1 . النهاية: 182.
2 . السرائر: 1/452.
3 . المعتبر: 2/507.
4 . الجواهر: 15/97، قسم المتن.
5 . تذكرة الفقهاء: 5/51، المسألة 33.
6 . الدروس: 1/232، الدرس 61.

صفحه 237
أو بتعبير أفضل يفسّر حولان الحول ـ برؤية هلال الثاني عشر.
روي عن زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أيّما رجل كان له مال وحال عليه الحول فإنّه يزكّيه»، قلت له: فإن وهبه قبل حلّه بشهر أو بيوم؟
قال: «ليس عليه شيء أبداً».
وقال: إنّه حين رأى هلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز، ولم يكن عليه شيء ـ إلى أن قال: ـ
قال زرارة: وقلت له: رجل كانت له مائتا درهم فوهبها لبعض إخوانه، أو ولده أو أهله فراراً بها من الزكاة، فَعَلَ ذلك قبل حلّها بشهر؟ فقال: «إذا دخل الشهر الثاني عشر، فقد حال عليه الحول ووجبت عليه فيها الزكاة».(1)
والرواية صحيحة لا حسنة، وإبراهيم بن هاشم من الثقات.

الثالث: استقرار الوجوب بدخول الشهر الثاني عشر

لا شكّ في حصول أصل الوجوب بتمام الحادي عشر، إنّما الكلام في أنّه هل يستقر الوجوب به أو يكون واجباً متزلزلاً ويستقر بإتمام الثاني عشر؟ وجهان.
وتظهر الثمرة فيما إذا اختلّت بعض الشرائط في الشهر الثاني عشر، كما إذا باع بعض النصاب أو نقص أو صارت الغنم معلوفة أو من العوامل، فعلى القول باستقرار الوجوب لا تسقط الزكاة، بخلافه على الثاني فتسقط.
والظاهر هو الوجه الأوّل ويدلّ عليه أمران:
أ. قوله: «إنّه حين رأى هلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنّه لو وهبها

1 . الوسائل: 6، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث2.

صفحه 238
قبل ذلك جاز ولم يكن عليه شيء»، فإنّ معناه انّه لو وهبها في ضمن الثاني عشر لما جاز، أي لما يسقط الزكاة.
ب. لفظ «الفاء» في قوله: «إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليه الحول ووجبت الزكاة» حيث إنّ «الفاء» تقتضي التعقيب بلا مهلة. كما أنّ قوله: «وجبت» ظاهر في الوجوب المستقر دون المتزلزل.
هذا وربما يناقش في سند الحديث لأجل إبراهيم بن هاشم، لعدم ورود توثيق صريح فيه، والمناقشة ساقطة، وقد ذكرنا في محلّه : إنّه غني عن التوثيق، وإنّ ما ورد من المدح والإطراء في حقّه يدلّ على أنّه من الأجلاّء الذين كانت الثقات يرحلون إليه لأخذ الحديث، كيف وهو نشر حديث الكوفيّين بين القميّين المعروفين بالحزم والاحتياط. وقد روى عنه ابنه ما يناهز أربعة آلاف حديث .
وأمّا الوجه الثاني، أي تعلّق الوجوب تعلّقاً متزلزلاً ويستقر بتمام الشهر الثاني عشر فيمكن أن يقال : انّ الصحيح المزبور وإن كان ظاهراً في الوجوب المستقر بالدخول في الثاني عشر، إلاّ أنّ ما دلّ على اشتراط الشروط الأُخر طول الحول يقتضي حمله على إرادة المعنى الحقيقي من الحول، لعدم ما يصلح قرينة للتصرّف فيه، فالجمع بينهما يقتضي حملها على الوجوب المتزلزل، وما دلّ على تلك الشرائط على الوجوب المستقر من إبقاء الحول فيها على الحقيقة.
يلاحظ عليه: أنّ الصحيحة ظاهرة في أنّ جميع ما يعتبر في وجوب الزكاة يتحقّق بالدخول في الثاني عشر، لا انّ الوجوب وحده يتحقّق به، ولكنّ الشرائط الأُخر تبقى مستمرة إلى تمام الثاني عشر، فإنّه تفكيك في مفاد النصوص.(1)
إلى هنا تم بيان الوجهين وقد عرفت أنّ الأقوى هو الوجه الأوّل.

1 . لاحظ الجواهر: 15/99ـ100.

صفحه 239

نظرية الفيض في تفسير الصحيحة

يظهر من المحدّث الكاشاني وجه ثالث وحاصله: أنّ المقصود من حولان الحول بدخول الشهر الثاني عشر، هو انّه لا يجوز تفويت الزكاة بعد دخول الشهر الثاني عشر، ويجب التحفّظ عليها، ولا يسوغ التصرّف ببيع ونحوه ممّا ينافي بقاء المال.
أمّا الوجوب فلا يتأتّى إلاّبعد مضي الحول بكامله، وإليك نصّ كلامه:
قال: لعلّ المراد بوجوب الزكاة وحول الحول برؤية هلال الثاني عشر، الوجوب والحول لمريد الفرار، بمعنى انّه لا يجوز الفرار حينئذ، لاستقرار الزكاة في المال بذلك، كيف والحول معناه معروف والأخبار بإطلاقه مستفيضة، ولو حملناه على معنى استقرار الزكاة، فلا يجوز تقييد ما ثبت بالضرورة من الدين بمثل هذا الخبر الواحد الذي فيه ما فيه ، وإنّما يستقيم بوجوه من التكلّف.(1) انتهى.
واستجوده صاحب الحدائق وقال: لولا اتّفاق الأصحاب قديماً وحديثاً على العمل بمضمون الصحيحة في الزكاة مطلقاً لا بخصوص هذا الفرد الذي ذكره.(2)
ثمّ أيّده بصحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السَّلام : « نزلت آية الزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)(3) في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم مناديه فنادى في الناس: إنّ اللّه تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض اللّه عليكم من الذهب والفضة، ومن الإبل والبقر

1 . الوافي: 10/136.
2 . الحدائق الناضرة: 12/75.
3 . التوبة: 103.

صفحه 240
والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفا لهم عن ما سوى ذلك. قال: ثمّ لم يتعرض لشيء من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا وأفطروا، فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيّها المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم، قال: ثمّ وجه عمّال الصدقة، وعمّال الطسوق». (1)
يلاحظ عليه : أنّ ما ثبت بضرورة الفقه، كون الوجوب مشروطاً بمضي الحول، وهذا أمر مسلّم لا غبار عليه، وأمّا اشتراط مضي سنة كاملة وعدم كفاية دخول الشهر الثاني عشر، فلم يثبت بضرورة الفقه.
وأمّا الخدشة في السند التي أشار إليها بقوله: «بمثل هذا الخبر الواحد الذي فيه ما فيه»، فقد عرفت دفعها وانّ إبراهيم بن هاشم من أجلاّء الثقات.
وأمّا دعمه بصحيحة عبد اللّه بن سنان، فهي على خلاف المقصود أدلّ، لأنّ ظاهر الرواية انّه سبحانه فرض عليهم الزكاة في أوّل شهر رمضان، فلو كان الشرط هو مضيّ سنة كاملة، كان على الرسول أن ينادي بالزكاة، ويوجّه عمّال الصدقة إليهم في أوّل شهر رمضان، وهذا آية انّ الرسول أخّر الطلب لمصلحة حتى ينقضي شهر رمضان، فلو صحّ ذلك، فللقائل أن يقول: أخّر الطلب إلى شهرين لمصلحة وقتية.
والحاصل انّ صحّة الرواية، وفتوى المشهور على وفقها يصدّنا عن العدول عنها والأخذ بإطلاق الحول في الروايات.

1 . الوسائل: 6، الباب1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1; والباب 8 من تلك الأبواب، الحديث1.

صفحه 241

الرابع: الشهر الثاني عشر محسوب من السنة الأُولى

إذا كان مرور أحد عشر شهراً كافياً في استقرار الوجوب، فهل الشهر الثاني عشر يحسب من الحول الأوّل أيضاً، أو من الحول الثاني؟
قال العلاّمة: في احتساب الثاني عشر من الحول الأوّل، أو الثاني إشكال ينشأ من تمام الأوّل حقيقة، ومن صدق الحولان باستهلال الثاني عشر.(1)
والأظهر انّ الوجهين مبنيان على كيفية تفسير قوله: «إذا دخل الثاني عشر، فقد حال عليه الحول» فهل هو تصرّف في لفظ الحول بجعله حقيقة شرعية في أحد عشر شهراً ـ وعليه يلزم حمل كلّ ما ورد في الروايات لفظ «الحول» أو «السنة» أو «العام» على هذا ـ أو تصرف في حولان الحول، وصدقه وتطبيقه.
فالظاهر هو الثاني وانّه اكتفى في صدقه بدخول الشهر الآخر، بضرب من المجاز، وعلى هذا لا يحسب الشهر الآخر من العام القابل، لعدم التصرّف في لفظ الحول. نعم لا يحسب من العام الأوّل أيضاً، وبذلك يظهر التسامح في عبارة المصنّف، والأولى أن يقول لا يحسب من العام الثاني.

1 . التذكرة: 5/51.

صفحه 242
المسألة 9: لو اختلّ بعض الشروط في أثناء الحول قبل الدخول في الثاني عشر بطل الحول، كما لو نقصت عن النصاب، أو لم يتمكّن من التصرّف فيها، أو عاوضها بغيرها، وإن كان زكويّاً من جنسها، فلو كان عنده نصاب من الغنم مثلاً ومضى ستّة أشهر فعاوضها بمثلها ومضى عليه ستّة أشهر أُخرى لم تجب عليه الزكاة، بل الظاهر بطلان الحول بالمعاوضة وإن كانت بقصد الفرار من الزكاة.*
* في المسألة فروع:
1. حكم اختلال بعض الشروط في أثناء الحول بالموت وعدم التمكّن.
2. معاوضة النصاب بغيرها لغاية من الغايات.
3. التصرّف في النصاب للفرار من الزكاة.
ولندرس هذه الفروع واحداً بعد الآخر.

1. حكم اختلال بعض الشروط

إذا اختلّت بعض الشروط، كما لو نقص النصاب بالموت، أو لم يتمكّن من التصرّف فيها، لم تجب عليه الزكاة، لعدم مضي الحول عليها جامعة للشرائط، وتدلّ عليه جملة من النصوص:
منها: صحيحة الفضلاء: «وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه».(1)
ومنها: رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السَّلام: «لا يزكّى من الإبل والبقر والغنم إلاّما حال عليه الحول، وما لم يحلّ عليه الحول فكأنّه لم يكن».(2) إلى غير ذلك مـن الروايات.

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1و2.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1و2.

صفحه 243

2. حكم المعاوضة بالجنس أو بغيره

إذا عاوضها بغيرها، فهل ينقطع الحول أو لا؟ فلنذكرالأقوال فيه وفي الفرع التالي ثم نستدلّ عليهما فقال المحقّق: ولو اختلّ أحد شروطها في أثناء الحول، بطل الحول ـ إلى أن قال: ـ أو عاوضها بمثلها أو بجنسها على الأصح.(1)
هذا وقد فصّل الشيخ بين التبديل بجنس مخالف، فحكم بانقطاع الحول; والتبديل بجنسه، فحكم بعدم انقطاعه ولزوم الزكاة.
قال في « الخلاف»: من كان معه نصاب فبادل بغيره، لا يخلو أن يبادل بجنس مثله. مثل أن بادل إبلاً بإبل، أو بقراً ببقر أو غنماً بغنم، أو ذهباً بذهب، أو فضة بفضة، فإنّه لا ينقطع الحول ويبني. وإن كان بغيره مثل أن بادل إبلاً بغنم، أو ذهباً بفضة، أو ما أشبه ذلك، انقطع حوله، واستأنف الحول في البدل الثاني. وبه قال مالك.(2)
وقال في «المبسوط»: إذا بادل جنساً بجنس مخالف، مثل إبل ببقر، أو بقر بغنم، أو غنم بذهب، أو ذهب بفضة، أو فضة بذهب، استأنف الحول بالبدل وانقطع حول الأوّل... وإذا بادل بجنسه لزمه الزكاة، مثل: ذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو غنم بغنم، وما أشبه ذلك.(3)
ويظهر من ابن قدامة انّه متى أَبدل نصاباً من غير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولاً، غير انّه استثنى الذهب والفضة، لكون الذهب والفضة كالمال الواحد، يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة.(4)

1 . الشرائع: 1/110.
2 . الخلاف: 2/55، كتاب الزكاة، المسألة 64.
3 . المبسوط: 1/206.
4 . المغني: 2/564.

صفحه 244
وما ذكره الشيخ مبني على تعلّق الزكاة بالنوع لا الشخص، فإذا بادله بنفس الجنس صدق انّه ملك أربعين شاة سنة كاملة وإن تبدّلت أعيانه، ولكنّه خلاف الظاهر، فإنّ المتبادر من صحيح الفضلاء الآنف ذكره «وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه فيه، فإذا حال عليه الحول وجب» هو مضي الحول على العين.
قال ابن إدريس: وأيضاً إجماعنا، بخلاف ما ذهب إليه في مبسوطه، وأُصول مذهبنا منافية لذلك، لأنّهم (عليهم السلام)أوجبوا الزكاة في الأعيان، دون غيرها من الذمم، بشرط حؤول الحول على العين، من أوّله إلى آخره، فيما يعتبر فيه الحول، ومن المعلوم أنّ عين البدل غير عين المبدل، وانّ إحداهما لم يحل عليها الحول.(1)

3. التصرّف في النصاب لأجل الفرار

التصرّف في النصاب لأجل الفرار، فقد تعرّض له المصنّف هنا وفي زكاة النقدين عند الكلام في الشرط الثالث. ويظهر من الأقوال التي سنذكرها انّ المسألة مورد اختلاف بين فقهائنا.
قال العلاّمة: لو جعل الدنانير والدراهم حليّاً قبل الحول فراراً، سقطت الزكاة عند أكثر علمائنا، لانتفاء الشرط. وقال ابن أبي عقيل: تجب الزكاة مقابلة بنقيض مقصوده، كالقاتل والمطلِّق، وهو ممنوع.(2)
ويظهر من العلاّمة انّ المخالف هو ابن أبي عقيل فقط، مع أنّه ليس كذلك، كيف وقد وافقه الشيخ في « الخلاف» فانّه فصل بين التنقيص والتبديل

1 . السرائر: 1/452.
2 . مختلف الشيعة: 3/188.

صفحه 245
بغير الجنس وكان الكل للفرار عن الزكاة، فقال بعدم الزكاة في الأوّل وبها في الثاني، وإليك نصوصه في «الخلاف».
وقال: يكره للإنسان أن يُنقص نصاب ماله قبل حول الحول فراراً من الزكاة، فإن فعل وحال عليه الحول وهو أقل من النصاب، فلا زكاة عليه. وبه قال أبوحنيفة وأصحابه والشافعي.
وقال بعض التابعين: لا ينفعه الفرار منها، فإذا حال عليه الحول، وليس معه نصاب أخذت الزكاة منه. وبه قال مالك.(1)
وقال: إذا كان معه نصاب من جنس واحد، ففرّقه في أجناس مختلفة فراراً من الزكاة، لزمته الزكاة إذا حال عليه الحول، على أشهر الروايات، وقد رُوي «انّ ما أدخله على نفسه أكثر».
وقال الفقهاء في هذه المسألة مثل ما قالوه في مسألة التنقيص سواء.
دليلنا على هذه الرواية: ما رواه إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه الزكاة؟ قال: « إن كان فرّبها من الزكاة فعليه الزكاة».
قلت: لم يفرّ بها، ورث مائة درهم وعشرة دنانير؟
قال: «ليس عليه زكاة»، قلت: لا يكسر الدراهم على الدنانير، ولا الدنانير على الدراهم؟ قال: «لا».(2)
وقال أيضاً في موضع ثالث : لا زكاة في سبائك الذهب والفضة، ومتى

1 . الخلاف: 2/56، كتاب الزكاة، المسألة 65.
2 . الخلاف: 2/57، كتاب الزكاة، المسألة 66.

صفحه 246
اجتمع معه دراهم أو دنانير ومعه سبائك أو نقار، أخرج الزكاة من الدراهم والدنانير إذا بلغا النصاب، ولم يضم السبائك والنقار إليها.
وقال جميع الفقهاء: يضم بعضها إلى بعض. وعندنا انّ ذلك يلزمه إذا قصد به الفرار من الزكاة.(1)
وقال في «المبسوط» عند مبادلة جنس بجنس : وإن فعل ذلك فراراً من الزكاة لزمه الزكاة.(2)
فقد ظهر من ذلك انّ الشيخ من المفصّلين بين التنقيص والتبديل بجنس آخر وإن كان الكل لغاية الفرار.
وقد بسط السيد المرتضى الكلام في المسألة وعدّ وجوب الزكاة ممّا انفرد به الإمامية على خلاف العلاّمة حيث نسبه إلى ابن أبي عقيل فقط، وإليك كلامه:
وممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ من فرّ بدراهم أو بدنانير من الزكاة فسبكها أو أبدل في الحول جنساً بغيره هرباً من وجوب الزكاة، فإنّ الزكاة تجب عليه إذا كان قصده بما فعله الهرب منها، وإن كان له غرض آخر سوى الفرار من الزكاة فلا زكاة عليه.
وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ولا يوجبون على من ذكرناه الزكاة وإن كان قصده الهرب منها. وروي عن مالك وبعض التابعين انّ عليه الزكاة.
دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه: إجماع الطائفة.
فإن قيل: قد ذكر أبو علي بن الجنيد انّ الزكاة لا تلزم الفارّ منها ببعض ما ذكرناه.

1 . الخلاف: 1/77، كتاب الزكاة، المسألة 90.
2 . المبسوط: 1/206.

صفحه 247
قلنا: الإجماع قد تقدّم ابن الجنيد وتأخّر عنه، وإنّما عوَّل ابن الجنيد على أخبار رويت عن أئمتنا (عليهم السلام)تتضمّن انّه لا زكاة عليه وإن فرّبماله، وبإزاء تلك الأخبار ما هو أظهر وأقوى وأولى وأوضح طريقاً تتضمن أنّ الزكاة تلزمه.
ويمكن حمل ماتضمن من الأخبار أنّها لا تلزم، على التقية، فإنّ ذلك مذهب جميع المخالفين، ولا تأويل للأخبار التي وردت بأنّ الزكاة تلزمه إذا فرّمنها إلاّ إيجاب الزكاة فالعمل بهذه الأخبار أولى.(1)
والقدر المتيقن من كلامه، هو لزوم الزكاة عند التبديل أو السبك دون التنقيص.
إلى هنا علم أنّ المخالف هو ابن أبي عقيل والشيخ في «الخلاف» و «المبسوط» والسيد المرتضى في «الانتصار».
وقد وافق الشيخ ابن زهرة الحلبي في «الغنية» في السبائك، قال: «أو سبائك فرّبسبكها من الزكاة».(2)
ومثله أبو مجد الحلبي في «إشارة السبق» فقال: أو سبائك قصد الفرار من الزكاة بسبكها.(3)
وأمّا المتأخّرون فالمشهور بينهم عدم الوجوب، هذا هو السير التاريخي للمسألة، وقد علم أقوال أهل السنّة ممّا نقلناه عن «الخلاف» ، ويظهر من «المغني» انّ التصرّف في النصاب سواء كان بتنقيص أو إبدال بغير جنسه للفرار عن الزكاة، لا يسقط الزكاة قال: إنّ إبدال النصاب بغير جنسه يقطع الحول ويستأنف حولاً

1 . الانتصار: 219ـ 220.
2 . غنية النزوع، قسم الفقه: 118.
3 . إشارة السبق: 109.

صفحه 248
آخر، فإن فعل هذا فراراً من الزكاة لم تسقط عنه سواء كان المبدل ماشية أو غيرها من النصب، وكذا لو أتلف جزءاً من النصاب قصداً للتنقيص، لتسقط عنه الزكاة لم تسقط... وقال أبو حنيفة والشافعي تسقط عنه الزكاة.(1)
وقد عرفت قول مالك من «الخلاف»، فالمسألة خلافية بين كلا الفريقين، وأمّا مصدر الاختلاف عندنا فهو اختلاف الروايات فانّها على طائفتين:
الطائفة الأُولى: ما يدلّ على سقوط الزكاة وهي كثيرة وبينها صحاح، نذكر منها ما يلي:
1. صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: قالا: قال أبوعبد اللّهعليه السَّلام ... قلت له: فإن أحدث فيها قبل الحول؟ قال: «جائز ذلك».
قلت: إنّه فرّ بها من الزكاة.
قال: «ما أدخل على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها».(2)
2. صحيحة عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السَّلام : رجل فرّ بماله من الزكاة، فاشترى به أرضاً أو داراً، أعليه شيء؟ فقال: لا، ولو جعله حليّاً أونقراً(3) فلا شيء عليه، وما منع نفسه من فضله أكثر ممّا منع من حقّ اللّه الذي يكون فيه».(4)
3. صحيحة هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ أخي يوسف ولي لهؤلاء القوم، أعمالاً، أصاب فيها أموالاً كثيرة، وإنّه جعل ذلك

1 . المغني: 2/564.
2 . الوسائل: 6، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث2.
3 . النُّقر جمعٌ مفرده نُقرة، وهي القطعة المذابة من الذهب والفضة.
4 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.

صفحه 249
المال حُليّاً أراد أن يفرّ به من الزكاة أعليه الزكاة؟ قال: «ليس على الحليّ زكاة، وما أدخل على نفسه من النقصان في وضعه ومنعه نفسه، فضله أكثر ممّا يخاف من الزكاة».(1)
4. صحيحة علي بن يقطين، عن أبي إبراهيم عليه السَّلام قال: «لا تجب الزكاة فيما سبك»، قلت: فإن كان سبكه فراراً من الزكاة؟ قال: «ألا ترى أنّ المنفعة قد ذهبت منه، فلذلك لا تجب عليه الزكاة».(2)
ورواها الصدوق أيضاً بسند آخر.(3)
إلى غير ذلك من الروايات.
وفي مقابل ذلك روايات أربع ظاهرها وجوب الزكاة، وهي التي استند إليها السيد المرتضى وأوّل ما دلّ على السقوط، وإليك دراسة تلك الروايات:
1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السَّلام عن الحلي، فيه زكاة؟ قال: «لا، إلاّما فرّ به من الزكاة».(4)
والرواية ظاهرة في الوجوب فما ربما يقال من أنّ قوله: «فيه زكاة» حكم وضعي شامل للواجب والمندوب ليس بتام خصوصاً انّ الوجوب لا يحتاج إلى بيان زائد بخلاف الندب، والأولى أن يحمل على ما بعد الحول بقرينة الطائفة الأُولى المصرّحة بسقوط الزكاة فيما إذا كان الفرار أثناء الحول.
2. موثقة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السَّلام : إنّ أباك، قال: من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها، فقال: «صدق أبي: إنّ عليه أن يؤدي ما وجب عليه، ومالم

1 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 4، 2، 3.
2 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 4، 2، 3.
3 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 4، 2، 3.
4 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث7.

صفحه 250
يجب عليه فلا شيء عليه منه».(1)
والرواية على خلاف مقصود المستدلّ أدلّ، حيث إنّ الإمام فسر كلام أبيه وحمل كلامه على ما إذا كان الفرار بعد استقرار الوجوب عليه ولا ينفعه الفرار، بخلاف ما إذا عمل قبل استقراره.
3. موثقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السَّلام عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير، أعليه زكاة؟ قال: «إن كان فرّ بها من الزكاة فعليه الزكاة».
قلت: لم يفرّ بها، ورث مائة درهم وعشرة دنانير، قال: « ليس عليه زكاة»، قلت: فلا تكسر الدراهم على الدنانير ولا الدنانير على الدراهم، قال: «لا».(2)
وتحمل الرواية على ما حمل عليه الأوّلان، إذ ليست الرواية نصاً في التصرّف قبل الحول.
4. رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام ، قال: قلت له: الرجل يجعل لأهله الحُليّ من مائة دينار والمائتي دينار ـ وأراني قد قلت: ثلاثمائة ـ فعليه الزكاة؟ قال: «ليس فيه زكاة».
قلت له: فانّه فرّبه من الزكاة، فقال: «إن كان فرّبه من الزكاة فعليه الزكاة، وإن كان إنّما فعله ليتجمّل به فليس عليه زكاة».(3)
وهذا الحديث على خلاف الأحاديث السابقة حيث يمكن حمل ما سبق على ما بعد الحول بخلاف هذا الحديث، إذ لا يمكن حمله عليه، إذ لا فرق في

1 . الوسائل: 6، الباب11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5.
2 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث3.
3 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث6; والباب 11 من تلك الأبواب، الحديث 6 حيث قطّعه صاحب الوسائل في البابين.

صفحه 251
المسألة 10: إذا حال الحول مع اجتماع الشرائط فتلف من النصاب شيء، فإن كان لا بتفريط من المالك لم يضمن، وإن كان بتفريط منه ـ ولو بالتأخير مع التمكّن من الأداءـ ضمن بالنسبة، نعم لو كان أزيد من النصاب وتلف منه شيء مع بقاء النصاب على حاله لم ينقص من الزكاة شيء، وكان التلف عليه بتمامه مطلقاً على إشكال.*
التصرّف بعد الحول بين كونه نابعاً عن قصد التجمّل أو عن قصد الفرار، فالتفريق بين الأمرين دال على أنّ التصرّف كان قبل الحول.
ولكن لا يمكن الاحتجاج برواية واحدة أَمام الروايات المستفيضة المرخصة، فلا بأس بحملها على الاستحباب، أو على التقية، لما عرفت من ذهاب مالك وأحمد إلى وجوب الزكاة .
وعلى فرض التعارض بين الروايتين، يرجع إلى الإطلاقات الدالّة على لزوم مضي الحول جامعة للشرائط والمفروض عدم الشرط.
* الموضوع في كلام المصنّف، هو ما إذا تلف البعض لا الكلّ، وكان التلف قبل العزل لا بعده، فالتلف بعد العزل، أو تلف جميع النصاب خارج عن محط البحث، وعلى هذا تكون صور المسألة كالتالي:
إذا تلف البعض قبل العزل فإمّا أن يكون المال بقدر النصاب، أو أزيد منه، وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يكون التلف مع التفريط أو لا، فهذه صور أربعة ودراستها في ضمن فرعين:
1. إذا كان المال بقدر النصاب فتلف منه شيء، كما إذا كان له أربعون غنماً، فتلف منه عشرون، فقد فصّل المصنّف بين التفريط ـ فيضمن بالنسبة ـ

صفحه 252
وغيره فلا يضمن شيئاً وينقص من الزكاة بنسبة التالف، وهي نصف الشاة في المثال المفروض، وذلك لأنّ الزكاة عندئذ أمانة في يد المالك حتى يوصلها إلى أصحابها، والأمين لا يضمن إلاّإذا فرّط في الأداء، ومن التفريط، التأخير في الأداء مع وجود المستحق، فالتفصيل على وفق القاعدة.
يلاحظ عليه: أنّ حكمه بالضمان بالنسبة في صورة التفريط يحتاج إلى التفسير فإن قلنا بأنّ تعلّق الزكاة بالنصاب على نحو الإشاعة في العين أو المالية، يصح تعبير المصنّف بأنّ المالك يضمن بالنسبة ، أي بنسبة ما مات كالنصف فيما إذا مات عشرون غنماً بالتفريط، لأنّ المستحق شريك المالك، وبما انّه فرّط يحسب عليه بالنسبة.
وأمّا لو كان تعلّقها بالنصاب، على الكلّـي في المعيّن، أو أنّه من قبيل حق الرهانة، فالتعبير الصحيح انّه يُحسب الخسارة على المالك لا انّه يضمن بالنسبة إذ لا شريك له حتى يضمن له.
والنتيجة على القولين وإن كانت واحدة، إلاّ انّ التعبير بالنسبة صحيح على الإشاعة دون غيرها.
وأمّا حكمه بعدم الضمان في صورة عدم التفريط لا يصحّ إلاّ على القول بكون تعلّق الزكاة على العين على نحو الإشاعة في العين أو في الماليّة السيّالة فيكون المستحق أحد الشريكين، فإذا طرأ التلف بلا تفريط، يحسب على كليهما، وأمّا على القول بأنّ تعلّقها على العين على نحو الكلّي في المعيّن، كبيع صاع من صبرة، كما عليه المصنّف فطَرُؤَ التلف على بعض الصبرة لا يحسب إلاّعلى المالك، فمادامت الصبرة تكون مشتملة عليها، يجب عليه الخروج عن العهدة.

صفحه 253
ومثله القول بأنّ تعلّقه بها، من قبيل حقّ الرهانة، والزكاة في الذمّة والعين رهن عليه، وتلف الرهن لا يوجب سقوط ما في الذمّة.
2. إذا تلف شيء من النصاب قبل العزل وكان الباقي بمقدار النصاب، كما إذا كان المال مشتملاً على النصاب والعفو، مثل ما إذا كان له خمسون شاة، فتلف منه عشر شياه وبقى أربعون شاة من دون أن ينقص من النصاب شيء، فاحتمل المصنّف أن يكون من المالك مطلقاً دون أن ينقص من الزكاة شيء مطلقاً سواء كان هناك تفريط أو لا، وذهب بعض المعلّقين إلى أنّها كالصورة الأُولى يقسط التالف على المالك وأصحاب الزكاة.
أقول: إنّ القول بأنّه يحسب على المالك في صورة التفريط واضح لا سترة عليه إنّما الكلام فيما إذا تلف الزائد على النصاب بلا تفريط، فحكم المصنّف بأنّه يحسب على المالك على إشكال.
فلو قلنا بأنّ متعلّق الزكاة فيما إذا اشتمل النصاب على الزائد الذي يعبر عنه بالعفو، هو المجموع من النصاب والعفو، غاية الأمر لا تجب الزكاة في الزائد على النصاب وعندئذ يكون حكمه، حكم ما إذا تلف بعض النصاب في أنّه ينتقص من الزكاة بقدر التالف على القول بالإشاعة في العين أو المالية السيّالة .
وأمّا لو قلنا بأنّ متعلّقها، هو الأربعون شاة على الوجه الكلّي والمفروض انّه صادق على الباقي بعد التلف، فلا وجه للاحتساب على المستحق، لعدم طروء التلف على متعلّقها، ويكون التلف بتمامه من المالك، حتى على القول بالإشاعة مطلقاً فضلاً عن سائر المباني.

صفحه 254
المسألة 11: إذا ارتدّ الرجل المسلم، فإمّا أن يكون عن ملّة، أو عن فطرة. وعلى التقديرين إمّا أن يكون في أثناء الحول أو بعده، فإن كان بعده وجبت الزكاة، سواء كان عن فطرة أو ملّة. ولكن المتولّي لإخراجها الإمام(عليه السلام)أو نائبه.
وإن كان في أثنائه وكان عن فطرة انقطع الحول، ولم تجب الزكاة واستأنف الورثة الحول.
لأنّ تركته تنتقل إلى ورثته.
وإن كان عن ملّة لم ينقطع؟ ووجبت بعد حول الحول، لكن المتولّي الإمام(عليه السلام)أو نائبه إن لم يتب.
وإن تاب قبل الإخراج أخرجها بنفسه، وأمّا لو أخرجها بنفسه قبل التوبة لم تجز عنه.
إلاّ إذا كانت العين باقية في يد الفقير فجدّد النيّة، أو كان الفقير القابض عالماً بالحال، فانّه يجوز له الاحتساب عليه، لأنّه مشغول الذمّة بها إذا قبضها مع العلم بالحال وأتلفها ، أو تلفت في يده.
وأمّا المرأة فلا ينقطع الحول بردّتها مطلقاً.*
* الصور الأصلية للمسألة لا تتجاوز عن ثمان.
لأنّ الارتداد تارة يكون بعد الحول أو في أثنائه، وعلى كلا التقديرين تارة يكون عن فطرة وأُخرى عن ملّة، وعلى التقادير الأربعة، فالمرتد تارة يكون رجلاً

صفحه 255
وأُخرى امرأة. فنقدّم صور الرجل:
1. إذا ارتدّ بعد الحول واستقرار الزكاة عليه وكان الارتداد عن فطرة انتقلت أمواله إلى الورثة، ويحكم عليه بالقتل وبينونة الزوجة، ويكون المقام أشبه بما إذا مات المورّث بعد تعلّق الزكاة، فعندئذ يقع الكلام في المتولّي لإخراج الزكاة، فهل هو نفس المرتد ـ إذا حاول الأداء والحال هذه ـ أو الورثة، أو الإمام أو نائبه كما عليه المصنّف وجوه.
الأَظهر هو الأوّل ـ لو حاول الأداء ـ لعدم الدليل على سقوط التكليف عنه ـ مع الارتداد والقول بعدم تمشّي القربة منه ـ غير تام لوجوه ثلاثة:
1. انّه إنّما يتمّ لو لم يتب دون ما إذا تاب.
2. انّه إنّما يصحّ إذا كفر باللّه، دون ما إذا صار كتابياً، أو ناصبيّاً أو غير ذلك إذ ربّما يتمشّى منهم قصد القربة.
3.لا دليل على لزومه مع التعذّر، فالزكاة حقّ للفقراء في أموال الأغنياء، يجب عليهم القيام بذلك بقصد التقرّب، فإذا تعذّر سقط وجوبه ويبقى أداء الدين على حاله.
فإن قلت: إنّ انتقال الأموال إلى الورثة صار سبباً لمشاركة المستحق معهم، فإخراج الزكاة نوع تصرّف في المال المشترك وهو رهن الولاية والمرتد فاقد لها.
قلت: يكفي في صحة الإخراج رضا الورثة بالتقسيم، وإلاّ يرفع الأمر إلى الحاكم ويقسم برعايته ورضاه.
نعم لو لم يقم بذلك تقوم به الورثة، لانتقال أمواله إلى الورثة ـ غير سهم الزكاة ـ فيكون المستحق أضعف الشركاء والورثة أقواهم، ويكون الخيار بيد

صفحه 256
أقواهم أخـذاً بما في صحيح بـريد بن معاويـة من أنّ الخيـار للمالك دون المصدِّق والعامل.(1)
وإنّما يتدخل الحاكم في موردين:
أ. إذا حاول المرتد الإخراج ومنعت الورثة.
ب. لم يقم هو ولا الورثة بالإخراج.
وبذلك يُعلم أنّه لا تصل النوبة إلى الإمام أو نائبه، لأنّه إنّما خُوِّل إليهما الأُمور التي ليس لها مسؤول خاص في الشرع، ويكون القيام به من باب الحسبة، وأمّا الأمر الذي له مسؤول بالخصوص فهو خارج عن إطار أمرهما.
2. إذا ارتد بعد الحول وكان الارتداد عن ملّة وحكم هذه الصورة أوضح من الصورة السابقة لعدم انتقال أمواله إلى الورثة، بل هي باقية في ملكه، ومع عدم تمشي القربة يسقط قصد القربة للتعذر، ويأت بالجزء الآخر، وقد عرفت أنّ الزكاة دين في ذمّة الغني لصالح الفقير فيجب عليه ردّ دينه، غاية الأمر دلّ الدليل على أنّه يجب أن يكون الأداء مقروناً بقصد التقرّب، فإذا تعذّر ـ والحال هذه ـ يبقى وجوب أداء الدين بحاله.
هذا إذا حاول الأداء، وأمّا إذا امتنع عن الأداء، فيقوم به الحاكم، لأنّه ولي الممتنع، لا الورثة ، لعدم انتقال أمواله إليهم، حتى يخاطبوا، بإخراج الزكاة من أموالهم كما لا يخفى.
فلا يتدخل الحاكم إلاّ في مورد واحد بخلاف السابق فيتدخل في موردين.
3. إذا ارتدّ أثناء الحول وكان الارتداد عن فطرة انقطع الحول، لانتقال

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.

صفحه 257
أمواله إلى الوارث، فلا موضوع للزكاة بالنسبة إلى المرتدّ ويتولاّها الورثة عند تمام الحول الجديد الخاص بهم.
4. إذا ارتدّ أثناء الحول وكان الارتداد عن ملّة، فلا وجه لانقطاع الحول، لبقاء أمواله في ملكه وله صور عند المصنّف:
أ. إن لم يتب بعد الحول قال الماتن: أخرجه الإمام، وعلى المختار يخرجه بنفسه، إلاّ إذا لم يخرج فيتولاه الإمام.
ب. إن تاب بعد الحول أخرجه بنفسه.
ج. إن أخرج ثمّ تاب. فقد فصّل الماتن بين الأقسام التالية:
1. فإن كانت العين باقية في يد الفقير جدّد النية .
2.إن كانت تالفة وكان الفقير عالماً بالحال، فبما انّه لم يكن هنا غرور من الدافع يكون ضامناً للمالك، ودائناً له ، فله أن يحتسب الدين من الزكاة ويجزيه.
3.إن كان جاهلاً فبما انّه كان مغروراً من قبل المالك، لأنّه سلّطه على ماله مجاناً وغرّره، فلا يكون ضامناً دائناً، فتجب عليه الإعادة.
هذا التفصيل مبني على القول بعدم سقوط قصد القربة، وأمّا على ما قوينا من أنّه مخاطب بأداء الزكاة مطلقاً، فإذا تعذّر وإن كان عن اختيار يسقط الشرط ويكفي إذا أخرجه بنفسه في جميع الصور، ولا يعد مثل هذا من قبيل الممتنع، لأنّ المراد منه إذا امتنع من الأداء، لا ما إذا لم يمكن قصد التقرّب وإن كان عن تقصير.
هذا كلّه إذا كان المرتد، هو الرجل، وأمّا إذا ارتدّت المرأة المسلمة، فحكمها حكم المرتد عن ملّة، حرفاً بحرف فلا ينقطع الحول إذا كان في الأثناء، وتجب

صفحه 258
المسألة 12: لو كان مالكاً للنصاب لا أزيد ـ كأربعين شاة ـ مثلاً فحال عليه أحوال، فإن أخرج زكاته كلّ سنة من غيره تكرّرت، لعدم نقصانه حينئذ عن النصاب، ولو أخرجها منه، أو لم يخرج أصلاً لم تجب إلاّ زكاة سنة واحدة، لنقصانه حينئذ عنه.
ولو كان عنده أزيد من النصاب ـ كأن كان عنده خمسون شاة ـ وحال عليه أحوال لم يؤدّ زكاتها، وجب عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين إلى أن ينقص عن النصاب، فلو مضى عشر سنين ـ في المثال المفروض ـ وجب عشرة، ولو مضى أحد عشر سنة وجب أحد عشر شاة، وبعده لا يجب عليه شيء، لنقصانه عن الأربعين.
ولو كان عنده ستّ وعشرون من الإبل، ومضى عليه سنتان، وجب عليه بنت مخاض للسنة الأُولى، وخمس شياه للثانية. وإن مضى ثلاث سنوات وجب للثالثة أيضاً أربع شياه. وهكذا إلى أن ينقص من خمسة فلا تجب.*
الزكاة بعد الحول، وتكون هي المتولية للأداء، دون الحاكم، نعم على القول الآخر يأتي التفصيل الماضي، فلا نعيد.
* ما ذكره (قدس سره)مطابق للقاعدة، وإليك البيان:
1. إذا كان مالكاً للنصاب لا أزيد ـ كأربعين شاة ـ فحال عليه أحوال، فله صور ثلاث:
أ. أخرج زكاته كلّ سنة من غيره.

صفحه 259
ب. أخرجها من النصاب.
ج. لم يخرج أصلاً.
فعلى الأوّل، يخرج زكاته لكلّ سنة، لبقاء النصاب بحاله، وتتكرر الزكاة مادام النصاب باقياً بحاله.
وعلى الثاني يجب مرّة واحدة، لنقصان الموجود حينئذ عن النصاب.
ومثله الثالث، لنقصانه حينئذ بالإخراج مرّة واحدة.
2. ولو كان عنده أزيدمن النصاب ـ كأن كان عنده خمسون شاة ـ وحال عليه أحوال لم يؤدِّ زكاتها وجب عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين إلى أن ينقص من النصاب، فلو مضى عشر سنين ـ في المثال المفروض وجب عشرة ـ ولو مضى أحد عشر سنة، وجب أحد عشر شاة، ولا يجب بعده عليه شيء، لنقصانه عن الأربعين.
هذا (عدم وجوبها بعد السنة الحادية عشرة) من غير فرق بين كونِ تعلّق الزكاة على نحو الإشاعة أو الشركة في المالية أو الكلّي المعيّن، حتى على القول بتعلّقها بالذمة وكون العين من قبيل الوثيقة كحقّ الرهانة، وذلك، لأنّ العين عندئذ ليس ملكاً طلقاً، حيث لا يجوز للمالك التصرّف قبل فك الرهن وأداء الدين، وقد تقدّمت شرطية اعتبار الملك الطلق في تعلّق الزكاة.
ومثله إذا ملك أربعون مثقالاً من الذهب فلم يخرج زكاتها عدّة أعوام، فيجب إخراج زكاتها، إلى أن ينقص من النصاب، أعني: العشرين.
3. لو كان عنده ست وعشرون من الإبل، فبما انّها مشتملة على عدة نصب فإخراج إبل منها، يوجب الانتقال إلى نصاب آخر فيختلف الحكم حسب

صفحه 260
اختلاف النصب، وقد عرفت فيما سبق:
أنّ في الست والعشرين بنت مخاض
وفي الخمس والعشرين خمس شياه
وفي العشرين أربع شياه
وفي خمسة عشر ثلاث شياه
وفي العشر شاتان
وفي الخمس شاة
وعلى ذلك لو كان عنده ست وعشرون إبلاً ومضى عليه سنتان، وجب للسنة الأُولى بنت مخاض، وللسنة الثانية خمس شياه.
هذا إذا كانت بنت مخاض مساوية لقيمة الواحدة من الإبل أو يكون أقل، إذ في كلتا الصورتين لا يملك النصاب الأعلى (الست والعشرين) فينتقل إلى النصاب السابق، أعني: الخمس والعشرين الذي فيه خمس شياه، بخلاف ما لو كانت قيمة بنت مخاض أزيد من قيمة الواحدة من الإبل، فعندئذ لا يملك حتى النصاب السابق (الخمس والعشرون) أيضاً بتمامه، بل أقلّ منه ولو بجزء، فلا تجب عليه للسنة الثانية خمس شياه بل أربع شياه، لما عرفت من أنّ الواجب بين العشرين والخمس والعشرين، أربع شياه.
ولو مضت عليه ثلاث سنوات وجب للثالثة أيضاً أربع شياه التي هي النصاب الرابع، وهو يتوقّف على أن تكون قيمة بنت مخاض وخمس شياه ، أكثر من قيمة الواحدة، حتى لا يملك الخمس والعشرين وتصل النوبة إلى النصاب

صفحه 261
المسألة 13: إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام ملك جديد، إمّا بالنتاج، وإمّا بالشراء، أو الإرث، أو نحوهما; فإن كان بعد تمام الحول السابق، قبل الدخول في اللاحق فلا إشكال في ابتداء الحول للمجموع، إن كمل بها النصاب اللاحق.*
الرابع، وإلاّ فلو كان بين الإبل (الست والعشرون) ما تساوي قيمته بنت مخاض وخمس شياه، فلا تصل النوبة إلى النصاب الرابع، لأنّه مع الحكم بإخراجهما، يملك الخمس والعشرين أيضاً لا أقلّ، ومعه يجب أيضاً في هذه الصورة، خمس شياه أيضاً، وراء بنت مخاض وخمس شياه للسنة الأُولى والثانية.
هذا وفي تعليقة سيد مشايخنا البروجردي(قدس سره)في المقام: «هذا ما لم يكن فيها إبل ما يسوى قيمته بنت مخاض وخمس شياه، وإلاّ كان الواجب في الثالثة خمس شياه».
ووجهه واضح، لأنّه عندئذ لا ينتقل إلى النصاب الاسبق (العشرين وما فوقها غير بالغ لخمسة وعشرين) بل ينتقل إلى السابق، أعني: خمسة وعشرين إبلاً والواجب فيها خمس شياه.
* إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام، ملك جديد، بسبب من الأسباب، فله صورتان:
الأُولى : أن يحصل بعد تمام الحول السابق وقبل الدخول في اللاحق.
الثانية: أن يحصل في أثناء الحول.
أمّا الصورة الأُولى; فقد ذكر له المصنّف قسماً واحداً، وهو ما إذا ملك، ما

صفحه 262
يكون مكمّلاً للنصاب اللاحق، لا عفواً ولا نصاباً مستقلاً، كما إذا كان له من الإبل سبعة فملك في نهاية الحول ثلاثة فاكتمل به النصاب اللاحق، وهو كون الإنسان مالكاً لعشرة من الإبل، نعم لو ملك اثنين منه، يكون عفواً إذ لا يبلغ إلى العشرة، كما أنّه لو ملك خمسة، فقد ملك نصاباً مستقلاً.
وعلى كلّ تقدير، فيجعل عند اكتمال النصاب اللاحق أي نهاية الحول الأوّل للمجموع حولاً واحداً. ويعلم حكم العفو والنصاب المستقل ممّا سيذكره في الصورة الثانية.
ثمّ إنّ المراد من تمام الحول في كلام الماتن هو انقضاء الشهر الحادي عشر، كما أنّ المراد من اللاحق، هو السنة الجديدة بعد تمامية الشهر الثاني عشر، فيكون المراد إذا ملك بعد الشهر الحادي عشر وقبل تمامية الثاني عشر، وما ربما نقل من أنّ التعبير بالبعدية والقبلية غير مناسب لاتصال الحولين، وكان الأنسب التعبير بمقارنة الملك لابتداء الحول الثاني.(1) مبني على تفسير الحول باثني عشر شهراً، لكنّك عرفت أنّه بتمامية الحادي عشر، يستقر الوجوب ويتم الحول الذي هو شرط تعلّقه واستقراره.
***
هذا كلّه فيما إذا حصل لمالك النصاب في الأنعام، ملك جديد، بعد تمام الحول السابق وقبل والدخول في اللاحق.
وأمّا إذا حصل في أثناء الحول فهذا هو الذي يقول في حقّه المصنّف:

1 . المستمسك: 9/105.

صفحه 263
وأمّا إن كان في أثناء الحول، فإمّا أن يكون ما حصل بالملك الجديد بمقدار العفو، ولم يكن نصاباً مستقلاً، ولا مكمّلاً لنصاب آخر، وإمّا أن يكون نصاباً مستقلاً، وإمّا أن يكون مكمّلاً للنصاب.
أمّا في القسم الأوّل فلا شيء عليه، كما لو كان له هذا المقدار ابتداء. وذلك كما لو كان عنده من الإبل خمسة، فحصل له في أثناء الحول أربعة أُخرى; أو كان عنده أربعون شاة، ثمّ حصل له أربعون في أثناء الحول.
وأمّا في القسم الثاني فلا يضمّ الجديد إلى السابق، بل يعتبر لكلّ منهما حول بانفراده، كما لو كان عنده خمس من الإبل، ثمّ بعد ستّة أشهر ملك خمسة أُخرى، فبعد تمام السنة الأُولى يخرج شاة، وبعد تمام السنة للخمسة الجديدة أيضاً يخرج شاة، وهكذا .
وأمّا في القسم الثالث فيستأنف حولاً واحداً بعد انتهاء الحول الأوّل، وليس على الملك الجديد في بقيّة الحول الأوّل شيء، وذلك كما إذا كان عنده ثلاثون من البقر، فملك في أثناء حولها أحد عشر، أو كان عنده ثمانون من الغنم، فملك في أثناء حولها اثنتين وأربعين.
ويلحق بهذا القسم ـ على الأقوى ـ ما لو كان الملك الجديد نصاباً مستقلاًّ ومكمّلاً للنصاب اللاحق، كما لو كان عنده من الإبل عشرون، فملك في الأثناء ستّة أُخرى، أو كان عنده خمسة ثمّ ملك أحد وعشرين، ويحتمل إلحاقه بالقسم الثاني.*
* أمّا الصورة الثانية: أعني: ما إذا ملك في أثناء الحول، فله أقسام ثلاثة:

صفحه 264
الأوّل: أن يكون ما ملك بمقدار العفو، كما إذا كان له من الإبل خمسة فملك أربعة، فلا يجب عليه شيء، لأنّه لا يزيد على ما إذا كان معه من أوّل الحول، فما ليس موضوعاً عند الانضمام لا يكون موضوعاً عند الانفراد.
ثمّ إنّ هنا قسماً آخر وهو أن لا يكون نصاباً مستقلاً، ولا مكملاً عند انضمامه إلى ما ملك سابقاً، ولكنّه عند انفراده يكون نصاباً مستقلاً، كما إذا كان له أربعون شاة في ابتداء الحول، وملك مثله في أثناء السنة، والأربعون عند انفراده نصاب، ولكن عند الانضمام إلى الأربعين السابق، ليس نصاباً ولا مكمّلاً، فقد احتمل المحقّق في «المعتبر»(1) وجوب الزكاة للملك الجديد إذا تم حوله.
واختاره الشهيد في «الدروس»(2) أخذاً بإطلاق قوله: «في أربعين شاة، شاة».
ولكن الظاهر عدم وجوب الزكاة فيها ما لم يكمل النصاب اللاحق، لقوله في صحيحة الفضلاء: «وليس فيما دون الأربعين شيء، ثمّ ليس فيها شيء حتى تبلغ عشرين ومائة».(3)
وفي صحيحة محمد بن قيس: «فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة».(4)
ومعنى ذلك، انّه لا حكم للزائد مطلقاً، ما لم يصل إلى النصاب التالي:
وربما يقال: بأنّ الأربعين نصاب كامل عند الانفراد، فيكون كذلك عند الانضمام .

1 . المعتبر: 2/509.
2 . الدروس: 1/233.
3 . الوسائل: الجزء6، الباب6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1و2.
4 . الوسائل: الجزء6، الباب6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1و2.

صفحه 265
يلاحظ عليه: بأنّه يجب فيه الزكاة إذا كان نصاباً مبتدأ، بشهادة انّه لو ملك ثمانين من أوّل الأمر لا يجب عليه إلاّ شاة واحدة، وعطف الانضمام على الانفراد قياس مع الفارق .
وأمّا القسم الثاني، أعني : ما إذا ملك نصاباً مستقلاً، فاللازم فيه مراعاة الحول لكلّ نصاب بحياله، فلو كان له خمسة من الإبل، ثمّ ملك بعد ستة أشهر خمسة أُخرى، وجب لكلّ، عند تمام حوله، شاة.
وأمّا القسم الثالث، أعني: ما إذا كان مكمّلاً لنصاب وفي الوقت نفسه لم يكن نصاباً، كما إذا ملك في أوّل محرم اثنين وعشرين إبلاً، ثمّ ملك في أوّل شهر رجب أربعة، ففيه وجوه:
1. يلاحظ الحول بالإضافة إلى النصاب الأوّل وليس على الملك الجديد في بقية الحول شيء.
2. يلاحظ الحول بالإضافة إلى النصاب الثاني ويكون مبدأ الحول، هو زمان الملك الجديد، وليس على ما تقدّمه من اجزاء الحول شيء.
3. يلاحظ كلا النصابين ويؤدّى كلتا الزكاتين، فإذا كان له أوّل محرّم اثنان وعشرون من الإبل فملك في شهر رجب أربعة أُخرى، ففي نهاية الحول الأوّل يخرج أربعة شياه، وفي نهاية حول الملك الجديد، أعني: رجب القادم، يخرج بنت مخاض، لأنّه ملك ستة وعشرين إبلاً وزكاته بنت مخاض.
والأخير منها ضعيف لاستلزامه أن يُزكّي المال الواحد (اثنان وعشرون إبلاً) مرتين مرّة بنفسه، وأُخرى في ضمن الأربعة.
4. يخرج في نهاية عام الملك القديم، أربع شياه زكاة لعشرين إبلاً والاثنان من قبيل العفو، وفي نهاية عام الملك الجديد، أعني: مستهل شهر رجب، يخرج

صفحه 266
ستة أجزاء من ستة وعشرين جزءاً من بنت مخاض، لأنّه أخرج زكاة العشرين في أوّل المحرم ـ والمال الواحد لا يزكّى ـ فيخرج زكاة الملك الجديد بالنصاب اللاحق بنسبة مالم يخرج زكاته.
وهو أيضاً ضعيف، إذ لا دليل على هذا التقسيط والتوزيع .
5.إذا تمّ حول الملك الجديد وملك ستة من الإبل (اثنان من الملك القديم) وأربعة من الجديد، لا يكون عليه إلاّ شاة واحدة.
فإذا لم تتم الوجوه الثلاثة فيدور الأمر بين الوجهين: لحاظ الحول بالإضافة إلى الملك القديم، وإلغائه بالنسبة إلى الجديد ما لم يتم الحول الأوّل، أو إلغائه بالنسبة إلى القديم ولحاظه بالنسبة إلى الجديد، والأخذ بالنصاب اللاحق (أعني: ستة وعشرين إبلاً) من رجب إلى رجب.
والأوّل هو المتعيّن، لأنّه إذا تمّ حول الملك القديم ينطبق عليه عنوان النصاب الرابع، وهو انّه ملك عشرين إبلاً وفيه أربعة شياه ولا معنى لإخراج الموضوع المتحقّق عن تحت الدليل، وبما انّ الملك الجديد ليس بنصاب، يُلغى الحول بالنسبة إليه إلى نهاية العام الأوّل، ومن مستهل العام التالي يُضم الجديد إلى القديم ويلاحظ نصاباً لاحقاً.
وهناك قسم رابع، وهو ما لو كان الملك الجديد نصاباً مستقلاً، ومكملاً للنصاب ا السابق، كما لو كان عنده من الإبل عشرون، فملك في الأثناء ستة أُخرى.
فهل يعتبر لكلّ منهما حول بانفراده ، فيلحق بالقسم الثاني، ويكون لكلّ حول مستقلّ؟ أوليس على الملك الجديد في بقيّة الحول شيء فإذا تمّ الحول، يستأنف الحول الجديد للمجموع، فيلحق بالقسم الثالث؟

صفحه 267
المسألة 14: لو أصدق زوجته نصاباً وحال عليه الحول، وجب عليها الزكاة. ولو طلّقها بعد الحول قبل الدخول رجع نصفه إلى الزوج، ووجب عليها زكاة المجموع في نصفها. ولو تلف نصفها يجب إخراج الزكاة من النصف الّذي رجع إلى الزوج، ويرجع بعد الإخراج عليها بمقدار الزكاة. هذا إن كان التلف بتفريط منها. وأمّا إن تلف عندها بلا تفريط، فيخرج نصف الزكاة من النصف الّذي عند الزوج، لعدم ضمان الزوجة حينئذ، لعدم تفريطها، نعم يرجع الزوج حينئذ أيضاً عليها بمقدار ما أخرج.*
فالأوّل هو خيرة صاحب الجواهر(1) ، والثاني خيرة المصنّف. والأقوى الأوّل أي: إلحاقه بالقسم الثاني، لأنّه إذا حال الحول على الملك الجديد، صدق انّه ملك خمساً من الإبل من رجب الأوّل إلى رجب الثاني، فتشمله الإطلاقات وفي خمس من الإبل شاة، وهذا بخلاف إلحاقه بالقسم الثالث، وهو إلغاء الحول بالنسبة إلى الملك الجديد إلاّ بعد نهاية الحول الأوّل من محرم الثاني ، فلا تجب الزكاة إلاّ عند محرم الثالث حيث إنّه يملك بين محرمين ستة وعشرين إبلاً الذي يجب فيه بنت مخاض، ولازم هذا إخراج الموضوع (ستة آبال بين رجبين) عن تحت الدليل بلا وجه.
* في المسألة فروع أربعة:
1. لو أصدق زوجتَه النصاب وحال الحول مع بقاء علقة الزوجيّة، وجبت الزكاة على الزوجة.
2. لو طلّقها بعد الحول وقبل الدخول وقبل الإخراج، رجع النصف إلى

1 . الجواهر: 15/104.

صفحه 268
الزوج، ويجب عليها إخراج زكاة المجموع في نصفها الذي عندها. وأمّا إذا كان بعد الإخراج فالباقي ملك مشاع بينهما، ويرجع الزوج إلى الزوجة في قيمة النصف التالف بإخراجه الزكاة وإن لم يذكر المصّنف إلاّ الصورة الأُولى.
3. لو تلف نصف النصاب عن تفريط عند الزوجة يرجع نصف النصاب إلى الزوج، بلا كلام، وعليها زكاة المجموع، لأنّ التلف كان عن تفريط، وإنّما الكلام فيما تخرج منه الزكاة، فهل يخرج من النصف المرجوع إلى الزوج ويرجع هو إلى الزوجة، أو تخرجه الزوجة من مال آخر ؟
4. لو تلف نصف النصاب بلا تفريط يرجع النصف إلى الزوج وتجب الزكاة في نصف النصاب، والكلام فيما تخرج عنها الزكاة ما مرّ في الفرع السابق وإليك التفصيل .
الأوّل: لو أصدق زوجته النصاب وحال عليه الحول، وجبت الزكاة عليها، لاجتماع جميع شروط الوجوب، بناء على أنّها تملك المهر بمجرّد العقد ملكية متزلزلة، فلو طلّقها قبل الدخول يرجع نصفه إلى الزوج، ويكفي في تعلّق الوجوب، مطلق الملكية، سواء أكانت لازمة أم متزلزلة، كالملكية في زمن الخيار، وليس في الأدلّة ما يشير إلى شرطية اللزوم فيها. نعم على القول بأنّها لا تملك إلاّ النصف وإنّما تملك النصف الآخر بالدخول لا تجب عليها الزكاة لعدم تملّكها النصاب كلّه.
الثاني: لو طلّقها بعد الحول وقبل الدخول، فله صورتان:
أ: طلّقها قبل الإخراج، يكون النصاب مشتركاً بين ثلاثة: الزوج يملك النصف، والفقير يملك واحدة من سهم الزوجة، والباقي للزوجة، فيرجع النصف إلى الزوج، ويخرج شاة من النصف الآخر، للفقير، والباقي لها.

صفحه 269
ب: إذا طلّقها بعد الإخراج فبما انّ الباقي (تسع وثلاثون غنماً) ملك مشاع بين الزوجين، فيقسّم بالمناصفة ثمّ يأخذ نصف قيمة الشاة المخرجة زكاة، لأنّ المفروض انّها قيمة تالفة وتُتدارك بقيمتها.
وهل يمكن أن يرجع الزوج بتمام النصف ـ أي العشرين ـ بلا رضا الزوجة؟ الظاهر لا، لما قلنا من أنّ الباقي مشاع بينهما، إشاعة في العين أو في المالية، وعلى كلا التقديرين التلف يحسب عليهما ، غاية الأمر يرجع الزوج في قيمته إلى الزوجة، نعم لو كان الزوج يملك النصف على نحو الكلّي في المعيّن كصاع من صبرة، فعليه الرجوع إلى تمام النصف مادام موجوداً، لكنّه غاية التحقيق.
الثالث: لو تلف قبل الإخراج نصف النصاب وكان التلف بتفريط منها، فلا كلام في رجوع النصف الباقي إلى الزوج، وهل تخرج الزكاة من النصف المرجوع إلى الزوج، أو تخرجه الزوجة من مال آخر؟ الثاني هو المتعيّن، بل كان لها ذلك وإن كانت العين باقية.
الرابع: تلك الصورة لكن كان التلف لا عن تفريط فلا كلام في أنّه يسقط نصف الزكاة (نصف الشاة) لأنّ المفروض انّ التالف كان لا عن تفريط، لأنّ الفقير شريك المالك إمّا في العين أو في المالية السيّالة، وعلى كلا التقديرين يسقط الزكاة من النصف التالف بلا تفريط. وقول المصنف: «لعدم ضمان الزوجة» تعليل لإخراج نصف الزكاة لا تمامه.
وأمّا حكم النصف الباقي، وما هو متعلّق الزكاة، فهو كالفرع الثالث، حيث إنّ التلف وقع تحت يدها فهي المسؤولة عنه فيحسب على الزوجة، كما حُسب على الفقير أيضاً، ويرجع النصف إلى الزوج، وأمّا نصف الزكاة فتخرجه الزوجة من مالها.
وهناك احتمال آخر قوّيناه في بحوثنا الفقهية وهو انّه إذا كان التلف سماوياً

صفحه 270
المسألة 15: إذا قال ربّ المال: «لم يحل على مالي الحول»، يسمع منه بلا بيّنة ولا يمين، وكذا لو ادّعى الإخراج، أو قال: «تلف منّي ما أوجب النقص عن النصاب».*
المسألة 16: إذا اشترى نصاباً وكان للبائع الخيار فإن فسخ قبل تمام الحول فلا شيء على المشتري، ويكون ابتداء الحول بالنسبة إلى البائع من حين الفسخ، وإن فسخ بعد تمام الحول عند المشتري وجب عليه الزكاة. وحينئذ فإن كان الفسخ بعد الإخراج من العين ضمن للبائع قيمة ما أخرج، وإن أخرجها من مال آخر أخذ البائع تمام العين. وإن كان قبل الإخراج فللمشتري أن يخرجها من العين ويغرم للبائع ما أخرج، وأن يخرجها من مال آخر، ويرجع العين بتمامها إلى البائع.* *
ولم تكن لصاحب اليد كالزوجة أي دور فيه، فلماذا يحسب التلف عليها؟ ومجرد كون العين تحت يدها لا يؤثر في الضمان إذا لم تكن غاصبة، وعلى ذلك فنصف النصاب الباقي، يقسم بينهما وإن كانت الزكاة عليها.
* مقتضى القاعدة هو عدم السماع إلاّ بالبيّنة، لكن خرجنا عنه بصحيح بريد بن معاوية قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السَّلام يقول: «بعث أميرالمؤمنين عليه السَّلام مصدقاً ـ إلى أن قال: ـ ثمّ قل لهم: يا عباد اللّه أرسلني إليكم ولي اللّه لآخذ منكم حقّ اللّه تعالى في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حق فتؤدّوه إلى وليّه، فإن قال لك قائل : لا، فلا تراجعه.(1) ونظيره خبر غياث بن إبراهيم.(2)
* في المسألة فروع:

1 . الوسائل: الجزء6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1و5.
2 . الوسائل: الجزء6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1و5.

صفحه 271
1. إذا ملك المشتري نصاباً ملكية متزلزلة، كما إذا كان للبائع خيار وفسخ قبل تمام الحول.
2. تلك الصورة، لكنّه فسخ بعد تمام الحول عند المشتري وقد أخرج المشتري الزكاة من العين قبل الفسخ.
3. تلك الصورة وقد أخرج الزكاة ـ قبل الفسخ ـ من مال آخر.
4. إذا فسخ بعد الحول وقبل الإخراج .
وإليك التفاصيل:
أ: إذا ملك المشتري النصاب ولكن البائع فسخ قبل تمام الحول، فليس على المشتري شيء، لعدم حولان الحول في ملكه، ويكون مبدأ الحول للبائع حين الفسخ، لأنّه ملكه في ذلك الزمان.
ب: إذا ملك النصاب وكان الفسخ بعد تمام الحول وبعد إخراج الزكاة من العين، يرجع البائع إلى قيمة ما أخرج، لأنّ مقتضى ردّ الثمن إلى المشتري، رجوع المبيع إلى البائع إمّا نفسه إذا أمكن وإلاّ فالأقرب إلى العين، فإذا كانت مثلية فالمثل، وإلاّ فالقيمة.
ج: أخرج المشتري الزكاة من مال آخر، ثمّ فسخه البائع، يأخذ البائع تمام العين، لما عرفت من أنّ مقتضى ردّ الثمن هو أخذ العين مع التمكّن والمفروض وجوده.
د: إذا فسخ بعد الحول ـ وقبل الإخراج ـ فللمشتري الخيار، بين الإخراج عن العين، وردّ قيمة ما أَخرج إلى البائع، أو ردّ العين إلى البائع وإخراج الزكاة عن مال آخر.

صفحه 272
أمّا الإخراج عن العين، فلتعلّق الزكاة عليها قبل الفسخ فيكون أصحابها شركاء مع البائع، سواء قلنا بأنّ التعلّق على نحو الإشاعة من العين أو في المالية أو الكلّي في المعيّن، وأمّا الإخراج عن مال آخر، لما عرفت من أنّ المالك له الخيار من أوّل الأمر في أداء الزكاة من النصاب، وخارجه فتعيين أحد الأمرين بيد المشتري.

صفحه 273
الفصل الثالث
في زكاة النقدين

صفحه 274

صفحه 275

الفصل الثالث

في زكاة النقدين

وهما: الذهب والفضّة. ويشترط في وجوب الزكاة فيهما ـ مضافاً إلى ما مرّ من الشرائط العامّةـ أُمور: *
* كلّما أطلق النقدان يراد بهما الذهب والفضة المسكوكان، والأصل في تعلّق الزكاة بهما، قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبارِ وَ اَلرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلنّاسِ بِالْباطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم).(1)
والضمير في قوله: (وَ لا يُنْفِقُونَها )وإن كان يرجع إلى خصوص الفضة، لكن المراد هو الأعم منها ومن الذهب بقرينة الصدر، وإلاّ كان ذكر الذهب فيه بلا وجه، وتقدير الآية (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ (ولا ينفقونه في سبيل اللّه) (وَ اَلْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللّهِ )فحذف المعطوف (ولا ينفقونه) الذي عطف على (يَكْنِزُونَ )لدلالة الثاني (وَ لا يُنْفِقُونَها)عليه.
ثمّ إنّ المشهور انّ الواو في قوله: (وَ اَلَّذِينَ)للاستئناف لا للعطف على الجملة المتقدمة عليه، أعني: (وَ يَصُدُّونَ )فيعمّ كلّ مكتنز كتابيا كان أو مسلما.
نعم هناك من يجعل الواو للعطف، فيختص حينئذ مفاد الآية بأهل

1 . التوبة: 34 .

صفحه 276
الكتاب، ولعلّ الغاية - من غير وعي - تبرير عمل المكتنزين من الخلفاء وغيرهم.
روى السيوطي في «الدر المنثور» انّ الخليفة عثمان - الذي اكتنز هو وبطانته أموالا طائلة - اختلف مع أبيّ بن كعب عند جمع القرآن على لهجة واحدة، وكان الخليفة يصرّ على أنّ النازل «الذين» بدون الواو، على خلاف ما كان عليه أبي بن كعب، فلمّا أحسّ الصحابي إصرار الخليفة على حذف الواو هدّده، وقال:
سمعت من النبي يقرأ الآية مع الواو، ولابدّ أن تكتب، وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي. (1)
ثمّ إنّ الظاهر انّ الكنز مطلق ما يدفن في الأرض أو في مكان مستور أدّيت زكاته أم لا، ولكن المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)انّ كلّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا، وكلّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان دفينا.
وروي عن علي (عليه السلام): انّ ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدّى زكاته أم لم يؤدّ، وما دونها نفقة. (2)
فعلى ذلك فالأقوال في الكنز، ثلاثة:
أ. مطلق الدفين تحت الأرض، قليلا كان أو كثيرا، أدّيت زكاته أو لم تؤدّ.
ب. كلّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا.
ج. التفريق بين أربعة آلاف وانقص منه، فالأوّل كنز دون الثاني.
والتفصيل موكول إلى محله في كتاب الخمس.

1 . الدر المنثور: 2 / 223 .
2 . مجمع البيان: 3 / 26.

صفحه 277
الأوّل: النصاب، ففي الذهب نصابان: الأوّل: عشرون ديناراً، وفيه نصف دينار، والدينار مثقال شرعيّ، وهو ثلاثة أرباع الصيرفيّ.
فعلى هذا النصاب الأوّل ـ بالمثقال الصيرفيّـ خمسة عشر مثقالاً، وزكاته ربع المثقال وثمنه. *
حاصل ما ذكره في المتن، أمور ثلاثة:
الأوّل: انّ النصاب الأوّل عشرون دينارا، وفيه نصف دينار.
الثاني: الدينار مثقال شرعي.
الثالث: انّ المثقال الشرعي يعادل ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي.
الرابع: النصاب الأوّل حسب المثقال الصيرفي هو خمسة عشر مثقالا.
الخامس: زكاته ربع المثقال وثمنه. وإليك التفاصيل.

النصاب الأوّل: هو عشرون دينارا

المشهور انّ النصاب الأوّل هو عشرون دينارا، قال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال، فإن نقص من العشرين ولو قيراطا لا تجب فيه الزكاة.
وما زاد عليه، ففي كلّ أربعة دنانير عشر دينار، وبه قال أبو حنيفة - إلى أن قال: - وقال الحسن البصري: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا، فإذا بلغها ففيه دينار، وذهب إليه قوم من أصحابنا.(1)

1 . الخلاف: 2 / 83، كتاب الزكاة، المسألة 99 .

صفحه 278
وقال العلاّمة في «المختلف»: المشهور بين علمائنا أجمع انّ أوّل نصاب الذهب عشرون مثقالا، وفيه نصف مثقال.
وقال الشيخ علي بن بابويه: ليس فيه شيء حتى يبلغ أربعين مثقالا وفيه مثقال واحد.
والنصاب الثاني من الذهب أربعة دنانير ذهب إليه علماؤنا أجمع، إلاّ الشيخ علي بن بابويه فانّه جعله أربعين مثقالا، فقال: وليس في النيف شيء حتى يبلغ أربعين.(1)
والمراد من النيف هو ما بعد الأربعين حتى يبلغ أربعينا ثانيا، ويحتمل أن يكون المراد هو ما قبله.
هذا ولكن الظاهر من ولد الشيخ، أعني: الصدوق، هو نسبة الأربعين إلى الرواية، حيث إنّه بعد ما ذكر النصاب المشهور، قال: وقد روي أنّه ليس في
الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا، فإذا بلغ ففيه مثقال. (2)
فظهر من ذلك انّ النصاب الأوّل المشهور بين الفريقين هو العشرون، وانّ القول بالأربعين قول شاذ.
وقد روت العامّة عن علي (عليه السلام)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب صدقة، فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال». (3)
وروى ابن عمر قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يأخذ من كلّ عشرين دينارا نصف

1 . المختلف: 3 / 183 ـ 184 .
2 . المقنع: 162 .
3 . نقل الحديث بلفظه الإمام أحمد بن يحيى في كتابه البحر الزخار: 3/148-149 عن كتاب أصول الأحكام فلاحظ .

صفحه 279
دينار، ومن كلّ أربعين دينارا دينارا. (1)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: فأوّل نصاب الذهب عشرون مثقالا. وعليه إجماع العلماء-إلاّ ما حكي عن الحسن البصري، وشيخنا علي بن بابويه، فانّهما قالا: لا شيء في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا - لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، ولا في أقلّ من مائتي درهم صدقة. (2)
وهو يدلّ بمفهومه على وجوبه في العشرين، خصوصا مع اقترانه بالمائتين وقول علي (عليه السلام): على كلّ أربعين دينارا دينار، وفي كلّ عشرين نصف دينار.(3)
ثمّ إنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف:
الطائفة الأولى: ما يؤيد موقف المشهور، وإليك قسما منها:
1. صحيحة الحسين بن بشّار، عن أبي الحسن (عليه السلام)- في حديث - قال: «في الذهب في كلّ عشرين دينارا، نصف دينار، فإن نقص فلا زكاة فيه».(4)
2. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ومن الذهب من كلّ عشرين دينارا، نصف دينار».(5)
3. موثّقة علي بن عقبة وعدة من أصحابنا، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام):
قالا: «ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شيء، فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال». (6)

1 . أخرج الحديث ابن ماجة في سننه: 1/571، حديث 1791، والدارقطني في سننه: 2/92، حديث 1، عن عائشة مثله.
2 . الأموال لأبي عبيد: 449 ونقله عنه ابن قدامة في المغني: 2 / 599 .
3 . التذكرة: 5/119-120، المسألة 63; ولاحظ المغني لابن قدامة: 2 / 599 .
4 . الوسائل: 6، الباب 1، من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3، 4، 5
5 . الوسائل: 6، الباب 1، من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3، 4، 5 .
6 . الوسائل: 6، الباب 1، من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3، 4، 5 .

صفحه 280
4. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار، وليس فيما دون العشرين شيء». (1)
5. معتبرة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال.(2)
6. موثّقة زرارة وبكير بن أعين، انّهما سمعا أبا جعفر (عليه السلام)يقول في الزكاة: «أمّا في الذهب فليس في أقلّ من عشرين دينارا شيء، فإذا بلغت عشرين دينارا، ففيه نصف دينار». (3)
7. روى علي بن جعفر، عن أخيه قال: «لا تكون زكاة في أقلّ من مائتيّ درهم، والذهب عشرون دينارا، فما سوى ذلك فليس عليه زكاة». (4)
8. صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟قال: «ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة، عشرين دينارا». (5)
إلى غير ذلك من الروايات التي يضيق بنقلها المقام، مضافا إلى الشهرة المحقّقة التي تكاد تصل إلى حدّ الإجماع.
الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّ النصاب هو الأربعون دينارا، ويدلّ عليه روايتان:
1. موثّقة الفضلاء الأربعة عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)انّهما قالا: «في

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 9، 10، 11 .
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 9، 10، 11 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 9، 10، 11 .
4 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 15 .
5 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .

صفحه 281
الذهب في كلّ أربعين مثقالا مثقال... وليس في أقلّ من أربعين مثقالا شيء». (1)
ويمكن حمل الرواية على أنّ المراد من «شيء» هو المثقال، والمعنى أو ليس في أقل، من أربعين مثقالا، مثقال، لأنّ المثقال زكاة الأربعين، وأمّا دون ذلك ففيه أقل، ففي العشرين نصف المثقال، وفي أربعة وعشرين نصف المثقال مع ربع العشر، وهكذا.
كما يحتمل الحمل على التقية لما عرفت من ذهاب الحسن البصري إليه، ولكن هذا الاحتمال ضعيف للغاية للشهرة المحقّقة بين الفريقين على أنّ النصاب الأوّل هو عشرون دينارا.
2. صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل عنده مائة درهم وتسعة وتسعون درهما وتسعة وثلاثون دينارا أيزكّيها؟فقال: «لا، ليس عليه شيء من الزكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى يتم أربعون دينارا والدراهم مائتا درهم». (2)
ولكن الظاهر تطرق التصحيف إلى نسخة الشيخ في «التهذيب» بشهادة انّ الصدوق رواها بنحو آخر، قال: عن زرارة، أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام)رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهما وتسعة عشر دينارا، أيزكّيها؟فقال: «لا، ليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى يتم». (3)
وبذلك يضعف الاعتماد على رواية الشيخ للخبر المذكور، وقد نقل المحدّث الكاشاني في كتاب «الوافي» الخبر برواية الصدوق ثمّ نبّه على رواية

1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، الحديث 13.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 14.
3 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.

صفحه 282
الشيخ، وقال: إنّ ما في الفقيه هو الصواب. (1)
فلم يبق في المقام إلاّ الفقه الرضوي، حيث جاء فيه:
وليس في ما دون عشرين دينارا زكاة حتى يبلغ عشرين دينارا ففيها نصف دينار، وكلّ مازاد بعد العشرين إلى أن يبلغ أربعة دنانير فلا زكاة فيه فإذا بلغ أربعة دنانير ففيه عشر دينار ثمّ على هذا الحساب-إلى أن قال بعد ذكر أحكام
عديدة-: وروي أنّه ليس على الذهب زكاة حتى يبلغ أربعين مثقالا فإذا بلغ أربعين مثقالا ففيه مثقال، وليس في النيف شيء حتّى يبلغ أربعين. (2)
والمتبادر من عبارته انّ المختار عنده، هو العشرون، حيث نسب الأربعين، إلى الرواية، كما عليه «المقنع» على ما عرفت، وعلى هذا فليس في الشيعة أي مخالف في النصاب الأوّل.
الطائفة الثالثة: ما يستظهر منها انّه ليس للذهب نصاب خاص وإنّما يجب فيه الزكاة إذا كان معادلا لنصاب الفضة، أعني: مائتي درهم.
صحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عن الذهب والفضّة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟قال: «مائتا درهم وعدلها من الذهب». (3)
ونحوها صحيحة محمد بن مسلم. (4)
والروايتان محمولتان على الرائج في تلك الأعصار من معادله قيمة نصاب الفضة مع نصاب الدينار.
بقيت هنا رواية وهي موثّقة إسحاق بن عمّار (5) عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال:

1 . الوافي: 10 / 69 .
2 . الفقه الرضوي: 22 .
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الذهب والفضة، الحديث 1، 2، 7.
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الذهب والفضة، الحديث 1، 2، 7.
5 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الذهب والفضة، الحديث 1، 2، 7.

صفحه 283
قلت له: تسعون ومائة درهم، وتسعة عشر دينارا، أعليها من الزكاة شيء؟فقال: «إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة، لأنّ عين المال، الدراهم، وكلّ ما خلا الدراهم من ذهب أومتاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم من الزكاة والديات».
والرواية ناظرة إلى مسألة أخرى وهي ضمّ أحدهما إلى الآخر، وسيوافيك البحث فيها. وليس بصدد عدم استقلال الذهب بالنصاب.
ثمّ إنّ الروايات كما حدّدت النصاب بعشرين دينارا كما هو الأكثر، عبرت بعشرين مثقالا أيضا، كما هو الحال من موثّقة علي بن عقبة (1)وموثّقة زرارة (2) فيعلم من ذلك، وحدتهما وزنا ومقدارا، وهذا صار سببا للانتقال إلى الأمر الثاني، أعني:

الدينار مثقال شرعي

نصّ علماء اللغة على أنّ الدينار هو المثقال.
قال ابن الأثير في مادة «ثقل»: إنّ المثقال في الأصل مقدار من الوزن، سواء أكان قليلا أم كثيرا. والناس يطلقونه في العرف على الدينار.
هذا و «المثقال» على المعنى الأوّل يرادف لفظة «سنگينى»، وعليه قوله سبحانه: (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل)(3)وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ).(4)
ولكن المقصود في المقام هو المعنى الثاني الذي هو مقدار خاص.

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5 و10.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5 و 10.
3 . لقمان: 16 .
4 . الزلزلة: 7 .

صفحه 284
وقال الطريحي في مادة «دنر»: تكرر ذكر الدينار، وهو واحد الدنانير الذي هو مثقال من الذهب.
ويشهد على ما ذكره اللغويون موثّقة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغ عشرين مثقالا، ففيه نصف مثقال، ثمّ على حساب ذلك، إذا زاد المال في كلّ أربعين دينارا، دينار».(1) ونظيره رواية علي بن عقبة. (2)
ويظهر من القاموس انّ الكلمة غير عربية، وانّ أصلها «دنّار» فبدّلت إحدى النونين ياء لئلاّ يلتبس بالمصادر مثل كذّاب.

3. كلّ مثقال شرعي يعادل ثلاثة أرباع الصيرفي

إنّ عشرين مثقالا يعاد خمسة عشر مثقالا صيرفيا، نصّ بذلك الفيض في «الوافي»، والمجلسي في رسالة الأوزان، ووالده في «روضة المتّقين» (3) والطريحي في مادة «ثقل»، وعلى ذلك فالتفاوت بينهما بالربع، وربع العشرين هو الخمس، فيكون خمسة عشر مثقالا صيرفيا مساويا لعشرين مثقالا شرعيا، ويكون النصاب الأوّل حسب المثقال الصيرفي هو الخمسة عشر مثقالا صيرفيا.

4. زكاته ربع المثقال وثمنه

أمّا كون مقدار زكاته ربع المثقال وثمنه فبيانه:
إنّ كلّ مثقال صيرفي يعادل 24 حبّة، فإذا ضرب في الخمس عشر تكون

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 10 و 5 .
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 10 و 5 .
3 . مستند الشيعة: 9 / 145 .

صفحه 285
والثاني: أربعة دنانير، وهي ثلاثة مثاقيل صيرفيّة، وفيه ربع العشر، أي من أربعين واحد، فيكون فيه قيراطان، إذ كلّ دينار عشرون قيراطاً .*
والثاني: أربعة دنانير، وهي ثلاثة مثاقيل صيرفيّة، وفيه ربع العشر، أي من أربعين واحد، فيكون فيه قيراطان، إذ كلّ دينار عشرون قيراطا.
النتيجة كالتالي:
24 × 15 360 حبّة.
وأمّا زكاته، أعني: ربع العشر (نسبة نصف الدينار إلى عشرين دينارا هو ربع العشر) فهو يساوي ربع المثقال وثمنه، وذلك لأنّ عشر (300) حبة هو (30) حبة، وعشر (60) هو (6) ، فإذا جمعناه يكون 36 جزءا.
وأمّا ربعه، أي ربع العشر فانّ ربع (32) جزءا هو ثمانية أجزاء، وربع الباقي جزء واحد، فيكون المجموع تسعة أجزاء 8+1 9.
ونسبة (9) إلى (24) هو ربع المثقال وثمنه، لأنّ ربع (24) هو (6) وثمنه (3) فيكون المجموع 6+3 9، وهو ربع المثقال وثمنه.
* هنا أمور:
أ. انّ النصاب الثاني أربعة دنانير.
ب. انّ أربعة دنانير تعادل ثلاثة مثاقيل صيرفية.
ج. الواجب فيه (أي أربعة دنانير) بعنوان الزكاة ربع العشر، وهو قيراطان.
أمّا الأمر الأوّل، أي كون النصاب أربعة دنانير، فقد اتّفق عليه الأصحاب ولم يخالف فيه أحد، وإن نسبه العلاّمة في «المختلف» الى علي بن بابويه حيث قال:
والنصاب الثاني من الذهب أربعة دنانير، ذهب إليه علماؤنا أجمع إلاّ الشيخ

صفحه 286
علي بن بابويه فانّه جعله أربعين مثقالا، فقال: وليس في النيف شيء حتى يبلغ أربعين.(1)
ونقله عنه أيضا في السرائر. (2) ومراده من النيف ما بعد النصاب الأوّل أي بعد العشرين.
وأمّا السنّة فقد وافقنا أبو حنيفة وخالفنا غيره، قال في «الخلاف»: فإن نقص من العشرين ولو قيراط لا تجب فيه الزكاة، وما زاد عليه ففي كلّ أربعة دنانير عشر دينار. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: ما زاد على العشرين فبحسابه ولو نقص شيء ولوحبة فلا زكاة.(3)
وقال الخرقي في متن المغني: «وفي زيادتها وإن قلت» والضمير في زيادتها يرجع إلى العشرين.
وقال ابن قدامة في شرحه: روي هذا عن علي وابن عمر; وبه قال: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.
وقال سعيد بن المسيب وعطاء، وطاووس، والحسن، والشعبي، ومكحول، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو حنيفة: لا شيء في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير. (4)
ويدلّ على القول المشهور صحيحة علي بن عقبة، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)قالا: «... فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال إلى أربعة

1 . المختلف: 3 / 184 .
2 . السرائر: 1 / 447 .
3 . الخلاف: 2/83، كتاب الزكاة، المسألة 99 .
4 . المغني: 3 / 7 ـ 8 .

صفحه 287
وعشرين، فإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلّما زاد أربعة». (1)
فما جاء في الرواية من كون الواجب ثلاثة أخماس الدينار فإنّما هو للمجموع، أي أربعة وعشرين دينارا، وهو يوافق لما سيوافيك في الرواية الثانية من أنّ الواجب في أربعة دنانير هو عشر دينار، وذلك لأنّ ثلاثة أخماس تشتمل على 10/6 و الأعشار الخمسة يعادل نصف دينار وهو زكاة العشرين، ويبقى العشر الواحد وهو زكاة الأربعة دنانير الباقية، وإليك الشكل الرياضي لهذه المسألة:
10/6 = 5/3             10/6 - 10/5 = 10/1
هذه العشر المتبقية هي زكاة الدنانير الأربعة.
ورواية ابن عتيبة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا جازت الزكاة العشرين دينارا، ففي كلّ أربعة دنانير، عشر دينار». (2)
وبما انّ المسألة مورد اتّفاق نقتصر على هذا المقدار.
وأمّا الأمر الثاني، أي انّ أربعة دنانير تساوي ثلاثة مثاقيل صيرفية، فوجهه واضح، لما عرفت من أنّ التفاوت بينهما بالربع، فإذا نقصت من الأربعة، ربعها تكون النتيجة ثلاثة.
1 ـ 4/3 = 4/1 ،       4/1 × 4 = 1، 4 ـ 1 = 3

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 6 .

صفحه 288
وأمّا الأمر الثالث، وهو ما أشار إليه بقوله: وفيه ربع العشر، والضمير يرجع إلى أربعة دنانير، أي في أربعة دنانير ربع العشر، وهو عبارة أخرى عمّا في الرواية من أنّ في أربعة دنانير هو عشر دينار.
فسواء قلت: في أربعة دنانير عشر دينار.
أو قلت: في أربعة دنانير ربع العشر.
فكلاهما يشيران إلى أمر واحد، وذلك:
لأنّ كلّ دينار يشتمل على 20 قيراطا، فعشره، قيراطان.
20 × 10/1 = 2
فعلى ضوء هذا أربعة دنانير تشتمل على 80 قيراطا، فعشره 8 أقراط، وربعه قيراطان.
فصارت النتيجة: انّ عشر دينار يعادل ربع العشر من أربعة دنانير.
4 ×20 = 80
80 × 10/1 = 8
8 × 4/1 = 2

صفحه 289
ثمّ إذا زاد أربعة فكذلك، وليس قبل أن يبلغ عشرين ديناراً شيء، كما أنّه ليس بعد العشرين ـ قبل أن يزيد أربعةـ شيء، وكذلك ليس بعد هذه الأربعة شيء إلاّ إذا زاد أربعة أُخرى، وهكذا.
والحاصل: أنّ في العشرين ديناراً ربع العشر، وهو نصف دينار; وكذا في الزائد إلى أن يبلغ أربعة وعشرين، وفيها ربع عشره، وهو نصف دينار وقيراطان; وكذا في الزائد إلى أن يبلغ ثمانية وعشرين. وفيها نصف دينار وأربع قيراطات، وهكذا.
وعلى هذا فإذا أخرج ـ بعد البلوغ إلى عشرين فما زادـ من كلّ أربعين واحداً فقد أدّى ما عليه، وفي بعض الأوقات زاد على ما عليه بقليل، فلا بأس باختيار هذا الوجه من جهة السهولة.*
* وحاصل كلامه أنّه إذا كان الواجب في الأربعة الأولى بعد العشرين، قيراطين، فيكون الواجب هو نفس ذلك الشيء في كلّ أربعة إلى أن يصل إلى الأربعين، فيكون الواجب فيه دينار للجميع.
مثلا إذا زاد أربعة وصار 28 دينارا، تكون فيه أربعة قيراطات (وراء نصف الدينار للعشرين) .
ثمّ إذا زاد وصار 32 قيراطا، تكون فيه ستة قيراطات; فإذا زاد وصار 36 دينارا، ففيه ثمانية قيراطات; فإذا بلغ الأربعين، ففيه عشر قيراطات الذي هو نصف الدينار.
فإذا يصحّ أن يقال انّ في كلّ أربعين دينارا، دينار واحد، نصفه للعشرين

صفحه 290
وفي الفضّة أيضاً نصابان:
الأوّل: مائتا درهم وفيها خمسة دراهم.
والثاني: أربعون درهماً، وفيها درهم. والدرهم نصف المثقال الصيرفيّ وربع عشره.
وعلى هذا فالنصاب الأوّل: مائة وخمسة مثاقيل صيرفيّة.
والثاني: أحد وعشرون مثقالاً، وليس فيما قبل النصاب الأوّل، ولا فيما بين النصابين شيء على ما مرّ. وفي الفضّة أيضاً ـ بعد بلوغ النصاب ـ إذا أخرج من كلّ أربعين واحداً فقد أدّى ما عليه، وقد يكون زاد خيراً قليلاً.*
الأوّل، والنصف الآخر للعشرين الثاني. فإذا أخرج بعد البلوغ إلى عشرين فما زاد في كلّ أربعين، واحدا، فقد أدّى ما هو الواجب، وفي بعض الأوقات زاد الواجب بقليل، أعني: ما إذا تجاوز عن النصاب ولم يصل إلى النصاب الآخر.
وفي مجمع البحرين: المثقال الشرعي على ما هو المشهور المعول عليه في الحكم، عبارة عن عشرين قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من شعير، كلّ حبة عبارة عن ثلاث حبات من الارز.(1)
* حاصل ما ذكره الأمور التالية:
الأمر الأوّل: انّ في الفضة نصابين: الأوّل: مائتا درهم، الثاني: أربعون درهما.
الأمر الثاني: انّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره.

1 . مجمع البحرين: 1/316، مادة «ثقل».

صفحه 291
الأمر الثالث: انّ النصاب الأوّل حسب المثقال الصيرفي 105 مثاقيل، وانّ النصاب الثاني: حسبها أحد وعشرون مثقالا.
الأمر الرابع: ليس فيما بين النصابين شيء.
الأمر الخامس: انّه إذا أخرج من كلّ أربعين واحدا فقد أدّى الواجب.
وإليك التفاصيل:

الأمر الأوّل: انّ في الفضة نصابين:

الأوّل: مائتا درهم.
الثاني: أربعون درهما.
وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب، قال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة فيما زاد على المائتين حتى يبلغ أربعين درهما، وعلى هذا بالغا ما بلغ، في كلّ أربعين درهما درهم، وما نقص عنه لا شيء فيه.
وقال الشافعي: فيما زاد على المائتين وعلى العشرين دينارا ربع العشر، ولو كان قيراطا بالغا ما بلغ، وبه قال ابن عمر ورووه عن علي (عليه السلام)، وقال: ابن أبي ليلى، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد، ومالك.(1)
وقال الخرقي في متن المغني: لا زكاة فيما دون المائتين، فإذا تمت ففيها ربع العشر، وفي زيادتها وإن قلّت.(2)
ويدلّ على القول المشهور من الروايات ما نقله الشيخ الحرّ العاملي في الباب الثاني من أبواب زكاة الذهب والفضة، منها:

1 . الخلاف: 2 / 81، كتاب الزكاة، المسألة 97 .
2 . المغني: 2 / 596ـ 601 .

صفحه 292
1. صحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الذهب والفضة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟ قال: «مائتا درهم وعدلها من الذهب»، قال: وسألته عن النيف الخمسة والعشرة؟ قال: «ليس عليه شيء حتى يبلغ أربعين فيعطي من كلّ أربعين درهما درهم».(1)
2. صحيحة رفاعة النخّاس قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: إنّي رجل صائغ أعمل بيدي، وانّه يجتمع عندي الخمسة والعشرة، ففيها زكاة؟ فقال: «إذا اجتمع مائتا درهم فحال عليها الحول فانّ عليها الزكاة». (2)
3. صحيحة الحسين بن بشار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) في كم وضع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الزكاة؟ فقال: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، وإن نقصت فلا زكاة فيها». (3)
4. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم من الفضة، وإن نقصت فليس عليك زكاة».(4)
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب الأوّل والثاني من أبواب زكاة الذهب والفضة، فبعضها يشير إلى النصاب الأوّل، والبعض الآخر إلى النصاب الثاني، وقسم منها يشير إلى كلا النصابين.

الأمر الثاني: انّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره

والهدف من تبديل الدرهم إلى المثقال الصيرفي هو الإشارة إلى مسألة فقهية معنونة في كتاب الزكاة، وهو انّ الميزان في تعلّق الزكاة هو الوزن لا العدد، فيجب أن يبلغ وزن مائتي درهم إلى مائة وخمسة مثاقيل صيرفية.

1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 4 .

صفحه 293
قال الشيخ في «الخلاف»: «المعتبر» في الفضة التي تجب فيها الزكاة الوزن، وهو أن يكون كلّ درهم ستة دوانيق، وكلّ عشرة سبعة مثاقيل، ولا اعتبار بالعدد. وبه قال جميع الفقهاء.(1)
وقال ابن قدامة: ويعتبر في النصاب في الحليّ الذي تجب فيه الزكاة الوزن، فلو ملك حليا قيمته مائتا درهم ووزنه دون المائتين لم يكن عليه زكاة، وإن بلغ مائتين وزنا ففيه الزكاة، وإن نقص في القيمة. (2)
وقال المحقّق في «المعتبر»: والمعتبر كون الدرهم ستة دوانيق بحيث يكون كلّ عشرة منها سبعة مثاقيل وهو الوزن المعدّل، فانّه يقال: انّ السود كانت ثمانية دوانيق والطبرية أربعة دوانيق فجمعا وجعلا درهمين، وذلك موافق لسنّة النبي.
ولا عبرة بالعدد، وقال المغربي: يعتبر العدد، لكن الإجماع على خلافه، فلا عبرة بقوله.(3)
والظاهر انّ التعديل بين الدرهمين حدث في عصر عبد الملك بن مروان.
وقال العلاّمة في «التذكرة»: «المعتبر» في نصاب الفضة الوزن، وهو أن يكون كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكلّ درهم ستة دوانيق، ولا اعتبار بالعدد، وبه قال عامة فقهاء الإسلام. (4)
فظهر ممّا ذكرنا انّ الدرهم الشرعي هو ستة دوانيق، وذلك لأنّ السود من الدراهم كانت ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة فجمعت وصارت 12 دانقا، وجعل كلّ درهم يعادل 6 دوانيق، و 12 دانق يعادل درهمين.

1 . الخلاف: 2 / 79، كتاب الزكاة، المسألة 95 .
2 . المغني: 3 / 12 ـ 13 .
3 . المعتبر: 2 / 529 .
4 . تذكرة الفقهاء: 5 / 123، المسألة 66.

صفحه 294
إذا عرفت ذلك فاعلم:
إنّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره، وذلك انّ المثقال الصيرفي يعادل واحدا وتسعين وثلاثة أسباع حبة من حبات الشعير المتوسطات، والدرهم يعادل تقريبا ستة دوانق كما عرفت، والدانق يساوي ثمانية حبات من
أوسط حبات الشعير.
فلو ضربنا 6 دوانيق × 8 حبات، تصير النتيجة 48 حبة.
ونسبة 48 إلى 7/3 91 نسبة النصف مع إضافة ربع العشر، وعلى ذلك فيصحّ قوله: إنّ نسبة الدرهم إلى المثقال الصيرفي يعادل نصف مثقال وربع العشر. (1)
الأمر الثالث: انّ النصاب الأوّل حسب المثقال الصيرفي 105 مثاقيل،

1 . والدليل على ذلك انّ المثقال الصيرفي يعادل مثقالا شرعيا وثلثه والمثقال الشرعي يعادل درهما وثلاثة أسباعه، لأنّ عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل شرعية وكلّ درهم شرعي يعادل ستة دوانق وكلّ دانقة يساوي ثمانية حبات من أوسط حبّات الشعير، فإذا ضربنا ثمانية حبات في ستة دوانق ثمّ في درهم وثلاثة أسباعه ثمّ في مثقال شرعي وثلثه، فالنتيجة هو واحد وتسعون وثلاثة أسباعه.
وإليك الصورة العملية الحسابية:
المثقال الصيرفي = 3/4 (من المثقال الشرعي) = 3/4 7/3 1 (الدرهم الشرعي) = 7/10 × 3/4 × 48 (حبّة)
فالمثقال الصيرفي = 3/4 × 7/10 × 48 = 7/640 = 7/3 91 (حبّة)
المثقال الصيرفي / الدرهم الشرعي = 3/48 = 640/48 = 640/7 × 48 = /40/21 = 40/20 + 40/1 =
7/ 91      7    2/1 + 40/1 = نصف وربع العشر

صفحه 295

الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكّة المعاملة.*

وانّ النصاب الثاني حسبها أحد وعشرون مثقالا.
وبعبارة أخرى: أنّ 200 درهم الذي هو النصاب في لسان الأدلّة يعادل 105 مثاقيل، وانّ أربعين درهما الذي هو النصاب الثاني في لسان الأدلّة يعادل 21 مثقالا.
وذلك لما عرفت من أنّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره، فيجب علينا أن نأخذ من 200 درهم، نصفها وربع عشرها، فنصف 200 درهم هو 100، وعشر المائتين هو 20 درهما، وربعه هو 5، فيكون المجموع 100 + 5 = 105.
وأمّا كون النصاب الثاني، أي أربعين درهما يساوي 21 مثقالا صيرفيا، فلأنّ نصف 40 هو 20، وعشره هو 4 وربعه 1، فيكون المجموع 21 مثقالا صيرفيا، وذلك كالشكل التالي: 20 + 1 = 21 .
* ومما انفردت به الإمامية تخصيص وجوب إخراج الزكاة عن الذهب والفضة بالمسكوكين منهما، فتخرج الحلّي والظروف والذرات المخلوطة بالتراب، وقد عدّه المرتضى في «الانتصار» ممّا انفردت به الإمامية.(1)
وقال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة في سبائك الذهب والفضة، ومتى اجتمع معه دراهم أو دنانير ومعه سبائك أو نقار، أخرج الزكاة من الدراهم والدنانير إذا بلغا النصاب، ولم يضمّ السبائك والنقار إليها: وقال جميع الفقهاء: يضم بعضها إلى بعض. (2)

1 . الانتصار: 214، المسألة 102 .
2 . الخلاف: 2/77، كتاب الزكاة، المسألة 90 .

صفحه 296
وقال الخرقي في متن المغني: وليس في حليّ المرأة زكاة إذا كان ممّا تلبسه أو تعيره والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص وفيها الزكاة.(1)وقد استثنوا خصوص الحلية.
ويدلّ على القول المشهور عندنا، صحيحة علي بن يقطين، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) في حديث قال: «وكلّ ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شيء» قال: قلت: وما الركاز؟ قال: «الصامت المنقوش، ثمّ قال: إذا أردت فاسبكه فانّه ليس في سبائك الذهب ولا نقار الفضة شيء من الزكاة».(2)
والرواية صحيحة، لا حسنة لأجل إبراهيم بن هاشم، وهو عندنا فوق الثقة.
و «الصامت» بمعنى الساكت، والصامت من المال: الذهب والفضة، في مقابل المال الناطق الذي هو الحيوان، يقال: ما له، ناطق ولا صامت، أي لا شيء له; والمراد من المنقوش: المسكوك بشهادة تفسيره في المرسلة الآتية بالدراهم والدنانير، كما سيوافيك.
2. ومرسلة جميل، عن بعض أصحابنا انّه قال: ليس في التبر، إنّما هي على الدنانير والدراهم.(3)
و «التبر»: ما كان من الذهب غير مضروب، أو غير مصوغ، أو في تراب معدنه، الواحدة «تبرة».
3. وخبر جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن (عليهما السلام) انّه قال: «ليس في التبر زكاة إنّما هي على الدنانير والدراهم». (4) وفي سند الرواية: جعفر بن محمد

1 . المغني 3/10 و 15.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2 .
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3 .
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5 .

صفحه 297
سواء كان بسكّة الإسلام أو الكفر، بكتابة أو غيرها، بقيت سكّتها أو صارا ممسوحين بالعارض. وأمّا إذا كانا ممسوحين بالأصالة فلا تجب فيهما، إلاّ إذا تعومل بهما فتجب على الأحوط كما أنّ الأحوط ذلك أيضاً إذا ضربت للمعاملة ولم يتعامل بهما، أو تعومل بهما لكنّه لم يصل رواجهما إلى حدّ يكون دراهم أو دنانير. ولو اتّخذ الدراهم أو الدينار للزينة فإن خرج عن رواج المعاملة لم تجب فيه الزكاة وإلاّ وجبت.*
بن حكيم، وهو لم يوثّق، ويحتمل اتحاده مع ما قبله بسقوط لفظة: «عن بعض أصحابنا» عن الثالث.
والروايتان دليلان على أنّ المراد من المنقوش، هو المسكوك لا مطلق النقش.
ويؤيد ذلك ما دلّ من الأخبار على نفي الزكاة عن السبائك والحليّ والنقار والتبر، كلّ ذلك يؤيد على أنّ المراد من المنقوش ليس مطلق النقش لعدم خلو الحلي والظروف عن النقش، بل المراد سكة المعاملة، ولذا فسّره في صحيح ابن يقطين بالدراهم والدنانير.
* هنا فروع خمسة:
1. لا فرق بين سكة دار الإسلام ودار الكفر.
2. إذا صارت السكة ممسوحة بالعرض.
3. السكة الممسوحة بالأصالة.
4. إذا ضرب للتعامل لكن لم يتعامل بهما، أو تعومل بهما ولكن لم يصل إلى حدّ تعدّ دراهم ودنانير.
5. إذا اتخذت الدراهم والدنانير زينة.

صفحه 298
أمّا الأوّل، فلا فرق بين السكّتين، لأنّ الموضوع هو الدرهم والدينار المطلقين، مضافا إلى تداول النقود الرومية والكسروية بين المسلمين، وأوّل من ضرب السكة في الإسلام هو عبد الملك بن مروان، وقد نقل قصته مفصلا الدميري في كتاب «حياة الحيوان»، وانّه قد قام بذلك بإشارة الإمام محمد الباقر (عليه السلام).(1)
وعلى كلّ حال، فالموضوع التعامل بهذه النقود وهو صادق على كلا القسمين.
وأمّا الثاني، أعني: إذا كانا ممسوحين بالعرض، فربما يقال بأنّ وجوب الزكاة دائر مدار صدق الدرهم والدينار عملا بالنصّ. والأولى أن يقال: انّ وجوب الزكاة رهن التعامل بهما وعدمه، ولا يبعد أن يقال: انّ الدرهم والدينار في النص منصرفان إلى صورة التعامل بهما، وذلك لما في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، قال: «لا تجب الزكاة فيما سبك فرارا به من الزكاة، ألا ترى انّ المنفعة قد ذهبت فلذلك لا تجب الزكاة». (2)
والمراد من المنفعة، كون الدرهم والدينار ثمنا رائجا يسهل بهما التعامل في عامة الأمكنة والأزمنة، وهذه مزية لهما لا توجد في مطلق الذهب والفضة.
وعلى ذلك فيكون المدار وجود المنفعة المزبورة لا صدق الدرهم والدينار وإن خلا عن تلك المنفعة بأن لا يتعامل بهما لأجل مسح نقشهما.
فإن قلت: انّ مقتضى الاستصحاب التعليقي هو وجوب الزكاة فيهما وإن لم يتعامل بهما، وذلك لأنّ الدرهم والدينار الممسوحين إذا كانا منقوشين يتعلّق بهما

1 . حياة الحيوان: 1/59 والقصة جديرة بالمطالعة حيث تكشف عن علم الإمام الواسع.
2 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3 .

صفحه 299
الزكاة بعد حولان الحول، فهكذا إذا أزيل نقشهما بكثرة الاستعمال.
قلت: الأصل محكوم بالدليل الاجتهادي الذي يفرق بين السبائك والدرهم والدينار بفقدان الأوّل المنفعة الخاصة بخلافهما، ولذلك يجب فيهما الزكاة، ومعنى ذلك عدم وجوبها إذا خليا عن تلك المنفعة، ومع هذا لا تصل النوبة إلى الاستصحاب التعليقي.
وأمّا الثالث، أعني: إذا كان ممسوحين بالأصالة، والمراد ما لم ينقش عليهما عند الضرب، فالحكم فيه مثل الحكم السابق، فلا يعبأ بإطلاق الدرهم والدينار وإن صدقا عليهما، لما عرفت من انصراف الدليل إلى التعامل بهما كما لا يعبأ بالأصل التعليقي.
وأمّا الرابع، أعني: ما ضرب ولكن لم يتعامل بهما أو تعومل بهما لكن لم يصل رواجها إلى حد تعدّ دراهم أو دنانير، أو ضرب وكان رائجا ثمّ سقطت السكة عن الاعتبار لسبب من الأسباب، فالحكم في هذه الفروع كالحكم في الصورتين السابقتين، فالمدار على الرواج وعدمه، والتعامل وعدمه، لا إطلاق الدرهم والدينار ولا الاستصحاب.
وأمّا الفرع الخامس، أعني: إذا اتّخذ الدرهم والدينار للزينة، فقد فصّل المصنّف بين رواج المعاملة وعدمه، فيجب في الأوّل دون الثاني، وليس في المسألة جذور في كتب القدماء، وقد عنونه الشهيد في «الروضة» وتبعه شارحها الاصفهاني، وللفرع صورتان:
الأولى: إذا تغيّر الدرهم والدينار باتّخاذهما حليا بثقب أو نحوه بحيث لا يتعامل بهما، وفي هذه الصورة اتجه عدم وجوب الزكاة فيهما لانتفاء المنفعة الواردة في صحيحة علي بن يقطين، إنّما الكلام فيما إذا بقيا بحالهما ولم يحدث فيهما تغير

صفحه 300
يوجب سقوطهما، فهل يجب فيهما الزكاة أو لا؟
مقتضى إطلاق أدلّة وجوب الزكاة في الدرهم والدينار هو وجوب الزكاة فيهما، كما أنّ مقتضى ما دلّ على عدم وجوب الزكاة في الحليّ عدمه، وبين الإطلاقين عموم وخصوص من وجه، فيفارق الأوّل فيما إذا لم يتخذا حليّا، كما يفارق الثاني في الحليّ بغير الدرهم والدينار ويتصادقان فيما إذا اتخذ المضروب بالسكة زينة، فما هو الدليل على ترجيح أحد الإطلاقين على الآخر؟
ثمّ إنّ صاحب الجواهر (1) ذكر لتقديم إطلاق الوجوب في الدرهم والدنانير على إطلاق عدمه في الحليّ وجهين:
1. الإطلاق مؤيّد بالاستصحاب.
2. المفهوم من نصوص الحلي ما كان معدّا لذلك أصالة بخلاف المورد.
يلاحظ على الأوّل: أنّه لا موضوع للأصل مع الدليل، وعلى الثاني بمنعه، لظهور بعض الروايات في جعلهما بأنفسهما زينة.
1. صحيحة عمر بن يزيد: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل فرّ بماله من الزكاة فاشترى به أرضا أو دارا أعليه شيء؟ فقال: «لا، ولو جعله حليّا أو نقرا فلا شيء عليه».(2) فانّ الظاهر- بشهادة استعمال الشراء في الأوّل، والجعل في الثاني- انّه جعلهما بأنفسهما زينة لا أنّه اشتراها بالمال.
2. خبر هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ أخي يوسف ولي لهؤلاء القوم، أعمالا أصاب فيها أموالا كثيرة، وإنّه جعل ذلك المال حليّا أراد به أن يفرّ من الزكاة أعليه الزكاة؟ قال: «ليس على الحلي زكاة».(3)

1 . الجواهر: 15 / 182 .
2 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة: 1 .
3 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة: 4 .

صفحه 301
كما ذكر صاحب الجواهر أيضا لتقديم إطلاق اخبار الحليّ على الآخر وجها وهو التعليل الوارد في الحليّ الظاهر باختصاص تشريع الزكاة بالمال الذي لا ينفد بإخراج الزكاة كما في النقود، حيث يقوم مقام ما أخرج، غيره بخلاف الحليّ فإذا أخرج لا يقوم مقامه شيء، ففي خبر يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحليّ أيزكّى؟ فقال: «إذا لا يبقى منه شيء». (1) ونحوه غيره. (2)
وذهب المحقّق الخوئي إلى تقديم إطلاق عدم الوجوب في الحليّ على إطلاق وجوبه في الدرهم والدنانير قائلا: إنّ النسبة بينهما وإن كانت عموما من وجه إلاّ أنّ المتعيّن ترجيح الأوّل، إذ لا محذور فيه عدا تقييد الثاني وحمله على الدرهم والدينار غير المستعملين في الحليّ، وهذا بخلاف العكس، إذ لو قدمنا الثاني وقيّدنا أدلّة الحلي بغير الدرهم والدينار لم يبق حينئذ خصوصية بعنوان الحليّ في الحكم بعدم الزكاة ضرورة انّ غير الحليّ أيضاً في غير الدرهم والدينار لا زكاة فيه، فالحلي وغير الحلي سيان في هذه الجهة - بعد فرض كون الموضوع غير الدرهم والدينار كما هو مقتضى التقييد المزبور - فيلزم إلغاء هذا العنوان مع أنّ ظاهر الدليل لزوم رعايته وانّ له دخلا في تعلّق الحكم ومعه لا مناص من ترجيح أدلّة الحلي، وتقييد أدلّة الزكاة من الدرهم والدينار بغير المتخذ للحلية. (3)
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذا وقع الحلي موضوعا للحكم في كلام الإمام من دون تقدّم السؤال بأن يقول ابتداء: «ليس في الحلي زكاة» فهو عندئذ يصلح لئن يكون مانعا عن تعلّق الزكاة إذا كان المقتضي موجودا كما في التزيّن بالدرهم والدينار.

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 9 .
3 . مستند العروة، قسم الزكاة: 1 / 280 .

صفحه 302
الثالث: مضيّ الحول بالدخول في الشهر الثاني عشر جامعاً للشرائط التي منها النصاب، فلو نقص في أثنائه عن النصاب سقط الوجوب، وكذا لو تبدّل بغيره من جنسه أو غيره، وكذا لو غيّر بالسبك سواء كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة أو لا على الأقوى، وإن كان الأحوط الإخراج على الأوّل. ولو سبك الدراهم أو الدنانير بعد حول الحول لم تسقط الزكاة، ووجب الإخراج بملاحظة الدراهم والدنانير إذا فرض نقص القيمة بالسبك.*
وأمّا إذا ورد الحلي في كلام الإمام، لأجل تقدّم السؤال عنه، كما هو الحال في عامّة الروايات(1) فمثله لا يكون شاهدا على الموضوعية، بشهادة انّه لو تقدّمه السؤال عن التبر والسبائك والظروف، لحكم عليها بمثل ما حكم على الحلي مع أنّ المفروض أنّها ليست موضوعة للحكم.
وعلى هذا فكلّ ما ورد في هذا المجال من عدم الزكاة في الحلي والتبر والسبائك وغيرها عنوان مشير إلى أنّه لا زكاة في غير الدرهم والدينار، من دون أن يكون لواحد منها مدخلية وموضوعية.
والأولى تقديم إطلاق أدلّة الدرهم والدينار لاشتراك المورد، مع غيره في المنفعة التي يدور عليها وجوبها وعدمها، إذ ليس بين ما اتّخذ زينة وما اكتنز في الصندوق أيّ فرق ويترتب عليهما، ما يترتب على غيرهما من تبادل شيوع الأجناس بهما دون غيرهما.
* في المقام فروع:

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة .

صفحه 303
1. تعلّق الوجوب مشروط بمضي الحول - الذي هو أحد عشر شهرا - على النصاب.
2. عدم طروء النقص في أثناء السنة على النصاب.
3. عدم تبديله بغيره أو سبكه.
4. حكم التبديل والسبك في أثناء الحول بقصد الفرار من الزكاة.
5. السبك والتبديل بعد الحول.
أمّا الفرع الأوّل، فقد اتّفقت عليه كلمة الفقهاء إلاّ ما نقل عن ابن عباس وابن مسعود.
قال المحقّق: وحول الحول حتّى يكون النصاب موجودا فيه أجمع. (1)
وقال العلاّمة: «والحول شرط في الأنعام الثلاث، والذهب والفضة وهو قول أهل العلم كافة إلاّ ما حكي عن ابن عباس وابن مسعود لنا من طريق الجمهور انّ النبيّ قال: «لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول». (2)
وفي الجواهر - بعد قول المحقّق -: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.(3)
وبما انّ الركاز عند أهل الحجاز هو: الكنز المدفون، وعند أهل العراق: المعدن، فلعلّ كلامه ناظر إلى الخمس فيه الذي يعتبره فقهاء السنّة زكاة.
وقد تضافرت الروايات من طرقنا على لزوم مضي الحول على النصاب، الّتي نقلها صاحب الوسائل في الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ويظهر من الجميع انّ شرط مضي الحول كان أمرا مسلما، ولذلك ركّز السؤال على جعلها

1 . الجواهر: 15 / 182 قسم المتن.
2 . المنتهى: 1 / 486 .
3 . الجواهر: 15 / 182 قسم المتن.

صفحه 304
حليا، أو سبائك وغيرهما بعد الحول.
ويدلّ على الشرط بالدلالة المطابقية روايات.
1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة». (1)
2. صحيحة أخرى له، عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول ولم يحركه». (2)
3. عن زرارة وبكير ابني أعين أنّهما سمعا أبا جعفر يقول: «إنّما الزكاة على الذهب والفضة الموضوع، إذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، وما لم يحل عليه الحول فليس فيه شيء». (3)
وأمّا كفاية مضي أحد عشر شهرا فقد مضى الكلام فيه عند البحث في زكاة الأنعام، ومرّ هناك انّ الشهر الثاني عشر، لا يحسب لا من السنة الأولى ولا من السنة الثانية.
وأمّا الفرع الثاني، أي طروء النقص فقال الشيخ: «إذا نقص من المائتي درهم حبة أو حبّتان في جميع الموازين، أو بعض الموازين، فلا زكاة فيه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: إن نقص الحبة والحبتين في جميع الموازين ففيها الزكاة. هذا هو المعروف من مذهب مالك. (4)
ولا شكّ في عدم التعلّق عند عدم مضيّ الحول على النصاب الذي حدّده الشارع بمائتي درهم، أو عشرين دينارا، فلو طرأ النقص لا تجب الزكاة كما إذا لم

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 .
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5.
4 . الخلاف: 2/75، كتاب الزكاة، المسألة 88 .

صفحه 305
المسألة 1: لا تجب الزكاة في الحليّ ولا في أواني الذهب والفضّة، وإن بلغت ما بلغت، بل عرفت سقوط الوجوب عن الدرهم والدينار إذا اتّخذا للزينة وخرجا عن رواج المعاملة بهما، نعم في جملة من الأخبار أنّ زكاتها إعارتها.*
يبلغ من أوّل الأمر إلى حدّ النصاب.
وأمّا الفرع الثالث، إذا بدّله وسبكه لغاية من الغايات دون الفرار عن الزكاة، فقد مرّ حكمه عند البحث عن زكاة الأنعام، غير انّ الشيخ قال بوجوبها إذا بدل بجنسه دون غيره زاعما انّ الزكاة تتعلّق على الكلّي من الذهب وإن تبدّلت أفراده، وقد استوفينا الكلام فيه، فراجع.
وأمّا الفرع الرابع، أعني: التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة، فقد مضى الكلام فيه عند البحث عن زكاة الأنعام.(1)
وأمّا الفرع الخامس، أعني: التبديل والسبك بعد الحول، فلا يؤثر بعد استقرار الوجوب، وقد شبّه هذا العمل في الروايات بمن أفطر، ثمّ سافر (2) ويترتب عليه أنّه لو نقصت قيمة الدرهم والدينار بالسبك ضمن قيمة النقص.
* في المسألة فروع:
1.لا زكاة في الحلي.
2.لا زكاة في الدرهم والدينار فيما إذا خرجا عن رواج المعاملة بهما.
3. زكاة الحلي إعارتها.
أمّا الأوّل: فالمسألة مورد اتّفاق بيننا سواء كان حلالا أم حراما.أمّا الحلال

1 . لاحظ المسألة التاسعة تحت الشرط الرابع، أعني: مضي الحول في زكاة الأنعام .
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2 .

صفحه 306
فواضح; وأمّا الحرام، كالسوار والخلخال للرجل، والمنطقة وحلية السيف للمرأة فقد تضافرت الأخبار عنهم (1) انّه لا زكاة في الحلي وإطلاق الروايات يشمل كلا النوعين.
وقد فصل بعض منّا والعامة بين الحلال والحرام. قال الشيخ في «الخلاف»: الحلي على ضربين: مباح، وغير مباح.
فغير المباح أن يتخذ الرجل لنفسه حليّ النساء كالسوار والخلخال، والطوق; وأن تتخذ المرأة لنفسها حليّ الرجال كالمنطقة، وحلية السيف وغيره، فهذا عندنا لا زكاة فيه.لأنّه مصاغ، لا من حيث كان حليا، وقد بينّا انّ السبائك ليس فيها زكاة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: فيه زكاة.
وأمّا المباح، فهو أن تتخذ المرأة لنفسها حليّ النساء، ويتخذ الرجل لنفسه حلي الرجال كالسكين والمنطقة، فهذا المباح عندنا لا زكاة فيه. وللشافعي فيه قولان... (2)
وقال المحقّق في «الشرائع»: لا تجب الزكاة في الحلي محلّلا كان كالسوار للمرأة وحلية السيف للرجل; أو محرما، كالخلخال للرجل والمنطقة للمرأة، وكالأواني المتّخذة من الذهب والفضة، وآلات اللهو لو عملت منهما.(3)
وقال صاحب الجواهر: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك من بيننا إذا لم يكن بقصد الفرار، بل الإجماع بقسميه.(4) وقد تضافرت الروايات في ذلك. (5)
وأمّا الفرع الثاني فقد مرّ الكلام فيه في الشرط السابق.

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة .
2 . الخلاف: 2/87، كتاب الزكاة، المسألة.
3 . الجواهر: 15/183 قسم المتن .
4 . الجواهر:15/183 قسم المتن .
5 . الوسائل: الجزء 6، الباب 9 و 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة.

صفحه 307
المسألة 2: ولا فرق في الذهب والفضّة بين الجيّد منها والرديّ، بل تجب إذا كان بعض النصاب جيّداً وبعضه رديّاً.
ويجوز الإخراج من الرديّ وإن كان تمام النصاب من الجيّد، لكنّ الأحوط خلافه، بل يخرج الجيّد من الجيّد، ويبعض بالنسبة مع التبعّض، وإن أخرج الجيّد عن الجميع فهو أحسن.
نعم لا يجوز دفع الجيّد عن الرديّ بالتقويم، بأن يدفع نصف دينار جيّد يسوي ديناراً رديّاً عن دينار، إلاّ إذا صالح الفقير بقيمة في ذمّته. ثمّ احتسب تلك القيمة عمّا عليه من الزكاة، فإنّه لا مانع منه.
كما لا مانع من دفع الدينار الرديّ عن نصف دينار جيّد إذا كان فرضه ذلك.*
كما أنّ الفرع الثالث، أعني: زكاتها إعارتها، فقد وردت في مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «زكاة الحليّ عاريته». (1)
والرواية محمولة على الاستحباب، لأنّ العارية بنفسها عقد جائز، وربما تصلح لأن تكون قرينة على الاستحباب، بشرط الاطمئنان من عدم الإفساد والكسر، كما هو المروي.(2)
* في المسألة فروع:
1. وجوب الزكاة في الجيد والرديء.

1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 10 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 10 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3 .

صفحه 308
2. إخراج الرديء إذا كان تمام النصاب جيدا.
3.إخراج الرديء إذا كان النصاب مؤلفا من الرديء والجيد.
4. دفع الجيد عن الرديء بالتقويم.
5. دفع الدينار الرديء عن النصف الجيد إذا كان الواجب النصف.
أمّا الفرع الأوّل، فلا كلام فيه، لإطلاق الأدلّة الشامل للجيد والرديء مع شيوعهما بين الناس، ثمّ إنّ رداءة الذهب أو الفضة لا تستند إلى جوهرهما، وإنّما تستند إلى قلّة الخليط وكثرته.
وبعبارة أخرى: يستند إلى اختلاف العيار، فكلّما كان الخليط من النحاس والرصاص وغيره أقل فهو جيد وأجود.
وأمّا الفرع الثاني، أي إخراج الرديء إذا كان تمام النصاب جيدا، ففي المسألة قولان:
أحدهما: التخيير وهو خيرة المصنّف، حيث قال: ويجوز الإخراج من الرديء وإن كان تمام النصاب من الجيد.
الثاني: الاقتصار على إخراج الجيد.
والأقوى هو القول الثاني إلا أن تقع المعاملة عليه مثل الجيّد، فالأقوى جواز الدفع.
أمّا على القول بالإشاعة، فالفريضة عليه جزء من أربعين جزءا من كلّ دينار، فيجب أن يكون المخرج مساويا لما يستحقه.
كما هو كذلك على القول بأنّه من قبيل الكلّي في المعيّن، فالواجب واحد من هذا النصاب الذي كلّه جيد.

صفحه 309
وأمّا على المختار من أنّ متعلّقها المالية السيّالة، فالواجب عليه، دفع كسر خاص من قيمة النصاب، ودفع الرديء لا يساوي ذلك الكسر، والتمسّك بإطلاق ما دلّ على إخراج الزكاة من خارج النصاب منصرف إلى ما إذا كان مساويا في القيمة لما يستحقه بالأصالة، كما ذكرنا مثله في باب الأنعام، إلاّ إذا كان الرديء والجيّد سواسية في وقوع المعاملة. هذا كلّه إذا كان الجميع جيدا، وأمّا إذا كان مؤلّفا من الجيد والرديء فهذا هو الفرع الثالث.
وأمّا الفرع الثالث، أي إذا كان النصاب مؤلفا من الجيد والرديء، فهل يجوز الإخراج من الرديء، أو يجب التقسيط؟قولان:
اختار الشيخ الوجه الأوّل، فقال: إذا كان معه دراهم جيدة الثمن مثل الروضيّة والراضية ودراهم دونها في القيمة ومثلها في العيار، ضم بعضها إلى بعض وأخرج منها الزكاة، والأفضل أن يخرج من كلّ جنس ما يخصه وإن اقتصر على الإخراج من جنس واحد لم يكن به بأس، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم ولم يفرق وكذلك حكم الدنانير سواء». (1)
وحاصل الدليل التمسّك بإطلاق قوله: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم»، وهو يشمل في كلّ من الجانبين «المائتين» و «خمسة دراهم» الرديء.
واختار المحقّق في «الشرائع» القول الثاني، فقال: لا اعتبار باختلاف الرغبة مع تساوي الجوهرين، بل يضم بعضها إلى بعض، وفي الإخراج إن تطوّع (المالك) بالأرغب، وإلاّ كان له الإخراج من كلّ جنس بقسطه. (2)
وعلّله في الجواهر بأنّه مقتضى قاعدة الشركة ولا يجزيه الدفع من الأردأ لما

1 . المبسوط: 1/209، فصل في زكاة الذهب والفضة .
2 . الجواهر: 15/193، قسم المتن.

صفحه 310
فاته لقاعدة الشركة.
ثمّ إنّه اختار القول الأوّل متمسّكا بإطلاق أدلّة الفرائض التي لا فرق فيها بين أفراد النصاب.
ومقتضى ما ذكرنا في الفرع السابق عدم الفرق بينه وبين الثاني، لما عرفت من حديث الشركة في المالية، وأمّا الإطلاق فمنصرف إلى ما إذا تساويا في العيار، أو اختلفا اختلافا بشيء يسير.
وأمّا الفرع الرابع، أي دفع الجيد عن الرديء بالتقويم، فلو كان عنده أربعون دينارا رديا التي فيها دينار، فهل يجوز له أن يدفع نصف دينار جيد إذا كان قيمته مساوية مع قيمة الدينار الواحد من الرديء؟
فقال المصنّف: لا يجوز دفع الجيد عن الرديء بالتقويم، إلاّ إذا صالح الفقير بقيمته في ذمته ثمّ احتسب تلك القيمة عمّا عليه من الزكاة.
ولعلّ وجه عدم الجواز منصرف الأدلّة وهو إخراج كمية معينة من النصاب ودفع نصف دينار جيد وإن كان يعادل دينارا رديا في القيمة لكنّه لا يعادله في الكمية.
وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولو نقص قدرا مثل أن يخرج عن نصف دينار ثلث دينار جيد، احتمل الإجزاء اعتبارا بالقيمة واحتمل عدمه، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نص على نصف دينار فلم يجز النقص منه. (1)
وقال في «الحدائق»: ولو أخرج من الأعلى بقدر الأدون مثل أن يخرج نصف دينار جيد عن دينار أدون، فالمشهور عدم الجواز من حيث إنّ الواجب عليه

1 . التذكرة: 2 / 228 .

صفحه 311
المسألة 3: تتعلّق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوشة إذا بلغ خالصهما النصاب، ولو شكّ في بلوغه ولا طريق للعلم بذلك ـ ولو للضرر ـ لم تجب، وفي وجوب التصفية ونحوها للاختبار إشكال، أحوطه ذلك، وإن كان عدمه لا يخلو عن قوّة.*
دينار فلا يجزي ما نقص عنه، واحتمل العلاّمة في «التذكرة» الإجزاء، وردّه جملة من أفاضل متأخّري المتأخّرين بأنّه ضعيف.(1)
والمسألة مبنية على أنّ المراد من دفع ربع العشر هو دفعه عينا وقيمة أو تكفي القيمة.
فعلى الأوّل لا يجوز بخلاف ما إذا قلنا بالثاني، ولكنّ الأقوى الجواز، لما عرفت من أنّ الشركة في المالية السيّالة فلو دفع نصف دينار جيد فقد أخرج ما هو الواجب من حيث القيمة.
والذي يؤيد ذلك انّه لو دفع نصف دينار جيد بعنوان القيمة أوّل الأمر يكفي بالاتّفاق.
وأمّا الفرع الخامس، أي دفع الدينار الرديء عن نصف دينار جيد، فجائز على جميع الأقوال، لأنّه لو كان الميزان هو الكمية فقد دفع أكثر ممّا يجب، ولو كان المقياس هو القيمة فقد أخرج القيمة، ولو كان الواجب كلاهما فقد أخرجهما.
* في المسألة فروع:
1. تعلّق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوشة.
2. لو شكّ في بلوغ المغشوش حدّ النصاب ولا طريق للعلم به.

1 . الحدائق الناضرة: 12 / 94 .

صفحه 312
وجوب التصفية للاختبار.
وإليك التفصيل:
أمّا الفرع الأوّل: فالواجب علينا تفسير الدينار والدرهم المغشوشين، فليس المراد من المغشوش، مطلق المزيج بغيره من النحاس والرصاص ونحوهما من الفلزّات، وذلك لأنّ الذهب الخالص حسب ما نقل عن أهل الخبرة، ليّن لا يقبل النقش ولا الطبع ما لم يخلط بشيء من الفلزات، والأقل اللازم في كلّ مثقال صيرفي هو حمصة ونصف من غير الذهب حتى تتماسك أجزاؤه وتقبل النقش والطبع.
وعلى ذلك فليس المراد من المغشوش اختلاط الذهب بغيره، لما عرفت من ضرورة الاختلاط، بل المراد كون الخليط أزيد ممّا هو رائج في البلد الذي ضرب وطبع فيه، مثلا: إذا كان الرائج في كلّ مثقال، خلط الذهب بحمصتين أو ثلاث حمصات من النحاس، فإذا زاد الخليط عن هذا المقدار يعدّ مغشوشا.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الشيخ ممّن ذهب إلى وجوب الزكاة في المغشوشة، وقال: إذا كان عنده دراهم محمول عليها، لا زكاة فيها حتى تبلغ ما فيها من الفضة مائتي درهم، سواء كان الغش النصف أو أقل أو أكثر. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان الغش النصف أو أكثر مثل ما قلناه، وإن كان الغش دون النصف سقط حكم الغش، وكانت كالفضة الخالصة التي لا غش فيها. فإن كان مائتي درهم فضة خالصة، فأخرج منها خمسة مغشوشة أجزأه، ولو كان عليه دين مائتا درهم فضة خالصة، فأعطى مائتين من هذه أجزأه.
وكلّ هذا لا يجوز عندنا، ولا عند الشافعي. (1)

1 . الخلاف: 2/76، كتاب الزكاة، المسألة 89 .

صفحه 313
وقال في «المبسوط»: ولا يجب فيها (المغشوشة) الزكاة حتى يبلغ ما فيها من الفضة نصابا، فإذا بلغ ذلك فلا يجوز أن يخرج دراهم مغشوشة، وكذلك إن كان عليه دين دراهم فضة لا يجوز أن يعطي مغشوشة، وإن أعطى لم تبرأ ذمّته بها وكان عليها تمامها. (1)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لا تجب الزكاة في المغشوشة حتى يبلغ الصافي نصابا، وكذا المختلط بغيره عند علمائنا، وبه قال الشافعي وأحمد. (2)
لقوله (عليه السلام): ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة.
ولأنّ المناط كونه ذهبا وفضة، والغش ليس أحدهما.
وقال أبو حنيفة: إن كان الغش النصف أو أكثر كانت كالعروض تعتبر بالقيمة، وإن كان الغش دون النصف سقط حكم الغش وكانت كالفضة الخالصة التي لا غش فيها، لأنّ الفضة لا تنطبع إلاّ بالغش وليس حجّة.(3)
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على وجوب إخراج الزكاة عن الدينار والفضة المغشوشين بوجوه ثلاثة:
الأوّل: الإجماع على وجوب الإخراج. قال صاحب الجواهر في شرح قول المحقّق: «الدراهم المغشوشة لا زكاة فيها حتى يبلغ خالصها نصابا»: بلا خلاف أجده فيما قبل الغاية ولا بعدها، بل الأوّل من الواضحات. (4)
الثاني: التمسّك بإطلاق ما دلّ على الزكاة في الدراهم، مثلا متى وقعت

1 . المبسوط: 1/209-210، كتاب الزكاة .
2 . التذكرة: 5/126، كتاب الزكاة، المسألة 69.
3 . التذكرة: 5/126، كتاب الزكاة، المسألة 69.
4 . الجواهر: 15 / 195.

صفحه 314
السكة عليها ولو في ضمن غيرها كما في المقام حيث إنّ الفضة في ضمن سائر الفلزات.
الثالث: خبر زيد الصائغ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي كنت في قرية من قرى خراسان، يقال لها: بخارى، فرأيت فيها دراهم تعمل ثلث فضة، وثلث مسا، وثلث رصاصا، وكانت تجوز عندهم وكنت أعملها وأنفقها، قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس بذلك إذا كان تجوز عندهم».
فقلت: أرأيت إن حال عليه الحول وهي عندي وفيها ما يجب عليّ فيه الزكاة، أزكّيها؟
قال: «نعم، إنّما هو مالك».
قلت: فان أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتى حال عليها الحول أزكّيها؟
قال: «إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزكّ ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة ودع ما سوى ذلك من الخبيث».
قلت: وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلاّ أنّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة؟
قال: «فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثمّ تزكّي ما خلص من الفضة لسنة واحدة». (1)
وموضع الاستدلال هو الجواب عن السؤال الثالث.

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.

صفحه 315
هذه هي أدلّة القول بوجوب إخراج الزكاة من المغشوش إذا بلغ الخالص من الذهب أو الفضة إلى حدّ النصاب.
يلاحظ عليها أوّلا: بأنّ المتبادر من قولهم: «إذا بلغ خالصهما النصاب» هو بلوغ الذهب الخالص في الدينار المغشوش إلى عشرين مثقالا شرعيا مع أنّ موضوع الزكاة في غير المغشوش كونه عشرين دينارا لا عشرين مثقالا شرعيا ذهبا خالصا، وقد علمت أنّ كلّ دينار ينقص على الأقل بحمصة ونصف من الذهب الخالص. فيكون الخليط في عشرين دينارا، دينار ونصف وأظن انّ مرادهم غير ما يعطي ظاهر عباراتهم.
وثانيا: أنّ المسألة غير معنونة في كتب القدماء التي كتبت لتنظيم الفتاوى على وفق النصوص حتى نستكشف عن وجود النص، وإنّما ذكرها الشيخ في كتابيه اللّذين ألّفا لغير تلك الغاية.
وأمّا الدليل الثاني من وجوب الزكاة في الدرهم ولو في ضمن غيره فلا بأس به لكن على التفصيل التالي: وهو انّ الدنانير والدراهم على الإطلاق على أقسام:
الأوّل: الدينار والدرهم غير المغشوشين، وإن شئت قلت: الخالصين من الغش لا الخالصين من غير جنسهما، لما عرفت من أنّ الخالص ليّن لا يقبل الطبع والنقش.
الثاني: الدينار والدرهم المغشوشان لكن يصدق عليهما العنوانان ويترتب عليهما الفائدة الخاصة بالدراهم والدنانير الواردة في رواية علي بن يقطين حيث قال فيما سبك من الدرهم والدينار: ألا ترى أنّ المنفعة قد ذهبت فلذلك
لا تجب الزكاة. (1)

1 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3 .

صفحه 316
والمفروض في المقام وجود المنفعة، لكون الغش معلوما ولكن يتسامح الناس فيه، وفي مثل ذلك يخرج زكاته مثل إخراج الزكاة عن غير المغشوش، أي في أربعين دينارا دينار واحد، وفي مائتي درهم خمسة دراهم من غير ملاحظة بلوغ خالصهما النصاب أو لا.
ولعلّ ما نقله الشيخ في «الخلاف» والعلاّمة في «التذكرة» عن أبي حنيفة من أنّه يتعامل مع المغشوش، معاملة الفضة الخالصة إذا كان الغشّ دون النصف ناظر إلى هذه الصورة.
فعلى ضوء ذلك فلو كان عنده أربعون دينارا مغشوشة فحسب يجب واحد من نفس المغشوشة، بخلاف ما إذا قلنا بالقول المعروف، أي اشتراط بلوغهما حد النصاب فلا يجب فيه الزكاة إلاّ إذا ملك أكثر من أربعين دينارا حتى يبلغ خالصها حدّ النصاب، وبذلك نفارق المشهور في هذه الصورة.
الثالث: ما إذا كان الغش واضحا كثيرا لا يطلق عليه الدرهم والدينار، ولكن مع ذلك يتعامل بهما في بيئة خاصة لغرض من الأغراض، كتدهور الوضع الاقتصادي أو غيره، وهذا هو الذي جاء في رواية زيد الصائغ، حيث نقل انّه كان في بخارى ورأى فيها دراهم ثلثها فضة وثلثاها من غير الفضة ولكن كانت جائزة.
فقد حكم الإمام في الإجابة عن السؤال الثاني بإخراج الزكاة، كإخراجه من غير المغشوش، أي من مائتي درهم، خمسة دراهم; أو من أربعين دينارا، دينار واحد; فإنّ ظاهر العبارة انّ إخراج الزكاة في هذه الصورة على غرار إخراجها في القسمين الأوّلين. والدليل على وجوب الزكاة، إطلاق الدرهم والدينار، ويصلح خبر زيد الصائغ للتأييد، لعدم كونه حجّة كما سيوافيك.
وهنا أيضا نفارق المشهور حيث قالوا باشتراط بلوغ الخالص منهما حد

صفحه 317
النصاب، بخلاف ما قلناه فالكمية «المعتبرة» في النصاب كافية لإخراج الزكاة من نفس العين بلا رعاية بلوغ خالص المغشوش حدّ النصاب.
الرابع: ما لا يطلق عليه الدرهم والدينار ولا يتعامل به بل يعد ثمنا ممنوعا في البلد، وهذا ما أشار إليه زيد الصائغ في سؤاله الثالث من قوله: «فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتى حال عليها الحول، أزكّيها؟قال: «إن كنت تعرف انّ فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة»، وهذا يطابق فتوى المشهور، غير انّ خبر زيد الصائغ ليس بحجة لورود محمد بن عبد اللّه ابن هلال في سنده، وهو لم يوثق.
وأمّا نفس زيد الصائغ فهو مجهول ليس له إلاّ هذا الخبر في الكتب الأربعة، فلا يعمل به في هذه الصورة، ومقتضى القاعدة عدم وجوب الزكاة مطلقا وإن بلغ خالصهما حدّ النصاب كما إذا ملك ستين دينارا ممّا يكون ثلثه ذهبا، لما عرفت من أنّ موضوع الوجوب هو الدرهم والدينار، لا مطلق الذهب والفضة، ولا المنقوش منهما إذا لم يحمل الفائدة المذكورة في رواية ابن يقطين كما عرفت.
فقد تلخّص ممّا ذكرنا وجوب الزكاة في الصور الثلاث الأوّل على النحو المعروف من إخراج واحد من أربعين، أو خمسة دراهم من مائتي درهم دون الصورة الرابعة. والمعتمد هو إطلاق الدليل لا خبر زيد الصائغ، نعم هو مؤيد لما قلناه في الصورة الثالثة.
وبذلك لم يبق موضوع للبحث عن الفرعين المذكورين في المتن ولكن نبحث فيهما على غرار مختار المشهور فنقول:

صفحه 318
وأمّا الفرع الثاني: لو شكّ في بلوغ المغشوش حد النصاب ولا طريق للعلم به، فهل يجب الفحص أو لا؟ ولو قلنا بالوجوب هل يجب فيما لو استلزم الضرر؟
والمسألة مبنية على المذكور في علم الأصول من وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية الوجوبية وعدمه.
وقد ذهب الشيخ وغيره إلى جريان البراءة العقلية، والشرعية.
وقد أورد عليه المحقّق البروجردي (قدس سره)في درسه: بأنّ وظيفة الشارع بيان الكبريات لا الصغريات، فالفحص عن الصغريات وظيفة المكلف ولا شأن للشارع فيها، فلا مورد لحكم العقل «قبح العقاب بلا بيان»لا قبل الفحص ولا بعد الفحص.
وقد أجاب عنه سيدنا الأستاذ (قدس سره)بأنّ موضوع حكم العقل هو قبح العقاب بلا حجة، والحجة متشكلة من كبرى وصغرى، والكبرى وإن كانت محرزة لكن الصغرى غير محرزة، فعلى ذلك فتجري البراءة بلا فحص.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع لحكم العقل وإن كان هو قبح العقاب بلا حجة، ولكن الحجّة إذا كانت في متناول الشاك بحيث لو فتش عنها في مظانّها لعثر عليها لا يصدق عليه انّه عقاب بلا حجّة، وليس المتعارف جعل الحجّة بجميع أجزائها في متناول المكلّف على نحو لو فتح عينه لرآها، بل ربما يتوقف على الفحص والتفتيش، ولذلك ذهبت الإمامية إلى لزوم سماع دعوى مدّعي النبوة، لاحتمال صدقه ولزوم النظر إلى معجزته، وما ذلك إلاّ لأنّ الاحتمال منجز قبل الفحص.
وعلى ما ذكرنا فتجري البراءة خلافا للسيد البروجردي، بعد وجوب

صفحه 319
الفحص خلافا لسيدنا الأستاذ، ولذلك جرت السيرة على الفحص عن مقدار النصاب في الزكاة ووجود الاستطاعة في الحج وعن الماء للطهارة.
نعم قام الإجماع على عدم وجوب الفحص في مورد النجاسات، لأنّ الفحص فيها ربما يوجب حرجا.
هذا كلّه حول الشق الأوّل، أي وجوب الفحص.
وأمّا الشق الثاني، أي لو افترضنا انّ الفحص يوجب الضرر، فظاهر كلام السيد عدم وجوبه لقاعدة لا ضرر.
يلاحظ عليه: أنّ قاعدة لا ضرر إنّما تجري في الأحكام النفسية لا المقدمية، فإذا كان الواقع منجزا وكانت المقدمة ضررية يجب الاحتياط أيضا.
وأمّا الفزع الثالث وهو إذا توقف الاختبار على وجوب التصفية، فقد علم حكمه ممّا ذكر حيث إنّها تجب وإن كانت ضررية لما عرفت من أنّ القاعدة لا ترفع الحكم المقدمي إذا كان الواقع منجزا، فعندئذ يجب عليه الاحتياط إمّا بالتصفية، أو بإخراج المقدار المحتمل بدونها.
ولكن الفرعين على فرض وجوب إخراج الزكاة وقد علمت عدم وجوبه في الصورة الرابعة. وأمّا الصور الثلاث الأول فيخرج منها الزكاة على غرار الصحيح.

صفحه 320
المسألة 4: إذا كان عنده نصاب من الجيّد لا يجوز أن يخرج عنه من المغشوش، إلاّ إذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص، وإن كان المغشوش بحسب القيمة يساوي ما عليه، إلاّ إذا دفعه بعنوان القيمة إذا كان للخليط قيمة.*
* قد مرّ في المسألة الثانية انّه إذا كان تمام النصاب جيدا يجوز إخراج زكاة النصاب الجيد بالرديء.
وأمّا المقام فهو يشارك تلك المسألة في أنّ النصاب كلّه جيد، غير انّ الزكاة تخرج من المغشوش دون الرديء. وبهذا تفترق المسألتان.
قال في «الجواهر»: ثمّ اعلم أنّه لا يجوز له أن يخرج المغشوشة عن الجياد بلا خلاف ولا إشكال، إلاّ إذا علم اشتمالها على ما يساوي الجياد. (1)
ثمّ إنّ المصنّف (قدس سره)ذكر هنا أمورا:
1.لا يجوز دفع المغشوش بعنوان الفريضة مطلقا سواء أكانت قيمة المغشوش مساوية مع قيمة الجيد، -إمّا لأنّ للخليط قيمة أو لكون السكة راقية عتيقة-أو لا.
2. يجوز دفعه من باب الفريضة في مورد واحد، وهو ما ذكره المصنّف بقوله: «إلاّ إذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص».
والمراد من الخالص اشتمال المغشوش من الذهب على ما يشتمل عليه الدينار الخالص كما إذا زادت المغشوشة في العدد.

1 . الجواهر: 15 / 196 .

صفحه 321
نعم، يجوز دفع المغشوش من باب القيمة إذا ساوى مع ما هو الواجب في القيمة، هذا توضيح ما في العبارة.
أقول: أمّا الأمر الأوّل فالأقوى - كما مرّ في إخراج الرديء عن الجيد - هو التفصيل بين صدق الدينار على المغشوش ووقوع المعاملة عليه، وبين ما لا يكون. فعلى الأوّل يكفي الإخراج سواء اشتمل على ما يشتمل عليه الدينار الخالص وعدمه، لعدم الفرق بين الرديء، والمغشوش بعد صدق الدرهم والدينار عليهما وترتّب المنفعة عليهما مثل غيرهما. وقد علمت أنّ الذهب على قسم واحد، وإنّما تتطرّق الرداءة عليه من خلال كثرة الخليط وقلّته.
وعلى الثاني، لا يجوز إخراجه عن الجيّد حتى وإن اشتمل على ما يشتمل عليه الدينار الخالص، لأنّ النصوص في الإخراج منصرفة إلى الدينار والدرهم الرائجين اللّذين يترتب عليهما المنفعة الخاصة الواردة في رواية علي بن يقطين، فلا
يجوز دفع المغشوش عن النصاب الرائج، وإن اشتمل على ما يشمل عليه غيره.
وأمّا الأمر الثاني، فعلى مبنى الماتن يجوز الدفع من باب الفريضة إذا اشتمل على المقدار الخالص، وأمّا على المختار فلا يجوز إلاّ إذا كان مثل غيره في وقوع المعاملة عليه.
وأمّا الأمر الثالث، أي دفعه من باب القيمة، فلا مانع منه، لأنّه يجوز إخراج الزكاة من غير جنس الفريضة.

صفحه 322
المسألة 5: وكذا إذا كان عنده نصاب من المغشوش لا يجوز أن يدفع المغشوش، إلاّ مع العلم على النحو المذكور.*
المسألة 6: لو كان عنده دراهم أو دنانير بحدّ النصاب، وشكّ في أنّه خالص أو مغشوش، فالأقوى عدم وجوب الزكاة وإن كان أحوط.**
* فرض المسألة فيما إذا ملك أربعين دينارا مغشوشة رائجة تقع عليها المعاملة، (وإلاّ فلا تتعلّق بها الزكاة حتى يخرج زكاتها من المغشوشة) ويريد أن يخرج زكاتها من خارج النصاب وهو أيضا مغشوش، ويشترط فيه ما اشترط في المسألة الرابعة من اشتمال ذلك المغشوش بما تشتمل عليه الدنانير المغشوشة من الخالص عند المصنّف، وأمّا عندنا فيكفي وقوع المعاملية عليه.
وإلى هذه المسألة أشار صاحب الجواهر بقوله: «وكذا لو أدّى المغشوشة عن المغشوشة». (1)
** قال العلاّمة في «التذكرة»: لو ملك النصاب ولم يعلم هل فيه غش أو لا؟وجبت الزكاة لأصالة الصحة والسلامة.(2)
والأقوى حسب ما ذكرنا انّه إذا صدق عليه الدرهم والدينار وترتبت عليها المنفعة المذكورة في رواية علي بن يقطين، وجبت فيها الزكاة، وإلاّ فلا.

1 . الجواهر: 15 / 196 .
2 . التذكرة: 5 / 127 .

صفحه 323
المسألة 7: لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب أو الدنانير المغشوشة بالفضّة لم يجب عليه شيء، إلاّ إذا علم ببلوغ أحدهما أو كليهما حدّ النصاب، فيجب في البالغ منهما أو فيهما، فإن علم الحال فهو، وإلاّ وجبت التصفية.*
* كان البحث في السابق في الدراهم والدنانير المغشوشة بغير الذهب والفضة من سائر الفلزات كالنحاس، والكلام في المقام خلط كلّ منهما بالآخر بأن تكون الدراهم مغشوشة بالذهب، والدنانير مغشوشة بالفضة، والمعروف بين الصاغة انّ الذهب إن كان يميل إلى الحمرة فهو مغشوش بالنحاس، وإن كان يميل إلى الصفرة فهو مغشوش بالفضة.(1)
وقال في الجواهر: لو كان الغش بأحدهما كالدراهم بالذهب أو بالعكس وبلغ كلّ من الغش والمغشوش نصابا، وجبت الزكاة فيهما أوفي البالغ، ويجب الإخراج من كلّ جنس بحسابه، فإن علمه وإلاّ توصل إليه بالسبك ونحوه.(2)
وأمّا توضيح ما في المتن فبالنحو التالي:
إنّ الدراهم المغشوشة بالذهب أو الدينار المغشوش بالفضة، لو كان الخليط قليلا مستهلكا في الآخر على نحو لا يصدق عليه انّه مغشوش إلاّ بالدقّة العقلية غير المطروحة للعرف، ففيها الزكاة كغرار الصحيح. فلو كان عشرين سكة ذهبا، ففيها نصف دينار، ولو بلغ إلى مائتين درهم، ففيها خمسة دراهم، سواء بلغ الغش أو المغشوش النصاب أم لا.

1 . مستند العروة: كتاب الزكاة: 1 / 301 .
2 . الجواهر: 15 / 196 .

صفحه 324
إنّما الكلام إذا كان الخليط كثيرا على نحو لا يصدق على السكة انّها ذهب أو فضة، فقد ذكر المصنّف له صورا ثلاثا:
الأولى: أن يبلغ إلى نصاب الذهب.
الثانية: أن يبلغ إلى نصاب الفضة.
الثالثة: أن يبلغ إلى كلا النصابين.
أمّا الأولى: كما إذا كان له أربعون سكة نصفها ذهب ونصفها فضة، فهذا يشتمل على نصاب الذهب دون الفضة، فيجب إخراج نصف دينار.
وأمّا الثانية: فكما إذا ملك 219 سكة، فالخليط من الذهب فيها بمقدار 19 سكة والباقي يبلغ حدّ نصاب الفضة، فيجب فيه خمسة دراهم.
وأمّا الثالثة: كما إذا ملك 220 سكة فالذهب فيها بمقدار عشرين والباقي فضة، فتجب عليه زكاة الدرهم والدينار كلا النصابين.
وأمّا وجوب الإخراج في هذه الصور فقد أوضحه السيد المحقّق الخوئي (قدس سره)بقوله: إنّ الأدلّة وإن لم تشمله بمدلولها اللفظي لعدم كون المورد لا من الذهب ولا من الفضة حسب الفرض ولا زكاة إلاّ فيما صدق عليه أحد العنوانين، إلاّ أنّ المستفاد منها بمعونة الفهم العرفي، شمول الحكم لذلك، فإنّهم لا يشكّون في أنّه لو تألّف مركب من عدّة أجزاء مشاركة في الحكم، فذاك الحكم يثبت للمركب أيضا وإن لم يكن في حدّ نفسه مندرجا في شيء من عناوين أجزائه.
فلو صنعنا معجونا مؤلّفا من الطحال والدم المتخلّف في الذبيحة ودم ميتة السمك وسائر ما في الذبيحة من الأجزاء الطاهرة المحرم أكلها كالقضيب والأنثيين والفرث والنخاع والمرارة ونحو ذلك، فإنّه لا يرتاب العرف في استفادة

صفحه 325
ولو علم أكثريّة أحدهما مردّداً، ولم يمكن العلم وجب إخراج الأكثر من كلّ منهما، فإذا كان عنده ألف وتردّد بين أن يكون مقدار الفضّة فيها أربعمائة والذهب ستّمائة وبين العكس أخرج عن ستّمائة ذهباً وستّمائة فضّة، ويجوز أن يدفع بعنوان القيمة ستّمائة عن الذهب، وأربعمائة عن الفضّة بقصد ما في الواقع.*
تحريم المركب من أدلّة تحريم الأجزاء وإن لم (1) يستهلك بعضها في بعض ولم يكن المركب معنوناً بشيء منها.(2)
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فانّ الحرمة في المقيس عليه لذات الأجزاء سواء صدق عليه أسماؤها، أم لا. فالقضيب والانثيين أو النخاع والمرارة بأعيانها الخارجية محرمة وإن اندكت بعضها في بعض وذهبت أسماؤها، وأمّا المقام فالحكم مترتب على عنوان الدرهم والدينار، وعلى المنفعة الموجودة فيها، والمفروض عدم صدقها وذهاب المنفعة فكيف يجب فيها الزكاة؟!
وعلى ما ذكرنا لا زكاة في الأقسام الثلاثة.
والحاصل: أنّه على مختارنا من أنّ الحكم مترتب على عنوان الدرهم والدينار تختلف أحكام أكثر هذه المسائل المعنونة في المقام.
* ثمّ إنّ المصنّف بعد ما اختار وجوب الزكاة طرح فرعاً آخر، وهو أنّه يعلم أكثرية أحد الأمرين من الذهب والفضة ولكن لا يعلم ما هو الأكثر، مثلاً: إذا كان عنده ألف سكة وتردّد بين أن يكون مقدار الفضة فيها أربعمائة والذهب

1 . كذا في المطبوع، ولعلّ الصحيح «وإن استهلك».
2 . مستند العروة: 1 / 301 ـ 303، كتاب الزكاة.

صفحه 326
ستمائة وبين العكس، فلا شكّ انّه يُخرج تارة عن أربعمائة، زكاةَ الذهب وعن أربعمائة أُخرى، زكاةَ الفضة وبذلك تكون ثمانمائة سكة مزكّاة، ولكن يبقى الكلام في مائتي سكة، فبما انّ الأكثر مردّد بين الذهب والفضة فيدور الأمر بين المتباينين، فالواجب إمّا إخراج خمسة سكك إذا كان الأكثر فيها ذهباً، أو عشرة دراهم إذا كان الأكثر فيها فضة، فيجب عليه إخراج خمسة دنانير مع عشرة دراهم، لأنّ الاشتغال اليقيني يستلزم البراءة العقلية ولا يحصل إلاّ بامتثال كلا التكليفين المحتملين.
هذا إذا حاول أن يخرج الفريضة من عين النصاب، وأمّا إذا أراد أن يخرج من النصاب لكن بعنوان القيمة فيكفي إخراج خمسة دنانير بعنوان القيمة، إذ كان الواجب هو الذهب فهو، وإن كان الواجب هو الفضة فهو يعادله أو يفوق عليها.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أفاد بأنّه يكفي قيمة الأقل أيضاً لانحلال العلم الإجمالي حينئذ، وذلك لأنّ للمالك ولاية التبديل والإخراج من غير العين بعنوان القيمة، فهو مخير بين الأمرين، أي دفع العين والقيمة، فالواجب هو الجامع بين الأمرين، وبما أنّ القيمة الّتي هي عدل الواجب التخييري مرددة بين الأقل والأكثر، فتعلّق التكليف به مشكوك من أوّل الأمر، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.(1)
هذا كلّه على القول بوجوب الزكاة في هذه الصور الثلاث، وقد عرفت أنّ المختار غيره.

1 . مستند العروة: 1 / 304 ـ 305، كتاب الزكاة.

صفحه 327
المسألة 8: لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة، وعلم أنّ الغشّ ثلثها مثلاً ـ على التساوي في أفرادهاـ يجوز له أن يخرج خمسة دراهم من الخالص، وأن يخرج سبعة ونصف من المغشوش، وأمّا إذا كان الغشّ بعد العلم بكونه ثلثاً في المجموع ـ لا على التساوي فيهاـ فلا بدّ من تحصيل العلم بالبراءة إمّا بإخراج الخالص، وإمّا بوجه آخر.*
المسألة 9: إذا ترك نفقة لأهله ممّا يتعلّق به الزكاة وغاب وبقي إلى آخر السنة بمقدار النصاب لم تجب عليه إلاّ إذا كان متمكّناً من التصرّف فيه طول الحول مع كونه غائباً.**
* أمّا الصورة الأُولى، فلأنّ الخالص فيها يبلغ مائتي درهم، فلو حاول الإخراج من خارج النصاب، فعليه أن يخرج خمسة دراهم من الخالص، لأنّ النصاب الأوّل للدرهم هو المائتان; ولو أراد الإخراج من نفس النصاب، فيجب عليه أن يخرج سبعة ونصف من المغشوش الّتي ثلثها نحاس أو رصاص.
وأمّا الصورة الثانية، فبما أنّه يعلم أنّ السكوك مغشوشة بمقدار الثلث ولكن لا يعلم نسبتها إلى كلّ واحد من الدراهم فربما تكون بعض الدراهم أكثر غشاً من الآخر، فليس له الاقتصار بسبعة ونصف من المغشوش لعدم العلم باشتماله على خمسة دراهم خالصة، فيجب عليه أحد الأمرين:
أ. إمّا الإخراج بالخالص.
ب. وإمّا الاختبار والدفع من النصاب.
** والمسألة منقولة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ولذا ذكرها الشيخ في «النهاية» وقال: وإذا خلّف الرجل دراهم أو دنانير نفقة لعياله، لسنة أو سنتين أو أكثر من

صفحه 328
ذلك، مقدارَ ماتجب فيه الزكاة، وكان الرجل غائباً (1)، لم تجب فيها الزكاة، فإن كان حاضراً وجبت عليه الزكاة.(2)
وقال المحقّق في «الشرائع»: إذا ترك نفقة لأهله فهي معرّضة للإتلاف تسقط الزكاة عنها مع غيبة المالك، وتجب لو كان حاضراً.(3)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: من ترك لأهله نفقة بلغت النصاب فصاعداً، وحال عليه الحول; فإن كان حاضراً وجبت عليه الزكاة، لأنّه مالك متمكّن لم يخرج عنه ملكه; وإن كان غائباً فلا زكاة فيه، أمّا على أهله فلعدم الملك في حقّهم، وأمّا عليه فلأنّها في معرض الإتلاف.(4)
وظاهر هذه العبارات انّ المقياس في الوجوب وعدمه كون المالك حاضراً أو غائباً، سواء أكان متمكّناً من التصرف أم لا، ويعضدها ظهور الروايات.
1. موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل خلّف عند أهله نفقة ألفين لسنتين، عليها زكاة؟ قال: «إن كان شاهداً فعليه زكاة، وإن كان غائباً فليس عليه زكاة».(5)
2. مرسلة ابن أبي عمير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل وضع لعياله ألف درهم نفقة فحال عليها الحول، قال: «إن كان مقيماً زكّاه، وإن كان غائباً لم يزكّ».(6)
3. خبر أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يُخلّف لأهله

1 . في النسخة المطبوعة: غالباً، والصحيح ما أثبتناه.
2 . النهاية: 178، باب المقادير الّتي تجب فيها الزكاة.
3 . الجواهر: 15 / 202، قسم المتن.
4 . التذكرة: 5 / 31، المسألة 19.
5 . الوسائل: 6، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.
6 . الوسائل: 6، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2.

صفحه 329
ثلاثة آلاف درهم نفقة سنتين، عليه زكاة؟ قال: «إن كان شاهداً فعليه زكاة وإن كان غائباً فليس فيها شيء».(1)
وظاهر الروايات يوافق ما نقلناه من الكلمات. غير أنّ ابن إدريس لم يعمل بالروايات لأجل انّها آحاد، وجعل المسألة من صغريات الشروط العامة لوجوب الزكاة الّتي منها تمام التمكّن من التصرف، فلا تجب في المال الّذي لا يتمكّن المالك من التصرف فيه. وعلى ذلك فلو كان متمكّناً يجب عليه الزكاة وإن كان غائباً، وإلاّ فلا يجب وإن كان شاهداً. حيث قال:
ذكر ذلك (الفرق بين الشاهد والغائب) شيخنا أبوجعفر الطوسي (رحمه الله)في نهايته، وهذا غير واضح، بل حكمه حكم المال الغائب إن قدر على أخذه متى أراده، بحيث متى رامه أخذه، فإنّه يجب عليه فيه الزكاة، سواء أكان نفقة أو مودعاً، أو كنزه في كنز، فانّه ليس بكونه نفقة، خرج من ملكه، ولا فرق بينه وبين المال الّذي له في يد وكيله، ومودعه وخزانته، وإنّما أورده في نهايته إيراداً لا اعتقاداً، فانّه خبر من أخبار الآحاد لا يلتفت إليه .(2)
والظاهر انّ الحقّ مع ابن إدريس ولكن ليست الروايات مخالفة لما اختاره، فانّ الغيبة في تلك الأزمنة غالباً كانت مساوقة لعدم التمكّن من التصرف، كما كان الحضور مساوقاً مع التمكّن منه.
وعلى ذلك فالروايات ليست مخصصة لما دلّ على اشتراط التمكّن، بل هي بصدد بيان صغرى ذلك الشرط، ولذلك نرى أنّ الماتن فصل بين التمكّن وعدمه.

1 . الوسائل: 6، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.
2 . السرائر: 1 / 447 .

صفحه 330
المسألة 10: إذا كان عنده أموال زكويّة من أجناس مختلفة، وكان كلّها أو بعضها أقلّ من النصاب فلا يجبر الناقص منها بالجنس الآخر، مثلاً: إذا كان عنده تسعة عشر ديناراً ومائة وتسعون درهماً ، لا يجبر نقص الدنانير بالدراهم ولا العكس.*
* اتّفقت الإمامية على أنّه لا تجب الزكاة حتّى يبلغ كلّ جنس نصاباً، ولو قصر كلّ جنس أو بعضها عن النصاب لم يُجبر بالجنس الآخر، ووصفه صاحب الجواهر بقوله: إجماعاً بقسميه ونصوصاً.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا كان معه ذهب وفضة، ينقص كلّ واحد منهما عن النصاب، لم يضم أحدهما إلى الآخر، مثل أن يكون معه مائة درهم وعشرة دنانير لا بالقيمة ولا بالأجزاء، وبه قال الشافعي وأكثر أهل الكوفة: ابن أبي ليلى، وشريك، والحسن بن صالح بن حي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام.
وذهبت طائفة إلى أنّهما متى قصرا عن نصاب ضممنا أحدهما إلى الآخر وأخذنا الزكاة منهما. ذهب إليه مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد.(1)
ويدلّ على مختار المشهور غير واحد من الروايات:
1. صحيحة زرارة انّه قال لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهماً وتسعة عشر ديناراً أيزكّيها؟ فقال: «لا، ليس عليه زكاة في الدراهم

1 . الخلاف: 2 / 85، كتاب الزكاة، المسألة 100.

صفحه 331
ولا في الدنانير حتّى يتم».(1)
2. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير، أعليه زكاة؟ فقال: «إن كان فرّ بها من الزكاة فعليه الزكاة».
قلت: لم يفرّ بها ورث مائة درهم وعشرة دنانير، قال: «ليس عليه زكاة»، قلت: فلا تُكسر الدراهم على الدنانير ولاالدنانير على الدراهم؟ قال: «لا».(2)
نعم لإسحاق بن عمّار رواية أُخرى تعارضها محموله على التقية متروكة.(3)

1 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .
2 . المصدر السابق: الحديث 3 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 7.

صفحه 332

صفحه 333

الفصل الرابع

في زكاة الغلات الأربع


صفحه 334

صفحه 335

الفصل الرابع

في زكاة الغلات الأربع

وهي كما عرفت: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. *
وفي إلحاق السُّلت ـ الّذي هو كالشعير في طبعه وبرودته، وكالحنطة في ملاسته وعدم القشر له ـ إشكال فلا يترك الاحتياط فيه.
كالإشكال في العَلَس ـ الّذي هو كالحنطة، بل قيل: إنّه نوع منها في كلّ قشر حبّتان، وهو طعام أهل صنعاءـ فلا يترك الاحتياط فيه أيضاً.
* الزكاة في الغلاّت والثمار واجبة بالنص والإجماع، قال تعالى: (يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ اَلأَرْضِ).(1)
والزكاة تسمّى نفقة، لقوله تعالى في كنز الذهب والفضة: (وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللّهِ )(2).
وقال تعالى: (وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ)(3) قال ابن عباس: حقّه الزكاة المفروضة. (4)
وأجمع علماء الإسلام على وجوب الصدقة في الحنطة والشعير والتمر
والزبيب.

1 . البقرة: 267 .
2 . التوبة: 34 .
3 . الأنعام: 141 .
4 . مجمع البيان: 2 / 375 .

صفحه 336
ولا تجب الزكاة في غيرها، وإن كان يُستحبّ إخراجها من كلّ ما تنبت الأرض، ممّا يكال أو يوزن من الحبوب، كالماش، والذرّة، والأُرز، والدخن، ونحوها، إلاّ الخضر والبقول.
وحكم ما يستحبّ فيه حكم ما يجب فيه في قدر النصاب، وكمّية ما يخرج منه، وغير ذلك.*
* هنا فروع:
1. حكم السّلت والعلس.
2. عدم وجوب الزكاة في غير الغلاّت الأربع، وإنّما يستحب فيها غير الخضروات والبقول.
3. حكم ما يستحبّ فيه الزكاة، حكم ما يجب فيه، في قدر النصاب، وكمية ما يخرج منه.
أمّا الأوّل: فالظاهر في غير واحد من المعاجم انّ السّلت من أصناف الشعير، والعلس من أصناف الحنطة.
قال في «الصحاح»: السّلت - بالضم - ضرب من الشعير، ليس له قشر كأنّه الحنطة.
والعلس ضرب من الحنطة يكون حبتان في قشر واحد وهو طعام أهل صنعاء.
وقال في «اللسان»: السّلت بالضم ضرب من الشعير، وقيل: هو الشعير بعينه، وقيل: هو الشعير الحامض.

صفحه 337
وقال الليث: السّلت: شعير لا قشر له أملس. والعلس: حب يؤكل، وقيل: هو ضرب من الحنطة-إلى أن قال-: هو ضرب من القمح يكون في الكمام منه حبتان يكون بناحية اليمن.
وقال في القاموس: والسلت - بالضمّ - الشعير أو ضرب منه أو الحامض منه. والعلس: القراد، وضرب من البرّ، يكون حبتان في قشر، وهو طعام صنعاء.
ولكن الظاهر من المحقّق استقلالهما حيث ذكر انّ السّلت والعلس كالذرة والارز والعدس والماش ممّا يستحب فيه الزكاة ثمّ قال: وقيل: السلت كالشعير والعلس كالحنطة في الوجوب، والأوّل أشبه.(1)
وتبعه العلاّمة في «المختلف»: حيث إنّه بعد ما حكى عن الشيخ انّ الأوّل نوع من الشعير والثاني نوع من الحنطة، قال: والأقرب انّهما مغايران للحنطة والشعير فلا زكاة فيهما. (2)
والرأي الحاسم في المقام انّه ان تبيّن بالنظر إلى لونه وطعمه وقشره دخولهما تحت أحد العنوانين، فتجب فيه الزكاة، وإلاّ فالأصل المحكم هو البراءة.
وربما يقال بأنّه وإن صدق عليه حدّ الشعير والحنطة وتبيّن انّهما من مصاديقهما، لا يجب فيه الزكاة أيضا، لانصراف النصوص في عصر الورود، إلى الصنفين الرائجين دون غيرهما.
قال في «الجواهر» - بعد ما نقل كلمات اللغويين وكلام الشيخ في «الخلاف» والعلاّمة في «القواعد»-: لا يخفى عليك انّ المدار على الاسم الذي لا

1 . الجواهر: 15/205، قسم المتن.
2 . المختلف: 3 / 187 .

صفحه 338
مدخلية له في الصورة والطبيعة، وتناوله له، على وجه الحقيقة المساوية للفرد الآخر في الفهم عند الإطلاق في زمن صدور الأخبار، محل نظر. (1)
يلاحظ عليه: بأنّه لا اعتبار بهذا النوع من الانصراف بعد تعلّق الحكم على العنوان الكلّي، الذي له أصناف، فإنّ الانصراف في المقام رهن أنس المخاطب بما حوله من الأصناف وعدم اطّلاعه على الأصناف الأخرى تعد قسما من ماهيتهما، وهذا كالدم الصناعي، فهو محكوم بحكم الدم الطبيعي مع أنّه لم يكن له أي مصداق في عصر نزول الآيات وورود الروايات.
ومنه يظهر عدم تمامية ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره)حيث إنّه بعد ما نقل من أهل اللغة انّ السلت ضرب من الشعير، وانّ العلس ضرب من الحنطة، أورد عليه بقوله: إنّ كلام أهل اللغة لا يراد منه بيان الفردية للمفهوم العرفي، بل الفردية للمفهوم الحقيقي، مثل قولنا: البخار ماء، والغبار تراب، والدخان رماد، ونحو ذلك ممّا يراد منه وحدة الحقيقة لا غير.
ولو سلّم الأوّل فهو مخالف للمفهوم منهما عرفا، كما يشير إلى ذلك مصحح محمد بن مسلم: سألته عن الحبوب، ما يزكّى منها؟قال (عليه السلام): «البرّ، والشعير، والذرة، والدخن، والارز، والسلت والعلس» (2) ونحوه غيره، والحال في العلس هو الحال في السلت. (3)
يلاحظ عليه: بالفرق بين قول اللغويين بأنّ السلت نوع من الشعير، وبين قول الآخرين: البخار ماء.

1 . جواهر الكلام: 15 / 207 .
2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4 .
3 . المستمسك: 9 / 134 .

صفحه 339
فانّ المراد من الثاني انّ الماء مبدأ البخار وأصله، وهذا بخلاف قولهم: السلت ضرب من الشعير، أي نوع منه لا انّ الشعير أصله.
وقد عرفت أنّ الحكم إذا تعلّق بعنوان له مصاديق معروفة وغير معروفة يكون الميزان صدق العنوان لا الانصراف إلى الأفراد العادية.
وأمّا الحديث فالسلت وإن ورد في مقابل الشعير، لكن يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاص بعد العام.
وأمّا الفرع الثاني، أعني: وجوب الزكاة في الغلاّت الأربع دون غيرها من سائر الغلاّت، فقد أسلفنا الكلام فيه في صدر الكتاب وقلنا باستحبابها في غيرها غير البقول والخضروات ممّا يكال أو يوزن.
وأمّا الفرع الثالث، أي يشترط فيما يستحبّ فيه إخراج الزكاة، بلوغ النصاب وسائر الشروط العامة، فلما ذكروه من أنّه مقتضى الإطلاق المقامي في هذه الموارد مثلا الفريضة والنافلة تشاركان في عامة الأجزاء والشروط حسب الفهم العرفي إلاّ ما دلّ الدليل على عدم المشاركة، ولو كان الواقع غير ذلك كان على الشارع البيان. هذا من غير فرق بين باب الصلاة والزكاة والحجّ وغيرها من العبادات، والمراد من الإطلاق المقامي هنا هو سكوته عن تبيين الفرق بين الصنفين على نحو لولا البيان، لعطف العرف أحدهما على الآخر بلا تردّد، مضافا إلى ورود الروايات في ذلك الصدد.(1)

1 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 و 7.

صفحه 340
ويعتبر في وجوب الزكاة في الغلاّت أمران: الأوّل: بلوغ النصاب، وهو بالمنّ الشاهي ـ وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالاً صيرفيّاًـ مائة وأربعة وأربعون منّاً، إلاّ خمسة وأربعين مثقالاً، وبالمنّ التبريزيّ ـ الّذي هو ألف مثقال ـ مائة وأربعة وثمانون منّاً وربع منّ وخمسة وعشرون مثقالاً، وبحقّة النجف في زماننا سنة 1326 ـ وهي تسعمائة وثلاثة وثلاثون مثقالاً صيرفيّاً وثلث مثقال ـ ثمان وزنات وخمس حقق ونصف إلاّ ثمانية وخمسين مثقالاً وثلث مثقال. وبعيار الاسلامبول ـ وهو مائتان وثمانون مثقالاًـ سبع وعشرون وزنة وعشر حقق وخمسة وثلاثون مثقالاً. ولا تجب في الناقص عن النصاب ولو يسيراً كما أنّها تجب في الزائد عليه يسيراً كان أو كثيراً.*
* أمّا اشتراط النصاب، فهو ممّا لا إشكال ولا خلاف فيه، والنصوص متواترة على ذلك بل هو ضروري.
قال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة في شيء من الغلاّت حتى تبلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، يكون ثلاثمائة صاع (نتيجة ضرب خمسة في ستين) ، وكلّ صاع أربعة أمداد، يكون ألفا ومائتي مد (نتيجة ضرب أربعة في ثلاثمائة) والمدّ رطلان وربع بالعراقي يكون ألفين وسبعمائة رطل (نتيجة ضرب اثنان ونصف في ألف ومائتي مدّ) .
فإن نقص عن ذلك فلا زكاة فيه، وبه قال الشافعي، إلاّ أنّه خالف في وزن المد والصاع فجعل وزن كلّ مدّ رطلا وثلثا، يكون على مذهبه ألفا وستمائة رطل بالبغدادي (نتيجة ضرب 1200 في 3/1 1) (1).

1 . توضيحه: انّ ثلث 1200 يكون أربعمائة، وهو بضميمة 1200 يكون 1600 .

صفحه 341
وقال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه النصاب بل يجب في قليله وكثيره حتى ولو حملت النخلة رطبة واحدة كان فيها عشرها. (1)
وقال العلاّمة: والنصاب في الأربعة واحد وهو خمسة أوسق، فلا يجب فيما دونها شيء بإجماع علمائنا. وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن عمير، وجابر، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وعطاء، ومكحول، والنخعي، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، لقوله (عليه السلام): «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».(2)
إلى أن قال: وقال أبو حنيفة ومجاهد: تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره، لعموم قوله (عليه السلام)«فيما سقت السماء العشر». (3)
وبما انّ أكثر الأحاديث لم تكن ثابتة عند أبي حنيفة، فقد أخذ في المقام بإطلاق قوله: «فيما سقت السماء العشر» ولم يعمل بالمخصص.
وأمّا ما ورد من طرقنا في حدّ النصاب، فالمعروف هو خمسة أوسق ووصفها غير واحد بالتواتر.
1. ففي صحيحة سعد بن سعد الأشعري، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن أقلّ ما تجب فيه الزكاة من البرّ والشعير والتمر والزبيب؟فقال: «خمسة أوساق بوسق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» فقلت: كم الوسق؟قال: «ستون صاعا». (4)
2. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ليس فيما دون خمسة

1 . الخلاف: 2/58، المسألة 69 .
2 . أخرجه البخاري في صحيحه: 2/156، ومسلم في صحيحه: 2 / 673 .
3 . التذكرة: 5/142، مسألة 78 .
4 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 1 .

صفحه 342
أوساق شيء، والوسق ستون صاعا».(1)
3. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «ما أنبتت الأرض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ما بلغ خمسة أوساق، والوسق ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع ففيه العشر».(2)
4. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن التمر والزبيب، ما أقلّ ما تجب فيه الزكاة؟فقال: «خمسة أوسق».(3)
إلى غير ذلك من الروايات.
نعم هناك روايات شاذة. ورد فيها أنّ الزكاة تجب في وسق.
1. مرسلة ابن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الزكاة في كم تجب في الحنطة والشعير؟فقال: «في وسق».(4)
2. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته في كم تجب الزكاة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر؟قال: «في ستين صاعا». (5)
وفي بعض: «وسقين».
كخبر أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا تجب الصدقة إلاّ في وسقين، والوسق ستون صاعا».(6) وقريب منه روايته الثانية. (7)

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 3.
4 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 4.
5 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 10 .
6 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 1 .
7 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 3 .

صفحه 343
وفي بعض منها لم يعتبر نصاب، كموثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم (عليه السلام).(1)
والروايات شاذة غير مشهورة، فتحمل على الاستحباب، أو على التقية، وقد عرفت فتوى أبي حنيفة على عدم اعتبار النصاب.
فقد علم ممّا ذكرنا انّ النصاب الواجب في الزكاة: خمسة أوساق، فلتبديل هذا الوزن غير المعروف عندنا إلى الوزن الرائج، أعني: الكيلو غرام، نتقدّم بالخطوات التالية:
أ.أن يحدد النصاب الذي يعادل 5 أوساق حسب الصاع.
ب.أن يحدّد الصاع حسب الوزن.
ج.أن يحدد 5 أوساق (النصاب) حسب الوزن.
د. ثمّ يحدّد النصاب وفق المثقال الشرعي.
ه. ثمّ يحدّد النصاب حسب المثقال الشرعي بالمثقال الصيرفي.
و. ثمّ يحدّد النصاب حسب المثقال الصيرفي بالكيلو غرامات، وإليك بيانها:
أمّا الأوّل: فقد دلّت الروايات السابقة انّ كلّ وسق يعادل 60 صاعا، وعليه يكون مجموع 5 أوساق (النصاب) 300 صاع.
60 × 5 = 300
وأمّا الثاني: أي تحديد الصاع حسب الوزن، ففي خبر جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن على يدي أبي: جعلت فداك انّ أصحابنا

1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 2.

صفحه 344
اختلفوا في الصاع، بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدني، وبعضهم يقول بصاع العراقي؟قال: فكتب إليّ: «الصاع بستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي»، قال: وأخبرني انّه يكون بالوزن 1170 وزنة، أي درهما. (1)
فحاصل الحديث: أنّ المهم هو معرفة وزن الصاع من دون فرق بين أن يحاسب بالرطل المدني أو بالرطل العراقي. فانّ الجميع ينتهي إلى وزن واحد وإن اختلفت الأرطال.
إلى هنا تبيّن انّ وزن كلّ صاع يعادل 1170 درهما.
وأمّا الثالث: فنقول إذا كان وزن كلّ صاع يعادل 1170 درهما، فلمعرفة وزن النصاب، أعني: 300 صاع، نضرب عدد الأصوعة في وزن صاع واحد، فتكون النتيجة كالتالي:
1170 × 300 = 351000 درهم
وأمّا الرابع: أي تبديل وزن هذه الدراهم إلى المثقال الشرعي، فبما انّ عشرة دراهم يساوي سبعة مثاقيل شرعية، فيقسم العدد المذكور على عشرة دراهم ليعلم ما فيها من العشرات، فتكون النتيجة:
351000/10= 35100
وحيث إنّ عشرة مثاقيل تعادل سبعة مثاقيل شرعية، فيضرب 35100 في سبعة مثاقيل، وتكون النتيجة كالتالي:
35100×7 = 245700
فالنصاب المذكور عبارة عن 245700 مثقال شرعي.

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1.

صفحه 345
وأمّا الخامس: أي تبديل وزن النصاب حسب المثقال الشرعي إلى المثقال الصيرفي، فبما انّ كلّ مثقال شرعي يعادل 4/3 المثقال الصيرفي، فيضرب 245700 في ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي وتكون النتيجة كالتالي:
245700 × 4/3 = 184275 مثقالا صيرفيا
فصحّ ما يقوله المصنّف إنّه بالمن التبريزي - الذي هو ألف مثقال-184 منّ وربع المن وخمسة وعشرين مثقالا.
وليعلم أنّ هذا المن المعروف بالمنّ التبريزي معمول في نفس البلدة، ولكن المن التبريزي المعروف في غير هذه البلدة أقل من هذا المقدار بكثير وهو يساوي 3 كيلو غرامات تقريبا.
إلى هنا تبيّن مقدار النصاب حسب المن التبريزي، وإذا أردنا أن نحوله إلى كيلو غرام، فبما انّ المثقال الصيرفي يساوي أربعة غرامات وستة أعشار الغرام أي ما يعادل 6 و 4 غرام، فنضرب 184275 × 6 و 4 ليعلم انّ هذا العدد الكبير كم يحتوي على أربعة غرامات وستة أعشار الغرام فتكون النتيجة بالشكل التالي:
184275×6 و 4 847665 غراما
وحيث إنّ الكيلو غرام يعادل 1000 غرام، فنقسم العدد 847665 على 1000 وتكون النتيجة كالتالي:
847665 / 1000= 665، 847 كيلو غراما
***
ثمّ إنّ المصنّف أشار إلى فرع آخر وهو انّ مقتضى النصاب عدم وجوب الزكاة في الناقص ولو يسيرا.

صفحه 346
وفي كلامه هذا إشارة إلى مخالفة أهل السنّة. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا نقص عن النصاب شيء، قلّ ذلك أو كثر، لم تجب فيه الزكاة، وهو المختار لأصحاب الشافعي وقالوا: لو نقص أوقية لم تجب فيه الزكاة.
وفيه قول آخر وهو انّ ذلك على التقريب، فإن نقص رطل أو رطلان وجب فيه الزكاة.(1)
قال العلاّمة في «التذكرة»: هذا التحديد تحقيق لا تقريب، وهو أحد قولي الشافعية، لقوله (عليه السلام): «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة».
ولأنّه نصاب يتعلّق به وجوب الفرض، فكان محدّدا كسائر الأوقاص، ولأنّ نقصان القليل مجهول لا يمكن تعليق الحكم به، فلم يكن بدّ من حد فاصل.
وقال بعضهم: إنّه تقريب، فإن نقص قليلا وجبت الزكاة، لأنّ الوسق في اللغة: الحمل وهو يزيد وينقص، ونحن إنّما اعتبرنا التقدير الشرعي لا اللغوي. (2)
ويدلّ على ما ذكرنا: صحيحة زرارة عنه: «وليس فيما دون الثلاثمائة صاع شيء». (3)
وفي موثّقة زرارة وبكير: «وإن نقص البر والشعير والتمر والزبيب أو
نقص من خمسة أوساق صاع أو بعض صاع فليس فيه شيء». (4)

1 . الخلاف: 2/59، كتاب الزكاة، المسألة 71 .
2 . التذكرة: 5/145، المسألة 80 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 5 .
4 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 8 .

صفحه 347
الثاني: التملّك بالزراعة فيما يزرع، أو انتقال الزرع إلى ملكه قبل وقت تعلّق الزكاة، وكذا في الثمرة كون الشجر ملكاً له إلى وقت التعلّق، أو انتقالها إلى ملكه ـ منفردة أو مع الشجرـ قبل وقته.*
* قد عبر المحقّق عن هذا الشرط بقوله: «ولا تجب الزكاة إلاّ إذا ملكت بالزراعة» ومن المعلوم أنّ الموضوع أعمّ من أن يملك الرجل الغلاّت بالزراعة أو بسبب آخر، كما إذا كان الزارع غيره ولكن انتقل الزرع إلى ملكه قبل وقت تعلّق الزكاة، ومثله الثمرة فربما يكون مالكا للشجرة فيملك الثمرة تبعا، وربما تكون الشجرة لغيره ولكن يملك الثمرة على الشجرة قبل وقته.
فلأجل هذا القصور في عبارة المحقّق عدل المصنّف إلى ما في المتن ليعمّ كلا القسمين، أي سواء أكان زارعا أم مالكا للزرع بالانتقال وهكذا الثمرة، سواء أكان مالكا للشجرة أم انتقلت الثمرة إليه قبل تعلّق الوجوب، سواء انتقلت مع أصلها أم لا.
ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدس سره)ذهب إلى إلغاء هذا الشرط بالمرة وقال: لأنّه إن أريد اشتراطه في أصل التعلّق يغني عنه ما تقدّم من اعتبار الملك. وإن أريد بيان اعتبار كون الملك حال التعلّق، فلا خصوصية للملك من بين الشرائط العامة، إذ يعتبر في جميعها أن تكون حال التعلّق، كما لا يخفى. (1)
ويمكن أن يقال انّ الداعي لذكر هذا الشرط وراء اعتبار الملك هو انّ المالكية حين التعلّق لا تكفي في الأنعام ولا في النقدين، بل يعتبر المالكية طول الحول إلى وقت نقلها، بخلاف المقام فتكفي المالكية المؤقتة المحدودة بوقت

1 . مستمسك العروة: 9 / 138 .

صفحه 348
التعلّق وإن لم يكن مالكا قبله.
وربما يحتمل انحصار وجوب الزكاة بمن ملك بالزراعة، وأمّا من انتقل إليه حين التعلّق فلا يجب من غير فرق بين الحبوب والثمار. ووجه ذلك هو وجود التفصيل بين السقي سيحا فيجب العشر، والسقي بالدلاء فيجب نصفه، والمخاطب بهذه الأحكام الزارع ومالك الأشجار، فانّ المشتري للغلّة أو الثمرة قبل وقت التعلّق لا يتفاوت بحاله كيفية سقيها بل لعلها لا تحتاج إلى السقي أصلا.
يلاحظ عليه - مضافا إلى أنّه محمول على الغالب من بقاء الزرع على ملك الزارع والثمرة على ملك مالك الشجر-: انّ ما ذكره يتمّ إذا كان وقت التعلّق تسميته حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا كما عليه المحقّق، فربما لا يحتاج إلى السقي، وأمّا إذا كان وقت التعلّق هو اشتداد الحب في الحنطة والشعير واحمراره أو اصفراره
في التمر وعقد الحصرم، فهو رهن السقي بالماء، فيتفاوت مقدار الزكاة حسب زيادة المؤنة وعدمها إذا كانت مؤونة السقي على المشتري قبل التعلّق.

صفحه 349
المسألة 1: في وقت تعلّق الزكاة بالغلات خلاف، فالمشهور على أنّه في الحنطة والشعير عند انعقاد حبّهما وفي ثمر النخل حين اصفراره أو احمراره، وفي ثمرة الكرم عند انعقادها حصرماً.
وذهب جماعة إلى أنّ المدار صدق أسماء المذكورات من الحنطة والشعير والتمر، وصدق اسم العنب في الزبيب، وهذا القول لا يخلو عن قوّة وإن كان القول الأوّل أحوط، بل الأحوط مراعاة الاحتياط مطلقاً إذ قد يكون القول الثاني أوفق بالاحتياط.*
* اختلفت كلمة فقهائنا في وقت تعلّق الزكاة على قولين، ذكرهما العلاّمة في «المختلف»، وقال:
المشهور انّ الزكاة تجب في الغلاّت إذا كانت ثمرة عند اصفرارها واحمرارها، وإن كانت غلّة عند اشتداد حبّها، ولا يجب الإخراج إلاّ عند الحصاد والجذاذ إجماعا، وقال بعض علمائنا: إنّما تجب الزكاة عند ما يسمى تمرا وزبيبا وحنطة وشعيرا، وهو بلوغها حدّ اليبس، واختاره ابن الجنيد. (1)
وقد نسب العلاّمة القول الثاني إلى بعض العلماء منهم المحقّق في «الشرائع»، قال: والحدّ الذي تتعلّق به الزكاة من الأجناس أن يسمّى حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا.
وقيل: إذا احمر ثمر النخل أو اصفر أو انعقد الحصرم، والأشبه هو الأوّل، وقد نقله العلاّمة في المنتهى عن والده.(2)
وقال السيد العاملي في «مفتاح الكرامة»: وقد يفوح ذلك، أعني: مذهب

1 . مختلف الشيعة: 3 / 186 .
2 . منتهى المطلب: 1 / 499 .

صفحه 350
المحقّق من المقنع والهداية وكتاب الاشراف والمقنعة والغنية والإشارة وغيرها، لمكان حصرهم الزكاة في التسعة التي منها: التمر والزبيب والحنطة والشعير، فيكون «المعتبر» عندهم صدق تلك الأسامي، ولا تصدق حقيقة إلاّ عند الجفاف. (1)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: وقت وجوب الزكاة في الحبّ إذا اشتدّ، وفي الثمرة إذا بدا صلاحها على الأقوى، لعموم قوله (عليه السلام): فيما سقت السماء العشر.
ولأنّ أهل اللغة نصّوا على أنّ البسر (نوع) من التمر، ومن أوجب في الثمرة أوجبها في الحب.
وقال بعض علمائنا: إنّما تتعلّق الزكاة به إذا صار تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا لتعلّق الحكم على الاسم.
وقد بيّنا انّ الاسم يتعلّق بما قلناه.
وعلى كلا القولين، إنّما يجب الإخراج ويستقر الوجوب حين يصير التمر في الجرين (2) والزرع في البيدر بعد التصفية من التبن والقشر، فلو تلف قبل ذلك بغير تفريط فلا زكاة عليه.
وفائدة «الخلاف» فيما لو تصرف في الثمرة بعد بدو الصلاح إمّا بأكل أو بيع، فعلى القول المشهور لم تسقط عنه الزكاة، لأنّه تصرّف بعد تعلّق الوجوب فلا تسقط.
وعلى القول الآخر لا شيء عليه، لأنّه تصرّف فيما قبل الوجوب فأشبه بما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول.(3)

1 . مفتاح الكرامة: 3/44، كتاب الزكاة.
2 . الجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه.
3 . تذكرة الفقهاء:5/147،المسألة 82 .

صفحه 351
فقد ظهر ممّا ذكرنا انّ المشهور انّ وقت التعلّق حين انعقاد الحبة في الحنطة والشعير أو بدو الصلاح وانعقاد الحصرم في غيرهما.
وأمّا القول الآخر فهو أشبه بغير المشهور وإن لم يكن شاذّا، وعلى كلّ تقدير ففي المسألة قولان:
1. قول المحقّق في كتبه الثلاثة: «المعتبر» و «الشرائع» و «النافع»، وحكاه العلاّمة عن ابن الجنيد في «المختلف»(1) وعن والده في «المنتهى»(2) والدليل الوحيد لهذا القول انّ الأحكام تدور مدار عناوين موضوعاتها، وقد تعلّق الوجوب بها حيث تضافرت الروايات على انحصار الزكاة ممّا انبتته الأرض في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ففي حديث الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)، قال: «والزكاة على تسعة أشياء: على الحنطة والشعير والتمر والزبيب». (3)
يلاحظ عليه: بأنّ مصب هذه الروايات هو بيان تعلّق وجوب الزكاة بهذه الأجناس دون غيرها، وقد ورد في بعض الروايات انّ السائل قال - بعد التسعة- والذرة، فغضب (عليه السلام)ثمّ قال: «كان واللّه على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)السماسم، والذرة، والدخن، وجميع ذلك»، فقال: إنّهم يقولون إنّه لم يكن ذلك على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما وضع على تسعة لمّا لم يكن بحضرته غير ذلك، فغضب وقال: «كذبوا، فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان». (4)
فإذا كانت هذه الأحاديث ناظرة إلى ما ذكرنا فلا تدلّ على أنّ هذه العناوين موضوعة لحين التعلّق.

1 . المختلف: 3 / 186 .
2 . منتهى المطلب: 1 / 497 .
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2 .
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 .

صفحه 352
ثمّ إنّ الظاهر انّ النزاع في الحنطة والشعير لفظي، والقولان متقاربان، لأنّ انعقاد الحب أو اشتداده - كما في عبارة البعض - يلازم صدق عنوان الحنطة والشعير.
نعم، النزاع في التمر والزبيب حقيقي، لأنّ متعلّقه على القول المشهور هو بدوّ الصلاح أي بدا صلاح الثمرة، وهو وقت الأمن على الثمرة من الجائحة غالبا.(1) فأين هذين العنوانين من عنواني التمر والزبيب وبين القولين بعد المشرقين.
هذا فكما أنّه لم يكن لقول المحقّق دليل مقنع، فهكذا ليس للقول الآخر الذي ادّعيت شهرته دليل كذلك، وقد ذكروا وجوها عشرة ذكر ثمانية منها السيد الحكيم على نظم خاص، ولكن جميع هذه الوجوه تفقد الدلالة، وإليك التفاصيل:
الأوّل: الإجماع المدّعى في كلام العلاّمة في «منتهى المطلب» حيث قال: لا تجب الزكاة في الغلات الأربع إلاّ إذا نمت على ملكه فلو ابتاع، أو وهب، أو ورث بعد بدو الصلاح لم يجب عليه الزكاة، فهو قول العلماء كافّة.(2)
يلاحظ عليه: أنّ معقد الإجماع هو قوله: «إلاّ إذا نمت على ملكه» ليخرج ما إذا تملّكه من السوق. وليس معقده قوله: «بعد بدو الصلاح لم يجب عليه الزكاة».
كيف وهذا هو المحقّق خاله، وابن الجنيد أحد القديمين، ووالده ممّن أفتوا بأنّ زمن التعلّق هو صدق هذه العناوين، فكيف يمكن له أن يدّعي أنّ وقت التعلّق هو حالة بدو الصلاح؟!

1 . المعتبر: 2 / 535 .
2 . منتهى المطلب: 1 / 497 .

صفحه 353
ثمّ إنّه استدلّ بروايات خمس، تدور على محاور ثلاثة:
1. انّ بعضها بصدد بيان النصاب، دون بيان وقت التعلّق، وانّ الاستدلال والإشكال فيه، كلّها تبعيد للمسافة.
2. كما أنّ بعضا منها بصدد بيان وقت الإخراج، لا وقت التعلّق.
3. كما أنّ بعضها بصدد بيان وقت التعلّق، لكنّه لا ينطبق على مذهب المشهور. وإليك التفصيل:

الف: ما هو بصدد بيان النصاب

1. صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:
«ليس في النخل صدقة حتى يبلغ خمسة أوساق، والعنب مثل ذلك حتى يكون خمسة أوساق زبيبا».(1)
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ليس في النخل صدقة حتى يبلغ خمسة أوساق، والعنب مثل ذلك حتى يبلغ خمسة أوساق زبيبا». (2)
وكيفية الاستدلال بالحديثين كالتالي:
1. انّه عبر بالنخل، وقال: «ليس في النخل» والمراد ثمر النخل-إنّما عبّر به - ليعمّ ما إذا اصفر الثمر أو احمر، وإن لم يصدق عليه التمر. وإلاّ فلا وجه للعدول من التمر إلى النخل.
2. انّ قوله: «العنب مثل ذلك حتى يكون خمسة أوساق زبيبا». فيدلّ على أنّ متعلّق الزكاة كونه عنبا لا كونه زبيبا.

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 7 .
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 11 .

صفحه 354
يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ العدول عن التمر إلى النخل للدلالة على أنّ متعلّق الوجوب هو الثمرة على الشجرة لا مطلق التمر ولو بالابتياع.
ويلاحظ على الوجه الثاني: بأنّ قوله: «والعنب مثل ذلك» فيه احتمالان:
أحدهما: إناطة الوجوب بحالة ثبت له البلوغ فيها خمسة أوسق حال كونه زبيبا.
وثانيهما: إناطته بحالة يقدّر له هذا الوصف، والاستدلال بها إنّما يتم على الثاني وهو في موضع المنع، بل لا يبعد ادّعاء ظهور الأوّل، إذا اعتبار التقدير خلاف الظاهر.(1)
هذا ما ذكره القوم حول الحديثين دلالة وإشكالا.
والظاهر انّ الحديثين يهدفان إلى شيء آخر وهو بيان النصاب وانّه لا يجب في النخل والعنب الزكاة ما لم يبلغ خمسة أوساق، وأمّا ما هو الموضوع لتعلّق الوجوب فالروايتان ساكتتان عنه وما ذكر من الاستدلال تحميل على الرواية. فسواء قال: «إنّ في النخل أو في التمر» فالهدف من وراء هذا الكلام هو بيان حدّ النصاب الذي هو موضوع الوجوب.
أضف إلى ذلك أنّه لو قلنا بدلالة الحديثين على وقت تعلّق الوجوب، فهو معرض عنه في العنب، لأنّ الموضوع إمّا الحصرم أو الزبيب، ولا قائل بالعنب.
3. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون في الحبّ ولا في النخل ولا في العنب زكاة حتى تبلغ وسقين، والوسق ستون صاعا». (2)

1 . انظر ذخيرة المعاد: 428 .
2 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 1 .

صفحه 355
وجه الدلالة: انّه عبر عن الحنطة والشعير بالحب وهو يصدق مع انعقاده.
يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ الحديث بصدد بيان مقدار النصاب، من غير نظر إلى بيان وقت التعلّق.
وثانيا: أنّه جعل مقدار النصاب «الوسقين» وهو قول متروك، وقد عرفت أنّ القول الصحيح هو خمسة أوساق.
وثالثا: أنّ الرواية تتم في الحنطة والشعير، وقد عرفت أنّ النزاع فيهما - بين القولين - لفظي. وأمّا الآخران فالموضوع في الرواية هو العنب، وهو معرض عنه.

ب. ما هو بصدد بيان زمان الإخراج

4. صحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): سألته عن الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب متى تجب على صاحبها؟
قال (عليه السلام): «إذا ما صرم، وإذا خرص». (1)
وجه الاستدلال: انّ وقت الخرص عبارة عن كون العنب حصرما، والتمر بسرا كما عليه العلاّمة في «التذكرة».(2)
يلاحظ عليه أوّلا: بأنّ الخرص كما يتحقّق عند كون الثمرة بسرا أو حصرما كذلك يتحقّق عند كونه عنبا أو تمرا، والتخمين في المرحلة الثانية أقرب إلى الواقع منه في المرحلة الأولى. غاية الأمر يكون الخرص في المرحلة الأخيرة لأجل سدّ باب إنكار المالك لمقدار الثمرة بعد التشميس والتجفيف.

1 . الوسائل: 6، الباب 12 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 1; ونقل ذيله في الحديث 2.
2 . التذكرة: 5/163، وعبارته هكذا: «وقت الخرص حين بدو الصلاح» وهو يلازم ما في المتن لأنّه لا
يصلح للأكل إلاّ إذا كان حصرما أو بسرا.

صفحه 356
وثانيا: أنّ الرواية بصدد بيان وقت وجوب الإخراج لا وقت التعلّق بشهادة أنّه عطف قوله: «وإذا خرص» على قوله: «وإذا ما صرم» والمعنى انّه إن صرم في وقته فتخرج الزكاة بعد الصرم، أي بعد حصد الحنطة والشعير واجتذاذ الثمرتين، من دون حاجة إلى الخرص لوجود الكيل، وإلاّ فيخرص ويخرج حسب التخمين.
والحاصل انّه إن صرم يخرج بلا حاجة إلى الخرص وإن ترك على الشجرة فيخرص ويخرج.

ج. ما هو بصدد بيان زمان التعلّق

5. صحيحة سعد بن سعد الأشعري الأخرى، قال: سألت أبا الحسن عن أقل ما تجب فيه الزكاة من البرّ والشعير والتمر والزبيب؟، فقال: «خمسة أوساق بوسق النبي»(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: كم الوسق؟قال: «ستون صاعا»، قلت: وهل على العنب زكاة أو إنّما يجب عليه إذا صيّره زبيبا؟قال: «نعم إذا خرصه أخرج زكاته».(1)
وجه الدلالة: على أنّ الخرص يتحقّق عند كونه حصرما.
يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر من الرواية انّ الراوي كان يعلم بتعلّق الزكاة بثمرة الكرم وإنّما يجهل وقت التعلّق وكان مرددا بين كونه عنبا أو زبيبا، ولذلك طرح سؤاله وقال: وهل على العنب زكاة، أو إنّما تجب عليه إذا صيّره زبيبا.
فأجاب الإمام بقوله: «نعم».
فهو يحتمل أن يكون تصديقا للجملة الأولى «على العنب زكاة»، كما يحتمل

1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 1.

صفحه 357
أن يكون تصديقا للجملة الثانية أعني: «إذا صيّره زبيبا» فيكون مجملا.
وعلى كلا الوجهين لا يكون دليلا على القول المشهور، إذ المشهور في العنب انّه تتعلّق به الزكاة حين كونه حصرما لا عنبا ولا زبيبا.
هذا ما قيل، ولكن الظاهر انّه تصديق لقوله: «على العنب زكاة» بشهادة قوله بعد نعم: «إذا خرصه أخرج زكاته» فانّ الخرص إنّما يحتاج إليه إذا كان عنبا حتى يتبيّن انّه يكون بمقدار النصاب إذا صار زبيبا، وإلاّ فلو صار زبيبا فلا يحتاج إلى الخرص، بل يكال أو يوزن، فيكون الميزان صدق كونه عنبا بشرط أن يقدر انّه يكون خمسة أوساق إذا صار زبيبا فيخرج زكاته لكنّه قول ثالث غير قول المشهور كما مرّ.
هذه هي الروايات التي استدلّ بها على القول المشهور، وقد عرفت أنّ كثيرا منها بصدد بيان النصاب لا وقت التعلّق، وبصدد بيان وقت الإخراج وما يدلّ على زمان التعلّق كصحيحة سعد الأخيرة فإنّما يدلّ على كون الموضوع هو العنب، ولم يعمل به المشهور.
وإذا أضيفت هذه الروايات الخمس إلى الوجه الأوّل، أعني: الإجماع تنتهي الوجوه التي استدلّ، بها على القول المشهور إلى ستة، وإليك الباقي:
السابع: ما ذكره العلاّمة في «المختلف» و «المنتهى» من كون البسر والرطب تمرا بحسب اللغة.
قال في «المختلف»: لنا: انّ البسر يسمّى تمرا لغة، فيتعلّق به الوجوب.
وردّ بأنّه يسمّى بسرا لا تمرا في العرف. والجواب الاعتبار بتسمية اللغة لا بالعرف.(1)

1 . المختلف: 3 / 183 .

صفحه 358
وفي «المنتهى»: أهل اللغة نصّوا على أنّ البسر نوع من التمر، وكذا نصّوا على أنّ الرطب نوع من التمر.(1)
يلاحظ عليه: أنّ التسمية باعتبار علاقة الأول، أضف إليه انّه يمكن أن يكون التمر موضوعا بوضعين تارة لمطلق ثمر النخل وأخرى لخصوص التمر منه.
الثامن: ما ذكره الشيخ الأعظم من أنّ مقتضى العمومات وجوب الزكاة فيما سقت السماء، وأدلّة تعلّق الزكاة بالحنطة والتمر مثلا لا تنهض لتقييدها، لأنّ المتبادر منها إرادة الأجناس الأربعة في مقابل الأجناس الأخر.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ ما دلّ على أنّ فيما سقت السماء العشر بصدد بيان مقدار الفريضة من العشر ونصف العشر لا لبيان متعلّق الوجوب.
التاسع: بأنّه لو كانت مقصورة على التمر والزبيب لأدّى ذلك إلى ضياع الزكاة، لأنّهم كانوا يحتالون بجعل العنب والرطب دبسا وخلا، وكانوا يبيعونها كذلك.
يلاحظ عليه: أنّ الفرار من الزكاة من خلال جعل العنب والرطب دبسا وخلا أشبه بالفرار من المطر إلى تحت الميزاب، فإنّ فيه ضررا كثيرا.
على أنّ التمر والعنب من النعم المتوفرة التي لا تنفد بهذه الحيل.
العاشر: ما ذكره الفقيه الهمداني، وقال: عمدة ما يصحّ الاستشهاد به لمذهب المشهور: ما علم بالتدبّر في الآثار والأخبار وكلمات الأصحاب من أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يبعث من يخرص على أصحاب النخل ثمرتها ليتميّز بذلك

1 . منتهى المطلب: 1 / 499 .
2 . كتاب الزكاة: 212، المسألة23 .

صفحه 359
مقدار الصدقة المفروضة فيها، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر عامله بأن يترك للحارس العذق والعذقين، وأن لا يخرص أم جعرور ومعافارة. (1)
يلاحظ عليه: أنّ ما نسب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من بعث الخارص فإنّما كان لتعيين الخراج لا الصدقات، يقول الشيخ في «الخلاف» في مسألة جواز الخرص على أرباب الغلاّت وتضمينهم حصة المساكين: دليلنا: إجماع الفرقة، وفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأهل خيبر، وكان يبعث في كلّ سنة عبد اللّه بن رواحة حتى يخرص عليهم.
وروت عائشة قالت: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يبعث عبد اللّه بن رواحة خارصا إلى خيبر فأخبرت عن دوام فعله.
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتّاب انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال في الكرم: «يخرص كما يخرص النخل، ثمّ تؤدّى زكاته زبيبا، كما تؤدّى زكاة النخل تمرا».(2) نعم يظهر من سنن البيهقي والترمذي انّه يبعث الخارص إلى تحديد الزكاة أيضا فلاحظ. (3)
***
هذه الوجوه كما ترى قاصرة الدلالة، كما أنّ ما استدلّ به على القول الآخر كذلك، فالمرجع هو الأصل، وهو يوافق قول المحقّق، ومع ذلك فالأحوط ما في المتن لما حكي من الشهرة بين الأصحاب.
ثمّ إنّ المصنّف قوّى القول الثاني، وجعل القول الأوّل أحوط. لكنّه قال: بل الأحوط مراعاة الاحتياط مطلقا، إذ قد يكون القول الثاني أوفق بالاحتياط.

1 . مصباح الفقيه: 13 / 353 .
2 . الخلاف: 2/61، كتاب الزكاة، المسألة 73 .
3 . سنن البيهقي: 4/121، كتاب الزكاة .

صفحه 360
المسألة 2: وقت تعلّق الزكاة وإن كان ما ذكر على الخلاف السالف، إلاّ أنّ المناط في اعتبار النصاب هو اليابس من المذكورات، فلو كان الرطب منها بقدر النصاب لكن ينقص عنه بعد الجفاف واليبس فلا زكاة.*
وحاصله: انّ الاحتياط ربما يوافق القول الأوّل، كما إذا انعقد الحب وبدا صلاحه في ملكه، وعلم أنّه يكون خمسة أوساق عند وقت الأداء، فلا يتصرف فيه إلاّ بالضمان، على القول الأوّل دون الثاني، وربما يكون الاحتياط موافقا للقول الثاني، كما إذا أدرك أو صار متمكّنا بعد الانعقاد وقبل التسمية; فعلى القول الأوّل لا تجب الزكاة، بخلاف القول الثاني.
* في مورد الغلاّت الأربع أمور ثلاثة:
1. وقت تعلّق الزكاة بها.
2. وقت إخراجها.
3. ما هو الملاك في النصاب، فهل يكفي بلوغها النصاب مع كونها رطبا أو لا؟
وقد أشار الشيخ الطوسي في «المبسوط» الى الأمور الثلاثة في موضع واحد وقال:
«وقت وجوب الزكاة في الغلاّت إذا كانت حبوبا إذا اشتدّت، وفي الثمار إذا بدا صلاحها، ووقت الإخراج إذا ديس الحبّ ونقى وصفا، وفي التمرة إذا جفّفت وشمّست، والمراعى في النصاب مجففا مشمّسا. (1)

1 . المبسوط: 1/214، فصل في زكاة الغلاّت .

صفحه 361
وقال المحقّق في «المعتبر»: ويعتبر بلوغ الأوساق عند الجفاف، فلو صار رطبا والكرم عنبا وبلغ النصاب لم يكن به اعتبار، واعتبر النصاب عند جفافه وعليه اتّفاق العلماء.(1)
ولم نجد للمحقّق نصّا في المسألة في «الشرائع».
وقال العلاّمة في «التذكرة»: النصاب المعتبر - وهو خمسة أوسق-أي يعتبر وقت جفاف التمر، ويبس العنب والغلّة، فلو كان الرطب خمسة أوسق-أو العنب أو الغلّة - ولو جفت تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا نقص، فلا زكاة إجماعا وإن كان وقت تعلّق الزكاة نصابا. (2)
وقال في «المنتهى»: إنّما يعتبر النصاب في التمر والزبيب بعد الجفاف فلو بلغ العنب والرطب نصابا لم يعتد به وإن تعلّقت الزكاة بجنسه. (3)
ويظهر من ابن قدامة انّ الحكم كذلك عندهم ولم يخالفهم إلاّ الأثرم قال وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنبا، لا يجبي منه خمسة أوسق زبيبا لم يجب عليه شيء، لأنّه حال وجوب الإخراج منه فاعتبر النصاب بحاله.(4)ويظهر منه انّه موضع اتفاق منهم حتى انّه أوّل ما روي عن الأثرم.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ عليه - وراء الإجماع الوارد في كلمات القوم - صحيح الحلبي حيث قال: «والعنب مثل ذلك حتى يبلغ خمسة أوساق زبيبا» أي يكون كذلك إذا جفّ وصار زبيبا، ومثله صحيح سليمان بن خالد(5) ويلحق به التمر

1 . المعتبر: 2 / 534 .
2 . التذكرة: 5/148، المسألة 83 .
3 . المنتهى: 1 / 499 .
4 . المغني: 2 / 580 .
5 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 11 و 7 .

صفحه 362
المسألة 3: في مثل البربن وشبهه من الدقل(1) الّذي يؤكل رطباً، وإذا لم يؤكل إلى أن يجفّ يقلّ تمره، أو لا يصدق على اليابس منه التمر أيضاً، المدار فيه على تقديره يابساً، وتتعلّق به الزكاة إذا كان بقدر يبلغ النصابَ بعد جفافه.*
لعدم القول بالفصل.
أضف إلى ذلك انّ الوسق - كما في المنجد - حمل البعير، ولا يجعل فيه إلاّ اليابس من الثمرة، لأنّه أشبه بالكيس الكبير.
* وهل فيه الزكاة مطلقا؟أو ليست فيه كذلك؟أو التفصيل بين ما يصدق عليه التمر إذا يبس وعدمه؟فيجب في الأوّل دون الثاني، وهو المحكيّ عن «المدارك» واستوجهه في «الجواهر» وقال: «ولو لم يصدق على اليابس من ذلك النوع اسم التمر أو الزبيب، اتجه سقوط الزكاة فيه مطلقا». (2)
ويظهر من العلاّمة في «التذكرة» اختيار القول الأوّل، قال: أما مالا يجف مثله وإنّما يؤكل رطبا، كالهلباث، والبرني وشبههما من الدقل الرقيق الثمرة فانّه تجب فيه الزكاة أيضا، لقوله (عليه السلام): «فيما سقت السماء العشر» وإنّما تجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق تمرا، وهل يعتبر بنفسه أو بغيره من جنسه؟الأقرب الأوّل وإن كان التمر يقل كغيره، وللشافعي وجهان: هذا أحدهما، والثاني: يعتبر بغيره. (3)
والظاهر منها انّ فيهما الزكاة وإنّما الاختلاف في اعتبارهما بنفسهما عند

1 . الدقل