welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مسائل فقهية مهمّة في حياتنا المعاصرة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مسائل فقهية مهمّة في حياتنا المعاصرة

صفحه 1
   
    مسائل فقهية مهمّة في حياتنا المعاصرة

صفحه 2

صفحه 3

صفحه 4

صفحه 5
مسائل فقهية مهمة
في
حياتنا المعاصرة
   تأليف
   الفقيه المحقّق
   جعفر السبحاني
   نشر
   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      مسائل فقهية مهمّة في حياتنا المعاصرة / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ، 1397 .
299ص.    ISBN 978 - 964 - 357 - 618 - 9
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه: ص.277ـ285; همچنين به صورت زيرنويس.
      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
5م 2س/ 183 BP    342 / 297
1397
اسم الكتاب:    مسائل فقهية مهمّة في حياتنا المعاصرة
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1397 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2018 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:     وزيري
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر:1001    تسلسل الطبعة الأُولى: 479
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
    ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 7
   
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد:
إنّ الحضارة الصناعية التي عادت تغطّي أكثر المجتمعات الإنسانية، أوجدت مسائل جديدة في حياة الإنسان لم تكن موجودة في الأزمنة السابقة
فبدأ القانون الوضعي بوضع حلول لها حسب الأُصول التي تتبنّاها تلك المجتمعات.
وأمّا الفقه الإسلامي فهو ـ بحمد الله ـ ذو مادة حيوية تنسجم مع عامّة الحضارات ويستطيع أن يضع الحلول المناسبة لتلك المسائل على ضوء الكتاب والسنّة والإجماع والعقل. وكيف لا يكون كذلك ورسالة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)هي خاتمة الرسالات، وشريعته هي خاتمة الشرائع.
لمّا فرغنا من دراسة أحكام الرِّبا معاوضيّاً وقرضيّاً، لاحظنا أنّ الضرورة تقتضي أن نطرح بعض المسائل المهمّة في حياتنا المعاصرة التي كثر الابتلاء بها، على وجه الإيجاز، وقد اخترنا ثلاثاً وعشرين مسألة من هذه المسائل في مختلف

صفحه 8
أبواب الفقه.
وحاصل الكلام: إنّ الشريعة الإسلامية أغنت الأُمّة الإسلامية عن أي تشريع وضعي لا يمت إلى السماء بصلة. والله العاصم وهو الموفّق للصواب.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
15شعبان المعظّم ـ مولد الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام) ـ 1439هـ

صفحه 9

المسألة الأُولى

حكم السرقفلية

السرقفلية كلمة فارسية أخذت لنفسها صبغة عربية، ويُراد بها أحد المعنيين التاليين:
1. ما يأخذه المالك من المستأجر عند فتح قفل المحلّ التجاري، مضافاً إلى مبلغ الإجارة الذي يأخذه بإزاء الانتفاع بالمحلّ، فيحصل للمالك عندئذ أمران:
أ. السرقفلية (المال المأخوذ من المستأجر).
ب. الأُجرة التي يأخذها نهاية كلّ شهر.
2. ما إذا آجر محلاً من المالك من دون أن يدفع إليه شيئاً باسم (سرقفلية) لكن المستأجر يدّعي أنّ عمله في المحلّ طول المدّة أضفى عليه شهرة وقيمة، وهذا ما يسمّى في عرفهم بـ«حقّ الكسب» و«المهنة». فعلى الفقيه أن يفرّق بين الموضوعين، فإنّ حكم الصورة الثانية واضح، إنّما الكلام في حكم الصورة

صفحه 10
الأُولى، وسنعود إلى الثانية بعد إنهاء البحث عن الأُولى، فنقول:

الصورة الأُولى: ما يأخذه المالك من المستأجر عند الإيجار

هذه المسألة لم تكن أمراً رائجاً في البلاد الإسلامية وإنّما طرحت في العصر الأخير عن طريق القوانين الرائجة في الغرب، وعلى كلّ تقدير، فبما أنّه صار أمراً رائجاً فعلى الفقيه أن يستنبط حكمه جوازاً ومنعاً من المصادر الفقهية.
ولذلك قام الفقهاء من الفريقين باستنباط حكمها وذلك بأُطروحات نأت بها تباعاً، مع كامل تقديرنا لأصحابها.

الأُطروحة الأُولى: بيع حقّ السكنى للمستأجر إلى زمان أزيد من هذه الإجارة

إنّ المالك يأخذ السرقفلية من المستأجر الأوّل إزاء جعل حقّ السكنى للمستأجر في ضمن عقد الإجارة، كما إذا آجر الدكان ـ مثلاً ـ بأُجرة مسمّاة واشترط له حقّ السكنى بإزاء مبلغ زيادة على الأُجرة يُسمّى بالسرقفلية، كأن يقول: آجرتك هذه الدكان سنة بعشرة آلاف درهم واشترط لك حقّ السكنى إلى زمان أزيد من مدّة الإجارة.
ولا تنافي بين ملكية منفعة الدكان بالإجارة وملكية حقّ السكنى بعوض آخر غير مال الإجارة لتغايرهما ذاتاً، فهما أمران في عالم الاعتبار وإن كانت ملكية المنفعة مدّة الإجارة تستلزم حقّ السكنى في تلك المدة تبعاً إلاّ أنّه قابل للتفكيك بسبب آخر غير الإجارة، كما إذا اشترط في ضمن عقد الإجارة نظير استيفاء المالك لهما معاً بالملك.
نعم: لو فرضنا أنّه آجر الدار لشخص، وجعل السكنى لشخص آخر وقع

صفحه 11
التزاحم في الاستيفاء، ولابدّ من فسخ اللاحق، أو فسخهما مع التقارن.
ثمّ إنّ حقّ السكنى الذي يجعل للمستأجر يكون تارة على نحو المباشرة، وأُخرى على نحو أعمّ منه ومن غيره بحيث يجوز له أن ينقله إلى الغير بإزاء «سرقفلية» يأخذها من المستأجر الثاني ومنه إلى الثالث وهكذا، فإنّ أمر ذلك سعة وضيقاً بيد المالك للمحلّ وكيفية اشتراطه مع المستأجر الأوّل في الإطلاق والتقييد.(1)
يلاحظ عليه: أنّ حاصل ما ذكر أنّ وجه الإجارة في مقابل الانتفاع، والسرقفلية في مقابل حقّ السكنى الذي يبيعه منه.
فيرد عليه: إنّ ما ذكره من التغاير بين تمليك المنفعة وحقّ السكنى، صحيح مفهوماً، ولكنّهما شيء واحد مصداقاً; وذلك لأنّ حقّ السكنى لا يخلو إمّا أن يكون محدّداً بمدّة الإجارة، أو يكون أوسع منها.
فعلى الأوّل لا يتمّ المقصود، إذ بعد انتهاء الإجارة، على المستأجر أن يخلّي الدكان إذا أراد الموجر، لانتهاء كلا الأمرين، وهذا على خلاف المقصود.
وعلى الثاني ـ كما هو صريح كلامه ـ فيرد عليه أمران:
1. أنّ الإيجار في الفترة الثانية بنفس الأُجرة أو أكثر منها، ليس شيئاً مغايراً مع حقّ السكنى، فيرد عليه نفس الإشكال السابق، إذ ليس الإيجار بمعنى الانتفاع من الدكان، أمراً مغايراً مع حقّ السكنى، والتغاير المفهومي مع الاتّحاد في المصداق، غير نافع.

1 . فقه الشيعة:1085ـ 1086.

صفحه 12
2. أنّ إعطاء حقّ السكنى للمستأجر في الفترات الآتية، يمنع عن عقد الإيجار ثانياً; لأنّ الإيجار ثانياً لأجل الانتفاع بالدكان، والمفروض أنّه ملك حقّ السكنى في العقد الأوّل، ومعه كيف يجدّد الإيجار الذي هو عبارة أُخرى عن إعطاء حقّ السكنى؟! ولذلك لو قام المالك بعقد السكنى والعمرى بالنسبة إلى ملكه لا يجوز له إيجار الملك بعد القيام بالأمرين المذكورين .
إلى هنا تمّ بيان الإشكالين على الإطروحة.
والفرق بين الإشكالين واضح، فإنّ مرجع الإشكال الأوّل هو عدم الموضوع للإيجار، فإنّ إيجار الدار مع قطع النظر عن حقّ السكنى أمر غير معتبر عند العقلاء; وأمّا الإشكال الثاني فإنّ مرجعه إلى أنّ الإيجار الثاني أمر لغو، لأنّ الإيجار لغاية حقّ السكنى والمفروض أنّه ملكه في العقد الأوّل.

تنبيه

إنّ تعريف الإجارة بتمليك المنفعة ـ كما هو المشهور ـ غير منطبق على الواقع، فإنّ حقيقة الإجارة في العرف: تسليط المستأجر على العين لغلبة الانتفاع لا تمليك المنفعة، ولذلك يقول: آجرتك الدار، أو: آجرتك الدابّة، ولا يقول: ملّكتك منفعة الدابّة أو الدار.
***

الأطروحة الثانية: بيع حقّ الإيجار للمستأجر

إنّ حقّ الإيجار من الحقوق التي صارت للجهة المشار إليها ممّا له مالية في اعتبار العقلاء وهو قائم بالعين، يقابل بالعوض كنفس العين المستأجرة من حيث

صفحه 13
منافعها، فتكون المعاملة من سنخ البيع وتشملها العمومات من غير قصور.
فإن قلت: يشترط في صحّة البيع كون المثمن عيناً.
قلت: يكفي في صحّته كونه مالاً يبذل بإزائه الثمن، والحقوق المالية، مالٌ لدى العرف بشهادة بذل الثمن بإزائها.
فإن قلت: إنّ حقّ الإيجار للمالك بتبع كونه مالكاً للعين، وينتزع منه كونه مالكاً لحقّ الإيجار، وأمّا الحقّ المجرّد عن الملكية فلم يثبت.
قلت: يكفي في ثبوت كونه حقّاً قابلاً للانتقال، جواز التوكيل فيه، فإنّ الوكالة عن الموكل كاشفة عن أنّه من الحقوق القابلة للانتقال.
فإن قلت: ثبوت الوكالة لا يلازم كونه حقّاً قابلاً للانتقال، بشهادة صحّة الوكالة في الطلاق مع عدم كونه قابلاً للانتقال .
قلت: فرق بين حقّ الطلاق وبين إنشائه، فالأوّل لا يقبل الانتقال، بخلاف الثاني، والوكالة تتعلّق بإنشائه، لا بحقّ الطلاق.
أقول: لا يخفى أنّ هذه الأُطروحة تامّة من حيث القواعد وخالية عن الإشكال، فإنّ المال المأخوذ باسم (السرقفلية) إنّما هو في مقابل إعطاء حقّ للمستأجر، بأن يوجره إمّا لنفسه أو لغيره، وهذه هي الغاية المطلوبة منه. فيجب على الطرفين الوفاء فيكون من مصاديق (أَوفوا بِالْعُقُودِ).
نعم يجب أن يضاف إلى هذا البيان أن يكون تمديد الإجارة لنفسه أو لغيره على مبلغ معيّن يرضى به المالك، وإلاّ فيخسر المالك جدّاً; لأنّ الملك ربّما يبقى في الإجارة عبر سنين والمبلغ نفس المبلغ السابق الذي تنخفض قيمته السوقية عادة، يصبح في الزمان المتأخّر قليل القيمة، فلذلك يجب أن تقرّر هذه الأطروحة

صفحه 14
بالبيان التالي:
يقول المالك للمستأجر: أُوجرك هذا المكان إلى سنة بمبلغ كذا، وأبيعك حقّ الإيجار بعد نهاية المدّة لنفسك أو لغيرك بمبلغ آخر يكون متعارفاً ومقبول عرفاً بالنسبة إلى المورد، فعندئذ فما يطلبه المستأجر قد حصل لأنّ له تمديد الإجارة لنفسه أو لغيره، كما أنّ مطلوب المالك حاصل أيضاً حيث أخذ السرقفلية باسم حقّ الإيجار وراء مبلغ الإجارة.
بقي هنا إشكال في تقرير هذه الإطروحة لا في نفسها وهو أنّه قاس المقام بالطلاق، مع أنّه قياس مع الفارق، لأنّ المنتقل في الثاني هو التمكّن من إنشاء الطلاق وكالة، لا حقّ الطلاق، بخلاف المقام، فإنّ المنتقل هو حقّ الإيجار لا إنشاء حقّ الإيجار، فالاستدلال بأحدهما على الآخر كماترى.
***

الأُطروحة الثالثة: السرقفلية جزء العوض

وهي أن يؤجر المالك ملكه بمبلغ سنوي مع إضافة مأخوذة بعنوان السرقفلية بحيث تكون الإضافة جزءاً للعوض، ويشترط للمستأجر أن لا يزاحمه في البقاء في المحلّ، ولا يزيد في كرائه السنوي ويجدّد الإجارة بعد انتهاء مدّتها على نحو المبلغ السنوي، وأنّه لو خلّى المستأجر المحلّ وأعطاه لشخص آخر يعامل مع الثالث على ذلك المنهج.
(مثلاً) يؤجّر الفندق بألف ومائتين تومان سنوياً في كلّ شهر مائة تومان، مع إضافة خمسة آلاف تومان، ويشترط للمستأجر أن يكون له كامل الحرية في

صفحه 15
الفندق بعد انتهاء المدّة في البقاء فيه مع الإجارة في كلّ شهر مائة تومان و] له[ أن يتحوّل عنه ويسكنه غيره بتلك الإجارة، فخمسة آلاف تومان تحل للمالك لأنّها مأخوذة كجزء للعوض في الإجارة، وبعد انتهاء المدّة يجب على المالك أن لا يزيد في كراء الفندق ويؤجره للمستأجر القديم أو الجديد الذي انتخبه القديم بمقتضى الشرط، ولو امتنع المالك يجبر عليه; لأنّ ذلك مقتضى الشرط الواجب الوفاء بمقتضى النصوص والفتاوى.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه إن أراد من العوض مبلغ الإجارة، فالسرقفلية ليست جزءاً منه، وعلى هذا لا يصحّ قوله:«تكون الإضافة جزءاً للعوض» بل الأُجرة شيء يسمّى بالعوض، والسرقفلية شيءٌ آخر، بشهادة أنّ العوض لغاية الانتفاع، والسرقفلية لغاية تمكّنه من تجديد الإجارة أو تأجيره للغير.
وثانياً: ما ذكره (ولا يزيد في كرائه السنوي) هذا أيضاً لا ينطبق على الواقع السائد على الإجارات، فإنّ المالك يجدّد مبلغ الإجارة حسب مقتضيات الظروف والأحوال، فكيف يمكن أن يؤجر الفندق بمبلغ عُيّن قبل خمسين سنة.
فالأولى أن يُقرر ذلك الوجه بأنّ المالك يؤجّر المحلّ في مقابل مبلغ، ثم يتّفق معه في مقابل مبلغ آخر أن يكون له تجديد الإجارة بعد نهايتها على الوجه المعروف، أو إجارته من الغير كذلك. كلّ ذلك حسب ما هو المعروف في مبلغ الإجارة مع السرقفلية.
***

1 . المسائل المستحدثة:23.

صفحه 16

الأُطروحة الرابعة: المستأجر يكون وكيلاً في إيجار المحلّ بعد انقضاء المدّة

وهي أن يتّفق المالك مع المستأجر، ويشترط في ضمن الإجارة أن يكون المستأجر وكيلاً في إيجار المحلّ بعد انتهاء المدّة لنفسه أو لغيره بذلك المبلغ، ووكيلاً في توكيل الثالث وإعطائه الوكالة ويجعل بإزاء هذه الوكالة مبلغاً باسم السرقفلية.(1)
ولعلّ هذه الأُطروحة أوضح من سابقتها لولا أنّ الوكالة تبطل بموت الموكل. نعم الذي يجب أن يضاف إلى الأُطروحتين ـ كما مرّ ـ : أنّ شرط المالك أو توكيله للمستأجر يختلف من حيث الضيق والسعة فربّما يتوافقان على أنّه ليس له إيجار المحلّ على الغير، بل يجب عليه إرجاع الملك إلى المالك وأخذ السرقفلية منه حسب ما هو المتعارف في نهاية مدّة الإجارة، كما أنّه ربّما يتوافقان على أنّ للمستأجر إيجاره على الثالث والرابع، إمّا بموافقة المالك أو بدونها. كلّ ذلك تابع لسعة الشرط وضيقه، أو لسعة سلطة المستأجر وضيقها.
وبعبارة أُخرى: أنّ إيجار المستأجر المحلّ من الغير له صور ثلاث:
الأُولى: تخصيص الحقّ بالمستأجر الأوّل فقط، بحيث لا يحقّ له النقل إلى الغير، ولا أخذ السرقفلية متى أراد، فإذا أراد تخلية المحلّ يرجع المستأجر الأوّل إلى المالك ويأخذ منه السرقفلية حسب ما هو المتعارف.
الثانية: أنّ المالك ينعزل بالمرّة عن الإجارة الثانية والثالثة، ويكون الإيجار بيد الثاني أو الثالث أو الرابع.

1 . المسائل المستحدثة:23.

صفحه 17
الثالثة: أنّ الإيجار بيد المستأجر مشروطاً برضا المالك، فعندئذ ربّما يخصّص جزء من السرقفلية الثانية للمالك أيضاً، كما هو المتعارف في بلادنا هذه.
مضافاً إلى أنّه يجب التنبيه على مبلغ الإجارة في الإجارات التالية.
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل وهو أخذ المالك السرقفلية من المستأجر.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّه يمكن تحليل السرقفلية بأحد الوجوه الأربعة، غير أنّ الوجه الأوّل لمّا كان غير صحيح; لما عرفت من أنّ حقّ السكنى ليس شيئاً وراء الإيجار للانتفاع، بقيت الوجوه الثلاثة على اعتبارها بالنحو التالي:
1. بيع حقّ الإيجار بعد تمام المدّة في مقابل السرقفلية.
2. جعل السرقفلية جزءاً للعوض، فمبلغ الإجارة مثلاً عشرة دراهم مضافاً إلى السرقفلية.
3. جعل المستأجر وكيلاً في إيجار المحلّ بعد انتهاء المدّة لنفسه أو لغيره، إلى آخر ما مرّ.

أخذ السرقفلية من المالك باسم حقّ الكسب

إذا استأجر المحلّ من دون أن يدفع شيئاً إلى المالك باسم السرقفلية، فإذا انتهت مدة الإجارة، فهل للمستأجر الامتناع من التخلية إلاّ بإعطاء شيء باسم حقّ المهنة أو التجارة.
ربّما يقال: إنّ له ذلك باسم حقّ الأولوية أو حقّ المهنة.

صفحه 18
أمّا الأوّل فربّما يقال: إنّ العرف يرى للمستأجر حقّ الأولوية في السكنى خصوصاً إذا طالت مدّة سكناه في المحلّ.
وأمّا الثاني ـ أعني: حقّ المهنة ـ فربّما يقال: إنّ عمل المستأجر في المحلّ أوجب زيادة قيمة المحلّ وزيادة اعتباره وشهرته في السوق التجارية، وكأنّه بممارسته العمل في المحلّ رفع قيمته، وبذلك صار شريكاً مع المالك.
أقول: هذان الوجهان بالاستحسان أشبه.
أمّا الأوّل: فإنّ الناس مسلّطون على أموالهم، وطول مدّة الإجارة لا يؤثّر في سلطنة المستأجر على أموال المالك، إذ المفروض أنّه سكن وانتفع. فلا سبب للأولوية; بل المالك أولى بملكه من الغير.
وأمّا الثاني ـ أعني: حقّ المهنة ـ : فقد حصل من دون قصد المستأجر، فهل يعدّ مثل ذلك حقّاً له؟ نعم هنا أمر آخر وهو تضرّر المستأجر عند تخلية المحلّ، فعلى المالك أن يمهله حتى يجد المستأجر محلاًّ مناسباً للانتفاع.
هذا كلّه إذا لم يلتزم المالك في مبتدأ الإجارة بحقّ المهنة. نعم لو التزم بها لزم الخروج عن عهدته، فعندئذ لو أمر بتخلية المحلّ يجب عليه دفع شيء يناسب هذا الحقّ.
هذا كلّه حسب القواعد الفقهية، ولكنّ للأخلاق دوراً في العلاقات الاجتماعية، فلو كان المالك متمكّناً، فعليه أن يرضي المستأجر بمال يتمكّن معه استيجار محلّ آخر لتمرير معاشه ومعاش عائلته حتّى يستمر في الكسب والتجارة. أو يجدّد الإجارة له بمبلغ غير مجحف بالنسبة إليه، فإنّ الحقّ شيء، والسماحة شيء آخر فوقه، والإسلام وإن أمر بالعمل بالحقّ ولكنّه أيضاً أمر بالإحسان والمواساة أيضاً، فتدبّر.

صفحه 19

المسألة الثانية:

تغيير الجنس في الشريعة الإسلامية

من المسائل المستحدثة ـ التي هي من نتائج التقدّم الحضاري والتطوّر العلمي ـ مسألة تغيير الجنس، ولذا صارت موضوعاً للدراسة الفقهية.
وتحقيق المسألة رهن الكلام في محورين:
الأوّل: تبيين الموضوع وتحديده وبيان صوره.
الثاني: الحكم الفقهي على ضوء الأدلّة.
وبما أنّ التغيير ينقسم إلى أقسام أربعة، ندرس كلّ قسم ـ موضوعاً وحكماً ـ في مقام واحد، فنقول:
***

القسم الأوّل: تغيير الجنس

يراد بتغيير الجنس تحوّل جنس كامل إلى جنس آخر كذلك، بأن يتبدّل جنس الرجل بتمامه إلى جنس المرأة بتمامه، ويخرج المورد من تحت العنوان الأوّل ويدخل تحت العنوان الثاني، فتجري عليه قوانين وأحكام العنوان الجديد

صفحه 20
دون السابق، فهذا النوع من التغيير هو الذي نسمّيه تغيير الجنس، فلو تبدّل الرجل إلى الأُنثى يجب أن تتوفر على كلّ ما يقوّم كيان الأُنثى من ثديين ورحم ومبيض، إلى غير ذلك من الأعضاء المختصّة بالمرأة.
إنّ التغيير بهذا المعنى لم يثبت إمكانه بعد، حتى أنّ بعض الأخصّائيين يدّعون استحالته، وما ربّما ينشر في المجلاّت أو يبث في وسائل الأعلام فإنّما يرجع إلى القسمين الثاني والثالث، وإلاّ فتبديل الرجل بكامله إلى امرأة كاملة، بعيد جداً من الناحية الفسيولوجية والعضوية.
وبما أنّ هذا القسم غير واقع نقتصر على هذا المقدار موضوعاً وحكماً، ولا نطيل الكلام فيه.
***

القسم الثاني: التغيير في الجنس

ويراد بهذا القسم إيجاد التغيير على مَن له آلة الذكورية فقط أو الأُنثوية كذلك، لا كلاهما; وإلاّ فسيأتي حكمها، وذلك عندما يريد الشخص التحوّل إلى الجنس الآخر. ويتحقّق ذلك عن طريق إجراء العملية الجراحية على آلته حتى تصير آلته غير الآلة التي كان عليها. ويحصل ذلك بقلع العضو التناسلي وتبديله بعضو تناسلي للجنس المخالف، بالترقيع حتى يلتئم الجزء المرقوع ويصير جزءاً من المرَّقع، كما يستعان لإنجاح العملية بحقنه بالهرمونات الخاصّة بالجنس الجديد المبدّل إليه، لكي تظهر عليه بعض علائم هذا الجنس.
وحقيقة هذا القسم هو أنّه تغيير في الجنس لا تغيير الجنس.

صفحه 21
أقول: أمّا حكمه من حيث الموضوع فهذا النوع من التبديل ليس من مقولة تبديل الجنس، بل الجنس الأصلي بكامله محفوظ، وإنّما طرأت عليه بعض التغييرات في نفس الجنس، من غير فرق بين بروزه في آلة التناسل، أو بروزه في الأعضاء الأُخرى للبدن.
وإنّما يخضع لهذا النوع من التبديل بعض الرجال، فمع أنّه رجل ـ مثلاً ـ خلقة لكنّه يميل إلى السلوك الأُنثوي، فترى أنّه في زينته ولباسه ومشيه يقلّد ما عليه الأُنثى، ولذلك يرغب في نفسه أن يلحقّ بالجنس الآخر، وكأنّه غير راض عن جنسه، وإنّما يرتاح إذا تحوّل إلى الجنس الآخر، فهل تتحقّق تلك الأُمنية؟!!
وبعبارة أُخرى: كلّ مَن له آلة واحدة لا آلتان، وإنّما يميل إلى جنس آخر ـ شذوذاً ـ فهل يلحقّ بما أُجري عليه من عملية جراحية أوحقنه بالأدوية، بالجنس الآخر واقعاً وتكويناً؟ الجواب: لا وإنّما يوصف به توهّماً وظنّاً لا واقعاً، وبذلك يصبح الجنس الكامل جنساً ناقصاً.
والناس وإن كانوا يتعاملون معه معاملة الجنس الآخر، ولكنّهم لجهلهم بالواقع يحسبونه أُنثى، وهو في الواقع رجل، وإنّما قلعت منه آلة التناسل الذكرية ورقع بآلة تناسلية أُنثوية، ومع ذلك فهو في عامّة الأعضاء رجل لا رحم له ولا مبيض.
ولذلك أطلقنا عليه عنوان التغيير في الجنس، لا تغيير الجنس. هذا كلّه يرجع إلى بيان الموضوع وأنّه باق على جنسه الأصلي.
وأمّا بيان حكمه الشرعي فهو حرام; لأنّه تنقيص في الخلقة، وإن أردت التفصيل في ذكر الأدلّة فنقول:

صفحه 22
الأوّل: إنّه تغيير لخلق اللّه، وقد دلّ الذكر الحكيم على أنّه عمل شيطاني، قال سبحانه: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا).(1)
وجه الاستدلال: أنّ قطع عضو التناسل في الذكر وتبديله بعضو تناسل أُنثوي تغيير لخلق اللّه سبحانه، وأي تغيير أوضح من تبديل الإنسان الكامل إلى الإنسان الناقص.
الآية وإن اعتبرت تغيير الخلق عملاً شيطانياً، لكنّها منصرفة عن تقليم الأظافر وتقصير الشعر والختان فإنّها ليست أعمالاً شيطانية، بل هي من الأُمور التي تتطلّبها النظافة العامّة، وقد ورد جوازها في الشرائع السابقة كشريعة إبراهيم (عليه السلام).
ثم إنّ هاهنا سؤالين:
1. ربّما يقال: إنّ الآية فاقدة للإطلاق وذلك لأنّ (خَلْقَ اللّهِ) تشمل الجمادات والنباتات والحيوانات، ومن المعلوم أنّ التقدّم العلمي قام على التصرّف في هذا النوع من الخلق، ومعه كيف يمكن ادّعاء الإطلاق في الآية وإخراج هذه الموارد; لأنّه يستلزم تخصيص الأكثر.
والجواب عن ذلك: أنّ قوله سبحانه قبل هذه الفقرة ـ أعني: (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ) ـ دليل على أنّ المراد من الخلق هو ليس الجمادات والنباتات وإنّما يختصّ بالحيوانات، والاعتراف بالإطلاق لايلزم منه تخصيص الأكثر لما عرفت

1 . النساء: 119.

صفحه 23
من أنّ معقد الإطلاق هو الحيوانات.
2. سلّمنا أنّ الآية مختصّة بالحيوانات لكن لسان الآية آب عن التخصيص حيث ورد (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ)بصورة التنديد والاستنكار، فمثل هذا اللسان لايقبل تخصيص الأقل أبداً فضلاً عن الأكثر، وهذا ـ أي كونه آبياً عن التخصيص ـ لا ينسجم مع اتّفاق المسلمين على تقليم الأظفار وقصّ الشعر وذبح الحيوانات.
والجواب: أنّ الآية تمنع عن كلّ تغيير في خلق اللّه(الحيوانات) إذا كان بأمر الشيطان، كما يقول سبحانه حاكياً عن الشيطان: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ)، وعلى هذا فيختصّ التحريم بما إذا كان العمل مستنداً إلى الشيطان، لا ما إذا كان مستنداً إلى الرحمن، فذبح الحيوانات للأكل وبقاء الحياة، وغير ذلك كلّها بأمر من الرحمن عزّ وجل.
إنّ الشريعة الإسلامية حرّمت الذبح إذا كان باسم اللات والعزّى وجوّزته إذا كان باسم الرحمن، فعلى ذلك لا يمنع كون اللسان آبياً عن التخصيص عن جواز هذه الأعمال، لما عرفت من أنّ الموضوع هو التغيير المنتسب إلى الشيطان.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الآية مطلقة وفي الوقت نفسه، الموضوع هو الحيوان، والمراد بالتغيير، هو التغيير الشيطاني.
ولأجل إيضاح المراد من الآية نأتي ببعض كلام المفسّرين:
قال الشيخ الطوسي في «التبيان»: قوله تعالى: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) قال ابن عباس والربيع بن أنس عن أنس أنه الإخصاء، وكرهوا الإخصاء في

صفحه 24
البهائم. ثم اختار الشيخ في نهاية الكلام معنى عامّاً يشمل الإخصاء أيضاً.(1)
وروى الشيخ بسنده عن عثمان بن مظعون قال: قلت لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله): أردت يا رسول اللّه أن أختصي، قال: «لاتفعل يا عثمان فإنّ اختصاء أُمّتي الصيام».(2)
وروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «لا إخصاء في الإسلام ».(3)
وقال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية: إنّ الآية تنطبق على مثل الإخصاء وأنواع المثلة واللواط والسحق.(4)

الدليل الثاني:

إنّ نتيجة هذا العمل الإضرار بالنفس، ولا شكّ أنّه حرام، وأي إضرار أوضح من قلع الجهاز التناسلي الذكري وترقيع أعضاء من الجهاز الأُنثوي حتى تمضي أيام ليتحقّق فيه الالتئام والالتحام.

الدليل الثالث:

إنّ نتيجة هذا العمل صيرورة الإنسان في بعض الصور مخنّثاً، ويراد به أن الرجل يتزيّن بزينة النساء، ويلبس ملابسهن ويعاشرهن ويتعامل الرجال معه معاملة النساء إلى غير ذلك من الآداب والأعراف التي تسبّب وقوع الرجل في عداد النساء، وقد نُهي عنه، وقد روي عن أبي عبداللّه وأبي إبراهيم(عليهما السلام) أنّهما قالا:

1. التبيان في تفسير القرآن: 3/334.
2. الوسائل: 7، الباب 40 من أبواب الصوم المندوب، الحديث2.
3. سنن البيهقي: 10/24.
4. الميزان في تفسير القرآن: 5/85.

صفحه 25
«قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): لعن اللّه المتشبّهات من النساء بالرجال، ولعن اللّه المتشبّهين من الرجال بالنساء».(1)
روى الصدوق عن جعفر بن محمد، عن آبائه(عليهم السلام) في وصية النبي(صلى الله عليه وآله)لعلي(عليه السلام) قال: «يا علي خلق اللّه عزّ وجل الجنّة لبنتين: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة ـ إلى أن قال: ـ فقال اللّه جلّ جلاله: وعزّتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر، ولا نمّام، ولا ديّوث، ولا شرطي، ولا مخنّث و...». (2)
وروى زيد بن علي، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) أنّه رأى رجلاً به تأنيث في مسجد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)فقال له: «اخرج من مسجد رسول اللّه، يا لعنة(يا من لعنه) رسول اللّه»، ثم قال علي (عليه السلام): «سمعت رسول اللّه يقول: لعن اللّه المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال».(3)
وعن أبي خديجة عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال، وهم المخنّثون، واللاتي ينكحن بعضهن بعضاً».(4)
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة حول التخنيث والتخنّث، وقد فسّر غير واحد من أهل اللغة (المخنّث) بأنّه الرجل المشبه للمرأة في لينه ورقة كلامه وتَكَسُّرِ أعضائه .(5)

1. الكافي: 5/552، باب السحق.
2. الوسائل: 11، الباب 49 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث 14.
3. الوسائل: 12، الباب 87 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.
4. الوسائل: 14، الباب 24 من أبواب النكاح المحرم، الحديث6.
5. لاحظ: تاج العروس:3/166، مادة «خنث».

صفحه 26
ولا شك أنّ إجراء العملية الجراحية على آلة الرجل بقطعها ووضع المهبل مكان آلته من أوضح مظاهر التخنيث والتخنّث، فيكون الرجل مستعداً لاستمتاع الرجال به كأُنثى رغم ذكوريته، ولازم ذلك تجويز اللواط به. أفيمكن للشارع الحكيم أن يسوّغ هذا النوع من التبديل الذي سيجعل الرجل الواقعي الذي لم تتغير هويته بصورة المرأة ويعمل معه ما يعمل مع المرأة؟!
ثم إنّه يظهر من بعضهم تجويز هذا النوع من التبديل تحت عناوين ثانوية، ويقول: نعم لو كان ذلك لغرض المعالجة، كما إذا كان شخص له ميول مخصوصة بالجنس المخالف بحيث صارت تلك الميول موجبة لحدوث اختلالات في نفسه أو روحه، أو كانت مصلحة ملزمة أُخرى للتغيير هي أهم، فلا إشكال.
أمّا الأوّل: فلأنّه معالجة وضرورة المعالجة تبيح المحظورات.
وأمّا الثاني: فلأهمية المصلحة الملزمة بالنسبة إلى حرمة الإضرار، وأنّ حرمة النظر وحرمة اللمس من الطبيب مرتفعتان بضرورة المعالجة وأهمية المصلحة الملزمة.(1)
أقول: إنّ محط الكلام ليس في القسم الأوّل الذي يتبدّل الجنس واقعاً إلى جنس آخر، وتزول الهوية الأُولى، وتحلّ محلّها هوية أُخرى، فلا إشكال فيه; إلاّ أنّه أمر غير واقع إلاّ بالإعجاز.
إنّما الكلام في القسم الثاني الذي يوصف التبدّل هناك بالتبدّل الكاذب والصوري، والهوية الأُولى باقية على حالها، ولو كان هناك تبديل فإنّما هو في

1. مجلة فقه أهل البيت، العدد 16، السنة 4، ص 24.

صفحه 27
المظاهر لا في البواطن، وقد عرفت التوالي الفاسدة المترتّبة عليه.
وأمّا تجويزه بالعناوين الثانوية من أنّه من مقولة المعالجة التي تبيح المحظورات، أو المصلحة الملزمة وغيرها، فلايخلو من إشكال من جهتين:
أوّلاً: أنّ المعالجة وإن كانت تسبّب تجويز بعض الأُمور المحظورة،لكنّها محدّدة بما إذا فيها صلاح المريض وحياته، لا مثل هذا العمل الذي يسبب الاستمتاع به بوجه غير شرعي.
وثانياً: فرضنا وجود المصلحة فيه لكنّ المفسدة المترتّبة على هذا النوع من التبديل أكثر من المصلحة التي تُرضِي صاحبها، وقد عرفت أن نتيجة هذا النوع من التبديل هو استمتاع الرجال بعضهم ببعض، وهو فاحشة وساء سبيلاً.
أفيمكن تجويز تلك المفسدة الكبيرة بحجّة أنّ فيه رفع الضرورة عن رجل له رغبة في التأنّث؟! لا أظن أنّ فقيهاً يجوّز ذلك.
وثالثاً: أنّ بعض الأطباء الذين يقومون بإجراء هذه العملية يتمسّكون بأنّ هذا الصنف من الرجال إذا لم تجر لهم هذه العملية ربّما ينتحرون، وجعلوا هذا الأمر تبريراً لقيامهم بإجراء هذه العملية.
ولكن الاستدلال كما ترى موهون، لأنّ حفظ النفس الخبيثة ليس بأهم من جعله بؤرة للفساد.
إلى هنا تبيّن أنّ هذا القسم ـ وهو الرائج حالياً ـ حرام شرعاً وقبيح عرفاً.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ التغيير في الجنس بالنحو المذكور لايخرج المورد عن الجنس الأوّل أوّلاً، وأنّه حرام ثانياً، وبذلك يُعلم أنّ أكثر ما ذكره السيد الإمام الخميني (قدس سره)في «تحرير الوسيلة» من المسألة الثالثة إلى التاسعة من باب المسائل

صفحه 28
المستحدثة، فروض لا واقع لها، وإنّما تنطبق هذه الفروض على القسم الأوّل ]تغيير الجنس[ الذي قلنا بعدم ثبوت إمكانه إلاّ بالإعجاز، ولأجل إيقاف القارئ على أنّ الفروض المذكورة في كلامه لا تنطبق إلاّ على القسم الأوّل دون الثاني، نذكر مسألة واحدة وليقس عليها سائر ما ذكره (قدس سره)، يقول:
1. لو تزوّج امرأة فتغيّر جنسها فصارت رجلاً، بطل التزويج من حين التغيير وعليه المهر تماماً لو دخل بها قبل التغيير، فهل عليه نصفه مع عدم الدخول أو تمامه؟ فيه إشكال، والأشبه التمام.
2. لو تزوّجت امرأة برجل فغيّر جنسه، بطل التزويج من حين التغيير، وعليه المهر مع الدخول، وكذا مع عدمه على الأقوى.(1)
ولأجل إيضاح أنّ هذا النوع من التغيير لايؤثّر في تبديل الجنس نأتي بمثال وهو أنّه لو فرضنا أنّ طبيباً عمل عملية جراحية ـ أو عن طريق حقن بعض الأدوية ـ لإنسان بحيث صار هذا الإنسان يمشي على أطرافه الأربعة ونبت على جسمه شعر كثيف، يشبه شعر القرد، فهل يمكن أنّ نعتبر أن هذا الإنسان قد انقلب قرداً؟ كلا ولا.
***

القسم الثالث: مَن له آلتان لكن تترجّح إحدى الآلتين على الأُخرى

مَن كان له آلتان وتترجّح إحدى الآلتين على الأُخرى ولو من جهة نزول البول من إحداهما دون الأُخرى، أو سائر العلامات، أو دلّت الاختبارات الطبيّة

1. تحرير الوسيلة: 2/564، المسألة3، في تغيير الجنسية.

صفحه 29
على هويته الواقعية، فالتغيير فيه ليس تغيير الجنس ولا تغييراً في الجنس، بل هو كشف عن جنسه الواقعي وهويته الحقيقية حيث إنّ إجراء العملية الجراحية يرفع الستر عن واقعه وأنّه رجل واقعاً أو امرأة كذلك، وإن عاش برهة في الإبهام، وهذا ما يُسمّى في الفقه بـ : الخنثى غير المشكلة.
إنّ إجراء التبديل في هذا النوع جائز شرعاً وراجح عقلاً، حيث تجري العملية في الآلة الزائدة، وليست هي إلاّ لحماً زائداً لاجزءاً من الجسم، وعلى فرض استلزام هذا العمل الحرمة بسبب النظر واللمس فهي مرفوعة بحكم الضرورة، على أنّه إذا كانت امرأة واقعاً ـ وإن كانت بشكل الرجل ـ يمكن إجراء العقد المؤقّت مع الطبيب، فيما لو كان المباشر (الطبيب) واحداً.
***

القسم الرابع: مَن له آلتان ولم تترجّح إحداهما على الأُخرى

مَن كان له آلتان ولم تترجّح إحدى آلتيه على الأُخرى لا من طريق التبوّل، ولا بواسطة الاختبارات الطبية، وهذا ما يسمّى في الفقه بـ : الخنثى
المشكل
.
فبما أنّ إجراء العملية الجراحية وحقن الأدوية لاينتج ولايكشف عن واقع مستور، فذلك لايسبّب الجواز. اللّهمّ إلاّ إذا كشف العمل عن واقع الخنثى بحيث صارت قادرة على إنجاب الطفل في رحمها أو توليد النطفة في محلها، فعندئذ يدخل في القسم الثالث الذي مضى بيانه .
وأمّا وظائفه الشرعية فهي رهن القول بأنّها ليست طبيعة ثالثة، فهي إمّا رجل

صفحه 30
أو امرأة، ومقتضى العلم الإجمالي بأنّه محكوم بأحكام أحد الجنسين، هو وجوب الاحتياط عليه.
أمّا أنّها ليست طبيعة ثالثة، فيستفاد من بعض الآيات، وهي:
1. قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض).(1)
2. وقوله تعالى: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الأُنْثَى).(2)
ومقتضى عطف الأُنثى على الذكر، أو حصر الإنسان بهما، هو انحصار الهوية الإنسانية فيهما، ولا تتجاوزهما، وإيجاب الاحتياط التام عليه،
بمعنى المعاشرة مع المحارم دون غيرهم، وهو مقتضى العلم بكونه إمّا رجلاً
أو امرأة.
كما أنّه يجب على الآخرين الاحتياط، فعلى الرجال والنساء غير المحارم حرمة النظر له، وقد بسط شيخنا الأنصاري الكلام في الخنثى المشكل من حيث معاملتها مع غيرها أو معاملة الغير معها في آخر مبحث القطع، وقال في آخره: وأمّا التناكح فيحرم بينه وبين غيره قطعاً، فلايجوز له تزويج امرأة، لأصالة عدم ذكوريته بمعنى عدم ترتّب أثر الذكورية من جهة النكاح ووجوب حفظ الفرج إلاّ عن الزوجة وملك اليمين، ولا التزوّج برجل، لأصالة عدم كونه امرأة، كما صرّح به الشهيد .(3)

1. آل عمران: 195.
2. القيامة: 39.
3. فرائد الأُصول: 1/65ـ67.

صفحه 31

فخرجنا بالنتائج التالية:

1. تغيير الجنس بمعنى تبديل جنس كامل إلى جنس آخر كذلك أمر لم يثبت إمكانه، وما ذكر من المسائل الفقهية حول هذا النوع فهي فروض فاقدة للموضوع.
2. التغيير في الجنس بمعنى بقاء الفرد على جنسه الأوّل إنّما يسبّب التغيير في الجنس دون تبديله إلى جنس آخر، وذلك بإيجاد التغيير في الجهاز التناسلي وحقنه بالأدوية لكي تظهر فيه حالات الجنس المخالف، فهذا الفرد بعد باق تحت العنوان الأوّل، ولم يتغيّر موضوعه أوّلاً، وإيجاد التغيير فيه حرام ثانياً.
3. مَن له آلتان ودلّت الاختبارات على أنّه من أحد الجنسين، فيكشف واقعه بالعملية الجراحية أوّلاً، وهو جائز ثانياً.
4. مَن له آلتان ولم يحرز لحوقه بأحد الجنسين، فإيجاد التغيير لاينتج شيئاً، وعليه الاحتياط التام، إلاّ إذا أوجد الحرج، فيجب الاحتياط إلى حدّ عدم لزومه .
***

صفحه 32

المسألة الثالثة:

تشريح الأبدان المحترمة

التشريح لغة واصطلاحاً:

أمّا في اللغة: شرَّح الشيء: قطّعه وفصل بعضه من بعض، وشرَح اللحم شرحاً: قطّعه قطعاً طوالاً.
وفي الاصطلاح: هو تقطيع جثّة الميّت (الإنسان أو الحيوان) للتعرّف على كيفية تركيبها ووظائف أعضائها الداخلية، والعلل الموجودة فيها، خصوصاً في حالة البحث عن الجرائم وأسباب الوفاة.
وهذا موضوع مهمّ عمّت به البلوى في حياتنا الحاضرة، في مقامين:
1. تعلّم الطب للجامعيّين في كلّيات الطب، فإنّ الطب الحديث مبني على التشريح بالمعنى المصطلح، فما لم يتعرّف الطالب الجامعي على أعضاء البدن وخصوصياتها، لا يتمكّن من تعلّم الطب.
2. ربّما يتطرّق النقص إلى مجروح أو ميّت، فيتوقّف كشف العلّة على تشريح البدن، حتّى يعلم به مبدأ النقص وعلّته، وعلى كلّ تقدير فالبحث فيه يتمّ

صفحه 33
في محاور سبعة:
1. جواز التشريح أو حرمته حسب العنوان الأوّلي.
2. حكم التشريح حسب العنوان الثانوي من ضرورة تقتضيه.
3. جواز التشريح فرع إجازة الميّت في حال حياته أو أوليائه.
4. لو أوصى رجل وليه بأن يدفع بدنه بعد التغسيل للتشريح، فهل الوصية نافذة أو لا؟
5. حكم الدية، فهل تتعلّق بتشريح البدن سواء أقلنا بجوازه أو بحرمته؟
6. حكم مماسّة عورة الميّت.
7. وجوب تكفين الجثّة المشرّحة والصلاة عليها ودفنها.
وإليك دراسة هذه المحاور تباعاً.

المحور الأوّل: حكم التشريح حسب العنوان الأوّلي

يقول السيد الإمام الخميني: لا يجوز تشريح الميّت المسلم، ولو فعل ذلك ففي قطع رأسه وجوارحه دية ذكرناها في الديات، وأمّا غير المسلم، فيجوز ذمّياً كان أو غيره، ولا دية ولا إثم فيه.(1)
وحاصل كلامه: حرمة تشريح بدن المسلم بالعنوان الأوّلي، دون الذمّي، وأمّا تشريح بدن المسلم بالعنوان الثانوي فسيأتي حكمه.
قال السيد الخوئي (قدس سره): لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم، فلو فعل لزمته

1 . تحرير الوسيلة: 2 / 665، مبحث المسائل المستحدثة، المسألة رقم1.

صفحه 34
الدية، على تفصيل ذكرناه في كتاب الديات. ويجوز تشريح بدن الميّت الكافر بأقسامه. وكذا إذا كان إسلامه مشكوكاً فيه بلا فرق في ذلك بين البلاد الإسلامية وغيرها .(1)
ونجد مثل هذه الكلمات في كلام غيرهما، والمهم التعرّف على دليل حرمة العمل.
وقد استدلّ على تحريم التشريح بوجوه:

الأوّل: التشريح من مقولة المُثلة

ربّما يتصوّر أنّ التشريح من مقولة المثلة فيكون حراماً بنفس الدليل على حرمتها:
1. قال الإمام علي (عليه السلام)في وصيته للإمام الحسن (عليه السلام): «انظروا إذا أنا متّ من ضربته (يعني عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله) فاضربوه ضربة بضربة، ولا يُمثّل بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور».(2)
2. روى الكليني بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول:... لا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا...».(3)

1 . منهاج الصالحين: 1 / 426، كتاب الجهاد.
2 . نهج البلاغة: الكتاب رقم 37 .
3 . الوسائل: 1، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

صفحه 35
قوله: «لا تغلوا» أي لا تجاوزوا الحدّ، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ)(1): أي كالقول بإلهية المسيح ونحوها.
يلاحظ عليه: بأنّ المُثلة عبارة عن «قطع الأُنوف والآذان ونحو ذلك من الحيّ والميت».(2) وعلى هذا فإنّ المُثلة من مقولة العقوبة على الميّت حقداً وانتقاماً، وأين هذا من تشريح بدن الميّت لإنقاذ البشر من الأمراض، وتعليم طلاّب علم الطب وظائف الأعضاء لغاية علاج المرضى، أو كشف سبب الجريمة، إلى غير ذلك من الآثار المطلوبة عند العقلاء؟

الثاني: ما يدلّ على تحريم قطع أعضاء الميّت

قد عقد الشيخ الحرّ العاملي باباً في كتاب الديات تحت عنوان: تحريم الجناية على الميّت المؤمن بقطع رأسه أو غيره، وأورد فيه ست روايات منها: ما رواه الكليني باسناده عن جميل، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «قطع رأس الميّت أشدّ من قطع رأس الحيّ».
وفي رواية أُخرى عنه (عليه السلام) أنّه سُئل عن رجل قطع رأس ميّت؟ قال: «حرمة الميّت كحرمة الحيّ» .(3)
وفي رواية عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ الله حرّم من المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياءً» .(4)

1 . المائدة:77.
2 . لاحظ: مفردات الراغب:462، مادة «مثل».
3 . الوسائل: 19، الباب 25 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1 و2 .
4 . الوسائل: 19، الباب 25 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3.

صفحه 36
إلى غير ذلك من الروايات.
يلاحظ على ذلك: أنّ مصب الروايات هو الجناية على الميّت المسلم وهو بقصد التشفّي والحقد والانتقام، وأين هذا من تشريح البدن لإنقاذ المجتمع من الأمراض؟ فالروايات منصرفة عن مورد البحث.

الثالث: ما يدلّ على تعلّق الدية بالجناية على الميّت

عقد الحرّ العاملي (قدس سره)باباً باسم: دية قطع رأس الميّت ونحوه وذكر فيه ست روايات، تدلّ على مقدار دية قطع الأعضاء، منها: ما رواه الكليني عن محمد بن الصباح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ في حديث ـ أنّ المنصور سأله عن رجل قطع رأس رجل بعد موته؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «عليه مائة درهم».(1)
فإنّ إيجاب الدية دليل على حرمة العمل.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا حول الروايات السابقة، فإنّ قطع رأس الرجل لغاية التشفّي والحقد. وأين هذا من الغايتين اللّتين مرّتا في صدر البحث؟! فالقدر المتيقّن غير ما نحن فيه. وادّعاء الإطلاق فيها كماترى، وأمّا حكم الدية لدى التشريح فسيوافيك في مورده.

الرابع: ما يدلّ على عدم جواز إزالة شيء من شعر الميّت

عقد الحرّ العاملي باباً تحت عنوان: باب عدم جواز إزالة شيء من شعر الميّت أو ظفره، فإن فعل جعله معه في الكفن، وكراهة غمز مفاصله.

1 . الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1 .

صفحه 37
أخرج الكليني بسنده عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا يمسّ من الميّت شعر ولا ظفر، وإن سقط منه شيء فاجعله في كفنه».(1)
وجه الاستدلال هو: أنّه إذا حرم قصّ ظفر الميّت، فتشريح بدنه يكون حراماً بطريق أولى.
والأَولى الاستدلال بعد هذا القسم من الروايات بوجهين آخرين:
الأوّل: الأصل المحكّم في التصرّف في النفوس والأعراض والأموال هو الحرمة، فالتشريح نوع تصرّف في جسم المسلم وما يتعلّق به، وهو أمر محرّم لا يجوز إلاّ بدليل.
الثاني: إنّ في التشريح مع قطع النظر عن العناوين الثانوية نوع هتك للميّت، فإنّ قطع أعضائه وتفكيكها جزءاً بعد جزء، انتهاك لحرمته، وهو أمر محرّم، ولذلك قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن الله حرّم من المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياء».(2)
إلى هنا تمّ الكلام حول حكم التشريح حسب العنوان الأوّلي.
ثم إنّ التفصيل بين المسلم والذمّي بالتحريم في الأوّل، والجواز في الثاني حسب العنوان الثانوي، ليس بتام، فإن الذمّي إذا عمل بأحكام الذمّة يكون حكمه حكم المسلم في احترام نفسه وعرضه وبدنه. نعم لو كان حربياً أو غير ذمّي، فيمكن أن يقال بخروجهما عن مورد الرواية وعن الأصل الحاكم بالحرمة، فما

1 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب تغسيل الميّت، الحديث 1، ولاحظ بقية روايات الباب.
2 . مرّ مصدره.

صفحه 38
يظهر من السيد الأُستاذ والسيد الخوئي من جواز تشريح بدن الذمّي، غير تام. بل هما سيان في المنع الأوّلي والجواز الثانويّ. بل يكفي إلحاق المعاهد، والمستأمن من الكفّار، بالذمّي.

المحور الثاني: حكم التشريح حسب العنوان الثانوي

ذهب غير واحد من الأعاظم إلى أنّه لو توقّف حفظ حياة المسلم على التشريح، ولم يمكن تشريح غير المسلم، فالظاهر جوازه، وأمّا لمجرّد التعلّم فلا يجوز ما لم تتوقّف حياة مسلم عليه .(1)
ولا يخفى أنّ العبارة غير وافية بالمقصود من جانبين:
1. كان عليه (قدس سره)أن يقول مكان (لو توقّف حفظ حياة المسلم على التشريح) أن يقول: لو توقّف حفظ حياة المجتمع الإسلامي على التشريح. إذ لا تتوقّف حياة مسلم واحد عليه، إلاّ أن يراد بالمسلم جنسه.
2. أنّ قوله: «وأمّا لمجرد التعلّم فلا يجوز ما لم تتوقّف حياة مسلم عليه» لا ينطبق على ما هو الرائج، فإنّ التعلّم غالباً لأجل أنّ حياة المسلمين تتوقّف على تعلّم الطب، وهو موقوف على التشريح. وأمّا التشريح لمجرّد التعلّم فهو خارج عن مصبّ البحث، وهو قليل جداً.
وكذا يظهر الضعف في كلام السيد الخوئي حيث قال: لو توقّف حفظ حياة مسلم على تشريح بدن ميّت مسلم، ولم يمكن تشريح بدن غير المسلم ولا

1 . لاحظ: تحرير الوسيلة: 2 / 666، مبحث المسائل المستحدثة، المسألة3.

صفحه 39
مشكوك الإسلام، ولم يكن هناك طريق آخر لحفظه جاز ذلك.(1)
فإذا عرفت ذلك فالأولى الحكم بجواز التشريح، للغرض المذكور، فإنّ إنقاذ حياة المسلمين من الأمراض فرع العلم بمعرفة تركيب الأعضاء ووظائفها، وهو لا يتمّ اليوم إلاّ بتشريح بدن الإنسان بشرط أن يكون المتعلّم ناوياً الإقامة في بلد الإسلام والطبابة فيه، ولا يشمل غيره ممّن يريد التعلّم والهجرة إلى دار الكفر.
نعم كان الطب في الأزمنة السابقة مبنياً على تشريح بدن الحيوان، والشيخ الرئيس كان يُعلّم تلاميذه من هذا الطريق، ولكن التقدّم العلمي قلب كثيراً من الأُمور، فلو حذفنا التشريح عن دائرة علم الطب لما توصلنا إلى المقصود التام لعلم الطب في حياتنا الحاضرة.
ويؤيّد ذلك بعض ما ورد من الروايات .
فقد عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان: «باب حكم موت الحمل دون أُمّه أو بالعكس». وذكر فيه ثماني روايات نذكر منها ما رواه الكليني باسناده عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: في المرأة تموت ويتحرّك الولد في بطنها أيشقّ بطنها ويخرج الولد؟ قال: قال: «نعم وتخاط بطنها».(2)
وبهذا المضمون روايات أُخرى. هذا فيما إذا ماتت المرأة دون الولد، وأمّا العكس فقد روى الكليني بإسناده عن وهب بن وهب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «في المرأة، يموت في بطنها الولد فيتخوّف عليها، قال: لا

1 . منهاج الصالحين للسيد الخوئي: 1 / 426، كتاب الجهاد، المسألة 38 .
2 . الوسائل: 2، الباب46 من أبواب الاحتضار، الحديث1.

صفحه 40
بأس بأن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه».(1) ترى أنّ الاضطرار جوّز ما كان حراماً، والمورد من هذه المقولة، إذ لولا تعلّم الطب المتوقّف على التشريح لهلكت أُمّة كبيرة من المسلمين، فيكون المورد من مصاديق: «كلّ ما اضطر إليه العبد فقد أحلّه الله له وأباحه إيّاه» .(2)
ويؤيّد ما ذكرنا أنّه لو بلع الإنسان مال الغير وله قيمة مرتفعة ثم مات ولم يرض صاحبه بذلك، أفتى الفقهاء بجواز شقّ بطنه وإخراج المال منه.
نعم الضرورات تقدّر بقدرها:
1. مع التمكّن من تشريح بدن الحربي لا تصل النوبة إلى بدن الميّت المحترم، أخذاً بالأهم.
2. مع وجود الكافر الذمّي لا تصل النوبة إلى المسلم عند مَن يرى اختصاص التحريم ببدن المسلم دون الكافر; بل لو قلنا بشمول الحرمة للذمّي فالأحوط رعاية الترتيب بين المسلم والكافر الذمّي.
3. يشترط أن يكون التشريح مقدّمة لحفظ حياة المسلمين.
بقي الكلام في أنّ قسماً من طلاّب كلّيات الطب بعد ما أنهوا الدراسات العامّة في الطب، يتخصّصون في فروع أُخرى كعلم الصيدلة أو التخدير، فربّما يتوهّم أنّ حضورهم في عملية التشريح، لا يُعدّ مقدّمة للطبابة. ولكنّه غير تام لأنّ الطبابة لا تنحصر بمعرفة المرض وتعيين الدواء، وكتابة الوصفة، بل يشمل ما يقوم به الصيدلي من أعمال أُخرى كتركيب الأدوية بعضها مع بعض، وهي إحدى

1 . الوسائل: 2، الباب 46 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.
2 . كتاب سليم بن قيس: 251.

صفحه 41
وظائف الطبيب الصيدلاني، وأوضح منه متخصّص التخدير، فإنّ التخدير من مقدّمات الطبابة بل من صميمها.

المحور الثالث: شرطية إجازة الميّت في حال حياته، أو أوليائه

قد تقدّم أنّ التشريح حسب العنوان الأوّلي أمر محرّم للأصل الدالّ على التحريم في كلّ ما يمّت إلى الغير بصلة، ولكونه هتكاً للميّت، وعلى هذا فلو قضت الضرورة على التشريح وكان تشريح بدن الميّت المحترم من دون الشرطين(إجازة الميت وأوليائه) هتكاً له، فالجمع بين الأمرين رهن صدور إذن من الميّت حال حياته بالتشريح.
فإن قلت: إنّ إذن الميت في حال حياته لا يرفع الحرمة.
قلت: إذا كان دليل الحرمة هو كون التشريح هتكاً للميت فهو يرتفع مع الإذن، ويترتّب عليه أنّه مع إيصائه، لا حاجة إلى إذن الأولياء، نعم لولا الإيصاء يتوقّف رفع الهتك على إذنهم.
إن قلت: إنّ ورثة الميّت ليس لهم الولاية على بدن المورّث، فلا وجه لكسب إذنهم .
قلت: إنّ تشريح بدن المورّث لمّا كان هتكاً لشؤون الميّت، كان الاستئذان من الورثة حفظاً لهذه الغاية.
وعلى كلّ تقدير: فإن أمكن الجمع بين الأمرين من وجود إذن الميّت أو أوليائه، فهو، وإلاّ يؤخذ بأقوى الملاكين، بشرط أن يكون التشريح منحصراً في المورد المحرّم(الميّت المسلم الفاقد للإذن مطلقاً)، وأمّا مع وجود بدن المحارب،

صفحه 42
أو مع أذن المسلم، فلا تصل النوبة إلى إذن الورثة.

المحور الرابع: لو أوصى رجل وليّه بأن يدفع بدنه لأجل التشريح

إذا أوصى الرجل إلى دفع بدنه لمَن يتعاطى أمر التشريح، فهل الوصية نافذة أو لا؟
ربّما يقال: لا أثر لهذه الوصية، نظير ما لو أوصى وهو في قيد الحياة، بقطع اليد .
يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق، فإنّ المقيس عليه جناية على صاحب اليد، ولا ينقلب عنها باذنه، بخلاف المورد فإنّ الإيصاء لأجل رفع المحذور أوّلاً حيث إنّ التشريح بلا إذن هتك، وانتفاع المتعلّمين من التشريح ثانياً.

المحور الخامس: حكم الدية

لاشكّ أنّ التشريح لا ينفكّ عن تفريق الأعضاء بعضها عن بعض وشرحها كما تُشرّح اللحوم، فربّما يقال بوجوب تعلّق الدية على مَن يقوم بالتشريح، قال السيد الأُستاذ (رحمه الله): لا إشكال في وجوب الدية إذا كان التشريح لمجرّد التعلّم، وأمّا في مورد الضرورة والتوقّف المتقدّم، فلا يبعد السقوط على إشكال .(1)
ما ذكره (قدس سره)من لزوم الدية على مجرّد التعلّم من دون أن يكون مقدّمة لتعلّم الطب وإنقاذ المجتمع من الأمراض حقّ لا مرية فيه، إنّما الكلام فيما إذا كان التشريح لغاية تعلّم الطب، فلم يستبعد السيد الإمام (رحمه الله)سقوط الدية; لأن الإذن في

1 . تحرير الوسيلة: 2 / 666، المسائل المستحدثة، المسألة 4.

صفحه 43
العمل يلازم سقوط الدية.
أقول : ما ذكره(قدس سره) من أنّ الإذن في التصرّف يلازم سقوط التبعة أمر غير تام، فإنّ الإنسان مأذون في عام المخمصة أن يسرق مال الغير ضامناً لقيمته، فليكن المقام من هذا القبيل.
فإن قلت: قد ورد فتح بطن أُمّ الجنين لإخراجه حيّاً، أو لإنقاذ الأُمّ إذا كان ميّتاً، ولم يرد فيها شيء من لزوم الدية، ولو كانت واجبة لكان اللازم بيانه.
قلت: التمسّك بها فرع وجود الإطلاق فيها وإنّ الإمام(عليه السلام) بصدد بيان حكم كلّي يمت إلى الموضوع بصلة، وأين هذا من ظاهر الرواية؟!
وهناك احتمال آخر وهو وجوب الدية على الحكومة الإسلامية; لأنّ الضرورة الاجتماعية ألجأت الطبيب إلى التشريح، فعمله هذا وما بعده عمل لصالح المجتمع الّذي يرأسه الحاكم الإسلامي.

المحور السادس: حكم مماسّة عورة الميّت

إنّ التشريح لا ينفك عن مماسّة عورة الميّت، إذ هي حرام على الرجل والمرأة. بل يحرم على المرأة غير ما يظهر من الرجل، النظر إليه ومماسّته، لكن الضرورة، تبيح المحظور. ولذلك يجب الاقتصار بالقدر اللازم.

المحور السابع: وجوب تكفين الجثّة المشرّحة والصلاة عليها ودفنها

إذا تمّت عملية التشريح فالأولى تكفينه ودفنه والصلاة عليه لولم يصل عليه قبل إدخاله في دائرة التشريح; لأنّه من حقوق الميّت على المسلمين.

صفحه 44

المسألة الرابعة

ترقيع بدن الإنسان بأعضاء بدن إنسان آخر حيّ أو ميّت

التقدّم العلمي في مجال الطبّ سهّل انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيّاً كان أو ميّتاً ; بل سهّل انتفاع الإنسان بأعضاء نفس بدنه كأخذ شيء من عروق الساق لترميم عروق القلب، فيقع الكلام في جوازه شرعاً وعدمه.
وقبل ذلك نذكر أُموراً تمهيدية مهمّة:

1. تعريف الترقيع وفائدته

الترقيع هو نقل عضو أو جزء من عضو من بدن إلى بدن آخر أو إلى نفس البدن. وله غايات ثلاثة:
1. لأجل حفظ النفس، إذ تحكم الضرورة بذلك لأجل البقاء على أصل الحياة.
2. المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف أحد أعضاء الجسم كأخذ قرنية العين من إنسان وإعطائها لإنسان آخر، عند استئصال العين لعلّة فيها.
3. لغاية التجميل وتحسين المظهر الخارجي .

صفحه 45

2. حكم ترقيع بدن الإنسان من نفس أعضائه

لاشكّ أن محلّ البحث هو الانتفاع بجسم إنسان آخر، وأمّا أخذ بعض أعضاء الإنسان لترقيعها في نفس بدنه ـ كما هو المعروف في الأخذ من عظام الخاصرة لترميم بعض العظام المكسورة، أو أخذ شيء من جلد الأرجل ووصله بالجلد المحترق من الوجه ـ فخارج عن محطّ البحث، ضرورة وضوح جواز ذلك، لأنّ المفروض أنّ الإنسان راض بذلك، والعمل له غاية عقلائية، وبعد الترقيع يكون جزءاً من الإنسان ومحكوماً بالطهارة.

3. الروايات الواردة في الموضوع

بما أنّ المسألة من المسائل المستحدثة، فلم يرد فيها شيء يتمسّك به، إلاّ ما يلي:
1. روى الحرّ العاملي في «الوسائل» عن «مكارم الأخلاق» عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الثنيّة تنفصم (تنقصم)، أيصلح أن تشبّك بالذهب؟ وإن سقطت، يجعل مكانه ثنيّة شاة؟ قال: «نعم، إن شاء فليضع مكانها ثنيّة شاة، بعد أن تكون ذكيّة».(1)
2. وروى عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل ينفصم سنّه، أيصلح له أن يشدّها بالذهب؟ وإن سقطت أيصلح أن يجعل مكانها سنّ شاة؟ قال: «نعم، إن شاء ليشدّها بعد أن تكون ذكيّة» .(2)

1 . الوسائل: 3، الباب 31 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 2.
2 . الوسائل: 3، الباب 31 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 3.

صفحه 46
إنّ السن ممّا لا تحلّ فيه الحياة، فما في الرواية من شرطية كون الحيوان مذكّى محمول على الرجحان.
3. وروى عن زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سأله أبي ـ وأنا حاضر ـ عن الرجل يسقط سِنّه، فأخذ سن إنسان ميّت فيجعله مكانه؟ قال: «لا بأس» .(1)
4. وروى الشيخ بإسناده عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)أنّ رجلاً قطع من بعض أُذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى علي (عليه السلام)فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أُذنه، فردّه(فوراً) على أُذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى علي (عليه السلام)فاستقاده (فاستعداه) فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت، وقال (عليه السلام): «إنّما يكون القصاص لأجل الشين».(2)
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في محاور :

شرطية الإذن في الأخذ عن الحيّ مع عدم إيجاد الخلل في الحياة

المحور الأوّل: أخذ الأعضاء من الإنسان الحيّ المحقون الدم، مسلماً كان أو ذمّياً، سواء أكان العمل لحفظ حياة المستفيد، أو لإكمال وظيفة العضو، أو لتجميله; فلاشكّ أنّه لا يجوز إلاّ بإذن المفيد، فيشترط أن يكون إنساناً بالغاً عاقلاً، وعارفاً بصلاحه وفساده، وأن لا ينتهي الأخذ بموت المفيد، كالقلب والكبد، وإنّما يجوز في غيرهما، كالكليتين، فتؤخذ إحداهما، أو إحدى قرنيتيه، كلّ ذلك مشروط أن لا ينتهي بموت المفيد. وفي الوقت نفسه أن يكون الأخذ بإذنه.

1 . الوسائل: 3، الباب 31 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 19، الباب 23 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1 .

صفحه 47

شرطية الإذن فقط في الأخذ عن الميّت

المحور الثاني: أخذ الأعضاء من بدن الإنسان الميّت لإحدى الغايات الثلاث: من حفظ الحياة، أو حفظ وظيفة العضو كنقل إحدى القرنيتين لا كلتيهما، أو لتجميل العضو.
نعم بما أنّ المفيد هنا ميّتٌ، فلا يشترط فيه ما اشترط في المحور الأوّل، من شرطية عدم قضائه على حياة المفيد، ولذلك يجوز أخذ القلب والكبد، في المقام بخلاف السابق.

القول بعدم شرطية الإذن عند توقّف حياة المسلم على الأخذ

ثم إذا كان الميّت كافراً حربياً فلا يعتبر فيه الإذن، وأمّا إذا كان ذميّاً مسلماً وخاضعاً لقواعد الإسلام، فربّما يقال بعدم شرطية الإذن فيما إذا توقّف إنقاذ حياة مسلم على أخذ العضو ووصله في بدنه لما فيه من الأولوية والضرورة.
وإن شئت قلت: دار الأمر هنا بين الأهمّ والمهمّ، ولا ريب في أنّ اللازم الأخذ بالأهمّ وهو حفظ حياة المسلم.
يلاحظ عليه: بأن سقوط الإذن مبني على ثبوت أمر ـ وهو لزوم حفظ حياة المسلم ولو بالتصرّف في جسم الميّت الّتي تلازم الهتك ـ غير ثابت لو لم يثبت عدمه، إذ اللازم حفظ حياة الإنسان بالأسباب المحلّلة دون المحرّمة. وأولى من الذمّي إذا كان الميّت مسلماً.
ومنه يُعلم أنّه لا يجوز فيما إذا كان العضو ممّا لا تتوقّف عليه الحياة بطريق أولى، كما في زرع بعض أجزاء العين المأخوذة من الميّت، فإنّ وجود مجرّد

صفحه 48
المصلحة لا يكفي في رفع الحرمة.
ومنه يظهر حكم الفرض الثالث ـ أعني: الترقيع للتجميل ـ وفي الموارد الثلاثة لا يجوز إلاّ إذا كان هناك إذن من الميّت حال حياته، أو إذن أوليائه.
فإن قلت: إنّ الميّت لا يملك بدنه كما أنّ الوارث لا يملك بدن الميّت، فلماذا قلتم بلزوم الإذن؟
قلت: إنّ الإلزام بالإذن ليس لكونهما مالكين، بل لأنّه هتك لبدن الميّت، وشين لأوليائه، وقد مرّ أنّ الأصل الأَوّلي في التصرّف، في جسم الغير، هو الحرمة، وما ذكرناه هو ما اختاره بعض فقهاء العصر من أهل السنّة، قال الزحيلي: يجوز نقل عضو من ميّت إلى حيّ تتوقّف حياته على ذلك العضو، أو تتوقّف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميّت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ المسلمين إن كان المتوفّى مجهول الهوية أو لا ورثة له.(1)
وعلى ما ذكرنا فالحقّ هو الجواز مطلقاً مع وجود الإذن في الموارد الثلاثة، وعدمه كذلك، من غير فرق بين كون المفيد مسلماً أو ذمّياً، إلاّ أنّ الظاهر من سيدنا الأُستاذ هو التفصيل بين توقّف حياة المستفيد فيجوز مطلقاً، سواء أكان هنا إذن من الميّت أو لا، وحياة العضو فلا يجوز، مطلقاً قال: لا يجوز قطع عضو من الميّت لترقيع عضو الحيّ إذا كان الميّت مسلماً، إلاّ إذا كان حياته متوقّفة عليه، وأمّا إذا كان حياة عضوه متوقّفة عليه فالظاهر عدم الجواز، فلو قطعه أثم .(2)
والظاهر أنّ تفصيله مختصّ بما إذا كان المفيد ميّتاً مسلماً. وأمّا الذمي فلا

1 . الفقه الإسلامي وأدلّته: 9 / 523، المستدرك.
2 . تحرير الوسيلة: 2 / 561، المسألة 5 .

صفحه 49
يظهر منه ذلك التفصيل.
ثم إنّ الظاهر من الأطباء أنّ موت الدماغ يقارن تعطّل جميع وظائفه تعطّلاً نهائياً لا رجعة فيه طبيّاً، فهو مع قيام القلب بوظائفه، بمنزلة الميّت عندهم، ولكنّه بمنزلة الحيّ عند الشرع، فلابدّ أن ينتظر إلى أن يظهر حاله من الموت النهائي.

المحور الثالث: في ثبوت الدية أو أخذ العوض

يقع الكلام في دية الميّت أوّلاً، وفي جواز أخذ الحيّ للعوض ثانياً.
أمّا الأوّل: فالظاهر من السيد الأُستاذ، عدم الدية فيما إذا توقّفت حياة المسلم على الأخذ، ولزوم الدية فيما إذا توقّفت حياة العضو على الأخذ، إلاّ إذا أذن في حال حياته، فلا دية. وأمّا أولياء الميّت فلا أثر لإذنهم.
أقول: أمّا كلامه في حياة العضو فالتفصيل بين الإذن وعدمه هو الصحيح; لأنّ إذن الميّت في حال حياته للترقيع بمعنى أنّه بصدد إسداء خدمة إنسانية، ومعها فأخذ الدية لا يجتمعان، بخلاف ما لو لم يأذن. ولم تكن حياة المستفيد متوقّفة عليه، فإيجاب الدية وجيه.
وأمّا القول بعدم الدية فيما إذا كان الأخذ لحياة المستفيد، إذا لم يأذن فغير وجيه، لما مرّ من أنّ توقف حياة المستفيد لا يلازم سقوط الدية، وذلك كجواز أكل مال الغير مع عدم إذنه في المخمصة مع الضمان.
فإن قلت: قد تقدّم في الروايات الواردة في صدر الرسالة عدم ذكر الدية في أخذ السن من الميّت هناك مع كثرة الروايات.
قلت: إنّ الروايات بصدد بيان حكم الأخذ من حيث الجواز والحرمة أو

صفحه 50
الطهارة والنجاسة، ولم تكن بصدد بيان لزوم الدية وعدمها. فالظاهر لزوم الدية في الجميع، ويصرف في ديون الميّت أو في الأُمور الخيرية ممّا يرجع ثوابه إليه .
وأمّا الثاني: ـ أعني: جواز أخذ العوض في مورد الحيّ ـ فسيأتي الكلام فيه في المحور الخامس.

المحور الرابع: في طهارة العضو المرقع به ونجاسته

لاشكّ أنّ العضو الحيّ المبان من الحيّ يوصف بكونه ميتة، محكوماً بالنجاسة، فيقع الكلام في حكم طهارة العضو ونجاسته والصلاة فيه وغيرها، فالحقّ أن يقال: إنّ العضو بعدما رقع به، والتحم بعد مضي زمان يُعدّ عضواً من بدن المستفيد، لأنّ ولوج الروح يجعله جزءاً من بدن الإنسان، إنّما الكلام فيما إذا رُقّع به ولكن لم يلتحم، بَعدُ، فاستصحاب النجاسة هو المحكّم، ولا فرق في ذلك بين كون العضو عضواً للمسلم أو للكافر أو للمشرك أو لحيوان نجس العين.
فإن قلت: يظهر ممّا مرّ من أنّ رجلاً قطع من بعض أُذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى عليّ (عليه السلام)فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أُذنه فردّه على أذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى عليّ(عليه السلام)، فاستقاده (فاستعداه) فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت، وقال (عليه السلام): «إنّما يكون القصاص لأجل الشين».(1) إنّ العضو المبان من خصوص جسم الحي المحكوم بالطهارة، إذ لو كان نجساً لكان اللازم التنبيه عليه، لأنّه كان يصلّي معه ويمسّه ويعامله معاملة الطاهر، طيلة تلك المدّة.
قلت: إنّ الرواية ليست في مقام بيان حكم المبان من حيث الطهارة

1 . الوسائل: 19، الباب 23 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.

صفحه 51
والنجاسة، حتّى يذكر للرجل أحكام صلاته فيما مضى.
نعم يستثنى في المقام أمران:
1. إذا كان محلّ الترقيع هو البواطن كالكلى وباطن العين وعروق القلب، فإنّ الجميع وإن كان محكوماً بالنجاسة قبل الالتحام لكنّه من قبيل المحمول النجس، وهو غير مضر خصوصاً إذا كان في الباطن. ونظيره ترقيع الأمعاء ـ إذا ابتلى جزء منها بالسرطان، فيقطع ويرقع ـ بأمعاء حيوان آخر .
2. إذا كان المأخوذ من ميّت تمّت أغساله، فإن العضو المبان منه، محكوم بالطهارة.

المحور الخامس: جواز بيع الأعضاء للترقيع

ربّما يقوم بعض الأفراد ـ خصوصاً الفقراء ـ ببيع بعض أعضائهم كإحدى الكليتين، أو يقوم بعض الورثة ببيع بعض أعضاء ميتهم، فهل يجوز البيع أو لا، إذا كانت نافعة؟
ربّما يقال بعدم جواز بيعه لأحد وجهين:
الأوّل: ما ذكره ابن قدامة في «المغني» قال: يحرم بيع العضو المقطوع لأنّه لا نفع فيه .(1)
أقول: الظاهر أنّ كلامه ناظر إلى عصره حيث لم يكن ينتفع بالميتة إلاّ بالأكلّ المحرّم، ولذلك استدرك عليه محشّي المغني بقوله: مفهومه أنّه يجوز بيعه إذا انتفع به، وهذا حاصل في عصرنا في الجلد تسلخ قطعة منه ويرقع بها البدن، وفي

1 . المغني: 4 / 304 .

صفحه 52
غير ذلك .(1)
الثاني: لا يجوز بيع الكلى ولا سائر الأعضاء، ولا الجلود وشبهها، لاندراج الجميع تحت بيع الميتة، فيحرم بيعها وشراؤها.
أقول: الإشكال مركّز على ما يؤخذ من الميّت فيما تحلّ فيه الحياة، وأمّا ما لا تحلّ فيه كالأسنان والشعر والوبر، فلا إشكال فيها. إنّما الكلام فيما تحلّ فيه الحياة، فقيل: إنّ ما دل على حرمة بيع الميتة، يشمل المقام.
روى الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ثمن الخمر سحت، وأجر الكاهن سحت، وثمن الميتة سحت».(2)
يلاحظ عليه: إنّما دلّ على حرمة ثمن الميتة ناظر إلى ما لا ينتفع به إلاّ في الأكل، وأمّا إذا كانت له منفعة محلّلة ـ كما في المقام ـ فلا تشمله الأدلّة. روى الشيخ عن معاوية بن وهب وغيره عن أبي عبدالله (عليه السلام)في جرذ مات في زيت، ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به» .(3)
وبما ذكرنا يظهر وجه المنع في رواية البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها، ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها».(4)
فإنّ المنع عن بيعها للخوف من استعمالها في الأكل، فلو كان البائع على ثقة

1 . المغني والشرح الكبير: 4 / 304، الهوامش .
2 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8 .
3 . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .
4 . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6، ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 53
بأنّ المشتري يذيبها ويسرج بها، فلا مانع من البيع.
ويشهد على ما ذكرنا رواية أبي القاسم الصيقل وولده قال: كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك إنّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها، وإنّما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلّي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا. فكتب: «اجعل ثوباً للصلاة»(1). والظاهر أنّ الضمير في «بيعها ومسّها» : يعود إلى الميتة. فسكوت الإمام في الجواب عن بيع الجلود الميتة دليل على جواز البيع .
ثمّ تفصيل الكلام في الانتفاع بالميتة أوّلاً والبيع ثانياً، موكول إلى محلّه.(2)

1 . الوسائل: 12، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
2 . لاحظ: المواهب في تحرير أحكام المكاسب: 88 ـ 113.

صفحه 54

المسألة الخامسة

اليانصيب

قد شاع وذاع في أغلب البلدان الإسلامية موضوع اليانصيب، فهو ممّا يطلب حكمه حسب القواعد الشرعية، وتحقيق الكلام فيه رهن البحث في جهات:

الأُولى: تعريف اليانصيب

وهو عبارة عن اتّفاق بين شركة من جهة ـ وعدّة أشخاص(1) من جهة أُخرى ـ وبمقتضى هذا الاتّفاق يأخذ كلّ شخص بطاقة أو بطاقات اليانصيب بإزاء مبلغ معيّن، وتتعهد الشركة بأن يقرع فمَن أصابت القرعة بطاقته تعطيه الشركة مبلغاً معيّناً من المال.
ثم إنّ محلّ البحث في اليانصيب ما إذا كان هناك عوض ومعوّض، وأمّا إذا خلا عن العوض وكان هناك إهداء من جانب لمَن أصابت له القرعة فهو خارج عن مصبّ البحث لوضوح حكمه، وهذا ما يصنعه بعض الناس في المناسبات

1 . الذين يشترون البطاقات المرقمة برقم خاص.

صفحه 55
حيث تكتب أوراق صغار تحمل أسماء بعض الجوائز وتوضع بين الأوراق الخالية البيضاء، ويقام لذلك حفل خاص يُعقد بمناسبة معيّنة كزفاف أو ميلاد، وتنثر الأوراق على الجالسين، فمن كان نصيبه الورقة المكتوب عليها الجائزة فيأخذها، ومن كان نصيبه الورقة البيضاء يكون محروماً من الجوائز. وهذا لا إشكال فيه.
وقد قيل: إنّ المأمون العباسي حينما عقد ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام)عمل بذلك.(1)
ثم إنّ الجوائز في «اليانصيب» تارة تكون نقوداً، وأُخرى سيارة أو حاجة من حوائج المنزل.

الجهة الثانية: في تعيين العوض والمعوّض

إنّ البطاقات تباع عن طريق وكلاء الشركة، فيقع الكلام في جواز بذل المال في مقابلها، وقد ذكر المحقّق الشيخ حسين الحلّي (رحمه الله) أربعة وجوه لبيان واقع هذه المعاملة، أفضلها الأوّل والثاني، وأمّا بقية الوجوه فخارجة عن محلّ الابتلاء:
1. أن يكون بذل المال بإزاء نفس البطاقة، ويكون البيع والشراء واقعاً على هذه الأوراق، ولكنّه مشروط بإجراء القرعة، وحقّ الدخول للباذل في جملة مَن يقرع على أرقامهم، ويكون كلّ من الطرفين قد دفع شيئاً في قبال ما أخذ، فصاحب المال قد دفع المال بإزاء البطاقة، والبائع سمح له بحقّ الدخول في جملة مَن يقرع على أرقامهم، والبطاقة وإن كانت لا قيمة لها في نفسها، ولكنّها بما

1 . لاحظ: بحوث فقيهة للشيخ حسين الحلّي:51.

صفحه 56
يترتّب عليها من حقّ الدخول في القرعة على رقمه، فلها قيمة، وليس هذا ببعيد عن طوابع البريد، إذ هي فاقدة للمالية الذاتية ولكن بما يترتّب عليها من الأثر من إيصال الرسائل يبذل بإزائها المال، ونظيره من حاز جواز الاستيراد من خارج البلد، فله أن يبيعه لآخر لما يترتّب عليه من الأثر، أي استيراد الأموال.
2. أن يكون نفس الأثر المذكور(جواز الدخول في جملة مَن يقرع على أرقامهم) طرفاً للمعاوضة لا البطاقة المترتّب عليها الأثر، فيبذل الإنسان المال بإزاء ذلك الحقّ الّذي يخوّله من الدخول في عداد مَن تجري القرعة على أرقامهم.(1)
***

الجهة الثالثة: مَن هو مالك هذه الأموال؟

قد تقدّم أنّ البطاقات تباع في الشوارع والأسواق ويشتريها الناس، لأجل مشاركتهم في إجراء القرعة على أرقامهم، إذ لكل بطاقة رقم معيّن، وعلى هذا فإنّ المالك هو الشركة الرسمية الّتي اعترف بها إذا كانت هي المتصدي للأمر، أو الحكومة. وقد ثبت في محلّه أنّ المالك تارة يكون حقيقياً وأُخرى يكون حقوقياً، فعنوان الشركة أو عنوان جماعة يقومون به(اليانصيب)، أمر اعتباري يصلح لأن يتملّك، كما أنّه يصلح لأن يشتري بأموالها شيئاً لها.
ولكن الظاهر أنّ الوجوه المتحصّلة أمانة بيد الجماعة التي يديرون أمر الحظ واليانصيب، فالأثمان أمانة بأيديهم لغاية التصرّف فيها، وقد احتمله شيخنا المحقّق الحلّي (قدس سره) أيضاً، فلو قلنا بالأمانة، يصبح الإفتاء أشكل، كما سيوافيك.

1 . بحوث فقهية للشيخ حسين الحلي: 53 ـ 54 .

صفحه 57

الجهة الرابعة: في حلّية المال لمَن أصابت القرعة رقمه

وهذا هو مصبّ البحث، وما سبق من الأبحاث الثلاثة لا غبار عليه. والمهم حليّة تملّك الفائزين للجائزة.

قياس المقام بما إذا لم يكن إلاّ شيء واحد

ثم إنّ شيخنا المحقّق الحلّي (رحمه الله) قال بحلّية ذلك، حيث قال: الظاهر حليّة المال الموضوع جائزة، لمَن خرجت القرعة على رقمه، لأنّ حال هذا يكون حال مَن قرّر على نفسه أن يجعل مقداراً من المال في ظرف ويخلطه بين عشرين من الظروف الخالية، ويدفع لكلّ شخص ظرفاً، فمَن خرج عنده الظرف الّذي فيه المال فهو له، وهذا أمر جائز لأنّها هبة معاطاتية، بمعنى أنّها عند خروج الجائزة على رقمه يدفع المال له ويعطيه إيّاه مجاناً.(1)
يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنّ الثاني من قبيل الهبة غير المعوّضة، إذ ليس فيه عقد ولا ضمان، ولا شرط، ولا إعطاء شيء، ممّن حضر الحفل وأخذ الظرف، فإنّ حرمان الباقين وفوز واحد منهم لاغبار عليه، بشرط التمليك عند الفوز، تمليكاً معاطاتياً أو عقدياً، نظير ما روي عن عمل «المأمون» حينما عقد ولاية العهد للإمام الرضا(عليه السلام)، وأمّا المقام فهناك بيع وشراء وتمليك وتملّك من الجانبين.

1 . بحوث فقهية للشيخ حسين الحلّي: 57 .

صفحه 58

الاستدلال على فساد التملّك

بما أنّ الأصل في التصرّف في مال الغير هو البطلان، فالتصرّف في الأموال رهن دليل يدلّ على جوازه. ويمكن الاستدلال على فساده بوجوه:

الأوّل:لا يوصف بكونها تجارة عن تراض

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ).(1)
وجه الاستدلال: أنّ حلّية التصرّف في مال الآخرين رهن صدق أمرين:
1. كون التصرّف تجارة عرفاً.
2. كون التجارة مقرونة بالرضا.
وفي المقام وإن كان الرضا موجوداً لكن لا يوصف الأمر بالتجارة.
ثم إنّ شيخنا الحلّي أجاب عن هذا الإشكال بقوله: إنّ التجارة عبارة عن معاملة حاصلة برضا الطرفين، والمراد بأكل المال بالباطل هو أكله بغير طريق المعاملة الواقعة لدى الطرفين، فكلّ معاملة واقعة برضا الطرفين فهي داخلة في القسم الأوّل.
أقول: العرف ببابك، فلا يطلق على هذا النوع من البيع والشراء تجارة. بل يُسمّى في العرف نوع اختبار للبخت والحظ. ولا أظن أن أحداً يصف مثل هذا العمل أنّه يتجر بذلك، إلاّ على وجه المجاز.

1 . النساء: 29 .

صفحه 59
وبالجملة الأصل الأوّلي هو حرمة التصرّف في أموال الغير، إلاّ بدليل شرعي، والآية أخرجت التجارة عن تراض فأين التجارة؟! لأنّ الفائزين يتملّكون أموال الآخرين بغير تجارة، بل لمجرد وقوع القرعة على رقمه.

الثاني: انطباق عنوان القمار عليه

وتوضيحه: أنّه يكفي في صدق القمار وجود المغالبة بعوض، ولا يشترط وجود الآلة المتعارفة، أمّا المغالبة فيكفي فيها قول أهل اللغة، قال في اللسان: قامر الرجل مقامرة وقماراً: راهنهُ، وهو التقامر.
وقال الطريحي: في الحديث: «كانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله».(1)
ويشهد على ذلك أيضاً قول أبي عبدالله (عليه السلام)في تفسير قول الله عزّوجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )(2). قال: «نهى عن القمار وكانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله».(3)
وأمّا عدم اشتراط آلة خاصّة، فيدلّ عليه ما رواه العلاء بن سيابة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «لا بأس بشهادة الّذي يلعب بالحمام، ولا بأس بشهادة المراهن عليه، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أجرى الخيل وسابق، وكان يقول: إنّ الملائكة تحضر الرهان في الخفّ والحافر والريش، وما سوى ذلك فهو قمار حرام».(4)

1 . مجمع البحرين:3/463، مادة «قمر».
2 . النساء: 29 .
3 . الوسائل: 13، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9 .
4 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 3.

صفحه 60
والظاهر أنّ المراد من «الحمام» هو الخيل، والمراد من «الريش» هو السهم، ثم إنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وما سوى ذلك فهو قمار حرام» مطلقاً، يعمّ اللعب بالآلات المتعارفة وغيرها، فالمراهنة بمناطحة الغنم، أو مهاوشة الديكة قمار إذا كان مع العوض وإن لم تكن الآلة متعارفة ولا معدّة.
وحصيلة الكلام: إنّ صدق القمار رهن وجود أمرين:
1. وجود العوض، وهو أمر محقّق، أعني: الجوائز الّتي عُيّنت بأرقام خاصّة.
2. المراهنة أو الرهن، وهو أمر مفروض; لأنّ الباعث على شراء هذه البطاقات والولع بسماع الراديو أو التلفزيون يوم إجراء القرعة، ومعرفة مَن تخرج أسماؤهم وأرقامهم، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الغرض الأقصى هو المراهنة وتملّك الجوائز عن هذا الطريق.
ولئن شككت في صدق اسم القمار عليه، فلا تشكّ في وجود روح القمار فيه، ومن البعيد عن الشرع المقدّس تجويز ذلك الّذي ينشر ويروّج روح البطالة.

الثالث: من قبيل الاستقسام بالأزلام

قال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقُ)(1)، فقد دلّت الآية على حرمة الاستقسام بالأزلام بأنّها رجس أوّلاً، وحرام ثانياً، وأمّا انطباق الاستقسام بالأزلام على المقام، فالمشهور بين الإمامية ما ذكره الشيخ الطبرسي وغيره في ذلك المقام.

1 . المائدة: 3 .

صفحه 61
روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين (عليهما السلام)أنّه قال: «إنّ الأزلام عشرة، سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذ، والتوأم، والمسبل، والنافس، والحلس، والرقيب، والمعلى. فالفذ له سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم. والّتي لا أنصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد، وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه أجزاء، ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له الّتي لا أنصباء لها، وهو القمار. فحرمهُ الله تعالى» .(1)
وما رواه سهل عن عبد العظيم الحسني، عن محمد بن علي الرضا (عليه السلام)في حديث قال: قلت: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ) قال: «كانوا في الجاهلية يشترون بعيراً فيما بين عشرة أنفس ويستقسمون عليه بالقراع، وكانت عشرة، سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها...» إلى آخر ما ورد مثله في رواية علي بن إبراهيم .(2)
فالاستقسام بالبطاقات المرقّمة الّتي هي بين ما لها حظ وما ليس لها ذلك، أشبه بالاستقسام بالازلام.
ثم إنّ شيخنا المحقّق الحلي أورد على الاستدلال بالآية بأُمور:
1. أنّ الأزلام قداح كانوا يتفأّلون بها عند الحاجة أو الاستخارة، وقد كتب على بعضها أمرني ربي، وعلى البعض نهاني ربي، ولم يكتب على البعض الآخر شيْءٌ.

1 . مجمع البيان: 3 / 318، تفسير الآية 3 من سورة المائدة.
2 . الوسائل: 16، الباب 57 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1 .

صفحه 62
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الأزلام بالنحو المذكور خلاف ما هو المعروف بين المفسّرين، وقد عرفت نصّ الطبرسي ومثله الشيخ الطوسي في «التبيان» ورواية سهل عن عبد العظيم الحسني عن الإمام الجواد(عليه السلام).
أضف إلى ذلك: أنّ التفسير المذكور لا يناسب سياق الآية فإنّها بصدد بيان اللحوم المحرّمة كما هو صريح قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقُ)(1)وأين هذا من التفأل بالأزلام؟!
2. أنّ الاستقسام بالأزلام في مورد الآية يفترق عن مورد البحث; لأنّها أدوات مقدّسة عندهم، فلعلّها حرّمت لأنّها من فروع عبادة الأصنام، وأين هذا ممّا نحن فيه.
يلاحظ عليه: أنّه لم يدلّ دليل قاطع على أنّها كانت من الأدوات المقدّسة، فليس في رواية الإمام الجواد (عليه السلام)ولا ما نقله الطبرسي، عين ولا أثر منه. على أنّ ملاك التحريم، أمر وراء ذلك بشهادة ذكره مع الميّسر.
3. أنّ استلام الجائزة يتصوّر على وجهين:
تارة أنّ صاحب البعير يأخذ ثمن بعيره ممّن خسر بعد إجراء عملية الاستقسام، فيكون هذا غرامة من الخاسرين لمن ربح.
وثانية: يكون البعير على نحو الإشاعة بحيث يشتري الجميع بعيراً، وبعد أن

1 . المائدة: 3 .

صفحه 63
يكون مشاعاً بينهم يجرون عليه عملية الاستقسام ـ وحينئذ ـ يأخذ الرابحون فقط البعير.
وفي كلتا هاتين الصورتين يكون إجراء الاستقسام موجباً لأن يأخذ البعض أكثر من نصيبه، وحيث تكون هذه الزيادة من حصة الباقين فهي من صغريات القمار، ولذا نُهي عنه. وهذا بخلاف معاملة اليانصيب فإنّك عرفت تمامية مقدّمات هذه المعاملة من بذل المال بإزاء البطاقة، واستلام اللجنة للأموال المجموعة من ثمن البطاقات، فلم تبق لها مشابهة بعملية الاستقسام إلاّ في موضوع أخذ الجائزة من قبل الفائزين .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في الروايات هو القسم الثاني، أي اشتراء البعير على نحو الإشاعة، وعلى هذا، فكلا الأمرين من باب واحد، أي الاشاعة في البعير والأموال المأخوذة، وهذا هو الظاهر ممّا روي عن الإمام الجواد (عليه السلام)أنّهم كانوا يشترون بعيراً فيما بين عشرة أنفس، وعليه كان البعير ملكاً مشاعاً لهم، فعند الاستقسام يكون إجراؤه سبباً لانتقال سهام الخاسرين إلى الرابحين بلا سبب شرعي، ومثله المقام فإنّ المشاركين في بيع البطاقات وإن كانوا يشترون البطاقة في الظاهر لكن حقيقة الأمر أنّها أمانة عند اللجنة، لإجراء التقسيم فالمبالغ المتجمعة مال مشاع بين المشاركين، فعندما خرجت السهام ببعض الأرقام دون بعض يملك الرابحون سهام الخاسرين بلا سبب. ويصدق عليه قوله: «يأخذ البعض أكثر من نصيبه» فكلّ مَن اشترى البطاقة ليس له الاّ سهم واحد، ولكن لمّا أصابت القرعة رقمه يأخذ أكثر من سهمه نظير الأزلام في البعير.

1 . بحوث فقهية: 70 ـ 71 .

صفحه 64
وقد اعترف (قدس سره)بما ذكرنا، بقوله:وهذا المعنى يتمّ لو نزّلنا دفع المال إلى الفائز على كونه غرامة من الباقين له ليكون ذلك من قبيل الإشاعة .(1)
وحصيلة الكلام: أنّ الدعوة إلى حليّة هذا النوع من الاستقسام يسهّل الأمر فيما هو المحرّم قطعاً، أمام المكثرين والطامعين المتكاثرين وعُبّاد الأموال والثروات.
***

1 . بحوث فقهية: 71 .

صفحه 65

المسألة السادسة

حكم الشركات الهرمية

ظهر في السنين الأخيرة في العالم عامّة وفي بلادنا خاصّة نوع من الشركات التجارية تسمّى بالشركات الهرمية، استطاعت أن تجذب إليها عدداً من المشتركين، فاقتضى الأمر تحديد الموقف الشرعي من هذه الشركات، وصحّة المعاملة معها؟
فنقول: البحث عن واقع هذا النوع من الشركات وبيان الموقف الشرعي منها يتطّلب أمرين:
الأوّل: بيان ماهيّة تلك الشركات وتوضيح حقيقتها.
الثاني: بيان الحكم الشرعي وموقف الشريعة منها.
أمّا واقعها فيمكن تحصيله ممّا يلي:
من الصور الرائجة لتلك الشركات أن تشكّل شركة تحمل اسماً معيناً ولنفترض «شركة الشمس» تشترط للاشتراك في عضويتها أن يملأ المشترك ـ زيد مثلاً ـ قسيمة اشتراك محدّدة السعر ولنفترض أنّه ألف دينار، ثم يدرج في نفس القسيمة اسمه أوّلاً ثمّ أسماء أربعة أشخاص بصورة مرتّبة، بالشكل التالي:

صفحه 66
1. زيد. 2. عمرو. 3. بكر. 4. عدي. 5. خالد.
شريطة أن يقترن اسم الشخص الأوّل(صاحب قسيمة الاشتراك) مع رقم حسابه المصرفي(البنكي).
ثم بعد شراء القسيمة لابدّ من القيام بثلاث خطوات:
الأُولى: يضع «الألف دينار» في الحساب المصرفي (البنكي) للشخص الأوّل.
الثانية: يضع مبلغاً آخر ولنفترض ألف دينار في حساب الشركة التي تدير هذه العملية.
الثالثة: يرسل جميع وثائقه الرسمية عن طريق البريد إلى الشركة الّتي أصبح عضواً فيها.
ثم يبقى منتظراً لرد الشركة عليه.
بعد ذلك يأتي جواب الشركة إلى المشترك يحمل إليه أربع أوراق تحمل أسماء الأشخاص الذين ذكرهم، ويحتل اسمه المرتبة الخامسة من التسلسل، وبطبيعة الحال أنّ الأسماء الأربعة الأُخرى سيتقدّم كلّ منها مرتبة واحدة، يعني أنّ الثاني في القائمة السابقة يكون الأوّل وهكذا.
بعد وصول هذه الأوراق يسعى العضو لبيعها على مَن يرغب في الاشتراك، أي يبحث عن أربعة من المشتركين الجُدد، فإذا تمكّن من ذلك حينئذ على كلّ واحد من هؤلاء الأربعة أن يقوم بنفس الخطوات الّتي قام بها هو سابقاً، يعني شراء كلّ قسيمة بألف دينار من العضو الأوّل، وحينئذ سوف يؤمن ما بذله العضو الأوّل من المال حين الاشتراك، بل قد يربح مقدراً، ببيع أربع قسيمات إلى الشركاء بأربعة

صفحه 67
آلاف دينار.
ثم يقوم كلّ واحد من هؤلاء الأربعة بوضع مبلغ من المال (ولنفرض ألف دينار) في الحساب المصرفي للشخص الأوّل في القائمة ومثله في حساب الشركة المشرفة; ثم إرسال الوثائق عن طريق البريد إلى الشركة، وهذا يعني أنّ كل واحد من الأربعة قد أنفق ما يزيد عن ثلاثة آلاف دينار وعليهم الانتظار حتى يأتي جواب الشركة.
بعد ذلك يأتي جواب الشركة حاملاً لكلّ واحد منهم مرسولة فيها أربع قسائم اشتراك جديدة، في كلّ منها يُحذف اسم العضو الأوّل(زيد) ويثبت اسم العضو الثاني، من التسلسل إلى الخامس. ويقع اسم العضو الأوّل في المرتبة الرابعة، وحينئذ على كلّ واحد من هؤلاء الأربعة الذين يقعون في عرض واحد بيعها على أربعة من المشتركين الجدد، وعلى المشتري الجديد دفع مبلغين آخرين بالإضافة إلى سعر القسيمة، المبلغ الأوّل يدفعه إلى صاحب التسلسل الأوّل في القائمة ومبلغ آخر يدفعه للشركة المشرفة على العملية، ثم يقوم بإرسال الوثائق إلى عنوان الشركة ويبقى منتظراً لرد الشركة عليه.
من هنا نرى أنّ عدد الأعضاء الذين جذبوا بواسطة العضو الأوّل أربعة والذين جذبوا بواسطة الرديف الثاني ستة عشر عضواً.
ثم يجب على هؤلاء الستة عشر- بعد تحقّق عضويتهم في الشركة ـ القيام بنفس الخطوات السابقة يعني القيام ـ بعد شراء قسيمة الاشتراك بقيمة ألف دينار ـ بعملين: الأوّل: وضع ألف دينار في حساب الشخص صاحب التسلسل الأوّل في القسيمة، وألف دينار في حساب الشركة، ثم إرسال الوثائق إلى عنوان الشركة

صفحه 68
وانتظار الرد منها.
بعد ذلك يأتي الرد من الشركة حاملاً 64 قسيمة لكلّ واحد منهم أربعة ليجلبوا للشركة 64 (عضواً) جديداً، وعلى كلّ واحد من هؤلاء الأربعة والستين أن يقوم بعملين: شراء القسيمة، ثم إرسال الوثائق إلى الشركة لينتظر الجواب، وبهذا يرتفع عدد الأعضاء من 64 إلى 256 عضواً.
فإذا تمكّن الأربعة والستون من بيع 256 قسيمة فحينئذ ترسل الشركة لكلّ واحد منهم أربع قسائم، وبالتبع تتكرّر الخطوات السابقة نفسها من قبل الأعضاء الجدد فإذا تمكّنوا من بيع الأربع قسائم الّتي أُرسلت لهم سوف يصل الرقم إلى (1024) حاصل ضرب 256 × 4، وفي النهاية: ينزل اسم العضو الأوّل ـ بالتدريج ـ من الرديف الخامس ويقع في الرديف الأوّل ويأخذ من كلّ واحد من الأعضاء المشتركين ألف دينار بلا عوض وتصير النتيجة تملك (1024000 دينار) حاصل ضرب 1000 دينار × 1024 عضواً من دون أن يخسر ديناراً واحداً، بل كلّ ما صرفه في بدء الأمر يُؤمّن من خلال بيع القسائم الأربعة الأُولى فقط، و بالنتيجة سوف يمتلك هذا الرقم الضخم.
وهكذا كلّما تواصل الاشتراك يملك العضو الثاني(أربعة أشخاص) المبلغ بعد العضو الأوّل، وهكذا سائر الأعضاء كالعضو الأوّل يملكون المال من دون أن يبذلوا شيئاً قبال ذلك.
هذه حقيقة وماهية تلك الشركات الّتي ملأ اسمها الدنيا، وما هي إلاّ حيلة يرمي من ورائها الطامعون والمحتالون واللاهثون وراء الثراء وتكديس المال، الهيمنة على أموال الشعوب الفقيرة. وبقطع النظر عن الأدلّة الشرعية المحرّمة لهذه

صفحه 69
الشركات، فإنّا سنكشف من خلال العملية الحسابية عن تلك الأرقام النجومية.
إنّ العضو الأوّل يمتلك المال إذا بلغ عدد الأعضاء المشتركين 1024، وبما أنّ العضو الأوّل قد ملك كلّ ما بذله الأعضاء الأوائل وخرج عن الدور، وعليه خلت ميزانية الشركة عن أي مال يبذل إلى الرديف الثاني وهم أربعة أشخاص، إلاّ أن يبلغ عدد الأعضاء إلى 4096 حاصل ضرب الرقم (1024) في (4)، وهكذا أعضاء الرديف الثالث الذين يقعون في مرتبة واحدة وعددهم (16 عضواً) إنّما يمكنهم تملّك المال إذا بلغ عدد الأعضاء المشتركين (16386) حاصل ضرب (4096) في (4)، وهكذا أعضاء الرديف الرابع (64 عضواً) يملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء 65536 حاصل ضرب السابق في (4)، أمّا أعضاء الرديف الخامس (256) فيملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء (262144) حاصل ضرب الرقم السابق في (4).
ولو رجعنا إلى حساب الاحتمالات هنا نرى أنّ احتمال حصولهم على المبلغ المذكور يقترب من الصفر إن لم يكن صفراً!! فكيف يمكن لهذه الشركة أن تؤمن لجميع الأعضاء ذلك المبلغ والحال أنّ احتمال تحقّقه للعضو الأوّل بعيد جداً؟! فضلاً عن الأعضاء اللاحقة.
ولهذا وصفت هذه الشركات بالأُسطورة الّتي لا يمكنها أن تكسب ثقة الناس واطمئنانهم بصورة منطقية إلاّ إذا استطاعت أن تخدع الأعضاء الأوائل بالاشتراك فيها من دون إجراء أي عملية حسابية والركون إلى الوعود الكاذبة الّتي تؤملهم بها.
إلى هنا اتّضحت لنا حقيقة ماهيّة الشركات الهرمية.

صفحه 70

أدلّة عدم مشروعيّة الشركات الهرميّة

1. العمل والانتاج هو أساس الاقتصاد الإسلامي

إنّ الاقتصاد الإسلامي يقوم على ركيزتي العمل والانتاج لا الحظ والنصيب; وقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ملعون مَن ألقى كلّه على الناس». (1)
والمستفاد من الأحاديث الإسلامية أنّ الإنتاج هو أساس الحياة الإسلامية، فعن أبي عمرو الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصاب منه على ظهره فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك. فقال: «إنّي أحب أن يتأذّى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة». (2)
كذلك ورد في الأحاديث الإسلامية أنّ الزارعين هم كنوز الله في الأرض، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «الزارعون كنوز الله في أرضه».(3)
وفي عهد الإمام أمير المؤمنين لمالك الأشتر (رضي الله عنه) ركّز الإمام على أهميّة الصنّاع وأوصاه بهم قائلاً:
«فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ»(4).
وقد ذمّت الشريعة الإسلامية الغرّاء حالة التواكل والكسل، كما ذمّت عدم استغلال الطاقات الّتي منحها الله تعالى للإنسان، نكتفي هنا برواية واحدة عن

1 . الوسائل:12، الباب7 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث10.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث7.
3 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث3.
4 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53 .

صفحه 71
الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)والّتي جاء فيها: «إنّ الله ليبغض العبد النوّام، وإنّ الله ليبغض العبد الفارغ».(1)
انطلاقاً من ذلك لو أنّ هذا النوع من الشركات شاع في وسط المجتمع الإسلامي لتحوّل المجتمع إلى مجموعة من الأفراد البطّالين الذين لا يعتمدون إلاّ على الحظ والنصيب واللعب، ولتعطّلت جميع النشاطات الاقتصادية كالزراعة والصناعة، وتجمّدت حالات الإبداع والابتكارات العلمية.
ومع هذا المحذور كيف يمكن التوفيق بين هكذا اقتصاد والاقتصاد الإسلامي. وسنشير في نهاية البحث إلى أنّ عملية الاعتماد على الحظ والنصيب كانت شائعة في أوساط المجتمع الجاهلي، وقد أشار إليها القرآن الكريم تحت عنوان «الأزلام».

2. التجارة تدار وفقاً للأساليب العقلائية المتعارفة

إنّ الاقتصاد الإسلامي يقوم على أساس كون التجارة تدار وفقاً للأسباب والأساليب المتعارفة والعقلائية الرائجة بين العقلاء، وحرمة أي نوع من الربح القائم على الأُمور الواهية والباطلة، قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)(2) .
وظاهر الآية المباركة أنّ تملّك أموال الآخرين لابدّ أن يكون عن طريق

1 . من لا يحضره الفقيه:3/169، برقم 3635.
2 . النساء: 29 .

صفحه 72
التجارة، وإلاّ فهو من مصاديق أكل المال بالباطل المنهي عنه.
فإن قلت: إنّ الهبة من أسباب التمليك الشرعية، وإنّ الهدية مملكة؟
قلت: إنّ الهبة والهدية ليست من مقولة التجارة، بل هي نوع تكريم واحترام للأقارب والأصدقاء، والحال أنّ الشركات الهرمية ـ مع هذه الشمولية والسعة ـ صبغت نفسها بصبغة تجارية ووعدت الناس بأن تجعل منهم أثرياء من خلال هذا الطريق.

3. المعاملة غررية

نقل المحدّثون عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عن كلّ معاملة غررية «نهى النبي عن بيع الغرر».(1) والغرر لغة بمعنى الخطر; وإذا فسّر بالجهل فإنّما يعود ذلك لكون الجهل يؤدّي إلى الخطر. وأي معاملة أخطر من الدخول في معاملة لا يكون احتمال الوصول فيها إلى الهدف العالي (1024000 دينار) إلاّ احتمالاً ضعيفاً جدّاً أي نسبة الواحد إلى الآلاف.

4. حكم هذه الشركة حكم القمار

إنّ روح هذه المعاملة نوع من القمار والمقامرة، ففي الحقيقة أنّ الإنسان يبذل مقداراً من المال على أمل الحصول على مبالغ طائلة. والعجيب أنّ هذا النوع من المقامرة موجود في العصر الجاهلي ويعبّر عنه بـ «الأزلام»، وقد أشار القرآن الكريم الى ذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا

1 . سنن الدارمي:2/251، باب النهي عن بيع الغرر; سنن ابن ماجة:2/739 برقم 2194.

صفحه 73
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )(1).
وحينما أشار القرآن الكريم إلى المحرّمات عدّ منها (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ)(2)، ومعناه طلب تقسيم الأرزاق بالقداح الّتي كانوا يتفاءلون بها، وأنّ الأزلام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها .
فالّتي لها أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى. فالفذ له سهم، والتوأم سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم .
والّتي لا أنصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد. وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزئونه أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له الّتي لا أنصباء لها، وهو القمار فحرّمه الله تعالى. وقد حرّم الإسلام هذه اللحوم لا لأنّها محرمة ذاتاً، بل للقمار والقمارية الّتي سببت تمليكها، وواضح أنّ تحريم القمار في قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ)لا يختصّ باللحوم، بل تعمّ الحرمة كلّ شيء جرى فيه القمار.

5. يؤدّي إلى النزاع والتناحر في المجتمع

أشار القرآن الكريم إلى أنّ إحدى علل تحريم الخمر والقمار كونهما يؤدّيان إلى وقوع العداوة والبغضاء في الوسط الاجتماعي ممّا يخلق حالة من

1 . المائدة: 90 ـ 91 .
2 . المائدة: 3 .

صفحه 74
التشاحن والصراع في وسط المجتمع، ومن هنا نرى اليوم أنّ الكثير من المرافعات في المحاكم موضوعها مخالفات الشركات الهرمية الّتي استطاعت أن تستغفل الكثير من الناس وتزيّن لهم الأُمور وتوعدهم بسراب يحسبه الظمآن ماء.

6. وحدة الحقيقة وتعدّد الأساليب

تعدّد أساليب جلب الأعضاء حيث تغيّرت الطريقة اليوم إلى أُسلوب بيع الألماس، فمن يشتري ألماسة ثم يعرف أربعة من المشترين يعطى كذا وكذا من المال، والحقيقة أنّ تغيير الأُسلوب لا يغير من الواقع شيئاً، بل هو ذريعة واحتيال ليس إلاّ، لأنّ ماهية الشركة هي نفس الماهية، إذ الهدف جلب الأعضاء مع انتظار ما وعدت به الشركة من الربح اعتماداً على الحظ والنصيب.
ولكن تبقى الحقيقة واحدة حتى مع تبدّل الأُسلوب.

7. الجذور الأجنبية

إنّ الكثير من الشركات الّتي في ظاهرها إيرانية الانتساب ويديرها مدراء يحملون صبغة دينية ويخدعون الناس من هذا الطريق حيث يتصوّرون إنّها شركات إيرانية ودينية صرفة، ولكن في الواقع تقف وراءها شركات أجنبية ومافيات خارجية تسعى من وراء ذلك إلى ابتلاع ثروات الشعب ونقلها إلى خارج البلاد ليبقى الشعب يعيش حالة الفقر والعوز والحاجة.

8. انهيار اقتصاد البلدان الّتي أجازت عمل تلك الشركات

قد جربت بعض البلدان هذا النوع من الشركات إلاّ أنّها لم تحصد إلاّ الخيبة

صفحه 75
والخسران. فعلى سبيل المثال نرى ألبانيا أجازت عمل تلك الشركات فلم تمر إلاّ فترة يسيرة حتى واجهت ثورة شعبية حيث أحسّ الشعب بأنّ اقتصاد البلاد يسير في منحدر خطير ممّا أدّى إلى تشكيل حكومة جديدة استطاعت إلغاء القوانين والتراخيص الّتي سمحت للشركات المذكورة بالعمل.
انطلاقاً من كلّ ما ذكرنا لا يجوز للإنسان المسلم أن يلطّخ يديه ويلوّث نفسه بمثل هذه الأعمال الّتي تؤدّي إلى خراب دنياه وضياع آخرته.

صفحه 76

المسألة السابعة

التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب

من المسائل المستحدثة التي شغلت أفكار الفقهاء والحقوقيّين وغيرهم، هو التلقيح الصناعي وإيضاح موقف الشريعة الإسلامية من هذه المسألة يحتاج إلى بيان أُمور:
الأوّل: غير خفي على أحد أن لكلّ إنسان رغبة في الإنجاب حيث يرى أنّ النسل المتولّد منه، استمرار وبقاء لوجوده، لكن ربّما تكون هناك عوائق تمنع الإنجاب، وإن كان المحلّ في كلّ من الزوجين مستعدّاً له، فلو كانت هناك حلول لرفع المانع ولم تكن مخالفة للضوابط الشرعية، فالشريعة الإسلامية تتقبّله، كما هو شأن كل إكتشاف، وحل لكلّ عقدة يتمّ لصالح الإنسان.
الثاني: أنّ العلم والدين متحالفان منذ أنزل الله سبحانه شرائعه إلى رسله، فلو رؤي الخلاف بين الأمرين فهو لأحد وجهين:
إمّا أن تكون معطيات العلم ظنيّة غير يقينية، أو أن يكون فهمنا من الدين فهماً غير صحيح. وفي غير هاتين الصورتين فهما أخوان متّفقان، لا تعارض بينهما.

صفحه 77
نعم ظهر الخلاف بين العلم والدين في الكنائس، حيث اعتبروا الكتب المقدّسة(التوراة والإنجيل) المحرّفة، وحياً من الله سبحانه غير محرّف ولا مدسوس، فإذا ظهر العلم على خلاف ما عليه الكنائس، نشأت حرب عوان بين العلماء والبابوات أو القساوسة، فكان الانتصار فترة لهؤلاء فأخذوا يقتلون المكتشفين، أو يستتيبونهم، لكن لم يمض زمان طويل، حتى صار الأمر على العكس، وكان الفوز للمكتشفين والمخترعين والإنزواء لقساوسة الكنائس.
وأمّا علماء الشريعة الإسلامية ودعاتها، فكانوا يستقبلون العلم بلا منازعة أخذاً بقوله سبحانه:(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(1).
وعلى ضوء هذا فلو قدّم العلم حلولاً للإنجاب وعلاجاً للعقم، يصحّ الأخذ بها إذا كانت مجرّدة عن عمل غير شرعي، ولذلك لمّا ظهر التلقيح الصناعي لم تحصل هنا أي ضجّة بين فقهاء الإسلام، بل أخذوا يدرسونه على ضوء القواعد الشرعية فأفتوا بجواز قسم وحرمة قسم آخر.
الثالث: الإنجاب الطبيعي هو المطلوب في عامّة الشرائع وهو يحصل عن طريق المعاشرة الزوجية العادّية فينشأ الحمل من المقاربة. قال تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(2).
فقد عرّف البيان القرآني النساء أنّها مكان الزرع وموضع النسل فأمر

1 . المجادلة:11.
2 . البقرة:223.

صفحه 78
بإتيانهن في موضع النسل والذرية، وعلى هذا فالتلقيح الطبيعي الذي يتم تحت سنن الله تعالى هو المطلوب الأوّل، وإنّما يلتجأ إلى غير الطبيعي إذا كان هذا الباب مسدوداً في وجه الزوجين.وعلى هذا فالتلقيح الصناعي إنّما يكون مطلوباً إذا كان علاجاً لمشكلة عند الزوجين، وأمّا في سوى هذا المورد فإنّما هو تظاهر بالعلم وتفاخر به، وهذا ليس أمراً مهمّاً. وربّما تترتّب عليه مفاسد أخلاقية واجتماعية.
وممّا ذكرنا يتّضح أنّ قسماً كثيراً من التلقيح الصناعي ـ كما سيوافيك ـ لا يحلّ عقدة وإنّما هو تفاخر بالعلم، ولعلّ بعض مَن قام بذلك لا يحمد علمهم ويكون من مصاديق قول القائل:
فيا رب علم يُحمد الجهل عنده *** وتُعزى له تمجيدة وشكور
إنّ بعض أقسام التلقيح الصناعي يزجّ بالإنسان في دائرتي الحيوان والنبات ويخرجه عن المستوى الإنساني، كما إذا كان التلقيح بماء رجل أجنبي عن المرأة لا يربط بينهما عقد زواج، فإنّ التلقيح بين مائيهما يورث تولد إنسان في الرحم الصناعي لا له أب شرعي ولا أُمّ شرعيّة ولا أخ ولا أُخت... .
الرابع: إنّ التلقيح لم يكن أمراً خافياً في القرون السابقة، بل كان أمراً دارجاً بين النباتات والحيوانات، ولم يكن الإنسان واقفاً على إمكان التلقيح في مورد الإنسان، ولذلك كان يعيش الزوج العقيم عقيماً أو الزوجة العاقر عاقراً إلى آخر عمرهما. غير أنّ التقدّم العلمي مكّن الإنسان من الإنجاب عن طريق التلقيح الصناعي، فصار مورد نقاش بين الأخصائيّين وعلماء النفس والاجتماع والأخلاق والحقوقيّين والفقهاء.
ونحن نعرض الموضوع على ضوابط الشريعة الإسلامية، ونحيل البحث

صفحه 79
عن سائر الجوانب إلى الأخصائيّين.
الخامس: ظهر التلقيح الصناعي في أواخر الستينات من القرن الماضي، وقد نشرت وكالات الأنباء خبراً عن نجاح طبيبين إنجليزيّين في تلقيح بويضة امرأة بحيمن رجل خارج الرحم، ثمّ بدأت البويضة الملقّحة في التكاثر والنمو الجنيني بطريق الانقسام المعتاد في تكاثر الخلايا الحيّة. وقد استغل المادّيون نجاح هذه التجربة في إثبات عقائدهم في نفي المعنويات، وأنّ العوامل الطبيعية ستشق طريقها ونجاحها إلى غاياتها من دون حاجة إلى إله يخلق الحياة ويباشر في نموها. لكنّ الملحد غفل عن أمر وهو أنّه لو كان هذا دليلاً على الإلحاد فقد دل عليه قبل أُلوف من السنين قضية بيضة الدجاج التي كانت تحتضنها تحت جناحيها فتفرخ.
والجواب عن كلا الأمرين أنّ ما يقوم به الأطباء والدجاجة يهيّئ الموضوع لإفاضة الحياة من العالم العلوي، ولا فرق بين الموردين، غاية الأمر أنّ بيضة الدجاجة قد لقّحها الديك بالصورة الطبيعية للتلقيح في جوف الدجاجة قبل أن تبيضها، وأمّا في هذا الإنجاز العلمي فإنّ تلقيح بويضة المرأة بحيمن الرجل يتمّ خارج جسم المرأة في وسط صناعي ملائم يقوم فيه التلقيح، ويبدأ فيه النمو.(1)
وعلى الفروض العلمية تكون النطفة والبيضة قابلاً للنمو والتكامل حسب سنن الله.
السادس: إنّ المسألة غير منصوصة فلابدّ من عرض مواردها على الكتاب والسنّة.

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 2، العدد2، الجزء1/255.

صفحه 80
أمّا على الآيات التي تحثّ على حفظ الفروج يقول سبحانه في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)(1).
وأمّا على الروايات فتدلّ على اهتمام الإسلام بأمر الفروج ونقتصر في موردها بروايتين:
1. صحيحة شعيب الحدّاد، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل من مواليك يقرؤك السلام، وقد أراد أن يتزوّج امرأة وقد وافقته وأعجبه بعض شأنها، وقد كان لها زوج فطلّقها على غير السنّة، وقد كره أن يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره. فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «هو الفرج وأمر الفرج شديد، ومنه يكون الولد، ونحن نحتاط فلا يتزوّجها».(2)
والنهي عن التزويج مبنيّ على الاحتياط، وإلاّ فيجوز نكاحها لأجل قاعدة الإلزام، فإذا كان الطلاق صحيحاً عند غير الشيعة وكان باطلاً عندهم، يجوز التزوّج، لقولهم(عليهم السلام): «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم».(3)
2. خبر العلا بن سيّابة عن الإمام الصادق(عليه السلام) عن امرأة وكّلت رجلاً بأن يزوّجها من رجل... إلى أن قال: فقال(عليه السلام): «إنّ النكاح أحرى وأحرى أن يحتاط فيه، وهو فرج ومنه يكون الولد».(4)

1 . المؤمنون:5و6، ولاحظ: سورة المعارج:29ـ 30.
2 . الوسائل:14، الباب157 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث1.
3 . الوسائل:17، الباب3 من أبواب ميراث المجوس، الحديث2.
4 . الوسائل:14، الباب157 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث3.

صفحه 81
السابع: أنّ الغاية من دراسة التلقيح الصناعي هو بيان جواز نفس العمل وعدمه أوّلاً، ولحوق الولد بصاحبي المني والبويضة من حيث النسب ثانياً، وما يترتّب عليه من الأحكام الشرعية ثالثاً.
غير أنّ هنا نكتة وهي أنّ جميع الصور من التلقيح الصناعي، سواء أكانت داخلية أم خارجية، يستلزم تطبيقها انكشاف عورة المرأة على شخص أجنبي، وكذا عند سحب المني من الزوج بواسطة جهاز خاص، وهذا لا ينفك من إبراز عورته أمام شخص آخر وسحب المني منه، من غير فرق بين أن يكون المعالج طبيباً أو طبيبة، وهذا أمر محرّم قطعاً، وهل الحاجة إلى معالجة العقم في المرأة تُبيح هذا العمل المحرّم؟ وهل هو ضرورة من الضرورات التي تُبيح ذلك؟ فهذا أمر خارج عن مدار بحثنا هنا، وربّما يتوقّف التلقيح الصناعي على إخراج المني بالاستمناء، فهل يجوز ذلك لتلك الغاية؟
نعم لو كانت المرأة مريضة يتوقّف علاجها على كشف العورة أمام الرجال أو النساء، فربّما يمكن أن يقال بجوازه، غير أنّ الطبيب المماثل مقدّم على غيره. كلّ ذلك خارج عن إطار بحثنا.
الثامن: إذا وقع عنوان موضوعاً لحكم شرعي، كالأب والأُمّ والولد والبنت، يحمل على معناه العرفي، كما في الأمثلة التالية:
1. إذا قال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ)(1)، فتحمل على الأُمّ والبنت العرفيّين، إذ ليس لهما حقيقة شرعية حتى يؤخذ بها، غاية الأمر قام الدليل على عدم ترتّب بعض الآثار كالتوارث مع حفظ الموضوع. كما في ولد الزنا

1 . النساء:23.

صفحه 82
فهو ولد عرفي له عامّة آثار الولد إلاّ ما استثناه الشرع.
2. لو قال سبحانه: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ)(1) فيراد الأب والابن العرفيان، حسب ما مرّ في الصورة الأُولى.
3. إذا أمر الشارع بالإنفاق على الأولاد، فالموضوع ما يكون ولداً للمنفق عرفاً وهكذا، نعم يؤخذ بالإطلاق ما لم يرد نصّ على الخلاف كما هو الحال في عدم التوارث، حيث إنّ المولود عن زنا لا يرث .
4. إذا قيل: إنّ الولد من حيث الطهارة والنجاسة يتبع أشرف الأبوين، فيراد به المعنى العرفي، فلو كان الزاني مسلماً فالمولود يحكم عليه بالطهارة، بخلاف ما إذا كان الزاني والزانية كافرين، فيحكم عليه بالنجاسة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالمولود عن طريق التلقيح الصناعي عين المولود بالتلقيح الطبيعي في كلّ ما ذكر، فتدبّر.
إذا عرفت هذه الأُمور فلنذكر نوعي التلقيح من حيث الحرمة والجواز واللحوق وعدمه.

النوع الأوّل: التلقيح الصناعي بين الزوجين

ولهذا النوع حالات أربعة:
الحالة الأُولى: تؤخذ نطفة الزوج خارجياً وتحقن في مهبل زوجته، وهذه حالة يلجأ إليها عندما لا يكون الزوج قادراً على إيصال مائه إلى نهاية المهبل في

1 . النور:31.

صفحه 83
المباشرة الطبيعية لسبب ما، ولكن العملية المذكورة تسبب وصول ماء الرجل إلى نهاية المهبل.
ثمّ يأخذ ماء الرجل طريقه إلى الرحم ومنه إلى قناة فالوپ في وقت توجد فيه بيضة واحدة نزلت من المبيض، تنتظر قدوم اللقاح، فإذا تمّ التلقيح تنزل البويضة الملقّحة إلى الرحم، وتلتصق بجداره لتبقى هناك إلى أن يحين موعد الولادة.
وهذه الحالة بما هي هي مع قطع النظر عن الجوانب التي أشرنا إليها سابقاً، لا إشكال فيها; لأنّ الولد ولد شرعي يلحق بالزوجين، ويترتّب عليه جميع الآثار الموجودة في التلقيح الطبيعي، غاية الأمر أنّ عملية التلقيح تارة تكون عن طريق الجماع المباشر، وأُخرى تكون عن طريق عمل غيره بواسطة الوسائل الطبية. وإن كانت هنا مشكلة فإنّما هي في المقدّمات، أعني: انكشاف عورة المرأة للأجنبي، ولو اضطر إلى هذا العمل فلتقدّم الطبيبة في مورد الزوجة على الطبيب، كما ذكرنا. نعم يرتفع الإشكال إذا كانت الزوجة طبيبة تقوم بالعمل .
الحالة الثانية: نفس الصورة ـ أي التلقيح بين الزوجين ـ وإنّما يتمّ التلقيح بأخذ مني الرجل وبويضة المرأة والجمع بينهما في وعاء مختبري ثمّ تزرع البويضة الملقّحة في رحم الزوجة. وهذا هو الذي ظهر في العالم بأوّل طفلة إنبوب، ومن هنا اشتهرت تسمية مَن يتولّد بهذه الطريقة بأطفال الأنابيب.
وإنّما يقوم الطبيب بهذا العمل لوجود مشكلة عند الزوجين: أمّا الرجل فلعجزه عن إيصال مائه إلى الرحم، وأمّا الزوجة فلأجل انسداد قناة فالوپ عندها، فلو أغمضنا عن انكشاف العورة للأجنبي، فالظاهر أنّه جائز، ويكون الولد ولداً

صفحه 84
شرعياً يترتّب عليه النسب وآثاره. نعم يرتفع بعض المشاكل لو كان أحدهما عارفاً بعملية التلقيح.
وبما أنّ هذا التلقيح يكون بصورة غير طبيعية ربّما يختلف المولود عن غيره من حيث الروحيات والملكات، فيورث مشاكل على الآباء والأُمّهات لكن الضرورة سبّبت جواز ذلك.
ثمّ إنّ النسب أمر متحقّق، فالأب هو الذي أُخذ منه الحيمن، والأُم هي صاحبة البويضة وهي التي احتضنت البويضة الملقّحة في رحمها، وأولادهما إخوان أو أخوات.
يقول السيد الأُستاذ(قدس سره) في هذين القسمين ماهذا لفظه:لا إشكال في أنّ تلقيح ماء الرجل بزوجته جائز، وإن وجب الاحتراز عن حصول مقدّمات محرّمة، ككون الملقح أجنبياً، أو التلقيح مستلزماً للنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، فلو فرض أنّ النطفة خرجت بوجه محلّل ولقّحها الزوج بزوجته فحصل منها ولد كان ولدهما، كما لو تولد بالجماع، بل لو وقع التلقيح من ماء الرجل بزوجته بوجه محرّم كما لو لقح]الطبيب [الأجنبي أو أخرج المني بوجه محرّم، كان الولد ولدهما، وإن أثما بارتكاب الحرام.(1)

الحالة الثالثة: بين الزوج وإحدى الزوجتين

لو كان للرجل زوجتان، إحداهما في كمال الصحّة وتقبل الحمل دون الأُخرى، فهي لسبب من الأسباب لا تستطيع الحمل، وإن كانت قادرة على

1 . تحرير الوسيلة:2/559، المسألة 1، باب البحث عن المسائل المستحدثة.

صفحه 85
إنتاج البويضة، فعندئذ تجري عملية التلقيح بين حيمن الزوج وبويضة
الزوجة غير المستعدّة للحمل، وبعد التلقيح تودع البويضة الملقحة في رحم الزوجة الأُخرى .
وهنا يكون المولود ولداً شرعياً للزوج ولصاحبة البويضة دون المرأة التي نشأ في رحمها، فليس بينه وبين المرأة علقة نسبية، ومع ذلك فهو ابن زوجها من امرأة أُخرى.
فإن قلت: لماذا لا تكون أُمّاً للمولود مع أنّه اغتذى من دمها طوال تسعة أشهر.
قلت: لازم كونها أُمّاً له، كون المولود ذا أُمّين عرضيين، بل المقام نظير بذر الحبة في أرض الغير، فالزرع لصاحب الحبّة لا لصاحب الأرض وإن اغتذت من ترابها ومائها. ومع ذلك فالولد محرم لها إمّا لكونها أُمّاً له، أو لكونه من أبناء بعلها، قال سبحانه:(أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ).(1)

الحالة الرابعة: التلقيح بماء الزوجين

إذا أخذت نطفة الزوج والزوجة خارجاً، وتمّ التلقيح بينهما ثم تزرع النطفة الملقّحة في رحم امرأة أجنبية ليس لها زوج، فالحكم كالسابق، أي الولد ولد شرعي للزوجين.
وأمّا المرأة التي حملته طيلة أشهر، فهي رحم مؤجّر لا يتحقّق به النسب، وإن كان الاحتياط عدم التزويج.

1 . النور:31.

صفحه 86

النوع الثاني: التلقيح الصناعي لا بين الزوجين

قد مرّ أنّ للتلقيح الصناعي نوعين، فالنوع الأوّل كان يدور بين الزوجين، والنوع الثاني على خلاف الأوّل، وله أيضاً حالات نذكرها تباعاً.

الحالة الخامسة: بين زوجة وأجنبي

إذا كان الزوج عقيماً فاقداً للحيامن المولّدة، أو كانت ضعيفة لا تولّد، ولكن الزوجة على استعداد للتوليد، فعندئذ يتحقّق أمر التلقيح بحيمن من رجل أجنبي وبويضة الزوجة. فإذا اكتملت عملية التلقيح يوضع في رحم نفس المرأة ويتولد منهما الولد، فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: جواز هذا العمل.
الثاني: حكم النسب.
أمّا الأوّل: فقد اعترف الحقوقيون في بلاد الغرب بشرعية هذا العمل واعتبروا الأطفال الذين يتولّدون بهذه الطريقة أولاداً شرعيين للزوجين.
لكن التدبّر في الآيات والروايات يشير إلى عدم جواز هذا العمل، إذ كيف يجوز في الشريعة الإسلامية أن يكون رحم الزوجة منزلاً لمني رجل أجنبي؟ إنّ هذا النوع من التلقيح يدخل الإنسان في دائرة الحيوانية، حيث إنّ أُنثى الحيوان تتفاعل مع كلّ حيوان ذكر من جنسها.
وأمّا الثاني ـ أعني: حكم النسب ـ : فبما أنّ التلقيح كان بغير ماء الزوج، فهذا الولد ولد غير شرعي للزوجة ولكنّه ولد تكويني لها. نعم لا صلة بين الولد والزوج مطلقاً، وعلى هذا فتترتّب على الولد بالنسبة إلى الزوجة الآثار المترتّبة على الولد

صفحه 87
عرفاً.
قلنا: لا صلة بين الولد والزوج، هذا إذا لم يكن بين الزوج والزوجة أيام التلقيح أي مباشرة جنسية، وأمّا لو كانت بينهما مباشرة جنسية واحتمل أنّ الولد نتيجة تلك المباشرة فيحكم بأنّ الولد للفراش.
روى عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد» بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال: «جاء رجل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: كنت أعزل عن جارية لي فجاءت بولد؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ الوكاء(1) قد ينفلت»(2)، فألحقّ به الولد.(3)
ويظهر من السيد الخوئي أنّ المرأة التي زرع المني في رحمها أُمّ للولد شرعاً فإنّ الأُمّ هي المرأة التي تلد الولد كما هو مقتضى قوله تعالى:
(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ)(4) وصاحب النطفة أب وعلى هذا فالمرأة المزبورة من حقّها أن تأخذ الولد إلى سنتين من جهة حقّ الحضانة لها.(5)
يلاحظ عليه: بأنّ الآية ناظرة إلى الأُمّهات التي حملن وولدن عن زواج شرعي، وهو منتف في المقام، والتمسّك بإطلاق (وَلَدْنَهُمْ) مع كونه منصرفاً إلى الصورة الشرعية، كما ترى.

1 . الوكاء رباط القربة ونحوها، أو كلّ ما شُدَّ رأسُهُ من وعاء ونحوه، والجمع: أوكية.
2 . فَلَتَه: أطلقه وخلّصه، انفلت: يتخلّص.
3 . الوسائل:14، الباب15 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.
4 . المجادلة:2.
5 . صراط النجاة:1/362، المسألة 997.

صفحه 88
فإن قلت: ما ذكرت ينافي ما تقدّم من أنّه ليس للولد والأُمّ حقيقة شرعية، بل هما كسائر المفاهيم العرفية.
قلت: ما مرّ كان راجعاً إلى إطلاق لفظي الولد والأُمّ، وأمّا المقام فالموضوع الولادة(وَلَدْنَهُمْ)، فإنّها حسب الأدلّة تنقسم إلى شرعية وغير شرعية فلا مانع من انصراف الدليل إلى الأُولى.

الحالة السادسة: بين زوج وأجنبية

وهي عكس الحالة الخامسة بمعنى أنّ الحيمن من زوج شرعي وأمّا البويضة من امرأة أجنبية، لأنّ الزوجة غير مستعدة للتوليد ثمّ تزرع بعد التلقيح في رحمها، والكلام فيه نفس الكلام في الحالة الخامسة، حيث إنّ الولد غير شرعي لأنّ البويضة من امرأة أجنبية فالنسب غير ثابت، أمّا بالنسبة إلى الزوج، فالولد وإن خُلق من مائه لكن البويضة التي لقحت بمائه كانت من امرأة أجنبية، فلا يكون الولد ولداً شرعياً له، ومثله صاحبة البويضة، إذ لم تكن زوجة لصاحب الحيمن بل كانت أجنبية.
وأمّا الزوجة التي احتضنت الجنين بعد إدخال البيضة الملقحة، فهي أشبه بالرحم المؤجر، غاية الأمر يكون الولد، ولداً تكوينياً لصاحبي الحيمن والبويضة، ومع ذلك يحتمل أن يكون ولداً تكوينياً للزوجة التي احتضنته طيلة أشهر في رحمها حيث إنّ الحيمن كان من زوجها.
ويأتي في هذه الصورة ما ذكره السيّد الخوئي من كون المرأة أُمّاً للولد شرعاً فيترتّب عليه الآثار الشرعية للولد من الحضانة وغيرها.

صفحه 89
الحالة السابعة:التلقيح بين مائي رجل وامرأة متبرعين أي ليست إحدى البزرتين(1) (الحيمن أو البويضة) من أحد الزوجين. ويلجأ إلى هذه الحالة عندما تريد امرأة أن تحمل بولد، لكن زوجها عقيم، كما أنّ مبيضها معطّل، فتلجأ إلى طبيب يأخذ لها الحيمن من بنك المني، ويأخذ البويضة من امرأة أُخرى، ويجري التلقيح بين البزرتين مختبرياً، ثم توضع اللقيحة في رحم المرأة الراغبة في الحمل لتحملها جنيناً طبيعياً، ثم تلده ولادة عادية.
وأمّا حكم هذه الحالة فالولد ليس شرعياً لأنّ كلاًّ من الرجل والمرأة أجنبيان فالتلقيح بين مائيهما أشبه بالزنا، وأمّا المرأة التي نشأت فيها البويضة الملقّحة حتى صارت ولداً سوياً فهي أشبه بالرحم المؤجر، فلا علاقة بينها وبين الولد. نعم يُعد الولد ولداً تكوينياً للرجل والمرأة، اللّذين أخذ منهما الحيمن والبويضة، فله عليهما ما للولد الشرعي من الآثار إلاّ ما خرج بالدليل كما يحتمل ـ كما مرّ ـ أن يكون الولد، ولداً تكوينياً للمرأة التي احتضنته عدة شهور.
الحالة الثامنة: لو أُخذ الحيمن من رجل قبل أن يطلّق زوجته، ووضع في مختبر، ثم طلقت المرأة طلاقاً رجعياً، وبعد ذلك أُجريت عملية التلقيح في داخل رحمها، فما هو حكم الولد؟
الظاهر أنّ تلك الحالة أشبه بالحالة الأُولى لأنّ المطلقة الرجعية ما زالت زوجة.
الحالة التاسعة: نفس الصورة السابقة، إلاّ أنّ المرأة معتدّة بطلاق الخلع والمباراة، ففيه احتمالان من الإلحاق وعدمه.

1 . البزر كلّ حب يبذر، الواحدة بزرة.

صفحه 90
الحالة العاشرة: نفس الصورة السابقة، ولكن المرأة معتدّة بعدّة الوفاة، فالظاهر أنّه لا يتحقق الانتساب بينهما لانقطاع العلاقة بين الزوج والزوجة بسبب الوفاة. ومع ذلك فالولد ولد تكويني للزوجة وإن لم يكن ولداً شرعياً لها. وربّما كانت هذه الحالة متحقّقة في أمريكا، فقد كان الزوج يحتفظ بمائه في بنك المني ويسافر إلى فيتنام مثلاً، ويُقتل هناك... فتقوم زوجته بأخذ مائه من بنك المني ويتمّ تلقيحها به، فهذا النوع من التلقيح لا يعتبر شيئاً مشيناً في المجتمع الغربي، بل على العكس اعتبر عملاً مجيداً يستحقّ الثناء. (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ).
ويمكن افتراض صور أُخرى وراء العشرة يعلم حكمها ممّا ذكرناه.
ولأجل استحضار حكم الصور نقدّم جدولاً في الحالات التي ذكرناها مع حكمها.

صفحه 91

جدول توضيحي لحالات التلقيح الاصطناعي

الحالة مصدر الحیمن مصدر البیوضة مکان التلقیح صاحبة الرحم الحکم
الأُولى الزوج الزوجة داخل الرحم الزوحة حلال
الثانیة الزوج الزوجة خارج الرحم الزوجة حلال
الثالثة الزوج الزوجة الأولی خارج الرحم الزوجة الثانیة حلال
الرابعة الزوج الزوجة خارج الرحم أجنبیة حلال
الخامسة أجنبي الزوجة داخل الرحم الزوجة حرام
السادسة الزوج أجنبیة خارج الرحم الزوجة حرام
السابعة أجنبي أجنبیة خارج الرحم الزوجة حرام
الثامنة الزوج قبل الطلاق الرجعي الزوجة داخل الرحم بعد الطلاق الزوجة المطلقة رجعیاً حلال
التاسعة الطلاق الخلعي الزوجة داخل الرحم الزوجة المختلعة فیه احتمالان
العاشرة الزوج قبل الوفاة الزوجة داخل الرحم الزوجة المتعدّة عدّة الوفاة حرام لانقطاع العلقة

صفحه 92

المسألة الثامنة

حقّ الإبتكار والإبداع

   
الإبداعات الفكرية أو العملية التي يقوم بها شخص أو أشخاص هل تُحدث حقّاً لأصحابها، وتكون لها قيمة مالية للبيع والمبادلة، ويُعدّ استنساخها وتقليدها تجاوزاً على حقّ مبتكريها، من غير فرق بين أن يكون جهدهم منصبّاً على انتاج معان وأفكار كتأليف كتاب أو موسوعة، أو على اختراع آلة أو جهاز يبذل بإزائه المال ـ هل تُحدث حقّاً ـ أو لا؟
لا شكّ أنّها مسألة مستحدثة أحدثها التقدّم الحضاري; وذلك لأنّ الظروف الغابرة لم تكن تساعد على نشوء هذه الحقوق، مثلاً في مجال التأليف فإنّ المؤلّف كان يرغب إلى ما يقوم به الآخرون من استنساخ كتابه حتى ينتشر بين الناس، وربّما يقوم هو نفسه ببذل مال في نشر الكتاب; لأنّ أقصى ما كان يمكن في تلك الظروف هو استنساخ نسخ لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد، فلم تكن عندئذ أرضية لطرح (مسألة حقّ التأليف) وأمّا الآن فالمطابع الحديثة تطبع آلاف النسخ في بضع أيام وتنشرها بين الناس، وتنتفع من هذا الطريق، ففي مثل هذه الظروف تطرح هذه المسألة، وقس على ذلك النتاجات الفكرية في مجال العمل

صفحه 93
كالاختراعات، فلم تكن الظروف تُساعد على الاختراع أوّلاً، وتقليدها وانتاج أمثالها ثانياً.
نعم سهّل ذلك التقدّم الصناعي والحضاري في مجال الفنون العملية.
وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أمرين:
الأوّل: بما أنّ الغرض من إثبات حقّ الابتكار والابتداع هو بيعه والصلح عليه، فعلى ذلك يجب أن نشير إلى أنّ ما يوصف بحقّ الابتكار، هل هو حكم شرعي، أو حقّ مجعول لصالح المبتكر؟ وعلى فرض كونه حقّاً، هل هو قابل للانتقال والمبادلة، أو ليس من هذا القبيل؟ وهذا يستلزم دراسة أُمور ثلاثة:

الأوّل: الفرق بين الحكم والحقّ

الحكم: هو عبارة عن مجعول شرعي على موضوع، زمامه بيد الشارع، وأمر وضعه ورفعه إليه.
أمّا الحقّ: فهو مجعول شرعي جُعل لصاحبه على نحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، وله العفو .
وإن شئت قلت: الحقّ سلطنة مجعولة، زمامها بيد ذي الحقّ، فله الخيار على الإعمال وعدمه، بخلاف الحكم فإنّ رفعه ووضعه بيد الشارع.
وبذلك يعلم أنّ كلّ ما يوصف بالحقّ ـ ولم يكن لذي الحقّ خيار في الإعمال وعدمه ـ فهو بالحكم أشبه، كحقّ الحضانة، وحقّ الحاكم على القصّر والغيّب، وغيرهما.
نعم كلٌّ من الحكم والحقّ مجعولان شرعيان لكن الجاعل وضعه على

صفحه 94
قسمين، تارةً وضعه وجعل زمام المجعول بيده فيُسمّى حكماً، وأُخرى وضعه وجعل زمامه بيد ذي الحقّ.
وبعبارة أوضح: أنّ الحكم تكليفاً كان أو وضعاً متعلّق بفعل الإنسان من حيث الرخصة فيه أو المنع عنه، أو ترتّب الأثر عليه. فجعلُ الرخصة ـ مثلاً ـ حكمٌ، والشخص مورده ومحلّه، وفعله موضوعه، وهو لا يسقط بالإسقاط، ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه.
وعلى هذا فالأحكام الخمسة المجعولة على فعل المكلّف كلّها من قبيل الحكم، كما أنّ الأحكام الوضعية من الطهارة والنجاسة والميراث وغيرها أحكام وضعية شرعية، وهذا ممّا لا شكّ فيه.

الثاني: أنواع الحقوق

1. الحقوق المالية، وهي ما تتعلّق بالعين كحقّ الشفعة للشريك، أو بمنافعها كحقّ السكنى للموقوف عليه، وحقّ المرور في الأراضي العامّة، وحقّ الانتفاع بالدار للمستأجر.
2. الحقوق المعنوية، وهي الحقوق التي لا تتعلّق بالعين ولا بمنافع العين، ومع ذلك يعدّ ذو الحقّ صاحب حق، كحقّ الطلاق والقصاص.
وربّما تعرّف الحقوق المعنوية، بأنّها سلطة الشخص على شيء غير مادّي هو ثمرة فكره، أو خياله، أو نشاطه، كحقّ المؤلّف في مؤلّفاته العلمية، وحقّ الفنان في مبتكراته الفنّيّة، وحقّ المخترع في مخترعاته، وحقّ التاجر في الاسم التجاري،

صفحه 95
والعلامة التجارية.(1)
ولا يخفى قصور التعريف عن الشمول لما يتعلّق بالكرامة الإنسانية كحقّ الطلاق ونحوه، ولعلّ نظر المعرّف إلى خصوص ما نحن فيه من الحقوق.
وربّما يُقال في تبسيط هذه الحقوق بأنّها عبارة عن الحقوق الأدبية، الحقوق الفكرية، الحقوق الفنية والصناعية، وعلى كلّ تقدير فالجامع بين مصاديق الحقوق المعنوية، عبارة عن نتاج فكر الإنسان المجسّم إمّا في المعاني، أو فيما يقوم بصُنعه على نحو يُلفت نظر الغير إليه ويبذل بإزائه المال.
يلاحظ عليه: وعلى ما تقدّم بأنّ كلاًّ منهما تعريف بالمثال، والمطلوب في التعاريف هو إعطاء الضابطة ثم تطبيقها على مواردها وكلا التعريفين فاقد لها.

الثالث: تقسيم آخر للحقوق

إنّ الحقوق على قسمين: قسم يقبل المبادلة والانتقال، كحقّ التحجير وحقّ الخيار; وقسم آخر لا يقبل الانتقال والمبادلة، كحقّ التولية للمتولّي على الوقف، فعلى ذلك، فلو قلنا بوجود حقّ معنوي فيما ينتجه الفكر في عالم التأليف أو في المادّة الخارجية، فلابدّ من دراسته من جهة خاصّة، وأنّه هل يقبل الانتقال والمبادلة أو لا؟
أقول: الضابطة في التمييز بين الحقّين هو التعرّف على صاحب الحقّ، وأنّه هل أخذ مقوّماً للحقّ وقائماً به، أو أخذ معرّفاً وعنواناً مشيراً إلى الحقّ الخارجي؟
فعلى الأوّل فهو لا يقبل المبادلة، كحقّ الشُّفعة وحقّ الرهانة وحقّ القسم،

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة الخامسة، العدد5، الجزء3/2470.

صفحه 96
فإنّها حقوق قائمة بأصحابها، بخلاف ما إذا كان العنوان معرّفاً، كحقّ التحجير فإنّه إشارة إلى العمل الخارجي الذي قام به الشخص طول أيّامه، فيصحّ نقله إلى غيره في مقابل الثمن.
وعلى ضوء ما ذكرنا فحقّ الابتكار ـ لو ثبت ـ من قبيل القسم الثاني فهو عنوان يشير إلى وجود سلطة للمؤلّف والمبتكر في ما حصله بالفكر والعمل.
إذا تبيّن ذلك فلندخل في صلب الموضوع.
أقول:قد اختلفت آراء المحقّقين من الحقوقيّين والفقهاء في ثبوت هذا الحقّ للمبتكرين والمبدعين والمؤلّفين .
ثمّ إنّ مشايخنا العظام لا يعترفون بمثل هذا الحقّ.
قال السيد الأُستاذ: ما يُسمّى عند بعض بـ : حقّ الطبع، ليس حقّاً شرعياً.(1)
وقال في موضع آخر: ما تعارف من تسجيل صنعة لمخترعها ومنع غيره عن التقليد والتكثير، لا أثر له شرعاً، ولا يجوز منع الغير عن تقليدها والتجارة بها، وليس لأحد سلب سلطنة غيره عن أمواله ونفسه.(2)
وقال السيد الگلپايگاني في جواب سؤال عن حقّ الطبع: ليست ثابتة شرعاً.(3)
وقال السيد الخوئي في جواب الاستفتاء التالي: هل يجوز طبع أي كتاب بكميّات تجارية في بيروت مثلاً بدون إذن مؤلف الكتاب أو ناشره في صورة

1 . تحرير الوسيلة:2/562.
2 . تحرير الوسيلة:2/563.
3 . إرشاد السائل:191، السؤال رقم: 712.

صفحه 97
وجود عبارة:«حقوق الطبع محفوظة للمؤلّف أو الناشر» أو عدم وجودها؟
الجواب: نعم يجوز ذلك. (1)
وقس على ما ذكروه سائر حقوق المكتشفين والمخترعين.
هذه هي فتاوى مشايخنا ولا بدّ من دراستها، فلندرس أدلّة النافين.

أدلّة النافين

الأوّل: هذا النوع من الحقّ غير معروف في عصر الرسالة

إنّ اتّفاق العقلاء على وجود الحقّ في مورد، إنّما تثبت شرعيته إذا اتصل إلى عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، فإذا لم ينقل عنهم ردعٌ بالنسبة إليه يؤخذ به، وحقّ الابتكار والإبداع وليد التقدّم الصناعي، وهكذا العلامات التجارية وغيرها.
يلاحظ عليه: بأنّ المصداق وإن كان حديثاً غير موجود في عصر الرسالة، لكن الكبرى الكلّية المرتكزة ليست أمراً حديثاً، وهو أنّ المرتكز في ذهن كلّ إنسان أنّه إذا حاز شيئاً أو حفر بئراً أو غرس شجراً أو أحيى أرضاً، فالجهود المبذولة في طريق ذلك لا تذهب سدى بل تُثمر وتكون نتائجها له، وهذا أمر ارتكازي لم يردع عنه الشارع، ولذلك نرى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)قال لعبد الله بن زمعة:«إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ (حلب) أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ

1 . منية السائل للسيد الخوئي:208، جمع وترتيب موسى مفيد الدين عاصي.

صفحه 98
لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ».(1) وكون مورد الكلام، الحقوق المالية، لا يصلح أن يكون مخصّصاً للضابطة الكلّية المستفادة من قوله:«فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ»
فعندئذ نقول: ما هو الفرق بين جني الثمرة من البستان أو إحياء الأرض، وبين بذل الجهود الباهظة في ابتكار جهاز للنسيج، أو تأليف كتاب كرّس مؤلفه عمره في جمعه وتصنيفه، مع أنّ العرف يتلقّى الكلّ من نسيج واحد؟!

الدليل الثاني: عدم وجود عقد بين المبتكر وغيره

ربّما يقال: إنّما يجب على غير المبتكر رعاية جهود المبتكر، إذا كان هناك عقد بينه وبين المستنسخين، والمفروض عدمه.
يلاحظ عليه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّ للحقّ أُسساً وعللاً منها: وجود العقد بين صاحبه وغيره، ولكنّه ليس مختصّاً بهذا، فإنّ حقّ التحجير حقّ محترم دون أن يكون هناك عقد بين المحجّر وغيره، ومثله حقّ السبق، فيقال: مَن سبق إلى مكان فهو أحقّ به، إلى غير ذلك. نعم، مَن استدلّ على ثبوت هذا الحقّ للمبتكر بقوله سبحانه:(أَوفوا بِالْعُقُودِ)، يرد عليه هذا الإشكال.
الدليل الثالث: ما نقل عن الشهيد مرتضى المطهري بأنّ الأثر الفكري ليس وليد صاحب الفكر وحده، وإنّما هو وليد فكره وفكر مَن تقدّم عليه من الأُسس والمكتشفات التي أعانت المبتكر على ابتكاره، والمؤلّف على تأليفه، وهو ليس صاحب الحقّ وحده، بل هو حقّ له ولكلّ مَن له أثر في ابتكاره.
يلاحظ عليه: أنّ ما ورثه المبتكر أو المخترع من السابقين هو مادة الفكر

1 . نهج البلاغة: الخطبة 232.

صفحه 99
وذاته، وأمّا تصويره وتركيب بعضه لبعض فإنّما هو جهود المخترع أو الكاشف، مثلاً أنّ المخترع المعروف: «باستور» اكتشف الميكروب الذي هو العدو اللدود للإنسان في ظل الأجهزة التي ورثها من السابقين كالمكرسكوب وغيره، فالقائل بأنّ للكاشف حقّاً فإنّما يقول بما استنتجه واستنبطه من علوم الآخرين وجهودهم المضنية من الآثار العلمية والعمليّة.
وعلى ما ذكر فله نصيب فيما قام به من تأليف أو كشف أو اختراع، وإن كان للآخرين من الماضين سهم وحظ أيضاً، ولكنّه لا يمنع عن ثبوت حقّ له في تركيب الجهود واختراعه شيئاً واحداً.
الدليل الرابع:إنّ القول بحقّ الاختصاص للمبتكر والمؤلّف يورث كتمان العلم مع أنّ الإسلام أمر ببث العلم ونشره وتعليمه.
يلاحظ عليه: بأنّ ثبوت الحقّ للمبتكر والمبتدع لا يمنع عن إشاعة العلم فإنّه يجيز الاستنساخ، مقابل بذل ربّما لا تُعادل ما بذله المبتكر في اختراعه من النفس والنفيس.

أدلّة المثبتين

استدلّ المثبتون لهذا الحقّ، بوجوه بعضها غير ناهض:
1. التمسّك بقوله سبحانه: (أَوفوا بِالْعُقُودِ) وقد عرفت بأنّ الدليل أخصّ من المدّعى. لما مرّ من عدم وجود عقد بين المؤلّف والآخرين حتى يجب الوفاء به.
2. حرمة التجاوز على حقوق الآخرين، لقوله سبحانه: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ

صفحه 100
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(1).
يلاحظ عليه: بعدم ثبوت الموضوع عند النافي، إذ الكلام في ثبوت هذا الحقّ وعدمه، والكبرى الكلّية لا تثبت موضوعه. نعم سيأتي منّا ما يدلّ على ثبوت هذا الحقّ عند العرف بحكم أنّه المرجع في تشخيص المصاديق.
وتحقيق المقام رهن دراسة الموضوع في مقامين، دارسته حسب العنوان الأوّلي، ودراسته حسب العنوان الثانوي.
أمّا الأوّل فأتقن الأدلّة أنّ التقليد والاستنساخ يُعدّ ظلماً في حقّ المبتكرين، وهذا أمر لا ينكره ذو وجدان سليم، فإنّ حقيقة الظلم هو التعدّي على حقوق الآخرين، وأموالهم، وأعراضهم، وكلّ ما يمّت لهم بصلة.
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ تشخيص المصاديق بيد العرف دائماً أو غالباً، ولا شكّ أنّ تسويغ حقّ التقليد لعمل المبتكرين والمخترعين والمؤلّفين بلا إذن منهم، يُعدّ ظلماً لحقّهم وتضييعاً لجهودهم، ونحن نوضح ذلك بمثال:
نفترض أنّ أحد دور النشر أعطت مبلغاً كبيراً لأحد الخطّاطين لكتابة المصحف الكريم، ثمّ استخدم أصحاب الاختصاص في ضبط إعرابه وحركاته، وعلامات وقف الآيات إلى غير ذلك، ثم عقدت إتفاقية مع أصحاب المطابع لطبعه وتجليده وعرضه للبيع، فما أن ظهرت عدّة نسخ منه بادر أحد الانتهازيين لتصويره وطبعه ونشره وبيعه بقيمة أرخص من قيمة الأصل أو بمثلها. فلا شكّ أنّ مَن له طبع سليم يُقبّح عمل الثاني ويؤنّبه ويصفه بالتعدّي والعدوان على حقوق

1 . النساء:29.

صفحه 101
الآخرين.
يقول بعض المعاصرين: إنّ هذه الأُمور أصبحت حقوقاً عرفية معترفاً بها بين الشعوب والدول، وقام لها نظام ثابت معترف به رسيماً، بل وعاد إنكارها أمراً مستغرباً. أمّا إدّعاء كونها أعرافاً جديدة، فلا يضر بكونها مصاديق جديدة للعهود والشروط.(1)
وإن شئت قلت: إنّ المرتكز في أذهان العقلاء في أُصولنا هو ثبوت حقّ للمبتكر أو المؤلّف، والارتكاز العقلائي يكون حجّة، فيثبت لذلك أحقّية هذه الحقوق.
فإن قلت: إنّ هذا الارتكاز أمر مستحدث لم يكن في زمن المعصوم كي يدلّ عدم الرد على إمضائه.
قلت: بأنّ الكبرى أمر ارتكازي من غير فرق بين عصر الرسالة والأعصار المتأخّرة، والمتأخّر إنّما هو مصداقه وحدوثه وهذا لا يضر التمسّك بالكبرى. فإنّ المرجع في تحديد المصاديق هو العرف، لا خصوص الموجود في عصر الرسالة والعصمة.
مثلاً لم يكن للإنسان سابقاً إلاّ السلطة المحدودة بالنسبة إلى الأراضي التي يملكها، فكان يستخرج الماء من عمق خمسين ذراعاً ويعدّ الماء المستخرج ملكاً له، وأمّا الآن فقد استولى الإنسان على أعماق الأراضي التي بيده فيستخرج ما تحتها أزيد بكثير من السابق ويعدّ الماء المستخرج ملكاً له.

1 . مقال لصديقنا الفاضل الشيخ محمد علي التسخيري في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الخامسة، العدد5،الجزء3/2490.

صفحه 102
ولنعتبر ما عليه عقلاء العالم حيث يعتبرون لكلّ بلد حقوق هوائية لم يكن في عصر الرسالة أثر منه، وهكذا الحقوق المائية في المياه المحاذية للبلد، ولكلّ بلد حقوق هوائية ومائية.
فلو قصرنا النظر في ثبوت الحقوق بما هو الموجود في عصر الرسالة لعاد الهرج والمرج إلى المجتمع، وقد أوضحنا ذلك في تفسير قوله سبحانه:(أوفُوا بِالعُقُود)، فإنّ وجوب الوفاء مترتّب على مصاديق العقد عبر الزمان، فالعقد بما هو عقد محترم يجب الوفاء به، وأمّا لزوم كون المعقود موجوداً في عصر الرسالة، أمر لا دليل عليه.
***

دراسة الموضوع حسب العنوان الثانوي

ثمّ إنّ بعض الباحثين لمّا لم يعترف بوجود هذا الحقّ للمخترعين والمبتكرين، ورأى أنّ نفي ذلك يورث الفوضى في المجتمع، حاول رفع الإشكال عن طريق آخر قائلاً: لا أثر للكتابة المذكورة «حقوق الطبع محفوظة» إلاّ في إطار قانون ينظم حقوق المؤلّفين والناشرين ونظرائهم ويكون ممضى من قبل الحاكم الشرعي.(1)
وقال بعض المعاصرين: الولي الفقيه متى ما يرى المصلحة الاجتماعية بالمستوى المبرّر لإلزام المجتمع بأمثال هذه الحقوق، يُعمِل ولايته في تثبيت ذلك، فإذا حرّم ـ مثلاً ـ على الناس أن يطبعوا تأليف شخص ما بلا إذنه، صحّ

1 . الفتاوى الميسّرة للسيد السيستاني:412.

صفحه 103
للمؤلّف أن يأخذ مبلغاً من المال ممّن يريد الطبع لقاء إذنه له بذلك، ولو طبع بلا إذنه، فرض عليه بمبدأ ولاية الفقيه دفع ثمن حقّ الطبع إلى المؤلّف....(1)

الكلام حول العلامة التجارية

هذا كلّه حول حقوق المبتكرين والمؤلّفين، بقي الكلام حول الاسم التجاري أو العلامة التجارية.
وأُريد به هنا الشعار التجاري للسلعة وهو ما قد يُسمّى اليوم بـ«الماركة المسجّلة» إذ يصبح هذا الشعار تعبيراً عن الصنف المتميّز عن غيره في كثير من الخصائص والسمات، فيقع الكلام: هل الاسم التجاري ينطوي على حقّ يعطي صاحبه مزية الاختصاص، وعلى فرض وجوده فهل يصحّ نقل هذا الحقّ إلى غيره، في مقابل مبلغ، أو لا؟

ما هو الهدف من العلامة التجارية؟

تدلّ (الماركة المسجّلة) على السلعة، أنّها بضاعة انفردت بإنتاجها وإخراجها على الوجه المتميّز، الشركة الفلانية، فلو أرادت شركة أُخرى أن تبيع جنسها بهذه الماركة، فلا تخلو عن صور:
1. تميّز صناعتها بهذه الماركة بلا إذن من صاحبها، فلا شكّ أنّه تدليس، فإنّ المشتري يتصوّر أنّه منتوج الشركة الفلانية التي يتميّز انتاجها بالجودة، ولكنّه في الواقع منتوج شركة أُخرى دونه في المواصفات.

1 . الموسوعة الفقهية الميسّرة:12/504.

صفحه 104
2. تميّز صناعتها بهذه الماركة بإذن صاحبها، غير أنّ الجنسين يتميّزان مادّة وصورة فهو أيضاً تدليس، حيث إنّ المشتري يتصوّر أنّ ما يشتريه له ميزته الخاصّة المعروفة، ولكن الواقع غير ذلك.
3. أن يسمح صاحب الماركة المسجّلة أن يبيع جنسه بهذه الماركة ولكن يشترط عليه أن يكون المصنوع من حيث المادة والصورة والجودة كنفس منتوجه ومصنوعه، وهذا ممّا لا إشكال فيه، إذ هو خال عن التدليس، غاية الأمر أنّ الشركة تعلن بأنّ لها فرعاً آخر في البلد الفلاني، ولكن الكلام في محلّ آخر، وهو: هل يصحّ لصاحب الماركة المسجّلة أخذ مبلغ من المال مقابل هذا الإذن؟
الظاهر: جواز ذلك لأنّ صاحب الشركة قد بذل جهوداً و أموالاً حتى اشتهرت شركته بين الناس وعرفت بجودة الصنع والجنس، إلى غير ذلك من المزايا، فأوجد ذلك في عرف الناس حقّاً له، فله أن يمنع من التقليد إلاّ مقابل مبلغ معيّن.

بيع المحلّ التجاري

وممّا ذكرنا يظهر حكم بيع المحلّ التجاري، فلو فرضنا أنّ المحلّ ملك للآخرين، وقد انتهت مدّة الإجارة، غير أنّ المستأجر يدّعي أنّه بمزاولته العمل في هذا المحلّ أضفى عليه منزلة ومكانة تتوجّه إليه الناس في الرغبة، فهل يصحّ أن يطلب شيئاً من المالك، أو ممّن يؤجره المالك عليه؟
والجواب: مرّ ذكره في دراستنا للمسألة الأُولى (أعني السرقفلية).
***

صفحه 105

المسألة التاسعة

دور ولاية الفقيه في الحكومة الإسلامية

دلّ الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين على أنّ للأُمّة أن تنتخب حكّامها ورؤساءها وفق الضوابط والمعايير الإسلامية ـ إذا لم يكن هناك حاكم منصوب من الله سبحانه عن طريق نبيّه ـ وهذا حقّ للأُمّة.
ونكتفي بكلام من الإمام علي(عليه السلام) قال:«الواجب في حكم الله والإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل ـ ضالاًّ كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، حلال الدّم أو حرام الدّم ـ أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً، ولا يقدّموا يداً ولا رجلاً ولا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً، عالماً، ورعاً، عارفاً بالقضاء والسنّة يجمع أمرهم، ويحكم بينهم، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقّه، ويحفظ أطرافهم ويجبي فيأهم، ويقيم حجّهم وجمعتهم، ويُجبي صدقاتهم».(1)
فإن قلت: لو صحّ هذا الحديث لزم أن تكون صيغة الحكومة، صيغة

1 . أصل سليم بن قيس:82 ، وفي طبعة باسم(كتاب سليم بن قيس:291، قم، 1422هـ); بحار الأنوار:8/555ـ556.

صفحه 106
الانتخاب دون التنصيص من الله سبحانه، مع أنّ مذهب الإمامية أنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوّة يشتركان في كثير من المسؤوليات غير أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) طرف الوحي دون الإمام.
قلت: إنّ الإمام(عليه السلام) أدلى بهذه الكلمة بعد قتل عثمان، والناس اجتمعوا حوله اجتماع ربيضة الغنم، وهم نسوا أو تناسوا أنّ الإمام(عليه السلام) منصوص عليه بالإمامة من جانب الله سبحانه كما في الغدير وغيره، ففي هذه الحالة أدلى الإمام(عليه السلام) بهذا الكلام، فقال: «لا يعملوا عملاً... قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً»، وممّا ذكرنا يُعلم مفاد قوله(عليه السلام) في رسالته إلى معاوية:«إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ. وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاَْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لِلّهِ رِضىً».(1)
فإنّ موقع الإمام موقع المجادلة مع خصمه العنود فيحتج عليه بمسلّم الخصم وإن لم يكن عنده أمراً مسلّماً، فإنّ إمامة الإمام لم تكن نابعة من بيعة الناس له، بل من تنصيبه من قبل الله تبارك وتعالى.
وعلى كلّ تقدير فإنّ هذه الكلمة وغيرها تدلّ على أنّ للأُمّة، الحرية الكاملة في انتخاب حكّامها تحت الضوابط الشرعية، وعندئذ يطرح هناك السؤال التالي:
إذا كان المعيار هو رأي الشعب، فما هو دور ولاية الفقيه في الحكومة الإسلامية؟

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم 6.

صفحه 107
بل ربّما يتصور بوجود التضاد بين الأمرين، فلو كانت للأُمّة إمكانية الانتخاب فلا وجه لولاية الفقيه بعد كون الأمر بيد الأُمّة في انتخاب الحاكم، خصوصاً إذا حصل تضادّ بين الرؤيتين.
والجواب عن ذلك: وجود الفرق بين الحكومة الإسلامية والديمقراطية الغربية من وجهين:
1. أنّ الحكومة الإسلامية تفترق عن الديمقراطية الغربية، والسيادة الشعبية هناك; وذلك أنّ الأُمّة وإن كانت مختارة في تعيين الحاكم لكن يجب عليهم اختياره تحت إطار خاص بأن يختاروا حاكماً موصوفاً بالعلم والعدل والدراية السياسية والمقدرة الإدارية، وغيرها من الصفات المعتبرة في انتخاب الحاكم، بينما يختلف هذا مع الديمقراطية الغربية، إذ في ظل هذا النظام يحقّ للشعب أن يختار من يُريد، سواء أكان متحلّياً بالمؤهّلات والشروط الشرعية أم لا.
2. على الحاكم الإسلامي الأعلى أن يسير وفق النظام الإسلامي، وليس له أن يحيد عن ذلك قيد شعرة، بينما يكون الأمر في النظام الديمقراطي على غير هذا، حيث يجب على الحاكم أن يسير وفق ما يُريده الشعب ويرتضيه حقّاً كان أو باطلاً.
وعلى ضوء ما ذكرنا يجب على الفقيه العادل إذا رأى بدعةً شائعةً، وحكومةً منكرة، التصدّي لها، ورفض شرعيّتها، وشجب عملها; بل والإعلان عن إلغائها; بحكم ما له من الولاية التي منحها الله سبحانه له، كما يقول الإمام الحسين(عليه السلام): «أيّها الناس إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاًّ لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه

صفحه 108
بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله; ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غير».(1)
وقال الإمام علي(عليه السلام): «لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا».(2)
ووفقاً لذلك فعلى الأُمّة الإسلامية أن لا تنتخب لإدارة شؤونها إلاّ حكومة رشيدة أمينة رسالية مؤمنة وفيّة للدين، ملتزمة بالإسلام ومخلصة لمصالح الأُمّة، وذلك على العكس من النظام الديمقراطي.

تشخيص كون الحكومة واجدة للضوابط على عاتق الفقيه

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة، فلا توصف بكونها حكومة إسلامية، إلاّ إذا كان الانتخاب في مورد المنتخِبين والمنتخب وفق الضوابط الشرعية، ولكن من أين يُعلم ذلك؟! وهنا يظهر بوضوح دور ولاية الفقيه، فلو عرف أنّ الإنتخاب كان على وفق الضوابط فعليه الموافقة عليها وإعلان شرعيتها، وأمّا إذا لمس فقدان الضوابط في جانب واحد أو أكثر كان عليه رفض نتيجة الانتخابات وإبطالها.
وإن شئت إيضاحاً أكثر فنقول: إنّ الحكومات على نوعين:

1 . تاريخ الطبري:4/304.
2 . نهج البلاغة: الخطبة3.

صفحه 109
1. حكومة منهجية ملتزمة بضوابط وقواعد معيّنة في كثير من الجوانب.
2. حكومة شعبية فقط، دون أن تكون منهجية.
ففي النوع الأوّل يسمح للشعب القيام بتأسيس حكومة مراعياً لتلك الضوابط ولكن التعرّف على كون الحكومة منهجية رهن تشخيص فقيه جامع للشرائط ينظر إلى عناصر الحكومة، فإمّا يعلن موافقته أو لا؟ فعزل ولاية الفقيه عن الحكومة الإسلامية يستلزم خروج الحكومة عن كونها منهجية وفقاً للمعايير.
فكلّ مَن يعترض على دور ولاية الفقيه في الحكومة الإسلامية، يجعل القسمين قسماً واحداً، ويراه عنصراً زائداً.

العناصر الرئيسية للحكومة

لا تنفكّ أي حكومة من الحكومات ـ وبالأخصّ في وقتنا الحاضر ـ عن أركان ثلاثة: القوّة التشريعية، القوّة التنفيذية، والقوّة القضائية.
أمّا القوة التشريعية: فيراد بها أحد معنيين:
1. استنباط الأحكام الكلية من أدلّتها الشرعية. فالقوة التشريعية بهذا المعنى رهن جهود العلماء الكبار المجتهدين العظام، وهذا لا صلة له بالدولة الإسلامية، وليسوا جزءاً من الحكومة ولهم استقلال في التفكير والإدارة. نعم يؤيدون النظام الصالح المبني على الكتاب والسنّة والعقل الحصيف.
2. التخطيط لرفع مستوى الحياة ومعالجة الأزمات، وهذا ما يعبّر عنه بمجلس الشورى الإسلامي، ومن المعلوم أنّه يجب أن تكون القوانين والبرامج موافقة للضوابط الإسلامية الواردة في الكتاب والسنّة.

صفحه 110
ثمّ إنّ التعرّف على أنّ القوانين موافقة للشريعة الإسلامية، أو مخالفة لها، من مسؤوليات الفقيه الجامع للشرائط، وبهذا يظهر دوره في ذلك المقام، بأن يقوم بذلك مباشرة، أو من خلال من يوكل لهم الأمر كالخبراء والمتخصّصين.
والثانية منها ـ أعني: القوّة التنفيذية ـ : هي التي تنفذ ما خُطَط من قبل القوة التشريعية، (والتي يعبّر عنهم بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالمعنى الأعم) الذي يشمل كلّ الدوائر التي لها صلة بالدولة، وبما أنّ هؤلاء يفقدون الخبرة بكون التطبيق موافقاً للشرع أو لا؟ فللفقيه هنا دور بصدّ هؤلاء عن الخروج عن الضوابط، فأمّا أن يمارس هذا بنفسه، أو عن طريق مَن له خبرة من سائر الفقهاء.
والثالثة منها ـ أعني: القوّة القضائية ـ في مورد المرافعات: فلو كان القاضي مجتهداً جامعاً للشرائط فهو في غنى عن ولاية فقيه آخر، وأمّا إذا كان غير مجتهد، فهو يمارس تطبيق الأحكام المدوّنة في مورد المرافعات، ومن المعلوم أنّ مثل ذلك لا يخلو عن خطأ في بعض الموارد، فهنا يظهر دور الفقيه في مراقبة كلّ ذلك.
وبهذا البيان ظهر أنّ وجود عنصر باسم ولاية الفقيه في الولاية الإسلامية لازم من جهتين:
الأُولى: تقييم الحكومة التي انتخبها الشعب من حيث موافقتها للضوابط الشرعية أولا.
الثانية: مراقبة عمل القوى الثلاث والنظر فيها.
بقي هنا إشكالان:

صفحه 111

1. ولاية الفقيه ومشكلة التزاحم

إذا كان كلّ فقيه يستمد ولايته من الله سبحانه، فكلّ مَن بلغ درجة الإجتهاد وكان جامعاً لشرائط القيادة فله الولاية، فربّما يوجد أفراد كثيرون يتوفّر فيهم هذا الملاك، وهذا يعني تعدّد الولاة في حكومة واحدة؟
والجواب عن ذلك هو أنّ تصدّي الفقيه لأمر الحكومة وكونه موفقاً في أمره يتوقّف على أمرين:
1. الولاية الشرعية والتي يستمدّها من الله سبحانه.
2. قبول الناس وخضوعهم له والتي يعبّر عنه بالمقبولية (في مقابل الأوّل الذي يعبّر عنه بالمشروعية) وهذا ما لا يتحقق إلاّ بإقبال الناس عليه. وهذا أمر ظاهر غنيّ عن إقامة البرهان.
وعلى ضوء ذلك فالفقيه إذا بلغ من المقبولية درجة سامية يخضع الشعب لولايته، ويقدّمه على الآخرين تقديماً بارزاً لا يشكّ فيه أحد ولا يرتاب فيه مرتاب، فهذا يصبح متعيّناً ولا ينافسه غيره.
وأمّا إذا كان الفقهاء من حيث المقبولية لدى الشعب على درجة واحدة وفي عرض واحد فعليهم أن يجتمعوا على انتخاب واحد منهم للتصدّي للولاية بطريق من الطرق.

2. ولاية الفقيه وتوهّم استصغار الأُمّة

ربّما يتصوّر بأنّ ولاية الفقيه في الحكومة الإسلامية، نوع استصغار للأُمّة، وكأنّ المتوهّم لم يفرّق بين الولاية على القصّر، وبين الولاية على الأُمّة، فولاية

صفحه 112
الأب والجدّ على القصّر لأجل وجود قصور في المولّى عليهم، وأمّا الثانية فلا تعبّر عن وجود قصور في الأُمّة، وإنّما تدلّ على أنّ للحكومة الإسلامية وجهين:
وجه للأُمّة والشعب، وهذا ما تقوم به الأُمّة باختيار تام.
ووجه منهجي إلهي حددّت له الشريعة مجموعة من الشروط التي يتوقّف إحرازها والرقابة عليها في القوى الثلاث على وجود فقيه جامع للشرائط، وهذا ضروري في كلّ حكومة منهجية، ولا يختصّ بالإسلام.
وأمّا ما يدلّ على ولاية الفقيه، فهو بحث آخر أشبعنا الكلام فيه في كتابنا «أحكام البيع» في مبحث شرائط المتعاقدين.

صفحه 113

المسألة العاشرة

تحديد وتنظيم النسل(1)

تحديد وتنظيم النسل من المسائل التي كثر فيها النقاش، وحظيت باهتمام الحقوقيّين والفقهاء، وعقدت لأجلها الكثير من المؤتمرات وقدّم خلالها العلماء مقالات كثيرة، وحقّقوا الموضوع من جوانب مختلفة، وقد نشر مجمع الفقه الإسلامي في الكويت الكثير من هذه الأبحاث في عدد خاص من أعداد المجلة التي يصدرها.
وقبل الورود في صلب الموضوع نذكر أُموراً تنير الدرب لروّاد الحقيقة.
***

الأوّل: موقف الشريعة الإسلامية من كثرة النسل

إنّ الذكر الحكيم والسنّة النبوية والأحاديث المروية عن أئمّة
أهل البيت(عليهم السلام) كلّها تحثّ الإنسان على النكاح، وبالتالي على الإنجاب بلا

1 . إنّ للبحث ـ وراء كونه مسألة فقهية ـ صبغة اجتماعية وله أثر عظيم في مصير المجتمع الإسلامي، ولذلك طرحناه في المقام.

صفحه 114
تحديد:
1. قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).(1)
فإنّ الدعوة إلى التزويج بأكثر من واحدة يلازم الدعوة إلى كثرة النسل.
2. قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(2).
إنّ قوله سبحانه: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) دفع لما يتوهّم من أنّ الزواج يلازم نفقة باهظة، فالآية تردّ هذا التوهّم بأنّه لا خوف عليهم لأنّ الله سيغنيهم; فهو واسع المقدرة، عالم بحاجات العباد.
3. أنّه سبحانه يعدّ من صفات عباد الله قولهم:(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)(3)، فشعار عباد الله هو قولهم: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن).
4. هذا هو نوح شيخ الأنبياء يرى بنور الوحي أنّ ثمرة الاستغفار والاجتناب عن معاصي الله تعالى، إمداد الله سبحانه المستغفرين بالبنين، يقول:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)(4).

1 . النساء:4.
2 . النور:32.
3 . الفرقان:74.
4 . نوح:10ـ 12.

صفحه 115
والآية تدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّ كثرة البنين من نعم الله سبحانه وإمداداته.
5. وهذا هو نبي الله زكريا(عليه السلام) يطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً يرثه، يقول: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)(1).
ثمّ إنّه يظهر من غير واحدة من الآيات أنّ طوائف من الجاهلية كانوا يئدون أولادهم خشية الإملاق، يقول سبحانه: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)(2)، وفي آية أُخرى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا)(3).
والذكر الحكيم يردّ عليهم بأنّ الله هو الرزّاق، لا الوالدان، فالخشية ثم قتلهم خطأ كبير.
فإن قلت: إنّه سبحانه يذمّ كثرة الأولاد ويقول: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ).(4)
قلت: الآية تدلّ على عدم الانتفاع بالأولاد إذا كان الإنسان كافراً.
وأمّا السنّة:

1 . مريم:5ـ6.
2 . الأنعام:151.
3 . الإسراء:31.
4 . سبأ:37.

صفحه 116
1. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأُمم غداً في القيامة حتّى أنّ السقط يجيء محبنطئاً على باب الجنّة فيقال له: أدخل الجنّة، فيقول: لا، حتّى يدخل أبواي الجنّة قبلي».(1)
2. روى الصدوق في «الخصال» بإسناده عن علي(عليه السلام) في حديث الأربعمائة ـ قال:«تزوّجوا فإنّ التزويج سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه كان يقول: مَن كان
يُحب أن يتبع سنّتي فإنّ من سنّتي التزويج، واطلبوا الولد فإنّي مكاثر بكم
الأُمم غداً، وتوقّوا على أولادكم من لبن البغي من النساء والمجنونة فإنّ
اللبن يعدي».(2)
3. روى جابر قال: كنّا عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:«إنّ خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها».(3)
ونكتفي بهذا المقدار من طرقنا، وأمّا ما ورد عن طرق أهل السنّة:
4. روى البيهقي في سننه عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأُمم يوم القيامة ولا تكونوا كرهبانية النصارى».(4)
5. أخرج الحاكم في المستدرك عن معقل بن سيّار قال: جاء رجل إلى

1 . الوسائل:14، الباب1 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث2.المحبنطأ من احبنطأ: انتفح جوفه غيظاً، لاحظ الوافي.
2 . الوسائل:14، الباب1 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث6.
3 . الوسائل:14، الباب6 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه، الحديث2.
4 . سنن البيهقي:7/78، كتاب النكاح، باب الرغبة في النكاح.

صفحه 117
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله إنّي أصبت امرأة ذات حسب ونسب ومال إلاّ أنّها لا تلد، أفأتزوج بها؟ فنهاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم أتاه ثانية فقال له مثل ذلك فنهاه، ثم أتاه ثالثة فقال له مثل ذلك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأُمم».(1)

الثاني: دليل القائل بتحديد النسل

استدلّ القائل بتحديد النسل بالوجه التالي:

ارتفاع عدد السكان وقلّة المواد الغذائية

إنّ مسألة تحديد النسل أو تنظيمه طرحت في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حينما ألّف العالم الاقتصادي «مالتس» كتابه عام 1798م، حول مشكلة السكان والذي جاءت فيه العبارة التالية: إنّ العالم مقدم على تزايد هندسي في عدد السكّان كلّ خمس وعشرين سنة، بينما تزيد المواد الغذائية يسير بنسبة حسابية متوالية.
وصار كلامه هذا مبدأ لطرح المسألة بين موافق ومخالف، وبما أنّ كلامه لا يخلو عن إبهام أوضحه بعض الباحثين وقال: ومعنى هذه النظرية، أنّ التزايد الهندسي يكون بالضعف دائماً أبداً، فإذا كان عدد السكان مثلاً مليوناً فإنّه بعد (25سنة) يكون مليونين، وبعد (25سنة) أُخرى يكون أربعة ملايين، وبعد (25سنة) أُخرى يكون ثمانية ملايين، وبعد (25سنة) رابعة يكون ستة عشر مليوناً، وهكذا.

1 . المستدرك:2/162، كتاب النكاح.

صفحه 118
يلاحظ عليه بأمرين:
أوّلاً: أنّ صاحب هذه النظرية تصوّر أنّ الأغذية تبقى بحالها غاية الأمر تتزايد بنسبة حسابية كمتوالية عددية، لكنّه غفل عن أنّ الموارد الغذائية أيضاً تزداد في ضوء الكشف عن مواد غذائية برية وبحرية، ممّا لا يدور في ذهن السابقين، ولم يزل الركب سائراً.
ثانياً: أنّه غفل عن أنّ الإنسان غرض للبلايا السماوية والأرضية، والبلايا التي تصنعها يد الإنسان القاتل، وها نحن نعيش في قرن لم تزل الحرب تأكل أُمّة كبيرة من البشر في أقطار العالم مضافاً إلى البلايا التي يواجهها الإنسان. وقد خسر المجتمع الإنساني خسائر باهظة في الحربين العالميتين الأُولى والثانية في القرن العشرين وقد ناهز عدد القتلى أزيد من مائة مليون. فالنفوس تتزايد من جانب وتتناقص من جانب آخر تأكلها الحروب الدامية التي تشعلها السلطات العالمية، مضافاً إلى انتشار الأمراض الجديدة التي تولّدت هي من نتائج الحياة الصناعية والابتعاد عن الحياة الطبيعية.

الثالث: المجاعات الغذائية

ربّما يتصوّر أنّ المجاعات الغذائية التي تصيب بعض البلدان، تؤيد هذه النظرية، بأنّ المواد الغذائية لا تناسب حاجات سكان الكرة الأرضية.
لكنّ هذا التصوّر، تصورٌ خاطئ فإنّ أكثر المجاعات التي يواجهها الإنسان في عصرنا هذا هي مجاعات سبّبها البشر، الذين يحتكرون المواد الغذائية وربّما يقومون بإحراقها أو إلقائها في البحار، تضعيفاً للأُمم، حتى يسيطروا على ما يتوفّر

صفحه 119
في أراضيهم من المواد الأوّلية من معادن وخيرات، وإلاّ فلو كانت الحكومات العالمية عادلة تسير على منهج العدل والإنسانية، لعُدم الفقر ولاترى للمجاعة أي أثر.
نعم ربّما تكون المجاعة عذاباً من الله سبحانه لكثرة الذنوب، وهذا أمر آخر، يقول سبحانه:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(1)، وها هي بلاد إيران الإسلامية فقد كان عدد سكانها في القرن الماضي لا يتجاوز عن خمسة عشر مليون نسمة، والآن بلغ إلى أزيد من 80 مليون، وفي كلتا المرحلتين لا نرى جوعاً، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ عدد السكان رافق التكامل في الأدوات ووسائل انتاج المواد الغذائية والزراعية.

الرابع: حقوق الجنين في الإسلام

إنّ للخلية التي ستصبح جنيناً معلّقاً على جدار الرحم، حقوقاً في الإسلام، وذلك لأنّها ـ على خلاف ما يتصوّر أكثر الناس ـ موجود حيّ يسير في مدارج الكمال.
وإن شئت قلت: هو إنسان بالقوّة، وسيكون بإذن الله إنساناً بالفعل، إذا صارت النطفة علقة والعلقة مضغة، إلى أن يصل إلى مرحلة خاصة يوصف بكونه خلقاً كما يقول سبحانه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)(2).
فهو في كافّة مدارج الكمال كائن حيّ غير أنّ للحياة مراتب متعدّدة فالمرتبة

1 . البقرة:155.
2 . المؤمنون:14.

صفحه 120
الأخيرة منها هي مرحلة ولوج الروح الخاصّة فيه، وليس هو الروح العامّة التي هي موجودة فيه منذ يومه الأوّل.
قلنا: إنّ للجنين في الإسلام حقوقاً تدلّ عليها الأُمور التالية:
1. إذا مات أبوه وهو في الرحم، يُعزل نصيبه من الميراث، فإذا وُلد واستهل، يملك ما ورث، ولو مات بعد الاستهلال يرثه وارثه.
2. الجناية على الجنين توجب الدية بالنحو التالي، يقول الفقهاء: الجنين إذا ولج فيه الروح، ففيه الدية كاملة ألف دينار إذا كان بحكم المسلم الحرّ وكان ذكراً، وفي الأُنثى نصفها; وإذا اكتسى اللحم وتمّت خلقته ففيه مائة دينار، ذكراً كان الجنين أو أُنثى، ولو لم يكتس اللحم وهو عظم ففيه ثمانون ديناراً، وفي المضغة ستون، وفي العلقة أربعون، وفي النطفة إذا استقرّت في الرحم عشرون، من غير فرق في جميع ذلك بين الذكر والأُنثى.(1)
3. إذا جنت الحامل جناية ثم حكم عليها بالإعدام، فلا ينفذ الحكم إلاّ بعد وضع حملها، وفراغها عن إرضاعه إلى حدٍّ يستغني عن لبنها.
4. يستحبّ إطعام الحبلى اللبان، روى الكليني بسنده عن الحسن بن علي(عليهما السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أطعموا حبالاكم اللبان، فإنّ الصبيّ إذا غذي في بطن أُمّه باللبان اشتدّ قلبه وزيد عقله، فإن يك ذكراً كان شجاعاً، وإن ولدت أُنثى عظمت عجيزتها فتحظى بذلك عند زوجها».(2)
5. يستحبّ أن تأكل الحامل السفرجل، فإنّ الولد يكون أطيب ريحاً وأصبح

1 . تحرير الوسيلة:2/597، كتاب الديات.
2 . الوسائل:14، الباب 34 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1. واللُبان بالضم: الكندر.

صفحه 121
لوناً.(1)
ويترتّب على ذلك أنّ أيّ عمل يؤدّي إلى القضاء على حياة الجنين، سواء أكان بالإجهاض الذي صار داء منتشراً في العالم كلّه، أو بشرب الأدوية المميتة للجنين في الرحم، أو إخراجه من الرحم حيّاً، إلى غير ذلك من الأساليب، يُعدّ جناية على الإنسان العاجز عن حماية نفسه، في مرحلة خاصّة في حياته.
والذي يورث الأسف أنّ الأُمّ وهي التي يتوقع الجنين منها قبل كلّ أحد، الرحمة والعطف، ولكن يصير الأمر على العكس، فصارت هي المجرمة الوحيدة عليه، فالجنين يخاطبها بصوت حزين تسمعه ملائكة السماء: يا أُمّاه، ما هكذا الظن بكِ، أن تكوني أنت قاتلتي، بدل أن تكوني مربية لي.

الخامس: تحديد النسل على الصعيد الفردي

إنّ مسألة تحديد النسل وتنظيمه تطرح تارة على المستوى الفردي، وأُخرى على المستوى المجتمعي، فعلى الباحث والفقيه أن يفرّق بين المستويين، فلنقدم البحث عن المستوى الأوّل، وبتمامه تتمّ مقدّمات دراسة هذه المسألة.
قد تحيط بالأُسرة ظروف قاهرة تجبر الزوجين على اللجوء إلى تحديد النسل، ومنع الحمل ومن هذه الظروف النماذج التالية:
1. إنّ توالي الحمل بلا فترة استراحة أمر شاق على الأُمّ، فلا بأس من تنظيم الحمل بأن يجعل بين حمل وحمل آخر فترة استراحة.
2. أن يحصل ضرر على الزوجة في الحمل والولادة ويُخشى عليها من

1 . لاحظ: الوسائل:14، الباب32 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.

صفحه 122
ذلك، فصحّتها وبقاؤها مقدّمان على أن تحمل.
3. أن يكون الزوجان في سفر بعيد وفي مكان يخشيان فيه من حدوث الحمل أثناء السفر ثم الولادة، فلا يجدان فيه الإمكانات اللازمة لرعاية الحمل قبل وبعد الولادة.
4. إذا كانت الزوجة لها طفل رضيع ترضعه من لبنها وتعوله وترعاه، وتخشى أن يتأثر لبنها نتيجة الحمل، أو يقل لبنها، فأرادت منع الحمل حينئذ.
5. ربّما يكون الداعي هو بقاء جمال المرأة لدوام التمتع بها.
إلى غير ذلك من العوامل التي يترجّح عند الزوج أو الزوجة تحديد النسل ومنع الحمل.
نعم ربّما يتوهّم الجاهل أنّ كثرة الأولاد يوجب التعب في الكسب والمشقّة في الحياة، والحاجة إلى التكفّف، فيلجأ إلى الامتناع عن الحمل لكنّه ظن سيِّئ بالله سبحانه، وقد قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين)(1).

الأُسلوب الشرعي لتحديد النسل على الصعيد الفردي

ففي هذه الحالات ربّما يسمح الشرع بأن يتّخذ الزوجان أُسلوباً يوصلهما إلى مطلوبهما، لكن مع مراعاة الضوابط الشرعية، أفضلها هو العزل، وهو إراقة المني خارج الفرج لئلاّ يحصل الحمل. ولا يعدّ ذلك قتلاً للإنسان بالقوّة، إذ منيّ الرجل وحده ليس مبدأ للإنسان ما لم يلتحم الحيوان المنويّ بالبويضة .

1 . هود:6.

صفحه 123
روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: كنّا نعزل على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فبلغ ذلك نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم ينهنا.(1)
روى الكليني عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن العزل؟ فقال: «ذاك إلى الرجل يصرفه حيث يشاء».(2)
نعم تطوّرت طرق منع حصول الحمل منها وضع اللوالب في الرحم لئلا تنعقد النطفة، ومنها تناول الأقراص المانعة للحمل، كلّ ذلك مشروط بأن يكون مانعاً لانعقاد النطفة، لا مزيلاً ولا قاتلاً لها، ولا يوجب ضرراً على صحّة المرأة في المستقبل، وهذا من مسؤولية الطبيب الذي يشرف على استخدام هذا الأُسلوب أو يقرّر استخدام الدواء المعيّن.
بقي هنا أمران، ربّما تلجأ إليهما بعض الأُسر:

الأُسلوب الحرام لتحديد النسل على الصعيد الفردي

1. الإجهاض، وهو قتل الجنين في بطن أُمّه أو إنزاله، فقد أجمع الفقهاء على حرمته، وأنّه لا يجوز، إلاّ في صورة خاصّة وهي فيما لو حكم الطبيب الثقة أنّ في بقاء هذا الجنين خطراً على حياة الأُمّ، فيقدّم الأرجح على الراجح.
2. التعقيم، وهو القضاء على أسباب التناسل، بحيث يسلب عن الزوج والزوجة القدرة على التلاقح وهو أمر محرّم لأنّه تدخل في خلق الله وتنقيص له، يقول تعالى: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ

1 . صحيح مسلم:4/160، باب حكم العزل، كتاب النكاح.
2 . الوسائل:14، الباب34 من أبواب المتعة، الحديث1.

صفحه 124
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِيناً).(1)
فظهر ممّا ذكرنا أنّ إيقاف النسل أو تقليله مناف لأصل ما شُرّع النكاح لأجله، ولكن الشارع الحكيم رخّص للزوجين في محاولة جزئية وفردية، للحدّ من النسل نظراً لظروف أو مصالح شخصية، قد تكتنفهما أو تكتنف أحدهما، وأمّا الحكم العام فهذا ما سندرسه تالياً.

السادس: تحديد النسل على الصعيد المجتمعي

هذا هو بيت القصيد من هذا البحث، وهو أن تقوم الحكومة بترويج أساليب تحديد النسل بالطرق المشروعة على الصعيد المجتمعي، التي تنتهي إلى تقليل المواليد، من أجل أهداف ومقاصد تقتنع بها الحكومة. وهذا ما نطرحه على طاولة البحث فندرس أدلّة المجوّز والمحرّم.

دليل المجوّزين

استدلّ القائلون بالتحديد بوجهين:
1. إنّنا نعيش في عصر لا تتنافس فيه الأُمم بكثرة أفرادها، ولا باتّساع أراضيها، وإنّما نحن نعيش في عصر تتنافس فيه الأُمم بالاختراع والابتكار ووفرة الإنتاج والتقدّم العلمي بشتّى صوره وألوانه، هذا التقدّم الذي يجعل احتياج الغير إليك، أكثر من احتياجك إليه. ونحن نشاهد أُمماً أقلّ عدداً من غيرها ولكنّها أقوى، وأغنى من ذلك الغير، والأمثلة على ذلك يعرفها عامّة الناس، فضلاً عن

1 . النساء:119.

صفحه 125
علمائهم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأدمغة التي تقوم بالاختراع والابتكار ووفرة الانتاج والتقدّم العلمي، إنّما تتوفّر في حالة زيادة عدد السكان، فكلّما كثر عددهم، يكون احتمال وجود المفكّرين والنوابغ، أكثر، وكلّما قلّ عدد السكان، قلّ احتمال وجودهم فيه.
وبعبارة أُخرى: هناك علاقة طردية بين عدد السكان واحتمال وجود النوابغ والعلماء، فلو ارتفع عدد السكّان، كثر احتمال النوابغ فيهم، ولو قلّ عدد السكّان قلّ احتمال وجود عدد النوابغ.
هذه دولة الصين التي كانت دولة ضعيفة فقيرة، ولكنّها لمّا طردت الاستعمار عن أراضيها وتمتّعت بالاستقلال، أخذت تنتفع بالعقول الكبيرة المتوفّرة بين مواطينها البالغ عددهم اليوم أزيد من مليارد نسمة، فأخذت تناطح وتنافس الدول الكبرى، فلولا كثرة سكانها لم تتوفق للعروج إلى هذا المستوى.
2. إنّ من مزايا الشريعة الإسلامية أنّ الأُمور التي لا تختلف المصلحة فيها، باختلاف الأوقات والبيئات والاعتبارات، تنصّ على الحكم فيه نصّاً قاطعاً، لا مجال معه للاجتهاد والنظر، كتحليل البيع وتحريم الربا، أمّا الأُمور التي تخضع فيها المصلحة للظروف والأحوال فإنّ شريعة الإسلام تكل الحكم فيها إلى أرباب النظر والاجتهاد والخبرة في إطار قواعدها العامّة. ومن هذه الأُمور مسألة تنظيم الأُسرة أو النسل، فإنّها من المسائل التي تختلف فيها الأحكام باختلاف ظروف كل

1 . الكلام لمحمد سيد طنطاوي مفتي الديار المصرية. لاحظ: مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة الخامسة، العدد5، الجزء1/151.

صفحه 126
أُسرة وكلّ دولة، وباختلاف إمكانياتها.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خلط بين تحليل التحديد على الصعيد الفردي فإنّه يخضع للاجتهاد ـ كما مرّ ـ دون الصعيد المجتمعي، فإنّ الدعوة إلى تحديد النسل ربّما تنتهي إلى استئصاله، وليس للحكومات التدخّل في الأُمور الشرعية التي تنتهي إلى التغيير في خلق الله، فإنّ الشارع الأقدس قسّم الناس إلى أقسام أربعة، فقال: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)(2)، ويبقى هذا الحكم على حاله مرّ الدهور والأحقاب.

دليل المعارضين

قد عرفت الأدلّة الشرعية على حرمة تحديد النسل على الصعيد المجتمعي وأنّ الآيات والروايات متّفقة على تكثير النسل، ومع ذلك فقد استدلّ النافون بأُمور غيرها نذكرها تباعاً تأكيداً للأدلّة الشرعية.

تحديد النسل مكيدة

إنّ تحديد النسل مكيدة غربية للحدّ من عدد المسلمين في بلادهم وغيرها، يقول أحد الباحثين: إن بثّ هذه الدعاية ونشرها بين المسلمين ما هو إلاّ مكيدة مدبّرة ودسيسة مرتّبة من أعداء الإسلام الذين يتمثّلون في المستعمرين والشيوعيّين والصهيونيين والمنصّرين، هذه الجهات الأربع التي بذرت في بلاد

1 . نفس المصدر: 151ـ 152.
2 . الشورى:49ـ 50.

صفحه 127
الإسلام كل شرّ وزرعت فيه كلّ قبيح ووجدت من ضعاف النفوس وقليلي الإيمان ممّن يدّعون الإسلام أكبر عون لها على تنفيذ مخططاتها الماكرة ضد الإسلام والمسلمين بما تبثّه من أفكار باطلة ومذاهب خبيثة ومبادئ هدّامة تريد بذلك القضاء على الإسلام وإضعاف كيان المسلمين. ونحن ـ المسلمون ـ بين رَجُلين إلى ما شاء الله، رجلٌ قبِل هذه الأشياء المروجة المغلفة، عن حُسن نيّة وسلامة صدر وطيب قلب.
وأمّا آخر خان دينه وأمانته وبلاده، فباع هذا كلّه بعرض من أعراض هذه الحياة الزائلة، «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».(1)

ما يدلّ على أنّه مكيدة

هناك قرائن تشهد على أنّ الغاية من التأكيد على المسألة هو إضعاف المسلمين عدّة وعدداً، وإليك ما يشهد عليه:
1. يقول الدكتور حسّان حتحوت: وممّا أذكر في مطالع حياتي الجامعية في بلدي أنّ العلاقات ساءت بيننا وبين دولة غربية كبرى وانقطعت الصلات حتى نبّه علينا بألا ندخل المكتبة العامّة لوحدتهم الطبية إلاّ بإذن من مجلس الوزراء، وكانت هي المكتبة الوحيدة التي تتيح لنا الاطلاع على المجلات والدوريات الطبيّة العالمية التي أقفرت منها بلادنا في تلك الفترة نظراً لقيود العملة، وطالت القطيعة كلّ شيء إلاّ شيئاً واحداً هو تمويل أبحاث تحديد النسل في بلادنا من قبل تلك الدولة العظمى، فهذه لم تنقطع! ظاهرة في الواقع أوحت لي وللكثيرين غيري

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة الخامسة، العدد5، الجزء:1/229.

صفحه 128
بسوء الظن.(1)
2. عندما فرض الاستكبار العالمي عدوان النظام البعثي على بلادنا ـ إيران ـ، انقطعت كافة العلاقات الاقتصادية والعلمية بيننا وبين عالم الغرب؟ إلاّ تمرير أبحاث النسل، فقد كانت مستمرة من دون انقطاع.
3. إنّ أصحاب هذه الفكرة والدعاة إليها في الغرب يعملون بخلاف
ما يدّعون ويشهد على ذلك أنّ الإحصائيات الدولية تشهد على أنّ نمو
السكان بين غير المسلمين أكثر منه بين المسلمين وهذا ما نلاحظه في
الجدول التالي:
السنة      النمو السكّاني للمسلمين      النمو السكّاني لغير المسلمين
   1990م               9/19%                        1/81%
   2000م               6/21%                        4/79%
   2010م               4/23%                        6/76%(2)

4. رسالة تكشف عن نوايا تحديد النسل

هناك رسالة تكشف عن نوايا دعاة هذه الفكرة نقلها الأُستاذ الشيخ رجب بيوض التميمي عضو المجلس الوطني الفلسطيني عن فضيلة الشيخ حسنين المخلوف المفتي الأسبق لجمهورية مصر العربية قال ناقلاً عنه: وقد عثرت على رسالة وجّهها أحد الرؤساء المسيحيّين للأطباء منهم، يحذّرهم من منع الحمل بين

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة الخامسة: العدد 5، الجزء1/83.
2 . دانشنامه جهان اسلام:19/853.

صفحه 129
أبناء طائفتهم، ويدعوهم إلى منع ذلك بينهم منعاً باتاً،بينما يدعوهم إلى مساعدة من يريد التحديد والتنظيم إذا كان من المسلمين، أملاً في أن يقلّ عدد المسلمين ويكثر عدد غيرهم من غير المسلمين، يقول فضيلته في فتواه: وهذا المنشور قرأته بنفسي منذ بضع سنين، وهو منشور سرّي كتبه هذا الزعيم المسيحي، ونشره بين أبناء ملّته سرّاً، ليعمل به أطباؤهم وينفذوه حين يعرض عليهم الأمر، وخلاصته تقليل عدد المسلمين وتكثير عدد غير المسلمين، وبعبارة أُخرى: إضعاف المسلمين وتقوية غير المسلمين في مجال الحياة، والله لا يهدي كيد الخائنين. انتهى ما قاله فضيلته.(1)

5. النمو السكّاني في بريطانيا على خلاف الدعوة

بالرجوع إلى تاريخ بريطانيا مثلاً نجد النمو السكّاني بها هو الذي جعلها أثناء القرن التاسع عشر تصبح سيدة العالم، ولا تغيب الشمس عن أقطار نفوذها، ففي القرن الخامس عشر لم يكن سكانها يتجاوزون المليونين ثم قفز عددهم في نهاية القرن الثامن عشر إلى عشرة ملايين، وفي نهاية القرن التاسع عشر وأوائل العشرين إلى 40 مليون، وهم الآن نحو 60 مليون، ومع كثافة سكّان الجزر البريطانية بهذا العدد ومساحتها لا تتجاوز 100/244 كيلومتر مربع. وذاك سرّ قوّتها وامتداد نفوذها إلى سائر القارات وإلى أمريكا بالذات، وكندا واستراليا وأقطار شاسعة في آسيا أيضاً.
وأمّا أمريكا الشمالية فقد كان عدد سكّانها في منتصف القرن الثامن عشر

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الخامسة، العدد الخامس، الجزء الأوّل، ص 377.

صفحه 130
مليوناً واحداً، وفي ظرف مائة سنة قفز عددهم إلى 26 مليون. أمّا عدد سكان الولايات المتحدة ـ أمريكا ـ اليوم فيزيد عن 230 مليون، وذاك ما منحها قوة اقتصادية وعسكرية، ونفوذاً على العالم كلّه، مع ملاحظة أنّ السرَّ ليس في كثرة العدد، بل فيه مع ارتفاع مستوى تكوينه علمياً وفنياً، فالكم وحده لا يفيد ما لم يكن معه الكيف الرفيع.(1)
ما ذكره الباحث يرجع إلى السنين الغابرة، وأمّا اليوم فيبلغ عدد سكّان بريطانيا عام1999م إلى 000،501،59 نسمة.(2) كما يبلغ سكان أمريكا الشمالية عام 1999م إلى 813،690،272نسمة.(3)
ما سردناه من الشواهد يدل على أنّ تحديد النسل وتنظيمه والدعوة إليه من جانب الغرب مكيدة تؤدي إلى تغيير الأنماط السكانية في البلاد الإسلامية فتجعل الأغلبيات أقليات والأقليات أغلبيات وتستعين على ذلك بأسباب ووسائل منها التبشير بمزايا تحديد النسل وسوق الناس إليه. وربّما يقوم بعض الحكومات بتقديم بجوائز خاصة لمن قلّل نسله.
إلى هنا تمّ إيضاح دليل المعارضين الذين يعبّرون عنه بأنّه مكيدة والغاية منه إضعاف المسلمين في بلادهم وتقليل نفوسهم.
***

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة الخامسة، العدد الخامس، الجزء الأوّل، ص 467ـ 468.
2 . مباحث كشورها و سازمان هاى بين المللى، ج22: انگلستان، ص 17.
3 . مباحث كشورها و سازمان هاى بين المللى، ج127: ايالات متحده آمريكا، ص 66.

صفحه 131

عرض المسألة على الكتاب والسنّة

فيما نقلناه من السادة العظام ـ الذين تنبض قلوبهم بعزّة الإسلام والمرتابين من تسلّط الكفّار على مصالح المسلمين ـ غنى وكفاية، غير أنّ هناك طريقاً آخر للوقوف على الحكم الشرعي للمسألة وهو عرض المسألة على الكتاب والسنّة.
قد عرفت قسماً من الآيات والروايات التي تحث على النكاح وزيادة النسل بشدّة، فلو كان هناك دعوة من الحكومة للمجتمع بتحديد النسل وتقليله، تكون الدعوة على خلاف ما عليه الكتاب والسنّة وهل يصحّ للحكومة الإسلامية أن تقوم بذلك ونبيهم يقول: «تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإنّي أُباهي بكم الأُمم ولو بالسقط» متذرعة بأنّ العيش الرغيد رهن قلّة الأولاد؟
هذا كلّه حسب العنوان الأوّلي، وأمّا حسب العنوان الثانوي فلا يحتاج إلى البيان والله سبحانه يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)(1)، فقوله سبحانه: (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة) ينطوي على معنى جامع ومنه كثرة النسل الذي به يُدفع شرّ الأعداء وتُحفظ نواميس الإسلام.
ومن حسن الحظ أنّه شعر بأهمية الموضوع قائد الثورة الإسلامية فأنذر المسؤولين بسوء العاقبة لو دام الوضع على ما هو عليه الآن، فالله سبحانه يؤيد الإسلام وأهله ويخذل الكفر ومن تبعه.

1 . الأنفال:60.

صفحه 132
إنّ تحديد النسل على الصعيد المجتمعي، بأن تنجب كلُّ أُسرة ولداً أو ولدين، يؤدي إلى شيخوخة المجتمع، أعني: ارتفاع عدد الشيوخ العاجزين عن القيام بالأُمور المهمة، مقارنة بعدد الشباب في المجتمع، وأي خسارة أعظم من تلك الخسارة؟!
وها هي حكومة الصين فقد رخّصت للمسلمين إنجاب أولاد ثلاثة ولغيرهم اتخاذ ولدين بعد أن كان القانون يسمح لكلّ بيت بولد واحد فقط، حيث رأت أنّ مستقبل البلد مظلم والشيخوخة تكون قاهرة، والقوّة القادرة على العمل تصبح قليلة.

صفحه 133

المسألة الحادية عشرة

التعاقد عن طريق الهاتف واللاسلكي

كانت السنّة بين الفقهاء جارية على إنشاء العقد في المعاملات والأنكحة بالصيغة اللفظية، وقد عملوا لإرشاد العاقدين كتباً حول صيغ العقود حتى لا يغلط العاقد في إنشاء العقد، غير أنّ تطوّر العلوم والتقنيّة، أحدث طريقاً آخر ليس بعيداً عن الإنشاء باللفظ، وهو التعاقد عن طريق الهاتف واللاسلكي، حيث يجمع الاثنين سماع المتعاقدين كلام الآخر، وإنّما يفترق الثاني عن الأوّل بعدم الرؤية أوّلاً، واختلاف مجالس الإيجاب والقبول ثانياً، فعندئذ يقع الكلام في أنّه هل يصحّ الإنشاء بالطريقين المذكورين، أو لا؟
الظاهر هو الصحّة; لأنّ العقد قائم بالإيجاب والقبول، والمفروض وجودهما في الطريقين المذكورين، كما أنّ الموجب فيهما كنفس الموجب في غيرهما، وهكذا القابل.
فإن قلت: إنّ في هذين الموردين موانع ثلاثة بها يفترقان عن العقود العرفية، وهي:
1. عدم رؤية أحدهما الآخر.

صفحه 134
2. عدم وحدة المجلس.
3. عدم إمكان الافتراق.
قلت: أمّا الأوّل فلا يضر، بشهادة أنّه لو حال بين الموجب والقابل ستار أو جدار مانع عن الرؤية دون سماع اللفظ، فلا أظن أنّ فقيهاً لا يصحّح مثل هذا التعاقد.
فلو قال صاحب المبيع وراء الجدار: بعتك هذه السجادة التي عرف المشتري خصوصياتها، وقال المشتري: قبلت، صحّ البيع.
فعدم الرؤية ليس مانعاً، إذ كان العقد جامعاً لسائر الشرائط.
نقل عن النووي أنّه قال: لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا، صحّ البيع بلا خلاف.(1)
أمّا شرطية وحدة المجلس ولزوم إمكان الافتراق، فيستظهر ممّا روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«البيّعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام». قلت: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده ويقول: حتى نأتيك بثمنه، قال: «إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام وإلاّ فلا بيع له».(2)
والظاهر: عموم الحديث لهذين الموردين، غير أنّ وحدة المجلس وإمكان الافتراق يختلفان حسب اختلاف أسباب العقد، فلو كان التعاقد باللفظ حضوراً، فوحدة المجلس رهن تواجدهما على الهيئة التي عقدا عليها، فإذا قام واحد عن

1 . المجموع:9/181، دار الطباعة المنيرية.
2 . الكافي:5/170، باب الشرط والخيار في البيع.

صفحه 135
مجلسه انتهى الخيار.
وأمّا إذا كان التعاقد غير حضوريّ فبما أنّ اتّحاد المجلس، حكمي لا حقيقي، فيمكن أن يقال: إنّ المجلس قائم مادام المتحدّثان متّصلين من خلال الهاتف أو بواسطة اللاسلكي، فلو تحدّثا بعد العقد في أُمور أُخرى، طالت أو قصرت، فالخيار باق، إذ بإمكان كلّ منهما أن يفسخ العقد، مادام الحديث مستمراً بواسطة الهاتف، ولكن بعد ما أغلق الهاتف أو اللاسلكي، فيكون أشبه بالتفرّق، ويجري هذا في الغائبين من المتعاقدين، فمادام الحديث دائراً بينهما فالمجلس باق، إلاّ إذا انقطع الحديث.
والذي يقرّب ما ذكرنا في الموردين حكم ثبوت الخيار للوكيل إذا كان وكيلاً من الجانبين(البائع والمشتري) فلو قلنا بثبوت خيار المجلس له، كما إذا كان وكيلاً في التصرّف المالي كأكثر الوكلاءـ لا وكيلاً في مجرّد إجراء العقد، إذ لا يثبت عندئذ له الخيار لخروجه عن حيطة الوكالة ـ ففي كلّ مورد يثبت له الخيار فهو ذو خيار إلى غاية خاصّة وهي الخروج عن الهيئة التي كان عليها عند إجراء العقد. هذا إذا كان وحيداً عند الإجراء ولم يكن الموكلان حاضرين إذ الخيار عندئذ لهما لا للوكيل أخذاً بالقدر المتيقّن من مدلول الوكالة.
فإن قلت: كيف يثبت الخيار للوكيل في التصرّف المالي عند عدم حضور الموكلين، مع أنّ الخيار محدّد بقوله:«حتى يفترقا» الظاهر في اختصاص الحكم بصورة إمكان فرض التفرّق من حيث الأبدان؟
قلت: ما ذكرته محمول على الغالب، وأمّا المقام(الوكيل) فالظاهر بقاء الخيار مادام باقياً على الهيئة التي كان عليها. نعم اختار الشيخ الأنصاري بقاءه إلى

صفحه 136
أن يسقط بأحد الخيارات.(1)
وحصيلة الكلام: إنّه لا فرق بين الإنشاء باللفظ مجرّداً عن الاستعانة بسائر الآلات الحديثة، وبين ما لو أنشأ باللفظ، ولكن يستعين لإسماع الطرف المقابل بالآلة الحديثة، كما عرفت.
فإن قلت: يحتمل إعمال التزوير في جانب الموجب أو القابل.
قلت: الكلام فيما إذا اجتمعت سائر الشرائط، وإلاّ فالتزوير يتطرّق في التعاقد باللفظ مشافهة، أيضاً.
فإن قلت: إنّ كثيراً من الفقهاء يشترطون التعاقد باللفظ في النكاح والطلاق، فهل يكون هذا مانعاً عن التعاقد بالهاتف واللاسلكي في موردهما؟
قلت: لا، لأنّ المفروض أنّ الإنشاء إنّما هو باللفظ، ولا يفترق المورد عن الرائج بين الفقهاء. نعم لو كان هناك فرق بين المقام وما ذكروه، فإنّما هو في عدم الرؤية أوّلاً، وعدم وحدة المجلس ثانياً، وقد عرفت عدم مدخلية الأُولى في إنشاء العقد، وشمول قوله سبحانه: (أَوفُوا بالعُقُودِ)، وتحقّق الوحدة حكماً وأنّها تختلف حسب اختلاف الموارد.

التفرّق تارة بالأبدان وأُخرى بانقطاع الحوار

وممّا يدلّ على عدم شرطية الاتّحاد في المجلس على النحو الغالب، بل يكفي تحقّقها هو أنّ المتعاقدين إذا كانا سائرين على الأرض، بأنّ وحدة المجلس في هذه الصورة، تختلف عمّا هو الموجود في أغلب الموارد من حضور الموجب

1 . المكاسب: 5/37، الطبعة المحققة.

صفحه 137
والقابل في غرفة واحدة، فيتعاقدان. وهذا إن دلّ فيدلّ على أنّ وحدة المجلس تختلف حسب اختلاف الموارد. ولك أن تقول: إنّ التفرّق تارة يتحقّق بتفرّق الأبدان وأُخرى بانقطاع المحادثة وانتهائها، فيراد بالمجلس في الأوّل، مجلس الأبدان، وفي الثاني مجلس المحادثة والمكالمة.
وهناك نكتة نحب التنبيه عليها وهي أنّ حقيقة البيع أمر عرفي وليس عندهم شيء من خيار المجلس وعن انقضائه بتفرّق المتبايعين. نعم ورد في الشرع عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترّقا، فإذا افترقا وجب البيع». وهذا تعبّد من الشارع وفي الوقت نفسه غير داخل في حقيقة البيع، فلو فرضنا تحقّق ما هو حقيقة البيع عند العرف ـ ولكن لا يصدق فيه التفرّق ـ فالأمر دائر بين أحد أمرين:
1. أنّ البيع صحيح، وأنّ حكم الشارع بخيار المجلس وانقضائه بالتفرّق منصرف عن هذه الصورة. فتكون النتيجة لزوم هذا البيع من بدء الأمر.
2. أنّ خيار المجلس بانقضائه بالتفرّق داخل في حقيقة البيع، فكلّ فرد لم يتصوّر فيه هذا النوع من العمل فهو بيع باطل.
ولا شكّ أنّ الاحتمال الأوّل هو الأوفق لفهم العرف; وذلك لأنّه لم يعلم من كلام النبي وجود التساوي بين حقيقة البيع وخيار المجلس بتفرّق الطرفين.
ثمّ إنّ القول بصحّة التعاقد بالهاتف واللاسلكي، أقوى من القول بصحّتها بالمراسلة لعدم وجود الفاصل الزماني فيهما، دون التعاقد بالمكاتبة لوجوده فيها، المتوهم إخلاله في صحّة العقد.
نعم سيوافيك صحّة التعاقد بها أيضاً; لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بلّغ بالمراسلة ودعا

صفحه 138
الملوك ورؤساء القبائل إلى الإسلام عن طريق المكاتبة وقد حفظ التاريخ قسماً كبيراً من رسائله إلى عظماء البلاد ورؤساء العشائر، وسيوافيك الكلام فيها في المسألة التالية.

صفحه 139

المسألة الثانية عشرة

التعاقد عن طريق المكاتبة

هل يجوز التعاقد بالمكاتبة أو لا؟ فيه خلاف. فنقول: تحقيق الموضوع رهن ذكر أُمور:

الأوّل: اهتمام الذكر الحكيم والسنّة النبوية بالكتابة

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا)(1).
وقال تعالى حاكياً عن سليمان الذي خاطب الهدهد وقال: (اِذْهَبْ بِكِتَابي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)(2).
وقال سبحانه: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)(3).

1 . البقرة:282.
2 . النمل:28.
3 . القلم:1.

صفحه 140
فهذا النوع من الاهتمام بالكتابة يدلّ على صحّة الاحتجاج بها.
أمّا السنّة فقد كان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يحثّ على الكتابة والاهتمام بها، وهذا ما نلاحظه في الروايات التالية:
1. أخرج أبوداود في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أُريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشر يتكلّم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال:«اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّاً».(1)
2. روى البخاري عن ابن عباس قال: لمّا اشتدّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وَجَعُهُ قال:«ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغظ، قال:«قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه.(2)
فلو لم تكن الكتابة حجّة لما اهتمّ الكتاب العزيز ولا السنّة النبوية بها، فإنّ هذا الاهتمام البالغ يُعرب عن حجّيّتها في عامّة المجالات، وكيف لا تكون كذلك؟ فإذا كانت حجّة في حكاية السنّة النبوية، فتكون أولى بها في غير السنّة.
3. روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«ما ينبغي لأمرئ مسلم أن يبيت ليلة إلاّ

1 . سنن أبي داود:3/318، برقم 3646، باب في كتابة العلم ; مسند أحمد:2/162.
2 . صحيح البخاري:48ـ 49، برقم 114، كتاب العلم، باب كتابة العلم.

صفحه 141
ووصيته تحت رأسه».(1)
4. روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ من حقّ الولد على الوالد أن يُحسن اسمه ويعلّمه الكتابة ويزوّجه إذا بلغ.(2)
كيف لا يكون حجّة وقد كاتب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عظماء الملوك ورؤساء القبائل فبلّغ إليهم شريعته، وأتمّ الحجّة عليهم، وقد جمع أحد الباحثين من المعاصرين رسائل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في كتاب أسماه «مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)».

الثاني: أنّ البيع ونظائره من الأُمور الإنشائية

لو قلنا: إنّ حقيقة البيع إنشاء التمليك أو المبادلة بين المالين إنشاء اعتبارياً، فيقع الكلام في أنّه هل يمكن إنشاء الأمر الاعتباري بالكتابة أو لا؟ وهذا هو
الأمر المهم الذي تنبغي دراسته. فلو قلنا بكفاية الكتابة، يختصّ القول بها بما
إذا قصد الكاتب إنشاء التمليك والمبادلة بين المالين لا إبراز ما في ذهنه
من التصوّرات.
نعم لو قلنا بأنّ حقيقة البيع إبراز ما في النفس من المبادلة بين المالين فالأمر سهل، إذ الكتاب يحكي عمّا في الضمير من قصد المبادلة بين المالين، لكن المبنى غير صحيح، وإن أصرّ عليه السيد الخوئي(رحمه الله)وبعض الباحثين من السنّة. فنحن ندرس الموضوع حسب ما اخترناه.

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب وجوب الوصية، الحديث7.
2 . مكارم الأخلاق:114.

صفحه 142

الثالث: دراسة مشاكل الموضوع ضمن أُمور ثلاثة

إنّ صحّة الإنشاء بالمكاتبة رهن حلّ ثلاثة إشكالات:
1. هل تعتبر الصيغة اللفظية في لزوم البيع أو لا؟ بعد اتّفاقهم على كفاية الكتابة والإشارة للمعذورين لو قلنا باعتبارها بشكل إنشاء البيع بالكتابة.
2. هل تعتبر الموالاة بين الإيجاب والقبول أو لا تعتبر؟ فيجوز أن يعترض فاصل زماني بينهما، كما إذا كان الموجب في بلد وقد كتب أنّه باع الحاجة الفلانية للمشتري الذي هو في بلد آخر، فيقبل المشتري بعد عدّة أيام، فإن قلنا بشرطية الموالاة تشكل صحّة إنشاء البيع بالكتابة، نعم لو كانا متواجدين في مكتب تسجيل الأملاك، فهذا الشرط موجود قهراً.
3. كيف يتحقّق خيار المجلس إذا كان البائع والمشتري في بلدين؟ دونما إذا كانا حاضرين في مكتب تسجيل الأملاك، إذ يتحقّق فيه خيار المجلس، وستوافيك الإجابة عن هذه الإشكالات الثلاثة.
وقبل ذلك نذكر كلمات الفقهاء في المسألة.

الرابع: أقوال الفقهاء في المسألة

اتّفق الفقهاء على أنّ طلاق الأخرس يصحّ بالإشارة أو بالكتابة، كما أنّ المشهور عدم صحّة الطلاق بالكتابة. ويقرب منه العتق. قال يحيى بن سعيد: لا يقع العتق إلاّ بصريحه، فإن عجز جاز بالكتابة.(1) ويقرب منهما النكاح، قال

1 . الجامع للشرائع:401.

صفحه 143
العلاّمة: الثالث: يشترط النطق بالصيغة ولا ينعقد النكاح بالكنايات ولا بالكتابة.(1)
وأمّا غير هذه الثلاثة أعني الطلاق والنكاح والعتق فمختلف فيه.
قال المحقّق الكركي: إنّ النطق معتبر في العقود اللازمة بالإجماع، إذ يمكن وقوعها عبثاً أو لغرض آخر.(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة» في باب الوكالة: إذا شرطنا القبول لم يُكتف بالكتابة، كما لو كتب بالبيع.(3) إلى غير ذلك من الكلمات المخلتفة، وهي تحكي عن عدم وجود دليل نقلي في المسألة، وإنّما يستنبط الحكم من هنا وهناك.ومع ذلك فقد يظهر من بعض الروايات أنّ كفاية الكتابة كانت أمراً مسلّماً بين الإمام والراوي، وكان السؤال عن شيء آخر.
روى الصدوق في «كمال الدين» بإسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن(عليه السلام): رجل كتب كتاباً بخطّه ولم يقل لورثته هذه وصيتي، ولم يقل: إنّي قد أوصيت، إلاّ أنّه كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصى به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطّه ولم يأمرهم بذلك؟ فكتب(عليه السلام):«إن كان له وُلدٌ، ينفذون كلّ شيء يجدونه في كتاب أبيهم في وجه البر وغيره».(4)
هذا قول أصحابنا وأمّا غيرهم فقد أجاز المالكية والحنابلة، التعاقدَ

1 . تحرير الأحكام:3/428.
2 . جامع المقاصد في شرح القواعد:5/309.
3 . تذكرة الفقهاء:15/13.ولاحظ تمهيد القواعد للشهيد الثاني، القاعدة 103، فقد بسط الكلام فيها نقلاً وتحقيقاً.
4 . الوسائل:13، الباب48 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.

صفحه 144
بالمكاتبة والمراسلة، وذهب بعض فقهاء الشافعية إلى عدم جواز التعاقد بهما، وهو رأي الزيدية.(1)
كلّ ذلك يعرب ـ كما قلنا ـ عن عدم دليل نقلي حول المسألة وإنّما يستنبط الحكم من القواعد الكلّية.

الإشكال الأوّل: لزوم الإنشاء بالصيغة اللفظية

قد تقدّم كلماتهم في اعتبار الصيغة اللفظية في مقام الإنشاء واستدلّوا عليه .
استدلّ القائل بلزوم الصيغة اللفظية وعدم كفاية الكتابة بوجوه خمسة:
الأوّل: الإجماع على عدم كفاية الكتابة حسب ما حكاه المحقّق الكركي، وعلّله بقوله:إذ يمكن وقوعها عبثاً أو لغرض آخر، كما مرّ.
يلاحظ عليه: أنّ أساس هذه الدعوى، هو أنّ المدّعي استنبط حكمَ الفرع من القاعدة المجمع عليها، فادّعى الإجماع على الفرع لكون القاعدة مجمعاً عليها، كما يظهر من ذيل كلامه حيث علّل الإجماع بقوله: إذ يمكن وقوعها عبثاً أو لغرض آخر. ودعوى الإجماع على هذا الأساس غير مفيدة. وذلك لأنّ البحث فيما إذا أُحرز أنّ المتعاقدين بالكتابة في مقام إنشاء البيع جدّاً، بعيدين عن العبث، أو عن غرض آخر كتحسين الخط.
الثاني: أنّ الأفعال ومنها الكتابة قاصرة عن إفادة المقاصد الباطنية وغايتها الظن وهو لا يغني من الحقّ شيئاً.
الثالث: إنّ الركون إلى الكتابة مخالف لمقاصد الشارع المقدّس في هذا

1 . انظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة السادسة، العدد السادس، الجزء الثاني، الصفحة 851.

صفحه 145
الباب; لأنّ من مقاصده حفظ النظام، والمعاملات إنّما شرعت لنظام أمر المعاش المطلوب لذاته ولتوقّف أمر المعاد عليه، وهي مثار الخلاف ومنشأ النزاع، فالواجب ضبطها بالأمر الظاهر الواضح الكاشف عن المعاني المقصودة لا بمثل الكتابة، حتّى لا يكون نقضاً للغرض.(1)
لا يخفى أنّ الوجهين قريبان.
يلاحظ عليهما: أنّ ما ذكره يتم في المعاطاة، حيث إنّها مشتركة ـ مع قطع القرائن ـ بين التمليك اللازم والتمليك الجائز، وإباحة الانتفاع إلى غير ذلك ممّا ذكره القائلون بعدم إفادة المعاطاة الملكية اللازمة. وأمّا الكتابة فالمفروض أنّ البائع والمشتري قاما بالتحرير بأفضل الألفاظ وأوضحها في إفادة المعاني، وربّما شهد على المراد مسجّل الأملاك، فاحتمال العبث أو تحسين الخط، أو كون الخط مثاراً للخلاف منتف، ولذلك نرى أنّ العقلاء يعتبرون البيع بالكتابة أفضل من البيع بالصيغة اللفظية، إذ لا يكتفون في المعاملات الضخمة بالعقد اللفظي بل يلتزمون بالكتابة والتوقيع، وليس ذلك لأجل عدم كفاية العقد اللفظي ثبوتاً، بل لأجل الاحتجاج على المالكية إثباتاً عند ظهور الاختلاف.
يقول أحد الباحثين: إنّ النطق باللسان ليس طريقاً حتمياً لظهور الإرادة العقدية بصورة جازمة في النظر الفقهي، بل النطق هو الأصل في البيان، ولكن قد تقوم مقامه كلّ وسيلة اختيارية أو اضطرارية ممّا يمكن أن يعبّر عن الإرادة الجازمة تعبيراً كاملاً مفيداً.(2)

1 . لاحظ: مفتاح الكرامة:12/517.
2 . انظر: المدخل الفقهي العام:2/326.

صفحه 146
الرابع: أنّ الأسباب الشرعية توقيفية وإنّما تثبت بالتلقّي من الشارع، ولم يثبت جواز التعاقد بالكتابة، فلابدّ من الحكم بعدمه.
يلاحظ عليه: أنّ قوله تعالى: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) يشير إلى أفراد العقود، لا إلى أنواعها(1)، وعلى هذا فالموضوع كلّ عقد صدر ممّن لهم صلاحية العقد، فيجب الوفاء به، من دون نظر إلى كونه واقعاً تحت عنوان، أو لا. لكن بشرط أن لا يشتمل العقد على تحليل حرام أو تحريم حلال، والدليل على ما ذكرنا من أنّ المتبادر أفراد العقد لا أنواعه، أنّه لو قال القائل: أكرم العلماء، فاللفظ ينصرف إلى كلّ فرد فرد يصدق عليه أنّه عالم، من دون نظر إلى أنواع العلم وأصناف العلماء من فقيه أو حكيم أو أديب. ويؤيّد ذلك أمران:
1. أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعليّة، فإيجاب الوفاء بالعقود إنّما هو لأجل أنّه عقد وتعهد والتزام، ومن المعلوم أنّ نقض العهد ورفض الالتزام على خلاف كرامة الإنسان، وعلى هذا فلا فرق بين عهد رائج في عصر الرسالة وما ليس كذلك، فإنّ الملاك الملزم لوجوب الوفاء هو التعهّد.
2. وجود الفرق الواضح بين العبادات والمعاملات، فالأُولى منهما من الأُمور التوقيفية التي ليس للعقل إليها سبيل، ولذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاقات الواردة في مورد العبادات نحو قوله:(أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)، إذ لا طريق لنا إلى معرفة ما هو المشروع من العبادات عند الله سبحانه.
وأمّا الثانية فهي أُمور عرفية ليست غريبة عن عقول الناس وفطرتهم.

1 . إذ لو كان مشيراً إلى أنواع العقود، يكون دليلاً على خصوص النوع الموجود في عصر نزول الآية، والمفروض عدم ثبوت هذا النوع من العقود في عصر النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 147
ولأجل ذلك صارت المعاملات أُموراً إمضائية لا تأسيسية على خلاف العبادات.
الخامس: ما رواه الكليني عن يحيى بن الحجّاج، عن خالد بن الحجّاج قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الرجل يجيء فيقول: إشتر هذا الثوب، وأربحك كذا وكذا، قال:«أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ»؟ قلت: بلى. قال: «لا بأس به، إنّما يحلّ الكلام، ويحرّم الكلام».(1)
وجه الاستدلال بأنّ المراد حصر المحلّل والمحرّم في الكلام. فلا تكون المكاتبة محلّلاً ولا محرّماً.
والإجابة عن الاستدلال رهن بيان فقه الحديث:
أمّا السند ففي بعض النسخ خالد بن الحجّاج فتكون الرواية حسنة، وفي البعض الآخر خالد بن نجيح، فتكون ضعيفة لأنّه مجهول.
وأمّا الدلالة فإنّ الرجل لا يخلو من إحدى حالتين:
1. أن يشتري الثوب للمشتري الراغب وكالة عنه، وعندئذ لا يجوز أخذ الربح منه; لأنّ الربح فرع كون البائع مالكاً للمبيع والمفروض أنّه ملك للمشتري مباشرة.
2. أن يشتريه لنفسه ثم يبيعه منه ففي هذه الحالة يصلح أخذ الربح منه ولكن يكون المشتري ذا خيار بين الترك والأخذ; لأنّ المفروض أنّه اشتراه لنفسه. نعم هذا هو الحكم الشرعي ولكن اللازم ـ حسب ما اتّفق مع البائع أنّه بحاجة إلى هذا الجنس ـ هو الاشتراء لا الترك.

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.

صفحه 148
ويدلّ على ما ذكرنا من التفسير صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه، ثم تشتري له نحو الذي طلب، ثم توجبه على نفسك، ثم تبيعه منه بعد».(1)
فقد أرشد الإمام إلى الطريق الذي يصلح للبائع أخذ الربح، حيث إنّه يشتريه لنفسه، ثم يبيعه بثمن أكثر ممّا اشتراه، بخلاف ما إذا اشتراه للمشتري من أوّل الأمر، إذ لا يصلح عندئذ لأخذ الربح منه.
إذا تبيّن ذلك فنقول: يلاحظ على الاستدلال أنّ الشيخ الأنصاري تكلّم في الرواية بوجه قيّم وقال: إنّ الحديث يحتمل احتمالات أربع، والأوضح هو الاحتمال الأخير، وهو التفريق بين المقاولة وإيجاب البيع، فالأوّل يحلّل والثاني يحرّم، ويعلم وجه ذلك بالمراجعة إلى نفس الحديث.(2) ولا صلة للحديث بحصر الحرام والحلال في الكلام.
ثمّ إنّك إذا أحطت بضعف دليل المخالف، لا حاجة إلى إقامة دليل خاصّ على جواز الإنشاء بالمكاتبة، بعد تسليم أمرين:
1. ما عرفت من اهتمام الشارع بالمكاتبة في الأُمور المهمّة، وقيام النبي بالتبليغ بواسطتها.
2. وجود الفرق بين العبادات والمعاملات، فعمل الشارع في الأُولى تأسيسي، بخلافه في الثانية فإنّه امضائي. فلو أمضى عامّة العقود، فيجب اتّباعه من غير فرق بين كون السبب هو اللفظ أو الكتابة.

1 . الوسائل:12، الباب8 من أحكام العقود، الحديث 1. مرآة العقول:19/221.
2 . هذه الوجوه للمانعين مأخوذة من كتاب مصابيح الأفكار، للسيد بحر العلوم (رضوان الله عليه).

صفحه 149
وبعبارة أُخرى: إنّ الشارع صبّ اهتمامه في الأُمور الدنيوية على بيان المحرّمات، منها دون المحللات، وتخطئة ما يراه العقلاء أمراً صحيحاً. وأمّا ما سوى ذلك فقد فوّض أمره إلى العقلاء، فإذا كانت الكتابة قائمة عندهم مقام الإنشاء باللفظ، فتشملها العمومات والإطلاقات.
إلى هنا تمّ الكلام في المحور الأوّل من المحاور الثلاثة، فخرجنا بأنّ الصيغة اللفظية هي أحد الأسباب وليست سبباً منحصراً، بل تقوم الكتابة موضعها.

الإشكال الثاني: اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول

إذا كان التعاقد بالكتابة في مكتب تسجيل الأملاك، فالموالاة موجودة، إنّما الكلام في المكاتبة بين البعيدين، كما مثّلنا بأن يكتب صاحب المبيع وهو في بلد معيّن، رسالة بأنّه باع السلعة الفلانية التي رآها المشتري من قبل، وأرسل الرسالة إليه بالبريد، وهو أجاب بالقبول، عن طريق الكتابة، فربّما يقال: بأنّ الفاصل بين الإيجاب والقبول يبطل العقد.
واستدلّ له بأنّ العقد المركّب من الإيجاب والقبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فيقدح تخلّل الفصل المخلّ بهيئته الاتّصالية، ولذا لا يصدق التعاقد إذا كان الفصل مفرطاً في الطول كسنة أو أزيد، وانضباط ذلك إنّما يكون بالعرف، فهو في كلّ أمر بحسبه، فيجوز الفصل بين كلٍّ من الإيجاب والقبول بما لا يجوز بين كلمات كلّ واحد منهما، ويجوز الفصل بين الكلمات بما لا يجوز بين الحروف، كما في الأذان والقراءة.(1)

1 . كتاب المكاسب (قسم البيع):3/158ـ 159.

صفحه 150
وأورد عليه الشيخ الأنصاري أنّ ما ذكره حسن لو كان حكم الملك واللزوم في المعاملة منوطاً بصدق العقد عرفاً، كما هو مقتضى التمسّك بآية الوفاء بالعقود، وبإطلاق كلمات الأصحاب في اعتبار العقد في اللزوم بل الملك، أمّا لو كان منوطاً بصدق «البيع» أو «التجارة عن تراض» فلا يضرّه عدم صدق العقد.(1)
أضف إلى ذلك: إنّ الموالاة تختلف حسب اختلاف أسباب العقد وأنواعه، فلو كان المتعاقدان حاضرين في مجلس العقد، تعتبر الموالاة حسب هذا السبب، وأمّا إذا كانت طبيعة السبب مقتضية لمضيّ زمان حتى يكتمل العقد، فتعتبر الموالاة حسب هذا النوع من السبب، فلو وصلت الرسالة ولم يهتم بها إلاّ بعد أيّام، تبطل الموالاة.

الإشكال الثالث: كيف يتحقّق خيار المجلس؟

ربّما يقال: إنّ المتبايعين إذا كانا في مجلس واحد يتحقّق فيه خيار المجلس بوضوح، وأمّا إذا كانا بعيدين على نحو يكون بين الإيجاب والقبول فاصل زماني فكيف يتحقّق خيار المجلس؟ كما هو الحال في التعاقد بالمكاتبة.
أقول: يعرف حاله ممّا ذكرناه في الإشكال الثاني فإنّ اختلاف الأسباب يسبب اختلاف المصاديق(لا اختلاف الأحكام)، فإذا كانت المكاتبة سبباً عرفياً مُمضى من الشارع، حينئذ يختلف مصداق خيار المجلس عن المتواجدين في مكان واحد، فإذا وصل الكتاب إلى المشتري وهو بعد قارئ فخيار المجلس هو هذه الحالة، فإذا ترك القراءة واشتغل بأمر آخر ينتهي خيار المجلس، كما أنّ

1 . كتاب المكاسب(قسم البيع):3/158ـ 159.

صفحه 151
للموجب خيار المجلس قبل أن تصل الرسالة إلى يد المشتري. أضف إلى ما ذكرنا ما مرّ أخيراً في مورد التعاقد بالهاتف واللاسلكي من أنّ خيار المجلس وانقضاءه حكم شرعي لا مدخلية لهما في حقيقة العقود، فلو أمكن التفرّق فهو، وإلاّ يكون الدليل منصرفاً عمّا لا يمكن فيه التفرّق، فلاحظ.
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: مَن تتبّع كلمات فقهائنا يقف على أنّ الأكثر لولا الاتّفاق على لزوم الصيغة في الموارد الثلاثة: النكاح والطلاق والعتق. فإن ثبت الإجماع فالاحتياط اللازم ضم الصيغة اللفظية إلى الكتابة في الموارد المذكورة.
الثاني:أنّ البيع وما شابهه من الأُمور الاعتبارية الإنشائية حيث إنّ كلاًّ من البائع والمشتري بصدد إنشاء العلقة بين المالين كما في البيع، أو إنشاء العلقة بين الرجل والمرأة كما في النكاح، أو إنشاء التصالح بين المتنازعين كما يدلّ عليه قوله سبحانه:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)(1).
فعلى هذا فإنّما يُكتفى بالمكاتبة إذا كان الموجب والقابل بصدد إنشاء هذه العلقة الاعتبارية المستنسخة من العلقة التكوينية، ولذلك يختصّ القول بالصحّة إذا أُحرز هذا الشرط .
إنّ كثيراً من الباحثين في مجمع الفقه الإسلامي يستدلّون على الصحّة بأنّ الكتاب يحكي عن إرادة الكاتب وإبراز ما في النفس، وقد جاء في «الروض النضير» نقلاً عن بعض المحقّقين ما هذا لفظه: لمّا كان البيع وغيره من المعاملات

1 . الحجرات:10.

صفحه 152
بين العباد أُموراً مبنية على فعل قلبي وهو طيبة النفس ورضى القلب وكان ذلك أمراً خفيّاً أقام الشرعُ القول المعبّر عمّا في النفس مقامه وأناط به الأحكام على ما اعتيد من إقامة الأُمور الظاهرة المنضبطة، مقام الحِكَم الخفية في تعليق الأحكام بها، واعتبر أن يصدر عن قصد من المتكلّم بها، فلم يعتبر بكلام الساهي، ولا مَن سبقه لسانه، ولا من الحاكي، ولا من المكره، ولا من الجاهل لمعانيها بالكلّية كالأعجمي حيث نطق بها بكلام عربي لا يعرف معناه أصلاً، ونحو ذلك.(1)
إنّ كلامه مبنيّ على أنّ البيع وأمثاله من الأُمور القلبية، فإذا وقفنا عليها، صحّ ولزم. ولكنّه أمر غير تام لما سبق في بعض المقدّمات من أنّ المعاملات حتى بالمعنى الأعمّ الشامل للنكاح والطلاق كلّها من الأُمور الإنشائية، فلا يكفي إبراز ما نوى إلاّ إذا تكلّم أو كتب شيئاً دالاً على أنّه بصدد إنشاء البيع والمبادلة بين المالين سبباً دالاًّ على الإنشاء.

الثالث: كفاية المكاتبة عند العجز عن التكلّم

قال الشيخ الأنصاري ـ بعد ما ذكر تحقّق الشهرة العظيمة على اعتبار اللفظ في البيع ـ : إنّ هذا يختصّ بصورة القدرة، وأمّا مع العجز عنه كالأخرس فمع عدم القدرة على التوكيل لا إشكال ولا خلاف في عدم اعتبار اللفظ وقيام الإشارة مقامه، وكذا مع القدرة على التوكيل، لا لأصالة عدم وجوبه ـ كما قيل ـ لأنّ الوجوب بمعنى الاشتراط ـ كما نحن فيه ـ هو الأصل، بل لفحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس، فإنّ حمله على صورة عجزه عن التوكيل، حمل المطلق

1 . الروض النضير:3/426.

صفحه 153
على الفرد النادر، مع أنّ الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب.(1)

الرابع: الفاكس من أقسام المكاتبة

ذكرنا في عنوان البحث بأنّ الفاكس من قبيل المكاتبة.
توضيحه: إنّ الفاكس جهاز يصوّر الرسالة في مكان الإرسال(المبدأ) ويرسل هذه الصورة على شكل إشارات ضوئية وكهربائية إلى الجهاز المستقبل الموجود في (المقصد)، وعند وصول هذه الإشارات الكهربائية إلى ذلك الجهاز يقوم بتحويلها إلى صورة مطابقة تماماً لصورة الرسالة المرسلة، ويقوم هذا الجهاز بطبع صورة الرسالة على الورق، والاتّصال بين الجهازين يتمّ من خلال أسلاك الهاتف. والعبرة بالكتاب المحرّر أوّلاً، المرسَل ثانياً، الواصل إلى المشتري ثالثاً. وعلى كلّ تقدير فيشترط في صحّة الإنشاء به ما تقدّم من كون المرسل، بصدد إنشاء البيع بالكتابة، لا إبراز ما نوى في ذهنه.
***

1 . المكاسب:3/117ـ 118.

صفحه 154

المسألة الثالثة عشرة

التعاقد عن طريق الأجهزة الحديثة

هل يجوز إجراء العقود بواسطة وسائل الاتّصال الحديثة التي لم يكن لها مثيل في القرون السابقة، غير أنّ الفكر البشري جاد بها فابتكرت آلات للاتّصال بين أرجاء المعمورة وبذلك قربت المسافات الشاسعة، فأصبح الإنسان يخاطب أخاه في المغرب وهو في المشرق، ثمّ إنّ الاقتصاديّين والتجّار استخدموا هذه الوسائل في معاملاتهم المالية كما استخدمها السياسيّون لتحقيق أهدافهم.
فعندئذ تصل النوبة إلى فقهاء الشريعة ليبيّنوا حكم التعاقد عن طريق هذه الآلات الحديثة من وجهة نظر الفقه الإسلامي.
أقول: الكلام في هذه المسألة ـ كالكلام في سابقتها ـ يقع في محاور ثلاثة:
1. هل النطق هو الوسيلة الوحيدة في إنشاء المعاملات أو لا؟
2. هل تعتبر الموالاة بين الإيجاب والقبول أو لا؟
3. لو قلنا بصحّة الإنشاء بواسطة الآلات الحديثة، فما هو مبدأ خيار المجلس ونهايته؟
وبما أنّا بسطنا الكلام في هذه المحاور في المسألة السابقة، نترك البحث

صفحه 155
فيها هنا، حيث إنّ حكم المقامين واحد.
والذي يجب أن نركّز عليه هو الأمر الرابع الذي مرّت الإشارة إليه في المسألة السابقة، وهو:
إنّ المعاملات بالمعنى الأعمّ من قبيل الأُمور الاعتبارية المستنسخة من الخارج، غير أنّ الزوجية التكوينية بين الثمرتين ـ مثلاً ـ أمر تكويني أوجدته يد التكوين بأمر إله العالمين، وأمّا الزوجية الاعتبارية المستنسخة من التكوينية لا تتحقّق إلاّ بإنشائها في عالم الاعتبار حتى يجعل كلاًّ من الرجل والمرأة، زوجين كالثمرتين المعلّقتين على غصن واحد.
فعلى هذا فهذه الأُمور رهن إنشاء المتعاقدين بالإيجاب من أحدهما والقبول من الآخر.
وعلى ضوء ما ذكرنا فلابدّ من دراسة الأجهزة الحديثة، هل فيها إنشاء للأمر الاعتباري بنحو من الأنحاء، فيلحق بالكتابة، وإلاّ فلا يمكن القول بالصحّة بمجرّد كون المعاني في ذهن من في المبدأ أو من في المقصد، فنقول:
نعم يمكن تصحيح الإنشاء بأنّ أصحاب هذه الأجهزة الحديثة يكتبون ما يقوم بأذهانهم، ويقصدون مآربهم، ثم يدفعون المكتوب إلى الأجهزة، والتي هي طريق لوصول المكتوب إلى المقصد، والعبرة بالمكتوب أوّلاً لا بالوسيلة.
فإن قلت: إنّ جهاز الفاكس ـ مثلاً ـ يصور الرسالة في مكان الإرسال (المبدأ) ويرسل هذه الصورة على شكل إشارات (كهربائية ومغناطيسية) إلى الجهاز المستقبل الموجود في المقصد، وعند وصول هذه الإشارات الكهربائية إلى ذلك الجهاز يقوم بتحويلها إلى صورة مطابقة تماماً لصورة الرسالة المرسلة،

صفحه 156
ثم يقوم هذا الجهاز بطبع صورة الرسالة على الورق، والاتصال بين الجهازين يتمّ من خلال أسلاك الهاتف.
قلت: ما ذكرته صحيح لكنّه لا يضر بالمقصود، إذ العبرة بالكتاب المحرر أوّلاً، المرسل ثانياً، الواصل إلى المشتري ثالثاً، وإن كانت بينهما إشارات كهربائية التي تؤثّر في وصول الرسالة إلى المقصد.
ومن هنا يُعلم حكم البرقية والتلكس فالجميع من واد واحد، والعبرة بالرسالة التي تدفع إلى الجهاز المرسل في بداية الأمر. ومنه يعلم حال الإنشاء عن طريق «الانترنت».

صفحه 157

المسألة الرابعة عشرة

انخفاض قيمة العملة

من المشاكل الاقتصادية التي تؤثّر على المجتمع ككل; بل على الدولة أيضاً، هو انخفاض قيمة العملة الذي يعبّر عنه بانخفاض القوّة الشرائية للعملة تارة، ومشكلة التضخّم أُخرى وارتفاع قيمة السلع ثالثة.
ويقع البحث في الأُمور التالية:
1. إذا أقرض إلى مدّة كسنتين وانخفضت قيمة العملة عند الوفاء.
2. إذا باع إلى أجل وانخفضت قيمة العملة عند أداء الثمن.
3. إذا أمهر على عملة ورقية ـ كألف تومان ـ الذي كانت له ماليّة عند العقد، وقد انخفضت قيمته عند الوفاء .
فيقع الكلام في تحديد الموقف من هذه الفروض الثلاثة.
كما أنّ البحث تارة يقع على مقتضى القاعدة الأوّلية، وأُخرى حسب النصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وثالثة حسب الأُصول العملية إذا لم يصل المستنبط إلى نتيجة قطعية عن طريق الأمرين الأوّلين.

صفحه 158

تأثير انخفاض قيمة العملة في الفرائض المالية

كما أنّ لانخفاض قيمة العملة تأثيراً في مقدار ما يُضمن، كذلك له تأثيرٌ في الخروج عن الوظائف المالية الشرعية، نظير ما يلي:
1. نفترض أنّ إنساناً يملك مليون تومان في بداية التكسّب وهو كان يُعادل ألف كيس من الذرة أو الأرز، وربح في آخر السنة قرابة 100 ألف تومان، وانخفضت قيمة العملة فصار الأصل والفرع(الربح) يساويان أيضاً ألف كيس من الذرة أو الأرز، فلو أخذنا بالظاهر فالتاجر ربح مئة ألف تومان، فيجب عليه إخراج الخمس، ولكنّه حسب القوّة الشرائية لم ينتفع أبداً لأنّه كان يملك رأس مال يساوي ألف كيس من أحد الجنسين، وهو الآن أيضاً يملك نفس الكميّة، فهل يصدق عليه أنّه ربح وانتفع أو لا؟
2. إذا ضارب المالك عاملاً برأس مال كمليون تومان، له قوّة شرائية معيّنة، أو يعادل كذا مثقال من الذهب، وفي نهاية الأجل زاد رأس المال مئة ألف تومان، لكن تساوت قوّة شرائها مع السابق، وعندئذ يقع الكلام، هل على المالك للعامل شيء؟ فلو كان الميزان هو تصاعد رأس المال عدداً فقد ربح، ولو كان الموضوع هو المالية والقوّة الشرائيّة، فلم يربح شيئاً، فلا يجب على المالك شيء للعامل.
إذا عرفت ذلك فلنقدّم دراسة ضمان المثلي، ثم نعرّج إلى ضمان العملة بأقسامها. كلّ ذلك حسب القواعد الأوّلية.

الأوّل: ضمان المثلي بالمثل

إذا كان على ذمّته ـ مثلاً بسبب بيع السلف أو الإتلاف ـ ألف كيلو حنطة،

صفحه 159
وفرض أنّ قيمة المثل عند العقد أو الإتلاف كانت تساوي ألف تومان، ولكن قيمته عند الوفاء(بسبب وفرة الحنطة وقلّة الطلب) تساوي 800تومان. فهل يجب عليه جبران الانخفاض بأن يدفع إليه ألف كيلو حنطة، مع مئتي تومان، أو يكفي دفع المثل؟
أقول: قد اتّفق الفقهاء على دفع المثل مطلقاً، سواء ارتفعت قيمة المثل عند الوفاء، أم انخفضت، أم تساوت قيمتهما.
ووجهه: أنّ البائع أو المتلف لم يضمن إلاّ نفس الشيء عند التمكّن منه أو بدله عند عدم التمكّن، فقط، وأمّا العناوين الطارئة على المثل من قوّة الشراء وضعفها فلم يضمنها، نعم لو خرج المثل حين الوفاء عن القيمة بكثير حتى عُدّ كالتالف كما إذا غصب الجمد(الثلج) في الصيف وأدّاه في الشتاء، فمعلوم أنّه يضمن القيمة لا المثل، لأنّه يعدّ عندئذ من التوالف التي لا مثل لها، ولو في فترة معيّنة.
يقول الشيخ الأنصاري: كلّ ما كان مثلياً باتّفاق المجمعين فلا إشكال في ضمانه بالمثل للإجماع... إلى أن قال: إنّ القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان في المغصوبات والأمانات المفرّط فيها، وغير ذلك، هو الضمان بالمثل، لأنّه أقرب إلى التالف من حيث الماليّة والصفات، ثمّ بعده قيمة التالف من النقدين وشبههما; لأنّهما أقرب من حيث الماليّة، لأنّ ما عداهما يلاحظ مساواته للتالف بعد إرجاعه إليهما.(1)

1 . كتاب المكاسب:3/214و217، مجلد 16 من الموسوعة.

صفحه 160

الثاني: حكم انخفاض قيمة الدرهم والدينار

إنّ تبيين حكم انخفاض قيمة الدرهم والدينار رهن بيان أمر: وهو أنّ الإنسان كان يتعامل بأحد النقدين المسكوكين الثابتين قيمة، وذلك لأنّ قيمتهما راجعة إلى ذات معدنهما النفيس، ولذلك كانا يحتلاّن مكان الصدارة في الاستقرار والمحافظة على سعر سائر العملات الأُخرى، فلو طرأ عليهما تغيير فإنّما هو من جهة أُخرى خارجة عن ذاتيهما، وهي قاعدة العرض والطلب في مورد الأجناس، فعندئذ يتصوّر الإنسان هبوط قيمة الدرهم والدينار أو ارتفاعها، مع أنّ الهبوط أو الارتفاع لم يمسّ كرامتهما، بل إذا صار الطلب قليلاً والجنس كثيراً، يتصوّر ارتفاع القيمة لقوّة الشراء بهما، وبالعكس انخفاضها لقلّة إمكان الشراء بها، غير أنّ هذا الارتفاع والانخفاض خارجان عن ذاتيهما، وإنّما يوصفان بهما لأجل عوامل خارجة عن ذاتهما.
وبذلك يُعلم أنّه إذا اشترى شيئاً إلى أجل إنّما يضمن نفس العملة لا الخصوصيات الطارئة عليها، نظير ما ذكرناه في بيع السلف وإتلاف المثل، فعليه الوفاء بما عقد عليه عند المعاملة.
وحصيلة الكلام: إنّ وصف الدرهم والدينار بالهبوط والارتفاع وصف باعتبار حال المتعلّق، وليسا وصفين لذاتهما، ولذلك فالواجب مطلقاً دفع ما في ذمّته مع قطع النظر عن الطوارئ والعوارض الجانبية.
فإن قلت:التغيير في قيمة العملة قد يكون ناتجاً عن طروء التغيير في عيارها ووزنها .
قلت: هذا النوع من التغيير خارج عن موضوع بحثنا، أو لا يوصف بطروء

صفحه 161
الانخفاض; لأنّها عندئذ منخفضة من أوّل الأمر، فإنّ للذهب عيار 18، قيمة، وعيار 20 له قيمة أُخرى.

الثالث: حكم انخفاض قيمة الذهب والفضة غير المسكوكين

إذا كان عليه ضمان شيء من الذهب والفضة غير المسكوكين، فاللازم عند الوفاء هو دفع المثل منهما، سواء ضعفت قوّة الشراء بهما أو بقيت على حالها، لما عرفت من أنّ الإنسان يضمن ذاتيهما لا الطوارئ العارضة عليهما من جانب قاعدة العرض والطلب في الأجناس.

الرابع: حكم انخفاض قيمة العملة الورقية

إذا اشترى شيئاً إلى أجل أو اقترض مبلغاً من المال بالعملة الورقية، ثم انخفضت قوّة الشراء بهذه العملة عند الوفاء، فما هو الواجب عند إبراء الذمّة؟ وهذا هو بيت القصيد في هذه المسألة، للفرق الواضح بين الدرهم والدينار والعملة الورقية; لأنّ قيمة الأوّلين ترجع إلى ذاتيهما بخلاف الورقية فإنّ قيمتها ترجع إلى اعتبار معتبر، كما سيتّضح.
إنّ إيضاح هذا الموضوع رهن بيان أمرين:
1. كان التعامل في العصور السابقة إلى مطلع القرن الرابع عشر بالنقود الفضية أو الذهبية، وقد عرفت أنّ احتمال انخفاض القيمة فيهما أمر طارئ، والوصف باعتبار حال المتعلّق، ثم تطوّر تعامل الناس في العصور المتأخّرة بالتعامل بالعملة الورقية، وقد مرّت بأطوار:
أ. كان يكتب على العملة الورقية من الدولة التي تصدُرها تعهّد بأنّها

صفحه 162
تدفع لحامل الورقة مقدار ما يذكر فيها من الذهب مثلاً، وكان التعهّد قائماً،
فكانت قيمتها مرتبطة بالذهب ارتباطاً كاملاً، ولذلك حافظت على قيمتها من الذهب.
ب. في السنوات الأخيرة وبسبب الضرورات قامت الدول بإصدار أوراق نقدية من دون أن يكون لها غطاء ذهبي أو فضي يوازن قيمتها ويحفظ اضطرابها، ولكن اعتبر سنداً لدين من الذهب والفضة على عاتق الحكومات لشعوبها ولحملة الأوراق. ومع هذا لم تلتزم الحكومات بتعهّدها في مقابلة الورقة النقدية بالذهب والفضة، وصار هذا سبباً لانخفاض قيمة هذه الأوراق.
ج. ثمّ اعتبرت الورقة النقدية عملة قائمة بذاتها(لا سنداً للدين) وصُدّرت الأوراق النقدية خالية من التعهّد بشيء، ولذلك اضطربت قيمة الورقة النقدية مقارنة إلى الذهب والفضة، وكذلك بالنسبة إلى سائر السلع.
ومع ذلك كلّه فالدول النامية تصدّر هذه الأوراق لكن لا بصورة عشوائية، بل بما تملك من المعادن والأموال الداخلية والخارجية التي تعادل قيمتها مع ما تُصدر من الأوراق النقدية أو تزيد بكثير.
نعم لو كان إصدار الأوراق عشوائياً بلا مراعاة ما يكون له رصيد مالي فهو خارج عن مصبّ بحثنا بل يعد نهباً لأموال الناس لمصالح الدولة الحاكمة آنذاك.
2. أنّ البحث في هبوط قيمة العملة مركّز على الفرض الأخير، وهو أنّ لها مالية اعتبارية وهي تعدّ في نفسها عملة لا سنداً، كالأسناد التي يصدرها التجار وغيرهم عند الشراء، فبذلك ظهر الفرق بين المثليات التي لها مالية ذاتية لا اعتبارية، وبين العملة الورقية التي ماليتها اعتبارية.

صفحه 163
إذا تبين الأمران، فلنرجع إلى دراسة الموضوع وبيان أحكامه حسب القواعد الأوّلية.

1. الشراء إلى أجل محدّد

إذا اشترى إلى أجل محدّد أو اقترض كذلك، فالواجب عليه نفس ما ضمنه أو اقترضه سواء انخفضت قيمة العملة أم لا؟
والدليل على ذلك وجود القرينة على أنّ المضمون هو ما ضمنه أوّلاً، وهي أنّ المعاملة تتم في جو تطرأ فيه المتغيّرات بسرعة، كما أنّ المقرض والمقترض، يعلمان بأنّ العملة لا تبقى على مستوى واحد، بل تنخفض وترتفع كما هو الحال في البيع إلى أجل كأربعة أشهر أو أكثر، فعلمُ المتبايعين بالارتفاع والانخفاض، يشكّل قرينة على أنّ الواجب على المشتري دفع نفس الثمن المسجّل في عقد المعاملة، سواء بقيت على ما كانت عليه أم انخفضت أم ارتفعت.
فإن قلت: إنّ ما ذكرته إنّما يتمّ في المعاملات الدارجة التي لا يزيد الأجل فيها عن بضع شهور، وأمّا الإقراض إلى سنة أو سنتين، فربّما يُعدّ الوفاء بمثل المأخوذ بخساً لحقّ المقرض، وتبقى ذمة المقترض مشغولة بمال المقرض عندئذ.
قلت: إنّ عِلم المُقرِض بأنّ العملة بين الإرتفاع والإنخفاض، يكون قرينة على رضاه بأن يكون الوفاء بمثل المأخوذ.
فإن قلت: هل هناك طريق في القرض يؤمن للمقرض مالية ماله حتى لا يتضرّر به؟

صفحه 164
قلت: لو أراد المحافظة على مالية العملة فليقرض مالية العملة التي يعادلها مقدار خاص من الذهب والفضة أو العملة الصعبة، ويقول: أقرضتك مليون توماناً حسب مقدار ما يُشترى اليوم به من الذهب أو الفضة، أو ما يعادلهما من سائر العملات الثابتة.
فإن قلت: أو ليس هذا الاشتراط «رباً» لما روي من أنّ كلّ قرض جرّ ربحاً فهو رباً؟
قلت: هذا النوع من الاشتراط لا يوصف بالربا; لأنّها عبارة عن طلب الزيادة، والشارط لا يطلبها، بل يطلب نفس المالية التي أقرضها.
ولذلك لو فرضنا ارتفاع قوّة الشراء بالعملة بحيث يُشترى بها من الذهب والفضة أكثر ممّا سبق، فليس للدائن إلاّ المبلغ الذي كان يعادل قيمة أحد الأمرين عند الإقراض التي هي الآن أقلّ ممّا يُشترى به الآن.

نظرية بعض الباحثين في إقراض المالية

ثمّ إنّ بعض الباحثين أنكر إقراض المالية قائلاً: إنّنا نجد المسألة (عدم صحّة إقراض المالية) واضحة عندما تتغيّر العملة إلى الزيادة، وحينئذ ليس هناك أحد يحكم بلزوم ملاحظة هذه الزيادة في القيمة.
ثمّ إنّه لأجل إيضاح الموضوع نقل بعض الباحثين مثالاً: رجل اقترض مائتي جنيه(العملة المصرية) ليشتري كيس ذرة، ثم انخفض كيس الذرة إلى25 جنيهاً فهل يجب عليه بعد الانخفاض أن يردّ كيس ذرة أو 25 جنيهاً؟(1)

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الخامسة، العدد 5، الجزء:3/1813.

صفحه 165
يلاحظ عليه: أنّ مالية ما اقترض (200جنيه) لا يحدّد بالجنس الذي يريد المشتري شراءه حتى يترتّب عليه ما ذكر; لأنّ المشكل حدث من القياس بمورد خاصّ مطلوب للمقترض، بل يلاحظ إمّا إلى الذهب والفضة المسكوكين أو العملات الصعبة كالدولار وغيره، وعندئذ إمّا أن يحتفظ المال المقترض بماليّته الأُولى، وإمّا أن تنخفض القيمة، ولكن ليس هبوطاً فاحشاً كما ورد في المثال المذكور.

2. إذا أُتلفت العملة أو غصبت

لو غصب شخص عملة ورقية أو أتلفها على صاحبها، وفرضنا انخفاض قيمتها، فما هو الواجب عليه عند الوفاء؟ فهل هو دفع المثل أو دفعه مع رعاية التضخّم؟ الظاهر هو الأوّل، لما عرفت من أنّ المضمون هو نفس الشيء إذا أمكن أو مثله إذا لم يمكن، وأمّا الصفات الطارئة كمقدار قوّة الشراء وضعفها فليست من الأُمور المضمونة، اللّهمّ إلاّ إذا خرجت العملة عن الاعتبار على وجه لا يُعدّ دفع مثلها، أداءً لما في الذمّة، بأن يكون التضخّم كبيراً وفاحشاً، ففي مثله يجب رعاية التضخّم.

3. إذا ضارب عاملاً وربح

إذا ضارب المالك عاملاً بمبلغ إلى سنة وكان رأس المال مليون تومان، وفي نهاية السنة زاد مئة ألف تومان، وقد أصبحت قوّة الشراء في الثاني مثل الأوّل، فهل يجب على المالك دفع شيء من الربح إلى العامل، لأنّه في الظاهر ربح وانتفع، أو لا; لأجل مساواة رأس المال بدءاً وختماً من حيث المالية؟

صفحه 166
الظاهر هو الأوّل; لأنّ عقد المضاربة تمّ في بيئة لم يكن للعملة أي استقرار نسبي، فهذا يشكّل قرينة على أنّ الميزان هو الزيادة في العدد لا المالية.

4. إذا أمهر وحدث الانخفاض

إذا أمهر وانخفضت قيمة العملة، فنقول: إن كان الانخفاض قليلاً فاللازم هو المثل، وأمّا إذا كان كبيراً وفاحشاً بحيث يُعدّ دفع ما عُقد عليه أمراً غير لائق، ففي مثل ذلك يدفع المثل مع رعاية التضخّم.
إلى هنا تبيّنت أحكام الموضوعات التالية، وأنّ اللازم هو:
1. ضمان المثلي بالمثل.
2. ضمان العملة المسكوكة بالمثل أيضاً.
3. ضمان غير المسكوك من الذهب والفضة بالمثل أيضاً.
4. ضمان العملة الورقية في البيع إلى أجل والإقراض والتلف والغصب، مثل ما سبق.
5. لزوم دفع الربح إلى العامل.
6. اللازم في المهر عند الانخفاض هو المثل إلاّ إذا كان الانخفاض كبيراً.
إلى هنا تمّ الكلام حسب القواعد الأوّلية، وإليك الكلام حسب الروايات.

حكم انخفاض قيمة العملة في الروايات

قد عرفت أنّ اللازم حسب القواعد الأوّلية هو دفع المثل إلاّ إذا بلغ الانخفاض إلى حدٍّ لا يوصف بكونه وفاءً لما في الذمّة لضآلة المثل. ومن حُسن

صفحه 167
الحظ أنّ الروايات أيضاً تؤكّد على أنّ الواجب هو ما ضمن أوّلاً:
1. صحيحة يونس: روى الشيخ في «التهذيب» بإسناده عن يونس، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا(عليه السلام) أنّه كان لي على رجل ]عشرة[ دراهم، وأنّ السلطان أسقط تلك الدراهم، وجاءت دراهم أعلى من الدراهم الأُولى، ولها اليوم وضيعة، فأيّ شيء لي عليه، الأُولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: «لك الدراهم الأُولى».(1)
2. صحيحة معاوية بن سعيد: روى الشيخ أيضاً عن معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم أو تغيّرت، ولا يباع بها شيء، ألصاحب الدراهم الدراهم الأُولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال:«لصاحب الدراهم الدراهم الأُولى».(2)
والروايتان على وفق القاعدة، لما عرفت من أنّ المضمون هو ذات العملة لا الخصوصيات الطارئة التي تطرأ على الدرهم والدينار بسبب إسقاط السلطان المعاملة بهما.
نعم كلّ ذلك لأجل أنّ إسقاط السلطان لا يخرج الدرهم والدينار عن المالية; لأنّ ماليتهما قائمة بذواتهما أوّلاً، وسكة السلطان ثانياً، فزوال الثانية لا يخرجهما عن المالية المهمّة.
نعم لو فرضنا أنّ إسقاط السلطان بلغ إلى حدّ صار الوفاء بالعملة الأُولى بخساً لحقّ الطرف، ووصف بعدم الوفاء بالواجب، فيجب رعاية التضخّم.

1 . الوسائل:12، الباب20 من أبواب الصرف، الحديث2.
2 . الوسائل:12، الباب20 من أبواب الصرف، الحديث4.

صفحه 168
فإن قلت: إنّ ما روي عن يونس، يخالف مع ما روي عنه أيضاً، وهو ما رواه الكليني عنه بسند موثق قال: كتبت إلى الرضا(عليه السلام): إنّ لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها، أو ما ينفق اليوم بين الناس؟
قال: فكتب إليّ: «لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس».(1)
قلت: الروايتان بظاهرهما متعارضتان ولكن يمكن الجمع بينهما بما ذكره الصدوق قائلاً: كان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد(رضي الله عنه) يروي حديثاً في «أنّ له الدراهم التي تجوز بين الناس»(2).
ثمّ قال: والحديثان متّفقان غير مختلفين، فمتى كان له عليه دراهم بنقد معروف فليس له إلاّ ذلك النقد، ومتى كان له عليه دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فإنّما له الدراهم التي]كانت[ تجوز بين الناس.(3)
ولعلّ مراده أنّ المقصود بالأُوليين ما إذا دفع له الدراهم وزناً لا بما هو من نوع معيّن بالخصوص، (وكأنّه في ذلك الزمان توزن الدراهم والدنانير في مقام التعامل والمحاسبة، من دون ملاحظة خصوصية السكّة المضروبة)، فله الدراهم الأُولى، وذلك بخلاف الرواية الثالثة فكأنّ التعامل كان على دراهم بخصوصية لسكّتها، ولذلك قال:«لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين

1 . الوسائل: 12، الباب20 من أبواب الصرف، الحديث1.
2 . من لا يحضره الفقيه:3/191 برقم 3716. ولعلّه نفس ما رواه الكليني عن يونس.
3 . الوسائل: 12، الباب20 من أبواب الصرف، ذيل الحديث3.

صفحه 169
الناس».
فإن قلت: ما نقل من الجمع عن ابن الوليد بحاجة إلى شاهد يدلّ عليه.
قلت: الذي يدلّ على ذلك قول السائل:«فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها، أو ما ينفق بين الناس». فقوله: «بأعيانها» يشير إلى الوجه الأوّل; كما أنّ قوله:«ما ينفق بين الناس» يشير إلى الوجه الثاني.
ثمّ لو تمّ هذا الجمع، وإلاّ فيؤخذ بالأُوليين لموافقتهما القواعد الأوّلية.
ربّما يستدلّ على المختار برواية ابن مسكان عن أبي بكر الحضرمي، قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم، فجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقّي؟ قال: فقال: «نعم ولكن لهذا كلام»، قلت: وما هو؟ قال: تقول: «اللّهمّ إنّي لا آخذه ظلماً ولا خيانة وإنّما أخذته مكان مالي الذي أخذ منّي لم أزدد عليه شيئاً».(1)
والحلف محمول على اليمين في غير مجلس القضاء، وإلاّ لما صحّ له الرجوع إلى الدين بعد يمين المديون.
غير أنّ في الاستدلال به على ردّ المثل عند الانخفاض تأمّلاً واضحاً، إذ لم يرد في الرواية أيُّ شاهد على حصول الانخفاض في العملة حتى يستدلّ بالرواية على كفاية دفع مثل ما أخذ، فإنّ الرواية ساكتة عن الحيثية التي نحن فيها.
وربما يستدل على خلاف المختار بما في صحيح الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يكون له الدين دراهم معلومة إلى أجل فجاء الأجل وليس عند

1 . الوسائل:12، الباب83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

صفحه 170
الذي حلّ عليه دراهم، فقال له: خذ منّي دنانير بصرف اليوم، قال:«لا بأس به».(1)
يلاحظ عليه: أنّه يدلّ على جواز صرف الدينار بالدرهم وبالعكس، وأمّا تقييده بقوله:«خذ منّي دنانير بصرف اليوم» ليس لأجل لزوم دفع العملة الرائجة بل لأجل أنّ ذمّته مشغولة بالدراهم إلى يوم الوفاء، ففي ذلك اليوم تتبدّل الدراهم إلى الدنانير فلابدّ أن يكون التبديل بملاك صرف اليوم، ولذلك قلنا في ضمان المثلي بالقيمة إنّما هو قيمة يوم الوفاء لا قيمة يوم الضمان ولا قيمة يوم التلف; لأنّ المفروض أنّ ذمّته مشغولة بالمثل إلى ذاك اليوم، فلو حكم بالتبديل فيلاحظ قيمة المثل في ذلك اليوم.
نعم موضع الروايات الماضية الدالة على لزوم دفع ما ضمنه أو أخذه واردة في النقد الحقيقي أي الدرهم والدينار، فلا يمكن التجاوز منها إلى النقود الاعتبارية، إلاّ بتنقيح المناط. وعلى كلّ تقدير فالحكم أي دفع ما أخذ في الجميع مشروط بعدم كون الانخفاض كبيراً، يُعدّ الوفاء بالقديم بخساً في حقّ صاحب الحقّ.

من هو الضامن للضرر عند هبوط القيمة؟

قد تقدّم فيما سبق أنّ هبوط القيمة تارة يكون لأجل أمر تكويني ككثرة الطلب وقلّة العرض، فلا شكّ أنّ هذا أمر طارئ ضروري لا يحكم بالضمان على أحد، فإنّ للحوادث الكونية من غزارة الأمطار وقلّتها ووجود الصلح وخلافه تأثيراً في كثرة الطلب وقلّة عرض الأجناس وبالعكس.

1 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الصرف، الحديث2.

صفحه 171
وأمّا إذا حصل هبوط قيمة النقود بفعل الدولة، حيث أصدرت أوراقاً نقدية من دون غطاء ذهبي أو فضي، فعند ذلك تهبط قيمة العملة الورقية، وبما أنّ الدولة تقوم بذلك لصالح الشعب، فلو كانت الدولة دولة شعبية منتخبة من الشعب فلا يحكم عليها بالضمان خصوصاً إذا قامت الدولة بهذا الأمر بأمر الفقيه الجامع للشرائط، فولايته على الأُمور الدينية والدنيوية منحه حق الإذن بهذا الأمر مع حفظ الملكية الفردية، غير أنّ التزاحم يمنعه عن ذلك.

حكم الموضوع عند فقد الدليل الاجتهادي

إذا لم يستنبط المجتهد الحكم الشرعي من القواعد الأوّلية والروايات الواردة، فتصل النوبة إلى الأصل العملي، والمرجع فيه هو البراءة; لأنّ الموضوع من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليّين، حيث إنّ الضامن يعلم بوجوب الأقل، ويشكّ في وجوب الأكثر عند هبوط العملة فالأصل البراءة. كما هو المحرّر في محلّه، مثلاً لو علم إجمالاً بأنّه مدين لزيد بين دينار أو دينارين، فالعلم الإجمالي ينحلّ إلى علم تفصيلي وهو وجوب الأقل، وشكّ بدوي وهو الأكثر، فتجري البراءة فيه، ونظيره المقام حرفاً بحرف.

الفريضة المالية وهبوط قيمة العملة

سبق منّا في صدر البحث أنّ لهبوط العملة تأثيراً في الفرائض المالية وذكرنا هناك مثالاً، فهل يجب إخراج الخمس أو لا؟
والذي يمكن أن يقال هو: أنّ الموضوع للخمس هو الاغتنام، قال سبحانه:

صفحه 172
(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى)(1)والاغتنام أمر عرفي، ولا شكّ أنّه يصدق لمن ارتفع رأس ماله عدداً، وإن لم يرتفع مالية.
وبعبارة أُخرى: يجب الخمس فيما زاد بعد إخراج المؤونة، والموضوع هو صدق الزيادة العرفية; ففي رواية علي بن محمد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث(عليه السلام)عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزكّى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستّون كُرّاً، ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع(عليه السلام):«لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».(2) فالميزان ما فضل من مؤونته لا الفاضل عن مالية ما يملك.
وبعبارة أُخرى: إنّ الشريعة الإسلامية شريعة سهلة سمحة، فإنّ تعليق الضرائب على الإفادة من حيث المالية، أمر يحتاج إلى محاسبات دقيقة وربّما يوجب الفوضى بين من يُريدون التخميس، فلأجل الابتعاد عن الحرج والفوضى اكتفى بما أفاد الناس حسب ظواهر كلماتهم. وبذلك يظهر حكم المضاربة والمساقاة، فالموضوع هو التوفّر حسب الظاهر من دون النظر إلى المالية الواقعية قياساً إلى قيمة الذهب والفضة أو العملات الصعبة.
نعم علماء الاقتصاد لا يصفون الزيادة الاسمية الناتجة من التضخّم ربحاً ولا فائدة، ولكنّه لا يضرّ بالمقصود، لأنّ الموضوع هو ما يصفه الناس ربحاً، لا ما

1 . الأنفال:41.
2 . الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.

صفحه 173
يصفه الاقتصاديون ربحاً، ولو كان الميزان ما ذكروه لشلّت عجلة الأُمور الاجتماعية عن السير دنيوياً; وذلك لأنّ أصحاب رؤوس الأموال سوف لا يدفعون الضرائب بسبب أنّهم لم يربحوا شيئاً، وكذلك سيؤثّر هذا الفرض على الجوانب المعنوية.

صفحه 174

المسألة الخامسة عشرة

عقد الاستيراد

وتوضيح المقام رهن بيان أُمور:

الأوّل: في أقسام البيع

البيع ينقسم إلى أقسام:
1. أن يكون المثمن والثمن معجّلين، كما هو الغالب في شراء الحاجات اليومية، حيث إنّ الثمن والمثمن يكونان كذلك.
2. أن يكون المثمن معجّلاً، والثمن مؤجّلاً، وهذا هو المعروف ببيع النسيئة.
3. العكس، أن يكون الثمن معجّلاً والمثمن مؤجّلاً، وهذا هو المعروف ببيع السلف والسلم.
4. أن يكون كلّ من الثمن والمثمن مؤجّلين، وهذا هو المعروف بين التجّار بالاستيراد.
والأقسام الثلاثة الأُولى كانت رائجة في عصر الرسالة، وأمّا القسم الرابع فهو

صفحه 175
نتيجة تطوّر الحضارة الصناعية حيث تكاملت فيها وسائل الإنتاج وسهل الحمل والنقل من الأقاصي في وقت يسير. وقد عُرّف بأنّه عقد يتعهّد بمقتضاه شخص بأن يسلّم البضائع أو خدمات معيّنة خلال فترة معيّنة لشخص آخر مقابل مبلغ معيّن.
وربّما يُعرف بأنّه اتّفاق يتعهّد فيه أحد الطرفين بأن يورِّد إلى الآخر سلعاً موصوفة على دفعة واحدة، أو عدّة دفعات، في مقابل ثمن محدّد، غالباً ما يكون مقسطاً على أقساط، بحيث يُدفع قسط من الثمن كلّما تمّ قبض قسط من السلعة.
والتعريف الأوّل أفضل لأنّ الاستيراد عقد وليس اتّفاقية، فالأوّل يستمد لزومه من قوله سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ)، والآخر لو قيل باللزوم فهو من باب الوفاء بالوعد، وهو موضع بحث ونقاش عند الفقهاء.

الثاني: في محاسن الاستيراد

إنّ من محاسن هذا القسم أنّه يقلّل من نفقات التخزين والمخاطرة بالنسبة للسلع أو المواد سريعة التلف، أو ذات المدّة المحدّدة بالنسبة إلى عمرها، وما يراد منه أن تكون طازجة قدر الإمكان، لأنّ المستورد يفضل أن يستلم المبيع بالتدريج، وبذلك تترتّب عليه هذه الآثار.
كما أنّ المصدِّر ينتفع من طريق الأعمال التجارية برفع الكساد عن بضاعته: لأنّه ينتجها بعد أن يتعاقد عليها. ولأجل هذه الفوائد صار الاستيراد تجارة متّفقاً عليها بين كلّ دول العالم.
ثمّ إنّ الذي سبّب تصحيح هذا النوع من المعاملة هو أنّ المشتري ربّما لا

صفحه 176
يكون مستعداً لقبول المبيع دفعة واحدة، لعدم توفر المخازن الكافية لحفظه السلعة، فلذلك يشترط تسليم المثمن تدريجياً في بضع أشهر، بل ربّما لا يمكن تسليم المبيع أو تسلّمه دفعة واحدة، كما في استيراد الكهرباء والغاز والنفط بين دولة ودولة، فإنّ هذه الأُمور تسلّم تدريجاً، لأنّ طبيعتها لا تقبل التسليم دفعة واحدة، كما أنّه ربّما لا يتمكن المشتري من دفع الثمن دفعة واحدة، ولذلك يقسطه على أقساط عبر تسليم المبيع تدريجاً.

الثالث: في صحّة الاستيراد

يقع الكلام في صحّة هذا النوع من المعاملة من حيث المقتضي للصحّة والمانع عنها. فلنقدّم الكلام في جانب المقتضي.
أمّا المقتضي للصحّة: فقد ذكرنا أنّ الفرق بين العبادات والمعاملات، بأنّ القسم الأوّل أُمور توقيفية بيد الشارع، لا سبيل للعقل إلى واقعها وأجزائها وشرائطها وموانعها.
وأمّا المعاملات فهي أُمور عرفية فُوِّض تشريعها إلى العرف، وأمّا دور الشارع فيها فهو دور المراقب، فربّما يزيد عليها شرطاً أو جزءاً للصحّة، أو يعتبر شيئاً ما مانعاً عن الصحّة، أو لا يعترف بمشروعية المعاملة بتاتاً. وعلى هذا فلو كانت المعاملة أمراً مقبولاً عند العرف، ولم نجد في الشرع ما يخالفها، فالعمومات تشملها، وهذا هو الذي يظهر من الشيخ الأنصاري في أوائل كتاب البيع عند تعريفه، حيث طرح هناك سؤالاً وهو:
لو قلنا بأنّ أسماء المعاملات أسماء للصحيح عند الشرع، فأين الطريق إلى

صفحه 177
التعرّف على الصحيح وتمييزه عن الفاسد. ولولا الطريق لكانت العمومات والإطلاقات في باب العمومات غير مثمرة؟ وأجاب عنه بوجهين:
1. إنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف، حُمل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف.
2. أو حمل على المصدر الّذي يُراد من لفظ «بعت»، فيستدلّ بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع.(1)
وقد بذل المحشّون جهدهم في توضيح عبارة الشيخ، والذي سمعناه من سيد مشايخنا السيد محمد الحجة(رحمه الله) حول توضيح الوجهين ما هذا خلاصته:
أمّا الوجه الأوّل: فهو مبني على أنّ البيع الوارد في الآية محمول على البيع العرفي، والشرع جعل البيع العرفي طريقاً إلى البيع الشرعي، وبعبارة أُخرى اتّخذ اعتباره، طريقاً لاعتباره.
ولمّا كانت الطريقية غير جارية في عامّة الموارد، أخرج بعض البيوع الفاسدة عنده كما أشرنا، فيكون التخصيص وارداً على الطريقية بمعنى أنّ البيع في قوله تعالى:(أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)، أُريد به البيع العرفي وهو طريق إلى البيع الشرعي، إلاّ في هذه الموارد دون أن يتوجّه التخصيص إلى حكم البيع، أعني: الحلّية. فلو دلّ دليل على التخلّف في الطريقية يؤخذ به وإلاّ فيكون اعتبار البيع عرفاً طريقاً إلى اعتباره شرعاً، فيكون الإطلاق حجّة في موارد الشكّ في الجزئية والشرطية إذا لم يكن المشكوك معتبراً عند العرف.

1 . كتاب المكاسب:3/20 من الطبعة المحقّقة، و ص80 من طبعة تبريز، آخر تعريف البيع.

صفحه 178
وأمّا الوجه الثاني: فهو مبني على أنّ البيع الوارد في الآية محمول على البيع المعتبر شرعاً لا المعتبر عرفاً، ولذلك أخرج ما ليس بمعتبر عنده، أعني: بيع المنابذة وأشباهه. وأمّا وجه التمسّك بالآية عند الشكّ في صحّة بعض مصاديق البيع، فلأجل إطلاق الحكم بحلّية البيع، فيكون دليلاً على كونه مؤثراً في نظر الشارع، وذلك لأنّ مقتضى إطلاق الحكم بضميمة هذه التخصيصات، أنّ ما بقي تحت الإطلاق بيع معتبر شرعاً وإلاّ لزمت لغوية جواز البيع، إذ تصير الآية عندئذ مجملة، وعلى هذا فما لم يعتبره الشارع يكون تخصيصاً في الحكم أي حلية البيع لا تخصيصاً في الطريقية. فإن دلّ دليل على التخصيص في الحكم نأخذ به، وإلاّ يؤخذ بإطلاق الحكم بالحلّية.
إذا تبيّن ما ذكرنا فالعمومات والإطلاقات تشمل عقد الاستيراد على النحو الذي وقفت عليه، لأنّ المفروض أنّه بيع عرفي وعقد معروف، اتّفق عليه العقلاء، بل ربّما لابدّ منه في بعض الأحيان، ويحكم عليه بالصحّة. هذا هو الحكم حسب المقتضي، وإليك دراسة المانع.

الرابع: ما هو المانع من الصحّة؟

استدلّ بعض مَن لا يرى صحّة عقد الاستيراد بوجوه نذكرها تباعاً:

1. إنّه من باب بيع الدين بالدين

ربّما يقال: إنّ الاستيراد من مصاديق ما روي عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا يباع الدين بالدين».
روى الشيخ في «التهذيب» بسنده عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام)

صفحه 179
قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يباع الدين بالدين».(1)
يلاحظ عليه، سنداً ودلالة.
أمّا الأوّل فإنّه ينتهي إلى طلحة بن زيد وهو مختلف فيه، قال ابن حجر في ترجمته: قال المروزي عن أحمد: ليس بذاك، قد حدّث بأحاديث مناكير. وقال في موضع آخر عنه: ليس بشيء كان يضع الحديث. وكذا قال ابن المديني. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، لا يعجبني حديثه.(2)
وأمّا عند الشيعة فالظاهر اعتبار رواياته، واستدلّ على ذلك الشيخ التستري
بوجهين:
1. تصحيح شيخ الطائفة بكون كتابه معتمداً.
2. رواية ابن الوليد عنه الذي لم يرو بعض كتب الصفّار وسعد بن عبد الله القمّي لعدم معلومية صحّة مضمون ذاك البعض.(3)
وأمّا النقاش في الدلالة فقد ناقش فيه صاحب الجواهر بمنع تناول النهي عن بيع الدين بمثله لما صار ديناً في العقد بل المراد منه ما كان ديناً قبله، والاستيراد من قبيل الأوّل، أي يكون ديناً بهذا العقد وليس من قبيل الثاني.
ويشهد على ما ذكرنا ما رواه الشيخ بسند صحيح عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فأتى المطلوبَ الطالبُ ليبتاع منه شيئاً؟ قال:«لا يبيعه نسيّاً، فأمّا نقداً فليبعه

1 . الوسائل:13، الباب8 من أبواب السلف، الحديث2.
2 . تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني:5/15ـ16.
3 . لاحظ: قاموس الرجال:5/166، الطبعة الأُولى.

صفحه 180
بما شاء».(1)
فقه الحديث يحتمل أحد الوجوه الثلاثة بعد تسليم تقدّم المفعول على الفاعل، والتقدير: فأتى الطالب المطلوب الذي عليه طعام أو بقرة أو غنم، وعندئذ تتصور المعاملة بوجوه:
1. أنّ الطالب حاول أن يشتري من المطلوب شيئاً بصورة السلف ويكون الثمن ما في ذمّة المطلوب، فنهى الإمام عنه إلاّ أن يكون الثمن من الطالب نقداً لا نسيئة إذ في غير هذه الصورة يكون المبيع والثمن غير نقدين بل نسيئتين.
2. تلك الصورة ولكن ليشتري الطالب من المطلوب شيئاً بما له في ذمّته فيكون الطعام أو البقر ثمناً لما يشتري.
وهذا أيضاً كالسابق أشبه ببيع الدين بالدين.
3. ما فهمه صاحب الحدائق وهو شراء ما باعه نسيئة أي الطعام والبقر قبل حلول الأجل بزيادة أو نقيصة فهو أيضاً ممنوع لاستلزامه بيع الدين بالدين.
والفرق بين الوجوه الثلاثة واضح ففي الأوّل يكون الثمن في ذمّة الطالب نسيئة، وفي الثاني يكون ما في ذمّة المطلوب ثمناً، وفي الثالث يكون ما في ذمّة المطلوب مثمناً وكأنّ الطالب يشتري نفس ما باعه منه بزيادة أو نقيصة.
وعلى جميع التقادير فالرواية مختصّة بالدين الثابت قبل العقد، والمقام على خلاف ذلك بل الدين يثبت بنفس العقد.

2. أنّه من قبيل بيع الكالي بالكالي


1 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب أحكام العقود، الحديث8; تهذيب الأحكام:7/47، برقم207.

صفحه 181
ربّما يقال: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الكالي بالكالي، رواه السيوطي في «الجامع الصغير»(1) والرواية عمل بها الأصحاب كما يقول صاحب الجواهر(2).
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية ما ذكرناه في الرواية السابقة، أي ما كان كالياً قبل العقد، وأمّا ما كان منه بالعقد فشموله مورد تأمّل.
وما ذكرناه هو الذي فسّر به الطريحي الحديث، قال: في الحديث«نهى عن بيع الكالي بالكالي» بالهمز وبدونه. ومعناه بيع النسيئة بالنسيئة. وبيع مضمون مؤجّل بمثله. وذلك كأن يسلم الرجل الدرهم في طعام إلى أجل، فإذا حلّ الأجل يقول الذي حلّ عليه الطعام: ليس عندي طعام ولكن بعني إيّاه إلى أجل، فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة. نعم لو قبض الطعام وباعه إيّاه لم يكن كالياً بكالي.(3)

3. ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا تبع ما ليس عندك»

روى أحمد في مسنده عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه ثم أبيعه من السوق؟ فقال:«لا تبع ما ليس عندك».(4)
وذكر البخاري في باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك، قال: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه(زاد إسماعيل): مَن ابتاع

1 . الجامع الصغير:2 /192.
2 . لاحظ: جواهر الكلام:24/295.
3 . مجمع البحرين:4/6، مادة «كأل».
4 . مسند أحمد: 3/402; سنن ابن ماجة:2/737، برقم 2187.

صفحه 182
طعاماً فلا يبيعه حتى يقبضه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المراد: لا تبع شيئاً ليس في ملكك، وكأنّ المشتري طلب من البائع اشتراء عين خاصّة للغير، فنهى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيعها للمشتري قبل تحصيلها وإمكان تسليمها للمشتري.
أضف إلى ذلك: يحتمل أن يراد ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمّة، إذ ربّما يقوم الإنسان ببيع شيء أعظم من قدرته واستطاعته.
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الحديث يحتمل أحد معنيين:
أ. بيع عين معيّنة للغير قبل أن يملكها.
ب. بيع شيء في الذمّة لم يكن على ثقة من تحصيله وإيفائه للمشتري.

4. البعد المكاني يؤدّي إلى تغيير الصفات ويعرض السلعة للهلاك

إنّ انتاج السلعة في موضع وحملها إلى محلّ بعيد يؤثّر في صفاتها ويجعلها معرضاً للفساد.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الاحتمال كان منسجماً مع الأوضاع السابقة، وقد زالت أسبابه في الوقت الحاضر بسبب التطوّر في وسائل النقل وأساليب الحفظ.

5. العدول عن الرؤية إلى الوصف غرر ومخاطرة ويفضي إلى المنازعة

إنّ البيع في عقد الاستيراد يتمّ بالوصف من دون أن يشاهد المشتري

1 . صحيح البخاري:3/23، كتاب البيوع برقم 2136.

صفحه 183
السلعة، وهذا النوع من البيع ينجرّ إلى المنازعة.
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ خلط بين بيع الغائب عن طريق الوصف وبين عقد الاستيراد، فإنّ ما ذكره جار في الأوّل أي بيع عين شخصية موجودة في المخزن دون أن يراها المشتري، لكن وقف على خصوصياتها عن طريق وصف البائع، فهناك يجري ما ذُكر من أنّ العدول عن الرؤية إلى الوصف يفضي إلى المنازعة، وأمّا عقد الاستيراد فهو عقد على الذمّة، فالمبيع شيء موصوف بأوصاف وقيود تميّزه عن غيره، وهذا ما لا يمكن الاطّلاع على خصوصياته إلاّ بالوصف.
أضف إلى ذلك: أنّه لو ظهر الاختلاف في الأوّل فللمشتري خيار الرؤية; وأمّا لو ظهر بين ما ذُكر في عقد الاستيراد المكتوب، وما سلّمه البائع، فللمشتري المطالبة بتبديل السلعة إلى السلعة المتّفق عليها.

الاستدلال على صحّة عقد الاستيراد بوجهين:

1. أنّ عقد الاستيراد من مقولة صحّة بيع الغائب.
يلاحظ عليه: أنّه خروج عن محلّ البحث فأين بيع عين شخصية موجودة في المخزن موصوفة، وبيع كلّي في الذمّة موصوف على نحو يجب على البائع تحصيله؟
2. أنّ عقد الاستيراد نظير ما عليه أغلب الموظفين الذين لا يستطيعون أن يدفعوا ثمن السلعة على الفور، فيتّفقون مع البقالين والجزارين وباعة الخضار والفواكه في أن يقدّم لهم يومياً أو في كلّ فترة زمنية أشياء معيّنة، وفي نهاية الشهر

صفحه 184
يتمّ تصفية الحساب.
فالقضية في الاستيراد ليست قضية أنّ المبيع مجهول أو أنّ الثمن مجهول، وإنّما الجهالة تزول في الواقع بالمواصفات، فهو بيع شيء موصوف وهناك مواصفات معيّنة دقيقة للأُمور التي يقدّمها المورّد من خلال الاتّفاق العام والإطار العام الذي تمّ مع هذه الجهة.(1)
يلاحظ عليه: بوجود الفرق الواضح بين ما ذكر وعقد الاستيراد، فإنّ ما ذكره نوع مواعدة بين رب البيت أو رئيس المدرسة وأصحاب الأمتعة فيمكن ترك البيع يوماً والشراء يوماً آخر، وأمّا المقام فهو عقد شرعي لأمر مهمّ في الذمّة يقوم به البائع بعد جهود كبيرة، وليس لأحدهما التخلّف بلا سبب شرعي.

الفرق بين عقد الاستيراد والسلف

الفرق بين المقام والسلم، هو أنّ الثمن في السلف معجّل موجود في مجلس العقد، وهذا بخلافه في عقد الاستيراد فهو مقسّط حسب الدفعات التي يسلم البائع السلعة فيها.
غاية الأمر أنّ المشتري يدفع مبلغاً باسم العربون، ليكون البائع على ثقة من جانب المشتري ثم إنّه يُعتبر من الثمن عند التسليم. وما ذكرناه في تحصيل الثقة هو الرائج في الاستيراد بين الشركات الداخلية، وأمّا حكم الاستيراد من الشركات الخارجية، فله شروط يقوم بها البنك الوسيط بين البائع والمشتري، يقف عليها مَن يهتم بأمر الاستيراد من الخارج.

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 12، العدد 12، الجزء2، الصفحة 536.

صفحه 185
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّ الظاهر من الباحثين أنّ عقد الاستيراد عقد واحد وإن استمر العمل به عدّة سنين، ولذلك واجه بعض الإشكالات، ولكن يمكن أن يقال: إنّه ينحل إلى عقود فردية متكرّرة، كلّما قدّم البائع كميّة معيّنة من البضاعة وقدّم المشتري ثمنها، فهو عقد تام، ثمّ يأتي بعده عقد آخر، وهذا ما يعبّر عنه في الأُصول بانحلال العقد الواحد إلى عقود. وبذلك تنحل بعض المشاكل في هذا العقد، من أنّه من بيع الكالي بالكالي.
الثاني: أنّ البحث في عقد الاستيراد من حيث الصحّة والفساد، إنّما هو بعد إحراز سائر الشروط في جانب العقد والمتعاقدين وفي المبيع والثمن وإلاّ فلو اختل شرط ممّا يرجع إليها فالبطلان ينسب إليه فما ربّما يظهر من بعض الباحثين من دراسة الموضوع بادئاً من بيان شرائط العقد والمتعاقدين والمبيع والثمن، إطالةٌ في الكلام، إذ يجب على الباحث التركيز على الجهة التي سبّبت طرح الموضوع.

صفحه 186

المسألة السادسة عشرة

عقد الاستصناع

الاستصناع: مصدر استصنع شيئاً، أي دعا إلى صُنعه. وعُرّف بأنّه عقد على مبيع في الذمّة شُرط فيه العمل، فإذا قال شخص لآخر من أهل الصنائع: إصنع لي الشيء الفلاني بكذا درهماً، وقبل الصانع ذلك، انعقد استصناعاً.
ويظهر من أصحابنا عدم الصحّة، قال الشيخ: استصناع الخفّاف والنعّال والأواني من الخشب والصفر والرصاص والحديد، لا يجوز. وعلّله بأنّ ذلك مجهول غير معلوم بالمعاينة ولا موصوف بالذمّة فيجب المنع عنه .(1)
ولكن يظهر من ابن حمزة وابن سعيد أنّ الاستصناع عقد صحيح لكنّه جائز من الطرفين فلكلّ منهما الفسخ.(2)
واحتمل بعضهم أن يكون الاستصناع مواعدة ابتدائية، فلا يجب الوفاء بها.
فتلخّص أنّ الأقوال أو المحتملات ثلاثة:

1 . الخلاف:3/215، المسألة 33.
2 . الوسيلة:257; الجامع للشرائع:259.

صفحه 187
1. عقد فاسد باطل.
2. عقد صحيح جائز، للطرفين فسخ العقد.
3. أنّه مواعدة ابتدائية، لا يجب الوفاء بها، كما هو حكم الوعد الابتدائي.(1)
ثمّ إنّ الباحثين اليوم من أهل السنّة يحاولون إثبات كونه عقداً صحيحاً لازماً، وأنّ حكمة مشروعية الاستصناع هو سدّ حاجات الناس ومتطلّباتهم نظراً لتطوّر الصناعات تطوّراً كبيراً، فالصانع يحصل له الارتفاق ببيع ما يبتكر من صناعته هي وفق الشروط التي وضع عليها المستصنع في المواصفات والمقايسات، والمستصِنع يحصل له الارتفاق بسدّ حاجياته وفق ما يراه مناسباً لنفسه وبدنه وماله، أمّا الموجود في السوق من المصنوعات السابقة الصنع فقد لا تسدّ حاجات الإنسان. فلابدّ من الذهاب إلى من لديه الخبرة والابتكار.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الحكمة لا يثبت مشروعية الاستصناع ما لم يدلّ دليل شرعي على شمول العمومات والإطلاقات على مثل هذا العقد. والأولى الاستدلال على الصحّة بوجهين:

1. الاستصناع من مصاديق العقود

إنّك قد عرفت أنّ قوله سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ) يشمل كلّ عقد صادر من المتبايعين الجامعين للشرائط بشرط أن لا يشتمل على تحليل حرام أو تحريم حلال، وعقد الاستصناع إذا حاز سائر الشرائط يكون من مصاديق قوله

1 . لاحظ: للوقوف على الأقوال: الموسوعة الفقهية الميسّرة:2/324.
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية:3/328.

صفحه 188
سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ) وقد قلنا: إنّ دور الشرع في المعاملات هو بيان الحرام وما فيه المفسدة أو تبيين تحديد الحلال من حيث الشرائط والأجزاء، ولم تجر السيرة من الشارع على بيان كلّ ما هو حلال من العقود فرداً بعد فرد.
والذي يؤيّد ما ذكرنا: أنّ المراد من العقود، هي أفرادها عبر القرون، لا أنواعها، حتى يقال: عدم مثل هذا النوع في عصر النزول.

2. الاستصناع من مقولة بيع السلف

يمكن أن يستأنس بصحّة هذا بأنّه من مقولة بيع: السلف، غير أنّه يفترق عنه بأنّ السلف الذي كان رائجاً في عصر الرسالة كان مختصّاً بالأمتعة التي هي من صنع الله سبحانه كالحنطة والأرز والفواكه والخضروات. وأمّا ما هو من صنع البشر ـ وإن كان بإذنه وحوله سبحانه ـ فلم يكن السلف فيه رائجاً في عصر الرسول، إلاّ أنّ تطوّر الصناعة وازدياد حاجات الناس إلى المصنوعات من المنتوجات وغيره أعطى فرصة للتجار بأن يدخلوا من هذا الباب بشرط أن يكون جامعاً للشرائط بعيداً عن الموانع. نعم منع عنه أصحابنا لأجل كونه غير معلوم بالمعاينة وعدم كونه موصوفاً بالذمّة، كما مرّ من خلاف الشيخ.
ويمكن الإجابة عنه بأنّه وإن كان غير معلوم بالمعاينة ولكنّه معلوم بوجهين:
1. موصوف بأدق الصفات فيكون في الذمّة.
2. إنّ قسماً من التجّار يعرضون أُنموذجاً من المصنوع المطلوب حتى يكون الصنع على غراره.

صفحه 189
وأمّا ما نقل من ابن حمزة وابن سعيد من جواز العقد، فهو غير تامّ لما عرفت من دخوله تحت العمومات، من دون إدخاله تحت بيع السلف، وإلاّ فلابدّ من مراعاة شروطه الّتي منها: معلومية المدّة وتسليم الثمن كلّها عند العقد إلى الصانع.
والحقّ أنّ المنع من الاستصناع يعرقل عجلة الحياة، فإنّ الاستصناع صار أمراً ضرورياً في الحياة المعاصرة، ونأتي ببعض الأمثلة:
1. رجل طعن في السن وسقطت أسنانه أو فسدت فإنّه يذهب إلى طبيب الأسنان فيعقد معه عقد استصناع الأسنان الصناعية مكان الأسنان الطبيعية .
2. قد شاع في المدن الكبيرة أنّ أصحاب الأراضي يعقدون عقداً مع المقاول من أجل أن يبني لهم عمارات سكنية من عدّة طبقات تكون مجهزة بكلّ لوازم الراحة، ومبنية وفق اختيار صاحب الملك من حيث عدد الغرف والمظهر الخارجي والداخلي كلّ بقيمة معينة، فإذا تمّ البناء يبيع أصحاب الأراضي المالكون هذه الشقق السكنية إلى المشتري.
3. إنّ أصحاب المدارس الأهلية يرغبون في أن يكون الزيّ الذي يرتديه طلاب مدارسهم على شكل موحّد في اللون والخياطة، فيتفقون مع معمل للخياطة لأجل إنجاز هذه المهمة ويرسلون الطلاب إلى هذا المعمل لأخذ مقاساتهم، ثم تقسّم هذه الملابس بينهم على مبلغ خاص.
4. إنّ النبيّ لمّا كتب رسائل الدعوة إلى الملوك والسلاطين ولم يكن للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يومذاك أي خاتم، فقام باستصناع خاتم حتى يختم به الرسائل، إلى غير ذلك من الأمثلة.

صفحه 190
ثمّ إنّ الباحثين في عقد الاستصناع اختلفوا في أنّه عقد إجارة أو بيع أو مؤلّف منهما، فالأولى أن يقال: إنّه عقد مستقل نتيجته قيام البائع بصنع ما اتّفق عليه مع المشتري، وإن أبيت فإنّه أشبه ببيع السلف.

صفحه 191

المسألة السابعة عشرة

الشرط الجزائي فقهياً

الشرط في اللغة: إلزام الشيء والتزامه، وجمعه شروط، وفي حديث بُريرة، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنّما الولاء لمن أعتق».(1)
وأُريد من الشرط الإلزام والالتزام.
وأمّا الشرَط ـ بفتح الراء ـ فهو بمعنى العلامة، قال سبحانه: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)(2): أي علائمها.
ثمّ إنّ الشرط على قسمين:
1. يكون الغرض طلب فعل من أحد الطرفين ليرفع به الحاجة، كما يقول: بعتك هذه الدار بشرط أن تعلّمني القرآن.

1 . صحيح البخاري:3/192، باب الشروط في الولاء، وفي مورد آخر برقم 2168.
2 . سورة محمّد
(صلى الله عليه وآله وسلم):18.

صفحه 192
2. تكون الغاية من الاشتراط إلزام الطرف على الوفاء بالعقد، ولا يتخلّف عنه، كما يقول البائع: بعتك هذه الدار بالمبلغ الكذائي بيعاً لازماً، على وجه لو أراد المشتري الفسخ فعليه أن يدفع مبلغاً إليه حتى يوافق على فسخه، وهذا ما يوصف بالشرط الجزائي، فكأنّه جزاء مترتّب على الإخلال بلزوم العقد، وربّما يعبر عنه بالشرط التثقيلي، أو التغريمي، أو شرط ضمان التنفيذ، وهذه العناوين كلّها تحكي عن معنى واحد، وتصبّ في مصبّ واحد. والتعبير الواضح هو وصفه بالغرامة، فلو أراد الفسخ فعليه أن يغرم كذا بالنسبة إلى الآخر، وعندئذ يقع الكلام في صحّة هذا الشرط.
ثمّ إنّ القول بصحّة هذا الشرط مطلقاً أو فساده كذلك، أو التفصيل بين الأقسام رهن دراسة مقوّمات الشروط الصحيحة وتمييزها عن الفاسدة على وجه الإجمال لئلاّ يلتبس الشرط الجزائي بغرامة التأخير في الديون التي راجت في المصارف فإنّها هي حرام بالنص; لأنّه من أقسام الربا الجاهلي، حيث عندما حلّ أجل القرض وكان المقترض غير قادر على أدائه، يقول للمقرض: زدني في الأجل أزيدك في المال، فلأجل هذا يجب أن نتعرّف على مقوّمات الشرط الصحيح.

مقوّمات الشرط الصحيح

ذكر الفقهاء للشرط الصحيح أُموراً نشير إليها تالياً:
1. أن يكون مقدوراً على المشروط عليه:
وربّما يُفسّر غير المقدور بالممتنع عقلاً، كالجمع بين الضدّين، أو عادة كالطيران في الهواء بلا سبب، ولكنّه بعيد عن الأذهان، بل المراد اشتراط الفعل

صفحه 193
الغير الممكن في حدّ ذاته الخارج عن اختيار المتعاقدين.
2. أن لا يكون مخالفاً للكتاب:
كما في المروي عن الإمام الصادق(عليه السلام):«المسلمون عند شروطهم إلاّ كلّ شرط خالف كتاب الله عزّ وجلّ فلا يجوز».(1)
وروى إبراهيم بن محرز قال: سأل رجل أبا عبد الله(عليه السلام) وأنا عنده، قال: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك؟ قال(عليه السلام):«أنّى يكون هذا والله يقول:(اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، ليس هذا بشيء».(2)
3. أن لا يكون مخالفاً للسنّة:
كما في المرويّ عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في امرأة نكحها رجل فأصدقته المرأة وشرطت عليه أنّ بيدها الجماع والطلاق، فقال: «خالف السنّة، وولّى الحقّ من ليس أهله، وقضى أنّ على الرجل الصداق، وأنّ بيده الجماع والطلاق وتلك السنّة».(3)
ثمّ إنّه ربّما يذكر من الشروط أن لا يكون محرّماً لحلال أو محلّلاً لحرام، فهذا ليس شرطاً مستقلاً، بل يرجع إلى مخالفة الكتاب والسنّة.
4. أن لا يكون مخالفاً لمقتضى العقد:
إنّ الشرط تارة يكون مخالفاً لماهيّة العقد، وأُخرى مخالفاً لمقتضاه، وثالثة

1 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب الخيار، الحديث2.
2 . الوسائل:15، الباب41 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث6.
3 . الوسائل:15، الباب42 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1. قوله: «فاصدقته المرأة» بمعنى بذلت له صداقها.

صفحه 194
مخالفاً للازمه العرفي أو الشرعي.
أمّا الأوّل فكما لو باع بلا ثمن، أو آجر بلا أُجرة، فهو مخالف لماهيّة العقد.
وأمّا الثاني فكما لو باع العبد وشرط أن لا يملك المبيع أبداً بل يكون منعتقاً، أو يكون وقفاً، كلّ ذلك يوصف بكونه مخالفاً لمقتضاه.
وأمّا الثالث فكما لو باع مبيعاً وشرط عدم الانتفاع بالمبيع طيلة عمره.
5. أن لا يكون مجهولاً جهالة توجب الغرر:
إنّ الشرط المجهول الموجب للغرر إنّما يكون سبباً لبطلان العقد إذا سبّبت جهالته جهالة العوضين أيضاً، كما إذا باع شيئاً وشرط على المشتري ـ مضافاً إلى الثمن ـ أن يخيط له ثوباً، وللثوب أنواع متنوّعة تسبّب اختلاف القيمة حيث إنّ جهالة الشرط بما أنّه جزء من الثمن يوجب جهالته، وقد ورد أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن بيع الغرر.(1)
وربّما تشترط في صحّة الشرط وراء الخمسة، أُمور ثلاثة أُخرى:
أ. لا يكون مستلزماً للمحال. وقد مثّل العلاّمة له بقوله:«لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه إيّاه، لم يصحّ، سواء اتّحد الثمن قدراً ووصفاً وعيناً أو لا، وإلاّ جاء الدور، لأنّ بيعه له يتوقّف على ملكيته له، المتوقّفة على بيعه(أي يعمل بالشرط) فيدور.(2)
وردّ بأنّه لا يستلزم الدور; لأنّ ملك المشتري متزلزل لا يتوقّف على العمل

1 . لاحظ: الوسائل:12، الباب40 من أبواب آداب التجارة، الحديث3; صحيح مسلم برقم 3699; سنن البيهقي:5/338.
2 . تذكرة الفقهاء:10/251، القسم الرابع: النهي عن بيع وشرط.

صفحه 195
بالشرط، بل يتوقّف على إنشاء البائع وقبول المشتري، وقد حصل. نعم يتوقّف لزومه على العمل بالشرط فلا دور .(1)
ب. أن يلتزم به في متن العقد لا خارجه.
ج. أن يكون الشرط منجّزاً لا معلّقاً، والتفصيل في محلّه.
وإنّما الغرض الإشارة إلى الشرط الصحيح في نفسه، والشرط الباطل، وعلى هذا فكلّ شرط حاو للمواصفات السابقة، فهو صحيح، يجب على المتعاقدين العمل به.
نعم إنّما يوصف الشرط بالصحّة بأن يكون العقد في نفسه صحيحاً وإلاّ فلو كان العقد فاسداً في نفسه كبيع الخمر وأدوات القمار، فالشرط في ضمنه يكون باطلاً، وبذلك يتمكّن المخاطب من الوقوف على الضابطة وهي: إذا كان الشرط صحيحاً في نفسه، وكان المشروط أيضاً صحيحاً لزم على المتعاقدين العمل به. وقد اشتهر قولهم:«من شرط على نفسه طائعاً غير مكره، فهو عليه» ولكن يجب أن يقيّد بما ذكرنا من صحّة المبنىّ، والمبنيّ عليه.
فلو كان العقد ربوياً فالشرط الصحيح فيه فاسد أيضاً تبعاً، ولو كان العقد صحيحاً ولكنّ الشرط فاسد، كشرط الزيادة عند تأخير أداء الدين، فهل يفسد العقد أو لا؟ فيه تفصيل في محلّه. وأنّ الشرط الفاسد هل يفسد العقد أو لا؟
إذا علمت ذلك فنقول:
الأصل في العقد الجزائي هو الصحّة، بالشرطين التاليين: أن يكون المبنيّ

1 . لاحظ: كتابنا المختار في أحكام الخيار:494.

صفحه 196
عليه (العقد) والمبنيّ(الشرط) بذاتهما شرعيّين، ولأجل أن يتّضح الموضوع نأت ببعض الأمثلة:
المثال الأوّل: إذا تمّت المعاقدة فربّما يدفع المشتريُ جزءاً من الثمن إلى البائع باسم العربون ليكون ضماناً على العقد، وحابساً للبائع عن أن يبيع المبيع لشخص آخر. ثم لو دفع المشتري بقية الثمن يحسب العربون جزءاً منه، وأمّا إذا امتنع من إنجاز البيع فيقع الكلام في هذا الشرط الجزائي ـ أعني: العربون ـ فهل يحلّ للبائع أو لا؟ وهل له الامتناع من ردّه؟ فيه تفصيل بما يلي:
1. إذا كانت المعاقدة على النحو التالي: «لو أراد المشتري فسخ البيع فليس على البائع القبول إلاّ إذا كان قبول الفسخ بإزاء العربون». فيكون قبول فسخ المشتري مشروطاً بتمليكه المشتري للبائع على نحو شرط الفعل فيحلّ له، فهذا النوع من الشرط الجزائي صحيح وليس أكلاً للمال بالباطل.
نعم لو قلنا بصحّة شرط النتيجة في مورد التملّك يصحّ أن يشترط تملّك الديون عند الفسخ، وقد عرفت أنّ التملّك رهن الإنشاء وليس كالتوابع التي يتملّكها المشتري بالشرط.
2. إذا كانت المبايعة بصورة أُخرى، كأن يقال: إذا انصرف المشتري عن إنجاز البيع فليس له مطالبة العربون من البائع، فهذا النوع من الشرط الجزائي باطل، فلا يحلّ له إذ لا سبب لخروج المال عن ملك المشتري ودخوله في ملك البائع، فلابدّ من إنجاز أحد الأمرين، على ما تقدّم: شرط الفعل بأن يقول: أفسخ بإزاء العربون أو شرط النتيجة لو قلنا بصحّته.
المثال الثاني: إذا شرط المشتري على البائع مبلغاً على أنّه لو لم يسلمه

صفحه 197
المبيع في الوقت المعيّن، في مقابل المنافع التي لم يحصل عليها المشتري لأجل التأخير، وهذا لا إشكال فيه إذ ليس فيه رائحة الربا. فإنّ الجزاء في مقابل فوت المنافع.
المثال الثالث: إذا شرط البائع على المشتري أنّه إذا لم يسلّم الثمن في الوقت المحدّد فعليه أن يدفع مبلغاً على التأخير، وهذا شرط باطل لأنّه هو في نفسه ربا النسيئة أو ربا الجاهلية.
وبهذه الضابطة ظهر الفرق بين الثاني والثالث، وإن خلط بعضهم بينهما فحكم بالحرمة معاً.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عون عن ابن سيرين أنّه قال: قال رجل لكريّه(المكاري): أدْخل رِكابك فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم. فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره، فهو عليه.(1)فقوله: «أدخل ركابك» أي شدّ على دوابك رحالها استعداداً للسفر.
فلو كان هذا الشرط على المكاري بأن يشترط الراكب عليه أداء مبلغ عند التخلّف، فيشترط ألاّ يكون شرط الجزاء مستوعباً لمجموع الكرى(الأجرة).
روى الحلبي، قال: كنت قاعداً إلى قاض وعنده أبو جعفر(عليه السلام) جالس فجاءه رجلان فقال أحدهما: إنّي تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعاً إلى بعض المعادن، فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا، لأنّها سوق أخاف أن يفوتني، فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكلّ يوم احتبسته كذا وكذا،

1 . صحيح البخاري:3/184، باب ما يجوز من الاشتراط والثُنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم، في ذيل رقم 2735.

صفحه 198
وأنّه حبسني عن ذلك اليوم كذا وكذا يوماً، فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفّه كراه، فلمّا قام الرجل أقبل إليّ أبو جعفر(عليه السلام) فقال:«شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه».(1)
وما ذكره الإمام الباقر(عليه السلام) يكون ضابطة كلّية في الشرط الجزائي وهو أن لا يتجاوز مجموع الثمن أو الأُجرة.
فإن قلت: روى الشيخ الطوسي في أماليه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عن بيع وشرط(2)، وهو مطلق يعم الشرط الجزائي.
قلت أوّلاً: لو صحّ الحديث فيجب أن يفسّر كما يأتي، وإلاّ تلزم مخالفة الرواية للمجمع عليه، فإن الشرط في البيع والإجارة أمر مسلّم، قال سبحانه حاكياً عن شعيب حيث خاطب موسى بقوله:(إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج)(3) فصار النكاح مشروطاً بالخدمة ثماني سنين، فإذا صحّ في النكاح، فأولى أن يكون صحيحاً في البيع، على أنّه روى أحمد في مسنده عن جابر قال: كنت أسير على جمل لي فأعيا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بعنيه» فبعته واشترطت حملانه إلى أهلي.(4) وفي سنن الترمذي أنّه باع من النبي بعيراً واشترط ظهره إلى أهله.(5)
وثانياً: أنّ الوارد عن طرقنا أيضاً هو التثنية، فقد روى الشيخ في «التهذيب»

1 . الوسائل:12، الباب13 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث2.
2 . جامع أحاديث الشيعة:18/94.
3 . القصص:27.
4 . مسند أحمد:3/314، وغيره.
5 . سنن الترمذي: كتاب البيوع، برقم 1253.

صفحه 199
في حديث أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث رجلاً إلى أهل مكّة وأمره أن ينهاهم عن شرطين في بيع.(1)
وروى أيضاً بسنده عن سليمان بن صالح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن».(2)
وأمّا ما هو المراد من الشرطين أو البيعين؟ فالمراد هو البيع بثمنين، والشاهد على ذلك ما ورد عن أبي جعفر(عليه السلام):«مَن ساوم بثمنين أحدهما عاجلاً والآخر نظرة، فليسمّ أحدهما قبل الصفقة».(3)

استثناء الأعذار العامّة

قلنا: إنّ العمل بالشرط الجزائي لازم، إذا كان في ذاته صالحاً والمشروط مثله، لكن العقود المشتملة على الشروط الجزائية منصرفة إلى مماطلة المشروط عليه، وعدم قيامه بالعمل بالشرط مع كونه متمكّناً، وأمّا إذا منعته أعذار عامّة والّتي تشمل أغلب الناس أو كلّهم تعوقهم عن القيام بهذا النوع من الوظائف، فهذا لا يُعدّ عملاً خلافاً للعقد.
نفترض أنّه لو عُقدت مقاولة على إنشاء بناية كبيرة يحتاج إنشاؤها إلى مدّة طويلة، ثمّ قام المشروط عليه ببعض المقدّمات، لكن فرضت الحرب من الدول الاستعمارية على البلد، فقطعت الاتصالات والاستيراد، وارتفعت الأسعار ارتفاعاً

1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.
2 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.
3 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، ذيل الحديث1.

صفحه 200
فاحشاً، بحيث يكون العمل بالمشروط عليه حرجياً أو ممتنعاً عادياً، وهذا ما نعبّر عنه بالأعذار العامّة التي تمنع الشركات من القيام بوظائفها. ولو كان العقد مشتملاً على الشرط الجزائي فلا يحتجّ به في المقام.
ثمّ إنّ الشرط الجزائي لا يختصّ فيما لو توجّه ضرر على المشروط له، بل يعمّ ما إذا لم يواجه ضرراً ولكن عاق عمّا هو المقصود من تسجيل الوقت وتحديد الزمان.

صفحه 201
البيع الإيجاري أو الإيجار بشرط التمليك   

المسألة الثامنة عشرة

البيع الإيجاري

أو
الإيجار بشرط التمليك
تحقيق المقام رهن بيان أُمور:
الأمر الأوّل: إيضاح العناوين الثلاثة الواردة في عنواني المسألة، أعني:
1. البيع.   2. الإيجار.    3. التمليك
أمّا الأوّل ـ أي البيع ـ : فقد عُرّف بمبادلة مال بمال، وللأعلام حول هذا التعريف وغيره مناقشات، لا جدوى في ذكرها في المقام.
وأمّا الثاني ـ أي الإيجار ـ : فقد عرّفه المحقّق الحلّي بقوله:]عقد[ ثمرته تمليك المنفعة بعوض معلوم، ويفتقر إلى إيجاب وقبول.(1)
وذكر صاحب الحدائق تعريفاً آخر فقال: إنّها عبارة عن تمليك المنفعة

1 . شرائع الإسلام:2/179.

صفحه 202
الخاصّة بعوض معلوم.(1)
أقول: إنّ كلا التعريفين لا ينسجمان مع مضمون الصيغة الدارجة في مورد الإجارة حيث إنّ المتعاقدين يعبّرون عن إجارة البيت والدار، بقولهم: آجرت الدار، بكذا إلى سنة، أو آجرت الدابة إلى يوم كذا، فمتعلّق التأجير هو ذات العين لا المنفعة، ولو صحّ ما ذكر من التعريفين لكان اللازم أن يقال: آجرت منفعة الدار، أو الدابة. كلّ ذلك يُرشدنا إلى أنّ واقع الإجارة شيء آخر غير تمليك المنفعة.
ويمكن العثور على حقيقة الإجارة بالتدقيق في عمل الموجر، حيث إنّه يسلّط المستأجر على العين لغاية الانتفاع بها، وعلى هذا فالأولى أن تُعرّف الإجارة بما يلي: تسليط المؤجر المستأجر على العين لغاية الانتفاع بها، هذا إذا كان المورد أشياء غير الإنسان، وأمّا في مورده فالظاهر أن يقال: تسليط الإنسان غيره على نفسه حتى ينتفع بعمله انتفاعاً معيّناً ضمن العقد.
هذا كلّه حول اللفظ الأوّل.
وأمّا الثالث ـ أعني: التمليك بمعنى إعطاء الملكية للمستأجر ـ فنقول: إنّ الملكية إمّا تكوينية أو اعتبارية.
أمّا الأُولى: فهي نابعة عن الخالقية فالله سبحانه بما أنّه خالق السماوات والأرض، فهو مالكهما، ملكية تكوينية لا بجعل جاعل واعتبار معتبر، ويقرب من هذا النوع من الملكية التكوينية تملّك الإنسان أعضائه حيث يقول: عيني، أُذني، رجلي، فينسب أعضاءه إلى نفسه، بتصوّر نفسه مالكاً لها، تكويناً لا اعتباراً.

1 . الحدائق الناضرة:21/532، طبعة دارالأضواء، بيروت.

صفحه 203
وأمّا الثانية ـ أعني: الملكية الاعتبارية ـ : فقد اعتبرها العقلاء بسبب بذل الإنسان الجهود لاستحصال شيء ما، كالذي يعيش على ساحل البحر، فإذا اصطاد السمكة بيده أو بشبكته الخاصّة، يرى نفسه أولى بما اصطاد، من غيره. ويعتبره العقلاء أولى بما اصطاده من غيره، وعندئذ يأتي حديث الملكية، والمالكية.
وللإمام علي(عليه السلام) كلام يوضح ذلك، حيث قال:«إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ»(1)، حيث يرى الإمام(عليه السلام) أنّ ما يجنيه الإنسان بيده أولى به من غيره، فليس لأحد أخذه منه بلا رضاه. فهذا النوع من الملكية مستنسخة وبتعبير آخر: منتزعة من ملكية الإنسان لأعضائه، حيث يرى الإنسان نفسه أولى بأعضائه من غيره، ومن هنا ينتقل إلى أنّه أولى ـ من غيره ـ بما استحصله بأعضائه من الصيود والفواكه التي جناها من أشجار الغابات وهكذا، ثمّ صار هذا النوع من التفكير سبباً لتوسعة الملكية إلى حدّ ترى كلّ دولة نفسها مالكة لسماء بلدها، وقسماً من المياه الإقليمية على سواحل البحار المجاورة لها.

الأمر الثاني: تعريف المسألة

عرّفوا المسألة بقولهم: اتّفاق الطرفين على أنّه إيجار مؤجّل لمدّة معلومة بحيث إذا دفع المستأجر الأجر كلّه أصبح الشيء مملوكاً له في نهاية المدّة، فإن أخلّ المستأجر بشروط التعاقد فالعقد ينفسخ ويعود الشيء إلى الموجر، ولا يسترد المستأجر شيئاً ممّا دفعه.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 232.

صفحه 204
وبعبارة أُخرى: يكون استيلاء المستأجر على العين ما لم يدفع القسط الأخير بعنوان كونه مستأجراً، فإذا دفع الأُجرة كلّها يصبح مالكاً للعين في نهاية المدّة، ويعبّر عنه بكونه بيعاً مستوراً بعقد الإيجار.

الأمر الثالث: مبدأ هذا النوع من المعاملة

تعود فكرة البيع الإيجاري(الإيجار المنتهي بالتمليك) إلى القانون الإنجليزي، حيث لجأ أحد التجار بإنجلترا إلى هذه الطريقة قاصداً رواج مبيعاته بتشجيع عملائه على الشراء بالتقسيط مع وجود ضمان كاف للتاجر نفسه حيث تبقى ملكيّته للعين، ثمّ ما لبثت هذه الطريقة أن انتشرت نتيجة إنتاج الصناعات الكثيرة فلجأ إليها العديد من المصانع الكبيرة لتسويق مصنوعاتها.(1)
ثمّ إنّ السرّ لهذا النوع من البيع واقعاً، المعنون بالإيجار ظاهراً، هو أنّه لو كان التعاقد بعنوان البيع بالتقسيط ربّما يشكل الأمر على البائع عند عدم استطاعة المشتري من دفع الأقساط، إذ تملّك المشتري المبيع، ومن جانب آخر لم يدفع تمام الثمن فلا محيص للبائع في استحصال حقوقه من الرجوع إلى المحاكم الذي يطول الأمر حينئذ وربّما يصدر الحكم من المحكمة على خلاف ما كان يرجو، ولذلك لا يذكر البيع في العقد مطلقاً حتى لا تنتقل ملكية العين المؤجرة للمشتري.(2)
ثم إنّ القائلين بالجواز ذكروا للمسألة صوراً مختلفة نذكر منها صورتين،

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 12، العدد12، الجزء الأوّل:478.
2 . الوسيط للسنهوري:4/177.

صفحه 205
ونقدّم ما هو الرائج بين المتعاقدين، ثم نذكر ما هو المختار عندنا.

الصورة الأُولى: الإيجار الساتر للبيع

كل من عَنوَن المسألة بالبيع الإجاري اختار أنّ المسألة من مقولة البيع بالتقسيط حتى ولو سمّيت ظاهراً:«بالإيجار» ولكن واقعه هو ما ذُكر، وإنّما لم يذكر العنوان الواقعي، لأنّ الغرض الذي يرمي إليه العاقدان واضح وإن لم يذكرا عقد البيع، حيث قصدا أن يكون الإيجار عقداً صورياً يستر به العقد الحقيقي وهو البيع بالتقسيط، وأنّ الثمن الحقيقي الذي يسمّيانه أُجرة إن هو إلاّ أقساط، فتسري عليه أحكام البيع بالتقسيط.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما هو المقصود (البيع) لم يُنشأ، وما أُنشأ(الإيجار) ليس بمقصود جدّاً، فكيف يصحّ؟
توضيح ذلك: أنّ الأُمور الاعتبارية على قسمين:
1. ما يتحقّق بنفس الشرط.
2. ما يحتاج إلى سبب خاص.
أمّا الأوّل كملكية الإنسان لجام الدابة وسرجها، فيكفي أن يقول: اشتريت الدابة بشرط أن يكون ما يتبعها لي، أو يشتري الأمة الحامل ويشترط أن يكون ما في بطنها له، أو يشتري بستاناً ويشترط أن تكون الثمار الموجودة على الأشجار له. ومورد هذا النوع هو توابع المبيع بل ربّما يقال: إنّها تدخل في المبيع ولو لم تشترط.

1 . الوسيط للسنهوري:4/174 و 178.

صفحه 206
وأمّا الثاني ـ أعني: ما يحتاج إلى سبب خاص ولا يتحقق بالشرط ـ فهو كالطلاق، والنكاح وما ليس بتابع للمبيع، فلو اشترى شيئاً بشرط أن تكون بنته زوجة له، فلا يصحّ.
روى البرقي عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن نصر البزنطي جميعاً عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال:«لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا».(1)
فإنّ الإمام(عليه السلام) وإن استدلّ على البطلان بالإكراه، ولكنّ الحلف على الأُمور المذكورة، باطل في حال الاختيار أيضاً، ولا يختصّ البطلان بحالة الإكراه، وقد ورد في الحديث: «ليس الطلاق إلاّ كما روى بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنت طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى».(2) والبيع كالطلاق لا يتحقّق بالشرط، بل يحتاج إلى سبب، فلا محيص للتصحيح إلاّ التعبير الثالث.
إذا تبيّن ذلك نقول: كلّ مَن جعل المسألة من قبيل الإيجار الساتر للبيع، لا محيص له ـ حسب القواعد الفقهية ـ من إنجاز أحد الأُمور التالية، والتي لولاها لما انتقل المبيع إلى المشتري ولا يملكه:
1. إنشاء البيع في مقابل ثمن آخر وراء الأقساط التي دفعها المشتري عبر سنين، فما دفعه إنّما هو أقساط للإيجار، والبيع لا يخلو من ثمن، نعم يكفي الثمن

1 . الوسائل:16، الباب12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث12.
2 . الوسائل:15، الباب16 من أبواب كتاب الطلاق، الحديث1.

صفحه 207
الأقل بأن يكون البيع محاباتياً.
2. يمكن أن يقتصر بالبيع المعاطاتي، فأخذ المشتري المبيع، إيجاب، ودفع ثمن آخر غير الأقساط، قبول، بناءً على أنّ الفاصل الزماني بين الإيجاب والقبول في البيع المعاطاتي غير مضرّ.
3. إيهاب المبيع هبة غير معوّضة، مع اشتراط عدم الرجوع في عقد خارج لازم.
نعم يبقى الكلام في بعض ما مرّ في القوانين، وذلك لأنّ المستأجر إذا افتقر وعجز عن إعطاء الأقساط، فليس للمالك في الشريعة الإسلامية إلاّ الإنظار، لقوله سبحانه:(فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)(1)، لكن القانون السائد في المورد أنّ المالك يفسخ الإجارة ولا يعطي من الأقساط المأخوذة شيئاً للمستأجر، وهو غير صحيح.
تمّ الكلام في الصورة الأُولى، وإليك بيان الصور الأُخرى.

الصورة الثانية: الإيجار الجدّي المقترن بوعد بالبيع

إذا كان واقع الأمر هو الإيجار جدّياً، والبيع أمراً موعوداً، فإذا قام المستأجر بما عليه من دفع الأقساط، فعلى البائع الإيفاء بوعده.
لكن يلاحظ عليه بأُمور:
1. إنّ اللازم التعبير عن العنوان بشرط البيع لا بوعده، ليكون العمل به لازماً.
2. إذا كان الإيجار جدّياً وكانت الأقساط أُجرة للإجارة، فما يتصوّر أنّ الأُجرة أمر غال، وهو كذلك، لكن المسوّغ له هو شرط البيع، فيكون الالتزام بهذا

1 . البقرة:280.

صفحه 208
الإيجار لأجل ما يترتّب عليه من البيع.
3. لو صحّ هذا التصوير فلابدّ من دفع ثمن للبيع مضافاً إلى الأقساط لأنّ البيع لا يخلومن ثمن، فيكون البيع محاباتياً.

الصورة الثالثة: الإيجار بشرط التمليك

هذه الصورة غير مذكورة في كلام القوم، ولكنّها أقرب إلى القواعد وحاصلها: أنّ الإيجار جدّي حتى ينتهي دفع الأقساط، فإذا أنجز المشتري ما عليه يجب على البائع العمل بالشرط وهو التمليك سواء كان معوّضاً أو غير المعوّض، وبذلك يفترق عن الصورة الثانية، فإنّ البيع فيها يحتاج إلى الثمن بخلاف التمليك فإنّه أعمّ.
بقي هنا بيان أمرين:
الأوّل: يظهر من الروايات الواردة في «العينة» عدم جواز اشتراط العقد الثاني في ضمن العقد الأوّل; ففي رواية يحيى بن الحجّاج قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها اربحك كذا وكذا؟ قال: «لا بأس بذلك، اشتر له ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها».(1)
فربّما يتوهم أنّ المورد من هذا القبيل حيث يشترط البيع في ضمن الإيجار.
قلت: إنّ ملاك النهي في مورد العينة، غير موجود في المقام، فإنّ النهي هنا لأجل التحرز عن بيع ما لا يملك حيث إنّ شرط العقد الثاني، أي بيع المبيع من

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث13، ولاحظ الحديث14 وغيره.

صفحه 209
المشتري قبل أن يشتريه من قبيل بيع ما لا يملك. وهذا بخلاف المقام إذ لو شرط البيع أو التمليك في ضمن الإيجار فلم يبع أو لم يملّك شيئاً، قبل أن يتملّك .
2. إنّ القول بالصحّة في المقام بأحد الوجوه المتقدّمة مشروط بأن لا يكون الطرح ذريعة لأكل الربا بأن يجعل الفائض جزءاً للثمن، فيجعله وسيلة إلى أخذ الربا، عن طريق البيع، بل أن يكون من قبيل بيع الشيء نسيئة بأكثر من بيعه بالنقد، إذ هذا جائز بالاتّفاق.

صفحه 210
التحكيم في الفقه الإسلامي تاريخاً وموضوعاً وحكماً   

المسألة التاسعة عشرة

التحكيم في الفقه الإسلامي

تاريخاً و موضوعاً وحكماً
التحكيم مصدر حكّم فلاناً في الشيء أو الأمرِ: جعله حَكَماً، ومنه قوله سبحانه:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)(1). وفي الاصطلاح: اختيار شخص للفصل في نزاع معيّن. وبعبارة أُخرى: تراضي الخصمين بواحد والترافع إليه ليحكم بينهما، وعلى ما ذكرنا فلا فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
وقد يعبّر عن عنوان المسألة بـ «قاضي التحكيم» وهو في مقابل القاضي المنصوب أو المأذون من جانب الإمام، فالثاني قاض رسمي له القدرة والسلطة على إجراء ما حكم به، بخلاف قاضي التحكيم، فبما أنّه غير منصوب ولا يُعدّ جزءاً من القوّة القضائية وإنّما رضي به الخصمان، فليس له السلطة على التنفيذ، إلاّ أن يرفع ما حكم به إلى القوّة القضائية فتنفذ ما حكم به.

1 . النساء:65.

صفحه 211
ثمّ إنّ التحكيم كان أمراً رائجاً في المجتمعات البدائية حيث إنّ المتخاصمين من عشيرة واحدة يرجعان في أمر المخاصمة إلى رئيس العشيرة أو العرّيف منهم لفصل الخصومة.
ومن عجيب الأمر أنّ ما كان رائجاً في المجتمعات البدائية صار أمراً رسمياً في الحضارة الصناعية، في داخل البلاد وخارجها، أمّا الأوّل فهو ما يُسمّى بمحكمة حل الاختلاف وفصلها في المساجد بيد من يرضى به المتخاصمان، وأمّا الثاني فهو محكمة العدل الدولية المنبثقة من منظمة الأُمم المتحدة حيث تقضي في الخلافات بين الدول في الأُمور المهمّة التي ترجع إليها، وفيها قضاة متخصّصون بهذا الأمر، وسيأتي شرحه في المسألة 20.
لا شكّ أنّ المجتمع مهما بلغ قمة الالتزام بالقوانين والعمل بها ربّما يختلف بعضهم مع بعض في تشخيص ما هو الحقّ، وهما لا يريدان إلاّ اتّباع الحقّ غير أنّهما غير عارفين به، ولذلك لابدّ للمجتمع من ملجأ يلتجئ إليه المتخاصمان فيما يختصمان فيه، ولذلك يقول سبحانه: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحقّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(1) غير أنّ القاضي ـ كما أشرنا إليه ـ تارة يكون منصوباً من جانب الإمام، أو جزءاً من القوة القضائية، وأُخرى ما يكون له الأهلية للقضاء لكنّه غير منصوب، بل يُعدّ واحداً من الرعايا، إلاّ أنّ قسماً من الناس يميلون إلى حكمه وقضائه الثاني، لوجهين:
1. السرعة في القضاء وفصل الخصومة حيث يتم الأمر في مجلس واحد أو مجلسين، بخلاف الرجوع إلى المحاكم الرسمية حيث يطول الزمان إلى صدور

1 . ص:26.

صفحه 212
الحكم.
2. الحفاظ على أسرار المتخاصمين، إذ ربّما لا يرضى المتخاصمان بانتشار أسرارهما.
وعلى ما ذكرنا فالقاضي المنصوب يستمد ولايته ظاهراً من نصب الإمام، سواء أكان مجتهداً جامعاً للشرائط أم لا، بخلاف قاضي التحكيم فإنّه يستمد ولايته من تراضي الخصمين، ففي الأوّل لايحتاج القاضي إلى رضا المتنازعين، بل إذا رفعت الشكوى إلى ديوان المحكمة فأي قاض يتصدّى للقضاء فحكمه نافذ، بخلاف الثاني فهو بحاجة إلى رضا الطرفين، فإرادة الخصوم ورغبتهم هي التي تحدّد صلاحية الحاكم والقضاء.
إذا تبيّن الفرق بين القسمين فلنذكر أُموراً:

الفرق بين الإفتاء والقضاء

يفترق الإفتاء عن القضاء بوجهين:
الأوّل: أنّ الإفتاء من مقولة الإخبار أي يحكي عن حكمه سبحانه واقعاً إذا كانت هناك أمارة على الواقع، أو ظاهراً كما إذا أفتى طبقاً للأُصول العملية.
وأمّا القضاء فهو إنشاء من الحاكم على الحكم سواء تعلّق بفعل المتحاكمين كما في مورد الديون والأموال، أو بغيرهما كما في الحكم بالقصاص، فالجاني محكوم بأن يقتص.
الثاني: أنّ مورد الإفتاء هو الأحكام الكلّيّة، ومورد القضاء هو الموضوعات المتشابهة.

صفحه 213
ويمكن أن يقال: إنّ القضاء عبارة عن تمييز الموضوع وتعيين دخوله تحت أي دليل من الأدلّة الكلّية.
إذا تبيّنت هذه الأُمور فلندخل في إيضاح الأُمور الثلاثة التي وردت في عنوان المسألة.

1. التحكيم تاريخاً

مَن قرأ تاريخ العرب يقف على أنّهم كانوا إذا اختلفوا في أمر يختارون رجلاً للقضاء بينهم دون أن يكون عندهم محكمة العدل الرسمية، وإليك نماذج من ذلك:
1. ما ورد في تشاجر قبائل قريش عند بنيان الكعبة وذلك عندما انتهى أمرهم في نصب الحجر الأسود في موضعه، فكلّ قبيلة أرادت أن تنصبه في موضعه دون الأُخرى حتى أُعِدّوا للقتال إلى أن اتّفقوا على قضاء «محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)» وهو ابن خمس وثلاثين سنة.(1)
2. روى النسائي في سننه ...، عن شريح بن هاني عن أبيه هاني أنّه لمّا وفد إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سمعه وهم يكنّون هانئاً أبا الحَكَم: فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له:«إنّ الله هو الحكم وإليه الحُكم فلم تكنّى أبا الحكم؟». فقال له: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين قال: «ما أحسن هذا».(2)

1 . لاحظ: السيرة النبوية لابن هشام:1/197.
2 . سنن النسائي:8/226.

صفحه 214
وهذا يدلّ على أنّ الفطرة السليمة كانت تسوق الناس إلى الاحتكام إلى رجل يرضون بقضائه وأمره، وقد امتد هذا الأمر إلى عصر النبي وما بعده، وهذا ما سنتلوه تالياً.

2. التحكيم موضوعاً

اتّفقت كلمة الفقهاء على صحّة الترافع إلى مَن يرضون به حكماً، وإليك بعض الأقوال:
قال الشيخ الطوسي: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما كان جائزاً بلا خلاف، فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار.(1)
وقال المحقّق: ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة، فحكم، لزمهما حكمه في كلّ الأحكام.(2)
وقال ابن سعيد الحلّي: وإن اختار الخصمان رجلاً يحكم بينهما وله شروط القضاء، لزمهما حكمه.(3)
وقال العلاّمة في الإرشاد: ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة، وحكم بينهما لزمهما حكمه.(4)
وقال الأردبيلي: نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة أن يحكم بينهما

1 . الخلاف:6/241، المسألة رقم 40، كتاب القضاء.
2 . شرائع الإسلام:4/68.
3 . الجامع للشرائع:530.
4 . إرشاد الأذهان2/138، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

صفحه 215
بحكم الله ولم يكن مأذوناً ومنصوباً بخصوصه من الإمام ونائبه للحكم والقضاء، وحكم بحكم موافق للحقّ ونفس الأمر، بشرط إتّصافه بشرائط الحكم غير الإذن، من الاجتهاد والعدالة، صحّ ذلك الحكم ومضى حكمه فيهما وليس لهما نقضه بعده ولا يشترط الرضا بعد الحكم على المشهور، ولا يجوز لهما خلاف ذلك، وهذا إنّما يتصوّر في زمان الحضور وإمكان الاستئذان، لا حال الغيبة التي لا يمكن الاستئذان، إذ حينئذ كلّ من اتّصف بما تقدّم من الشرائط فهو قاض وحاكم لم يحتج إلى شيء آخر غير ذلك، كما تقرّر عندهم.(1)
وسيوافيك تصوير التحكيم في عصر الغيبة فانتظر.

3. التحكيم تشريعاً

استدلّ غير واحد من الأصحاب على مشروعية التحكيم بعدد من الآيات:
1. قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا)(2). وأُريد من قوله سبحانه: (شِقَاقَ بَيْنِهِمَا): أي العداء بين الزوجين، فأمر سبحانه بقوله: (فَابْعَثُوا): أي وجّهوا حكماً من قوم الزوج وحكماً من قوم الزوجة ينظران فيما بينهما، هذا فـ(إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا)، فالإصلاح بينهما في غنى عن الإذن منهما; لأنّه ملازم للاذن بالتحكيم، وأمّا لو أرادا الطلاق فالإمامية على أنّه ليس لهما ذلك إلاّ بعد أن يستأمراهما ويرضيا بذلك.(3) ولعلّ الإذن السابق منصرف عن ذلك.

1 . مجمع الفائدة والبرهان:12/184.
2 . النساء:35.
3 . مجمع البيان:3/93.

صفحه 216
2. قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1).
والآية ناظرة إلى حال المنافقين، فلا يكونون مؤمنين ولا يدخلون في الإيمان حتى يجعلوك حكماً فيما وقع بينهم من الخصومة، ثم لا يجدوا في قلوبهم شكّاً فيما حكمت به، وينقادوا لحكمك. وبما أنّ المنافقين لم يؤمنوا بأنّ رسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من السماء، كان رجوعهم إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رجوعاً إلى قاضي التحكيم، وقد أمضاه الوحي.
3. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ).(2)
والآية ناظرة إلى مَن قتل الصيد وهو محرم متعمّداً، فكفارته مثل ما قتل من النعم، وأمّا تشخيص ما هو المماثل من النعم لما قُتِلَ من الصيد فهو محوّل إلى حكم عدلين من المسلمين، ولذلك قالوا: ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وشبهه بقرة، وفي الضبي(الغزال) والإرنب شاة. فدلّت الآية على صحّة التحكيم، وما حكم به الحكمان في تشخيص المشابه فهو حجّة عليهم.

التحكيم في الروايات

1. لمّا انسحب جيش قريش ويهود خيبر عن المدينة وتركوا حليفهم «بني قريظة» في المدينة وهم قد نقضوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الأحزاب،

1 . النساء:65.
2 . المائدة:95.

صفحه 217
حاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدتهم الحصارة وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقبله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فحكم في حقّهم بما هو المعروف في تاريخ السيرة.(1)
2. روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«مَن حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما، فعليه لعنة الله».(2)
والشاهد على وروده في التحكيم قوله:«بين اثنين تراضيا» ولا ينافي ذلك وروده لبيان أمر آخر وهو حرمة الحكم بغير العدل.
3. روى الشيخ بإسناده عن حمّاد، عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا؟ فقال:«ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».(3)
فقوله:«فيتراضيان برجل منّا» يدلّ على أنّ الحاكم كان مورد رضى منهما.
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ التقييد بالتراضي كما يحتمل أن يكون شاهداً على التحكيم، يمكن أن يكون وارداً في القاضي المأذون من جانب الأئمّة(عليهم السلام)، ولكن بما أنّه يفقد القوّة التنفيذية، قُيِّد بالتراضي حتى يكون القضاء مثمراً ونافذاً.

الروايات ناظرة إلى القاضي المأذون من جانب الإمام

وبما ذكرنا من الاحتمالين نقف على حال الروايات التالية التي ورد فيها قيد

1 . لاحظ: السيرة النبوية لابن هشام:2/239.
2 . الخلاف:6/242، كتاب آداب القضاء، المسألة 40.
3 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث8.

صفحه 218
التراضي حيث حملها الأصحاب على قاضي التحكيم مع احتمال ورودها في القاضي المأذون من جانب الأئمّة، غاية الأمر بما أنّ المأذونين من جانبهم(عليهم السلام)كانوا فاقدين للسلطة، أُخذ قيد التراضي لأجل أن يكون القضاء مثمراً ونافذاً، وإليك باقي الروايات:
4. ما رواه الصدوق عن أبي خديجة سالم بن مكرِم الجمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام): «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».(1)
ورواه الكليني إلاّ أنّه قال: شيئاً من قضائنا(2)، وفيه أيضاً احتمالان:
1. يحتمل وروده في التحكيم .
2. يحتمل أن يكون مأذوناً للقضاء من جانب الإمام، فالدعوة إلى الجعل بقوله: «اجعلوا بينكم رجلاً» لأجل تدارك ما يفوت المأذون من جانب الإمام من القوّة والقدرة حتى يكون رضاهما بقضاء الرجل قائماً مقام القوّة والقدرة.
5. روى الصدوق باسناده عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما، فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الآخر».(3)

1 . الوسائل: 18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
2 . الكافي:7/412، الحديث4.
3 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث19.

صفحه 219
يلاحظ عليه: أنّ الموهم لورودها في التحكيم قوله: «فرضيا بالعدلين»، وقد عرفت أنّ فيه احتمالين.
أضف إلى ذلك: أنّها ليست رواية مستقلّة، بل هي جزء من مقبولة عمر بن حنظلة التي ستوافيك، فإنّ الراوي لها هو داود بن الحصين، فنقل هنا شيئاً منها بتصرّفين:
   1. حذف آخر السند أعني: عمر بن حنظلة.
   2. قطّع الحديث ولم ينقله بتمامه.
6. ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن أكيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ منازعة في حقّ، فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما؟ قال: «وكيف يختلفان؟» قلت: حكم كلّ واحد منهما للّذي اختاره الخصمان، فقال: «ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله، فيمضي حكمه».(1)
والكلام فيها في الدلالة وعدمها مثل ما سبق في رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال وأنّه ذو احتمالين لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، بخلاف ما يأتي من المقبولة ففيه شاهدان على كونها من التحكيم.
7. مقبولة عمر بن حنظلة التي رواها الكليني بسنده عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال:

1 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث45.

صفحه 220
«مَن تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)(1)».
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران مَن كان ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله...».
قلت: فإن كان كلّ واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلف فيهما حكماً وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر...».(2)

ما يدل على أنّ المورد من مقولة التحكيم

الذي يوهم كون موردها من قبيل التحكيم أمران:
الأوّل: قوله(عليه السلام): «فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(3) فإنّ رأي القاضي المأذون نافذ شرعاً رضيا به أم لا. بخلاف مورد التحكيم فإنّ التراضي أُسّه وأساسه.

1 . النساء:60.
2 . الكافي:1/54، الحديث10; الوسائل:18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1. ونحن نقلنا الحديث من الكافي لأنّ صاحب الوسائل رواه مقطّعاً.
3 . الوسائل: 18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

صفحه 221
الثاني: فرض تعدّد القاضي حيث قال: فإن كان كلّ واحد، اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم.
فقال:«الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».(1)
وجه الدلالة: أنّ اختيار كلّ من الطرفين رجلاً لا يصحّ في القاضي المأذون بل يجب عليهما فيه الرجوع إلى قاض واحد، فالقاضي المأذون وإن كان يتعدّد وجوداً لكن لا يتعدّد رجوعاً.
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ المراد هو القاضي المأذون، وبما أنّ قضاءه نافذ شرعاً، لا عرفاً وقانوناً وليست الحكومة وراءه، أمر الإمام المتخاصمين بالتراضي حتى يكون جابراً لما يفوته من القدرة الظاهرية.
وعلى الوجه الثاني: أنّه لو كان المختلفان في الرأي من قبيل قاضي التحكيم، لما وجب على أحد المتخاصمين الأخذ بالقول الأرجح، لأنّه رضي بالراجح لا بالأرجح.
وبعبارة أُخرى: رَضِيَ بقضاء العادل الفقيه الصادق الورع لا بقضاء الأعدل الأفقه الأصدق الأورع، فإلزامه بالأخذ لا يتّفق مع كونه قاضي تحكيم، فلا مناص من إرجاعه إلى القاضي المأذون.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه لا منافاة بين أن يكون المورد قاضياً مأذوناً من قبل

1 . الوسائل: 18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

صفحه 222
الإمام، وفي الوقت نفسه أن يكون قاضي تحكيم، بمعنى أنّ الإمام(عليه السلام) أمضى بهذه الروايات، ما عليه الناس أيضاً من ارجاع المنازعة إلى المحكَّم إليه الذي رضى به الطرفان.
نعم والذي لا ينسجم مع كون المورد من قبيل قاضي التحكيم هو الإلزام بأخذ قول الأرجح، ويمكن أن يقال: إنّه أمر تعبديّ وليس ثمرة التحكيم، كما مرّ.
***

التحكيم في عصر الغيبة

يظهر من كلام المحقّق، عدم إمكان التحكيم في عصر الغيبة وذلك لأجل أمرين:
1. يشترط في المحكّم إليه كلّ ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام من الاجتهاد.
2. إنّ في عصر الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)، الجامع للصفات المشروطة في الفتوى بقول أبي عبد الله(عليه السلام):«فاجعلوه قاضياً، فإنّي جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».(1) وقد مرّ نظير ما ذكر في كلام المحقّق الأردبيلي.
حاصل الأمرين أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه كونه جامعاً للصفات المشروطة في الفتوى، هذا من جانب ومن جانب آخر كلّ مَن هو جامع لتلك الصفات فهو مأذون للقضاء من جانبهم، فهو يتلقّى ولايته من جانب الإذن فيكون التحكيم أمراً لغواً، لأنّ حكمه نافذ مطلقاً سواء رضيا أم لا.

1 . شرائع الإسلام:4/68. والحديث مروي في الكافي:7/412، من كتاب القضاء والأحكام.

صفحه 223
يلاحظ عليه بأمرين:
1. إنّ الفقيه، مأذون بالقضاء بالإذن العام في زماني الحضور والغيبة كما هو مقتضى الروايات، لصدورها في عصر الصادقين(عليهما السلام) وعصر الحضور، وعليه لا فرق بين الزمانين من عدم تصوّر التحكيم فيهما، فتخصيص عدم الصحّة بزمان الغيبة لا وجه له.
2. يمكن تصوير التحكيم في عصر الغيبة بصورتين:
الأُولى: إذا قامت دولة إسلامية وكان على رأسها فقيه جامع للشرائط، كما في عصر الدولة الصفوية حيث كان يرأسها فقيه جامع للشرائط كالمحقّق الكركي وغيره، والإمام الخميني في الثورة الإسلامية المباركة في إيران، فعند ذاك يمكن أن يقال: إنّ كلّ فقيه وإن كان قاضياً إمكاناً لكن لأجل إيصاد باب الفوضى، ورعاية المصالح يُمْنع الفقيه عن التدخل في القضاء إلاّ بإذن من جانب الحكومة الإسلامية. وعند ذاك تصبح تلك الظروف كعصر الحضور مع بسط اليد، فينقسم القاضي إلى منصوب وغير منصوب، فليس لغير المنصوب القضاء وإن كان واجداً للولاية بنحو الاقتضاء، لكن تمنعه رعاية المصالح العامّة إلاّ بنحو التحكيم.
الثانية: ما عليه المحقّق الخوئي ـ تبعاً لصاحب الجواهر ـ من عدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم، فتظهر الثمرة في غير المجتهد، فيصحّ حكمه بعنوان التحكيم دون المأذون المنصوب.

ما هو الشرط في قاضي التحكيم؟

هل يشترط في قاضي التحكيم كلّ ما يشترط في القاضي المنصوب، سوى

صفحه 224
كون الثاني منصوباً دون الأوّل، فلابدّ أن يكون: مجتهداً، جامعاً للشرائط؟ أو لا يشترط فيه سوى الأُمور العامّة من العقل والبلوغ والإسلام والإيمان وشيء من العلم بالقضاء؟ قولان:
الأوّل: وحدة الشرائط في كلا القاضيين، وهذا هو الظاهر من المحقّق حيث قال: يشترط فيه (مَن تراضى خصمان عليه) ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام، وهو كونه جامعاً للصفات المشروطة في الفتوى.(1)
وحاصله كونه مجتهداً. وعليه الشهيد الثاني، قال: واعلم أنّ الإتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهداً.(2) ووافقه المحقّق الأردبيلي كما مرّ.
ولكن الظاهر من صاحب الجواهر هو القول الثاني، قائلاً: بأنّ الموضوع في الرواية الأُولى لأبي بصير هو الدعوة إلى قضاء الأخ فقط، حيث قال:«فدعاه رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه»(3)، كما أنّ الموضوع في الرواية الثانية له هو كونه حاكماً بالعدل كما قال:«لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكام أهل العدل...».(4) والموضوع في الثالث هو: «رجل من الشيعة» كما قال:«فيتراضيان برجل منّا»(5)، فإنّ مفاد هذه الروايات أنّهم أذنوا لشيعتهم أجمع، الحكم به وأنّ

1 . شرائع الإسلام:4/68.
2 . مسالك الافهام:2/390.
3 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث3.
5 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث8.

صفحه 225
المدار هو القضاء بأحكامهم لا بغيرها».(1)
يلاحظ عليه: أنّ هذه الروايات بصدد بيان كون القاضي مؤمناً، حتى يكون عارفاً بفتاوى أهل البيت(عليهم السلام)، وليست بصدد بيان مقدار علمه وإحاطته.
فالحق التفصيل الآتي: وهو أنّ الرجوع إلى القاضي إنّما هو في الموضوعات الجزئية دون الأحكام الشرعية الكلّية، فإنّ الرجوع فيها إنّما هو إلى المفتي، وعندئذ يصحّ التفصيل بين الموضوعات المعقّدة كالديات، والقصاص، وتمييز مَن يرث عمّن لا يرث، فيلزم أن يكون القاضي مجتهداً جامعاً لصفات الفتوى، حتى يتّضح عنده أنّ المورد من مصاديق أي حكم من الأحكام الشرعية الكلّية; وبين الموضوعات التي يكثر بها الابتلاء ويعلم حكمها كلّ مَن له إلمام بالشريعة وبالرسائل العملية، فعندئذ يكفي أن يكون عالماً بالحكم الشرعي ولو عن تقليد أو عن اجتهاد تجزّئي.
فخرجنا بالنتيجة التالية: لو كان القاضي مجتهداً يجوز التحاكم إليه في عامّة المسائل، وأمّا إذا كان مقلّداً عارفاً بالمسائل عن طريق التقليد ومطالعة الرسائل العملية، فلا يرجع إليه إلاّ في موارد خاصّة يعرفها المقلّد والمتجزّئ.
هذا ما عندنا، وأمّا غيرنا فإليك أقوالهم:
ذهبت الحنابلة وطائفة من الشافعية إلى جواز التحكيم في الحدود والقصاص، بل إنّ الحنابلة توسّعوا في الأخذ بالتحكيم فلم يقيّدوه بشيء ممّا قيّده به غيرهم، فينفذ عندهم التحكيم في المال والقصاص والحدّ والنكاح واللعان

1 . جواهر الكلام:40/30.

صفحه 226
وغيرها.(1) وقال في المهذّب: واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم، فمنهم مَن قال: يجوز في كلّ ما تحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم من ولاه الإمام.(2)
وممّا ذكرنا من التفصيل بين كونه مجتهداً وكونه مقلّداً أو متجزّئاً، يعلم صحّة التفصيل حسب الموارد التي يتحاكم إليه فيها من حيث المقدرة العلمية.

اشتراط الرضا بعد القضاء وعدمه

هل يشترط رضا المتحاكمين بما حُكم به بعد القضاء، أو لا يشترط بل يجب التنفيذ مطلقاً؟
قال في «الخلاف»: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما، كان جائزاً بلا خلاف، فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار. وللشافعي فيه قولان: أحدهما أنّه يلزم بنفس الحكم كما قلناه، والثاني: يقف بعد إنفاذ حكمه على تراضيهما، فإذا تراضيا بعد الحكم لزم.(3)
وقال المحقّق: ولا يشترط رضاهما بعد الحكم.(4)
وقال العلاّمة في «القواعد»: ولا يجوز نقض ما حكم به فيما لا تنقض فيه الأحكام، وإن لم يرضيا بعده إذا كان بشرائط القاضي المنصوب عن الإمام.(5)
وقال الشهيد في «الدروس»: قضاء التحكيم، وهو سائغ وإن كان في البلد

1 . كشّاف القناع:6/308.
2 . المهذّب:2/291.
3 . الخلاف:3/241، كتاب القضاء، المسألة 40.
4 . شرائع الإسلام:4/68.
5 . قواعد الأحكام:3/419; مفتاح الكرامة:10/3، قسم المتن.

صفحه 227
قاض ويلزم على الخصمين المتراضيين به، حكمُه حتّى في العقوبة، وهل يشترط رضاهما بعد الحكم؟ الأقرب لا.(1)
وقال العلاّمة في «التحرير»: وإن كان (الإمام) غائباً نفذ قضاء الفقيه المأمون من فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)الجامع لشرائط الفتوى، لقول الصادق(عليه السلام):«فاجعلوه قاضياً فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».(2)
وقال الأردبيلي: مضى حكمه بينهما وليس لهما نقضه بعده، ولا يشترط الرضا بعد الحكم على المشهور، ولا يجوز لهما خلاف ذلك.(3)
فالحقّ ـ كما مرّ ـ عدم الحاجة إلى التراضي بل ينفذ حكمه إذا كان المترافعان ملتزمين بالدين، وإلاّ فيرفع حكمه إلى القاضي المنصوب إذا أمكن حتى ينفذ.
وجهه: أنّه إذا كان نفوذ الحكم منوطاً بتراضي الطرفين، تلزم لغوية القضاء، لأنّه لا يخلو إمّا أن يحصل التراضي أو لا؟ فعلى الأوّل يكون الفاصل هو التراضي دون القضاء، ويصبح القضاء إفتاءً، وعلى الثاني يطرح ويكون بلا أثر. وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ في «الخلاف» ويقول: لو كان الحكم لا يلزم بنفس الالتزام والانقياد لما كان للترافع إليه معنى، فإن اعتبر التراضي، كان ذلك موجوداً قبل الترافع إليه.(4)

1 . الدروس الشرعية:2/17ـ 18.
2 . الوسائل:18،الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5; تحرير الأحكام:5/113، المسألة 6420.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:12/182.
4 . الخلاف:3، كتاب القضاء، المسألة 4.

صفحه 228
فإن قلت: إنّ قوله(عليه السلام) في صحيح الحلبي:«ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط»(1)، إذا كان وارداً في قاضي التحكيم يكون مفاده شرطية النفوذ بالتراضي.
قلت: لا يمكن لأحد أن ينكر لزوم وجود السلطة في تنفيذ الأحكام، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الخير كلّه في السيف، وتحت ظلال السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف».(2) وعلى هذا فالحديث ناظر إلى السلطات الجائرة الذين يجبرون الناس على أحكامهم الباطلة بالسيف والسوط، وأمّا إن كان حاكماً بحكم صحيح، فوجود القدرة فيه غير مخل لو لم يكن لازماً.
تمّ الكلام في التحكيم تاريخاً وموضوعاً وحكماً

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث8.
2 . الوسائل:11، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث1.

صفحه 229
   

المسألة العشرون

احتكام المسلم إلى المحاكم غير الإسلامية

هل يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى محاكم غير إسلامية أو لا؟ ظاهر الآيات والروايات هو الحرمة.
أمّا الآيات:

الآية الأُولى

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا).(1)
روى المفسّرون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أُحاكم إلى محمد، لأنّه علم أنّه لا يقبل الرشوة، ولا يجور في الحكم، فقال المنافق: لا! بل بيني وبينك كعب بن الأشرف لأنّه علم أنّه يأخذ

1 . النساء:60.

صفحه 230
الرشوة.(1)
ومورد الرواية وإن كان هو اليهودي، لكن المتفاهم هو عدم جواز الرجوع إلى مَن يكون مظهراً للطغيان، فكلّ مَن يحكم على خلاف حكم الله ـ كما هو المفروض ـ يوصف بكونه طاغوتاً. وبالجملة فالآية تدلّ على أنّه لا يجتمع الإيمان بما أنزل الله على نبيّه والأنبياء السابقين مع التحاكم إلى الطاغوت، ومعنى ذلك: حرمة التحاكم إلى غير المسلم.

الآية الثانية

قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(2).
وجه الدلالة: أنّ الاحتكام إلى القاضي الكافر وحكمه على المسلم سبيل للكافر على المسلم. والسبيل حرام، فينتج: الاحتكام إلى الكافر حرام.

الآية الثالثة

قوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)(3) يقال: «ركن إليه» أي مال وسكن ووثق به، والاحتكام إلى الكافر الذي لا يخلو عن ظلم، ركون إلى الظالم وهو منهي عنه.
هذا كلّه حول الآيات.
وأمّا الروايات فيمكن أن يستدلّ بما يلي:

1 . تفسير الطبري:2/66.
2 . النساء:141.
3 . هود:113.

صفحه 231
1. ما دلّ على النهي عن الترافع إلى حكّام الجور الذي عقد له صاحب الوسائل باباً(1).
فإذا كان التحاكم إلى أهل الجور من المسلمين منهيّاً عنه فأولى أن يكون كذلك، التحاكم إلى الكافر غير المسلم.
2. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه».(2) فإنّ حكمه على المسلم، اعتلاء عليه.
أضف إلى ذلك: أنّ المتحاكمين يطلبان حكم الشريعة الإسلامية من القاضي، وتطبيقه على صعيد العمل، فإذا كان القاضي غير مسلم فكيف يطلب منه أن يحكم بما لا يؤمن به.
وبعبارة أُخرى: إنّ الحكم بنفوذ حكم القاضي، فرع إحراز كونه قاضياً بمقتضى الشريعة الحقّة، فكيف يمكن إحرازه، مع كون القاضي كافراً والمتحاكمين عاميّين.

ظاهرة الاغتراب وآثارها السيئة

الهجرة إلى البلاد الأجنبية والإقامة بها والاستقرار فيها والتزوّج بالأجنبيات لاكتساب الجنسية، من الظواهر التي ابتلى بها المسلمون في القرن الأخير، بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والدراسية وغيرها، فقد أجبرت هذه الظروف بعض المسلمين على الهجرة عن مواطنهم والابتعاد عن المثل العليا في الإسلام،

1 . لاحظ: الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث4، 5، 8، و10.
2 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث11.

صفحه 232
فهذا القسم من المغتربين لا يهمهم الرجوع إلى أي محكمة من المحاكم، في الأحوال الشخصية وغيرها، والتزويج عند عاقد إسلامي عندهم هو كالتزويج في الكنيسة عند القسّ، فهؤلاء مسلمون اسماً لا واقعاً، غير أنّ الواجب على الحكومات الإسلامية حفظ صلتها بهؤلاء المهاجرين حتى يحتفظوا بهويتهم الإسلامية، والأوجب عليها، تحسين الظروف المعيشية حتى لايضطر هؤلاء للهجرة ولا يبتلوا بهذا الواقع المرّ.
نعم مقابل هؤلاء جاليات إسلامية احتفظوا بهوياتهم الدينية في الأحوال الشخصية وغيرها، فالنكاح والطلاق والمواريث وغيرها عندهم على وفق القوانين الإسلامية، ويوجد فيهم من له إلمام بالأحكام الدينية فيرجعون عند الاختلاف إليه وعندئذ يحرم على هؤلاء الرجوع إلى محاكم أجنبية في أي مسألة من المسائل، سواء أكانت من الأحوال الشخصية أم الأُمور المالية، لأنّ الرجوع إليها نوع تذلّل. قال سبحانه:(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)(1)والحكّام الكفرة فسقة، وكلّ فاسق ظالم، مضافاً إلى أنّهم جاهلون بالحكم الشرعي في الواقعة.

احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية

ربّما يحدث نزاع بين دولتين إسلاميتين أو بين دولة إسلامية وغير إسلامية، فهل يجوز في إحقاق الحقّ الرجوع إلى المحكمة الدولية المنبثقة من هيئة الأُمم المتحدة التي تتكوّن من خمسة عشر قاضياً تختارهم هيئة الأُمم المتحدة ومجلس

1 . هود:113.

صفحه 233
الأمن ـ بغض النظر عن جنسياتهم ـ لتولّي أعلى درجات القضاء، وهؤلاء هم الذين يحكمون فيما حدث بين الدول من الاختلاف خصوصاً فيما يرجع إلى الحدود أو غير ذلك. ويستمر هؤلاء على منصة القضاء لمدة ست سنوات على أن يتغيّر ثلثهم كلّ ثلاث سنوات؟
والذي يمكن أن يقال: إنّ الرجوع إليهم خصوصاً إذا كان النزاع بين دولتين إسلاميتين، حرام، فكيف يرضى المسلمون أن يرأسهم من لا يمتّ إلى دينهم وعقيدتهم بصلة؟! اللّهمّ إلاّ إذا دعت الضرورة إلى الرجوع إليها، على أساس تشخيص حقوقهم وتحديد مطالبهم. لا خضوعاً إلى قضائهم.
وفي نهاية المقام نقول: من واجب الحكومات الإسلامية إنشاء محكمة عدل إسلامية تشارك في انتخاب قضاتها، جميع الدول الإسلامية، ويكون مجلس القضاء مؤلّفاً من قضاة بارعين وحقوقيّين يصدرون عن الكتاب والسنّة وما اتّفق عليه المسلمون من دون انحياز إلى سياسة معيّنة أو قومية، أو مذهب فقهي خاص، وهذه أُمنية أرجو أن يقوم بها الحريصون من المسلمين.

صفحه 234

المسألة الحادية والعشرون

احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية

إذا تخاصم ذمّيان سواء كانا من ملّة واحدة، كأهل التوراة، أم من ملتين كأهل التوراة والإنجيل، فما هو الواجب على القاضي المسلم عند رجوعهما إليه؟
المعروف أنّ القاضي مخيّر بين القضاء والترك، قال الشيخ: إذا تحاكم ذمّيان إلينا، كنّا مخيرين بين الحكم بما يقتضيه شرع الإسلام، وبين ردّهم إلى أهل ملّتهم. وللشافعي فيه قولان: أحدهما ما قلناه، وهو أصحّهما عندهم. والآخر: يجب عليه أن يحكم بينهما، وهو اختيار المزني. دليلنا: قوله تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)(1)، وإجماع الفرقة عليه.(2)ووصفه في الجواهر بعدم الخلاف فيه.(3) كما وصفه في السرائر بأنّ عليه الإجماع.(4)
ومصدر الحكم هو الآية المباركة.

1 . المائدة:42.
2 . الخلاف:4/336، المسألة 116، كتاب القضاء.
3 . لاحظ: جواهر الكلام:21/318.
4 . لاحظ: السرائر:2/197.

صفحه 235
لكن المحكي عن الشافعي في أحد قوليه والمزني، إيجاب الحكم بينهم(1)، مستدلّين بالآية التالية وسيأتي مفادها.
وربّما يتصوّر أنّ الآية منسوخة بقوله تعالى:( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ).(2)
يلاحظ عليه: أنّه لا منافاة بين الآيتين، فإنّ الآية الثانية تبيّن كيفية الحكم وأنّه لو اختار أحد الشقّين أي الحكم، وجب أن يحكم بما أنزل الله، لا أنّه يجب عليه أن يحكم.
قال المحقّق: إذا فعل أهل الذمّة ما هو سائغ في شرعهم، وليس بسائغ في الإسلام، لم يُتعرّضوا، وإن تجاهروا به، عُمِل بهم ما تقتضيه الجناية، بموجب شرع الإسلام، وإن فعلوا ما ليس بسائغ في شرعهم، كالزنى واللواط، فالحكم فيه كما في المسلم. وإن شاء الحاكم دَفَعَهُ إلى أهل نحلته، ليقيموا الحدّ فيه، بمقتضى شرعهم.(3)
ويؤيّده، ما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه، إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم».(4) ورجال السند ثقات حتى أنّ أبا بصير وإن كان مشتركاً بين

1 . جواهر الكلام:21/318ـ 319.
2 . المائدة:49.
3 . شرائع الإسلام:1/334، في لواحق أهل الذمّة.
4 . الوسائل:18، الباب27 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث1.

صفحه 236
كثيرين، ولكنّه مردّد بين الأسدي والمرادي دون غيرهما، وكلاهما ثقة. نعم سويد بن سعيد القلاّ الواقع في السند لم يوثّق.

لو رجعا إلى حكّامهم ثم إلى الحاكم الإسلامي

ولو رجعا إلى حكّامهم ثم رجعا إلى الحاكم الإسلامي، فإن كان حقّاً أمضاه، وإلاّ فله أن يبطله، قال في «الجواهر»: بل الظاهر أنّه يجوز له أيضاً نقض حكمهم الباطل إذا استعداه أحد الخصمين منهما للعمومات; ولخبر هارون عن أبي عبد الله(عليه السلام) قلت: رجلان من أهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينهما خصومة فقضى بينهما حاكم من حكامهما بجور فأبى الذي قضى عليه أن يقبل وسأل أن يرد إلى حكم المسلمين، قال: «يرد إلى حكم المسلمين».(1)
ورجال السند ثقات إلاّ يزيد بن إسحاق فإنّه لم يرد فيه توثيق في الأُصول الرجالية; لكن قال المجلسي: فيه مدح عظيم، وحكم العلاّمة بصحّة حديثه، ووثّقه الشهيد الثاني وله 59 رواية في الكتب الأربعة.(2)
وقد عرفت أنّ الآية ليست بصدد الإلزام بل بصدد بيان أنّه لو اختار الحكم، يحكم على وفق الشريعة الإسلامية الحقّة.
والذي يمكن أن يقال: إنّ التخيير فيما إذا كانا ذميّين، وأمّا لو كان أحد المتحاكمين ذمّياً والآخر مسلماً فالظاهر الحكم، لأنّ الذمّي الخاضع لأحكام الذمّة محترم دمه وماله وعرضه، فعقد الذمّة يجعله في هذا المجال كالمسلم، فترك

1 . الوسائل:18، الباب 27 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث2.
2 . لاحظ: الموسوعة الرجالية الميسّرة:504، برقم 6600.

صفحه 237
الحكم على خلاف عقد الذمّة، فالأرجح بل اللازم القضاء، لأنّهما بمنزلة تحاكم المسلمين حقيقة أو حكماً إلى المحكمة الإسلامية.

صفحه 238

المسألة الثانية والعشرون

ضمان الطبيب أو المسؤولية الطبيّة

إنّ الله سبحانه كرّم الإنسان وفضلّه على كثير ممّن خلق، قال عزّ وجلّ:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(1)، وأيّ تكريم أرفع من تنزيل قتل نفس واحدة منزلة قتل الناس جميعاً، وإحياء نفس واحدة مثل إحياء الناس جميعاً.
قال سبحانه:(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).(2)
والآية تدلّ على تكريم الإنسان واحترامه إلى حدٍّ لا يجوز التعدّي عليه إلاّ في صورتين: قَتَل نفساً، أو صار مبدأً للفساد، وفي غير هاتين الصورتين يُعاقب المعتدي بأشدّ العقاب دنيوياً وأُخروياً، فما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن تطبّب ولم يُعلم منه طبٌّ، فهو ضامن» فلعل المراد بالضمان أعمّ من الضمان المالي

1 . الإسراء:70.
2 . المائدة:32.

صفحه 239
والعقوبة الأُخروية لو مات بلا توبة أو بلا ترضية المجنيّ عليه.

لكلّ داء دواء

إنّ عالم المادة عالم التّضاد والتشاح وهو ملاك بقائه، وقد اشتهر قول الفلاسفة:
«لولا التضاد ما صحّ دوام الفيض عن المبدأ الجواد»، هذا من جانب، ومن جانب آخر: إنّ الإنسان يعيش في تلك البيئة المليئة بالتضاد ربّما يصيبه داء يؤذيه، ولكنّه سبحانه تكريماً له تداركه بالدواء، وقد روي: «ما أنزل الله داء إلاّ وأنزل له دواء عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَه».(1)

مسؤولية الفقيه والطبيب أمام الأدواء

النظرة الفاحصة إلى الإنسان تُرشدنا إلى تركّب الإنسان من روح وجسم، ولكلّ داء، دواء يُداوى به، فالأمراض الروحية يداويها العلماء الأُمناء من أنبياء الله سبحانه وأوليائه وأوصيائهم، فما زالوا يكافحون ما ينتشر في المجتمع الإنساني من أدواء روحية كعبادة الأصنام، وممارسة الربا، والتعدّي على الأعراض والنفوس ونهب الأموال.
وأمّا الأمراض الجسمانية فيمارس مداواتها الأطباء الثقات الذين ينظرون إلى المرضى بعين العطف والحنان الأخوي، فقوله سبحانه:(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ)يشمل عند التأمّل إحياء الأرواح والأبدان، فإذا كان سقي العطشان في صحراء جرداء إحياء له، فمداواة المرضى الذين يتألّمون ليل نهار، أولى أن يكون

1 . المستدرك:16/440، بحارالأنوار:59/77; مسند أحمد:1/413.

صفحه 240
إحياء لهم.
وهذا أيضاً من مظاهر تكريم الإنسان حيث لم يُترك سُدى، جانباً من جوانب حياته الروحية والجسمية إلاّ وقد عالجها بأحسن علاج.
لو وقف الجاهل أمام العالم الروحي وطلب الإرشاد فليس للعالم تركه وعدم الاعتداد بسؤاله، قال الإمام علي(عليه السلام):«مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا»(1)، وهكذا الحال في المريض إذا عرض نفسه على الطبيب للعلاج فليس له الإعراض إذا كان المورد داخلاً في نطاق اختصاصه، سواء أكان للمريض مقدرة مالية أم لا.
كلّ ما ذكرنا أفضل دليل على اهتمام الشريعة الإسلامية بحياة الإنسان، بكلا الجانبين الروحي والجسمي.

علاقة المريض مع الطبيب

الظاهر من بعض الباحثين أنّ العلاقة بين المريض والطبيب علاقة الموجر والمستأجر، وكأنّ المريض يستأجر الطبيب لأمر من الأُمور، إمّا لكتابة الوصفة، أو علاج المرض، أو برؤه منه.
وربّما يقال: إنّ العلاقة بينهما علاقة الموكل مع الوكيل، ومورد الوكالة أحد الأُمور الثلاثة المذكورة، غير أنّ النظر الدقيق أنّ العلاقة بينهما فوق هذين العنوانين (أعني الإجارة والوكالة) بل هي علاقة قلبية روحية تؤثر في انشاء تعاقد بينهما لواحد من هذه الأُمور، فلو قلنا: إنّ التعاقد بينهما عقد مستقل لا صلة له بالعنوانين

1 . نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 478.

صفحه 241
المذكورين، ربّما يكون أقرب إلى الواقع، والذي يؤيد ما ذكرنا المواد الموجودة في أخلاقيات مهنة الطب التي يقسم الطبيب بالله على تنفيذها.
ومن مظاهر تكريم الإنسان أنّه سبحانه جعل الحيوانات وخواص النباتات دواء لأمراضه، ولذلك نرى أنّ لعلم الطب سابقة تاريخية كتاريخ الإنسان، ولذلك كان علم الطب في تقدّم مستمر عبر القرون، فصار الإنسان في حياتنا الحاضرة قادراً على طبابة الأمراض التي كانت توصف بالصعبة في الأدوار السابقة.

مَن يمارس الطبابة؟

يمارس مهنة الطبابة كلّ طبيب حاذق متقن في نطاق إختصاصه قد صرف ليله ونهاره في تعلّمه وحلّ عقده ومشاكله، حتى فاقت تجاربه على ما تعلمه، وأمّا كلّ متطفل في هذه المهنة فيمنع عن مزاولتها، إذ في عمله دفع الفاسد بالأفسد، وقد كان نظام الحسبة يتدخل في أعمال الأطباء والصيادلة والكحّالين والحجّامين والفصّادين.
وقد حذّرت الشريعة الإسلامية وأنذرت الأطباء من العمل فيما لا علم لهم به، وإليك ما وقفنا عليه من الروايات:
1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن تطبب ولم يُعلم منه طب، فهو ضامن».(1)
2. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«أيّما طبيب تطبّب على قوم فأعنت، فهو ضامن».(2)
وأمّا ما روي من طرقنا:

1 . سنن أبي داود: 4/195، كتاب الدّيات، باب من تطبب بغير علم.
2 . سنن أبي داود:4/195، كتاب الديات، باب من تطبب بغير علم.

صفحه 242
3. روى الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«مَن تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، وإلاّ فهو له ضامن».(1)
4. ما رواه الشيخ بسنده عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام):«إنّ عليّاً(عليه السلام)ضمّن ختّاناً قطع حشفة غلام».(2)

أخطاء الطبيب

قسّم الفقهاء القتل إلى أقسام ثلاثة :
1. القتل العمدي، وعرّفه المحقّق بقوله: ويطلق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل بما يقتل غالباً.(3)
وظاهر التعريف اختصاص العمد بما إذا قصد القتل، فخرج ما إذا قصد الضرب وإن اتّفق القتل وكانت الآلة ممّا يقتل بها.
ولكن الظاهر أنّه لا يختصّ بما إذا قصد القتل، بل يكفي بما لو قصد الفعل وكانت الآلة قاتلة، كما لو رفع قضيباً حديدياً وهوى به على رأس شخص لغاية ضربه دون قتله، فهو يعدّ قتلاً عمدياً.
فلو قال المحقّق بدل قوله:«إلى القتل» قال:«إلى الضرب» لفُهم القسمان من تعريفه.أمّا إذا قصد الضرب فبمنطوقه، وأمّا إذا قصد القتل فبالأولوية.
2. القتل شبه العمد، إذا قصد الضرب دون القتل، ولم تكن الآلة قاتلة، لكن

1 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب 24 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.
3 . شرائع الإسلام:4/195، طبعة دار البيضاء.

صفحه 243
ترتّب عليه القتل، كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف، فقتله.
3. القتل الخطأ المحض، وهو عبارة عمّا إذا قصد شيئاً فأصاب غيره; ففي صحيح أبي العباس، قلت: أرمي الشاة فأصيب رجلاً؟ قال:«هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه».(1)
ففي الأوّل القصاص، وفي الثاني والثالث الدية.
هذا ما ذكره الفقهاء في القتل ويجري نحوه في عمل الطبيب حرفاً بحرف.
إذا عرفت الأقسام الثلاثة فلنذكر لكلّ واحد منها مثالاً:
1. إذا قال المريض الذي لا يتحمّل مرضه: اقتلني، فقتله لكي يُريحه من عذاب مرضه، فلو كان متوعّداً بالقتل، بحيث لو لم يقتله لقتله، فيُعدّ قتله عندئذ دفاعاً عن النفس، وأمّا إذا كان متوعّداً بما دون القتل، فلو قتله، يكون قتلاً عمدياً عليه القصاص.
2. وأمّا شبه العمد فيمكن أن يمثّل له بما إذا كان المرض شديداً لا يقوم لمعالجته إلاّ فريق من الأطباء، ذوي الاختصاصات المختلفة، فلو قام بمعالجته بنفسه وانتهى إلى موت المريض، فهو أشبه بالقتل شبه العمد.
قال الشيخ الطوسي:«أو يعالج الطبيب غيره بما قد جرت العادة بحصول النفع عنده أو يفصده فيؤدي ذلك إلى الموت، فإنّ جميع ذلك يحكم فيه بالخطأ شبيه العمد».(2)

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.
2 . النهاية:734، والمهذّب للقاضي:2/499.

صفحه 244
3. وأمّا الخطأ المحض فيأتي بعض الأمثلة في كلام بعضهم.
وحصيلة الكلام: إنّ الطبيب رغم حصوله على إذن الشارع وإذن المريض، إذا تجاوز معايير المهنة عند أهل الاختصاص يُعاقب كما أنّه يُعاقب على الإهمال أو عدم بذل العناية الكافية حسب ما تُقرّره أُصول المهنة.(1)
ثمّ إنّ بعض الباحثين ذكر للخطأ أمثلة نأتي بها تالياً، رغم أنّ كثيراً منها أو جميعها لا يعدّ خطأً محضاً، بل يوصف بشبه العمد أو العمد. ثم إنّ نسبة القتل إلى الطبيب من باب التسبيب لا المباشرة، لأنّه لا يباشر بالقتل كما هو واضح وإنّما يسبّب سبباً أو أسباباً تلازم القتل.
* أن يجري الطبيب جراحة وهو في حالة سكر.
* أن يجري جراحة وهو مصاب بعجز في يده.
* أن يترك بعض الأدوات في جسم المريض، كأن ينسى في جوف المريض ضماداً(2)، أو مشرطاً(3)، أو ما شابه.
* أن يمتنع طبيب مستشفى حكومي عن مباشرة مريض دون مبرر.
* أن يأمر الطبيب بإخراج المريض من المستشفى رغم أنّ حالته تستوجب العلاج بالمستشفى، أو قبل أن يستوفي المدة المطلوبة لعلاجه، دون سبب مشروع.

1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة 15، العدد 15، ج4، ص 427، بحث الدكتور محمد علي البار.
2 . الضماد ما يلّف به الجرح.
3 . المشرط: الموسى.

صفحه 245
* أن يترك حافظة ماء ساخن بالقرب من قدمي مريض فاقد للوعي تحت تأثير المخدر، فتحدث له حروقاً.
* أن يجري العملية الجراحية على الفخذ الأيمن بدلاً من الأيسر المصاب.
* ألا يثبّت المريض كما ينبغي على منضدة العمليات أو الفحص، فيسقط المريض ويصاب بضرر.
* ألا يحضر الطبيب رغم استدعائه من قبل إدارة المستشفى بصدد حالة صعبة، أو يهمل في تخدير المريض قبل العملية.
* إخلال الطبيب بواجبه في إنقاذ مريض، أو عدم تبصيره بمرضه، أو عدم الحصول على موافقته، أو انتهاك السرّ المهني دون إذن من المريض.
* تحرير وصفة الدواء (الوصفة) بطريقة غير مقروءة، ممّا أدى إلى وقوع الصيدلي في خطأ تسبب بوقوع حادثة للمريض. وينبغي على الصيدلي في تلك الحالة الاتصال بالطبيب وإلاّ اشترك في المسؤولية.(1)
أقول: ومن أقسام الخطأ رفض الطبيب معالجة المريض في الحالة الضرورية حيث يعتبر اسعاف المريض أمراً واجباً; بل من حقّ المريض أن يجبر الطبيب على إسعافه بالدواء، والعلاج، إذا كان في مقدور الطبيب أن يسعفه وكان المريض مضطرّاً إلى ذلك، ولا شكّ أنّ رفض الطبيب للعلاج وامتناعه عن أداء المهمة يُعدّ أمراً منافياً للفطرة. بل يمكن وصفه بشبه العمد، فلاحظ.

أقسام الطبيب


1 . لاحظ: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة 15، العدد 15، الجزء 4، الصفحة 480.

صفحه 246
ثمّ إنّه ربّما يتبادر إلى الذهن من قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن تطبّب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن» الأطباء المعروفون بكتابة الوصفة والتحاليل وملاحظاتها وكتابة الدواء على ضوئها، وإنّ أخذ الصور الشعاعية، غير داخل في كلامه، إلاّ أنّ الحقّ أنّ كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) له نطاق وسيع يُعلم بالبيان التالي:
إنّ هذا الحديث يشمل كلّ مَن تطبّب بفروع الطب المختلفة فيشمل 1. مَن مارس الطب بوصفه أو قوله، 2. أو بمِرْوَدِه وهو الكحّال أي طبيب العيون،3. وبمراهمه وبمبضعه وهو الجرّاح، 4. وبموساه وهو الخاتن، 5. وبريشه وهو الفاصد،6. وبمحاجمه وهو الحجّام، 7. وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبّر(أي طبيب العظام) 8. وبمكواه وناره وهو الكوّاء الذي يعالج بالكيّ، 9. وبقربته(1) وهو الحاقن الذي يحقن المثانة (وهو اليوم أخصائي المسالك البولية)، فاسم الطبيب يشمل الكلّ كما يشمل طبيب الاسنان، والطبيب البيطري، كلّ ذلك داخل تحت العمومات.(2)
***

أحكام الكبريات

إلى هنا كان الكلام حول بيان الصغريات من تمييز التخلّف العمدي عن شُبه العمد وتمييزهما عن الخطأ، بقي الكلام في أحكام ما ذُكر من الصغريات، وقد ذكر السيد الإمام(قدس سره)صوراً للمسألة، نذكر عنوانها ثم نذكر أحكامها:

1 . القربة هي المحقنة وهي آلة الحقن.
2 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة 15، العدد 15، ج4، ص 426، بحث محمد علي البار.

صفحه 247
1. إذا أتلف الطبيب بعلاجه وكان قاصراً في العلم أو العمل، وإن أذن له المريض.
2. إذا عالج الطبيب قاصراً كالطفل والمجنون بدون إذن وليّه، أو بالغاً بلا إذنه، وإن كان متقناً في العلم والعمل.
3. لو كان حاذقاً في العلم والعمل وعالج المريض بإذنه.
4. لو وصف الطبيب دواءً وقال: إنّه مفيد للمرض الفلاني، أو قال: إنّ دواءك كذا من غير أمر بشربه.
5. لو راجع المريض مطب الطبيب وأجرى له الفحص على النحو المتعارف وكتب له الوصفة مشيراً عليه بالعمل بها.(1)
الفرع الأوّل: قال المحقّق: الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصراً.(2)
وقال العلاّمة: الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصراً.(3)
وقال صاحب مفتاح الكرامة: وكذا يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصر المعرفة إجماعاً كما في التنقيح.(4)
ويقرّر وجه الضمان بوجهين:
1. أنّ الميزان في الضمان هو الإتلاف من غير إذن، والمريض أذن بالتطبّب

1 . لاحظ: تحرير الوسيلة، كتاب الديات، المسألة 4.
2 . شرائع الإسلام:4/248.
3 . تحرير الأحكام:5/527.
4 . مفتاح الكرامة:21/9.

صفحه 248
لا في الإتلاف.
2. إنّه إذن بالتطبّب بزعم أنّه صالح له علماً وعملاً ولم يكن كذلك حتى عند الطبيب نفسه فيكون مضموناً قطعاً. لأنّ الإذن كان مقيّداً بكونه طبيباً والمفروض عدمه فلا يشمله الإذن في الطبابة واقعاً، مع علم المأذون بأنّه ليس طبيباً، نظير ذلك ما إذا قدّم إنسان طعاماً لرجل بزعم أنّه صديقه، مع علم المقدّم إليه بأنّه ليس كذلك فأكله، فيكون ضامناً، وليس له أن يحتجّ بظاهر الإذن، لأنّه مقيّد لباً بكونه صديقاً له، والمفروض عدمه.
***
الفرع الثاني: إذا عالج قاصراً بدون إذن وليه أو بالغاً بلا إذنه، يضمن وإن كان عالماً متقناً في العمل، فآل إلى التلف.
قال المحقّق:(يضمن) إذا عالج طفلاً أو مجنوناً لا بإذن الولي، أو بالغاً لم يأذن.(1)
وقال العلاّمة: الطبيب يضمن إذا عالج طفلاً أو مجنوناً بغير إذن الولي أو بالغاً عاقلاً لم يأذن.(2) ويكفي في الحكم بالضمان صدق الإتلاف بغير إذن منه، كما لو أتلف مال الغير بلا إذن فيضمن إجماعاً.
***
الفرع الثالث: لو أتلف الطبيب الحاذق في العلم والعمل وعالج المريض

1 . شرائع الإسلام:4/248.
2 . تحرير الأحكام:5/527.

صفحه 249
بإذنه، فقد نقل في المتن وجهين: الضمان وعدمه، واستقوى الأوّل في مال نفس الطبيب.
قال المحقّق: ولو كان الطبيب عارفاً وأذن له المريض في العلاج فآل إلى التلف، ففيه قولان:
1. لا يضمن، لأنّ الضمان يسقط بالإذن، لأنّه فعل سائغ شرعاً.
2. أنّه يضمن لمباشرته الإتلاف وهو أشبه.
فإن قلنا: لا يضمن فلابحث، وإن قيل: يضمن، فهو يضمن في ماله.(1)
وقال العلاّمة في «القواعد»: وإن كان حاذقاً وأذن له المريض، فآل علاجه إلى التلف فالأقرب الضمان في ماله.(2) أمّا الضمان فهو قول الشيخ المفيد، والطوسي في النهاية، وابن البراج في الكامل، وسلاّر وأبي الصلاح وابن زهرة والطبرسي والكيدري ونجم الدين ونجيب الدين ابني سعيد، وجعلوه شبيه عمد.(3)
والظاهر الضمان ; لأنّ الإذن بالطبابة غير الإذن بالإتلاف، والمفروض انحصار الإذن في السلامة لا في ضدها.
نعم ذهب ابن إدريس إلى القول بأنّه لا يضمن لوجوه ثلاثة: للأصل أوّلاً، وسقوطه بإذنه ثانياً، ولأنّه فعل سائغ شرعاً فلا يستعقب ضماناً ثالثاً.
وهذا هو الظاهر من ابن القيّم، قال: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقّها ولم

1 . شرائع الإسلام :4/248ـ249. أي لا تضمنه العاقلة.
2 . قواعد الأحكام: 3 / 651 .
3 . مفتاح الكرامة:21/10.

صفحه 250
تجن يده فتولّد من فعله المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبّه، تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتّفاقاً فإنّها سراية مأذون فيه ـ إلى أن قال: ـ وقاعدة الباب أنّ سراية الجناية مضمونة بالاتّفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق.(1)
يلاحظ على الجميع: أنّ الأصل ـ أي أصالة البراءة ـ مقطوع بالدليل لقاعدة الضمان على المتلف.
والإذن في العلاج ـ كما مرّ ـ ليس إذناً في الإتلاف.
والجواز الشرعي لا ينافي الضمان، كما في الضرب للتأديب، والمال المأكول في المخمصة، غاية الأمر بما أنّه لم يكن عامداً لا يقتص منه.(2)
أضف إلى ذلك: رواية السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) مَن تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، وإلاّ فهو له ضامن».(3)
وجه الدلالة: أنّه لو لم يكن ضامناً لما أُمر بأخذ البراءة، مضافاً إلى التصريح بالضمان في قوله: «فهو ضامن».

الاستدلال على عدم الضمان بوجوه أُخرى

وبما ذكرنا من أنّ الإذن للطبابة لا يلازم الإذن في الإتلاف يظهر ضعف الاستدلال بعدم الضمان بوجه رابع وهو قاعدة الإقدام، فيقال: إنّ المريض بإذنه

1 . زاد المعاد في هدى خير العباد، المجلد الثاني: 3/127ـ 128.
2 . جواهر الكلام:43/46.
3 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 251
للطبيب للمعالجة قد اقدم على إسقاط حرمة نفسه، فلا ضمان.
وجه الضعف: أنّ الإذن في العلاج لا يلازم الإقدام على إسقاط حرمة نفسه، إلاّ أن تكون في المقام قرينة على ذلك.
وربّما يستدلّ بوجه خامس وهو لزوم الحرج أمّا على المريض لامتناع الأطباء من المعالجة عندئذ، أو على الطبيب، إذا أقدم على المعالجة.
يلاحظ عليه: أنّ الحرج يرتفع بأخذ البراءة كما في الحديث .
ربّما يستدل بوجه سادس أي الروايات الدالّة على عدم الضمان في هذه الصورة:
1. روى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن يحيى]الخزّاز[، عن أخيه العلاء، عن إسماعيل بن الحسن المتطبِّب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي رجلٌ من العرب ولي بالطِّبِّ بَصَرٌ وطِبّي طبٌّ عربيّ ولستُ آخذ عليه صَفَداً؟(1) قال: «لا بأس»، قلت: إنّا نبُطُّ(2) الجُرج ونَكوي بالنّار؟ قال: «لا بأس»، قلت: نسقي هذه السُّموم الاسمحيقون(3)والغاريقون؟ قال: «لا بأس»، قلت: إنّه ربّما مات؟ قال: «وإن مات»، قلت: نسقي

1 . عطاء.
2 . البط: شق الجرح.
3 . قال العلاّمة المجلسي: قوله:«الاسمحيقون»، أقول: لم نجده في كتب الطبّ واللغة، والذي وجدته في كتب الطب هو «اسطمحيقون» وهو حبّ مسهل للسوداء والبلغم، ولعلّ ما في النسخ تصحيف هذا.(مرآة العقول:26/93) و في «مجمع البحرين»: الاسمحيقون نوع من الأدوية يتداوى به، ومنه الحديث: «نسقي هذه السموم الاسمحيقون والغاريقون»(مجمع البحرين:5/184).

صفحه 252
عليه النَّبيذ؟ قال: «ليس في حرام شفاءٌ». الحديث.(1)
يلاحظ عليه بالوجهين:
الأوّل: أنّ الرواية ضعيفة السند فإنّ إسماعيل بن الحسن المتطبّب مجهول الحال.
الثاني: الخبر يدلّ على جواز المعالجة، ورواية السكوني تدلّ على الضمان لو لم يأخذ البراءة من الولي، ولا تعارض بينهما كما لا يخفى.
وبعبارة أُخرى: الرواية بصدد بيان الحكم التكليفي، لا الوضعي، أعني: الضمان، وهذا أيضاً الظاهر من الرواية الثانية.
2. روى الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الرّجل يشرب الدّواء أو يقطع العِرق وربّما انتفَعَ به وربّما قتله؟ قال: يقطع ويشرب.(2) والرواية تدل على جواز التداوي بالأدوية والأعمال الخطيرة.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع، معالجة الشخص نفسه ولكن انجرّ إلى قتله، وهو أولى من كلّ وليّ على نفسه، كما لا يخفى. وعلى كلّ تقدير فمورد الرواية خارج عن موضوع البحث، أعني: جناية الغير على المجنيّ عليه.
3. وروى عن محمّد بن يحيى، عن علي بن إبراهيم الجعفريّ، عن حمدان بن إسحاق قال: كان لي ابنٌ وكان تصيبُه الحَصاة، فقيل لي: ليس لَه علاج إلاّ أن

1 . الكافي:8/193.
2 . الكافي:8/194.

صفحه 253
تبطّه، فبطَطْته فمات، فقالت الشِّيعة: شَركتَ في دم ابنك، قال: فكتبتُ إلى أبي الحسن العسكري(عليه السلام) فوقّع(عليه السلام): «يا أحمد ليس عليك فيما فعلتَ شيء إنّما التَمَستَ الدّواء وكان أجلُهُ فيما فعلتَ».(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: بضعف السند فإنّ حمدان بن إسحاق مجهول الحال.
وثانياً: أنّ المقدّم على المعالجة هنا الولي فمع عدم التقصير ـ كما هو المفروض ـ لا يكون عليه ضمان، على أنّ هذه الروايات غير الأخيرة إنّما هي في مقام بيان الحكم التكليفي دون الوضعي.

الاستدلال بوجه سابع: كون الطبيب محسناً

إنّ قاعدة الإحسان حاكمة على قاعدة الإتلاف، وبما أنّ الطبيب محسن في حقّ المريض فيرتفع الضمان عن فعله.
يلاحظ عليه: أنّ الإحسان إنّما يصدق إذا قام الطبيب بالعمل بالمجّان، لا في مقابل الأُجرة كما هو مورد النزاع. فانحصر سبب رفع الضمان بأخذ البراءة إمّا من المريض أو من وليّه.
***
الفرع الرابع: لو لم يباشر العلاج بنفسه وإنّما وصف دواءً بأنّه مفيد للمرض الفلاني أو دواءه كذا، دون أن يطّلع أنّ المخاطب مبتلى بالمرض الفلاني ولكن كان المخاطب مبتلى به فاستعمله وأدّى إلى تلفه، فلا يضمن لعدم صحّة نسبة التلف إلى الطبيب، إذ لم يأمر به نظير من قرأ الكتب الطبيّة وعالج مرضه بما وجد

1 . الكافي:6/53.

صفحه 254
فيها فأدّى إلى تلفه، فلا يعدّ المؤلّف ضامناً.
***
الفرع الخامس: لو راجع المريض عيادة الطبيب وكتب له الوصفة مشيراً إلى كيفية العمل بها، فالظاهر هو الضمان لاستناد التلف إليه عرفاً. وكون المريض مختاراً في العمل بها لا يضرّ بعد صحّة استناد الإتلاف إلى الطبيب، بل هذه الصورة، هي المورد المتيقّن من رواية السكوني فلاحظ.
ثمّ إنّ ضمان الطبيب فيما حُكم بالضمان فيه، لأجل أحد أمرين:

1. الإتلاف

من القواعد المتّفق عليها قولهم: «مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن» فإذا كان إتلاف المال موجباً للضمان، فإتلاف النفس أو العضو أولى بالضمان وقد روي: «حرمة ماله كحرمة دمه» ومن المعلوم أنّ الحكم في المشبه به (الدم) أقوى من المشبه (المال).

2. التسبيب

إنّ التسبيب أحد أسباب الضمان عند العقلاء وأقرّه الشرع.
روى السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أخرج ميزاباً أو كنيفاً، أو أوتد وتداً، أو أوثق دابة، أو حفر شيئاً في طريق المسلمين، فأصاب شيئاً، فعطب، فهو له ضامن».(1)

1 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 255
***
بقي هنا أمر وهو أنّه روى عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، انّه قال:«مَن تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، وإلاّ فهو له ضامن».
ربّما يقال: كما أنّه لا يصحّ ضمان ما لم يجب، لا تصح البراءة ممّا لم يجب، فكيف يأمر الإمام بالبراءة ممّا لم يجب شيء على الطبيب حين الأخذ؟
والجواب: أنّ القاعدتين على غرار واحد، وهو أنّ وجود المقتضي للضمان أو البراءة منه كاف في كلا الموردين، وبما أنّ إقدام الطبيب على العلاج ربّما يلازم الضرر على العضو أو النفس، فهذا الاحتمال يكفي في جواز أخذ الطبيب البراءة.

صفحه 256

المسألة الثالثة والعشرون

ضمان الجاني أُجرة الطبيب ونفقات العلاج

لا شكّ أنّ الجاني يضمن الدية في كلّ مورد له مقدّر شرعاً، إمّا كلّها كما في مورد النفس، أو بعضها كما في مورد العضو، كما يضمن الأرش فيما ليس فيه مقدّر شرعاً.
إنّما الكلام في ضمان ماوراء ذينك الأمرين، كأُجرة الطبيب ونفقات العلاج، عندما جنى على العضو جناية غير منتهية إلى الموت، فإنّ المجنيّ عليه يتحمّل خسارة بُرء الجرح، فهل يضمنه الجاني أو لا؟
والمسألة غير معنونة في كلمات الأصحاب، فهم اقتصروا في بيان ما يضمن الجاني على دفع الدية والأرش وسكتوا عن غيرهما.
ثمّ إنّ الكلام فيما إذا كانت أُجرة الطبيب أو نفقات العلاج أكثر من الدية والأرش، وأمّا لو كانا مساويين لأحد الأمرين أو كانا أقل فلا يجب على الجاني شيء وراء الدية، لقصور الدليل عن شمول مثل المورد.
ثمّ إنّ الكلام يقع في مقامين:
الأوّل: ما يمكن أن يستدلّ به على الضمان من القواعد، والروايات

صفحه 257
الخاصّة، فهل يستفاد منها ضمان الجاني لأجرة الطبيب والنفقات أو لا؟
الثاني: هل الروايات الواردة في بيان مقدار الدية والأرش ظاهرة في أنّها تمام ما يجب على الجاني ولا يجب عليه شيء وراءهما؟
والبحث في المقام الأوّل عن وجود المقتضي للضمان، كما أنّ البحث في المقام الثاني عن وجود المانع عن اقتضاء الضمان.
إذا تبيّن ذلك فلنبدأ بدراسة المقام الأوّل.

المقام الأوّل: بيان مقتضى القواعد العامّة والروايات الخاصّة في الضمان

وقبل توضيح ما هو مقتضى القواعد نذكر ما وقفنا عليه من الكلمات في المسألة:
الأوّل: لم نقف في كتب الأصحاب على عنوان للمسألة ولا شيء يرجع إليها، نعم ذكر السرخسي من فقهاء الأحناف المسألة ـ في مبسوطه ـ قال:
1. لو قلع سن فنبتت صفراء أو نبتت كما كانت فلا شيء عليه في ظاهر الرواية، لأنّ وجوب الأرش باعتبار فساد المنبت، وحين نبتت كما كانت، عرفنا أنّه ما فَسَد المنبت، ثمّ إنّ وجوب الأرش باعتبار بقاء الأثر، ولم يبق أثر حتى نبتت كما كانت.
2. وقد روي عن محمد(1): في الجراحات التي تندمل على وجه لا يبقى أثر، تجب الحكومة بقدر ما لحقه من الألم.

1 . أراد محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، ولد عام 131هـ ، وتوفّي عام 189هـ .

صفحه 258
3. وعن أبي يوسف القاضي(1): يرجع إلى الجاني بقدر ما احتاج إليه من ثمن الدواء وأُجرة الطبيب حتى اندملت.
4. وأبو حنيفة قال: لا يجب شيء لأنّه لا قيمة لمجرّد الألم، ألاترى أنّ من ضرب ضربة تألم فيها، ولم يؤثر فيه شيئاً«لا يجب شيء» أرأيت لو شتمه شتيمة أكان عليه أرش باعتبار إيلام ما حلّ فيه.(2)
ونقل عن فقه الإباضية: ولا يلزم أجر الدواء عندنا وعند ابن القاسم من أصحاب مالك، وقال الفقهاء السبعة من قومنا: يلزم ذلك.(3)

بيان مقتضى القواعد العامّة والروايات الخاصة

إذا عرفت ذلك، فلندخل في صلب الموضوع وهو بيان ما يمكن أن يستدلّ به على الضمان من القواعد العامّة و الروايات الخاصّة، وهي عبارة عن الأُمور التالية:
1. قاعدة الإتلاف، التي يعبّر عنها بقولهم:«مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن».
2. قاعدة التفويت، وهي قاعدة عقلائية غير قاعدة الإتلاف، وتظهر الثمرة فيما لو حبس العبد الكسوب، بل الحر الكسوب، فعلى الحابس أُجرة عمله وكسبه.

1 . هو التلميذ الآخر لأبي حنيفة، ولد 113، وتوفّي 182هـ ، مؤلف كتاب الخراج المطبوع.
2 . المبسوط:28/81.
3 . شرح النيل وشفاء العليل:15/18. تأليف محمد بن يوسف افطيش.

صفحه 259
3. السيرة العقلائية على ضمان الجاني تمام الخسائر التي يصرفها المجني عليه لبرئه التي منها أُجرة الطبيب والعلاج.
4. قاعدة التسبيب فإنّ الجاني هو السبب لصرف المجني عليه مبالغ لعلاجه وبُرئه، وإليك دراسة هذه القواعد، واحدة بعد الأُخرى.
5. الرواية الواردة في ضمان أُجرة الطبيب فيما دون السمحاق.
6. الروايات الواردة في ترميم موضع القطع في السرقة.
7. قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
أمّا الأوّل ـ أي قاعدة الإتلاف ـ فهي تختص بالمال، بشهادة قوله:«مَن أتلف مال الغير» والجاني لم يتلف مال الغير، بل أتلف عضوه، وقد ضمن ما أتلف إمّا بالدية أو بالأرش، وأمّا ماوراء ذلك ـ أي الجمع بين الدية والأرش وأُجرة الطبيب ونفقات العلاج ـ فهو يحتاج إلى دليل.
وبعبارة أُخرى: لو قلنا بشمول القاعدة بمورد العضو لأجل الأولوية فالمتيقن ما قرره الشارع من الدّية والأرش، وأمّا ما وراء ذلك، فلا يدل عليه.
وأمّا الثاني ـ أي قاعدة التفويت ـ فموضعها هو حبس العبد الكسوب أو الحر عن العمل، ولا صلة للقاعدة بالمورد، بشهادة أنّ السيد الطباطبائي يستشهد بالقاعدة على مثل ما ذكرنا.
قال السيد الطباطبائي: إذا استأجره لقلع ضرسه ومضت المدّة التي يمكن إيقاع ذلك فيها وكان الموجر(1) باذلاً نفسه، استقرّت الأُجرة، سواء كان الموجر

1 . إمّا بالفتح أو هو مصحف «الأجير»، وأُريد به الطبيب.

صفحه 260
حرّاً أو عبداً بإذن مولاه، واحتمال الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الأوّل; لأنّ منافع الحرّ لا تضمن إلاّ بالاستيفاء، لا وجه له، لأنّ منافعه بعد العقد عليها صارت مالاً للمستحقّ، فإذا بذلها ولم يقبل كان تلفها منه، مع أنّا لا نسلّم أنّ منافعه لا تضمن إلاّ بالاستيفاء، بل تضمن بالتفويت أيضاً إذا صدق ذلك، كما إذا حبسه وكان كسوباً فإنّه يصدق في العرف أنّه فوّت عليه كذا مقداراً.(1)
وعلى كلّ تقدير فهذه القاعدة ـ كقاعدة الإتلاف ـ لا تشمل الموارد المتقدّمة.
وأمّا الثالث ـ أي التمسّك بالسيرة العقلائية ـ حيث إنّهم يحكمون بضمان الجاني تمام الخسائر التي تقع على المجنيّ عليه ومنها أُجرة الطبيب والعلاج.
يلاحظ عليه: بأنّ السيرة العقلائية إنّما يحتج بها إذا اتّصلت بعصر المعصومين(عليهم السلام)حتى يستظهر من سكوتهم إمضاؤهم لها، وأين لنا من إثبات ذلك، على أنّ العقلاء الذين يحكمون بضمان الجاني أُجرة الطبيب والعلاج هم الغربيون الذين ليس عندهم لزوم الدية والأرش في مواضع الجناية، فالتجأوا إلى ضمان أُجرة الطبيب والعلاج، وهذا بخلاف المقام، فالمسلمون يعتقدون بوجوب الدية أو الأرش.
وأمّا الرابع ـ أي قاعدة التسبيب ـ وقد قرّرها بعض الباحثين بالنحو التالي:
إنّ الجاني يضمن ما يصرفه وينفقه المجني عليه على نفسه في سبيل العلاج باعتباره هو السبب في ذلك، والمجنيّ عليه مضطر إلى صرفه

1 . العروة الوثقى:1/531، كتاب الإجارة، فصل2، المسألة3.

صفحه 261
وإنفاقه فيصدق التسبيب للخسارة أو الضرر، والسبب في مثل ذلك أقوى
من المباشر، فيكون ضامناً للمقدار اللازم إنفاقه للاستعلاج لا أكثر
بقاعدة التسبيب.(1)
يلاحظ عليه: أنّ مورد القاعدة ما إذا كان انتساب الفعل إلى السبب أقوى من انتسابه إلى المباشر، كما إذا حفر بئراً في طريق القوافل من دون أن يُعلِمَ لها علامة، فتردّى فيها المارة أو الدابة، فإنّ استناد الفعل إلى السبب أقوى من استناده إلى المباشر، وأمّا المقام فالمجنيّ عليه قام بعلاج الجرح عن اختيار تام. نعم لولا جناية الجاني لم يقم المجني عليه بعلاج الجرح لكن عدم القيام لأجل عدم الموضوع.
وبعبارة أُخرى: إنّ تقديم السبب على المباشر لأجل أحد أمرين:
1. مقهورية إرادة المباشر أمام إرادة السبب، كما إذا أعطى الصبي غير المميز، سكيناً، وقال: اضرب بها فلاناً، ففي هذه الصورة يكون الضمان على السبب.
2. جهل المباشر، كما إذا حفر بئراً في طريق مسلوك فتردى فيها المارّة عن جهل فمات أو جرح، وأمّا المورد فهو خارج عن أحد الأمرين إذ ليست إرادة المجنيّ عليه مقهورة لإرادة الجاني، ولم يكن جاهلاً، وإنّما يُريد إعادة صحّته عن تعقّل واختيار، وإن كان المبدأ لذلك هو فعل الجاني، ولكنّه لا يدخل المورد تحت قاعدة أقوائية السبب على المباشر.

1 . قراءات فقهية معاصرة:324.

صفحه 262

دراسة الروايات الواردة في ضمان السبب

وربّما يستدلّ ببعض الروايات الواردة في ضمان السبب، على الضمان في المقام لكنّها أجنبية عن المقام، فإنّ الضمان في الجميع لأجل أحد الأمرين: مقهورية إرادة المباشر، أو جهله غير الموجودين في المقام.
1. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) في شاهد الزور ما توبته؟ قال:«يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، إن كان النصف أو الثلث، إن كان شهد هذا و آخر معه».(1)
أقول: المباشر هو القاضي الجاهل بكذب الشاهد، فلذلك يكون الضمان على السبب وهو شاهد الزور لا على المباشر، لجهله بالموضوع.
2. ما رواه إبراهيم بن نعيم الأزدي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلمّا قتل رجع أحدهم شهادته؟ قال: فقال: «يقتل الرابع ]الراجع[ ويؤدّي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية».(2)
فالضمان هنا لأجل جهل المباشر وعلم السبب.
3. ما رواه الكليني باسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله(عليه السلام)في شاهدين شهدا على امرأة بأنّ زوجها طلّقها، فتزوّجت، ثمّ جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: «يضربان الحدّ، ويضمنان الصداق للزوج ] الثاني[، ثمّ تعتدُّ، ثمّ

1 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب12 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث2. الحكم بالقتل لاحتمال كون الرجل محصناً.

صفحه 263
ترجع إلى زوجها الأوّل».(1)
والكلام في هذه الرواية كالكلام في السابقة، فإنّ الزوجة كانت جاهلة فليس عليها شيء، والزوج المباشر أيضاً مثلها، والشاهدان عالمان، فلذلك يضربان الحدّ ويضمنان الصداق للزوج.
4. روى الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن أخرج ميزاباً، أو كنيفاً، أو أوتد وتداً، أو أوثق دابة، أو حفر(بئراً) شيئاً في طريق المسلمين فأصاب شيئاً فعطب فهو له ضامن».(2)فقوله:«فعطب» حاك عن أنّ المباشر هلك لأجل جهله بالأُمور التي أعقبت العطب وقام بها السبب العالم.
فهذه الروايات الأربع موردها جهل المباشر وعلم السبب، فأين هذا ممّا نحن فيه؟
5. ما رواه الشيخ عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«أيّما رجل فَزّع رجلاً عن الجدار أو نفّر به عن دابته، فخرّ فمات فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه».(3)
والمباشر وإن لم يكن جاهلاً لكن المورد من مصاديق مقهورية إرادة المباشر حيث إنّه يخرّ عن الجدار أو الدابة بلا اختيار، وأين هذا ممّا نحن فيه؟
6. ما رواه عبد الله بن طلحة قال: قلت له(يعني أبا عبد الله(عليه السلام)): رجل تزوّج

1 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب15 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.

صفحه 264
امرأة فلمّا كان ليلة البناء عمدت المرأة إلى رجل صديق لها فأدخلته الحجلة، فلمّا دخل الرجل يباضع أهله، ثار الصديق فاقتتلا في البيت، فقتل الزوج الصديق، وقامت المرأة فضربت الزوج ضربة فقتلته بالصديق، فقال:«تضمن دية الصديق، وتقتل بالزوج».(1)
أمّا أنّها تُقتل بالزوج فواضح لأنّها قتلته عمداً وفي بيته، وأمّا أنّها تضمن دية الصديق فلأجل أنّها أدخلت الصديق على بيت الزوج على نحو أثارت غيرة الزوج فقتل الصديق. فإرادة الزوج القاتل مقهورة أمام فعل المرأة، التي أدخلت الصديق بيت زوجها.
ومع ذلك قال العلاّمة المجلسي في الحكم الثاني: نزّل ضمانها لدية الصّديق على كونها سبباً لتلفه بغرورها إيّاه، والمحقق(قدس سره) قوّى أنّ دمه هدر، وعلّل بأنّ للزوج قتل من يجده في داره للزنا، سواء همّ بقتل الزوج أم لا، ويشكل بأنّ دخوله أعمّ من قصد الزنا، ولو سلّم منعنا الحكم بجواز قتل من يريده مطلقاً، والشهيد قوّى أنّ دمه هدر مع علمه بالحال، وفيه الإشكال السابق وزيادة، والوجه أنّ الحكم المذكور ـ مع ضعف سند الرواية ـ مخالف للأُصول، فلا يتعدّى الواقعة(انتهى).(2)
7. ما رواه الكليني بسنده عن الحسين بن سيف عن محمد بن سليمان

1 . الوسائل:19، الباب23 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3. قوله: «يباضع» أي يجامع، وفي «مجمع البحرين»:4/300، مادة «بضع». المباضعة: المجامعة. ثم إنّ المجلسي حكم على الحديث بالضعف لأجل الراويين الأخيرين.(لاحظ: مرآة العقول:24/51).
2 . مرآة العقول:24/51.

صفحه 265
ويونس بن عبد الرحمن قالا: سألنا أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن رجل استغاث به قوم لينقذهم من قوم يغيرون عليهم ليستبيحوا أموالهم ويسبوا ذراريهم، فخرج الرجل يعدو بسلاحه في جوف الليل ليغيث القوم الذين استغاثوا به، فمرّ برجل قائم على شفير بئر يستقي منها فدفعه وهو لا يريد ذلك ولا يعلم فسقط في البئر فمات، ومضى الرجل فاستنقذ أموال أُولئك القوم الذين استغاثوا به، فلمّا انصرف إلى أهله، قالوا له: ما صنعت؟ قال: قد انصرف القوم عنهم وأمنوا وسلموا. فقالوا له: أشعرت أنّ فلان بن فلان سقط في البئر فمات؟ فقال: أنا والله طرحته، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إنّي خرجت أعدو بسلاحي في ظلمة الليل وأنا أخاف الفوت على القوم الذين استغاثوا بي، فمررت بفلان وهو قائم يستقي من البئر فزحمته ولم أرد ذلك فسقط في البئر فمات(إلى أن قال الإمام(عليه السلام)): «ديته على القوم الذين استنجدوا الرجل فأنجدهم وأنقذ أموالهم ونساءهم وذراريهم».(1)
وربّما يستدل بهذا على أنّ الضمان على السبب من دون أن يكون المباشر مقهور الإرادة حيث إنّ المنجد هو المباشر غير المقهور والمستنجِد هو السبب، فالإمام(عليه السلام) جعل الضمان على السبب.
يلاحظ عليه: بأنّ الرواية ضعيفة بكلا السندين لوجود محمد بن أسلم في أحد السندين، قال النجاشي: يقال: أنّه كان غالياً فاسد الحديث، والحسين بن سيف في السند الآخر وهو لم يوثّق، فلذلك لا يحتج بهذه الرواية، فإنّ قتل المنجد المستسقي قتل شبه العمد وعليه الضمان. ولعلّ الحكم بأنّ الضمان على المستنجد حكم أخلاقي فإنّه ارتكب هذه الجريمة خطأ في طريق إنجاء

1 . الوسائل:19، الباب28 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 266
المستنجدين، فمن له الغُنم فعليه الغُرم.
هذه الروايات ممّا استشهد بها على المقام وهي لا تمتّ له بصلة، والروايات الواردة في ضمان السبب كثيرة أوردها صاحب الوسائل في أبواب القصاص والديات وأبواب موجبات الضمان، والمجموع لا يخرج عن الإطار الذي ذكرناه من كون المباشر إمّا جاهلاً أو مقهور الإرادة. فلذلك يضمن السبب دون المباشر، وأين هذا ممّا نحن فيه من عدم المقهورية وعدم الجهل؟!
***

5. الرواية الواردة في ضمان أُجرة الطبيب

روى الكليني بسنده عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) أن لا يُحمَل على العاقلة إلاّ الموضحة فصاعداً، وقال: ما دون السمحاق أجر الطبيب سوى الدية».(1)
وفي الرواية جهات من البحث:
الأُولى: ما رواه الكليني، ففي سنده ابن فضّال، وأُريد به محمد بن الحسن بن فضّال، الفطحي. وأمّا ما رواه الشيخ ففي سنده أيضاً محمد بن الحسين، والظاهر أنّه مصحّف محمد بن الحسن، إذ ليس في بيت ابن فضّال من يسمّى بمحمد بن الحسين.
الثانية:أنّ الكليني أو الراوي جمع بين الروايتين:الأُولى قوله: «قضى أمير المؤمنين أنّه لا يُحمل على العاقلة إلاّ الموضحة فصاعداً»، والثانية قوله:«ما دون

1 . الكافي:7/365، برقم 4.

صفحه 267
السمحاق أجر الطبيب سوى الدية». بشهادة أنّ الشيخ روى ما رواه الكليني أوّلاً، ثمّ روى الثانية فقال: عن غياث، عن جعفر عن أبيه عن علي(عليه السلام)، قال:«ما دون السمحاق أجر الطبيب».(1)
فالرواية الأُولى ناظرة لضمان العاقلة، وأنّها لا تضمن إلاّ الموضحة فصاعداً، وأمّا الثانية فالظاهر أنّها ناظرة إلى تكليف الجاني وهو أنّه يجب على الجاني فيما دون السمحاق(الحارصة، الدامية، الباضعة) أُجرة الطبيب، وراء الدية. ولا صلة لها بالعاقلة فإنّها إذا لم تضمن أُجرة الطبيب فيما فوق السمحاق فيجب أن تضمن فيما دونه.
الثالثة: أنّ الرواية على خلاف المقصود أدلّ، فإنّ المتبادر من الرواية اختصاص وجوب أُجرة الطبيب بالثلاثة، ومعنى ذلك عدم وجوبها بما وراء الثلاثة أي السمحاق وما فوقه.
الرابعة: أنّ الظاهر من صاحب الجواهر أنّ الرواية مُعرض عنها، قال: الخبر المزبور، لا أجد عاملاً به.(2)
الخامسة: تفسير الموارد الثلاثة دون السمحاق:
1. الحارصة: وهي التي تقشر الجلد شبه الخدش من غير إدماء، وفيها بعير.
2. الدامية: وهي التي تدخل في اللحم يسيراً ويخرج معها الدم، وفيها بعيران.

1 . الوسائل:12، الباب 5 من أبواب العاقلة، الحديث2.
2 . جواهر الكلام:43/427.

صفحه 268
3. الباضعة: وهي التي تدخل في اللحم كثيراً، وربما يطلق عليها المتلاحمة، وفيها ثلاثة أبعرة.
السادسة: إنّ الرواية في كتاب الوسائل المطبوع في طهران جاء بدل «سوى الدية» جاء «سواء الدية» وهو تصحيف.
***

6. الروايات الواردة في ترميم موضع القطع في السرقة

1. روى الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجلين قد سرقا من مال الله أحدهما عبد لمال الله(1)والآخر من عرض الناس، فقال: أمّا هذا فمن مال الله ليس عليه شيء، مال الله أكل بعضه بعضاً، وأمّا الآخر فقدّمه وقطع يده، ثمّ أمر أن يطعم اللحم والسمن حتّى برئت يده».(2)

1 . هكذا في نسخة الكافي:7/264، كما سيأتي.
2 . الوسائل:18، الباب29 من أبواب حد السرقة، الحديث4.
الذي عندي في تفسير الرواية:
إنّ الصحيح أحدهما عبد لمال الله، كما في الكافي(لاحظ: الكافي:7/264)، خلافاً لنسخ الوسائل حيث جاء فيها«عبد مال الله». ومثله ملاذ الأخيار(لاحظ: ملاذ الأخيار:16/250)، والمراد أنّ أحد السارقين عبد متعلّق ببيت المال، بخلاف الآخر فإنّه من عرض الناس أي عامّة الناس. والعبد إذا سرق من مال المولى لم تُقطع يده، ففي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام):«وليس على العبد إذا سرق من مال مولاه قطع; لأنّه مال الرجل سرق بعضه بعضاً»(روضة المتقين:10/199) ولذلك علّل الإمام (عليه السلام) بقوله:«مال الله أكل بعضه بعضاً» بخلاف السارق الآخر فإنّه كان من عامّة الناس.

صفحه 269
2. روى الكليني بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أُوتي أمير المؤمنين(عليه السلام)بقوم لصوص قد سرقوا فقطع أيديهم من نصف الكفّ وترك الإبهام ولم يقطعها، وأمرهم أن يدخلوا إلى دار الضيافة، وأمر بأيديهم أن تعالج فأطعمهم السمن والعسل واللحم حتى برؤوا، فدعاهم، فقال: يا هؤلاء إنّ أيديكم سبقتكم إلى النار، فإن تبتم وعلم الله منكم صدق النيّة تاب عليكم وجرتكم أيديكم إلى الجنة، «فإن لم تتوبوا ولم تقلعوا» عمّا أنتم عليه جرّتكم أيديكم إلى النار».(1)
3. وروى الكليني أيضاً بسنده عن سعدان بن مسلم، عن بعض أصحابنا، عن الحارث بن حصيرة، قال: مررت بحبشي وهو يستقي بالمدينة، فإذا هو أقطع، قلت له: مَن قطعك؟ قال: قطعني خير الناس، إنّا أُخذنا في سرقة ونحن ثمانية نفر فذهب بنا إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام)فأقررنا بالسرقة، فقال لنا: تعرفون أنّها حرام؟ فقلنا: نعم، فأمر بنا فقطعت أصابعنا من الراحة وخلّيت الإبهام، ثمّ أمر بنا فحُبسنا في بيت يطعمنا فيه السمن والعسل حتى برئت أيدينا، ثمّ أمر بنا فأخرجنا وكسانا فأحسن كسوتنا، ثمّ قال لنا: إن تتوبوا وتصلحوا فهو خير لكم يلحقكم الله بأيديكم في الجنة، وإلاّ تفعلوا يلحقكم الله بأيديكم في النار».(2)
ولا يصحّ الاستدلال بهذه الروايات لوجوه:
1. الاختلاف في الموضوع، فالذي قام بمداواة الجرح في الروايات هو الإمام القاضي بالحق، القاطع أنامل السارق بأمر الله، وفي المقام ـ على فرض

1 . الوسائل:18، الباب30 من أبواب حدّ السرقة، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب 30 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1.

صفحه 270
الوجوب ـ هو الجاني على العضو، فاستنباط حكم أحدهما من الآخر أشبه بالقياس.
2. إنّ الروايات تحكي عمل الإمام المعصوم(عليه السلام) والعمل فاقد للسان، حتى يستظهر منه الوجوب على الجاني، بل لعلّه كان إحساناً من الإمام وإرفاقاً منه إلى مَن قطع يده.
3. لو سلّمنا دلالة الرواية على الوجوب فإنّما تختص بمورده أي بيت المال ولا يمكن التجاوز عنه إلى مال الجاني، ولذلك قلنا: إنّ هذه الروايات يُستأنس بها، ولا يستدل.
***

7. قاعدة لا ضرر

ويمكن الاستدلال على ضمان أجر الطبيب ونفقات العلاج بقاعدة «لا ضرر» بتقريب أنّ حديث «لا ضرر» ينفي أي حكم ضرري مشرع في الإسلام، وعدم ضمان الجاني أجر الطبيب ونفقات العلاج حكم ضرري على المجني عليه، فيكون منفيّاً بالقاعدة، وينتج ضمان الجاني، نظير إثبات الخيار بالقاعدة في موارد الغبن والعيب، حيث إنّ لزوم البيع حكم ضرري على المغبون فيه وعلى مَن تسلّم المعيب، ورفع الضرر يحصل برفع اللزوم مع بقاء الصحّة لأنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، إذ لا ضرورة لنفي الصحّة بل يكفي نفي اللزوم .
وربّما يورد عليه أنّ هذا تدارك للضرر وليس نفياً له; لأنّه قد حصل بفعل الجاني على كلّ حال، وقد تقرر في محلّه أنّ القاعدة لا تثبت التدارك، لأنّها تنفي

صفحه 271
مطلق الضرر، لا الضرر غير المتدارك.
يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين نفي الضرر الابتدائي ونفي الضرر المتدارك خلاف إطلاق الرواية، وبما أنّ الرواية في مقام الامتنان، فمقتضاه الأخذ بالإطلاق، ولذلك لم يفرّق الأصحاب من قديم الأيام إلى زماننا هذا بين الضررين إلاّ بعض المتأخّرين.
1. قال الشيخ في «المبسوط»: إذا غصب أرضاً وحفر فيها بئراً كان للمالك مطالبته بطمّها; لأنّ على ربّ الأرض ضرراً في ترك طمّها، فإذا طمّها نظرت فإن لم تنقص قيمة الأرض فعليه أُجرة مثلها إلى حين الردّ، وإن نقصت فعليه أُجرة المثل وما نقصت; لأنّ الغاصب جنى بالحفر.(1)
2. قال المحقّق: لو اختلفا فقال الزارع: أعرتنيها، وأنكر المالك... أمّا لو قال: غصبتنيها، حلف المالك وكان له المطالبة بأُجرة المثل وطمّ الحفر وأرش الأرض.(2)
3. قال ابن سعيد: فإن استأجر داراً فغرس فيها بلا إذن، فلصاحبها قلعه وإلزام الغارس بأرش العيب وطمّ الحفر.(3)
4. قال العلاّمة: إذا أعاره أرضاً... تجب عليه أُجرة ما استوفاه من منفعة الأرض على وجه التعدّي، وطمّ الحُفَر التي حدثت لقلع ما غرسه كالغاصب.(4)

1 . المبسوط:3/74.
2 . شرائع الإسلام:2/122.
3 . الجامع للشرائع:293.
4 . تذكرة الفقهاء:16/258.

صفحه 272
وتجد نظير هذه الكلمات في مصادر أُخرى، فلاحظ.(1)
كلّ ذلك يحكي عن أنّ الأصحاب لم يفرّقوا بين نفي الضرر الابتدائي أو المتدارك.
ويرشد إلى ما ذكرنا ما ذكره الشيخ الأنصاري في المتاجر من أنّه لو غصب الجمد (الثلج) في الصيف، فحفظه وردّه في الشتاء، قال: يجب عليه التدارك ما بين القيمتين، ونظيره ما لو غصب ماء في المفازة، وردّه في ساحل البحر.(2)
أضف إلى ذلك الروايات التي نقلناها عند دراسة قاعدة التسبيب، فإنّ قسماً من الروايات المذكورة هناك أفضل شاهد على أنّ المنهي عنه هو أعمّ من الابتدائي والمتدارك، وإليك بعض ما يمكن أن يكون شاهداً لما قلنا:
1. روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن أخرج ميزاباً، أو كنيفاً، أو أوتد وتداً، أو أوثق دابة، أو حفر شيئاً(بئراً) في طريق المسلمين فأصاب شيئاً فعطب، فهو له ضامن».(3)
فالضمان هنا ضمان للضرر المتدارك.
2. روى الشيخ بسنده عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«أيّما رجل فزّع رجلاً عن الجدار أو نفّر به عن دابته فخرّ فمات، فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو

1 . لاحظ: تحرير الأحكام:3/144; قواعد الأحكام:2/315; مختلف الشيعة:5/356; إيضاح الفوائد:2/76.
2 . المكاسب:3/237.
3 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 273
ضامن لدية ما ينكسر منه».(1)
3. وروى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره؟ فقال: «كلّ شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه».(2)
فهذه الروايات قرينة على أنّ الموضوع نفي الحكم الضرري على وجه الإطلاق، وتصلح لأن تكون قرينة على وجود الإطلاق في قاعدة لا ضرر، وتخصيصه بنفي الضرر الابتدائي، قول غير تام.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل، وعلم منه أنّ بين ما يصلح من الأدلّة على وجوب دفع أجرة الطبيب ونفقات العلاج، هو قاعدة لا ضرر مع ما يؤيّدها من عموم النفي.
وبعبارة أُخرى: ثبت المقتضي لوجوب الضمان، بقي الكلام في المانع وهذا ما يبحث عنه تالياً.
***

المقام الثاني: دلالة الروايات على أنّ الواجب هو الدية والأرش لا غير

إنّ الروايات على كثرتها وتعرضها للتفاصيل قد سكتت عن الضمانين، فلعلّ سكوت هذه الروايات الهائلة يكون مانعاً عن شمول القاعدة (قاعدة لا ضرر) لما نحن فيه. والذي يدل على أنّ سكوت ما ورد حول الدية والأرش

1 . الوسائل:19، الباب15 من أبواب موجبات الضمان، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب موجبات الضمان، الحديث1.

صفحه 274
بمنزلة نفي ماعداهما، هو أنّ لسان قسم من الروايات حصر الواجب على الجاني بالدية أو الأرش:
1. روى الشيخ باسناده عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في رجل قطع ثدي امرأته، قال: أُغرمه إذاً لها نصف الدّية».(1)
2. وروى أيضاً بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«السن إذا ضربت انتظر بها، فإن وقعت أُغرم الضارب خمسمائة درهم، وإن لم تقع واسودّت أغرم ثلثي ديتها».(2)
فلو كان هناك شيء زائد على الدية كان على الإمام أن يضيف إليه.
وبكلمة قصيرة أنّ الناظر في أبواب الديات والضمانات يجد السكوت التام عن الزائد على الدية أو ما تقتضيه الحكومة، فالسكوت التام لا يجتمع مع إيجاب شيء آخر سكت عنه الأئمّة الإثنا عشر عبر حياتهم.
نعم ذكروا في مورد خاص وهو أجرة الطبيب في ما دون السمحاق.
فإن قلت: إنّ الحديث على القول بكونه تامّاً يدلّ على دفع أجرة الطبيب دون نفقات العلاج، وهما أمران مختلفان.
قلت: إنّ المستشكل قاس زمان حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) بزمانه، حيث إنّ عمل الطبيب غير عمل المعالج، ولكن السائد في الأزمنة السابقة أنّ الطبيب كان يقوم بنفسه بالأُمور الثلاثة، يفحص المريض ويعيّن الدواء ويعطيه للمريض، فهو

1 . الوسائل:19، الباب46 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب40 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 275
طبيب ومعالج وصيدلي في وقت واحد.

النظر النهائي في المسألة

إنّ سكوت أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عن الأمرين للسبب التالي.
إنّ الدية كانت تكفي في أجرة الطبيب ونفقات العلاج، إذ لم يكن في تلك الأزمنة مشكلة الغلاء، ولأجل كون الدية أو الأرش كان تغطي نفقات الأمرين سكت الإمام عن إيجاب ما زاد.
وبعبارة أوضح: ما ورد في باب الديات منصرف إلى ما كانت الدية أو الأرش كافياً لترميم الجراح والشجاج، وقلّما يتّفق أن تكون مؤونة العلاج أزيد ممّا عُيّن في الشرع.
وإن شئت قلت: إنّ أجرة الطبيب ونفقات المعالجة لم تكن شيئاً أكثر من الدية والأرش، ولذلك سكت أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عمّا ورائهما.
وعلى هذا فلو توقّف العلاج التام على بذل نفقات أكثر ممّا أخذ من الدية والأرش فالاحتياط اللازم، دفع الأكثر إن أمكن، وإلاّ فالتصالح، والله العالم.
***
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات
تمّت الرسالة بيد مؤلّفها جعفر السبحاني
عامله الله بلطفه الخفيّ
ولاح بدر تمامه يوم العشرين من شهر
جمادى الأُخرى من شهور عام 1439هـ

صفحه 276

صفحه 277

فهرس المصادر

حرف الألف
1 . إرشاد الأذهان: العلاّمة الحلّي(648ـ726): مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1410هـ  .
2 . إرشاد السائل:الگلپايگاني محمدرضا الموسوي(المتوفّى 1414هـ)، دار الصفوة، بيروت ـ 1413هـ .
3 . إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد: ابن العلاّمة محمد بن الحسن بن يوسف الحلّي(682ـ771هـ) المطبعة العلمية، قم ـ 1387هـ .
حرف الباء
4 . بحارالأنوار: محمد باقر المجلسي(المتوفّى 1110هـ) مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403هـ .
5 . بحوث فقهيّة: الشيخ حسين الحلّي، دار الزهراء، بيروت ـ 1393هـ .
حرف التاء
6 . تاج العروس: محمد مرتضى الزبيدي الحنفي(المتوفّى 1205هـ)، دار الفكر،

صفحه 278
بيروت ـ 1414هـ .
7 . تاريخ الطبري: محمد بن جرير (المتوفّى 310هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت .
8 . التبيان في تفسير القرآن: محمد بن الحسن الطوسي(385ـ 460هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت .
9 . تحرير الأحكام: للعلاّمة الحلّي(648ـ726هـ)تحقيق الشيخ إبراهيم البهادري، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ1420هـ .
10 . تحرير الوسيلة: السيد روح الله الخميني(المتوفّى 1410هـ)، نشر مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم ـ 1434هـ .
11 . تذكرة الفقهاء: العلاّمة الحلّيّ(648ـ726هـ)تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1414هـ .
12 . تفسير الطبري(جامع البيان): محمد بن جرير(المتوفّى310هـ) دار المعرفة، بيروت .
13 . تمهيد القواعد: الشهيد الثاني زين الدين العاملي(911ـ 965هـ)، طهران ـ 1272هـ .
14 . تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن الطوسي(385ـ 460هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397هـ  .
15 . تهذيب التهذيب: لابن حجر العسقلاني(773ـ 852) دار الفكر، بيروت ـ 1404هـ .
حرف الجيم
16 . جامع أحاديث الشيعة: السيد حسين البروجردي(المتوفّى 1383هـ) المطبعة العلمية، قم ـ 1399هـ .
17 . الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي(849ـ 911هـ) دار الفكر، بيروت .

صفحه 279
18 . الجامع للشرائع: يحيى بن سعيد الحلّيّ(601ـ 690هـ) مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1405هـ .
19 . جامع المقاصد في شرح القواعد: المحقّق الثاني علي بن الحسين الكركي(المتوفّى940هـ) تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1408هـ .
20 . جواهر الكلام: محمد حسن النجفي(المتوفّى 1266هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1365هـ . ش .
حرف الحاء
21 . الحدائق الناضرة: يوسف البحراني(المتوفّى 1186هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم .
حرف الخاء
22 . الخلاف: للشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1407هـ .
حرف الدال
23 . الدروس الشرعية: الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي(المتوفّى 786هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1417هـ .
حرف الراء
24 . روضة المتقين: محمدتقي المجلسي(1003ـ 1070هـ) نشر بنياد فرهنگ اسلامى، حاج محمدحسين كوشانبور .
حرف الزاء
25 . زاد المعاد في هدى خير العباد: لابن القيّم، دار المعرفة، بيروت ـ 1414هـ .

صفحه 280
حرف السين
26 . السرائر: لابن إدريس الحلّي(المتوفّى 598هـ) العتبة العلوية المقدّسة، النجف الأشرف ـ 1429هـ .
27 . سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني(207ـ 275هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1395هـ .
28 . سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني(المتوفّى 275هـ) دار الفكر، الطبعة الأُولى ـ 1410هـ .
29 . سنن الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة(209ـ 279هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1403هـ .
30 . سنن الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن(181ـ 255هـ) دار إحياء السنّة النبويّة .
31 . السنن الكبرى للبيهقي: أحمد بن الحسين(المتوفّى 458هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1406هـ .
32 . سنن النسائي: أحمد بن شعيب(المتوفّى 303هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1348هـ .
33 . السيرة النبوية: لابن هشام عبد الملك بن أيوب الحميري(المتوفّى 213 أو 218هـ) دار التراث العربي، بيروت .
حرف الشين
34 . شرائع الإسلام: المحقّق الحلّي جعفر بن الحسن(602ـ 676هـ) مطبعة الآداب، النجف الأشرف ـ 1389هـ .
35 . شرح النيل وشفاء العليل: محمد بن يوسف أفطيش(المتوفّى 1332هـ)، مطبعة مصر

صفحه 281
الأدبية .
حرف الصاد
36 . صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل(المتوفّى 256هـ) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر ـ 1314هـ .
37 . صحيح مسلم: بن الحجاج القشيري(المتوفّى 261هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت .
38 . صراط النجاة: السيد أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ) دفتر نشر برگزيده، قم ـ 1416هـ .
حرف العين
39 . العروة الوثقى: للطباطبائي اليزدي(المتوفّى 1337هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1420هـ .
حرف الفاء
40 . الفتاوى الميسّرة: عبد الهادي السيد محمد تقي الحكيم وفق فتاوى السيد السيستاني، مطبعة الفائق الملوّنة، 1417هـ .
41 . فرائد الأُصول: الشيخ مرتضى الأنصاري(1214ـ 1281هـ) تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، مجمع الفكر الإسلامي، قم ـ 1419هـ .
42 . الفقه الإسلامي وأدلّته: وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق ـ 1405هـ .
حرف القاف
43 . قاموس الرجال:محمد تقي التستري(المتوفّى 1416هـ) طهران ـ 1397هـ .

صفحه 282
44 . قواعد الأحكام: العلاّمة الحلّي(648ـ 726هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1413هـ .
حرف الكاف
45 . الكافي: للكليني محمد بن يعقوب(المتوفّى 329هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397هـ .
46 . كتاب سليم بن قيس: الهلالي(2 قبل الهجرة ـ 76هـ) تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني، نشر دليل ما، قم ـ 1422هـ .
47 . كشّاف القناع: منصور بن يونس البهوتي الحنبلي(المتوفّى 1051هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1418هـ .
حرف الميم
48 . المبسوط: للسرخسي(المتوفّى 483هـ)دار المعرفة، بيروت ـ 1406هـ .
49 . المبسوط:للشيخ الطوسي(385ـ460هـ) المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية، طهران ـ 1387هـ .
50 . مجلة فقه أهل البيت: الصادة عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، قم المقدسة .
51 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: جدّة، المملكة العربية السعودية .
52 . مجمع البحرين: للطريحي فخر الدين (المتوفّى 1085هـ) مطبعة طراوت، طهران ـ 1362هـ .ش .
53 . مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي(471ـ 548هـ) دار المعرفة، بيروت ـ

صفحه 283
1408هـ .
54 . مجمع الفائدة والبرهان: أحمد الأردبيلي(المتوفّى 993هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم .
55 . المجموع: محيي الدين بن شرف النووي(المتوفّى 676هـ)دار الطباعة المنيرية .
56 . المختار في أحكام الخيار: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم .
57 . مختلف الشيعة: العلاّمة الحلّي(648ـ726هـ)مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1412هـ .
58 . المدخل الفقهي العام: مصطفى أحمد الزرقاء .
59 . مرآة العقول: محمد باقر المجلسي(المتوفّى 1110هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1404هـ .
60 . المسائل المستحدثة: سيد محمد صادق الحسيني الروحاني، مؤسسة دار الفكر، قم ـ 1384هـ .
61 . مسالك الأفهام: الشهيد الثاني زين الدين العاملي(911ـ 965هـ) مؤسسة المعارف الإسلامية، قم ـ 1414هـ .
62 . المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري(المتوفّى 405هـ) تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت .
63 . مسند أحمد بن حنبل:(المتوفّى241هـ) دار صادر، بيروت .
64 . مصابيح الأحكام: سيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي(1155ـ 1212هـ)، تحقيق و نشر مؤسسة آية الله البروجردي، قم ـ 1385هـ .ش .

صفحه 284
65 . المغني: عبد الله بن قدامة (المتوفّى 620هـ) دار الكتاب العربي، بيروت .
66 . مفتاح الكرامة: السيد محمد جواد الحسيني العاملي(المتوفّى 1226هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1419هـ .
67 . المفردات: الراغب الأصفهاني الحسين بن محمد(المتوفّى 502هـ) دفتر نشر الكتاب، الطبعة الثانية ـ 1404هـ .
68 . مكارم الأخلاق: الحسن بن الفضل الطبرسي(المتوفّى 548هـ)منشورات الشريف الرضي ـ 1392هـ .
69 . المكاسب: الشيخ مرتضى الأنصاري(1214ـ 1281هـ) تحقيق لجنة تراث الشيخ الأعظم، قم ـ 1415هـ .
70 . ملاذ الأخيار: محمد باقر المجلسي(المتوفّى1110هـ) مكتبة آية الله المرعشي، قم ـ 1406هـ .
71 . من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين (المتوفّى381هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم .
72 . منهاج الصالحين: للسيد أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ) نشر مدينة العلم، قم ـ 1410هـ .
73 . منية السائل: للسيد الخوئي(المتوفّى 1413هـ) جمع وترتيب موسى مفيد الدين عاصي ـ 1412هـ .
74 . المواهب في تحرير أحكام المكاسب: تقريرات الشيخ جعفر السبحاني، بقلم: سيف الله اليعقوبي، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1424هـ .

صفحه 285
75 . الموسوعة الرجالية الميسّرة: علي أكبر الترابي، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1431هـ .
76 . الموسوعة الفقهية الكويتية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت .
77 . الموسوعة الفقهية الميسّرة: محمد علي الأنصاري، مجمع الفكر الإسلامي، قم ـ 1415هـ .
78 . المهذّب: للقاضي ابن البراج الطرابلسي(400ـ 481هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1406هـ .
79 . الميزان في تفسير القرآن: العلاّمة الطباطبائي(المتوفّى 1402هـ) مؤسسة النشر الإسلامي، قم .
حرف النون
80 . النهاية: الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) منشورات قدس محمدي، قم .
81 . نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي لخطب وكلمات الإمام علي(عليه السلام)، مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1408هـ .
حرف الواو
82 . وسائل الشيعة:الحرّ العاملي(المتوفّى1104هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1403هـ .
83 . الوسيط: للسنهوري عبد الرزاق أحمد، دار إحياء التراث العربي، بيروت .
84 . الوسيلة: ابن حمزة الطوسي (المتوفّى 560هـ) منشورات مكتبة آية الله المرعشي، قم ـ 1408هـ .

صفحه 286

صفحه 287

فهرس المحتويات

الموضوع     الصفحة
   مقدّمة المؤلّف   7 المسألة الأُولى: حكم السرقفلية
   ما يأخذه المالك من المستأجر عند الإيجار   10
   الأُطروحة الأُولى: بيع حقّ السكنى للمستأجر إلى زمان أزيد من هذه
الإجارة   10
   الأطروحة الثانية: بيع حقّ الإيجار للمستأجر   12
   الأُطروحة الثالثة: السرقفلية جزء العوض   14
   الأُطروحة الرابعة: المستأجر يكون وكيلاً في إيجار المحلّ بعد
انقضاء المدّة   16
   أخذ السرقفلية من المالك باسم حقّ الكسب   17
المسألة الثانية: تغيير الجنس في الشريعة الإسلامية
   القسم الأوّل: تغيير الجنس   19

صفحه 288
الموضوع     الصفحة
   القسم الثاني: التغيير في الجنس   20
   القسم الثالث: مَن له آلتان لكن تترجّح إحدى الآلتين على الأُخرى   28
   القسم الرابع: مَن له آلتان ولم تترجّح إحداهما على الأُخرى   29
المسألة الثالثة:تشريح الأبدان المحترمة
   التشريح لغة واصطلاحاً   32
   المحور الأوّل: حكم التشريح حسب العنوان الأوّلي   33
      الأوّل: التشريح من مقولة المُثلة   34
      الثاني: ما يدلّ على تحريم قطع أعضاء الميّت   35
      الثالث: ما يدلّ على تعلّق الدية بالجناية على الميّت   36
      الرابع: ما يدلّ على عدم جواز إزالة شيء من شعر الميّت   36
   المحور الثاني: حكم التشريح حسب العنوان الثانوي   38
   المحور الثالث: شرطية إجازة الميّت في حال حياته، أو أوليائه   41
   المحور الرابع: لو أوصى رجل وليّه بأن يدفع بدنه لأجل التشريح   42
   المحور الخامس: حكم الدية   42
   المحور السادس: حكم مماسّة عورة الميّت   43
   المحور السابع: وجوب تكفين الجثّة المشرّحة والصلاة عليها ودفنها   43
المسألة الرابعة:ترقيع بدن الإنسان بأعضاء
بدن إنسان آخر حيّ أو ميّت
   1 . تعريف الترقيع وفائدته   44

صفحه 289
الموضوع     الصفحة
   2 . حكم ترقيع بدن الإنسان من نفس أعضائه   45
   3 . الروايات الواردة في الموضوع   45
   شرطية الإذن في الأخذ عن الحيّ مع عدم إيجاد الخلل في الحياة   46
      المحور الأوّل: أخذ الأعضاء من الإنسان الحيّ المحقون الدم   46
      المحور الثاني: شرطية الإذن فقط في الأخذ عن الميّت   47
         القول بعدم شرطية الإذن عند توقّف حياة المسلم على الأخذ   47
      المحور الثالث: في ثبوت الدية أو أخذ العوض   49
      المحور الرابع: في طهارة العضو المرقع به ونجاسته   50
      المحور الخامس: جواز بيع الأعضاء للترقيع   51
المسألة الخامسة: اليانصيب
   الجهة الأُولى: تعريف اليانصيب   54
   الجهة الثانية: في تعيين العوض والمعوّض   55
   الجهة الثالثة: مَن هو مالك هذه الأموال؟   56
   الجهة الرابعة: في حلّية المال لمَن أصابت القرعة رقمه   57
   قياس المقام بما إذا لم يكن إلاّ شيء واحد   57
   الاستدلال على فساد التملّك   58
      الأوّل:لا يوصف بكونها تجارة عن تراض   58
      الثاني: انطباق عنوان القمار عليه   59
      الثالث: من قبيل الاستقسام بالأزلام   60
المسألة السادسة: حكم الشركات الهرمية
   أدلّة عدم مشروعيّة الشركات الهرميّة   70

صفحه 290
   الموضوع     الصفحة       1 . العمل والانتاج هو أساس الاقتصاد الإسلامي   70
      2 . التجارة تدار وفقاً للأساليب العقلائية المتعارفة   71
      3 . المعاملة غررية   72
      4 . حكم هذه الشركة حكم القمار   72
      5 . يؤدّي إلى النزاع والتناحر في المجتمع   73
      6 . وحدة الحقيقة وتعدّد الأساليب   74
      7 . الجذور الأجنبية   74
      8 . انهيار اقتصاد البلدان الّتي أجازت عمل تلك الشركات   74
المسألة السابعة: التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب
   النوع الأوّل: التلقيح الصناعي بين الزوجين، وفيها حالات   82
      الحالة الأُولى: أخذ ماء الزوج خارجياً وحقنه في رحم زوجته   83
      الحالة الثانية: التلقيح بين الزوجين خارجياً   83
      الحالة الثالثة: بين الزوج وإحدى الزوجتين   84
      الحالة الرابعة: التلقيح بماء الزوجين   85
   النوع الثاني: التلقيح الصناعي لا بين الزوجين   86
      الحالة الخامسة: التلقيح بين زوجة وأجنبي   86
      الحالة السادسة: التلقيح بين زوج وأجنبية   88
المسألة الثامنة: حقّ الإبتكار والإبداع
   الأوّل: الفرق بين الحكم والحقّ   93
   الثاني: أنواع الحقوق   94

صفحه 291
   الموضوع     الصفحة    الثالث: تقسيم آخر للحقوق   95
   أدلّة النافين   97
      الأوّل: هذا النوع من الحقّ غير معروف في عصر الرسالة   97
      الدليل الثاني: عدم وجود عقد بين المبتكر وغيره   98
   أدلّة المثبتين   99
   دراسة الموضوع حسب العنوان الثانوي   102
   الكلام حول العلامة التجارية   103
   ما هو الهدف من العلامة التجارية؟   103
   بيع المحلّ التجاري   104
المسألة التاسعة: دور ولاية الفقيه في الحكومة الإسلامية
   تشخيص كون الحكومة واجدة للضوابط على عاتق الفقيه   108
   العناصر الرئيسية للحكومة   109
   ولاية الفقيه ومشكلة التزاحم   111
   ولاية الفقيه وتوهّم استصغار الأُمّة   111
المسألة العاشرة: تحديد وتنظيم النسل
   الأوّل: موقف الشريعة الإسلامية من كثرة النسل   113
   الثاني: دليل القائل بتحديد النسل   117
      ارتفاع عدد السكان وقلّة المواد الغذائية   117
   الثالث: المجاعات الغذائية   118
   الرابع: حقوق الجنين في الإسلام   119

صفحه 292
   الموضوع     الصفحة    الخامس: تحديد النسل على الصعيد الفردي   121
      الأُسلوب الشرعي لتحديد النسل على الصعيد الفردي   122
      الأُسلوب الحرام لتحديد النسل على الصعيد الفردي   123
   السادس: تحديد النسل على الصعيد المجتمعي   124
   دليل المجوّزين   124
   دليل المعارضين   126
   تحديد النسل مكيدة   126
   ما يدلّ على أنّه مكيدة   127
   رسالة تكشف عن نوايا تحديد النسل   128
   النمو السكّاني في بريطانيا على خلاف الدعوة   129
   عرض المسألة على الكتاب والسنّة   131
المسألة الحادية عشرة: التعاقد عن طريق الهاتف
واللاسلكي
   التفرّق تارة بالأبدان وأُخرى بانقطاع الحوار   136
المسألة الثانية عشرة: التعاقد عن طريق المكاتبة
   الأوّل: اهتمام الذكر الحكيم والسنّة النبوية بالكتابة   139
   الثاني: أنّ البيع ونظائره من الأُمور الإنشائية   141
   الثالث: دراسة مشاكل الموضوع ضمن أُمور ثلاثة   142
   الرابع: أقوال الفقهاء في المسألة   142
   الإشكالات الواردة حول المسألة   144

صفحه 293
الموضوع     الصفحة
      الإشكال الأوّل: لزوم الإنشاء بالصيغة اللفظية   144
      الإشكال الثاني: اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول   149
      الإشكال الثالث: كيف يتحقّق خيار المجلس؟   150
   كفاية المكاتبة عند العجز عن التكلّم   152
   الفاكس من أقسام المكاتبة   153
المسألة الثالثة عشرة: التعاقد عن طريق الأجهزة الحديثة
   كلمات الفقهاء في المسألة   154
المسألة الرابعة عشرة: انخفاض قيمة العملة
   تأثير انخفاض قيمة العملة في الفرائض المالية   158
      الأوّل: ضمان المثلي بالمثل   158
      الثاني: حكم انخفاض قيمة الدرهم والدينار   160
      الثالث: حكم انخفاض قيمة الذهب والفضة غير المسكوكين   161
      الرابع: حكم انخفاض قيمة العملة الورقية   161
   في بيان أحكام المسألة   163
   1 . الشراء إلى أجل محدّد   163
      نظرية بعض الباحثين في إقراض المالية   164
   2 . إذا أُتلفت العملة أو غصبت   165
   3 . إذا ضارب عاملاً وربح   165
   4 . إذا أمهر وحدث الانخفاض   166
   حكم انخفاض قيمة العملة في الروايات   166
   من هو الضامن للضرر عند هبوط القيمة؟   170

صفحه 294
الموضوع     الصفحة
   حكم الموضوع عند فقد الدليل الاجتهادي   171
   الفريضة المالية وهبوط قيمة العملة   171
المسألة الخامسة عشرة: عقد الاستيراد
   الأوّل: في أقسام البيع   174
   الثاني: في محاسن الاستيراد   175
   الثالث: في صحّة الاستيراد   176
   الرابع: ما هو المانع من الصحّة؟   178
      1 . إنّه من باب بيع الدين بالدين   178
      2 . أنّه من قبيل بيع الكالي بالكالي   180
      3 . ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا تبع ما ليس عندك»   181
      4 . البعد المكاني يؤدّي إلى تغيير الصفات ويعرض السلعة للهلاك   182
      5 . العدول عن الرؤية إلى الوصف غرر ومخاطرة ويفضي
   إلى المنازعة   182
   الاستدلال على صحّة عقد الاستيراد بوجهين   183
   الفرق بين عقد الاستيراد والسلف   184
المسألة السادسة عشرة: عقد الاستصناع
   الاستصناع من مصاديق العقود   187
   الاستصناع من مقولة بيع السلف   188
المسألة السابعة عشرة: الشرط الجزائي فقهياً
   مقوّمات الشرط الصحيح   192

صفحه 295
الموضوع     الصفحة
   استثناء الأعذار العامّة   199
المسألة الثامنة عشرة: البيع الإيجاري
أو الإيجار بشرط التمليك
   الأمر الأوّل: إيضاح العناوين الثلاثة الواردة في عنوان المسألة   203
   الأمر الثاني: تعريف المسألة   203
   الأمر الثالث: مبدأ هذا النوع من المعاملة   204
      الصورة الأُولى: الإيجار الساتر للبيع   205
      الصورة الثانية: الإيجار الجدّي المقترن بوعد بالبيع   207
      الصورة الثالثة: الإيجار بشرط التمليك   208
المسألة التاسعة عشرة: التحكيم في الفقه الإسلامي
تاريخاً و موضوعاً وحكماً
   الفرق بين الإفتاء والقضاء   212
   1 . التحكيم تاريخاً   213
   2 . التحكيم موضوعاً   214
   3 . التحكيم تشريعاً   215
   التحكيم في الروايات   216
   الروايات ناظرة إلى القاضي المأذون من جانب الإمام   217
   ما يدل على أنّ المورد من مقولة التحكيم   220
   التحكيم في عصر الغيبة   222
   ما هو الشرط في قاضي التحكيم؟   223

صفحه 296
الموضوع     الصفحة
   اشتراط الرضا بعد القضاء وعدمه   226 المسألة العشرون: احتكام المسلم إلى المحاكم
غير الإسلامية
   في حرمة احتكام المسلم إلى المحاكم غير الإسلامية، وفيها آيات   229
      الآية الأُولى   229
      الآية الثانية   230
      الآية الثالثة   230
   ظاهرة الاغتراب وآثارها السيئة   231
   احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية   232
المسألة الحادية والعشرون: احتكام غير المسلم
إلى محاكم إسلامية
   لو رجعا إلى حكّامهم ثم إلى الحاكم الإسلامي   236
المسألة الثانية والعشرون: ضمان الطبيب
أو المسؤولية الطبيّة
   لكلّ داء دواء   239
   مسؤولية الفقيه والطبيب أمام الأدواء   239
   علاقة المريض مع الطبيب   240
   مَن يمارس الطبابة؟   241
   أخطاء الطبيب   242

صفحه 297
الموضوع     الصفحة
   أقسام الطبيب   245    أحكام الكبريات   246
   الاستدلال على عدم الضمان بوجوه أُخرى   250
   الاستدلال بوجه سابع: كون الطبيب محسناً   253
   ضمان الطبيب لأجل أحد أمرين   254
      1 . الإتلاف   254
      2 . التسبيب   254
المسألة الثالثة والعشرون: ضمان الجاني أُجرة الطبيب
ونفقات العلاج
   المقام الأوّل: بيان مقتضى القواعد العامّة والروايات الخاصّة في
الضمان   257
   بيان مقتضى القواعد العامّة والروايات الخاصة، وفيها أُمور   258
      1 . قاعدة الإتلاف   259
      2 . قاعدة التفويت   259
      3 . التمسّك بالسيرة العقلائية   260
      4 . قاعدة التسبيب   260
   دراسة الروايات الواردة في ضمان السبب   262
      5 . الرواية الواردة في ضمان أُجرة الطبيب   266
      6 . الروايات الواردة في ترميم موضع القطع في السرقة   268
      7 . قاعدة لا ضرر   270

صفحه 298
   الموضوع     الصفحة    المقام الثاني: دلالة الروايات على أنّ الواجب هو الدية والأرش لا غير   273
   النظر النهائي في المسألة   275
فهرس مصادر الكتاب   277
فهرس المحتويات   287
Website Security Test