welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الربا موضوعاً وحكماً*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الربا موضوعاً وحكماً

صفحه 1
   
    الربا موضوعاً وحكماً

صفحه 2

صفحه 3
 
دراسة معمقة لأحكام الربا المعاوضي والقرضي
تأليف
الفقيه
جعفر السبحاني
من منشورات مؤسسة الإمام الصادق
1439 هـ

صفحه 4
سبحاني تبريزى، جعفر، 1308 ـ
الربا موضوعاً وحكماً / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) 1397.
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.   ISBN:978-964-357-616-5
كتابنامه: 255ـ261; همچنين به صورت زيرنويس.
1.ربا(فقه). 2. اسلام واقتصاد. 3. فقه جعفرى ـ ـ قرن 14 . الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
2 ر 2س/6/190/BP   372/297
1397
اسم الكتاب:    الربا موضوعاً و حكماً
المؤلّف:   جعفر السبحاني
الموضوع:   الفقه الإمامي
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تاريخ الطبع:    1397هـ.ش/1439هـ.ق/2018م
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:   وزيري
      تسلسل النشر:998            تسلسل الطبعة الأُولى:434
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول ربّ العالمين وعلى آله الطيّبين الطاهرين الهداة المهديّين.
أمّا بعد:
فبعدما فرغنا من دراسة أحكام المضاربة، اقترح علينا بعض حضّار بحوثنا أن ندرس أحكام الربا على غرار ما ورد في «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ ـ أعلى الله مقامه ـ فنزلنا عند رغبتهم، وقد كثر الابتلاء بالربا في الأحوال الحاضرة خصوصاً بعد تأسيس البنوك في البلد بوفرة، وإيداع الناس أموالهم فيها ورجوع الآخرين إليها للاستقراض لرفع حوائجهم الضرورية أو الكمالية، فصار ذلك سبباً لشيوع الاستقراض الربويّ بين الناس ـ أعاذنا الله منه ـ غير أنّ جماعة من المؤمنين خوفاً من الوقوع في الحرام، تمسّكوا بالحيل الشرعية التي لا تختلف عن الربا في الحقيقة أصلاً، وسوف ندرس بعض هذه الحيل بإذن الله في محلّها.
وسيجد القارئ في هذا الكتاب المسائل المهمّة التالية:
1. الربا بالمعنى الحقيقي هو الربا القرضي، وأمّا الربا المعاوضي فليس رباً حقيقة، وإنّما حُرّم لكي لا يكون طريقاً للربا القرضي، حتّى لا يدخل المرابي من هذا الطريق لما يرغب فيه من الربا القرضي.
2. الآيات المحرّمة للربا ناظرة إلى الربا القرضي فقط، وأما حرمة الربا المعاوضي فإنّما ثبتت بالسنّة المتضافرة، فالاستدلال بتلك الآيات على حرمة الربا الفضلي، في غير محلّه.

صفحه 8
3. تعضيد ما عليه الشيخ المفيد وخليفته في التدريس ـ أبو يعلى ـ من عدم الفرق في حرمة الربا المعاوضي بين الأقسام الأربعة: المكيل، الموزون، المعدود، والمذروع، وإن كان على خلاف ما هو المشهور من التفرقة بين الأولين والآخرين.
4. طبيعة الأثمان ـ من عدم الفرق بين الفضيّة والورقية ـ هي ما يُشترى به، وهي لا تشترى ولا تباع. وأمّا بيع الدين على من هو عليه إذا كان ما في الذمّة ثمناً فهو ليس بيعاً; بل من باب الاكتفاء بالأقل وإيهاب الباقي للمدين، إذا كان الدين مؤجّلا وإنّما تصح تسميته بيعاً إذا كان ما في الذمّة جنساً من الأجناس.
5. بيع الدين ـ إذا كان ثمناً ـ لغير من هو عليه، لا يوصف بالبيع أولاً، ومشتمل على ملاك الربا القرضي ثانياً، فالإفتاء بجوازه مشكل.
6. بيع الأوراق النقدية بالأكثر مؤجلاً ـ في غير حالة الدّين ـ لا يوصف بالبيع أولاً، ومشتمل على ملاك الربا القرضي ثانياً، فالإفتاء بجوازه، كما ترى.
ثم إني (إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ).(1)
وسميّت هذا الكتاب بـ «الربا موضوعاً وحكماً»، وهو يشتمل على مقدّمة وفصول أربعة وخاتمة، مع استدراك لمسائل عشر لم تُذكر في «تحرير الوسيلة».
المؤلّف
3 رجب المرجب
1439 هـ

1 . سبأ: 50 .

صفحه 9
   

القول في الربا

وقد ثبتت حرمته في الكتاب والسنّة وإجماع من المسلمين، بل لا يبعد كونها من ضروريات الدين، وهو من الكبائر العظام.*

تمهيد:

في بيان حرمة الربا كتاباً وسنّة

* أقول: تدرّج الكتاب العزيز في بيان تحريم الربا، نظير التدرّج في بيان تحريم الخمر، وإليك ما ورد في الكتاب العزيز، نستعرضه على وجه يُعرف التدرّج به.
كان الربا أمراً شائعاً في الجاهلية فلم يكن محيص من تحريمه على وجه التدريج شأن كلّ داء اجتماعي تجذّرت جذوره في المجتمع فلا يعالج إلاّ ببيانات شافية حتى يتمّ الأمر على التحريم القاطع، ولذلك قد وردت في حرمته آيات أربع يختلف لحنها حسب الضعف والشدّة، ثمّ إنّ واحدة منها مكّية والبقية مدنيّات.
أمّا المكّية فقوله سبحانه: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُضْعِفُونَ
).(1)   --->

1 . الروم: 39.

صفحه 10
<--- ترى أنّ لحن الآية، لحن النصح والإرشاد إلى الأصلح وهو الصدقة. فعدّت الربا مقابلاً للصدقة.
لكنّ في دلالة الآية على الربا المصطلح نظراً، إذ هي مسبوقة بآية أُخرى تأمر بالإعطاء للأرحام وذوي الحاجة، طلباً لمرضاة الله، قال سبحانه: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1)، وبعد ذلك يقول: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ)(2) ففي السياق قرينتان على أنّ المراد من الربا هو العطية من غير نيّة القربة، وهما:
القرينة الأُولى: ما تقدّم من الآية:(فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) التي تحكي عن العطاء لله سبحانه.
القرينة الثانية: المقابلة بين الجملتين، فقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) يقابله قوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة)، فبما أنّ المراد من الزكاة هو الصدقة قربة إلى الله سبحانه يكون هذا قرينة على أنّ المراد من الربا هو العطاء بلا قصد القربة. فيكون معنى قوله:(لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ): أي ليزيدوا أموالهم بذلك، (فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ): أي لا يزيد ولا ينمو عنده (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة): أي من صدقة (تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ): أي وأُولئك الذين يضاعف لهم الثواب، فإسناد الإضعاف إليهم لأجل أنّهم قاموا بذلك الفعل القربي،   --->

1 . الروم:38.
2 . الروم:39.

صفحه 11
<--- فعلى هذا لا علاقة للآية بالربا المصطلح، لأنّه فيها بمعنى العطية، والربا في اللغة بمعنى الفضل والزيادة.
وأمّا الآيات الثلاث الباقية فقد وردت في السور التالية: النساء، آل عمران، البقرة.
أمّا في سورة النساء فقد ذُمّ فيها عمل اليهود، قال تعالى:(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ).(1) وفيه إيعاز على كونه أمراً مذموماً مطلقاً، في الشريعتين الموسوية و المحمدية.
وأمّا سورة آل عمران فإنّما نهى فيها عن الربا إذا كان أضعافاً مضاعفة يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2). وقد فسّر بأنّه كلّما أُخّر عن أجل إلى غيره زيد في زيادة المال.(3)
وأمّا في سورة البقرة فحرّم فيها الربا تحريماً باتاً بلحن شديد، ويقول: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)(4).
ثمّ إنّ في الآية الأخيرة أسئلة ثلاثة ربّما يتّخذها بعض من لا طريقة صحيحة له، ذريعة للإشكال على الآية.   --->

1 . النساء:161.
2 . آل عمران:30.
3 . مجمع البيان:2/467.
4 . البقرة:275.

صفحه 12
<--- السؤال الأوّل: إنّه سبحانه يشبّه قيام آكل الربا بقيام الممسوس والمجنون، فبما أنّ قيام الثاني لا يخلو عن تخبّط، فهكذا آكل الربا، وعندئذ يطرح السؤال الأوّل بالقول بأنّ آكلي الربا يقومون كسائر العقلاء؟
السؤال الثاني: إنّ ظاهر الآية أنّ داء الجنون مسبّب عن مسّ الشيطان، مع أنّ العلم الحديث كشف عن سببه وهو وجود خلل في الأعصاب؟
السؤال الثالث: إنّ آكلي الربا يتمسّكون في حلّيّة عملهم بأنّ الربا كالبيع، فلماذا حُكِم بحلال الثاني، وحرمة الأوّل، فعلى هذا يجب أن يقول: إنّما الربا كالبيع، مع أنّ الوارد في الآية هو العكس؟
فهذه الأسئلة الثلاثة سوف نقوم بدراستها في المستقبل، فانتظر.(1)
ثم يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)(2). وقلّما يتّفق في الذكر الحكيم هذا النوع من التأكيد في التحريم.

سمات الربا في القرآن الكريم

بالتدبّر في الآيات السابقة تظهر لنا سمات الربا في القرآن الكريم، وهي:
الربا في التوراة   
1. أنّه يقابل الصدقة، وأنّ الله يربي الصدقات ويمحق الربا.(3)
2. أنّ من موارد الربا هو الاستدانة بالفضل، ويُرشد إليه   --->

1 . تأتي دراسة مفاد الآية في الفصل الثالث بعد بيان فلسفة حرمة الربا ص 106 وما بعدها.
2 . البقرة: 278 ـ 279.    3. البقرة: 276 .

صفحه 13
<--- قوله سبحانه:(وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) إلى أن قال:(وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(1) والآية تدلّ على عموم الربا للدين إلى أجل وزيادة، وإلاّ فلا يصحّ قوله: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ).
3. يحرم الربا أضعافاً مضاعفة، بحيث ربّما يستغرق الربح أصل القرض، وهذا كان أمراً رائجاً في الجاهلية.
4. مَن قاس البيع بالربا فقد أخطأ، فبينهما فرق واضح، والله أحلّ البيع وحرّم الربا، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يستنبط من التدبّر في الآيات الكريمة.

الربا في التوراة

ذكر الله سبحانه في محكم كتابه أنّه نهى اليهود عن الربا، كما في قوله تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ)(2)، ومن حسن الحظ أنّ التوراة وإن لعبت بها أيدي اللاعبين، تشتمل على ما يؤيّد الذكر الحكيم، فقد جاء في سفر الخروج:«إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي. لا تضعوا عليه رباً».(3)
وفي سفر لاويين: «وإذا افتقر أخوك وقصرت يده عندك فأعضد غريباً أو مستوطناً فيعيش معك لا تأخذ منه رباً ولا مرابحة».(4)   --->

1 . البقرة:279.
2.النساء:161.
3.الكتاب المقدّس، سفر الخروج، الإصحاح22، الفقرة 26.
4.الكتاب المقدّس: سفر لاويين، الإصحاح25، الفقرة 40ـ 41، طبعة دار الكتاب المقدّس في العالم العربي، بيروت.

صفحه 14
<--- وفي سفر التثنية: «لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ممّا يقرض بربا، للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب، إلهك في كلّ ما تمتد إليه يدك، في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها».(1)
الربا في الإنجيل   
وعلى هذا فالتوراة حرّمت الربا بين اليهود وجوّزته بين غيرهم. إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبّع في العهدين.

الربا في الإنجيل

جاء في إنجيل لوقا:«وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم]أي نفس ما أقرضتم بلا زيادة[ فأي فضل لكم فإنّ الخُطاة(2) أيضاً يقرضون الخُطاة لكي يستردوا منهم المثل. بل أحبوا أعداءَكم وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً فيكون أجركم عظيماً».(3)
وقد ذكر السنهوري وغيره وجود الربا عند المصريين القدماء
وكان معروفاً عندهم. وأنّ المؤرّخ الإغريقي (تيودور) يحدّث: «عن قانون وضعه الملك (يوخوريس) من ملوك الفراعنة (الأُسرة 24) يقضي بأنّ الربا مهما تطاولت عليه الآجال لا يجوز أن يجاوز رأس المال».(4)
وهذا يدلّ على أنّ الربا كان معروفاً عند قدماء المصريّين، ويسمح   --->

1.الكتاب المقدّس: سفر التثنية: الإصحاح23، الفقرة 19.
2 . الخطاة: جمع الخاطئ.
3.الكتاب المقدّس: إنجيل لوقا، الإصحاح السادس، الفقرة 24 و 25.
4.نظرية الربا المحرم لإبراهيم بدوي:ص 1، ومصادر الحق للسنهوري:3/194.

صفحه 15
وقد ورد التشديد عليه في الكتاب العزيز والأخبار الكثيرة حتى ورد فيه في الخبر الصحيح عن مولانا الصادق(عليه السلام):«درهم ربا عند الله أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم»(1).
وعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لعلي(عليه السلام) قال: يا علي! «الربا سبعون جزءاً فأيسرها مثل أن ينكح الرجل أُمّه في بيت الله الحرام».(2)
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ومن أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وإن اكتسب منه مالاً لم يقبل الله منه شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ماكان عنده منه قيراط واحد».(3)
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه».(4)
إلى غير ذلك من الروايات.(5)*
<--- بتحفّظ.(6)
فعليه أنّ الربا القرضي كان له جذور في الأُمم السابقة وفي الحضارات المختلفة.
* وأمّا الثاني ـ أعني: السنّة ـ : فقد ذكر المصنّف قسماً من الروايات ممّا يدلّ على تحريم الربا، وقد عقد صاحب الوسائل باباً في تحريم الربا أورد فيه 24 رواية، كما ورد في «جامع أحاديث الشيعة» أكثر من خمسين   --->

1 . الوسائل:12، الباب1 من أبواب الربا، الحديث1.
2 . الوسائل:12، الباب1 من أبواب الربا، الحديث12.
3 . الوسائل:12، الباب1 من أبواب الربا، الحديث 15.
4 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب الربا، الحديث3.
5 . لاحظ الوسائل:12، الباب1 من أبواب الربا، أحاديث الباب.
6.الربا فقهياً واقتصادياً للشيخ حسن الجواهري:321ـ 322.

صفحه 16
<--- رواية، مضافاً إلى ما أُشير فيه إلى الحرمة من الروايات الأُخرى، وبذلك تواترت الروايات على حرمة الربا.
وأمّا الثالث ـ أعني:إجماع المسلمين ـ : قال في «الجواهر» في وصف الربا: المحرّم كتاباً وسنّة وإجماعاً من المؤمنين بل المسلمين.(1) ولا نجد كتاباً فقهياً لفقيه إلاّ وأفتى بحرمته.
وأمّا الرابع ـ أعني: أنّه لا يبعد كون حرمته من ضروريات الدين ـ فإنّ من يعيش في البيئة الإسلامية يقف على أنّ الربا أمر مبغوض يذمّ فاعله، بل يعرفه سائر الأُمم أيضاً. فيكون وزانه، وزان وجوب الصلاة والصوم والحجّ، وحرمة السرقة والزنا، فهو فوق بعض الأحكام الذي يُعد من ضروريات الفقه، من أنّ الماء إذا بلغ كرّاً لا ينجّسه شيء، أو ضروريات القرآن كقطع يد السارق.
رد توهّم اختصاص الآيات بالربا الجاهلي   
وأمّا الخامس ـ أعني: كونه من الكبائر العظام ـ : فقد ورد ذلك في بعض النصوص، منها:
صحيح ابن محبوب، قال: كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن(عليه السلام)يسأله عن الكبائر كم هي؟ وما هي؟ فكتب(عليه السلام):«الكبائر مَن اجتنب ما وعد الله عليه النار كفّر عنه سيئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا،...».(2)   --->

1 . جواهر الكلام:23/332.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث1.

صفحه 17

<--- ردّ توهّم اختصاص الآيات بالربا الجاهلي

ربّما يقال إنّ ما ورد من الآيات حول الربا ناظر إلى الربا الجاهلي وهو كما يعرّفه ابن عباس بقوله: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به، وقال المطلوب منه: زدني في الأجل وأزيدك في المال، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء».(1)
وعلى هذا فربّما يقال: تنصرف آيات الربا بما إذا كانت الزيادة فيه عند حلول الأجل إذا لم يسدّد الدين، وأمّا شرط الزيادة من أوّل الأمر فالآيات منصرفة عنه. وقد نقل بعض المحقّقين(2) أنّ جمعاً من فقهاء السنّة كالسنهوري وإبراهيم زكي الدين بدوي ذهبا إلى أنّ الفائدة المتعارفة في عصرنا الحاضر لم تكن محرّمة في القرآن الكريم، لأنّها لم تكن داخلة في الربا الجاهلي.(2)
وربّما يؤيّد ذلك بما روي عنهم أنّهم كانوا يقولون للمديون: أتقضي أم تُربي، فيكون قرينة على أنّ الزيادة كانت تعتبر عند حلول الأجل لا قبله. ويشهد له أيضاً ما روي عن مجاهد، قال: في الربا الذي نهى الله عنه كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل، الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخّر عني، فيؤخّر عنه.(3)   --->

1 . مصادر الحق، للسنهوري:3/223.   2 . الأُستاذ الشيخ حسن الجواهري.
2 . لاحظ: نظرية الربا المحرم في الشريعة الإسلامية، لإبراهيم بدوي، وقد رجع عن هذا الرأي. كما في «الربا فقهياً واقتصاديّاً» وقد صدرنا عن هذا الكتاب في نقل الأقوال.
3 . تفسير الدر المنثور:2/108; جامع ا لبيان:3/140.

صفحه 18
<--- ومثله ما رُوي عن سعيد بن جبير في الآية، قال: «إنّ الرجل كان يكون له على الرجل المال، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب: أخّر عني وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك الربا أضعافاً مضاعفة».(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ قوله سبحانه :(وَحَرَّمَ الرِّبَا) يفيد بإطلاقه حرمة الزيادة مضافاً إلى ما يستحقّه، من غير فرق بين شرط الزيادة عند حلول الأجل أو شرطها في أوّل العقد.
وثانياً: أنّ اليهود هم الأساس لهذا العمل، ومن البعيد أن يكون الربا عندهم منحصراً في حالة الزيادة عند بلوغ الأجل، وهم الذين عُرفوا بالحرص على جمع الأموال.
وثالثاً: أنّ مقتضى القياس الأولوي هو حرمة الثاني، بطريق أولى; لأنّه إذا حرم الفضل عند حلول الأجل، فالأولى أن يكون حراماً من أوّل الأمر، فإنّ القسوة فيه أشدّ من الأوّل.
الربا المعاوضي أو الربا الفضلي   
ورابعاً: أنّ الرازي ذكر أنّ الربا في الجاهلية ما هو المتعارف اليوم فقال: اعلم أنّ الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل. أمّا ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية، وذلك أنّهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدراً معيّناً، ويكون رأس المال باقياً، ثمّ إذا حلّ الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحقّ والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به.(2)

1 . جامع البيان:4/119; الدر المنثور للسيوطي:2/71.   2. تفسير الرازي:7/91.

صفحه 19
وهو قسمان: معاملي وقرضي، أمّا الأوّل فهو بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية، كبيع منّ من الحنطة بمنّين أو بمنّ منها ودرهم، أو حكمية كمنّ منها نقداً بمنّ منها نسيئة.*

الفصل الأوّل:

الربا المعاوضي

أو

الربا الفضلي

* اشتهر بين الفقهاء تقسيم الربا إلى قسمين، فعبّر فقهاء الإمامية عن القسمين بقولهم:
1. الربا المعاوضي(المعاملي).
2. الربا القرضي.
والمعروف بين فقهاء السنّة التعبير عن القسمين بالربا الفضلي، والربا النسئي. والفرق بينهما واضح. فالأوّل عبارة عن بيع المتماثلين (أو مطلق معاوضة المتماثلين) بالفضل كأن يبيع كيلو من الحنطة بكيلو من الحنطة بإضافة شيء، سواء أكانت الإضافة عينية كأن يبيع: بكيلو حنطة منضماً بدرهم، أم حكمياً كما إذا باع مائة كيلو من حنطة، بمائة كيلو من حنطة وشرط معه أن يخيط له ثوباً ومثل المصنّف بما إذا كان أحد الجنسين نقداً والآخر نسيئة ومورد ما ذكره ما إذا كان أحد الجنسين أجود من الآخر    --->

صفحه 20
<--- فيدفع غير الأجود نقداً في مقابل الأجود نسيئة، فلو كانا متماثلين من جميع الجهات يصبح الأمر ديناً ولا إشكال فيه.
وأمّا الثاني ـ أي الربا القرضي ـ فسيأتي في الفصل الثالث من الكتاب، وسيأتي البحث فيه من المصنّف في كتاب الدين، وكان عليه(قدس سره) دراسة القسمين في مكان واحد.
تعريف الربا المعاوضي   

تعريف الربا المعاوضي

ثمّ إنّه (قدس سره) عرّف الربا المعاوضي بقوله: «فهو بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية» ثمّ مثّل بما في المتن «أو حكمية» كما تقدّم من المصنّف إذا كان أحد المثلين نقداً والآخر نسيئة.
ثمّ إنّ الدليل على حرمة بيع المتماثلين بالآخر مع الزيادة هو الروايات المتضافرة عن الفريقين بحيث تجعل المسألة أمراً واضحاً لا شبهة فيه، فلنذكر ما رواه أهل السنّة:
1. ما رواه أبو سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ مثلاً بمثل، ولا تشفوا(1) بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز».(2) متفق عليه.(3) وهذا أفضل ما روي في الباب.   --->

1 . أي تفضلوا وتزيدوا.
2 . بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني:176، باب الربا، برقم 3. وبما أنّ هذا الكتاب جمع كلّ ما روي عن النبي والصحابة من الأحاديث والآثار الفقهية، فقد اعتمدنا عليه مكان النقل عن الصحاح والسنن.
3 . أي رواه الشيخان في صحيحيهما.

صفحه 21
<--- 2. ما رواه عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد». رواه مسلم.(1)
ثمّ إنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«يداً بيد» قيد للجواز، أي إنّما يجوز إذا كانت المعاوضة نقداً، لا نسيئة، وألاّ يزيد أحد العوضين بزيادة حكمية، لأنّ للأجل قسطاً من الثمن.
هذا ما رواه أهل السنّة وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فنذكر منه ما يلي:
1. ما رواه الكليني بسند كالصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: «لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل، ثم قال: إنّ الشعير من الحنطة».(2)
2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال: «لا يباع مختومان من شعير بمختوم(3) من حنطة، ولا يباع إلاّ مثلاً بمثل، والتمر مثل ذلك».(4)   --->

1 . نفس المصدر برقم 4.
2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث2. قلنا كالصحيح لوجود سهل بن زياد في سنده.
3 . في «مجمع البحرين»: وفي الحديث سئل عن رجل أسلم دراهم في خمسة مخاتيم حنطة أو شعير، كأنّه يريد بالمخاتيم ما ختم عليه من صُبر الطعام المعلومة الخاتم، وهو ما يختم به الطعام من الخشب وغيره.(مجمع البحرين:6/54، مادة «ختم».)
4 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث4.

صفحه 22
والأقوى عدم اختصاصه بالبيع، بل يجري في سائر المعاملات كالصلح ونحوه.*
<--- 3. ما رواه الكليني بسند موثّق عن سماعة: قال: سألته عن الحنطة والشعير؟ فقال: «إذا كانا سواء فلا بأس».(1)
4. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام): قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا تبع الحنطة بالشعير إلاّ يداً بيد، ولا تبع قفيزاً من حنطة بقفيزين من شعير».(2) وقوله: «يداً بيد» دليل على حرمة الزيادة الحكميّة.
عدم اختصاص الحرمة بالبيع   

* عدم اختصاص الحرمة بالبيع

هل يختصّ التحريم بالبيع ولا يجري في غيره، أو يعمّ كلّ المعاوضات؟ قولان:
يظهر من المحقّق اختصاصه بالبيع قال: وهو يثبت في البيع مع وصفين: الجنسية والكيل والوزن.(3) ولكن يظهر من كتاب الصلح، خلافه حيث قال:ولو أتلف على رجل ثوباً قيمته درهم فصالحه عنه على درهمين، صحّ على الأشبه; لأنّ الصلح وقع عن الثوب لا عن الدرهم.(4) فإنّ   --->

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث6.
2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث8.
3 . شرائع الإسلام:2/43.
4 . شرائع الإسلام:2/122.

صفحه 23
<--- التعليل يدلّ على عدم الجواز إذا وقع الصلح على الدرهم.
وقال في «المسالك»: و ـ شرعاً ـ بيع أحد المتماثلين ـ المقدّرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع(صلى الله عليه وآله وسلم) أو في العادة ـ بالآخر، مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة وإن لم يكونا مقدّرين بهما(1)، إذا لم يكن باذل الزيادة حربيّاً، ولم يكن المتعاقدان والداً مع ولده، ولا زوجاً مع زوجته. وعلى القول بثبوته في كلّ معاوضة يبدّل البيع بالمعاوضة على أحد المتماثلين، إلى آخره.(2) أي يبدّل البيع في عبارة الشرائع بالمعاوضية ليشمل غير البيع أيضاً.
وحكى السيد العاملي في «مفتاح الكرامة» عموم الحكم لكلّ زيادة، وقال: وفي «حواشي الشهيد» و«آيات المقداد» و «جامع المقاصد»: إنّه شرعاً زيادة أحد العوضين، إلى آخر ما في «المسالك» ونحوهما ما في «فقه الراوندي»، قال: أصل الربا الزيادة، والربا هو الزيادة على رأس المال من جنسه أو مماثله.(3)
ثمّ إنّ السيد العاملي يقول: وقد يظهر ذلك ـ أي الاختصاص بالبيع ـ من المبسوط والخلاف والمراسم والوسيلة ومجمع البيان وغيرها. والمصنّف (أي العلاّمة الحلّي) في باب الغصب والصلح من الكتاب .(4)   --->

1 . فإنّ الربا القرضي حرام مطلقاً: مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً، أو مذروعاً.
2 . مسالك الأفهام:3/316.
3 . مفتاح الكرامة:9/864.
4 . مفتاح الكرامة:9/865.يريد من قوله:«وكذا القرض» أنّ المحرّم اثنان: البيع مع الزيادة، والقرض معها، وأمّا غيرهما فيبقى تحت أصالة الحلّ.

صفحه 24

<--- دليل القائل باختصاص الحرمة بالبيع

احتجّ القائل بالتخصيص بأنّه المتبادر من الإطلاق، وكذا القرض وأمّا غيرهما فلا يعلم جريانها فيه فيبقى على أصل الإباحة المؤيّد بظواهر الآيات والأخبار الدالّة على حصول الإباحة بالتراضي، وعلى حصر المحرّمات وليس هذا منها، وأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، خرج البيع والقرض وبقي الباقي.(1)
إنّ القائل استدلّ بأُمور ثلاثة:
1. أنّ المتبادر هو البيع، لا مطلق المعاوضة.
2. تسلّط الناس على أموالهم.
3. ما دلّ على خصوص الإباحة بالتراضي.
فيلاحظ على الأوّل: أنّه حجّة للقائل لا لغيره الذي يدّعي الإطلاق والشمول.
وعلى الثاني: أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الناس مسلّطون على أموالهم» إنّما يدل على تسلّطهم على أموالهم بعد ثبوت شرعية التصرّف، ولو شُكّ فيها فلا يصحّ التمسّك به وبأمثاله. وبعبارة أُخرى: إنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس مسلّطون على أموالهم» ليس بمشرّع فلا يلازم تسلّطُ الناس على أموالهم، شرعيةَ كلّ تصرّف أرادوه، إلاّ ما خرج بالدليل.   --->

1 . مفتاح الكرامة:9/865.

صفحه 25
<--- ويلاحظ على الثالث ـ أي أصالة الإباحة عند التراضي ـ بأنّها أصل لا موضوع له مع وجود الإطلاقات الواردة في الروايات التالية، ومعه لا موضوع للأصل، إذ لا يحتجّ بالأصل مع وجود الدليل الاجتهادي.
1. ما رواه الكليني عن أبي بصير وغيره، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «الحنطة والشعير رأساً برأس، لا يُزاد واحد منهما على الآخر».(1)
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «الدقيق بالحنطة، والسويق بالدقيق مثل بمثل لا بأس به».(2)
3. ما رواه الكليني عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ قال: فقال: «لا يجوز، إلاّ مثلاً بمثل»، ثم قال:«إنّ الشعير من الحنطة».(3)
4. ما رواه الشيخ عن الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الفضّة بالفضّة مثلاً بمثل، ليس فيه زيادة ولا نقصان، الزائد والمستزيد في النار».(4)
وجه الاستدلال: أنّ الموضوع للحرمة هو المثلية مع الإضافة، وهي متحقّقة في البيع والصلح من غير اختصاص بالأوّل.
نعم يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات ونظائرها أنّها بصدد بيان شرطية «المثلية» دون كيفية المعاملة، وأنّها هل هي بالبيع أو بالصلح والهبة.   --->

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام الربا، الحديث3.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب أحكام الربا، الحديث4.
3 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث2.
4 . الوسائل:12، الباب1 من أبواب الصرف، الحديث1.

صفحه 26
<--- والأولى أن يستدلّ بما ورد فيه لفظ «الاستبدال»; روى الكليني عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«كان علي(عليه السلام) يكره أن يَسْتبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة، لأنّ تمر خيبر أجودهما».(1)
وما ورد فيه لفظ المعاوضة; روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «الكيل يجري مجرى واحد، قال: ويكره قفيز لوز بقفيزين ـ إلى أن قال:ـ لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلاً ولا وزناً».(2)
وعلى ما ذكرنا يجري الربا في الموارد التالية:
1. الهبة المعوضة: لأنّها وإن كانت هبة في مقابل هبة إلاّ أنّها في اللب متّحدة حقيقة مع البيع، لأنّها مبادلة بين الموهوبين.
2. الصلح: إذا صالح منّاً من الحنطة الجيدة بمنّ ونصف من الحنطة الرديئة، فيجري فيه الربا بنفس البيان الماضي; لأنّها في الظاهر مصالحة بين الرجلين، ولكنّه في الواقع مبادلة بين الجنسين.
ويؤيّد ما ذكر ما في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد صاحبها إلاّ شعيراً، أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: «لا، إنّما أصلهما من واحد».(3) فإنّ إطلاق قوله:«أيصلح له   --->

1 . الوسائل:12، الباب15 من أبواب الربا، الحديث 2.
2 . الوسائل:12، الباب13 من أبواب الربا، الحديث3. والقفيز: يعادل قرابة 16 كيلو غراماً. و«اللوز» جمع لوزة، يقال لها بالفارسية: بادام. ثمر شجر يقارب الرمّان، منه بريّ ومنه بستاني، وكلّه إمّا حلو أو مرّ.
3 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث 4.

صفحه 27
<--- أن يأخذ اثنين بواحد» يشمل الأخذ بالصلح والهبة وغيرهما.
وما في صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه فيقول له: خذ مني مكان كلّ قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل، قال(عليه السلام): «لا يصلح».(1)
و لو جاز عن طريق الصلح لأرشده الإمام إليه.
3. الغرامات: إذا تلف منّاً من الحنطة الجيده فدفع إلى المالك منّاً ونصفاً من الرديئة، فالظاهر عدم الجواز لوقوع المعاوضة بين المتماثلين بزيادة; خلافاً للسيد اليزدي فقال: إنّها ليست بعنوان المعاوضة، بل بعنوان الغرامة، فلا بأس بزيادة أحدهما على الآخر.
وفيه تأمّل، إلاّ أن يُدّعى انصراف أخبار الربا المعاوضي عن صورة الغرامة.
4. القسمة: كما إذا اختلطت الحنطة الجيدة لشخص مع الحنطة الرديئة لشخص آخر، وكانتا في الكمية متساويتين، فلو اقتسما بالثلث والثلثين يكون ربا، اللّهمّ إلاّ أن يقال بأنّه لا يوصف به لعدم المعاوضة بل بعنوان تميز مال عن الآخر.
وفيه أيضاً تأمل إلاّ أن يُدّعى انصراف الأخبار عن هذه الصورة أيضاً.
وسيأتي في الاستدراك الثاني ما له صلة بالمقام.

1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث1. والأكرار جمع كر، وهو مكيال للعراق يسع ستين قفيزاً. لاحظ: القاموس المحيط للفيروزآبادي:2/126، مادة «كرر».

صفحه 28
و شرطه أمران:
الأوّل: اتّحاد الجنس عرفاً، فكلّما صدق عليه الحنطة أو الأرز أو التمر أو العنب بنظر العرف وحكموا بالوحدة الجنسية فلا يجوز بيع بعضها ببعض بالتفاضل وإن تخالفا في الصفات والخواص، فلا يجوز التفاضل بين الحنطة الرديّة الحمراء والجيّدة البيضاء، ولا بين العنبر الجيّد من الأرز والردي من الشنبة، ورديّ الزاهدي من التمر وجيد الخستاوي، وغير ذلك ممّا يعدّ عرفاً جنساً واحداً، بخلاف ما لا يعد كذلك كالحنطة والعدس، فلا مانع من التفاضل بينهما.*

شروط تحقق الربا

* إنّ حرمة الزيادة في معاوضة المثلين مشروطة بشرطين:
الشرط الأوّل من شروط تحقّق الربا: اتّحاد الجنس عرفاً   

الشرط الأوّل: اتّحاد الجنس عرفاً

أُريد من اتّحاد الجنس وقوع الشيئين تحت لفظ واحد، كالحنطة التي تقع تحتها الحنطة الرديئة الحمراء والجيّدة البيضاء، والأرز الذي يقع تحته العنبر الجيّد من الأرز والرديء من الشنبة، والتمر الذي يقع تحته رديء الزاهدي وجيد الخستاوي، فالجميع حنطة وأرز وتمر، وإن اختلفا في الصفات، بخلاف ما يتناولاهما لفظان كالحنطة والعدس، فلا مانع من التفاضل بينهما.
هذا إيضاح ما في المتن، وأمّا الدليل عليه، فما يلي:   --->

صفحه 29
<--- الأوّل: الإجماع
الإجماع المحكي عن الغنية والسرائر والمختلف، والظاهر أنّ الإجماع مدركي مستند إلى النصوص الواردة في أحاديث الفريقين.
الثاني: الروايات
1. ما رواه الشيخ باسناده عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قال:«يا عمر قد أحلّ الله البيع وحرّم الربا، بع واربح، ولا تربه». قلت: وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم، مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل».(1)
2. ما رواه الشيخ أيضاً عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال: «لا بأس به»، والثوب بالثوبين، قال:«لا بأس به» والفرس بالفرسين، فقال: «لا بأس به»، ثم قال:«كلّ شيء يكال أو يوزن فلا يصلح(2) مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد».(3)
3. ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في حديث عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد».(4) إلى غير ذلك   --->

1 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب الربا، الحديث2.
2 . الفاعل هو الضمير العائد إلى كلّ شيء وما بعده منصوب على الحالية، أو بلفظ مقدّر نظير بيع مثلين بمثل أو مبادلة مثلين.
3 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث3.
4 . الوسائل:12، الباب13 من أبواب الربا، الحديث1.

صفحه 30
<--- من الأحاديث التي مرّت وربّما تأتي.
أقول: إنّه سبحانه حرم معاوضة المثلين بالزيادة العينية والحكمية، وما ذلك إلاّ لسدّ باب الربا القرضي، وتحريماً له، توضيحه:
إنّ الإقراض بشرط الزيادة حرام مطلقاً ـ سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً ـ فلو جازت معاوضة المثلين مع الزيادة، لدخل المرابي من هذا الباب، فمكان أن يُقرض مئة كيلو غرام حنطة بشرط الزيادة، يبيع هذا المقدار من الحنطة بمئة وعشرين كيلو غراماً منها، محتجّاً بأنّ الإقراض مع الزيادة حرام دون البيع معها.
وبعبارة أُخرى: المرابي يعرض عن الإقراض حتى لا يتّهم بالربا، ويفتح باب البيع بوجهه ويصل إلى نفس النتيجة التي يطلبها في القرض.
فالتشريع الإسلامي سدّاً لباب الربا حرّم بيع المتماثلين مع الزيادة.
انواع بيع المتماثلين والمتخالفين    
نعم جوّز بيع المتماثلين بشرط عدم الزيادة العينية نقداً، من الطرفين لا مع الزيادة كما إذا باع مئة كيلو غرام من الحنطة البيضاء بمئة وعشرين كيلو غراماً من الرديئة الحمراء،(1) فهذا حرام للتفاضل; وبشرط عدم الزيادة الحكمية لا معها، كما إذا باع مئة كيلو غرام من الحنطة السوداء نقداً، بمئة كيلو غرام من الحنطة البيضاء نسيئة، فهذا أيضاً حرام لا لأجل الزيادة العينية، بل لأجل الزيادة الحكمية حيث إنّ للأجل قسطاً من الثمن، فالمشتري له نفس العوض مع شيء آخر وهو الأجل. فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ بيع المتماثلين مع عدم التفاضل جائز إذا لم تكن هناك زيادة عينية أو حكمية.   --->

1 . بيع المتماثلين من جميع الجهات نقداً، أمر لغو، ولذلك قيّدنا بالاختلاف في الوصف .

صفحه 31
<--- هذا كلّه في المتماثلين وأمّا المختلفان فهو خارج عن موضوع بحثنا، كبيع منّ من الأُرز بمنّ من الماش، فمع عدم التفاضل عيناً أو حكماً لا إشكال فيه، وأمّا مع التفاضل ففيه اختلاف. والحقّ الجواز، إذا كان البيع نقداً، لقوله(عليه السلام):«إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يداً بيد»(1)، وبما أنّه يخصّ الجواز عند التفاضل بالنقد فلا يجوز إذا باع مع التفاضل نسيئة، ولقوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».(2)
وعلى هذا فعدم الجواز مع التفاضل في النسيئة أمر تعبّدي. وإذا أردت الإحاطة بصور المسألة، فلاحظ:
1. بيع المتماثلين نقداً بلا تفاضل... يجوز.
2. بيع المتماثلين مع التفاضل نقداً... لا يجوز.
3. بيع المتماثلين بلا تفاضل نسيئة... لا يجوز.
4. بيع المتخالفين بلا تفاضل... يجوز.
5. بيع المتخالفين مع التفاضل نقداً... يجوز.
6. بيع المتخالفين مع التفاضل نسيئة... فالأولى الاجتناب لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يداً بيد». في مورد المتخالفين.
روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء بتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأمّا نظرة   --->

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث1.
2 . بلوغ المرام:176، برقم 4.

صفحه 32
<--- فلا يصلح».(1) وذهب المشهور إلى الكراهة حملاً للنهي عليها.

الموضوع استبدال المثلين بزيادة

لا شكّ أنّ الموضوع للحرمة، هو استبدال المثلين بزيادة وجوازه عند اختلافهما، روى الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يداً بيد».(2)
روى عبادة بن الصامت(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الذهب بالذهب ـ إلى أن قال: ـ مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».(3)
وعلى هذا فالموضوع للحرمة والحلّية، هو المتماثل والمتخالف، ومن المعلوم أنّ المرجع لهما هو العرف، فما يراه العرف متماثلين يحرم التفاضل، وما يراه متخالفين تجوز فيه الزيادة، ومن المعلوم أنّ الحنطة والشعير متخالفان فعدّهما متماثلين إنّما هو للتعبّد على خلاف الضابطة، أعني: الأحكام تابعة للأسماء.(3) ويدلّ على ما ذكرنا أمران:
الحنطة والشعير من جنس واحد   
1. لو حلف أن لا يأكل الحنطة لا تنقض يمينه بأكل الشعير.
2. إذا كانت عنده حنطة وشعير كلّ دون النصاب فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر.   --->

1 . الوسائل:12، الباب 13 من أبواب الربا، الحديث2.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث1.   3 . بلوغ المرام:176، نقلاً عن صحيح مسلم.
3 . سيأتي من المصنف (قدس سره)في المسألة الأُولى أن الشعير والحنطة في باب الربا، بحكم جنس واحد، ونحن قدّمنا الكلام هنا، وأوجزنا الكلام هناك.

صفحه 33
<--- لكن الأصحاب تبعاً للروايات طرحوا هذه الضابطة وهي: أنّ الأحكام تابعة للأسماء، وحكموا بتماثل شيئين هما من المتخالفين عند العرف، وإن كنت في شكّ من ذلك فاستمع لما نتلوه عليك من المحقّق في «الشرائع» حيث قال:
والحنطة والشعير جنس واحد في الربا على الأظهر، لتناول اسم الطعام لهما. وثمرة النخل جنس واحد، وإن اختلفت أنواعه، وكذا ثمرة الكرم. وكلّ ما يُعمل من جنس واحد، يحرم التفاضل فيه، كالحنطة بدقيقها، والشعير بسويقه، والدبس المعمول من التمر بالتمر، وكذا ما يعمل من العنب بالعنب... والألبان تتبع اللحوم في التجانس والاختلاف. ولا يجوز التفاضل بين ما يستخرج من اللبن وبينه، كزبد البقر مثلاً بحليبه، ومخيضه وأقطه. والأدهان تتبع ما يستخرج منه، فدهن السمسم جنس، وكذا ما يضاف إليه كدهن البنفسج والنيلوفر، ودهن البذر جنس آخر، والخلول تتبع ما تعمل منه، فخل العنب مخالف لخل الدبس.(1)
وما ذكره صاحب الشرائع هو المستفاد من الروايات، فقد عقد صاحب الوسائل باباً أسماه بـ:«باب أنّ الحنطة والشعير جنس واحد في الربا» والذي اشتمل على ثمان روايات نذكر منها ما يلي:
1. روى الكليني عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سُئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار، فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه،   --->

1 . شرائع الإسلام:2/44ـ 45. المخيض اللبن الذي استخرج زبده بوضع الماء فيه وتحريكه، فإذا طبخ يكون أقطاً.

صفحه 34
<--- فيقول له: خذ منّي مكان كلّ قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل؟ قال: لا يصلح، لأنّ أصل الشعير من الحنطة، ولكن يردّ عليه الدراهم بحساب ما ينقص من الكيل».(1)
2. روى الشيخ بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟فقال:«لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل»، ثم قال:«إنّ الشعير من الحنطة».(2)
وعقد باباً آخر تحت عنوان: «أنّ حكم الدقيق والسويق ونحوهما حكم ما يكونان منه» وأورد فيه ست روايات، منها:
3. روى الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في البر بالسويق؟ فقال:«مثلاً بمثل لا بأس» قلت: إنّه يكون له ريع(3)إنّه يكون له فضل؟ فقال: «أليس له مؤونة» فقلت: بلى، قال:«هذا بذا». وقال:«إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يداً بيد».(4)
مخالفة ابن إدريس لما هو المشهور في المسألة   
4. وروى أيضاً عن محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل، والسويق بالسويق مثلاً بمثل، والشعير   --->

1 . الوسائل:12، الباب 8 من أبواب الربا، الحديث1.
2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث2، ولاحظ بقية روايات الباب.
3 . الريع بمعنى الزيادة في جانب الحنطة، لأنّها حنطة خالصة، وأمّا السويق فأكثره طحين وشيء منه سكر وغيره، وعندئذ يكون جانب السويق أقل، والإمام يجيب بأنّ السويق رهن مؤونة، فتكون مقابل لما نقص من الطحين.
4 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث1.

صفحه 35
<--- بالحنطة مثلاً بمثل لا بأس به».(1)
والأصحاب يرجعون في فتاواهم هذه إلى الضابطة الواردة في الروايات السابقة من قولهم(عليهم السلام):«إنّما أصلهما واحد».
أقول: لولا التعبّد لكانت الضابطة ما ذكرنا من أنّ الأحكام تدور مدار الأسماء، وإلاّ فأين الحنطة من الشعير، وأين الغنم من المعز؟!
ولعلّ إصرار الروايات على أنّ الحنطة والشعير من جنس واحد، إنّما هو لأجل سدّ باب الربا; وذلك لأنّ التعامل بالدرهم والدينار، كان يوم ذاك قليلاً لعدم وجود دار الضرب في الحجاز والعراق عصر النبي وبعده، وكان الناس يتعاملون معهما معاملة العملة الذهبية أو الفضية، فالحكم بتماثلهما لأجل سد باب الربا، إذ لولا الحكم بالتماثل فالمرابي، يبيع مائة كيلو حنطة نقداً، بمائة وعشرين كيلو شعيراً نسيئة،(2) بحجّة أنّ الحرام هو الإقراض لا البيع، فصار عدّهما مثلين، سبباً لعدم التطرّق إلى الربا من هذا الباب.
ثمّ إنّ صاحب السرائر أعلن المخالفة لهذه الضابطة وزعم أنّ روايات الباب، روايات آحاد وهو لا يعمل بها، ولا بأس بنقل كلامه، حيث إنّه بعدما نقل كلام الشيخ الطوسي في نهايته، عقبه بقوله: قال محمد بن إدريس: لا خلاف بين المسلمين، العامّة والخاصّة، أنّ الحنطة والشعير جنسان مختلفان، أحدهما غير الآخر، حسّاً ونطقاً، ولا خلاف بين أهل اللغة واللسان العربي في ذلك، فمَن ادّعى أنّهما جنس واحد، أو كالجنس الواحد،   --->

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث2، ولاحظ بقية روايات الباب.
2 . خصوصاً إذا قلنا بأن البيع نسيئة مع الفضل عند اختلاف الجنسين مكروه كما هو المشهور.

صفحه 36
<--- يحتاج إلى أدلّة قاطعة للأعذار، من إجماع منعقد، أو كتاب، أو سنّة متواترة; ولا إجماع على ذلك، ولا نصّ في كتاب الله تعالى، ولا سنّة مقطوعاً بها متواترة، وقد قلنا: إنّ أخبار الآحاد، لا توجب علماً ولا عملاً، ولا يخص بها الإجماع، ولا الأدلّة.
ثمّ لم يذهب إلى هذا القول، غير شيخنا أبي جعفر الطوسي(رحمه الله) وشيخنا المفيد(رحمه الله)، في مقنعته، ومَن قلده في مقالته، وتبعه في تصنيفه، بل جلّة أصحابنا المتقدّمين، ورؤساء مشايخنا المصنّفين الماضين ـ رحمهم الله ـ لم يتعرّضوا لذلك، بل أفتوا، وصنّفوا، ووضعوا في كتبهم، أنّه إذا اختلف الجنس، فلا بأس ببيع الواحد بالاثنين، من المكيل والموزون، على العموم والإطلاق، من سائر المكيلات والموزونات، ولم يستثنوا من ذلك إلاّ الدنانير والدراهم، في بيع النسيئة(1) فحسب، مثل شيخنا ابن بابويه في كتاب «مَن لا يحضره الفقيه»، فإنّ هذا مذهبه ومقالته في مقنعه وسائر كتبه، وكذلك السيّد المرتضى، وعلي بن بابويه، وغير هؤلاء من المشيخة والفقهاء، وأبو علي ابن الجنيد، من كبار فقهاء أصحابنا، ذكر المسألة وحقّقها، وأوضحها في كتابه:«الأحمدي للفقه المحمدي»، فإنّه قال: لا بأس بالتفاضل بين الحنطة والشعير، لأنّهما جنسان مختلفان.
اعتراض صاحب الجواهر على ابن إدريس    
وكذلك ابن أبي عقيل، من كبار مصنّفي أصحابنا، ذكر في كتابه، فقال: وإذا اختلف الجنسان، فلا بأس ببيع الواحد بأكثر منه، وقد قيل: لا   --->

1 . حيث إنّه يعتبر في بيع النقدين المتماثلين أو المتخالفين، التقابض في المجلس، كما سيأتي وجهه.

صفحه 37
<--- يجوز الحنطة بالشعير، إلاّ مثلاً بمثل سواء، لأنّهما من جنس واحد، بذلك جاءت بعض الأخبار، والقول والعمل على الأوّل، هذا آخر كلامه.
وأيضاً قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) يعضد ذلك، ويشيّده، وأيضاً قوله(عليه السلام)المجمع عليه: «إذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم»، وقد اختلف الجنس في الحنطة والشعير، صورة وشكلاً، ولوناً وطعماً، ونطقاً وإدراكاً وحسّاً، فإذا كان لا إجماع على المسألة، ولا كتاب الله تعالى، ولا سنّة متواترة، بل الكتاب المنزل على الرسول(عليه السلام) يخالفها، والإجماع من الفرقة المحقّة يضادها، ودليل العقل يأباها، فما بقي إلاّ تقليد الواضع لها في كتابه، ولا خلاف أنّه لا يجوز تقليد ما يوجد في سواد الكتب إذا لم تقم على صحّته الأدلّة الواضحة والبراهين اللائحة.
ثمّ إنّه أفتى بجواز بيع قفيز من الذرة أو غيرها من الحبوب بقفيزين من الحنطة أو الشعير، أو غيرهما من الحبوب استناداً إلى قوله(عليه السلام):«إذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم».(1)
والعجب أنّ العلاّمة الحلّيّ اغترّ بكلام ابن إدريس، وقال: قال الشيخ: الحنطة والشعير جنس واحد، وقال ابن عقيل وباقي علمائنا أنّهما جنسان، والأوّل أقرب.(2) ولذلك اعترض عليه في «الجواهر» وقال:إذ لم نعرف مَن عنى بالباقي غير ابني الجنيد وإدريس.(3)   --->

1 . السرائر:2/254ـ256.
2 . تحرير الأحكام:2/303.
3 . جواهر الكلام:23/346.

صفحه 38
<--- أقول: ذكر العلاّمة في «المختلف» أنّ القائل بالتعدّد ينحصر في القديمين وابن إدريس، وأمّا غيرهم فمجمعون على أنّهما من جنس واحد.(1)

هنا مسألتان:

1. ما هي الضابطة في المثلية؟
2. إذا شككنا في أنّ العوضين متماثلان أو مختلفان فما هو المرجع؟
وإليك دراسة المسألتين:
ما هي الضابطة في المثلية؟   

المسألة الأُولى: ما هي الضابطة في المثلية؟

قد تقدّم أنّ الشرع عدّ الحنطة والشعير من جنس واحد، هذا من جانب ومن جانب آخر اختلف لسان الروايات في بيان ضابطة المثلية، فيطرح السؤال التالي: ما هي الضابطة في المثلية؟ أمّا الروايات فإليك بيانها:
1. الاتّحاد في النوع; فقد روى سماعة، قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب؟ قال:«لا يصلح شيء منه اثنان بواحد، إلاّ أن يصرفه نوعاً إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد وأكثر».(2)
2. الاتّحاد في الجنس; كما في رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:«كلّ شيء يُكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل   --->

1 . لاحظ: مختلف الشيعة:5/119، المسألة 79 من كتاب المتاجر.
2 . الوسائل:12، الباب13 من أبواب الربا، الحديث5.

صفحه 39
<--- إذا كان من جنس واحد».(1)
3. الاتّحاد في الصنف; كما في رواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين؟ فقال:«كره ذلك علي(عليه السلام)فنحن نكرهه إلاّ أن يختلف الصنفان».(2)
4. كونهما من أصل واحد; كما في رواية الكليني عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سُئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار، فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له: خذ منّي مكان كلّ قفيز حنطة قفيزين من شعير، حتى تستوفي ما نقص الكيل؟ قال:«لا يصلح لأنّ أصل الشعير من الحنطة».(3)
5. وفي مرسلة علي بن إبراهيم: وما كان أصله واحداً.(4)
6. ما يركّز على المثلية; كما في رواية الكليني عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أيجوز قفيز حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: «لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل، ثم قال: إنّ الشعير من الحنطة».(5)
7. ما يحدّد الموضوع بذكر المثال; كما في رواية محمد بن مسلم، قال: قلت له: ما تقول في البُر والسويق؟ فقال: «مثلاً بمثل».(6)   --->

1 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث3.
2 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث7.
3 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث1.
4 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث12.
5 . الوسائل:12، الباب 8 من أبواب الربا، الحديث2.
6 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث1.

صفحه 40
<--- ونظيره ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يدفع إلى الطحّان الطعامَ فيقاطعه على أن يعطي صاحبه لكلّ عشرة أرطال اثني عشر دقيقاً؟ قال:«لا».(1)(لأنّ المن الواحد من الدقيق أكبر حجماً من الحنطة بنفس الوزن، ولذلك يريد السائل التفاضل ليتفقا في الوزن وإن اختلفا حجماً).
7. ونظيره ما رواه غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنّ علياً(عليه السلام) كره بيع اللحم بالحيوان.(2)
ترى في هذه الروايات أنّه عُدّ البر والسويق، والطعام والدقيق، واللحم والحيوان، متماثلان، فالجمع بين هذه الروايات والخروج بضابطة دقيقة بحيث يكون ميزاناً لتمييز المتماثل عن المخالف، مشكل جدّاً.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الميزان دخولهما تحت نوع واحد، وهذا هو الذي ورد في قسم من الروايات.
حكم الشك في التماثل والاختلاف   
ما رواه مسلم بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل».(3)
والذي يقتضيه النظر أن يقال: إنّ الميزان أحد الأُمور الثلاثة:   --->

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث3.
2 . الوسائل:12، الباب11 من أبواب الربا، الحديث1.
3 . بلوغ المرام من أدلة الأحكام:176، رواه مسلم في صحيحه.

صفحه 41
<--- 1. كونهما تحت عنوان واحد، بحمل النوع والجنس والصنف على الوحدة النوعية.
2. كونهما من أصل واحد حقيقة، كالسمسم والشيرج(1)، واللبن والجبن، والمخيض(2) واللباء(3)، حتى والتمر وخلّه. والعنب وخلّه، وكلاهما مع دبسهما.
3. كونهما من أصل واحد تعبّداً، كالحنطة بالنسبة إلى الشعير، وقد فُسّر كونهما من أصل واحد بأنّ ما أخذه آدم صار حنطة، وما أخذته حواء صار شعيراً.(4) وستوافيك دراسة هذا البحث في المسألة رقم 1، من كلام المصنف(لفرع الأوّل)، فلاحظ.

المسألة الثانية: حكم الشك في التماثل والاختلاف

إذا شُكّ في مثلية العوضين واختلافهما، وذلك كالسلت بالنسبة إلى الشعير، والعلس بالنسبة إلى الحنطة.
أمّا الأوّل فقيل إنّه أشبه بالشعير، إلاّ أنّه لا قشر له; والثاني أشبه بالحنطة له حبتان في قشر واحد.
إذا شُكّ في مثلية الشيئين فهل تجوز المعاوضة بالتفاضل أو لا؟   --->

1 . الشيرج: دهن السمسم.
2 . المخيض: اللبن الذي استخرج زبده بوضع الماء فيه وتحريكه.
3 . اللباء: أول اللبن في النتاج.
4 . لاحظ: علل الشرائع:2/574، ح2، الباب 376; بحار الأنوار:11/111، ح29.

صفحه 42
<--- اختار السيد الطباطبائي جوازها مع التفاضل قائلاً: بأنّ حرمة التفاضل معلّقة على الاتّحاد، المشكوك تحقّقه، الموجب للشكّ في حرمته، فيرجع فيه إلى عموم قوله: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ).
يلاحظ عليه: بأنّ الحلّية أيضاً معلّقة على الاختلاف كما ورد «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»، فسقط العمل بالدليلين فالاختلاف مشكوك كالاتّحاد.
ثمّ إنّه(قدس سره) لمّا التفت إلى أنّ التمسّك بالعموم في المقام من قبيل التمسّك به في الشبهة المصداقية للمخصص، وهو أمر غير جائز، حاول(قدس سره) أن يذكر الإشكال ويجيب عنه.
كلام صاحب العروة في الشكّ في المثلية   
أمّا الإشكال فقال:إنّ قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) خصّص بحرمة التفاضل في المثلين، والمورد مردّد بين بقائه تحت العام إذا كانا غير متماثلين وخروجه عنه إذا كانا متماثلين، وفي مثله لا يصحّ التمسّك بالعام.
ثمّ إنّه(قدس سره) أجاب عن الإشكال بقوله: بمنع عدم جواز التمسّك بعد ظهور العام في جميع أفراده التي منها الفرد المشتبه، فلابدّ من شمول حكمه له، بخلاف الخاصّ فإنّ المفروض عدم تحقّق فردية المشكوك له حتى يشمله حكمه.(1) أي شمول العام للفرد المشتبه قطعيّ، وخروجه عن تحته مشكوك، على خلاف الخاص فإنّ شموله للفرد المشتبه، مشكوك ابتداءً.
يلاحظ عليه: أنّ هنا دليلين مختلفين بالنفي والإثبات وهما:   --->

1 . ملحقات العروة الوثقى: 20.

صفحه 43
<--- 1. لا يجوز بيع المتماثلين مع التفاضل.
2. يجوز بيع المختلفين مع التفاضل.
والمورد كالسلت مع الشعير، إما من مصاديق الدليل الأوّل أو من مصاديق الدليل الثاني، ومع الشكّ في المصداق لا يصحّ التمسّك بأحد الدليلين.
فإن قلت: إنّ الشكّ في كون المورد من مصاديق أحد الدليلين وإن كان يصدّنا عن التمسّك بهما، لكنّه لا يصدّنا عن التمسّك بالعام الفوقاني ـ أعني قوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) ـ إذ نشكّ في خروج المورد (مبادلة السلت بالشعير مع التفاضل) عن تحت العام.
قلت: لا فرق بين العامّين الانتزاعيين على ما مثلنا وهذا العام المصطلح بالعام الفوقاني; لأنّه أيضاً خصّص بخروج المتماثلين مع التفاضل عن تحته، والمورد وإن كان مصداقاً للعام حسب الإرادة الاستعمالية (حلّية البيع على وجه الإطلاق) لكنّه مشكوك المصداقية بالنسبة إلى الإرادة الجدّية; لأنّ قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«الذهب بالذهب، مثلاً بمثل» خصّص العام الفوقاني، وأخرج عن تحته المتماثلين مع التفاضل، وبذلك جعل العام ـ أعني قوله: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) ـ حجّة في غير عنوان الخاص، أي في غير المتماثلين مع التفاضل، فإذن موضوع العام كالتالي: أحلّ الله البيع في غير المتماثلين مع التفاضل، ومع الشك في كونهما متماثلين أو لا، يكون التمسّك بالعامّ تمسّكاً به في الشبهة المصداقية وأنّ المورد مع فرض الزيادة هل هو غير متماثلين   --->

صفحه 44
<--- فيكون مصداقاً للعام، أو متماثلان فيكون خارجاً عنه، ومعه لا يمكن التمسّك بالدليل مع الشك في الموضوع.
وبما ذكرنا يظهر ضعف قوله:«بعد ظهور العام في جميع أفراده التي منها الفرد المشتبه فلابدّ من شمول حكمه له».
وجه الضعف: أنّ ما ادّعاه من ظهور العام في الفرد المشتبه، إنّما يصحّ حسب الإرادة الاستعمالية، إذ لم يؤخذ فيها قيد سوى كون الشيء بيعاً، ولكنّها ليست بحجّة، ما لم يحرز مطابقتها للإرادة الجدّية، والموضوع حسب الإرادة الجدّية عبارة عن حلّية بيع المتماثلين بلا تفاضل، ومع الشكّ في كون السلت والشعير متماثلين أو لا مع فرض الزيادة يلازم الشكّ في كون المورد مصداقاً للإرادة الجدّية.
نقد كلام صاحب العروة في الشكّ في المثلية   
فإن قلت: إنّ قوله(عليه السلام): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» من قبيل الخاصّ الموافق للعامّ، ومثله لا يكون مقيّداً للعامّ إذا كان منفصلاً.(1)
قلت: ما ذكره صحيح وهو أنّ الخاصّ المنفصل لا يقيّد موضوع الدليل حسب الإرادة الاستعمالية، ولا ينتقض ظهور العامّ بالدليل المنفصل، ولكنّه يجعل العامّ حجّة في غير عنوان الخاصّ، ويقيّد موضوع الدليل لبّاً، فكأنّه سبحانه قال: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)بالتفاضل في مختلفي الجنس، والمفروض وجود الشكّ في الموضوع وأنّهما مختلفان أو لا.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي حاول إثبات الصحّة عن طريق   --->

1 . ملحقات العروة الوثقى: 21.

صفحه 45
<--- الأُصول العملية. وإليك بيانها:

1. التمسّك بحديث الرفع

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي تنازل عن التمسّك بالدليل الاجتهادي إلى التمسّك بالأصل العملي، وقال: نتمسّك في المقام بحديث الرفع ونحوه في نفي الجزئية والشرطية والمانعية، عن الشبهات الحكمية، وفي نفي المانعية في الشبهة الموضوعية كاحتمال اشتمال الثوب الملبوس على ما لا يؤكل لحمه، والمورد من القسم الثاني.(1)
يلاحظ عليه: أمّا جريان حديث الرفع في الشبهة الحكمية فلا صلة له بالمقام; لأنّ مرجع الشكّ هناك إلى تقييد إطلاق الدليل، كقوله(عليه السلام):«صلّوا كما رأيتموني أُصلّي». على فرض وجوده وإلاّ فالأصل كما أفاد، وأمّا جريانه في نفي المانعية في الشبهة الموضوعية، كاشتمال الثوب الملبوس على ما لا يؤكل لحمه، فممنوع جدّاً، إذ ليس بيان الموضوع من وظيفة الشارع، حتى يتمسّك به بحديث الرفع.
نعم يتمسّك عند الشكّ في المانعية بالاستصحاب على ما قُرر في محلّه، أي استصحاب عدم كون المصلّي حاملاً لما لا يؤكل لحمه.
وأمّا المقام فليس هاهنا حالة سابقة حتى يتمسّك بالاستصحاب. فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ حديث الرفع لا يجري في الشبهة--->

1 . ملحقات العروة الوثقى: 21، بتصرّف.

صفحه 46
<--- الموضوعية، والمورد من قبيل الشبهة الموضوعية، وأمّا ما يجري فيها فإنّما هو الاستصحاب، والمقام فاقد للحالة السابقة.
الاستدلال بموثقة مسعدة ونقده   

2. التمسّك بأصالة الحلّ

ثمّ إنّه(قدس سره) أفاد أخيراً بجواز التمسّك بأصالة الحلّ، من حيث الحرمة التكليفية، فإذا بعنا قفيزاً من الشعير بقفيز من السُّلت، نشك أنّه حرام تكليفاً أو لا؟ فإذا قلنا بالحلّية للأصل، يترتّب عليه حلّيته وضعاً، أي صحّة المعاملة ثم استشهد بمثالين:
1. إذا شُكّ في مائع أنّه خمر أو خلّ، فيحكم بحليّة شربه لأصالة الحل، ويترتّب عليه جواز بيعه وضعاً.
2. إذا شكّ في طهارة مائع ونجاسته، يحكم عليه بالطهارة لقوله(عليه السلام):«كلّ شيء طاهر» ويترتّب عليه جواز بيعه، فالمقام من قبيل المثالين.
يلاحظ عليه: أمّا المثال الأوّل فلا تجري فيه أصالة الحليّة لما قلنا في محلّه، من أنّ الشبهة الموضوعية يجب فيها الفحص حسب الإمكان العادي، وأمّا الثاني، فالحكم التكليفي لأجل وجود أصل مُحرز وهو قوله(عليه السلام):«كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» فإذا ثبتت طهارته يكون مصداقاً لدليل آخر وهو: «يجوز بيع كلّ طاهر إذا اشتمل على منفعة».   --->

صفحه 47

<--- 3. التمسّك بحديث مسعدة بن صدقة

ثمّ إنّه(قدس سره)تمسّك بحديث مسعدة بن صدقة، والذي رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(1)
قلت: إنّ حديث مسعدة لا يخلو من إشكال فإنّ حلّية الثوب أو المملوك ليست مستندة إلى أصالة الحلّية، بل مستندة إلى قاعدة اليد، فإنّ يد البائع أمارة الملكية ومعها لا تصل النوبة إلى الأصل.
وأمّا الحكم بالحلّية في المرأة المتزوجة فلأجل أصل عقلائي ينفى كلا الاحتمالين، إذ لو كانا لذاعا، وأين هذا من الشك في كون العوضين متماثلين أو متخالفين؟!
فإن قلت: فما هو المرجع عند قصور اليد عن الدليل الاجتهادي؟
قلت: المرجع هو أصالة الفساد وعدم تّرتب الأثر، وبقاء العوضين في ملك مالكهما قبل العقد.

1 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

صفحه 48
الشرط الثاني من شروط تحقّق الربا: اشتراط كونهما مكيلين أو موزونين   
الثاني: كون العوضين من المكيل أو الموزون، فلا ربا فيما يباع بالعدّ أو المشاهدة.*
هذا كلّه حول الشرط الأوّل.
***
* الشرط الثاني: اشتراط كونهما مكيلين أو موزونين.
قال المحقّق: الشرط الثاني: اعتبار الكيل والوزن، فلا ربا إلاّ في مكيل أو موزون، وبالمساواة فيهما يزول تحريم الرّبويات. فلو باع ما لا كيل فيه ولا وزن متفاضلاً جاز، ولو كان معدوداً ـ كالثوب بالثوبين وبالثياب، والبيضة بالبيضتين والبيض ـ نقداً، وفي النسيئة تردّد، والمنع أحوط.(1)
وقال السيد العاملي: بيّنا أنّه لا ربا في المعدود وأنّه المشهور، وحكينا اختياره صريحاً عن سبعة وعشرين كتاباً، وأنّه ظاهر الدروس وغاية المراد وأنّه المحكيّ عن علي بن بابويه والحسن والقاضي، ومجمع البيان، وأنّ المخالف القائل بثبوته في غير المكيل والموزون وأنّه يحرم التفاضل مع التجانس نقداً أو نسيئة، المفيد وأبو يعلى فيما حكي عنه، واستوفينا الكلام في ذلك، وقد علمت أنّه قد أجمع المسلمون على ثبوت الربا في الأشياء الستة، وأنّ أصحابنا استندوا إلى ثبوته في كلّ مكيل وموزون إلى النص.(2)
وأمّا الكتب التي أشار إليها فقد ذكر أسماءها في ذلك الجزء، ص:872 .   --->

1 . شرائع الإسلام:2/45.
2 . مفتاح الكرامة:9/385ـ 386.

صفحه 49
<--- وأراد بقوله: من الأجناس الستة، ما رواه عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح» رواه مسلم.(1)
أقول: قد عقد صاحب الوسائل باباً أسماه بـ«باب أنّه لا يحرم الربا في المعدود والمذروع، لكن يكره» وإليك بعض ما روي فيه:
1. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلاً ولا وزناً».(2)
2. ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن البيضة بالبيضتين، قال: لا بأس به»، والثوب بالثوبين، قال: «لا بأس به» إلخ.(3)
3. ما رواه الصدوق عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«البعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين يداً بيد ليس به بأس، وقال: لا بأس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسيئة إذا وصفتهما».(4)

إشكال وإجابة

أقول: إنّ الشرط الثاني ممّا انفردت به الإمامية في الربا المعاوضي(5)،   --->

1 . بلوغ المرام:176، باب الربا، برقم 4.
2 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث3.
3 . لاحظ: الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث3.
4 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث1.
5 . لاحظ: تذكرة الفقهاء: 10/194. إذ لا ينسب هذا الشرط إلى غير الإمامية، فتدبّر.

صفحه 50
<--- وقالوا بحصر الربا فيما إذا كان العوضان ممّا يُكال أو يوزن، وأمّا إذا كانا ممّا يُعدّان أو يذرعان، فمعاوضة المثلين منهما مع الإضافة، لا إشكال فيه.
ثمّ إنّهم خصّوا هذا الشرط بالربا المعاوضي، وأمّا الربا القرضي، فقالوا فيه بحرمة الزيادة مطلقاً، سواء أكان المقروض ممّا يكال أم يوزن أو يُعد أو يذرع. وسيوافيك كلامهم في باب الربا القرضي، ونحن ندرس الآن صحّة هذا الشرط في الربا المعاوضي، وعندئذ يثار في الأذهان الإشكالان التاليان:
الأوّل: إنّ المرابي في باب القرض لمّا شاهد حرمة القرض مع الإضافة مطلقاً، سوف يلجأ إلى تبديل القرض بالبيع نسيئة، ويقول: بعتك خمسين بيضة بمئة بعد ثلاثة أشهر(1)، فيصل إلى النتيجة التي كان يبتغيها في القرض. ومن المعلوم أن الشارع لا يشرّع حكماً على الإطلاق في باب القرض ثمّ يشرّع مخالفته بصورة أُخرى في باب آخر.
شمول الحكم للمعدود والمذروع عند شيخنا المفيد   
الثاني: أنّ العملة الرائجة في عصرنا الحاضر هي العملة الورقية، وهي من المعدودات، لأنّ لكلّ ورقة قيمة تشترى بها الأشياء، فلمّا كان الإقراض مع الزيادة حراماً مطلقاً حتى في المعدود، ولكن جاز البيع مع الزيادة، فسوف يدخل المرابي من باب البيع فيبيع مئة ورقة نقدية بمئة وعشرين ورقة، إلى أجل معيّن. وبذلك ينفتح باب أكل الربا على مصراعيه، وقد نشأ ذلك من الشرط الثاني، وإلاّ فلو قيل بإطلاق الحكم حتى في المعدود والمذروع لانسدّ الباب بوجه هذا الإشكال.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر نسب إلى المفيد في «المقنعة» وإلى أبي   --->

1 . وقد تقدّم من المحقّق أن المنع في النسيئة أحوط .

صفحه 51
<--- علي وسلاّر من أنّ حكم المعدود حكم المكيل والموزون، فلا يجوز التفاضل في المتجانسين مطلقاً نقداً ونسيئة، ثم حكم بضعفه.(1)
أقول: لولا وحشة الانفراد لقلنا بمقالة شيخنا المفيد ومن معه وذلك لوجهين:
الأوّل: يمكن أن يكون قولهم(عليهم السلام):«لا يكون الربا إلاّ فيما يُكال أو يوزن» ناظراً إلى عدم حصر الربا في الأجناس الستة حيث روى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».(2) فربّما يتبادر إلى الأذهان أنّ التحريم ينحصر بهذه الأُمور الستة، فلعلّ هذه الروايات ناظرة إلى دفع الحصر وأنّ كلّ ما يُكال أو يوزن سواء أكان من الستة أم غيرها يحكم عليه بالحرمة عند التفاضل، فلا دلالة في الروايات على خروج المعدود والمذروع من الربا.
الثاني: فرق بين قوله:«لا يكون الربا إلاّ فيما يُكال أو يوزن» وبين قوله: «لا ربا في المعدود أو المذروع» فالتعبير الثاني يصدنا عن الإفتاء بالخلاف دون الأوّل.
فإن قلت: روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن رجاله، عمّن ذكره   --->

1 . جواهر الكلام:23/359.
2 . بلوغ المرام من أدلة الأحكام:176.

صفحه 52
<--- في حديث: «وما عدّ عدداً ولم يُكل ولم يُوزن، فلا بأس به اثنان بواحد، يداً بيد، ويكره نسيئة».(1) فقد رخّص الزيادة في المعدود.
قلت: الحديث ضعيف سنداً لجهة الإرسال، أضف إلى ذلك: يحتمل أن يراد بقوله: «ما عد عدداً» إشارة إلى ما يباع بالمشاهدة، كالغنم والشجر وغيرهما.
وأمّا التعبير الثاني «ولم يُكل ولم يوزن» فيمكن أن يكون المراد إخراج ما يباع بالمشاهدة كالأنعام، والشاهد على ذلك الروايات التالية:
تفسير ما يدلّ على اختصاص الحكم بالمكيل والموزون    
1. روى الكليني عن منصور قال: سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين؟ قال:«لا بأس مالم يكن كيلاً أو وزناً».(2). فإنّ الشاة إنّما تباع بالمشاهدة، وسيأتي الكلام في البيضة.
2. ما رواه الشيخ الطوسي عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال: «لا بأس به»، والثوب بالثوبين، قال: «لا بأس به»، والفرس بالفرسين؟ فقال: «لا بأس به»، ثم قال: «كلّ شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد».(3)
3. روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «البعير   --->

1 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث2.
2 . الوسائل:12، الباب 16 من أبواب الربا، الحديث1.
3 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث3.

صفحه 53
<--- بالبعيرين، والدابة بالدابتين، يداً بيد، ليس به بأس».(1)
4. روى الكليني عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن العبد بالعبدين والعبد بالعبد والدراهم؟ قال:«لا بأس بالحيوان كلّه يداً بيد».(2)
5. روى الشيخ في التهذيب عن سُماعة قال: سألته عن بيع الحيوان اثنين بواحد؟ فقال: «إذا سميّت الثمن فلا بأس».(3)
6. روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن بيع الحيوان بالحيوان بنسيئة وزيادة دراهم، ينقد الدراهم ويؤخّر الحيوان؟ قال:«إذا تراضيا فلا بأس».(4)
فمن المحتمل جدّاً أنّ قولهم(عليهم السلام): «لا ربا إلاّ فيما يُكال أو يوزن» ناظر إلى إخراج ما يباع بالمشاهدة، ولذلك كثرت الأمثلة في البعير والبعيرين والفرس والفرسين، والثوب والثوبين.
فإن قلت: ورد بيع البيضة بالبيضتين، فقال الإمام(عليه السلام): «لا بأس ما لم يكن كيلاً ولا وزناً» والبيضة من المعدود وقد رخّص الإمام فيه.
والجواب: إنّه من المشاهد، فإنّ لصغر البيضة وكبرها تأثيراً في   --->

1 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث4.
2 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث6.
3 . الوسائل:12، الباب 17 من أبواب الربا، الحديث15.
4 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث17.

صفحه 54
<--- البيع، ولعلّه لأجل ذلك جوّزه الإمام(عليه السلام) في رواية منصور بن حازم.
فإن قلت: إنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) كره البعير بالبعيرين; كما في رواية محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الثوبين الرديئين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين والدابة بالدابتين؟ فقال(عليه السلام):«كره ذلك علي(عليه السلام)».(1)
قلت: الكراهة فيه محمولة على الكراهة المصطلحة بشهادة ما مرّ من رواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين، يداً بيد، ليس به بأس».(2)
وبكلمة قصيرة: أنّ قولهم(عليهم السلام):«لا يكون الربا إلاّ فيما يُكال أو يوزن» يحدّد موضوع الربا وأنّه كلّ شيء يباع بما أنّه ذو كميّة، وعندئذ لا فرق بينهما وبين المعدود والمذروع، بخلاف ما يباع بالمشاهدة، فإنّ الفرس العربي ربّما يكون أقل وزناً من غيره، وربّما يباع بفرسين أو أكثر، فالعبرة هنا بغير الكمية.
ملاك الزيادة في الربا المعاوضي والقرضي   
هذا ما توصّلنا إليه من الإجابة عن الإشكالين، والذي يدلّ على ما ذكرنا إنّه لا مناص من تقييد إطلاق قولهم:«لا ربا إلاّ فيما يُكال أو يوزن» في الربا القرضي، فإنّه يجري في المعدود والمذروع قطعاً، وبذلك تنثلم حجّية إطلاق قوله: «لا ربا إلاّ فيما يكال أو يوزن» فلا محيص من تخصيصه في الربا القرضي فإنّه يجري في الموارد الأربعة.   --->

1 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الربا، الحديث7.
2 .الوسائل:12، الباب 16 من أبواب الربا،الحديث4

صفحه 55

<--- ملاك الزيادة في الربا المعاوضي والقرضي

هل الربا في القسم المعاوضي بنفس المعنى في الربا القرضي؟ وإن شئت قلت: هل الربا في القسم الفضلي، بنفس مفاد الربا النسيئي؟ فيه وجهان:
الأوّل: أنّ الربا في كلا القسمين بمعنى الزيادة، ولكن يختلف متعلّقه فيها، ففي القسم المعاوضي أُريد الزيادة الكمّية، لا الاقتصادية، بخلافه في القسم القرضي، وأُريد هنا الزيادة حسب القيمة والاقتصاد، ويظهر ذلك بالمثال التالي:
حكم الفقهاء بأنّ كلّ شيء مع أصله بحكم الجنس الواحد، وبما أنّ الدهن من اللبن فيحكم عليها انّهما من جنس واحد، فلو باع منّاً من اللبن، بنصف منّ من الدهن، يوصف بالربا، لأنّ المفروض أنّ الأوّل أكثر كمية من الثاني، وعلى هذا فالذي أخذ اللبن هو الآخذ بالزيادة، والآخذ بالدهن آخذ بالنقيصة حسب الكميّة.
الثاني: المراد الزيادة والنقيصة في الربا المعاوضي والقرضي حسب الاقتصاد والقيمة، فالذي أخذ الدهن آخذ بالزيادة، ومن أخذ اللبن فقد أخذ بالنقيصة، كما هو الحال في الربا القرضي فالملاك هو القيمة والاقتصاد، فلا عبرة بالكمية.
لكن ظاهر الفقهاء التفكيك بين القسمين عند تعريف المعاوضي والقرضي، بما مرّ من أنّ الملاك في المعاوضي هو الكمية وفي   --->

صفحه 56
<--- القرضي القيمة، ولكن التصديق بهذا التفريق أمر على خلاف العرف والسيرة العقلائية. فالظاهر أنّ الملاك هو الاقتصاد، فما روي من أنّ كلّ شيء من أصله بحكم الجنس الواحد، يختصّ بما إذا كان بين الشيئين تقارب بالقيمة مثل الجبن والأقط، والسكر مع القند، وأمّا إذا كان الفرق بالقيمة كبيراً كما هو الحال بين اللبن والزبد، فوصفهما بالربا أمر مشكل.
ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ الملاك في كلا القسمين هو الاقتصاد ما رواه العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قلت له: ما تقول في البر بالسويق؟ فقال: «مِثلاً بمثل لا بأس به»، قلت: إنّه يكون له ريع، إنّه يكون له فضل، فقال: «أليس له مؤونة؟» قلت: بلى، قال: «هذا بذا، وقال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد».(1)
الريع هو الفضل والزيادة قال في «الوافي»: لعلّ مراد السائل أنّ البرّ فيه فضل; لأنّه يزيد إذا خبز بخلاف السويق(2).
وفي «مرآة العقول»: الريع بسبب تفاوت الحنطة والسويق وزناً إذا كيلتا; لأنّ الحنطة حينئذ تكون أثقل، وفيه خلاف، والمشهور الجواز.(3)
في فساد المعاملة الربوية أو فساد فضلها   
وفي «الحدائق»: إنّ الحنطة تكون أثقل، والسويق وهو الدقيق المقلو، أخف فيحصل الريع، فالزيادة في مقابلة مؤنة طحنه.(4)   --->

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث1.
2 . الوافي:18/580.
3 . مرآة العقول:18/197.
4 . الحدائق الناضرة:19/236 بتصرّف.

صفحه 57
<--- وجه الدلالة: أنّ الإمام(عليه السلام) يساوي البر مع السويق مع أنّ البر أكثر من السويق كميّة، غير أنّ الإمام(عليه السلام)يقابل زيادة الكمية بوجود المؤونة في صنع السويق، ومع ملاحظتهما يكون البر والسويق بقيمة واحدة.
هنا مسائل ثلاث(1):

المسألة الأُولى: في فساد المعاملة الربوية أو فساد فضلها

إذا بيع المتماثلان مع الفضل في أحد الطرفين، فهل تبطل المعاملة الربوية من أساس أو لا يفسد إلاّ الفضل؟ فعلى الأوّل يبقى المتماثلان في ملك مالكهما، وعلى الثاني يخرج المتماثلان عن ملك مالكهما إلاّ الفاضل، فإنّه لا يدخل في ملك الطرف الآخر. في المسألة وجوه أو أقوال:
1. المعاملة الربوية فاسدة من أساس: أصلها وفرعها; من غير فرق بين كون الفرع جزءاً كدرهم، أو شرطاً كاشتراط الخياطة.
2. صحيحة بالنسبة إلى الأصل كما إذا باع بلا فضل، وفاسدة بالنسبة إلى الزيادة جزءاً كانت أو شرطاً.
3. نفس القول لكن يختصّ بطلان المعاملة بما إذا كانت الزيادة جزءاً، كالدرهم دونما إذا كانت الزيادة شرطاً، فتصحّ المعاملة فيه دون الشرط.

مباني الوجوه أو الأقوال

أمّا القول الأوّل:فمبنيّ على تفسير الربا المنهيّ عنه بالبيع المشتمل على الزيادة، وقد مرّ أنّ صاحب المسالك فسّر الربا المعاوضي بقوله:   --->

1 . هذه المسائل لم يذكرها المصنّف (رحمه الله)، ولذلك استدركنا هنا.

صفحه 58
<--- «بيع أحد المتماثلين مع زيادة أحدهما»(1) وعلى هذا فالمنهي عنه هو البيع بالمعنى المسببي، إمّا مولوياً موجباً للعقاب، أو إرشاداً إلى الفساد.
ويشهد على قول صاحب المسالك تفسيرُ الطبرسي لقوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)بقوله: أحلّ البيع الذي لا ربا فيه، وحرّم البيع الذي فيه الربا.(2)
وأمّا القول الثاني: فمبنيّ على تفسير الربا في قوله: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) بنفس الفضل والزيادة، كما عليه أهل اللغة، فيكون المنهي عنه هو الفضل في أحد الطرفين من غير فرق بين كون الزيادة جزءاً من المبيع كزيادة درهم، أو شرطاً كاشتراط الخياطة على المشتري أو تعليم الكتابة، فالحرام والفاسد هو الفضل، ويشهد على ذلك قوله سبحانه:(وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(3) حيث أوجب رد ما زاد على رؤوس الأموال، وأمّا غير الزائد فيبقى في ملك كلّ منهما.
وأمّا القول الثالث: أي بطلان المعاملة كلّها إذا كانت الزيادة جزءاً، وذلك لأجل عدم تمييز الزيادة عن الذي يقابل العوض الآخر حتى تكون المعاملة فاسدة بالنسبة إلى الزيادة، وصحيحة بالنسبة إلى ما يقابل العوض المجرّد عنها.
وأمّا صحّة المعاملة إذا كانت الزيادة شرطاً فمبنيّ على أنّ   --->

1 . مسالك الأفهام:3/316.
2 . مجمع البيان: 2/258. بنأً على أن الآية تشمل الربا المعاوضي.
3 . البقرة:279.

صفحه 59
<--- الشرط الفاسد غير مفسد، فلو قلنا بذلك يختصّ التمليك بالمتماثلين ويكون الشرط خارجاً عن حدود التمليك، ومع ذلك يجب على المشروط عليه، العمل بالشرط، لكن فساده لا يسري إلى المشروط.
هذه عصارة ما ذكره صاحبا الجواهر والعروة.(1) ولكن الأقوى هو القول الأوّل، بوجهين:
1. الموضوع للصحّة هو بيع المتماثلين بلا زيادة، وقد مرّ في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قوله:«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة... إلى أن قال: مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد».(2) وأمّا في رواياتنا فقد روى محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل، والسويق بالسويق مثلاً بمثل، والشعير بالحنطة مثلاً بمثل، لا بأس به».(3) والمشتمل على الزيادة ليست مصداقاً للمثلين.
2. ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لعن الربا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه.(4)
وهذا التحريم المشدّد يناسب حرمة المعاملة الربوية بأجمعها، وتخصيص الحرمة بالجزء أو الشرط خلاف المتبادر.   --->

1 . لاحظ: جواهر الكلام:23/334ـ 336; العروة الوثقى:2/5ـ6.
2 . بلوغ المرام:176، باب الربا.
3 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث1.
4 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب الربا، الحديث3. وقد ورد مضمون هذا الحديث في روايات أُخرى في نفس هذا الباب.

صفحه 60
<--- فإن قلت: إنّ ما نحن فيه أشبه بمن يبيع ما يملك وما لا يملك معاً، فقد ورد النصّ أنّه يصحّ فيما يملك ويبطل فيما لا يملك، يقول صاحب الجواهر: فبيع المثلين حينئذ بالمثل، كبيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه، في عقد واحد، الذي يصحّ في الأوّل ويبطل في الثاني.(1)
قلت: أوّلاً: إنّ الحكم في المشبّه به تعبديّ، فإنّ البائع قصد المجموع، فتصحيح العقد بالنسبة إلى الغنم وإبطاله بالنسبة إلى الخنزير خلاف ما قصده البائع، وقد اشتهر أنّ المورد من قبيل:«ما قُصد لم يقع، وما وقع لم يُقصد».
وثانياً: أنّ الثمن هنا يقسّط على الغنم والخنزير، لأنّ قيمة الكلّ واضحة، وأمّا المقام فلا يقسط الثمن على جودة الحنطة إذا بيع مئة منّ من الحنطة الأجود بمئتين منها إذا كانت رديئة، وأظهر منه إذا كان الزائد شرطاً.
فإن قلت: إنّ قوله سبحانه: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(2)، حيث لم تأمر الآية برد العوضين إلى أصحابهما، بل يقتصر على ردّ الزائد.
قلت: إنّ الآية خاصّة بالجاهل بالحكم أو بمن أكل الربا قبل نزول الآية، وبعد نزولها اقتصر بأن يقتصّ كلّ طرف حقّه من الطرف الآخر.
هل الميزان هو المكيل والموزون في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؟   

المسألة الثانية: هل الميزان هو المكيل والموزون في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

ثمّ إنّ أصحابنا فرّعوا على مختارهم من شرطية الكيل   --->

1 . جواهر الكلام:23/334.
2 . البقرة:279.

صفحه 61
<--- والوزن، مسألتين، أولاهما هذه المسألة والثانية ما يليها.
قال المحقّق: والاعتبار بعادة الشرع، فما ثبت أنّه مكيل أو موزون في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بُني عليه، وما جُهِلَ الحال فيه، رجع إلى عادة البلد.(1)
قال في «الجواهر» في تفسير قول المحقّق: إجماعاً محكيّاً في التنقيح إن لم يكن محصلاً، وإن تغيّر بعد ذلك، بل فيه أيضاً أنّه ما علم أنّه غير مكيل ولا موزون في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فليس بربوي إجماعاً.(2)
أقول: قد عرفت أنّ الميزان ما يباع ويشترى بما له كميّة، وعند ذلك لا فرق بين الأقسام الأربعة، فليس لكون المبيع مكيلاً أو موزوناً، مدخلية في الحرمة حتى يبحث عن عصرهما، فهذا المسألة كتاليتها، فاقدة للموضوع حسب ما اخترناه.
فعلى هذا فقد أحلّ الله المتماثلين، وحرّم غير المتماثلين فيكون القسم الثاني باطلاً بعامّة صوره.

المسألة الثالثة: لو اختلف البلدان

قال المحقّق: ولو اختلف البلدان فيه، كان لكلّ بلد حكم نفسه، وقيل: يغلب جانب التقدير، (أي الكيل والوزن) ويثبت التحريم عموماً.(2)
أمّا القول الأوّل فهو المحكيّ عن «المبسوط» والقاضي، وأنّ المعتبر العرف والعادة عند الشرع.   --->

1 . شرائع الإسلام: 2 / 45.   2 . جواهر الكلام: 23 / 362.
2 . شرائع الإسلام:2/45.

صفحه 62
المسألة1. الشعير والحنطة في باب الربا بحكم جنس واحد، فلا يجوز المعاوضة بينهما بالتفاضل وإن لم يكونا كذلك عرفاً وفي باب الزكاة ونحوه فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر، وهل العلس من جنس الحنطةوالسلت من جنس الشعير؟ فيه إشكال، والأحوط أن لا يباع أحدهما بالآخر وكلّ منهما بالحنطة والشعير إلاّ مثلاً بمثل.*
<--- وأمّا القول الثاني فهو قول الشيخ في «النهاية» وسلاّر، وعلّله في «الجواهر» بقوله: ولعلّه لصدق التقدير، وإن كان يعارضه صدق عدمه.
وعن المفيد القول الثالث وهو أنّه إن تساوت الأحوال فيه غلب جانب التقدير. هذا وقد بسط صاحب «جواهر الكلام» في أدلّة الأقوال، لكن هذه المسألة حسب ما بيّناه من عدم الفرق بين الكيل والوزن والعد والذرع، لا موضوع لها عندنا، فالجميع موضوع للربا عند التفاضل.
ما هو الميزان في الوحدة الجنسية   

* في المسألة فرعان:

الأوّل: الحنطة والشعير جنس و احد في الربا(1)

قد تقدّم أنّ الربا يثبت في البيع مع وصفين: اتّحاد الثمن والمثمن في الجنسية وقد تضافر قولهم(عليهم السلام): «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد».(2) وعلى هذا يجب دراسة ما هو المراد من اتّحاد الجنس فقد   --->

1 . تقدّم منا الكلام في المسألة في الصفحة 32 ـ 38 فلاحظ .
2 . الوسائل:12، الباب 13 من أبواب الربا; الحديث1، ولاحظ أيضاً الحديث9 و11 من نفس الباب.

صفحه 63
<--- ورد النص على أنّ الشعير والحنطة في باب الربا، بحكم جنس واحد، فلا تجوز المعاوضة بينهما بالتفاضل.
قال المحقّق: والحنطة والشعير جنس واحد في الربا على الأظهر.(1)
وقد تضافرت الروايات على كونهما من جنس واحد في الربا; فعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ قال:«لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل، ثم قال: إنّ الشعير من الحنطة».(2)
ثمّ إنّ الضابطة في الوحدة الجنسية أحد الأمرين التاليين:
1. دخولهما تحت عنوان واحد، يُعدّ كالنوع لهما عرفاً.
2. كونهما من أصل واحد حقيقة.
وهذه الضابطة غير موجودة في الحنطة والشعير، أمّا الأوّل فهما وإن كانا يقعان تحت عنوان الطعام لكنّه ليس عنواناً قريباً لهما. وأمّا الثاني فهو كالأوّل، إذ ليسا من أصل واحد حقيقة، وهذه الضابطة غير موجودة في الحنطة والشعير بشهادة أنّهما في باب الزكاة من جنسين فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر. فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الميزان في الوحدة الجنسية هو الأمران، وإنّ الحكم بالوحدة في الحنطة والشعير تعبّدي لغاية ونكتة نذكرها تالياً.   --->

1 . شرائع الإسلام:2/44.
2 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث2.

صفحه 64
<--- أقول: إنّ هنا نكتة وهي إنّ من المظنون جدّاً أنّ الحنطة والشعير كانا في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بمنزلة العملة، وكانتا بمنزلة الأثمان تُشترى بهما الحوائج والأشياء الأُخرى، رغم كونهما مختلفين في الجنس، وكان مقتضى القاعدة جواز المبادلة بالتفاضل كسائر الأجناس المتفاوتة، لكن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نزلهما منزلة الجنس الواحد، لكي لا يدبّ الربا في وسط المجتمع، إذ كان للمرابي أن يبيع مئة كيلو حنطة نقداً بمئة وعشرين كيلو شعيراً، نسيئة بحجة أنّهما مختلفان والتفاضل في المختلفين، أمر جائز، نقداً ومكروه نسيئة عند المشهور وبما أنّه يسبب شيوع الربا، نزّلهما منزلة الجنس الواحد حتى يحرم التفاضل عند التبادل نقداً ونسيئة. والله العالم.
ويؤيّد ذلك أنّ الشريعة لا تجوّز بيع الذهب بالفضة مع كونهما مختلفين إلاّ إذا كان هناك تقابض في المجلس، وما ذلك إلاّ لقطع دبيب الربا، فإنّ التقابض في المجلس لا يورث الربا، بخلاف ما إذا كان أحدهما نقداً والآخر نسيئة، فيورث التفاضل في الجانب الآخر.
وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا ربا إلاّ في النسيئة».(1)
الشيء مع أصله بحكم الجنس الواحد   

الفرع الثاني: هل العلس والسُّلت من جنس الحنطة والشعير؟

هل العلس من جنس الحنطة، والسُّلْت(2) من جنس الشعير؟ فيه إشكال، فقد تقدّم الفرق بين الحنطة والعلس(3)، كما تقدّم الفرق بين   --->

1 . صحيح البخاري:3/31; مسند أحمد:5/202; سنن الدارمي:2/259.
2 . السلت: شعير لا قشر فيه.
3 . العلس: حبتان في قشر.

صفحه 65
المسألة2. كلّ شيء مع أصله بحكم جنس واحد وإن اختلفا في الاسم كالسمسم والشيرج، واللبن مع الجبن والمخيض واللباء وغيرها، والتمر والعنب مع خلّهما ودبسهما; وكذا الفرعان من أصل واحد كالجبن مع الأقط والزبد وغيرهما.*
<--- السلت والشعير، فالتماثل بينهما ظاهر، فلو قلنا من جنس واحد، فهو; وإن شككنا فقد احتاط المصنّف بقوله:«والأحوط أن لا يباع أحدهما بالآخر» لأنّ مَثَل كلّ بالنسبة إلى الآخر كمثل الحنطة والشعير، كما لا يباع كلّ من الحنطة والشعير بالآخر إلاّ مثلاً بمثل، فهكذا السُّلت والعَلَس، وقد مرّ وجه المنع وعدم جواز التمسّك بقوله تعالى:(وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، وذلك لأنّ المورد مردّد بين كونه باقياً تحت العام أو خارجاً عنه، وفي مثله لا يمكن التمسّك بعموم العام، وقد مرّ التفصيل في ذلك في المسألة الثانية تحت عنوان:«إذا شكّ في مثلية العوضين واختلافهما»، فلاحظ.(1)
***

* الشيء مع أصله بحكم الجنس الواحد

قد تقدّم أنّ الميزان في المثلية، إمّا كونهما واقعين تحت عنوان واحد، أو كونهما من أصل واحد، والمقام من أمثلة الثاني.
وعلى هذا فكلّ شيء مع أصله يوصفان بأنّهما من جنس واحد، وإن اختلفا في الاسم، ولذلك صارت الأُمور التالية من جنس واحد:
1. السمسم والشيرج، وقد تقدّم بيان معناهما.   --->

1 . لاحظ : الصفحة 41 ـ 48 .

صفحه 66
<--- 2. اللبن مع الجبن، لأنّ الجبن أصله اللبن.
3. المخيض واللباء(1).
4. التمر مع خلّه.
5. التمر مع دبسه.
6. العنب مع خلّه.
7. العنب مع دبسه.
وكذا إذا كان الفرعان من أصل واحد مثل:
8. الجبن مع الأقط.(2)
9. الجبن مع الزبد.
غير أنّ الحكم في الأخير مشكل لما مرّ من أنّ المراد من الربا هو الزيادة في القيمة، وهي منصرفة إلى ما إذا كان الجنسان متقاربي القيمة، والأخيران ليس كذلك فأين الجبن من الزبد في القيمة؟! وعلى هذا فلو قلنا بكفاية كون المثلين من جنس واحد فإنّما نقول به فيما إذا كانا متقاربي القيمة، فلاحظ.
تبعية الفرع للأصل في المثلية والاختلاف   
***

1 . الأوّل هو اللبن الذي استخرج زبده، والثاني هو أوّل اللبن في النتاج.
2 . الأقط يتّخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل، كما في معجم مقاييس اللغة لابن فارس:1/121، مادة «أقط». وفي النهاية لابن الأثير:1/57، مادة«أقط»: لبن مجفّف يابس مستحجر.

صفحه 67
المسألة3. اللحوم والألبان والأدهان تختلف باختلاف الحيوان، فيجوز التفاضل بين لحم الغنم ولحم البقر، وكذا بين لبنهما أو دهنهما.*
المسألة4. لا تجري تبعية الفرع للأصل في المكيلية والموزونية، فما كان أصله ممّا يكال أو يوزن فخرج منه شيء لا يكال ولا يوزن، لا بأس بالتفاضل بين الأصل وما خرج منه، وكذا بين ما خرج منه بعضه مع بعض، فلا بأس بالتفاضل بين القطن ومنسوجه، ولا بين منسوجين منه بأن يباع ثوبان بثوب، وربّما يكون شيء مكيلاً أو موزوناً في حال دون حال كالثمرة على الشجرة وحال الاجتناء، وكالحيوان قبل أن يذبح ويسلخ وبعدهما،فيجوز بيع شاة بشاتين بلا إشكال.**

* تبعية الفرع للأصل في المثلية والاختلاف

قد مرّ أنّ الميزان في المثلية والاختلاف، كون الشيئين تحت عنوان واحد أو تحت عنوانين، أو كونهما من أصل واحد أو من أصلين; وعلى هذا فما ذكره في المتن أنّ اللحوم والألبان والأدهان تختلف باختلاف الحيوان، لأجل أنّ الأصل إذا كان مختلفاً فيتبعه الفرع، فالغنم غير البقر عنواناً، فيكون لحم الغنم غير لحم البقر، وهكذا لبن الغنم غير لبن البقر، لأنّ أصلهما مختلفان، فيتبعه الفرع، ويكون دهن الغنم غير دهن البقر وهكذا.

* * الفرع لا يتبع الأصل في المكيل والموزون

إنّ الملاك في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً، اعتبار نفس الشيء   --->

صفحه 68
<--- من دون لحاظه مع الأصل، فلو كان الأصل ممّا يكال أو يوزن ولكن الفرع كان على العكس، فيؤخذ بحكم الفرع; وبالعكس فلو كان الأصل ممّا لا يُكال ولا يوزن ولكن الفرع كان مكيلاً أو موزوناً يؤخذ بحكم الفرع.
وبعبارة أُخرى: إنّ الفرع في المثلية والتخالف يتبع الأصل، وأمّا في كونه مكيلاً أو موزوناً، فيلاحظ مستقلاًّ مع قطع النظر عن أصله، والدليل على ذلك هو أنّه قد مرّ في تمييز المثلية أنّ أحد المعيارين كونهما من أصل واحد، ولذلك قلنا: إنّ الأقط والجبن متماثلان، وإنّ السويق والحنطة متماثلان، وأمّا تمييز المكيل أو الموزون مع غيره، فظاهر الدليل استقلالهما.
ويدلّ على الاستقلال أمران:
عدم تبعية الفرع للأصل في المكيلية والموزونية   
1. ظهور الدليل في كون شيء مكيلاً أو موزوناً هو لحاظه بنفسه وهو الاستقلال دون التبعية بخلاف المثلية، فقد ورد فيها النصّ على كون الميزان في عدّ شيء (التابع) مثليّاً، هو الأصل.
2. مرسلة علي بن إبراهيم: «وما كان أصله واحداً وكان يكال أو بما يوزن فخرج منه شيء لا يكال ولا يوزن فلا بأس به يداً بيد ويكره نسيئة، وذلك أن القطن والكتان أصله يوزن، وغزله يوزن، وثيابه لا توزن.(1)
وعلى ذلك فرّع السيد الأُستاذ قوله: لا تجري تبعية الفرع للأصل في المكيلية والموزونية، فما كان أصله ممّا يُكال أو يوزن وخرج منه شيء لا يكال ولا يوزن، فلا بأس بالتفاضل بين الأصل وما خرج منه،   --->

1 . الوسائل:12، الباب17 من أبواب الربا، الحديث12.

صفحه 69
<--- كالقطن ومنسوجه، فإنّ القطن موزون، والمنسوج عددي; ولا بين منسوجين من القطن، كما لو يباع ثوبان بثوب، وقد عرفت أنّ مقتضى الدليل هو استقلال حال الشيء في المكيلية والموزونية، بخلاف المثلية.
ثمّ إنّ المصنّف أضاف شيئاً آخر وقال:«وربّما يكون شيء مكيلاً أو موزوناً في حال دون حال»، ومثّل له بمثالين:
1. الثمرة على الشجرة، وبعد الاجتناء، فهي على الثمرة تباع مشاهدة، وتخميناً، اعتماداً على خرص المخرّص، بخلافها بعد الاجتناء فلا تباع إلاّ موزونةً.
2. الحيوان قبل أن يذبح ويسلخ وبعدهما، أمّا قبلهما فيباع مشاهدة، فيجوز بيع شاة بشاتين بلا إشكال. وأمّا بعدهما فيباع موزوناً.
ثمّ إنّ البحث فيما هو المعيار بكون الشيء مكيلاً أو موزوناً مبني على اعتبار الكيل والوزن في حرمة الربا، وأمّا لو قلنا بأنّهما والمعدود والمذروع على حدٍّ سواء وأنّ الميزان كون الشيء ذا كميّة معيّنة، فيكون البحث أمراً غير لازم، وأمّا المثالان: فالأوّل: أعني جواز بيع القطن بالمنسوج، لأنّ المنسوج مشاهدي، فسواء قلنا بالاستقلال أو بالتبع فلا أثر له; لأنّ المنسوج خارج عن الأقسام الأربعة، لأنّه يباع بالمشاهدة، ومنه يظهر حال المثال الثاني وهو بيع الثوبين بثوب واحد، فالجميع يباع بالمشاهدة، فعلى ما ذكرنا يكون هذا البحث أمراً غير لازم.

صفحه 70
في بيع لحم حيوان بحيوان مذكى   
نعم الظاهر أنّه لا يجوز بيع لحم حيوان بحيوان حي من جنسه كلحم الغنم بالشاة، وحرمة ذلك ليست من جهة الربا، بل لا يبعد تعميم الحكم إلى بيع اللحم بحيوان من غير جنسه كلحم الغنم بالبقر.*

* في بيع لحم حيوان بحيوان حي

تحقيق المسألة رهن إيضاح أُمور:
1. بيان صور المسألة.
2. بيان ما هو محط البحث منها.
3. دليل حرمة البيع فهل هو لأجل استلزامه الربا أو لوجود النص؟
أمّا الأوّل: فقد ذكر المصنّف في المتن صورتين، ولكنّ الصور أربع، كما يلي:
1. بيع لحم حيوان بحيوان حيّ من جنسه، كلحم الغنم بالشاة.
2. بيع لحم حيوان، بحيوان حي من غير جنسه، كلحم الغنم بالبقر.
3. بيع لحم حيوان بحيوان مذكّى من جنسه، كلحم الغنم بالشاة المذكاة.
4. بيع لحم حيوان بحيوان مذكّى من غير جنسه.
وأمّا الثاني ـ أي ما هو محطّ البحث ـ : فيظهر من المتن أنّ ما ذكره من الصور، هو محلّ البحث، أي إذا كان أحد المتبادلين لحماً والآخر حيواناً حيّاً; وأمّا إذا كان كلا المتبادلين، لحماً فهو خارج عن نطاق البحث، كما   --->

صفحه 71
<--- في الصورة الثالثة والرابعة.
وهذا أيضاً هو الظاهر من الشيخ في «الخلاف». قال: لا يجوز بيع لحم الحيوان بالحيوان إذا كان من جنسه، مثل لحم الشاة بالشاة، ولحم البقر بالبقر، وإن اختلف لم يكن به بأس. ثم قال: وبه قال في الصحابة أبو بكر، وهو مذهب مالك والشافعي والفقهاء السبعة من أهل المدينة. ثم قال: دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وروى سعيد بن المسيّب أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع اللحم بالشاة الحيّة.(1)
وعلى ما ذكره الشيخ يكون محطّ البحث مختصّاً بما إذا كان اللحم من جنس الحيوان الحيّ، فيكون محلّه من الصور الأربع صورة واحدة، وهي وحدة الجنس بين الحيوان الحيّ واللحم.
وهذا التفصيل أي: بين كون اللحم من جنس الحيوان، فلا يجوز، ومن غير جنسه فيجوز، خيرة المحقّق أيضاً ، قال: لا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، كلحم الغنم بالشاة. ويجوز بيعه بغير جنسه كلحم البقرة بالشاة، لكن بشرط أن يكون اللحم حاضراً.(2)
وقال في «المسالك» بعد ذكر قول المحقّق: هذا هو المشهور بين الأصحاب. وخالف فيه ابن إدريس(3) فحكم بالجواز مطلقاً، من غير فرق بين المتجانسين والمختلفين، لأنّ الحيوان غير مقدّر بأحد الأمرين،   --->

1 . الخلاف:2/75، المسألة 125.
2 . شرائع الإسلام:2/47.
3 . السرائر:2/258.

صفحه 72
<--- وهو قويّ مع كونه حيّاً، وإلاّ فالمنع أقوى(1) بين المتجانسين فلا يجوز، والمتخالفين فيجوز، لكن ظاهر المتن عدم التفريق بينهما.
إلى هنا تبيّن أنّ محطّ البحث هو الصورتان الأُوليان، وأنّ المشهور التفريق بين المتجانسين والمختلفين.
وأمّا الثالث ـ أي ما هو دليل الحرمة ـ : فالظاهر أنّ الحرمة ليست من باب الربا; لأنّ المفروض أنّ أحد المتبادلين هو الحيوان الحيّ وهو أمر يباع ويشترى بالمشاهدة، بل لأجل الروايتين التاليتين:
1. ماروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) «أنّه نهى عن بيع اللحم بالحيوان».(2) وإطلاق الرواية يشمل المتجانس وغير المتجانس.
2. موثّق غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه(عليهم السلام):«إنّ علياً(عليه السلام) كره بيع اللحم بالحيوان».(3)والرواية مثل السابقة مطلقة.
والاستدلال مبني على أنّ الكراهة في مصطلح علي(عليه السلام) تساوق الحرمة، فقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّ عليّاً لا يكره الحلال.(4)
ثمّ إنّ وصف الحديث بالموثّق لأجل غياث بن إبراهيم في سنده وهو زيدي بتري ثقة.   --->

1 . مسالك الأفهام:3/329.
2 . مستدرك الحاكم:2/35.
3 . الوسائل:12، الباب11 من أبواب الربا، الحديث1.
4 . الوسائل:12، الباب15 من أبواب الربا، الحديث1.

صفحه 73
<--- ولكن الظاهر من السيد العاملي أنّ وصفه بالموثق لأجل أنّ في طريقه محمد بن يحيى الخزاز كما في رواية الكليني(1)، ولكنّه غير تام; لأنّ الخزاز كما قال النجاشي: كوفي ثقة عين.(2)
إلى هنا تمّ الاستدلال على ما في المتن من تحريم المعاوضة في كلتا الصورتين، وكلاهما خارجيتان عن الربا; أمّا الأُولى فلكون الحيوان حيّاً لا يكال ولا يوزن، وأمّا الثانية فلعدم وجود التماثل. ومع ذلك فالبيع حرام للنصّ.
هذا من غير فرق بين التفاضل والتساوي لما علمت من أنّ الدليل هو النص بإطلاقه.
وأمّا الصورتان الأخيرتان فبما أنّهما خارجتان عن مصبّ النصّ، فالحكم فيها تابع للضابطة; ففي الصورة الثالثة، أي إذا كان المبيعان، متجانسين يحرم البيع مع التفاضل دون التساوي أخذاً بالضابطة; وفي الصورة الرابعة يجوز البيع مطلقاً، متساويين أو متفاضلين لعدم التماثل، والمقام من مصاديق ما يكون الأصل (الغنم) مشاهدياً يجوز البيع مطلقاً بخلاف الفرع (اللحم) فإنّه من قبيل ما يوزن، فيحرم في الصورة الثالثة للتماثل إذا كان مع التفاضل، ويجوز مطلقاً في الرابعة.
***

1 . مفتاح الكرامة:9/902.
2 . رجال النجاشي:برقم 961.

صفحه 74
المسألة 5. لو كان لشيء حالة رطوبة وجفاف كالرطب والتمر والعنب والزبيب وكذا الخبز بل واللحم يكون نيّاً ثم صار قديداً، فلا إشكال في بيع جافه بجافه ورطبه برطبه مثلاً بمثل، كما أنّه لا يجوز بالتفاضل; وأمّا جافه برطبه كبيع التمر بالرطب ففي جوازه إشكال، والأحوط العدم سواء كان بالتفاضل أو مثلاً بمثل.*
لو كان للشيء حالة رطوبة وجفاف   

* لو كان للشيء حالة رطوبة وجفاف

لو كان للشيء حالتان: حالة رطوبة، وحالة جفاف، نظير الأُمور التالية:
الرطب و التمر.
العنب والزبيب.
اللحم نيّاً(1) والقديد(2).
الخبز الحار والخبز البارد.
فهنا صور:
1. بيع جافه بجافه، مثلاً بمثل.
2. بيع رطبه برطبه، مثلاً بمثل.
3. بيعهما بالتفاضل.
فالمشهور جواز البيع في الأوّلين، والاتّفاق على عدم الجواز في الثالث.   --->

1 . اللحم الجديد الذي لم يطبخ.
2 . أي اللحم المقطّع المجفف بالشمس.

صفحه 75
<--- 4. بيع جافه برطبه، كما في الأمثلة التالية:
أ. بيع التمر بالرطب.
ب. بيع الزبيب بالعنب.
ج. بيع اللحم القديد بالنيّ.
د. بيع الخبز البارد بالحارّ .
فقد استشكل فيها المصنّف، وقال: الأحوط العدم، سواء كان بالتفاضل أو مثلاً بمثل .
هذا ما عليه المتن. والمسألة معنونة في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز بيع الرُّطب بالرُّطب، وبه قال محمد(1)، وأبو يوسف، ومالك، والمزني. وقال الشافعي: لا يجوز.
دليلنا: الآية، ودلالة الأصل، والمنع يحتاج إلى دليل.(2)

ما هو مورد الاتّفاق؟

ولعلّ تمثيله ببيع الرُّطب بالرُّطب لا خصوصية فيه، بل أُريد المماثلة مطلقاً، من غير فرق بين الجفاف والرطوبة، ومن غير فرق بين الرطب والعنب، وحاصل كلامه: الجواز إذا كان مثلاً بمثل، وهو أيضاً مختار المصنّف.   --->

1 . هو: محمد بن حسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة.
2 . الخلاف:3/65، المسألة 106.

صفحه 76
أقوال علمائنا في المسألة   

<--- ما هو مورد الاختلاف لدى الشيخ؟

وقال الشيخ أيضاً: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، وأمّا بيع العنب بالزبيب، أو ثمرة رطبة بيابسها، مثل التين الرطب بالجاف، والخوخ الرطب بالمقدّد، وما أشبه ذلك، فلا نصّ لأصحابنا فيه، والأصل جوازه، لأنّ حملها على الرطب قياس ونحن لا نقول به، وقال الشافعي: إنّ جميع ذلك يجوز.(1)والظاهر من الشيخ أنّه خصّ المنع بقسم واحد وهو الرطب بالتمر، وأمّا سائر الفواكه فقال بالجواز وإن كان أحدهما جافاً والآخر رطباً.
ويظهر هذا من المحقّق أيضاً; لأنّه خصّ المنع بصورة خاصّة وهي بيع الرطب بالتمر، لوجود النصّ فيه، قال: والمراعى في المساواة وقت الابتياع، فلو باع لحماً نيّاً بمقدّد متساوياً، جاز، وكذا لو باع بسراً برطب، وكذا لو باع حنطة مبلولة بيابسة لتحقّق المماثلة. وقيل: بالمنع، نظراً إلى تحقّق النقصان عند الجفاف، أو إلى انضياف أجزاء مائية مجهولة. وفي بيع الرُّطب بالتمر تردّد، والأظهر اختصاصه بالمنع، اعتماداً على أشهر الروايتين.(2)
وعلى هذا فالشيخ والمحقّق على قول واحد فبيع المتماثلين جفافاً ورطوبة، جائز وأمّا بيع المتخالفين فيجوز إلاّ بيع الرُّطب بالتمر لوجود النقص.   --->

1 . ملحقات الخلاف:3/64، المسألة 105.
2 . شرائع الإسلام: 2/45ـ46.

صفحه 77

<--- الأقوال في المسألة

ثمّ اعلم أنّ الظاهر من الأقوال أنّه لا خلاف في بيع الرطب بالرطب والجاف بالجاف، لصدق المثل بالمثل، إنّما الاختلاف فيما إذا كان أحدهما رطباً والآخر جافاً، ففي المسألة أقوال:
1. ما عرفت من الشيخ والمحقّق من تخصيص المنع ببيع الرطب بالتمر فقط، لكونه المنصوص.
2. عموم المنع لكلّ رطب ويابس، وكلّ الفواكه والثمار، إذا كان أحدهما رطباً والآخر يابساً.وعليه المصنّف في المتن.
3. ما حكاه السيد الطباطبائي عن موضع من «المبسوط»، تخصيص المنع بالرطوبة العرضية كالحنطة المبلولة بالجافة، لا ما إذا كانت الرطوبة ذاتية فيجوز، كبيع العنب بالزبيب.(1)
4. القول بالجواز مطلقاً حتى في مورد النص ـ أعني: الرطب والتمر ـ بحمل النهي على الكراهة، كما عليه السيد الطباطبائي في العروة.(2)
وقبل أن نسرد الروايات، نركّز على محلّ النزاع، وهو أنّ محلّ النزاع هو ما يشتمل على أمرين:
1. أن يكون أحدهما رطباً والآخر يابساً، من غير فرق بين التمر وسائر الفواكه.   --->

1 . العروة الوثقى:2/41.
2 . العروة الوثقى:2/42.

صفحه 78
الجمع بين اختلاف الروايات    
<--- 2. إذا كانا مثلاً بمثل في الوزن والكيل، وإلاّ فلو زاد أحدهما على الآخر فلا إشكال في البطلان.
3. ولو قلنا بالمنع في جميع الصور أو في صورة واحدة، فيكون المنع كالاستثناء عن القاعدة، أعني: جواز بيع المتجانسين مثلاً بمثل، فلا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلاً بمثل على وجه المعاوضة.
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الروايات على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على المنع مطلقاً لعموم التعليل، نظير:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أنّ التمر يابس والرُّطب رطب، فإذا يبس نقص».(1)
2. ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال:«إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)كره أن يباع التمر بالرطب عاجلاً، بمثل كيله إلى أجل، من أجل أنّ التمر ييبس فينقص من كيله».(2)
3. روى داود بن سرحان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «لا يصلح التمر بالرطب، إنّ الرطب رطب، والتمر يابس، فإذا يبس الرطب نقص».(3)
4. ما رواه داود الأبزاري عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول:   --->

1 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب الربا، الحديث1.
2 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب الربا، الحديث2.
3 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب الربا، الحديث6.

صفحه 79
<--- «لا يصلح التمر بالرطب، إنّ التمر يابس والرُّطب رطب».(1)
5. عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يُسأل عن اشتراء الرُّطب بالتمر؟ فقال: «أينقص الرُّطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، فنهى عن ذلك.(2)
فمَن خصّ الحرمة بمورد واحد ـ أعني: تبديل الرُّطب بالتمر ـ فقد عمل بمورد هذه الروايات، ومَن عمّم الحكم أخذ بالتعليل ـ أعني: النقصان إذا يبس ـ فهو يعم كلّ ما له حالتان، مرطوب ويابس إذا بيع الرطب باليابس.
الطائفة الثانية: ما يدلّ على الجواز إذا كان مثلاً بمثل، نظير:
1. ما رواه سماعة، قال: سُئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن العنب بالزبيب؟ قال:«لا يصلح إلاّ مثلاً بمثل» قال:«والتمر بالرطب مثلاً بمثل».(3)
2. ما رواه ابن أبي الربيع قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ماترى في التمر والبُسر الأحمر، مثلاً بمثل؟ قال:«لا بأس». قلت: والبختج(4) والعنب مثلاً بمثل؟ قال:«لا بأس».(4)
ومقتضى صناعة الجمع بين الروايات هو الأخذ بالطائفة الثانية، وذلك للوجوه التالية:
1. كونها مؤيّدة بالإطلاقات أي (مثلاً بمثل) فإنّ المتبادر المماثلة   --->

1 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب الربا، الحديث7.
2 . بلوغ المرام:179، برقم 16، وقال رواه الخمسة وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبّان والحاكم.
3 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب الربا، الحديث3.   4 . العصير المطبوخ.
4 . الوسائل:12، الباب14 من أبواب الربا، الحديث5.

صفحه 80
المسألة 6. التفاوت بالجودة والرداءة لا يوجب جواز التفاضل في المقدار، فلا يجوز بيع مثقال من ذهب جيد بمثقالين من ردي، وإن تساوياً في القيمة.*
المسألة 7 و 8.(1)
المسألة9. لا ربا بين الوالد وولده ولا بين الرجل وزوجته ولا بين المسلم والحربي، بمعنى أنّه يجوز أخذ الفضل للمسلم، ويثبت بين المسلم والذميّ.
هذا بعض الكلام في الربا المعاملي، وأمّا الربا القرضي فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.**
Eعلى حال البيع، والمفروض وجودها حال البيع، وحمل الروايات الناهية، على الكراهة، على أنّ رواية محمد بن قيس في صورة النسيئة، وهي خارجة عن التماثل، فمقتضى الجمع هو حمل الطائفة الأُولى على الكراهة.
2. أنّ الأخذ بالعلّة غير جامع، إذ لازم ذلك عدم جواز بيع الحليب بالجبن، أو الحليب بالأقط، مثلاً بمثل، لأنّ الحليب إذا جعل جبناً ينقص.
3. يلزم عدم جواز بيع التمر والعنب بدبسهما لأنّهما ينقصان بجعلهما دبساً، إلى غير ذلك من الأمثلة.
ثمّ إنّ التفريق بين الرطوبة الذاتية والعرضية لا دليل عليه.
***
الموارد المستثناة من الربا   

* لا يجوز استبدال الجيد بالرديء مع التفاضل

مَن كان عنده مثقال من ذهب جيّد، هل يجوز أن يستبدله بمثقالين   --->

1 . المسألة 7 سيأتي الكلام فيها في الفصل الثاني، والمسألة 8 لم نتعرّض لها لعدم ارتباطها بالربا.

صفحه 81
<--- من جنس رديء؟ الظاهر: لا، حتى وإن تساويا بالقيمة، لأنّه على خلاف النص; فعن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «كان علي(عليه السلام)يكره أن يستبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة; لأنّ تمر خيبر أجودهما».(1)
وروى الشيخ بإسناده عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل يستبدل الشاميّة بالكوفيّة وزناً بوزن، فقال: «لا بأس».(2) وكان أحدهما أجود من الآخر.

** الموارد المستثناة من الربا

استثنى المشهور موارد أربعة من حرمة الربا، تخصّصاً في الربا المعاوضي، وتخصيصاً في الربا القرضي، وهي عبارة عن:
1. «لا ربا بين الوالد وولده».
2. «ولا بين الرجل وزوجته».
3. «ولا بين السيد وعبده».
4. «ولا بين المسلم والحربي».
وما ذكر مورد اتّفاق بين المشهور. ولم يُنقل الخلاف إلاّ عن المرتضى في الموصليات لكنّه رجع عنه في كتاب «الانتصار»، حيث قال فيه:
ثمّ لما تأمّلت ذلك رجعت عن هذا المذهب لأنّي وجدت   --->

1 . الوسائل:12، الباب15 من أبواب الربا، الحديث2.
2 . الوسائل:12، الباب7 من أبواب الصرف، الحديث3.

صفحه 82
دراسة الروايات في المسألة   
<--- أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه، وغير مختلفين فيه، في وقت من الأوقات، وإجماع هذه الطائفة قد ثبت أنّه حجّة، ويخصّ بمثله ظواهر الكتاب، والصحيح نفي الربا بين من ذكرناه.(1)
ولم يظهر الخلاف أو التردد إلاّ عن المحقّق الأردبيلي في «مجمع الفائدة»(2) حيث ضعّف الروايات من حيث الأسانيد، وسوف يوافيك أنّ الروايات ليست بمثل هذه المثابة من الضعف، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر وصف تردّد الأردبيلي بقول: فمن الغريب دغدغة بعض المتأخّرين في الحكم المزبور وكأنّه ناشئ من اختلال الطريقة.(3)
ثمّ إنّ الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: دراسة أسانيد الروايات

وها نحن نذكر الروايات بأسانيدها وندرسها.
الحديث الأوّل: روى الكليني عن حُميد بن زياد]الثقة[ عن الخشاب]الحسن بن موسى، ثقة[ عن ابن بقّاح ]الحسن بن علي بن بقاح، ثقة[ عن معاذ بن ثابت ]الذي يروي عنه ابن أبي عمير[ عن عمرو بن جُمَيع ]حكم النجاشي عليه بضعف حديثه ولكن يروي عنه ابن أبي عمير [عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام):ليس بين الرجل وولده ربا، وليس   --->

1 . الانتصار:442.
2 . مجمع الفائدة:8/489 ـ 490.
3 . جواهر الكلام:23/379.

صفحه 83
<--- بين السيد وعبده ربا».(1) ورواه الصدوق في «الفقيه»،(2) والشيخ في «التهذيب».(3)
فالحديث بما أنّه رواه المشايخ الثلاثة أوّلاً، وإفتاء المشهور بمضمونه ثانياً، وأنّ مَن لم يوثّق كمعاذ بن ثابت وعمرو بن جُمَيع، فلا يُسبّب الضعف لما مرّ من أنّه قد روى عنهما ابن أبي عمير، وقد أثبتنا في كتابنا «كلّيات في علم الرجال»، أنّه(رحمه الله) لا يروي إلاّ عن ثقة، وأجبنا عن النقوض التي وجهها السيد الخوئي إلى القاعدة في «معجم رجال الحديث» في الجزء الأوّل.(4)
الحديث الثاني: روى الكليني بهذا الإسناد، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم ألف ألف درهم بدرهم، ونأخذ منهم، ولا نعطيهم».(5)
الحديث الثالث: روى الكليني عن محمد بن يحيى]الثقة[ عن محمد بن أحمد]بن يحيى بن عمران الأشعري، مؤلف نوادر الحكمة، الثقة[ عن محمد بن عيسى]بن عبيد، الثقة[ عن ياسين الضرير ] الزيّات البصري، حسّنه العلاّمة في الوجيزة وقال المحقّق الداماد: حديثه قويّ [عن حريز ]بن عبد الله السجستاني الثقة[ عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال:«ليس بين الرجل وولده، وبينه وبين عبده، ولا بين أهله ربا، إنّما الربا فيما بينك   --->

1 . الوسائل:12، الباب7 من أبواب الربا، الحديث1.
2 . لاحظ: الفقيه:3/176، برقم 791.
3 . لاحظ: التهذيب:7/8 ، برقم 76.
4 . لاحظ: كليات في علم الرجال:245 وما بعدها.
5 . الوسائل:12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث2. ورواه الشيخ أيضاً عن الكليني.

صفحه 84
لا ربا بين الوالد والولد   
<--- وبين ما لا تملك»، قلت: فالمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال: «نعم»، قال: قلت: فإنّهم مماليك؟ فقال: «إنّك لست تملكهم إنّما تملكهم مع غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء، فالذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لأنّ عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك».(1)
ورواه الشيخ في «التهذيب» عن أحمد بن محمد بن عيسى الثقة وسند الشيخ إليه في التهذيبين صحيح، عن ياسين الضرير ـ مرّ الكلام فيه ـ عن حريز عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) مثله، إلاّ أنّه(عليه السلام) قال:«لأنّ عبدك ليس عبد غيرك».(2)
الحديث الرابع: مرسلة الصدوق، قال: قال الإمام الصادق(عليه السلام):«ليس بين المسلم وبين الذمّي ربا، ولا بين المرأة وبين زوجها ربا».(3)
وبما أنّ الصدوق عبّر عن الرواية بقوله قال الصادق(عليه السلام)، فهو آية اعتقاده بصدوره عن الصادق(عليه السلام).
الحديث الخامس: ما رواه الصدوق باسناده عن علي بن جعفر، أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر(عليه السلام) عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدّي العبد كلّ شهر عشرة دراهم، أيحلّ ذلك؟ قال:«لا بأس».(4)   --->

1 . الوسائل:12، الباب7 من أبواب الربا، الحديث3.
2 . لاحظ: التهذيب:7/17 برقم 75، والاستبصار:3/71 برقم 236.
3 . الوسائل:12، الباب7 من أبواب الربا، الحديث5.
4 . الوسائل:12، الباب7 من أبواب الربا، الحديث6، وطريق الصدوق إلى علي بن جعفر في الفقيه، صحيح، لاحظ: الفقيه:3/178، برقم 806.

صفحه 85
<--- هذه عمدة ما روي في المقام، وبملاحظة ما ذكرنا حول الأحاديث لا يمكن الإغماض عنها بمجرّد وجود الضعف في بعض الأسانيد.

الثاني: دراسة مضامين الروايات

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى استنباط الموارد الأربعة من الروايات.
أمّا الوالد والولد، فقد ورد التصريح بالجواز في الرواية الأُولى والثالثة، ومن المعلوم أنّ القدر المتيقّن هو الولد الصلبي بلا واسطة، وأمّا ولد الولد فمورد شك، فالمرجع هو الإطلاقات. قال المحقّق: يجوز لكلّ من الوالد والولد أخذ الفضل من صاحبه(1). نعم خالف ابن الجنيد فخصّ الجواز بالوالد دون الولد، وإطلاقات الروايات تدفعه.
وأمّا الزوج والزوجة فقد ورد التصريح بالجواز في الحديث الثالث، والرابع.
والقدر المتيقّن هو الزوجة الدائمة، وشمولها للمنقطعة خصوصاً إذا كان الأجل قليلاً مشكوك جدّاً. والمرجع هو الإطلاقات الدالّة على حرمة الربا. وعلى كلّ تقدير فيجوز لكلّ منهما أخذ الفضل من الآخر أخذاً بالإطلاقات.
إلى هنا تمّ استخراج حكم الموضوعين التاليين: الوالد والولد، والزوج وزوجته.   --->

1 . شرائع الإسلام:2/46، في مسائل الربا.

صفحه 86
لا ربا بين المسلم والكافر الحربي   
<--- بقي الكلام في الموضوعين التاليين:
1. السيد وعبده.
2. المسلم والكافر.
أمّا الأوّل: فقد دلّ الحديث الأوّل والثاني والخامس على جوازه، بلا معارض. والمورد خارج عن محلّ الابتلاء.
وأمّا الثاني: فالروايات فيه مختلفة، فقد اختلف لسان الروايات فهو بين مجوّز: كما في
1. «ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا».(الحديث الثاني) .
2. ليس بين المسلم وبين الذمّي ربا. (الحديث الرابع). فظاهر الروايتين عدم الربا بين المسلم والكافر حربياً كان أو ذمّياً.
وبين مانع كقوله: المشركون بيني وبينهم ربا قال:نعم. (الحديث الثالث).
وربّما يجمع بينهما بحمل (الثالث) على الذمّي العامل باحكام الذّمة، فلا يجوز أخذ الفضل منه، وحمل الحديث الرابع «ليس بين المسلم وبين الذمّي ربا» على الذمّي الخارج عن الذمّة.
يلاحظ عليه: أنّه جمع تبرّعي غير مفيد.
وهنا وجهان:
1. طرح الثالث، قال الفيض: الحديث غير معمول به.(1)   --->

1 . الوافي:17/386.

صفحه 87
<--- فتكون النتيجة جواز أخذ الفضل من الكافر مطلقاً حربياً أو ذمّياً.
2. طرح الرواية الرابعة لعدم جواز أخذ الفضل من الذمّي أخذاً بالقواعد; لأنّ مال الذمي المتعهّد محترم، فيجري فيه حكم الربا، دون مال المحارب، ولذلك قال المحقّق في «الشرائع»: لا ربا بين المسلم وأهل الحرب، ويثبت بين المسلم والذمّي، على الأشهر.(1) وعليه المصنّف في المتن. وسيأتي في الخاتمة توضيح أكثر لأخذ الربا من المحارب، فانتظر.
***
تمّ الكلام في الفصل الأوّل

1 . شرائع الإسلام:2/46.

صفحه 88
المسألة7. ذكروا للتخلّص من الربا وجوهاً مذكورة في الكتب، وقد جدّدت النظر في المسألة فوجدت أنّ التخلّص من الربا غير جائز بوجه من الوجوه، والجائز هو التخلّص من المماثلة مع التفاضل، كبيع منّ من الحنطة المساوي في القيمة لمنّين من الشعير أو الحنطة الردية، فلو أُريد التخلّص من مبايعة المماثلين بالتفاضل يضمّ إلى الناقص شيء فراراً من الحرام إلى الحلال، وليس هذا تخلّصاً من الربا حقيقة، وأمّا التخلّص منه فغير جائز بوجه من وجوه الحيل.*
في الحيل الشرعية   

الفصل الثاني:

في الحيل الشرعية

* الوجوه المخلّصة للربا على قسمين:
1. ما يوجب التخلّص عن الربا المعاوضي وهذا هو المبحوث عنه في المقام.
2. ما يوجب التخلّص عن الربا القرضي، وهذا لم يذكره المصنّف في المقام، وستقف عليه في البحث عن الربا القرضي .
وعلى هذا فنحن نركّز في هذا الفصل على القسم الأوّل.

الوجه الأوّل للتخلّص من الربا المعاوضي

إنّ في المقام وجوهاً مخلّصة للربا المعاوضي، أفضلها ما ورد   --->

صفحه 89
<--- في المتن وهو ضمّ ضميمة للجانب الأقل، مثلاً: إذا باع مُدّاً من الحنطة بمدّين يكون من مقولة بيع المتماثلين مع الزيادة وهو حرام، وأمّا إذا ضُمّ إلى المدّ شيء، بأن يباع مُدّ وضم شيء بأحد الطرفين أو كليهما. فيخرج المورد عن بيع المتماثلين ويدخل تحت بيع المتخالفين.
أمّا الأوّل كما إذا باع مُدّاً ودرهماً، بمدّين.
وأمّا الثاني كما إذا باع مُدّاً ودرهماً، بمدّين ودرهمين.
ففي الصورة الأُولى تكون الزيادة (المدّ الثاني) في مقابل الضميمة (درهماً). وفي الصورة الثانية يكون كلّ جنس في مقابل ما يخالفه، حكماً تعبّداً، فيكون المدّ مقابل درهمين، والدرهم في مقابل المدّين، هذا ما ذكره الفقهاء.
ثمّ إنّ المصنّف يركّز في المقام على شيء وهو: أنّ التخلّص من الربا غير جائز بوجه من الوجوه، وأنّه(قدس سره)كان يقول به في سالف الزمان، ولكنّه جدّد النظر وأفتى بعدم جواز التخلّص من الربا بوجه من الوجوه، وأمّا المورد (ضم شيء إلى أحد الطرفين أو كليهما) فلم يكن من مصاديق الربا حتى يتخلّص منه، بل كان من قبيل معاوضة أحد المثلين بأكثر من مثله وهو أمر محرّم، وبضم الضميمة ينقلب الموضوع من التماثل إلى التخالف من غير فرق بين ضم الضميمة إلى أحد الطرفين كبيع مدّ ودرهم، بمدّين، فلولا ضمّ الدرهم لكان من مقولة التماثل فتكون الزيادة حراماً، وبضمه خرج الموضوع وانقلب إلى التخالف.   --->

صفحه 90
التخلّص من الربا بضمّ ضميمة في الجانب الأقل   
<--- ومثله ما إذا ضمّ إلى كلا الطرفين، أي مدّ ودرهم، بمدّين ودرهمين، فلولا الدرهم أو الدرهمان كان من قبيل المتماثلين وبضم الدرهم إلى الأوّل والدرهمين إلى الثاني انقلب التماثل إلى التخالف، فالتخلّص هنا ليس تخلّصاً من الربا، إذ لم يكن هناك رباً ـ إلاّ مجازاً ـ بل تخلّصاً من المماثلة مع التفاضل.
ثمّ ما ذكره المصنّف وغيره، يؤيّد اختصاص الربا بالربا القرضي، وأمّا الربا المعاوضي فليس هناك رباً حقيقة وإنّما حرمت لئلاّ تكون المعاملة ذريعة للربا فيما إذا كان أحد الجنسين نقداً والآخر نسيئة. وأمّا في غير هذه الصورة فهناك تحريم دون رباً، فإنّ معاوضة المتماثلين بالزيادة نقداً محرم من دون أن يكون هناك ربا حقيقة. وأمّا ما يدلّ على الجواز فنذكر ما يلي:
1. روى عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الصرف فقلت له: الرفقة ربّما عجّلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقية والبصرية، وإنّما يجوز بسابور(1) الدمشقية والبصرية فقال: وما الرفقة؟ فقلت: القوم يترافقون ويجتمعون للخروج، فإذا عجّلوا فربّما لم يقدروا على الدمشقيّة والبصرية، فبعثنا بالغلّة(2) فصرفوا ألفاً وخمسين منها بألف من الدمشقيّة والبصرية، فقال: «لا خير في هذا أفلا يجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها». فقلت له: أشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم، فقال: «لا بأس بذلك»   --->

1 . كما في التهذيب. وسابور: كورة بفارس مدينتها «نوبندجان».(مرآة العقول:19/306) ويحتمل أن يكون اسماً لمنطقة قرب دمشق تُضرب فيها الدراهم.
2 . الغلة بكسر الغين: الغشّ.

صفحه 91
<--- إنّ أبي كان أجرأ على أهل المدينة منّي، فكان يقول: هذا، فيقولون: إنّما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يُعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، (1) وكان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال».(2)
فقه الحديث رهن بيان أُمور:
1. يستظهر من جعل دية الإنسان أحد الأمرين: ـ عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار ـ أنّ قيمة عشرة دراهم يومذاك كان يعادل ديناراً واحداً أو يقرب منه، وربّما تختلف النسبة حسب خلوص الدرهم من الغش وعدمه، وتكون ثمانية عشر درهماً تعادل ديناراً كما في بعض الروايات.
2. كأنّ السائل كان يملك الدرهم المغشوش ويدل عليه قوله:«فبعثنا بالغلّة» والغِلّة ـ بكسر الغين ـ بمعنى الغش، ولكن كان محتاجاً إلى الدراهم الدمشقية والبصرية الخالية من الغش، فلم يجد بُدّاً من أن يصرف ألفاً وخمسين درهماً بألف منهما، وهذا هو الذي وصفه الإمام (عليه السلام) بأنّه لا خير فيه لوجود الفضل بين بيع المتماثلين.
3. ثمّ إنّ السائل طرح صورة أُخرى محقّقاً لطرح الإمام في قوله: «أفلا يجعلون فيها ذهباً» وهي جعل دينار في أحد الطرفين حتى يخرج عن الربا، كأن يصرف ألف درهم وديناراً بألفي درهم، فوصفه الإمام بأنّه لا بأس به   --->

1 . يشير إلى كلامه حيث قابل ديناراً بألف درهم في كلامه.
2 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الصرف، الحديث1.

صفحه 92
<--- وأنّ أباه الإمام الباقر(عليه السلام) كان يفتي به.
التخلّص من الربا بوجه آخر   
4. ولمّا كان الفرض المذكور مشتملاً على أمر غريب وهو مقابلة الدينار الواحد بألف درهم، مع أنّه يعادل عشرة دراهم، أو أزيد بشيء قليل حتى كان الناس يعترضون على الإمام الباقر(عليه السلام) بقولهم: لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، فكيف تجوزون مقابلة ألف درهم مع دينار، وأنّ هذا هو الفرار من الربا، فأجاب الإمام :«نِعمَ الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال» أي هذا النوع من المبادلة وإن كان فيه الخروج عن مقتضى المساواة بين المتبادلين في القيمة، لكن يتقبّله الطرف لأجل الفرار من الحرام إلى الحلال.
2. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كان محمد بن المنكدر يقول لأبي (عليه السلام): يا أبا جعفر رحمك الله والله إنّا لنعلم أنّك لو أخذت ديناراً والصرف بثمانية عشر فَدُرت(1) المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا إلاّ فرار(أي وكيف يجعل دينار واحد مقابل ألف درهم كما في المثال السابق)، فكان أبي يقول: صدقت والله ولكنّه فرار من باطل إلى حقّ».(2)
3. عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقلّ أو أكثر فلا بأس به».(3)   --->

1 . من دُرت بصيغة المجهول، من الدوران، أي لو بحثت المدينة.
2 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب الصرف، الحديث2.
3 . الوسائل:12، الباب6 من أبواب الصرف، الحديث4.

صفحه 93
<--- إلى غير ذلك ممّا يمكن استفادة الحكم منه.
والذي ينبغي التنبيه عليه أنّ الظاهر أنّ الروايات تركّز على تبدّل الموضوع، وأمّا انصراف كلّ إلى ما يقابله، فلا يستفاد من الرواية، وليس مقصوداً للمتبايعين، وليس البيع الواحد بيعين، انحلالاً.

الوجه الثاني للتخلّص من الربا المعاوضي

1. أن يبيع الجنس الربوي بثمن من غير جنسه من زيد، ثم يشتري منه ذلك الجنس بأزيد من الأوّل أو أقل منه بذلك الثمن، مثلاً إذا باع منّاً من الحنطة بستة ريالات، ثم اشترى منّين من الحنطة غير الجيّدة بتلك الستة، أو بغيرها، ففي الحقيقة حصل التبادل بين المنّ والمنّين لكن بتوسّط بيع بين العقدين.
2. أن يهب كلّ من المتبايعين جنسه للآخر، لكن من غير قصد المعاوضة بين الهبتين، ولا اشتراط الهبة في الهبة الأُولى.
3. أن يُقرض كلّ منهما جنسه لصاحبه ثم يتباريا مع عدم الشرط.
4. أن يتباريا بقصد أن يكون المثل بالمثل ويكون الزائد هبة.(1)
إلى غير ذلك من الوجوه التي تسبّب انقلاب الموضوع المماثل إلى غيره.   --->

1 . شرائع الإسلام:2/47; جواهر الكلام:23/396.

صفحه 94
التخلص من الربا ببيع العرايا   

<--- الوجه الثالث للتخلّص من الربا المعاوضي (بيع العرايا)

استثني بيع العرايا عن الربا المعاوضي حكماً، وتوجيه ذلك رهن بيان أمر، وهو تحريم بيع المزابنة. قال الشيخ: المزابنة بيع الثمر على رؤوس الشجر بثمر موضوع على الأرض، وهو محرّم بلا خلاف.(1)
ترى أنّ بيع الثمرة على الشجرة ـ أي ثمرة كانت ـ بثمرة موضوعة على الأرض حرام على وجه الإطلاق، ولكن استثني بيع العرايا. وقد اختلفت كلمة الفقهاء ـ السنّة ـ في تفسيرها، غير أنّ أصحابنا اتّفقوا على تفسيرها بمعنى واحد، وهو ما ذكره الشيخ في «الخلاف»: يجوز بيع العرايا ـ وهي جمع عرية ـ وهو أن يكون لرجل نخلة في بستان لغيره أو داره، فشقّ دخوله بالبستان، فيشتريها(أي الغير) منه بخرصها تمراً، بتمر ويعجّله له. وبه قال مالك.(2)
ثمّ إنّ الشيخ قال: وما ذكرنا من تفسير العرية قول أبي عبيدة من أهل اللغة.
أقول: كان على الشيخ أن يعتمد في هذا التفسير على ما رواه هو عن السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«رخّص رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في العرايا بأن تشترى بخرصها تمراً، قال: والعرايا جمع عريَّة وهي النخلة التي تكون للرجل في دار رجل آخر، فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمراً، ولا يجوز   --->

1 . الخلاف:3/94، المسألة 153، من كتاب البيوع.
2 . الخلاف:3/95، المسألة 154.

صفحه 95
<--- ذلك في غيره».(1)
ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم مثله.(2)
هذا هو المختار لدى الأصحاب، يقول ابن إدريس:
ويجوز بيع العرايا، وهي جمع عريّة ـ بفتح العين، وكسر الراء، وتشديد الياء ـ وهو أن يكون لرجل في بستان غيره نخلة يشقّ عليه الدخول إليها أو في داره، يجوز أن يبيعها منه بخرصها تمراً، نقداً يداً بيد لا نسيئة، لأنّ غير العرايا لا يجوز نقداً يداً بيد ولا نسيئة، فامتازت العرايا من غيرها بأن رخّص فيها لمكان الضرورة بأن تباع بخرصها تمراً، نقداً يداً بيد لا نسيئة، وغيرها لا يجوز نقداً، ولا نسيئة، ولا يجوز في غير النخل ذلك، وإن كان له نخل متفرّق، في كلّ بستان نخلة، جاز له أن يبيع كلّ ذلك، واحدة واحدة، بخرصها تمراً، بيع العرايا.(3)
وعلى هذا فاستثناء العرايا من الربا المعاوضي استثناء حكمي لا موضوعي; لأنّ ما على رؤوس الأشجار يختلف وزناً وكيلاً مع ما في الأرض، ولا يكون ظنّ الظان مصيباً مئة بالمئة، ولكن الحاجة والحرج لصاحب النخلة صارا سبباً لتجويزه، ولا يجوز في غير هذه الصورة. والأصل هو حرمة بيع المزابنة إلاّ هذه الصورة.
ثمّ إنّ فقهاء السنّة اختلفوا في تفسير العرايا وحكمها، وقد ذكر   --->

1 . تهذيب الأحكام:7/143، برقم 634.
2 . لاحظ: الكافي:5/275، برقم 9.
3 . السرائر:2/368ـ369.

صفحه 96
نقد ما استثناه ابن القيّم من الربا المعاوضي   
<--- الشيخ أقوالهم في «الخلاف»، فلا بأس بالوقوف على آرائهم، قال:
وقال الشافعي: يجوز بيع العرايا ـ وهو بيع التمر على رؤوس النخل ـ خرصاً بمثله من التمر كيلاً، ويجوز فيما دون خمسة أوسق قولاً واحداً، وفي خمسة أوسق على قولين، وفيما زاد على خمسة أوسق لا يجوز. واختلف قوله، فقال في الأُمّ: الغني والفقير المحتاج سواء، وقال في اختلاف الأحاديث والإملاء: لا يجوز إلاّ للفقير، وهو اختيار المزني.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في القليل والكثير، وهو ربا.(1)
أقول: تخصيص الشافعي، جواز العرايا بما ذكر، مرويّ، قال أبو هريرة: إنّ رسول الله رخّص في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق.(2)
إلى هنا تمّ ما يتصوّر في الفقه الإمامي ممّا يستثنى من الربا المعاوضي، غير أنّ في فقه أهل السنّة موردين آخرين نشير إليهما:

الوجه الرابع للتخلّص من الربا المعاوضي(بيع الحلية المصوغة بجنسها متفاضلاً)

ربّما يباع خاتم الفضة وحلية النساء بجنسها، فبما أنّ للصياغة قيمة معينة فوق قيمة الجنس، فربّما يقال بجواز بيعها بجنسها متفاضلاً.
يقول ابن القيم: إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية   --->

1 . الخلاف:3/95، المسألة 154. والاختلاف بيننا وبينهم في التقدير.
2 . بلوغ المرام:180، قال: متّفق عليه.

صفحه 97
<--- النساء، وما أُبيح من حلية النساء وغيرها، فالعاقل لا يبيح هذه بوزنها من جنسها، فإنّه سفه وإضاعة للصنعة. والشارع أحكم من أن يلزم الأُمّة بذلك، فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه، فلم يبق إلاّ أن يقال لا يجوز بيعها بجنسها ألبتة، بل بيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقّة ما تنفيه الشريعة.(1)
أقول: ما ذكره ابن القيّم عجيب جدّاً، فلو صحّ ما ذكر لجاز بيع الجنس الرديء بالجنس الجيّد على وجه التفاضل; لأنّ بيعهما بغير التفاضل على خلاف حكم العقل، وما ذكره على خلاف النصّ الصريح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».(2)
ويشهد على ما ذكرنا ما روي عن عطاء بن يسار: أنّ معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو من ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن مثل هذا إلاّ مثلاً بمثل. فقال له معاوية:ما أرى بمثل هذا بأساً. فقال أبو الدرداء: مَن يعذرني من معاوية، أنا أُخبره عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يخبرني عن رأيه، لا أُساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فكتب عمر بن الخطاب   --->

1 . اعلام الموقعين:2/140ـ 141.
2 . بلوغ المرام:176، برقم 4.

صفحه 98
<--- إلى معاوية: أن لا تبع ذلك إلاّ مثلاً بمثل وزناً بوزن.(1)
أقول:أي حرج في المقام إذ في وسع البائع أن يبيع الخاتم مستقلاً ثم يشتري بثمنه ما يريد من الذهب غير المسكوك، أو يشتري به شيئاً آخر.
روى الشيخ بإسناده عن منصور الصيقل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم؟ فقال: «إذا كانت فضّته أقل من النقد فلا بأس، وإن كان أكثر فلا يصلح».(2)

الوجه الخامس للتخلّص من الربا المعاوضي(بيع الدراهم والدنانير المسكوكة بالتفاضل)

حكي عن بعضهم أنّه يجوز أن يشتري التاجر الدارهم والدنانير المسكوكة بالورق مع التفاضل، والفاضل أُجرة السكّة، ولا يكلف الانتظار إلى أن يُسك له ورقة فيفوته السوق، وهذه حاجة قد قامت تبرّر التفاضل في بيع الدراهم المسكوكة حتى لا تفوت مصلحة راجحة.(3) وهذا اجتهاد في مقابل النصّ، ولو صحّ هذا النوع من الاجتهاد لحلّ كثير من المحرّمات التي لولاها لفات السوق.
في الربا القرضي   
إلى هنا تمّ ما ربّما يتصوّر من الوجوه المخلّصة للربا المعاوضي، وقد تبيّن حالها.

1 . جامع الأُصول:1/468; سنن البيهقي:5/280; سنن النسائي:7/279.
2 . الوسائل:12، الباب15 من أبواب الصرف، الحديث7. ولاحظ سائر روايات الباب.
3 . نقله مؤلّف«الربا فقهياً واقتصادياً» عن بعضهم ولم يذكر المصدر، لاحظ الصفحة: 98.

صفحه 99
 
القول في القرض
وهو تمليك مال لآخر بالضمان، بأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو قيمته، ويقال للمملِّك المقرض، وللمتملّك: المقترض والمستقرض.*

الفصل الثالث

في الربا القرضي

ذكر المصنّف في المقام قوله: وأمّا الربا القرضي فيأتي الكلام فيه خاصّاً بهذا العنوان إن شاء الله تعالى، ولكنّه(قدس سره) لم يخصّ فصلاً خاصّاً بهذا العنوان، وذكر شيئاً من مسائله في كتاب الدين، المسألة 8، وذكر أكثر مسائله في كتاب القرض مبتدئاً من المسألة 9، وإن كان بين هذه المسائل ما لا يمت إلى الربا بصلة، ولذلك نحن نختار للدراسة ما يتعلّق بالربا القرضي.

* تعريف القرض وكيفيّة اشتماله على الربا

القرض: هو تمليك مال الآخر بالضمان بأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو قيمته .
وأمّا اشتماله على الربا فهو على إحدى الصورتين التاليتين:
1. اشتراط الزيادة في العقد من أوّل الأمر بأن يشترط المقرض   --->

صفحه 100
<--- على المقترض دفع مقدار من المال بحسب النسبة في آخر كلّ شهر، أو يشترط الزيادة في نهاية الأجل إذا أقرضه بلا عوض إلى مدّة، فإذا حلّ الأجل فيقول المقترض: زدني في الأجل أزيدك في المال، ولا فرق بين الأمرين. وما ربّما يتصوّر من تخصيص الحرمة بالقسم الثاني حيث إنّ العرب لم يكونوا يعرفون من الربا إلاّ هذا القسم، وقد اشتهر بينهم قول المقترض: زدني في الأجل، أزيدك في المال، ليس بتام.
أقول: أنّ الربا لم يكن مختصّاً بالعرب، بل كانت اليهود هم المروّجون له، ولم يعرف منهم ما شاع بين العرب، من تخصيص الربا بالزيادة في الأجل على أنّ الإطلاقات تشمل كلتا الزيادتين: زيادة عند العقد، وزيادة في نهاية الأجل. وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة آيات الربا.
إذا عرفت ذلك فقبل أن ندخل في المسائل التي طرحها المصنّف في كتاب القرض، نذكر ما هو السبب لتحريم الربا تحريماً باتّاً، وقد قيل في المقام وجوه، وبما أنّ القرآن يصف الربا بالظلم، ويقول: (فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(1) فيجب أن تكون الوجوه موضحة لبيان أنّ الربا ظلم، غير أنّ أكثرها لا تمتّ لما ذكر في الآية، وإن كانت الوجوه في حدّ نفسها تامّة.
الربا هادم للأُسس الأخلاقية   

فلسفة حرمة الربا

الاقتصاد المبني على الربا لا يخلو من مفاسد أخلاقية   --->

1 . البقرة:279.

صفحه 101
<--- واجتماعية واقتصادية، ونحن نشير إليها على وجه الإيجاز، والتفصيل رهن دراسة الموضوع بشكل موسّع ومستقّل، وإليك بيان تلك الجهات:

1. الربا هادم للأُسس الأخلاقية

الإسلام ينظر إلى المجتمع بعين الأُخوة، فهي الرابطة الوحيدة التي تؤلّف من الكثرات مجتمعاً واحداً، له روح واحدة وهي روح الأُخوّة، والعطف والحنان، والتعاون والتعاضد، يقول سبحانه:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(1)، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».(2)
فعلى المجتمع الإسلامي في ظل تعاليمه القيام بالتعاون والتآزر في كافّة مجالات الحياة. ولكن الربا على طرف النقيض من ذلك حيث إنّ المرابي لا يهمّه إلاّ الربح، حتى لا يفكّر في فقر المقترض وعدم تمكّنه من الانتفاع بما استقرض، فهو في نهاية الأجل يطلب منه الفائض، وهذا على طرف النقيض من الأُسس الأخلاقية التي دعا إليها الإسلام، بل الشرائع عامّة بمواساة المحتاجين.
ولا يتوقّف الأمر في هذا المقدار بل يترتّب عليه غرس روح الحقد في القلوب، وتولد الكره والضغينة للمرابي، وربّما يقتضي الحال إلى   --->

1 . الحجرات:10.
2 . المحجّة البيضاء:3/332.

صفحه 102
المفاسد الاقتصادية للربا   
<--- إرسال لعناته إليه إلى حد يتعطّش إلى شرب دمه حيث يدرك بأنّ حاصل عمله يدخل في حساب المرابي، وفي نهاية الأمر إمّا يقدم المدين على الانتحار، وربّما لا سمح الله يقدم على قتل المرابي.
وقد اعترف بذلك صاحب المنار حيث نقل عن أُستاذه أنّه قال: وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاف والتعاون منذ فشا فيها الربا.(1)

2. المفاسد الاجتماعية للربا

الربا لا يخلو من مفاسد اجتماعية ونحن نشير إلى جانبين منها:
الأوّل: المشاريع الخيرية كبناء المستشفيات والمدارس، والجامعات ومبرّات الأيتام، ودور العجزة والمسنّين، من لوازم المجتمع الصحيح، وقد حثّ الشارع على اصطناع المعروف حتى أنّه أكّد على أنّ كلّ مصطنع يستفيد منه المجتمع يصل ثوابه إلى مَن صنع حتى بعد موته، وقال:«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».(2)
وهذا إنّما يتمّ إذا كان النظر إلى الدرهم والدنانير، نظراً طريقياً يُحقّق بهما الإنسان بناء المشاريع العامّة، وأمّا إذا صار النقد مقصوداً بالاستقلال فإنّ هذا يؤدّي إلى نسيان المرابي اصطناع المعروف حيث إنّ همته تتركّز   --->

1 . تفسير المنار:3/109.
2 . صحيح مسلم:5/73.

صفحه 103
<--- على تكثير الدنانير والدراهم دون صرفها في مشروع خيري أو غيره، وإلى هذا أُشير في بعض الروايات.
فقد ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) قوله:«وعلّة تحريم الربا، بالنسبة لعلّة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح وتركهم القرض والفرض وصنائع المعروف».(1)
الثاني: أنّ الربا يورث البطالة في المجتمع فالله سبحانه حرّم الربا من حيث إنّه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب; وذلك لأنّ صاحب الدرهم إذا تمكّن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة، خفّ عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمّل مشقّة الكسب والتجارة والصناعات الشاقّة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أنّ مصالح العالم لا تنتظم إلاّ بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات. وإن شئت فاجعله مفسدة اقتصادية أيضاً.

3. المفاسد الاقتصادية للربا

الربا داء وبيل ينتشر أثره في الجوانب الثلاثة: الجانب الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، وقد تبيّن شيء من الأوّلين، إنّما الكلام في المفاسد الاقتصادية، وهو أنّ من آثار الربا في التجارة هو ظهور طبقتين مختلفتين في المجتمع: طبقة ثرية تملك كلّ شيء وتزيد ثروتها كلّ يوم وليلة بلا كدح واكتساب، وطبقة فقيرة معدمة يعمل الواحد منهم ليله   --->

1 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2/94، الباب33، الحديث1.

صفحه 104
<--- ونهاره لإعاشته وإعاشة أولاده، فجُلّ ما يملك يدخل في كيس المرابي، والمديون بعدُ فقير لا يملك شيئاً. وقد تنبّه لهذا العيب بعض أساتذة الاقتصاد الغربيّين الذين نشأوا في ظل النظام الربوي، وهو الدكتور الألماني(شاخت) مدير مصرف الرايخ سابقاً، قال في محاضرة ألقاها بدمشق عام 1953م:
يمكننا بعملية رياضية أن نعلم أنّ جميع المال في الأرض سوف ينتهي إلى عدد قليل جدّاً من المرابين، وذلك أنّ الدائن المرابي يربح دائماً في كلّ عملية، بينما المدين معرّض للربح والخسارة، ومن ثم فإنّ المال كلّه في النهاية لابدّ أن يصير إلى الذي يربح دائماً، وهذه النظرية في طريقها إلى التحقيق الكامل، فإنّ معظم مُلاّكِ المال يملكه بضعة آلاف. أمّا جميع المُلاّك، وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال وغيرهم فليسوا سوى أُجراء، يعملون لحساب أصحاب المال، ويُجبي ثمرة كدّهم أُولئك الآلاف».(1)
القرض الربوي في الكتاب والسنّة   
ومن تبعات هذا النوع من التعامل الاقتصادي المجرّد عن أيّ عطف وحنان هو إيداع قسم كبير، من المدينين (الذين لم يُسعفهم الحظ للاستفادة ممّا استقرضوه، حتى ضاع المال المقترض لظروف حرجة من الداخل والخارج)، في السجون شهوراً وسنين، ويترتّب على ذلك مفاسد على عوائل هؤلاء المسجونين حيث إنّ ربّ البيت معتقل وعائلته تعيش في فقر مدقع، والله العالم بما يترتّب على ذلك...   --->

1 . التفسير الكاشف:1/435.

صفحه 105
<--- هذا ما يمكن بيانه عاجلاً، والتفصيل يطلب من محلّه.

سؤالان وإجابتان

فإن قلت: ما الفرق بين مَن يؤجر داره للمستأجر فيأخذ منه كلّ شهر مبلغاً من المال، فالمال الذي يقرضه المرابي هو بمثابة الدار؟
قلت: فرق واضح، وهو أنّ المستأجر ينتفع من الدار قطعاً بلا قيد ولا شرط، ولكن المقترض ربّما لا ينتفع بالمال إمّا للإضطرابات الاقتصادية في داخل البلد وخارجه، فلا يكتب له الانتفاع بالمال، بخلاف المستأجر، فإنّه ينتفع بالدار المستأجرة في كافّة الأحوال...
فإن قلت: ما الفرق بين الربا والمضاربة، ففي الثانية أيضاً يقدّم المالك مبلغاً من المال لغاية الاسترباح؟
قلت: الفرق بينهما واضح، فإنّ المال من المالك والسعي من العامل يجتمعان، فإن ربحت التجارة فيقسم بينهما، وإن خسرت ولم يربح فليس على العامل شيء، فالمالك يخسر لأجل عدم الانتفاع بالمال، والعامل يخسر لكون سعيه بلا ثمر، وهذا هو نفس العدل الذي يحكم به الإسلام.

القرض الربوي في الكتاب والسنّة

قد تقدّم منّا سمات الربا في الكتاب العزيز وكان محور البحث هو مطلق الربا، أعمّ من أن يكون معاوضياً أو قرضياً ونحن نخصّ البحث بما ورد في الذكر الحكيم حول الربا القرضي، يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ   --->

صفحه 106
<--- الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).(1) الآية تشتمل على فقرات لكلّ معنى خاص:
1. إنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام مَن يتخبّطه الشيطان فيصرعه.
2. استدلال المرابي على كون الربا أمراً مشروعاً بأنّ البيع مثل الربا.
3. ردّ القرآن على الاستدلال بالفرق بينهما.
4. تسهيل الأمر على المرابي بالنسبة إلى ما سلف بشرط الانتهاء عن أكله فيما يأتي.
5. تهديد مَن يمارس الربا بعد إتمام الحجّة.
وهذه الآيات بوجازتها تعلّمنا هذه الأُمور الخمسة، ونحن نركّز البحث على دراسة الأُمور الثلاثة الأوّل ونحيل الرابع إلى التفاسير، ونقول: قوله سبحانه:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ): أي يؤذيه الشيطان من المسّ أو يصرعه الشيطان ويجعله مجنوناً بالمسّ.
ما هو المراد من قيام المرابي كالمتخبّط؟   
فالتشبيه وقع بين قيام آكل الربا وقيام المصروع من خبط الشيطان وإيذائه، فيطرح هنا سؤالان:
الأوّل: ما هو المراد من أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام المصروع؟   --->

1 . البقرة:275.

صفحه 107
<--- الثاني: ما هو المراد من كون الصرع من مسّ الشيطان؟

الأوّل: ما هو المراد من قيام المرابي كالمتخبّط؟

اختلفت كلمة المفسّرين في ذلك على وجوه:
1. ذهب أكثرهم إلى أنّ المراد قيامه يوم القيامة قيام المتخبّطين، فكأنّ آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً، وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فيعرفه أهل الموقف أنّه آكل الربا في الدنيا. ويأت عند نقل الروايات ما يؤيّده.
وعلى ضوء هذا فيكون معنى الآية أنّه يقوم مجنوناً كمن أصابه الشيطان بمسٍّ.
2. أنّهم إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله:(يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا)(1) إلاّ آكلة الربا فإنّهم يقومون ويسقطون، لأنّه سبحانه أرباه في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا يقدرون. وفي بعض الروايات ما يشهد له.
3. أنّ المراد من المسّ ليس هو الصرع والجنون وإن كان يستعمل فيه; بل أُريد في المقام من مس الشيطان دعوته وإجابة المرابي له، بشهادة أنّ المسّ ربّما يستعمل في هذا المعنى كما في قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)(2).   --->

1 . المعارج:43.
2 . الأعراف:201.

صفحه 108
تفسير السيد الطباطبائي تخبُّط المرابي   
<--- إذا تبيّن أنّ مسّ الشيطان يطلق ويراد به الدعوة إلى اللذات والشهوات، فعلى هذا يمكن أن يقال: إنّ المراد من تخبّط المرابي يدعوه إلى طلب اللّذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهو أيضاً يتبعه فيعمل ليله ونهاره متهالكاً فيما دُعي إليه، فيكون عمله أشبه بعمل المجنون، حيث لا يفكّر في غاية عمله.
4. ثمّ إنّ هنا تفسيراً رابعاً، والفرق بينه وبين المعنيين الأوّلين هو أنّ القيام على القولين، هو القيام في مقابل العقود، ولكن المراد بالقيام على المعنى الرابع هو الاستواء على الحياة والقيام بأمر المعيشة فإنّه من أحد معاني القيام يعرفه أهل اللسان في استعمالاتهم، قال تعالى: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(1)، وعلى هذا فيكون المراد من التخبّط في القيام هو التخبّط في أمر المعيشة والتخبّط في إدارتها، والقضاء والتفكير الباطل فيها حيث يقول: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا). والشاهد على ذلك أنّه سبحانه يستدلّ على تخبّطهم ويقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا): أي قولهم هذا دليل على تخبّطهم، وليس هذا إلاّ دليلاً على التخبّط في التفكير الصحيح والقضاء العادل في أمر المعيشة.
وهذا الجواب هو الذي اختاره السيد الطباطبائي ونأتي بنصّه.
إنّ الإنسان الممسوس الذي اختلّت قوته المميزة لا يفرق بين الحسن والقبيح، والنافع والضار، والخير والشر، فهكذا حال المرابي في أخذه   --->

1 . الحديد:25.

صفحه 109
<--- للربا فإنّ الذي تدعو إليه الفطرة أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه بما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه. وأمّا إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة، فهذا شيء ينهدم به قضاء الفطرة وأساس المعيشة، فإنّ ذلك ينجر من جانب المرابي إلى اختلاس المال من يد المدين وتجمّعه وتراكمه عند المرابي، فإنّ هذا المال لا يزال ينمو ويزيد، ولا ينمو إلاّ من مال الغير، فهو بالانتقاص والانفصال من جانب، والزيادة والانضمام من جانب آخر.
وينجرّ من جانب المدين المؤدِّي للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايداً لا يتداركه شيء مع تزايد الحاجة، وكلّما زاد المصرف أي نما الربا بالتصاعد زادت الحاجة من غير أمر يجبر النقص ويتداركه، وفي ذلك انهدام حياة المدين.
فالربا يضاد التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الإنساني الذي هدته إليه الفطرة الإلهية.
وهذا هو الخبط الذي يبتلي به المرابي كخبط الممسوس، فإنّ المراباة تضطره أن يختل عنده أصل المعاملة المعاوضية فلا يفرّق بين البيع والربا، فإذا دعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع، أجاب: أنّ البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع، ولذلك استدلّ تعالى على تخبّط المرابين بما حكاه من قولهم:(إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا).(1)   --->

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/411.

صفحه 110
تفسير السيد الطباطبائي استناد الجنون إلى المسّ   
<--- هذا كلّه حول السؤال الأوّل.

السؤال الثاني: ما هو المراد من كون الصرع من مسّ الشيطان؟

إنّ ظاهر الآية أنّ الجنون نتيجة تصرّف الجنّ في المجانين، مع أنّ العلم الحديث كشف علّة الجنون وهو حدوث اختلالات في الأعصاب الإدراكية، فكيف يجمع بين مفاد الآية وما عليه العلم الحديث، وهذا من قبيل تعارض النقل والعقل؟
وأجاب عنه بعض المفسّرين بأنّ هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامّة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرّف الجنّ في المجانين، ولا ضير في ذلك، لأنّه مجرّد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأ غير مطابق للواقع.
فحقيقة معنى الآية هو أنّ هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبّطه الشيطان من المس، وأمّا كون الجنون مستنداً إلى مسّ الشيطان فأمر غير ممكن، لأنّ الله سبحانه أعدل من أن يسلّط الشيطان على عقل عبده، أو على عبده المؤمن.(1)
وردّ عليه السيد الطباطبائي بأنّ الله تعالى أجلّ من أن يستند في كلامه إلى الباطل، ولغو القول بأي نحو كان من الاستناد إلاّ مع بيان بطلانه   --->

1 . نقله في الميزان في تفسير القرآن:2/413 ولم يذكر المصدر; وفي تفسير المنار:3/95 ما يقرب من ذلك نقله عن البيضاوي في تفسيره. لاحظ:1/142، يقول: وهو وارد على ما يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه.

صفحه 111
<--- وردّه على قائله، وقد قال تعالى في وصف كلامه: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ)(1).
وقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ).(2)
والجواب: أنّ استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة، بل بالأسباب الطبيعية كإختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان، كما أنّ أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلّل الأسباب الطبيعية في البين، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب(عليه السلام) إذ قال: (إنِّي مَسَّني الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَاب)(3)، وإذ قال: (إنِّي مَسَّني الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(4)، والضرّ هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان.(5)
ونزيد بياناً وهو أنّ العلم له حقّ الإثبات وليس له حقّ السلب، فالعلم وإن كشف أنّ الصرع نتيجة وجود اختلالات في الجهاز العصبي، وأمّا أنّه ليس بعد ذلك من علة أُخرى، فليس للعلم سلب ذلك; لأنّ أدواته قاصرة عن إفادة ذلك، فهو يعتمد على التجربة، والتجربة لا تنتج إلاّ في   --->

1 . فصلت:41ـ 42.
2 . الطارق:13ـ 14.
3 . ص:41.
4 . الأنبياء:83.
5 . الميزان في تفسير القرآن:2/413.

صفحه 112
<--- الأُمور المحسوسة أو ما هو قريب منها، وأمّا عوالم المجردات كالأرواح والشياطين، فهي لم تنكشف أسرارها لنا حتى تؤكّد على عدم تأثيرها في الصرع وغيره. فإن قيل: إنّ استناد الجنون إلى تصرّف الشيطان وذهاب العقل به ينافي عدله تعالى. قلت: الإشكال بعينه مقلوب على القول الآخر أيضاً، فإنّ إسناد ذهاب العقل إلى الأسباب الطبيعية فإنّها مستندة أخيراً إلى الله تعالى مع إذهابها العقل.(1)
وأمّا الأمر الثاني أعني قوله: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)فهو بيان لمنطق المرابي، حيث يقول: لا فرق بين البيع والربا، فإذا كان الأوّل حلالاً، فالثاني مثله. وقد أُجيب بقوله تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، وهو الأمر الثالث أعني وجود الفرق الواضح بين الأمرين، وهو أنّه ليس على المشتري ـ بعد الثمن ـ شيءٌ آخر، بخلاف المديون فعليه دفع الفائض في كلّ شهر.
مفاسد الربا القرضي في الروايات   

الربا القرضي في الروايات

وقد أُشير في الكثير من الروايات إلى عظيم حرمة الربا وتبعاته:
1. روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن هشام، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لمّا أُسري بي إلى السماء رأيت قوماً يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس».(2)
ولو صحّت الرواية لكانت مؤيّدة للمعنى الأوّل من التخبّط،   --->

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/412.   2 . تفسير القمي:1/93.

صفحه 113
<--- حيث يكون ظرف التخبّط هو الآخرة، فلاحظ.
2. روى العياشي في تفسيره عن شهاب بن عبد ربه قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبّطه الشيطان».(1)
ولو صحّت الرواية لكانت قرينة على صحّة المعنى الثاني للتخبّط; لأنّ ظرف التخبّط هو الحياة الدنيوية. كما ان الرواية السابقة قرينة على المعنى الأوّل له .
3. روى الكليني في «الكافي» بإسناده عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرّره، فقال: «أو تدري لِمَ ذلك؟» قلت: لا، قال: «لئلاّ يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(2)
4. وروى عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّما حرم الله عزّ وجلّ الربا لكي لا يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(2)
والروايتان تشيران إلى المفاسد الأخلاقية في الربا، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك.
5. روى الصدوق بسنده عن محمد بن سنان عن الإمام الرضا(عليه السلام) في جواب مسائله في العلل:«وعلة تحريم الربا إنّما نهى الله عنه لما فيه من فساد الأموال; لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً، وثمن الآخر باطلاً، فبيع الربا وشراؤه وكس(3) على كلّ حال على   --->

1 . تفسير العياشي:1/152، برقم 503.   2 . الكافي:5/146، برقم 7.
2 . الكافي:5/146، برقم8.
3 . الوكس:النقص والخسر.

صفحه 114
<--- المشتري وعلى البائع، فحرّم الله تبارك تعالى الربا لعلّة فساد الأموال كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوّف عليه من إفساده حتى يؤنس منه رشده. فلهذه العلّة حرّم الله تعالى الربا وبيع الدرهم بالدرهمين يداً بيد.
وعلّة تحريم الربا بعد البيّنة لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم، وهي كبيرة بعد البيان وتحريم الله لها، ولم يكن ذلك منه إلاّ استخفاف بالتحريم للحرام، والاستخفاف بذلك دخول في الكفر.
وعلّة تحريم الربا بالنسبة لعلّة ذهاب المعروف وتلف الأموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض والفرض وصنائع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال».(1)
***
أخذ الربا ظلم لحقّ المقترض   

أخذ الربا ظلم لحقّ المقترض

كلّ ما تقدّم صحيح في بابه، لكن لا يفسّر لنا كون أخذ الربا ظلماً إلاّ بالإشارة في كلام الإمام الرضا(عليه السلام) حيث قال: «إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً»، ولكن الذكر الحكيم يؤكّد على أنّ أخذ الربا، ظلم، وهذا يحتاج إلى تقديم مقدّمة وهي:
إنّ القرض مع الربا، ليس من باب القرض الحسن، ولا من باب المضاربة; لأنّه على الأوّل يكون النفع والضرر على المقترض، فلو انتفع فله، ولو سُرق أو فقد فعليه، وما هذا إلاّ لأنّ المقرض ملّك المقترض   --->

1 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام):2/94، الباب33، الحديث1.

صفحه 115
<--- ما أقرضه، ولذلك كان ما له، وما عليه على المقترض.
وأمّا الثاني ـ أعني: المضاربة ـ فالمال ملك المضارب (المالك) ولم يخرجه عن ملكه، ولذلك يشاركه في النفع والضرر، فلو انتفع فيأخذ بالنسبة، وإن خسر فالكل عليه، لأنّه لم يخرج المال عن ملكه، هذا حال القرض الحسن والمضاربة.
وحاصل الكلام: أنّ المال الذي دفعه المقرض إلى المقترض لا يخلو عن أحد حالين:
1. فإن ملّكه المال فالنفع والضرر على المقترض، ولا يعود من النفع شيء إلى المقرض، بحكم أنّه ملكه.
2. وإن لم يملكه ـ كما هو الحال في المضاربة ـ فالمشاركة في النفع أمر معقول، كما أنّ كون الضرر متوجّهاً عليه مثله لكن القرض الربوي نوع معاملة لا يشبه القرض الحسن، حتى لا يطلب المقرض النفع، (ولكنّه يطلبه) ولا يشبه المضاربة حتى تكون الخسارة عليه، (لكنّها الخسارة على المقترض) فهو على هذا أشبه بالخنثى لا إقراض ولا مضاربة.
إذا علمت ذلك فنقول:
يمكن تقريب كون الربا ظلماً بوجهين:

الأوّل: دور الأثمان في التجارة هو تسهيل الأمر

يجب علينا أن نعرف دور الأثمان في التجارة فهل دورها، تسهيل أمر التجارة فقط فلا تشترى ولا تباع أبداً، أو لها وراء ذلك دور آخر؟ ويعلم--->

صفحه 116
<--- ذلك بالتدبّر فيما يلي:
لا يمكن لكلّ إنسان أن يرفع جميع حوائجه بعمل نفسه وحده فصار ذلك سبباً للإجتماع التعاوني بأن ينتفع كلّ بعمل غيره، وما حازه وملكه غيره بعمله، فأدّى ذلك إلى المعاوضة بينهم، واستقرّ ذلك بأن يعمل الإنسان في باب واحد أو في أبواب معدودة من أبواب العمل ويملك بذلك أشياء ثم يأخذ مقدار ما يرفع به حاجته، ويعوض ما يزيد على حاجته ممّا ليس عنده من مال الغير، وهذا أصل المعاملة والمعاوضة.
غير أنّ التباين التامّ بين الأموال والأمتعة من حيث النوع، ومن حيث شدّة الحاجة وضعفها، ومن حيث كثرة الوجود وقلّته، يُولّد الإشكال في المعاوضة، فإنّ الفاكهة لغرض الأكل، والحمار لغرض الحمل، والماء لغرض الشرب، والجوهرة الثمينة للتقلّد والتختّم مثلاً لها أوزان وقيم مختلفة في حاجة الحياة، ونسب مختلفة لبعضها إلى بعض.
فمسّت الحاجة إلى اعتبار القيمة بوضع الفلوس والدرهم والدينار، وكان الأصل في وضعه: انّه جعلوا شيئاً من الأمتعة العزيزة الوجود كالذهب مثلاً أصلاً يرجع إليه بقية الأمتعة والسلعات، فكان الواحد من وجه النقد يقدر به القيمة العامّة ويقوّم به كلّ شيء من الأمتعة فيتعيّن به نسبة كلّ واحد منها بالنسبة إليه ونسبة بعضها إلى بعض.(1)
فعلى ما ذُكر فليس للأثمان في مورد التجارة دور إلاّ كونها   --->

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/433.

صفحه 117
<--- وسائل لتسهيل المبادلة بين الأجناس، فهي بالذات لاتباع ولا تشترى، وإنّما بها تباع الأجناس وتشترى، هذه خصيصة الأثمان. ولكن الأمر في الربا القرضي على العكس حيث تصبح الأثمان كالأمتعة وتعامل معاملتها، بمبادلتها مع مثلها وزيادة، نظير مبادلة الحنطة بحنطة أُخرى مع الزيادة، فلو قيل: إنّ الربا ظلم فأُريد من الظلم التجاوز عن الحد، فالمرابي يتجاوز عن الحد، وعن القانون الأصيل في مورد الأثمان.

بيان للغزالي في تبيين ذلك الوجه

إنّ للغزالي في كتاب الشكر من الإحياء بياناً حول تحريم الربا قريب ممّا نقلناه عن الميزان نأتي به ملخّصاً قال:
من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إنّ كلّ إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عمّا يحتاج إليه، ويملك ما يستغني عنه، كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جمل يركبه، ومن يملك الجمل وربّما يستغني عنه ويحتاج إلى الزعفران فلابدّ بينهما من معاوضة، ولابدّ في مقدار العوض من تقدير، إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكلّ مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال: يعطى مثله في الوزن أو الصورة فلا يدري أنّ الجمل كم يسوي بالزعفران فتتعذّر المعاملات جدّاً.
فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينهما   --->

صفحه 118
<--- يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كلّ واحد رتبته ومنزلته، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين الأموال حتى تقدّر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا المقدار من الزعفران يساوي مائة، فهما من حيث إنّهما متساويان لشيء واحد متساويان، وإنّما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما، فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل.(1)
وحاصل كلامه مع طوله: إنّ النقود ـ بوجه مطلق ـ لم تخلق إلاّ لتقييم الأشياء أوّلاً، وتسهيل المبادلة بين الأجناس ثانياً ـ كما علم من مبادلة الزعفران مع الجمل، دون أن تكون مطلوبة بالذات تباع وتشترى، إذ لم تخلق لأجل ذلك. ويكون الاسترباح بها بالإقراض مخالفاً لطبعها وما خلقت لأجله.
رأس المال غير مولّد   

الوجه الثاني: رأس المال غير مولّد

إنّ رأس المال بما أنّه أمر صامت راكد لا ينمو ولا يزيد، ولو مرّت عليه أعوام وأحقاب، فهو يبقى على ما هو عليه، لو لم تهدّده عوارض الزمان.
نعم يمكن الانتفاع به إذا وقع تحت تصرّف العامل، فهو بحركته وعمله، يستنمي ويُسبب الزيادة، فعلى هذا فلو ترتبت الفائدة على التجارة فإنّما هي نتيجة عمل العامل، إذ لولاه لبقي رأس المال على ما هو عليه.
فإن قلت: إنّ رأس المال أيضاً صورة ملخّصة من الأعمال الكثيرة   --->

1.إحياء علوم الدين:12/83.

صفحه 119
المسألة 9.لا يجوز شرط الزيادة بأن يقرض مالاً على أن يؤدّي المقترض أزيد ممّا اقترضه، سواء اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنياً عليه، وهذا هو الربا القرضي المحرّم الذي ورد التشديد عليه.*
الّتي تحمّلها المالك طول عمره ونتيجة عمله. فيكون الربح نتيجة عمل العامل منضماً إلى عمل المالك، غاية الأمر أنّ عمل العامل عمل مبسّط، وعمل المالك عمل ملخّص، فلماذا لا ينتفع برأس ماله؟
قلت: ما ذكرته صحيح، ولكن مقتضى طبيعة العمل ـ أعني: ضم عمل العامل إلى عمل المالك ـ أن يكون مشاركاً مع العامل في الانتفاع ويستقلّ في مورد الضرر، أمّا المشاركة فلأجل أنّ لرأس المال دوراً، وأمّا استقلاله بالضرر فلأجل أنّ ضرر المالك أصلاً أو فرعاً في مقابل ضرر العامل حيث إنّ العامل يسعى سنة كاملة ولا ينتفع بسعيه أبداً، وعلى هذا فالخروج عن مقتضى طبيعة العمل ظلم وتعد، فتكون النتيجة أنّ الضابطة الصحيحة هي المشاركة بنحو المضاربة، لا الربا، فهو خروج عن العدل الوسط حيث ينتفع ولا يضرّ، وتلك إذاً قسمة ضيزى.
* الظاهر أنّ حرمة الربا من ضروريات الفقه، لو لم تكن من ضروريات الإسلام، والدليل على حرمته ما تقدّم من الآيات في الفصل الأوّل، وقد تقدّم منّا أنّ لفظ الربا في الكتاب العزيز ينصرف إلى الربا القرضي، وأمّا الربا المعاوضي فهو من تشريعات الإسلام ليكون سدّاً للربا القرضي، وقد مرّ بيانه، ومع ذلك ففي الروايات نصوص من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، على حرمة ما زاد على الأصل إذا اشترطاه أو أضمراه وتعاملوا على ذلك الأصل، فنقتصر بما يلي:   --->

صفحه 120
ما يدلّ على حرمة الربا القرضي   

<--- حرمة الربا القرضي في الروايات

1. ما رواه الكليني عن هذيل بن حيّان أخي جعفر بن حيّان الصيرفي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّي دفعت إلى أخي جعفر مالاً فهو يعطيني ما أنفق وأحجّ منه وأتصدّق، وقد سألت من قِبَلَنا فذكروا أنّ ذلك فاسد لا يحلّ، وأنا أحبّ أن انتهي إلى قولك؟ فقال لي: «أكان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك؟» قلت: نعم، قال:«خذ منه ما يعطيك فكلّ منه واشرب وحجّ وتصدّق. فإذا قدمت العراق فقل: جعفر بن محمد أفتاني بهذا».(1)
والرواية تدلّ على جواز الانتفاع من جانب المقترض إذا لم يكن هناك اشتراط.
فإن قلت: مقتضى قوله(عليه السلام) في رواية هذيل بن حيّان: «أكان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك؟ قلت: نعم، قال: خذ ما يعطيك» هو اختصاص الجواز بما إذا كان يصله سابقاً، وعدم الجواز بعد دفع المال.
قلت: الظاهر أنّ الإمام بصدد استكشاف نية الدافع، فإنّ صلته قبل دفع المال آية استقلاله في هذا الأمر، بخلاف ما إذا أمسك عن الصلة إلاّ بعد دفع المال، فربّما يكون قرينة على أنّ الصلة في مقابل القرض.
2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضاً، فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه، فيأخذ ماله من غير أن يكون   --->

1 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث2.

صفحه 121
<--- شرط عليه؟ قال: «لا بأس بذلك ما لم يكن شرطاً».(1) ودلالته على الحرمة لدى الشرط صريحاً أو إضماراً واضحة.
3. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم(عليه السلام): الرجل يكون له عند الرجل المال قرضاً فيطول مكثه عند الرجل لا يدخل على صاحبه منفعة فينيله الرجل والشيء بعد الشيء كراهية أن يأخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة، أيحلّ ذلك له؟ قال:«لا بأس إذا لم يكن شرط».(2)
ودلالة الرواية على حرمة الزيادة لدى الاشتراط واضحة، وهذه الرواية وما تقدّمها كلاهما من إسحاق بن عمار، غير أنّ مورد الأُولى يفترق عن مورد الثانية، وكأنّ موردها في الأُولى هو القرض الحسن بلا أجل فيخاف المقترض طلب المقرض قرضه، فيعطيه شيئاً من ربحه حتى لا يطلبه، وموردها في الثانية هو القرض الحسن مؤجّلاً فجاء أجل القرض. ولم ينتفع المالك بشيء من ماله فيريد بذلك رفع كراهيته حيث يأخذ ماله بلا إصابة منفعة إذا لم يدفع إليه شيئاً وهو أمر لا يستحسنه الطبع.
4. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «مَن أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحدٌ منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه».(3)   --->

1 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث3.
2 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث13.
3 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث11.

صفحه 122
<--- ويستفاد من الرواية أنّ الزيادة محرّمة ولو كانت من غير جنس المُقترَض (المال) كركوب دابة أو عارية متاع، وإن شئت: الزيادة الحكمية.
5. ما رواه عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: وسألته عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر؟ قال:«هذا الربا المحض».(1)
6. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط».(2)
7. ما رواه الكليني عن خالد بن الحجاج قال: سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة وزناً؟ قال:«لا بأس ما لم يشترط». قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط، إنّما يفسده الشروط».(3)
حرمة الزيادة العينية والحكمية   
8 . ما رواه الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثم يعطي سوداً وزناً وقد عرف أنّها أثقل ممّا أخذ، وتطيب به نفسه أن يجعل له فضلها؟ فقال:«لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط، ولو وهبها له كلّها صلح».(4)
وفيما ذكرنا من الروايات كفاية.   --->

1 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث18.
2 . الوسائل13، الباب20 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.
3 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب الصرف، الحديث1.
4 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب الصرف، الحديث2.

صفحه 123
ولا فرق في الزيادة بين أن تكون عينية كعشرة دراهم باثني عشر أو عملاً كخياطة ثوب له، أو منفعة أو انتفاعاً كالانتفاع بالعين المرهونة عنده، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم مكسورة على أن يؤدّيها صحيحة.
وكذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربوياً بأن كان من المكيل والموزون، وغيره بأن كان معدوداً كالجوز والبيض.*
<--- ومقتضى الروايات عدم الفرق بين اشتراط الزيادة صريحاً أو كون العقد مبنياً عليه، كما إذا توافقا على الزيادة ثمّ أجريا العقد مجرّداً عنها. وهذه الصورة كالمصرّحة، إذ لولا الشرط المبني عليه العقد لما أقدما على العقد. وأمّا ما ذكره المصنّف في آخر كلامه، من ورود التشديد عليه، فقد ذكر في بعض الروايات الّتي مرّت في فصل القرض المعاملي. فلاحظ.

* حرمة الزيادة العينية والحكمية

قد تقدّم في الفصل الأوّل (الربا المعاوضي) حرمة الزيادة العينية والحكمية أنّ الزيادة الحكمية كالزيادة العينية، سواء أكان عملاً كخياطة ثوب له أو منفعة كركوب الدابة، أو انتفاعاً كالانتفاع بالعين المرهونة، أو صفة كاشتراط الصحّة في مقابل الدارهم المكسورة.(1) وهل هي كذلك في الربا القرضي؟
أقول: هذا هو الظاهر من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)   --->

1 . جواهر الكلام:25/13.

صفحه 124
<--- قال: «مَن أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحدٌ منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه».(1)
فإنّ قوله:«مَن أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها» كاف في ثبوت حرمة الزيادة الحكمية.وبعبارة أُخرى: لا ينتفع بإقراضه ولا يأخذ سوى ما أقرض. مضافاً إلى ما في ذيل الرواية من حرمة اشتراط ركوب دابة أو عارية متاع.
شمول الربا القرضي غير المكيل والموزون   

سعة دائرة الربا القرضي

التفصيل بين الربا المعاوضي باختصاص حرمته بالمكيل والموزون، والربا القرضي بعموم حرمته لهما ولغيرهما من المعدود والمذروع، هو المعروف بين الأصحاب، قال المحقّق:«الفصل السابع في الربا والقرض: أوّلاً: في الربا وهو يثبت في البيع مع وصفين: الجنسية، والكيل والوزن. ثانياً: وفي القرض مع اشتراط النفع».(2) ترى أنّه ذكر الأمرين (الكيل والوزن) في البيع دون القرض، واكتفى فيه بشرط واحد وهو اشتراط النفع.
وقال في «الجواهر» في شرح عبارة المحقّق (مع اشتراط النفع): بالعين أو الصفة من غير فرق فيه بين المكيل والموزون وغيرهما فهو أعمّ موضوعاً من الأوّل.(3)   --->

1 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث11.
2 . شرائع الإسلام: 2/43.   3 . جواهر الكلام : 23/336.

صفحه 125
<--- والدليل على كون الموضوع أعمّ هو ما تقدّم من الروايات المطلقة، المركّزة على أمر واحد وهو أنّه لا يشترط إلاّ مثلها; ففي صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «مَن أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها».(1)
فإن قلت: الموضوع في الروايات السابقة، هو الدراهم والدنانير أو المال الذي ينصرف إلى أحدهما زمن صدور الروايات، فتنحصر حرمة الربا بالنقدين عند الإقراض.
قلت: يكفي في ذلك أمران:
1. عمومية الحكم، ما ورد من الآيات المحرّمة لكلّ زيادة من غير فرق بين الأثمان وغيرها.
2. أنّ الموضوع في صحيحة محمد بن مسلم هو الدين، حيث روى عن أبي جعفر(عليه السلام)في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيّته، أو يقول: أنقدني بعضاً وأمدُّ لك في الأجل فيما بقي؟ قال: «لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله».(2)
ومثلها خبر حفص بن غياث، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «وأمّا الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضاً ويشترط أن يرد أكثر ممّا أخذه، فهذا هو الحرام».(3) فالموضوع هو الدين والقرض، وهما أعم من النقدين.

1 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث11; إلى غير ذلك من الروايات.
2 . الوسائل:13، الباب32 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.
3 . الوسائل:12، الباب18 من أبواب الربا، الحديث1.

صفحه 126
المسألة 10. لو أقرضه وشرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته أو يؤاجره بأقلّ من أُجرته، كان داخلاً في شرط الزيادة.نعم لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقلّ من قيمته وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيّناً، لا بأس به.*
القرض بشرط البيع المحاباتي أو البيع المحاباتي بشرط القرض   

* القرض بشرط البيع المحاباتي أو البيع المحاباتي بشرط القرض

حاصل المسألة هو الفرق بين القرض بشرط البيع المحاباتي، فيحرم; وبين البيع المحاباتي بشرط القرض، فيصحّ.
وبعبارة أُخرى: إذا كان فرض الزيادة في عقد القرض فيحرم، حيث إنّ المقرض في عقد القرض يملك الزيادة على رأس المال بلا وجه. وأمّا إذا كان ملك الزيادة في البيع المشروط بالقرض فيصحّ، ولعلّ وجه الفرق أنّ الذي يجر الزيادة هو عقد القرض في الصورة الأُولى، حيث يُقرض المقرض قرضاً مشروطاً ببيع ما يساوي ألف درهم بخمسمائة درهم منه، بخلاف الصورة الثانية فإنّ الذي يجر الزيادة هو نفس البيع المحاباتي أوّلاً وكان القرض تابعاً للبيع. فالصورة الأُولى داخلة تحت قوله:«كلّ قرض يجر منفعة فهو حرام» بخلاف الثانية فإنّ الذي يجر المنفعة هو البيع والقرض تبعيّ للبيع كما سيوافيك.
وليس السيد الأُستاذ بين معاصريه فريداً في هذه الفتوى، بل عليه السيد الخوئي في رسالته «منهاج الصالحين»، قال: لو أقرضه شيئاً وشرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته أو يؤجره بأقلّ من أُجرته، دخل في شرط الزيادة، فلا يجوز. وأمّا إذا باع المقترض المقرض شيئاً بأقلّ من   --->

صفحه 127
<--- قيمته أو اشترى منه شيئاً بأكثر من قيمته وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً من المال جاز، ولم يدخل في القرض الربوي.(1)
وحصيلة الفرق بين الفرعين: أنّ الميزان هو ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«كلّ قرض جرّ منفعة فهو حرام» ففي الصورة الأُولى عقد القرض يجر منفعة; لأنّه اشترط فيه البيع المحاباتي، حيث ينال المقرض في عقد القرض شيئاً وراء ما أقرض، وهو بيع ما يساوي ألف درهم بخمسمائة درهم، وأمّا الصورة الثانية فالبيع المحاباتي قبل القرض يجر نفعاً دون القرض، وإنّما القرض أمر تابع للبيع، وهذا هو الفرق بين الحالتين.
أقول: المسألة معنونة في كتبهم، قال السيد العاملي: هذه المسألة من أُمّهات المسائل ومهمّاتها، وقد صنّف أُستاذنا العلاّمة الإمام الماهر ملاّ محمّد باقر(2) ـ حشره الله سبحانه مع من ضاجعه في الحائر ـ رسالة في تحريم ذلك ـ أعني: القرض ـ بشرط البيع المشتمل على المحاباة، وادّعى على ذلك اتّفاق الأصحاب وتضافر الروايات، ووافقه على ذلك العلاّمة الحبر المعتبر الشيخ جعفر دام ظلّه، وخالفهما في ذلك أُستاذنا الإمام العلاّمة أُستاذ الكلّ في عصره السيّد محمّد مهدي(3) حشره الله تعالى مع أجداده الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
ولما كان كذلك أحبّ شيخنا ومولانا العالم العابد الزاهد   --->

1 . منهاج الصالحين:2/171، المسألة 798.
2 . يريد: الآقا محمد باقر البهبهاني الذي توفّي عام (1206).
3 . يريد بحر العلوم الذي توفّي عام 1212هـ.

صفحه 128
<--- الحبر النحرير الكامل الشيخ حسين نجف ـ دام ظلّه ـ أن أنظر الأخبار وكلام الأصحاب وأُميّز الخطأ من الصواب، فذكرت ذلك لسيّدنا المشار إليه ـ أسبغ الله رحمته ورضوانه وغفرانه عليه ـ، فدلّ على بعض المطالب وأشار إلى ملاحظة كلام «كاشف الرموز» الحسن بن أبي طالب، فنظرتُ الرسالة المذكورة فوجدتها قد تضمّنت أمرين:
الأوّل: إنّ فتح هذا الباب (تجويز القرض بشرط البيع المشتمل على المحاباة) يسدّ باب المعروف بالكلّية.
والثاني: إنّ ذلك قرض يجرّ نفعاً وكلّ قرض كذلك فهو حرام.
ثمّ إنّه(قدس سره) أطال الكلام حول الفرع الأوّل، قرابة أربع عشرة صفحة.(1)
ويظهر ممّا ذكره أنّ كلام الأصحاب مركّز على خصوص حرمة الأوّل وعدمها، وأمّا الفرع الآخر فهو جائز بالاتّفاق، وأمّا صاحب الجواهر فقد لخّص ما ذكره السيد العاملي وخرج بالنتيجة التالية:أنّ الأقوى هو الحرمة لصدق جرّ النفع به المحرم فتوى وسنة ولا يعارضه ما دلّ على أنّ خير القرض ما جرّ نفعاً.(2) المحمول كما عرفت على عدم الشرط ونحو ذلك.(3)
عدم الفرق بين الصورتين   

عدم الفرق بين الصورتين

ومع أنّ كلام الأصحاب مركّز على الفرع الأوّل مسلّمين الجواز في الثاني، لكن التدبّر في الروايات يثبت أنّ الموضوع للحرمة تملّك   --->

1 . مفتاح الكرامة:11/65ـ78.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الدين والقرض، الحديث4.   3 . جواهر الكلام:25/63.

صفحه 129
<--- المقرض في عقد واحد أزيد ممّا أقرضه، وهذا أمر مشترك بين الفرعين، من غير فرق بين أن يكون تملّك الزيادة بعقد القرض أو بعقد المحاباة المقيّد بالقرض، وعلى هذا فلا فرق بين الفرعين، أضف إلى ذلك: أنّ الأحكام الشرعية تدور مدار الملاكات الواقعية وهي لا تتغيّر بتغيير العبارات والإنشاءات، فكلّ ما فرض للربا من المفاسد، فهو مشترك بينهما.
نعم بقيت هنا روايات ربّما توحي الجواز:
1. رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:«سُئل]عليّ[ عن رجل له مال على رجل من قبل عينة(سلعة) عينها إيّاه، فلمّا حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فأراد أن يقلب عليه ويربح أيبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوي مائة درهم بألف درهم ويؤخّره؟ قال:«لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبي (رضي الله عنه) ، وأمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه».(1)
فقه الحديث: العينة عبارة أن يشترى سلعة بثمن مؤجّل ثم يبيعها منه نقداً بأقلّ ليقضي ديناً عليه، ولعلّ إطلاق العينة بمعنى النقد الحاضر.
والرواية تختلف موضوعاً عن مسألتنا هذه، فإنّ الموضوع هنا أنّ المقترض يبيع بيعاً محاباتياً لغاية الاقتراض، وأمّا في الرواية فالمقرض يبيع ما قيمته مائة درهم بألف درهم من المقترض حتى يؤجل له الأجل. وبعبارة أُخرى يملك المقرض ازيد ممّا اقرضه في عقد واحد بخلاف المقام فهو يملك ازيد بعقدين منفصلين .
2. ما رواه محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): يكون لي على الرجل دراهم، فيقول: أخّرني بها وأنا أربحك، فأبيعه جبّة   --->

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.

صفحه 130
<--- تقوّم علي بألف درهم، بعشرة آلاف درهم(أو قال: بعشرين ألفاً) وأؤخره بالمال، قال:«لا بأس».(1)
ومورد الرواية كالرواية السابقة فالمقرض يقوم ببيع محاباتي يبيع السلعة الرخيصة بقيمة غالية حتى يؤخّر أجله. مضافاً إلى وحدة العقد في المقام وتعدده في الرواية.
3. ما رواه الشيخ عن عبد الملك بن عتبة، قال: سألته عن الرجل يريد أن أعينه المال أو يكون لي عليه مال قبل ذلك، فيطلب منّي مالاً أزيده على مالي الذي لي عليه، أيستقيم أن أزيده مالاً وأبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم فأقول: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها وبمالي عليك كذا وكذا شهراً؟ قال:«لا بأس».(2)
4. وروى الشيخ بإسناده عن محمد بن إسحاق بن عمار، قال: قلت للرضا(عليه السلام): الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم، ويؤخّر عنه المال إلى وقت، قال: «لا بأس به، قد أمرني أبي ففعلت ذلك»، وزعم أنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام) عنها، فقال مثل ذلك.(3)
في حرمة الزيادة مع الشرط   
ومع أنّ مسألتنا هذه تختلف عمّا ورد في الروايات لكن العمل بها مشكل أيضاً; لأنّ موردها من مقولة قولهم: «زد في الأجل نزيدك في المال»، الرائج في العصر الجاهلي، وإن كان الظاهر من صاحب الجواهر العمل بها، حيث قال:إلى غير ذلك من النصوص المفتى بها من الأصحاب وإن   --->

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث5.
3 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث6.

صفحه 131
المسألة 11. إنّما تحرم الزيادة مع الشرط، وأمّا بدونه فلا بأس، بل تستحب للمقترض حيث إنّه من حسن القضاء، وخير الناس أحسنهم قضاء، بل يجوز ذلك إعطاء وأخذاً لو كان الإعطاء لأجل أن يراه المقرض حسن القضاء فيقرضه كلّما احتاج إلى الاقتراض، أو كان الإقراض لأجل أن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء ويكافئ من أحسن إليه بأحسن الجزاء بحيث لولا ذلك لم يقرضه.*
<--- كان حيلة وفراراً، لكن نعم الفرار من الباطل إلى الحقّ، ومنه ينتقل إلى غير ذلك من الحيل الشرعية المنطبقة على أُصول المذهب وقواعده.(1)
ونحن لا نرى الفرق بين الفرع الأوّل والثاني وما ورد في الروايات، فمَن عمل بالحيل الشرعية، فليعمل بالجميع، وإلاّ فمَن ردّها بتاتاً ـ كما عليه السيد الأُستاذ ـ لم يصحّ له الإفتاء بما في المسألة.
***

* في حرمة الزيادة مع الشرط

في هذه الفقرة من المسألة فروع:
1. الزيادة محرّمة مع الشرط وأمّا بدونه فلا بأس.
2. يستحب أن يقوم المقترض عند الأداء بإعطاء شيء من الزيادة من حيث إنّه حسن القضاء فقط.
3. يقوم بذلك ليكون ذلك داعياً للمقرض أن يقرضه كلّما احتاج   --->

1 . جواهر الكلام:25/35.

صفحه 132
<--- إلى القرض.
استحباب دفع شيء للمقرض عند الاداء    
4. إلى هنا كان حُسن القضاء من جانب المقترض، وربما ينعكس الأمر، بمعنى أنّ الإقراض من المقرض لأن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء ويكافئ(المقترض) من(المقرض) أحسن إليه بأحسن الجزاء، بحيث لولا ذلك لم يقرضه.
هذه هي الفروع الأربعة التي أشار إليها المصنّف والمجموع واضح الحكم، لأنّ الحرام هو اشتراط الزيادة، وأمّا إذا لم يكن هناك اشتراط من الجانبين وكان العقد مجرّداً عن كلّ شرط، يدخل الجميع تحت قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ومع ذلك نشير إلى بعض الروايات:
أمّا الفرع الأوّل: فقد تكرّر قولهم(صلوات الله عليهم) بحرمة الزيادة مع الشرط وجوازها بدونه، فلاحظ.
وأمّا الفرع الثاني: وهو أن يقوم المقترض بأداء شيء إلى المقرض من باب حُسن القضاء، من دون أن يكون ذلك داعياً لاقتراض آخر. ويكفي في ذلك قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لمّا اكترى بكراً فردّ بازلاً رباعياً ـ :«إنّ خير الناس أحسنهم قضاء».(1)
ويدلّ عليه أيضاً صحيح خالد بن الحجّاج، قال: سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة وزناً؟ قال:«لا بأس ما لم يشترط، قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط، إنّما يفسده الشروط».(2)   --->

1 . سنن البيهقي:5/351. والبازل(أو الباذل) من الإبل: الذي تم له ثمان سنين ودخل في التاسعة.
2 . الوسائل:12، الباب12 من أبواب الصرف، الحديث1.

صفحه 133
<--- ونحوه رواية الحلبي.(1)
وأمّا الفرع الثالث: وهو أن يكون الإعطاء لغرض تسهيل الأمر في المستقبل إذا استقرض حيث رآه حسن القضاء في الدين. وهذا الفرع داخل تحت الإطلاقات وأنّه إذا لم يكن شرط بين المقترض والمقرض فلا إشكال خصوصاً أنّ الداعي في ذهن المقترض دون المقرض.
وأمّا الفرع الرابع: وهو أنّ المقرض يقوم بالإقراض لينتفع بالمقترض لكونه حسن القضاء; ويدلّ على ذلك صحيح يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يُسلم في بيع أو تمر عشرين ديناراً ويقرض (أي المشتري البائع عشرة دنانير ليبيعه التمر سلماً فهذا القرض ليجر النفع)(2) صاحبَ السلم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً؟ قال: «لايصلح إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح».(3)
قال: وسألته عن رجل يأتي حريفه وخليطه فيستقرض منه الدنانير، فيقرضه ولولا أن يخالطه ويحارفه ويصيب عليه (4) لم يقرضه، فقال:«إن كان معروفاً بينهما فلا بأس، وإن كان إنّما يقرضه من أجل أن يصيب عليه فلا يصلح».(5)   --->

1 . لاحظ: الوسائل:12، الباب12 من أبواب الصرف، الحديث2.
2 . لاحظ: التهذيب:6/227، قسم التعليقة.
3 . حمله الشيخ تارة على الكراهة وأُخرى على الشرط كما في الوسائل، ووجهه واضح لعدم تصوّر الربا بمجرّد إقراض أحد الطرفين الآخر، إلاّ بمجرّد الشرط.
4 . في حواشي «التهذيب»: لم أجد في اللغة «أصاب عليه»، وفي «مجمع البحرين»: في الحديث «فأصبهم منه»: أي أعطهم منه شيئاً. ولعلّ الصحيح: «فيصب منه»: أي يصب عليه منه شيء.
5 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث9.

صفحه 134
نعم يكره أخذه للمقرض خصوصاً إذا كان إقراضه لأجل ذلك، بل يستحب أنّه إذا أعطاه شيئاً بعنوان الهدية ونحوها يحسبه عوض طلبه بمعنى أنّه يسقط منه بمقداره.*
المسألة12. إنّما يحرم شرط الزيادة للمقرض على المقترض، فلا بأس بشرطها للمقترض كما ]لو [أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدّي ثمانية، أو أقرضه دراهم صحيحة على أن يؤدّيها مكسورة، فما تداول بين التجار من أخذ الزيادة وإعطائها في الحوائل المسمّى عندهم بصرف البرات ـ ويطلقون عليه على المحكي بيع الحوالة وشرائها ـ إن كان بإعطاء مقدار من الدراهم وأخذ الحوالة من المدفوع إليه بالأقل منه فلا بأس به، وإن كان بإعطاء الأقل وأخذ الحوالة بالأكثر يكون داخلاً في الربا.* *
<--- والشاهد في السؤال الثاني.
* هذا هو الفرع الخامس ويدلّ عليه ما رواه الكليني عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إنّ رجلاً أتى عليّاً(عليه السلام) فقال: إنّ لي على رجل ديناً فأهدى إليّ هديّة، قال: احسبه من دينك عليه».(1)
ثمّ إنّ الجمع بين هذه الرواية وما تقدّم من أنّ خير القرض الذي يجر المنفعة.(2) هو الحمل على مراتب التنزّه، فالقبول حسن ورفضه أفضل.
في حرمة شرط الزيادة للمقرض لا العكس   

** في حرمة شرط الزيادة للمقرض لا العكس

الربا القرضي عبارة عن اشتراط الزيادة للمقرض عند عقد القرض،   --->

1 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث 5 و 6.

صفحه 135
<--- أو اشتراط الزيادة عند الأجل ليزيد في المدّة، وعلى كلّ تقدير فمقوّم الربا هو حصول الزيادة للمقرض، وأمّا إذا انعكس الأمر فاقتضت الظروف أن تكون الزيادة للمقترض، فهذا خارج عن موضوع الربا، وبذلك قام الفقهاء، بتصحيح أمر الحوالات المسمّاة عندهم بصرف البرات، ويطلقون عليه: بيع الحوالة وشرائها، فيقرضون الأكثر ويأخذون الأقل، كما إذا احتاج أحد إلى إيصال (مبلغ) وجه إلى بلد فيجيء عند التاجر ويعطي له مائة درهم على أن يعطيه الحوالة بتسعين درهماً على طرفه في ذلك البلد، حيث إنّ في هذا الفرض يكون مائة درهم في ذمّة التاجر وهو المقترض وجعل الزيادة له.
وما هذا إلاّ لخروج المورد عن تعريف الربا.
نعم لو انعكس الأمر بأن يعطي الأقل في بلد بشرط أن يأخذ الأكثر في بلد آخر، فلا شكّ أنّه من مقولة الربا، وعلى هذا إذا احتاج أحدٌ إلى مقدار من الدراهم فيجيء عند التاجر ويأخذ منه تسعين درهماً على أن يعطيه الحوالة بمائة درهم على من كان عنده المال في بلد آخر ليدفع إلى طرف التاجر في ذلك البلد، حيث إنّ المقرض في هذا الفرض قد أقرض تسعين وجُعل له زيادة عشرة، فلابدّ لأجل التخلّص من الربا من إعمال بعض الحيل الشرعية.(1)
وإنّما يقوم بهذا العمل من له مال في بلد بعيد، لا تصل يده إلى ماله فيأخذ الأقل ويدفع الأكثر للحصول على ماله الذي لا يتمكّن من نقله   --->

1 . وسيلة النجاة:473، كتاب الدين والقرض.

صفحه 136
المسألة 13.القرض المشروط بالزيادة صحيح، لكن الشرط باطل وحرام، فيجوز الاقتراض ممّن لا يقرض إلاّ بالزيادة كالبنك وغيره مع عدم قبول الشرط على نحو الجدّ وقبول القرض فقط، ولا يحرم إظهار قبول الشرط من دون جد وقصد حقيقي به، فيصحّ القرض ويبطل الشرط من دون ارتكاب الحرام.*
<--- إلى بلده.
أقول: هذا ما ذكره السيد الإصفهاني في «الوسيلة» وأيّده من جاء بعده، ونحن لا نشكّ في صحّة الفرع الأوّل، وكان هذا العمل قائماً عند الصرافين في الأزمنة السابقة، قبل إنشاء المصارف(البنوك) وقيامها مكان الصرافين، غير أنّ وجه الصحّة شيء آخر غير ما ذكروه، فإنّ ما يدفعه الشخص إلى أحد الصرّافين في بلد معيّن، ليأخذ هذا المبلغ من وكيله في بلد آخر ليس من قبيل القرض وإنّما هو من باب الأمانة لكن لا بشخصها بل بماليتها، حتى يردّها إليه في البلد الآخر، وأمّا ما يأخذه الصراف من الدنانير العشرة فهو أُجرة العمل لأن يقوم بذلك.
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الصراف يقبل أمانة الرجل بأن يقبضه في بلد آخر، بشرط إعطاء شيء للأُجرة.
وأمّا الثاني فهو بظاهره مشكل .
***
القرض المشروط بالزيادة صحيح والشرط باطل وحرام   

* القرض المشروط بالزيادة صحيح والشرط باطل وحرام

قد تقدّم في البحث عن الربا المعاوضي أنّ المعاملة الربوية بأجمعها حرام وفاسدة; وذلك لأنّ الصحيح هو مبادلة المتماثلين بلا زيادة ولا   --->

صفحه 137
<--- نقيصة، فإذا تخلّف الشرط يكون المورد خارجاً عن مصبّ الصحيح; ولذلك قلنا بفساد المعاملة كلّها هناك.
إنّما الكلام في الربا القرضي إذا أقرض 20 ديناراً وشرط ديناراً واحداً على رأس كلّ شهر، فهل المعاملة بأصلها وفرعها فاسدة، فالمقترض لا يملك 20 ديناراً أيضاً حتى وإن نوى عدم ردّ الفضل، أو أنّ الفاسد هو الأمر المحرّم يعني الفضل دون الأصل فالمقترض يملك الأصل؟ وجهان، اختار المصنّف صحّة القرض وبطلان الشرط، فقال بجواز الاقتراض ممّن لا يقرض إلاّ بزيادة كالبنك وغيره مع عدم قبول الشرط على نحو الجد وقبول القرض فقط.
ثمّ أضاف بأنّه «لا يحرم إظهار قبول الشرط من دون جدّ وقصد حقيقي به، فيصحّ القرض ويبطل الشرط من دون ارتكاب الحرام»، هذا ما ذكره المصنّف، فلنذكر كلمات الأصحاب:
1. قال المحقّق: ولو شرط النفع، حَرمُ ولم يُفد الملك.(1)
2. وقال العلاّمة: فإن شرط ذلك في القرض فسد ولم يُفد جواز التصرّف للمقترض.(2)
3. وقال في «التحرير»: فإن شرط في القرض الزيادة، حرم ولم يُفد الملك، سواء شرط زيادة عين أو منفعة.(3)   --->

1 . شرائع الإسلام:2/67.
2 . تذكرة الفقهاء:13/40.
3 . تحرير الأحكام:2/451، المسألة 3606.

صفحه 138
<--- 4. واختار الشهيد الثاني فساد الشرط والقرض.(1)
5. وقال الأردبيلي: إذا كان القرض حراماً لم يصر ملكاً للمقترض بل يبقى على ملك صاحبه... ثم نقل عن ابن حمزة أنّه أمانة(2)، ثم ضعّفه.(3)
6. وقال السيد العاملي: في تفسير قول العلاّمة:«ولو شرطها فسد، ولم يُفد جواز التصرّف»: للإجماع وظاهر النصوص المصرّحة بفساد الزيادة مع اشتراطها المستلزم لفساد المشروط بها كما في «الرياض» وقد عرفت الحال في ظواهر النصوص، وفي «المسالك» الإجماع على أنّه لا يفيد، وهو معلوم من الإجماعات المحكيّة على فساد العقد ويكون مضموناً كما هو الشأن في البيع الفاسد، للقاعدة المشهورة بل المجمع عليها وهي: كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.(4)
الاستدلال على صحّة المشروط دون الشرط   
7. وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق:«ولم يفد الملك»: فيحرم على المستقرض التصرّف فيه، وهو مضمون عليه لكونه مقبوضاً على ذلك; ولأنّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فما عن ابن حمزة من أنّه أمانة، ضعيف، وأضعف منه توقّف المحدّث البحراني في ذلك مدعيّاً أنّه ليس في شيء من نصوصنا ما يدلّ على فساد العقد بذلك، بل أقصاها النهي عن اشتراط الزيادة، والخبر النبوي:«كلّ قرض يجر نفعاً فهو حرام» ليس   --->

1 . مسالك الأفهام:3/445.
2 . انظر: الوسيلة:373.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:9/62.
4 . مفتاح الكرامة:11/60.

صفحه 139
<--- من طرقنا.(1)
إلى هنا تبيّن أنّ الأقوال أربعة:
1. الصحّة، كما عليه المصنّف وغيره.
2. الفساد، وهو المشهور.
3. التوقّف كما عليه المحدّث البحراني.
4. أنّ ما اقترضه أمانة كما هو المختار لابن حمزة.
ويلوح من الشهيد الثاني كون الفساد إجماعياً.(2)
أقول: إنّ دعوى الإجماع في هذه المسائل الفرعية التي ليس لها جذر في النصوص غير مفيد، لأنّه ادّعاء على أساس القاعدة.

الاستدلال على صحّة المشروط دون الشرط

وربّما يقال بابتناء المسألة على أنّ الشرط الفاسد مفسد أو لا؟ ولكنّه غير مفسد في المقام بالبيان التالي:
إنّ الشرط الفاسد إذا كان اشتراطه يؤدّي إلى اختلال أركان المعاملة، فالمعاملة باطلة بالإضافة إلى بطلان الشرط، كما هو الحال في الربا المعاوضي، فإنّ اشتراط الزيادة يهدم عنوان الصحيح، وهو التبديل مثلاً بمثل، وأمّا المقام فاشتراط الزيادة لا يخل بأركان صحّة العقد القرضي، إذ   --->

1 . جواهر الكلام:25/6 و 7.
2 . مسالك الأفهام:3/445.

صفحه 140
<--- هو كما تقدّم «تمليك المال على وجه الضمان»، وكلّ أركان العقد موجودة هنا، فتشمله إطلاقات صحّة العقد، كأوفوا بالعقود. نعم اشتراط الزيادة قد نهي عنه، فيبطل الشرط فقط، وأمّا العقد، فهو صحيح.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: لو كان ما ذكر هو السبب لبطلان العقد المعاوضي فهو أيضاً موجود في العقد القرضي; روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «مَن أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلاّ مثلها، فإن جوزي أجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه».(2) فاشتراط الزيادة يهدم عنوان «إلاّ مثلها».
وثانياً: أنّ صحّة المعاملة رهن كون المورد متعلّقاً برضا الطرفين، وأمّا الخارج عنه، فلا يصحّ والمفروض أنّ المقرض إنّما رضي بتملّك المقترض، وصحّة تصرّفه إذا ملك الزيادة،والمفروض عدم تملّكه لها، بل إنّما رضي إذا علم أنّ المقترض سيقوم بها، وأمّا لو فرض أنّه لا يقوم بها وإنّما يصدّق البنك لفظاً لا قلباً، ففي هذه الصورة يفقد العقد رضا المالك، ومع فقده فكيف يصحّ التصرّف فيه؟
في كيفية أداء المال المقترض   
وبذلك يعلم ضعف ما في المتن:«حيث صحح مالكية المقترض بالقرض مع عدم قبول الشرط على نحو الجدّ» مع أنّ تمليكه بالضمان بقيد تملّك الزيادة أو قيام المقترض بدفعها ومع عدم القبول جداً كيف يتملّك.
وأمّا قول المستدل بأنّ إطلاقات صحّة العقد كأوفوا بالعقود، تشمل   --->

1 . لاحظ: الربا فقهياً واقتصادياً:197.
2 . الوسائل:11، الباب19 من أبواب الدين والقرض، الحديث11.

صفحه 141
المسألة 14. المال المقترض إن كان مثلياً كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير، كان وفاؤه وأداؤه بإعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه; سواء بقي على سعره الذي كان له وقت الإقراض، أو ترقّى أو تنزّل. وهذا هو الوفاء الذي لا يتوقّف على التراضي، فللمقرض أن يطالب المقترض، به وليس له الامتناع ولو ترقّى سعره عمّا أخذه بكثير وللمقترض إعطاؤه وليس للمقرض الامتناع ولو تنزّل بكثير.*
<--- أصل القرض وإن لم تشمل الزيادة، فغير تام، لأنّ اللام في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عوض عن المضاف إليه: أي أوفوا بعقودكم، والمفروض أنّ العقد المنسوب إلى الطرفين هو المجموع المركّب، من غير فرق بين أن تكون الزيادة جزءاً أو شرطاً، كخياطة ثوب أو سكنى البيت، فالرضا تعلّق بالمجموع بما هو مجموع، فكيف يصحّ لنا تفكيك المشروط عن الشرط.
وعلى هذا فالقول، بأنّ المال أمانة مالكية في يد المقترض لا يجوز له التصرّف فيه، هو الأقوى.
نعم لو كان العقد مبنياً على تعدّد المطلوب، بحيث لا يكون التصرّف في المال مقيداً بالزيادة فلا بأس بالقول بتملّكه وصحّة القرض.
***

* في كيفية أداء المال المقترَض

هذه المسألة لها صلة بالقرض والدين ولا صلة لها بالربا الذي نحن بصدد تبيين مسائله، ومع ذلك ندرسها نزولاً عند رغبة حضّار البحث.   --->

صفحه 142
<--- أقول: في المسألة صور:
1. إذا كان المال المقترض مثلياً ويريد المقترض أداء دينه بالمثل، فيكفي إعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه ولا يتوقّف على التراضي.
2. إذا كان المال المقترض درهماً يجوز أداء الدين من غير جنسه مع التراضي.
3. إذا كان المال المقترض قيمياً فأداء الدين بالنقود الرائجة ولا يتوقّف على التراضي.
4. تلك الصورة ويريد الأداء بغير النقود الرائجة، وهذا يتوقّف على التراضي.
5. لو كانت العين المقترضة موجودة فأراد المقترض أو المقرض أداء الدين بإعطائها، قال المصنّف: فالأقوى جواز الامتناع.
إذا تبيّن ذلك فلنعد إلى دراسة الصور:

الصورة الأُولى: في أداء المال المقترض مثلياً

إذا كان المال المقترض مثلياً، فأداؤه بالمثل لا يتوقّف على التراضي; وذلك لأنّ القرض هو تمليك مال لآخر بالضمان وأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو قيمته، ففيما إذا كان المال المقترض مثلياً فقد ملكه المقترض بالقرض مشروطاً بالضمان، وبما أنّ المقترَض مثلي يكون ضمانه بالمثل فأداؤه به وفاء بالدين، فمثله لايحتاج إلى رضا المقرض لأنّه قام بالعمل بما ضمن.   --->

صفحه 143
ويمكن أن يؤدّي بالقيمة بغير جنسه بأن يعطى بدل الدراهم، الدنانير مثلاً وبالعكس، ولكنّه يتوقّف على التراضي، فلو أعطى بدل الدراهم، الدنانير فللمقرض الامتناع ولو تساوياً في القيمة، بل ولو كانت الدنانير أغلى، كما أنّه لو أراده المقرض كان للمقترض الامتناع ولو كانت الدنانير أرخص.*
<--- هذا من غير فرق بين أن يكون السعر باقياً أو غالياً أو نازلاً، فلو كان السعر غالياً فليس على المقترض الامتناع بحجّة أنّ اشتراء المثل لأجل غلاء القيمة يضرّه.
لما عرفت من أنّ عليه الوفاء بالمثل مطلقاً، كما أنّه ليس على المقرض الامتناع من الأخذ إذا نزل السعر بنفس الدليل; فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ وفاء الدين بالمثل الذي يجمع صفات الجنس وفاء لا يحتاج إلى تراضي الطرفين، سواء صار السعران متساويين أم مختلفين بالغلاء والنزول.

* الصورة الثانية: هل يجوز الوفاء بالدين بغير جنسه؟

إذا كان المال المقترض درهماً فهل يجوز الوفاء بالدين بغير جنسه؟
فالظاهر الجواز مع التراضي، فلو استقرض الدراهم فحصل الرضا بالوفاء بالدنانير فهو وفاء بلا إشكال، وهكذا العكس. نعم كلّ ذلك محدّد بالرضا وإلاّ فلا يجوز، فلو أعطى بدل الدراهم الدنانير فللمقرض الامتناع ولو تساويا في القيمة، بل وكانت الدنانير أغلى لما عرفت من أنّ اللازم إعطاء مثل نفس ما استقرض لا بديله إلاّ برضا الطرفين.
ومنه يظهر العكس فلو أراد المقرض دفع الدنانير مكان   --->

صفحه 144
وإن كان قيمياً فقد مرّ أنّه تشتغل ذمّته بالقيمة، وهي النقود الرائجة، فأداؤه الذي لا يتوقّف على التراضي، بإعطائها، ويمكن أن يؤدّي بجنس آخر من غير النقود بالقيمة، لكنّه يتوقّف على التراضي.*
ولو كانت العين المقترضة موجودة فأراد المقترض أو المقرض أداء الدين بإعطائها فالأقوى جواز الامتناع.**
<--- الدراهم فللمقترض الامتناع حتى ولو كانت الدنانير التي يطلبها المقرض أرخص وأنفع بحال المقترض.
إلى هنا تمّ حكم الصورتين.

* الصورة الثالثة: أداء المال المقترض قيمياً بالنقود الرائجة

إذا كان المال المقترض قيمياً، فأداؤه بالنقود الرائجة ولا يتوقّف على التراضي; وذلك لأنّ ما اشتغل به ذمّة المقترض من بدء الأمر هو القيمة بالنقد الرائج، فالوفاء به وفاء حقيقي بأداء الدين فلا يحتاج إلى التراضي
نعم لو اتّفقا على أداء الدين بجنس آخر من غير النقود كالحبوب والألبسة جاز ويتوقّف على التراضي. وهذه هي الصورة الرابعة.

** الصورة الخامسة: لو كانت العين المقترضة موجودة

في القرض المثلي هل يجوز الاشتراط بالأداء من غير جنسه؟   
لو كانت العين المقترضة موجودة فأراد المقترض أو المقرض أداء العين بإعطاء نفس ما اقترض، كما إذا استقرض ولم يصرفه في البيع والشراء أو لم ينتفع بها وكانت العين باقية، فالظاهر التفصيل فلو أراد المقرض   --->

صفحه 145
المسألة 15. يجوز في قرض المثلي أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤدّي من غير جنسه، ويلزم عليه ذلك بشرط أن يكونا متساويين في القيمة أو كان ما شرط عليه أقلّ قيمة ممّا اقترض.*
<--- أخذ نفس ما أقرض، فللمقترض أن يمتنع; لأنّ الواجب عليه إمّا دفع المثل إذا كان المال المقترض مثلياً، أو القيمة إذا كان قيمياً، فإيجاب دفع نفس العين بعدما ملكه يحتاج إلى دليل.
وأمّا لو أراد المقترض الخروج عن الاشتغال بدفع نفس ما اقترض مثلياً كان أو قيمياً، فليس للمقرض الامتناع; لأنّ الواجب على المقترض الخروج عن الذمّة، وهو يتحقّق بدفع عين ما اقترض أو بديله.
وبعبارة أُخرى: إنّ التعيين بيد المقترض فله الامتناع عمّا يطلبه المقرض، لا الآخر.

* في القرض المثلي هل يجوز الاشتراط بالأداء من غير جنسه؟

لو أقرض الأرز وشرط على المقترض أن يؤدّي من غير جنسه كالحنطة أو الشعير أو الماش، ومن المعلوم أنّ قيمة منّ من الأرز يقابل أمناناً من الحنطة والشعير، فلا يتصوّر فيه المماثلة من حيث الكمية، مضافاً إلى أنّ الجنسين مختلفين، ولهذا يجب التساوي من حيث القيمة، أو كون العوض أقلّ قيمة ممّا اقترض كما في المثال المذكور، كلّ ذلك لسدّ باب الربا، وإلاّ فللمرابي أن يدخل من هذا الباب، فيقرض منّاً من الحنطة على منّ من الأرز الذي هو أكثر قيمة من الحنطة فالمماثلة من حيث الكمية حاصلة   --->

صفحه 146
المسألة 16. الأقوى أنّه لو شرط التأجيل في القرض صحّ ولزم العمل به، وليس للمقرض مطالبته قبل حلول الأجل.*
<--- دون المماثلة في القيمة. نعم إنّما يصحّ في الصورتين: الاتّحاد في القيمة وإن اختلفا في الكمية أو يكون ما اشترط أقل قيمة ممّا أقرض فلاحظ.
***
اشتراط التأجيل في القرض يورث لزوم العقد   

* اشتراط التأجيل في القرض يورث لزوم العقد

لا شكّ أنّ القرض المطلق غير معجّل ولا مؤجّل، عقد جائز، فللمقرض أن يرجع إلى دينه في أي زمان شاء، إنّما الكلام إذا شرط التأجيل في نفس عقد القرض، فقال المحقّق: لم يلزم.(1)
وفي «الجواهر»: على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل لا خلاف أجده فيه قبل الكاشاني.(2)
قال العلاّمة في «التحرير»: للمقرض المطالبة بالقرض في الحال جملة، ولو أقرضه تفاريق، ولو أجّل القرض لم يتأجّل.(2)
وخالف في ذلك قبل الكاشاني، الشهيد الثاني في المسالك، وحاصل ما قال: إنّه ليس من العقود الجائزة، بدليل عدم وجوب ردّ العين إذا أرادها المقرض، فيشمله قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«المؤمنون عند شروطهم».(3)   --->

1 . شرائع الإسلام:2/68.   2 . جواهر الكلام: 25/309.
2 . تحرير الأحكام:2/453، المسألة 3616.
3 . مسالك الأفهام:3/439.

صفحه 147
<--- وقال في موضع آخر: إذ ليس هذا العقد على حدّ العقود الجائزة ليقطع فيه عدم لزوم الشرط ويمكن على هذا أن يُرجع إلى عموم الأدلّة الدالّة على لزوم الالتزام بالشروط والوفاء بالعقود.(1)
وحاصل كلامه: أنّه يستكشف من عدم وجوب ردّ العين المقترضة إذا كانت باقية عند التسوية، أنّه من العقود اللازمة، بشهادة أنّه يجب ردّ عين العارية والأمانة عند الطلب، ويستكشف أنّهما من العقود الجائزة.
والمهم دراسة دليل القول بالجواز وحاصله: أنّ القرض لمّا كان من العقود الجائزة فالشرط فيه لا يكون أمراً لازماً.
أقول: هذه قاعدة يتمسّك بها في غير واحد من أبواب الفقه، فيستدلّون بجواز العقد على عدم لزوم الشرط، ولكن يجب التفريق بين قسمي الشرطين، وحاصله: أنّ الشرط على قسمين:
الأوّل:شرط يطلب من المشروط عليه العمل به من دون أن يكون متعرضاً لحال العقد وحامياً له، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الشرط إذا ورد في العقد الجائز لا يكون لازماً لتبعية الفرع للأصل.
الثاني: شرط يتعرّض لحال العقد، كما إذا شرط الأجل في المضاربة، فإنّ هذا النوع من الشروط المتعرّضة لحال العقد، الحامية له عن التزلزل، من الشروط الّتي يجب العمل بها، وإن ورد في عقد جائز، وإلاّ يكون الشرط لغواً، ومثله المقام فإنّ شرط التأجيل في القرض أمر صحيح، إنّما الكلام   --->

1 . مسالك الأفهام:3/455.

صفحه 148
<--- في كونه لازم الوفاء أو لا، فبما أنّه من الشروط المتعرّضة لحال العقد، يجب الوفاء به، وإلاّ يلزم كون الشرط صحيحاً وفي الوقت نفسه أمراً لغواً.
وممّا ذكرنا يتبيّن أن تشديد صاحب الجواهر على القائلين باللزوم، في غير محلّه، قال:وبذلك (يعني كلام صاحب المسالك) اغترّ جماعة من متأخّري المتأخّرين الذين لا يبالون باتّفاق الأصحاب، فضلاً عن شهرتهم حتى جزموا باللزوم، وشدّدوا النكير على دعوى كونه من العقود الجائزة.(1)
ثمّ إنّه(قدس سره) استدلّ بروايات على جواز الرجوع في أي وقت شاء، نقتصر بذكر روايتين منها:
1. قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أقرض أخاه المسلم كان له بكلّ درهم أقرضه وزن جبل أُحد من جبال رضوى وطور سيناء من حسنات، وإن أرفق به في طلبه تعدّى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب».(2)
في تعيين مكان الأداء   
2. وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن أقرض مؤمناً قرضاً حسناً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة الملائكة حتى يؤدّيه».(3)
وغيرهما ممّا هو كالصريح في جواز رجوعه ومطالبته أيّ وقت شاء، وأنّه محسن لا سبيل عليه.(4)   --->

1 . جواهر الكلام:25/30ـ 31.
2 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الدين والقرض، الحديث5.
3 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الدين والقرض، الحديث3.
4 . جواهر الكلام:25/31.

صفحه 149
المسألة 17. لو شرط على المقترض أداء القرض وتسليمه في بلد معيّن صحّ ولزم، وإن كان في حمله مؤونة، فإن طالبه في غيره لم يلزم عليه الأداء، كما أنّه لو أدّاه في غيره لم يلزم على المقرض القبول.*
<--- يلاحظ على الاستدلال: أنّ التمسّك بإطلاق الروايات فرع كونها في مقام بيان الجهة التي يتمسّك بها فيها، وما ذكره من الروايات وأمثالها ليست في مقام بيان الجهة المبحوثة فيها حتى يتمسّك بإطلاقها، وهذا النوع من الشرط(كون المتكلّم في مقام البيان) للتمسّك بالإطلاق، ممّا يغفل عنه كثير من المتقدّمين على صاحب الجواهر، والظاهر أنّ الحقّ ـ كما أفاده المصنّف ـ إذا شرط التأجيل في القرض، صحّ ولزم العمل به، وليس للمقرض، مطالبته قبل حلول الأجل.
***

* في تعيين مكان الأداء

إنّ المقرض تارة يعيّن أداء القرض في بلد خاص، وأُخرى يُطلق ولا يذكر من مكان التسليم شيئاً، فالكلام هنا في الأمّر الأوّل فنقول: إذا اشترط المقرض على المقترض أن يؤدّي ما عليه من القرض في بلد كذا، لزم العمل به، لأنّ المؤمنين على شروطهم حتى وإن استلزم المؤونة لخروجه عن جرّ النفع بل داخل في جرّ الضرر على المقترض وهو غير ممنوع، خصوصاً إذا كان في الشرط غرض عقلائي لعدم الأمن من النهب والسرقة في غير ذلك البلد المشروط.   --->

صفحه 150
<--- ثمّ إنّ عنوان المسألة ـ أي اشتراط التسليم في بلد آخر ـ كأنّه استثناء ظاهراً، لا حقيقةً من القاعدة المعروفة:«كلّ قرض يجرّ منفعة فهو حرام» ووجه الاستثناء أمران:
الأوّل: ما ورد من الروايات، منها:
1. ما رواه يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت: يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إيّاه بأرض أُخرى ويشترط عليه ذلك؟ قال(عليه السلام): «لا بأس».(1)
2. ما رواه السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين(عليه السلام):لا بأس بأن يأخذ الرجل الدراهم بمكّة ويكتب لهم سفاتج(2) أن يعطوها بالكوفة».(3)
في إطلاق مكان الأداء   
الأمر الثاني: إنّ هذا الاشتراط لأجل حماية رأس المال عن التلف، وهو خارج عن مصبّ الحديث الماضي، إذ المراد من الحديث هو الزيادة العينية أو الوصفية أو المنفعة الزائدة وراء رأس المال، وأمّا المقام فالمطلوب هنا حفظ الأساس، فالغرض من الشرط هنا هو حماية رأس المال، دونما يزيد عليه شيئاً.
نعم لو طالبه الغريم في غير ذلك البلد، لم يجب على المقترض   --->

1 . الوسائل:13، الباب14 من أبواب الصرف، الحديث1.
2 . جمع سفتجة، وهي أن يعطي مالاً لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي، فيوفيه إيّاه هناك، فيستفيد أمن الطريق.(القاموس المحيط للفيروزآبادي:1/194، مادة سفتج).
3 . الوسائل:13، الباب14 من أبواب الصرف، الحديث3.

صفحه 151
وإن أطلق القرض ولم يعيّن بلد التسليم فلو طالبه المقرض في بلد القرض يجب عليه الأداء، ولو أداه فيه يجب عليه القبول، وأمّا في غيره فالأحوط للمقترض مع عدم الضرر وعدم الاحتياج إلى المؤونة الأداء لو طالبه الغريم، كما أنّ الأحوط للمقرض القبول مع عدمهما، ومع لزوم أحدهما يحتاج إلى التراضي.*
<--- القبول; لأنّه خلاف الشرط، كما لو حاول المقترض أداءه في غير ذلك البلد، لم يجب على المقرض القبول لنفس الدليل.
نعم في رسائل المحقّق الكركي لزوم القبول مع عدم الضرر حيث قال: ويصحّ اشتراط إيفاء القرض في بلد آخر، وإذا طالب المقرض في غير بلد الشرط (أو في غير بلد القرض مع عدم الشرط) وجب على المقترض الوفاء مع عدم الضرر.(1) ولم يظهر لنا وجه الوجوب.
نعم يجوز للمقترض إجابة طلب المقرض إذا لم يكن فيه ضرر، لكن الجواز غير الوجوب.

* في إطلاق مكان الأداء

كانت الفقرة السابقة ناظرة فيما لو عيّن المقرض أو المقترض أو كلاهما مكان أداء القرض، وأمّا هذه الفقرة فالموضوع إذا أطلق العقد ولم يعيّن مكان الأداء، فهنا صور:
1. لو طالبه المقرض في بلد القرض، يجب على المقترض الأداء.   --->

1 . رسائل المحقّق الكركي:1/188.

صفحه 152
<--- 2. لو أدّاه المقترض في بلد القرض، يجب على المقرض القبول.
وجه الوجوب واضح، لانصراف العقد إلى بلد القرض، فعلى هذا فطلب الغريم أو أداء المقترض فيه، مطابق لمنصرف العقد، فيجب القبول على كلا الطرفين.
3. لو طالب الغريم أداء القرض في غير بلد القرض فاحتاط المصنّف بلزوم الأداء على المقترض بشرطين: عدم الضرر، وعدم الحاجة إلى المؤونة.
وجه الاحتياط: أنّ المقرض هو صاحب الحقّ، فله السلطنة على التعيين.
يلاحظ عليه: بأنّ للمقرض السلطنة على التعيين فيما إذا لم يكن في عقد القرض، انصراف إلى بلد القرض، ومعه لا سلطنة له. نعم الاحتياط حسن .
نعم لو أقرضه في السفر، وهما في الطائرة أو السيارة يمكن أن يقال: إنّ المقرض صاحب الحقّ وله السلطنة على التعيين.
وممّا ذكرنا يُعلم ضعف ما ورد في «قواعد الأحكام» حيث قال:ولو طالبه المقرض من غير شرط في غير البلد، وجب الدفع مع مصلحة المقترض.(1)
وجه الضعف: ما علمت من أنّه يُستحسن إذا لم يكن في العقد   --->

1 . جامع المقاصد:5/33، قسم المتن.

صفحه 153
<--- انصراف إلى بلد معيّن، وإلاّ فيتعيّن فيه.
4. تلك الصورة، ولكن حاول المقترض الأداء في غير بلد القرض. فقد احتاط المصنّف أيضاً بأنّ الأحوط للمقرض القبول مع عدمهما، والكلام في هذا الفرع كالكلام في الفرع الثالث، من عدم وجود الدليل على الوجوب، ولكن الاحتياط حسن.
ثمّ إنّ العلاّمة في «القواعد» حكم في هذه الصورة بنفس ما حكم في الصورة السابقة، قال: ولو دفع في غير بلد الإطلاق، أو الشرط، وجب القبول مع مصلحة المقرض.(1)
والكلام فيه كالكلام في سابقه.
5. نفس الصورة الثالثة والرابعة لكن مع استلزام الضرر والمؤونة على أحد الطرفين، ومن المعلوم أنّه لا يجب القبول ولا يستحسن الاحتياط، فالقبول حينئذ منوط برضا الطرفين.

1 . جامع المقاصد:5/34، قسم المتن.

صفحه 154
المسألة 18. يجوز أن يشترط في القرض إعطاء الرهن أو الضامن أو الكفيل وكلّ شرط سائغ لا يكون فيه النفع للمقرض ولو كان مصلحة له.*

* في اشتراط المقرض رهناً أو كفيلاً أو إشهاداً

لمّا تقدّم أنّ مضمون الحديث النبوي «كلّ قرض يجر نفعاً فهو حرام»، مورد اتّفاق بين الأصحاب، صارت هذه المسألة كصورة الاستثناء من جر النفع، وهو اشتراط المقرض رهناً على ما أقرضه، أو كفيلاً، أو إشهاداً، ممّا لا يندرج في جرّ النفع، وإنّما هو من قبيل الحماية لرأس المال، الذي هو شرط عقلائي.
وعلى هذا يجوز أن يشترط في القرض إعطاء الرهن و الضامن، كلّ ذلك للسيرة المستمرة أوّلاً، والروايات الدالّة على الجواز; ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام)قال: سألته عن الرهن والكفيل في بيع النسيئة؟ فقال(عليه السلام): «لا بأس به».(1)
وروى سماعة أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرهن يرهنه الرجل في سلم إذا أسلم في طعام أو متاع أو حيوان؟ فقال:«لا بأس بأن تستوثق من مالك».(2)
***
لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب الرهن، الحديث2.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب الرهن، الحديث3.

صفحه 155
المسألة 19. لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها لم يكن عليه إلاّ الدراهم الأُولى.*

* لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان

قال العلاّمة في «التحرير»: لو استقرض دراهم وجب عليه ردّ مثلها في الوزن والصفة، ولا يردُّها بسكّة مخالفة لسكّة القرض، ولو سقطت تلك الدراهم وجاءت غيرها لم يكن عليه إلاّ الدراهم التي اقترضها، أو سعرها بقيمة الوقت الذي اقترضها فيه; كذا قاله الشيخ(1). وبه رواية صحيحة.(2)
ويدلّ على ما ذكره ما رواه يونس قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا(عليه السلام)أنّه كان لي على رجل دراهم، وأنّ السلطان أسقط تلك الدراهم، وجاءت دراهم أعلى من الدراهم الأُولى، ولها اليوم وضيعة، فأيّ شيء لي عليه الأُولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: «لك الدراهم الأُولى».(3)
وروى الشيخ بسنده عن صفوان أنّه قال: سأله(عليه السلام) معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل، وسقطت تلك الدراهم أو تغيّرت، ولا يباع بها شيء، ألصاحب الدراهم الدراهم الأُولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال(عليه السلام): «لصاحب الدراهم الدراهم الأُولى».(4)

1 . لاحظ: النهاية:384.
2 . تهذيب الأحكام:2/456، المسألة 3625.
3 . الوسائل:13، الباب20 من أبواب الصرف، الحديث2.
4 . الوسائل:13، الباب20 من أبواب الصرف، الحديث4.

صفحه 156
نعم في مثل الأوراق النقدية المتعارفة في هذه الأزمنة إذا سقطت عن الاعتبار، فالظاهر الاشتغال بالدراهم والدنانير الرائجة.*
<--- ولابدّ من حمل الروايات وكلام المصنّف على إسقاط الرواج الفعلي، بمعنى أنّ البيع والشراء على اللاحقة لا على السابقة لكن المالية محفوظة، لأنّ الفضة أو الذهب الموجودين في الدرهم والدينار سواء، وأمّا إذا سقط أصل المالية على فرض نادر أو تغيّر السعر تغيّراً فاحشاً فاللازم هو دفع القسم الرائج في كلا القسمين; وذلك لأنّ المقرض ملّك ماله بالضمان، أي ضمان المالية والمفروض سقوط الأُولى عن المالية أو تغيّر سعرها بحيث يسبب ضرراً على المقرض.
***

* إذا سقطت الأوراق النقدية المتعارفة عن الاعتبار

تقدّم كلام المصنّف في القسم الأوّل وهو إذا أقرض بالدراهم والدنانير المسكوكة، وقد عرفت أنّ الواجب هو أداء نفس ما أقرضه، ثم أشار المصنّف في بقية المسألة إلى قسمين:
إذا كان القرض على الصك الخاصّ   
القسم الأوّل: لو أقرض الأوراق النقدية المتعارفة في هذه الأزمنة كالريال والدولار والدينار والنوط، لكن الدولة أسقطتها عن الاعتبار والظاهر اشتغال الذمّة بالأوراق النقدية الرائجة، فما في المتن من قوله: «فالظاهر الاشتغال بالدراهم والدنانير الرائجة»، غير واضح; لأنّ المفروض عدم وجود ما ذكر من الدراهم والدنانير، بل الرائج هو الأوراق النقدية.   --->

صفحه 157
نعم لو فرض وقوع القرض على الصكّ الخاص بنفسه بأن قال: أقرضتك هذا الكاغذ المسمّى بالنوت، كان حاله حال الدراهم، وهكذا الحال في المعاملات والمهور الواقعة على الصكوك.*
<--- ولعلّ التعبير بما ذُكر (فالظاهر) لأجل ما ورد في نفس «الوسيلة» من قوله: لأنّ الاقتراض في الحقيقة يقع على الدراهم أو الدنانير التي هي من النقدين ومن الفضة والذهب المسكوكين، وإن كان في مقام التسليم والإيصال يُكتفى بإيصال تلك الصكوك وإيصالها.(1)
ولعلّ وجه ما ذكر في المتن تبعاً للأصل هو أنّ الأوراق النقدية الرائجة ليس ثمناً رسمياً، وإنّما هي سند عن الدراهم والدنانير، فإذا لم يمكن دفع السند لسقوطها عن الاعتبار فاللازم دفع الأصل، أي الدراهم والدنانير.
وأنت خبير بأنّ ما ذكر مبني على أنّ الأوراق النقدية أسناد وليست بثمن، وهذا خلاف ما هو مرتكز في الأذهان.(2)
وعلى كلّ تقدير يجب عليه دفع الأوراق المتعارفة حسب ما يعادلها في القيمة من الذهب والفضة.
***

إذا كان القرض على الصك الخاصّ

* القسم الثاني: وهو فيما لو فرض وقوع القرض على الصك   --->

1 . وسيلة النجاة:474، كتاب الدين، المسألة 18.
2 . لاحظ: وسيلة النجاة، كتاب الدين، المسألة 18.

صفحه 158
<--- الخاصّ بنفسه، بأن قال: «أقرضتك هذا الكاغذ المسمّى بالنوط» كان حاله حال الدراهم، في أنّه إذا سقط اعتباره لم يكن على المقترض إلاّ أداء الصك، وهكذا الحال في المعاملات والمهور الواقعة على الصكوك،... ووجهه: أنّ المقرض حدّد اشتغال ذمّة المقترض بعملة خاصّة التي كانت عملة رائجة عند الإقراض، فإذا سقطت عن الرواج، لا يجب على المقترض إلاّ دفع ما استقرضه متعيّناً بالنوط المعيّن.
هذا ولا أظن أنّ مقرضاً يقدم على اشتراط هذا الشرط الذي فيه تجريد المقروض عن المالية وتوجّه الخسارة الكاملة على نفسه إلاّ إذا تعلّق الغرض الخاص بالورق الخاص.
إلى هنا تمّ الكلام في أحكام القرض، وحان وقت دراسة الوجوه المخلصّة عن الربا والتي تُسمّى بالحيل الشرعية، وهي تشكل الفصل الرابع من كتابنا هذا.
***
الوجوه المخلّصة عن الربا القرضي   

صفحه 159

الفصل الرابع

الوجوه المخلّصة عن الربا القرضي

ذهبت العدلية إلى أنّ الأحكام الشرعية تابعة لأغراض ومقاصد، لأجلها شرعت هذه الأحكام بالوجوب تارة، والحرمة أُخرى، وهكذا، فعلى هذا فلو حرّم الشارع موضوعاً معيّناً لمفسدة فيه، فلا يصحّ له تجويز عمل آخر يوصل المكلّف إلى نفس ما فيه المفسدة.
توضيح ذلك: إذا كان للشارع حكمان مختلفان لموضوعين متعدّدين، فللمكلّف السعي في الخروج عن تحت أحد الحكمين والدخول في موضوع حكم آخر، بلا إشكال، مثلاً: إنّ الشارع فرض الصوم على الحاضر، وحرّمه على المسافر بشروط. وبما أنّ المكلّف يريد أن لا يصوم في فصل الصيف، يسافر ويفطر، وهذا ليس أمراً مشكلاً ولا إضاعة لمقاصد الشريعة، لأنّ للشارع حكمين مختلفين لغرضين مختلفين، وقد خيّر المكلّف في انتخاب أي حكم من الحكمين; ونظيره في الأحكام الوضعية، مثلاً من بلغ في العمر 20 سنة، فعليه أداء الخدمة الإلزامية (في الجيش)، إلاّ إذا كان متزوّجاً فعندئذ يقوم المكلّف بالزواج قبل دعوته للخدمة، فيُخرج نفسه من تحت قانون، إلى قانون آخر، ولكلّ مصلحة اجتماعية.
إنّما الممنوع ما إذا حرّم الشارع موضوعاً صدّاً لمفسدة أخلاقية أو اجتماعية، وفي الوقت نفسه جوّز عملاً يوصل المكلّف، إلى نفس ما حرّم لكن بطريق شرعي ظاهراً، وهذا ما يُسمّى بالحيل الشرعية، وهو غير جائز

صفحه 160
عقلاً; لأنّه يُعد تناقضاً في التشريع، والجهّال يتلاعبون بالأحكام حسب ميولهم ومصالحهم.
إذا عرفت ذلك، فلندرس ما يوصف بالوجوه المخلّصة عن الربا القرضي، فهل الجميع من القسم الثاني أو لا صلة بينها وبينه، أو يختلف بعضها عن بعض؟ وهذه دراسة موجزة في هذا الموضوع والطريق بعد غير معبّد ولا مذلّل.
الوجه الأوّل: بيع العينة   

الأوّل: بيع العينة

ربّما يتصوّر أنّ بيع العينة ـ الذي هو من البيوع الصحيحة ـ يُعدّ من الوجوه المخلّصة من الربا القرضي.
وتوضيح ذلك رهن تفسير (العينة) لغة واصطلاحاً.
أمّا اللغة، فيطلق لفظ (العينة) تارة على السلف، كما في «الصحاح»، وأُخرى على السلعة كما في «مجمع البحرين»، وثالثة على النسيئة كما في «المصباح».
والذي يناسب المعنى المصطلح الفقهي، هو الأخير.
وقد ذكروا لبيع العينة صوراً مختلفة، استقصى بيانها الشيخ الأنصاري في كتاب «المتاجر»، في فصل النقد والنسيئة.
والعينة بالمعنى المطلق عبارة عمّا إذا اشترى عيناً شخصية بثمن مؤجّل جاز بيعه من بائعه وغيره قبل حلول الأجل وبعده بجنس الثمن وغيره، مساوياً له أو زائداً عليه أو ناقصاً، حالاًّ أو مؤجّلاً، إلاّ إذا اشترط أحد

صفحه 161
المتبايعين على صاحبه في البيع الأوّل قبوله منه بمعاملة ثانية.(1)
وقال العلاّمة في «نهاية الأحكام»: «لا بأس بالعينة وهو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها من بائعها بدون ذلك نقداً»(2)، مأخوذاً من العين، وهو نقد الحاضر.
وجه التخلّص أنّ المشتري مكان أن يستقرض عشرة دراهم ويدفع اثني عشر درهماً ويكون عمله ربويّاً، تخلّص من ذلك بشراء المتاع باثني عشر درهماً نسيئة ثم بيعه منه بعشرة دراهم نقداً، فصارت النتيجة أنّه أخذ عشرة ودفع اثني عشر درهماً.
أقول: إنّ البحث في العينة يحتاج إلى بسط في الكلام، وهو لا يناسب رسالتنا، وقد درسناه على وجه التفصيل في كتابنا «المختار في أحكام الخيار»(3) تحت عنوان بيع المبتاع بالثمن المؤجّل من البائع بثمن حالّ. وفي الروايات ما يدلّ على صحّة هذا البيع التي يتوهّم فيها التخلّص; نظير: صحيحة بشار بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال: «نعم لا بأس به»، فقلت: أشتري متاعي؟ فقال:«ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك».(4)
ففي مورد الرواية يكون المشتري ذا حاجة إلى النقد فيشتري المتاع نسيئة بثمن أكثر، ثم يبيعه من البائع نقداً بثمن أقل، وإلاّ فلو كان الثمنان

1 . المكاسب:6/225.
2 . نهاية الإحكام في معرفة الأحكام:531.
3 . المختار في أحكام الخيار:673ـ 681.
4 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.

صفحه 162
متساويين تكون المعاملة لغواً.
بطلان بيع العينة عند الاشتراط    
والذي يدلّ على ما ذكرنا من التفسير ما رواه علي بن جعفر عن أخيه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم(نسيئة) ثم اشتراه بخمسة دراهم (نقداً) أيحلّ؟ قال: «إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس».(1)
ثمّ إنّه استثني من جواز العينة صورة واحدة وهي أنّه يصحّ البيعان إذا لم يكن البيع الأوّل مشروطاً بالبيع الثاني، وإلاّ لفسد العقد; ويدلّ على ذلك رواية الحسين بن المنذر، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة(أُريد من العينة: السلعة) فأشتري له المتاع مرابحة، ثم أبيعه إيّاه ثم اشتريه منه مكاني؟ قال: فقال:«إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر، فلا بأس»، قال: فقلت: إنّ أهل المسجد يزعمون أنّ هذا فاسدٌ ويقولون: إن جاء به بعد أشهر صحّ؟ قال:«إنّما هذا تقديمٌ وتأخير ولا بأس به».(2)
إذا تبيّن ذلك فنقول: ما هو الصحيح من العينة لا يقع ذريعة للربا، وأمّا ما يقع ذريعة له فليس بصحيح. أمّا الأوّل فإنّما يصحّ إذا لم يكن البيع الثاني شرطاً في البيع الأوّل ولا أمراً مبنياً عليه العقد، وإنّما اتّفق البيع صدفة، فاحتاج المشتري، بعدما اشترى نسيئة إلى وجه النقد فيبيعه للبائع بثمن نقد أقل، فبما أنّ هذا النوع من الحاجة قد يتّفق لبعض الناس لم يمنع الشارع عن مثل هذه المعاملة.
نعم لو كان البيع الأوّل مشروطاً بالبيع الثاني، أو كان العقد مبنياً عليه

1 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث6.
2 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.

صفحه 163
بصورة المقاولة قبل العقد، فالبيع باطل.
وممّا ذكرنا ظهر أنّ ما هو الصحيح لا يقع ذريعة لأكل الربا، وما يقع ذريعة له فليس بصحيح. وسيأتي الكلام في المسألة في مبحث الاستدراكات، فانتظر.

وجه البطلان عند الاشتراط

وأمّا وجه بطلان العقد عند الاشتراط أو عند الاتّفاق قبل العقد، فهو لعدم وجود الجد في إنشاء البيع، وإنّما الغاية من البيعين هو أكل الربا.
ولكن الظاهر من العلاّمة أنّ البطلان لأجل استلزامه الدور، قال: لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه إيّاه لم يصحّ، سواء اتّحد الثمن قدراً ووصفاً وعيناً أو لا، وإلاّ جاء الدور، لأنّ بيعه له يتوقّف على ملكيته له المتوقّفة على بيعه ]فيدور[، أمّا لو شرط أن يبيعه على غيره فإنّه يصحّ عندنا حيث لا منافاة فيه للكتاب والسنّة.
لا يقال: ما التزمتموه من الدور آت هنا. لأنّا نقول: الفرق ظاهر، لجواز أن يكون جارياً على حدّ التوكيل أو عقد الفضولي، بخلاف ما لو شرط البيع على البائع.(1)
أقول: ما ذكره العلاّمة غير تام نقضاً وحلاًّ.
أمّا النقض: فلو باع رجل أرضاً لرجل وشرط عليه أن يقفها مسجداً، فالشرط صحيح، مع أنّ إشكال الدور ـ حسب ما ذكره ـ موجود هنا، لأنّ

1 . تذكرة الفقهاء:10/251.

صفحه 164
الوقف مشروط بالملكية، إذ لا وقف إلاّ في ملك وهو فرع صحّة العقد التي هي أيضاً مشروطة بالوقف.
وأمّا الحلّ: فلأنّ الشرط يطلق ويُراد به تارة الشرط الأُصولي وهو ما يكون الحكم معلّقاً على وجوده، كما إذا قال: إن استطعت فحجّ. فوجوب الحجّ موقوف على وجود الاستطاعة، توقف المعلول على جزء علته. هذا ما يوصف بالشرط الأُصولي.
وأُخرى يُراد التكليف بالعمل، كما إذا باع داره لزيد وشرط أن يخيط له قميصاً، فالشرط هنا ليس ممّا يتوقّف عليه التمليك، فإنّ التمليك قد تمّ بالعقد، وإنّما يجب عليه القيام بالشرط على نحو لو تخلّف يكون للبائع خيار الفسخ. ومثله المقام فإنّ البائع أو المشتري يطلب كلّ من الطرف الآخر، القيام بالبيع الثاني.
وإن شئت قلت: لزوم المعاملة متوقف على العمل بالشرط لا على مالكية المشتري.
الوجه الثاني بيع الدين المؤجل للمديون بالحالّ الأقل   

الوجه الثاني للتخلّص من الربا: بيع الدين المؤجل للمديون بالحالّ بأقل

ربّما يتوهّم أنّ تجويز بيع الدين على مَن هو عليه، من الحيل الشرعية لأكل الربا.
أقول: المسألة معنونة في كتاب السلف. ما هو المعنون فيه خارج عمّا هو المقصود وإنّما نذكره طرداً للباب فنقول:
قال المحقّق: العاشرة: يجوز بيع الدين بعد حلوله على الذي هو عليه وعلى غيره، فإن باعه بما هو حاضر، صحّ، وإن باعه بمضمون حالّ صحّ

صفحه 165
أيضاً، وإن اشترط تأجيله قيل يبطل، لأنّه بيع دين بدين، وقيل يُكره، وهو الأشبه.(1)
ومراده من الدين: المتاع، لا الثمن بمعنى النقدين، أو الأوراق الرائجة. وفي «الجواهر» بعد قول المحقّق:«وعلى غيره»: وفاقاً للمشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً بل لعلّها كذلك، بعد انحصار الخلاف في الحليّ لوجود المقتضي وارتفاع المانع على ما يُحكى عنه من الإجماع. ثم استدلّ على جواز البيع لمن عليه الدين أو على غيره، بعموم الأخبار.(2)
وقال في «مفتاح الكرامة»: قوله:«ويصحّ بيع الدين على مَن هو عليه وعلى غيره»: قد تقدّم الكلام فيه في باب السلم. وقال أيضاً في المقام في «المختلف»: يجوز بيع الدين، وهو مذهب علمائنا، ولا فرق بين بيعه على مَن هو عليه ولا على غيره. وفي «اللمعة والروضة» أنّه المشهور. ونسبه في «المبسوط» إلى رواية أصحابنا.
وفي «السرائر»: إنّ إجماعهم منعقد بغير خلاف على صحّة بيع الدين وإمضائه وعموم أخبارهم على ذلك، وكذلك أقوالهم وتصنيفاتهم ومسطوراتهم، وفتاواهم إلاّ أنّه خصّه ببيعه على من هو عليه كما ستسمع.(3)
إنّ كلامهم هذا مطلق والذي يهمّنا ما عنونه الشيخ في «النهاية» وقال: لو باع الدين بأقلّ ممّا له على المديون فنقول: إنّ للمسألة صورتين:
الأُولى: إذا كان ما في ذمّة المديون سلعة ومتاعاً، فلو أراد الدائن بيعه

1 . شرائع الإسلام:2/66.
2 . جواهر الكلام:24/344
3 . مفتاح الكرامة:15/65.

صفحه 166
بالأقل فإن باعه بالدراهم أو الدنانير لا يشترط فيه المساواة من حيث القيمة، فيجوز له بيع قفيز من حنطة يساوي ديناراً بربع دينار، وإن باعه بالجنس فإن كانا مثليين يشترط فيهما التساوي، كما إذا باع ما في ذمّته من الحنطة بالشعير فلا يصحّ البيع بالأقل، وإن كانا من غير جنس واحد يجوز بيع ما في الذمّة من الحنطة بالأرز بالقلّة والنقيصة.
الصورة الثانية: إذا كان ما في الذمّة درهماً أو ديناراً مؤجّلاً فهل يجوز بيعه بالأقل معجّلاً؟ التحقيق الجواز; لأنّه ليس بيعاً بالحقيقة، بل من قبيل إبراء ذمّة المدين عن الأكثر في مقابل دفعه الأقل، والحكم منصوص.
روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته، أو يقول: انقدني بعضاً وأمد لك في الأجل فيما بقي، قال:«لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً، يقول الله عزّ وجلّ:(فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)»(1).(2)
بيع الدين المؤجل لغير المديون بالحالّ الأقل    
أقول: مِثْلُ هذا لا يقع ذريعة لأكل الربا، وإنّما هو إبراء ذمّة المديون عن شيء من الدين في مقابل أخذ الباقي نقداً، وتسمية ذلك بالبيع ـ كما مرّ ـ مجاز، إذ ليس واقع العمل إلاّ العفو عن الزائد لغاية تحصيل غيره.
فقد روي عن ابن عباس أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أمر بإخراج بني النضير جاءه ناس منهم فقالوا: يا نبي الله إنّك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم

1 . البقرة:279.
2 . الوسائل:13، الباب32 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.

صفحه 167
تحل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ضعوا وتعجلوا».(1)
إذا فرضنا أنّ ذمّته كانت مشغولة بعشرة دراهم مؤجّلاً، ولكن الدائن يأخذ ثمانية في مقابل ثمانية، وأمّا الاثنان فيُبرئ ذمّته منهما، أو يهبهما إليه، فهذا ممّا لا إشكال فيه، وأمّا إذا أخذ ثمانية في مقابل العشرة، فالظاهر أيضاً صحّته، لأنّ الربا عبارة عن أخذ الدائن أزيد ممّا دفعه.

بيع الدين (الدرهم أو الدينار) المؤجّل لغير المديون معجّلاً بالأقل

إنّما الكلام فيما إذا أراد بيع دينه على المدين من رجل آخر، فلنفرض أنّ لزيد على عمرو ديناراً مؤجلاً لشهر، فيبيع الدائن طلبه من عمرو، لبكر نقداً لكن بنقص معيّن، فهل هو جائز أو لا؟
أقول: إنّ تجويز هذا النوع من البيوع مشكل جدّاً; وذلك لأنّ ما ورد فيه من جواز بيع المؤجّل بالمعجّل يختلف عمّا نحن فيه، وذلك :
أوّلاً: أنّ المشتري للدين فيها هو المديون الذي يعبّر عنه (بمن عليه الدين) لا الشخص الثالث، كما هو المقصود في المقام.(2)
وثانياً: لم يرد في المورد أي نصّ، ومع ذلك كيف يمكن الحكم به بالحلية لأنّ مفاسد الربا موجودة في هذا النوع من البيوع، فلو كان هناك أشخاص لهم ديون مؤجّلة ولكن يحتاجون بشدّة إلى أموال نقدية، وهناك جماعة مستعدون لشراء صكوكهم المؤجّلة بالنقد، ولكن بالأقل، ثمّ

1 . السنن الكبرى للبيهقي:6/28; سنن الدارقطني:3/141.
2 . لاحظ: رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر: في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمّى فيأتيه غريمه...(الوسائل:13، الباب32 من أبواب الدين والقرض، الحديث1).

صفحه 168
الرجوع بالصكوك إلى مَن عليه الديون، فتكون النتيجة أنّهم يدفعون الأقل ويأخذون الأكثر، لكن لا بعنوان القرض، بل بعنوان البيع، ولكن النتيجة واحدة فقد أخذ أزيد ممّا دفعه لكن باسم البيع.
ومن هنا يُعلم أنّ ما راج بين بعضهم من بيع الصكّ الدالّ على طلبه من صاحبه ـ بيعها ـ من ثالث بأقل، أمر غير جائز، لاشتراك الجميع في مفسدة الربا.
ما يدلّ على بطلان بيع الدين لغير المديون   
فإن قلت: لعلّ القائل بالجواز، يستند إلى اختصاص الربا المعاوضي بالمكيل والموزون، والريال والدولار من المعدود فلا إشكال في النقص من جانب والزيادة في جانب آخر.
قلت: قد مرّ شمول الحرمة للمعدود والمزروع أيضاً، وتقدّم تفسير ما يوهم اختصاص الحرمة بهما فلاحظ.
ومنه يظهر حال ما إذا لم يكن هناك أي طلب ودين وإنّما بيع صك نفسه المؤجّل من الغير بقيمة أقل فهو يشارك الربا القرضي في الملاك بلا شكّ وإن استعار لنفسه اسم البيع.

فتوى خاصّة للشيخ الطوسي

ثمّ إنّ الظاهر من الشيخ أنّه لو باع الدين لآخر (ثالث) بأقلّ ممّا له على المديون، أنّه لم يلزم المدين أكثر ممّا وزن المشتري من المال، وتبعه ابن البراج على ذلك.(1)

1 . مختلف الشيعة:5/371.

صفحه 169
وهذا ما استغربه ابن إدريس الحلّي من الشيخ(1).
ثمّ إنّ العلاّمة الحلّي قال: والشيخ قد عوّل في ذلك على روايتين :
1. رواية محمد بن الفضيل قال: قلت للرضا(عليه السلام): رجل اشترى ديناً على رجل ثمّ ذهب إلى صاحب الدين، فقال له: ادفع إليّ ما لفلان عليك فقد اشتريته منه، فقال: «يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين وبرئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه».(2)
2. رواية أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل كان له على رجل دين فجاءه رجل فاشتراه منه بعرض ثمّ انطلق إلى الذي عليه الدين، فقال: أعطني ما لفلان عليك فإنّي قد اشتريته منه، كيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال له أبو جعفر(عليه السلام):«يردّ عليه الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشتراه من الرجل الذي له عليه الدين».(3)
والسند في الروايتين لا بأس به، غير وقوع محمد بن الفضيل فإنّه مختلف فيه فقد ضعّفه الشيخ، ووثّقه المفيد.
والروايتان على فرض العمل بهما يؤيّدان ما ذكرنا، من عدم صحّة بيع الدين من الغير معجّلاً بنقص حتّى أنّ الإمام(عليه السلام) قال بعدم استحقاق المشتري أزيد ممّا دفع. وبما أنّ الروايتين على خلاف الضابطة عند الفقهاء ذكر العلاّمة الحلّي لهما وجهين، فمَن أراد فليرجع إلى المختلف.(4)

1 . السرائر:2/56.
2 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب الدين والقرض، الحديث3.
3 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الدين والقرض، الحديث2; تهذيب الأحكام:6/189 ح401.
4 . مختلف الشيعة:5/373.

صفحه 170
الوجه الثالث: تأجيل الدين الحال بأزيد منه   

الوجه الثالث : تأجيل الدين الحال بأزيد منه

لا شكّ في جواز نقص المؤجّل بالتعجيل، أو تأخير أجل البعض بنقد البعض. ويدلّ على كلا الحكمين ما مرّ من صحيحة محمد بن مسلم والحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّهما قالا في الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمّـى فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي كذا أو كذا، وأضع لك بقيّته، أو يقول: أنقد لي بعضـاً وأمدّ لك في الأجل فيما بقي عليك، قال: لا أرى به بأساً ما لم يزدد على رأس ماله شيئاً، يقول اللّه: ( فَلَكُمْ رُءُوسُ أَموالِكُمْ لا تَظْلِمونَ ولاتُظْلَمونَ)(1).
وتدلّ على خصوص الحكم الأوّل مرسلة أبان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين، فيقول له قبل أن يحل الأجل: عجِّل لي النصف من حقّي على أن أضع عنك النصف، أيحلّ ذلك لواحد منهما؟ قال: «نعم» (2).
إنّما الكلام في تأجيل الثمن الحال أو مطلق الدين بأزيد منه. قال المحدّث البحراني: لا يجوز تأخير ثمن المبيع ولا شيء من الحقوق المالية بزيادة فيها، وعليه ظاهر اتّفاق الأصحاب ـ رضوان اللّه عليهم ـ وبه استفاضت الأخبار: كأن يكون له في ذمّته مائـة درهم حالاًّ ويزيد تأجيلها إلى سنة بزيادة عشرين درهماً(3).
لا شكّ أنّه من مصاديق الربا لأنّ العرف لا يفرّقون بين الزيادة سواء

1 . الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب أحكام الصلح، الحديث 1. والآية في سورة البقرة: 279.
2 . الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 2.
3 . الحدائق الناضرة: 19/134.

صفحه 171
تراضيا عليها في أوّل الأمر كأن يقرضه عشرة دنانير بأحد عشر إلى شهر، وبين أن يتراضيا بعد الشهر على التأخير شهراً آخر بزيادة دينار واحد. والصور المتصوّرة عبارة:
1. جعل الزائد في مقابل الأجل. وهذا هو الرائج بعنوان الشرط الابتدائي.
2. بيع دينه الحالّ بأزيد مؤجّلاً. وهو إمّا رباً حقيقة أو مشتمل على مناطه.
3. جعل الزائد بالمقاولة أو المصالحة وترتيب الأثر عليهما.
4. جعله بالشرط في ضمن معاملة أُخرى كما إذا اشترى شيئاً بالثمن الزائد باشتراط تأخير الدين عليه في ضمن تلك المعاوضة.
والدليل المهم هو صدق الربا على هذه الأقسام عرفاً وملاكاً.
استدلّ على التحريم بوجهين:
الأوّل: ما نقله الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: (قالُوا إنَّما البَيعُ مِثلُ الرِّبوا وأحَلَّ اللّهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا) (1) عن ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه، له: زدني في الأجل وأزيدك في المال فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم هذا رباً، قالوا: هما سواء . يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الأجل عند حلول الدين سواء. فذمّهم اللّه به (2).

1 . البقرة: 275.
2 . مجمع البيان: 1/389 ط صيدا، ورواه السيوطي في الدر المنثور : 2/105، ط دار الفكر، عن سعيد بن جبير.

صفحه 172
الثاني: ما تقدّم من صحيح محمد بن مسلم، حيث علّل جواز التراضي على تأخير أجل البعض بنقد البعض، بعدم الازدياد على رأس ماله فيدلّ على أنّه لو صار الإمهال سبباً لزيادة رأس ماله، لم يجز التراضي على التأخير وكان ربا.
فإن قلت: وردت روايات تدلّ على أنّه يجوز بيع المال المقوّم بألف درهم، على عشرة آلاف درهم مع اشتراط تأخير الدين، نظير ما رواه محمد بن إسحاق بن عمّـار قال : قلت لأبي الحسن(عليه السلام) : يكون لي على الرجل دراهم فيقول: أخّرني بها وأنا أُربحك فأبيعه جبّة تقوّم عليَّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم ـ أو قال: بعشرين ألفاً ـ وأُؤخّره بالمال؟ قال: «لابأس» (1).
وقد عقد صاحب الوسائل باباً لهذا الوجه من التخلّص من الربا وأورد فيه روايات وعمل بها لفيف من الفقهاء قائلين بأنّ المعاملة تكون عندئذ جدّية; لأنّ الجبّة مع الشرط تساوي عشرة آلاف درهم فلا يؤخذ عليها بعدم الجد.
أقول: العمل بها مشكل جدّاً إذ تشريع هذا الوجه لغاية التخلّص من الربا المحرم يناقض هدفه ويورد الناس في مفسدة الربا فلا فرق بين أن يزيد في الدين الحال ويؤخّره، وبين أن يشتري من الداين جبة تقوم بألف درهم، بعشرة آلاف درهم الذي لا يقصد من المعاملة إلاّ الغرض الفاسد.
والذي يسيء الظن بعدم صدور هذه الرواية ونظائرها من أئمّة أهل البيت أنّه قد جاء في بعضها: أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) توصّل به وأمر ابنه الصادق (عليه السلام)

1 . الوسائل: 12، الباب 9 من أحكام العقود، الحديث 4. لاحظ: مجموع روايات الباب التي تبلغ الستّ.

صفحه 173
بها; روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عيّنها إيّاه، فلمّـا حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فأراد أن يقلب عليه ويربح أيبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوي مائة درهم بألف درهم ويؤخّره؟ قال: «لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبي ـ رضي اللّه عنه ـ وأمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه».(1)
وهذه الرواية ونظائرها بما أنّها مخالفة للكتاب والسنّة، واستحلال للحرام بصورة خادعة لا يعمل بها، ويسقط الاستدلال بها على المورد. وأقصى ما يمكن هو ردّ علمها إلى صاحبها لو لم نقل إنّها مدسوسة مكذوبة على لسان أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
وللسيد الأُستاذ كلام في المقام نذكر ملخّصه: إنّ الزيادة في المال لأجل الزيادة في الأجل بأي نحو كان، يُعدّ في العرف رباً ولا فرق بين إعطاء عشرة دنانير مثلاً في مقابل زيادة الأجل الذي هو الربا عرفاً وبحسب الروايات وبين بيع ما يسوي درهماً بعشرة دنانير في مقابل زيادة الأجل... إلى أن قال: مضافاً إلى أنّ في نفس تلك الروايات شاهداً على عدم صدورها منهم(عليهم السلام)، فإنّ ابن إسحاق تارة يروي عن الرضا(عليه السلام) أنّه قال:«قد أمرني أبي ففعلت ذلك».(2)، أي الحيلة المذكورة. وأُخرى يروي عن أبي الحسن(عليه السلام)نفس ذلك.(3)

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.
2 . الوسائل:13، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث6.
3 . حيث جاء في ذيل الحديث:«وزعم (محمد بن إسحاق بن عمّار) انّه سأل أبا الحسن (موسى بن جعفر(عليه السلام)) عنها فقال مثل ذلك. أي قد أمرني أبي ففعلت ذلك».

صفحه 174
وروى مسعدة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قد فعل ذلك أبي، وأمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه».(1) ولا أستبعد أن تكون تلك الروايات من دسّ المخالفين لتشويه سمعة الأئمّة الطاهرين(عليهم السلام); كما لا أستبعد ذلك في الروايات الواردة في باب بيع العنب أو التمر ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً، حيث ورد فيها عن أبي عبد الله(عليه السلام):«ألسنا نبيع تمرنا لمن يجعله شراباً خبيثاً».(2) وفي رواية:«نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً».(3)، مع ما ورد من التشديد في أمر الخمر، واللعن على أصناف، حتّى الغارس والحارس والحامل.(4) لكونهم معينين على هذا الحرام الخبيث، أفلا يكون البيع ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، إعانة على ذلك؟! فهي ممّا لا يعقل صدوره من المعصوم(عليه السلام).
الوجه الرابع: البيع مع الخيار   
وكيف كان: إنّ العمل بمثل تلك الروايات، جرأة على المولى، لمخالفة مضمونها للكتاب والسنة.(5)
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ درس مجموع ما ورد من الروايات الموهمة للتخلّص من الربا، في كتاب البيع.(6) فعلى الباحث أن يرجع إلى هذا البحث.
بقي هنا سؤال: وهو أنّه ما الفرق بين تعجيل المؤجّل بنقص في المال، فقد مرّ جوازه، وحرمة تأجيل المعجل بالزيادة؟

1 . الوسائل:13، الباب9 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.
2 . الوسائل:12، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.
3 . الوسائل:12، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
4 . لاحظ: الوسائل:14، الباب9 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث2.
5 . كتاب البيع:5/529ـ532.
6 . لاحظ: كتاب البيع:2/537ـ557.

صفحه 175
قلت: الفرق واضح، إذ في الصورة الأُولى لا يزيد على الأصل شيء، وإنّما هو أخذ بالأقل وإبراء الذمّة من الزائد، وبخلاف العكس ففيه زيادة على الأصل حيث يعطي المبلغ ويؤخّر بالأجل الذي هو نفس عمل العرب الجاهليّين.

الوجه الرابع : البيع مع الخيار

ربّما يتوصّل إلى القرض الربوي بصورة مشروعة، وهي أنّ الرجل يبيع الدار من المشتري بمقدار من المال الذي يحتاج إليه في حياته، لكن يشترط على المشتري بأنّه لو دفع الثمن عند حلول الأجل فله فسخ المعاملة.
ثمّ إنّ الدار لمّا كانت ملكاً للمشتري يستأجرها البائع منه بنفس المبلغ الذي يفرضه المرابي على ما اشترى به.
وهذا النوع من التخلّص كان أمراً رائجاً بين علماء البلد، ولكنّه أمر صحيح لا إشكال فيه، لأنّه بيع جدّي، وإجارة كذلك.
فإن قلت: قد ورد في روايات بيع العينة أنّه لا يجوز اشتراط البيع الثاني في البيع الأوّل أو ليس المقام من هذا القبيل.
قلت: ليس في المقام إلاّ بيع واحد، وأمّا الثاني من قبل البائع الأوّل فهو فسخ للبيع لا شراء ثان.

صفحه 176

الوجه الخامس: بيع الشيء الغالي بسعر رخيص بشرط القرض مثلاً بمثل(1)

فربّما يتصوّر جوازه، لأنّ الشرط إنّما هو في جانب البيع، لا في جانب القرض، ولكن تقدّم منّا في المسألة العاشرة أنّه لا فرق بين المسألتين: أي بين ما لو أقرضه وشرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقلّ من قيمته وبين ما لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقلّ من قيمته، وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيّناً، نعم لكن المصنّف فرّق بينهما.

الوجه السادس: عكس الوجه الخامس (شراء شيء رخيص بسعر غال، بشرط القرض مثلاً بمثل)

وهو أن يشتري شيئاً رخيصاً بسعر غال، بشرط أن يقرضه مثلاً بمثل. ولا إشكال أنّه مثل السابق، معاملة باطلة.
إلى هنا تمّت دراسة بعض ما يتصوّر أنّه يكون ذريعة للتخلّص من الربا، وقد عرفت الصحيح من الزائف، وبه تمّ الفصل الرابع.
وبقي الكلام في أُمور نذكرها في الخاتمة.

خاتمة

وفيها أُمور:
لا ربا إلاّ في النسيئة   

الأوّل: لا ربا إلاّ في نسيئة

روى البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أُسامة بن زيد أنّه

1 . الفرق بين هذا الوجه والوجه التالي وبين الوجه الثالث واضح، فإنّ محور البحث في السابق تأجيل الدين الحال بأزيد، وأمّا المقام فالموضوع الاستقراض مثلاً بمثل لكن بأحد الوجهين.

صفحه 177
سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا ربا إلاّ في نسيئة».(1)
أقول: لو صحّت هذه الرواية يمكن أن تكون دليلاً على أنّ تحريم الربا في معاوضة المثلين لأجل أن لا يكون ذريعة للربا، وذلك لأنّ معاوضة المثلين يداً بيد أمر قليل، وإنّما الرائج هو معاوضة المثلين نقداً ونسيئة، فلأجل أن لا تقع مثل هذه المعاملة ذريعة للربا، بأن يبيع منّا من حنطة في مقابل منّ ونصف نسيئة، منها قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ربا إلاّ في النسيئة»، مع أنّ الربا كما يجري فيها يجري في المماثلين نقداً أيضاً، ولكن قلّة وجوده فيهما صار سبباً لحصر الربا في النسيئة.

الثاني: وجه اشتراط التقابض في المجلس في معاوضة النقدين

يشترط في بيع النقدين، تقابض المبيع والثمن في مجلس واحد، سواء أكانا مثليين كالذهب بالذهب، أو مختلفين كبيع الذهب بالفضة، فيقع الكلام في ما هو السر في شرط التقابض في المجلس في المختلفين مع أنّه ليس من مقولة الربا المعاوضي، لافتراض عدم تماثلهما؟
ويمكن أن يقال: إنّ في اشتراط التقابض في معاملة النقدين حتى في المختلفين منهما، حريماً لسدّ باب الربا في القرض حيث إنّ المرابي لمّا رأى أنّ باب القرض الربوي في النقدين غير مفتوح على وجهه، سوف يدخل من باب البيع فيبيع أحد النقدين بالآخر نسيئاً، بحجة أنهما مختلفان جنساً وبما أنّ للأجل قسطاً من الثمن، ترتفع قيمة المعاملة حسب طول المدة وقصرها.
ولا شكّ أنّ بين الذهب والفضة اختلافاً في القيمة وهو أمر واضح غير

1 . صحيح البخاري:3/31; مسند أحمد:5/202.

صفحه 178
أنّه بواسطة المبادلة بينهما نقداً، ينحصر التفاوت بينهما بالتفاوت الطبيعي في القيمة بين الجنسين، وأمّا إذا أُضيف إليه الأجل يرتفع مقدار الاختلاف، وهنا يتسرّب الربا من حيث لم يكن مقصوداً. وبايجاب التقابض في المجلس يُسدّ باب الربا.

الثالث: التفصيل بين الربا الاستهلاكي والربا الانتاجي

ربّما يُفرّق بين الربا الاستهلاكي الذي هو عبارة عن الاستقراض لأجل المعيشة ورفع حاجات الفرد فيها، والقرض الإنتاجي الذي هو عبارة عن استخدام ما استقرضه في مسير الإنتاج بتبديل رأس المال القليل بالكثير، فالمستقرض في الأوّل فقير جدّاً لا يملك ما يعيش به ولذلك اضطر إلى الاستقراض، ولكنّه في الثاني غني يكفيه ما بيده من رأس المال لرفع حاجاته المعيشية، ولكن يريد أن ينمي رأس المال عنده ويزيده، حتّى ينتج به عن طريق التجارة (التصدير والاستيراد) فالإقراض الربوي في الصورة الأُولى حرام بلا شك، بل يجب على الحكومة الإسلامية رفع حاجات الفقراء عن طريق الأموال التي بيدها، وهي ليست بقليلة، ولذلك حرّم الله سبحانه الربا، وفتح في وجه الفقراء مساعدات الدولة أو الناس المؤمنين لسدّ حاجاتهم.
وأمّا الإقراض الثاني فربّما يقال: إنّا لا نرى في تحليلنا أي منع له، إذ المستقرض غني عن القرض وإنّما يُريد به رفع اقتصاد البلد وتنمية الثروة، فأصحاب المصانع الصغيرة يستقرضون لهذه الغاية وهم ينتفعون ويُنفعون.
نقد التفريق بين الربا الإنتاجي والاستهلاكي   
ونقل أنّ الأُستاذ معروف الدواليبي يتبنّى هذه النظرية، وملخّص اتّجاهه هو: أنّ الربا المحرّم إنّما يكون في القروض التي يقصد بها الاستهلاك لا الإنتاج، ففي منطقة الاستهلاك يستغل المرابون حاجة

صفحه 179
المعوزين والفقراء، أمّا اليوم فقد أصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج، فيقول: إنّ الآية تنعكس فيصبح المقترض هو الجانب القوي والمقرض هو الجانب الضعيف. ثم يعرض أمرين لا يعدو الحال أحدهما:
1. أن تقوم الدولة بالإقراض للمنتجين.
2. أن تباح قروض الإنتاج بقيود وفائدة معقولة. ويقول: إنّ الحل الثاني هو الصحيح، ويخرجه على فكرة الضرورة وعلى فكرة تقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الربا الرائج في مكّة وحواليها كان هو الربا الانتاجي (فالطائف كانت تصدر إلى مكة وقرى الحجاز محاصيلها من الزبيب والقمح والأخشاب وغيرها، وكانت تستورد من مكة السلع التي تأتي بها قريش في كلّ من رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن) وهذا التبادل إنّما يتمّ عن طريق القروض الربوية، خصوصاً الجالية اليهودية في الطائف لم تكن لها صناعة إلاّ الإقراض بالربا لنشاط الطائف وما حولها، ومكة كانت تعتمد على التجارة حتى أصبحت أعظم مركز تجاري في الجزيرة العربية، فكانت حسب قول المؤرّخين أشبه بجمهورية تجارية تعيش اقتصادياً على الرحلتين، وكان الربا جزء لا يتجزّأ من حياتهم الاقتصادية، وكان المقرضون يساهمون بصفة أصلية في تمويل القوافل.(2)

1 . الربا فقهياً واقتصادياً للشيخ حسن الجواهري:394. ولاحظ الفقه وأدلّته: 9 / 346. والنص للأوّل.
2 . الربا فقهياً واقتصادياً:395، الصادر عن المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف.

صفحه 180
وثانياً: أنّه سبحانه نقل عن المرابين أنهم جعلوا أساس الاقتصاد على تجارتين، تجارة بالبيع وتجارة بالربا، وقال: (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا): أي أنّ التجارتين متساويتان، لكن الوحي يرد هذه المساواة ويقول: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا): أي أحل التجارة بالبيع وحرّم التجارة بالربا، فإطلاق الآية يقتضي تحريم أي تجارة توصف بالربا سواء أكانت في طريق الاستهلاك أم الإنتاج. ويحلّل أي تجارة توصف بالبيع.
نقد تجويز الربا الدولي   
وثالثاً: قد ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ما يحرم الربا الإنتاجي:
روى علي بن جعفر في (كتابه) أنّه سأل أخاه(عليه السلام) عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم يعمل بها، على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر، هل يحلّ ذلك؟ قال:«لا، هذا الربا محضاً».(1)
ورابعاً: أنّ مفاسد القروض الانتاجية أكثر وأخطر من المصالح الوهمية التي أُشير إليها، لأنّ المنتج يضيف مقدار الفائدة على تكاليف الإنتاج التي يتحمّلها المستهلك في نهاية الأمر، ولأنّ ارتفاع سعر السلع فيه مضرّة بمجموع الناس، ولأنّ إفراط الموسرين يحصر الثروة في أيديهم، ويؤدّي إلى التضخّم النقدي والتفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء .(2)
***

الرابع: إذا كان المرابي هو الدولة

ربّما يتصوّر أنّ المفاسد المقرّرة في الربا تختصّ فيما لو كان المرابي

1 . الوسائل:13، الباب7 من أبواب الربا، الحديث7.
2 . الفقه وأدلته: 9 / 346 .

صفحه 181
أحد أفراد المجتمع، أو طائفة خاصة منهم، فإنّه ينتهي إلى إيجاد الطبقية المبغوضة، وأمّا إذا كان المرابي هو الدولة، فالمفاسد المتصوّرة في الصورة الأُولى غير موجودة في الصورة الثانية.
أمّا الأُولى: فلا شكّ أنّ الربا يشدّد أمر الطبقية في المجتمع حيث إنّ المدين يسعى ليلاً ونهاراً لكي يحصل ما يجب عليه أداؤه في كلّ شهر، ولكن المرابي ينتفع دون أن يسعى ويعمل، وهذا ينتهي إلى تشكيل طبقات مختلفة في المجتمع، فمن فقير مُعدم لا يجد إلاّ زاد ليله ونهاره، إلى ثريّ مُتخم يجد كلّ ما يُريد، فالثريّ بهذا المعنى الذي يقابل الفقير مبغوض في الشرع المقدّس.
وأمّا الثانية: فالمالك هو الدولة وليس شخصاً معيّناً، وإنّما المالك هو الجهة التي نسبتها إلى الشعب كلّه على وجه سواء، فلا مانع أن تتجمّع الأموال في خزينة الحكومة; لأنّ ذلك لا يسبب نشوء طبقتين.
قلت: ما ذكر من التحليل مبني على الاقتصاد الاشتراكي الذي يرى الدولة مالكة لكلّ شيء وأمّا الشعب فلا يملك إلاّ ما يمدّ به حياته. والشريعة الإسلامية بريئة عن هذا النوع من التفكير، كما حُقّق في محلّه، على أنّ إطلاق الآية كما مرّ يردّ هذا التفريق، فإنّ ظاهر الآية أنّ التجارة على أساس البيع أمر مطلوب، وأنّ التجارة على أساس الربا أمر محرّم من غير فرق بين كون المرابي حكومة أو أفراداً.

الخامس: ما هو البديل عن الربا؟

ربّما يقال: إنّ في المجتمع الإسلامي ـ رجالاً ونساء ـ يملكون شيئاً من

صفحه 182
النقود، ولكن لا يتمكّنون من التجارة بها، هذا من جانب ومن جانب آخر، أنّ العملة الورقية قد تتعرّض إلى انخفاض قيمتها مقابل الذهب، فما هو البديل عن الربا، حتى تعيش تلك الطبقة بربح أموالهم أوّلاً، والمحافظة على قيمتها ثانياً؟
قلت: الجواب هو أنّ الإسلام يهتم بأموال الضعفاء ومعيشتهم، وقد فتح هنا باب المضاربة، وهي مشاركة رأس المال من جانب والعمل من جانب آخر، والربح بينهما حسب ما يتّفقان عليه، وهو أمر ممدوح خال عن أي ظلم وتعسّف.
ما هو البديل عن الربا   
ولو راجت المضاربة بين الناس، لأغنتهم عن أكل الربا .
ومع ذلك يمكن حلّ الإشكال بصورتين أُخريين نعرضهما على القرّاء الكرام، وربّما تقوم به بعض البنوك في الدول الإسلامية.

الأُولى: إنشاء مشاريع تجارية

يوجد في المجتمع عدّة أشخاص يملكون أموالاً مودعة في الحسابات الثابتة في البنك ولا يستطيعون أن يتّجروا بأموالهم هذه، وفي الوقت نفسه يوجد فيه أشخاص آخرون يملكون مشاريع صغيرة لكنّها لا تفي بتحقيق ما يريدون في مجال العمل، ولو أمكن لهم الاستقراض لتمّت مشاريعهم وينتفعون بها.
وعندئذ يقوم البنك بما أنّه وكيل عن أصحاب الأموال المودعة في الحسابات الثابتة فيشتري تحت رغبة أصحاب المشاريع الصغيرة كلّ ما يحتاجون إليه من داخل البلد وخارجه ثم يبيعها لهم أقساطاً بقيمة خاصّة

صفحه 183
يراعي فيها حال كلا الطرفين، وعندئذ يكون البنك له دور الوكالة من جانب أصحاب الحسابات يبيع ما اشتراه بأموالهم ممّن له حاجة في توسيع مشاريعه، ولأجل أن لا يتوجّه إلى أصحاب الأموال ضرر وخسارة يأخذ من المشتري الوثائق اللازمة عند امتناع دفع الأقساط.
فالبنك الإسلامي إذا عمل بما ذكرناه يؤمّن بذلك أغراض الطوائف الثلاثة:
1. أصحاب الأموال لوجود الربح في هذا البيع والشراء.
2. أغراض أصحاب المشاريع لوجود التسهيل في ردّ الدين بالأقساط.
3. أغراض البنك لكونه وكيلاً من جانب أصحاب الأموال فله حقّ الوكالة حسب ما يتّفقون عليه.

الصورة الثانية: شراء السهام

إنّ أصحاب المصانع والمشاريع الكبيرة لهم سهام واقعية ومع ذلك لهم حاجات في تأمين المواد واستخدام العمال، وهذه السهام الموجودة ممّا تقرّره وتسجّله الرقابة الخاصّة في بيع السهام، فعندئذ يتوسّط البنك بشراء هذه السهام من أصحاب الحسابات الثابتة، ويسجّل لهم بتسجيل كلّ سهم في مديرية خاصّة تشرف عليها الدولة. ومن المعلوم أنّ لكلّ سهم فائدة ترجع إلى أصحاب السهام دون أن يكون فيه أيُّ ربا.

السادس: ما هو دور المصارف (البنوك) في الأموال المودعة لديها؟

لا شكّ أنّ البنك من ضروريات الحياة المعاصرة، فإنّ حفظ الأموال في

صفحه 184
البيوت ومحلاّت التجارة أمر مشكل، فقد تتعرّض للسرقة والتلف والضياع، فلابدّ من إيداع النقود في البنوك، وذلك على وجوه وحسابات مختلفة، كالتوفير ونحوه.
فأمام البنك أحد أمرين:
1. الاستقراض فيكون الناس مقرضين، والبنك مستقرضاً.
2. الاستيمان، فالناس يضعون أموالهم في المصارف على شكل أمانة، فصاحب المال مستأمن، والبنك أمين.
لكن كلا الوجهين لا ينطبق على وضع البنوك الحالية في عامّة البلاد، فليس هناك إقراض واستقراض; حتى لو صُرّح بالقرض لامتنع مسؤول البنك عن القبول، كما أنّه ليس أمانة إذ لو كان أمانة لحرم التصرف بها، والبنوك تتصرّف بأموال الناس بشتى الوجوه.
ولنا أن نختار الشقّ الثاني وهو الاستيمان بالضمان برد شخصه أو مثله، فلذلك يجوز لأصحاب البنوك التصرّف بالأموال مشروطاً برد أحد الشيئين، فعلى هذا يجب أن يقال: إنّ الأموال المودوعة في البنوك أمانة مضمونة بنحو أعمّ من ردّ العين أو المثل، فليس تأسيس البنك إذا كان عارياً عن الربا، أمراً مرغوباً عنه في الشريعة الإسلامية فقد حلّت المصارف اليوم، محل الأُمناء في العصور السابقة الذين كانوا يتحمّلون مسؤولية أمانات الناس، وكانت لهم حسن السمعة بين الناس.
منطق المبيحين لفوائد البنوك   
فإن قلت: إنّ الأمانة بوصف كونها مضمونة، أشبه بالجمع بين النقيضين، فإنّ مقتضى كون المال أمانة هو عدم ضمانه، فكيف يوصف بالضمان؟

صفحه 185
قلت: الأمانة التي عدم الضمان من خصائصها، هي التي لم يكن للودعي فيها أي نفع، كأموال اليتيم المودعة عند العدل مع انتفاء الولي كالأب والجد، وأمّا إذا كان له فيه نفع، كما لو أذن له التصرّف فيه بشرط ردّ المثل، فلا منافاة بين كون المال أمانة وضمان القابض، ولذلك قالوا بأنّ العامل ضامن لمال المضاربة مع أنّه بيده أمانة، لكنّها أمانة مضمونة.
فإن قلت: هل يكون البنك ضامناً لانخفاض قيمة الريال، مثلاً، أو لا؟
قلت: لا، لكون الزمان محدّداً بردّ العين أو المثل فقط من دون ضمان نزول القيمة.

السابع: انخفاض مالية الأثمان المقترضة

ربّما يطرح سؤال وهو أنّ الربا في العصور السابقة يُعدّ ظلماً بالنسبة إلى المقترض، كما سبق بيانه، وأمّا اليوم فلا يمكن عدّه ظلماً له، وذلك لأنّ الأثمان في العصور السابقة كانت نقوداً ذهبيّة أو فضّية، وقيمة هذين النقدين كانت ثابتة غالباً، فلو أقرض عشرة دراهم إلى سنة ثم أخذ عند الأجل نفس ما أعطى لما تضرّر. وأمّا اليوم فبما أنّ النقود الورقية تختلف قيمتها يوماً بعد يوم، فلو أقرض مليون تومان لأخيه المسلم مدّة سنة، فهو عند الأجل يأخذ نفس ما أقرض لكن صورةً لا ماليّةً، حيث إنّ ما أعطى كان يقوّم ـ مثلاً ـ بعشرة مثاقيل من الذهب، وعندما يأخذ فهو ما يساوي تسعة مثاقيل. فالفائدة (الربا) كأنّها تعويض عن انخفاض المالية ونقصانها.
والجواب: أنّه في إمكان المقرض أن يُقرض مالية مليون تومان، أي ما يعادله من الذهب، وليس هذا الشرط يجر ربحاً حتى يقال: كلّ قرض يجر

صفحه 186
ربحاً فهو حرام، وإنّما هو بهذا الشرط يحمي رأس ماله، فلا يُعد جرّ نفع، حتى لو اختلف الحال، بمعنى أنّه تحولت الأوضاع الاقتصادية على العكس، أي صارت مالية المليون أزيد من زمان الاقتراض، فعلى المقرض أن يقتنع بالأقل من مليون ويترك الأكثر، لأنّ المفروض أنّه أقرضه المالية، سواء أكانت مالية المليون تومان ثابتة أم منخفضة أو مرتفعة.

الثامن: أخذ الفائض من بنوك الكافرين(1)

ربّما يقال: إنّه يجوز أخذ مال الحربي بأي طريق، ولو بالعقود الفاسدة كالربا، لأنّ ماله مباح، مهدور كنفسه، وقد بذله الحربي في عقود الربا باختياره ورضاه، فزال المنع لزوال موجبه.(2)
ثم إنّ هذه الفتوى صارت سبباً لإيداع بعض المسلمين أموالهم في ديار غير المسلمين واستباحوا أخذ الفوائد عليها عملاً بهذا الرأي.
يلاحظ عليه: إنّما يتمّ ما ذكر إذا كان هناك عقد بين المسلم والفرد الحربي، وأمّا عمل بعض المسلمين فإنّما هو عقد بينهم وبين البنوك، والأموال المودعة والتي يجوز للبنك التصرّف فيها لا تختص بالحربي، بل يشترك فيها فرق متعدّدة، فكيف يمكن أخذ الربا منها مع كون المال كذلك؟
ثم إن هنا إشكالاً آخر أشار إليه الزحيلي وقال: وأمّا إيداع المسلمين أموالهم في هاتيك البنوك لا يخلو من إشكالين:

1 . قد تقدم منّا البحث حول أخذ الفائض من جماعة، كالولد والوالد، والكافر الحربي. وإعادة البحث هنا لإكماله من خلال آراء بعض الحقوقيّين من أهل السنّة.
2 . الفقه الإسلامي وأدلّته: 9 / 334 .

صفحه 187
الأوّل: أنّ الكفّار يتقوّون بتلك الأموال علينا، وإن يعطوننا جزءاً من الفوائد، وتقوية الكفّار أمر غير جائز.
الثاني: أنّ إيداع الأموال في هذه البنوك لا يخلو من الخطر، لأنّ السياسة الاستكبارية ربّما تحكم بتجميد تلك الأموال، بحيث لا ترد إلى أصحابها .(1)

التاسع: منطق المبيحين لفوائد البنوك

إن قلّة التدبّر في الكتاب والسنّة وما يترتّب على الربا من المفاسد، جرّ جماعة من الحقوقيّين المعاصرين إلى القول بإباحة الفوائد المأخوذة من البنوك في بعض الموارد، ومنها:

توهّم أنّ المحرّم هو الفوائد الموصوفة بأنّها أضعاف مضاعفة

ربّما يقال بأنّ المحرّم من الربا ما يوصف بربا الأضعاف المضاعفة بحيث تبلغ الفوائد إلى أزيد من الأصل، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(2)
يلاحظ عليه: بأنّه إنّما وُصف الربا بذلك الوصف لأنّه كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجداً لذلك المال، قال: زدني في المال حتّى أزيدك في الأجل، فربّما جعله مائتين، ثمّ إذا حلّ الأجل الثاني فعل مثل ذلك، ثمّ إلى آجال

1 . لاحظ : الفقه الإسلامي وأدلّته: 9 / 335 .
2 . آل عمران: 130 .

صفحه 188
كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها، فهذا هو المراد من قوله: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً).(1)
وقد خصّه سبحانه بالذكر لكثرة الابتلاء، ولا مفهوم للوصف، فإنّ غيرها أيضاً محرّم داخل في إطلاقات حرمة الربا.
ثمّ إنّ الآية ترشد إلى أنّ الربا في أغلب الموارد ينتهي إلى ذلك، وإلاّ فالربا قليله وكثيره حرام جدّاً.
بيع الأوراق النقدية بازيد منها   

العاشر: نظرية في كلام المحقّق الشيخ حسين الحليّ (قدس سره)

إنّ العلاّمة الشيخ حسين الحلّي كان من كبار العلماء في النجف الأشرف ومن أقطاب العلم والفضيلة، وقد حضرت دروسه عام إقامتنا في النجف عام 1370 هـ  ق، وقد رأيناه بحراً موّاجاً ومنطيقاً فصيحاً، يتكلّم العربية والفارسية جيّداً.
ثم إنّه (قدس سره)درس المسائل المستحدثة تحت عنوان «بحوث فقهية»، ودوّنها صديقنا الشهيد عزّ الدين بحر العلوم (أفاض الله رحمته عليه وعلى أخويه السيدين علاء الدين والسيد محمد)، وكان بيني وبينهم صلة وثيقة وعلاقة أخوية.
ومن الموضوعات الّتي درسها، موضوع الأوراق النقدية، تحت العنوان التالي:

هل يتحقّق الربا في الأوراق النقدية؟

قال: بعدما عرفنا حقيقة الأوراق النقدية، وأنّها لا تحمل إلاّ جهة اعتبار

1 . تفسير الرازي: 9 / 2 .

صفحه 189
الصرف من الدولة الّتي قررت التعامل بها، فهل يتحقّق الربا في صورة بيعها بأكثر؟ كأن يبيعه عشرة أوراق باثنتي عشرة ورقة؟
الظاهر عدم تحقّق ذلك، فلا تكون المعاملة ربوية; لأنّ شرط جريان الربا في المعاملة هو وحدة الجنس ـ الثمن والمثمن ـ أوّلاً، وكونه من المكيل والموزون ثانياً، وليست الدنانير(الأوراق النقدية) من أي من هذين، وهما المكيل أو الموزون، وإن كانت وحدة الجنس متحقّقة فيها، إلاّ أن الشرط الآخر، وهو الكيل، أو الوزن لم يتحقّق فيها، فلا يجري في بيعه بأزيد منه حكم الربا.
هذا إذا كانت المعاملة بيعية صرفة لا أجل فيها، بل حصل التسليم والتسلّم في وقته.(1)
وأمّا لو حصلت الزيادة مع أجل، كأن دفع له عشرة دنانير بإزاء أحد عشر ديناراً يسلمه إيّاها بعد شهرين، فهل يكون ذلك من صغريات المعاملة الربوية أو لا؟
والإجابة عن هذا السؤال:
هو أنّا نتصوّر لهذه المعاملة وجهين: تكون صحيحة بالنظر لوجه، وباطلة على الوجه الثاني.
فإنا لو اعتبرنا هذه المعاملة من قبيل البيع إلى أجل، كانت المعاملة صحيحة; بخلاف ما لو اعتبرناها من قبيل القرض إلى أجل فإنّها حينئذ تكون

1 . قلّما يتّفق المبادلة النقدية مع الزيادة من كلا الطرفين إلاّ إذا اشتمل أحد العوضين على خصوصية لكونه ورقاً جديداً وغير ذلك.

صفحه 190
من ربا القرض، ويتمّ فيها البطلان.(1)
نقد تجويز بيع الأوراق النقدية بازيد منها   
ثم إنّه (قدس سره)أكّد ما أفاده في موضع آخر، فقال: إذاً فإيداع المال عند البنك وأخذ الفائدة عليه لا يكون صحيحاً من الوجهة الشرعية ـ لما عرفت ـ من أنّ هذه المعاملة منزّلة على القرض وأخذ الفائدة عليه.
ولكن يمكن تصحيح هذه المعاملة بنحو: إذا قصد الدافع بدل إجراء المعاملة قرضاً، إجراءها على نحو البيع بينه وبين البنك، فيبيع له الأقل النقدي بإزاء الأكثر المؤجّل. مثاله: أن يبيع للبنك مائة دينار نقدية، بمائة وثلاثة دنانير، مؤجّلة لسنة واحدة، فتكون المعاملة صحيحة بناء على ما ذكرناه في البحث عن الأوراق النقدية وأنّها ليست من الجنس الربوي حيث لم تكن مكيلة ولا موزونة، فلا مانع من التفاضل فيها، كما أنها ليست من النقدين المسكوكين كي يعتبر التقابض فيها في المجلس لتجري عليها أحكام الصرف، وحيث تمّت المعاملة البيعية بين الطرفين للمدّة المحدودة بينهما فلا يجوز لكل منهما الفسخ قبل المدّة .(2)
حاصل كلامه: إنّه لو كانت المبادلة بأزيد نقداً فلها وجه واحد وهو الصحّة، وأمّا إذا كانت مع الأجل ففيها صورتان: الصحّة لو كان التبادل بيعاً، والبطلان لو كان قرضاً.
يلاحظ عليه: مع تقديرنا وتكريمنا لجهود شيخنا الجليل (قدس سره)لكن لا يصدّنا هذا عن إظهار النظر. فأقول:
أوّلاً:إنّ مقاصد الشريعة تمنع عن ذلك، قد عرفت فيما سبق أن تحريم

1 . بحوث فقهية: 51 ـ 52 .
2 . بحوث فقهية: 75 .

صفحه 191
بيع المتماثلين بالزيادة ليس رباً في الحقيقة، وإنّما حُرّم لغاية أن يكون حريماً (مقدّمة) للربا القرضي، وأن لا يكون ذريعة لأكلّ الربا، فإنّه لو جاز بيع المتماثلين بالزيادة، وحرم قرض أحد المتماثلين بالزيادة، فسوف يجد المرابي مجالاً للدخول من خلال الباب الأوّل ويصل إلى مراده من غير تبعة، وعلى ذلك فلا فرق بين البيع والقرض، ولا يُعقل تحريم الثاني، وفي نفس الوقت تجويز الأوّل، ومقاصد الشريعة تمنع عن مثل ذلك جدّاً.
ثانياً: قد عرفت أنّه لا دليل على تخصيص الربا المعاوضي بالمكيل والموزون فقط، وإن ورد في الروايات هذين اللفظين، لما عرفت من أنّ الموضوع ما يباع ويُشترى بملاك الكميّة، وهي موجودة في المعدود والمذروع أيضاً .
وأمّا الروايات فقد عرفت أنّها ناظرة لإخراج ما يباع بالمشاهدة كالفرس والبقر والغنم، حتّى بيع العرايا، أي بيع التمر وهو على الشجر بالتمر على الأرض.
ثالثاً: أنّ ما ذكره شيخنا الأُستاذ (قدس سره)يفتح أبواب الربا في وجوه المرابين، ويتمكّنون من التلاعب بالأحكام الشرعية بتبديل العنوان من القرض إلى البيع .
وعلى هذا فللبنك أن يبيع ألف دينار بألف دينار وعشرة إلى شهرين، ويكون الربح للبنك أو لصاحب الحساب الثابت .
ورابعاً: أنّ النقود الورقية تقع دائماً ثمناً لا مثمناً فبيع ألف تومان معجّلاً بألف تومان وزيادة مؤجّلاً أمر لا يستحسنه العرف ولا يصفه بيعاً، بل مبادلة مطلقة. وبعبارة أُخرى: النقد ما به يشترى، لا ما يشترى فتدبر.

صفحه 192
فإن قلت: ماذا تقول في بيع الدين المؤجّل بالمعجّل، وهذا شائع في كلام الفقهاء؟
قلت: هذا الإطلاق تسامح منهم، وحقيقة الأمر عبارة عن إبراء ذمّة المديون بشيء من الدين حتّى يقضيه معجّلاً، وليس من البيع فيه عين ولا أثر. مضافاً إلى أنّ المبيع المؤجل في الذمّة ربما يكون جنساً كالحنطة والشعير فيصح استعمال البيع فيه. نعم إنّما يستعمل في مورد واحد إذا كانت النقود الورقية متغايرة كبيع الدولار بالريال.
ثم إنّ كثيراً من المعاصرين أفتوا بذلك مع أنّ مثل هذه الفتاوى تفتح باب الربا في وجوه المرابين.
يقول أحد الأعلام من المعاصرين: لو باع عشرة توامين، بعشرين نقداً، لا تكون المعاملة ربوية، لما عرفت من أنّ شرط جريان الربا في المعاملة كون موردها من المكيل أو الموزون، والورق النقدي ليس منهما، فلا مانع من التفاضل فيه; وإن كانت المعاملة عليها نسيئة، فتارة تكون المعاملة بعنوان البيع، وحقيقته إعطاء شيء بعوض، وأُخرى تكون بعنوان القرض، وحقيقته تمليك العين أي خصوصياتها مجاناً وجعل ماليتها في الذمّة، ففي الحقيقة هو ينحل إلى إنشاءين: تمليك مجاني بالنسبة إلى العين وتضمين لمالية العين، واستيمان لها في ذمّة المقترض إلى أجل معيّن .
نقد بيع الأوراق النقدية بازيد منها   
فإن كانت بعنوان القرض، لا يجوز التفاضل فيها، فلو أقرضه عشرة توامين ليدفع له بعد شهرين أحد عشر توماناً، كانت المعاملة ربوية وفاسدة، لما تقدّم من أنّ كلّ قرض يجرّ نفعاً فهو رباً.

صفحه 193
وإن كانت بعنوان البيع، جاز التفاضل فيها، فيجوز بيع عشرة توامين نقداً بأحد عشر توماناً في الذمّة إلى شهرين، والوجه في ذلك ما تقدّم من أنّه يعتبر في جريان الربا في البيع كون المورد من المكيل أو الموزون، والورق النقدي ليس كذلك، فلابدّ في مقام المعاملة من التوجّه والالتفات إلى ذلك، أي الفرق بين البيع والقرض، وأنّ في القرض إلى أجل يتحقّق الربا، ولا يتحقّق في البيع إلى أجل .(1)
ونحن لا نعلّق على ما ذكر بشيء إذ فيما قدّمنا غنى وكفاية، وإنّما الغاية من عرض هذه الكلمات هو ايقاف القاري على مبنى هذه الفتاوى أوّلاً وهو تخصيص بيع المتماثلين بالمكيل والموزون. وأنّ هذا النوع من الفتاوى تورث الجرأة للمرابين ثانياً.

1 . المسائل المستحدثة: 33 ـ 34 .

صفحه 194
 
ختامه مسك

عرض إجمالي لأُطروحة الشهيد الصدر(قدس سره)

لا شكّ أنّه دخل الربا القرضي في حياة المجتمع الإسلامي لسيطرة الاقتصاد الغربي على البلاد، ولا تجد بلداً إسلامياً يخلو من بنك ربوي يأوي إليه كلّ من يريد ترميم حياته الضرورية أو تحسين اقتصاده، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنّ الشريعة الإسلامية حرّمت الربا أشدّ التحريم وأوعد الله عليه النار، فعندئذ يقع الكلام فيما هو الحل لهذه العقدة؟
وقد قدّم جمع من علماء الاقتصاد وفقهاء الإسلام أُطروحات عديدة لغاية حلّ هذه العقدة وقد مرّ الكلام فيها.(1) ثمّ إنّ الشهيد السعيد محمد باقر الصدر ـ رضوان الله عليه ـ قام بعملين في حلّ الإشكالية، أحدهما أصعب من الآخر وهو:
دراسة تخريجات الشهيد الصدر للتخلص من الربا   
تقديم أُطروحة «البنك اللاربوي في الإسلام» تعويضاً عن البنك الربوي على نحو تعالج فيه هذه الأُطروحة مشاكل البنك الربوي، وذلك على أساس تبيين عقد المضاربة لكن بقيود وخصوصيات تميّزها عمّا ورد في الكتب الفقهية، وبذلك تتمكن الأُطروحة من القيام بعامّة نشاطات البنك الغربي ولكن من دون ترتب آثار الربا، وتقابله في عامّة الأصعدة، كلّ ذلك على ضوء الفقه الإسلامي.

1 . لاحظ: الفصل الرابع، الوجوه المخلصة للربا، ص 159 وما بعدها.

صفحه 195
ثمّ إنّ دراسة هذه الأُطروحة موكولة إلى وقت آخر، ولكنّ الذي يهمنا في المقام هو العمل الثاني الذي قام به، وهو أنّه لو قطع النظر عن وضع سياسة البنك اللاربوي ولم يُسعف الحظ على تحقيقه على صعيد الحياة، ولم يكن للمسلم بدّ من التعامل مع هذه البنوك، فقد قدّم (قدس سره)تخريجات لو عملت بها إدارة البنوك والمراجعون، لخرجت الفائدة عن الوجه اللامشروع، وها نحن نذكر ما أفاده(قدس سره)في هذا المقام، والله الموفق.

التخريج الأوّل: الفائدة في مقابل عملية الإقراض

يتمثّل في القرض عنصران: أحدهما المال المقترض من الدائن للمدين، والآخر نفس الإقراض بما هو عمل يصدر من المقترض. والربا وضع زيادة بإزاء المال المقترض، فالفائدة إذا فرضت بإزاء نفس المال المقترض يصبح رباً محرّماً، ولكنّها إذا فرضت بإزاء نفس الإقراض بما هو عمل صادر من الدائن على أساس الجعالة تخرج بذلك عن كونها رباً.
فالشخص الذي يحاول أن يحصل على قرض يقوم بإنشاء جعالة يفرض فيها جُعْلاً معيّناً على الإقراض فيقول: مَن أقرضني ديناراً فله درهم، وهذه الجعالة تكون سبباً لأن يقدّم مالك الدينار، قرضا له، وحينئذ يستحقّ عليه الدرهم ـ وراء استحقاقه المال المقترض ـ ولا يوصف بالربا; لأنّه ليس بموجب عقد القرض، بل بموجب الجعالة، نظير قوله: من ردّ ضالّتي فله كذا درهم.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الجعالة على إنجاز عمل إنّما تصحّ إذا كان للعمل مالية يبذل بإزائه الثمن، كما في المثال المذكور(ردّ الضالّة) وأمّا نفس الإقراض مع قطع النظر عن المال المقترض، فليس له مالية يبذل بإزائها

صفحه 196
الثمن فيصبح مثل تلك الجعالة أمراً غير عقلائي.
وثانياً: إذا عرض مثل هذا العمل المشتمل على عقد قرض وجعالة، على العرف، يقضي بأنّ الدرهم في مقابل القرض المؤجّل إلى شهر لا في مقابل الإقراض; لأنّ مالية الإقراض في نظر العقلاء إنّما هي بمالية المال المقترض، وليس لنفس العمل مع قطع النظر عنه، ماليّة.
***

التخريح الثاني: الطلب من البنك تسديد الدين منضّماً إلى الجعالة

هذا التخريج مبني على التمييز بين أمرين:
1. إذا افترضنا أنّ زيداً مدين لخالد بعشرة دنانير، ومطالَب بوفائها، فيأتي إلى البنك ويقترض عشرة دنانير ثم يُسدّد بها دينه.
2. إنّ زيداً في الفرض السابق يتصل بالبنك ويأمره بتسديد دينه، بدفع عشرة دنانير إلى خالد، وفاء لماله في ذمّته.
والنتيجة واحدة في الحالين، غير أنّ هنا فرقاً جوهرياً بينهما، ففي الصورة الأُولى يتملّك زيد عشرة دنانير أوّلاً ثم يسدد بها دينه، وأمّا في الصورة الثانية لا يتملّك شيئاً بل يطلب من البنك أن يقضي عنه دينه، ومن المعلوم أنّ الأمر بقضاء الدين نيابة عنه أمر بالإتلاف، وهو من أسباب الضمان، كما إذا قال: ألق متاعك في البحر، حيث إنّ الأمر بالإلقاء بمعنى ضمان قيمة الملقى دون تملّكه.
إذا تبيّن الفرق بين الأمرين، فلو جُعلت الفائدة في مقابل ما اقترضه من البنك يكون رباً، ففي عقد واحد، اقترض عشرة دنانير مقرونة بالفائدة.

صفحه 197
وأمّا إذا أمر بالقضاء فعندئذ لا يملك المال المدفوع لخالد، وإنّما يضمنه للأمر بالإتلاف، فهو يصبح مديناً لا في مقابل تملّك شيء، بل في مقابل الأمر بالإتلاف.
وعندئذ لو قرن الأمر بالإتلاف وتسديد القرض بعقد الجعالة وقال: من سدّد ديني فله درهم، فلا يُعدّ هذا الزائد ربحاً للقرض، لأنّ المفروض عدم الاقتراض وعدم تملّك شيء.
يلاحظ عليه بأمرين:
أوّلاً: أنّ وفاء دين شخص بمال شخص آخر كما يحتمل أن يكون من باب الأمر بالإتلاف، كذا يحتمل أن يكون أمراً بالتمليك، وهذا هو الظاهر في المثال المعروف: ألق متاعك في البحر، أي ملّكنيه ثم ألق متاعي في البحر. وفي قوله: اشتر بهذا الدرهم طعاماً، أي تملّك الدرهم ثم اشتر طعاماً. فعلى هذا ترجع الصورة الثانية إلى الأُولى، ويكون المراد جدّاً : ملّكني ذلك المبلغ ثم سدّد به ديني.
ثانياً: أنّ تسديد الدين مجرّداً عن المال المسدّد به، ليس له مالية حتى يقع مورد الجعالة، وعندئذ تحسب الفائدة في مرتكز العقلاء في مقابل المال، فيصبح رباً.
***

التخريج الثالث: الفائدة لأجل تنازل المقرض عن الوفاء في بلد القرض

قد يتقدّم شخص إلى البنك في بغداد طالباً منه أن يزوِّده بخطاب إلى وكيله في الهند يأمره فيه بإقراضه مبلغاً معيّناً من المال، فيزوّده البنك بهذا

صفحه 198
الخطاب، ثم يقدِّمه الشخص إلى الوكيل في الهند ويقترض بموجبه المبلغ المحدَّد، وعقد القرض هنا وقع في هذا المثال في الهند.
ومن حقّ المقرض ـ بمقتضى إطلاق عقد القرض ـ إلزام المقترض بالوفاء في نفس مكان القرض(الهند) بعد حلول الأجل، غير أنّ المدين غير مستعد لذلك، فإنّه يُريد الوفاء في العراق، حال رجوعه من سفره لا في الهند، فيمكن للبنك في هذه الحالة أن يطالب بمقدار الفائدة ـ لا بإزاء المال المقترض ـ بل بإزاء تنازله عن الوفاء في ذلك المكان المعيّن، وليس هذا رباً; لأنّه يطالب بالزيادة لأجل تنازله عن المكان، فيكون المقترض مخيّراً بين أمرين:
أ. دفع نفس المبلغ في الهند بلا زيادة.
ب. دفع المبلغ في بغداد مع الزيادة، لأجل تنازله عن حقّه.
ومن المعلوم أنّ المقترض بعدما رجع من السفر يختار الأمر الثاني.
يلاحظ عليه: أنّه وإن كان صحيحاً لكنّه محاولة لمورد خاص وهو أخذ الحوالة من البنك في العراق لأخذ المبلغ في الهند، وشبهه، ولا يمكن عدّه حلاًّ للمشكلة الربوية.
على أنّ الرائج هو دفع المبلغ للبنك في العراق ليأخذ مثله من وكيله في الهند، وعندئذ يأخذ شيئاً لأجل الحوالة، فإن دفع المبلغ في العراق وأخذه في الهند بحاجة إلى مؤونة، فالبنك في العراق يأخذ الزيادة لأجل هذه المؤونة.

التخريج الرابع: تحويل القرض إلى بيع

يقول السيد الصدر: ما هو شائع في بعض الأوساط الفقهية من إمكان

صفحه 199
تحويل القرض إلى بيع، فيخرج بذلك عن كونه ربوياً مادام النقد من الأوراق النقدية التي لا تمثّل ذهباً ولا فضة، ولا تدخل في المكيل أو الموزون، فبدلاً عن أن يقرض البنك ثمانية دنانير بعشرة، فيكون قرضاً ربوياً، يبيع البنك ثمانية دنانير بعشرة مؤجّلة إلى شهرين مثلاً، والثمن هنا وإن زاد على المثمن مع وحدة الجنس، ولكنّ ذلك لا يحقّق الربا المحرَّم في البيع ما لم يكن العوضان من المكيل أو الموزون، والدينار الورقي ليس مكيلاً ولا موزوناً، فيخرج البنك بهذا الطريق من القرض الربوي عن طريق البيع.
يلاحظ عليه: أنّه مبني على أنّه لا ربا في بيع المعدود، وأنّ الربا المعاوضي منحصر بالمكيل والموزون، وأمّا المعدود والمذروع فليس فيهما رباً، إذا وقعا في إطار البيع دون القرض، وقد تقدّم منّا عدم صحّته، فإنّ الربا المعاوضي يشمل كلّ الأقسام الأربعة، نعم خرج عنه ما يُباع بالمشاهدة، وكأنّ المعدود في مصطلحنا غير المعدود في مصطلح أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فهو في عرفهم ما يباع بالمشاهدة، كالفرس والبقر والإبل، وقد درسنا الروايات الواردة في هذا المضمار، وكأنّ الجميع ناظر إلى عدم الربا في المشاهدات، وإلاّ فلو قيل بعدم الربا في المعدود والمذروع، للزم فتح باب الربا على مصراعيه بوجه المرابين، فيبيع مليون دولار إلى سنة بمليون وعشرة، وهذا غير معقول من ناحية الشرع، حيث يحرم الربا القرضي بكافّة صوره، وفي الوقت نفسه، يشرّع حكماً يناقضه عملياً.
مضافاً إلى أنّه بيع صوري ولكنّه في الواقع قرض، والواقعيات لا تتغير بتغيّر التسميات.

صفحه 200

التخريج الخامس: تبديل الدنانير بعملة أُخرى

إنّ بيع ثمانية دنانير بعشرة منها مؤجلة يُعد قرضاً في الواقع، ولكن يمكن بيع ثمانية دنانير بمائتي تومان في الذمّة مؤجّلاً، فإنّ النقود الورقية لا يجري عليها أحكام بيع الصرف، فلا يجب فيها التقابض في المجلس، بل يجوز أن يكون الثمن مؤجلاً إلى شهرين، وفي نهاية الشهرين يمكن للبائع أن يطلب من المشتري مائتي تومان أو ما يساوي ذلك من الدنانير من باب وفاء الدين بغير الجنس، وعندئذ تحصل نفس النتيجة المقصودة لمن يُريد أن يُقرض قرضاً ربوياً.
ولئن قيل في التخريج السابق أي في بيع ثمانية دنانير بعشرة، إنّه قرض لكونه تبديلاً للشيء بمثله في الذمّة، فلا يقال هذا في بيع ثمانية دنانير بـ(200) تومان; لعدم المماثلة، فيكون طابع البيع هو الطابع الوحيد لهذه المعاملة.
يلاحظ عليه: كما أفاده السيد الشهيد(رحمه الله) أنّ المعاملة وإن كانت بين ثمانية دنانير ومائتي تومان مؤجّلاً، لكنّها في الواقع مبادلة بين مالياتهما، فعندئذ يأتي هنا الإرتكاز العرفي بأنّ هذه المعاملة معاملة قرضية، لا بيع ولا تبديل مالية بمالية أُخرى في الذمة، إذ لم يبق فرق بين العملة العراقية والعملة الإيرانية سوى كون أحدهما نقداً والآخر في الذمّة.

التخريج السادس:اشتراط الوكيل الزيادة عند الوفاء

قد يقال بأنّ البنك يعتبر نفسه وكيلاً عن المودعين في الإقراض من أموالهم، والأموال تبقى على ملكية أصحابها، وحينئذ يكون الدائن هو

صفحه 201
المودع والبنك وكيلاً في الإقراض من قبل الدائن بالشكل الذي يرتئيه، وعندئذ يمكن للبنك أن يشترط على المقترض ضمن عقد القرض أن يدفع زيادة على المبلغ المقترض عند الوفاء للبنك نفسه، فهنا لم يحصل للمقرض أي حقّ في الزيادة وإنّما الزيادة للبنك.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ الواقع ليس كذلك وأنّ المقرض هو البنك، وقد مرّ أنّ البنك يتملّك أموال المودعين بإذنهم لكن بضمان المثل، فيصبح مالكاً لا وكيلاً، بشهادة أنّه يتحمّل الخسارة لو لم يدفع المقترض، وأنّ المودع لا يهمه أقرض البنك أم لم يقرض، ربح أو خَسر، فإذا كان البنك هو المقرض فكيف يشترط الزيادة؟
وثانياً: سلّمنا أنّ الزائد صار ملكاً للبنك فقط، لكنّه لا يتم في الحسابات الثابتة لأنّ الغاية من وضع المال فيها هو انتفاع أصحابها، والمفروض أنّ المنتفع هو البنك فقط دون صاحب المال إلاّ أن يجعل له سهماً ممّا انتفع.
نعم يصحّ ما ذُكر في الحسابات المتحرّكة، حيث إنّ الغاية من وضع المال فيها هو الحفظ والحراسة وضمان البنك، والتأدية عند المطالبة، وهذا موجود في المفروض.

صفحه 202
الاستدراكات(1)
      1

ما يجب على المرابي من وجوب الردّ

من المسائل المهمّة في باب الربا بيان حكم ما أخذه المرابي بعنوان الربا، والمسألة معنونة في كلام الأصحاب قديماً وحديثاً، فنقول:
إنّ للمسألة صورتين:
الأُولى: إذا كان المرابي كافراً ثم أسلم، فهل يجب عليه ردّ ما أخذ أو لا؟
الثانية: إذا كان المرابي مسلماً جاهلاً بالحكم ثم علم، فهل يجب عليه ردّ ما أخذ؟
وأمّا إذا كان المرابي مسلماً عالماً بالحكم، فلا شكّ أنّه يجب عليه ردّ ما أخذ، لأنّ المعاملة فاسدة إمّا كلّها أو نفس الزيادة، فهي باقية في ملك مالكها، ولذلك خصصنا البحث بالصورتين الأُولتين. ونبدأ بدراسة الصورة الأُولى.

إذا أخذ الكافر الربا ثم أسلم

حكم رد الربا إلى صاحبه    
إذا كان المرابي كافراً ثم أسلم، فقد اتّفقت كلمة الفقهاء على عدم وجوب شيء عليه، من غير فرق بين الربا المعاوضي والربا القرضي، ومن غير فرق بين كون الزيادة موجودة أو لا، ومن غير فرق بين كونها متميّزة أو مختلطة، والشاهد عليه ـ مضافاً إلى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله» ـ قوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ

1 . استدراكات على ما لم يذكره السيد الأُستاذ في تحرير الوسيلة من المسائل المهمة.

صفحه 203
فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(1)، إذ معنى قوله سبحانه: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ): أي جاء بيان من الله في مورد الربا، فالموعظة كناية عن بيان الأحكام والعقائد كما في قوله:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(2)، وقوله تعالى: (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)(3).
كما أنّ معنى قوله:(فَلَهُ مَا سَلَفَ) أنّه يعفى ما صدر منه من الربا قبل إسلامه كما هو المتبادر من قوله سبحانه:(فَلَهُ مَا سَلَفَ) في غير هذا المورد، كقوله سبحانه:(وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)(4)، وقوله:(وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ).(5)
وعلى هذا فالفقرتان:
1. (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ).         2. (فَلَهُ مَا سَلَفَ)، تبيّنان حكم المرابي الكافر أنّه إذا جاءه بيان من الشرع وانتهى فله ما أخذ في الفترة التي سبقت إسلامَه.
ثمّ إنّه لا يتصوّر فيه القسمان: فرضا العلم بالحكم والجهل به، لأنّ علمه وجهله بلا إيمان سواء، إذ المراد بالعلم الذي يقسم الموضوع إلى قسمين هو العلم النابع عن الإيمان، لا مجرّد التصوّر بلا إيمان.

1 . البقرة:275.
2 . النحل:125.
3 . هود:120.
4 . النساء:22.
5 . النساء:23.

صفحه 204
وبما ذكرنا من معنى الفقرتين وأنّ الموعظة كناية عن بيان الحكم وأنّ قوله: (فَلَهُ مَا سَلَفَ)إمضاء لما تملّكه أيام كفره، يظهر عدم تمامية كلام ابن إدريس، فإنّه فسّر قوله: (فَلَهُ مَا سَلَفَ)بمعنى أنّ له ما سلف من الوزر وغفران الذنب وحقّ القديم سبحانه وتوبته،(1) فإنّه غير تام لكونه على خلاف ظهور الفقرتين فيما ذكرنا.
إلى هنا تمّ حكم الكافر المرابي إذا أسلم، وإليك الكلام في الصورة الثانية.
حكم الزيادة إذا كان المرابي مسلماً جاهلاً بحرمة الربا   

إذا كان المرابي مسلماً جاهلاً بالحكم

إذا ارتكب الربا معاوضياً أو قرضياً وهو جاهل بالحكم، فما هو حكم الزيادة؟
أقول: يقع الكلام تارة في الربا المعاوضي، وأُخرى في الربا القرضي.
أمّا الربا المعاوضي: فقد علمت في شرح المسألة 13 أنّ الحقّ هو بطلان المعاملة برأسها في المثل والزيادة معاً، وأوضحنا ذلك وضعّفنا قول من يقول بأنّ المحرّم هو الزيادة لا المثل في مقابل المثل، فإذا كان كذلك فالزيادة باقية في ملك المالك السابق فيجب على المرابي ردّها إلى الدافع. وأمّا حكم المثلين فإن أمكن الترادّ فهو، وإلاّ فكلّ يأخذ ما أخذ تقاصّاً عن ملكه.
فإن قلت: لماذا لا يكون المرجع في هذه المسألة قوله سبحانه:(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ)؟

1 . السرائر:2/251.

صفحه 205
قلت: إنّ هذه الآية وسائر الآيات النازلة حول الربا ناظرة إلى الربا القرضي، ولا تشمل الربا المعاوضي، لما عرفت من أنّ الربا المعاوضي ليس رباً حسب الاصطلاح، وإنّما يستفاد حكمه من السنّة من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مثلاً بمثل»، وما هو الرائج في الجاهلية هو الربا القرضي، فالآيات بصدد بيان ما هو الرائج، وقد مرّ أنّ تحريم الربا المعاوضي لأجل إيجاد الحريم للربا القرضي، وعلى هذا فالمرجع في هذه الصورة هو القاعدة الأوّلية لا الآية فإنّها ناظرة إلى الربا القرضي الرائج في مكّة وحواليها.
وأمّا الربا القرضي فهل يجب ردّ الزيادة على المرابي أو لا، إذا علم بالحكم؟ فهناك أقوال:
1. إنّ الزيادة حلال ولا يجب ردّها.
2. إنّها حرام يجب ردّها إلى مالكها.
3. الفرق بين كونها موجودة ومعزولة، فيجب ردّها، دونما إذا كانت تالفة أو مختلطة بماله، كما هو المحكي عن ابن الجنيد.(1) وسندرس الأقوال تالياً:

الأقوال في المسألة

وقبل إيضاح أدلّة الأقوال نذكر حكم القاعدة الأُولى.
قد عرفت في المسألة 13 أنّ المعاملة الربوية القرضية محرّمة فاسدة، فالأموال مع الزيادة باقية على ملك مالكها، وبما أنّ المديون دفع مثل القرض

1 . لاحظ: مفتاح الكرامة:9/912، جواهر الكلام:23/398.

صفحه 206
مع الزيادة، فيبقى هنا بيان حكم الزيادة فقط، ومن المعلوم أنّ حكمها حسب الضابطة هو بقاؤها في ملك المديون.
فإن قلت: إنّ المقترض ملّك الزيادة للمرابي، فيتملّكها، فكيف تخرج عن ملكه بعد علمه بالفساد؟
حكم الزيادة إذا كان المرابي مسلماً جاهلاً بالحرمة   
قلت: إنّه إنّما ملّك الزيادة للمرابي باعتقاده أنّ المعاملة صحيحة لازمة، وليس له محيص من العمل بالعقد، ولما تبيّن فساد المبنى ينتفي رضاه بتملك المرابي للمال. وبعبارة أُخرى: كان رضاه بتملّكه، رضا مقيّداً بلزوم المعاملة وكونه مسؤولاً عن دفع الربا لا مطلقاً.
هذا هو حكم القاعدة الأُولى، إنّما الكلام فيما ورد من الروايات حول الأقوال، وإليك دراستها:

دراسة القول الأوّل

قد عرفت أنّ القائلين بالقول الأوّل ذهبوا إلى عدم وجوب شيء على المقترض، كما ذهب إليه جمع من الأصحاب.
1. قال الصدوق: ومَن أكل الربا بجهالة وهو لا يعلم أنّه حرام فله ما سلف ولا إثم عليه فيما لا يعلم، ومَن عاد فأُولئك من أصحاب النار.(1)
2. قال الشيخ في «النهاية»: فمَن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم أنّ ذلك محظور، فليستغفر الله تعالى في المستقبل، وليس عليه فيما مضى شيءٌ.(2)

1 . الهداية:316.
2 . النهاية:376.

صفحه 207
وممّن أصر على هذا القول، المحقّق الأردبيلي في «زبدة البيان»، قال: فمن بلغه وعظ من الله بأمر أو نهي وقبض وتصرّف فاتّعظ وقَبِلَ النهي أو ارتكب المأمور به (فَلَهُ مَا سَلَفَ); أي فملك ما أخذه سالفاً وقبض وتصرّف وجاز له التصرّف فيما فعل من المنهيّ الآن، وكذا فيما يترتب على ترك ما هو المأمور به الآن، ولا مؤاخذة على ما سبق الأمر والنهي، (وأمرُهُ) بعدهما (إلى الله)، فيجازيه بعمله، فإن اتّعظ لله وقبل الأمر والنهي لأنّهما من الله، فيثيبه، وإلاّ فيعاقبه بقدر العمل.(1)
فلو تمّت دلالة الآية على ما يرتئيه الأردبيلي فتكون واردة على الضابطة.
فإن قلت: إنّ قوله سبحانه: ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(2) يدلّ على أنّ الواجب الاكتفاء برؤوس الأموال، أي أصل القرض لا الزيادة.
قلت: الآية ناظرة لما يأخذه المرابي بعد العلم بالحكم لا ما أخذه حال الجهل بالحكم. يقول المحقّق الأردبيلي:(وَإِنْ تُبْتُمْ): أي رجعتم عن اعتقاد حل الربا، كما يفهم من البيضاوي، أو عمل الربا كما هو ظاهر الكشّاف، وظاهر الآية (فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) فقط لا الزيادة التي شرطتم (لاَ تَظْلِمُونَ)معامليكم بأخذ الزيادة والربا (وَلاَ تُظْلَمُونَ) أنتم بأخذ الناقص عن رأس مالكم.(3)

1 . زبدة البيان:430، ط المكتبة المرتضوية، طهران.
2 . البقرة:279.
3 . زبدة البيان:435.

صفحه 208
ثمّ إنّه ربّما ينسب هذا القول إلى الشيخ الصدوق في مقنعه، ولكن عبارته تحكي الخلاف، وإليك نصّ كلامه، قال: ورباً لا يؤكل، وهو أن يدفع الرجل إلى الرجل عشرة دراهم على أن يردّ عليه أكثر منها، وهو قول الله عزّ وجلّ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ)(1) يعني أن يردّ آكل الربا على صاحبه، الفضل الذي أخذه عن رأس ماله.(2)
وبذلك يظهر أنّ ما ذكره العاملي من قوله:«إنّي لم أجده فيه»(3)، كلام صحيح، والأولى أن يقول: بل وجدت خلافه.
حكم الزيادة إذا كان المرابي مسلماً جاهلاً بالحكم   

الاستدلال على القول الأوّل بالروايات

إنّ الروايات الواردة في المقام على قسمين:

الأوّل: ما يدلّ على عدم وجوب الردّ مطلقاً، موجوداً كان أو لا، معزولاً كان أو لا

1. صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يأكل الربا، وهو يرى أنّه له حلال؟ قال:«لا يضرّه حتى يصيبه متعمّداً، فإذا أصابه متعمّداً فهو بالمنزل الذي قال الله عزّ وجلّ».(4)
وأُريد من قوله: «قال الله عزّ وجلّ»، قولُه سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

1 . البقرة:278ـ 279.
2 . المقنع:373، باب الربا.
3 . مفتاح الكرامة:9/917.
4 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث1.

صفحه 209
اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(1).
2. صحيحة محمد بن مسلم، قال: دخل رجل على أبي جعفر(عليه السلام) من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله، ثم إنّه سأل الفقهاء، فقالوا: ليس يقبل منك شيء إلاّ أن تردّه إلى أصحابه، فجاء إلى أبي جعفر(عليه السلام) فقصّ عليه قصّته، فقال له أبو جعفر(عليه السلام):«مخرجك من كتاب الله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ)والموعظة: التوبة».(2)
3. ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: إنّ رجلاً أربى دهراً من الدهر فخرج قاصداً أبا جعفر الجواد(عليه السلام) فقال له: «مخرجك من كتاب الله، يقول:(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) والموعظة هي التوبة، فجهله بتحريمه ثم معرفته به، فما مضى فحلال، وما بقي فليتحفّظ».(3)
ثمّ إنّ تفسير الموعظة بالتوبة لا ينافي ما تقدّم من أنّ المراد الحكم الشرعي ووصوله إليه، لأنّ التوبة نتيجة ذلك البيان، فلولاه لم يتوفق للتوبة.
4. ما رواه الشيخ بسنده عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام): أنّه سئل عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنّه له حلال؟ فقال: «لا يضرّه حتى يصيبه متعمّداً، فإذا أصابه متعمّداً فهو بمنزلة الذي قال الله عزّ وجلّ».(4)
5. ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى(عليه السلام) قال: سألته عن رجل أكل

1 . البقرة:278.
2 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث7.
3 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث10.
4 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث6.

صفحه 210
ربا لا يرى إلاّ أنّه حلال؟ قال:«لا يضرّه حتى يصيبه متعمّداً فهو ربا».(1)
ثمّ إنّ الظاهر من هذه الروايات الخمس عدم الفرق بين كون الزيادة موجودة أو غير موجودة، وعلى فرض الوجود مفروزة أو غير مفروزة، لأنّها في مقام البيان .
إلى هنا تمّ ما يدلّ على القول الأوّل.
حكم الزيادة إذا كان المرابي جاهلاً بالحكم    

القسم الثاني ما يدلّ على التفصيل بين الموجود وعدمه

وفي المقام روايات تدلّ على التفصيل بين كونه موجوداً أو لا، أو بين المفروز وعدمه، وإليك ما يلي:
1. ما رواه أبو المعزا عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«ولو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أنّ في ذلك المال ربا، ولكن قد اختلط ـ في التجارة ـ بغير حلال، كان حلالاً طيباً فليأكله، وإن عرف منه شيئاً أنّه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الربا، وأيّما رجل أفاد مالاً كثيراً قد أكثر فيه من الربا فجهل ذلك ثمّ عرفه بعد فأراد أن ينزعه، فما مضى فله، ويدعه فيما يستأنف».(2)
والرواية تفصّل بين المفروز فيُردّ، دون غيره بشهادة قوله: «فأراد أن ينزعه».
2. ما رواه الشيخ باسناده عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبي نحوه... إلى قوله: «فليأخذ رأس ماله وليردّ الربا».(3)

1 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث9.
2 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث2. قوله «كان حلالاً» مقولة «قال» في صدر الحديث .
3 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، ذيل الحديث2.

صفحه 211
3. ورواه الصدوق مرسلاً إلى قوله: «فيما يستأنف» إلاّ أنّه قال: «بغيره فإنّه له حلال طيب فليأكله وإن عرف منه شيئاً معزولاً أنّه ربا».(1)
4. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«أتى رجل أبي(عليه السلام) فقال: إنّي ورثت مالاً وقد علمت أنّ صاحبه الذي ورثتُه منه قد كان يربي، وقد أعرف أنّ فيه ربا واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحلّ أكله، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإنّ المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد وضع ما مضى من الربا وحرّم عليهم ما بقي، فمَن جهل وسع له جهله حتّى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا».(2)
والرواية تفصّل بين المعزول وغيره.
5. ما رواه أبو الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أربى بجهالة ثم أراد أن يتركه؟ قال: «أمّا ما مضى فله وليتركه فيما يستقبل». ثم قال: إنّ رجلاً أتى أبا جعفر(عليه السلام) فقال: إنّي ورثت مالاً إلى آخر ما مرّ من حديث الحلبي.(3)
ثمّ إنّ هذه الروايات المفصّلة تنطبق على قول ابن الجنيد، قال: من اشتبه عليه من الربا لم يكن له أن يقوم عليه إلاّ بعد اليقين بأنّ ما يدخل فيه

1 . الوسائل:12، الباب 5 من أبواب الربا، ذيل الحديث2، أيضاً.
2 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث3.
3 . الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث4.

صفحه 212
حلال، فإن قلّد فيه غيره، أو استدلّ فأخطأ، ثم تبيّن له أنّ ذلك رباً لا تحل له، فإن كان معروفاً ردّه على صاحبه، وتاب إلى الله، وإن اختلط بماله حتى لا يعرفه. أو ورث ما لا يعلم أنّ صاحبه كان يربي، ولا يعلم الربا بعينه فيعزله، جاز له أكله والتصرّف فيه، إذا لم يعلم فيه الربا.(1)
حكم الزيادة إذا كان المرابي جاهلاً بالحكم   
أقول: هذا القول وإن كان أحوط من القول الأوّل، لكنّه مخالف لسياق الآية حيث قال:(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ)(2) أي: فله أخذ ما سلف، ومعه كيف يقول بوجوب الردّ عند الإفراز أو عند الوجود، كما أنّه مخالف لصريح صحيح الحلبي حيث علّل قوله:«فإنّ المال مالك» بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد وضع ما مضى من الربا وحرّم عليهم ما بقي، فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه.(3)
فعلى هذا فالأولى الجمع بين الصنفين بحمل الصنف الثاني على الاستحباب، لا تقييد الصنف الأوّل بصورة الخلط وعدم التميّز.

دراسة القول الثاني أي الردّ مطلقاً

إلى هنا تمّت دراسة دليل القول الأوّل والقول الثالث، بقي الكلام في وجه القول الثاني من لزوم الاجتناب على الإطلاق والردّ على صاحبه إن عُرف، وإلاّ فيجري عليه حكم مجهول المالك.
وممّن يتحمّس لهذا القول ابن إدريس، فإنّه بما أنّه أنكر حجّية الأخبار

1 . مختلف الشيعة:5/78.
2 . البقرة:275.
3 . لاحظ: الوسائل:12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث3.

صفحه 213
الآحاد، لم يعتد بهذين الصنفين من الروايات بل بذل جهده لتأويل كلام الشيخ الطوسي الذي استظهرنا منه الإباحة المطلقة، قال: قول شيخنا(رحمه الله):«فمَن ارتكب الربا بجهالة، ولم يعلم أنّ ذلك محظور، فليستغفر الله تعالى في المستقبل، وليس عليه فيما مضى شيء» المراد بذلك، ليس عليه شيء من العقاب، بعد الاستغفار، لا أنّ المراد بذلك أنّه ليس عليه شيء من ردّ المال الحرام، بل يجب عليه ردّه على صاحبه، لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ)(1)، فأمّا قوله تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ)(2) المراد به ـ والله أعلم ـ فله ما سلف من الوزر، وغفران الذنب.(3)
يلاحظ عليه: أنّه بذل جهده في تأويل قول الشيخ ولم يذكر شيئاً حول الروايات المطلقة أو المفصّلة.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر تبنّى هذا القول وحاول تضعيف قول المخالف بالوجوه التالية:
1. وجود الاضطراب في النصوص.
2. ترك الاستفصال فيها عن الربا أنّ صاحبه كان جاهلاً بحرمته أو عالماً.
3. الأمر فيها بالتوبة مع عدم الذنب حال الجهل الذي يُعذر فيه.
4. ترك الاستفصال فيها عن كونه في القرض أو البيع.
5. الإقدام على حلّ الربا مع ورود التشديد في حرمته.(4)

1 . البقرة:279.
2 . البقرة:275.
3 . السرائر:2/251.
4 . جواهر الكلام:23/401ـ402.

صفحه 214
ويمكن مناقشة هذه الوجوه:
حكم ما إذا كان الدافع مجهولاً والمال معلوم المقدار   
أمّا الأوّل: فلعدم وجود الاضطراب في الرواية، غير مسألة الإطلاق والتقييد، وقد عرفت إمكان حمل المقيّد على الاستحباب.
وأمّا الثاني: فلأنّ الروايات منصرفة إلى مَن كان جاهلاً، فاحتمال كونه عالماً بالحرمة، مغفول عنه. إذ لا يمكن تحليل الربا مع العلم بالحرمة إذا تاب.
وأمّا الثالث: فلأنّ التوبة لأجل أنّ الرجل ارتكب حرمة واقعية وإن لم تكن منجّزة.
وأمّا الرابع: فإنّ الآية والروايات ناظرة إلى القرض الربوي، فإنّ المتبادر من الربا هو هذا القسم، وأمّا القرض المعاوضي فقد عُلم حكمه من الحديث النبوي وقلنا: إنّ حرمته لأجل إيجاد الحريم للقرض الربوي.
وأمّا الخامس ـ أعني: الإقدام على حلّ الربا ـ فمدفوع، فيمكن أن تكون الحليّة لأجل كون المرابي جاهلاً.
نعم هذا القول هو الموافق للاحتياط كما عليه السيد الطباطبائي، حيث قال:وإن كان الأحوط الردّ إلى المالك مع كونه موجوداً معزولاً إذا عرف مالكه، بل إجراء حكم مجهول المالك عليه مع عدم معرفته خصوصاً مع كونه جاهلاً بالحرمة أيضاً. وأحوط من ذلك ما ذكره المتأخّرون من عدم الفرق بين الجاهل والعالم، وحمل الأخبار على بعض المحامل خصوصاً في الجاهل بالموضوع، بل والجاهل ببعض الخصوصيات.(1)
***

1 . ملحقات العروة الوثقى: 18، الفصل 1 من كتاب الربا، المسألة 11.

صفحه 215
الاستدراكات
2

حكم ما إذا كان الدافع مجهولاً أو معروفاً

وحكم ما إذا كان المقدار معلوماً أو مجهولاً

قد عرفت فيما سبق أنّ آخذ الربا إذا كان عالماً بالحكم يجب عليه دفع ما أخذه بعنوان الربا إلى صاحبه إذا كان معروفاً إنّما الكلام إذا كان مجهولاً، وعندئذ تطرح هنا فروع ذكرها السيد الطباطبائي في ملحقات العروة، ونحن نذكر تلك الفروع بإيضا:

الفرع الأوّل: إذا كان الدافع مجهولاً، والمال معلوم المقدار وموجوداً

قال السيد الطباطبائي: يلحقه حكم مجهول المالك، بمعنى أنّه يتصدّق به عنه.(1) وهذا هو القول المشهور. والمسألة غير منصوصة وإنّما يستدلّ في المقام بالروايات الواردة في مطلق مجهول المالك حيث عُدّ طريقاً لإيصال المال إلى صاحبه.
1. صحيحة يونس بن عبدالرحمن، قال: سئل أبو الحسن الرضا(عليه السلام)وأنا حاضر ـ إلى أن قال ـ : رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تلحقوه بالكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال:«إذا كان كذا فبعه وتصدّق بثمنه» قال له: على مَن جُعلت فداك؟ فقال: «على أهل الولاية».(2)

1 . ملحقات العروة الوثقى: 13.
2 . الوسائل:17، الباب7 من أبواب اللقطة، الحديث2 وفيه: حتى تحملوه إلى الكوفة; وفي   --->
الكافي: حتى تلحقوهم بالكوفة، والظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

صفحه 216
إذا كان صاحب المال مجهولاً ومقدار المال معلوماً تالفاً   
2. ما رواه علي بن ميمون الصائغ: قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عمّا يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: «تصدّق به فإمّا لك وإمّا لأهله».(1)
3. وقد ورد في لقطة الحرم بأنّه إن لم يجد له طالب يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن.(2)
4. كما ورد فيما يؤخذ من اللصوص، أنّه يجب ردّه على صاحبه إن عرف، وإلاّ تصدّق به.(3)
5. وقد رخّص التصدّق في ميراث المفقود والمال المجهول المالك، فروى نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: كتبت إلى عبد صالح: لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنعُ بها، فقد ضقت بها ذرعاً، فكتب:«اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتّى يخرج».(4)
وما ورد من الحفظ في هذا الباب من الروايات محمول على صورة عدم اليأس من عرفان مالكه كما لا يخفى.
وهذه الأحاديث تدلّ على أنّ التصدّق أحد الطرق إلى وصول المال إلى صاحبه من غير فرق بين المتميّز والمختلط.
ثمّ في المسألة أقوال أُخرى، تعرضنا لها في كتابنا «الخمس» فمن أراد

1 . الوسائل:12، الباب16 من أبواب الصرف، الحديث1 وغيره.
2 . الوسائل:17، الباب17 من أبواب اللقطة، الحديث2.
3 . الوسائل:17، الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث1.
4 . الوسائل:17، الباب6 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه، الحديث2.

صفحه 217
المزيد فليرجع إليه.(1)

الفرع الثاني: إذا كان صاحب المال مجهولاً ومقدار المال معلوماً تالفاً

إذا كان صاحب المال مجهولاً، ومقدار المال معلوماً لكنّه تلف أو أتلف وصار في ذمّة الآخذ، قال السيد الطباطبائي: يلحقه حكم المظالم.(2)
وقال في العروة الوثقى: المسألة 31: إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله، فلا محلّ للخمس.
أقول: موضوع المسألة: إذا استولى على مال الغير ـ وأُريد هنا الربا ـ فأتلفه قبل الاختلاط فلا موضوع للخمس; لأنّ موضوعه هو المال المختلط، وأمّا الثابت ابتداء في الذمّة فذمّته مشغولة بنفس الحرام، فيجب عليه أداؤها حسب القواعد، ويختلف حكم هذه الصورة عمّا سبق بعد اشتراكهما في كون مقدار المال معلوماً، فلو كان المال موجوداً يتصدّق عن صاحبه من دون حاجة إلى إذن الحاكم، وأمّا إذا كان تالفاً فلأنّ تعيّن ما في الذمّة بما يتصدّق بحاجة إلى ولاية، ولا ولاية للآخذ فلا يتم الأمر إلاّ بإذن الحاكم، ولذلك تغيّر التعبير في الفرعين، ففي الأوّل قلنا يكون حكمه حكم مجهول المالك لوجود العين، وأمّا المقام فيكون مقام حكم المظالم التي يُراد بها ما ليس موجوداً إلاّ في الذمّة.

الفرع الثالث: إذا كان الربا المأخوذ مجهول المقدار

وله صور:
أ. إذا كان الربا المأخوذ مجهول المقدار وتالفاً ولكن عُرف المالك،

1 . لاحظ: الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء:200ـ205.
2 . ملحقات العروة الوثقى: 13. أراد من قوله «يلحقه حكم المظالم» الحاجة إلى اذن الحاكم لتعيين ما في الذمّة.

صفحه 218
فالأقوى كفاية القدر المتيقّن لجريان البراءة في الزائد، ولكن الأحوط المصالحة مع المالك إذا عُرف، ومع الحاكم إذا كان مجهولاً، وقد عرفت وجه لزوم المصالحة مع الحاكم إذا كان المال تالفاً; لأنّ تعيّن ما في الذمّة فيما أُخرج يحتاج إلى ولاية، وبما أنّه ليس له الولاية، يتعيّن إذن الحاكم.
إذا كان المرابي عالماً بالحكم    
ب. تلك الصورة، أي إذا كان مجهول المقدار ولكنّه اختلط بماله، فإن عرف المالك يتصالح معه، وإن لم يعرف بأن جهل القدر والمالك يجب تخميسه كما هو الحكم في غيره من المال المختلط بالحرام، ويدلّ عليه روايات متضافرة:
1. صحيحة عمّار بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«فيما يخرج من المعادن، والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه، والكنوز، الخمس».(1)
2. ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«أتى رجل أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال:إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً وقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه والحرام، وقد اختلط عليّ؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):تصدّق بخمس مالك، فإنّ الله قد رضي من الأشياء بالخمس وسائر المال لك حلال».(2)
حكم حصول الزيادة في أحد الطرفين بلا معاوضة   
إلى غير ذلك من الروايات التي تناولت هذا الموضوع، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محالّها.
***

1 . الوسائل:6، الباب3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث6.
2 . الوسائل:6، الباب10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.

صفحه 219
الاستدراكات
      3

حكم حصول الزيادة في أحد الطرفين بلا معاوضة

الأقوى ما هو المشهور من جريان الربا في غير البيع من المعاوضات، كالصلح والهبة، وذلك لعموم ما دلّ على حرمته من العمومات وخصوص الأخبار الدالّة على اشتراط المثلية في المعاملة مع اتّحاد الجنس، كقوله(عليه السلام)في صحيحة الحلبي:«الفضة بالفضة مثلاً بمثل (والذهب بالذهب مثلاً بمثل)، ليس فيه زيادة ولا نقصان، الزائد والمستزيد في النار».(1)
وفي صحيح زرارة: «الدقيق بالحنطة، والسويق بالدقيق مثلاً بمثل لا بأس به».(2)
وفي خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله ـ بعد قول السائل:«أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ ـ :«لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل».(3) وقد تقدمت دراسته فيما سبق .(4)
إنّما الكلام فيما إذا حصلت الزيادة في أحد الطرفين من دون عنوان المعاوضة وهذا هو الذي عقدنا المسألة لبيانه، وإليك نماذج منها:

1 . الوسائل:12، الباب1 من أبواب الصرف، الحديث1. وما بين القوسين موجود في رواية الصدوق.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الربا، الحديث4.
3 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الربا، الحديث2.
4 . لاحظ 21 و...

صفحه 220

الأوّل: أخذ الأرش للمعيب في بيع المتجانسين

لو اشترى ربوياً بجنسه وظهر العيب، فهل له الردّ فقط، أو يختار بين الردّ والأرش؟
قال الشهيد في «الدروس»: لو اشترى ربوياً بجنسه، وظهر فيه عيب من الجنس، فله الرد لا الأرش حذراً من الربا.(1)
2. ويظهر من العلاّمة أنّ عدم جواز أخذ الأرش كان أمراً مسلّماً عنده، ولذلك فرض المسألة فيما إذا كان المبيع معيباً عند البائع وحدث عيب آخر عند المشتري، وقال:ولو كان المبيع حليّاً من أحد النقدين بمساويه جنساً وقدراً فوجد المشتري عيباً قديماً وتجدّد عنده آخر، لم يكن له الأرش، ولا الردّ مجاناً (تجدد العيب عنده)، ولا مع الأرش، ولا يجب الصبر على العيب مجاناً، فالطريق الفسخ وإلزام المشتري بقيمته من غير الجنس معيباً بالقديم، سليماً عن الجديد.(2)
3. قال المحقّق: ولا تظنن أنّ الربا يختصّ بالبيع، بل هو ثابت في كلّ معاوضة على ربويين، متّفقي الجنس.(2)
4. قال صاحب «الجواهر»: لو اشترى ربوياً بجنسه وظهر عيب فله الردّ، دون الأرش، حذراً من الربا.(4)
هذا ومع ذلك فقد نقل يحيى بن سعيد في جامعه عن بعض أصحابنا: لا ينفسخ البيع ويرجع بالأرش على البائع، مستدلاًّ بأنّ الأرش منفصل عن المبيع.(3)

1 . الدروس الشرعية:3/288.   2 . قواعد الأحكام:2/79.
2 . شرائع الإسلام:3/240، كتاب الغصب.   4 . جواهر الكلام:23/244.
3 . الجامع للشرائع:290، طبعة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).

صفحه 221
وقال العلاّمة: لو كان في المبيع من أحد النقدين كآنية من ذهب أو فضة، اشتراها بمثل وزنها وجنسها، ثم اطّلع على عيب قديم، كان له الردّ دون الأرش لاشتماله على الربا، فإنّه لو أخذ الثمن لنقص الثمن عن وزن الآنية، فيصير الثمن المساوي لوزنها يقابله ما دونها، وذلك عين الربا. ثمّ إنّ للشافعية ثلاثة أوجه، وقال: والثالث: أن يرجع المشتري بأرش العيب القديم، كما في غير هذه الصورة، والمماثلة في مال الربا إنّما تشترط في ابتداء العقد وقد حصلت، والأرش حقّ ثبت بعد ذلك لا يقدح في العقد السابق.(1)
ثمّ إنّ صاحب الجواهر منع ذلك وأضاف: ودعوى أنّ الأرش لفوات مقابله من المبيع، واضحة المنع، ضرورة اقتضائها انفساخ العقد بالنسبة إلى ذلك... إلى آخر ما ذكره.(2)
إلى هنا تبيّن دليل القولين، والقول الثاني ـ أي جواز أخذ الأرش ـ هو الأقوى، والظاهر أنّ المتبادر من الروايات هو التساوي في مقام البيع.
روى الشيخ في «التهذيب» عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ أنّه قال:«يا عمر قد أحلّ الله البيع وحرّم الربا، بع واربح ولا تربه»، قلت: وما الربا؟ قال:«الدرهم بدراهم مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل».(2)
فإنّ قوله:«الدرهم بدراهم مثلين بمثل» يُعرب عن لزوم الوحدة حين المعاوضة.

1 . تذكرة الفقهاء:11/132.   2 . جواهر الكلام: 23/245.
2 . الوسائل:12، الباب 6 من أبواب الربا، الحديث2.

صفحه 222
إلى غير ذلك من الروايات التي تؤكّد على القول:«مثلاً بمثل» في الحديث النبوي وغيره. وعلى ذلك فما يأخذه من الأرش لا يُعد جُزءاً من المبيع حتى يوصف بالزيادة بالنسبة إلى مقابله، بل المعاملة وقعت بين الصحيح والمعيب تماماً، والأرش يُعد غرامة على تقصير البائع حيث دفع المعيب مقابل الصحيح.(1)

الثاني: جريان الربا في الغرامات

هذه المسألة قريبة من المسألة السابقة، غير أنّ الأرش هناك في مقابل فقدان وصف الصحّة، وأمّا المقام فالغرامة تقع في مقابل الإتلاف، مثلاً إذا أتلف منّاً من الحنطة الجيّدة ودفع إلى المالك منّاً ونصفاً من الحنطة الرديئة، فهل يجوز ذلك أو لا؟
يُعلم حكم المسألة ممّا سبق، إنّ ترميم ما أتلف بدفع من ونصف، ليس بعنوان المعاوضة، بل بعنوان الغرامة، فلا بأس بزيادة أحدهما على الآخر.(2)
وحصيلة الكلام: أنّ الحرمة منحصرة بالمعاوضة، والخروج عن عهدة ما أتلف عرفاً لا يُعدّ معاوضة والأخبار منصرفة عن هذا.

الثالث: دفع الزيادة لدى القسمة

لو اختلطت الحنطة الجيّدة بالرديئة، اختلاطاً أوجب الشركة، ولم يمكن إفراز الجيّدة عن غيرها إلاّ بحرج كبير، وكان مقتضى الشركة هو المناصفة لمساواة سهم كلّ مع الآخرين في الوزن، فلو أراد الاقتسام

1 . سيأتي الكلام في هذا الفرع في الاستدراك العاشر على وجه التفصيل فلاحظ 250.
2 . لاحظ : ملحقات العروة الوثقى: 11.

صفحه 223
بمقتضى الشركة يتضرّر صاحب الحنطة الجيّدة، بخلاف الآخر، فهل يجوز الاقتسام بالثلث والثلثين؟
والمسألة مبنية على ما تقدّم من الفروع، فإنّ الربا مختصّ بمطلق المعاوضة حين المعاوضة من غير فرق بين البيع والصلح والهبة المعوّضة، وأمّا المقام فليس من جنس المعاوضة وإنّما هو نوع من أنواع العلاج للحادثة التي لا يتمكّن أحد المالكين أن يفرز ملكه عن غيره، فلا محيص من رعاية حقّ صاحب الحنطة الجيّدة.
وإن شئت قلت: إنّ التقسيم بعنوان التمييز، لا بعنوان المعاوضة.

الرابع: في الإقالة بزيادة

لو وقعت المعاوضة بين المثلين من جنس واحد وأراد أحد الشريكين الإقالة وأخذ ماله، فلا يقبل الآخر إلاّ بعد أخذ الزيادة، لأنّ أخذها ليس معاوضة، بل المقام فسخ للمعاوضة بشرط أخذ الزيادة، بل يمكن أن يقال: إنّه يجوز أخذ الزيادة إذا شرطها في متن العقد إذا أقال أحد الطرفين، فإنّ الشرط لا يوجب زيادة أحد المثلين على الآخر عند العقد، بل الزيادة شرط بقبول انحلال العقد.
فقد خرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الزيادة لدى المعاوضة في صورة البيع أو غيره من الصلح والهبة وغيرهما ممنوعة، وأمّا تحصيل الزيادة أو حصولها بعد تمامية العقد بعنوان طارئ فالروايات عنها منصرفة.(1)
***

1 . وقد مرّ الكلام في الموضوع عند دراسة الربا المعاوضي فلاحظ ص 22.

صفحه 224
الاستدراكات
4

اختلاف فتوى العلماء في المأخوذ رباً و عدمه

إذا قلّد مَن لا يرى ما أخذه رباً، ثمّ مات وقلّد من يراه رباً، فهل يجب الاجتناب عنه، أو لا؟ فيمكن القول بعدم الاجتناب لوجهين:
1. لو فرضنا أنّه رباً في الواقع، لكن الآخذ بما أنّه كان جاهلاً بالحكم الواقعي يُعدّ معذوراً داخلاً في الأخبار المتقدّمة، وتقليده ثانياً ممّن يراه ربا لا يخرجه عن الجهل بالحكم الواقعي، وكون الروايات منصرفة إلى الجاهل المطلق أي غير المقلّد، محل منع.
2. إنّ مصب الإجزاء ـ كما حقّقناه في محلّه ـ هو إذا صدر عمل من المكلّف وقد أمضاه الشارع (حسب فتوى المرجع الأوّل)، فمقتضى إمضاء تقليده، ثبوت أثره حدوثاً وبقاء، مطلقاً، أو التفصيل بين الحدوث (مادام المجتهد حيّاً) والبقاء (بعد موت المجتهد الأوّل وتقليد الثاني) نقض لسببية ذلك السبب، على إطلاقها.
اختلاف فتوى العلماء في الماخوذ ربا وعدمه   
وتوضيح الموضوع بمثال: لو فرضنا أنّ المرجع الأوّل كان يقول بصحّة الذَبح بغير الحديد، فذبح المقلِّد ثم قلّد بعد موته مجتهداً آخر يقول بلزوم الحديد في الذبح، فبما أنّ الشارع أمضى نفس العمل أي الذبح، فيترتب أثره من غير تقيّد بزمان دون زمان، فيجوز أكل الذبيحة وبيعها حتى

صفحه 225
بعد موت المرجع الأوّل.
ومثل هذا المثال، المقام، فلو قلّد أحداً يفتي بعدم الربا في بيع المعدود كالريال بالريال، ثم مات وقلّد مجتهداً آخر يقول بكونه رباً فيه، فبما أنّ الشارع أمضى عملية هذا المقلِّد فهو يلازم إمضاء أثره وهو الحليّة، فلا يجوز نقضها حتى لو كانت الزيادة موجودة.
وحصيلة الكلام أنّ كلّ عمل أمضاه الشارع في فترة من الفترات وكان له أثر فيحكم به، ويترتّب أثره سابقاً ولاحقاً، كما مثلنا، وفي المقام لمّا كانت صحّة التقليد الأوّل ممضاة من جانب الشارع فلازمها ترتب الأثر على كلّ فعل صدر منه.
وما ذكرناه هو الظاهر من السيد الطباطبائي، قال: لأنّ فتوى مقلّده كان حكماً شرعياً في حقّه ولا ينقض بتقليد مَن يقول بالحرمة كما هو الحكم في سائر الموارد، لكن بشرط أن يكون الدافع أيضاً ممّن يقلّد ذلك المجتهد، وإلاّ كانت المعاملة باطلة لأجل بطلانها من طرفه.(1)
***

1 . ملحقات العروة الوثقى: 18، المسألة12.

صفحه 226
الاستدراكات
5

إذا ورث مالاً وشكّ في وجود الربا فيه

إذا ورث مالاً وشكّ في عمل المورّث من حيث الربا، فله صور:
1. إذا ورث مالاً وشكّ في أنّ مورّثه كان يُربي أوْ لا، يبني على عدمه، وأنّه ليس عليه شيءٌ، لوجوب حمل فعل المسلم على الصحّة، ولو شكّ الوارث في توجّه تكليف عليه بالنسبة إلى التركة، فالمورد من قبيل الشكّ في التكليف فيكون مجرى للبراءة، وبما ذكرنا يظهر حكم بعض الصور الآتية.
2. إذا علم أنّه كان يربي، إلاّ أنّه لا يدري أنّه كان على الوجه المحرّم أو المحلّل بإعمال الحيل الشرعية التي قد عرفت صحّة بعضها. فيبني على الصحّة ولا شيء عليه بنفس الدليل.
3. إذا علم أنّه كان يربي ولكن يحتمل كونه جاهلاً بحرمته، وقد مرّ أنّ المأخوذ حال الجهل حلال.
4. إذا علم أنّه كان يأخذ على الوجه المحرّم لكن لم يعلم كون الربا في ماله، لاحتمال أنّه كان مشغول الذمّة للدافع، فأسقط دينه بالتهاتر.
إذا شكّ في وجود الربا في الميراث    
5. إذا علم بأنّه يأخذه على الوجه المحرّم، ولم يعلم بقاءه في تركته، إذ يحتمل أنّه صرفه بعد الأخذ في حوائجه ولم يتركه إرثاً.
فإن قلت: لماذا لا نستصحب بقاءه في حوزة ملكه؟

صفحه 227
قلت: الأصل مثبت، لأنّ استصحاب بقائه في حوزة ملكه لا يثبت وجوده في تركته، لأنّ وجوده فيها من لوازم ذلك الأصل، إذ كون شيء باقياً في حوزة ملكه، يلازم كونه في تركته، لانحصار ملكه فيها.
وهذه الصور الخمس لا يجب فيها شيء على الوارث، لما عرفت من الدليل.
6. إذا علم بوجوده في تركته معيّناً أو غير معيّن، ولكن يحتمل أنّه بعد ذلك أصلح ماله، بأن أرضى المقترض أو نحو ذلك، فعندئذ يجب إخراجه من التركة، فإذا كان معيّناً فيخرج، وإن كان مختلطاً يجري عليه حكم الاختلاط.
فإن قلت: لماذا لا تجري هنا قاعدة الصحّة في عمل الغير؟
قلت: إنّ مجرى القاعدة ما إذا كانت الحالة السابقة غير معلومة، دون المقام فإنّ الوارث يعلم بأنّ المورّث أخذ الربا المحرّم وهو موجود في تركته. وإنّما يحتمل اكتساب رضا المقترض.
7. يعلم أنّه كان في تركته معيّناً أو غير معيّن ولكن علم بعدم بقائه في تركته، ثمّ شكّ باشتغال ذمّته بعوضه وعدمه، لاحتمال أنّه أصلح ماله قبل تلفه، فقد استظهر السيد الطباطبائي في هذه الصورة الحكم بالاشتغال، لأصالة عدم الإصلاح وبقائه في عهدته، فيكون كما لو عُلم.
8. وإن عَلم باشتغال ذمته في عوضه، وشكّ في بقاء اشتغال الذمّة ووجوب تفريغها من تركته، وعدم البقاء، فقد فرّق السيد الطباطبائي بين هذه الصورة وماتقدّم عليها حيث قال بجريان أصالة بقائه في عهدته في

صفحه 228
الصورة السابعة دون الثامنة، فقال: محتملاً، فيمكن أن يقال بوجوب ذلك لاستصحاب بقاء الاشتغال ثم قال: ويمكن أن يقال بعدمه.(1)
ثمّ إنّه يقع الكلام فيما هو الفرق بين الصورة السابعة والثامنة، حيث يجري بقاء الاشتغال في الصورة السابعة دون المقام؟
وحاصل ما أفاده السيد: أنّ المناط في وجوب الإخراج على الوارث، كونه ديناً على المورّث متعلّقاً بتركته، وهذا موجود في سابع الوجوه للعلم بوجود الربا في تركته في فترة وإن لم يعلم ببقائه الآن، بخلاف ثامن الوجوه إذ العلم تعلّق باشتغال ذمّة المورّث بما أخذه من باب الربا، من دون أن يكون متعلّقاً بتركته لاحتمال أنّه أتلفه قبل التعلّق. (بتركته في حال حياته).
فإن قلت: إنّ الوارث يعلم أنّ ذمّة المورّث كانت مشغولة بردّ ما أخذه إلى الدافع، والآن شكّ في بقاء الاشتغال لاحتمال خروجه عن عهدته، فيستصحب الوارث اشتغال ذمّة المورّث فيترتّب عليه إخراجه من التركة.
قلت: إنّ علمَ إنسان سواء أكان وارثاً أو غير وارث باشتغال ذمّة شخص آخر بمال، وشكَّ في بقائه على قسمين:
تارة يكون اشتغال ذمّة الآخر موضوعاً لتكليف ذلك الإنسان، وأُخرى لا يكون كذلك.
أمّا الأوّل: فكما إذا نذر رجل إعطاء درهم للفقير إذا كان زيد مديوناً، فكان زيد مديوناً ولكن شُكّ في بقائه حال النذر، ففي مثله يكفي استصحاب بقاء دينه في وجوب إعطاء الدرهم.

1 . ملحقات العروة الوثقى: 18.

صفحه 229
وأمّا الثاني: أي ما لا يكون وجود الدين في ذمّة الغير موضوعاً لحكم الإنسان، فهو كما في المقام، فإنّ بقاء اشتغال ذمة المورّث وعدمه، ليس له أي صلة بالوارث حتى يستصحب بقاء اشتغال ذمّة الغير. فلو قلنا بالاستصحاب فإنّما هو متوجّه للمورّث، فلو شكّ في بقاء الاشتغال يستصحب دون الوارث الأجنبي.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي استظهر مختاره ببعض الأمثلة:
الأوّل: إذا وكّل شخص زيداً في أداء ديونه من المال الذي بيده، وكان الوكيل عالماً بكون الموكّل مديوناً سابقاً لزيد، وشُكّ في بقائه، فإنّه لا يجوز له استصحاب بقاء دين الموكل، ثمّ أداؤه من ماله لعدم علمه به، وعدم ثبوته باستصحابه; لأنّ المناط شكّ الموكّل لا شكّ الوكيل، فإنّ شكّ شخص لا يكفي في الاستصحاب لإثبات تكليف لشخص آخر.
الثاني: إذا شكّ الولد الأكبر في أنّ الوالد هل أتى بما عليه من الصلاة أو الصوم أو لا، فلا يصحّ له استصحاب بقاء الأمرين ذمّته.
الثالث: إذا شكّ الوارث في أنّ المورّث أدّى ما وجب عليه من الخمس أو الزكاة أو المظالم التي كانت عليه أو لا. فلا يصحّ استصحاب بقاء تلك الفرائض في ذمّته.
ثمّ استثنى صورة واحدة، وقال: نعم في الدعاوي إذا شهدت البيّنة يكون زيد مديوناً لعمرو سابقاً، يجوز للحاكم أن يجري الاستصحاب ويحكم على زيد بوجوب الأداء، بخلاف ما إذا لم يكن هناك مدّع.(1)

1 . ملحقات العروة الوثقى: 20، المسألة 13.

صفحه 230
أقول: هذا توضيح ما ذكره فقيه عصره السيد الطباطبائي(قدس سره)، وقد أوضحنا مراده، ولكن يلاحظ عليه بوجهين:
1. ما ادّعاه ـ أنّ المناط في الوجوب كونه ديناً على المورث، متعلّقاً بتركته ـ لم يثبت بعد; وذلك لأنّ الموضوع للوارث هو تملّك التركة أو تقسيمها بعد انجاز أمرين:
الأوّل: إخراج ما وصّى به المورّث من الثلث.
الثاني: إخراج دينه، قال سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)، فالذي يتملّكه الوارث هو ما يتبقّى بعد إخراج ما وصّى به والدين، ويترتّب على ذلك أنّه ليس للوارث أن يتملّك المتبقّى من التركة إلاّ بعد إخراجهما.
فإذا شكّ الوارث في أنّ المورّث هل خرج عن عهدة ما في ذمّته أو لا؟ فهذا يورث الشكّ في أنّه هل أخرج الدين من أمواله بعد العلم بكون المورّث مديناً، ومع هذا الشكّ كيف يصحّ له التملّك.
وبعبارة أُخرى: يجب على الوارث العلم بأنّ المتبقّى غير متعلّق بحقّ الغير، ولو علم سابقاً باشتغال ذمته، وشكّ لاحقاً في أنّ المورّث هل خرج عن عهدة ما في ذمّته، كيف يحصل اليقين بأنّ المتبقّى غير متعلّق بحقّ الغير.
2. أنّ جعل الوارث شخصاً أجنبياً بالنسبة إلى تكليف المورِّث، غير تام، لأنّه مسؤول عن تخليص تركته من الأمرين، فإذا أيقن بأنّه كان مديناً وخرج عن عهدة التكليف، فكيف يذعن بأنّ التركة ليست متعلّقة لمال الغير وأنّه خلّص ذمّته عن الدين.
بقي الكلام في الأمثلة التي استشهد بها على أنّ شكّ إنسان في اشتغال

صفحه 231
ذمّة الغير لا يكفي في إجراء الاستصحاب، فإليك إيضاح حكم هذه الأمثلة:
أمّا الأوّل: فلأنّ ظاهر صيغة الوكالة أنّه يؤدّي كلّ دين محرز عند الموكل كونه في ذمّته، فهذا القيد غير محرز في مورد الوكيل، إذ لا يعلم كونه محرزاً عند الموكل. واستصحاب الوكيل لا يثبت الموضوع.
وأمّا المثال الثاني: فلأنّ مرجع الشكّ في الوالد هل أتى بما عليه من الصلاة أو الصوم، إلى اشتغال ذمّة الولد الأكبر بالقضا فهو موضوع عنده للبراءة. ولأجل ذلك يقتصر الولد بما علم فوته من الأب .
وبعبارة أُخرى: أنّ استصحاب بقاء اشتغال ذمّة الوالد بالنسبة للفريضتين لا يوجب قضاؤهما على الولد إلاّ بالقول بالأصل المثبت.
فإن قلت: أي فرق بين هذا المثال والمورد، فالاستصحاب لو كان مثبتاً فهو في كلا المقامين على وزان واحد؟
قلت: إنّ الدليل على وجوب الإخراج شيء آخر غير الاستصحاب، وهو أنّه يجب على الوارث إحراز كون التركة غير متعلّقة بحقّ الغير، وهذا العنوان غير محرز مع الشكّ في قيام المورّث بواجبه أو لا، وبذلك يفترق المقام عن المثال المذكور، إذ ليس في المورد أي مشكلة في وجوب تخليص التركة عن الدين، فالمرجع هو الاشتغال دون أصل البراءة.
وأمّا المثال الثالث ـ أعني: الشكّ في بقاء وجوب ما وجب عليه ـ من الخمس أو الزكاة أو المظالم ـ : فيمكن الإجابة عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ هذه الفرائض تتعلّق بالذمم لا بالمال، ولذلك لا يُعدّ ذوو الحقوق شركاء مع أصحاب الأموال، بل المال في يد أصحابه ملك لهم غير

صفحه 232
أنّه يجب عليهم إخراج الفرائض من نفس الأموال وإيصالها إلى مستحقّيها. وعندئذ يكون تعلّق حقّ الغير بالتركة، مجرى للبراءة. واستصحاب بقاء اشتغال ذمّة المورّث لا يثبت تعلّقه بالتركة حتى يجب تحصيل العلم بتخليصه من هذه الحقوق المشكوكة.
الثاني: لو قلنا بتعلّقها بالأعيان الزكوية مثلاً، فيجب على هذا القول وجوب التخلص من هذه الحقوق التي شكّ بانجازها حال حياة المورّث، وأنّه لا فرق بين هذا المورد وما نحن فيه، والله العالم.
***
حكم الربا عند الإضطرار   

صفحه 233
الاستدراكات
6

حكم الربا عند الإضطرار

ربّما يضطر المكلّف إلى المعاوضة الربوية، أو الربا القرضي، فهل الإضطرار يؤثّر في جواز الأخذ والدفع أو لا؟
أقول: المسألة معنونة في كلام الأصحاب:
1. قال الشهيد: تحريم الربا يعمّ الآخذ والمعطي، لمعاونته على الحرام، ولقول الصادق(عليه السلام): «الزائد والمستزيد في النار» ولو اضطر الدافع ولا مندوحة، فالأقرب ارتفاع التحريم في حقّه.(1)
ولعلّ تخصيص الجواز بالدافع لغلبة الإضطرار في جانب المقترض دون المقرض; لأنّ المفروض أنّه ثري ذو مال. نعم لو فرض الإضطرار في جانبه أيضاً يكون حكمه حكم الدافع لدى الشهيد.
2. وقال في «الجواهر» بعد نقل كلام الدروس: وهو جيّد في بعض أفراد الضرورة.(2)
3. وقال السيد الطباطبائي: إذا اضطر الدافع أو القابض إلى الربا لا يسوغ له ذلك لإمكان تركه ودفع الضرورة بوجه آخر من أحد طرق الفرار منه أو بغيره، وعلى فرض التوقّف عليه أيضاً لا يجوز; لأنّ المعاملة فاسدة فلا

1 . الدروس الشرعية:2/305.
2 . جواهر الكلام:23/333.

صفحه 234
يجوز التصرّف، إذ الحكم الوضعي لا يرتفع بالاضطرار، مع أنّه يكفي في الفساد كون الطرف الآخر مختاراً. نعم لو كان على وجه الشرط وقلنا: إنّ الشرط الفاسد لا يُفسد، جاز.(1)
4. وقال الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء: إنّما ترفع الحرمة التكليفية بالضرورة، أي العقوبة فقط لا سائر الآثار، فلو كان بعض البيوع باطلاً وحراماً كالربا فالضرورة لا تجعله عقداً صحيحاً كسائر البيوع، وإن حلّ لمن اضطر إليه، فلو ارتفعت الضرورة وجب ردّ كلّ مال إلى صاحبه مع الإمكان .(2)
5. وقال السيد الخوانساري: قد يقال بارتفاعها من جهة الاضطرار من غير فرق بين القابض والدافع، ويمكن أن يقال: بعد ما كان التشديد راجعاً إلى عنوان الربا، فالاضطرار إلى أكل مال الغير بغير رضاه، ليس اضطراراً إلى عنوان الربا والعنوان قصديّ، فيمكن للقابض أو الدافع القبض أو الدفع لا بعنوان الربا، فالاضطرار يوجب ارتفاع حرمة أكل مال الغير، أو دفع المال إلى الغير لا حرمة الربا.(3)
هذه كلمات فقهائنا، وأقول: يقع الكلام في مقامين:
1. حليّة الربا للقابض(أعني المرابي).      2. حليّة الربا للدافع.
أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض أنّه ذو مال، فمادام عنده مال يدفع به حاجته، كيف تصل النوبة إلى الاضطرار. فتصوّر الاضطرار في حقّه بعيد، ولو فرضنا

1 . ملحقات العروة الوثقى:2/3، المسألة 2.
2 . تحرير المجلة:1، القسم1، ص 28.
3 . جامع المدارك:3/236.

صفحه 235
وجود الإضطرار في حقّه فالإضطرار يسبب رفع الحرمة التكليفية، وأمّا الوضعية فهي غير مرتفعة، فيجوز له التصرّف فيما أخذ ضرورة، ولكن إذا ارتفعت الضرورة يجب دفع مال الغير إلى صاحبه.
وليس هذا ببعيد فإنّ أكل مال الغير عند المجاعة جائز للمضطر، ولكنّه ضامن لمثله أو لقيمته عند التمكّن.
وحصيلة الكلام: أنّ الضرورات تبيح المحظورات ولكن تقدّر بقدرها. ولذلك يقتصر برفع الحرمة التكليفية لا الوضعية.
وهناك نكتة أشار إليها السيد الخوانساري، وهي وجود الفرق بين أكل الميتة وبين أكل مال الغير بعنوان الربا، فالأوّل عمل تكويني خال عن القصد والنيّة، بخلاف المقام، فإنّ المضطر إليه هو التصرّف في مال الغير، وأمّا التصرّف بعنوان الربا فهو غير مضطر إليه، فيمكن للقابض القبض لا بعنوان الربا.
هذا كلّه حول القابض.
وأمّا الثاني ـ أعني: الدافع ـ : فإنّما يجوز الدفع إذا كان الإضطرار إلى المعاوضة الربوية أو القرض الربوي، إلى حدٍّ تتعرّض حياته إلى الخطر والهلاك، نظير أكل الميتة، فإذا حلّت الميتة من أجل الضرورة يحلّ له الربا للغاية نفسها.
أضف إلى ذلك ما مرّ في القابض، إذ لا ضرورة للدافع أن يدفع بعنوان الربا، بل يكفي جعل ماله في معرض تصرّفه من دون أن يقصد كون الدفع ربوياً.

صفحه 236
ثمّ إنّه لو قلنا بجواز بعض الحيل الشرعية ربّما يرتفع الاضطرار بها دون أن يرتكب الربا، كما أشار إليه السيد الطباطبائي، غير أنّ وجود بعض الحيل في عامّة الموارد أمر مشكل.
***
حرمة كتابة الربا والشهادة عليه   

صفحه 237
الاستدراكات
7

حرمة كتابة الربا والشهادة عليه

قال السيد الطباطبائي: كما يحرم أخذ الربا يحرم دفعه، بل يحرم كتابته والشهادة عليه; فعن عليّ(عليه السلام):«لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الربا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه». وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه نهى عن أكل الربا وشهادة الزور وكتابة الربا، وقال: إنّ الله لعن آكل الربا ومؤاكله وكاتبه وشاهديه.(1)
ويدلّ عليه من الروايات ما يلي:
1. صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهداه فيه سواء».(2)
2. خبر محمد بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي(عليه السلام)قال:«لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الربا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه».(3)
3. ما رواه الصدوق بسنده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه(عليهم السلام) ـ في مناهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ:«أنّه نهى عن أكل الربا وشهادة الزور وكتابة الربا، وقال: إنّ الله لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه».(4)
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على أنّ الأمر في الربا شديد.

1 . ملحقات العروة الوثقى: 4، المسألة 1.
2 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب الربا، الحديث1.
3 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب الربا، الحديث2.
4 . الوسائل:12، الباب4 من أبواب الربا، الحديث3.

صفحه 238
الاستدراكات
8
لا فرق بين العلم التفصيلي والاجمالي عند العلم بالربا   

العلم الإجمالي بوجود الربا في معاملات يوم أو شهر

عنون الشيخ الأنصاري في (تنبيهات الشكّ في المكلّف به) ما إذا تعلّق العلم الإجمالي بوجود الحرام بين المشتبهات التي سيواجهها الشخص تدريجاً، وقال: لو كان المشتبهات ممّا يوجد تدريجاً، كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بأن تنسى وقتها، وإن حفظت عددها، فتعلم إجمالاً أنّها حائض في الشهر ثلاثة أيام مثلاً، فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر، ويجب على الزوجة أيضاً الإمساك عن دخول المسجد وقراءة العزيمة تمام الشهر أو لا؟
ثمّ إنّه ممّا مثل به للمسألة ما يلي: إذا علم التاجر إجمالاً بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربوية، فهل يجب عليه الإمساك عمّا لا يعرف حكمه من المعاملات في يومه أو شهره أو لا؟
فقال: التحقيق أن يقال: إنّه لا فرق بين الموجودات فعلاً والموجودات تدريجاً في وجوب الاجتناب عن الحرام المردّد بينها إذا كان الابتلاء دفعة، وعدمه، لاتّحاد المناط في وجوب الاجتناب.(1)
وما ذكره هو الحقّ القراح، إذ لا فرق عند العقل بين الدفعيات من المشتبهات أو التدريجيات، لتنجز التكليف بالعلم بالحكم، وتردّد المتعلّق

1 . فرائد الأُصول:2/225.

صفحه 239
بين الحال والمستقبل لا يضرّ بعد اجتماع شرائط تنجز التكليف.(1)
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استشكل على وجوب الاجتناب في التدريجيات بقوله: نعم، قد يمنع الابتلاء دفعةً في التدريجيّات، كما في مثال الحيض، فإنّ تنجّز تكليف الزوج بترك وطء الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فإنّ قول الشارع:(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)(2)، ظاهرٌ في وجوب الكفّ عند الابتلاء بالحائض، إذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يُطلب، فهذا الخطاب كما أنّه مختصّ بذوي الأزواج ولا يشمل العزاب إلاّ على وجه التعليق، فكذلك من لم يبتلِ بالمرأة الحائض.(3)
يلاحظ عليه: أنّ الخطاب بالاعتزال عن المحيض في هذا الشهر إمّا واجب معلّق أو واجب مشروط، فلو كان من قبيل الأوّل فالوجوب فعلي والواجب استقبالي، وكفى في تنجّز التكليف فعليّة الحكم. وإن كان من قبيل الثاني فهو أيضاً مثل المعلّق، فالوجوب وإن لم يكن فعليّاً والمكلّف إذا علم بتحقّق الشرط في هذا الشهر فالعقل يلزم الإنسان بالتبرّي مطلقاً في عامّة الشهر.
ولعلّه لأجل ما ذكرنا من الإشكال عدل عن كلامه وقال: ويشكل الفرق بين هذا وبين ما إذا نذر أو حلف على ترك الوطء في ليلة خاصّة، ثمّ اشتبهت بين ليلتين أو أزيد.
ولكنّ الأظهر هنا وجوب الاحتياط، وكذا في المثال الثاني من المثالين المتقدّمين.

1 . لاحظ: المحصول في علم الأُصول(تقرير بحوثنا الأُصولية):3/481.
2 . البقرة: 222.   3 . فرائد الأُصول: 2/225.

صفحه 240

التفكيك بين أصالة الإباحة وصحّة العقد

ثمّ إنّ الشيخ(قدس سره) قال: لو قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة التدريجية، فيحكم في كلّ معاملة يُشك في كونها ربوية بعدم استحقاق العقاب على إيقاع عقدها وعدم ترتّب الأثر عليها، لأنّ فساد الربا ليس دائراً مدار الحكم التكليفي، ولذا يفسد في حقّ القاصر بالجهل والنسيان والصغر على وجه.(1)
أقول: حاصل كلامه أنّ عمل التاجر في مورد الشكّ مباح ولكن العقد فاسد، أمّا أنّه مباح فلأنّ الشكّ في كلّ معاملة، شكٌّ في أصل التكليف، وأمّا كون المعاملة فاسدة فبحكم الاستصحاب وبقاء كلّ مال في ملك صاحبه. وما ذكره جميل لولا أنّ المبنى غير تام، لما عرفت من وجوب الاحتياط، ومعه لا موضوع لأصالة الإباحة ولا لاستصحاب الفساد.
وبعبارة أُخرى: إذا قلنا بلزوم الاحتياط في التدريجيات يسقط كلا الأصلين، أصالة البراءة المقتضية للإباحة، واستصحاب بقاء كلّ من العوضين في ملك صاحبه، المقتضي للفساد.
فإن قلت: لماذا لا يكون المرجع أصالة العموم في قوله:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)المقتضي للصحّة؟
عجز المسلف عن التسليم ودفع الثمن مكانه   
قلت: لا مجال لجريان الأصل اللفظي لفرض العلم بفساد بعضها، ومعه يسقط العام عن الحجيّة.
***

1 . فرائد الأُصول:2/249.

صفحه 241
الاستدراكات
9

عجز المُسلِف عن تسليم المُسلَف فيه ودفع الثمن مكانه

أو

عجز المشتري عن تسليم الثمن في وقته ودفع الجنس مكانه

وفي المقام مسألتان:
الأُولى: إذا باع متاعاً بثمن مؤجّلاً، هل يجوز اشتراء المتاع مجدّداً من المشتري بثمن أقلّ نقداً، من غير نظر إلى أنّ المتاع من الأجناس الربوية وعدمها، بل الكلام مركّز على بيع جنس من الأجناس لرجل بقيمة كاثني عشر درهماً، ثم يعود البائع يشتري ذلك المتاع من المشتري نقداً بأقل كعشرة دراهم، وهذا هو الذي مرّ الكلام فيه في فصل الوجوه المخلّصة من الربا،(1) وقلنا بأنّه يجوز البيع الثاني بأقلّ نقداً إذا لم يكن شرطاً في البيع الأوّل. وقد استفاضت الروايات على هذا التفصيل وجمعها الشيخ الحرّ العاملي في الجزء 13 من الوسائل، الباب5 و6 من أحكام العقود، ونقتصر هنا على ذكر بعض ما جاء في الباب الخامس:
1. روى الكليني بسنده عن بشّار بن يسار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال: «نعم، لا بأس به» فقلت له: اشتري متاعي؟! فقال:«ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك».(2)

1 . لاحظ ص 159 .   2 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.

صفحه 242
2. روى الكليني عن الحسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة فأشتري له المتاع مرابحة ثمّ أبيعه إياه، ثمّ اشتريه منه مكاني؟ قال: «إذا كان بالخيار إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار، إن شئت اشتريت، وإن شئت لم تشتر، فلا بأس»، فقلت: إنّ أهل المسجد يزعمون أنّ هذا فاسد، ويقولون: إن جاء بعد أشهر صلح، قال: «إنّما هذا تقديم وتأخير فلا بأس».(1)
3. ما رواه عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم، ثمّ اشتراه بخمسة دراهم أيحلّ؟ قال:«إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس».(2)
المسألة الثانية: إذا أسلم طعاماً بدراهم ولم يستطع تسليمه للمشتري في وقته، فهل له أن يأخذ مكان الطعام دراهم أزيد ممّا دفع له؟ أو إذا باع جنساً ربوياً بثمن مؤجّل فلم يجد المشتري ما يُسدد به دينه، فيقول للبائع: خذ منّي ما عندي من الحنطة بدل الدراهم، وربّما تكون سعر الحنطة الثانية بالدراهم أقلّ أو أكثر من الحنطة الأُولى؟
عجز المسلف عن التسليم ودفع الثمن مكانه   
أقول: هذه المسألة الثانية غير ما سبق، وإن كانتا مشتركتين في لزوم الربا، لكن جهة الخوف في الأوّل من أجل أنّه في الواقع رباً قرضي جاء بصورة المعاوضة، ولذلك اشترط خلو العقد الأوّل من الشرط، أي بيعه مجدّداً للبائع.

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.
2 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث6.

صفحه 243
وأمّا الخوف في المسألة الثانية فمن باب أنّ عوض العوض بمنزلة العوض، فإذا أسلم طعاماً بدراهم ولم يستطع تسليم الطعام لا يجوز للمسلف إليه أن يأخذ بدل الطعام دراهم أزيد ممّا دفعه إليه حين الإسلاف. (الفرع الأوّل).
وكذلك إذا باع طعاماً بدراهم وعجز المشتري عن دفع الثمن في وقته لا يجوز للبائع أن يأخذ عوض الدراهم طعاماً أكثر من الطعام الذي باعه منه. (الفرع الثاني).
ثمّ إنّ أوّل من عنون المسألة هو الشيخ الطوسي، قال في «النهاية»: ومتى باع الشيء بأجل، ثمّ حضر الأجل، ولم يكن مع المشتري ما يعطيه إيّاه، جاز له أن يأخذ منه ما كان باعه إيّاه من غير نقصان من ثمنه، فإن أخذه بنقصان ممّا باع(1)، لم يكن ذلك صحيحاً، ولزمه ثمنه الذي كان أعطاه به.(2)
والعبارة تشير إلى الفرع الثاني للمسألة الثانية.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ذكر ملاك ما في «النهاية» قال: فمدار فتوى الشيخ(قدس سره) على ما عرفت من ظهور بعض الأخبار ـ بل صراحتها ـ فيه من أنّ عوض العوض في حكم العوض في عدم جواز التفاضل مع اتّحاد الجنس الربوي.(3)
وحاصله: أنّ الطعام الثاني في مثال الشيخ(المثال الثاني) الذي هو

1 . لم يظهر وجه تخصيص النقصان بالذكر مع أنّ الزيادة مثله، بل الميزان أن يكون الثاني مثلاً بمثل.
2 . النهاية:358.
3 . المكاسب:5/231، الطبعة المحققة.

صفحه 244
عوض الدراهم التي هي عوض الطعام، فيكون الطعام الثاني في مرتبة الدراهم، فكأنّه تقع المعاوضة بين الطعامين، فيجب أن يكونا مثلاً بمثل.
إلى هنا تبيّن اختلاف المسألتين موضوعاً وغاية، ولقد أحسن الشيخ الحرّ العاملي حيث فرّق روايات المسألتين فروى ما يدلّ على الأُولى في أبواب أحكام العقود، وروى ما يدلّ على المسألة الثانية في أبواب السلف. بخلاف الشيخ الأنصاري فبحث عن المسألتين في موضع واحد، من دون أن يشير إلى اختلافهما.
عجز المسلم عن التسليم ودفع الثمن مكانه    

دراسة روايات الباب

أورد الشيخ الحرّ العاملي روايات تختلف مضامينها، ونحن نقسّمها إلى أصناف:

الصنف الأوّل: ما يدلّ على التفصيل

وردت روايات تدل على التفصيل بين المساواة، فتصحّ المعاملة، وبين الزيادة فلا تصح، نظير:
1. ما رواه الكليني عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في رجل أعطى رجلاً ورقاً في وصيف إلى أجل مسمّى. فقال له صاحبه: لا نجد لك وصيفاً، خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقاً، قال: فقال: لا يأخذ إلاّ وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أوّل مرّة لا يزداد عليه شيئاً».(1)
فقوله: «لا يزداد عليه شيئاً» يدلّ على الجواز إذا كان مثلاً بمثل.

1 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب السلف، الحديث9. والوصيف: الغلام بلغ أوان الخدمة وأحسن القيام بها فهو وصيف.(لاحظ المنجد).

صفحه 245
2. ما رواه الشيخ بسنده عن علي بن جعفر قال: سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة، أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال:«إذا قوّمه دراهم فسد، لأنّ الأصل الذي يشتري]اشترى[ به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم».(1)
فقوله: «إذا قوّمه دراهم فسد» إشارة إلى أنّ التقويم ربّما يؤدي إلى تغيّر القيمة وصعودها، فعندئذ يقع التفاضل بينهما، ولذلك قال في ذيل الحديث:«فلا يصلح دراهم بدراهم» أي الزيادة أو النقيصة.
3. ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن اشترى طعاماً أو علفاً إلى أجل فلم يجد صاحبه وليس شرطه إلاّ الورق، وإن قال: خذ مني بسعر اليوم ورقاً فلا يأخذ إلاّ شرطه طعامه أو علفه، فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقاً لا محالة قبل أن يأخذ شرطه(طعامه أو علفه) فلا يأخذ إلاّ رأس ماله، لا تظلمون ولا تظلمون».(2)

الصنف الثاني: ما يدلّ على المنع مطلقاً

ما رواه الشيخ بسنده عن خالد بن الحجّاج فقال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجل بعته طعاماً بتأخير إلى أجل مسمّى، فلمّا حلّ الأجل أخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام فاشتره منّي؟ قال:«لا تشتره منه فإنّه لا خير فيه».(3)
أقول: دلالته على المنع ضعيفة، ولذا حمله الشيخ على ما إذا أخذ أكثر

1 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب السلف، الحديث12.
2 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب السلف، الحديث15.
3 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب السلف، الحديث3.

صفحه 246
من طعامه أو أقل.
ولم نعثر على رواية أُخرى تدلّ على المنع على الإطلاق.

الصنف الثالث: ما يدلّ على الجواز مطلقاً

قد وردت في نفس الباب روايات تدلّ على الجواز بسعر اليوم من دون تقييد بالمماثلة أوبعدم الزيادة والنقيصة، وإليك بعضها:
1. ما رواه الكليني بسنده عن أبان بن عثمان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يسلّم الدراهم في الطعام إلى أجل فيحلّ الأجل فيقول: ليس عندي طعام ولكن أُنظر ما قيمته فخذ منّي ثمنه، فقال: «لا بأس بذلك».(1) إنّ الضمير في قوله:«ثمنه» يرجع إلى الطعام، أي الثمن الذي يباع اليوم.
2. ما رواه الكليني بسنده عن الحسن بن علي بن فضّال قال: كتبت إلى أبي الحسن(عليه السلام): الرجل يسلفني في الطعام فيجيء الوقت وليس عندي طعام، أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: «نعم».(2) أي قيمة اليوم.
3. ما رواه الشيخ بسنده عن علي بن محمد ـ وقال: وقد سمعته من علي ـ قال: كتب إليه رجل له على رجل تمر أو حنطة أو شعير أو قطن فلمّا تقاضاه، قال: خذ بقيمة مالك عندي دراهم، أيجوز له ذلك أم لا؟ فكتب: «يجوز ذلك عن تراض منهما، إن شاء الله».(3)

1 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب السلف، الحديث5.
2 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب السلف، الحديث8.
3 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب السلف، الحديث11.

صفحه 247
إنّ الاشتراء بسعر اليوم على وجه الإطلاق يشمل جميع الصور، سواء أكان السعر الثاني مساوياً للسعر الأوّل أم أقلّ منه أو أكثر منه، ولذلك جعلنا دلالة هذا الصنف على وجه الإطلاق، خلافاً للصنف التالي فإنّه صريح في الزيادة.

الصنف الرابع: ما يدلّ على جواز البيع مع الزيادة

يظهر ممّا رواه الشيخ بسنده عن القاسم بن محمد، عن عبد الصمد بن بشير قال: سأله (أبا عبد الله(عليه السلام)) محمد بن القاسم الحنّاط، فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل فأجيء وقد تغيّر الطعام من سعره، فيقول: ليس عندي دراهم، قال:«خذ منه بسعر يومه»، قال: أفهم أصلحك الله إنّه طعامي الذي اشتراه منّي، قال: «لا تأخذه منه حتى يبيعه ويعطيك»، قال: أرغم الله أنفي رخّص لي، فرددت عليه، فشدّد عليّ.(1)
وجه الدلالة على جواز البيع بالزيادة أنّ قول الراوي:«وقد تغيّر الطعام من سعره» يدلّ على ارتفاع سعر الطعام، فإذا أمره أوّلاً بالأخذ بسعر ذلك اليوم يلزم منه جواز أخذه بقيمة أزيد ممّا باعه به.
ويشهد على ما ذكرنا استغراب الراوي من شراء طعامه بسعر اليوم حيث قال: (أصلحك الله إنّه طعامي الذي اشتراه مني) أي كيف أشتري نفس طعامي بسعر أزيد ممّا بعته منه؟ ولمّا استشكل الراوي ولم يتحمّل حكم الإمام، أرشده إلى طريق آخر بأن يصبر حتى يبيع المشتري الطعام ويعطي ثمنه.

1 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب السلف، الحديث5.

صفحه 248

وجه الجمع بين الروايات

أقول: أمّا ما دلّ على المنع مطلقاً ـ أعني: رواية خالد بن الحجاج ـ فهو محمول على صورة الزيادة أو النقصان فلا يشمل صورة المساواة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ صناعة الفقه تقتضي الأخذ بالصنف الأوّل من الروايات ـ أعني: التفصيل بين المساواة وغيرها ـ وهو الموافق للاحتياط، لكنّ إطلاق ما ورد في الصنف الثالث الدالّ على الجواز مطلقاً، وما ورد في الصنف الرابع من الجواز مع الزيادة، يشكّلان قرينة على حمل شرطية المساواة على الاستحباب، فتكون النتيجة هي الجواز مطلقاً.
هذا هو مقتضى التأمّل في الأصناف الأربعة.
بقي الكلام فيما حكاه العلاّمة في «المختلف» عن «الخلاف»: أنّه إذا باع طعاماً قفيزاً بعشرة دراهم مؤجّلة، فلمّا حلّ الأجل أخذ بها طعاماً، جاز إذا أخذ مثل ذلك، فإن زاد عليه لم يجز... واحتج بإجماع الفرقة وبأنّه يؤدي إلى بيع الطعام بالطعام. ثم حكى عن بعض أصحابنا الجواز مطلقاً، وعن بعضهم المنع مطلقاً. ثمّ حكى عن الشيخ في آخر كلامه، أنّه قال: والقول الآخر الذي لأصحابنا قويّ، وذلك أنّه بيع طعام بدارهم، لا بيع طعام بطعام، فلا يحتاج إلى اعتبار المثلية.(1)
قال الشيخ الأعظم: الظاهر أنّ الشيخ الطوسي جرى في ذلك وفيما تقدّم عنه، في «النهاية» ـ من عدم جواز بيع ما اشترى من جنس الثمن متفاضلاً ـ على قاعدة كليّة تظهر من بعض الأخبار من أنّ عوض الشيء

1 . مختلف الشيعة:2/289; الخلاف:3/101، المسألة 166 من كتاب البيوع.

صفحه 249
الربوي لا يجوز أن يعوّض بذلك الشيء بزيادة، وأنّ عوض العوض بمنزلة العوض، ثم ذكر المثالين السابقين:
1. إذا اشترى طعاماً، لا يجوز أن يأخذ بدل الطعام دراهم بزيادة.
2. إذا باع طعاماً بدراهم لا يجوز أن يأخذ عوض الدراهم طعاماً.
وعوّل في ذلك على التعليل المصرّح به في رواية علي بن جعفر عن أخيه(عليه السلام)(يريد قوله: فإذا قوّمه دراهم فسد).(1)
قلت: ما ذكره من استفادة الضابطة صحيح، لكن إطلاق ما ورد في الصنف الثالث وصريح الصنف الرابع يشكّلان قرينة على الحمل على الاستحباب، فإنّ إثبات ما ذكره من الضابطة يحتاج إلى دليل قاطع، وإلاّ فما هو المحرّم: بيعُ الدرهم بالدرهم مع الزيادة، وأمّا الموردان فليس فيهما بيع الدرهم بالدرهم، بل المسلف إليه ـ في المثال الأوّل ـ يأخذ بدل الطعام دراهم، والبائع ـ في المثال الثاني ـ يأخذ عوض الدراهم طعاماً، فليس هناك أي مبادلة بين الدراهم. والله العالم.
***

1 . لاحظ: المكاسب:5/230.

صفحه 250
الاستدراكات
10
فيما يسقط الردّ والأرش   

فيما يسقط الردّ والأرش حذراً من الربا

قد ثبت في محلّه أنّه إذا اشترى المشتري معيباً فله الفسخ أو الأرش، إلاّ أنّه إذا حدث أحد الأمرين التاليين:
1. تصرّف المشتري في المعيب بعد القبض تصرفاً مغيّراً.
2. حدوث عيب جديد ـ وراء العيب السابق ـ بعد القبض.
فيمنع كلّ منهما عن الفسخ دون الأرش. نعم ربّما يمنع عن كلا الأمرين في بعض المواضع، وذلك في موردين تاليين:
1. إذا اشترى حنطة بحنطة مع التساوي وكانت إحدى الحنطتين معيبة والمشتري جاهلاً بالعيب ثم تصرّف فيها بطحنها، ففي هذا المورد ذكر الشيخ وغيره سقوط كلا الأمرين، أمّا الأوّل ـ أي الفسخ ـ فلأجل التصرّف، فإنّه مشروط ببقاء العين على ما هي عليه، والمفروض أنّه طحن الحنطة. وأمّا الثاني فلأنّ أخذ الأرش يستلزم الربا، فيلزم معاوضة أحد المتجانسين مع الآخر مع شيء زائد.
2. إذا اشترى شيئاً معيباً عند العقد، ثم حصل فيه عيب آخر بعد القبض عند المشتري، وكان مورد المعاملة من الأجناس الربوية، فيسقط الرد والأرش، وذلك لأنّه لو ردّ بلا أرش للعيب الحادث كان ضرراً على البائع، وإن ردّ مع الأرش لزم الربا، لأنّ المردود حينئذ يزيد على وزن عوضه.(1)

1 . تذكرة الفقهاء:1/131، الطبعة المحققة، المسألة 307 مع اختلاف في التعبير.

صفحه 251
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري أخذ بتفسير كلام العلاّمة وقال: إنّ القول بجواز الردّ مع الأرش يستلزم لزوم الربا في أصل المعاوضة، أو لزومه عند الفسخ.(1)
توضيحه: أنّ أوصاف الصحّة إنّما تضمن إذا أوجب نقصاً في القيمة ككون الفرس أعرج، فالمشتري عندئذ يتخيّر بين الرد والأرش، وأمّا إذا لم يوجب ذلك فليس له إلاّ الردّ دون الأرش، وقد مثّلوا له بالخصيّ من العبيد، ويمكن أن يمثّل له بالبغل الخصيّ، فإنّ الأرش منتف لعدم تفاوت القيمة.(2)لكثر الرغبة فيه.
وإنّما يصحّ الردّ دون الأرش فيما إذا لم يكن الثمن والمثمن من الأجناس الزكوية كمعاوضة الحنطة الجيّدة بالرديئة، مع جهل المشتري بالرداءة، فأوصاف الصحّة غير مضمونة، لأنّ الجيّدة والرديئة من جنس واحد. نعم له الردّ، إذ إلزام البائع بقبول المعيب ضرر عليه.
وبالجملة بما أنّ أوصاف الصحّة في الأجناس الزكوية غير مضمونة، فلو تبيّنت رداءة الحنطة فليس له إلاّ الردّ دون الأرش.
هذا ـ أي التفصيل بين الردّ والأرش ـ فيما إذا لم يحدث عيب في المبيع في ملكية المشتري، فعندئذ يسقط الفسخ والأرش معاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ حدوث العيب عند المشتري أو تصرّفه في المبيع يمنعان عن الفسخ والردّ، إنّما الكلام في عدم جواز أخذ الأرش في المقام

1 . المكاسب: 5 / 330.
2 . لاحظ: المكاسب:5/318 و 326.

صفحه 252
للرداءة الموجودة في الحنطة المشتراة بالحنطة الجيّدة.
وجهه: أنّ الصحيح والمعيب في الأجناس الزكوية من جنس واحد، ومعنى ذلك عدم ضمان أوصاف الصحّة فيها مثل الخصيّ في غير الأجناس الزكوية، فلو ردّ المشتري إلى البائع قيمة العيب الحادث يلزم أحد الأمرين:
1. نقض القاعدة من أنّهما من جنس واحد، والمتجانسان لدى المعاوضة يجب أن يكونا مثلين، فلا يجوز أخذ الزيادة في أحد الطرفين.
2. يلزم أن يكون ذلك العيب مضموناً عليه بجزء من الثمن، فيلزم وقوع الثمن بإزاء مجموع المثمن ووصف صحّته، فعندئذ ينقص الثمن عن نفس المعيب، بهذه الزيادة فيلزم الربا، إمّا في أصل المعاوضة أو لدى الفسخ:
أمّا الأول: فلو لوحظ جزء من الثمن في مقابل صفة الصحّة في المبيع عند المبادلة، يلزم تحقق الربا في أصل المعاوضة لخلوّ الثمن عمّا يقابل وصف الصحّة في المثمن.
وأمّا الثاني: أي لزوم الربا عند الفسخ، فإنّ لازم الفسخ استرداد المشتري الثمن وردّ ما قابله إلى البائع. ومن المعلوم أنّ المشتري في المقام يرد ما قابله مع شيء باسم الأرش إلى البائع وهو أشبه بالربا.
هذا توضيح ما أفاده الشيخ بالعبارة التالية: إمّا لزوم الربا في أصل المعاوضة، إذ لولا ملاحظة جزء من الثمن في مقابلة صفة الصحّة لم يكن وجهٌ لغرامة بدل الصفة وقيمتها عند استرداد الثمن، وإمّا لزوم الربا في الفسخ حيث قوبل فيه الثمن بمقداره من المثمن وزيادة، والأوّل أولى».(1)

1 . المكاسب:5/330.

صفحه 253

القول بالضمان قياساً بالمقبوض بالسوم

ذكر الشيخ الأنصاري أنّه ربّما يصحّح أخذ الأرش قائلاً بأنّ قيمة العيب الحادث لما فات بيده مضموناً عليه، نظير المقبوض بالسوم إذا حدث فيه العيب، فلا ينضم إلى المثمن حتى يصير أزيد من الثمن.
وردّ عليه الشيخ بقوله: إنّ المقبوض بالسوم إنّما يتلف في ملك مالكه فيضمنه القابض، والعيب الحادث في المبيع لا يتصوّر ضمان المشتري له إلاّ بعد تقدير رجوع العين في ملك البائع وتلف وصف الصحّة منه في يد المشتري، فإذا فرض أنّ صفة الصحّة لا تقابل بجزء من المال في عقد المعاوضة، فيكون تلفها في يد المشتري كنسيان العبد الكتابة، لا يستحقّ البائع عند الفسخ قيمتها.(1)
أقول: لا شكّ أنّ إجبار المشتري بقبول المبيع المعيب مع الجهل به، إضرار عليه، كما أنّ إجبار البائع على قبول المبيع الذي تجدّد فيه العيب، ظلم عليه، فما هو الرأي العادل؟
وليس هو إلاّ ما نسمّيه بالأرش، وتصوّر أنّه رباً غير صحيح; لأنّ
الربا عبارة عن معاوضة أحد المتماثلين بالآخر مع شيء زائد عند
البيع، والمفروض أنّ البيع تمّ بلا إضافة في أحد الطرفين، وأمّا أخذ
الإضافة بعد تمامية البيع، فلا يوصف بالربا، وما ذكره من أنّ الحكم
بالضمان يتوقّف على رجوع العين في ملك البائع وتلف وصف الصحّة منه في يد المشتري، غير لازم، بل التلف وقع في ملك المشتري ولكن دفع

1 . المكاسب:5/330ـ331.

صفحه 254
الأرش غرامة لرفع الظلم من جانب البائع.
وبعبارة أُخرى: غرامة يؤديها المشتري، لأجل الفسخ.
وعلى ما ذكرنا فلا يلزم الربا لا في زمن المعاوضة ولا عند الفسخ; لأنّ ما يدفع أمر مستقل لا صلة له بالثمن والمثمن، بل أمر مستقل، والله العالم.
***
هذه مسائل عشر كاملة استدركنا بها على ما أفاده سيدنا الأُستاذ في «تحرير الوسيلة» وهناك مسائل أُخرى يمكن استنباط احكامها ممّا ذكره الشيخ في باب الخيارات وغيره، فيُعلم حكم ما لم نذكر ممّا ذكرنا.
تمت الرسالة بيد مؤلفها
جعفر السبحاني ابن
الفقيه: الشيخ محمد حسين
السبحاني التبريزي
عاملهما الله بلطفه الخفي
والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات

صفحه 255
فهرس المصادر   

فهرس المصادر

1. احياء علوم الدين، 5ج، للغزالي، بيروت، دارالكتاب العلمية، 1406 هـ .
2. اعلام الموقعين،4 ج، لابن قيم الجوزي، بيروت، دار الجيل، 1973م.
3. الانتصار، للسيد المرتضى، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1415 هـ .
4. بحارالأنوار، 110ج، للعلاّمة محمد باقر المجلسي، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ .
5. بحوث فقهية، للشيخ حسين الحلي، بقلم السيد عزالدين بحرالعلوم، النجف الأشرف، مطبعة الآداب، 1384 هـ .
6. بلوغ المرام، لابن حجر العسقلاني، بيروت، دارالرائد العربي، 1407 هـ .
7. تحرير الأحكام، 6ج، للعلاّمة حسن بن يوسف الحلّي، قم، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1420 هـ .
8. تحرير المجلّة، 5ج، لمحمد حسين كاشف الغطاء النجفي، طهران، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1422 هـ .
9. تذكرة الفقهاء، 20ج، للعلاّمة الحلّي، قم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، 1414 هـ .
10. تفسير الرازي،30ج في 16 مجلداً، طهران: دارالكتب العلمية.
11. تفسير العياشي، 3ج، قم، مؤسسة البعثة، 1421 هـ .
12. تفسير القمي، المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، النجف الأشرف،

صفحه 256
مكتبة الهدى.
13. التفسير الكاشف، للشيخ محمد جواد مغنية، بيروت، دارالعلم للملايين، 1990م.
14. تفسير المنار، للسيد محمد رشيد رضا، القاهرة، دارالمنار، 1373 هـ .
15. تهذيب الأحكام، 10ج، للشيخ الطوسي، النجف، دارالكتب العلمية، 1378 هـ .
16. جامع الأُصول، لمجد الدين محمد بن الأثير الجزري، بيروت، دار احياء التراث العربى، 1400 هـ .
17. جامع البيان المعروف بتفسير الطبري، بيروت، دارالمعرفة، 1400 هـ .
18. جامع المدارك، 6ج، للسيد أحمد الخوانساري، طهران، مكتبة الصدوق، 1396 هـ .
19. جامع المقاصد، 14ج، للمحقّق الكركي، قم، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، 1408 هـ .
20. جامع للشرائع، للشيخ يحيى بن سعيد الحلي، بيروت، دارالأضواء، 1406 هـ .
21. جواهر الكلام، 43ج، للشيخ محمد حسن النجفي، بيروت، داراحياء التراث العربي، 1981م.
22. الحدائق الناضرة، 25ج، للفقيه الشيخ يوسف البحراني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
23. الخلاف، للشيخ الطوسي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1409 هـ .

صفحه 257
24. الخمس في الشريعة الإسلامية الغراء، للشيخ جعفر السبحاني، قم، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1420 هـ .
25. الدر المنثور، لجلال الدين السيوطي، بيروت، دارالفكر، 1403 هـ .
26. الدروس الشرعية، للشهيد الأوّل محمد بن مكي ، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1412 هـ .
27. الربا فقهياً واقتصادياً، للشيخ حسن الجواهري.، قم، مطبعة خيام، 1405 هـ .
28. رجال النجاشي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1407 هـ .
29. رسائل المحقّق الكركي، 3ج، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1409 هـ .
30. زبدة البيان، للمحقّق الأردبيلي، طهران، المكتبة المرتضوية.
31. السرائر، محمد بن إدريس الحلي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1410 هـ .
32. سنن البيهقي، حيدرآباد دكن، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في هند، 1344 هـ .
33. سنن الدار قطني، 4 أجزاء في مجلدين، لعلي بن عمر، القاهرة، دارالمحاسن، 1386 هـ .
34. سنن النسائي، بيروت، دار احياء التراث العربي.
35. سنن الدارمي، لعبدالله بن بهرام الدارمي، بيروت، دارالفكر.
36. شرائع الإسلام، للمحقّق الحلّي جعفر بن الحسن ، طهران، استقلال، 1409 هـ .

صفحه 258
37. صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، القاهرة، عثمان خليفة، 1314 هـ .
38. صحيح مسلم النيسابوري، القاهرة، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح.
39. العروة الوثقى، 2ج، للسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1409 هـ .
40. علل الشرائع، للشيخ الصدوق، بيروت، دار احياء التراث العربي.
41. عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، 2ج، للشيخ الصدوق، تحقيق السيد مهدي اللاجوردي.
42. فرائد الأصول، للشيخ الأنصاري، الطبعة المحقّقة في خمسة اجزاء.
43. الفقه الإسلامي وأدلته، 9ج، لوهبة الزحيلي، دمشق، دارالفكر، 1417 هـ .
44. القاموس المحيط، 4 ج، للفيروز آبادي، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1412 هـ .
45. قواعد الأحكام، 3ج، للعلاّمة الحلّي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1413 هـ .
46. الكافي، 8ج، لمحمد بن يعقوب الكليني، بيروت، 1401 هـ .
47. كتاب البيع، 5ج، للإمام الخميني، طهران، مؤسسه تنظيم و نشر آثار، 1379ش.
48. الكتاب المقدّس، طبعة دار الكتاب المقدس في العالم العربي، بيروت.
49. كليات في علم الرجال، للشيخ جعفر السبحاني، قم، مؤسسة الإمام

صفحه 259
الصادق(عليه السلام)، 1427 هـ .
50. مجمع البحرين، للشيخ الطريحي، طهران، نشر فرهنگ اسلامى، 1408 هـ .
51. مجمع البيان، 10ج، للشيخ الطبرسي، طهران، المطبعة الإسلامية، 1379 هـ .
52. مجمع الفائدة والبرهان، 14ج، للمحقّق الأردبيلي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ .
53. المحجّة البيضاء، 8ج في 4 مجلدات، للفيض الكاشاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
54. المختار في أحكام الخيار، للشيخ جعفر السبحاني، قم، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1414 هـ .
55. مختلف الشيعة، 9ج، للعلاّمة الحلّي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ .
56. مرآة العقول، 26ج، للعلاّمة المجلسي، طهران، دارالكتب الإسلامية، 1404 هـ .
57. المسائل المستحدثة، للسيد محمد صادق الروحاني، قم، مؤسسة دار الفكر، 1384 هـ .
58. مسالك الأفهام، 15ج، للشهيد الثاني زين الدين العاملي، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1413 هـ .
59. المستدرك، 5ج، للحاكم النيسابوري ، بيروت، دارالمعرفة.
60. مسند أحمد، 6 ج، لأحمد بن بن حنبل، بيروت، دارالفكر.

صفحه 260
61. مصادر الحق، 6 ج في مجلدين، للسنهوري، عبدالرزاق، بيروت، داراحياء التراث العربي.
62. مفتاح الكرامة، 21ج، للسيد محمد جواد العاملي، بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، 1417 هـ .
63. معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1366 هـ .
64. المقنع، للشيخ الصدوق، قم، مؤسسة المطبوعات الدينية، 1377 هـ .
65. ملحقات العروة الوثقى، للسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي، قم، مكتبة الداوري.
66. من لا يحضره الفقيه، 4ج، للشيخ الصدوق، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1390 هـ .
67. منهاج الصالحين، للسيد الخوئي، قم، مدينة العلم، 1410 هـ .
68. الميزان في تفسير القرآن، للعلاّمة محمدحسين الطباطبائي، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1393 هـ .
69. نهاية الإحكام في معرفة الأحكام، جزأين، للعلاّمة الحلّي، بيروت، دار الأضواء، 1406 هـ .
70. النهاية، 5ج، لابن الأثير، افست، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1364ش.
71. النهاية، للشيخ الطوسي، بيروت، دارالكتاب العربي، 1400 هـ .
72. الوافي، 26ج، للفيض الكاشاني، اصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، 1430 هـ .

صفحه 261
73. وسائل الشيعة، 20ج، للشيخ الحرّ العاملي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ .
74. وسيلة النجاة، للسيد أبي الحسن الاصفهاني، النجف الأشرف، المطبعة العلمية، 1364 هـ .
75. الهداية، للشيخ الصدوق، قم، مؤسسة المطبوعات الدينية، 1377 هـ .

صفحه 262

صفحه 263
فهرس المحتويات   

فهرس المحتويات

الموضوع     الصفحة
مقدمة المؤلف   7
القول في الربا   9
   تمهيد: في بيان حرمة الربا كتاباً وسنّة   9
   سمات الربا في القرآن الكريم   12
   الربا في التوراة   13
   الربا في الإنجيل   14
   ردّ توهّم اختصاص الآيات بالربا الجاهلي   17
الفصل الأوّل: الربا المعاوضي أو الربا الفضلي
   تعريف الربا المعاوضي   20
   عدم اختصاص الحرمة بالبيع   22
   دليل القائل باختصاص الحرمة بالبيع   24
   شروط تحقق الربا   28
      الشرط الأوّل: اتّحاد الجنس عرفاً   28

صفحه 264
الموضوع    الصفحة
      الموضوع استبدال المثلين بزيادة   32
      ما هي الضابطة في المثلية؟   38
      حكم الشك في التماثل والاختلاف   41
   تمسّك السيّد الطباطبائي بالأُصول العملية   45
      1. التمسك بحديث الرفع بعد التمسك بالعام    45
      2. التمسّك بأصالة الحلّ   46
      3. التمسّك بحديث مسعدة بن صدقة   47
   الشرط الثاني: اشتراط كونهما مكيلين أو موزونين   48
      إشكال وإجابة   49
      ملاك الزيادة في الربا المعاوضي والقرضي   55
   المسألة الأُولى: في فساد المعاملة الربوية أو فساد فضلها   57
      مباني الوجوه أو الأقوال   57
   المسألة الثانية: هل الميزان هو المكيل والموزون في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؟   60
   المسألة الثالثة: لو اختلف البلدان   61
      في المسألة فرعان:   62
   الأوّل: الحنطة والشعير جنس و احد في الربا   62
   الفرع الثاني: هل العلس والسُّلت من جنس الحنطة والشعير؟   64
   الشيء مع أصله بحكم الجنس الواحد   65
   تبعية الفرع للأصل في المثلية والاختلاف   67

صفحه 265
الموضوع    الصفحة
   الفرع لا يتبع الأصل في المكيل والموزون   67
   في بيع لحم حيوان بحيوان حي   70
   لو كان للشيء حالة رطوبة وجفاف   74
   ما هو مورد الاتّفاق؟   75
   ما هو مورد الاختلاف لدى الشيخ؟   76
   الأقوال في المسألة   77
   لا يجوز استبدال الجيد بالرديء مع التفاضل   80
   الموارد المستثناة من الربا   81
   الأوّل: دراسة أسانيد الروايات   82
   الثاني: دراسة مضامين الروايات   85
الفصل الثاني: في الحيل الشرعية
   الوجه الأوّل للتخلّص من الربا المعاوضي   88
   الوجه الثاني للتخلّص من الربا المعاوضي   93
   الوجه الثالث للتخلّص من الربا المعاوضي (بيع العرايا)   94
   الوجه الرابع للتخلّص من الربا المعاوضي (بيع الحلية المصوغة
            بجنسها متفاضلاً)   96
   الوجه الخامس للتخلّص من الربا المعاوضي(بيع الدراهم والدنانير
            المسكوكة بالتفاضل)   98
القول في القرض   99

صفحه 266
الموضوع    الصفحة
الفصل الثالث: في الربا القرضي
   تعريف القرض وكيفية اشتماله على الربا   99
   فلسفة حرمة الربا   100
      1. الربا هادم للأُسس الأخلاقية   101
      2. المفاسد الاجتماعية للربا   102
      3. المفاسد الاقتصادية للربا   103
   سؤالان وإ جابتان   105
   القرض الربوي في الكتاب والسنّة   105
   السؤال الأوّل: ما هو المراد من قيام المرابي كالمتخبّط؟   107
   السؤال الثاني: ما هو المراد من كون الصرع من مسّ الشيطان؟   110
   الربا القرضي في الروايات   112
   أخذ الربا ظلم لحقّ المقترض   114
   الوجه الأوّل: دور الأثمان في التجارة هو تسهيل الأمر   115
      بيان للغزالي في تبيين ذلك الوجه   117
   الوجه الثاني: رأس المال غير مولّد   118
   حرمة الربا القرضي في الروايات   120
   حرمة الزيادة العينية والحكمية   123
   سعة دائرة الربا القرضي   124
   القرض بشرط البيع المحاباتي أو البيع المحاباتي بشرط القرض   126
   عدم الفرق بين الصورتين   128

صفحه 267
الموضوع    الصفحة
   في حرمة الزيادة مع الشرط   131
   في حرمة شرط الزيادة للمقرض لا العكس   134
   القرض المشروط بالزيادة صحيح والشرط باطل وحرام   136
   الاستدلال على صحّة المشروط دون الشرط   139
   في كيفية أداء المال المقترَض، وفيها صور   141
      الصورة الأُولى: في أداء المال المقترض مثلياً   142
      الصورة الثانية: هل يجوز الوفاء بالدين بغير جنسه؟   143
      الصورة الثالثة: أداء المال المقترض قيمياً بالنقود الرائجة   144
      الصورة الرابعة: لو تراضيا على أداء الدين بجنس آخر   144
      الصورة الخامسة: لو كانت العين المقترضة موجودة   144
   في القرض المثلي هل يجوز الاشتراط بالأداء من غير جنسه؟   145
   اشتراط التأجيل في القرض يورث لزوم العقد   146
   في تعيين مكان الأداء   149
   في إطلاق مكان الأداء   151
   في اشتراط المقرض رهناً أو كفيلاً أو إشهاداً   154
   لو اقترض دراهم ثم أسقطها السلطان   155
   إذا سقطت الأوراق النقدية المتعارفة عن الاعتبار   156
   إذا كان القرض على الصك الخاصّ   157
الفصل الرابع: الوجوه المخلّصة عن الربا القرضي
   الوجه الأوّل: بيع العينة   160

صفحه 268
الموضوع    الصفحة
      وجه البطلان عند الاشتراط   163
   الوجه الثاني للتخلّص من الربا: بيع الدين المؤجل بالحالّ بأقل   164
      بيع الدين (الدرهم أو الدينار) المؤجّل لغير المديون معجّلاً بالأقل   167
      فتوى خاصّة للشيخ الطوسي   168
   الوجه الثالث: تأجيل الدين الحال بأزيد منه   170
   الوجه الرابع: البيع مع الخيار   175
   الوجه الخامس:بيع الشيء الغالي بسعر رخيص بشرط القرض مثلاً بمثل   176
   الوجه السادس: عكس الوجه الخامس (شراء شيء رخيص بسعر غال،
            بشرط القرض مثلاً بمثل)   176
خاتمة، فيها أُمور   176
   الأوّل: لا ربا إلاّ في نسيئة   176
   الثاني: وجه اشتراط التقابض في المجلس في معاوضة النقدين   177
   الثالث: التفصيل بين الربا الاستهلاكي والربا الانتاجي   178
   الرابع: إذا كان المرابي هو الدولة   180
   الخامس: ما هو البديل عن الربا؟وفيه صورتان   181
      الصورة الأُولى: إنشاء مشاريع تجارية   182
      الصورة الثانية: شراء السهام   183
   السادس: ما هو دور المصارف (البنوك) في الأموال المودعة لديها؟   183
   السابع: انخفاض مالية الأثمان المقترضة   185
   الثامن: أخذ الفائض من بنوك الكافرين   186

صفحه 269
الموضوع    الصفحة
   التاسع: منطق المبيحين لفوائد البنوك   187
      توهم أنّ المحرّم هو الفوائد الموصوفة بأنّها أضعاف مضاعفة   187
   العاشر: نظرية في كلام المحقّق الشيخ حسين الحليّ (قدس سره) في بيع الأوراق
            النقدية بتفاضل    188
   هل يتحقّق الربا في الأوراق النقدية؟   188
ختامه مسك: عرض إجمالي لأُطروحة الشهيد الصدر(قدس سره)   194
   دراسة تخريجات الشهيد الصدر للتخلّص من الربا   195
      التخريج الأوّل: الفائدة في مقابل عملية الإقراض   195
      التخريح الثاني: الطلب من البنك تسديد الدين منضّماً إلى الجعالة   196
      التخريج الثالث: الفائدة لأجل تنازل المقرض عن الوفاء في بلد القرض   197
      التخريج الرابع: تحويل القرض إلى بيع   198
      التخريج الخامس: تبديل الدنانير بعملة أُخرى   200
      التخريج السادس:اشتراط الوكيل الزيادة عند الوفاء   200
الإستدراكات
إستدراكات على ما لم يذكره الإمام الخميني(قدس سره) في تحرير ا لوسيلة   202
الإستدراك الأوّل: ما يجب على المرابي من وجوب الردّ   202
   إذا أخذ الكافر الربا ثم أسلم   202
   إذا كان المرابي مسلماً جاهلاً بالحكم   204
   الأقوال في المسألة   205
   دراسة القول الأوّل   206

صفحه 270
الموضوع    الصفحة
      الاستدلال على القول الأوّل بالروايات وهي على قسمين:   208
      الأوّل: ما يدلّ على عدم وجوب الردّ مطلقاً   208
         القسم الثاني: ما يدلّ على التفصيل بين الموجود وعدمه   210
   دراسة القول الثاني أي الردّ مطلقاً   212
الاستدراك الثاني: حكم ما إذا كان الدافع مجهولاً أو معروفاً وحكم ما إذا
كان المقدار معلوماً أو مجهولاً وفيه فروع   215
   الفرع الأوّل: إذا كان الدافع مجهولاً، والمال معلوم المقدار وموجوداً   215
   الفرع الثاني: إذا كان صاحب المال مجهولاً دون مقدار المال   217
   الفرع الثالث: إذا كان الربا المأخوذ مجهول المقدار   217
الاستدراك الثالث: حكم حصول الزيادة في أحد الطرفين بلا معاوضة   219
   الأوّل: أخذ الأرش للمعيب في بيع المتجانسين   220
   الثاني: جريان الربا في الغرامات   222
   الثالث: دفع الزيادة لدى القسمة   222
   الرابع: في الإقالة بزيادة   223
الاستدراك الرابع: اختلاف فتوى العلماء في أنّ المأخوذ رباً و عدمه   224
الاستدراك الخامس: إذا ورث مالاً وشكّ في وجود الربا فيه   226
الاستدراك السادس: حكم الربا عند الإضطرار   233
الاستدراك السابع: حرمة كتابة الربا والشهادة عليه   237
الاستدراك الثامن: العلم الإجمالي بوجود الربا في معاملات يوم أو شهر   238
   التفكيك بين أصالة الإباحة وصحّة العقد   240

صفحه 271
الموضوع    الصفحة
الاستدراك التاسع: عجز المُسلِف عن تسليم المُسلَف فيه ودفع الثمن مكانه
أو عجز المشتري عن تسليم الثمن في وقته ودفع الجنس مكانه   241
   دراسة روايات الباب   244
      الصنف الأوّل: ما يدلّ على التفصيل   244
      الصنف الثاني: ما يدلّ على المنع مطلقاً   245
      الصنف الثالث: ما يدلّ على الجواز مطلقاً   246
      الصنف الرابع: ما يدلّ على جواز البيع مع الزيادة   247
   وجه الجمع بين الروايات   248
الاستدراك العاشر: فيما يسقط الردّ والأرش حذراً من الربا   250
   القول بالضمان قياساً بالمقبوض بالسوم   253
فهرس المصادر   255
فهرس المحتويات   263
Website Security Test