welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 15*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 15

صفحه 1
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 15
 
(15)

صفحه 2

صفحه 3
15   
 
 
الجزء الخامس عشر ويشتمل على تفسير السور التالية:
الرعد، إبراهيم، الحجر
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1397 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 617 - 2 (VOL.15)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6 ( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1397
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 15
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1397 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2018 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:1000    تسلسل الطبعة الأُولى:478
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6
 

صفحه 7

سورة الرعد

(المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا

صفحه 8
 
خَالِدُونَ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد * اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدَار* عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ* سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْف بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لاَِنْفُسِهِمْ

صفحه 9
 
نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ

صفحه 10
 
اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب * كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ * وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ

صفحه 11
 
اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق * مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبى الْكَافِرِينَ النَّارُ * وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ وَاق * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ * وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَللّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبى الدَّارِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ).

صفحه 12
 

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة بسورة «الرعد» لورود هذا اللّفظ فيها، في قوله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ).(1)
نعم ورد هذا اللفظ أيضاً في سورة البقرة في قوله تعالى:(أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ).(2)
وبما أنّ سورتنا هذه مكّية فقد سُمّيت بالرعد قبل أن تنزل سورة البقرة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة ثلاث وأربعون في عدّ الكوفي، وأربع وأربعون في عدّ المدني، وخمس وأربعون في عدّ الشامي، ومن أراد الوقوف على مواضع اختلافهم في ترقيم الآيات، فليرجع إلى «مجمع البيان».
وقد ذهب جلّ المفسّرين إلى أنّ السورة مكّية، ونُقل عن بعضهم أنّ بعض آياتها مدنيّ مع شيء من الاختلاف، وهو في موضعين:
سورة الرعد: خصائص السورة   
1. قوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ

1 . الرعد: 13.
2 . البقرة:19.

صفحه 13
بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).(1)
فجعلوا قوله سبحانه: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) مدنيّاً، وجزء الآية المتقدّم عليه جعلوه مكيّاً، وهذا أمر عجيب في آية واحدة.
2. قوله سبحانه:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)(2)، فإنّه لمّا أخذوا بقول من ذكر أنّ المراد بقوله تعالى:(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) هو عبد الله بن سلاّم اليهودي الذي أسلم، جعلوا الآية مدنيّة.
هذا، وقد روي عن الحسن البصريّ وعكرمة وقتادة أنّ السورة مدنية إلاّ آيتين نزلتا بمكّة، وهما قوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) وما بعده،(3) ولكنّ مضامين السورة تشهد على أنّها مكيّة.

أغراض السورة

إنّ بعض المفسّرين يذكر ما ورد في السورة من محاور، ويجعله غرضاً لها، مع أنّ الغرض هو الأمر الواحد الذي تدور عليه آيات السورة أجمع، وهو لا يكون إلاّ أمراً واحداً ترجع إليه سائر الآيات، وأظن أنّه عبارة

1 . الرعد:31.
2 . الرعد:43.
3 . الرعد:31ـ32.

صفحه 14
عن الدعوة إلى الإيمان بما أُنزل على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وما يدعو إليه من التوحيد ونبذ الشرك، ويشهد لذلك ما ورد في صدر السورة من قوله:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)(1)، ويؤيّده ما ورد في آخر السورة، حيث يتوافق مع ما ورد في صدرها، أعني قوله تعالى:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ).(2)
سورة الرعد: الآيات 1 ـ 4    
ولمّا كانت الدعوة إلى التوحيد في الربوبيّة وأنّ المدبِّر للكون هو الله عزّ وجلّ، استدلّ على ذلك بالنظام الدقيق الذي يسود الموجودات السماوية والأرضية.
وبذلك يتجلّى أنّ السورة مكّية، ولا ريب في ذلك.

التفسير

الآيات: الأربع الأُولى

(المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ

1 . الرعد:1.
2 . الرعد:43.

صفحه 15
بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).

المفردات

الكتاب: القرآن المجيد.
عَمَد: واحدها عمود، وهو ما تعتمد عليه الخيمة من خشب ونحوه، أو هو اسم جمع مفردهُ عماد أي سَند.
سخّر: التسخير: التذليل والطاعة.
يفصّل: يبيّن.
الآيات: إشارة إلى الآيات التكوينية من الشمس والقمر.
مسمّى: محدّد.
مدّ الأرض: بسطها، فجعل الأرض متّسعة للسير والزرع.
رواسي: ثوابت، وصف للجبال.
زوجين اثنين: يطلق الزوج ويراد به الواحد كما يطلق ويراد به الاثنان، والتثنية دليل على أنّه أُريد به الواحد، ويكون المعنى ذكر وأُنثى، ويطلق

صفحه 16
الزوج للذكر، والزوجة لخصوص الأُنثى.
قِطَع: جمع قطعة، وهي الجزء من الشيء، تشبيهاً بها بما يقتطع.
متجاورات: متقاربات.
صنوان: النخيلات التي يجمعها أصل واحد، واحدها صنو، وهو مع التنوين جمع وبدونه تثنية.
الأُكل: ما يؤكل.

التفسير

1. (المرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ):
افتتح سبحانه غير واحدة من السور تارة بـ(الم) وهي السور التالية: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة، وأُخرى بـ(الر) وهي السور التالية: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر.
ولكن خصّت هذه السورة فقط بالجمع بين ما صُدّرت به تلك السور، فقال: (المر)ولعلّ الجمع بينهما لغاية الإشارة بأنّ السورة تشتمل على كلّ ما في هذه السور من محاور، والله العالم.
وأمّا ما هو المقصود من هذه الحروف المقطّعة ففيه أقوال، أقواها هو الإشارة إلى أنّ مادة القرآن الكريم مؤلّفة من هذه الحروف التي هي في متناول المشركين والمنكرين، فلو كان القرآن من صنع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)دون

صفحه 17
أن يكون وحياً من الله سبحانه لما عجزوا عن مواجهة التحدّي بالإتيان بسورة كسور القرآن الكريم، وحيث إنّهم لم يقدروا على معارضته فليعلموا أنّ الله سبحانه هو الذي أنزله، كما قال:(وَ مَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ).(1) وسوف يوافيك تفصيل القول في ذلك في تفسير سورة الأحقاف.
والذي يشهد لما اخترناه أنّ أكثر السور المفتتحة بتلك الحروف المقطّعة تحدثت آياتها الأُول عن الكتاب بأوصافه المتعدّدة، كما يقول هنا:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ)والمراد به القرآن الكريم، واسم الإشارة (تِلْكَ)إشارة إلى ما تقدّم نزوله قبل هذه الآية، والإشارة إليها بالبعيد لأجل التعظيم والتكريم، مثل قوله سبحانه:(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ).(2)
وعلى ما ذكرنا يكون قوله سبحانه:(وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ)إشارة إلى آيات هذه السورة وما سينزل بعدها.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر مصدر النزول بقوله: (مِنْ رَبِّكَ) دون أن يقول: الله سبحانه، وما ذلك إلاّ للتلطّف، (الْحَقُّ): أي ما سبق نزوله من آيات الكتاب وما لحقه فهو مصحوب بالحقّ ليس للباطل إليه من سبيل، وكأنّه سبحانه يقول:(وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) هو (الْحَقُّ) لإفادة الحصر والقصر، وأنّ هذا الكتاب هو الحقّ دون غيره من كتب الأساطير التي كانت تُقرأ في مجالس المشركين.

1 . يونس:37.
2 . البقرة:2.

صفحه 18
وقد ورد في تفسير قوله تعالى:(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)(1)، أنّها نزلت في النّضر بن الحارث حيث ادّعى أنّ القصص الدارجة عند الفرس من قصص رستم واسفنديار يعادل قصص القرآن الكريم، انظر إلى هذه الصلافة فهو يصوّر أنّ الأساطير كالقرآن الموحى، ولذلك يركّز سبحانه في غير واحدة من الآيات على كون نزول القرآن نزولاً مصحوباً بالحقّ.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ): أي لا يصدّقون ولا يتأمّلون ما فيه من بدائع المعارف والحكم والأحكام التي لا توجد حتى في الكتب المنسوبة إلى السماء.
وعلى هذا يكون عطف (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ) على ما سبق من قبيل عطف الجزء على الجزء، والاختلاف بينهما بالسبق واللحوق.
2. (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ):
الآية تتضمّن بيان حقائق كونية، إليك الإشارة إلى رؤوسها:
1. رفع السماوات بغير عمد.
2. استواؤه تعالى على العرش.
3. تسخير الشمس والقمر.

1 . الأنفال:31.

صفحه 19
4. حركة الشمس والقمر محدّدة مؤقّتة وليست دائمة.
5. تدبير الكون بيد الله سبحانه.
6. تفصيل الآيات بيد الله سبحانه.
7. تبيين هذه الحقائق لغاية الإيمان بيوم لقاء الله تعالى.
وإليك بيان هذه الحقائق:

الأُولى: رفع السماوات بغير عمد

قال تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا) والرَّفع ضد الوضع، فالله سبحانه خلقها مرتفعة. والآية دليل على قدرته العظيمة وذلك إنّ رفع هذا البناء الشامخ دون الاستعانة بدعائم مرئيّة يكشف عن تناغم دقيق في عالم الخلقة، ولولاه لتداعت أركان العالم وانهارت. وهذا النظام الرائع تتقاسمه قوّة الجاذبية وقوّة الطَّرد المركزيّ، وفي ظلّ التعادل القائم بينهما تنتظم حركة النجوم والكواكب والمجرّات في مساراتها.
فالجاذبية قانون عام جار على جميع الأجسام في هذا العالم، وهي تتناسب عكسياً مع الحدّ الفاصل بين الجسمين، إذ تتعاظم كلّما تضاءلت المسافة وتتضاءل كلّما ازدادت الفاصلة، فلو دارت رحى النظام الكوني الدقيق على قوّة الجاذبية فقط لارتطمت الكواكب والنجوم بعضها مع بعض ولتداعى النظام السائد، ولكن في ظل قانون الطّرد يحصل التعادل المطلوب، وقوّة الطّرد تلك تنشأ من الحركة الدورانية للأجسام.
ومهما يكن من أمر، ففي ظلّ هاتين القوّتين تبقى الملايين من المنظومات الشمسية والمجرّات معلّقة في الفضاء دون عَمَد، وتحول دون

صفحه 20
سقوطها وفنائها، وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم، ويقول:(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا).
وتتّضح دلالة الآية من خلال ملاحظة أمرين:
الأوّل: إنّ قوله: (تَرَوْنَهَا) وصف لـ(عَمَد) وهي جمع عمود، ويكون محلّه الجرّ لكونه وصفاً لـ(عَمَد).
الثاني: إنّ الضمير في (تَرَوْنَهَا) يرجع إلى الأقرب الذي هو (عَمَد) لا إلى السماوات التي هي أبعد. ومعنى الآية: إنّه سبحانه رفع السماوات من دون عمد مرئية، وهو لا ينفي العمود بتاتاً، وإنّما ينفي العمود المرئيّ، ولازم ذلك أنّ السماوات مرفوعة بعمد غير مرئيّة للبشر، وهذا هو المعنى الذي اختاره ابن عباس وغيره.(1)
وهو الظاهر ممّا رواه الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا، فإنّه(عليه السلام) قال في تفسير الآية:«أليس الله يقول: (بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)؟» فقلت: بلى، قال: «ثَمَّ عَمَد لكن لا ترونها».
ويؤيّده ما روي عن الإمام علي(عليه السلام)، أنّه قال:«هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض، مربوطة كلّ مدينة إلى عمود من نور».(2)

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:6/213.
ويُحتمل أن يكون قوله:
(تَرَوْنَهَا) حالاً من (السَّمَاوَاتِ)، والضمير راجعاً إليها، وعندئذ يكون محلّه النصب. وهذا الاحتمال بعيد.
2 . بحار الأنوار : 55 / 91، رقم الرواية 8 .

صفحه 21
ورواه الطريحي أيضاً لكن قال:«عمودين من نور» مكان قوله:«عمود من نور».(1)
ولعلّ المراد من العمودين هما قوّة الجاذبية، والقوّة الطاردة المركزية.
إنّ الكتاب الكريم صاغ الحقيقة المكتشفة من قبل «نيوتن»، بعبارة يسهل فهمها على عامّة الناس، وقال: (بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا).
وقد أشار سبحانه في غير واحدة من الآيات إلى أنّه سبحانه هو المُمْسِك للسماوات من الزوال، وقال:(إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ).(2)
وكونه سبحانه هو المُمْسِك لا يمنع من وجود علل طبيعية حافظة لسقوط السماوات وزوالها، فقد جرت سنّته سبحانه على تدبير العالم من خلال العلل الطبيعية التي هي من سننه سبحانه وجنوده الغيبية.
وللإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أكثر من خطبة يشير فيها إلى خلقة الأرض، منها قوله: «وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَار، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ».(3)
وقوله(عليه السلام): «فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَات بِلاَ عَمَد، قَائِمَات بِلاَ سَنَد».(4)
وعلى كلّ تقدير، فالتوازن الموجود في خلق السماوات والأرض هو

1 . مجمع البحرين: 2 / 162، مادة «كوكب».
2 . فاطر:41.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 18.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 182.

صفحه 22
مظهر من مظاهر قدرته في عالم الخلقة.

الثانية: استواؤه تعالى على العرش

قال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ): أي بعد ما (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا) تمّ استيلاؤه على العرش. وهذه الفقرة وقعت ذريعة للمجسّمة، فإنّ رفع الستر عن وجه الحقيقة يتوقّف على توضيح أمرين:
1. ما هو المراد من (الْعَرْشِ) في اللغة والقرآن؟
2. ما هو المراد من قوله: (اسْتَوَى)؟
أمّا الأمر الأوّل: فقد أُثر عن بعض السَّلف ترك الخوض فيما يرجع إلى المعارف والعقائد والاكتفاء فيها بقراءة الآيات والأحاديث دون تحقيق، فعن سفيان بن عُيينة، قال: كلّ شيء وصف الله به نفسه في القرآن، فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثيل.(1) وقال ابن قُدامة المقدسيّ: وعلى هذا درج السَّلَف والخَلَف (رضي الله عنهم) متّفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لِما ورد من الصفات في كتاب الله وسنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله.(2)
هذه العبارات وما يشابهها تدلّ على أنّهم أقفلوا باب البحث عمّا ورد من معارف في القرآن الكريم، ولذلك لا تعجب من قول مالك بن أنس ـ لمّا سُئل عن معنى الفقرة ـ الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإنّي أخاف أن تكون ضالاً. وأمر به فأُخرج».(3)

1 . انظر: علاقة الإثبات والتفويض: 95، الطبعة الخامسة.
2 . علاقة الإثبات والتفويض: 59 .
3 . عون المعبود:9/76.

صفحه 23
وفي ظلّ هذا النوع من التفكير نشأت فرق المشبّهة والمجسّمة وكلّ من يجري الصفات الخبرية بمعناها اللغوي على الله سبحانه، فالله سبحانه يأمر المؤمنين بالتفكّر في القرآن الكريم، ويقول: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(1)، فالسائل كان يريد التدبّر وفهم ما ورد في القرآن الكريم غير أنّه جوبه بصرامة، ومُنع من التدبّر ووُصف سؤاله بأنّه بدعة.
فدع عنك نَهْباً صيحَ في حَجَراته *** ولكنْ حديثاً ما حديث الرواحلِ
إنّ هذه الفقرة جاءت في الذكر الحكيم في أكثر من موضع، ولذا نأتي هنا بتفسير اللفظين.
أمّا العرش فقد ذكر المفسّرون أنّه ليس له إلاّ معنى واحد، قال ابن فارس في مادة (عرش): له أصل صحيح واحد يدلّ على ارتفاع في شيء مبنيّ، ثم يستعار في غير ذلك. ومن ذلك العرش، قال الخليل: العرش: سرير المَلِك، وهذا صحيح، قال الله تعالى:(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ)(2) ثم استعير ذلك لأمر الرجل وقوامه: عرش. وإذا زال ذلك عنه قيل: ثُلَّ عرشُه.(3)
وحاصل كلامه: إنّ العرش في الأصل بمعنى الشيء المرتفع، ثم يستعار لسرير المَلِك وقوام أمر الرجل، أمّا استعماله في أصل معناه فتدلّ عليه آيات كثيرة، كقوله سبحانه:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)(4)، وقوله سبحانه: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا

1 . محمد:24.
2 . يوسف:100.
3 . معجم مقاييس اللغة:4/264.
4 . البقرة:259.

صفحه 24
يَعْرِشُونَ)(1)، وقوله سبحانه: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ).(2)
وأمّا استعماله على نحو الاستعارة، أي في عرش الملك، فكقوله سبحانه:(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ)(3)، وقوله سبحانه:(وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).(4)
ثمّ إنّ وجه الاستعارة واضح باعتبار أنّ عرش المَلِك له مقام عال في أذهان الناس.
وأمّا أنّه ربّما يستعمل في انفصام أمر الرجل وقوامه، فيكفي في ذلك قول العرب: أظننت عرشك لا يزول؟(5)
هذا كلّه حول العرش، وأمّا الاستواء، فللراغب هنا كلام جيّد،
يقول: واستوى يقال على وجهين: أحدهما يسند إليه فاعلان فصاعداً،
نحو: استوى زيد وعمرو في كذا، أي تساويا. وقال تعالى:(لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ).(6)
والثاني أن يقال لاعتدال الشيء في ذاته نحو: (ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى)(7)،

1 . النحل:68.
2 . الأعراف:137.
3 . يوسف:100.
4 . النمل:23.
5 . المفردات للراغب:329، مادة (عرش).
6 . التوبة:19.
7 . النجم:6.

صفحه 25
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ)(1)،(لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ)(2)، (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)(3)، ومتى عُدّي بـ(عَلى) اقتضى معنى الاستيلاء كقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(4).(5)
إذا تبيّن معنى اللَّفظين فلنرجع إلى تفسير الفقرة، فعلى ما ذكره الراغب وغيره، فقد أُريد هنا أنّه سبحانه استوى على عرشه، لا أنّه علا عرشَه، أو جلس على عرشه.
إنّما الكلام فيما هو المراد من عرشه سبحانه، وما يناسب سياق الآية في هذا المقام وغيره أنّ المراد هو مجموع السماوات والأرض وما فيها من المجرّات والكواكب المدهشة للعقل، فالآية تدلّ على استيلائه سبحانه على عرش القدرة وتسلّطه على صفحة الوجود، بتدبيره وتنظيمه الأُمور دون أن يخرج المُلك عن سلطانه. والذي يشهد لذلك أنّه سبحانه يذكر بعد ذلك أُموراً ترجع إلى تدبير العالم من تسخير الشمس والقمر، وتدبير الأمر وتفصيل الآيات، كما يذكر بعد هذه الآية مدَّ الأرض وجعلَ الرواسي والأنهار فيها، إلى غير ذلك من الأُمور الكونية التي سيأتي تفصيلها، فذكر هذه الموارد أفضل دليل على أنّ المراد من الاستيلاء على العرش كونه قائماً بتدبير صحيفة الوجود عالياً أو سافلاً من دون حاجة إلى معين أو من دون حاجة إلى تفويضه إلى مقام آخر غيره سبحانه.

1 . المؤمنون:28.
2 . الزخرف:13.
3 . الفتح:29.
4 . طه:5.
5 . المفردات للراغب: 251، مادة «سوا».

صفحه 26
ثمّ إنّ تفسير الاستيلاء على العرش بالاستعلاء والجلوس عليه يوجب اختزال الفقرة عمّا قبلها وعمّا بعدها، حيث إنّ مجموع الآية يتحدّث عن الخلق والتدبير، فالإخبار عن استعلائه وجلوسه على العرش فاقد للصلة بين فقرات الآية.

الثالثة: تسخير الشمس والقمر

قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى).
الفقرة تتحدّث عن تسخير الشمس والقمر، وفي آية أُخرى تسخير ما في السماوات وما في الأرض، وقال: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ).(1)
وأمّا حقيقة التسخير فهو كون الشمس والقمر مأموران بأمر الله تعالى. نعم المسخِّر هو الله سبحانه والمسخَّر له ـ كما ورد في سورة لقمان ـ هو الإنسان. وإنّما خصّ ذكر الشمس والقمر بالتسخير، مع أنّ هناك كواكب ونجوماً كثيرة أكبر من الشمس والقمر، إنّما خصّهما بذلك لعُظم الانتفاع بهما بوجه واضح.

عظمة الشمس، والفواصل الدقيقة بينها وبين سائر السيّارات

الشمس تعتبر كرة من الغازات الملتهبة، والنار المستعرة، وتصل الحرارة في داخل الشمس إلى أكثر من (20) مليون درجة فهرنهايت، وأكثر من (12) ألف درجة فهرنهايت على السطح الخارجي، والطاقة التي تصل

1 . لقمان:20.

صفحه 27
منها إلى الأرض كلّ ساعة تعادل احتراق (21) بليون طن من الفحم.
هذا ما يرجع إلى عظمة الشمس، ومن أهمّ ما يلفت النظر في المنظومة الشمسية، هو المسافات الدقيقة التي تفصل الشمس عن الكواكب التابعة لها، والحركات المنتظمة لهذه الشمس والكواكب، وما يتولّد عن ذلك، أو يترتّب عليه من الأحوال اللازمة، كالفصول، والليل والنهار، وما شابه ذلك.
فالبعد بين الشمس والأرض يبلغ حوالي (93) مليون ميل، وتبعد عطارد عن الشمس، مثلاً بـ(36) مليون ميل، والزُّهرة بـ(مليون) ميل، والمرّيخ بـ(142) مليون ميل، ويبعد بلوتو عن الشمس بـ(3671) مليون ميل.
وهذه المسافات البعيدة بين الكواكب والشمس، تكشف أيضاً عن مدى سعة الفضاء، في حين تُشكّل منظومتنا الشمسية بأقمارها وكواكبها هذه جزءاً من مجرّتنا.
هذا ما يرجع إلى تسخير الشمس.
وأمّا تسخير القمر، فهو أقرب كوكب إلى الأرض، حيث يبعد عنها حوالي (000،390)كيلومتر.
والله سبحانه يصفه بقوله:(جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالقَمَرَ نُورًا)(1) ووصف الشمس بالضياء، والقمر بالنور أوضح دليل على أنّه فاقد للضياء ويكتسب النور من الشمس.
وفي آية أُخرى:(وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنيرًا).(2)

1 . يونس:5.
2 . الفرقان:61.

صفحه 28
إلى هنا تمّ الكلام في الحقيقة الثالثة، وإليك الكلام في الحقيقة الرابعة:

الرابعة: حركة الشمس والقمر محدودة، مؤقتة

قوله تعالى: (كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى)
الفقرة تثبت لكلّ من القمرين حركة إلى مدّة معيّنة.
أمّا الشمس، فلها حركة موضعية، (تدور حول محورها)، وحركة انتقالية. وهي تتحرك مع سيّاراتها وأقمارها إلى نقطة شمالية، وتبلغ سرعة حركتها نحواً من (5/19) كم في الثانية.
وأمّا جريان القمر، فهو يدور حول الأرض في مدّة، تساوي (29) يوماً و(12) ساعة.
والله سبحانه جعل جريان القمر تقويماً طبيعياً لكلّ مَن يعيش في الأرض، وعلامة لمن يسير في الليالي. وللقمر أثر خاص في حياة الإنسان بُيّن في العلوم الفلكية والطبيعيّة.
وأمّا ما هو المراد من قوله: (لاَِجَل مُسَمًّى)، فالظاهر أنّ المراد هو حلول يوم القيامة، يقول سبحانه: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَ خَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ أَيْنَ الْمَفَرُّ).(1)

حدوث العالَم وفناؤه

لقد أثبتت العلوم الطبيعية أنّ الكون يسير باتجاه موت حراري وشيخوخة يُصطلح عليها في الفيزياء بـ (الانتروبي)، فقد توصّل العالم

1 . القيامة:6ـ10.

صفحه 29
الإنجليزي إسحاق نيوتن(1642ـ1727م) نتيجة تحقيقاته إلى أنّ العالم يتّجه ـ باستمرار ـ نحو التفكّك والتحلّل، والبرود، وسيأتي اليوم الذي تتساوى فيه كلّ الأجسام في حرارتها، وتغدو كالماء الذي استقرّ في الأواني المستطرقة بصورة متساوية السطوح، وحينئذ ستتوقّف كلّ حركة، ويترك الصخب والضجيج مكانهما بالجمود والسكوت، وتترك الحياة مكانها للموت.
لقد أثبت من خلال دراسته للحرارة أنّه في جميع التغيّرات الحاصلة في الحرارة يتحوّل قسم من «الطاقة ذات الوجود الحراري» إلى «طاقة غير ذات وجود حراري»، ولا يمكن العكس إلى أن تنتقل الطاقة غير ذات الوجود الحراري إلى الطاقة ذات الوجود الحراري.
إنّ وجود الحركة والحياة في هذا الكون إنّما هو نتيجة التفاوت والاختلاف الموجود بين أجزائه في الحرارة، فإذا انتقلت الحرارة من الأجسام الحرارية إلى الأجسام الأُخرى، وتساوت الحرارة في الجميع وحلّت البرودة مكان الحرارة لم يبق مجال للتفاعل الذي هو نتيجة الاصطكاك بين الأجزاء المتفاوتة، والفعل وردّة الفعل.
إنّ الكشف المذكور يعدّ دليلاً قوياً على حدوث الكون، إذ لو كان هذا العالَم الماديّ أزليّاً للزم أن تبرد فيه الحرارة منذ زمن بعيد، وأن تنعدم فيه الحياة منذ وقت طويل; لأنّ العالَم محدود في طاقاته، فكيف يمكن أن يكون هذا العالَم موجوداً منذ الأزل إلى الآن، وهو يفقد كلّ يوم هذه الكميّة الهائلة من حرارته نتيجة الانفجارات المتلاحقة في ذاته؟!
وبعبارة ثانية: إنّ العالَم لو كان أزليّاً لكان ينبغي أن تنعدم الحياة والحركة فيه منذ أقدم العصور نتيجة فقدان أجزائه للحرارة، وانتقال طاقاتها

صفحه 30
المتاحة إلى طاقة غير متاحة، وتوقّف العمليات الطبيعية والكيمياوية وللزم أن لا نجد على الأرض أيّ أثر للحياة والأحياء، وأن لا تبقى إلى الآن أيّة حرارة للشمس لحصول الموت الحراري الّذي أشار إليه الكشف المذكور منذ زمن بعيد، نظراً للكمية المحدودة للحرارة في الكون.
فنستنتج من ذلك أنّ لهذا الكون بداية وأنّه حادث، وليس أزليّاً، فالكون يشبه السِّراج النِّفطيّ الّذي يفقد أجزاء من وقوده عند الإضاءة باستمرار، فلا يمكن أن يكون مشتعلاً منذ الأزل، إذ يلزم من ذلك أن ينتهي نِفطه ووقوده منذ وقت طويل، لأنّ الوقود المحدود لا يمكن أن يبقى إلى الأبد.
فإذا وجدناه لا يزال مشتعلاً استنتجنا من ذلك كونه حادثاً، وعرفنا أنّ اشتعاله وإضاءته لم تكن من الأزل.
إنّ نظامنا الشمسي بل مجرّتنا ـ الّتي يعتبر هذا النظام الشمسي جزءاً صغيراً منها ـ أشبه ما تكون بالسِّراج النِّفطيّ المذكور الّذي تتناهى طاقاته، لأنّ هذه المجرّة تملك طاقات محدودة، فلو كانت هذه المجرّة قديمة في وجودها وانفجاراتها، للزم أن يكون قد انتهى كلّ ما فيها من الطاقات، وللزم أن لا نرى الآن أي أثر للعمليات والتفاعلات الطبيعية، والحال أنّنا نشاهد استمرار هذه العمليات والتفاعلات، ونلاحظ ـ تبعاً لذلك ـ استمرار مظاهر الحياة الناتجة عنها، وهذا يكشف بجلاء عن وجود بداية لهذا الكون، ويبطل القول بأزليّته وقِدَمه.
وإن شئت قلت: إنّه لو كانت المادة وانفجاراتها الملازمة لها قديمة وأزليّة، للزم أن ينفد كلّ ما فيها من الطاقات، لضرورة انتهاء كلّ طاقة محدودة

صفحه 31
إذا كانت فعّالة في زمن غير متناه وغير محدود.
ثمّ إنّ هذا البرهان على حدوث العالَم، يدلّ على فنائه أيضاً، وذلك لأنّ طاقات العالَم محدودة معيّنة، وسيأتي يوم تنتهي فيه تلك الطاقات، وتصير الأجسام من حيث الحرارة والبرودة على وجه سواء.
***

الحقيقة الخامسة: تدبير الكون بيد الله سبحانه

قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الأمر)
التدبير: جعل الشيء عقيب الشيء وترتيب الأُمور وتنظيمها ووضع كلّ شيء في موقعه الخاص بحيث يترتّب عليه ما يُقصد به من الغرض والفائدة، يقال: دبّر أمر البيت أي نظم أُموره.
فتدبير أمر العالم تنظيم أجزائه بحيث يصل كلّ شيء إلى غايته المقصودة منه.(1)
والمشركون كانوا موحّدين في الخالقية دون أمر التدبير، فلذلك يُعدّ التوحيد في التدبير من مراتب التوحيد، فالله سبحانه هو الخالق، وفي الوقت نفسه هو المدبّر والمتصرّف في شؤون الكون، وقد دبّ الشرك بين المشركين من تلك الناحية، فاعتقدوا بتوحيده في الخالقية، ولكنّهم فوّضوا تدبير كلّ نوع إلى ربّ خاص، على اختلافهم في تعدّد الأرباب، فالله سبحانه يؤكّد في الذكر الحكيم على التوحيد في الربوبية، ولكنّه لا ينافي الاعتراف بوجود علل طبيعية، وأسباب مادية، يؤثر كلّ في الآخر، بإذن الله سبحانه،

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 11 / 289 ـ 290.

صفحه 32
فمَن أنكر التأثير الطبيعي، وخصّ العلّيّة بعلّة واحدة، وهو الله سبحانه، فقد خالف الذكر الحكيم، فهو يعترف ـ مع التركيز على التوحيد في التدبير ـ على وجود الصلة بين أجزاء العالم، وسيوافيك في تفسير قوله:(يُسْقى بِماء واحد) توضيحه.
ولأجل إبطال الشرك في الربوبية، وهدم الوثنية، نرى أنّ الذكر الحكيم، يُسند الأُمور الطبيعية، والظواهر المادّية، إلى الله سبحانه خلقة وتدبيراً، وما هذا إلاّ لأجل التركيز على التوحيد، ولكن في الوقت نفسه يعترف بوجود الروابط بين الموجودات الطبيعية.
هذا كلّه حول الحقيقة الخامسة، وأمّا السادسة، فأشار إليها بقوله تعالى: (يُفَصِّلُ الاْيَاتِ)

الحقيقة السادسة: تفصيل الآيات

أراد سبحانه من الآيات، الآيات الكونية، التي فصّلها فيما تقدّم من آيات، وفيما يأتي.
وعلى هذا فالتفصيل بمعنى التبيين.
وربّما يقال: إنّ المراد من التفصيل هو التمييز، فالله سبحانه يميّز المتّقين من المجرمين يوم القيامة ولذلك سُمّيت القيامة بيوم الفصل وقال:(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ)(1)، وقال: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)(2)، وقال: (لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ).(3)

1 . الدخان:40.
2 . يس:59.                     3. الأنفال:37.

صفحه 33
يلاحظ عليه: أنّ سياق الآية يُلهم أنّه سبحانه يقوم، فيما سبق من الآيات، بتفصيل الآيات وتبيينها، لا أنّه يقوم بهذا الأمر يوم القيامة.
على أنّ الظاهر أنّ الغاية من تفصيل الآيات هو حصول اليقين المترتّب على التفصيل المتقدّم عليه،كما يقول: (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)فيجب أن يكون حاصلاً في أيّام الدنيا لا في ما يتأخّر عنها.

الحقيقة السابعة: تبيين هذه الحقائق لغاية الإيمان بيوم لقاء الله تعالى

قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)
في هذه الفقرة احتمالان:
الأوّل: الإشارة إلى أنّ خلق السماوات والأرض وما بينهما ليس عبثاً، بل له غاية وهو: لقاء الناس ربَّهم، وكأنّ خلق العالم مقدّمة لإيصال الإنسان أو كلّ موجود إلى غايته.
الثاني: أنّه سبحانه ببيان ما مضى من عوالم الخلق، يستدلّ على قدرته على حشر الناس يوم القيامة، فالقادر على خلق تلك العوالم العظيمة، أقدر على إعادة الإنسان إلى ساحة الحياة، قال تعالى:(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).(1)
3. (وَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ

1 . غافر:57.

صفحه 34
فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ):
تضمّنت الآية السابقة ذكر العوالم العُلويّة وأحوالها، واشتملت هذه الآية على العوالم السُّفليّة وأحوالها، وقد ذكر تعالى من مظاهر قدرته وتدبيره فيها ـ وهي جميعاً تبيين لقوله سبحانه:(يُدَبِّرُ الأمر) ـ الأُمور الخمسة التالية :
1. مدّ الأرض وبسطها وتوسيعها.
2. جعل الرواسي في الأرض.
3. جعل الأنهار فيها.
4. جعل الثمرات زوجين اثنين، كالرَّطْب واليابس، والحلو والحامض.
5. إغشاء الليل النهار، وبالعكس.
وإليك بيان هذه المظاهر التي تسوق من يتأمّل فيها إلى الإيمان بأنّه لا مدبّر سواه جلّ شأنه، لأنّ الآلهة المكذوبة أعجز من أن تنهض بتدبيرها والقيام بها.

1. مدّ الأرض وبسطها

قوله سبحانه:(وَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ) عطف على قوله:(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ)وأُريد من المدّ: البسط، فالله سبحانه مدّ الأرض وبسطها لتكون صالحة لعيش الإنسان وغيره من المخلوقات، ولو كانت مملوءة بسلاسل من الجبال الشديدة الوعورة لَما تيسّر الزرع والعمران والسَّعي في مناكبها.
وقد عبّر سبحانه عن مدّ الأرض بالفرش، كقوله تعالى: (وَالأَرْضَ

صفحه 35
فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)(1)، وبالبسط تارة أُخرى كقوله:(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا)(2) وتعليل البسط بإمكان السير والسلوك فيها، دليل على أنّ المراد من بسط الأرض خلوّها من الجبال المانعة من السَّير والزرع والعمران.
ثمّ إنّ مدّ الأرض لا ينافي كرويّتها لِما عرفت من أنّ المراد من بسطها كون سطحها غير مغطّىً بالجبال الوعرة، كيف؟ وإنّ قسماً من الآيات دالّ على كرويتها قال سبحانه: (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)(3) فإنّ تعدّدهما فرع كونها كروية حتى تتعدّد فيه المشارق والمغارب، وفي الروايات إشارة إلى كرويتها قال أبو عبد الله الصادق(عليه السلام): «إنّما عليك مشرقك ومغربك».(4)
وفي رواية أُخرى عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«مسّوا بالمغرب قليلاً فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا».(5)
وبذلك يعلم أيضاً لا منافاة بين كونها كرويّة مع كونها مسطحة قال سبحانه:(وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)(6) لأنّ لكلّ جسم بأي شكل كان له سطح. نعم المسطّح يقابل الكرويّة في مصطلح المهندسين. وعلى كلّ تقدير، فمدّ الأرض وتخليتها من موانع الزرع والسير فيها من مظاهر التدبير.

1 . الذاريات:48.
2 . نوح:19ـ 20.
3 . المعارج:40.
4 . وسائل الشيعة:ج4، الباب20 من أبواب المواقيت، الحديث2.
5 . وسائل الشيعة:ج4، الباب14 من أبواب المواقيت، الحديث13.
6 . الغاشية:20.

صفحه 36

2. جعل الرواسي في الأرض

الرواسي: من رسا الشيء بمعنى ثبت واستقرّ، وهي صفة لموصوف محذوف، أي جعل فيها جبالاً راسية نظير قوله سبحانه:(وَ لَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ)(1): أي وله السفن الجواري. ثمّ إنّه سبحانه أشار في آية أُخرى إلى ما هو السرّ في جعل الرواسي على الأرض وقال: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)(2)، وفي آية ثالثة:(وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)(3). ولعلّ المراد هو أنّ الأرض بين ضغطين: ضغط داخلي لأجل الغازات التي تخرج منها بضغط شديد، وضغط خارجيّ ويتمثّل بجاذبية القمر; والأرض بين هذين الضغطين بحاجة إلى ما يصونها من الاضطراب والميَلان والتزلزل.

3. جعل الأنهار في الأرض

يلفت سبحانه، في هذه الفقرة، الأنظار إلى جعل الأنهار في الأرض، وهي تحكي عن وجود صلة بين الجبال والأنهار، إذ لولا وجود الجبال لكانت الأمطار تسيل بغزارة على الأرض وتنحدر إلى البحر ويتغلب عليها الجفاف وتشتكي العطش، ولكنّ الجبال تخزن كمية وافرة من الأمطار بصورة ثلوج ثم بالتدريج تتحوّل وتذوب وتكوّن أنهاراً وجداول، يسقي منها الإنسان خلال السنة ويُروّي مزارعه، وإلى هذا يشير سبحانه بقوله:

1 . الرحمن:24.
2 . النحل:15.
3 . النبأ:7.

صفحه 37
(وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَات وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا)(1) حيث عطف سقي الإنسان بماء فرات على الرواسي الشامخات، وما ذلك لأنّ الرواسيَ الشامخات تحفظ الأمطار في قُللها.

4. الزوجية في الثمرات

ظاهر الفقرة أنّه سبحانه جعل من كلّ الثمرات زوجين اثنين، بمعنى جعلها أنواعاً متخالفة، كلّ نوع يخالف الآخر كالحلو والحامض، والرَّطْب واليابس .
وربّما يقال: إنّ المراد من كون الثمرات زوجين بمعنى أنّه جعل فيها من أصناف الثمرات زوجين اثنين ذكراً وأُنثى في أزهارها عند تكوّنها، فقد أظهر الكشف الحديث أنّ كلّ شجر وزرع لا يتولّد ثمره وحبُّه إلاّ من بين اثنين ذكر وأُنثى.
ثمّ إنّ عضو الذكر قد يكون مع عضو الأُنثى في شجرة واحدة كأغلب الأشجار وقد يكون عضو الذكر في شجرة والآخر في شجرة أُخرى كالنخل، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة، إمّا أن يكونا معاً في زهرة واحدة، وإمّا أن يكون كلّ منهما في زهرة وحده، والثاني كالقرع، والأوّل كشجرة القطن فإنّ عضو التذكير مع عضو التأنيث في زهرة واحدة.(2)
واختاره المراغي في تفسيره(3)، وهو أيضاً خيرة الشيخ الصادقي،

1 . المرسلات:27.
2 . الجواهر في تفسير القرآن الكريم لطنطاوي جوهري كما في الميزان: 11 / 292 .
3 . لاحظ : تفسير المراغي: 13/66.

صفحه 38
الذي قال: فكلّ النابتات تحمل في ذواتها زوجين اثنين، فتضمّ أعضاء الذكورة وأعضاء الأُنوثة مجتمعة في زهرة، أو متفرّقة في العود، فهي لا تتولّد ثمارها وحبّها إلاّ بين زوجين اثنين، كما والبعض منها ـ كذلك ـ زوجان اثنان.(1)
أقول: يلاحظ عليه بما علّق به السيد الطباطبائي من أنّ ما ذُكر وإن كان من الحقائق العلمية التي لا غبار عليها إلاّ أنّ ظاهر الآية الكريمة لا يساعد عليه، فإنّ ظاهرها أنّ نفس الثمرات زوجان اثنان لا أنّها مخلوقة من زوجين اثنين، ولو كان المراد ذلك لكان الأنسب به أن يقال: وكلّ الثمرات جعل فيها من زوجين اثنين.(2)
ومع ذلك نقول:إنّ قانون الزوجية في عالم المادّة كلّه، يمكن أن يُستفاد من قوله سبحانه:(وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(3). وأمّا ما هو المراد من الزوجية العامّة في صحيفة الوجود فعلى عاتق العلم. إنّ القدامى من المفسّرين يؤوّلون الآية بتركيب كلّ موجود من جوهر وعرض أو من المادّة والصورة، فلا يوجد في صحيفة الوجود شيء فاقد لهذا النوع من التركيب وإنّما البسيط من جميع الجهات هو الله سبحانه. وسيوافيك ما هو المراد من الزوجية العامّة عند تفسير سورة الذاريات، ونذكر هنا إجمال ما سيأتي تفسيره هناك.
إنّ كلّ موجود مادّيّ يتكوّن من ذرّات، وتتكوّن الذرّة ـ وهي إحدى

1 . الفرقان في تفسير القرآن:15/144.
2 . الميزان في تفسير القرآن:11/292.
3 . الذاريات:49.

صفحه 39
الوحدات الأساسية لبناء المادّة ـ من ثلاثة جسيمات رئيسية، هي: الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات. والإلكترون يحمل شُحنة سالبة، والبروتون يحمل شحنة موجبة. أمّا النيوترون فيحتوي ـ كما تبيّن للعلماء أخيراً ـ على كميّات متساوية من الشحنات الموجبة والسالبة.(1)ولمّا لم يكن حين نزول القرآن لدى البشر مفهوم لهذين الأمرين عبّر عنهما القرآن بالزوجية. وقد ورد في ذيل تفسير الآية حديث مرويّ عن الإمام الرضا(عليه السلام) يتكلّم فيه عن توحيد الله تعالى ـ إلى أن قال ـ :«بخلقه الأشياء عُلم أن لا شبيه له، وبمُضادته بين الأشياء عُلم أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأُمورِ عُرف أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والشر بالخير، مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، بتفريقها دلّ على مُفرّقها، وبتأليفها على مؤلّفها، قال الله تعالى:(وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(2)
تمّ الكلام في الأمر الرابع، وإليك الكلام في الأمر الخامس.

5. غِشيان اللَّيل النَّهار

ليس لليل والنهار حقيقة سوى أنّ البسيطة التي نسكنها تدور حول محورها أمام الشمس، وعندئذ يصبح النصف الذي يقابل الشمس مضيئاً ويُسمّى بالنهار، والنصف الآخر يكون مظلماً ويُسمى باللَّيل. وهذه الحالة مستمرّة حتى تتمّ دورة حركة الأرض حول محورها، غير أنّ القرآن الكريم يعبّر عن هذه الحالة بتعابير مختلفة: تارة يعبر عنها باختلاف الليل والنهار

1 . انظر: الموسوعة العربية العالمية:10/640.
2 . البرهان في تفسير القرآن: 9 / 227، برقم 2 (10140).

صفحه 40
ويقول:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَات لأُولِي الأَلْبَابِ)(1)، وأُخرى بالإيلاج ويقول: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(2)، وثالثة بالتقليب ويقول: (يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ)(3) وفي آياتنا هذه يعبّر بالغشيان: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ). وفي هذا التعبير (غشيان الليل النهار) إشارة إلى أنّ ظلمة اللّيل أشبه بساتر يستر ضوء النهار. وبتعبير آخر: إنّ الله تعالى يغطّي بظلمة اللَّيل مكان ضوء النهار على الأرض بالتدريج فيصير ليلاً. والآية تتحدّث عن غشيان الليل النهار. أمّا غشيان النهار اللّيل فتشير إليه آية أُخرى كما يقول: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)(4) حيث إنّ سلخ النهار يلازم كونه غاشياً للّيل.
وفي نهاية الآية يذكر سبحانه ما هي الغاية من ذكر هذه الأُمور الكونية، فيقول: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) فهذا النظام الدقيق الذي يسود الكون عبر ملايين السنين أدلّ دليل على وجود مدبّر فائق في قدرته وتدبيره، وأنّ الآلهة المكذوبة أعجز من أن تدبّر أمر نفسها فضلاً عن أنّ تدبّر هذه الأُمور الكونية العظيمة.
4. (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا

1 . آل عمران:190.
2 . الحج:61.
3 . النور:44.
4 . يس:37.

صفحه 41
عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ):

اختلاف الثّمار ووحدة الماء والتراب

الآية عطف على قوله: (وَهُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ)، وهي من أوّلها إلى آخرها تتضمّن الإشارة إلى بعض مظاهر تدبيره سبحانه، حيث إنّه خلق عالماً فيه مساحات من الأرض متجاورة، إمّا متشابهة أو مختلفة متباينة، بمعنى أنّ بعضها سبخة وبعضها عذبة وفيها جنات مختلفة، والجميع يسقى بماء واحد، فما هو السبب لهذه الثّمار المختلفة نوعاً وطيباً؟ كلّ ذلك يدلّ على أنّ وراء هذا العالم وجوداً ذا قدرة عظيمة يصنع من تراب واحد وماء واحد تلك الثّمار المختلفة. وعلى هذا فالآية بصدد بيان تدبيره سبحانه وليس بصدد بيان توحيده في التدبير، ولا بصدد بيان توحيده في الخالقية، إذ لم يكن يومذاك أي منكر للخالق حتى يستدلّ عليه القرآن. وعلى ما ذكرنا فالآية تبيين لقوله:(يُدَبِّرُ الأمرَ) أو لقوله: (يُفَصِّلُ الاْيَاتِ)فقط، فالآية بصدد تبيين مظاهر التدبير فقط ، وليست بصدد بيان أنّه المدبّر دون غيره، أو أنّه الخالق دون غيره. نعم سيصل الإنسان بعد التأمُّل في هذه العوالم إلى أنّه تعالى المدبّر لا سواه، كما سيأتي.
قوله: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ): أي بقاع متلاصقة ومتشابهة. وربّما تُفسّر بالمختلفة، فيقال: أرض سبخة وأرض عذبة (التربة الكريمة المنبت)(1) ولكنّ الظاهر أنّ المراد هو الأوّل لأنّ روح البرهان ـ كما سيوافيك ـ هو وحدة الأُصول واختلاف النتائج، ولازم ذلك أن تفسّر

1 . المصابيح في تفسير القرآن: 608.

صفحه 42
المتجاورات بالمتشابهات، أي قطع يشبه بعضها بعضاً، ومع ذلك الثمار فيها مختلفة(وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب): أي بساتين من شجيرات الكَرْم. وثمار العنب مختلفة في أحجامها ومذاقها وألوانها (وَزَرْعٌ): أي فيها زرع من كلّ نوع وصنف من الحبوب المختلفة التي تكون غذاء للإنسان والحيوان (وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ)والصِّنوان النّخلتان النّابتتان في أصل واحد (وَغَيْرُ صِنْوَان): أي مختلفة الأُصول (يُسْقَى بِمَاء وَاحِد): أي يُسقى كلٌّ من الجنّات والزرع والنخيل بماء واحد لا اختلاف في طبعه (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ): أي المأكول. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ): أي علامات باهرة لذوي الألباب والعقول.
وحاصل البرهان: إنّ الاختلاف في الثمرات والنخلات حتّى الاختلاف في النوع الواحد لابدّ له من منشأ، فما هو؟ فالأرض متشابهة والزرع والفواكه تسقى بماء واحد، والأرض لها طبيعة واحدة، والماء كذلك، ولكنّ الآثار متنوّعة ومختلفة، فكيف حدث هذا؟ ومن أين جاء هذا التباين في الخصائص؟ إنّ العقل المتجرّد من الهوى المرديّ والتقليد المذموم لابدّ أن يردّ هذا الاختلاف في الآثار والنتائج إلى مدبّر يدبّر العالم بعلمه وحكمته. وبذلك ظهر أنّ الآية بصدد بيان دقّة تدبيره سبحانه. نعم يصل الإنسان بعد التأمُّل إلى وحدة المدبّر لأنّ الآلهة المكذوبة أعجز من أن توجد هذا النوع من التدبير.
فإن قلت: يمكن أن يفسّر الاختلاف في الآثار بالاختلاف في الطبائع، فإنّ طبيعة شجرة التفاح غير طبيعة شجرة العنب، وهكذا في الزروع، فإنّ الحبوب مختلفة الطبائع، فيتجلّى أثر الاختلاف في آثارها.

صفحه 43
قلت: ما ذكرتَه صحيح، ولكن يُثار هنا السؤال التالي: ما هو السبب في اختلاف هذه الطبائع الداخلية؟ وما هي العلّة في إيجاد هذا التمايز في الطبائع مع أنّ المادة الأُولى مشتركة في الجميع؟ لا محيص عن القول بأنّ هذا التمايز والاختلاف يرجع إلى ربّ قادر عليم حكيم.
هذا، وللسيد جمال الدين الأسدآبادي كلام في تفسير الآية نقله صديقنا الشيخ محمد جواد مغنية في تفسيره ونحن ننقله بنصه:
إذا سُئل دارون عن الأشجار القائمة في غابات الهند والنباتات المتولّدة فيها من أزمان بعيدة لا يحدّها التاريخ إلاّ ظنّاً، وأُصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، فما السبب في اختلاف كلّ منها عن الأُخرى في بنيتها وشكلها وأوراقها وطولها وقصرها وضخامتها ورقّتها وزهرها وثمرها وطعمها ورائحتها؟ فأيّ فاعل خارجي أثّر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظنّ أنّه لا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه. وإذا قيل له: هذه أسماك بحيرة أورال وبحر قزوين مع تشاركها في المأكل والمشرب وتسابقها في الميدان، نرى فيها اختلافاً نوعيّاً وتبايناً بعيداً في الألوان والأشكال والأعمال، فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ فلا أراه يلجأ في الجواب إلاّ إلى الحصر. أي الضيق.(1)
ثمّ إنّ القول بأنّ الآية بصدد بيان التوحيد في الربوبية فيه خفاء، وذلك لقصور البرهان عن إثباته إذ لقائل أن يقول: إنّ وحدة الأُصول مع الاختلاف في النتائج والفروع، كما يمكن أن يكون نتيجة مدبّر واحد ممكن أن يكون

1 . التفسير الكاشف:4/376.

صفحه 44
نتيجة مدبّرات مختلفة، كلٌّ أخذ بتدبير كلّ نوع، وبذلك اختلفت الأشجار والثّمار.
سورة الرعد: الآيتان 5 و 6    
نعم، يمكن أن يقال: إنّه سبحانه ببيان هذه الآيات ـ من رفع السماوت بغير عمد ومدّ الأرض وجعل الجبال والأنهار وخلق الأراضي المتجاورة مع جنّات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ـ يريد ترغيب السامعين إلى دراسة سبب الاختلاف مع وحدة التربة والماء حتى ينتهي إلى الله سبحانه، وأنّه السبب دون غيره.

الآيتان: الخامسة والسادسة

(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ).

المفردات

تَعْجب: العَجَب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، وربّما تعرض حين رؤية ما يستبعد في العادة.
الأغلال: واحدها «غُلّ»، وهو طوق من الحديد طرفاه في اليدين ويحيط بالعنق.

صفحه 45
المَثُلات: واحدها: مَثُلة بمعنى العقوبات، وفي المصابيح: وقائع الله تعالى في الأُمم الخالية والعقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله.(1)
وبعبارة أُخرى: العقوبة الشديدة التي تكون مثالاً تمثّل به العقوبات.

التفسير

5. (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):
(وَإِنْ تَعْجَبْ) من شيء (فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) التنكير هنا للتنبيه أو للتعظيم (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)والاستفهام في كلامهم استفهام إنكاري، وقد تكرّر هذا الاستفهام في عدّة مواضع من القرآن الكريم.(2) والله سبحانه أبطل إنكارهم للبعث والنشور بعدم معرفتهم لقدرة ربّهم كما يقول: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ): أي أنكروا قدرة ربّهم ولم يعرفوه حقّ معرفته، ولذلك تصوّروا عجزه عن إحياء الموتى. ثم وصف مصيرهم بأُمور:

مصير المشركين يوم القيامة

1. (وَأُولَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) يوم القيامة، جزاء لهم على كفرهم

1 . المصابيح في تفسير القرآن :6 و9.
2 . انظر: الإسراء:27 و 49; المؤمنون:35; النحل:67; سبأ:17;السجدة:10;الصافات:16; الواقعة:47; والنازعات:10 و11.

صفحه 46
الذي مبعثه العناد والشقاق.
2. (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ): أي الماكثون في النار.
3. (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ففي يوم القيامة يُجَرّون إلى النار وفي أعناقهم الأغلال التي تدلّ على ذلّتهم، ويمكثون فيها دائماً.
ثمّ إنّ هنا احتمالاً آخر في معنى كون الأغلال في أعناقهم يذكره السيد الطباطبائي، وهو أنّ المراد من الأغلال قيود الجهل وأغلال الجهل والإنكار، فكما أنّ الأغلال المادية تسلب الحركة عن الإنسان والسعي لواجبه، فهكذا القيود المعنوية تصدّ هؤلاء عن التفكّر في أمر المعاد، وأنّه أمر يسير على الله سبحانه.
ثمّ إنّه سبحانه يردّ هذا الاستبعاد الواهي في غير واحدة من الآيات، فتارة يفنّده بأنّ خلق الإنسان من تراب في ضمن مراحل أدلّ دليل على إمكان إعادة خلقه من جديد، كما يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ).(1)
وأُخرى بأنّ القادر على المبتدأ قادر على المعاد كما يقول:(وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(2)

1 . الحج:5.
2 . الروم:27.

صفحه 47
وثالثة يفنّد كون الإنسان هو العظم واللَّحم والعروق والأعصاب والدماء الجارية فيها، بل هو ثوب على الإنسان الواقعي وهو روحه، ولو مات فإنّما يفسد بدنه أي الثوب المتجلّي به، وأمّا واقع الإنسان وحقيقته فهو باق عند الله لا يفسد، يقول سبحانه:(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ).(1) فقوله سبحانه ـ حكاية عنهم ـ : (ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ) إشارة إلى شبهتهم بأنّ الموت إبطال للشخصية وليس الإنسان إلاّ مجموعة خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود تعمل بانتظام، فإذا مات وصار تراباً بطلت شخصيته من الأساس.
ثمّ إنّه سبحانه أجاب بجوابين: أوّلهما: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)ومعناه: أنّ إنكارهم المعاد صار سبباً لطرح هذه الشبهة ولولا هذا لما لجأوا إليها.
ثمّ أجاب بجواب ثان وهو: أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول:(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ): أي يأخذكم ملك الموت الذي وكّل بكم، فما هو الأصل الأصيل مأخوذ لملك الموت وهو باق عندنا(ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ): أي شخصيتكم الحقيقية (وهي الروح) لا تضل أبداً وهي عندنا محفوظة، فالضال هو الذي لا صلة له بشخصية الإنسان، فكلّما تعلّقت إرادته سبحانه بإعادة الإنسان يوم القيامة يعيدها إلى بدنه، فيكون المعاد هو نفس المبتدأ. وسيوافيك توضيح ذلك في سورة السجدة عند تفسير الآية.
6. (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ

1 . السجدة:10.

صفحه 48
الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ):

الطعن في رسالة النبي بالاستعجال بالسيّئة قبل الحسنة

تقدّم في الآية السابقة أنّهم طعنوا في رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) باستحالة إحيائهم بعد أن يموتوا ويصيروا تراباً. ثمّ إنّهم طعنوا في رسالته بأمر ثان، وهو الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة. وأُريد بالسيئة وعيد الرسول على تكذيبهم، وذلك استهزاء به(صلى الله عليه وآله وسلم). وكان يُفترض أن يسألوا الرحمة والسّلامة من الأسواء، ولكنّهم ـ لكفرهم ـ ، طلبوا نزول العذاب عليهم دون المغفرة!! ويظهر ذلك أيضاً من آيات غيرها، كقوله:(فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم)(1)، وقوله: (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا)(2)، بل يظهر من بعض الآيات أنّ الأُمم الماضية المعاندين لرسلهم كانوا يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، قال سبحانه ـ حكاية عن صالح(عليه السلام)ـ:(قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(3)، ولم يكن لهؤلاء المعاندين من جواب إلاّ الهراء كما يحكيه عنهم سبحانه:(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ).(4)
ثمّ إنّه سبحانه يوبّخهم بأنّهم لو لم يروا آثار العذاب النازل على الأُمم

1 . الأنفال:32.
2 . الإسراء:92.
3 . النمل:46.
4 . النمل:47.

صفحه 49
السابقة ربّما سَهُل الأمر في استعجالهم، غير أنّهم رأوا ما نزل على أُولئك من العذاب كما يقول:(وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ): أي مضت من قبلهم العقوبات التي يقع بها الاعتبار وما حلّ بهم من المسخ والخسف والصاعقة والغرق والريح، ومع ذلك كيف يطلبون السيئة؟
وبما أنّ تأجيل العذاب وتأخيره صار سبباً لاغترار هؤلاء وكأنّهم زعموا عجز النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن إنزال العذاب، فالله سبحانه يردّ على هذا الزعم بأنّ التأجيل والتأخير والإمهال لأجل (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ): أي بما أنّ ربّك ذو مغفرة ورحمة مع ظلم هؤلاء، يؤجِّل العذاب ويؤخِّره، ولولا أنّه ذو مغفرة للناس في حالة ظلمهم، أي حالة استعجالهم العذاب لأنزل العذاب عليهم واستأصلهم، وإنّما يصدّه عن هذا كونه ذا رحمة ومغفرة. وبما أنّ هذه الفقرة قد تورث جرأة للمشركين، أردفها بقوله:(وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ). والتعبير بـ(رَبَّكَ) يدلّ على أنّ الطرف المخالف مشرك لا يقول بربوبية الله. ثمّ إنّه قال:(لَذُو مَغْفِرَة)ولم يقل غافر، ولعلّه للتحرّر من أن يدلّ على فعلية المغفرة لجميع الظالمين حين ظُلمهم، فكأنّه يقول: إنّه لذو صفح عن الناس، ولكن ليس ذلك مجرّداً عن إمكان العقاب، قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):«لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش، ولولا وعيد الله وعقابه لاتّكل كلّ واحد».(1)

غفران الذنوب بلا توبة

ذهبت المعتزلة إلى أنّ مرتكب الكبائر إذا مات بلا توبة يكون مخلّداً

1 . مجمع البيان:6/13.

صفحه 50
في النار، لأنّ الله توعّده بذلك، ولابدّ أن ينفذّ وعيده. نعم لو تاب، فالتائب من ذنبه كمن لا ذنب له، لكنّ الآية تدلّ على خلاف مذهبهم، فالله سبحانه يصف نفسه بأنّه ذو مغفرة للناس في حال ظلمهم، فالفقرة ظاهرة في إمكان شمول مغفرة الله للظالمين أنفسهم بارتكاب المعاصي، ما عدا الشِّرك، فالله سبحانه لا يغفر الشِّرك، لقوله تعالى:(إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاء).(1)
قال الشريف المرتضى(رحمه الله): في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين، لأنّ قوله: (عَلَى ظُلْمِهِمْ) إشارة إلى الحال التي يكونون عليها ظالمين، ويجري ذلك مجرى قول القائل: أنا أودّ فلاناً على غدره، وأصِلُه على هجْره، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) لمن استحقّه.(2)
سورة الرعد: الآية7    
وأجاب صاحب الكشّاف عن الاستدلال: أنّه يريد السيئات المكفَّرة لمجتنب الكبائر، أو الكبائر بشرط التوبة، أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال.(3)
يلاحظ عليه: بأنّه تأويل بلا دليل مع إطلاق قوله: (عَلَى ظُلْمِهِمْ)، فإنّ إطلاقه يشمل الصغائر والكبائر، فتخصيصه بالأُولى من قبيل تفسير الآية وفق العقيدة.
فإن قلت: لعلّ المراد من المغفرة: العقاب المؤجَّل بالدنيا، لا مطلق

1 . النساء:48 و 116.
2 . مجمع البيان:6/13.
3 . تفسير الكشاف:2/159.

صفحه 51
العقاب، فالآية ناظرة إلى أنّه سبحانه يُمهل المشركين، ولا يعاجلهم بالعذاب، وأين هذا من غفران كبائرهم يوم القيامة؟
قلت: المراد من الغفران في الآية هو غفران الذنوب يوم القيامة، بقرينة مقابله، حيث قال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ).
وقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ).
فذيل الآية (لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) دليل على أنّ المراد هو غفران الذنوب التي تستوجب العقاب الشديد الذي يصيب الإنسان يوم القيامة.
روى الصَّدوق بإسناده عن إبراهيم بن العباس]الصُّوليّ[ قال: كنّا في مجلس الرضا(عليه السلام) فتذاكروا الكبائر وقول المعتزلة فيها: «إنّها لا تُغفر» فقال الرضا(عليه السلام):قال أبو عبد الله(عليه السلام)(1):«قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال الله عزّ وجلّ: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ).(2)
وحاصل الكلام:انّ إمكان غفران الذّنوب الكبائر بلا توبة أمر صحيح، يدلّ عليه ـ وراء ما سبق ـ قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(3)، ومورد الآية هو الشِّرك وما دونه بلا توبة، فيفرّق بينهما، وإلاّ فمع التوبة يغفر سبحانه عامّة الذّنوب.

الآية السابعة

7. (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ

1 . يعني الإمام الصادق
(عليه السلام).
2 . التوحيد للصدوق: 395، الباب 63، رقم الرواية4.   3. النساء:48.

صفحه 52
مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد):

مهمّة النبيّ التبليغ والإنذار لا الإجابة لكلّ مقترح

سورة الرعد: الآية 7    
تقدّم أنّ المشركين المعاندين طعنوا في رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تارة بزعم الاستحالة في إحياء الموتى، وأُخرى باستعجال العذاب، وثالثة بعدم الاعتداد بالآيات المنزلة على رسول الله، فاقترحوا عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) الإتيان بنحو آيات موسى وعيسى(عليهما السلام) بانقلاب العصا حية أو إحياء الموتى، كما يقول: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) عناداً (لَوْلاَ)تحضيضية (أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ) من الآيات التي نزلت على موسى(عليه السلام) وعيسى المسيح(عليه السلام) من ربّهما، فأجاب عنه سبحانه بقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) والقصر هنا إضافي بمعنى أنّك لم تبعث بالإجابة لكلّ ما يقترحون، وعلى هذا فلا منافاة بين كونه منذراً ومبشّراً، ثمّ يقول:(وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) يهديهم إلى الصراط المستقيم، فلا فرق بينك وبين من سبقك من الأنبياء في أنّ مسؤوليتكم هي هداية الناس لا الإجابة لكلّ المقترحات، غير أنّ اللازم إتمام الحجّة بالآية المعجزة وهي تختلف بما يناسب حال المرسل إليهم، ولذلك اختلفت معاجز السابقين عن المعجزة الكبرى التي أتى بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّ هؤلاء القوم كانوا في القمّة من الفصاحة والبلاغة، والشعر والخطابة، فجعل الله تعالى معجزته الكبرى هي القرآن الكريم، ثم تحدّاهم فعجزوا عن المباراة من يومهم الأوّل إلى يومنا هذا.
ثمّ إنّ الظاهر من قوله: (وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) هو الإطلاق من غير تخصيص بما سبق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وما تأخّر عنه، فيدلّ على وجود الهادي للأُمة المرحومة بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد روى أبو جعفر الطبريّ بإسناده عن ابن عباس،

صفحه 53
قال: لمّا نزلت :(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) وضع (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدره، فقال: «أنا المنذر»، وأومأ بيده إلى منكب عليّ، فقال: «أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي».(1)
وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) ووضع يده على صدر نفسه، ثم وضعها على صدر عليّ، ويقول: (وَلِكُلِّ قَوْم هَاد).(2)
وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في الآية: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «المنذر أنا، والهادي علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)».(3)
وقد تضافرت الروايات من طرقنا على هذا.(4) ونقتصر هنا على ذكر رواية واحدة منها.
روى الكليني بسند صحيح عن بُريد العجلي، عن أبي جعفر ]الباقر[ (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد)فقال:«رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المنذر، ولكلّ زمان منّا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الهداة من بعده عليٌّ، ثمّ الأوصياء واحد بعد واحد».(5)
ثمّ إنّه يستفاد من قوله سبحانه:(وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) وجود الهادي في كلّ زمان، ويؤيّده قول الإمام علي(عليه السلام):«وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ

1 . جامع ا لبيان(تفسير الطبري):8/138، برقم 20163.
2 . الدرّ المنثور:4/608.
3 . نفس المصدر.
4 . انظر: البرهان في تفسير القرآن:5/304ـ 305.
5 . الكافي:1/191ـ 192، باب أنّ الأئمّة
(عليهم السلام) هم الهداة.

صفحه 54
مُرْسَل، أَوْ كِتَاب مُنْزَل، أُوْ حُجَّة لاَزِمَة، أَوْ مَحَجَّة قَائِمَة».(1)
وفي كلام آخر له(عليه السلام):«اللَّهُمَّ بَلَى! لاَ تَخْلُو الاَْرْضُ مِنْ قَائِم لِلّهِ بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ».(2)
والآية الكريمة والروايات تدلّ على ما عليه الإمامية من عدم خلوّ الأرض من حجّة بين ظاهر مشهور وخائف مغمور.
وقد وافق عدد من كبار محدّثي السنّة الإمامية فيما ذهبوا إليه من دلالة الروايات على ضرورة وجود الحجّة في الأرض، ومنهم: ابن حجر العسقلاني، الذي قال ـ حينما وقف على مقام المهديّ المنتظر في السنّة الشريفة ـ : في صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأُمّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الأقوال أنّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجّة، والله أعلم.(3)

معاجز النبىّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) غير القرآن

قد ينقدح في أذهان البعض عندما يقرأ قوله تعالى:(لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ): أنّ النبيّ قد جاء بمعجزة خالدة وهي القرآن الكريم، فهل انحصرت معاجزه(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن فقط أو أنّه جاء بمعجزات أُخرى؟
والجواب: إنّ شبهة انحصار معاجز النبي الأكرم في القرآن الكريم قد أُثيرت ولأوّل مرّة من قبل الكتّاب المسيحيّين لتقليل أهمية الدعوة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 1.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم147.
3 . فتح الباري:6/494، برقم 3448.

صفحه 55
المحمدية والحطّ من شأن الرسول الأكرم ومنزلته وعظمته، حيث زعموا أنّ معاجزه(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت منحصرة في القرآن الكريم وأنّه كان يتحدّى قومه بالقرآن فقط، وكلّما طالبه قومه بأن يأتي لهم بمعجزة أحالهم على القرآن ولم يُظهر لهم أية معجزة غيره.
فهذا القسيس الألماني المعروف «فندر» صاحب كتاب «ميزان الحق» الذي كتبه حول حياة الرسول الأكرم يقول في كتابه المذكور ص 377 منتقداً النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ من شروط النبوّة أن يأتي مدّعيها بمعجزة لإثبات مدّعاه ولكنّ محمّداً لم يأت بأيّة معجزة قط. ثمّ استشهد على مدّعاه بالآية 50 من سورة العنكبوت، والآيات 89ـ 93 من سورة الإسراء، والآيتان 109 و 110 من سورة الأنعام، وغيرها من الآيات.
ولم ينفرد «فندر» بطرح هذه الشبهة والانتقاد، بل أثارها قساوسة آخرون، منهم مؤلّف كتاب «منار الحقّ» الذي تُرجم إلى اللغة العربية حيث أثار الشبهة في كتابه المذكور.(1)
وقد ذكر المرحوم فخر الإسلام(2): إنّ «المسيو جورج دوروي»
ألّف كتاباً حول حياة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)رسم في الصفحة 157 منه صورة خيالية للنبيّ الأكرم وبيده ورقة من القرآن الكريم، وكتب تحت الصورة: هكذا كان محمد كلّما طالبه قومُهُ بمعجزة ردّهم قائلاً: ليس لي ان آتيكم

1 . أنيس الأعلام:5/349ـ 351.
2 . هو قسّ مسيحيّ، أسلم وكتب حول النصرانية وما فيها من تناقضات وخرافات كتابه القيّم «أنيس الأعلام» وغيره من الكتب القيّمة. ولد في أرومية (بإيران) سنة (1267هـ)، وتوفّي بطهران نحو سنة (1330هـ). انظر: معجم طبقات المتكلّمين:5/435، برقم 722.

صفحه 56
بمعجزة إلاّ بإذن الله ولكنّ الله لم يمنّ عليّ بهذه النعمة، أي نعمة إظهار المعاجز.(1)
إنّ كلام هذا المستشرق يتألّف من فقرتين: الفقرة الأُولى منها هي عين الحقيقة، وهي قوله:«إنّه ليس لي أن آتيكم بمعجزة إلاّ بإذن الله».
وهذا كلام صحيح نؤمن به ونعتقده ويؤيّده القرآن الكريم، حيث قال سبحانه:(...وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ...).(2)
وأمّا الفقرة الثانية فهي افتراء وكذب حيث ادّعى أنّ النبيّ الأكرم قال: «ولكنّ الله لم يمنّ عليّ بهذه النعمة ولم يعطني أيّة معجزة» ولا ريب في أنّ هذا الكلام تقوّل وافتراء على الرسول الأكرم، بل دلّت الشواهد الكثيرة على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أتى بمعاجز كثيرة لقومه، وأنّ اللُّطف الإلهيّ ـ في هذا المجال ـ قد شمله كباقي الأنبياء والرسل(عليهم السلام).
كذلك من بين القساوسة القدامى نجد القسيس«اناركلي» مؤلّف كتاب «مشكاة الصدق» الذي طبع في لاهور عام 1901م قد سطّر هذه الشبهة في كتابه المذكور. وكان قد سبق بقية الكتّاب المسيحيين في إثارة تلك الشبهة، واستشهد بآيات من القرآن الكريم على مزعمته هذه.
ثمّ إنّ بعض كتّاب السيرة المعاصرين قد نقل تلك الشبهة وطريقة الاستدلال عليها واعتبرها من بُنات أفكاره مدّعياً أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)كلّما واجهه قومه بطلب المعجزة منه قابلهم بالسكوت أو الانصراف، وكان

1 . أنيس الأعلام:5/351.
2 . الرعد:38.

صفحه 57
يكتفي بالردّ عليهم:(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)(1)، وما عليّ إلاّ البلاغ، وقوله:(إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ).(2)
إنّ هذا الكاتب لم يُشر إلى جذور تلك الشبهة في أوساط الكتّاب المسيحيين، وكأنّه المؤسّس والباني لهذه الفكرة وهذا البحث!!
وخلاصة هذه الشبهة هي أنّه لم تكن لنبيّ الإسلام أية معجزة سوى القرآن الكريم، وإلاّ لما اعترض عليه المشركون بقولهم:(لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، لكنّ الاستدلال ضعيف جدّاً لأنّهم اقترحوا أن يكون للنبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) آية من تلك الآيات التي أوتيها موسى وعيسى(عليهما السلام)، وبما أنّ معجزة كلّ نبيّ يجب أن تكون مناسبة للفنّ الرائج في زمانه، لم يقم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بإذن الله تعالى ـ بنفس ما قام به النبيّان، وأمّا أنّه لم يؤت معجزة تكوينية غير القرآن، فليست الآية بصدد نفيه، وذلك لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بمعاجز أقوى وأرقى ممّا أُوتي النبيّون، نذكر منها ما يلي:
1. حادثة انشقاق القمر التي نصّ عليها سبحانه بقوله:(اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)(3)، وشهدت بها روايات عديدة. والآية صريحة، وكذلك الروايات، في ظهور هذه الآية الكونية على يد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع ذلك أعرض عنها المشركون المعاندون، ونسبوها إلى السِّحر.
2. الإسراء وقد دلّت الآيات الواردة حول إسراء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه

1 . الكهف:110.
2 . الأعراف:188.
3 . القمر:1ـ2.

صفحه 58
سبحانه(أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى)(1) وهي آية كونية لم يقم بها النبيّان السابقان، على أنّه يستفاد من بعض الآيات أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قام بمعجزة كونية اعترضوا عليه بأنّه يجب عليه أن يأتي بمثل ما أُوتي رسل الله، قال سبحانه:(وَ إِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ)(2) فتنكير (آيَةٌ) دليل على أنّ المراد غير القرآن الكريم بل آية كونية. أضف إلى ذلك تواتر الروايات على صدور معاجز عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكرامات جمعها المحدّثون في كتبهم، وأجمع كتاب عندنا هو «مدينة المعاجز» للسيد هاشم البحراني (المتوفّى 1107هـ).
سورة الرعد: الآيات 8 ـ 11    
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الاستدلال بالآية ساقط جدّاً. وقد استعرضنا الآيات التي يمكن أن يستدلّ بها القساوسة على أنّه لم يكن للنبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) معجزة غير القرآن في كتابنا «مفاهيم القرآن»، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(3)

الآيات: الثامنة إلى الحادية عشرة

(اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدَار* عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ* سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْف بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

1 . الإسراء: 1.
2 . الأنعام:124.
3 . لاحظ: مفاهيم القرآن:4/121ـ 173.

صفحه 59
وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال).

المفردات

تغيض: الغيض: ذهاب الماء إلى جهة العمق، وغاضت المياه أي نقصت.
سارب: سائر وذاهب في طريقه، يقال: خَلِّ له سَرْبَه، أي طريقه .
قال الأخنس بن شهاب:
ألا كلّ قوم قاربوا قيد فحلهم *** ونحن خلعنا قيده فهو ساربُ
معقِّبات: المعقّبات المتناوبات التي يخلف كلّ منها صاحبه، ويكون بدلاً منه. وأصل التعقيب أن يكون الشيء عقيب الآخر، ومنه العِقاب لأنّه يستحق عقيب الجرم، والعُقاب يُعقب الصيد، ويطلبه مرّة بعد أُخرى.
وال: الوالي: الذي يلي أمر أحد ويشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع.

التفسير

النظر في هذه المجموعة يثبت أنّها بصدد بيان سعة علم الله سبحانه لكلّ خفيّ وظاهر، وأنّه عزّ وجلّ عالم الغيب والشهادة، إنّما الكلام حول صلة هذه المجموعة بما قبلها من الآيات. ويمكن أن يقال: إنّ المشركين أنكروا إمكان المعاد بحجّة أنّ أجزاء الإنسان بعد موته تتفرّق في الأرض

صفحه 60
وتتناثر في أماكن مختلفة، فكيف يمكن أن تجمع هذه الأجزاء حتى يتشكّل منها جسم الإنسان؟ والله سبحانه ببيان سعة علمه ـ كما سيأتي ـ أبطل هذه الشبهة بأنّه عالم بما في الأرحام بشكل سيأتي توضيحه، وهو عالم بمن أسرّ القول أو جهر به، وعالم بمن هو مستخف باللّيل وساربٌ بالنهار، فبهذا العلم الوسيع يجمع ذرّات جسد كلّ إنسان تشتّتَ وتفتَّت في أنحاء الأرض، وإلى هذا الوجه يشير الطبرسيّ بقوله: اتّصلت الآية الأُولى: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) بقوله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد) فإنّه احتجاج للبعث، والمعنى: أنّه من كان بهذه الصفة في القدرة والعلم فإنّه يقدر على البعث.(1)
وكان الأَولى أن يقول: اتّصلت مجموعة هذه الآيات بقوله:(وَإِنْ تَعْجَبْ) لا خصوص الآية الأُولى.
ثمّ إنّه ذُكرت لصلة الآية بما قبلها وجوه أُخرى أوردها الطبرسي، والأَولى ما ذكرنا.
8 . (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدَار):
الآية تدلّ على علمه سبحانه بالأُمور الثلاثة التالية:
1. (مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى).
2. (وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ).

1 . مجمع البيان:6/20.

صفحه 61
3. (وَمَا تَزْدَادُ).
ثمّ أردف علمه بهذه الأُمور الثلاثة بأمر رابع وهو: (وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدَار).
أمّا الأوّل فالظاهر منه أنّ المحور للعلوم الثلاثة هو الأرحام وأنّ الحمل والغيض والزيادة يحدث فيها، وهي الموضوع له.
وعلى هذا فالمراد من قوله: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) هو الجنين الذي يحمله الرَّحم، وهل هو ذكر أو أُنثى، بل بكل خصائصه وصفاته الكامنة فيه، وهذا يختصّ بالله سبحانه.
وربما يقال: أنّ الحصر إضافي وأنّ الله سبحانه يعلم بالاستقلال والآخرون يعلمون بتعليمه، كسائر الأُمور، فإنّ علمه سبحانه على سبيل الاستقلال وغيره بتعليم منه.
يلاحظ عليه: أنّه لو أُريد ذلك لم يكن لتخصيص ذكر ما في الآية، وجه، فإنّ العلم به وإن كان غامضاً ولكن ما أكثر الغموض في عالم الخلق فالله سبحانه يعلم سرّه بالاستقلال، والآخرون بالتعليم.
فتخصيص ما ذُكر في الآية يدلّ على أنّ الوجه بذكره هو اختصاصه بالله سبحانه. وقد علمت ما هو وجه التخصيص.
ثمّ إنّ هذا النظام الدقيق للجنين أقوى دليل على علمه الوسيع وقدرته التامّة.
وأمّا الثاني أي: (وَمَا تَغِيضُ) فهو عبارة عن دم الحيض الذي يصرف في تغذية الجنين وبذلك يوصف بالغيض والنقصان.(1)

1 . الصحيح حذف لفظة (الحيض) لأنّ الجنين لا يتغذّى من دم الحيض، وإنّما يحصل على الغذاء والأوكسجين من دم الأُمّ من خلال المشيمة التي يتّصل بها الجنين بوساطة الحبل السِّري.

صفحه 62
وأمّا الثالث أي: (وَمَا تَزْدَادُ) هو الدم الذي يقذفه الرَّحم إمّا أيام الحمل وهو قليل، أو عند وضع الحمل كدم النفاس.
وما ذكرناه هو خيرة السيد الطباطبائي(1)، ويظهر من السيد الرضيّ تفسير الفقرة الثانية بمثل ما مرّ حيث قال: وهذه استعارة عجيبة لأنّ حقيقة الغيض إنّما يوصف بها الماء دون غيره، يقال: غاض الماء، ولكن النطفة لما كانت تسمّى(ماء) جاز أن توصف الأرحام بأنّها تغيض في قرارها وتشمل على نقاعاتها فيكون ما غاضته من ذلك الماء سبباً لزيادته بأن يصير علقة ثم مضغة ثم خلقة مصوّرة، فذلك معنى قوله:(وَمَا تَزْدَادُ).(2)
ولولا قوله: فذلك معنى قوله:(وَمَا تَزْدَادُ)، يكون مطابقاً لما اختاره صاحب الميزان.

تفسير آخر للفقرات الثلاث

تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على أنّ المراد من قوله: (تَغِيضُ الأَرْحَامُ): أي ما تسقط وتنقص عن تسعة أشهر، كما أنّ المراد من قوله: (وَمَا تَزْدَادُ): أي ما زاد على التسعة. وبعبارة أُخرى:إنّ المراد من الغيض ما كان أقلّ من الحمل، ومن الزّيادة ما زاد على الحمل.(3)
وعلى هذا فالفقرة الأُولى ناظرة إلى بقاء الحمل بلا زيادة ولا نقيصة، والثانية إلى النقيصة، والثالثة إلى الزيادة، والله يعلم كلّ ذلك ويعلم وقت

1 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:11/263.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:75.
3 . لاحظ : تفسير نور الثقلين: 2/485; البرهان في تفسير القرآن: 5 / 312 ـ 316.

صفحه 63
الولادة بالتحديد، وهذه التقلّبات والحالات لا يستطيع أي أحد أو أيّ جهاز أن يحدّد موعدها. وهذا العلم خاصّ بذات الله المنزّهة، وسببه واضح، لأنّ استعدادات الأرحام والأجنّة مختلفة ولا يقف أحد على هذا التفاوت.
إلى هنا تبيّن معنى الفقرات الثلاث، وأمّا الرابعة أعني قوله تعالى: (وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدَار)، فمقدار مصدر ميمي، والمعنى: بتقدير، أي كلّ شيء عند الله سبحانه له حدّ محدود، ولازم ذلك إحاطته به، وعدم غيبوبته عنه، فهذه الفقرة علّة لصدر الآية، أعني قوله:(اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى).
وبعبارة أُخرى: تحديد الشيء كمّاً وكيفاً لا ينفكّ عن العلم به، فلازم هذه الكبرى هو علمه بما تحمل كلّ أُنثى، وقد أُشير إليه في آية أُخرى في قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم).(1)
9. (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ):
الآية تصف الله سبحانه بصفات ثلاث:
1. (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).
2. (الْكَبِيرُ).
3. (الْمُتَعَالِ).
أمّا الأوّل، أعني: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) فهو من أسمائه سبحانه، وقد تكرّر في الذكر الحكيم عشر مرات، ويشير إلى علمه الوسيع بكلّ شيء، سواء أكان مشهوداً للناس بالأدوات الحسّية أم كان غائباً عنهم، إمّا لامتناع

1 . الحجر:21.

صفحه 64
وقوعه في إطار الحسّ أو لضعفه.
ثمّ إنّ وصفه سبحانه بهذا الاسم وصف نسبيّ وإلاّ فالجميع بالنسبة إلى الله سبحانه شهادة لحضور الجميع عنده حضوراً محاطاً والله سبحانه محيط، ومثل ذلك يكون من قبيل الشهود، وإنّما وصف به سبحانه بالقياس إلى الإنسان، فإنّ الأشياء بالنسبة إليه إمّا مشهودة أو مغيّبة عنه.

العلم الذاتي بالغيب منحصر بالله سبحانه

إنّ وصفه سبحانه بهذا الوصف لا ينافي علم النبيّ والوليّ بالغيب، فكم من فرق بين العلمين! فإنّ ما يجري على الله سبحانه من صفات ونعوت يختلف عمّا يجري على غيره، لا بمعنى أنّ للعلم ـ مثلاً ـ معنيَين مختلفَين يجري على الواجب بمعنى، وعلى الممكن بمعنى آخر، فإنّ ذلك باطل بالضرورة، ومثله الحياة والقدرة، بل المراد اختلاف المحمول عند الجري على الواجب والممكن اختلافاً في كيفية الجري والاتّصاف، فإنّ العلم منه واجب، ومنه ممكن.. منه ذاتي، ومنه اكتسابي.. منه مطلق ومرسل عن القيود، ومنه مقيّد محدود.. منه ما هو عين الذات بلا تعدّد بين الوصف والموصوف، ومنه ما هو زائد على الذات. ومن المعلوم أنّ ما يجري على الواجب هو القسم الأشرف، وما يجري على الممكن هو القسم الأخسّ، فعند ذلك تظهر صحّة اختصاص العلم بالغيب والشهادة بالله سبحانه، فإنّ العلم الواجب، المطلق، الذي هو عين الذات، يختصّ به سبحانه، سواء أتعلّق بالغيب أم بالشهادة، وأمّا علم الشهادة فإنّما هو علم ممكن لا واجب، محدود لا مطلق، زائد على الذات لا عينها، فلا يضر ثبوته لغيره مع حصر مطلق العلم، سواء

صفحه 65
أتعلّق بالغيب أم بالشهادة عليه سبحانه .
وبذلك ظهر أنّ إطلاع الأنبياء على الغيب بإذن من الله سبحانه لا يضرّ بحصر علم الغيب بالله تعالى، فإنّ المحصور من العلم غير المشترك.(1)
وأمّا الوصف الثاني، أعني:(الْكَبِيرُ) فقد أُريد به العظيم والعظمة لله سبحانه، كما أنّه الكبير دون غيره، ولو قيل: الله أكبر، فإنّما يُراد به أكبر من أن يوصف أو يحاط به علم، لا أنّه أكبر من كلّ شيء.
وأمّا الوصف الثالث، أعني:(الْمُتَعَالِ)، والقياس يقتضي أن يقال: المتعالي، لوجود اللاّم ولكنْ حذفت الياء لأجل حفظ الفواصل في الآيات التالية.(2)
وأُريد به العظمة، والله سبحانه أرفع من أن يُغلَب وأنزه من أن ينقص (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(3)
ووجه تعقيب قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) بقوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)هو أنّ مفاد مجموع الاسمين أنّه سبحانه محيط بكلّ شيء، متسلّط عليه، ولا يتسلّط عليه شيء، ولا يغلبه شيء، فهو عندئذ يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ)(4)لأنّه (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ).(5)

1 . قد أشبعنا الكلام في حقيقة الغيب والشهود في موسوعتنا القرآنية: مفاهيم القرآن: 3 / 375 ـ 382، الفصل السادس، فلاحظ.
2 . لاحظ: الآيات:11ـ 15.
3 . النحل:3.
4 . يونس:61.
5 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:11/308.

صفحه 66
10. (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْف بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ):
صلة الآية بما قبلها واضحة، فإنّه سبحانه لمّا وصف نفسه بالإحاطة العلمية جاءت الآية كالتفريع عليها وأنّه لا فرق عنده بين من أسرّ القول ومن جهر به، كما قال:(سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) كما لا فرق بين المتستِّر بظلمة الليل عن العيون، ومن هو سائر وذاهب في طريقه بالنهار يشهده كلّ من لقيه، فالشخصان عنده سواء، كما يقول: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْف بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ)، فمَن خفي عن أعين الناس أو لم يخفَ، فالجميع عنده سواء.
وبما ذكرنا يظهر أنّ معنى (سَوَاءٌ): أي مستو، أي يتساوى هذا وذاك.
روى الواحدي في أسباب نزول الآية عن ابن عباس أنّه قال: نزلت هذه الآية والتي قبلها في عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، وذلك أنّهما أقبلا يريدان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال دعه فإن يُرِد الله به خيراً يَهدِه، فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: تجعل لي الأمر بعدك؟ قال: لا ليس ذلك إليّ إنّما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء، قال: فتجعلني على الوَبَر وأنت على المَدَر؟ قال: لا، قال: فماذا تجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها، قال: أو ليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلّمه فدُر من خلفه واضربه

صفحه 67
بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويراجعه، فدار أربد خلف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله تعالى فلم يقدر على سلّه، وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: اللّهمّ اكفنيهما بما شئت.
فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وولّى عامر هارباً، وقال: يا محمد دعوت ربّك فقتل أربد، والله لأملأنّها عليك خيلاً جُرداً وفتياناً مُرداً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يمنعك الله تعالى من ذلك وابنا قَيْلة، يريد الأوس والخزرج.
فنزل عامر بيت امرأة سَلوليّة، فلمّا أصبح ضمّ عليه سلاحه، فخرج وهو يقول: واللاّت لئن أصحَرَ محمد إليّ وصاحبه ـ يعني ملك الموت ـ لأنفذنّهما برمحي، فلمّا رأى الله تعالى ذلك منه أرسل ملكاً فلطمه بجناحيه فأذراه في التراب، وخرجت على ركبته غُدّة في الوقت كغُدّة البعير، فعاد إلى بيت السَّلولية وهو يقول: غُدّة كغُدّة البعير وموت في بيت سلوليّة!! ثم مات على ظهر فرسه، وأنزل الله تعالى فيه هذه القصة ـ (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) ـ حتّى بلغ ـ (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل)(1) .
أقول: إذا صحّ الخبر بنزول هذه الآيات في هذه القصة، تكون هذه الآيات مدنيّة، لأنّها حدثت في السنة العاشرة للهجرة، كما ورّخها الطبريّ.
11. (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ

1 . أسباب النزول للواحدي:156ـ 157. وانظر: تاريخ الطبريّ:2/398(سنة 10هـ).

صفحه 68
بِقَوْم سوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال):
اختلف المفسّرون في تفسير الفقرة الأُولى من الآية، غير أنّ بيان ما هو المختار في معناها بحاجة إلى توضيح أُمور:
1. الظاهر أنّ الضمائر الأربع في:(لَهُ)، وفي (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)، وفي (يَحْفَظُونَهُ) ترجع إلى أمر واحد، والمرجع الأقرب هو الموصول المتقدّم في الآية السابقة، أعني(مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ). وما ربما يقال من أنّ الضمير في قوله: (لَهُ) يرجع إلى الله سبحانه مع عدم سبق المرجع، ضعيف، لأنّه مخالف لوحدة السياق.
2. قوله: (مُعَقِّبَاتٌ) جمع: معَقِّبة، والتاء للمبالغة، لأنّه أُريد بها الملائكة وهم ليسوا أُناثاً، فتكون التاء للمبالغة، فالملائكة بما أنّهم يأتي كلّ واحد منهم تلو الآخر، وُصفوا بالمعِّقبات، أي متعاقبات.
3. قوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) تعبير عن جميع جوانب الإنسان بروحه وجسمه، فالملائكة يحيطون بالإنسان من كافة الجوانب، ويحفظونه ويرعَونه، كما سيأتي في تفسير الآية.

حفظة الأعمال أو الحفظة عن البلايا

4. قوله: (يَحْفَظُونَهُ) هل المراد حفظ الأعمال وكتابتها كما يقول سبحانه: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)(1)، أو أعمّ؟ حيث إنّ الإنسان يتعرّض لحوادث شديدة الخطر وينجو منها بشكل

1 . الانفطار:10ـ 12.

صفحه 69
إعجازي ربّما يتصوّر أنّه من باب المصادفة، وإنّما هناك قوى تحميه، فالإنسان منذ ولادته إلى وقت مفارقة روحه جسده، محاط بالبلايا والأخطار، فالله سبحانه يحفظ الإنسان بملائكته ممّا يصيبه، فيحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير، وعندئذ يخلّون بينه وبين المقادير التي لا تتغيّر ولا تتبدّل.
5. قوله: (مِنْ أَمْرِ اللهِ) الذي يتبادر إلى الذِّهن أنّ قوله:(مِنْ أَمْرِ اللهِ)متعلّق بـ (مُعَقِّبَاتٌ) فيكون للإنسان معقِّبات أي جماعات من جند الله وأمره. ونظيره قوله سبحانه:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)(1) فالمراد بالرّوح هنا القرآن وأنّ وحيه من شأن الله تعالى وحده.
ولو قيل بأنّ قوله: (مِنْ أَمْرِ اللهِ) متعلّق بقوله:(يَحْفَظُونَهُ) فلابدّ من اختيار أحد أمرين:
1. أن يكون (مِنْ) بمعنى الباء، أي يحفظونه بأمر الله.
2. أن يقدَّر لفظ: «بأمره»، ويقال: (يَحْفَظُونَهُ) بأمره (مِنْ أَمْرِ اللهِ)، فأُريد بالأمر الأوّل ما كتب على الإنسان من البقاء والصحّة، كما أُريد بالأمر الثاني الفناء والهلاك والبلاء، فهو أيضاً من أمر الله سبحانه، فالملائكة يحفظون الإنسان، بأمر الله سبحانه، من كلّ ما يهدّد سلامته وبقاءه، اللّذين هما أيضاً من أمر الله، فالكلّ يرجع إليه.
الظاهر أنّ المعنى الأوّل من كونه وصفاً للمعِّقبات أوضح من هذا الوجه بكلا قسميه.

1 . الشورى:19.

صفحه 70
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الإنسان بما أنّه لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يقدر على حفظ نفسه من البلايا المتعدِّدة المهدِّدة لروحه وجسمه، فمن فضل الله سبحانه أنّه يبعث ملائكة يتوارد كلٌّ مكان الآخر، كما يقول: (لَهُ): أي للإنسان المتقدّم (مُعَقِِّبات): أي ملائكة متواردات (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ): أي من كافّة جوانبه(يَحْفَظُونَهُ): أي ذلك الإنسان، وهذه الملائكة أمر من أمر الله وجند من جنود الله ـ على التفسير الأوّل ـ أو يحفظونه بأمره من أمر الله سبحانه، والله العالم.
وعلى كلّ تقدير، فلولا هؤلاء الملائكة المحامين لأسرع الفساد إلى الإنسان روحاً وجسماً، فمن ألطافه سبحانه حفظه من هذه الشُّرور بالملائكة وإن لم يشعر هو بهؤلاء الحفظة.
إنّ لله سبحانه قضاءين أو سنّتين:
1. سنّة الحفظ والصيانة مادام المقتضي موجوداً، والقيام بمقتضيات الفطرة سائدة.
2. سنّة تبديل النعمة بالنِّقمة إذا تغيّرت أحوال العبد، واستحقّ سلب النعمة فلا راد لقضائه كما يقول:(وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْم سُوءاً) يسبب انحرافهم عن مقتضيات الفطرة (فَلاَ مَرَدَّ لَهُ): أي لقضاء الله لكونه قضاء صارماً (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ): أي من دون الله (مِنْ وَال): أي مَن يلي أمرهم.
إنّ الإنسان المادّيّ الذي يتساوى الوجود عنده مع المادة والطاقة فقط ربّما يتصوّر أنّه مذ كان في أحضان أُمّه إلى أن يلفّه كفنه، يعيش بفضل القوى الموجودة في جسمه وروحه، وأنّه يلوذ عند طروء الأمراض إلى الدواء

صفحه 71
فقط، ولكن الوحي الإلهي كشف عن حقيقة غيبية، وهي أنّ الإنسان في الدار الدنيا محاط بالبلايا المهدّدة لروحه وجسمه، فالله سبحانه يحفظه بملائكته من هذه البلايا مادام لم يترك جانب الخير إلى جانب الشر، والطاعة إلى العصيان. روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) في تفسير قوله:(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) قال: «بأمر الله» ثم قال: «ما من عبد إلاّ ومعه ملكان يحفظانه، فإذا جاء الأمر من عند الله خلَّيا بينه وبين أمر الله».(1)
وروى الصدوق بسنده عن أبي خالد الكابلي، قال: سمعت زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام)يقول:«الذنوب التي تغيّر النِّعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النِّعم، وترك الشكر، قال الله عزّ وجلّ:(إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)».(2)
دلّت غير واحدة من الآيات على وجود الصلة بين أعمال الإنسان والنواميس الكونية، فكما أنّ شرور الأعمال تسبب تغيّراً في الظروف الجوية فتصبح قاسية خالية من نعمة الأمطار، فهكذا الأعمال الصالحة، تسبّب خلاف ذلك، يقول سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)(3)، وقد أخبر بذلك شيخ الأنبياء نوح(عليه السلام) وقال مخاطباً قومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).(4)

1 . البرهان في تفسير القرآن: 5 / 315.
2 . معاني الأخبار:270، برقم 2; البرهان في تفسير القرآن: 5 / 316.
3 . الأعراف:96.
4 . نوح:10ـ 12.

صفحه 72
فالضابطة أمر كلّيّ من كلا الجانبين.
وقد قرأنا في كتب التاريخ أنّ هولاكو المغوليّ حين حاصر الموصل كتب إلى واليها بأنّك إن أعنتنا بالسلاح، لتركنا الموصل بيدك، وقد وصلت إلى الحاكم حين ذاك رسالة أُخرى من خليفة بغداد يطلب منه أن يرسل القَينات والمغنّيات...!(1)
فعندئذ تأسّف والي الموصل وقال: هؤلاء على كفرهم يطلبون السلاح منّا لمآربهم وأهدافهم، وهذا خليفة الإسلام في الوقت الذي يرى أنّ بلاد المسلمين تسقط بيد هولاكو واحداً بعد الآخر، يطلب منّي المغنّيات، فأيّ واحد منهما أحقّ بالانتصار، وقد أيقن والي الموصل بأنّ بغداد سوف تسقط بيد هولاكو، لأنّ (اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
ونحن نرى أنّ بعض الكتّاب المعاصرين المتأثّرين بالدعايات الكاذبة يُلقون مسؤولية سقوط بغداد بيد الكفّار الوثنيين على عاتق وزير المستنصر ابن العلقميّ وعلى حكيم الإسلام نصير الدين الطوسيّ، مع أنّهم قد غفلوا عن أنّ الهزيمة كانت مكتوبة مقدّرة على الأُمة الإسلامية التي يرأسها أمثال المستنصر وآبائه الذين لم يكن يهمّهم إلاّ الأكل والشرب والدِّعة والراحة.
سورة الرعد: الآيتان 12 و 13   
ثمّ لنفترض أنّ الرجلين المذكورين يتحمّلان كِبر سقوط بغداد، فمَن المسؤول عن القتل الذريع والنهب والحريق الذي بدأ من بلاد خوارزم مروراً بنيشابور التي قتل فيها الآلاف من المسلمين إلى أن وصل جيش المغول إلى أطراف بغداد؟ فهل كان لأصابع ذينك الرجلين دور في تلك الهزائم السابقة؟(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).

1 . لاحظ: تاريخ الإسلام للذهبي:48/35; طبقات الشافعية الكبرى:8/269ـ270.

صفحه 73

الآيتان: الثانية عشرة والثالثة عشرة

(هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ).

المفردات

البرق: لمعان السَّحاب.
السَّحاب الثِّقال: السَّحاب المُثقلة بالماء.
الرَّعد: صوت السَّحاب.
الصواعق: جمع صاعقة، وهي القطعة النارية النازلة من السّماء عن برق ورعد. وسببها أنّ السٌّحب قد تمتلئ بالكهربائية والأرض بكهربائية أُخرى والهواء يفصل بينهما، فإذا قاربت السُّحب وجه الأرض، تنقضّ الشرارة الكهربائية فتنزل صاعقة تُهلك الحرث والنَّسل.
يجادلون: من الجَدَل، وهو شدّة الخصومة، يقال: جدلت الحبل أي أحكمت فتله.
المِحال: من مَحَل فلان بفلان إذا كايده، يقال: «رجل مَحِلّ» أي مكايد. ومنه قول عبد المطَّلب:
لا يغلبنّ صليبُهم *** ومِحالُهم عدواً مِحالكْ

صفحه 74
والميم إذا كُسرت أصلية ـ كما في الآية ـ وإذا فُتحت زائدة، مأخوذ من حلّ يحلّ.

التفسير

تقدّم منّا في صدر السورة أنّ الغرض الوحيد لها أو أحد الأغراض هو لفت انتباه المشركين وتوجيه أنظارهم وأذهانهم إلى ربوبيته وتدبيره سبحانه، وذلك لأنّ العبادة من خواصّ الربّ، وبما أنّهم كانوا يعتقدون بربوبية الأصنام أو ربوبية أرباب الأصنام كالجنّ والملائكة وغيرها، فالله سبحانه ببيان بعض ما يجري في الكون يوجِّه نظر المشركين إلى أنّه القائم بهذه الأُمور لا الأصنام التي هي جمادات ولا أرباب الأصنام الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، ولا موتاً ولا حياة، ولذلك يبدأ الآية بما يفيد الحصر ويقول:(هُوَ الذِي)
12.(هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ):
أخبر سبحانه في هذه الآية عن أمرين:
1. إراءة البرق خوفاً وطمعاً.
2. إنشاء السَّحاب الثِّقال.
أمّا الأوّل فعبّر عنه بالإراءة والإبصار فقال:(هُوَ الذِي) لا غيره (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا) من صاعقته (وَطَمَعًا) في مطره وغيثه، فالمسافر يخاف

صفحه 75
والحاضر يطمع، وراكب البحر يخافه، وأهل البَرّ يطمعون. والظاهر أنّ الأمرين (خَوْفًا وَطَمَعًا)حالان من الضمير المتصل في (يُرِيكُمُ): أي يريكم حال كونكم خائفين وطامعين. وعلى هذا فيمكن أن يكون الوصفان مجتمعَين في شخص واحد، فالحاضر ـ مثلاً ـ يخاف من البرق وفي نفس الوقت يطمع في نزول المطر، لكنّ الرواية عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)تؤيّد الوجه الأوّل، قال: «خوفاً للمسافر، وطمعا للمقيم».(1)
وقد أخذ هذا المعنى أبا الطيّب المتنبيّ، فقال:
فتىً كالسَّحاب الجَوْن تُخشى وتُرتجى *** يُرجّى الحَيا منها، وتُخشى الصّواعقُ
وأمّا الثاني، فيقول: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) استخدم سبحانه لفظ الإنشاء لا الإراءة، لعدم كون الإنشاء مرئيّاً. والسَّحاب جمع سَحابة، والثِّقال وصفها. وإسناد إنشاء السَّحاب الثِّقال إلى نفسه تعالى لا ينافي توسّط العلل الطبيعية في إنشائها، وذلك لأنّه سبحانه بصدد تقرير توحيد الربوبية وأنّه لا ربّ غيره، ومقتضى ذلك أن يسند الظواهر إلى نفسه وإن كانت تتوسّط بينه وبينها أسباب مادّية وطبيعية لأنّها من جنوده سبحانه وأوامره، وعلامة ثقلها بطؤ حركتها بالرِّياح.
13. (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ):

1 . تفسير نور الثقلين: 2 / 489.

صفحه 76
الآية تتضمّن الإخبار عن الأُمور التالية:

الأمر الأوّل: تسبيح الرعد مع التحميد

أخبر سبحانه عن تسبيح الرَّعد بقوله: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ): أي ينزّهه عن النقائص (بِحَمْدِهِ): أي مع حمده ووصفه بصفات الجمال والكمال. وعلى هذا فالرَّعد يقوم بوصف الله سبحانه بصفات الجلال والجمال، إنّما الكلام فيما هو المراد من تسبيح الرَّعد وحمده؟
ذهب كثير من المفسّرين إلى أنّ المراد من تسبيح الرعد هو خضوعه لأمر الله سبحانه وانقياده لقدرته.
يقول الشريف الرضيّ: هذه استعارة لأنّ التسبيح في الأصل تنزيه الله سبحانه عن شبه المخلوقات وتبرئته من مدانس الأعمال وقبائح الأفعال، وهذا لا يقع حتى من الرَّعد الذي هو اصطكاك السّحاب بعضه ببعض، والمراد ـ والله أعلم ـ أنّ أصوات الرَّعد تقوى به الدلالة على عظيم قدرة الله سبحانه وبعده عن شبه الخليقة المقدّرة وصفات البريّة المدبَّرة.(1)
ومع ذلك كلّه، فليس لنا العدول عن ظاهر الآية لما سيوافيك في تفسير سورة الحديد من سريان العلم إلى كافّة الموجودات حسب درجة كمالها، وهذه حقيقة قرآنية كُشف عنها، وإن لم نصل إليها بحسّنا.
نعم، إنّ أصحاب الرياضات والكشف يدّعون سماع تسبيح الكائنات.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:75.

صفحه 77

الأمر الثاني: تسبيح الملائكة من خيفته

أشار إليه سبحانه بقوله:(وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) فإن قلت: كيف يخافون مع أنّه سبحانه يصفهم بقوله: (يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(1) وبقوله تعالى: (وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(2)؟ قلت:المراد أنّ الخوف حالة ذاتية لهم، ولذلك يقول: (وَالْمَلاَئِكَةُ)يسبّحون (مِنْ خِيفَتِهِ): أي في حال الخوف منه.

الأمر الثالث: إرسال الصواعق وإصابتها لمن يشاء الله

يدلّ عليه قوله تعالى: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) فالبرق (الذي هو عبارة عن شرارة كهربائية عملاقة) إذا أصاب سطح الأرض ينزل صاعقة قد تؤدّي إلى صعق الإنسان، أو إلى اشتعال الحرائق. والصواعق هي من رُسُل الإنذار، فكان على المشركين، والحال هذه، أن يتّعظوا، ولكنّهم لم يكترثوا لتلك الآيات والنُّذر، بل راحوا يخاصمون أهل التوحيد، كما تشير إلى ذلك الفقرة الأخيرة من الآية.

الأمر الرابع: جدال المشركين في الله سبحانه

أشار إليه سبحانه بقوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ): أي في تدبيره لا في وجوده تعالى. وليس جدالهم إلاّ أنّهم يتمسّكون بأنّ عبادة الأصنام من مسالك آبائهم، فهم في الحقيقة (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ)(3) وقد ذكر سبحانه جدالهم في التوحيد وإنكار المعاد في سور مختلفة، ولذلك نرى أنّ

1 . النحل: 50، والتحريم: 6.
2 . الأنبياء:27.
3 . الأنفال:6.

صفحه 78
سبحانه يهدّدهم بقوله (وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ): أي شديد المكر والذي هو كناية عن قدرته، فالتعبير عن قدرة الله بالمكر، من باب المشاكلة، نظير قوله سبحانه:(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).(1)
سورة الرعد: الآيات 14 ـ 16    
ذكر الطبرسيّ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سمع صوت الرَّعد قال: «سبحان من يسبِّح الرَّعدُ بحمده».
وروى سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سمع الرَّعد والصواعق قال: «اللّهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك».(2)

الآيات: الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة

(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لاَِنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ

1 . آل عمران:54.
2 . مجمع البيان:6/23.

صفحه 79
خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).

المفردات

دعوة الحقّ: من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الدعوة الحقّة في مقابل الدعوة الباطلة، فالأُولى للموحِّدين، وأُشير إليها بقوله:(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) والثانية للمشركين، وأُشير إليها بقوله:(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ).
لا يستجيبون لَهُم: أي لا يجيبونهم.
كباسط كفَّيه: بَسَط الكفّ: مَدَّها.
إلى الماء: يحتمل أن يراد من الماء البئر، قال الشاعر:
فإنّ الماء ماء أبي وجدّي *** وبئري ذو حفرت و ذو طويت
ضلال: الضّلال هو الخروج عن الطريق وعن سلوك ما يوصل إلى المطلوب.
كَرها: الكَرْه والكُرْه، واحد، نحو: الضَّعف والضُّعف، وقيل: الكُره ما يأتي به الإنسان من فعل بمشقة، والكَره ما حُمّل عليه من خارج.
بالغدوّ: الغدوّ: جمع غُدْوة، وهي أوّل النَّهار، لأنّه الزمان الذي يغدو فيه الناس إلى حوائجهم.
ظلالهم: جمع ظلّ، وهو الظلام الذي يسبّبه جسمٌ ما عندما يحجب الضوء من الوصول إلى سطح ما.
الآصال: جمع أصيل، وهو آخر النَّهار، أي وقت اصفرار الشمس.

صفحه 80
 
التفسير
لمّا بيّنت المجموعة السابقة مظاهر تدبيره سبحانه في الكون وأن لا مدبِّر ولا مؤثِّر في الكون إلاّ الله سبحانه، وقد لفت أنظار الناس إلى مظاهر تدبيره في الجوّ والأرض، صار هذا سبباً للتنديد بعقيدة المشركين في هذه المجموعة، حيث إنّهم يَدْعون الأصنام وأربابها التي هي دعوة باطلة، وأمّا الدعوة الحقّة فهي دعوة الخالق العالم القادر على كلّ شيء، أو كما قال:
14. (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيء إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل):

دعوة المشرك، كمن يمدّ كفّيه إلى البئر ليصل الماء إلى فمه

قوله تعالى:(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) لا لغيره، لماذا؟ لأنّه (هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) فشأن دعوة هذا دعوة حقّة، لأنّ الغاية من الدعوة توجيه المدعوّ إلى الداعي وهو رهن كون المدعوّ عالماً وقادراً، والله سبحانه في أتمّ العلم والقدرة، وأمّا غيره فهذا ما يشرحه بقوله:(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ): أي من دون الله (لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ): أي لا يجيبونهم (بِشَيْء) ممّا يريدونه من نفع أو دفع ضُرّ، فشأن مثل هذه الدعوة دعوة باطلة إذ لا يترتّب عليها أيّ غرض.

صفحه 81
ثمّ إنّه سبحانه استثنى من دعوة المشركين صورة خاصّة وقال: (إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ)الماء (بِبَالِغِهِ): أي ببالغ فمه، فدعوة الأصنام لقضاء الحاجة أشبه بحال ظمآن جالس على حافة البئر وباسط كفّيه داخلها ليبلغ الماء فاه، مع البون البعيد بينه وبين الماء.
وبهذا ظهر أنّ الاستثناء صوري، ونوع تهكّم، فإذا كان هذا حال المستثنى من الباطل، فكيف حال المستثنى منه؟!
ولأجل ذلك قال سبحانه: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل) فإنّ الضلال عبارة عن الخروج عن الطريق وسلوك ما لا يوصل إلى المطلوب، ودعاء غيره خروج عن الطريق الموصل إلى المطلوب، لأنّ الغاية من الدعاء هي إيجاد التوجّه ثمّ الإجابة، فالآلهة الكاذبة إمّا فاقدة للتوجّه، وإمّا غير قادرة على الاستجابة، فأيّ ضلال أوضح من ذلك؟
روى ابن جرير الطبري بإسناده عن عليّ رضي الله عنه، في قوله:(إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) قال: كالرجل العطشان يمدّ يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه.(1)
15. (وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ):

سجود مَن في السماوات والأرض وظلالهم

الآية تخبر عن سجود من في السماوات والأرض، ولفظة (مَنْ) دليل

1 . جامع البيان(تفسير الطبري):8/164، رقم الرواية20288.

صفحه 82
على أنّ الساجد مدرك وعاقل، فعلى هذا فكلّ إنسان عاقل يسجد لله سبحانه كما يقول:(وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وأُريد من السجود هو الهُويّ إلى الأرض بقصد الخضوع (السجود التشريعي)، فأمّا المؤمن فيسجد طوعاً، وأمّا الكافر فيسجد كرهاً، ولعلّه أُريد به ما إذا حاق به البلاء، قال سبحانه: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ).(1)
قد عرفت أنّ الموصول في قوله سبحانه:(مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)عام يعمّ المؤمن والكافر، غير أنّ المؤمن يسجد دائماً، والكافر عند الشدّة.
ثمّ إنّ الرازي لمّا غفل عن هذا المعنى لم يجد بُدّاً من حمل الإخبار على الإنشاء، وقال: إنّ المراد من قوله: (وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي يجب على كلّ مَن في السماوات والأرض أن يسجد لله، فعبّر عن الوجوب بالوقوع والحصول.(2) ولا يخفى بُعد ما ذكره.
ثمّ إنّه سبحانه يضيف إلى سجود هؤلاء سجود ظلالهم بالغدوّ والآصال وقال: (وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ) وقد خصّ الغدوّ والآصال بالذكر لأجل بيان دوام السجود، إنّما الكلام فيما هو المراد من سجود ظلال من في السماوات والأرض.
وربّما يفسّر بأنّ المعنى تمايلها من جانب إلى جانب وانقيادها بالتسخير بالطول والقصر.(3)
وقد أُشير إلى سجود الظلال في سورة النَّحل، قال تعالى:(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى

1 . النحل:53.
2 . تفسير الرازي: 19 / 30.
3 . مجمع البيان:6/62.

صفحه 83
مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ)(1)، والفرق بين الآيتين أنّ آيتنا تخصّ سجود ظلال العقلاء من الساجدين طوعاً وكرهاً، وهذه الآية تذكر عموم الأجسام التي لها ظلال.
وعلى ما ذكر فأُريد بظلال مَن في السماوات والأرض، هو خضوعها تكويناً، فتنبسط في الغدوّ، ثمّ تنقبض وسط النهار، ثم تبدأ بعده بالانبساط، كلّ ذلك رهن نظام دقيق يسود الكون، حيث تقصر بارتفاع الشمس وتطول بانحطاطها. وعلى هذا فسجود الظلال وخضوعها رهن وجود نظام سائد خاضع لله يسبّب خضوع الظلال، فحدوث الظلال وحركتها رهن ذلك النظام البديع في الكون. وأمّا مَن فسّره بسجود الظلال حال سجودهم، فبعيد عن مساق الآية، فتكون النتيجة تنبيهاً للمشركين، فإذا كانت ظلالهم خاضعة لأمر الله سبحانه فلماذا يترك هؤلاء السجود له سبحانه، ويسجدون لغيره؟!
وسيأتي مزيد بيان عن السجود التشريعي، والسجود التكويني، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة الحجّ.
16. (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لاَِنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ):

1 . النحل:48.

صفحه 84

سؤال المشركين مرّة بعد أُخرى

الآية من غرر الآيات، حيث أمر الله سبحانه نبيّه بسؤال المشركين مرّة بعد أُخرى إلى أربع مرّات، فتارة قال: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ)، وأُخرى: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ)، وثالثة:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، ورابعة: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء).
أمر سبحانه نبيّه أن يسأل المشركين عن ربّ السماوات والأرض، وهكذا، ولعلّ صرف الخطاب عن المشركين إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لكونهم دون أن يكونوا مورد الخطاب لربّ العالمين.
إذا اتّضح ذلك فلنبدأ بتفسير الآية، فنقول: لمّا بيّن سبحانه في الآيات السابقة شيئاً من تدبيره الذي ابتدأ ببيانه بقوله: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا) حتى انتهى إلى قوله: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) فأثبت بذلك أنّه الخالق للصنع البديع وأنّه المدبِّر له، صار بصدد الاحتجاج بما سبق على المشركين، فلذلك أمر النبيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسألهم عن ربّ السماوات والأرض، أي مدبِّرهما لا خالقهما، لأنّ كلمة المشركين اتّفقت على أنّه لا خالق إلاّ الله، وإنّما كانوا مختلفين في الربوبية، فقال:(قُلْ): أي اسألهم (مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)الذي يلي ربوبيتهما؟ وبما أنّ المشركين لا يسعهم إنكار عظمة تدبيره سبحانه التي دلّت عليها مظاهر التدبير المتقدّمة، أمر النبيَّ بالإجابة عوضاً عنهم فقال: (قُلِ اللهُ)وبذلك أتمّ الحجّة عليهم، إذ ليس بإمكانهم أن ينسبوا ربوبية ذلك النظام البديع إلى غيره سبحانه، فلازم ذلك أن يتفقوا مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الله هو ربّ السماوات والأرض، وإن لم ينطقوا بذلك.

صفحه 85
وعلى هذا الأساس أمر سبحانه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم مرّة ثانية عمّا في اتّخاذهم غير الله أولياء من جدوى، كما قال: (أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ) الله (أَوْلِيَاءَ)من غير فرق بين الأصنام وأربابها. أمّا الأُولى فهي جمادات خشبية أو فلزية، وأمّا الثانية فهم: (لاَ يَمْلِكُونَ لاَِنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا) فهذان الأمران: أعني كون الله هو (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) من جانب، واتّخاذ الأولياء من دونه من جانب آخر ، لا يجتمعان، فليس عليكم إلاّ الاعتراف بالربوبية.
ثم أمره أن يسألهم مرّة ثالثة: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) وبما أنّ عدم التسوية واضح لا يحتاج إلى جواب، صار التمثيلان رمزين للحقّ والباطل، فمَن ساوى بين ربوبيته سبحانه وربوبية الأصنام أو أربابها، فهو كمن ساوى بين الأعمى والبصير، أو بين الظلمات والنور.
وربما يقال: إنّ التمثيلين رمزان للمؤمن والكافر، فالمؤمن على بصيرة من ربّه يسير على هدى الحُجج والبيّنات، بخلاف الكافر وهو كالأعمى يمشي في الظلمات.
ولمّا أتمّ سبحانه الحجّة على المشركين بحيث لم يبق في أيديهم ما يُجعل ذريعة للشرك افترض لهم شيئاً ربّما يجعلونه سبباً لشركهم، وهو قوله: (أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ): أي كخلق الله فاشتبه عليهم لذلك ما خلقه الله وما خلقته الأوثان، فصار ذلك سبباً للقول بأنّ الأوثان تستحقّ العبادة.
ومن المعلوم أنّ في هذا الافتراض نوع تهكّم بهم، إذ ليس لهم، وقد جعلوا لله شركاء، إلاّ اللّجوء إلى هذا الفرض الباطل وهو أنّ الأولياء

صفحه 86
المتّخذين من دونه خلقوا مثل ما خلق الله فبذلك صاروا مستحقّين للعبادة، ولا ريب في أنّ المشركين غير قائلين بذلك.
وبما أنّ هذا الفرض باطل باتّفاق المشركين أمر الله سبحانه نبيّه أن يقول:(قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)، فلا خالق سواه.
إنّ شيمة الرازي في تفسيره هذا إخضاع الآيات للعقيدة المتمثّلة فيما ذكره أبو الحسن الأشعري أو ما قبله من المحدّثين حيث زعموا أنّه سبحانه خالق كلّ شيء، وليس لغيره سبحانه أي تأثير في فعله حتى تأثيراً ضدّياً كتأثير ذي الظلّ في ظلّه، قال ردّاً على المعتزلة: اعلم أنّ أصحابنا استدلّوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه: الأوّل: أنّ المعتزلة زعموا أنّ الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات التي يخلقها الله تعالى، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه. ومعلوم أنّ الله تعالى إنّما ذكر هذه الآية في معرض الذمّ والإنكار، فدلّت هذه الآية على أنّ العبد لا يخلق فعل نفسه.(1)
سورة الرعد: الآيات 17 ـ 19    
أقول: إنّ هذا البرهان لمن لا وجدان له، فإنّ في حياة الإنسان أفعالاً لا يمكن إسنادها إلى الله سبحانه مباشرة كأكله وشربه، فهما قائمان بأعضاء الإنسان، وهل يصحّ نسبتهما إلى الله مباشرة؟ ولذلك لا محيص من تصنيف الخلق إلى استقلاليّ وتَبَعيّ، فالاستقلاليّ، أي غير المتّكئ على مقام، هو من خصائصه سبحانه. أمّا الخلق المستند إلى قدرة الله فهو من خصائص الإنسان، فهو خالق لأعماله بإرادته، وفي الوقت نفسه استمداداً من قدرة الله.

1 . تفسير الرازي:19/32.

صفحه 87
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) فهو واحد بمعنى لا مِثل له ولا نظير، أي واحد في الخالقية والربوبية، قهّار فوق عباده، كما قال: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).(1)
ثمّ إنّ القهّار من أسمائه سبحانه كالقاهر يصدقان عليه سبحانه وعلى غيره، غير أنّ بين قهره تعالى وقهر غيره فرقاً، وهو أنّ غيره تعالى من الأشياء إنّما يقهر بعضه بعضاً وهما مجتمعان في مرتبة وجودها، فالماء والنار مثلاً موجودان طبيعيان يظهر أثر الأوّل في الثاني، والله سبحانه قاهر لا كقهر الماء للنار، بل هو قاهر بالتفوّق والإحاطة على الإطلاق، فهو تعالى قاهرٌ عبادَه لكنّه فوقهم، أي لا كقهر شيء شيئاً وهما متزاملان، وقد جاء هذا الاسم(القاهر) في كلا الموضعين (في سورة الأنعام، الآية 18 و 61) مقترناً بقوله: (فَوْقَ عِبَادِهِ)، والغالب في موارد استعمال القهر هو أن يكون المغلوب من أُولي العقل بخلاف الغلبة.(2)

الآيات: السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة

(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ

1 . الأنعام:18.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:7/33ـ34، بتصرّف.

صفحه 88
الأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ).

المفردات

أودية: جمع واد، وهو المنخفض الذي يكون بعد الجبل أو بين الجبلين ويجتمع فيه ماء المطر.
بقدَرها: القَدَر: التقدير.
زَبَداً: الزَّبَد: ما يعلو وجه الماء كالحَبَب، وما يعلو القدر عند غليانه.
رابياً: الرابي: العالي المرتفع فوق الماء، الطافي عليه.
حلية: زينة.
متاع: كلّ ما يُنتفع به على وجه ما فهو متاع، كالأواني.
جُفاءً: باطلاً متلاشياً، وهو من جَفَأَ السَّيلُ، أي رمى بالزَّبد إلى جوانب الوادي.
استجابوا: أجابوا.
المهاد: ما مهّدوا لأنفسهم. وربّما يطلق على الفراش الذي يوطَّأ لصاحبه.

صفحه 89
 
التفسير
17.(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ):

تمثيلان لبيان دور الحقّ والباطل

ذكرت الآية مثالين:
الأوّل: ما تضمّنه قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا).
الثاني: ما تضمّنه قوله: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ).
أمّا الأوّل فالتمثيل يشير إلى أنّ الآيات وما فيها من حقائق ومعارف، توقظ الفكر وتنوّر القلب، فكلّ إنسان ينتفع بها حسب استعداده، فهي تمرّ على عامّة القلوب، لكن هناك مَن يؤمن ويستضيء قلبه بها، ومنهم مَن يقف وسط الطريق فيأخذ بالتدبّر والتفكّر، وهناك من يستهزئ ويعاند، قال سبحانه:(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ

صفحه 90
تَأْوِيلِهِ)(1)، فمثل الآيات كمثل المطر الغزير النازل على الجبال والتلال والأودية فكلٌّ يأخذ بقدره، فالفيض غير محدّد، وإنّما التحديد في المستفيض، فالوادي الضيق يأخذ حسب قدره بخلاف الوادي المتّسع، بل كلّ من النبات والحيوان والإنسان ينتفع حسب قدره، هذه هي حقيقة التمثيل الأوّل.
وأمّا التمثيل الثاني فحقيقته عبارة عن المقارنة بين شيئين في حالتين:
الأوّل: الماء، والزَّبَد الذي يطفو على سطحه.
الثاني: المعدن المذاب في القدر، والزَّبد الذي يعلوه.
أمّا الماء وما يبقى في قاع القدر فينتفع بهما الناس، أمّا الانتفاع بالماء فواضح لأنّه عماد الحياة كما في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ).(2)
وأمّا الزَّبد فوق الماء كالحَبَاب(الفقاقيع)، فلا يمضي وقت طويل إلاّ ويزول أثره.
وهكذا المعدن، فالذي يبقى منه في قاع القدر يصنع منه ما يُنتفع به كالأواني والسيوف، أو الحُليّ وأدوات النحاس والرصاص، وأمّا الزبد الذي يطفو فوق المعدن المذاب فلا يصلح لشيء ولا يُنتفع به.
هذا هو المثال الثاني، وفيه تشبيه الحقّ بماء الحياة وما يبقى في قاع القدر ممّا ينتفع به، وتشبيه الباطل بالزبد الذي يحمله السَّيل أو ما يطفو على

1 . آل عمران:7.
2 . الأنبياء:30.

صفحه 91
سطح القدر من الخَبَث الذي لا يُنتفع به.
وإنّما أتى بمثالين لأنّ الغاية من كلّ واحد مختلفة، فالتمثيل الأوّل يستهدف بيان أنّ الفيض غير محدّد، وإنّما التحديد بسبب الظروف (الأوعية)، فكلّ قلب ينتفع حسب قابليته. وأمّا التمثيل الثاني فهو بصدد بيان أنّ الحقّ يبقى ثابتاً مستقرّاً ينتفع به الناس، وأمّا الباطل فتكون له جولة ثم يضمحلّ بسرعة.
إذا تبيّنتَ حقيقة التمثيلين، فلنشرع في تفسير الآية.
قال:(أَنْزَلَ) ولم يقل: الله أنزل، لأنّ الآية ليست بصدد بيان مراتب التوحيد الربوبيّ، بل هي بصدد بيان أمر آخر وهو تشبيه القلوب في الاستفادة من الآيات القرآنية بالأودية في تلقّي الماء، أنزل: (مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ): أي جرى الماء في الأودية (بِقَدَرِهَا): أي كلّ يأخذ بقدره، فمثل الآيات القرآنية كماء المطر كلّ ينتفع به حسب قدره واستعداده. هذا هو المثل الأوّل.
وأمّا الثاني، فقال سبحانه: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا): أي عالياً فوق الماء، ثمّ إنّ الزَّبد لا ينحصر بالسَّيل الجارف بل يوجد طافياً على أنواع الفلزات والمعادن المذابة التي تصاغ منها الحُليّ للزينة والأمتعة كالآنية والسيوف، كما يقول: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ)لأجل (حِلْيَة أَوْ مَتَاع)، (زَبَدٌ مِثْلُهُ) فقوله:(زَبَدٌ مِثْلُهُ)مبتدأ مؤخّر تقدّم خبره، وتقدير الآية: «زبد مثله ممّا يوقدون عليه في النار» لأجل الحلية والمتاع.
ثمّ إنّ البيان القرآني أخذ في الاستنتاج من المثال، وقال: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ

صفحه 92
اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ): أي كذلك يصف الحقّ والباطل. وأمّا ما هي النتيجة لهذا التمثيل الثاني فيشير إليها بقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) حيث إنّ زبد السّيل يزول ويضمحلّ بعد مدّة قصيرة، وأمّا زَبَد القدر فيخرج منه (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) باطلاً متلاشياً، وأمّا (مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)، فإنّ الماء الخالص أو المعادن الخالصة ينتفع بها الناس. ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ): أي كذلك يبيّن الله الأمثال.
هذا ما يرجع إلى تفسير ظاهر الآية. وبما أنّ الآية من غرر الآيات القرآنية التي تتحدّث عن حقيقة الحقّ والباطل وتكونهما وكيفية ظهورهما والآثار المترتّبة عليهما، فلا بأس بالإشارة إلى ما يستفاد من كلا التمثيلين من الفوائد:
1. إنّ الماء فيض مادّي يفيضه الله سبحانه من السماء على الوديان، وكلٌّ يأخذ بمقدار سعته، فالوادي الكبير يستوعب ماء كثيراً بخلاف الوادي الصغير الذي لا يستوعب إلاّ شيئاً قليلاً، وهكذا الحال في الأرواح والنفوس فكلّ نفس تنال حظَّها من المعارف الإلهية حسب قابليتها واستعدادها، فهناك نفس كعرش الرحمن، ونفس أُخرى من الضيق بمكان، يقول سبحانه:(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).(1)
وفي الحديث النبويّ:«الناس معادن كمعادن الذهب والفضة».(2)
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) لكُمَيل بن زياد النَّخعيّ: «إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ

1 . نوح:14.
2 . بحار الأنوار:4/405.

صفحه 93
أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا».(1) فالمعارف الإلهية كالسيل المتدفّق، والقلوب كالأودية المختلفة.
ويمكن أن يكون قوله: (بِقَدَرها) إشارة إلى نكتة أُخرى، وهي أنّ الماء المتدفّق الذي هو ماء الحياة إنّما ينبت به الزرع والأشجار المثمرة في الأراضي الخصبة، دون الأراضي السبخة التي لا تنبت فيها إلاّ الأشواك.
2. إنّ الإيمان والكفر من أظهر مصاديق الحقّ والباطل، ففي ظلّ الإيمان بالله تبارك وتعالى، حياة المجتمع وإحياء العدل، والعواطف الإنسانية، فالأُمّة التي لم تنل حظها من الإيمان يسودها الظلم والأنانية وانفراط الأواصر الإنسانية التي تعصف بالمجتمع الإنساني إلى الهاوية.
3. إنّ الزَّبَد أشبه بالحجاب الذي يستر وجه الحقّ مدة قصيرة، ولكنّه سرعان ما يزول ويتلاشى ويظهر وجه الحقيقة، أي الماء والفلزات النافعة.
وهكذا الباطل، فربّما يستر وجه الحقيقة من خلال الدعايات المغرضة، ولكنّه لا يمكث طويلاً فيزول كما يزول الزَّبَد، يقول سبحانه:(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا).(2)
وقال تعالى: (وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ).(3)
4. إنّ الماء والفلزات منبع البركات والخيرات، والزَّبَد خَبَث لا ينتفع منه، فهكذا الحقّ والباطل، فما هو الحقّ كالإيمان والعدل ينتفع به الناس، وأمّا

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 127.
2 . الإسراء:81.
3 . الشورى:24.

صفحه 94
الباطل كالكفر والظلم فلا ينتفع منه الناس.
5. إنّ الماء يمكث في الأرض وينفذ في أعماقها ويبقى زماناً طويلاً حتى ينتفع به الناس من خلال استخراجه، وهكذا الحقّ فهو ثابت لا يزول، ودائم لا يضمحلّ، على طرف النقيض من الباطل، فللحقّ دولة وللباطل جولة.
6. إنّ الباطل يتجلّى بأشكال مختلفة، كما هو الشأن في الزَّبَد، حيث يطفو فوق الماء والمعدن المذاب بأنحاء مختلفة، فالحقّ واحد وله وجه واحد، أمّا الباطل فله وجوه مختلفة حسب بُعده عن الحقّ وتضادّه معه.
7. إنّ وجود الباطل رهن وجود الحقّ، كما أنّ وجود الزَّبَد رهن وجود الماء، فالآراء الفاسدة والعقائد الباطلة تستمدّ مقوماتها من العقائد الحقّة من خلال إيجاد تحريف في أركانها وتزييفها، فلو لم يكن للحقّ دولة لما كانت للباطل جولة، وإليه يشير سبحانه بقوله:(فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا).
8. إنّ في تشبيه الحقّ بالماء، والباطل بالزَّبد، إشارة لطيفة إلى أنّ الباطل كالزَّبَد، فكما أنّه ينعقد في الماء الذي له هيجان واضطراب والذي لا يجري على منوال هادئ، فهكذا الباطل إنّما يظهر في الأوضاع المضطربة التي لا يسودها نظام ولا قانون.
9. إنّ حركة الباطل وإن كانت مؤقتة إنّما هي في ظل حركة الحقّ ونفوذه في القلوب، فالباطل يركب أمواج الحقّ بغية الوصول إلى أهدافه، كما أنّ الزَّبَد يركب أمواج الماء ليحتفظ بوجوده.
10. إنّ الباطل بما أنّه ليس له حظّ من الحقيقة، فلو خلص منها فليس

صفحه 95
بإمكانه أن يعيش، ولو لفترة قصيرة، ولكنّه يتنفّس من خلال الحقّ حتى يمكن له العيش في المجتمع، ولذلك فالزَّبَد يتكوّن من أجزاء مائية، فلو خلص منها لبطَل وذهب ضَياعاً، فهكذا الباطل في الآراء والعقائد.
قال أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام):
«فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ; وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ . وَلكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هـذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو «الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى».(1)
18. (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ):
بعد أن بيّن سبحانه حال الإيمان والكفر والحقّ والباطل، تعرّض في هذه الآية إلى مصير المستجيبين ومصير المعرضين عنه. أمّا الأوّل فقال: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى) فقوله:(الْحُسْنى) مبتدأ مؤخّر، تقدّم عليه الخبر، فمَن أجاب دعوة الله تعالى وآمن به فله الجنة التي هي الحسنى.
وأمّا الطائفة الثانية ـ أعني: المعرضين ـ فقد حكم عليهم سبحانه بأُمور أربعة:
1. لو ملكوا ما في الأرض ومثله معه وقدّموه كفدية، لا يُقبل منهم ذلك

1 . نهج البلاغة: الخطبة 49.

صفحه 96
كما يقول: (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ) تحرّراً من عذاب الله، لم يُقبل منهم. وقد جرت سنّة الله تبارك وتعالى على أنّه لا يغفر لمن أشرك.
سورة الرعد: الآيات 20 ـ 25    
2. ما أشار إليه بقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ): أي لهم الحساب السوء. ومن المعلوم أنّ الله عادل لا يجور، فماذا يراد من سوء الحساب؟ الظاهر أنّ المراد هو الحساب الذي يسوؤهم ولا يسرّهم فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف.
3. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ): أي مسكنهم جهنّم.
4. (وَبِئْسَ الْمِهَادُ): أي بئس ما أعدّوه وهيّأوه لأنفسهم.(1)
19. (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ):
لمّا تقدّم تقسيم الناس إلى المستجيب لله والمعرض عنه، فرّع عليه سبحانه هذه الآية وأنّه لا يستوي المؤمن والكافر، وقال:(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) فإذا كان الحقّ مستقرّاً في القلوب يظهر أثره على الجوارح فيكون مستجيباً لله سبحانه، بخلاف من لا يعلم، فإنّ منزلته منزلة الأعمى كما يقول:(كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) فكما أنّه لا يهتدي إلى طريق النّجاة، فهكذا مَن لا يعلم، فكلاهما يبقَيان حائرَين في ظلمات الجهل وغياهب الضلالة. نعم (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ)ويتّعظ بهذه الأمثال (أُولُوا الأَلْبَابِ): أي ذوو

1 . لاحظ: تفسير الرازي:19/34، بتلخيص وتحليل منّا.

صفحه 97
العقول السليمة، فإنّ الأمثال تجسّم الحقيقة وتشرحها بلسان الفطرة.

الآيات: العشرون إلى الخامسة والعشرين

(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).

المفردات

الميثاق: عَقد مؤكَّد بيمين وعهد.
يخشون: قال الراغب: الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى به، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله:(إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(1).(2)

1 . فاطر:28.   2 . المفردات للراغب: 149، مادة «خشي».

صفحه 98
يدرأون: يدفعون.
جنّات عدن: جنّات إقامة للخلود، يقال: عَدَن بمكان كذا، إذا استقرّ، ومنه المعدن لمستقر الجواهر.

التفسير

هذه المجموعة من الآيات بيان استئنافيّ، فالموصول في قوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ) مبتدأ خبره ما يأتي: (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ). ومن المفسّرين من جعل الموصول (الّذينَ) بدلاً من أُولي الألباب لأجل طول الفصل بين المبتدأ والخبر، ومع ذلك فالأول أظهر.
وعلى كلّ تقدير، فقد اشتملت هذه المجموعة على صفات الخير والشرّ، ومن سنن القرآن أنّه إذا ذكر شيئاً من الخير يردفه بذكر ضدّه ومقابله، فلذلك نرى أنّه ابتدأ بذكر صفات الخير بقوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ)، ثمّ ذكر ما يخالف ذلك وقال: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ).(1)
وأمّا الموصوفون بصفات الخير فهم الملتزمون بما يلي:
1. الوفاء بعهد الله وعدم نقضه.
2. صلة ما أمر الله بصلته.
3. خشية الله تعالى.
4. الخوف من سوء الحساب.

1 . الرعد:25.

صفحه 99
5. الصبر ابتغاء وجه الله.
6. إقامة الصلاة.
7. الإنفاق سرّاً وعلانية.
8. دفع السيئة بالحسنة.
وأمّا مصير هؤلاء، فهو أنّ لهم الجنّة.

صفات الخير الثمان

20. (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ):
الصفة الأُولى من صفات الخير: الوفاء بما قطعوه على أنفسهم من عهد فيما بينهم وبين الله تعالى، سواء أكان العهد بالفطرة أو باللّفظ والبيان:
أمّا الأوّل، فكما في قوله سبحانه:(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)(1) وليس هذا العهد سوى ما فُطر عليه الإنسان وخُلق من التوحيد دون الشرك، ولذلك يقول بعده:(وَأَنِ اعْبُدُوني هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(2). فكأنّه أخذ منه العهد على أن لا يشرك بالله، ويؤيّد ذلك قوله سبحانه:(وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).(3)
وأمّا الثاني، فكلّ عهد يعطيه الإنسان بلفظه ولسانه، مضيفاً ذلك إلى الله

1 . يس:60.
2 . يس:61.
3 . الأعراف:172.

صفحه 100
سبحانه، ويقول: عاهدت الله على أن أفعل كذا، فهذا يجب الوفاء به إذا كان غير محرّم، فإذا وجب الوفاء حرم النقض كما يقول:(وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ): أي العهد الواقع على إحكام، وهو عطف بيان على الفقرة المتقدّمة.
سورة الرعد: الآيات 20 ـ 25    
ثمّ إنّ الوفاء بالميثاق ممّا يستقلّ العقل بحُسنه، وأنّ نقضه ممّا يستقلّ بقبحه، ولذلك لا تجد على وجه البسيطة من لا يحسّن الأوّل ولا يقبّح الثاني، وهذا أدلّ دليل على أنّ في المدركات العقلية أُموراً يستقلّ العقل بحسنها أو بقبحها، فما عن بعض المذاهب من إنكار التحسين والتقبيح العقليين، لا اعتبار له، لأنّهم بإنكارهم هذا يعارضون قضاء فطرتهم على الأُمور الحسنة بالذات، أو القبيحة كذلك.
21. (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ):
الصفة الثانية من صفات الخير: صلة كلّ ما أمر الله بوصله، ومن أبرز مصاديقه صلة الرّحم والقرابة، وقد أمر بها سبحانه في قوله:(وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)(1) من غير فرق بين القرابة الناشئة من جانب الأب أو جانب الأُم، فعلى المؤمن التعامل مع الأقارب بالمودّة والحسنى أوّلاً، ورفع حاجات المحتاجين منهم بإيصال الخير إليهم ثانياً، ودفع الأذى عنهم بقدر الاستطاعة ثالثاً. نعم قلنا من أبرز مصاديقه صلة الرَّحم وإلاّ فمقتضى إطلاق الآية أعمّ من صلة الرحم ويشمل كلّ ما أمر الله بصلته، وقد مرّ الكلام فيه عند تفسيرنا لقوله سبحانه:(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ

1 . النساء:1.

صفحه 101
اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)،(1) فلاحظ.
ولعلّ في الآية تعريضاً بقريش حيث قطعوا أواصر القرابة بينهم وبين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أساءوا إليه بأنواع الإساءات.
ثمّ إنّ الآية كما تشمل القرابة النسبية لكلّ إنسان، فهي تشمل قرابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، فالله سبحانه أمرنا بمودّتهم وقال:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(2). ويؤيّد ذلك ما رواه الكليني عن عمر  بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام):(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)؟ قال:«نزلت في رحم آل محمد، وقد تكون في قرابتك»، ثم قال:«فلا تكوننّ ممّن يقول للشيء إنّه في شيء واحد».(3)
إنّ ذيل الرواية أدلّ دليل على أنّ المورد من قبيل التطبيق، أي تطبيق الكلّي على بعض أفراده.
روى سماعة بن مهران عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «وممّا فرض الله عزّ وجلّ أيضاً في المال من غير الزكاة، قوله عزّ وجلّ(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ).(4)
روى جابر]بن يزيد الجُعفي[ عن أبي جعفر]الباقر[(عليهما السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): برّ الوالدين وصلة الرحم يهوّنان الحساب» ثم تلا هذه الآية.(5)

1 . البقرة:27.
2 . الشورى:23.
3 . الكافي: 2 / 125، برقم 28.
4 . الكافي:3/498، برقم 8.
5 . مجمع البيان:6/35.

صفحه 102
الصفة الثالثة من صفات الخير: ما أشار إليه سبحانه بقوله:(وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، وقد مرّ عن الراغب أنّ الخشية خوف بتعظيم المخوف منه، وأمّا الخوف فيستعمل في ما يظن وقوع المضرّة منه، نظير قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ).(1)
هذا ما ذكره الراغب، والأَولى أن يقال: إنّ الخشية عبارة عن الحالة الخاصّة العارضة على النفس إثر مشاهدة عظمة الله تبارك وتعالى وإثر الإحساس بالعبودية مع قطع النظر عن الجزاء والعقاب، ولذلك نرى أنّه سبحانه يصف حَمَلة رسالات الله بأنّهم لا يخشون إلاّ الله، قال: (وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ)(2)، وما ذلك إلاّ لأنّ الخشية بهذا المعنى لا تطرأ على النفس إلاّ إثر الإحساس المذكور، وليس له مورد سوى عظمة الله سبحانه.
وأمّا الخوف فهو عبارة عن الحالة التي تطرأ على النفس إثر الإحساس بالضَّرر من جانب المخوف منه، فالأنبياء وغيرهم في ذلك سواء، قال سبحانه:(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً)(3)، وقال: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى).(4)
الصفة الرابعة، من صفات الخير التي ذكرتها الآية، قوله تعالى: (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ).
وقد تقدّم في تفسير قوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ).(5)

1 . البقرة:229.
2 . الأحزاب: 39.
3 . الأنفال:58.
4 . طه:67.
5 . الرعد: 18.

صفحه 103
ثمّ إنّ إضافة «السوء» إلى «الحساب» من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، والتقدير: «الحساب السوء». ولكن وصف الحساب بالسوء لا لأجل وقوع الخلل في الحساب، فإنّ المحاسِب هو الله سبحانه والكتب المثبتة فيها الأعمال، فالحساب في نفسه لا ظلم فيه، فلا يُبخَس أحد حقّه، ولا يعاقب أحد إلاّ على قدر معصيته، ولكن لمّا كانت نتيجة الحساب تعود بالضَّرر على صاحبه، وُصف بالسوء.
وعلى كلّ تقدير، فالمراد به المُداقّة في الحساب. وفي روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ما يؤيّد ذلك، فعن حمّاد بن عثمان: أنّ أبا عبد الله]الصادق[(عليه السلام)قال لرجل شكاه بعض إخوانه: «ما لأخيك فلان يشكوك؟» فقال: أيشكوني أن استقصيتُ حقي! قال: فجلس مغضباً، ثم قال: «كأنّك إذا استقصيت لم تُسئ؟ أرأيت ما حكى الله تبارك وتعالى: (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) أخافوا أن يجور عليهم الله؟ لا والله، ما خافوا إلاّ الاستقصاء، فسمّاه الله سوء الحساب، فمَن استقصى فقد أساء».(1)
22. (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ):
تتضمّن الآية أربع صفات من صفات الخير وإليك بيانها.
الصفة الخامسة: الصبر في الله

1 . تفسير العيّاشي: 2/388، برقم 2219. ورواه الكليني في الكافي:5/100، برقم 1.

صفحه 104
قال تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ)وحاصل هذه الصفة الصمود أمام المشاكل والتحدّيات التي تواجه الإنسان في المجالات الحياتية التالية:
أ. الصبر على الطاعة
ب. الصبر عن المعاصي
ج. الصبر عند المصائب والنوائب
فمن الأوّل جهاد العدوّ، وهو لا يستقيم إلاّ إذا صبر المجاهدون على مضض الآلام والجراح، وثبتوا في الميدان، وبذلوا أنفسهم في طريق طاعة الله، ففي مثل هذه الحالة يكتب الفوز والنجاح للمجاهدين.
وأمّا المتزلزلون الذين يبخلون بأنفسهم في طريق دفع شرّ العدوّ، فلا يكسبون إلاّ الهزيمة، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).(1)
وأمّا النوع الثاني من الصبر، أعني: الصبر عن المعاصي، فلا يتحلّى به إلاّ القويّ الإرادة، المالك لزمام أهوائه، المقاوم لنوازع نفسه. والمثال البارز لهذا النوع من الصبر هو يوسف الصدِّيق، حيث واجه امرأة تصرّ على تلبية رغبتها وقالت له:(هَيْتَ لَكَ)(2) وعزمت على إيقاعه في شباكها، ولكنّه(عليه السلام)وقف من هذه الدعوة المحرّمة موقفاً حازماً، فتجسّد إيمانه العميق بالله وحبّه

1 . الأنفال:15 و 16.
2 . يوسف:23.

صفحه 105
الغامر له وقال لها: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، فلو كان خاضعاً لما تشتهيه النفس الأمّارة بالسوء لوقع في حبالها، لكنّه تمسّك بعروة الصبر، فخرج من هذه المواجهة طاهر الثوب نقيَّ السَّريرة.
وأمّا النوع الثالث، أي الصبر على المصائب والنوائب، فهو من شعار المؤمنين، قال الإمام علي(عليه السلام) وهو يلي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ. خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءً. وَلَوْلاَ أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لاََنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلا، وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً، وَقَلاَّ لَكَ! وَلكِنَّهُ مَا لاَ يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!».(1)
وروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية; فمَن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها، كتب الله له ثلاثمئة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض; ومَن صبر على الطاعة، كتب الله له ستّمئة درجة، ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش; ومن صبر عن المعصية، كتب الله له تسعمئة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش».(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 235.
2 . الكافي:2/91.

صفحه 106
الصفة السادسة: إقامة الصلاة
قال تعالى: (وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ): أي الإتيان بها مستوفية الحدود والأركان وبخضوع وخشوع، وإقامتها في الأهل والأولاد وفي مَن يتّعظون بعظة الإنسان. والصلاة هي الصلة بين الله جل شأنه وبين المصلّي، وهي عمود الدين.
الصفة السابعة: الإنفاق
قال تعالى: (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً) فالإنفاق صلة ما بين الإنسان والمجتمع. وبما أنّ السورة مكّية فأُريد مطلق الإنفاق دون الزكاة المقرّرة، فإنّها وجبت في الفترة المدنية. ثمّ إنّ الإخلاص وصيانة كرامة ذوي الحاجة، يتجلّيان أكثر في الإنفاق سرّاً، غير أنّ دعوة الناس إلى الإنفاق وحضّهم عليه تتحقّق بالإنفاق علانية، ولذلك تؤكّد هذه الفقرة على كلا الأُسلوبين.
ليس الكريمُ بمانع *** خيراً بمصْبَحهِ ولَيلِهْ
إن لم يكن نَيْلٌ، فوعدٌ *** صادق يُحكى بنَيلِهْ
وعدُ الكريم وبذلُهُ *** سِيّان في جَريان سَيلِهْ
المالُ بِشْرٌ في الحياة *** لمن يُزيّنُها ببذْلِهْ
والبخلُ حزنٌ في القبور *** يغمُّها بعجيج طَبْلِهْ
يا ربُّ أكرمْ بالجنانِ *** فتى النوالِ بطيب نَوْلِهْ
يا ربُّ وارحمْ قاتلاً *** للفقر، واحفظْه بقتلِهْ(1)

1 . من قصيدة للسيد محمود الموسوي، بعنوان: (الجود سيماء النُّبل). القيم الإنسانية:1/99ـ103.

صفحه 107
الصفة الثامنة: دفع السيئة بالحسنة
قال تعالى: (وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)، فبهذا الدرء قد يغلق المؤمنون بعض أبواب الشرّ، ويبنون جسور التواصل مع الآخرين الذين يسيئون إليهم بالقول والفعل. ولئن كان غضّ الطرف عن الإساءة، والتغافل عن الكلام المؤذي يستأصل أشواك الكره والغلّ من صدر المسيء، فإنّ مقابلة الإساءة بالإحسان، والشرّ بالخير، والكلمة الجارحة بالكلمة الطيّبة، يبني جسور التواصل، ويهدم جُدُر القطيعة، ومن ثم تنفتح القلوب لسماع كلمة الحقّ، وتتأثّر بدعوة الحقّ الذي تجسّده رسالة السماء. وقد حضّ سبحانه على التزام هذا السلوك في مواضع من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)(1)، وقوله:(ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).(2)
ولا شكّ في أنّ التعامل بهذا الأسلوب (درء السيّئة بالحسنة) يتطلّب إيماناً وثيقاً، وروحاً سامقة، وصبراً جميلاً، واحتمالاً كبيراً للمكاره من أجل الله تعالى.
وأمّا ما يترتّب على مَن يجمع صفات الخير المذكورة، فالله سبحانه يخبر عنه بقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ) والعاقبة تستعمل في الخير غالباً، قال سبحانه: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).(3)
بقي هنا أمران:

1 . المؤمنون:96.
2 . فصلت:34.
3 . الأعراف:128.

صفحه 108
الأوّل: ما هو المراد من الوجه في قوله: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) فإنّ إجراء الوجه بالمعنى اللُّغويّ على الله سبحانه يلازم القول بالتجسيم؟
والجواب: يمكن أن يقال إنّ المراد بالوجه هو رضا الله سبحانه كما يقول:أنت حرٌّ لوجه الله.
وعلى هذا فالمراد ابتغاء رضا الله سبحانه، قال تعالى:(وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ).(1)
بقي الكلام فيما هو السبب في كون الوجه بمعنى رضا الله سبحانه؟ يقول السيد الطباطبائي: والمراد بوجه الربّ تعالى هو الجهة المنسوبة إليه تعالى من العمل ونحوه، وهي الجهة التي عليها يظهر ويستقرّ العمل عنده تعالى، أعني: المثوبة التي له عنده الباقية ببقائه، وقد قال تعالى: (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)(2)، وقال: (وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق)(3)، وقال: (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(4).(5)
ويمكن أن يراد به ذاته سبحانه بشهادة قوله سبحانه: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)(6) حيث جُعل ذو الوجه وصفاً للوجه لا للرب وإلاّ لقال ذي الجلال والإكرام، وهذا أدلّ دليل على أنّ الوجه بمعنى الذات، أي ابتغاء

1 . البقرة:272.
2 . آل عمران:195.
3 . النحل:96.
4 . القصص:88.
5 . الميزان في تفسير القرآن:11/344.
6 . الرحمن:27.

صفحه 109
ذات الله أي لا نريد إلاّ إيّاه.
ثمّ إنّ للرازي هنا كلاماً لطيفاً لمن له اهتمام بالسلوك قال: واعلم أنّ قوله: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ) فيه دقيقة، وهي أنّ العاشق إذا ضربه معشوقه، فربّما نظر العاشق لذلك الضارب وفرح به، فقوله: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)محمول على هذا المجاز، يعني كما أنّ العاشق يرضى بذلك الضرب لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه، فكذلك العبد يصبر على البلاء والمحنة، ويرضى به لاستغراقه في معرفة نور الحقّ، وهذه لطيفة دقيقة.(1)
***
الأمر الثاني: نرى الاختلاف في التعبير عن صفات الخير، فقد جاء الوفاء بالعهد وعدم النقض وصلة الأرحام وخشية الربّ والخوف من سوء الحساب ودرء السيئة بالحسنة بصيغة المضارع.
ولكن التعبير عن الصبر و إقامة الصلاة والإنفاق جاء بصيغة الماضي، فما هو السرّ في هذا الاختلاف؟
والجواب عن هذا الأمر من وجوه:
الأوّل: ربّما يقال: مجيء الصلة بالماضي تارة، وبالمضارع أُخرى على سبيل التفنّن في الفصاحة، لأنّ المبتدأ في معنى اسم الشرط، والماضي كالمضارع في اسم الشرط، فكذلك في أشبهه.(2)
يلاحظ عليه: أنّه لو اقتصر على قوله: على سبيل التفنّن في الفصاحة،

1 . تفسير الرازي:19/43.
2 . روح المعاني:13/141.

صفحه 110
لكان له وجه، غير أنّه ذيّل كلامه (بأنّ الماضي كالمضارع في اسم الشرط) ومعنى ذلك أنّ الماضي يفيد ما يفيده المضارع، وعندئذ يَرِد عليه بأنّ الماضي وإن كان يفيد ما يفيده المضارع إلاّ أنّه يبقى الكلام في أنّه لماذا عبّر في موارد بالماضي وأُخرى بالمضارع مع أنّهما يستويان في إفادة المعنى.
الثاني: الاعتناء بالشأن، فكلّما كان أهمّ عبّر عنه بالماضي، وما لم يكن بتلك الأهمية عبّر عنه بصيغة المضارع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الوفاء بالعهد إذا فسّر بالتوحيد الفطري الذي هو أساس المعارف من أهم الأُمور، فلماذا عبّر عنه بصيغة المضارع وقال: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ)؟
الثالث: ما يستفاد من كلام البعض الذي نقله الآلوسي، وحاصله ـ على طوله ـ أنّ ما عبّر عنه بصيغة المضارع قصد به الاستصحاب والالتباس، أي يوصفون بها في مستقبل حياتهم.
وأمّا ما عبّر عنه بصيغة الماضي فقد عُبّر عن الصبر لأنّه ملاك التكاليف، فيجب أن يكون مركوزاً في نفس الإنسان، وأمّا التعبير عن إقامة الصلاة والإنفاق بصيغة الماضي فلأنّهما لا يخلوان عن المشقّة التي لا يتحمّلها الإنسان إلاّ بالصبر.(2)
الرابع: ما ذكره السيد الطباطبائى، قائلاً بأنّ مجموع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا

1 . لاحظ: روح المعاني:13/141.
2 . روح المعاني:13/141.

صفحه 111
وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) مسوق لبيان معنى واحد وهو الإتيان بالعمل الصالح، أعني إتيان الواجبات وترك المحرّمات وتدارك ما يقع فيه من الخلل استثناء بالحسنة، فالعمل الصالح هو المقصود بالأصالة، ودرء السيئة بالحسنة الذي هو تدارك الخلل الواقع في العمل مقصود بالتَّبَع كالمتمِّم للنقيصة. فلو جرى الكلام على السياق السابق (التعبير بصيغة المضارع) فاتت هذه العناية وبطل ما ذكر من حديث الأصالة والتبعية.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يصلح لتوجيه التعبير بالماضي فيما ذكر، ولكنّه لم يذكر وجهاً للتعبير بصيغة المضارع فيما تقدّم عليه من صلة الأرحام وخشية الربّ والخوف من سوء العذاب، إلاّ أن يقال: إنّ الغاية هي الاستصحاب بهذه الصفات في مستقبل الحياة، ولذلك عبّر بصيغة المضارع فيها دون الصفات المذكورة في الآية التالية، للوجه الذي ذكره.
23 و 24. (جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ):

جزاء المستجيبين لدعوة الرسول

لمّا أخبر سبحانه بأنّ للمستجيبين لدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عقبى الدار، وأُريد بها الدار الآخرة، أوضحه سبحانه هنا بقوله:(جَنَّاتُ عَدْن) وهو بدل من عقبى الدار، أو مبتدأ خبره (يَدْخُلُونَهَا)، والوجه الأوّل أفضل:

1 . الميزان في تفسير القرآن: 11 / 346.

صفحه 112
(يَدْخُلُونَهَا): أي يدخلون هذه الجنّات مع مَن يرتبطون بهم بعلاقات أُسريّة إذا كانوا صالحين، كما يقول:(وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) دون مَن فَسَدَ منهم. ومن الواضح أنّ الاجتماع مع الأحبّة فيه أُنس ومسرّة (وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب): أي يهنّئونهم بدخول الجنّة وأُريد بقوله:(مِنْ كُلِّ بَاب): أي من أبواب الجنة الثمانية، قائلين: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ)يهنّئونهمويُلقون إليهم بالتحية والكرامة، ويخبرونهم بأنّ هذا النّعيم الذي أنتم فيه بسبب صبركم. وقد مرّ أنّ من أقسام الصبر: الصبر على الطاعات، وفي مقدّمتها الجهاد في سبيل الله، والصبر عن المعاصي، والصبر على المكاره والمصائب (فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ): أي فنعم الدار العاقبة، وهي الجنّة، فما أجملَ هذه العاقبة وأحسنَها.
25. (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ):

الأشقياء ومالهم من سوء العاقبة

لمّا ذكر سبحانه أوصاف السُّعداء وما أعدّ لهم من الجنّة، بيّن في هذه الآية حال الأشقياء وما لهم من سوء العاقبة، وهم الذين يعملون على خلاف ما عليه السُّعداء، وذكر من صفاتهم أُموراً ثلاثة:
سورة الرعد: الآيات 26 ـ 29    
1. (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) من غير فرق بين الميثاق الفطريّ أو الميثاق القوليّ، فهؤلاء لا يلتزمون بعهدهم من بعد إعطائهم

صفحه 113
المواثيق، ويفعلون ما ينافيه.
2. (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من الفروض التي أوجبها الله تعالى على عباده، ومن أشهرها صلة الرَّحم، على ما مرّ بيانه عند تفسير الآية(21) من هذه السورة. والقطع نقيض الوصل.
3. (وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) من غير فرق بين إفساد العقائد كالدعوة إلى الوثنية وإلى الأفكار الضالّة والمنحرفة، أو الإفساد بغيرها كإثارة الحروب والفتن، وممارسة الاستبداد، والاستئثار بالأموال والامتيازات. وبما أنّ السعداء والأشقياء يختلفون في الصفات والخصال والأعمال، فإنّهم يختلفون في المصير أيضاً، كما يقول سبحانه:(أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ): أي البُعد من رحمة الله، ويقابله في جانب المؤمنين ما مرّ من قوله:(لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب)، كما أنّ (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ): أي ما يسوءهم في الدار الآخرة، وهو عذاب جهنم، ويقابله هناك: (فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ).

الآيات: السادسة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب).

صفحه 114

المفردات

يَقدِر: يضيّق، كما في قوله: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)(1) أي ضُيّق.
متاع: تمتُّع قليل لا دوام له ولا بقاء.
أناب: الإنابة: الانقطاع عن الغير والرجوع إلى الله وترك العناد. وربّما يصل إلى درجة عالية يحكي عنها قوله(عليه السلام): «إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك».(2)
تطمئن: تسكن وتخلو عن الوجل والاضطراب.
طوبى: تأنيث أطيب، وجيء بالتأنيث لأنّه وصف للجنة، وهو بمعنى حُسنى، وغبطة لهم.
المآب: المرجع والمنقلب.

التفسير

26. (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ):
لمّا وصف سبحانه الأشقياء بقوله: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)، فربّما يطرأ على بعض الأذهان هذا السؤال: إذا كان هؤلاء بعداء عن الرحمة،

1 . الطلاق:7.
2 . المناجاة الشعبانية .

صفحه 115
فكيف نرى أنّ قسماً منهم غارقين في النِّعم وبحبوحة العيش؟ نظير قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)(1)، فأجاب سبحانه عن هذا السؤال بجوابين:
1. قوله: (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): أي ويُضيِّق وفقاً لمصالح وملاكات هو أعرف بها.
2. أنّ ما أُوتي الكافرون متاع قليل لا يقاس بالنِّعم الأُخروية، كما قال: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)وما فيها من النِّعم الزائلة(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ) ففي الآية مقارنة بين حياتين، إحداهما حياة خالدة لا يتطرّق إليها الزوال والبطلان، والأُخرى حياة زائلة تذهب جُفاء ولا ينتفع بها الإنسان إلاّ أيّاماً قلائل، فلو مُتِّع الكافر بمتاع قليل فليس بشيء في مقابل ما سيعذَّب به من عذاب خالد، ولو حُرم المؤمن من متاع الدنيا في سنوات معدودة فسوف يلقى حياة طيبة خالدة لا زوال لها.
فلا الفقر دليل الهوان، ولا الغنى دليل القرب من الله، فإنّ للفقر والغنى ملاكات والله سبحانه أعرف بها، يقول الإمام علي(عليه السلام):«فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الاَْطْيَبِ الاَْطْهَرِ(صلى الله عليه وآله وسلم) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى. وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لاَِثَرِهِ. قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً. أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً، وَاَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ وَرَسُولُهُ،

1 . يونس:88.

صفحه 116
وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلّهِ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللهِ».(1)
غير أنّ كون بسط الرزق أو ضيقه بيد الله، لا يعني ترك العمل، فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): «لا تكسلوا في طلب معايشكم فإنّ آباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها».(2)
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن وجد ماء وتراباً ثم افتقر، فأبعده الله».(3)
27. (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ):

طلب آية معجزة غير القرآن

جاء صدر هذه الآية في الآية السابعة من هذه السورة، إلاّ أنّ الجواب فيها يختلف عنه هنا، فأُجيب هناك بقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد)، وأمّا هنا فأُجيب بقوله: (قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ).
فهذه الآية تدلّ على أنّ المشركين كانوا مستمرّين في طلب نزول آية كونية حتى يؤمنوا على ضوئها. إنّ مضمون الآية يدلّ على أنّ هؤلاء الذين يطلبون آية كونية كانوا غير مقتنعين بالمعجزة الكبرى التي أُعطيت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أعني: القرآن الكريم ـ وهذا يدلّ على أنّهم كانوا من أهل الجدل والعناد في الموضوع، إذ لو كانوا من روّاد الحقيقة لاقتنعوا بالكتاب العزيز.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 160.
2 . الوسائل:12، الباب18 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث8.
3 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث13.

صفحه 117
ثمّ إنّ على استمرارهم في هذا الطلب تكرّر صدر الآية، وكأنّهم كانوا يدّعون أنّه لو أُنزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)آية معجزة كما نزلت على الأنبياء السابقين لآمنوا به، والله سبحانه يكشف السِّتر عن ضمائرهم ونواياهم بأنّه لو قام بذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَا آمنوا و(لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)(1) فالله سبحانه أمر نبيّه بأن يجيب عن سؤالهم بأنّ الهداية ليست رهن نزول الآية، وإنّما الهداية والضلالة بيد الله سبحانه كما يقول: (قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) ولكن ليس إضلاله سبحانه بلا ملاك، وإنّما الإضلال رهن إعراضهم عن الحقّ، وطاعتهم للهوى، فليس نصيب هذا الإنسان إلاّ الضلال، كما أنّ الهداية رهن الرجوع إلى الحقّ وعدم الاسترسال مع الأهواء، ويشير إلى هذا المعنى بقوله: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)فيكون معنى الآية: يضلّ من أعرض عنه، ويهدي من رجع إليه.
وبعبارة أُخرى: إنّ لله سبحانه هداية عامّة تشمل كلّ الناس حتى الجبابرة وفرعون وهامان وقارون، وهداية خاصّة تغمر كلّ من استضاء بالهداية الأُولى، فما في الآية من الإضلال والهداية ناظر إلى الهداية الخاصّة، فمن وضع نفسه في مهبّ الهداية تشمله الهداية الثانية، وأمّا من أعرض عن الهداية الأُولى واتّبع هواه، فلا تشمله الهداية الثانية وتنقطع صلته عنها فلا يوفَّق للخير. وبذلك ظهر أنّ الإجابتين في الآيتين السابعة، والسابعة والعشرين تختلفان في المعنى، ففي الأُولى ركّزت على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بشير ونذير، ومن تكون رسالته الإنذار والتبشير ليس له إلزام الناس بالإيمان، وقد أدّى رسالته بتلاوة الآيات، وأمّا الآية الثانية فالجواب فيها يركّز على أنّ

1 . الحجر:15.

صفحه 118
الهداية ليست بسبب نزول آية ما، وإنّما هي بيد الله لكن بشرط أن يكون الإنسان مستعدّاً للاستضاءة، غيرَ مُعرض عن دعوة الأنبياء وغيرَ معاند لها.
وليست الآية هي الآية الوحيدة في إفادة هذا المعنى، بل يشهد لذلك قوله سبحانه:(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1)، وقوله سبحانه: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)(2)، والآيتان تدلاّن على أنّ إزاغة الله سبحانه أو إضلاله ليسا أمراً ابتدائياً، وإنّما يحصلان بعد أن يزيغ الإنسان باختياره عن سبيل الهدى، ويسير في طريق الضلال.
28. (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ):

تعريف المنيبين

قوله:(الَّذِينَ آمَنُوا) وصف لقوله: (مَنْ أَنَابَ)(3)، والجملة خبر لمبتدأ محذوف، أي أُولئك(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ)، وأمّا قوله: (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) فتفسير للإيمان، والمراد من الإيمان ليس مجرد الإدراك بل اليقين الذي ينوّر القلب ويباشر الروح، ولذلك عبّر عنه بصيغة المضارع مشيراً إلى استمراره عبر حياتهم.
لمّا خصّ سبحانه الاستضاءة بالهداية الخاصّة بمَن أناب ورجع إليه،

1 . الصف:5.
2 . البقرة:26.
3 . الرعد: 27.

صفحه 119
جاء البيان القرآني لتبيينه وتوضيحه وأنّ المنيب عبارة عمّن يجتمع فيه أمران:
1. (الَّذِينَ آمَنُوا) بالله تعالى ووحدانيّته وبنبوّة نبيّه إيماناً راسخاً غامراً لكلّ وجودهم.
2. (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) والمراد أطمأنّت قلوبهم بذكر الله، غير أنّه عبر بصيغة المضارع لدلالته على تجدّد الاطمئنان واستمراره وأنّه لا يتخلّله شكّ ولاتردّد، فمَن جمع بين الإيمان واطمئنان القلب بذكر الله فهو من
أناب إلى الله سبحانه، وعند ذلك يتهيّأ العبد ويستعدّ لاستقبال الإفاضات الإلهية.
وعلى هذا فالمراد بالذكر هو ذكر الله سبحانه لا ذكر القرآن كما عليه بعض المفسّرين، وإن سُمّي القرآن بالذكر في قوله:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1) ; وذلك لأنّ في ذكر الله سبحانه ذكر كلّ ما يمتّ إليه بصلة ممّا في الدنيا والآخرة، ويدخل فيه القرآن. والظاهر أنّ قوله:(أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ): أي لا بغيره ممّا تميل إليه النفوس، ضابطة كلّية تصدق في عامّة الأجيال والأزمنة وفي عامّة الشرائع، ولو خُصّ الذِّكر بالقرآن الكريم لانحصرت بالأُمّة المرحومة.
وهذا حثّ للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم والثواب والطمأنينة إليه، فإن وعده سبحانه وتعالى صادق، ولا شيء تطمئنّ النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق.

1 . الحجر:9.

صفحه 120
ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو أنّه سبحانه وصف المؤمن هاهنا بأنّه يطمئنّ قلبه إلى الله، ووصفه في موضع آخر بأنّه إذا ذكر الله تعالى وَجِل قلبه(1) فكيف يتمّ التوفيق بينهما؟ وأُجيب عنه بالقول: إنّ المراد بالأوّل أنّه يذكر ثوابه وإنعامه وآلاءه التي لا تُحصى وأياديه التي لا تُجازى فيسكن إليه، والمراد بالثاني أنّه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويَوجَل قلبه.(2)
وعقّب عليه السيد الطباطبائيّ بقوله: وهذا الوجه أوفق بتفسير مَن فسّر الذِّكر في الآية بالقرآن الكريم وقد سمّاه الله تعالى ذكراً في مواضع كثيرة من كلامه كقوله: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ)(3)، وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)(4)، وغير ذلك.
وأضاف: لكنّ الظاهر أن يكون المراد بالذِّكر أعمّ من الذِّكر اللّفظي، وأعني به مطلق انتقال الذهن والخطور بالبال، سواء كان بمشاهدة آية، أو العثور على حجّة، أو استماع كلمة، ومن الشاهد عليه قوله بعده: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) فإنّه كضرب القاعدة يشمل كلّ ذِكر سواء كان لفظياً أو غيره، وسواء كان قرآناً أو غيره.(5)
وسيوافيك ما هو الحقّ في الجمع بين الأمرين بعد الفراغ من تفسير الآية التاسعة والعشرين.

1 . قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)(الأنفال:2).
2 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:6/249ـ250.
3 . الأنبياء:50.
4 . الحجر:9.
5 . الميزان في تفسير القرآن:6/355.

صفحه 121
29. (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب):
الظاهر أنّ الآية بصدد تهنئة المؤمنين الذين اطمأنت قلوبهم وملأتها السكينة وإخبار عن حسن عاقبتهم فيقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبى لَهُمْ): أي لهم الخير الكامل ; لأنّ قلوبهم اطمأنّت بذكر الله، فهم في عيش طيّب، أمّا في الدنيا فبالاطمئنان، وأمّا في الآخرة فمصيرهم مصير حسن في نعمة دائمة كما يقول:(وَحُسْنُ مَآب)، وبذلك يعلم أنّ لفظة طوبى مبتدأ وفي الوقت نفسه وصف لموصوف مقدّر أي حياة طوبى أو معيشة طوبى.
وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) مبتدأ خبره (طُوبى لَهُمْ). وقوله:(وَحُسْنُ مَآب) عطف على الخبر.
إلى هنا تمّ تفسير هذه المجموعة، ولكن بقي الكلام في أُمور:
الأوّل: أنّه سبحانه ذكر في هذه الآية معيشة طوبى لمن آمن واطمأن قلبه، وجاء في آية أُخرى أنّ معيشة ضنكاً(ضيّقة) تنتظر من أعرض عن ذكر الله وقال:(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(1) فذِكرُ الله سبحانه والإعراض عنه لهما نتيجتان متضادّتان، هما: الحياة الطيّبة، والمعيشة الضّنك، فلو أُريد بها الحياة الأُخروية فهو واضح، وأمّا لو أُريد بها الحياة الدنيوية فكذلك أيضاً، كما سيوافيك بيانه.
الثاني: أنّه سبحانه جعل سكون القلوب من آثار الإيمان، وقد مرّ أنّ

1 . طه:124.

صفحه 122
قوله: (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ) تفسير للإيمان المباشر للروح والقلب، ومع ذلك جعل الخوف والوَجَل من آثار الذِّكر وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)(1) .
والجواب: لا منافاة بينهما، لأنّ الوجل المذكور يطرأ على القلب قبل الاطمئنان، فالاطمئنان هو المنزل الأخير للسالك ويدلّ عليه قوله سبحانه:(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَاني تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ)(2)، فالآية تدلّ على أنّ الاطمئنان الذي يدلّ عليه قوله: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ)يحصل بعد الوجل والاضطراب.(3)
نعم، أجاب الرازي عن الجمع بين الأمرين بوجه آخر، قال ـ بعد مقدّمة ـ : كلّما توجّه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرّف فيها، أمّا إذا توجّه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء الإلهية، فهناك يكون ساكناً، فلهذا السبب قال: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).(4)
الثالث: تدلّ الآية بوضوح على أنّ ذكر الله يورث الاطمئنان، فما هو الدليل على تلك الملازمة؟
أقول: إنّ للقلق واضطراب النفس عوامل متعدّدة نذكر شيئاً منها حتى

1 . الأنفال:2.
2 . الزمر:23.
3 . الميزان في تفسير القرآن:11/354.
4 . تفسير الرازي:19/50.

صفحه 123
يتّضح أنّ ذكر الله سبحانه بما أنّه عالم وقادر ورحيم ورؤوف، يطرد القلق عن نفس المؤمن ويحلّ مكانه الاطمئنان والاستقرار، وإليك بيانه:

1. الحيرة في المبدأ والمنتهى

لم يزل الإنسان يعيش وفي ذهنه أسئلة ثلاثة، مازال يبحث عن جواب لها، وهي:
أ. من أين جاء؟
ب. لماذا جاء؟
ج. إلى أين يذهب؟
وبعبارة أُخرى: يفكّر في أنّه من أين؟ و في أين؟ و إلى أين؟ فالمادّيّ لا يجد جواباً شافياً لهذه الأسئلة، ولذا يغشاه القلق كلّما فكّر فيها، وهذا بخلاف الموحِّد المعتقد بالله سبحانه، فيعتقد أنّه المبدأ لوجوده في الدنيا، وقد خلقه لغاية خاصّة وهو بلوغه الكمال الممكن. ثمّ ينتقل من هذه الدنيا إلى حياة أُخرى، فالموت ليس إعداماً لحياة الإنسان بل جسراً يعبره من حياة أدنى إلى حياة أشرف .
وبعبارة أُخرى: إنّ الإيمان بالله يورث الثقة بأنّ الموت باب لحياة أفضل، ولذلك نرى أنّ المجاهدين يتسابقون إلى الموت في ميدان الحرب والجهاد، بخلاف المادّيّ فإنّه يعيش في قلق بسبب المستقبل المظلم.

2. إذا تقطّعت بالإنسان الأسباب

لم يزل الإنسان يعيش وتحيط به مصاعب ومشاكل ربّما ترتفع

صفحه 124
بمعالجات يسيرة سهلة، وربّما تتضخّم على وجه ييأس معه الإنسان من علاجها بالأدوات المتاحة، ويعرض له اليأس.
فالمادّيّ بما أنّه تقطّعت به الأسباب لم يزل يعيش في قلق، وأما الموحِّد المعتقد بأنّ وراء هذه الأسباب الظاهرة سبب آخر يعلو فوقها، وهو الإله الحيّ القادر فيتوكّل عليه قائلاً:(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)(1) فيجد في نفسه ارتياحاً وانبساطاً، وهو على يقين بأنّ الله لا يتركه وشأنه...

3. الحرص الشديد على المال و المناصب

إنّ من عوامل القلق حبّ الدنيا وما فيها من الأموال والجاه والنساء والمناصب، فرُبَّ إنسان لا يبلغ ما يتمنّاه وإن بذل في طريقه كلّ طاقاته وجهوده، فعندئذ يعرض له القلق الذي ربّما ينتهي إلى الجنون، وما هذا إلاّ لأنّه جعل الدنيا أكبر همّه ونهاية مقصده.
وأمّا الإنسان الإلهيّ الذي يرى أنّ الدنيا مقدّمة للحياة الأُخروية، ولو قصرت يده عنها، يرى ذلك تقديراً من الله سبحانه، الذي هو أعرف بمصالح العباد.
سورة الرعد: الآيات 30 ـ 32    
قال الإمام علي(عليه السلام):« وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لاََهْوَنُ مِنْ وَرَقَة فِي فَمِ جَرَادَة تَقْضَمُهَا».(2)
نقل الشريف الرضيّ عن عبدالله بن عباس رحمه الله تعالى أنّه قال:

1 . الطلاق:3.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 224.

صفحه 125
دخلت على أَميرالمؤمنين(عليه السلام) بذي قار وهو يخصِف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النّعل؟ فقلت : لا قيمةَ لها! فقال(عليه السلام) : «وَاللهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ ، إِلاَّ أَنْ أُقِيمَ حَقَّاً ، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلا».(1)
ولأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ـ خصوصاً أوّلهم ـ كلمات مضيئة حول الدنيا وقيمتها، والهدف من الجميع هو أن يتّخذ المؤمن الدنيا وسيلة لكسب رضا الله تعالى ومرضاته، ومزرعة لآخرته، وأفضل تعبير يُفصح عن مقام الدنيا لدى العارفين، هو قول الإمام(عليه السلام):«وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».(2)

الآيات: الثلاثون إلى الثانية والثلاثين

(كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ * وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ

1 . نهج البلاغة، في مقدمة الخطبة:33.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 82.

صفحه 126
الْمِيعَادَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ).

المفردات

خلَتْ: مضَت.
متاب: أصله متابي حذفت الياء تخفيفاً وبقيت الكسرة دليلاً على المحذوف، ومعناه: مرجعي، من تاب يتوب توبة ومتاباً.
سُيّرت به الجبال: قُلعت من أُصولها. والتسيير: تصيير الشيء بحيث يسير.
قُطِّعت: التقطيع: تفصيل المتّصل، وأُريد جعل الأرض قطعة قطعة.
ييأس: قيل بمعنى يعلم، واستشهد بقول الشاعر:
أقول لهم بالشِّعب إذ يأسَرونني *** ألم تيأسوا أنّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ(1)
وقيل: هو لغة هوازن.
قارعة: من القرع، وهو ضرب جسم بجسم آخر، يقال: قرع الباب إذا ضربه بيده بحلقة، وأُريد في المقام: الحادثة المفجعة التي تقرع القلوب.
تحُلّ: من الحلول بمعنى النزول، يقال حَلَّ المكان وبالمكان: نزل فيه.
فأملَيْتُ: فأمهلتُ.

1 . البيت لسُحيم بن وَثيل اليربوعي، لاحظ: مجاز القرآن:1/332.

صفحه 127
 
التفسير
30. (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ):
روى ابن جرير الطبري، في سبب نزول الآية، عن مجاهد، قال: هذا لمّا كاتب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قريشاً في الحديبية كتب: «بسم الله الرّحمن الرّحيم»، قالوا: لا تكتب الرحمن، وما ندري ما الرحمن، ولا تكتب إلاّ باسمك اللّهمّ! قال الله:(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)..الآية.(1)
وروى نحوه عن قتادة.(2)
والظاهر عدم صحّة ذلك، لأنّ الآية والسورة مكّية، وصلح الحديبية كان في الفترة المدنية، في العام السادس من الهجرة. وسيوافيك ما هو الوجه لذكر الرحمن في الآية.
الظاهر أنّ الآية جواب ثان لقولهم: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وفي الوقت نفسه تمهيد لردّ ما يقترحون عليه في الآية التالية من أُمور ثلاثة:
1. تسيير الجبال.

1 . جامع البيان(تفسير الطبري):8/191، رقم الرواية20399.
2 . نفس المصدر: رقم الرواية20398.

صفحه 128
2. شقّ الأرض.
3. تكليم الموتى.
فجاءت الآية ردّاً على ما مضى ولما يأتي، وفي الوقت نفسه تطييب لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أنّ رسالتك كرسالة مَن قبلك، وهي تلاوة ما أُنزل إليك من ربّك، حتى يتدبّروا في آياته ويتّعظوا بها من دون خضوع لكلّ ما يقترحونه من المعاجز، إذ غاية ما يجب على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إقامة الدليل على صدق دعوته، ويكفيك في ذلك القرآن الكريم، وأمّا الزائد عليه فليس عليك إتيانه.
إذا تبين ذلك فلنفسر الآية.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ) الظاهر أنّ (كَذَلِكَ) إشارة إلى ما يأتي بعده من الإرسال في قوله: (أَرْسَلْنَاكَ) نظير قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)(1)، وعلى هذا فالمشبَّه والمشبَّه به في هذه المقامات شيء واحد.
وهناك احتمال آخر، وهو أنّ قوله تعالى: (كَذَلِكَ) إشارة إلى ما جرت عليه سنّة الله تعالى في الأُمم السابقة بأن يُضلّ ويهدي بالوحي لا بالآيات المقترحة، فكذلك أيضاً فعلنا في أُمّتك هذه، وأرسلناك إليهم بالوحي لا بالآيات المقترحة، فنهدي من نشاء ونضلّ من نشاء.(2)
قوله: (فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ): أي خلتْ وتقدّمتْ عليها أُمم، وأمّا الغاية من الإرسال فهي: (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) وهذا يكفي في

1 . البقرة:143.
2 . المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي:3/312.

صفحه 129
إثبات التحدّي وصدق دعوتك، لكن هؤلاء (وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ): أي يكفرون برحمة إلهية عامّة تضمن لهم سعادة دنياهم وأُخراهم لو أخذوا وعملوا به.
ثم أمر النبيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالثبات على خط التوحيد وقال له: (قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)فهو الربّ وربّ كلّ شيء، وليس لغيره أي ربوبية وتدبير.
وبما ذكرنا يظهر سبب الإتيان بلفظ «الرحمن» دون «الرحيم»، وهو أنّ الثاني مشتقّ من الرحمة المختصّة بالمؤمنين بخلاف الأوّل، والمفروض أنّ القوم كافرون ومشركون.
31. (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ):

تعليق إيمانهم بمقترحات يدلّ على رسوخ العناد في نفوسهم

نقل الطبرسي في سبب نزول الآية عن ابن عباس قال: نزلت الآية في نفر من مشركي مكّة، منهم: أبو جهل بن هشام، وعبدالله بن أبي أُميّة المخزومي، جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أُميّة: إن سَرّك أن نتّبعك فسيّرْ لنا جبال مكّة بالقرآن، فأذهبْها

صفحه 130
عنا حتى تنفسح فإنّها أرض ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع، فلستَ كما زعمتَ أهون على ربّك من داود(عليه السلام)، حيث سخّرَ له الجبال تسبّح معه، أو سخِّرْ لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليها مسيرتنا وحوائجنا، ثمّ نرجع من يومنا، فقد كان سليمان سُخِّرت له الريح، فكما زعمت لنا، فلستَ أهون على ربّك من سليمان، وأحيي لنا جدّك قصيّاً أو من شئت من موتانا، لنسأله أحقّ ما تقول أم باطل، فإنّ عيسى(عليه السلام) كان يحيي الموتى، ولستَ بأهون على الله منه، فأنزل الله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا) الآية.(1)
والآية تقرّر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لو قام بما يقترحون لَمَا آمنوا به، وهذا دليل على رسوخ العناد والمكابرة في نفوسهم. وأمّا المقترحات التي قدّموها فعبارة عن الأُمور التالية:
1. تسيير الجبال بقلعها من أماكنها حتى تكون أرض مكة فسيحة كما يقول:(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ).
2. تشقيق الأرض وإخراج مياهها، كما يقول: (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ).
3. إحياء مَن مات من آبائهم وأجدادهم وتكليمهم، كما يقول: (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى).
وأمّا جواب «لو» فمحذوف، وتقديره: لَمَا آمنوا، وكثيراً ما يحذف جواب الشرط لوضوحه، نظير قوله سبحانه: (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى

1 . مجمع البيان:6/43. وانظر: جامع البيان (تفسير الطبري): 8 / 191 ـ 193 للوقوف على رواياته في شأن اقتراحات مشركي قريش على رسول الله، عن كلٍّ من: ابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن كثير، وقتادة، وابن زيد.

صفحه 131
النَّارِ)(1)، وقوله سبحانه: (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ).(2)
ثمّ إنّ الزمخشريّ ذكر جواباً آخر لحرف الشرط وقال: لو أنّ قرآناً (سيّرت به الجبال) عن مقارّها وزعزعت عن مضاجعها (أو قطّعت به الأرض) حتى تتصدّع وتتزايل قطعاً (أو كُلّم به الموتى) فتسمع وتجيب، لَكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف.(3)
وقد أُشير إلى مضمون الآية مع ذكر الجواب في قوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)(4)، وبما أنّهم طلبوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بهذه الأُمور بالقرآن كما يحكي عنه سبحانه بقوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا)، جاء البيان القرآني أنّ الأمر ليس بيد القرآن ولا بيد الآيات التي تقترحونها، (بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا)فجميع الأُمور بيده سبحانه حتّى أسباب الهداية والضلالة، فهو يُضلّ من يشاء ويهدي إليه من أناب.
ثمّ إنّه سبحانه أخبر عن عدم إيمانهم على القطع واليقين، ومع ذلك فإنّ بعض المؤمنين كانوا يرجون هداية المشركين، لوجود أواصر الصلة والمودّة بينهم، فكأنّهم سألوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو الله تعالى حتّى يوفّقهم للإيمان، فجاء البيان القرآني ليقطع هذا الرجاء بالقول:(أَفَلَمْ يَيْأَسِ): أي يعلم (الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)بالجبر والإكراه؟ وبما أنّ

1 . الأنعام:27.
2 . السجدة:12.
3 . تفسير الكشّاف:2/288.
4 . الأنعام:111.

صفحه 132
الهداية الجبرية لا تعدّ كمالاً للإنسان الذي كرّمه تعالى بالعقل وجعله فاعلاً مختاراً، وإنّما الكمال هو أن يؤمن بالله ورسله عن تدبّر وتعقّل، فإنّ الله سبحانه لم يشأ، كما تقتضي حكمته، أن يفعل ذلك بإرادته التكوينية، لأنّ الإيمان النابع عن هذه الإرادة إيمان جبريّ شاءوا أم لم يشاءوا. وما ذكرنا من تفسير الآية مبنيّ على أنّ قوله: (يَيْأَسِ) بمعنى: يعلم، وقد مرّ في المفردات ما استُشهد به من الشعر على هذا المعنى، ومنه أيضاً قول رباح بن عديّ:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه *** وإن كنتُ عن أرض العشيرة نائيا
قوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إنّ التأمّل في هذه الفقرة يرشدنا إلى أنّهم كانوا يستهزئون بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) باستعجال العذاب الذي وُعِدوا به، والله سبحانه يلفت نظرهم إلى وجود أمرين:
1. ما يصيب المشركين خارج الحرم من قوارع وحوادث مفجعة كالحروب وشنّ الغارات، كما يقول:
(وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواتُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) وظاهر الآية أنّ سبب هذه الحوادث القارعة كفرُهم وشركُهم أو إنكارهم الرحمن، فيكون المراد (بِمَا صَنَعُوا) هو هذه الأُمور.
2. ما ينزل من قوارع وكوارث شديدة، قريباً من دارهم كما يقول:(أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ) وهم أهل الحرم من قريش، حيث تقع الكوارث قريباً من دارهم فتصيبهم معرَّتها وسائر آثارها السيئة.(1)
وأمّا تفسير الفقرة بسرايا المسلمين التي كانت تهدّد قريش فهو غير

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:11/362.

صفحه 133
صحيح، لأنّ السورة مكّية.
وعلى كلّ تقدير، ففي هذه الحوادث خارج الحرم أو داخله، عبرة لقريش.
غير أنّ الأمر لا ينتهي عند هذا الحدّ، بل سوف يشملهم العذاب الإلهي كما يقول: (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) وأُريد بوعد الله ما أصابهم في غزوة بدر وغيرها من القتل والأسر، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه:(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).(1)
نقل الرازي عن القاضي عبد الجبار بن أحمد(المتوفّى 415هـ) رئيس المعتزلة في عصره: أنّ الآية تدلّ على بطلان قول من يجوّز الخلف على الله تعالى في ميعاده، وهذه الآية وإن كانت واردة في حقّ الكفّار إلاّ أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، إذ بعمومه يتناول كلّ وعيد ورد في حقّ الفسّاق.(2)
يلاحظ عليه: أنّ مورد الآية هو المشركون وإلغاء الخصوصية غير صحيح في المورد، لأنّ موردها ما إذا كان غير المورد، نظير المورد، دون ما كان أضعف، فالإخبار عن عموم خُلف الميعاد في حقّ الوثنيّين لا يمكن إلغاء الخصوصية فيه، خصوصاً مع قوله سبحانه:(إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).(3)
والظاهر أنّ المراد من قوله: (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) ما ذكرنا، لا العذاب

1 . آل عمران:12.
2 . تفسير الرازي:19/54.
3 . النساء:48.

صفحه 134
الأُخروي. نعم ورد الإنذار به في سورة يونس لعامّة الكفّار كما يقول سبحانه: (وَ لِكُلِّ أُمَّة رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(1) ; لأنّ هذه الآية تهدّد عامّة المشركين، وأمّا آياتنا هذه فتختصّ بقريش.
وعلى كلّ تقدير، فالآية بصدد التهويل والتهديد حتى يكفّوا عن استعجال العذاب و التهكُّم وغير ذلك من الأُمور التي تؤذي روحية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباعه، فإنّ وقوع الكوارث الهائلة خارج الحرم وداخله، يشير إلى فقدان الأمن لهؤلاء الذين انكبّوا على عبادة الأصنام والأوثان.
ثم بعد ذلك سيصيبهم ما وعد اللهُ رسولَه من نصر الإسلام والتوحيد على الكفر والشِّرك.
32. (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ):
سورة الرعد: الآيات 33 ـ 35    
الآية بصدد تسلية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عمّا كان يلقاه من المشركين من التهكّم والاستهزاء. وحاصل الآية: إنّ استهزاء المشركين ليس مختصّاً بك بل كان أمراً مطَّرداً في الأُمم السابقة، كما يقول:(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) فهو من الإملاء بمعنى الإمهال، أي فأمهلت الذين كفروا، ومنه قوله سبحانه:(وَاهْجُرْني مَلِيًّا)(2) وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ)(3) فالله سبحانه يُمهل الكفّار

1 . يونس:47.
2 . مريم:46.
3 . الأعراف: 182 ـ 183 .

صفحه 135
ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا، حتى إذا تمادَوا في غيّهم وضلالهم مغترّين بنعمه الظاهرة أخذهم بما فعلوا، كما يقول:(ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ): أي عقابي إيّاهم.
قال الإمام علي(عليه السلام):«كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالاِْحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُور بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ! وَمَا ابْتَلَى اللهُ أَحَداً بِمِثْلِ الاِْمْلاَءِ لَهُ».(1)

الآيات: الثالثة والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين

(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق * مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبى الْكَافِرِينَ النَّارُ).

المفردات

قائم: رقيب ومتول للأُمور.
تنبِّئونه: تُخبرونه.

1 . نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 116.

صفحه 136
بظاهر من القول: أي بباطل من القول، ويستشهد لهذا المعنى بقول أبي ذؤيب الهُذَليّ:
وعيّرها الواشون أنِّي أُحبُّها *** وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكِ عارُها(1)
ويمكن أن يُحمل على ما هو المتبادر من لفظ (ظاهر)، أي القول الظاهر الذي لا حقيقة له ولا اعتبار.
السبيل: طريق الحقّ.
واق: الواقي: الحافظ.

التفسير

33. (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد):
وجود «الفاء» في قوله: (أَفَمَنْ)دليل على التفريع على ما تقدّم، والظاهر أنّه تفريع على قوله: (قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)(2) والاستفهام إنكاري جوابه محذوف تدلّ عليه الفقرة التالية ـ كما سيوافيك ـ وحاصل السؤال:(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس) رقيب عليها،

1 . شرح أشعار الهُذَليّ:70، وغيره.
2 . الرعد:30.

صفحه 137
خالق وحافظ لها، عالم (بِمَا كَسَبَتْ)فيجزي كلّ عامل بعمله، كمن هو ليس كذلك؟ فالله سبحانه هو الخالق الرّازق المدبّر للكون، الرّقيب على كلّ نفس، العالم بما عملت، فهل يستوي وهو بهذه الصفات مع أصنامهم التي لا تسمع ولا تبصر ولا تدفع عن نفسها ولا عن غيرها ضرّاً ولا تجلب نفعاً؟ هذا هو الجواب، وقد دلّ عليه قوله:(وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ).(1) وعلى هذا فقوله: (قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس)كلمة جامعة تشمل الخلق والرِّزق والحفظ والعلم بأحوال كلّ نفس. وهذا يثير العجب!! كيف أنّ هؤلاء الجهّال يساوون بينه وبين معبوداتهم في العبادة بل في التدبير؟!
ثمّ إنّ قوله:(وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ) في موضع الحال، أي مع أنّ الحالة كذلك والتساوي باطل من أصله، فهؤلاء الأغبياء جعلوا مَن لا يخلق ولا يرزق ولا يعلم شريكاً لله سبحانه.

الاحتجاج على المشركين بوجوه ثلاثة

بعدما أبطل سبحانه فكرة التساوي بينه و بين معبوداتهم، احتجّ عليهم بوجوه ثلاثة بديعة في موردها، بمعنى أنّه سبحانه افترض لهم أعذاراً في حال التساوي، وهي:
الأوّل:(قُلْ سَمُّوهُمْ) أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم عن أسماء هؤلاء الشركاء لتتبيّن أوصافهم ومنزلتهم من العلم والقدرة. ومن المعلوم أنّهم سيحجمون عن تسميتهم، إذ أنّهم لو سمّوا آلهتهم (كاللات وهُبَل) التي هي

1 . يُسمّي علماء البيان هذا النوع من الحذف: الإضمار على شريطة التفسير، أي أن يُحذف من صدر الكلام ما يُؤتى به في آخره، فيكون الآخر دليلاً على الأوّل.

صفحه 138
أخشاب وأجسام بلا روح، لانكشفت بلاهتهم وخفّة عقولهم، بتسوية هذه الجمادات مع الله الواحد القهّار.
الثاني: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ): أي تُخبرون الله تعالى بشركاء خفَوا عنه سبحانه؟ ومن المعلوم أنّ هذا الافتراض باطل، إذ كيف يكون الشريك غافلاً عن عمل شريكه خصوصاً في مسألة التدبير، فإنّ صحيفة الوجود شيء واحد تتّصل أجزاء بعضه ببعض، فلو قام موجود بتدبير قسم منه لَعلمَ به سبحانه، خصوصاً أنّه سبحانه عالم لا تَخفى عليه خافية، قال سبحانه:(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاَّ يَعْلَمُهَا)(1)، وأُشير إلى هذا الاحتجاج في آية أُخرى، قال تعالى: (أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ).(2)
الثالث:(أَمْ بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ): أي تنبّئونه بأنّ له شركاء ولكن(بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ): أي بما لا حقيقة له؟ فما جعلتموه آلهة ليس لهم من الأُلوهية إلاّ الاسم دون الحقيقة، قال سبحانه: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ).(3)
وعلى ما ذكرنا لا حاجة لتفسير (بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ) بباطل منه، كما مرّ في المفردات، بل يمكن القول: أيّ قول له ظاهر وليس له حقيقة.
ثمّ إنّه سبحانه أضرب عن الاحتجاج بهذه الوجوه الثلاثة التي تضمّنت بطلان أُلوهية كلّ معبود سواه، وأخذ في وصف هؤلاء الكفّار بأمرين،

1 . الأنعام:59.
2 . يونس:18.
3 . النجم:23.

صفحه 139
يتجلّى من خلالهما سبب انتشار الشرك بينهم، وهما:
الوصف الأوّل: أنّ المكر قد زُيِّن لهم، كما يقول:(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) وحَسُن في أنفسهم افتراؤهم على الله بأن جعلوا له شركاء في التدبير والعبادة.
الوصف الثاني: أنّهم مُنعوا عن طريق الحقّ والهدى، كما يقول: (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) والذي صدّهم عنه أنفسهم التي زيّنت لهم هذا المكر، والشيطان المضلّ الذي وسوس لهم وأغواهم بتلك الأوهام والخرافات. وفي نهاية الآية أكّد سبحانه ضلالهم بقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد)وأُريد بالإضلال الحيلولة بينهم وبين الهداية الثانية (الهداية الخاصّة) التي لا تُنال إلاّ بتوفيق الله ومعونته، وهي رهن استعداد القلب للانفتاح على الهداية الأُولى (الهداية التشريعية) التي تتحقّق ببعث الأنبياء وإنزال الكتب وإقامة الحجج المسفرة، فإذا عميَ الناس عنها وأعرضوا عمّا يدعو إليه الأنبياء، صار ذلك سبباً لحرمانهم من الهداية الثانية التي هي بمعنى الإضلال.
34. (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق):
تقدّم في قوله سبحانه تهديد المشركين وراء ما يصيبهم خارج الحرم وداخله من القوارع بقوله: (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) فلو أُريد بالوعد هو العذاب الأُخروي تكون الآية شارحة له، وأمّا لو حملناه على ما يصيبهم في الغزوات كبدر وأُحد والأحزاب، كانت الآية بياناً استئنافياً ناشئاً عمّا مرّ من قوله:(وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ)فنتيجة الإضلال أمران:

صفحه 140
1. (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) على أيدي المجاهدين المؤمنين في الغزوات والسّرايا.
2. (وَلَعَذَابُ الاْخِرَةِ أَشَقُّ) وكيف لا يكون أشقّ وهو عذاب أليم شديد دائم؟ وربّما يحتمل أن يكون هؤلاء مشمولين بشفاعة الشافعين، فجاء البيان القرآني رافضاً لهذا الاحتمال، وقال: (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق)ولا يؤذن لأحد بالشفاعة في حقّ من ماتوا على كفرهم.
35. (مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبى الْكَافِرِينَ النَّارُ):

أوصاف الجنّة الثلاثة

لمّا تقدّم في الآية السابقة بيان مصير المشركين بأنّ لهم عذابين في الدنيا والآخرة، تطرّق هنا إلى بيان مصير المؤمنين وما لهم من مستقبل زاهر وهو الخلود في الجنّة وقال: (مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ): أي وصف الجنة التي وعدها الله سبحانه للمتّقين هو ما يلي:
سورة الرعد: الآيات 36 ـ 39    
أ. (جنّة)(1) (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ): أي من تحت قصورها. ويحتمل أن يكون المراد جريان الأنهار في جوانبها.
ب. (أُكُلُهَا دَائِمٌ): أي مأكولاتها من الفواكه والمطاعم والمشارب لا تنقطع ولا تبيد.

1 . كأنها خبر محذوف لقوله:
(مَثَلُ الْجَنَّةِ التي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ).

صفحه 141
ج. (وَظِلُّهَا) دائم كذلك. ووجود الظلّ دليل على وجود الشمس، لكن لأجل التفاف الأشجار بعضها ببعض حتى انعدمت الفراغات بينها صار سبباً لدوام الظلّ. وأمّا قوله سبحانه: (لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا)(1) فأُريد من الشمس بقرينة الزمهرير، الحرارة المؤذية.
وبعد أن تمّ وصف الجنّة بأوصافها الثلاثة، أشار إلى أنّ هذه النعمة الكبرى هي عاقبة المتقين وقال: (تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا)، وأمّا عاقبة الكافرين فذكرها بقوله: (وَعُقْبى الْكَافِرِينَ النَّارُ).

الآيات: السادسة والثلاثون إلى التاسعة والثلاثين

(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ وَاق * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

المفردات

الأحزاب: جمع حزب، وهم الطائفة المجتمعة لأمر من الأُمور، سياسيّاً

1 . الإنسان :13.

صفحه 142
كان، أو اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً.
مآبِ: مآبي: مرجعي، من آب يؤوب، أي رجع يرجع.
أجل: الأجل: الوقت والمدّة.
كتاب: الكتاب هنا: الحُكم المعيّن الذي تقتضيه حكمته سبحانه.
أُمّ الكتاب: أصله، الذي يرجع إليه.

التفسير

كان المحور في الآيات السابقة هو الاحتجاج على المشركين وبيان مصيرهم في الدنيا والآخرة، وأمّا هذه المجموعة فتصف أهل الكتاب وأنّهم انقسموا بعد بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فئتين: فئة فرحت بنزول القرآن واستقبلوه وآمنوا به، وفئة أنكروه أو أنكروا بعضه.
36. (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ):
الآية تصنّف أهل الكتاب إلى صنفين:
أ. صنف نفضوا غبار التعصُّب عن عقولهم فآمنوا بما أتى به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إيماناً مقروناً بالفرح لأنّهم وجدوا شواهد على صدق دعوته في كتبهم السماوية، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ). وربّما تُفسَّر الآية بمن آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه،

صفحه 143
ولكنّه غير صحيح، لأنّ الآية والسورة مكية. ويحتمل أنّه أُشير بها إلى نصارى الحبشة، فقد قدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكة عشرون رجلاً من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، مبعوثين من قبل أساقفتها لتقصّي الحقائق بمكّة، والتعرّف على الإسلام، فوجدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد، فجلسوا إليه، وكلّموه وسألوه عن مسائل.
فلمّا فرغوا من مسألة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عمّا أرادوا، دعاهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الله عزّ وجلّ وتلا عليهم آيات من القرآن الكريم، فكان لها من التأثير البالغ في نفوسهم بحيث عندما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدّقوه، بعد ما عرفوا منه ما كان يوصَف في كتابهم (الإنجيل) من أمره.(1)
هذا حال مَن اتّصل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وشاهد ما عليه من المعارف والتعاليم.
ب. وهناك صنف من أهل الكتاب انطلق من عقلية حزبية منغلقة، فأنكروا بعض ما أتى به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). ولعلّ المراد بهم البُعداء من اليهود والنصارى، ممّن كان يقيم بنجران أو اليمن، فربّما سمع النصارى بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه يدعو إلى التوحيد مكان التثليث، أو سمع به اليهود وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرّم الرِّبا، فوقفوا ممّا أُنزل عليه موقف المنكِر، كما يقول: (وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) لكن الظاهر من ذيل الآية، أعني قوله: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ) أنّ المنكرين هم النصارى الذين عبدوا الأقانيم الثلاثة، ودعوا إلى التثليث. ويختم سبحانه كلامه بقوله: (إِلَيْهِ أَدْعُوا): أي إلى

1 . انظر:السيرة النبوية:1/390ـ 393.

صفحه 144
الإله الواحد (وَإِلَيْهِ مَآبِ): أي مرجعي ومصيري يوم القيامة.
ولا يخفى ما في ذيل الآية من الإشارة إلى الأُصول الثلاثة للإسلام، فقوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ)يشير إلى التوحيد، وقوله (إِلَيْهِ أَدْعُوا)يشير إلى مهامّ الرسالة، وقوله: (وَإِلَيْهِ مَآبِ) يشير إلى البعث .
وأمّا تفسير الفئة المنكرة بما ورد من أنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)،(1) فغير صحيح ; لأنّ ذلك وقع في الفترة المدنية،(2) والآيات التي نحن بصدد تفسيرها مكيّة.
وللرازي في تفسير قوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ) كلمة، يقول فيها: هذا الكلام جامع لكلّ ما ورد التكليف به وفيه فوائد:
أوّلها: أنّ كلمة (إِنَّمَا) للحصر ومعناه: إنّي ما أُمرت إلاّ بعبادة الله تعالى، وذلك يدلّ على أنّه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلاّ بذلك.
وثانيها: أنّ العبادة غاية التعظيم، وذلك يدلّ على أنّ المرء مكلّف بذلك.
وثالثها: أنّ عبادة الله تعالى لا تمكن إلاّ بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلاّ بالدليل، فهذا يدلّ على أنّ المرء مكلّف بالنظر والاستدلال في

1 . مجمع البيان:3/123.
2 . لاحظ تفسير قوله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا)(النساء:51ـ 52).

صفحه 145
معرفة ذات الصانع وصفاته، وما يجب ويجوز ويستحيل عليه.
ورابعها: أنّ عبادة الله واجبة، وهو يبطل قول نفاة التكليف، ويبطل القول بالجبر المحض... إلى آخر ما ذكره.(1)
ولكنّه لم يبيّن لنا ما هو الفرق بين الجبر وبين الجبر المحض؟
أقول: لمّا كان القول بالجبر عقيدة مردودة في العقل الحصيف، عاد الرازي إلى تقسيمه إلى الجبر المحض وغير المحض، فالأوّل عنده مردود دون الثاني، وأراد به ما إذا كان الله خالقاً لأفعال العباد وهم كاسبون لأفعالهم فاشتهر بينهم: الله خالق والعبد كاسب، ومع ذلك فلم يظهر منهم أي تفسير صحيح للكسب; وذلك لأنّ الكسب أيضاً فعل من أفعال العباد والله خالقه، فعاد المحذور، ولذلك صار القول بالكسب أحد المبهمات الثلاثة التي لم يقف أحد على حقيقتها. وفي ذلك يقول الشاعر:
ممّا يقال ولا حقيقة عنده *** معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال *** عند البهشمي وطفرة النَّظّامِ(2)

تطبيق لا شأن نزول

قد ورد في بعض الروايات أنّ المراد من قوله:(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) هو علي بن أبي طالب(عليه السلام)(3)، وهذا من باب الجري والتطبيق.

1 . تفسير الرازي:19/60ـ 61.
2 . القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب:185.
3 . مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: 3/60 .

صفحه 146
37. (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ وَاق):

تأييد النبي الأكرم بإنزال الكتاب

جرت سنّة الله تعالى على تأييد الأنبياء العظام بإنزال الكتب، التي فيها هدىً ونور، معهم، يقول سبحانه:(وَكَذَلِكَ): أي كما آتينا الكتاب كالتوراة والإنجيل النبيَّ موسى والمسيح(عليهما السلام)، كذلك (أَنْزَلْنَاهُ)الضمير عائد إلى (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) في قوله:(يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) يعني القرآن الكريم (حُكْمًا عَرَبِيًّا) أُريد بالحكم: الحكمة، لقوله سبحانه: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(1)، وأُريد بقوله (عَرَبِيًّا) نزوله بلغة العرب، وإلاّ فالحكمة لا تقسَّم إلى عربية وغير عربية، وإنّما أُنزل بها لأنّ سنّة الله جرت على إرسال الرسل بلغة أقوامهم، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(2)، ويقول سبحانه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبيٍّ مُبِين)(3). أمّا وجه إرسال الرسل بلغة أقوامهم فواضح، غير أنّ في إرسال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلسان قومه نكتة أُخرى، وهي أنّ قومه(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يملكون نفسيّة خاصة وهي عدم خضوعهم واستجابتهم بسهولة لعادات غيرهم وألسنتهم، فلو أنزل الله سبحانه كتابه إليهم بغير لسانهم لما آمنوا به كما قال سبحانه:(وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ* فَقَرَأَهُ

1 . مريم:12.
2 . إبراهيم:4.
3 . الشعراء:192ـ 195.

صفحه 147
عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ)(1)، فلأجل ذلك بعثه الله سبحانه بلسان قومه حتى يسدّ باب الذريعة عليهم.
ولأجل هذه المهمة الاجتماعية يجب على الرسول أن يصرف همّته أوّلاً في هداية قومه وإنقاذهم حتى يتسنّى له هداية الآخرين، وهذه سنّة متّبعة في الأُمور اليسيرة، فضلاً عن المهمّة.
ولمّا تقدّم في قوله سبحانه: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، جاء البيان القرآني يذكّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وينهاه عن اتّباع أهوائهم. حتى لا يطلب من الله سبحانه نزول آية غير القرآن الكريم، ويقول:(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ومع ذلك يحتمل أن تكون الفقرة ناظرة إلى أمر آخر، وهو أنّ قسماً من أهل الكتاب ـ أعني: الذين عبّر عنهم سبحانه بقوله:(وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) ـ كانوا يطلبون من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتّبع أحكامهم المنسوخة في الإسلام، فنهاه سبحانه عن اتّباع أهواء أهل الكتاب. وسيأتي في الآية التالية ما هو وجه التثّبت على ما أوحى إليه، فإذا كان هذا حال النبيّ مع ما له من المنزلة عند الله فما حال غيره؟ وعلى كلّ حال فجزاء المبتغي قوله تعالى: (مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ) ينصرك من دون الله (وَلاَ وَاق) يقيك من بأسه. والفقرة من مقولة: «إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة».
ونظير الآية قوله سبحانه:(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِع قِبْلَةَ بَعْض وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ).(2)

1 . الشعراء:198ـ 199.
2 . البقرة:145.

صفحه 148
هذا، وذهب المفسّرون كالشيخ الطبرسي والشيخ المراغي وغيرهما إلى أنّ الخطاب في كلا الموردين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمراد به الأُمّة(1)، لكن الظاهر من السيد الطباطبائي كون الخطاب في المقام للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو المراد به دون الأُمّة.(2) مع أنّه(قدس سره) ذكر في تفسير آية البقرة أنّ الخطاب من باب: إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة، وعندئذ يقع الكلام: ما هو الفرق بين الآيتين حيث جعل آيتنا هذه أنّ المراد هو النبيّ دون الأُمّة بخلاف آية البقرة؟ فتأمّل.
38. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ):

نقد ما اعترض به المشركون على رسالة النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)

عاد البيان القرآني إلى ردّ ما ينكره بعض المشركين وأهل الكتاب من رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالآية تشتمل على أُمور ثلاثة:
الأوّل: ما يكرّره المشركون غير مرّة بأنّ شأن النبوة أعلى من أن ينالها البشر، وهذا المدّعي للنبوّة(محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)) يعيش كسائر الناس يتزوّج وتكون له ذرّية!! وقد جاء هذا الاعتراض أيضاً في سورة الفرقان، (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)(3)، وقد جاء الردّ على هذه الفكرة في السورة نفسها بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ

1 . مجمع البيان:6/50.
2 . الميزان في تفسير القرآن:11/347.
3 . القرقان:7.

صفحه 149
وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ)(1)، وفي سورتنا هذه يقول: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً).
وبما أنّ الآية مكّية، فلعلّ المشركين أرادوا من كلامهم زواج الرسول من خديجة التي توفّيت قبل الهجرة بثلاث سنين. ثم تزوّج بعدها سَودة بمكّة المكرّمة قبل الهجرة.
وهذا الإشكال أوهن من بيت العنكبوت، فبشريّة الرسول لا ريب فيها ومن ثمّ له ما لغيره من سائر البشر من حاجات، فهو إذاً بحاجة إلى الأكل والشرب واتّخاذ الزوجة وغيرها، وإنّما يسمو على سائر الناس بالعصمة والعلم والوحي وسائر الفضائل الأخلاقية.
نعم، لم يتزوّج المسيح(عليه السلام) لمصلحة هو أعرف بها، وكان يحيى(عليه السلام)حصوراً كذلك، غير أنّ عامّة الأنبياء كانوا متزوّجين واحدة من النساء أو أكثر كداود وسليمان(عليهما السلام).
ولقد كان أبو الأنبياء متزوّجاً حواء، يقول سبحانه:(يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ).(2)
ويظهر من بعض الآيات أنّ هذه الفكرة الباطلة كانت ذريعة لإنكار الرسالة، في الأُمم السابقة، يقول سبحانه: (وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الاْخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ).(2)

1 . الفرقان: 20.   2 . البقرة: 35.
2 . المؤمنون:33ـ 34.

صفحه 150
الثاني: اقترحوا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتي بآية كونية غير القرآن الكريم، نظير ما أتى به النبيّ موسى وعيسى(عليهما السلام) من الآيات كالعصا وشفاء المرضى وإحياء الموتى، فأجابهم سبحانه بقوله:(وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)، فالمعاجز كلّها بيد الله سبحانه، فليس له أن يأتي بآية ويترك آية أُخرى من جانب نفسه.
الثالث: قوله سبحانه: (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ) أراد بالأجل، الوقت المحدّد، فلكلّ زمان حُكم مقضيّ من الله سبحانه، لا يجري فيه إلاّ ما قضاه. وفي هذه الفقرة إجابة عن أمرين:
أحدهما: ما مرّ في قوله سبحانه:(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)(1) حيث طلبوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتّبع أحكام العهدين، ويترك ما أُنزل إليه.
الثاني: أنّ المشركين طلبوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيء بآية كونية، كما جاء بها موسى وعيسى(عليهما السلام). فمعنى قوله سبحانه: (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ): أي لكلّ وقت حُكم مقضيّ مكتوب، فالظروف السائدة في زمن الأنبياء السابقين غير الظرف السائد في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك ليس للنبيّ أن يترك ما نُزّل إليه من الأحكام ويتّبع ما شرّع في العهدين، لأنّ المقتضيات والمصالح مختلفة، فلكلّ عصر شريعة خاصة تناسبه.
وفي هذه الفقرة أيضاً إجابة عن تبديل آية بآية، وذلك لأنّ المعاجز يجب أن تكون موافقة للعلوم الرائجة في عصر النزول، فالفنّ الرائج في

1 . البقرة:120.

صفحه 151
عصر النبيّ موسى(عليه السلام) كان هو السحر، وكان السحرة في قمّة المهارة في هذا الفنّ، وهذا أوجب أن يتحدّاهم موسى(عليه السلام) بالعصا، واليد البيضاء، كما أنّ عصر النبيّ المسيح(عليه السلام)كان يسود فيه علم الطب ومداواة الأمراض الصعبة، فاقتضى أن تكون معجزته مشابهة للعلم الرائج، وأمّا عصر النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان يختلف عنهما، فالرائج في عصره الشعر والخطابة والتقدّم في ميدان البلاغة، ولذلك كانت معجزته الكبرى هي القرآن، فما أبلغ وأجمل كلامه سبحانه:(لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ): أي لكلّ زمن حُكمه المناسب.
لقد استدلّت بعض الفرق الباطلة بقوله سبحانه: (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ)على أنّ أجل القرآن قد مضى، لأنّه سبحانه يقول: (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ).
والاستدلال موهون جدّاً لا ينبغي الالتفات إليه لِما عرفت من أنّ المراد من قوله: (كِتَابٌ)الحُكم المكتوب، وأنّ الفرائض تختلف حسب اختلاف الأوضاع والأحوال، فلكلّ وقت حُكم يكتب ويفرض على العباد حسب مقتضيات المصالح. والمستدلّ تصوّر أنّ الآية بمعنى أنّ لكلّ دين أجلاً وأمداً.
هذا، وذهب الشيخ الطوسي إلى أنّ في الفقرة تقديم وتأخير، وأنّ تقدير القول فيها: لكلّ كتاب أجل، كما قال: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)(1)، والمعنى جاءت سكرة الحقّ بالموت، وهي قراءة أهل البيت(عليهم السلام)، وبه قرأ أبو بكر من الصحابة.(2)
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتمّ ما قال إذا كانت الفقرة ردّاً على زعم اليهود

1 . سورة ق:19.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 6/262.

صفحه 152
ببقاء التوراة على حجّيّتها، فعندئذ يصحّ أن يقال: لكلّ كتاب أجل، ولكنّك قد عرفت أنّ الفقرة ردّاً على المشركين حيث يطلبون منه أن يأتي بآيات كونية مثل ما أتى بها موسى وعيسى(عليهما السلام)، وعندئذ لا يصلح أن يقال: لكلّ كتاب أجل، بل لا محيص من القول: (لِكُلِّ أَجَل): أي زمان (كِتَابٌ): أي حُكم مكتوب ومعجزة خاصّة. وبهذا يظهر أنّه ليس في الفقرة تقديم وتأخير.
39. (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ):

اللَّوح الأوّل أو لوح المحو والإثبات

بعد أن أثبت قوله سبحانه: (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ) أنّ لكلّ وقت وزمان حكماً يناسبه وتقتضيه أسبابه، ولذلك اختلفت الشرائع، كما اختلفت المعاجز والبيّنات والآيات، جاء البيان القرآني لبيان ضابطة كلّية من غير اختصاص بمورد الشرائع والبيّنات، وقال:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) وهذه الآية كما قلنا ضابطة كلّية لا تختصّ بمورد دون مورد، وتدلّ على أنّ لله سبحانه لوحَين:
الأوّل: لوح الإثبات والمحو.
الثاني: لوح أُمّ الكتاب.
فما قضى الله سبحانه في اللوح الأوّل وقدّره يتطرّق إليه التغيير والتبدّل حسب المصالح والمقتضيات.
وأمّا ما قدّره في اللوح الثاني الذي عبّر عنه بـ(أُمُّ الْكِتَابِ) لأجل كونه أصلاً للّوح الأوّل، فهو مصون عن التغيّر والتبدّل.

صفحه 153
إنّ رفع الإجمال عن مفاد الآية رهن مراجعة الكتاب العزيز والسنّة الشريفة، وإليك نماذج ممّا قُدِّر في لوح المحو والإثبات ثمّ تطرّق إليه المحو:

1. رفع العذاب عن قوم يونس(عليه السلام)

كان المقدّر في اللوح الأوّل نزول العذاب على قوم يونس(عليه السلام) وقد أوعدهم به نبيّهم، لكنّه لم يكن مقدّراً بشكل قطعيّ، ولذلك تطرّق إليه التغيير، وحلّ تقدير آخر محلّه، وهو رفع العذاب لأجل توبة القوم وتضرّعهم، وبذلك صارت الحادثة مظهراً لقوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ) وما هذا إلاّ لأنّ نزول العذاب كان معلّقاً على بقاء القوم على غلوائهم وضلالهم، وبما أنّ المعلّق عليه لم يتحقّق، لم ينزل عليهم العذاب، ولذلك يقول سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين).(1)

2. نسخ ذبح إسماعيل(عليه السلام)

تضافرت الآثار على أنّ رؤية الأنبياء رؤية صادقة، وربّما تكون وحياً(2)، وقد رأى إبراهيم(عليه السلام) في منامه أنّه يذبح ولده إسماعيل(عليه السلام) وأعلمه بذلك ليختبر صبره وجلَده، فإيجاب ذبح إسماعيل كان مقدّراً في اللوح الأوّل، ومع ذلك لم يتمّ، لماذا؟ لأنّه كان معلّقاً على شرط لم يتحقّق، فعدم حصول الشرط صار سبباً لعدم بقاء الأمر، فصار مظهراً لقوله سبحانه:

1 . يونس:98.
2 . تفسير الدر المنثور: 5 / 280.

صفحه 154
(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ) .
وأمّا إذا نظرنا إلى الروايات، ففيها ما يفسّر معنى قوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ). وإليك عدداً منها:

أثر الدعاء في تغيير المصير

أ. أخرج الحاكم عن ابن عباس، قال: «لا ينفع الحذر من القدَر، ولكنّ الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدَر».(1)
ب. أخرج ابن أبي شَيبة بإسناده عن عبد الله بن مسعود(رحمه الله) قال: ما دعا عبد قطّ بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله له في معيشته:«يا ذا المنّ فلا يُمَنّ عليك، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّول، لا إله إلاّ أنت، ظهرَ اللاّجئين، وجارَ المستجيرين، ومأمنَ الخائفين، إن كنتَ كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فامحُ عنّي اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً مقتّراً عليّ رزقي، فامحُ حرماني ويسّر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفَّقاً للخير، فإنّك تقول في كتابك:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ).(2)
ج. أخرج الكلينيّ عن أبي الحسن موسى]الكاظم[(عليه السلام) قال: «عليكم بالدُّعاء فإنّ الدُّعاء لله، والطّلب إلى الله يردّ البلاء وقد قُدّر وقضي ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دُعِيَ الله عزّ وجلّ وسئل، صُرف البلاء صرفة».(3)

1 . تفسير الدر المنثور: 4 / 661.
2 . المصنَّف:1/272، رقم الرواية30145; تفسير الدر المنثور: 4 / 661. ولعلّ الدّعاء نقل بغير الوجه الصحيح، فإنّ التغيير لا يتطرّق إلى أُمّ الكتاب.
3 . الكافي:2/470، رقم الرواية 8 .

صفحه 155

أثر الصدقة في تغيير المصير

نقل السيوطي في «الدر المنثور» عن عليّ(عليه السلام) أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذه الآية:(يَمْحُوا اللهُ) فقال له:«لأقرّنّ عينيك بتفسيرها ولأقرّنّ
عين أُمتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين،
واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء».(1)
وبهذا اتّضح معنى قوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ) بعد التأمّل في الآية نفسها، وما جاء في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة ما يوضّحه.
وحصيلة الكلام: إنّه ليس للإنسان مصير واحد مقدّر لا يتغيّر ولا يتبدّل، بل هو قادر على أن يغيّر مصيره، وكلا الأمرين تقدير من الله وقضاء منه، ونعمَ ما قال سبحانه حاكياً عن نبيّه نوح(عليه السلام):(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)(2)، ويقول الله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(3)
ثمّ إنّ للاعتقاد بالبَداء بالمعنى الذي ذكرت، أثراً بالغاً في التربية ورجوع العصاة إلى زمرة المطيعين، ولذلك نرى في الروايات اهتماماً خاصاً في الاعتقاد بالبداء، فقد روي عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) أنّه قال:«ما بعث

1 . تفسير الدر المنثور: 4/661.
2 . نوح: 10 ـ 12.
3 . الرعد:11.

صفحه 156
الله نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار لله بالعبوديّة، وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء».(1)
وقد روي عن العالم(عليه السلام) أنّه قال:«أيام الصحّة محسوبة وأيام العلّة محسوبة، ولا يزيد هذه ولا ينقص هذه، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يحجب بين الداء والدواء حتى تنقضي المدّة ثمّ يخلّي بينه وبينه فيكون برؤه بذلك الدواء، أو يشاء فيخلّي قبل انقضاء المدّة بمعروف أو صدقة أو برّ فإنّه (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) و (هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ)(2).(3)

اللّوح الثاني أو أُمّ الكتاب

قد عرفت معنى قوله تعالى:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ) بقي الكلام في ذيل الآية، أعني: (أُمُّ الْكِتَابِ)وهو اللَّوح المحفوظ الذي لا يتطرّق إليه التغيير والتبدّل، فالأحكام الإلهية المبنيّة على العدل ومقتضى الفطرة تقدير ثابت لا يحلّ مكانه تقدير آخر، وهو حُكم لا يتغيّر، ومن أمثلة ذلك:
1. الأحكام الموضوعة على وفق الفطرة السليمة، كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(4)
2. إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيّين، قال سبحانه:(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد

1 . تفسير العياشي:2/215.
2 . البروج: 13.
3 . فقه الرضا: 341.
4 . النحل:90.

صفحه 157
مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً).(1)
3. خروج المهدي(عليه السلام) في آخر الزمان ليقيم العدل في الأرض، كلّ الأرض، فقد تضافر قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً».(2)
وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، قال: «... وإنّ الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله منّا، أهل البيت، رجلاً يعمل بكتاب الله جلّ وعزّ، لا يرى منكراً إلاّ أنكره».(3)
أيا مهديُّ طال الهَجْر *** واشتطّتْ سواحلُهُ
أيا مهديُّ جلَّ الصبر *** حتى ناءَ حاملُهُ
أيا مولايَ لا أمْنٌ *** فتُؤويَنا معاقلُهُ
ولا رِفقٌ ولا عطفٌ *** به تندَى أناملُهُ
فأقبلْ خير مأمول *** يُباري المُزْنَ نائلُهُ
وسُمْ خَسفاً مَنِ اختالتْ *** لعدوان جحافلُهُ(4)
فهذه نماذج ممّا لا يتطرّق إليها المحو والتغيير، جئنا بها لإيضاح الآية، وإلاّ فالأصل فيما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الثبات والبقاء إلى يوم القيامة.
وبذلك يُعلم أنّ ما يرجع إلى اللّوح الأوّل عبارة عن مصير الأشخاص

1 . الأحزاب:40.
2 . مسند أحمد:1/99، وغيره.
3 . قرب الإسناد لعبد الله بن جعفر الحِميَري:350، رقم الرواية1260.
4 . من قصيدة للسيد حيدر محمد علي الطحّان، المعاصر، يستنهض فيها المهديّ المنتظر
(عليه السلام)ويشكو إليه فيها تفشّي الظلم والجور في العالم.

صفحه 158
من السعادة والشقاء ومصير الأقوام من حيث الرخاء والشدّة، إلى غير ذلك ممّا يؤثّر فيه فعلُ العباد من الطاعة والعصيان.
***

البداء حقيقة قرآنية ناصعة

اتّفقت الإمامية على القول بالبَداء، وليس له من معنى إلاّ إمكان تغيير مصير الإنسان بسبب الأعمال الصالحة والطالحة التي يقوم بها. وقد عرفت كيف تُغيّر الصدقةُ والدعاءُ مصير المجتمعات والأفراد، وعلى هذا فالبَداء بهذا المعنى ـ بما أنّه حقيقة قرآنية ـ لا يختصّ بفرقة دون أُخرى، بل هو حقيقة اتّفق عليها المسلمون، سواء أصحّت تسميته بالبَداء أم لا، إذ ليس النزاع في التسمية، وإنّما النزاع في المسمّى وهو حقيقة لا تنكر. وأمّا إطلاق البداء على الله عند تغيير المصير فهو إطلاق مجازي، وإن شئت قلت: إنّ وصفه سبحانه بهذا الوصف: «بدا لله في قوم يونس، أو بدا لله كذا» من باب المشاكلة ; وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّه سبحانه في مجالات خاصّة يعبّر عن فعله بما يعبّر به الناس عن أفعالهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرة بين فعل الإنسان وفعله سبحانه وإن كان الواقع على خلافها، وقد استخدمها القرآن الكريم في مواضع عديدة، منها قوله سبحانه:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)(1)، وقوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(2)، وقوله عزّ وجلّ:(فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)(3)

1 . النساء:142.
2 . الأنفال:30.
3 . الأعراف:51.

صفحه 159
ولا شكّ في أنّه سبحانه لا يَخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّها من صفات الإنسان الضعيف، ولكنّه عزّ وجلّ وصف أفعاله بما وصف به أفعال الإنسان من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه، ومن ثمّ من جنّته ونعيمها.

ركام من الأوهام والأغلاط

قد عرفت حقيقة البَداء ووجه التسمية، وأنّ قولنا:«بدا لله» لا يراد به: ظهر له ما خفيَ عنه، فالله سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، غير أنّ طائفة من المتكلّمين والمفسّرين نسبوا إلى الإمامية ما هم برآء منه براءة يوسف ممّا اتُّهم به، وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يرجعوا إلى المصادر الشيعية لأعلامهم، وإنّما اقتصروا على السماع من غير تحقيق، وإليك نماذج من تلك الأوهام:

1. ابوالقاسم الكعبي البلخي(273ـ 319هـ)، أحد كبار متكلّمي المعتزلة

نقل الشيخ الطوسي في مقدّمة تفسيره عنه، قولَه في كتاب التفسير: «قال قوم ـ ليسوا ممّن يُعتبرون ولكنّهم من الأُمّة على حال ـ : إنّ الأئمة المنصوص عليهم ـ بزعمهم ـ مفوّض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البَداء، وهو أن يأمر الله عزّ وجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدّله وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون، إلاّ ما يقدّره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ ما

صفحه 160
نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكّة».(1)
ترى أنّه فسّر البَداء بالمعنى اللُّغوي، وهو الظهور بعد الخفاء الذي يستحيل على الله سبحانه، وقد عرفت أنّ التسمية من باب المشاكلة، والشيخ البلخي لم يرجع إلى الكتب المؤلَّفة بيد مشايخ الإمامية، فلذلك نسب إليهم ما هم أبرياء منه، مضافاً إلى أنّ ما نسبه إلى الإمامية من تفويض نسخ القرآن إلى الأئمّة فرية لا مرية فيها.

2. أبو الحسن الأشعري(260ـ 324هـ) مؤسّس مذهب الأشاعرة

قال ـ وهو يتحدّث عن عقائد الشيعة ـ: وكلّ الروافض، إلاّ شرذمة قليلة، يزعمون أنّه ] سبحانه[ يريد الشيء ثم يبدو له فيه .(2)
وقد تبع محقّق الكتاب، المصنِّفَ، فقال في تفسير كلامه ما نصّه:ويظهر له وجه المصلحة بعد خفائه عليه، فيتغيّر رأيه.
أقول: ما نسبه المصنِّف ومحقّق الكتاب إلى الشيعة، لا يمتّ لعقيدتهم بصلة.
وأسوأ من ذلك ما ارتكبه المحقّق في تعاليقه من لعن الرافضة وتكذيبهم.

3. فخر الدين الرازي(المتوفّى 606هـ)

إنّ الرازي كأسلافه تبع ظاهر حرفية لفظ البَداء ونسبها إلى الشيعة، قال:

1 . التبيان في تفسير القرآن:1/13ـ14.
2 . مقالات الإسلاميين: 1 / 111، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد.

صفحه 161
قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسّكوا به في قوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ). ثمّ ردّ عليه بقوله: واعلم أنّ هذا باطل ; لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيّر والتبدّل فيه محالاً.(1)
ولا نعلّق على كلامه سوى القول بأنّه فرية صارخة.
وقد ذكر الرازي هذه الفرية أيضاً في كتابه «المحصّل»، قال: إنّ أئمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم لا يظفر معهما أحد عليهم، الأُولى: القول بالبداء، فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم قوّة وشوكة ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروه، قالوا: بدا لله تعالى فيه.(2)
والعجب أنّ الرازي يصف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ـ أعني: الباقر والصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام) ـ في تفسيره لسورة الكوثر بأنّهم من الأكابر من العلماء(3)، ولكنّه في هذا المقام يذكرهم بتعبير لاذع، ويزعم بأنّ أئمة الشيعة وضعوا مقالتين لشيعتهم، ولكن لا يذكر أين وضعوا ما نسب إليهم بالدليل القطعي.

4. الشيخ محمّد أبو زُهرة المصري(المتوفّى 1396هـ)

لعلّ زلة البلخي والأشعري والرازي زلة مغفورة في تفسير البَداء، لأنّ ظروفهم كانت تحكم ضد الشيعة وتعكس عقائدهم بشكل محرَّف حسب

1 . تفسير الرازي:19/66.
2 . تلخيص المحصّل:421.
3 . تفسير الرازي: 32 / 124.

صفحه 162
ميول الحكام والخلفاء، ولكن هفوة الشيخ الأزهري أبو زهرة زلّة لا تغتفر، لأنّه بعد ما قرأ كتاب «أوائل المقالات في المذاهب المختارات» للشيخ المفيد وما علّق عليه المحقّق الزنجاني، علّق عليه بما نذكره هنا بنصّه: إنّ البَداء بمعنى أن ينزل بالناس ما لم يحتسبوا ويقدّروا كالغنى بعد الفقر، والمرض بعد العافية، فهذا موضع اتّفاق بين الشيعة والسنّة، ولكنّهم يقولون: من البَداء الزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال، ولا شكّ أنّ الزيادة في الآجال إن أُريد بالزيادة ما قدّره الله تعالى في علمه الأزليّ، والزيادة عمّا قدّر، فذلك يقتضي تغيير علم الله، وإن أُريد بالزيادة عما يتوقّعه الناس، فذلك ممّا ينطبق عليه قول الله تعالى: ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).(1)
وعلى ذلك نقول: إن كان البَداء في ما يحتسبه الناس ويقدّرونه فيجيء الأمر على خلاف ما توقعوا، فإنّ ذلك موضع إجماع، وإن كان البَداء هو التغيير في المقدور، فذلك ما لم يقله أحد من أهل السنّة، لأنّه تغيير لعلمه، وذلك لا يجوز.(2)
سورة الرعد: الآيات 40 ـ 43    
يلاحظ عليه: أنّ ما رتّب على القول بالبداء بأنّه يوجب تغيير علم الله، خلط بين المقدَّر في لوح المحو والإثبات، والمقدَّر في اللّوح المحفوظ، لأنّ مركز التغيير هو الأوّل وهو لوح مخلوق لله، وأمّا علمه سبحانه فهو قائم بذاته، بل عين ذاته لا يتغيّر ولا يتبدّل، وهو سبحانه حينما يقدّر شيئاً في لوح المحو والإثبات، يعلم مصير ذلك التقدير، وأنّه هل يثبت ولا يمحى لتمادي

1 . الزمر:47.
2 . الإمام الصادق
(عليه السلام): 238 ـ 239.

صفحه 163
العبد فيما كان عليه، أو أنّه يتغيّر حسب اختلاف حالات العبد.
وحصيلة الكلام: إنّه سبحانه منذ الأزل يعلم أيَّ عبد يختار أيّ واحد من التقديرين طول حياته، أو أيّ عبد ينتقل من تقدير إلى آخر.
هذا، وسيوافيك عند تفسير قوله سبحانه: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)(1) ما له صلة بالبحث. وبما أنّ هذه الحقيقة الناصعة خفيت على هؤلاء وغيرهم، فقد بسطنا الكلام فيها، ولذا نقدّم اعتذارنا لقرّائنا الكرام عن هذه الإطالة.

الآيات: الأربعون إلى آخر السورة

(وَإِنْ مّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَللّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبى الدَّارِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ).

المفردات

إن ما نرينك: لفظة «إن» شرطية، ولفظة «ما» زائدة، جيء بها للتأكيد،

1 . الصافات:139.

صفحه 164
والجزاء قوله:(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
الأرض: يمكن أن يراد بها أهلها.
أطرافها: الأطراف: الجوانب.
لا معقّب: لا رادّ ولا مناقض لأحكامه.
المكر: إرادة المكروه في خفية، وإذا نسب إلى الله أُريد به إبطاله، أو العقوبات التي تترتّب على من يدبِّره.
عُقبى الدار: العاقبة الحميدة.

التفسير

40. (وَإِنْ مّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ):

إيعاد المشركين بالعذاب

يظهر من قوله تعالى: (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ)(1) أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أوعدهم بالعذاب، ولكنّهم طلبوا منه استعجاله، استهزاء وتهكّماً، فالله سبحانه يؤكّد بأنّه سيصل إليهم ما أوعدهم به، إمّا في حياتك أو بعد وفاتك، أي على كلا التقديرين، كما قال:(وَإِنْ مّا نُرِيَنَّكَ)(2) أيّها النبيّ(بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمْ): أي

1 . الرعد:31.
2 . «إن» ـ كما مرّ في المفردات ـ شرطية، و«ما» زائدة تفيد التأكيد.

صفحه 165
نعِدُ كفّار قريش بنصر المؤمنين عليهم وتمكينك منهم، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)قبل أن ترى ما أوعدناهم به، فإنّ إيقاع العقاب الدنيويّ بهم ليس من مسؤولية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد أرى الله سبحانه نبيّه بعض هذه الوعود يوم بدر ويوم الأحزاب وغيرهما.

سؤال وإجابة

المتبادر من قوله تعالى: (وَإِنْ مّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمْ) أنّه سبحانه ربّما يعذّبهم في الدنيا، ولكنّه في آية أُخرى ينفي نزول العذاب بهم مادام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ويقول: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(1)
والجواب: إنّ المراد من الآية هو عذاب الاستئصال نظير العذاب الذي أخذ به الأقوام البائدة، وأمّا قتلهم وخذلانهم في ساحات الحرب كبدر والأحزاب فالآية غير ناظرة إليه.
وعلى كلّ حال فإنّ وظيفة النبيّ تنحصر في إبلاغ الرسالة كما يقول: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ): أي علينا حسابهم. وفي قوله سبحانه: (فَإنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ) قصْر إضافيّ، أي تقتصر مسؤوليتك على التبليغ الذي تقيم به الحجّة عليهم، وأمّا حسابهم فهو علينا، ونحن نتولاّه.
41. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ):

1 . الأنفال:33.

صفحه 166
بما أنّ المشركين كانوا يستعجلون بالآيات ونزول العذاب، سيقت الآية مساق العبرة بأنّهم لماذا يسألونك نزول الآيات والعذاب؟ (أَوَ لَمْ يَرَوْا)يعني المشركين، عبّر عن العلم بهلاك الأُمم الغابرة بالرؤية، مع أنّها لم تكن مرئيّة لمشركي عصر الرسالة، لأجل تواترها وتناقلها بين الناس، (أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) والظاهر أنّ المراد من نقص الأرض أخذُ أهلها. وهل أُريد من الأرض جنسها أو أرض ما حول مكة، فالمشركون يرَون بأُمّ أعينهم الإماتة والإهلاك في أعصارهم أو العصور المتقدّمة عليهم؟ الظاهر هو الثاني بشهادة قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا)بمعنى المضيّ (الماضي) فقد رأوا بأُمّ أعينهم نزول العذاب على الأقوام السابقة بالاستئصال، والشاهد على ما ذكر قوله سبحانه:(بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)(1). كيف؟ وإنّهم يمرّون على أراضيهم في ترحالهم، قال سبحانه: (وَإِنَّكُمْ لََتمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ).(2)
وبما ذكرنا ظهر عدم صحّة ما يقال: كان المسلمون يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفّار قهراً وجبراً، فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أنّ الله تعالى ينجز وعده .(3)
يلاحظ عليه: أنّ الآية مكّية، وكذلك السورة وقد نزلت والمسلمون يعانون من الحصار والتضييق، وكذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن هنا فالأَولى تفسير

1 . الأنبياء:44.
2 . الصافات:137.
3 . تفسير الرازي:19/67.

صفحه 167
الآية بعذاب الاستئصال النازل على الأقوام السابقة.
نعم، روي عن ابن عباس أنّ إنقاصها من أطرافها هو ذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها.(1) وروى ابن بابويه مرسلاً عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن قول الله عزّ وجلّ:(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)فقال:«فَقْد العلماء».(2) وروي نحوه عن مجاهد.(3)
يقول الشريف الرضيّ: وعندي في تفسير الآية قول آخر، وهو أن يكون المراد بنقص الأرض ـ والله أعلم ـ موت كرامها، وتكون الأطراف هاهنا جمع طِرْف لا جمع طَرَف، و الطِرْف هو الشيء الكريم، ومنه سميّ الفرس طِرْفاً إذا كان كريماً، وعلى ذلك قول أبي الهندي الرّياحي:
شربنا شربة من ذات عِرق *** بأطراف الزّجاج من العصيرِ
أي بكرائم الزّجاج، ولم يمضِ في هذا قول لأحد من العلماء.(4)
أقول: الظاهر أنّ الآية ناظرة إلى تهديد المشركين الذين كانوا يستعجلون عذاب الاستئصال مع أنّهم رأوا بأُمّ أعينهم ما حلّ من العذاب والنَّكال بالأقوام السابقة.
إنّ تفسير نقص الأرض بذهاب خيارها وصلحائها وعلمائها، تفسير على خلاف السياق، فلا محيص من القول بأنّ في نقصان الأرض بإهلاك

1 . جامع البيان(تفسير الطبري):8/219، برقم 20535.
2 . مَن لا يحضره الفقيه:1/18، برقم 560. ولاحظ: البرهان في تفسير القرآن:5/366.
3 . جامع البيان (تفسير الطبري): 8 / 219، برقم 20536.
4 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:77.

صفحه 168
العتاة عبرة للمشركين حتى لا يستعجلوا. نعم، في نقصان الأرض بذهاب خيارها وعلمائها تنبيه للمؤمنين على أنّ موت العالم ثَلمة لا يسدّها شيء، والمقصود أن يكون عبرة للمشركين لا للمؤمنين.
ثمّ إنّه لمّا كان في تأخير الوعيد توهّم كذبه، عاد البيان القرآني لردّ هذا الوهم قائلاً:(وَاللهُ يَحْكُمُ)ويحقّق وعده وإن تأخر (لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ): أي لا رادَّ ولا مناقض لحكمه، فإذا قضى أمراً نفذ (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): أي سريع الانتقام، والإمهال لا ينافيه، لأنّ الأُمور مرهونة بأوقاتها.
42. (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَللّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبى الدَّارِ):

تأصُّل مسلك المشركين في المكر ومداومتهم عليه

الآية تسلية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلة بأنّ مكر المشركين والجاحدين لأصحاب الرسالات السماوية سنّة جرى عليها السابقون وتبعهم اللاحقون، كما يقول:(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فقد مكر نمرود بإبراهيم(عليه السلام)، وفرعون بموسى(عليه السلام)، واليهود بعيسى(عليه السلام)، وسلكوا طرقاً مختلفة للقضاء على دعواتهم، ولكن (فَللّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)فلا يؤثّر مكرهم في حقّ النبيّ، فالله سبحانه يملك المكر كلّه ويبطله ويردّه على أهله، فليعتبروا، فالله سبحانه قد تعهّد بنصر الأنبياء، قال سبحانه: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ).(1)

1 . غافر:51.

صفحه 169
وعلى هذا فمعنى قوله سبحانه: (فَللّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)هو إبطال مكرهم، والتعبير به مع أنّه سبحانه أعلى وأرفع منه (لأنّه من أوصاف العاجزين)، إنّما هو ـ كما قلنا سابقاً ـ من باب المشاكلة.
وفي نهاية الأمر(يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس) من خير وشرّ، ولكنّه يخصّ الكفّار بشيء خاصّ، وهو قوله: (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبى الدَّارِ): أي سيظهر لهم عند انكشاف الحقائق ورفع الحجب أنّ حسن العاقبة لمن؟
43. (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ):
لقد ختم الله سبحانه هذه السورة بما ورد في افتتاحها، حيث قال تعالى هناك:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) فقوله هنا: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً)تجديد لما في صدر السورة، والله سبحانه يردّ على إنكارهم رسالة الرسول بأمرين (بشهادتين):
1. شهادة الله سبحانه.
2. شهادة مَن عنده علم الكتاب.
أمّا الأوّل، فأشار إليه سبحانه بقوله:(كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) وأمّا الدليل على شهادة الله على رسالته فبالبيان التالي: إنّ الله سبحانه آتى النبيَّ معاجز كثيرة ودلائل قاطعة تشهد على أنّه مبعوث من الله سبحانه، فإنّ قيامه(صلى الله عليه وآله وسلم) بها مع عجز الآخرين أدلّ دليل على أنّه مبعوث من الله سبحانه. فلو كان صادقاً في كلامه هذا فهو، وإلاّ يلزم تسليط الكاذب على المعاجز التي تُضلّ الناس وتغرّهم، وهذا ينافي كونه حكيماً رحيماً بعباده، وقد مرّ

صفحه 170
بيان ذلك في تفسير قوله سبحانه:(قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ).(1)
وأمّا الثاني، فقد أُشير إليه بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ): أي والذي عنده علم الكتاب. وقد اختلفت كلمة المفسرين فيما أُريد بقوله:(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، فأكثرهم قالوا بأنّ المراد هو عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري، وغيرهم ممّن أسلموا من أهل الكتاب. وهذا التفسير غير تامّ، لأنّ السورة مكية وهؤلاء أسلموا في الفترة المدنية. نعم من قال بهذا التفسير ربّما ذهب إلى أنّ هذه الآية مدنية، وهو كما ترى.
والظاهر أنّ المراد من (الْكِتابِ) في هذه الآية هو القرآن الكريم، وقد مرّ أنّ الآية إعادة لما في مطلع السورة، والكتاب الوارد هناك هو القرآن الكريم أيضاً، فأُريد بقوله:(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) العلماء الواقفون على حقيقة القرآن، العالمون بأنّه كتاب سماويّ ليس من صنع البشر، وأنّه فوق طاقة الناس جميعاً، فشهادة هؤلاء بجملتهم أقوى شاهد على صحّة رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك يُعلم أنّ ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من أنّ المراد بمن عنده علم الكتاب هو الإمام علي(عليه السلام). ولا شكّ في أنّ الآية لو انطبقت على أحد ممّن آمن بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ لكان هو(عليه السلام)، فقد كان أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى.(2)
وإليك واحدة من هذه الروايات الكثيرة.

1 . الأنعام:19.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:11/387.

صفحه 171
روى العيّاشي عن الفُضيل بن يسار، عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام)، في قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، قال: «نزلت في عليّ(عليه السلام)، إنّه عالم هذه الأُمّة بعد النبيّ صلوات الله عليه وآله».(1)
***
تمّ تفسير سورة الرعد
وله الحمد في الأُولى والآخرة

1 . تفسير العيّاشي:2/401 برقم 2258; بحار الأنوار:35/432.

صفحه 172

صفحه 173
تفسير سورة إبراهيم    

سورة إبراهيم

(الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَدِيد * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الاْخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلاَل بَعِيد * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ

صفحه 174
 
وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَ قَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَان إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ

صفحه 175
 
وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّت وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ * مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز * وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْء قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيص * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة

صفحه 176
 
خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار * يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ * قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ * اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلُْتمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا

صفحه 177
 
سورة إبراهيم : خصائص السورة   
نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ * وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْس مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ).

صفحه 178

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمِّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «إبراهيم»، لاشتمالها على قصة إسكانه ولده في جوار البيت العتيق وابتهالاته إلى ربّه بأن يشيع الأمن والسلام في البلد الحرام، وأن يجنّبه هو وبنيه عبادة الأصنام، إلى غير ذلك من دعواته المباركة. وتعدّ السُّورة إحدى السُّور الستّ التي سُمِّيت باسم الأنبياء ـ أعني: سورة يونس وهود ويوسف وقد سبقت، وهذه السورة، وسورة محمد ونوح الآتيتين ـ منهم ثلاثة من أُولي العزم، وهم: نوح وإبراهيم(عليهما السلام)ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
وختام هذه السورة كبدايتها، إذ جاء في آخرها قوله تعالى: (هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ)(1)، وهو نفس ما جاء في صدر السورة من قوله تعالى:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).(2)
وتشارك هذه السورة السور الأربع وهي: يونس، هود، يوسف، الحِجر، في أنّها افتُتحت بالحروف المقطّعة(الر)ثمّ أُردفت بذكر القرآن الكريم، فجاء في الأُولى قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، وفي الثانية:

1 . إبراهيم:52.
2 . إبراهيم:1.

صفحه 179
(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ...)، وفي الثالثة: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، وفي الرابعة: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين).

عدد آيات السورة ومحلّ نزولها

عدد آيها اثنتان وخمسون في عدّ الكوفي، وخمس وخمسون في عدّ الشامي، وأربع وخمسون في عدّ الحجازي، وقد ذكر الطبرسي مواضع الاختلاف.(1) والسورة مكّية كلّها عند الجمهور، وربّما استثنيت منها الآيتان الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون، وسنبيّن حالهما عند التفسير.

أغراض السورة

الظاهر أنّ الآية الأُولى تحدّد غرض السورة ومحور الهدف منها، وهو أنّ الغرض الأسمى من إنزال القرآن هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وفي ظل هذا الموضوع تشير إلى تاريخ الأنبياء السابقين وموقف أقوامهم منهم، حيث إنّ أنبياءهم بُعثوا إليهم كما بعث نبيّنا إلى الناس كافّة لإخراجهم من ظلمات الكفر والشرك والضلال إلى نور الإيمان والتوحيد والهدى.
ومن غرر آيات السورة قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).(2)

1 . لاحظ : مجمع البيان: 6 / 55.
2 . إبراهيم:24 و25.

صفحه 180

الآيات: الأربع الأُولى

(الرَ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَدِيد * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الاْخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلاَل بَعِيد * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
سورة إبراهيم : الآيات 1 ـ 4    

المفردات

الظلمات: جمع الظلمة، واستُعير هنا للكفر.
النور: استعير هنا للإيمان.
بإذن: الإذن: التيسير والتوفيق.
العزيز: الغالب.
الحميد: المحمود والمنزّه عن كلّ نقص.
ويل: هلاك.
يستحبّون: يختارون ويؤثرون. ويشهد لهذا المعنى قوله: (عَلَى الاْخِرَةِ)، نظير قوله تعالى:(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).(1)

1 . فصّلت:17.

صفحه 181
يبغونها: يبغون: يطلبون.
عِوَجاً: عدولاً عن الاستقامة، وانحرافاً عنها.
بلسان: اللِّسان: اللُّغة.

التفسير

1.(الرَ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ):

نزول الكتاب لإخراج الناس من الكفر إلى الإيمان

تقدّم أنّ الغرض الأساسي في هذه السورة هو تبيين أنّ الغاية من إنزال الكتاب المجيد إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ولأجل ذلك أُشير في السورة إلى تاريخ بعض الأنبياء الذين بُعثوا لتلك الغاية.
قوله: (الر) من الحروف المقطّعة، وقد مرّ الكلام فيها سابقاً وقلنا: إنّها إشارة إلى أنّ القرآن مؤلَّف من هذه الحروف، وفي الوقت نفسه هو كتاب سماويّ لا مصنوع بشريّ، ويخاطب المنكرين بأنّكم إن كنتم في شكّ من ذلك فعليكم الإتيان بمثل هذا الكتاب المؤلّف من هذه الحروف التي هي في متناولكم، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاعلموا أنّه ليس من صنع رسولنا، قال تعالى:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ

صفحه 182
وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).(1)
ويشهد لهذا التفسير للحروف المقطّعة أنّ السور التي ابتدأت بالحروف المقطّعة جاء بعدها ذكر القرآن الكريم (بتعابير مختلفة) إلاّ القليل منها، وهذه أيضاً تحدّثت عنه في ثنايا السورة. وسيأتي تفصيل ذلك في تفسير سورة الأحقاف.
قوله تعالى: (كِتَابٌ) احتُمل أن يكون خبراً لقوله: (الر)، ولكنّ الظاهر أنّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره «هذا»(أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) وقد ذكر المنزل إليه (إِلَيْكَ) تشريفاً وتكريماً، وأمّا الغاية فهي (لِتُخْرِجَ النَّاسَ)عربياً أو غيره، أي كلّ من على البسيطة بشهادة قوله:(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لاُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ).(2)
وعلى هذا فقوله:(لِتُخْرِجَ النَّاسَ) دليل على عموم رسالته، وأنّها لا تختصّ بالعرب، بل هو رسول إلى الناس كافّة بأيّ لون كانوا، وبأيّ لسان تكلّموا.
وكيف لا يكون كذلك وقد نزّله (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)(3)؟ ولا منافاة بين أن تكون رسالته عالمية والكتاب المنزل إليه عربياً، كما سيوافيك بيانه في تفسير الآية الرابعة.
قوله تعالى: (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ): أي من الكفر إلى الإيمان، واستعيرت الظلمات للكفر والنور للإيمان، لأنّ الكافر لا يملك جواباً لهذه

1 . هود: 13ـ14.
2 . الأنعام:19.
3 . الفرقان:1.

صفحه 183
الأسئلة: من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب؟ ومن ثمّ يعيش في حَيرة واضطراب، في الفكر والنفس والسلوك، فيكون كالإنسان الذي يتخبّط في الظلمات، أمّا المؤمن فيشرق قلبه وعقله بنور الإيمان، فيهتدي إلى معرفة الجواب عنها، ومن ثم يعيش الاطمئنان وهو يسلك الطريق المؤدّية إلى مرضاة الله عزّ وجلّ. وأفرد النور وجمع الظلمات لأنّ النور كناية عن الصراط المستقيم الموصل إلى الحقيقة وهو طريق واحد، والظلمات كناية عن الكفر وهو ذو وجوه مختلفة، فناسبَ الجمع.
ثمّ إنّ المراد من الظلمات ـ كما قلنا ـ هو الكفر، فناسب الذمّ، وأمّا الظلمات المادّية فهي نعمة من الله سبحانه إلى عباده، ولذلك يمتنّ على عباده بقوله سبحانه:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ).(1)
ولولا الظلمات لما دامت الحياة، فإنّ حرارة الشمس لو دامت ـ مثلاً ـ لأبادت كلّ موجود حيّ من الإنسان والنبات والحيوان. والإنسان إنّما يستريح خلال وقت الظلمة.
ونسب الإخراج إلى النبيّ فقال:(لِتُخْرِجَ) لأنّ للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دوراً في هداية الناس وذلك من خلال تلاوته وإرشاده وتبليغه له، وذلك لا ينافي قوله تعالى: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(2) لأنّ الآية بصدد سلب الأصالة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر الهداية، وهذا لا ينافي تصدّيه لها، إذ لولا إذن الله سبحانه، الذي جعل للهداية أسباباً فمَن أخذ بها اهتدى، لما حصلت

1 . الأنعام:1.
2 . القصص:56.

صفحه 184
الغاية، كما يقول: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ): أي بتيسيره وتوفيقه سبحانه.
ثمّ إنّ الرازي نقل أنّ أصحابه الجبريّين احتجّوا على صحّة قولهم في أنّ فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله سبحانة: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) فإنّ معنى الآية أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلاّ بإذن ربّهم، فإنّ المراد من «الإذن» هو المشيئة .(1)
أقول: عزب عن الرازي أنّ الآية تصلح لأن تكون ردّاً على مَن يقول باستقلال العبد في فعله واستغنائه فيه عن الله سبحانه، ولا تصلح أن تكون ردّاً على القول بالأمر بين الأمرين، فإنّ فعل الإنسان إنّما يوصف بكونه مخلوقاً لله لأجل أنّ الفاعل مخلوق لله، وبواسطته يكون فعله مخلوقاً لله، ومع ذلك لا يكون دليلاً على الجبر; لأنّه تعالى خلق الإنسان ذا مشيئة واختيار، فلو اختار أحد طرفي الشيء، فهو مخلوق للفاعل وفي الوقت نفسه مخلوق لله سبحانه ولا يستلزم ذلك الجبر، لأنّه تعالى شاءت حكمته أن يجعله مختاراً فيما يفعل ويترك.
هذا، وفي إضافة الربّ إلى الضمير «هم» العائد إلى الناس إشارة إلى أنّه سبحانه ربّهم، وربّ كلّ شيء هو من يقوم بمصالحهم كما يقال: ربُّ الدار وربّ الضيعة، فإنزال الكتب وإرسال الرسل من الربّ إلى الناس لأجل ترفيعهم وإيصالهم (إِلَى صِرَاطِ) الله(الْعَزِيزِ): أي الموصوف بالعزّة والقدرة، و(الْحَمِيدِ): أي المحمود في جميع أقواله وأفعاله وأوامره ونواهيه. وقد أُشير إلى مضمون الآية في قوله تعالى:(هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَات بَيِّنَات لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).(2)

1 . تفسير الرازي:10/74.   2 . الحديد:9.

صفحه 185

وجه توصيفه سبحانه بكونه عزيزاً وحميداً

ثمّ إنّه سبحانه أتمّ هذه الآية باسمين من أسمائه الحسنى ـ أعني: (الْعَزِيزِ) و(الْحَمِيدِ) ـ فما وجه المناسبة لذكر هذين الإسمين في الآية؟ وما وجه تقديم العزيز على الحميد فيها؟
أمّا وصفه سبحانه بهذين الإسمين فيحتمل أن يكون لأجل أنّ صراطه إنّما يكون مُخرجاً من الظلمات إلى النور إذا كان صاحب الصراط عزيزاً لا يُغلب، فليس هناك صراط أشرف وأنبل من صراطه، ومن كان كذلك فيكون محموداً في صفاته وأفعاله، وبذلك يُعلم وجه تقديم (الْعَزِيزِ) على (الْحَمِيدِ) فإنّه لكونه عزيزاً صار سبباً لكونه حميداً.
ويمكن أن يقال: إنّه اختار هذين الوصفين الكريمين: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)دون أن يقول: الغفور الرحيم، أو ما أشبههما; لأنّ سياق الآيات يدلّ على أنّه سبحانه أرسل رسله لهداية الناس، فمن آمن منهم يُجزى ويثاب، وأمّا من كفر فيعاقب، وعندئذ ناسب أن يختم الآية بهذين الوصفين، وهو أنّه «عزيز» لا يُغلب في ما حكم، كما أنّه «حميد» لا يُذمّ في تعذيب الكافرين، فهو بعزته يحكم، وبكونه محموداً يثيب ويجزي.
جدير بالتذكير أنّ «اللاّم» في قوله: (لِتُخْرِجَ) لام الغرض والغاية، قال الطبرسي: ولا يجوز أن تكون لام العاقبة، لأنّه لو كان ذلك لكان الناس كلّهم مؤمنين، والمعلوم خلافه.(1)
توضيحه: أنّ الفارق بين لام الغرض ولام العاقبة هو أنّ الغرض قد

1 . مجمع البيان:6/63.

صفحه 186
يتخلّف، وذلك لأنّه عبارة عن الهداية الاختيارية، وهي تارة تتحقّق وأُخرى تتخلّف.
وأمّا لام العاقبة فهي عبارة عمّا ينتهي إليه الشيء، وإن لم تكن هناك إرادة كما في قوله تعالى:(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)(1)، وبما ذكرنا من الفرق بين اللاّمين يعلم أنّ ما أورده صاحب «روح المعاني» من الإشكال غير تامّ، فلاحظ.(2)
وعلى كلّ تقدير، فالآية ـ نظير سائر الآيات ـ تدلّ على أنّ أفعاله سبحانه معلَّلة بالأغراض، خلافاً للأشاعرة حيث قالوا بخلوّ أفعاله عنها، ولكن وصف أفعال الله عزّ وجلّ بالخلوّ عنها يجعلها أفعالاً عبثية، وقد قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ).(3)

معنى كون أفعاله معلّلة بالأغراض

نعم، وصف فعله بالغرض لا يعني كونه ذا حاجة إليه حتى ينافي كونه غنيّاً على الإطلاق، إذ ثمّة فرق بين كون الغرض عائداً إلى الفاعل أو إلى الفعل، فالممتنع على الله هو الأوّل دون الثاني، لمنافاة الأوّل لغناه دون الآخر. وبعبارة أُخرى: هناك فرق بين أن يكون للفعل غاية وللفاعل غاية، والذي يجمع بين غناء الفاعل من جانب، وخروج الفعل عن العبث هو الأوّل فتدبّر. والتفصيل في محلّه. ومن حاول إخراج أفعاله سبحانه عن الغرض فلابدّ أن

1 . يونس:88.
2 . روح المعاني:13/181.
3 . المؤمنون:115.

صفحه 187
يؤوّل عشرات الآيات الدالّة على ذلك، وهو كما ترى تلاعب بآيات الله وتفسير لها بالآراء، وهؤلاء مكان أن يعرضوا عقائدهم على القرآن، جعلوا القرآن تابعاً لعقائدهم.
ثمّ إنّ هناك سؤالاً، وهو: إنّ قوله سبحانه:(لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) شامل لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ومن يتلوهم من الأولياء والأتقياء، ومعنى ذلك كونهم موصوفين بظلمة الكفر ثم خرجوا منها ببلاغ النبيّ وكتابه، مع أنّهم لم يدخلوا في الظلمات حتى يخرجوا منها.
قلت: إنّ الشيخ الطبرسي أجاب عن هذا الإشكال بقوله: إنّ ذلك يجري مجرى قول القائل: أخرجَني والدي من ميراثه، فمنعُه من الدخول فيه إخراج. ومثله قوله في قصة يوسف:(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)(1) مع أنّه لم يكن فيها قطّ.(2)
وعلى ذلك فأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) والأتقياء من الأُمّة لم يسلكوا طريق الكفر والضلالة حتى تغشاهم ظلماته، ومع ذلك يصحّ في حقّهم قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ)، فإخراجهم منها من مقولة الدّفع، لا الرّفع، والفرق بينهما واضح.
2. (اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَدِيد):
القراءة المعروفة هي جرّ لفظ الجلالة لأنّه عطف بيان لقوله: (الْعَزِيزِ

1 . يوسف:37.
2 . مجمع البيان:2/209.

صفحه 188
الْحَمِيدِ) جيء به لأنّه أشهر الأسماء له تعالى. ومَن قرأ بالرفع فقد جعله خبراً لمبتدأ محذوف ـ أعني: هو الله ـ ولا يخلو من تكلّف.
ثمّ إنّه سبحانه يصف منزّل القرآن ـ وراء الوصفين السابقين ـ بقوله: (اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)لأجل حكاية عظمته وسعة سلطانه، وفيه تعريض بالمشركين حيث تركوا عبادة مالك السماوات والأرض وخالقها وانكبّوا على عبادة مخلوقاته الضئيلة، ولذلك يتوعّدهم بقوله:(وَوَيْلٌ): أي هلاك (لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب)يلاقونه (شَدِيد) وأُريد به عذاب يوم القيامة. وكأنّ المعنى ـ كما يقول الزمخشري ـ : يُوَلولون من عذاب شديد، ويضجّون منه ويقولون : يا ويلاه.(1)
3. (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الاْخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلاَل بَعِيد):
عرّف سبحانه هؤلاء الذين يصيبهم العذاب الشديد بصفات ثلاث:
1. (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ) يقال: استحببت الرجلَ أي اتّخذته حبيباً، فهؤلاء يتّخذون الدنيا حبيبة لأنفسهم دون الآخرة ويؤثرونها على الآخرة، فالدنيا هي أكبر همّهم وغاية آمالهم، وكأنّه ليس وراء الدنيا دار أُخرى.
2. (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) الظاهر المراد صدّ الآخرين عن الدخول في سبيل الله، فمن أراد أن يسلك الصراط المستقيم يمنعونه من سلوكه، وينفقون أموالهم ليصدّوه عن سبيل الله تعالى.

1 . تفسير الكشّاف: 2 / 365 .

صفحه 189
3. (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) الظاهر أنّ الضمير في (يَبْغُونَهَا) راجع إلى (سبِيلِ) وهو يذكّر ويؤنث، نظير ما في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ).(1) والظاهر أنّ قوله:(وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) بمعنى: يبغون لها العوج، بنزع الخافض. والمعنى: يريدون أن يجعلوا سبيل الله معوجّة منحرفة.
والفرق بين الوصفين الثاني والثالث، هو أنّهم يمنعون الناس في الثاني من سلوك الصراط المستقيم، وأمّا في الثالث فيسعون في إلقاء الشكوك والشبهات في الدين الحقّ ويحاولون تقبيحه بكلّ ما يقدرون عليه من الحيل. ولذلك وصفهم بقوله:(أُولَئِكَ فِي ضَلاَل بَعِيد)لأنّهم ضُلاّل ويحاولون إيقاع الآخرين في الضلالة، بمحاولاتهم الماكرة.
ثم إنّ وصف الضلال بالبعيد من باب المجاز، فإنّ البُعداء هم الكفّار، وصف به الضلال مجازاً فهم بُعداء عن الحقّ والحقيقة واقعاً.
4. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
ذكر سبحانه في صدر السورة أنّه أنزل إلى رسوله كتاباً لإخراج الناس من الظلمات إلى النور وبذلك صار رسولاً للعالمين، ومع ذلك أنزل معه كتاباً بلغة قومه، فيطرح هنا سؤال، كيف يمكن الجمع بين كون رسالته عالمية وكون كتابه بلغة قومه؟ فأجاب سبحانه بقوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ

1 . آل عمران:99.

صفحه 190
بِلِسَانِ قَوْمِهِ): أي أنّه لا يرسل رسولاً إلاّ بلغة قومه الذين أُرسل إليهم حتى إذا بيّن لهم رسالته وأوقفهم على حدودها وأحكامها وأهدافها، فهموا عنه ووعَوا أقواله، ومن ثمّ يتيسّر لهم الإيمان به.
ومن هنا بعث الله سبحانه نبيّ الإسلام بلسان قومه بالرغم من عالمية رسالته، فإنّ قومه يشكّلون ـ إذا آمنوا ـ القاعدة الصالحة لتبليغ الرسالة للأُمم الأُخرى، ولأجل ذلك صرف الرسول همّته أوّلاً في هداية قومه وإنقاذهم حتى يتسنّى له هداية الآخرين، وهذه سنّة متّبعة في الأُمور العامّة فضلاً عن الأُمور الهامّة. وعلى هذا فلا غرو في أن يكون مبعوثاً لعامّة الناس ولكن لغته ولغة كتابه لغة قومه، فقومه ينتفعون بكتابه والآخرون ينتفعون بالترجمة، ولا ملزم لأن ينزل الكتاب بألسنة مختلفة. هذا هو المفهوم من الآية.
وما ذكرنا هو الذي يشير إليه بقوله:(لِيُبَيِّنَ لَهُمْ): أي ليبيّن لهم الدين، فعند ذلك يكون الناس على صنفين: صنف يعرض عن سماع دعوة الرسول ولم ينظر في معجزته عناداً ومكابرة، فهذا يُحرم من هداية الله، كما يقول: (فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ) ; وصنف يُقبل عليه ويملك الاستعداد لسلوك طريق الهداية فهذا يُرزق الهداية، كما يقول: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)وليست مشيئته سبحانه بلا ملاك حتى يلزم الجبر، وإنّما تعلّقت مشيئته على هداية من نظر في معجزة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتدبّر في دعوته، كما تعلّقت مشيئته على إضلال من أعرض عن النظر في معجزة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يتأمّل في كلامه. وفي نهاية الآية يصف ذاته المقدّسة بوصفين: (وَهُوَ الْعَزِيزُ): أي الذي لا يُغلَب، سواء آمنتم أم لا (الْحَكِيمُ)في إرساله الرُّسل وفي تشريعه.
سورة إبراهيم : الآيات 5 ـ 8    
ويُحتمل أنّ الآية جاءت لدفع شبهة أثارها المشركون بقولهم: إنّ

صفحه 191
للكتب الإلهية لغة خاصة تنزل بها ثم تفسّر إلى الذين لا يعرفون تلك اللُّغة، وهذه اللُّغة هي اللُّغة العبرانية أو السريانية التي نزلت بها التوراة ثمّ الإنجيل، فلماذا لم ينزل القرآن بإحدى هاتين اللُّغتين التي هي لغة الكتب السماوية؟
فأجاب الله تعالى عن ذلك بأنّه جرت سنّة الله على إرسال كلّ رسول بلغة قومه، فلذلك أنزل التوراة بلغة قوم موسى(عليه السلام)، وأنزل الإنجيل بلغة قوم عيسى بن مريم(عليهما السلام)، وأنزل القرآن بلغة قوم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى كلّ تقدير، ففي إطلاق اللِّسان في القرآن وإرادة اللُّغة نوع مجاز من باب إطلاق المحل وإرادة الحال.
ثمّ إنّ المراد من قوله سبحانه: (بِلِسانِ قَوْمِهِ): أي بلسان من يعيش النبيّ فيهم، سواء أكان بينه وبينهم علاقة نسبية أم لا، بشهادة أنّ بعض الأنبياء لم يكن بينه وبين مَن يعيش معهم تلك العلاقة، نظير لوط(عليه السلام)الذي كان من الكلدانيّين وهم سريانية اللِّسان، وأُرسل إلى المؤتفكات وهم عبرانيون، ومع ذلك سمّاهم تعالى قومَه في مواضع من القرآن.(1)

الآيات: الخامسة إلى الثامنة

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور* وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:12/15.

صفحه 192
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَ قَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).

المفردات

بآياتنا: أُريد الآيات التسع التي يذكرها القرآن الكريم، قال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات).(1)
بأيّام الله: الأيّام: تطلق على الأيّام المشتملة على الوقائع، من غير فرق بين النعمة والنقمة، كيوم ذي قار ويوم الفجار، وأُريد هنا أيام النِّعم لبني إسرائيل حيث نجّاهم من سلطة الفراعنة وأنقذهم.
قال السيد الرضيّ(رحمه الله): إذا قيل أيام العرب، فالمراد به الأيام التي كانت فيها الوقائع المشهورة والملاحم العظيمة، وقد يجوز أن تكون الأيام هاهنا عبارة عن أيام النِّعم.(2)
صبّار: صيغة مبالغة، أي كثير الصبر.
شكور: صيغة مبالغة، أي كثير الشكر.
يسومونكم: يذيقونكم، ويكلّفونكم.
تأذّن: من الأذان، وهو الإعلام.

1 . الإسراء:101.
2 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن:78.

صفحه 193
 
التفسير
5. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور):

ما هو المراد من تذكيرهم بأيّام الله؟

لمّا ذكر سبحانه، في الآية المتقدّمة، وظيفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) جاء البيان القرآني مقروناً بلام القسم، أعني قوله: (لَقَدْ) لبيان النظير تطييباً لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عزّ من قائل:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا): أي بالآيات التِّسع، وهي:
1. إلقاء العصا      2. اليد البيضاء      3. حلّ العقدة من لسانه
4. البحر      5. الطوفان      6. الجراد      7. القمّل      8 . الضفادع
9. الدم. وهناك اختلاف بين المفسّرين في بعض هذه الآيات.(1)
وأمّا الغاية من إرساله(عليه السلام) فهي نفس الغاية من إرسال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). والفقرة تدلّ على أنّ الوثنية قد تركت تأثيرها في قومه بسبب عيشهم في مصر الوثنية سنين متمادية، وبذلك يعلم أنّ رسالة موسى(عليه السلام)كانت لغاية أمرين:

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:6/527(تفسير الآية 101 من سورة الإسراء).

صفحه 194
1. إخراج قومه من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، مع دعوة فرعون وقومه للإيمان بربّ واحد.
2. تحرير بني إسرائيل من سلطة الفراعنة .
ثمّ إنّه سبحانه أمر موسى(عليه السلام) بقوله: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): أي ذكّر قومك بأيام الله. والآية تدلّ على أنّ هناك أيّاماً مختصّة لله سبحانه، مع أنّ جميع الأيام لله كما أنّ جميع الأمكنة وما في الكون لله سبحانه، فما هو الوجه لتخصيص قسم من الأيّام بالله سبحانه؟
الظاهر أنّ المراد هو الأيّام التي ظهر فيها سلطانه، إمّا بالقهر والغلبة كالأيّام التي أهلك فيها قوم نوح وعاد وثمود، أو بالإنعام والرحمة كيوم خروج نوح وأصحابه من السفينة، وإنقاذ إبراهيم من نار نمرود، فالآية مطلقة تشمل كلا الصنفين، ولذلك نرى أنّ الروايات تفسّرها بكلا الوجهين:
1. روى النّسائي وابن أبي حاتم والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهم عن أُبيّ بن كعب عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ)، قال: بنعم الله وآلائه.(1)
2. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين(عليه السلام)وابن عباس وجابر بن عبد الله، في حديث طويل، جاء فيه: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيام الله: نعماؤه وبلاؤه وهي مَثُلاته».(2) والمَثُلاث جمع مَثُلة، أي العقوبة.
3. روى ابن جرير الطبري عن ابن زيد في قول الله: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ

1 . انظر: الدر المنثور:5/6.
2 . الأمالي للطوسي:490ـ491، المجلس17، رقم الرواية6; البرهان في تفسير القرآن:5/381.

صفحه 195
اللهِ)، قال: أيامه التي انتقم فيها من أهل معاصيه من الأُمم، خوّفهم بها، وحذّرهم إيّاها... .(1)
وعلى كلّ تقدير، فمن أيام الله التي أمر موسى(عليه السلام) بتذكيرهم إيّاها، الأيام التي أنجى الله تعالى فيها بني إسرائيل من فرعون وجنده، بعد أن عبر موسى(عليه السلام) بهم البحر وأغرق عدوّهم، الذي كان يضطهدهم ويستعبدهم رَدَحاً من الزّمن.
وتلك النعمة العظمى صارت مصداقاً واضحاً ليوم من أيام الله، فعلى بني إسرائيل شكر هذه النعمة الكبرى، ولا يقوم به إلاّ مَن تحلّى بصفتين اثنتين تضمّنهما قوله تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار): أي كثير الصبر عند الضرّاء (شَكُور): أي كثير الشكر عند النَّعماء، فالمؤمن كلّ المؤمن مَن يجمع بين هاتين الصفتين، فإذا نزلت به كارثة يصبر، ولا يطلق لسانه بالشكوى، وإذا كُشفت عنه وعادت إليه النعمة يطلق لسانه بالشكر، ولذلك يصف سبحانه الأبرار بقوله: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).(2)
أمر سبحانه نبيّه موسى(عليه السلام) أن يذكّر قومه بأيام الله المشحونة بالفتن والنِّعم، أمّا الأولى ففي عصر الفراعنة، وأمّا الثانية فبعد خلاصهم من مخالب أعدائهم.
ثمّ إنّ الاعتبار بأيام الله لا يختصّ بقوم دون قوم بل كلّ من كان صابراً شكوراً، يتّعظ بأيام الله فيزداد صبراً وشكراً لِما يرى من جريان سنّة الله على

1 . جامع البيان(تفسير الطبري):8/231، رقم الرواية20580.
2 . البقرة:177.

صفحه 196
كلّ من صبر على البلاء وشكر النَّعماء، إذ يُمنح المزيد من الألطاف الإلهيّة، ولذلك يقول:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور).
نعم هاهنا سؤال ربّما يُطرح، وهو: أنّ النبيّ موسى(عليه السلام) يوصي قومه بالصبر والشكر، مع أنّا نرى أنّه لم يصبر على أعمال مصاحبه، واعترض عليه عندما خرق السفينة بقوله:(أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)، وعندما قتل غلاماً بقوله: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس)، وحينما أقام جداراً كان على وشك السقوط، بقوله: (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)(1)، فكيف يتمّ التوفيق بينهما؟
والجواب: إنّ مصاحب موسى كان مأموراً بالعمل بالواقع لاطّلاعه على حقائق الأشياء، وأمّا النبيّ موسى(عليه السلام) فكان مأموراً بالعمل بالظاهر، فلمّا لم يجد(عليه السلام) ما قام به المصاحب من تلك الأعمال منسجماً مع الشريعة التي جاء بها، أبدى استغرابه واستنكاره، ولو كان وجدها موافقة لشريعته لم يعترض عليه بشيء.
وبما أنّ قوم موسى (إلاّ القليل منهم) لم يكونوا موصوفين بالصبر والشكر، بل كانوا يشكون من إحاطة البلاء بهم معبّرين للنبيّ موسى(عليه السلام)عن ضجرهم ونفاد صبرهم، كما يدلّ عليه قوله سبحانه:(قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)(2)، فلأجل هذا الأمر نرى أنّه سبحانه يحكي عن موسى تذكير قومه بنعم الله ويطلب منهم القيام بالشكر أمام هذه النِّعم، فيقول:

1 . الكهف:71ـ 78.
2 . الأعراف:129.

صفحه 197
6. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ):
قوله: (وَإِذْ): أي اذكر يا رسول الله (إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) وفسّر النعمة بقوله: (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)وصار ذلك اليوم ـ أي يوم نجاتكم ـ يوماً من أيام الله الذي ظهر فيه سلطانه، ثم بيّن من أنواع العذاب الذي كانوا يقاسونه من آل فرعون، أُموراً ثلاثة:
1. (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ): أي يذيقونكم ويكلّفونكم سوء العذاب، حيث كانوا يعاملونهم بخشونة وإذلال، ويفرضون عليهم أشقّ الأعمال وأكثرها تعذيباً لهم يوماً بعد يوم (كما يومئ إلى ذلك الفعل المضارع الدالّ على الاستمرار).
2. (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) لغاية الاستئصال. ومن المعلوم أنّ القوم إذا فقدوا أبناءهم الذين هم يديرون عجلة الحياة، يُكتب عليهم الفناء والهلاك.
3. (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) لا لغاية استبقائهن أحياء، بل لغاية استخدامهنّ في بيوت الطغاة المترفين(وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ): أي وفي ذلك اختبار من ربكم اختباراً عظيماً، حيث إنّه سبحانه اختبر به مقدار صبرهم على المكروه ثم تحلّيهم بالشكر.
7. (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ):

صفحه 198

الإخبار عن انقضاء الاختبار ومجيء دور الشكر

الظاهر أنّ الآية من كلام موسى(عليه السلام)، وهو عطف على قوله:(إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، والتأمّل في هذه الآية وما قبلها يثبت أنّ موسى(عليه السلام) ذكّرهم بأمرين:
الأوّل: ذكّرهم بنعمة الله عليهم، وهي إنجاؤهم من سلطة فرعون وقهره واستبداده.
الثاني: ذكّرهم بانقضاء مرحلة الاختبار ومجيء دور الشكر، لتحرّرهم من قبضة فرعون، فعندئذ أخبرهم بما أمر به سبحانه:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ)والتأذّن الإعلام، أي كلّم موسى علناً بمضمون الآية وهو الملازمة بين الشكر وزيادة النِّعم، والكفر ونزول النِّقم. ولعلّ الآية بهذا المضمون منقطعة النظير، حيث يُخبر عن سنّة إلهية قائلاً:(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ) متضمّنة للقسم بشهادة قوله:(لَئِنْ)، لأنّ اللاّم موطّئة للقسم، والشكر هو صرف النعمة في محلّها، وقد أُثر عن العلماء قولهم: الشكر: «صَرْف العبد جميع ما أنعمه الله تعالى عليه فيما خُلق لأجله»، فهو بذلك يكسب رضا الواجب، الموجِب لإفاضة النِّعم واحدة بعد الأُخرى، بخلاف مَن كفر النعمة وصرفها في غير ما خُلق لأجله، فهو يكتسب سخط المنعم فيسبّب قطع الفيض أو تقليله، ولذلك يقول: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) في يوم القيامة، يقول سبحانه: (وَفِي الاْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ)(1)
قلنا: إنّ شكر النعمة هو صرفها فيما خُلقت لأجله، وهذا ما أشار إليه

1 . الحديد:20.

صفحه 199
أيضاً أمير البيان الإمام علي(عليه السلام) في خطبته:«غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ».(1)
8 . (وَ قَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ):
الآية تتمّة لما تضمّنته الآية السابقة، وهي بصدد دفع ما يُتوهَّم من أنّه سبحانه ربّما ينتفع بإيمان المؤمن وبشكر الشاكر ويتضرّر بكفر الكافر، كيف يكون ذلك والله سبحانه غنيّ بالذات؟ وغناه دليل على أنّ المنتفع بشكر الشاكرين وإيمان المؤمنين هم أنفسهم، كما أنّ المتضرّر بالكفر هم الكفّار أنفسهم، فالغنيّ سبحانه لا ينتفع بشكر الآخرين وإيمانهم ولا يتضرّر بكفرهم كما يقول:(وَ قَالَ مُوسَى) تبعاً لأمر الله سبحانه (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) فلا تضرّونه بشيء ; لأنّه سبحانه غنيّ بالذات كما يقول: (فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ)فلا حاجة له إلى إيمان أحد وشكره (حَمِيدٌ) بالذات، مستغن عن حمدكم باللّسان والبيان، وكيف لا يكون غنيّاً (وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)(2)؟

كلام في فضيلة الشكر وبيان حقيقته

قال الفيض الكاشاني(المتوفّى 1091هـ): اعلم أنّ الله تعالى قرن الشكر بالذِّكر في كتابه مع أنّه قال: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)(3) فقال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

1 . نهج البلاغة، الخطبة 193، في وصف المتّقين.
2 . الرعد:15.
3 . العنكبوت:45.

صفحه 200
وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونَ)(1)، وقال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)(2)، وقال: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)(3)، وقال تعالى إخباراً عن إبليس اللَّعين:(لاََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)(4)، وقيل: هو طريق الشكر.
ولعلوّ رتبة الشكر طعن اللَّعين في الخلق فقال:(وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)(5)، وقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )(6) وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثنِ; فقال: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ)(7). ثم قال: وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال:(وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)(8)، وقال:(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(9).(10)
سورة إبراهيم : الآيات 9 ـ 12    
هذا ما يرجع إلى فضيلة الشكر، وأمّا ما هي حقيقته فهذا ما يذكره الشيخ محمدمهدي النَّراقي(المتوفّى 1209هـ) بقوله: الشكر هو عرفان النِّعمة من المُنعم، والفرح به، والعمل بموجب الفرح بإضمار الخير، والتحميد للمُنعم، واستعمال النِّعمة في طاعته.
أمّا المعرفة فبأن تعرف أنّ النِّعم كلّها من الله، وأنّه هو المُنعم، والوسائط

1 . البقرة:152.
2 . النساء:147.
3 . آل عمران:145.
4 . الأعراف:16.
5 . الأعراف:17.
6 . سبأ:13.
7 . إبراهيم:7.
8 . الزمر:74.
9 . يونس:10.
10 . المحجة البيضاء:7/141ـ 142.

صفحه 201
مسخَّرات من جهته. ولو أنعم عليك أحد، فهو الذي سخّره لك، وألقى في قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطراً إلى الإيصال إليك، فمَن عرف ذلك حصّل أحد أركان الشكر لله، وربّما كان مجرّد ذلك شكراً، وهو الشكر بالقلب، كما روي:«أنّ موسى قال في مناجاته: إلهي! خلقت آدم بيدك، وأسكنته جنتك، وزوّجته حواء أَمَتك، فكيف شَكَرك؟ فقال: علم أنّ ذلك منّي، فكانت معرفته شكراً».(1)
وبما أنّ الشكر يتعلّق بالقلب أوّلاً وبالجوارح واللِّسان ثانياً، فما ذكره راجع إلى عمل القلب ـ كما قال ـ ، وأمّا الجوارح فقد مرّ أنّ صرف النِّعمة فيما خُلقت له، هو الشكر، وأمّا اللِّسان فهو ذكره سبحانه بالثناء عليه.
قال الإمام الصادق(عليه السلام):«مَن أنعم الله عليه نعمة فعرفها بقلبه وعلم أنّ المُنعم عليه، الله تعالى، قد أدّى شكرها وإن لم يحرّك لسانه».(2)
هذا مجمل ما يمكن أن يقال، ومَن أراد التفصيل فليرجع إلى «المحجّة البيضاء» أو «جامع السعادات».

الآيات: التاسعة إلى الثانية عشرة

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي

1 . جامع السعادات:3/233ـ 234.
2 . سفينة البحار: مادة «شكر».

صفحه 202
شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَان إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).

المفردات

نبأ: النَّبأ: الخبر المهمّ الذي يُعتنى به.
مريب: الرِّيبة: عدم الاطمئنان بالأمر. والمريب هو الإخبار بما فيه الشكّ.
فاطر: من فَطَر بمعنى شقَّ، وفطر الله الخَلق: أوجده وأبدعه على هيئة مترشّحة لفعل من الأفعال.
بسلطان: السلطان: الدليل والبرهان.

صفحه 203
 
التفسير

حوار بين الرسل والمشركين

الظاهر أنّ المخاطب في قوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ) قوم موسى، وبما أنّهم كانوا على مقربة من الشرك، ناسب ذكر حوار جرى بين الرسل وأقوامهم فبدأوا يذكرونهم ويعطفون نظرهم إلى مصير الأقوام السالفة عبر العصور، وقال:
9. (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب):
قوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ): أي ألم يأتكم يا بني إسرائيل مصير الأقوام الذين كفروا بالله سبحانه وكذّبوا أنبياءه، يعني: قوم نوح وعاد وثمود الذين حاق بهم البلاء والعذاب واستؤصلوا وانقطعت آثارهم فما يُرى منها شيء؟ وبهذا ظهر أنّ المراد من النبأ هلاك هؤلاء الأقوام الثلاثة، ثم عطف عليهم أقواماً آخرين سلكوا مسلك مَن تقدّمهم، كما قال:(وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) كانوا أشباههم في الكفر والعناد واللّجاج، نظير أهل مدين وأصحاب الرَّسّ وقوم تُبّع (لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ)إذ لم يكن يوم ذاك تدوين للتاريخ حتى يقف الناس على أخبارهم

صفحه 204
ويعلموا مصائرهم. وقد أشار سبحانه في آية أُخرى إلى بعض هذه الأقوام أيضاً، بقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا).(1)
قوله تعالى: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): أي بالمعاجز والدلائل المقنعة على وجه لو تدبّروا فيها لآمنوا بهم وصدّقوا بدعوتهم، ولكنّهم ـ يا للأسف ـ بادروا إلى الردّ، كما يقول سبحانه:(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)الظاهر أنّ الضمائر الثلاثة ترجع إلى المرسَل إليهم، أعني الأقوام المذكورين، أي وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء حتّى يسكتوا ولا ينطقوا بما كانوا ينطقون، وهذا أمر شائع، فمن أراد إسكات الناطق، فتارة يقول له:«اسكت»، وأُخرى يضع أصابعه أو يده على فمه، في إشارة منه إلى المتكلّم بالسكوت وعدم الكلام. وهذا هو المعنى المتبادر من الآية، غير أنّ للمفسّرين في تفسير الفقرة عدّة آراء ذكرها الشيخ الطوسي في تفسيره، منها: أنّهم عضّوا على أناملهم تغيّظاً عليهم في دعائهم إلى الله، كما قال:(عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ)(2).(3)
ويدلّ على ما ذكرنا من معنى الفقرة إجابة الكفّار، فقد ردّوا دعوة الرُّسل بأمرين:
1. (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) الظاهر في أنّهم أنكروا الرسالة وجحدوها عن يقين.
2. (وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب): أي في شكّ مريب من

1 . الفرقان:38.
2 . آل عمران:119.
3 . التبيان في تفسير القرآن:6/278. وانظر: تفسير الكشاف:2/173.

صفحه 205
دعوتكم، وأنّ نفوسنا لا تطمئن إلى ما تقولون. وقولهم: (مُرِيب): أي مورث للرّيب والاتّهام فيما يدعونهم إليه من الإيمان بربوبيّته وحده سبحانه.

إجابة المرسلين

10. (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين):
فسّر المفسّرون قوله تعالى: (فَاطِرِ) بالخالق، وظاهر ذلك أن يكون المرسل إليهم منكرين أو شاكّين في وجود الصانع، وهذا أمر بعيد، إذ لم يثبت في تاريخ الأُمم إنكار وجوده سبحانه، وتشهد لذلك آيات كثيرة، منها قوله سبحانه:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).(1)
وعلى ذلك فلابدّ من تفسير الآية بما يوافق ظاهر الآية من سورة الزخرف ونظائرها، فنقول:
إنّ معنى (فَاطِرِ) مِن فطر بمعنى شقّ، قال الراغب: الفَطْر: الشق طولاً، يقال: فَطَر فلان كذا فَطْراً ـ إلى أن قال: ـ وفطر الله الخَلق، وهو إيجاده الشيءَ وإبداعه على هيئة مترشّحة لفعل من الأفعال.(2)

1 . الزخرف:9.
2 . المفردات للراغب: 382، مادة «فطر».

صفحه 206
وعلى هذا الأساس، فمعنى قوله سبحانه:(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي موجدهما، بمعنى أنّه شقّ ظلمة العدم بإيجاد السماوات والأرض. وبما أنّ القوم كانوا مقرّين بوجود الصانع، فالسؤال الإنكاري الذي وجّهه الرُّسل إليهم بسبب وقوع الشكّ منهم في الله، لا يعني أنّهم كانوا منكرين أو شاكّين في وجوده سبحانه، بل كان يستهدف أخذ الاعتراف بإيجاده للسماوات والأرض، حتى يصلح للرسل أخذهم بلوازم تسليمهم، محتجّين بأنّكم إذا كنتم معتقدين بإيجاده للسماوات والأرض بهذا النظام الدقيق، فهو المالك لوجودهما، ومن ثمّ هو المتفرّد بتدبير كلّ أمر يرجع إلى وجودهما، لا يشاركه في ذلك غيره، وعندئذ يكون سبحانه هو الربّ المعبود ولا ربّ غيره.(1) وإذا كان سبحانه كذلك، فهل يمكن أن يترك عباده سُدى ولا يبعث إليهم من يرشدهم إلى ما يسخطه وما يرضيه؟ والشاهد لذلك ما جاء بعد تلك الفقرة، حيث رتّبوا على ذلك أمرين:
1. (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ): أي يدعوكم (الرُّسل) أن تنبذوا الكفر: (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)وسيوافيك الكلام في موقع (مِنْ) في الفقرة.
2. (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى): أي يدفع عنكم عذاب الاستئصال حتى تستمر حياتكم إلى الأجل الذي سمّاه الله وعيّنه.
والفقرة تدلّ على أنّ الكفر ربّما يؤدّي إلى عذاب الاستئصال ويكون حائلاً بين الإنسان والأجل المسمّى، وبذلك يُعلم أنّ الأجل على قسمين:
1. الأجل المسمّى، أي الوقت الذي حدّده الله تعالى أجلاً لحياة

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:12/26ـ 27.

صفحه 207
الإنسان، وهذا الأجل لا يؤخَّر ولا يحول بينه وبين وقوعه أيُّ سبب.
2. الأجل الموقوف(المعلَّق)، وهو ما كُتب للإنسان من الحياة لو لم يواجه الأسباب المؤدّية إلى قطع الحياة.
وعلى ما ذكرنا، يُستفاد من الآية أنّ الكفر أو كبائر الذنوب ممّا يحول بين الإنسان وبين استيفاء أجله المكتوب، وهذه سنّة إلهية كشف عنها القرآن الكريم. ويؤيّد هذا التفسير ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «مَن يموت بالذنوب أكثر ممّن يموت بالآجال، ومَن يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمار».(1)
بقي هنا أمران:
الأوّل: وجود الاختلاف بين الآيتين العاشرة والحادية عشرة، ففي الأُولى جاء: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ)، وفي الثانية: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ) فما هو الوجه في الاختلاف في التعبير؟
ولعلّ الوجه فيه أنّ ما تضمّنته الآية الأُولى مقالة عامّة لا تختصّ بالمشركين، فقوله: (أَفِي اللهِ شَكٌّ)خرجت بصورة أمر مسلّم بين أبناء البشر، فلذلك جرّد عن التخصيص بالمشركين، بخلاف الآية الثانية، إذ الخطاب يختصّ بهم حيث قالوا: (إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ). والله العالم.
الثاني: أنّ قوله سبحانه: (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ظاهر في مغفرة بعض الذنوب حيث إنّ «من» للتبعيض مع أنّ الإيمان ونبذ الشرك يمحو كلَّ الذنوب.

1 .الأمالي للطوسي:701، المجلس 40، ذيل الرواية1; بحار الأنوار:5/140، رقم الرواية6.

صفحه 208
ولعلّ التبعيض لأجل أنّ الإيمان يوجب مغفرة ما يرجع إلى حقوق الله، وأمّا حقوق الناس والمظالم، فعليهم أن يؤدّوا إليهم حقوقهم، وأن يردّوا إليهم ما أُخذ منهم ظلماً. وربّما يقال بأنّ «من» زائدة، وهو غير تامّ، إذ لا تجوز زيادتها في الموجب وإنّما تختصّ بالمنفي. وهناك وجه ثالث وهو أفضل وهو أنّ «من» بيانية.
إلى هنا تمّت إجابة المرسلين، غير أنّ المشركين عدلوا عن الاحتجاج النظري بطرح أُمور ثلاثة:
1. (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا) فلا مزيّة لكم علينا حتى نتّبعكم.
2. أنّكم بدعوتنا إلى التوحيد في العبادة ونبذ الشرك (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)وهكذا اتّخذوا من سنّة الآباء في عبادة الأوثان، دليلاً على صحّتها، والدعوة إلى خلافها آية بطلانها، دون أن يفكّروا في طبيعة الدّعوة أو في سنّة الآباء.
ويستفاد من كثير من الآيات أنّ المشركين عموماً كانوا قد اتّخذوا من تمسّك الآباء بالوثنيّة دليلاً على صحّتها، كما حكى عنهم سبحانه في مواضع من كتابه المجيد، كقوله تعالى:(قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)وقد ردّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) عليهم هذا المنطق الواهي بإلهام من الله سبحانه، بقوله: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَل مُبِين).(1)
3. (فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين): أي بدليل يدلّ على أنّكم مرسلين من الله سبحانه. وهذا النوع من الاقتراح وإن كان أمراً صحيحاً في نفسه، ولكنّهم

1 . الأنبياء:52ـ53.

صفحه 209
قالوه عناداً ومكابرة، حيث جعلوه حاجزاً بينهم وبين الرُّسل، لأنّهم كانوا يتصوّرون عجز الرسل عن الإتيان بسلطان مبين، وبذلك اتخذوه جُنّة لعدم إيمانهم، أو كانوا يطلبون من الرُّسل الإتيان بالخوارق والمعاجز التي يقترحونها، ولا يعتنون بما أتَوا به منها، كما سيوافيك.
إلى هنا تمّ الحوار الأوّل بين الرسل والمشركين.

الحوار الثاني

11. (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَان إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ):
لمّا اعتمد المشركون في عدم الاستجابة لدعوة الرُّسل على أُمور ثلاثة اتّخذوها ذريعة لذلك، وكان الأمر الثاني، أعني: صدّهم عن سنّة آبائهم أمراً مسلّماً سكت الرُّسل عن ذكره، وخصّوا الأمر الأوّل والثالث بالجواب، وهما: كونهم بشراً، وأن يأتوهم بسلطان مبين.
أمّا الأوّل، فأشار إليه سبحانه بقوله: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) نعيش كما تعيشون أنتم، نأكل ونشرب ونحيا ونموت، ولكن ذلك لا يكون دليلاً على أنّنا وأنتم على مستوى واحد في القابليات، وأنّه لا مزية لنا عليكم، فربّما نختصّ بمزية تفضّل بها علينا سبحانه، كما يقول:(وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ): أي يمنّ عليه بالنِّعمة الكبرى وتقليده وسام النبوّة والرسالة. ومن المعلوم أنّ مشيئته سبحانه ليست مشيئة فوضوية، بل

صفحه 210
تتبَع وجود قابليات وصلاحيات في ذلك الفرد، فيقلّده ذاك الوسام.
ولذلك قال حكماء الإسلام: إنّ الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصاً بخواصّ شريفة علمية قدسيّة، فإنّه يمتنع عقلاً حصول صفة النبوّة له.
وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما نقله الرازي عن بعض القشريّين من أهل السنّة والجماعة، حيث قالوا: إنّ حصول النبوّة عطيّة من الله تعالى يهبها لكلّ مَن يشاء من عباده، ولا يتوقّف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوّة قدسيّة، وهؤلاء تمسّكوا بهذه الآية، فإنّه تعالى بيّن أنّ حصول النبوّة ليس إلاّ بمحض المنّة من الله تعالى والعطيّة منه.(1)
والعجب أنّ الرازي قال ـ بعد أن نقل الكلام المتقدّم ـ : والكلام في هذا الباب غامض غائص دقيق.(2)
يلاحظ عليه: أنّ اللائق بالرازي هو إبداء الرأي في الموضوع، ولكنّه اكتفى بما ذكر .
ثمّ ذكر ما يمكن أن يكون بدلاً عن الجواب، وقال: إنّ حكماء الإسلام أجابوا عنه بأنّهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعاً منهم، واقتصروا على قولهم:(وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)بالنبوّة، لأنّه قد علم أنّه تعالى لا يخصّهم بتلك الكرامة إلاّ وهم موصوفون بالفضائل التي

1 . تفسير الرازي:19/96.
2 . تفسير الرازي:19/96.

صفحه 211
لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص، كما قال تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(1).(2)
وأمّا الأمر الثالث، فلم يردّوه لأنّه كان أمراً منطقياً، إذ لابدّ لمدّعي الرسالة من دليل علميّ على كونه مبعوثاً من الله، ولكنْ ليست المعجزة أو السلطان حسب اصطلاحهم بيد الأنبياء حتى يأتوا به متى شاءوا، وإنّما يأتون به بإذن من الله، كما حكى سبحانه عنهم ذلك بقوله: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَان إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ).
وطبع الحال يقتضي أنّ الرُّسل أجابوا طلبهم بالإتيان بالآيات الظاهرة والبيّنات الباهرة ما تخرّ له الجبال الصُّمّ، ولكنّهم طلبوا منهم غير ما أتوا به، والشاهد لذلك أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) جاء إلى المشركين بالآيات الباهرة ولكنّهم أرادوا معجزات خاصّة أُشير إليها في سورة الإسراء، حيث قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيل وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا).(3)
ولمّا كان هنا احتمال بأن يتعرّض المرسلون ومَن تبعهم لأذى المشركين، التفت الرُّسل في كلامهم إلى المؤمنين فقالوا: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فاستعينوا به في دفع احتمال الأذى والبلاء من العتاة المعاندين، وتقديم الجار في الفقرة، أعني (وَعَلَى اللهِ) لإفادة الحصر، وأنّه لا ناصر مع ضعفهم إلاّ الله سبحانه.

1 . الأنعام:124.
2 . تفسير الرازي:19/96.
3 . الإسراء:90ـ 91 ولاحظ إلى الآية 93.

صفحه 212
12. (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة دعوة المؤمنين إلى التوكُّل على الله سبحانه، استدلّوا على صدق رأيهم في تفويض الأمر إلى الله بقولهم: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ) ولا نفوّض الأمر إليه؟(وَ) الحال أنّه (قَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا)فهدايته سبحانه أدلّ دليل على عنايته ولطفه بنا، فلنتوكّل عليه، ولو أُوذينا في مستقبل أمرنا فعلينا التدرّع بالصبر، إذ لا ينال المُنى إلاّ كلّ صبّار شكور، ولذلك يقول:(وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا) سابقاً ولاحقاً. ثم ذيّلوا كلامهم بما ابتدأوا به قائلين: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ومع ذلك يُحتمل أن تكون هذه الفقرة من كلامه سبحانه.
ثمّ إنّه يُطرح سؤال عن وجه تكرار الأمر بالتوكّل في كلام الرسل في آية واحدة، حيث جاء في صدر الآية قولهم: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وقد أجاب عنه السيد الطباطبائي بقوله: فقوله تعالى: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) يجري مجرى اللمّ، وقوله: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) يجري مجرى الإنّ، فتدبّر في هذا البيان العذب والاحتجاج السهل الممتنع الذي قدّمه القرآن الكريم إلى متدبّريه في أوجز لفظ.
وقوله: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا) من تفريع الصبر على ما بيّن من وجوب التوكّل عليه أي إذا كان من الواجب أن نتوكّل عليه ونحن مؤمنون به وقد هدانا سبلنا، فلنصبرن على إيذائكم لنا في سبيل الدعوة إليه متوكّلين

صفحه 213
عليه حتى يحكم بما يُريد ويفعل ما يشاء، من غير أن نأوي في ذلك إلى ما عندنا من مظاهر الحول والقوّة.
وقوله: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) كلام مبنيٌّ على الترقّي، أي كلّ من تلبّس بالتوكّل فعليه أن يتوكّل على الله، سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، إذ لا دليل غيره، غير أنّ المتوكّل بحقيقة التوكّل لا يكون إلاّ مؤمناً، فإنّه مذعن أنّ الأمر كلّه لله فلا يسعه إلاّ أن يطيعه فيما يأمر، وينتهي عمّا ينهى، ويرضى بما رضي به، ويَسخَط على ما سَخِط عليه(1)، وهذا هو الإيمان.(2)
أقول: الاهتداء من المعلول إلى العلّة يوصف بالبرهان الإنّي، كدلالة الأثر على المؤثِّر، بخلاف البرهان اللّميّ، فهو اهتداء من العلّة إلى المعلول.
ففي قوله سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) اهتداء من المعلول وهو هداية الله سبحانه إيّاهم إلى السبل، إلى العلّة وهو الله سبحانه، فبما أنّ الإهتداء نعمة كبيرة من الله سبحانه فيبعث الإنسان إلى أن يتوكّل على الله الذي هو المعطي للنِّعم كلّها، لكن قوله سبحانه في ذيل الآية: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)اهتداء من العلّة وهي ذاته سبحانه إلى آثاره وأفعاله، فالله هو الموجود الجامع للصفات الكمالية، فهو يبعث الإنسان على التوكّل عليه، فإنّ التوكّل على شيء استمداد منه وليس هنا موجود أقوى من الله سبحانه حتى يتوكّل عليه.
وبذلك يُعلم أنّ وجه تكرار التوكّل في الآية لا ينحصر في كونه ممّا يجب الاهتمام به، بل له وجه أدقّ من ذلك، كما مرّ في كلام السيد الأُستاذ(رحمه الله).

1 . في المصدر: ويسخط عمّا سخط عنه.
2 . الميزان في تفسير القرآن:12/33ـ 34.

صفحه 214
ثمّ إنّ لنا بحثاً حول التوكّل سيوافيك في تفسيرنا لسورة الطلاق عند قوله سبحانه:(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْرًا).(1)
غير أنّا نقول في المقام: إنّ التوكّل ليس بمعنى ترك العمل والسعي وإيكال كلّ الأُمور إلى الله سبحانه دون أن يقوم الإنسان بشيء ما، فإنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان من أعظم المتوكّلين مع أنّه كان متمسّكاً بالأسباب والأدوات والعلل، بل المراد أنّه يجب على الإنسان أن يبذل ما يملك من القدرة والطاقة في سبيل مقصوده ولا يجعل الضعف مسيطراً عليه، وأن يستعين، مع ذلك، بالله تعالى ليستمدّ منه القوّة والعزم فيما يواجهه من مصاعب الأُمور في سبيل هدفه، حتى يؤيّده ويعينه على الظفر بمقصوده. فالمؤمن في عامّة حالاته يتوكّل على الله حتّى فيما أعدّه من المقدّمات لكي يصل إلى المقصود.
سورة إبراهيم : الآيات 13 ـ 18    

الآيات: الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ

1 . الطلاق:3.

صفحه 215
كُلِّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّت وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ * مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ).

المفردات

ملَّتنا: ديننا وشريعتنا.
مقامي: المقام: اسم مكان، أي موضع قيامه سبحانه بأُمور العباد.
استفتحوا: طلبوا الفتح بالنصر على الأعداء واستنصروا.
خاب: الخَيبة: الخسران والحرمان.
جبّار: إذا وصف به الله تعالى فهو بمعنى العالي الذي لا يناله شيء، وإذا وصف به الإنسان فمعناه المتعالي المتكبّر.
عنيد: مبالغة في المعاند، وهو من يخالف الحقّ مع علمه به.
صَديد: الصَّديد: القيح المختلط بالدم. سمّي صديداً لانّه يُصدّ عنه لكراهته ونتنه.
يتجرّعه: التجرّع: تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار.
يُسيغه: ساغ الشراب في الحلق: سهُل انحداره.(1) والمعنى: لا ينحدر الماء في حلقه بسهولة، بل يغصّ به، ولذلك يشربه جرعة جرعة.
اشتدّت: الاشتداد: الإسراع بالحركة.
يوم عاصف: شديد الرِّيح.

1 . مفردات الراغب: 249، مادة «ساغ».

صفحه 216
 
التفسير

حوار ثالث

13 و 14. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ):

تهديد الرُّسل بأحد أمرين: الطرد أو الرجوع إلى الشرك

لمّا أفحم الرُّسل المشركين العتاة، ولم يبق عندهم أي دليل صالح يعتمدون عليه في الإعراض عن دعوة الرُّسل، لجأ القوم إلى استخدام منطق القوّة، فهدّدوا الرُّسل بأمرين على وجه التخيير:
1. النفي والطرد من بلادهم.
2. الرجوع إلى الشرك وترك شريعة الله عزّ وجلّ، فأُشير إلى الأوّل بقوله تعالى ـ حكاية عنهم ـ : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا). إنّهم لا يطيقون سماع صوت الحقّ الذي يدعو إلى التفكير فيما جاءوا به، ويبعث على يقظة الناس، فليُبعدوه ليُبطلوا تأثيره على أفراد المجتمع ويحولوا بينه وبينهم.
وأُشير إلى الثاني بقوله تعالى: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا): أي ديننا وعقيدتنا،

صفحه 217
فنكون ذوو دين واحد، وبهذا يحافظون على امتيازاتهم الباطلة في ظلّ الوثنيّة، وعلى مواقعهم الاجتماعية الزائفة التي لا يقرّها دين التوحيد.
ومن الأمثلة على تهديد الأنبياء ومن معهم بالنفي من البلاد، لجوء الطغاة من قوم شعيب إليه، قال سبحانه حاكياً عنهم ذلك: (قَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ).(1)
ثمّ إنّه يظهر من قولهم:(لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا) أنّ عقوبة الطّرد والإبعاد عن الوطن من أساليب الحكام المستكبرين في حقّ معارضيهم، فهم يحرمون أبناء البلد الذين وُلدوا فيه وعاشوا إذا خالفوهم في المبدأ والعقيدة أن يخرجوهم من أوطانهم، وهذه شنشنة نعرفها من كلّ متكبّر يصادر الحرّيات، ويمتهن الكرامات.
والعجب، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين الميلادي أن نجد هذا النوع من العقوبة يُمارَس في بعض بلداننا الإسلامية، لا سيّما في البحرين التي قرّرت محاكم السلطة فيها إسقاط الجنسيّة عن جمع من المواطنين المعارضين للنظام الجائر المستبدّ، وإبعادهم عن وطنهم غافلين أنّ عملهم هذا ممّا شجبه القرآن الكريم.
إلى هنا تمّ الحوار اللِّساني بين الفريقين. ثمّ إنّ القوم لمّا لجأوا إلى منطق القوّة، أراد الله تعالى أن يطمئن المرسَلين ويثبّت قلوبهم، فقال: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ): أي إلى الرُّسل أمرين:

1 . الأعراف: 88 .

صفحه 218
الأوّل: إنّا نهلك هؤلاء الظالمين الكافرين كما قال:(لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)فلا يبقى أثر منهم على وجه الأرض.
الثاني: بما أنّ الرُّسل تعرّضوا للتهديد بالطّرد والإبعاد من البلاد، وعدهم سبحانه بأن يسكنهم والذين آمنوا بهم الأرض، أي أرض الدعوة التي هدّد الظالمون بطردهم منها، من بعد إهلاكهم، كما قال: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) .
ثمّ بيّن أنّ الفوز والعاقبة الحسنة مختصّتان بمن اجتمعت فيه خصلتان:
1. (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي) والمقام اسم مكان أُريد به مرتبة قيمومته تعالى للأمر كلّه. وهناك فرق بين أن يقول: خافني، وبين خاف مقامي، فإنّ مقامه سبحانه عبارة عن قيام الأشياء وصحيفة الوجود به، فمن كانت أزمّة الأُمور بيده يَخشى منه مَن عرفه.
وللسيد الرضيّ بيان آخر، يقول: إنّ العرب تُسمّي المجامع التي تجتمع فيها لتدارس مفاخرها وتذاكر مآثرها، مقامات ومقاوم، فيجوز أن يكون المراد بالمقام هاهنا الموضع الذي يحصي الله تعالى فيه على بريّته محاسن أعمالهم ومقابح أفعالهم لاستحقاق ثوابه وعقابه، واستيجاب رحمته وعذابه وقد يقولون هذا مقام فلان، ومقامته على هذا الوجه، وإن لم يكن الإنسان المذكور في ذلك المكان قائماً، بل كان قاعداً أو مضطجعاً، ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى في قصة سليمان(عليه السلام):(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ)(1): أي من مجلسك، وإنّما سمّاه مقاماً مع ذكره أنّ سليمان(عليه السلام) كان

1 . النمل:39.

صفحه 219
جالساً فيه لأنّه قال: (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) ; لأنّ القاعد إذا قام بعد قعود ففيه يكون قيامه، وهذا من غرائب القرآن الكريم.(1)
2.(وَخَافَ وَعِيدِ): أي وعيد الله بالعذاب الشديد، الذي بيّنه على لسان رسله.
15. (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد):
الضمير في (اسْتَفْتَحُوا) يرجع إلى الرُّسل، أي طلبوا النصر والفتح على المعاندين والله سبحانه استجاب دعوتهم، كما قال: (وَخَابَ): أي خسر وتعرّض للحرمان (كُلُّ جَبَّار): أي متكبّر (عَنِيد) مُعرض عن الحقّ، فعمّهم العذاب في الدنيا، وأسكن الرُّسل والمؤمنين أراضيهم كما وعد سبحانه في قوله: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ).
قال الرازي: كونه جباراً متكبّراً، إشارة إلى الخُلق النَّفساني، وكونه عنيداً، إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخُلُق، وهو كونه مجانباً عن الحقّ منحرفاً عنه. ولا شكّ أنّ الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبّر والتكبّر، وفعله هو العنود، وهو الانحراف عن الحقّ والصدق، كان خائباً عن كلّ الخيرات، خاسراً عن جميع أقسام السعادات.(2)
نقل القرطبي في تفسيره أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفأل يوماً في المصحف فخرج له قوله عزّ وجلّ: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد)فمزّق المصحف، وأنشأ يقول:

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:80.
2 . تفسير الرازي:19/102.

صفحه 220
أتُوعِدُ كلّ جبار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيدُ
إذا ما جئتَ ربَّك يوم حشر *** فقل يا ربّ مزّقني الوليدُ
فلم يلبث إلاّ أياماً حتى قتل شرّ قتلة، وصُلب رأسه على قصره، ثم على سُور بلده.(1)
16 و 17.(مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّت وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ):

عاقبة أمر المشركين

يستعمل لفظ «الوراء» كثيراً في مقابل الأمام، وقد يكون بمعنى الأمام، وربّما يُراد به ما ينتظره الإنسان ممّا فعل، فيقال: فعل ذلك وصار وراءه ذلك الشيء، وعلى هذا فأُريد هنا نتيجة أعمالهم وعاقبة أفعالهم الّتي هي الأُمور التالية:
1. دخول جهنم والصِّلِيُّ فيها.
2. سقيهم من الماء المتعفِّن، وكنِّي عنه بـ(مَاء صَدِيد) وهو القيح المختلط بالدم، أو الموجود بين الجلد واللَّحم.
3. إذا أصابه العطش (يَتَجَرَّعُهُ): أي يشربه جرعة فجرعة، لا متوالياً لكراهته ونتنه.

1 . تفسير القرطبي:9/350. وانظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير:5/290(وفيه: أنّه ألقى المصحف ورماه بالسِّهام).

صفحه 221
4. (وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ): أي لا ينحدر الماء في حلقه بسهولة، بل يغَصّ به فيشربه جرعة فجرعة. والغرض أنّ نفسه لا تقبله لحرارته ونتنه، ولكن يشرب عن إكراه.
5. (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ): أي أسبابه من الشدائد وأنواع العذاب (مِنْ كُلِّ مَكَان): أي من كلّ موضع، والمراد إحاطة أنواع العذاب به. وكان المترقّب موته في هذه الحال ولكن (وَمَا هُوَ بِمَيِّت). وقد ورد مضمون هذه الآية في سورة أُخرى، قال سبحانه: (لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا).(1)
6. (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ): أي بعد ما مرّ من العذاب ينتظره عذاب غليظ، يستقبل كلّ وقت عذاباً أشدّ وأشقّ ممّا قبله. وربّما يُتوهَّم أنّ هذا النوع من التعذيب لا ينسجم مع رحمته الواسعة، فلماذا يعذّبه بأنواع العذاب؟
والجواب: إنّ هذه الشدّة والغلظة في العذاب، هي نتيجة استكباره وعناده وسوء أعماله، فالجرائم التي ارتكبها في الحياة الدنيا تتجسّم في الآخرة بما ذُكر في هذه الآية، وهي لا تنفكّ عن وجوده.
وقد أُشير إلى هذا النوع من العذاب في آيات أُخرى، قال تعالى:(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُوم وَحَمِيم * وَظِلّ مِنْ يَحْمُوم * لاَ بَارِد وَلاَ كَرِيم).(2)
وقال تعالى: (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ *

1 . فاطر:36.
2 . الواقعة:41ـ 44.

صفحه 222
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ).(1)
18. (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ):

أعمال المشركين كرماد في مهبّ الرِّيح

ربّما يقوم الكافر بأعمال صالحة في نظر الناس، كصلة الأرحام وإطعام الجياع وفداء الأُسارى وإغاثة الملهوفين، والله سبحانه يشبّه أعمالهم
في عدم الانتفاع بها برماد في مهبّ الرِّيح العاصفة كما يقول:(مَثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
)من المشركين (أَعْمَالُهُمْ) الصالحة (كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ): أي حملته الريح وأسرعت بالذهاب به (فِي يَوْم عَاصِف): أي شديد الرِّيح.
وجه التشبيه هو قوله: (لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء): أي لا ينتفعون بما اكتسبوا، فإنّ الرماد تذروه الرياح في الهواء، وأعمال الكافرين تصبح غير نافعة ; لأنّهم بنوا أعمالهم على غير معرفة الله والإيمان به فلا يستحقّون شيئاً عليها من الله (ذَلِكَ): أي مثل هذا العمل (هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ): أي البعيد عن الحقّ والصواب، ووجه حرمانهم وعدم انتفاعهم بها أنّهم لم يقوموا بها لوجه الله سبحانه حتى يستحقّوا الثواب عليها يوم القيامة، بل قاموا بهذه الأعمال لغايات دنيوية، وهو حفظ الجاه والمقام بين الناس أو

1 . ص:55ـ 58.

صفحه 223
جلب أنظار الناس، أو غير ذلك من الدوافع الدنيويّة التي لا تنطلق من أُسس إيمانية ثابتة.
ونحو الآية قوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)(1)، وقوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).(2)
وروي أنّ عائشة قالت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرَّحم ويُطعم المسكين هل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه. إنّه لم يقل يوماً ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين».(3)

سؤال وإجابة

أمّا السؤال، فيقول سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء)، فالآية تدلّ على عدم انتفاع الكافرين بأعمالهم، ولكنّ قوله سبحانه في سورة «الزلزلة» يدلّ على أنّ عامل الخير يرى أثر عمله، أعني قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ)(4)، فكيف يتمّ الجمع بين الآيتين؟
والجواب: إنّ الظاهر من آيتنا ومن الآية (23) من سورة الفرقان

1 . الفرقان:23.
2 . آل عمران:117.
3 . صحيح مسلم:1/136، باب الدليل على أنّ مَن مات على الكفر لا ينفعه عمل.
4 . الزلزلة:7.

صفحه 224
وغيرهما، أنّ المراد بالأعمال فيها مطلق الأعمال والأفعال التي يقوم بها الكفّار، وأنّ الكفر يوجب بطلانها وإحباطها، قال تعالى:(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الاْخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)(1)، وبذلك تكون آيتي سورة الزلزلة مخصوصتين، وأنّ مَن قضى الله تعالى بحبط أعماله (بسبب الكفر وغيره)، يذهب كلّ ما عمله من خير هَدْراً، ومن ثمّ يغدو وكأنّه لم يعمل خيراً، وعندئذ ليس في صحيفته خيراً حتّى يراه.
وقد أُجيب عن هذا السؤال بجواب آخر، وهو: أنّ أعمال الخير المجرّدة عن نيّة الشرك يمكن أن يقال إنّهم ينتفعون بها، فلو فرضنا أنّ رجلاً كافراً فعل الخير بنيّة صادقة بريئة عن الأهداف الدنيوية، فيمكن أن يقال إنّه سبحانه لا يضيع عمله أخذاً بقوله سبحانه :(إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).(2)
نعم الانتفاع بأعمال الخير يوم القيامة يكون مؤثّراً في تخفيف العذاب لا في نجاته، فتدبّر.
ويؤيّده ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لعَديّ بن حاتم الطائي: «دفع عن أبيك العذاب الشديد لسخاء نفسه».(3)
سورة إبراهيم : الآيات 19 ـ 23    

الآيات: التاسعة عشرة إلى الثالثة والعشرين

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ

1 . الأعراف:147.
2 . التوبة:120.
3 . بحار الأنوار: 68 / 354 .

صفحه 225
يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز * وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْء قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيص * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ).

المفردات

ألم تر: أُريد الرؤية العلميّة الناشئة عن النظر والتأمُّل .
برزوا: البروز: خروج الشيء عمّا كان ملتبساً به إلى حيث يقع الحسّ عليه، يقال: برز للقتال إذا ظهر له.
الضعفاء: جمع ضعيف، وأُريد هنا الأتباع أو الرعيّة.
للذين استكبروا: المراد بهم السادّة لأنّهم يتكبّرون على الأتباع.

صفحه 226
تَبَعاً: جمع تابع. ويمكن أنّ يكون مصدراً بتقدير ذوي تبع.
مُغنون عنّا: دافعون عنّا (العذاب).
مَحيص: مَنجى ومهرب.
فأخلفتكم: كَذِبْتكم. ويحتمل: لم أوفِ بما وعدتكم.
سلطان: تسلُّط.
بمصرخكم: مغيثكم ومنجيكم.

التفسير

آيات هذه المجموعة تضمّنت حواراً ومناظرة بين الأتباع والقادة، كما تضمّنت مناظرة أُخرى بين الشيطان وأتباعه، ونتيجة الحوار هي أنّ كلاًّ من القادة والشيطان يتبرّأ من أعمال الأتباع، كما سيأتي في تفسير الآيات. وقد جاء مثل هذا الحوار في بعض الآيات، نظير قوله سبحانه: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ)(1)، وقوله عزّ وجلّ:(رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).(2)
19 و 20. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ

1 . غافر: 47 ـ 48.
2 . الأحزاب:67ـ 68.

صفحه 227
يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز):
صلة الآيتين بما قبلهما أنّه لمّا سبق أن طمأن الرُّسل بهلاك الظالمين، بقوله تعالى:(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)، جاء البيان القرآني ببيان أشدّ ممّا سبق، وهو أنّ خالق السماوات والأرض قادر على إذهاب كلّ مَن في الأرض كما يقول:(أَلَمْ تَرَ) الرؤية هنا رؤية علمية وليست بصرية، إذ لم يُبصر الإنسان بعينه خلق السماوات والأرض، وإنّما أدركه برؤية علمية منطقية، والمعنى: ألم تعلم ـ أيّها المخاطب ـ وتتأمّل ببصيرتك (أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ): أي مصحوباً بالحقّ ومقروناً به، وأنّ فعله هذا كان مقروناً بالغرض والغاية لا عبثاً، كما قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).(1)
ويشهد لما ذكرنا من أنّ المراد بالحقّ كون الخلق مقروناً بالغاية، تَقابلُه مع قوله:(لاَعِبِينَ)، فالخلق المصحوب باللَّعب واللَّغو باطل، ويقابله الحقّ.
ثمّ إنّ الغاية من خلق كلّ شيء هو إيصاله للغاية التي خُلق لها، يقول سبحانه: (وَالّذي قَدّرَ فَهدى)(2)، وفي آية أُخرى: (الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(3)، فهدايته سبحانه الخلق عبارة عن إيصاله إلى المطلوب الذي هو الغاية. ويظهر من بعض الآيات أنّ الغاية من خلق الأرض وما فيها هو انتفاع الإنسان بما فيها، يقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا).(4)

1 . الدخان:38ـ 39.
2 . الأعلى:3.
3 . طه:50.
4 . البقرة:29.

صفحه 228
وعلى كلّ تقدير، فالغاية المطلوبة من خلق كلّ شيء، سواء وقفنا عليها أم لا، يوجب خروج فعل الحكيم على الإطلاق عن اللَّغو.
ثمّ إنّه سبحانه يقول: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) جميعاً من غير فرق بين الظالمين وغيرهم (وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد)، فصارت الآية تقريراً للآية السابقة لكن في مجال أوسع، حيث تقدّم: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) (1). قوله: (وَمَا ذَلِكَ). أي إذهاب الجميع وإبدالهم بخلق جديد (عَلَى اللهِ)ليس (بِعَزِيز): أي بمتعذِّر، لأنّ الجميع أمام قدرته سواء، قال الإمام علي(عليه السلام): «وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ».(2)

حوار بين الأتباع والقادة

21. (وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْء قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيص):
قد ورد في غير واحدة من السور حوار بين الضعفاء والمستكبرين، وإن شئت قلت: بين الأتباع والقادة، والله سبحانه يذكره بصيغة الماضي ويقول: (وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا)، فقد خرجوا إلى الفضاء الواسع وعُرضوا على الله

1 . إبراهيم:
13ـ14.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 185.

صفحه 229
تعالى مع أنّهم سيبرزون لله جميعاً ويظهرون له يوم القيامة، ويجادلون في مقام خاصّ بعد أن تبيّن أنّ النار مثوىً لهم.

سؤال الأتباع

يسأل الأتباع، بعد أن انكشف لهم الواقع وعرفوا مصيرهم الأسود، يسألون القادة أن يدفعوا عنهم شيئاً من عذاب الله. ولعلّهم يتصوّرون بقاء قدرتهم الدنيوية إلى ذلك الزمان كما يحكي عنهم سبحانه بقوله:(فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) فإنّ الكبْر هو شيمة الطغاة (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) في الحياة الدنيا ومقتفون أثركم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا): أي دافعون عنّا (مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْء): أي شيئاً من عذاب الله الذي ينزل بنا؟ والظاهر أنّ «من» تبعيضية أو زائدة للتأكيد كما هو الرائج إذا أتت في مجال النفي.

جواب القادة

قوله تعالى: (قَالُوا): أي القادة (لَوْ هَدَانَا اللهُ) إلى طريق الخلاص من العقاب (لَهَدَيْنَاكُمْ) إلى نفس الطريق. وظاهر السياق أنّه أُريد من الهداية ـ كما ذكرنا ـ طريق الخلاص. وربما يقال: إنّ المراد لو هدانا الله إلى الرجعة إلى الدنيا فنصلح ما أفسدنا، لهديناكم، وهو بعيد. وأبعد منه أن يقال: إنّهم أرادوا أنّ الله لو هدانا إلى الطريق الصحيح في الدنيا لهديناكم إليه; وذلك لأنّ فيه إلقاء مسؤولية كفرهم على الله سبحانه، وهو نفس القول بالجبر.
ثمّ إنّ القادة ـ تأكيداً على عدم استطاعتهم إجابة طلب الأتباع ـ قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا)فالصبر والجزع سيّان (مَا لَنَا مِنْ مَحِيص): أي من مهرب من عقاب الله تعالى، فقد انقطعت حيلتنا ويئسنا من الخلاص.

صفحه 230
وللإمام علي(عليه السلام) كلمة قيّمة خاطب بها الحارث بن حوط، عندما قال له: أتُراني أظنّ أنّ طلحة والزبير وعائشة على باطل؟ فقال(عليه السلام): «يا حارث! إنّه ملبوس عليك، وإنّ الحقّ والباطل لا يُعرفان بالناس، ولكن اعرفِ الحقّ تَعرفْ أهلَه، واعرفِ الباطلَ تعرفْ مَن أتاه».(1)
فهؤلاء الضعفاء عكسوا الأمر، فهم مكان أن يعرفوا الحقّ ليتّبعوه وليعرفوا أهله، اغترّوا بمكانة المتبوعين في المجتمع من حيث القدرة والسطوة فجعلوهما دليلاً على كون طريقهم حقّاً، ففي يوم القيامة عندما يبرز هؤلاء بين يدي الله تعالى، تتقطّع أنفسهم حسرات، لخضوعهم للقادة الطغاة، الذين لا يملكون الآن أن يدفعوا عنهم قليلاً من العذاب.
نعم، هؤلاء الأتباع وإن كانوا ضعفاء في القدرة والمُكنة، ولكنّ عقولهم لم تكن ضعيفة وإنّما اغترّوا بظواهر الأمر ولم يستنيروا بنور عقولهم، ولذلك صاروا محكومين بالعذاب. قلنا:إنّ مثل هذا الحوار جاء في بعض السور وذلك في موضعين:
1. قوله تعالى:(وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ).(2)
2. قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).(3)

1 . تاريخ اليعقوبي:2/210.
2 . غافر:47ـ 48.
3 . الأحزاب:67ـ68.

صفحه 231

حوار بين الشيطان وأتباعه

22. (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
لمّا وقف الأتباع على الحقيقة المرّة، وهي عجز القادة عن إغاثتهم ودفع بعض العذاب عنهم، ربّما توجّهوا إلى أنّ مصدر ضلالتهم هو الشيطان الذي زيّن لهم أعمالهم الإجرامية، كما أوجب هو ذلك على نفسه عندما طُرد من الجنة، قال تعالى حاكياً عنه ذلك: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).(1)
وسياق الآية ربّما يناسب الاحتمال المتقدّم، أي حمل الأتباع ضلالهم على عاتق الشيطان، معترضين عليه بأنّك كنت سبباً لهذا المصير المأساوي (وَ) عندئذ (قَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ): أي فُصل فيه وخُتم الموقف، مشيراً إلى عدّة أُمور:
1. (إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ): أي البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لكم بما وعدكم. وإضافة الوعد إلى الحقّ من باب إضافة الموصوف إلى

1 . الحجر:39ـ 40.

صفحه 232
الصفة، أي الوعد المحقَّق الذي تشاهدونه من الجنّة والنار.
2. أمّا أنا، أي الشيطان (وَوَعَدْتُكُمْ) بأنّه لا بعث ولا نشور ولا جنّة ولا نار، ولكن (فَأَخْلَفْتُكُمْ): أي كذبتكم.
ولمّا كانت هناك مظنّة أن يُلقي الأتباع مسؤولية ما ارتكبوا من الجرائم على عاتق الشيطان بأنّك بوعدك الكاذب صرت سبباً لضلالنا، أشار الشيطان إلى أمر ثالث.
3. (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان) يسلب عنكم الاختيار ويجبركم على العصيان، وإنّما الصادر منّي هو الدعوة إلى الضلال والترغيب فيه بالوسوسة والتزيين، كما يقول: (إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) والاستثناء منقطع لظهور أنّه لو كان متّصلاً لفسد المعنى وهو تسلّط الشيطان عليهم بالقهر والغلبة، فيكون المعنى: من غير سلطان عليكم فاستجبتم لي، فأنتم باختياركم اتّبعتموني من دون جبر وضغط، فلو كان هناك لوم وتوبيخ فليتوجّه إليكم، كما يقول: (فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) على ما صرتم إليه.
ثمّ إنّ الرازي نقل في تفسيره عن المعتزلة أنّ قوله سبحانه: (فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) يدلّ على أُمور:
1. لو كان الكفر والمعصية من الله تعالى لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
2. ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه، وعلى إزالة العقل عنه، كما تقول الحشويّة والعوامّ.

صفحه 233
3. أنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الإنسان لا يجوز ذمّه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنّه لا يجوز عقاب أولاد الكفّار بسبب كفر آبائهم.(1)
ثمّ قال: أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأنّ هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسّك به.
وأجاب الخصم عنه: بأنّه لو كان هذا القول منه باطلاً لبيّن الله بطلانه وإنكاره، وأيضاً فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد، ألا ترى أنّ قوله: (إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) كلام حقّ، وقوله: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان) قول حقّ، بدليل قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).(2)
أقول: ولا يخفى أنّ الرازي مع أنّه كان أشعرياً إلاّ أنّه قد ارتضى جواب خصمه وذكره بلا تعليق، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على «تذبذب» الرازي في المنهج، والله العالم.
ولمّا كان هناك احتمال الإغاثة أو نظيرها في الحوار السابق بين الأتباع وقادتهم، آيسهم الشيطان من إغاثته، قائلاً:
4. (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ): أي بمُغيثكم (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ): أي بمغيثيَّ، فالحكم يومئذ لله الواحد القهّار.
5. ثمّ إنّ الشيطان يتنصّل من مسؤولية جعلهم إيّاه شريكاً لله في

1 . تفسير الرازي:19/111.
2 . الحجر:42.

صفحه 234
الطاعة، ويقول: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ)والظاهر أنّ «ما» في قوله: (بِما) مصدرية، والمراد من قوله: (كَفَرْتُ): أي جحدت، ويكون معنى الفقرة: إنّي جحدت الآن بإشراككم إيّاي مع الله تعالى، حيث أطعتموني مكان طاعة الله، يقول سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)(1). وبما ذكرنا من المعنى نستغني عمّا ذكره الرازي من الاحتمالات حول الفقرة.(2)
سورة إبراهيم : الآيات 24 ـ 27    
6. قوله: (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يريد نفسه ومن تبعه، فهذه الفقرة نظير ما مرّ من قول الطغاة المتبوعين: (مَا لَنَا مِنْ مَحِيص). ويُحتمل أن تكون هذه الفقرة من الله سبحانه لبيان استحقاق جميع العصاة للعذاب.
وفي الآية دليل واضح على أنّ الشيطان أيضاً يعترف بحرية الإنسان في اختيار الشقاء والسعادة والطاعة والعصيان، وليس من الله إلاّ التمكين ولا من الشيطان إلاّ التزيين، ولو كان الإنسان مُكرهاً على عمله غير مختار لما قال الشيطان:(فَلاَ تَلُومُونِي) بل (وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).
23. (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ):
قوله: (وَأُدْخِلَ) عطف على جملة: (وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا) وليست الآية من كلام الشيطان بشهادة قوله:(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بعنايته، بل هي من كلام الله سبحانه. وكأنّ الآيات تقسّم المبعوثين يوم القيامة الذين حكى عنهم في

1 . يس:60.
2 . لاحظ: تفسير الرازي:19/115.

صفحه 235
قوله: (وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا) إلى فريقين، فلمّا تبيّن مصير الأشقياء من قادة الضلال وأتباعهم، قابله هنا ببيان مصير السعداء، وقال: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)، وللإشارة إلى عناية الله بهم يقول: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ): أي يدخلهم الملائكةُ الجنّة بإذن الله وأمره. وأمّا قوله: (تَحِيَّتُهُمْ): أي تحية المؤمنين فيما بينهم (فِيهَا): أي في الجنّة فهو (سَلاَمٌ) كما كان كذلك في الدنيا.
وربّما يقال: تحيّيهم الملائكة بالسَّلام بإذن ربهم، لكنّه على خلاف السياق، لأنّ الظاهر أنّ قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلّق بأُدخل، فالدخول إلى الجنّة رهن إذنه سبحانه.
نعم، جاءت تحيّة الملائكة للداخلين في سور أُخرى، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ).(1)

الآيات: الرابعة والعشرون إلى السابعة والعشرين

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار * يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ).

1 . الزمر:73.

صفحه 236

المفردات

مثلاً: أُريد من المثل في القرآن الكريم تشبيه شيء بشيء، وفي الآية تشبيه كلمة بشيء آخر.
ثابت: ضارب بعروقه في الأرض.
في السماء: أُريد جهة العلوّ. حكي عن ابن عباس قوله:كلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء.
أُكُلَها: ثمراتها.
اجتُثّت: استؤصلت.
قرار: ثبات.
يثبّت: يقابله: (وَيُضِلُّ) في قوله:(وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ).

التفسير

اختلف المفسّرون في المراد من الكلمة الطيّبة والخبيثة إلى أقوال أهمّها:
1. الكلمة الطيّبة: الإسلام، أعني: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسوله، ويقابلها الكلمة الخبيثة، وهي: كلمة الشِّرك.
2. الكلمة الطيّبة: القرآن وإرشاده، والخبيثة: تعاليم أهل الشِّرك وعقائدهم.
3. الكلمة الطيبة: الإيمان، والخبيثة: الشِّرك.

صفحه 237
4. الكلمة الطيّبة: الاعتقاد الحقّ الثابت، ويقابله الاعتقاد الباطل غير الثابت.
والمعنى الرابع قريب من المعنى الثالث. ويشهد لذلك قوله سبحانه:(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(1)، والظاهر أنّ للمثل معنى أوسع وأعمق، وله مصاديق في كلّ زمان ومكان، فكلّ عمل صالح أو مخطَّط صالح أو فكرة صالحة عبر الزمان، فالجميع أيضاً شجرة طيبة لها ثمارها اليانعة.
نعم العقيدة الحقّة كالإيمان بالله سبحانه وصفاته العليا وأنبيائه ورسله وشرائعه التي تنسجم مع الفطرة والعقل الحصيف، من أوضح مصاديق المثل، فعلى هذا فقصر المثل بمورد واحد لا يوافق خصِّيصة المثَل التي تبتغي لنفسها مورداً ومصداقاً في كلّ زمان.
24 و 25. (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ):

تمثيل رائع

لمّا تقدّم ذكر الإيمان في قوله سبحانه:(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات)، ابتدأ سبحانه في هذه الآية ببيان وصف الإيمان والعقيدة الحقّة، والشريعة الإلهية، وقال: (أَلَمْ تَرَ) الرؤية هنا رؤية علمية لا بصرية كما

1 . فاطر:10.

صفحه 238
تقدّم فيما سبق (كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً): أي بيّن حال شيء بالتشبيه، وقال: (كَلِمَةً طَيِّبَةً) ـ منصوبة بدلاً من «مثلاً» ـ : أي اعتقاداً وإيماناً لله خالصاً (كَشَجَرَة)لها الأوصاف التالية:
1. (طَيِّبَةً): أي طاهرة ونظيفة في مقابل (خَبِيثَة).
2. (أَصْلُهَا ثَابِتٌ): أي لها جذور راسخة في أعماق الأرض لا تزعزعها العواصف الهوجاء ولا الرِّياح العاتية.
3. (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ): أي لها أغصان مرتفعة، فهي بجذورها الراسخة تحتفظ بأصلها وتنتفع بالماء، وبفروعها في السماء، تنتفع بنور الشمس والهواء.
وهذه الفروع والأغصان من الكثرة بحيث لا يزاحم أحدها الآخر، كما أنّها لا تتلوّث بما على سطح الأرض.
إنّ الشَّجرة لا تستحقّ أن تُسمّى شجرة إلاّ بثلاث صفات: عِرق راسخ، وأصل قائم، وأغصان متفرّعة. هذا لمطلق الشَّجر، وأمّا إذا كانت مثمرة فلها صفة رابعة وهي الثمار الطيِّبة.
4. (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّها): أي في كلّ فصل وزمان وقّته الله لإثمارها، لا بمعنى كلّ يوم وكلّ شهر، حتى يقال: بأنّه ليس على البسيطة شجرة مثمرة من هذا النوع.
قال الرازي في تفسير قوله تعالى:(بِإِذْنِ رَبِّها): فيه دقيقة عجيبة، وذلك لأنّ عند حصول هذه الأحوال السَّنيّة، والدرجات العالية، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي، وقد يترقّى فلا يفرح بها من حيث هي هي، وإنّما يفرح

صفحه 239
بها من حيث إنّها من المولى، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال.(1)
هذا حال المشبّه به، وأمّا المشبّه فقد علمت أنّ خصِّيصة المثَل تدفعنا أن لا نحصره بمورد خاص، وإن كان سياق الآية يقتضي القول بأنّها عبارة عن الإيمان بالله وحده والإيمان به يوم الجزاء والحياة الأُخروية، وتطبيق الحياة على الشريعة الإلهية، فمن المعلوم أنّ هذا النوع من الإيمان له جذور في القلب، وفروع في الجوانح، وآثار طيِّبة على المستوى الفردي والاجتماعي، فالمؤمن يعبد الله وحده، ويجتنب عبادة الأصنام الجامدة الميتة، وهو يعدل ولا يجور، يَصدُق ولا يكذِب، يرحم الصِّغار ويوقّر الكبار، يصل الأرحام ولا يقطع، يقضي بالحقّ لا بالباطل، يحترم النفوس والدماء والأموال والحقوق والأعراض، إلى غير ذلك من آثار الإيمان الواردة في الكتاب والسنّة.
ثمّ إنّه سبحانه يتمّ الآية بقوله: (وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فقوله تعالى:(لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون) يشير إلى أنّ مضمون المثل في كلا الجانبين أمر ملموس لكلّ مَن ألقى النظر إليها ولا يحتاج إلاّ إلى التذكّر.

الإنسان المثالي هو الكلمة الطيبة أيضاً

تقدّم أنّ للمثل معنىً أعمق ومصاديق أكثر، ولا غَرو في أن تطلق الكلمة الطيبة على الإنسان المثالي الذي صار مَجمعاً للفضائل، كما في قوله سبحانه عن عيسى بن مريم:(إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ

1 . تفسير الرازي:19/119.

صفحه 240
مَرْيَمَ)(1)، فعلى هذا فيصحّ القول بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)من مصاديق الآية.
وليس هذا بعيداً عن طبيعة القرآن، بل بما أنّ القرآن كتاب الأجيال والعصور، فيقتضي ذلك صحّة الجري والتطبيق، فإنّ القرآن ـ كما عرّفه الإمام أبو جعفر محمد الباقر(عليه السلام) ـ :«.. حي لا يموت، والآية حيّة لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا، فمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين».(2)
ولذلك روي عن الإمام محمد الباقر(عليه السلام) أنّه قال:«أمّا الشجرة فرسول الله، وفرعها عليّ، وغصن الشجرة فاطمة بنت رسول الله، وثمرها أولادها، وورقها شيعتنا». وفي حديث آخر عن عمر بن سالم بيّاع السابري، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن هذه الآية: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) قال: «أصلها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفرعها أمير المؤمنين(عليه السلام)، والحسن والحسين(عليهما السلام)ثمرها، وتسعة من ولد الحسين أغصانها، والشيعة ورقها، والله إنّ الرجل منهم ليموت فتسقط ورقة من تلك الشجرة»، قلت: قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا)؟ قال: «وما يخرج من علم الإمام إليكم في كلّ سنّة من حج وعمرة».(3)
فالآية بعيدة المدى، تضرب في الأعماق، وتخرق الآفاق، وفي كلّ زمان يوجد ما يصلح أن يكون مصداقاً لها.

1 . آل عمران:45.
2 .
تفسير العياشي:2/203 برقم 6.
3 . البرهان في تفسير القرآن: 5/396، برقم 5714، 5715.

صفحه 241

التمثيل الآخر

26. (وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار):
لمّا شبّه سبحانه العقيدة الحقّة والإيمان بالله والعمل بالشريعة بشجرة طيبة، اقتضى ذلك أن يمثّل للعقيدة الباطلة على ضد المثل السابق، فهي على طرف النقيض ممّا ذُكر في الآية السابقة، فالكفر كشجرة لها الأوصاف التالية:
1. أنّها خبيثة بالذات، تقابل الطيبة، أي لا تطيب ثمارها كشجرة الحنظل(1) أو ما يشابهها.
2. (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ) في مقابل قوله: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)، وحقيقة الاجتثاث هو قلع الشيء من أصله، أي اقتُطعت واستؤصلت واقتُعلت جذورها من الأرض.
3. (مَا لَهَا مِنْ قَرَار): أي ليس لتلك الشجرة من ثبات، فالريح تنسفها وتذهب بها، ومن ثمّ ليس لها أغصان أو ثمار طيّبة.
وهنا سؤال، هل لهذه الشجرة الطيِّبة أو الخبيثة واقع خارجي، أو هي أمر افتراضي؟
الأقرب إلى الحقيقة أنّ لكلّ واقعاً خارجياً، فالطيِّبة تتردّد بين النخلة والزيتونة والكروم، والخبيثة تنطبق على الحنظل وما يشابهها من الأشجار ذات الأشواك النابية.

1 . إطلاق الشجرة على الحنظل من باب المشاكلة فهي شجيرة لا شجرة.

صفحه 242
أخرج الترمذي، عن أنس، قال: أُتي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقناع من بُسر، فقال: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة)حتى بلغ (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا) قال: هي النخلة (وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة) حتى بلغ (مَا لَهَا مِنْ قَرَار) قال: هي الحنظل».(1)
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هاتين الآيتين(24 و 25):
وهاتان استعارتان ; لأنّه وصف إحدى الكلمتين بالطِّيب، ووصف الأُخرى بالخُبث على طريق المجاز لا على الحقيقة; فالمراد بالكلمة الطيّبة هاهنا: دعوة الإيمان والإخلاص، والمراد بالكلمة الخبيثة الكفر والضَّلال، ومعنى طيّبة أنّها زاكية نامية كالشجرة الزاكية النامية التي يُرجى إيراقها وإثمارها ويؤمن إخلافها وإيباسها، فنفعها مأمول وضيرها مأمون، والكلمة الخبيثة التي هي دعوة الكفر كالشجرة الخبيثة المقتَلَعة لا أصل لها ثابت، ولا فرع نابت، وهي مخلفة الإثمار، وشيكة الانقلاع، وهاتان استعارتان(2)عجيبتان في نماء الإيمان وزيادته ودوامه وثبات كلمته، وفي تقويض الكفر وتداعيه وسرعة انهدام منابته(3)، والمراد بطيب الكلمة أنّ معناها زكيّ طيّب وبالخبث نقيضها، ]وهو[ أنّ معناها خبيث فاسد.(4)
27. (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

1 . تفسير الدر المنثور:5/22.
2 . في المطبوعة: وهذان فعلان. وفي هامش الصفحة: كذا في النسخة ونظنّ أنّ الأصل: وهاتان استعارتان.
3 . كذا، وفي هامش المطبوعة: لعلّ الصواب: مبانيه.
4 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:81ـ 82.

صفحه 243
وَفِي الاْخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ):
الآية بمنزلة بيان ثمرة الكلمتين: الطيّبة والخبيثة، فمَن تمسّك بكلمة الإيمان يثبّته الله تعالى كما يقول: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ): أي الإيمان الثابت بالقلب (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حيث تُجتنى ثمرة الإيمان (وَفِي الاْخِرَةِ)، ماذا أُريد من التثبيت في الآخرة؟
لعلّ المراد هو الثبات حال النَّزع وفي القبر عند سؤال الملَكين، فقد روى الكليني عن سُوَيد بن غَفَلة، عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:«إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، وأوّل يوم من الآخرة، مُثِّل له مالُه وولدُه وعملُه، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إنّي كنتُ عليك حريصاً شحيحاً، فما لي عندك؟ فيقول: خذ منّي كفَنَك. فيلتفت إلى ولده فيقول: والله إنّي كنتُ لكم محبّاً وإنّي كنتُ عليكم محامياً، فماذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤدِّيك إلى حفرتك نواريك فيها. قال: فيلتفت إلى عمله فيقول: والله إنّي كنتُ فيك لَزاهداً وإنْ كنتَ عليَّ لثقيلاً، فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك حتى أُعرض أنا وأنت على ربّك. قال: فإن كان لله وليّاً أتاه أطيب الناس ريحاً، وأحسنهم منظراً، وأحسنهم رياشاً. فقال: أبشر برَوح وريحان وجنّة نعيم، ومَقدمك خير مَقدم، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنّة...».(1)
وروى النَّسائيّ عن البَراء]بن عازب[ قال:(يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ) قال: نزلت في عذاب القبر.

1 . الكافي:3/231، كتاب الجنائز، باب إنّ الميّت يمثَّل له ماله، رقم الرواية 1.

صفحه 244
قال محمد بن عبد الهادي السِّندي في شرح قوله: «في عذاب القبر»: أي في السؤال في القبر. ولمّا كان السؤال يكون سبباً للعذاب في الجملة، ولو في حقّ بعض، عبّر عنه باسم العذاب، فالمراد بالتثبيت في الآخرة هو تثبيت المؤمن في القبر عند سؤال الملَكين إيّاه.(1)
سورة إبراهيم : الآيات 28 ـ 31    
وأمّا أصحاب الكلمة الخبيثة، فإنّهم باختيارهم لطريق الضلال وتلبُّسهم بالظلم، يُحرمون من التوفيق الإلهي ويُتركون لضلالهم كما قال: (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان. وبذلك يُعلم أنّ الهدى يبتدئ من الله سبحانه بالفطرة وبعث الأنبياء، فإن استجاب الإنسان لدعوتهم، يُنعم الله عليه بالهداية الثانية، ولكن الضلال يبتدئ من الإنسان بسوء اختياره فيجازى بالضلال، أي الحرمان من الهداية الثانية، ويشهد لما ذكرنا في كلا الموردين قوله سبحانه:(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)(2)، وقوله سبحانه:(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).(3)
ولأجل إلفات الإنسان إلى أنّ ما ذُكر تقدير لا يتبدّل يقول سبحانه: (وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ): أي قضت مشيئته بتثبيت المؤمنين وتأييدهم، وإضلال الظالمين وخذلانهم، ولم تكن مشيئته عبثاً، بل نابعة عن حكمة بالغة.

الآيات: الثامنة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ

1 . سنن النَّسائيّ (وبهامشه حاشية السِّنديّ): 504، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر، رقم الرواية 2052.
2 . الكهف:13.
3 . الصف:5.

صفحه 245
الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ * قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ).

المفردات

أحلُّوا: من الإحلال، وهو وضع الشيء في محلّه.
البَوار: الهلاك، يقال: بار الشيء بَوْراً وبَوَاراً: إذا هلك.
يصلَونها: يقاسون حرّها.
أنداداً: جمع نِدّ، وهو المِثل والشَّبيه، بل هو أخصّ من المثل، يقول الراغب: نديد الشيء، مشاركه في جوهره، وذلك ضربٌ من المماثلة، فإنّ المثل يقال في أيّ مشاركة كانت، فكلّ نِدّ مِثْل، وليس كلّ مِثل نِدّاً.(1) وعلى هذا فالآية تدلّ على أنّ المشركين جعلوا الأصنام والأوثان أنداداً لله، أي مشابهات له في جوهره.
مصيركم: مرجعكم.
بَيْع: فدية، وإعطاء البدل للتخلّص من النار.
خِلال: صداقة.

1 . المفردات للراغب: 796، مادة «ندد».

صفحه 246
 
التفسير
بعد أن مثّل الله تعالى الإيمان والعقيدة الصحيحة بالشجرة الطيّبة، والكفر والشرك بالشجرة الخبيثة، أعقب ذلك بإراءة مجتمَعين كمصداقين للمثَلين، ولكلٍّ خصائص، وابتدأ بذكر أحوال المشركين.
28. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ):
الظاهر أنّ الآية ناظرة إلى رؤساء الضلال وأئمّة الكفر، وقد عرّفهم الله تعالى بالصفات التالية:
1. (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا): أي بدّلوا شكر نعمة الله كفراً، فمكان أن يشكروا نِعَمه الوافرة كفروا بها. ولو كان المراد صناديد قريش فمن نِعَم الله سبحانه عليهم أن أسكنهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كلّ شيء(1)، وجعلهم أُمناء بيته، وشرّفهم بإرسال رسوله من بينهم، كما أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، فهؤلاء بدل أن يقابلوا هذه النِّعم بالشكر العمليّ الذي يتجسّد في الإيمان وطاعة المنعم جلّ شأنه، كفروا بها، ونصبوا الحرب للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
روى ابن جرير الطبريّ بإسناده عن أبي الطفيل، عن عليّ، قال في قول الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)، قال: هم كفّار قريش.(2)

1 . لاحظ: القصص:57.
2 . جامع البيان (تفسير الطبري): 8/276، رقم الرواية: 20791. وانظر الروايات المرقّمة: 20786، 20789، 20794.

صفحه 247
وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جُبير، ومجاهد، والضحّاك.(1)
وروى عن عمر بن الخطاب، وعليّ(عليه السلام) أنّ المراد بالآية: الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أُميّة.(2)
وروى عليّ بن إبراهيم القمّي نحوه عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام).(3)
هذا إذا كانت الآية خاصّة بصناديد قريش، وأمّا إذا لم تكن خاصّة بهم، فيكون معناها: ألم تر إلى الطاغين من الأُمم السابقة ومن أُمّتك الذين بدّلوا شكر نعمة الله كفراً، وعندئذ تصبح الآية ذات مفاد عام يصدُق على كلّ قوم بدّلوا شكر النعمة كفراً، سواء أكانوا ممّن عبر وغبر، أم ممّن سيأتي بهم المستقبل.
2.(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ): أي دار الهلاك، وأمّا ما هو المراد من دار البوار والهلاك، فهذا ما تفسّره الآية التالية:
29. (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ):
الآية تحكي عن مصير هؤلاء، وهو مقاساة نار جهنّم وبئس المأوى والمستقرّ.
وعلى هذا، فتفسير البوار بهلاك صناديد قريش في بدر، لا يناسب سياق الآية حيث إنّ الآية مكيّة، مضافاً إلى أنّ الآية التالية فسّرته بمقاساة نار جهنّم.

1 . التبيان في تفسير القرآن:6/294. وانظر: جامع البيان:8/277ـ279، الروايات المرقّمة:20797، 202799، 20805، 20812.
2 . انظر: جامع البيان:8/275، الروايات المرقّمة:20780، 20781، 20784.
3 . تفسير القمّي:2/372ـ 373.

صفحه 248
30.(وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ):
3. (وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا): أي جعلوا أمثالاً حقيقيّين مماثلين له في الواقع دون أن يكون بينه وبينهم مشابهة شكليّة فقط. ثمّ إنّه سبحانه يحكي عمّا ترتّب على جعل الأنداد لله بقوله:
4. (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) لا شكّ في أنّ اللام لام العاقبة وليست لامَ الغرض، لأنّ الإضلال عن سبيل الله ترتّب على فعلهم قهراً، لا أنّهم جعلوا لله أنداداً لتلك الغاية.
ولمّا وصفهم الله سبحانه بما تقدّم، أمر نبيّه أن يقول لهم على سبيل التهديد والوعيد: (قُلْ تَمَتَّعُوا) في دنياكم، واستمرّوا في اغتراركم بمتاعها وزينتها، إذ لا فائدة في نصحكم وإرشادكم (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ): أي مرجعكم ومآلكم (إِلَى النَّارِ).
إلى هنا تمّ ما يمكن أن يكون مصداقاً للكلمة الخبيثة، وأمّا المصداق للكلمة الطيّبة فجمعته الآية التالية:
31. (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ):
قلنا: إنّ من مصاديق الكلمة الطيبة الإيمان بالله وبكتبه وشرائعه ورسله، فلذلك نرى أنّه سبحانه يأمر نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول(لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا)

صفحه 249
أي: أصحاب الكلمة الطيبة، بالمحافظة على الأُمور التالية:
1. (يُقِيمُوا الصَّلاَةَ) التي هي صلة بين العبد وخالقه، وهي التي تنهى عن الفحشاء، وهي محطات الوقود الإيماني.
2. (وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً) وهي صلة بين الإنسان والمجتمع، والإنفاق شكر للنعمة التي أنعم بها عليه، إذ بذلك يسدّ حاجة الفقراء من أبناء مجتمعه ويورث التحابب بين أبناء المجتمع الواحد، من غير فرق بين أن يكون الإنفاقَين: السِّري والعلني، إذ لكلٍّ أثره الخاصّ، فأمّا الإنفاق في السرّ فهو أقرب إلى الاخلاص وأبعد عن الرياء، وأمّا الإنفاق علانية، فهو للاقتداء وحثّ الآخرين على البذل والعطاء، وهو من وسائل التربية العملية.
وبما أنّه سبحانه لا يضيع عمل العاملين، يشير إلى أنّ الإنسان سوف يرى أثر عمله، فعليه أن يعمل بهذا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ): أي فدية تقدّم للخلاص من العذاب (وَلاَ خِلاَلٌ): أي ولا مُخالّة وصداقة تنجي الإنسان.
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّه سبحانه أشار إلى اثنتين فقط من الوظائف الشرعية، وهما إقامة الصلاة والإنفاق، وذلك لأنّهما من أعظم الوظائف التي بهما قوام الحياة الدنيوية، وإلاّ فالمجتمع المؤمن مكلَّف بوظائف كثيرة غير هاتين الوظيفتين .
الثاني: الآية تنفي فائدة أي مُخالّة وصداقة يوم القيامة، حيث قال:(وَلاَ

صفحه 250
خِلاَلٌ) مع أنّ بعض الآيات تتحدّث عن بقاء الخُلّة بين المتقين، يقول تعالى: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)(1)، فما هو الوجه للجمع بين الآيتين؟
سورة إبراهيم : الآيات 32 ـ 34    
يمكن أن يقال: إنّ المنفي في الآية هو الصداقة المادّية التي كانت تربطهم في الدنيا، فهذا النوع من الصداقة ينقطع يوم القيامة، وربّما يصبح بعضهم عدواً للبعض الآخر، فهؤلاء الذين كانوا يجتمعون في النوادي الفاسدة ويشربون الخمر ويتداولونها بينهم ويستمعون الألحان الفاسدة ويحضرون مجالس اللّهو والطرب، فهؤلاء يصبحون أعداء في يوم القيامة ; لأنّ كلاًّ منهم يتّهم الآخر بالإضلال.
وأمّا الخلّة النابعة عن الإيمان بالله ورسله وكتبه، فهي باقية يوم القيامة.

الآيات: الثانية والثلاثون إلى الرابعة والثلاثين

(اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).

1 . الزخرف:67.

صفحه 251

المفردات

رزقاً: الرزق: ما ينتفع به الإنسان.
سخّر لكم: التسخير: التذليل والتيسير والتمكين من التصرّف بالشيء.
دائبَين: دائمَين. يقال: دأب في العمل أي استمرّ.
لَظلوم: كثير الظلم لنفسه.
كفّار: شديد الكفر للنِّعم، غير مؤدٍّ لشكرها.

التفسير

هل هذه الآيات بصدد الحديث عن الآيات الدالّة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، كما عليه الرازي؟(1) أو أنّها بصدد بيان نعمه الوافرة على العباد المقتضية للشكر، مكان الكفر بها؟ الظاهر هو الثاني بشهادة أنّ الآية حدّدت سابقاً حال فريقين: مَن بدّل (نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا) عقيدة وسلوكاً، ومَن قام بحقّ العبوديّة فعرف المُنعم وأطاعه، وهم الذين أشار إليهم تعالى بقوله: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا)، فصار ذلك سبباً لتبيين حال بعض النِّعم، فابتدأ بذكر المنعم أوّلاً ليتفرّع عليه ذكر النِّعم. كلُّ ذلك في مقاطع.
32. (اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ

1 . تفسير الرازي:19/126.

صفحه 252
لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ):
الأوّل والثاني: (اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) ابتدأ بذكر المنعم بلفظ الجلالة، حتى يتبيّن أنّه المفيض لما سيأتي من النِّعم، فلو وجب هناك شكر فيلزم شكره، وإلاّ فكونه سبحانه خالقاً للسماوات والأرض لم يكن مورد خلاف بين المشركين، قال سبحانه:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ).(1)
الثالث: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) والمراد بها جهة العلوّ، وقد يُراد بها السَّحاب لعلوّه (ماءً): أي مطراً (فَأَخْرَجَ بِهِ): أي بسبب هذا الماء (مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)والآية دليل على أنّ القرآن يعترف بقانون العلّية في الظواهر الطبيعية، وما عليه الأشاعرة من أنّه تعلّقت عادة الله سبحانه على وجود ظاهرة بعد ظاهرة من دون رابطة بينهما، قول باطل لا ينسجم مع سياق الآيات ولا تقبله الفطرة الإنسانية.
والعجب أنّ الرازي يقف على دلالة الآيات على وجود الصلة بين الظواهر الطبيعية، ومع ذلك لا يقول به بقول باتّ!!
الرابع: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ): أي ذلّل لكم الفلك ويسّر لكم الانتفاع بها، حيث أودع سبحانه في الماء وفي السُّفن قوانين وسُنناً يمكن بواسطتها أن تجري السُّفن في الماء وتطفو على سطحه، ولا ترسب فيه، كما أنّه سبحانه خلق الرياح القوية لتأخذ بالسُّفن من مكان إلى آخر، ولا تبقى مستقرّه في مكانها.

1 . لقمان:25.

صفحه 253
ولأجل هذه الأُمور صحّت نسبة تسخير الفلك لله سبحانه لغاية انتفاع الإنسان.
الخامس: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ): أي سخر الماء لانتفاعنا، وذلك بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث منها الماء.
33. (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ):
السادس والسابع: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) فهما يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظُّلمة، وحفظ الحياة في النبات والدوابّ، فلولا الشمس والقمر لاختلّت الحياة ولعمّ الأرضَ الانجماد والظُّلمة، ولذلك يقال: الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل. ومن صور تسخيرهما إدراك الزمن وتحديد الأوقات والتاريخ للأحداث. ولعلّ قوله: (دَائِبَيْنِ) يشير إلى كونهما يسيران لا يفتران، إلى أجل مسمّى.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) في قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ): وهذه استعارة لأنّ الدائب على الحقيقة هو الإنسان الكادح في مشغله، والدائم على عمله، فلمّا كان هذان النيّران مسخّرين في طريقهما، دائبين على مسيرهما، حسن أن يوصفا بالدأب، وإن لم يوصفا بالنصب.(1)
الثامن والتاسع: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) حيث يتعاقبان، فالنهار للسعي وراء الرزق، والليل للرّاحة والنَّوم. ثمّ إنّه سبحانه قدّر أن يدخل اللّيل

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:82.

صفحه 254
في النهار فتنقص مدّة النهار، وقدّر أيضاً أن يحدث العكس، كلّ ذلك لمصلحة الإنسان، وانتفاعه بطول الليل والنهار، أو بقصرهما كما يقول: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).(1)
34. (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ):
العاشر: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلُْتمُوهُ): أي آتاكم من كلّ ما احتجتم إليه في حياتكم، ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلاّ به، ومن المعلوم أنّ السؤال كان بلسان الحال.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) فإنّ صحيفة الوجود من الثَّرى إلى الثريّا، ومن الأرض إلى المجرّات كلّها نعمه سبحانه، مرتبط بعضها ببعض. ولعلّه لأجل وجود الصلة والربط بين الجميع أفرد النعمة ولم يجمعها، ولكنّ الإنسان لا يستطيع شكر جزء قليل من هذه النِّعم. قال الإمام عليّ(عليه السلام): «اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ».(2)
سورة إبراهيم : الآيات 35 ـ 41    
وقال الإمام زين العابدين(عليه السلام): فآلاؤك جمّة ضَعُف لساني عن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قَصُر فهمي عن إدراكها فضلاً عن استقصائها، فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر؟(3)

1 . آل عمران:27.
2 . نهج البلاغة، الخطبة1.
3 . الصحيفة السجادية: مناجاة الشاكرين.

صفحه 255
قال ابن أبي الحديد: وفي الأثر النبويّ: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك». وقال الكُتّاب في ذلك ما يطول ذكره، فمن جيّد ذلك قول بعضهم:الحمد لله على نِعَمه التي منها إقدارنا على الاجتهاد في حمدها، وإن عجزنا عن إحصائها وعدّها.(1)
هذه هي نِعَم الله سبحانه الوافرة التي لا تُعدّ ولا تُحصى، ولا تنقطع أبداً، وأمّا حال الإنسان أمامها فالله سبحانه يقول:(إِنَّ الإِنْسَانَ) أمام تلك النِّعم العظمى (لَظَلُومٌ): أي كثير الظلم لنفسه بتعدّي حدود الله، ولغيره بغمط حقّه (كَفَّارٌ): أي شديد الكفر لنِعَم الله سبحانه، عديم الشكر لها.

الآيات: الخامسة والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ

1 . شرح نهج البلاغة:1/59.

صفحه 256
رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ).

المفردات

اجنُبني: أبعِدْني.
تهوي: تتشوّق وتُسرع.
بواد: الوادي: سِفح الجبل العظيم، وقيل ما بين الجبلين.
يقوم الحساب: يقوم الخلق للحساب، ويحتمل أن يكون القيام استعارة لتحقّق الحساب فيكون من باب تشبيه الحساب بإنسان قائم، يقال: قامت الحرب على ساق، إذا قويت واشتدّت، كما يقال: قام السوق، إذا قويَ.

التفسير

تعلّقت إرادة الله الحكيمة ببناء بيت يكون مثابة للناس وحرماً آمناً تصان فيه الأموال والدماء ويقصده الناس في كلّ سنة من كلّ فج عميق، فأوحى الله سبحانه إلى إبراهيم الخليل(عليه السلام) ببناء ذلك البيت في مكّة المكرّمة، فبناه(عليه السلام) بمعونة ولده إسماعيل، فكانا يرفعان القواعد من البيت داعين الله تعالى بقبول هذا العمل. ولم يزل هذا البيت منذ بنائه إلى يومنا هذا ملتقى الموحِّدين ومَهوى أفئدتهم، وقد شرّع الله سبحانه لزيارة بيته مناسك عبادية عظيمة.

صفحه 257
ثمّ إنّ للخليل دعاءً عند بناء البيت وبعده، وهذا ما يحكيه سبحانه في هذه المجموعة من الآيات.
أمّا صلة هذه الآيات بما قبلها فيمكن أن يقال: إنّه سبحانه لمّا أخبر عن قوم قد بدّلوا نعمة الله كفراً(1) ذكر مصداقاً واضحاً لذلك، وهو أنّه سبحانه أمر إبراهيم(عليه السلام) ببناء البيت ليكون مناراً لتوحيده سبحانه، وللطائفين والرُّكع السُّجود. ولكن بعض ذريته(عليه السلام) بدّلوا تلك النعمة المعنوية كفراً، فصار بيت التوحيد مركزاً للأصنام ومعبداً للشرك، فصاروا من مصاديق من بدّل نعمة الله كفراً.
35. (وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ):
الآية تتضمّن دعاءين وطلبين:
الدُّعاء الأوّل: طلب من الله سبحانه جعل أرض مكّة حرماً آمناً وقال:(وَإذْ): أي اذكر يا محمد ما (قَالَ إِبْرَاهِيمُ)في دعائه وهو: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) الظاهر أُريد به الأمن التشريعي لا التكويني، بشهادة وقوع حروب دامية بعد إبراهيم(عليه السلام) كما وقع مثلها بعد رحلة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
الدُّعاء الثاني: صيانة نفسه وبنيه من الشرك، حيث قال:(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ): أي أبعدْني واصرفني وبنيّ عن عبادة الأصنام. وهذا الدعاء لا ينافي عصمة إبراهيم(عليه السلام)، فالإنسان بما هو إنسان عرضة لتسرّب الشرك إلى قلبه لولا توفيق الله سبحانه، ولذلك نرى أنّ الجميع يعبدون الله تعالى بجملة

1 . لاحظ: إبراهيم:28.

صفحه 258
واحدة ويقولون:(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(1)، مع أنّ الأنبياء والأولياء كلّهم على صراط مستقيم، لا يزيغون عنه قيد شعرة.
ثمّ إنّ الله تعالى قد استجاب دعاء إبراهيم في جمع من بنيه وذرّيته، لا في حقّ جميعهم. والنقص ليس في الداعي بل في المدعوّ له. وليس هذا أوّل مورد رُدّ فيه دعاء النبيّ(عليه السلام) في حقّ طائفة خاصة، بل له نظير حيث إنّ إبراهيم قال:(وَاغْفِرْ لاَِبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)(2)، وتخصيص قوله:(وَبَنِيَّ)للطبقة الأُولى من أولاده خلاف السياق. بل النبيّ إبراهيم دعا لمطلق ولده من غير فرق بين كونهم من إسماعيل أو من إسحاق، فإنّ الابن كما يُطلق على الولد من غير واسطة، كذلك يُطلق على غيره، وقد تكرّر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في مواضع كثيرة مع أنّهم لم يكونوا من أولاد إسرائيل بلا واسطة، حتى أنّه سبحانه وصف إبراهيم أباً للعدنانيّين وقال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ).(3)
وبذلك يظهر الجواب عمّا طرحه الرازي وقال: إنّ إبراهيم(عليه السلام) دعا ربّه أن يجعل مكة آمناً، وما قَبِل الله دعاءه، لأنّ جماعة خرّبوا الكعبة وأغاروا على مكة.
ثم أجاب بأنّ الخائف كان إذا التجأ إلى مكة أمن، وكان الناس مع شدّة العداوة بينهم يتلاقَون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً.(4)
ولا يخفى أنّ الجواب غير واف لردّ الإشكال، بل الجواب ما عرفت.

1 . الحمد:6.
2 . الشعراء:86.
3 . الحج:78.
4 . تفسير الرازي:19/132.

صفحه 259
وإلى ما ذكرنا يشير السيد الطباطبائي بقوله: إنّه يسأل ربّه أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحقّ إن هم عرّضوا أنفسهم لذلك، وأن يفيض عليهم إن استفاضوا، لا أن يحفظهم منها سواء عرّضوا لذلك أنفسهم أم لم يعرّضوا، وأن يفيض عليهم سواء استفاضوا أم امتنعوا.(1)

دفع توهُّم

إنّ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعدما أخرج أسانيد حديث الغدير وأذعن بصحّته، قال: فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث بيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب.(2)
وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقّق النظر فيها. والله المستعان.
أمّا ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في عليّ(رضي الله عنه):«إنّه خليفتي من بعدي» فلا يصحّ بوجه من الوجوه، بل هو من أباطيلهم الكثيرة، التي دلّ الواقع التاريخي على كذبها، لأنّه لو فرض أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قاله، لوقع كما قال، لأنّه (وَحْيٌ يُوحى) ـ والله سبحانه لا يخلف وعده.(3)
يلاحظ عليه: أنّه زعم أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه خليفتي من بعدي» إخبار من

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/70.
2 . لاحظ: مجموع الفتاوى:4/417ـ 418.
3 . سلسلة الأحاديث الصحيحة:4/344.

صفحه 260
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبما أنّه لم يقع المخبر به، فدلّ على أنّه كذب على لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه غفل عن أنّه إنشاء من جانب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله سبحانه، والإنشاء لا يُتصوَّر فيه الصدق والكذب، فسواء اقتنع الناس بخلافته أم لم يقتنعوا، لا يؤثّر في أمر الإنشاء، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية مليئة بالأمر والنهي مع أنّ كثيراً من الناس يخالفونها.
فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّه خليفتي من بعدي» نظير دعاء إبراهيم في حقّ أبنائه، قال تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) فمخالفة الناس لا تضرّ بالدعاء.
إنّ عدم استجابة السؤال بمجرّده لا ينبئ عن غضب المسؤول على السائل، بل قد يدلّ على حبّه له، وحرصه على مصلحته، فلقد طلب نوح(عليه السلام)من الله نجاة ولده من الغرق، فأجابه المولى بقوله:(فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(1)
وبكلام آخر: إنّ دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعبّر إلاّ عن حبّه ورغبته، وليس من شكّ أنّ الأنبياء يحبّون ويرغبون في إيمان الناس جميعاً وهدايتهم إلى الحقّ، ومع ذلك قال الله لسيد المرسلين الأعظم:(إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(2). ولو تحقّق كلّ ما يرغب فيه الأنبياء لما وجد على ظهرها كافر ولا مجرم، ولما قاسى رسل الله من الكفّار والفجّار ما قاسوه، وبالخصوص سيّدهم وخاتمهم الذي قال: ما أُوذيَ نبيّ بمثل ما أُوذيت.(3)

1 . هود:46.
2 . القصص:56.
3 . تفسير الكاشف:4/451ـ452.

صفحه 261
وهنا سؤال، وهو: الظاهر أنّ أرض مكّة يوم وردها إبراهيم(عليه السلام) مع زوجه وابنه، كانت أرضاً قاحلة كما يدل عليه قوله تعالى: (بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع)(1)، ولكن الظاهر من قوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) أنّها كانت يومذاك بلداً، وفي آية أُخرى يقول: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا)(2) فكيف الجمع بين التعبيرين؟
والجواب: ربّما يقال: إنّ أرض مكة يوم وردها إبراهيم(عليه السلام) في رحلته الأُولى كانت غير مزروعة ولا معمورة ولا أحد ساكن فيها، ففي هذه الرحلة وصف مكّة بما ذكر، لكنّه كانت له رحلات أُخرى إلى هذه الأرض ليتفقد عائلته، فصارت عند ذاك بلداً حيث انتقلت إليها قبيلة جرهم بعد أن نبعت عين زمزم فصارت بلداً. وممّا يلفت إليه النظر أنّ إبراهيم سأل أوّل ما سأل أن يجعل هذا البلد بلداً آمناً، إذ في ظل الأمن يطيب العيش ويقوم السوق.
ويمكن أن يقال في الجمع بين التعبيرين: إنّه لا منافاة بين كون أرض مكّة وادياً غير ذي زرع ومع ذلك يكون بلداً عامراً، فإنّ قسماً من البلاد يُبنى في مثل هذه الأراضي التي لا ينبت فيها شيء، غير أنّه توجد فيه عوامل تجذب الناس إليه.
36. (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
أعاد إبراهيم(عليه السلام) النِّداء وقال: (رَبِّ إِنَّهُنَّ): أي الأصنام (أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ

1 . إبراهيم:36.
2 . البقرة:126.

صفحه 262
النَّاسِ) نسب الإضلال إلى الأصنام لوجود الصلة بين الضَّلال وبينهنّ وإن لم يكنّ مضلاّت عن شعور، ولكنّهنّ صرن سبباً للإضلال سببية ناقصة.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هذه الآية: وهذه استعارة، لأنّ الأصنام على الحقيقة لا تضلّ أحداً، وإنّما يضلّ بها الناس لنقص العقول وغلبة الشكوك، ولكنّ الضَّلال لمّا كان من أجلها جاز أن يكون منسوباً إليها، كما يقول القائل: فتنني جمال فلان وإنّما هو المفتتن به، وحسُن أن يقال ذلك لمّا كانت الفتنة من أجله.(1)
وليس قوله(عليه السلام) ببعيد عن حياته، فقد رأى بأُمّ عينيه كيف أنّ الأصنام التي غطّت موطنه الأوّل(بابل)، صارت سبباً لإضلال قومه، ومنهم أبوه آزر. ثم فرّع على هذا الدعاء قوله: (فَمَنْ تَبِعَنِي) باجتناب عبادة الأصنام (فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي) فأفوّض أمره إليك (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
ثمّ إنّه لم يسأل المغفرة والرحمة لمن عصاه، وإنّما فوّض أمره إلى الله، فإن شاء غفر وإن لم يشأ لم يغفر، قال سبحانه في حقّ العصاة: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).(2)
37. (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:82.
2 . النساء:48.

صفحه 263
لمّا قام إبراهيم(عليه السلام) بتحطيم أصنام بابل، أصدر القضاة عليه الحكم بإحراقه، فلمّا نجّاه الله سبحانه منه، عزم على مفارقة قومه ليئسه من استجابتهم لدعوته، لذلك أعدّ نفسه للهجرة إلى أرض أُخرى ربّما يجد فيها أُمنيته، ولذلك خاطب قومه بعد أن أنجاه الله من شرّهم بقوله: (إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي).(1)
فلمّا اقتضت إرادة الله بناء بيت يكون مثوى للناس وحرماً، أوحى الله تعالى إليه أن يُخرج إسماعيل وأُمّه، فقال: يا ربّ إلى أيّ مكان؟ فقال: إلى حَرَمي وأمني، وأوّل بقعة خلقتها من الأرض، وهي مكة، فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم إلى أرض مكة، ووضعه في موضع البيت.(2)
ثمّ إنّ إبراهيم(عليه السلام)تركهم في هذا المكان المُقْفِر امتثالاً لأمر الله، مستودعاً إيّاهم الربّ الكريم الذي لا يضيع مَن عاش في كنف رعايته وفضله ونعمته، وهذا هو الذي يحكيه قوله تعالى:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) فقوله:(مِنْ ذُرِّيَّتِي) يعني: إسماعيل(عليه السلام) وهو بعض ذرّيته. وقد وصف الأرض بالوادي لأنّها بين الجبال، كما وصفه بقوله: (غَيْرِ ذِي زَرْع) لأنّ أرضه حجارة لا تصلح للنبت.
وأمّا ما هي الغاية من إنزالهم في ذلك الوادي، فهذا ممّا يدلّ عليه قوله: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ): أي لا يشغلهم عن إقامة الصلاة في هذه الأرض شاغل. ثمّ دعا الله تبارك وتعالى لهم بالدعاءين التاليين:

1 . الصافات:99.
2 . تفسير القمّي:1/69ـ 70، في تفسير قوله سبحانه:
(أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ...).

صفحه 264
الدُّعاء الثالث: جَعْلُ هذا البلد مهوى قلوب الناس، حيث قال تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ): أي اجعل هذه الأرض مهوى القلوب، تميل إليها إمّا بالسكن فيه أو بحجّ البيت.
ولعلّ غرضه من هذا الدعاء أن يتوافد الزائرون، ليكون ذلك مدعاة لأُنس ذرّيته، ولتوفير متطلّبات حياتهم كما يدلّ عليه الدعاء الرابع.
الدُّعاء الرابع: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ) تجبى إليهم من الخارج، (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) لكي يشكروا الله تعالى ويعبدوه على ما أنالهم من فضله وإحسانه.
وهاهنا سؤال: لماذا جعل الله سبحانه بيته الحرام في أرض قفر لا زرع فيها ولا نبات، واقعاً في أرض جبلية؟ والجواب ينطوي في كلمات الإمام عليّ في خطبته القاصعة، قال(عليه السلام): «أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ، اخْتَبَرَ الاَْوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صلوات الله عليه، إِلَى الاْخِرِينَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ; بِأَحْجَار لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً. ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الاَْرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً(1)، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الاَْوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَال خَشِنَة، وَرِمَال دَمِثَة(2)، وَعُيُون وَشِلَة(3)، وَقُرىً مُنْقَطِعَة; لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌّ، وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْفٌ. ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عليه السلام) وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ. فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ. تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الاَْفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَار سَحِيقَة وَمَهَاوِي فِجَاج عَمِيقَة، وَجَزَائِرِ بِحَار مُنْقَطِعَة، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلا

1 . نتائق: يقال ضَيعة منتاق، أي كثيرة الرَّيع، فجعل
(عليه السلام) الضِّياع ذوات المَدَر التي تُثار للحرث نتائق، وقال: إنّ مكة أقلّها صلاحاً للزّرع لأنّ أرضها حجريّة.
2 . دَمِثة: سهلة، وكلّما كان الرّمل أسهل كان أبعد عن أن ينبت.
3 . الوَشَل: الماء القليل.

صفحه 265
يُهَلِّلُونَ لِلّهِ حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ(1) عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، ابْتِلاَءً عَظِيماً، وَامْتِحَاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً، وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَ وُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ. وَلَوْ أَرَادَ سُبْحانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّات وَأَنْهَار، وَسَهْل وَقَرَار، جَمَّ الاَْشْجَارِ دَانِيَ الِّثمَارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّة سَمْرَاءَ، وَرَوْضَة خَضْرَاءَ، وَأَرْيَاف مُحْدِقَة، وَعِرَاص مُغْدِقَة، وَرِيَاض نَاضِرَة، وَطُرُق عَامِرَة، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاَءِ. وَلَوْ كَانَ الاِْسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالاَْحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَة خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَة حَمْرَاءَ، وَنُور وَضِيَاء، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ(2)، وَلكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ(3)، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَ أَسْبَاباً ذُلُلا لِعَفْوِهِ».(4)
38. (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ):
يعترف إبراهيم(عليه السلام) بأنّ الله يعلم ما يبطنه الخلق وما يظهرونه، يقول:

1 . يرملون: الرَّمَل: السَّعي فوق المشي قليلاً.
2 . معتلج الرَّيب: أي اعتلاجه، والمعنى: ولَنفى اضطراب الشّكّ في القلوب.
3 . المَجاهد: جمع مَجهَدة، وهي المشقّة.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 192 (وتسمّى القاصعة). وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:13/158ـ 161.

صفحه 266
(رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ)ثم ذكر ما هو السبب لعلمه سبحانه بما خفي وما ظهر بقوله:(وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ)فتعلم أحوالنا وتعلم كلّ شيء. ويحتمل أن لا يراد بالسماء والأرض ما يتبادر من معناهما اللُّغوي، بل يراد بالسماء ما خفيَ عن حسّنا، وبالأرض ما ظهر إلينا.
وأمّا الصلة بين هذه الآية وما تقدّم، فيبيّنها صديقنا الشيخ مغنية(رحمه الله)، بقوله: بعد أن سأل إبراهيم(عليه السلام)الله تعالى أن يتوافد الناس إلى بيته يحملون لأهله الخبز والفاكهة ليعبدوا الله حقّ عبادته بقوة ونشاط، بعد هذا قال لله: ما سؤالي وطلبي إلاّ تضرعاً لك وخشوعاً، وإلاّ اعترافاً بأنّك الخالق الرازق، أمّا حاجتنا ومصالحنا فأنت أعلم بها منّا، سألناها منك، أو لم نسأل... فقول إبراهيم:(وَمَا نُعْلِنُ) معناه ما نسأل ونطلب، ومعنى: (وَمَا يَخْفَى) ما لم نسأل ونطلب.(1)
39. (الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ):
لقد وهَب سبحانه لإبراهيم(عليه السلام) ولدين في إبّان الكبَر، وذلك بعد أن انقطعت عنه الأسباب الطبيعية المؤدّية إلى الإنجاب. قال ابن عباس: وُلد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، ووُلد له إسحاق وهو ابن مئة واثنتي عشرة سنة، وقيل غير ذلك(2)، وهنا توجّه(عليه السلام) إلى ربّه حامداً شاكراً له هاتين

1 . التفسير الكاشف:4/453.
2 . مجمع البيان: 6 / 96.

صفحه 267
النِّعمتين العظيمتين، وقال: (الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) ثمّ علّل ما وُهب به بقوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ): أي سمع دعائي واستجابه فوهب لي على الكبر ما طلبته.
والظاهر أنّه ذكر ما وهَب له من الولدين البارَّين ليكون كالتقدمة لما يأتي في الآية الثانية، حيث يطلب فيها من ربّه أن يجعله وذرّيته مقيمين للصلاة، قال:
40. (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ):

الدعاء الخامس: التوفيق لإقامة الصلاة

إنّ النبيّ إبراهيم(عليه السلام) طلب من الله سبحانه في حقّ ذرّيته تارة بقوله:(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ)وأُخرى ما في هذه الآية، يقول:(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ) في المستقبل، مواظباً عليها، مؤدِّياً لها على وجهها (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) يرجّح أن تكون (مِنْ) هنا ابتدائية لا تبعيضية، لأنّه(عليه السلام) لا يحبُّ لغيره إلاّ ما يحبُّ لنفسه، فلو أحبَّ لنفسه أن يكون مقيماً للصلاة، فلازم ذلك أن يحبّ للغير ـ بلا استثناء ـ أن يكون كذلك، ولا مانع من أن يطلب لكلّ ذرّيته، ولا يستجاب دعاؤه في بعضهم، تقصيراً منهم. وفي نهاية الآية يقول: (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ): أي وتقبّل دعائي، فإذا قَبِل سبحانه دعاءه، كان ذلك إذناً منه سبحانه بإجابة ما يدعوه به. وسيأتي دعاؤه السادس في الآية التالية.
41. (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ):

صفحه 268

الدعاء السادس: طلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين

سأل الله تعالى في هذه الآية المغفرة لنفسه أوّلاً، ولوالديه ثانياً، وللمؤمنين ثالثاً، والأخير شامل لذرّيته، فعلى هذا يكون قد دعا لهم ثلاث مرّات:
1. قوله: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ).
2. قوله: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي).
3. قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
وأمّا ظرف المغفرة فهو (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، شبّه اشتداد الحساب وقوّته بحالة الإنسان القائم على عمل مهمّ، برأي جادّ، ونظيره قولهم: قامت الحرب على ساقها، ونحوه.
بقي هنا أمران:
الأوّل: إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) يتفنّن في دعواته، فتارة يضيف الربَّ إلى نفسه ويقول:(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وأُخرى يضيفه إلى نفسه وغيره، ويقول: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي)، فهل هو من باب التفنّن في التعبير، أو فيه نكتة؟ الأمر بحاجة إلى تأمّل.
سورة إبراهيم : الآيات 42 ـ 47    
الثاني: إنّ إبراهيم(عليه السلام) يدعو في أُخريات عمره في حقّ والديه، ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، وهذا يدلّ على أنّ والديه كانا مؤمنين. ونظير هذا الدعاء دعاء نوح(عليه السلام)، قال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا).(1)

1 . نوح: 28.

صفحه 269
وهذا يدلّ على أنّ آزر لم يكن لإبراهيم والداً، بشهادة أنّه قد تبرّأ منه إبّان شبابه، حيث قال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).(1)
وهذا يعني أنّ آزر الذي تبرّأ منه إبّان شبابه بعد تماديه في الشرك، غير من دعا له في أُخريات عمره بالمغفرة، ولذلك عبّر عن آزر بالأب الذي يطلق أيضاً على العمّ والخال، بينما عبّر في المقام بالوالد الذي لا يستعمل إلاّ لمن ولد منه. وقد مرّ تفصيل ذلك في سورة التوبة، وسيوافيك في المستقبل(2) إن شاء الله تعالى.

الآيات: الثانية والأربعون إلى السابعة والأربعين

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ

1 . التوبة:114.
2 . سورة الممتحنة:الآية4.

صفحه 270
وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام).

المفردات

تَشخَص: شخوص البصر: أن تبقى العين مفتوحة، لا تكاد تطرف من شدّة الهول.
مُهطعين: الإهطاع: مدّ العنق للاستماع والرؤية، أو الإسراع في المشي. والأنسب بمفهوم الآية هو الأوّل.
مُقنعي: من الإقناع بمعنى الرفع، والمعنى: رافعي رؤوسهم.
لا يرتدّ: لا يرجع.
هواء: الهواء(لغةً): المجوَّف الخالي، ومنه قول حسّان بن ثابت:
ألا أبلغْ أبا سفيان عنّي *** فأنت مجوَّف نَخِبٌ هواءُ
من زوال: الزّوال: الانتقال من المكان.
ضربنا لكم الأمثال: بيّنّا لكم حالهم.
مكروا: المكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضماره، وهو آية عجز الماكر.
عزيز: لا يُغلَب.

صفحه 271
 
التفسير
لمّا ذكر سبحانه، في الآيات السابقة، الظالمين والمشركين المناوئين للرُّسل، وأشار إلى مصيرهم بقوله: (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، جاءت هذه المجموعة من الآيات لتبيّن أنّ مصيرهم إلى النار سيكون مقروناً بالذُّلّ والخوف الشديد، فقال:
42. (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ):

أوصاف الظالمين يوم القيامة

ربّما يرى الجاهل أنّ الظالمين والمشركين يتمتّعون في الحياة الدنيا ويعيشون فيها عيشة رغيدة فيتوهَّم أنّه سبحانه غافل عن أعمالهم وإلاّ أخذ على أيديهم، فجاء البيان القرآني ليسلّي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ الله تعالى ليس بغافل عن الظالمين لمجرّد أنّه لم يعاقبهم في الدنيا على ما يرتكبون من جرائم، كما قال: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)والخطاب للنبيّ لتسليته مع أنّه ليس هناك احتمال أن يعتريه(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الحسبان. ثمّ هو بعد هذا فيه تسلية للمؤمنين، ويتضمّن أيضاً تهديداً لغيرهم، وأنّه سبحانه لا يهملهم، ولكن يُمهلهم، كما قال: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ): أي يتركهم (لِيَوْم) رهيب وُصف بصفات مرعبة ورهيبة حاصلها، أنّ المجرمين في يوم القيامة سيكونون في حالة تبقى فيها عيونهم مفتوحة خوفاً وفزعاً، مادّين أعناقهم، ورافعين رؤوسهم

صفحه 272
لا يرتدّ لهم طرف، بقلوب فزعة خاوية من كل وعي وإدراك. ويدلّ على ما ذكرنا الصفات التي تذكرها الآية التي نحن في صددها والآية التي بعدها.
الأُولى: (تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ): أي تنفتح وترتفع ولاتطرف. وهذا يدلّ على الحيرة والدهشة وإحاطة الخوف.
43. (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ):
الصفة الثانية: (مُهْطِعِينَ): أي مادّين أعناقهم بذلّ وخشوع. وربّما تفسّر بـ«مسرعين». والأوّل هو الأنسب.
الصفة الثالثة: (مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ): أي رافعي رؤوسهم، فإنّ الإنسان إذا شاهد البلاء الشديد، يقف أمامه شاخصاً بصره، خائفاً، مُجلَّلاً بالذلّ والهوان، رافعاً رأسه لا يتحرّك ولا يتطأطأ.
الصفة الرابعة: (لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ): أي يدوم ذلك الشخوص، فقوله: (تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) لا يفيد الاستمرار، ولذلك أعقبه بقوله: (لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) إشارة إلى استمرار هذه الحالة.
الصفة الخامسة: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ): أي خالية من كلّ إدراك وشعور لشدّة ما يَرون من الأهوال، فكأنّها ليست بشيء. فأُريد من «الهواء» المجوّف الخالي، لا الهواء المصطلح.
44. (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ

صفحه 273
تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال):

تمنّي الظالمين التأخير إلى أجل قريب

يظهر من بعض الآيات أنّ الظالمين يوم القيامة يطلبون الرجوع إلى الحياة الدنيا لتصحيح مسيرتهم، كقوله تعالى:(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).(1)
ويظهر من بعض الآيات أيضاً أنّهم يتمنّون إعادتهم للحياة في ساعة الموت كما يحكي عنهم قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).(2)
فهل أنّ لفظ «اليوم» الوارد في الآية هو يوم القيامة، أو اليوم الذي يرون فيه ابتداء نزول العذاب بهم، والذي يعبَّر عنه بعذاب الاستئصال؟
الظاهر هو الثاني لوجود قرائن في سياق الآيات التالية:
1. قد تقدّم ذكر يوم القيامة في الآية السابقة، حيث قال:(لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)، وسيأتي ذكره أيضاً في قوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ)(3)
وهذا يقتضي حمل اليوم في الآية على الحياة الدنيوية.
2. قوله تعالى على لسانهم: (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)فإنّه ظاهر في أنّ الظالمين يستمهلون مدّة

1 . الأنعام:27.
2 . المؤمنون:99ـ 100.
3 . إبراهيم:48.

صفحه 274
قصيرة تضاف إلى عمرهم في الدنيا حتى يتداركوا ما فات منهم بظلمهم، وهذا التعبير يناسب الحياة الدنيوية .
وعلى كلّ تقدير، فالظالمون يطلبون التدارك مع الحسرة عارفين عالمين بعدم استجابة دعائهم، ومع ذلك فالله سبحانه يجيبهم موبِّخاً ومقرِّعاً لكن بانقلاب السياق من الحكاية إلى الخطاب، ويقول: (أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال): أي حلفتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال بما عندكم من القوة والسّطوة؟ وقيل في معناه: ألم تقسموا وأنتم في الحياة الدنيا أنّه لا انتقال من الدنيا إلى الآخرة، فالآن ترَون خلاف ما كنتم تقولون. هذا إذا كان المراد بالعذاب الذي طلبوا تأخيره، هو عذاب الآخرة، لا عذاب الاستئصال في الدنيا.
45. (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ):
تتضمّن الآية توبيخاً بعد توبيخ لهؤلاء المغترّين بقوّتهم وسطوتهم، يقول سبحانه: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر والعصيان والبغي، إذ خلت منهم الديار وصرتم أنتم خلفاء فيها، ومع ذلك تحلفون وتقولون ـ كما مرّ ـ : (مَا لَكُمْ مِنْ زَوَال)، (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ)بمشاهدة آثارهم الدارسة، وبما بلغكم من أخبارهم (كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ): أي استأصلناهم (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ): أي وصفنا حال مَن تقدّم عليكم من الظالمين للعبرة. وكان العرب يمرّون على ديار ثمود في رحلتهم إلى الشام، ويمرّون على ديار عاد في رحلتهم إلى اليمن.

صفحه 275
وكان ذلك كافياً في الاتّعاظ بما نزل على الظالمين من قبلهم من العذاب.
أين القرون الماضيهْ *** تركوا المنازلَ خاليهْ
دَرَجوا فما أبقت صُرو *** فُ الدهر منهم باقيهْ
لله دَرُّ جماجم *** تحت الجنادل ثاوِيهْ
ولقد عَتَوا زمناً كأ *** نَّهُمُ السباعُ العاديهْ
في نعمة وغضارة *** وسلامة ورفاهيهْ
قد أصبحوا في برزخ *** ومحلّة مُتراخيهْ
يا دارُ! ما لعقولنا *** مسرورةً بك، راضيهْ
ما نرعوي للحادثا *** تِ، ولا الخطوب الجاريهْ
والله لا يَخفى عليـ *** ـه من الخلائق خافيهْ(1)
46. (وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ):

تذكر الآية أمرين:

1. أنّ المشركين دبّروا الشرّ في كلّ نواحي حياة الأنبياء والمؤمنين، وأضمروا إدخال الشرّ عليهم، والله سبحانه يجيب عنه بقوله: (وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ): أي إنّ الله محيط بهم وبمكرهم فإنّه محيط بعلمه وقدرته عليهم،

1 . من قصيدة طويلة لأبي العتاهية. انظر ديوانه:436ـ438.

صفحه 276
فإذا كان الله سبحانه هو المرسِل والباعث للأنبياء فسيصونهم من مكرهم، إذ لا تخفى عليه خفايا أُمورهم.
2. (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) الفقرة بمنزلة تحقير مكرهم بأنّ مكرهم لم يكن من القوة والتأثير ليؤدّي إلى زوال الجبال. واستظهر السيد الطباطبائي أنّ المراد بالجبال الآيات والمعجزات، والمعنى: وما كان مكرهم لتبطل به آيات الله ومعجزاته التي هي كالجبال الراسيات التي لا تزول عن مكانها.(1) وعلى هذا فلفظة «إن» في قوله:(وَإِنْ كَانَ) نافية، لا شرطية ولا وصلية.(2)
47. (فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام):
الآية تأكيد لمضمون ما مرّ من قوله سبحانه:(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) فيقول: أي لا تظنّنّ الله عزّ اسمه مخلفاً رسله ما وعدهم به من النصر والظفر بالكفّار، وقد قضى الله تعالى بأن تكون الغَلَبة له ولرسله كما قال: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).(3)
سورة إبراهيم : الآيات 48 ـ 52    
قوله تعالى:(إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام): أي لا يدع الظالم يفلت ولا يدع الماكر ينجو. والتعبير عن جزاء الماكر بالانتقام من باب المشاكلة، وقد جاء

1 . الميزان في تفسير القرآن:12/85.
2 . الميزان في تفسير القرآن:12/84 ونسب الثانية إلى قول. والتأمّل في الآية يثبت بأنّها نافية بصدد تحقير مكرهم لا تكبيره. وعليها أكثر المفسّرين.
3 . المجادلة:21.

صفحه 277
قوله: (ذُو انْتِقَام)بعد كلمة «العزيز» للدلالة على أنّه من فروع العزّة.

الآيات: الثامنة والأربعون إلى آخر السورة

(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْس مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ).

المفردات

تُبدَّل: التبديل: التغيير في الشيء، إمّا في صورته أو في جوهره، والظاهر أنّ المراد هو إبطال النظام السائد في الحياة الدنيا وإيجاد نظام آخر فتستبدل الأرض والسماوات إلى أرض وسماوات أُخرى.
مقرّنين: مشدودين.
الأصفاد: جمع صَفَد، وهو القَيد.
سرابيلهم: السرابيل: القمصان أو كلّ ما يُلبس، واحدها سِربال.
قَطِران: زيت خاصّ مُنتن يُتَّخذ للتداوي من الجرب إذا أصاب الإبل، وهو شديد الحرارة فيؤلم الجلد الواقع هو عليه.
تَغشى: تُغطّي.
بلاغ: البلاغ: التبليغ.

صفحه 278
 
التفسير
48. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ):

وصف الأرض والسماوات يوم القيامة

لمّا تقدّم في قوله سبحانه أنّ الظالمين سيجازَون على أعمالهم في يوم تشخص فيه الأبصار، جاء في هذه المجموعة وصف هذا اليوم، والظاهر أنّ اللاّم في (الأَرْض) للأرض المعهودة، وهكذا السماوات، فيدلّ على أنّ هذه الأرض والسماوات تبدَّلان إلى غيرهما.
وأمّا ما هي طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات فهي غير معلومة لنا، غير أنّ قسماً من السور بيّن حال الأرض وأنّها تصبح مستوية ملساء بعد أن تُنسف جبالها وتُفجّر بحارها، وكذلك حال السماء وأنّها تنشقّ وتتناثر كواكبها، قال سبحانه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا)(1)، وقال سبحانه: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَ إِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ).(2)
ويظهر ما ذكرناه من الشريف الرضيّ حيث قال حول الآية: وهذه استعارة، لأنّ المراد بها على بعض الأقوال تغيير هيئة الأرض والسماء إلى

1 . سورة طه:105ـ106.
2 . الانفطار:1ـ3.

صفحه 279
هيئة غيرها وصورة مخالفة لصورتها، وإن كانتا جميعاً باقيتي الأعيان، ثابتتي الأوضاع، وهذا معروف في كلامهم أن يقولوا للرجل إذا قبح بعد شارته أو شحب بعد نضارته: قد جئتنا بغير الوجه الذي نعرفه، وليس أنت الرجل الذي كنّا نشاهده، فالمراد أنّ الأعراض تغايرت، والهيئات تغيّرت، والعين قائمة بحالها وداعية إلى نفسها.(1)
هذا، وقيلت في معنى تبدّل الأرض والسماوات وجوه لا تستند إلى دليل قاطع، نقلها الطبرسي في تفسيره، فمن أراد فليرجع إليه.(2)
قوله تعالى: (وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) الظاهر أنّ المراد أنّ الناس (بَرَزوا) بمعنى ظهروا من قبورهم (لِلّه) واختتم الآية بقوله:(الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)للدلالة على سقوط جميع العلل والأسباب، وأنّ الحاكم في ذلك اليوم هو الله الغالب الذي لا يقف أمامه كيد الجبابرة.
وعلى ما ذكرنا فالمراد بروز الخلائق من أجداثهم التي في بطون الأرض. وجوّز بعضهم أن يكون المراد ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرّاً، ويزعمون أنّها لا تظهر.(3) وهو بعيد. وهذه الفقرة بمنزلة قوله تعالى:(يَوْمَئِذ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ).(4)
49 و 50. (وَتَرى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:85.
2 . مجمع البيان:6/107.
3 . نقله السيد الآلوسي في روح المعاني:13/255، واستظهر أنّ المراد ظهورهم من أجداثهم.
4 . الزلزال:6.

صفحه 280

وصف تعذيب المجرمين يوم القيامة

الظاهر أنّ البارزين يوم القيامة هم عامّة الخلائق من غير فرق بين المؤمن والمجرم، لكن الآية تصف حال المجرمين عند بروزهم لله الواحد القهّار بالأُمور التالية:
1. (وَتَرى الْمُجْرِمِينَ) الذين يرتكبون المعاصي والآثام، من الكفر والجحود، والبغي والعدوان على الحقّ وأهله (يَوْمَئِذ): أي يوم القيامة (مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)، يُقرن بعضهم إلى بعض في القيود، ويُضمّ كلٌّ إلى مشاركه في الكفر والعمل. ويحتمل أن يُراد: قرنت أيديهم بها إلى أعناقهم.
2. (سَرَابِيلُهُمْ): أي قُمُصهم (مِنْ قَطِرَان) وهو ما تُطلى به الإبل إذا أصابها الجَرَب.
وعلى هذا فتجتمع عليهم ثلاثة ألوان من العذاب:
أ. لذع القطران وحرقته.
ب. اشتعال النار في الجلود.
ج. اللون الأسود الموحش ونتن الريح.(1)
3. (وَتَغْشَى): أي تغطّي (وُجُوهَهُمُ النَّارُ) وتجلّلها. وبما أنّ الوجوه أعزُّ الأعضاء ذكر غَشْيَ النار وتغطيتَها لها. وربّما يشير إلى ما ذكر قوله سبحانه: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).(2)
51. (لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْس مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ):

1 . تفسير المراغي:5/168.
2 . الزمر:24.

صفحه 281
قوله:(لِيَجْزِيَ اللهُ)تعليل لقوله:(وَبَرَزُوا للهِ) فالغاية من هذا البروز إثابة كلّ نفس بما كسبت من خير أو شرّ، كما يقول: (لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْس مَا كَسَبَتْ) فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وهل الجزاء ـ خيراً كان أو شرّاً ـ هو نفس العمل الذي كسبه في الحياة الدنيا، غير أنّه يظهر في الآخرة بثوبه الأُخروي؟ أو هو جزاء في مقابل ما عمل وليس نفسه؟ ولا بُعد في أن يكون الجزاء على قسمين: حقيقي وجَعلي، ولكلٍّ شواهد في القرآن الكريم، قال تعالى في مَن اكتنز الذهب والفضة ولا ينفقهما على الفقراء:(يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)(1) فإنّ الضمير في قوله: (يُحْمَى عَلَيْهَا)يرجع إلى الذهب والفضة وبهما تُكوى جباه المكتنزين.
قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): أي سريع المجازاة. وفيه إيماء إلى أنّ الجزاء واقع من غير فصل ومهل إلاّ أنّ ظرف ظهوره هو ذلك اليوم لا غير.(2)
52. (هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ):
ختم سبحانه هذه السورة بمثل ما ابتدأ به، حيث قال في صدرها: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)لكن بتفاوت خاصّ إلاّ أنّ الفقرة في آيتنا هذه أقوى إعلاناً في تبليغ البشر كافّة حيث يقول: (هَذَا) القرآن (بَلاَغٌ

1 . التوبة:35.
2 . الميزان في تفسير القرآن:12/90.

صفحه 282
لِلنَّاسِ): أي أنّ الله سبحانه أبلغ الناس بواجباتهم وتكاليفهم وأتمّ الحجة عليهم، وذلك لغاية (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ): أي وليخافوا عقوبة الله، (وَلِيَعْلَمُوا)أنّ من أبلغ (أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا شريك له في الخلق والتدبير والعبادة (وَلِيَذَّكَّرَ): أي يتّعظ (أُولُوا الأَلْبَابِ): أي أصحاب العقول الحصيفة، فأهل النظر والاعتبار يتّعظون بتلك الآيات. وعلى هذا فللبلاغ الوارد في الآية غايات أربع:
1. إتمام الحجّة: (بَلاَغٌ لِلنَّاسِ).
2. تخويف الناس عقاب الله: (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ).
3. هداية العقول إلى التوحيد في عامّة الجوانب:(وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
4. العودة إلى الفطرة التي هي حجّة باطنة وأساس الرسالات الإلهية: (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ).

طرح سؤال وإجابة

بقي هنا سؤال وهو: أنّ تعذيب المجرمين بما جاء في الآية من كونهم مقرّنين في الأصفاد، وقمصانهم من قطران، وتغشى وجوههم النار، لا ينسجم مع حلم الله ورحمته، وجوده ورأفته.
وقد رأيت في أحد الكتب أنّه نقل جواباً عن بعضهم من أنّ هذه الألوان من العذاب ليست على وجه الحقيقة وإنّما يُراد بها تخويف الناس مستشهداً بقوله تعالى: (ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ).(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما استظهره من الآية ساقط جدّاً، كيف والله سبحانه

1 . الزمر:16.

صفحه 283
يقول: (إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)(1) ويقول: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ)(2) فالوعد في الآية يراد به الوعيد بقرينة قوله بالعذاب، وسيوافيك توضيح الآية عند تفسير سورة الزمر.
والجواب: إنّ الجرم له أنواع وأقسام ومراتب فمنه الكبير والأكبر، والصغير والأصغر، وهذا النوع من العذاب ليس لكلّ مجرم ومذنب وإنّما هو لطبقة خاصّة، وهم الذين يحاربون الحقّ ويكتمونه وهم يعلمون، وأعظم منهم جرماً تجّار الحروب الذين أعدّوا لسفك الدماء وتدمير الحياة الأسلحةَ الجهنّميّة، كالقنابل الذرّية والهيدروجينية والمواد السامّة التي تقتل المئات بل والملايين في دقائق معدودات. إنّ أية عقوبة يعاقب بها السفّاحون فهي دون ما يستحقّون، وليست السلاسل والأصفاد وسرابيل القطران والنيران التي تغشى الوجوه بشيء في حيال تدمير البلاد وتشريد العباد وتشويههم وأسرهم وتقتيلهم بمئات الأُلوف.(3)
هذا ما ذكره صديقنا الشيخ مغنية(رحمه الله) حيث إنّه يرجع إلى ما في عصره ولو كان حيّاً ورأى ما ترتكبه الزُّمر التكفيريّة الوهابيّة الخارجة عن الإسلام لاسترسل في الكلام أكثر، فهؤلاء المجرمون الإرهابيّون يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ، وينتقمون بوحشية من كلّ من ليس على منهجهم بالإحراق بالنار، والتفنّن في الذّبح وقطع الرؤوس، بحجج واهية. أعاذنا الله والمسلمين جميعاً من دسائس قوى الاستكبار ولا سيما أمريكا والكيان

1 . آل عمران:9.
2 . الحج:47.
3 . التفسير الكاشف:4/460.

صفحه 284
الإسرائيليّ فليست هذه الزُّمر إلاّ دسيسة من دسائسهم وحيلة من حيلهم، فهم المسؤولون ـ وبالتنسيق مع بعض الدول الإقليمية ـ عن تأسيس هذه التنظيمات الإرهابيّة، وتدريب عناصرها ا لمعبّأة بالحقد والكراهية على القتل وإراقة الدماء ونشر الخراب والدمار في بلاد المسلمين ليعيشوا هم في أمن وسلام.
ونحن نشكر الله تعالى، إذ أخذ وجود هذه التنظيمات الإجرامية ينحسر، في هذه الأيام، بدرجة كبيرة في كلٍّ من العراق وسوريا، بفضل بسالة المقاتلين من أبناء القوات المسلّحة والحشد الشعبي العراقي، وحزب الله اللبناني وغيرهم(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَب يَنْقَلِبُونَ).(1)
***
تمّ تفسير سورة إبراهيم

1 . الشعراء:227.

صفحه 285
 

سورة الحجر

(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَ مَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ

صفحه 286
 
أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ * وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَ زَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجِيم * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْزُون * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لاَِسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ *

صفحه 287
 
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَاب لِكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون * اُدْخُلُوهَا بِسَلاَم آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ * نَبِّئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ * وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيَّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوط إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ * فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوط الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ

صفحه 288
 
تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ * وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم * إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَام مُبِين * وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لاَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ

صفحه 289
 
أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّاكَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).

صفحه 290
سورة الحجر: الآيات 1 ـ 9    

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «الحِجْر» لوروده في قوله سبحانه:(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ)(1) ولم يرد هذا الاسم (الحجر) للبلاد المعروفة في الذكر الحكيم إلاّ في هذه السورة، وأُريد به بلاد قبيلة ثمود الذين كذّبوا الرُّسل. ومن خصائص هذه السورة ورود لفظة (رُبَمَا)في الآية الثانية منها ولم ترد اللفظة في غير هذه السورة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها تسع وتسعون آية بالإجماع. والسورة مكّية بشهادة مضامينها حيث تضمّنت استهزاء المشركين بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ورميه بالجنون وأنّ القرآن أشبه بكلام المجانين، وفي الوقت نفسه تأمر النبيّ بالصفح عنهم.
وممّا يشهد لمكيّتها قوله سبحانه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) حيث أمر النبيَّ بالجهر بالدعوة، ومن المعلوم أنّ النبيّ إنّما صدع برسالته بعد مضيّ ثلاث سنين من بعثته.
نعم، ربّما يستثنى منها بعض الآيات ويتصوّر أنّها مدنية مثل الآيات التالية:

1 . الحجر:80.

صفحه 291
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ).(1) وقوله: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)(2)، وسيوافيك الحال فيها.

أغراض السورة

افتتحت السورة بالحروف المقطّعة، فقال سبحانه:(الر)، ولعلّ الافتتاح بها إشارة إلى إعجاز القرآن ـ كما سيوافيك ـ ثم أشار إلى آيات الكتاب وقال:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) وعطف عليه قوله:(وَقُرْآن مُبِين)وكأنّ الافتتاح بما ذُكر يشير إلى أنّ المحور الذي تدور عليه آيات السورة هو تنزيه الكتاب عن التّهم الظالمة التي رماه بها المشركون، ومنها: أنّه هذيان مجنون; وفي الوقت ذاته تستهدف السورة تطييب نفس النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وتدعوه إلى الصفح عن هؤلاء. ثمّ اقتضت المناسبة إنذار المنذَرين بالهلاك، وذكر البعث ودلائله، وذكر المصير الأسود الذي صار إليه قوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحِجْر، والذي يجمع الكلّ هو موقف التكذيب والعناد من دعوة أنبيائهم.

الآيات التسع الأُولى

(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ

1 . الحجر:87.
2 . الحجر:90ـ 91.

صفحه 292
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

المفردات

الكتاب: علَم بالغلَبة للقرآن النازل على الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
مبين: من أبان يَبين بالمعنى اللازم، أي الظاهر لا المُظهِر.
رُبَما: (بضمّ الراء وتخفيف الباء)(1): حرف يدلّ على أنّ مابعده قليل الحصول، وقد يستعمل في غير القلّة كما في المقام، فإنّ المناسب هو الكثرة، نظير قول الإمام عليّ(عليه السلام):«ربّما تال للقرآن والقرآن يلعنه».
ذَرْهم: اتركهم، مثل قوله: (وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا)(2) ولم يرد استعماله في الماضي بل يستعمل دائماً بصورة المضارع والأمر، نظير كلمة يدع. وفي التصريف للزَّنجاني: وأماتوا ماضي «يذر» و«يدع».
يُلههم: لَهِيَ عنه: غفل عنه، وترك ذكرَه، وانصرف عنه.
الأمل: قيل: هو واسطة بين الرجاء والطمع.

1 . وهو بتشديد الباء أيضاً، وكلاهما لغتان معروفتان.
2 . الأنعام:70.

صفحه 293
كتاب معلوم: القدر المحدود، شبّه بالكتاب لأنّه مثله لا يقبل الزيادة والنقيصة.
الذِّكر: القرآن المجيد. لأنّه يذكر الله تعالى ويوم القيامة وما للناس من تكاليف.

التفسير

1. (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين):
(الر) من الحروف المقطّعة في القرآن التي تقدّمت الإشارة إلى المراد بها في سورة الرّعد، وسيوافيك الحديث عنها بتفصيل عند تفسير سورة الأحقاف، فانتظر.
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) أشار سبحانه إلى الآيات بالإشارة البعيدة تكريماً وتعظيماً. ويظهر أنّ لفظ الكتاب كان قد صار علماً بالغلبة للقرآن عند نزول السورة، فإذا أُطلق لا يتبادر منه إلاّ القرآن الكريم، لا التوراة ولا الإنجيل.
قوله:(وَقُرْآن مُبِين) عطف على (الْكِتَابِ). وقد ساغ ذلك، وإن كان المراد واحداً، للتعدّد اللّفظي والتغاير فيه، ولزيادة صفة في المعطوف وهي (مُبِين).
ثمّ إنّه سبحانه قد افتتح سورة النمل بنفس ما افتتح به هذه السورة، ولكن باختلاف يسير، حيث قال:(طَس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين)(1)

1 . النمل:1.

صفحه 294
فقدّم القرآن وعرّفه، وأخّر الكتاب وجرّده عن اللاّم.
وقد أجاب عنه صاحب الكشّاف قائلاً: لا فرق بينهما إلاّ بين المعطوف والمعطوف عليه في التقدّم والتأخّر.(1)
قلت: إنّ الفرق بين الآيتين لا ينحصر في التقدّم والتأخّر بل يفترقان بالتعريف والتنكير، حيث جاء الكتاب معرَّفاً والقرآن منكَّراً في سورتنا بخلاف سورة النمل، فقد جاء اللفظان فيها على عكس ما ورد في هذه السورة .
أمّا الاختلاف في التقديم والتأخير، فسيأتي الجواب عنه في تفسير سورة النّمل إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما هو الوجه لتعريف الكتاب وتنكير القرآن في المقام على عكس ما في سورة النمل، فيمكن أن يقال: إنّ في كلّ من التعريف والتنكير نوعاً من الفخامة، أمّا التعريف فقوله:(آيَاتُ الْكِتَابِ): أي الكتاب الكامل الحقيق باختصاص اسم الكتاب به، وأمّا التنكير في قوله:(وَقُرْآن): أي عظيم الشأن كما يشعر به التنكير، فعلى ذلك فلا فرق في إفادة المعنى المقصود بين آيتنا هذه وبين آية سورة النّمل.
وعلى كلّ تقدير، فالآية تصف ما أُنزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان، فتكون الآية مقدّمة لبيان ضآلة ما رُمي به الكتاب من المشركين، كما سيوافيك.

1 . تفسير الكشّاف: 2/442.

صفحه 295
2. (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ):

تمنّي المشركين يوم القيامة لو كانوا مسلمين

إنّ لفظة (رُبَمَا) تدخل على الماضي والمضارع، وكأنّ صاحب الكشّاف سلّم قول بعض النحويين من عدم دخولها بغير الماضي فأجاب عن الإشكال بقوله: لأنّ المترقّب في إخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحقّقه وكأنّه قيل ربما ودّ.(1)
يلاحظ عليه: أنّ القواعد العربية يجب أن تعرض على الكتاب، لا الكتاب على القواعد العربية، فلا وجه لتأويله إلى الماضي مع ظهور أنّ الكفّار لم يودّوا أن يكونوا مسلمين قبل نزول الآية.
ثمّ إنّه سبحانه لمّا وصف الكتاب بالفخامة والعظمة، وأتمّ بذلك الحجّة على الكافرين فاستحقّوا العذاب، أخبر عن أنّ المشركين يودّون يوم القيامة كما يقول:(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)يودّون (لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ): أي لو كانوا قد أسلموا وانقادوا لحكم الله سبحانه ولكنّهم ندموا حين لا ينفع الندم.
ثمّ إنّ (لَوْ) في قوله:(لَوْ كَانُوا) للتمنّي، أي تمنّوا يومذاك أن يكونوا مسلمين. وليست الآية هي الآية الوحيدة الحاكية عن تمنّي القوم بل هناك آيات أُخرى تحكي عن تمنّيهم كما يقول سبحانه:(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً).(2)

1 . تفسير الكشّاف: 2/186.
2 . الفرقان:27.

صفحه 296
وكأنّ أحوال يوم القيامة تبهتهم فيتمنَّون الأمر المحال، حيث إنّه لا رجوع إلى الدنيا بعد قيام القيامة.
3. (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
لمّا تضمّنت الآية السابقة أنّ مشركي عصر الرسالة يموتون على الكفر حتى أنّهم يتمنَّون يوم القيامة لو كانوا مسلمين، جاءت الآية لقطع رجاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في هدايتهم وأنّ المصلحة هو الإعراض عنهم كما قال: (ذَرْهُمْ): أي اتركهم وخلِّهم وشأنَهم، إذ لا شأن لهم في دنياهم ولا همّ إلاّ أن (يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) بما يريدون ويتلذّذوا، تماماً كالأنعام، (وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ): أي وتُنسيهم آمالهم الكاذبة وتَصرِفُهم عن اتّباع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والقرآن. وهذه الأُمور الثلاثة هي غاية مراد المشركين ومن ثمّ ينسَون الله سبحانه وتعالى ودعوة الأنبياء والإيمان بالبعث. ثمّ إنّ قوله: (يَأْكُلُوا)وما عطف عليه مجزوم لكونه جواباً للأمر. وربما يقال بأنّه لا يحسن جعله جواباً للأمر لأنّهم يأكلون ويتمتّعون سواء ترك الرسول دعوتهم أم دعاهم.
يلاحظ عليه:أنّ دعوة الرسول إلى الإيمان لمّا كانت أمراً مستمرّاً، حيث يدعوهم فترة بعد فترة، فهذا المقدار من الوقت كان يصدّهم عن مرادهم وإن كان لايصدّهم في غير هذا الوقت.
ومع ذلك يحتمل أن يكون الجزم بلام الأمر المقدّر، أي ليأكلوا نظير قوله سبحانه:(قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ)(1): أي ليقيموا الصلاة. وفي نهاية الآية فالله سبحانه يشير إلى أنّ تمتّعهم بالحياة الدنيوية لا يدوم،

1 . إبراهيم:31.

صفحه 297
فالله يُمهلهم ولا يَهملهم (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)وبال أعمالهم يوم القيامة. «وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ الإنسان يجب أن يكون مقصور الهمّة على أُمور الآخرة، مستعدّاً للموت، مسارعاً إلى التوبة، ولا يأمل الآمال المؤدّية إلى الصدّ عنها. وقد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الاَْمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَةَ».(1)
قال الشاعر:
قل للمقيم بغير دار إقامة *** حان الرحيل فودّعِ الأحبابا
إنّ الذين لَقيتَهم وصَحِبتَهم *** صاروا جميعاً في القبور ترابا(2)
وقال آخر:
لله درّ عميد في مقالته *** حَباهُ ربّ العُلى من أهنأ النُّزُلِ(3)
ترجو البقاء بدار لا بقاء لها *** فهل سمعتَ بظلّ غير منتقلِ(4)
نعم، لو كان الأمل في طريق مرضاة الله، فلا ريب في كونه مُراداً، روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«الأمل رحمة لأُمّتي، ولولا الأمل ما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجراً».(5)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 42، مجمع البيان:6/116ـ117.
2 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 181 .
3 . هذا البيت لحجة الإسلام التبريزي في لاميّته.
4 . هذا البيت لمؤيّد الدين الطُّغرائيّ في قصيدته اللاّمية المعروفة.
5 . بحار الأنوار:74/173.

صفحه 298

من أسمى الآمال، الأمل بظهور المهديّ المنتظر(عليه السلام)

ومن أسمى الآمال في هذا الطريق، الأمل بظهور القائم المنتظر(عليه السلام)الموصوف بالعدل المؤمّل، حيث يأمله كلّ مؤمن كما وعد الله سبحانه. نعم يجب أن يكون العمل وفق الأمل، وأن يتحقّق الانتظار بمعناه الإيجابي الواقعي، حتى يشمله قول الإمام محمد الجواد(عليه السلام):«من أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج».(1)
يا دولة القائم المهديّ حيّاكِ *** شذى الربيع، فما أبهى مُحَيّاكِ
يا منتهى الحُسن، يا شمس بلا شَبَه *** ما لذّةُ العيش والأعمار لولاكِ
هل أنتِ دولة ألطاف ومَرحَمة *** أو أنتِ جنّةُ خُلد في عطاياكِ
يا دوحَةَ العدل والإيمان، ما طلعتْ *** شمسٌ ولا غربتْ إلاّ بمغناكِ
في أربعين من الأعوام حاكمة *** يشعُّ في الأرض، كلِّ الأرض، معناكِ(2)

1 . رواه الصّدوق في كمال الدين وتمام النعمة: 377، الباب 36، رقم الرواية1.
2 . أخرج نُعيم بن حمّاد عن عليّ(عليه السلام) قال: يلي المهدي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة. وأخرج عن دينار بن دينار قال: بقاء المهدي أربعون سنة. انظر: فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر لمرعي المقدسي الحنبلي:336، 337.

صفحه 299
ستزحفينَ حضارات وأنظمةً *** على الحياة، بما لم يَحْكِها حاكي(1)
4. (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ):
لمّا أُشير في الآية السابقة إشارة خفيّة إلى أنّ إمهال الله لهم(والمراد بهم مشركو عصر الرسالة) لا يدوم وأنّهم سوف يعلمون نتائج أعمالهم، جاء البيان القرآني لتثبيت ضابطة كلّية، وهي أنّ الإمهال إلى أجل محدّد يشمل كلّ المُعرضين عن دعوة الأنبياء وأنّ لكلّ قرية أجلاً محدّداً مكتوباً، كما قال:(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة): أي مدينة بالاستئصال، ولفظة «من» زائدة للتأكيد تأتي بعد النفي كثيراً كقولك ما جاءني من أحد (إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ): أي قدَر محدّد عند الله مكتوب في اللَّوح المحفوظ أو غيره.
5. (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ):
لفظة «من» زائدة للتأكيد، وتقدير الآية: ما تسبق أُمّة أجلَها ولا تموت قبل حلول الأجل (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ): أي يتأخّرون، فكأنّ الآية توضيح لقوله: (وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ). وفي الآية إشارة إلى أنّ للأُمّة حياة وموتاً كما أنّ للفرد كذلك، وهي إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ للمجتمع حياة وموتاً وأجلاً محدّداً وأنّ المجتمع بما هوهو ليس أمراً اعتبارياً محضاً. والتفصيل في محلّه.
ثمّ إنّه سبحانه أمهل مشركي عصر الرسالة فأسلم بعضهم، وبقي

1 . من قصيدة للسيد محمود الموسوي، المعاصر.

صفحه 300
الآخرون المعاندون فأُهلكوا في غزوة بدر وقُطع دابرهم. وفي الآية تطييب لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه يجري عليهم ما جرى على الأُمم السابقة، وفي الجميع إمهال لا إهمال.
6. (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ):
الآية عطف على قوله:(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا...)، وهي تحكي عنهم كلاماً يتضمّن إهانتين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مستهدفين من ورائهما استصغاره والحطّ من شأنه، وهما:
1. أنّهم خاطبوه ـ مكان ذكر اسمه ـ بالوصف(يَا أَيُّهَا الّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ): أي مَن يدّعي أنّه ينزل عليه الوحي ولا نعلم صِدقَ كلامه.
2. أنّهم نسَبوا تنزيل الذِّكر إلى مصدر مجهول وقالوا:(نُزِّلَ) دون أن يقولوا أنزله الله. وأفظع من كلّ ذلك أنّهم جَبَهوا النبيّ بهذه المقولة المنكرة، وبهذا التأكيد:(إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ): أي مَن جُنّ وفسد عقله!! وفعل «جُنّ» لا يستعمل إلاّ بصيغة المجهول.
ولا شكّ في أنّ الرأي العام يومذاك كان يطغى عليه الشرك وعبادة الآلهة المصنوعة، فالجزيرة العربية كانت تضجّ بالأصنام يعبدها كبار القوم وصغارهم إلاّ من شذّ من الحنفاء. ومن المعلوم أنّ مخالفة الرأي العام تثير حفائظ القوم على المخالف فيصفونه بقلّة العقل والسَّفه والجنون، ولمّا كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من دعاة التوحيد ـ على خلاف ما عليه القوم ـ اتُّهم بالجنون.
ثمّ إنّ مشركي عصر الرسالة اتّهموا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكاذب والكاهن والساحر وما يشاكلها، والحقيقة أنّ هذه التُّهم تنطوي على دليل على عظمة

صفحه 301
النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وطهارته من الأدناس كالخيانة والجناية ونظائرهما، فلو كان في صحيفة النبيّ شيء من هذه المعاصي والآثام لشنّعوا بها عليه، ولكنّهم لم يجدوا في حياته شيئاً يُزرى به عليه فعمدوا إلى اتّهامه بهذه الأُمور الروحية التي يصعب إثباتها، كما يصعب نفيها.
إنّ التاريخ يشهد بأنّ المصلحين في كلّ عصر وزمان إذا نهضوا بعملية الإصلاح وعرَضوا برامجهم الإصلاحية على الناس، وقف أمامهم مَن يتضرّر بإصلاحاتهم ورمَوهم بمثل ما رُمي به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وفي النهاية ترك سبحانه الإجابة عن هذه النسبة الفظيعة لوضوح بطلانها، وركّز الكلام على الإهانتين، كما سيوافيك.
ثمّ إنّ وصف القرآن بالذِّكر في كلام المشركين يدلّ على أنّ الوصف به كان أمراً شائعاً آن نزول الآية.
7. (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ):
ومن عجائب الأُمور ـ وما عشت أراك الدهر عجبا!! ـ أنّ مشركي عصر الرسالة لمّا نسبوا تنزيل الذِّكر على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مصدر مجهول، حاولوا أن يظهروا بمظهر من يطلب دليلاً من النبيّ، وهو أنّه لو كان صادقاً في دعواه بنزول الوحي عليه من الله سبحانه، فلماذا لا يأتي بالملائكة ليخبروا بصدقه في الرسالة؟ وقد حكى عنهم سبحانه ذلك بقوله:(لَوْ مَا)وهي كلمة تحضيضية نظير «لولا». يقول ابن مالك:
لولا و لوما يَلْزَمانِ الاِبْتِدا *** إذَا امْتِناعاً بوجود عَقَدا
و بهما التَّحضيضَ مِزْ و هَلاّ *** ألاّ ألا وأوْلِيَنْهَا الْفِعْلا

صفحه 302
وقوله:(تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ) بمعنى حتى يكونوا شهود صدق على رسالته.
ويُلحظ في هذا القول شدّة عنادهم ولجاجهم، إذ لم يكتفوا بأن يأتيهم بملَك واحد، بل اقترحواعليه الإتيان بالملائكة!! ونظير ذلك قولهم ـ كما حكاه عنهم سبحانه ـ :(أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً)(1).
وكأنّ القوم تصوّروا وجود التضادّ بين البشرية والصلة بالعالم الروحاني، فإنّ الرسول من ذلك العالم يجب أن يكون مثل سكّانه بعيداً عن الشهوة والغضب، ولذلك لا يصلح الإنسان أن يكون مبعوثاً من ذلك العالم الروحاني، فمَن ادّعى أنّه مبعوث من ذلك العالم فعليه أن يأتي بشيء من ذلك العالم كالملائكة حتى يصدّقوا دعوته.
8. (مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ):
الآية بصدد الإجابة عن الإهانة الثانية، وقدّم الإجابة عنها اهتماماً بها، وهي تتضمّن أمرين:
1. (مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ).
2. (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ).

ما هو المراد من نزول الملائكة بالحقّ ؟

أمّا الفقرة الثانية فواضحة، فإنّها تستهدف بيان أنّ نزول الملائكة يُفضي إلى استئصالهم وقطع دابرهم وانتهاء مدّة الإمهال، ونظيرها قوله

1 . الإسراء:92.

صفحه 303
سبحانه:(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرى يَوْمَئِذ لِلْمُجْرِمِينَ)(1)، إنّما الكلام في الفقرة الأُولى، حيث يقول: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ):أي ما ننزّل الملائكة إلاّ مصاحباً للحقّ، وقد اختلفت كلمة المفسّرين في توضيح هذه الفقرة، والأقرب من بين الاحتمالات ما يقال: إنّه جرت سنّة الله تعالى على شأن المعجزة النازلة عن اقتراح الناس على تعقيبها بعذاب الاستئصال والهلاك القطعيّ إن لم يؤمنوا بها، وبما أنّ هؤلاء المشركين الذين يقترحون نزول الملائكة كانوا في خطّ العناد واللّجاج، فلو استجيب لاقتراحهم ونُزّلت الملائكة لَبقَوا على عنادهم، وعندئذ يُعاجَلون بالعذاب ولا يُمهَلون، فيكون معنى الآية: ما ننزّل الملائكة إلاّ مصحوباً بالحقّ، وهو النزول على الأنبياء والأولياء لبيان حقائق خاصّة بهم، وأمّا النزول لغير هذه الغاية فسيعقبه العذاب والاستئصال. وسيوافيك توضيحه في تفسير قوله سبحانه:(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالاْيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَ مَا نُرْسِلُ بِالاْيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)(2).
فظاهر قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالاْيَاتِ) أنّه سبحانه لم يستجب لاقتراحهم لِما تمنّوا من الآيات، لأنّ إرسالها كان مقروناً بتكذيب القوم وعندئذ يعمّهم العذاب، فصار هذا مانعاً من استجابة اقتراحهم.
بقي الكلام في الردّ على الإهانة الأُولى، أعني نسبة تنزيل الذكر إلى مصدر مجهول، وهذا ما تكفّلت به الآية التالية:

1 . الفرقان:22.
2 . الإسراء:59.

صفحه 304
9. (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ):
الآية تشتمل على فقرتين:
الأُولى: تُبيّن مبدأ نزول القرآن بتأكيدين (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) يعني: فاعلموا بجدّ أنّ الله سبحانه هو منزِّل الذِّكر.
الثانية: تعرّفهم بمن تعهّد بحفظ الذِّكر: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) من التحريف والزيادة والنقيصة.

صيانة القرآن من التحريف

إنّ دعوى وقوع التحريف في القرآن الكريم لا تستند إلاّ إلى شبهة باطلة واهية، ورغم ذلك فقد أخذت طريقها إلى كتب ومؤلّفات، ونحن ندرس هنا هذه الشبهة، بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بالآيات الكريمة على صيانة القرآن

1. آية الحفظ
يراد بآية الحفظ قوله سبحانه:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وجه الدلالة: أنّه سبحانه أطلق متعلّق الحفظ ليعمّ كلّ ما يزاحمه ويضادّه من الزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، وبما أنّه سبحانه ضمن حفظه من كلّ شيء فالقرآن طريّ منذ نزوله إلى آخر ما أُوحي منه إلى النبيّ، محفوظ من عبث العابثين. ومن المعلوم أنّه سبحانه يجري الأُمور بأسبابها، وقد بلغ حفّاظ القرآن في عصر النبيّ وبعده وكتّابه والمهتمّون بهذا الكتاب

صفحه 305
من جهات مبلغاً يمتنع معه التصرّف فيه بالزيادة والنقيصة، وبذلك صار محفوظاً مُصاناً من التحريف والتغيير متواتراً واصلاً إلينا قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر «فالقرآن واحد نزل من عند واحد، وإنّما الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1)جدير بالتذكير أنّ القراءة المتواترة هي المكتوبة في القرآن الموجود بين أيدينا، وأمّا سائر القراءات فهي بحكم الخبر الواحد لا يُحتجّ بها، فمن اهتمّ بعلم القراءات مع كثرتها فقد نزّل القرآن الكريم منزلة كتاب بشريّ نسخه المستنسخون بعبارات مختلفة،وهي كماترى، فالذي يجب الاهتمام به هو القراءة الرائجة عبر الأجيال.
ثمّ إنّ الدليل على صيانة القرآن من التحريف ما عُرف من الاهتمام بكتاب الله من قبل المسلمين من عصر الرسالة، وما كان مثله يمتنع طروء التغيير والتبديل عليه; وقد حكي عن بعضهم أنّه سئل عن السرّ في تطرّق التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من ذلك؟ فأجاب بأنّ الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ)(2)، وتولّى حفظ القرآن بذاته تعالى فقال:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وهناك وجه آخر، وهو: أنّ المجتمعات تتفاوت إدراكاً ورشداً، فرُبّ مجتمع يكون في أخلاقه كالإنسان القاصر، لا يقدر على أن يحتفظ بالتراث الذي وصل إليه، بل يضيّعه شأنه شأن الطفل الذي يمزّق كتبه ودفاتره وهو غير مدرك لقيمتها.

1 . رواه الكليني عن زُرارة عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في: الكافي:2/630، كتاب فضل القرآن، الحديث12.
2 . المائدة:44.

صفحه 306
ورُبّ مجتمع بلغ في التمسّك بالقيم الفكريّة والأخلاقية والاجتماعية شأواً بعيداً، فمثل هذا المجتمع يحتفظ بتراثه الدينيّ الواصل إليه، بل يستثمره استثماراً جيّداً، فهو عند ذاك غنيّ عن كل مروّج يروّج دينه، أو مبلّغ يذكر منسيّه، أو مربّ يرشده إلى القيم الأخلاقية، أو معلّم يعلّمه معالم دينه ويوضّح له ما أشكل من كتابه، إلى غير ذلك من الشؤون، فأفراد الأُمم السالفة كانوا كالقُصّر، غير بالغين في العقلية الاجتماعية، فما كانوا يعرفون قيمة التراث المعنوي الذي وصل إليهم، بل كانوا يلعبون به لعب الصبيّ بكتابه، وذلك بتحريفهم له وتأويله بما يتوافق مع أهوائهم ومشاربهم، ولذا كان يحلّ بالشريعة الاندراسُ بعد مضيّ القرون والأجيال، ويستولي عليها الصدأ بعد حقبة من الزمان.
وأمّا المجتمع البشري بعد بعثة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ولحوقه بالرفيق الأعلى، فقد بلغ من المعرفة والإدراك والتفتّح العقلي والرُّشد الاجتماعي شأواً بعيداً، تمكّن معه من حفظ تراث نبيّه وصيانة كتابه من طوارق التحريف والتبديل والضياع، حتى بلغت عنايته بكتابه الديني (أعني: القرآن الكريم) إلى تصنيف أنواع التآليف في أحكامه وتفسيره وبلاغته ومفرداته وإعرابه وقراءته، فازدهرت تحت راية القرآن ضروب من العلوم والفنون.(1)
هذا، وأنّ ظهور الآية في أنّه سبحانه ضَمِن صيانة القرآن من كلّ ما يمسّ كرامته أمر واضح، غير أنّ بعض من اتّخذ موقفاً خاصّاً احتمل في الآية

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن:3/218ـ219، للمؤلف.

صفحه 307
ما لا يتبادر إلى ذهن القارئ وقال: المراد هو:
1. حفظه من قَدْح القادحين.
2. حفظه في اللَّوح المحفوظ.
3. حفظه في صدر النبيّ والإمام بعده.
والجميع ضعيف، فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تجيب عنه، كما أنّ حفظه في اللَّوح المحفوظ أو في صدر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يرتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراضهم كان مبنيّاً على اتّهام النبيّ بالجنون الذي لا ينفكّ عن الخلط في إبلاغ الوحي، فالإجابة بأنّه محفوظ في اللَّوح المحفوظ أو ما أشبهه لا يكون قالعاً للشبهة، فالحقّ الذي لا ريب فيه أنّه سبحانه يخبر عن تعهّده بحفظ القرآن وصيانته في عامّة المراحل، فالقول بالنقصان يضادّ تعهّده سبحانه.

2. آية نفي الباطل

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(1).
ودلالة الآية على نفي التحريف زيادة ونقيصة، رهن بيان أُمور:
1. المراد من الذِّكر هو القرآن، ويشهد عليه قوله:(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)، فإنّ الضمير في (إنَّهُ) يرجع إلى الذكر.
2. إنّ خبر (إِنَّ) محذوف مقدّر، وهو: سوف نجزيهم، وما شابهه.

1 . فصّلت:41 ـ 42.

صفحه 308
3. وصف كتابه بأوصاف:
أ. (عَزِيزٌ): أي مقتدر لا يُغلَب.
ب. (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ).
ج. (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد).
4. الباطل يقابل الحقّ، فالحقّ ثابت لا يُغلب; والباطل له جولة، لكنّه سوف يُغلب، ومثلهما كمثل الماء والزَّبَد، فالماء يمكث في الأرض والزَّبَد يذهب جفاء، قال سبحانه: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ)(1).
فالقرآن حقّ في مداليله ومفاهيمه، وأحكامه خالدة، ومعارفه وأُصوله مطابقة للفطرة، وأخباره الغيبية حقّ لا زيغ فيها، كما أنّه منزّه عن التناقض بين دساتيره وأخباره (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)(2).
فكما أنّه حقّ من حيث المادّة والمعنى، فهو حقّ من حيث الصورة واللَّفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف،ونعمَ ما قاله الطبرسي: لا تناقض في ألفاظه، ولا كذب في أخباره، ولا يعارض، ولا يزداد، ولا ينقص.(3)
ويؤيّده قوله قبل هذه الآيات:(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(4). ولعلّه إشارة إلى ما كان يدخل في نفسه من إمكان

1 . الرعد:17.
2 . النساء:82.
3 . مجمع البيان: 9 / 15، ط صيدا.
4 . الأعراف:200.

صفحه 309
إبطال شريعته بعد مماته، فأمره بالاستعاذة بالله السميع العليم.
والحاصل: إنّ تخصيص مفاد آية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه وتكاذب أخباره، لا وجه له، فالقرآن مصون من أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده، بل هو غضّ طريّ لا تُبليه اللَّيالي والأيام، ولا تستطيع الأيدي الأثيمة أن تمسّه بسوء.

3. آية الجمع

روي أنّه إذا نزل القرآن، عجّل النبيّ بقراءته، حرصاً منه على ضبطه، فوافاه الوحي ونهاه عن ذلك، وقال:(لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(1) فالله سبحانه قد ضَمِن الجمع والحفظ والبيان. كما ضَمِن في آية أُخرى عدم نسيانه(صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن وقال:(سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)(2).
والاستثناء في هذه الآية نظير الاستثناء في قوله: (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(3). ومن المعلوم أنّ أهل السعادة محكومون بالخلود في الجنّة، ويشهد له ذيل الآية، أعني: قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ): أي غير مقطوع، ومع ذلك فليس التقدير على وجه يخرج الأمر من يده سبحانه، فهو في كلّ حين قادر على نقض الخلود.

1 . القيامة:16ـ19.
2 . الأعلى:6ـ7.
3 . هود:108.

صفحه 310
هذا بعض ما يمكن أن يستدلّ به، على صيانة القرآن من التحريف بالقرآن.

الثاني: الاستدلال بالروايات على صيانة القرآن

يمكن الاستدلال على نفي التحريف بروايات متضافرة; بل متواترة، وهي على وجوه:
أوّلاً: أخبار العرض على القرآن الكريم وهي الروايات التي وردت عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)ونذكر عدداً منها:
1. روى الكليني بإسناده عن السَّكوني، عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله و