welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : دليل المرشدين إلى الحق اليقين*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

دليل المرشدين إلى الحق اليقين

صفحه1
دليل المرشدين
إلى الحق اليقين

صفحه2
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ
      دليل المرشدين إلى الحق اليقين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1386 .
563 ص .    ISBN 964 - 357 - 212 - 9
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ شيعه ـ ـ عقايد. 2 . شيعه ـ ـ دفاعيه ها و رديه ها. 3 . شيعه ـ ـ تاريخ. ألف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
8د2س/ 5/211BP    4172 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … دليل المرشدين إلى الحق اليقين
تأليف:   … آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1428 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة

صفحه3
دَلِيلُ المُرْشِدِين
إلى
الحـقِّ اليَقِيْـن
دِراسَة مُوضوعيّة لأهمِّ المسائلِ الأُصوليّةِ والفرعيّةِ، تَنْبَثِقُ مِن
مُعطياتِ الكتابِ والسُنّةِ، وتَصُبُّ فِي خدْمة الهدفِ المقدّسِ:
الوحدةِ والوئامِ بيِنَ المسلمين
 
تأليف
آية الله جعفر السُبْحاني
 

صفحه4
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )
الأنبياء: 92

صفحه5
مقدمة ممثلية الولي الفقيه لشؤون الحج والزيارة   
    دليل المرشدين إلى الحق اليقين
الحمد لله الّذي لا تدركه العيون بمشاهدة الْعِيَانِ ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مباين.
والصلاة والسلام على من أصطفاه الله من الأوّلين والآخرين محمد وآله الأئمة الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة لا نهاية لها ولا ختام.
أمّا بعدُ فالحج عمل رمزي لكثير من العبادات الّتي وردت في الشريعة واقترنت بظروف خاصة، وهو بمفرده مظهر لها ومجسِّد لكثير منها، حيث نجدُ فيه الأعمال المعبّرةَ عن جانبه العبادي، أعني: النية، والطهارة من الحدث والخبث، والصلاة، والصوم، والطواف بالبيت، والذبح لله، وإطعام القانع والمعتر من اللحوم، والاعتكاف الّذي يجسده الوقوف في المشاعر، ورجم الشيطان عدو الإنسان الأوّل الّذي يوسوس في صدره.
وللحّج ـ في الوقت نفسه ـ عطاءات في المجال الاجتماعي، إذ يوفّر فرصة سانحة للتفاهم وتوثيق العلاقات بين الأفراد والشعوب على اختلاف ألوانهم وقومياتهم ومذاهبهم، كما يتيح للمفكّرين والعلماء في شتى الحقول إمكانية اللقاء لتبادل الأفكار ووجهات النظر بشأن القضايا

صفحه6
الّتي تهمّ الأُمّة الإسلامية، ودراسة المشاكل والمعوّقات الّتي تعترض سبل تقدّمهم ونهضتهم، وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله: (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ).(1)
وفي كلّ موسم من مواسم الحج، يتشرّف بزيارة الحرم المكي والنبوي أعداد غفيرة من أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)ويلتقون باخوانهم في شتّى المواقف والمشاهد، وهم جميعاً أغصان شجرة واحدة ـ شجرة التوحيد والإسلام ـ ، يوحّدون الله تبارك وتعالى ، ويؤمنون بأنبيائه ورسله، وباليوم الآخر، ويصلون ويصومون ويزكّون ويحجّون بيته الحرام ويأتون بفرائض الحج وسننه.
وفي خلال تلك اللقاءات تُثار أسئلة حول الشيعة وأُصولها وفروعها، بهدف التعرف على جذور المذهب وواقعه وأهدافه.
وهذا ما يدعو مرشدي قوافل الحج إلى أن يكونوا على أتمّ الاستعداد للإجابة الصحيحة والكاملة عن الأسئلة المطروحة، وتحليل الشبهات العالقة في أذهان أخوانهم والإجابة عنها.
ولأجل تنمية القدرات العلمية وتسديد مواهب المرشدين وقابليّاتهم قامت معاونية شؤون التعليم والبحوث الإسلامية التابعة لممثَّلية الولي الفقيه لشؤون الحج والزيارة ، بنشر هذا الكتاب بينهم وبين سائر

1 . المائدة: 97 .

صفحه7
المؤمنين الواعين المرافقين للحجاج الكرام على أمل أن يكون خطوة مباركة على طريق توحيد الكلمة وتعزيز الوحدة، إذ تتجلّى في طيات هذا الكتاب آفاق الوحدة الإسلامية، مُثبِتاً بوضوح أنّ ما يجمع المسلمين أكثر ممّا يفرّقهم ويشتّتهم.
والكتاب يُعدّ من آثار عالم كبير كرسّ عمره في تحقيق معالم الدين والأحكام الشرعية والمسائل العقائدية وخدم الإسلام والمسلمين بقلمه وبنانه ولسانه وبيانه، ألا وهو سماحة الشيخ آية الله جعفر السبحاني «حفظه الله تعالى».
ونحن إذ ندعو الله له بطول العمر ودوام التوفيق لخدمة الدين، نرجو من مرشدي قوافل الحج الاهتمام بمحتويات هذا السفر القيّم والتمعّن فيه وقراءته بدقّة.
والله ولي التوفيق
معاونية
شؤون التعليم والبحوث الإسلامية
ممثلية الولي الفقيه لشؤون الحج والزيارة
10 / شعبان المعظم 1426 هـ

صفحه8

صفحه9
مقدمة آية الله جعفر السبحاني   
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وآله الطاهرين.
لا يشك ذو مسكة أنّ المسلمين في هذا العصر بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة وتقريب الخطى من الأزمنة السابقة. إذ إنّنا نعيش في وقت عصيب تحالفت فيه قوى الكفر والاستعمار على محق الإسلام ومحاصرة المسلمين بمختلف الأساليب.
وهذا ما يدعو المسلمين إلى التآلف والتكاتف ونبذ عوامل التفرقة والتشتّت.
وقد حثّ سبحانه في العديد من الآيات على التآزر والتلاحم والاعتصام بحبل الله ; قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)(1).
كما حذّر سبحانه من التفرّق والتشتّت مخاطباً نبيّه الكريم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءْ)(2).

1 . آل عمران: 103.   2 . الانعام: 159 .

صفحه10
وانطلاقاً من هذه الآيات يجب على كلّ مثقف وكاتب مسلم أن يسلك في محاضراته ومقالاته وكتاباته سبيل الوحدة، ويتحرّز عمّا يوجب العداء والبغضاء.
إنّ عناصر الوحدة ـ ولله الحمد ـ بين الشيعة وسائر الفرق الإسلامية كثيرة لا تحصى. ولذا يجدر بنا جميعاً التمسّك بالأُصول المتّفق عليها والإغماض عن عناصر الفرقة، غير أنّ هذا الإغماض لا يعني أبداً إيقاف البحث الموضوعي والدراسة المنطقية في هذه المجالات، فإنّ ممارستهما على ضوء الكتاب والسنّة والعقل وبأسلوب لا يخلّ بنظام الوحدة، أمر مهمٌ في تجلية الحقائق وتنمية الوعي لدى المسلمين .
وتحقيقاً لهذه الأهداف قمنا بتأليف هذا الكتاب على ضوء المصادر الصحيحة في المسائل الّتي اتّفق فيها المسلمون (كما في مباحث التوحيد والنبوة والمعاد) وما اختلفوا فيه من المسائل الفرعية العملية.
ومن يطالع هذا الكتاب يجد أنّ الغاية منه إنّما هي توضيح الحق وإبرازه، وإماطة اللثام عن وجه الحقيقة، دون أن يرافق ذلك هدف أو غاية أُخرى.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
غرة شعبان 1426 هـ

صفحه11
الفصل الأوّل

في الشيعة والتشيّع

1. الشيعة لغة واصطلاحاً.
2. لفظ الشيعة في القرآن والسنّة.
3. نشوء المذهب الشيعي .
أ. ما هو السبب لانحياز الشيعة عن مدرسة الخلفاء.
ب. روّاد التشيّع في صدر الإسلام .
4. افتراضات وهمية حول نشوء الشيعة بعد عهد الرسول.
5. الشيعة الإمامية والخلافات السائدة بينهم وبين غيرهم من طوائف الشيعة.
6. دور الشيعة في بناء صرح الحضارة الإسلامية وعطاؤهم للإسلام والمسلمين.

صفحه12

صفحه13
الشيعة لغة واصطلاحاً   

في الشيعة والتشيّع

1. الشيعة لغة واصطلاحاً:

الشيعة في اللغة هم أتباع الرجل وأنصاره، جمعها: شيع وأشياع، ويقال: شايعه كما يقال والاه .(1)
وقال ابن فارس: للشيعة أصلان (أي معنيان جَذْريّان) يدلّ أحدهما على معاضدة ومساعفة والآخر على بث وإشادة، فالأوّل قولهم: شيّع فلانٌ فلاناً عند شخوصه .(2)
إلى غير ذلك من الكلمات لأصحاب المعاجم المشيرة إلى معنى واحد.
فصارت النتيجة: انّ الشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم تجمعهم فكرة واحدة يتعاونون ويتعاضدون في ظلّها.
هذا هو المعنى اللغوي للشيعة، والمهم في المقام هو الثاني، أعني: مصطلح العلماء.
تطلق الشيعة ويراد بها :

1 . لسان العرب: 8 / 188، مادة «شيّع».
2 . مقاييس اللغة: 3 / 235، مادة «شيّع».

صفحه14
1. من يحبُّ علياً وأولاده باعتبار أنّهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين فرض الله مودتهم في كتابه العزيز، قال سبحانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(1).
والشيعة بهذا المعنى تطلق على عامّة المسلمين سوى النواصب الذين نصبوا لعلي وأهل بيته العداءَ.
وترجع جذور تلك الفكرة إلى عصر معاوية حيث سنّ سبّ علي على المنابر، وباستثناء هؤلاء، فإنّ كلّ المسلمين يحترمون ويحبُّون أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويصلّون عليهم صباحاً ومساءً، فهذا هو الإمام الشافعي يقول:
ياأهل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الفخر أنّكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له (2)
2 ـ مَن يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، وإنّما يقدّمه لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم، وهي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة، وعلى ذلك معتزلة بغداد وقليل من أهل الحديث، وعلى ذلك الاصطلاح جرى أكثر من كتب في الرجال والتراجم والمقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة وكثيراً من التابعين

1 . الشورى: 23 .
2 . الصواعق المحرقة: 148، الطبعة 3، 1385 هـ .

صفحه15
بأنّه يتشيّع، أو أنّه شيعي، وربّما يعدّونه من أسباب الجرح، وأنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من أُصول الدين لا يجوز تجاوزه، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات الخلفاء ورتبهم؟!
وربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح، فلا يفرّق بينهما، وأكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» فيصف بعض التابعين و المحدّثين بالتشيّع ملمِّحاً بذلك إلى ضعفهم، وقد رُمي أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع كمعتزلة بغداد، والمقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة .
3 ـ مَن يشايع عليّاً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الناس من بعده، نصبهم لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه، وذكر أسماءهم وخصوصيّاتهم. والشيعة بهذا المعنى هو المقصود في المقام، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم.(1)
وقد أكّد الإمام علي (عليه السلام)هذا المعنى في بعض خطبه:
«لا يقاس بآل محمّد من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت

1 . خطب الإمام أبو محمّد الحسن السبط حين قتل أميرالمؤمنين خطبته الغرّاء فقال: «أنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي». أخرجه الحاكم في مستدركه: 1 / 172; وقد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً وأراجيز تتضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة والتابعين، لاحظ شرح النهج: 1 / 143 ـ 150 باب ما ورد في وصاية علىّ من الشعر .

صفحه16
نعمتهم عليه أبداً; هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي،
وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة...».(1)
ومجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كلّ من قال: إنّ قيادة الأُمّة لعليّ بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه يقوم مقامه في كل ما يمتُّ إليه بصلة سوى النبوة ونزول الوحي عليه. كلّ ذلك بتنصيص من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى ذلك فالمقوّم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام(عليه السلام)، فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع ولا يدور عليه إطلاق الشيعة .
لا شك أنّ للشيعة آراءً كلامية خاصّة في مجالي الأُصول والفروع، ربّما يشاركون غيرهم فيها وربّما يخالفونهم، ولكنّها ليست من سماتهم وأعرافهم وإنّما هي أُصول وأحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب والسنّة والعقل .
لفظ الشيعة في القرآن والسنّة   

2. لفظ الشيعة في القرآن والسنّة

قد استعمل لفظ الشيعة في القرآن الكريم بمعنى التابع للأنبياء والشخصيات الكبيرة، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ)(2).

1 . نهج البلاغة: الخطبة الثانية .
2 . القصص: 15 .

صفحه17
وقال تعالى: (وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم )(1).
كما استعمل هذا اللفظ بمعنى البث والتفرقة والخلاف، قال سبحانه: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعاً)(2).
فإذا استعمل بمعنى التبعية فهو يشير إلى الجانب الإيجابي له، كما في قوله تعالى: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ).(2)
وأمّا لو استعمل بمعنى البث والتفرقة فهو يشير إلى الجانب السلبي له، كما في قوله تعالى: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ)(4).
وأمّا في السنّة الشريفة فلا شكّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بما أنّه عربي صميم فهو يستعمل هذا اللفظ في معناه الحقيقي وهو التابع، وقد وصف (صلى الله عليه وآله وسلم)أتباع علي (عليه السلام)بالشيعة في حالة حياته عندما نزل قوله سبحانه: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )(3)، فقد روى المحدّثون والمفسرون روايات مستفيضة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه وصف جماعة كانوا يوالون علياً ويشايعونه، بأنّهم خير البرية. وإليك بعض ما ورد من هذه الأحاديث :

1 . الصافات: 83 ـ 84 .   2 . الروم: 32 .
2 . القصص: 15 .   4 . الأنعام: 65 .
3 . البينة: 7 .

صفحه18
1. أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله مَن أكرم الخلق على الله؟ قال : «يا عائشة أما تقرئين : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَرِيَّة)».(1)
2 ـ أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فأقبل عليّ فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم
القيامة»
 ، ونزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّة)فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البريّة.(2)
3 ـ أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : «عليّ خير البريّة».(3)
4 ـ وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة
) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ : «هو
أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين» 
. (4)
نشوء المذهب الشيعي   
5 ـ أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألم
تسمع قول الله :
(إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة)
أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».(5)
هذه نبذة ممّا روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في إطلاقه لفظ الشيعة على مَن

1 . الدر المنثور : 6 / 589; تفسير الآية السابعة من سورة البيّنة .
2 و 3 و 4 و 5 . الدر المنثور : 6 / 589 .

صفحه19
يشايعون علياً (عليه السلام)، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر التالية:
1. تفسير الطبري الجزء الأخير (تفسير سورة البيّنة).
2. الدر المنثور ج 6 ص 589 (تفسير سورة البيّنة).
وهذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة أسانيدها تعرب عن كون علي (عليه السلام)متميزاً بين أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ له شيعة وأتباعاً، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها في حياة النبي وبعدها .

3. نشوء المذهب الشيعي

إنّ التشيّع ليس مسلكاً كلامياً كالاعتزال حتّى نبحث عن مبدأ نشوئه وعلل وجوده، ولا هو وليد حادثة من الحوادث كالخوارج، بل أنّ التشيّع عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي وعترته، وهذا هو نفس التشيّع وروحه وأصله; وأمّا سائرما يعتقده الشيعة من أُصول وفروع فليست دخيلة في صدق التشيّع ثبوتاً ونفياً، فالذي يقوم به صرح التشيّع هو ما ذكرنا من استمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي (عليه السلام).
وهذه الفكرة قد غرست بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أيّام حياته وتبنّاها جمع من المهاجرين والأنصار في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم)وبقوا عليها بعد حياته، واقتدى بهم جمع آخرمن التابعين لهم بإحسان، وتواصل الاعتقاد بهذا الأصل من العصور الماضية إلى زماننا الحالي .

صفحه20
وعلى هذا فليس للتشيّع تاريخ غير تاريخ الإسلام، وليس له مبدأ ظهور غير مبدأ ظهور الإسلام نفسه، وفي الحقيقة إنّ الإسلام والتشيّع وجهان لعُملة واحدة، أو وَجهان لحقيقة واحدة، وتوأمان وُلدا في زمن واحد.
والدليل على ذلك ـ على نحو الإجمال والإيجاز، إذ قد فصّلناه في محلّه ـ الأُمور التالية:

أ. الإشادة بفضائل علي (عليه السلام)

لقد تحدّث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّام حياته عن فضائل الإمام علي ومناقبه، وكذا عن قيادته وزعامته للأُمّة الإسلامية من بعده مراراً وفي مناسبات مختلفة، يشهد على ذلك التاريخ المدوّن. وكان هذا النوع من الإشادة سبباً في التفاف فريق من الصحابة حول الإمام علي (عليه السلام)في حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعلوا يتبعونه ويقتدون به بما أنّه المثل الأعلى للفضائل العالية والمناقب الحسنة .

ب. حديث بدء الدعوة (الدار)

بعث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لهداية الناس من الوثنية إلى الوحدانية، فأخذ بالدعوة سراً ونشر دعوته خفاءً عدة سنوات إلى أن نزل قوله سبحانه: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(1) وعند ذلك جمع النبي وجوه بني هاشم

1 . الشعراء: 214 .

صفحه21
وشخصياتهم فعرض عليهم نبوته وقال: «فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم». فلم يقم إلاّ عليٌ، ثمّ كرّر دعوته ثانية وثالثة، ففي كل مرّة يحجم القوم عن تلبية دعوته ويقوم علي ويعلن استعداده لمؤازرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعند ذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا» .(1)

ج. حديث المنزلة

روى أصحاب السّير والحديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه فقال له علي: أخرج معك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا» فبكى علي، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي».(2)والاستثناء يدلّ على ثبوت كلّ ما لهارون من المناصب لعلي سوى النبوة.

د. إعلان البراءة من المشركين

لمّا نزلت آيات من سورة التوبة ورفع الأمان فيها عن المشركين علّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أبا بكر تلك الآيات ووجّهه صوب مكّة يرافقه أربعون رجلاً، ليتلوها على مسامع الناس يوم عيد الأضحى، إلاّ أنّ جبرائيل (عليه السلام) نزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: «إنّه لايؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك» ممّا جعل

1 . راجع مسند أحمد: 1 / 111 ; تاريخ الطبري: 2 / 62 ـ 63 ; الكامل في التاريخ: 2 / 40 ـ 41. إلى غير ذلك من المصادر المتضافرة.
2 . صحيح البخاري: ج 5، باب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي، ص 24 .

صفحه22
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يطلب من الإمام علي (عليه السلام)القيام بهذه المهمة، فقال له: «إلحق أبا بكر فخذ الآيات من يده وامض بها إلى مكّة وانبذ بها عهد المشركين إليهم». أي إقرأ على الناس الوافدين إلى منى من شتى أنحاء الجزيرة العربية آيات براءة. (1)

هـ . مشاركة علي في المباهلة

لمّا امتنع نصارى نجران من إعطاء الجزية اتّفقوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على
المباهلة فنزل قوله سبحانه على إنجازها قال: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )(2)، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً
فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» ولم يشارك غيرهم في تلك الساعة الخطيرة ولم يعدل بهم إلى غيرهم، وكأنّه لم يكن على أديم الأرض من له الجدارة التامة للتأمين على دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)غيرهم.

و. حديث الغدير:

إنّ هذا الحديث من الأحاديث المتواترة الّتي رواها الصحابة والتابعون في كلّ عصر وجيل، ولسنا بصدد ذكر مصادره وبيان تواتره، بل بصدد أنّ تلك الحادثة المهمة في تاريخ الإسلام وقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . تفسير الطبري: 10 / 47 ; وتفسير الدر المنثور: 4 / 122 وغير ذلك .
2 . آل عمران: 60 .

صفحه23
فيها وهو على أحداج الإبل: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» أدّت إلى التفاف عدد من المهاجرين والأنصار حول علي (عليه السلام) بما أنّه محور الهداية والقيادة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا هو حسان بن ثابت شاعر عهد الرسالة قد أفرغ قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في شعره. فقال:
وقال له قم يا علي فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

حصيلة البحث

هذه الأحداث المهمة في حياة علي (عليه السلام)تعرب عن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعرف علياً بأنّه الإنسان الصالح للقيادة الحكيمة بعد رحيله، وأنّ له مواهب وقابليات ليست لغيره .
ولذا فقد تابعه عدة من المهاجرين والأنصار خاصّة من الذين لم يكن في قلوبهم غيض أو ضغن عليه وعرفوا هؤلاء بشيعة علي.
فعلى هذا يكون التشيّع هو نفس الإسلام ووجهاً آخر له يرمز إلى أصل إسلامي، وهو أنّ القيادة الحكيمة والهداية العلمية مرتكزتان في علي بتنصيب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن فهم ذلك ووعاه شايع علياً وتابعه، وعرفوا بشيعة علي في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبقوا على هذه العقيدة بعد رحيله، وتبعهم على ذلك جموع من التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا .
وقد صرح بهذا جماعة من المؤلّفين يقول النوبختي: الشيعة هم أتباع علي بن أبي طالب (عليه السلام)المسمّون بشيعة علي (عليه السلام)في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده،

صفحه24
معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته .(1)
وقال أبو الحسن الأَشعري: وإنّما قيل لهم (شيعة) لأنّهم شايعوا عليّاً، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
وقال الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايَعوا علِيّاً على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافتِهِ نصّاً ووصيّة.(3)
إنّ التفاف عدّة من المهاجرين والأنصار ـ الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ـ حول علي (عليه السلام)بعد سماع هذه الروايات الحاثّة، واشتهار طائفة في عصر الرسالة بشيعة علي، نتيجة تلك المواصفات في حق علي (عليه السلام)، أمر طبيعي وليس بغريب جعل الإسلام والتشيّع، توأمان تولّدا معاً، وسيبقيان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
بقي هنا أمران جديران بالبحث والدراسة، وهما:
1. انحياز روّاد النص (الشيعة) عن غيرهم.
2. روّاد التشيع في صدر الإسلام .
وإليك دراسة الأمرين:

1 . فرق الشيعة: 17 .
2. مقالات الإسلاميين: 1 / 65 .
3. الملل والنحل: 1 / 131 .

صفحه25
 
1. انحياز روّاد النصّ (الشيعة) عن غيرهم
قد ظهر ممّا سبق: انّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الّذي بذر بذرة التشيع وغرس نواته الأُولى في حال حياته ورباها بقوله وفعله وعرّف علياً (عليه السلام)بفضائله ومناقبه، فصار ذلك سبباً لالتفاف جماعة من الصحابة حول علي (عليه السلام). ولمّا التحق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى صار المسلمون على طائفتين :
الأُولى: هم الجماعة الذين بقوا على ما كانوا عليه في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في اعتقادهم أنّ منصب القيادة الإسلامية الحكيمة منحصر في علي (عليه السلام)في المجالين السياسي والعلمي، وقد احتجّوا بذلك على الآخرين بحديث الغدير وغيره، وهم الذين سمّوا بالشيعة والموالين لعلي وأهل بيته، وقد بقوا على ذلك ولم يؤثر على عقيدتهم انتزاع الخلافة من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى غيرهم .
الطائفة الثانية: وهم الذين رجّحوا المصالح المزعومة على تنصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحصل لهم اجتماع في سقيفة بني ساعدة والذي عقده الأنصار بأنفسهم دون أن يطلعوا المهاجرين، لأنّهم كانوا مشغولين بتجهيز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد أن اطّلع عمر وأبو بكر باجتماع الأنصار هناك لتعيين الخليفة قال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار لنرى ماهم عليه، فدخلا ومعهما بعض المهاجرين كأبي عبيدة بن الجراح، وكان خطيب الأنصار ونقيبهم سعد بن عبادة يخطب ويحثّ الأنصار على الأخذ

صفحه26
بمقاليد الخلافة بحجة أنّهم آووا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما أخرجه قومه، وضحّوا في سبيل دعوته بكلّ غال ونفيس .
فلمّا أتمّ كلامه ابتدأ أبو بكر بالكلام فاستند إلى أن اللائق بالخلافة هم قوم النبي وقبيلته، بحجّة أنهم أوسط العرب داراً وأحسنهم أحساباً، ولم يكتف بذلك حتّى أخذ بيد عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ورشّحهما للبيعة .

وقفة مع احتجاجات القوم

كان اللازم على الحاضرين في السقيفة أوّلاً: تقديم النص على القيم
القبَليّة آخذين بقوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)(1)، ولكن القوم كانوا معتادين على
تقديم المصالح على النصّ، وليس هذه أوّل قارورة تكسر، بل كان للتقديم هذا جذور في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تبعته حوادث كثيرة ربما تناهز ستين مورداً قد قدّموا فيها المصالح على النص.
وثانياً: لو افترضنا أنّهم رأوا أنّ مصالح الإسلام في تناسي النص كان لزاماً عليهم أن يتفحّصوا عن أعلم القوم بالكتاب والسنّة وأكثرهم دراية بهما، وأقواهم وأخشنهم في ذات الله، وأسبقهم إلى الإيمان والإسلام. كما
هو الوارد عن الكتاب والسنّة، قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ

1 . الأحزاب: 36 .

صفحه27
أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ )(1).
قال الإمام علي (عليه السلام): «أيّها الناس إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله».(2)
وقال الإمام السبط الطاهر الحسين بن علي (عليه السلام): «فما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، الدائن بدين الحق، القائم بالقسط، الحابس نفسه على ذات الله».(3)
وأين هذه الملاكات والضوابط ممّا جاء في احتجاجات المهاجرين والأنصار؟!

حصيلة مناقشات السقيفة

كان النزاع بين الطائفتين محتدماً على قدم وساق، إلى أن قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعه، ثم بايعه المهاجرون الثلاثة الحاضرون هناك، فصار ذلك ذريعة لئن يبايعه رئيس قبيلة الأوس خوفاً من أن يكون النجاح لسعد بن عبادة رئيس قبيلة الخزرج، وقد اكتفى المهاجرون بهذا المقدار من البيعة فخرجوا من السقيفة داعين الناس لبيعة أبي بكر.

1 . الحج: 41 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 173 .
3 . روضة الواعظين: 206 .

صفحه28
إنّ دراسة ما جرى في السقيفة ـ من الضرب والشتم ـ وتحليل الأحداث المريرة الّتي جرت بعدها يُحوجنا إلى تأليف كتاب مفرد لسنا بصدده الآن .
ونقتصر في بيانها بكلمة عمر بن الخطاب الّذي رفع الستر عمّا جرى فيها بعد حُقَب من الزمن وقال:
كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله المسلمين شرّها ـ أو قال ـ كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت، وانها قد كانت كذلك إلاّ أنّ الله قد وقى شرّها ـ فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فإنّه لا بيعة له .(1)
روّاد التشيع في صدر الاسلام   

2. روّاد التشيع في صدر الإسلام

قد عرفت أنّ العنصر المقوّم للتشيع هو الاعتقاد بأنّ القيادة الإسلامية الحكيمة في حقلي التعليم والسياسة منحصرة في علي وأهل بيته(عليهم السلام)، وهذا هو الأصل الجامع بين الشيعة، وهذا الأصل يمثل العمود الفقري بين سائر المسائل الأُصولية، ولأجل أن نتعرف على روّاد التشيع والمتمسكين بهذا المبدأ نذكر أسماء عدد من الصحابة من الشيعة من بني هاشم وغيرهم:
1 ـ عبد الله بن عبّاس .                           2 ـ الفضل بن العبّاس .
3 ـ عبيد الله بن العبّاس .                           4 ـ قثم بن العبّاس .

1 . السيرة النبوية: 2 / 658 ; تاريخ الطبري: 2 / 446 .

صفحه29
5 ـ عبد الرحمن بن العبّاس .                     6 ـ تمام بن العبّاس .
7 ـ عقيل بن أبي طالب .   8 ـ أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب .
9 ـ نوفل بن الحرث .   10 ـ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .
11 ـ عون بن جعفر .                        12 ـ محمّد بن جعفر .
13 ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب .      14 ـ الطفيل بن الحرث .
15 ـ المغيرة بن نوفل بن الحارث .   16 ـ عبدالله بن الحرث بن نوفل .
17 ـ عبدالله بن أبي سفيان بن الحرث .   18 ـ العبّاس بن ربيعة بن الحرث .
19 ـ العبّاس بن عتبة بن أبي لهب .   20 ـ عبدالمطّلب بن ربيعة بن الحرث .
21 ـ جعفر بن أبي سفيان بن الحرث .
هؤلاء من مشاهير بني هاشم ، وأمّا غيرهم فإليك أسماء طائفة منهم :
22 ـ سلمان الفارسي المحمّدي .         23 ـ المقداد بن الأسود الكندي .
24 ـ أبو ذرّ الغفاري .                        25 ـ عمّار بن ياسر .
26 ـ حذيفة بن اليمان .                     27 ـ خزيمة بن ثابت .
28 ـ أبو أيوب الأنصاري ، مضيّف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .
29 ـ أبو الهيثم مالك بن التيهان .
30 ـ أُبيّ بن كعب .                        31 ـ سعد بن عبادة .
32 ـ قيس بن سعد بن عبادة .               33 ـ عديّ بن حاتم .

صفحه30
34 ـ عبادة بن الصامت .   35 ـ بلال بن رباح الحبشي .
36 ـ أبو رافع مولى رسول الله .               37 ـ هاشم بن عتبة .
38 ـ عثمان بن حنيف .                        39 ـ سهل بن حنيف .
40 ـ حكيم بن جبلة العبدي .   41 ـ خالد بن سعيد بن العاص .
42 ـ ابن الحصيب الأسلمي .   43 ـ هند بن أبي هالة التميمي .
44 ـ جعدة بن هبيرة .   45 ـ حجر بن عديّ الكندي .
46 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي .   47 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري .
48 ـ محمّد بن أبي بكر .   49 ـ أبان بن سعيد بن العاص .
50 ـ زيد بن صوحان العبدي .
هؤلاء خمسون صحابياً من الطبقة الأُولى للشيعة ، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في الرجال ، ولكن بعين مفتوحة وبصيرة نافذة .
وفي الختام نورد ما ذكره محمّد كرد عليّ في كتابه «خطط الشام» قال : عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مثل سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له .
افتراضات وهمية حول نشوء الشيعة   
ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول : أُمر الناس بخمس فعملوا

صفحه31
بأربع وتركوا واحدة ، ولمّا سئل عن الأربع ، قال : الصلاة ، والزكاة ، وصوم شهر رمضان ، والحجّ .
قيل : فما الواحدة التي تركوها؟
قال : ولاية عليّ بن أبي طالب .
قيل له : وإنّها لمفروضة معهنّ؟
قال : نعم هي مفروضة معهنّ .
ومثل أبي ذر الغفاري ، وعمّـار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وخالد بن سعيد ، وقيس بن سعد بن عبادة.(1)

4. افتراضات وهمية حول نشوء الشيعة

قد تعرّفت على أنّ نشوء مذهب التشيع ليس وليد نتيجة الجدل الكلامي ولم يكن من نتاج السياسات الزمنية، وإنّما نشأ بنشوء الإسلام، لأنّ الباذر الأوّل للتشيّع هو ذاته رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ إنّ التشيّع والإسلام هما وجهان لعملة واحدة، إلاّ أنّ جماعة من المؤرّخين وكتّاب المقالات صوّروا أنّ التشيّع أمر حادث وطارئ على المجتمع الإسلامي، فأخذوا يُفتشون عن مبدئه ومصدره، وسوف نتناول بعض الافتراضات المهمة ونناقشها ونجيب عنها واحداً بعد الآخر.

1 . خطط الشام: 5 / 251 .

صفحه32
 
الافتراض الأوّل:

التشيّع صنيع عبد الله بن سبأ

لنقرأ ما كتبه الطبري حول هذا الوهم المصطنع :
قال : «إنّ يهودياً باسم عبد الله بن سبأ المكنّى بابن السوداء في صنعاء أظهر الإسلام في عصر عثمان ، واندسّ بين المسلمين ، وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم : الشام ، والكوفة ، والبصرة ، ومصر ، مبشّراً بأنّ للنبيّ الأكرم رجعة كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة ، وأنّ عليّاً هو وصي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)كما كان لكلّ نبيّ وصي ، وأنّ عليّاً خاتم الأوصياء كما أنّ محمّداً خاتم الأنبياء ، وأنّ عثمان غاصب حقّ هذا الوصيّ وظالمه ، فيجب مناهضته لإرجاع الحقّ إلى أهله» .
«إنّ عبد الله بن سبأ بثّ في البلاد الإسلامية دعاته ، وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والطعن في الأُمراء ، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين ، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح من أمثال أبي ذر ، وعمّـار بن ياسر ، ومحمّد بن حذيفة ، وعبد الرحمن بن عديس ، ومحمّد بن أبي بكر ، وصعصعة بن صوحان العبدي ، ومالك الأشتر ، إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم ، فكانت السبئية تثير الناس على ولاتهم ، تنفيذاً لخطّة زعيمها ، وتضع كتباً في عيوب

صفحه33
الأُمراء وترسل إلى غير مصرهم من الأمصار . فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين ـ بتحريض السبئيين ـ وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره ، حتّى قتل فيها ، كلّ ذلك كان بقيادة السبئيّين ومباشرتهم» .
«إنّ المسلمين بعد ما بايعوا عليّاً ، ونكث طلحة والزبير بيعته وخرجا إلى البصرة ، رأى السبئيّون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون ، وأنّه إنّ تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان ، فاجتمعوا ليلا وقرّروا أنّ يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم ، وأنّهم استطاعوا أنّ ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان ، فناوش المندسّون من السياسيين في جيش عليّ من كان بأزائهم من جيش البصرة ، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما ، وظنّ كلّ بخصمه شرّاً ، ثمّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق ، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم» .(1)
إلى هنا انتهت قصة السبئية الّتي يذكرها الطبري في تاريخه في أحداث سنوات 30 ـ 36 للهجرة، وقد أخذ ذلك مَن جاء بعده من المؤرخين وكتاب المقالات كحقيقة راهنة، وبنوا عليها ما بنوا من الأفكار والآراء، فصارت الشيعة وليدة السبئية في زعم هؤلاء عبر القرون والأجيال، ولا حاجة لنا في ذكر أسماء من اتّخذ قصة الطبري مسنداً لادّعائه.
هذا حال من كتب عن الشيعة من المسلمين، وأمّا المستشرقون

1 . تاريخ الطبري: 3 / 378 .

صفحه34
المتطفّلون على موائد المسلمين فقد اتّبعوا تلك الفرضية الخاطئة في بحوثهم.

نظر المحقّقين في الفرضية

1. ما سرده الطبري من قصة ـ مع الغض عمّا في سندها من مجاهيل ـ أشبه بالأساطير والخرافات، إذ كيف يصح لإنسان أن يصدّق أنّ يهودياً جاء من صنعاء وأسلم في عصر عثمان، واستطاع أن يُغري كبار الصحابة والتابعين، ويخدعهم ويطوف بين البلاد واستطاع أن يكوّن خلايا ضد عثمان ويستقدمهم إلى المدينة ويؤلّبهم على الخلافة الإسلامية، فيهاجموا داره ويقتلوه، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول ومن تبعهم بأحسان، هذا شيء لا يحتمله العقل وإن وطّن نفسه على قبول العجائب والغرائب!!
إنّ هذه القصة تمسّ كرامة المسلمين والصحابة والتابعين وتصوّرهم أُمّة ساذجة يغترون بفكر يهودي ماكر متظاهر بالإسلام دون أن يعرفوه، وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكّرون!!
2. انّ القراءة الموضوعية لسيرة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان تثبت أنّهما لا يسمحان للمعارضين بالتحرك في البلاد الإسلامية وبثّ الدعاية ضدهم، والشاهد على ذلك:
أ. لما خالف أبو ذر عثمان بن عفان نفاه من المدينة إلى الربذة، لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال على أبناء عمومته.
ب. ضرب عثمان عمّار بن ياسر حتّى انفتق له فتقاً في بطنه

صفحه35
وكسر عمّاله ضلعاً من أضلاعه.(1)
إلى غير ذلك من الأحداث الّتي جرت على المعارضين المخالفين للخلافة الذين نفوا من عقر دارهم.
فلماذا لم يتعامل معه، بالأُسلوب الّذي تعامل به مع الآخرين.
يقول العلاّمة الأميني : لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن ، وشقّ عصا المسلمين ، وقد علم به وبعيثه أُمراء الأُمّة وساستها في البلاد ، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت ، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه ، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة، والتأديب بالضرب والإهانة ، والزجّ إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى الإعدام المريح للأُمّة من شرّه وفساده كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ وهتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملأ الديني :
(إِنَّما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف أَوْ يُنفَوا مِنَ الأرضِ ذَلِك لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2) فهلاّ اجتاح
الخليفة جرثومة تلك القلاقل بقتله؟ وهل كان تجهّمه وغلظته قصراً على الأبرار من أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ففعل بهم ما فعل ؟!!(3)

1 . الاستيعاب: 2 / 422 .
2 . المائدة : 33 .
3 . الغدير: 9 / 219 ـ 220 .

صفحه36
3. ان رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم، وإليك من ورد في سند هذه القصة:
أ. السري: ان السري الّذي يروي عنه الطبري مردّد بين رجلين:
1. السري بن إسماعيل الهمداني الّذي كذّبه يحيى بن سعيد وضعّفه غير واحد من الحفاظ.(1)
2. السري بن عاصم بن سهل الهمداني الّذي أدرك الطبري شطراً من حياته، كذبه غير واحد من علماء الرجال وعدّوه من الوضّاعين .(2)
ب. شعيب والمراد به شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف، وقال الذهبي: راوية كتب سيف عنه، فيه جهالة .(3)
ج. سيف بن عمر: وهذا هو رأس الفتنة ـ قال ابن حِبّان: كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات، وقال: قالوا: انّه كان يضع الحديث، واتّهم بالزندقة.(4) إلى غير ذلك من الكلمات الكاشفة عن سوء سريرته وفساد عقيدته وعدم اكتراثه عن الوضع والكذب.
فإذا كان هذا هو حال السند، فكيف نعتمد في تحليل نشوء طائفة كبيرة من طوائف المسلمين تشكّل خمسهم أو ربعهم على تلك الرواية مع أنّ هذا هو حال سندها، فالاعتماد عليها خداع وضلال .

1 . ميزان الاعتدال: 2 / 117 .
2 . ميزان الاعتدال: 2 / 117 ; لسان الميزان: 3 / 12 .
3 . ميزان الاعتدال: 2 / 275 ; لسان الميزان: 2 / 145 .
4 . ميزان الاعتدال: 1 / 438 ; تهذيب التهذيب: 4 / 295.

صفحه37

عبد الله بن سبأ اسطورة تاريخية

إلى الآن قد فرضنا أنّ لعبد الله بن سبأ وجوداً خارجياً يحلم بإفساد الأمر على المسلمين، والّذي ننكره هو نجاح رجل يهودي ماكر متظاهر بالإسلام إلى هذه الدرجة من القوة بحيث يستطيع أن يفسد الأمر على الخلافة ويبث دعاته في الأمصار ويكاتب الآخرين حتّى ينتهي الأمر إلى قتل الخليفة، وبالتالي إلى تقابل الجيشين في البصرة وإفساده الأمر عليهم، واختراع مذهب باسم الشيعة و...
والآن نعود إلى حقيقة أُخرى كشف عنها المحقّقون المعاصرون، وهي أنّ الشواهد والقرآئن تشهد بأنّ مثل عبد الله بن سبأ مثل مجنون بني عامر وبني هلال، وأمثال هؤلاء الرجال والأبطال كلّها أحاديث خرافية قصّها القصّاصون وأرباب السمر والمجون كي تأنس بها ربّات الحجال وأبناء الترف والنعمة، وأمّا على أرض الواقع فلا وجود لها، وهذه الحقيقة هي الّتي انتهى إليها الدكتور طه حسين في كتابه «الفتنة الكبرى» وقد تبعه غير واحد من المستشرقين، ومن أراد أن يقف على ما حقّقه هؤلاء الأكابر حول عبد الله بن سبأ فليرجع إلى المصادر المذكورة في الهامش(1).

1 . أ. أصل الشيعة وأُصولها لكاشف الغطاء ص 73 .
ب. الفتنة الكبرى لطه حسين ص 134، فصل ابن سبأ.
ج. الغدير : 9 / 220.
د. عبد الله بن سبأ للسيد مرتضى العسكري.
هـ . نظرية الإمامة للدكتور أحمد محمود صبحي: 37.

صفحه38
 
الافتراض الثاني:

التشيع فارسي المبدأ أو الصبغة

وهنا تطرح فرضية ثانية اخترعها المستشرقون لنشوء الشيعة في المجتمع الإسلامي، وهؤلاء كغيرهم من الباحثين اعتقدوا بأنّ التشيع ظاهرة حدثت بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذوا يفتشون عن علّتها وسبب حدوثها حتّى انتهوا إلى أنّ التشيع فارسي المبدأ أو الصبغة .
وهذه الفرضية اخترعها المستشرق «دوزي» وحاصلها: أنّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية لأنّ العرب كانوا يدينون بالحرية، والفرس يدينون بالملك والوراثة ولا يعرفون معنى الانتخاب، ولمّا انتقل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى دار البقاء ولم يترك ولداً قالوا عليٌّ أولى بالخلافة من بعده.
وبتعبير موجز: أنّ الانسجام الفكري بين الفرس والشيعة ـ أعني: كون الخلافة أمراً وراثياً ـ دليل على أنّ التشيّع وليد الفرس.
وهذه الفرضية أشبه بالفرضية السابقة من الضعف حيث إنّها دعوى بلا برهان، بل هي دعوى تكذّبها الشواهد الكثيرة الدالّة على أنّ التشيّع عربي المبدأ ; وهي:
أوّلاً: إنّ التشيّع حسب ما عرفت ظهر في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو

صفحه39
الّذي سمّى أتباع علي (عليه السلام)بالشيعة، وكانوا متواجدين في عصر النبي وبعده، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس سوى سلمان، في الإسلام .
إنّ رواد التشيع في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي (عليه السلام)كانوا كلّهم عرباً، ولم يكن بينهم أي فارسي سوى سلمان المحمدي.
ثانياً: كان لأبي الحسن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)أيام خلافته ثلاثة حروب ، هي: حرب الجمل، وصفين والنهروان; وكان جيشه كلّه عرباً أقحاحاً بين عدنانيّ وقحطانيّ، فقد انضم إلى جيشه زرافات من قريش والأوس والخزرج، ومن قبائل مذحج وهمدان وطي وكندة وتميم، ومضر، وكان زعماء جيشه من رؤوس هذه القبائل ، كهاشم المرقال ، ومالك الأشتر ، وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وعبد الله بن عباس ، ومحمّد بن أبي بكر ، وحجر بن عدي ، وعدي بن حاتم ، وأضرابهم . وبهذا الجيش وبأُولئك الزعماء فتح أمير المؤمنين البصرة ، وحارب القاسطين ـ معاوية وجنوده ـ يوم صفّين ، وبهم قضى على المارقين .
فأين الفرس في ذلك الجيش وأُولئك القادة كي نحتمل أنّهم كانوا الحجر الأساس للتشيّع؟! ثمّ إنّ الفرس لم يكونوا الوحيدين ممّن اعتنقوا هذا المذهب دون غيرهم ، بل اعتنقه الأتراك والهنود وغيرهم من غير العرب .
وقد شهد بما ذكرنا لفيف من المحقّقين من المستشرقين

صفحه40
وغيرهم، ونقتصر على ذكر قول واحد منهم:
قال المستشرق فلهوزن: كان جميع سكان العراق في عهد معاوية خصوصاً أهل الكوفة شيعة ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل شمل القبائل ورؤوساء العرب .(1)
وثالثاً: انّ الإسلام كان ينتشر بين الفرس بالمعنى الّذي كان ينتشر به في سائر الشعوب، ولم يكن بلد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الأشعريين الشيعة إلى قم وكاشان، فبذروا التشيّع، وكان ذلك في أواخر القرن الأوّل مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني أي من سنة 17 هـ ، وهذا يعني أنّه قد انقضى عشرات الأعوام ولم يكن عندهم أثر من التشيّع.
يقول السيد الأمين: إنّ الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أوّل الأمر إلاّ القليل، وجلّ علماء السنّة وأجلاؤهم من الفرس كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية .(2)
نعم ربّما يستدلّ على أنّ التشيع فارسي المبدأ في اتفاقهما في أنّ الخلافة أمراً وراثياً في منطق الشيعة والفرس، حيث كان الأمر كذلك في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم، ولكن ذلك ذريعة باطلة حيث إنّ الخلافة

1 . الخوارج والشيعة: 241 ـ 248 .
2 . أعيان الشيعة: 1 / 33، الطبعة الخامسة.

صفحه41
عند الشيعة ليست وراثية، بل هي أمر تنصيصي، غاية الأمر أنّ الله سبحانه جعل نور الإمامة في بيوت خاصة ينصّ كلّ إمام على إمامة إمام آخر بعده.
والّذي يقرّب ذلك أنّه سبحانه تبارك وتعالى جعل النبوة في ورثة
إبراهيم فكان يتوارث نبيٌ نبياً ووصيٌ وصياً، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتَابَ)(1) .
فلماذا لا تكون الإمامة في التوارث كالنبوة في ذرية إبراهيم (عليه السلام)؟!
رابعاً: مَن قرأ تاريخ الفرس وحياة علمائهم ودخولهم في التسنّن والتشيّع يقف على أنّ التسنّن كان هو السائد عليهم إلى أوائل القرن العاشر حتّى غلب عليهم التشيّع في العصر الصفوي.
نعم كانت الري وقم وكاشان معقل الشيعة، وهذه المدن بالنسبة إلى سائر البلاد الفارسية صغيرة جداً.
قال بروكلمان: إنّ الشاه الصفوي إسماعيل لمّا انتصر على ألوند توجه نحو تبريز فأعلمه علماء الشيعة في تبريز أن ثلثي سكان المدينة ـ الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف ـ من السنّة .(2)
هذه بعض الفروض الّتي افترضها عدة من الباحثين الذين فرضوا التشيع أمراً عارضاً على جسم الأُمّة الإسلامية وذهبوا إلى افتراض علل لنشوئه، وأمّا نحن فقد ذكرنا أنّ جوهر التشيّع ليس له إلاّ أصل واحد، وهو

1 . الحديد: 26 .
2 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 1 / 140 .

صفحه42
كون القيادة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجالي العلم والسياسة لعلي (عليه السلام)ثم للأوصياء من بعده، فالتشيّع كالإسلام حجازي المولد والمنشأ اعتنقه العرب فترة طويلة ثم انتشر شيئاً فشيئاً بين الأُمة الإسلامية .
وأمّا سائر الافتراضات فليس لها قيمة حتّى نتطرق إلى مناقشتها.
الشيعة الإمامية والخلافات السائدة مع فرق الشيعة الأُخرى   

5. الشيعة الإمامية والخلافات السائدة بينهم وبين غيرهم من طوائف الشيعة:

كانت الشيعة بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كتلة واحدة يشايعون علياً وأهل بيته إلى أن وقعت رزية الطف واستشهد الإمام الحسين (عليه السلام)بيد الطغمة الغاشمة من بني أُمية فظهرت فرقة الكيسانية وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، ثم تبعتها فرق أُخرى فى الظهور حسب تطورات الأحداث مثل الزيدية أتباع زيد بن علي، والمغيرية، والمحمدية، والناووسية، والإسماعيلية، والسميطية، والفطحية، والواقفية، والخطّابية، والنصيرية، والمفوضة.
هذه فرق الشيعة الّتي ذكرها أصحاب المقالات والفرق، وقد انقرضت أكثرها وبادت وتشتّت آراؤها وطويت في سجل التاريخ ولم يبق منها إلاّ ثلاث، هي: الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية .
وعليه نسلّط الضوء بصورة مختصرة على فرقتي الزيدية والإسماعيلية والفارق الجوهري بينها وبين الشيعة الإمامية.
دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية   

صفحه43
 
الزيدية والإسماعيلية
الزيدية والإسماعيلية من فرق الشيعة كالإمامية، وقد اتّفقت الشيعة بطوائفها الثلاث على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أوصى لعلي بالوصاية والخلافة، وأمر بالتمسّك بالثقلين، وأنّه لا يعدل بهما إلى غيرهما .
والنقطة الفارقة الشاخصة الّتي تميّز المذهب الزيدي عن المذهب الإمامي هو القول باختصاص الوصاية عند الزيدية لعلي والحسنين(عليهم السلام)دون باقي الأئمة، بل الزعامة بعدهم لكل هاشمي عالم خارج بالسيف يدعو إلى إمامة نفسه، ولكن الإمامية يسوقون النصّ على اثني عشر خليفة، أوّلهم علي وآخرهم القائم المهدي (عليه السلام).
ويقرب منهم الإسماعيلية فهم يسوقون النصّ بالإمامة إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)وبعده إلى ابنه اسماعيل ثمّ تستمر الإمامة في رأيهم في أولاد هؤلاء .
ثمّ إنّ لكلّ من الزيدية والإسماعيلية فرقاً تمتاز كلّ عن الآخر بآراء وأُصول، تطلب من محالّها.

6. دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية

للشيعة الإمامية دور في بناء صرح الحضارة الإسلامية الكبرى يتمثّل في تأسيس العلوم الإسلامية، فبرز منهم طلائع العلوم اللغوية والشرعية

صفحه44
كتفسير القرآن الكريم وعلم الحديث والفقه والرجال، كما طلع منهم عباقرة كذلك في العلوم الطبيعية كالجغرافيا والتاريخ والطب والكيمياء والرياضيات والهندسة وغيرها. والتاريخ حافل بأعلامهم ولهم في هذه المجالات جهود مشكورة، ومؤلّفاتهم مشهورة ذائعة تقرأ على رؤوس الأشهاد.
إن هذه الجهود الكبرى ـ الّتي بذلت في سبيل العلوم والثقافة وابتدأت من القرن الهجري الأوّل وحتّى هذا اليوم، وأسست من أجلها الحوزات والمدارس والجامعات والمعاهد العديدة ـ تمّت على أيدي علماء الشيعة، ورجالهم الذين لم يفتأوا لحظة واحدة عن تقديم الخدمة للعالم البشري والحضارة الإسلامية والإنسانية.
إنّ كتب المعاجم والتراجم حافلة بذكر جهابذة الشيعة في المجالات المختلفة من غير فرق بين الفقه وأُصوله والقرآن والحديث وعلومهما واللغة والأدب، كما أنّ لهم دور في تأسيس المعاهد والجامعات في شرق العالم الإسلامي وغربه.
ومن أراد التفصيل فعليه أن يقرأ تاريخ الشيعة والحضارة الإسلامية.

صفحه45
 
الفصل الثاني

الأُصول الاعتقادية

1. التوحيد الذاتي
2. التوحيد في الصفات
3. التوحيد في الخالقية
4. التوحيد في الربوبية
5. التوحيد في الحاكمية
6. التوحيد في العبادة
7. صفات الذات وصفات الفعل
8. صفاته الثبوتية والسلبية
9. صفاته الخبرية
10. القضاء والقدر
11. الإنسان موجود مختار
12. ضرورة النبوة العامّة وصفات الأنبياء
13. النبوة الخاصة
14. المعاد والقيامة
15. المسائل الكلامية الّتي تفردت بها الإمامية

صفحه46

صفحه47
   

الأُصول الاعتقادية

الشيعة الإمامية شاركت سائر الفرق الإسلامية في أُصول عامّة وربّما امتازت عن سائر الفرق ببعض الأُمور ونشير إلى رؤوس تلك الأُصول :

1. التوحيد الذاتي

إنّ التوحيد هو الحبل الّذي يتمسك به عامة المسلمين، بل سائر الشرائع السماوية.
للتوحيد الذاتي معنيان:
الأوّل: أنّ الله واحد لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه ولا عديل.
الثاني: انّ الذات الإلهية ذات بسيطة لا كثرة فيها ولا تركيب، فقوله
سبحانه: (وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)(1) إشارة إلى المعنى الأوّل، وأمّا قوله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(2)فهو إشارة إلى المعنى الثاني .

1 . التوحيد: 4 .
2 . التوحيد : 1 .

صفحه48

2. التوحيد في الصفات

لا شكّ أنّ الله سبحانه وتعالى يوصف بصفات تحكي عن وجود كمال في ذاته، فيقال: إنّه عالم قادر حي.
كما أنّ الإنسان يوصف أيضاً بهذه الصفات فهو أيضاً ـ بإذن الله ـ عالم قادر حي، ولكن يختلف وصفه سبحانه بها مع وصف غيره بها من جهتين :
الأُولى: انّ هذه الصفات (العلم والقدرة والحياة) مختلفة مفهوماً ولكنّها متّحدة في الله سبحانه وجوداً وتحقّقاً، فليس حيثية العلم في ذاته غير حيثية القدرة، وكلاهما غير حيثية الحياة فذاته سبحانه كلّها علم، وقدرة، وحياة.
وهذا بخلاف الإنسان فإنّ مفاهيمها فيه مختلفة، كما أنّ واقعياتها فيه أيضاً كذلك، فإنّ واقع الشعور (العلم) في الإنسان غير واقع القدرة وكلاهما غير واقع الحياة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ صفاته سبحانه بعضها متحد مع البعض، وليس هناك بين الصفات تغاير وتباين في الوجود.
الثانية: كما أنّه لا اختلاف بين واقعيات الصفات فهكذا لا اختلاف بين الصفات والذات فصفاته سبحانه عين ذاته لا زائدة عليها، بخلاف الإنسان فإنّ صفاته زائدة عليه، إذ كان موجوداً ولم يكن عالماً ولا قادراً وإنّما اكتسب العلم والقدرة.

صفحه49
 
3. التوحيد في الخالقية
يراد من التوحيد في الخالقية أنّ صحيفة الوجود برُمّتها مخلوقة لله
سبحانه، قال تعالى: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء وَ هُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)(1) .
والمراد من حصر الخالقية في الله سبحانه هو الخالقية المستقلة الأصلية الّتي لا يعتمد الخالق في فعلها على غيره، فالخالقية بهذا المعنى من أوصافه سبحانه.
نعم الخالقية الظلّيّة المعتمدة على مشيئة الله سبحانه من شؤون غيره، ولذلك نرى أنّه سبحانه يصف نفسه بأنّه أحسن الخالقين، قال
تعالى : (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)مصرحاً بوجود خوالق غيره لكنّه
أحسنهم .
وما ذلك إلاّ لأنّ خالقيته ذاتية غير مكتسبة بخلاف غيره .
ومن هنا نرى أنّ المسيح يُسند الخلقة إلى نفسه ويقول : (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ )(2).
ومن هنا يجب أن نعترف بأنّ حصر الخالقية في الله سبحانه لا يعني إنكار السنن بين الظواهر الطبيعية، لأنّ العلّية والمعلولية في أجزاء عالم

1 . الرعد: 16 .
2 . آل عمران: 49 .

صفحه50
المادة لا تعني استقلال العلّة في العليّة والإيجاد، وإنّما تعني أنّه سبحانه أجرى في عالم المادة قانون العلّية والمعلولية وهو وراؤها، فكلّ من الشمس والهواء يؤثر في نبات الأرض كما أنّ الماء مؤثر في نموه لكن وجود المؤثر وتأثيره كلها بإذن الله سبحانه، والجميع من مظاهر سنن الله في الكون، ولقد ضل من فسّر التوحيد بالخالقية بإنكار العلل والروابط المادية بين أجزاء العالم فجعل الدين منكراً للعلم ومقابلاً له .

4. التوحيد في الربوبية

قد كان التوحيد في الخالقية مورد اتفاق بين أغلب المشركين وإنّما كانوا يختلفون عن الموحّدين بالتوحيد في الربوبية، فمشركو عصر النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام)كانوا يعتقدون بوحدة خالق الكون، إلاّ أنّهم كانوا يعتقدون خطأً بأنّ النجوم والكواكب هي الأرباب والمدبّرات لهذا الكون، وقد تركّزت مناظرة إبراهيم لهم على هذه المسألة كما يتّضح ذلك من بيان القرآن الكريم حيث ركزّ البحث على ربوبية الأجرام السماوية.(1)
وكذا في عهد النبي يوسف (عليه السلام)الّذي كان يعيش بعد عصر النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فإنّ الشرك كان في مسألة الربوبية حيث كانوا يتصورون أنّ الله بعد أن خلق الكون فوّض أمر تدبيره وإدارته إلى الآخرين. ولذلك ركّز يوسف في هدايتهم على التوحيد في الربوبية حيث قال: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)(2).

1 . راجع سورة الإنعام الآيات: 76 ـ 78.   2 . يوسف: 39 .

صفحه51
ويدلّ على التوحيد الربوبي هو أنّ تدبير عالم الخلق في مجال الإنسان والكون، لا ينفصل عن مسألة الخلق، وليس التدبير شيئاً غير عملية الخلق. فإذا كان خالق الكون والإنسان واحداً، كان مدبّرهما بالطبع والبداهة واحداً كذلك، لوضوح العلاقة الكاملة بين عملية التدبير وعملية الخلق للعالم.
ولهذا فإن الله تعالى عندما يصف نفسه بكونه خالق الأشياء يصفها
في ذات الوقت بأنّه مدبّرها، قال تعالى: ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)(1).

5. التوحيد في الحاكمية

كما أنّ لصحيفة التكوين مدبراً حقيقياً واحداً وهو الله تبارك وتعالى، فهكذا لصحيفة التشريع حاكم واحد وهو الله سبحانه، فهو الحاكم وبالتالي هو المقنن والمطاع بالذات، وليس لغيره حق الحكومة ولا التشريع ولا
الإطاعة إلاّ بإذنه سبحانه، يقول الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)(2)، وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)(3)، وقال تعالى: (وَ مَا

1 . الرعد: 2 .
2 . يوسف: 40 .
3 . النساء: 80 .

صفحه52
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)(1) .
وبالجملة فعامة الشؤون الّتي ترجع إلى الحكومة والتشريع والإطاعة كلّها ثابتة لله تعالى بالذات، وانّما تثبت لغيره بأمره وإذنه .

6. التوحيد في العبادة

إنّ التوحيدَ في العبادة هو الأصل المشترك والقاعدة المتفق عليها بين جميع الشرائع السماوية.
وبكلمة واحدة: إنّ الهدف الأسمى من بَعث الأنبياء والرُّسُل الإلهيّين
هو التذكير بهذا الأصل كما يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كلّ أُمَّة رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغوتَ)(2).
إِنّ جميع المسلمين يعترفون في صلواتهم اليومية بهذا الأصل ويقولون: (إيّاكَ نَعْبُدُ )(3).
وعلى هذا الأساس فإنّ وجوبَ عبادة الله وحده، والاجتناب عن عبادة غيره أَمرٌ مسلَّمٌ لا كلامَ فيه، ولا يخالف أحد في هذه القاعدة الكلية أبداً، وإنّما الكلام هو في أنّ بعض الأعمال والممارَسات هل هي مصداق لعبادة غير الله أم لا؟ وللوصُول إلى القولِ الفصلِ في هذا المجال يجب

1 . النساء: 64 .
2. النحل : 36 .
3. الفاتحة : 5 .

صفحه53
تحديد مفهوم العبادة تحديداً دقيقاً، وتعريفها تعريفاً منطقياً، بغية تمييز ما يدخل تحت هذا العنوان ويكون عبادة، ممّا لا يكون كذلك، بل يُؤتى به من باب التعظيم والتكريم.
وسيوافيك ملاك العبادة في الفصل الثالث .

7. صفات الذات وصفات الفعل

تنقسم صفات الله سبحانه إلى قسمين:
ذاتي وفعلي .
والمراد من الأوّل ما توصف به الذات بما هي هي، ككونه عالماً قادراً.
والمراد من الثاني ما توصف به الذات بملاحظة صدور فعل منه كالخالقية والرازقية وما شابه ذلك من الصفات الّتي تنتزع من مقام الفعل ويوصف بها سبحانه بعد ملاحظة ما صدر منه من الأفعال. فبما انّه خلق العالم فهو خالق، أو رزق الناس فهو رازق، وهكذا.

8. صفاته الثبوتية والسلبية

تنقسم صفات الله سبحانه إلى صفات ثبوتية وصفات سلبية، والمراد بالأُولى الصفات الّتي تحكي عن الكمال كما مرّ من كونه عالماً وقادراً.
والمراد من الصفات السلبية هو تنزيه ذات الله تعالى عن الصفات الّتي تحكي عن الحاجة والنقص والفقر.

صفحه54
وبتعبير آخر: ان لله سبحانه صفات جمال وصفات جلال، فالأُولى تحكي عن كمال الذات فتوصف بها، والأُخرى تحكي عن النقص فتسلب عنها. وعلى ضوء هذا فالله سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا محلاً لشيء ولا حالاًّ في شيء، لأنّ هذه الصفات تلازم النقص والحاجة كما إذا كان حالاًّ، أو أنّها مستلزمة للتركيب كما إذا كان محلاً.
وللمحقّقين من علماء الإمامية بحوث دقيقة حول صفات الجمال والجلال جديرة بالمراجعة.

9. صفاته الخبرية

المراد من الصفات الخبرية هي الصفات الّتي وردت في آيات القرآن الكريم أو السنّة الشريفة ولم يكن لها مستند سوى النقل مثل:
1. يد الله، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(1).
2. وجه الله، قال تعالى: (وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(2).
3. عين الله، قال تعالى: (وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَ وَحْيِنَا)(3).

1 . الفتح: 10 .
2 . البقرة: 115 .
3 . هود: 37 .

صفحه55
4. الإستواء على العرش، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(1).
إنّ مفردات الآيات المذكورة تحكي عن كون الله سبحانه وتعالى جسماً أو جسمانياً، هذا من جانب ومن جانب آخر دلّت الآيات المحكمات على تنزيهه عن ذلك، كما في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء) (2)، كما دلّت البراهين العقلية على ذلك أيضاً، وعلى ضوء ذلك فتحقيق المراد من هذه الصفات رهن دراسة عامّة الآيات والإمعان في القرائن الموجودة في خصوص هذه الألفاظ والخروج بنتيجة قطعية، ولذلك ذهب أهل التنزيه بعد هذه الدراسة إلى أنّها كنايات واستعارات ومجازات، والتفصيل في محله .

10. القضاء والقدر

إنّ الاعتقاد بالقضاء والقدر من العقائد الإسلامية الّتي وردت في الكتاب والسنّة ولكن لابد من تفسيرهما بشكل لا ينتج الجبر وسلب الاختيار عن الإنسان، أمّا القدر فهو عبارة عن تقدير وجود الشيء
وهندسته، فالله سبحانه خلق كلّ شيء بقدر خاص، قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر )(3).

1 . طه: 5 .
2 . الشورى: 7 .
3 . القمر: 49 .

صفحه56
وأمّا القضاء فهو وصول الفعل إلى مرحلة القطعية والحتمية، وفي الوقت نفسه إنّ لارادة الإنسان واختياره دوراً في بلوغ الفعل إلى مرتبة القضاء، فالإنسان باختياره فعلاً من الأفعال يكون سبباً للقضاء عليه بالحتم.

11. الإنسان موجود مختار

مهما تجاهل الإنسان من أمر فلا يمكن له أن يتجاهل أنّه إنسان مختار في الأخذ بأحد طرفي الفعل بقدرة مفاضة من الله سبحانه، ففعله مستند إلى الله سبحانه من جهة وفي الوقت نفسه مستند إليه من جهة أُخرى .
أمّا الأوّل فلأنّه يعمل بالقدرة المفاضة عليه، وأمّا الثاني فهو باختياره ينتخب أحد الأمرين، ولذلك ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قولهم: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين».

12. ضرورة النبوّة العامّة

اختار الله الحكيم رجالاً صالحين لهداية الإنسان وإسعاده، وهؤلاء هم الأنبياء والرسل الذين جرى فيض الهداية بواسطتهم من الله سبحانه على عباده.
ثم إنّ بعث الأنبياء أمر لازم في وصول الإنسان إلى الكمال الّذي خُلق له، فإنّ عقله وإن كان مؤثراً أو مفيداً في سلوكه طريق الكمال إلاّ أنّه غير كاف لذلك.

صفحه57
إنّ اختلاف الرؤى والنظريات البشرية في الأخلاق والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وغير ذلك من مناحي الحياة خير دليل على قصوره
عن إدراك الصحيح من هذه المسائل، قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ... )(1).

صفات الأنبياء

إنّ لوسائط الفيض صفات تميزهم عن غيرهم، وأهمّها العصمة في المراحل الثلاثة:
أ. العصمة في مرحلة تلقّي الوحي وإبلاغه.
ب. العصمة عن المعصية والذنب.
ج. العصمة عن الخطأ في الأُمور الفردية والاجتماعية.
وللزوم العصمة في هذه المراحل الثلاث براهين عقلية ونقلية مذكورة في محلّها.

13. النبوة الخاصّة

والمراد من النبوّة الخاصة هو نبوة رسول الإسلام محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي هو خاتم الرسل والنبيين وكتابه خاتم الكتب، ورسالته خاتمة

1 . البقرة: 213 .

صفحه58
الرسالات، والقرآن معجزته الخالدة إلى يوم القيامة، وقد خصّه سبحانه بهذه المعجزة، لأنّ الشريعة الخالدة رهن الدليل الخالد، ولذلك أرسله بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتحدّى به الأنس والجن إلى يوم القيامة، وقال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا)(1).

14. المعاد والقيامة

اتّفقت جميع الشرائع السماوية على أنّه سبحانه يحيي الناس بعد موتهم يوم القيامة ليجزيهم بما عملوا.
والاعتقاد بالقيامة من أركان الإيمان في الإسلام، يقول سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ )(2) .
وليس الموت نهاية للحياة، بل هو انتقال من نشأة إلى أُخرى ومن حياة قصيرة إلى حياة خالدة.
وللمحقّقين من العلماء الكرام حول المعاد وأدلّته القرآنية والعقلية وعالم البرزخ، ودرجات الجنة ودركات الجحيم بحوثاً مفصّلة، فمن أراد فليرجع إليها.
المسائل الكلامية الّتي تفرّدت بها الإمامية   
هذه هي الأُصول الكلية للشيعة الإمامية الّتي تشارك فيها عامة المسلمين ذكرناها موجزة.

1 . الإسراء: 88 .
2 . المؤمنون: 115 .

صفحه59
 
15. المسائل الكلامية: الّتي تفرّدت بها الإمامية
إنّ للشيعة الإمامية آراء خاصة في مسائل كلامية لا تشكّل العمود الفقري للتشيّع، فإنّ جوهر التشيّع أمر واحد، وهو أنّ المرجع السياسي والعلمي بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو أهل بيته، وأنّ سفينة النجاة هم علي وأولاده كما قال: «ألا إنّ مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق» .(1)
وأمّا سائر ما تتفرّد به الشيعة فكلّها مباحث كلامية، مثلاً الشيعة تفارق المعتزلة في أُصول عشرة كما أنّها تفارق الأشاعرة في أُصول ستة، وبما أنّه ليس للمعتزلة دور في المجتمع الإسلامي المعاصر نشير إلى رؤوس الفوارق الكلامية المهمّة بينهم وبين الأشاعرة:
1. اتّفقت الإمامية على أنّ صفاته سبحانه غير ذاته مفهوماً عين ذاته مصداقاً، خلافاً للأشاعرة الذين قالوا بأنّها قديمة غير أنّها لازمة زائدة .
2. أفعال العباد عند الإمامية صادرة عن العباد حقيقة بلا مجاز وتوسّع، فالإنسان هو الآكل والضارب والصائم والمصلّي، خلافاً للأشاعرة حيث إنّ أفعال العباد عندهم مخلوقة لله سبحانه فليس للإنسان فيها صنع ولا دور سوى كونه محلاًّ لفعل الله .

1 . مستدرك الحاكم: 3 / 351 .

صفحه60
3. رؤية الله سبحانه في الآخرة أمرمحال لاستلزامها التجسيم والجهة خلافاً للأشاعرة.
4. كلامه سبحانه فعله، وهو حادث لا قديم، خلافاً للأشاعرة، فهو عندهم قديم، لأنّ الكلام عندهم أمر نفسي قائم بالذات.
5. التحسين والتقبيح العقليان ممّا اعترف بهما الإمامية وأنّ العقل قادر على أن يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها خلافاً للاشاعرة.
فإنّ كلّ إنسان ـ مهما كان دينه ومسلكه، وأينما حلّ في بقعة من بقاع الأرض ـ يدرك بنفسه حُسن العدل وقبح الظلم، وكذلك يدرك حسن الوفاء بالعهد، وقبح نقضه، وحسن مقابلة «الإحسان بالإحسان» وقبح مقابلة «الإحسان بالإساءة».
والقرآن الكريم يؤيد تلك المقدرة للإنسان، ولذلك يحتكم إلى العقل ويدعو إلى تحكيمه أكثر من مرة في حسن الأُمور وقبحها قائلاً:
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالُْمجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1)، وقال سبحانه: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)(2) .
6. ويتفرع على هذا الأصل وصفه سبحانه بالعدل. وانّه لايظلم قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة)(3) .

1 . القلم: 34 ـ 35 .
2 . الرحمن: 60 .
3 . النساء: 40 .

صفحه61
لأنّ الظلم نابع من أحد عوامل ثلاثة:
1. جهل الفاعل بقبح الظلم.
2. حاجة الفاعل إلى الظلم مع علمه بقبحه.
3. كون فاعل الظلم غير حكيم.
ولا سبيل لأي واحد من هذه العوامل إلى ذاته سبحانه .
وبما أن أكثر البراهين الكلامية ـ خصوصاً فيما يرجع إلى النبوة والإمامة والمعاد ـ مبني على إدراك العقل محاسن الأفعال ومساوئها، فلذلك احتلت هذه المسألة مكانة كبرى في أبحاث العقائد .
وهذه الخصائص بما أنّها بحوث كلامية تختص بالعلماء والباحثين ولا تعمّ عامّة المسلمين، فعلى علماء الإسلام أن لا يتّخذوها ذريعة للتفرقة والدعوة إلى الطائفية.

صفحه62

صفحه63
 
الفصل الثالث

ملاك التوحيد والشرك في العبادة

1. الاستعانة بغير الله سبحانه
2. طلب الشفاعة من المأذونين بها، وفيها أُمور:
أ . حقيقة الشفاعة ومعناها.
ب . دراسة الآيات المثبتة والنافية للشفاعة.
ج . حدود الشفاعة.         د . ثمرة الشفاعة ونتيجتها.
هـ . طلب الشفاعة من النبي والاولياء المأذونين بها.
3. النذر للأولياء
4. التبرك بآثار الأولياء
5. زيارة القبور
6. البناء على القبور
7. بناء المساجد على القبور والصلاة فيها
8. البكاء على الميت
9. التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء بأصنافه

صفحه64

صفحه65
   

ملاك التوحيد والشرك في العبادة

قد تعرفت أنّ للتوحيد مراتب، وبأزائها توجد للشرك ألوان مختلفة، والّذي نركز عليه البحث هنا هو التوحيد في العبادة الّذي يقابله الشرك فيها، وقد تقدّم في الفصل السابق انّ التوحيد في العبادة أمر متّفق عليه بين الشرائع السماوية، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في تطبيق الضابطة على بعض الموارد. ولأجل القضاء الصحيح في تلك الموارد الّتي تضاربت فيها الآراء أخيراً يجب تعريف العبادة تعريفاً منطقياً جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار، ولولا هذا لما أمكن حسم النزاع في تلك المواضع، فعلينا بيان الضابطة المستفادة من الكتاب والسنّة فنقول :
يظهر من أهل اللغة أن العبادة هي الخضوع والتذلّل (1) .
يلاحظ عليه: هذا النوع من التعريف تعريف لها بالأعم، لأنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه، فلو كانت العبادة بمعنى الخضوع تلزم ممنوعية الخضوع أمام الغير على وجه الإطلاق وخروج الخاضع من عداد الموحّدين مع أنّه سبحانه يحكي خضوع الملائكة لآدم وخضوع يعقوب وأبنائه ليوسف خضوعاً ليس فوقه خضوع، ويمدح خضوع الملائكة لآدم

1 . لاحظ لسان العرب، مفردات الراغب، القاموس المحيط، مادة «عبد».

صفحه66
ويُندّد بتمرد إبليس عن السجود له. يقول سبحانه: (فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)(1)، ويقول تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)(2) .
ويقول: في آية ثالثة مخاطباً إبليس : (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ )(3)، ولمّا اعتذر إبليس بقوله: (قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون )(4)، خاطبه سبحانه بقوله: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ )(5).
كلّ ذلك يدلّنا على أنّ الخضوع المجرد ـ سواء أكان باللفظ والبيان، أو بالفعل والعمل ـ ليس عبادة، فلابد لحلّ المعضلة من بيان الضابطة الكلية للعبادة حتّى يتميّز الخضوع المتّسمِ بالعبادة عن غيره والبيان الّذي يأتي تفصيله يتلخّص في كلمة واحدة، وهي:
أنّ العبادة تتحقّق بأمرين:
أ. الخضوع بالبيان والعمل.
ب. الاعتقاد بإلوهية المخضوع له وربوبيّته، وأنّ مصير الخاضع كلّه

1 . الحجر: 30 .
2 . يوسف: 100 .
3 . الحجر: 32 .
4 . الحجر: 33 .
5 . الحجر: 34 .

صفحه67
أو بعضه آجلاً أو عاجلاً بيده، سواء أكان الاعتقاد المذكور صحيحاً كما في حقّه سبحانه، أم باطلاً كما في عبادة غيره.
فلو تجرّد الخضوع عن ذلك الاعتقاد لما صار عبادة، وسيوافيك أنّ عامّة الموحّدين والمشركين يحملون في عبادتهم اعتقاداً خاصاً بالنسبة إلى المخضوع له، سواء أكان هو الله سبحانه أم كانت الآلهة المدعاة، وإليك البيان.
إنّ جميع أقسام العبادات صحيحها وباطلها تتمتّع بأمرين :
1. الخضوع للمعبود، سواء أكان مستحقاً له كاللّه سبحانه، أم غير مستحق له كالأصنام والأوثان أو الأجرام السماوية من النجم والقمر والشمس والأرواح والمثل النورية المجردة، فالعبادة في جميع تلك المراحل تتمتع بالخضوع وهو عمل قائم بالجوارح كالرأس واليد وغيرهما، فالعابد يخضع بجلّ جوارحه أو بشيء منها أمام المعبود وهذا أمر لاسترة فيه.
2. الاعتقاد الخاص بالمعبود الذي يكون مبدأً للخضوع الظاهري.
فالواجب علينا التعرف على ذلك الاعتقاد الموجود في جميع الموارد :
أمّا الموحدون الذين يعبدون اللّه تبارك و تعالى، فخضوعهم نابع عن اعتقادهم بأنّه خالق للكون والإنسان، والمدبر للعالم الذي بيده كلّ شيء في الدنيا والآخرة، وليس هناك أي خالق ومدبر ومالك لمصالح العباد

صفحه68
ومصائرهم في العاجل والآجل سواه.
أمّا العاجل فيعتقدون أنّ الخلق والتدبير والإحياء والإماتة و إنزال المطر والخصب و الجدب وكلّ ما يعدّظاهرة طبيعية من فعله سبحانه لا من فعل غيره الذي لا يملك أي تأثير في مصير الإنسان.
أمّا الآجل فيعتقدون أنّ الشفاعة ومغفرة الذنوب وغيرهما من الأُمور الأُخروية بيده تعالى.
وعلى ضوء ذلك فالعبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بخالقيته ومدبريته وكون أزمَّة الأُمور ومصير الإنسان في الدنيا والآخرة بيده.
هذا حال الموحّدين، وأمّا المشركون في عصر الرسالة وقبله وبعده فخضوعهم لمعبوداتهم كان نابعاً عن نفس ذلك الاعتقاد فكانوا معتقدين بربوبيتها وكون مصير العابد بأيديها .
يظهر من بعض الآيات انّ العرب في العصر الجاهلي كانوا موحّدين
في الخالقية، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ العَلِِيم) (1) ولكنّهم في الوقت نفسه كانوا مشركين
في التدبير الذي نعبِّر عنه بالربوبية، فكانوا يعتقدون بأرباب، مكان الرب الواحد، ولكلّ رب شأن في عالم الكون.
وتتجلّى عقيدة الطائفتين بالإمعان في الآيات التالية:

1. الزخرف: 9.

صفحه69
1. انّ الموحّد يرى انّ العزة بيد اللّه سبحانه، ومنطقه قوله سبحانه: (فلِلّه الْعِزَّةُ جَميعاً).(1)
ولكن المشرك في عصر الرسالة كان يرى أنّ العزة بيد الأصنام والأوثان، كما يحكي عن عقيدته قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً).(2)
2. انّ الموحّد يرى أنّ النصر بيد اللّه تبارك و تعالى، ويردّد على لسانه قوله سبحانه: (وَمَا النَّصْرُ إِلاّمِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيزِ الحَكيم).(2)
ولكن المشرك في عصر الرسالة كان يعتقد بأنّ النصر بيد الآلهة والأرباب المزيَّفة، قال سبحانه: (وَاتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُون) .(3)
3. انّ الموحّد يؤمن بأنّ أمر التدبير بيد اللّه ، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغيْث) (4)، كما أنّ بيده الجدب والخصب قال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّر الصّابِرينَ) .(5)

1. فاطر: 10.   2 . مريم: 81 .
2. آل عمران: 126.
3. يس: 74.
4. لقمان: 34.
5. البقرة: 155.

صفحه70
ولكن المشرك كان يستمطر بالأنواء، بل يستمطر بالأصنام.
يقول ابن هشام في سيرته: كان عمرو بن لُحَيّ أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة وضواحيها، فقد رأى في مآرب من أرض البلقاء من بقاع الشام أُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟
قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتُمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنماً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟
وهكذا استحسن طريقتهم واصطحب معه إلى مكة صنماً كبيراً يقال له «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعا الناس إلى عبادته.(1)
4. إنّ الموحّد يرى أنّ غفران الذنوب والشفاعة بيده سبحانه، فليس هناك غافر للذنوب إلاّ اللّه سبحانه ولا شفيع إلاّ بإذنه، يقول سبحانه:
(فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوب إِلاّ اللّه) (2)، وقال سبحانه:
(قُلْ للّهِ الشَفاعةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْض) (3)، وقال سبحانه: (وَلا يَمْلِكُ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَة) .(4)
وأمّا المشرك فكان يعتقد بأنّ الشفاعة بيد الآلهة والأرباب المزيّفة،

1. انظر السيرة النبوية: 1 / 76ـ77.
2. آل عمران: 135.
3. الزمر: 44.
4. الزخرف: 86.

صفحه71
والشاهد عليه انّ الآيات الماضية نزلت رداً على عقيدة المشركين حيث كانوا يعتقدون بأنّهم مالكون مقام الشفاعة، ولأجل ذلك يؤكّد على نفي
تلك العقيدة في آيات أُخرى، ويقول: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمن عَهْداً)(1)، وقال: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (2)، وقال: (وَلا يَملِكُ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقّ).(3)
كما يرى أنّ مغفرة الذنوب بيد الآلهة، والشاهد على ذلك وصفه سبحانه نفسه بأنّه (غَافِرِ الذَّنْبِ) .(4)

خلاصة القول

إنّ أيَّ خضوع وتذلّل أو سؤال ينبع من الاعتقاد بأنّ المخضوع إله أو ربّ ، وانّ بيده مصير العابد يعد عبادة له، فلو خضع لأجله سبحانه فهو عبادة لله ولو خضع لغيره يكون عبادة لغيره ويكون صاحبه مشركاً .
ويقابل ذلك، القول والفعل والخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد.
فخضوع أحد أمام موجود وتكريمه ـ مبالغاً في ذلك ـ من دون أن ينبع من الاعتقاد بإلوهيته، ولا ربوبيته، لا يكون شركاً ولا عبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن يكون حراماً، مثل سجود العاشق

1. مريم: 87.
2. سبأ: 23.
3. الزخرف: 86.
4. راجع سورة غافر: 3.

صفحه72
لمعشوقته أو المرأة لزوجها، فإنّه وإن كان حراماً في الشريعة الإسلامية لكنّه ليس عبادة، بل أنّ حرمته كانت لسبب آخر، فالعبادة والتحريم شيئان مختلفان.
وبذلك تستطيع أن تقيّم التعاريف المختلفة للعبادة لأكثر المفسرين عند تفسيرهم لقوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لا سيّما ما ذكره صاحب تفسير «المنار»، فلاحظ .
ثم إنّك إذا وقفت على تعريف العبادة وتمييزها عن غيرها تستطيع القضاء البات في الأُمور الّتي اتخذت ذريعة لاتّهام فاعليها بالشرك زعماً بأنها عبادة وأنّ القائمين بها يعبدون غير الله تعالى. ولأجل إيضاح الحال نتعرض لدراسة هذه المواضيع بالتفصيل.

صفحه73
 
1

الاستعانة بغير الله سبحانه

إنّ الموحّد كما أنّه لا يعبد إلاّ الله سبحانه كذلك فهو لا يستعين في حياته الدينوية والآخروية إلاّ به، ولذلك نرى أنّه سبحانه يعطف التوحيد في الاستعانة على التوحيد في العبادة، ويأمر المسلم أن يقول كلّ يوم وليلة
في صلواته الخمس: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فالتفريق بين العبادة والاستعانة بتحريم الأُولى للغير مطلقـاً وتجويز الاستعانة بغيره على خلاف نص القرآن الكريم، فالمسلم لا يعبد إلاّ الله ولا يستعين إلاّ به. هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنّ العقلاء عامّة ـ موحّدين وغير موحّدين ـ والأنبياء والأولياء كانوا ـ ومازالوا ـ يستعينون في حياتهم ومعاشرتهم بغيره سبحانه، حتّى أنّه سبحانه يأمر بالاستعانة بالغير في غير واحد من آياته
الكريمة حيث يقول: (وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاَةِ)(1).
كما يحكي عن ذي القرنين أنّه استعان بمن كان في أرض يأجوج

1 . البقرة: 45.

صفحه74
ومأجوج وقال على لسانه: (مَا مَكَّني فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُوني بِقُوَّة) (1).
كما أنّه سبحانه يأمر المسلمين بنصر من طلب الاستعانة بهم وقال: (وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (2).
وعندئذ فما هوالعلاج بين هاتين الطائفتين، فمن جانب يحصر الاستعانة والنصر بالله سبحانه، ومن جانب آخر يأمر بالاستعانة بغيره .
كلّ ذلك يتطلب دراسة حقيقة الاستعانة المختصة بالله سبحانه الّتي لا يجوز طلبها من غيره، وتمييزها عن الاستعانة بغيره سبحانه والّتي تدور عليها رحى الحياة، وإليك البيان.
إنّ الاستعانة بغير اللّه يمكن أن تتحقّق بصورتين:
1. أن نستعين بعامل ـ سواء كان طبيعياً أم غير طبيعي ـ مع الاعتقاد بأنّ عمله مستند إلى اللّه، بمعنى أنّه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من اللّه وإذنه.
وهذا النوع من الاستعانة ـ في الحقيقة ـ لا ينفك عن الاستعانة باللّه ذاته، لأنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل ذلك الأثر وأذن به وإن شاء سلبها وجرّدها منه.
فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الأرض، فقد استعان باللّه ـ في الحقيقة ـ لأنّه تعالى هو الذي منح هذه العوامل،

1 . الكهف: 95.
2 . الأنفال: 72.

صفحه75
القدرة على إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر ومن ثم إنباته والوصول به إلى حد الكمال.
2. وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي أو غير طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقل في وجوده، أو في فعله عن اللّه فلا شك أنّ ذاك الاعتقاد يصير شركاً والاستعانة معه عبادة.
فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنّها مستقلّة في تأثيرها، أو أنّها مستقلة في وجودها، ومادتها كما في فعلها وقدرتها فالاعتقاد شرك والطلب عبادة.
من هذا البيان اتّضح هدف صنفين من الآيات وردا في مسألة الاستعانة:
الصنف الأوّل: يحصر الاستعانة باللّه فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه.
والصنف الثاني: يدعونا إلى سلسلة من الأُمور المعينة غير اللّه ويعتبرها ناصرة ومعينة إلى جانب اللّه.
ولا تعارض ولا خلاف بين الصنفين إذا وقفنا على موقف كلّ منهما فالصنف الحاصر للاستعانة بالله سبحانه ناظر إلى أنّ في صحيفة الوجود مؤثراً تاماً، ومستقلاً واحداً غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو اللّه سبحانه .
والصنّف المجيز للاستعانة بالغير ناظر إلى أنّ في الكون عوامل

صفحه76
مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إلى الله سبحانه، وهي تؤدّي ما تؤدّي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم يعط تلك العوامل ما أعطاها الله من القدرة، ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أية قدرة على شيء.
فالمعين الحقيقي في كلّ المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو اللّه فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاً، إلاّ الله، فلهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة باللّه وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتاً من الاستعانة بغير اللّه باعتباره غير مستقل (أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الإلهية)، ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لا تنافي حصر الاستعانة باللّه سبحانه لسببين:
أوّلاً: إنّ الاستعانة المخصوصة باللّه هي غير الاستعانة بالعوامل الأُخرى، فالاستعانة المخصوصة باللّه هي: ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها; في حين أنّ الاستعانة بغير اللّه سبحانه إنّما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر على الإعانة مستنداً على القدرة الإلهية، لا بالذات، وبنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانة ـ على النحو الأوّل ـ خاصة باللّه تعالى، فإنّ ذلك لا يدلّ على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.
ثانياً: أنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكّة عن الاستعانة باللّه، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل اللّه وقائماً به) مناص من هذا.

صفحه77
حقيقة الشفاعة ومعناها   

2

طلب الشفاعة من المأذونين بها

هل طلب الشفاعة من المأذونين بها عبادة لهم، ومناف للتوحيد، أو هو طلب دعاء منهم؟ وتحقيق ذلك رهن بيان الأُمور التالية:
1. حقيقة الشفاعة ومعناها.
2. دراسة الآيات المثبتة والنافية للشفاعة.
3. حدود الشفاعة.
4. آثار الشفاعة ونتيجتها.
5. طلب الشفاعة من النبي والأولياء المأذونين بها.
وإليك دراسة هذه الأُمور واحداً بعد الآخر:

الأوّل: حقيقة الشفاعة ومعناها

الشفاعة عبارة عن وصول رحمتهُ سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده ، وليس هذا بأمر غريب; فكما أنّ الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه ، تصل إلى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه وكتبه ، فهكذا تصل مغفرته سبحانه وتعالى إلى المذنبين والعصاة يوم القيامة من عباده عن ذلك الطريق .

صفحه78
ولا يبعد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق خِيرة عباده ، فإنّ الله سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً ، ونصّ بذلك في بعض آياته ، فنرى أنّ أبناء يعقوب لمّا عادوا خاضعين ،
رجعوا إلى أبيهم ، وقالوا له: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)(1)، فأجابهم يعقوب (عليه السلام)بقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )(2) .
ولم يقتصر الأمر على يعقوب فحسب، بل كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّن يستجاب دعاؤه أيضاً في حق العصاة ، قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً )(3) . وهذه الآيات ونظائرها ممّا لم نذكرها، مثل قوله: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )(4)، تدلّ على أنّ مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء ، وقد تصل بلا واسطة.
وتتّضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق ـ وبخاصة دعاء الصالحين ـ من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول ، ولا تنحصر العلة في العلل الواقعة في إطار الحس فإنّ في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا ، بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا ،

1 . يوسف : 97 .
2 . يوسف : 98 .
3 . النساء : 64 .
4 . التوبة : 103 .

صفحه79
يقول سبحانه: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً* وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً* وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)(1) .
فما المراد من هذه المدبّرات؟ أهي مختصة بالمدبّرات الطبيعية المادية ، أو المراد هو الأعم منها ؟ فقد روي عن علي (عليه السلام) تفسيرها بالملائكة الأقوياء الذين عهد الله إليهم تدبير الكون والحياة بإذنه سبحانه ، فكما أنّ هذه المدبّرات يجب الإيمان بها وإن لم تعلم كيفية تدبيرها وحقيقة تأثيرها ، فكذلك الدعاء يجب الإيمان بتأثيره في جلب المغفرة ، ودفع العذاب وإن لم تعلم كيفية تأثيره .
إنّ الاعتقاد بشفاعة الأولياء ليس إلاّ نوعاً من الرجاء في رحمة الله ، والأمل في عفوه ولطفه ، وقد فتح الإسلام نوافذ الأمل والرجاء أمام العاصي النادم ، ليعود إلى ربه ، ويواصل مسيرة تكامله في ثقة وطمأنينة .
ومن هذه النوافذ: التوبة والإنابة والاستغفار ، ومنها: الشفاعة للمذنبين ، الشفاعة التي تنالهم وفق معايير وردت في الكتاب والسنّة ، الشفاعة التي يبعث الأمل فيها بصيصاً من الرجاء في نفوس العصاة ، ويمنع من قنوطهم ويأسهم ، ويبعث فيهم روح العمل والنشاط .
وهذا لا يعني تمهيد الطريق للعصاة ، وتسهيل الخلاف لهم برجاء الشفاعة، لما للشفاعة من شروط وقيود ، وليست مطلقة ومرسلة شاملة لكلّ العصاة، بل هي عملية زرع الأمل والرجاء في النفوس ، مادام الأصل هو

1 . النازعات : 1 ـ 5 .

صفحه80
العمل والإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات .
دراسة الآيات النافية والمثبتة للشفاعة   

الثاني: دراسة الآيات النافية والمثبتة للشفاعة

أجمع علماء الأُمة الإسلامية على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)ومَن يأذن له سبحانه بالشفاعة، وهذا ممّا لا ينكره إلاّ المعاند أو الجاهل بالقرآن الكريم والمفاهيم الإسلامية .
إلاّ أنّ الآيات الواردة في الشفاعة بين نافية ومثبتة، إذ ربّما يتمسّك بالقسم الأوّل لنفي الشفاعة غفلة عن مرماها. وإليك دراسة هذه الآيات وتفسيرها، فنقول: إنّ الآيات الواردة على أصناف:

الصنف الأوّل: ماينفي الشفاعة

ورد في الذكر الحكيم آية واحدة تنفي في ظاهرها الشفاعة على الإطلاق، وهي قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاَ خُلَّةٌ وَ لاَ شَفَاعَةٌ وَ الْكَافِرُونَ
هُمُ الظَّالِمُونَ
)(1) .
ولكن الإمعان في ذيل الآية يثبت بأنّ المنفي هو نفي الشفاعة في حقّ الكافرين بدليل ذيل الآية (وَ الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )، أضف إلى ذلك أنّه سبحانه أثبت في الآية التالية وجود الشفاعة بإذنه وقال: ( من ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) (2).

1 . البقرة: 254 .   2 . البقرة: 255 .

صفحه81

الصنف الثاني: ما ينفي الشفاعة الّتي تعتقدها اليهود للشفاعة

قال سبحانه: ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَ اتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئًا وَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ)(1).
ووحدة السياق تقضي بأن الهدف من نفي الشفاعة هو نفي الشفاعة الخاطئة، الّتي كانت تعتقدها اليهود في تلك الفترة، وهو الاعتقاد بالشفاعة دون أن يشترطوا في الشفيع والمشفوع له شرطاً معيناً، وأين ذلك من الشفاعة المحدودة؟!

الصنف الثالث: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة

إنّ عرب الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام لاعتقادهم بشفاعتها عند الله، والآيات في هذا المعنى كثيرة نقتصر على واحدة: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
اللهِ شُفَـعَـاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَ لاَ يَعْقِلُونَ
) (2) .

الصنف الرابع: ما يخص الشفاعة بالله سبحانه وأنّه لا يشاركه فيها غيره

يقول سبحانه: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(3).

1 . البقرة: 47 ـ 48 .
2 . الزمر: 43 .
3 . الزمر: 44.

صفحه82
ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يشفع لأحد عند أحد، فإنّه فوق كل شيء وذلَّ كل شيء لديه، فمعنى قوله: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) هو انّه سبحانه مالك لمقام الشفاعة لا يشفع أحد لأحد إلاّ بإذنه، فيكون رفضاً لعقيدة المشركين الّتي أُشير إليها في قوله سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ)، وعقيدة اليهود والنصارى المعتقدين بالشفاعة المطلقة من دون شرط في الشفيع والمشفوع له. فيكون مفاد الآية هو أنّ المالك لمقام الشفاعة والمسيطر عليها هو الله سبحانه وغيره لايملكون منها شيئاً، وهذا لا ينافي أن يكون هناك عباد مأذونون يشفعون لمن ارتضاه سبحانه، وهذا ما يأتي في الصنف الآتي .

الصنف الخامس: الشفاعة المأذونة من الله سبحانه

هناك آيات تدلّ بوضوح على أنّه سبحانه يأذن لعدّة بالشفاعة، وأمّا مَن هؤلاء فلا يذكر القرآن الكريم منهم شيئاً، يقول سبحانه :
1. (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) (1).
2. (مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(2).
3. (لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)(3).

1 . البقرة: 255 .
2 . يونس: 3.
3 . مريم: 87 .

صفحه83
وبذلك بان الفرق بين الشفاعة المرفوضة والشفاعة المأذونة.
فالشفاعة المطلقة ـ أعني : الشفاعة بلا إذنه سبحانه أو شفاعة الأصنام والأوثان ـ شفاعة مرفوضة، وأمّا شفاعة غيرهم ممّن أذن له الرحمن واتّخذ عند الرحمن عهداً فهي شفاعة مقبولة.

شروط الشفيع

رفض القرآن الكريم شفاعة الأصنام الّتي كان العرب يعبدونها كذباً وزوراً، وقد صرح بأنّها عاجزة عن الدفاع عن نفسها فكيف تكون قادرة على الشفاعة في حق عبّادها؟! فشفاعة هؤلاء والشفاعة المطلقة الّتي يتبنّاها أهل الكتاب هو الهدف للآيات النافية، وأمّا الشفاعة المقبولة فهي عبارة عن شفاعة فئة خاصة من عباد الله الذين تقبل شفاعتهم عند الله بشروط خاصة، وقد وردت أسماء الشفعاء وشروط الشفاعة في المشفوع له في الروايات الإسلامية.
إنّ أهل الكتاب وأخصّ بالذكر اليهود كانوا يعتقدون بالشفاعة المطلقة، من دون وجود شرط في المشفوع له، فالمطيع والعاصي يوم القيامة يدخلان الجنة بشفاعة أنبيائهم وأوليائهم، وذلك لوجود عقائد فاسدة بينهم. ومنها:
1. فكرة الشعب المختار كما يحكي سبحانه عنهم في قوله: (وَ قَالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ) .(1)
2. انّهم لايعذبون إلاّ أياماً معدودات: (وَ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا

1 . المائدة: 18 .

صفحه84
مَعْدُودَةً)(1)، إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة الّتي صارت أرضية للاعتقاد بالشفاعة المطلقة الحرة خصوصاً في حق المشفوع له، مع أنّ القرآن الكريم ينفي الشفاعة في حق من قطع علاقته الإيمانية بالله سبحانه فلم يؤمن به أو بوحدانيته أو بقيامته وأفسد في الأرض وظلم عباده كما قطع علاقته الروحية مع الشفيع فهؤلاء لا يتمتعون بشيء من الشفاعة، يقول سبحانه:
1. (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ )(2).
2. (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَ كَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)(3).
3. (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا )(4).

الصنف السادس: تسمية بعض المأذونين بالشفاعة

جاء في بعض الآيات بعض المأذونين بالشفاعة نذكر منها آية واحدة:
حدود الشفاعة   
قال سبحانه: (وَ كَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضَى)(5).

1 . البقرة: 80 .
2 . الحشر: 19.
3 . طه: 126.
4 . الاعراف: 51.
5 . النجم: 26 .

صفحه85
وبدراسة الروايات الواردة في الشفاعة في كتب الفريقين يتّضح أنّ الشفاعة المحدودة المأذونة أحد المفاهيم الأصيلة في الذكر الحكيم والروايات الشريفة.

الثالث: حدود الشفاعة

قد تعرفت على أنّ الشفاعة المطلقة المجردة عن كلّ قيد وشرط هي الشفاعة الّتي تبنّتها اليهود والنصارى والمشركون، وأمّا الشفاعة الّتي أمضاها القرآن الكريم فهي الشفاعة المشروطة بشرائط خاصة في الشفيع أوّلاً، والمشفوع له ثانياً، ومورد الشفاعة ثالثاً.
أمّا الشفيع فمهما كان له من المكان والمرتبة عند الله سبحانه فلا يشفع إلاّ بعد أن يأذن الله ويرضى، وقد دلّت الآيات السالفة الذكر على هذا الشرط.
وأمّا المشفوع له فيشترط فيه أن يوطّد صلته بالله تعالى بالإيمان به وبوحدانيته وإيمانه بأنبيائه ورسله وكتبه، ولا يكون من الذين تلطّخت أيديهم بالجريمة وأوغلوا في المعاصي والذنوب والخطايا.
وقد وردت هذه الشروط والحدود في روايات الفريقين الّتي لا يمكننا ذكر عشرها، ونقتصر هنا بذكر قليل من كثير.
1. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أقربكم مني غداً وأوجبكم عليّ شفاعة أصدقكم لساناً، وآداكم لأمانته، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس ».(1)

1 . تيسير المطالب، للسيد يحيى الزيدي: 1 / 442.

صفحه86
2. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «يا معشر الشيعة فلا تعودون وتتكلمون على شفاعتنا، فو الله لا ينال شفاعتنا إذا ركب هذا (الزنا) حتّى يصيبه ألم العذاب ويرى هول جهنم» .(1)
3. قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): «لمّا حضرت أبي جعفر بن محمد (عليهما السلام)الوفاة قال لي: يا بني أنّه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة ».(2)
وأمّا مورد الشفاعة، فالشرك والإلحاد لا تقبل فيهما الشفاعة لقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(3).
ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الروايات.

الرابع: ثمرة الشفاعة

هل انّ نتيجة الشفاعة هي حطّ ذنوب المذنب والعفو عن العاصي أو هي زيادة الثواب ورفع الدرجات للمطيعين.
وقد ذهب جمهور المسلمين إلى الأوّل، وذهب إلى الثاني قسم من متكلّمي المعتزلة.
طلب الشفاعة من النبي والأولياء المأذونين بها   
ويدلّ على قول الجمهور أن الشفاعة ليست من المفاهيم الّتي ابتكرها الإسلام واستعملها، بل كان مفهومها رائجاً بين المشركين واليهود

1 . الكافي: 5 / 469.
2 . الكافي: 3 / 270.
3 . النساء: 48 و 116 .

صفحه87
والنصارى من أهل الكتاب، فالمفهوم الرائج للشفاعة قبل الإسلام هو الّذي طرحه القرآن الكريم .
فالشفاعة المقبولة هي نفس الشفاعة الرائجة قبل نزول القرآن ولكن تحت شروط وحدود.
ويدلّ على ذلك ما رواه الفريقين عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي» (1).

الخامس: طلب الشفاعة من النبي والأولياء المأذونين بها

المفهوم الواضح للشفاعة لدى العامّة هو دعاء الشفيع وطلبه من الله غفرانَ ذنوب عباده ، إذا كانوا أهلا لها . فإذاً يرجع طلب الشفاعة من الشفيع إلى طلب الدعاء منه لتلك الغاية ، وهل ترى في طلب الدعاء من الأخ المؤمن إشكالا ؟! فضلا عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، الذي يُستجاب دعاؤه ولا يُردّ بنص الذكر الحكيم(2) .
والذي يوضح أنّ شفاعة النبي عبارة عن دعائه في حقّ المشفوع له ، ما رواه مسلم في «صحيحه» عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ما من ميّت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له إلاّ شُفِّعوا فيه»(3) .

1 . سنن ابن ماجة: 2 / 1441، وغيره .
2 . النساء : 64 ، المنافقون : 5 .
3 . صحيح مسلم 4: 53 ، طـ . مصر ، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده .

صفحه88
وفسّر الشارح قوله (صلى الله عليه وآله): «يشفعون له» بقوله: أي يدعون له ، كما فسّر قوله(صلى الله عليه وآله): «إلاّ شُفِّعوا فيه» بقوله: أي قبلت شفاعتهم .
وروي أيضاً عن عبد الله بن عباس أنّه قال: سمعت رسول الله يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شفّعهم الله فيه».(1) أي قبلت شفاعتهم في حق ذلك الميت فيغفر له .
فإذا كان مرجع الاستشفاع من الصالحين إلى طلب الدعاء ، فكل من يطلب من النبي الشفاعة لا يقصد منه إلاّ المعنى الشائع(2) .
فعندما كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) حيّاً في دار هجرته ، كان طلبُ أصحابِه الدعاءَ منه ، راجعاً إلى طلب الشفاعة منه والاختلاف في الاسم لا في الواقع والحقيقة .
السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   
وبعد انتقاله من الدنيا إلى عالم البرزخ ، يرجع طلب الشفاعة منه أيضاً إلى طلب الدعاء منه لا غير .
فلو أنّ أعرابياً جاء إلى مسجده فطلب منه أن يستغفر له ، فقد طلب منه الشفاعة عند الله . ولو جاء ذاك الرجل بعد رحيله ، وقال له: يا أيّها النبي ، استغفر لي عند الله . أو قال: اشفع لي عند الله، فالجميع بمعنى واحد لبّاً

1 . المصدر نفسه .
2 . لو كان للشفاعة معنى آخر من التصرف التكويني في قلوب المذنبين ، وتصفيتهم في البرزخ ، ومواقف القيامة فهو أمر عقلي لا يتوجّه إليه إلاّ الأوحدي من الناس .

صفحه89
وحقيقةً ، وإنّما يختلفان صورةً وظاهراً . فالإذعان بصحّة أحدِهما ، والشك في صحّة الآخر كالتفكيك بين المتلازمين .
إلى هنا تبيّن أنّ طلب الشفاعة يرجع إلى طلب الدعاء  من الشفيع، وهو أمر مطلوب في الشرع من غير فرق بين طلبه من الشفيع في حال حياته أو مماته ، فهو لا يخرج عن حد طلب الدعاء ، وأمّا كونه ناجعاً أو لا ، فهو أمر آخر ليس هنا مقام بيانه.
والذي يحقّق هذا الأمر هو صدور مثله من السلف الصالح في العصور المتقدمة، وإليك نزراً منه:

السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 ـ الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب ، ووجوده في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ; فقد روى الترمذي في «صحيحه» عن أنس قوله: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة ، فقال: «أنا فاعل» ، قال: قلت: يا رسول الله فأنّى أطلبك؟ فقال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط»(1) .
فالسائل يطلب من النبي الأعظم ، الشفاعة دون أن يخطر بباله أنّ هذا الطلب يصطدم مع أُصول العقيدة .
2 ـ هذا سواد بن قارب ، أحد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) يقول مخاطباً إيّاه:

1 . صحيح الترمذي: 4 / 621 ، كتاب صفة القيامة ، الباب 9 .

صفحه90
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(1)
3 ـ روى أصحاب السير والتاريخ ، أنّ رجلا من قبيلة حمير عرف أنّه سيولد في أرض مكة نبي الإسلام الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، ولما خاف أن لا يدركه ، كتب رسالة وسلّمها لأحد أقاربه حتى يسلّمها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) حينما يبعث ، وممّا جاء في تلك الرسالة قوله: «وإن لم أدرك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني» ولمّا وصلت الرسالة إلى يد النبي (صلى الله عليه وآله) قال: « مرحباً بتُبَّع الأخ الصالح».(2) فإنّ وصف النبي(صلى الله عليه وآله) لطالب الشفاعة بالأخ الصالح، أوضح دليل على أنّه أمر لا يتعارض وأُصول العقيدة.
4 ـ وروى المفيد عن ابن عباس أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا غسّل النبي (صلى الله عليه وآله)وكفّنه كشف عن وجهه وقال: «بأبي أنت وأُمّي طبتَ حيّاً وطبت ميتاً . . . اذكرنا عند ربك»(3).
وروى الشريف الرضي في «نهج البلاغة»: أنّ عليّاً (عليه السلام) قال عندما ولي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله): «بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك»(4) .

1 . الإصابة: 2 / 95 ، الترجمة 3576 ، وقد ذكر طرق روايته البالغة إلى ست ، وراجع أيضاً الروض الأنف: 1 / 139 ; بلوغ الإرب: 3 / 299 ; عيون الأثر: 1 / 72 .
2 . مناقب ابن شهر آشوب: 1 / 12 ; السيرة الحلبية: 2 / 88 .
3 . مجالس المفيد ، المجلس الثاني عشر: ص 103 .
4 . نهج البلاغة : الخطبة 235 .

صفحه91
5 ـ روي أنّه لمّا توفي النبي (صلى الله عليه وآله) أقبل أبوبكر فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وقال: «بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وميتاً اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن من بالك»(1) .
وهذا استشفاع بالنبي(صلى الله عليه وآله) في الحياة الدنيا بعد موته .
إنّ العرب تستعمل جملة: «اذكرني عند ربك» في طلب الشفاعة، وقد ورد ذلك في قصة النبي يوسف (عليه السلام)حيث طلب من صاحبه في السجن ـ ساقي الملك ـ وقال (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)(2) .
6 ـ وختاماً نذكر ما ذكره الدكتور عبد الملك السعدي في كتابه «البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق» قال: أمّا طلب الشفاعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصورة عامّة وبدون قيد بعد أذان أو غيره فقد ورد في السنّة ، حيث قد طلبها منه بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دون نكير من رسول الله (صلى الله عليه وآله) . والأحاديث الواردة بهذا الخصوص وبمواضع ومناسبات عديدة كثيرة جداً نذكر منها:
عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منّا فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: إنّي سائلك سؤالا، قال: «وما هو ؟» قال: أسألك أن تجعلني ممَّن تشفع له يوم القيامة ، قال: «من أمرك هذا ؟» أو «من علّمك هذا ؟» أو «من دلّك على هذا ؟» قال: ما أمرني به أحد إلاّ نفسي ، قال: «فإنّك ممّن أشفع له يوم

1 . السيرة الحلبيّة: 3 / 474 ، طـ دار المعرفة، بيروت .
2 . يوسف: 42 .

صفحه92
القيامة» . أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني .
وقد أورد الهيثمي بهذا الموضوع كثيراً من الأحاديث(1) . هذا في حياته(صلى الله عليه وآله) .
أمّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فهل يصح طلب الشفاعة منه لا سيما أمامَ قبره الشريف وعند السلام عليه ؟
بما أنّه ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الأموات يسمعون ويتكلّمون ويدعون في عالم البرزخ وبخاصة هو (صلى الله عليه وآله) عندما يُسلَّم عليه تردّ إليه روحه الشريفة ، فلا موجب للتفرقة في طلب الشفاعة بين حياته قبل انتقاله وبين حياته: الحياة البرزخية بعد انتقاله . ومن ادّعى المنع فعليه بالدليل. والله الموفق(2) .

شبهتان في المقام

وقد طرح المانعون من طلب الشفاعة شبهتين، نذكرهما مع ما حولهما من التحليل .
طلب المشركين الشفاعة من الأصنام    

1. طلب المشركين الشفاعة من الأصنام

الدليل الثاني الذي تمسّك به القائلون بتحريم طلب الشفاعة من الشفعاء هو:

1 . مجمع الزوائد: 10 / 369 ; صحيح مسلم: 1 / 289 .
2 . البدعة في مفهومها الإسلامي: ص 105 ـ 106 .

صفحه93
إنّ القرآن الكريم اعتبر علّة شرك الوثنيّين في عصر الرسالة تكمن في طلبهم الشفاعة من أصنامهم وأوثانهم، فقال تعالى:
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤنا عِنْدَ اللهِ).(1)
وعلى هذا الأساس يكون طلب الشفاعة من الأنبياء أو الأولياء شركاً شبيه طلب الشفاعة من الأصنام.(2)
ويرد على ذلك:
أوّلاً: أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين طلب الشفاعة من الأصنام وطلبها من الأولياء الصالحين، لأنّ طلب المشركين الشفاعة من أصنامهم ينبع من الاعتقاد بأنّ أصنامهم آلهة أو فوّض إليها فعل الإله، والحال أنّ الموحّدين ينطلقون في طلبهم هذا من الاعتقاد بأنّ الشفعاء عباد للّه أخلصوا له العبودية، فتفضّل عليهم سبحانه ووهبهم هذه المنزلة والمقام، فكيف ياترى جاز اعتبار الطلبين يعودان إلى حقيقة مشتركة وجوهر واحد؟!
وثانياً: أنّ المشركين عبدوا الأصنام أوّلاً ثمّ طلبوا منها الشفاعة ثانياً، وهذا ما تحكي عنه الآية المذكورة حيث قال تعالى أوّلاً: (وَيَعبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)ثمّ أردف ذلك بقوله: (وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤُنا)، والحال أنّ الموحّدين لا يعبدون إلاّ الله تعالى وحده لا شريك له، نعم بعد الخضوع له

1 . يوسف: 18 .
2 . انظر كشف الشبهات: 14.

صفحه94
سبحانه والإيمان به، يطلبون الشفاعة من أوليائه الصالحين، انطلاقاً من إذنه سبحانه وتعالى بهذا الفعل.
اتّضح من هذا البيان أنّ عطف عمل المؤمنين على المشركين واعتبارهما أمراً واحداً، عطف لا أساس له من الصحّة، ولا يقوم على أيّ مستند علمي أو دليل برهاني.
طلب الشفاعة من الميّت لغو   

2. طلب الشفاعة من الميّت لغو

هذا الدليل هو آخر ما تمسّك به المانعون لطلب الشفاعة من الأولياء والصالحين.
ويرد عليه: انّنا أثبتنا في بحث الحياة البرزخية أنّ الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون، فإذا كان الشهداء أحياءً عند ربّهم فنبيّ الشهداء من باب أولى يكون حيّاً عند ربّه، وحينئذ لا يكون طلب الشفاعة منه لغواً، لأنّه حي يرزق يسمع كلامنا ويرى مقامنا بإذنه سبحانه.
وعلى فرض التسليم بأنّ الأنبياء والصالحين والشهداء موتى لا يسمعون كلامنا ولا يرون مقامنا، فحينئذ أقصى ما يستلزمه طلب الشفاعة منهم أن يُعد أمراً لغواً، لا أنّه أمرٌ محرم كما يدّعيه أصحاب الفكر الوهابي، والشاهد على ذلك أنّ الغريق يتمسّك بكلّ قشة للنجاة والخلاص، ومن الواضح أنّ عمله هذا لغو لا طائل وراءه، ومع ذلك كلّه لا تجد متعلّماً ـ فضلاً عن العالم ـ يصف الغريق بالشرك أو بارتكاب الحرام.

صفحه95
   
 
3

النذر للأولياء

النذر عبارة عن إلزام الإنسان نفسه بالقيام بأداء عمل إذا قضيت حاجته، كأن يقول: للّه عليَّ أن أختم القرآن إذا نجحت في الامتحان، هذا هو النذر الشرعي ويعتبر أن يكون النذر للّه سبحانه ولا يجوز لغيره .
وربّما يلتزم في ضمن النذر إهداء ثواب عمله إلى المقربين له كالأب والأُمّ أو الأنبياء والأولياء، فيقول: نذرت للّه أن أختم القرآن واهدي ثوابه لفلان; واللام الداخلة على لفظ الجلالة غير اللام الداخلة على لفظة «فلان»، فاللام الأُولى للغاية أي لغاية التقرب إلى اللّه سبحانه، واللام الثانية لبيان موضع الانتفاع.
هذا هو المتعارف بين المسلمين ينذرون عملاً للّه ثمّ يلتزمون بإهداء ثوابه لأحد أولياء اللّه وعباده الصالحين.
وربّما يختصرون في العبارة ويقولون : هذه ـ الشاة ـ منذورة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمراد هو جهة انتفاعه، والقرآن الكريم مشحون بكلا الاستعمالين .
قال سبحانه حاكياً عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي

صفحه96
بَطْني مُحَرَّرَاً) (1)، فاللام في هذه الآية نظير قولنا: «صليت للّه ونذرت للّه».
وقال سبحانه: (إِنَّما الصَّدقاتُ لِلْفُقَراءِوَالْمَساكينِ) (2)، واللام للفقراء بمعنى الانتفاع،نظير قولنا عند الاختصار: هذا للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو للإمام (عليه السلام) وقد مضى انّ سعدَ بن عبادة لما حفر بئراً قال: هذه لأُمّ سعد.
وبذلك ظهر انّه لا مانع من النذر للأولياء والصالحين، على ما عرفت من تفسيره.
ولأجل إيضاح الحال نأتي بكلام بعض المفكّرين وعلماء الإسلام.
يقول الخالدي: إنّ المسألة تدور مدار نيّات الناذرين ، وإنّما الأعمال بالنيّات، فإن كان قصد الناذر الميت نفسه والتقرّب إليه بذلك لم يجز، قولاً واحداً، وإن كان قصده وجه اللّه تعالى وانتفاع الأحياء ـ بوجه من الوجوه ـ به وثوابه لذلك المنذور له سواء عين وجهاً من وجوه الانتفاع أو أطلق القول فيه، وكان هناك ما يطرد الصرف فيه في عرف الناس أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك ـ ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور.(3)
وقال العزامي في كتاب «فرقان القرآن»: ... ومن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للأموات ـ من الأنبياء والأولياء ـ إلاّالصدقة عنهم و جعل ثوابها إليهم، وقد

1. آل عمران: 35.
2. التوبة: 60.
3. صلح الإخوان: للخالدي: 102 وما بعده.

صفحه97
علموا أنّ إجماع أهل السنّة منعقد على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات واصلة إليهم، والأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.(1)
أخرج أبو داود عن ميمونة انّ أباها قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):
يا رسول اللّه انّي نذرت إن وُلد لي ذكر أن أنحر على رأس «بُوانة» في عقبة من الثنايا ، عدّة من الغنم.
قال الراوي عنها: لا أعلم إلاّ أنّها قالت: خمسين.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): هل من الأوثان شيء؟
قال: لا.
قال: أوف بما نذرت به للّه.(2)
تجد انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يؤكِّد السؤال عن وجود الأصنام في المكان الذي تذبح فيه الذبائح انّ هذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للأصنام حيث جرت عادة أهل الجاهلية على ذلك كما قال تعالى : (...وَما ذبح عَلى النُّصُبِ... ذلِكُمْ فِسْق) .(3)
وكلّ مَن وقف على أحوال الزائرين للعتبات المقدسة ومراقد أولياء اللّه الصالحين يجد انّهم ينذرون للّه تعالى ولرضاه، ويذبحون الذبائح باسمه عزّ وجلّ بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها وانتفاع الفقراء بلحومها.

1. فرقان القرآن: 133.
2. سنن أبي داود: 2 / 81 .
3. المائدة: 3.

صفحه98
 
4

التبرك بآثار الأولياء

التبرّك لغة مشتق من «البركة» بمعنى الزيادة في النعمة.
وأمّا اصطلاحاً فهو: طلب الموحّدين إفاضة النعم عليهم وزيادة البركة من خلال التبرّك بالذوات الصالحة للنبي الأكرم والصالحين من عباده، أو التبرّك بآثارهم الباقية.
وهذا لا يعني أنّ المتبرّك يسد في وجهه الطرق والأسباب الطبيعية لتحقيق مراده والأُمور التي يتوخّاها، بل في الوقت الذي يعتمد فيه الأسباب و العلل الطبيعية، يبقي أمامه باب التبرّك مفتوحاً ليتسنّى له من خلاله نيل الفيض الإلهي النازل من خلال هذا الطريق بالإضافة إلى الفيوضات النازلة من خلال الطرق والأسباب الطبيعية.
ومن المسلّم به أنّه لا توجد علاقة مادية بين آثار الأنبياء (عليهم السلام)والصالحين، وبين الخيرات التي يجنيها الإنسان من خلال هذا الطريق، ولكن ـ كما قلنا سابقاً ـ انّ الفيوضات الإلهية تارة تفاض على العباد من غير مجاريها الطبيعية حيث تتعلّق الإرادة الإلهية بأن تلبّى حاجات الإنسان المؤمن عن طريق التبرّك بشخص النبي أو الآثار المتبقية منه، وهذه الحقيقة

صفحه99
قد أكّدتها آيات الذكر الحكيم والروايات المتواترة، أضف إلى ذلك أنّه لا يوجد مانع عقلي يمنع عن فاعلية آثار النبي والصالحين في تلبية حاجات الإنسان وإنجاح طلبته.
وهانحن نستعرض بعض الآيات الواردة في هذا الصدد:

1. التبرّك بمقام إبراهيم(عليه السلام)

لقد اعتبر اللّه سبحانه وتعالى بعض الأراضي التي لامست بدن دعاة التوحيد،محلاً للعبادة. فعلى سبيل المثال جعل من مقام إبراهيم (عليه السلام) مصلّى، حيث قال سبحانه:
(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْت مَثابَة لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخذِوا مِنْ مَقامِ إِبراهيمَ مُصلّى).(1)
ولا ريب أنّ الصلاة نفسها لا تختلف من الناحية الجوهرية، سواء أُقيمت في هذا المقام أو سائر نقاط المسجد، وهذا يكشف عن أنّ المقام المذكور قد اكتسب بسبب وجود النبي إبراهيم (عليه السلام) ميزة أُخرى، فأصبح مكاناً مباركاً، لذلك تجد المصلّي يأتي بصلاته هناك لأجل التبرّك بذلك المكان الطاهر.
وفي موضع آخر من القرآن نجد اللّه سبحانه وتعالى يعتبر «المسعى» ـ و هو المسافة الواقعة بين الصفا والمروة ـ محلاً للعبادة، وما ذلك إلاّ لأنّ

1 . البقرة: 125.

صفحه100
السيدة الطاهرة والموحّدة «هاجر» قد لامست بقدميها المباركتين هذه الأرض سبعة أشواط بحثاً عن الماء، وليس لذلك الأمر علّة إلاّ التبرّك بهذه البقعة المقدّسة التي لامست جزءاً من بدن أُمّ إسماعيل عليه وعليها السلام.

2. قميص يوسف(عليه السلام) وعودة البصر إلى يعقوب

لقد عانى يعقوب (عليه السلام) ألم فراق ولده العزيز يوسف (عليه السلام) ردحاً طويلاً من الزمن، ولقد بكاه طوال تلك المدّة حتّى فقد بصره إلى الدرجة التي وصفه فيها الذكر الحكيم بقوله: (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).(1)
فشاءت الإرادة الإلهية أن يعود إلى يعقوب بصره عن طريق قميص ولده يوسف(عليه السلام)حيث قال تعالى على لسان يوسف(عليه السلام): (اذْهَبُوا بِقَمِيصي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً).(2)
ولا ريب أنّ قميص يوسف (عليه السلام) لا يختلف من الناحية المادية أو من ناحية الشكل عن غيره، ولكن تعلّقت الإرادة الإلهية بأن يصدر الفيض الإلهي إلى عبده يعقوب من خلال هذا الطريق، وقد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة حيث قال سبحانه:
(فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقَاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً).(3)

1 . يوسف: 84 .
2 . يوسف: 93.
3 . يوسف: 96 .

صفحه101
 
3. تابوت بني إسرائيل والسكينة
لقد وضع موسى(عليه السلام) وفي الأيام الأخيرة من عمره الشريف، الألواح المقدّسة التي تحتوي على شريعته(عليه السلام)، ودرعه وسلاحه وآثاره الأُخرى في صندوق، وجعل الصندوق عند وصيّه «يوشع بن نون»، ومن هنا اكتسب هذا الصندوق أهمية كبرى لدى بني إسرائيل، فكانوا يحملونه معهم أثناء الحروب التي تقع بينهم وبين خصومهم متبرّكين به، ومستنزلين النصر من اللّه عن طريقه، وكانوا يعيشون حياة عزيزة مادام ذلك الصندوق المبارك بين ظهرانيهم، ولكن لمّا دبّ فيهم الضعف الديني، وقلّ تأثير الوازع الأخلاقي في أوساطهم، تمكّن خصومهم من هزيمتهم والتغلّب عليهم، وتمكّنوا كذلك من نهب ذلك الصندوق المبارك.
ولمّا اختار اللّه سبحانه ـ بعد فترة من الزمن ـ طالوت ملكاً وقائداً لبني إسرائيل، قال لهم نبيّهم: إنّ آية صدقه وكونه قائداً منصباً من قبله سبحانه هو أن يأتيكم ذلك الصندوق، ولقد أشار الذكر الحكيم إلى ذلك بقوله سبحانه:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).(1)

1 . البقرة: 248 .

صفحه102
والإمعان في الآية المباركة يكشف أنّ القرآن الكريم ينقل لنا على لسان نبيه، تبرّك بني إسرائيل بذلك الصندوق ويؤكّد كذلك مدى قيمته وشرفه بحيث تحمله الملائكة، وحينئذ نتساءل لو كان هذا العمل مخالفاً لأُصول التوحيد ومتعارضاً معها، فكيف ياترى جاز لذلك النبي أن يلقي إليهم الخبر على نحو البشرى؟!!

4. التبرّك بمقام أصحاب الكهف

حين اكتشف المؤمنون والموحّدون المكان الذي اختفى فيه الفتية«أصحاب الكهف»، أخذوا يتداولون الأمر بينهم ماذا نعمل؟ فكان إطباق الجميع واتّفاقهم على أن يبنوا على قبورهم مسجداً ليكون محلاً للعبادة وللتبرّك بالعبادة إلى جنب تلك الأجساد الطاهرة، ولقد نقل لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله سبحانه:
(وَقالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(1)
قال المفسّرون: إنّ الهدف من بناء المسجد هو إقامة الصلاة والتبرّك بأجسادهم الطاهرة.
إلى هنا نكتفي بهذه الآيات الأربع، والتي يكشف الإمعان فيها عن حقيقة واضحة وترشدنا إلى أصل علمي وقرآني جليّ، وهو أنّ المشيئة الإلهية قد تعلّقت بأن تفاض نعمه ومواهبه المادية والمعنوية على البشر من

1 . الكهف: 21.

صفحه103
خلال الأسباب الطبيعية، بلا فرق بين الأُمور المادية والمعنوية، فعلى سبيل المثال شاءت الإرادة الإلهية أن تفاض هدايته على البشر عن طريق الأسباب الطبيعية فأرسل لهم الأنبياء مبشّرين ومنذرين.
ولكن في الوقت نفسه قد تتعلّق الإرادة الإلهية بأن يجري فيضه عن طريق الأسباب والطرق والمجاري غير الطبيعية، وما التبرّك إلاّ واحداً من تلك المجاري التي يتمسّك بها الإنسان لاستنزال الفيض الإلهي والنعم الربّانية عليه.
وعلى ضوء ذلك كان المسلمون يتبرّكون بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وثيابه وآنيته ومسِّ جسده الشريف، إلى غير ذلك من آثاره الشريفة التي رواها الأخيار عن الأخيار.
فصارالتبرك بها سنّة الصحابة واقتدى آثارهم من نهج نهجهم من التابعين والصالحين.
قال ابن هشام في الفصل الذي عقده لصلح الحديبية: إنّ قريشاً
بعثت عروة بن مسعود الثقفي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس بين يديه،
وبعد ما وقف على نية الرسول من خروجه إلى مكة رجع إلى قومه وأخبرهم بما دار بينه و بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال: إنّ محمّداً لا يتوضّأ إلاّ وابتدر أصحابه بماء وضوئه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه، ثمّ قال: يا معشر قريش لقد رأيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإنّي واللّه ما رأيت ملكاً في قومه قط مثل محمد في أصحابه، ولقد

صفحه104
رأيت قوماً لا يسلّمونه لشيء أبداً فَرَوْا رأيكم.(1)
وقد ألّف غير واحد من علماء الإسلام ما قام به الصحابة من التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نذكر عناوينها :
التبرك بتحنيك الأطفال.
التبرك بالمسح والمس.
التبرك بفضل وضوئه وغسله.
التبرك بسؤر شرابه وطعامه.
إنّ تبرك الصحابة لم يقتصر على ذلك بل كانوا يتبركون بماء أدخل فيه يده المباركة، وبماء من الآنية التي شرب منها، وبشعره، وعرقه، وظفره، والقدح الذي شرب منه، وموضع فمه، ومنبره، والدنانير التي أعطاها، وقبره وجرت عادتهم على التبرك به، ووضع الخد عليه والبكاء عنده.
وقد ألف المحقّق العلاّمة محمد طاهر بن عبد القادر كتاباً باسم «تبرك الصحابة»، وهو من علماء مكة المكرمة قال فيه : أجمعت صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على التبرك بآثار رسول اللّه والاهتمام في جمعها، وهم الهداة المهديون والقدوة الصالحون فيتبركون بشعره وبفضل وضوئه وعرقه وثيابه وآنيته وبمسِّ جسده الشريف، وبغير ذلك ممّا عرف من آثاره الشريفة التي صحّت به الأخبار عن الأخيار.

1. السيرة النبوية: ابن هشام: 2 / 314، صلح الحديبية.

صفحه105
وقد وقع التبرك ببعض آثاره في عهده وأقرّه ولم ينكر عليه،فدلَّ ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته، ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه وحذّر منه.
وكما تدلّ الأخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته تدلّ على قوة إيمان المتبركين وشدّة محبتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)كقول الشاعر:
أمرّ على الديار ديار ليلى *** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حبّ من سكن الديارا(1)

1. تبرك الصحابة: 50.

صفحه106
 
5

زيارة القبور

إن زيارة قبور الأنبياء والأولياء تنطوي على آثار تربوية وأخلاقية هامة، لأنّ مشاهدة المقابر التي تضمُّ في طياتها مجموعة كبيرة من رفات الذين عاشوا في هذه الحياة، ثمّ انتقلوا إلى الآخرة، تؤدي إلى الحد من الطمع والحرص على الدنيا، وربما يُغيِّر سلوك الإنسان فيترك الظلم والمنكر ويتوجه إلى اللّه والآخرة.
لذا يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): «زوروا القبور فانّها تذكّركم بالآخرة».(1)
نعم يستفاد من بعض الأحاديث انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى يوماً عن زيارة القبور ثمّ رخّصها، ولعلّ النهي كان لملاك آخر، وهو أنّ أكثر الأموات ـ يومذاك ـ كانوا من المشركين، فنهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن زيارتهم، ولمّا كثر المؤمنون بينهم رخّصها بإذن اللّه عزّ وجلّ، وقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانّها تزهد في الدنيا وتذكر في الآخرة».(2)

1. شفاء السقام: 107.
2. سنن ابن ماجة: 1/117، باب ما جاء في زيارة القبور.

صفحه107
وقالت عائشة: إنّ رسول اللّه رخّص في زيارة القبور، وقالت: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أمرني ربّي أن آتي البقيع وأستغفر لهم. قلتُ: كيف أقول يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، انّا إن شاء اللّه بكم لاحقون.(1)
وجاء في الصحاح والمسانيد صور الزيارات التي زار بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)البقيع.
قال مؤلف كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة»: زيارة القبور مندوبة للاتعاظ وتذكّر الآخرة وتتأكد يوم الجمعة، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرّع، والاعتبار بالموتى، وقراءة القرآن للميت، فإنّ ذلك ينفع الميت على الأصح، وبما ورد أن يقول الزائر عند رؤية القبور: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون» ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة(2) بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصاً مقابر الصالحين.
هذه كلمات فقهاء المذاهب الأربعة حول زيارة القبور.(3)

1. لاحظ صحيح مسلم: 2 / 64، باب ما يقال عند دخول القبور.
2. إلاّ الحنابلة فقالوا إذا كانت القبور بعيدة فزيارتها مباحة لا مندوبة.
3. الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 540.

صفحه108
 
زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
هذا كلّه حول زيارة قبور المسلمين، وأمّا زيارة قبر النبيوأئمّة الإسلام والشهداء والصالحين فلا شكّ انّ لزيارتهم نتائج بنّاءة نشير إليها، كما نشير إلى الأحاديث الواردة حول زيارة قبورهم ليكون البحث مرفقاً بالتحليل وجامعاً للدليل.
أمّا التحليل: انّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هو نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحقّ والهدى، والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة، وهذا لا يدفعنا إلى زيارة قبورهم فحسب، بل إلى إبقاء ذكرياتهم حية ساخنة، والمحافظة على آثارهم وإقامة المهرجانات ، في ذكرى مواليدهم،وعقد المجالس وإلقاء الخطب المفيدة في أيّام التحاقهم بالرفيق الأعلى، وهذا شيء يدركه كلّ ذي مسكة.
ولأجل ذلك ترى أنّ الأُمم الحية يتسابقون في زيارة مدفن رؤسائهم وشخصياتهم الذين ضحُّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل نجاة الشعب، وإنقاذه من مخالب المستعمرين والظالمين، ويقيمون المجالس لإحياء معالمهم، دون أن يخطر ببال أحد انّ هذه الأُمور عبادة لهم، فأين التعظيم للشخصيات من عبادتهم; فإنّ التعظيم تقدير لجهودهم، والعبادة تأليههم واتخاذهم أرباباً. أفهل هناك من يخلط بين الأمرين منّا أو من غيرنا؟! كلاّ،

صفحه109
ولا، شريطة الإمعان في مقوّمات العبادة وتعريفها الماضيتين في الفصلين السابقين.
إذا وقفت على الآثار البنّاءة لزيارة مطلق القبور وزيارة قبور الأولياء والصالحين، نذكر خصوص ما ورد من الروايات التي جاء فيها الحث على زيارة قبر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
أخرج أئمّة المذاهب الأربعة وحفاظها في الصحاح والمسانيد أحاديث جمّة في زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نذكر شطراً منها:
1. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من زار قبري وجبت له شفاعتي.
2. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من جاءني زائراً لا تحمله إلاّ زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.
3. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كمن زارني في حياتي.
4. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني.
5. عن عمر مرفوعاً: من زار قبري أو من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً.
6. عن حاتم بن أبي بلتعة مرفوعاً: من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي.

صفحه110
7. عن أبي هريرة مرفوعاً: من زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ، ومن زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة.
8. عن أنس بن مالك مرفوعاً: من زارني في المدينة محتسباً كنت له شفيعاً.
9. عن أنس بن مالك: من زارني ميتاً فكأنّما زارني حيّاً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أُمّتي له سعة ثمّ لم يزرني فليس له عذر.
10. عن ابن عباس مرفوعاً: من زارني في مماتي كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً، أو قال شفيعاً.
فهذه أحاديث عشرة أخرجها الحفاظ من المحدّثين، وقد جمع أسانيدها وطرقها وصححها تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756هـ) في كتاب شفاء السقام في زيارة خير الأنام، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(1)

1. شفاء السقام في زيارة خير الأنام، الباب الأوّل في الأحاديث الواردة في زيارته; ولاحظ أيضاً وفاء الوفا بأحوال دار المصطفى: 4 / 1336.

صفحه111

6

البناء على القبور

المراد من القبور في العنوان هو قبور الأنبياء والشهداء والأئمّة الأولياء الذين لهم مكانة عالية في قلوب المؤمنين، فهل هو أمر جائز أو لا ؟
وهذه المسألة كالمسألتين السابقتين لا تمت إلى العقيدة الإسلامية بصلة حتى تكون ملاكاً للتوحيد والشرك، وإنّما هي من المسائل الفقهية التي يدور أمرها بين الإباحة والكراهة والاستحباب وغيرها.
ولا يصحّ لمسلم واع أن يتخذ تلك المسألة ذريعة للشرك والتكفير، فكم من مسائل فقهية اختلفت فيها كلمة الفقهاء، ومن حسن الحظ لم يختلف في هذه المسألة فقهاء الأئمة الأربعة ولا فقهاء المذهب الإمامي ودليلهم على جواز البناء على قبور تلك الشخصيات عبارة عن سيرة المسلمين منذ رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا.
أ. وارى المسلمون جسد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته المسقف وحرصوا على بذل المزيد من العناية بحجرته الشريفة بشتى الأساليب، وقد جاء ذكرها في الكتب التي ألفت في تاريخ المدينة لا سيما كتاب وفاء الوفا للعلاّمة السمهوديّ.(1)

1. وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى:2 / 458، الفصل التاسع.

صفحه112
وشيّد البناء الموجود عام 1270هـ وهو بحمد اللّه قائم لم يمسه السوء، وسوف يبقى بفضل اللّه تبارك وتعالى محفوظاً مصوناً عن الاندثار، فلو كان البناء على القبور أمراً حراماً لدفنه المسلمون في مكان واسع لا سقف فيه.
ب. انّ البناء على القبور كانت سيرة سائدة بين المسلمين من عصر الصحابة إلى يومنا هذا، وهذه هي كتب الرَحَلات تذكر لنا وصف القبور الموجودة في المدينة التي كانت عليها قباب وعلى قبورهم صخرة فيها أسماؤهم ونحن نذكر من ذلك نزراً يسيراً:
1. يقول المسعودي(المتوفّى445هـ) حول المشاهد والقباب في البقيع: وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع، رخامة مكتوب عليها: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه مبيد الأُمم ومحيي الرمم وهذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد.(1)
2.وذكر السبط ابن الجوزي(المتوفّى عام 654هـ) في «تذكرة الخواص» ص 311 نظير ذلك.
3. كما وصف محمد بن أبي بكر التلمساني المدينة الطيبة وبقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: وقبر الحسن بن علي عن يمينك إذا خرجت

1. مروج الذهب ومعادن الجوهر: 2 / 288.

صفحه113
من الدرب ترتفع إليه قليلاً عليه مكتوب هذا قبر الحسن بن علي دفن إلى جنب أُمّه فاطمة (عليها السلام).(1)
4. يقول الحافظ محمد بن محمود بن النجار (المتوفّى عام 643 هـ) في «أخبار مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)»: في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أوّل البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما في كلّ يوم للزيارة رضي اللّه عنهم.(2)
5. ويقول ابن جبير الرحالة الطائر الصيت(المتوفّى عام 614هـ) في رحلته في وصف بقيع الغرقد: يقع في مقابل قبر مالك قبر السلالة الطاهرة إبراهيم بن النبي عليها قبة بيضاء، وعلى اليمين منها تربة ابن عمر ابن الخطاب، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب (رضي الله عنه) وعبد اللّه بن جعفر الطيار (رضي الله عنه)، وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، و روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي (رضي الله عنه)وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن إلى رجلي العباس، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة، أبدع إلصاق، مرصّعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة، وأجمل منظر، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم بن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ويعرف ببيت الحزن... وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد

1. مجلة العرب، رقم 5 ـ 6، المؤرخة 1393 هـ .
2. أخبار مدينة الرسول، اهتمّ بنشره صالح محمد جمال بمكة المكرمة عام 1366 هـ .

صفحه114
المظلوم ذي النورين وعليه قبة صغيرة مختصرة، وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُمّ عليّ رضي اللّه عنها وعن بنيها.(1)
6. وروى البلاذري انّه لما ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلّى عليها عمر، وكان دفنها في يوم صائف، ضرب عمر على قبرها فسطاطا.(2)
ولم يكن الهدف من ضربه ذلك الفسطاط تسهيل الأمر لمن يتعاطى دفنها، بل لأجل تسهيله لأهلها حتى يتفيّؤا بظله، ويقرأوا ما يتيسر من القرآن والدعاء.
7. يقول السمهودي(المتوفّى 911هـ) في وصف بقيع الغرقد: قد ابتنى عليها مشاهد، منها المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأُمّهات المؤمنين،تحوي العباس والحسن بن علي ... وعليهم قبة شامخة في الهواء، قال ابن النجار: ...وهي كبيرة عالية، قديمة البناء، وعليها بابان، يفتح أحدهما في كلّ يوم.وقال المطري: بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيء... وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان من الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مصحفة بصفائح الصفر، مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر.(3)

1. رحله ابن جبير، طبع بيروت، دار صادر، وقد زار ابن جبير المدينة المنورة عام 578 هـ .
2. أنساب الأشراف: 1 / 436.
3. وفاء الوفا: 3 / 916 ـ 929.

صفحه115
إلى غير ذلك من الرحالة الذين زاروا المدينة المنورة ووصفوا تلكم المزارات و المشاهد و القباب المرتفعة ونظر الكل إليها بعين الرضا والمحبة لا بعين السخط والغضب.
وهذا النوع من الاتفاق والإجماع من قبل علماء الإسلام طيلة قرون أقوى شاهد على جواز البناء على قبور الشخصيات الإسلامية الذين لهم منزلة ومكانة في القلوب.
ولنعم ما يقول العلاّمة العاملي:
مضت القرون وذي القباب مشيدة *** والناس بين مؤسس ومجدد
في كلّ عصر فيه أهل الحل والـ *** ـعقد الذين بغيرهم لم يعقد
لم ينكروا أبداً على من شادها *** شيدت ولا من منكر ومفند
فبسيرة للمسلمين تتابعت *** في كل عصر نستدل ونقتدي (1)

1. كشف الارتياب: 395.

صفحه116
 
7

بناء المساجد على القبور والصلاة فيها

إنّ بناء المساجد على القبور أو عندها والصلاة فيها مسألة فقهية فرعية لا تمتُّ إلى العقائد بصلة.
فالمرجع في هذه المسائل هم أئمّة المذاهب وفقهاء الدين يستنبطون حكمه من الكتاب والسنّة، وليس لنا تكفير أو تفسيق واحد من الطرفين إذا قال بالجواز أو بعدمه، وكم من مسألة فقهية اختلفت فيها آراء الفقهاء والمجتهدين، ونحن بدورنا نعرض المسألة على الكتاب والسنّة لنستنبط حكمها من أوثق المصادر الفقهية.
الذكر الحكيم يشرح لنا كيفية عثور الناس على قبور أصحاب الكهف وانّهم ـ بعد العثور ـ اختلفوا في كيفية تكريمهم وإحياء ذكراهم والتبرّك بهم على قولين: فمن قائل: يُبنى على قبورهم بنيان ليُخلَد ذكراهم بين الناس.
إلى قائل آخر: يبنى على قبورهم مسجداً يصلّى فيه.
وقد حكى سبحانه كلا الاقتراحين من دون تنديد بواحد منهما، قال سبحانه: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا انَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَانَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً ربُّهُمْ أَعْلُمُ بِهِمْ

صفحه117
قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(1)
قال المفسرون: إنّ الاقتراح الأوّل كان لغير المسلمين ويؤيده قولهم في حقّ أصحاب الكهف:(رَبّهم أَعْلَمُ بِهِم) وهو ينمَّ عن اهتمام بالغ بحالهم ومكانتهم فحوَّلوا أمرهم إلى ربّهم.
وأمّا الاقتراح الثاني فنفس المضمون (اتخاذ قبورهم مسجداً) شاهد على أنّ المقترحين كانوا هم المؤمنين، وما اقترحوا ذلك إلاّ للتبرّك بالمكان الذي دفنت فيه أجساد هؤلاء الموحّدين.
والقرآن يذكر ذلك الاقتراح من دون أن يعقب عليه بنقد أو ردّ، وهو يدلّ على كونه مقبولاً عند مُنزل الوحي.
قال الطبري في تفسير الآية: إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع أُناساً كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزاده فرقاً ورأى أنّه حيران، فقام مُسْنِداً ظهره إلى جدار من جُدُر المدينة، ويقول في نفسه: واللّه ما أدري ما هذا أمّا عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قتل، وأمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثمّ قال في نفسه: لعلّ هذه ليست بالمدينة التي أعرف.(2)

1. الكهف: 21.
2. تفسير الطبري: 15 / 145.

صفحه118
 
سيرة المسلمين في البناء على قبور الصالحين
إنّ سيرة المسلمين تكشف عن جواز بناء المساجد على قبور الصالحين الذين يُتبرّك بهم ولهم مكانة عالية في قلوبهم، ويدلّ على ذلك الأُمور التالية:
أ. دفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته الذي فيه وكان في جوار المسجد النبوي، ولمّا كثر المسلمون وازداد عددهم وضاق المسجد بهم أدخلوا الجانب الشرقي ـ الذي كان فيه بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والبيت الذي دفن فيه ـ في المسجد النبوي على نحو يقف المصلون أطراف القبر من الجوانب الأربعة ويحيطون به.
يقول الطبري في حوادث سنة 88: إنّه في شهر ربيع الأوّل من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، باشتراء الأملاك المحيطة به، فأخبر عمر الفقهاء العشرة وأهل المدينة بذلك، فحبذوا بقاء تلك الحُجُر على حالها ليعتبر بها المسلمون، ويكون أدعى لهم إلى الزهد اقتداءً بنبيهم، فكاتب ابن عبد العزيز الوليد في ذلك، فأرسل إليه يأمره بالخراب، وتنفيذ ما ذكره في كتابه الأوّل، فضجَّ بنو هاشم وتباكوا، ولكن عمر نفّذ ما أمره به الوليد، فأدخل الحجرة النبوية (حجرة عائشة) في المسجد، فدخل القبر في المسجد وسائر حجرات أُمّهات المؤمنين وقد

صفحه119
بني عليه سقف مرتفع كما أمر الوليد.(1)
فإذا كان هذا العمل بمرأى ومسمع من فقهاء المدينة العشرة والمسلمين عامة، وفي مقدم التابعين منهم علي بن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي الباقر(عليهم السلام)اللّذين لم يشك أحد في زهدهما وعلمهما وعرفانهما. فهو أوضح دليل على جواز إقامة المسجد عند قبور الأنبياء والصالحين والصلاة فيه.
ولم يعترض على هذا العمل كلّ التابعين بما فيهم مالك إمام دار الهجرة وأحد أئمّة المذاهب الأربعة .
ب . يقول السمهودي في حقّ السيدة فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : فلمّا توفيت خرج رسول اللّه فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة.(2)
والعبارة تدلّ على أنّهم بنوا المسجد بعد تدفينها.
وقال في موضع آخر: إنّ مصعب بن عمير وعبد اللّه بن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة.(3)
ج. انّ السيدة عائشة قضت حياتها في بيتها وصلّت فيه تمام
عمرها، ولم يكن بينها وبين القبر أيّ جدار إلى أن دفن عمر فبني

1. راجع تاريخ الطبري: 5 / 222; البداية والنهاية: 8 / 65.
2. وفاء الوفا: 3 / 897.
3. المصدر السابق: 3 / 922.

صفحه120
جدار حال بينها وبين القبور الثلاثة.(1)
د. روى البيهقي انّ فاطمة بنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تذهب إلى زيارة قبر عمها حمزة فتبكي وتصلي عنده.(2)
أخرج الحاكم، عن سليمان بن داود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليهم السلام)، عن أبيه، انّ فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كانت تزور قبر عمها حمزة كلّ جمعة فتصلي وتبكي عنده.
قال الحاكم: وهذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. وأقرّه الذهبي عليه ونقله البيهقي في سننه.(3)
وهذا يدل على بناء المسجد على قبر حمزة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصلاة فيه.
هـ . انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في معراجه الذي بدأ به من المسجد الأقصى ـ نزل في المدينة، وطور سينا وبيت لحم، وصلّى فيها، فقال جبرئيل: صليت في «طيبة» وإليها مهاجرتك، وصلّيت في طور سينا حيث كلّم اللّه موسى، وصلّيت في بيت لحم حيث ولد المسيح.(4)
هل هناك فرق بين المدفن والمولد، مع أنّ الصلاة في كلّ، لغاية

1. وفاء الوفا: 2 / 541.
2. السنن الكبرى: 4 / 78.
3. مستدرك الحاكم: 1 / 377.
4. الخصائص الكبرى: 1 / 154.

صفحه121
واحدة وهي التبرّك بالإنسان المثالي الذي مسّ جسده الطاهر، ذلك التراب بداية عمره أو نهايته؟!
وبما انّ الكتاب ـ مضافاً إلى السيرة المستمرة بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا ـ دليل قطعي، يكون محكماً يؤخذ به، وما دلّ على خلافه، يكون متشابهاً، فيرد إلى المحكم ويفسره بفضله.
ربّما يتراءى من بعض الروايات عدم جواز اتّخاذ قبور الأنبياء مساجد.
فروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وفي رواية أُخرى: لعن اللّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وفي رواية ثالثة: ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد.(1)
ولنا مع هذه الأحاديث وقفة قصيرة، وذلك لأنّ تاريخ اليهود لا يتفق مع مضامين تلك الروايات، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا التي كانوا يصبّونها على أنبيائهم.

1. للوقوف على مصادر هذه الأحاديث راجع صحيح البخاري: 2/111 كتاب الجنائز; سنن النسائي:2/871، كتاب الجنائز; صحيح مسلم:2/68، باب النهي عن بناء المساجد على القبور من كتاب المساجد.

صفحه122
ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريق) .(1)
وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْجاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).(2)
وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ...).(3)
أفتزعم انّ أُمّة قتلت أنبياءها في مواطن مختلفة تتحول إلى أُمّة تشيد المساجد على قبور أنبيائها تكريماً وتبجيلاً لهم.
وعلى فرض صدور هذا العمل عن بعضهم، فللحديث محتملات أُخرى غير الصلاة فيها والتبرّك بصاحب القبر، وهي:
أ. اتخاذ القبور قبلة.
ب. السجود على القبور تعظيماً لها بحيث يكون القبر مسجوداً عليه.
ج. السجود لصاحب القبر بحيث يكون هو المسجود له، فالقدر المتيقن هو هذه الصور الثلاث لا بناء المسجد على القبور تبرّكاً بها.

1. آل عمران: 181.
2. آل عمران: 183.
3. النساء: 155.

صفحه123
والشاهد على ذلك انّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حسب بعض الروايات يصف هؤلاء بكونهم شرار الناس .
أخرج مسلم في كتاب المساجد: انّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بني على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة.(1)
إنّ وصفهم بشرار الخلق يميط اللثام عن حقيقة عملهم إذ لا يوصف الإنسان بالشر المطلق إلاّ إذا كان مشركاً ـ و إن كان في الظاهر من أهل الكتاب ـ قال سبحانه: (إِنَّ شَرَّ الدّوابّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الّذينَ لا يَعْقِلُون).(2)
وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوابّ عِنْدَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) .(3)
وهذا يعرب عن أنّ عملهم لم يكن صرفَ بناء المسجد على القبر والصلاة فيه، أو مجرد إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملاً مقروناً بالشرك بألوانه، وهذا كما في اتخاذ القبر مسجوداً له أو مسجوداً عليه أو قبلة يصلى عليه.
قال القرطبي: وروى الأئمّة عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: لا تصلّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها. «لفظ مسلم» أي لا

1. صحيح مسلم:2/66، باب النهي عن بناء المساجد على القبور من كتاب المساجد.
2. الأنفال: 22.
3. الأنفال: 55.

صفحه124
تتخذّوها قبلة فتصلّوا عليها أو إليها كما فعل اليهود و النصارى فيؤدي إلى عبادة من فيها.(1)
إنّ الصلاة عند قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو لأجل التبرّك بمن دفن، ولا غروَ فيه وقد أمر سبحانه الحجيج باتخاذ مقام إبراهيم مصلى قال سبحانه: (وَاتَّخِذوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّى).(2)
إنّ الصلاة عند قبور الأنبياء كالصلاة عند مقام إبراهيم غير أنّ جسد النبي إبراهيم (عليه السلام)لامس هذا المكان مرّة أو مرات عديدة، ولكن مقام الأنبياء احتضن أجسادهم التي لا تبلى أبداً.
هذا وانّ علماء الإسلام فسروا الروايات الناهية بمثل ما قلناه.
قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتّخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبّرك بالقرب منه لا للتعظيم ولا للتوجه ونحوه، فلا يدخل في الوعيد المذكور.(3)
وقال السندي شارح سنن النسائي: اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أي

1. تفسير القرطبي: 10 / 38.
2. البقرة: 125.
3. فتح الباري في شرح صحيح البخاري:1/525، طبعة دار المعرفة; وقريب منه ما في إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:2/437، باب بناء المسجد على القبور.

صفحه125
قبلة للصلاة ويصلون إليها، أو بنوا مساجد يصلون فيها، ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر.
إلى أن يقول: يحذر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذ تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة إليها.(1)

1. سنن النسائي: 2 / 41.

صفحه126
 
8

البكاء على الميت

الحزن والتأثر عند فقدان الأحبة أمر جُبلت عليه الفطرة الإنسانية فإذا ابتلي بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده وأرحامه يحس بحزن شديد يتعقبه ذرف الدموع على وجناته، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.
ولا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكار جد وموضوعية ومن الواضح بمكان انّ الإسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.
قال سبحانه: (فَأَقِمْوَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها) .(1)
ولا يمكن لتشريع عالميّ أن يحرم الحزن والبكاء على فقد الأحبة إذا لم يقترن بشيء يغضب الرب.
ومن حسن الحظ نرى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.

1. الروم: 30.

صفحه127
وهذا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي على ولده إبراهيم، ويقول: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».(1)
روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء (صلى الله عليه وآله وسلم)فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعهُ في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّه شيئاً ـ ثمّ ذرفت عيناه وقال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه أمرٌ حقٌّ ووعدٌ صدقٌ وأنّها سبيل مأتيّة لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».
ولمّا قال له عبد الرحمان بن عوف: أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحمقين وآخرين: صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عن نغمة لهو، وهذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحَم».(2)
وليس هذا أوّل وآخر بكاء منه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بكى على ابنه «طاهر» وقال: «إنّ العين تذرف، وإنّ الدمع يغلب، والقلب يحزن، ولا نعصي اللّه عزّ وجلّ».(3)

1. سنن أبي داود:1/58; سنن ابن ماجة: 1 / 482.
2. السيرة الحلبية: 3 / 348.
3. مجمع الزوائد للهيثمي: 3 / 8 .

صفحه128
وقد قام العلاّمة الأميني في موسوعته الكبيرة «الغدير» بجمع موارد كثيرة بكى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة والتابعون على موتاهم وأعزّائهم عند افتقادهم، وإليك نصّ ما جاء به ذلك المتتبع الخبير:
وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أُصيب حمزة (رضي الله عنه) وجاءت صفيّة بنت عبد المطلّب ـ رضي اللّه عنها ـ تطلبه فحال بينها و بينه الأنصار، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا نشجت نَشَجَ، وكانت فاطمة (عليها السلام) تبكي، ورسول اللّه كلّما بكت يبكي، و قال: لن أُصاب بمثلك أبداً.(1)
ولمّا رجع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من أُحد بكت نساء الأنصار على شهدائهن، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فرجع الأنصار فقالوا لنسائهم: لا تبكين أحداً حتّى تبدأن بحمزة، قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميّتاً إلاّ بدأن بحمزة.(2)
وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) ينعى جعفراً ، وزيد بن حارثة، وعبد اللّه بن رواحة، وعيناه تذرفان.(3)
وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) زار قبر أُمّه وبكى عليها وأبكى من حوله.(4)

1. امتاع المقريزي: ص 154.
2. مجمع الزوائد: 6 / 120.
3. صحيح البخاري: كتاب المناقب في علامات النبوّة في الإسلام; سنن البيهقي: 4 / 70.
4. سنن البيهقي: 4/70; تاريخ الخطيب البغدادي: 7 / 289.

صفحه129
وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميّت ودموعه تسيل على خدّه.(1)
وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم)يبكي على ابن لبعض بناته، فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «الرحمة التي جعلها اللّه في بني آدم وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء».(2)
وهذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتقول: يا أبتاه من ربّه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه.(3)
وهذه هي (عليها السلام) وقفت على قبر أبيها الطاهر، وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها وبكت وأنشأت تقول:
ماذا على مَن شمَّ تربة أحمد *** أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا
صُبّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها *** صُبّت على الأيّام صِرن لياليا
وهذا أبو بكر بن أبي قحافة يبكي على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ويرثيه بقوله:
يا عين فابكي ولا تسأمي *** وحُقَّ البكاء على السيّد

1. سنن أبي داود: 2 / 63; سنن ابن ماجة: 1 / 445.
2. سنن أبي داود: 2 / 58; سنن ابن ماجة: 1 / 481.
3. صحيح البخاري، باب مرض النبي ووفاته; مسند أبي داود: 2/197; سنن النسائي: 4/13; مستدرك الحاكم:3/163; تاريخ الخطيب:6/262.

صفحه130
وهذا حسّان بن ثابت يبكيه(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول :
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت *** عيونٌ ومثلاها من الجفن أسعد(1)

تحليل حديث تعذيب الميت ببكاء أهله

نعم ربما يتمسك بالرواية المعروفة من أن الميّت يعذب ببكاء أهله عليه، ويتخذ ذلك ذريعة للمنع عن البكاء الّذي تتطلبه الفطرة الإنسانية وتدفع الإنسان إليه .
ولكن المتمسكين قد غفلوا عن مفاد الحديث وإليك دراسته.
أخرج مسلم في صحيحه عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال :
ذُكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب.(2)
وأخرج أبو داود في سننه عن عروة عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الميّت ليعذَّب ببكاء أهله عليه، فذكر ذلك لعائشة فقالت ـ وهي تعني ابن عمر ـ : إنّما مرّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على قبر يهودي فقال: إنّ

1 . الغدير: 6 / 165 .
2. صحيح مسلم: 3 / 44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.

صفحه131
صاحب هذا ليُعذَّب وأهله يبكون عليه. ثمّ قرأت (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) .(1)
قال الشافعي: ما روت عائشة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أشبه أن يكون محفوظاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بدلالة الكتاب والسنّة، فإن قيل : فأين دلالة الكتاب ؟
قيل: في قوله عزّوجلّ: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى...)، و (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى)(2) وقوله: (فَمَنْ يعْمَل مِثْقالَ ذَرَّة خَيراً يَرَهُ *
وَمَنْ يَعْمَل مِثقالَ ذَرَّة شَرَّاً يَرَهُ) (3)، وقوله : (...لِتُجْزى كُلُّ نَفْس بِما تَسْعى)(4) .
فإن قيل: أين دلالة السنّة؟ قيل: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أما أنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه.
فأعلم رسول اللّه مثلما أعلم اللّه من أنّ جناية كلّ امرئ عليه، كما أنّ عمله لا لغيره ولا عليه».(5)
وأخرج مسلم عن ابن عباس:قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الميت يعذّب ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: فلمّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة،

1. سنن أبي داود:3/194، برقم 3129.
2. النجم: 39.
3. الزلزلة: 7ـ 8.
4. طه: 15.
5. اختلاف الحديث بهامش كتاب الأُمّ للشافعي: 7 / 267.

صفحه132
فقالت: يرحم اللّه عمر، لا واللّه ما حدّث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّ اللّه يعذّب المؤمن ببكاء أحد ولكن قال: إنّ اللّه يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن :(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) .(1)
وما أخرجه مسلم عن هشام بن عروة هو الحقّ دون ما أخرجه عن ابن عباس، لأنّ تعذيب الكافر ببكاء أهله عليه أيضاً يضاد الذكر الحكيم.

1. صحيح مسلم: 3 / 43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.

صفحه133
التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء بأصنافه   
 
 
9

التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولياء بأصنافه

اتّفق المسلمون على جواز التوسّل بدعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال
حياته، بل يستحب التوسّل بدعاء المؤمن كذلك، قال سبحانه: (ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفروا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَلَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً) .(1)
تجد انّه سبحانه يدعو الظالمين إلى المجيء إلى مجلس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كي يستغفر لهم.
وفي آية أُخرى يندد بالمنافقين بأنّهم إذا دعوا إلى المجيء إلى مجلس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب المغفرة منه تنكّروا لذلك واعترضوا عليه بليِّ
الرأس، قال سبحانه: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) .(2)

1. النساء: 64.
2. المنافقون: 5 .

صفحه134
وتاريخ الإسلام حافل بنماذج عديدة من أصناف التوسّل، وإليك بيانها:

الأوّل: التوسّل بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قدسيته وشخصيته

وها هنا وثيقة تاريخية ننقلها بنصّها تعرب عن توسّل الصحابة بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حال حياته أوّلاً، وبقدسيته وشخصيته ثانياً، والمقصود من نقلها هو الاستدلال على الأمر الثاني.
روى عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي فقال: ادعُ اللّه أن يعافيني؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير؟
قال: فادعه ، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة،يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهمّ شفّعه في».
قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضرّ.
وهذه الرواية من أصح الروايات، قال الترمذي: هذا حديث حق، حسن صحيح.(1)
وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.(2)

1. صحيح الترمذي5، كتاب الدعوات، الباب 119 برقم 3578 .
2. سنن ابن ماجة: 1 / 441 برقم 1385; مسند أحمد: 4 / 138; إلى غير ذلك.

صفحه135

ويستفاد من الحديث أمران:

الأوّل: جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويدلّ على ذلك قول الضرير: ادعُ اللّه أن يعافيني،وجواب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن شئتَ دعوتُ ، وإن شئت صبرت وهو خير».
الثاني: انّه يجوز للإنسان الداعي أن يتوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ضمن دعائه، وهذا يستفاد من الدعاء الذي علّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للضرير، والإمعان فيه يثبت هذا المعنى، وانّه يجوز لكلّ مسلم في مقام الدعاء أن يتوسل بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتوجّه به إلى اللّه.
وإليك الجمل التي تدلّ على هذا النوع من التوسّل:

1. اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك

إنّ كلمة «بنبيّك» متعلّقة بفعلين «أسألك» و«أتوجه إليك» والمراد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاءه.

2. محمد نبي الرحمة

نجد انّه يذكر اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يصفه بنبي الرحمة معرباً عن أنّ التوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بما لها من الكرامة والفضيلة.

3. يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي

إنّ جملة: «يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الضرير

صفحه136
حسب تعليم الرسول، اتّخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه وسيلة لدعائه وتوسّل بذاته بما لها من المقام والفضيلة.
نعم لم يكن يدور في خلد الضرير سوى التوسّل بدعائه ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)علّمه دعاء جاء فيه التوسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في نوعه توسّل ثان، وبذلك وقفنا على أنّه يستحب للمسلم أن يتوسّل بدعاء الصالحين من الأنبياء والأولياء كما يجوز له في دعائه التوسّل بذواتهم ومقامهم ومنزلتهم.
ويظهر من الأحاديث الشريفة انّ أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يتوسّلون بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في مقام الابتهال والدعاء حتى بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
أخرج الطبراني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف: انّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائتِ الميضاة فتوضأ، ثم ائتِ المسجد فصلِ فيه ركعتين، ثمّ قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك.
فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها له، ثمّ قال له: ما ذكرت

صفحه137
حاجتك حتى كان الساعة. وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.
ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتّى كلّمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكني شهدت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فتصبر؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي قائد فقد شقّ عليَّ.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إئت الميضاة فتوضأ، ثمّ صلّ ركعتين، ثمّ ادع بهذه الدعوات.
قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط.(1)
***
إنّ سيرة المسلمين في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعدها، استقرت على أنّهم كانوا يتوسّلون بأولياء اللّه والصالحين من عباده، دون أن يدور في خلد أحد منهم بأنّه أمر حرام أو شرك أو بدعة، بل كانوا يرون التوسّل بدعاء الصالحين طريقاً إلى التوسّل بمنزلتهم، وشخصيتهم، فإنّه لو كان لدعاء الرجل الصالح أثر، فإنّما هو لأجل قداسة نفسه وطهارتها، ولولاهما لما استجيبت دعوته، فما معنى الفرق بين التوسّل بدعاء الصالح وبين التوسّل

1. المعجم الكبير للحافظ سليمان بن أحمد الطبراني: 9/30ـ 31، باب ما أسند إلى عثمان بن حنيف برقم 8311; والمعجم الصغير له أيضاً:1/183ـ 184.

صفحه138
بشخصه وذاته، حتى يكون الأوّل نفس التوحيد و الآخر عين الشرك أو ذريعة إليه.
إنّ التوسّل بقدسية الصالحين، والمعصومين من الذنب، والمخلصين من عباد اللّه لم يكن قط أمراً جديداً بين الصحابة، بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الإسلام، فقد تضافرت الروايات التاريخية على ذلك وإليك البيان:

1. استسقاء عبد المطلب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو رضيع:

لقد استسقى عبد المطلب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو طفل صغير، حتى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب يشير بقوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)معه غلام.(1)

2. استسقاء أبي طالب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :

أخرج ابن عساكر عن ابن عرفلة، قال: قدمت مكة وقريش في قحط .... فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني : النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كأنّه شمس دجى تجلّت عنه سحابة قتماء، وحوله اغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة،

1. فتح الباري: 2/398; دلائل النبوة:2/126.

صفحه139
ولاذ باصبعه الغلام وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا و من هاهنا واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدة يمدح بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(1)
وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غلام، بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة مما يحفظه أكثر الناس.
ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان موضع رضاً من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه بعد ما بعث للرسالة استسقى للناس، فجاء المطر وأخصب الوادي فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟».
فقام علي (عليه السلام) وقال: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كأنّك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(2)
إنّ التوسل بالأطفال الأبرياء في الاستسقاء أمر ندب إليه الشرع الشريف، فهذا هو الإمام الشافعي يقول : أن يخرج الصبيان، ويتنظفوا

1. السيرة الحلبية:1/116.
2. إرشاد الساري: 2/338.

صفحه140
للاستسقاء وكبار النساء ومن لا هيئة له منهنّ، ولا أحب خروج ذوات الهيئة ولا آمر بإخراج البهائم.(1)
وما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم، وكلّ ذلك يعرب عن أنّ التوسّل بالأبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة، وكأنّ المتوسّل بهم يقول: ربّي و سيدي انّ الصغير معصوم من الذنب،و الكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة، فلأجلهم أنزل رحمتك إلينا،حتى تعمّنا في ظلّهم.
فإنّ الساقي ربما يسقي مساحة كبيرة لأجل شجرة واحدة وفي ظلها تسقى الأعشاب غير المفيدة.
وعلى ضوء هذا التحليل يفسر توسّل الخليفة بعمّ الرسول: «العباس بن عبد المطلب» الذي سيمر عليك، وأنّه كان توسّلاً بشخصه وقداسته وصلته بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعلم بالتالي أنّ هذا العمل كان امتداداً للسيرة المستمرة، وانّ هذا لا يمت إلى التوسّل بدعاء العباس بصلة.

3. التوسّل بعمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج البخاري في صحيحه ،عن أنس: «انّ عمر بن الخطاب كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) فقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسل

1. الأُمّ:1/248، باب خروج النساء والصبيان في الاستسقاء.

صفحه141
إليك بنبيّنا فتسقينا، وانّا نتوسل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا. قال: فيسقون».(1)
هذا ما نصّ عليه البخاري وهو يدل على أنّ عمر بن الخطاب عند دعائه واستسقائه توسّل بعمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وشخصه وشخصيته وقدسيته وقرابته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بدعائه. ويدلّ على ذلك:
قول الخليفة عند الدعاء: «اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وانّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا». وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بنفسه بالدعاء عند الاستسقاء، وتوسّل بعمّ الرسول وقرابته منه في دعائه.

الثاني: التوسّل بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأنبياء والصالحين

وهناك لون آخر من التوسّل وهو التوسّل بحقّ الأنبياء والمرسلين، والمراد الحقّ الذي تفضّل به سبحانه عليهم فجعلهم أصحاب الحقوق، وليس معنى ذلك أنّ للعباد أو للصالحين على اللّه حقّاً ذاتياً يلزم عليه تعالى الخروج منه، بل الحقّ كلّه للّه، وإنّما المراد الحقّ الذي منحه سبحانه لهم تكريماً، وجعلهم أصحاب حقّ على اللّه، كما قال سبحانه: (وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ) .(2)
ويدلّ على ذلك من الروايات ما يلي:
أ. روى أبو سعيد الخدري: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): من خرج من

1. صحيح البخاري:2/27 ، باب صلاة الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا من كتاب الصلاة.
2. الروم: 47.

صفحه142
بيته إلى الصلاة، وقال: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا،فانّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، وخرجت اتقاء سُخْطِك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي انّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت» أقبل اللّه عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك.(1)
ب. روى عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: ربّي أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي، فقال اللّه عزّوجلّ: يا آدم كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟ قال: لأنّك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلاّاللّه، محّمد رسول اللّه، فعلمت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال اللّه عزّ وجلّ: صدقت يا آدم انّه لأحبّ الخلق إليّ ، وإذ سألتني بحقّه فقد غفرت ولولا محمّد ما خلقتك».(2)
ج. روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك انّه لما ماتت فاطمة بنت أسد حفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفر رسول اللّه بيده وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول اللّه فاضطجع فيه، وقال: اللّه الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها، ووسّع عليها

1. سنن ابن ماجة:1/256رقم 778، باب المساجد; مسند أحمد:3/21.
2. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي:5/489، دار الكتب العلمية.

صفحه143
مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين.(1)
إلى هنا تم البحث عن أقسام التوسّل الثلاثة وعرفت أنّ الجميع يدعمه الكتاب والسنة وتصور انّ التوسل بغيره سبحانه تأليه وعبادة لغيره قد عرفت بطلانه وذلك لوجهين:
الوجه الأوّل: لو كان التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذاته أو حقّه شركاً يلزم أن يكون كلّ توسّل كذلك حتى التوسّل بالغير في الأُمور العادية مع أنّه باطل بالضرورة، لأنّ الجميع من قبيل التوسّل بالأسباب، عادية كانت أو غير عادية، طبيعيةً كانت أو غير طبيعية.
الوجه الثاني: قد عرفت في تعريف العبادة انّه الخضوع أمام الغير بما هو إله أو ربّ أو مفوض إليه أُموره سبحانه، وليس واحد من هذه القيود متحقّقاً في التوسّل بالأنبياء والصالحين والشهداء، بل يتوسّل بهم بما أنّهم عباد مكرمون يستجاب دعاؤهم عند اللّه سبحانه، أو أنّ لذواتهم وحقوقهم منزلة عند اللّه، فالتوسّل بهم يثير بحار رحمته.
كيف يكون التوسّل بنبي التوحيد(صلى الله عليه وآله وسلم) شركاً مع أنّه يتوسّل به بما أنّه مكافح للشرك ومقوض لدعائمه؟

الثالث: التوسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والصالحين بعد رحيلهم

من أقسام التوسّل الرائجة بين المسلمين هو التوسّل بدعاء

1. معجم الطبراني الأوسط: 356 ; حلية الأولياء:3/121; مستدرك الحاكم: 3/108.

صفحه144
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الصالحين بعد رحيلهم .
ولكنّ ثمة سؤالاً يطرح نفسه وهو:
إنّ التوسل بدعاء الغير إنّما يصحّ إذا كان الغير حياً يسمع دعاءك ويستجيب لك ويدعو اللّه سبحانه لقضاء وطرك ونجاح سؤالك، أمّا إذا كان المستغاث ميتاً انتقل من هذه الدنيا فكيف يصحّ التوسّل بمن انتقل إلى رحمة اللّه وهو لا يسمع؟
والجواب: انّ الموت ـ حسب ما يوحي إليه القرآن والسنّة النبوية ـ ليس بمعنى فناء الإنسان وانعدامه، بل معناه الانتقال من دار إلى دار وبقاء الحياة بنحو آخر والذي يعبر عنه بالحياة البرزخية. وقد دلّت الآيات الكريمة على أنّ الشهداء في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون (1)، فما ظنك بنبي الشهداء وأفضل الخليقة.

1 . البقرة: 154، آل عمران: 169 ـ 171، يس: 20 ـ 29، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالّة على الحياة البرزخية للمؤمنين والكافرين. والتفصيل في محلّه .

صفحه145
 
الفصل الرابع

القرآن عند الشيعة الإمامية

1 . منزلة القرآن الكريم عند الشيعة الإماميّة
2 . صيانة القرآن من التحريف
3 . التحريف لغة واصطلاحاً
4 . امتناع تطرق التحريف إلى القرآن
5 . شهادة القرآن على عدم التحريف
6 . شهادة الروايات على مصونية القرآن الكريم من التحريف
   1 . أخبار عرض الأحاديث على القرآن الكريم
   2 . حديث الثقلين
7 . أئمة أهل البيت وصيانة القرآن من التحريف
8 . علماء الشيعة وصيانة القرآن من التحريف
9 . آيات غير مكتوبة ادعيت انها من القرآن الكريم
10 . شبهتان حول التحريف
11 . تاريخ جمع القرآن الكريم

صفحه146

صفحه147

1. منزلة القرآن الكريم عند الشيعة الإمامية

يُعدُّ القرآن الحجر الأساس للتشريع الإسلامي، وتليه السنّة النبوية التي هي قرينة الكتاب، غير أنّ القرآن وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها ومضمونها دون لفظها، وهذا هو السبب الذي جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحدّى بالقرآن دون السنّة.
إنّ القرآن أجلّ من أن يكون بحاجة إلى تعريف، إذ هو نور ظاهر بنفسه، مظهر لغيره، فهو كالشمس المضيئة، يُنير ماحوله، وكلّ نور دونه فهو خافت لا يضيء، وكفاك انّه سبحانه يُشيد بالقرآن بصور مختلفة، يقول
تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم) (1) و يقول عزّمن قائل: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء) (2)، كما ويصرّح سبحانه بأنّه الفاصل بين الحقّوالباطل، حيث قال: (تَباركَ الّذِي نَزَّلَ الْفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (3)، إلى غير ذلك ممّا أشار إليه في الذكر الحكيم.
يُعدُّ القرآن الكريم الدعامة الأُولى للمسلمين و اللبنة الأساسية في بناء الحضارة الإسلامية لا سيما الجانب الأخلاقي والفلسفي والفقهي ، والذي زوّد المسلمين بالتشريع حقبة زمنية طويلة.

1 . الإسراء: 9.
2 . النحل: 89.
3 . الفرقان: 1.

صفحه148
صيانة القرآن من التحريف، التحريف لغة واصطلاحاً   
 
2. صيانة القرآن من التحريف
القرآن هو المصدر الرئيسي والمنبع الأوّل للتشريع، وعنه صدر المسلمون منذ نزوله إلى يومنا هذا، وهو القول الفصل في الخلاف والجدال، إلاّ أنّ هنا نكتة جديرة بالاهتمام، و هي انّ استنباط المعارف والأحكام من الذكر الحكيم فرع عدم طروء التحريف إلى آياته بالزيادة والنقص. وصيانته عنهما وإن كان أمراً مفروغاً منه عند جلّ طوائف المسلمين، ولكن لأجل دحض بعض الشبه التي تثار في هذا الصدد، نتناول موضوع صيانة القرآن بالبحث والدراسة على وجه الإيجاز، فنقول:

3. التحريف لغة واصطلاحاً

التحريف لغة: تفسير الكلام على غير وجهه، يقال: حرّف الشيء عن وجهه: حرّفه وأماله، وبه يفسر قوله تعالى:(يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه).(1)
قال الطبرسي في تفسير الآية: يفسّرونها على غير ما أُنزلت، والمراد من المواضع هي المعاني و المقاصد.
وأمّا اصطلاحاً، فيطلق ويراد به وجوه مختلفة:
1. تحريف مدلول الكلام، أي تفسيره على وجه يوافق رأي المفسِّر،

1 . النساء: 46.

صفحه149
سواء أوافق الواقع أم لا، والتفسير بهذا المعنى واقع في القرآن الكريم، ولا يمسُّ بكرامته أبداً، فإنّ الفرق الإسلامية ـ جمع اللّه شملهم ـ عامة يصدرون عن القرآن ويستندون إليه، فكلّ صاحب هوى، يتظاهر بالأخذ بالقرآن لكن بتفسير يُدْعِمُ عقيدته، فهو يأخذ بعنان الآية، ويميل بها إلى جانب هواه، ومن أوضح مصاديق هذا النوع من التفسير، تفاسير الباطنية حيث وضعوا من عند أنفسهم لكلّ ظاهر، باطناً، نسبته إلى الثاني، كنسبة القشر إلى اللبّ، وأنّ باطنه يؤدّي إلى ترك العمل بظاهره، فقد فسّروا الاحتلام بإفشاء سرّ من أسرارهم، والغسلَ بتجديد العهد لمن أفشاه من غير قصد، والزكاة بتزكية النفس، والصلاة بالرسول الناطق لقوله سبحانه:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر)(1). (2)
2. النقص والزيادة في الحركة والحرف مع حفظ القرآن وصيانته، مثاله قراءة «يطهرن» حيث قُرِئ بالتخفيف والتشديد; فلو صحّ تواتر القراءات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و لن يصحَّ أبداً ـ وانّ النبي هو الذي قرأ القـرآن بها، فيكون الجميع قرآناً بلا تحريف، وإن قلنا: إنّه نزل برواية واحد، فهي القرآن وغيرها كلّها تحريف اخترعتها عقول القرّاء وزيّنوا قرآنهم بالحجج التي ذكروها بعد كلّ قراءة، وعلى هذا ينحصر القرآن بواحدة منها وغيرها لا صلة لها بالقرآن، والدليل الواضح على أنّهما من اختراعات القرّاء،

1 . العنكبوت: 45.
2 . المواقف: 8 / 390.

صفحه150
إقامتهم الحجّة على قراءتهم ولو كان الجميع من صميم القرآن لما احتاجوا إلى إقامة الحجّة، ويكفيهم ذكر سند القراءة إلى النبي.
ومع ذلك فالقرآن مصون عن هذا النوع من التحريف، لأنّ القراءة المتواترة، هي القراءة المتداولة في كلّ عصر، أعني: قراءة عاصم برواية حفص، القراءة الموصولة إلى علي (عليه السلام)، وغيرها اجتهادات مبتدعة، لم يكن منها أثر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و لذلك صارت متروكة لا وجود لها إلاّ في بطون كتب القراءات، وأحياناً في ألسن بعض القرّاء، لغاية إظهار التبحّر فيها.
التحريف لغة واصطلاحاً   
روى الكليني عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1) ولذلك لا نجيز القراءة غير المعروفة منها في الصلاة.
3. تبديل كلمة مكان كلمة مرادفة، كوضع «اسرعوا» مكان (امضوا)في قوله سبحانه:(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) .(2)
وقد نسب ذلك إلى عبد اللّه بن مسعود وكان يقول: ليس الخطأ أن يقرأ مكان «العليم»، «الحكيم».
لكن أُجلُّ ذلك الصحابي الجليل عن هذه التهمة، وأي غاية عقلائية يترتب على ذاك التبديل؟!

1 . الكافي: 2 / 630، الحديث 12.
2 . الحجر: 65.

صفحه151
4. التحريف في لهجة التعبير، انّ لهجات القبائل كانت تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة من حيث الحركات والأداء، كما هو كذلك في سائر اللغات، فإنّ «قاف» العربية، يتلفّظ بها في إيران الإسلامية العزيزة على أربعة أوجه، فكيف المفردات من حيث الحركات والحروف؟! قال
سبحانه:(وَمَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).(1)
فكان بعض القرّاء تبعاً لبعض اللهجات يقرأ ( وسعي) بالياء مكان الألف.
وهذا النوع من التحريف لم يتطرّق إلى القرآن، لأنّ المسلمين في عهد الخليفة الثالث لمّا رأوا اختلاف المسلمين في التلفّظ ببعض الكلمات، مثل ما ذكرناه (أو تغيير بعضه ببعض مع عدم التغيّر في المعنى، مثل: امض، عجل، اسرع على فرض الصحّة) قاموا بتوحيد المصاحف وغسل غير ما جمعوه، فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المذكور فاتفقوا على لهجة قريش.
5. التحريف بالزيادة لكنّه مجمع على خلافه، نعم نسب إلى ابن مسعود أنّه قال: إنّ المعوذتين ليستا من القرآن، إنّهما تعويذان، و إنّهما ليستا من القرآن.(2) كما نسب إلى العجاردة من الخوارج أنّهم أنكروا أن تكون

1 . الإسراء: 19.
2 . فتح الباري بشرح البخاري: 8 / 571.

صفحه152
سورة يوسف من القرآن، وكانوا يرون أنّها قصة عشق لا يجوز أن يكون من الوحي.(1) ولكن النسبتين غير ثابتتين، ولو صحّ ما ذكره ابن مسعود لبطل تحدّي القرآن بالسورة، حيث أتى الإنسان غير الموحى إليه بسورتين مثل سور القرآن القصار.
6. التحريف بالنقص والإسقاط عن عمد أو نسيان، سواء كان الساقط حرفاً، أو كلمة، أو جملة، أو آية، أو سورة، وهذا هو الذي دعانا إلى استعراض ذلك البحث، فنقول:
إنّ ادّعاء النقص في القرآن الكريم بالوجوه التي مرّ ذكرها أمر يكذبه العقل والنقل، وإليك البيان:
امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن   

4. امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن

إنّ القرآن الكريم كان موضع عناية المسلمين من أوّل يوم آمنوا به، فقد كان المرجعَ الأوّل لهم، فكانوا يهتمون به قراءة وحفظاً، كتابة وضبطاً، فتطرّق التحريف إلى مثل هذا الكتاب لا يمكن إلاّ بقدرة قاهرة حتى تتلاعب بالقرآن بالنقص، ولم يكن للأُمويّين ولا للعباسيين تلك القدرة القاهرة، لأنّ انتشار القرآن بين القرّاء والحفّاظ، وانتشار نسخه على صعيد هائل قد جعل هذه الأُمنية الخبيثة في عداد المحال.
إنّ للسيد الشريف المرتضى بياناً في المقام نأتي بنصِّه، يقول: إنّ

1 . الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 128.

صفحه153
العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه (غيره) فيما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفُوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّـراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟!
قال: والعلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمُزَني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء.(1)
وهناك نكتة أُخرى جديرة بالإشارة، وهي إنّ تطرّق التحريف إلى المصحف الشريف يعدُّ من أفظع الجرائم التي لا يصحّ السكوت عنها، فكيف سكت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)وخاصّته نظير سلمان و المقداد وأبي ذر وغيرهم، مع أنّا نرى أنّ الإمام وريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اعترضا على غصب فدك مع أنّه لا يبلغ عُشْرَ ما للقرآن من العظمة والأهمية؟!
ويرشدك إلى صدق المقال أنّه قد اختلف أُبيّ بن كعب والخليفة

1 . مجمع البيان: 1 / 15، قسم الفن الخامس، طبعة صيدا.

صفحه154
الثالث في قراءة قوله سبحانه:(والّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) (1)، فأصرّ أُبيّ انّه سمع عن النبي (بالواو) وكان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها، فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد وإرساله إلى العواصم، فهدّده أُبيّ وقال: لابد وأن تكتب الآية بالواو وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي فألحقوها.(2)
كما نجد أنّ الإمام (عليه السلام) أمر بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال، وقال: «واللّه لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، ومُلِكَ به الإماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق».(3)
فلو كان هناك تحريف كان ردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالِّها أوجب وألزم.
نرى أنّ علياً (عليه السلام) بعدما تقلّد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة، كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهرية، إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الإمام وشدّد النكير عليها بحماس، فلو صدر أيّام الخلفاء شيء من هذا القبيل حول القرآن لقام الإمام بمواجهته، وردّ ما حذف بلا واهمة.
شهادة القرآن على عدم التحريف   
والحاصل: من قرأ سيرة المسلمين في الصدر الأوّل يقف على أنّ نظرية التحريف بصورة النقص كان أمراً ممتنعاً عادة.

1 . التوبة: 34.
2 . الدر المنثور: 4 / 179.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 15، تحقيق صبحي الصالح.

صفحه155
 
5. شهادة القرآن على عدم التحريف:

آية الحفظ

إنّ القرآن هو الكتاب النازل من عند اللّه سبحانه، وهو سبحانه تكفّل
صيانة القرآن وحفظه عن أيِّ تلاعب، قال سبحانه:(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ * ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ).(1)
إنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن الكريم بقرينة (نُزِّلَ)و(نَزَّلْنا) والضمير في (لَهُ) يرجع إلى القرآن، وقد أورد المشركون اعتراضات ثلاثة على النبي، أشار إليها القرآن مع نقدها، وهي:
1. أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلقّى القرآن من لدن شخص مجهول، ويشير إلى هذا الاعتراض قولهم:(يا أَيُّهَا الّذي نزّلَ عَلَيْهِ الذِكْر) بصيغة المجهول.
2. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مختل الحواس لا اعتبار بما يتلقّاه من القرآن وينقله، فلا نُؤمن من تصرّف مخيّلته وعقليّته في القرآن.
3. لو صحّ قوله: بأنّه ينزل عليه الملك ويأتي بالوحي فـ :(لَوما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقين).

1 . الحجر: 6 ـ 9.

صفحه156
فقد أجاب الوحي عن الاعتراضات الثلاثة، ونقدّم الجواب عن الثاني والثالث بوجه موجز، ثمّ نعطف النظر إلى الاعتراض الأوّل لأهميته.
أمّا الثاني، فقد ردّه بالتصريح بأنّه سبحانه هو المنزِّل دون غيره وقال: (إِنّا نَحْنُ) .
كما رد الثالث بأنّ نزول الملائكة موجب لهلاكهم وإبادتهم، وهو يخالف هدف البعثة، حيث قال:(وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرين) .
وأمّا الأوّل، فقد صرّح سبحانه بأنّه الحافظ لذكره عن تطرق أيّ خلل وتحريف فيه، وهو لا تُغلب إرادته.
وبذلك ظهر عدم تمامية بعض الاحتمالات في تفسير الحفظ حيث قالوا المراد :
1. حفظه من قدح القادحين.
2. حفظه في اللوح المحفوظ.
3. حفظه في صدر النبي والإمام بعده.
فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تجيب عنه الآية، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يرتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراضهم كان مبنيّاً على اتّهام النبي بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط في إبلاغ الوحي، فالإجابة بأنّه محفوظ في اللوح المحفوظ أو ما أشبهه لا يكون قالعاً للإشكال، فالحقّ الذي لا ريب فيه انّه سبحانه يخبر

صفحه157
عن تعهده بحفظ القرآن وصيانته في عامّة المراحل، فالقول بالنقصان يتضاد مع تعهده سبحانه.
فإن قلت: إنّ مدّعي التحريف يدّعي التحريف في نفس هذه الآية، لأنّها بعض القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً، لاستلزامه الدور الواضح.
قلت: إنّ مصبّ التحريف ـ على فرض طروئه ـ عبارة عن الآيات الراجعة إلى الخلافة والزعامة لأئمّة أهل البيت، أو ما يرجع إلى آيات الأحكام، كآية الرجم، وآية الرضعات، وأمثالهما; وأمّا هذه الآية ونحوها فلم يتطرّق التحريف إليها باتّفاق المسلمين.

آية نفي الباطل

يصف سبحانه كتابه بأنّه المقتدر الذي لا يُغْلَب ولا يأتيه الباطل من أي جانب، قال:(إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) .(1)
ودلالة الآية رهن بيان أُمور:
الأوّل: المراد من الذكر هو القرآن، ويشهد عليه قوله:(وَإِنّهُ لَكتابٌ عَزيز) مضافاً إلى إطلاقه على القرآن في غير واحد من الآيات، قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون).(2) وقال

1 . فصلت: 41 ـ 42.   2 . الحجر: 6.

صفحه158
سبحانه:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ) .(1)
الثاني: انّ خبر «انّ » محذوف مقدّر وهو: سوف نجزيهم وما شابهه.
الثالث: الباطل يقابل الحق، فالحق ثابت لا يُغْلب; والباطل له جولة، لكنّه سوف يُغلب، مثلهما كمثل الماء والزبد، فالماء يمكث في الأرض
والزبد يذهب جفاء، قال سبحانه:(كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثال).(2)
فالقرآن حقّ في مداليله ومفاهيمه، وأحكامه خالدة، ومعارفه وأُصوله مطابقة للفطرة، وأخباره الغيبية حق لا زيغ فيه، كما أنّه نزيه عن التناقض بين
دساتيره وأخباره(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).(2)
فكما أنّه حقّ من حيث المادة والمعنى، فهو حقّ من حيث الصورة واللفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف، ونعم ما قاله الطبرسي:لا تناقض في ألفاظه، ولا كذب في أخباره، ولا يعارض، ولا يزداد، ولا ينقص.(3)
ويؤيّده قوله قبل هذه الآيات:(وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) .(4) ولعلّه إشارة إلى ما كان يدخله في

1 . الزخرف: 44 .   2 . الرعد: 17.
2 . النساء: 82.
3 . مجمع البيان: 9 / 15، ط صيدا.
4 . فصّلت: 36.

صفحه159
نفسه من إمكان إبطال شريعته بعد مماته، فأمره بالاستعاذة باللّه السميع العليم.
و الحاصل أنّ تخصيص مفاد الآية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه وتكاذب أخباره لا وجه له، فالقرآن مصون عن أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده، بل هو غضّ طريّ لا يُبْلى وَلا يُفنى.

آية جمع القرآن الكريم وقراءته

رُوي أنّه إذا نزل القرآن، عجل النبي بقراءته، حرصاً منه على ضبطه، فوافاه الوحي ونهاه عنه، وقال:(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ علَيْنا بَيانَهُ).(1) فعلى الله سبحانه الجمع والحفظ والبيان. كما ضمن في آية أُخرى عدم نسيانه (صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن وقال:(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفى).(2)
هذا بعض ما يمكن أن يستدلّ به، على صيانة القرآن من التحريف بالقرآن، والاستثناء في الآية الأخيرة نظير الاستثناء في قوله:(وَأَمّا
الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الأَْرضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ
) .(3) و من المعلوم أنّ أهل السعادة محكومون

1 . القيامة: 16 ـ 19.
2 . الأعلى: 6 ـ 7.
3 . هود: 108.

صفحه160
بالخلود في الجنة ويشهد له ذيل الآية، أعني: قوله: (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) أي غير مقطوع، ومع ذلك فليس التقدير على وجه يخرج الأمر من يده سبحانه، فهو في كلّ حين قادر على نقض الخلود.
شهادة الروايات على مصونية القرآن الكريم من التحريف   

6. شهادة الروايات على مصونية القرآن الكريم من التحريف

وأمّا الروايات الدالّة على كونه مصوناً منه، فنقتصر منها بما يلي:

1. أخبار عرض الأحاديث على القرآن الكريم

قد تضافرت الروايات عن الأئمّة (عليهم السلام) بعرض الروايات على القرآن والأخذ بموافقه وردّ مخالفه، وقد جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي.
روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه».(1)
وروى أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».(2)
وفي رواية أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 12.

صفحه161
شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».(1)
وجه الدلالة من وجهين:
ألف. انّ المتبادر من أخبار العرض أنّ القرآن مقياس سالم لم تنلـه يد التبديل و التحريف والتصرف، والقول بالتحريف لا يلائم القول بسلامة المقيس عليه.
ب. انّ الإمعان في مجموع روايات العرض يثبت انّ الشرط اللازم هو عدم المخالفة، لا وجود الموافقة، وإلاّ لزم ردّ أخبار كثيرة لعدم تعرض القرآن إليها بالإثبات والنفي، ولا تعلم المخالفة وعدمها إلاّ إذا كان المقيس (القرآن) بعامة سوره وأجزائه موجوداً عندنا، وإلاّ فيمكن أن يكون الخبر مخالفاً لما سقط وحرّف.

2. حديث الثقلين

إنّ حديث الثقلين يأمر بالتمسّك بالقرآن، مثل التمسّك بأقوال العترة، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» ويستفاد منه عدم التحريف، وذلك:
ألف. انّ الأمر بالتمسّك بالقرآن، فرع وجود القرآن بين المتمسّكين.
ب. انّ القول بسقوط قسم من آياته وسُوَره ، يوجب عدم الاطمئنان

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 15 وغيرها.

صفحه162
فيما يستفاد من القرآن الموجود، إذ من المحتمل أن يكون المحذوف قرينة على المراد من الموجود.
أئمة أهل البيت وصيانة القرآن من التحريف   

7. أئمة أهل البيت وصيانة القرآن من التحريف

إنّ الإمعان في خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلمات أوصيائه المعصومين(عليهم السلام) يعرب عن اعتبارهم القرآن الموجود بين ظهراني المسلمين، هو كتاب اللّه المنزل على رسوله بلا زيادة ولا نقيصة، ويعرف ذلك من تصريحاتهم تارة، وإشاراتهم أُخرى، ونذكر شيئاً قليلاً من ذلك:
1. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أُنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شيء، وعمّر فيكم نبيّه أزماناً، حتى أكمل له ولكم ـ فيما أنزل من كتابه ـ دينه الذي رضي لنفسه».(1)
والخطبة صريحة في إكمال الدين تحت ظل كتابه، فكيف يكون الدين كاملاً و مصدره محرّفاً غير كامل؟! ويوضح ذلك انّ الإمام يحثّ على التمسّك بالدين الكامل بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو فرع كمال مصدره وسنده.
2. وقال (عليه السلام): «وكتاب اللّه بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعزٌّ لا تهزم أعوانه».(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 86 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 133.

صفحه163
3. وقال (عليه السلام) : «كأنّهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم».(1)
وفي رسالة الإمام الجواد (عليه السلام)إلى سعد الخير(2) : «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده».(3)
وفي هذا تصريح ببقاء القرآن بلفظه، وانّ التحريف في تطبيقه على الحياة حيث لم يطبقوا أحكامه في حياتهم، ومن أوضح مظاهره منع بنت
المصطفى (عليها السلام) من إرث والدها مع أنّه سبحانه يقول: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) .(4)
وقال سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داود) .(5)
وقال سبحانه عن لسان زكريا: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب).(6)
ولعلّ فيما ذكرنا كفاية، فلنستعرض كلمات علمائنا.

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 147.
2 . هو من أولاد عمر بن عبد العزيز، وقد بكى عند أبي جعفر الجواد لاعتقاده أنّه من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال الإمام (عليه السلام) له: «لست منهم وأنت منّا، أما سمعت قوله تعالى: (فَمَنْ تَبعَني فَهُوَ مِنّي) . (لاحظ قاموس الرجال:5/35) ومنه يعلم وجه تسميته بالخير.
3 . الكافي: 8 / 53 ح 16.
4 . النساء: 11.
5 . النمل: 16.
6 . مريم: 5 ـ 6.

صفحه164
علماء الشيعة وصيانة القرآن من التحريف    
 
8 . علماء الشيعة وصيانة القرآن من التحريف
إنّ التتبع في كلمات علمائنا الكبار الذين كانوا هم القدوة والأُسوة في جميع الأجيال، يعرب عن أنّهم كانوا يتبرّأون من القول بالتحريف، وينسبون فكرة التحريف إلى روايات الآحاد، ولا يمكننا نقل كلمات علمائنا عبر القرون، بل نشير إلى كلمات بعضهم:
1. قال الشيخ الأجل الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتوفّى 260هـ) ـ في ضمن نقده مذهب أهـل السنّـة ـ : إنّ عمر بن الخطاب قال: إنّي أخاف أن يقال زاد عمر في القرآن، ثبّتَ هذه الآية، فإنّا كنّا نقرؤها على عهد رسول اللّه: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من الشهوة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم.(1)
فلو كان التحريف من عقائد الشيعة، لما كان له التحامل على السنّة بالقول بالتحريف لاشتراكهما في ذلك القول.
2. قال أبو جعفر الصدوق (المتوفّـى381هـ): اعتقادنا أنّه كلام اللّه ووحيه تنزيلاً، وقوله في كتابه: (إِنَّهُ لَكتابٌ عَزيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد) وانّه القصص الحق، وانّه لحقّ فصل، وما هو بالهزل، وانّ اللّه تبارك و تعالى مُحْدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلّم به.(2)

1 . الإيضاح: 217. روى البخاري آية الرجم في صحيحه: 8 / 208، باب رجم الحبلى.
2 . اعتقادات الصدوق: 93.

صفحه165
3. قال الشيخ المفيد (المتوفّـى413هـ): وقد قال جماعة من أهل الإمامة انّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويل وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام اللّه الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، وعندي انّ هذا القول أشبه بالحقّ من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل.(1)
وقال أيضاً في أجوبة «المسائل السروية» في جواب من احتج على التحريف بالروايات الواردة حيث ورد فيها «كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس» مكان (أُمّة)، وورد كذلك: «جعلناكم أئمة وسطاً» مكان ( أُمّة)وورد: «يسألونك الأنفال» مكان (يسألونك عن الأنفال) ، فأجاب : انّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحّتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر.(2)
4. قال الشريف المرتضى (المتوفّى436هـ): مضافاً إلى من نقلنا عنه في الدليل الأوّل، انّ جماعة من الصحابة، مثل عبد اللّه بن مسعود و أُبّي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدّة ختمات، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتباً غير مستور ولا مبثوث.(2)

1 . أوائل المقالات: 53 ـ54.   2 . مجموعة الرسائل للمفيد: 366.
2 . مجمع البيان:1/10، نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسية للسيد المرتضى.

صفحه166
5. قال الشيخ الطوسي (المتوفّـى460هـ): أمّا الكلام في زيادة القرآن ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى (رحمه الله)، وهو الظاهر في الروايات، ثمّوصف الروايات المخالفة بالآحاد.(1)
6. قال أبو علي الطـبرسي (المتـوفّـى 548هـ) الكلام في زيادة القـرآن ونقصانه; أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة انّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه.(2)
7. قال السيد علي بن طاووس الحلّي (المتوفّى664هـ): إنّ رأي الإمامية هو عدم التحريف.(3)
8. قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى726هـ) في جواب السيد الجليل المهنّا: الحق انّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم، وانّه لم يزد ولم يُنْقَص، ونعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرّق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر.(4)

1 . التبيان: 1 / 3 .
2 . مجمع البيان: 1 / 10.
3 . سعد السعود: 144.
4 . أجوبة المسائل المهنائية: 121.

صفحه167
9. قال المحقّق الأردبيلي (المتوفّى993هـ) في مسألة لزوم تحصيل العلم: بأنّ ما يقرأه هو القرآن، فينبغي تحصيله من التواتر الموجب للعلم، وعدم جواز الاكتفاء بالسماع حتى من عدل واحد ـ إلى أن قال: ـ ولما ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال...مع أنّه مضبوط في الكتب حتى أنّه معدود حرفاً حرفاً، وحركة حركة، وكذا طريق الكتابة وغيرها ممّا يفيد الظن الغالب بل العلم بعدم الزيادة على ذلك والنقص.(1)
10. وقال القاضي السيد نور اللّه التستري (المتوفّى1029هـ): ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإمامية، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد لهم فيما بينهم.(2)
ولو استقصينا كلمات علمائنا في هذا المجال لطال بنا الموقف. إلى هنا ظهر الحقّ بأجلى مظاهره فلم يبق إلاّ دراسة بعض الشبهات ودحضها.
والعجب انّ أهل السنّة يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف ويشنّون الغارة عليهم، وهم يروون أحاديثه في أصحّ صحاحهم ومسانيدهم.
والحقّ انّ أكابر الفريقين بريئون عن هذه الوصمة، غير أنّ لفيفاً من حشوية أهل السنّة، وأخبارية الشيعة يدّعون التحريف وهم يستندون إلى روايات لا قيمة لها في سوق الاعتبار. ولنذكر ما رواه أهل السنّة في كتبهم.

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 2 / 218، في محل النقاط كلمة «لفسقه» فتأمل.
2 . آلاء الرحمن: 1 / 25.

صفحه168
آيات غير مكتوبة ادّعيت انّها من القرآن الكريم    

9. آيات غير مكتوبة ادّعيت انّها من القرآن الكريم

يرى عمر بن الخطاب أنّ آيات أربع سقطت من القرآن وهي: آية الرجم، وآية الفراش، وآية الرغبة، وآية الجهاد، والعجب انّ الصحاح والمسانيد احتفلت بنقلها، مع أنّ نصوصها تشهد على أنّها ليست من القرآن وإن كانت مضامينها مطابقة للشريعة، وإليك الآيات الأربع المزعومة:

1. آية الرجم

خطب عمر عند منصرفه من الحج وقال: إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم يقول قائل لا نجد حدّين في كتاب اللّه، فقد رجم رسول اللّه ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللّه تعالى لكتبتها :«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» فإنّا قد قرأناها.(1)
ولفظها ينادي بأنّها ليست من القرآن، والمضمون غير خال من الإشكال، لأنّ الموضوع للرجم هو المحصن والمحصنة، سواء كانا شابين أو شيخين أو مختلفين.

2. آية الفراش

قال عمر بن الخطاب مخاطباً لأُبيَّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدنا من كتاب اللّه; فقال أُبيّ: بلى.(2) واللفظ

1 . البخاري: الصحيح: 8 / 208 ـ 211.
2 . الدر المنثور: 1 / 106.

صفحه169
مع فصاحته أيضاً يأبى أن يكون من القرآن ، لكن الخليفة زعم انّ العبارة من القرآن.

3. آية الرغبة

روى البخاري أنّ عمر قال: «إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو أن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم».(1)

4. آية الجهاد

روى السيوطي أنّ عمر قال لابن عوف: ألم تجد فيما أُنزل علينا: وإن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرة؟ قال: أُسقطت فيما أُسقط من القرآن.(2)

5. آية الرضعات

روى مالك ـ في الموطأ ـ عن عائشة قالت: فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بـ«خمس معلومات» فتوفّـي رسول اللّه وهنّ فيما يقرأ من القرآن.(3)
إنّ آيتها نظير آيات الخليفة تأبى أن تكون من صميم القرآن، ولو كان لكتب في المصاحف، ولا وجه لإسقاطها.

1 . البخاري: الصحيح: 8 / 208 ـ 211; مسلم: الصحيح: 4 / 167 و ج 5 / 116.
2 . الدر المنثور: 1 / 106.
3 . تنوير الحوالك: 2 / 118، آخركتاب الرضاع.

صفحه170
وجود مصحف لعلي (عليه السلام) ومصحف فاطمة   
 
10. شبهتان حول التحريف

الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعلي (عليه السلام)

روى ابن النديم (المتوفّى 385 هـ) في «فهرسته» عن علي (عليه السلام) أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي، فأقسم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن.(1)
روى اليعقوبي (المتوفّى 290 هـ) في «تاريخه»: روى بعضهم أنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام)كان جمعه ـ القرآن ـ لمّا قبض رسول اللّه، وأتى وحمله على جمل، فقال: هذا القرآن جمعته، وكان قد جزّأه سبعة أجزاء، ثمّ ذكر كلّ جزء، والسور الواردة فيه.
يلاحظ عليه: أنّ الإمعان فيما ذكره اليعقوبي انّ مصحف علي لا يخالف المصحف الموجود في سوره وآياته، وإنّما يختلف في ترتيب السور، وهذا يثبت انّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة والجامعين، بخلاف وضع الآيات وترتيبها، فإنّه كان بإشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ذكره ابن النديم يثبت انّ القرآن كان مكتوباً في عصر النبي كلّ سورة على حدة، وكان فاقداً للترتيب الذي رتّبه الإمام على سبعة أجزاء، وكلّ جزء يشتمل على سور، وقد نقل المحقّق الزنجاني ترتيب سور مصحف الإمام في ضمن
جداول تعرب عن أنّ مصحَف عليّ (عليه السلام)كان في سبعة أجزاء، وكلّ جزء

1- فهرست ابن النديم، نقله الزنجاني في تاريخ القرآن: 76.

صفحه171
يحتوي على سور، فالجزء الأوّل يسمّى بالبقرة وفيه سور، والجزء الثاني يسمى جزء آل عمران وفيه سور، والثالث جزء النساء وفيه سور، والرابع جزء المائدة وفيه سور، والخامس جزء الأنعام وفيه سور، والسادس جزء الأعراف وفيه سور، والسابع جزء الأنفال وفيه سور، والظاهر منه انّ التنظيم لم يكن على نسق تقديم الطوال على القصار ولا على حسب النزول.

الشبهة الثانية: مصحف فاطمة

لا شكّ أنّه كان عند فاطمة مصحف ، حسبما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسماً مختصّاً بالقرآن ، حتى تختص بنت المصطفى بقرآن خاصّ ، وإنّما كان كتاباً فيه الملاحم والأخبار .
والمصحف لغة: من أصحف ، بمعنى ما جعل فيه الصحف ، وإنّما سمي المصحف مصحفاً; لأنّه جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفّتين .
ولم يكن ذلك اللفظ علماً للقرآن في عصر نزوله ، وإنّما صار علماً له بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)قال السيوطي : روى ابن أشتة في كتاب المصاحف أنّه لمّا جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسماً ، فقال بعضهم : السِّفْر ، وقال بعضهم : المصحف; فإنّ الحبشة يسمّونه المصحف، قال : وكان أبو بكر أوّل من جمع كتاب الله وسمّاه المصحف(1) .

1 . الإتقان في علوم القرآن: 1 / 185 .

صفحه172
مصحف فاطمة   
وأمّا ما هو واقع هذا الكتاب؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت ، وقد جمع قسماً كبيراً منها العلاّمة الشيخ مصطفى قصير العاملي في دراسته: كتاب عليّ ومصحف فاطمة .
وإليك بعضها :
1 ـ روى أبو عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « . . . إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً ، و كان دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل(عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها ، وكان عليّ(عليه السلام) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة»(1) .
2 ـ روى أبو حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : «مصحف فاطمة مافيه شيء من كتاب الله ، وإنّما هو شيء أُلقي إليها بعد موت أبيها صلوات الله عليهما»(2) .
تاريخ جمع القرآن الكريم   
والعجب أنّ الدسّ الإعلامي قد اتّخذ لفظ «مصحف فاطمة» ذريعة لاتّهام الشيعة بأنّ عندهم قرآناً يسمى «مصحف فاطمة» ، وقد سعى غير واحد من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين المسلمين ، ولكن خاب سعيهم; فإنّ للحقّ دولة ، وللباطل جولة .
ولعلّ القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدَّثة تحدّثها الملائكة ،

1 . الكافي: 1 / 241 .
2 . بصائر الدرجات : 195 ، ط مكتبة المرعشي .

صفحه173
كما ورد في الرواية السابقة ، غير أنّ فاطمة (عليها السلام) لا تقلّ شأناً عن مريم
البتول ، ولا عن امرأة الخليل ، قال سبحانه : (وإذْ قالَتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطَفاكِ وطَهَّركِ واصطَفاكِ على نساءِ العالَمين)(1) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في سورتي آل عمران ، ومريم .
وهذه امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك ، يقول سبحانه : ( ولَقدْ جاءتْ رُسلُنا إبراهيمَ بالبُشرى . . وامرأتُهُ قائمةٌ فضَحِكَتْ فَبشَّرناها بإسحقَ ومن وراءِ إسحقَ يَعقوب * قالَتْ يا ويلتَى أألِدُ وأنا عَجوزٌ وهذا بَعْلي شَيخاً إنّ هذا لَشيءٌ عَجيب * قالُوا أتَعجَبينَ مِنْ أمرِ اللهِ رحمتُ اللهِ وبركاتُهُ عَليكُمْ أهلَ البَيتِ إنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ )(2) .
فإذا كانت مريم وامرأة الخليل محدّثتين ، ففاطمة سيدة نساء العالمين أولى بأن تكون محدّثة .

11. تاريخ جمع القرآن الكريم

البحث عن تاريخ القرآن الكريم وكيفية جمعه والوقت الّذي جمع فيه طويل الذيل، قد أُلف حوله كتب ورسائل ونحن نأتي في المقام بملخص الكلام فيه .

1 . آل عمران : 42 .
2 . هود : 69 ـ 73 .

صفحه174
 
القرآن قد جمع في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
قد جُمع القرآن في حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد رتبت السور والآيات بأمر منه (صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّ الدليل على جمع القرآن الكريم في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)، إضافةً إلى شواهد تاريخية كثيرة ـ سنعرضها على القرّاء الأعزاء ـ هو حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه حيث سمّى سورة الحمد باسم (فاتحة الكتاب) وقال: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(1) ومن هنا يتّضح أنّ القرآن جُمع في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ سورة الحمد كانت في المقدّمة، ولو كان القرآن مجموعة سور وآيات متفرقة، لما كان هناك من معنى لاسم (فاتحة الكتاب).

الشواهد التاريخية على جمع القرآن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

الحق انّ القرآن الكريم قد جمع في عهد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن نعرضُ هنا شواهد على جمع القرآن في زمنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثم نقارنها بالروايات الّتي تقول إنّ القرآن جمع بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ونتعرف من خلال ذلك على الحقيقة:
1. نقل الطبراني وابن عساكر عن الشعبي; انّ ستة أشخاص جمعوا القرآن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هم: أُبي بن كعب، زيد بن ثابت، معاذ بن جبل،

1 . مسند أحمد : 2 / 428 .

صفحه175
أبو الدرداء، سعد بن عبيد، وأبو زيد، وينقلون أيضاً أن (مجمع بن جارية) قد جمع القرآن إلاّ من سورتين من سوره.
2. يقول قتادة: سألتُ أنس بن مالك; من جمع القرآن الكريم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: أربعة وكلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، معاذ بن جبل، زيد بن ثابت، وأبو زيد.
3. نقل مسروق: قال عبد الله بن عمر: إنّني أحب عبد الله بن مسعود، لأنّني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: تعلموا القرآن من أربعة ; عبد الله بن مسعود، سالم، معاذ، وأبي بن كعب.
4. نقل النسائي عن عبد الله بن عمر أنّه قال: جمعتُ القرآنَ وكنتُ اقرأه كل ليلة مرة، فوصل خبر ذلك إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إقرأهُ في الشهر مرة.
5. نُقل عن عثمان أنّه كلّما كان الوحي ينزل يبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويطلب كتّاب الوحي ويقول: ضعوا هذه الآية في سورة إلى جانب آيات معينة.(1)
6. كتب أبو عبد الله الزنجاني مؤلف (تاريخ القرآن): قام بعضُ الصحابة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بجمع القرآن أو أجزاء منه، وأمّا المجموعة الّتي لم تجمع القرآن تماماً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّهم أكملوه بعد ذلك.

1 . البيان: 26 ـ 27 .

صفحه176
7. ويذكر محمد بن إسحاق في «الفهرست» إنّ جامعي القرآن الكريم في زمن النبي هم ; علي بن أبي طالب (عليه السلام)، سعد بن عبيد، أبو الدرداء، معاذ بن جبل، أبو زيد، ثابت بن زيد، أُبي بن كعب، عبيد بن معاوية، وزيد بن ثابت.
8 . وينقل السيوطي في كتاب (الإتقان) عن محمد بن كعب القُرظي أن خمسةً جمعوا القرآن هم: معاذ بن جبل، عبادة بن صامت، أُبي بن كعب، أبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري .
9 . وينقل مؤلّف (تاريخ القرآن) عن (ابن سيرين) أنّ أربعة جمعوا القرآن هم: معاذ، أُبي، أبو زيد، أو أبو الدرداء، أو عثمان، أو هو وتميم الداري.
10. وينقل الخوارزمي في كتاب (المناقب) عن علي بن رباح أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)وابن كعب، جمعا القرآن الكريم في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
11. وجاء في روايات لأبي بكر الحضرمي نقلاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعلي (عليه السلام): «إن القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه ولا تضيعوه كما ضيّعت اليهود التوراة»(1). فذهب علي (عليه السلام)وجمعه في قماش أصفر وختم عليه .

1 . تاريخ القرآن: 7 و 8 .

صفحه177
12. إن حديث الثقلين دليلٌ على جمع القرآن في زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا أضفنا هذا الحديث إلى ما ذكرنا، فلن يبق هناك شكٌّ في أنّ القرآن جُمع في عهد البني (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»(1).
إنّ هذا الحديث يثبت بوضوح بأنّ القرآن كان قد جمع في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا القول بأنّه كان محفوظاً في الصدور فإنّه حديث غير صحيح، وإذا لم يكن هذا الحديث دالاً على الكتابة المنظمة للقرآن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه على الأقل يدلُّ على أنّ سور القرآن ومكان الآيات كان منظّماً في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى ولو كان غير مكتوب على الورق.

أحاديث جمع القرآن بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تُعارضُ نصَّ القرآن

هنا يبقى سؤال وهو: إذا كان حقاً أنّ القرآن قد جُمع في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذن كيف تقول روايات إن القرآن جمع في عهد الخلفاء ؟
الجواب: إن الروايات الّتي تذكر أنّ القرآن جمع بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تعارض القرآن نفسه، لأنّ الكثير من آيات القرآن تدلّ على أنّ السور كانت مشهورة ومعروفة حتى بين المشركين.
إضافة إلى ذلك، فإنّه أُطلق على القرآن الكريم اسم (كتاب)، فإذا

1 . وهذا الحديث من الأحاديث المسندة وأكثر من المتواتر.

صفحه178
كانت أجزاؤه متفرقة لما أُطلق عليه اسم (كتاب)، ومجازاً وبدون قرينة سيكون بلا معنى.

أحاديث جمع القرآن بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تنسجم مع حكم العقل

إنّ عظمة القرآن الكريم والأهمية الّتي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوليها له وكذلك المسلمون من جهات مختلفة، تكشف بوضوح عن عدم صحّة الروايات الّتي تذكر أنّه جمع بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف على ذلك إن أعظم وأكبر شيء عند المسلمين هو القرآن، ويتلخص كيانهم وعظمتهم في صيانته وحفظه، وانّ أساسَ النبوة يشكّله القرآنُ الكريم، فهل يُحتمل أنّ شخصيةً مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يولي أهمية لجمع وكتابة القرآن الكريم؟ أو أن ينشغل بشيء آخر عن توضيح كيفية وضع السور والآيات؟ إنّ المعجزة الخالدة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هي القرآن وهو (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحدّى به الجميع على مرور الأعصار والقرون.
وبملاحظة هذه النقطة كان لزاماً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسعى لصيانة وحفظ القرآن، لأنّه مهما كان ذهنُ الإنسان قوياً وحافظته قوية فإنّه لا يمكن الاعتماد عليهما في خضمِّ أحداثِ الحياة.
إنّ القرآن كان ينزل بالتدريج وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عيّن مجموعةً لكتابَته يُسمّوون (كتّاب الوحي).
يقول أبو عبد الله الزنجاني في كتاب «تاريخ القرآن» بهذا الصدد:

صفحه179
وكان للنبي من كتّاب يكتبون الوحي بالخط المقرر وهو النسخ، وهم ثلاثة وأربعون. وأكثرهم كتابة: زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويظهر من الروايات أنّه كان يهتم بكتابة القرآن.
ثم يُوردُ قصة إسلام عمر بن الخطاب وكيف أنّه شاهد سورة (سَبَّحَ للهِ ...) (سورة الحديد) وقسماً من سورة (طه) في منزل أُختِه.
وفي الختام يُضيف: إنّ جميع هذه الأحاديث تدلّ على اهتمام المسلمين بكتابةِ القرآن، وإنّ جميع القرآن قد جُمع في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
إنّ بعض سور القرآن أو قسماً من سوره كان موجوداً لدى جميع المسلمين، وقد جاء ذلك في الروايات، من بينها نقرأ رواية عبادة بن الصامت أنّ كلّ مهاجر كان يأتي يدفعُ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أحد المسلمين لتعليمه القرآن الكريم. وقد جاء في رواية (كليب) إنّه قال: كنت مع علي (عليه السلام)عندما ارتفع صوت قراءة القرآن من المسجد فقال علي (عليه السلام): «طوبى لهم».
وكانت مجموعة تقرأ القرآن بصوت عال فصدر الأمرُ إليهم أن اقرأوا بصوت أكثر هدوءاً وانخفاضاً.
هاتان الحادثتان تدلاّن على اهتمام المسلمين بقراءة القرآن،

1 . تاريخ القرآن : 43، الفصل 6 .

صفحه180
ولذاكيف يمكن أن يتأخّر جمعه إلى زمن أبي بكر؟!
والنتيجة: أنّ انتساب جمع القرآن الكريم إلى زمن الخلفاء أمرٌ وهمي ومخالف للكتاب والسُّنة والعقل، ولا يمكن نسبُ جمع القرآن إلى أبي بكر.
وإنّ جمع عثمان للقرآن في زمنه فهو بمعنى انّه جمع المسلمين على قراءة واحدة، وقد أقرّ كبار علماء أهل السُّنة بهذه الحقيقة، منهم: حارث المحاسبي إذ يقول: المشهور أنّ عثمان جمع القرآن، ولكن هذا ليس صحيحاً، وإنما جمع عثمانُ الناسَ على قراءة واحدة، لأنّه كانت هناك قراءات أُخرى شائعة.
أمّا أنّه يُقال: إنّ علياً (عليه السلام)جمع القرآن بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا يعني انّه كتب القرآن طبقاً لشأن النزول، وقدّم المنسوخ على الناسخ، وهذا ما يقررُهُ العلاّمة المجلسي في «بحار الأنوار»، وصاحبُ كتاب «تاريخ القرآن».
وإذا كان الأمرُ غير ذلك في جمع القرآن فهل كان باستطاعة الإمام علي (عليه السلام)أن يجمع القرآن في عدّة أيام؟

صفحه181
الفصل الخامس
الإمامة عند السنّة والشيعة
1. دور الإمامة عند الشيعة الإماميّة
2. صيغة الحكومة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
3. الصيغة الأُولى: تنصيص النبي على الإمام بعده، وفيه أُمور:
أ. استحالة ترك الأُمّة بلا قائد
ب. الأُمّة الإسلاميّة والخطر الثلاثي
ج. تعيين الإمام في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): كحديث الدار والمنزلة ونصبه رسمياً في يوم الغدير
4. الصيغة الثانية: تفويض الأمر إلى الأُمّة وطرقه:
أ. اجماع المسلمين    ب. الشورى في الحكم
ج. البيعة أساس الحكم
5. السنّة النبوية والأُئمة الاثنا عشر
6. أوصاف الإمام
أ. العصمة   ب. الأعلمية   ج. أفضل الناس
7. الغلاة ليسوا من الشيعة الإماميّة
8 . الفرق بين النبي والرسول والإمام

صفحه182

صفحه183

الإمامة عند السنّة والشيعة

إنّ حقيقة الإمامة عند السنّة تختلف عمّا هي عند الشيعة، فالسُّنة ينظرون إلى الإمام كرئيس دولة، ينتخبه الشعب أو نوّاب الأُمّة، أو يتسلّط عليها بانقلاب عسكري، وما شابه ذلك، فإنّ مثل هذا لا يشترط فيه سوى بعض المواصفات المعروفة، ومن المعلوم أنّ الاعتقاد برئاسة رئيس جمهورية، أو رئيس وُزَراء، ليس من الأُصول، بحيث يُفَسَّق من لم يعتقد بإمامته ورئاسته وولايته. وهذه هي البلاد الإسلامية لم تزل يسيطر عليها رئيس بعد آخر، رغبة أو رهبة، ولم يَرَ أحَدٌ الاعتقادَ بإمامته من الأُصول، ولم يَجْعَل فِسْقَه موجباً لخَلْعِه، وإلاّ لما استقرّ حجر على حجر.
وأمّا الشيعة الإمامية، فينظرون إلى الإمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة، فإنّ الرسالة والنبوة مختومتان بالتحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى) ، ومن المعلوم أنّ ممارسة هذا المقام، يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية، لا ينالها الفرد، إلاّ إذا وقع تحت عناية إلهية ربّانية خاصة، فيخلُف النبيَّ في علمه بالأُصول والفروع، وفي عدالته وعصمته، وقيادته الحكيمة، وغير ذلك من الشؤون.

صفحه184
 
1. دور «الإمامة» عند الشيعة الإماميّة
قد تعرفت على حقيقة الإمامة لدى أهل السنّة والجماعة، وعرفت أنّ ما يتبنّونه لا يقتضي أزيد من الشرائط المتوفّرة في رؤساء الدول، غير أنّ الإمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها عمّا لدى إخوانهم، فهي إمرة إلهيّة، واستمرار لوظائف النبوة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي. ومقتضى هذا اتّصاف الإمام بالشروط المُشْتَرَطة في النبي، سوى كونه طرفاً للوحي.
توضيح ذلك: إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان يملأ فراغاً كبيراً وعظيماً في حياة الأُمّة الإسلامية، ولم تكن مسؤولياته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الإلهي، وتبليغه إلى الناس فحسب، بل كان يقوم بالأُمور التالية:
1 ـ يُفَسِّر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده وأَهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.
2 ـ يُبَيِّن أحكام الموضوعات الّتي كانت تَحْدُثُ في زمن دعوته.
3 ـ يَرُدّ على الحملات التشكيكية، والتساؤلات العويصة المريبة الّتي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى .
4 ـ يصون الدين من التحريف والدسّ، ويراقب ما أخذه عنه    
المسلمون من أُصول وفروع، حتى لا تَزِلّ فيه أقدامهم.
والإمامة عند الشيعة الإماميّة لمن يملأ هذا الفراغ الهائل الحاصل من

صفحه185
رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وراء القيادة في أُمور الدنيا كتأمين البلاد وحفظ الثغور، واجراء الحدود، ونشر الدين الحنيف بالجهاد المتواصل .

2. صيغة الحكومة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

يسود بين المسلمين، في صيغة الحكومة وقيادة الأُمّة بعد النبي، رأيان واتّجاهان:
الأوّل: أنّ صيغة الحكومة صيغة التنصيب، وأنّ الإمام بعد النبي يعيّن عن طريق الرسول بأمر من الله سبحانه.
الثاني: تفويض الأمر إلى اختيار الأُمّة، وانتخابها بشكل من الأشكال التي ستوافيك.
و البحث في المقام: يرجع إلى محاسبة مصالح الأُمّة الإسلامية آنذاك، فهل كانت تقتضي تحقيق النظرية الأُولى، وهي نظرية النصّ على شخص أو أشخاص معينين، أو تقتضي ترك مسألة الخلافة إلى رأي الأمّة؟. وإليك التفصيل.

الصيغة الأُولى: تنصيص النبي على الإمام بعده

الحقُّ أنّ هنا أموراً تدلّ على أنّ مصلحة الأُمّة آنذاك، كانت تتطلب تنصيب الإمام والقائد الّذي يخلف النبي ، وتعيينه بلسانه في حياته، وكان في ترك هذا رمي للأُمّة أمام أكبر المخاطر، وإليك بيان تلك الأُمور:

صفحه186
تنصيص النبي على الإمام بعده   
 
1. استحالة ترك الأُمة بلا قائد
إنَّ العقلَ البديهيَّ يحكم بأنّ أي إنسان مصلح إذا استطاع من خلال جهود مُضنية دامت سَنَوات عديدةً، من تنفيذ أُطروحة اجتماعيّة خاصة له، وابتكر طريقة جديدة للمجتمع البشريّ فإنّه لا بدّ من أن يفكِّر في وسيلة مؤثِّرة للإبقاء على تلك الأُطروحة، وضمان استمرارها، بل رُشدها، ونموّها أيضاً، وليس من الحكمة أن يؤسّسَ شخصٌ مّا بناءً عظيماً، متحمّلاً في ذلك السبيل متاعبَ كثيرة، ولكن لا يفكِّر فيما يقيه من الأخطار، ولا ينصب أحداً لصيانته والعناية به من بعده.
إنَّ النبيَّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو من أكبر الشخصيّات العالميّة في تاريخ البشريّة، قد أوجَد ـ بما أتى من شريعة ـ أرضيّةً مساعدةً لتحوّل إلهيّ عالمي كبير، ومَهَّدَ لقيام حضارة جدُّ حديثة، وفريدة.
إنّ هذه الشخصيّة العظيمة، التي طَرَحَت على البشريّة شريعةً خالدةً، وقادت المجتمعَ البشريّ في عصرِهِ وأيام حياته، من المسلَّم أنّه فَكَّر لحفظ شريعته من الأخطار والآفات المحتملة التي تهدِّدها في المستقبل، وكذا لهداية أُمّته الخالدة، وإدارتها، وبيّن صيغة القيادة من بعده، وذلك لأنّه من غير المعقول أن يؤسّس هذا النبيُّ الحكيمُ قواعدَ شريعة خالدة أبديّة، دون أنْ يطرح صيغة قويّة لقيادتها من بعده، يضمن بها بقاء تلك الشريعة.
إنَّ النبيَّ الَّذي لم يألُ جُهداً في بيان أَصغر ما تحتاج إليه سعادةُ

صفحه187
البشرية، كيفَ يُعقَل أنْ يسكتَ في مجال قيادة المجتمع الإسلامي وصيغتها، وكيفيتها، والحال أنّها من المسائل الجوهريّة، والمصيريّة، في حياة الأُمّة، بل وفي حياة البشريّة، وفي الحقيقة يترك المجتمعَ الإسلاميَّ حيارى مهمَلين، لا يَعرِفون واجبهم في هذا الصعيد؟!
وعلى هذا الأساس لا يمكن مطلقاً القبولُ بالزَّعم القائل بأنَّ النبيّ الأكرم أغمض عينيه عن الحياة دون أن ينبس ببنت شفة في مجال قيادة الأُمّة.

2. الأُمة الإسلاميّة والخطر الثلاثي

إنّ مراجعةَ التاريخ، وأخذِ الظروف التي كانت تحيط بالمنطقة، وبالعالم في زمان رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقُبَيل وفاتهِ بالذات بنظر الاعتبار تثبت ـ بِوُضوحـ بداهة وضرورةَ «تنْصيصيَّة» منصب الاَمامة، وذلك لأنّ أخطاراً ثلاثة كانت تهدّد الدينَ والكيانَ الإسلاميَّ، وتحيط به على شكلِ مُثَلّث مَشؤُوم.
الضلعُ الأوَّل مِن هذا المثلَّث الخَطِر كان يتمثَّل في الإمبراطورية الروميّة.
والضلع الثانِي كانَ يَتمثّل في الإمبراطوريّة الفارسيّة.
والضلعُ الثالث كان يَتَمثَّل في فريق المنافقين الداخِلِيّين.
وبالنسبة لخَطَر الضلعِ الأوّل، وأهميّته القُصْوى يكفي أن نعلمَ أنّ

صفحه188
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يزل يفكّر فيه حتى آخر لحظة من حياته، ولهذا جهّزَ ـ قُبَيل أيّام بل ساعات من وفاته ـ جيشاً عظيماً بقيادة «أُسامة بن زيد» وبَعَثَه لمواجهة الروم، كما ولَعَنَ مَن تَخلَّفَ عنه أيضاً.
وبالنسبة لخطَر الضلعِ الثاني يكفي أن نعرفَ أنّه كان عَدُوّاً شرساً أيضاً أقدمَ على تمزيقِ رسالةِ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكتب إلى حاكم اليمن بأنْ يقبضَ على رسولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويبعث به إليه، أو يرسلَ إليه برأسه.
وبالتالي بالنسبة إلى الخَطَر الثالث يجب أن نعلمَ أنّ هذا الفريق (أي المنافقين) كان يقوم في المدينة بمزاحمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)باستمرار، وكان المنافقون هؤلاء يؤذونه بالمؤامرات المتنوعة، ويعرقلون حركته، وقد تحدّث القرآنُ الكريمُ عنهم وعن خصالهم، ونفاقهم، وأَذاهم، ومحاولاتهم الخبيثة في سوره المختلفة إلى درجة انّه سمّيت سورة كاملة باسمهم، وهي تتحدّث عنهم وعن نواياهم وأعمالِهم الشرّيرةِ.
والآن نطرحُ هذا السؤالَ وهو: هل مع وجودِ هذا المثلَّث الخَطِر كانَ من الصحيحِ أنْ يترك النبيُ الأكرمُ(صلى الله عليه وآله وسلم)الأُمّة الإسلاميةَ، والدينَ الإسلاميَ اللّذَين كانا محاطَين بالأخطار من كلّ جانب، وكان الأعداءُ لهما بالمرصاد من كلّ ناحية، من دونِ قائد معيّن؟!!
إنّ النبيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ولاشكَّ كانَ يَعْلَم أنّ حياةَ العرب حياة قَبَليّة، عشائرية، وأنّ أفرادَ هذه القبائِل كانَتْ مُتَعَصِبّة لرؤساء تلك القبائل، فهم كانوا يطيعون الرؤساء بشدّة، ويخضَعُون لهُمْ خضوعاً كبيراً، ولهذا فإنَّ ترك مِثل

صفحه189
هذا المجتمع مِن دون نصبِ قائد معيّن سوف يؤدّي إلى التشتّت والتنازع بين هذه القبائل، وسيستفيد الأعداء من هذا التخاصُم والتَنازع، والاختلاف.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: الاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف(1).

3. تعيين الإمام في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنَّ الإمعانَ في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مُنذ أن كُلّف بتبليغِ شرِيعتهِ إلى أقربائِهِ وعَشيرته، ثم الإعلان عن دعوتهِ إلى النّاس كافّة، يفيد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)سلك طريق «التنصيص» في مسألة القيادة، والخلافة، مراراً، دون طريق «الانتخاب الشعبيّ» وهذا الموضوع نثبتهُ من خلال الأُمور التالية:

1. حديث يوم الدار

بعد أن مضت ثلاثُ سَنَوات على اليوم الذي بُعِثَ فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كَلّفهُ اللهُ تعالى بأن يبلّغَ رسالَتَه لأبناءِ قَبيلتِهِ، وذلك عندما نَزَل
قولهُ عز وجلّ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(2).
فَجَمَع النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رؤوسَ بني هاشم وقال : «يا بني عبد المطّلب إنّي واللهِ ما أعلمُ شابّاً في العَرَبِ جاء قومَه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكُم بخَيِر الدُنيا

1. الشفاء، الإلهيات: 564 ، المقالة العاشرة، الفصل الخامس.
2. الشعراء : 214 .

صفحه190
والآخِرة، وقد أمَرَنيَ اللهُ تعالى أنْ أدعوكم إليه فأيُّكم يؤازرني على هذا الأمر يكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم».
ولقد كرّر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)العبارة الأخيرة ثلاثَ مرّات، ولم يقمْ في كلّ تلك المرّات إلاّ الإمامُ علي (عليه السلام)، الّذي أعلَنَ عن استعدادِهِ في كلّ مرّة لمؤازرةِ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ونُصْرته، وفي المرّة الثالِثة قال النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ هذا أخِي وَوَصيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاْسمَعوا لَه وأطيعُوا».(1)

2. حَديِثُ المَنْزِلَةِ

لَقد اعتبر النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)منزلةَ «عليّ (عليه السلام)» منه على غرارِ منزلةِ هارون من موسى(عليهما السلام)، ولم يستثنِ من منازِلِ ومراتبِ هارون من موسى إلاّ النبوّة حيث قال: «يا عليّ أما ترضى أن تكونَ مِنّي بمنزلةِ هارونَ من مُوسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي»(2)، وهذا النفي والسَّلب هو في الحقيقة من بابِ «السالبة بانتفاءِ الموضوعِ»، إذ لم تكن بعد رسولِ الله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)نبوّةٌ حتى يكونَ عليٌ نبيّاً من بعده إذ بنُبُوّة رسولِ الإسلام خُتمت النبوّات، وبِشريعتِهِ خُتِمت الشّرائع.

1. مسند أحمد: 1 / 159; تاريخ الطبري: 2 / 406; تفسير الطبري (جامع البيان): 19 / 74 ـ 75، تفسير سورة الشعراء، الآية 214 .
2. صحيح البخاري: 6 / 3، طبع 1312 هـ ، باب غزوة تبوك; صحيح مسلم: 7 / 120، باب فضائل الإمام علي(عليه السلام); سنن ابن ماجة: 1 / 55 باب فضائل أصحاب النبي; مسند أحمد: 1 / 173، 175، 177، 179، 182، 185 و 230; والسيرة النبوية لابن هشام: 4 / 163 (غزوة تبوك).

صفحه191
ولقد كانَ لِهارون ـ بنَصّ القرآنِ الكريمِ ـ مقامُ «النبوّة»(1)و«الخلافة»(2) و«الوزارة »(3) في زمانِ مُوسى، وقد أثبتَ حديثُ «المنزلة» جميعَ هذه المناصب الثابتة لهارون للإمام عليّ (عليه السلام)ما عدا النُّبُوَّة، على أنّه إذا لم يكن المقصودُ مِن هذا الحَديث هو إثباتُ جميعِ المناصبِ والمقاماتِ لعليّ إلاّ النبوَّة، لم يكنْ أيّة حاجة إلى استثناء النُّبوّة.

3. نصب الإمام يوم الغدير

كان رسولُ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما يبدو في الأحاديث السالفة ـ يعرّف بخليفته ووصيه تارةً بصورة كليّة، وأُخرى بصورة معيّنة، أي بذكر اسم
الخليفة والوصيّ، بحيث يمثّلُ كلُّ واحد من تلك الأحاديث حجةً كاملةً وتامّةً لمن يطلبُ الحقيقة وهو شهيدٌ واع. ولكن مع ذلك ولكي يُوصِلَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نداءَه إلى كلّ قاص ودان من المسلمين في ذلك اليوم، ويرفعَ كلّ إبهام وغموض، ويدفع كلّ شك أو تشكيك في هذا المجال، توقّفَ عند قُفوله ومراجَعَته من حَجّة الوَداع في أرض تسمى بغدير خم، وأخبر من مَعَه من الحجيج بأنّه كُلِّف مِن جانب الله تعالى بأن يُبلِّغ رسالة إليهم، وهي رسالة تحكي عن القيام بأمر جدّ عظيم، بحيث إذا لم يُبلِّغها يكون كأنّه لم يُبَلّغ شيئاً من رسالته كما قال تعالى:

1. (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمتنَا أخاهُ هارُونَ نَبِيّاً) (مريم : 53).
2.( وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْني في قَوْمِي) (الأعراف : 142).
3. (وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي) (طه : 29).

صفحه192
(يَا أَيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِكَ وإن لَم تَفْعَلْ فَماَ بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(1)(2)
ثم رقى النبيُّ منبراً من أقتاب الإبل وحُدُوجها، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً الناس: «يوشك أنْ أُدعى فأُجيب فماذا أنتم قائلون؟».
قالوا: نَشهدُ أنّك قد بَلّغتَ ونَصحتَ وجَهَدتَ فجزاك اللهُ خيراً.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألَسْتم تَشهَدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عَبدُه ورسولهُ وأنّ الساعة آتيةٌ لا ريبَ فيها؟».
قالوا: بَلى نَشْهدُ بذلك.
قالَ(صلى الله عليه وآله وسلم): «فإنّي فَرَطٌ (أي أسبقكُم) على الحوض (أي الكوثر)، فَانظُرُوا كيفَ تَخلِفوُني في الثَّقَلَين؟».
فنادى مناد: وما الثَقَلان يا رَسولَ الله ؟
قالَ(صلى الله عليه وآله وسلم): «الثَّقَلُ الأكبر: كتابُ الله طَرَفٌ بيدِ اللهِ عزَّ وجَلَّ وطَرَفٌ بأيدِيكُمْ فتمَسَّكُوا به لا تَضِلُّوا، والآخَرالأصغَر عترتي، وإنّ اللطيفَ الخبيرَ نبّأني أَنَّهما لنْ يفترقا حتى يَردا عليَّ الحَوضَ، فلا تقدمُوهُما فتَهلكوا، ولا تقصِّروا عنْهما فَتَهْلَكُوا».
ثم أخذ بيد «عليّ» فَرفَعها حتى رُئي بياضُ آباطهما فعرفَه القومُ

1. المائدة : 67 .
2. أشار المحدّثون والمفسِّرون المُسلمون إلى نُزُول هذه الآية في حَجّة الوداع، يومَ الغدير، اُنظر: كتابَ الدرّ المنثور للسيوطي: 2 / 298; و فتح القدير للشوكاني 2 / 57; وكشف الغمة للإربلّيّ، ص 94; ينابيع المودّة للقندوزي: 120 ; تفسير المنار: 6 / 463 وغيرها.

صفحه193
أجمعون، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيُّها الناسُ من أولى النّاس بالمؤْمِنين من أنفسِهِم؟».
قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله مولايَ، وأنا مَولى المؤمِنِين، وأنا أولى بِهِمْ مِن أنفسهِمْ، فَمَن كنتُ مَولاه فَعَلِيٌ مولاهُ».
ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهُمَّ والِ مِن والاهُ، وعادِ من عاداهُ، وأحِبَّ من أحَبَّهُ، وابْغَضْ مَن أبْغَضَهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ من خَذَلهَ، وأدِرِ الحقَّ معه حيث دارَ، ألا فَلْيُبَلّغِ الشّاهِدُ الغائبَ».
إنّ حديثَ الغَدِير منَ الأَحاديثِ المتَواتِرة، وقد رَواهُ الصَّحابة والتابعون وعُلماء الحديث في كلّ قرن بصورَة متواترة.
فقد نقل حديثَ الغدير ورواه (110) من الصحابة، و (84) من التابعين، و(360) من العلماء والمحدِّثين، وفي ضوء هذا التواتر لا يبقى أيُّ مجال للشَكِ في أصالةِ، وصحّة هذا الحديث.
كما أَنّ فريقاً من العُلَماء ألَّفوا كُتباً مستَقِلّةً حولَ حديث «الغدير» أشْمَلُها وأكثرُها اسْتِيعاباً لِطُرق وأسنادِ هذا الحديث كتابُ «الغدير» للعلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني (1320 ـ 1390 هـ).
والآن يجب أن نَرى ما هو المقصود من لفظة «المَولى»، وماذا تَعني «مولويّة» عليّ(عليه السلام)؟
إنّ القرائن والشواهدَ الكثيرةَ والعديدةَ تشهد بأنَّ المقصودَ من هذه

صفحه194
اللَّفظة، والكلمة هو: الزعامة والقيادة، وها نحن نشيرُ إلى بعض هذه الشَواهدِ والقرائن:
ألف: في واقعة الغدير، أمَرَ رسولُ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنْ يحطَّ الحُجّاج الّذين كانوا يرجعون معه من الحج، في أرض قاحِلة لا ماء فيها، ولا كلأ، وفي وقتِ الزوال، وتحت أشعّة الشَّمس الحارقة.
ولقد كانت حرارةُ الهَجير من الشِدّة في ذلك الوَقت بحيث أنّ الشخص من الحاضرين في ذلك المشهد كان يضع بعض عباءته تحت رجليه وبعضها فوق رأسه تَوقِّياً من شدّة الرَمضاء، وحرارة الشّمس.
من الطبيعي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يريد في هذه الحالة الخاصّة، أن يقول ماله دورٌ مصيريٌّ هامٌ في هداية الأُمّة.
ترى أي شيء يمكنه أن يكون له دور مصيريٌّ وهامٌّ في حياة المسلمين أكثر من تعيين القيادة التي توجب وحدةَ كَلِمةِ المسلمين، وتكونُ حافظة لدينهم.
ب : لقد تحدّث رسولُ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل ذكر مسألة ولاية الإمام علي (عليه السلام)عَن أُصول الدين الثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وأخَذَ من الناس الإقرارَ بها، ثم طرَحَ مسألة ولاية الإمام علي(عليه السلام)بعد ذلك.
نظرية تفويض الأمر إلى الأُمّة   
إنّ التقارن بين إبلاغ هذه الرسالة وأخذ الاعتراف والإقرار بالأُصول المذكورة يمكن أن يقودنا إلى معرفة أهميّة الرسالة التي أمَرَ النبيُّ بإبلاغِها إلى النّاس في «غدير خم»، ويمكن معرفة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ما كانَ يقصُد مِن

صفحه195
ذلك الاجتماع العظيم في تلك الظروفِ الاستثنائيّةِ والملابَسات الخاصّة التوصية فقط بمحبّة وموادّة شخص معيّن..
ج : قبل إبلاغِ الرِّسالة الإلهيّة في شأنِ عليٍّ(عليه السلام)تحدَّثَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ولايَته ومولويَّتهِ وقال: اللهُ مولايَ وأنا مولى المْؤُمِنِين، وأنا أولى بِهِمْ مِن أنْفسِهِمْ.
إنّ ذكر هذه المطالب دليلٌ على أنّ «مولويّةَ الإمام علي(عليه السلام)» كانت من نمط وسنخ مولوية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ النبي أثبت بأمر الله تعالى مَولويّته وأولويّته بالأمر لعليّ أيضاً.
د : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال بعد إبلاغ هذه الرِسّالة الإلهيّة: فَلْيبلّغِ الشاهدُ الغائبَ.

الصيغة الثانية: تفويض الأمر إلى الأُمّة

قد أوقفك البحث والتحليل السابق على أنّ صيغة الحكومة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هي صيغة التنصيص بإمامة مَن يملأ الفراغ بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ المحاسبات الاجتماعية والأحاديث المتضافرة تؤيد تلك الحقيقة، إلاّ أنّه وجدت في وسط الأُمة طائفة تعتقد بأنّ أمر الحكومة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مفوضاً إلى انتخاب الأُمّة، وأنّ الخليفة يتعيّن بأحد الطرق التالية:
1. إجماع المسلمين.
2. شورى المهاجرين والأنصار.

صفحه196
3. بيعة أهل الحل والعقد.
وسندرس هذه الطرق الثلاثة بإيجاز .

إجماع المسلمين

إنّ نظرية إجماع المسلمين على قيادة فرد منهم ، لم تتحقّق بشكل عملي ولا مرة واحدة.
إنّ دراسة التاريخ الإسلامي خير دليل على أنّ خلافة أبي بكر لم تأت نتيجة مشاركة الأُمّة الإسلامية في اختياره وانتخابه للحكم والقيادة، بل لم ينتخبه إلاّ أربعة أنفار لا غير، وهؤلاء النفر هم; عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة من المهاجرين، وبشير بن سعد وأُسيد بن حُضير من الأنصار، وأمّا الباقون من رجال الأوس لم يبايعوا أبا بكر إلاّ تبعاً لرئيسهم أُسيد بن حضير، في حين غاب عن هذا المجلس كبار الصحابة وأفاضلهم، كالإمام علي بن أبي طالب، والمقداد، وأبي ذر، وحذيفة بن اليمان، وأُبيّ بن كعب وطلحة والزبير، وعشرات آخرين من الصحابة.
كما أنّ الخزرجيين ـ رغم حضورهم في السقيفة ـ امتنعوا عن البيعة لأبي بكر.(1)
ومن درس أحداث السقيفة وما بعدها يقف على أنّه لم يكن هناك أي إجماع على خلافة أبي بكر.

1 . تاريخ الطبري: 3 / 210 ; السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 660 .

صفحه197
وهذا هو عمر يعترف بأنّ هذه البيعة كانت فلتة لا تخضع لضابطة
ولا تقوم على أساس من المبادئ الإسلامية والمنطلقات الصحيحة والمشروعة، إذ يقول:
كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله المسلمين شرها .
ولهذا يحذّر المسلمين من الأخذ بها، لأنّها لم تكن تمثّل أي صورة انتخابية صحيحة حتّى لو قيل بمشروعية تعيّن الخليفة عن طريق الانتخاب، فيقول: فمن عاد إليها فاقتلوه (1).
فإن كان هذا حال تنصيب أبي بكر فما بالك بخلافة الآخرين، إذ عقد أبو بكر الخلافة لعمر واعترض جماعة من الصحابة على أبي بكر في هذا التعيين والنصب.(2) وإنّ من البديهيّ أنّه لو كانَ تعيينُ أبي بكر لِعُمر بن الخطاب مِن باب مجرَّد الاقتراح والترشيح فحسب، لما كان لاعتراض الصحابة عليه أيّ مجال ولا مبرّر.
هذا مضافاً إلى أنّ الخليفة الثالث هو الآخر تمّ تعيينُهُ عن طريق شورى تألَّفَتْ من (6) أشخاص عيَّنهُمُ الخليفةُ الثاني، وكانَ هذا نوعاً مِن تعيين الخليفة الّذي مَنَع الآخرين من مراجعة الرأي العامّ.
ومن الموانع الّتي لا يمكن تحقّق إجماع المسلمين من خلالها هو تفرّقهم في أطراف العالم، وهذا ممّا يجعل عملية إجماعهم على شخص

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 123، ط . مصر.
2. الإمامة والسياسة: 1 / 24 ـ 25 .

صفحه198
واحد أمر عسير إن لم يكن مستحيل، والاقتصار ببيعة المهاجرين والانصار وأولادهم وإلقاء رأي الآخرين المستقرين في بقاع العالم إهانة لقطاع واسع من المسلمين.

هل الشورى أساس الحكم؟!

حاول المجدّدون من متكلّمي السنّة صب صيغة الحكومة الإسلاميّة على أساس الشورى بجعلها بمنزلة الاستفتاء الشعبي، واستدلّوا على ذلك بآيتين:
الآية الأُولى: قوله سبحانه: (وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)(1)، وقد قيل في تفسير هذه الآية: إنّ الله سبحانه يأمر نبيّه بالمشاورة، تعليماً للأُمّة، حتى يتشاوروا في مهام الأُمور، ومنها الخلافة.
يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الخطاب في الآية متوجّه إلى الحاكم الذي استقرّت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيّته، فأقصى ما يمكن التجاوز به عن الآية، هو أنّ من وظائف كلّ الحكّام التشاور مع الأُمّة، وأمّا أنّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الاستدلال عليه بهذه الآية.
و ثانياً: إنّ المتبادر من الآية هو أنّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلب وجوه الرأي ويستعرض الأفكار المختلفة، ثم يأخذ بما هو المفيد في نظره، وذلك لقوله سبحانه في نفس الآية: (فَإِذَا

1 . آل عمران: 159 .

صفحه199
عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، المعرب عن أنّ العزم والتصميم والاستنتاج من الآراء الأخذ بما هو الأصلح راجع إلى نفس المشير، وهذا يتحقّق في ظرف يكون هناك مسؤول تام الاختيار في استحصال الأفكار والعمل بالنافع منها، حتى يخاطب بقوله: (فَإِذَا عَزَمْتَ )، وأمّا إذا لم يكن ثمة رئيس، فلا تنطبق عليه الآية، إذ ليس في انتخاب الخليفة بين المشيرين من يقوم بدعوة الأفراد للمشورة، لغاية استعراض آرائهم، ثم تمحيص أفكارهم، والأخذ بالنافع منها، ثم العزم القاطع عليه.
و كلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية ترجع إلى غير مسألة الحكومة وما شابهها. ولأجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.
الآية الثانية: قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (1).
ببيان أنّ المصدر (أمر) أضيف إلى الضمير (هُم)، وهو يفيد العموم والشمول لكلّ أمر، ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية أنّ شأن المؤمنين في كل مورد، شورى بينهم.
يلاحظ عليه: أنّ الآية تأمر بالمشورة في الأُمور المضافة إلى المؤمنين، وأمّا أنّ تعيين الخليفة من الأُمور المضافة إليهم، فهو أوّل الكلام، والتمسّك بالآية في هذا المجال، تَمَسّك بالحكم في إثبات موضوعه.

1 . سورة الشورى: 38 .

صفحه200
و بعبارة أُخرى: إنّ الآية حثّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن أُمورهم، أمّا كون تعيين الإمام داخلاً في أُمورهم، فهو أوّل الكلام، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أو من شؤون الله سبحانه؟ ولا ندري هل هي إمرة وولاية إلهية تتم بنصبه سبحانه وتعيينه، أو إمرة وولاية شعبية، يجوز للناس التدخّل فيها؟ ومع هذا الترديد لا يصحّ التمسّك بالآية.

هل البيعة أساس الحكم؟

ربّما يتصوّر أنّ البيعة أساس الحكم، وانّه يتم من طريقها. ولكنّه غفلة عن حقيقة البيعة وموقفها، فإنّ البيعة في حياة العرب وبعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، كانت تجسيداً لما تمّ أمره من قبل.
مثلاً: إنّ بيعة المسلمين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم تعن الاعتراف بزعامة الرسول ورئاسته، فضلاً عن نصبه وتعيينه، بل إنّ المبايعين بعد أن آمنوا بنبوة النبي واعترفوا بقيادته وزعامته، وأرادوا أن يصبّوا ما يلازم ذلك الإيمان، من الالتزام النفسي بأوامر النبي، بعد الإقرار بنبوته، وزعامته. فكأنّ النبي الأكرم يقول: «فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني، وتصلّوا وتزكّوا، وأن تدفعوا عني العدو حتى الموت، ولا تفروا من الحرب».
السنّة النبوية والأئمة الاثنا عشر   
و الهدف عندئذ من البيعة لم يكن هو الاعتراف بمنصب المبايع، وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية، بل كانت لأجل التأكيد العملي على الالتزام بلوازم الإيمان السابق عليه، وهذا بارز في البيعة الثانية للأنصار

صفحه201
في منى، وبيعة الصحابة في غزوة الحديبية.
وعلى ضوء ما ذكرنا فإنّ البيعة ليست طريقاً لتعيين الحاكم وانتخاب القائد، وإنّما يتعين الحاكم بالمقاولة وتصويت الجماعة الحاضرين، ثم يُصبّ ذلك الانتخاب في قالب الحسّ بالبيعة والصفق، وكأنّ البيعة تأكيد لما التزموا، وتجسيد لما أضمروه أو تقاولوه. وعلى فرض كونها
طريقاً لتعيين الحاكم، فهي إحدى الطرق لا الطريق الوحيد، فلو علم رضا الأُمّة بحكومة فرد وزعامة شخص عن غير طريق البيعة، وأبرزت رضاها بطريق من الطرق، لكفى ذلك في كونه قائداً لازم الطاعة، لأنّه أشبه بالعقد والعهد.
أضف إلى ذلك: انّ الشورى أو بيعة الجماعة الحاضرين إنّما يعدّ طريقاً لتعيين الحاكم إذا لم يكن هناك نصّ من الرسول على تنصيب شخص للزعامة، وإلاّ تكون البيعة رفضاً للنّص، واجتهاداً في مقابله. وقد عرفت النصوص المتواترة على الوصي (عليه السلام).

السنّة النبوية والأئمة الاثنا عشر

إنّ النبي الأكرم لم يكتف بتنصيب عليّ منصب الإمامة والخلافة، كما لم يكتف بإرجاع الأُمّة الإسلامية إلى أهل بيته وعترته الطاهرة، بل قام ببيان عدد الأئمة الذين يتوّلون الخلافة بعده، واحداً بعد واحد، حتى لا يبقى لمرتاب ريب، ولا لشاكّ شك، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد بصُوَر مختلفة نشير إليها.

صفحه202
 
1 . كلّهم من قريش
روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي يقول:
«يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلُّهم من قُرَيْش»(1).

2 . لايزال الإسلام عزيزاً

روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
«لايزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش». (2)

3 . لا يزال الدين عزيزاً منيعاً

و روى أيضاً عن جابر بن سمرة قال، انطلقت إلى رسول الله ومعي أبي فسمعته يقول:
لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة

1 . صحيح البخاري: ج 9، باب الاستخلاف، ص 81 . ورواه ناقصاً كما يظهر ممّا نقله مسلم وغيره، رواه أحمد في مسنده: 5 / 90، و 92، و 95، و 108.
2 . صحيح مسلم: ج 6، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، ص 3. وروى هذا المضمون تارة عن سماك بن حرب عن جابر، وأُخرى عن الشعبي عن جابر. ورواه أحمد في مسنده: 5 / 90، و 98، وفيه فكبّر الناس وضجّوا.

صفحه203
صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش. (1)

4 . لايزال الدين قائماً

وروى أيضاً عنه، قال: سمعت رسول الله يوم جمعة عَشية رجم الأسلمي، يقول: لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش.(2)

5 . لا يزال الدين ظاهراً

روى أحمد في مسنده، عن جابر قال: سمعت رسول الله يقول في حجة الوداع: إنّ هذا الدين لن يزال ظاهراً على من ناواه، لا يضرّه مخالف ولا مفارق حتى يمضي من أُمّتي اثنا عشر خليفة. ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش. (3)

6 . لا يزال هذا الأمر صالحاً

روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة قال: جئت أنا وأبي إلى النبي، وهو يقول: لا يزال هذا الأمر صالحاً، حتى يكون اثنا عشر أميراً، ثم

1 . المصدر السابق من صحيح مسلم، ومسند أحمد: 5 / 98. وفيه: «لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ينصرون على من ناواهم عليه».
2 . المصدر نفسه. ومسند أحمد: 5 / 86 ، 89 ، وفي ص 92: «لا يزال الدين قائماً يقاتل عليه عصابة حتّى تقوم الساعة». وفي ص 98: «عصابة من المسلمين».
3 . مسند أحمد: 5 / 78 و 90; ولاحظ المستدرك: 3 / 618 وفيه:
«لايزال أمر هذه الأمّة ظاهراً».

صفحه204
قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش. (1)

7 . لا يزال الناس بخير

وروى أيضاً عنه قال: كنت مع أبي عند رسول الله، فقال رسول الله: لا يزال هذا الدين عزيزاً، أو قال: لايزال الناس بخير ـ شكّ أبو عبد الصمد ـ إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة خفيّة، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش.(2)
فَهَلُمّ الآن إلى البحث عن هؤلاء الخلفاء الاثني عشر، حتى نعرف مَن هم؟ وقد وقفت على أنّ الرسول الأكرم قد عرفهم بالخصوصيات التالية:
ـ لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.
ـ لايزال الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة.
ـ لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة.
ـ لايزال الدين ظاهراً على من ناواه... حتى يمضي من أُمّتي اثنا عشر خليفة.
ـ لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً.
ـ لايزال الناس بخير إلى اثني عشر خليفة.

1 . مسند أحمد: 5 / 97 و 107 ; ولاحظ المستدرك: 3 / 618.
2 . مسند أحمد: 5 / 98.

صفحه205
و قد اختلفت كلمة شرّاح الحديث في تعيين هؤلاء الأئمة، ولا تجد بينها كلمة تشفي العليل، وتروي الغليل، إلاّ ما نقله القندوزي عن بعض المحقّقين، قال:
إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده اثني عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان، وتعريف الكون والمكان، علم أنّ مراد رسول الله من حديثه هذا، الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأمويّين لزيادتهم على الاثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كلهم من بني هاشم، في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته في هذا القول يرجّح هذه الرواية، لأنّهم لا يُحَسِّنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم قوله سبحانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)، وحديث الكساء، فلابدّ من أن يُحمل على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجَلّهم، وأورَعَهم، وأتْقاهم، وأعلاهُم نَسَباً، وأفضَلَهم حَسَباً،أَكْرَمَهم عند الله، وكانت عُلُومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبالوراثة اللَّدُنيَّة، كذا عَرَّفهم أهلُ العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.
و يؤيّد هذا المعنى، أي أن مراد النبي الأئمة الاثني عشر من أهل بيته،

صفحه206
ويشهد عليه ويرجّحه حديث الثقلين والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.
وأمّا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلُّهم يجتمع عليه الأُمّة، في رواية جابر بن سمرة، فمراده أنّ الأُمّة تجتمع على الإقرار بإمامة كلّهم وقت ظهور قائمهم المهدي (1).
و هذه الخصوصيات لا توجد في الأُمّة الإسلامية إلاّ في الأئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، خصوصاً ما يدلّ على أنّ وجود الأئمة مستمر إلى آخر الدهر، ومن المعلوم أنّ آخر الأئمة هو المهدي المنتظر، الذي يعدّ ظهوره من أشراط الساعة.
و لو أضفنا إلى هذا، الروايات الكثيرة الواردة في الأئمة الاثني عشر، يقطع الإنسان بأنّه ليس المراد إلاّ هؤلاء الذين اعترف بفضلهم، وورعهم، وتُقاهم، وعلمهم، ووعيهم، وحلمهم، وصبرهم، ودرايتهم، وكفايتهم، الداني والقاصي، والصديق والعدو، ألا وهم:
أوصاف الإمام   
علي بن أبي طالب، فالحسن بن علي، فالحسين بن علي، فعلي بن الحسين، فمحمد بن علي، فجعفربن محمد، فموسى بن جعفر، فعلي بن موسى، فمحمد بن علي، فعلي بن محمد، فالحسن بن علي، فمحمد بن الحسن العسكري، المهدي المنتظر الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً

1 . ينابيع المودة: 446، ط اسطنبول ـ عام 1301 هـ .

صفحه207
بعدما ملئت ظلماً وجوراً (1)، صلوات الله وتحياته وسلامه عليهم أجمعين.
و قد تضافرت النصوص في تنصيص الإمام السابق على الإمام اللاحق، فمن أراد الوقوف على هذه النصوص، فعليه الرجوع إلى الكتب المعدّة لإمامة الأئمة الاثني عشر.(2)
* * *

أوصاف الإمام

قد علمت أنّ الإمامة عند الشيعة تختلف في مفهومها عمّا عند السنّة، فإنّها عند الشيعة عبارة عن استمرار وظائف الرسالة، فالإمام وإن لم يكن نبياً ولا رسولاً ولا يوحى إليه ولكنّه يقوم بسائر الوظائف الّتي كان النبي يقوم بها. وملء هذا الفراغ رهن شروط وأوصاف يجب توفرها فيه، وهي:

1. العصمة

يشترط في الإمام أن يكون معصوماً من الخطأ والزلل، وذلك لأنّ الدليل الّذي يبعثنا إلى القول بالعصمة في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هوبنفسه يسبّب القول بالعصمة في الإمام أيضاً، وذلك لأنّ من مهمات الإمام سدّ الفراغات الهائلة

1 . سيوافيك الكلام في الإمام المنتظر، وأحاديثه في السنّة النبوية، وطول عمره، وعلائم ظهوره، وغير ذلك مما يرجع إليه.
2 . لاحظ الكافي، ج 1، كتاب الحجة، وأجمع كتاب في هذا الموضوع هو كتاب «إثبات الهداة» للشيخ الحرّ العاملي وقد جمع فيه النصوص المتضافرة على إمامة كلّ واحد من الأئمة الاثني عشر.

صفحه208
بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو لا يتحقّق إلاّ بأن يكون الإمام متمتعاً بما يتمتع
به النبي الأكرم من الكفاءات والمؤهّلات، فيكون عارفاً بالكتاب والسنّة على وفق الواقع، وعالماً بحكم الموضوعات المستجدة عرفاناً واقعياً، وذابّاً عن الدين شبهات المشككين، ومن المعلوم أنّ هذه الوظيفة تستدعي كون الإمام مصوناً من الخطأ. فما دلّ على أنّ النبيّ يجب أن يكون مصوناً في مقام إبلاغ الرسالة، قائم في المقام بنفسه، فإنّ الإمام يقوم بنفس تلك الوظيفة، وإن لم يكن رسولاً ولا طرفاً للوحي، ولكنه يكون عيبةً لعلمه، وحاملاً لشرعه وأحكامه، فإذا لم نجوّز الخطأ على النبي في مقام الإبلاغ، فليكن الأمر كذلك في مقام القيام بتلك الوظيفة بلا منصب الرسالة والنبوة.

عصمة الإمام في القرآن الكريم

إنّ آية الابتلاء تدلّ بوضوح على أنّ الإمامة لا ينالها الظالمون، قال
سبحانه: (وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(1).
والمراد من الإمامة الّتي وهبها سبحانه لإبراهيم وذريته غير النبوة، وذلك لأنّه سبحانه خاطبه وبشّره بالإمامة وقد كان نبياً، فيدلّ ذلك على أنّ الإمامة الّتي بُشّر بها إبراهيم هي غير النبوة.

1 . البقرة: 124 .

صفحه209
ولمّا طلبها إبراهيم لذريته استجاب سبحانه دعوته لكنّه استثنى الظالمين، والمراد من غير الظالمين هو مَن لم يتلبس بالظلم طيلة عمره. ويدلّ على ذلك أمران :
الأوّل: إنّ الهدف الأسمى من تنصيب كل إنسان للإمامة، تجسيد الشريعة الإلهية في المجتمع، فإذا كان القائد رجلاً مثالياً نقي الثوب، مشرق الصحيفة لم ير منه عصيان ولا زَلّة، يتحقّق الهدف من نصبه في ذلك المقام.
و أمّا إذا كان في فترة من عمره مقترفاً للمعاصي، ماجناً، مجترحاً للسيئات، فيكون غرضاً لسهام الناقدين، ومن البعيد أن ينفذ قوله، وتقبل قيادته بسهولة، بل ينادى عليه إنّه كان بالأمس يقترف الذنوب، وأصبح اليوم آمراً بالحق ومميتاً للباطل!!
و لأجل تحقّق الهدف يحكم العقل بلزوم نقاوة الإمام عن كلّ رذيلة ومعصية في جميع فترات عمره، وأنّ الإنابة لو كانت ناجعة في حياته الفردية فليست كذلك في حياته الاجتماعية، فلن تخضع له الأعناق، وتميل إليه القلوب.
الثاني: إنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:
1ـ من كان طيلة عمره ظالماً.
2 ـ من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره .
3 ـ من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره.

صفحه210
4ـ من كان طاهراً في بداية عمره وظالماً في آخره.
عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم (عليه السلام) ، الذي سأل الإمامة لبعض ذريته،أيّ قسم أراد منها ؟
حاش إبراهيم أن يسأل الإمامة للقسم الأول، والرابع من ذرّيته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره، أو المتصف به أيام تصديه للإمامة لا يصلح لأن يؤتمن عليها.
فبقي القسمان الآخران: الثاني والثالث، وقد نصّ سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، والظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلاّ على القسم الثالث، أعني: من كان ظالماً في بداية عمره، وكان تائباً حين التصدي.
فإذا خرج هذا القسم، بقي القسم الثاني، وهو من كان نقي الصحيفة طيلة عمره، لم ير منه ـ لا قبل التصدي ولا بعده ـ أيّ انحراف عن جادّة الحق، ومجاوزة للصراط السوي.

2. الأعلمية

الغلاة ليسوا من الشيعة الإمامية   
يجب أن يكون الإمام أعلم الناس بالقرآن والسنّة والمعارف والأحكام على أن تنيخ الأُمّة ركائبها على بابه دون أن يرجع الإمام إليهم، ودليله واضح لما عرفت من أنّ منصب الإمامة ليس منصباًعرفياً كسائر المناصب الدنيوية، بل هي رئاسة عامة لتدبير أُمور الناس في الدين والدنيا، وهو يلازم أن يكون الإمام أعلم الناس بما يرجعون الناس فيه إليه .

صفحه211
أضف إلى ذلك: أنّ ملء الفراغات الّتي تركتها رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فرع كونه أعلم الأُمة بالأُصول والفروع والعقائد والأحكام.

3. أفضل الناس

يجب أن يكون الإمام أفضل الأُمة، لأنّه إمّا أن يكون مساوياً لهم أو أنقص منهم أو أفضل، والثالث هو المطلوب، والأوّل محال لأنّه مع التساوي يستحيل ترجيحه على غيره بالإمامة، والثاني أيضاً محال لأنّ المفضول يقبح عقلاً تقديمه على الفاضل.
ويدلّ عليه أيضاً قوله تعالى: (أَفَمنْ يَهدِي إلى الحقِّ أَحقُّ أنْ يُتَّبعَ أَمَّنْ لا يَهدِّي إلاّ أنْ يُهدى فَما لَكُم كيفَ تَحكُمون) (1) .
ويدخل تحت هذا الحكم كون الإمام أفضل في العلم والدين والكرم والشجاعة وجميع الفضائل النفسانية والبدنية.

الغلاة ليسوا من الشيعة الإمامية

إنّ وصف الإمام بالعصمة والأعلمية والأفضلية لا يعني سوى كونهم عباد الله المخلصين الذين شملتهم عناية الله سبحانه وهو أعلم بمواضعها فجعلهم أئمة يهدون بأمر الله سبحانه، وهم في الوقت نفسه عباد مكرمون لا يعصون الله وهم بأمره يعملون، فمَن فرّط في حقّهم فهو ضال، كما أنّ مَن أفرط وغالى في حقّهم فهو مثله.

1 . يونس: 35.

صفحه212
فالفرق المغالية في حقّهم ليسوا من الشيعة وإن انتموا إليها، وقد حذر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)شيعتهم من التفريط والغلو.
فالخطابية والمغيرية وغيرهما من الفرق الغالية البائدة ليسوا في الحقيقة من الشيعة، وفي كلام الإمام علي (عليه السلام)تعريف لأئمة أهل البيت نذكره بنصه وهو كاف في المقام:
«لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الأُمّة أحد، ولا يُسَوَّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً; هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيةُ والوراثةُ».(1)
هذا وإنّ للإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)دعاء يبيّن موقف أئمة أهل البيت من الغلاة. يقول في دعائه :
«اللّهمَّ إنّي بريء من الحول والقوّة ولا حول ولا قوّة إلاّ بك، اللّهم إنّي أعوذ بك وأبرأ إليك من الّذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحق، اللّهم إنّي أبرأ إليك من الّذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا، اللّهم لك الخلق ومنك الرزق وإيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اللّهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين، اللّهم لا تليق الربوبيّة إلاّ بك ولا تصلح الإلهية إلاّ لك، فالعن النصارى الّذين صغّروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريّتك.
الفرق بين النبي والرسول والإمام   
اللّهم إنَّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 2 .

صفحه213
ولا حياة ولا نشوراً، اللهمّ من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم (عليه السلام)من النصارى، اللّهم انّا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون ولا تدع على الأرض منهم ديّاراً إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً».(1)

الفرق بين النبي والرسول والإمام

إنّ تبيين هذه المفاهيم الثلاثة الواردة في الذكر الحكيم، على وجه التفصيل غير ميسّر في المقام، وقد أوضحنا حالها في كتابنا «مفاهيم القرآن»(2). وموجز القول فيها:
إنّ الإمام هو الحاكم السائد على المجتمع والآخذ بيد الأُمّة إلى نحو الكمال في الحياة الدنيوية والأُخروية والفردية والاجتماعية، فيجب على الأُمّة امتثال أوامره وتوجيهاته في عامّة الحقول، وعلى ضوء هذا نقول:
النبي: عبارة عمّن يتلقّى الوحي.
الرسول: عبارة عمّن يؤمر بإبلاغه إلى الناس .
فإذا تلقّى الوحي ولم يؤمر بإبلاغه فهو نبي، فإذا أُمر بالتبليغ يكون رسولاً.

1 . بحار الأنوار: 25 / 343 .
2 . مفاهيم القرآن: 5 / 375 ـ 390 .

صفحه214
الإمام: عبارة عمّن يُجسّد الشريعة السماوية في المجتمع، سواء أُنزلت عليه فيكون نبياً ورسولاً وإماماً ـ كما هو الحال في الخليل (عليه السلام) ـ أم أُنزلت على غيره كما هو الحال في الأئمة الاثنى عشر، فالقادة المعصومون ـ أعني: علياً وأولاده ـ الذين نصبوا أئمّة للأُمّة الإسلامية لا يحقّقون أهدافهم ولا يقومون بشؤون الأُمّة وسياستها، إلاّ في ضوء الشريعة المحمّدية النازلة على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمامة وتدبير الأُمّة ليست مقصودة بالذات، وانّما اتّخذت أداة لإسعاد الأُمّة وإرشادها إلى قمّة الكمال، ولا يحصل ذلك إلاّ بتطبيق الشريعة الإلهية وتجسيدها في المجتمع، لقصور كلّ المناهج البشرية عن القيام بذلك الهدف الأسمى.
وهذا إنّ دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الإمام لا يحقّق أهدافه إلاّ في ضوء الشريعة السماوية، سواء أنزلت عليه أم نزلت على غيره، وسواء كان ذلك الغير حياً حاضراً أم ميتاً راحلاً، وعلى كل تقدير فسياسة الأُمّة وتدبيرها وقيادتها ودفعها إلى الكمال والّتي تعدّ من الوظائف الأساسية للإمام، لا تحصل إلاّ أن يكون أمره ونهيه وفعله وتقريره انعكاساً عن الكليات والدساتير العامّة النازلة منه سبحانه على نبي زمانه وصاحب شريعته، إلاّ أن يكون بنفسه صاحب شريعة كما في خليل الرحمن (عليه السلام).

صفحه215
 
الفصل السادس

أهل البيت (عليهم السلام)

1. مفهوم أهل البيت(عليهم السلام) في معاجم اللغة
2. أهل البيت في القرآن
أ. دراسة آية التطهير
ب. القرائن الثلاث في الآية تعيّن ما هو المقصود
3. أهل البيت(عليهم السلام) في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
أ. التصريح بأسمائهم      ب. إدخالهم تحت الكساء
ج. تلاوة الآية على بابهم
4. المرجعية العلمية لأهل البيت(عليهم السلام) بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
أ. حديث الثقلين      ب. حديث السفينة
ج. اعتراف أئمة المذاهب بأفقهية أهل البيت (عليهم السلام)
5. دور أهل البيت في توحيد الأُمّة
6. تراث أهل البيت(عليهم السلام) العلمي
7. فاطمة الزهراء (عليها السلام)في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه216

صفحه217
   

أهل البيت (عليهم السلام)

هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكلّ مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم «الأهل» من موارد استعماله فيقال:
1. أهل الأمر والنهي.
2. أهل الإنجيل.
3. أهل الكتاب.
4. أهل الإسلام.
5. أهل الرجل.
6. أهل الماء.
وهذه الموارد تُوقفنا على أنّ كلمة «أهل» تستعمل مضافاً، في مَن كان له علاقة قوية بمن أُضيف إليه، فأهل الأمر والنهي هم الذين يمارسون الحكم والبعث والزجر، وأهل الإنجيل هم الذين لهم اعتقاد به كأهل الكتاب وأهل الإسلام.
وقد اتّفقت كلمة أهل اللغة على أنّ الأهل والآل كلمتان بمعنى واحد، قال ابن منظور: آل الرجل: أهله، وآل اللّه وآل رسوله: أولياؤه، أصلها أهل ثم أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أأل، فلمّـا توالت الهمزتان أبدلوا

صفحه218
الثانية ألفاً، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل آمن وآزر .
وقد أنشأ عبد المطلب عند هجوم أُبرهة على مكة المكرمة، وقد أخذ حلقة باب الكعبة وقال:
وانصر على آل الصليب *** وعابديه اليوم آلك
وعلى ما ذكرنا، فهذا اللفظ إذا أُضيف إلى شيء يقصد منه المضاف الذي له علاقة خاصة بالمضاف إليه، فأهل الرجل مثلاً هم أخصّ الناس به، وأهل المسجد: المتردّدون كثيراً إليه، وأهل الغابة: القاطنون فيها ... فإذا لاحظنا موارد استعمال هذه الكلمة لا نتردّد في شمولها للزوجة والأولاد، بل وغيرهم ممّن تربطهم رابطة خاصة بالبيت من غير فرق بين الأولاد والأزواج، ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه يطلقه على زوجة إبراهيم كما في قوله سبحانه: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ )(1).
أهل البيت (عليهم السلام) في اللغة   

1. مفهوم أهل البيت (عليهم السلام) في معاجم اللغة

هذا هو حق الكلام في تحديد مفهوم هذه الكلمة، ولنأت ببعض نصوص أئمّة اللغة.
قال ابن منظور: أهل البيت: سُكّانه، وأهل الرجل: أخصّ الناس به، وأهل بيت النبي : أزواجه وبناته وصهره، أعني: علياً (عليه السلام) ، وقيل: نساء النبي والرجال الذين هم آله. (2)

1 . هود: 73 .   2 . لسان العرب: 11/29، مادة «أهل».

صفحه219
فلقد أحسن الرجل في تحديد المفهوم أوّلاً ، وتوضيح معناه في القرآن الكريم ثانياً، كما أشار بقوله: «قيل» إلى ضعف القول الآخر، لأنّه نسبه إلى القيل.
وقال ابن فارس ناقلاً عن الخليل بن أحمد: أهل الرجل: زوجه، والتأهّل: التزوّج، وأهل الرجل: أخصّ الناس به، وأهل البيت: سكّانه، وأهل الإسلام: مَن يدين به. (1)
وقال الراغب في «مفرداته»: أهل الرجل: مَن يجمعه وإيّاهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإيّاهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإيّاهم النسب، وتعورف في أُسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل أهل البيت. (2)
وقال الفيروز آبادي: أهل الأمر : ولاته، وللبيت: سكّانه، وللمذهب: مَن يدين به، وللرجل زوجته كأهله، وللنبي: أزواجه وبناته وصهره علي ـ رضي اللّه تعالى عنه ـ أو نساؤه والرجال الذين هم آله. (3)
هذه الكلمات ونظائرها بين أعلام أهل اللغة كلّها تعرب عن أنّ مفهوم أهل البيت في اللغة هم الذين لهم صلة وطيدة بالبيت، وأهل الرجل

1 . معجم مقاييس اللغة: 1/150.
2 . المفردات: 29.
3 . القاموس المحيط: 3/331.

صفحه220
مَن له صلة به بنسب أو سبب أو غيرهما.
إنّ مراجعة كتب اللغة، وموارد استعمال الكلمة في الكتاب والسنّة تعرب عن أنّ مفهوم «الأهل» هو المعنى العام، وهو يشمل كلّ مَن له صلة بالرجل والبيت صلة وطيدة مؤكّدة من نسب أو سبب أو غير ذلك، من غير فرق بين الزوجة والأولاد وغيرهم، وانّ تخصيصها بالزوجة قسوة على الحق، كما أنّ تخصيصها لغة بالأولاد وإخراج الأزواج يخالف نصوص القرآن واستعمالها كما عرفت في الآيات الماضية.
أهل البيت(عليهم السلام)في القرآن الكريم   

2. أهل البيت في القرآن الكريم

لقد وردت لفظة «أهل البيت » مرّتين في القرآن الكريم.
قال سبحانه حاكياً عن لسان الرسل: (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أمرِ اللّهِ رَحمةُ اللهِ وبَركاتُهُ عَلَيْكُمْ أهلَ البَيْتِ إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيد).(1)
وقال تعالى :(وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصلاةَ وآتِينَ الزكاةَ وأطِعْنَ اللهَ ورَسُولَهُ إنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهِيراً).(2)
دراسة آية التطهير   
فالآية الأُولى تخاطب أهل بيت خليل اللّه عند ما جاءتهم الرسل فبشّروا امرأته بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.

1 . هود: 73.
2 . الأحزاب: 33.

صفحه221
ولمّا كانت هذه البشارة على خلاف السنن الكونية حيث كان الخليل شيخاً وزوجته طاعنة في السن، فلذلك تعجبت وقالت مخاطبة الرسل: (يا وَيْلَتى ءَأَلِدُ وأنَا عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إنّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيب) (1)، فوافاها الجواب من جانب الرسل الذين كانوا ملائكة وتمثّلوا بصورة الإنسان، قائلين: (أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت انّه حميد مجيد) .
وأمّا الآية الثانية فقد وردت في ثنايا الآيات التي نزلت في شأن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بدعوتهنّ إلى التخلّـي عن الدنيا والتحلّـي بالتقوى إلى غير ذلك من الوصايا التي وردت ضمن آيات. (2)

دراسة آية التطهير

ونتناول هنا بالتفصيل دراسة الآية الثانية الّتي أشرنا إليها، وذلك
لكثرة مادار حولها من نقاش وأُلّف حولها من كتب حملت شبهاً وردوداً .
اختلف المفسّرون في بيان ما هو المراد من «أهل البيت» في الآية المباركة على أقوال، غير أنّ العبرة بقولين :
1. المراد بنت النبي وصهره وولداهما الحسن والحسين (عليهم السلام).
2. نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (3)

1 . هود: 72.
2 . انظر سورة الأحزاب، الآيات : 28 ـ 34.
3 . وهناك أقوال أُخر شاذة جداً ستوافيك في مختتم البحث.

صفحه222
ولا بد من إمعان النظر في تعيين المراد بعد قابلية اللفظ لشمول كلتا الطائفتين، فنقول: إنّ هناك قرائن تدلّ بوضوح على أنّ المراد من هذه الكلمة جماعة خاصة منتمين إلى البيت النبوي بوشائج خاصة لا كلّ المنتمين إليه، وإليك تلك القرائن:

القرينة الأُولى: اللام في «أهل البيت» للعهد

لا شك أنّ اللام قد تطلق ويراد منها الجنس المدخول، كقوله سبحانه: (إنّ الإنسان لفي خُسر). (1)
وقد يطلق ويراد منها استغراق أفراده، كقوله سبحانه : (يَا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ). (2)
وثالثة تستعمل في العهد باعتبار معهودية مدخولها بين المتكلّم والمخاطب.
ولا يمكن حمل اللام في «البيت» على الجنس أو الاستغراق، لأنّ الأوّل إنّما يناسب إذا أراد المتكلم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة كما يعلم من تمثيلهم لذلك بقوله تعالى: (إِنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (3)، ومن المعلوم أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت ، كما لا يصح أن يحمل على العموم، أي: جميع البيوت في العالم، أو بيوت النبي ، وإلاّ

1 . العصر : 2.
2 . التوبة: 73.
3 . المعارج: 19.

صفحه223
لناسب الإتيان بصيغة الجمع فيقول: أهل البيوت، كما أتى به عندما كان في صدد إفادة ذلك، وقال في صدر الآية : (وقرن في بيوتكن) .
فتعيّن أن يكون المراد هو الثالث، أي البيت المعهود، فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وحينئذ يقع الكلام في تعيين هذا البيت المعهود، فما هو هذا البيت؟ هل هو بيت أزواجه، أو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (عليهم السلام) ؟
لا سبيل إلى الأوّل، لأنّه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كلّ واحدة في بيت خاص، ولو أُريد واحد من بيوتهن لاختصّت الآية بواحدة منهن، وهذا ما اتّفقت الأُمّة على خلافه.
أضف إلى ذلك: أنّه على هذا يخرج بيت فاطمة مع أنّ الروايات ناطقة بشمولها، وانّما الكلام في شمولها لأزواج النبي كما سيوافيك بيانه.
هذا كلّه على تسليم أنّ المراد من البيت هو البيت المبنيّ من الأحجار والآجر والأخشاب، فقد عرفت أنّ المتعيّـن حمله على بيت خاص معهود ولا يصح إلاّ حمله على بيت فاطمة، إذ ليس هناك بيت خاص صالح لحمل الآية عليه.
وأمّا لو قلنا بأنّ البيت قد يطلق ويراد منه تارة هذا النسق، كما في قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأُولى) ، وأُخرى غير هذا النمط من البيت، مثل قول القائل: «بيت النبوة» و «بيت الوحي» تشبيهاً لهما على المحسوس، فلا محيص أن يراد منه المنتمون إلى

صفحه224
النبوة والوحي بوشائج معنوية خاصة على وجه يصحّ مع ملاحظتها، عدّهم أهلاً لذلك البيت، وتلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح والفكر، ولا يشمل كلّ من يرتبط ببيت النبوة عن طريق السبب أو النسب فحسب، وفي الوقت نفسه يفتقد الأواصر المعنوية الخاصة، ولقد تفطّن العلاّمة الزمخشري صاحب التفسير لهذه النكتة، فهو يقول في تفسير قوله تعالى:
(قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (1)،
لأنّها (زوجة إبراهيم) كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأُمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقّر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وان تسبح اللّه وتمجّده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولها: (رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت)أرادوا انّ هذه وأمثالها ممّا يكرمكم به رب العزة، ويخصّكم بالأنعام به يا أهل بيت النبوة. (2)
وعلى ذلك لا يصح تفسير الآية بكل المنتسبين عن طريق الأواصر الجسمانية لبيت خاص حتى بيت فاطمة، إلاّ أن تكون هناك الوشائج المشار إليها، ولقد ضلّ من فسّر البيت بالبيت المبني من حجر ومدر مع أنّ المراد غيره.
ولقد جرى بين قتادة ذلك المفسّر المعروف وبين أبي جعفر محمد

1 . هود: 73.
2 . الكشاف: 2/107.

صفحه225
بن علي الباقر(عليه السلام)محادثة لطيفة أرشده الإمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه، قال ـ عندما جلس أمام الباقر (عليه السلام) ـ : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبو جعفر (عليه السلام) : «ويحك، أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي: (في بُيُوت
أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ * رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ
) (1) فأنت
ثم ونحن أُولئك». فقال له قتادة: صدقت واللّه جعلني اللّه فداك، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين. (2)
وهذه القرينة تحضّ المفسر على التحقيق عن الأفراد الذين يرتبطون بالبيت بأواصر معينة، وبذلك يسقط القول بأنّ المراد منه أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه لم تكن تلك الوشائج الخاصة باتّفاق المسلمين بينهم وأقصى ما عندهنّ انهنّ كنّ مسلمات مؤمنات.

القرينة الثانية: تذكير الضمائر

نرى أنّه سبحانه عندما يخاطب أزواج النبي يخاطبهن حسب المعتاد بضمائر التأنيث، ولكنّه عندما يصل إلى قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب ...)يغير الصيغة الخطابية في التأنيث ويأتي بصيغة التذكير، فما هو السر في تبديل الضمائر لو كان المراد أزواج النبي؟ وإليك نص الآيات:

1 . النور : 36 ـ 37.
2 . الكافي: 6/256 ـ 257.

صفحه226
(يا نِسَاءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً). (1)
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). (2)
(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَةِ إنّ اللّهَ كانَ لَطِيفَاً خَبِيراً). (3)
ترى أنّه سبحانه يخاطبهن في الآية الأُولى بهذه الخطابات:
1. لستن. 2. اتقيتن. 3. فلا تخضعن. 4. وقلن.
ويخاطبهن في الآية الثانية بهذه الخطابات:
1. قرن. 2. بيوتكن. 3. لا تبرجن. 4. أقمن. 5. آتين. 6. أطعن.
كما يخاطبهن في الآية الثالثة بقوله:
1. واذكرن . 2. بيوتكن.
وفي الوقت نفسه يتخذ في ثنايا الآية الثانية موقفاً خاصاً في الخطاب ويقول:

1 . الأحزاب: 32.
2 . الأحزاب: 33.
3. الأحزاب: 34.

صفحه227
1. عنكم. 2. يطهركم.
فما وجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبي ؟!
أو ليس هذا يدل على أنّ المراد ليس نساءه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد حاول القرطبي التفصّي عن الإشكال فقال: إنّ تذكير الضمير يحتمل لأن يكون خرج مخرج «الأهل» كما يقول لصاحبه: كيف أهلك، أي امرأتك ونساؤك؟ فيقول: هم بخير، قال اللّه تعالى: (أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت). (1)
ولكن المحاولة فاشلة فإنّ ما ذكره من المثال على فرض سماعه من العرب، إنّما إذا تقدّم «الأهل» وتأخّر الضمير (هم بخير)، دون العكس كما في الآية، فإنّ أحد الضميرين مقدّم على لفظ «الأهل» في الآية كما يقول: (عنكم الرجس أهل البيت) .
وأمّا الاستشهاد في الآية فغير صحيح، لأنّ الخطاب فيها لإبراهيم وزوجته معاً، لا خصوص زوجته، فيصح التغليب تغليب الأشرف على غيره في الخطاب والمفروض في المقام انّ الآية نزلت في زوجاته ونسائه خاصة فلا معنى للتغليب.

1 . جامع الأحكام: 14/182.

صفحه228
 
القرينة الثالثة: العدول عن السياق
إنّ الآيات المتعلّقة بأزواج النبي تبتدئ من الآية 28 وتنتهي بالآية 34 ، وهي تخاطبهن تارة بلفظ «الأزواج» ومرتين بلفظ «نساء النبي» الصريحين في زوجاته، فما هو الوجه في العدول عنهما إلى لفظ «أهل البيت» فإنّ العدول قرينة على أنّ المخاطب به غير المخاطب بهما .
فهذه القرائن الثلاث تورث اليقين بأنّ المراد به، هو غير زوجاته ونسائه، وأمّا مَن هم مصاديقه فقد تكفّل ببيانهم أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)المتضافرة.
التعريف بأهل البيت (عليهم السلام) في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   

3. التعريف بأهل البيت(عليهم السلام)في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الأحاديث الواردة في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تكشف عن وجه الحقيقة، فإنّ للنبي الأكرم عناية وافرة بتعريف أهل البيت لم ير مثلها إلاّ في أقلِّ الموارد، حيث قام بتعريفهم بطرق مختلفة ، كما أنّ للمحدّثين والمفسرين وأهل السير والتاريخ عناية كاملة بتعريف أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)في مواضع مختلفة حسب المناسبات التي تقتضي طرح هذه المسألة، كما أنّ للشعراء الإسلاميين المخلصين في طوال قرون، عناية بارزة ببيان فضائل أهل البيت والتعريف بهم، والتصريح بأسمائهم على وجه يظهر من الجميع اتفاقهم على نزول الآية في حق العترة الطاهرة .

صفحه229
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الرأي العام بين المسلمين في تفسير أهل البيت هو القول الأوّل، وانّ القول بأنّ المقصود منهم زوجاته كان قولاً شاذاً متروكاً ينقل ولا يعتنى به، ولم ينحرف عن ذلك الطريق المهيع إلاّ بعض من اتّخذ لنفسه تجاه أهل البيت موقفاً يشبه موقف أهل العداء والنصب.
قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة نشير إليها:
1. صرّح بأسماء من نزلت الآية في حقّهم حتى يتعيّن المنزول فيه باسمه ورسمه.
2. قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء، ومنع من دخول غيرهم، وأشار بيده إلى السماء وقال: «اللّهم إنّ لكلّ نبي أهل بيت وهؤلاء أهل بيتي» كما سيوافيك نصه.
3. كان يمر ببيت فاطمة عدّة شهور، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت: (إنَّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).
وقد أوردنا في كتابنا مفاهيم القرآن (1) الروايات الّتي تتضمن تعريف أهل البيت من جانب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالطرق الثلاثة، وسنقتصر هنا على ذكر واحدة من كلّ طريق ومن أراد التفصيل فليراجع .

1 . مفاهيم القرآن : 10 / 143 ـ 153 .

صفحه230
 
أ. التصريح بالأسماء :
روى الطبري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي عليّ وحسن(رضي الله عنه)وحسين (رضي الله عنه)وفاطمة (رضي الله عنها): (إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).(1)

ب . إدخالهم تحت الكساء

أدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أهل بيته تحت الكساء، فقد أخرج الطبري عن أُم سلمة قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين فجعلت لهم حريرة فأكلوا وناموا وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة ثم قال:اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».(2)

ج . تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم

المرجعية العلمية لأهل البيت (عليهم السلام)   
أخرج الطبري عن أنس، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت: (إنَّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).(3)

1 . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات وغيرها ممّا لم نذكر تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 7; الدر المنثور: 5 / 198 ـ 199 .
2 . نفس المصدر.
3 . نفس المصدر.

صفحه231
 
4. المرجعية العلمية لأهل البيت (عليهم السلام)
إنّ البحث عن صيغة الخلافة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يطرح على نوعين:
الأوّل: البحث عن الحكم في مرحلة خاصّة من الزمان، وهو: هل الخلافة من جانب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت أمراً تنصيصياً أو كانت أمراً محوَّلاً إلى الصحابة؟ وهذا النوع من البحث وإن كان غير خال من الفائدة ولكنّه بحث تاريخي ربّما تجاوز عنه الزمان.
الثاني: انّ المرجعية العلمية بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هل هي متمثّلة في أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أو في غيرهم؟ وهل انّ واجب كلّ مسلم في كل عصر وقرن هو التمسك بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)أحد الثقلين، أو التمسك بغيرهم؟ وهذا النوع من البحث طري في كلّ زمان وجدير بالتأمل .
فالبحث على الطراز الأوّل إذا كان غير مستحسن عند طائفة ولكن البحث على الطراز الثاني أمر يتطلّبه كلّ مَن يريد أن يأخذ أُصوله وفروعه من معين صاف.
أقول: وبغض النظر عن أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نصب علياً وأهل بيته للزعامة والحكومة يوم الغدير في اليوم الّذي لم يكن يظل المسلمين غير حرّ الشمس وجعل ولاءه أصلاً ثالثاً بعد التوحيد والمعاد ـ بغض النظر عن

صفحه232
هذا نقول ـ : إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يزل يهيب في الجاهلين ويصرخ في الغافلين داعياً إلى التمسك بالكتاب والعترة، وهذا تصريح منه بأنّ المرجعية العلمية ـ وراء الزعامة السياسية ـ منحصرة بأهل البيت(عليهم السلام)، وعلى المسلمين الانكباب عليهم فيما يطرأ عليهم من الحوادث والوقائع الدينية وكلّ ما يمت إلى الدين بصلة، ولأجل التعرف على ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا الصدد نذكر بعض الأحاديث :
حديث الثقلين   

1. حديث الثقلين

روى أصحاب الصحاح والمسانيد عن النبي الأكرم أنّه قال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».
و قال في موضع آخر: «إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي; ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». وغير ذلك من النصوص المتقاربة.
وقد صدع بها في غير موقف، تارة بعد انصرافه من الطائف،
وأُخرى يوم عرفة في حجّة الوداع، وثالثة يوم غدير خمّ، ورابعة على
منبره في المدينة، وأُخرى في حجرته المباركة في مرضه والحجرة غاصّة بأهله.

صفحه233
و لا يشك في صحّة الحديث إلاّ الجاهل به أو المعاند، فقد روي بطرق كثيرة عن نيف وعشرين صحابياً (1).
إنّ الإمعان في الحديث يعرب عن عصمة العترة الطاهرة، حيث قورنت بالقرآن الكريم، وأنّهما لا يفترقان، ومن المعلوم أنّ القرآن العظيم، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يمكن أن يكون قرناءُ القرآن وأعدا له، خاطئين فيما يحكمون ويبرمون، أو يقولون ويحدّثون. فعدم الافتراق إلى يوم القيامة، آية كونهم معصومين فيما يقولون ويروون.
أضف إلى ذلك: أنّ الحديث، يعدّ المتمسّك بالعترة غير ضالّ، بقوله: «لن تضلّوا»، فلو كانوا غير معصومين من الخلاف والخطأ، فكيف لا يضلّ المتمسّك بهم؟
نعم، ورد في بعض النصوص مكان كتاب الله وعترتي، كتاب الله وسنّتي (2). وهو على فرض صحته، حديث آخر لا يزاحمه، على أنّه

1 . وكفى في ذلك أنّ دار التقريب بين المذاهب الإسلامية قامت بنشر رسالة جمعت فيها مصادر الحديث ونذكر من طرقه الكثيرة ما يلي:صحيح مسلم: 7 / 122; سنن الترمذي: 2 / 207; مسند أحمد: 3 / 17 و 26 و 59. و ج 4 / 366 و 371. و ج 5 / 182 و 189.
و قد قام المحدث الكبير السيد حامد حسين الهندي بجمع طرق الحديث و نقل كلمات الأعاظم حوله و نشره في ستة أجزاء و هو من أجزاء كتابه الكبير العبقات.
2 . الصواعق المحرقة: 89 .

صفحه234
حديث واحد، وهذا الحديث متواتر نقله أعلام الأئمة، وأساتذة الحديث والتاريخ والسيرة، ولا يعلم حقيقة ذلك إلاّ من راجع مصادر الحديث (1). فيقدّم عليه في كلّ حال.

2. حديث السفينة

روى المحدّثون عن النبي الأكرم أنّه قال: «مثل أهلُ بيتي في أُمَّتي، كَمَثَلِ سفينةِ نوح، من رَكِبَها نجا، ومَن تخلّف عنها غَرِقَ» (2).
فشبّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أهل بيته بسفينة نوح في أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ أُصوله وفروعه عنهم نجا من عذاب النّار، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطّوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذلك غرق في الماء وهذا في الحميم.
اعتراف أئمّة المذاهب بأفقهية أهل البيت (عليهم السلام)   
فإذا كانت هذه منزلة علماء أهل البيت، (فَأَنى تُصْرَفُونَ)؟!
يقول إبن حجر في صواعقه: ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم، شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم، نجى من ظلمة

1 . راجع أيضاً في الوقوف على مصادر الحديث، غاية المرام للسيد البحراني: 417 ـ 434.
و المراجعات، المراجعة 8 ; وتعاليق إحقاق الحق، ج 9.
2 . مستدرك الحاكم: 2 / 151; الخصائص الكبرى للسيوطي: 2 / 266.
و للحديث طرق ومسانيد كثيرة، من أراد الوقوف عليها، فعليه بتعاليق إحقاق الحق: 9 / 270 ـ 293.

صفحه235
المخالفات. ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النِّعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(1)

3. اعتراف أئمّة المذاهب بأفقهية أهل البيت(عليهم السلام)

إنّ كثيراً من علماء أهل السنّة ـ قديماً وحديثاً ـ اعترفوا بأفقهية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، فها نحن نذكر هنا شيئاً قليلاً من كثير.
روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة السجاد (علي بن الحسين (عليه السلام) ) عن أبي حازم انّه قال: ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين، وما رأيت أحداً كان أفقه منه.(2)
وقال الشافعي: إنّ علي بن الحسين، أفقه أهل البيت.(3)
وقال عبد اللّه بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم كأنّه متعلّم.(4)

1 . الصواعق: 191، الباب 11. يقول سيدنا شرف الدين في مراجعاته: ألا أنّي مسائل ابن حجر أنّه إذا كان هذا مقام أهل البيت، فلماذا لَمْ يأخذ هو بهدي أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده، ولا في شيء من علوم السنّة والكتاب، ولا في شيء من الأخلاق والسلوك والآداب؟ ولماذا تخلّف عنهم، فأغرق نفسه في بحار كفر النعم. وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!
2 . سير أعلام النبلاء: 4 / 394.
3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15 / 274.
4 . حلية الأولياء: 3 / 186.

صفحه236
وقال أبوحنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) .(1)
ونقل الإمام الشافعي في رحلته: انّه سمع من مالك قوله للرجل الّذي أجاب على مسائله:
قرأتَ ـ أو سمعتَ ـ الموطأ؟ قال: لا.
قال: فنظرتَ في مسائل ابن جُريج؟ قال: لا.
قال: فلقيت جعفر بن محمد الصادق ؟ قال: لا.
قال: فهذا العلم من أين لك؟(2)
قد خرجنا بالنتيجة التالية:
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ارتحل وقد خلف الثقلين لترجع إليهما الأُمّة في حلّ معضلاتها ومشكلاتها، وانّه عيّن المقصود من أهل بيته وأشاد بهم في مواقف مختلفة وعرفهم للأُمّة بيد انّ هناك سؤالاً يطرح نفسه ، وهو:

5. دور أهل البيت في توحيد الأُمة

تراث أهل البيت (عليهم السلام) العلمي    
إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بما أنّهم أحد الثقلين وكسفينة نوح لهم دور في توطيد وحدة المسلمين ولمّ شعثهم وسوقهم إلى هدف واحد، لأنّ المسلمين مهما اختلفوا في شيء لا يختلفون في مرجعيتهم وعلومهم وشرفهم، كيف وهذا هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يعرفهم بقوله: «النجوم أمان

1 . تهذيب الكلمات: 5 / 79.
2 . رحلة الإمام الشافعي: 25.

صفحه237
لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف في الدين، فإذا خالفتها قبيلة من العرب ـ يعني في أحكام الله عزوجل ـ اختلفوا فصاروا حزب إبليس» .(1)
وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له» .(2)
فاتّباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام)يوحّد الصفوف ويجعل المسلمين كلّهم في صف واحد أمام عدوهم الغاشم، إلى غير ذلك من الروايات النبوية الشريفة ممّا يأخذ بالأعناق إلى اتباع أهل البيت(عليهم السلام)ويضطر المؤمن إلى الانقطاع في الدين إليهم .

6. تراث أهل البيت(عليهم السلام)العلمي

ربّما يقال: إنّ أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرة قد ارتحلوا فأين تراثهم وعلومهم حتّى ترجع إليها الأُمّة؟ هب انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تعبّدنا بالرجوع إليهم والتمسك بأحاديثهم وكلماتهم فأين أحاديثهم وعلومهم حتّى نرجع إليهم؟
والجواب عنه واضح، وهو أنّ تراث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأحاديثهم ومعارفهم تتمثل في الأُمور التالية:

1 . أخرجه الحاكم في المستدرك: 3 / 149 عن ابن عباس، ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه; الصواعق المحرقة: 91 و 140، ط . الميمنية.
2 . مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 168 ; المعجم الصغير للطبراني: 2 / 22 .

صفحه238
 
الأوّل: كتاب علي
فقد كان لعلي كتاب خاص بإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد حفظته العترة الطاهرة (عليهم السلام)وصدرت عنه في مواضع كثيرة ونقلت نصوصه في موضوعات مختلفة، وقد بث الحرّالعاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب حسب الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات، ومن أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن الجامعة؟ فقال: «فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّ فيها حتّى أرش الخدش».
وكان كتاب علي مصدراً لأحاديث العترة الطاهرة يرثونه واحد بعد آخر وينقلون عنه ويستدّلون به على السائلين.
وهذا هو أبو جعفر الباقر(عليه السلام) يقول لأحد أصحابه ـ أعني حُمران بن أعين ـ و هو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي (عليه السلام) وإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لم نعد ما في هذه الصحيفة».
وهذا هو الإمام الصادق (عليه السلام) يعرّف كتاب علي (عليه السلام) بقوله: «فهو كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من فلق فيه وخط علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة حتّى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة».

صفحه239
ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً، إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، خطّ عليّ (عليه السلام) بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتّى أرش الخدش».
ويقول أبو جعفر الباقر(عليه السلام) لبعض أصحابه: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)
وقد كان علي (عليه السلام) أعلم الناس بسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف لا يكون كذلك، وهو يقول: «كنت إذا سألت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنبأني وإذا سكت ابتدأني».
وقد كان يصدر عن ذلك الكتاب إمام بعد إمام، و هذا هو ولده الإمام الحسن السبط (عليه السلام)وهو يصف كتاب علي:
«إنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، ولا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوب، بإملاء رسول اللّه وخطّ علي بيده».(2)
وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام) لرجل شاجره في مسألة فقهية:« يا هذا

1 . قد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الأثر حول كتاب علي في موسوعته بحار الأنوار:26/18ـ 66 تحت عنوان باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب، الحديث12، 1، 10، 20.
2 . مستدرك الحاكم : 3 / 125.

صفحه240
لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أيكون أحد أعلم بالسنّة منّا».(1)
وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) للحكم بن عتيبة:
«اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام، حيث شئتم ـ يميناً وشمالاً ـ فواللّه، لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرائيل».(2)
وقال (عليه السلام) لسلمة بن كهيل والحكم: «شرّقا وغرّبا، لن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت».(3)
إلى غير ذلك من كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) والّتي تعرب عن علمهم بالسنّة والكتاب، وانّهم أعرف الناس بمواقع الكتاب والسنّة.

الثاني: نهج البلاغة

إنّ كتاب «نهج البلاغة» من أعرق الكتب وأشهرها عند الفريقين، وهو يتضمّن خطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكتبه وكلماته القصار قام بجمعها الشريف الرضي (المتوفّى عام 406 هـ).
وقد حذف الأسانيد وجاء بالمتون لاشتهار صدورها عن علي (عليه السلام) ، وقد قام غير واحد من الأصحاب بالاستدراك على ما نقله الشريف الرضي،

1 . الاحتجاج: 1 / 287.
2 . نزهة الناظر للحلواني: 45.
3 . رجال النجاشي برقم 966.

صفحه241
فذكروا خطباً ورسائل كثيرة كما استخرج بعضهم أسانيد نهج البلاغة من الكتب المؤلفة قبل الشريف الرضي، وقد قيل في حقّه: إنّه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

الثالث: الصحيفة السجادية

هذه الصحيفة المعروفة بالصحيفة السجادية أو زبور آل محمّد من مظاهر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وهي خالدة على جبين الدهر، وأسانيدها إلى الإمام متسلسلة متضافرة بل متواترة. وهناك وراء اتصال الأسانيد شيء آخر وهو انّ فصاحة ألفاظها وبلاغة معانيها وعلوّ مضامينها و ما فيها من أنواع التذلّل للّه تعالى والثناء عليه، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسّل إليه أقوى شاهد على صحّة نسبتها إليه، وانّ هذا الدرّ من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب وتعدّد أسانيدها المتصلة إلى مُنشئِها، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعدّدة المتصلة إلى زين العابدين (عليه السلام) .(1)

الرابع: رسالة الحقوق

إنّ للإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق، أوردها الصدوق في خصاله بسند معتبر، كما رواها الحسن بن شعبة في «تحف العقول» مرسلة، وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، يذكر

1 . في رحاب أئمّة أهل البيت: 3 / 414.

صفحه242
الإمام فيها حقوق اللّه سبحانه على الإنسان وحقوق نفسه عليه، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج، ثمّ يذكر حقوق الأفعال، من الصلاة والصوم والحجّ والصدقة والهدي التي تبلغ خمسين حقاً، آخرها حقّ الذمة.

الخامس: رسالة الإمام الرضا (عليه السلام) في الفرائض والسنن

روى المحدّثون أنّ المأمون بعث الفضل بن سهل إلى الرضا (عليه السلام)فقال: إنّي أُحبّ أن تجمع لي من الحلال والحرام، والفرائض والسنن فإنّك حجة اللّه على خلقه ومعدن العلم، فدعا الرضا (عليه السلام) بدواة وقرطاس وقال للفضل اكتب:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
«حسبنا شهادة أن لاإله إلاّ اللّه أحداً، صمداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً...».
والرسالة مطبوعة في كتاب «تحف العقول عن آل الرسول».(1)

السادس: رسالة الإمام الهادي (عليه السلام)

روى المحدّثون عن الإمام الراشد الصابر أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام)رسالة في الردّ على أهل الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة

1 . تحف العقول: 306 ـ 311.

صفحه243
بين المنزلتين، وقد نقلها بنصها ابن شعبة الحراني في «تحف العقول».(1)
هذه الرسائل هي المدونة من قبل الأئمّة (عليهم السلام) أنفسهم، وهناك رسائل أُخرى بأقلامهم لم نذكرها روماً للاختصار.
وأمّا ما رُوي عنهم ودوّنها أئمّة أهل الحديث عبر القرون فحدث عنه ولا حرج ونشير إلى بعضها.

السابع: أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف

إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قد ربَّوا جيلاً كبيراً من الفقهاء والمحدّثين، فدوّنوا ما وعوه عنهم في كتبهم المعروفة بأربعمائة مصنَّف، ولم يزل بعضها موجوداً إلى الآن بهيئتها ووضعها.
غير أنّ كثيراً منها قد انتقل موادها إلى الأُصول المؤلفة على يد علماء الشيعة في الأعصار المتأخّرة، وهي بين جوامع أوّلية كالمحاسن لأحمد بن محمد بن أبي خالد البرقي (المتوفّى 274هـ)، ونوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي (المتوفّى 293هـ)، وكتاب الجامع لأحمد بن البزنطي (المتوفّى 221هـ)، وكتاب الثلاثين للأخوين الحسن والحسين ابني سعيد بن حماد الأهوازي.
وبين جوامع ثانوية كـ«الكافي »للشيخ الكليني (المتوفّى 329 هـ)، و«من لا يحضره الفقيه» للمحدّث الخبيـر أبي جعفر الصدوق (المتوفّى

1 . تحف العقول: 338 ـ 352.

صفحه244
381هـ)، و «التهذيب» و«الاستبصار» للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ).
وبين جوامع متأخّرة كـ«الوافي» لمحمد بن محسن الفيض الكاشاني (المتوفّى 1091هـ)، و«وسائل الشيعة» للحرّ العاملي (المتوفّى 1104هـ)، و «بحار الأنوار» لمحيي السنّة الشيخ محمد باقر المجلسي (المتوفّى عام 1110هـ).
فهذه الجوامع وغيرها الّتي لم نشر إليها بغية الاختصار قد احتضنت علوم أهل البيت (عليهم السلام)في مختلف المجالات، ومن أراد أن يتمسك بالثقلين فهذا هو كتاب اللّه، وهذه هي سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الّتي نقلها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عنه.
وهناك نكتة جديرة بالإشارة وهي انّه إذا كان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)مطهّرين من الرجس حسب تنصيص الكتاب، والمرجع العلمي بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وقرناء القرآن وأعداله بنفس رواية الثقلين، إلى غير ذلك من سمات ومواصفات فلماذا غفل إخواننا أهل السنّة عن الرجوع إليهم والاستضاءة بأنوارهم وركوب سفينتهم حتّى ينجوا من الغرق؟!
والعجب أنّهم رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وكلّ إنسان يتّسم بالسلفية، ومع ذلك لا نرى أنّهم يتمسكون بأحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)إلاّ نزراً قليلاً لا يذكر!!
فاطمة الزهراء (عليها السلام) في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   
فهم طرقوا كلّ باب حتّى باب مستسلمة أهل الكتاب، نظراء: كعب

صفحه245
الأحبار و وهب بن منبّه إلى غير ذلك ولم يطرقوا باب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)!!
نسأله سبحانه أن يلمّ شعث المسلمين ويرزقهم توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد .

7. فاطمة الزهراء (عليها السلام) في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)بنت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هي الكوثر الفيّاض الّذي ردّ بها سبحانه شماتة أعداء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث وصفوه بكونه بلا عقب فأنزل الله سبحانه سورة الكوثر وقال: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ....) .
وقد حظيت سيدة نساء العالمين بمنزلة عظيمة عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّها:
«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني».(1)
إنّ إغضاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستعقب إيذاءه، و من آذاه فقد حكم عليه بالعذاب الأليم، قال سبحانه:
(وَالّذينَ يُؤْذُونَ رَسُول اللّه لَهُمْ عَذابٌ أَليم).(2)
وفي رواية أُخرى، بيّن أنّ غضب الزهراء(عليها السلام) ورضاها يوجب غضب اللّه سبحانه ورضاه، فقال:

1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7 / 84 ; وأيضاً صحيح البخاري: 6 / 491، باب علامات النبوة، و ج 8 / 110، باب المغازي.
2 . التوبة:61.

صفحه246
«يا فاطمة إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».(1)
فأية مكانة شامخة للزهراء(عليها السلام) حتّى صار غضبها ورضاها ملاكاً لغضبه سبحانه ورضاه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما انّه عادل و حكيم لا يغضب إلاّ على الكافر والعاصي، ولا يرضى إلاّ على المؤمن والمطيع.
وفي ظل تلك الكرامة أصبحت في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيدة نساء العالمين، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء هذه الأُمّة».(2)
وعلى الرغم من أنّ الزهراء(عليها السلام) معصومة لا تعصي ولا تذنب، ولكنّها ليست بنبيّة، إذ لا ملازمة بين العصمة والنبوة، وهذه هي مريم البتول العذراء فهي معصومة بنصّ الكتاب الحكيم لكنّها ليست بنبية.
أمّا أنّها معصومة، فلقوله سبحانه في حقّها:
منزلة بيت فاطمة (عليها السلام)   
(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَة يا مَرْيَم إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطهَّركِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءْ العالمين).(3)

1 . مستدرك الحاكم:3/154; مجمع الزوائد:9/203، وقد استدرك الحاكم في كتابه الأحاديث الصحيحة حسب شروط البخاري ومسلم ولكن لم يخرجاه. وعلى ذلك فهذا الحديث صحيح عند الشيخين، وهو متّفق عليه.
2 . المستدرك للحاكم: 3 / 156.   3 . آل عمران: 42.

صفحه247
فإنّ الإخبار عن تطهير مريم بعد اصطفائها دليل على تطهيرها من الذنوب ومخالفة شريعة زمانها.
وأمّا انّها ليست بنبية فأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، فلتكن بنت خاتم الرسل سيّدة نساء العالمين، كمريم البتول معصومة غير نبيّة.
ولنقتصر في بيان فضائل الزهراء(عليها السلام) بهذا القدر اليسير، فانّ استيفاء البحث فيها بحاجة إلى تصنيف مفرد.

منزلة بيت فاطمة(عليها السلام)

نزل قوله سبحانه: (في بُيُوت أَذِنَ اللّه أَنْ تُرفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (1)على قلب سيد المرسلين وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد الشريف، فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول اللّه؟ قال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه: أهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علي و فاطمة (عليهما السلام) ـ قال: «نعم، و من أفاضلها».(2)
فقوله سبحانه: ( في بيوت) ظرف لما تقدّمه من قوله (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْباح المِصباح في زُجاجة...) (3)، فالنور الذي نوّهت به الآية بما له من صفات، مصدر إشعاعه هذه البيوت التي أذن اللّه أن ترفع، فكيف لا يكون لها منزلة وكرامة؟!

1 . النور:36.
2 . الدر المنثور:6/303، تفسير سورة النور; روح المعاني:18/174.
3 . النور: 35 .

صفحه248

صفحه249
الفصل السابع

الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)

1. ظهور مصلح عالمي في آخر الزمان أمر متفق عليه بين المسلمين
2. أصله ونسبه على ضوء الروايات المتواترة
3. ولادة الإمام المنتظر في كتب الفريقين في سامراء عام 255 هـ
4. يقسم أولياء الله إلى ظاهر مشهود، وغائب غير مشهود
5. غيبة بعض الأنبياء في الأُمم السابقة
6. الإمام المهدي وطول العمر
7. علائم ظهور الإمام المنتظر (عليه السلام)
8. الآثار البنّاءة لوجود الإمام المنتظر(عليه السلام)

صفحه250

صفحه251
   

الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)

إنّ الحَديثَ حولَ كلّ واحد من الأئمةِ الاثني عشر خارجٌ عن نِطاق هذا الكتاب، وإنّما تجدر الإشارة إلى مسألة أُخرى وهي: مسألة الاعتقاد بوجود إمام العَصْر الذي يقضي أيامَ حياته خَلف ستار الغيبة، ريثما يأذنُ الله له بالظهور فيملأ الأرضَ قسطاً وعَدلاً بعد أن مُلِئتْ ظُلماً وجَوراً، ويقيمَ حكومَة الله على المعمورة جمعاء، وفيما يلي بعضُ النقاط حول هذه المسألة.

1. ظهور مصلح عالمي في آخر الزمان

إنّ ظهورَ رجل من أهل بَيت الرِّسالة لبسط القسط والعدل في مُستقبل الحياةِ البَشريّة (بَعد أن تُملأَ الأرضُ ظلماً وجَوراً) مِن مُسَلَّماتِ العقائِدِ الإسلامية التي اتّفقَ عليها جمهورُ المُسْلمين، ونقلوا في هذا المجال أحاديث بَلَغَتْ حَدَّ التواتر.
فهناك ـ طبق بعض إحصاءات أهلِ التحقيقِ من العُلَماء ـ حوالي 657 حديثاً حول هذه المسألة نذكر منها حديثاً واحداً رواه «أحمدُ بن حنبل» في مسنده:
قالَ النَبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنيْا إلاّ يومٌ واحِدٌ لَطَوَّل اللهُ ذلك اليومَ حَتّى

صفحه252
يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فَيَمْلأها عَدْلاً وقِسطاً كما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».(1)
وعلى هذا الأساس يكونُ قيامُ رَجُل من أهلِ البيت النَّبَويّ وظَهورُهُ في آخِر الزمان موضعَ اتفاق بين المسلمين شيعةً وسنةً.
نسب الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف    

2. أصله ونسبه

لقد جاءَت خصوصياتُ هذا المصلِحِ العالَميّ في الرّوايات الإسلامية نَقَلها الفريقان، وهي على النحو التالي:
1. أنّه من أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): 389 رواية .
2. أنّه من أولاد الإمام علي (عليه السلام): 214 رواية .
3. أنّه من أولاد فاطمة الزهراء (عليها السلام): 192 رواية .
4. أنّه تاسع وُلد الحسين (عليه السلام): 148 رواية .
5. أنّه من أولاد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): 185 رواية .
6. أنّه ابن الإمام الحسن العسكري: 146 رواية.
7. أنّه الثاني عشر من أئِمة أهل البيت: 136 رواية.
8 . الرّوايات التي تتحدّث عن ولادته: 214 رواية .
9. الرّوايات التي تقول: إنّه يعمّر طويلاً : 318 رواية.
10. الرّوايات التي تقول : إنّ غيبته ستكون طويلة : 91 رواية .

1. مسند أحمد : 1 / 99 و 3 / 17 و 70 .

صفحه253
11. الرّوايات التي تقول: إنّ الإسلام سيصير عالمياً عند ظهوره: 27 رواية.
12. الرّوايات التي تقول : إنّ الأرض ستُملأُ عَدلاً وقِسطاً عند ظهوره: 132 رواية.
وعلى هذا الأساس فإنّ وجود مثل هذا المصلح العالمي في مستقبل البَشَرية أمر مقطوعٌ به ومسلَّمٌ من حيث الرّوايات والأحاديث الإسلامية بحيث لا يمكن الشكّ أو التشكيك فيه.
وأمّا ما وَقَعَ الخلافُ فيه فهو ولادته، وأنّه هل وُلِدَ هذا الرَّجُل ولا يزال منذُ ولادَته حَيّاً، أم أنّه سيولد في المستقبل؟
يذهب الشيعة وفريقٌ من أهل التحقيق من أهل السُّنّة إلى الرأي الأوّل، فيعتقدون بأنّ الإمامَ المهديّ وُلدِ من أُمّه (نرجس) عام 255 هـ وهو لا يزال حَيّاً إلى هذا اليوم.
وذهَبَ فريقٌ من أهلِ السنّة إلى أنّه سيُولَد فيما بعد.
والشيعة الإمامية تعتقدُ بأنّ الإمامَ المهديَّ(عليه السلام)وُلِدَ عام255 هجرية، في سامراء في بيت والده الإمام العسكري (عليه السلام)، وهو لا يزال حيّاً إلى هذه الساعة. وهذا يبعثنا إلى أن نذكر شيئاً حول أُمور أربعة:
1. ولادته.
2. غيبته .

صفحه254
3. طول عمره.
4. علائم ظهوره، على وجه الإيجاز .
ولادة الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف    

3. ولادة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)

ربّما تكفل بعض الروايات لبيان جوانب مختلفة من ولادته وحياته وسماته، فلذلك تجاوز عدد الأحاديث عمّا سردناه سابقاً.
اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ المهدي المنتظر (عليه السلام)قد ولد في سامراء عام 255 هـ في دار أبيه، وتربّى في حضنه إلى العام الّذي توفّي فيه أبوه، أعني: عام 260 هـ . وإليك بعض النصوص من قدماء المحدّثين.
1. روى فضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ) قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة بن حسين قال: سمعت أبا محمد (عليه السلام)يقول: «قد ولد وليّ الله وحجته على عباده وخليفتي من بعدي مختوناً ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر» .(1)
2. وقال الكليني (المتوفّى عام 329 هـ): ولد الصاحب للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ثم نقل قولاً آخر انّه ولد سنة ست وخمسين ومائتين .(2)
ولا نطيل الكلام بنقل كلمات محدّثي الشيعة ومؤرّخيهم في المقام،

1 . كفاية المهتدي : 116، الحديث 8 .
2 . الكافي: 1 / 519 .

صفحه255
وقد وافق الشيعة في ولادة المهدي في نفس العام جمع من أعلام السنّة ربّما يبلغ عددهم إلى ستة وسبعين، وقد جمعت كلماتهم في كتاب «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» .(1) ولنقتصر ببعض الكلمات.
3. يقول العلاّمة علي بن محمد المشتهر بابن الصباغ (المتوفّى سنة 855 هـ) في كتابه «الفصول المهمة» في الفصل الثاني عشر يقول: «في ذكر أبي القاسم محمد الحجة الخلف الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص»: وهو الإمام الثاني عشر وتاريخ ولادته ودلائل إمامته وذكر طرف من أخباره وغيبته ومدة قيام دولته وذكر كيفيته ونسبه وغير ذلك ممّا يتصل به» ثم فصّل في ذكر هذه المواضيع .(2)
4. يقول ابن حجر الهيتمي (المتوفّى 974 هـ) في الفصل الثالث المختص ببيان أهل البيت فبعدما ذكر أسماء أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وبلغ إلى ذكر الإمام الحسن العسكري قال: أبو القاسم محمد الحجة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة ويسمّى القائم المنتظر قيل: لأنّه ستر بالمدينة وغاب فلم يعرف أين ذهب .(3)
5. وقد خصّص الحافظ أبو عبد الله النوفلي القريشي الكنجي الشافعي (المتوفّى 658 هـ) باباً باسم «في الدلالة على جواز بقاء

1 . منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: 369 ـ 393 .
2 . الفصول المهمة لابن الصباغ: 291.
3 . الصواعق: 208.

صفحه256
المهدي (عليه السلام)حياً باقياً منذ غيبته إلى الآن» وقال مستدلاً عليه: بأنّه لا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى والياس والخضر.. الخ .(1)
6. وقال ابن خلّكان: أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله ثاني عشر الأئمة الاثنى عشر على اعتقاد الإمامية، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولمّا توفّي أبوه كان عمره خمس سنين، واسم أُمّه: خمط، وقيل: نرجس، والشيعة يقولون: إنّه دخل السرداب في دار أبيه وأُمُّهُ تنظر إليه، فلم يعد يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين ومائتين، وعمره يومئذ تسع سنين .(2)
تقسيم أولياء الله إلى ظاهر مشهود، وغائب غير مشهود   
7. وقال القاضي الفضل بن روزبهان في كتابه حول أئمة أهل البيت(عليهم السلام)رداً على العلاّمة الحلي قال: ما ذكر من فضائل فاطمة ـ صلوات الله على أبيها وعليها وعلى سائر آل محمد والسلام ـ أمر لا ينكر، فإنّ الإنكار على البحر برحمته، وعلى البر بسعته، وعلى الشمس بنورها، وعلى الأنوار بظهورها، وعلى السحاب بجوده، وعلى الملك بسجوده، إنكار لا يزيد المنكر إلاّ الاستهزاء به، ومَن هو قادر على أن ينكر على جماعة هم أهل السداد، وخزّان معدن النبوّة، وحفّاظ آداب الفتوة صلوات الله وسلامه عليهم، ونعم ما قلت فيهم منظوماً:

1 . البيان في أخبار صاحب الزمان: 148.
2 . وفيات الأعيان: 4 / 176 .

صفحه257
سـلام علـى المصطفــى المجتبــى *** سلام على السيد المرتضى
سلام على بنته فاطمة *** من اختارها الله خير النساء
إلى أن قال:
سلام على القائم المنتظر *** أبي القاسم القرم نور الهدى
سيطلع كالشمس في غاسق *** ينجّيه من سيفه المنتضى
ترى يملأ الأرض من عدله *** كما ملئت جور أهل الهوى(1)

4 . تقسيم أولياء الله إلى ظاهر مشهود، وغائب غير مشهود

إنّ أولياءَ اللهِ ـ حَسْب نَظَر القرآن ـ على نوعين:
وَليٌّ ظاهرٌ يعرفُه الناسُ .
ووَليٌّ غائَبٌ عن أنظارِ الناس لا يعرفُه أحدٌ منهم، وإن كان يعيشُ بينَهم، ويعرفُ هو أحوالَهُمْ وأخبارهم.
وقد ذُكر في سورة الكَهف كلا النوعين منَ الأولياء في مكان واحد أحدهما «موسى بن عمران» والآخر مصاحبُهُ ورفيقهُ المؤقّت، الذي صحِبَه في سَفَره البرّي والبَحْري، ويُعْرَف بالخِضر.

1 . منتخب الأثر: 2 / 378 عن إبطال نهج الباطل.

صفحه258
إنّ هذا الوليّ الإلهيَّ كانَ بِحَيْث لم يعرفُه مصاحِبهُ ومرافِقُه النبيُّ موسى وإنّما صاحَبَه ورافقه بتعليم وأَمر من الله، واستفاد من عِلمه خلال مرافَقَته إيّاه كما يقول تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءاتَيْناهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلّمَنِ ممَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)(1).
ثم إنّ القرآنَ الكريم يُقَدّم شرحاً مفصّلاً عمّا فَعَله هذا الوليُّ الإلهيّ من أعمال مفيدة، ذلك الذي لم يكن أحدٌ حتى النبي موسى(عليه السلام)يَعرفهُ، ولكن كانوا يَستفيدون من آثار وجوده المبارك ومن أفعاله المفيدة(2).
إنَّ الإمامَ المهديّ عَجَّل الله فَرَجَه الشَّريفَ على غرارِ مرافق موسى(عليه السلام)، وليٌّ غيرُ معروف للنّاس مع أنّه في نفس الوقت منشأ لآثار طيبة للأُمّة. أي لا يعرفهُ أحَدٌ منهم مع أنّهم يَستَفيدون مِن بركات وجودهِ الشريف.
غيبة بعض الأنبياء(عليهم السلام) في الأُمم السابقة   
وبهذا لا تكونُ غيبةُ الإمام المهَديّ عجّل الله فرجَه الشريفَ بمعنى الانفصال عن المجتمع، بل هو ـ كما جاءَ في روايات المعصومين(عليهم السلام)ـ كذلك مثل «الشمس خَلفَ السحاب لا تُرى عينُها، ولكنها تبعَث الدفءَ والنورَ إلى الأرض وساكِنِيها»(3).

1. الكهف : 65 ـ 66 .
2. راجع سورة الكهف، الآيات 71 ـ 82 .
3. كمال الدين، للشيخ الصدوق: 485، الباب 45، الحديث 4 .

صفحه259
هذا مضافاً إلى أنّ فريقاً من الأبرار والطيّبين الأتقياء الذين كانوا يَتمتّعون باللياقة والأهليّة للتشرّف بِلقاءِ الإمام المهديّ قد رأوه وَالتَقَوْا به واستفادوا مِن إرشاداته، وعُلُومِه، واسْتفادَ الآخرون من هذا الطريق، من آثارهِ المباركة وبركات وجوده الشريف.

5. غيبة بعض الأنبياء(عليهم السلام)في الأُمم السابقة

إنّ علّة غَيبة الإمام المَهديّ عَجّل الله فرجَه الشريفُ هي من الأسرار الإلهيّة التي لا نستطِيع الوقوف على حقيقتها وكنهها، كما أنّ لهذه الغَيبة المؤقتة نظائر في حياة أولياء الله السابقين والاُّمم السابقة.
فقد غابَ النبيُّ موسى الكليمُ(عليه السلام)عن أُمّته أربعين يوماً، وقضى كلَّ هذه المدة في الميقات(1).
وغاب السيدُ المسيح (عليه السلام)بمشيئة الله عن أنظار أُمّته، فلم يقدر أعداؤُه على قَتْله، والقضاء عليه(2).
وغاب النبيُّ يونس (عليه السلام)عن قومه مدّةً من الزَمان(3).
إذن فليست غيبةُ الإمام المهَدي(عليه السلام)عن أنظار الناس بدعاً من الأَمر كما لا يصحّ أن تَقَعَ هذه الغَيبة مهما طالت ذريعةً لإنكار أصل وجودِ المهَديّ(عليه السلام).

1. لاحظ الأعراف : 142 .
2. لاحظ النساء : 158 .
3. لاحظ الصافات : 140 .

صفحه260
وأساساً إنّ كلَّ ما يثبُتُ عن طريق النقل المتواتر، ولكن لا يقدر الإنسان على التحقّق منه، ومشاهدته لا يجوز له أن ينكره أو يتردّد في القبول به مادام رُوِيَ ونُقِلَ بالتّواتر الموجب للاطمئنان، لأنّ قِسماً من الأحكام الإلهيّة التي هي من مسلّمات الدين الإسلاميّ وضروريّاته سيتعرَّض للتردِيد والإنكار إذا تجاهَلْنا هذه القاعدةَ العقلائيةَ الصائبةَ، وهذا الأمر العرفي معقول جداً.
وغيبةُ الإمام المهديّ عجل الله فرجَه الشريف ليس بمستثنىً من هذه القاعدة، وعَدَم الاطّلاع على سِرّها أو أسرارها الحقيقية لا يجوزُ الترديدُ فيها، وإنكارُها.
ومع ذلك فإنّنا يجب أن نقول: إنّه من الممكن إدراك سرّ الغيبة هذه في حدود فكرِنا البشريَّ وهذا السِّر هو ما يلي:
حيث إنّ آخرَ حُجَّة من حَجَج الله وآخر إمام من أئِمة أهلِ البيت
قد أرادَ اللهُ تعالى أن يُحقّق به الأُمنيةَ الكبرى (وهي بسط العدل والقسط ورفع راية التوحيد على كل ربوع الأرض) وهذه الأُمنية الكبرى
الإمام المهدي وطول العمر   
وهذا الهدف العظيم لا يمكن أن يَتحقق إلاّ بعد مرور ردح من الزمان، وإلاّ بعد تكاملِ العقلِ البَشَريّ وتهيّؤهِ الروحيِّ والنفسِيّ لذلك، حتى يستقبلَ العالَمُ ـ بشوق ورغبة ـ موكبَ الإمام والمصلح العالميّ، موكبَ العَدلِ والحريّةِ والسلامِ، لهذا فإنّ منَ الطبيعيّ أنّ هذا الإمام لو ظَهَرَ بين النّاس، وعاشَ بين ظهرانيِّهم قبلَ نُضُوج الأمر، وحصولِ المقدّمات اللازِمة، والأرضيّة المناسبة، كان مَصيرُه ومآلهُ، مصيرَ من سَبَقه من آبائِه من الأئمِةِ

صفحه261
الكرامِ البرَرَة (أي الشهادة)، ولَقُتل(عليه السلام)قبل أن يتحقّق ذلك الهدفُ العظيم، وتلك الأُمنِيّة الكبرى على يديه.
ولقد أُشير إلى هذه الحكمة في بعض الرّوايات الصادِرةِ عن أهل البَيْت(عليهم السلام)أيضاً.
فقد رُوي عن الإمام الباقر(عليه السلام)أنّه قال: «إنّ لِلْقائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ ظُهُورِهِ».
يقول الراوي: قلتُ: ولِمَ؟
فقالَ الإمامُ الباقر: «يَخافُ (أي القتل)»(1).
أي منعاً من أن يُقتَل قبل تحقّق الهدفِ المنتظَرَ مِنه.
وَرُبّما ذُكِرَ وجهٌ آخر لغيبته في بعض الرّوايات وهي اختبارُ النّاس وتمحيصُهم، وامتحانهم، يعني أنّ الناس يُختَبَرون في عَصر الغَيبة، ويمرُّون بالامتحان الإلهيّ، ويُعرَفُ مدى ثباتهِم على طريق الإيمان، ومدى استقامَتهِم في طريق الإيمان والعقيدة.(2)

6 . الإمام المهدي وطول العمر

لقد وُلِدَ الإمامُ المهديّ عجّل الله فرجَه الشَريف عام 255 هجرية، وعلى هذا الأساس يكونُ عُمرُه الآن (عام 1426 هـ ) قد تجاوَزَ أحَدَ عشر قرناً.

1. كمال الدين للشيخ الصدوق: 481، الباب 44، الحديث 8 .
2. راجع بحار الأنوار: 52 / 102 ، 113 ـ 114، باب التمحيص والنهي عن التوقيت.

صفحه262
إنّ الإذعان بهذا العُمُر الطَويل جداً، مع أخذ القُدرة الإلهيّة المطلقة بعين الاعتبار ليس أمراً مشكلاً.
وفي الحقيقة إنّ الذين يَعتَبرون طولَ عُمُر الإمام المهَديّ (عليه السلام)مشكلةً في طريق الإيمان بوجوده، ومانعاً من القول بولادته، يَغْفَلُون عن قدرة الله اللاّمتناهية فهم كمن قالَ عنهم سبحانه: (وَما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ)(1).
هذا مضافاً إلى أنّ في الأُمَم السالِفة معمَّرين كثيرين عاشوا طويلاً ذكرهم القرآن الكريم.
فقد ذكَر أن نوحاً عاشَ في قومه ألفَ سنة إلاّ خمسين عاماً.(2)
كما أنّ العِلم البشريّ الحديث يسعى في عَصرِنا إلى أنْ يُحِلّ مشكلة طولِ العُمُرِ، بالأساليبِ العلميّة، والصِّحية.
وهذا يُفيد أنَّ الإنسان يمكن ـ في نظر العُلَماء ـ أن يَعيشَ طويلاً بعد رَفْع الموانِعِ الّتي تحول دونَ العُمُر الطويل.
إنّ اللهَ قادرٌ على إطالة عُمُر من يُريد إلى يوم القيامة إذا شاء، أليسَ هو القائل بأنّ يونس لو لم يكن من المسبّحين لَلَبِث في بَطن الحوتِ إلى يَومِ الدِّين(3).
علائم ظهور الإمام المنتظر (عليه السلام)   
ألا يَستَطيع هذا الإلهُ الخالقُ القادر أن يُطيلَ عُمُرَ حُجَّته البالِغَة،

1. الأنعام : 91 .
2 . لاحظ العنكبوت : 14 .
3. لاحظ سورة الصافات : 143 ـ 144 .

صفحه263
وخَلِيفَتِهِ الحقّ بِلُطْفِهِ وعِنايَتِهِ؟
الجوابُ هو: نعم.

7. علائم ظهور الإمام المنتظر (عليه السلام)

لا يعرف أحدٌ بوَقت ظهور الإمام المهدي قط، فهذه الحقيقة
من الأسرارِ الإلهيّة، مثل مَوعد يومِ القيامة، الذي لا يَعرفُ بِهِ أحدٌ إلاّ الله وحده.
ولهذا يجب أن لا يُصدَّقُ زعمُ من يَدّعي أنّه يَعْلَمُ بوقتِ ظهورِ الإمام المهديّ، أو يعيّنَ وَقتاً، ويضرب أجلاً معيّناً لذلك، (كَذِبَ الَوقّاتُون)(1).
ولو أنّنا تجاوَزْنا مَسألة توقيت ظهور الإمام المهديّ (عليه السلام)، وَجَبَ أنْ نقولَ: إنّ الروايات ذَكَرَتْ علائمَ كُليَّةً لِظهورِ الإمامِ المهديّ وهي تَنْقَسِمُ إلى نَوعين:
1. العلائم الحَتمية القَطعيّة .
2. العلائم غير الحتمية.
ويُطلب التفصيل ممّا كتب حول الإمام المهدي من الموسوعات. وأخصّ بالذكر كتاب «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر ».(2)

1. الاحتجاج للطبرسي، احتجاجات الإمام المهدي(عليه السلام).
2 . منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: 2 / 20 ـ 124 .

صفحه264
الآثار البنّاءة لوجود الإمام المنتظر (عليه السلام)   
 
8 . الآثار البنّاءة لوجود الإمام المنتظر (عليه السلام)
إنّ البراهينَ الكلاميَّة ترى أنّ وجودَ الإمام المعصوم في المجتمع، وحضورَه بين الناس لُطفٌ من ألطاف الله الكبرى لكونه سبباً لِهداية الناس.
ومِنَ البديهيّ أنّ النّاسَ إذا رَحَّبوا بهذا المظهر البارِزِ مِن مظاهر اللُطفِ الإلهيّ واستقبلوه، والتفّوا حولَه، انتفَعوا بآثار وجوده المباركة.
وإلاّ حُرِموا من الاستفادة الكامِلَة والانتفاع التامّ من نعمة وجوده الشريف.
وفي هذه الحالة لا يكونُ السبب في هذا الحِرمان إلاّ الناس أنفسُهم، لا الله ولا الإمام.(1)
ومع ذلك فإنّ لوجوده (صلوات الله عليه) أثاراً بنّاءة نشير إلى بعض الجوانب :
أوّلاً: إنّ الغيبة لا تلازم عدم التصرف في الأُمور، وعدم الاستفادة من وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه، أكبر أنبياء الله في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون، ليصونها من غصب الملك، ولم يعلم أصحاب السفينة بتصرفه، وإلاّ لصدّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية عمله; كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع، حينئذ من

1 . وقد أشار المحقّق نصيرُ الدين الطوسيّ إلى هذه الحقيقة في كتابه «تجريد الاعتقاد» (مبحث الإمامة) حيث قال: وجودُهُ (أي الامام) لُطفٌ، وتصرُّفُهُ لُطفٌ آخرَ، وغيبته مِنّا.

صفحه265
أن يكون للإمام الغائب في كلّ يوم وليلة تصرّفاً من هذا النمط من التصرفات.
و يؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، كما دلّت على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربّما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.
وثانياً: المسلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غيبته، وأمّا عدم وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الأُمّة، الذين يستدرّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، والاستفادة من نور وجوده، وبالتالي تستفيد الأُمّة بواسطتهم.
وثالثاً: تثبت المحاسبات العقلية والتجارب الاجتماعية بوضوح أنّ الاعتقاد بوجود قائد حي له أثر عميق في حفظ النظام وبقاء الرسالة، إن كان الوصول إلى هذا القائد سهلاً أو صعباً. على أيّة حال فإنّ للاعتقاد بوجود قائد له فوائد. ولكن لا جدال بالنسبة لوجود القائد في داخل المجتمع ويتحمّل عبء القيادة بصورة مباشرة، والمهم أن يكون القائد لأسباب بعيداً عن المجتمع، ولكن هذا المجتمع يعتقد ويؤمن بحياة القائد وعودته مرة أُخرى، في هذه الحالة فإن الاعتقاد بوجود مثل هذا القائد له أثر عظيم نشير فيما يلي إليه :
في التاريخ شعوب وأُمم كانت لها انتفاضات وثورات، وهناك أمثلة

صفحه266
كثيرة تدلّ على أنّ القائد عندما يكون على قيد الحياة حتى وإن لم يتسلم القيادة، ولكنّ التشكيلات والتنظيمات تبقى ظاهرة، ولكن ما أن يودع الحياة حتى تتفرق التنظيمات وتتشتّت وتصيبها الفوضى. وأفضل مثال على أنّ وجود القائد هو حافظ الرسالة وسبب لتنظيم الأتباع، قصة معركة أُحد، حيث ارتفع أثناء المعركة نداءٌ، إمّا عن خطأ أو لغرض: (ألا قد قُتل محمد)، ارتفع هذا النداء في وقت كان المسلمون مشغولين بمواجهة عدوان المهاجمين، وعندما انتشر النبأ بين المسلمين بأنّ القائد قد مات حتى تشتّت النظام لدرجة بحيث فرَّ كلُّ واحد إلى جهة، تاركين المعركة، حتى أنّ البعض فكّر في الالتحاق بالأعداء.
وعندما كُذّب نبأ مقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأيقن المسلمون بسلامة قائدهم، ورأى بعضهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنفسهم، اجتمع أفراد الجيش المشتت مرة أُخرى خارجين من نقاط مختلفة من جبل أحد والتفوا حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبدأوا القتال والدفاع.
ذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة بهذه الصورة:
(وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)(1).
في ميادين القتال يتركز جهد مجموعة من الجنود المضحّين على

1 . آل عمران: 144.

صفحه267
بقاء العلم خفّاقاً أمام هجمات الأعداء، بينما يسعى جنود العدو دائماً إلى إسقاط علم الطرف الآخر، لأنّ بقاء العلم يبعث الأمل في قلوب الجنود ويحثّهم على بذل مساعيهم.
وكذلك أنّ وجود قائد الجيش في مقر القيادة، حتى ولو كان ساكتاً ساكناً، فإنّه يجعل الدم يجري في عروق الجنود ويدفعهم لبذل جهود أكثر بأنّ (قائدنا حي ورايتنا خفاقة)، ولكن عندما ينتشر نبأ مقتل القائد بين أفراد الجيش فإنّ هذا الجيش وإن كان عظيماً فإنّه يتلاشى مرةً واحدة، وكأنّ الروح قد فارقت أجسادهم.
إنّ رئيس جمعية أو بلد، ما دام على قيد الحياة، إن كان في سفر أو طريح الفراش، فإنّه سببٌ للحياة والحركة والنظام والهدوء. ولكن سماع نبأ وفاته يبعث على اليأس والقنوط بالنسبة للجميع.
والشيعة، طبقاً لعقيدتهم بوجود الإمام (عج) حياً، رغم انهم لا يرونه بينهم، لا يرون أنفسهم وحيدين (تأمّلوا ذلك جيداً)، إنّهم دائماً ينتظرون عودة هذا العزيز المسافر ـ الّذي ترف له قوافل القلوب ـ إنّ انتظاره المؤثر والمفيد يُعطي كل يوم أملاً بظهورِه.
إنّ الأثر النفسي لمثل فكرة إحياء الأمل في القلوب ودفع الناس لإعداد أنفسهم لتلك الثورة الكبرى، مفهوم ويمكن إداركه.
ولكن إذا لم يكن لهذا القائد وجود مطلقاً، وكان الناسُ ينتظرون ولادته في المستقبل، فإن الوضع ـ عندذاك ـ يفرق كثيراً عن السابق .

صفحه268
وإذا أضفنا إلى هذا الموضوع شيئاً آخر، فإنّ الجواب يتّخذ له شكلاً جدياً آخر وهو: إنّه طبقاً لعقيدة عموم الشيعة ـ الواردة في الكثير من الروايات من المصادر الدينية ـ ان الإمام (عليه السلام)بشكل دائم وأثناء مرحلة الغيبة يراقب أوضاع أتباعه، وانه وفق إلهام إلهي يطّلع على أوضاع جميعهم، أو بتعبير الروايات إنّه يطّلع اسبوعياً على جدول أعمالهم وتصرفاتهم وأحاديثهم (1).
إنّ هذه الفكرة تؤدّي إلى أن يكون جميع أتباعها على استعداد تام ودائمي، ويتوجّهون في أعمالهم إلى أنّ هناك (مشرف عالي). إنّ الأثر التربوي لمثل هذا النوع من التفكير لا يمكن إنكاره.

1 . كما في تفسير البرهان في ذيل الآية (105) من سورة التوبة: (... فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

صفحه269
الفصل الثامن

البدعة في الكتاب والسنّة

1. البدعة لغة واصطلاحاً
2. الابتداع في تعريف البدعة
3. أسباب نشوء البدعة
4. تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة
5. هل الأُمور التالية من البدع؟
1. التقية عند الخوف على النفس والنفيس
2. الزواج المؤقت
3. البداء وتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة
4. الخمس في الكتاب والسنّة
5. الرجعة في الكتاب العزيز

صفحه270

صفحه271
   

البدعة في الكتاب والسنّة

اتّفق المسلمون على حرمة البدعة لورودها في الكتاب والسنّة وهي من المحرمات الموبقة الّتي أوعد الله عليها العذاب. والبدعة من أفحش الكذب، لأنّها افتراء على الله ورسوله، قال سبحانه: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )(1).
وتحقيق المقام رهن دراسة البدعة لغة واصطلاحاً.

1. البدعة لغة واصطلاحاً

أمّا اللغة; فقد قال ابن فارس: البَدَع له أصلان: ابتداع الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال .(2) والمقصود في المقام هو المعنى الأوّل .
وأمّا اصطلاحاً فقد عُرفت بتعاريف بين دقيق يحدّدها بالدقة ولايتسامح فيه، وبين ما يتسامح في تعريفها. ونذكر بعض التعاريف المتقنة.

1 . الأنعام: 21 .
2 . المقاييس: 1 / 209، مادة «بدع».

صفحه272
البدعة ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة (1).
قال ابن حجر: البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنّة فتكون مذمومة، ويقول في موضع آخر:
المحدثات جمع محدثة، والمراد بها في حديث: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»: ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة .(2)
ولعلّ هذا المقدار كاف في الوقوف على معنى البدعة في اللغة والاصطلاح .
وإجمال الكلام انّ البدعة في نظر الشرع تتمتع بقيود ثلاثة، هي:
الأوّل: التدخّل في الدين عقيدة وحكماً، بزيادة أو نقيصة.
الثاني: أن تكون هناك إشاعة ودعوة.
الثالث: أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدلّ على كونها من الدين لا بصورة الخصوص ولا بصورة العموم.
والإمعان في هذه القيود يوقفنا على حقيقة البدعة.
أمّا الأوّل: أعني: التدخل بالدين بزيادة شيء أو نقصه منه فهو افتراء على الله في الدين.

1 . جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي: 160، ط الهند.
2 . فتح الباري لابن حجر العسقلاني: 5 / 156، و ج 17 / 9 .

صفحه273
يقول سبحانه: (قُلْ ءاَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(1) .
ويقول سبحانه: (وَ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ...) (2).
وعلى هذا فلو أبدع إنسان شيئاً من غير مثال من دون أن يكون عمله تدخّلاً في الدين كالعادات والصناعات فهو بدعة لغة، لأنّه إحداث أمرمن غير مثال ولا يطلق عليه البدعة شرعاً، لأنّ المبدع لم يدّع أنّه من صميم الدين. فعلى هذا فالاحتفالات الرسمية لدى الدول المختلفة لغاية من الغايات دون نسبتها إلى الدين فهو ليس بدعة، لأنّهم لا يحتفلون بها، لأنّ الشرع أمر بذلك. وأمّا كونها حلالاً أو حراماً فهو تابع للموازين الّتي قررها الشرع، فلو كان الاحتفال خالياً عن المحرمات فهو حلال، وأمّا إذا اقترن بها كاختلاط الرجال والنساء فهو حرام وإن لم يكن بدعة.
وأمّا الثاني: هو الإشاعة ودعوة الناس إليه، فلا تتحقّق البدعة بقيام شخص بالتدخّل بالدين وحده في البيت كأن يزيد في صلاته أو ينقص منها، وإن كان عمله محرم وصلاته باطلة.
وإنّما تتحقّق بإشاعة تلك الفكرة والعمل الحديث في المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص من ذلك

1 . يونس: 59 .
2 . الحديد: 27 .

صفحه274
من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».(1)
وأمّا الثالث: أعني عدم وجود أصل له في الدين فهذا هو العنصر الثالث المقوّم لمفهوم البدعة، ومعناه فقدان الدليل على كونه من الدين لا في الكتاب ولا في السنّة، إذ لو كان هناك دعم من الشارع للعمل لما كان أمراً جديداً في الدين ولا تدخلاً في الشرع، وقد صرح بذلك ابن رجب الحنبلي وابن حجر العسقلاني في تعريفهما المذكورين.
وقال المجلسي: البدعة في الشرع ما حدث بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يرد فيه نص على الخصوص، ولا يكون داخلاً في بعض العمومات وإن كان بدعة لغة.(2)
الابتداع في تعريف البدعة   

2. الابتداع في تعريف البدعة

قد تعرفت على البدعة تعريفاً ومفهوماً وانّ حقيقتها ترجع إلى التدخّل في الدين بما ليس في الكتاب والسنّة فقط.
ومن البدعة جعل سيرة السلف معياراً للحق والباطل حيث نرى أنّ كثيراً ممّن ينتمون إلى السلفية يصفون كثيراً من الأُمور بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الصحابة والتابعين، فهذا ابن تيمية يصف الاحتفال بمولد النبي بأنّه بدعة بحجة أنّه لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع

1 . مسلم، الصحيح: 8 / 62، كتاب العلم .
2 . بحار الأنوار: 74 / 202 .

صفحه275
منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف أحقّ منّا، فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص .(1)
ويقول في حقّ القيام للمصحف وتقبيله: لانعلم فيه شيئاً مأثوراً عن السلف .(2)
أقول: إنّ المقياس في تمييز البدعة عن السنّة هو الرجوع إلى الثقلين، سواء أفسّر بالكتاب والعترة كما هو المتضافر، أم بالكتاب والسنّة كما رواه الإمام مالك بالموطأ بسند مرسل .(3)
فإذا دلّ شيء من الكتاب والسنّة على كونه من الدين فهو ليس ببدعة، وأمّا إذا لم يدلّ عليه بالخصوص أو بالعموم على أنّه من الدين فإشاعته بين المسلمين بما أنّه جزء من الشريعة فهو بدعة.
وأمّا السلف فهم كالخلف أُمروا باتّباع الثقلين: الكتاب والعترة أو الكتاب والسنّة، فليس موافقتهم أو مخالفتهم معياراً للحق والباطل. وليس كلّ سلف صالح، بل أنّ فيهم الصالح والطالح والعادل والظالم، كما أنّه ليس كل خلف طالح ففيهم مثل ما في السلف.
يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: إنّ السلف لم يتّخذوا من معنى هذه الكلمة بحدّ ذاتها مظهراً لأي شخصية متميزة، أو أيّ وجود

1 . اقتضاء الصراط المستقيم: 276.
2 . الفتاوى الكبرى: 1 / 176 .
3 . موطأ مالك: 648 برقم 1619 .

صفحه276
فكري أو اجتماعي خاص بهم، يميّزهم عمّن سواهم من المسلمين، ولم يضعوا شيئاً من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطاعة جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكرية مستقلة، بل كان بينهم وبين من نسمّيهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل الفهم والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الّذي تمّ الاتّفاق عليه، والاحتكام إليه، ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أنّ حاجزاً سيختلق ليرتفع ما بينهما، بصنيع طائفة من المسلمين فيما بعد، وليقسم سلسلة الأجيال الإسلامية إلى فريقين، يصبغ كلاً منهما بلون مستقل من الأفكار والتصوّرات والاتجاهات، بل كانت كلمتا السلف والخلف في تصوّراتهم لا تعني ـ من وراء الانضباط بالمنهج الّذي ألمحنا إليه ـ أكثر من ترتيب زماني كالذي تدلّ عليه كلمتا: (قبل وبعد).(1)
وبذلك يظهر أنّ الاحتفال بميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو القيام للمصحف وتقبيله إذا قام بهذا العمل المسلم بما أنّه من صميم الدين، فذلك كله ليس بدعة، لأنّ هذا النوع من التكريم لنبي الله وكتابه وإن لم يرد في الشريعة الإسلامية، ولكن في ذلك الأُصول العامة الداعية إلى تكريم النبي وتعزيره، يقول سبحانه: (فَالَّـذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّـورَ
الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
)(2)، فالله سبحانه تبارك وتعالى يصف المؤمنين بأوصاف ثلاثة:

1 . السلفية للدكتور محمد سعيد البوطي: 13 ـ 14 .
2 . الأعراف: 157 .

صفحه277
1. الإيمان بالنبي.
2. تعزيره.
3. ونصرته.
والمراد من التعزير هو تكريمه وتعظيمه.
إنّه سبحانه تبارك وتعالى يقول مخاطباً النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَ رَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)، فيذكر رفع ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن المعلوم أنّ الاحتفال به ترفيع لذكره الّذي أخبر به سبحانه عنه.
إنّ حب النبي والآل ممّا دعا إليه القرآن والسنّة والاحتفال به إظهار للحب.
ومن ذلك يظهر حال القيام للقرآن وتقبيله، فإن الكتب السماوية: (صُحُف مُكَرَّمَة...* بَأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة)، وتكريم كتاب الله سبحانه تكريم لأنبيائه ورسله وملائكته وأوامره، ولذلك ذكرت للقرآن الكريم أحكاماً خاصة في الكتب الفقهية تدعو المسلمين إلى حفظه وصيانته والاجتناب عن إهانته والإساءة إليه .

3. أسباب نشوء البدعة

إنّ لنشوء البدعة وانتشارها في المجتمع أسباباً مختلفة أعظمها اتّباع الهوى .
إنّ استعراض تاريخ المتنبّئين الذين ادّعوا النبوّة عن كذب ودجل،

صفحه278
يثبت بأنّ الأهواء وحبّ الظهور والصدارة كان له دور كبير في نشوء هذه الفكرة وظهورها على صعيد الحياة، والمبتدع وإن لم يكن متنبّئاً إلاّ أنّ عمله شعبة من شعب التنبّؤ، وفي الروايات إشارات وتصريحات على ذلك.
خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس فقال: «أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً ...» (1).
إنّ لحبّ الظهور دوراً كبيراً في الحياة الإنسانية، فلو كانت هذه الغريزة جامحة لأدّت بالإنسان إلى ادّعاء مقامات ومناصب تختصّ بالأنبياء، ولعلّ بعض المذاهب الظاهرة بين المسلمين في القرون الأُولى كانت ناشئة عن تلك الغريزة.
روى ابن أبي الحديد في «شرح النهج» أنّ علياً مرّ بقتلى الخوارج فقال: «بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم »، فقيل: ومن غرّهم؟ فقال: «الشيطان المضلّ، والنفس الأمّارة بالسوء، غرّهم بالأماني وفسحت لهم في المعاصي، ووعدتهم الإظهار فاقتحمت بهم النار». (2)
تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة   
نعم لحب الاستطلاع إلى ما هو دونه والتعصب الممقوت والتسليم لغير المعصوم أسباب ثلاثة لها دور في نشوء البدعة وإشاعة ما ليس من الدين في الدين، وقد فصّلنا الكلام في هذه الأسباب في كتابنا «البدعة».(3)

1 . الكافي: 1 / 54 ح 1 ، باب البدع.
2 . شرح نهج البلاغة: 19 / 235 .               3 . البدعة: 60 ـ 65 .

صفحه279
 
4. تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة
إذا كانت البدعة بمعنى التدخل في أمر الشرع بزيادة أو نقيصة في مجالي العقيدة والشريعة من غير فرق بين العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات، فليس لها إلاّ قسم واحد (وهو قسم السيئة) لا يُثنّى ولا يتكثّر ولكن ربّما يقسم البدعة إلى حسنة وسيئة.
لقد جاء هذا التقسيم في كلمات الإمام الشافعي وابن حزم والغزالي والدهلوي وابن أثير، والأصل في ذلك قول الخليفة عمر بن الخطاب وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشر من الهجرة بعدما جمع الناس للصلاة بإمامة أُبي بن كعب في شهر رمضان، وصف إقامة نوافل شهر رمضان جماعة بقوله: (نِعمَ البدعة هذه).
أقول: إنّ إقامة صلاة التراويح جماعة لا يخلو من صورتين :
الأُولى: إذا كان لها أصل في الكتاب والسنّة، فعندئد يكون عمل الخليفة إحياء لسنّة متروكة سواء أراد إقامتها جماعة أو جمعهم على قارئ واحد، فلا يصحّ قوله: «نِعمَ البدعة هذه» إذ ليس عمله تدخّلاً في الشريعة .
الثانية: إذا لم يكن هناك أصل في المصدرين الرئيسيين، لا لإقامتها جماعة أو لجمعهم على قارئ واحد، وإنّما كره الخليفة تفرّق الناس، ولأجل ذلك أمرهم بإقامتها جماعة، أو بقارئ واحد، وعندئذ تكون هذه بدعة قبيحة محرّمة.

صفحه280
 
توضيح ذلك:
إنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب والسنّة هي التدخل في أمر الدين بزيادة أو نقيصة والتصرف في التشريع الإسلامي، وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلاّ أمراً محرّماً ومذموماً، ولا يصحّ تقسيمها إلى حسنة وقبيحة، وهذا شيء واضح ولا يحتاج إلى استدلال.
نعم، البدعة بالمعنى اللغوي التي تعمّ الدين وغيره تنقسم إلى قسمين، فكلّ شيء محدث مفيد في حياة المجتمعات من العادات والرسوم، إذا أُتي به من دون الاسناد إلى الدين، ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً، كان بدعة حسنة، أي أمراً جديداً مفيداً للمجتمع، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كلّ عام، أو اجتمع للبراءة من أعدائه أو أقام الأفراح لمولد بطل من أبطاله، وبالجملة ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتّفق عليه الأُمّة وتتّخذه عادة ومتّبعاً في المناسبات، ويكون بدعة لغوية.
التقية عند الخوف على النفس والنفيس   
نعم، ما كان محرماً بالذات، فلو اتّخذ أمراً مرسوماً ورائجاً مثل دخول النساء سافرات متبرّجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات، فهذا أمر حرام بالذات أوّلاً، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية بمعنى التدخل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرّعه الشارع، وإنّما هو عمل محرم اتّخذ رائجاً لا باسم الدين ولا باسم الشريعة وأقصى ما يعتذر بأنّه مقتضى الحضارة العصرية مع الاعتراف بكونه مخالفاً للشرع،

صفحه281
ولو قيل إنّه بدعة قبيحة أو مذمومة، فإنّما هو بحسب معناها اللغوي.

5. هل الأُمور التالية من البدع؟

إذا عرفت ما هو الملاك للبدعة المحرمة الّتي هي من أكبر الكبائر، فأعلم أنّ هناك أُموراً عقائدية أو أحكاماً عملية رميت بالبدعة مع أنّ لها أصلاً في الكتاب والسنّة بالخصوص أو بالعموم، ولأجل إيقاف القارئ على حقيقة الحال نذكر هذه الأُمور على وجه الإيجاز مع البرهنة على جذورها في الشريعة.

1

التقية عند الخوف على النفس والنفيس

التقية عبارة عن كتمان المسلم عقيدته إذا خاف التعرض على نفسه أو عرضه أو ماله، وهذا ممّا اتّفق عليه المسلمون انطلاقاً من الكتاب والسنّة .
إنَّ أحَدَ التعاليم القرآنيّة هو أن يكتم الإنسانُ المسلمُ عقيدتَه إذا تعرَّضَ في نفسه، أو عِرضِه أو مالِه لِخطر لو أظهرها، ويُسمّى هذا العَمل في لسانِ الشرع والمصطلَح الشرعيّ بالتقيّة.
إنّ جوازَ «التَقيَّة» لا يحظى بالدَّليل النقليّ فحسب، بل إنّ العقلَ يحكم أيضاً بصحّته ولزومه، لأنّ حفظ النَّفس، والمالِ، والعِرض، واجبٌ، ولازمٌ

صفحه282
من جهة، وإظهارَ العقيدة والعمل وفقَ تلك العقيدة وظيفةٌ دينيّةٌ من جانب آخر، ولكن إذا جرَّ إظهارُ العقيدةِ إلى الخطر على النّفس والمال، والعرض، وتعارضت هاتان الوظيفتان عَمليّاً، حكم العقلُ السليمُ بأن يُقدِّم الإنسانُ الوظيفةَ الأهمّ على المهمّ.
والتقية ـ في الحقيقة ـ سلاحُ الضُّعفاء في مقابل الأقوياء القُساة، ومن الجَليّ أنّه إذا لم يكن خطرٌ ولا تهديدٌ لم يكتم الإنسانُ عقيدَتَه، كما لم يَعَمل على خلافِ معتقَده.
ينصُّ القرآنُ الكريمُ في شأن عَمّارِ بن ياسر على عدم البأس عمّن يَقعُ في أيدي الكفّار، ويُظهرُ كلمة الكفر على لِسانِه للخلاص والنجاة، وقلبُه عامرٌ بالإيمان مشحونٌ بالاعتقاد الصحيح:
(مَن كَفَرَ باللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالإِيمانِ)(1).
وَيقولُ في آية أُخرى:
(لاَّ يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرِينَ أَوليَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيء إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ)(2).
إنّ المفَسّرِين المسلمين يَتّفقون ـ عند ذِكرِ وتفسيرِ هاتين الآيَتين ـ على أنّ أصل «التَقيّة» أصلٌ مشروع.

1. النحل : 106 .
2. آل عمران : 28.

صفحه283
ومن طالَعَ ـ ولو على عَجَل ـ ما جاء في التفسير والفقه الإسلاميّ في هذا المجال عَرفَ بوضوح أنّ أصلَ «التقيّة» من الأُصول الإسلاميّة، ولا يمكن تجاهلُ الآيتين المذكورَتين أعلاه، ولا عَمَل مؤمنِ آل فرعَون في كتمان إيمانِه(1)، وإنكار «التقيّة» بالمرَّة.
والجَدير بالذّكر أنّ آياتِ «التقيّة» وإن وَرَدَت في مجال التَقيّة من الكافر إلاّ أنّ الملاكَ (وهو حِفظ نفسِ المسلم ومالهِ وعرضهِ في الظروف الحسّاسة والخطيرة) لا يختصُّ بالكفار، فَلَو استوجَبَ إظهار الشخص لعقيدته، أو العَمَل وفقها عندَ المسلمين، خوفَ ذلك الشخص على نفسهِ أو مالهِ أو عرضهِ أي احتَملَ بقوة تعرّضها للخَطَر من جانبِ المسلمين، جرى في المقام حكمُ «التقيّة»، أي جاز له التقيّة من المسلمين كما جاز له التقيّة من الكفّار، وذلِكَ لوحدة العلّة والمِلاك، وتحقّق الأمر الموجب للتقيّة.
وهذا هو ما صَرَّحَ الآخرون به أيضاً فهذا هو الفخر الرازي يقول: إنّ مذهب الشافعي(رضي الله عنه)انّ الحالةَ بَين المسلمين إذا شاكَلتْ الحالةَ بَين المسلمِين والمشركين حَلَّتْ التقيّةُ محاماةً على النفسِ.
وقال: التقيّةُ جائزةٌ لصونِ النَّفسِ، وهل هي جائزةٌ لصونِ المال؟ يُحتَمل أنْ يُحْكَمَ فيها بالجواز لقولهِ(صلى الله عليه وآله وسلم): «حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرمةِ دَمِهِ»

1. لاحظ غافر : 28 .

صفحه284
ولقولِهِ(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن قُتِلَ دُون مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»(1).
وقال أبو هريرة: حَفِظْتُ مِن رسُول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وِعائَين، أمّا أحَدُهما فَبَثَثْتُهُ في النّاس، وأمّا الآخرَ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لقُطِعَ هذا البَلعُومُ.(2)
إنّ تاريخَ الخُلَفاء الأُمويّين والعَباسييّن زاخرٌ بالظلمِ والعَسْفِ، والحيْفِ والجَور.
ففي تلكَ الأيّام لم يكنِ الشيعةُ وحدَهم هُمُ المطرودُون، والمحجور عليهم بسببِ إظهار عقائِدِهم، بل سَلَكَ أغلَبُ محدّثيِ أهلِ السُّنّة في عَصرِ المأمون أيضاً مَسْلَكَ التقيّة في محنة «خَلْقِ القرآنِ» وَلم يخالف المأمونَ في خَلْق القرآنِ وحُدُوثهِ بعدَ صُدُور المرسُوم الخليفي العامّ، سوى شخص واحد، وقصَّتُهُ معروفةٌ في التاريخ وعامّة المحدّثين تظاهروا بالوفاق تقيّةً.(3)
   

1. تفسير الرازي: 8 / 13 .
2. محاسن التأويل: 4 / 82 .
3. تاريخ الطبري: 7 / 195 ـ 206 .

صفحه285

2

الزواج المؤقّت

إنّ الفقه الشيعيّ تَبَعاً للكتاب والسُّنة يُصَحّحُ نوعَينِ من الزَّواج: «الزواج الدائم» وهو لا يحتاج إلى توضيح .
«والزواج المؤقَّت» أو المتعة وكيفيتها كالتالي :
يجوز للرجل والمرأة بأن يقيما علاقة زوجيّة بينهما لمدّة معينة شريطة أن لا يكون هناك مانعٌ شرعي (من نَسَب أو رِضاع) في طريق زواجهما، وذلك بَعد أن يُعيّنا مبلغاً من المال، ثم إنّهما بعد انقضاء المدة ينفصلان من دون إجراء صيغة الطلاق.
ولو نشأ من هذا الزواج (المؤقَّت) وَلد كان ولدُهما شرعاً وورثهما.
وعلى المرأة ـ بعد انقضاء المُدّة ـ أن تعتدَّ عدةً شرعيّةً، ولو كانت حاملاً وَجَبَ الاعتدادُ إلى أن يولَد الطفلُ، ولا تتزوَّج في حالِ كونها في حبالة الرَّجُل، وكذا في حالِ عدَّتها، برجل آخر.
إنّ الزواج المؤقَّت مثل الزَّواج الدائم ماهيةً وحقيقةً، وأكثر الأحكام الثابتة للزواج الدائم، ثابتة كذلك للنكاح المؤقَّت، وغاية ما هناك من تفاوت مهّم بين هذين الزواجين هو أمران:
1. تعيين المدة في النكاح المؤقت .

صفحه286
2. عدم وجوب النفقة في هذا النِّكاح.
ولو أنّنا تجاوزنا هذين المطلبين البارزين تكون الفوارق الأُخرى فوارق جزئية لا توجب افتراقاً كبيراً بين النكاحين.
هذا وحيث إنّ الإسلام دينٌ خاتم وشريعة جامعة فجوّز هذه الأطروحة لحلّ المشكلة الجنسية.
ولو أنّنا أخذنا وضع الشاب الّذي يدرس أو يعمل خارج البلاد، ويفتقد القُدرة على الزواج الدائم فماذا يفعل في هذه الحالة؟ وما هي وظيفته في هذه الصورة؟ فإنَّ الشابّ لا يجد أمامه إلاّ ثلاثة خيارات:
ألف : كبح الرغبة الجنسيّة وأن يحرم النفس من التلذّذ الجنسي.
ب : إيجاد العلاقة الجنسية غير الشرعية مع النساء الفاسدات أو المريضات.
ج : الاستفادة من الزواج المؤقّت مع امرأة طاهرة ضمن شروط خاصّة، من دون تحمّل مشكلة النفقة والتي توجدُها رابطة الزوجية الدائمة.
إنّ من الواضح انّه ليس هناك طريقٌ رابعٌ يستفيد منه الشابُ المذكورُ، على أنّه لا يعني هذا أنّ الزواج المؤقَّت خاصٌّ بمثل هذه الشروط ولكن في نفس الوَقت تستطيع ملاحظة مثل هذه الموارد أن تكشف عن حكمة تشريع هذا النمط من الزواج.
ولابدّ من الالتفات ـ ضمناً ـ إلى أنّ فقهاءَ الإسلام قد أيّدوا نوعاً من الزَّواج الدائم الذي هو في حقيقته الزواج المؤقّت وهو ان يتزوجَ رجلٌ

صفحه287
وامرأة زواجاً دائمياً ولكنّهما أو أحدهما يعلمان بأنهما سينفصلان، بعد مدة بالطلاق.
إنّ تجويز هذا النوع من الزواج يشبه تماماً تجويز الزواج المؤقّت فهما متشابهان جوهراً وإن اختلفا اسماً.
إنّ الكتاب والسُّنَّة النبويّة حاكيان عن مشروعية الزواج المؤقّت (المتعة) فالقرآنُ الكريم يقول:
(فما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ فَرِيضةً)(1).
إنّ الأغلبيّة الساحقة من المفسّرين يعتبرون هذه الآية مرتبطةً بالزواج المؤقّت. وأساساً لا مجال للترديد في تشريع مثل هذا النكاح في الإسلام، إنّما الخلاف لو كان هو في نسخ هذا الزواج أو عدم نسخه، أي بقاءه على مشروعيته.
وروايات الفريقين حاكية عن أنّ هذا الحكم لم يُنسَخ. إنما مُنِعَ عن العمل بهذا الحكم في عصر الخليفة الثاني، والجدير بالذكر أنّ هناك كلاماً للخليفة في هذا المجال يكشف أيضاً عن أنّ هذا النمط من النكاح كان جائزاً بل رائجاً في عصر النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم). ويفيد أنّ هذا المنع لم يكن ناشئاً إلاّ من رأي شخصي ليس إلاّ، لأنّه قال: «أيّها الناسُ ثلاثٌ كنَّ على عَهد رسولِ الله أنا أنهى عنهنّ وأُحَرمهنَّ وأُعاقب عليهنّ، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خَير العَمَل»(2).

1. النساء : 24 .   2 . شرح التجريد للقوشجي، مبحث الإمامة، ص 464، وغيره .

صفحه288
والعجيب أنّ نهيَ الخليفة عن الشق الأوّل والشق الأخير من هذه الشقوق بقي إلى الآن ولكن متعة الحج بقيت معمولاً بها عند جميع المسلمين خلافاً لرأي الخليفة الثاني (والمقصود من متعة الحج هو أنّ الحاج بعد أن انتهى من عمرة الحج يخرج من حالة الإحرام، وتحلّ له محرماته، وهذه نهى عنها عمر وأمر بعدم الخروج من الإحرام وبقاء محرمات الإحرام حتى حلول موعد الحج).
والدليل الواضح على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يمنع عن المتعة ما رواه البخاري عن عِمران بن حصين أنّه قال: نزلت آية المتعة في كتابِ اللهِ ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرّمُهُ ولم يَنهَ عنها حتى مات، قالَ رجلٌ برَأْيه ما شاءَ (والمقصود هو تحريم الخليفة الثاني لنكاح المتعة).(1)

1. صحيح البخاري: 6 / 37، قسم التفسير عند تفسير الآية 196 من سورة البقرة.

صفحه289

3

البداء وتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة

إنّ لله تعالى في شأنِ الإنسان نوعين من التقدير :
1. تقدير محتومٌ وقطعيٌّ لا يقبل التغييرَ والتبديلَ مطلقاً.
2. تقديرٌ معلَّقٌ ومشروطٌ وهو يتغيَّر ويَتَبَدّلُ مع فقدان بعضِ الشرائطِ، ويحلُّ محلَّه تقديرٌ آخرٌ.
وبالنَّظَر إلى هذا الأصْلِ نُذَكِّرُ بأنّ الاعتقاد بالبَداء هو أحَدُ الأُصول الاعتقاديّة الإسلاميّة الأصِيْلَة التي اتَّفَقَتْ جميعُ الفِرَقِ الإسلاميّة على الاعتقادِ بها إجمالاً، وإنْ أحجَمَ البعضُ عن استخدام لَفظة «البَداءِ» وهذا الاستيحاش من استعمال لفظة «البَداء» لا يَضُرُّ بالقَضِيّة أيضاً، إذ أنّ المقصود هو بَيان محتوى «البَداء» ومعناه، لا لفظه واسمه.
إنّ حقيقةَ «البَداء» تقومُ في الحقيقة على أصلين:
ألف : انّ لله تعالى قدرةً وسلطةً مُطلقةً، فهو قادرٌ على تغيير
أيّ تقدير، وإحلالِ تقدير آخر محلَّه متى شاءَ، في حين يعلم سلفاً
بكلا التقديرين، ولا سبيل لأيّ تغيير إلى عِلمه قط أيضاً، لأنّ التقديرَ
الأوّل لم يكن بحيث يحدُّ من قدرةِ الله أو يَسلُبَ منه القدرةَ، فإنّ قدرة
الله تعالى على خلاف ما تعتقِدُهُ اليهود من كَونها محدودةً، لقولهم: (يَدُ الله

صفحه290
مَغْلُولَةٌ)، قدرةٌ مطلقةٌ، أو كما قال القرآن:
(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان)(1).
وبعبارة أُخرى: إنّ خلاّقية الله وإعمال السُّلطة والقُدرة من جانبهِ تعالى مستمرٌ، وبحكم قوله تعالى: (كلَّ يَوم هُوَ في شَأن)(2)، فالله تعالى لم يفرغ سبحانه عن أمر الخلقِ، بل عمليّة الخَلق لا تزال متواصِلة ومستمرة.
روى الصدوق باسناده عن الإمام الصادق(عليه السلام): أنّه قال في قول الله عزّ وجل: (وقالتِ اليهودُ يَدُ اللهِ مَغلُولةٌ)لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا قد فرَغَ من الأمر فلا يزيدُ ولا ينقص (أي في العمر والرّزق وغيرهما)، فقال الله جلّ جلالُه تَكذيباً لقولهم: (غُلّتْ أيدِيهمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بل يَداهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كيفَ يَشاءُ). أَلم تسَمع الله عزَّ وجَلَ يقول: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ)(3).(4)
فالعقيدة الإسلاميّة تقومُ على أساس الاعتراف بقدرة الله المطلقة وسلطتهِ التي لا تُحدُّ، وبدوام خلاّقيته واستمرارها، وبأنّ الله تعالى قادر كلّما شاءَ ومتى شاء أن يُغيّر المقدَّرات المرتبطة بالإنسان في مجال العُمرِ والرِزقِ وغيرهما، ويُحلَّ مَحَلَّ ذلك مقدرات أُخرى، وكلا التقديرين

1. المائدة : 64 .
2. الرحمن : 29 .
3. الرعد : 39 .
4. التوحيد للصدوق: 167، الباب 25، ح 1 .

صفحه291
موجودان في «أُمّ الكتاب» وفي علم الله سبحانه.
ب : إنّ إعمالَ القُدرةِ والسُّلطَة من جانبِ الله تعالى، وإقدامَه على إحلال تقدير مكان تقدير آخر لا يتمُّ من دون حكمة ومصلَحة، وان قسماً من هذا التغيير يرتبط في الحقيقة بِعَمل الإنسان وسلوكه، وانتخابه، واختياره، وبنمط حياته الصالح أو السّيء، فهو بهذه الأُمور يهيِّئ أرضيّة التغيير في مصيره.
وَلْنفترض أنَّ إنساناً لم يراع ـ لا سمح اللهُ ـ حقوقَ والدَيه، فإن منَ الطبيعيّ أنّ هذا العَمل غير الصالح سيكونُ له تأثيرٌ غير مرغوب في مصيره.
فإذا غيَّر من سُلُوكِهِ هذا في النصفِ الآخر من حياتهِ، واهتمَّ بِرعاية حقوقِ والدَيْهِ فانَّه في هذه الحالة يكون قد هَيَّأ الأرْضيّة لتغيير مصيرِهِ، وصار مشمولاً لقولِهِ تعالى:
(يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثبتُ).
وينعكس هذا الّذي ذكرناه إذا انعكسَ الأمر .
إنَّ الآيات والرّوايات في هذا المجال كثيرةٌ نذكرُ بعضها هنا:
1. (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)(1).
2.( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَات مِنَ السَّماءِ

1. الرعد : 11 .

صفحه292
والأَرْضِ وَلَكن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(1).
3. يروي السيوطيُ في تفسيره «الدرّ المنثور» أنَّ الإمام أمير المؤمنين علياً(عليه السلام)سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن قوله: (يَمْحوا الله ما يَشاء).
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأُقِرنَّ عَيْنَك بِتفسيرها ولأُقِرَنَّ عَين أُمّتي بَعدي بتفسيرها: الصّدَقةُ على وَجهها، وبِرُّ الوالِدَين وَاصطِناعُ المعروف، يُحوّلُ الشقاءَ سعادةً، ويزيدُ في العُمُر، ويقي مصارَع السُّوء».(2)
وقالَ الإمامُ الباقُر (عليه السلام): «صِلةُ الأرحام تُزَكّي الأعْمالَ، وتُنمّي الأموالَ، وَتَدْفَعُ البَلوى، وتُيَسِّرُ الحِساب، وتُنْسِئُ في الأَجَل».(3)
وبالنَظر إلى هذين الأَصلين يتَّضح أنّ الاعتقاد بالبداء عقيدة إسلاميّة قطعيّة، وأنّ جميع الفرق الإسلامية تعتقد به بغضِّ النظر عن التعبير والتسمِية، واستخدام لفظ «البَداء».
وفي الختام نُذَكّرُ بُنقطتين لنعرف لماذا أُطلقت لفظة «البدَاء» على هذه المسألة في الرّوايات فجاء التعبير عن هذه العقيدة الإسلامية بقولهم: «بَدا لله».
ألف : إنّ استخدامَ هذه اللَّفَظة في هذه المسألة جاء تبعاً للنَبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روى البخاريُ في صحيحه أنّ النبيّ قال في شأن ثلاثة

1. الأعراف : 96 .
2. الدر المنثور: 4 / 66 .
3. الكافي: 2 / 470، الحديث 13.

صفحه293
أشخاص: أبرص وأقرع وأعمى: «بدا لله عزَّ وجلّ أن يَبْتَلِيهُمْ...».
ثم ذكر بعد ذلك قصّتهم بصورة مفصَّلة وبيَّن كيف أن اثنين منهم سُلبَت منهما سلامتُهما بسبب كفران النعمة، وأصابَهما ما أصيب به أسلافُهم من الأمراض(1).
ب : إنّ هذا النّوع من الاستعمال من باب المشاكلة، والتحدّث بلسان القوم حتى يفقهوا، ويفهموا الموضوع.
فقد تعارَفَ في العرف الاجتماعي أنَّه إذا غيَّرَ أحد قراراً قد اتخذه أن يقول: بدا لي.
وقد تَحدَّث أئمةُ الدين بلسان القوم ليمكنهم تفهيم مخاطبِيهم، وقد استعملوا مثلَ هذه اللفظة في حق الله تعالى.
والجدير بالذِكر أنّ القرآنَ الكريمَ استخدمَ في شأن الله تعالى ألفاظاً وصفات مثل المكر والكيد، والخُداع والنسيان، في حين أنّنا نعلم أنّ الله تعالى منزَّهٌ عن مثل هذه الأُمور (بِمعانيها ومفاهيمها الرائجة بين البشر) قطعاً ويقيناً، ومع ذلك كرّرَ القرآنُ الكريمُ هذه الصِفات واستعمل الألفاظ في حق الله سبحانه.
1. (إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً)(2).

1. صحيح البخاري: 4 / 172 .
2. الطارق : 15 ـ 16 .

صفحه294
2. (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً)(1).
3. (إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)(2).
4. (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)(3).
وعَلى كلّ حال فإنّ لمحقّقي الشيعة حول استعمال لفظ البداء، بالنظر إلى امتناع حصول التغيّر، والتبدّل في علم الله تعالى دراسات وتحقيقات قَويّةً وشيِّقةً لامجال لذكرها هنا، ونحن نحيل من يحب الاطّلاعَ عليها إلى الكتب والمؤلّفات التي تتضمن هذه الأبحاث(4).

1 . النمل: 50 .
2. النساء : 143 .
3 . التوبة : 67 .
4. كتاب التوحيد للصدوق: 331 ـ 336; تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد: 24; عدة الأُصول: 2 / 29; كتاب الغيبة: 262 ـ 264 طبعة النجف.

صفحه295

4

الخمس في الكتاب والسنّة

الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيلِ إن كُنتُمْ آمَنتُمْ باللّهِ وما أنْزَلْنا على عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمْعانِ واللّه على كُلِّ شيء قديرٌ).(1)
لا شك أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني: يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر» الكبرى ، لكن الكلام في مادة «الغنيمة» في قوله سبحانه: (ما غَنِمْتُمْ) هل هو عام لكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته، أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟
وعلى فرض كونه عامّاً فهل المورد مخصّص أو لا؟
فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: الغنيمة مطلق ما يفوز به الإنسان

فالظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الأصل أعم ممّا يظفر به الإنسان في ساحات الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان، وإليك بعض كلماتهم:

1. الأنفال: 41 .

صفحه296
1. قال الخليل: الغُنْم: الفوز بالشيء في غير مشقة، والاغتنام : انتهاز الغنم.(1)
2. قال الأزهري: قال الليث: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(2)
3. قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم، قال: (واعلموا أنَّما غنمتم من شيء)، (فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّباً)والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: (فَعندَ اللّهِ مغانمُ كثيرة). (3)
4. قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين. (4)
5. قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة. (5)
6. قال ابن الأثير: في الحديث: الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غُنْمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته. (6)
7. قال الفيروز آبادي: «الغنم» الفوز بالشيء لا بمشقّة، وأغنمه كذا

1. كتاب العين: 4 / 426، مادة غنم.
2. تهذيب اللغة: مادة «غنم».
3. المفرادت : مادة «غنم».
4. مقاييس اللغة: مادة «غنم».
5. لسان العرب: مادة «غنم».
6. نهاية اللغة: مادة «غنم».

صفحه297
تغنيماً نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة. (1)
8. وقال الزبيدي: الغنيمة والغنم بالضم، وفي الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنْمه وعليه غرمه» غنمه أي زيادته ونماؤه وفاضل قيمته، والغنم الفوز بالشيء بلا مشقة.(2)
9. وقال في «الرائد»: غنم: يغنم: أصاب غنيمة في الحرب أو غيرها.(3)
10. انّ الغُنم يستعمل مقابل الغرم وهو الضرر، فيكون معناه بمقتضى المقابلة هو النفع، ومن القواعد الفقهية قاعدة «الغُنْم بالغرم» ومعناه انّ من ينال نفع شيء يتحمّل ضرره.
ودليل هذه القاعدة هو قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، قال الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه ونقصه.(4)
وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك وإن كان يغلب استعمالها في العصور المتأخّرة عن نزول القرآن في ما يظفر به في ساحة الحرب.

1. قاموس اللغة: مادة «غنم».
2. تاج العروس: ج 9 : مادة «غنم».
3. الرائد: 2 : مادة «غنم».
4. الموسوعة الفقهية:31/301، مادة غنم.

صفحه298
ولأجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.
لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق القتال، بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الأُخروي، إذ يقول سبحانه:
(يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إذا ضَـربتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤمِناً تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا فَعِندَ اللهِ مَغانِمُ كَثيرة) . (1)
والمراد بـالمغـانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليـل مقابلـته لعرض الحياة الدنيا، فيدل على أنّ لفظ المَغْنم لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا أو في ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة وإن كان أُخرويّاً.
كما وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.
روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرما».(2)

1. النساء: 94.
2. سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.

صفحه299
وفي مسند أحمد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غنيمة مجالس الذكر الجنّة». (1)
وفي وصف شهر رمضان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غنم للمؤمن». (2)
وفي نهاية ابن الأثير: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ، سمّـاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب.(3)
فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول اللّه، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاص.

الثاني: المورد غير مخصّص

إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الإنسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيّقاً لعمومه، فإذا وقفنا على أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع مؤكّداً لإطلاق الآية، ولا يكون

1. مسند أحمد: 2/330و 374 و 524.
2. المصدر نفسه: ص 177.
3. النهاية: مادة «غنم».

صفحه300
وروده في الغنائم الحربية رافعاً له. وإليك ما ورد في السنّة من الروايات في الموردين:

1. وجوب الخمس في الركاز من باب الغنيمة

اتّفقت السنّة على أنّ في الركاز الخمس وإنّما اختلفوا في المعادن، فالواجب هو الخمس لدى الحنفية والمالكية، وربع العشر عند الشافعية والحنابلة.
وقد استدلّت الحنفية على وجوب الخمس في المعادن بالكتاب والسنّة والقياس فقالوا:
أمّا الكتاب : فقوله تعالى: (واعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فأنّ للّهِ خُمُسَهُ) ويعدّ المعدن غنيمة .
وأمّا السنّة: فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «العجماء جُبار ـ أي هدر لا شيء فيه ـ و البئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» والركاز يشمل المعدن والكنز، لأنّه من الركز أي المركوز، سواء من الخالق أو المخلوق.
وأمّا القياس: فهو قياس المعدن على الكنز الجاهلي، بجامع ثبوت معنى الغنيمة في كلّ منهما، فيجب الخمس فيهما.(1)
ترى أنّ الحنفية تستدلّ على وجوب الخمس في المعادن بآية

1. الفقه الإسلامي وأدلّته:2/776.

صفحه301
الغنيمة ولا تصلح للاستدلال إلاّ أن يراد بها المعنى اللغوي لا المعنى الاصطلاحي.
هذا و قد تضافرت الروايات عن طريق أهل السنّة على وجوب الخمس في الأُمور الأربعة:
أ. الركاز.
ب. الكنز.
ج. المعدن.
د. السيوب.
روى لفيف من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في هذا المجال:
1. في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأوّل: عن ابن عباس قال:
قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الركاز، الخمس (1).
2. وفي صحيحي مسلم والبخاري واللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». (2)

1. مسند أحمد : 1 / 314 ; سنن ابن ماجة: 2 / 839 ، ط 1373 هـ .
2. صحيح مسلم : 5/127، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، من كتاب الحدود; صحيح البخاري: 1/182، باب في الركاز الخمس.

صفحه302
قال أبو يوسف في كتاب «الخراج»: كان أهل الجاهلية إذا عطبَ الرجل في قُلَيب جعلوا القليب عَقله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله. فسأل سائل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك؟ فقال: «العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول اللّه؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الأرض يوم خلقت».(1)
3. وفي مسند أحمد: عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «السائمة جبار، والجُبّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي. (2)
4. وفيه أيضاً: عن عبادة بن الصامت قال: من قضاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار. والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يُغرم ، وقضى في الركاز الخمس. (3)
5. وفيه: عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبراً، فأخذها فأتى بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بذلك، قال: «زنها»

1. الخراج: 22.
2. مسند أحمد: 3/335.
3. مسند أحمد: 5/326.

صفحه303
فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي: «هذا ركاز وفيه الخمس». (1)
6. وفيه: أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول اللّه مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : « فيه وفي الركاز الخمس» .(2)
7. وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة «سيب» واللفظ للأوّل: وفي كتابه ـ أي كتاب رسول اللّه ـ لوائل بن حجر: «وفي السيوب الخمس» السيوب: الركاز.
قالوا:
«السيوب: عروق من الذهب والفضة تَسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر» والسيوب: جمع سيب، يريد به ـ أي يريد النبي بالسيب ـ المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لأنّه من فضل اللّه تعالى وعطائه لمن أصابه». (3)

تفسير ألفاظ الأحاديث

العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار يعني: إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه انسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا

1. المصدر نفسه: 3/128.
2. المصدر نفسه: 2/186.
3. النهاية : مادة «سيب».

صفحه304
غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد من دفن أهل الجاهلية، فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له. (1)
والآرام: الأعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يُهتدى بها، واحدها إرَم كعنب. وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه. (2)
إنّ هذه الروايات تعرب عن وجود ضريبة غير الزكاة، هي الخمس من باب الغنيمة.

2. الخمس في أرباح المكاسب

هذا هو بيت القصيد في المقام، والهدف من عنوان المسألة هو إثبات ذلك، حيث يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الأكرم أمر بإخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها، وإليك بعض ما ورد في المقام:
1. قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في أشهر حرم، فَمُرنا بأمر فصل، إنْ عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَن وراءنا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع; آمركم: بالإيمان باللّه، وهل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه،

1. سنن الترمذي: 6/145، باب ما جاء في العجماء.
2. النهاية : مادة «ارم».

صفحه305
وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم». (1)
ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب كيف وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من المشركين، فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به، فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.
وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ وفرض فيها الخمس على أصحابها، وستتبيّـن بعد الفراغ من نقلها دلالتها على الخمس في الأرباح وإن لم تكن غنيمة حربية، فانتظر.
2. كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم ... هذا ... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العُشر ممّا سقى الغرب» .(2)
والبعل ما سُقِيَ بعروقه، والغَرَب: الدلو العظيمة.

1. صحيح البخاري: 8 / 217، باب «واللّه خلقكم وما تعملون» من كتاب التوحيد، وج 1 / 13 و 19 ، وج 3 / 53; صحيح مسلم: 1 / 35 ـ 36 باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 1 / 323 ; مسند أحمد: 1 / 318 ; الأموال: 12 وغيرها.
2. فتوح البلدان : 1/ 81 باب اليمن; سيرة ابن هشام: 4/ 265; تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك: 1/ 157.

صفحه306
3. كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال، و حارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان:
«أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس اللّه» .(1)
4. كتب إلى سعد هُذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة أو من أرسلاه». (2)
5. كتب للفُجَيع ومن تبعه:
«من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه وأسلمَ وأقام الصلاةَ وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من المغانم خمس اللّه ...». (3)
6. كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:
«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه وسهم النبي وفارقوا المشركين، فإنّ لهم ذمّة اللّه وذمّة محمد بن عبد اللّه» .(4)
7. كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:
«إنّ لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن

1. الوثائق السياسية: 227 برقم 110. (ط 4 بيروت).
2. الطبقات الكبرى: 1/270.
3. المصدر نفسه: 304 ـ 305.
4. المصدر نفسه: 270.

صفحه307
ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس». (1)
8. كتب لملوك حمير فيما كتب:
«وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم: خمس اللّه، وسهم النبي وصفيّه، وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة». (2)
9. كتب لبني ثعلبة بن عامر:
«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأعطى خمس المغنم وسهم النبي والصفي». (3)
10. كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:
«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس».(4)

إيضاح الاستدلال بهذه المكاتيب

يتبيّن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.

1. الوثائق السياسية: 265 برقم 157.
2. فتوح البلدان: 1/ 82; سيرة ابن هشام: 4/ 258.
3. الإصابة: 2/ 189; أُسد الغابة: 3/34.
4. الطبقات الكبرى: 1/271.

صفحه308
ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض الحرب واكتساب الغنائم.
هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يَملِك أحد من الغزاة عدا سلب القتيل شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاًّ.
فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب، وفي عهد بعد عهد؟
فيتبيّـن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لايمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النهب والنهبى بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النُّهبة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم):
«من انتهب نهبة فليس منّا» (1) ، وقال: «إنّ النهبة لا تَحِلّ». (2)
وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا ننهب.(3)
وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار

1. سنن ابن ماجة: 2/ 1298 برقم 3937 ، كتاب الفتن.
2. سنن ابن ماجة: 2 / 1298 برقم 3938، كتاب الفتن.
3. صحيح البخاري: 2 / 48، باب النهب بغير إذن صاحبه.

صفحه309
قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول اللّه يمشي متّكئاً على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يُرمِّل اللحم بالتراب، ثمّ قال: «إنّ النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة». (1)
وعن عبد اللّه بن زيد: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النهبى والمثلة. (2)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.
وقد كانت النُّهبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.
فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي تُخاض بغير إذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق غير ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.
وفي الجملة: إنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبويّة أداء خمسها إمّا أن يراد بها ما يُستولى عليه من طريق النهب والإغارة، أو ما

1. سنن أبي داود: 3/66 برقم2705.
2. رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4/ 334.

صفحه310
يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى عليه من طريق الكسب والكد.
والأوّل ممنوع، بنصّ الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خمس النهبة.
والثاني يكون أمر الغنائم بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، فهو الذي يأخذ كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّـن.
وورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ما يدلّ على ذلك، فقد كتب أحد الشيعة إلى الإمام الجواد(عليه السلام)قائلاً: أخبرني عن الخمس أعَلـى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع وكيف ذلك؟ فكتب (عليه السلام)بخطّه: «الخمس بعد المؤونة». (1)
وفي هذه الإجابة القصيرة يظهر تأييد الإمام (عليه السلام) لما ذهب إليه السائل، ويتضمّن ذكر الكيفية التي يجب أن تراعى في أداء الخمس.
وعن سماعة قال: سألت أبا الحسن (الكاظم) (عليه السلام) عن الخمس؟ فقال: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير». (2)
وعن أبي علي ابن راشد (وهو من وكلاء الإمام الجواد والإمام الهادي

1. الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2. المصدر نفسه، الحديث 6.

صفحه311
(عليه السلام)) قال: قلت له (أي الإمام الهادي (عليه السلام) ): أمرتني بالقيام بأمرك، وأخذ حقّك، فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأي شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟ فقال: «يجب عليهم الخمس»، فقلت: وفي أي شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم» ، قلت: والتاجر عليه، والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم». (1)
إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار المرويّة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) التي تدلّ على شمول الخمس لكلّ مكسب.

1. المصدر نفسه، الحديث 3.

صفحه312

5

الرجعة في الكتاب العزيز

الرجعة في مصطلح العلماء

الرجعةُ ترادف العودة، و تطلق اصطلاحاً على عودة الحياة إلى مجموعة من الأموات بعد النهضة العالمية للإمام المهدي (عليه السلام) و هذه العودة تتم بالطبع قبل حلول يوم القيامة. و طبقاً لهذا المبدأ، فالحديث عن العودة، يُعدّ من أشراط القيامة.
و على ضوء ذلك، فظهور الإمام المهدي (عليه السلام) شيءٌ، و عودة الحياة الى مجموعة من الأموات شيء آخر، كما أنّ البعث يوم القيامة أمر ثالث، فيجب تمييزها و عدم الخلط بينها.
قال الشيخ المفيد: «إنّ اللّه تعالى يحشر قوماً من أُمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد موتهم، قبل يوم القيامة، و هذا مذهب يختصّ به آل محمد (صلوات اللّه عليه و عليهم)، و القرآن شاهد به». (1)
و قال المرتضى متحدّثاً عن الرجعة عند الشيعة: «اعلم أنّ الّذي تذهب الشيعة الإمامية إليه، أنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان،

1 - بحار الأنوار: 53 / 136 ، نقلا عن المسائل السروية للشيخ المفيد.

صفحه313
المهدي (عليه السلام)، قوماً ممّن كان قد تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته، و مشاهدة دولته; ويعيد أيضاً من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق و علو كلمة أهله».(1)
و قال العلامة المجلسي: «و الرجعة إنّما هي لممحّضي الإيمان من أهل الملّة، و ممحضي النفاق منهم، دون من سلف من الأُمم الخالية».(2)
فالاعتقاد بالرجعة من الأُمور القطعية المسلّم بها، و الروايات الكثيرة الواردة عن الأئمة المعصومين لا تُبقي أي مجال للشك في وقوعها.
يقول العلامة المجلسي: «كيف يشك مؤمن بحقيّة الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم فيما يقرب من مائتي حديث صريح، رواها نيّف و ثلاثون من الثقات العظام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم كثقة الإسلام الكليني و الصدوق و...».(3)
و قد وصف الشيخ الحرّ العاملي الروايات المتعلّقة بالرجعة بأنّها أكثر من أن تعد و تحصى و أنّها متواترة معنى. (4)
هذه بعض كلمات كبار علماء الشيعة ومحدّثيهم حول الرجعة، ويقع الكلام في أُمور:

1 - المصدر السابق نفسه، نقلا عن رسالة كتبها السيد المرتضى جواباً عن أسئلة أهل الريّ.
2 - المصدر السابق نفسه، و قد نقل أقوال علماء الشيعة ونصوصهم في هذا الجزء من بحاره، فمن أراد زيادة الاطلاع فليرجع إليه ص 22 ـ 144 .
3 - المصدر السابق.
4 . الإيقاظ من الهجعة، الباب الثاني، الدليل الثالث.

صفحه314
 
1. إمكان الرجعة
يكفي في إمكان الرجعة، إمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة، فإنّ الرجعة و المعاد، ظاهرتان متماثلتان و من نوع واحد مع فارق أنّ الرجعة محدودة كيفاً و كمّاً، و تحدث قبل يوم القيامة، بينما يبعث جميع الناس يوم القيامة ليبدأوا حياتهم الخالدة.
و على ضوء ذلك، فالاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة، ملازم للاعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية. و حيث إنّ حديثنا مع المسلمين الذين يعتبرون الإيمان بالمعاد من أُصول شريعتهم، فلابد لهؤلاء إذن من الاعتراف بإمكانية الرجعة.

2. الرجعة في الأُمم السالفة

قد وقعت الرجعة في الأُمم السالفة كثيراً، نظير:
1 ـ إحياء جماعة من بني إسرائيل (1).
2 ـ إحياء قتيل بني إسرائيل(2).
3 ـ موت أُلوف من الناس و بعثهم من جديد(3).

1 . البقرة: 55 ـ 56 .
2 . البقرة: 72 ـ 73 .
3 . البقرة: 243 .

صفحه315
4 ـ بعث عُزَير بعد مائة عام من موته(1).
5 ـ إحياء الموتى على يد عيسى (عليه السلام). (2)
و بعد وقوع الرجعة في الأُمم السالفة، هل يبقى مجال للشك في إمكانها؟
و تصوّر أنّ الرجعة من قبيل التناسخ المحال عقلا، تصوّر باطلٌ، لأنّ التناسخ عبارة عن رجوع الفعلية إلى القوة، و رجوع الإنسان إلى الدنيا عن طريق النطفة، و المرور بمراحل التكوّن البشري من جديد، ليصير إنساناً مرة أُخرى، سواء أدَخَلَتْ روحُه في جسم إنسان أم حيوان، و أين هذا من الرجعة و عود الروح إلى البدن المتكامل من جميع الجهات، من دون أن يكون هناك رجوع إلى القوة بعد الفعلية.
***

الرجعةُ في الأُمة الإسلامية

يدل على وقوع الرجعة في هذه الأُمّة قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الاَْرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يوزَعُونَ)(3).

1 . البقرة: 259 .
2 . آل عمران: 49 .
3 . النمل: 82 ـ 83 .

صفحه316
لا يوجد بين المفسّرين من يشك بأنّ الآية الأُولى تتعلّق بالحوادث التّي تقع قبل يوم القيامة، ويدلّ عليه ما روى عن النبى الأكرم من أنّ خروج دابة الأرض من علامات يوم القيامة، إلاّ أنّ هناك خلافاً بين المفسرين حول المقصود من دابة الأرض ، و كيفيّة خروجها، و كيف تتحدث؟ و غير ذلك ممّا لا نرى حاجة لطرحه.
روى مُسلم أنّ رسول اللّه قال : «إنّ الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وَخَسْفٌ بالمغرب، و خسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجّال، ودابّة الأرض، و يأجوج و مأجوج، و طلوع الشمس من مغربها، و نارٌ تخرج من قعر عدن ترحل الناس»(1).
إنّما الكلام في الآية الثانية، و الحق أنّها ظاهرة في حوادث قبل يوم القيامة، و ذلك لأنّ الآية تركز على حشر فوج من كل جماعة بمعنى عدم حشر الناس جميعاً، و من المعلوم أنّ الحشر ليوم القيامة يتعلق بالجميع، لا بالبعض، يقول سبحانه: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الاَْرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(2).
أفَبَعْدَ هذا التصريح، يمكن تفسير ظرف الآية بيوم البعث و القيامة؟
و هناك قرينتان أُخريان، تحقّقان ظرفها لنا إن كنّا شاكين، و هما:

1 . صحيح مسلم: 8 / 179 ، كتاب الفتن، و أشراط الساعة، باب في الآيات التّي تكون قبل الساعة.
2 . الكهف: 47 .

صفحه317
أوّلا: إنّ الآية المتقدّمة عليها تذكر للناس علامة من علامات القيامة، و هي خروج دابة الأرض، و من الطبيعي، بعد ذلك أنّ حشر جماعة من الناس يرتبط بهذا الشأن.
ثانياً: ورد الحديث في تلك السورة عن القيامة في الآية السابعة و الثمانين، أي بعد ثلاث آيات، قال سبحانه: ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ
فَفَزِعَ مَن فِي السَّموَاتِ وَمَن فِي الاَْرْضِ إِلاَّ مَن شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ
)(1).
و هذا يعرب عن أنّ ظرف ما تقدّم عليها من الحوادث يتعلّق بما قبل هذا اليوم، و يحقّق أنّ حشر فوج من الذين يكذبون بآيات اللّه يحدث حتماً قبل يوم القيامة، و هو من أشراط هذا اليوم، و سيقع في الوقت الّذي تخرج فيها دابة من الأرض تكلّم الناس.
و من العجب قول الرازي بأنّ حشر فوج من كلّ أُمّة سيقع بعد قيام الساعة(2). فإنّ هذا الكلام خاو لا يستند إلى أيّ أساس. و ترتيب الآيات وارتباطها ببعضها، ينفيه، و يؤكّد ما ذهب إليه الشيعة من أنّ الآية تشير الى حدث سيقع قبل يوم القيامة.
أضف إلى ذلك انّ تخصيص الحشر ببعض، لا يجتمع مع حشر جميع الناس يوم القيامة.

1 . النمل: 87 .
2 . مفاتيح الغيب: 4 / 218 .

صفحه318
نعم، الآية قد تحدّثت عن حشر المكذبين، و أمّا رجعة جماعة أُخرى من الصالحين فهو على عاتق الروايات الواردة في الرجعة.
و أمّا كيفية وقوع الرجعة و خصوصياتها فلم يتحدّث عنها القرآن، كما هو الحال في تحدّثه عن البرزخ و الحياة البرزخية.
و يؤيد وقوع الرجعة في هذه الأُمّة وقوعها في الأُمم السالفة كما عرفت، وقد روى أبو سعيد الخدري أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَتتَّبِعُنّ سُنَنَ من كان قبلكم، شبراً بشبر، و ذراعاً بذراع. حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموه». قلنا يا رسول اللّه: اليهود و النصارى؟ قال: فمن؟ (1).
و روى أبوهريرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تقوم الساعة حتى تُؤخذ أُمّتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، و ذراعاً بذراع» فقيل: يا رسول اللّه: كفارس و الروم؟ قال: «ومن الناس إلاّ أُولئك؟» (2).
و روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ ما كان في الأُمم السابقة فإنه يكون في هذه الأُمة مثله، حذو النعل بالنعل، و القذّة بالقذّة»(3).
و بما أن ّ الرجعة من الحوادث المهمة في الأُمم السالفة، فيجب أن

1 . صحيح البخاري: 9 / 112 ، كتاب الاعتصام بقول النبي .
2 . صحيح البخاري : 9 / 102; وكنز العمال: 11 / 133 .
3 . كمال الدين: 576 .

صفحه319
يقع نظيرها في هذه الأُمة أخذاً بالمماثلة، و التنزيل.
و قد سأل المأمون العباسي، الإمام الرضا (عليه السلام) عن الرجعة؟
فأجابه، بقوله: «إنّها حق، قد كانت في الأُمم السالفة، و نطق بها القرآن، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): يكون في هذه الأُمة كلّ ما كان في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل، و القذة بالقذة».(1)
هذه هي حقيقة الرجعة و دلائلها، و لا يدّعي المعتقدون بها أكثر من هذا، و حاصله عودة الحياة إلى طائفتين من الصالحين و الطالحين، بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، و قبل وقوع القيامة. و لا ينكرها إلاّ من لم يمعن النظر في أدلّتها(2).
* * *

1 . بحار الأنوار: 53 / 59، الحديث 45.
2 . بقي هنا بحثان:
1 ـ من هم الراجعون.
2 ـ ما هو الهدف من إحيائهم؟
وإجمال الجواب عن الأوّل أنّ الراجعين لفيف من المؤمنين و لفيف من الظالمين.
وإجمال الجواب عن الثاني ما جاء في كلام السيد المرتضى المنقول آنفاً، حيث قال: «إنّ اللّه تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدى (عليه السلام)، قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته، و مشاهدة دولته، و يعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم...» إلى آخر كلامه.
لاحظ تفصيل جميع ذلك في: البحار: ج 53، والإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، للشيخ الحر العاملي.

صفحه320
 
أسئلة و أجوبتها
السؤال الأوّل : كيف يجتمع إعادة الظالمين مع قوله سبحانه: ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَة أَهْلَكْنَاها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(1)، فإن هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً، و حشر لفيف من الظالمين يخالفها؟
و الجواب: إنّ هذه الآية مختصّة بالظالمين الذين أهلكوا في هذه الدنيا و رأوا جزاء عملهم فيها، فهذه الطائفة لا ترجع; وأمّا الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة، فيرجع لفيف منهم ليروا جزاء عملهم فيها، ثم يُردّون إلى أشد العذاب في الآخرة أيضاً. فالآية لا تمت إلى مسألة الرجعة بصلة.
السؤال الثاني: إنّ الظاهر من قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(2)، نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيء الموت.
و الجواب: إنّ الآية تحكي عن قانون كلّي قابل للتخصيص في مورد دون مورد، و الدليل على ذلك ما عرفت من إحياء الموتى في الأُمم

1 . الأنبياء: 95 .
2 . المؤمنون: 99 ـ 100.

صفحه321
السالفة، فلو كان عدم الرجوع إلى هذه الدنيا سنة كليةً لا تتبعّض و لا تتخصّص، لكان عودها إلى الدنيا مناقضاً لعموم الآية.
و هذه الآية، كسائر السنن الإلهية الواردة في حق الإنسان، فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع، و هذا لا ينافي الرجوع في مورد أو موارد لمصالح عُليا.
السؤال الثالث : إنّ الاستدلال على الرجعة مبني على جعل قوله سبحانه: (و يَومَ نحْشُرُ مَنْ كُلّ أُمّة فَوْجاً ممّن يُكذّبُ بآياتنا فهُم يوزعون)، حاكياً عن حادثة تقع قبل القيامة، و لكن من الممكن جعلها حاكية عن الحادثة التّي تقع عند القيامة، غير أنّها تقدّمت على قوله سبحانه: (و يَومَ يُنْفَخُ في الصّور)، و كان طبع القضية تأخيرها عنه، و المراد من الفوج من كلّ أُمّة هو الملأ من الظالمين و رؤسائهم؟
و الجواب: أوّلا: إنّ تقديم قوله: (و يَوْمَ نَحْشُرُ...)، على فرض كونه حاكياً عن ظاهرة تقع يوم القيامة، على قوله: (و يَوْمَ يُنْفَخُ)، ليس إلاّ إخلالاً في الكلام، بلا مسوّغ .
و ثانياً: إن ظاهر الآيات أنّ هناك يومين، يومُ حشر فوج من كلّ أُمة، ويوم نفخ في الصور، و جعل الأوّل من متمّمات القيامة، يستلزم وحدة اليومين، و هو على خلاف الظاهر.(1)

1 . و إذا أحطت خُبراً بما ذكرناه، يتبيّن لك سقوط كثير ممّا ذكره الآلوسي في تفسيره عند البحث عن الآية. لاحظ تفسيره: 20 / 26.

صفحه322

صفحه323
 
الفصل التاسع

في الصحابة والتابعين

1 . تعريف الصحابي والتابعيّ والاختلاف في تحديد الصحابي
2 . تأثير الصحبة في النفوس
3 . العدالة ملكة تدريجية الحصول
4 . أصناف الصحابة في القرآن
5 . الصحابة أعرف بحالهم من غيرهم
6 . القرآن الكريم وعدالة الصحابة
7 . السنّة النبوية وعدالة الصحابة
8 . موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّن لم تحسن صحبته
9 . الصحابة في مرآة التاريخ
10 . ما هي الغاية من دراسة عدالة الصحابة؟
11 . هل قول الصحابي من مصادر التشريع؟
12 . هل رؤيا الصحابي من مصادر التشريع؟

صفحه324

صفحه325
   

في الصحابة والتابعين

إنّ الصحابة عند أهل السنّة كلّهم عدول لا يخضعون للجرح والتعديل، فرواياتهم حجة بلا نقاش وبدون فحص وتحقيق عن أحوالهم وسلوكهم طيلة حياتهم .
ونحن نريد أن ندرس هذا الموضوع وانّه هل هي قضية موجبة كلية، أو موجبة جزئية؟ وتتّضح حقيقة الحال ضمن أُمور.

صفحه326

1

في تعريف الصحابي والتابعي

اختلفت كلمات علماء أهل السنّة في تعريف الصحابي، إذ أنّهم لم يحدّدوها تحديداً دقيقاً جامعاً ومانعاً، سعة وضيقاً، وإليك بعض نصوصهم:
1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.
2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.
3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ مَن صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.
4. قال البخاري: مَن صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وأمّا التابعي فيختلف مفهومهم فيه حسب اختلافهم في مفهوم الصحابي، فهو مَن لم ير النبي ولكن يرى مَن رآه من الصحابة، فيتحدد مفهومه حسب تحديد مفهوم الصحابة.

صفحه327

2

تأثير الصحبة في النفوس

لا شكّ انّ للصحبة تأثيراً في النفوس من غير فرق بين كون المصاحَب مصاحَب سوء أو غيره، فلذلك نرى أنّ المجرم يوم القيامة يتمنّى عدم اتّخاذ فلان خليلاً، يقول سبحانه حاكياً عنه: (يا وَيْلَتى لَيْتَني لَمْ أَتّخذ فُلاناً خَليلاً)(1) ، ويقول أيضاً حاكياً عن الخلّة والصحبة: (الأَخلاّءُ يَومئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إِلاّ الْمُتَّقين)(2) ، فإذا كان لصحبة السوء تأثير في تكوين شخصية الإنسان، فلصحبة الأخيار تأثير في النفوس القابلة المستعدة، فربما ترفعه إلى منزلة عالية، وهذا شيء يلمسه كلّ إنسان في واقعه العملي.
لا شكّ انّ لصحبة الأخيار أثراً تربوياً، ولكن مدى تأثيرها يختلف حسب اختلاف عناصر ثلاثة، هي:
1. السن.
2. الاستعداد.
3. مقدار الصحبة.

1 . الفرقان:28.
2 . الزخرف:67 .

صفحه328
أمّا الأوّل فلا شكّ انّ الإنسان الواقع في إطار التربية إذا كان إنساناً يافعاً أو في عنفوان الشباب يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية تنبت ما أُلقي فيها، فربما تُكوّن الصحبةُ شخصية كاملة تعدّ مثلاً للفضل والفضيلة، وهذا بخلاف ما إذا كان طاعناً في السن، واكتملت شخصيّته الروحية والفكرية، فإنّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها واتجاهاتها، أمر صعب، فيكون تأثير الصحبة أقل بمراتب من الطائفة الأُولى.
وأمّا الثاني ـ أعني: الاختلاف في الاستعداد ـ فهو أمر لا يحتاج إلى البيان، فكما أنّ البشر يختلفون في تقبّل العلم، فهكذا هم يختلفون في مقدار قبول الهداية الإلهية، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسة الرسول يختلفون إيماناً وإيثاراً وأخلاقاً و سلوكاً .
وأمّا الثالث ـ أي مقدار الصحبة ـ فقد كانوا مختلفين فيه، فبعضهم صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة، فهل يصحّ أن نقول: إنّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم جميعاً، من جذور غير صالحة وملكات ردية، وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح؟!
وهذه العوامل تدلّ على أنّ تأثير صحبة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن على نحو يجعل الجميع على حدّ سواء من الإيمان والفضل والتقوى والإيثار

صفحه329
والزهد والخير، ومادامت هذه الاختلافات سائدة عليهم فمن البعيد أن نجعلهم على غرار واحد ونزن الكل بصاع معيّن، ونحكم على الكلّ بصفاء النفس، والتجافي عن زخارف الدنيا .
إنّ صحبة الصحابة لم تكن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرأةَ نُوح وَامرأةَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النّار مَعَ الدّاخِلين).(1)
إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بزوجية النبي، وقد قال سبحانه في شأنها : (يا نِساءَ النَّبيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيّنة يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَين وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً).(2)
وأنت ترى الكتاب العزيز يندّد بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل كشف سره ويعاتبهنّ في ذلك.
يقول سبحانه: (وَإِذ أسرّ النبيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حديثاً فَلَما نَبّأت بِهِ وَأَظهرهُ اللّه عَليهِ عَرّف بعضه وَأعرض عَنْ بَعض فَلَما نبّأها به قالَتْ مَنْ

1 . التحريم:10.
2 . الأحزاب30.

صفحه330
أنْبأك هذا قال نبّأني العَليمُ الخبيرُ * إِنْ تَتُوبا إِلى اللّه فقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُما وَإِن تَظاهرا عليه فَإِنّ الله هُوَ مَولاهُ وَجِبريلُ وَصالحُ المُؤْمنين والْمَلائكةُ بَعْد ذلك ظهير * عسى ربُّهُ إِنْ طلَّقكنَّ أن يُبْدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً).(1)
فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: (ان تَتُوبا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكما) أي مالت قلوبكما عن الحقّ، كما أنّ قوله: (وإِنْ تَظاهرا عليه)يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضدّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخقاق أُمنيتهنّ، لأنّ اللّه ناصر النبي وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة.
كلّ ذلك ينبئ عن أنّ الصحبة ليست علّة تامة لتحويل المصاحِب إلى إنسان عادل صالح خائف من اللّه، ناء عن اقتراف السيّئات، حقيرة كانت أو كبيرة، بل هي مقتضية لصلاح الإنسان إذا كان فيه قابلية للاستضاءة، وعزم للاستفاضة.
ومعنى هذا انّ للصحبة تأثيراً متفاوتاً وليست على وتيرة واحدة.

1 . التحريم:3ـ5.

صفحه331

3

العدالة ملكة تدريجية الحصول

إنّ العدالة ملكة كسائر الملكات والّتي منها ملكة الاجتهاد وسائر الشؤون العلمية تتحقّق في الإنسان غب ممارسات ومجاهدات تستغرق زمناً حتّى يبلغ الإنسان مستوى رفيعاً يستقر في النفس طول عمره ولا يزول بسهولة .
فالعالم النحوي إذا مارس المسائل النحوية مدة مديدة تحصل له ملكة الإجابة عن كلّ ما يطرح من الأسئلة والأمثلة ويقوم بتحليلها على ضوء ملكته.
ونظير ذلك العدالة فهي ملكة نفسانية أو خشية إلهية مستقرة في النفس تصده عن ارتكاب المعاصي ومخالفة السنن والقوانين الإلهية، حتّى ولو غلبت عليه القوى الحيوانية مرة فأنّه يرجع نادماً مستغفراً ولا يعود إلى ذلك في فترة قريبة، وبذلك فهو يفترق عن المعصوم حيث إنّه لا تغلبه القوى الحيوانية ولا تتغلب عليه طيلة عمره مع بقاء قدرته على الخلاف والمعصية .
فإذا كان هذا هو واقع الملكة فكيف يمكن التصديق بنظرية عدالة الصحابة بمجرد رؤية أحدهم للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مرة واحدة أو يوماً أو شهراً أو أكثر.
وهذا يبعثنا إلى القول بأنّ الصحابة كسائر الناس، أو كالتابعين فيهم عادل وغير عادل، صالح وغير صالح.

صفحه332

4

أصناف الصحابة في الكتاب

أنّ القرآن الكريم يصنّف صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أصناف مختلفة من غير فرق بين البدري و غيره، ومِن غير فرق بين من آمن قبل الحديبية أو بعده، التحق بالمسلمين قبل الفتح أو بعده، وإليك رؤوس هذه الطوائف مع الإشارة إلى مواضعها في القرآن الكريم، وهم:
1.المنافقون المعروفون.(المنافقون:1)
2. المنافقون المندسّون.(التوبة:101)
3. مرضى القلوب.(الأحزاب:12).
4. السمّاعون.(التوبة:45ـ47).
5. مخالطو العمل الصالح بغيره.(التوبة:102).
6. المشرفون على الارتداد.(آل عمران:154).
7. الفاسق.(الحجرات:6).
8. المسلمون غير المؤمنين(الحجرات:14).
9. المؤلّفة قلوبهم(التوبة:60).
10. المولّون أمام الكفّار. (الأنفال:15ـ 16).

صفحه333
فهذه الأصناف العشرة من صحابة النبيّ لا يمكن وصفها بالعدالة والتقوى كما لا يمكن القول بشمول الآيات المادحة لهؤلاء، وإلاّ يلزم التناقض في مدلول الآيات.
أنّ القرآن الكريم يتنبّأ بارتداد لفيف من الصحابة بعد رحيل الرسول كما في قوله: (وَمَا مُحمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضرّ اللّه شَيئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين).(1)
والآية وإن كانت قضية شرطية، والقضية الشرطية لا تدلّ على وقوع طرفيها، ولكنّها تدلّ بمضمونها على أنّ في صحابة الرسول في عصر نزول الآية ـ أعني: السنة الثالثة (غزوة أُحد) ـ مَن كانت سيرته وأعماله تدلّ على إمكان ارتداده بعد رحيل الرسول، وعند ذلك كيف يمكن أن نكيل جميع الصحابة بمكيال واحد حتّى الأُحديين؟ فكيف بمن آمن بعدهم ويعدّ دونهم؟!
فهذه الآيات إذا انضمت إلى الآيات المادحة يخرج المفسر بنتيجة واحدة، وهي انّ مَن صحب النبي كان بين صالح وطالح، و بين من يُستدر به الغمام ومن لا يساوي إيمانه شيئاً.

1 . آل عمران: 144.

صفحه334

5

الصحابة أعرف بحالهم من غيرهم (1)

إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدري وأُحدي انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.
وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاً من المتصارعين ، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، فإنّه يكشف عن أنّ كلاً من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة الأُخرى.
فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه عادل عن الحق ومجانب لشريعة اللّه ورسوله، وهو على أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من كل زيغ وانحراف؟
أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بروحيّاته؟
أو ليس الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟

1 . كما يقال: أهل مكة أعرف بشعابها من غيرهم .

صفحه335
ووراء هذا ما دار بينهم من كلمات تكشف عن اعتقاد بعضهم في حق بعض، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد بن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقال لسعد ]بن مـعاذ[: كـذبت لعمـر اللّه... فقـام أُسيـد بن حضير وهو ابن عم سعد] بن معاذ [فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفِّضهم حتّى سكتوا وسكت.(1)
وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها عشرات النظائر في الصحاح والمسانيد وفي غضون التاريخ. وإنّما ذكرته ليكون كنموذج لما لم أذكر، وسيوافيك في البحوث التالية نماذج من أفعالهم وأقوالهم التي يكشف عن اعتقادهم في حقّ مخالفيهم.
أو ليس من العجب العجاب، انّ الصحابي يصف صحابياً آخر ـ في محضر النبي ـ بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق، وكلا الرجلين من جبهة الأنصار وسنامهم؟! ولكن الذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهـد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرحم بالطفل من أُمّه.(2)

1 . صحيح البخاري: 3 / 245، كتاب التفسير، رقم الحديث4750.
2 . مثل يضرب.

صفحه336

6

القرآن الكريم وعدالة الصحابة

إنّ القرآن الكريم في مختلف سوره وآياته ينقد أقوال الصحابة وأفعالهم بوضوح كما أنّه في بعض آياته يثني على طائفة منهم، فمن الخطأ أن نركّز على طائفة دون طائفة، فها نحن ندرس في هذا الفصل بعض الآيات التي تنقد أفعالهم وآراءهم .

أ. تنبّؤ القرآن بارتداد لفيف من الصحابة

القرآن يتنبّأ بإمكان ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) . وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم. يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه إنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمّد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل اللّه سبحانه قوله: (وَما مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ وَمَنْ

صفحه337
يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشّاكِرين).(1)
قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه أو قتل.(2)
والظاهر من الارتداد هو الأعمّ من الارتداد عن الدين الذي جاهر به بعض المنافقين والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحقّ وإنساء ما أوصى به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وهذه الآية تخبر عن إمكانية الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل الرسول، فهل يمكن أن يوصف بالعدالة التامّة الّتي هي أُخت العصمة من كان يُحتمل فيه تلك الإمكانية؟ ولذلك ترى أنّهم لا يرضون بنقد آراء الصحابة وأقوالهم.

ب. ترك الرسول قائماً وهو يخطب

بينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الجمعة قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى لم يبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحد سال لكم الوادي ناراً» فنزلت هذه الآية:(وَإِذا رَأوا تِجارةً أَو لَهْواً انفضّوا إِليها

1 . تفسير ابن كثير:1 / 409، والآية 144 من سورة آل عمران.
2 . زاد المعاد: 253.

صفحه338
وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّه خَيْرٌ مِنَ اللَّهو وَ مِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيرُ الرّازِقين).
قال ابن كثير: يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع، من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: (وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها وتركوك قائماً)، أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم أبو العالية والحسن
وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم ابن حبّان أنّ التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً على المنبر إلاّ القليل منهم، وقد صحّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدريس، عن حصين بن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: قدمت غير مرّة المدينة ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت (وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها ) أخرجاه في الصحيحين .(1)
أفمن يقدّم اللهو والتجارة على ذكر اللّه ويستخفّ بالنبيّ، يكون ذا ملكة نفسانية تحجزه عن اقتراف المعاصي واجتراح الكبائر، ما لكم كيف تحكمون؟!

1 . تفسير ابن كثير:4/378; صحيح البخاري:1/316، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة ; صحيح مسلم:2/590 كتاب الجمعة، باب في قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة...).

صفحه339
 
ج. الخيانة بالنكاح سرّاً
شرّع اللّه سبحانه صوم شهر رمضان وحرّم على الصائم إذا نام ليلاً مجامعة النساء، فكان جماعة من المسلمين ينكحون سرّاً وهو محرّم عليهم.
قال ابن كثير: كان الأمر في ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو نام قبل ذلك فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القادمة، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل اللّه قوله:
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيلةَ الصّيامِ الرَّفثُ إِلى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنكُمّ كُنْتُمْ تَختانُونَ أَنفسكُمْ فتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فالآن باشِرُوهنَّ وابتَغُوا ما كَتَبَ اللّه لَكُمْ...).(1)
فهل يصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتكاب الحرام بأنّهم عدول ذوي ملكة رادعة عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟! أو أنّ أكثرهم لم يكونوا حائزين تلك الملكة، وإنّما كانوا على درجة متوسطة من الإيمان والتقوى وقد يغلب عليهم حبّ الدنيا ولذّاتها.

1 . تفسير ابن كثير :1/219; صحيح البخاري: 4/1639، كتاب التفسير، وغيرهما، والآية 187 من سورة البقرة.

صفحه340
 
د. خيانة بعض البدريّين
يقول سبحانه:(وَما كانَ لِنَبىّ أن يغُلَّ وَمَنْ يَغْلُل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوم القِيامَةِ ثُمّ توفّى كُلّ نَفس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلمُون).(1)
قال ابن كثير: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول الله أخذها فأكثروا في ذلك، فأنزل الله:(وَما كانَ لِنَبيّ أن يغلّ وَمَنْ يَغْلل يَأْتِ بِما غلّ يَوم القِيامَة)وهذا تنزيه له ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة، ثمّ تبيّن أنّه قد غلّ بعض أصحابه.(2)
والآية تعرب عن مدى حسن ظنّهم واعتقادهم برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى اتّهموه بالخيانة في الأمانة وتقسيم الأموال، ثمّ تبين أنّه قد غلّه بعض أصحابه، فهؤلاء الجاهلون بمكانة النبي، أو من مارس الخيانة في أموال المسلمين لا يوصفون بالعدالة.
وهذا حال البدريين، لا الأعراب ولا الطلقاء ولا أبنائهم ولا المنافقين، فكيف حال من أتى بعدهم؟ ولعمري أنّ من يقرأ هذه الآيات البيّنات وما ورد حولها من الأحاديث والكلمات ثمّ يصرّ على عدالة الصحابة جميعاً دون تحقيق فقد ظلم نفسه وظلم أُمّته.

1 . آل عمران:161.
2 . تفسير ابن كثير:1/421; تفسير الطبري:4/155 في تفسير الآية، إلى غير ذلك من المصادر.

صفحه341
 
هـ . فاسق يغرّ النبيّ وأصحابه
يقول سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).(1)
أمر اللّه سبحانه بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلاّ يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسّرين أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقات بني المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئيسهم ليقبض ما كان عنده ممّا جمع من الزكاة، فلمّا أن سار الوليد حتّى بلغ بعض الطريق فرق ـ أي خاف ـ فرجع حتّى أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه إنّ الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعث البعث إلى الحارث (رضي الله عنه) و أقبل الحارث بأصحابه حتّى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنّك منعته الزكاة وأردت قتله، قال (رضي الله عنه) عنه: لا والذي بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحقّ ما رأيته بتة ولا أتاني، فلمّا دخل الحارث على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: منعتَ الزكاة و أردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحقّ ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خشيت أن تكون سخطة من اللّه تعالى ورسوله، قال:

1 . الحجرات:6.

صفحه342
فنزلت الحجرات: (يا أيُّها الّذين آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسق بنبأ) إلى قوله: (حكيم).(1)

و. تنازعهم في الغنائم إلى حدّ التخاصم

إنّ صحابة النبي بعد انتصارهم على المشركين في غزوة بدر، استولوا على أموالهم وتنازعوا فيها إلى حدّ التخاصم، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا ونحن منعنا عنه العدوّ وهزمناهم.
وقال الذين أحدقوا برسول اللّه: لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به فنزل: (يسألونك عن الأنفالِ قُل الأَنفالُ للّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللّه وأصلحوا ذات بَيْنِكم وأَطيعوا اللّه ورسوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين).(2)
قال ابن كثير: سأل أبو أمامة عبادة عن الأنفال؟ قال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه اللّه من أيدينا وجعله إلى رسول اللّه، فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين عن سواء.(3)

1 . تفسير ابن كثير:4/209.
2 . الأنفال:1.
3 . تفسير ابن كثير:2/283.

صفحه343
وفي الآية إلماعات إلى سوء أخلاقهم حيث يعظ سبحانه هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور ثلاثة بقوله:
1. (واتقوا اللّه) في أُموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم اللّه من الهدى والعلم خير ممّا تختصمون بسببه.
2. (وأصلحوا ذات بينكم): أي لا تسبّوا.
3. (و أطيعوا اللّه و رسولـه): أي لا تخالفوه و لا تشاجروا.(1)
فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا مرحلة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على حطام الدنيا، يصبحون مُثُلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة؟!

ز. استحقاقهم مسّ عذاب عظيم

كانت السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكّلون بهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض

1 . تفسير ابن كثير:2/285.

صفحه344
ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.
يقول سبحانه في آية أُخرى: (فإذا لَقِيتُمُ الّذين كَفَروا فَضربَ الرِّقابِ حتّى إِذا أَثخَنْتُموهُمْ فَشدّوا الوَثَاقَ فإِمّا منّاً بعدُ وإِمّا فِداء)(1)فأجاز أخذ الأسرى، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.
غير أنّ لفيفاً من الصحابة كانوا يصرون على النبي بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم قبل الإثخان في الأرض، وأخذوا الأسرى، فنزلت الآية في ذم هؤلاء وعرّفهم بأنّهم استحقوا مسَّ عذاب عظيم لولا ما سبق كتاب من اللّه، يقول سبحانه: (ما كان لنبيّ أن يكونَ لَهُ أَسرى حتّى يُثخِن فِي الأَرض تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة واللّهُ عَزيزٌ حَكيم * لَولا كِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسَّكُم فيما أخذتُمْ عذابٌ عَظيم).(2)
والمستفاد من الآيتين أمران:
الأوّل: انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله: (تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة).(3)
الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجة، بحيث استحقُّوا مسَّ

1 . محمد:4.
2 . الأنفال:67ـ 68.
3 . الأنفال:67.

صفحه345
عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: (لَولا كِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسّكُمْ فيما أَخذتُم) أخذ الأسرى (عذاب عظيم).
فقوله:(عذاب عظيم) يعرب عن عظم المعصية التي اقترفوها حتّى استحقوا بها العذاب العظيم.
أفيمكن وصف من أراد عرض الدنيا مكان الآخرة واستحقّ مس عذاب عظيم بأنّه ذو ملكة نفسانية تصده عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟ كلاّ، ولا.

ح. الفرار من الزحف

لقد دارت الدوائر على المسلمين يوم أُحد، لأنّهم عصوا أمر الرسول وتركوا مواقعهم على الجبل طمعاً في الغنائم فأصابهم ما أصابهم من الهزيمة التي ذكرتها كتب السيرة و التاريخ على وجه مبسوط. وبالتالي تركوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في ساحة الحرب وليس معه إلاّ عدد قليل من الصحابة، ولم تنفع معهم دعواته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعودة إلى ساحة القتال ونصرته، فقد خذلوه في تلك الساعات الرهيبة، وأخذوا يلتجئون إلى الجبال حذراً من العدو، ويتحدّث سبحانه تبارك وتعالى عن تلك الهزيمة النكراء بقوله: (إِذْ
تُصْعِدونَ وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمّاً

صفحه346
بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللّه خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون).(1)
فالخطاب موجّه للذين انهزموا يوم أُحد، وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين لدعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: «هلم إليَّ عباد اللّه أنا رسول اللّه...» ومع ذلك لم يُجبه أحد من المولّين.
والآية تصف تفرقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم بعيدة عنه، وأُخراهم قريبة، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبيّ بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو من الجراح.
نعم كان هذا وصف طوائف منهم و كانت هناك طائفة أُخرى، التفت حول النبي ودفعت عنه شرّ الأعداء، وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه: (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين).(2)
ثمّ إنّه سبحانه يصرح بتولّيهم وفرارهم عن الجهاد وينسب زلّتهم إلى
الشيطان ويقول: (إِنّ الّذين تَوَلَّوا مِنْكُمْ يَومَ التَّقى الجَمْعَانِ إِنّما استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ ببعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحيم).(3)

1 . آل عمران:153.
2 . آل عمران:144.
3 . آل عمران:155 .

صفحه347
وليس هؤلاء من أصحاب النفاق (لأنّ المنافق لا يُغفر له ولا يعفى عنه) بل من الصحابة العدول!

ط. نسبة الغرور إلى اللّه ورسوله

إنّ غزوة الأحزاب من المغازي المعروفة في الإسلام، حيث اتحد المشركون واليهود للانقضاض على الإسلام، فحاصروا المدينة وهم عشرة آلاف مدجّجين بالسلاح، وحفر المسلمون خندقاً حول المدينة لمنع العدو من اقتحامها وقد طال الحصار نحو شهر.
وفي هذه الغزوة امتحِن أصحابُ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزلزلوا زلزالاً عظيماً ، وتبيّن الثابت من المستزلّ، وانقسم أصحابه إلى قسمين:
1. المؤمنون وشعارهم (هذا ما وعدنا اللّهُ ورسولُهُ وصدق اللّهُ ورسولُهُ وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً).(1)
2. المنافقون والذين في قلوبهم مرض وشعارهم:(ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غروراً).(2)
فضعفاء الإيمان من المؤمنين كانوا يظنون باللّه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل يصحّ وصف هؤلاء بالعدالة والتزكية؟! وهم ـ طبعاً ـ غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويدلّ على ذلك، عطف

1 . الأحزاب:22.
2 . الأحزاب:12.

صفحه348
(والّذينَ في قُلُوبهم مرضٌ) على المنافقين، قال سبحانه: (وَإِذ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ).
ومن يمعن النظر في الآيات الواردة حول غزوة الأحزاب يعرف مدى صمود كثيرمن الصحابة أمام ذلك السيل الجارف، فإنّ كثيراً منهم كانوا يستأذنون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للرجوع إلى المدينة بحجة انّ بيوتهم عورة ويقول سبحانه: (وما هي بِعَورة ان يُريدون إِلاّ فراراً ولقَد عاهدوا اللّه من قَبل لا يولون الأَدبار وكانَ عَهْد اللّه مسؤولاً).(1)

ي . المنافقون المندسّون بين الصحابة

لقد شاع النفاق بين الصحابة منذ نزول النبي، بالمدينة، وقد ركّز القرآن على عصبة المنافقين وصفاتهم، وفضح نواياهم، وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة النفاق ووصمة الكذب، وغير معروف بذلك، ولأنّه مقنّع بقناع الإيمان والحب للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم.

1 . الأحزاب:13.

صفحه349
وهناك ثلة من المحقّقين ألّفوا كتباً ورسائل حول النفاق والمنافقين، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم.
ومع ذلك فهل يمكن عد جميع من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدولاً؟!
نعم المنافقون ليسوا من الصحابة ولكنّهم كانوا مندسّين فيهم، وعند ذلك فكثيراً ما يشتبه الصحابي الصادق بالمنافق، ولا يتميّز المنافق عن المؤمن، حتّى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما كان لا يعرفهم، يقول سبحانه: (وَمِنْ أَهل المَدينة مردوا عَلى النِّفاق لا تعلمهم نَحْنُ نعلَمهم).(1)
فهذا يجر الباحث ـ الذي يريد الإفتاء على ضوء ما قاله الصحابة ـ للتفتيش عن حال الصحابي حتّى يعرف المنافق عن غيره، فلو اشتبه الحال فلا يكون قوله ولا روايته حجّة.
هذا بعض قضاء القرآن في حق الصحابة، ولسنا بصدد الاستقصاء، فإنّ أصناف الصحابة المجانبين للعدالة، أكثر(2) ممّا ذكرنا والتفصيل لا يناسب وضع الكتاب.

1 . التوبة:101.
2 . منهم: السمّاعون ( التوبة:45ـ47)، خالطو العمل الصالح بغيره( التوبة:102)، المسلمون غير المؤمنين( الحجرات:14)، المؤلفة قلوبهم (التوبة:60).

صفحه350

7

السنّة النبوية وعدالة الصحابة

درسنا عدالة الصحابة في ضوء القرآن الكريم وخرجنا بالنتيجة التالية: انّ حال الصحابة كحال التابعين، ففيهم العادل والفاسق، والصالح والطالح، منهم من يُستدرّ به الغمام ومنهم من دون ذلك.
ومن حسن الحظ انّ السنّة النبوية تدعم ذلك الموقف، فلنذكر منها نزراً قليلاً حسب ما يقتضيه المقام.

أ. زعيم الفئة الباغية

روى مسلم عن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير منّي ـ أبو قتادة ـ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: «بُؤسَ ابنُ سمية تقتلك فئة باغية».(1)
وروى البخاري عن أبي سعيد انّه قال: كنّا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمّار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».
قال الحُميدي: في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري

1 . جامع الأُصول:9/42 برقم 6580.

صفحه351
أصلاً من طريق هذا الحديث، ولعلّها لم تقع إليه فيها، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك، وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ويح عمّار، تقلته الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار».(1)
وقد كشف الحُميدي عن نوايا البخاري انّه ربّما يتلاعب بالحديث فيحذف بعض أجزائه لغرض معيّن، وهو إنّما حذف هذه الجملة المشهورة، أعني: «تقتله الفئة الباغية»بقصد تبرئة معاوية، وتبرير أعماله.
ونحن نسأل القائلين بعدالة الصحابة: مَن هي الفئة الباغية التي قتلت عماراً؟! وهل كان فيها من صحابة النبي من يؤيّد موقف الفئة الباغية؟! لا شكّ انّ معاوية كان يترأس الفئة الباغية وكان عمرو بن العاص وزيره في الحرب، وكان انتصار معاوية في حرب صفين رهن مكيدة عمرو بن العاص، وكان بين الفئة الباغية من الصحابة النعمان بن بشير الأنصاري، وعُقْبة بن عامر الجهني، وأبو الغادية يسار بن سبع الجهني وغيرهم.

ب. عصيان أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحضار القلم والدواة

قد روى أصحاب الصحاح انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بإحضار القلم والدواة ليكتب كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً، وقد حال بعض الحاضرين بينه و بين ما يروم إليه، وقد أخرجه البخاري في غير مورد من صحيحه.

1 . جامع الأُصول:9/44 برقم 6583.

صفحه352
ففي كتاب العلم أخرج عن ابن عباس انّه قال: لما اشتدّ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعه، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قـال: «قـوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و بين كتابه.(1)
وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ، فقال: اشتدّ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعـده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عنـد نبي تـنازع، فقـالوا: هجر رسـول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قـال: «دعـوني فـالـذي أنا فيه خيـر ممّا تدعوني إليه».(2)
وهنا نكتة لابدّ من إلفات القارئ إليها وهي: انّ فعل النبي(طلب الكتاب)، نسب في الصورة الأُولى إلى غلبة الوجع وعند ذاك سمّي القائل به وهو عمر، وفي الصورة الثانية نسب إلى الهجر والهذيان، ولم يذكر اسم القائل، وجاء مكان «عمر» لفظة: «قالوا».
ولما كانت الصورة الأُولى أخف وطأة من الثانية، جاء فيها ذكر القائل دون الثانية.

1 . صحيح البخاري:1/38، برقم 114.
2 . صحيح البخاري:2/287، برقم 3053.

صفحه353
والقائل في الجميع واحد.
ويذكره أيضاً بشكل آخر في موضع ثالث، يقول:
اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(1)
وفي صورة رابعة قال بعضهم: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قوموا.(2)
أُنشدك باللّه انّ من يخالف أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تدلّ القرائن على كونه إلزامياً، ثمّ يصف أمره بأنّه نتيجة غلبة الوجع أو الهجر والهذيان هل يوصف هذا بأنّه صاحب ملكة رادعة عن اقتراف المحرمات؟!
وما أبعد ما بين وصف هؤلاء وبين وصفه سبحانه لنبيّه الكريم بقوله: (وَالنَّجـم إِذا هَـوى* ما ضَلَّ صـاحِبكُمْ وَماغَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى).
كيف يقول ذلك الصحابي حسبنا كتاب اللّه؟! فلو كان هذا صحيحاً فلماذا ألّف المسلمون الصحاح والسنن والمسانيد؟!

1 . صحيح البخاري:2/321، برقم3168 .
2 . صحيح البخاري:3/132 برقم 4432، ولاحظ أيضاً:4/10 برقم 5669 ورقم 7366.

صفحه354

ج. الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1. أخرج البخاري وعن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني و بينهم.
قال أبو حازم: فَسَمِعَني النعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه يزيد فيه قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(1)
2. أخرج البخاري عن المغيرة، قال سمعت: أبا وائل، عن عبد اللّه ، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: أنا فَرَطُكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليُختلجُنَّ دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)
3. أخرج البخاري عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردَنَّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّى إذا عرفتهم، اختُلِجُوا دوني فأقول: أصحابي؟! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.(3)

1 . صحيح البخاري:4/355، برقم 7050 و7051.
2 . صحيح البخاري:4/227، برقم6576.
3 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6582.

صفحه355
4. أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي فَرَطُكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم.(1)
5. أخرج البخاري عن أبي هريرة انّه كان يحدث انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّؤن عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهرى.(2)
6. أخرج البخاري عن أبي المسيب انّه كان يحدِّث عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤن عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(2)
7. أخرج البخاري عن ابن عباس في حديث:... ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ ـ إلى قوله: ـ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(3).(4)

1 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6583 .   2 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6585.
2 . صحيح البخاري:4/228، برقم 6586.
3 . المائدة: 117 ـ 118 .
4 . صحيح البخاري: 2 / 402، كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3447 .

صفحه356
8. أخرج البخاري عن العلاء بن المسيب قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا بن أخي انّك لا تدري ما أحدثنا بعده.(1)
9. أخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكرة انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردنّ على الحوض رجال ممّن صحبني ورآني حتّى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولنّ: ربّي أصحابي! فليُقالَنّ إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)
10. أخرج مسلم عن أسماء بنت أبي بكر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ أُناس دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن أُمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون أعقابهم.
قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا وأن نفتن عن ديننا.(3)
وتنتهي أسانيد هذه الروايات إلى شخصيات نظراء: سهل بن سعد، أبي وائل عن عبد اللّه، أنس بن مالك، أبي هريرة، ابن المسيب، البراء بن عازب، أبي بكرة، وأسماء بنت أبي بكر واقتصرنا غالباً بما رواه البخاري وقد نقله مسلم وغيره أيضاً ، وما ظنّك بحديث يرويه الإمام البخاري وقد

1 . صحيح البخاري: 3 / 64، كتاب المغازي برقم 4170 .
2 . مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الفضائل برقم 35 ; مسند أحمد: 5 / 48 .
3 . شرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 61 برقم 2293 .

صفحه357
نقل شيئاً منه في الفتن، وقسماً أكثر في باب الحوض.
ولابدّ من الكلام في مقامين:
الأوّل: من هم الذين أخبر النبي عن ارتدادهم بعد رحيله؟
الثاني: ما هو المراد من ارتدادهم؟
أمّا الأوّل: فالقرائن القطعية تدلّ على أنّ المراد، بعض أصحابه الذين عاشوا معه وكان يعرفهم وهم يعرفونه واجتمعوا معه في فترة زمنية، وليس هؤلاء إلاّ لفيفاً من أصحابه، والدليل على ذلك ما جاء في متونها من الكلمات التالية:
1. ليردنّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني كما في رقم 1.
2. أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم(رقم2).
3. حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني(رقم3).
4. فأقول: يا ربّ أصحابي (رقم 3، 5، 6).
5. تشبيه هؤلاء بأصحاب عيسى ابن مريم والاستشهاد بقوله سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو صريح في أنّ المراد من عاصر النبي. (رقم 7).
6. شهادة البراء بن عازب بأنّ الصحابة أحدثوا بعد رحيل النبي (رقم 8).
7. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصفهم بقوله: ممّن صحبني ورآني. (رقم 9).

صفحه358
8. استعاذة ابن أبي مليكة من أن يرجع على أعقابه الدالّ على أنّ الصحابة هم المقصودون. (رقم 10).
إذا كان من علائم هؤلاء:
إنّ الرسول يعرفهم وهم يعرفونه، وانّهم من رجال عصر الرسول (رجال منكم) لا من الأجيال المستقبلة، فهؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه في عصر الرسالة، حتّى استحقوا بأن يصفهم النبي عند الاستغاثة بقوله: «يا رب أصحابي».
فلا أظن من يدرس هذه الروايات الواردة في الصحيحين وغيرهما بتجرّد وموضوعية أن يدور في خلده، انّ المراد من الذين ارتدوا على أدبارهم، أُمّته الذين أتوا بعده وعاشوا في أحقاب بعيدة عن عصر الرسول، ولم يكن فيها من وجود الرسول عين ولا أثر، إذ لو كان هذا هو المراد، فمتى عاش معهم النبي، حتّى عرفهم وعرفوه؟ ومتى كانوا معه حتّى صحّ وصفهم بقوله: «رجال منكم» ومتى صحبوه (فترة قصيرة أو طويلة) وصاروا أصحابه؟
ومن التجنّي على الحقيقة القول: «بأنّ جميع الأُمّة أصحاب النبي، كما أنّ جميع من يقلّدون الشافعي مثلاً أصحابه» فانّ هذا التفسير في المقيس عليه ممنوع فكيف المقيس؟ فأصحاب الشافعي هم الذين تربّوا على يديه والتفُّوا حوله وانتفعوا بعلمه، وأمّا الذين جاءوا بعده ولم يشاهدوه فهم

صفحه359
أتباعه، لا أصحابه، فلو صح إطلاق الأصحاب عليهم، فإنّما هو إطلاق مجازي لا حقيقي .
وأمّا المقيس فالحال فيه واضحة.
فالصحابة، في الروايات والآثار، هم الذين أقاموا مع رسول اللّه فترة من الزمن، أو رأوا رسول اللّه و أدركوه وأسلموا، إلى غير ذلك من التعاريف التي ذكرها الجَزري في «أُسد الغابة».(1)
وليس هذا المورد إلاّ كسائر الموارد التي وردت فيها كلمة الصحابة، مثلاً رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تسبُّوا أصحابي»، كما رووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: مثل أصحابي كالنجوم، إلى غير ذلك من الموارد، فالمراد من الجميع هو المعنى المصطلح.
وقد ألّف غير واحد من الرجاليين كتباً في حياة الصحابة، كالاستيعاب لابن عبد البرّ، و «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر، و إلى غير ذلك من الموارد التي أُطلقت فيها كلمة الصحابة وأُريد بها، مَن كانوا وعاشوا معه.
إنّ المتبادر من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، أو «إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك» أو «إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»،هو انّهم كانوا معك ولكن اقترفوا هذه الجريمة بعد رحيل الرسول، دون فاصل زماني طويل، وقد كان المترقب من هؤلاء الذين رأوا شمس الرسالة

1 . أُسد الغابة:1/11ـ12.

صفحه360
واستضاءوا بها، أن يتّبعوا دينه وشريعته و لا يعدلوا عنه قيد شعرة، ولكنّهم ـ للأسف ـ ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أعني: رفع الستر عن هؤلاء الذين ارتدوا وبدلوا.
وأمّا الأمر الثاني، فهل المراد من الارتداد هو الخروج عن الدين، أوالمراد من الارتداد هو الأعم من الرجوع عن العقيدة، أو السلوك على غير ما أوصى به النبي في غير واحد من الأُمور؟ ولعل المراد هو الثاني حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أوصى بالثقلين وأهل بيته، فخالفوا وصية الرسول، كما أنّهم خالفوا في كثير من الأحكام، المذكورة في محلّها، فقدّموا الاجتهاد على النصّ، والمصلحة المزعومة على أمره، وبذلك أحدثوا في دينه بدعاً، ليس لها في الكتاب والسنّة أصل.

صفحه361
موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن لم تحسن صحبته   

8

موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّن لم تحسن صحبته

ما مرّ من الروايات لا تهدف شخصاً معيّناً بالذكر، وهناك روايات تخصّ بعض الصحابة بالذكر من الذين لم تحسن صحبتهم ويخبر عن سوء مصيرهم ويندد بسوء عملهم، وهي كثيرة، ونذكر منها النزر اليسير:

أ. كلّهم مغفور له إلاّ

أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من يصعد الثنيّة، ثنيّة المُرار فإنّه يحطّ عنه، ما حطّ عن بني إسرائيل قال: فكان أوّل من صعدها، خيلَنا خيلَ بني الخزرج ثمّ تتامّ الناس، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «وكلّكم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر» فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: واللّه لأن أجد ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان رجل ينشد ضالّة له.(1)
إنّ مسلماً وان ذكره في كتاب صفات المنافقين، لكنّه لا دليل على أنّه كان منهم، بل كان من ضعفاء الإيمان، أو مرضى القلوب، أو السمّاعين، إلى غير ذلك من الأصناف المتوفرة في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكر الشراح انّه كان الجدّ بن قيس الأنصاري.

1 . صحيح مسلم: 8 / 123، صفات المنافقين وأحكامهم.

صفحه362
وروى مسلم بعد هذا الحديث عن أنس بن مالك قال: كان منّا رجل من بني النجّار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتُب لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانطلق هارباً حتّى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، فأُعجبوا به....

ب. اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد

أخرج البخاري عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يُحسِنُوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلّ رجل منّا أسيره، حتّى إذا كان يوم، أمر خالد أن يقتل كلّ رجل منّا أسيره، فقلت : واللّه لا أقتل أسيري، ولا يَقْتُل رجل من أصحابي أسيره حتّى قدمنا على النبي فذكرناه، فرفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يده فقال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» مرّتين.(1)
هذا هو سيف الإسلام، وبطله يقتل الأبرياء واحداً بعد الآخر، ويتبرأ النبي الأعظم من جريمته، ولكنّه يُصبح بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً بارّاً و سيفاً مسلولاً سلّه رسول اللّه ولا يُغمد، وإن زنى بزوجة مالك بن نويرة وقتله، فما حال غيره!

1 . صحيح البخاري، كتاب المغازي ، باب بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، الحديث 4339.

صفحه363

ج. تنبّؤه بمصير ذي الخويصرة

أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)بينما نحن عند رسول اللّه وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول اللّه اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدِلُ». فقال عمر: يا رسول اللّه، ائذَن لي فيه فأضرِبَ عُنقَهُ؟
فقال: «دَعْهُ، فإنّ له أصحاباً يحقِّرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهم من الرّميَّة».(1)

د. انّ فيك شعبة من الكفر

قد سبّ أبو هريرة رجلاً بأُمّ له في الجاهلية فاستعدى رسول اللّه على أبي هريرة، فقال له رسول اللّه:«إنّ فيك شعبة من الكفر» فحلف أبو هريرة أن لا يسب بعده مسلماً.(2)

هـ . امتناع الرسول من الصلاة على أحد أصحابه

أخرج الحاكم في مستدركه عن زيد بن خالد الجهني (رضي الله عنه) انّ رجلاً من أصحاب رسول اللّه توفّي يوم حنين أو خيبر، فامتنع (رضي الله عنه) من الصلاة

1 . صحيح البخاري: 4 / 179، باب علامات النبوة في الإسلام; بحار الأنوار: 33 / 335، الحديث 579 .
2 . مجمع الزوائد:8/86، كتاب الأدب، باب في من يُعيّر بالنسب أو غيره.

صفحه364
عليه، لأنّه غلّ في سبيل اللّه ففتّشوا متاعه فوجدوا خِرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.(1)

و. تنبّؤ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمصير الأسود لبعض أصحابه

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال شهدنا خيبر ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لرجل ممّن معه يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النّار». فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتّى كثُرت به الجِراحَة، فكادَ بعض الناس يرتاب، فوجد الرّجل ألمَ الجِراحَة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً فنَحَر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول اللّه، صدّق اللّه حديثك، انتحَر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: «قم يا فلانُ، فأذِّن أنّه لا يدخلُ الجَنّة إلاّ مؤمنٌ، إنّ اللّه يُؤيِّد الدّين بالرَّجلِ الفاجر» .(2)

ز. صحابي يخلو بامرأة

روى ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:(إِنّ الحَسنات يُذْهِبن السَّيئات)قال: روى الإمام أبو جعفر بسنده عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال:أتتني امرأة تبتاع منّي بدرهم تمراً، فقلت: إنّ في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبّلتها، فأتيت عمر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتّى أتيت أبا بكر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتّى أتيت

1 . مستدرك الحاكم:2/127، كتاب الجهاد; مسند أحمد:4/114.
2 . صحيح البخاري:3/73، برقم 4203.

صفحه365
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرته فقال: «أخلفت رجلاً غازياً في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا؟» حتّى ظننت انّي من أهل النار حتّى تمنيتُ أنّي أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول اللّه ساعة فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليّ رسول اللّه:(وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفي النَّهار وزُلَفاً من اللَّيل إِنّ الحَسنات يُذْهِبنَ السَّيئات ذلكَ ذِكْرى لِلذّاكرين) فقال إنسان: يا رسول اللّه له خاصة أم للناس عامة؟ قال: «للناس عامة».(1)

ح. صحابي يجلس بين رجلي امرأة

أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن جعدة انّ رجلاً من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر امرأة وهو جالس مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتّى أتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بما صنع فقال له: «استغفر ربّك وصلّ أربع ركعات» قال: وتلا عليه: (وَأَقِم الصَّلاة طَرفي النّهار وزُلفاً مِنَ اللَّيل)الآية.(2)

ط. صحابي يُقتصّ منه

وهذا حارث بن سويد بن الصامت شهد بدراً لكنّه قتل المِجذَر بن

1 . تفسير ابن كثير:2/463 والآية 113 من سورة هود.
2 . تفسير ابن كثير:2/463.

صفحه366
زياد يوم أُحد لثأر جاهلي فقُتِل بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . يقول ابن الأثير: لا خلاف بين أهل الأثر انّ هذا قتله النبي بالمجذر بن زياد، لأنّه قتل المجذر يوم أُحد غيلة.(1)

ي . دعاء النبي على مُحلم بن جثامة

خرج هو ومعه نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة حتّى إذا كانوا ببطن «اضم» مرّ بهم عامر بن الاضبط الأشجعي على بعير له، وسلم عليهم بتحية الإسلام، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتاعه، فلمّا قدموا على رسول اللّه وأخبروه الخبر، فنزل فيهم قوله سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيلِ اللّه فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن ألقى إِليكُمُ السلام لَسْت مُؤْمناً) الآية.(2)
وفي تفسير ابن كثير قال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا غفر اللّه لك.(3)
هذه نماذج من أصحاب النبي الذين اقترفوا المعاصي في حياة النبي وتنبّأ النبي بسوء مصيرهم، أو ندد بعملهم، وإلاّ فالمجروحون من أصحابه كثير. وكفى في نقض الموجبة الكلية (الصحابة كلّهم عدول) القضية الجزئية.

1 . أُسد الغابة: 1 / 332.
2 . أُسد الغابة: 4 / 309، والآية 94 من سورة النساء.
3 . تفسير ابن كثير:1/539.

صفحه367
   

9

الصحابة في مرآة التاريخ

إنّ التاريخ سجّل أسماء جماعة من صحابة النبي لم يحسنوا الصحبة، ونحن نأتي بأسماء لفيف منهم، وهم ليسوا من المنافقين قطعاً إلاّ واحد منهم ومع ذلك ساءت سيرتهم ولا يمكن غض النظر عن هذا التاريخ:
1. الجد بن قيس الأنصاري، الذي قال النبيُّ في حقّه: كلكم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر.(1)
2. عبد اللّه بن أُبيّ بن سلّول، كان من المبايعين تحت الشجرة في بيعة الرضوان (وإن كان منافقاً).
3. الحرقوص بن زهير السعدي، شهد بيعة الرضوان وصار رأس الخوارج، وهو الذي قال للنبيّ: إعدل يا محمد!!
4. حارث بن سويد بن الصامت، شهد بدراً لكنّه قتل المجذر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي، فأمر النبيّ بقتل الحارث بالمجذر.
5. العرنيون، الذين قتلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جزاءً على فعلهم بقتل بعض الرعاة وسرقة الإبل، كانوا قد صحبوا قبل الحديبية.

1 . صحيح مسلم: 8 / 123، طبعة محمدعلي صبيح وأولاده.

صفحه368
6. محلم بن جثامة، قال فيه النبي: «اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة» لأنّه قتل صحابياً متعمداً.
7. مقيس بن صبابة، قتل نفساً مؤمنة فأهدر النبيّ دمه، فقتل في فتح مكة.
8. عبد اللّه بن خطل، كان صحابياً ثمّ ارتد ولحق بمكة وقتل يوم فتحها.
9. المغيرة بن شعبة، ساءت سيرته بعد النبي كما هو واضح.
10. مدعم، مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي غلّ من غنائم خيبر.
11. كركرة، مولى النبي غلّ من غنائم خيبر.
12. سمرة بن جندب، أساء السيرة بعد النبي فكان يبيع الخمر ويقتل البشر ويُرضي معاوية.
13. عبيد اللّه بن جحش الأسدي، كان من السابقين إلى الإسلام ومن مهاجرة الحبشة لكنّه تنصّر بالحبشة.
14. الحارث بن ربيعة بن الأسود القرشي، افتتن وارتد بمكة.
15. أبو قيس بن الوليد بن المغيرة، افتتن بمكة.
16. علي بن أُمية بن خلف افتتن بمكة.

صفحه369
17. العاص بن منبه بن الحجاج، افتتن بمكة وقتل ببدر مع المشركين.(1)
أضف إلى ذلك: انّه كيف يمكن للذكر الحكيم أن يُثني على الأفراد التالية أسماؤهم:
1. معاوية بن أبي سفيان، 2. الوليد بن عقبة(الفاسق بنصّ القرآن)، 3. بُسر بن أبي أرطأة، 4. أبو الأعور السلمي وغيرهم.
فهؤلاء حاربوا عليّاً وعماراً وعشرات البدريّين ومئات الرضوانيين الذين كانوا مع علي في خلافته، وشتموهم، فهؤلاء وأمثالهم خارجون عن الآيات المادحة على فرض شمولها لهم.

1 . وقد عقد الكاتب المعاصر حسن فرحان المالكي فصلاً تحت عنوان «أُناس لم يحسنوا الصحبة» وجاء فيه بأسماء 71 صحابياً اتّسموا بعدم حسن الصحبة، وقد أخذنا هذه الأسماء من تلك القائمة ] لاحظ كتاب الصحبة والصحابة:180ـ 184[.

صفحه370

10

ما هي الغاية من دراسة عدالة الصحابة؟

الغاية من دراسة عدالة الصحابة، نفس الغاية من دراسة عدالة التابعين ومن تلاهم من رواة القرون المتأخرة، والهدف في الجميع هي التعرف على الصالحين والطالحين، حتّى يتسنّى للدارس أخذ الدين عن الصلحاء ، والاجتناب عن الطالحين، فلو قام الرجل بدراسة أحوالهم لهذه الغاية، لما كان عليه لوم .
وبذلك يعلم ضعف ما رواه الخطيب بسنده عن أبي زرعة الرازي قال:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسو ل الله فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(1)
أقول: وقد صدر الرازي عن سوء الظن بإخيه المسلم (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ).
ولو قال مكان هذا القول: «إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من

1 . الإصابة: 1 / 17.

صفحه371
أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شره، حتى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة»، لكان أحسن وأولى بل هو الحسن والمتعيّن.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة وأنّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلّفة من أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين. ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!

صفحه372

11

هل قول الصحابي من مصادر التشريع؟

يعدُّ الأئمّة الثلاثة غير أبي حنيفة قولَ الصحابي من مصادر التشريع، وربّما ينقل عنه أيضاً خلافه، لكن المعروف انّه لا يعترف بحجية قول الصحابي. والمهم في المقام هو تحرير محل النزاع وتعيين موضوعه، فإنّه غير منقّح في كلامهم.
إنّ ظاهر العنوان ـ مذهب الصحابي من مصادر التشريع ـ هو انّ مذهبه من مصادره، في عرض الكتاب والسنّة والإجماع والعقل وغيرها وربما يعبّر عن مذهب الصحابي، بسنّته، الظاهرة في أنّ له سنّة، عرض سنّة النبي، فلو أُريد هذا فهو محجوج بما ذكره الغزالي حيث قال:
إنّ من يُجوَّز عليه الغلط والسهو،ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة؟ وكيف يتصوّر قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ كيف وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كلّ مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه.(1)

1 . المستصفى: 1 / 135.

صفحه373
وعلى ظاهر العنوان (مصادر التشريع) اعترض الشوكاني وقال: والحقّ أنّه ليس بحجّة، فإنّ اللّه سبحانه لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليس لنا إلاّ رسول واحد وكتاب واحد، وجميع الأُمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية، وباتّباع الكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه عزّ وجلّ بعد كتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يرجع إليهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت.(1)
وعلى كل تقدير فالحجة هو كتاب الله العزيز وسنّة نبيه، وما اتّفق عليه المسلمون، أو ما دلّ عليه العقل الحصيف، وأمّا قول الصحابي غير المستند إلى الرسول، فليس بحجة قطعاً، وأمّا رأيه المستنبط من المصادر الشرعية فهوحجة له ولمقلّديه، وليس حجة على الآخرين، أعني: المجتهدين وغيرالمقلدين.
نعم هنا حقيقة مرّة، وهي انّ التأكيد على حجية قول الصحابي لأجل انّ حذفه من الفقه السنّي يوجب انهيار صرح البناء الفقهي الذي أشادوه، وتغيّر القسم الأعظم من فتاواهم، وحلول فتاوى أُخر محلّها ربما استتبع فقهاً جديداً لا أُنس لهم به.

1 . إرشاد الفحول: 214.

صفحه374

12

هل رؤيا الصحابي من مصادر التشريع؟

قد تقدّم في الفصل الثاني انّ من مراتب التوحيد، هو التوحيد في التشريع وانّه لا تشريع سوى تشريعه سبحانه ، وانّ النبي الأعظم هو المبيّن، وعلى ضوء ذلك فليس قول الصحابي ولا سنّته ولا رأيه من مصادر التشريع مالم يكن مستنداً إلى قول الرسول وفعله وتقريره. وأسوأ من ذلك أن تكون رؤيا الصحابي مصدراً للتشريع، ومع الأسف أنّ في الصحاح والسنن روايات تحكي عن كون رؤيا الصحابي من مصادره نذكر مورداً واحداً على سبيل المثال.
اهتم النبي للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القبع ـ يعني الشبور ـ قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود.
قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى.
فانصرف عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأُري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره، فقال له: يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم ويقظـان، إذ أتاني آت فأراني الأذان.
قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً، ثمّ

صفحه375
أخبر النبي به، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد، فاستحييت.
فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله، قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير انّ الأنصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لولا انّه كان يومئذ مريضاً لجعله رسول اللّه مؤذناً.(1)
إنّ هذه الرواية وما شاكلها لا تتفق مع مقام النبوة، لأنّه سبحانه بعث رسوله لإقامة الصلاة مع المؤمنين في أوقات مختلفة، وطبيعة الحال تستدعي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقّق هذه الأُمنية، فلا معنى لتحيّر النبي أياماً طويلة، وهو لا يدري كيف يحقّق المسؤولية الملقاة على عاتقه!!
إنّ الصلاة والصيام من الأُمور العبادية وليست من الأُمور الطبيعية العادية حتى يشاور النبي فيها أصحابه، أوليس من الوهن في أمر الدين أن تكون رؤيا وأحلام أشخاص عاديّين مصدراً لأمر عبادي في غاية الأهمية كالأذان والإقامة؟!
إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ الرؤيا كانت مصدراً للأذان أمر مكذوب ومجعول على الشريعة، وانّ الكذّابين المنتمين إلى بيت عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا هذه الأُكذوبة طلباً لعلو المنزلة والجاه.

1 . سنن أبي داود: 1 / 134 ـ 135 برقم 498 ـ 499، تحقيق محمد محيي الدين. لاحظ سنن ابن ماجة: 1 / 232 ـ 233،، باب بدء الأذان برقم 706 ـ 707; سنن الترمذي: 1 / 358 باب ما جاء في بدء الأذان برقم 189.

صفحه376

صفحه377
الفصل العاشر
1. الوضوء وكيفية غسل الأيدي
2. الأذان والإقامة
3. قبض اليد اليسرى باليمنى بين البدعة والسنّة
4. جزئية البسملة والجهر بها
5. التأمين بعد الفاتحة
6. القنوت في الركعة الثانية
7. السجود على الأرض
8. الجلوس بعد رفع الرأس من السجدة الثانية
9. كيفية التشهد والتسليم
10. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً

صفحه378

صفحه379
   

1

الوضوء وكيفية غسل الأيدي

إنّ آية الوضوء نزلت لتعليم الأُمّة كيفية الوضوء والتيمّم، والمخاطب بها جميع المسلمين عبْر القرون إلى يوم القيامة، ومثلها يجب أن تكون واضحة المعالم مبيّنة المراد، حتّى ينتفع بها القريب والبعيد والصحابي وغيره.
فالآية جديرة بالبحث من جانبين:
الأوّل: مسألة كيفية غسل اليدين، وأنّه هل يجب الغسل من أعلى إلى أسفل أو بالعكس؟
الثاني: حكم الأرجل من حيث المسح أو الغسل.
فلنعطف عنان القلم إلى البحث في الجانب الأوّل.
قال سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمتُمْ إِلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِق).(1)

1 . المائدة: 6.

صفحه380
اختلف الفقهاء في كيفية غسل اليدين، فأئمّة أهل البيت وشيعتهم، على أنّ الابتداء بالمرفقين إلى أطراف الأصابع وانّ هذه هي السنّة، وحجتهم على ذلك هو ظاهر الآية المتبادر عند العرف، فإنّ المتبادر في نظائر هذه التراكيب هو الابتداء من أعلى إلى أسفل، فمثلاً إذا قال الطبيب للمريض: اغسل رجلك بالماء الفاتر إلى الركبة، يتبع المريض ما هو المتداول في غسل الرجل عند العرف، وهو الغسل من أعلى إلى أسفل. أو إذا قال صاحب الدار للصبّاغ، أصبغ جدران هذه الغرفة إلى السقف، فيتبع الصبّاغ ما هو المألوف في صبغ الجدران من الأعلى إلى الأسفل ولا يدور بخلده، أو بخلد المريض من أنّ مالك الدار أو الطبيب استخدم لفظة «إلى» لبيان انتهاء غاية الصبغ والغسل عند السقف و الرجل بل يفهم بوضوح ان الغاية من استعمال لفظة «إلى» هو تحديد المقدار اللازم لهما.
فاذا كان هذا هو المفهوم في المثالين المذكورين فليكن الأمر كذلك في آية الوضوء حول غسل الأيدي، فإنّ الغاية من استعمال لفظة «إلى» هو بيان حد المغسول لا كيفية الغسل، لأنّها متروكة إلى ما هو المتّبع والمتداول في العرف، وهو ـ بلا ريب ـ يتبع الأسهل فالأسهل، وهو الابتداء من فوق إلى تحت .
نعم، إنّ أساس الاختلاف في الابتداء بالمرفقين إلى أُصول الأصابع أو بالعكس عندهم إنّما هو في تعيين متعلّق «إلى» في الآية الكريمة، فهل هو قيد «للأيدي» أي المغسول، أو قيد للفعل أعني: «واغسلوا»؟
فعلى الأوّل تكون الآية بمنزلة قولنا: «الأيدي إلى المرافق» يجب

صفحه381
غسلها، وإنّما جاء بالقيد لأنّ اليد مشترك تطلق على أُصول الأصابع والزند والمرفق إلى المنكب، ولما كان المغسول محدداً إلى المرافق قُيّدت اليد بقوله: «إلى المرافق»، ليفهم أنّ المغسول هو هذا المقدار المحدد من اليد ولولا اشتراك اليد بين المراتب المختلفة وانّ المغسول بعض المراتب لما جيء بلفظة «إلى» فالإتيان بها لأجل تحديد المقدار المغسول من اليد.
وعلى الثاني، أي إذا قلنا بكونه قيداً للأمر بالاغتسال، فربّما يوحي إلى ضرورة الابتداء من أُصول الأصابع إلى المرفقين، فكأنّه سبحانه قال: «الأيدي» اغسلوها إلى المرافق.
ولكن لا يخفى ما في هذا الإيحاء من غموض، لما عرفت من أنّ المتّبع في نظائر هذه الأمثلة ما هو المتعارف وهو الابتداء من الأعلى إلى الأسفل.
أضف إلى ذلك: أنّه لو سلمنا أنّ حرف الجر قيد للفعل، لا نسلم أنّه بمعنى «إلى» الذي هو لانتهاء الغاية، بل يحتمل أن يكون بمعنى «مع» أي الأيدي اغسلوها مع المرافق، وليس هذا بعزيز في القرآن والأدب العربي.
يقول سبحانه: (وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَموالِكُمْ).(1)
وقال سبحانه ـ حاكياً عن المسيح ـ : (فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصاري إِلى اللّه) (2)، أي مع اللّه.

1 . النساء: 2.
2 . آل عمران: 52.

صفحه382
وقوله سبحانه: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)(1) ، أي مع قوتكم.
ويقال في العرف: ولى فلان الكوفة إلى البصرة، أي مع البصرة، وليس في هذه الموارد من الغاية أثر.
وقال النابغة الذبياني:
ولا تتركني بالوعيد كأنّني إلى *** الناس مطليّ به القار أجرب
أراد مع الناس أو عند الناس.
وقال ذو الرمة:
بها كلّ خوار إلى كل صولة *** ورفعـي المدا عـار الترائـب
وقال امرؤ القيس:
له كفل كالدعص لبّده الندى *** إلى حارك مثل الغبيط المذأبِّ
أراد مع حارك.(2)
الوضوء ومسح الأرجل أو غسلها   
وعلى ضوء ذلك فليست «إلى» لبيان الغاية، بل لبيان الجزء الواجب من المغسول سواء أكان الغسل من الأعلى أو من الأسفل.
هذا والدليل القاطع على لزوم الابتداء من الأعلى إلى الأسفل هو لزوم اتّباع ما هو المألوف في أمثال المورد كما سلف.

1 . هود: 52.
2 . رسائل الشريف المرتضى: الرسالة الموصلية الثالثة: 213ـ 214.

صفحه383
وقد نقل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنحو التالي:
أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن بكير و زرارة بن أعين، أنّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا بطست أو بتَوْر(1) فيه ماء، فغسل كفّيه، ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، واستعان بيده اليسرى بكفّه على غسل وجهه، ثمّ غمس كفّه اليسرى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يردّ الماء إلى المرفقين، ثمّ غمس كفّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفّ لا يردُّ الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى، ثمّ مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه ولم يجدد ماء.(2)

الوضوء ومسح الأرجل أو غسلها

قد تقدّم أنّ آية الوضوء جديرة بالبحث من جانبين: أحدهما: كيفية غسل الأيدي، والآخر حكم الأرجل من حيث المسح والغسل. وقد تقدّم البحث عن الجانب الأوّل، وإليك البحث عن الجانب الثاني فنقول:
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجُلَكُمْ
إِلى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطّهرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَوْ عَلى سَفَر أَوْ جاءَأَحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً

1 . التَوْر: إناء صغير.
2 . تهذيب الأحكام: 1 / 59 برقم 158.

صفحه384
طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجوهكُمْ وَأَيديكُمْ مِنْهُ ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّركُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) .(1)
الآية تشكِّل إحدى آيات الأحكام التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية العملية الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشؤون حياتهم الدينية والدنيوية.
وهذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير، ونصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هو الجماهير المؤمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي عليها، وبذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد ورقائق المعارف العقلية التي تُشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلِّعين، خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ والمعاد.
والإنسان إذا تأمّل في هذه الآيات ونظائرها من الآيات التي تتكفَّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمةَ التعبير، ناصعةَ البيان، واضحةَ الدلالة، تخاطب المؤمنين كافّة لتُرسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.
والخطاب ـ كما عرفت ـ يجب أن يكون بعيداً عن الغموض والتعقيد، وعن التقديم والتأخير، وعن تقدير جملة أو كلمة حتّى يقف على مضمونها عامة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بدقائق القواعد العربية وغير عالم بها.

1 . المائدة: 6.

صفحه385
فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية ومنزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهية لأئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.
نزل الروح الأمين بهذه الآية على قلب سيّد المرسلين، فتلاها على المؤمنين وفهموا واجبَهم تجاهها بوضوح، دون تردد، ودون أن يشوبها أيّ إبهام أو غموض، وإنّما دبّ الغموضُ فيها في عصرِ تضارب الآراء وظهور الاجتهادات.
فمن قرأ الآية المباركة بإمعان يقول في قلبه ولسانه:
سبحانك اللهم ما أبلغ كلامَك وأفصح بيانَك، قد أوضحت الفريضةَ وبيّنت الوظيفةَ فيما يجب على المسلم فعلهُ قبل الصلاة، فقلت:
(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة) .
ثمّ قلتَ مبيّناً لكيفية الوظيفة وانّها أمران:
أ. (فَاغْسِلُوا وُجُـوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلـى المَرافِـق) .
ب.(وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجلكُمْ إِلى الكَعْبَين) .
سبحانك ما أبقيت إجمالاً في كلامك، ولا إبهاماً في بيانك، فأوصدتَ باب الخلاف، وسددتَ باب الاعتساف بتوضيح الفريضة وبيانها.
سبحانك اللّهم إن كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَديه مِنَ

صفحه386
الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)(1) فهو مهيمن ـ بالقطع واليقين ـ على المأثورات المرويّة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي بين آمرة بغسل الأرجل و آمرة بمسحها.
فماذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المروية عمّن لا ينطق إلاّ عن الوحي، ولا يناقض نفسه في كلامه؟
سبحانك لا محيص لنا إلاّ الأخذ بما نادى به كتابك العزيز وقرآنك المجيد وقد بيّنه في جملتين تعربان عن واقع الفريضة وأنّها تتألّف
من غسلتين: (فَاغْسِلُـوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِق) .
كما تتألّف من مسحتين: (فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَين) .
(أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً).(2)

سبب الاختلاف

فإذا كانت بداية الاختلاف في عهد الخليفة الثالث، فهناك سؤال يطرح نفسه: ما هو سبب الاختلاف في أمر الوضوء بعد ما مضت قرابة عشرين سنة من رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فنقول: هناك وجوه واحتمالات:

1. اختلاف القراءة

ربما يتصوّر انّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة

1 . المائدة: 48.
2 . الأنعام: 114.

صفحه387
حيث إنّ القرّاء اختلفوا في إعراب (وأرجلكم) في قوله سبحانه: (فَامْسَحُوا بِرُءُوسكم وَأَرجلكم)، فمنهم من قرأ بالجرِّ عطفاً على الرؤوس الذي يستلزم وجوب المسح على الأرجل، ومنهم من قرأ بالفتح عطفاً على (وجوهكم) في قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) الذي يستلزم الغسل.
إنّ هذا الوجه باطل جداً، فانّ العربي الصميم إذا قرأ الآية مجرّداً عن أي رأي مسبق لا يرضى بغير عطف الأرجل على الرؤوس، سواء أقرأ بالنصب أم بالجر، وأمّا عطفه على وجوهكم فلا يخطر بباله حتّى يكون مصدراً للخلاف.
فعلى من يبتغي تفسير الآية وفهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في عصر نزول الآية ويسمع كلام اللّه من فم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أصحابه، فما يفهمه عند ذاك حجة بينه و بين ربه، وليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك الوقت .
فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية، وعن اختلاف المسلمين في كيفية الوضوء وطلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح:
إنّ الوضوء غسلتان و مسحتان دون أن يفكّر في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرؤوس أو معطوفة على وجوهكم؟ فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صُرّح فيهما بحكمين:
بدئ في الجملة الأُولى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)

صفحه388
بغَسْل الوجوه ثمّ عطفت الأيدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف.
ثمّ بدئ في الجملة الثانية:(وَامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكَعبين) بمسح الرؤوس ثمّ عطفت الأرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرؤوس لأجل العطف، والواو تدلّ على مشاركة مابعدها لما قبلها في الحكم.
والتفكيك بين حكم الرؤوس وحكم الأرجل لا يحتمله عربي صميم، بل يراه مخالفاً لظهور الآية.

2. التمسّك بروايات الغسل المنسوخة

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ غسل الرجلين كان سنّة أمر بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فترة من عمره، ولمّا نزلت سورة المائدة وفيها آية الوضوء والأمر بمسح الأرجل مكان الغسل، أخذ ـ بعد فترة من الزمن ـ مَن لا يعرف الناسخ والمنسوخ بالسنّة المنسوخة، وأثار الخلاف غافلاً عن أنّ الواجب عليه الأخذ بالقرآن الناسخ للسنّة وفيه سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
أخرج ابن جرير عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنّة بالغسل.(1)

1 . الدر المنثور: 3 / 1.

صفحه389
ويريد من السنّة عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول القرآن، ومن المعلوم أنّ القرآن حاكم وناسخ.
وقال ابن عباس:أبى الناس إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب اللّه إلاّ المسح.(1)
وبهذا يمكن الجمع بين ما حكي من عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغسل وبين ظهور الآية في المسح، وانّ الغسل كان قبل نزول الآية.
ونرى نظير ذلك في المسح على الخفّين، فقد روى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنّه قال: «سبق الكتابُ الخفّين».(2)
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سبق الكتاب الخفّين. ومعنى ذلك انّه لو صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فترة من عمره، المسح على الخفّين، فقد جاء الكتاب على خلافه ناسخاً له حيث قال: (وَامسحوا برءُوسكم وأرجلكم) أي امسحوا على البشرة لا على النعل ولا على الخفّ ولا الجورب.(3)

3. إشاعة الغسل من قبل السلطة

كان الحكام مصرّين على غسل الأرجل مكان المسح ويُلزمون

1 . الدر المنثور: 3 / 4 .
2 . مصنف ابن أبي شيبة: 1 / 213، باب من كان لا يرى المسح، الباب 217.
3 . مصنف ابن أبي شيبة: 1 / 213، باب من كان لا يرى المسح، الباب 217.

صفحه390
الناس على ذلك بدل المسح لخبث باطن القدمين، وبما انّ قسماً كثيراً منهم كانوا حفاة، فراق في أنفسهم تبديل المسح بالغسل، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص.
1. روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة انّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وانّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.
فقال أنس:صدق اللّه وكذب الحجاج قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم)قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.(1)
2. وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيد الغسل، وتؤاخذ من يقول بالمسح، حتّى أنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّخفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّـي بكم صلاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّـا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّى.(2)

1 . تفسير القرآن لابن كثير:2/25; تفسير القرآن للطبري:6/82.
2 . مسند أحمد:5/342; المعجم الكبير :3/280 برقم 3412.

صفحه391
هذه وجوه ثلاثة يمكن أن يُبرّر بها الغَسْل مكان المسح مع دلالة الكتاب العزيز على المسح، والأقرب هو الثاني ثمّ الثالث.

ما هو العامل في قوله: (وأرجلكم)؟

إنّ آية الوضوء هي الدليل المبرم على وجوب الوضوء وكيفيته، وهي آية واضحة نزلت لتبيين ما هو تكليف المصلّي قبل الصلاة، وطبيعة الحال تقتضي أن تكون آية واضحة المعالم، محكمة الدلالة، دون أن يكتنفها إجمال أو إبهام، قال سبحانه:
(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة).
(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلى المَرافِـق).
(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجلَكُمْ إِلى الكَعْبَين).
وتعيين أحد القولين من مسح الرجلين أو غسلهما رهن تشخيص العامل في لفظة (وأرجلكم).
توضيحه:إنّ في الآية المباركة عاملين وفعلين كل يصلح في بدء النظر لأن يكون عاملاً في قوله: (وأرجلكم) إنّما الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي؟
والعاملان هما:
فاغسلوا.
وامسحوا.

صفحه392
فلو قلنا: إنّ العامل هو الأوّل يجب غسلهما، ولو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما، فملاك إيجاب واحد منهما رهن تعيين العامل في «أرجلكم».
لا شكّ انّ الإمعان في الآية ، مع قطع النظر عن كلّ رأي مسبق وفعل رائج بين المسلمين، يُثبت انّ الثاني، أي (وامسحوا) هو العامل دون الأوّل البعيد.
وإن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب، أي الرؤوس لا على البعيد، أعني: الوجوه، ونوضح ذلك بالمثال التالي:
لو سمعنا قائلاً يقول: أحب زيداً وعمراً ومررت بخالد وبكر من دون أن يُعرب «بكر» بالنصب أو الجرّ، نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» و العامل فيه هو الفعل الثاني وليس معطوفاً على «عمرو»حتّى يكون العامل فيه هو الفعل الأوّل.
وقد ذكر علماء العربية أنّ العطف من حقّه أن يكون على الأقرب دون الأبعد، وهذا هو الأصل والعدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، وإلاّ ربما يوجب اللّبس واشتباه المراد بغيره.
فلنفرض أنّ رئيساً قال لخادمه: أكرم زيداً وعمراً واضرب بكراً وخالداً، فهو يميز بين الجملتين ويرى أنّ «عمراً» عطف على «زيداً»، وأمّا «خالداً» فهو عطف على «بكراً»، ولا يدور بخلده خلاف ذلك.
قال الرازي: يجوز أن يكون عامل النصب في قوله (أرجلكم) هو

صفحه393
قوله : (وامسحوا)ويجوز أن يكون هو قوله (فاغسلوا) لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: (أرجلكم) هو قوله: (وامسحوا).
فثبت انّ قوله: (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح.(1)
فإذا كانت الحال كذلك ولا يجوز الخروج عن القواعد في الأمثلة العرفية، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة كذلك.
وليس المثال منحصراً بما ذكرنا، بل بإمكانك الإدلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية.
فلو إنّك عرضت الآية على أيّ عربيّ صميم يجرّد نفسه عن المذهب الذي يعتنقه، وسألته عن دلالة الآية يجيبك:
إنّ هناك أعضاءً يجب غسلها، وهي الوجوه والأيدي.
وأعضاءً يجب مسحها وهي الرؤوس والأرجل.
ولو أُلفت نظره إلى القواعد العربية تجده انّه لا يتردد انّ العامل في الرؤوس والأرجل شيء واحد وهو قوله: (وامسحوا) ولا يدور بخلده التفكيك بين الرؤوس والأرجل بأن يكون العامل في الرؤوس قوله: (وامسحوا) والعامل في قوله: (وأرجلكم) هو قوله: (فاغسلوا) .
فإذا اتّضحت دلالة الآية على واحد من المسح والغسل فلا نحتاج

1 . التفسير الكبير:11/161.

صفحه394
إلى شيء آخر، فالموافق منه يؤكّد مضمون الآية، والمخالف يعالج بنحو من الطرق أفضلها انّها منسوخة بالكتاب.
القراءتان والمسح على الأرجل   

القراءتان والمسح على الأرجل

إنّ اختلاف القرّاء في لفظة: (وأرجلكم) بالفتح والجر لا يؤثر في دلالة الآية على وجوب المسح، فالقراءتان تنطبقان على ذلك القول بلا أي إشكال.
توضيح ذلك:
إنّه قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه قوله: (وأرجلكم)بالنصب، وهذه هي القراءة المعروفة التي عليها المصاحف الرائجة في كلّ عصر وجيل.
وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجرّ.
ونحن نقول:إنّ القراءتين تنطبقان على القول بالمسح بلا تريّث وتردد.
أمّا الثاني أي قراءة الجر، فهو أقوى شاهد على أنّه معطوف على قوله: (برءُوسكم) إذ ليس لقراءة الجرِّ وجه سوى كونه معطوفاً على ما قبله. وعندئذ تكون الأرجل محكومة بالمسح بلا شك.
وأمّا قراءة النصب فالوجه فيه أنّه عطف على محل (برءُوسكم) لأنّه

صفحه395
منصوب محلاً مفعول لقوله: (وامسحوا) وعندئذ تكون الأرجل أيضاً محكومة بالمسح فقط، والعطف على المحل أمر شائع في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في القرآن الكريم.
أمّا القرآن فقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشرِكين وَرَسُولُه) (1)فقراءة: (ورسوله)بالضم هي القراءة المعروفة الرائجة و لا وجه لرفعه إلاّ كونه معطوفاً على محل اسم إنّ ، أعني: لفظ الجلالة في (انّ اللّه) لكونه مبتدأ.
وقد ملئت مسألةُ العطف على المحل كتبَ الأعاريب، فقد عقد ابن هشام باباً خاصاً للعطف على المحل وذكر شروطه.(2)
وأمّا في الأدب العربي فحدِّث عنه ولا حرج، قال القائل:
معاوي انّنا بـشر فاسجـح *** فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فقول: «ولا الحديدا» بالنصب عطف على محل «بالجبال»، لأنّها خبر ليس في قوله «فلسنا».
فخرجنا بالنتيجة التالية:
إنّ اختلاف القراءتين لا يؤثّر في تعيّن القول بالمسح، وسوف يوافيك دراسة القراءتين على القول بالغسل.

1 . التوبة:3.
2 . مغني اللبيب: الباب4، مبحث العطف. قال: الثاني: العطف على المحل ثمّ ذكر شروطه.

صفحه396
ثمّ إنّ لفيفاً من أعلام السّنة صرحوا بدلالة الآية على المسح قائلين بأنّ قوله (وأرجلكم)معطوف على الأقرب لا الأبعد، وانّ العامل فيه هو (وامسحوا) ، ونذكر بعض تلك الكلمات:
1. قال ابن حزم: وأمّا قولنا في الرجلين، فانّ القرآن نزل بالمسح ، قال تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم)، وسواء قرئ بخفض اللام أو فتحها، فهي على كلّ حال عطف على الرؤوس امّا على اللفظ و إمّا على الموضع، ولا يجوز غير ذلك.(1)
وقال الرازي: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل.
وأمّا القراءة بالنصب، فقالوا ـ أيضاً ـ انّها توجب المسح، وذلك لأنّ قوله (وامسحوا برءُوسكم) في محل النصب، ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطف الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور النحاة.(2)
القراءتان وغسل الأرجل   
2. وقال الشيخ السندي الحنفي ـ بعد ان جزم انّ ظاهر القرآن هو المسح ـ ما هذا لفظه: و إنّما كان المسح هو ظاهر القرآن، لأنّ قراءة الجر ظاهرة فيه، وقراءة النصب محمول على جعل العطف على المحل.(3)

1 . المحلى:2/56.
2 . التفسير الكبير:11/161.
3 . شرح سنن ابن ماجة:1/88، قسم التعليقة.

صفحه397
ولعلّ هذا المقدار من النقول يكفي في تبيين انّ كلتا القراءتين تدعمان المسح فقط وتنطبقان عليه بلا إشكال.

القراءتان وغسل الأرجل

قد عرفت أنّ اختلاف القراءة في قوله: (وأرجلكم) لا يؤثر في القول بمسح الرجلين، سواء أقرأنا قوله:(وأرجلكم) بالنصب أم قرأناه بالجر، فكلتا القراءتين تدعمان المسح وبالتالي العامل في قوله:(أَرْجلكم) هو قوله: (وامسحوا) و لفظة (وأرجلكم) معطوفة على (برءُوسكم) إمّا لفظاً أو محلاً.
إنّما الكلام في إمكانية تطبيق القول بالغسل على القراءتين المعروفتين ومقدار انسجامه معهما والقواعد العربية. وسيتضح من خلاله انّ فرض الغسل على الآية خرق واضح للقواعد العربية، وإليك البيان:

الغَسْل وقراءة النصب

فلو قلنا بدلالة الآية على غسل الأرجل، فلا محيص من أن يكون العامل هو قوله في الجملة المتقدّمة (فاغسلوا) وأن يكون معطوفاً على قوله: (وجوهَكم) وهذا يستلزم الفصل بين المعطوف(وأرجلكم ) و المعطوف عليه (وجوهكم) بجملة أجنبية وهي (وامسحوا برءُوسكم) مع أنّه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد فضلاً عن جملة أجنبية، ولم يُسمع في كلام العرب الفصيح قائل يقول:«ضربت زيداً» و «مررت ببكر وعمراً» بعطف «عمراً» على «زيداً».

صفحه398
1. قال ابن حزم: لا يجوز عطف أرجلكم على وجوهكم، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدئة.(1)
2. وقال أبو حيان: ومن ذهب إلى أنّ قراءة النصب في (وأرجلكم)عطف على قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله: (وامسحوا برءُوسكم) فهو بعيد، لأنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية.(2)
3. وقال الشيخ الحلبي في تفسير الآية: نصب (وأرجلكم) على المحل وجرها على اللفظ، ولا يجوز أن يكون النصب للعطف على وجوهكم، لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وامسحوا برءُوسكم) والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف عمراً على زيد.(3)
الغسل وقراءة الجر   
4. وقال الشيخ السندي: وحمل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب لاطّراد العطف على المحل، وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح.(4)
إلى غير ذلك من الكلمات التي تصرح بأنّ قراءة النصب واستفادة

1 . المحلى:2/56.
2 . تفسير النهر الماد:1/558.
3 . غنية المتملي في شرح منية المصلي المعروف بالحلبي الكبير:16.
4 . شرح سنن ابن ماجة:1/88.

صفحه399
الغسل يتوقّف على خرق قاعدة نحوية، وهي الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية.

الغسل وقراءة الجر

إنّ القائلين بغسل الأرجل برّروا قراءة النصب بوجه قد عرفت ضعفه وعدم انسجامه مع القواعد العربية، ولكنّهم لمّا وقفوا على قراءة الجرّ وانّها تدلّ على المسح دون الغَسْل حاروا في تبريرها وتوجيهها مع القول بالغسل، فانّ قراءة الجر صريحة في أنّ لفظة (وأرجلكم) معطوفة على (برءُوسكم)فيكون حكمها حكم الرؤوس، وعند ذلك مالوا يميناً ويساراً حتّى يجدوا لقراءة الخفض مع القول بالغَسل مبرّراً، وليس هو إلاّ القول بالجرّ بالجوار.
وحاصله: انّ قوله (وأرجلكم) محكوم حسب القواعد بالنصب لكونها معطوفة على قوله: (وجوهكم)، ولكنّه اكتسب اعراب الجرّ من قوله: (برءُوسكم) لأجل وقوعه في جنب لفظ مجرور، وهذا ما يقال له: «الجرّ بالجوار» وهو ترك اللفظ إعرابه الطبيعي واكتساب إعراب اللفظ المجاور معه، وقد مثلوا له بقولهم: «جحر ضبّ خرب»، فإنّ قوله: «خرب» خبر لقوله: «جحر» ولكنّه قرأ بالجرّ لوقوعه في جنب كلمة «ضبّ» حيث إنّه مجرور باعتبار كونه مضافاً إليه.
وبما انّ الجرّ بالجوار إمّا غير واقع في فصيح اللغة، وعلى فرض وقوعه فله شروط مفقودة في المقام، نعقد لبيان الموضوع البحث التالي.

صفحه400
الجر بالجوار صحة وشرطاً   

الجر بالجوار صحة وشرطاً

لما كان القائلون بغسل الأرجل يفسّرون قراءة الجرّ بالجوار، نذكر كلمات أعلام الأُدباء في المقام ليُعلم مدى صحّة الجرّ بالجوار، و على فرض صحّته ما هي شروطه؟
1.قال الزجاج: ربما يقال: (وأرجلكم) مجرور لأجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الرؤوس المجرورة، نظير قول القائل: جُحر ضب خرب، فإن «خرب» خبر «لجحر» فيجب أن يكون مرفوعاً، لكنّه صار مجروراً لأجل الجوار.
هذا، ثمّ ردَّ عليـه بقوله: وهـو غير صحيح، لاتّفـاق أهل العربية عـلى أنّ الإعراب بالمجاورة شاذ نـادر، ومـا هـذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غيـر ضرورة يُلجــأ إليهـا.(1)
2.قال علاء الدين البغدادي في تفسيره المسمّى بالخازن: وأمّا من جعل كسر اللام في «الأرجل» على مجاورة اللفظ دون الحكم. واستدل بقولهم: «جحر ضب خرب» و قال: الخرب نعت للجحر لا الضب، وإنّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيّد لوجهين:
أ. لأنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لأجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، لأنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر.

1 . معاني القرآن وإعرابه: 2 / 153 .

صفحه401
ب. ولأنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون واو العطف، امّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.(1)
3. أنكر السيرافي وابن جنّي الخفض على الجوار وتأوّلا قولهم «خرب» بالجر على أنّه صفة للضب، و من أراد التفصيل فليرجع إلى المغني.(2)
4. قال ابن هشام: ولا يكون الجر بالجوار في النسق، لأنّ العاطف يمنع التجاور.(3)
ويتلخّص من هذه الكلمات التي نقلناها بالإيجاز الأُمور التالية:
أوّلاً: أنّ الخفض بالجوار لم يثبت في الكلام الفصيح.
ثانياً: أنّ الخفض بالجوار على فرض ثبوته إمّا لضرورة الشعر أو لأجل استحسان الطبع المماثلةَ بين اللفظين المتجاورين، وكلّ من الوجهين منتفيان في المورد، فليس هنا ضرورة شعرية ولا استحسان الطبع في إخلاء لفظ (وأرجلكم) من إعرابه الواقعي واكتسابه إعراب جاره.
ثالثاً: أنّ العطف بالجوار إنّما يجوز فيما إذا يؤمن عن الاشتباه كما في المثل المعروف، فإنّ «خرب» وصف للجحر لا للضبّ وان جرَّ ، بخلاف المقام فانّ قراءة الجرّ تورث الاشتباه، فلو كان الأرجل في الواقع محكومة

1 . تفسير الخازن:2/16.
2 . مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية،359.
3 . مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية،359.

صفحه402
بالغسل، فالجرّ بالجوار يوهم كون الأرجل محكومة بالمسح وانّها معطوفة على الرؤوس من دون أن يلتفت المخاطبُ إلى أنّ الجرّ للجوار فلا داعي لارتكاب هذا النوع من الخفض الذي يضاد بظاهره مراد القائل.
ورابعاً: لم يثبت الجر بالجوار إلاّ في الوصف والبدل وأمثالهما لا في المعطوف كما في الآية .
وظهر من هذا البحث الضافي انّ القول بالمسح ينطبق على كلتا القراءتين بلا أدنى تأويل وحرج، وهذا بخلاف القول بالغسل فانّه لا ينسجم لا مع قراءة النصب ولا مع قراءة الجرّ.
المسح على الأرجل في الأحاديث النبوية   

المسح على الأرجل في الأحاديث النبوية

قد تعرّفت ـ من دلالة الآية ـ على أنّ الفرض في مورد الأرجل هو المسح، وبما انّ الآية نزلت في أُخريات حياة النبي ولم تنسخ بعد فهي بنفسها كافية في الدلالة على المقصود.
غير انّنا تعزيزاً للمطلب نذكر ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه من لزوم المسح على الأرجل، ونقتصر في ذلك بالمتون مع تجريد الأسانيد، لأنّ الكتاب لا يسع لذكرها.

ما روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حول مسح الأرجل

1. عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه

صفحه403
ورجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)هكذا توضّأ، يا هؤلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده.(1)
2. عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ كما توضّأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(2)
3. وفي مسند عبداللّه بن زيد المازني انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ومسح رأسه ورجليـه مرتين.(3)
4. عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة ورجليه إلى الكعبين ولحيته تهطل على صدره ثمّ حسا حسوة بعد الوضوء ثمّ قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كذا كان وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).(4)
5. عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . مسند أحمد:1/109، الحديث489.
2 . كنز العمال:9/436، الحديث 26863.
3 . كنز العمال:9/451، الحديث26922.
4 . كنز العمال:9/448 برقم 26908.

صفحه404
توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه.(1)
6. عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح ظاهرهما.(2)
7. عن رفاعة بن رافع انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّوجلّ، ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين».(3)
8. ما روي عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف عنّا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:«ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً.(4)
9. عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّـى بهم فكبر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة.(5)

1 . كنز العمال:9/429 برقم 26822.
2 . مسند أحمد:1/153برقم 739و ص183برقم91.
3 . سنن ابن ماجة:1/156، حديث 460; سنن النسائي:2/226.
4 . صحيح البخاري:1/23، باب من رفع صوته بالعلم من كتاب العلم، الحديث1.
5 . مسند أحمد:5/342.

صفحه405
10. عن عباد بن تميم المازني، عن أبيه أنّه قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.(1)
11. عن أوس بن أبي أوس الثقفي انّه رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضّأ ومسح على قدميه.(2)
12. عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالساً عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاءه رجل فدخل المسجد، فصلّى فلمّـا قضى الصلاة جاء فسلم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى القوم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ارجع فصلّ فانّك لم تصل» وجعل الرجل يصلّي، وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلمّـا جاء فسلم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى القوم قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «وعليك ارجع فصلِّ فانّك لم تصل».
قال همام: فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال له الرجل: ما أدري ماعبت من صلاتي؟
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه لا تتم صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثمّ يكبر اللّه تعالى ويثني عليه، ثمّ يقرأ أُمّ القرآن وما أذن له فيه ويسر، ثمّ يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتّى تطمئن مفاصله، ويسترخي ثمّ يقول:

1 . سنن ابن ماجة:1، الحديث460.
2 . تفسير الطبري:6/86; المعجم الكبير:1/221 برقم 603.

صفحه406
سمع اللّه لمن حمده، ويستوي قائماً حتّى يقيم صلبه ويأخذ كلّ عظم مأخذه، ثمّ يكبر فيسجد فيمكن وجهه. قال همام: وربما قال جبهته من الأرض حتّى تطمئن مفاصله ويسترخي، ثمّ يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتّى فرغ، ثمّ قال: لا يتم صلاة أحدكم حتّى يفعل ذلك.(1)
13. عن ابن عباس انّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر فقال عمر بن الخطاب: سعد أفقه منك، فقال عمر: يا سعد انّا لا ننكر انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح ـ أي على القدمين ـ ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة فانّها أحكمت كل شيء وكانت آخر سورة من القرآن إلا براءة.(2)
14. عن عروة بن الزبير انّ جبرئيل (عليه السلام) لمّا نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوّل البعثة فتح بالإعجاز عيناً من ماء فتوضأ ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر إليه فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ففعل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)كما رأى جبرئيل يفعل.(3)
ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الأرجل   
15. روى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أنّ أبا جبير قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ابنته التي تزوّجها رسول اللّه، فدعا رسول اللّه بوضوء

1 . المستدرك للحاكم:1/241.
2 . الدر المنثور:3/29.
3 . الخصائص الكبرى:1/94.

صفحه407
فغسل يديه فأنقاهما، ثمّ مضمض فاه واستنشق بماء، ثمّ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثمّ مسح رأسه ورجليه.(1)
إلى هنا تمّ ما عثرنا عليه من الروايات عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه عابر، وهي تدلّ على أنّ قول النبي وفعله كان على المسح لا الغسل.

ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الأرجل

16. حدث سفيان قال: رأيت علياً (عليه السلام) توضّأ فمسح ظهورهما.(2)
17. عن حمران انّه قال: رأيت عثمان دعا بماء غسل، فغسل كفيه ثلاثاً ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(3)
18. عن عاصم الأحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل. وهذا اسناد صحيح.(4)
19. عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.
20. عن عبد اللّه العتكي، عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل انّما نزل فيهما المسح .

1 . أُسد الغابة:5/156.
2 . مسند أحمد:1/200، الحديث 1018.
3 . كنز العمال:5/106.
4 . الأحاديث 18ـ 26 ، كلّها منقولة من تفسير الطبري:6/82.

صفحه408
21. عن جابر، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: امسح على رأسك وقدميك.
22. عن ابن علية بن داود، عن عامر الشعبي انّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين ألا ترى أنّ ما كان عليه الغسل جُعِلَ عليه المسح وما كان عليه المسح أُهمِل (في التيمّم).
23. عن عامر الشعبي، قال: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل في الوضوء، وأبطل ما أمر أن يُمسح في الوضوء: الرأس والرجلان.
24. عن عامر الشعبي قال: أُمر أن يُمْسح بالصعيد في التيمّم، ما أمر أن يُغسل بالماء، وأهمل ما أمر أن يمسح بالماء.
25. عن يونس قال: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه، إنّما يمسح عليهما حتّى خرج منها.
26. عن قتادة في تفسير قوله سبحانه: (فاغْسِلُوا وُجوهكُمْ وَأيديكُمْ إِلى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ إِلى الكَعْبَين) افترض اللّه غسلتين ومسحتين.
27. قال موسى بن أنس لأبي حمزة: إنّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى:
(وَامسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ).

صفحه409
قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.
قال ابن كثير: اسناده صحيح إليه.(1)
28. عن الشعبي قال : نزل جبرئيل بالمسح، ثمّ قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمّم أن يمسح ما كان غسل ويلغى ما كان م