welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : واحة اليقين*
نویسنده :الأُستاذ حيدر محمد علي البغدادي*

واحة اليقين

صفحه 1
   
    واحة اليقين
واحـة اليقـين

صفحه 2

صفحه 3
إشراف: آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني   
واحـة اليقـين
بحوث جديدة في الإمامة والخلافة
وفي المهديّ المنتظر
 
تأليف
الأُستاذ حيدر محمد علي البغدادي
الطحّان
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
مقدّمة المشرف: الحقيقة بنت البحث   

صفحه 4
بغدادي طحّان، حيدر محمد على ، 1339 ـ
      واحة اليقين: بحوث جديدة في الإمامة والخلافة وفي المهدي المنتظر (عج) / تأليف حيدر محمد علي البغدادي الطحّان; تقديم واشراف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      ص656.    ISBN 978 - 964 - 357 - 521 - 2
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . امامت. 2. على بن ابى طالب (عليه السلام)، امام اول، 23 قبل از هجرت ـ 40 ق. ـ اثبات خلافت. 3. شيعه ـ ـ دفاعيه ها ورديه ها . الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ مشرف ومقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان. د. عنوان: بحوث جديدة في الإمامة والخلافة وفي المهدي المنتظر (عج).
2 و6ب/ 223 BP   452 / 297
1392
اسم الكتاب:   … واحة اليقين
المؤلف:   … السيد حيدر محمد علي البغدادي الطحّان
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 656 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 780   تسلسل الطبعة الأُولى: 404
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف: آية الله العظمى جعفر السبحاني

الحقيقة بنت البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين .
الحقيقة بنت البحث مثل سائر لا يختلف فيه إثنان، بشرط أن يكون البحث والدراسة من أجل تبنّي الحقيقة وكشف الستر عن وجهها، لا من أجل إثبات ما يتبنّاه الباحث من عقيدة مسبقة، وكأنّ تلاقي الأفكار كتلاقي الأسلاك الكهربائية التي يتفجّر منها النور والطاقة، وقد كان السلف الصالح على هذا المنهج القويم الذي يكمن فيه رضا الله سبحانه ورضا رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي الوقت الذي تمرّ فيه على الإسلام والمسلمين مشاكل ومصاعب شديدة، فالحوار المبني على الأصل المذكور أساس الوحدة والتقريب بين الخطى، فعندئذ يتبيّن أن ما يوحّدهم ويجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم ويشتّتهم، فإنّ الدعايات الكاذبة في القرون الغابرة لم تزل تكيل التهم على طائفة دون طائفة على وجه صار الإخوة أعداء يحارب بعضهم بعضاً، بدل أن يتعايشوا في ظل

صفحه 8
حبل الوحدة الإلهية.
ومن الواضح تاريخياً أنّ كثيراً من علماء الفريقين قد بذلوا جهودهم من أجل رصّ الصفّ والتقريب بين الأفكار ووجهات النظر، فرحم الله الماضين وحفظ الباقين منهم.
ولكن لا أُخفي أنّ بعض الجُدد في العصر الحاضر صدروا عن مبدأ التعصّب أو الحقد فأخذوا يؤلّفون في تاريخ وعقائد أُمّة كبيرة فيها العلماء والفقهاء والمتكلّمون والكتّاب في مختلف العلوم، فبدل أن يرجعوا إليهم فيما يؤلّفون حول العقائد والمعارف، أخذوا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويأخذون من كلماتهم ما ينفعهم ظاهراً ويتركون نقل ما يوضِّح مقاصدهم شأنهم شأن المفسدين، وكأنّهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَ لاَ فَسَادًا)(1) ومن هؤلاء أذكر ـ كأُنموذج ـ مؤلّف كتاب «تطوّر الفكر السياسي الشيعي» فكم له من تحريفات في نقل التاريخ والحديث، وكلمات علمائنا الأبرار.
***
وهذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ لمؤلّف قدير، رائده الإخلاص، وسيرته الصدق، كشف بقلمه الرصين عن عوار ما في كتاب «تطوّر الفكر السياسي الشيعي» وأمثاله، ونحن نبارك له هذا الأثر الذي فيه رضا الله سبحانه ورضا رسوله والأئمة الطاهرين (عليهم السلام).
ولأجل تعريف القارئ بهذا الكتاب قبل أن يسبره ويطالعه، أُشير إلى مجمل ما حواه، مع ذكر بعض ميزاته.
يقع الكتاب في خمسة فصول:

1 . القصص: 83 .

صفحه 9
الفصل الأوّل: يتضمن سبع حقائق مهمة تلقي أضواء كاشفة على كنه المواقف ومسار الأحداث. ومنها:
إخبار النبي بدنوّ أجله
اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر الرئاسة والقيادة
علي (عليه السلام)أمير الأمراء، ورجل المهمات الجليلة
إيثار الرأي الشخصي على النصّ الصريح عند فريق من الصحابة.
الفصل الثاني: نظام الشورى ونظرية الاختيار
ويتكفّل بإثبات أنّ الشورى التي تبنّاها أهل السنّة، كأساس للحكم، لم تعتمد ـ حسب الرأي السنّي المعروف ـ على نصّ شرعي، وإنّما نظروا إلى الواقع الذي آلت إليه الخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم انتزعوا منه فكرة (الشورى) التي مرّت بمراحل زمنية من التحسين والترقيع إلى أن تبلورت، في عصر متأخّر، كنظرية سياسية للحكم.
الفصل الثالث: مبدأ الإمامة الإلهية، والنصوص الدالّة عليه.
خُصِّص هذا الفصل لإثبات أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد عيّن مَن يخلفه على إدارة شؤون الأُمّة، ونصّ عليه، وأرشد الناس إلى اتّباعه .
ويتضمن جملة من أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبياناته الواضحة على إمامة علي (عليه السلام)وخلافته من بعده، مثل حديث الدار، وحديث المنزلة، وحديث الولاية، وحديث الغدير.
الفصل الرابع: إمامة أهل البيت في ضوء النصوص والأخبار
كُرّس هذا الفصل لبيان أنّ الإمامة بكلّ أبعادها، ومنها حقّ الولاية والحكم، هي لأهل البيت، وأنّها مختصة بهم وحدهم، وبهذا العدد المحدود، اثني عشر إماماً.

صفحه 10
وتمّ التدليل على ذلك بجملة من النصوص والأخبار، وفي مقدّمتها حديث الثقلين، المتّفق على صحّته عند الفريقين.
الفصل الخامس: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف
تكفّل هذا الفصل، بالدرجة الأساس، بإثبات وجود المهدي (ابن الإمام الحسن العسكري) وإمامته، بوجوه من الاستدلال، منها:
1. النصوص الروائية المعتمدة.
2. النقل الشفوي المتواتر عن جمهور الشيعة في عصر الغيبة الصغرى، وإجماع ثقات أصحاب الإمام العسكري على ذلك، كما دوّنه علماء ذلك العصر من الشيعة والسنّة.
3. تجربة الغيبة الصغرى التي امتدت نحو (70) عاماً. وغير ذلك .
ميزات الكتاب
1. التركيز على الأدلّة النقلية لإثبات المطالب، وردّ الشبهات والإشكالات .
2. الاستناد إلى الأحاديث والروايات ذات الأسانيد الصحيحة والمعتبرة، سواء ما ورد منها في المصادر الشيعية أم في المصادر السنّية، وإهمال ما عداها.
3. يتّسم الأُسلوب المتّبع في ردّ الأقوال، وتفنيد الشبهات، وتزييف الادّعاءات، يتّسم بالروح العلمية، والمناقشة الموضوعية القائمة على الدليل والبرهان.
4. احتلّت الردود مساحة واسعة من الكتاب، شملت الردّ على ابن تيمية، والذهبي، والدكتور أحمد محمود صبحي، وأحمد الكاتب، والدكتور عداب الحمش، وغيرهم.
وقد شكّل الردّ على الأخيرَين النصيب الأوفر من تلك الردود، ولكنّ الردّ على الدكتور عداب اقتصر على موضوع (المهدي المنتظر)، ومن هنا استغرق

صفحه 11
صفحات كثيرة من الفصل الخامس، المخصّص لهذا الموضوع.
أمّا الردّ على أحمد الكاتب، فاشتملت عليه فصول الكتاب الخمسة، وتوزّع على موضوعات كثيرة منها.
ومن اليسر بمكان أن يتبيّن القارئ، إذا ما طالع الفصل الخامس، أُسلوب الدكتور عداب في التعاطي مع أحاديث المهدي المنتظر، ومنهجه في الحكم على رواتها، إذ يجدهما بعيدَين عن الإنصاف والموضوعية، محكومَين بالرأي المسبق، ولذا لم تعد ثمة حاجة إلى الإشارة، في هذه المقدمة، إلى منهج الدكتور في كتابه «المهدي المنتظر».
ولكن لا بأس أن نشير إلى أهمّ ما تميّز به أُسلوب (أحمد الكاتب) من سمات، نظراً لكثرة الموضوعات التي أقحم نفسه فيها، وكثرة ما احتواه كتابه «تطوّر الفكر السياسي الشيعي» ـ الذي أنكر فيه الإمامة الإلهية لأئمة أهل البيت الاثني عشر والمسائل المتعلّقة بها ـ من أخطاء وتمويهات وآراء فجّة، وهاك أهمّ تلك السمات:

1. الخروج عن حدود الأمانة العلمية

وتجلّى هذا في طرق كثيرة لجأ إليها الكاتب، مثل: بتر النصوص (بما يخلّ بمعانيها ومقاصدها)، وتحريف ألفاظ بعض الروايات، واختصار أُخرى بطريقة ملتوية، ونسبة بعض الروايات إلى غير أصحابها، وغير ذلك من الطرق .
ومن أمثلة ذلك: قال، وهو يتحدّث عمّا سمّاه بموقف الإمام الصادق السلبي من المتكلّمين الإمامية: إنّه (جاء وفد من شيعة الكوفة، وسألوه: يا أبا عبدالله...)، ثم أنهى الرواية إلى قوله (عليه السلام): «هم أعلم وما قالوا، ما أمرتهم بهذا»(1).

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 76 .

صفحه 12
والرواية لم تنتهِ، بل ورد فيها قول الصادق (عليه السلام): «وإنّ عندي لسيف رسول الله، وإن عندي لراية رسول الله ولامته ومغفره...».
ثم إنّ صدر الرواية جاء بهذه الصورة: (دخل عليه رجلان من الزيدية)، فاستبدل الكاتب لفظة (وفد) بلفظة (رجلين)، ثم أغفل ذكر مذهب الرجلين (وهما من الزيدية) كما نصّت الرواية، كلّ ذلك لأغراض يكشف عنها هذا الكتاب الماثل بين يديك.
ومثال آخر: أنّه نسب إلى الشريف المرتضى هذه الرواية، لتأييد زعمه بأنّ تراث الإمامية يحفل بنصوص تؤكد التزام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل البيت بمبدأ الشورى: (تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى أنّ العباس بن عبدالمطلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبي أن يسأله عن القائم بالأمر بعده...).(1)
وهذه الرواية لم يروها الشريف المرتضى، وإنّما ذكرها القاضي عبدالجبار المعتزلي في كتابه «المغني»، وحكاها عنه الشريف المرتضى لدفعها والردّ عليها، لا لتأييدها وإثباتها .

2. الاعتماد على الروايات الواهية والضعيفة

لم ينظر الكاتب في أسانيد الروايات التي يوردها للاستدلال بها على مدّعياته، ولم يتحقّق من صحّة رواية واحدة منها!! دعْ عنك ما يمارسه من تدليس وتحريف فيها. ومن هنا حفل كتابه بالروايات الواهية والضعيفة، ومن أمثلة ذلك:
1. رواية سدير، التي أغفل الكاتب (2) ذكر سندها، وفيه: سليمان بن عبدالله الديلمي، وابنه محمد بن سليمان، وكلاهما ضعيفان، متّهمان بالغلوّ.

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي:11.
2 . المصدر نفسه : 66 ـ 67.

صفحه 13
2. الرواية المروية عن الإمام الصادق، نقلها الكاتب (1) مجرّدة عن السند، وفيه: سهل بن زياد، وهو ضعيف أو ضعيف جداً، ومحمد بن الوليد الصيرفي، وهو ضعيف أيضاً .
3. قال الكاتب: (ويتجلّى إيمان علي بالشورى... في عملية خلافة الإمام الحسن، حيث دخل عليه المسلمون... وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن، فقال: لا، إنّا دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)....)(2).
نقل هذا الخبر القاضي عبدالجبار المعتزلي عن صعصعة، مجرّداً عن السند (وعنه نقله الكاتب). نعم ذُكر في «المستدرك على الصحيحين» مسنداً، وفي سنده: موسى بن مطير، كذّبه من نقاد السنّة: يحيى بن معين، وقال أبو حاتم والنسائي وجماعة: متروك .
وروي أيضاً في «المستدرك على الصحيحين»، وفي سنده: محمد بن يونس القرشي (الكديمي)، كذّبه أبو داود وغيره، وفيه أيضاً: نائل بن نجيح، ضعّفه العقيلي، وابن حبّان وغيرهما.

3. الجهل بحقائق التاريخ، وبالمفاهيم المتعلّقة بالإمامة ومسائلها المختلفة

ومن أمثلة ذلك: أنّه قال تحت عنوان: (تعاطف الخلفاء العباسيين مع العلويين): كانت سياسة المعتضد ليّنة مع العلويين كسياسة من سبقه من الخلفاء العباسيين...(3)
وهذا من أعجب الأقوال، وأكثرها دلالة على الجهل البالغ بالتاريخ، الذي

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 11 ـ 12 .
2 . المصدر نفسه: 15 ـ 16 .
3 . المصدر نفسه: 248 .

صفحه 14
تشهد حوادثه الجمة بخلاف هذا الادّعاء تماماً، فالظلم الذي لحق آل البيت خاصّة، والعلويين عامّة، قد بلغ ذروته في العصر العباسي، حتّى قال الشاعر المفلق ابن الرومي (221 ـ 283 هـ):
أكلُّ أوان للنبيّ محمد *** قتيل زكيٌّ بالدماء مضرَّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكمُ عما قليل مفرَّجُ
أفي الحقّ أن يُمسوا خماصاً وأنتمُ *** يكاد أخوكم بطنةً يتبعّجُ(1)
وها نحن نورد بعض الشواهد الدالة على (السياسة الليّنة!!!) الّتي اتّبعها أبرز الخلفاء العباسيين الذين عاصرهم الإمامان علي الهادي، والحسن العسكري (والد المهدي المنتظر)، ونبدأ بذكر الشواهد من ممارسات المتوكل ـ الذي ولي الخلافة عام (232 هـ) ـ مع العلويين:
1. أرسل في عام (233 هـ) يحيى بن هرثمة إلى المدينة المنوّرة لإشخاص الإمام علي الهادي (عليه السلام)إلى سامراء (عاصمة الخلافة آنذاك)، وفرض الإقامة الجبرية عليه فيها.(2)
2. سُعي بالإمام الهادي إلى المتوكل، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك، فاقتحموا منزله، وأتوا به إلى المتوكل وهو في مجلس الشراب، وفي يده كأس. والقصة

1 . وهي من قصدية طويلة رثى بها أبا الحسين يحيى بن عمر الطالبي، الذي استشهد عام (250 هـ)، ومطلعها:
أمامَكَ فانظرْ أيّ نهجَيكَ تنهجُ *** طريقانِ شتّى مستقيمٌ وأعْوَجُ ***
2 . انظر: تاريخ الطبري: 7 / 348 .

صفحه 15
مشهورة.(1)
3. في سنة (236 هـ) أمر بهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)وهدم ما حوله من المنازل والدور... وأن يُمنع الناس من إتيانه.(2)
4. قال أبو الفرج الأصفهاني: كان المتوكّل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، شديد الغيظ والحقد عليهم... استعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرُّخّجي فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس، ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه أنّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء وإنْ قلّ إلاّ أنهكه عقوبة، وأثقله غرماً. ثم ذكر أربعة رجال من آل أبي طالب ممّن حُبس أو سُمّ أو مات متوارياً في عهد المتوكّل.(2)
وأمّا ممارسات الخلفاء الثلاثة (الذين عاصرهم الإمام العسكري (عليه السلام)) مع العلويين (أعني: المعتزّ والمهتدي والمعتمد)، فنوجزها بما يلي:
1. دوّن أبو الفرج الأصفهاني أسماء من قُتل من رجال آل أبي طالب في أيام هؤلاء الخلفاء، فبلغ أكثر من (15) رجلاً، منهم: إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن عبيد الله بن الحسن بن عبدالله بن العباس بن علي أمير المؤمنين، وجعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن عمر بن علي زين العابدين، وموسى بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن المجتبى، وجعفر بن إسحاق بن موسى بن جعفر الصادق، ومحمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر بن علي زين العابدين، وحمزة بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى .
كما دوّن أسماء من مات منهم في الحبس في تلك الأيام، فبلغ أكثر من

1 . انظر: وفيات الأعيان: 3 / 272، الترجمة 424 .
2 . تاريخ الطبري: 7 / 365 .      2. مقاتل الطالبين: 597، 599 .   3. المصدر نفسه: 669 ـ 690.

صفحه 16
(12) رجلاً، منهم: أحمد بن محمد بن يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن المجتبى، وعلي بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم، ومحمد بن الحسين بن محمد بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى.(3)
2. قال الطبري في حوادث سنة (252 هـ) بأنّ المعتزّ أمر بحمل جماعة من الطالبيين إلى سامراء، وانّه حُمل معهم أبو هاشم الجعفري.(1)
قال الكاتب تحت عنوان (الوضع السياسي العام عشيّة الغَيبة وغداتها)، بعد أن تحدث عن التفسّخ والانحلال في العصر العباسي الثاني، وضعف الخلافة أيام المستعين والمعتزّ والمهتدي والمعتمد والمعتضد...، قال:
إذن، فإنّ الظروف المحيطة بالغَيبة (يعني غيبة المهدي المنتظر) من قبل ومن بعد، لم تكن تنطوي على أيّ مبرّر للخوف والتقيّة، بحيث يخفي الإمام الحسن العسكري مولد ابنه ويكتمه بالمرّة، ولم يكن من العسير على (محمد بن الحسن العسكري) لو كان موجوداً فعلاً، أن يظهر هنا وهناك، وحتى لو كان قد أعلن عن نفسه منذ البداية أنّه (المهدي المنتظر) لم يكن يصعب عليه اللجوء إلى أطراف الدولة العباسية ويختبئ بالجبال والغابات، وأن يتحدّى السلطات العباسية الضعيفة جدّاً، ويقيم دولته المعهودة.(2)
وهنا يكشف الرجل عن نفسه أكثر، ليجمع إلى الجهل بحقائق التاريخ، سذاجة في التفكير، فقد مضى آنفاً ذكر بعض الشواهد الدالة على السياسة العنيفة التي انتهجها (المعتزّ والمهتدي والمعتمد) ضد العلويين، ولم تمنعهم

1 . تاريخ الطبري: 7 / 511. وأبو هاشم الجعفري، هو: داود بن القاسم بن إسحاق بن عبدالله بن جعفر الطيار. وكان من أصحاب الأئمة: الرضا والجواد والهادي والعسكري(عليهم السلام)، وروي أنّه رأى المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). انظر: موسوعة طبقات الفقهاء: 3 / 243، الترجمة 910 .
2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 249 .

صفحه 17
(الصراعات داخل البيت الحاكم) (1) ولا (الخلافات بين أركان السلطة والقوات المسلحة) (4)، من مطاردتهم وسفك دمائهم وزجّهم في السجون.
وحتى المستعين الذي (لم يكن له من الأمر شيء غير الاسم)(2) قد قُتل في عهده: أبو الحسين يحيى بن عمر الطالبيّ، ولم يستطع أن يقوّض تلك الخلافة الضعيفة، ويقيم دولة.
وأمّا المعتضد الذي ولي الخلافة عام (279 هـ)، فبالرغم من أنّه كان محسناً إلى آل أبي طالب (كما وصُف بذلك)، لكنّ ذلك لا يعني أنّه يمكن أن يتساهل مع مَن يتّحدى منهم سلطانه، ويسعى إلى إقامة دولة .
وكأنّه لم يقرع سمع الكاتب قول القائل:
ياليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار
ثمّ إنّ المعتضد، هو الذي حلّ عن بني العباس ـ كما يقول الزركلي ـ عُقدة المتغلّبين وظهر بمظهر الخلفاء العاملين. ثم جعل يتوجّه بنفسه إلى أصحاب الشغب في البلاد فيقمع ثائرتهم. وفي المؤرخين من يقول: قامت الدولة بأبي العباس، وجُدّدت بأبي العباس، يريدون السفّاح والمعتضد.(3)
وبالرغم ممّا قيل من أنّ أمر الخلفاء بعد المعتضد قد أخذ في الإدبار، إلاّ أنّ الخلافة العباسية بقيت قائمة بعده لأكثر من (350 عاماً)، ولم تسقط إلاّ بعد دخول المغول بغداد عام (656 هـ).
ثم إنّ قول الكاتب بأنّه لم يكن يصعب على (المهدي المنتظر) اللجوء إلى أطراف الدولة العباسية ويختبئ بالجبال والغابات، وأن يتحدّى السلطات العباسية

1 و 4 . المصدر نفسه: 243.
2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 243 .
3 . الأعلام: 1 / 140 .

صفحه 18
الضعيفة جدّاً (ويقيم دولته المعهودة)... إنّ قوله هذا ممّا يثير السخرية، وهو يضارع قول أُستاذه ابن تيمية الناصبيّ في المهديّ المنتظر: كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته، كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية، وغير ذلك من المواضع العاصية.(1)
إنّ مثل هذه الأقوال نابعة عن ضيق أُفق وجهل بمكانة المهدي ورسالته الإصلاحية العالمية، فليس المهدي طالب سلطة حتى يلجأ إلى الجبال والغابات ثم ينتهز الفرصة ليتغلّب على بعض المناطق في الدولة العباسية، (ويقيم دولته المعهودة)!!، وإنّما هو صاحب دور فريد أعدّه الله تعالى للنهوض به، في آخر الزمان، على مستوى العالم، إذ على يديه يتحقّق النصر الأعظم على القوى الظالمة، ويقهر الطغاة والجبابرة ويقطع دابر المفسدين، ويملك الدنيا كلّها، ويقود الأُمم جميعاً إلى شاطئ العدل والرخاء والسلام.
وهذا الجهل بدور منقذ البشرية في اليوم الموعود، رافقه جهل بمفاهيم عديدة، مثل مفهوم الإمامة، ومصطلح الإمام عند الشيعة الإمامية، ومفهوم البيعة، وغير ذلك .
وممّا يدلّ، مثلاً، على جهله بمصطلح الإمام عند الشيعة الإمامية، ادعاؤه بأنّ الفكر الإمامي قد تخلّى عن شروط العصمة والنصّ والسلالة الحسينية في الإمام!!(2)
وإذا سُئل: وكيف عرفتَ ذلك ؟
قال: لأنّ الإمامية أجازوا إقامة الدولة بدون اشتراط العصمة أو النصّ أو

1 . منهاج السنة: 4 / 90، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 442 .

صفحه 19
السلالة العلوية الحسينية في الإمام المعاصر!!(1)
وأنت ترى أنّ الإمام في الفكر الإمامي (كما يتخيّله الكاتب) هو الحاكم السياسي، أيّ حاكم. وهذا المعنى للإمام هو المعنى المرتكز في الفكر السنّي، وأمّا الشيعة فكلّهم يعرفون أنّ الإمام عندهم، هو مَن يخلف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقوم مقامه في كلّ ما يمتّ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)سوى النبوّة ونزول الوحي، وذلك بتنصيص من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الذي حصر عدد الأئمة في اثني عشر رجلاً لا غير (كما في الحديث المتّفق عليه بين الفريقين)، وهؤلاء الاثني عشر (عليّ (عليه السلام)وعترته، كما يعتقد الإمامية الاثني عشرية) هم الذين لهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهم أحد الثقلين اللّذين خلّفهم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)في أُمّته.
وهذا الجهل بمصطلح الإمام قد جرّ الكاتب إلى أوهام كثيرة، واستنتاجات واهية، حفل بها كتابه.
ومثل ذلك يُقال في سائر المفاهيم التي جهلها، كالبيعة وغيرها، والمجال لا يتّسع هنا للإشارة إلى هذه الموضوعات، فلندعْ أمر البحث فيها ومناقشتها لهذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم.
***
وإنّي أدعو الله أن يوفّق العلماء والمفكّرين لاتّباع المنهج الموضوعي في دراساتهم والابتعاد عن التحريف والتشويش في كلمات كلّ طائفة من الطوائف الإسلامية وتحليل الحقائق العلمية على ضوء الكتاب العزيز والسنّة الشريفة والعقل الحصيف وما اتّفق عليه المسلمون، وأن ينبّهوا إلى مخاطر ما تنفثه الأقلام المأجورة من سموم في الساحة الثقافية للأُمّة الإسلامية، وأن يُعرضوا عن

1 . المصدر نفسه : 441 .

صفحه 20
أصحابها فإنّهم دعاة الفرقة .
قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(1).
وفي الختام نتقدّم بالشكر الوافر إلى مؤلّفنا القدير الأُستاذ السيد حيدر محمد علي البغدادي الطحّان حفظه الله ورعاه، الذي بذل جهده في هذا الكتاب، وأعطى البحوث حقّها، فجزاه الله خير جزاء المحسنين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
17 ربيع الأوّل 1434 هـ
ذكرى مولد رسول الإنسانية
وخاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)
   

1 . الأنبياء: 92 .

صفحه 21

مقدّمة

وله الحمد على سوابغ نعمائه، وترادُف آلائه، والصلاة والسلام على نبيّنا المصطفى وآله.
لا شكّ في أنّ الإيمان بجدارة الإسلام في قيادة المجتمعات في كلّ عصر ومصر، يعني أنّه نظام شامل متكامل، يتبنّى المصالح الحقيقية للإنسان فيعالج جميع شؤونه، ويمتدّ إلى مختلف حقول حياته.
فالإسلام، كما يعرّفه علماؤه: دين ودعوة ومنهج حياة، وهو يتكفّل، بما حواه من ثروة هائلة من المفاهيم والأفكار، والتعاليم والأحكام، والقيم والمُثل السامية... يتكفّل بتنظيم حياة الناس اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، والسير بهم على طريق الرفاه والسعادة والعزّة والكرامة .
وإذا كان الإسلام قد تحدّث بكل تفصيل عن أحكام الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والتجارة وغيرها، ووضعَ الأنظمة والضوابط والحدود للقضايا الاجتماعية كالأُسرة وغيرها، ورسمَ الخطوط الرئيسة لنظامه السياسي ومعالم حكومته، وأعطى رأيه وموقفه تجاه مختلف المسائل، جليلها ويسيرها.. إذا كان الإسلام كذلك، وهو كذلك، فلابدّ أن نفترض أنّ له رأياً في مسألة الخلافة والإمامة وقيادة الأُمّة بعد النبي(عليهم السلام)، فمن المحال ـ كما يتّضح من النصوص الإسلامية ـ أن تحظى أهون المسائل الّتي ترتبط بحياة الفرد والمجتمع باهتمامه، وأن يكون له نظامه السياسي المصطبغ بمبادئه وتعاليمه، ثمّ لا يحفل بأمر رأس

صفحه 22
هذا النظام، ولا يبيّن طريقة تعيينه، وتسنّمه هذا المنصب. هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّ سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، في إدارة أُمور الأُمّة، كانت تقوم على التخطيط الدقيق، والتنظيم المحكم، والاحتياط التام للحالات الطارئة.
وفي هذا الإطار، يأتي حرصه الشديد، عند بعث السرايا والجيوش، على تعيين مَن يتولّون قيادتها، وإيصائهم بالالتزام بمقرّراته وتوجيهاته، ويأتي فيه أيضاً، دأبُه على إيكال مهمة إدارة شؤون عاصمة دولته إلى أحد أصحابه، عند غيابه عنها.
وسوف نتناول هذين الأمرين: (تعيينه الأُمراء على السرايا، وتعيين مَن ينوب عنه بالمدينة المنورة) بشيء من التفصيل في بحث مقبل، نستعرض فيه عدداً من الحقائق المهمة، منها الحقيقة الّتي خُصِّصت لهذا الغرض، وهي بعنوان (اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر الرئاسة والقيادة).
وثالثاً: إنّ قضية الاستخلاف والقيام بالأمر كانت حاضرة في وعيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تغب عن باله، بل كانت تدور في أذهان الكثيرين آنذاك، كما تدلّ على ذلك الشواهد التاريخية، الّتي نكتفي بإيراد ثلاثة منها:
أ. روى الترمذي بسند صحيح عن أبي بكرة، قال: عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لمّا هلك كسرى، قال: «مَن استخلفوا؟» قالوا: ابنته، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة». قال: فلمّا قدمتْ عائشة ـ يعني: البصرة ـ ذكرتُ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعصمني الله به .(1)
وروى نحوه البخاري.(2)

1 . سنن الترمذي: 660، كتاب الفتن (34 / 28)، الباب (75 / 75)، رقم 2269 ; والمستدرك على الصحيحين: 3 / 118 ـ 119 .
2 . صحيح البخاري: 3 / 130، كتاب المغازي (64)، الباب (84)، رقم 4425 .

صفحه 23
ب. قال ابن إسحاق (وهو يتحدّث عن عرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه على القبائل): وحدّثني الزُّهري:
أنّه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم ـ يُقال له بيّجرة بن فراس (1) ـ : والله، لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلتُ به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك (تابعناك) على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء»، قال: فقال له: أفتُهدَف (2) نحورُنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأَبَوْا عليه.(3)
جـ . ذكر ابن الأثير: أنّه لمّا بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رسله إلى الملوك في سنة (6 هـ)، أرسل سَليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفيّ (ملك اليمامة)، وكان نصرانياً، فلمّا أتاه يدعوه إلى الإسلام، أرسل (هوذة) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وفداً بينهم مُجّاعة بن مُرارة، والرَّجّال بن عُنفُوة، يقول له :
إنْ جعل الأمرَ له من بعده أسلمَ، وسار إليه ونصره، وإلاّ قصد حربه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا، ولا كرامة، اللهمّ اكفِنيه! فمات بعد قليل.(3)
ورابعاً: إنّ الموت لم يدهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بغتة، حتّى يمكن لزاعم جاهل أن يزعم أنّه لم تُتح له فرصة كافية للتفكير في الأمر، وإنّما ظلّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أيّاماً قبل
وفاته، يعاني وطأة المرض، بل كان يُخبر أصحابه، تلميحاً وتصريحاً، بقرب حلول أجله، ولقاء ربّه، قبل أن ينشب المرضُ فيه مخالبه بفترة ليست بالقصيرة.
وسيأتي الحديث عن ذلك بتفصيل أكثر، عند ذكر الحقيقة الأُولى، الّتي

1 . قال ابن هشام: هو فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .
2 . تُهدَف: أي تصير هدفاً يُرمى.   3 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 66 .
3 . انظر: الكامل في التاريخ: 2 / 210، 215 .

صفحه 24
خُصِّصت لهذا الغرض، وتحمل عنوان: (إخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بدنوّ أجله).
وخامساً: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يعلم، سواء عن طريق الوحي أم ببصيرته النافذة ونظرته الثاقبة، بما ينتظر أُمّته من أيّام حُبلى بالفتن العمياء، والمحن السوداء، وكان واعياً لما يجري وراء الأَكَمة من مؤامرات ودسائس داخلية وخارجية، يحوكها المنافقون، واليهود، وقوى الطغيان الّتي كانت تتربّص الشرّ بدولته الفتيّة.
فالمجتمع الإسلامي الّذي سعى جاهداً (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى إقامته على أُسس قويمة من التآخي والتضامن والتكاتف، لم يكتمل بناؤه بعد، ولم تترسخ فيه دعائم الوحدة، ولم يتحرّر تماماً من أغلال الأهواء والعصبيات، فالعلاقات بين فريقي الأنصار (الأوس، والخزرج)، على متانتها في عهد الرسول، لم تزل تتأثّر، بين الفَينة والأُخرى، ببقايا الخصومات والمنافسات القديمة بينهما، والعلاقات بين المهاجرين والأنصار، على قوّتها، لا تخلو من بعض الشوائب الّتي تطفو، بين الحين والآخر، فتكدّر صفوَها ونقاءها، وقد شهد (صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه عدّة حوادث، نشبت فيها الخلافات بين الأطراف المتقدّمة، كادت، مع وجود من يغذّيها ويصبّ زيت الأحقاد عليها من اليهود والمنافقين، كادت تقضّ صفوفهم، وتفتِّت وحدتهم، وتشعل نار الحرب بينهم، لولا حكمته (صلى الله عليه وآله وسلم)في معالجة تلك الأحداث، وعزمُه وحزمُه، ورحمتُه ورأفتُه بالمؤمنين.
ومن هنا ثابر (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ينظر إلى مستقبل أُمّته من وراء ستر شفيف، على تحذير أصحابه من مغبة الانتكاس، والارتكاس في حمأة مُضلاّت الفتن، والانقلاب على الأعقاب (الّذي يشمل الارتداد عن الدين، والارتداد عن تأييد الحقّ، كما يرى الشيخ محمد عبده، وتلميذه السيد محمد رشيد رضا)(1)،

1 . تفسير القرآن الكريم (تفسير المنار): 4 / 161، تفسير قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ   2
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ). آل عمران: 144 .

صفحه 25
والروايات في ذلك كثيرة، نختار منها اثنتين فقط، وهما:
أ. روى البخاري بإسناده عن أبي وائل، قال: قال عبدالله ] يعني ابن مسعود [: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا فَرَطُكم على الحوض، ليُرفَعَنّ إليّ رجال منكم، حتّى إذا أهويتُ لأُناولَهم اختُلِجوا دوني، فأقول: أي ربِّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك».(1)
ب. روى البخاري بإسناده عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «أنا فَرَطُكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، لَيَرِدُ عليَّ أقوام أعرفُهم ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم». قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخُدْري لَسمعتهُ يزيد فيه، قال: «إنّهم منّي، فيُقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً لمَن بدّل بعدي».(2)
إنّ هذه النقاط الخمس الّتي عرضنا لها آنفاً، وتتلخّص في: أنّ الإسلام نظام شامل يتصدّى لحلّ كافّة القضايا والمسائل الّتي تتصل بحياة الإنسان، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يولي مسألة الإمارة والقيادة كلّ اهتمامه، وأنّ قضية الاستخلاف لم تغب عنه، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان على علم برحيله الوشيك عن الدنيا، وبما يُخبّئه الدهر الخؤون من فتن ورزايا لأُمّته، ومن خلافات ونزاعات، كان قد عايش بعضها... إنّ هذه النقاط إذا ما ألقى اللبيب نظره الفاحص إليها، وربَط بعضها ببعض، فإنّها تقوده إلى نتيجة واضحة، مفادها: أنّه لابدّ أن تكون ثمّة كلمة حاسمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . صحيح البخاري: 4 / 355، كتاب الفتن (93)، الباب (1)، رقم 7049. و (اختُلجوا): أي استُلبوا وأُخذوا بسرعة.
2 . صحيح البخاري: 4 / 355، كتاب الفتن (93)، الباب (1)، رقم 7050، 7051 .

صفحه 26
في هذا الأمر الخطير، الّذي يمثّل الركن الرئيس للنظام السياسي في الإسلام ـ أعني: الإمامة والخلافة ـ وأن يكون له (صلى الله عليه وآله وسلم)رأي واضح فيها، وموقف صريح منها.
هناك ثلاثة مواقف مُتاحة بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان يُفترض أن يتّخذ أحدها كحلٍّ لمسألة الإمامة والخلافة:
الأوّل: أن ينصّ على واحد بعينه، ويعهد إليه بالخلافة.
الثاني: أن يضع نظاماً معيّناً ذا قواعد محدّدة للاستخلاف، وبعبارة أُخرى: أن يرسم منهاجاً يتمّ اختيار الخليفة على مقتضاه، وهو ما عُرف، فيما بعد، بنظام الشورى.
وسوف نعرض بتفصيل لهذين الموقفين المُتاحَين أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(التعيين، أو رسم منهاج للاستخلاف) في الأبحاث القادمة، ونبيّن الموقف الّذي كان اتّخذه (صلى الله عليه وآله وسلم)إزاء الخلافة.
الثالث: أن يهمل أمر الخلافة، ويقف منها موقفاً سلبياً، موكلاً ذلك إلى ما يسفر عنه تفاعل الأحداث من بعده.(1)
والرأي الّذي يذهب إليه أهل السنّة، بصفة عامة، هو هذا الثالث، فقد ترك النبي ـ حسبما يَرَون ـ الأمرَ، ولم يقضِ به، ولم يرد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)نصٌّ على إمامة واحد بعينه.(2)
قال أحمد أمين المصري، مبيّناً وجهة نظر أهل السنّة تجاه الخلافة: توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يعيِّن من يخلفه، ولم يُبيّن كيف يكون اختياره، فواجه

1 . انظر: نشأة التشيّع والشيعة للشهيد محمد باقر الصدر: 22 .
2 . الفَرق بين الفِرق لعبدالقاهر البغدادي: 349، دار المعرفة. وانظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زُهرة: 21 ـ 22، دار الفكر العربي.

صفحه 27
المسلمون أشقّ مسألة وأخطرها، وعلى طريق سيرهم فيها كان يتوقّف نجاحهم في الحياة السياسية أو فشلهم .(1)
أليس من العجيب والغريب أن يدَعَ صاحب الرسالة السماوية والدستور الشامل للحياة، والقائد المسدَّد الخبير، أن يدع المسلمين يواجهون، وجهاً لوجه، أشقّ مسألة وأخطرها؟ وأن يضع مستقبل حياتهم السياسية على مفترق طرق مجهولة؟ ألا يخشى عليهم أن يتَّبعوا منها ما تتفرّق بهم عن الطريق المستقيم؟ فأين إذاً ما وُصف به في القرآن الكريم من الحرص عليهم والرأفة بهم؟! وأين ما شعّت به سيرته الفضلى (صلى الله عليه وآله وسلم)من اهتمام بالغ بتنظيم أُمورهم، ورعاية مصالحهم، وتحقيق الأمن لهم، وتجنيبهم مخاطر النزاع والاحتراب، والفوضى والاختلال؟!
(وهل كان دينه خاصّاً بعصره ليترك أُمّته من بعده هملاً من غير راع يسوسهم أو طريقة يتّبعونها في أُمور دينهم ودنياهم؟ وإذا لم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم)نبيّاً مُرسَلاً نزل دينه للناس كافّة في كلّ زمان، وإذا لم يكن عالماً عن وحي، فليكن على الأقلّ سياسياً كسائر الساسة الذين لا يخفى عليهم بعض أُمور رعاياهم، فلا يتركونهم تحت رحمة اختلاف الآراء.
فإن قيل: إنّه أوكل الأمر إلى اتّفاق أُمّته واختيارهم، فمعناه أنّه تعمّد إيقاع أُمّته في منازعات دائمة، تُفضي إلى إزهاق النفوس وإضعاف القوى وذهاب الإيمان، إذ كيف يتّفق أهل البلد الواحد على حكم واحد فضلاً عن أُمّة كبيرة .
ولو قد وكل الأمر لأُمّته، لوجب عليه أن يصرّح أنّه وكل لهم الأمر أو لحدّد كيف يكون الاختيار، ولكن لم يثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)قول وتصريح في هذا الأمر).(2)

1 . فجر الإسلام: 252، دار الكتاب العربي.
2 . نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية للدكتور أحمد محمود صبحي: 100 ـ 101، والفقرات المذكورة هي تلخيص لما ورد في كتاب السقيفة لمحمد رضا المظفر: 34 ـ 38، وإعادة صياغة لبعض عباراته.

صفحه 28
إنّ الرأي القائل بإهمال موضوع الخلافة وإغفاله من قِبَل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يؤول إلى القول بتحبيذه اللاّنظام، وتسليمه زمام مستقبل الأُمّة إلى حكم الظروف والمصادفات وتصارع الأحداث، ومن ثمّ وضْع الأُمّة على حِفاف لُجّة من الفوضى والاضطراب والتنازع والشقاق وهو أمر يأباه سلوك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسياسته الحكيمة البصيرة بالعواقب في إدارة شؤونها، وتدبير مصالحها.
ولّما كان هذا الرأي يؤول إلى ذلك، لجأ بعضهم، إدراكاً منهم للتداعيات الخطيرة لمثل هذا الإهمال، ولعجز نظرية الشورى (الّتي استُحدثت فيما بعد) عن الإجابة عن الإشكالات والتساؤلات الجمّة المُثارة حولها (كما سيتّضح لاحقاً)، لجأوا إلى صياغة رأي آخر، يوائم بين نظرية النصّ (المنسجمة مع حاجة الدين إلى الإمامة، ومع طبيعة السياسة النبويّة)، وبين الواقع الّذي آلت إليه الخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: إنّ النبيّ أشار إلى إمامة أبي بكر العامّة للمسلمين، وذلك استناداً إلى ما رووه من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمَر أبا بكر، في مرض موته، بأن يؤمّ المسلمين.
وقد ردّ غير واحد على هذا الرأي، فقال ابن حزم الأندلسيّ:
وأمّا من ادّعى أنّه إنّما قُدِّم قياساً على تقديمه إلى الصلاة، فباطل بيقين، لأنّه ليس كلّ مَن استحقّ الإمامة في الصلاة يستحقّ إمامة الخلافة، إذ قد يستحقّ الإمامة في الصلاة أقرأ القوم، وإن كان أعجمياً أو عربيّاً، ولا يستحقّ الخلافة إلاّ قرشيّ.(1)
وقال الشيخ محمد أبو زُهرة، وهو يناقش أصحاب هذا الرأي، وقول

1 . الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل: 4 / 178 .

صفحه 29
قائلهم: (لقد رضيه عليه الصلاة والسلام لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا): إنّه لزوم ما ليس بلازم، لأنّ سياسة الدنيا غير شؤون العبادة، فلا تكون الإشارة واضحة، وفوق ذلك فإنّه لم يحدث في اجتماع السقيفة ـ الّذي تناقش فيه المهاجرون والأنصار في شأن القبيل الّذي يكون منه الخليفة ـ أن احتجّ أحد المجتمعين بهذه الحجّة، ويظهر أنّهم لم يعقدوا تلازماً بين إمامة الصلاة وإمرة المسلمين، على أنّه لو كان ثمّة إشارة إلى أبي بكر، فهي لشخصه فلا تحلّ الخلاف.(1)
وشذّ بعضهم، فزعَم، من أجل الخروج من تلك المآزق، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على استخلاف أبي بكر بعده على أُمور المسلمين نصّاً جليّاً، وقد تبنّى هذا الرأي ابن حزم، ودافع عنه بما لا يُغني عنه شيئاً (2)، وذلك (لأنّ النصّ على أبي بكر لم يثبت، بل لم يدّعِ وجوده أحد، بل تسالمت الأُمّة على عدمه. فمن أراد أن يثبت مثل هذا النصّ، فعليه أن ينفي حادثة السقيفة جُملة وتفصيلاً.
عليه أن يكذّب بكل ما ثبت نقله في الصحاح من كلام أبي بكر وعمر وعليّ والعباس والزبير في الخلافة.
عليه أن يهدم بعد ذلك كلّ ما قامت عليه نظرية أهل السنّة في الإمامة، فلم تُبنَ هذه النظرية أوّلاً إلاّ على أصل واحد، وهو البيعة لأبي بكر بتلك الطريقة الّتي تمّت في السقيفة وبعدها!! فمن تلك الواقعة أوّلاً جاءت نظرية الشورى بين أهل الحلِّ والعقد.
عليه أن ينفي ما تحقّق عندهم من «الإجماع على أنّ النصّ مُنتَف في حقّ أبي بكر»(2)).(3)

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 22.   2 . الفصل في الملل والأهواء والنِّحل: 4 / 176 .
2 . شرح المقاصد: 5 / 255 .
3 . تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي للدكتور صائب عبدالحميد: 170 .

صفحه 30

صفحه 31
الفصل الأَوَّل
حَقَائــق مُهِمَّــة
تُلقي أضواءً كاشفة على كُنْه المواقف ومسار الأحداث
وفيه تمهيد، وسبع حقائق:
1. إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بدنوّ أجله.
2. اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر الرئاسة والقيادة.
3. عليّ أمير الأُمراء، ورجل المهمّات الجليلة.
4. إيثار الرأي الشخصي على النصّ الصريح.
5. تمكّن العصبيّة القبليّة من النفوس.
6. وسام الوصاية يُزيّن صدر عليّ (عليه السلام).
7. المتكلّمون في رحاب أئمة أهل البيت(عليهم السلام)استلهاماً وعطاءً.

صفحه 32

صفحه 33
الحقيقة الأُولى: إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدنوّ أجله   

تمهيد

يرى جمهور أهل السنّة ـ كما سبق القول ـ أنّه توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دون أن يُعيِّن مَن يخلفه، وأنّه ليس ثمّة نصّ في الكتاب أو في السنّة يحدّد طريقة تعيينه، على الرغم من تصريحهم بوجوب نَصْب الإمام.
وكان من نتائج هذا الرأي أن ينبري مثل المستشرق الفرنسي (پول گزَنوفا)(1) إلى الادّعاء:
بأنّ السبب في إهمال أمر الخلافة بسيط، وهو أنّ محمداً لم يفكّر في أنّه سيموت وسيترك خلفاء من بعده.. بل اعتقد أنّ نهاية العالَم قريبة، وأنّه سيشاهدها.(2)
وليس القصد من إيراد هذا الادّعاء، الردَّ عليه، أو بيان الغرض السقيم لهذا المستشرق، فإنّه (من خُدَع الآمال أن ننظر من أحد من المستشرقين بحثاً مبرّأً عن العيوب، فذاك شيء يتنافى مع وظيفة الاستشراق، الّذي يمهّد الطريق إلى الاستعمار الغربي والشرقي، كما تُمهّد الدبّابات الطريق أمام زحف المشاة في فنون الحرب. وربما وُجد فيهم من بهره جلال الحقّ، فنسي وظيفته الأُولى، واعترف بالفضل لذويه، اعترافاً كاملاً أو محدوداً)(3)، وإنّما أوردتُه للتنبيه على ما

1 . مستشرق فرنسي، جزائري المولد. سافر إلى باريس سنة (1879 م)، وتعلّم بمدرسة اللغات الحيّة. زار مصر ثلاث مرات، آخرها سنة (1925 م) منتدباً لتدريس الأدب العربي في الجامعة المصرية. صنّف كتاباً عن «محمد ونهاية العالم». توفّي بالقاهرة سنة (1334 هـ / 1926 م). انظر: الأعلام: 2 / 78 .
2 . الإمامة في ضوء الكتاب والسنّة للشهيد الشيخ مهدي السماوي: 1 / 29، نقلاً عن: كتاب: هذا هو الإسلام للدكتور محمد غلاّب: 114 ـ 118 .
3 . دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين لمحمد الغزالي:7، 16، الطبعة الرابعة، 1395 هـ .

صفحه 34
يعطيه الرأي المذكور من مسوِّغ، لتكوين رؤية سلبيّة حول شخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يبدو، وحاشاه، غيرَ معنيٍّ بتراثه وبمستقبل رسالته، مُلقياً بزمام القيادة إلى سطوة القَدَر يضعه حيث يشاء في يد من يشاء، ليتلاعب بأحكام الدين، ومقدّرات الأُمة، الّتي خاض (صلى الله عليه وآله وسلم)الغَمَرات، وقدّم ألوان التضحيات من أجل هدايتها من الضلالة، وإنقاذها من الجهالة، وانتشالها من فوضى التفرّق والتنازع والانقسام.
ثمّ ليكون (الادّعاء) منطلَقاً لبحث هذا الموضوع، وما يتّصل به من مسائل وقضايا مختلفة.
وهذا البحث يُعنى كثيراً بإيراد الأدلّة النقليّة (النصوص القرآنيّة، والروائيّة، والتاريخيّة)، ويتحرّى الأسانيد الوثيقة للروايات، سواء في مسألة قيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بتعيين من يتولّى من بعده ولاية أمر الأُمة وقيادتها، أم في سائر ما يمتّ إليها بصلة من موضوعات.
وسبب هذا الاعتناء بالأدلة النقليّة، هو مجاراة مسلك بعض المعاصرين الذين استعانوا بالنصوص الروائية والشواهد التاريخية، وفق منهجهم الخاص في التعامل معها ـ كما سنرى ذلك لاحقاً ـ لتحقيق هذين الغرضين الرئيسين:
الأوّل: إهمال النصوص النبوية في شأن تعيين الإمام أو إنكار دلالتها، والدفاع عن نظرية حق الأُمّة في اختياره .
الثاني: نقض عقيدة الإمامة الإلهية لدى الإماميّة لا سيّما الإثني عشريّة منهم، ونفي ما يتعلّق بها من شروط وخصائص.
والّذي يهدف إليه هذا الكتاب، بدرجة كبيرة، هو مناقشة الآراء الّتي تُنكر النصّ وتذهب إلى الاختيار، ودحضُ الإشكالات والشبهات المُثارة حول الإمامة الإلهيّة والموضوعات ذات الصلة بها، وكشفُ المغالطات وفضح المدّعيات

صفحه 35
الواردة في هذا المجال.
ولمّا كان جانب من هذه التشكيكات والمطاعن قد صدر عن بعض المعاصرين ممّن ينتمي إلى الطائفة الشيعية، فقد اقتضى الأمر الاحتجاج بالمنقول الشيعي الإثني عشري، في مقام النفي والإثبات، والحلّ والعقد، دعْ عنك المنقول السنّي، الّذي يصلح، من جانب، للإقناع والاحتجاج على من يأخذون به ويعوّلون عليه، ويعزّز، من جانب آخر، قناعة من يتطلّعون، من الشيعة، إلى المزيد من الحجج والبراهين الّتي تدعم قضيّة النصّ والتعيين.
وثمّة حقائق مهمّة يجدر ـ في البدء ـ إبرازها وتجلية مضامينها، حيث يتوقّف عليها إدراك الصورة الكاملة لبعض المواقف والأحداث الّتي تمسّ تلك الموضوعات، أو أنّها تُلقي أضواءً على بعض جوانبها، وتزيدها وضوحاً.
إنّ أُولى تلك الحقائق الّتي ينبغي تجليتها والإشارة إلى مدلولاتها وإيحاءاتها، وتَقدَّم آنفاً أنّها ستُتّخذ منطلقاً للبحث، هي:

الحقيقة الأُولى: إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بدنوّ أجله

إنّها حقيقة لا مراء فيها ولا جدال، أن يذوق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ كما يذوق كلّ إنسان ـ كأس المنون، فما أن يُنجز دوره في أداء الرسالة وتبليغها، حتّى يأتيه أجله الّذي لا تقديم فيه ولا تأخير، ويرتحل إلى بارئه الكريم.
وقد ذكر سبحانه هذه الحقيقة في أكثر من آية، مثل قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (1)، وقوله عزّ من قائل: (وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).(2)

1 . الزمر: 30 .   2 . آل عمران: 144.

صفحه 36
فالرسالة الإسلامية لا تموت بموت حاملها (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل تبقى خالدة، يستمسك بها الصادقون، ويَثبُتون عليها، ولا يُزعزع إيمانهم بها غيابُ الرسول عنهم.
وسواء أكانت الآية الثانية المارّة الذكر مقدمةً وإرهاصاً أمام حقيقة موته (صلى الله عليه وآله وسلم)، أم كانت إعداداً لنفس الأُمّة على تقبّلها، فإنّه ليس ثمّة كلام في هذه الحقيقة المسلَّم بها، وإنّما الكلام في تأكيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عليها في الأيام الأخيرة، بل الأشهر الأخيرة من حياته الشريفة، ومواجهة أُمّته بذلك في عدّة مواقف، منها:

الموقف الأوّل: خطبته في حجّة الوداع

خرج (صلى الله عليه وآله وسلم)من المدينة إلى الحجّ في ذي القعدة من السنة العاشرة من الهجرة، ثم خطب الحجيج من على ظهر ناقته، بعد أن أراهم مناسكهم، وأعلمهم سُنن حجّهم، وقال، كما في «تاريخ اليعقوبي»:
«أيّها الناس: لعلّكم لا تلقونني على مثل حالي هذه وعليكم هذا.(1)هل تدرون أيّ بلد هذا؟ وهل تدرون أيّ شهر هذا؟ وهل تدرون أيّ يوم هذا؟».
فقال الناس: نعم، هذا البلد الحرام والشهر الحرام واليوم الحرام.
قال: «فإنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وكحرمة يومكم هذا. ألا هل بلّغت؟».
قالوا: نعم.
قال: «اللهمّ اشهد».
ثم مضى في خطبته وبثِّ وصاياه فيهم، إلى أن قال: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً

1 . في السيرة النبوية لابن هشام (4 / 250): أيّها الناس: اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً.

صفحه 37
مضلّين يملك بعضكم رقاب بعض، إنّي قد خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي .(1) ألا هل بلّغت؟».
قالوا: نعم.
قال: «اللهمّ اشهد».(2)

الموقف الثاني: خطبته في غدير خمّ

وكانت في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة، وذلك بعد رجوعه من حجة الوداع، في طريقه إلى المدينة المنوّرة.
روى أبو عبدالرحمن النَّسائيّ بإسناد صحيح عن أبي الطُّفَيل، عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من حجّة الوداع، ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقُمِمْن، ثم قال:
«كأنّي دُعيتُ فأجبتُ، وإنّي تارك فيكم الثقلَين، أحدهما أكبر من الآخر: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي، فانظروا كيف تخلُفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
ثم قال: «إنّ الله مولاي، وأنا وليّ كلّ مؤمن».

1 . في السيرة النبوية لابن هشام (4 / 251): (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً، أمراً بيّناً، كتاب الله، وسنّة نبيّه). ولا يصحّ الحديث بهذا اللفظ، الذي لم يُروَ في شيء من الكتب المعتمدة عند السنّة سوى موطّأ مالك، مرسلاً، وروي مسنداً في بعض المصادر كالمستدرك للحاكم، والتمهيد لابن عبد البرّ، من طرق كلها ضعيفة، بل شديدة الضعف، بل حكم بعض علماء السنّة كالسيد حسن السقّاف على الحديث بالوضع وقال في كتابه «صحيح صفة صلاة النبيّ: 290»: (وأمّا لفظ «وسنّتي» فلا أشكّ بأنّه موضوع، لضعف سنده، ووهائه، ولعوامل أمويّة أثّرت في ذلك. انظر: قرة العين بحديث الثقلين للشيخ زكريا بركات درويش: 161 ـ 177 .
2 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 109 ـ 112، دار صادر.

صفحه 38
ثم أخذ بيد عليّ (رضي الله عنه)، فقال: «من كنت وليّه، فهذا وليّه، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه».
فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: نعم، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه، وسمعه بأُذنيه.(1)

الموقف الثالث: حديثه في مقبرة البقيع

قال أبو مُوَيهِبة، مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من جوف الليل، فقال لي: «يا أبا مويهبة إنّي قد أُمرت أن استغفر لأهل البقيع فانطلق معي». فانطلقت معه، فلمّا وقف بين أظهرهم، قال:
«السلام عليكم أهل المقابر، ليَهْنَ لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس
فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من
الأُولى».
ثمّ أقبل عليّ، فقال: «يا أبا مويهبة إنّي قد أُوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخُلد فيها، ثم الجنّة، خُيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّي، فاخترت لقاء ربّي والجنّة».
قال: قلت: بأبي أنت وأُمّي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فقال: «لا والله يا أبا مُوَيهبة، لقد اخترت لقاء ربّي والجنّة».
ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله وجعُه الّذي قُبض فيه.(2)

1 . خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام): 84 ـ 85 ، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية (1417 هـ). وانظر: المستدرك على الصحيحين: 3 / 109 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 291 ـ 292، دار إحياء التراث العربي; وتاريخ الطبري: 2 / 432، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

صفحه 39
ومن يتأمّل في هذه المقدّمات والتمهيدات في المواقف النبوية الثلاثة الماضية، وما تضمّنته من تحذيرات وتوصيات، يدرك، بلا ريب، ما بينهما من صلة وثيقة، وما ترمي إليه تلك المواقف من إشارات ودلالات.
فالموت لم يفاجئ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يمكن لقائل أن يقول: إنّه عاجله عن أن يفكّر في تعيين من يخلفه، أو في الإرشاد إلى طريقة تعيينه، أو يقول قائل، وقد قيل ذلك فعلاً، إيغالاً في تجريد الأحاديث الّتي تنصّ على الإمامة من دلالاتها: إنّ تلك الأحاديث لم تقترن فيها عبارات الولاية والخلافة، بعبارات الإنذار بقرب حلول وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد تبيّن ممّا سبق أنّها تقترن بها، ومن هنا عرف الدكتور أحمد محمود صبحي (مدرّس الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية) ما يعنيه ذلك الاقتران، ولكنّه ظنّ واهماً أنّ النصّ الّذي جمع بين عبارتي: الولاية، والإخبار بدنوّ أجله، هو من رواية الشيعة، حيث قال:
ويَحمل وجهُ الاختلاف في النصّ بين رواية الشيعة، ورواية أهل السنّة دلالة هامة، إذ لا يروي أهل السنّة قولَ النبي: «يا أيّها الناس أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون» لما تتضمّنه هذه العبارة من إشارة إلى أنّها وصيّةُ مَن يشعر بدنوّ أجله، فيكون المجال أن يذكر الإمام بعده .(1)
أقول: إنّ النصّ المذكور: (يوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي مسؤول،
وإنّكم مسؤولون) ليس من رواية الشيعة، بل رواه أبو القاسم الطبرانيّ بإسنادين،(2) أحدهما رجاله ثقات، باستثناء رجل واحد، اختلفت الكلمة
فيه، وهو (زيد بن الحسن الأنماطي)، حيث وثّقه ابن حبّان، بينما قال فيه

1 . نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: 216 ـ 217، دار المعارف بمصر.
2 . المعجم الكبير: 3 / 180، رقم 3052، تحقيق حمدي عبدالمجيد السلفي.

صفحه 40
أبو حاتم: منكر الحديث.(1)
وقد مضى آنفاً ورود هذه العبارة: (كأنّي دُعيت فأجبت) في رواية صحيحة للنسائيّ.
كما وردت أيضاً في رواية الحاكم النيسابوريّ (الّتي صحّحها على شرط الشيخين، ووافقه فيه الذهبي) بالنحو التالي: (وإنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب).(2)
فهل يتمّ الإقرار، بعد ثبوت صحّة النصّ عند أهل السنّة، بما تتضمّنه عبارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من إشارة (أو دلالة) إلى أنّها وصيّة وتعيين لمن يخلفه، أو أنّنا سنسمع ذرائع أُخرى لدفع النصّ، تسوّغ عدم الإقرار؟
***
الحقيقة الثانية: اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الرئاسة والقيادة   

الحقيقة الثانية: اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر الرئاسة والقيادة

إنّ قراءة سريعة للتجربة التاريخية للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في قيادة الأُمّة وإدارة شؤونها العامة، تُظهر أنّ نشاطاته وممارساته القيادية، كانت تقوم على التخطيط المُسبق المحكم، وتستهدف إقرار النظام، وتحقيق المصلحة الحقيقية العليا للرسالة وللأُمّة جمعاء.
ولم تخضع أعماله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في يوم من الأيام، للإهمال وعدم الاكتراث، أو للقرارات المرتجلة، بل كانت تأتي في إطار التنظيم والتنسيق والإشراف بعيداً عن الفوضى والاختلال والارتباك.
ولم يكتفِ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتزام هذا السلوك عند أداء دوره القيادي، وإنّما كان يتّخذ القرار الحازم حينما يريد إناطة عمل من الأعمال بأحد الأشخاص، فيختار له من يتولاّه وينهض به، ويتحمّل مسؤوليته وتبعتَه، بل الأكثر من هذا أنّه (كان

1 . انظر: تهذيب الكمال: 10 / 50، الترجمة 2098 .
2 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 533 (ذكر زيد بن الأرقم الأنصاري (رضي الله عنه)).

صفحه 41
يوصي بالرئاسة حيثما وُجد العمل الاجتماعي أو العمل المجتمع الّذي يحتاج إلى تدبير)(1)، فقد روى أبو سعيد الخدريّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمِّروا أحدهم».(2)
وعن أبي هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم».(3)
وممّا يؤكد اهتمام الرسول بأمر الرئاسة والقيادة، هو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما يخرج من المدينة المنورة في مهمّة قتالية أو غيرها، كان يُعيِّن من ينوب عنه فيها. ومن الشواهد على ذلك:
1. أنّه استخلف على المدينة حين غزا بنفسه (صلى الله عليه وآله وسلم)غزوة الأبواء (ويقال: ودّان): سعد بن عُبادة.
2. وفي غزوة ذات العُشيرة: أبا سلمة بن عبدالأسد.
3. وفي غزوة بدر الكبرى: أبا لُبابة بشير بن عبدالمنذر.
4. وفي غزوة السّويق: عبدالله بن رَواحة.
5. وفي غزوة خيبر: سِباع بن عُرفطة الغفاري.(4)
6. وفي غزوة تبوك: عليّ بن أبي طالب .(5)
7. وفي حجّة الوداع: أبا دُجانة الأنصاري، ويقال: سباع بن عرفطة.(6)

1 . عبقرية محمد للعقّاد: 63، نهضة مصر، 1996 م .
2 . سنن أبي داود: 487، كتاب الجهاد، رقم 2608 .
3 . المصدر نفسه، ح 2609 .
4 . انظر (في هذه الغزوة وما تقدّمها): تاريخ الطبري: 2 / 123، و 171، و 230، و 298 .
5 . الاستيعاب لابن عبدالبرّ: 3 / 1097، نهضة مصر.
6 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 248 .

صفحه 42
كما دأب (صلى الله عليه وآله وسلم)على تأمير الأمراء في السرايا والجيوش، الّتي كان يبعثها، ولم يترك فعل ذلك ولو لمرّة واحدة، بل كان يعيّن، إذا اقتضى الموقف، أميرين أو أكثر، ليتعاقبوا على تولّي منصب القيادة في حالة حصول فراغ فيه، بسبب إصابة المتقدّم منهم. ومن الشواهد على ذلك:
1. سريّة إلى ساحل البحر، وكان أميرها: حمزة بن عبدالمطلب.
2. سريّة إلى بطن نخلة، بقيادة: عبدالله بن جحش.
3. سريّة إلى القَرْدة، بقيادة: زيد بن حارثة.
4. سريّة إلى ذي القصّة، بقيادة: أبي عبيدة بن الجرّاح.
5. سريّة إلى الغَمْر، بقيادة: عكّاشة بن محصن.
6. سريّة إلى الكَديد، بقيادة: غالب بن عبدالله الكلبيّ الليثيّ.(1)
7. غزوة مؤتة، وفيها أمّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فزيد بن حارثة، فإن قُتل فعبد الله بن رَواحة.
قال ابن أبي الحديد: اتّفق المحدّثون على أنّ زيد بن حارثة كان هو الأمير الأوّل، وأنكرتِ الشيعة ذلك، وقالوا: كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأوّل، فإن قُتل فزيد بن حارثة، فإن قُتل فعبدالله بن رواحة، ورَوَوا في ذلك روايات، وقد وجدتُ في الأشعار الّتي ذكرها محمد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم. ثم ذكر قصيدة حسّان بن ثابت في رثائهم، ومطلعها:
تأوّبني ليلٌ بيثربَ أعسَرُ *** وهمٌّ إذا ما نَوَّم الناسُ مُسْهِرُ
ومنها:
فلايُبعدنّ اللهُ قتلى تتابعوا *** بمؤتةَ منهم ذو الجناحَين جعفرُ

1 . انظر (في هذه السريّة وما تقدّمها): تاريخ الطبري: 2 / 405 ـ 408 .

صفحه 43
وزيدٌ وعبدالله حين تتابعوا *** جميعاً وأسياف المنيّة تخطرُ
ثم ذكر أبياتاً من قصيدة كعب بن مالك الأنصاري، ومنها:
إذ يهتدونَ بجعفر، ولوائه *** قدّامَ أوّلهم ونعم الأوّلُ(1)
وممّا يشهد لقول الشيعة، ما رواه ابن سعد بسنده عن بكر بن عبدالرحمن قاضي الكوفة، عن عيسى بن المختار، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن سالم بن أبي الجَعد، عن أبي اليَسَر، عن أبي عامر، قال:
«بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الشام، فلمّا رجعت مررت على أصحابي،
وهم يقاتلون المشركين بمؤتة، قلت: والله لا أبرح اليوم حتّى أنظر إلى ما يصير إليهم أمرهم، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب... ثم أخذ اللواء زيد بن حارثة...».(2)
وفي السند: محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى. قال الذهبي: صدوق، إمام، سيّئ الحفظ، وقد وثّق .(3) وبقيّة رجاله ثقات.
ومهما يكن، فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يبعث سريّة إلاّ ويُعيِّن أميراً عليها، ولا يغيب عن مقرّ دعوته إلاّ ويختار من يقوم مقامه فيه، وكان، من ناحية أُخرى يعلم ـ كما تقدّم في الحقيقة الأُولى ـ بدنوّ أجله، وقد نعى إلى المسلمين نفسه في أكثر من موقف، وحذّرهم من الأخطار الداهمة، والفتن الحالكة، المُقبلة عليهم، فكيف يغيب عن هذه الدنيا، دون أن يتعرّض لذكر خليفته من بعده، واضعاً مستقبل رسالته ودعوته في مهبّ الرّيح؟! حيث «هناك الأخطار الّتي تنبع عن

1 . شرح نهج البلاغة: 15 / 62ـ 64، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. والقصيدتان موجودتان في السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 26 ـ 28 .
2 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 130، دار صادر، ودار بيروت، طبع عام (1376 هـ).
3 . ميزان الاعتدال: 3 / 613 برقم 7825 .

صفحه 44
طبيعة مواجهة فراغ الساحة من القائد. وهناك الأخطار الّتي تنجم عن التناقضات الكامنة الّتي لا تزال تعيش في زوايا النفوس على أساس الانقسام إلى مهاجرين وأنصار، أو قريش وسائر العرب، أو مكة والمدينة. وهناك الأخطار الّتي تنشأ لوجود القطّاع المتستّر بالإسلام (المنافقين)، ووجود العدد الكبير ممّن أسلم بعد الفتح، استسلاماً للأمر الواقع، لا انفتاحاً على الحقيقة».(1)
ولمّا كان مسلك النبيّ الآنف الذكر يقضي بوجوب تعيين الإمام من بعده، حاول الفخر الرازي أن يدفع ذلك بقوله: إنّ استخلاف رسول الله على السرايا وفي الحروب لا يدلّ على وجوب ذلك، كما أنّ مواظبته على السنن لا تدلّ على وجوبها عليه، والله أوجب عليه النظر في الأُمّة حال حياته، ولم يوجب ذلك عليه حال موته.
ولكن الدكتور أحمد محمود صبحي، الّذي نقل ردّ الرازي، علّق عليه بقوله:
وهذا موقف متهافت للرازيّ، لأنّ رسالة رسول الله ليست وقفاً على حياته. وأضاف: غير أنّ للرازي ردّاً آخر أكثر تماسكاً، حين أثبت أنّ الرسول في غزوة مؤتة قد استخلف على الجيش زيد بن حارثة، فإن أُصيب فجعفر بن أبي طالب، فإنْ أُصيب فعبدالله بن رواحة، فإن أُصيب فليتزعم المسلمون رجلاً، فلمّا قُتل الثلاثة اختاروا خالد بن الوليد، فأقرّهم ولم ينكر ذلك عليهم.
ويظهر أنّ الدكتور صبحي لم يقتنع بالردّ الآخر، وإنْ وصفه بأنّه أكثر تماسكاً، حيث علّق عليه بقوله:
ومع ذلك، فهذه حالة جزئية لم يترك فيها الرسول أمر الاختيار، إلاّ بعد أنْ

1 . نشأة التشيّع والشيعة للشهيد محمد باقر الصدر: 24 ـ 26 (باختصار مع بعض التصرّف)، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، الطبعة الثانية (1417 هـ).

صفحه 45
عيّن بنفسه ثلاثة رؤساء .(1)
وفي الحقيقة، إنّ مثَل مَن يتشبّث بهذه الحالة الجزئية (كما وُصفت آنفاً)، للتدليل على صحّة الاختيار من قِبَل الأُمّة بعد وفاة الرسول، كمثل ظمآن يبحث عن قطرة ماء في بئر نازح، وإلاّ كيف يستنتج الرازي لصحّة مبدأ خطير، يشكّل ركيزة أساسية لنظام من أنظمة الحُكم، من هذه الحالة الجزئية ـ حتّى مع افتراض صحّة الاستنتاج ـ لولا إعواز الشواهد على مدّعاه؟!
وكيف ينقض بها قاعدة كليّة رسمَتْها سيرة ثابتة ودائمة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، تجلّت من خلال عشرات الشواهد، ومنها هذا الشاهد البارز (سريّة مؤتة)، الّذي يدلّ على غاية حرص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على مبدأ التعيين؟!
إن الاحتياط للأمر قد يستلزم تعيين خليفة للأمير، أمّا تعيين خليفة للأمير، وخليفة لخليفة الأمير، فهذا هو الاحتياط الأكيد.
فهل يريد الرازي، لكي يطمئن قلبه إلى وجوب النَّصْب والتعيين، أن يسمّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مثلاً، عشرة أُمراء أو أكثر؟ مع ما في ذلك من تأثير سلبيّ على معنويات الجند، وربما غياب لحكمة ابتغاها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه المعركة، ومن تسمية هؤلاء القادة بالخصوص.
ثم إنّ الرازي اعتمد في صياغة رأيه المتقدّم على حديث ضعيف وعلى خبر ليس بالقوي (أو حسن)، ومدفوع أيضاً بخبر صحيح عندهم. وإليك التوضيح:
أمّا قوله: «فليتزعّم المسلمون رجلاً»، فأخذه من خبر طويل، رواه الواقدي، وممّا جاء فيه: «فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):... فإنْ أُصيب ابن رَواحة، فليرتضِ

1 . نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: 98. وقد نقل المؤلّف رأي الرازيّ عن كتابه نهاية العقول: 2 / 243 .

صفحه 46
المسلمون من بينهم رجلاً، فليجعلوه عليهم...»(1).
وهذا الحديث ضعيف، لأنّ الواقدي مجروح عند محدّثيهم.
قال ابن مَعين: ليس بثقة. وقال مرّة أُخرى: لا يُكتب حديثه.
وقال البخاري، وأبو حاتم: متروك. وقال أحمد بن حنبل: هو كذّاب.(2)
وفي سنده: ربيعة بن عثمان.
وثّقه ابن معين. وقال أبو زرعة: ليس بذاك القوي.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس.(3)
وأمّا قوله: «فلمّا قُتل الثلاثة اختاروا خالد بن الوليد»، فأخذه من خبر، رواه ابن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، قال: حدّثني أبي الّذي أرضعني، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة، قال: «... ثم أخذ الراية ]يعني بعد ابن رواحة[ ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتّى انصرف بالناس».(4)
الحقيقة الثالثة: عليّ أمير الأُمراء، ورجل المهمّات الجليلة   
وأخرج أبو داود صدر الخبر، وقال: ليس بالقويّ(5). وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن .(6)

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15 / 61 .
2 . ميزان الاعتدال: 3 / 262 برقم 7993 .
3 . ميزان الاعتدال: 2 / 44 برقم 2754.
4 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 21 ـ 22 .
5 . سنن أبي داود: 481، رقم 2573، تحقيق صدقي جميل العطار.
6 . فتح الباري: 7 / 511.

صفحه 47
وهذا الخبر مدفوع بروايات صحيحة عندهم، تثبت أنّ خالد بن الوليد، هو الّذي أمّر نفسه.
روى أحمد بن حنبل بسنده عن عبدالرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان، عن خالد بن سُمير، عن عبدالله بن رباح، عن أبي قتادة الأنصاري فارس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جيش الأمراء، وقال: عليكم زيد بن حارثة.. إلى أن قال: ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه...» (1).
وروى البخاري بسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)قال: «خطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: أخذ الراية... ثمّ أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففُتح له...».(2)
فأين هذا الّذي قدّمناه، ممّا يُزعم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بأن يختار المسلمون من بينهم رجلاً، وما يُزعم من أنّهم اختاروا خالد بن الوليد واصطلحوا عليه؟!
***

الحقيقة الثالثة: عليّ أمير الأُمراء، ورجل المهمّات الجليلة

اضطلع عليّ (عليه السلام)، في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بدور مميَّز في مسيرة الإسلام، وتوطيد أركانه، وحماية تجربته الرائدة.
ذلك الدور، الّذي تألّق في أدائه عليٌّ ولم يرقَ إليه دور أحد من المهاجرين والأنصار، إنّما اختصّه به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أعرف الناس بما ينطوي عليه ربيبُه وتلميذه وابن عمّه، من استعدادات فطريّة ومواهب شريفة، وما يتحلّى به من

1 . مسند أحمد: 5 / 300 ـ 301 . ورجاله ثقات.
2 . صحيح البخاري: 2 / 223، كتاب الجهاد والسِّيَر (56)، باب تمنّي الشهادة (7)، رقم 2798.

صفحه 48
فضائل رفيعة، وسجايا مُنيفة، جَلا عنها الميدان بحوادثه ووقائعه، وشدائده وأهواله.
ففي ساحة الصراع الدامي، الّذي اضطرّ الإسلام إلى أن يخوضه مع قوى الشرك والطغيان والفساد، وحيث يتطلّب الموقف شجاعة وبسالة، وثباتاً ورباطة جأش، وتوطيناً للنفس على البلاء والشهادة، كان عليّ (عليه السلام)هوالقائد المختار لحمل لواء الرسول في كلّ المشاهد الّتي شهدها معه (صلى الله عليه وآله وسلم) (1)، وكان فيها الفارسَ المُجلّي، والبطلَ المُعلَم.
وهو القائد المُختار في كلّ السَّرايا الّتي بعثه فيها القائد الأعلى (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا أمر انفرد به (عليه السلام)، فلقد أُمِّرت الأُمراء على غيره، ولم يؤمَّر عليه أمير قطّ.(2) وإليك بعض الشواهد التاريخية الّتي تدل على أنّ سائر الصحابة، بما فيهم أبو بكر وعمر، كانوا مأمورين، وأنّه (عليه السلام)كان الأمير على الدوام:
1. قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدني:
بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)علي بن أبي طالب إلى اليمن، وبعث خالد بن الوليد في جند آخر، وقال: إنِ التقيتما، فالأمير عليّ بن أبي طالب .(3)
وروى النَّسائيّ بسنده عن بُريدة، قال:
بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى اليمن مع خالد بن الوليد، وبعث عليّاً (رضي الله عنه)على جيش آخر، وقال: إنِ التقيتما، فعليّ (كرّم الله وجهه) على الناس، وإنْ تفرّقتما فكلّ واحد منكما على جنده...(4)

1 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 3 / 23 .
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4 / 96 .
3 . السيرة النبوية: 4 / 290 ـ 291 .
4 . خصائص أمير المؤمنين: 93، رقم 87 .

صفحه 49
2. بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، حتّى إذا كان على ماء بأرض جُذام يقال له السَّلسَل، وبذلك سُمّيت تلك الغزوة، غزوة ذات السلاسل، فلّما كان عليه، خاف، فبعث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يستمدّه، فبعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أبا عُبيدة بن الجرّاح في المهاجرين الأوّلين، فيهم أبو بكر، وعمر.(1)
وقال أحمد بن يحيى البلاذريّ، وهو يذكر سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
وسريّة عمرو بن العاص في جمادى الآخرة سنة ثمان إلى ذات السلاسل وبينها وبين المدينة عشرة أيام، ثم بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ووجّه معه أبا بكر، وعمر، وأبا عُبيدة بن الجرّاح، وسَرَوات المهاجرين والأنصار.(2)
3. قال البلاذريّ: وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد رأى توجيه أُسامة بن زيد في سريّة إلى الذين حاربهم أبوه يوم مؤتة، وأمره أن يوطئهم الخيل، وعقد له لواء، وضمّ إليه أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فيمن ضمّ، فمرض (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يُنفذ الجيش، فأوصى بإنفاذه..(3)
وقال ابن عساكر عند ترجمته لأُسامة بن زيد: استعمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على جيش فيه أبو بكر وعمر، فلم يُنفذ حتّى توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم روى بسنده عن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)استعمل أُسامة بن زيد على جيش فيهم أبو بكر وعمر، فطعن الناس في عمله .(4)
وقال الذهبيّ: ومن غير وجه، عن عمر: أنّه لم يلق أُسامة قطّ، إلاّ قال:

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 272 .
2 . أنساب الأشراف: 1 / 380 برقم 810 .
3 . المصدر نفسه: 1 / 384 برقم 828. وانظر: الطبقات الكبرى: 4 / 66 ; وتاريخ اليعقوبي: 2 / 113.
4 . تاريخ مدينة دمشق: 8 / 46، 60، الترجمة 596، دار الفكر، طبع عام (1415 هـ).

صفحه 50
السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله! توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنت عليَّ أمير.(1)
وكما غدا فتى الإسلام عليّ (عليه السلام)، هو الفارس المختار في قيادة كتائبه، وحمل لوائه في معاركه الضارية ضد البغي والفساد، كان (عليه السلام)هو الرسول المختار في المواقف الجليلة، الّتي تتطلب أُفقاً واسعاً، وصدراً رحيباً، وحكمة راسخة، وسلوكاً نبيلاً، وأريحية فيّاضة، ومقدرة زاخرة، والتزاماً أكيداً بنهج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ووصاياه السديدة.
نعم، لهذه المزايا وغيرها، الّتي اتّسم بها ابن أبي طالب، كان نبيّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يحمّله مسؤولية القيام بكُبريات المهمّات، وينتدبه لحلّ ما يطرأ من المشكلات.
(فمن المفارقات العجيبة لشخصيته، أنّ «براعة المقاتل» فيه، كانت تزلزل خصومه خوفاً وهلَعاً.. بينما «شرف المقاتل» فيه، كان يملأ نفوسهم طمأنينة وأمناً..!! وبطولته على الرغم من شموخها واقتدارها، كانت بطولة مسالمة، عاقلة، عادلة.. بطولة تحكمها أخلاقياتها النبيلة السامية، فلا تستعلي على الرحمة، ولا تزيغ عن الحق، ولا تتنكّب طريق الأناة والحكمة) .(2)

شواهد على انتداب عليّ (عليه السلام)للأُمور العظام

وإليك بعض الشواهد التاريخية على انتدابه للمهمّات الجليلة:

1. المبيت على فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليلة الهجرة

أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ينتظر الوحي بالإذن له في الهجرة إلى المدينة، حتّى إذا أجمعت قريش على اغتياله (صلى الله عليه وآله وسلم)، دعا عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأمره أن يبيت

1 . سير أعلام النبلاء: 2 / 501، الترجمة 104. وانظر تاريخ مدينة دمشق: 8 / 69، 70 .
2 . خلفاء الرسول لخالد محمد خالد: 395، 405، 408، دار الفكر، طبع عام (1408 هـ) .

صفحه 51
على فراشه، ويتسجّى ببُرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على القوم، وهم على بابه.
عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال:... وشرى عليّ نفسه، لبس ثوب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجاء أبو بكر، وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله، قال: فقال: يا نبيّ الله، فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار، قال: وجعل عليّ يُرمى بالحجارة، كما كان يُرمى نبيّ الله، وهو يتضوّر، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للئيم! كان صاحبك نرميه فلايتضوّر، وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.(1)
قال الشيخ الطوسي في تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)(2):
رُوي عن أبي جعفر ] الباقر [ (عليه السلام) أنّه قال: نزلت في عليّ (عليه السلام)حين باتَ على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا أرادت قريش قتله، حتّى خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفات المشركين أغراضهم، وبه قال عمر بن شَبّة.(3)
وذكر الفخر الرازي أنّه جاء في سبب نزول الآية المتقدّمة ثلاث روايات، ثم قال: والرواية الثالثة: نزلت في عليّ بن أبي طالب، بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ليلة خروجه إلى الغار، ويُروى أنّه لمّا نام على فراشه قام جبريل (عليه السلام)عند

1 . مسند أحمد: 1 / 330 ـ 331 (بإسناد صحيح)، والمستدرك على الصحيحين: 3 / 132 ـ 134، وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
2 . البقرة: 207 .
3 . التبيان في تفسير القرآن: 2 / 183 .

صفحه 52
رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي الله بك الملائكة.(1)
قال الأُستاذ عبدالكريم الخطيب المصري (المتوفّى 1406 هـ): وهذا الّذي كان من عليّ في ليلة الهجرة، إذا نُظر إليه في مجرى الأحداث الّتي عرضت للإمام عليّ في حياته بعد تلك الليلة، فإنّه يرفع لعيني الناظر، أمارات واضحة، وإشارات دالّة، على أنّ هذا التدبير الّذي كان في تلك الليلة لم يكن أمراً عارضاً بالإضافة إلى عليّ، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقّباتها.
فلنا أن نتساءل:
أكان لإلباس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)شخصيته لعليّ تلك الليلة، ما يوحي بأنّ هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين عليّ، أكثر من جامعة القرابة القريبة الّتي بينهما؟ وهل لنا أن نستشفّ من ذلك، أنّه إذا غاب شخص الرسول كان عليّ هو الشخصية المهيّأة لأن تخلفه، وتمثّل شخصه، وتقوم مقامه؟
وأحسب أن أحداً قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه..
ثم قال: وأحسب كذلك أنّنا لم نتعسّف كثيراً، حين نظرنا إلى عليّ، وهو في بُرد الرسول، وفي مثوى منامه الّذي اعتاد أن ينام فيه، فقلنا هذا خَلَف رسول الله، والقائم مقامه.(2)

2. عليّ (عليه السلام)رسول العدل والإحسان

روى ابن إسحاق، عن حَكيم بن حكيم بن عبّاد بن حُنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي ] يعني الباقر (عليه السلام)[، قال :
بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعياً، ولم يبعثه

1 . التفسيرالكبير: المجلد 3، الجزء 5، ص 204. وانظر: روح المعاني للآلوسي: 2 / 97 .
2 . علي بن أبي طالب: 105، دار المعرفة، الطبعة الثانية (1395 هـ).

صفحه 53
مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب: سُليم بن منصور، ومُدلج بن مرّة، فوطئوا بني جَذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإنّ الناس قد أسلموا.
فلمّا وضعوا السلاح، أمر بهم خالد عند ذلك، فكُتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقَتل من قتل منهم، فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد .
ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فقال: يا عليّ، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعلْ أمرَ الجاهلية تحت قدميك. فخرج عليّ حتّى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فَوَدى لهم الدماء وما أُصيب لهم من الأموال، حتّى إنّه لَيَدي لهم مِيلغَةَ (1) الكلب، حتّى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلاّ وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليّ (رضي الله عنه)حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يودَ لكم؟
قالوا: لا.
قال: فإنّي أُعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا لا يَعلم ولا تعلمون، ففعل، ثمّ رجع إلى رسول الله، فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت.
قال: ثمّ قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتّى إنّه ليُرى ما تحت مَنْكبَيه، يقول: اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات.(2)

1 . المِيْلَغة: الظّرْف الّذي يلغ فيه الكلب إذا شرب، وأراد أنّه أعطاهم قيمة كل ما ذهب لهم، حتّى ميلغة الكلب الّتي لا قدْر لها ولا ثمن. ابن قتيبة، غريب الحديث: 1 / 373 ; دار الكتب العلمية، 1408 هـ .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 71 ـ 73. وانظر: تاريخ الطبري: 2 / 341 ـ 342 .

صفحه 54

3. اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)بتأدية أوّل سورة براءة عنه

روى ابن أبي شيبة (المتوفّى 235 هـ) بإسناده عن أنس: أنّ النبيّ بعث بـ «براءة» مع أبي بكر إلى مكة، فدعاه، فبعث عليّاً، فقال: «لا يبلّغها إلاّ رجل من أهل بيتي».(1)
وروى النَّسائي بإسناده عن زيد بن يُثَيْع، عن عليّ (رضي الله عنه): أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعث ببراءة إلى أهل مكة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعليّ، فقال له: خذِ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكة، قال: فلحِقَه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أَنَزَل فيَّ شيءٌ؟ قال: لا، إلاّ أنّي أُمرت أن أُبلِّغه أنا أو رجل من أهل بيتي.(2)
إنّ هذه الشواهد المتقدّمة ـ على قلّة ما عرضنا منها ـ تكشف عن أنّه كان لعليّ (عليه السلام)مكان الصدارة في دنيا الإسلام، والشأن الرفيع عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه كان مناط الاختيار في الحوادث والمعامع الّتي واجهت الإسلام، وفي الملمّات والمعضلات الّتي أفرزتها ساحة الصراع مع الأعداء.
الحقيقة الرابعة: إيثار الرأي الشخصي على النصّ الصريح   
وكان (عليه السلام)يتبدّى، في كلّ ما يصدر عنه من مواقف في المهمّات الّتي اختصّه بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، مُظفَّراً، مُسدَّداً، مُوفّقاً... يصنع النصرَ، ويجلي الكربَ، ويكشف الغمَّ، ويحلّ المُعضلَ.

1 . المصنّف: 17 / 137، رقم 32798، تحقيق محمد عوّامة. والحديث أخرجه أحمد في مسنده: 3 / 212، و 283، والترمذيّ في سننه: 880 ، رقم 3101، وقال: (حسن غريب من حديث أنس بن مالك)، ورواه النَّسائيّ في خصائصه: 82 ، رقم 72. قال الأثري (محقّق الكتاب): إسناده صحيح، إنْ كان حماد بن سلمة سمع من سماك بن حرب قديماً .
2 . خصائص أمير المؤمنين: 83 ، رقم 73، وصحّحه الأثري. والحديث رواه البلاذري في أنساب الأشراف: 2 / 155. وانظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 76 .

صفحه 55
وبعد اتّضاح صورة هذه الحقيقة، أليس من البديهيّ أن يقال:
إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان يختار عليّاً (عليه السلام)، من بين كافّة الأصحاب، ويقدّمه، طوال حياته المباركة، كلّما اشتدّ بلاء، وادلهمّ خطب، وتعقّد وضع، واستغلقت قضية، فإنّه من المألوف جدّاً، وانسجاماً مع تلك السيرة، أن يختاره (صلى الله عليه وآله وسلم)للرئاسة والزعامة، وأن يعيّنه للقيام بمهمّات الإمامة من بعده، ذلك إذا كان ثمة اختيار وتعيين من قِبَله (صلى الله عليه وآله وسلم)لهذا الأمر، وهذا ما تكشف عنه النصوص الواردة في هذا الشأن، والّتي سنعرض لها مفصّلاً في بحث قادم.
وما هذه الحقائق الّتي نُعلن عنها (لاسيما هذه الحقيقة، والّتي سبقتها: اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر القيادة والرئاسة)، إلاّ بمثابة بطاقة سفر، تتيح لنا الدخول في أجواء النصوص والبيانات النبوية في حق عليّ (عليه السلام)، الأمر الّذي يمهّد السبيل إلى الوقوف، عن كثَب، على مقاصدها ومراميها.

الحقيقة الرابعة: إيثار الرأي الشخصي على النصّ الصريح

لسنا، في الإعلان عن هذه الحقيقة، بصدد الحديث عن اجتهاد جماعة من الصحابة في فهم النصّ وتأويلهم له، ولا عن اجتهادهم في ما لا نصّ فيه، فهذا الموضوع يحتاج إلى بحث مفصّل، ليس هذا موضعه، إذ يتطلّب معرفة أُسس الاجتهاد وحدوده، وآليات ممارسته، والمعايير الّتي تحكمه، والشروط الّتي ينبغي أن تُستوفى في المجتهد، وما إلى ذلك من الأُمور.
وعلى هذا، فلا نتعرّض لذكر موارد اجتهاد بعض الصحابة في المجالين المذكورين، والّتي جانبوا فيها الصواب لأسباب، أهمّها:
1. عدم استكمال شروط الاجتهاد، أو المعرفة الواسعة بأسرار التشريع.
2. عدم بذل الجهد الكافي واستفراغ الوسع وإعمال النظر في مقام استنباط الأحكام.

صفحه 56
3. التأثر بالذوق الشخصي والميول الذاتية عند إصدار الأحكام.
4. الركون إلى معايير، تفتقر إلى سند واضح من الشرع.
ثمّ إنّ اختلاف المذاهب الإسلامية في تحديد مصادر التشريع، وفي تحديد النطاق الّذي يتّسع له الاجتهاد، وغير ذلك، يستتبع اختلاف المواقف تجاه تلك الموارد الاجتهادية، وهذا ما يصدّنا، أيضاً، عن التعرّض لها، لئلاّ نقحم القارئ في غمار مناقشات مطوّلة، قد تكون غير مثمرة، وغير موصلة إلى الغاية المتوخاة.
ولذا، سنقتصر على ذكر بعض موارد الاجتهاد في مسائل وقضايا وردَ فيها نصّ ظاهر، ومع ذلك، تمّ فيها التعويل على الرأي الشخصي الّذي يخطئ ويُصيب باعتباره ممارسة بشريّة، وهذا ما لا يحتمل التسويغ، حتّى وإنْ أخذنا في الاعتبار نظرية تعدّد القراءات للنصّ الواحد، الّتي يُروَّج لها حديثاً، فهذه الموارد لا تشملها النظرية المذكورة، لأنّ النصّ، في الأساس، منبوذ فيها.
يشار إلى أنّ اتجاه الأخذ بالرأي الشخصي مع وجود النصّ، قد ظهر في أيام صاحب الرسالة، وترسّخَ بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث لم يجد فريق من الصحابة في أنفسهم حرجاً من تحكيم رأيهم، والقول من عند أنفسهم، في أحكام وقضايا منصوص عليها بشكل صريح، انطلاقاً من تقديرهم الشخصي، ورؤيتهم للمصلحة الّتي تقتضي ذلك الحكم، أو ذلك القول.
وممّا لا شكّ فيه أنّ معارضة النصّ الثابت الّذي لا يحتمل أكثر من معنى، بالرأي الشخصي، يناقض ما أمر به سبحانه المُقرِّين بنبوّة نبيِّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليس فقط بامتثال أوامره ونواهيه، كما في قوله تعالى: (وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(1)، وقوله عزّ من قائل:

1 . الحشر: 7 .

صفحه 57
(وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا)(1)، وإنّما أن لا يقطعوا أمراً ويجزموا به ويتجرّأوا على ارتكابه قبل أن يحكم الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)به ويأذنا فيه، كما دلّ على ذلك قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيِّ وَ لاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)(2)، وهذا نهيٌ صريح عن الإقدام على أمر من الأُمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنّة.(3)
وهذا التنديد في النص القرآني وما يحمله من معنى التهديد بالتعرّض للخسران، مُوجَّه إلى كلّ من يُسرع إلى تقديم رأيه في أمر لم يقضِ به الله ورسوله، وإن كان المقصود به أوّلاً أبا بكر وعمر، فقد أخرج البخاري بإسناده عن ابن أبي مُلَيكة: أنّ عبدالله بن الزبير أخبرهم: أنّه قدم ركبٌ من بني تميم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال أبو بكر: أَمِّرِ القعقاع بن مَعَبد بن زُرارة، قال عمر: أمِّرِ الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردتَ إلاّ خلافي، قال عمر: ما أردتُ خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا) حتّى انقضت .(4)
وأخرج عن ابن أبي مُلَيكة، قال: كاد الخيِّران أن يهلِكا، أبو بكر وعمر

1 . الأحزاب: 36 .
2 . الحجرات: 1 ـ 2 .
3 . روح المعاني للآلوسي: 26 / 132، دار إحياء التراث العربي.
4 . صحيح البخاري: 3 / 112، كتاب المغازي (64)، الباب (70)، رقم 4367، دار الكتب العلمية، طبع عام (1420 هـ) .

صفحه 58
رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قَدِم عليه ركبُ بني تميم. الخبر.(1)
   

بعض الشواهد على مخالفة النصوص النبوية الصريحة

وإليك بعض الشواهد على جرأة بعض الصحابة على رد النصوص الظاهرة في حياة صاحب الرسالة، وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم):

1. الاعتراض على الصُّلح يوم الحُدَيْبِيَة

ذكر أصحاب السير والمؤرّخون، ما ملخّصه: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، معتمراً لا يريد حرباً، فسار حتّى دنا من الحديبية (على تسعة أميال من مكة)، فلمّا اطمأنّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أتاه بُدَيل بن ورقاء الخزاعيّ في رجال من خزاعة، فكلّموه وسألوه: ما الّذي جاء به؟ فأخبرهم أنّه لم يأتِ يريد حرباً، وإنّما جاء زائراً للبيت، ومُعظِّماً لحرمته، فرجع بُدَيل فأخبر بذلك قريشاً، فأرسلت من يقابلهم ويردّهم عن دخولهم مكة، وتوالت الرسل بين الفريقين، ثم بعثت قريش سُهيل بن عمرو للتفاوض مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودارت مباحثات بينهما، أسفرت عن الاتّفاق على عقد صلح بينهما.
قال الزُّهريّ: فلمّا التأم الأمر ولم يبقَ إلاّ الكتاب، وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أوَ لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعطي الدنيّة في ديننا؟

1 . صحيح البخاري: 3 / 284، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات، رقم 4845. وانظر: سنن الترمذي: 939، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الحجرات، رقم 3277، دار الفكر، طبع عام (1425 ـ 1426 هـ).

صفحه 59
قال أبو بكر: يا عمر، الزم غَرْزَه (1)، فإنّي أشهد أنّه رسول الله .
قال عمر: وأنا أشهد أنّه رسول الله .
ثم أتّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله، ألستَ برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا؟
قال: أنا عبدالله ورسوله، لن أُخالف أمره، ولن يضيّعني.
قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدّق وأصوم وأُصلّي وأعتق، من الّذي صنعتُ يومئذ، مخافةَ كلامي الّذي تكلّمتُ به، حتّى رجوتُ أن يكون خيراً.(2)
وروى ابن سعد بإسناده عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئاً، لو أنّ نبيّ الله أمَّر عليّ أميراً، فصنع الّذي صنع نبيّ الله ما سمعت له ولا أطعت، وكان الّذي جعل لهم أنّ من لحق من الكفّار بالمسلمين يردّوه، ومن لحق بالكفّار لم يردّوه .(3)
وأخرج البخاري بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنّا بصفِّين، فقال رجل: ألَم تَرَ إلى الذين يُدْعَون إلى كتاب الله؟ فقال عليّ: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتّهموا أنفسكم، فلقد رأيتُنا يوم الحديبية، يعني الصٌّلح الّذي كان بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر، فقال: ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى».
قال: ففيم أُعطي الدنيّة في ديننا ونرجع، ولمّا يحكُمُ الله بيننا ؟

1 . الزم غَرْزَه: أي الزم أمره، والغَرْز للرَّحْل، بمنزلة الرِّكاب للسَّرْج.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 321 ـ 331. وانظر: تاريخ الطبري: 2 / 270 ـ 280 .
3 . الطبقات الكبرى: 2 / 101 .

صفحه 60
فقال: «يا ابن الخطّاب إنّي رسول الله، ولن يضيّعني الله أبداً».
فرجع متغيِّظاً، فلم يصبر حتّى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ قال: يا ابن الخطّاب، إنّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولن يضيّعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح.(1)

2. العمل بأمر الجاهلية في مأساة بني جَذيمة

بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في شوال سنة ثمان (بعد فتح مكة) خالد بن الوليد إلى بني جَذيمة داعياً إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سُليم، فانتهى إليهم خالد، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنّا فيها، قال: فما بالُ السلاح عليكم؟
فقالوا: إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح، قال: فضعوا السلاح، قال: فوضعوه، فقال لهم: استأسروا، فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضاً وفرّقهم في أصحابه، فلّماكان في السَّحَر، نادى خالد: من كان معه أسير فَلْيُدافّه !
والمُدافّة: الإجهاز عليه بالسيف، فأمّا بنو سُليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأمّا المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أُساراهم، فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما صنع خالد، فقال: «اللهم إني أبرأ إليك ممّا صنع خالد» وبعث علي بن أبي طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، ثم انصرف إلى رسول الله، فأخبره.(2)
وقد أخرج البخاري عن عبدالله بن عمر، خبر قتل الأسرى بأمر خالد،

1 . صحيح البخاري: 3 / 284، كتاب التفسير (65)، الباب (5)، رقم 4844 .
2 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 147 ـ 148. وانظر: تاريخ الطبري: 2 / 341 ـ 342 .

صفحه 61
وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد». مرّتين.(1)
وكأنّ قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ (عليه السلام)، حينما بعثه إلى هؤلاء القوم: «فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك»(2)، كأنّه تعريض بخالد بن الوليد، وبدوافعه الحقيقية وراء فعلته، فقد ذكر ابن إسحاق، أنّه بلغه، أنّه كان بين خالد بن الوليد وبين عبدالرحمن بن عوف، كلام في ذلك، فقال له عبدالرحمن بن عوف: عملتَ بأمر الجاهلية في الإسلام، فقال: إنّما ثأرتَ بأبيك، فقال عبدالرحمن: كذبت، قد قتلتُ قاتل أبي، ولكنّك ثأرتَ بعمّك الفاكه بن المغيرة، حتّى كان بينهما شرّ.
ثم ذكر قصة مقتل عوف بن عبد عوف (والد عبدالرحمن)، والفاكه بن المغيرة (عمّ خالد بن الوليد) على يد رجال من بني جَذيمة، في العصر الجاهلي.(3)

3. الطعن في تأمير أُسامة بن زيد، والتثاقل عن السير معه

قد مضى ذكرُنا قبلُ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمّر أُسامة على جيش، كان فيه أبو بكر وعمر، وأنّ الجيش لم يُنفَذ حتى توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهاك ملخّصاً لما أورده المؤرّخون وأصحاب السِّير في كتبهم حول سريّة أُسامة بن زيد إلى أهل أُبنى، ليكون جنى هذه الحقيقة منك دانياً:
أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الناس بالتهيّؤ لغزو الروم، يوم الإثنين، فلمّا كان يوم الأربعاء، حُمّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وصُدّع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأُسامة لواءً بيده، ثم

1 . صحيح البخاري: 3 / 104، كتاب المغازي (64)، الباب (60)، رقم 4339. ورواه أحمد في المسند: 2 / 150 ـ 151، والبيهقي في دلائل النبوة: 5 / 113 ـ 114، دار الكتب العلمية، طبع عام 1405 هـ .
2 . انظر: الحقيقة الثالثة (فقرة: علي (عليه السلام)رسول العدل والإحسان)، ص 52 .
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 73 ـ 74 .

صفحه 62
قال: اغزُ بسم الله، في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بُريدة بن الحصيب الأسلميّ، وعسكر بالجُرف، فلم يبق أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار إلاّ انتدب في تلك الغزوة، فيهم: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقاص، وتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين! فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)غضباً شديداً لمّا سمع ذلك، وخرج عاصباً رأسه، فصعد المنبر وقال: أيّها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة، لئن طعنتم في تأميري أُسامة، فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله! وأيم الله إنْ كان بالإمارة لخليقاً وإنّ ابنه من بعده لخليق بها.
وثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعل يقول: أنفذوا بعث أُسامة! فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعُه، فأرسل بعضُ نسائه إلى أُسامة وبعض مَن كان معه، يُعلمونهم بذلك، فدخل أُسامة من معسكره، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مغمور، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أُسامة، كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره، والتوجّه لما بعثه فيه، فرجع أُسامة إلى عسكره، ثمّ أرسل نساءُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أُسامة يأمرنه بالدخول، ويقُلْن: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أصبح بارئاً، فدخل أُسامة من معسكره يوم الإثنين، فوجد رسول الله مُفيقاً، فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ، وقال: اغدُ على بركة الله، وجعل يقول: أنفذوا بعث أُسامة، ويكرّر ذلك، فودّع رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا ركب جاءه رسول أُمّ أيمن، فقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يموت، فأقبل ومعه عمر وأبو عبيدة ، فانتَهوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين زالت الشمس من هذا اليوم، وهو يوم الإثنين، وقد مات واللواء مع بُريدة بن الحُصيب، فدخل باللواء فركزه عند باب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو مُغلق،

صفحه 63
وعليّ (عليه السلام)وبعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه وغسله.(1)
ومن اليسير، لمن سرّح النظر في سطور أخبار هذه السريّة، أنْ يتبيّن الشواهد على ذلك الاتجاه الّذي يسلكه فريق من الصحابة، أعني: الاتجاه الّذي لا يمتثل كلّ الامتثال للنصوص، ويرى ـ على اختلاف درجات ذلك الاتجاه ـ جواز ردّها، والقول أو العمل بخلافها، حيث نقموا هنا إمارة أُسامة على الجيش، مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الّذي قلّده إيّاها، وصرّح بأهليّته لها، كما أنّهم تثاقلوا عن السير معه، وتباطؤوا عن ذلك أكثر من مرّة، مع تأكيده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يعاني بُرَحاء مرض الموت وشدائده، على إنفاذ ذلك الجيش، والتعجيل بإرساله.
ويُظهر لنا ما التُقط من صور لأحداث هذه السريّة، أنّه كان لأصحاب ذلك الاتجاه، الّذي يُقدَّم فيه الرأي على النصّ الواضح، كان لهم نفوذ واسع في الناس، وأنّ سلوكهم كان يؤثّر في كثير من الأحداث، صُنعاً، أو مساراً، أو تحريكاً.
وليس شيء أدلّ على ذلك، من هذا النجاح الباهر الّذي أحرزوه بتصرّفاتهم، في جعل الأمير أُسامة يتلوّم في الأمر، والجيش يمكث في مكانه، تحت وطأة ضغط الأوضاع والظروف الّتي سادت أو تحرّكت في أوساطه، ولم يبادروا إلى تنفيذ وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالانطلاق سريعاً إلى حيث أرض العدوّ، ثمّ في مغادرة الأمير والصحابة الثلاثة المعسكر، والعودة إلى المدينة، فور سماعهم نبأ وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثمّ رجوع الجيش بأكمله إليها، دون أن يتشرّف، في ذلك الوقت، بأداء واجبه الّذي أناطه به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو على وشك الرحيل عن دنياهم.
وممّا يلاحظ في أحداث هذه السريّة، هو وجود دور فاعل لبعض نساء

1 . انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 299 ـ 300 ; والطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 189 ـ 191 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 159 ـ 160 .

صفحه 64
النبيّ فيها، يتمثّل في إنهاء أخبار تدهور الحالة الصحية للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً بأوّل، إلى بعض ذوي النفوذ في الجيش، ولسنا هنا في معرض بيان مغزى تلك الرسائل، ونيّات صاحباتها، وإنّما للتنبيه فقط على أنّ اتجاه تقديم الرأي على النصّ، لا يقتصر تمثيله على الرجال، وإنّما تمثّله نساءٌ أيضاً ، وفيهنّ بعض نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

4. رزيّة يوم الخميس

إنّ أقسى المواقف الّتي رُدَّ فيها النصّ، في حياة الرسول، وبين يديه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشدّها مرارة عليه، هو الموقف الّذي اتّخذه عدد من الصحابة إبّان اشتداد وجعه (صلى الله عليه وآله وسلم)قبيل مماته بأيام قلائل، ذلك الموقف الّذي لم يجد فيه ابن عباس وسيلةً للإفصاح عن فداحته، وللتنفيس عمّا يعتمل في صدره من همّ ثقيل، إلاّ البكاء، وإلاّ الدموع الّتي تفيض من عينيه رحمه الله تعالى، فقد أخرج البخاري بإسناده عن عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما حُضِر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «هلُمّ اكتبْ لكم كتاباً لا تضلّوا بعده». فقال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد غلبَ عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبُنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا». قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزيّة ما حالَ بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولَغَطهم.(1)
وأخرج بإسناده عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما

1 . صحيح البخاري: 4 / 10 ـ 11، كتاب المرضى (75)، الباب (17)، رقم 5669. وانظر: مسند أحمد: 1 / 324 ـ 336 .

صفحه 65
يوم الخميس؟ اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وجعُهُ، فقال: «ائتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: ما شأنه، أهَجَر، استفهموه؟(1) فذهبوا يردّون عليه، فقال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه». الحديث.(2)
وأخرج الحُميدي (المتوفّى 219 هـ) بإسناده عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس. ثم بكى، حتّى بلَّ دمعُه الحصى، فقيل له: يا بن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول الله وجعُه يوم الخميس، فقال: ائتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فتنازعوا.. الحديث (3).

تسويغ موقف عمر

قال محيي الدين النووي الشافعيّ، تعقيباً على هذا الحديث :
وأمّا كلام عمر (رضي الله عنه)، فقد اتّفق العلماء المتكلّمون في شرح الحديث على أنّه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره، لأنّه خشي أن يكتب (صلى الله عليه وآله وسلم)أُموراً ربّما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة، لأنّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر: حسبنا كتاب الله، لقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء)(4)، وقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )(5) فعلم أنّ الله تعالى أكمل

1 . وفي رواية الطبري: فقالوا: إنّ رسول الله يهجر. تاريخ الطبري: 2 / 436، مؤسسة الأعلمي.
2 . صحيح البخاري: 3 / 131، كتاب المغازي (64)، باب مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ووفاته، رقم 4431. وانظر: تاريخ الطبري: 2/ 436 .
3 . المسند: 1 / 241، ح 526. وانظر: مسند أحمد: 1 / 355 .
4 . الأنعام: 38 .
5 . المائدة: 3.

صفحه 66
دينه فأمن الضلال على الأُمّة، وأراد الترفيه على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.
ثم نقل تعليق الحافظ أبي بكر البيهقي على هذا الحديث، وممّا جاء فيه: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان أراد بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها، فقد علم عمر حصول ذلك لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، وعلم أنّه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلاّ وفي الكتاب أو السنّة بيانها نصّاً أو دلالة، وفي تكلّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مرضه مع شدة وجعه كتابة ذلك مشقّة، ورأى عمر الاقتصار على ما سبق بيانه إيّاه نصاً أو دلالة تخفيفاً عليه، ولئلاّ ينسدّ باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأُصول، وقد كان سبق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، وهذا دليل على أنّه وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد، فرأى عمر الصواب تركهم على هذه الجملة، لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد مع التخفيف عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي تركه (صلى الله عليه وآله وسلم)الإنكار على عمر دليل على استصوابه.(1)
هذه هي أبرز التعليقات الّتي ذكرها العلماء لتسويغ موقف عمر بن الخطاب، وهي تدلّ، مع افتراض أنّها دارت في ذهنه في تلك اللحظات الحاسمة، على أمر واحد، وهو أنّ هذه التسويغات تؤكد هذه الحقيقة، ولا تفلت من إطارها، وهي أنّ فريقاً من الصحابة، وفي مقدّمتهم عمر بن الخطّاب، كان يؤْثر، في قضايا ومسائل عديدة، ما يقدّره من مصلحة يقتضيها النظر الشخصيّ، على الامتثال للنصوص الواضحة، وهذا ما تكشف عنه العبارات المتقدّمة:
لأنّه (يعني عمر) خشي أن يكتب (صلى الله عليه وآله وسلم)أُموراً ربّما عجزوا عنها...
فعلم أنّ الله تعالى أكمل دينه فأمن من الضلال على الأُمّة...

1 . شرح صحيح مسلم: 11 / 99 ـ 100، رقم 1637، دار القلم، طبع عام (1407 هـ).

صفحه 67
إذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بيان أحكام الدين، فقد علم عمر حصول ذلك، وعلم أنّه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلاّ في الكتاب أو السنّة بيانها.
فرأى عمر الصواب تركهم على هذه الجملة...
ومن الغريب جدّاً قولهم: (إنّ عمر علم أنّه لاتقع واقعة إلى يوم القيامة إلاّ في الكتاب أو السنّة بيانها). فكأنّ أَمْر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بإحضار الصحيفة، ليكتب لهم ما يعصمهم به من الضلالة، ليس من السنّة الّتي يجب اتّباعها!!
أمّاقولهم: (إنّ عمر خشي أن يكتب أُموراً ربما عجزوا عنها)، فهو احتياط من عمر (إذا صحّ أنّه فكّر بذلك) لا يتلاءم مع سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورسالته السمحاء، القائمتين على ابتغاء اليُسر للمسلمين، والرفقِ بهم.
لقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم)يسنّي لهم طريق الوصول إلى شاطئ الأمان، ويرفع عنها العوائق والعقبات، وليس في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)موقف واحد أفضى إلى إعناتهم والمشقّة عليهم، فكيف ظنّ به عمر ذلك؟!
وهل هناك أندى، على قلوب المؤمنين، من هذا التعبير: «اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً»؟ وهل ثمّة غاية لهم أسمى من أن يُعصَموا من النزاع والفتن، ويُجنَّبوا الزيغ والضلال؟
وأمّا قولهم: (إنّه أراد الترفيه على رسول الله، والتخفيف عنه)، فإنّ الأثر الّذي ترتّب على موقفه، من الردّ على الرسول، ومن اللغو واللغط والتنازع، الّذي ارتفعت به أصواتهم بين يديه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان أشدّ عليه بكثير وأشقّ من كتابة ذلك الكتاب، وهذا ما يُعرب عنه بجلاء، غضبُه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوله لهم: قوموا!!
إنّ أيّ قول أو عمل مخالف للنصوص الثابتة الصريحة، مهما نبُلَ قصد صاحبه، وحسنت نيّته فيه، يُعدّ مخالفةً لدعوة القرآن الكريم إلى الاستسلام إليها، والخضوع لها والإسراع إلى العمل بموجبها دونما تردّد أو تشكيك، لأنّ مخالفتها

صفحه 68
تُفرز، على المدى القريب أو البعيد، آثاراً سلبية، تضادّ الأهداف والمصالح المبتغاة منها، والّتي قد لا يدركها صاحب الرأي، الّذي مهما سمت منزلته العلمية والدينية، فإنّه لا يمكنه أن ينسلخ عن بشريته، المحكومة بالميول والعواطف والرغبات، وبالطاقة العقلية المحدودة، وبظروف البيئة، الّتي قد يستوحي منها بعض الأفكار والتقاليد الغريبة عن الإسلام .
والصحابة أَولى، من سائر الناس، بالاستجابة للدعوة القرآنية، لأنّهم كانوا يعيشون أجواء النصوص، ويُبصرون أنوارها، ويستافون شذا عبقاتها.
وأكبر الظن، أنّه ومن أجل تسويغ واقع عدم امتثال بعض كبار الصحابة، في جملة من الموارد، للنصوص الصريحة، بُذلت مساع حثيثة لإعطائه بُعداً دينياً، وإسباغ صفة القداسة عليه، من خلال القول بأنّ بعض الصحابة لا سيما عمر بن الخطاب كان موفَّقاً للصواب في إدراك المصالح، وأنّه كان محدَّثاً، وأنّ القرآن نزل بموافقته في عدد من القضايا الّتي أبدى فيها رأيه، كما في قضية أسرى بدر، وغيرها.(1)
وهذا القول، وإنْ كان منطلقاً من دوافع عاطفية لتسويغ الواقع كما قلنا، ويستبطن إساءة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّه يجعل من غيره أقدر منه (صلى الله عليه وآله وسلم)على تشخيص المصلحة، فإنّه حتّى مع افتراض صحّته في بعض الموارد، لا يمكن أن يصحّ على إطلاقه، والشواهد التاريخية تنطق بأنّ عمر لم يكن موفّقاً للصواب في العديد من المسائل الّتي عارض فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعدم معرفته بما فيها من مصالح عاجلة أو آجلة، منها: إنكاره كتاب الصلح الّذي أُبرم بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين قريش، والّذي وصفه سبحانه، بعد ذلك، بالفتح المبين، وقد مضى ذكر ذلك في الشاهد

1 . الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البرّ: 3 / 1147، ترجمة عمر بن الخطاب (1878)، دار نهضة مصر.

صفحه 69
الأوّل من هذه الحقيقة.
ومنها: هذا الشاهد الّذي بين أيدينا، وذلك لما ترتّب على رأي عمر من تنازع وتخاصم بين الصحابة، ومن أذىً للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كان رأيه محالفاً للصواب، لنال استحسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومباركته، ولما أبدى غضبه واستياءه، وهو الّذي ، صلوات الله عليه وعلى آله، لا يرضى ولا يغضب إلاّ للحقّ.
ومن الغريب، أنّ أبا سليمان الخطّابي (المتوفّى 388 هـ)، أدخل كلام عمر ـ لأجل تسويغه ـ في نطاق ما كان يقوم به الصحابة من مراجعته (صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض الأُمور، ومنها كتاب صلح الحديبية (1)، وكأنّ النبيّ هنا في مقام استشارتهم في أمر إحضار الصحيفة الّتي يريد أن يُملي فيها ما يعصمهم به من الضلال، وليس في مقام الأمر والإيجاب، كما يفيده قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تضلّوا بعده»!! ومن المعلوم (أنّ السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة بلا ارتياب، كما أنّ استياءه (صلى الله عليه وآله وسلم)منهم، وقوله لهم: «قوموا» حين لم يمتثلوا أمره، دليل آخر على أنّ الأمر إنّما كان للإيجاب لا للمشورة)(2).
ثمّ مَن قال إنّ مراجعات أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم)السابقة كانت صائبة ومرضيّاً عنها، حتّى يَضمّ الخطّابي هذه المراجعة إلى أخواتها؟!
أليست مراجعة عمر في كتاب الصلح، قد أثارت استياء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر؟!
أليس ابن الخطّاب نفسه، قد عبّر عن بالغ ندمه على مراجعته تلك، فقال، كما مرّ عليك: (مازلت أتصدّق وأصوم وأُصلّي وأعتق، من الذي صنعتُ يومئذ،

1 . انظر: شرح صحيح مسلم للنووي: 11 / 100 .
2 . هذا من كلام شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري، كما نقله عنه السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه «النصّ والاجتهاد»: 157، مطبعة سيد الشهداء (عليه السلام)في قم، 1404 هـ .

صفحه 70
مخافة كلامي الذي تكلّمت به)؟ فكيف ينظم الخطّابي قول عمر الآنف الذكر، وهو في معرض الدفاع عنه، في سلك تلك المراجعات، الّتي خشي عمر في إحداها من غضب الله تعالى، والذي سعى إلى درئه بالصلاة والصيام...؟
ومهما يكن، فإنّ (ذلك العاصم من الضلال.. ضيّعوه.
ذلك الكتاب الذي ودّ محمد أن يمليه، أَبَوا عليه أن يخرج إلى النور.
حجبوه..
لكأنّما مزّقوه..
فعلى من تقع تبعة هذه الخسارة الّتي تكبّدتها منذ تلك اللحظة أُمّة الإسلام، وما زالت إلى اليوم تتكبّدها، وتدفع ثمنها من دمها وعرقها ونصيبها في الحياتين، جيلاً وراء جيل..
من المسؤول؟..)(1).

5. النهي عن متعة الحجّ

ينقسم الحجّ ـ كما يذكر الفقهاء ـ إلى أقسام ثلاثة: تمتّع، وقِران، وإفراد.
ومعنى حجّ التمتّع أن يُقدّم على أفعال الحجّ عُمرة يتحلّل منها ويستأنف الإحرام للحجّ، وهو فرض على من لم يكن من أهل مكة وحاضريها، ويدلّ عليه قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)(2).
قوله سبحانه: (ذَلِكَ) إشارة إلى «من تمتع بالعمرة، متوجّهاً إلى الحجّ».

1 . السقيفة والخلافة لعبدالفتاح عبد المقصود: 240 .
2 . البقرة: 196 .

صفحه 71
وقد تضافرت الروايات عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بتحليل التمتّع بين العمرة والحجّ، ومن تلك الروايات:
ـ أخرج مسلم بإسناده عن جابر (رضي الله عنه)، قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مهلّين بالحجّ، معنا النساء والولدان، فلمّا قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا: أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطِّيب، فلمّا كان يوم التروية أَهْلَلْنا بالحجّ.(1)
ـ أخرج البخاري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنّه سئل عن متعة الحجّ؟ فقال: أهلّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع وأهللْنا، فلمّا قدمنا مكة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اجعلوا إهلالكم بالحجّ عُمرة، إلاّ من قلّد الهَدْيَ». طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «من قلَّدَ الهَدْيَ فإنّه لا يحِلّ له حتى يَبلُغ الهَدْيُ مَحِلّه». ثم أمرَنا عشيّةَ التَرْوية أنْ نُهِلَّ بالحجّ... الحديث .(2)
سبق أن بيّنا أنّ اتّجاه التردّد في قبول النصّ، أو الوقوف في وجهه وتقديم الرأي عليه، كان قد ظهر بين فريق من الصحابة في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم ترسّخ، وبرزت معالمه أكثر بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك بعض الروايات الكاشفة عن ذلك، في ما نحن بصدده من ذكر هذا الشاهد الّذي سقناه إليك:
ـ أخرج مسلم بإسناده عن عائشة أنّها قالت: قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس، فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله، أدخله الله النار؟ قال: «أو ما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر، فإذا هم

1 . صحيح مسلم: 4 / 36، باب وجوه الإحرام.
2 . صحيح البخاري: 1 / 388، كتاب الحجّ (25)، الباب (37)، رقم 1572 .

صفحه 72
يتردّدون، ولو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهَدْي معي حتّى اشتريه ثم أحلّ كما حلّوا».(1)
ـ أخرج ابن ماجة بإسناده عن البراء بن عازب، قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه. فأحرمنا بالحجّ، فلمّا قدمنا مكة، قال: «اجعلوا حِجّتكم عُمرة»، فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عُمرة؟ قال: «انظروا ما آمركم به، فافعلوا». فردّوا عليه القول. فغضب، فانطلق ثم دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك، أغضبه الله؟ قال: «وما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا أُتَّبع؟» .(2)
يبدو أنّ السبب في هذا التردّد في إطاعة قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل الردّ عليه، هو ما استقرّ في الأذهان من أفكار وتصوّرات جاهلية، وما تجسّد في السلوك من أعرافها وتقاليدها. والواقع التاريخي الإسلامي يدلّ على أنّ فريقاً من الصحابة، ألِفوا ما في الحياة الجاهلية من تصوّرات وتقاليد، فلم يُفلحوا في التجرّد عنها بشكل تام، والانصهار الكامل في بوتقة الرسالة الجديدة، الّتي بزغت لتغيير الواقع تغييراً جذرياً، بمفاهيمه وتصوّراته وقيمه ومعتقداته، ومن هنا نرى ظهور تلك الرواسب، بين الحين والآخر، في أقوالهم وأحكامهم، وفي سلوكياتهم.
وإليك ما يُفصح عن هذا السبب، الّذي كان الدافع الأساس وراء تردّدهم أو ردّهم على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في خصوص المسألة محلّ البحث:
روى البخاري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانوا يَرَون أنّ العُمرةَ في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المُحرّم صَفراً، ويقولون: إذا بَرا الدَّبَر، وعَفا الأَثَر، وانسلخَ صفر، حلّت العُمرة لمن اعتمر. قدِم

1 . صحيح مسلم: 3 / 33، باب بيان وجوه الإحرام.
2 . سنن ابن ماجة: 688، كتاب المناسك، باب فسخ الحجّ، رقم 2982، تخريج صدقي جميل العطار.

صفحه 73
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابُه صبيحة رابعة مُهلِّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عُمرةً، فتعاظمَ ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحِلّ؟ قال: «حِلٌّ كلُّه».(1)
لقد اتّضح، بشكل قاطع، أنّ متعة الحجّ كانت بأمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعمل بها أصحابه (سواء مَن امتثل منهم في بادئ الأمر، أم فيما بعد)، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)غضب لتردّد ناس منهم أو ردّهم عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لتأثّرهم بالواقع الجاهلي الّذي ألِفوه.
ومع ذلك كلّه، نجد عمر بن الخطاب، يعمد، في أيّام خلافته، إلى ردّ هذا الأمر، بنهيه عن متعة الحجّ، انطلاقاً من تصوّر قديم، ثمّ يوافقه عليه عثمان بن عفّان في عصر خلافته، وقد صرّحتْ بذلك عدّة روايات، منها:
ـ أخرج مسلم بإسناده عن أبي موسى أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أميرُ المؤمنين في النُّسك بعدُ، حتى لقيه بعدُ فسأله، فقال عمر: قد علمتُ أنّ النبيّ قد فعله وأصحابه، ولكنْ كرهتُ أنْ يظلّوا معرّسين بهنّ في الأراك (2)، ثم يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم .(3)
ـ أخرج البخاري بإسناده عن عمران بن حُصين رضي الله عنه، قال: أُنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يُنزَل قرآنٌ يحرّمه، ولم يَنْهَ عنها حتّى مات، قال رجل برأيه ما شاء.(4)
ـ أخرج البخاري بإسناده عن مروان بن الحكم، قال: شهدتُ عثمان وعلياً رضي الله عنهما، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يُجمَع بينهما، فلمّا رأى عليٌّ أهلّ

1 . صحيح البخاري: 1 / 387، كتاب الحج (25)، الباب (34)، رقم 1564 .
2 . الأراك: موضع بعرفة، قرب نَمِرة.
3 . صحيح مسلم: 4 / 45، باب جواز التمتّع.
4 . صحيح البخاري: 3 / 154، كتاب التفسير (65)، الباب (33)، رقم 4518 .

صفحه 74
بهما: لبيّك بعُمرة وحجّة، قال: ما كنت لأدَعَ سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لقول أحد.(1)
ـ روى النسائي بإسناده عن سعيد بن المُسيّب، قال: حجّ عليّ وعثمان، فلّما كنّا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتّع، فقال عليّ: إذا رأيتموه قد ارتحل، فارتحلوا، فلبّى عليٌّ وأصحابه بالعُمرة، فلم يَنْهَهم عثمان، فقال عليّ: ألَم أُخبَر أنّك تنهى عن التمتُّع؟ قال: بلى، قال له عليّ: ألم تسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تمتّعَ؟ قال: بلى:(2)
قال محمد بن عبد الهادي السندي الحنفي (المتوفّى 1138 هـ) في تعليقه على الخبر: قوله «إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا»: أي ارتحلوا معه ملبّين بالعُمرة، ليعلم أنّكم قدّمتم السنّة على قوله، وأنّه لا طاعة له في مقابلة السنّة. «فلم ينههم» أي بعد أن سبق بينه وبين علي ما سبق، وعلم أنّ عليّاً وأصحابه ما انتهوا عن ذلك بقوله .(3)
هذا، وللعلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني، بحث مفصّل حول متعة الحجّ، فراجعه إن أحببت في كتابه «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 1 / 427 ـ 472».

6. إتمام الصّلاة بمِنى

تضافرت الروايات على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابَه صلّوا بمِنى ركعتين، وكذلك صلّى الناس في خلافتَي أبي بكر وعمر، ثم شاء عثمان، بعد سنين من خلافته، أن يصلّي أربعاً، فأنكر الناس عليه ذلك، وأعرب عدد من كبار الصحابة،

1 . صحيح البخاري: 1 / 386، كتاب الحجّ (25)، الباب (34)، رقم 1563 .
2 . سنن النسائي: 663، كتاب مناسك الحج (6 / 24)، الباب (50 / 50)، تخريج وضبط صدقي جميل العطار.
3 . حاشية الإمام السندي، المطبوعة في هامش سنن النسائي المذكور، ص 363.

صفحه 75
وبأساليب مختلفة، عن استيائهم وعدم رضاهم. وإليك بعض الروايات الواردة في هذا الشأن:
ـ أخرج البخاري بإسناده عن حارثة بن وهب، قال: صلّى بنا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، آمَن ما كان، بمِنى ركعتين.(1)
ـ أخرج البخاري بإسناده عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: صلّى بنا عثمان بن عفّان بمِنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، فاسترجع، ثم قال: صلّيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمِنى ركعتين، وصلّيت مع أبي بكر (رضي الله عنه)بمِنى ركعتين، وصلّيت مع عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه)بمِنى ركعتين، فليتَ حظّي من أربع رَكَعات، رَكعتان متقبَّلَتان.(2)
ـ قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان بن عُيينة عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اعتلّ عثمان وهو بمِنى، فأتى عليٌّ، فقيل له: صلِّ بالناس، فقال: إن شئتم صلّيت بكم صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا: لا، إلاّ صلاة أمير المؤمنين ـ يعنون عثمان ـ أربعاً، فأبى .(3)
ـ أخرج مسلم عن ابن عمر، قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمِنى ركعتين،
وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته. ثمّ إنّ عثمان
صلّى بعدُ أربعاً. فكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً، وإذا صلاّها

1 . صحيح البخاري: 1 / 262، كتاب تقصير الصلاة (18)، الباب (2)، رقم 1083.
2 . المصدر نفسه: 1 / 263، ح 1084. ورواه البيهقي، وقال: رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة بن سعيد، وكذلك مسلم. السنن الكبرى: 3 / 143 .
3 . المُحلّى: 4 / 270، دار الآفاق الجديدة، وفيها زيادة (عثمان) بعد (فأبى)، وهي غير موجودة في إحدى نُسخه (انظر حاشية الصفحة المذكورة من المطبوع)، ونقل الرواية أيضاً ابن التركمانيّ (بدون كلمة عثمان) في «الجوهر النقي» المطبوع في ذيل السنن الكبرى للبيهقي: 3 / 144 .

صفحه 76
وحده صلّى ركعتين.(1)
ويدلّ الشاهدان الأخيران: النهي عن متعة الحجّ، وإتمام الصلاة بمنى، على أنّ اتجاه تقديم الرأي الشخصي على النصّ الصريح، الّذي يمثله فريق من الصحابة، لم تسلم منه حتى أحكام العبادات، تغييراً وتبديلاً، على الرغم من أنّها تفيد القطع، وأنّ الدواعي إلى نقضها ومعارضتها، ليست بذات أهمية.
وإذا كان ثمّة من يبيح لنفسه تجاهل النصوص في الأُمور التعبّدية، إيثاراً لرأي يراه في ذلك، دعْ عنك تجاهل النصوص الّتي تتصل بشأن من شؤون السياسة والحرب والإمارة (كما لاحظنا في الشواهد المتقدّمة آنفاً)، فإنّ المسألة بالنسبة لموضوعنا، هي أعظم أهمية وخطراً من ذلك بكثير، لأنّها تتعلّق بالإمامة والخلافة والزعامة والقيادة، فليس عجباً، إذاً، أن يتمّ تجاهل النصوص الواردة فيها، أو كتمانها، أو تأويلها (على الأقلّ)، انطلاقاً من مصلحة يقدّرها أصحاب ذلك الاتجاه، وقد أوضحنا في السطور السابقة أنّه كثيراً ما جانبهم التوفيق في تقديرهم لها، حيث لا قياس بين نصّ مصدرهُ إلهي، وبين رأي صادر عن رؤية بشرية، مهما قيل في سلامة قصد صاحبه، واحتياطه على الإسلام .
***

الحقيقة الخامسة: تمكّن العصبيّة القبليّة من النفوس

كانت البيئة الّتي بزغ فيها نور الإسلام بيئة قبلية، تسود فيها أعراف القبيلة وتقاليدها الصارمة، وتحكمها رابطة القرابة، الّتي تعتبر أهمّ ما يشدّ أفراد القبيلة الواحدة إلى بعضهم من روابط وعلاقات، وهي ما يطلق عليها (العصبية القبلية).

1 . صحيح مسلم: 2 / 146، باب قصر الصلاة بمنى; شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 210، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (6)، الباب 2، رقم 17 .

صفحه 77
ويُعدّ التعصّب للقبيلة، الّذي يعني أن ينصر الفردُ قبيلته على أية حال، يُعدّ من مقوّمات حياتهم، وقد سمّى القرآن هذا الخلُق (حميّة الجاهلية)، لأنّ فيه نتيجة من نتائج الجهل وعدم التثبّت .(1)
وكان لكلّ قبيلة رئيس (أو شيخ) تسوّده القبيلة، ووجهاء (وهم كبار رجال القبيلة) يتداول معهم الرئيس أهمّ شؤون القبيلة.
وللرئيس سلطة مطلقة على أفراد قبيلته، يطيعونه، بمقتضى العادات والتقاليد، في ما يصدره من أوامر وقرارات كإعلان الحرب أو إبرام الصلح، وينقادون إليه في آرائه ومواقفه الّتي يتّخذها إزاء مختلف القضايا والمشكلات الّتي تواجههم.
وكانت قبيلة قريش (قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)) تتبوّأ مركزاً سامياً بين قبائل العرب في العصر الجاهلي، وذلك لما تتمتّع به من مكانة دينية (بحكم ولايتها للبيت الحرام) واقتصادية وعسكرية، وكان العرب ينظرون إليها نظرة إجلال ومهابة، ويخطبون ودّها، ويحذرون إغضابها، وظلّ الأمر على ذلك إلى أن بُعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)برسالته الخالدة.
وكان من الطبيعي أن يقع الصدام بين الإسلام بما يحمله من عقيدة ونظام وأفكار ومثُل عُليا مستوحاة من السماء، وبين القبيلة بما تمثّله من أعراف وعادات وتقاليد وسلوكيات جاهلية، مبعثها الأهواء والعصبيات والمصالح الضيّقة.
ومن هنا كانت قريش، الّتي تمتلك السيادة والزعامة والنفوذ الواسع، أشدَّ القبائل إيذاءً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد همّت، بإجماع مَلَئها، على قتله، وحاصرته ومَن معه من بني هاشم وبني المطّلب بن عبد مناف في شِعب أبي طالب ثلاث سنين، ثم جدّت في حربه، وفي تحريض اليهود وسائر القبائل

1 . محاضرات في تاريخ الأُمم الإسلامية ـ الدولة الأموية للشيخ محمد الخضري بك: 1 / 40، دار الفكر.

صفحه 78
على قتاله. ولم تزل تقاوم الدين الجديد وتكيد له وتدبّر المؤامرات ضدّه إلى أن هُزمت عسكرياً في السنة الثامنة من الهجرة، بافتتاح مكة المكرّمة، وعند ذاك استسلم الكثير من رجالها ولم يُسلموا حقيقة (1)، حيث ظلّت مشاعر السخط والانتقام من الإسلام تعتمل في نفوسهم، والدوافع الذاتية لاستعادة زعامتهم ومجدهم الدنيوي الزائف تمور في صدورهم.

عقابيل الإحن والعداوات

وعلى الرغم من نجاح الإسلام في تطهير نفوس الصفوة من المهاجرين والأنصار من العصبيّة القبلية وتحريرهم من أغلالها، ونجاحِهِ في إضعاف تأثيراتها عند طائفة منهم، إلاّ أنّ جذورها لم تُقتلع من نفوس هذه الطائفة، ولم تختفِ تماماً من حياتهم، بل كانت تبرز، أحياناً، سافرةً في مواقفهم وممارساتهم، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يزل مقيماً بين أظهُرهم. فما أن يقوم بعض الحاقدين أو الجاهلين باستثارة العداوات القديمة بين طوائف المجتمع المدنيّ، وبعثِ الحزازات بينهم، حتّى تثبَ من مكامنها، متأجّجة في ساحة الواقع، نزاعاً وخصاماً.
وإليك هذين الشاهدين:
أ. لمّا بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ بني المُصْطَلِق يجمعون له، خرج إليهم حتّى لقيهم على ماء يُقال له: المُرَيسيع.
فبينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك الماء، وردت واردةُ الناس، ومع عمر بن الخطّاب أجيرٌ له من بني غِفار، يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه، وسنان الجُهَنيّ حليف بني عوف بن الخزرج، على الماء فاقتتلا، فصرخ

1 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام)لأصحابه عند الحرب، وهو يتحدّث عن معاوية ومن والاه من قريش: فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلكِنِ اسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15 / 114 .

صفحه 79
الجُهَنيّ: يا معشر الأنصار، وصرخ جَهْجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبدالله بن أُبيّ بن سَلول، وعنده رهط من قومه، فيهم: زيد بن أرقم، غلام حَدَث، فقال: أَوَقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدَّنا وجلابيبَ(1) قريش إلاّ كما قال الأوّل: سمِّن كلبكَ يأكلك! أَما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ
الأعزُّ منها الأذلّ. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم:
هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك عند فراغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من عدوّه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مُرْ به عبّاد بن بِشر فَلْيقتله، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه! لا، ولكن أذِّن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يرتحل فيها، فارتحل الناس.(2)
وروي عن جابر بن عبدالله أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حين سمع ذلك، قال: «ما بال دعوى الجاهلية؟»، ثم قال: «دعوها فإنّها مُنتنة»(3). يعني أنّها كلمة خبيثة، لأنّها من دعوى الجاهلية.
ب. روي عن عائشة في حادثة الإفك، أنّه لمّا تحدّث الناس بذلك، قام

1 . جلابيب قريش: لقب مَن كان أسلم من المهاجرين، لقّبهم بذلك المشركون. وأصل الجلابيب: الأُزر الغلاظ، وكانوا يلتحفون بها، فلقّبوهم بذلك. (عن حاشية السيرة النبوية لابن هشام).
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 302 ـ 303 ; وتاريخ الطبري: 2 / 260 ـ 261 .
3 . انظر: مسند أبي داود الطيالسي: 237; ومسند أحمد 3 / 392 ـ 393 ; وصحيح البخاري: 3 / 305، كتاب التفسير (65)، الباب (6)، رقم 4905 ; وسنن الترمذي: 954، رقم 3326 .

صفحه 80
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الناس يخطبهم، ثم قال: ما بالُ رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحقّ، والله ما علمت منهم إلاّ خيراً....
فلمّا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تلك المقالة، قال أُسَيد بن حُضَير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمُرْنا بأمرك، فوالله إنّهم لأهلٌ أن تُضرب أعناقهم.
قالت: فقام سعد بن عُبادة، وكان قبل ذلك يُرى رجلاً صالحاً، فقال: كذبت لعمرو الله، لا نضرب أعناقهم، أما والله ما قلتَ هذه المقالة إلاّ أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلتَ هذا!، فقال أُسَيد: كذبت لعمرو الله، ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين!!
قالت: وتساور الناس (1)، حتّى كاد يكون بين هذين الحيّين من الأوس والخزرج شرّ.(2)
وفي صحيح البخاري: فثار الحيّان الأوس والخزرج، حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يُخفِّضهم، حتّى سكتوا وسكت .(2)
هذا بعض ما يتعلّق بالمهاجرين والأنصار، الذين كانوا يمثّلون نسبة قليلة من المجتمع الإسلامي، أمّا الغالبية العظمى منه، فتتشكّل من الجموع الغفيرة من الناس، الذين اعتنقوا الإسلام في وقت متأخّر، لا سيما بعد فتح مكة.
والكثرة الكاثرة من هؤلاء لم يُتح لها التفاعل بمبادئ الإسلام، أو الاستهداء بتعاليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأساليبه التربوية، ومن ثمّ كانت أكثر خضوعاً لسلطة القبيلة وأعرافها وتقاليدها ونَعَراتها الجاهلية.

1 . تساور الناس: قام بعضهم إلى بعض.   2 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 312 ـ 313.
2 . صحيح البخاري: 3 / 57، كتاب المغازي (64)، الباب 36، رقم 4141 .

صفحه 81
وكان الأمويون، من بين هؤلاء، يمثّلون أقوى التيارات في المجتمع، ولهم فيه نفوذ واسع. وعلى الرغم من هزيمتهم عسكرياً، وفقدانهم للزعامة القبلية، إلاّ أنّ تطلُّعهم للزعامة لم يخمد، وسعيَهم إليها لم يَفتُر، وقد نجحوا، فعلاً، في التسلّق إلى مراكز عليا في الدولة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مباشرة، إلى أن تمكّنوا، في نهاية المطاف، من استعادة سلطة قريش كاملة، على يد معاوية بن أبي سفيان.
وهناك، من غير بني أُميّة، عناصر متفرّقة قلقة انتهازية، تتربّص الفرص لحيازة المناصب والأموال، كعمرو بن العاص السَّهميّ.(1) وكان لهؤلاء دور كبير في دعم المتوثّبين على السلطة بالقوة، والعصبية القبلية، والإحن الجاهلية، والمكر والخديعة.
والمنعطف التاريخي الأوّل، الّذي ذرَّ فيه قَرنُ العصبية، بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو اجتماع السقيفة، في يوم وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبل أن يُوارى جسدُه الشريف الثّرى، حيث هيمن المنطق العشائري على المجتمعين، واندفعوا، بدرجات متفاوتة، في كلامهم وجدلهم العنيف حول الخلافة، من مشاعر التنافس والتحاسد، والعصبيات القبلية، والأهواء الشخصية، الّتي كانت مخبوءة، إلى حدٍّ ما، في طوايا نفوسهم، ولم يندفعوا من قواعد إسلامية، ومنطلقات مبدئية ثابتة. وإليك بعض الشواهد على ذلك:
1 . قال أبو بكر القرشي التيميّ، مخاطباً الأنصار:
ولن يُعرَفَ هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً.(2)

1 . انظر: الخلافة المغتصبة لإدريس الحسيني: 50 .
2 . انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 310 ; وصحيح البخاري: 4 / 288، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة (87)، الباب (17)، رقم 6830 (واللفظ له).

صفحه 82
2. قال الحُباب بن المنذر الأنصاري الخزرجي:
يا معشر الأنصار، أملكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم، أنتم أهل العزّ والثروة، وأولو العدد والمَنَعة، والتجربة، وذوو البأس والنجدة، وإنّما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم.(1)
3. وقال الحُباب أيضاً: يا معشر الأنصار، أملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا ] يعني عمر بن الخطاب [ وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإنْ أَبَوا عليكم ما سألتموه ]يعني قولهم: منّا أمير ومنكم أمير [فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولَّوا عليهم هذه الأُمور.. أنا جُذَيلُها المُحكّك، وعُذَيقُها المُرجَّب، أما والله لئن شئتم لنعيدنّها جَذَعة. فقال عمر: إذن يقتلك الله. قال: بل إيّاك يقتل.(2)
4. لمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ] يعني مسارعته إلى مبايعة أبي بكر [ وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عُبادة، قال بعضهم لبعض، وفيهم أُسَيد بن حُضَير، وكان أحد النقباء :
والله لئن ولِيَتْها الخزرج عليكم مرّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر.(3)
5. قال عمر بن الخطاب القرشي العدوي، وهو يتحدّث عن بعض ما جرى في السقيفة:
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلُها المُحكّك، وعُذيقُها المُرجَّب، منّا أمير

1 . تاريخ الطبري: 2 / 457 ـ 458 .
2 و 3 . المصدر نفسه .

صفحه 83
ومنكم أمير، يا معشر قريش، فكثر اللّغَط وارتفعت الأصوات، حتّى فَرقتُ من الاختلاف. فقلت: أُبسط يدَك يا أبا بكر... ونَزَونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.(1)
6. وقال سعد، مخاطباً عمر بن الخطاب:
أما والله لو أنّ بي قوة ما أقوى على النهوض، لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يُجحرك وأصحابَك. أما والله إذاً لأُلحقنّك بقوم كنتَ فيهم تابعاً غير متبوع.(2)

النزعة القبلية، ومشروع إقصاء علي (عليه السلام)عن الخلافة والقيادة

والّذي يؤكّد ما سبق من تمكُّن النزعة القبلية من نفوس الكثيرين، ويُفصح أيضاً عن بعض أبعاد المشروع الكبير المرسوم لإقصاء عليّ (عليه السلام)عن الخلافة والإمامة والقيادة، والّذي (تحقّقت بوادره بإقصاء الرسول نفسه عن موقع القيادة والتخطيط، حين أكثروا في الاعتراض على تأمير أُسامة، وحين تردّدوا في الخروج معه وتباطؤوا وتعلّلوا، ثم بإقصاء صوته (صلى الله عليه وآله وسلم)عن التخطيط لمستقبل الإسلام والأُمّة، حين تغلّب صوت عمر، الّذي صاح ـ عندما أمر (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكتبوا عنه وصيّته الكبرى لئلاّ يضلّوا بعده ـ : «غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله» ، وصاح معه نَفَر بصيحته (فَوْقَ صَوْتِ النَّبي) (3)...) (4)، الّذي يؤكّد ما ذكرناه، هو تلك الحوارات الّتي دارت بين ابن عباس وبين عمر، في أيام خلافته، وممّا جاء فيها:
ـ قال عمر: يا بن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟

1 . صحيح البخاري: 4 / 290، كتاب المحاربين (17)، الباب (7)، رقم 6830.
2 . تاريخ الطبري: 2 / 459 .
3 . الحجرات: 2.
4 . تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي للدكتور صائب عبدالحميد: 425 ـ 426 (باختصار وتصرّف).

صفحه 84
قال ابن عباس: لا يا أمير المؤمنين ؟
قال عمر: لكنّي أدري.
قال ابن عباس: ما هو يا أمير المؤمنين ؟
قال عمر: كرهتْ قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فتجخِفوا (1)جَخْفاً، فنظرتْ قريش لنفسها، فاختارت...(2)
ـ قال عمر: يا عبدالله، عليك دماء البُدْن إنْ كتمتنيها! هل بقيَ في نفسه ] يعني عليّاً [ شيء من أمر الخلافة؟
قال ابن عباس: نعم...
فقال عمر:... لا وربِّ هذه البَنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً!
قال ابن أبي الحديد، بعد أن نقل هذا الخبر: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر(3)، صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه، مُسنَداً.(4)
ـ وقال عمر لابن عباس: يا عبدالله، أنتم أهل رسول الله وآلُه وبنو عمّه، فما تقول منع قومكم منكم؟
قال: لا أدري علَّتها، والله ما أضمرنا لهم إلاّ خيراً.

1 . جخفَ: تكبَّر.
2 . انظر: شرح نهج البلاغة: 12 / 53 ـ 54 ; وتاريخ الطبري: 3 / 289 ـ290 (سنة 23 هـ) ; والكامل في التاريخ: 3 / 63 ـ 64.
3 . أحمد بن طَيفُور (أبي طاهر) الخراساني الأصل، البغدادي المولد والوفاة، أبو الفضل الكاتب (204 ـ 280 هـ). له نحو من خمسين كتاباً، منها: تاريخ بغداد (ط. المجلد السادس منه)، وأخبار بشّار بن بُرد، وفضل العرب على العجم. قال الخطيب البغدادي: كان أحد البلغاء الشعراء الرواة، ومن أهل الفهم المذكورين بالعلم. تاريخ بغداد: 4 / 211 برقم 1900 ; والأعلام: 1 / 141 .
4 . شرح نهج البلاغة: 12 / 20 ـ 21 .

صفحه 85
قال: اللهمّ غَفْراً، إنّ قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة والخلافة، فتذهبوا في السماء شمخاً وبَذخاً، ولعلّكم تقولون: إنّ أبا بكر أوّل من أخّركم، أما إنّه لم يقصد ذلك، ولكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم ممّا فعل، ولولا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيباً، ولو فعل ما هنّأكم مع قومكم. إنّهم ينظرون إليكم نَظَر الثَّور إلى جازره .(1)
وممّا تقدّم يتّضح أنّ مشروع إقصاء عليّ بن أبي طالب عن الخلافة والإمامة، والّذي أُنجز في يوم السقيفة، قد وضع أُسَسه ومعالمَه الرئيسة، القرشيون، ثم وجد الحزب الأمويّ، ومن والاهم من الموتورين والانتهازيين، بغيتهم الكبرى في ذلك المشروع، فهو، من جهة، أزاح عن طريقهم ألدّ
خصم لهم.. الخصم الّذي قتل رجالهم وصناديدهم في معارك الإسلام
المظفّرة، وأذاقهم مرارة الذلّة بعد العزّة الجاهلية، وهو، من جهة أُخرى، مهّد السبيل أمام أطماعهم السلطوية بالتسلّل، تدريجياً، إلى مناصب الدولة ومراكز القرار فيها، ثم الانقضاض على الحُكم، والاستبداد به، والاستئثار بمقدّرات البلاد والعباد.

دويّ العصبية القرشية يرتفع بعد يوم السقيفة

وأُولى الثمرات المُرّة الّتي جُنيت من العصبية لقريش، بعد اجتماع السقيفة ومبايعة أبي بكر، هي ما جرى من مناقضات ومناكفات كلامية بين (وجوه قريش) وبين الأنصار. وإليك ملخّصاً لما ذكره الزبير بن بكّار (المتوفّى 256 هـ) في كتابه «الموفّقيّات»، ونقله عنه ابن أبي الحديد المعتزلي:
لمّا بويع أبو بكر واستقرّ أمره، ندِم قوم كثير من الأنصار على بيعته ولامَ

1 . شرح نهج البلاغة: 12 / 9. وانظر: تاريخ الطبري: 3 / 288 (سنة 23 هـ) .

صفحه 86
بعضهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه، وإنّه في داره فلم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام، وكان أشدّ قريش على الأنصار نفرٌ فيهم: سُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وهؤلاء (أشراف قريش) الذين حاربوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم دخلوا في الإسلام، وكلّهم موتور قد وتره الأنصار.
فلمّا اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو، فقال: يا معشر قريش، إنّ هؤلاء القوم قد سمّاهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظّ عظيم وشأن غالب، وقد دَعَوا إلى أنفسهم وإلى عليّ بن أبي طالب، وعليٌ في بيته لو شاء لردّهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلاّ قاتلوهم!!
ثم قام الحارث بن هشام، فقال: إن يكن الأنصار تبوّأت الدار والإيمان من قبلُ فإنّهم قد لهجوا بأمر، إن ثبتوا عليه، فإنّهم قد خرجوا ممّا وُسموا به، وليس بيننا وبينهم إلاّ السيف.
ثم تكلّم عكرمة، وأبو سفيان.
فلمّا بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط، قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شمّاس، فقال: يا معشر الأنصار، إنّما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهلُ الدين من قريش، فأمّا إذا كان من أهل الدنيا لا سيما من أقوام كلّهم موتور فلا يكبرنّ عليكم...
وقال حسّان بن ثابت يذكر ذلك:
تَنادى سهيلٌ وابن حرب وحارثٌ *** وعكرمةُ الشاني لنا ابن أبي جهلِ

صفحه 87
ومنها:
أُولئك رهط من قريش تبايعوا *** على خُطّة ليست من الخطط الفُضْلِ
وكلّهمُ ثان عن الحقِّ عِطفَهُ *** يقول اقتلوا الأنصار بئس من فعلِ
فبلغ شعر حسّان قريشاً، فغضبوا وأمروا ابن أبي عَزّة شاعرهم، أن يجيبه، فقال:
معشر الأنصار خافوا ربَّكم *** واستجيروا الله من شرّ الفتنْ
ثم تكلّم معن بن عدي، وعويم بن ساعدة (وهما رجلان من الأنصار، كانا قد مالآ أبا بكر وعمر على نقض أمر سعد بن عبادة وإفساد حاله)(1)، وانبرى يردّ عليهما فروة بن عمرو ]البياضي الأنصاري [، وكان ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر.
ثم إنّ الأنصار أصلحوا بين هذين الرجلين وبين أصحابهما، ثم اجتمعت جماعة من قريش يوماً وفيهم ناس من الأنصار وأخلاط من المهاجرين، وذلك بعد انصراف الأنصار عن رأيها وسكون الفتنة، فاتّفق ذلك عند قدوم عمرو بن العاص من سفر كان فيه، فجاء إليهم، فأفاضوا في ذكر يوم السقيفة، فتكلّم في ذلك عمرو ونظم فيه شعراً، فلمّا بلغ الأنصار مقالته وشعره بعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العَجْلان، فكلّم عمراً، ثمّ انصرف فقال:
فقل لقريش نحن أصحاب مكة *** ويوم حنين والفوارس في بدرِ(2)
ومنها:

1 . قاله الزبير بن بكار. شرح نهج البلاغة: 6 / 19 .
2 . تقع القصيدة في «شرح نهج البلاغة» في (18) بيتاً، وفي كتاب «الاستيعاب» لابن عبدالبرّ: 4 / 1501 برقم 2619 في (17) بيتاً .

صفحه 88
وقلتم: حرامٌ نصب سعد، ونَصْبُكم *** عتيق بن عثمان، حلالٌ، أبا بكرِ(1)
وأهل أبو بكر لها خير قائم *** وإنّ عليّاً كان أخلق بالأمرِ
وكان هَوانا في عليّ، وإنّه *** لأهلٌ لها يا عمرو من حيث لا تدري
فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى *** وينهى عن الفحشاء والبغي والنُّكْرِ
وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمِّه *** وقاتل فرسان الضلالة والكفر (2)
وهذا بحمد الله يهدي من العمى *** ويفتح آذاناً ثَقُلْنَ من الوَقْر (3)

1 . ورد البيت التالي في «الاستيعاب» قبل هذا البيت، ولم يرد في شرح النهج:
         وكان خطاءً ما أتينا، وأنتمُ            صواباً كأنّا لا نَريش ولا نبري
2 . لم يرد هذا البيت، والبيت الّذي قبله، في «الاستيعاب».
3 . ورد بعد هذا البيت، قوله:
نجيُّ رسول الله في الغار وحده *** وصاحبه الصديق في سالف الدهرِ
ويبدو لي أنّه مقحم في القصيدة، لأنّه يخالف سياق الأبيات الأخيرة الّتي سبقته، والّتي تتحدث عن عليّ (عليه السلام)، ولا ينسجم مع الغرض المراد من القصيدة (وهو الاحتجاج على الخصم والردّ عليه)، ولا مع فحوى البيت الّذي يليه، وهو:
فلولا اتّقاء الله لم تذهبوا بها         ولكنّ هذا الخير أجمع للصبر
وقد يؤيد ما قلناه، أنّ هذا البيت (نجيّ) أنشده وَثيمة بن موسى الوشّاء، (المتوفّى 237 هـ) لزيد (الخيل) بن مهلهل الطائيّ في الردّة، قال: وبعث بها إلى أبي بكر. وقد أورده ابن حجر في «الإصابة»، مع بيت آخر، كالتالي:
أمامُ أما تخشينَ بنت أبي نصرِ *** فقد قام بالأمر الجليّ أبو بكرِ
نجيّ رسول الله في الغار وحده *** وصاحبه الصدّيق في معظم الأمر
وهناك قولان في وفاة زيد الخيل، الأوّل: أنّه مات منصرفه من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في سنة (9 هـ)، والثاني: أنّه مات في خلافة عمر، ولذا قال ابن حجر: وهذا (يعني خبر وثيمة) إنْ ثبت يدلّ على أنّه تأخّرت وفاته حتّى مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). الإصابة: 1 / 572 ـ 573، الترجمة 2941 .
يُشار إلى أنّ مُكنِف، وحُريث «وقيل: حارث» ابني زيد الخيل، كانا قد شهدا قتال الردّة، كما ذكر ابن عبدالبرّ في ترجمة أبيهما من «الاستيعاب»، فلعلّ البيتين المذكورين لأحدهما، إذا ثبتت وفاة الأب في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 89
فلما انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش غضب كثيرٌ منها، وتكلَّم عمرو بن العاص، فسمعه الفضل بن العباس بن عبدالمطلب، فحدّث به عليّاً، فغضب، ثم قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش، وتكلّم وأثنى على الأنصار، ثم تكلّم غيره إلى أن سكت كلٌ من الفريقين عن صاحبه، ورضي القوم أجمعون، وقطعوا الخلاف والعصبيّة.(1)
وظلّ الانسياق وراء العصبيّة القبليّة، يتفاقم يوماً بعد يوم، إلى أن (انبعثت في آخر عهد عثمان قويّة لجبَة عنيفة)(2)، لاسيما عند رجال قريش عامّة، ورجال البيت الأموي خاصّة، حيث جعلهم الخليفة بطانته وموضع ثقته، وعيّنهم ولاة وأُمراء على البلدان، واختصّهم بالمناصب، وفوّض إليهم الأُمور، وأغدق عليهم الأموال الطائلة.
وكان الغالب على عثمان من بني أُمية: مروان بن الحكم بن أبي العاص، وأبو سفيان بن حرب.(3)

1 . شرح نهج البلاغة: 6 / 23 ـ 38 .
2 . تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة: 12 .
3 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 173 .

صفحه 90
وممّا يدلّك على مدى استحواذ أقربائه ـ وخصوصاً مروان ـ على الأمر، هو قول عليّ (عليه السلام)لعثمان حين ثار عليه الثائرون: إنّي قد كلّمتكَ مرّة بعد أُخرى، فكلّ ذلك نخرج ونقول، ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان، وابن عامر، ومعاوية، وعبدالله بن سعد، فإنّك أطعتهم وعصيتني .(1) وقوله له ـ بعد أن أقنع الثائرين بالعودة إلى بلدانهم قبل أن يتفجّر الوضع أخيراً بسبب تصرّفات مروان ـ : فلا تكوننّ لمروان سيِّقة يسوقك حيث يشاء بعد جلال السنّ، وتقضّي العمر.(2)
أمّا ولاة عثمان من أقربائه، فهم:

1. معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية.

لمّا بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام، سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلمّا مات يزيد استخلفه على دمشق، فأقرّه عمر، ثم أقرّه عثمان، وجمع له الشام كلّه.(3)
ولمّا ولي الإمام علي الخلافة وجّه لفوره بعزل معاوية، فأبى واستعدّ للقتال، ثم نشبت بين فئته الباغية، وبين جيش علي (عليه السلام)معارك طاحنة، تعرّض لذكرها المؤرخّون كأبي مخنف، ونصر بن مزاحم، وأبي حنيفة الدينوري، والطبري، وغيرهم.
قال الذهبي: وقُتل عمّار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تقتله الفئة الباغية.(4)

1 . تاريخ الطبري: 3 / 393 ـ 394 ; والكامل في التاريخ: 3 / 162.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 164. وانظر: تاريخ الطبري: 3 / 398 ; والكامل في التاريخ: 3 / 165 .
3 . تاريخ الخلفاء للسيوطي: 234، دار الجيل، 1408 هـ .
4 . سير أعلام النبلاء: 3 / 119، الترجمة 25.

صفحه 91

2. الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط بن أبي عمرو بن أمية، وهو أخو عثمان لأُمّه.

ولاّه عثمان الكوفة، فلّما قدمها قال له سعد بن أبي وقّاص: أكِستَ بعدنا أم حَمِقنا بعدك؟ فقال: لا تجزعنّ يا أبا إسحاق، كلّ ذلك لم يكن، وإنّما هو المُلك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون!! فقال سعد: أراكم جعلتموها مُلكاً.(1)
وكان الوليد يبغض عليّاً ويشتمه، وهو الّذي سمّاه الله تعالى فاسقاً في قوله تقدّست ذاته: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(2)، وسبب نزولها مشهور، وهو كذبه على بني المَصْطَلِق.(3)
قال ابن عبدالبرّ: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عزّوجلّ: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ) نزلت في الوليد بن عقبة. وأضاف: وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله. ثم قال: إنّه كان يحرّض معاوية على قتال عليّ.(4)

3. عبدالله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، أخو عثمان من الرضاعة.

أسلم قبل الفتح، وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم ارتدّ مشركاً، فلمّا كان يوم الفتح أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتله، ولو وُجد متعلّقاً بأستار الكعبة، ففرّ إلى عثمان، فغيّبه حتّى أتى به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاستأمنه له، فصمت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)طويلاً، ثم قال: نعم. فلمّا انصرف عثمان قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمَن حوله: ما صَمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.

1 . الكامل في التاريخ: 3 / 82 ـ 83 .
2 . الحجرات: 6 .
3 . شرح نهج البلاغة: 4 / 80 ـ 81 . وانظر: التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي: 9 / 343 .
4 . الاستيعاب: 4 / 1552 ـ 1557، الترجمة 2721.

صفحه 92
ثم ولاّه عثمان مصر في سنة (25 هـ) .(1)
قال ابن الأثير: وكره الخروج مع معاوية إلى صفين، وقيل شهدها، ولا يصحّ.(2)
أقول: ذُكرت له بعض الأخبار في صفين، منها أنّ معاوية إمام الفئة الباغية، استشار بطانته في أمر منع الماء عن جيش عليّ (عليه السلام)، فقال ابن أبي سرح: امنعهم الماء إلى الليل، لعلّهم أن ينصرفوا إلى طرف الغيضة، فيكون انصرافهم هزيمة.(3)

4. عبدالله بن عامر بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، ابن خال عثمان بن عفّان.

عيّنه عثمان والياً على البصرة، وهو ابن أربع أو خمس وعشرين سنة.(4)
وهو أحد من كان يعتمد عليهم عثمان، ويعوِّل على آرائهم في معالجة الأزمات السياسية.
روى الطبري في أحداث سنة (34 هـ) أنّ عثمان أرسل إلى معاوية، وعبدالله بن سعد، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن عامر، فجمعهم وشاورهم، وقال لهم:
إنّ لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهلُ ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم.(5)
وشهد ابن عامر معركة الجمل مع عائشة، ثمّ جعله معاوية على مقدّمة

1 . الاستيعاب: 3 / 918، الترجمة 1553 .
2 . الكامل في التاريخ: 3 / 351.
3 . الأخبار الطوال: 168. وانظر: وقعة صفين لنصر بن مزاحم: 180 .
4 . الاستيعاب: 3 / 933، الترجمة 1587 .
5 . تاريخ الطبري: 3 / 372 ـ 374 ; والكامل في التاريخ: 3 / 149 ـ 150 .

صفحه 93
جيشه، حين بلغه نبأ استشهاد عليّ (عليه السلام)، فسار حتّى نزل الأنبار، ثم ولاّه البصرة ثلاث سنين.(1)

5. سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميّة.

قُتل أبوه العاص بن سعيد يوم بدر كافراً، قتله عليّ بن أبي طالب.
ولاّه عثمان الكوفة، ثم عزله، وولّى الوليد بن عقبة، فمكث مدّة، فشكاه أهل الكوفة، فعزله وردّ سعيداً، فردّه أهلُ الكوفة، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا في سعيدك، ولا وليدك. وقال بعض شعرائهم:
فررتُ من الوليد إلى سعيد *** كأهل الحِجْر إذ جزعوا فباروا
يَلينا من قريش كلّ عام *** أمير محدث أو مستشارُ
لنا نار نُخوَّفها فنخشى *** وليس لهم، ولا يخشَون نارُ
وكان في سعيد تجبّر وغِلظ وشدّة سلطان.
ولمّا استوثق الأمر لمعاوية ولاّه المدينة، ثم عزله بمروان، وكان يعاقب بينه وبين مروان في أعمال المدينة .(2)
وقد بلغ من طغيان سعيد واستهتاره بكرامة الأُمّة ومقدّراتها، وإيغاله في التعصب الجاهلي لقبيلته، أنّه خاطب وجوه أهل الكوفة، عندما كان والياً عليها لعثمان:
إنّما هذا السواد بستان قريش(3)
وما إن انتزى معاوية على هذه الأُمّة بالسفهاء، حتّى سعى في بناء مُلكه،

1 . الأخبار الطوال: 147، 216; والكامل في التاريخ: 3 / 207 ـ 208، 416 ; والأعلام: 4 / 94 .
2 . الاستيعاب: 2 / 621، الترجمة 987، وج 4 / 1555، الترجمة 2721 (الوليد بن عقبة).
3 . الكامل في التاريخ: 3 / 139، 148 .

صفحه 94
وتثبيت سلطان بيته الأموي وإرساء دعائمه، بالقهر والظلم والعصبيّة، وبإغداق الأموال لشراء ذمم أصحاب الأهواء، وطلاّب المنافع والملذّات، من الفقهاء والرواة والقصّاصين والشعراء والأخباريين.
ولا شكّ في أن ممارسات السلطة الّتي تقوم على العنف والاضطهاد، وعلى فرض الآراء والتصوّرات والمواقف على الناس وترسيخها عن طريق الترغيب والترهيب، لا شكّ في أنّها تعمل، لدرجة غير قليلة، على خلق توجّه عام ذي نمط فكري وثقافي ونفسي خاص، منسجم مع نهجها السياسي ومتبنّياتها العقائدية، لا سيما إذا طال أمد هذه الممارسات.
والتاريخ يشهد بما لمعاوية وأحفاده من الملوك ومناصريهم، من براعة في تسخير أجهزة الدولة واستغلال إمكانياتها وقدراتها، من أجل إنشاء إسلام أمويّ، مناقض في جوهره ولبّه، وفي جانب من شكله ومظهره، للإسلام المحمّدي، وإيجاد بيئة اجتماعية مصبوغة بصبغته.
الخطوط العامّة للنهج الأموي في الدين والسياسة   

الخطوط العامّة للنهج الأموي في الدين والسياسة

1. انتقاص الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والإساءة إليه، والنيل من قداسته ومقامه الرفيع، من خلال وضع الروايات الّتي تركّز على بشريّته الّتي تلازم ارتكاب المعاصي، والضعفَ أمام الأهواء والنزعات النفسية، والاستجابة لدواعي الرضا والغضب غير المحمودَين.
والغرض الذميم لمثل تلك الروايات، هو خلق المبرّرات الّتي تسوّغ عَبَث الحكّام بالشريعة، ولهوهم وجورهم وفسادهم.
وممّا يؤسف له أنّ هذا الغرض قد جاز على بعض كبار المحدّثين، فأودعوا تلك الروايات كتبَهم، ثقةً منهم برواتها.
2. بُغض عليّ (عليه السلام)، والعداء الشديد له وللعترة الطاهرة، واحتمال الضغينة

صفحه 95
عليهم، وقد تمّ التعبير عن ذلك بأساليب متعدّدة، منها التمرّد على شرعية الخلافة العلوية، وإشعال نيران الحرب ضدها، والإمعان في قتل خيار الصحابة والتابعين وصالحيهم، ممّن يدين بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، وصبّ البلاء والمحن عليهم صبّاً،(1) وإطلاق حملة إعلامية ودعائية ضخمة تستهدف الحطّ من شأن عليّ (عليه السلام)، وإنكار مناقبه ومآثره، وإشاعة بغضه وكراهيته، وفرض سبّه ولعنه على المسلمين.
3. تمجيد بني أمية عامة ومعاوية خاصة، وإبرازه كشخصية نادرة المثال، واختلاق الروايات الّتي ترفع من شأنه، وتتحدّث عن إيمانه وفضله.
4. الإسراف في وضع الأحاديث، وتشجيع حركتها، ودسّ الأكاذيب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وممارسة أسلوب التحريف والتزوير والتأويل المتعسّف للسنّة الصحيحة، أو ردّها ومخالفتها بشكل صريح.
5. نشر الأفكار والعقائد الّتي تخدم سياسة الأمويين، وتدعم تسلّط حكّامهم، وتسوّغ أعمالهم الإجرامية وتدين من يخالفهم ويعارضهم، ويعمل على مناهضتهم .
6. التعصّب المفرط لقبيلة قريش، وخصوصاً للفرع الأمويّ منها، وإغراء وجوه القبائل الأُخرى بالأموال والوظائف، واستغلال التناقضات والمنافسات السائدة بينهم، لتدعيم سلطانهم، وخضد شوكة المعارضين لهم والثائرين عليهم.

1 . فممّن استشهد في معركة صفين: عمار بن ياسر، وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري، وأبو عَمرة بشير بن عمرو بن مِحْصَن الأنصاري، وهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص (ابن أخي سعد بن أبي وقاص)، وعبدالله بن بُدَيل بن ورقاء الخزاعي، وأخوه عبدالرحمن بن بديل، وغيرهم كثير.
وممّن استشهد صبراً: حُجر بن عديّ الكنديّ (وأصحابه)، وعمرو بن الحَمِق الخزاعيّ، ومحمد بن أبي بكر القرشي التيميّ، وعبدالله بن نُجيّ الحضرمي، وكُميل بن زياد النخعي، وميثم بن يحيى التمّار، وآخرون.

صفحه 96
وهاك بعض الشواهد التاريخية والروائية الّتي تكشف عن تلك المعالم المتقدّمة:

1. انتقاص النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

ـ أخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ إنّما أنا بشر، فأيّما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة».(1)
وأنت ترى أنّ الرواية تصوّر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إنساناً عاديّاً (كما يريد الإسلام الأمويّ)، يستفزّه الغضب المذموم، فيجلد ويسبّ ويلعن من لا يستحق ذلك!!
ولا عجب في أن يُبدَّل دعاؤه (صلى الله عليه وآله وسلم)على الأشقياء، إلى دعاء لهم يُدخلهم في حظيرة السعداء، إذا ما عُلم أنّ الملعونين على لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم)هم الذين انتزوا، فيما بعد، على الأُمّة بالسيف والمكر والخديعة، وفارقوا الكتاب والسنّة .
عن أبي ذرّ الغفاري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:... «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مالَ الله دُوَلاً، وعباد الله خَوَلاً، ودين الله دَغَلاً»(2).
وعن محمد بن زياد ] القرشي المدنيّ ثم البصريّ[، أنّ عائشة قالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، فمروان فَضَض (3) من لعنة الله عزوجلّ .(4)

1 . صحيح مسلم: 8 / 25. وانظر: صحيح البخاري: 4 / 175، كتاب الدعوات (80)، الباب (34)، رقم 6361.
2 . المستدرك على الصحيحين: 4 / 480. وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
3 . في المستدرك: قصص، والتصويب من الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 506 ـ 507، ومعنى (فضض): قطعة.
4 . المستدرك على الصحيحين: 4 / 481، كتاب الفتن والملاحم. وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال: (فيه انقطاع، محمد لم يسمع من عائشة). وليس الأمر كذلك، فرواية محمد بن زياد عنها موجودة في سنن النسائي. انظر: الحديث النبوي بين الرواية والدراية للعلاّمة جعفر السبحاني: 396 ـ 403، الطبعة الثانية، 1430 هـ .

صفحه 97
وعن ابن عباس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنّه يأكل، ثم بعث إليه، فقال: إنّه يأكل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا أشبع الله بطنه».(1)
وهنا تأتي ـ كالعادة ـ التأويلات الأموية، الّتي تزوّر الحقائق ، فتقلب هذه المثلبة إلى منقبة، من أجل سواد عيون الحاكم الجائر، فقال بعضهم: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال له ذلك، حتّى لا يكون ممّن يجوع يوم القيامة، لأنّ الخبر عنه أنّه قال: «أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة» .(2)
أمّا ناصر الدين الألباني، فذكر فيه تأويلين، منسجمين مع الإسلام الأموي (الّذي يسيء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويستخفّ به)، فقال:
إنّ هذا الدعاء منه (صلى الله عليه وآله وسلم)غير مقصود، بل هو ممّا جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نيّة!!
وقال: ويمكن أن يكون ذلك منه بباعث البشريّة، الّتي أفصح عنها هو نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم)في أحاديث كثيرة متواترة، منها حديث عائشة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أوَ ما علمتِ ما شارطتُ عليه ربّي؟ قلت: اللهمّ إنّما أنا بشر، فأيّ المسلمين لعنتُه أو سببته، فاجعله له زكاة وأجراً».(3)

1 . مسند أبي داود الطيالسي: 359، رقم 2746، وأخرجه مسلم (2604) في البرّ والصلة، باب من لعنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك.
2 . سير أعلام النبلاء: 3 / 123، الترجمة 25. وقال تعقيباً على هذا التأويل: هذا ما صحّ، والتأويل ركيك.
3 . سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1 / 123 .

صفحه 98

2. بُغض الإمام علي (عليه السلام)

ـ ذكر أبو عثمان الجاحظ: أنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة:
اللهم إنّ أباتراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلاً وعذّبه عذاباً أليماً. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن العزيز.(1)
ـ عن الشَّعبي، قال: استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، وهو يومئذ بالمدينة... إلى أن قال: قال سعيد بن العاصي ]لمعاوية [: هي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن أموتَ ولا أرى *** فوق المنابر من أميّةَ خاطبا
فالله أخّر مُدّتي فتطاولت *** حتّى رأيت من الزمان عجائبا
في كلّ يوم للزمان خطيبُهم *** بين الجميع لآل أحمد عائبا(2)
ـ ذكر الطبري أنّ معاوية لمّا ولّى المغيرة بن شعبة الكوفة في سنة (41 هـ)، دعاه وقال له:
... قد أردتُ إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويُسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولستُ تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تتحمَّ ] أي لا تمتنع [ عن شتم عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم.(3)
ـ قال أبو العباس المبرّد (المتوفّى 285 هـ) :

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4 / 56 ـ 57 .
2 . العِقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي: 1 / 346 ـ 347، دار الكتب العلمية، 1404 هـ .
3 . تاريخ الطبري: 4 / 188 (سنة 51 هـ); والكامل في التاريخ: 3 / 472.

صفحه 99
كان خالد بن عبدالله القَسْري لعنه الله يلعن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه على المنبر، فيقول: ] لعن [ (1) الله عليّ بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابنَ عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وزوجَ ابنته فاطمة، وأبا الحسن والحسين! ثم يُقبل على الناس، فيقول. أكَنَيْتُ؟! (2)
ـ قال أبو جعفر الإسكافي:
قد صحّ أنّ بني أُمية مَنَعوا من إظهار فضائل علي (عليه السلام)، وعاقبوا ذلك الراوي له، حتّى إنّ الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين، لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب!!(3)

3. تمجيد معاوية بن أبي سفيان

ـ قال أبو الفرج ابن الجوزي في باب ذكر معاوية من كتابه «الموضوعات» :
(قد تعصّب قوم ممّن يدّعي السنّة، فوضعوا في فضله أحاديث ليغضبوا الرافضة...)(4).
وعلى كثرة ما أوردوا في فضائل معاوية من أحاديث، فإنّ شيخ البخاري المحدّث الكبير إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ (ابن راهويه)، قال: لا يصحّ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء (4). وجزم بذلك النَّسائي، وابن حجر العسقلاني وغيرهما.(5)

1 . في المصدر: فعل.
2 . الكامل: 2 / 858 ، تحقيق الدكتور محمد أحمد الدالي. وعنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 4 / 57 .
3 . شرح نهج البلاغة: 4 / 73.   4 . الموضوعات: 2 / 15، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1403 هـ .
4 . الموضوعات: 2 / 24.
5 . فتح الباري لابن حجر: 7 / 104، دار المعرفة.

صفحه 100
ـ قال الذهبي في ترجمته لمعاوية: وقد ساق ابن عساكر في الترجمة أحاديث واهية وباطلة، طوّل بها جدّاً.
ثم قال: فمن الأباطيل المختلقة:
عن واثلة مرفوعاً: «كاد معاوية أن يُبعث نبيّاً من حلمه وائتمانه على كلام ربّي».
وعن عليّ، قال: لأخرجَنّ ما في عنقي لمعاوية، قد استكتبه نبيّ الله وأنا جالس، فعلمتُ أنّ ذلك لم يكن من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن من الله.
وعن جابر مرفوعاً: «الأُمناء عند الله سبعة: القلم، وجبريل، وأنا، ومعاوية، واللوح، وإسرافيل، وميكائيل».
ثم نقل الذهبي جملة من هذه الأحاديث الّتي نَعَتها في أوّل كلامه بالأباطيل المخَتلَقة، وقال عنها في خاتمة كلامه بأنّها ظاهرة الوضع، والله أعلم.(1)
ـ أخرج ابن الجوزي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل أنّه قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في عليّ ومعاوية؟ فأطرق، ثم قال:
إيش أقول فيهما؟ أنّ عليّاً كان كثير الأعداء، ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فجاءُوا إلى رجل قد حاربه وقاتله، فاطْرَوه كياداً منهم له.(2)

4. ردّ السنّة الشريفة وتحريفها

ـ من كتاب للإمام عليّ (عليه السلام)إلى معاوية:
«مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلاَْهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ، مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ، الَّتِي هِيَ لِلّهِ طِلْبَةٌ، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ».(2)

1 . سير أعلام النبلاء: 3 / 127 ـ 131، الترجمة 25.   2 . الموضوعات: 2 / 24.
2 . نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل، رقم 37 .

صفحه 101
ومن خطبة له (عليه السلام)، يحثّ فيها على قتال الفئة الباغية:
«اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْم حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لاَ يُبْصِرُونَهُ، وَمُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لاَ يَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاة عَنِ الْكِتَابِ، نُكُب عَنِ الطَّرِيقِ».(1)
ـ روى الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أنّ معاوية باع سقاية من ذهب أو وَرِق بأكثر من وزنها. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ينهى عن مثل هذا إلاّ مثلاً بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأساً!! فقال أبو الدرداء: مَن يعذرني من معاوية؟ أنا أُخبره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويخبرني عن رأيه، لا أُساكنك بأرض أنت بها. ثمّ قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب، فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية: أن لا تبيع ذلك إلاّ مثلاً بمثل ووزناً بوزن.(2)
ـ روى الحاكم بإسناده عن محمد بن عمرو بن حزم، قال: لمّا قُتل عمّار بن ياسر (رضي الله عنه)، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قُتل عمّار، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «تقتله الفئة الباغية»، فقام عمرو بن العاص مسرعاً حتّى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمّار. فقال معاوية: قُتل عمّار فماذا؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «تقتله الفئة الباغية». فقال له معاوية: دحضت في بولك، أوَ نحن قتلناه؟ إنّما قتله عليّ وأصحابه، جاءُوا به حتّى ألْقَوه بين رماحنا أو قال: بين سيوفنا.(3)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 125 .
2 . الموطّأ: 529، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالفضة تبراً وعيناً ; والسنن الكبرى للبيهقي: 5 / 280، كتاب البيوع، باب تحريم التفاضل في الجنس الواحد.
3 . المستدرك على الصحيحين: 2 / 155، و 3 / 386 ـ 387. وصحّحه على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبيّ. وروى نحوه أحمد في «المسند»: 2 / 161 بسند صحيح.

صفحه 102
بهذا الأسلوب المُخادع المُضلِّل، يحاول معاوية أن يضع عن نفسه وِزر سيئاته، ويتنصل من جرائمه، ولا يهمّه بعد ذلك ـ ومن أجل بلوغ مآربه الدنيوية ـ أن يستهين بالأحاديث الصحيحة المتواترة، وأن يستخفّ لا بالحقيقة وحدها، بل بعقول الذين اتّخذوه إماماً، والذين أولعوا بشخصيته وانبهروا بسياسته (الشيطانية).
ولكنّ عليّاً (عليه السلام)لم يكن ليدع هذا الباطل يتنفّس، بل دمغه بحجّة الحقّ، فإذا هو زاهق.
لقد (أجابه عليّ (رضي الله عنه)بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذن قتل حمزة حين أخرجه. وهذا منه (رضي الله عنه)إلزام مُفحم لا جواب عنه، وحجّة لا اعتراض عليها) .(1)
ـ ومن الأُمور الكبيرة المشهورة، الّتي تدلّ على غاية الاستخفاف بالإسلام وبالسنّة الشريفة، قصة قيام معاوية باستلحاق زياد بن أبيه، والادّعاء بأنّه أخوه.
أخرج مسلم بإسناده عن أبي عثمان، قال: لمّا ادّعي زياد، لقيت أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الّذي صنعتم؟ إنّي سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يقول: «من ادّعى أباً في الإسلام غير أبيه يعلم أنّه غير أبيه، فالجنة عليه حرام»، فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
وقال الحسن البصري: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة:... وادّعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الوَلَد للفراش، وللعاهر الحَجَر.(3)
وقال ابن الأثير: وكان استلحاقه أوّل ما رُدّت أحكام الشريعة علانيةً، فإنّ

1 . سير أعلام النبلاء: 3 / 142 (الحاشية)، الترجمة 25، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405 هـ .
2 . صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، رقم 63.
3 . تاريخ الطبري: 4 / 208 (سنة 51 هـ) ; والكامل في التاريخ: 3 / 487; وتهذيب تاريخ دمشق: 2 / 384 .

صفحه 103
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قضى بالولد للفراش، وللعاهر الحجر. (1)
ـ وكان معاوية ـ كما يقول الزهريّ ـ أوّل من بدأ بالخطبة قبل الصلاة في العيد، أخرجه عبدالرزاق بن همّام الصنعاني في مصنّفه . (2)
قال ابن قُدامة الفقيه الحنبلي (المتوفّى 620 هـ): إنّ خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين، إلاّ عن بني أُميّة. ثم قال: ولا يُعتدّ بخلاف بني أُميّة لأنّه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنّة رسول الله الصحيحة، وقد أُنكر عليهم فعلُهم وعُدّ بدعةً، ومخالفاً للسنّة، فإنّ ابن عمر قال: إنّ النبيّ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلّون العيدين قبل الخطبة. متَّفق عليه.(3)
ـ روى النَّسائي بإسناده عن سعيد بن جُبير، قال: كنت مع ابن عباس بعَرَفات، فقال: مالي لا أسمع الناس يُلَبُّون؟ قلت: يخافون من معاوية. فخرج ابن عباس من فُسطاطه، فقال: لبَّيك اللهم لبَّيك لَبَّيك، فإنّهم قد تركوا السنّة من بُغض عليّ! (4)

5. ترويج الأفكار الداعمة لسياسة المستبدّين

لجأ ملوك بني أُميّة وفي مقدّمتهم معاوية بن أبي سفيان إلى انتهاج شتّى الأساليب من أجل توطيد سلطانهم، وفرض هيمنتهم، وتحقيق أطماعهم ومآربهم، وتلبية رغباتهم ونزواتهم.
ومن هذه الأساليب، ابتداع وترويج الأفكار والمفاهيم والعقائد المنحرفة، وتلوينها بصبغة دينيّة، بغية إسباغ صفة الشرعية على سياساتهم الجائرة،

1 . الكامل في التاريخ: 3 / 444 .
2 . المصنّف: 3 / 284، رقم 5646. وانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي: 240 .
3 . المُغني (ومعه الشرح الكبير): 2 / 143 .
4 . سنن النَّسائي: 717، كتاب مناسك الحجّ، باب التلبية بعرفة، رقم 3003.

صفحه 104
وممارساتهم الفاسدة، وخلقِ جوٍّ عامّ ملائم لها، لكي تتحرك في نطاقه، وتعمل فيه دون عوائق كبيرة.
ومن تلك الأفكار والعقائد الّتي تمّ ترسيخها في نفوس الكثيرين بقوة السلطان، وسعي علماء البلاط:

أ. السمع والطاعة للأمراء أيّاً كانوا

ثمّة روايات كثيرة، شُحنت بها المصادر الحديثية، تدعو إلى الخنوع والخضوع، والانصياع لأوامر شرار الأئمة والأُمراء، وتحذّر من مغبّة منابذتهم ومناهضتهم، أو الاعتراض عليهم.
وإمعاناً في تركيز هذا المبدأ، نسب بعض الحكّام الطغاة والمتزلّفين إليهم، عدداً من تلك الروايات، الّتي تسند هذا المبدأ، إلى بعض الصحابة الأجلاّء الذين عُرفوا بمواقفهم الصُّلبة ضد البدع والانحراف والفساد، والظلم والجور والاستبداد، كأبي ذرّ الغفاريّ، وعبادة بن الصامت الأنصاري، اللّذين كانا لا يخافان في الله لومة لائم.
وإليك بعض الروايات الواردة في هذا الشأن:
1. روى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني (المتوفّى 287 هـ) بإسناده عن ابن حلبس، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: لمّا خرج أبو ذرّ إلى الرَّبَذَة لقيَه ركْب من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذرّ قد بلغنا الّذي صُنع بك، فاعقد لواءً يأتيك رجال ما شئت، قال: مهلاً مهلاً يا أهل الإسلام فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: سيكون بعدي سلطان فأعزّوه، مَن التمس ذلَّه ثغر ثغرة في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتّى يعيدها كما كانت.(1)

1 . كتاب السنّة لابن أبي عاصم: 186، رقم 1079، دار الكتب العلمية، 2004 هـ .

صفحه 105
2. وروى بإسناده عن سلمة بن لبابة، عن أبي ذرّ، قال: اسمعْ وأطعْ لمن كان عليك.(1)
إنّ نسبة هاتين الروايتين إلى الصحابي أبي ذرّ، يبعث على التأمّل في صدورهما عنه، بل الارتياب فيهما، بل على القول بوضعهما واختلاقهما على لسانه، لتناقضهما التامّ مع منهج المعارضة الّذي سلكه في عهد عثمان، ومع مواقفه الجريئة المندِّدة بسياسته وسياسة أميره على الشام معاوية بن أبي سفيان، والّتي عانى، من جرّائها، أقسى معاناة، ولم تنتهِ إلاّ بوفاته وحيداً في منفاه بالرّبذة.
ثم إذا كان حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أوصاه بالسمع والطاعة للأمراء أيّاً كانوا، وبالصبر على استئثارهم بالفيء، كما في رواية أُخرى عنه(2)، فلماذا، وهوالرجل العالم الصادق الورع، الشديد الحبّ للرسول، المُنقاد لوصاياه وإرشاداته، لماذا لم يُرِح نفسه، وقد بُسط له العذر، من التعرّض لتلك المحن الشداد، ومكابدة تلك المشاق، ومقاساة تلك الأهوال، وهو في عُمر أحوج ما يكون فيه إلى الهدوء والاستقرار؟!
3. وروى ابن أبي عاصم بإسناده عن جنادة بن أبي أُميّة، عن عبادة بن الصامت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: اسمع وأطع في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأَثَرة عليك، وإنْ أكلوا مالك وضربوا ظهرك.(3)
إنّ سيرة هذا الصحابي العَقَبيّ البدريّ في رفض المنكر والجرأة في النهي عنه، لا تتفق مع دعوة هذه الرواية إلى الطاعة المطلقة وفي كلّ الأحوال للأُمراء، فعن قَبيصة بن ذؤيب: أنّ عبادة أنكر على معاوية شيئاً، فقال: لا أَساكنك بأرض،

1 . كتاب السنّة : 182، رقم 1055.
2 . المصدر نفسه: 190، رقم 1104 .
3 . المصدر نفسه: 178، رقم 1026.

صفحه 106
فرحل إلى المدينة، قال له عمر: ما أقدمَكَ؟ فأخبره بفعل معاوية، فقال له: ارحل إلى مكانك، فقبَّح الله أرضاً لستَ فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك.(1)
ثمّ إنّ رواية ابن أبي عاصم وردت من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، بهذا النصّ: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على السمع والطاعة في المكره والمنشط، والعسر واليسر، والأثرة علينا، وأن نقيم ألسنتنا بالحقّ أينما كنّا، ولا نخاف في الله لومة لائم.(2)
وأخرج نحوها البخاري في صحيحه .(3)
وهكذا يُحرَّف الكَلِم عن مواضعه، استجابة لهوى السلطان، فيتمّ تعميم أمر الطاعة المفترضة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمينهِ على وحيه، ليشمل كلّ حاكم وأمير، وإن تمادى في الغيّ والعصيان والتطاول على الناس!!!
4. أخرج مسلم بإسناده عن أبي سلاّم (4)، قال: قال حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله إنّا كنّا بشرّ، فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإنْ ضرب

1 . سير أعلام النبلاء: 2 / 7، الترجمة 1. قال شعيب الأرنؤوط (محقّق الكتاب): رجاله ثقات .
2 . كتاب السنّة لابن أبي عاصم: 179، رقم 1035 .
3 . صحيح البخاري: 4 / 392، كتاب الأحكام، الباب 43، رقم 7200 .
4 . هو أبو سلاّم الأسود الحَبَشي، الشامي، واسمه ممطور. قال الذهبي فى «الكاشف»: غالب رواياته مرسلة ولذا ما أخرج له البخاري. وقال الدارقطني: لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق، لأنّ حذيفة توفّي بعد قتل عثمان بليال. انظر: تهذيب الكمال: 28 / 484، الترجمة 6172 (الحاشية)، تحقيق الدكتور بشّار عواد معروف.

صفحه 107
ظهرك وأخذ مالك فاسمعْ وأطع.(1)
وهذه الرواية وما سبقها من روايات، تعارض القرآن الكريم، الّذي حثّ في آيات كثيرة على رفض الظلم، والإنكار على الطغاة، وعدم الاعتماد عليهم والاطمئنان إليهم .
قال تعالى: (وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ)(2) .
وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)(3).
وقال سبحانه، مندّداً بالخانعين للمتسلّطين: (وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد)(4).
وقال، تقدّست ذاته، وهو يثني على رجال الإصلاح: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ )(5).
(وهذه الإشارة تكشف عن سنّة من سنن الله في الأُمّم، فالأُمّة الّتي يقع فيها الظلم والفساد، فيجدان من ينهض لدفعهما هي أُمّم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأمّا الأُمّم الّتي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض مَن يدفع الظلم والفساد، أو يكون منها من يستنكرهما، ولكنّه لا يبلغ

1 . صحيح مسلم: 6 / 20، باب لزوم الجماعة.
2 . هود: 113 .
3 . الإنسان: 24 .
4 . هود: 59 .
5 . هود: 116 ـ 117 .

صفحه 108
أن يؤثّر في الواقع الفاسد، فإنّ سنّة الله تحقّ عليها، إمّا بهلاك الاستئصال، وإمّا بهلاك الانحلال.. والاختلال!
فدعاة الإصلاح، المناهضون للطغيان والظلم والفساد، هم صمّام الأمان للأُمّم والشعوب.. وهذا يُبرز قيمة كفاح المكافحين للخير والصلاح، الواقفين للظلم والفساد.. إنّهم لا يؤدّون واجبهم لربّهم ولدينهم فحسب، إنّما هم يحولون بهذا دون أُممهم وغضب الله، واستحقاق النَّكال والضياع)(1).

ب. إحياء عقيدة الجَبْر

من العقائد الّتي جدّ طغاة بني أُميّة في إحيائها، وروّج لها المتزلّفون إليهم باختلاق الروايات وغير ذلك، هي عقيدة الجَبْر(2)، الّتي تمتدّ جذورها إلى عصور ما قبل الإسلام والّتي تعني نفي الفعل عن الإنسان، وإسقاط مسؤوليته عنه، وإضافة الفعل إلى الربّ تعالى، وإلقاء المسؤولية عليه.
فالمشركون كانوا يزعمون أنّ شركهم وما صدَرَ عنهم من تحريم، إنّما كان بمشيئة الله (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لاَ آبَاؤُنَا وَ لاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ)(3).
كما أنّهم أحالوا ما اقترفوا من فواحش إلى مشيئته سبحانه أيضاً (وَ إِذَا

1 . في ظلال القرآن: 12 / 79، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأُولى.
2 . قال الشيخ محمد أبو زهرة: يصعب أن نعيِّن مبدأ لهذه الفكرة، أو أن نذكر أوّل من قالها، ولكنّا نجزم بأنّ القول في الجبر شاع في أوّل العصر الأموي وكثر حتّى صار مذهباً في آخره. المذاهب الإسلامية: 99 .
3 . الأنعام: 148 .

صفحه 109
فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَ اللهُ أَمَرَنَا بِهَا...)، وقد أمر سبحانه نبيّه الكريم بمواجهتهم بهذه الحجة البالغة الّتي تُبطل دعواهم (قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(1).
ولكنّ بني أُميّة وأتباعهم قالوا ذلك عن علم، وبقصد التمويه والتضليل على الناس، مستهدفين من وراء ذلك تكبيلَهم بقيود الطاعة لأوامرهم ونواهيهم، وسَوْقَهم كالقطيع نحو سوح الخضوع والاستسلام لمشاريعهم الجهنّمية، وإخمادَ روح المعارضة والمقاومة لمفاسدهم وسياساتهم المجانبة للحقّ والعدل.
وهاك بعض الشواهد على ما تقدّم:
ـ قال معاوية لأُمّ سلمة، وقد سألته عن سبب تنصيب يزيد خليفة من بعده: إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(2)
ـ وقال لابن عمر في الموضوع ذاته: إنّي أُحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم، وأن تسفك دماءهم، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم.(3)
ـ قال أبو هلال الحسن بن عبدالله العسكري (المتوفّى بعد 400 هـ ): إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ الله يريد أفعال العباد كلّها.(4)
ـ قال ابن عباس في رسالته الّتي يخاطب بها جبرية أهل الشام: يا أبناء سلف المنافقين، وأعوان الظالمين، وخزّان مساجد الفاسقين.. هل منكم إلاّ مفتر على الله، يجعل إجرامه عليه سبحانه، وينسبه علانية إليه.

1 . الأعراف: 28 .
2 . الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 167 .
3 . المصدر نفسه: 1 / 171 .
4 . الأوائل: 2 / 125 .

صفحه 110
ـ عن أيوب السَّخْتِياني، قال: نازلتُ الحسن ] البصري [ في القَدَر غير مرّة حتّى خوّفته السلطان، فقال: لا أعود فيه بعد اليوم.(1)
وكان الحسن البصري (المتوفّى 110 هـ) يتكلّم في القَدَر الّذي لا يستلزم الجَبْر، ولا يُسلَب معه الإنسان عن الاختيار، ويردّ على المجبِّرة.
وقد كتب العلاّمة جعفر السبحاني أبحاثاً متعدّدة حول مسألة القَدَر وما يتعلّق بها من موضوعات، ومن أهمها:
1. استغلال الأمويين للقَدَر بالمعنى الّذي يلازم الجبر.
2. نقد الروايات الّتي ظهرت في لَبوس الإيمان بالقدر، وهي لا تفارق الجبر قَيد شعرة.
3. بيان حرية الإرادة من منظار قرآني، وغير ذلك.(2)
وممّا قاله في هذا المجال:
لقد اتّخذ الأمويون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيئة، وكانوا ينسبون وضعهم بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر. ثم قال:
إنّ بعث الأنبياء ودعوة الناس إلى طريق الرشاد، ونهيهم عن ارتكاب القبائح أوضح دليل على أنّ الإنسان موجود قابل للإصلاح والتربية، إذ لو كان مجبوراً على فعل المعاصي، لكان بعث الأنبياء ودعوتهم أمراً سدى.
نعم، الدعوة إلى حرية الإنسان، وكونه فاعلاً مختاراً لا تعني أبداً انقطاع صلة الإنسان بالله سبحانه وإرادته، لأنّ تلك الفكرة، كفكرة الجبر، باطلة، تورد الإنسان في مهاوي الشرك والثنويّة، الّتي هي ليست بأقلّ ضرراً من القول بالجبر .

1 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 7 / 167 .
2 . انظر: بحوث في الملل والنِّحل: 1 / 211 ـ 216، و 382 ـ 452، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) 1427 هـ ; ومفاهيم القرآن: 10 / 38 ـ 65، الفصلان الرابع والخامس.

صفحه 111
فالتفويض بمعنى استقلال الإنسان في فعله وإرادته وكلّ ما يكتسب، وخروجه عن سلطة الله سبحانه، تفويض باطل، كالقول بأنّه فاعل مجبور.(1)

6. الإفراط في التعصّب لقريش عامّة، وللأمويين خاصّة

ـ قد مضى القول أنّ العصبية القبلية، كانت تتفاقم يوماً بعد يوم، إلى أن انبعثت قوية عنيفة في آخر عهد عثمان، الّذي وجد فيه رجال قريش، ولا سيّما رجال بني أُميّة، أمكن فرصة لإعادة التكتّل على أساس العصبية القبلية والمصالح غير المشروعة القائمة بينهم، وصولاً إلى الهدف الّذي لم يغب، لحظةً، عن بالهم وعن أعينهم، والّذي تحقّق لهم أخيراً بغلَبة معاوية، وهو: استعادة السلطة والزعامة، والمكانة الدنيوية الّتي أحرزوها في العصر الجاهلي.
ـ وقد مضى أيضاً قول سعيد بن العاص الأموي:
إنَّما هذا السَّواد بُستانُ قُرَيْش
ـ قال الدكتور نبيه عاقل:
توصّل معاوية إلى الخلافة بقوة السيف، ولم تكن الشورى سبيله للوصول إلى هذا المنصب، الأمر الّذي أضفى على خلافته صفة حُكم طابعه سياسي أكثر منه ديني، وهذا ما حدا بالكثير من المؤرّخين إلى إطلاق كلمة «مُلك» على فترة حكمه، ونسبوا إليه قوله: «أنا أوّل الملوك»(2).
على أنّه ليس صحّياً أن نبالغ في إضفاء الطابع السياسي على فترة حكم معاوية وأن نتحدّث عنه «كملِك» بالمعنى الحديث للكلمة، والأجدر أن نشبّهه

1 . مفاهيم القرآن: 10 / 40، و 43.
2 . قال الزُّبير بن بكّار: كان معاوية أوّل من اتّخذ الديوان للختم، وأمر بالنَّيروز والمهرجان، واتّخذ المقاصير في الجامع، وأوّل من قتل مسلماً صبراً...، وكان يقول: أنا أوّل الملوك. سير أعلام النبلاء: 3 / 157، الترجمة 25.

صفحه 112
برؤساء القبائل في الفترة السابقة للإسلام، وأن نقارن أُسلوبه في الحكم بأُسلوب شيوخ القبائل من حيث الحلم والدهاء واعتماد العصبية العربية، وفي هذا استمرار للزعامة الّتي كانت تتمتع بها أُسرته قبل الإسلام.(1)
   

الحقيقة السادسة: وسام الوصاية يُزيِّن صدر عليّ (عليه السلام)

بادر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من أجل تحديد مسار الإسلام ورسم مستقبله، إلى إخضاع رجال عشيرته الأقربين إلى عملية اختبار عسيرة جداً، وهو لم يكد يخطو (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجال التبليغ بمكّة المكرّمة إلاّ خطوات قليلة وعلى طريق وعر، مليء بالعقبات.
وكان الهدف من تلك العملية، هواختيار مَن ينهض بعبء مساندته ومناصرته في أيام حياته، ويتحمّل مسؤولية مواصلة الطريق بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم).
وكان الفائز الوحيد في ذلك الاختبار، هو علي بن أبي طالب، الّذي تطوّع لخوض غمار تلك المصاعب وتحمُّل تلك الأعباء الثقيلة.
وعلى أساس ذلك الفوز، منحه الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)وسام الأُخوّة والوصاية والخلافة.
منذ ذلك الوقت، زُيِّن صدر ابن أبي طالب، من دون الرجال، بذلك الوسام النبويّ، ثم أخذ (صلى الله عليه وآله وسلم)يُجليه، بعد ذلك كلّما اقتضت مناسبة، ويمنحه أوسمة أُخرى، تؤكّد استحقاقه للموقع السامي الفذّ في الكيان الإسلامي، وتُبرز أهليّته وجدارته في الحفاظ على مسيرة الإسلام، وصيانة الشريعة، ورعاية الأُمّة وسياستها وقيادتها.
وظلَّ هذا الوسام (وسام الوصاية) مصدر فخر واعتزاز لعليّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، يفتخر

1 . تاريخ خلافة بني أُميّة: 90، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1394 هـ .

صفحه 113
به هو وأبناؤه (الذين مُنحوا هذا الوسام أيضاً، كما يأتي) في المناسبات الّتي تستدعي ذلك، ويفتخر له به جمع من الصحابة والتابعين نثراً وشعراً، كلّما سنحت الفرص، وسمحت الظروف السياسية بذلك، ثم لهجت بذكره ألسن طائفة من الشعراء والكتّاب والخطباء في كلّ العصور، حتّى أصبحت كلمة (الوصيّ) مجرّدةً لا يُراد بها إلاّ علي (عليه السلام)، على الرغم من كلّ المحاولات العنيدة في مواجهة الروايات والأخبار الّتي تتحدّث عن (الوصيّة)، أو (الوصيّ)، أو تتضمّن هذين اللفظين، بالتكذيب والإنكار، والكتمان، والحذف، والتأويل المتعسّف البعيد، وسنشير إلى ذلك، بعد أن نتعرّف على قصّة منح علي (عليه السلام)هذا الوسام في مبدأ الدعوة الإسلامية.. قصّة (حديث الدار يوم الإنذار).

حديث الدار

روى الطبري عن ابن حُميد، عن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، عن عبدالله بن عباس، عن علي بن أبي طالب، قال:
لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(1)دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لي: يا عليّ إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين.. فاصنعْ لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رِجل شاة، واملأ لنا عُسّاً من لبن، ثم اجمع لي بني عبدالمطلب، حتّى أُكلِّمهم وأُبلِّغهم ما أُمرتُ به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب... ثم دعاني بالطعام فقرّبته لهم... فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة، ثم قال: أَسقهم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثم تكلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال:

1 . الشعراء: 214.

صفحه 114
«يا بني عبدالمطلب، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟». قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت ـ وإنّي لأحدثهم سنّاً... ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.(1)
ورواها ابن عساكر بإسناده عن إسماعيل بن الحكم، عن عبدالله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه أبي رافع، وفيها: ثم قال ] (صلى الله عليه وآله وسلم)[: «يا بني عبدالمطلب كونوا في الإسلام رؤوساً، ولا تكونوا أذناباً، فمن منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيّي، وقاضي ديني، ومنجز عداتي؟»، فقام علي بن أبي طالب، فبايعه بينهم.(2)
ورواها أيضاً بإسناده عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبّاد بن عبدالله، عن عليّ بن أبي طالب، وفيها: فبدَرَهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالكلام، فقال: «أيّكم يقضي ديني، ويكون خليفتي ووصيّي من بعدي؟».(3)
ونظراً للحساسية المفرطة تجاه لفظة (الوصيّ)، وما تحمله من معنى يصطدم مع الواقع الّذي آلت إليه الخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ينسجم مع الرؤية المذهبية الّتي تقدّس ذلك الواقع، حُذفت تلك اللفظة في الرواية الّتي

1 . تاريخ الطبري: 2 / 62 ـ 63 ; وتاريخ مدينة دمشق: 42 / 48 ـ 49 (ترجمة علي بن أبي طالب) ; والكامل في التاريخ: 2/ 62 ـ 63 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13 / 244 (وصحّحه أبو جعفر الإسكافي المعتزلي).
2 . تاريخ مدينة دمشق: 42 / 49 ـ 50 .
3 . تاريخ مدينة دمشق: 42 / 47 ـ 48.

صفحه 115
وردت في «تفسير الطبري» وأُبدلت بلفظة مُبهمة، مع أنّ الرواية وردت تامّةً وبنفس الإسناد، الّذي مرّ عليك، في تاريخه، فقد جاء في «التفسير» قول النبيّ لبني عبدالمطّلب وقد أخذ برقبة عليّ: «إنّ هذا أخي، وكذا، وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا».(1)
ومن النصوص الّتي ورد فيها كونه (عليه السلام)وصيّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

حديث: عليّ وصيّي ووارثي

ـ محمد بن حُميد الرازي، عن سلمة الأبرش، عن ابن إسحاق، عن شريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بُريدة، عن أبيه ـ مرفوعاً:
لكلّ نبي وصيّ ووارث، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي.
قال الذهبي: هذا كذب ولا يحتمله شريك. محمد بن حميد الرازي، ليس بثقة.(2)
أقول: لا يُنتظر من الذهبيّ وأمثاله أن لا يصمَ بالكذب هذه الرواية وسائر الروايات الّتي يرد فيها لفظ (الوصيّ)، فانحرافه عن عليّ (عليه السلام)معلوم، ومنهجه في

1 . جامع البيان عن تأويل القرآن (تفسير الطبري): المجلد 11 / 141، رقم 26809، دار ابن حزم ودار الأعلام، 1423 هـ .
وممّن روى (حديث الدار) أحمد بن حنبل في المسند: 1 / 111» وفيه: «مَن يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي؟»، ورواه في ص 159 من الجزء المذكور بإسناده عن ربيعة بن ناجد، عن عليّ، وفيه: «فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي»، ورواه الطبري في «تاريخه: 2 / 63 ـ 64» بنفس إسناد أحمد الأخير، ولكن بهذا النصّ: «فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي» .
2 . ميزان الاعتدال: 2 / 273، الترجمة 3697 (ترجمة شريك بن عبدالله النخعي). ورواه ابن عساكر بإسناده عن محمد بن حميد الرازي، عن علي بن مجاهد، عن الرجال المذكورين في السند المتقدّم. تاريخ مدينة دمشق: 42 / 392، الترجمة 4933 (ترجمة علي بن أبي طالب).

صفحه 116
الجرح والتعديل معروف، حيث يُسرف في جرح محدّثي شيعة عليّ ورواة فضائله، ويتساهل في تعديل مبغضيه. ومن أمثلة ذلك أنّه بالغ في توثيق (حَريز بن عثمان الرَّحَبي الشامي)، الّذي كان يسبّ عليّاً ويلعنه، فقال في «ميزان الاعتدال»: (كان متقناً ثبتاً، لكنّه مبتدع)، وقال في «المغني»: (ثبت، لكنه ناصبيّ)، وقال في «الديوان»: (ثقة، لكنّه ناصبيّ مبغض).(1)
ثم إنّ محمد بن حُميد الرازي، الّذي قال عنه الذهبي: (ليس بثقة) قد روى عنه ثقات محدّثي السنّة، مثل: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل (وأحسنا الثناء عليه)، ومحمد بن يحيى الذُّهليّ(2)، وأبي بكر محمد بن إسحاق الصاغاني (3). وروى عنه من أصحاب الكتب الستة المعتمدة عندهم: أبو داود، والتِّرمذي، وابن ماجة.

1 . تهذيب الكمال: 5 / 579، الترجمة 1175. قال الدكتور بشّار عوّاد معروف (محقّق الكتاب المذكور) في تعليقته على كلام الذهبي المتقدّم: لا نقبل هذا الكلام من شيخ النقّاد أبي عبدالله الذهبي، إذ كيف يكون الناصبي ثقة، وكيف يكون «المبغض» ثقة؟ فهل النَّصْب وبغض أمير المؤمنين علي بن ابي طالب بدعة صغرى أم كبرى؟ والذهبي نفسه يقول في «الميزان: 1 / 6» في وصف البدعة الكبرى: «الرفض الكامل والغلوّ فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتجّ بهم ولا كرامة»، أو ليس «الحطّ» على عليّ و «النَّصْب» من هذا القبيل؟ وقد ثبت من نقل الثقات أنّ هذا الرجل كان يبغض علياً، وقد قيل: إنّه رجع عن ذلك، فإنْ صحّ رجوعه، فما الّذي يدرينا أنّه حدّث في حال بغضه وقبل توبته؟ وعندي أنّ حريز بن عثمان لا يحتجّ به، ومثله مثل الّذي يحطّ على الشيخين، والله أعلم.
2 . وصفه الذهبي بقوله: الإمام العلاّمة الحافظ البارع، شيخ الإسلام، وعالم أهل المشرق، وإمام أهل الحديث بخراسان. وكان شديد التمسّك بالسنّة. سير أعلام النبلاء: 12 / 273، الترجمة 104.
3 . قال الخطيب البغدادي في وصفه: كان أحد الأثبات المتقنين، مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنّة، واتّساع في الرواية. ونعته الذهبي بقوله: الإمام الحافظ المجوّد الحجة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: 12 / 592، الترجمة 224 .

صفحه 117
وإليك أهمّ الأقوال الّتي ذُكرت في حقّه:
سُئل يحيى بن معين عن محمد بن حميد الرازي، فقال: ثقة ليس به بأس، رازيّ كيّس .
وعنه أيضاً: ابن حُميد ثقة. وعنه أيضاً: ليس به بأس .
وقيل لمحمد بن يحيى الذُّهلي: ما تقول في محمد بن حُميد؟ قال: ألا تراني هو ذا أُحدّث عنه؟
وقيل لأبي بكر الصاغاني: تحدّث عن ابن حُميد؟ فقال: وما لي لا أحدّث عنه، وقد حدّث عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال الترمذي: إنّ البخاري كان حسن الرأي فيه ثم ضعّفه.
وذكره العقيلي، وابن حبّان، وابن عَديّ في الضعفاء، وقال الأخير: وتكثُر أحاديث ابن حُميد الّتي أُنكرت عليه أن ذكرناه، على أنّ أحمد بن حنبل قد أثنى عليه خيراً لصلابته في السنّة.(1)
ولكنّ هذه الصلابة في السنّة لم تشفع لابن حُميد عند مَن تجمح بهم العاطفة المذهبية، ما دام يروي مثل حديث الوصيّة.
ـ قال عليّ (عليه السلام):
«فَيَا عَجَباً! وَمَا لِيَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلاَفِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا؟ ! لاَ يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ، وَلاَ يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ».(2)
ـ وقال (عليه السلام):

1 . انظر هذه الأقوال وغيرها في ترجمته من كتاب «تهذيب الكمال: 25 / 97»، الترجمة 5167 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 88 .

صفحه 118
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الاَْنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاَْوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ»(1).
ـ وقال (عليه السلام):
«لايُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلايُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً. هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمادُ الْيَقِينِ. إلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ»(2).
ـ أبو مخنف، عن عبدالله بن عاصم الفائشي الهمْداني، عن الضحاك بن عبدالله المشرقيّ، أنّ الحسين (عليه السلام)قال (في يوم العاشر من محرّم، مخاطباً جيش يزيد بن معاوية):
«أمّا بعد، فانسبوني، فانظروا مَن أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألستُ ابنَ بنت نبيّكم، وابنَ وصيِّه وابنِ عمِّه وأوّلِ المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه».(3)
وممّا ورد على لسان الصحابة في أوائل عهد أبي بكر، من كونه (عليه السلام)هو الوصيّ:
ـ قال حسّان بن ثابت من قصيدة يمدح بها الإمام علياً (عليه السلام)، بعد (المعركة الكلامية) الّتي دارت بين كبراء قريش وبين الأنصار، عقب اجتماع السقيفة، وندَمِ كثير من الأنصار على مبايعتهم أبا بكر:
جزى الله عنّا والجزاء بكفِّه *** أبا حسن عنّا ومَن كأبي حسنْ
سبقتَ قريشاً بالذي أنت أهله *** فصدرُك مشروحٌ، وقلبك مُمتَحَنْ

1 . المصدر نفسه، الخطبة 182 .
2 . المصدر نفسه، الخطبة 2.
3 . تاريخ الطبري: 4 / 322 (سنة 61 هـ) .

صفحه 119
حفظتَ رسول الله فينا وعهده *** إليك، ومَن أولى به منك، مَن ومَنْ؟
ألستَ أخاه في الهدى ووصيّه *** وأعلمَ منهم بالكتاب وبالسُّنن(1)
ـ وممّا قاله النعمان بن العَجلان الأنصاريّ، في خضم ذلك النزاع، المذكور آنفاً، بين الطرفين:
وكان هَوانا في عليّ، وإنّه *** لأهلٌ لها يا عمرو من حيث لا تدري
وصيّ النبيّ المصطفى وابن عمّه *** وقاتل فرسان الضلالة والكفرِ(2)
ثمّ اختفى ـ كما يظهر من التاريخ ـ الصوت الّذي يذكر وصاية عليّ (عليه السلام)، بعد استقرار الأمر لأبي بكر، وإمساك عليّ عن حقّه في الخلافة، وتركه المنازعة في ذلك، حرصاً على المصلحة العليا للإسلام، وخوفاً من تفريق كلمة أهله، (بل قد أبى على أصحابه أن يتناولوا بيعة أبي بكر ـ بعد أن استقرّ أمره ـ بالكلمة اللائمة العاتبة، فضلاً عن الحركة المثيرة المؤلِّبة)(3)، فحينما أنشد عُتبة بن أبي لهب ـ بعد أن أُبرم أمر الخلافة لأبي بكر ـ هذه الأبيات:
ما كنتُ أحسِبُ أنّ الأمرَ منصرفٌ *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي الحسَنِ
عن أوّل الناس إيماناً وسابقةً *** وأعلم الناس بالقرآن والسُّنَنِ
وآخر الناس عهداً بالنبيّ، ومَنْ *** جِبريلُ عَونٌ له في الغسل والكفَنِ

1 . أوردها الزُّبير بن بكار في «الموفّقيّات» ونقلها عنه ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة: 6 / 35». وانظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 128 .
2 . شرح نهج البلاغة: 6 / 31، نقلاً عن «الموفقيّات».
3 . السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود: 181 .

صفحه 120
مَن فيه ما فيهِمُ لا يمْتَرون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسَنِ
بعث إليه عليّ، فنهاه،(1) وقال: (سلامة الدين أحبّ إلينا من غيره).(2)
ثم عاد ذلك الصوت إلى الظهور في عهد عثمان، وظلّ يرتفع مع الأيّام، كلّما انحدر الواقع السياسي، أكثر، في حضيض الزيغ والانحراف، وتلفّتَ المخلصون من ذوي الجرأة والصراحة، إلى القائد الإلهي الّذي يقيم الأَوَد، ويُصلح الواقع، ويسمو به، في سياسته، إلى ذرى الإسلام .
ومن هنا كان أبو ذرّ رحمه الله تعالى يقعد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحدّث الناس بما غُيِّر وبُدِّل من السنّة الشريفة، وينعى عليهم الابتعاد عن أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وقف يوماً بباب المسجد، فأثنى على النبيّ الأكرم، وعترته الهادية، وقال، وهو يُشيد بذلك القائد الإلهي: وعلي بن أبي طالب وصيّ محمد، ووارث علمه.(3)
ثمّ دوّى، عالياً، ذلك الصوت المنادي بوصاية عليّ، بعد استخلافه (عليه السلام)، وانطلق، بعيداً، من حناجر الصحابة والتابعين، سروراً وابتهاجاً برجوع الحقّ إلى

1 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 124. وأورد هذه الأبيات (وزاد بيتاً خامساً)، الزُّبير بن بكّار في «الموفقيّات» ونقلها عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 6 / 21. وانظر: الفصول المختارة الّتي جمعها الشريف المرتضى من «العيون والمحاسن» للشيخ المفيد: 216، مكتبة الداوري في قم، الطبعة الرابعة، 1396 هـ ; والاستيعاب لابن عبد البرّ: 3 / 1133. يُشار إلى أن الأبيات المتقدّمة قد نُسبت لأكثر من شخص واحد .
2 . شرح نهج البلاغة: 6 / 21 .
3 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 171. يُذكر أنّ ثمة مواقف جريئة للعديد من الصحابة والتابعين (كالمقداد، ومالك الأشتر، وصعصعة، وكُميل بن زياد)، كانت تندّد بالسياسات المجانبة ـ آنذاك ـ لروح الإسلام، وتأسف لدفع أهل البيت لاسيما الإمام عليّ عن مقامهم، ولكننا أعرضنا عنها، لكونها لا تتضمّن ذكر (الوصاية) الّتي خصّصنا لها هذه الحقيقة الّتي نحن في صددها.

صفحه 121
أهله، ورغبةً في إظهار ما كُتم، في غابر الأيام، من مناقبه الّتي تفرّد بها، واحتجاجاً على من ناوأه وعاداه، واستجلب خيله ورَجِلَه لمحاربته، أو على من أنكر أو ارتاب في كونه الأحقَّ بالأمر، والأَولى بقيادة الأُمّة.
وقبل أن أضع بين يديك باقة أُخرى من تلك الأزهار الولائية، الساطعة بشذا (الوصيّ)، أودّ، عزيزي القارئ، أن تقف على مدى الإمعان في إنكار (الوصيّة) إلى عليّ، ورفض كونه (وصيَّ رسول الله)، على الرغم من شهرته بذلك شهرةً، أصبح معها إطلاق (الوصيّ) عليه من جنس إطلاق الأسماء على مسمّياتها.
وممّا يكشف عن أن (الوصيّة) وكلمة (الوصيّ) كانتا ثابتتين لعليّ (عليه السلام)، هو ذلك التعامل المتّسم بالتوتر والاضطراب والتخبّط والتحيّر، الّذي واجه به المنكرون للإمامة الإلهية لعليّ، تلك النصوص والأخبار المتعلّقة بهما.

عائشة والوصيّة

وأبرز من أنكر أمر (الوصية) لعليّ (بعد أن شاع على ألسنة الكثير من الصحابة والتابعين)، وتعامل معه بعاطفة مفرطة، هي أُمّ المؤمنين عائشة، فقد أخرج البخاري بإسناده عن الأَسود، قال: ذكروا عند عائشة: أنّ عليّاً (رضي الله عنه)كان وصيّاً، فقالت: متى أوصى إليه، وقد كنتُ مُسنِدتَه إلى صدري، أو قالت: حجْري، فدعا بالطّست، فلقد انْخَنَثَ (1) في حجري، فما شعرتُ أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه ؟(2)
ولم تنكر السيدة عائشة وصيّته (الولائية) لعلي (عليه السلام)فحسب، بل أنكرت وصيته في أيّة تَرِكة له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لانتفاء حاجته ـ كما ترى هي ـ إلى الوصية،

1 . انخنث: انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت.
2 . صحيح البخاري: 2 / 205، كتاب الوصايا (55)، الباب (1)، رقم 2741 .

صفحه 122
فقد روى عنها مسروق أنّها قالت: (ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً، ولا أوصى بشيء).(1)
وهذا الإصرار البالغ على نفي (الوصيّة)، يشي بأنّ هناك سرّاً يكمن وراءه، فلولا أنّ مراد الصحابة والتابعين من تسمية عليّ بـ (الوصيّ)، هو ما تحمله هذه الكلمة من معنى النصّ والاستخلاف، لَما وجدنا السيدة عائشة تجحد ذلك، وتنكر حتّى وصيّته (صلى الله عليه وآله وسلم)عندحضور الموت، ببعض أُموره الخاصّة، وهو ما يفصح عنه قولها: (ولا أوصى بشيء).
التساؤل الّذي يُثار في ذهن كل مسلم    

التساؤل الّذي يُثار في ذهن كل مسلم

لا شكّ في أنّ التساؤل الّذي أثاره قديماً، طلحة بن مُصرِّف، أمام الصحابيّ عبدالله بن أبي أوفى، سيبقى قائماً ومطروحاً، لدى كلّ مسلم يتلو قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)(2)، ويقرأ ما صدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)من أحاديث يؤكّد فيها على الوصيّة، مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما حقّ امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيتُ ليلتين إلاّ ووصيَّتُهُ مكتوبة عنده).(3)
والتساؤل الّذي أثاره طلحة ، ينقله لنا الخبر التالي المرويّ عنه:
قال: سألت ابن أبي أوفى: أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: لا. قلت: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله (4).

1 . سنن النسائي: 879، كتاب الوصايا، الباب 2، رقم 3620. وأخرجه مسلم (1635)، وأبو داود (2863)، وابن ماجة (2695) .
2 . البقرة: 180 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 204، كتاب الوصايا، الباب 1، رقم 2739 .
4 . سنن النسائي: 879 ، كتاب الوصايا، الباب 2، رقم 3619 ; وصحيح البخاري: 2 / 204، كتاب الوصايا، الباب 1، رقم 2740 .

صفحه 123
ومن الواضح أنّ هذا الجواب يدخل في إطار المحاولات السافرة لإنكار (الوصيّة) لعليّ، فالقول بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)«أوصى بكتاب الله»(1)، لا يُعدّ جواباً حقيقياً للتساؤل المطروح، وليس فيه ما يُقنع السائل، (فالوصيّة بالقرآن حاصلة ليل نهار، لأنّها رسالة الرسول الّتي بُعث بها بشيراً ونذيراً للعالمين، من يوم كلّفه بها الله، إلى يوم انتهى أجله، ولقي وجه ربّه الكريم.
ولقد مكث محمد في الدنيا ثلاثاً وعشرين سنة، هي عمره الرَّسولي، وما علم أحد، ولا ادّعى، أنّه كفّ عن التبليغ ساعة من يوم، ولا يوماً من شهر، ولا شهراً من عام.
فقول ابن أبي أوفى أن النبي «أوصى بكتاب الله» هو من قبيل لزوم ما لا يلزم، وتكرار لمعلوم ما فتئ صاحب الرسالة يردّده ويعيده، فلا حاجة ثمّة، لترديد مردِّد، ولا لإعادة معيد!)(2).
وثمّة نقاش في جوانب متعددّة من كلام السيدة عائشة المتقدّم :
منه، قولها: (فلقد انخَنَثَ في حجري، فما شعرتُ أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟)، حيث عقّب عليه نور الدين محمد بن عبدالهادي السنديّ، الحنفيّ، بقوله:
لا يخفى أنّ هذا لا يمنع الوصيّة قبل ذلك ، ولا يقتضي أنّه مات فجأة، بحيث لا تمكن منه الوصية ولا تُتصوَّر، فكيف وقد عُلم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عَلم بقرب أجله

1 . كان طلحة بن مصرّف، من العثمانية (تهذيب الكمال: 437، الترجمة 2982)، ولذا يأتي إنكار الوصيّة، والقول بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(أوصى بكتاب الله) لا غير، منسجماً مع مذهبه، وإلاّ فإنّ دعوة النبيّ إلى التمسّك بالثَّقلين معاً (الكتاب، والعترة) قد طرقت أسماع الصحابة، ومنهم ابن أبي أوفى.
2 . في نور محمد.. فاطمة الزهراء لعبد الفتاح عبد المقصود: 2 / 326، دار الزهراء، الطبعة الثانية، 1412 هـ .

صفحه 124
قبل المرض، ثم مرض أياماً.(1)
ومنه، قولها: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى في حجرها. وهذا معارَض بصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة، وحسبك من طريق غيرهم، ما أخرجه ابن سعد بالإسناد إلى علي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مرضه: ادعوا لي أخي، قال: فدُعي له علي، فقال: ادْنُ منّي، فدنوت منه فاستند إليّ، فلم يزل مستنداً إليّ وإنّه ليكلِّمني حتّى أنّ بعض ريق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لَيُصيبني، ثم نزل برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)..(2)
وأخرج بإسناده إلى أبي غطفان، قال: سألتُ ابن عباس: أرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)توفّي ورأسه في حجر أحد؟ قال: توفّي وهو مستند إلى صدر عليّ، قلت: فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أنّها قالت: توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين سَحْري ونَحْري! فقال ابن عباس: أتعقل؟ والله لتوفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّه لمستند إلى صدر علي، وهو الّذي غسّله .(3)
وأخرج بإسناده عن الشَّعبيّ قال: توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورأسه في حجر عليّ وغسّله عليّ....(4)
وكان أمير المؤمنين (عليه السلام)يخطب بذلك على رؤوس الأشهاد، فقال في إحدى خطبه (عليه السلام):
«وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ. وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الاَْبْطَالُ، وَتَتَأَخَّرُ فِيهَا الاَْقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا. وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)وَإِنَّ رَأْسَهُ

1 . سنن النسائي / حاشية الإمام السندي: 879 ـ 880، رقم 3623، تحقيق صدقي جميل العطار.
2 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 263 .
3 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 263 .
4 . الطبقات الكبرى: 2 / 263.

صفحه 125
لَعَلَى صَدْرِي. وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي. وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَالْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالاَْفْنِيَةُ: مَلاٌَ يَهْبِطُ، وَمَلاٌَ يَعْرُجُ، وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ. فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وميتاً».(1)
ومثله قوله (عليه السلام)من كلام له عند دفنه سيّدة النساء (عليها السلام):
«السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ! قَلَّ، يَا رَسُولَ اللهِ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلاَّ أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحِ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزٍّ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ».(2)
وأخرج الحاكم النَّيسابوري بإسناده عن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة (رض)، قالت: والذي أحلف به إنْ كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عُدْنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)غداة وهو يقول: جاء عليّ، جاء عليّ، مراراً، فقالت فاطمة رضي الله عنها: كأنّك بعثته في حاجة؟ قالت: فجاء بعد، قالت أُمّ سلمة: فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكبَّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل يسارّه ويناجيه، ثم قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من يومه ذلك، فكان عليّ أقرب الناس عهداً .(2)
قال السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي بعد أن ذكر الأخبار المتقدّمة وغيرها من الأخبار الّتي تتحدّث عن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجر

1 . نهج البلاغة: الخطبة 197 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 202 .
2 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 138 ـ 139. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ]يعني على شرط البخاري ومسلم [ ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه .

صفحه 126
الإمام علي:
وعلى كلّ حال، فإنّ القول بوفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجرها لم يُسنَد إلاّ إليها، والقول بوفاته ـ بأبي وأُمّي ـ وهو في حجر عليّ، مُسند إلى كلٍّ من: عليّ، وابن عباس، وأُمّ سلمة، وعبدالله بن عمرو، والشَّعبي، وعليّ بن الحسين، وسائر أئمة أهل البيت، فهو أرجح سنداً، وأليق برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
ومنه: قولها (أي قول عائشة): (ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً، ولا أوصى بشيء)، حيث لا يصحّ أن يكون مرادها أنّه ما ترك شيئاً على التحقيق، وأنّه إنّما كان صفراً من كلّ شيء يوصي به. نعم، لم يترك من حطام الدنيا ما يتركه أهلها، إذ كان أزهد العالمين فيها، ولكنّه ترك ممّا يملكه شيئاً يقوم بوفاء دينه، وإنجاز عداته، ويفضل عنهما شيء يسير لوارثه، بدليل ما صحّ من مطالبة الزهراء (عليها السلام)بإرثها (2)، فقد أخرج البخاري بإسناده عن عائشة: أنّ فاطمة (عليها السلام)، بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خُمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة».. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فَوَجَدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فَهَجرتْه فلم تُكلِّمه حتّى توفِّيت .(2)
احتجاج الزهراء (عليها السلام)   

احتجاج الزهراء (عليها السلام)

وقد احتجّت (عليها السلام)في خطبة لها على استحقاقها الإرث من أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله تعالى: (وَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ )(3)، وقوله فيما اقتصّ من خبر زكريا: (فَهَبْ

1 . المراجعات: 481 ـ 486، المراجعة (76).   2 . المراجعات: 471، المراجعة (74).
2 . صحيح البخاري: 3 / 80 ـ 81 ، كتاب المغازي (64)، باب غزوة خيبر (40)، رقم 4240 و 4241.
3 . النمل: 16 .

صفحه 127
لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)(1)، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)(2)، ثم قالت:
أخصّكم الله بآية أخرج بها أبي؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي، أم تقولون: أهل ملّتين لا يتوارثان.(3)
وأخرج البخاري بإسناده عن عمرو بن الحارث، خَتَن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أخي جويرية بنت الحارث، قال: ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند موته درهماً، ولا ديناراً، ولا عبداً ولا شيئاً، إلاّ بغلتَه البيضاء، وسلاحَه، وأرضاً جعلها صدقة.(2)
وأخرج أيضاً بإسناده عن عائشة، قالت: توفّي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين .(3)
ويُفهم من هذه الروايات وغيرها أنّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ممتلكات (وإنْ كانت زهيدة) تَرَكها لوارثيه، وأنّ ثمّة ديناً كان في ذمّته، وأنّ هناك أُموراً كانت تخصّه، وكلّ ذلك يستوجب (الوصيّة) فيه. ومن هنا عهد (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عليّ (عليه السلام)بأن يغسّله ويجهّزه ويدفنه، ويؤدّي عنه دَينه، ويبرئ ذمّته، وقد تولّى (عليه السلام)ذلك كلّه، كما تؤكّده الروايات والأخبار.(4)

1 . مريم: 5 ـ 6 .         2 . البقرة: 180 .   3 . بلاغات النساء، لأحمد بن أبي طيفور: 29.
2 . صحيح البخاري:2/204، كتاب الوصايا (55)، الباب (1)، رقم 2739. وروى نحوه يعقوب بن سفيان البَسَويّ في كتابه «المعرفة والتاريخ:2/621 ـ 622»، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، 1410 هـ .
3 . صحيح البخاري: 3 / 139، كتاب المغازي (64)، الباب (88)، رقم 4467 .
4 . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 277 ـ 281 (ذكر من غسّل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتسمية من غسّله); وأنساب الأشراف للبلاذري: 1 / 569 ; وتاريخ اليعقوبي: 2 / 114 ; وخصائص أمير المؤمنين للنَّسائي: 32، رقم 8 (وفيه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ: هذا وليّي، ويؤدّي عني دَيني...); والمستدرك على الصحيحين: 3 / 59 (رواية سعيد بن المسيّب عن عليّ: غسّلتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)...) ; وتاريخ مدينة دمشق: 42 / 56 ـ 57 (وفيهما خمسة أحاديث، الأوّل منها رواية عبّاد بن عبدالله الأسديّ، عن عليّ، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ يقضي دَيني، وينجز موعودي، وخير من أخلفه في أهلي»).

صفحه 128
وما قدّمناه، يمثّل جانباً من تلك المساعي الحثيثة الّتي بُذلت لإنكار (الوصيّة) بالمعنى الّذي يتّصل بالأُمور الشخصيّة، حتّى وإنْ أفضى ذلك إلى الإساءة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين يظهره ـ وحاشاه ـ بمظهر من يأمر بالشيء ولا يأتمر به، ولا يلتزم بالأحكام!! لأنّ الغاية المتوخّاة من ذلك الإنكار، هي سدّ الطريق أمام أيّ احتجاج بدلالة كلمة (الوصيّ) على الإمامة والخلافة، تلك الدلالة الّتي تتبادر إلى الأذهان من استعمال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة والتابعين لها، كما مرّ، وكما يأتي.
فهل يتسنّى لهم، بعد ذلك، الإقرار بأنّ (عليّاً) كان (وصيّ النبي) بالمعنى الواسع الّذي يتضمن معنى الخلافة، وهم ينكرون، في الأساس، إطلاق هذه الكلمة عليه، مع اشتهار القول بذلك، ووضوحهِ كالشمس في رأد الضُّحى؟
وقد أشار إلى ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعيّ، الّذي أقرّ بإطلاق (الوصيّ) على (عليّ)، ولكنّه لم يشأ أن يؤمن بدلالتها على الخلافة، دفاعاً عن اعتقاده المُسبق بصحّة خلافة مَن تقدّم عليّاً فيها.
قال رحمه الله تعالى، وهو يشرح قول الإمام عليّ في آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة):
وجاء مَن يستر وجهَ الّذي عَلِمَه    
أمّا الوصيّة، فلا ريب عندنا أن عليّاً (عليه السلام)كان وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد، ولسنا نعني بالوصيّة النصّ والخلافة، ولكن أُموراً أُخرى لعلّها ـ إذا لُمحت ـ أشرف وأجلّ .(1)
وليت العلاّمة ابن أبي الحديد، بيّن لنا هذه الأُمور الّتي لمحها، لكي لا يُتّهم

1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 139 ـ 140 .

صفحه 129
بالتهرّب من دلالة (الوصيّة) في عليّ (عليه السلام)على الولاية والخلافة، ولا ينتظم ـ بالرغم من إخلاصه في محبّة عليّ والاعتقاد بأفضليّته ـ في سلك من واجهوا النصوص الواردة في حقّ عليّ، بأساليب مختلفة، من الردّ، أو الكتمان، أو القطع والبتر، أو التأويل المتعسّف، الّذي يؤدي إلى تعطيل النصوص، أو التقليل من شأن دلالاتها ومقاصدها.
وثمّة نكتة جديرة بالملاحظة في قول الإمام الآنف الذكر، وهي (أنّ الإمام علياً (عليه السلام)لم يقل: لي حقّ الولاية والوصيّة والوراثة، كي يمكن تأويل قوله: أنّ له حقّ الولاية والوصيّة على أهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل قال: «آل محمد، هم أساس الدين وفيهم الوصيّة»، فقد أثبت الإمام الصفات المذكورة لآل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بما فيها الوصيّة، ولا معنى للقول بأنّ آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لهم حقّ الوصيّة على آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!!).(1)

وجاء مَن يستر وجهَ الّذي عَلِمَه

هذا، وقد توالت، عبر القرون، المساعي الهادفة إلى إنكار (الوصيّة) بشكل مطلق، أو إنكار دلالتها على الإمامة والخلافة، بعد الإقرار بوجودها، وممّن قام بهذا المسعى، في عصرنا، وحاول أمراً عَجَبا، أحمد الكاتب، حيث رأى أن وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ (عليه السلام)كانت وصيّة (عاديّة)، لا علاقة لها بالإمامة والخلافة، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ترك الأمر شورى.
والحقّ أنّ هذا الرأي، وإنْ لم يكن جديداً، ولكنّه يستحقّ الاهتمام كلّه، لو أُقيم على أُسس متينة، لأنّ صاحبه عمد إلى الاستدلال عليه بثلاث روايات ذُكرت في مصادر الشيعة الإمامية!!

1 . معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري: 1 / 251، مؤسسة البعثة في طهران، الطبعة الثانية، 1406 هـ .

صفحه 130
فما هي حقيقة هذه الروايات؟ وما هو وزنها في ميزان الجرح والتعديل؟ وهل يمكن انتزاع رأي خطير منها؟
نتعرّف على ذلك كلّه، بعد أن نقف على كلام الكاتب في هذا المجال، فهاك نصّه:
(وبالرغم ممّا يذكر الإماميون من نصوص حول تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده، إلاّ أنّ تراثهم يحفل بنصوص أُخرى، تؤكّد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى، وحقّ الأُمة في انتخاب أئمّتها.
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى ـ وهو من أبرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري ـ أن العبّاس بن عبدالمطلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسأله عن القائم بالأمر بعده، فإنْ كان لنا بيّنه، وإنْ كان لغيرنا وصّى بنا. وأنّ أمير المؤمنين، قال: «دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين ثقل، فقلنا: يا رسول الله.. استخلفْ علينا، فقال: لا، إنّي أخاف أن تتفرّقوا عنه كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إنْ يعلم الله في قلوبكم خيراً اختار لكم.
ويقول الكليني في «الكافي» نقلاً عن الإمام جعفر بن محمد الصادق: أنّه لمّا حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الوفاة، دعا العباس بن عبدالمطلب، وأمير المؤمنين، فقال العباس: يا رسول الله، بأبي أنت وأُمّي، إنّي شيخ كبير كثير العيال، قليل المال، من يطيقك وأنت تباري الريح؟ قال: فأطرق هنيئة، ثم قال: يا عبّاس أتأخذ تراث محمد، وتُنجز عداته، وتقضي دَينه؟ فقال كرّر كلامه.. قال: أما إنّي سأعطيها من يأخذها بحقّها. ثم قال: يا عليّ، يا أخا محمد، أَتُنجز عدات محمد، وتقضي دَينه، وتقبض تراثه؟ فقال: نعم، بأبي وأُمّي، ذاك عَليّ ولي.
وهذه الوصيّة، كما هو ملاحظ، وصيّة عادية شخصيّة آنيّة، لا علاقة لها بالسياسة والإمامة، والخلافة الدينية، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس

صفحه 131
بن عبدالمطلب، فأشفق منها، وتحمّلها الإمام أمير المؤمنين طواعية.
وهناك وصيّة أُخرى ينقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه (1) عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)ويقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أوصى بها إليه قبل وفاته، وهي أيضاً وصيّة أخلاقيّة روحيّة عامة، وتتعلّق بالنظر في الوقوف والصدقات.
وإذا ألقينا بنظرة على هذه الروايات الّتي يذكرها أقطاب الشيعة الإمامية كالكليني والمفيد والمرتضى، فإنّنا نرى أنّها تكشف عن عدم وصيّة رسول الله للإمام علي بالخلافة والإمامة، وترك الأمر شورى)(2).
وأوّل ما يلفت النظر في كلام الكاتب المتقدّم، هو قوله:
إنّ تراث الإمامية يحفل بنصوص تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى.
وهذا القول الّذي أسّس عليه رأيه، وشاد عليه بنيانه، لا يصحّ إطلاقاً، ولا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، فليس في تراث الإماميّة نصوص معتبرة، بلغت ما بلغت من القلّة، تؤكّد التزام الرسول وأهل البيت بمبدأ الشورى (يعني في مجال تعيين الإمام، لا في مجال ممارسة شؤون الحُكم)، فضلاً عن (احتفالها) وامتلائها بذلك.
وكان الأَوْلى بالكاتب، والأصوب، أن يستعمل كلمة (يحفل) في ما زخر به التراث الإماميّ (وغيره) (3) من أحاديث تعيين الوصيّ، بدلاً من استعمالها في ما قلّ وكَدِر من الروايات الّتي يُظنّ أنّها تؤكّد الالتزام بالشورى.

1 . الأمالي للمفيد: 220، المجلس 26.
2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 11 ـ 12، دار الشورى، 1997 م .
3 . وردت في مصادر المسلمين، أحاديث كثيرة في علي (عليه السلام)، اتّفقوا على صحّتها، ولكن اختلفوا في دلالات طائفة منها، فبينما يذهب الإمامية إلى أنّها تُعدّ نصوصاً (جليّة وخفية) في الإمامة والخلافة، يرى أتباع مدرسة الخلفاء، أنّها لا تعدو أن تكون إبانة لفضله ومنزلته، وذهبوا في تأويلها كلّ مذهب، وفي طليعة تلك الأحاديث: حديث الغدير، وحديث الثَّقلين، وحديث المنزلة.

صفحه 132
والأَوْلى به كذلك، أن يورد ما ذكره الإماميّون ـ حسب قوله ـ من نصوص حول تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده، ومنها نصوص الوصيّة، ثمّ يعقد دراسة مقارنة بين النصوص الّتي تدلّ على تعيين الإمام، وبين النصوص الّتي يقول إنّ تراث الإمامية يحفل بها وإنّها تؤكد الالتزام بمبدأ الشورى، فإذا توصّل، بعد الدراسة والتحقيق، إلى صحّة الثانية دون الأُولى، أو رجحانها عليها، جاز له أن يقول (وقد قالها من دون تحقيق): إنّ الروايات الّتي يذكرها أقطاب الشيعة الإمامية، تكشف عن عدم وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي بالخلافة والإمامة، وترك الأمر شورى.
ولكن أنّى لباحث أن يقوم بذلك، وهو يقف على أرض مُمحِلة من النصوص، الّتي تتعلّق بالشورى!!
فلا غرابة، إذن، أن يتجاهل الكاتب، النصوص الجمّة الّتي يذكرها الإماميّون حول تعيين الإمام، ويتجنّب الإشارة إلى واحد منها، ويتشبّث ببعض النصوص، الّتي لم تسلم من الطعن، لتأييد رأيه.
الروايات الثلاث التي استشهد بها الكاتب في الميزان   

الروايات الثلاث في الميزان

ولسنا الآن في صدد الحديث عن نظرية الشورى، أو نظرية النصّ والتعيين، وما استُدلّ عليهما من نصوص، فالبحث فيهما موكول إلى فصلين مستقلين، نعقدهما تباعاً، ولكنّنا نروم، ونحن في إطار تجلية حقيقة وصاية عليّ، أن نلقي الضوء على الروايات الثلاث، الّتي استدلّ بها على نفي وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي بالخلافة والإمامة .
أمّا الرواية الأُولى، الّتي نسبها الكاتب إلى الشريف المرتضى، فقد أخطأ في نسبتها إليه والصواب أنّها من الروايات الّتي ذكرها القاضي عبدالجبار

صفحه 133
الأسدآبادي المعتزليّ في كتابه «المغني»(1) للاحتجاج بها على القائلين بالنصّ، وحكاها عنه الشريف المرتضى ـ كعادته في إيراد كلام القاضي ثم نَقْضِه ـ في كتابه «الشافي»(2) المخصّص للردّ على باب الإمامة من الكتاب المذكور.
وكان من المترقّب من أحمد الكاتب، إذا كان ينشد الحقّ، أن يعتذر عمّا وقع فيه من الخطأ في هذه النسبة، بعد أن كشف له عنه عدد من الكتّاب، واعتبره بعضهم محاولة منه لاستغفال القارئ(3)، ولكنّه دافع عن نفسه في إيراد تلك الرواية الّتي نسبها إلى الشريف المرتضى، ضمن ثلاث روايات، ظنّ أنّها تدعم رأيه، وقال، وهو يردّ في كتاب له على منتقديه:
(وفي معرض حديثي عن بعض الحوادث التاريخية المؤيدة لنظرية أهل البيت في الشورى، ذكرتُ محاولة العباس بن عبدالمطلب لسؤال النبي عند الوفاة عن القائم بالأمر من بعده،... وعدم وصيّة النبي بالإمام إلى أحد، وقلتُ في كتابي: إنّ الشيعة الإمامية ينقلون تلك الروايات والنصوص المناقضة لنظرية الإمامة، ولكنّهم يؤوّلونها بالتقيّة أو يفسّرونها تفسيرات أُخرى، واستشهدتُ بالشريف المرتضى الّذي يذكر بعض تلك الحوادث والنصوص في كتابه السِّجالي «الشافي» دون أن ينكرها أو يردّها لضعف في السند، ولكنّه يؤوّلها بما يتّفق مع عقيدته في الإمامة).(4)
وهذا الكلام، الّذي جاء في سياق الدفاع عن نفسه، كلام جديد، لم يذكره من قبلُ حينما عَرض للروايات الثلاث، حيث كتب مُمهِّداً لها بالقول:
(كانت الأُمة الإسلامية في عهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعد وفاته وخلال

1 . المغني: 20 / 188 .
2 . الشافي: 3 / 91، مؤسسة اسماعيليان بقم، الطبعة الثانية، 1410 هـ .
3 . دفاع عن التشيّع للسيد نذير الحسني: 72 ـ 73. وانظر: شبهات وردود للسيد سامي البدري: 258 .
4 . حوارات أحمد الكاتب: 164 ـ 165، دار الشورى ـ لندن، 1428 هـ .

صفحه 134
العقود الأُولى من تاريخها، تؤمن بنظام الشورى وحقّ الأُمّة في اختيار ولاتها. وكان أهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الإيمان، والعاملين به. وعندما أُصيبت الأُمّة بتسلّط الحكّام الأمويّين بالقوة، وتداولهم للسلطة بالوراثة، وإلغائهم نظام الشورى، تأثّر بعض الشيعة الموالين لأهل البيت بما حدث، فقالوا ردّاً على ذلك: بأحقيّة أهل البيت بالخلافة من الأمويين، وضرورة تداولها في أعقابهم. ولكنّ هذه النظرية لم تكن نظرية أهل البيت أنفسهم، ولا نظرية الشيعة في القرن الأوّل الهجري.
وبالرغم ممّا يذكر الإماميّون من نصوص حول تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده، إلاّ أن تراثهم يحفل بنصوص أُخرى تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى وحقّ الأُمّة في انتخاب أئمتها.
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى... إلى آخر كلامه)(1).
اقرأ، عزيزي القارئ، كلا الكلامين، هل تجدهما متشابهين أو متقاربين؟ وهل تجد في كلامه (الّذي نقلناه آنفاً)، هذا المعنى الّذي جاء في ردّه على منتقديه: (بأنّ الشيعة الإماميّة ينقلون تلك الروايات والنصوص المناقضة لنظرية الإمامة، ولكنّهم يؤوّلونها...).. ثم ما عليك، بعد ذلك،إلاّ أن تحكم له، أو لمنتقديه الذين اتّهموه بالتحريف، والتلاعب بالنصوص، ومحاولة إثارة الشكوك في عقائد محدودي الثقافة.
ولم يقتصر الكاتب على الدفاع عن خطئه في نسبة تلك الروايات إلى الشريف المرتضى، بل راح يهاجم الشريف نفسه!! وينتقد ما سمّاه: (طريقته التأويلية في رفض الروايات والنصوص المخالفة لعقيدته في الإمامة) (2)، مُعزِّزاً

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 11.
2 . حوارات أحمد الكاتب: 166 .

صفحه 135
هجومه بنموذجين من تأويلاته للروايات التاريخية الّتي قدّمها القاضي المعتزليّ في «المغني» ويدّعي الكاتب أنّ الشريف (لا يرفضها لعيب في السند، وإنّما يحاول تأويلها بصورة تعسّفية)(1)، ثم خلص إلى ذكر سبعة نقاط، منها نقطتان تتعلّقان بالمقام، وهما:
الأُولى: إنّ الشريف المرتضىّ (رحمه الله) ذكر فعلاً تلك الروايات ولم يردّها، وإنّما أوّلها، وهذا اعتراف منه بصحّتها.(2)
وهذا القول يتضمّن شِقَّين:
1. أن الشريف لم يردّ تلك الروايات.
2. أنّ تأويله لها اعتراف منه بصحّتها.
أمّا الشِّقّ الأوّل، فمن اليُسر بمكان (وبدون اللجوء إلى الطريقة التأويلية!!)، أن نتبيّن صدقَه من عَدَمه، وذلك بعَرضه على كلام الشريف نفسه، فقد علّق على تلك الروايات وأسانيدها، بقوله:
(... قد عَلم كلُّ أحد ضرورةً، الفصل بين الأخبار الّتي أوردها معارضاً بها، وبين الأخبار الّتي حَكى اعتمادنا عليها، لأنّ أخبارنا، أوّلاً، ممّا يشاركنا في نقل جميعها أو أكثرها خصومُنا، وقد صحّحها رواتهم، وأوردوها في كتبهم ومصنّفاتهم مورد الصحيح، والأخبار الّتي ادّعاها لم تُنقل إلاّ من جهة واحدة، وجميع شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)على اختلاف مذاهبهم، يدفعها وينكرها، ويكذّب رواتها، فضلاً عن أن ينقلها، ولا شيء منها إلاّ ومتى فتّشت عن ناقله وأصله وجدته صادراً عن متعصّب، مشهور بالانحراف عن أهل البيت(عليهم السلام)، والإعراض عنهم، وليس مع ذلك شياعها وتظاهرها في خصوم الشيعة، كشياع

1 . حوارات أحمد الكاتب: 166 .
2 . حوارات أحمد الكاتب: 166 .

صفحه 136
الأخبار الّتي اعتمدنا عليها في رواية الشيعة، ونقل الجميع لها، ورضى الكلّ بها، فكيف يجوز أن يجعل هذه الأخبار، مع ما وصفناه، في مقابلة أخبارنا، لولا العصبيّة الّتي لا تليق بالعلماء، وهذه جملة تُسقط المعارضة بهذه الأخبار من أصلها).(1)
ومع هذا الكلام الواضح، للشريف المرتضى، عن طريقة تعامله مع الروايات والأخبار، ومع وصفه بعض الأخبار الّتي يذكرها القاضي المعتزليّ، بالأخبار الشاذّة (2)، وجَرْحهِ وقدْحه في عدد من رواتها، ومنهم الشعبي، الّذي قال فيه: ورأيه في الانحراف عن أهل البيت(عليهم السلام)معروف (3)... مع هذا كلّه ومع غيره، كيف يزعم الكاتب أنّ الشريف لا يرفض تلك الروايات التاريخية، لعَيب في السَّند؟!! ولماذا لم ينقل الكاتب شيئاً من تعليقاته حول الأخبار وأسانيدها،والّتي تسبق، عادةً، تأويلاته لها؟!!!

الحسّ الصادق

وكأنّ الشريف المرتضى، كان ينظر بنور الله تعالى إلى المستقبل البعيد، فصاغ بقلمه هذه القاعدة العامة، ليدفع بها ما سوف يُتَّهم به، باطلاً، من أنّه يتعسّف في تأويل الأخبار (دون أن ينكرها أو يردّها لضعف في السند) (2)، قال (رحمه الله) :
(ليس يجوز أن يتأوّل أحد من المتكلّمين، خبراً يعتقد بطلانه، أو يشكّ في صحّته، إلاّ بعد أن يبيِّن ذلك من حاله، ويدلّ على بطلان الخبر، أو على فَقْد ما يقتضي صحّته)(3) .
وأمّا قول الكاتب، في الشِّقّ الثاني من كلامه في النقطة الأُولى: (بأنّ تأويل

1 . الشافي: 3 / 98 ـ 99 .         2 . الشافي: 3 / 101 .   3. الشافي: 3 / 112 .
2 . حوارات أحمد الكاتب: 165.
3 . الشافي: 2 / 262 ـ 263 .

صفحه 137
الشريف المرتضى للروايات اعتراف منه بصحّتها)، فهو من أبعد الأقوال عن الصواب، فالذي يتصفّح كتاب «الشافي»، دعْ عنك من يطالعه بإمعان، يجد أنّ مؤلِّفه يعتبر، أوّلاً، تلك الأخبار الّتي ينفرد بذكرها المخالفون، غير مُلزمة للإمامية (تماماً كما لا تُعتبر الأخبار الّتي يتفرّد بذكرها الإماميّة مُلزمة لغيرهم) (1)، ثم هو يصرّح بإنكارها، ويجرح من يجرح من رواتها، ثم إنّه يعمد، بعد ذلك، ومن أجل الذهاب بعيداً في إفحام رأي المخالف ودحْض حججه.. يعمد إلى افتراض صحّة تلك الأخبار، ومن ثم تأويلها بوجوه مختلفة، على أساس ذلك الافتراض، والشواهد على ذلك من كتابه، كثيرة.(2)
وهذا الأُسلوب القائم على افتراض صحّة خبر ما، غير متّفق عليه، يسلكه

1 . وهذا المبدأ سجّله الكاتب نفسه، بقوله في «حوارات أحمد الكاتب: 172»: (لا بدّ أن يأتي الجميع بروايات يعترف بصحّتها جميع المسلمين والفرق الأُخرى حتّى يصحّ أن يحتجّوا بها لأنفسهم وعلى غيرهم)، فلمَ، إذن، هذا اللوم العنيف على الشريف:
أحرامٌ على بلابله الدَّوحُ *** حلال على الطّير من كلّ جنسِ
2 . نذكر منها شاهداً واحداً فقط، أورده الكاتب نفسه في «حوارات أحمد الكاتب: 165» نقلاً عن «الشافي: 3 / 101»، وهو قوله: «وأمّا الخبر الّذي رواه (صاحب المغني) عن العباس من أنّه قال لأمير المؤمنين: لو سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن القائم بعده، فقد تقدّم في كتابنا الكلام عليه، وبيّنا أنّه لو كان صحيحاً، لم يدلّ على بطلان النصّ».
وكأنّ الكاتب لم يقرأ قوله: «لو كان (الخبر) صحيحاً»، فجعل تأويل الشريف له أحد نموذجين من (تأويلاته التعسّفية للروايات التاريخية الّتي لا يرفضها لعيب في السند!!)، ولم يقرأ أيضاً في كلامه المتقدّم تعليقه على الخبر: (أمّا سؤال العباس... فهو خبر واحد غير مقطوع عليه... فمن جعله دافعاً لما تذهب إليه الشيعة من النصّ الّذي قد دلّلنا على صحّته، وبيّنا استفاضة الرواية به، فقد أبعد، على أن الخبر إذا سلّمناه وصحّت الرواية به، غير دافع للنصّ... لأنّ سؤاله يُحتمل أن يكون...) انظر: الشافي: 2 / 153 .
ثمّ إنّ الخبر لم يرد في مصادر الشيعة، فلا يحتجّ به عليهم، وإنما ورد في «سيرة ابن هشام: 4 / 304»، وفي سنده الزُّهري، المعروف بملازمته لملوك بني أُميّة، وقد استقضاه منهم يزيد بن عبدالملك.

صفحه 138
الفرقاء المختلفون في مجادلاتهم، والقاضي عبدالجبار نفسه قد لجأ إليه، فأوّلَ بعض الأخبار، بعد افتراض صحّتها، بما ينسجم مع عقيدته، في عدّة مواضع من كتابه «المُغني»(1)، وليس ما فعله الشريف ببدع من ذلك، حتّى يُنتزع منه الاعتـراف بصحّـة الأخبـار، الّتـي يفتـرض صحّتهـا جَدَلاً!!
الثانية: حتّى إذا لم يعترف المرتضى بتلك الروايات، فإنّه لم يغيّر من التاريخ شيئاً، ولن يؤثّر على مجموع الروايات الأُخرى الواردة في أصحّ الكتب الشيعية كنهج البلاغة، والكافي.(2)
هذه هي النقطة الثانية الّتي ذكرها أحمد الكاتب، في إطار محاولته للتنصّل من خطئه في نسبة تلك الرواية إلى الشريف المرتضى، وفيها فقرتان:
أمّا الفقرة الأُولى، فلا غُبار عليها، فعدم اعتراف المرتضى بتلك الروايات، لا يُغيّر، فعلاً، من التاريخ شيئاً، لأنّ تغييره، مع كلّ ما مُني به من تزييف وتحريف، لا يحصل بجهد فرديّ، بل بجهود جبارة ومتواصلة يبذلها المؤرّخون والنقّاد والمعنيّون بشأنه.
ومن هنا صدرت دعوات كثيرة صادقة، لمراجعة التاريخ وإعادة كتابته، وعُقدت لأجل ذلك مؤتمرات وندوات عديدة، بَيْد أنّ النتائج الّتي أسفرت عنها لا تزال متواضعة جدّاً، نظراً للدور الكبير الّذي لعبته العواطف والمصالح والأغراض السياسية والمذهبية والقبلية، في صياغته، ورسم خطوطه، وتوجيه مساره.

1 . منها تعقيبه على ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله في أوّل حديث الغدير: «ألست أَولى بكم منكم بأنفسكم»، قال: على أنّ كثيراً من شيوخنا ينكر أن تكون هذه المقدمة ثابتة بالتواتر، ويقول: إنّها من باب الآحاد، والثابت هو قوله (عليه السلام): «من كنت مولاه...»... على أنّ ذلك لو صحّ، وثبت أنّ المراد به ما قالوه، لم يجب فيما يعقبه من الجملة أن يراد به ذلك، بل يجب أن يُحمل... (المغني: 20 / 151).
2 . حوارات أحمد الكاتب: 166 .

صفحه 139
وممّا لاشكّ فيه أنّ صياغة التاريخ، بعيداً عن التعاليم والمقاصد الإسلامية الحقّة، قد بدأت في وقت مبكّر من تاريخ الإسلام، خصوصاً بعد تسلّل الأمويّين إلى المناصب العليا في الدولة الإسلامية ، ثمّ استحواذهم عليها بالكامل، الأمر الّذي أفضى، وبدرجة كبيرة، إلى العبث بالتاريخ، اختلاقاً للأحداث، وتبديلاً للأدوار، وتلفيقاً وتزويراً للأقوال..
فمن البديهي، إذن، أن يدعو مثلُ هذا التاريخ، الشريفَ المرتضى وغيره من علماء مدرسة أهل البيت، بل جميعَ طلاّب الحقيقة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، أن يدعوهم إلى الرّيبة والشكّ في أحداثه ووقائعه، وإنكار ما طغى عليه من أخبار وروايات، تُسوِّغ الواقع مهما كان منحرفاً، وتراعي جانب الحكّام والسلاطين والأُمراء في توجّهاتهم وأطماعهم وأهوائهم.
وأمّا قوله، في الفقرة الثانية من كلامه المتقدّم: إنّ عدم اعتراف المرتضى بتلك الروايات، لن يؤثّر على مجموع الروايات الأُخرى الواردة في أصحّ الكتب الشيعية، كنهج البلاغة، والكافي)، فيصحّ لو أنّه أثبت مدّعاه بوجود مجموعة من الروايات في الكتب الشيعية (سواء في أصحّها أم في غيرها)، تخالف مبدأ الإمامة القائمة على النصّ والتعيين، وتؤيّد نظرية الاختيار والشورى.
ولكن أنّى له إثبات ذلك؟ والكاتب نفسه لم يورد من «الكافي»(1) إلاّ رواية واحدة (ضعيفة!)، صيّرها (مِسْباراً) دقيقاً، لم يكشف به عن (عدم وصيّة رسول الله للإمام عليّ بالخلافة والإمامة) وحسب، بل أكثر من ذلك، عن أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(تركَ الأمرَ شورى)!!

1 . وأورد من «نهج البلاغة» ثلاثة مقاطع من كلام الإمام علي (عليه السلام)(تطور الفكر السياسي الشيعي: 12 ـ 13). يشير فيها الإمام علي ـ كما يقول الكاتب ـ إلى أولويّته بالخلافة وأحقيّته بها، وهذا التأويل حتّى لو صحّ منه، فإنّه لا يصلح دليلاً على عدّ تلك المقاطع من كلام الإمام (عليه السلام)، من (مجموعة الروايات!!) الّتي تُسقط مبدأ النصّ والتعيين، وتُثبت نظرية الشورى.

صفحه 140
وأمّا الرواية الثانية (1) الّتي ساقها أحمد الكاتب، كدليل على نفي الوصية بالإمامة، وترك الأمر شورى (وهي الرواية الوحيدة المنقولة عن «الكافي» في هذا المجال)، فلا يصلح الاحتجاج بها لسُقمها وعدم صحّة إسنادها، الّذي ورد كالتالي:
محمد بن الحسين وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد شباب الصيرفي، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام).(2)
وفيه: سهل بن زياد، أبو سعيد الآدمي الرازي.
قال النجاشي: كان ضعيفاً، في الحديث، غير معتمد عليه فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب.(3)
وقال الشيخ الطوسي: ضعيف .(4) وقال أيضاً: ضعيف جدّاً عند نقّاد الأخبار .(5)
وفي السند أيضاً: محمد بن الوليد الصيرفيّ.
قال العلاّمة الحلّيّ: ضعيف .(6)
وقال ابن داود الحلّي: ضعيف .(7)
وأمّا الرواية الثالثة، الّتي قال الكاتب: (إنّها وصيّة ينقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه ، ويقول إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أوصى بها إليه قبل وفاته، وهي أيضاً

1 . مضى ذكرها في (ص 130)، وأوّلها: (لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الوفاة، دعا العباس...).
2 . الكافي: 1 / 236، كتاب الحجة، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، رقم 9 .
3 . رجال النجاشي: 185، الترجمة 490، مؤسسة النشر الإسلامي بقم، 1418 هـ .
4 . الفهرست: 228، الترجمة 339، تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي، طبع عام 1420 هـ .
5 . الاستبصار: ج 3، باب أنّه لا يصحّ الظهار بيمين، ذيل الحديث 935 .
6 . رجال العلاّمة الحلّي: 405 برقم 1636، مؤسسة النشر الإسلامي بقم، 1417 هـ .
7 . رجال ابن داود: 276 برقم 488، المطبعة الحيدرية بالنجف، 1392 هـ .

صفحه 141
وصية أخلاقية روحية عامة...)، فلا تصلح للاحتجاج أيضاً لسُقمها، ففي إسنادها:
جعفر بن محمد بن مالك الفزاري.
قال النجاشي: كان ضعيفاً في الحديث. ونقل عن أحمد بن الحسين الغضائري، قوله: كان يضع الحديث وضعاً، ويروي عن المجاهيل .(1)
وفي السند أيضاً من لا يُعرف، كأحمد بن سلامة الغنوي، والفُجيع العقيلي.
ثم إنّ ورود وصيّة أو وصايا خُلقية روحية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا يدلّ على عدم وجود وصية له بالإمامة، فالوصية بها لها طرق متعدّدة وأساليب مختلفة، تكشف عنها السنّة القولية والفعلية للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن هذه الأساليب، وصفُ الإمام بالوصيّ، وهو الأُسلوب الذي كُرِّست هذه الحقيقة لإبرازه. وقد تبيّن، استناداً إلى النصوص والأقوال (وسيأتي المزيد منها)، أنّ عليّاً (عليه السلام)كان (وصيّ) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الوصيّة في آل محمد، وتبيّن أيضاً، من خلال الشواهد، أنّه لولا ما تحملُه كلمتا (الوصيّة) و (الوصيّ) من دلالة على الإمامة، ومن معنىً يخالف الواقع السياسي الّذي ساد بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، لَما رُصدت لهما تلك العُدّة من التكذيب، والتكتيم، والتعسّف في التأويل.
وممّا يؤكد هذه العلاقة، بل الملازمة، بين لفظة الخليفة، ولفظة الوصيّ (الّتي سُمّي بها عليّ)، هو أنّ الحافظ الذهبيّ (الّذي يذهب كلّ مذهب في إنكار أحاديث الوصيّة)، اغتنم فرصة ما ورد في الخبر المروي عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ من أنّه قال: (مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يستخلف أحداً)، فعقّب عليه بقوله: رواه سفيان، عن جعفر، فما حدّث به إلاّ وعنده أنّ عليّاً ليس بوصيّ.(2)

1 . رجال النجاشي: 122، الترجمة 313.
2 . ميزان الاعتدال: 1 / 410، الترجمة 1505 .

صفحه 142
أقول: إنّما قال الذهبيّ ذلك لقول ابن سعد وغيره إنّ جعفراً كان يتشيّع.
ومهما يكن، فقد اتّضح، ممّا تقدّم، عدم صحّة الروايات الثلاث، الّتي ذكرها الكاتب، وعقّب عليها بقوله ـ بغية تهويل الأمر: إنّه ذكرها أقطاب الشيعة الإمامية، ثم استنتج منها (نظرية أهل البيت وشيعتهم في القرن الأوّل!!) وتتلخّص في إيمانهم بعدم وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام عليّ بالإمامة والخلافة، والتزامِهم بنظام الشورى، فالرواية الأُولى حكاها المرتضى عن خصمه ليردّ عليها، ولم يذكرها إيماناً بها، والثانية (رواية الكليني) ضعيفة، والثالثة (رواية المفيد) ضعيفة أيضاً، ومع ضعفها لا تصلح للاستدلال، كما سبق البيان.
فأية نظرية هذه الّتي يُدّعى أنّها نظرية أهل البيت (وهم أساس الدين، وعماد اليقين)، (1) ثمّ تنهار مثل وَشْك اللمح بالبصر؟
إنّني لا أحسب القارئ اللبيب، بعد هذا، أن يكترث لها، حتى وإنْ سُطِّر فيها ألف صفحة أو أكثر، ما دامت قائمة على أكوام من الرمل، فكلّ ذلك يصبح هباءً تَذْروه الرّياح.
وإذا كان أحمد الكاتب يتّهم القائلين بالإمامة الإلهية (لاسيما الاثنا عشرية) بعدم تقديم روايات صحيحة لإثباتها، مع كثرة ما أوردوا منها، ويصفُ جهودهم في ذلك بأنّها (ذرٌ للرّماد في العيون)(2)، فماذا يصف ما أتى به من تلك الروايات الثلاث الّتي ثبت سُقمها، لدعم رأيه؟!
وهل يرضى أن يستعير شخص عبارته الآتية، الّتي أنشأها في سياق ردّه على أحد العلماء:اللِّياذ بمغارات التاريخ   
(هل استطاع أن يقدّم نصّاً صحيحاً واحداً؟ أم حاول التشويش على عامّة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 2.
2 . حوارات أحمد الكاتب: 170 .

صفحه 143
الناس الذين لا يميّزون بين الأحاديث، ولا يعرفون الصحيح من السقيم؟)(1)، ويقول ذلك الشخص : إنّما عَنى الكاتبُ نفسَه بهذه العبارة، حينما أقدم على إيراد مثل تلك الروايات؟

اللِّياذ بمغارات التاريخ!!

ومن الغريب، أنّ الكاتب، وبعد أن تجهّمت له الكتب الروائية للشيعة الإمامية، فلم يجد فيها رواية صحيحة واحدة، تؤيّد استنتاجه بأنّ أهل البيت وشيعتهم كانوا يلتزمون بالشورى كطريق لانتخاب الإمام، وبعد أن تغاضى عن كافّة النصوص الدالّة على الإمامة والخلافة، والوصيّة بهما، وأهملها بشكل كامل، أخذ يطعن في جذور التاريخ السياسي للوصية، بالانفتاح على الأخبار والأفكار الّتي صاغها التعصّب المقيت، وصَنَعها الحقد الأمويّ الأسود، ثم أودعها في الزوايا المظلمة من تاريخنا السياسي، الّذي ماج بالصراعات المريرة، وراح يقول:
(يسجّل المؤرّخون الشيعة الإمامية: (النوبختي والأشعري القمي والكشّي) أوّل تطوّر ظهر في صفوف الشيعة في عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)على يدي المدعو (عبدالله بن سبأ) الّذي يقولون: إنّه كان يهودياً وأسلم، والّذي يقول النوبختي عنه: إنّه أوّل من شهَر القول بفرض إمامة علي، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصيّاً لموسى، فقال كذلك في إسلامه في علي بعد رسول الله، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة.
وسواء كان عبدالله بن سبأ شخصية حقيقية أم أُسطورية، فإنّ المؤرّخين الشيعة يسجّلون بوادر ظهور أوّل تطوّر في الفكر السياسي الشيعي اعتماداً على

1 . حوارات أحمد الكاتب: 171 .

صفحه 144
موضوع (الوصيّة) الروحية والشخصيّة، الثابتة من الرسول الأكرم إلى الإمام علي، وإضفاء المعنى السياسي عليها، وذلك قياساً على موضوع (الوصيّة) من النبيّ موسى (عليه السلام)إلى يوشع بن نون، وتوارث الكهانة في أبناء يوشع.
ومع أنّ هذا القول كان ضعيفاً ومحصوراً في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الإمام علي، وأنّ الإمام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به، إلاّ أنّ ذلك التيار وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده أرضاً خصبة للنموّ والانتشار).(1)
   

براءة ساحة مؤرّخي الإمامية من نسبة القول بالوصية إلى ابن سبأ

إنّ القول المتقدّم الّذي ذكر الكاتب أنّه سجّله ثلاثة من المؤرّخين الإمامية، إنّما هو قول واحد، حكاه أحد هؤلاء الثلاثة عن غيره!!!، ولكنّ الكاتب، لجأ مرّة أُخرى إلى تهويل الأمر(2)، فصاغه بهذا الأسلوب: (يسجّل المؤرخون الشيعة الإمامية الأوائل: النوبختي، والأشعري القمي، والكشّي، أوّل تطوّر ظهر في صفوف الشيعة...)، وإليك التوضيح:
إنّ ما نقله الكاتب من قولهم: (إنّ عبدالله بن سبأ كان يهودياً وأسلم، وإنّه أوّل من شهر القول بفرض إمامة علي...)، إنّما هو قول حكاه الفقيه المحدّث سعد بن عبدالله الأشعري القمي، عن جماعة من أهل العلم لم يُسمِّهم، وأورده في كتابه المطبوع باسم «المقالات والفرق»(3)، ونقله بنصّه تقريباً أبو عمرو الكشّي في رجاله .

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 25.
2 . أمّا المرّة الأُولى، الّتي سبقت الإشارة إليها، فهي قوله (بعد إيراده ثلاث روايات عليلة أسّس عليها نظريته!!): هذه الروايات الّتي يذكرها أقطاب الشيعة الإمامية كالكليني، والمفيد، والمرتضى... تكشف عن...
3 . المقالات والفرق: 20، تصحيح وتعليق الدكتور محمد جواد مشكور.

صفحه 145
وأمّا الحسن بن موسى النوبختي، فلم يُظفر بكتابه إلى الآن، وما طُبع باسمه بعنوان «فرق الشيعة» لم يكن من تأليفه، وإنّما هو نسخة مختصرة من كتاب سعد بن عبدالله الأشعري، كما حقّق ذلك السيد محمد رضا الحسيني الجلاليّ.(1)
وإليك جانباً من مقالة (ابن سبأ) وفرقته، الّتي أوردها سعد في كتابه، وتضمّنت القول المذكور، الّذي بنى عليه الكاتب رأيه بظهور أوّل تطوّر في الفكر السياسي الشيعي، اعتماداً ـ كما يدّعي ـ على موضوع (الوصيّة) الروحية والشخصية. قال سعد:
(فلمّا قُتل علي صلوات الله عليه، افترقت الأُمة الّتي أثبتت له الإمامة من الله ورسوله فرضاً واجباً، فصاروا فرقاً ثلاث:
فرقة منها قالت: إنّ علياً لم يُقتل ولم يمت، ولا يموت حتّى يملك الأرض ويسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي أوّل فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي من هذه الأُمّة، وأوّل من قال بينها بالغلوّ، وهذه الفرقة تسمّى السبائية، أصحاب عبدالله بن سبأ...
وكان أوّل من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرّأ منهم، وادّعى أنّ عليّاً (عليه السلام)أمره بذلك، وأنّ التقية لا تجوز ولا تحلّ، فأخذه عليّ فسأله عن ذلك فأقرّ به، وأمر بقتله، فصاح الناس إليه من كلّ ناحية: يا أمير المؤمنين، أتقتل رجلاً يدعو إلى حبّكم أهل البيت وإلى ولايتك، والبراءة من أعدائك، فسيّره إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم: أنّ عبدالله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصيّ موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في عليّ بمثل ذلك. وهو أوّل

1 . مجلة تراثنا، العدد (1)، السنة الأُولى، ص 29 ـ 51، 1405 هـ .

صفحه 146
من شهر بالقول بفرض إمامة عليّ بن أبي طالب، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم. فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: إنّ أصل الرفض مأخوذ من اليهودية...
فهذا مذهب السبائية ومذهب الحربية، وهم أصحاب عبدالله بن عمر بن الحرب الكندي في علي (عليه السلام)، وقالوا بعد ذلك في عليّ: إنّه إله العالمين، وإنّه توارى عن خلقه، سخطاً منه عليهم، وسيظهر )(1).
ونحن إذا ألقينا بنظرنا على كلام سعد نفسه حول مقالة ابن سبأ (واستثنينا ما حكاه عن غيره)، لم نجد فيه أية إشارة، ولو ضعيفة، على ظهور تطوّر في الفكر السياسي الشيعي.
ومع أنّ ابن سبأ كان من الغلاة، وعُدّت فرقته (السبئية) من أصناف الغالية، الّتي فرّق بينها وبين فِرَق الإماميّة حتّى شيوخ أهل السنّة(2)، فإنّ مقالته تلك (في عهد الإمام علي) كانت لا تتجاوز: إظهار الطعن على عدد من الصحابة، والبراءة منهم، وتحريم التقية في ذلك..
فكيف وجد أحمد الكاتب في سطور هذه المقالة، بوادرَ ظهور أوّل تطوّر في الفكر السياسي الشيعي؟
بل إنّ مقالة ابن سبأ وأصحابه (كما في كلام سعد الأشعريّ) كانت لا تتجاوز، في أيام استشهاد عليّ وفي المرحلة الّتي تلت ذلك، كانت لا تتجاوز

1 . المقالات والفرق: 19 ـ 21 .
2 . منهم الإمام أبو الحسن الأشعري (المتوفّى 324 أو 330 هـ)، حيث صنّف الشِّيَع إلى ثلاثة أصناف: 1. غالية الشيعة، خمس عشرة فرقة، وعدّ منها السبئيّة. 2. الرافضة (الإمامية)، أربع وعشرون فرقة. قال: وهم مجمعون على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه، وأظهر ذلك وأعلنه... 3. الزيدية، ست فرق. انظر مقالات الإسلاميين: 1 / 65 ـ 66، و 88 ـ 89 و 136، و 140، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، 1419 هـ .

صفحه 147
القول بإنكار موته (عليه السلام)، وإثبات رجعته، ثم الغلوّ فيه والقول بأُلوهيته...
فما علاقة كلّ تلك الاعتقادات ـ يا أُولي الألباب ـ بالفكر السياسي وتطوّره؟
ثم إنّ الروايات الخمس الّتي رواها الكشّي (1) بإسناده عن الأئمة: (السجاد، والباقر، والصادق(عليهم السلام))، تتفّق مع ما قاله سعد الأشعريّ في كلامه المتقدّم، من غلوّ ابن سبأ في أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وتختلف عنه (في روايتين منها) في أمرين:
1. أنّ ادّعاءه الربوبية في عليّ، كان قد جاهر به في أيّامه وبحضرته (عليه السلام).
2. أنّ عليّاً (عليه السلام)استتابه، فأبى أن يتوب، فأحرقه بالنار.
وأمّا الروايات الثلاث الباقية، فلم تُشر إلى زمان غلوّه، ولا إلى مصيره الّذي انتهى إليه .
وإليك اثنتين من رواياته الخمس:
قال الكشّي: حدثني محمد بن قولويه: قال: حدثني سعد بن عبدالله، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، ومحمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول ـ وهو يحدّث أصحابه بحديث عبدالله بن سبأ وما ادّعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)ـ فقال: إنّه لمّا ادّعى ذلك فيه، استتابه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأبى أن يتوب، فأحرقه بالنار.(2)
وروى بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا، إنّي ذكرت عبدالله بن سبأ فقامت كلّ شعرة في جسدي، لقد ادّعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله؟ كان علي (عليه السلام)والله عبداً لله صالحاً، أخا رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلاّ بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الكرامة من الله إلاّ بطاعته لله.(3)

1 . رجال الكشّي: 98 ـ 101 .         2 . رجال الكشّي: 99 ـ 100 .   3 . رجال الكشّي: 100 .

صفحه 148
وممّا يلفت الأنظار هنا: أنّ أحمد الكاتب، الّذي يحاول، عبثاً، أن ينكر قول الشيعة بإمامة عليّ (عليه السلام)نصّاً ووصيّة من داخل إطار المذهب الشيعي، قد ذكر، وبعبارة غائمة، اسمَ الكشّي فيمن (سجَّل) من المؤرّخين الشيعة (أوّل تطوّر ظهر في صفوف الشيعة في عهد الإمام علي)، لمجرّد أنّه نقل عن سعد الأشعري ما حكاه عن جماعة من أهل العلم (من غير الشيعة طبعاً) (1) بنسبة القول بالوصيّة (بالمعنى السياسي) إلى ابن سبأ!! ولكنّه (أي الكاتب) تجاهل تماماً ذِكر روايات الكشّي الخمس في ابن سبأ!! والسرّ في ذلك، كما هو واضح لكلّ ذي عينين، هو أنّ تلك الروايات الخمس لم تتطرّق إلى (الوصيّة)، وإنّما تحدّثت عن أمر واحد لا غير، هو غلوّ ابن سبأ، وهذا ما لا ينفعه في محاولته المُشار إليها، بل يُسدّد لها ضربة قاضية.
ثمّ إنّ إثبات غلوّ ابن سبأ في عليّ، دون نسبة القول إليه بالوصية، لم يقتصر على الشيعة، بل وافقهم عليه من غيرهم عدد من العلماء والمؤرّخين، منهم: ابن قتيبة، وأبو الحسن الأشعري، وابن حزم، والشهرستاني.
1. قال ابن قتيبة الدينوري (المتوفّى 276 هـ)، وقد ذكر السبائية: يُنسبون إلى عبدالله بن سبأ، وكان أوّل مَن كفر من الرافضة، وقال: عليّ رب العالمين، فأحرق عليّ أصحابه بالنار.(2)
نسبة القول بالوصيّة إلى ابن سبأ، اصطنعها خيالُ حاقد   
2. وقال أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ (المتوفّى 324 أو
330 هـ): والصِّنف الرابع عشر من أصناف الغالية، وهم «السبئية» أصحاب عبدالله

1 . قال السيد سامي البدري: إن تعبيره بـ (أهل العلم) لا يريد به الشيعة، إذ لو كان أراده لقال: جماعة من أصحابنا. ويؤكّد ذلك أنّك لن تجد شيعياً واحداً ممّن مضى أو بقي، يقول ويعتقد بشيء من ذلك، كما أنّك لن تجد في التراث الشيعي على ضخامته رواية واحدة حتّى ولو كانت ضعيفة تُسند القول بالوصيّة إلى عبدالله بن سبأ.
2 . المعارف: 340، دار الكتب العلمية، 1407 هـ .

صفحه 149
بن سبأ. يزعمون أنّ عليّاً لم يمت، وأنّه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلاً، كما مُلئت جوراً، وذكروا عنه أنّه قال لعليّ: أنت أنت!(1)
3. وقال ابن حزم: والقسم الثاني من فرَق الغالية الذين يقولون بالإلهية لغير الله، فأوّلهم قوم من أصحاب عبدالله بن سبأ الحميري لعنه الله، أَتَوا إلى علي بن أبي طالب، فقالوا مشافهة: أنت هو. فقال لهم: ومن هو؟ قالوا: أنت الله. فاستعظم الأمر، وأمر بنار فأُجّجت، فأحرقهم بالنار...(2)
4. وقال أبو الفتح الشهرستاني، وقد ذكر السبئية: أصحاب عبدالله بن سبأ، الّذي قال لعلي: أنت أنت ـ يعني أنت الإله ـ فنفاه إلى المدائن. وزعموا أنّه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصيّ موسى، مثل ما قال في عليّ..(2)
وأنت تعلم أنّ التعبير بكلمة (زعموا) أكثر ما يُستعمل في ما يُشَكّ فيه، ويُعتقَد كذبه، بل جرت عادتهم على استعماله في من قال كلاماً، وكان عندهم كاذباً.
وهكذا أثبتنا بالبراهين الواضحة المُسفرة براءة الشيعة من نسبة القول بالوصيّة إلى ابن سبأ، بل خلوَّ العديد من مصادر علماء مدرسة الصحابة من ذكر ذلك.

نسبة القول بالوصيّة إلى ابن سبأ، اصطنعها خيالُ حاقد

وتسأل: فما هو، إذن، مصدر هذه النسبة ؟
الجواب: هو خبر ساقط، بإسناد مظلم جدّاً، رواه الطبريّ في تاريخه،

1 . مقالات الإسلاميين: 1 / 86 .   2 . الفصل في الملل والنحل: 5 / 46، دار الجيل، 1405 هـ .
2 . الملل والنحل: 1 / 177، دار الكتب العلمية، 1410 هـ .

صفحه 150
وتناقله من جاء بعده، ولهج بذكره الرازحون تحت نِير التعصّب، لاسيما أتباع النهج الأمويّ .
فما هو ذلك الخبر؟ هاك ما يتعلّق منه بالمقام:
قال الطبري: كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال:
(كان عبدالله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممّن يزعم أنّ عيسى يرجع، ويُكذّب بأنّ محمداً يرجع، وقد قال الله عزّوجل: (إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)(1)، فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى، قال: فقُبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلّموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبيّ، ولكل نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: مَن أظلم ممّن لم يجز وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووثب على وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتناول أمر الأُمّة؟ ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانهضوا في هذا الأمر...)(2).
وإليك كلمات النقاد في رجال الإسناد المذكور:
1. السَّري بن يحيى.

1 . القصص: 85 .
2 . تاريخ الطبري: 3 / 378 ـ 379 (سنة 35 هـ . ذكر مسير من سار إلى ذي خشب من أهل مصر) .

صفحه 151
لايوجد بهذه النسبة له ذكر قط. وليس هو بابن يحيى بن إياس الشيباني (1)لتقدّم زمانه، حيث توفّي سنة (167 هـ) أي قبل ولادة الطبري بسبع أو خمس وخمسين سنة.(2)
2. شعيب بن إبراهيم الكوفي.
قال ابن عديّ: ليس بالمعروف، وله أحاديث وأخبار، وفيه بعض النكرة، وفيها ما فيه تحامل على السَّلَف. وقال الذهبي: فيه جهالة.(3)
3. سيف بن عمر.
عن يحيى بن معين: ضعيف. وعنه أيضاً: فَلْس خير منه.
وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك. وقال النسائي، والدّارقُطْني: ضعيف. وقال ابن حِبّان: اتُّهم بالزندقة. وقال ابن عديّ: عامّة حديثه منكر .(4)
4. عطية .
لم يُنسَب في الرواية، فلا يُعرف من هو .
5. يزيد الفقعسي.
ليس له ذكر في كتب الرجال والتراجم، فهو مجهول ذاتاً ووصفاً.
وقد تفرّد بذكره سيف، فجاز أن يُعدّ من المختلَقين.(5)

1 . انظر ترجمته في: تهذيب الكمال: 10 / 232، الترجمة 2195 .
2 . انظر: الغدير للعلاّمة الأميني: 8 / 140، الطبعة الثانية، دار الكتب الإسلامية .
3 . ميزان الاعتدال: 2 / 275 برقم 3704 ; ولسان الميزان: 3 / 145 برقم 517 .
4 . ميزان الاعتدال: 2 / 255 برقم 3637 ; وتهذيب الكمال: 12 / 326 ـ 327، الترجمة 2676 .
5 . الأُسطورة السبئية للسيد مرتضى العسكري: 1 / 41، المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)، الطبعة الثانية، 1430 هـ .

صفحه 152
وهكذا تكشف لنا كلمات النقّاد من أهل السنّة في تقييم الرواة، عن الأساس الواهي الّذي اعتمد عليه أحمد الكاتب في بناء رأيه حول موضوع (الوصيّة) الّتي رأى أنّ مضمون الخبر (الكاذب) المتقدّم قد أضفى عليها معنىً سياسياً، وبانهيار ذلك الأساس يتقوّض كلّ ما بناه عليه من تصوّرات موهومة.
ثمّ إنّه كان على الكاتب، وهو يثق بما ورد في ذلك الخبر، الّذي جعل من مسلمي الحجاز والبصرة والكوفة ومصر (خلا الشام الأمويّة طبعاً!!!) ببغاوات تُردّد أقوال ابن سبأ في رجعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم في وصاية عليّ، ثم في كونه خاتم الأوصياء، ثم في اغتصاب عثمان حقَّ الوصيّ، ثم في التحريض عليه والثورة عليه.. كان عليه أن يستنتج منه ظهور التطوّر المزعوم في الفكر السياسي الشيعي في عهد عثمان، لأنّ الخبر يصف الأوضاع في عهده، فلماذا زعم أن ذلك التطوّر ظهر في عهد علي؟!
يبدو أنّ قصده من تأخير زمن ذلك التطوّر المزعوم، هو محاولة ربط مسألة (الوصيّة) بمسألة تولّي الإمام علي للخلافة، ومن ثمّ جعْل القضية كلّها.. قضيّة الإمامة، خاضعةً للوضع السياسي القائم آنذاك، محدودةً بنطاقه الضيّق، بعيداً عن دائرة النصوص الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في تعيين الإمام والخليفة، وعن دائرة الأصوات الكثيرة الّتي استهدت بتلك النصوص، فانطلقتْ تعلن عن (الوصيّ)، وتتحدّث عن (الوصيّة).
باقة من الأزهار الولائية   
والّذي يومئ إلى ذلك، كلامُ الكاتب نفسه، فبعد أن ذكر نسبة القول بالوصية إلى ابن سبأ، قال: (ومع أنّ هذا القول كان ضعيفاً ومحصوراً في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الإمام عليّ، وأنّ الإمام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به، إلاّ أنّ ذلك التيار وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده أرضاً

صفحه 153
خصبة للنموّ والانتشار)(1).
ولا أحسبك ـ أيّها القارئ الكريم ـ تُصغي لمثل هذا الكلام، الّذي غدا خليّاً من المعنى، بعد أن انتقض (من داخل المذهب الشيعي ومن خارجه) أساسُ رأيه الّذي بنى عليه هذه النتائج (أعني فحوى الخبر الموضوع، الّذي نَسب القول بالوصية إلى ابن سبأ)، وبعد أن تقدّم إثبات كونه (عليه السلام)هو (الوصيّ) بنصوص واردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعن عليّ والحسين (عليهما السلام)، وبشهادة أقوال بعض الصحابة في عهدَي أبي بكر وعثمان.

باقة من الأزهار الولائية

وقد حان الآن وقت الوفاء بما وعدناك به من تقديم باقة أُخرى من تلك الأزهار الولائية، فهاكها عابقةً بأريج (الوصيّ):
ـ قال الفضل بن عباس (2)، في جواب الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، الّذي رثى في أبيات له عثمان بن عفّان وحرّض فيها أخاه عُمارة بن عقبة على الأخذ بثأره :
ألا إنّ خير الناس بعد محمّد *** وصيّ النبيّ المصطفى عند ذي الذكر
وأوّل من صلّى وصنو نبيّه *** وأوّل من أردى الغُواة لدى بدرِ (3)
ـ وقال مالك الأشتر، التابعيّ الشهير، عند بيعة عليّ بالخلافة:

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 25 .
2 . جاء في حاشية طبعة دار الفكر من «تاريخ الطبري: 5 / 447»: هو الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب .
3 . تاريخ الطبري: 3 / 449 (سنة 35 هـ) ; والكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 189، وحُرّف فيه صدر البيت الأوّل، إلى: (ألا إنّ خير الناس بعد ثلاثة)!!!!

صفحه 154
هذا وصيّ الأوصياء، ووارث علم الأنبياء...(1)
ـ وقال حذيفة بن اليمان، صاحب سرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
الحقوا بأمير المؤمنين، ووصيّ سيد المرسلين...(2)
ومن الأشعار الّتي صدحت بها حناجر الصحابة في معركة الجمل:
ـ قال خزيمة بن ثابت الأنصاري: ذو الشهادتين، وكان بدريّاً:
يا وصيّ النبيّ قد أجلت الحر *** بُ الأعادي وسارت الأضعانُ
ـ وقال خزيمة بن ثابت أيضاً :
أعائش خلِّي عن عليّ وعَيْبهِ *** بما ليس فيه، إنّما أنتِ والدَةْ
وصيّ رسول الله من دون أهله *** وأنتِ على ما كان من ذاك شاهدَةْ
ـ وقال أبو الهيثم بن التيِّهان الأنصاري:
إنّ الوصيّ إمامنا ووليّنا *** بَرحَ الخَفاء وباحتِ الأسرارُ
ـ وقال سعيد بن قيس الهمْداني:
قلْ للوصيّ أقبلتْ قحطانُها *** فادعُ بها تكفيكَها هَمْدانُها
همُ بنوها وهمُ إخوانُها
ـ وقال زياد بن لبيد الأنصاري:
كيف ترى الأنصار في يوم الكَلبْ *** إنّا أُناس لا نُبالي مَن عَطِبْ
ولا نبالي في الوصيّ من غضِب *** وإنّما الأنصار جدٌّ لا لَعِبْ

1 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 179 .
2 . شرح نهج البلاغة: 2 / 188 .

صفحه 155
ـ وقال حُجر بن عَديّ الكندي:
يا ربّنا سلِّمْ لنا عليّا *** سلِّمْ لنا المباركَ المرضيّا
المؤمنَ الموحِّد التقيّا *** لاخَطلَ الرأي ولاغَويّا
بل هادياً موفَّقا مهديّا *** واحفظه ربّي واحفظِ النبيّا
فيه فقد كان له وليّا *** ثم ارتضاه بعده وصيّا
قال ابن أبي الحديد، بعد أن أورد الأشعار المتقدّمة وغيرها:
ذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مِخْنَف لوط بن يحيى في كتاب «وقعة الجمل». وأبو مخنف من المحدّثين، وممن يرى صحّة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها.(1)
ومن الأشعار والأراجيز الّتي ترنّم بها الصحابة في معركة صفّين:
ـ قال جرير بن عبدالله البجليّ:
وصيّ رسول الله من دون أهله *** وفارسه الحامي به يُضرب المَثَلْ
ـ وقال النعمان بن العَجْلان الأنصاري:
كيف التفرّق والوصيُّ إمامنا *** لا كيف إلاّ حَيرةً وتخاذلا
ـ وقال عبدالله (2) بن العباس بن عبدالمطّلب:
وصيّ رسول الله من دون أهله *** وفارسُه إن قيل هل من مُنازلِ
قال ابن أبي الحديد، عقب إيراد الأشعار المتقدّمة وغيرها:
(والأشعار الّتي تتضمّن هذه اللفظة ] يعني لفظة الوصيّ [ كثيرة جداً، ولكنّا

1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 147 .
2 . كذا في شرح نهج البلاغة، وفي «وقعة صفين»: 474: الفضل بن العباس .

صفحه 156
ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين ]يعني كتاب الجمل لأبي مخنف، وكتاب صفّين لنصر بن مزاحم [، فأمّا ما عداهما فإنّه يجلّ عن الحصر، ويعظُم عن الإحصاء والعدّ، ولولا خوف الملالة والإضجار لملأنا من ذلك ما يملأ أوراقاً كثيرة).(1)
ـ قال عمرو بن الحَمِق الخزاعيّ الصحابيّ في أيّام المسير إلى الشام، وقبل نشوب حرب صفين:
والله يا أميرالمؤمنين، إنّي ما أحببتُكَ ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك... ولكنّي أحببتُك بخصال خمس: إنّك ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووصيّه...(2)
ـ قالت الخوارج لابن عباس، وكان عليّ (عليه السلام)قد وجّهه إليهم، للوقوف على سبب نقمتهم عليه:
نقمنا على عليّ خصالاً كلّها موبقة... محا اسمه من إمرة أمير المؤمنين يوم كتب إلى معاوية، ورجعنا عنه يوم صفّين فلم يضربنا بسيفه حتى نفيء إلى الله، وحكم الحكمين، وزعم أنّه وصيّ، فضيّع الوصيّة.
فقال ابن عباس: قد سمعتَ، يا أمير المؤمنين، مقالة القوم، وأنت أحقّ بالجواب .
فقال:... وأمّا قولكم إنّي كنت وصيّاً فضيّعت الوصيّة، فإن الله عزّوجلّ يقول: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
)(3)، أفرأيتم هذا البيت، لو لم يحجج إليه أحد كان
البيت يكفر؟ إنّ هذا البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلاً كفر، وأنتم كفرتم

1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 150 .
2 . شرح نهج البلاغة: 3 / 181 .
3 . آل عمران: 97 .

صفحه 157
بترككم إياي، لا أنا كفرت بتركي لكم .(1)
أنعمِ النّظر في هذا الحوار المختصر، تجده عميقاً في أبعاده ومعطياته، إذ يقدّم بياناً شافياً عن (الوصيّة) تاريخاً ومفهوماً ودلالة، يزيل ما أثير حولها من شكوك وشبهات، وما تعرّضتْ له من إنكار، فالحوار يُثبت:
1. أنّ عليّاً (عليه السلام)، كان يُعلن أمام النّاس، وبشهادة أعدائه، بأنّه (وصيّ)، ولم ينفِ ذلك عن نفسه، وكفى بذلك حجّة على مَن أنكر وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إليه .
2. أنّ الوصيّة لم تكن وصيّة (عادية) شخصيّة آنيّة، أو وصية أخلاقية روحية عامّة (حسب تعبيرات أحمد الكاتب)، وإلاّ لم يكن ثمّة معنىً لادّعاء الخوارج أنّه (عليه السلام)(ضيّع الوصيّة).
فأيّة (وصيّة شخصيّة) تذكّرها الخوارج وزعموا أنّ أمير المؤمنين ضيّعها، وقد مضى عليها أكثر من خمس وعشرين سنة، وبعد أن أدّى (عليه السلام)ما عهد إليه فيها (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!! .
وأيّة (وصيّة أخلاقية) ضيّعها (الوصيّ)، وما من أحد يزعم أنّه لم يهتدِ بهدي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في سيرته وأخلاقه؟!
3. أنّ الوصيّة، وبعد أن تبيّن لنا أنّها ليست شخصية أو أخلاقية، كانت تتعلّق بالإمامة والخلافة، ويؤكّد ذلك أنّ سائر ما تقدّم من الأُمور الّتي نقموها عليه، كانت جميعاً تصبّ في ذات الاتجاه، وهي: محو اسمه من إمرة أمير المؤمنين، وعدم الأمر بقتل من عصاه في القتال يوم صفّين، وتحكيم الحكمين... وكلُّ ذلك من شؤون الإمام والخليفة.
ـ جرير بن عبدالحميد، عن المغيرة بن مِقْسَم، عن سِماك بن سَلَمة، قال:

1 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 192 ـ 193 .

صفحه 158
دخلتُ على كُدَير الضَّبّي أعوده، فقالت لي امرأته: ادنُ منه فإنّه يصلّي. فسمعته يقول في الصلاة: سلام على النبيّ والوصيّ. فقلت: لا والله لا يراني الله عائداً إليك!!(1)
أقول: رجال الإسناد إلى كُدير، ثقات، عند نقّاد أهل السنّة. أمّا كُدير الضبِّي، فقد أثبت أبونعيم صحبته (2)، وقال ابن عديّ: يقال إنّ لكدير صحبة.(3) وقال ابن عبدالبرّ: يُختلف في صحبته.(4)
قال البخاري: كُدير الضبّي عن النبيّ: روى عنه أبو إسحاق السَّبيعيّ، ليس بالقويّ.(5)
وقال أبو حاتم: محلّه الصدق. فقيل له: إنّ البخاري أدخله في كتاب «الضعفاء»، فقال: يُحوَّل من هناك.(6)
وقد علّل ابن حجر العسقلاني تضعيف سماك بن سلمة (الّذي نقله البخاري)(7) لكُدير، بالحكاية الّتي تقدّمت (8)، أعني قول كدير في الصلاة: (سلام على النبيّ والوصيّ) .
وممّا يؤيّد صحّة تعليل ابن حجر، قول السَّعدي الجوزجاني (الناصبيّ

1 . ميزان الاعتدال: 3 / 410 برقم 6955 ; ولسان الميزان لابن حجر: 4 / 486 برقم 1539 .
2 . لسان الميزان: 4 / 487، الترجمة 1539 .
3 . الكامل لابن عدي: 6 / 80 الترجمة 14 / 1612، دارالفكر، الطبعة الثالثة، 1409 هـ .
4 . الاستيعاب:3 / 1332، الترجمة 2226.
5 . الضعفاء الصغير: 101 برقم 308، دار المعرفة، 1406 هـ .
6 . الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي: 7 / 174 برقم 992، دار الفكر.
7 . التاريخ الكبير: 7 / 242 برقم 1034، دار الفكر.
8 . الإصابة: 3 / 273، الترجمة 7388 .

صفحه 159
المعروف) في كُدير: زائغ .(1)
قال الدكتور بشار عوّاد معروف: إنّ المطالع لكتابه ] يعني كتاب الجوزجاني [ يجد أنّه جرّح خلقاً كثيراً بسبب العقائد ولا سيما من العراقيين، ولا يصحّ ذلك إذ به تسقط كثير من السُّنن والآثار، وهو بلا شكّ كان عنده انحراف عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه).(2)
وهنا تبرز، بشكل جليّ، الحساسية المفرطة تجاه كلمة «الوصيّ»، فلولا ما كانت تحمله من معنىً سياسي، لمَا وجدنا مثل هذا التوتّر والاضطراب في موقفهم من صاحب الحكاية «كُدير الضبّي»، والسعي إلى إخراجه من دائرة الصُّحبة (الّتي حكموا بعدالة من كان فيها من الناس)، لكي لا يُحتجّ به في قول أو فعل.
ـ وقال أبو الطُّفيل عامر بن واثلة الكناني، الصحابيّ:
خطبنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليّاً (رضي الله عنه)، خاتم الأوصياء، ووصيّ الأنبياء، وأمين الصديقين والشهداء، ثم قال: يا أيّها الناس، لقد فارقكم رجل ] يعني عليّاً [ ما سبقه الأوّلون، ولا يدركه الآخِرون...
قال نور الدين الهيثمي، بعد أن ذكر الخطبة: رواه الطبراني في الأوسط الكبير، وأبو يعلى باختصار، والبزّار نحوه، ورواه أحمد باختصار كبير، وإسناد أحمد، وبعض طرق البزّار والطبراني في الكبير، حِسان.(3)
ـ وقالت أُمّ سنان بنت خيثمة بن خرشة المِذْحجيّة (إحدى الوافدات على

1 . الكامل لابن عدي: 6 / 79 .
2 . تهذيب الكمال: 2 / 250 (حاشية الترجمة 268)، تحقيق الدكتور بشّار عوّاد معروف.
3 . مجمع الزوائد: 9 / 146، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1402 هـ .

صفحه 160
معاوية) في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام):
إمّا هلكتَ أبا الحسين فلم تزلْ *** بالحقّ تُعرف هادياً مهديّا
فاذهبْ عليك صلاة ربّك ما دعتْ *** فوق الغصون حمامة قُمْريّا
قد كنتَ بعد محمّد خَلَفاً كما *** أوصى إليك بنا، فكنتَ وفيّا(1)
تأمّل قولها: (أوصى إليك بنا) تجدْ فيه اختصاراً للأمرين الأساسيين، اللَّذين كشف عنهما مراراً، وبجلاء، هذا البحث، وهما:
أ. إثبات الوصيّة لعليّ (عليه السلام).
ب. إثبات كونها ذات معنىً سياسي، ودالّة على الإمامة الكبرى والخلافة، وليست شخصية، أو أخلاقية عامة.
ثم استمرّ هذا الاستعمال لكلمة (الوصيّ) في الشعر والنثر في العصور اللاحقة، وإلى عصرنا هذا.
وقد أحببت أن أنتظم في سلك من حاز شرف استعمال هذه الكلمة، فقلت في نظم لي في الإمام علي (عليه السلام):
أوصاه من دون الأنام محمّدٌ *** أمرٌ أتاه من الإله، جَليُّ
لاغَرْوَ أن عانى هواكَ (سَلامةٌ) *** حتى بدا، وكأنّه شيعيُّ (2)
فهواكَ رَيْحان المحبِّ ورَوْحهُ *** وهواكَ، وحدكَ، عطرهُ المسكيُّ
ويتّضح ممّا تقدّم أخيراً من الأقوال والأشعار الّتي قيلت في عهد الإمام

1 . العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي: 1 / 350 .
2 . إشارة إلى قول الشاعر المسيحي المُفلق (بولس سلامة) في ملحمته «الغدير»:
لا تقلْ شيعةُ هُواة عليٍّ *** إنّ في كلّ مُنصف شيعيّا
يا سماء اشهدي، ويا أرض قُرّي *** واخشعي، أنّني ذكرت عليّا

صفحه 161
عليّ وقبل تولية معاوية لابنه يزيد، وممّا سقناه من الأدلّة والبراهين (لاسيما
الحوار مع الخوارج) على إرادة المعنى السياسي لكلمة (الوصي)، يتّضح أنّ الدعوى بأنّ القول بالوصية كان ضعيفاً ومحصوراً في جماعة قليلة من الشيعة في ذلك العهد، إنّما هي دعوى جوفاء، تكذّبها هذه الحقائق التاريخية الدامغة، ومثلها تماماً الدعوى بأنّ ذلك التيّار (حسب تعبير أحمد الكاتب) قد وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده أرضاً خصبة للنمّو والانتشار، فقد تجلّى لنا، بوضوح، أنّ ذلك التيّار كان مائجاً في أيام خلافة الإمام، وظلّ يموج بعدها عبر العصور، بالرغم من كلّ الحواجز والسدود الأمويّة الّتي وُضعت في طريقه، والّتي نجحت في حبس ما لا يُستهان به من مياهه المتدفّقة، ولكنّها لم تستطع أن تَحُدّ من عُتوِّه، وتُقلِّل من عُرامه (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ)(1).

1 . ق: 37 .

صفحه 162
الحقيقة السابعة: المتكلّمون في رحاب أئمة أهل البيت(عليهم السلام) استلهاماً وعطاءً   
 
الحقيقة السابعة: المتكلّمون في رحاب أئمة أهل البيت(عليهم السلام)استلهاماً وعطاءً
إنّ من الأساليب الّتي تساعد على فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنّة، ونصرتها والذبِّ عنها، هو أُسلوب الحوار والجدل والمناظرة، المُرتكز على الحجج والبراهين الصحيحة.
وهذا الأُسلوب مُتَّبع في القرآن الكريم، وقد مارسه الأنبياء والرُّسل(عليهم السلام)مع أقوامهم، كما تشهد لذلك قصص نوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم(عليهم السلام).
وثمّة آيات كثيرة تشعّ بالأدلّة والبراهين الّتي تُثبت المسائل الإيمانيّة (العقائد)، وتَدحض شُبَه وتصوّرات المكذّبين والمعاندين، وتحثّ على النظر والتأمّل والتفكّر، والترفّع عن التقليد، وتدعو إلى حكم العقل، كما في قوله تعالى: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا)(1)، وقوله سبحانه، وهو يأمر رسوله الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)بطلب البرهان من المشركين: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2).
فإذا جاز طلب البرهان من المخالف على أنّ لله شريكاً، فمن باب أَولى طلب البراهين على أُمور أقلّ أهمية، كالتي تختلف فيها الطوائف الإسلامية من قضايا الإيمانيّات أو الأحكام.(3)
وما نُهي عنه في الإسلام، إنّما هو الجدل الّذي يروم منه أصحابُه المِراء واللِّجاج، والشّقاق والعناد، ولا يستضيئون فيه بنور دليل ولا برهان، (وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا

1 . يونس: 68 .
2 . النمل: 64 .
3 . قراءة في كتب العقائد لحسن فرحان المالكي: 146، مركز الدراسات الإسلامية، الطبعة الثانية، 1425 هـ .

صفحه 163
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً)(1).
وعلى كلّ تقدير، فإنّ العقل يوجب النظر والتدبّر في أُصول العقائد، مثل وجوب معرفة الله، ولزوم بعث الأنبياء، وأمّا النصوص الدينية في هذا المجال، فهي تُرشد إلى ما دلّ عليه العقل، ولذا يصحّ أن يكون مؤيّداً بها بعد دلالة العقل، وما جاء في القرآن الكريم من الحثّ على التفكير واتّباع العلم والمعرفة، إنّما جاء مقرّراً لهذه الحرية الفطرية في العقول الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء، وجاء منبّهاً للنفوس على ما جُبلت عليها من الاستعداد للمعرفة والتفكير، ومفتّحاً للأذهان وموجّهاً لها على ما تقتضيه طبيعة العقول.(2)
ثمّ إنّ النصوص الدينية لمّا كانت عرضة للفهم الخاطئ، وللالتفاف عليها، وللردّ والنقض، فقد دعت الحاجة إلى ضرورة فهمها وتعقّلها بشكل صحيح، وإلى نصرتها والدفاع عنها بحجج عقلية، انطلاقاً من أمر واضح، وهو عدم وجود تعارض بين منطق العقل، ومنطق النصّ الصادر عن المعصوم.
فالمحور الذي يدور عليه علم الكلام، هو إثبات أُصول العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية، الّتي يستعان بها أيضاً في تحصين النصوص الدينية ذات العلاقة بتفاصيل ومصاديق تلك العقائد، وتأسيسِها على أُسس برهانية، واستكناه آفاقها، ودفعِ الشبهات والإشكالات الّتي تُثار ضدّها.
أمّا الغاية منه، فهي، كما يقول عضد الدين الإيجي، الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان... وإرشاد المسترشدين بإيضاح المحجّة، وإلزام المعاندين بإقامة الحجّة، وحفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شُبَه المبطلين.(2)
وعلى أساس ما تقدّم، ومن أجل تحقيق تلك الغايات، أفاض العديد من

1 . الأعراف: 146 .         2 . عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفّر: 31 ـ 32 .
2 . انظر: المواقف: 8.

صفحه 164
الصحابة في المسائل الكلامية، وكان في طليعتهم الإمام علي (عليه السلام)، الذي زخرت خطبه وكلماته بتلك المسائل، كما سلك (عليه السلام)أُسلوب الحوار والجدل والمناظرة مع المخالفين والمناوئين، ومنهم المارقون (الخوارج)، وقد جرت بينه وبينهم مناظرة (كانت نتيجتها رجوع ألفين منهم إلى الدين الإسلامي، وما كان يمكن رجوع هؤلاء إلاّ من خلال الجدل والحوار المستند إلى العقل والنقل معاً)(1).
وكان (عليه السلام)قد قال للخرّيت بن راشد الناجي حين أظهر الخلاف عليه بعد تحكيم الحكمين: هلمّ أُدارسك الكتاب، وأُناظرك في السُّنن، وأُفاتحك أُموراً أنا أعلم بها منك، فلعلّك تعرف ما أنت له الآن مُنكِر.
قال: فإنّي عائد إليك.
قال: لا يستهوينّك الشيطان، ولا يستخفنّك الجهّال، والله لئن استرشدتني وقبلتَ منّي لأهدينّك سبيل الرشاد.
فخرج من عنده منصرفاً إلى أهله، وسار من ليلته هو وأصحابه. فلمّا سمع بمسيرهم عليّ، قال: بُعداً لهم كما بعدت ثمود، إنّ الشيطان اليوم استهواهم وأضلّهم، وهو غداً متبرّئ منهم.(2)
موقف مدرسة الصحابة من علم الكلام    
وممّن عُني بالمسائل الكلامية من أعلام التابعين: محمد بن الحنفية (المتوفّى بعد 80 هـ)، والإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام)(المتوفّى 94 هـ)، وأبو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية (المتوفّى 98 أو 99 هـ) ; والحسن بن يسار البصري (المتوفّى 110 هـ)، والإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)(المتوفّى 114 هـ)، وحُمران بن أعيَن، وغيرهم.

1 . علم الكلام ومدارسه للدكتور فيصل بدير عون: 52، دار الثقافة بالقاهرة، الطبعة الثانية.
2 . الكامل في التاريخ: 3 / 364. وانظر مناظراته (عليه السلام)مع الخوارج في: تاريخ اليعقوبي: 2 / 191 ـ 193 ; والأخبار الطوال: 207 ـ 209 ; والفرق بين الفِرق: 75، 78 ـ 80 .

صفحه 165
ثمّ شاع الخوض في المسائل الكلامية عند جمهور العلماء على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم ومشاربهم، ولم يمنع عنه إلاّ جماعة قليلة منهم، من أبرزهم الإمام أحمد بن حنبل، وأتباعه ممّن يُعرَفون بـ (الحشويّة)، والذين سمّوا أنفسهم فيما بعد بـ (السلفيّة) .

موقف مدرسة الصحابة من علم الكلام

وإليك كلمات بعض أعلام مدرسة الصحابة، الّتي توضّح موقفهم من علم الكلام:
ورد عن الإمام أبي حنيفة في كتاب «العالم والمتعلِّم» ما يلي:
(قال المتعلّم:... رأيت أقواماً يقولون: لا تدخلنّ هذه المداخل، فإنّ أصحاب نبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يدخلوا في شيء من هذه الأُمور، وقد يسعك ما وسعهم، فإنّ هؤلاء قد زادوني غمّاً، ووجدتُ مثَلهم كمثَل رجل في نهر عظيم كثير الماء، كاد أن يغرق من قِبَل جهله بالمخاضة، فيقول له آخر: اثبت مكانك، ولا تطلبنّ المخاضة!
قال العالم: قل لهم:... بل يسعني ما وسعهم لو كنت بمنزلتهم، وليس بحضرتي مثل الذي كان بحضرتهم، وقد ابتلينا بمن يطعن علينا، ويستحلّ الدماء منّا، فلا يسعنا أن لا نعلم، مَن المخطئ منّا والمصيب، وأن لا نذبّ عن أنفسنا وحرمنا، فمثل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كقوم ليس بحضرتهم مَن يقاتلهم، فلا يتكلّفون السلاح، ونحن قد ابتلينا بمن يقاتلنا، فلا بدّ لنا من السلاح، مع أنّ الرجل إذا كفّ لسانه عن الكلام فيما اختلف الناس فيه، وقد سمع ذلك لم يُطق أن يكفّ قلبه)(1).

1 . الباقلاني وآراؤه الكلامية للدكتور محمد رمضان عبدالله: 43 ـ 44، مطبعة الأُمّة ببغداد، 1986 م .

صفحه 166
وممّا قاله الإمام أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري (المتوفّى 324، وقيل: 330 هـ) في رسالته في استحسان الخوض في علم الكلام:
(أمّا بعد; فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتّش عن أُصول الدين، ونسبوه إلى الضلال.
ثم أجاب عن ذلك بقوله:... وأمّا الكلام في أُصول التوحيد، فمأخوذ أيضاً من الكتاب.. وكلام المتكلّمين في الحجاج في توحيد الله، إنّما مرجعه إلى هذه الآيات الّتي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل، إنّما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الّذي قد اختلف عقلاء العرب ومَن قبلهم من غيرهم حتّى تعجّبوا من جواز ذلك، فقالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)(1)...، وفي نحو هذا الكلام منهم، إنّما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول، وعلّم نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولقّنه الحجاج عليهم.
وأمّا أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر، فمأخوذ من سنّة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك تعليم الله عزوجلّ إيّاه.
وكلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره، أصل وحجّة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل، وإن لم تكن مسألة معيّنة في الكتاب والسنّة، لأن ما حدث تعيينها من المسائل العقليات في أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة، قد تكلّموا فيه على نحو ما ذكرناه)(2).

1 . ق: 3 .
2 . أورد العلامة السبحاني نصّ الرسالة في موسوعته «بحوث في الملل والنحل»: 2 / 69 ـ 80 ، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)بقمّ، طبع عام (1427 هـ).

صفحه 167
وبذلك يكون الأشعري قد سلك في الاستدلال على العقائد طريقي العقل والنقل، ثم سار على خطاه كثير من العلماء الذين تقبّلوا آراءه الكلامية، وقاموا بشرحها وتهذيبها والدفاع عنها بالأدلّة والبراهين العقلية، وكان من أبرزهم: أبو بكر الباقلاّني (المتوفّى 403 هـ)، وأبو إسحاق الأسفراييني (المتوفّى 418 هـ)، وأبو المعالي الجويني (المتوفّى 478 هـ)، وأبو حامد الغزالي (المتوفّى 505 هـ)، وفخر الدين الرازي (المتوفّى 606 هـ)، وكان لهؤلاء وغيرهم أكبر الأثر في بلورة المذهب الأشعري وانتشاره .(1)
وقد انتقد أبو حامد الغزالي كلاًّ من: (الحشوية) الذين يَرَون وجوب الجمود على التقليد واتّباع الظواهر، والمعتزلة الذين غالَوا في تصرّف العقل حتّى صادموا به قواطع الشرع، واتّهمَ أُولئك بالميل إلى التفريط، وهؤلاء بالميل إلى الإفراط، وأنّ كليهما بعيد عن الحزم والاحتياط، ثمّ قال:
(أنّى يستتبّ الرَّشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر، وينكر مناهج البحث والنظر، أو يعلم أنّه لا مستند للشرع إلاّ قول سيّد البشر (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبرهان العقل هو الّذي عرف به صدقه فيما أخبره، وكيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر، وما استضاء بنور الشّرع ولا استبصر؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العيّ والحصَر، أوَ لا يعلم أنّ خطأ العقل قاصر، وأنّ مجاله ضيّق منحصر؟ هيهات قد خاب على القطع والبتات، وتعثّر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا الشتات. فمثال العقل: البصر السليم عن الآفات والأذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء... فالمُعرض عن العقل مكتفياً

1 . انظر: الباقلاني وآراؤه الكلامية: 90 ـ 92 ; والجزء الثاني من موسوعة «بحوث في الملل والنحل» للشيخ جعفر السبحاني، حيث تناول المؤلف في الجزء المذكور حياة الإمام الأشعري وأنصاره وعقائدهم.

صفحه 168
بنور القرآن، مثاله: المتعرّض لنور الشمس مغمضاً للأجفان، فلا فرق بينه وبين العُميان، فالعقل مع الشرع نور على نور)(1).
وكان الإمام أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي (المتوفّى 333 هـ) قد سلك في الدفاع عن العقائد مسلك العقل ومسلك النقل أيضاً، واقتفى أثره في ذلك جمع من العلماء، الذين تبنَّوا آراءه الكلامية، وتصدّوا لنصرتها وإنضاجها، حتّى انتظمت في مذهب عُرف بـ (الماتريدية)، ومن أبرز هؤلاء العلماء: القاضي أبو اليسر البزدوي (المتوفّى 493 هـ)، وأبو المعين النَّسفي (المتوفّى 502 هـ)، ونجم الدين عمر بن محمد النَّسفي (المتوفّى 537 هـ)، وابن الهمام (المتوفّى 861 هـ).(2)
قال أبو منصور الماتريدي في كتاب «التوحيد» ردّاً على الذين يوجبون الاعتماد على النقل فقط، خشية أن يقع العقل في الزَّيغ ويضلّ:
(إنّ هذا من خواطر الشيطان ووسوسته، وليس لمنكري النظر دليل إلاّ النظر، وهذا يلزمهم القول بضرورة النظر، وكيف ينكرون النظر وقد دعا الله عباده إلى النظر، وأمرهم بالتفكّر والتدبّر، وألزمهم بالاتعاظ والاعتبار، وهذا دليل على أنّ النظر والتفكّر مصدر من مصادر العلم).(3)
الجمع بين العقل والنقل، هو السِّمة البارزة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)   
وأهمّ ما يميّز مذهب (الماتريدية) عن مذهب (الأشاعرة)، هو أنّه يعطي للعقل سلطاناً، أكبر، ومجالاً أوسع، ممّا يعطيه له الأخير.(4)
ومهما يكن، فإنّ كلا الرجلين: (الأشعري، والماتريدي) وصُفا بأنّهما رئيسا

1 . الاقتصاد في الاعتقاد: 27 ـ 29 (خطبة الكتاب)، دار ومكتبة الهلال، 1993 م .
2 . انظر: بحوث في الملل والنحل: 3 / 9 ـ 90 .
3 . تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة: 168 .
4 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 167; وبحوث في الملل والنحل: 3 / 36.

صفحه 169
أهل السنّة والجماعة في علم الكلام(1)، وأنّ كلا المذهبين (الأشاعرة، والماتريدية) أصبحا يمثّلان المذاهب السنّية في العقائد.
قال مصلح الدين مصطفى الكستلي (المتوفّى 901 هـ): المشهور من أهل السنّة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، هم الأشاعرة. وفي ديار ما وراء النهر، الماتريدية .(2)
وممّا سبق يتّضح رأي مذاهب مدرسة الصحابة الإيجابي من علم الكلام، وموقفهم المساند للخوض في مسائله، أمّا موقف المعتزلة منه، فليس ثمة ضرورة لبيانه، بعد اشتهار توغّلهم فيه، وإقبالهم عليه منذ وقت مبكّر، حتّى قيل: إنّ المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام في الإسلام.(3)

الجمع بين العقل والنقل، هو السِّمة البارزة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)

وإذا كانت مدرسة الصحابة تضمّ بين صفوفها اتّجاهاً متطرّفاً، قد غالى أصحابه، وهم (الحشوية) من أصحاب الحديث والأثر، في إقصاء العقل عن ساحة العقائد، وعكفوا على التقليد، والجمود على ظواهر الألفاظ، وذمّوا المنطق، ونَهَوا عن الكلام والجدل (مع أنّهم يتناقضون ويجادلون إذا تمكّنوا من ذلك)(3)، فإنّ مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)لم تعرف مثل هذا الاتّجاه.
وإذا كان ثمّة ما يبرّر (للحشوية) التشنيع على متكلّمي السنّة، وإطلاق ألسنتهم فيهم، ونسبتهم إلى البدعة والضلالة، للبَوْن الشاسع بين الاتّجاهين، والسدّ المحكم الّذي يفصل بينهما، فإنّه ليس هناك ما يبرّر القدح في متكلّمي الشيعة الإمامية والطعن عليهم، وذلك للسببين الرئيسين التاليين:

1 . مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده: 2 / 21.
2 . حاشية الكستلي على شرح العقائد النسفية: 17.   3 . فجر الإسلام لأحمد أمين: 299.
3 . قراءة في كتب العقائد لحسن فرحان المالكي: 125.

صفحه 170
الأوّل: اختلاف طبيعة الحديث الشيعي، عن الحديث غير الشيعي، فالأحاديث المروية من طرق أهل السنّة تتضمّن، وبكثرة، ما يكون ظاهرها إثبات التجسيم والتشبيه والجبر، ولاتحمل في طيّاتها ما يفيد النفي، فاضطرّ المتكلّمون منهم إلى طُرق من التأويل، لأنّهم لم يجدوا ـ إلى جانب الأحاديث المثبتة ـ أحاديث نافية بشكل جليّ، تُمكّنهم من حلّ المشكلة عن طريق تفسير الحديث بالحديث، وتأويل ما ظاهره الإثبات بما يكون نصّاً في النفي.
وقد ظهر هذا اللجوء إلى التأويل، بوضوح، في صنيع الخطّابي، وابن فورك، والبيهقي، وأبي المعالي الجويني، وفخر الدين الرازي، وغيرهم، وهو ما عارضه ما يُسمَّون بأصحاب الحديث والأثر، الذين أشار إليهم ابن الجوزي بقوله: (واعلم أنّ الناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب:
إحداها: إمرارها على ما جاءت به من غير تفسير ولا تأويل، إلاّ أن تقع ضرورة، كقوله: (جَاءَ رَبُّكَ) (1) أي: جاء أمره. وهذا مذهب السلف.
المرتبة الثانية: التأويل، وهومقام خطر على ما سبق بيانه.
والمرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضى الحسّ، وقد عمّ جهَلَة الناقلين ]يعني الحشوية[، إذ ليس لهم حظّ من علوم المعقولات الّتي بها يُعرف ما يجوز على الله، وما يستحيل، فإنّ علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه، فإذا عدموها تصرّفوا في النقل بمقتضى الحسّ)(2).
وهذه المشكلة القائمة في الحديث السنّي، في أمر التوحيد والعدل، لا أثر لها في الحديث الشيعي الإمامي، لدلالة الأحاديث الصريحة على نفي التشبيه والتجسيم والجبر، الأمر الّذي جعل المسافة بين المحدّثين والمتكلّمين منهم

1 . الفجر: 22.
2 . دفع شُبه التشبيه بأكفّ التنزيه: 224، تحقيق حسن السقّاف، دار الإمام النووي بعمّان، 1412 هـ .

صفحه 171
قريبة جدّاً، وموارد الاختلاف بينها قليلة، تتعلّق ببعض التفاصيل، لا بأُصول العقيدة، الّتي اتّفقت آراؤهم عليها.
ومثل هذا الكلام، يقال في أمر الإمامة، الّتي هي عند الشيعة الإمامية من الأُصول .
الثاني: معرفة متكلّمي الشيعة الإمامية بالحديث والرواية، إذ قلّما يوجد متكلّم منهم لا يُعدّ من حَمَلة الحديث ، ونَقَلة الآثار.
وبعد، فليس في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)اتّجاه متشدّد في الحديث، انغلق فيه أصحابه على أنفسهم، فوقفوا عند حدود مداليل ألفاظه ولم يتعدَّوها إلى المجال العقلي، واتّخذوا من علم الكلام موقفاً يتّسم بالخصومة والعداء.
كما أنّه لم ينشأ فيها اتّجاه متشدّد في علم الكلام، أهمل فيه أصحابه الحديث، أو قلَّلوا من شأنه، ورأَوا أنفسهم في غنىً عن تحمّله وروايته والاستدلال به .
وهذه الميزة، ميزة الجمع بين العقل والنقل، تجدها بارزة في جلّ أعلام الإمامية، مع اختلاف حظوظهم من تلك الميزة، وتفاوت ميولهم نحو أحد الاتّجاهين (العقلي، أو النقلي)، وتباين طُرقهم في نوعية الاستدلال، وكيفية سَوق الدليل على الرأي الاعتقادي.(1)
ومن أبرز أعلام متكلّمي الإمامية، الذين كان لهم باع طويل في الحديث والرواية: حُمران بن أعيَن التابعيّ، وأخوه زرارة بن أعين (المتوفّى 150 هـ)،

1 . يراجع بتوسّع بحث الأُستاذ محمد رضا الجعفري: (علم الكلام عند الشيعة)، الّذي أورده السيد حسن الأمين في موسوعته: «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: 9 / 436 ـ 473». وما كتبناه هنا حول التضادّ بين أصحاب الاتّجاهين (العقلي والنقلي) عند السنّة، والانسجام بينهما عند الشيعة، قد اقتبسناه ممّا ورد في البحث المذكور.

صفحه 172
وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبدالرحمن (المتوفّى 208 هـ)، وعبدالله بن محمد الحجّال (من أصحاب الإمام علي الرضا (عليه السلام))، والفضل بن شاذان الأزدي (المتوفّى 260 هـ)، وغيرهم.(1)
فهل على الشيعة، بعد هذا كلّه، وبعد أن عرفت إقبال أكثر الفرق والطوائف الإسلامية على الكلام، هل عليهم من جُناح إذا هم اشتغلوا بعلم الكلام، وخاضوا في مسائله ؟
وهل عليهم من ضَير إذا استند متكلّموهم، في موضوع الإمامة، إلى الأدلّة العقلية ـ إلى جانب الأدلّة النقلية والتاريخية ـ وميّزوا بين الواجب عقلاً، والجائز، والمستحيل، لاسيما بعد اتّفاق رأي أكثرية المسلمين على وجوب الإمامة (2)، وضرورتها، وأهميّتها القصوى، والقول بأنّ الاختلاف فيها يُعدّ أوّل اختلاف بين المسلمين بعد نبيّهم (صلى الله عليه وآله وسلم).(3)
الاقتداء بغلاة الحنابلة في موقفهم من المتكلّمين   
وهل أنّهم قد أَتَوا ببدعة منكرة، حينما نظروا إلى النصّ بعقل مفتوح، وفكر متدبّر، وفطنة وقّادة، فومضت في أذهانهم أفكار ولَفَتات واستنتاجات لا تتنافى وأحكام العقول، فكشفت بُعداً من أبعاد النصّ، وألقت بأضوائها على بعض ما يَخفى منه على غيرهم ممّن لم يُرزق تلك المواهب؟

1 . ثمّة علماء كثيرون، من أهل القرنين الثاني والثالث، موصوفون بعلوّ القدر في الحديث والكلام، منهم: عليّ بن رئاب، وعبدالأعلى بن أعين العجلي، ومحمد بن حكيم الخثعمي، والحسن بن علي بن يقطين البغدادي، ومحمد بن أبي عمير، وثُبيت بن محمد العسكري، وأبو الأحوص داود بن أسد بن أعفر البصريّ.
2 . لم يخالف هذا الرأي إلاّ النَّجدات من الخوارج، وأبو بكر الأصمّ، وهشام الفُوَطي من المعتزلة. يُذكر أنّ ثمّة اختلاف بين المسلمين من جهة الوجوب ، بين السمع والعقل .
3 . قال الإمام أبو الحسن الأشعري: وأوّل ما حدث من الاختلاف بين المسلمين، بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، اختلافهم في الإمامة. مقالات الإسلاميين: 1 / 39 .

صفحه 173
وهل عليهم من حَرَج إذا هم نهجوا، في مسألة الإمامة، نهجاً يقوم على تنظيم أبحاثها، والتعمّق في دراستها، والتجديد في صياغتها وعرضها، والسير بها سيراً منطقياً عقلياً، تُربط فيه النتائج بالمقدّمات (الصحيحة)، والأسباب بالمسبّبات؟
أَوَ ليست الأبحاث في سائر العلوم والمسائل تخضع لهذا المنهج، الّذي يُعتبر ثمرة طبيعية لاتّساع علم الإنسان، وازدياد معارفه، وانطلاق تفكيره، وتطوّر أدواته المعرفية، وازدهار نشاطه العقلي؟
فلماذا يُنكَر على متكلّمي الإمامية الأخذ بهذا المنهج؟
ولماذا يوجّه إليهم أحمد الكاتب شتّى الاتّهامات، ويصبّ عليهم وابل اللعنات؟

الاقتداء بغلاة الحنابلة في موقفهم من المتكلّمين

لقد أبى الكاتب إلاّ أن يسلك مسلك غلاة الحنابلة (الذين يسمّون بأصحاب الحديث والأثر) في عدائهم للكلام والمتكلّمين، فلبس لمتكلّمي الإمامية جلد النّمر، ورماهم بكلّ قبيح، ورشقَهم بسهام ظالمة، راشَها بأخبار ضعيفة، دون أن يناقش أقوالهم وآراءهم بطريقة علمية موضوعية هادئة.
وإليك أبرز أقواله في زمرة المتكلّمين، والّتي بثّها في مواضع متعدّدة من كتابيه: «تطوّر الفكر السياسي الشيعي»، و «حوارات أحمد الكاتب»:
1.... وهذا ما دفعني إلى إجراء دراسة جديدة حول نظرية الإمامة نفسها، فاكتشفت أنّها كانت من صنع المتكلّمين، وبعيدة بل ومتناقضة مع أقوال الأئمة من أهل البيت وأحاديثهم الصحيحة...(1)

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 7 .

صفحه 174
2. ومن هنا، ونظراً لضعف النصوص الّتي يرويها الإمامية حول النصّ بالخلافة على أهل البيت، فقد اعتمد المتكلّمون الأوائل بالدرجة الأُولى، على (العقل)، في تشييد نطريتهم....(1)
3.... إنّ نظرية (الإمامة الإلهية القائمة على العصمة والنصّ) لم تكن شائعة ومعروفة في أوساط الشيعة وأهل البيت أنفسهم في القرن الأوّل الهجري، ولم تكن لها رائحة في المدينة، وإنّما بدأت تدبّ تحت الأرض في الكوفة في بداية القرن الثاني، وكان المتكلّمون الذين ابتدعوها يلفّونها بستار من التقيّة والكتمان.(2)
4. وكانت المشكلة الكبرى الّتي واجهت الفلاسفة (الإمامية) في عملية بناء نظرية (الإمامة الإلهية) وتركيبها على أئمة أهل البيت، تكمن في موقف أهل البيت أنفسهم من نظرية (العصمة)، حيث كانوا يرفضونها أشدّ الرفض.(2)
5. وممّا يؤكّد موقف الإمام الصادق السلبيّ من المتكلّمين (الإمامية) ونظريتهم السرّيّة الناشئة بعيداً عن أهل البيت، هي أحاديث الإمام الكثيرة الّتي يزخر بها تراث الشيعة، والّتي يؤوّلونها باسم (التقيّة)...(3)
6.... ولوجدنا الشيعة بصورة عامّة بعيدين عن نظرية (الإمامة الإلهية) الّتي كان يقول بها بعض المتكلّمين سرّاً ويلصقونها بأهل البيت، الذين كانوا يتبرّؤون منها في الحقيقة وفي الظاهر.(4)
7. وقد أوّل المتكلّمون واختلقوا روايات تفيد النصب من الرسول للإمام

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 58 .   2 . المصدر نفسه: 65 .
2 . المصدر نفسه: 72 .
3 . المصدر نفسه: 76.
4 . المصدر نفسه: 101 .

صفحه 175
علي بن أبي طالب، ثم حصروا الإمامة في أولاد الحسين دون أولاد الحسن، بلا أيّ دليل مقنع.(1)
8. وإذا ابتعدنا عن نظريات الفلاسفة والمتكلّمين والغلاة، واستطعنا أن نكشف كذب رواياتهم وزيفها، وعدنا إلى أهل البيت وأحاديثهم المتواترة الثابتة في أُمّهات كتبنا، والّتي تنفي العصمة عنهم وترفض الغلوّ، وتحذّر المتكلّمين من (الكلام)، ولم نؤوّلها تعسّفاً وعناداً، لوجدنا أنّهم أقرب إلى نظرية الشورى القرآنية العقلائية...(2)
9. هذا ونرجو منكم أن تواصلوا الحوار والمناقشة أملاً في الوصول إلى حقيقة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)بعيداً عن آراء الفلاسفة والمتكلّمين والغلاة.(3)
10. إن نظرية الإمامة الإلهية الّتي تقوم على العصمة والنصّ والوراثة العمودية، كانت نظرية سرّيّة باطنية تتستّر بالتقيّة، وإنّها من اختلاق المتكلّمين، ويرفضها أهل البيت في الظاهر.(4)
هذه هي أبرز أقوال الكاتب حول متكلّمي الإمامية، والّتي لم يستثنِ فيها منهم أحداً!!
فما هو مبلغ نصيب تلك الأقوال من الصدق ؟
وما هي الأخبار الّتي بنى عليها أحكامه الغليظة في حق المتكلّمين، ودفعته إلى أن يرسم لهم صورة على هذه الدرجة من القباحة؟
وهل ذكر، وهو يسوق تلك الأخبار، ونحن هنا نذكر عبارة الكاتب

1 . حوارات أحمد الكاتب: 65.
2 . المصدر نفسه: 66 .
3 . المصدر نفسه: 123.
4 . المصدر نفسه: 164 .

صفحه 176
نفسه (1) الّتي ردّ بها على أحد منتقديه... هل ذكر الرواة أو لاحظ السند أو درسها بصورة دقيقة؟ أو هي عنده صحيحة لأنّها تنسجم مع (نظريته الجديدة!!)، الّتي تهوي بالمتكلّمين جميعاً في واد سحيق، يختفي في جنباته صوت العقل الّذي ينادون به.
وسنجيب عن هذه الأسئلة التي تتعلّق بالمتكلّمين أنفسهم، بوضوح تام، من خلال النقاط الّتي تلي هذه الإشارة، وهي أنّ سائر الموضوعات (كالعصمة والنصّ والتعيين) الّتي زعم الكاتب أنّها من ابتداع واختلاق المتكلّمين، سيأتي الكلام حولها في مباحث لاحقة، إن شاء الله تعالى:
الأُولى: إنّ ما يحاوله الكاتب، هو نقد متكلّمي الإمامية من الداخل، ومن ضمن دائرة المذهب، بل إنّ محاولته تلك قد شملت أمر الإمامة وكلّ ما يتّصل بها من موضوعات، ومن أجل ذلك ساق الأخبار والروايات من كتبهم، وقال مرّة (كما تقدّم في الفقرة الثامنة) وهو يحاول نفي إحدى المسائل:
(وإذا ابتعدنا عن نظريات الفلاسفة والمتكلّمين والغلاة... وعُدنا إلى أهل البيت وأحاديثهم المتواترة الثابتة في أُمّهات كتبنا...) (2).
ولكنّه، طبعاً، لم يأت بحديث متواتر واحد، بل ترك الكثير من الأخبار الصحيحة الّتي تخالف رأيه، وأخذ من الأخبار ما حلا له وما اتّفق مع غرضه، من دون تمحيص لأسانيدها، بل ألقى بظلاله الثقيلة عليها، ليُتاح له أن يستنتج منها ما يروق له، بعد تشويه مضامينها.
مجازفة خطيرة لا تُغتفر    
وعلى ذلك، فإنّنا نسلك في مجال الروايات ذات الطريق الّتي سلكها الكاتب، أي أنّنا نأتي بها ـ ولكي نردّ عليه أقاويله ـ من كتب الإمامية أيضاً، مع

1 . قال: إن (...) يعتمد على مجموعة أحاديث ضعيفة، دون أن يذكر الرواة، أو يلاحظ السند، أو يدرسها بصورة دقيقة، فهي عنده صحيحة لانّها تنسجم مع نظريته الجديدة. حوارات أحمد الكاتب: 293 .
2 . حوارات أحمد الكاتب: 66 .

صفحه 177
فارق أساسي، وهو أنّنا لا نورد منها إلاّ ما كان صحيحاً أو معتبراً عندهم، ولا نصغي،بعد ذلك، لقوله (الكاتب) الغريب الآتي، الّذي يُعدّ محاولة فاشلة منه للهروب من واقع الأدلّة المقنعة:
(إنّ الثقة والعدالة الّتي يدّعيها كلّ فريق لشيوخه ورواته، خاصة في المسائل الّتي ينفرد بها، لا يعترف بها الآخرون، ولا يجوز الاعتماد في التوثيق والتصحيح على رجال المذهب أنفسهم، وإنّما يجب النظر إليهم بصورة مستقلّة، فإذا ثبتت وثاقتهم، وثبتت صحّة رواياتهم، نأخذ بها، وإذا لم تثبت وثاقتهم بصورة مستقلّة، لا نقلّد أحداً من أتباعهم فيما يدّعون).(1)
ولا نصغي أيضاً لقوله الآخر (الّذي أعلّ به الروايات الّتي أوردها أحد علماء الإمامية لإثبات أحد المطالب):
(وذلك أوّلاً: لأنّ (...) ذَكرها من مصادر الاثني عشرية المتّهمة باختلاقها)!!!(2)
ولست أدري، هل نسي الكاتب، وهو يلقي بهذين القولين، غَرضَه الّذي أشرنا إليه قبلُ، وهو محاولته نقد تراث الإمامية من الداخل؟!
ثم كيف سمح لنفسه بالرجوع إلى مصادر الاثني عشرية لإثبات، ما يزعم باطلاً، أنّه رأي أئمة أهل البيت، أو رأي الشيعة الأوائل، ولا يسمح بذلك لغيره؟!

مجازفة خطيرة لا تُغتفر

لم يكتفِ الكاتب بأن يكون إمامَ نفسه فيما ينتقي من أخبار، وإنّما قام ـ لمّا ضاقت به السُّبل ـ بمجازفة خطيرة لم يغفرها له المسلمون كافة، إذ تجرّأ على القول، وهو يذكر أحد أسباب ردّه الروايات الّتي تخالف رأيه:

1 . حوارات أحمد الكاتب: 172.   2 . المصدر نفسه: 177 .

صفحه 178
(وذلك لوجود الدَّور الباطل فيها، حيث تَنسب أقوالاً أو آراءً لبعض الأئمة من أهل البيت كالإمام الباقر والصادق، وهي حجّة لمن يعتقد بإمامتهم بعد ثبوت ذلك، والمفروض أنّ إمامتهم لم تثبت بعد، فكيف يُحتج بأقوالهم على إمامة أنفسهم؟ هذا إذا صحّت الرواية عنهم، ولم يثبت تزويرها عليهم من قِبَل الإماميّة)!!! (1)
ولا أدري، كيف لا يُحتجّ على أمر ما بأقوال الإمامين الباقر والصادق (إذا صحّت الرواية عنهما، كما يقول الكاتب)، وقد اتّفقت الأُمة على توثيقهما، وعلى جلالتهما وورعهما وسموّ مكانتهما العلمية؟!
كَبُرت كلمة جرى بها قلمه، ولم يشِنْ بها إلاّ نفسه .
وإليك جانباً ممّا قاله أئمّة السنّة في الجرح والتعديل في حقّ الإمام الباقر :
قال ابن سعد: كان ثقة، كثير العلم والحديث.
وقال العجلي: مدنيّ، تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات».
وقال الذهبي: كان أحد من جمع العلم والفقه والشرف والديانة والثقة والسؤدد، وكان يصلح للخلافة.(2)
وأمّا ما قيل في حقّ الإمام الصادق، فمنه:
قال يحيى بن معين: ثقة. وفي رواية عنه: ثقة، مأمون.
وقال أبو حاتم: ثقة، لا يُسأل عن مثله.
ووثّقه العجليّ، والنَّسائيّ، وابن حبّان، وغيرهم.(3)

1 . حوارات أحمد الكاتب : 177 .
2 . انظر: تهذيب الكمال: 26 / 136 برقم 5478 ; وسير أعلام النبلاء: 4 / 401 برقم 158 .
3 . انظر: تهذيب الكمال: 5 / 74 برقم 950 ; وسير أعلام النبلاء: 6 / 255 برقم 117 (وفيه: قال يحيى القطّان، وقد سئل عن الصادق: في نفسي منه شيء، ومجالد أحبّ إليّ منه. وقد عقّب عليه الذهبي بقوله: هذه من زلقات القطّان...).

صفحه 179
ألا تدلّك قولته النكراء ـ وأنت تستمع إلى هذه الأقوال في شأن الإمامين (عليهما السلام)ـ على أنّ صاحبها لا يفزع في كلّ أمر إلاّ إلى نفسه، ولا يعوِّل إلاّ على رأيه، ولايستند إلى أيّة مرجعية معرفية، ولا ينقاد لأيّة حجّة تخالف غرضه، وأنّها (عَنْزٌ ولو طارت)، كما يقول المثل العربيّ؟!
الثانية: إنّ الكاتب عمد، في عباراته الّتي هاجم بها المتكلّمين، إلى أن يُقرن بهم الغلاة، إمعاناً في تشويه سمعتهم وتقبيح صورتهم لدى القرّاء، وكأن الأُمور الثابتة يمكن أن تصير، بمجرّد الخلط، إلى ما يحبّه شخصٌ ما ويشتهيه، وأنّ الحقائق الساطعة يمكن أن تطمس ضوءَها قطراتٌ سوداء تنضح من قلمه!! وإلاّ فما علاقة أجلاّء المتكلّمين، الذين نالوا ثقة الأئمة(عليهم السلام)ورجال الطائفة، بالغلاة الذين لُعنوا على لسان الأئمة، وتبرّأت منهم الطائفة، ووصمتهم بالضلال وفساد العقيدة؟!
وإليك بعض ما ورد عن الأئمة وشيعتهم في ذمّ الغلوّ والغلاة:
ـ فعن هشام بن سالم (المتكلّم)، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما: (لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبدالله بن سبأ، فقامت كلّ شعرة في جسدي. لقد ادّعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله...).(1)
ـ وعن يونس بن عبدالرحمن (المتكلّم) قال: حدّثني هشام بن الحكم (المتكلّم) أنّه سمع أبا عبدالله ] يعني الصادق [ (عليه السلام)، يقول:
«لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي

1 . رجال الكشّي: 100 برقم 48 .

صفحه 180
أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّا إذا حدَّثْنا قلنا: قال الله عزوّجل، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)
ـ وعن يونس (المتكلّم)، عن هشام بن الحكم (المتكلّم) أيضاً أنّه سمع أباعبدالله (عليه السلام)يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي... فكلّما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ، فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم».(2)
ـ وعن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «قل للغالية: توبوا إلى الله، فإنّكم فُسّاق، كفّار، مشركون».(2)
ـ وعن أحمد بن محمد بن عيسى أنّه كتب إلى أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام)في قوم ظهرت لهم أقاويل في الغلوّ، منهم: عليّ بن حَسَكة، والقاسم اليقطيني، فكتب (عليه السلام): «ليس هذا ديننا، فاعتزله».(4)
ـ وذكر الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتكلّم) في بعض كتبه جماعة من الغلاة ووصفهم بأنّهم من الكذّابين المشهورين ومنهم: أبو الخطّاب، ويونس بن ظبيان، والحسن بن محمد المعروف بابن بابا القمي، وعلي بن حسكة، ومحمد بن سنان، وفارس بن حاتم القزويني، وأبو سمينة محمد بن علي الصيرفي.(3)
من أكل على مائدتين اختنق   
هذه أمثلة قليلة جداً بالنسبة لما ورد من روايات وأقوال حول الغلوّ والغلاة، ومن شاء الزيادة فليرجع إلى المؤلّفات والأبحاث الّتي تناولت هذا الموضوع، وإلى الكتب الرجالية مثل رجال النجاشي، ورجال الشيخ الطوسي (المتكلّم)، فقد ضمّت طائفة من الرواة الذين جُرحوا وضعِّفوا وغُمزوا لغلوّهم،

1 . رجال الكشي: 195 برقم 103.   2 . المصدر نفسه: 196.
2 . رجال الكشي: 252 برقم 135 .   4 . المصدر نفسه: 435 برقم 379 و 380 .
3 . انظر: رجال الكشّي: 438 برقم 382، 439 برقم 387، و 441 برقم 391، و 457 برقم 419 .

صفحه 181
أو لرميهم بالغلوّ، أو لمجرّد شمّ رائحة الغلوّ منهم!!
وقد آثرنا، في أمثلتنا الّتي تقدّمت، أنْ نختار بعض ما رواه المتكلّمون في ذمّ الغلاة، وأنْ نضيف لفظة (المتكلّم) إلى اسم الراويّ أو اسم الرجاليّ، بغية إلفات النظر إلى الغاية المتوخّاة، وهي بيان الخطأ الفادح (أو الخطيئة) الّذي ارتكبه أحمد الكاتب، حينما جعل المتكلّمين والغلاة، وبلا برهان واحد، في صفّ واحد، وتحت راية واحدة، هي راية الزيغ والضلال والانحراف!!

من أكل على مائدتين اختنق

وممّا يثير الدهشة أنّ الكاتب، ومع كلّ دعواته الصارخة إلى الابتعاد عن نظريات الغلاة (الذين رماهم هم والمتكلّمين عن قوس واحدة)، فإنّه تجاهل تماماً تلك الدعوات، وأَولى الغلاة ثقته عندما اقتضى الأمر الاستناد إلى رواياتهم في تأييد فكرة خاطئة تدور في خَلَده.
ولكي يطمئن قلبك، عزيزي القارئ، إلى ما نقول، نأتيك بهذا الشاهد:
قال الكاتب: (وكانت النظرية الإمامية في البداية تقوم على موضوع علم الأئمة بالغيب، كطريق لإثبات ارتباط الإمام بالله. وقد رأينا ذلك في مناطرة هشام بن الحكم مع الرجل الشامي، حيث ادّعى هشام أنّ الإمام الصادق أخبره بكلّ ما حصل في طريقه من الشام إلى مِنى. ولكنّ الإمام الصادق كان دائماً ينفي علمه بالغيب، ويقول بصراحة: «يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، وما يعلم الغيب إلاّ الله، لقد هممت بضرب خادمتي فلانة، فذهبت عنّي فما عرفتها في أيّ بيوت الدار هي». وهذه الرواية ينقلها سدير وأبو بصير وميسّر ويحيى البزاز وداود الرقّي، الذين يقولون إنّ الإمام الصادق خرج إليهم وهو مغضب، ثم نفى علمه بالغيب، ولكن سدير يضيف إلى هذه الرواية: أنّه ذهب إلى الإمام مع أبي بصير وميسّر، بعدما قام من مجلسه وصار في منزله، فقالوا له بصورة سرّية: جُعلنا فداك

صفحه 182
سمعناك تقول كذا وكذا في أمر خادمتك، ونحن نعلم أنّك تعلم علماً كثيراً، فقال لهم: إنّ لديه علم الكتاب كله، وإنّ الّذي جاء بعرش بلقيس إلى سليمان كان عنده علم من الكتاب، وإنّ نسبة علم هذا إلى علم الإمام كقدر قطرة من المطر في البحر الأخضر)(1).
وهذه الرواية (الّتي أهمل الكاتب ذكر سندها) رواها محمد بن الحسن الصفار، عن عبّاد بن سليمان، عن محمد بن سليمان الدَّيلمي، عن أبيه، عن سدير.(2)
وفي السند: محمد بن سليمان الدَّيلمي، وأبوه سليمان بن عبدالله الدَّيلمي.
فأمّا محمد بن سليمان الدَّيلمي، فقال فيه أبو العباس النجاشي: ضعيف جدّاً، لا يُعوَّل عليه في شيء.(3) وقال الشيخ الطوسي (المتكلّم): يُرمى بالغلوّ.(4)
وأمّا سليمان بن عبدالله الديلميّ، فقال فيه النجاشي: غُمز عليه، وقيل: كان غالياً كذّاباً، وكذلك ابنه محمد لا يُعمل بما انفردا به من الرواية.(4)
وياليت الكاتب، وهو يستند إلى رواية الغلاة، قد أورد الرواية كما هي، فلربّما هان الخطب، ولكنّه أبى، بعد أن صاغها بعبارته، إلاّ أن يزيد في حَشَفه سوءَ كَيْلة، فغيّر فيها وبدّل، وحذف وأضاف، لكي يتهيّأ له تحليل الرواية كما يشاء، ويستنتج منها ما يهوى. وإليك موارد التلاعب بها:
ـ زعم الكاتب أنّ هذه الرواية ينقلها سَدير، وأبو بصير، وميسّر، ويحيى البزّاز، وداود الرقّي.

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 66 ـ 67 .
2 . بصائر الدرجات: 1 / 448، ح843 ; والكافي: 1 / 257، رقم 3 .
3 . رجال النجاشي: 365 برقم 987 .   4 . رجال الطوسي: 343 برقم 5109 .
4 . رجال النجاشي: 182 برقم 482 .

صفحه 183
والصواب أنّه ينقلها راو واحد فقط، هو سَدير!!
أمّا هؤلاء الذين أورد الكاتب أسماءهم، فقد ذكرهم سَدير نفسه في تلك الرواية المنقولة عنه، وهو الّذي أخبرنا أنّه كان معهم في مجلس الإمام الصادق، ويتّضح ذلك بجلاء من صدر الرواية نفسها، حيث جاء فيه:
قال (سَدير): كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير الرقّي في مجلس أبي عبدالله (عليه السلام)، إذ خرج إلينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه، قال: يا عجباه لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلاّ الله، لقد هممتُ بضرب جاريتي....(1)
وليس هذا التدليس إلاّ مقدّمة لقوله المضلِّل(2): (ولكن سدير يضيف إلى هذه الرواية...)!! الّذي رتّب عليه دعواه بأنّ نظرية الإمامة كانت من اختلاق المتكلّمين، وأنّهم كانوا يقولون بها سرّاً ويلصقونها بأهل البيت، الذين كانو يتبرّؤون منها.
وإذا كان التقديم وما بعده ينطويان على هذا التدليس والتضليل، فأيّ وزن، بعد ذلك، للنتائج الّتي رتّبها الكاتب على تلك الرواية، وأيّ اعتبار؟؟!!
ـ قال الكاتب: إنّه ] يعني سديراً [ ذهب إلى الإمام مع أبي بصير وميسّر، بعدما قام من مجلسه وصار في منزله، فقالوا له بصورة سرّيّة: جُعلنا فداك، سمعناك تقول كذا وكذا في أمر خادمتك، ونحن نعلم أنّك تعلم علماً كثيراً، فقال لهم:...

1 . راجع الرواية في: بصائر الدرجات، والكافي، المذكورين .
2 . لأنّ الرواية بأكملها، ومن أوّلها إلى آخرها مرويّة عن سدير، بَيد أنّ الكاتب نسج قوله هذا: (ولكن سدير يضيف إلى هذه الرواية..) ليتوصّل به إلى ما يريد، موهماً القارئ بأنّ ثمّة شيئاً أضافه سدير من تلقاء نفسه إلى الرواية!!

صفحه 184
ونصّ الرواية: قال سدير: فلمّا أن قام من مجلسه وصار في منزله، دخلتُ أنا وأبو بصير وميسّر، وقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر خادمتك (جاريتك)، ونحن نزعم (نعلم) أنّك تعلم علماً كثيراً، ولا ننسبك إلى علم الغيب، قال..
وأنت ترى أن الكاتب زاد عبارة (بصورة سرّيّة)!! ليزيد من قتامة الصورة الّتي رسمها لرجال الإمامية، كما حذف قولهم للإمام: (ولا ننسبك إلى علم الغيب) من الرواية!! لأنّ هذا القول وحده ينسف دعواه في هذا الأمر، من أساسها.
الثالثة: زعم الكاتب أن (نظرية الإمامة الإلهية) كانت سرّيّة باطنية، قد رفضها أئمة أهل البيت وتبرّأوا منها، وكانت غير معروفة لدى الشيعة بصورة عامة، وأنّها من صنع المتكلّمين.
ولبيان تهافت هذه المزاعم، نقول:
إنّ أُسلوب العمل في مجال بيان العقيدة وعرضها أو الذبّ عنها، يختلف باختلاف طبيعة معتنقيها والدعاة إليها، وباختلاف طبيعة الظروف والأوضاع الّتي يعيشون فيها.
ولا شكّ في أنّ الظروف الحرجة والأجواء الخانقة، تفرض أُسلوباً في العمل يقوم، في الأعمّ الأغلب، على التزام الحيطة والحذر، والسير بخطوات بطيئة هادئة، تراعي الواقع السيِّئ بدقة، وتتجنّب، بقدر الإمكان، إثارة حنق الطغاة، الذين يتربّصون الدوائر بالعقيدة وأصحابها.
تألّب الخطوب الجسام على الشيعة في العصر الأمويّ   
وهذا الأمر، لم يشأ الكاتب أن يذكره، لغاية في نفسه، فتجاهله تماماً، كما تجاهل أيضاً الإشارة إلى الأحداث التأريخية المأساوية، الّتي تكشف عمّا كان يعانيه أئمة أهل البيت وشيعتهم، في العصر الأموي، من ضغوط شديدة على مختلف الصُّعد، ومن ممارسات قمعيّة، لا تقف عند حدّ.

صفحه 185
فلقد اضطر الشيعة، تحت وطأة سياسة البطش وكمّ الأفواه، إلى نوع من الأنماط السلوكية، الّتي يقتضيها أُسلوب العمل، أو مجرّد صيانة النفس من الشرّ، وبدلاً من أن يأخذ الكاتب الظالمين بجريرتهم، ويفضح فحمة الدُّجى بسنا كلمة صادقة تدينهم، أخذ يلعن مَن تحدّى ذلك الزمن، أو أصاب غِرّة منه، فأوقد شمعة في ذلك الظلام الغامر!!
وما أحرى ذلك المظلوم، الملعون على لسان الكاتب، بأن يتعزّى بقول أبي الحسن التِّهاميّ:
وإذا جَفاكَ الدهرُ، وهو أبو الورى *** طُرّاً، فلا تعتبْ على أولادهِ
ولم يكتفِ الكاتب بما تقدّم، بل كان قصارى همّه أن يحطّم تلك الشموع، فوصف تلك الآراء والعقائد السامية الّتي كان يحملها المخلصون بالسرّيّة والباطنيّة!! وذلك أنّه رصد المظاهر السلوكية للشيعة، في تلك الأجواء الإرهابية، وما اتّسمت به من تكتّم وتستّر وحذر شديد وغير ذلك من الاحتياطات اللازمة الّتي كانت تفرضها طبيعة المواجهة مع القوى العاتية الباغية الّتي أمسكت بزمام الأُمور، ثم زَحزح تلك الأوصاف عن موضعها الحقيقي، وألصقها، بعد أنْ ألقى عليها ظلاله الثقيلة، بالآراء والعقائد ذاتها، مع أنّ ما تتمتّع به من أصالة ووضوح وسموّ، يجعلها بعيدة كلّ البعد عن تلك الأوصاف الظالمة.
فليس ثمة رموز وإشارات ومعمّيات تكتنف عقيدة الإمامية في مسألة الإمامة، حتّى توصف بالسرّيّة والباطنية.

تألّب الخطوب الجسام على الشيعة في العصر الأمويّ

لم يكن أعلام الشيعة ومتكلّموهم رجال منظمة سرّيّة، يتوصّلون إلى مآربهم وأغراضهم الشخصية باصطناع الأساليب الملتوية، وحياكة الدسائس والمؤامرات في غياهب الظلام، حتّى يوصَموا بكلّ شرّ، وإنّما هم أصحاب

صفحه 186
مبادئ، وطلاّب حقّ، تولّوا العترة الطاهرة، واحتملوا، بموالاتهم، التضحية بكلّ شيء، ابتغاء رضوان الله، وقد اضطرّهم عسف الطغاة وجبروتهم، وغياب حرّية التعبير عن الرأي والعقيدة، إلى إخفاء الأمر وكتمانه، في كثير من الأوقات، وإلى التحرّك في أوساط المجتمع بحذر وتلطّف .
فليس لأحد أن ينكر أنّ التشيّع كان مضطهداً، في العصر الأموي، بامتياز، وأنّ أهله كانوا مطاردين، تلاحقهم المحن والآلام والفجائع والنكبات أينما وُجدوا وحيثما كانوا، ولم يخفَّ ثقلُها عليهم إلاّ في فترات يسيرة، إذ ما أن استتبّ الأمر لمعاوية الّذي بنى مُلكه على قتال عليّ وشيعته وأنصاره، حتّى بدأ بتنفيذ خطّته الأمويّة الجهنّمية، الّتي تستهدف طمس فضائل ومناقب عليّ وآله، بل إلى محو آثارهم، فلقد مرّ بنا في (الحقيقة الخامسة) وصيّة معاوية للمغيرة بن شعبة لمّا ولاّه الكوفة عام (41 هـ):
لا تتحمَّ عن شتم عليّ وذمّه... والعيب على أصحاب عليّ والإقصاء لهم وترْك الاستماع منهم. فكان المغيرة لا يدع ذمّ عليّ والوقوع فيه.(1)
ثمّ إنّ معاوية أمر عماله: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة. ثمّ أمرهم بأن يُمحوا من الديوان، ويُسقطوا عطاء ورزق كلّ من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً!! وأن يُنكِّلوا به، ويهدموا داره.
وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة; لكثرة من بها من شيعة عليّ (عليه السلام)، فقد سلَّط عليهم زياد بن سُميّة، فكان يتتبّع الشيعة، فقتلهم تحت كلّ حَجَر ومَدَر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَل العيون، وصلبهم على جذوع النخل.(2)

1 . تاريخ الطبري: 4 / 188 (سنة 51 هـ).
2 . شرح نهج البلاغة : 11 / 44 ـ 45 .

صفحه 187
وقد بدأ مسلسل الجريمة المنظّمة بقتل حُجْر بن عديّ الكنديّ ،(1)وعمرو بن الحَمِق الخزاعيّ (2) (وكانا من خيار الصحابة، ومن كبار شيعة عليّ)، وستة من أصحاب حُجر، منهم: عبدالرحمن بن حسّان العَنَزي، الّذي دُفن حيّاً!!
وممّن قُتل على التشيّع في عهد معاوية: عبدالله بن نُجَيّ الحضرميّ، ومسلم بن زيمر الحضرمي، وهما اللّذان عدّهما الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية في كتابه إليه: «ألستَ صاحب حُجر، والحضرميَّين اللَّذين كتب إليك ابن سُميّة أنّهما على دين علي ورأيه، فكتبت إليه: من كان على دين علي ورأيه، فاقتلْه ومثِّلْ به!!...».(3)
ثم تفاقم الأمر في عهد يزيد، بوقوع تلك الكارثة المروّعة الّتي أصابت الإسلام والمسلمين بالصميم، كارثة قتل الحسين السبط وأبنائه وأُخوانه وأبناء عمومته وأصحابه، ونثرِ أشلائهم على رمضاء كربلاء.
ولمّا ولي عبدالملك بن مروان، اشتدّ على الشيعة، وولّى عليهم الحجّاج بن يوسف الثقفي.(4)
وكان الحجّاج جاهليّاً جبّاراً، أقام سياسته على العنف المتناهي، وعلى استعمال السيف والقسوة.(5) وقد عبّر عن سياسته تلك ; بصورة واضحة، في خطبته الّتي ألقاها في الكوفة لمّا ولي العراق، فقد جاء فيها:
إنّي والله لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان

1 . انظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 230 ; والاستيعاب: 1 / 329 برقم 487 ; والكامل في التاريخ: 3 / 472 ـ 488 .
2 . انظر: الاستيعاب: 3 / 1173 برقم 1909 ; والكامل في التاريخ: 3 / 477 .
3 . المُحَبّر لمحمد بن حبيب البغدادي: 479، دار الآفاق الجديدة.
4 . شرح نهج البلاغة: 11 / 46 .
5 . دراسة وثقية للتاريخ الإسلامي ومصادره لمحمد ماهر حمادة: 53، مؤسسة الرسالة: 1408 هـ .

صفحه 188
قطافها، وإنّي أنا صاحبها. كأنّي أنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللّحى!!...(1)
وقال أيضاً، في إحدى خطبه الّتي غلى فيها مرجل أضغانه وأحقاده:
يا أهل العراق، إنّي لم أجد لكم دواءً أدوى لدائكم من هذه المغازي والبعوث، لولا طيب ليلة الإياب وفرحة القفَل، فإنّها تُعقب راحة، وإنّي لا أُريد أن أرى الفرح عندكم، ولا الراحة لكم!!! وما أراكم إلاّ كارهين لمقالتي، وأنا والله لرؤيتكم أكره.(2)
فإذا كانت الظروف والأوضاع الّتي يعيش فيها الشيعة، في ذلك العهد المشؤوم، على هذه الدرجة من الشدّة والقسوة، فهل من المنطق والحكمة أن نكلّفهم ـ وكما يريد الكاتب ـ بأن يعلنوا، أمام الملأ، وبصراحة تامّة، عن عقيدتهم في الخلافة والإمامة، ليساقوا، بعد ذلك، إلى ساحات الإعدام زَرافات زَرافات؟!!
وإذا كان (الرجل من شيعة عليّ (عليه السلام)لَيأتيه من يثق به، فيدخل بيتَه، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيْمان الغليظة، لَيكتمَنّ عليه)(3)، فهل من الحكمة والمنطق أن يُطلب من رجال الشيعة، كلّ الرجال (من متكلّمين وغيرهم) أن يقفوا في الأماكن العامة، وفي الهواء الطَّلْق، ويجهروا بعقيدتهم في الإمام وصفاته وخصائصه؟! وأن لا يكترثوا، في ذلك، لعيون السلطان وحراب جلاوزته، ولا يأبهوا لعسف السلطة الّتي كانت تُحصي عليهم أنفاسهم، وتَشهَر السيف على مَن لم يسبّ عليّاً منهم، وتحزّ رأس مَن يذكره بخير، بل مَن يُتَّهم بحبّه؟!!
وبالرغم من كلّ ما لحق الشيعة من ظلم واضطهاد لا حدود لهما، فإنّ

1 . العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي: 4 / 208 ; دراسة وثقية للتاريخ الإسلامي ومصادره: 54.
2 . العقد الفريد: 4 / 207 .
3 . شرح نهج البلاغة: 11 / 45 .

صفحه 189
عقيدتهم في الإمام، وفي الإمامة الإلهيّة، كان لها حظٌّ واسع من الانتشار في أوساط الكوفيين في القرن الأوّل، وذلك بفضل الجهود الّتي بذلها شيعة عليّ (عليه السلام)من الصحابة والتابعين، والتضحيات الّتي قدّموها في هذا السبيل، ومنهم أُولئك الذين قُتلوا على التشيّع صبراً كحُجر بن عديّ وأصحابه، وعمرو بن الحَمِق، وعبدالله بن نُجيّ، ومسلم بن زيمر (وقد مرّ ذكرهم آنفاً)، وجُويرية بن مسهر العبديّ، ورُشَيد الهَجَريّ، ومِيثَم بن يحيى التمّار، وقنبر مولى الإمام عليّ، وكُميل بن زياد النخعيّ.
وممّا تقدم يتّضح بطلان ادّعاء أحمد الكاتب بأنّ نظرية الإمامة الإلهيّة لم تكن شائعة في أوساط الشيعة، ولم تكن لها رائحة في المدينة، وإنّما بدأت تدبّ تحت الأرض في الكوفة في بداية القرن الثاني. (انظر الفقرة الثالثة من كلامه المتقدّم).
إنّ شجرة التشيّع الّتي نبتت واستطالت واشتبكت فروعها في الكوفة، إنّما غرس بذرتها الصحابة الأبرار من شيعة عليّ وأنصاره، الذين وردوا إليها من المدينة المنوّرة، وكان في طليعتهم عمّار بن ياسر، الّذي بعثه عمر بن الخطّاب إلى الكوفة أميراً،(1) وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي الّذي رأى (ماسينيون) أنّه كان داعية شيعياً قديماً في الكوفة، وعقد حلفاً مع بني عبدالقيس، واستطاع أن يضمّهم هم وحلفاءهم من الحمراء إلى آرائه الخاصّة بأحقّيّة عليّ.(2)
ثمّ نما التشيّع في عهد عثمان بن عفّان، وأصبح لشيعة الكوفة دور مؤثّر في صنع الأحداث السياسية آنذاك.

1 . الطبقات الكبرى لابن سعد:3 / 255 .
2 . الصلة بين التصوّف والتشيّع: 28. قال مؤلّفه الدكتور كامل الشيبي في (ص 252): ويجب أن نشير إلى أن شيعيّين هما: سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان، هما اللّذان اختارا بقعة الكوفة.

صفحه 190
ويشهد لذلك أنّ الخليفة نفسه أمر سعيد بن العاص (والي الكوفة) بإبعاد نفر من رجالات الكوفة (المعروفين بولائهم لعليّ (عليه السلام)) إلى الشام في سنة (33 هـ)، بعد أن ضاق الوالي ذرعاً بمعارضتهم لسياسته الأُموية القائمة على الاستبداد، والاستئثار بالأموال. ومن هؤلاء المُبعدين: مالك الأشتر النخعيّ، وكُميل بن زياد النخعيّ، وزيد بن صوحان العبديّ، وأخوه صعصعة، وعمرو بن الحَمِق الخزاعي، وجندب بن زهير الغامدي الأزديّ.(1)
وكان عمّار بن ياسر من الثائرين على عثمان، وكان ـ كما يقول الدكتور كامل مصطفى الشيبيّ ـ يمثّل الإصرار المنقطع النظير على ما يراه حقّاً والاندفاع إلى أقصى غايات الاندفاع، وتضحية النفس ـ إذا اقتضى الأمر ـ في سبيل المبدأ. والجديد في أمر عمّار أنّه قد كُتب له أن يعيش إلى بيعة الإمام عليّ، فعكس لنا ما كان سيفعله سلمان وأبو ذرّ لو قُدّر لهما أن يحييا إلى ذلك اليوم.
وأضاف الدكتور الشيبي، قائلاً: بأنّ عمّار بن ياسر استطاع أن يحقّق ما يصبو إليه من إعادة الإسلام إلى قالبه الأصلي، وإرجاع الإمرة إلى عليّ بحسب وصية النبيّ الّتي كان عمّار يؤمن بها.(2)
ولا ننسى أنّ الكوفيين كانوا من عنصرين: أغلبيّة عربية جلّهم يمانيون (وهم قبائل مَذْحج وحِمْيَر وهَمْدان وكندة وبَجيلة)، وأقلية فارسية، هم الحمراء الذين انضمّوا إلى الجيش العربي في القادسية، وسكنوا الكوفة مع العرب، وكانوا حلفاء لقبيلة عبدالقيس الشيعية. وكانت بداية اتصال اليمانيين بعليّ (عليه السلام)حين عجز خالد بن الوليد عن فتح اليمن، فأرسله إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً، فبثّ الإسلام فيهم دون قتال، وكانت هَمْدان أولى القبائل إسلاماً، وكان ذلك سنة (9 هـ). ولهذا

1 . الكامل في التاريخ: 3 / 144.
2 . الصلة بين التصوّف والتشيّع: 38، 43 .

صفحه 191
لم يكن غريباً أن تستجيب الكوفة لدعوة عليّ حين طلب إلى الكوفيين الانضمام إليه ضد طلحة والزبير، وقد قال قائلهم يومئذ ردّاً على كتاب عليّ الّذي ورد فيه: «ولعمري ما إيّاي تجيبون، ما تجيبون إلاّ الله»، قال قائل اليمن: «والله لو لم يستنصرنا لنصرناه سمعاً وطاعة».(1)
ثم ازدهر التشيّع في الكوفة، بقدوم الإمام علي (ومعه جمع من الصحابة) إليها من المدينة، واتّخاذها عاصمة لخلافته، وذلك في سنة (36 هـ).
وهنا، في الكوفة، أراد (عليه السلام)، وبحكمة بالغة، أن يستثمر فرصة وجود الصحابة فيها، ليرسِّخ في الأذهان أنّ خلافته لم تثبت باختيار الأُمة له بعد مقتل عثمان، وحسب، وإنّما هي ثابتة له، قبل ذلك بنحو عقدين من الزمن ونصف العقد، بنصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه!! فقام (عليه السلام)بمناشدة كلّ من سمع النصّ عليه من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ قام فشهد بذلك.
فعن أبي الطفيل، قال: جمع عليّ الناس في الرَّحبة، ثم قال لهم: أُنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول يوم غدير خمّ ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس. قال أبو نعيم: فقام ناس كثير، فشهدوا حين أخذ بيده، فقال: أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه...(2)
وهكذا هبّ على الكوفة، في أيّام عليّ، نَسَم طيّب من أريج روضة الولاية

1 . انظر: الصلة بين التصوّف والتشيّع: 250 ـ 252 .
2 . مسند أحمد: 4 / 370 ; ومجمع الزوائد: 9 / 104، وقال: رجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة. وروى حديث المناشدة عبدالرحمن بن أبي ليلى، وقال: فقام اثنا عشر بدرياً... فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول يوم غدير خم... مجمع الزوائد: 9 / 105، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله وثِّقوا، وعبد الله بن أحمد .

صفحه 192
الّتي تعهّدتها يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة المنورة، فكيف يُزعم، بعد هذا كلّه، أنّ (نظرية الإمامة الإلهية لم تكن لها رائحة في المدينة، وإنّما بدأت تدبّ تحت الأرض في الكوفة في بداية القرن الثاني)(1)؟!
كيف يُزعم ذلك، وهذا النصّ النبويّ الجليّ، على إمامة أمير المؤمنين عليّ، تعبق به أرجاء الكوفة، وتنسّمه أهلُها، مع الهواء الطّلق، في عهد رائد الحرية والعدالة الإنسانية، عليّ (عليه السلام)؟
وبعد، أقول لذاك المتغافل عن أصوات الصحابة الّتي جلجلت في سماء الكوفة:
أما أسمعتْكَ رُباها الطَّروب *** نشيدَ الخلود بفضل الأميرْ؟
إذِ النَّغَمات بكلّ الشفاه: *** حديث الولاية جنب الغديرْ
هذا، وقد ظلّ الاعتقاد بإمامة أهل البيت يعمر قلوب الكثيرين، في العصر الأُمويّ البغيض، وتلهج به ألسنتهم في الفرص الاستثنائية المتاحة، على الرغم ـ كما قلنا ـ من الضربات الفادحة الّتي نزلت بالشيعة، وأجواء الكبت والظلم والإرهاب الّتي كانت سائدة آنذاك .
رسوخ عقيدة الإمامة في القلوب   

مثال على رسوخ عقيدة الإمامة في القلوب

وممّا يعزّز ما سبق من أنّ الإمامة الإلهية كانت شائعة ومعروفة في أوساط الشيعة في القرن الأوّل الهجري، هو رسالة هشام بن عبدالملك في سنة (121 هـ) إلى يوسف بن عمر الثقفي (واليه على العراق) في أمر زيد بن عليّ، فقد جاء فيها:
(أما بعد، فقد علمتَ بحال أهل الكوفة في حبّهم أهل هذا البيت، ووضعهم إيّاهم في غير مواضعهم، لأنّهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم، ووظّفوا عليهم

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 65.

صفحه 193
شرائع دينهم، ونحلوهم علم ما هو كائن...).(1)
إنّ عبارات الرسالة تكشف، بوضوح، عن حال أهل الكوفة في علاقتهم بأهل البيت، على الرغم من مرارة إقرار الطاغية بتلك الحال الّتي عليها خصومه من افتراض طاعة أهل البيت، وعلمهم الكامل بالشريعة، وبما هو كائن.
ولا يخفى على المُطَّلع، أنّ المفاهيم والأفكار لا يمكن أن تنبت في لحظة، أو تقفز إلى السطح فجأة، فتنتشر، بين ليلة وضحاها، في أوساط المجتمع، لاسيما إذا كانت مطارَدة من قبل الطغاة وأعوانهم، فكيف وقد تحوّلت إلى عقيدة راسخة في العقول والقلوب، وقُدِّمتْ من أجلها أغلى الأثمان، وأجلّ التضحيات؟
وهل يمكن لعقيدة مخالفة لعقيدة السلطان ومناهضة لسياسته الجائرة، قد قال بها بعض المتكلّمين سرّاً (كما يدّعي الكاتب) في الكوفة في بداية القرن الثاني، هل يمكن لها أن تستقطب، وفي بداية ذلك القرن أيضاً، تلك الجموع الغفيرة، وتصبح هي العقيدة السائدة في الكوفة، والحالة العامة لأهلها باعتراف السلطان نفسه؟!
وهل يُعقل أن تنتشر (عقيدة سرّيّة) على هذا المدى الواسع، بمثل تلك السرعة المذهلة، بحيث تثير مخاوف السلطان وحنَقَه، وتقضّ مضجعه، فيكتب إلى واليه في سنة (121 هـ)، تلك الرسالة الّتي يحذّره فيها من تفاقم خطرها وانتشارها؟!

مثال آخر..

وممّا يؤكّد، أيضاً، ما سبق، وأنّ القول بإمامة سائر أئمة أهل البيت، فضلاً عن إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان معروفاً عند الشيعة، بل كانوا يجهرون به أمام

1 . تاريخ الطبري: 5 / 489 .

صفحه 194
خصومهم ومخالفيهم حينما تسمح لهم الظروف بذلك، هو ما ورد عن التابعيّ الشهير جابر بن يزيد الجُعفي من أخبار في هذا المجال:
فعن الحُميدي، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: سمعت جابراً الجعفي، يقول: انتقل العلم الّذي كان في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عليّ، ثم انتقل من عليّ إلى الحسن، ثم لم يزل حتّى بلغ جعفراً .(1)
وذكر أبو عمر شهاب بن عبّاد الكوفيّ أنّه سمع ابن عيينة، يقول: تركت جابراً الجعفيّ وما سمعت منه، قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً، فعلّمه ممّا تعلّم، ثم دعا عليّ الحسن، فعلّمه ممّا تعلّم، ثم دعا الحسن الحسين، فعلّمه ممّا تعلّم، ثم دعا ولده... حتّى بلغ جعفر بن محمد. قال سفيان: فتركته لذلك (2)!!!
وكان جابر إذا حدّث عن الإمام محمد بن علي الباقر، يقول: حدّثني وصيّ الأوصياء .
فعن الحُميدي، قال: سمعت رجلاً يسأل سفيان: أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله: حدّثني وصيّ الأوصياء،؟ فقال سفيان: هذا أهونُه.(3)
وعن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلاء، قال: دخلت المسجد حين قُتل الوليد ] يعني الوليد بن يزيد بن عبدالملك، المقتول سنة (126 هـ) [، فإذا الناس مجتمعون، قال: فأتيتهم، فإذا جابر الجعفي عليه عمامة خزّ حمراء، وإذا هو يقول: حدّثني وصيّ الأوصياء، ووارث علم الأنبياء: محمد بن علي (عليهما السلام)، قال: فقال الناس: جُنّ جابر، جُنّ جابر.(4)

1 . ميزان الاعتدال: 1 / 381، الترجمة 1425 ; الكامل لابن عدي: 2 / 115، الترجمة 1 / 326 .
2 . ميزان الاعتدال: 1 / 381، الترجمة 1425 .
3 . المصدر نفسه .   4 . رجال الكشّي: 169، الترجمة 78 .

صفحه 195
وبعد هذا البيان القاطع حول الأئمة(عليهم السلام)في أقوال جابر، يبدو قول الكاتب بأنّ (نظرية إمامة أهل البيت) كانت من صنع المتكلّمين، يبدو زائفاً، فارغاً من المعنى، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار هذين الأمرين، وهما:
أ. إنّ جابراً الجعفيّ يُعدّ من كبار العلماء ومشاهيرهم، بَيْد أنّ شهرته العلمية لم تقم على أساس أنّه متكلّم، بل على أساس أنّه محدّث كبير، ولذا وصفه الحافظ الذهبيّ بأنّه (أحد أوعية العلم) .(1)
وأنت ترى، عزيزي القارئ، أنّ إمامة أئمة أهل البيت، في عقيدة جابر (وهو من كبار المحدّثين)، هي إمامة إلهية، حيث وصفهم بالأوصياء، وورثة علم الأنبياء، وهي عين عقيدة المتكلّمين فيهم(عليهم السلام).
فكيف سوّغ الكاتب لنفسه أن يخصّ بتلك العقيدة بعضَ المتكلّمين، ويزعم أنّها من ابتداعهم؟!
ب. إنّ جابراً الجعفيّ (المتوفّى 128 هـ)، كان متقدّماً، من حيث الزمن، على جميع المتكلّمين الذين ادّعى الكاتب أنّهم اختلقوا نظرية الإمامة الإلهية (باستثناء حُمران، الّذي نرجّح أنّه كان من أقران جابر)، وهم ـ كما ذكرهم أحمد الكاتب ـ :
(1. المتكلّم المعروف، أبو جعفر الأحول، محمد بن علي النعمان، الملقّب بمؤمن الطاق (2)...
2. عليّ بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار، أبو الحسن الميثميّ (3)...
3. هشام بن سالم الجواليقيّ .(4)

1 . تاريخ الإسلام (121 ـ 140 هـ)، ص 59 .
2 . كان من أحذق تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام). قدّر الزركلي وفاته بنحو سنة (160 هـ). الأعلام: 6 / 271 .
3 . عُدّ من أصحاب الإمام علي الرضا (عليه السلام)(المتوفّى 203 هـ) .
4 . كان من تلامذة الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، ومن الرواة عن (جابر بن يزيد الجعفي).

صفحه 196
4. قيس الماصر .(1)
5. حُمران بن أعيَن.
6. أبو بصير، ليث بن البَختَري المراديّ الأسديّ .(2)
7. هشام بن الحكم الكنديّ.(3)
8. محمد بن الخليل، المعروف بالسكّاك (4)، صاحب هشام بن الحكم...)(5).
فهل تلقّى هذا المحدّث الكبير، عقيدته في الأئمة(عليهم السلام)، عمّن جاء بعده من المتكلّمين، ونطق عن لسان المتأخّرين؟!
لا ريب في أنّه استقاها (كسائر المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين) فيما استقى من علوم ومعارف، عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وعن قدامى الشيعة، وجاهر بها حينما تصدّع الحكم الأمويّ، وأزِفتْ نهايته.
الرابعة: إنّ الشيعة، بشكل عام، لم يكونوا بمنأى عن أئمتهم(عليهم السلام)، لاسيما الأعلام منهم كالمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين، بل كانوا يستبقون إلى لقائهم، والحضور في مجالسهم وحلقات دروسهم، لأخذ الأحكام والمعارف عنهم،

1 . جاء في رواية مرسلة أنّه ناظر (مع عدد من المتكلّمين) رجلاً شاميّاً بين يدي الإمام الصادق (عليه السلام)، وأنّه كان قد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين (عليهما السلام). الكافي: 1 / 171، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، الحديث 4 .
2 . كان من فقهاء أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، ولكنّ أحمد الكاتب جعله من المتكلّمين لغاية في نفسه، سنكشف عنها لاحقاً.
3 . كان من تلامذة الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، وأبرز المتكلمين في عصره. توفّي سنة (199 هـ)، وقيل: بعد نكبة البرامكة بمدة يسيرة. وكانت نكبتهم على يد هارون العباسي سنة (187 هـ ).
4 . انتهت إليه رئاسة متكلّمي الإمامية بعد وفاة يونس بن عبدالرحمن (سنة 208 هـ ) .
5 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 42 ـ 43 .

صفحه 197
والاسترشاد بأقوالهم ونصائحهم.
ولم تَحُل بينهم وبين اللقاء بأئمتهم(عليهم السلام)أيّة حواجز، سوى تلك الحواجز الّتي تفرضها قسوة الظروف، وسياسة الإرهاب الّتي كانت تُمارس ضدهم، ولذا تجدهم، إذا ما انفرجت عنهم تلك الخطوب ـ بدرجات معينة ومتفاوتة ـ وتنفّسوا الصعداء، تجدهم يحثّون السير إليهم، ويلتفّون حولهم. وهذا ما يمكن رصْدُه بوضوح في الفترة الّتي امتدّت بين أواخر العهد الأمويّ وأوائل العهد العباسيّ، حيث أقبل الشيعة، بل سائر المسلمين، على الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام)، إقبالاً واسعاً، وشدّوا إليهما الرِّحال من أماكن شتى، حتّى قال الشيخ محمد أبو زُهرة المصريّ:
ما زار أحد المدينة إلاّ عرّج على بيت محمد الباقر يأخذ عنه.. وكان يقصده أئمة الفقه الإسلامي... وكان يرشد من يجيء إليه .(1)
أمّا الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد توافد عليه العلماء وطلاّب العلم، حتّى أحصى الرجاليّون أسماء الرواة عنه على اختلاف آرائهم ومشاربهم، فبلغوا أكثر من أربعة آلاف راو.
وما يهمّنا هنا، هو بيان ما يلي:
هل كانت ثمّة علاقة بين متكلّمي الإمامية وبين أئمة أهل البيت(عليهم السلام)؟
وما هي طبيعة تلك العلاقة؟ هل كانت تتّسم بالإيجابية، أو كانت سلبية كما يزعم أحمد الكاتب، الّذي هاجم المتكلّمين بعنف، كما مرّ عليك، متّهماً إيّاهم باختلاق (نظرية الإمامة الإلهية)، وقد أثبتنا بقاطع البرهان، زيف ذلك الاتّهام، الّذي انطوى على التدليس والتضليل (كما في تعاطيه مع رواية سدير)، وعلى تجاهل الظروف والأوضاع السياسية القائمة آنذاك، وإهمال النصوص،

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية: 639 .

صفحه 198
والأحداث التاريخية الّتي تثبت شيوع عقيدة الإمامة الإلهية بين الشيعة، بصفة عامّة، في القرن الأوّل، وإحساس حتّى الخصوم والمخالفين بذلك.
وقفة مع الروايات الّتي يُزعم أنّها تنال من متكلّمي الإماميّة   

وقفة طويلة مع الروايات الّتي زعم أحمد الكاتب أنّها تنال من متكلّمي الإماميّة

وها نحن نورد ما يبرهن على إيجابية موقف الأئمة(عليهم السلام)من المتكلّمين، وجميل رعايتهم لهم، وعنايتهم بهم، ولكن بعد أن نتناول بالدراسة والنقد الروايات الّتي نقلها الكاتب في تأييد دعواه بسلبية موقف أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)من المتكلّمين الإمامية، وهي:
الرواية الأُولى: جاء وفد من شيعة الكوفة وسألوه: يا أبا عبدالله، إنّ أُناساً يأتوننا يزعمون أنّ فيكم أهل البيت إمام مفترض الطاعة؟.. فقال لهم: لا، ما أعرف ذلك في أهل بيتي. قالوا: يا أبا عبدالله إنّهم أصحاب تشمير وأصحاب خلوة وأصحاب ورع، وهم يزعمون: أنّك أنت هو؟.. فقال: هم أعلم وما قالوا، ما أمرتهم بهذا.(1)
وكعادته، تلاعب الكاتب بالرواية، فاقتطع جزءاً منها (بما أخلّ بمعانيها ومقاصدها)، وغيّر فيه وبدّل، لكي يتهيّأ له ـ كما قلنا ـ تحليل الرواية كما يشاء، ويستنتج منها ما يهوى.
وإليك نصّ الرواية (باستثناء بعض فقراتها، الّتي حذفناها للاختصار، دون أن يخلّ ذلك بمعانيها): عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن سعيد السمّان، قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)، إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: لا. قال: فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنّك تفتي وتقرّ وتقول به، ونسمّيهم لك، فلان وفلان، وهم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممّن لا يكذب. فغضب أبو عبدالله (عليه السلام)، فقال:

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 76. وانظر: ص 32 من الكتاب المذكور.

صفحه 199
ما أمرتهم بهذا. فلمّا رأيا الغضب في وجهه خرجا.
فقال لي: أتعرف هذين؟ قلت: نعم، هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان أنّ سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند عبدالله بن الحسن.
فقال: كذبا لعنهما الله... وإنّ عندي لسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّ عندي لراية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولامته ومغفره... ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أيُّ بيت وُجد التابوت على أبوابهم أُوتوا النبوّة، ومن صار إليه السلاح منّا أُوتي الإمامة...(1)
ولا يخفى، على القارئ اللبيب، غرض الكاتب من استبدال لفظة (وفد) بلفظة (رجلين) الّتي أجمع الناقلون لرواية (سعيد السمّان) على إيرادها!!
كما لا يخفى عليه أيضاً سبب التغاضي عن مذهب الرجلين، اللّذين صرّحت الرواية بأنّهما من الزيدية!!
ولم يقتنع بهذا التغاضي، بل طمع بأكثر من ذلك، فعبّر عمّا سمّاه بالوفد، بأنّه (من شيعة الكوفة)(2)!!
ثمّ إنّ الكاتب أخذ من الرواية ما ظنّ أنّه يصلح (بعد التحريف) لتأييد دعواه المتقدّمة وتركَ منها ما يكشف عن جوّ الرواية، وما يقوم دليلاً واضحاً على زيف دعواه، أعني: كلام الإمام الصادق مع الراوي (سعيد السمّان) بعد خروج

1 . بصائر الدرجات: 1 / 348، ح 660; والكافي: 1 / 232، ح 1 (واللفظ له)، ورجال الكشّي: 363 ـ 364 برقم 302 ; والإرشاد للمفيد: 274 ـ 275 .
2 . أمّا ما رواه الصفّار في (بصائر الدرجات: 1 / 351، رقم 662». فمع أنّ الرواية ضعيفة، فقد جاء فيها: أنّه (استأذن عليه أُناس من أهل الكوفة)، كما صرّحت الرواية بأنّهم من العِجليّة. يُشار إلى أن العجلية تُعدّ من فرق الزيدية، وهم أصحاب هارون بن سعد العجليّ، الّذي خرج مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، فلما قُتلَ إبراهيم عام (145 هـ) استخفى هارون إلى أن مات. انظر: مقاتل الطالبيّين: 359، 360 .

صفحه 200
الرجلين الزيديَّين، لاسيما قوله (عليه السلام) له:
(ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أيّ أهل بيت وُجد التابوت على أبوابهم أُوتوا النبوّة، ومن صار إليه السلاح منّا أُوتي الإمامة).
فهذا القول الصريح منه (عليه السلام)بالإمامة الإلهية لأهل البيت، أمام أحد تلامذته وشيعته، يُفصح، بجلاء، عن سبب رفضه (عليه السلام)تأييد ما ذكره الرجلان حول ذلك، بَيْد أنّ الكاتب تجاهل الأمر تماماً، وكأنّه يريد من الإمام (عليه السلام)أن يتصرّف على خلاف الحكمة والمصلحة الإسلامية، فلا يبالي ببأس السلطان وجبروته، في أمر، تُقطَع، ما دونه بكثير، الألسن، وتُضرَب فيه الأعناق!!
ولو كان ثمّة راويان لِما جاء في الرواية المذكورة، فروى الأوّل منهما ما في صدرها من جواب الصادق (عليه السلام)للرجلين، وروى الثاني (وكان ـ مثلاً ـ من المتكلّمين) ما في ذيلها من كلام له (عليه السلام)حول الإمامة الإلهية، لو كان الأمر كذلك لجاز للكاتب، مع كرهه الشديد لهم، أن يقول، وقد قاله مراراً: إنّ ما في الذيل إنّما هو من اختلاق المتكلّمين، الّذين كانوا يقولون به سرّاً، ويلصقونه بأهل البيت.
أمّا وقد رواها بأكملها شخص واحد، هو سعيد السمّان، الّذي لم يُعرف عنه، أيضاً، أنّه من المتكلّمين، فليس هناك ما يجوِّز له الطعن على المتكلّمين، أو الاستنتاج بأنّ موقف الإمام الصادق منهم كان سلبياً.
ثمّ كيف يورد كلٌّ من الصفّار، والكلينيّ، والمفيد، وهم من أقطاب الإمامية (على حدّ تعبير الكاتب).. كيف يوردوا هذه الرواية في إطار إثبات عقيدة الإمامة الإلهية لأهل البيت، إذا كان فيها ـ كما يرى الكاتب ـ ما ينقض تلك العقيدة؟ (نَبِّئُونِي بِعِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(1) ؟

1 . الأنعام: 143.

صفحه 201
وأخيراً.. إذا نحن سلّمنا له، جدلاً، صحّة ما استنتجه من الرواية المتقدّمة (بعد بترها وتغيير بعض ألفاظها)، فإنّ هذه الرواية لا يمكن أن تكون بإزاء روايات جمّة، وردت عن الأئمة(عليهم السلام)، وبطرق كثيرة، تؤكد أنّهم(عليهم السلام)حجج الله تعالى على عباده، وأنّ لهم الطاعة المفترضة. ولكي لا يطول بنا الكلام، سنقتصر هنا على هاتين الروايتين:
أ. عن أبي الصبّاح الكناني، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): نحن قوم فرض الله عزّ وجلّ طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الّذين قال الله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ )(1).(2)
ب. عن الحسين بن أبي العلاء، قال: ذكرت لأبي عبدالله (عليه السلام)قولنا في الأوصياء أنّ طاعتهم مفترضة، قال: فقال: نعم، هم الذين قال الله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )(3)، وهم الذين قال الله عزوجلّ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا)(4).(5)
الرواية الثانية: ينقل الكشّي عن هشام بن سالم (الجواليقي) أنّه كلّم رجلاً بالمدينة من بني مخزوم في الإمامة، فقال له الرجل: فمن الإمام اليوم؟ فقال له: جعفر بن محمد، فتعجّب ذلك الرجل، وقال: فوالله لأقولها له، فغَمّ ذلك هشاماً غمّاً شديداً خوفاً من أن يلومه الإمام الصادق، أو يتبّرأ منه.(6)

1 . النساء: 54 .
2 . الكافي: 1 / 186، كتاب الحجة، باب فرض طاعة الأئمة، رقم 6.
3 . النساء: 59 .
4 . المائدة: 55.
5 . الكافي: 1 / 187، رقم 7 .
6 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 77 .

صفحه 202
ومرّة أُخرى.. يقتطع الكاتب الرواية، ويلتقط منها ما يظنّ أنّه ينسجم مع غرضه في النيل من المتكلّمين، ويتغاضى عن إكمال الرواية الّتي مضى فيها الراوي (هشام بن سالم) يقول:
فأتاه المخزوميّ ] أي أتى الصادق (عليه السلام)[ فدخل عليه، فجرى الحديث، قال: فقال له مقالة هشام، قال: فقال أبوعبدالله (عليه السلام): أفلا نظرتَ في قوله؟ فنحن لذلك أهل. قال: فبقي الرجل لا يدري أيش يقول وقُطع به. قال: فبلغ هشاماً قول أبي عبدالله (عليه السلام)ففرح بذلك وانجلت غُمّته.(1)
وهذه التكملة (الّتي خضعت لمقصّ الكاتب) تُلقي الضوء على سبب ذلك الغمّ الّذي أصاب هشاماً، من جهة، وتدلّ، من جهة أُخرى، على صحّة إمامة جعفر بن محمد (الّتي ينفيها الكاتب) لقوله بها (عليه السلام)بهذا الأُسلوب الحكيم، ومجيئها على لسانه الصادق .
إنّ ما غَمّ هشاماً، هو خوفه من أن يكون تفتّحه في الكلام، مع المخزوميّ، في مسألة الإمامة الإلهية، قد جاء في غير محلّه، أو في غير أوانه، وقد يترتّب عليه نتائج وخيمة تطال الإمام(عليه السلام) نفسه أو أصحابه وشيعته، إذ ليس من شكّ في أنّ الحماسة في الاعتقاد، أو ردّ الفعل الذاتي، أو عدم القراءة المتأنّية للواقع السياسي، أو سوء فهمه، قد يدفع ببعض الأصحاب (من متكلّمين وغيرهم) إلى الإفصاح عن هذا الأمر الخطير (الإمامة)، أو الاسترسال في الكلام فيه بما لا تُحمَد عقباه.
ومن هنا، كان الأئمة(عليهم السلام)، وحيثما تسنح الفرص، لا يدّخرون وسعاً في إسداء النصح لهم، وإرشادهم، وتوجيههم، من أجل ترشيد مسيرتهم، وإثراء تجربتهم، وتجنيبهم مزالق الطريق، ومآسي العمل غير المدروس في ظلّ سلطة غاشمة قد تتساهل في كلّ شيء إلاّ في أمر يسلب منها شرعيّتها (المزيّفة)،

1 . رجال الكشّي: 239، الترجمة 132 .

صفحه 203
ويفضح اغتصابها للحكم، ويهدّد حياتها ووجودها.
وفي ضوء ما تقدّم يمكن أن يُفهم ما ورد عن الأئمة(عليهم السلام)من إرشادات وتوجيهات إلى أصحابهم بالإعراض عن الكلام، والإضراب عن الجدال والمناقشة، في فترات معينة، وبالإقبال على الكلام، وخوض الحوارات والمناظرات، في فترات أُخرى، حيث إنّ كلّ ذلك يخضع لمعايير تحدّدها المصلحة الإسلامية العليا، وظروف الواقع المعاش، والقدرات والقابليات الشخصية للأصحاب.
الرواية الثالثة: يقول المفيد في «الإرشاد»: إنّ الإمام الصادق قد قال لهشام بن سالم الجواليقي: تريد الأثر ولا تعرف. وإنّه قال لقيس الماصر: تتكلّم، وأقرب ما تكون من الحقِّ والخبر عن رسول الله أبعد ما تكون منه، تمزج الحق بالباطل، وقليل الحقّ يكفي.(1)
وثمّة ملاحظات وتساؤلات حول أُسلوب تعاطي الكاتب مع هذه الرواية، ومنها:
1. إنّ الكاتب لم يذكر الرواة ولم يلاحظ السند، والسبب واضح جداً، وهو أنّ الرواية منقطعة، فقد رواها المفيد في «الإرشاد»(2) عن ابن قولويه، عن الكليني. ورواها الكليني في «الكافي»(3) عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عمّن ذكره، عن يونس بن يعقوب.
2. إنّ الكاتب انتقى من الرواية ما ظنّ أنّه يصلح لذمّ بعض المتكلّمين، وأغمض عينيه عمّا يدلّ فيها على المدح والثناء، مثل قوله (عليه السلام)لحُمران: تجري

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 77 .
2 . الإرشاد: 278 ـ 280 .
3 . الكافي: 1 / 171، رقم 4 .

صفحه 204
الكلام على الأثر فتُصيب، وقوله لهشام بن الحكم: لا تكاد تقع، تلوي رجليك، إذا هممت بالأرض طرتَ، مثْلُك فليكلّم الناس، فاتّق الزلّة، والشفاعة من ورائها إن شاء الله.
فأيّ مقياس اعتمده الكاتب في تعامله مع هذه الرواية، فأخذ ببعض، ونبذ بعضاً؟!
3. إنّ الكاتب، بارتضائه هذه الرواية، قد أصبح هو بنفسه أوّلَ ناقض لكلماته الجارحة في حقّ متكلّمي الإمامية، وأوّلَ مدافع عنهم ضدّ تُهمه البالية، ذلك أنّه زعم، مراراً، أنّ (نظرية الإمامة الإلهية) قد أنشأها المتكلّمون سرّاً وبعيداً عن أهل البيت، بينما يرى كلّ قارئ للرواية (طبعاً إذا لم تُبتر) أنّ الحقيقة بخلاف ما توهّمه تماماً، فالمتكلّمون إنّما حضروا مجلس الإمام الصادق بدعوة منه (عليه السلام)، والمناظرات الّتي خاضوها مع الشامي إنّما جرت بين يديه، وبأمره، والأفكار الّتي طرحوها، إنّما طرحوها في ضوء النهار، وتحت سمع الإمام وبصره، وليس بصورة سرّية أو بعيداً عنه، بل كان للإمام، في ذلك المجلس، دور إيجابيّ، يتمثّل في ما أبداه من اهتمام وعناية وارتياح، وهذا ما تُعرب عنه الفقرات التالية الّتي وردت في الرواية:
قال يونس بن يعقوب: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)، فورد رجل من أهل الشام، فقال له: إنّي رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك... ثم قال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلّمته. قال يونس: فيا لها من حسرة، فقلت: جُعلت فداك سمعتك تنهى عن الكلام، وتقول: ويل لأصحاب الكلام، يقولون هذا ينقاد، وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله.
فقال أبو عبدالله (عليه السلام): إنّما قلت: ويل لقوم تركوا قولي وذهبوا إلى ما يريدون

صفحه 205
به، ثم قال: اخرج إلى الباب، فانظر من ترى من المتكلمين، فأدخله. قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين... ومحمد بن النعمان الأحول.. وهشام بن سالم، وقيس الماصر... فأدخلتهم عليه... ] ثم جاء [ هشام بن الحكم... فوسّع له أبو عبدالله (عليه السلام)، وقال: ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، ثم قال لحُمران: كلِّم الرجل يعني الشامي... ثم قال لقيس الماصر: كلِّمْه. فكلّمه، وأقبل أبو عبدالله (عليه السلام)يتبسّم من كلامهما، وقد استخذل الشامي في يده، ثم قال للشامي: كلّم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم. ثم قال الشامي لهشام: يا غلام، سلني في إمامة هذا ـ يعني أبا عبدالله (عليه السلام) ـ ...، فسكت الشامي كالمفكّر، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): ما لك لا تتكلّم؟...
قال الشامي ] مخاطباً أبا عبدالله الصادق [: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّك وصيّ الأوصياء.
فما أبعد زعم الكاتب ببُعد المتكلّمين عن أهل البيت ، وبسلبية موقف الصادق (عليه السلام)منهم، ما أبعده عن الحقيقة، وهو يتجاهل هذه الفقرات من الرواية (الّتي ارتضاها واستند إليها)، ويهدر كلّ مدلولاتها ومعطياتها، لاسيما شهادة الشامي; الّتي تأتي، بمفردها، على جميع محاولاته في إنكار الإمامة الإلهية لأهل البيت، وتتركها هباءً تذروه الرياح!!
الرواية الرابعة: يقول الكشّي: إنّ الإمام الصادق قد نهى مؤمن الطاق عن (الكلام)، وقال له بعد مناظرة جرت بينه وبين رجل من (الشراة): لقد حصرته، والله ما قلت من الحق حرفاً واحداً، قال: كيف؟ قال: لأنّك تتكلّم على القياس، والقياس ليس من ديني.(1)
هذه هي الرواية الرابعة الّتي أوردها الكاتب، وظنّ أنّه يوهم بها الآخرين بصحّة زعمه بأنّ موقف الإمام الصادق من المتكلّمين كان سلبيّاً.

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 77.

صفحه 206
ولكن أنّى له ذلك والرواية ساقطة؟ بل إنّ الأمر لايستقيم له حتّى مع افتراض صحّتها، وإغماض الطَّرف عمّا حذفه منها!!
ولكي تتعرّف على كلّ ذلك، نأتي، أوّلاً، بنصّ الرواية مع سندها:
ـ الكشّي، عن محمد بن مسعود ] العيّاشي [ عن إسحاق بن محمد البصريّ، عن أحمد بن صدقة، عن أبي مالك الأحمسيّ، قال: كان رجل من الشراة يقدم المدينة في كلّ سنة، فكان يأتي أبا عبدالله (عليه السلام)، فيودعه مايحتاج إليه، فأتاه سنة من تلك السنين، وعنده مؤمن الطاق، والمجلس غاصّ بأهله، فقال الشاري: وددت أنّي رأيت رجلاً من أصحابك أُكلّمه.
فقال أبو عبدالله (عليه السلام)لمؤمن الطاق: كلِّمه يا محمد. فكلَّمه به، فقطعه سائلاً ومجيباً. فقال الشاري لأبي عبدالله: ما ظننتُ أنّ في أصحابك أحداً يحسن هكذا .
فقال أبو عبدالله: إنّ في أصحابي من هو أكثر من هذا. قال: فأعجب مؤمن الطاق نفسه، فقال: يا سيدي سررتك؟
قال: والله لقد سررتني، والله لقد قطعته، والله لقد حسرته (حصرته)، والله ما قلتَ من الحقّ حرفاً واحداً. قال: وكيف؟
قال: لأنّك تتكلّم على القياس، والقياس ليس من ديني.(1)
وفي السند: إسحاق بن محمد البصريّ.
قال محمد بن مسعود العيّاشي: كان غالياً (2). وقال الكشّي: غال، وكان من أركانهم (2). وقال الشيخ الطوسي: يُرمى بالغلوّ(4).
وفيه أيضاً: أحمد بن صدقة، وأبو مالك الأحمسيّ، وهما مجهولان.(3)

1 . رجال الكشّي: 166 ـ 167، الترجمة 77 .   2 . المصدر نفسه: 446، الترجمة 405.
2 . المصدر نفسه: 273، الترجمة 154 .   4 . رجال الطوسي: 384 برقم 5651 .
3 . معجم رجال الحديث: 7 / 349، الترجمة 4870 .

صفحه 207
وهذا شاهد آخر على ما قلناه سابقاً من أنّ الكاتب، ومع كلّ دعواته الصارخة إلى الابتعاد عن نظريات الغلاة، فإنّه يتجاهل تماماً دعواته تلك، ويمنح الغلاة ثقته عندما يتطلّب الأمر الاعتماد على رواياتهم في دعم تصوّراته (راجع فقرة: مَن أكل على مائدتين اختنق).
وأحسِب أنّ القرّاء الفضلاء، وهم يعلمون أنّ الشيخ لا يترك أخلاقه، قد رصدوا موارد الاختلاف بين نصّ الرواية، وبين ما أورده منها الكاتب، الّذي يعلم، كلّ العلم، أنّ الرواية لا تخدم أغراضه، بل تفضح كلّ مزاعمه حول أجلاّء متكلّمي الإمامية، ولذا قصد إلى اختصارها بطريقة ملتوية، فلم يُشر إلى أن مؤمن الطاق (محمد بن علي بن النعمان) كان حاضراً عند الإمام الصادق، وأنّه تصدّى لمناظرة الرجل الشاري (الخارجي) بأمر الإمام (عليه السلام)الّذي خاطبه بقوله: (كلِّمْه يا محمد)، وأنّ ما دار بين المتناظرَين من كلام، قد سمعه الإمام (عليه السلام)، وسمعه، أيضاً، حضّار مجلسه الّذي كان غاصّاً بأهله، وأنّ الإمام (عليه السلام)قد أعرب عن رضاه عن تلميذه الطاقيّ، واستئناسه بقدراته الجدلية، ولذا قال له: «والله لقد سررتني».
هذا كلّه قد حذفه الكاتب، للتمويه على القارئ، والإيحاء إليه، بالباطل، بأنّ الصادق (عليه السلام)يريد بقوله لمؤمن الطاق: (والله ما قلتَ من الحقّ حرفاً واحداً)، تنقُّصَ هذا المتكلّم وذمَّه والقدحَ فيه .
ونحن إذا غضضنا الطرف عن كلّ الإشكالات المُثارة حول تعاطي الكاتب مع الرواية (من تجاهل السند، والإضافة،(1) والاختصار والحذف المُخلَّين بمضامين الرواية)، فإنّ محاولة تصييرها شاهداً على مدّعاه (بأنّ موقف الصادق (عليه السلام) من المتكلّمين كان سلبياً)، إنّما هي محاولة فاشلة، وذلك أنّ قول الصادق (المتقدّم) لمؤمن الطاق، يمكن فهمه في إطار فنّ المناظرة، الّتي يُعدّ من

1 . لم يرد في هذه الرواية أنَ الإمام الصادق (عليه السلام)قد نهى مؤمن الطاق عن الكلام، كما ادّعى الكاتب.

صفحه 208
أنجع أساليبها في إفحام الخصم وتفنيد آرائه، أن يتّبع المناظر المقتدر فيها طريقة الخصم في الاستدلال، ويُلزمه بما ألزم به نفسه، ليقطع شبهته، ويردّ عليه حجّته، وهذا ما فعله متكلّمنا البارع (مؤمن الطاق) في جداله مع الخارجيّ الّذي كان يؤمن بالقياس، فتكلّم هو، أيضاً، على القياس (وإن كان غير جائز في مذهبه)، من أجل إلزام خصمه، ومحاكمة أقواله على أساس ما يلتزم به من قواعد وأُصول.
وممّا يؤكد ما تقدّم، أنّ الصادق (عليه السلام)لو كان يريد بقوله: «والله ما قلتَ من الحقّ حرفاً واحداً» الإنكار عليه، لَما قال له: «والله لقد سررتني»، فهذا القول لا يناسب ذاك، والمُراد هنا ينقض المُراد هناك، وهذا ما لا يقبل به ذو لبّ، ومن هنا أغفل الكاتب إيراد القول الأخير!!
الرواية الخامسة: أرسل الإمام الصادق إليه ] أي إلى مؤمن الطاق [المفضّل بن عمر لينهاه عن (الكلام)، فأشرف على منزله، وقال له: يقول لك أبو عبدالله: لا تتكلّم، فقال: أخاف أن لا أصبر.(1)
روى الكشّي هذه الرواية عن علي، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن مَرْوَك بن عبيد، عن أحمد بن النضر، عن المفضّل بن عمر.(2)
وهي ضعيفة بالمفضّل بن عمر.
قال النجاشي: فاسد المذهب، مضطرب الرواية، لا يُعبأ به، وقيل: إنّه كان خطّابيّاً.(2)
الرواية السادسة: سأل الإمام الصادق عنه ] أي عن مؤمن الطاق [فضيل بن عثمان: ما فعل صاحب الطاق؟.. أما إنّه بلغني أنّه جَدِل، وإنّه يتكلّم في تيم بدر؟ فقال: أجل. هو جدل، فقال الإمام: أما إنّه لو شاء ظريف من مخاصميه أن

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 77.   2 . رجال الكشّي: 169، الترجمة: 77 .
2 . رجال النجاشي: 416 برقم 1112 .

صفحه 209
يخصمه فعل... يقول: أخبرني عن كلامك هذا، من كلام إمامك؟.. فإن قال: نعم، كذب علينا، وإن قال: لا، قل له: كيف تتكلم بكلام لا يتكلّم به إمامك؟ ثم قال الإمام الصادق: أنتم تتكلّمون بكلام إنْ أنا أقررت به ورضيت به أقمت على الضلالة، وإن برئت منه شقّ عليّ.. فقال فضيل بن عثمان: فأبلغه عنك ذاك؟.. قال: أمّا إنّهم قد دخلوا في أمر ما يمنعهم عن الرجوع عنه إلاّ الحميّة. قال فضيل: فأبلغت أبا جعفر الأحول ذاك، فقال: صدق بأبي وأمي ما يمنعني عن الرجوع إلاّ الحميّة.(1)
روى الكشّي هذه الرواية عن محمد بن مسعود، عن علي بن محمد القميّ، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن فضيل بن عثمان.(2)
وفي السند: علي بن محمد القمي، ولم ينصّ على توثيقه أحد. ذكره الشيخ الطوسي، وقال: علي بن محمد بن فيروزان القمي: كثير الرواية، يكنى أبا الحسن، كان مقيماً بكشّ.(3)
الرواية السابعة: يقول الكشّي: إنّ الإمام الصادق رفض أن يستقبل أبا بصير، وقال له: يهلك أصحاب الكلام، وينجو المسلّمون، إنّ المسلّمين هم النجباء. وقال: «إنّي لأُحدّث الرجل الحديث، وأنهاه عن الجدال والمراء في دين الله، وأنهاه عن القياس، فيخرج من عندي، فيتأوّل حديثي على غير تأويله: إنّي أمرت قوماً أن يتكلّموا، ونهيت قوماً، فكلٌّ يتأوّل لنفسه يريد المعصية لله ولرسوله...».(4)

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 77 .
2 . رجال الكشّي: 168، الترجمة 77 .
3 . رجال الطوسي: 429، برقم 6164، باب من لم يرو عن واحد من الأئمة(عليهم السلام).
4 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 77 .

صفحه 210
هذه مقاطع من ثلاث روايات منفصلة، اختصرها الكاتب (بطريقته الخاصة الّتي عرفناها)، ومزج بينها مزجاً عجيباً غريباً، لا يهتدي إليه إلاّ من أُوتي حظّاً عظيماً من القدرة على العبث بالحقائق وتشويهها!!
وليس هذا فحسب، بل إنّ الرواية الثانية التي اشتملت على هذا المقطع: (يهلك أصحاب الكلام...)(1) لم يروها الكشّي في كتابه، بل رواها الصفّار بإسناده عن الحسين بن المختار (2)، وعن أبي بكر الحضرمي، ولم يروها عن أبي بصير.
نعم، روى الصفّار بإسناده عن أبي بصير، أنّه قال: سُئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن

1 . لم يَعنِ الإمام (عليه السلام)بقوله هذا، متكلّمي أصحابه على وجه الخصوص، ولا المتكلّمين في قضية الإمامة وحسب، وإنّما عنى كلّ متكلّم يُعرض عن قول المعصوم ولا يحفل به في قضايا العقيدة، لاسيما عقيدة التوحيد الّتي كانت تشغل بال المتكلّمين أكثر من غيرها. وممّا يلقي الضوء على هذا المعنى، ما رواه الصفار بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، قال: (سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: يهلك أصحاب الكلام، وينجو المسلّمون، إنّ المسلّمين هم النجباء. يقولون: هذا ينقاد، وهذا لا ينقاد. أما والله لو علموا كيف أصل الخلق ما اختلف اثنان). والمعنى: يقول المتكلّمون لِما أسّسوه بعقولهم الناقصة، هذا ينقاد، أي يستقيم على أُصولنا، وهذا لا ينقاد، أي لا يجري على الأُصول الكلامية. بصائر الدرجات: 2 / 487 ـ 488، رقم 1864 (مع هامشه) .
ويؤيد ذلك ما رواه أبو إسماعيل بن عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (المتوفّى 481 هـ) في كتابه «ذمّ الكلام وأهله» عن الإمام جعفر الصادق وغيره، فقد أخرج عن جعفر بن محمد، قال: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا. وأخرج عنه، قال: تكلَّموا فيما دون العرش ولا تكلَّموا فيما فوق العرش، فإنّ قوماً تكلّموا في الله فتاهوا.
وأخرج عن محمد بن الحنفية، قال: لا تهلك هذه الأُمّة حتّى تتكلّم في ربّها.
وأخرج عن شعبة، قال: كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء وينهى عن مجالستهم أشدّ النهي، وكان يقول: عليكم بالأثر وإيّاكم والكلام في ذات الله. انظر: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق: 266 ـ 267 .
2 . بصائر الدّرجات: 2 / 487، رقم 1863 .

صفحه 211
قوله: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1)، قال: هو التسليم في الأمر (الأُمور) .(2)
وأنت ترى، عزيزي القارئ، أنّ رواية أبي بصير خالية من عبارة (يهلك أصحاب الكلام)، وأنّ أبا بصير لم يكن مخاطباً بها، كما يدّعي الكاتب.
ثمّ إنّ أبا بصير (ليث بن البختري المرادي) لم يُعرف عنه أنّه كان من أصحاب الكلام، ولم يذكره أحد من الأعلام في جملتهم، وإنّما عُدّ من كبار الفقهاء، بَيْد أنّ الكاتب، وهو يتشبّث بأيّة رواية يرى أنّها تقدح في المتكلّمين، وجد في تلك الرواية، بعد أن تغاضى عن سندها وتجاهل سائر الروايات الصحيحة المادحة له (3)، وجد فيها ما يخدم غرضه في تكثير عدد المتكلّمين الذين يزعم أنّ الإمام الصادق كان يقف منهم موقفاً سلبياً، فجعل أبا بصير منهم، ثم جعله المخاطبَ بقول الإمام(عليه السلام): يهلك أصحاب الكلام!!!
والآن نعود إلى المقاطع الّتي اختصرها الكاتب من ثلاث روايات، لكي نفصِل بينها، ثم نتناول كلّ واحد منها بالمناقشة:
المقطع الأوّل: إنّ الإمام الصادق رفض أن يستقبل أبا بصير.
الرواية الّتي تضمنت هذا الكلام، رواها الكشّي عن محمد بن مسعود، عن جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد الناب.(4)

1 . النساء: 65 .
2 . بصائر الدرجات: 2 / 487 ، ح 1864 .
3 . مثل ما رواه الكشّي، عن حمدويه بن نُصير، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دُرّاج، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: بشّر المخبتين بالجنة: بُريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزُرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست. رجال الكشي: 152، الترجمة 68 (ورجال الرواية ثقات).
4 . رجال الكشّي: 155، الترجمة 68 .

صفحه 212
وفي السند: جبرئيل بن أحمد، ولم ينصّ على توثيقه أحد. ذكره الشيخ الطوسي، وقال: جبرئيل بن أحمد الفاريابي، يكنّى أبا محمد، كان مقيماً بكشّ، كثير الرواية عن العلماء بالعراق، وقم، وخراسان.(1)
المقطع الثاني: وقال ] الإمام الصادق [ له (أي لأبي بصير، كما يزعم الكاتب): يهلك أصحاب الكلام، وينجو المسلِّمون، إنّ المسلِّمين هم النجباء.
قد مضى التعليق على ذلك آنفاً، فراجعه.
المقطع الثالث: وقال ] الإمام الصادق [: إنّي لأُحدّث الرجل الحديث، وأنهاه عن الجدال والمراء، وأنهاه عن القياس، فيخرج من عندي، فيتأوّل حديثي على غير تأويله، إنّي أمرت قوماً أن يتكلّموا، ونهيت قوماً، فكلٌّ يتأوّل لنفسه يريد المعصية لله ولرسوله.
وأوّل أمر يلاحظ على هذا الكلام الّذي نقله الكاتب، هو: أنّ الرواية الّتي تضمّنتْه ضعيفة، فقد رواها الكشّي عن محمد بن قولويه، عن سعد بن عبدالله القميّ، عن محمد بن عبدالله المسمعي، عن علي بن أسباط، عن محمد بن سنان، عن داود بن سرحان، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: إنّي لأُحدّث الرجل الحديث...(2)
شذور من إشادات الأئمة(عليهم السلام) بالمتكلّمين   
وفيها: محمد بن عبدالله المسمعي، ومحمد بن سنان.
فأمّا المسمعي، فكان الشيخ محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، سيّئ الرأي فيه.(3)

1 . رجال الطوسي: 418 برقم 6042 .
2 . رجال الكشّي: 152، الترجمة 68 .
3 . عيون أخبار الرضا: 2 / 24، الباب 30، ذيل الحديث 45، مؤسسة الأعلمي، 1404 هـ .

صفحه 213
وأمّا محمد بن سنان، فقد ضعّفه غير واحد، منهم: الشيخ الطوسي.(1)
والأمر الثاني: أنّ الرواية تتضمّن عبارات يمدح فيها الإمام الصادق (عليه السلام)أبا بصير، بَيد أنّ الكاتب حذفها، كعادته، واكتفى بإيراد صدر الرواية، ظنّاً منه أنّه يسند دعواه، ثمّ ضمّه إلى المقطعين المتقدّمين ليوحي إلى القارئ بأنّ المعنيَّ بالذمّ هو أبو بصير ليث المراديّ!!!
وإليك تتمّة الرواية الّتي وردت فيها عبارات الثناء، وتجاهلَها الكاتب:
فلو سمعوا وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه. إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً، وأعني: زُرارة، ومحمد بن مسلم، ومنهم: ليث المرادي، وبُريد العجليّ، هؤلاء القّوامون بالقسط، هؤلاء القوّالون بالقسط، وهؤلاء السابقون السابقون، أُولئك المقرّبون.(2)
هذا كلّ ما أورده الكاتب من الروايات، الّتي تصوّر أنّها تسند دعواه بأنّ المتكلّمين كانوا بعيدين عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وأنّ الإمام الصادق كان يقف منهم موقفاً سلبياً.
وقد تبيّن، بعد البحث والدراسة وافتضاح طريقة تعاطي الكاتب مع تلك الروايات، خطأ ذلك التصوّر، وزيف تلك الدعوى.

شذور من إشادات الأئمة(عليهم السلام)بالمتكلّمين

لكي تكتسب هذه الحقيقة (المتكلّمون في رحاب أهل البيت(عليهم السلام)استلهاماً وعطاءً)، المزيد من الوضوح والتوكيد، نأتي بعدد من الروايات الّتي تثبت علوّ قدر المتكلّمين عند الأئمة(عليهم السلام)، الذين كانوا يحرصون على توجيههم وإرشادهم،

1 . رجال الطوسي: 364 برقم 5394 (أصحاب علي بن موسى الرضا (عليه السلام)) .
2 . رجال الكشّي: 152، الترجمة 68 .

صفحه 214
وتسليحهم بالعلم والمعرفة، من أجل تقديمهم إلى الأُمة، ما أمكنت الفرص، كممثّلين أُمناء لتعاليمهم وتراثهم الطيّب الزاخر:
1. روى الكشّي، عن حمدويه بن نصير، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبدالحميد وغيره قالوا: قال أبو عبدالله (عليه السلام):
رحم الله زُرارة بن أعيَن، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي.(1)
قال النجاشي في وصف زرارة: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم. وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خِلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه .(2)
2. الكشّي، عن حمدويه، عن محمد بن عيسى بن عبيد ويعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي العباس البقباق، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، أنّه قال:
أربعة أحبّ الناس إليّ أحياءً وأمواتاً: بُريد بن معاوية العجلي، وزُرارة بن أعيَن، ومحمد بن مسلم، وأبو جعفر الأحول ] يعني مؤمن الطاق [ .(3)
3. الكشّي، عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن إسماعيل بن عبدالخالق، قال:
كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)ليلاً، فدخل عليه الأحول، فدخل به من التذلّل والاستكانة أمر عظيم، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): ما لكَ؟ وجعل يكلّمه حتّى سكن. ثم قال له: بم تخاصم الناس؟ فأخبره بما يخاصم الناس، ولم أحفظ منه ذلك.

1 . رجال الكشّي: 124، الترجمة 62. (ورجال الرواية ثقات).
2 . رجال النجاشي: 175، الترجمة 463 .
3 . رجال الكشّي: 163، الترجمة 77. (ورجال الرواية ثقات).

صفحه 215
فقال أبو عبدالله (عليه السلام): خاصمْهم بكذا، وكذا.(1)
أفرأيت صُنع الإمام (عليه السلام)مع تلميذه في هذه الرواية؟ أفرأيت ما يبديه نحوه من عناية بالغة، ومن عاطفة متدفّقة، ومن توجيه وإرشاد؟
فما قولك إذاً، في من يُنكر هذه الصلة الوثيقة بين الإمام وتلامذته، بل يزعم أنّها كانت بالضدّ من ذلك؟!
4. الكشّي، عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن يقطين، قال: كان أبو الحسن (عليه السلام)] يعني موسى الكاظم [ إذا أراد شيئاً من الحوائج لنفسه أو ممّا يعتريه من أُموره، كتب إلى أبي ـ يعني علياً ـ فإذا كان غير ذلك من أُموره، كتب إليه اشترِ لي كذا وكذا، ولم يذكر هشاماً إلاّ فيما يُعنى به من أمره. وذكر أنّه بلغ من عنايته به وحاله عنده أنّه سرّح إليه خمسة عشر ألف درهم، وقال له: اعمل بها ولك أرباحها، ورُدّ إلينا رأس المال، ففعل ذلك هشام (رحمه الله)، وصلى الله على أبي الحسن (عليه السلام).(2)
5. الكشّي، عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبدالرحمن، عن حمّاد، قال:
كان أبو الحسن (عليه السلام)] يعني موسى الكاظم [ يأمر محمد بن حكيم أن يجالس أهل المدينة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأن يكلّمهم ويخاصمهم، حتّى كلّمهم في صاحب القبر، فكان إذا انصرف إليه، قال له: ما قلتَ لهم وما قالوا لك؟ ويرضى بذلك منه.(3)
هذا غيض من فيض من الروايات الّتي تدلّ على ضدّ ما ادّعى الكاتب على

1 . رجال الكشّي: 164، الترجمة 77 (ورجال الرواية ثقات).
2 . رجال الكشّي: 229 ـ 230، الترجمة 131 (ورجال الرواية ثقات).
3 . رجال الكشّي: 380، الترجمة 315 (ورجال الرواية ثقات).

صفحه 216
المتكلّمين، وشنّع به عليهم من الأباطيل، الّتي أنشأها من طريقته الخاصة في التعاطي مع بعض الروايات، والّتي تُذكّرنا بطريقة الشاعر ابن الرومي وهو يهجو (أبا إسحاق)، فقال، وقد أبعد جدّاً في تصحيفه:
يا أبا إسحاق واقلبْ *** نظمَ إسحاقَ وصحِّفْ
واترك الحاء على حا *** ل، فما للحاء مصرفْ
وأنت ترى أنّه ليس بينه وبين الأصل صلة، إلاّ ما عرض له من التصحيف والتحريف من أبعد طريق، (1) وكذاك هي الصلة بين استنتاجات الكاتب، وبين الروايات الّتي أوردها لتأييد مزاعمه.
***
إلى هنا نختم البحث في الحقائق السبع، الّتي نحسب أنّها مهّدت الطريق إلى معرفة كُنْه الأحداث والمواقف الّتي سبقت الإعلان الجليّ في يوم الغدير عن إمامة وخلافة عليّ، أو رافقته أو أتت بعده .
كما أنّها ستساعد ـ عند استحضارها في الذهن، وجعلها ماثلة أمام العين ـ على وضع النقاط على الحروف في مسألة الإمامة الإلهية لأئمة أهل البيت، وما ورد فيها من روايات (سنذكرها في فصل لاحق)، ومن ثمّ إمكانية قراءة ذلك الموضوع بدقّة ووضوح، وعلى الوجه الصحيح.
هذا، وقد سبق أن قلنا في مقدّمة الكتاب إنّه لابدّ أن تكون ثمّة كلمة حاسمة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر الإمامة والخلافة، الّذي يمثّل الركن الرئيس في النظام السياسي للإسلام.
وقلنا، أيضاً، إنّ هناك ثلاثة مواقف متاحة بين يدي الرسول كان يُفترض أن

1 . مستدركات أعيان الشيعة: 8 / 175، (وفيه: فبدّل اسم إسحاق بعد قلبه وتصحيف قافه فاءً، وسينه شيناً، وإثبات حائه على حالها، فخرج من هذه العملية الطويلة «فاحشاً»).

صفحه 217
يتّخذها (صلى الله عليه وآله وسلم)كحلٍّ لمسألة الخلافة:
الأوّل: أن يهمل (صلى الله عليه وآله وسلم)هذا الأمر، ولا يكترث له ولا يباليه، فلا يعيِّن من يخلفه، ولا يبيّن كيف يكون اختياره .
وقد أثبتنا ـ فيما مضى ـ أنّ هذا الموقف السلبي من الخلافة لا ينسجم مع سلوك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسياسته الحكيمة في إدارة شؤون الأُمّة، ورعاية مصالحها، وما اتّسم به من حرص شديد عليها، واهتمام بالغ بمستقبلها.
الثاني: أن ينصّ على واحد بعينه، ويعهد إليه بالخلافة.
وهذا ما سوف نتناوله بشكل مفصّل في فصل لاحق.
الثالث: أن يضع نظاماً يرجع إليه الناس في اختيار الخليفة، بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فهل طرح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نظاماً معيّناً، أو أبان عن طريق محدّد في هذا المجال؟
لقد ذهب بعض الكتّاب إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قد التزم بمبدأ الشورى، وأنّ الحكم الإسلامي في أصله شورياً، فلابدّ أن يكون الاختيار شورياً، أي أنّه من حقّ الأُمّة أن تنتخب إمامها بواسطة نظام الشورى.
فما هو مبلغ نصيب هذا الكلام من الصحّة؟
وهل ثمّة بيان من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بإيكال أمر الخلافة إلى الأُمّة، أو اعتماد نظام الشورى أُسلوباً لاختيار الإمام؟
وهل أنّ الإمامة انعقدت، بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن طريق هذا النظام؟
هذه الأسئلة وغيرها، ستجد أجوبتها الشافية في ثنايا البحث الّذي خُصِّص له هذا الفصل الّذي نعرضه، الآن، بين يديك.

صفحه 218

صفحه 219
الفصل الثاني
نظام الشورى ونظرية الاختيار
كيف يتمّ تعيين الخليفة عند السنّة؟
التفسير السنّي لآيتي الشورى.
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يؤسّس لنظرية الاختيار في نظر الباحثين من أهل السنّة.
نظرية الشورى في دائرة النقد السنّي.
أحمد الكاتب يدهن من قارورة فارغة.
موقف وأحاسيس الإمام علي ممّن ابتزّه حقّه، بريشة عبدالفتاح عبدالمقصود.
ليس ثمّة رجل أحرص على الأُمّة من علي (عليه السلام).
ثلاثة أحكام مبنية على أُسس واهية.
الناس عماد الدين عند أمير المؤمنين (عليه السلام).
قيام الحجّة للتصدّي للأمر.
رؤية الإمام علي لمسألتي الخلافة والبيعة تدحض قصة العرض.
نماذج من مناظرات الإمام علي (عليه السلام).
خبران سقيمان من تراث غير الشيعة.

صفحه 220
الإمام الحسن تنازل تحت وطأة الظروف القاهرة عن الحكم لا غير.
الإمام الحسن هادن معاوية ولم يبايعه .
إمامة الحسين (عليه السلام)ثابتة في أيّام الهدنة وبعدها.
الإمامة الإلهية للحسين (عليه السلام)في قصة كربلاء.
شواهد على حضور مبدأ النص في قصة كربلاء.
إمامة زين العابدين (عليه السلام).

صفحه 221

تمهيد

لم يحظَ موضوع الإمامة باهتمام كبير لدى قدامى علماء أهل السنّة، ولم يبحثوا فيه بشكل مفصّل، وإنّما اضطرّوا إلى البحث فيه للردّ على الشيعة، في عصر متأخّر. هذا ما صرّح به الكثير من كتّابهم .
قال الدكتور محمد ضياء الدين الريّس: إنّ الشيعة أوّل من كتبوا عن الإمامة كتابة علمية، وإنّ لهم الفضل في خلق هذا النوع من العلم المسمّى بالإمامة. وأضاف: إنّ أهل السنّة تركوا القول فيها مفصّلاً... وكان أهل الحديث مقتصرين أوّلاً على رواية وجمع الأحاديث المتعلّقة بموقف المؤمن في ظروف الفتن، وبمسؤولية الحاكم... إلاّ أنّ تقرير النظريات في صيغ علمية لم يكن عمل رجال الحديث، وإنّما كان من عمل الفقهاء.(1)
وقال الدكتور أحمد محمود صبحي: وإذا كان أهل السنّة قد اضطرّوا إلى البحث في الإمامة للرَّدِّ على الشيعة، في عصر متأخّر، فإنّ مصطلحات هذا العلم وموضوعاته ومسائله قد حدّدها الشيعة، بل هي من ابتداعهم، فكانت أبحاث الفرق الأُخرى محصورة في أنّها أجوبة على الأسئلة الّتي يضعها الشيعة.(2)
   
وعلى كلّ تقدير، فقد ذهب جمهور أهل السنّة من المتكلّمين والفقهاء إلى ضرورة الإمامة، ووجوب نصب الإمام، إذ به تُسدّ الثغور، وتُقام الحدود، ويُقسم

1 . النظريات السياسية الإسلامية: 95، 99. وأيّده في ما ذهب إليه الدكتور صبحي الصالح، حيث ذكر في كتابه «النظم الإسلامية: 128» أنّ للإمامية الفضل الأكبر في إنشاء هذا العلم المسمّى بالإمامة.
2 . نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: 23، دار المعارف بمصر.

صفحه 222
الفيء، وتُصان الحقوق، ولكنّهم، في الوقت نفسه، يرَوْن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم ينصّ على من يخلفه، ولم يبيّن طريقة اختياره، وأنّه أهمل هذا الأمر، وترك الأُمّة وشأنها.(1)
وإذا سألهم سائل: ما دليلكم على وجوب الإمامة، إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما تقولون، لم يهتمّ بها، ولم يصرّح فيها بقول؟ كان جوابهم: إنّ برهاننا على ذلك، هو مبادرة القوم، بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى السقيفة للبتّ في الأمر.
قال الدكتور مصطفى حلمي، بعد أن تطرّق إلى خبر انتقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الرفيق الأعلى:
ثمّ ظهرت الحاجة إلى البحث فيمن يلي الأمر بعد الرسول ـ صلوات الله عليه ـ وهُرع المسلمون دون إبطاء إلى اجتماع السقيفة، للتشاور والنظر. ثمّ قال: وقد اتّخذ أهل السنّة، بعد هذا، من واقع الإسراع في البيعة للخلافة، دليلاً على وجوب الخلافة وأهمّيّة هذا المنصب لتصريف شؤون المسلمين.(2)
وقال أحمد أمين المصري: شعر المسلمون، من لحظة وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، بضرورة التفكير فيمن يخلفه.(3)

كيف يتمّ تعيين الخليفة عند السنّة ؟

فالنظرية السياسية عند أهل السنّة، لم تستند إذاً، في تحديد كيفية وصول الحاكم إلى الخلافة أو الإمامة، إلى السنّة النبوية الشريفة، وإنّما نظروا إلى الواقع التاريخي الّذي آلت إليه الخلافة عقب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم انتزعوا منه طريقتين

1 . انظر: الفَرق بين الفِرق: 349 ; وفجر الإسلام: 252 ; وتاريخ المذاهب الإسلامية، للإمام محمد أبو زهرة: 22 ـ 23 .
2 . نظام الخلافة: 34.
3 . فجر الإسلام: 252 .

صفحه 223
مختلفتين للتعيين، وذلك بعد أن أنكروا طريقة التنصيص على الإمام من جهة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهاتان الطريقتان، كما يذكرهما الإمام أبو حامد الغزاليّ، هما:
الطريقة الأُولى: التنصيص من جهة إمام العصر، بأنْ يُعيِّن لولاية العهد شخصاً معيّناً من أولاده، أو سائر قريش.
الطريقة الثانية: التفويض من رجل ذي شوكة يقتضي انقياده وتفويضه متابعة الآخرين ومبادرتهم إلى المبايعة، وذلك قد يسلم في بعض الأعصار لشخص واحد مرموق في نفسه، مرزوق بالمتابعة، مستو على الكافة، ففي بيعته وتفويضه كفاية عن تفويض غيره، لأنّ المقصود أن يجتمع شتات الآراء لشخص مُطاع، وقد صار الإمام بمبايعة هذا المُطاع مطاعاً، وقد لا يتّفق ذلك لشخص واحد، بل لشخصين أو ثلاثة أو جماعة، فلابدّ من اجتماعهم واتّفاقهم على التفويض حتّى تتمّ الطاعة.(1)
وما نتناوله في هذا الفصل، هو طريقة الاختيار الّتي تمّت عقب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأهميّتها، حيث خلعوا عليها ثوب (الشورى)، الّتي اعتُبرت، فيما بعد، دعامة النظام السياسي، وأساس نظرية الاختيار لمنصب الخلافة.
ثمّ راحوا يلتمسون لها بعض الأدلّة، من الكتاب المجيد، أو من سيرة الصحابة، لكي تنسجم مع الشرع، وتُطبع بطابعه.

1 . الاقتصاد في الاعتقاد: 257 ـ 258. يُشار إلى أنّ عدداً من الكتّاب كالشيخ محمد أبو زُهرة ذكر ثلاث طرائق لاختيار الخليفة: الأُولى: طريقة العهد لمن بعده، كما صنع أبو بكر في عهده إلى عمر. الثانية: طريقة انتخاب أبي بكر، الّتي سمّاها بالانتخاب المباشر من المسلمين. الثالثة: أن يرشّح الخليفة عدداً يختارون هم من بينهم واحداً، كما صنع عمر حينما جعل الأمر بين ستة يتّفقون على اختيار واحد منهم. انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: 24.

صفحه 224
فما هي أدلّتهم على أن بناء الحكم الإسلامي يقوم على أساس الشورى، وأنّ تعيين الخليفة يتمّ عن هذا الطريق؟
لقد استند القائلون بالشورى إلى الآيتين الكريمتين اللتين وردتا حول الشورى، لدعم نظريتهم، وهما: قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)(1)، وقوله سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ)(2).
فهل تنهض هاتان الآيتان دليلاً على صحّة تلك النظرية؟
لنتدبّرهما جيّداً، ونُنعم النظر في موردهما ومغزاهما على ضوء كلمات العلماء والمفسّرين فيهما، لنصل إلى الرأي المرضيّ في هذا المجال:

التفسير السنّي لآيتي الشورى

الآية الأُولى:
قال تعالى: (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(3).
وأوّل ما يلاحظ في الآية أنّ الخطاب فيها موجّه إلى النبيّ، وأنّ قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ)خاص به (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالآية بصدد (بيان بعض الأُسس الّتي يقوم عليها منهج التربية الّتي يأخذ بها النبيّ جماعة المؤمنين)(2).
وممّن ذهب، من السلف، إلى اختصاص الوجوب في الآية بالنبيّ: الحسن البصري، وسفيان بن عُيينة.(3)

1 . آل عمران: 159 .      2 . الشورى: 38.   3 . آل عمران: 159 .
2 . التفسير القرآني للقرآن لعبدالكريم الخطيب: 2 / 628 .
3 . التحرير والتنوير (تفسير ابن عاشور التونسي): 3 / 269، مؤسسة التاريخ، 1420 هـ .

صفحه 225
ثمّ إنّ كثيراً من العلماء والمفسّرين يرَوْن أنّ الأمر بمشاورتهم مختصٌّ بالحرب فقط، وحجّتهم في ذلك أنّ الألف واللام في لفظ (الأَمْرِ)ليسا للاستغراق، بل للعهد، والمعهود في هذه الآية، الحرب ولقاء العدوّ .(1)
قال العلاّمة الآلوسيّ البغداديّ في تفسير قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ): أي في الحرب، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن سيرين عن عَبيدة، وهو المناسب للمقام، أو فيه وفي أمثاله ممّا تجري فيه المشاورة عادة، وإليه ذهب جماعة.(2)
ولو قُدِّر أنّ قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ) عامّ له (صلى الله عليه وآله وسلم)ولولاة أُمور الأُمّة، فإنّه في مورد مَن فُرغ من تعيينه، وتَسنَّم منصب القيادة، وأمسك بزمام الأُمور، وليس في معرض تحديد كيفية وصوله إلى الخلافة، أو تبيين طريقة اختياره إماماً.
إنّ أقصى ما يفيده الأمر بالمشاورة، أنْ لا يكون الحاكم الإسلامي ] إذا قُدّر أنّ الأمر موجّه إليه [ الّذي تمّت سلطته، مستبدّاً في أعماله، وأمّا أنّ الإمام يتعيّن عن طريق الشورى فالآية لا تدلّ عليه، والّذي يؤكّد ما قلناه أنّ الآية تأمر النبيّ، بعد المشاورة، بالتوكلّ عند العزم، وأنّ له الرأي النهائيّ والأخير.(3)
ولكي تطمئنّ أكثر ـ عزيزي القارئ ـ إلى ما ذكرناه آنفاً من أنّ الأمر بالمشاورة في الآية المتقدّمة (إذا كان عامّاً ولم يخصّ النبيّ وحده)، موجّه إلى الإمام، أي بعد فرض وجوده مُعيَّناً قائماً بالأمر....(4) اقرأ معي كلمات أعلام السنّة

1 . التفسير الكبير للفخر الرازي: 10 / 67، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة.
2 . روح المعاني: 4 / 106، دار إحياء التراث العربي. وانظر: تفسير البيضاوي: 1 / 187، دار الكتب العلمية، 1420 هـ .
3 . بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني: 6 / 160، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1424 هـ .
4 . انظر: الإمامة في ضوء الكتاب والسنّة، للشهيد الشيخ مهدي السماوي: 1 / 36 .

صفحه 226
الآتية في هذا المجال، فإنّك لا تجد حتّى في كلمات من يذهب منهم إلى أنّ الأمر يشمل ولاة الأُمور، لا تجد فيها ما يفيد غير المعنى المتقدّم:
قال البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه، باب قول الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) :
وكانت الأئمة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يستشيرون الأُمناء من أهل العلم في الأُمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتابُ أو السنّةُ لم يتعدَّوْا إلى غيره، اقتداءً بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
وقال ابن خَوَيْز منداد: واجب على الولاة المشاورة، فيشاورون العلماء فيما يشكل من أُمور الدين، ويشاورون وجوه الناس فيما يتعلّق بمصالحهم.(2)
وقال ابن عطية (عبدالحق بن غالب الغرناطي): الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهلَ العلم والدين، فعزلُه واجب.(3)
وقال الشيخ ابن عاشور التونسي: ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين.(4)
وأمّا الحكمة في مشاورة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأهل الرأي والتدبير من أصحابه ـ مع استغنائه بالوحي عن تعرّف صواب الرأي من العباد ـ فذكروا لها وجوهاً، أهمّها ثلاثة:
أحدها: إنّه أمره بالمشاورة تطييباً لأنفسهم، وتأليفاً لهم. وهذا قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق .

1 . صحيح البخاري: 4 / 435، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، الباب 28، دار الكتب العلمية، 1419 هـ .
2 . التحرير والتنوير (تفسير ابن عاشور): 3 / 268 ـ 269 .
3 . التحرير والتنوير (تفسير ابن عاشور): 3 / 268 ـ 269 .
4 . التحرير والتنوير (تفسير ابن عاشور): 3 / 268 ـ 269 .

صفحه 227
الثاني: إنّه أمره بذلك لتقتدي به أُمّته في المشاورة، ويتّبعه فيها المؤمنون، وإنْ كان عن مشورتهم غنيّاً. وهذا قول سفيان بن عُيينة.
الثالث: للوجهين معاً. وهذا قول الحسن البصريّ، والضحّاك.(1)
قال الشيخ محمد جواد مغنية: إنّ القول الأوّل هو أقرب الأقوال إلى الاعتبار، لأنّ المعصوم لا يسترشد برأي غير المعصوم .(2)
ومهما يكن، فإنّنا لم نجد فيهم مَن تحدّث عن (الشورى) كقاعدة لنظرية سياسية، يتمّ على أساسها انتخاب الخلفاء، بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الآية الثانية:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(3).
إنّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على المدّعى لا يتمّ، لأُمور:
الأوّل: إنّ الآية تتحدّث عن بعض سمات المؤمنين، وتُثني على ما تحلَّوا به من صفات سَنيّة، ومنها التشاور بينهم في أُمورهم الخاصة، ومحاولة تعميمها لتشمل التشاور بينهم في اختيار الإمام، بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لاسند لها من الآية، وعندئذ يصبح (التمسّك بها في مثل هذا المقام المردّد بين كونه من أُمور المؤمنين، أو مما يرجع إلى الله ونبيّه، تمسّكاً بالعام عند الشبهة المصداقية.
وبعبارة أُخرى: إنّ النزاع إنّما هو في مسألة الخلافة نفسها، هل هي مفوّضة إلى الأُمّة، أو هي أمر مختصّ بالسماء؟
وما دام لم يُحرَز كون هذا الموضوع من مصاديق الآية، لا يُحتَجّ بها على أنّ

1 . جامع البيان (تفسير الطبري) 4 / 192 ـ 193 ; والنكت والعيون (تفسير الماوردي): 1 / 433 ; والتبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي: 3 / 32.
2 . التفسير الكاشف: 2 / 189 .   3 . الشورى: 38.

صفحه 228
صيغة الحكومة الإسلامية، هي الشورى).(1)
الثاني: إنّ جملة من كبار المفسّرين، ذهبوا إلى أنّ الآية نزلت في الأنصار، منهم: ناصر الدين البيضاوي الشافعي، وأبو البركات النسفي الحنفي، وقد نقلوا عن عبدالرحمن بن زيد أنّه كان يقول: عنى بقوله: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ...): الأنصار.(2)
ولم يقفوا عند هذا الحدّ، بل ذكروا في سبب نزول قوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) في الأنصار وجوهاً، أبرزها:
الأوّل: إنّهم كانوا قبل قدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم، إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه، ثم عملوا عليه، فمدحهم الله تعالى به. قاله النقّاش.
الثاني: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وورود النقباء إليهم حتّى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له. قاله الضحّاك.(3)
قال الشيخ ابن عاشور التونسي، وهو يفسّر قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ): وقد عُرف الأنصار بذلك، إذ كان التشاور في الأُمور عادتهم، فإذا نزل بهم مهمّ اجتمعوا وتشاوروا، وكان من تشاورهم الّذي أثنى عليهم به، هو تشاورهم حين ورد إليهم نقباؤهم وأخبروهم بدعوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد أن آمنوا هم به ليلة العقبة، فلمّا أبلغوهم ذلك اجتمعوا في دار أبي أيوب الأنصاري، فأجمع رأيهم على الإيمان به، والنصر له.(4)

1 . بحوث في الملل والنحل: 6 / 160 ; ومفاهيم القرآن: 10 / 100 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 365 ; وتفسير النّسفي: 4 / 109. وانظر: جامع البيان (تفسير الطبري): 13 / 46.
3 . النكت والعيون (تفسير الماوردي): 5 / 206 .
4 . التحرير والتنوير: 25 / 170 ـ 171. وانظر: روح المعاني للآلوسي: 25 / 46.

صفحه 229
وإذا كانت الآية، حتّى مع القول بأنّها تعمّ جميع المؤمنين بالنبيّ، لا تنهض حجّة على ما ادّعاه بعض الكتّاب من أنّ اختيار الإمام يكون شورياً، وذلك لأنّها تثني على مزيّة التشاور بينهم في أُمورهم الّتي لم يظهر من الآية أنّ تنصيب الإمام منها، فكيف إذاً تنهض دليلاً على المدّعى مع قول هؤلاء المفسّرين بأنّها عنتْ طائفة من المؤمنين، وهم الأنصار، الذين كان حالهم التشاور قبل الإسلام وبعده؟
ومن هنا، نجد أنّ كبار علماء ومفسّري أهل السنّة، لم يتعرّضوا (وهم يتناولون هذه الآية) إلى مسألة الخلافة، وأنّها قائمة على الشورى، ولم يشيروا إلى ذلك من قريب أو بعيد، على الرغم من أنّهم قد ذكروا موارد للشورى بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه، وبين الصحابة أنفسهم.
قال العلاّمة الآلوسي البغدادي:
(وقد كانت الشورى بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه فيما يتعلّق بمصالح الحروب، وكذا بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعده عليه الصلاة والسلام، وكانت بينهم أيضاً في الأحكام، كقتال أهل الردّة، وميراث الجدّ، وعدد حدّ الخمر، وغير ذلك، والمراد بالأحكام ما لم يكن لهم فيه نصّ شرعيّ، وإلاّ فالشورى لامعنى لها، وكيف يليق بالمسلم العدول عن حكم الله عزّ وجلّ إلى آراء الرجال، والله سبحانه هو الحكيم الخبير).(1)

رأي الإمام محمد عبده في آيتي الشورى

وهكذا يتبيّن لنا من كلمات أعلام السنّة بأنّه ليس ثمّة دلالة، في الآيتين المتقدّمتين، على الرأي القائل بتعيين الإمام بالانتخاب، ويزداد الأمر وضوحاً عندما نقف على تصريح الإمام محمد عبده في هذا المجال، وهو يفسّر قوله

1 . روح المعاني: 25 / 46.

صفحه 230
تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1)، حيث قال:
(ومن أعمال هذه الأُمّة، الأخذ على أيدي الظالمين، فإنّ الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون إلاّ قويّاً، ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أُمّة، لأنّ الأُمّة لا تخاف ولا تُغلب كما تقدّم، فهي الّتي تقوِّم عوج الحكومة، والمعروف أنّ الحكومة الإسلامية مبنيّة على أصل الشورى، وهذا صحيح، والآية (2) أدلّ دليل عليه، ودلالتها أقوى من قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ)لأنّ هذا وصف خبريّ لحال طائفة مخصوصة أكثر ما يدلّ عليه أنّ هذا الشيء ممدوح في نفسه، محمود عند الله تعالى، وأقوى من دلالة قوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)فإنّ أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر، فماذا يكون إذا هو تركه؟ وأمّا هذه الآية فإنّها تفرض أن يكون في الناس جماعة متّحدون أقوياء يتولّون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عامّ في الحكّام والمحكومين.(2)
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يؤسّس لنظرية الاختيار في نظر الباحثين من أهل السنّة   
ومع أنّ الشيخ محمد عبده يعتبر آية: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)أقوى دلالة
على الشورى من الآيتين المتقدّمتين، إلاّ أنّه لم يقصد بالشورى ذلك المبدأ
الّذي ينتخب بموجبه الإمام (الحاكم)، وإنّما عنى بها السلوك والمنهج،
المغاير لمنهج الاستبداد بالرأي، والّذي ينبغي أن يلتزم به الحكّام
والمحكومين على السواء، ويدلّ على ذلك قوله بأنّ الأُمّة (يعني الجماعة
الداعية الآمرة الناهية) هي الّتي تقوِّم عوج الحكومة، وأنّ تَولّي تلك المسؤولية،

1 . آل عمران: 104 .   2 . يعني قوله تعالى: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ...).
2 . تفسير المنار: 4 / 45 .

صفحه 231
عامّ في الحكّام والمحكومين).(1)

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يؤسّس لنظرية الاختيار، في نظر الباحثين من أهل السنّة

وبعد، فقد اتّضح، بجلاء، أنّ تفويض الأمر إلى الأُمة لا يستند إلى دليل شرعيّ مستمدّ من الكتاب المجيد، وهو يفتقر أيضاً إلى نصّ شرعي صادر عن النبيّ، فلم يُسمَع عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال يوماً: إنّ الاختيار في تعيين الإمام لأهل الحلّ والعقد، أو أنّه أمر الأُمّة باختيار الإمام بعده، لا تصريحاً ولا تلويحاً، على أنّ الدواعي جدّ متوفّرة لنقل مثل هذا القول، والقوّة والحول في صدر الإسلام إلى ما بعده، في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه.(2)
والباحثون، من أهل السنّة، لا ينكرون هذه الحقيقة، فهم يذهبون إلى أنّ طريق عقد الإمامة للإمام، هو الاختيار، ولكنّهم لا يستندون في ذلك إلى حديث شريف، أو بيان من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يرشدهم إلى تلك القاعدة.(3)
ومن هنا أصحر العديد من علمائهم وكتّابهم بالقول: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يضع قاعدة أو نظاماً للشورى.(4)
وإنّ النبيّ نفسه لم يرسم بسنّته نظاماً معيناً للحُكم .(5)

1 . إن التفسير السنّي (المعتمد والمشهور) لآيتي الشورى، كما تقدّم بيانه، يتّفق مع التفسير الشيعي لهما، وليس ثمّة أنفاق مسدودة، أو منغلقات فكرية في هذا الموضوع، يُخشى من الدخول فيها، أو تقحّمها، كما يتصّور أحد الكتّاب الفضلاء.
2 . السقيفة للشيخ محمد رضا المظفر: 44، مؤسسة أنصاريان، الطبعة الثانية، 1415 هـ .
3 . انظر: الفرق بين الفِرق لعبد القاهر البغدادي: 351 ; والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفرّاء: 28، دار الفكر، 1414 هـ .
4 . تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: 4 / 201. وقد ذكر المؤلّف لإهمال النبي لهذا النظام، حِكماً وأسباباً، لا علاقة لها بالأمر الّذي نحن بصدد تقريره.
5 . الفتنة الكبرى لطه حسين: 25.

صفحه 232
وإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يعيّن للشورى طريقاً خاصاً، ولا نظاماً ثابتاً .(1)
وإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)توفّي ولم يبيّن كيف يكون اختيار مَن يخلفه.(2)
فالنبيّ، إذاً، لم يطرح نظام الشورى، ولم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى، وتفاصيله التشريعية، ومفاهيمه الفكرية، لأنّ هذه العملية لو كانت قد أُنجزت، لكان من الطبيعي أن تنعكس في الأحاديث المأثورة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي ذهنية الجيل الطليعي منها، الّذي يضمّ المهاجرين والأنصار، بوصفه هو المُكلَّف بتطبيق نظام الشورى، مع أنّنا لا نجد في الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّ صورة تشريعية محدّدة لنظام الشورى.(3)
   

نظرية الشورى في دائرة النقد السنّي

وليس هذا فحسب، بل إنّ نظرية الشورى والاختيار، الّتي صيغت وفق ما آل إليه أمر الخلافة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(الأمر الواقع) وليس على أساس من الكتاب والسنّة، لم تسلَم، بالرغم من تأخّر ظهورها ومحاولات تحسينها وتطويرها، لم تسلم من نقد الكتّاب من أهل السنّة، دعْ عنك من أنكر منهم وجودها في عصر الخلفاء الثلاثة الأوائل .
قال الدكتور طه حسين، وهو يصف الأوضاع بعد مقتل عثمان مباشرة: ولم يكن للمسلمين نظام مقرر مكتوب أو محفوظ (4) يشغلون به منصب الخلافة حين يخلو، وإنّما كانوا يواجهون خلوّ هذا المنصب كما يستطيعون أن يواجهوه.

1 . تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زُهرة: 22 ـ 23.
2 . فجر الإسلام لأحمد أمين: 252.
3 . نشأة التشيّع والشيعة للشهيد محمد باقر الصدر: 32 ـ 33.
4 . من الطبيعي أن يحتار المسلمون في كيفية مواجهة الفراغ السياسي، بعد إلغاء مبدأ النصّ المحفوظ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإقصاء عليّ (عليه السلام)عن الخلافة.

صفحه 233
فأنت تعلم كيف بويع أبو بكر، وكيف رأى عمر أنّ بيعته كانت فلتةً وقى الله المسلمين شرّها. وأنت تعلم أنّ عمر إنّما بويع بعهد من أبي بكر إليه وإلى المسلمين .(1)
وقال الدكتور أحمد محمود صبحي، وهو يتحدّث عن الموضوعات المتعلّقة بنظام الحكم في الإسلام :
(وقد يكون لقصر أبحاث الشيعة السياسية على الإمامة ما يبرّره من حيث إنّ الإمام مُعيَّن من الله، جامع لكلّ السلطات، ولكن تقصير أهل السنّة في ذلك ليس له ما يسوّغه، فقد جعلوا الأُمّة كلّها وارثة لرسالة الرسول، وأشاروا إلى مسؤولية أهل الحلّ والعقد في نصْب الإمام، فكانت وجهة نظرهم الديمقراطية تقتضي أبحاثاً مستفيضة في السلطة التشريعية الممثّلة في أهل الحلّ والعقد والمجتهدين من الأئمة، كيف يتمّ تكوينهم؟ ما حدود سلطاتهم؟ هل يحقّ لهم عزل الإمام؟ ما الضمانات المكفولة لهم ليتم الانتخاب في حرّية؟ هل يجمع الإمام أو الخليفة السلطات كلّها تنفيذية وتشريعية وقضائية؟
ولكنّ أهل السنة أغفلوا ذلك كلّه إغفالاً يكاد يكون تامّاً، فلم يعرف عن أهل الحلّ والعقد شيء من الناحية النظرية، وربّما الواقعية كذلك، مع أنّهم أعلى السلطات..).(2)
وقال أيضاً: (أمّا إزاء الدفاع عن مبدأ الاختيار، فلم يكن موقفهم ] أي موقف أهل السنّة [متماسكاً موحّداً، ويرجع ذلك إلى اختلاف آرائهم في كيفية الاختيار، هل بإجماع الأُمّة أم بإجماع أهل الحلّ والعقد، والعدد الّذي تنعقد به الإمامة، والشروط الواجب توافرها في الإمام، وهل تجب أفضليته، أم يُكتفى بفضله؟

1 . الفتنة الكبرى 2 (عليّ وبنوه): 6 .   2 . نظرية الإمامة: 26.

صفحه 234
وهل تصحّ ولاية العهد، وكيف يُعزل إذا جار؟ كلّ ذلك لا نجد عند متكلّمي السنّة موقفاً مجمعاً عليه، الأمر الّذي يسّر على الشيعة نقد دعوى الاختيار من أساسها وإثبات تهافتها، فضلاً عن عدم انطباقها في الواقع إلاّ حين اختير أبو بكر.(1)
ولقد كان في واقع التاريخ الإسلامي ما التمس فيه الشيعة نقط الضعف لتركيز هجومهم على أُسلوب اختيار الخلفاء، إذ لم تتشابه طريقة اختيار كلّ من الخلفاء الراشدين، أمّا من بعدهم، فقد كانت عهداً صرفاً، ووراثة لا محلّ فيها للاختيار).(2)
ويُستخلص ممّا تقدّم أنّ الشورى، الّتي تبنّاها أهل السنّة، كأساس للحكم، لم تعتمد ـ حسب الرأي السنّيّ المعروف ـ على نصّ شرعيّ: قرآنيّ، أو نبويّ، وإنّما نظروا إلى الواقع الّذي انتهى إليه أمر الخلافة، بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاستمدوا منه خيوط نسج تلك الفكرة، فكرة الشورى، الّتي مرّت بمراحل زمنية متعدّدة من التحسين والترقيع إلى أن تبلورت، في عصر متأخّر، كنظرية سياسية للحكم. ولمّا كان الواقع التاريخي المذكور، مضطرباً، حافلاً بالتناقضات والأزمات، فقد ألقى بظلاله الداكنة على نظرية الشورى نفسها، فجاءت صورتها ـ كما رسمها النقّاد من كتّاب أهل السنّة ـ مهتزّة.. متذبذبة.. غائمة.. مليئة بالفراغات والثَّغرات.

أحمد الكاتب يدهُنُ من قارورة فارغة

أفلا تعجب بعد هذا الاستعراض لكلمات أهل السنّة، الّتي تُقرّر ضعف

1 . سنبيّن بعد قليل، أنّ خلافة أبي بكر لم تتمّ وفق نظرية الشورى، أو مبدأ الاختيار الحقيقي، وهذا ما أقرّ به عمر بن الخطاب نفسه، حينما وصف بيعته بالفلتة.
2 . نظرية الإمامة: 97 .

صفحه 235
نظرية الشورى عندهم، وغموض أو إهمال بيان الكثير من المفاهيم المتعلّقة بجوهرها، وأنّها لم تستند إلى نصوص قرآنية أو نبويّة، ولم تكن معروفة في أيام الخلفاء الثلاثة الأوائل.. أفلا تعجب، بعد هذا كلّه أن ينبري أحمد الكاتب فيطلق دعواه العريضة بأنّ نظرية الشورى كانت نظرية أئمة أهل البيت والشيعة الأوائل؟
والغريب أنّه لم يأتِ بحديث صحيح واحد مرويّ عن الأئمة(عليهم السلام)يؤيّد تلك الدعوى الّتي شاد عليها كتابه، وكرّرها في موارد كثيرة منه، أهمّها:
1. اكتشفتُ أنّها ] يعني نظرية الإمامة [ كانت من صنع المتكلّمين وبعيدة بل ومتناقضة مع أقوال الأئمة من أهل البيت وأحاديثهم الصحيحة... الداعية إلى اختيار الإمام من قبل الأُمّة عبر الشورى.(1)
2. وقد قمت في هذا الكتاب ببحث تطور الفكر السياسي الشيعي بدءاً من نظرية الشورى الّتي كان يؤمن بها الشيعة في الجيل الأوّل.(2)
3. كانت الأُمّة الإسلامية في عهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعد وفاته وخلال العقود الأُولى من تاريخها تؤمن بنظام الشورى وحقّ الأُمّة في اختيار ولاتها. وكان أهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الإيمان، والعاملين به... وبالرغم ممّا يذكره الإماميون من نصوص حول تعيين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده، إلاّ أنّ تراثهم يحفل بنصوص أُخرى تؤكّد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى وحقّ الأُمّة في انتخاب أئمتها.
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى.. أنّ العباس بن عبدالمطلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسأله عن القائم بالأمر بعده...(2)
4. ولذلك فإنّ الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 7 .   2 . المصدر نفسه: 8 .
2 . المصدر نفسه: 11.

صفحه 236
الأحاديث معنى النصّ والتعيين بالخلافة، ولذلك اختاروا طريق الشورى، وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول، ممّا يدلّ على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحقّ الإمام علي، أو عدم وجودها في ذلك الزمان.(1)
5. لقد كان أئمة أهل البيت يعتقدون بحقّ الأُمّة الإسلامية في اختيار أوليائها وبضرورة ممارسة الشورى، وإدانة الاستيلاء على السلطة بالقوة. ولعلّنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون أخبار الرضا) عن الإمام الرضا عن أبيه الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). والذي يقول فيه: «من جاءكم يريد أن يفرّق الجماعة، ويغصب الأُمّة أمرها، ويتولّى من غير مشورة فاقتلوه، فإنّ الله عزّ وجلّ قد أذن ذلك» لعلّنا نجد في هذا الحديث أفضل تعبير عن إيمان أهل البيت بالشورى والتزامهم بها.(2)
6. ومن هنا فقد كانت نظرتهم ] أي الجيل الأوّل من الشيعة، حسب تعبيره [ إلى الشيخين أبي بكر وعمر نظرة إيجابية، إذ لم يكونوا يعتبرونهما «غاصبين» للخلافة الّتي تركها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)شورى بين المسلمين، ولم ينصّ على أحد بالخصوص. وهذا ما يفسّر أمر الإمام الصادق لشيعته بتولّيهما.(2)
7. وقد حاول (الإماميّون) الذين نشأوا في بدايات القرن الثاني الهجري، أن يسحبوا نظريتهم إلى الوراء، ويقرأوا التاريخ الشيعي قراءة جديدة على ضوء نظريتهم القائمة على (النصّ) وإلغاء الفكر الشيعي السياسي السابق القائم على الشورى.(4)

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 14.   2 . المصدر نفسه : 21.
2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 22 .   4 . المصدر نفسه: 57.

صفحه 237
8. وبعد سقوط نظرية الشورى ـ عند فلاسفة نظرية الإمامة الإلهية ـ كطريق لانتخاب الإمام، كان لابدّ أن...(1)
هذه هي أبرز الموارد الّتي تحدّث فيها الكاتب عن نظرية الشورى المزعومة عند أئمة أهل البيت وشيعتهم الأوائل.
ولست في حاجة إلى أن أقف عند كلّ مورد منها، فقواعد البحث العلميّ تقتضي إهمال الأحكام الجاهزة، والنتائج الّتي تأتي بدون مقدّمات ودلائل، ولذا تجاوزتُ الموارد (2، 7، 8) لأنّها تدخل في إطار تلك الأحكام والنتائج.
وإليك، عزيزي القارئ ، مناقشة سائر الموارد، الّتي اقترنت (ظاهراً) بالأدلّة:
زعم أحمد الكاتب (كما في المورد الأوّل) بأنّ الأحاديث الصحيحة لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)تدعو إلى اختيار الإمام من قبل الأُمّة عبر الشورى.
ولاشكّ في أنّ مَن يقرأ هذا الحكم المبرم، يتوقّع أنّ الكاتب قد استشهد بجملة من تلك الأحاديث لإثبات زعمه، ولكنّه سيصاب بالدهشة حينما يطالع كلّ صفحات الكتاب، فلا يجد فيها سوى حديث واحد!! نعم حديث واحد فقط!! (انظر: المورد الخامس).
وعندما نرجع إلى هذا الحديث (اليتيم) وندرس سنده، نرى أنّه لا يُعدّ من الأحاديث الصحيحة!! وللوقوف على ذلك هاك نصّ الحديث مع رجال سنده:
روى الشيخ الصدوق، عن محمد بن عمر الجعابي، عن أبي محمد الحسن بن عبدالله بن محمد الرازيّ التميميّ، ] عن أبيه [ (2)، قال: حدثني سيدي علي

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 63 .
2 . لم ترد في المطبوعة، والصواب ما ذكرناه، فالجعابي (المتوفّى 355 هـ) لا يمكن أن يروي عن الإمام الرضا (المتوفّى 203 هـ) بواسطة واحدة، ويؤيد ذلك أنّ السند (كما ذكرناه) ورد تامّاً في الحديث (278) من الباب المذكور، كما أورده كذلك في كتابه «كمال الدين»، الباب 22، رقم 58 .

صفحه 238
بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني... قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءكم يريد أن يفرّق الجماعة ويغصب الأُمّة أمرها ويتولّى من غير مشورة فاقتلوه، فإنّ الله عزّوجلّ قد أذن ذلك»(1).
وفي السند: محمد بن عمر الجعابي.
قال النجاشي: كان من حفّاظ الحديث، وأجلاّء أهل العلم.(2)
وقال السيد الخوئي: لاشك في أنّ الرجل من الأكابر الأجلاّء، وهو في أعلى درجات الحسن.(3)
وفيه أيضاً: عبدالله بن محمد الرازي التميمي، ولم يوثّقه أحد. ذكره النجاشي، وقال:
له نسخة عن الرضا (عليه السلام).(4)
ثمّ إنّنا نسأل الكاتب: إذا كنت لا ترى بأساً في الأخذ بأحاديث هذا الإسناد، فلماذا اقتنصتَ منها حديثاً واحداً لإثبات ما سمّيته بـ (نظرية الشورى) عند أئمة أهل البيت، وأعرضت عن مجموعة الأحاديث الّتي تُثبت إمامتهم(عليهم السلام)، مع أنّها جميعاً قد وردت بنفس الإسناد ؟(5)
وزعم الكاتب بأنّ تراث الإماميين يحفل بنصوص تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى وحق الأُمّة في اختيار أئمتها. تقول رواية

1 . عيون أخبار الرضا: 2 / 67، باب 31، رقم 254 .
2 . رجال النجاشي: 394، الترجمة 1055.
3 . معجم رجال الحديث: 17 / 67 ـ 68، الترجمة 11439.
4 . رجال النجاشي: 228، الترجمة 603 .
5 . مثل الحديث (214): «من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتة جاهلية...»، والحديث (217): «الأئمة من ولد الحسين...»، والحديث (229): «ياعلي أنت تبرئ ذمّتي وأنت خليفتي على أُمّتي» .

صفحه 239
يذكرها الشريف المرتضى... (المورد الثالث).
وقد سبق أن ناقشنا هذا الزعم بتفصيل، ونبّهنا على وهم الكاتب في نسبة الرواية إلى الشريف المرتضى، وقلنا: إنّ الصواب أنّها من الروايات الّتي ذكرها القاضي عبدالجبار المعتزليّ في كتابه «المُغني» للاحتجاج بها على القائلين بالنصّ، وحكاها عنه الشريف المرتضى، للردّ عليها.(1)
وهكذا اتّضح، بجلاء، خلوّ وعاء الكاتب من أيّ حديث صحيح مأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، يثبت التزامهم بمبدأ الشورى وحقّ الأُمّة في اختيار أئمتها.
ومن السهل جدّاً على الباحث أن يصل إلى هذه النتيجة، فإذا كان أهل السنّة أنفسهم، مع إيمانهم بنظرية الشورى ومبدأ الاختيار، لم يستندوا في إقامة نظريتهم ـ كما تقدّم ـ إلى أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو بياناته، وإنّما إلى إجماع الصحابة (المزعوم)، فكيف يتسنّى لأحد أن يستند في تأييدها إلى تراث الإمامية الزاخر بالروايات والأقوال والآراء الّتي تنقض تلك النظرية وتدحضها، وتثبت مبدأ النصّ والتعيين وتؤكّده؟
والحقّ، أنّه لا يقدم على هذه المغامرة إلاّ من يريد أن يحلّق في الخيال، ويقيم بحثه على شفا جرُف هار من التصوّرات والأوهام.
وزعم الكاتب، أيضاً، أنّ الشيعة الأوائل لم يكونوا يعتبرون الشيخين أبا بكر وعمر «غاصبين» للخلافة الّتي تركها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)شورى بين المسلمين، ولم ينصّ على أحد بالخصوص. ثم قال: وهذا ما يفسّر أمر الإمام الصادق لشيعته بتولّيهما (انظر: المورد السادس) .

1 . انظر: الحقيقة السادسة، فقرة: (وجاء مَن يستر وجه الّذي عَلِمه، ص 129)، وفقرة: (الروايات الثلاث في الميزان، ص 132).

صفحه 240
لا يصعب على من يقفز على الوقائع التاريخية المتعلّقة بقضية ما، أن يرمي الكلام على عواهنه، وأن يسوق أوهامه وكأنّها حقائق ثابتة.
فمن المعلوم، لكلّ مطّلع واع، أنّ الإمام عليّاً وزوجه فاطمة (عليها السلام)(1) بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، كانا قد عارضا خلافة أبي بكر، ووقفا منه ومن صاحبه عمر، موقفاً سلبياً، وأنّ جماعة من المهاجرين والأنصار تخلّفوا عن بيعة أبي بكر، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد بن العاص، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأُبيّ بن كعب ، وفروة بن عمرو البياضي الأنصاري(2).
ثمّ إنّ الأحداث المريرة الّتي عاشها الإمام وأصحابه، والظروف الاستثنائية الّتي مرّت بها الأُمّة آنذاك، قد وضعت الإمام، وجهاً لوجه، أمام خيارات صعبة جدّاً، بَيْد أنّه (عليه السلام)استطاع بإخلاصه وحكمته ونُبل سلوكه ومقاصده، استطاع أن يحسن الاختيار، وأن يقف ذلك الموقف المسؤول، الّذي وازن فيه، بدقّة عجيبة، بين أمرين خطيرين للغاية: بين الدفاع عن حقّه السليب، وبين الدفاع عن المصلحة الإسلامية الّتي كانت مهدّدة في ذلك الوقت العصيب.
ذلك الموقف الّذي اتّخذه ابن أبي طالب، كان يتمثّل، من جهة، في تنكّب سياسة الاحتجاج والمعارضة، وترك المنازعة والمنابذة، درءاً للفتنة، ومنعاً للانشقاق بين صفوف المسلمين، وتحقيقاً للمصلحة الإسلامية العليا.

1 . انظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 124 ; والكامل لابن الأثير: 2 / 325، 402 ; وأُسد الغابة: 2 / 82 .
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6 / 28 ـ 29. شهد فروة العقبة، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان من أصحاب عليّ، وممّن شهد معه يوم الجمل، وله شعر قاله يوم السقيفة. انظر: الإصابة لابن حجر: 3 / 204 برقم 6977 .

صفحه 241
ويتمثّل، من جهة أُخرى، في التنبيه على حقّه المغتصب، بقدر ما يسمح
به الظرف وتستدعيه المصلحة، بالكلمة الصريحة تارة، وبالإشارة والتلميح
تارة أُخرى، لكي يقيم الحجّة على الناس، ولكي يبقى ذلك الحقّ الإلهي محفوراً في ذاكرة الأُمّة، حيّاً في الضمائر والقلوب.. عصيّاً على محاولات الطمس والنسيان .
(فلم يزل (عليه السلام)متظلّماً متألّماً منذ قُبض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أن توفّاه إلى جنّته، ولم يزل أهله وشيعته يتظلّمون من دفعه عن حقّه، وكان ذلك منه (عليه السلام)ومنهم، يخفى ويظهر، ويترتّب في الخفاء والظهور ترتّب الأوقات في شدّتها وسهولتها، فكان (عليه السلام)يظهر من كلامه في هذا الباب في أيام أبي بكر ما لم يكن ظاهراً في أيام عمر، ثم قوي كلامه (عليه السلام)وصرّح بكثير ممّا في نفسه في أيام عثمان، ثم ازداد قوّة في أيام تسليم الأمر إليه، ومن عُني بقراءة الآثار علم أنّ الأمر جرى على ما ذكرناه).(1)
ومن هذه الآثار:
1. ابن قتيبة: ثم إنّ عليّاً كرّم الله وجهه أُتي به إلى أبي بكر، وهو يقول: أنا عبدالله، وأخو رسول الله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحقّ بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أَولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتأخذه منّا أهل البيت غصباً ] لاحظ [...
فقال له عمر: إنّك لستَ متروكاً حتّى تبايع، فقال له عليّ: احلب حلباً لك شطره، وشدّ له اليوم يرددْه عليك غداً.(2)
ثم قال: وإنّ أبا بكر (رضي الله عنه)تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا

1 . الشافي للشريف المرتضى: 3 / 222 .   2 . تاريخ الخلفاء الراشدين (الإمامة والسياسة): 1 / 11 .

صفحه 242
بالحطب، وقال: والّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة، فقال: وإنْ!! فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّاً... فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضراً منكم، تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا، ولم تردّوا لنا حقّاً...(1)
2. وممّا جاء في قصة الشورى، أنّ عبدالرحمن دعا عليّاً، فقال: عليك
عهد الله وميثاقه لتعملنّ بكتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده،
فقال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان، فقال له مثل
ما قال لعليّ، قال: نعم، فبايعه، فقال عليّ: حَبَوتَه حَبْو دهر، ليس هذا أوّل
يوم تظاهرتم فيه علينا
(فَصبرٌ جَميلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ على ما تَصفِونَ)(2)، والله ما ولّيتَ عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك، والله كلّ يوم هو في
شأن...(3)
3. ومن خطبة لعليٍّ (عليه السلام)بالمدينة في أوّل إمارته:
أمّا بعد، فإنّه لمّا قبض الله نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانَه أحدٌ، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا، فغصبونا ] لاحظ [ سلطان نبيّنا، فصارت الإمرة لغيرنا... وأيم الله لولا مخافة

1 . المصدر نفسه: 1 / 12. وقد نظم شاعر النيل حافظ إبرهيم حادثة التهديد بتحريق بيت عليّ، فقال:
وقولة (لعليٍّ) قالها (عمَرُ) *** أكِرمْ بسامعها، أعظمْ بمُلقيها
حرّقت دارك لا أُبقي عليك بها *** إنْ لم تبايعْ، وبنتُ المصطفى فيها
ما كان غير (أبي حفص) يفوهُ بها *** أمام فارس (عدنان) وحاميها
ديوان حافظ إبراهيم: 82 ، دار الجيل .
2 . يوسف: 18 .
3 . تاريخ الطبري: 3 / 297 (قصة الشورى، 23 هـ) ; والكامل لابن الأثير: 3 / 71 .

صفحه 243
الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبورَ الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه...(1)
4. وقال (عليه السلام)لمّا نكث بيعتَه طلحة والزبير، وخرجا يتهيّآن لقتاله:
فَوَاللهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هذا.(2)
5. وقال (عليه السلام)في خطبة له في أيام خلافته، يذكر فيها أصحاب الجمل:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ (استعينك) عَلَى قُرَيْش وَمَنْ أَعَانَهُمْ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي. ثُمَّ قَالُوا: أَلاَ إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ.(3)
6. وقال (عليه السلام)في خطبته المعروفة بالشِّقشقية:
أَمَا وَاللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلانٌ (ابن أبي قحافة) وَإنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا. يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إلَيَّ الطَّيْرُ; فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ!
فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذىً، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً....
فَيَا عَجَباً!! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ، إذْ عَقَدَهَا لاِخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا! فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَة خَشْنَاءَ... فَمُنِيَ النَّاسُ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْط

1 . شرح نهج البلاغة : 1 / 307 .         2 . نهج البلاغة: الخطبة 6 .   3. المصدر نفسه: الخطبة 172 .

صفحه 244
وَشِمَاس، وَتَلَوُّن وَاعْتِرَاض; فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الِْمحْنَةِ....(1)
7. وقال (عليه السلام)في كتاب إلى معاوية جواباً:
وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الَْمخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ. وَلَعَمْرُ
اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ
مِنْ غَضَاضَة فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ، وَلاَ مُرْتَاباً
بِيَقِينِهِ!(2)
8. وقالت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في إحدى خطبها: أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومَهبِط الروح الأمين، والطَّبن بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين! وما الّذي نقموا من أبي حسن؟ نقموا والله نكير سيفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله... إلى أيّ لجأ استندوا، وبأيّ عروة تمسّكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، ولبئس للظالمين بدلا! استبدلوا والله الذُّنابى بالقوادم، والعَجُز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يُحسنون صنعاً...(3)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 3. (سدلتُ دونها ثوباً): أرخيت، يقول: ضربتُ بيني وبينها حجاباً فِعْلَ الزاهدِ فيها. (طويتُ دونَها كشحاً): قطعتها وصرمتها. (اليد الجذّاء): المقطوعة. و (الطَّخْية): القطعة من السحاب. (وفي العين قذىً): أي صبرت على مضض كما يصبر الأرمد. (وفي الحلق شجاً): وهو ما يعترض في الحلق، أي كما يصبر من غصّ بأمر فهو يكابد الخنْق. (أرى تراثي نهباً): كنى عن الخلافة بالتراث، وهو الموروث من المال. (الخبْط): السَّير على غير جادة. (الشِّماس): النِّفار. (التلوّن): التبدّل. (الاعتراض): السَّير لا على خطّ مستقيم، كأنّه يسير عَرْضاً في غضون سيره طولاً. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 151 ـ 153، 173 .
2 . نهج البلاغة: الكتاب 28. (الجمل المخشوش): الّذي جُعل في أنفه الخِشاش، وهو ما يُدخل في عظْم أنف البعير من خشب، لينقاد.
3 . شرح نهج البلاغة: 16 / 233 ـ 234 .

صفحه 245
وكانت (عليها السلام)قد غضبت على أبي بكر وعمر، وأوصت عليّاً (عليه السلام)، حين أحسّت بدنوّ أجلها، أن لا يحضرا جنازتها، وأن يُواري جثمانها الطاهر في غسق الليل .
روى البخاري بإسناده عن عائشة: أنّ فاطمة (عليها السلام)، بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... فأبى أبو بكر... فوَجَدتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجَرتْه فلم تكلِّمه حتّى توفّيت... فلمّا توفيت دفنها زوجها ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها.(1)
9. وكتب الإمام الحسن (عليه السلام)، بعد أن بويع بالخلافة، إلى معاوية:
... فلمّا توفّي (صلى الله عليه وآله وسلم)تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأُسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقّه، فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش، وأنّ الحجَّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)فأنعمتْ لهم العرب وسلّمت إليهم، ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها.
إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلمّا صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى مُحاجّتهم، وطلَبِ النَّصَف منهم، باعَدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومُراغمَتنا، والعَنَت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الوليّ النصير.(2)
10. وقال عمار بن ياسر في أيام الشورى:
أيّها الناس، إنّ اللهَ عزّ وجلّ أكرمَنا بنبيّنا، وأعزّنا بدينه، فأنى تصرفون هذا

1 . صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 4240، 4241.
2 . مقاتل الطالبيين: 55 ـ 56، دار المعرفة; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 16 / 33. وروى نحوه أبو الحسن المدائني. انظر: شرح نهج البلاغة: 16 / 24 .

صفحه 246
الأمر عن أهل بيت نبيّكم ؟(1)
11. وقال المقداد بن الأسود في أيام الشورى، بعد أن أرسل عبدالرحمن يد عليّ، وصفق على يد عثمان:
ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم، إنّي لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول أنّ أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا!!(2)
إنّ هذه الكلمات (بل الزَّفرات والآهات) الّتي أطلقها الإمام علي وأهل بيته وشيعته، تعبّر عمّا كان يعتمل في صدورهم من أسىً ولوعة تجاه أحداث السقيفة وما بعدها، وتكشف ـ بما اختزنت من غضب مقدّس ـ عن حقيقة الموقف الرسالي المسؤول الذي كان اتّخذه الإمام (عليه السلام)(ومن ورائه شيعته) ممّن تنكّر له، وسلبه حقّه في خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ذلك الحقّ الذي ما فتئ يذكره، ويذكّر به، منذ أن تظاهرت قريش على انتزاعه منه، وإلى أن ارتحل (عليه السلام)عن هذه الدنيا النَّكدة إلى حيث الخلود والنعيم المقيم .

مواقف وأحاسيس الإمام عليّ ممّن ابتزّه حقّه، بريشة الأُستاذ عبدالفتاح عبدالمقصود

ولندع الكلام، الآن، للكاتب الكبير عبدالفتاح عبدالمقصود المصري، الذي قرأ تلك النصوص التاريخية، قراءة محايدة واعية، كشف النقاب من خلالها عن موقف الإمام (مع عدد غير قليل من الصحابة الأجلاّء) من بيعة السقيفة، ومثالية سلوكه (عليه السلام)في تلك الأيام العصيبة، كما صوّر، بريشته المبدعة، أحاسيس الإمام الغامرة بالمرارة ممّن غمطوه حقّه في الخلافة:

1 . تاريخ الطبري: 3 / 297 ; والعقد الفريد: 5 / 31 ; والكامل لابن الأثير: 3 / 71 .
2 . تاريخ الطبري: 3 / 297 ; والعقد الفريد: 5 / 32 ; والكامل لابن الأثير: 3 / 71 ; وشرح النهج لابن أبي الحديد: 1 / 194.

صفحه 247
قال رحمه الله تعالى:
ـ الجليّ أنّ سلوك عليّ والذين اعتزلوا معه يوم وفاة رسول الله في جانب، وسلوك مَن عداهم الذين سارعوا في الجانب الآخر، للانحياز إلى هؤلاء أو أُولئك من جماعتي المتنافسين على السلطان، سلوكان يتنافران ولا يتلاقيان، التقريب بينهما محال، والفارق عسير إخفاؤه على النظرة المنصفة الّتي تثيب على العمل حين يحقّ له أن يثاب، وتعيب حين يحقّ عليه أن يعاب!...
أما موقف عليّ بالذات فهو، على وجه القطع لا الاحتمال، الموقف الأخلق به، المنتظر منه، لأنّه صدى طبعه السويّ السليم، ومصداق خُلقه القويّ القويم، إذ كان، عليه رضوان الله، على درجة من النقاء والتجرّد أُسطورية...
ذلك أنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر أنّ سلوك عليّ ـ في هذه الآونة الحافلة بتضارب التيارات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وبالميول الشخصية والرهطية والقبلية ـ كان سلوك تعفّف وتقية، ينمّ دائماً ـ وإن خالطه غضبه لحقّه المضيّع ـ عن حرصه الكامل وغيرته الصادقة على وحدة المسلمين أن يشقّها تنازع في الأُمّة يقع بين مؤيدين ومعارضين أو بين أنصار ومهاجرين، لا يبعد أن يقود إلى فتنة مسلحة، أو حرب أهلية خليقة بأن تصيب الدين وأهله بما لا تؤمن مغبّته، ولا تحمد عقباه.
ولاشكّ في أنّ حرصه هذا، كما تتكشّف، عنه سلاسل مواقفه، كان يسير بين سلب وإيجاب، وفقاً لمقتضيات الظروف والملابسات، ولاتجاهات الأفراد والجماعات.(1)
ـ وقال، تعقيباً على بعض الأخبار، الّتي تتحدث عن أنّه (عليه السلام)قد أبى على أصحابه أن يتناولوا بيعة أبي بكر ـ بعد أن استقرّ أمره ـ بالكلمة اللائمة العاتبة

1 . السقيفة والخلافة لعبدالفتاح عبدالمقصود: 168 ـ 170 .

صفحه 248
فضلاً عن الحركة المثيرة المؤلّبة، قال:
فبماذا تجيئنا مثل هذه الأخبار إنْ لم تجئنا بحرص الإمام أعظم الحرص على توفير السلام للأُمّة، والسلام لنظام الحكم البكري، وإن كان نظاماً قد قام على أنقاض حقّه المعلوم؟
ذاك دائماً كان موقفه من الوضع السياسي القائم عقب البيعة «الجامعة» الّتي أُبرمت لأبي بكر بعد ما تمخّضت عنه السقيفة، وهو موقف لا نظنّه تغيّر في حلبة الحياة العامّة أو طلع منه على الجماهير بما يثير، بل قد ظلّ ثابتاً عليه، متمسّكاً به كرأي شهادة الوقائع، ودلالة الأسناد.
مثاليّة سلوك!(1)
ـ وقال أيضاً ، في معرض تحليله لموقف الإمام الرافض لدعوة أبي سفيان إيّاه إلى تقويض بيعة أبي بكر، وقوله للإمام ـ بعد أن استقرّ الوضع لأبي بكر وتمّت بيعته صباح غد السقيفة ـ :
«أغَلبكم على هذا الأمر أذلّ بيت في قريش وأقلّها!.. أما والله لئن شئتَ لأملأنّها على أبي فصيل ] يعني أبا بكر [ خيلاً ورجلاً، ولأسدّنّها عليه من أقطارها!» قال:
... حفاظاً على كيان الإسلام، وتوثيقاً لعروة المسلمين، وولاء لخُلقه الأرفع الأمثل، نرى الإمام يسمو على غضبه العاصف لحقّه المبتزّ المغصوب، كأنّه أخذ نفسه يسوغ ازدراد العلقم، ولعق الدم، والطفو فوق الألم .
لقد فطن علي لخافية التحريض السفياني فأباه.
وفطن إلى خطر المناوأة فآثر القعود والسكون.

1 . السقيفة والخلافة: 181 .

صفحه 249
ولا يطعن بحال في هذا الموقف الذي اختاره أن قد علم عهد محمد إليه، ثمّ لم ينهض لإنفاذه، أو قد بدا كأنّما شاء أيضاً أن يثبّط من حاولوا النهوض فيه.. إنّما موقف الناس منه عندئذ هو الحريّ بالطعن، لأنّ المعوَّل عليه في الوفاء بعهد رسول الله، هو إقبالهم على المعهود إليه، وليس، كما حدث، تنكّرهم له، وانفضاضهم عنه.(1)
ـ وقال، بعد أن استعرض بعض المشاهد الّتي تصوّر محنة اغتيالهم حقّه: ويمضي ] الإمام علي [ على هذا النحو الذي يصف حادث الاستخلاف ويؤرّخ له، فلا يخالف عن حقيقة الوقائع الثابتة، ولا عن حقيقة أحاسيسه الممرورة... ولا تخلو، هنا وهناك، من التعرّض لذلك الموقف الغريب «اللّولبي» الذي وقفه منه الصاحبان الكبيران، أو ضيّعا به حقّه، أو ابتزّاه....
فلقد عاب الإمام موقف الصاحبين يوم السقيفة، وسخطه أشدّ سخط وأفظعه أن أذاقاه طعم العلقم، وطعن الحراب.
وعلى فرط قسوته في لوم الرجلين، واتّهامه إيّاهما اتّهاماً صريحاً باستلابهما حقّه مخالسة من وراء ظهره.(2)
هكذا يبدو، إذاً، لاسيما من خلال ما انطوى عليه كلام الأُستاذ عبدالفتاح عبدالمقصود من تحليل عميق، وملاحظة دقيقة، ونظرة منصفة، هكذا يبدو لنا الإمام (عليه السلام)وهو يتناول سلوك الشيخين: ساخطاً أشدّ السّخط.. بالغ القسوة في لومهما.. ممرور الأحاسيس ممّا بدر منهما.. زارياً عليهما التفافهما على حقّه، وسعيهما في اغتصابه منه.
فهل يمكن، بعد كلّ هذا، تصديق دعوى الكاتب بأنّ الشيعة الأوائل لم

1 . السقيفة والخلافة: 176 ـ 177 .   2 . السقيفة والخلافة: 116 ـ 117 .

صفحه 250
يكونوا يعتبرون الشيخين غاصبين للخلافة؟
إنّها دعوى متهافتة، يعلم صاحبها كلّ العلم، أنّه لا يستطيع أن يغتال بها الحقيقة الّتي تنطق بها الأخبار والشواهد ومسيرة الأحداث، ولذا حاول تشويهها والالتفاف عليها بهذا التهريج الإعلامي: وهذا ما يفسّر أمر الإمام الصادق لشيعته بتولّيهما (1) ] يعني تولّي أبي بكر وعمر [ .
ولمّا عزّ عليه العثور على رواية صحيحة واحدة عند الإمامية، في تأييد مدّعاه بالتزام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)بالشورى كطريق لاختيار الإمام، راح يسلك أساليب غير علمية وغير موضوعية لإثبات ذلك، ومنها:
1. التعلّق ببعض الأخبار الّتي ذكرها السيد المرتضى في كتابه «الشافي» لغاية تفنيدها والردّ عليها، أو لغاية الاستدلال ببعض مضامينها على صحّة مطلبه!!
2. التشبّث بأخبار مدرسة الصحابة لتأييد مزاعمه، مع أنّ هدف الكتاب، هو إثبات نظرية الشورى من خلال النصوص، الّتي يدّعي الكاتب، أنّ تراث الإمامية يحفل بها!!(2)
3. الاستدلال ببعض الأخبار التاريخية المحرّفة أو المبتذلة، وتجنّب ذكر ما صحّ منها واشتهر.
4. التعسّف في تأويل بعض الروايات والأخبار، ومحاولة الاستفادة منها بشكل سيّئ، وبما يخدم غرضه.
وهاك أمثلة لما ذكرناه من النقاط:
الاستدلال بشواهد سقيمة وأخبار مبتذلة   
ـ قال الكاتب: وبالرغم من شعور الإمام علي بالأحقّية والأولوية في الخلافة، إلاّ أنّه عاد فبايع أبا بكر، وذلك عندما حدثت الردّة، حيث مشى إليه

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 22 .   2 . المصدر نفسه: 11 .

صفحه 251
عثمان بن عفان، فقال له: يا ابن عم إنّه لا يخرج أحد إلى قتال هؤلاء وأنت لم تبايع(1) (المرتضى: الشافي ج 3 ص 242) فأرسل (2) إلى أبي بكر أن يأتيه، فأتاه أبو بكر فقال له: «والله ما نفَسْنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنّا كنّا نظنّ أنّ لنا في هذا الأمر نصيباً، استُبدّ به علينا، وخاطب المسلمين قائلاً: «إنّه لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألاّ أكون عارفاً بحقّه، ولكنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر نصيباً استُبدّ به علينا» ثمّ بايع أبا بكر، فقال المسلمون: أصبتَ وأحسنت (المرتضى: الشافي ج 3، ص 242).(3)
وهذا الخبران ليسا من تراث الإمامية، فقد روى الأوّل منهما: المدائني، وروى الآخر: البلاذري عن المدائني، وقد ذكرهما الشريف المرتضى، لا إقراراً بصحّتهما، وإنّما للاستشهاد بما جاء فيهما على صحّة كلامه، الذي ردّ به على مقولة خصمه القاضي عبدالجبار، الذي كان يذهب إلى أنّ عليّاً (عليه السلام)امتنع عن بيعة أبي بكر، ثمّ بايع راضياً.
وإليك بعض فقرات ردّ المرتضى على تلك المقولة، لبيان سبب إيراده لهذين الخبرين وغيرهما، قال: (وكيف يشكل على منصف أنّ بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)لم تكن عن رضا، والأخبار متظاهرة بين كلّ من روى السِّيَر بما يقتضي ذلك، حتّى أنّ من تأمّل ما رُوي في هذا الباب لم يبق لديه شك في أنّه (عليه السلام)أُلجئ على البيعة وصار إليهما بعد المدافعة والمحاجزة لأُمور اقتضت ذلك، ليس من جملتها الرضا).(4)

1 . وتتمة الخبر، الّتي حذفها الكاتب: ولم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر، فسُرّ المسلمون بذلك، وجدّ الناس في قتالهم. الشافي في الإمامة: 3 / 242 .
2 . هذا خبر آخر حذف الكاتب مقدّمته، وسيأتي التوضيح.
3 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 13.   4. الشافي في الإمامة: 3 / 240 .

صفحه 252
وأحسب أنّ القارئ قد تنبّه إلى أنّه ليس في الخبر الثاني، وكما نقله الكاتب، ما يصلح لتأييد كلام السيد المرتضى، وعندئذ يتساءل: كيف استشهد به، إذاً، في المقام مثل هذا المتكلّم البارع، والمحاجج القدير؟
لاشكّ في أنّ القارئ يرى من حقّه أن يطرح مثل هذا التساؤل، ولكنّه لا يرى ذلك، حينما يقف على الخبر كما أورده السيد المرتضى، لأنّه سيجد أنّ الخبر قد خضع، كالمعتاد، لمقصّ الكاتب، فقطع منه ما يعتقد أنّه يُفسد عليه دعواه المتقدّمة!!!
وهاك الجزء المقطوع من الخبر، الّذي هو غاية السيد المرتضى من إيراده:
روى البلاذري، عن المدائني، عن أبي جُرَيّ، عن مَعْمر، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: (لم يبايع عليّ أبا بكر حتّى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر، فلمّا ماتت ضرَعَ إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه أن يأتيه، فقال عمر: لا تأته وحدك، قال: وماذا يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر، فقال له (عليه السلام): والله ما نفَسْنا عليك...).(1)
والذي يؤكد أن هدف السيد المرتضى من نقل الخبر هو هذا الجزء المقطوع، قوله (رحمه الله) تعقيباً على الخبر:
(ومن تأمّل هذا الخبر وما جرى مجراه علم كيف وقعت الحال في البيعة، وما الدّاعي إليها، ولو كانت الحال سليمة، والنيّات صافية، والتُّهمة مرتفعة، لمَا منع عمر أبا بكر أن يصير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده).(2)
ـ قال الكاتب: وممّا يؤكد كون نظام الشورى دستوراً كان يلتزم به الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب...، هو دخول الإمام في عملية الشورى الّتي

1 . الشافي في الإمامة: 3 / 242 .   2 . المصدر نفسه.

صفحه 253
أعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب ومحاججته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الإسلام، وعدم إشارته إلى موضوع النصّ عليه أو تعيينه خليفة من بعد الرسول، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الإمام إلى ذلك، وحاججهم بما هو أقوى من ذكر الفضائل .(1)
إنّ هذا الكلام يتضمّن أمرين:
الأوّل: إنّ دخول أمير المؤمنين في الشورى السداسية، يدلّ على التزامه (عليه السلام)بها كنظام للحكم.
الثاني: إنّ الإمام (عليه السلام)لم يشر إلى موضوع النصّ عليه في محاججته لأهل الشورى.
أمّا الأمر الأوّل، فنقول فيه:
أ . إنّ شبهة دخول الإمام (عليه السلام)في الشورى السداسية الّتي أعقبت مقتل عمر، كانت قد أُثيرت منذ أكثر من ألف عام، ولم تكن بالأمر الجديد.(2)
ب. إنّ تلك الشورى السداسية لم تكن شورى بمعناها الحقيقي، وإنّما هي عملية شكلية، باهتة الألوان، فارغة المحتوى، فليس هناك رأي للأُمّة فيها، ولا ثَمّة كلمة للجماهير في صنعها أو في ممارستها، فكيف يترتّب على دخول الإمام فيها، التزامه بها كنظام للحكم؟

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 14.
2 . انظر: المغني: 20 / 289. يُذكر أنّ جُلّ (أو كلّ) ما أورده الكاتب من شبهات واعتراضات، كان قد أُثير من قِبَل رجال السنّة، أو الزيدية، أو المعتزلة، وقد بذل الكاتب جهداً في جمعها من كتبهم لاسيما من كتاب القاضي عبدالجبار: «المغني» الّذي ردّ عليه الشريف المرتضى بكتاب «الشافي» وفنّد فيه تلك الشُّبَه باقتدار عال، بَيْد أنّ الكاتب شاء أن لا يأبه لتلك الردود، بل عمد إلى تحريف بعض ردود الشريف المرتضى، في مواضع من كتابه، كما مرّ بنا، وكما يأتي.

صفحه 254
ومن يقف على الشروط الّتي فُرضت في تلك الشورى والأجواء الّتي رافقتْها، يدرك، بوضوح، أنّها لا تمتّ بصلة إلى الشورى الحقيقية، بل هي نوع من الاستبداد و (الدكتاتورية)، كما يتّضح ذلك من الشروط الّتي وضعها الخليفة الثاني، وهي، كما ذكرها المؤرّخون:
1. إنّ الأمر شورى بين ستة نفر. وهؤلاء قد عيّنهم الخليفة، من دون أن يشاور فيهم المسلمين.
2. أنْ يتراضى هؤلاء الستة بينهم ليختاروا واحداً منهم خليفةً للأُمّة.
3. إنْ رضي أربعة، وخالف اثنان، يُضرب عنقا الاثنين .
4. إنْ رضي ثلاثة، وخالف ثلاثة، تُضرب أعناق الثلاثة الذين ليس فيهم عبدالرحمن بن عوف.
5. إنّ مدة التشاور بينهم يجب أن لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، فإن مضت ولم يتراضوا بأحد، تُضرب أعناقهم جميعاً.
6. أن يتولّى أبو طلحة الأنصاري، في خمسين رجلاً من الأنصار يحملون السيوف، مهمّة أخذ هؤلاء الستة بإمضاء الأمر، وضرب الأعناق.(1)
والحقّ أنّ هذا النظام لم يترك الأمر إلى الأُمّة لتنظر وتعمل بمبدأ الشورى، بل هو نظام حدّده الخليفة، ومنحه سمة الأمر النافذ الّذي لا محيد عنه، ولا تغيير فيه، ولا يمكن لصورة كهذه أنْ تسمّى شورى بين المسلمين، ولا بين أهل الحلّ والعقد.(2)
ومن هنا قال الدكتور صبحي الصالح: وإذا لاحظنا أنّ أبا بكر انتخب بشبه إجماع، وأنّ عمر قد نصّ على خلافته أبو بكر وأخذ له البيعة، فإن عثمان لم

1 . انظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 160 ; وتاريخ الطبري: 3 / 293 ـ 294 ; والكامل في التاريخ: 3 / 66 ـ 67 .
2 . تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي للدكتور صائب عبدالحميد: 154 .

صفحه 255
يُنتخب بإجماع ولا بشبه إجماع، ولم ينتخبه الخليفة، ولم يكن ليبرز على الناس أو يظهر بعلمه كعليّ، أو حزمه كعمر، أو سياسته كأبي بكر، وإنّما أعانه على تولّي الخلافة أمويّته وقرشيّته .(1)
فكيف يُعتبر دخول الإمام في مثل هذه الشورى، برهاناً على إيمانه بها كطريق لاختيار الإمام؟
وكيف يُعتبر ذلك كذلك، والإمام نفسه كان يُعجّب منها، ويقول: «حَتَّى إذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ ]يعني عمر [ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَالَلّهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إلَى هذِهِ النَّظَائِرِ! لكنِّي اَسْفَفْتُ إِذْ أسَفّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا ...».(2)
جـ . إنّ ظاهر الحال من شروط وأجواء تلك الشورى السداسية، هو أنّ الدخول فيها لم يكن اختيارياً، ويؤيّد ذلك ما قاله المأمون العباسي للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فإنّه لما عرض ولاية العهد عليه. وأبى، هدّده بالقول:
إنّ عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك، وقال: (من خالف فاضربوا عنقه)، ولابدّ من قبول ذلك.(2)
فإذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام)مُكرَهاً على الدخول في تلك العملية الّتي سُمّيت بالشورى، فلا مكان للاستنتاج بل للافتراض بأنّه كان يؤمن بالشورى كنظام للحكم.
د. إذا لم يكن الإمام واقعاً تحت سلطان الإكراه، فلا ريب في وجود هدف سام كان (عليه السلام)يتوخّى تحقيقه، ومصلحة إسلامية عليا كان يستهدفها من وراء الدخول في الشورى، فالإمام (عليه السلام)، كما عُرف من سيرته وسياسته، كان ينطلق في

1 . النظم الإسلامية: 90 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 3 (وهي المعروفة بالشِّقشِقيّة).
2 . مقاتل الطالبيين: 563. وانظر: دفاع عن التشيع للسيد نذير الحسني: 177.

صفحه 256
التعامل مع ما يعنّ من أحداث ومشاكل وأزمات، من إيمان راسخ، وحكمة ثاقبة، ونظرة شاملة، ومثاليّة رفيعة، وقصد نبيل، ولم يكن (يعمل حساباً لوجوده، ولا لحياته، مع وجود الإسلام، وحياة الإسلام).(1)
ليس ثمة رجل أحرص على الأُمّة من عليّ (عليه السلام)   

ليس ثمة رجل أحرص على الأُمّة من عليّ (عليه السلام)

لقد كان الإمام (عليه السلام)يدرك، بحسّه السياسي المرهف وتجربته الطويلة المريرة، ما سوف يؤول إليه أمر الإسلام، وأمر الأُمّة، إذا ما تولّى أحد أصحاب الشورى (الخمسة) منصبَ الخلافة، إذ لم يكونوا، جميعاً، بالمستوى الّذي يؤهّلهم لقيادة الأُمّة، من حيث العلم والمقدرة السياسية والإدارية، ولم يكونوا، أيضاً، بمنأى عن تغليب الاعتبارات الشخصية والنزعات القبلية على المصلحة العليا.
ولاشكّ في أنّ اعتلاء الإمام (عليه السلام)عرشَ الخلافة (إذا ماتمّ عن طريق تلك الشورى)، سوف يجنّب الإسلام المزيد من مخاطر نبذ شريعته وتحريف أحكامه، ويصون الأُمّة من الابتعاد أكثر عن منهجه وأحكامه إذا ما قدِّر لأحد هؤلاء (مع ضعفهم وقلّة كفاءتهم) من الوصول إلى الخلافة.
فالمصلحة من دخول الشورى، كانت، إذاً، قائمة لاسيما وأنّه ليس ثمّة من يقارب الإمام في كفاءته ونزاهته وشعوره بالمسؤولية، ويتجلّى هذا الشعور من قول الإمام نفسه في كتاب له إلى: أبي موسى الأشعريّ :
(وَلَيْسَ رَجُلٌ ـ فَاعْلَمْ ـ أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وَأُلْفَتِهَا مِنِّي، أَبْتَغِي بِذلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ. وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي).(2)

1 . علي بن أبي طالب لعبدالكريم الخطيب: 269 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، رقم 78.

صفحه 257
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الإمام كان يحسّ بما يجري وراء الكواليس من مكائد ومؤامرات تحوكها قوى الظلام (وفي مقدّمتها بنو أُمّية)، ومن مخطّطات جهنّمية ترمي إلى التسلّل إلى المراكز العليا في الدولة، ثم الانقضاض، بشكل تام، على الحُكم والسلطان، من أجل الاستئثار بمقدّرات البلاد والعباد، وتنفيذ مآربهم الشرّيرة في طمس معالم الإسلام، وتحكيم شريعة الجاهلية، وأنّه (عليه السلام)كان يهمّه جداً (انطلاقاً من حرصه على الإسلام والأُمّة)، أن يقطع الطريق، ما استطاع، على أُولئك الانتهازيين والموتورين، من أن يبلغوا مآربهم الشيطانية... إذا أخذنا ذلك بنظر الاعتبار، تكشّف لنا، أكثر، وجه المصلحة من دخوله (عليه السلام)في الشورى.
ثم إنّه (عليه السلام)يمكنه أن يستثمر، لحدٍّ كبير، أجواء الشورى، فيتمكّن من إيراد الحجج عليهم بحقّه وذكر النصوص الواردة فيه (والّتي كادت تُنسى بسبب الإصرار على إقصائه وإبعاده عن الخلافة والمحاولات الجادة لكتمان فضائله وسوابقه)، ومن ثم يجعل من ذلك ذريعة إلى التوصّل إلى حقّه المغصوب، وسبباً إلى التمكين من الأمر والقيام فيه بحدود الله، وللإنسان أن يتوصّل إلى حقّه، ويتسبّب إليه بكلّ أمر لا يكون قبيحاً .(1)
هذا هو جوابنا على الأمر الأوّل من كلام أحمد الكاتب .
وأمّا الأمر الثاني: أعني قوله: (إنّ الإمام (عليه السلام)لم يُشر إلى موضوع النصّ عليه في محاججته لأهل الشورى، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الإمام إلى ذلك)، فهو قول غير صحيح، تفنّده الروايات الواردة في قصّة الشورى .
وإليك ما قاله ابن أبي الحديد المعتزلي في هذا المجال، تحت عنوان: (كلامٌ لعليّ قبل المبايعة لعثمان)، قال:

1 . انظر: الشافي في الإمامة: 2 / 155 .

صفحه 258
ونحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى، وتعديده فضائله وخصائصه الّتي بان بها منهم ومن غيرهم. قد روى الناس ذلك فأكثروا، والّذي صحّ عندنا أنّه لم يكن الأمر كما رُوي من تلك التعديدات الطويلة، ولكنّه قال لهم، بعد أن بايع عبدالرحمن والحاضرون عثمان، وتلكّأ هو (عليه السلام)عن البيعة: إنّ لنا حقّاً، إنْ نُعطَه نأخذه، وإنْ نُمنعْه نركب أعجاز الإبل وإنْ طال السُّرى، في كلام قد ذكره أهل السيرة.. ثم قال لهم:
أُنشدكم الله! أفيكم أحدٌ آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بينه وبين نفسه، حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض، غيري؟، فقالوا: لا، فقال:
أفيكم أحدٌ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه، فهذا مولاه»؟، فقالوا: لا، فقال:...(1)
وقال الشريف المرتضى: وقد استُدلّ على صحة الخبر ] يعني خبر الغدير [ بما تظاهرت به الرواية من احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام)به في الشورى على الحاضرين في جملة ما عدّده من فضائله ومناقبه، وما خصّه الله به، حين قال: (أُنشدكم الله، هل فيكم أحد أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بيده، فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهمّ والِ من والاه وعادِ مَن عاداه، غيري؟).
فقال القوم: اللهمّ لا.(2)
   
ـ قال الكاتب: لقد كان الإمام عليّ يؤمن بنظام الشورى، وأنّ حقّ الشورى بالدرجة الأُولى هو من اختصاص المهاجرين والأنصار، ولذلك فقد رفض ـ بعد مقتل عثمان ـ الاستجابة للثوّار الذين دعَوه إلى تولّي السلطة، وقال لهم: ليس هذا إليكم.. هذا للمهاجرين والأنصار، من أمّره أُولئك كان أميراً.

1 . شرح نهج البلاغة: 6 / 167 ـ 168، شرح الخطبة (73).   2 . الشافي في الإمامة: 2 / 265 .

صفحه 259
وعندما جاءه المهاجرون والأنصار، فقالوا: امدد يدك نبايعك، دفعهم، فعاودوه، ودفعهم، ثم عاودوه، فقال: «دعوني والتمسوا غيري، واعلموا أنّي إنْ أجَبتُكم ركبتُ بكم ما أعلم.. وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمرَكم، وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً». ومشى إلى طلحة والزبير فعرضها عليهما، فقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا.. الناس بك أرضى، وأخيراً، قال لهم: «فإن أبيتم فإن بيعتي لا تكون سرّاً، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين، ولكن أخرجُ إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني، فليبايعني».
وأضاف الكاتب: لو كانت نظرية النصّ والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين، لم يكن يجوز للإمام أن يدفع الثوّار، وينتظر كلمة المهاجرين والأنصار، كما لم يكن يجوز له أن يقول: «أنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً»، ولم يكن يجوز له أن يعرض الخلافة على طلحة والزبير، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين .(1)

البيعة والغاية من إيقاعها

وقبل أن نردّ على هذا الكلام، نودّ أن نعطي فكرة موجزة عن فائدة البيعة، والهدف من إيقاعها، فنقول:
إنّ البيعة ضرورة مُلحّة، لا يكاد يستغني عنها الإمام (الحاكم)، أيّاً كانت الطريقة الّتي أوصلته إلى سُدّة الحكم، سواء أكانت عن طريق النصّ، أم عن طريق الاختيار.
فالحاكم يحتاج، وهو يريد أن ينهض بمسؤولية إدارة شؤون البلاد، وسياسة الرعيّة، وتوفير الأمن والاستقرار، والضرب على أيدي المفسدين

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 14 ـ 15 .

صفحه 260
والعصاة المنابذين،... يحتاج إلى من يقوم بالنصرة، ويبذل الطاعة، ويذبّ عن الأمر، ويدفع عنه عادية الطامعين... وكلّ هذا وغيره إنّما يتحقّق عن طريق الأنصار والأعوان، الذين تكشف البيعة عن وجودهم، وعن نيّتهم في مؤازرة الحاكم ومناصرته، والاستجابة لأوامره وتوجيهاته الّتي يستهدف من ورائها صون البلاد، وخدمة العباد.
وعلى ذلك، فالبيعة لا تُنافي النص، وليست هي في قباله، بل تقع على امتداده، وذلك لما تُفضي إليه من فوائد ومنافع على صعيد تحقيق الأهداف العليا والمصالح العامة للأُمّة.(1)
فالنصّ هو عهد من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)للإمام بالخلافة والإمامة، وهو ناجز وثابت له سواء بايعت له الناس، أم لم تبايع، أمّا البيعة فهي عقد الطاعة للإمام ليمارس دوره كحاكم ومرشد سياسي وديني .(2)
وإذا كان الهدف من البيعة على ما بيّناه، لم يبق أيّ معنى لزعم أحمد الكاتب (الّذي حاول أن يُحيي به شبهة قديمة جدّاً)، وهو أنّه: لو كانت نظرية النصّ والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين... لم يكن الإمام (عليه السلام)بحاجة لينتظر بيعة المسلمين ] يعني بعد مقتل عثمان [ .
وهكذا يسوق الجهل (أو التجاهل) بالهدف المبتغى من البيعة، إلى تلك النتيجة الخاطئة: أنّ الإمام لم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين .

ثلاثة أحكام مبنيّة على أُسس واهية

والآن، نعود إلى كلام الكاتب لنقف عند أحكامه الثلاثة، التي بناها إمّا على

1 . انظر: الشافي في الإمامة: 149; وشبهات وردود: 49 .
2 . تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي: 259 .

صفحه 261
روايات ضعيفة ومنكرة، أو على تفسير خاطئ لها:
الحكم الأوّل: لو كانت نظرية النصّ والتعيين ثابتة، لم يكن يجوز للإمام أن يدفع الثوّار، وينتظر كلمة المهاجرين والأنصار.
وكان قد قدّم لذلك بالقول: لقد كان الإمام عليّ يؤمن بنظام الشورى، وأنّ حقّ الشورى بالدرجة الأُولى هو من اختصاص المهاجرين، ولذلك فقد رفض ـ بعد مقتل عثمان ـ الاستجابة للثوّار الذين دعوه إلى تولّي السلطة، وقال لهم: ليس هذا إليكم.. هذا للمهاجرين والأنصار من أمّره أُولئك كان أميراً.
وأوّل ما يلاحظ على هذه المقدّمة، هو أنّ الذين قصدوا أمير المؤمنين (عليه السلام)ليبايعوه بالخلافة، ولم يستجب لهم (عليه السلام)، في أوّل الأمر، هم الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامّة، وليس الثوّار، فقط، كما يزعم أحمد الكاتب.
وهذا الزعم هو ترديد لكلام بعض كتّاب أهل السنّة، كعبد الوهاب النجّار (1)، الّذي استوحاه من بعض الأخبار الساقطة، الّتي رواها سيف بن عمر الوضّاع.
قال الطبري: (وممّا كتب به إليّ السريّ) عن شعيب، عن سيف بن عمر، قال: حدّثنا محمد بن عبدالله بن سواد بن نويرة وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة وأبو نعمان، قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان... يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون عليّاً، فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدهم وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرّة بعد مرّة.

1 . قال النّجار: لم يكن في نظر جمهور السبئية أليق للخلافة من عليّ خصوصاً والّذي تولّى كبر هذه الثورة هم المصريون وهم شيعة عليّ وهواهم معه فكانت كلمته غالبة على سائرهم... ثم قال: فقام الناس وأتوا عليّاً وقالوا له: نبايعك فأنت أحقّ بها. فقال: ليس ذلك إليكم، إنّما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن اختاروه فهو الخليفة. الخلفاء الراشدون: 374. دار القلم، 1406 هـ .

صفحه 262
وقال أيضاً: (كتب إليّ السريّ) عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: فقالوا لهم دونكم يا أهل المدينة فقد أجّلناكم يومين، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ غداً عليّاً وطلحة والزبير وأُناساً كثيراً، فغشي الناس عليّاً، فقالوا: نبايعك... فقال عليّ: دعوني والتمسوا غيري...(1)
(وهذا الإسناد فيه سيف: وهو وضّاع متّهم بالزندقة، وتلميذه: مجهول، وشيخاه محمد وطلحة: متأخّران جدّاً، ولم يشهدا القصة، فالإسناد في غاية الضعف، بل هو من أضعف الأسانيد في تاريخ الطبري).(2)
وليس غريباً على الكاتب أن يتغاضى عن الأخبار والروايات الصحيحة الّتي تؤكد على الإقبال المنقطع النظير لأهل المدينة وغيرهم على الإمام، ويلتفت إلى أوهى الأخبار في هذا المجال، ليرتّب عليها نتيجةً، كانت قد استقرّت في ذهنه من قبلُ، فلقد مضى منه هذا الأُسلوب في مواضع كثيرة عرضنا لها وناقشناها بتفصيل .
ومن قرأ الأخبار الواردة في هذا المجال، وكلمات الإمام (عليه السلام)، وكتب التاريخ، عَلِم، عِلْم اليقين، أنّ الناس جميعاً (وليس الثوّار فقط) قد ازدحموا عليه يطلبون منه الموافقة على البيعة، وأنّ من خالف في ذلك شاذّ، لا يؤبه لكلامه.
ـ روى الطبري بإسناده عن أبي بشير العابدي قال: كنت بالمدينة حين قُتل عثمان، واجتمع المهاجرون والأنصار، فيهم طلحة والزبير، فأتوا علياً، فقالوا: يا أبا الحسن هلمّ نبايعك.(3)

1 . تاريخ الطبري: 3 / 454، 456 .
2 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة لأُم مالك الخالدي وحسن بن فرحان المالكي: 130 ـ 131، مركز الدراسات التاريخية بالأردن، الطبعة الثالثة، 1421 هـ .
3 . تاريخ الطبري: 3 / 450 .

صفحه 263
ـ روى نعيم بن حمّاد (المتوفّى 228 هـ) بإسناده عن ابن عمر، قال: والله ما علمنا عليّاً شرك في قتل عثمان سرّاً ولا علانية، ولكن كان رأساً ففزع الناس إليه، فولي الأمر، فأُلحق به ما لم يصنع.(1)
ـ قال الإمام عليّ (عليه السلام): «فما راعني إلاّ والناس كعُرف الضَّبُع إليّ، ينثالون عليّ من كلّ جانب، حتّى لقد وُطئ الحَسَنان، وشُقّ عِطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغَنَم».(2)
ـ قال الإمام علي (عليه السلام): «فتداكّوا عليَّ تداكّ الإبل الهِيمِ يومَ وِرْدها، وقد أرسلَها راعيها، وخُلعتْ مَثانيها، حتى ظننتُ أنّهم قاتليّ، أو بعضُهم قاتلُ بعض لديّ».(3)

مفارقة غريبة

ومن المفارقات الغريبة، أنّه بينما يثير بعض المؤرّخين من السنّة هذه الشبهة حول بيعة الإمام علي، وهي: أنّ بيعته (عليه السلام)لم يكن فيها شورى، ومن ثم فهي ناقصة، يأتي أحمد الكاتب ليجعل من انتظار الإمام بيعة المهاجرين والأنصار دليلاً على إيمانه (عليه السلام)بنظام الشورى!!!
وهذا استنتاج خاطئ، لأنّ الشورى، حتّى عند أعلام أهل السنّة، ليست شرطاً في صحة البيعة، وإلاّ كانت بيعة أبي بكر وعمر، عندهم، باطلة، لأن بيعتهما كانتا بلا شورى.(3)

1 . بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة: 112، نقلاً عن كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد: 1 / 186 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .   3 . نهج البلاغة: الخطبة 54. و (المثاني): الحِبال، جمع مَثناة ومِثناة.
3 . انظر: بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة: 117 ـ 118.

صفحه 264
فإمامة أبي بكر ثبتت (كما يقولون) بإجماع الصحابة على بيعته، وإمامة عمر ثبتت بعهد أبي بكر إليه...(1)
قال الدكتور طه حسين: إنّ أبا بكر لم يُبايَع بالخلافة عن مشورة من المسلمين، وإنّما كانت بيعته فلتة، وقى الله المسلمين شرّها كما قال عمر، كما أنّ عمر نفسه لم يبايَع عن مشورة من المسلمين، وإنّما عهد إليه أبو بكر، فأمضى المسلمون عهده.. ولم تكن الشورى الّتي تمّت بها خلافة عثمان مُقنعة ولا مُجزئة، فقد اختصّ عمر بها ستة من قريش على أن يختاروا واحداً منهم، فاختاروا عثمان.(2)
وممّا يؤكد ما سبق، أنّ بيعة الإمام، وهي العهد على الطاعة، تنعقد عند أهل السنّة بطريقتين:
الطريقة الأُولى: الاختيار، أي باختيار أهل الحلِّ والعقد، وهذه الطريقة لا علاقة لها بالشورى، بدليل أنّ فريقاً من علمائهم ذهب إلى أنّها تنعقد بخمسة من أهل الحلّ والعقد، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، واحتجّوا لذلك ببيعة أبي بكر.
وذهب فريق منهم إلى أنّها تنعقد بثلاثة، يتولاّها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بوليّ وشاهدين، بل ذهب آخرون إلى أنّها تنعقد بواحد، لأنّ العباس قال لعليّ رضي الله عنهما: «أمدد يدك أُبايعك، فيقول الناس عمُّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بايع ابن عمِّه، فلا يختلف عليك اثنان».(2)

1 . المغني لابن قدامة: 8 / 225، طبعة الإمام بمصر.   2 . الفتنة الكبرى 2 (علي وبنوه): 31 ـ 32.
2 . انظر: الأحكام السلطانية للماوردي: 6 ـ 7، دار الكتب العلمية.

صفحه 265
الطريقة الثانية: الاستخلاف، وهي أن يعهد الخليفة السابق بالخلافة إلى إنسان بعينه ممّن تتوفّر فيه الشروط.
قال أبو الحسن الماوردي الشافعيّ: أمّا انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو ممّا انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتّفاق على صحّته.(1)
وقال أبو يعلى الفرّاء الحنبليّ: ويجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى شهادة أهل الحلّ والعقد، وذلك لأنّ أبا بكر عهد إلى عمر رضي الله عنهما...(2)
الحُكم الثاني: يقول أحمد الكاتب: إنّ نظرية النصّ والتعيين لو كانت ثابتة، لم يكن يجوز للإمام عليّ أن يقول ] للمهاجرين والأنصار الّذي أرادوه على البيعة [: «وأنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً».
أقول: لقد جاء قول الإمام هذا: «وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً» في سياق كلام له (عليه السلام)خاطب به الجماهير المحتشدة الّتي طلبت منه الموافقة على البيعة، ولكنّ أحمد الكاتب شاء، كعادته، أن يحذف أكثره، وينتقي منه ما يظنّ أنّه دليل على عدم النصّ على الإمام!!
وهذا الكلام المحذوف، يلقي ضوءاً كاشفاً على دوافع الإمام (عليه السلام)لإطلاق مثل ذلك القول، وعلى الأسباب الّتي دعته إلى الامتناع، في أوّل الأمر، عن بسط يده للبيعة.
كما يلقي شعاعاً من الضوء على نهج الإمام (عليه السلام)في سياسة الأُمور، وقيادة الأُمّة .
ونحن نجافي الحقيقة إذا أخذنا هذا القول مجرّداً عن سياق كلامه، بل عن

1 . الأحكام السلطانية: 11.   2 . الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفرّاء: 30 ـ 31.

صفحه 266
سائر كلماته (عليه السلام)في هذا المجال، ومنفصلاً عن طبيعة سلوك الإمام وهمومه وأهدافه ومُثُله العليا، وبعيداً عن رؤيته الثاقبة والواقعية للأوضاع والظروف الّتي كانت سائدة آنذاك، وللتحدّيات الخطيرة الّتي كانت تلوح له بين عيني المستقبل.
فمن الواضح أنّ اندفاع الناس إلى الإمام لمبايعته بالخلافة، إنّما جاء بعد مقتل عثمان، وبعد مُضيّ سنوات طويلة على وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كانت الأخطاء فيها والانحرافات تنمو وتنمو حتّى اتّسع نطاقها وترسّخ وجودها في عهد عثمان.. وجاء، أيضاً، في أجواء ظروف عصيبة تمادى فيها فساد الأمراء، واشتبكت مصالح الأثرياء، وتنافس فيها الانتهازيون من طلاّب الجاه وعشّاق المناصب، وتأجّجت فيها النزاعات الداخلية، وابتعدت فيها الأُمّة عن الكثير من قيمها الإسلامية .
وممّا لا شكّ فيه أنّه كان لبني أُمّية، الذين استأثروا بالسلطان والمال والقرار، الدور الكبير في صنع ذلك الواقع السيّئ.
وإليك بعض ما يشهد على فساد ذلك الواقع:
1. روى الطبري بإسناده عن عامر بن سعد أنّ جبلة بن عمرو الساعدي مرّ به عثمان وهو جالس في نديّ قومه وفي يد جبلة جامعة، فلمّا مرّ عثمان، سلّمَ، فرد القوم، فقال جبلة: لمَ تردّون على رجل فعل كذا وكذا، ثم أقبل على عثمان، فقال: والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه. قال عثمان: أيّ بطانة؟ فوالله إني لأتخيّر الناس. فقال: مروان تخيّرته؟! ومعاوية تخيّرته؟! وعبدالله بن عامر بن كُريز تخيّرته؟! وعبدالله بن سعد ] بن أبي سَرْح [تخيّرته؟! منهم من نزل القرآن بذمّه، وأباح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دمه...(1)
2. روى الحاكم النيسابوري بإسناده عن مسلم بن خالد، عن إسماعيل بن

1 . تاريخ الطبري: 3 / 399 ـ 400 (سنة 35 هـ).

صفحه 267
عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أنّ عبادة بن الصامت قام قائماً في وسط دار أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، فقال: إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)محمداً أبا القاسم يقول:
«سيلي أُمورَكم من بعدي رجال يعرّفونكم ما تُنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله» فلا تعتبوا أنفسكم، فوالّذي نفسي بيده إنّ معاوية من أُولئك. فما راجعه عثمان حرفاً.(1)
3. ممّا نقمه الناس على عثمان أنّه آوى الحكم بن أبي العاص وأعطاه مئة ألف درهم، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد سيّره ثم لم يُؤوهِ أبو بكر ولا عمر، ومنح مروان بن الحكم فدكاً، ولمّا افتتح عبدالله بن سعد بن أبي سرح بعض أفريقية عام (25 هـ)، أعطاه عثمان خمس الخمس من الغنيمة، فلمّا افتتح جميع إفريقية سنة (27 هـ) بعث الخُمس إلى المدينة، فوهبه عثمان كلّه لمروان! (2)، فقال عبدالرحمن بن حنبل صاحب رسول الله، يهجو عثمان بن عفّان:
وأحلفُ بالله جهد اليمين *** ما ترك الله أمراً سدى
ولكن جُعلت لنا فتنةً *** لكي نُبتلى بك أو تُبتلى
دعوتَ الطريدَ فأدنيته *** خلافاً لما سنّهُ المصطفى
وولّيتَ قرباك أمرَ العباد *** خلافاً لسنّة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيمة *** آثرته وحميت الحِمى

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 357. قال الحاكم: وقد رُوي هذا الحديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين في ورود عبادة بن الصامت على عثمان بن عفّان متظلِّماً بمتن مختصر. وقال شعيب الأرنؤوط: قوله: «سيلي أُموركم بعدي... الخ» الحديث، فصحيح، أخرجه عبدالله ابن الإمام أحمد في «زوائد المسند»: 5 / 329 من طريق سويد بن سعيد... انظر: سير أعلام النبلاء: 2 / 9 (الهامش 1).
2 . انظر: المعارف لابن قتيبة: 112 ـ 117 ; والكامل في التاريخ: 3 / 88 ـ 91 (سنة 27 هـ) .

صفحه 268
ومالاً أتاك به الأشعريّ *** من الفيء أعطيته من دنا(1)
4. نقم الناس على عثمان بعد ولايته بستّ سنين، وتكلّم فيه مَن تكلّم، وقالوا: آثر القرباء، وحمى الحمى، وبنى الدار، واتّخذ الضياع والأموال بمال الله والمسلمين، ونفى أبا ذرّ صاحب رسول الله، وعبدالرحمن بن حنبل، وآوى الحكم بن أبي العاص، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح طريدَي رسول الله... (2)
5. بينما كان عثمان يخطب إذ دلّت عائشة قميص رسول الله، ونادت: يا معشر المسلمين! هذا جلباب رسول الله لم يبْلَ، وقد أبلى عثمان سنّته !(3)
وكانت تحرّض على عثمان، وتقول: اقتلوا نعثلاً، فقد كفر .(4)
6. عزل عثمانُ بن عفان سعدَ بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة، وولّى مكانه الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فلمّا قدم الوليد، قال له سعد: أكِستَ بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال:
لا تجزعنّ يا أبا إسحاق، كلّ ذلك لم يكن، وإنّما هو المُلك ليتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون.
فقال سعد: أراكم جعلتموها ملكاً!
وقال له ابن مسعود: أصَلحتَ بعدنا أم فسد الناس؟!(5)

1 . الاستيعاب لابن عبدالبرّ: 2 / 828 ـ 829 ، الترجمة (40).
2 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 173 ـ 174. وانظر: الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 30 ـ 31 (فقرة: ما أنكر الناس على عثمان) .
3 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 175 .
4 . الإمامة والسياسة: 49 (وفيه: اقتلوا نعثلاً فقد فجر)، وتاريخ الطبري: 3 / 477 ; والكامل في التاريخ: 3 / 207 .
5 . الكامل في التاريخ: 3 / 82 ـ 83 .

صفحه 269
7. كان لعثمان يوم قُتل عند خازنه خمسون ومئة ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مئة ألف دينار... وبني الزبير داره بالبصرة وبنى أيضاً بمصر والكوفة والإسكندرية، وبلغ الثُّمن الواحد من متروكه بعد وفاته خمسين ألف دينار، وكان على مربط عبدالرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفاً، وخلّف يعلى بن منبّه خمسين ألف دينار وعقاراً وغير ذلك ما قيمته ثلاثمئة ألف درهم، وكان غلّة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم و...(1)
هذه نماذج من مظاهر ذلك الواقع، الّذي هُرع فيه الناس إلى الإمام علي لمبايعته بالخلافة.

وميض الجمر خَلَل الرّماد

وكان الإمام (عليه السلام)يقرأ ظروف وملابسات ذلك الواقع قراءة عميقة وواعية، فيشخّص ما يحفل به من أمراض وأزمات ومظالم وتناقضات، ويستشرف، بنظرته الثاقبة الّتي تنفذ إلى الأعماق، ما يعجّ به المستقبل من أهوال وتحدّيات، وما يجري خلف الستار من دسائس ومكائد يحوكها الموتورون الذين يمتدّ عداؤهم إلى أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والطامعون بالمُلك، والمنتفعون بامتيازات السلطة، والمُترَفون المتهالكون على المال.
وهذه القراءة للأوضاع السائدة آنذاك، وهذا الاستشراف لخفايا المستقبل، قد أبان عنهما أمير المؤمنين في اليوم الّذي تزاحم عليه الناس بعد مقتل عثمان يريدونه على البيعة، وفي الأيام الأُولى من تسنّمه منصب الخلافة، فقال (عليه السلام)للجموع الّتي أرادته على البيعة:

1 . انظر: مروج الذهب للمسعودي: 3 / 76 ـ 77، الأرقام: 1578 ـ 1582 ; والغدير للأميني: 8 / 282 (الكنوز المكتنزة ببركة الخليفة).

صفحه 270
«دَعُونِي وَالَْتمِسُوا غَيْرِي; فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ; لاَ تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الاْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَالَْمحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ.
وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ; وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!».(1)
وقال (عليه السلام)في أوائل خلافته، وهو يقرّر أُطر سياسته العامّة:
«... فأفضى الأمر منهم ] أي من أصحاب الشورى [ إلى عثمان، فعمِل ما أنكرتم فعرفتم، ثم حُصر وقُتل، ثم جئتموني طائعين... وأقبلت الفتن كقِطَع اللّيل المظلم، ولا يحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمر، وإني حاملُكم على منهج نبيِّكم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنفِّذ فيكم ما أُمرتُ به; إنِ استقمتُم لي، وبالله المستعان.
ألا إنّ موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته كموضعي منه أيّام حياته، فامضوا لِما تؤمَرونَ به، وقِفوا عندما تُنهَوْنَ عنه، ولا تعجلوا في أمر حتّى نبيِّنه لكم.
ثم التفت (عليه السلام)يميناً وشمالاً، فقال: ألا لا يقولُنَّ رجال منكم غداً قد غمرتْهُمُ الدنيا فاتّخذوا العَقارَ، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيولَ الفارهة، واتّخذوا الوصائف الرّوقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتُهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتُهم إلى حقوقهم الّتي يعلمون، فينقِمون ذلك ويستنكرون، ويقولون: حرَمنا ابنُ أبي طالب حقوقنا!...
الناس عماد الدين، عند أمير المؤمنين (عليه السلام)   
وأيّما رجل استجاب لله وللرسول، فصدّق ملَّتنا، ودخل في ديننا، واستقبل

1 . نهج البلاغة: الخطبة 92 .

صفحه 271
قبلتَنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مالُ الله، يُقسَّم بينكم بالسَّويّة، لا فضل فيه لأحد على أحد; وللمتّقين عند الله غداً أحسن الجزاء، وأفضل الثواب...»(1).
وهاتان الخطبتان تعطيك صورة واضحة عن أسباب وبواعث امتناعه (عليه السلام)عن الاستجابة، في بدء الأمر، لأصوات المحتشدين الذين سألوه القيام بأمر الأُمّة، وقوله لهم: (دعوني والتمسوا غيري)، وقوله: (أنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً).
وأنت ترى أنّ هذه الأسباب يرتبط بعضها بالمخاطر الجسيمة الّتي ينذرهم الإمام (عليه السلام)بوقوعها في المستقبل إذا ما تولّى زمام القيادة، ويرتبط بعضها الآخر بمنطلقاته وأهدافه ومبادئه في الحياة، ومنهجه في السياسة والاقتصاد وإدارة شؤون الحكم.
فهذه الفقرات (الّتي أسقطها أحمد الكاتب عن عمد) من كلام الإمام: (إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. وإنّ الآفاق قد أغامت، والمَحّجة قد تنكّرتْ) تومئ، بوضوح، إلى ما سيتمخّض عنه المستقبل من مصاعب وشدائد، ومن فتن ومكائد، ومن حركات تمرّد وعصيان، سوف تواجه العهد الجديد.
فالغد، إذاً، آفاقه مدلهمّة بالخطوب، والنزاعات فيه متأجّجة، والشبهات مُثارة، والفتن الظلماء متلبِّدة، والموازين الشرعية فيه مختلّة، متأرجحة.

الناس عماد الدين، عند أمير المؤمنين (عليه السلام)

وما كان الإمام، وهو يعلم ما ستؤول إليه الأُمور فيما إذا نهض بالأمر، ليُخفي

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 36 ـ 37، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. وانظر: نهج البلاغة: الخطبة 173، و 205 .

صفحه 272
ذلك عن الناس، فالناس في عقيدته وفي رؤيته السياسية، هم الغاية في مشروعه التغييري، وهم، أيضاً، أدوات تطبيقه وإنجاحه، قال (عليه السلام)وهو يخاطب الناس: «فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيْحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيَْما تَعْلَمُوا».(1)
وقال: «أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أُسْوَةٌ»(2).
وقال: «وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلاَْعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الاُْمَّةِ; فَلْيَكُنْ صَغْوُكَ لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ»(2).
ومن هنا آثر (عليه السلام)أن يصارحهم بالحقائق، وأن يكشف لهم الغطاء عمّا يخبِّئه المستقبل للعهد الجديد من معضلات ومشكلات عويصة، ليكونوا على بيّنة منها، فالأمر صعب مستصعب، والمسؤولية الملقاة على عاتقهم ضخمة جدّاً، والتبعات ثقيلة، وكلّ ذلك يتطلّب قدْراً كبيراً من البذل والعطاء والتضحية والفداء، والعمل الدائب، والجهد المنظّم، أو كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمر».
إنّ ما يريده الإمام (عليه السلام)من الناس، هو أن يفتحوا عيونهم وعقولهم على الواقع المؤلم، وعلى ما يتوارى خلفه، وهو أشدّ قسوة وإيلاماً.
إنّه لا يريد أن يخدع نفسه، أو يخدع غيره، فيركبه الزَّهو والغرور بإقبال الجماهير عليه وتعلُّقِ الأنظار به، ومن ثمّ يَقبل منهم البيعة دون أن يُطلعهم على حقائق الأُمور وعواقبها.
إنّه لا يكتفي بتلك العواطف الجيّاشة للمُنثالين عليه من كلّ جانب، بل

1 . نهج البلاغة: الخطبة 34 .   2. المصدر نفسه: الكتاب 70.
2 . المصدر نفسه: الكتاب 53. و (الصَّغْو): المَيْل.

صفحه 273
يريد منهم ولاءً مطلقاً لقيادته ومنهجه وأُسلوب عمله، وأن يعرفوا وظيفتهم وواجبهم، بوضوح، وأن ينهضوا بمقتضيات تلك الوظيفة، وذلك الواجب.
فإنْ لم يستطيعوا القيام بذلك، ولم يتمكّنوا من مواصلة السَّير في الطريق الطويل المُجهد، ولم يتحمّلوا النتائج الّتي تترتّب على سلوك ذلك الطريق، ولم يجدّوا في إدراك الحقّ، (فلْيَدَعُوه (عليه السلام)، ويلتمسوا ـ للخلافة ـ غيره) ممّن لا تُثار في وجهه مثل تلك الدواهي والمِحَن الشِّداد، ولا ينتهج، في سياسته وإدارته لشؤون العباد والبلاد، مثل منهجه (عليه السلام)اللاّحب المستقيم، الذي إنْ تولّى أمرَهم برضاهم، سيحملهم عليه، (ولم يُصغِ إلى قول القائل وعتْب العاتب)، وهو منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).. منهج القرآن الكريم... منهج الحق والعدل.
لقد اتّبع أكثر الناس، قبل أن تتزيّن الخلافة بعليّ، سُبُلاً شتّى، فَرَّقَت بهم عن صراط الحقّ الّذي سلكه عليّ (عليه السلام)، ولم ينحرف عنه قيد أَنمُلة منذ أن بزغ فجر الإسلام، وإلى آخر يوم من أيام حياته المباركة، وكان شعاره (عليه السلام): «أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لاَِثَرِهِ»(1)، ثمّ هو (عليه السلام)كان يقول: «مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ»(2)، ويقول: «وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي، وَمِنْهَاج مِنْ
نَبِيِّي، وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً»(2)، ويقول، مخاطباً رعيّته: «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ ـ يعني نفسَه (عليه السلام)ـ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ الاِْعْتِسَافِ، وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الاَْعْنَاقِ» (4).
وكان من نتائج اقتحام تلك السبل المفرِّقة، أن ظهرت معالم الجور في المجتمع، وعُطِّلت الحدود، واهتزّت معايير الحقّ، وحُرِّفت مفاهيم الإسلام،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 160 .   2 . المصدر نفسه: الخطبة 4 .
2 . المصدر نفسه: الخطبة 97 .   4 . المصدر نفسه: الخطبة 166.

صفحه 274
وهُدرت الحريات والكرامات، واشرأبّت أعناق النفاق والفساد.
ولاشكّ في أنّ الجماهير الّتي تسعى في أن يكون الإمام عليّ أميراً لها، ينبغي أن تقف على منهج الإمام في الحياة وفي قيادة الأُمّة، وأنّ الحقّ هو هدف سياساته، ومحور مواقفه، وأنّه لا يلويه شيء عن تطبيق مشروعه الربّاني المتمثّل في إقامة العدل، وتقويم الاعوجاج، وتصحيح المفاهيم، ومكافحة الفساد، ودرء الفتن، ودفع العدوان، وصيانة كرامة الفرد والمجتمع.
فإذا هم وقفوا على كلّ ذلك، ووقفوا، أيضاً ـ من خلال بيان الإمام ـ على الظروف والملابسات المحيطة بهم، وما هم مقبلون عليه من قوارع ومحن، ثمّ هم، بعد ذلك، آثروا قيادة الإمام لهم، فليتحمّلوا، إذاً، تلك المسؤوليات الجسام، والأعباء الثِّقال، وليمضوا مع الإمام (عليه السلام)حتّى النهاية، فإنّهم جناحه الّذي به ينهض، ليرتفع بهم فوق السحب السوداء، إلى حيث الآفاق المضيئة، وإلى حيث الخير والفلاح.
نعم، إنّهم إذا ارتضَوا أن يكونوا كذلك، وأحسّوا من أنفسهم القدرة على الوفاء ببيعتهم له (عليه السلام)، وإجابته حين يدعوهم، وطاعته حين يأمرهم(1)، فليبايعوه أميراً لهم، ليعودوا به إلى جادّة الحقّ، ويصلوا إلى ساحل النجاة، وتُردّ به حقوقهم كاملة، وتُحلّ أزماتهم، وتُصلَح أوضاعهم.
وأمّا إذا رأوا من أنفسهم الضعف والوهن عن القيام بتلك المهمّات، والعجزَ عن الوفاء بمتطلّبات البيعة، وأنّهم لا يطمعون في إحداث التغيير الجذري، والإصلاح الشامل، والتقيّد التامّ بمنهج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل يرضَون باليسير من الأهداف، ويقنعون ببعض الحق، وبالحلول الترقيعية للمشكلات

1 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، والنَّصِيْحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالاِْجَابَةُ حِيْنَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِيْنَ آمُرُكُمْ». نهج البلاغة: الخطبة 34 .

صفحه 275
والأزمات القائمة، فليدَعوا عليّاً وشأنه، فإنّ لابن أبي طالب من قوة دينه، ورسوخ يقينه، وشدّة عزيمته، وعلوّ همّته، ونفاذ بصيرته، وقوة شخصيته، ما يمنعه من أن يكون أميراً (خليفة)، ثمّ يقبل منهم التهاون في أمر الحقّ أو تخطّي بعض حدوده، أو يرتضي منهم التقاعس عن تحقيق المصلحة العليا للإسلام والمسلمين، وعن مكافحة الظلم والفساد والأثَرة.
وعندئذ، ومع هذه الحال الّتي هم عليها، فهو (عليه السلام)وزير لهم، يسترشدون برأيه، ويعملون بنصحه ومشورته فيما يعرض لهم من مسائل وقضايا مختلفة، وما يعنّ من معضلات ومخاطر، تهدّد كيانهم، وتزعزع أمنهم واستقرارهم، في تجربتهم الّتي ارتضَوْها هم لأنفسهم... فهو وزير لهم خير لهم منه أمير، تفرض عليهم مسؤولية بيعتهم له، أن يتَّبعوه في ما يرسم من سياسات، ويقرِّر من نُظم، وأن يؤازروه وينصروه في ما يتّخذ من مواقف، ويحكِّم من مبادئ وقيم (مستمدّة كلّها من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم))، لأنّ النكول عن مستلزمات البيعة (إمّا لعدم الإيمان بمنهج الإمام كلّ الإيمان، أو لعدم احتمال الصبر عليه)، سوف يُثقل ظهورهم بأوزار مخالفة الإمام (عليه السلام)وعصيانه، كما أنّ التوقّف في أوّل الطريق أو في منتصفه، والإحجام عن مواصلة السير فيه، سوف يحمِّلهم تبعات تعثّر أو إخفاق مشروعه الكبير، الّذي يتربّص به الأعداء ويحاربونه بشتّى المكائد والحيَل، ومن ثمّ لا يَجنون، بما جنت أنفسهم، من ذلك المشروع خيراً كثيراً، ولذا يصبح من الخير لهم أن يكون (عليه السلام)وزيراً لهم وعضُداً لا أميراً.
وبعبارة الشيخ ميثم البحراني في شرحه على نهج البلاغة: (أنّ الخيريّة هاهنا تعود إلى سهولة الحال عليهم في أمر الدنيا، فإنّه إذا كان أميراً لهم حملهم على ما تكره طباعهم من المصابرة في الحروب، والتسوية في العطايا، ومنعهم ما يطلبون ممّا فيه للشريعة أدنى منع، وليس الأمر كذلك إذا كان وزيراً لهم، فإنّ حظّ الوزير ليس إلاّ المشورة والرأي الصالح والمعاضدة في الحروب، وقد يُخالف في

صفحه 276
رأيه، حيث لا يتمكّن من إلزام العمل به).(1)
وبهذا يتّضح سُقم فتوى الكاتب بأنّه: (لو كانت نظرية النصّ والتعيين ثابتة... لم يكن يجوز للإمام أن يقول: أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!)(2)، فهذا القول منه (عليه السلام)جاء في سياق كلام له (قد أسقطه الكاتب)، أشار فيه الإمام (عليه السلام)إلى معالم منهجه في قيادة الأُمّة، وإلى التحدّيات والأزمات الّتي سوف تواجهها إذا ما تولّى زعامتها.
   

قيام الحجّة للتصدّي للأمر

لاشكّ في أنّ النهوض بتلك الأعباء الثِّقال، على أساس منهجه المعروف، يستلزم وجود ثُلّة من ذوي العزم والصبر والوعي، من الأنصار والأعوان، الذين يعلنون عن تأييدهم ومؤازرتهم للعهد الجديد.
وإذا تحقّق وجود ذلك، قامت الحجّة عليه للتصدّي لأُمورهم، كما قال (عليه السلام): (لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا...).(3)
فالأمر، إذاً، يتعلّق بقيام الحجّة بوجود الناصر، لا بوجود النصّ أو عدم وجوده، وبذلك يسقط الحكم القائل بعدم الجواز له أن يقول: (أنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً)، فإنّ للمنصوص عليه أن لا يستجيب للأصوات الّتي تدعوه

1 . شرح نهج البلاغة: 2 / 387، دار العالم الإسلامي، الطبعة الثانية، 1401 هـ .
2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 15. يُذكر أنّ الكاتب قلّد المعتزلة في هذا الحكم، فهم يرَون أنّ علياً (عليه السلام)لم يكن منصوصاً عليه بالإمامة، وإنْ كان أولى الناس بها وأحقّهم بمنزلتها، وأنّه ـ كما يقولون ـ لو كان منصوصاً عليه بالإمامة لما جاز له أن يقول: «وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!». شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 34 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .

صفحه 277
إلى تولّي الأمر، إذا ظهر له عدم وجود الأنصار على إقامة العدل، ومكافحة الجور، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامات، فإن وجدهم، لزمه أن يتولّى الأمر، فإذا نكصوا عنه، بعد مبايعتهم له، فاتهم خير كثير من مشروعه الّذي يسعى بهم إلى تحقيقه، واحتقبوا أوزار وآثار خذلانهم له، وتخلّفهم عنه.
وبكلمة موجزة: إنّ من غايات الإمام (عليه السلام)من هذا الكلام، بجميع فقراته، ومن تمنُّعهِ عليهم، وقبضِ يده عنهم، هي تبصيرُ الناس بالخطوب والفتن المقبلة، وبفداحة الأعباء الّتي يتحمّلونها فيما إذا تولّى قيادتهم، وتأكيدُ الحجّة لنفسه في كلّ ذلك. ويستبطن (كلامه)، أيضاً، التحذير من مغبّة الاعتراض عليه، أو مخالفته وعصيانه، في ما يضع من سياسات، ويتّخذ من مواقف، فلمّا عَلِم (عليه السلام)رغبتهم فيه، ورضاهم بحُكمه، وبالمنهج الّذي سيحملهم عليه، بسَط يده إليهم للبيعة.
وعلى ضوء ما سبق، يمكن فهم قوله (عليه السلام): (دعوني والتمسوا غيري)، وقوله: (أنا لكم وزيراً، خير لكم منّي أميراً)، وغيرهما. ويزداد هذا الفهم رسوخاً إذا ما رجعنا إلى سائر كلماته الّتي يقول فيها: «لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي»(1)، وقوله: «إنَّهُ ـ أي أبو بكر ـ لِيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا...» (2)، وقوله: «إِنَّ الاَْئِمَّةَ مِنْ قُرَيْش غُرِسُوا فِي هذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم; لاَ
تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ»(2)، وغيرها من الأقوال الّتي سنذكرها في الفصل القادم، إن شاء الله تعالى.
الحُكم الثالث: يقول الكاتب: (لو كانت نظرية النصّ والتعيين ثابتة... لم يكن يجوز للإمام أن يعرض الخلافة على طلحة والزبير)(4).

1 . نهج البلاغة: الخطبة 74.   2 . المصدر نفسه : الخطبة 3 .
2 . المصدر نفسه: الخطبة 144.   4 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 15 .

صفحه 278
قال هذا، بعد أن نقل عن «تاريخ الطبري» أنّ عليّاً مشى إلى طلحة والزبير، فعرضها ] يعني الخلافة [ عليهما، فقال: من شاء منكم بايعته، فقالا: لا... الناس بك أرضى... (1)
أقول: الخبر المروي في «تاريخ الطبري» لم يذكر مجيء عليّ (عليه السلام)إلى طلحة والزبير، بل إلى طلحة فقط.
ثمّ إنّه خبر منقطع، ومخالف للمشهور والصحيح من الأخبار الواردة في قصة بيعته (عليه السلام)، ومخالف، أيضاً، لمنهج عليّ في موضوع الخلافة والبيعة، ولرأيه في طلحة وموقفهِ من أعماله.
وإليك نصَّ الخبر، مع تعليقاتنا عليه وعلى غيره من الأخبار:
قال الطبري: أخبرنا عليّ بن مسلم، قال: حدّثنا حبّان بن هلال، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عوف ] الأعرابي [، قال: أمّا أنا فأشهد أنّي سمعت محمد بن سيرين، يقول: إنّ عليّاً جاء، فقال لطلحة:
ابسُط يدك يا طلحة لأبايعك. فقال طلحة: أنت أحقّ، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدك. قال: فبسط عليّ يده، فبايعه.(2)
ومن المعلوم أنّ محمد بن سيرين لم يشهد بيعة الإمام علي (عليه السلام)، فالبيعة حصلت بالمدينة المنوّرة في ذي الحجّة من سنة (35 هـ)، ومولد ابن سيرين كان بالبصرة في سنة (33 هـ) (3)، فالخبر، إذاً، منقطع، لا يمكن الاستناد إليه .
وهذا الخبر قد رواه البلاذري عن محمد بن سعد، عن صفوان بن عيسى الزهري، عن عوف الأعرابي (المتوفّى 146 هـ)، ولم يسنده إلى ابن سيرين. قال

1 . المصدر نفسه: 14.
2 . تاريخ الطبري: 3 / 455 ـ 456 (خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، سنة 35 هـ) .
3 . الطبقات الكبرى: 7 / 193 ; والأعلام: 6 / 154 .

صفحه 279
عوف: لمّا قُتل عثمان جعل الناس يبايعون علياً. قال: فجاء طلحة، فقال له عليّ: هاتِ يدك أبايعك. فقال طلحة: أنت أحقّ بها منّي.(1)
وثمّة خبران آخران، يَذكران أنّ عليّاً (عليه السلام)عَرض البيعة على طلحة والزبير، روى أحدهما البلاذري، والآخر إبراهيم الثقفي، وكلاهما منقطعان.
فأمّا البلاذري، فروى بإسناده عن الزهري، قال: وقد بلغنا أنّ عليّاً قال لهما ] أي لطلحة والزبير [: إنْ أحببتما أن تبايعاني فافعلا، وإنْ أحببتما بايعت أيّكما شئتما. فقالا: بل نبايعك...(2)
وأمّا الثقفي، فروى بإسناده عن زيد بن أسلم، قال: جاء طلحة والزبير إلى عليّ (عليه السلام)، وهو متعوِّذ بحيطان المدينة، فدخلا عليه، وقالا له: ابسط يدك نبايعك، فإنّ الناس لا يرضَوْن إلاّ بك. فقال لهما: لا حاجة لي في ذلك، لأَن أكون لكما وزيراً خير من أن أكون لكما أميراً، فليبسط من شاء منكما يده أبايعه. فقالا: إنّ الناس لا يؤثرون غيرك، ولا يعدلون عنك إلى سواك...(2)
ومن الواضح أنّ كلا الراويين: الزهري (52 ـ 124 هـ)، وزيد بن أسلم (المتوفّى 136 هـ) لم يدركا قصة البيعة، فالخبران، إذاً، ضعيفان لانقطاعهما .
وهذه الأخبار الثلاثة الضعيفة، يدحضها، أيضاً، ما اشتهر وصحّ من الروايات التاريخية الواردة في شأن البيعة بعد مقتل عثمان، حيث خلت، جميعاً، من ذلك الزعم، بأنّ عليّاً (عليه السلام)عرض الخلافة على طلحة أو الزبير، ومنها: رواية محمد بن الحنفية، ورواية المسور بن مخرمة، ورواية أبي بشير العابدي، وغيرهم.(3)

1 . أنساب الأشراف: 2 / 215، رقم 273 .   2. المصدر نفسه: 2 / 219، ذيل الرقم 279 .
2 . مصنفات الشيخ المفيد، المجلد الأوّل، الجمل والنصرة لسيد العترة: 130، الطبعة الأُولى، 1413 هـ .
3 . انظر: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: 2 / 573 ـ 574، رقم 969 و 970، تحقيق وصيّ الله بن محمد عباس ; وأنساب الأشراف: 2 / 209 ـ 210، رقم 258 ـ 260 ; وتاريخ الطبري: 3 / 450، وكتاب السنّة للخلال: 416، 417 .

صفحه 280
ومع ضعف الأخبار الثلاثة المذكورة، ووجود ما ينقضها من الأخبار الصحيحة،ترى الكاتب يستند إلى أحد تلك الأخبار الضعيفة (بعد أن يغمض عينيه عن سنده) ويبني عليه حُكمه الجازم: (لو كانت نظرية النصّ والتعيين ثابتة... لم يكن يجوز للإمام أن يعرض الخلافة على طلحة والزبير)!!!

رؤية الإمام علي لمسألتي الخلافة والبيعة تدحض قصة العرض

ثمّ إنّ ذلك العرض (المزعوم) لا ينسجم مع رؤية الإمام (عليه السلام)لمسألة الخلافة، وموقفه منها، فالإمام (عليه السلام)لم يشكّ قطّ ـ حتّى وإن أهملنا مبدأ النصّ والتعيين ـ (لم يشكّ قطّ في أنّه أحق الناس بالخلافة)(1)، وقد أقبل عليه الناس يريدونه عليها، فكيف يعرضها على غيره؟؟(2)
ولا ينسجم، أيضاً، مع نظرته لمسألة البيعة، وموقفه منها، فالإمام (عليه السلام)كان يحرص، حين طلبه الناس للخلافة، على بيعتهم له، عن وعي منهم وبصيرة وإرادة حرّة، لأنّه يؤمن بأنّ البيعة، هي أُسلوب من التعاقد بين القائد (سواء أكان منصوصاً عليه أم لا) وبين الأُمّة، يتركّز من خلالها نفسياً ونظرياً مفهوم الخلافة العامّة للأُمّة(3)، فكيف يتجاوز (عليه السلام)الأُمّة، مع إيمانه هذا الراسخ بها، ويبادر هو إلى بيعة طلحة أو الزبير؟

1 . الفتنة الكبرى 2 (علي وبنوه): 39 .
2 . وليس لأحد أن يُشكل، فيقول: كيف، إذاً، امتنع عن بيعة الناس له، في بادئ الأمر، ودعاهم إلى التماس غيره، إذا كان أحقّ الناس بالخلافة؟ فذاك الأمر مختلف تماماً عمّا نحن فيه، وقد أجبنا عن هذا الإشكال، وبيّنا، بشكل مفصّل، أسباب ذلك الامتناع ودوافعه، فراجع إذا أحببت.
3 . انظر: الإسلام يقود الحياة للشهيد محمد باقر الصدر: 146، المجموعة الكاملة، المجلد 12، القسم الثاني .

صفحه 281
وكيف يريد (عليه السلام)أن تكون البيعة له جهاراً، وعن رضا المسلمين عامّة، وفي داخل المسجد النبوي، ثم يتخطّى كلّ هذه المبادئ والاعتبارات، فيَعرِض عليهما البيعة، وحده، ومن وراء رضا الجمهور، كما يزعم الخبر الضعيف، الّذي تمسّك به الكاتب: (ومشى (عليه السلام)إلى طلحة والزبير، فعرض عليهما الخلافة، فقال: من شاء منكما بايعته...)؟!!

الحرص على المُلك، ينفي، أيضاً، صحّة العرض

ثم كيف يدَع طلحة والزبير هذه الفرصة الثمينة، أن يبايعهما مثل عليّ (عليه السلام)في جلالة قدره ومنزلته، ونفاذ كلمته بين الناس، مع ما عُرف من حرصهما على تولّي الخلافة، بل تولّي ما هو دونها من المناصب؟!
وهل نكثا البيعة، وألّبا الناس، ونصبا الحرب، إلاّ طمعاً في ذلك؟!
قال ابن الأثير ـ وهو يتحدّث عن خروج أصحاب الجمل من مكة ـ : إنّهم لمّا خرجوا منها، أذّن مروان بن الحكم، ثم جاء حتّى وقف على طلحة والزبير، فقال: على أيّكما أُسلِّم بالأمرة وأؤذّن بالصلاة؟
فقال عبدالله بن الزبير: على أبي عبدالله، يعني أباه الزبير.
وقال محمد بن طلحة: على أبي محمد، يعني أباه طلحة .
فأرسلت عائشة إلى مروان، وقالت له: أتريد أن تفرّق أمرنا؟ ليصلِّ بالناس ابن أُختي، تعني عبدالله بن الزبير.
فكان معاذ بن عبيد يقول: والله لو ظفرنا لاقتتلنا، ما كان الزبير يترك طلحة والأمر، ولا كان طلحة يترك الزبير والأمرَ (1)!!!

1 . الكامل في التاريح: 3 / 209. وانظر: تاريخ الطبري: 3 / 473 (وفيه: والله لو ظفرنا لافتتنّا، ما خلّى الزبير بين طلحة والأمر، ولا خلّى طلحة بين الزبير والأمر) .

صفحه 282
وقال الإمام علي (عليه السلام): «كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا ـ يعني طلحة والزبير ـ يَرْجُو الاَْمْرَ لَهُ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اللهِ بِحَبْل، وَلاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَب... وَاللهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هذَا نَفْسَ هذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هذَا عَلَى هذَا».(1)
ويُضاف إلى كلّ ما تقدّم أنّ عليّاً (عليه السلام)لم يكن راضياً عن سيرتهما، وبالأخصّ عن سيرة طلحة ومواقفه، فكيف يعرض عليهما الخلافة، الّتي يجب أن يكون صاحبها، لاسيما في عقيدة عليّ، المثَل الأسمى في المكارم، والنموذج الأمثل في السلوك، وفي ضبط النفس عن شهواتها وأطماعها، حريصاً على الأُمّة، ناصحاً لها، قائماً بالقسط والعدل، نائياً عن الاستئثار والاستبداد؟!
وللإمام (عليه السلام)كلمات ومواقف عديدة تعرب عن عدم رضاه عن سلوكهما، منها:
1. قال ابن أبي الحديد: جاء الزبير وطلحة إلى عليّ (عليه السلام)بعد البيعة بأيام، فقالا له: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كنّا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلّها، وعلمت رأي عثمان كان في بني أُمّية، وقد ولاّك الله الخلافة من بعده، فولِّنا بعض أعمالك.
فقال لهما: ارضيا بقسْم الله لكما، حتّى أرى رأيي. واعلما أنّي لا أُشرك في أمانتي إلاّ من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي، ومن قد عرفتُ دخيلَته.
فانصرفا عنه، وقد دخلهما اليأس، فاستأذناه في العُمرة.(2)
2. لمّا انصرف الثائرون من أهل مصر عن عثمان بن عفان، لقول عليّ (عليه السلام)، رجع (عليه السلام)حتّى دخل على عثمان، فأشار عليه أن يتكلّم بكلام يسمعه الناس منه، ليسكنوا إلى ما يعدهم من النزوع والإنابة، فخرج عثمان إلى الناس، وأعطاهم

1 . نهج البلاغة: الخطبة 148 .   2 . شرح نهج البلاغة: 1 / 231 .

صفحه 283
الرضا، ثم دخل بيته، فلم يزل مروان بن الحكم يفتله في الذروة والغارب حتّى فتله عن رأيه، ثم خرج مروان إلى الناس يشتمهم، فغضب عليّ (عليه السلام)، ثم دخل على عثمان، فقال له:... والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا عقله، وإنّي لأراه يوردك ثم لا يصدرك، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك.
قال عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري: فلم أزل أرى علياً منكّباً عنه لا يفعل ما كان يفعل ] يعني في الذبّ عن عثمان [ إلى أن مُنع الماء لما اشتدّ الحصار عليه، فغضب عليّ من ذلك غضباً شديداً، وقال لطلحة: أدخلوا عليه الرّوايا، فكره طلحة ذلك وساءه، فلم يزل عليّ (عليه السلام)حتّى أدخل الماء إليه .(1)
3. قال أمير المؤمنين (عليه السلام)لعبدالله بن عباس لمّا أنفذه إلى الزبير قبل وقوع الحرب يوم الجمل، ليستفيئه إلى طاعته:
«لا تَلْقَيَنّ طلحة، فإنّك إن تلْقَهُ تجدْه كالثَّور عاقصاً قَرْنه، يركب الصَّعبَ، ويقول: هو الذَّلُول; ولكنْ القَ الزُّبيرَ، فإنّه ألْيَن عَريكةً...»(2).
قال ابن أبي الحديد: يصفه بشراسة الخُلق والبَأْو(3)، وكذلك كان طلحة، وقد وصفه عمر بذلك .(3)
وبهذا يتبيّن أنّ النقل، ومنطق الأحداث، وواقع الحال، كلّها تشهد ببطلان الزعم القائل: بأنّ عليّاً عرض الخلافة على طلحة والزبير، ومن ثمّ لا يبقى لحُكم الكاتب أيّ مستند.

1 . انظر: تاريخ الطبري: 3 / 397 ـ 398، وتاريخ المدينة المنورة لابن شَبّة: 4 / 1202 ; وشرح نهج البلاغة: 2 / 144 ـ 148 ; والكامل في التاريخ: 3 / 164 ـ 166 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 31 .   3 . البَأْو: الفخر والادّعاء.
3 . شرح نهج البلاغة: 2 / 162 ـ 163 (وفيه: ليستفيئه إلى طاعته، أي يسترجعه. وعاقصاً قرنه، أي قد عطفه، تَيْس أعقص، أي قد التوى قرناه على أُذنيه، والفعل فيه: عَقَص الثور قرنه).

صفحه 284

تمزيق أستار الغشّ

قال الكاتب: (وهناك رواية في كتاب (سُليم بن قيس الهلالي) تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى، وحقّ الأُمّة في اختيار الإمام، حيث يقول في رسالة له: «الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يُقتل.. أن لا يعملوا عملاً، ولا يحدثوا حدَثاً، ولا يقدّموا يداً، ولا رجلاً، ولا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنّة»)(1).
أقول: لمّا يئس الكاتب من العثور على الشواهد الّتي تصلح لتأييد دعواه بالتزام عليّ (عليه السلام)بالشورى كطريق لانتخاب الإمام، لجأ ـ كعادته ـ إلى اقتطاع جزء من رواية وردت عنه (عليه السلام)، يذكر فيها ـ في مقام الاحتجاج على معاوية ـ وجوب الإمامة، وافترضَ (عليه السلام)أنّها تنعقد بطريقتين:
الأُولى: الاختيار من قِبَل الأُمّة.
الثانية: الاختيار من قبل الله تعالى ورسوله.
بَيْد أنّ الكاتب أهمل الإشارة إلى الطريقة الثانية ولم ينقل في شأنها حرفاً واحداً، في محاولة منه لتضليل القارئ، الذي نترك له أن يحكم ـ بعد قراءة الجزء المقتطع من الرواية ـ على مدى صدق الكاتب في البحث عن الحقيقة، ومدى أمانته في النقل .
وهاك النصّ المبتور:
«يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً، عالماً، ورعاً، عارفاً بالقضاء والسنّة.. إنْ كانت الخِيَرة لهم ويتابعوه ويطيعوه.

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 15، نقله عن كتاب سُليم بن قيس: 182 .

صفحه 285
وإنْ كانت الخيرة إلى الله عزّوجلّ وإلى رسوله، فإنّ الله قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار. ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتّباعه...»(1).
وإنّما ذكر الإمام (عليه السلام)الافتراض الأوّل، للاحتجاج به على معاوية وأتباعه، لأنّه (عليه السلام)حاز شرط انعقاد البيعة على الطريقة الأُولى، بل تحقّق فيه أكثر ممّا تحقّق في الخلفاء الذين سبقوه، لأنّ بيعته، من دونهم، كانت بيعة عامّة، فلماذا يعتقد معاوية (ظاهراً) بخلافتهم، ولا يعتقد بخلافته (عليه السلام)، ويشقّ عصا المسلمين بمخالفته؟ وأضاف الإمام (عليه السلام):
«إنّ بيعتي كانت بمشورة من العامّة، فإن كان الله جلّ اسمه جعل الاختيار إلى الأُمّة، وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم، ونظرُهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم، وكان من اختاروه وبايعوه، بيعته بيعة هدى، وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته، فقد تشاوروا فيّ واختاروني بإجماع منهم.
وإن كان الله عزّوجلّ، الذي يختار، له الخِيَرةُ، فقد اختارني للأُمّة، واستخلفني عليهم، وأمرهم بطاعتي...».(2)
فهل تجد، عزيزي القارئ، كلاماً أكثر صراحة من هذا الكلام (الّذي حذفه الكاتب) في الدلالة على مبدأ النصّ والتعيين: «ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته.. وقد اختارني ] الله [ للأُمّة، واستخلفني عليهم...»؟
وهل تجد، أيّها القارئ اللبيب، كلاماً أوضح في معناه من هذا الكلام (الّذي حذفه الكاتب، أيضاً) في التعريض بنظرية الاختيار: «فإن كان نظرهم لها (أي نظر

1 . كتاب سُليم بن قيس: 182 ـ 183، منشورات دار الفنون، 1400 هـ . ويبدو أنّها نفس الطبعة الّتي أخذ عنها الكاتب، فلاحظ.
2 . كتاب سُليم بن قيس: 183 .

صفحه 286
المسلمين لأنفسهم) خيراً لهم من اختيار الله ورسوله لهم...»؟
فكيف يُدّعى، بعد هذا، أنّ هذه الرواية تكشف عن إيمان عليّ بحقّ الأُمة في اختيار الإمام؟!
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لأُولِي النُّهَى)(1).

لكلّ مقام مقال

ثمّ إنّ الكاتب تشبّث بهذين الموردين، لتأييد دعواه بإيمان علي (عليه السلام)بنظام الشورى كأساس لتولّي الخلافة، ونفي النصّ عليه:
قال: (عندما خرج عليه طلحة والزبير احتجّ عليهما بالبيعة، وقال لهما: «بايعتماني ثمّ نكثتما بيعتي» ولم يُشر إلى موضع النصّ عليه من رسول الله، وكلّ ما قاله للزبير فتراجع عن قتاله، هو أنْ ذكّره بقول رسول الله له: «لتقاتلنّه وأنت له ظالم»)(2).
وقال: (وقال الإمام علي لمعاوية الّذي تمرّد عليه: «أمّا بعد: فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ. وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسمَّوْه إماماً، كان ذلك لله رضى»).(2)
أقول: ما نُقل من كلام الإمام (عليه السلام)في هذين الموردين، إنّما يأتي في سياق احتجاجاته ومناظراته مع الخارجين والمتمرّدين على شرعية خلافته، ومن

1 . طه: 54 .   2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 15 .
2 . المصدر نفسه.

صفحه 287
الواضح أنّ لِلحجاج والمناظرة أُسساً وركائز قويمة، وأساليب خاصة، وأهدافاً مبتغاة.
والمناظر القدير لابدّ أن يُراعي تلك الأُسس، ويُحسن اختيار الأُسلوب الّذي يتطلّبه المقام وتقتضيه المناسبة، ويستعين بالبراهين والدلائل القوية الواضحة، وأن يُلزم خصمه بما يُلزم به نفسه من حُجج، ويسلك طريقته في الاستدلال.
وقد امتازت مناظرات الإمام (عليه السلام)ـ كما هو معروف ـ باسيتفائها لجميع شروط النجاح، وعناصر القوة، كما امتازت بدقّتها وإيجازها، وخضوعها للهدف الأسمى الّذي كان يبتغيه (عليه السلام)، ألا وهو تجلية الحقيقة، وإزالة غبار الشبهات عنها، والأخذ بيد المخالفين والمعارضين إلى جادة الحقّ، ونهج الصواب .
وإذا عُدنا إلى الموردَين المتقدّمين، نجد أنّ الحِجاج فيهما قد حاز كلّ عناصر القوة، الّتي تقطع حجج الخصوم، وتُفحمهم من أقرب طريق وأيسره.
فأمّا بالنسبة إلى المورد الأوّل، فنقول:
أيّهما أقوى حجّة، وأجدى فائدة أن يشير الإمام (عليه السلام)، في مقام الاحتجاج، إلى مخالفة طلحة والزبير للنصّ النبويّ عليه بالإمامة والخلافة.. ذلك النصّ الّذي نُبذ منذ أحداث سقيفة بني ساعدة، وغُيِّب عن الساحة منذ نحو (25) سنة، أو يشير إلى البيعة الّتي سارعا إليها طائعَيْن قبل بضعة أشهر، ثمّ أظهرا النّكث من دون أن يقدِّما عذراً واضحاً، ولم يفيا بالعهد؟
ندَعُ الجواب للعارف بأُساليب المناظرة، فهو يدري أيّ الأُسلوبين أجدى وأنفع في الوصول إلى النتيجة المرجوّة.
والحقّ، إنّه لمن ضعفِ الرأي، أن لا يُعرف فضل تذكير الزبير بقول رسول الله له: «لتقاتلنّه وأنت له ظالم» على كلّ ما عداه من الأقوال، وملائمتُه لذلك

صفحه 288
الموقف الّذي يقف فيه الزبير شاهراً سيفه، وأشباح الموت تتراقص له بين سيوف ابن أبي طالب (عليه السلام)وأصحابه.
لقد اختار أبو الحسن ـ ويالحُسن الاختيار ـ ذلك القول المُفزع المُرعب، ليقرع به سمعه، رجاء أن يستيقظ من رقدته، ويفتح على الحقّ عينيه اللتين جعلتْ عليهما زهرةُ الحياة الدنيا غشاوة.
ياللهول: «لتقاتلنّه وأنت له ظالم»... إنّه القول الّذي يهزّ النفس هزّاً.. القول الّذي يمسّه شخصياً، فيدمغه بالظلم.. القول الّذي لا سبيل لأهواء النفس ووساوسها إلى تحريفه أو تأويله أو التحايل عليه، أو الجدال فيه!!
وبالفعل، وبعد أن سمع الزبير ذلك القول، أقرّ واعترف، وأنكر، في تلك اللحظة، موقفه من عليّ (عليه السلام)واستبان له خطأ مسيره إلى قتاله، وقال له: (والله لا أقاتلك أبداً).(1)
وهل يريد ابن أبي طالب غير ذلك؟ أن لا يشقى أحد بعصيانه ومناجزته.. وهو القائل (سلام الله تعالى عليه):
«فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا»(2).
وأمّا المورد الثاني الّذي استشهد به الكاتب على التزام عليّ (عليه السلام)بالشورى كأساس لاختيار الخليفة، فنقول فيه:
قد بيّنا، سابقاً، أنّ من أساليب المناظرة الناجحة، إظهارَ التسليم لآراء

1 . الكامل في التاريخ: 3 / 240 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 55 .

صفحه 289
الخصم، ومماشاته في أفكاره، والاحتجاج عليه بمقتضى اعتقاده .
ولمّا كانت الفقرات المذكورة من كلام أمير المؤمنين: «فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتْكَ وأنت بالشام لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان...»، هي جزء من كتاب بعث به (عليه السلام)إلى خصمه اللدود المتمرّد على شرعية خلافته، فإنّها تأتي في إطار ذلك الأُسلوب من الاحتجاج، فمعاوية (ووراءه أهل الشام) كان يُقرّ بخلافة الثلاثة ولم ينازعهم، مع أنّ خلافتهم قد انعقدت بالمدينة ببيعة المهاجرين والأنصار (بل ببيعة نفر يسير منهم)، ولم يُنتظر فيها رضى أهل سائر الأمصار، في حين أنّه نازع عليّاً في الخلافة، وكان يزعم أنّها لم تصحّ لأنّ (أهل الشام لم يدخلوا فيها، ولم يرتضوا بها!!) (1) حسب تعبيره.
وهنا يأتي كلام أمير المؤمنين على مقتضى اعتقاد معاوية (أو ما يتظاهر به من ذلك الاعتقاد)، وبما هو موضع قبوله، ليلزمه بما ألزم به نفسه، وكأنّه يقول له:
كيف تتمرّد عليَّ، ولم تتمرّد على الخلفاء الثلاثة، مع أنّ المبنى الّذي أخذتَ به، والّذي انعقدتْ بموجبه، خلافتهم، قد انعقدت بموجبه، أيضاً، خلافتي؟!!
فالقياس، إذاً، جدلي حسب اصطلاح أهل المنطق، لأنّه اعتبر في مقدّماته، التسليم من الخصم، أي تبكيت الخصم، وإلزامه بما سلَّم به.(2)
يذكر أنّ مبايعة الإمام علي (عليه السلام)كانت ظاهرة استثنائية، لم يكن لها مثيل في مَن سبقه من الخلفاء، حيث (بايعه جميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم)(3)، وقد «بلغ من سرور الناس ببيعتهم ] إيّاه [ أن ابتَهَج بها

1 . من كتاب كتبه معاوية إلى الإمام علي. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 14 / 42 .
2 . منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للميرزا حبيب الله الخوئي: 17 / 199 .
3 . الطبقات الكبرى لابن سعد: 3 / 31.

صفحه 290
الصغير، وهَدَج إليها الكبير، وتَحامَلَ نحوها العليل، وحَسَرتْ إليها الكَعاب»(1)على حدّ وصف أمير المؤمنين لها، فالحجّة على معاوية (وأتباعه) في لزوم الدخول في أفياء خلافة عليّ (عليه السلام)، أقوى وأمتن وأسطع، ولكنّه لا يقتنع بأي دليل أو برهان، ما دام يقوده الهوى، ويحدوه الغرض السقيم إلى الوثوب على كرسيّ المُلك بأي ثمن.
أَفَترى من الحكمة، بعد كلّ ذلك، أن يحتجّ الإمام (عليه السلام)على مثل هذا الخصم، بالنصّ على خلافته، وهو يرفض التسليم للإمام في أمر قد سلّم به لغيره؟
وهل من المناسب لمثل هذا المقام أن يُساق فيه الاحتجاج على سبيل النصّ؟
والحقّ، أنّه لولا مراعاة المقام، لكان (عليه السلام)يصرّح بما هو الحقّ، وخطبة الشقشقية وغيرها حجّة بالغة على ذلك .(2)
نماذج من مناظرات الإمام علي (عليه السلام)   
وأمّا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وإنّما الشورى للمهاجرينَ والأنصار، فإنِ اجتمعوا على رجُل وسَمَّوْه إماماً كان ذلك للهِ رضى»(3)، فمع أنّ فيه تعريضاً بخلافة أبي بكر (وغيره)، لعدم اجتماع المهاجرين والأنصار عليه، بينما اجتمعوا كلّهم على أمير المؤمنين، وارتضَوه إماماً.. مع أنّ فيه هذا التعريض، فإنّ الإجماع ـ على رأي الشيعة ـ إنّما تثبت حجّيته من جهة دخول المعصوم في المجمعين،

1 . نهج البلاغة، الخطبة 229. (هدج اليها الكبير: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً. وتحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقة. وحسرت إليها الكعاب: كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة).
2 . انظر، في شرح هذه الفقرات من كلام أمير المؤمنين (فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك...): منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: 17 / 197 ـ 199; حوارات مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش للشيخ جعفر السبحاني: 61 ـ 66 .
3 . نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل، الكتاب 6 .

صفحه 291
فحجيّته عندهم بالغير لا بنفسه، وهو بهذا الوجه طريق إلى الحجة أي السنّة لا حجّة في مقابلها.(1)
ومن الثابت تاريخياً أن أحداً من المهاجرين والانصار لم يتخلَّف عن بيعة عليّ(عليه السلام)، بينما أبى فريق منهم البيعة لأبي بكر، كان في مقدّمتهم الإمام المعصوم (عليه السلام)ومن مال إليه من بني هاشم كالعباس عمّ النبيّ، والفضل بن العباس، وعتبة بن أبي لهب، وغيرهم من كبار الصحابة، مثل سعد بن عبادة الخزرجي، والمقداد، وأبي ذرّ، وسلمان، والزبير، وخالد بن سعيد بن العاص. وعمّار بن ياسر.(2)
وبهذا يكون أمير المؤمنين (عليه السلام)هو الرجل الوحيد الّذي بويع بالخلافة عن رضا جميع الصحابة، من المهاجرين والأنصار، وحازت خلافته شرط الإجماع .

نماذج من مناظرات الإمام علي (عليه السلام)

ولكي نتعرّف على الخطوط العريضة لمناظرات الإمام علي (عليه السلام)، الّتي امتلكت كلّ عناصر النجاح من سموّ الهدف، وقوة الدليل، ومراعاة المقام، واختصار الكلمات،.. نأتي بنماذج قليلة منها:
1. يزعم ] الزبير [ أنّه قد بايع بيده، ولم يبايع بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة، وادّعى الوليجة، فليأتِ عليها بأمر يُعرف، وإلاّ فليدخل فيما خرج منه.(3)
2. لما انتهت إليه (عليه السلام)أنباء السقيفة، قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا

1 . انظر: توضيح نهج البلاغة للسيد محمد الشيرازي: 4 / 436; خلفاء الرسول الاثنا عشر للسيد محمد علي الموسوي الحائري البحراني: 27 .
2 . مرّ عليك أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها (كما قال عمر)، وأنّ عمر ولي الأمر بعهد من أبي بكر، وأن عثمان لم يُنتخب بإجماع ولا بشبه إجماع.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 8 .

صفحه 292
أمير ومنكم أمير، قال (عليه السلام): فهلا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم، ويُتجاوز عن مسيئهم؟
قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟
فقال (عليه السلام): لو كانت الإمامة فيهم، لم تكن الوصيّة بهم .
ثم قال (عليه السلام): فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقال (عليه السلام): احتجّوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة .(1)
3. ومن كتاب له (عليه السلام)إلى معاوية جواباً :
وزعمتَ أنّي لكلّ الخلفاء حسدتُ، وعلى كلِّهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك، فليست الجناية عليك، فيكون العذر إليك.
وتلك شَكّاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها
وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الَْمخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ. وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَة فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ، وَلاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَهذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا .(2)
4. من كتاب له (عليه السلام)إلى معاوية، جواباً:
وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَشَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ، وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ! وَذلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلاَ عَلَيْكَ، وَلاَ الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ.(3)
   
5. وقالت الخوارج: نقمنا على عليّ خصالاً... حكّم الحكمين، وزعم أنّه

1 . نهج البلاغة: الخطبة 67 .
2 . نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل، رقم 28 .
3 . المصدر نفسه: قسم الكتب والرسائل، رقم 64 .

صفحه 293
وصيّ فضيَّعَ الوصية.
فقال أمير المؤمنين: وأمّا قولكم إنّي حكّمت الحكمين، فإن الله عزّوجلّ حكّم في أرنب يُباع بربع درهم، فقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ)(1)، ولو حكم الحكمان بما في كتاب الله، لما وسعني الخروج من حكمهما.
وأمّا قولكم إنّي كنت وصيّاً فضيّعت الوصيّة، فإنّ الله عزّوجلّ يقول: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(2)، أفرأيتم هذا البيت، لو لم يحجج إليه أحد كان البيت يكفر؟
إنّ هذا البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلاً كفر، وأنتم كفرتم بترككم إيّاي، لا أنا كفرت بتركي لكم.(3)

خبران سقيمان، مُستلاّن من تراث غير الشيعة

على الرغم من أنّ منهج الكاتب يقتضيه أن يستند إلى تراث الإمامية في إثبات رأيه بالتزام أئمة أهل البيت والشيعة الأوائل بنظرية الشورى كطريق لتعيين الإمام، وأن يصدِّق زعمه: (بأنّ تراثهم يحفل بالنصوص الّتي تؤكد التزامهم بذلك)(2)، إلاّ أنّه لجأ هنا ـ وكما في المرّات السابقة ـ إلى التشبّث بتراث غيرهم، فاستلّ منه روايتين تاريخيتين، دون أن يذكر الرواة أو يلاحظ السند!!
وحاول أيضاً، أن يموِّه على القارئ، بعزْوِه هذين الخبرين إلى كتابَي: «الشافي» للشريف المرتضى الشيعي الإمامي، و «تثبيت دلائل النبوة» للقاضي عبدالجبار الهمَذاني المعتزلي، في حين أن المرتضى إنّما يذكر في «الشافي»، الأخبار الواردة في «المُغني» للقاضي عبدالجبار، من أجل نقضها والرّد عليها، وقد

1 . المائدة: 95 .         2 . آل عمران: 97 .   3 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 192 ـ 193 .
2 . انظر: تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 11.

صفحه 294
ورد كلا الخبرين في «تثبيت دلائل النبوة»، وعنه نقلهما الكاتب، ولم يردِ الثاني منهما في «المغني» (1) ومن ثم لم يردْ في «الشافي».
وهاك نصّ كلام أحمد الكاتب :
(ويتجلّى إيمان علي بالشورى دستوراً للمسلمين بصورة واضحة، في عملية خلافة الإمام الحسن، حيث دخل عليه المسلمون، بعدما ضربه عبدالرحمن بن ملجم، وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن، فقال: «لا، إنّا دخلنا على رسول الله، فقلنا: استخلفْ. فقال: أخاف أن تفرّقوا عنه كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قوبكم خيراً يختر لكم»(2).
وسألوا عليّاً أن يشير عليهم بأحد، فما فعل، فقالوا له: إنْ فقدناك فلا نفقد أن نبايع الحسن، فقال: «لا آمركم ولا أنهاكم. أنتم أبصر»)(2).
ثم حاول الكاتب أن يعزِّز الخبر الثاني، فقال:
(وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا (208 ـ 281) في كتاب: «فضل أمير المؤمنين» عن عبدالرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنْ فقدناك، ولا نفقدك: نبايع للحسن؟.. فقال: ما آمركم ولا أنهاكم. فعدتُ فقلت مثلها فردّ عليّ مثلها).(4)
أقول: أمّا الخبر الأوّل (لمّا ضربه ابن ملجم...)، فرواه القاضي عبدالجبار عن صعصعة بن صوحان، ولم يذكر سنده إليه.(3)
وتتبّعتُ هذا الخبر، فوجدت نحوه في «المستدرك على الصحيحين»، حيث رواه مؤلِّفه الحاكم النيسابوري بإسناده عن محمد بن بشر، عن موسى بن

1 . المغني: 20 / 188 .   2 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 15 ـ 16 .
2 . المصدر نفسه : 16 .   4 . المصدر نفسه: 16.
3 . تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبدالجبار الهمذاني: 1 / 292 ـ 293، دار العربية، بيروت .

صفحه 295
مطير، عن صعصعة بن صوحان، قال: خطبنا علي (رضي الله عنه)، حين ضربه ابن ملجم، فقلنا: يا أمير المؤمنين استخلف علينا؟ فقال: أترككم، كما تركنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قلنا: يا رسول الله: استخلف علينا. فقال: إنْ يعلم الله فيكم خيراً يولَّ عليكم خياركم. قال علي: فعلم الله فينا خيراً، فولّى علينا أبا بكر (رضي الله عنه). (1)
وفي السند: موسى بن مطير. كذّبه يحيى بن معين.
وقال أبو حاتم، والنسائي، وجماعة: متروك.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن حبّان: صاحب عجائب ومناكير، لا يشكّ سامعها أنّها موضوعة.(2)
ورواه ابن عساكر بسند ينتهي إلى موسى بن مطير هذا، عن أبيه، عن صعصعة .(3)
وروى الحاكم نحوه بإسناده عن محمد بن يونس بن موسى القرشي، عن نائل بن نجيح، عن فطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: دخل صعصعة بن صوحان على عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين، مَن تستخلف علينا؟ قال: إن علم الله في قلوبكم خيراً يستخلف عليكم خيركم. قال صعصعة: فعلم الله في قلوبنا شرّاً، فاستخلف علينا.(4)
وفي السند: محمد بن يونس بن موسى القرشي الكُدَيمي. كذّبه أبو داود، وموسى بن هارون، والقاسم بن زكريا المطرّز.

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 145 .
2 . ميزان الاعتدال للذهبي: 4 / 223 برقم 8928 .
3 . تاريخ مدينة دمشق: 30 / 289 .
4 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 145 .

صفحه 296
وقال ابن عديّ: اتُّهم بوضع الحديث.
وسئل عنه الدارقطني، فقال: يُتَّهم بوضع الحديث، وما أحسنَ فيه القول إلاّ من لم يخبُر حاله.(1)
وفي السند، أيضا: نائل بن نَجيح. تكلّم فيه الدارقطني .
وقال ابن عديّ: أحاديثه مظلمة.
وذكره العقيلي، وابن حبّان، وابن الجوزي، في جملة الضعفاء .(2)
وأمّا الخبر الثاني، الذي نقله الكاتب عن القاضي عبدالجبار المعتزلي، أعني قوله: (وسألوا علياً أن يشير عليهم بأحد، فما فعل، فقالوا له: إنْ فقدناك، فلا نفقد أن نبايع الحسن، فقال: لا آمركم ولا أنهاكم. أنتم أبصر).. أمّا هذا الخبر فلم يذكر القاضي له راوياً، ولا مصدراً.(3)
وقد تتبّعتُه فوجدته مسنداً في «أنساب الأشراف»، حيث رواه مؤلِّفه البلاذريّ عن محمد بن عبدالله بن خالد الطحان، عن أبيه، عن ابن أبي ليلى، عن عبدالرحمن بن جندب، قال: لمّا ضُرب عليّ، قلت: يا أمير المؤمنين أبايع حسناً؟ قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثمّ دعا ولده فأمرهم بتقوى الله، والزهد في الدنيا، وأن لا يأسَوا على ما صُرف عنهم منها.(4)
وفي السند: ابن أبي ليلى، وهو: محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاري. ولي القضاء بالكوفة لبني أُميّة، ثم لبني العباس، واستمر ثلاثاً وثلاثين سنة.
قال شعبة: ما رأيت أسوأ من حفظه.

1 . ميزان الاعتدال: 4 / 74 برقم 8353 .
2 . ميزان الاعتدال: 4 / 244 برقم 9006 ; وتهذيب الكمال: 29 / 307 برقم 6375 .
3 . تثبيت دلائل النبوة: 1 / 293 .   4 . أنساب الأشراف: 2 / 503 برقم 555 .

صفحه 297
وقال يحيى القطان: سيء الحفظ جداً.
وقال يحيى بن معين: ليس بذاك.
وقال العجلي: كان فقيهاً صدوقاً...
وقال الدارقطني: رديء الحفظ، كثير الوهم.(1)
وقد ورد هذا الخبر مُرسلاً عند ابن أبي الدنيا(2)، والطبري(3)، والموفّق الخوارزمي (4) وغيرهم.
ثم إنّ هذا الخبر رُوي (منقطعاً) عن جندب بن عبدالله، بصورة أُخرى، تخلو من سؤال مبايعة الحسن (عليه السلام)، ومن جواب أمير المؤمنين (لا آمركم، ولا أنهاكم)، فتأمّله جيّداً.
قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني (المتوفّى 248، وقيل: 255 هـ):
وحدّثونا عن أبي مخنف، قال: حدّثني عبدالرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب، لمّا ضربه ابن ملجم، فقمت قائماً، ولم أجلس لمكان ابنته، دخلتْ وهي مستترة، فدعا عليّ الحسن والحسين رضوان الله عليهما، فقال: أُوصيكما بتقوى الله...(5)
وقال أبو العباس المبرّد (المتوفّى 285 هـ):
قال لوط بن يحيى: حدثني عبدالرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: دخلت على علي بن أبي طالب، أسأل عنه حين ضربه ابن ملجم لعنه الله، فقمتُ ولم

1 . انظر: تهذيب الكمال: 25 / 622 برقم 5406 ; وميزان الاعتدال: 3 / 613 برقم 7825 .
2 . مقتل أمير المؤمنين: 1 / 14 برقم 43.
3 . تاريخ الطبري: 4 / 112 (سنة 40 هـ ، ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله).
4 . المناقب: 384 (الفصل 26، باب مقتله).
5 . المعمّرون والوصايا: 1 / 48 .

صفحه 298
أجلس لمكان ابنة له دخلتْ وهي مستترة، فدعا الحسن والحسين رحمهما الله، فقال: إنّي أُوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا...(1)
وبما تقدّم يُعلم أنّ الخبرين اللّذين استشهد بهما الكاتب (خبر صعصعة(2)، وخبر جندب)، وقال إنّه (يتجلّى) منهما إيمان الإمام عليّ بالشورى ] كطريق لاختيار الإمام [، إنّما هما خبران مُستلاّن من التراث غير الشيعي، وهما، بالاضافة إلى ذلك، خبران ساقطان عند أصحاب ذلك التراث، كما اتّضح ذلك من كلمات نقّادهم في رواة الخبرين، فلتنعم عينه، إذاً، بهذا (التجلّي)!!
وبهذا يتأكّد، مرّة أُخرى، ما قلناه سابقاً من أنّ الكاتب يلتقط أوهى الأخبار، ثمّ يرتِّب عليها نتيجة كبرى، كانت قد استقرّت في ذهنه من قبلُ.

لا يُبصر الدينارَ غيرُ الناقد

بينما يزعم الكاتب أنّ تراث الإمامية يحفل بالنصوص الدالّة على التزام أهل البيت بنظام الشورى كأُسلوب لنصْب الإمام، إلاّ أنّه لجأ هنا ـ وكما في المرّات السابقة ـ إلى تراث غيرهم، فنقل عنه بعض الأخبار ـ الّتي لا يصحّ علميّاً الاحتجاج بها على الإمامية ـ لإثبات ما سمّاه: (إيمان الإمام الحسن (عليه السلام)بنظام الشورى)، ولم يكتفِ بذلك، بل نقل عنه بعض الأخبار الزائفة ـ وهو يحسَب أنّ الناقد لا يُبصرها ـ ليَبني، على أساسها، بعض أحكامه!!
وإليك نصّ كلامه:

1 . التعازي والمراثي: 1 / 74، دار الكتب العلمية، 1417 هـ .
2 . ردّ الشريف المرتضى في كتابه «الشافي في الإمامة: 3 / 99 ـ 101» خبر صعصعة، وخبراً آخر ورد في «المغني»، ووصفهما بالخبرين الشاذّين، بَيْد أنّ الكاتب لم يتجاهل ردّه فحسب، بل حاول تضليل القارئ، بإيراده «الشافي» كمصدر للخبرين اللّذين التقطهما من «تثبيت دلائل النبوة» للقاضي المعتزلي!!!

صفحه 299
قال الكاتب:
(وقد ذكر ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: «أنّه لمّا توفّي عليّ (عليه السلام)خرج عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب إلى الناس، فقال: إنّ أمير المؤمنين توفّي، وقد ترك خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد. فبكى الناس، وقالوا: بل يخرج إلينا).
ثم عقّب الكاتب على هذا الخبر، بقوله:
(وكما هو ملاحظ، فإنّ الإمام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر أيّ نصّ حوله من الرسول أو من أبيه الإمام عليّ، وقد أشار ابن عباس إلى منزلة الإمام الحسن عندما ذكّر المسلمين بأنّه ابن بنت النبيّ وذكر: أنّه وصيّ الإمام أمير المؤمنين، ولكنّه لم يبيّن: أنّ مستند الدعوة للبيعة هو النصّ أو الوصية بالإمامة)(1) .
ونحن نناقش كلامه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الخبر الوارد في «شرح نهج البلاغة» نقله ابن أبي الحديد، عن المؤرّخ المدائني (المتوفّى 225 هـ)، ولم ينقل لنا إسناد المدائني، وهو، بعدُ، من مؤرّخي مدرسة الصحابة.
الوجه الثاني: أنّ الكاتب، وكما هو دَيْدنه، قد أعمل فيه مِقصّه، فقطع منه ما ورد في آخره من خطبة الإمام الحسن (عليه السلام)، لتضمُّنه ما أحسّ الكاتب أنّه يُبطل زعمه بإيمانه (عليه السلام)بنظام الشورى.
وإليك تتّمة الخبر، الّتي لم تَرُق للأستاذ:
(فخرج الحسن (عليه السلام)، فخطبهم فقال: أيّها الناس; اتّقوا الله، فإنّا أُمراؤكم

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 17 .

صفحه 300
وأولياؤكم، وإنّا أهل البيت الذين قال الله تعالى فينا: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (1). فبايعه الناس).(2)
وأنت ترى أنّ الإمام (عليه السلام)يتحدّث بلسان أهل البيت، ويشير إلى بعض خصائصهم، ومنها أنّهم أُمراء الناس وأولياؤهم، ولمّا يُبايَع، بعدُ، بالخلافة!!
ومع قول الإمام الحسن هذا (الّذي حذفه الكاتب)، وقول ابن عباس فيه (عليه السلام)(كما نقله الكاتب نفسه): إنّه وصيّ (3) الإمام أمير المؤمنين، يكون (الكاتب) قد نقض غزله بيده، وأكّد بنفسه ما أراد نفيه من أنّه (لم يبيِّن أنّ مستند الدعوة للبيعة هو النصّ أو الوصيّة بالإمامة)!!!
فأيّة لغة أكثر وضوحاً من هذه اللغة الّتي نطق بها الخبران المتقدّمان، حتّى يتبيَّن منها استناد حقّ أهل البيت في الحكم إلى النصّ والوصيّة؟
وصدق مَن قال:
وليس يصحُّ في الأفهام شيءٌ *** إذا احتاج النَّهارُ إلى دليلِ
الوجه الثالث: أنّ المؤرّخ ابن أعثم الكوفي (المتوفّى نحو 314 هـ) روى ما ينقض رواية المدائني (الّتي نقلها ابن أبي الحديد)، ويدلّ على خلافها، فقد روى كتابَ الإمام الحسن (عليه السلام)، الّذي أرسله، في أيام خلافته، إلى معاوية، وفيه قوله (عليه السلام):

1 . الأحزاب: 33 .
2 . شرح نهج البلاغة: 16 / 22.
3 . إنّ لفظ الوصيّ الّذي أُطلق على الإمام، يتضمّن بُعداً سياسياً، يتعلّق بولاية الأمر وقيادة الأُمّة، وقد أوضحنا ذلك، بجلاء، في بحث مفصّل، فراجع: الفصل الأوّل، الحقيقة السادسة: (وسام الوصاية يُزيِّن صدر عليّ (عليه السلام)).

صفحه 301
(وبعد، فإنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، لمّا نزل به الموت ولاّني الأمر من بعده، فاتّقِ الله يا معاوية، وانظر لأُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ما تحقن به دماءهم وتصلح به أُمورهم)(1).
وروى، أيضاً، جواب معاوية على كتاب الإمام الحسن، وفيه قوله:
(ولو علمتُ أنّك أضبط لأمر الرعيّة... لسلّمتُ لك هذا الأمر من بعد أبيك، لأنّي قد علمتُ بأنّك إنّما تدّعي ما تدّعيه بحقّ أبيك...)(2).
ومن الغريب أن ينفي الكاتب وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام)لابنه الحسن بالإمامة والخلافة، في وقت نجد أنّ ثمّة رأياً عند أتباع مدرسة الصحابة يؤيّد ما يؤكده الشيعة من أنّه أوصى له بذلك، ويقول أصحاب هذا الرأي: إنّه أمر أن يكون الأمر (بمعنى ولاية الحُكم) من بعده لابنه الحسن.(2)
وقالوا، في معرض ردِّهم على من أنكر على أبي بكر قيامه بعقد الخلافة، عند وفاته، لعمر بن الخطاب، في حين أنّه كان يستقيلها في حياته ويقول: (أقيلوني فلست بخيركم)، قالوا:
وقد جرى مثل ذلك لعليّ، فإنّه قال للناس، بعد قتل عثمان: (دعوني والتمسوا غيري...). فأبَوا عليه وبايعوه، فكرهها أوّلاً، ثم عهد بها إلى الحسن عند موته.(3)
بل قد ذهب بعض علمائهم وكتّابهم إلى أكثر من ذلك، فقالوا بأنّ الناس

1 . الفتوح: 2 / 5، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1424 هـ .   2 . الفتوح: 2 / 6 .
2 . تاريخ خلافة بني أُميّة للدكتور نبيه عاقل: 49، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1394 هـ .
3 . شرح نهج البلاغة: 1 / 169. (ونقل فيه قول الإمامية بأنّ الفرق بين الموضعين ظاهر، لأنّ علياً (عليه السلام)لم يقل: إنّي لا أصلح، ولكنّه كره الفتنة، وأبو بكر قال كلاماً معناه: أنّي لا أصلح لها، لقوله: (لستُ بخيركم)، ومن نفى عن نفسه صلاحيته للإمامة، لا يجوز أن يعهد بها إلى غيره .

صفحه 302
بايعوا الحسن (عليه السلام)قبل استشهاد أبيه أمير المؤمنين، وأنّه (عليه السلام)رضي ببيعته.
قال ابن حزم الظاهري (المتوفّى 456 هـ)، وهو يذكر الشواهد على أنّ أبا بكر وعمر كانا في الزهد فوق عليّ (عليه السلام):
ثمّ لم يستخلف أبو بكر ابنه عبدالرحمن.... ولا استعمل عمر ابنه عبدالله على الخلافة... ورضي ] يعني علياً (عليه السلام)[ ببيعة الناس للحسن ابنه بالخلافة...(1)
وقال الدكتور شوقي أبو خليل: ولكنّ الناس بايعوا الحسن بن علي يوم ضُرب عليّ.(2)
ثم واصل أحمد الكاتب كلامه، وهو يكشف عما سمّاه بإيمان الإمام الحسن (عليه السلام)بنظام الشورى، فقال:
(وقد تجلّى هذا الإيمان مرّة أُخرى عند تنازله عن الخلافة إلى معاوية واشتراطه عليه العودة، بعد وفاته، إلى نظام الشورى، حيث قال في شروط الصلح: «.. على أنّه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين» .
ولو كانت الخلافة ـ والكلام لا يزال للكاتب ـ بالنصّ من الله، والتعيين من الرسول، كما تقول النظرية الإمامية، لم يكن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل عنها لأيّ أحد تحت أي ظرف من الظروف. ولم يكن يجوز له، بعد ذلك، أن يبايع معاوية أو أن يدعو أصحابه وشيعته لبيعته. ولم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسين، ولأشار إلى ضرورة تعيينه من بعده.. ولكنّ الإمام الحسن لم يفعل أيّ شيء من ذلك، وسلك مسلكاً يوحي بالتزامه بحقّ المسلمين في انتخاب

1 . الفصَل في الملل والأهواء والنحل: 4 / 217 ـ 218. ونقله عنه ابن يتيمة في منهاج السنّة: 7 / 485 .
2 . في التاريخ الإسلامي: 266، دار الفكر المعاصر، ودار الفكر، 1412 هـ .

صفحه 303
خليفتهم عبر نظام الشورى)(1).
أقول: يمكن تلخيص كلامه في الأُمور الرئيسة التالية:
الأمر الأوّل: تنازل الإمام الحسن عن الخلافة لمعاوية، وعدم جواز ذلك له، لو كانت الخلافة بالنصّ والتعيين.
الأمر الثاني: أنّ الإمام (عليه السلام)اشترط على معاوية العودة، بعد وفاته، إلى نظام الشورى، وهذا يعني التزامه بذلك النظام.
الأمر الثالث: أنّ الإمام (عليه السلام)بايع معاوية، ودعا شيعته إلى بيعته، وهذا غير جائز له لو كانت الخلافة بالنصّ والتعيين.
وهاك الجواب عن هذه النقاط، تباعاً:

الإمام الحسن تنازل، تحت وطأة الظروف القاهرة، عن الحكم، لا غير

أمّا إشكاله في الأمر الأوّل، فقائم على عدم التمييز بين الخلافة بمعناها السياسي، المرتبط بتولّي السلطة والتصدّي للحكم والرئاسة، وبين الخلافة (الإمامة) بأبعادها الواسعة: الفكرية والسياسية والروحية والعبادية .
وخلافة الإمام الحسن (عليه السلام)ـ كما تؤكّد النصوص والأخبار ـ كانت من النوع الثاني، حيث قامت على النصّ والتعيين، وهذا النوع من الخلافة (الإمامة) ثابت له، سواء تصدّى للحُكم، أم لم يتصدّ له، وذلك لكونه منصباً إلهياً مصدره اختيار الله تعالى، ونصّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبيه (عليه السلام)عليه. وهذا المنصب لا تناله يد في تغيير أو تبديل .(2)

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 17 ـ 18 .
2 . انظر: صلح الحسن (عليه السلام) للشيخ راضي آل ياسين: 178 ـ 182، منشورات ناصر خسرو، بيروت، الطبعة الرابعة، 1399 هـ .

صفحه 304
كما أنّ البُعد السياسي لخلافته (عليه السلام)، أي منحه القدرة على تولّي السلطة وممارسة شؤون الحكم، قد تحقّق أيضاً باختيار الناس له وبيعتهم إيّاه.
وبكلمة أُخرى: إنّ الإمامة بالمفهوم الشيعي، هي استمرار لوظائف النبوة أو مهماتها ، ومن هنا (فالمهمة الّتي تكوّن ماهية الإمامة، وأساس تشريعها من الله تعالى في المعتقد والتشريع الإسلامي، هي مهمة تتعلّق بالإسلام نفسه، عقيدة وشريعة على مستوى الحراسة والتبليغ والتفسير والحفظ... هذه هي ماهية الإمامة المعصومة، والمهمة ذات الأولوية الأُولى للإمام المعصوم (عليه السلام)، وأمّا المهمة السياسية التنظيمية، مهمة الحكم السياسي، فتقع في الدرجة الثانية من مهمات الإمام المعصوم، ولا تكوّن ماهية الإمامة، بل يمكن أن تحول أسباب قاهرة بين الإمام وبين ممارستها، دون أن تتأثر ماهية الإمامة المعصومة والمهمة الأساس للمعصوم، وهي كونها استمراراً للنبوة دون الوحي).(1)
وعلى ضوء ذلك نقول: إنّه ليس على الإمام من غضاضة في أن ينزل عن كرسيّ الحكم، ويتخلّى عن السلطة، إذا ما نكص الناس عن الوفاء بمستلزمات البيعة، من إجابته حين يدعوهم، وطاعته حين يأمرهم، وضعفوا عن نصرته ومؤازرته في ما ينتهج من سياسات، ويتّخذ من تدابير، وعجزوا عن مقاومة الأعداء في ساحات الجهاد والقتال.
وهذا ما حصل للإمام الحسن (عليه السلام)، حيث اضطرته الظروف القاهرة، وخذلان الناس له إلى التنازل مؤقّتاً عن الحُكم، وعقد هُدنة مع الفئة الباغية.
ومن أبلغ تصريحاته (عليه السلام)في التعبير عن ذلك الواقع السيِّئ الّذي أكرهه على قبول الهدنة، هو ما ورد في الخبر التالي:

1 . نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين: 327 ـ 328، دار الثقافة، قم، ط 3، 1992 م.

صفحه 305
قال ابن الأثير: إنّه لمّا راسل معاوية الحسن في تسليم الأمر إليه، خطب (الحسن) الناس، وقال:
«إنّا والله ما يثنينا عن أهل الشام شكٌّ ولا ندم، وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبتْ السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفِّين، ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم، ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلَين: قتيل بصفِّين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، وأمّا الباقي فخاذل، وأمّا الباكي فثائر.
ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفة، فإنْ أردتم الموت رددْناه عليه وحاكمناه إلى الله عزوّجلّ، بظُبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبِلناه، وأخذنا لكم الرضى».
فناداه الناس من كل جانب: البُقيَة البُقيَة!(1)
وتوسعةً لما تقدّم، نقول: إنّ خلافة (إمامة) المنصوص عليه، لها مقامان:
المقام الأوّل: أنّه الهادي إلى دين الله تعالى، والحجّة على خلقه، والشهيد على الناس بقوله وفعله وتقريره .(2)
وهذا المقام ثابت للإمام، سواء حَكَم أم ابتُزّ منه الحُكم، وليس في وُسعه أن يتنازل عنه لأيّ أحد تحت أيّ ظرف من الظروف.
وهذا المقام، هو الذي عناه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله:
«من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية»(3).
وأوضحه الإمام عليّ (عليه السلام)، بأجلى بيان، حينما قال:

1 . الكامل في التاريخ: 3 / 406 ; وتاريخ مدينة دمشق: 13 / 268، الترجمة 1383 .
2 . شبهات وردود: 304 .   3 . مسند أحمد: 4 / 96 .

صفحه 306
«وَإِنَّمَا الاْئِمَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ; وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِلاَّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ»(1).
المقام الثاني: أنّه أحقّ بالحكم أحقّية اختصاص، وعلى الناس أن يبايعوه.(2)
وهذا المقام، يمكن أن يتنازل عنه، كما قلنا، تحت وطأة ظروف قاهرة، يقدِّرها الإمام.
والإمام الحسن (عليه السلام)إنّما تنازل عن هذا المقام (مقام الحُكم) مؤقّتاً، ووقَّع هُدنة مع معاوية وفئته الباغية، بشروط معيّنة، كان في مقدّمتها رجوع الأمر، من بعده، إلى الإمام (عليه السلام).
وأمّا المقام الأوّل للإمام (مقام الشهادة على الناس)، فلم يمسّه تغيير ولا تبديل.
(فالحسن (عليه السلام) كالقرآن في إمامته، ولن يضير القرآن خلاف الناس عليه، ولا جموحهم عنه، وهو هو في منزلته من إمامة الناس، رضي الناس أو أبَوا، أسلموه قيادهم أو جمحوا.
وكذلك كانت إمامة الحسن (عليه السلام).
وكلٌّ من القرآن والحسن، هو مركز الثقل في الإسلام، وأعني بذلك ما نوّه به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في الصحيح بل المتواتر من حديثه الشريف، حيث يقول:
«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي، لن يفترقا حتّى يرِدا عليّ الحوض»).(3)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 152.
2 . شبهات وردود: 304.   3 . صلح الحسن (عليه السلام): 182 (باختصار).

صفحه 307

اعتماد نصّ محرّف لأحد شروط اتفاقية الهدنة

وأمّا ما ذكره الكاتب في الأمر الثاني، فقائم على نصّ محرّف لأحد شروط الهدنة، وهو: (أنّه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين).
ومن المؤسف حقّاً، أن يتمسّك أحمد الكاتب بنصّ هذا الشرط، الذي حُرِّف لمصلحة النهج الأموي وزعيمه الطاغية معاوية، ويترك النصّ المعروف المشهور بين المؤرّخين وغيرهم، وهو أنّه: (إذا مات معاوية فالأمر، من بعده، للحسن).
وهذا النصّ الأخير نقله كلّ من: ابن قتيبة (1)، وأبي حنيفة الدِّينَوَري(2)،
وابن عبد البرّ (2)، وابن عساكر (4) وابن الأثير الجزري((3))، والذهبي (6)، وابن
كثير(4)، وابن حجر العسقلاني، وقال:
ذكر محمد بن قدامة في كتاب «الخوارج» بسند قويّ إلى أبي بَصْرة (5)، أنّه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية: إنّي اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده.(6)
أليس من العجيب أن يعتمد الكاتب نصّاً محرّفاً للشرط المذكور، ويتجلّى له من خلاله إيمان الإمام الحسن بنظام الشورى، في حين ينقل جلّ مؤرّخي

1 . تاريخ الخلفاء الراشدين (الإمامة والسياسة): 150 .   2 . الأخبار الطوال: 218.
2 . الاستيعاب: 1 / 386، الترجمة 555 .   4 . تاريخ مدينة دمشق: 13 / 261، 267، الترجمة 1383 .
3 . أُسد الغابة: 2 / 13 .   6 . تاريخ الإسلام (41 ـ 60 هـ): 5 .
4 . البداية والنهاية: 8 / 45 .
5 . هو: حُمَيل بن بَصْرة الغفاري. له صحبة. روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، والبخاري في «الأدب». تهذيب الكمال: 7 / 423، الترجمة 1551 .
6 . فتح الباري: 13 / 55، دار إحياء التراث العربي، 1402 هـ .

صفحه 308
السنّة النصّ الذي يتحدّث عن (رجوع الأمر، بعد معاوية، إلى الحسن)؟! بل يصرّح ابن عبدالبرّ (المتوفّى 463 هـ) بأنّه:
(لا خلاف بين العلماء أنّ الحسن إنّما سلّم الخلافة لمعاوية حياته لا غير، ثمّ تكون له من بعده، وعلى ذلك انعقد بينهما ما انعقد في ذلك، ورأى الحسن ذلك خيراً من إراقة الدماء في طلبها، وإنْ كان عند نفسه أحقّ بها) (1).
وممّا يعزّز ما سبق أنّ معاوية نفسه لم يكن يطمع، ظاهراً، بأكثر من تولّي الحُكم قبل الإمام الحسن، ثمّ يتولاّه الحسن (عليه السلام)من بعده، وهذا ما أعرب عنه في أكثر من كتاب بعث به إليه (عليه السلام)، ومن ذلك قوله جواباً على كتاب الإمام الحسن، الذي دعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس من بيعته (عليه السلام):
(فلو علمتُ أنّك... لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمتَ أنّي أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الأُمّة تجربة، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة الّتي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي...)(2).
وقال في كتاب آخر:
(.. وإنْ أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني، وفيتُ لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت،... ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها).(3)
الإمام الحسن (عليه السلام) لم يعترف بخلافة معاوية   
فكيف يغفل الإمام الحسن عن هذا الأمر، الذي استحقه بالنصّ وبالاختيار، والذي يقدّمه خصمه بين يديه، صاغراً، ويُعرض عنه (عليه السلام)عند صياغة موادّ

1 . الاستيعاب: 1 / 387، الترجمة 555 .
2 . مقاتل الطالبيين: 58. ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 16 / 36.
3 . مقاتل الطالبيين: 59. ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 16 / 37 .

صفحه 309
المعاهدة، ويرضى أن تُحرَّر مكانه عبارة: (وأن يكون الأمر ـ بعد معاوية ـ شورى بين المسلمين)؟!!
(اللّهم إنّا نعوذ بك من سُبات العقل، وقُبح الزلل، وبك نستعين) .

الإمام الحسن (عليه السلام)لم يعترف بخلافة معاوية

وأمّا الأمر الثالث، أعني حُكم أحمد الكاتب بنفي النصّ على إمامة الحسن (عليه السلام)، فقائم على ما يُزعَم من أنّه (عليه السلام)قد بايع معاوية، وأنّه دعا شيعته إلى بيعته.
ولكي نثبت فساد هذا الحكم، نأتي بهذا التمهيد، وهو:
أنّ الخلافة ـ كما يرى أكثر العلماء وقادة الرأي في الأُمّة الإسلامية ـ لا يصلح لها معاوية ولا غيره من الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأنّ الإمام الحسن إنّما قام بتسليم الحُكم إليه، ولم يعترف بخلافته، وأنّ معاوية كان مَلكاً دنيوياً، ابتزّ أمر هذه الأُمّة بالقهر والمكر والخداع.
وإليك بعض كلماتهم في هذا المجال:
1. قال عمر بن الخطاب، وهو يتحدّث عن الخلافة:
ليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح شيء .(1)
2. قال الإمام علي (عليه السلام):
«ومتى كنتم يا معاوية ساسةَ الرعيّة، وولاة أمر الأُمّة؟».(2)
3. قال الإمام الحسن (عليه السلام)، مخاطباً معاوية:

1 . أُسد الغابة: 4 / 387 (ترجمة معاوية).
2 . نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل، رقم 10 .

صفحه 310
«إنّما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعمل بطاعة الله، وليس الخليفة مَن دانَ بالجور، وعطّل السنن، واتّخذ الدنيا أباً وأُمّاً، ولكن ذاك مَلِك أصاب مُلكاً يُمتَّع به قليلاً».(1)
4. لما استقرّ الأمر لمعاوية، دخل عليه سعد بن أبي وقاص، فقال:
السلام عليك أيها الملك! فضحك معاوية، وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين؟ قال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟ والله ما أُحبّ أنّي وليتُها بما وليتَها به.(2)
5. عن الأسود بن يزيد النخعي، قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة؟
قالت: وما يُعجب؟ هو سلطان الله يؤتيه البَرّ والفاجر، وقد ملك فرعون مصر أربع مئة سنة.(3)
   
6. قال الحسن البصري:
أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسيف (بالسفهاء) حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم...(4)
7. قال ابن شوذب: كان معاوية يقول: أنا أوّل الملوك(5). وقال الزبير بن بكار: كان معاوية يقول: أنا أوّل الملوك .(5)

1 . المحاسن والمساوئ للبيهقي: 84، دار صادر. وانظر: مقاتل الطالبيين: 72 ـ 73 .
2 . الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 409 .
3 . سير أعلام النبلاء للذهبي: 3 / 143، الترجمة 25 .
4 . المنتظم لابن الجوزي: 5 / 243 ; الكامل في التاريخ: 3 / 487 .   5 . البداية والنهاية: 8 / 137 .
5 . سير أعلام النبلاء: 3 / 157. وانظر: تاريخ اليعقوبي: 2 / 232 .

صفحه 311
8 . قال ابن كثير: السُّنّة أن يقال لمعاوية مَلِك، ولا يقال له خليفة; لحديث سفينة: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون مُلكاً عَضوضاً» .(1)
أقول: فمعاوية، إذاً، وفق هذه الكلمات (وغيرها كثير)، لا يستحقّ، في الأساس، الخلافة، لأنّه فاقد لشروطها، بل ليست فيه خصلة تُقرِّبُه من الخلافة (على حدّ قول ابن عباس)، ومن هنا عُدّ، في مختلف العصور الإسلامية، مَلكاً، على الرغم ممّا قيل من بيعة الناس له!! فإنّ أخذ البيعة من الناس عنوة وقسراً وبالأساليب الملتوية، لا يُضفي عليه سمة الخلافة، ولا يمنحه شرعية الحكم.
وعلى ذلك، لا يصحّ، إذا انتُزعت البيعة من أحد بقوة السلاح، لا يصحّ أن يُنتَزع منها أيّ أمر إيجابي لمصلحة الملك الّذي بويع .
كما لا يصحّ تجريد المبايِع من أية ميزة يتحلّى بها، أو أمر يختصّ به، إذا أعطى بيعته للملك، تحت وطأة التهديد والوعيد.
فالبيعة، إذاً، بالإكراه وتحت بريق السيوف، لا تسلب المرء شيئاً من ميزاته وخصائصه، فما بالكَ بمن لم يَصفِق على يد أحد بالبيعة؟

الإمام الحسن هادن معاويه، ولم يبايعه

وهذا هو الموقف الّذي وقفه الإمام الحسن (عليه السلام)من معاوية، حيث إنّه اضطُرّ إلى تسليم الحُكم (المُلك) إليه، ولكنّه لم يعترف بخلافته، كما أوضحنا سابقاً، فضلاً عن البيعة له .
وما ذكره قِسم من المؤرّخين من أنّه (عليه السلام)بايع معاوية، لا يمتّ إلى حقيقة التاريخ بصلة، وهو إمّا وليد المؤثرات العاطفية والمرتكزات المذهبية، أو نتيجة التأثّر بالدعايات الأُموية المضلِّلة، أو نتيجة الجهل بالواقع، إذ رأوا من التصريح بـ

1 . البداية والنهاية: 8 / 137 ـ 138 (وفي هامشه: عضوضاً: مُلك فيه عسف وظلم).

صفحه 312
«تسليم الأمر» في صلب المعاهدة ما يسوّغ لهم، أو ما ييسّر لهم التوسّع إلى ادّعاء الاعتراف بالخلافة، ثم إلى ادّعاء الانقياد بالبيعة.(1)
إنّ قصة البيعة المزعومة هذه، تصطدم بثلاثة أُمور:
الأوّل: بقابليات معاوية وأهليته لتولّي الخلافة.
الثاني: بتصريحات الإمام الحسن (عليه السلام)في إنكار خلافة معاوية .
وقد تقدّم الكلام حول هذين الأمرين آنفاً.
الثالث: ببنود المعاهدة نفسها، وتصريحات المتعاقدين أنفسهما، حيث لم ينبسا قطّ بذكر بيعة ولا إمامة ولا خلافة.
فأين، إذاً، ما يدّعيه غير واحد من المؤرّخين، من أنّ الحسن بايع معاوية بالإمامة؟ !(2)
وممّا يؤكّد القول بأنّ الإمام الحسن (عليه السلام)لم يبايع معاوية، أنّ جملة من المؤرّخين، الذين ذكروا قضية تسليم الحكم إلى معاوية، ومبايعة الناس له، لم يشيروا إلى بيعة الحسن (عليه السلام)له، لا من قريب ولا من بعيد، ومنهم: أبو حنيفة الدينوري (المتوفّى 282 هـ)، واليعقوبي (المتوفّى 284، أو بعد 292 هـ)، والطبري (المتوفّى 310 هـ)، والسيوطي، وغيرهم.
قال أبو حنيفة الدينوري:.. وسار الحسن بالناس من المدائن حتّى وافى الكوفة، ووافاه معاوية بها، فالتقيا، فَوكّد عليه الحسن (رضي الله عنه) تلك الشروط والأيمان. ثم سار الحسن بأهل بيته حتّى وافى مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأخذ معاوية أهل الكوفة بالبيعة، فبايعوا، واستعمل عليهم المغيرة بن

1 . انظر: صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين: 272 ـ 274 .
2 . انظر: صلح الحسن: 266، 272 .

صفحه 313
شعبة، وسار منصرفاً في جموعه إلى الشام .(1)
وقال اليعقوبي:... وقدم معاوية العراق، فغَلَب على الأمر، والحسن عليل شديد العلّة، فلمّا رأى الحسن أن لا قوّة به، وأنّ أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
أيّها الناس! إنّ الله هداكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وقد سالمتُ معاوية، (وَ إِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتَاعٌ إِلَى حِين)(2).(3)
وروى الطبري بإسناده عن إسماعيل بن راشد، قال:... فلمّا رأى الحسن (عليه السلام)تفرّق الأمر عنه، بعث إلى معاوية يطلب الصلح، وبعث معاوية إليه عبدالله بن عامر، وعبدالرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقدما على الحسن بالمدائن، فأعطياه ما أراد وصالحاه.. ثم قام الحسن في أهل العراق، فقال:
«يا أهل العراق، إنّه سخى بنفسي عنكم ثلاث...»، ودخل الناس في طاعة معاوية، ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس .(2)
ثمّ قال الطبري، وهو يذكر أحداث سنة (41 هـ): فممّا كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن علي (عليهما السلام)، الأمر إلى معاوية ودخول معاوية الكوفة، وبيعة أهل الكوفة معاوية بالخلافة. ثم روى خبراً عن الزُّهريّ، خلا من أيّة إشارة إلى البيعة المزعومة.(5)
وقال جلال الدين السيوطي: ولي الحسن (رضي الله عنه)الخلافة، بعد قتل أبيه، بمبايعة أهل الكوفة، فأقام فيها ستة أشهر وأياماً، ثم سار إليه معاوية، والأمر إلى الله، فأرسل إليه الحسن يبذل تسليم الأمر إليه، على أن تكون له الخلافة من

1 . الأخبار الطوال: 218 .            2 . الأنبياء: 111 .   3 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 215 .
2 . تاريخ الطبري: 4 / 122 .   5 . المصدر نفسه : 4 / 123 ـ 124 .

صفحه 314
بعده... فأجابه معاوية إلى ما طلب، فاصطلحا على ذلك... ثمّ ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة، فأقام بها .(1)
وممّا تقدّم يتّضح أنّ الإمام الحسن (عليه السلام)لم يبايع معاوية. والّذي يعزّز هذا، أنّ ذلك الطليق لم يكن يحلم، في تلك الأيّام، إلاّ بوقف القتال، الّذي كان يخشى من نتائجه فيما لو قُدّر أن اجتمعت عليه كلمة أصحاب الإمام وجنده.. وإلاّ بتحقيق طموحه الشخصي بانتزاع السلطة بأيّ ثمن، والاستئثار بالحكم ومنافعه، فأيّ أمر، بعد هذين الأمرين، يدفع الإمام (عليه السلام)إلى البيعة، أو يفرضها عليه؟!
وأمّا زعم الكاتب بأنّ الإمام الحسن دعا أصحابه وشيعته إلى بيعة معاوية، فهو زعم باطل، يكذّبه التاريخ الصحيح، وجلالة شخصية الإمام، وأجواء عقد المعاهدة وبنودها.
قال الدكتور نبيه عاقل:
كان هناك فريق دفعه الخوف من بطش الخليفة ] يعني معاوية [ إلى بيعته، كما يتّضح من نصّ ينقله لنا اليعقوبي في تاريخه، ويتعلّق بقدوم معاوية الكوفة في طلب البيعة وموقف الناس من بيعته، حيث يقول: (وأحضر الناس لبيعته، وكان الرجل يحضر، فيقول: والله يا معاوية، إنّي لأبايعك، وإنّي لكاره لك)(2)، على أنّ هؤلاء الذين بايعوا رغبة أو رهبة، كان يمثّلون الأقلّية بين العراقيين، إذ كانت الغالبية ضد بيعته، وتُكنّ له أشدّ العداء!! وبين هذه الفئات الخوارج والشيعة ورجالات القبائل الذين حرمتهم خلافة معاوية السيادة والخيرات...(3)
فأين الادّعاء الكاذب بأنّ الإمام الحسن دعا شيعته إلى بيعة معاوية، من هذا البيان القاطع بأنّ الغالبية من العراقيين، وبينهم الشيعة، كانت ضد بيعته؟!

1 . تاريخ الخلفاء: 227، دار الجيل، 1408 هـ .
2 . تاريخ اليعقوبي: 2 / 216 .   3 . تاريخ خلافة بني أُميّة: 66 .

صفحه 315
ثمّ ختم الكاتب حديثه حول الإمام الحسن، بهذا الحُكم، وهو أنّه (عليه السلام)(لم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسين، ولأشار إلى ضرورة تعيينه من بعده)(1).
وهذا الحُكم قائم على افتراض خاطئ، بعيد عن القراءة الواعية للواقع السياسي آنذاك، وعن فهم طبيعة الخصم، وحقيقة البيعة والهدف من إيقاعها.
فالرأي، الّذي انتُزع من الواقع التاريخي لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكرّستْه السياسة آنذاك، هو: أنّ طريق عقد الخلافة هو الاختيار. وهذا الرأي، كان يتبنّاه، ظاهراً، معاوية، وعلى أساسه كان يُقرّ بخلافة الثلاثة الأوائل.
وممّا لا شكّ فيه أنّ خلافة الإمام الحسن (عليه السلام)(المنصوص عليه من جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبيه (عليه السلام)) قد انعقدت بموجب هذا الطريق، حيث مكّنتْه الأُمّة، باختيارها له وبيعتها إيّاه، من تقلّد أمرها وممارسة دوره كحاكم، ومع ذلك نازعه معاوية، واغتصب الحكم منه بقوة السلاح!!
ومن هنا، فإنّ اشتراط الإمام الحسن، رجوع الأمر إليه، بعد معاوية، إنّما دُوِّن في المعاهدة، وحَظي بالقبول، لأنّه الشرط الذي ينسجم مع الواقع السياسي في تلك المرحلة التاريخية، ويتّفق مع نظرية الاختيار الّتي يدّعي معاوية الإيمان بها، حيث اختارته الأُمّة (باستثناء معاوية وفئته الباغية) من قبلُ، وبايعته.
ومن الطبيعي، إذا انتهت فترة الحكم الّذي اغتصبه معاوية، أن يعود الحكم إلى الإمام الحسن بمقتضى الاختيار والبيعة.
وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، فكيف يشير الإمام الحسن (عليه السلام)إلى تعيينه من بعده (كما يريد أحمد الكاتب)، في معاهدة، يجب أن تحظى موادّها بموافقة الطرف الآخر ؟

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 17 .

صفحه 316
إنّ إيراد مثل هذه الإشارة، في المعاهدة، يعدّ أمراً بعيداً عن مقتضيات الواقع السياسي، وعن سير الأحداث في تلك المرحلة التاريخية، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الناس، يوم بايعوا الإمام الحسن، بايعوا، أيضاً، أخاه الإمام الحسين من بعده. وهذا ما قال به ابن أعثم الكوفي.(1)
وعلى ضوء هذا القول يمكن تفسير الشِّق الثاني ـ إذا صحّ النقل ـ من نصّ الشرط، الّذي ذكره النسّابة ابن عنبة الحسني (المتوفّى 828 هـ) على النحو التالي: أنّ للحسن ولاية الأمر بعد معاوية، فإنْ حدَث به حدَث فللحسين .(2)
ونخلص من كلّ ما سبق إلى أنّ الشواهد الّتي ذكرها أحمد الكاتب لإثبات ما ادّعاه من إيمان الإمام الحسن بالشورى، كطريق لاختيار الإمام، هي إمّا شواهد غير صحيحة وليست بثابتة، أو أنّه يتعسّف في تأويلها وتحليلها، وفي ترتيب أحكام عليها، مصدرها الأوّل ما في ذهنه من مسبقات وتحكّمات.
إمامة الحسين (عليه السلام) ثابتة في أيام الهدنة، وبعدها   

إمامة الحسين (عليه السلام)ثابتة في أيام الهدنة وبعدها

حاول الكاتب، هنا، وتحت عنوان (الإمام الحسين والشورى) أن ينفي إمامة الحسين القائمة على النص والتعيين، متعلّقاً ببعض الأخبار الّتي تحدّثت عن مواقفه (عليه السلام)من معاوية ومن يزيد، ومواقف شيعة أهل الكوفة منه (عليه السلام)، وإليك نصّ كلام الكاتب:
قال: (وقد ظلّ الإمام الحسين ملتزماً ببيعة معاوية إلى آخر يوم من حياة الأخير، ورفض عرضاً من شيعة الكوفة، بعد وفاة الإمام الحسن، بالثورة على معاوية، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه، ولم يدعُ إلى

1 . قال ابن أعثم: فلمّا مضى علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى سبيل الله، اجتمع الناس إلى ابنه الحسن فبايعوه، ورضوا به، وبأخيه الحسين من بعده. الفتوح: 2 / 3، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1424 هـ .
2 . عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 67 .

صفحه 317
نفسه إلاّ بعد وفاة معاوية، الّذي خالف اتفاقية الصلح، وعهد إلى ابنه يزيد بالخلافة بعده، حيث رفض الإمام الحسين البيعة له، وأصرّ على الخروج إلى العراق، حيث استشهد في كربلاء عام 61 للهجرة.
ويصرّح الشيخ المفيد بأنّ الإمام الحسين لم يدعُ أحداً إلى إمامته في ظلّ عهد معاوية، ويفسّر ذلك بالتقيّة والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية، والتزام الإمام الوفاء بها حتّى وفاة معاوية)(1).
ولنا حول كلامه هذا، وقفات:
الوقفة الأُولى: إنّ نفيَ إمامة الحسين (عليه السلام)على أساس النصّ، هو نتيجةٌ رتّبها الكاتب على مقدّمة فاسدة، وإنْ صحّت، جدلاً، فهي لاتقتضي تلك النتيجة.
فأمّا عدم اقتضاء المقدّمة (أعني: بيعة الإمام الحسين لمعاوية) تلك النتيجة، فلأنّ البيعة ـ كما بيّنا ـ بالإكراه وبأُسلوب التهديد والوعيد، لمَلك من الملوك، لا تُسبغ عليه صفة الخلافة، ولا شرعية الحُكم، كما أنّها، أيضاً، لا تجرّد الشخص المبايِع من أيّة سمة من سماته، أو خصيصة من خصائصه .
وأمّا فساد تلك المقدّمة، فلأنّ الإمام الحسين لم يبايع، أصلاً، لمعاوية، مثلما لم يبايعه أخوه الإمام الحسن، بل قد مرّ بنا قول الدكتور نبيه عاقل بأنّ الغالبية من العراقيين، رفضت ـ بعد توقيع الهدنة بين الطرفين ـ بيعة معاوية، وأنّ أكثر من بايع منهم، إنّما دفعه إلى ذلك الخوف من بطش معاوية (راجع فقرة: الإمام الحسن هادن معاوية، ولم يبايعه، ص 311).
وعلى كلا الأمرين: صحّة المقدّمة (جدلاً)، أو فسادها، تتقوّض النتيجة الّتي بناها عليها من نفي إمامة الحسين على أساس النص والتعيين .
الوقفة الثانية: إذا كان الكاتب يُقرّ بأنّ رفْض الإمام الحسين (عليه السلام)للعرض

1 . تطوّر الفكر السياسي الشيعي: 18 .

صفحه 318
الّذي قدّمه له شيعة الكوفة، بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السلام)، بالثورة على معاوية، إنّما كان للعهد المبرم بينهما..(1) فما هي النتيجة التي يريد أن يرتّبها على موقف الرفض هذا؟!
وما هو الإشكال الّذي يروم أن يسجّله على إمامة الحسين من عدم الدعوة إلى نفسه (بمعنى التصدّي للأمر) في عهد معاوية، وهو بنفسه (الكاتب) ينقل عن الحسين (عليه السلام)أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه؟!
يُذكر أنّ هذا العهد الّذي مَنع الحسين (عليه السلام)من الجهر بأمره، ومن الثورة على حكم معاوية، قد جاء الحديث عنه في المكاتبة الّتي جرت بينهما، فقد ذكر عدد من المؤرِّخين بأنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية: إنّي لست آمن أن يكون الحسين مُرصداً للفتنة، وأظنّ يومكم منه طويلاً.
فكتب معاوية إلى الحسين: إنّ من أعطى الله صفقة يمينه وعهده، لجدير بالوفاء، وقد أُنبئتُ أنّ قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق... فاتّق الله، واذكر الميثاق، فإنّك متى تكدني أكِدْك.
فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، وأنا بغير الّذي بلغك عنّي جدير، والحسنات لا يهدي لها إلاّ الله، وما أردتُ لك محاربة، ولا عليك خلافاً، وما أظنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك، ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأُمّة.(2)
فهل يريد الكاتب، وقد عَرف السبب في رفض القيام بالثورة، هل يريد من سيّد شباب أهل الجنة أن يكون سياسياً محترفاً، وأن يتحوّل إلى رجل مكيافيلليّ، فيتجرّد عن قيمه ومبادئه الرسالية، ويلتمس شتّى السبل والذرائع، بما فيها نقض

1 . إشارة إلى اتفاقية الهدنة الّتي وُقِّعت بين الإمام الحسن (عليه السلام)ومعاوية.
2 . تاريخ مدينة دمشق: 14 / 205 ـ 206، الترجمة 1566 ; وسير أعلام النبلاء: 3 / 294، الترجمة 48 .

صفحه 319
العهود والمواثيق، لتحقيق مآربه وأهدافه؟!
حقّاً، إنّ الأمر لعجيب وغريب!!
الوقفة الثالثة: إنّ رفض الإمام الحسين البيعة ليزيد وإصراره على الخروج إلى العراق، لم يكن سببه مخالفة (اتّفاقية الصلح) كما تشي بذلك عبارة الكاتب، الّذي آثر ـ كما قلنا سابقاً (1) ـ إيراد الشرط بنصّه المحرّف، القائل (بأن الأمر يكون، بعد معاوية، شورى بين المسلمين)، إذ لو كان الأمر كذلك، لأشار الإمام (عليه السلام)إلى تلك المخالفة في كلماته ورسائله .
ثمّ لو كان الدافع لإصراره (عليه السلام)على الثورة، ثم الاستشهاد في كربلاء عام (61 هـ)، هو مخالفة اتفاقية الهدنة، ونقضُها من قِبل معاوية، فلماذا لم يقم (