welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الدرر واللآلي في فروع العلم الإجمالي*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الدرر واللآلي في فروع العلم الإجمالي

صفحه 1
    الدرر واللآلي في فروع العلم الإجمالي
   

صفحه 2

صفحه 3
الدرر واللآلي
في
فروع العلم الإجمالي

صفحه 4
 

صفحه 5
الدرر واللآلي
في
فروع العلم الإجمالي
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر،1308 ـ
الدرر واللآلي في فروع العلم الإجمالي/ تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
240 ص.   ISBN: 978 _ 964 _ 357 _ 547 _ 2
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
1. يزدى، محمد كاظم بن عبدالعظيم، 1247 ـ 1338ق. العروة الوثقى ـ ـ نقد و تفسير. 2. فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. 3. نماز ـ ـ شكيات. الف. يزدى، محمد كاظم بن عبدالعظيم،1247 ـ 1338ق. العروة الوثقى. شرح. ب. عنوان: العروة الوثقى. شرح. ج. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). د. عنوان.
402341ع4ى/5/183BP
1393   342/297
اسم الكتاب:    الدرر واللآلي في فروع العلم الإجمالي
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى ـ 1436هـ .ق
عدد النسخ:    1000نسخة
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الناشر:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر: 846            تسلسل الطبعة الأُولى: 422
مركز التوزيع
مكتبة التوحيد ـ قم ـ ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل بريّته وأشرف خليقته، محمد وآله الطاهرين.
أمّا بعد:
فإنّ السيد الفقيه الطباطبائي اليزدي(قدس سره) لمّا فرغ عن البحث في الشكوك التي لا اعتبار لها ولا يُلتفت إليها، أعقبه بخاتمة فيها مسائل يعبّر عنها بفروع العلم الإجمالي، لأنّ الجميع يشتمل على علم إجمالي بوجود خلل في الصلاة، فأنهاها إلى خمس وستين مسألة. وقد تناولها الفقهاء بعده بالبحث والدراسة المستقلّة، وألّفوا في ذلك رسائل عديدة.
ولمّا فرغنا عن دراسة مسائل البيع وبقيت أيام من العام الدراسي، طلب بعض حضّار بحثنا، دراسة هذه المسائل، فنزلنا عند رغبتهم حسب ما يسمح به الوقت.
نرجو من الله سبحانه أن تكون هذه الصفحات نافعة للقرّاء

صفحه 8
الكرام، والجميع مسائل تمرينيّة لتقوية الاستعداد والتهيّؤ
لممارسة عملية الاستنباط، وهي أشبه بالتمارين في علوم الرياضيات وغيرها.
المؤلّف

صفحه 9

المسألة الأُولى

إذا شكّ في أنّ ما بيده ظهراً أو عصراً، فإن كان قد صلّى الظهر بطل ما بيده، وإن كان لم يصلّها، أو شكّ في أنّه صلاّها أو لا، عدل به إ ليها.*
* أقول: للمسألة فروع ثلاثة:
1. إذا شكّ مع العلم بأنّه لم يصلّ الظهر.
2. إذا شكّ مع الشكّ في أنّه قد صلّى الظهر.
3. إذا شكّ مع العلم بأنّه صلّى الظهر.
والمصنّف قدّم الأخير ونحن أخّرناه لتسهيل الأمر.
الفرع الأوّل: إذا شكّ أنّ ما بيده ظهراً أو عصراً مع علمه بأنّه لم يصلِّ الظهر قطعاً.
ففي هذه الحالة يجب عليه العدول إلى نيّة الظهر، وذلك لأنّه قد ثبت في محلّه أنّه يجوز العدول من اللاحقة إلى السابقة، ولا عكس، فبما أنّه قاطع بأنّه لم يصلِّ الظهر فواقع الأمر لا يخلو إمّا أنّه نوى الظهر من أوّل الأمر فيستمرّ في نيّته، أو أنّه لم ينو بل نوى العصر

صفحه 10
يجب عليه العدول منه إلى الظهر حسب القاعدة.
***
الفرع الثاني: إذا شكّ أنّ ما بيده ظهراً أو عصراً مع الشكّ في أنّه صلّى الظهـر أو لا، فهو بحكم الاستصحاب ممّـن لم يصلّ الظهر فيكون حكمه حكم الفرع الأوّل، غاية الأمر أنّه إن صلّى الظهر
تبطل هذه الصلاة بالعدول إلى الظهر، وإن لم يكن قد صلاّها فلها حالتان :
1. إن نوى من أوّل الأمر، الظهر، فيستمرّ في نيّته.
2. إن نوى العصر، يجب عليه العدول من اللاحقة إلى السابقة، لورود النصّ بذلك.(1) وعلى ضوء ما ذكرنا فالعدول تقديري لا قطعي، بمعنى أنّه لو نوى العصر في بدء العمل يجب عليه العدول وإلاّ فيستمر في النيّة، وعلى ذلك فالصلاة صحيحة على كلّ تقدير.
***
الفرع الثالث: إذا علم أنّه صلّى الظهر وشكّ أنّ ما بيده ظهراً أو عصراً، فهذا ما أفتى به المصنّف وجماعة من المعلّقين على بطلان ما بيده وعدم إمكان تصحيحه بالقول بأنّه نوى العصر، والذي يمكن أن يقال في وجه البطلان، الأُمور الثلاثة:
الأوّل: أنّ قاعدة التجاوز تختصّ بما إذا شكّ في وجود الشيء في محلّه، لا في صحّة ما أتى به، والمقام من مصاديق القسم الثاني

1 . لاحظ: الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، روايات الباب.

صفحه 11
حيث إنّه يشكّ في صحّة ما أتى به فإنّه لو نواها ظهراً تبطل، ولو نواها عصراً تصحّ، فالشكّ في الصحّة ليس من مجاري قاعدة التجاوز كما عليه الشيخ الأنصاري في الفرائد.(1)
يلاحظ عليه: الظاهر أنّه لا فرق بين الشكّ في الوجود والشكّ في الصحّة بعد إطلاق موثّقة زرارة حيث قال(عليه السلام) له: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(2)
فقوله: «فشكّك ليس بشيء» مطلق يعمّ الشكّ في الوجود أو في الصحّة ـ كما في المقام ـ حيث لا يشكّ في وجود ما أتى من الأجزاء، وإنّما يشكّ في صحّتها إذا نوى العصر أو بطلانها إذا نوى الظهر. بل ظهور الرواية في الشكّ في الصحّة أظهر من الشكّ في الموجود حيث يقول: «خرجت من شيء» حيث يفرض وجود الشيء والخروج عنه، وحمله على الخروج عن محلّه خلاف الظاهر.
وما ربّما يتصوّر من أنّ شمول القاعدة للقسمين يستلزم استعمال اللفظ في معنيين، غير تام، بل يكفي كون الشكّ في الشيء موضوعاً وله فردان: الشكّ في الوجود، والشكّ في الصحّة.
الثاني: أنّ الشكّ في كون ما بيده ظهراً أو عصراً شكّ في المحلّ لا شكّ بعد الخروج عنه، وذلك لأنّ النيّة كما تعتبر في بدء الأمر

1 . فرائد الأُصول:3/329، الموضع الأوّل، مجمع الفكر الإسلامي، 1430هـ .
2 . الوسائل:5، الباب23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 12
تعتبر في أثنائه إلى آخر العمل، فإذا شكّ في أنّ ما بيده ظهراً أو عصراً فهو شكّ في شرط الصحّة لما بيده حاليّاً.
وبعبارة أُخرى: الشكّ في نيّة العصر مع عدم إتيانه بالجزء الذي يشكّ فيه، شكّ في المحلّ بالنسبة إليه.
يلاحظ عليه: أنّ النيّة وإن كانت شرطاً في الصلاة من بدئها إلى آخرها ولكن محلّ إحرازها هو بدء الصلاة، فحينئذ لا مانع من إجراء القاعدة وإحراز نيّة الصلاة في بدئها، فيحكم عندئذ باستمرارها إلى حالة الشكّ فينوي عندئذ نيّة العصر بحكم القاعدة.
الثالث: أنّ قاعدة التجاوز إنّما تجري بعد إحراز عنوان العمل فلا يمكن إحراز العنوان بالقاعدة، فإنّ القاعدة بمنزلة
المحمول وإحراز العنوان بمنزلة الموضوع، فلا يحرز المحمول بالموضوع.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مجرى القاعدة إنّما هو بعد إحراز العنوان فهو صحيح ولكن يكفي في إحراز العنوان، كونه في حال الصلاة وأنّه دخل فيها من بدء الأمر إلى الآن الذي شكّ فيه، وأمّا لزوم إحراز عنوان العصرية ـ في جريان قاعدة التجاوز ـ وراء الصلائية فغير ثابت.
ثانياً: أنّ ما ذكر من الدليل إنّما يجري إذا كان شاكّاً في أنّه قد افتتح الصلاة بنيّة الظهر أو العصر وكان الشكّ باقياً إلى نهاية الأمر وأنّ ما بيده ظهراً أو عصراً.

صفحه 13
وأمّا لو فرضنا أنّه رأى نفسه في أنّه يصلّي صلاة العصر وإنّما شكّ في بدء الأمر، فلا شكّ أنّه تجري القاعدة في أنّه نوى صلاة العصر من أوّلها، فيكون العصر محرزاً عند جريانها.
وقد أفتى المصنّف في غير مورد بالصحّة في أمثال المقام.
قال في فصل في النيّة: لو شكّ فيما في يده أنّه عيّنها ظهراً أو عصراً ـ مثلاً ـ قيل: بنى على التي قام إليها، وهو مشكل فالأحوط الإتمام والإعادة ـ ثم قال: ـ نعم لو رأى نفسه في صلاة معيّنة وشكّ في أنّه من الأوّل نواها أو نوى غيرها، بنى على أنّه نواها.(1)
وقال أيضاً في فصل في تكبيرة الإحرام : إذا شكّ في تكبيرة الإحرام فإن كان قبل الدخول فيما بعدها بنى على العدم، وإن كان بعد الدخول فيما بعدها من الاستعاذة أو القراءة بنى على الإتيان.(2)
وقال في فصل في الجماعة: لو شكّ في أنّه نوى الإتمام أم لا، بنى على العدم ـ إلى أن قال: ـ و أمّا إذا كان ناوياً للجماعة ورأى نفسه مقتدياً، وشكّ في أنّه نوى الانفراد أو الجماعة من أوّل الصلاة فالأمر أسهل.(3)
فإن قلت: نيّة الفعل ليست جزءاً من العمل، فإنّ النيّة علّة لتحقّق الفعل، والفعل معلول لها ولا تركيب بين العلّة والمعلول، ولذلك لا

1 . العروة الوثقى: فصل في النيّة، المسألة 19.
2 . العروة الوثقى: فصل في تكبيرة الإحرام، المسألة 16.
3 . العروة الوثقى: فصل في الجماعة، المسألة 11.

صفحه 14
تُعد النيّة جزءاً من الفعل عرفاً، فمثل السفر أو البناء أو كلّ فعل ذي أجزاء الفعل، إذا ذكر أجزاءه، لا يخطر ببال الذاكر أنّ النيّة من أجزاء ذلك الفعل، ومن المعلوم أنّ الخطابات الشرعيّة منزّلة على العرف، والمركّبات الشرعيّة كالمركّبات العرفية في أنّ النيّة خارجة عن ماهيّة الفعل وليست جزءاً منه ولا شرطاً له، بل علّة لتحقّق الفعل الاختياري.
قلت: ما ذكره خلط بين النيّة بمعنى إرادة العمل في مقابل الغفلة عنه، والنيّة بمعنى قصد عنواني الظهر أو الصلاة، فالذي يُعدّ علّة هو نفس الإرادة التي تعدّ علّة للفعل، وأمّا تعنّون الفعل الإرادي بأحد العنوانين (الظهر أو العصر) فهو جزء من أجزاء الصلاة، فلا مانع من إجراء قاعدة التجاوز فيه.
وعلى هذا فعنوان الظهر أو العصر عنوانان قصديان يجب قصدهما ولكلّ من الظهر والعصر وقت وحكم خاص، فيجوز العدول من الثانية إلى الأُولى دون العكس، وكلّ ذلك شاهد على كون قصد أحد العنوانين من أجزاء الصلاة.

تصحيح الصلاة بوجه آخر

ويمكن تصحيح هذه الصلاة بوجه آخر، وهو: أنّه لو كان ممّن نوى في بدء الأمر العصرَ فصلاته صحيحة فيستمر في نيته، وأمّا لو نواها ظهراً مع أنّ وظيفته نيّة صلاة العصر، فهو من باب الخطأ في

صفحه 15
التطبيق، بمعنى أنّه بصدد امتثال الأمر الواقعي المتوجّه إليه، لكنّه تخيّل أنّ الأمر الواقعي هو الأمر بالظهر تصوّراً خاطئاً، فنواه، وذلك يكفي في حصول الامتثال. وقد أفتى بذلك المشهور في بعض الفروع، منها:
1. إذا سجد بعنوان أنّها السجدة الثانية مع أنّها كانت السجدة الأُولى، فصلاته صحيحة إذا سجد بعدها سجدة، ولا يضر قصد الخلاف; لأنّه بصدد امتثال الأمر الواقعي، لكنّه تخيّل أنّه الأمر بالسجدة الأُولى.
2. إذا ركع بعنوان أنّه الركعة الرابعة ثم تبيّن له الخلاف تحسب ثالثة، لأنّه كان بصدد امتثال الأمر الواقعي لكنّه تخيّل أنّه الأمر بالركعة الرابعة.
إلى هنا تبيّن إمكان تصحيح الصلاة في عامّة الصور، وإن أفتى المصنّف بالصحّة في الأُوليين دون الثالثة، ولكن الأقوى صحّة الجميع.

الجمع بين الإتمام والإعادة

ثم إنّه ربّما يقال بأنّ وظيفته هو الجمع بين إتمام ما بيده والإعادة، إذ لو نوى العصر في بدء الصلاة يجب عليه الإتمام، وإن نوى الظهر فوظيفته الإعادة، ولا يحصل الامتثال إلاّ بالجمع بين الأمرين.

صفحه 16
يلاحظ عليه: بأنّ العلم الإجمالي غير منجّز، وذلك لثبوت التكليف في أحد الشقّين على كلّ حال، فيكون الشقّ الآخر شبهة بدوية; وذلك لأنّه يعلم تفصيلاً بوجوب الإعادة، سواء أتمّ ما بيده أم لم يتم، فالإعادة تكون واجبة على كلّ تقدير فينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وهو وجوب الإعادة، وشكّ بدوي هو الإتمام.
هذا وأنّ للأعلام ـ قدس الله أسرارهم ـ بحوثاً حول الفروع الثلاثة، ولعلّ فيما ذكرنا غنى وكفاية، وما ذكرناه مقتبس من أنوار علومهم.

صفحه 17

المسألة الثانية

إذا شكّ في أنّ ما بيده مغرب أو عشاء فمع علمه بإتيان المغرب بطل، ومع علمه بعدم الإتيان بها أو الشكّ فيه، عدل بنيّته إ ليها إن لم يدخل في ركوع الرابعة، وإلاّ بطل أيضاً.*
* لهذه المسألة ـ كسابقتها ـ فروع ثلاثة:
1. إذا علم أنّه صلّى المغرب وشكّ في أنّ ما بيده مغرب أو عشاء.
2. إذا علم أنّه لم يصلِّ المغرب.
3. إذا شكّ في أنّه هل صلّى المغرب أو لا؟
وإليك دراسة هذه الفروع:
الفرع الأوّل: إذا علم أنّه صلّى المغرب وشكّ أنّ ما بيده مغرب أو عشاء، فقد حكم المصنّف بالبطلان، على غرار ما سبق في المسألة الأُولى، وقد عرفت أنّ مقتضى القواعد الصحّة مطلقاً بحجّة أنّ محلّ إحراز النيّة هو زمان الدخول في الصلاة فتجري فيه قاعدة التجاوز ويحكم بأنّه نوى العشاء، أو في خصوص ما لو رأى نفسه

صفحه 18
في حال صلاة العشاء لكن شكّ في نيّته عند الدخول في الصلاة فتجري فيه قاعدة التجاوز فيما سبق من أجزاء الصلاة.
ويمكن تصحيح الصلاة بعنوان العشاء أيضاً ـ على فرض أنّه قد نوى المغرب ـ بأن يتمّ صلاته عشاءً; وذلك لأنّه من باب الخطأ في التطبيق حيث إنّه بصدد إفراغ الذمّة عمّا عليها فزعم أنّ ما في الذمّة هو المغرب فنواها.
***
الفرعان الثاني والثالث: إذا علم أنّه لم يصلّ المغرب، أو شكّ في أنّه صلّى المغرب أو لم يصلّ، فمقتضى القاعدة هو العدول إلى السابقة وقد ثبت في محلّه أنّ العدول من اللاحقة إلى السابقة جائز بالاتّفاق، وذلك لأنّه لا يخلو الواقع عن أحد أمرين:
أ. إمّا أنّه نوى المغرب فيستمر في نيّته.
ب. أو أنّه نوى العشاء فيعدل من اللاحقة إلى السابقة.
نعم صحّة الصلاة في الفرعين رهـن أن لا يفوت محلّ العدول، كما إذا لم يدخل في ركوع الرابعة وإلاّ بطل، وذلك لأنّه مع العدول إلى المغرب يلزم زيادة الركن فيها وهو الركوع.
وبالجملة لا يمكن تصحيح هذه الصلاة; وذلك لأنّه إمّا أن يعدل عن المغرب فيلزم زيادة الركن فيها، وإمّا أن يتمّها عشاءً، والمفروض أنّه لم يأت بالمغرب،فيلزم خلاف الترتيب .

صفحه 19

احتمالان منقولان عن المحقّق النائيني

هنا احتمالان منقولان عن المحقّق النائيني:
1. إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة يتمّها عشاءً; لأنّ الترتيب بين المغرب والعشاء ساقط بقاعدة:«لا تعاد» فيتمّها عشاءً ثم يأت بالمغرب.
يلاحظ عليه: أنّ الترتيب إنّما يسقط بقاعدة «لا تعاد» فيما لو أتى بالركعات والأجزاء، وأمّا لو لم يأت ببعضها ـ كما هو المفروض ـ فلا دليل على سقوط الترتيب فيه.
وبعبارة أُخرى: أنّ قاعدة «لا تعاد» إنّما تشمل الجاهل و الناسي، لا العامد فهو بالنسبة إلى ما بقي من الأجزاء عامد، وليس جاهلاً ولا ناسياً.
2. أنّه إذا التفت إلى الواقع بعدما دخل في ركوع الرابعة يمكن أن يدع هذه الأجزاء التي أتى بها على حالها ويأتي بالمغرب ثم يأتي ببقية أجزاء العشاء، فتصحّ حينئذ لوقوع الترتيب بين بقية الأجزاء والمغرب.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّه يترك الأجزاء المأتيّة على حالها فيأتي بالمغرب، ثم يأتي ببقية الأجزاء المأتيّة بنيّة العشاء، إنّما يصح إذا أحرز أنّه نواها من أوّل الأمر عشاءً فعندما دخل في ركوع الرابعة يمكن أن يترك هذه الأجزاء على حالها ويأتي بصلاة المغرب   2

صفحه 20

المسألة الثالثة

إذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنّه ترك سجدتين من ركعتين ـ سواء كانتا من الأُولتين أو الأخيرتين ـ صحّت وعليه قضاؤهما، وسجدتا السهو مرتين.
وكذا إن لم يدر أنّهما من أي الركعات بَعْد العلم بأنّهما من الركعتين.*
E ثم يأتي بما بقي من أجزاء صلاة العشاء، وأمّا المقام فالمفروض أنّه شكّ في أنّه هل دخل فيها بنيّة المغرب أو بنيّة العشاء، فقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق.
فإن قلت: بل يفيد إجراء قاعدة التجاوز في هذه الصورة .
قلت: لا، وذلك لأنّ مفادها في صورة العلم بعدم الإتيان بالمغرب أنّه نوى المغرب، وهو على طرف الضدّ من جعل الاجزاء المأتيّة عشاءً، فلاحظ .
* أقول: لا شكّ أنّه لو علم أنّه ترك سجدتين من ركعة واحدة تبطل صلاته; لأنّ السجدتين ركن، ولذلك قيّد المصنّف المسألة بأنّه

صفحه 21
لو ترك سجدتين من ركعتين.
إذا علمت هذا فاعلم أنّ صور المسألة ستة:
لأنّه إمّا يعلم بالترك بعد الصلاة، أو في أثنائها، وعلى كلا التقديرين فتارة يعلم أنّهما كانتا من الأُولتين، وأُخرى من الأخيرتين، وثالثة لا يدري أنّهما من أي الركعات.
فقد أفتى المصنّف بصحّة الصلاة في الجميع لكن يعمل بوظيفتين:
الأُولى: يقضي كلاًّ من السجدتين بعد الصلاة.
الثـانية: يسجد سجدتي السهو لكلّ من السجدتين.
ويدلّ على ماذكره أمران:
أ. عموم ما دلّ على وجوب قضاء الأجزاء المنسية بعد الصلاة.
ب. عموم ما دلّ على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة ونقيصة.
نعم هنا كلام في صورة واحدة وهي إذا سلّم ولم يأت بالمنافي فعلم أنّ إحداهما من الركعة الأخيرة، فهنا احتمالان:
الأوّل: ما يظهر من المصنّف أنّه يقضي السجدتين ثم يأتي بسجدتي السهو لكلّ منهما.
الثاني: وجوب تدارك السجدة الأخيرة ثم التشهّد والتسليم بعدها ثم قضاء الأُخرى.
والاحتمالان مبنيّان على أنّ التسليم هل هو مخرج عن الصلاة

صفحه 22
مطلقاً أو أنّه مخرج فيما لو سلّم في آخر الصلاة؟
فعلى الأوّل فهو قد خرج عن الصلاة فعليه قضاء السجدتين ثم الإتيان بسجدتي السهو; وعلى الثاني فهو بعد في حالة الصلاة لم يخرج عنها، فيجب عليه تدارك السجدة الأخيرة ثم التشهّد والتسليم حتى يخرج من الصلاة، ثم قضاء الأُخرى، ثم سجدتا السهو لكلّ منهما.
وبعبارة أُخرى: هل التسليم يخرج الإنسان عن الصلاة وإن لم يكن في آخرها كما في المقام، أو أنّه يخرج إذا وقع بعد إتمام الصلاة؟ فعلى الأوّل يقضي السجدتين ثم يسجد سجدتي السهو، وعلى الثاني يتدارك السجدة الأخيرة لبقاء محلّها ثم يتشهّد ويسلّم حتى يخرج من الصلاة. الظاهر هو الثاني فعليه تدارك السجدة الأخيرة ثم التشهّد والتسليم، ثم قضاء السجدة الأُخرى، ثم التدارك بسجدتي السهو.
واستدلّ للقول الأوّل أي كونه مخرجاً في كلّ حال وإن لم يقع في آخر الصلاة بصحيح الحلبي، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «كلّ ما ذكرت الله عز وجلّ به والنبي(صلى الله عليه وآله)فهو من الصلاة وإن قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد انصرفت».(1)
فإطلاقه يعمّ المقام.

1 . الوسائل:4، الباب4 من أبواب التسليم، الحديث1.

صفحه 23
ولكن دراسة الروايات الواردة في هذا المقام تدلّ على أنّ المقصود هو ردّ ما راج بين أهل السنّة من ذكر «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» في التشهّد الأوّل. وحاصل الردّ: أنّه كلام آدمي يخرج المصلّي عن الصلاة مع أنّه في أثنائها.
ويدلّ على ذلك رواية أبي كهمس عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الركعتين الأُولتين إذا جلست فيها للتشهّد فقلت وأنا جالس: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، انصراف هو؟ قال: «لا، ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فهو الانصراف».(1)
فتقييد محلّ التسليم بالتشهّد الأوّل بشهادة قوله: «سألته عن الركعتين الأُولتين» ثم الاقتصار بقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين دون أن يذكر التسليم الآخر ـ أعني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ـ مع أنّه مخرج بالإجماع، شاهدان على أنّ محلّ السؤال والجواب حتى في صحيحة الحلبي هو التشهّد الأوّل، فإطلاقه ناظر إلى هذه الصورة لا مطلقاً.
ويشهد أيضاً على ما ذكرنا رواية ميسّر بن عبد العزيز عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم:

1 . الوسائل:4، الباب4 من أبواب التسليم، الحديث2.

صفحه 24
1. قوله لرجل: تبارك اسمك،(1) وتعالى جدّك، ولا إله غيرك، وإنّما هو شيء قالته الجن بجهالة فحكى الله عنهم.
2. وقول الرجل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.(2)
ومع هذه القرائن والشواهد لا يبقى وثوق لإطلاق صحيحة الحلبي فالأولى التفصيل بين إتيان المنافي قبل التذكّر أوبعده. فعلى الأوّل يقضي كما في المتن، وعلى الثاني يتدارك السجدة المنسية ثم يتشهّد ويسلّم ثم يقضي السجدة الأخيرة.

1 . في قوله سبحانه: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَ لاَ وَلَدًا). الجن: 3.
2 . الوسائل:4، الباب12 من أبواب التشهّد، الحديث1.

صفحه 25

المسألة الرابعة

إذا كان في الركعة الرابعة مثلاً وشكّ في أنّ شكّه السابق ـ بين الاثنتين والثلاث ـ كان قبل إكمال السجدتين أو بعدهما، بنى على الثاني، كما أنّه كذلك إذا شكّ بعد الصلاة.*
* للمسألة صورتان:

الأُولى: إذا كان الشكّ في أثناء الصلاة

إذا كان في الركعة الرابعة البنائية وشكّ في أنّ شكّه السابق ـ بين الاثنتين والثلاث ـ كان قبل إكمال السجدتين أو بعده، فلو كان قبله فتبطل الصلاة بمعنى أنّ الشكّ غير قابل للعلاج، دونما إذا كان بعده، فعندئذ يقع الكلام في إمكان إحراز كون الشكّ بعد الإكمال أو عدمه؟
فذهب بعض المعلّقين على العروة إلى عدم إمكان إحراز صحّة ما مضى من الصلاة مثلاً، فلا محيص من الجمع بين الوظيفتين من البناء على الشكّ وإعادة الصلاة.

صفحه 26

تصحيح الصلاة بالاستصحاب

ربما يقال بإمكان إحراز الصحّة، بالاستصحاب.
فالشكّ الفعلي شكّ بعد الإكمال، وأمّا شكّه السابق فيمكن اثبات تأخّره عن السجدتين بأصالة عدم طروء الشكّ إلى إكمال السجدتين.
فإن قلت: إنّ الأصل لا يثبت تأخّر الشكّ عن السجدتين إلاّ على القول بالأصل المثبت.
قلت: إنّ التأخّر لمّا كان من اللوازم الواضحة للأصل المذكور فيثبت به.
فإن قلت: إنّ غاية ما يترتّب على الأصل هو صحّة ما أتى به من الصلاة، وأمّا وجوب صلاة الاحتياط فلا يثبت به.
قلت: إذا ثبت بالأصل أنّ شكّه بينهما كان بعد الإكمال يكون المورد موضوعاً لدليل إجتهادي، وهو أنّ من شكّ بين الثلاث والأربع بعد الإكمال يبني على الأكثر ثم يصلّي ركعة احتياطاً. ففي صحيح زرارة عن أحدهما(عليهما السلام) قلت له: رجل لم يدر اثنتين صلّى، أم ثلاثاً؟ فقال:«إن دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة، ثم صلّى الأُخرى ولا شيء عليه ويسلّم».(1)

1 . الوسائل:5، الباب9 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 27

توضيح الرواية بوجهين

المراد بأنّه يمضي في الثالثة ـ التي هي الأكثر ـ ويتمّها بعد البناء على الثلاث، فتكون هذه رابعة، ثم يصلّي أُخرى وهي ركعة الاحتياط وقوله: «ويسلّم» في نفس صلاة الاحتياط.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله: «ثم صلّى الأُخرى» إتيان
ركعة موصولة، ثم يصلّي الأُخرى غير موصولة، والركعة الأُخرى
وإن لم تكن واردة في الرواية لكنّها معلومة من سائر الروايات،
فإنّه إذا دار الأمر بين النقص وعدمه، يأتي بمحتمل النقص
منفصلة.

تصحيح الصلاة بقاعدة التجاوز

لو كان شكّه قبل الإكمال فالصلاة باطلة، ولو كان بعده فهي صحيحة، وعندئذ نشكّ في عروض ما يبطل الصلاة أو عدمه، وبما أنّ المصلّي تجاوز عن المحلّ تجري قاعدة التجاوز.
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما تثبته قاعدة التجاوز، صحّة الصلاة، وليست هي موضوعة لوجوب صلاة الاحتياط، بخلاف الاستصحاب فإنّه يثبت تأخّر الشكّ عن السجدتين، وهو كاف في وقوعه صغرى لكبرى شرعيّة، وهو أنّ من شكّ بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين يبني على الأكثر ويصلّي الاحتياط.

صفحه 28
إلى هنا تبيّن أنّ الطريق الصحيح هو الاستصحاب، ومع ذلك فالقول بالصحّة لا يخلو عن غموض وإشكال.

تقرير بطلان الصلاة

ما أُقيم من الدليلين إنّما يفيد إذا كان الموضوع للبناء على الأكثر هو الشكّ بعد إكمال السجدتين فيحرز الموضوع بالاستصحاب، ولكن الظاهر من الروايات، هو أنّ الموضوع الشكّ الحادث في الأخيرتين وهو لا يثبت بالاستصحاب.
توضيح ذلك: أنّ صحيحة زرارة وغيرها تقسم الشكّ إلى الشكّ في الأُوليين، والشكّ في الأخيرتين، وأنّ القسم الأوّل لا يعالج بخلاف الثاني. وإليك الروايات:
1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «كان الذي فرض الله تعالى على العباد عشر ركعات وفيهنّ القراءة وليس فيهنّ وهم، يعني سهواً، فزاد رسول الله(صلى الله عليه وآله)سبعاً وفيهنّ الوهم وليس فيهنّ قراءة، فمن شكّ في الأُوليين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين، ومن شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم».(1)
فالرواية بلسانها تنقح موضوع السهو وأنّ موضوعه هو الأخيرتان، فالشكّ الحادث في الأخيرتين بعنوانه، موضوع للبناء.
2. ما رواه عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي جعفر(عليه السلام)

1 . الوسائل:5، الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 29
وفيها:«إنّما يجب السهو فيما زاد رسول الله(صلى الله عليه وآله)».(1)
3. صحيحة الحسن بن علي الوشاء قال: قال لي أبو الحسن الرضا(عليه السلام): «الإعادة في الركعتين الأُولتين، والسهو في الركعتين الأخيرتين».(2)
فهذه الروايات تحدّد البناء على الأكثر وهو أنّه إذا تعلّق الشكّ بالأخيرتين، ومن الواضح أنّ هذا الموضوع لا يثبت بالاستصحاب فإنّ غاية ما يثبته الاستصحاب تأخّر الشكّ عن الاكمال، وأمّا تعلّق الشكّ بالأخيرتين الذي هو الموضوع للبناء على الأكثر فلا يثبت بالاستصحاب.
وحاصل الكلام: أنّ الموضوع للبناء على الأكثر في الروايات هو إحراز كون الشكّ متعلّقاً بالأخيرتين، وهذا هو الموضوع للبناء على الأكثر، وما أُقيم من الدليل من الاستصحاب أو قاعدة التجاوز فلا يثبت هذا الموضوع أي تعلّق الشكّ بالأخيرتين، إذ غاية ما يمكن أنّه يثبت تأخّر الشكّ عن السجدتين، أو صحّة الصلاة إلى حين الشكّ، وكلّ منهما ليس موضوعاً للبناء على الأكثر.

الثانية: إذا كان الشكّ بعد الصلاة

وممّا ذكرنا يظهر حكم الصورة الثانية وهي ما إذا شكّ بعد الفراغ عن الصلاة، أنّ شكّه أثناء الصلاة هل كان قبل الإكمال أو

1 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث9.
2 . الوسائل:5، الباب1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث10.

صفحه 30
بعده؟ فحكمه حكم الشكّ في الأثناء وهو أنّه لا يمكن تصحيحها بالبناء على الأكثر بالأصل والقاعدة، لأنّ الموضوع للبناء على الأكثر إحراز كون الشكّ في الأخيرتين، والمفروض عدم إحرازه.
فعلى هذا فمرجع الشكّ إلى كون المورد من الركعات العشر التي لا يدخل فيها الوهم أو من السبع التي يدخل فيها الوهم والسهو، فتكون الشبهة مصداقية للدليل الاجتهادي. وليس هنا شيء يحرّر أحد العنوانين.
وممّا ذكرنا يظهر ما في كلام المحقّق الخوئي(قدس سره) حيث إنّه بعدما ذكر طائفتين من الروايات، قال: فالمتلخّص من هاتين الطائفتين بعد ضمّ بعضها إلى بعض، أنّ الموضوع للصحّة والبناء على الأكثر هو الشاكّ في الركعات ولم يكن شكّه في الأُوليين، وهذا يمكن إحرازه بضميمة الوجدان إلى الأصل.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الموضوع ليس أمراً سلبياً (لم يكن شكّه في الأُوليين) بل الموضوع أمر إيجابي وهو تعلّق شكّه بالأخيرتين، وهو غير محرز.
ثمّ إنّ له(قدس سره) كلاماً في الذيل يقول: إنّ المكلّف شاكّ فعلاً بين الثلاث والأربع وجداناً ولأجله يكون ما بيده رابعة بنائية، كما أنّه حافظ للأوّلتين وجداناً أيضاً فإنّه محرز لهما بالفعل ولا شكّ فيهما

1 . مستند العروة الوثقى:7/122.

صفحه 31
بوجه وليس في البين عدا احتمال عروض المبطل سابقاً، أعني: حدوث الشكّ بين الثنتين والثلاث قبل الإكمال المستلزم لعدم حفظ الأوّلتين آنذاك وكونه ماضياً على الشكّ وهو مدفوع ببركة الأصل، ونتيجة ذلك هو الحكم بالصحّة فإنّ شكّه الفعلي فيما عدا الأوّلتين وكونه حافظاً لهما وجداني، ومضيه سابقاً مع الشكّ فيهما الذي هو المبطل، منفي بالأصل.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الروايات للبناء على الثلاث عند الشكّ بينها وبين الاثنتين مشروط بأمرين:
1. أن تكون الركعتان الأوّلتان مسلّمتين وجداناً عند الشكّ وعند البناء على الأكثر من دون حاجة إلى إحراز وجودهما بالأصل.
2. أن يكون الشكّ بعد إكمال السجدتين أمراً وجدانياً لا تعبّدياً.
والمقام فاقد لكلا الشرطين، أمّا الأوّل فلأنّه لولا الاستصحاب أي عدم طروء الشكّ إلى نهاية إكمال السجدتين لم تكن الركعتان مسلّمتين، لاحتمال كون الشكّ تعلّق قبل الإكمال، وإنّما صارت مسلّمتين بفضل الاستصحاب.
وأمّا الثاني فكذلك فلأنّ شكّه وصف بكونه بين الاثنتين والثلاث بعد جريان الاستصحاب، ولولاه نحتمل أنّ شكّه السابق تعلّق بهما قبل الإكمال.   2

1 . مستند العروة الوثقى:7/122.

صفحه 32

المسألة الخامسة

إذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر الظهر أو أنّه أتمّها وهذه أوّل العصر، جعلها آخر الظهر.*
E وحصيلة الكلام: أنّه بفضل الأصل تحقّق الشرطان، لا وجداناً، وثبت وجود الأُولتين كما ثبت كون الشكّ بعد إكمال السجدتين.
فإن قلت: هل يمكن تصحيح الصلاة في الصورة الثانية بقاعدة الفراغ؟
قلت: لا، بما ذكرنا من أنّ مفادها هو صحّة الصلاة، وهي ليست موضوعة لصلاة الاحتياط الّتي لا بدّ منها; لأنّه شكّ بين الاثنتين والثلاث وبنى على الأكثر.
***
* إنّ أمام المصلّي عند طروء هذه الحالة طرقاً ثلاثة:
الأوّل: قطع الصلاة والإتيان بالظهر والعصر.
الثاني: جعلها آخر الظهر ثم الإتيان بالعصر.

صفحه 33
الثالث: جعلها أوّل العصر والاستمرار في النيّة ثم الإتيان بالظهر والعصر.
أمّا الأوّل: ففي بدء النظر أنّ فيه مخالفة قطعية، لأنّها صلاة صحيحة، سواء أكان آخر الظهر أو أوّل العصر، فقطعها مخالفة قطعية، وسيأتي الكلام فيه.
وأمّا الثاني ـ أعني: جعلها آخر الظهر ثم الإتيان بالعصر ـ : فيدلّ عليه قاعدة الاشتغال، إذ يجب عليه الخروج من صلاة الظهر ثم الاشتغال بالعصر، والمفروض أنّه غير قاطع بالفراغ، فعندئذ فلو كانت في الواقع ظهراً فهو المطلوب، وإلاّ وقعت لغواً.
فإن قلت: لا تقع لغواً لأنّ مقتضى استصحاب عدم الإتيان بالظهر أو بقاء كونه في الظهر، كون الركعة منه.
قلت: الأصل مثبت ولا يثبت به كون ما بعده ظهراً.
وأمّا الثالث ـ أعني: أن يجعلها عصراً ثمّ يأتي بالصلاتين ـ فهو يشتمل أيضاً على مخالفة احتمالية، لاحتمال كون الركعة من صلاة الظهر، ولم يذكره المصنّف لرجحان الطريق الثاني على الثالث حيث يكتفي بصلاة واحدة، دون الطريق الثالث حيث يجب عليه بعد جعلها عصراً الإتيان بصلاتين.
فإن قلت: كيف يجعلها عصراً مع عدم إحراز البراءة عن الظهر؟(1)

1 . مستند العروة الوثقى:7/127.

صفحه 34
قلت: يجعلها عصراً رجاء، وفي مثله لا يجب إحراز الظهر وإلاّ يأت بها عصراً جازماً.
إلى هنا فرغنا عن شرح المتن، بقي هنا أمران:
الأوّل: قد سبق أنّ في قطع الصلاة مخالفة قطعية لافتراض أنّ الصلاة صلاة صحيحة، ويمكن أن يقال بجواز القطع; لأنّ الشكّ دائر بين كون ما بيده من الظهر الذي يدخل فيه الشكّ وبين كونـه أوّل العصـر الـذي لا يدخـل فيـه الشكّ، فلو كـان في الواقـع عصـراً فهـو شاكّ في الركعـة الأُولى منـه، وقـد مرّ أنّ الشكّ فيها مبطل غير قابل للعلاج، وعلى هذا فليس هناك علم تفصيلي بوجوب الإتمام، إذ لو كانت جزءاً من العصر ومع الشكّ يجب قطعها لا يجب إتمامها. نعم لو كانت من الظهر يجب إتمامها.
ومثل هذا العلم الدائر بين كون شيء واجباً على وجه، وغير واجب على وجه آخر، لا يكون منجّزاً.
الثاني: أنّ كلام المصنّف فيما إذا شكّ فيما بيده أنّه آخر الظهر أو أوّل العصر، وأمّا لو رأى نفسـه في صلاة العصر وشكّ فيما سبق أنّه كان بنيّة الظهر أو العصر فيجعلها عصراً لقاعدة التجاوز، فيكون شرط العصر محرزاً وهو تقدّم الظهر على العصر إحرازاً نسبياً لا مطلقاً، ولذا يجب عليه الإتيان بالظهر بعد إتمام الصلاة عصراً، وقد مضى بيانه عند الكلام في المسألة الأُولى.

صفحه 35

المسألة السادسة

إذا شكّ في العشاء بين الثلاث والأربع وتذكّر أنّه سها عن المغرب ] وتركها [ بطلت صلاته، وإن كان الأحوط إ تمامها عشاءً والإتيان بالاحتياط ثم إ عادتها بعد الإتيان بالمغرب.*
* حاصل ما أفاده أنّ الصلاة باطلة، وإن أراد الاحتياط، أتمّها عشاءً، ثم يأتي بركعة الاحتياط لصلاة العشاء، لافتراض أنّه شكّ فيها بين الثلاث والأربع ثم يأتي بالمغرب والعشاء.
أمّا وجه البطلان فلأنّه لا يجوزله العدول إلى المغرب ويجعل ما في يده مغرباً بالبناء على الأقلّ، لافتراض أنّه سها في هذه الصلاة أيضاً بين الثلاث والأربع، وصلاة المغرب لا يجري فيها حكم الشكّ، كما لا يجوز إتمامها عشاءً بالبناء على الأكثر، ثمّ الإتيان بصلاة الاحتياط لفوات الترتيب عندئذ; لأنّ العشاء بعد المغرب. والمفروض أنّه لم يأت بها صحيحة. وقد تضافر قولهم: «إذا زالت

صفحه 36
الشمس دخل الوقتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه».(1) وقولهم: «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلاّ أنّ هذه قبل هذه».(2)
ولذلك اختار المصنّف البطلان.
غير أنّ المنقول عن المحقّق النائيني هو صحّة جعلها عشاءً لأجل سقوط الترتيب في مثل المقام استناداً إلى قاعدة«لا تُعاد»، فيتعيّن عليه إتمامها عشاءً ثم الإتيان بالمغرب.
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما تثبته قاعدة «لا تعاد» هو تصحيح ما أتى به من الصلاة، حيث يدلّ على سقوط الترتيب في حال السهو، إلى حال التذكّر، وأمّا بعده فلا، وعلى هذا فالقاعدة لا تشمل الأجزاء الباقية بعدما تذكّر.
وبعبارة أُخرى: أنّ القاعدة تختصّ بالناسي والجاهل وأمّا العامد فلا، فهو نظير ما كان ناسياً أثناء الصلاة لكن تذّكر فعلم أنّه ترك المغرب، فلو استمرّ في العمل يكون في ترك الترتيب فيما بقي من الأجزاء عامداً، خارجاً عن تحت القاعدة.
نعم كان على المحقّق النائيني أن يفتي بشيء آخر أيضاً حسب مبناه من جواز إقحام صلاة في صلاة أُخرى، وهو أن يدع هذه

1 . الوسائل:3، الباب4 من أبواب المواقيت، الحديث، 5، 20، 21.
2 . الوسائل:3، الباب16 من أبواب المواقيت، الحديث24.

صفحه 37
الأجزاء بحالها ويأتي بالمغرب ثم يتمّ العشاء بناء على جواز إقحام صلاة في صلاة. ثم يأتي بصلاة الاحتياط .
ثمّ إنّ السيد الحكيم(قدس سره) استقرب إتمامها عشاءً ثم الإتيان بالمغرب بعد ذلك مثل المحقّق النائيني أخذاً بعموم«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة» وليس الإخلال بالترتيب منها وعلى ذلك يتمّها عشاءً ثم يأتي بالمغرب. ثم حاول أن يجيب عن الاشكال الذي أُورد على نظرية المحقّق النائيني فقال: إن قلت: أيّ فرق بين الإخلال بالترتيب والتذكّر في الأثناء حيث تشمله القاعدة وبين الاخلال بالساتر إذا ذكر في الأثناء فإنّ حديث «لا تعاد الصلاة» لا يصلح لرفع شرطية الساتر بالنسبة إلى بقية الصلاة، وكذا شرطية الترتيب بالنسبة إلى الشرائط المقارنة.
فأجاب (1) بأنّ ذلك إنّما يتمّ بالنسبة إلى الشرائط المقارنة ـ كالساتر ونحوه ـ لا بالنسبة إلى الشرائط المتقدّمة ـ كصلاة الظهر فيما نحن فيه فإنّ شرطية الترتيب راجعة إلى شرطية سبق صلاة الظهر(2)وهي تعود إلى أوّل الصلاة وقد تجاوزها.
والشاهد على ذلك شمول القاعدة لترك الجزء السابق نسياناً مع

1 . وحاصل جوابه: التفريق بين الشرط المقارن كالستر، فلابد من إحرازه إلى آخر الصلاة، والشرط المتقدّم الّذي يكفي إحرازه قبل الصلاة وقد مضى محلّه، فلا تعاد الصلاة لأجل هذا التخلّف.
2 . الصحيح صلاة المغرب لأنّ البحث فيها.

صفحه 38
التذكّر في الأثناء مع أنّ الترتيب المعتبر بين الأجزاء لا يختصّ بالأجزاء المأتي بها قبل الالتفات بل يعمّ الأجزاء اللاحقة له.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو فرضنا أنّ الشرط هو سبق صلاة الظهر لكنّه شرط لمجموع أجزاء صلاة العصر، وهكذا سبق صلاة المغرب فهو شرط لمجموع أجزاء صلاة العشاء، والمفروض أنّ هذا الشرط منتف عندما تذكّر في الأثناء أنّه لم يصلّ المغرب صحيحاً، وعلى هذا لم يبق فرق بين سبق الظهر أو المغرب وسائر الشروط المقارنة مع أنّ لازم كلامه أنّه لو شكّ في أثناء العصر أنّه صلّى الظهر أو لا، جريان القاعدة; لأنّ محلّ الشرط هو السبق وقد تجاوزه، مع أنّهم اتّفقوا الى أنّه يعدل إلى الظهر.

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/601.

صفحه 39

المسألة السابعة

إذا تذكّر في أثناء العصر أنّه ترك من الظهر ركعة، قطعها وأتمّ الظهر ثم أعاد الصلاتين، ويحتمل ] عدم القطع و [العدول إلى الظهر بجعل ما بيده رابعة لها إذا لم يدخل في ركوع الثانية ثم أعاد الصلاتين، وكذا إذا تذكّر في أثناء العشاء أنّه ترك من المغرب ركعة.*
* ذكر المصنّف(قدس سره) أنّه إذا تذكّر الإنسان في أثناء العصر في أيّة ركعة من ركعاتها، أنّه ترك من الظهر ركعة، احتمالين:
1. يقطع الصلاة ويتمّ صلاة الظهر بركعة أُخرى، بأن يقوم يصلّي ركعة بالتسبيحات والركوع والسجود والتشهّد والتسليم، ومع ذلك يعيد الصلاتين(1)، أمّا العصر فلأجل أنّه لم يأت بها حيث إنّه قطعها، وأمّا الظهر فلأجل الاحتياط، لاحتمال أن تكون تكبيرة الإحرام وما أتى به من الركوع والسجود بعنوان العصر مبطلاً لصلاة

1 . وليكن ببالك أنّه لم يذكر من صلاة العصر المأتيّ بها شيئاً.

صفحه 40
الظهر فيعيدها لأجل ذلك، كما سيوافيك بيانه وذبّه.
2. لا يقطع الصلاة بل يعدل إلى الظهر بجعل ما بيده رابعة في حالة خاصّة وهي إذا لم يدخل في ركوع الركعة الثانية فيتشهّد ويسلّم ويخرج من الصلاة ويعيد الصلاتين.
كلّ ذلك إذا أمكن جعل ما بيده رابعة للظهر، وإذا لم يمكن ـ كما إذا دخل في ركوع الركعة الثانية للعصر ـ فلا يمكن جعلها رابعة الظهر، فيتعيّن فيه الاحتمال الأوّل، أي يقطعها ويتمّ الظهر بركعة مستقلة.
ومثله إذا تذكّر في أثناء العشاء أنّه ترك من المغرب ركعة.
هذا ما يرجع إلى توضيح المتن، وأمّا المناقشة فلنرجع إلى أدلّة الاحتمالين .

الوجه الأوّل وما أشكل عليه

أشكل على الوجه الأوّل ـ أعني: قطع العصر وعدم الاعتداد بما أتى منها ـ وإكمال الظهر بركعة، بوجوه:
أوّلاً: أنّ القيام بإكمال الظهر بركعة معناه أنّه بعدُ في صلاة الظهر وعندئذ يلزم الزيادة في صلاة الظهر بالركعة التي أتى بها بعنوان العصر وفيها تكبيرة الإحرام والركوع والسجود، وكلّها أركان مبطلة للصلاة عمداً وسهواً.
ثانياً: ما أتى من الركعة للعصر يعد فعلاً كثيراً ماحياً للصورة

صفحه 41
الصلائيّة ولا فرق في إبطال الماحي بين العمد والسهو.
ثالثاً: فوت الموالاة بين ثلاث ركعات من الظهر والركعة التي يأتي بها تالياً.
رابعاً: أنّه إذا سلّم عند الركعة الثالثة بزعم أنّها رابعة فقد انصرف من الصلاة فكيف يرجع إليها ويتمّها بركعة أُخرى؟

الجواب عن الإشكالات

ويمكن الجواب عن هذه الوجوه:
أمّا الأوّل ـ أي بطلان الظهر بزيادة الأركان ـ : فهو مبنيّ على أنّ زيادة الركن كنقصانه، مبطلة، وهذا غير ثابت إذ لم يدلّ دليل، وإنّما الموجب هو النقصان لا الزيادة، وعلى هذا فزيادة التكبيرة والركوع والسجدتين سهواً لا يوجب البطلان.
نعم ورد النهي عن قراءة العزائم في المكتوبة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة(1)، وهو حكم تعبّدي لأنّ الزيادة إنّما تصدق إذا أتى بالزائد بعنوان أنّه جزء من الصلاة، والسجود عند قراءة العزائم لا يوصف بالجزئية لعدم قصد كونه من الصلاة اللّهم إلاّ أن يقال: لمّا كانت قراءة العزائم بنيّة الجزئية وكان السجود من آثارها يعدّ السجود أيضاً جزءاً من الصلاة.

1 . لاحظ: الوسائل:4، الباب40 من أبواب القراءة في الصلاة.

صفحه 42
وأمّا الثاني فلعلّ المراد من الفصل الكثير أو الماحي للصورة الأُمور المنافية والمضادّة لصورة الصلاة، كالحركة الى اليمين والشمال، وأمّا ما كان من سنخ الصلاة فلا يُعدّ ماحياً للصورة.
وأمّا الثالث ـ أي فوت الموالاة بإتيان المنافي ـ : فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان المنافي بغير صورة الصلاة، وإلاّ فلا يسبّب البطلان. ويدلّ على ذلك ما ورد في باب صلاة الكسوف إذا شرع بها، ثم ضاق وقت الفريضة فيرجع إلى الفريضة ثم يأتي بما بقي من صلاة الكسوف.
روى الشيخ عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلت فداك ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة، فإن صلّيت الكسوف خشينا أن تفوت الفريضة، فقال(عليه السلام): «إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك، ثم عد فيها».(1)والعود فيها، بمعنى البناء على ما مضى وإلاّ يقال واستأنف صلاة الكسوف.
وبهذا المضمون وردت روايات، وهذا يدلّ على أنّ الإتيان بالأركان ليس مبطلاً كما أنّها ليست ماحية لصورة الصلاة ولا تضرّ بالموالاة.
وأمّا الرابع: فقد مضى أنّ التسليم ليس مخرجاً للصلاة إلاّ إذا

1 . الوسائل:5، الباب5 من أبواب صلاة الكسوف، الحديث 2.

صفحه 43
وقع في محلّه، وبما أنّه لم يقع في محلّه في الفرض لا يكون مخرجاً عنها، نعم خرج التسليم في التشهّد الأوّل بالنصّ حيث مرّ أنّ عبد الله ابن مسعود أفسد صلاته بالتسليم فيه.
وعلى ضوء ما ذكرنا فقد ظهرت صحّة الاحتمال الأوّل بأنّه يقطع العصر ويأتي بما يتمّ الظهر ثم يعيد الصلاتين.
أمّا أنّه يأتي بالعصر فلافتراض أنّه لم يصلّها، وأمّا إعادة الظهر فلأجل بعض هذه الشبه كما مرّ.
هذا ما يرجع إلى تبيين ما أفتى به أوّلاً.
ولكن يرد عليه بأنّ اللازم عليه اختيار أحد الأمرين التاليين:
أ. إتمام صلاة الظهر بركعة مستقلّة والرجوع إلى صلاة العصر بإكمال ما بقي منها من دون لزوم إعادة الصلاتين.
ب. بطلان كلتا الصلاتين الظهر والعصر.
وذلك لأنّه إمّا أن يقول بجواز إقحام صلاة في صلاة، أي ركعة من صلاة العصر في صلاة الظهر فعليه الإفتاء بصحّة كلتا الصلاتين بإكمال الظهر بركعة مستقلّة ثم إكمال العصر بثلاث ركعات مع أنّه صحّح الصلاة الأُولى ولم يذكر شيئاً عن الثانية (العصر); أو لا يقول بذلك، فعليه الإفتاء ببطلان كلتا الصلاتين .
إلى هنا تمّ توضيح الوجه الأوّل.

صفحه 44

تبيين الوجه الثاني

وأمّا الاحتمال الثاني أي جعل ما بيده رابعة للظهر إذا أمكن ثمّ إعادة الصلاتين، فيدلّ عليه ما رواه الطبرسي في «الاحتجاج» عن الحميري، أنّه كتب إلى صاحب الزمان (عج) يسأله عن رجل صلّى الظهر ودخل في صلاة العصر فلمّا صلّى من صلاة العصر ركعتين، استيقن أنّه صلّى الظهر ركعتين كيف يصنع؟ فأجاب: «إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمّة لصلاة الظهر وصلّى العصر بعد ذلك».(1)
الظاهر أنّه أُريد من «الركعتين الأخيرتين» ما أتى به بعنوان صلاة العصر، فيجعلها تتمّة لصلاة الظهر، ثم يصلّي العصر، والدليل على ذلك أمران:
1. ما جاء في صدر الجواب من قوله (عليه السلام): «إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة» حيث إنّ حدوث الحادثة بينهما يمنع من جعل الركعتين الأخيرتين تتمّة لصلاة الظهر وبطلانهما بالحدث.
فإن قلت: إنّ حدوث الحدث يمنع أيضاً من جعل الركعتين من جديد إتماماً للظهر.
قلت: إنّ حدوث الحدث وإن كان يمنع عن ذلك في هذه   2

1 . الوسائل:5، الباب12 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 45

المسألة الثامنة

إذا صلّى صلاتين ثم علم نقصان ركعة أو ركعتين من إحداهما من غير تعيين فإن كان قبل الإتيان بالمنافي ضم إلى الثانية ما يحتمل من النقص ثم أعاد الأُولى فقط بعد الإتيان بسجدتي السهو لأجل السلام احتياطاً، وإن كان بعد الإتيان بالمنافي فإن اختلفتا في العدد أعادهما وإلاّ أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.*
Eالصورة أيضاً، لكنّه من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى بيان.
2. قوله: «وصلّى العصر بعد ذلك» حيث إنّ قوله: «ذلك» إشارة إلى جعلهما تتمّة للظهر، فيأتي عند ذلك دور العصر فتكون الرواية دليلاً على الوجه الثاني .
نعم لا يكون منطبقاً عليه تماماً، إذ ليس فيه إلاّ إعادة العصر لا الصلاتين.
* إذا فرغ من صلاتين كالظهرين ثم علم نقصان ركعة من إحداهما من غير تعيين، فله صورتان:
أ. إذا علم قبل الإتيان بالمنافي كالاستدبار والتكلّم.
ب. إذا علم بعد الإتيان بالمنافي.

صفحه 46
ففي الصورة الأُولى يعلم بوجوب ركعة عليه، إمّا إكمالاً لصلاة العصر أو إكمالاً لصلاة الظهر، فكيفية امتثال العلم الإجمالي بالنحو التالي: إنّ محلّ التدارك بالنسبة إلى صلاة العصر باق غير فائت فيضمّ إليها ما يحتمل من النقص ويسجد سجدتي السهو لأجل وقوع التسليم فيها في غير محلّه، حيث سلّم في الركعة الثالثة ثم يعيد الصلاة الأُولى، لاحتمال أنّ الصلاة الناقصة هي صلاة الظهر وأنّ صلاة العصر صارت حائلة بينها وبين الركعة الفائتة من الظهر.
وأمّا الصورة الثانية ـ أي إذا علم بعد صـدور المنافي ـ : فيعلـم ببطلان إحدى الصلاتين.
فإن كانت الصلاتان متماثلتين في العدد كالظهرين أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة، لأنّ الناقص لو كان هو العصر فقد أتى به ولو كان الناقص هو الظهر فتفرغ ذمّته بإتيان أربع ركعات بقصد ما في الذمّة، والترتيب بين الصلاتين يكون ساقطاً لقاعدة «لا تعاد».
وإن كانت الصلاتان مختلفتين في العدد كالمغرب والعشاء، فبما أنّه يعلم ببطلان إحداهما المختلفتين فيعيد كليهما.
نعم لو قلنا بجواز إقحام صلاة في صلاة يكفي في الصورة الأُولى (عدم الإتيان بالمنافي) إتيان ركعة مردّدة بين كونها للظهر أو للعصر من دون حاجة إلى إعادة الصلاة; وذلك لأنّه لو كان الناقص هي الأُولى فحيلولة العصر لا تضرّ بانضمام الركعة إلى الظهر، لما مرّ من أنّ الزيادة السهوية في الأركان غير مبطلة، وإن كان الناقص هو العصر فتنضم الركعة إليها من دون حيلولة شيء بينهما.

صفحه 47

المسألة التاسعة

إذا شكّ بين الاثنتين والثلاث ـ أو غيره من الشكوك الصحيحة ـ ثم شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر صلاته أو أولى صلاة الاحتياط جعلها آخر صلاته وأتمّ، ثم أعاد الصلاة ـ احتياطاً ـ بعد الإتيان بصلاة الاحتياط.*
* والمسألة أشبه بما مرّ في الخامسة، أعني: ما إذا شكّ في أنّ ما بيده آخر الظهر، أو أنّه أتمّها وهذه أوّل العصر، وعلى كلّ تقدير فلها صورتان:
1. فيما إذا شكّ بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع ثم شكّ أنّ ما بيده هي الركعة الأخيرة من صلاته أو هي الركعة الاحتياطية التي يجب إتيانها بعد الفراغ عن الصلاة.
2. فيما إذا شكّ بين الثنتين والأربع فبنى على الأربع ثم شكّ أنّ ما بيده هي الركعة الأخيرة من صلاته أو الركعة الأُولى من صلاة الاحتياط التي تجب بعد الفراغ. وهذه الصورة هي التي أشار إليها المصنّف بقوله:«أو أولى صلاة الاحتياط».

صفحه 48
وليعلم أنّ هذه الصلاة في كلتا الصورتين تحتاج إلى علاجين:
1. علاج من جانب الشكّ بين الأقل والأكثر .
2. علاج من جانب الشكّ أنّ ما بيده جزء الفريضة أو جزء صلاة الاحتياط، فليكن ذلك ببالك في حلّ المسألة.
أمّا الصورة الأُولى: فقد أفتى المصنّف بأنّه يجب عليه أعمال ثلاثة:
أ. جعل ما بيده آخر صلاته.
ب. إعادة الصلاة.
ج. الإتيان بصلاة الاحتياط.
أمّا الأوّل والثالث فواضحان; لأنّ مقتضى قاعدة الاشتغال عدم الفراغ من أجزاء الصلاة الأصلية فيجعل ما بيده الركعة الأخيرة، كما أنّ مقتضى البناء عند الشكّ بين الثلاث والأربع على الأكثر هو جبر احتمال ما نقص بركعة مستقلّة.
إنّما الكلام في وجوب إعادة الصلاة، فالظاهر عدم وجوبها، حيث إنّه لو كان ما بيده هو الركعة الأخيرة فتمّت صلاته إذا صلّى بعدها صلاة الاحتياط، وإن كان ما بيده ركعة الاحتياط فقد تمّت صلاته قبل هذه الركعة فلا وجه للإعادة، فعلى هذا فيكفي عملان: جعل ما بيده آخر الصلاة، والإتيان بركعة الاحتياط. ولعلّ وجهه: احتمال وقوع زيادة ركعة بين الفريضة وصلاة الاحتياط على الاحتمال الثاني، وسيأتي تفصيله في الصورة الثانية.

صفحه 49
بل يمكن أن يأتي بما بيده بقصد ما في الذمّة فينطبق على أحد الأمرين ركعة الصلاة أو ركعة الاحتياط، ومع ذلك يأتي بصلاة الاحتياط أيضاً.
الصورة الثانية: أعني ما إذا شكّ بين الثنتين والأربع وشكّ أنّ ما بيده آخر صلاته أو أنّه أُولى ركعتي صلاة الاحتياط، فقال المصنّف إنّه يعمل مثل ما سبق، أي يجعل ما بيده آخر الصلاة ويعيد الصلاة ثم يأتي بركعتي الاحتياط; لأنّ المفروض أنّه شكّ بين الثنتين والأربع.
وقد عرفت عدم وجوب الإعادة بما مرّ من البيان; لأنّ صلاته لو كانت ناقصة يكفي جعل ما بيده جزءاً لها ويأتي بصلاة الاحتياط لأجل الشكّ بين الاثنتين أو الأربع; وإن كانت تامّة وقد خرج من صلاة الظهر فيكفي الاتيان بركعتي الاحتياط.
وربّما يقال بوجوب إعادة الصلاة في هذه السورة لأنّ للمصلّي فيها حالتين:
الأُولى: أن تكون صلاته ناقصة بأن يكون ما بيده جزءاً من آخر الصلاة، فإذا ضمّه إليها تمّت صلاته مضافاً إلى ركعتي الاحتياط اللتين وجبتا لأجل الشكّ بين الاثنتين والثلاث.
الثانية: أن تكون صلاته تامّة ويكون ما بيده الركعة الأُولى من ركعتي الاحتياط، فعندئذ إذا جعله جزءاً من الصلاة يكون هذا الجزء فاصلاً بين الصلاة التامّة وبين صلاة الاحتياط الّتي وجبت لأجل الشكّ.

صفحه 50
وعندئذ يحصل له العلم الإجمالي إمّا أنّه يجب عليه صلاة الاحتياط فقط فيما إذا كان الواقع هو الحالة الأُولى، أو يجب إعادة الصلاة إذا كان الواقع هو الحالة الثانية الّتي وقع الجزء حائلاً بين الصلاة وبين ركعتي الاحتياط.
يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى علم تفصيلي وهو وجوب الإتيان بركعتي الاحتياط على عامّة التقادير، سواء أكان ما بيده جزءاً من الصلاة أو من الركعة الأُولى من صلاة الاحتياط; لما عرفت من أنّ هذه المسألة رهن علاجين: علاج من جانب الشكّ بين الأقل والأكثر، وعلاج من جانب أن يكون ما بيده جزءاً للفريضة أو جزءاً لصلاة الاحتياط، فعلى كلّ تقدير يجب عليه الإتيان بركعتي الاحتياط في كلتا الحالتين، وأمّا إعادة الصلاة فتجب في حالة واحدة وهي ما إذا كانت الصلاة تامّة غير محتاجة إلى ضم ما بيديه إليها، إذ عندئذ يكون ضمّ ما بيديه إليها، موجباً للفصل بين الصلاة وصلاة الاحتياط; دونما إذا كانت الصلاة ناقصة، إذ عندئذ يقع الضم موقعه ولا يلزم الفصل بين الصلاة وصلاة الاحتياط، فمثل هذا النوع من العلم الإجمالي لا يكون منجزاً لأنّه يشترط في تنجيزه كونه محدثاً للتكليف على كلّ حال، دونما إذا أحدث تكليفاً في حالة دون أُخرى.

صفحه 51

المسألة العاشرة

إذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده رابعة المغرب أو أنّه سلّم على الثلاث وهذه أُولى العشاء، فإن كان بعد الركوع بطلت ووجب عليه إعادة المغرب، وإن كان قبله يجعلها من المغرب ويجلس ويتشهّد ويسلّم، ثم يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة من قوله: «بحول الله» وللقيام وللتسبيحات احتياطاً، وإن كان في وجوبها إشكال من حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب.*
* للمسألة صورتان:
1. إذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده رابعة المغرب، أو أنّه سلّم على الثلاث وهذه أولى العشاء، وقد عرضه الشكّ وهو قائم لم يركع بعد.
2. نفس الصورة وقد عرضه الشكّ بعد الركوع.
أمّا الصورة الأُولى: فقد أفتى المصنّف بأنّه يقوم بعملين:
أحدهما: أنّه يجعلها من المغرب بمعنى أنّه يهدم القيام

صفحه 52
ويجلس ويتشهّد ويسلّم.
وثانيهما: أنّه يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة من قوله:«بحول الله»، وللقيام، وللتسبيحات احتياطاً، فعندئذ تجب عليه سجدتا السهو ثلاث مرات.
ثم إنّه أشكل في وجوب سجدتي السهو بتاتاً; لأنّ الموضوع لها هو الزيادة في الفريضة، والحال أنّه لا يعلم بحصول الزيادة في المغرب لاحتمال أنّ ما بيده هو الركعة الأُولى للعشاء، والمفروض أنّها بطلت بهدم القيام.
أقول: ما ذكره من هدم القيام والجلوس للتشهّد والتسليم مقتضى قاعدة اشتغال الذمّة بالمغرب، ولا يحصل الفراغ إلاّ بالهدم والتشهّد والتسليم، اذ عندئذ يحصل العلم بالبراءة، فلو كان ما بيده أُولى العشاء فقد صلّى المغرب من قبل، وإن كانت رابعة المغرب فبهدم القيام تنقلب الصلاة إلى ثلاث ركعات فتفرغ به الذمّة.
ويمكن أن يقال: إنّ في إتمامها مغرباً بهدم القيام مخالفة احتمالية، لاحتمال كونها أولى العشاء، كما أنّ في إتمامها عشاءً أيضاً كذلك لاحتمال كونها رابعة المغرب التي يمكن تصحيحها بالنحو المتقدّم، فما اختاره في المتن غير متعيّن بل هنا طريق آخر وإتمامها عشاء رجاءً، مع إعادة المغرب والعشاء احتياطاً.
نعم يقع الكلام في أصل وجوب سجدتي السهو وفي عددها، فقد استشكل المصنّف في وجوبها بأنّها للزيادة في الفريضة ولم

صفحه 53
يُعلم أنّه زاد في الفريضة لاحتمال أنّ ما بيده أُولى العشاء، كما أنّ المعلّقين ـ على فرض وجوب سجدتي السهو ـ اكتفوا بواحدة منها، وتحقيق الحال موكول إلى محلّه.
وأمّا الصـورة الثـانيـة: فقـد أفتى المصنّف ببطلان الصلاة ووجوب الإعادة، أي إعادة المغـرب، فضلاً عـن العشـاء، وذلك لأنّـه لا يمكن تصحيحهـا لا للمغرب لعدم الرابعـة لها، ولا للعشاء لعدم إحراز النيّة ولا الترتيب، فلازم ذلك إبطال الصلاة وإعـادة الصلاتين.
ثمّ إنّ السيد الخوئي ذكر في تعليقته على العروة بأنّ الحكم بصحّة المغرب في هذه الصورة ووجوب استئناف العشاء لا يخلو من وجه قويّ، وحاصله: أنّه تبطل الركعة ولا يعيد المغرب، ويستأنف العشاء. ثمّ إنّه(قدس سره) أشار إلى هذا الوجه في تقريراته وقال: أمّا بطلان الصلاة التي بيده لعدم إمكان تصحيحها بوجه فممّا لا ينبغي الإشكال فيه فلا مناص من استئناف العشاء، وأمّا وجوب إعادة المغرب فالأظهر جواز تصحيحها استناداً إلى قاعدة الفراغ، نظراً إلى أنّ الفراغ بعنوانه لم يرد في شيء من نصوص الباب حتى يعترض بعدم إحراز الفراغ، وإنّما الوارد فيها عنوان المضيّ كما في قوله(عليه السلام):«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» أو عنوان التجاوز كما في النصوص الأُخرى، وكما يصدق المضي والتجاوز بالتسليم والخروج عن الصلاة، كذلك يتحقّق بالدخول فيما لا

صفحه 54
يمكن معه التدارك على تقدير النقص إلاّ بإعادة العمل، ولذلك قلنا في محلّه أنّه لو رأى نفسه مرتكباً لشيء من المنافيات كالحدث والاستدبار وشكّ في صحّة صلاته لأجل الشكّ في التسليم، أو فيه وفي التشهّد فإنّه يبني على الصحّة بقاعدة الفراغ باعتبار أنّ امتناع التدارك لا يوجب صدق عنوان المضيّ حقيقة.
ثمّ إنّه استغرب فتوى شيخه المحقّق النائيني حيث أفتى هنا بإعادة المغرب مع أنّه التزم بجريان قاعدة الفراغ في الشكّ بالتسليم بعد ارتكاب المنافي.(1)
وحاصله: أنّه قد تجاوز عن فريضة المغرب; لأنّ ما بيده لا يخلو إمّا أن يكون أُولى العشاء فقد تجاوز عنه إليها، أو رابعة المغرب التي هي مبطلة للمغرب ومنافية لها، فقد تجاوز عنه إلى المنافي. وعلى كلّ تقدير يصدق المضيّ والتجاوز.
يلاحظ عليه: بأنّ الأصل عندئذ مثبت حيث إنّ قاعدة التجاوز تثبت صحّة صلاة المغرب، وأمّا أنّ ما بيده موصوف بالعشاء حتّى يتمّه بتلك النيّة فلا تثبته إلاّ على القول بالأصل المثبت، فإنّ كون ما بيده عشاء من لوازم كونه متجاوزاً عن المغرب .

1 . مستند العروة الوثقى:7/146ـ147.

صفحه 55

المسألة الحادية عشرة

إذا شكّ ـ و هو جالس بعد السجدتين ـ بين الاثنتين والثلاث وعلم بعدم إتيان التشهّد في هذه الصلاة، فلا إشكال في أنّه يجب عليه أن يبني على الثلاث لكن هل عليه أن يتشهّد أم لا؟ وجهان. لا يبعد عدم الوجوب بل وجوب قضائه بعد الفراغ إمّا لأنّه مقتضى البناء على الثلاث، وإمّا لأنّه لا يعلم بقاء محلّ التشهّد من حيث إنّ محلّه الركعة الثانية وكونه فيها مشكوك، بل محكوم بالعدم. وأمّا لو شكّ وهو قائم بين الثلاث والأربع ـ مع علمه بعدم الإتيان بالتشهّد في الثانية ـ فحكمه المضيّ ـ والقضاء بعد السلام، لأنّ الشكّ بعد تجاوز محلّه.*
* للمسألة صورتان :
1. إذا شكّ ـ و هو جالس بعد السجدتين ـ بين الاثنتين والثلاث، وعلم بعدم إتيان التشهّد في هذه الصلاة.
2. إذا شكّ ـ و هو قائم ـ بين الثلاث والأربع وعلم بعدم الإتيان بالتشهّد في الركعة الثانية.
أمّا الصورة الأُولى: فقد أفتى بأنّه يبني على الثلاث، ولكن وقع الكلام في أنّه هل يجب له أن يتشهّد أو لا؟
فرجّح عدم الوجوب ووجوب قضاء التشهّد بعد الفراغ، وعلّله بوجهين:

صفحه 56
1. إنّ هذا مقتضى البناء على الثلاث لظهور دليله في أنّه يتعامل مع هذه الركعة معاملة الركعة الثالثة من جميع الجهات وأنّه لو فات منه التشهّد فقد تذكّر بعد فوات محلّ تداركه بالدخول في الركعة الثالثة البنائيّة.
2. عدم إحراز بقاء المحلّ فإنّ محلّ التشهّد هو الركعة الثانية وكونه فيها مشكوك فيه.
أقول: أمّا الوجه الأوّل فهذا هو الذي اعتمد عليه أكثر المعلّقين، فإنّ الظاهر من قوله: فابن على الأكثر، هو التعامل معه معاملة الركعة الثالثة في عامّة الشؤون لا في خصوص العدد، وعلى ذلك فمعنى البناء على الأكثر البناء على أنّه أتى بعامّة ما يجب عليه.
وبعبارة أُخرى: فكما أنّ معنى كون الركعة ركعة ثالثة واقعاً، أنّه قد أتى بما وجب عليه قبل الدخول في الثالثة، فهكذا إذا صار محكوماً بأنّه أتمّ الركعة الثالثة تعبّداً.
وتوضيح ذلك: أنّه لو شكّ بين الثنتين والثلاث وعلم أنّه على تقدير الثنتين لم يتشهّد وعلى تقدير الثلاث قد تشهّد فيبني على الثلاث دون أن يتشهّد، ومعنى ذلك أنّه يبني عليه في عامّة الآثار، ولذلك لم يلتزم أحد بإتيان التشهّد ولم يرد في رواية إتيانه.
وأمّا الوجه الثاني وهو عدم العلم ببقاء محلّ التشهّد فهو ضعيف; وذلك لأنّه عندما رفع رأسه من سجدة الركعة الثانية كان محلّ التشهّد باقياً فيشكّ في بقائه باحتمال الدخول في الركعة الثالثة

صفحه 57
وإتمامها، فمقتضى الاستصحاب بقاء محلّ التدارك، هذا كلّه حول الصورة الأُولى.
فإن قلت: إنّ الاستصحاب في المقام محكوم بقاعدة البناء على الأكثر فإنّ لازمها أنّه تجاوز عن محلّ التشهّد .
قلت: إنّ التجاوز عن محلّ التشهّد من لوازم البناء على الأكثر العقلية، وليس البناء عليه أمارة حتّى يؤخذ بلوازمها.
وأمّا الصورة الثانية: وهي أنّه لو شكّ و هو قائم ـ بين الثلاث والأربع ـ مع علمه بعدم الإتيان بالتشهّد في الثانية ـ فالحكم فيه كالصورة الأُولى أي يقضي التشهّد بعد الفراغ أخذاً بمقتضى الوجه الأوّل أي البناء على الرابعة، إذ مقتضاه أنّه قد أتى بما فرض عليه قبل هذه الركعة. أمّا الوجه الثاني أي عدم العلم ببقاء محل التشهّد، فقد عرفت أنّ محلّ التشهّد باق بمقتضى الاستصحاب.
وربّما يحتمل أنّه يجوز الاحتياط في الصورة الأُولى بالإتيان بالتشهّد بنيّة القربة المطلقة، ولا مانع منها دون الصورة الثانية; لأنّ ما بيده لو كانت ثالثة، يمكن أن يهدم القيام ويتشهّد، وأمّا لو كانت رابعة، فقد حالت بينها وبين محلّ التشهّد، الركعة الثالثة المحتملة، ومعه لا يمكن الجزم بالقربة المطلقة.
ولكن الظاهر عدم الفرق بين الصورتين، إذ لو كانت ركعة ثانية يمكن له أن يتشهّد، ولو كانت ثالثة فقد حالت بينها وبين محلّ التشهّد.

صفحه 58

المسألة الثانية عشرة

إذا شكّ في أنّه بعد الركوع من الثالثة، أو قبل الركوع من الرابعة، بنى على الثاني; لأنّه شاكّ بين الثلاث والأربع، ويجب عليه الركوع; لأنّه شاكّ فيه مع بقاء محلّه، وأيضاً هو مقتضى البناء على الأربع في هذه الصورة.
وأمّا لو انعكس ـ بأنّ كان شاكّاً في أنّه قبل الركوع من الثالثة أو بعده من الرابعة ـ فيحتمل وجوب البناء على الأربع بعد الركوع فلا يركع بل يسجد ويتمّ، وذلك لأنّ مقتضى البناء على الأكثر، البناء عليه من حيث إنّه أحد طرفي شكّه وطرف الشكّ، الأربع بعد الركوع، لكن لا يبعد بطلان صلاته، لأنّه شاكّ في الركوع من هذه الركعة، ومحلّه باق فيجب عليه أن يركع، ومعه يعلم إجمالاً أنّه إما زاد ركوعاً أو نقص ركعة، فلا يمكن إتمام الصلاة مع البناء على الأربع والإتيان بالركوع مع هذا العلم الإجمالي.*
* للمسألة صورتان:

صفحه 59
1. إذا شكّ بين الثلاث والأربع وهو قائم وعلم أنّه إن كان في الثالثة فهذا قيام بعد الركوع، وإن كان في الرابعة فهو قيام قبل الركوع.
2. إذا انعكس الأمر، أي شكّ بين الثلاث والأربع وهو قائم وعلم أنّه إن كان في الثالثة فهذا قيام قبل الركوع، وإن كان في الرابعة فهو قيام بعد الركوع.
وإليك دراسة الصورتين:
أمّا الأُولى: فللعلم الإجمالي طرفان ومقتضى كلّ طرف ـ مع قطع النظر عن أدلّة البناء على الأكثر ـ يختلف مع الآخر، فمقتضى الطرف الأوّل أن يسجد ويضيف ركعة أُخرى ويخرج من الصلاة.
ومقتضى الطرف الثاني هو أن يركع ويسجد ويتشهّد ويسلّم ويخرج من الصلاة.
هذا كلّه مع قطع النظر عن أدلّة البناء على الأكثر، وأمّا معه فوظيفته هو البناء على أنّ القيام للرابعة قبل الركوع، فيركع ويسجد ويتشهّد ويسلّم.
وبما أنّه يحتمل أن يكون القيام للثالثة، يصلّي ركعة الاحتياط.
وبعبارة أُخرى: أنّه لولا الأمر بالبناء على الأكثر كان مقتضى الاستصحاب هو المحكّم، أي البناء على أنّ القيام للثالثة بعد الركوع،ولكن أدلّة البناء على الأكثر حاكمة على مقتضى الاستصحاب في باب الشكوك، فيبني على الأكثر، غاية الأمر يحتاط بركعة الاحتياط; هذا ما ذكره المصنّف.

صفحه 60
وأُورد عليه بأنّ الأمر بعد البناء على الأكثر يدور بين كون الصلاة باطلة، أو عدم الحاجة إلى ركعة الاحتياط.
أمّا الأوّل ففيما إذا كان القيام في الواقع قيام ركعة ثالثة بعد الركوع، كان اللازم أن يسجد فالبناء على الأكثر والركوع بعده يستلزم زيادة الركوع في الركعة الثالثة وإن كان في الواقع قيام ركعة رابعة قبل الركوع، فبما أنّه ركع وأتمّ الصلاة تكون الصلاة تامّة بلا حاجة إليها، وهذا هو الذي قلنا بأنّ الأمر يدور بين بطلان الصلاة وعدم الحاجة إلى ركعة الاحتياط.(1)
توضيحه: أنّ الضابطة في البناء على الأكثر هو ما جاء في موثّقة عمّار بن موسى الساباطي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن شيء من السهو في الصلاة؟ فقال: «ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟» قلت: بلى، قال: «إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرت أنّك كنت نقصت، كان ما صلّيت تمام ما نقصت».(2)
فإنّ الظاهر من الرواية هو أنّ الغرض من تشريع صلاة الاحتياط هو تصحيح الصلاة عند احتمال النقص بشرط أن تكون الصلاة تامّة

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/610. بتصرّف منّا.
2 . الوسائل:5، الباب8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 61
من سائر الجهات، ولم يكن وجه لاحتمال الخلل إلاّ النقصان. وعندئذ يُسدّ الخلل بصلاة الاحتياط.
وأمّا إذا اشتملت الصلاة ـ على فرض ـ على خلل آخر وراء النقص على نحو لو فرض جبره بالصلاة لما سُدّ الخلل، فدليل البناء على الأكثر لا يشمل هذه الصورة، وهذا كما في المقام فإنّه لو كان القيام قيام ركعة ثالثة بعد الركوع، فلو بنى على أنّه الرابعة قبل الركوع وركع تكون الصلاة باطلة في الواقع ولا تكون صلاة الاحتياط جابرة لبطلان الصلاة بزيادة الركوع في الثالثة لأجل البناء على أنّها الرابعة قبل الركوع وركع.
وأمّا الصورة الثانية: وهي ما إذا شكّ بين الثلاث والأربع وهو قائم وعلم أنّه إن كان في الثالثة فهذا قيام قبل الركوع فيجب أن يركع، وإن كان في الرابعة فهو قيام بعد الركوع، فيجب أن يسجد، فقد ذكر المصنّف فيه وجهين:
الأوّل: أنّ المورد من مصاديق قاعدة واحدة وهي قاعدة البناء على الأكثر، فلا يركع بل يسجد ويتشهّد ويسلّم ثم يصلّي صلاة الاحتياط، وإلى هذا أشار بقوله:فيحتمل وجوب البناء على الأربع بعد الركوع، فلا يركع بل يسجد ويتمّ، وذلك لأنّ مقتضى البناء على الأكثر، البناء عليه من حيث إنّه أحد طرفي شكّه، وطرف الشكّ الأربع بعد الركوع، والطرف الآخر، الثالث قبل الركوع.
الثاني: أنّ المورد من مصاديق قاعدتين لا قاعدة واحدة كما في

صفحه 62
الفرض الأوّل، وهما:
أ. البناء على الأكثر، أي الأربع فيمضي من غير ركوع.
ب. أنّه من مقولة الشكّ في المحلّ بالنسبة إلى الركعة الثالثة، ومقتضاه أنّه يركع للثالثة ويسجد ويتشهّد للرابعة ويخرج من الصلاة.
ثمّ إنّ المصنّف لم يذكر هذا الاحتمال في الصورة الأُولى لعدم الموضوع للقاعدة الثانية ـ أعني: الشكّ في المحلّ ـ فيها; لافتراض انّه لو كان ركعة ثالثة فقد ركع .
ثمّ إنّه(قدس سره) أورد على هذا الوجه ببطلان الصلاة لأنّه بعد العمل بكلتا القاعدتين يعلم إجمالاً إمّا زاد ركوعاً لو كان القيام قيام ركعة رابعة ولكنّه ركع لاحتمال أنّه الثالثة، أو نقص ركعة لو كان القيام قيام ركعة ثالثة وبنى على الرابعة فلا يمكن جبر النقص مع هذا العلم الإجمالي.
فتلخّص أنّ المصنّف فصّل في الصورة الثانية بين كون المورد مـن مصاديق قاعدة واحـدة فتصحّ الصلاة وإلاّ فتبطل، هذا ما يرجع إلى توضيح المتن.
أقول: والظاهر بطلان الصلاة في كلا الفرضين:
أمّا الفرض الأوّل ـ أي إذا بنى على الأربع ويمضي من غير ركوع ـ فيرد عليه مثل ما أورد على الأصل، لدوران الأمر بين بطلان الصلاة أو عدم الحاجة إلى صلاة الاحتياط; لأنّ القيام لو كان قيام

صفحه 63
ركعة ثالثة قبل الركوع، فلو بنى على أنّها الرابعة بعد الركوع فبما أنّه يسجد بلا ركوع، يلزم النقيصة في الركعة الثالثة.
وإن كان قيام ركعة رابعة بعد الركوع فالصلاة تامّة لا حاجة إلى جبرها بصلاة الاحتياط.
وأمّا على الفرض الثاني، أعني: إذا عمل بكلتا القاعدتين:
1. أن يبني على أنّها الرابعة بعد الركوع.
2. أن يركع بما أنّه قيام للثالثة قبل الركوع لبقاء محلّه.
فركعة الاحتياط وإن كانت جابرة إذا كان ما بيده الثالثة، إلاّ أنّها لو كانت في الواقع رابعة فالصلاة باطلة، لأجل الركوع بما أنّه وقع في الركعة الثالثة .
وبذلك ظهر بطلان الصلاة في الصورة الأُولى وفي الصورة الثانية على كلا الفرضين.

صفحه 64

المسألة الثالثة عشرة

إذا كان قائماً وهو في الركعة الثانية من الصلاة وعلم أنّه أتى في هذه الصلاة بركوعين ولا يدري أنّه ]هل[ أتى بكليهما في الركعة الأُولى حتى تكون الصلاة باطلة، أو أتى فيها بواحد وأتى بالآخر في هذه الركعة؟
فالظاهر بطلان الصلاة لأنّه شاكّ في ركوع هذه الركعة ومحلّه باق فيجب عليه أن يركع مع أنّه إذا ركع يعلم بزيادة ركوع في صلاته ولا يجوز له أن لا يركع مع بقاء محلّه، فلا يمكنه تصحيح الصلاة.*
* في المسألة احتمالات:
1. البطلان 2. لزوم الجمع بين الإتمام والإعادة 3. الصحّة.
أمّا وجه الأوّل ـ أي البطلان ـ فلمّا أفاد في المتن بأنّ الشكّ بالنسبة إلى ركوع الركعة الثانية شكّ في المحلّ، فيجب أن يركع فلو ركع يحصل له العلم بزيادة ركوع إمّا في الركعة الأُولى أو في الثانية.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من وجه البطلان مبني على كون الشكّ في المحلّ يلازم وجوب الإتيان بالمشكوك مطلقاً، وليس

صفحه 65
كذلك وإنّما يلازم إذا أُحرز وجود الأمر بالمشكوك، وهو منتف في المقام، وذلك لأنّ الواقع لا يخلو من أحد أمرين; إمّا وقوع كلّ من الركوعين في محلّهما، أو وقوعهما في ركعة واحدة. فعلى الأوّل فالصلاة تامّة لا حاجة للركوع، وعلى الثاني فالصلاة باطلة من قبل أن يركع، فلا معنى للأمر بالركوع، وعلى كلّ تقدير فلا وجه للركوع حتى يصير سبباً لبطلان الصلاة.
وأمّا وجه الثاني ـ أي لزوم الجمع بين الإتمام والإعادة ـ فلأجل وجود العلم الإجمالي، بوجوب أحد الأمرين; الإتمام إذا كانت الصلاة صحيحة، والإعادة فيما لو كانت باطلة، وذلك لأنّه لو كان كلٌّ من الركوعين في محلّه يجب الإتمام. ولو كانا في ركعة واحدة تجب الإعادة.
يلاحظ عليه: بما قرّر في علم الأُصول من أنّ العلم الإجمالي إنّما يؤثر إذا كان محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، من الطرفين، وأمّا إذا كان محدثاً على تقدير دون تقدير آخر فلا يكون منجّزاً بل ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي، نظير ما إذا كان أحد الإنائين نجساً قطعاً والإناء الآخر طاهراً قطعاً فعلم أنّه وقع الدم في أحد الإنائين على وجه الإجمال، فلا يكون منجّزاً إذ لو وقع في الإناء النجس لم يحدث تكليفاً لثبوت وجوب الاجتناب عنه قبل العلم الإجمالي، فيكون وقوعه في الإناء الآخر مشكوكاً فتجري فيه البراءة.

صفحه 66
وبعبارة أُخرى: أنّ المانع من جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي هو تعارض الأصلين، كما إذا كان الإناءان طاهرين فوقع الدم في أحدهما إجمالاً، وأمّا إذا كان جارياً في أحدهما دون الآخر فلا مانع من جريانه في الطرف الآخر، كما في المثال المذكور حيث يكون الأصل جارياً في الإناء الثاني بلا معارض.
ونظيره المقام فإنّ استصحاب التكليف وبقاء الاشتغال بالصلاة كان جارياً قبل حدوث العلم الإجمالي، وهو نفس الحكم بالإعادة، فإذا طرأ العلم الإجمالي بوجود ركوعين إمّا في ركعة أو في ركعتين فهو لا يحدث تكليفاً في جانب أصل التكليف; لأنّه كان سائداً قبله، ولا تجري البراءة فيه لسبق التكليف بالاشتغال، وعندئذ يكون الطرف الآخر وهو الإتمام مجرىً للبراءة. وقد مرّ أنّ المانع من جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي هو التعارض، وهو مفقود في المقام.
إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على البطلان ولا على الإتمام والإعادة.
وأمّا وجه الثالث ـ أي الصحّة ـ فيمكن تصحيح الصلاة بإجراء قاعدة الفراغ في الركوع الثاني حيث إنّه يعلم بأنّ أحد الركوعين وقع في محلّه إنّما الكلام في وقوع الركوع الثاني في محلّه، إذ لو كان قبل سجدتي الركعة الأُولى وقع فاسداً، ولو كان بعدهما أي في الركعة الثانية فقد وقع صحيحاً، فتجري القاعدة في الركوع الثاني.

صفحه 67
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من جريان قاعدة الفراغ مبني على وجود قاعدتين: إحداهما: قاعدة الفراغ المختصّة بما إذا شُكّ في صحّة الشيء بعد الفراغ عن وجوده، وهذا ما لا يشترط فيه الدخول في الغير ويكفي الفراغ عن وجوده.
والثانية: قاعدة التجاوز المختصّة بالشكّ في وجود الشيء لا في وصفه، وبما أنّ الشكّ في وجود الشيء مع التجاوز عنه لا يتصوّر إلاّ بعد الخروج عن محلّه الملازم للدخول في الغير.
لكنّ الحقّ أنّ هنا قاعدة واحدة باسم:«قاعدة التجاوز» ولا تتحقّق إلاّ بالدخول في الغير، وعلى ذلك فالقاعدة غير جارية لا في الركوع ولا في مجموع الركعتين، لبقاء المحلّ وعدم التجاوز عنه الذي يلازم الدخول في الغير.
فإذا كان المورد خارجاً عن قاعدة التجاوز فالاستصحاب هو المحكّم، أي استصحاب الاشتغال أوّلاً، وعدم وقوع الركوع الثاني في محلّه ثانياً، والشكّ في انطباق المأمور به على المأتي به ثالثاً. فتكون النتيجة هي القول الأوّل; وبما أنّ صحّة الصلاة محتملة، ففي قطعها مخالفة احتمالية، فالأولى إتمامها بلا ركوع ثم إعادتها، فينطبق على القول الثاني، فلاحظ.

صفحه 68

المسألة الرابعة عشرة

إذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين وجب عليه الإعادة، ولكن الأحوط قضاء السجدة مرّتين، وكذا سجود السهو مرّتين ـ أوّلاً ـ ثم الإعادة. وكذا يجب الإعادة إذا كان ذلك في أثناء الصلاة. والأحوط إتمام الصلاة وقضاء كلّ منهما،وسجود السهو مرّتين ثم الإعادة.*
* للمسألة صورتان:
1. إذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين.
2. إذا علم ذلك في أثناء الصلاة، بعد امتناع التدارك لفوات المحلّ، كما لو حصل له ذلك العلم بعد أن دخل في ركوع الركعة الثالثة.
فالجامع بين الصورتين هو فوات محلّ تدارك السجدة، وإليك صورتي المسألة:

صفحه 69

الصورة الأُولى: العلم بترك السجدتين بعد الفراغ

إذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه ترك سجدتين ولم يعلم أنّهما كانتا من ركعة واحدة أو من ركعتين، فالظاهر من المصنّف أنّها محكومة بالبطلان بشهادة قوله:«وجب عليه الإعادة». ثمّ إنّه احتاط بالإتمام وقضاء السجدة مرّتين، وكذا سجود السهو مرّتين ثم الإعادة، فيقع الكلام في وجه ذينك الأمرين: البطلان، والإتمام مع قضاء السجدتين وكذا سجود السهو مع الإعادة. فيقع الكلام في مقامين:
1. ما هو سبب بطلان الصلاة؟
2. لماذا يحتاط بإتمام الصلاة وقضاء السجدة مرتين وكذا سجود السهو مرتين ثم الإعادة؟
أمّا الأوّل ـ أي بطلان الصلاة ـ : فوجهه أنّ مقتضى قاعدة التجاوز في الركعة الأُولى أنّه أتى بسجدتين، كما أنّ مقتضى القاعدة في الركعة الثانية أنّه أتى فيها بسجدتين، ومعنى ذلك أنّه لم يترك أية سجدة في الصلاة وهو لا ينسجم مع العلم الإجمالي بترك سجدتين، غاية الأمر لا يعلم موضع الترك، ولذلك تسقط القاعدتان لكذب إحداهما، فتصل النوبة إلى الاستصحاب الذي يُعدّ محكوماً لو كانت قاعدة التجاوز جارية وهو عدم إتيانهما في الركعة الأُولى.
فإن قلت: إنّ الأصل معارض بمثله وهو عدم الإتيان بهما في

صفحه 70
الركعة الثانية، فعندئذ يسقطان بالتعارض.
قلت: لا تعارض بين الأصلين، لعدم استلزامهما المخالفة العملية بناء على أنّ السبب لعدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي هو استلزامه المخالفة العملية، وذلك لأنّ مقتضى كلّ من الأصلين بطلان العمل. نعم لو كان مقتضى كليهما الصحّة كما في قاعدة التجاوز فيسقطان للعلم الإجمالي بترك السجدتين.
وأمّا المقام فمقتضى كلّ من الأصلين هو البطلان.
إلى هنا تبيّن وجه البطلان، إنّما الكلام في وجه الجمع بين الإتمام بمعنى الصحّة والإعادة، فلنقدّم وجه الصحّة:

ما هو وجه الاحتياط بالأُمور الأربعة؟

إنّ مفاد قاعدة التجاوز في كلّ من الركعتين هو صحّتهما، وصحّة كلّ من الركعتين لا تلازم الإتيان بالسجدتين بل يكفي في اتّصافها بالصحّة الإتيان بالسجدة الواحدة وقضاء السجدة الأُخرى بعد الصلاة، فعلى هذا فلا مانع من جريانها في كلّ من الركعتين من دون معارضة لما عرفت من أنّ الصحّة أعمّ من الصحّة التامّة أو الصحّة المشروطة بالقضاء بعد الصلاة.
غاية الأمر أنّ مقتضى العلم الإجمالي بترك السجدتين يلزمنا بقضائهما بعد الصلاة، مع سجدتي السهو لكلٍّ منهما.
وبعبارة أُخرى: ليس مقتضى قاعدة التجاوز في كلّ من الركعتين

صفحه 71
هو إحالة ترك السجدتين إلى الركعة الأُخرى حتى يتحقّق التعارض، لما عرفت من أنّ مثبتات الأُصول ليست بحجّة، فغاية ما تثبته القاعدة هو صحّة الركعة، لا الإتيان بالسجدتين وإحالة الترك إلى الركعة الأُخرى، حتى يوجب التعارض.
إلى هنا ظهر وجه الأُمور الثلاثة: الإتمام، مع قضاء السجدتين، مع سجودهما، بقي الكلام في الأمر الرابع وهو سبب الإعادة .

وجه سبب الإعادة

وبما أنّ المتبادر من جريان القاعدة هو إثبات الصحّة التامّة، اختار المصنّف الوجه الأوّل، وعندئذ وقعت المعارضة بين القاعدتين، فاحتاط بالإعادة.
إلى هنا تمّ بيان ما في المتن من الأُمور.
بقي الكلام فيما ذكره بعض المعلّقين في وجه الصحّة قال: كأنّ وجه البطلان تعارض القواعد الجارية المقتضية لعدم فوت سجدتين من ركعة ولا من ركعتين، والرجوع إلى أصالة عدم تحقّق السجدتين من ركعة، الموجبة للبطلان.
ويمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ القاضية بالصحّة، وعدم فوت السجدتين من ركعة ولا تعارضها قاعدة التجاوز الدالّة على عدم فوتهما من ركعتين; لأنّه معلوم البطلان، إذ الصلاة إن كانت فاسدة فلا تجري في الفاسدة، وإن كانت صحيحة فلا يتصوّر إلاّ إذا

صفحه 72
فاتت السجدتان من ركعتين، فالقاعدة لا مجال لها سواء أكانت الصلاة صحيحة أم فاسدة.
وحاصل كلامه: أنّ لنا في المقام أصلين:
1. عدم فوتهما من ركعة واحدة .
2. عدم فوتهما من ركعتين.
فمقتضى الأصل الأوّل صحّة الصلاة كما هو واضح، ومقتضى الأصل الثاني بطلانها لأنّ معنى عدم فوتهما من ركعتين، هو فوتهما من ركعة واحدة. لكن الأصل الثاني لا موضوع له; لأنّ أمر الصلاة في الواقع دائر بين كونها باطلة فلا حاجة إلى جريان الأصل في الصلاة الفاسدة، وصحيحة فلا يتصوّر إلاّ أن تفوت السجدتان من ركعتين، وعندئذ لا معنى لعدم فوتهما من ركعتين.
يلاحظ عليه: أنّه جعل مصبّ التعارض الركعة والركعتين، فقال بجريان قاعدة التجاوز في الركعة المثبتة للصحّة، لا في الركعتين المثبتة للبطلان مع أنّ مصبّ التعارض هو بين ركعة وركعة أُخرى. ومقتضى جريان القاعدة في كلّ واحدة، الصحّةُ فيلزم التعارض ويكون المرجع أصالة عدم الإتيان.
والظاهر أنّ تصحيح الصلاة يتحقّق بالنحو الذي ذكرناه، من أنّه لا تعارض بين صحّة كلّ من الركعتين بحكم قاعدة التجاوز، ولا تُلازم الصحّةُ كون الركعة تامّة حتى ينسب ترك السجدتين إلى الركعة الأُخرى.

صفحه 73
هذا كلّه إذا حصل العلم الإجمالي بعد الصلاة وإتيان المنافي.

الصورة الثانية:العلم بترك السجدتين أثناء الصلاة

إذا علم بترك السجدتين أثناء الصلاة فله صور نذكر منها ما يلي:
1. إذا عرض له شكّ في المحلّ الشكّي، أعني: ما إذا لم يدخل في الجزء المترتّب عليه، كما إذا كان جالساً ولم يدخل في التشهّد وعلم بترك السجدتين إمّا من هذه الركعة أو من الركعة السابقة أو بالتفريق، وبما أنّه شاكّ في المحلّ يحكم عليه بإتيان السجدتين بمقتضى قاعدة الاشتغال.
وأمّا بالنسبة للركعة السابقة تجري قاعدة التجاوز بلا معارض.
2. إذا عرض له الشكّ في المحلّ السهويّ، كما لو عرض له الشكّ وهو يتشهّد، أو عرض له وهو في قيام الركعة الثالثة، فبما أنّ محلّ التدارك بالنسبة إلى الركعة الثانية باق ـ عند السهو ـ يترك التشهّد، أو يهدم القيام ويأتي بالسجدتين ويجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الركعة السابقة.
3. إذا حصل له بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، فحكمه حكم ما لو علم بعد الفراغ من الصلاة حيث إنّ محلّ التدارك قد فات.

صفحه 74

المسألة الخامسة عشرة

إن علم ـ بعد ما دخل في السجدة الثانية مثلاً ـ أنّه إمّا ترك القراءة أو الركوع، أو أنّه إمّا ترك سجدة من الركعة السابقة أو ركوع هذه الركعة، وجب عليه الإعادة.
لكنّ الأحوط هنا أيضاً إتمام الصلاة وسجدتا السهو في الفرض الأوّل، وقضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض الثاني ثم الإعادة، ولو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فكذلك.*
* إذا حصل له العلم الإجمالي بأنّه إمّا ترك الجزء الركنيّ أو ترك غير الركنيّ بعد عدم إمكان تدارك المنسيّ مطلقاً لدخوله في الركن الآخر، فماذا يفعل؟
وقد مثّل المصنّف له بمثالين:
1. إن علم أنّه بعدما دخل في السجدة الثانية إمّا ترك القراءة أو الركوع.
2. إن علم أنّه بعدما دخل في السجدة الثانية إمّا ترك سجدة من الركعة السابقة أو ركوع هذه الركعة.

صفحه 75
والفرق بين المثالين ـ بعد اشتراكهما في أنّ أحد المحتملين هو الركن ـ هو أنّ أثر ترك المحتمل الآخر إمّا سجود السهو كما في المثال الأوّل حيث إنّ ترك القراءة أثره سجود السهو، أو القضاء كما في المثال الثاني، أعني: ترك السجدة الواحدة.
وقد أفتى المصنّف بالبطلان أوّلاً، واحتاط ثانياً بإتمام الصلاة وسجدتا السهو فقط في الفرض الأوّل لاحتمال كون المنسيّ هو القراءة، وقضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض الثاني لاحتمال كون المنسيّ هو السجدة الواحدة التي تقضى مع سجدتي السهو، ثم الإعادة.

وجه بطلان الصلاة

أمّا وجه البطلان فلأجل أنّ التدارك غير ممكن; لأنّه دخل الركن وهو السجدة الثانية فلا يمكن تدارك الركوع، وأمّا سجود السهو لأجل ترك القراءة ـ في الفرض الأوّل ـ وقضاء السجدة الواحدة من الركعة السابقة ـ في الفرض الثاني ـ فلا تحصل معهما البراءة اليقينية، لاحتمال كون المنسيّ الركوع فتكون قاعدة الاشتغال محكّمة، هذا من جانب .
ومن جانب آخر أنّ قاعدة التجاوز في كلّ من المحتملين متعارضة، فتكون الصلاة محكومة بالبطلان والإعادة.

صفحه 76

إتمام الصلاة مع قضاء السجدة وسجود السهو

يجب على مثله الإتمام، مع سجود السهو في الأُولى، وقضاء السجدة مع سجود السهو في الثانية فلا حاجة إلى الإعادة، وذلك بجريان قاعدة التجاوز في جانب الركوع دون جانب القراءة أو السجدة الواحدة، فيرتفع التعارض وذلك ببيانين:
1. العلم التفصيلي بسقوط الأمر بالقراءة أو السجدة إمّا للإتيان بهما، أو لأجل بطلان الصلاة لأجل ترك الركوع، فلا موضوع لقاعدة التجاوز فيهما.
2. أنّ جريان هذه القاعدة في جانب الركوع يجري من غير توقّف على شيء; لأنّ الأمر دائر بين الصحّة والبطلان فتجري وتثبت الصحّة، وأمّا جريانها في الفرض الآخر أي القراءة أو السجدة فهو موقوف على إحراز كون الصلاة صحيحة حتى يترتّب عليه أثر القاعدة، وهو عدم وجوب سجدتي السهو في الفرض الأوّل وعدم وجوب قضاء السجدة في الفرض الثاني، والمفروض أنّ الموضوع وهو صحّة الصلاة غير محرز فكيف تجري قاعدة التجاوز؟
وبعبارة أُخرى: إنّ جريان القاعدة في جانب الركوع غير مشروط بشيء بخلاف جريانها في جانب القراءة والسجدة، فهو مشروط بإحراز الصحّة وهي بعد لم تحرز، فيقدّم جريانها في الأوّل على الثاني.

صفحه 77
وبعبارة ثالثة: إنّ المرجع الأوّل هو استصحاب عدم الإتيان في كلٍّ من الجانبين لولا المعارضة، ومعها ـ كما هو المفروض ـ فالمرجع هو قاعدة التجاوز، ولكنّها تجري في جانب الركوع لحصول شرطه دون جانب القراءة والسجدة لعدم إحراز شرط الجريان، فيكون المرجع في جانب الركوع هو قاعدة التجاوز، وفي الجانب الآخر هو استصحاب عدم الإتيان من دون جريانه في ناحية الركوع لخروجه عن مورد الاستصحاب بقاعدة التجاوز. فيجب عليه سجدتا السهو في الفرض الأوّل، وقضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض التالي.
بقي الكلام في وجه الإعادة، وهذا ما يركّز عليه السيد البروجردي في الفرض الثاني دون الأوّل يقول: «الأقوى صحّة الصلاة في الفرض الأوّل، ولزوم الاحتياط المذكور في الفرض الثاني، ولا ينبغي تركه في الأوّل أيضاً» فيقع الكلام فيما هو الوجه في لزوم الاحتياط في الفرض الثاني دون الأوّل؟»(1)
وقد تبعه بعض المعلّقين على العروة في المقام، قائلاً: لا يترك الاحتياط بذلك في الفرض الثاني كما هو مقتضى العلم الإجمالي، وأمّا الفرض الأوّل فالأقوى صحّة الصلاة وعدم وجوب شيء عليه .
ولعلّ الوجه هو الفرق بين الفرضين فإنّ العلم الإجمالي غير

1 . من إفاضاته في درسه الشريف.

صفحه 78
منجّز في الأوّل، ومنجّز في الثاني، ولذلك لا تجب الإعادة في الأوّل بخلاف الثاني; وذلك لأنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير ولكن المقام ليس كذلك، إذ لو التفت على أنّه ترك القراءة بعد مضيّ محلّها لا يترتّب عليه الأثر لا في نفس الصلاة ولا بعدها، ويكون احتمال ترك الركوع مورداً للبراءة، بخلاف الثاني فإنّ العلم إمّا بترك الركوع أو السجود منجّز لاقتضاء ترك الركوع البطلان، واقتضاء ترك السجود القضاء، فلكلّ من طرفي العلم أثره ومقتضى الاشتغال اليقيني هو البراءة اليقينية بالإعادة، بعد إتمام الصلاة وقضاء السجدة، وسجود السهو. فتأمّل.(1)

1 . وجه التأمّل: ترتّب الأثر على ترك كلّ من الطرفين في الفرض الأوّل أيضاً، أمّا الركوع فمعلوم وأمّا القراءة، فأثر تركها، هو وجوب سجدتي السهو بناء على وجوبهما في كلّ نقيصة، من الصلاة. نعم لو قلنا بعدم وجوبها لكلّ نقيصة وزيادة يصحّ ما ذكر.

صفحه 79

المسألة السادسة عشرة

لو علم ]بعد الدخول في القنوت[ قبل أن يدخل في الركوع أنّه إمّا ترك سجدتين من الركعة السابقة أو ترك القراءة ]من هذه الركعة الّتي بيده[ وجب عليه العود لتداركهما والإتمام ثم الإعادة.
ويحتمل الاكتفاء بالإتيان بالقراءة والإتمام من غير لزوم الإعادة إذا كان ذلك بعد الإتيان بالقنوت ]الدخول في القنوت [بدعوى: أنّ وجوب القراءة عليه معلوم ـ لأنّه إمّا تركها أو ترك السجدتين ـ فعلى التقديرين يجب الإتيان بها، ويكون الشكّ بالنسبة إلى السجدتين بعد الدخول في الغير، الذي هو القنوت.
]وأمّا إذا كان قبل الدخول في القنوت، فيكفي الإتيان بالقراءة; لأنّ الشكّ فيها في محلّها، وبالنسبة إلى السجدتين بعد التجاوز[.
وكذا الحال لو علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه إمّا ترك   2

صفحه 80
E السجدتين أو التشهّد، أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد.
وأمّا لو كان قبل القيام فيتعيّن الإتيان بهما، مع الاحتياط بالإعادة.*
* هذه المسألة نظير المسألة السابقة في أنّ أحد المحتملين في غالب الموارد ركن ـ كترك السجدتين ـ والمحتمل الآخر غير ركن ـ كترك القراءة ـ فعلم بترك أحد الأمرين، ومثّل له بالتالي:
1. لو علم بعد الدخول في القنوت قبل أن يدخل في الركوع، أنّه إمّا ترك سجدتين من الركعة السابقة، أو ترك القراءة في الركعة التي بيده.
2. لو علم قائماً قبل الدخول في القنوت بأنّه ترك سجدتين من الركعة السابقة أو ترك القراءة.(1)
3. لو علم ـ بعد القيام إلى الثالثة ـ أنّه إمّا ترك سجدتين أو التشهّد أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد.
4. لو حصل له العلم الإجمالي قبل القيام بأنّه إمّا ترك سجدتين أو التشهّد أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد.(2)

1 . وقد سقط هذا الفرع عن بعض الطبعات الحديثة، وهو موجود في الطبعات القديمة فلاحظ.
2 . الشقّ الثاني خارج عمّا ذكرناه من الضابطة من كون أحد المحتملين ركناً، ولذلك قلنا إنّها سائدة على غالب الأمثلة.

صفحه 81
ثمّ إنّه(قدس سره) أفتى في الفروع الثلاثة بوجوب العود لتداركهما والإتمام ثم الإعادة.
ثم احتمل الاكتفاء بالإتيان بالقراءة والإتمام من غير لزوم الإعادة.
وأمّا الفرع الرابع فأفتى بتعيّن الإتيان بهما ولا يكفي الاقتصار بأحدهما مع الاحتياط بالإعادة، خلافاً للفروع الثلاثة المتقدّمة حيث اكتفى فيها بالإتيان بالقراءة. فلندرس الفروع الثلاثة، ثم نعرّج على الفرع الرابع فنقول:
الفرع الأوّل: حصول العلم الإجمالي بعد الدخول في القنوت
قد ذكر فيه وجهين:
1. العود فيرجع ويأتي بالسجدتين والقراءة والإتمام من دون سجود السهو والإعادة .
2. الاكتفاء بالقراءة والإتمام من دون إعادة.
أمّا الوجه الأوّل ـ أي العود لتداركهما والإتمام ثم الإعادة ـ فوجهه أنّ كلاًّ من المحتملين ـ وإن كان مورداً لقاعدة التجاوز ـ أمّا السجدتان فالتجاوز فيهما واضح، وأمّا القراءة فلدخول المصلّي في القنوت المحقّق للتجاوز عنها بناءً على أنّ الدخول في القنوت محقّق له، لكنّها ساقطة عن الطرفين بالتعارض فتصل النوبة إلى الاستصحاب، أي أصالة عدم الإتيان بشيء منهما فيجب الإتيان

صفحه 82
بهما. وهذا هو الإتمام.
فإن قلت: إنّ الاستصحابين متعارضان للعلم بكذب أحدهما فكيف يجريان؟
قلت: لو كانا نافيين للتكليف فيتساقطان، وأمّا إذا كانا مثبتين له، وموافقين للاحتياط فلا مانع من الأخذ بهما بناءً على أنّ السبب لعدم جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي، هو لزوم المخالفة العملية وهي منتفية في المقام
وأمّا الإعادة فلحصول العلم الإجمالي بطروء خلل في الصلاة.
إمّا بزيادة السجدتين لو كان أتى بهما في محلّهما، أو بوجوب سجود السهو لزيادة القيام والقراءة لو أتى بالقراءة في محلّها.
وبما أنّ الطرف الأوّل ـ أعني: السجدتين ـ مجرى لقاعدة الاشتغال فيكون الطرف الآخر (وجوب سجود السهو) مورداً للبراءة، للضابطة في العلم الإجمالي من أنّه إذا صار أحد الطرفين مجرى للاشتغال وهو الإعادة، ينحلّ العلم الإجمالي فيكون أحد الطرفين معلوماً بالتفصيل والآخر مشكوكاً يقع مجرى للبراءة، ولذلك حكم بالإعادة فقط ولم يذكر من سجود السهو شيئاً.
هذا كلّه يرجع إلى الوجه الأوّل.
أمّا الوجه الثاني ـ أي الاكتفاء بالقراءة والإتمام من دون إعادة ـ فقد اعتمد المصنّف بانحلال العلم الإجمالي قائلاً بأنّ وجوب القراءة معلوم تفصيلاً; لأنّه إمّا تركها أو أتى بها لكن في غير

صفحه 83
محلّها لوقوعها قبل الإتيان بالسجدتين للركعة السابقة فليس وجوبها مشكوكاً فيه ليكون مورداً لقاعدة التجاوز فيجب الإتيان بها،
وعندئذ يكون وجوب الإتيان بالسجدتين مورداً للشكّ فتجري فيه قاعدة التجاوز بلا معارض. ولذلك أفتى بالقراءة والإتمام من دون إعادة.
وعلى هذا الأساس قد اعتمد المصنّف في وجوب القراءة دون السجدتين على انحلال العلم الإجمالي، والأَولى أن يقال: إنّ الوجه في الاقتصار على القراءة من دون لزوم الإتيان بالسجدتين، هو أنّ الشكّ في القراءة شكّ في محلّه للغوية القنوت، ولكنّ الشكّ في السجدتين شكّ بعد تجاوز المحلّ، حيث إنّ القيام يعدّ تجاوزاً عن محلّ السجدتين، فتجري قاعدة التجاوز في وجوبهما، دون وجوب القراءة.
وهنا وجه آخر للاكتفاء بالقراءة على فرض كون القنوت محقّقاً للتجاوز لكلا الأمرين، وهو أنّ جريان قاعدة التجاوز في جانب الركن ـ أعني: السجدتين ـ مطلق غير مشروط بشيء، وأمّا في جانب القراءة فهو مشروط بإحراز صحّة الصلاة، مع قطع النظر عن المشكوك وهو بعد غير مُحرز. وتجري قاعدة التجاوز في جانب الركوع دون القراءة.
إلى هنا تمّت دراسة الفرع الأوّل، وإليك دراسة الفرع الثاني:

صفحه 84

الفرع الثاني: حصول العلم الإجمالي قبل الدخول في القنوت

إذا علم قبل الدخول في القنوت بأنّه ترك سجدتين من الركعة السابقة أو ترك القراءة، فقد أفتى المصنّف فيه بنحو قاطع بأنّه يكفي الإتيان بالقراءة دون السجدتين، ووجهه حسب ما ذكرنا أنّ الشكّ في القراءة في محلّها وأمّا بالنسبة إلى السجدتين بعد التجاوز.
والأولى أن يجعل الفرعان من واد واحد، ويعلّل الاكتفاء بالقراءة فيهما بأمر فارد، وهو التجاوز عن محلّ السجدتين دون القراءة، لما عرفت من أنّه لا دور للقنوت الملغى في تحقّق التجاوز عن القراءة.

الفرع الثالث: حصول العلم الإجمالي بعد القيام إلى الثالثة

لو علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه إمّا ترك سجدتين أو التشهّد من الثانية، أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد، كذلك وقد ألحق المصنّف هذا الفرع بالفرعين السابقين بحجّة أنّ الشكّ في السجدتين أو السجدة الواحدة في حال القيام شكّ بعد المحلّ، فيكون مورداً للتجاوز، وأمّا بالنسبة إلى التشهّد فهو وإن تجاوز عن المحلّ الشكّي، بمعنى أنّه لو كان قائماً وشكّ في التشهّد لا يعتدّ به، ولكنّه لم يتجاوز عن المحلّ السهويّ أعني: إذا ما علم تفصيلاً ـ و هو قائم ـ أنّه ترك التشهّد، إذ يجب عليه الرجوع. وفي المقام وإن لم يعلم تفصيلاً بتركه، لكنّه لمّا خرج وجوب السجدتين أو السجدة عن طرف العلم

صفحه 85
لقاعدة التجاوز انحصر العلم بالترك بالتشهّد، فيكون حكمه حكم ما لو علم تركه تفصيلاً، فيهدم القيام ويتشهّد.
ولكن الظاهر أنّ الشكّ في السجدتين أو السجدة الواحدة أيضاً في المحلّ، لأنّه إذا وجب عليه الجلوس للتشهّد يكون القيام أمراً ملغى، ومثله لا يعدّ غيراً متجاوزاً إليه فيجب عليه أن يعود ويأتي بالسجدتين ثم بالتشهّد ثم يتمّ الصلاة بلا إعادة وتكون الصلاة محكومة بالصحّة.
هذا وقد أفتى بعضهم ببطلان الصلاة إذا جلس وتدارك كلا الأمرين: السجدتين والتشهّد، إذا قلنا بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة فقال: نعم على القول بوجوب سجدتي السهو في كلّ زيادة ونقيصة لا يمكن الحكم بصحّة الصلاة فيه إذا دار الأمر بين ترك التشهّد وترك السجدتين، فإنّه بعد التدارك يعلم إجمالاً إمّا بوجوب الإعادة(بطلان الصلاة)، أو بوجوب سجدتي السهو.
أمّا الإعادة ـ أي بطلان الصلاة ـ فلأجل التدارك بالسجدتين لو أتى بهما في الواقع، وأمّا سجود السهو فللزيادة بالقراءة لو أتى بها في الواقع.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من قوله:«لكلّ زيادة ونقيصة سجدة السهو» ما إذا وصف بالزيادة من بدء وجوده فلو فرضنا أنّه ترك السجدتين لكنّه أتى بالقراءة، فلا يوصف أنّه زاد، وإنّما يوصف بأنّه نقص بترك السجدتين، نعم إذا تدارك وقرأ ثانياً فيوصف بالزيادة،

صفحه 86
ولكن لمّا كانت القراءة ثانياً بأمر الشارع فلا يشمله قوله:لكلّ زيادة ونقيصة سجدة السهو، فإنّ المتبادر منه مَن زاد من تلقاء نفسه، لا بأمره، فتخرج الزيادة في مورد القراءة عن طرف العلم ويبقى احتمال البطلان لأجل الزيادة بالسجدتين مورداً للبراءة لأصالة عدم الإتيان بهما في محلّهما.
وحصيلة الكلام: أنّ زيادة السجدتين غير معلومة، إذ لم يتحقّق أنّه أتى بهما في محلّهما، حتى يسبّب إتيانهما ثانياً البطلان، وأمّا غير الركن ـ أعني: القراءة ـ فإنّما يوصف بالزيادة إذا وجد بهذا الوصف، كما إذا قرأ الحمد مرّتين، وأمّا إذا لم يكن له هذا الوصف عند تولّده بل يوصف بعد التدارك كما هو الحال في المقام بالنسبة إلى القراءة فهو خارج عن مصبّ الحديث، فظهر الفرق بين هذا الفرع والفرعين السابقين بعد اشتراكهما في صحّة الصلاة وافتراقهما بكفاية القراءة في الأوّلين ولزوم الجمع بين الأمرين في هذا الفرع، لسقوط قاعدة التجاوز في الطرفين.
وجه التفريق: أنّ أحد طرفي العلم الإجمالي في الفرعين هو القراءة، فالقيام يعدّ تجاوزاً عن السجدة دون القراءة ولا تُعلم لغويته لاحتمال أنّ المتروك هو القراءة الّتي يقرؤها قائماً. فتجري قاعدة التجاوز في مورد السجدة دون القراءة فيتدارك القراءة قائماً بلا حاجة إلى الجلوس فيكفي الإتيان بالقراءة، بخلاف هذا الفرع فإنّ أحد طرفي العلم هو التشهّد، فبما أنّ القيام ملغى حسب حكم

صفحه 87
الشارع فيجب عليه أن يتدارك التشهّد جالساً، وعندئذ يكون كلّ من السجدة والتشهّد محكومين بالشكّ في المحلّ فيجب الإتيان بهما.

الفرع الرابع: حصول العلم الإجمالي قبل القيام

لو حصل له العلم الإجمالي قبل القيام بأنّه إمّا ترك السجدتين أو التشهّد، فقد أفتى المصنّف بأنّه يتعيّن الإتيان بهما مع الاحتياط بالإعادة، لأنّ الشكّ فيهما شكّ في المحلّ فيتعيّن الإتيان بهما.
قد عرفت: أنّ القيام وعدمه في المقام سيّان، وأنّه ملغى شرعاً، فلا يعدّ تجاوزاً، فيكون الفرعان الثالث والرابع من باب واحد، وهو لزوم التدارك بهما من دون حاجة إلى الإعادة.
فظهر من هذا البحث الضافي صحّة الصلاة في جميع الصور وكفاية التدارك بالقراءة في الأوّلين، ولزوم التدارك بكلا المحتملين في الأخيرين. والله العالم.

صفحه 88

المسألة السابعة عشرة

إذا علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه ترك التشهّد وشكّ في أنّه ترك السجدة أيضاً أم لا.
يحتمل أن يقال: يكفي الإتيان بالتشهّد; لأنّ الشكّ بالنسبة إلى السجدة بعد الدخول في الغير ـ الذي هو القيام ـ فلا اعتناء به.
والأحوط الإعادة بعد الإتمام، سواء أتى بهما أو بالتشهّد فقط.*
* إذا علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه ترك التشهّد ومع ذلك شكّ في أنّه ترك السجدة أيضاً أو لا، احتمل أوّلاً كفاية الإتيان بالمنسىّ القطعي ـ أعني: التشهّد ـ وأمّا السجدة فلا يعتدّ بالشكّ فيها، لأنّه حصل بعد الدخول في الغير الذي هو القيام.
ثم احتاط بالإعادة بعد الإتمام، سواء أتى بكلا الأمرين أو أتى بالتشهّد فقط.
نرى أنّ المصنّف خالف في هذه المسألة ما ذكره في المسألة

صفحه 89
السادسة عشرة حيث لم يعتبر هناك القيام (غيراً) وإنّما اعتبر القنوت دخولاً في الغير، ولكنّه هنا جعل القيام (غيراً) محقّقاً للتجاوز.
وجه الاكتفاء بالتشهّد هو جريان قاعدة التجاوز في السجدة بدخوله في الغير (أي القيام) فيأتي بالتشهّد لعلمه بتركه، ولكن الظاهر خلافه وأنّ القاعدة لا تجري في السجود لما ذكرنا من أنّ المتبادر هو اعتبار الدخول في الغير المرتّب شرعاً على محلّ المشكوك لولا فواته، والقيام إلى الثالثة ليس كذلك; لأنّه يعلم أنّه في غير محلّه قطعاً إمّا لترك السجدة، أو لترك التشهّد.
وبعبارة أُخرى: لمّا وجب هدم القيام ولم يعتدّ به فلا يكون ذلك دخولاً في الغير، فيكون كما إذا كان جالساً وعلم بترك التشهّد وشكّ في ترك السجدة.
نعم قوّى سيدنا الأُستاذ هذا القول قائلاً بأنّ اللازم هو التجاوز عن المحلّ ولو لم يدخل في الغير من دون إعادة، وعلى هذا بنى في محاضراته الأُصولية فقد استظهر من الروايات كفاية التجاوز وعدم لزوم الدخول في الغير.
يلاحظ عليه: بعد تسليم المبنى، أنّ اللازم هو التجاوز عن محلّه الشرعي وهو بعد لم يتجاوز عنه; لأنّ المفروض أنّه ترك التشهّد قطعاً فيكون حاله حال الجالس إذا شكّ في السجدة.
وأمّا وجه الاحتياط بالإعادة بعد الإتمام، سواء أتى بهما أو بالتشهّد فقط، فقد أوضحه السيد الحكيم بقوله: لاحتمال صدق

صفحه 90
الزيادة العمدية في الأُولى، ولاحتمال صدق النقيصة في الثانية.
يلاحظ على الشق الأوّل: بما مرّ من أنّ المراد من قوله:«من زاد في صلاته» هو من زاد في صلاته شيئاً يوصف من بدء وجوده بالزيادة، كما إذا قرأ إحدى العزائم وسجد، وأمّا إذا لم يكن الفعل موضوعاً بالزيادة وإنّما يوصف إذا أتى به بأمر الشارع، وهذا خارج عن مصبّ الرواية، فلو افترضنا أنّه أتى بالسجدة في محلّها ثم احتاط فأتى بها عند الإتمام، فالأُولى لا توصف بالزيادة والثانية توصف بها ولكنّه أتى بها بأمر الشارع.
نعم لا بأس بالشقّ الثاني من كلامه ـ أعني: لاحتمال صدق النقيصة في الثاني ـ وذلك عندما ترك السجدة واكتفى بالتشهّد فقط، ففيه احتمال النقيصة لاحتمال أنّه لم يسجد في محلّه، فيكون الاقتصار بالتشهّد موجباً للنقيصة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لو أتى بهما لا يحتاج إلى الإعادة. نعم لو اُقتُصِر على التشهّد يعيد.

صفحه 91

المسألة الثامنة عشرة

إذا علم إجمالاً أنّه أتى بأحد الأمرين ـ من السجدة والتشهّد ـ من غير تعيين، وشكّ في الآخر، فإن كان بعد الدخول في القيام لم يعتن بشكّه، وإن كان قبله يجب عليه الإتيان بهما لأنّه شاكٌ في كلّ منهما مع بقاء المحلّ، ولا يجب الإعادة بعد الإتمام، وإن كان أحوط.*
* إذا علم أنّه أتى بأحد الأمرين ـ السجود أو التشهّد ـ قطعاً، ومع ذلك شكّ هل أنّه ترك الآخر أيضاً غير المعيّن أم أتى به؟ فذكر له صورتين:
تارة يطرأ الشكّ بعد الدخول في القيام، وأُخرى يدخله الشكّ قبل القيام; فأفتى في الأوّل بأنّه لا يعتدّ بشكّه، وأمّا الثاني فأفتى بوجوب الإتيان بهما قائلاً بأنّه شاكّ في كلّ منهما مع بقاء المحلّ.
أمّا الصورة الأُولى فوجه عدم الاعتداد بالشكّ هو جريان قاعدة التجاوز في الطرفين بلا مانع، لأنّ القيام يعدّ «غيراً» بالنسبة إلى كلّ من السجدة والتشهّد، وليس له العلم بأنّ القيام وارد في غير

صفحه 92
مورده حتى يهدمه، بل يحتمله لأنّ المفروض أنّه أتى بأحد الأمرين وإنّما شكّ في الإتيان بالآخر فيُعدّ القيام دخولاً في الغير بالنسبة إلى كلٍّ من الشيئين، وهذا ممّا لا كلام فيه.
وأمّا الصورة الثانية ـ أي إذا شكّ في حال الجلوس في ترك أحد الأمرين ـ : فقد ذكر المصنّف وجوب الإتيان بهما معاً نظراً إلى أنّه شاكّ في كلٍّ منهما مع بقاء المحلّ، فيجب الإتيان بمقتضى الاستصحاب وقاعدة الشكّ في المحلّ.
وأورد عليه بأنّه مستلزم للزيادة العمدية; وذلك لأنّه لو أتى بهما فالأمر يدور بين زيادة واحد منهما أو زيادة كليهما، لأنّ المفروض أنّه ليس بقاطع بترك الآخر، بل شاكّ ولعله أتى به، فعندئذ يدور الأمر بين زيادة أحدهما أو زيادة كليهما.(1)
يلاحظ عليه بما سبق منّا كراراً بأنّ الزيادة المبطلة ما يوصف بالزيادة من بدء وجوده، والمفروض أنّ كلّ واحد من التشهّد أو السجدة، سواء أتى بواحد منهما قطعاً ـ كما هو المفروض ـ أو أتى بكلا الأمرين على احتمال، لم يكن موصوفاً بالزيادة عند تحقّقه، وانّما تعرض الزيادة إذا قام بالإتيان بهما بأمر الشارع، ومن المعلوم أنّ هذا النوع هنا من الزيادة ليس بقادح بل القادح عبارة عن الإتيان بشىء بعنوان الجزئية من تلقاء نفسه ومن غير مسوّغ شرعي،

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/633.

صفحه 93
والمفروض أنّه أتى بهما بأمر من الشارع، غاية ما يمكن أن يقال بأنّه بعد الإتيان بهما يحصل له العلم إجمالاً بحصول زيادة سهواً إمّا في السجدة أو في التشهّد، ويعالجه بسجدتي السهو.
فتبيّن من ذلك أنّ الصورة الأُولى صحيحة ولا يعتدّ بشكّه ، وأمّا الصورة الثانية فتصحّ بالاعتداد بالشكّ والإتيان بهما من دون حاجة إلى الإعادة، وتُعالج الزيادة بسجدتي السهو.

صفحه 94

المسألة التاسعة عشرة

إذا علم أنّه إمّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة، فإن كان جالساً ولم يدخل في القيام أتى بالتشهّد وأتمّ الصلاة وليس عليه شيء.
وإن كان حال النهوض إلى القيام ـ أو بعد الدخول فيه ـ مضى وأتمّ الصلاة وأتى بقضاء كلّ منهما مع سجدتي السهو، والأحوط إعادة الصلاة أيضاً.
ويحتمل وجوب العود ـ لتدارك التشهّد ـ والإتمام وقضاء السجدة ـ فقط ـ مع سجود السهو، وعليه أيضاً الأحوط، الإعادة أيضاً.*
* إذا علم أنّه إمّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة، فله صور:
1. قد يحدث هذا العلم في حالة الجلوس.
2. قد يحدث في حالة النهوض إلى القيام.
3. قد يحدث بعد الدخول في القيام.

صفحه 95
أمّا الصورة الأُولى: فيأتي بالتشهّد ويتمّ الصلاة وليس عليه شيء، لأنّ الشكّ في التشهّد شكّ في المحلّ فلا تجري فيه قاعدة التجاوز، وأمّا الشكّ في السجدة فهو شكّ بعد التجاوز فتجري القاعدة فيه.
وأمّا الصورة الثانية ـ أعني إذا طرأ الشكّ في حال النهوض ـ : فهل هو ملحق بالجلوس في عدم جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى التشهّد، لكونه من الشكّ في المحلّ، أو ملحق بالقيام(الصورة الثالثة) في الجريان لكونه بعد التجاوز؟ الظاهر هو الأوّل; لأنّ المراد من الدخول في الغير الجزء المترتّب على السابق كالقيام، وأمّا النهوض الواقع بين التشهّد والقيام فهو واجب عقلاً إذ لا يمكن القيام إلاّ بالنهوض.
وإن أبيت إلاّ عن جعل النهوض أيضاً واجباً شرعياً بحكم أنّ المصلّي في عامّة الحالات هو في حالة الصلاة، لكن صحيحة عبدالرحمن الواردة فيمن شكّ في السجدة حال النهوض وقبل أن يستتم قائماً، تدلّ على انّه ملحق بالجلوس، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل نهض عن سجوده وشكّ قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال(عليه السلام):«يسجد».(1)
فالرواية صريحة في أنّ النهوض غير كاف في صدق التجاوز،

1 . الوسائل:4، الباب15 من أبواب السجود، الحديث6.

صفحه 96
فعلى هذا فهذه الصورة كالصورة الأُولى في وجوب التشهّد وعدم وجوب قضاء السجدة.
أمّا الصورة الثالثة: فقد ذكر المصنّف فيها احتمالين:
الأوّل: مضى وأتمّ الصلاة وأتى بقضاء كلّ منهما مع سجدتي سهو، مع إعادة الصلاة على الأحوط، وحاصله عدم الاعتداد بالشكّ في حال الصلاة قائماً، وإنّما يقضي كلا الأمرين بعد الصلاة.
وجهه: جريان قاعدة التجاوز فيهما، لأنّ المفروض أنّه خرج محلّ إتيان السجدة لكونها في الركعة السابقة، ومحلّ التشهّد لافتراض أنّ النهوض أو القيام خروج عن المحلّ.
وأمّا قضاء كلّ منهما فللعلم الإجمالي بوجوب قضاء أحدهما.(1)
يلاحظ عليه: أنّ القاعدتين متعارضتان، فكيف يمكن الاعتماد عليهما؟! فلمّا كان هذا الوجه غير مقنع ذكر السيد الخوئي وجهاً آخر وقال: إنّ العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً في المقام عند المصنّف، وذلك لأنّه يشترط أن يكون المعلوم بالإجمال فعلياً مع كلّ تقدير، لا فعليّاً على تقدير خاص، وذلك لأنّ المتروك لو كان هو التشهّد كان وجوب العود فعلياً، وأمّا لو كان هو السجدة فلا أمر بالقضاء فعلاً وإنّما يحدث بعد الفراغ من الصلاة.

1 . مستمسّك العروة الوثقى: 7 / 634 .

صفحه 97
وعلى ضوء ذلك فتجري القاعدة بالإضافة إلى التشهّد لكون الحكم فيه فعليّاً على فرض الترك دون السجدة لعدم فعلية الحكم في الطرف الآخر وبذلك تنتفي المعارضة.
نعم يحصل بعد الفراغ عن الصلاة علم إجمالي بوجوب قضاء أحد الأمرين، فيجب الجمع بينهما رعاية للعلم الإجمالي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ لازم هذا الوجه وجوب قضاء ما لم يدلّ دليل على فعله وهو السجدة، لا ما دلّ على فعله في محلّه كالتشهّد حسب جريان قاعدة التجاوز فيه.
الاحتمال الثاني: وهو ما أشار إليه المصنّف بقوله: ويحتمل وجوب العود لتدارك التشهّد والإتمام وقضاء السجدة فقط، مع سجود السهو، وعليه أيضاً الأحوط الإعادة أيضاً .
أقول: أمّا وجه الرجوع فلبقاء المحلّ، فيما إذا كان قد أخذ بالنهوض ولم يدخل في القيام، فالشكّ في المحلّ، فيأتي به.
وأمّا قضاء السجدة فللخروج عن حكم العلم الإجمالي بترك السجدة أو ترك التشهّد.
وأمّا سجود السهو فقد اقتصر المصنّف بواحدة منهما، بل الظاهر أنّه يسجد مرّتين للقيام الزائد ونسيان السجدة المحتمل، وأمّا الإعادة فلا وجه لوجوبها.

1 . مستند العروة الوثقى:7/197.

صفحه 98
ثم إنّ ما ذكره يتمّ في صورة النهوض قبل الدخول في القيام، وأمّا مع الدخول فيه فيكون الشكّ في التشهّد كالشكّ في السجود حيث إنّ الشكّ بعد الخروج عن المحلّ.
نعم يمكن أن يقال: إنّ القيام وإن كان موجباً للخروج عن المحلّ كما مرّ في الرواية، لكن القدر المتيقّن منه ما إذا شكّ في التشهّد، وأمّا لو علم إجمالاً بأنّه إمّا ترك التشهّد الذي يمكن تداركه أو السجدة التي لا يمكن تداركها، فعليه الرجوع بهدم القيام والإتيان بالتشهّد.

صفحه 99

المسألة العشرون

إذا علم أنّه ترك السجدة إمّا من الركعة السابقة أو من هذه الركعة، فإن كان قبل الدخول في التشهّد ـ أو قبل النهوض إلى القيام، أو في أثناء النهوض قبل الدخول فيه ـ وجب عليه العود إ ليها لبقاء المحلّ ولا شيء عليه، لأنّه بالنسبة إلى الركعة السابقة شكّ بعد تجاوز المحلّ.
وإن كان بعد الدخول في التشهّد ـ أو في القيام ـ مضى وأتمّ الصلاة وأتى بقضاء السجدة وسجدتي السهو. ويحتمل وجوب العود ـ لتدارك السجدة من هذه الركعة ـ والإتمام وقضاء السجدة، مع سجود السهو. والأحوط ـ على التقديرين ـ إعادة الصلاة أيضاً.*
* هذه المسألة نظير المسألة السابقة، وإنّما الاختلاف في أنّ متعلّق الشكّ في السابقة عبارة عن السجدة والتشهّد، حيث علم أنّه إمّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة، وأمّا متعلّق الشكّ في هذه المسألة فهي السجدة فقط، غير أنّه علم إجمالاً

صفحه 100
بأنّ السجدة المتروكة إمّا أنّها كانت من الركعة السابقة أو من الركعة التي بيده، فهنا صور:
الأُولى: إذا شكّ قبل الدخول في التشهّد.
الثانية: إذا شكّ قبل النهوض إلى القيام.
الثالثة: إذا شكّ وهو في أثناء النهوض قبل الدخول في القيام.
الرابعة: إذا شكّ بعد الدخول في التشهّد.
الخامسة: إذا شكّ بعد الدخول في القيام.
أمّا الصور الثلاثة الأُولى فيجب عليه فيها العود إلى السجدة لبقاء المحلّ بالنسبة إليه، ولا شيء عليه بالنسبة إلى الركعة السابقة; لأنّ الشكّ فيه شكّ بعد تجاوز المحلّ، وما ذكره لا غبار عليه; غير أنّ ما ذكره هنا يخالف ما ذكره في المسألة السابقة حيث جعل النهوض هناك (غيراً) محقّقاً للتجاوز، بخلاف المقام حيث جعله بحكم الجلوس.
وأمّا رابعة الصور وخامستها ـ أعني: بعد الدخول في التشهّد أو بعد القيام ـ فقد ذكر أوّلاً بأنّه يمضي ويتمّ الصلاة ويأتي بقضاء السجدة وسجدتي السهو.
وجهه: جريان قاعدة التجاوز في كلّ من السجدتين المحتملتين، فيمضي ويتمّ الصلاة.
ولمّا علم إجمالاً بفوات سجدة واحدة يقضي السجدة مع سجدتي السهو، أمّا السجدة فواضح، وأمّا سجود السهو فللعلم

صفحه 101
بالنقيصة في الصلاة، سواء أكانت السجدة متعلّقة بالركعة الأُولى أو بالثانية.
يلاحظ عليه: بما مرّ في المسألة السابقة من امتناع جريان القاعدة في كلّ من السجدتين لتعارضهما وتساقطهما، فتصل النوبة إلى الأصل العملي وهو عدم الإتيان.
وبذلك يظهر أنّ الصحيح ما ذكره ثانياً وقال: ويحتمل وجوب العود ـ لتدارك السجدة من هذه الركعة ـ و الإتمام وقضاء السجدة مع سجدتي السهو.
وجهه: أنّه لمّا سقطت قاعدة التجاوز عن الطرفين بالتعارض وكان المرجع هو عدم الإتيان بكلّ منهما فيجب التدارك حسب الإمكان، فلو كانت السجدة المتروكة متعلّقة بما في يده يجب عليه هدم القيام وإتيان السجدة المنسيّة، ولو كانت السجدة المتروكة متعلّقة بالركعة السابقة لا يمكن التدارك إلاّ بالقضاء بعد الفراغ، ولذلك يجب عليه العود لتدارك السجدة من هذه الركعة لو كانت متعلّقة بالركعة التي بيده وإتمام الصلاة مع قضاء السجدة بعد الفراغ لو كانت متعلّقة بالركعة المتقدّمة.
ولكن يجب سجود السهو مكرّراً، وذلك لاحتمال نقص السجدة إذا كانت المتروكة متعلّقة بالركعة الأُولى، أو زيادة التشهّد أو زيادة القيام إذا كانت السجدة المتروكة متعلّقة بالركعة التي بيده.

صفحه 102

المسألة الحادية والعشرون

إذا علم أنّه إمّا ترك جزءاً مستحبّاً ـ كالقنوت مثلاً ـ أو جزءاً واجباً، سواء كان ركناً أو غيره من الأجزاء التي لها قضاء ـ كالسجدة والتشهّد ـ أو من الأجزاء التي يجب سجود السهو لأجل نقصها، صحّت صلاته ولا شيء عليه.
وكذا لو علم أنّه إمّا ترك الجهر أو الإخفات في موضعهما، أو بعض الأفعال الواجبة المذكورة، لعدم الأثر لترك الجهر والإخفات، فيكون الشكّ بالنسبة إلى الطرف الآخر بحكم الشكّ البدوي.*
* إذا علم بأنّه إمّا ترك الجزء الواجب سواء أكان ركناً أم لا، مع تجاوز محلّه، أو ترك الجزء المستحبّ، أو علم بأنّه ترك الواجب لكنّه مردّد بين ترك الجهر أو المخافتة من الركعة الثانية، وبين ترك السجدة من الركعة الأُولى، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
أمّا الشقّ الأوّل فلأنّ أحد الطرفين هو الجزء المستحبّ وهو حكم غير إلزامي فلا تجري فيه القاعدة، بل تجري في الجانب الآخر.

صفحه 103
وأمّا الشق الثاني فلعدم ترتّب الأثر على ترك الجهر أو المخافتة عند العلم التفصيلي لعدم وجوب العود إليه، ولا إمكان تداركه بعد تجاوز محلّه، فتجري قاعدة التجاوز في الطرف الآخر بلا معارض.
هذا ما يرجع إلى توضيح المتن.
أقول: أمّا الشقّ الثاني فكلامه فيه متين جدّاً; لأنّ العلم التفصيلي بترك الجهر أو المخافتة في موضعهما سهواً أو لعذر آخر لا أثر له بعد التجاوز عن المحلّ، فضلاً عن العلم الإجمالي فتجري القاعدة في الجانب الآخر بلا إشكال.
وبعبارة أُخرى: يقطع بعدم الأمر بالتدارك بعد التجاوز عن المحلّ فلا موضوع للقاعدة بعد القطع بعدم التدارك، فتجري القاعدة في المورد الثاني لوجود الموضوع، أي وجود الشكّ في الإتيان وإمكان التدارك.
إنّما الكلام في الشقّ الأوّل فإنّ ظاهر كلامه أنّ المانع عن إجراء قاعدة التجاوز كون الجزء مستحبّاً فالاستحباب بما هوهو مانع عن قاعدة التجاوز لعدم لزومه من رأس; ولكنّه غير تام، فالمستحبّ بما هو مستحبّ لا يمنع عن جريان القاعدة، ولذا لو فرغ عن صلاة الليل فعلم إجمالاً بالنقصان إمّا في صلاة الشفع أو في مفردة الوتر فقاعدة الفراغ تجري في كلّ من الطرفين وتسقط، ولو حاول الإتيان بنوافل الليل يجب عليه أن يعيد الشفع والوتر أيضاً، فكون الشيء في ذاته

صفحه 104
مستحبّاً لا يمنع من جريان القاعدة فيه إذا حاول الطرف ترتيب الأثر عليه.
وعلى هذا فليس المدار في عدم الحاجة إلى القاعدة هو كون أحد الطرفين جزءاً مستحبّاً، وإنّما الميزان أن لا يكون للجزء المستحبّ أثر فعلي، وكان للطرف الآخر أثر كذلك فهذا النوع من العلم الإجمالي لا ينجّز; لأنّ من شروط تنجيز العلم الإجمالي كونه محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، ولو حصل العلم بنجاسة أحد الإنائين، أحدهما مورد ابتلائه والآخر خارج عنه، لا يكون العلم منجّزاً، لعدم ترتّب الأثر على الإناء الثاني حتى لو فرض العلم بنجاسته تفصيلاً.
وبذلك يعلم أنّ التمثيل للمسألة بما في المتن بوجود العلم الإجمالي بترك القنوت أو الجزء الواجب من الصلاة، غير صحيح، لأنّ القنوت وإن كان مستحبّاً في ذاته ولكن لتركه سهواً أثر حيث إنّه لو نسيّه وذكره بعد الركوع يقضي; ففي صحيح محمد بن مسلم وزرارة بن أعين قالا: سألنا أبا جعفر(عليه السلام) عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع؟ قال: «يقنت بعد الركوع، فإن لم يذكر فلا شيء عليه».(1)
وبهذا المضمون روايات أُخرى، وعلى ذلك فلو علم إجمالاً بعد الركوع أنّه إمّا ترك سجدة من الركعة الأُولى أو القنوت من الركعة

1 . الوسائل:4، الباب18 من أبواب القنوت، الحديث1.

صفحه 105
الثانية وهو في الركوع، فالقاعدة فيهما متعارضة حيث إنّ أثر القاعدة في السجدة عدم القضاء بعد الانصراف، كما أنّ أثرها في القنوت عدم قضائه بعد الركوع. نعم لو رفع الرأس عن الركوع يكون حكمه، حكم العلم بترك الجهر أو المخافتة على ما مرّ.
ومثله التمثيل للمقام بالإقامة إذا حصل العلم الإجمالي بتركها، أو ترك سجدة من إحدى الركعات فإنّ لكلّ أثراً، وقد ورد استحباب الإعادة إذا علم بتركه تفصيلاً; روى الشيخ عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة وقد افتتح الصلاة؟ قال:«إن كان قد فرغ من صلاته فقد تمّت صلاته وإن لم يكن فرغ من صلاته فليعد».(1)
فإذا كان هذا حال العلم التفصيلي فلو علم إجمالاً بترك الإقامة أو السجدة الثانية من الركعة الأُولى وهو في ركوع الركعة الثانية يحصل له العلم إمّا بجواز قطع الصلاة وإعادتها بالإقامة، أو قضاء السجدة بعد الصلاة، والقاعدتان على فرض الجريان تتعارضان وينتهي الأمر إلى العمل بالأُصول، وهو المضي في الصلاة وقضاء السجدة، إذ فيه القطع بالامتثال من دون مخالفة احتمالية; بخلاف القطع والإعادة، إذ فيه احتمال المخالفة الاحتمالية، لعدم العلم بترك الإقامة.

1 . الوسائل:4، الباب28 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث3.

صفحه 106

المسألة الثانية والعشرون

لا إشكال في بطلان الفريضة إذا علم إ جمالاً أنّه إمّا زاد فيها ركناً أو نقص ركناً، وأمّا في النافلة فلا تكون باطلة; لأنّ زيادة الركن فيها مغتفرة والنقصان مشكوك.
نعم لو علم أنّه إمّا نقص فيها ركوعاً أو سجدتين بطلت، ولو علم إجمالاً أنّه إمّا نقص فيها ركوعاً مثلاً أوسجدة واحدة أو ركوعاً أو تشهّداً أو نحو ذلك ممّا ليس بركن، لم يحكم بإ عادتها لأنّ نقصان ماعدا الركن فيها لا أثر له من بطلان أو قضاء أو سجود سهو، فيكون احتمال نقص الركن كالشكّ البدويّ.*
* اتّفقت كلمتهم على أنّ الزيادة مطلقاً ونقيصة غير الركن مغتفرتان في النافلة، على خلاف الفريضة، فإنّ شيئاً منهما ليس بمغتفر فيها.
وعلى ضوء ذلك نشرح عبارة المصنّف(رحمه الله):
1.إذا علم إجمالاً أنّه زاد في الفريضة ركناً أو نقص ركناً فالفريضة باطلة; لأنّ زيادة الركن ونقيصته مبطلة بلا كلام.

صفحه 107
2. إذا علم إجمالاً أنّه إمّا زاد في النافلة ركناً أو نقص ركناً فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً; لأنّ الزيادة مغتفرة فتجري قاعدة التجاوز في جانب النقيصة بلا معارض.
3. لو علم أنّه إمّا ترك في النافلة ركوعاً أو سجدتين بطلت النافلة; لأنّ نقيصة الركن مبطلة في النافلة أيضاً، وعليه أن يعيدها إذا أراد أن يتنفّل.
4. إذا علم إجمالاً أنّه ترك في النافلة ركوعاً مثلاً أو سجدة واحدة أو ترك ركوعاً أو تشهّداً ممّا ليس بركن صحّت صلاته; لأنّ نقصان ماعدا الركن في النافلة لا أثر له من بطلان أو قضاء أو سجود سهو، فتجري قاعدة التجاوز في النقص الركني.

صفحه 108

المسألة الثالثة والعشرون

إذا تذكّر ـ و هو في السجدة أو بعدها من الركعة الثانية مثلاً ـ أنّه ترك سجدة من الركعة الأُولى وترك أيضاً ركوع هذه الركعة، جعل السجدة التي أتى بها للركعة الأُولى، وقام وقرأ وقنت وأتمّ صلاته.
وكذا لو علم أنّه ترك سجدتين من الأُولى ـ وهو في السجدة الثانية من الثانية ـ فيجعلهما للأُولى، ويقوم إلى الركعة الثانية.
وإن تذكّر بين السجدتين سجد أُخرى بقصد الركعة الأُولى ويتمّ. وهكذا بالنسبة إلى سائر الركعات ـ إذا تذكّر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية ـ أنّه ترك السجدة من السابقة وركوع هذه الركعة، ولكن الأحوط في جميع هذه الصور إعادة الصلاة بعد الإتمام.*
* إذا نسي سجدة أو سجدتين من الركعة الأُولى فقام إلى الثانية ثم غفل عن الركوع أيضاً فجلس فسجد بعنوان الركعة الثانية ثم تذكّر أنّه نسي من الركعة الأُولى سجدة أو سجدتين، فلنقدّم الكلام في

صفحه 109
ترك السجدتين، فله صور:
أ. إذا تذكّر وهو في السجدة الأُولى من الركعة الثانية.
ب. إذا تذكّر وهو مابين السجدتين للركعة الثانية.
ج. إذا تذكّر بعد السجدتين.
والحكم في الجميع واحد.
وحقيقة الأمر أنّ في تسمية تلك الحالة بالركعة الثانية نوع تسامح; لأنّ الركعة الثانية إنّما تتحقق بالركوع والمفروض أنّه غفل عن ركوعه فهو بعدُ في الركعة الأُولى واقعاً. وإليك دراسة الصور:
1. إذا تذكّر وهو في السجدة الأُولى أنّه ترك سجدتين، جعل ما بيده من السجدة للركعة الأُولى ويسجد سجدة ثانية.
2. إذا تذكّر بين السجدتين فيسجد سجدة أُخرى ويجعل الجميع للركعة الأُولى.
3. إذا تذكّر بعد السجدتين يجعلهما للأُولى أيضاً ثم يقوم ويقرأ ويقنت ويركع ثم يأتي بسائر الركعات .
هذا كلّه فيما إذا ترك من الركعة الأُولى السجدتين.
وأمّا إذا ترك سجدة واحدة فتختلف كيفية التدارك :
1. إذا تذكّر وهو في السجدة الأُولى، جعل ما بيده سجدة ثانية.
2. إذا تذكّر بين السجدتين فلا يسجد سجدة أُخرى.
3. إذا تذكّر بعد السجدتين يسجد سجدتي السهو للسجدة الزائدة.

صفحه 110
وهكذا يسجد سجدتي السهو لكلٍّ من القيام والقراءة على القول بوجوبه في كلّ زيادة.
ثمّ إنّ السيد الحكيم ـ رضوان الله عليه ـ قيّد جعل السجدة التي أتى بها للركعة الثانية، بعدم التقييد، بمعنى أنّ المصلّي لو سجد بقيد أنّها للثانية بطلت السجدة ولا تبطل الصلاة ولا تحسب للركعة الأُولى.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لو فرض تقييد السجدة بكونها للثانية فهو من باب الخطأ في التطبيق، فلو أنّه أتى بهذا القيد فإنّما هو لأجل تخيّله أنّ ما بيده الركعة الثانية، ولو تنبّه على خطئه لما قيّدها بهذا القيد.
أضف إلى ذلك: أنّ تقييد السجدة بالركعة الثانية لمّا لم يكن قيداً شرعياً فإنّ الواجب هو السجدة في ظرف الركعة الثانية لا بقيد أنّها للركعة الثانية. فيكون قصد التقييد أمراً لغواً لم يأمر به الشارع، فلا يكون تخلّفه عن قصده مبطلاً.

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/638.

صفحه 111

المسألة الرابعة والعشرون

إذا صلّى الظهر والعصر وعلم بعد السلام نقصان إحدى الصلاتين ركعة، فإن كان بعد الإتيان بالمنافي ـ عمداً وسهواً ـ أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.
وإن كان قبل ذلك قام فأضاف إلى الثانية ركعة، ثم سجد للسهو عن السلام في غير المحلّ، ثم أعاد الأُولى، بل الأحوط أن لا ينوي الأُولى بل يصلي أربع ركعات بقصد ما في الذمّة، لاحتمال كون الثانية ـ على فرض كونها تامّة ـ محسوبة ظهراً.*
* تقدّم الكلام في هذه المسألة في المسألة الثامنة، والفرق أنّ البحث في الثامنة كان كلّيّاً وفي المقام صار مشخّصاً في صلاتي الظهر والعصر.

صفحه 112

المسألة الخامسة والعشرون

إذا صلّى المغرب والعشاء ثم علم ـ بعد السلام من العشاء ـ أنّه نقص من إحدى الصلاتين ركعة، فإن كان بعد الإتيان بالمنافي ـ عمداً وسهواً ـ وجب عليه إعادتهما، وإن كان قبل ذلك قام فأضاف إلى العشاء ركعة، ثم يسجد سجدتي السهو، ثم يعيد المغرب.*
* تقدّم الكلام في هذه المسألة في المسألة الثامنة، والفرق هو نفس الفرق الذي ذكرناه آنفاً.

صفحه 113

المسألة السادسة والعشرون

إذا صلّى الظهرين وقبل أن يسلّم للعصر علم إجمالاً أنّه إمّا ترك ركعة من الظهر والتي بيده رابعة العصر، أو أنّ ظهره تامّة وهذه الركعة ثالثة العصر.
فبالنسبة إلى الظهر شكّ بعد الفراغ، ومقتضى القاعدة البناء على كونها تامّة. وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الثلاث والأربع، ومقتضى البناء على الأكثر الحكم بأنّ ما بيده رابعتها والإتيان بصلاة الاحتياط بعد إتمامها.
إلاّ أنّه لا يمكن إعمال القاعدتين معاً، لأنّ الظهر إن كانت تامّة فلا يكون ما بيده رابعة، وإن كان ما بيده رابعة فلا تكون الظهر تامّة، فتجب إعادة الصلاتين، لعدم الترجيح في إعمال إحدى القاعدتين.
نعم الأحوط الإتيان بركعة أُخرى للعصر ثمّ إعادة الصلاتين لاحتمال كون قاعدة الفراغ من باب الأمارات. وكذا الحال2

صفحه 114
E في العشائين إذا علم أنّه إمّا صلّى المغرب ركعتين ـ و ما بيده رابعة العشاء ـ أو صلاّها ثلاث ركعات، وما بيده ثالثة العشاء.*
* حاصل المسألة: أنّه إذا صلّى الظهرين وقبل أن يسلّم للعصر علم إجمالاً أنّه صلّى سبع ركعات مكان ثمان ركعات ولكن جهل مورد النقص، فهل صلّى الظهر تامّة والعصر ناقصة، أو كان الأمر بالعكس؟ فهنا وجوه:
الأوّل: أنّ المورد من مصاديق القاعدتين فشكّه بالنسبة إلى الظهر، شكّ بعد الفراغ فتجري فيه القاعدة، ولكن شكّهُ بالنسبة إلى العصر، شكّ بين الثلاث والأربع فيكون مجرى لقاعدة البناء على الأكثر فيبني على أنّ ما بيده رابعة العصر ثم يأتي بصلاة الاحتياط، لكونه مقتضى البناء على الأكثر فيحكم على الصلاتين بالصحّة.
الوجه الثاني: بطلان الصلاتين لسقوط القاعدتين بالتعارض، لأنّ الواقع لا يخلو عن صورتين:
إمّا أن تكون الظهر تامّة فلا يكون ما بيده رابعة بل يكون ثالثة، فلا مجرى لقاعدة البناء على الأكثر للعلم بأنّها ثالثة لا رابعة وأنّ النقص في صلاة العصر دون الظهر، وإن كانت صلاة العصر تامّة بمعنى أنّ ما بيده رابعة فتكون صلاة الظهر ناقصة، فلا مجرى لقاعدة الفراغ، فلا يمكن إجراء القاعدتين حتى يحكم على الصلاتين بالصحّة. وبما أنّه لا ترجيح لإحداهما على الأُخرى تسقط القاعدتان

صفحه 115
ويحكم ببطلان إعادة الصلاتين لإفراغ الذمّة عن الاشتغال القطعي.
وبعبارة أُخرى: أنّ إجراء كلّ قاعدة ينفي القاعدة الأُخرى، فمفاد قاعدة الفراغ هو كون الظهر تامّة والنقص في صلاة العصر على الوجه القطعي، فلا معنى لقاعدة البناء على الأكثر.
ومقتضى قاعدة البناء على الأكثر أنّ ما بيده ركعة رابعة للعصر، فالنقص في صلاة الظهر، فلا معنى لإجراء قاعدة الفراغ، فكلّ من القاعدتين ينفي القاعدة الأُخرى.
الوجه الثالث: صحّة صلاة الظهر، لقاعدة الفراغ والأخذ بلازمه، وهو أنّ ما بيده ثالثة العصر فيأتي بركعة موصولة ثم يعيد الصلاتين.
ووجهه احتمال كون قاعدة الفراغ أمارة فيدلّ على تمامية الظهر بالمطابقة ونقص العصر بالالتزام، فيرتفع موضوع البناء على الأكثر وهو الشكّ بسبب قيام الأمارة على خلافه.
هذا ما أفاده في المتن ثم قال: ونظير المقام العشاءان إذا علم أنّه إمّا صلّى المغرب ركعتين وما بيده رابعة العشاء، أو صلاّها ثلاث ركعات وما بيده ثالثة العشاء، فتأتي فيه الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة في الفرع السابق أعني:
1. إجراء القاعدتين وتتميم صلاة العشاء بركعة مفصولة.
2. الحكم ببطلان الصلاتين; لأنّ إجراء كلّ قاعدة يدفع القاعدة الأُخرى.
3. تتميم العشاء بركعة موصولة ثم إعادة الصلاتين.

صفحه 116
وفيما ذكره ملاحظتان:
الأُولى: أنّه وإن اشتهر أنّ الأُصول ليست حجّة في مثبتاتها بخلاف الأمارات فهي حجّة في لوازمها، إلاّ أنّ الثاني ليس أمراً كلّياً بل يُتبّع مفاد دليلها فربّما يكون دليل حجّية الأمارة قاصراً في الدلالة على حجّيتها في إثبات لوازمها، فسعة الحجّية وضيقها في إثبات اللوازم تابعة لمقدار دلالة الدليل، وقاعدة الفراغ من هذا القسم فلا تثبت بها الصحّةُ المطلقة وإنّما تثبت الصحّة النسبية، ولذلك لو شكّ بعد الفراغ من الصلاة في كونه متطهّراً أو لا، يحكم بصحّة الصلاة إلاّ أنّه يجب أن يجدّد الوضوء للصلوات الأُخرى.
وبالجملة فإنّ كون الشيء أمارة لا يكون دليلاً على حجّيته في اللوازم. فما ذكره من الاحتمال الثالث لا أساس له.
الثانية: أنّ الظاهر أنّ المورد مجرى لقاعدة الفراغ دون قاعدة البناء على الأكثر; وذلك لأنّ مجرى قاعدة البناء على الأكثر فيما إذا كانت صحّة الصلاة من سائر الجهات محرزة وكان الإشكال مركّزاً على الشكّ في عدد الركعات، ففي هذه الصورة يبني على الأكثر ويحكم على الصلاة بالصحّة، وأمّا إذا كان الشكّ موجوداً في غير هذه الجهة أيضاً فلا تجري قاعدة البناء على الأكثر. والمقام من مصاديق القسم الثاني، وذلك للقطع بعدم صحّة البناء على الأكثر ببيان أنّه لو كانت صلاة الظهر تامّة فهي ناقصة قطعاً، فيجب أن يأتي بالركعة موصولة لا مفصولة كما هو مقتضى قاعدة البناء على الأكثر.

صفحه 117
وإن كانت صلاة العصر تامّة والظهر ناقصة، يجب العدول من العصر إلى الظهر كما هو الحال في جواز العدول من اللاحقة إلى السابقة لا أن يبني على الأكثر.
وبعبارة أُخرى: لا مجال لقاعدة البناء على الأكثر على كلا الفرضين، إذ لو كانت ناقصة يجب البناء على الأقل والإتيان بركعة موصولة، وإن كانت تامّة والظهر ناقصة يجب العدول من الثانية إلى الأُولى، لا البناء على الأكثر.
وعلى هذا فصلاة الظهر محكومة بالصحّة لقاعدة الفراغ السليمة عن المعارض، وأمّا ما بيده من صلاة فالأحوط العدول إلى الظهر مع إتمامها، وذلك لمكان بقاء محلّ العدول من جانب، لافتراض أنّه لم يسلّم، واحتمال وجود النقص فيه واقعاً.
نعم يتمّها بركعة موصولة، فعندئذ يقطع بظهر صحيح إمّا سابقاً أو لاحقاً ويعيد العصر.
ومنه يظهر الحال في العشائين فلا نطيل.

صفحه 118

المسألة السابعة والعشرون

لو علم أنّه صلّى الظهرين ثمان ركعات، ولكن لم يدر أنّه صلّى كلاًّ منهما أربع ركعات أو نقص من إحداهما ركعة وزاد في الأُخرى، بنى على أنّه صلّى كلاًّ منهما أربع ركعات، عملاً بقاعدة عدم اعتبار الشكّ بعد السلام.
وكذا إذا علم أنّه صلّى العشاءين سبع ركعات وشكّ بعد السلام في أنّه صلّى المغرب ثلاثة والعشاء أربعة، أو نقص من إحداهما وزاد في الأُخرى، فيبني على صحّتهما.*
* إذا حصل الشكّ في كلّ من الصلاتين; الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، بعد التسليم، فلا يُعتد به، أخذاً بقاعدة الفراغ، سواء أكان الشكّ في الزيادة أم النقيصة، فما ذكره في المتن حكم ظاهر لا يحتاج إلى توضيح.

صفحه 119

المسألة الثامنة والعشرون

إذا علم أنّه صلّى الظهرين ثمان ركعات وقبل السلام من العصر شكّ في أنّه هل صلّى الظهر أربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر، أو أنّه نقص من الظهر ركعة فسلّم على الثلاث وهذه التي بيده خامسة العصر، فبالنسبة إلى الظهر شكّ بعد السلام، وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الأربع والخمس فيحكم بصحّة الصلاتين، إذ لا مانع من إجراء القاعدتين، فبالنسبة إلى الظهر تجري قاعدة الفراغ والشكّ بعد السلام فيبني على أنّه سلّم على أربع، وبالنسبة إلى العصر يجري حكم الشكّ بين الأربع والخمس فيبني على الأربع إذا كان بعد إكمال السجدتين فيتشهّد ويسلّم ثم يسجد سجدتي السهو.
وكذا الحال في العشائين إذا علم قبل السلام من العشاء أنّه صلّى سبع ركعات وشكّ في أنّه سلّم من المغرب على ثلاث فالتي بيده رابعة العشاء، أو سلّم على الاثنتين فالتي بيده خامسة العشاء، فإنّه يحكم بصحّة الصلاتين واجراء القاعدتين.*
* قبل إيضاح المسألة نذكر أُموراً:

صفحه 120
1. هذه المسألة نفس المسألة السابقة(المسألة27) وإنّما يختلفان في أنّ الشكّ في السابقة حصل بعد التسليم، وأمّا المقام فقد حصل قبل التسليم.
2. الفرق بين هذه المسألة والمسألة 26، هو أنّ الشكّ في السابقة كان دائراً بين كون الركعات ثمانية أو سبعة حيث علم بترك ركعة بخلاف المقام، فإنّ المفروض أنّه أتى بثمان ركعات، وإنّما الاختلاف في كيفية التقسيم.
3. الفرق بين هذه المسألة وما يليها (المسألة29) هو أنّ أمر الظهر في المقام دائر بين كونها أربع ركعات أو ثلاث، حيث يشكّ أنّه صلّى الظهر أربع ركعات أو نقص منها ركعة وسلّم على الثلاث، بخلاف المسألة الآتية فإنّ أمر الظهر هناك دائر بين كونها أربع ركعات أو خمس.
إذا علمت ذلك فلنشرح ما ورد في المتن.
فنقول: إنّه إذا علم أنّه صلّى الظهرين ثمان ركعات وشكّ قبل السلام من العصر في أنّه هل صلّى الظهر أربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر، أو أنّه نقص من الظهر ركعة فسلّم على الثلاث وهذه التي بيده خامسة العصر، فماذا يفعل؟
أقول: أمّا بالنسبة للظهر فالشكّ فيها بعد الخروج عنها، فتجري هنا قاعدة الفراغ بلا شكّ.
وأمّا صلاة العصر فبما أنّ الشكّ فيها حصل قبل الفراغ (قبل

صفحه 121
التسليم) فلا تجري فيها قاعدة الفراغ.
ومع ذلك يمكن تصحيحها بوجه آخر، وهو: أنّ الضابطة فيمن شكّ بين الأربع والخمس أنّه يبني على الأربع، والمقام داخل في هذه الضابطة حيث إنّ ما بيده من صلاة العصر دائر بين كونها رابعتها أو خامستها، فيبني على الصحيح وهو الأربع وبذلك تصحّ الصلاتان، مع سجدتي السهو.
ومنه يظهر الحال في العشائين إذا علم قبل السلام من العشاء، أنّه صلّى سبع ركعات وشكّ في أنّه سلّم في المغرب على ثلاث والتي بيده رابعة العشاء، أو سلّم على اثنتين من المغرب فالتي بيده خامسة العشاء.
أمّا صلاة المغرب فيحكم بصحّتها أخذاً بقاعدة الفراغ، وأمّا صلاة العشاء، فيحكم بصحّتها من باب آخر، وهو أنّ أمرها دائر بين الأربع والخمس، والضابطة في هذا النوع من الشكّ هو الأخذ بالأقل وما هو الصحيح، أعني: الأربع، فظهرت بذلك صحّة ما في المتن لكن عن طريق قاعدتين.

صفحه 122

المسألة التاسعة والعشرون

لو انعكس الفرض السابق بأن شكّ ـ بعد العلم بأنّه صلّى الظهرين ثمان ركعات قبل السلام من العصر ـ في أنّه صلّى الظهر أربع فالتي بيده رابعة العصر، أو صلاّها خمساً فالتي بيده ثالثة العصر، فبالنسبة إلى الظهر شكّ بعد السلام وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الثلاث والأربع، ولا وجه لإعمال قاعدة الشكّ بين الثلاث والأربع في العصر; لأنّه إن صلّى الظهر أربعاً فعصره أيضاً أربعة فلا محلّ لصلاة الاحتياط، وإن صلّى الظهر خمساً فلا وجه للبناء على الأربع في العصر وصلاة الاحتياط، فمقتضى القاعدة إعادة الصلاتين.
نعم لو عدل بالعصر إلى الظهر وأتى بركعة أُخرى وأتمّها يحصل له العلم بتحقّق ظهر صحيحة مردّدة بين الأُولى إن كان في الواقع سلّم فيها على الأربع، وبين الثانية المعدول بها إليها إن كان سلّم فيها] الظهر[ على الخمس.
وكذا الحال في العشائين إذا شكّ بعد العلم بأنّه صلّى سبع ركعات قبل السلام من العشاء في أنّه سلّم في المغرب2

صفحه 123
E على الثلاث حتى يكون ما بيده رابعة العشاء، أو على الأربع حتى يكون ما بيده ثالثتها. وهنا أيضاً إذا عدل إلى المغرب وأتمّها يحصل له العلم بتحقّق مغرب صحيحة، إمّا الأُولى أو الثانية المعدول إليها، وكونه شاكّاً بين الثلاث والأربع مع أنّ الشكّ في المغرب مبطل لا يضرّ بالعدول; لأنّ في هذه الصورة يحصل العلم بصحّتها مردّدة بين هذه والأُولى، فلا يكتفي بهذه فقط حتى يقال إنّ الشكّ في ركعاتها يضرّ بصحّتها.*
* ذكر المصنّف أنّ هذه المسألة على عكس الفرض السابق ووجهه: أنّ أمر الظهر في الفرض السابق كان دائراً بين كونها أربع ركعات أو ثلاث ركعات، وأمر العصر دائراً بين كونها أربع ركعات أو خمس ركعات.
وأمّا المقام فالظهر دائر بين كونها أربع أو خمس، كما أنّ أمر العصر دائر بين كونها ثلاث ركعات أو أربع، فيكون الفرض عكس سابقه.
أمّا بالنسبة إلى الظهر فالحكم في الفرضين واحد وهو أنّ الشكّ بعد الفراغ (التسليم) يحكم عليه بالصحّة.
إنّما الكلام في صلاة العصر، فإنّ المصنّف ذكر في الفرض السابق أنّه داخل تحت قاعدة الشكّ بين الأربع والخمس، فتقع تحت الضابطة عند الشكّ بين الأربع والخمس.

صفحه 124
وأمّا المقام فأمر العصر دائر بين كونها ثلاث ركعات أو أربع، فيقع الكلام في أنّه هل يمكن إعمال قاعدة الشكّ بين الثلاث والأربع في المقام أيضاً فيبني على الأربع ويصلّي بعد التسليم ركعة الاحتياط ويحكم على الصلاة بالصحّة، أو لا؟
ذكر المصنّف أنّ العصر لا تقع تحت تلك الضابطة ووجهه أنّه لا موضوع للقاعدة فإنّها إنّما تجري إذا كان البناء على الأربع والتسليم أمراً محتملاً مطابقاً للواقع، وأمّا إذا علم بطلان هذا الاحتمال فلا وجه للبناء; وذلك لأنّه إن صلّى الظهر أربعاً فعصره أيضاً أربع فلا موضوع لصلاة الاحتياط، وإن صلّى الظهر خمساً، فلا وجه للبناء على الأربع في العصر بل يجب عليه العدول إلى صلاة الظهر لافتراض أنّ الظهر غير صحيحة، فلا مجال لقاعدة البناء على الأكثر، على أي تقدير.
فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ صلاة الظهر صحيحة وصلاة العصر محكومة بالبطلان، لعدم إمكان تصحيحها، لا بقاعدة الفراغ ولا بقاعدة البناء على الأكثر.
ومن ذلك يظهر أنّ كلام المصنّف: «فمقتضى القاعدة إعادة الصلاتين» غير تام، بل مقتضى القاعدة هو صحّة صلاة الظهر وبطلان صلاة العصر.
نعم يمكن تصحيح الصلاة لا بعنوان العصر بل عدولاً إلى الظهر رجاءً لاحتمال كون الظهر خمساً باطلة بشرط أن يضمّ إلى ما بيده

صفحه 125
ركعة أُخرى متّصلة، وعندئذ يحصل له العلم الوجداني بتحقّق ظهر صحيحة مردّدة بين الأُولى إن كان في الواقع قد سلّم فيها على الأربع، أو بهذه الصلاة التي أتمّها بركعة موصولة، ومع ذلك يجب عليه إعادة العصر على كلّ حال.
بقي الكلام في المغرب و العشاء، فإذا صلّى سبع ركعات، وشكّ قبل التسليم من العشاء في أنّه سلّم في المغرب على الثلاث حتى يكون ما بيده رابعة العشاء، أو سلّم على الأربع حتى يكون ما بيده ثالثة العشاء، فلا شكّ أنّ صلاة المغرب محكومة بالصحّة لكون الشكّ بعد الفراغ.
إنّما الكلام في صلاة العشاء، حيث إنّ أمرها دائر بين كون ما بيده ثلاث أو أربع، فلا تجري فيها قاعدة البناء على الأكثر للمحذور المتقدّم; لأنّه لو سلّم في المغرب على الثلاث فما بيده رابعة العشاء فلا تحتاج إلى قاعدة البناء فضلاً عن الاحتياط، وإن سلّم في المغرب على الأربع فما بيده عشاءٌ باطلة لفقدان الترتيب.
غاية ما يمكن أن يقال إنّه يعدل إلى المغرب فيحصل له العلم بتحقّق مغرب صحيحة، إمّا الأُولى أوالثانية المعدول إليها.
فإن قلت: إنّ صلاة المغرب لا تقبل الشكّ كالصلاة الثنائية.
قلت: ما ذكرته إنّما يجري فيما لو عُلم أنّها صلاة مغرب بعينها، لا ما هو مغرب على تقدير، وباطل على تقدير آخر.

صفحه 126

المسألة الثلاثون

إذا علم أنّه صلّى الظهرين تسع ركعات ولا يدري أنّه زاد ركعة في الظهر أو في العصر، فإن كان بعد السلام من العصر وجب عليه إتيان صلاة أربع ركعات بقصد ما في الذمّة.
وإن كان قبل السلام فبالنسبة إلى الظهر يكون من الشكّ بعد السلام، وبالنسبة إلى العصر من الشكّ بين الأربع والخمس، ولا يمكن إعمال الحكمين، لكن لو كان بعد إكمال السجدتين عدل إلى الظهر وأتمّ الصلاة وسجد للسهو يحصل له اليقين بظهر صحيحة، إمّا الأُولى أو الثانية.*
* إذا علم أنّه صلّى الظهرين تسع ركعات ولا يدري أنّه زاد ركعة في الظهر أو في العصر، ذكر المصنّف للمسألة صورتين:
الأُولى: إذا طرأ الشكّ بعد الفراغ عن العصر فعلم ببطلان إحدى الصلاتين وأنّه زاد ركعة إمّا في الظهر أو في العصر، فعندئذ يكفي إتيان صلاة بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة لأنّه إن زاد في الظهر، يُحسب هذا ظهراً، وما أتى به عصراً يحسب عصراً، ولا

صفحه 127
إشكال في تقدّم العصر على الظهر لسقوط شرطية الترتيب بقاعدة «لا تعاد».
وإن كان زاد في العصر فيحكم عليها بالبطلان، فيقع ما أتى عصراً، بلا تخلّف في الترتيب .
الثانية: إذا حصل الشكّ بزيادة ركعة في إحدى الصلاتين بعد إكمال السجدتين ولم يسلّم بعد ولم يفرغ من الصلاة.
لا شكّ أنّه تجري قاعدة الفراغ في صلاة الظهر; لأنّ الشكّ فيها حصل بعد الفراغ. إنّما الكلام في الصلاة الثانية فهل تجري فيها قاعدة الشكّ بين الأربع والخمس، حيث إنّه بعد الفراغ عن صلاة الظهر، يكون ما بيده مردّداً بين الأربع والخمس، والضابطة في هذا النوع من الشكّ هو البناء على الأقل وهو الأربع والتسليم بعده.
الظاهر أنّه لا تجري الضابطة، بل يقتصر على إجراء قاعدة الفراغ في الظهر دون إجراء الضابطة في الصلاة الثانية للعلم ببطلانها، ومعه يخرج المورد عن الضابطة، أمّا وجه العلم ببطلانها فلأنّ أمرها دائر بين كونها خمس ركعات إذا كانت الظهر أربعاً فتكون باطلة، أو أربع ركعات إذا كانت الظهر خمساً فتكون أيضاً باطلة لفقدان الترتيب، لافتراض بطلان الظهر.
وتوهّم سقوط شرطية الترتيب غير صحيح، لأنّه مختصّ بما إذا تذكّر بعد الصلاة، لا في أثناء الصلاة، كما في الفرض حيث إنّه تذكّر في التشهّد وهو بعد جالس.

صفحه 128
وحصيلة الكلام: أنّ صلاة العصر باطلة إمّا لزيادة الركعة، أو لفقدان الترتيب إذا كانت الزيادة في الظهر.
وعلى ما ذكرنا فصلاة الظهر تكون محكومة بالصحّة لقاعدة الفراغ، وصلاة العصر محكومة بالبطلان لعدم إمكان تصحيحها عن طريق قاعدة الشكّ بين الأربع والخمس.
وبذلك يظهر النظر في كلام المصنّف حيث يقول:«ولا يمكن إعمال الحكمين» بل الصحيح أن يقول: تجري قاعدة الفراغ دون الضابطة.
نعم هنا طريق لعدم قطع الصلاة الثانية وهو العدول إلى الظهر ويتمّ الصلاة، وبذلك يحصل له العلم الوجداني بإتيان ظهر صحيحة وهي إمّا الأُولى إذا كانت الزيادة في الثانية، أو الثانية إذا كانت الزيادة في الأُولى ثم يُعيد العصر.
والفرق بين هذا الطريق وما سبق هو أنّ صحّة الظهر ثبتت في السابق عن طريق التعبّد بخلافها في الطريق الثاني فقد ثبتت الصحّة بالوجدان.
***
وهناك صورة أُخرى لم يذكرها المصنّف وهي ما إذا حصل الشكّ في حال القيام فالشكّ بالنسبة إلى الظهر شكّ بعد الفراغ، فتجري فيه القاعدة ويحكم بصحّتها، وأمّا بالنسبة إلى العصر فما بيده من الركعة ـ و هو في القيام ـ دائر بين كونها رابعة العصر أو

صفحه 129
خامستها، فالمشهور عند دوران الشكّ بين الرابعة والخامسة وهو قائم ـ في غير هذا المقام ـ هدم القيام، وعندئذ يرجع الشكّ إلى كون ما بيده ثالثة العصر أو رابعتها فيبني على الأكثر ثم الإتيان بصلاة الاحتياط، فهل يمكن إدخال المقام تحت تلك الضابطة أو لا؟
الظاهر لا، وذلك لأنّه بعدما هدم القيام وجلس وصار شاكّاً بين الثلاث والأربع لا تخلو صلاة الظهر عن إحدى حالتين.
فلو كانت تامّة يكون ما بيده من العصر رابعتها، ولا تحتاج إلى صلاة الاحتياط، وإن كانت ناقصة يكون ما بيده بعد هدم القيام رابعة العصر، وعندئذ يجب العدول إلى الظهر لوجوب العدول من اللاحقة إلى السابقة، وبما أنّ واقع الصلاة مجهول ومردّد بين الأمرين يرفع اليد عنها.
***
هذا على القول بعموم الضابطة(البناء على الخمس عند الشكّ بين الأربع والخمس) وشمولها لما إذا حصل بعد إكمال السجدتين كما هو مورد النصّ، أو قبل إكمالها كما هو الحال في المقام حيث شكّ بين الأربع والخمس وهو قائم، ولكن النصّ الوارد ظاهر في القسم الأوّل; ففي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلّم بعدهما».(1)

1 . الوسائل:5، الباب14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 130
وموثّق أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا لم تدر خمساً صلّيت أم أربعاً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وأنت جالس ثم سلّم بعدهما».(1)
وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً أم نقصت أم زدت فتشهّد وسلّم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة، فتشهّد فيهما تشهّداً خفيفاً».(2)
والروايات ظاهرة في طروء الشكّ بعد إكمال السجدتين وهو جالس إذ لم يرد فيها قوله: «وهو قائم» أو أنّه يهدم القيام وأمّا إذا طرأ الشكّ بين الأربع والخمس وهو قائم فاستفادة حكمه من الروايات مورد تأمّل، وإن كان الأصحاب على التعميم، بل في الحدائق نفي الخلاف والإشكال فيه، نعم يمكن أن يتمسّك بصحيح الحلبي فيما إذا شكّ بين الثلاث والأربع حيث روى عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: «إذا كنت لا تدري ثلاثاً صلّيت أم أربعاً ولم يذهب وهمك إلى شيء فسلّم ثم صلّ ركعتين، وأنت جالس تقرأ فيهما بأُمّ الكتاب، وإن ذهب وهمك إلى الثلاث فقم وصلّ الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، وإن ذهب وهمك إلى الأربع فتشهّد وسلّم ثمّ اسجد سجدتي السهو».(3) فإنّه بعد هدم القيام يصدق عليه أنّه لا   2

1 . الوسائل:5، الباب14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.
2 . الوسائل:5، الباب14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث4.
3 . الوسائل:5، الباب10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث5.

صفحه 131

المسألة الحادية والثلاثون

إذا علم أنّه صلّى العشائين ثمان ركعات ولا يدري أنّه زاد الركعة الزائدة في المغرب أو في العشاء وجب إعادتهما، سواء كان الشكّ بعد السلام من العشاء أو قبله.*
Eيدري ثلاثاً صلّى أم أربعاً فتأمّل.(1)
* للمسألة صورتان:
الأُولى: إذا علم بفساد إحدى الصلاتين بعد الفراغ، فإن كانا متماثلتين في العدد ـ كما هو الحال في المسألة السابقة ـ يكفي إتيان صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة، إذ لو كانت الصلاة الفاسدة هي الأُولى، يُحسب ذلك صلاة الظهر والثانية صلاة العصر، ولا بأس بتقدّم العصر على الظهر لسقوط شرطية الترتيب عند الجهل، وإن كانت الصلاة التي زاد فيها هي الثانية يُحسب ما أتى به ثانياً صلاة

1 . إشارة إلى المتبادر حدوث الشكّ بين الثلاث والأربع ابتداءً، لا بقاءً بعد هدم القيام.

صفحه 132
العصر، وتكون الصلاتان صحيحتين.
وأمّا إذا لم تكونا متماثلتين في العدد كالمغرب والعشاء يجب عليه إعادتهما.
الثانية: إذا طرأ الشكّ قبل الفراغ من الصلاة فالظاهر كفاية إعادة العشاء خلافاً للمصنّف حيث افتى بإعادة الصلاتين، أمّا كفاية إعادة العشاء فلجريان قاعدة الفراغ في المغرب، وأمّا العشاء فهي محكومة بالبطلان إمّا لفقد الترتيب إذا كانت الزيادة في المغرب وكانت محكومة بالبطلان، أو لزيادة الركعة فيها، وعلى كلّ تقدير يكفي قضاء العشاء.
فإن قلت: قد سبق أنّ الترتيب ساقط بفضل قاعدة «لا تعاد» عند الجهل كما مرّ.
قلت: سقوط شرطية الترتيب مختصّ بما إذا تذكّر بعد الصلاة، وأمّا المقام فقد تذكّر بزيادة الركعة في إحدى الصلاتين وهو في التشهّد ولم يسلّم بعدُ، فيكون حكم هذه المسألة كحكم المسألة السابقة بلا حاجة إلى التفصيل.

صفحه 133

المسألة الثانية والثلاثون

لو أتى بالمغرب ثم نسي الإتيان بها ـ بأن اعتقد عدم الإتيان ـ أو شكّ فيه فأتى بها ثانياً وتذكّر قبل السلام أنّه كان آتياً بها، ولكن علم بزيادة ركعة إمّا في الأُولى أو الثانية، له أن يتمّ الثانية ] أي يسلّم [ ويكتفي بها لحصول العلم بالإتيان بها إمّا أوّلاً أو ثانياً، ولا يضرّه كونه شاكّاً في الثانية بين الثلاث والأربع مع أنّ الشكّ في ركعات المغرب موجب للبطلان، لما عرفت سابقاً من أنّ ذلك إذا لم يكن هناك طرف آخر يحصل معه اليقين بالإتيان صحيحاً، وكذا الحال إذا أتى بالصبح ثم نسي وأتى بها ثانياًوعلم بالزيادة إمّا في الأُولى أو الثانية.*
* حاصل الكلام أنّه علم بإتيان سبع ركعات في المغربين أي مغرباً بعد مغرب أو خمس ركعات في الفجرين على الوجه المذكور في المتن ثم علم بزيادة ركعة ولكن جهل محلّ الزيادة وهل أنّها في الأولى أو الثانية؟
فالظاهر جريان قاعدة الفراغ في الأُولى من الصلاتين; لأنّه شكّ

صفحه 134
بعد الفراغ وبالتالي يرفع اليد عن الثانية.
ولا يعارض جريان القاعدة في الأُولى بجريانها في الصلاة الثانية ووجه عدم المعارضة أنّه لا أثر لها في الصلاة الثانية بعد سقوط التكليف في الصلاة الأُولى.
وبعبارة أُخرى: بعد جريانها في أُولى الصلاتين يقف على لغوية الصلاة الثانية.
نعم يمكن إتمامها رجاءً بعنوان صلاة المغرب على نحو لو كانت الزيادة في الأُولى يكون ما بيده صلاة صحيحة.
فإن قلت: إنّ جريان القاعدة في الأُولى أثبت عدم زيادتها فكيف تحتمل الزيادة فيها؟
قلت: إنّما أثبت عدمها تعبّداً لا وجداناً فالزيادة محتملة جدّاً.
فإن قلت: إنّ الشكّ بين الثلاث والأربع مبطل في المغرب كما أنّ الشكّ بين الثنتين والثلاث مبطل في الفجر، فكيف يتمّ الصلاة بنيّة المغرب والفجر؟
قلت: ذلك فيما إذا أحرز أنّه مغرب أو فجر مفروض عليه لا ما إذا احتمل أنّه المغرب أو ما أتى قبلها من الصلاة، كما في المقام.

صفحه 135

المسألة الثالثة والثلاثون

إذا شكّ في الركوع وهو قائم وجب عليه الإتيان به، فلو نسي حتى دخل في السجود فهل يجري عليه حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ أم لا؟
الظاهر عدم الجريان، لأنّ الشكّ السابق باق وكان قبل تجاوز المحلّ.
وهكذا لو شكّ في السجود قبل أن يدخل في التشهّد ثم دخل فيه نسياناً وهكذا.*
* إذا شكّ في الركوع وهو قائم ووجب عليه أن يأتي به ـ لكون الشكّ في المحلّ ـ لكن نسي حتى دخل في السجود، ثم عاد الشكّ، فهل يجري عليه حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ أو لا؟
الظاهر هو الثاني وذلك لأنّ مرجع المسألة هو تخلّل النسيان بين الشكّين، والشكّ الثاني ليس شكّاً جديداً بل امتداد للشكّ الأوّل. فبما أنّه كان مأموراً بالتدارك فلم يكن مأموراً آنذاك بالسجود وإنّما سجد نسياناً، ومثله لا يكون محقّقاً للدخول في الغير أو متجاوزاً عنه.

صفحه 136
وبعبارة أُخرى: إنّما يحسب الغير تجاوزاً إذا كان مأموراً به حسب الظاهر، لا ما إذا لم يكن مأموراً به لا واقعاً ولا ظاهراً.
وممّا يؤيد ذلك أنّ المصلّي يجب أن يكون أذكر حين العمل ـ غالباً ـ من حين الشكّ، كما هو مفاد قوله:«هو حينما يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».
ومن المعلوم أنّ الدخول في السجود نسياناً وغفلة كما هو المفروض لا يسبّب كونه حين العمل أذكر من حالة الشكّ.
وإن أبيت عن قبول ما ذكرنا فلا شكّ أنّ القاعدة منصرفة عن هذا النوع من التجاوز، أعني: إذا شكّ وتجاوز عن نسيان ثم عاد الشكّ.

صفحه 137

المسألة الرابعة والثلاثون

لو علم نسيان شيء قبل فوات محلّ المنسيّ ووجب عليه التدارك فنسي حتى دخل في ركن بعده ثم انقلب علمه بالنسيان شكّاً، يمكن إجراء قاعدة الشكّ بعد تجاوز المحلّ والحكم بالصحّة ـ إن كان ذلك الشيء ركناً ـ والحكم بعدم وجوب القضاء وسجدتي السهو فيما يجب فيه ذلك، لكن الأحوط ـ مع الإتمام ـ إعادة الصلاة ـ إذا كان ركناً ـ والقضاء، وسجدتا السهو في مثل السجدة والتشهّد، وسجدتا السهو فيما يجب في تركه السجود.*
* إذا علم ـ حال القيام ـ أنّه نسي شيئاً فوجب عليه التدارك لبقاء محلّ المنسيّ وعدم فواته، لكن ذهل عن ذلك حتى دخل في الركوع، ثم التفت وانقلب علمه بالنسيان شكّاً، فزال الاعتقاد السابق، وهذا ما يسمّى بالشكّ الساري لسريان الشكّ إلى العلم السابق وجعله كأن لم يكن.
والفرق بين هذه المسألة وما سبقها واضح; لأنّ المفروض هناك

صفحه 138
تخلّل النسيان بين الشكّين، وأمّا المقام فقد تخلّل النسيان بين العلم والشكّ.
وبعبارة أُخرى: تخلّل النسيان في المسألة الأُولى لم يسبب زوال ما تقدّم ـ أي الشكّ ـ ولذلك عاد بعد التذكّر والخروج عن الغفلة بخلاف المقام فإن تخلّل النسيان صار سبباً لزوال العلم السابق بالترك إلى الشكّ فيه، فيقع الكلام في أنّ هذا الشكّ هل يصلح لأن يكون موضوعاً لقاعدة التجاوز لافتراض أنّه شكّ في شيء بعد الدخول في غيره، سواء أكان الغير ركناً ـ كما في المتن ـ أو غير ركن، إذ لا يشترط في الدخول في الغير كون المدخول فيه ركناً؟
يظهر من المصنّف الميل إلى إجراء قاعدة الشكّ بعد تجاوز المحلّ والحكم بالصحّة إن كان ذلك الشيء المشكوك ركناً، والحكم بعدم وجوب القضاء بعد الصلاة وسجدتي السهو فيما إذا لم يكن المشكوك ركناً.
ووجهه: أنّ الشكّ بعد النسيان شكّ حادث ولم يكن موجوداً قبل النسيان، بخلاف المسألة السابقة حيث إنّ الشكّ الثاني هو امتداد للشكّ الأوّل وليس شيئاً جديداً، فإذن لا مانع من شمول القاعدة لهذا النوع من الشكّ.
وفصّل عدّة من المعلّقين ـ منهم المحقّق البروجردي والسيد الحكيم ـ بين الصورتين التاليتين:
1. إذا التفت إلى نسيانه بعد التجاوز عن المحلّ، ثم انقلب علمه

صفحه 139
عندئذ إلى الشكّ، فتجري فيه القاعدة كما هو فرض المصنّف.
2. إذا حصل العلم بعدم فعل الجزء وهو في محلّه فنسي حتى دخل في الجزء الذي بعده فتبدّل علمه بالشكّ، ففي عموم القاعدة له منع، لانصراف دليلها عن ذلك.
وبعبارة أُخرى: إذا كان العلم بالنسيان بعد تجاوزه محلّ ذلك الشيء تجري فيه القاعدة، وأمّا لو كان قبل ذلك كما لو علم بنسيان التشهّد أو السجدة في حال الجلوس مثلاً فنسي التدارك حتى دخل في ركن بعده يشكل إجراؤها، لعدم كونه حين العمل أذكر.
وعلى كلّ تقدير فجريان القاعدة في الصورة الأُولى أمر ظاهر; لأنّ العلم السابق زال من رأسه وهو الآن شاكّ في تحقّق الشيء وقد تجاوز عن محلّه فلا مانع من جريان القاعدة، وليس للعلم السابق الزائل دور في هذه المسألة وإنّما الدور للشكّ الموجود.

صفحه 140

المسألة الخامسة والثلاثون

إذا اعتقد نقصان السجدة أو التشهّد ممّا يجب قضاؤه ـ أو ترك ما يوجب سجود السهو ـ في أثناء الصلاة ثم تبدّل اعتقاده بالشكّ في الأثناء ـ أو بعد الصلاة قبل الإتيان به ـ سقط وجوبه.
وكذا إذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها ثم زال اعتقاده.*
* قد ظهر حال المسألة ممّا مرّ في المسألة السابقة، فإنّ العلم بالنقص الموجب للقضاء أو سجود السهو، إنّما يؤثّر إذا كان باقياً، وأمّا إذا زال وتبدّل إلى الشكّ وكان مورداً لقاعدة التجاوز أو الفراغ، تجري فيه القاعدة.

صفحه 141

المسألة السادسة والثلاثون

إذا تيقّن بعد السلام ـ قبل إتيان المنافي عمداً أو سهواً ـ نقصان الصلاة وشكّ في أنّ الناقص ركعة أو ركعتان، فالظاهر أنّه يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين والثلاث، فيبني على الأكثر ويأتي بالقدر المتيقّن نقصانه ـ وهو ركعة أُخرى ـ ويأتي بصلاة احتياطية، وكذا إذا تيقّن نقصان ركعة وبعد الشروع فيها شكّ في ركعة أُخرى.
وعلى هذا فإذا كان مثل ذلك في صلاة المغرب والصبح يُحكم ببطلانهما، ويحتمل جريان حكم الشكّ بعد السلام بالنسبة إلى الركعة المشكوكة فيأتي بركعة واحدة من دون الإتيان بصلاة الاحتياط وعليه فلا تبطل الصبح والمغرب أيضاً بمثل ذلك ويكون كمن علم نقصان ركعة فقط.*
* إذا تيقّن ـ بعد السلام قبل إتيان المنافي عمداً أو سهواً ـ نقصان الصلاة وشكّ في أنّ الناقص ركعة أو ركعتان، فهاهنا وجهان:
الأوّل: أنّه بمنزلة الشاكّ بين الاثنتين والثلاث، إذ لو كان الناقص

صفحه 142
ركعة فهو في ثالثة الركعات، وإن كان ركعتين فهو في الثانية منها، ووظيفته البناء على الأكثر كما هو الحال في غير هذا المورد، مثلاً إذا شكّ بعد إكمال السجدتين بين الاثنتين والثلاث، فيبني على الأكثر ويأتي بركعة موصولة ثم يأتي بصلاة الاحتياط مفصولة.
ومثله ما إذا تيقّن نقصان ركعة وعندما شرع في الإتيان بها شكّ في ركعة أُخرى، ففي هذين الموردين يبني على الثلاث ويعمل بوظيفة مَن شكّ بين الاثنتين والثلاث. أي أنّه يبني على الأكثر ويضمّ إليه ركعة متّصلة، ثم يأتي بصلاة الاحتياط.
وجهه: أنّ سلام مَن سلّم على النقص غير مخرج له من الصلاة، فوجوده وعدمه سيّان، فهو مازال في صلاته.
روى صفوان عن العيص قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنّه لم يركع؟ قال: «يقوم فيركع ويسجد سجدتين».(1) وعلى هذا فهو في أثناء الصلاة، والشكّ في أنّه نقص ركعة أو ركعتين يرجع إلى أنّه شاكّ فعلاً بين الاثنتين والثلاث فيعمل بوظيفته.
الثاني:أنّه يجري عليه حكم الشكّ بعد السلام، ومن المعلوم أنّ من شكّ بعد السلام فشكّه غير مؤثّر، فلا يبقى في المقام غير ما قطع

1 . الوسائل:5، الباب3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 8. ولاحظ الحديث9 و 14.

صفحه 143
بنقصانه، وليس هو إلاّ ركعة واحدة يأت بها موصولة كما هو حكم كلّ نقص قطعي.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من اختصاص حكم الشكّ بعد السلام بما إذا كان الشكّ غير مقرون بعلم إجمالي وكان شكّه شكّاً بدوياً فلا يعتدّ به بعد السلام دون ما إذا كان مشوباً بما يعلم إجمالاً أنّه ترك ركعة أو ركعتين كما هو الحال في المقام. وبعبارة أُخرى: إنّ مورده ما إذا احتمل أن يكون السلام واقعاً موقعه فالشكّ العارض بعد مثل هذا السلام المحتمل وقوعه في محلّه لا يلتفت إليه، وأين هذا من العلم بعدم وقوعه في موقعه قطعاً؟!
روى محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام)أنّه قال:«إن شكّ الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً، وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ، لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك».(1)
ترى أنّ مورد الرواية في مَن كان شكّه بدويّاً غير مقرون بعلم إجمالي، ولذلك حكم الإمام(عليه السلام) بالصحّة، بخلاف المقام، فإنّه قاطع بترك شيء قطعاً مردّداً بين ركعة أو ركعتين. فعلى هذا فالمورد خارج عن تلك القاعدة قطعاً. وبذلك يعلم أنّ قوله: (ويحتمل جريان حكم الشكّ بعد السلام بالنسبة إلى الركعة المشكوكة)   2

1 . الوسائل:5، الباب27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 144

المسألة السابعة والثلاثون

لو تيقّن بعد السلام قبل إتيان المنافي نقصان ركعة، ثم شكّ في أنّه أتى بها أم لا ففي وجوب الإتيان بها لأصالة عدمه ـ أو جريان حكم الشكّ في الركعات عليه ـ وجهان، والأوجه: الثاني.
وأمّا احتمال جريان حكم الشكّ ـ بعد السلام ـ عليه فلا وجه له، لأنّ الشكّ بعد السلام لا يعتنى به إذا تعلّق بما في الصلاة وبما قبل السلام، وهذا متعلّق بما وجب بعد السلام.*
E غير تام، لما عرفت من أنّ مورده فيما إذا كان الشكّ بدويّاً.
ثم على فرض قبوله فهو يتمّ في الرباعية والثلاثية، وأمّا في الثنائية فلا يتم; لأنّ العلم بالنقص فيها إمّا بركعة أو ركعتين يساوي فقدان الصلاة كاملة، فإنّ صلاة الصبح هي ذات ركعتين فاحتمال ترك الركعتين يساوق ترك الصلاة بتاتاً.
* لو تيقّن بعد السلام ـ قبل إتيان المنافي ـ نقصان ركعة، كان عليه أن يضمّها إلى الصلاة، لكنّه غفل، ثم شكّ في أنّه أتى بها أو لا،

صفحه 145
فهنا وجوه ثلاثة:
1. الرجوع إلى الاستصحاب وأصالة عدم الإتيان فيقوم فيضمّ ركعة إلى صلاته، موصولة.
2. جريان حكم الشكّ في الركعات وأنّه في هذه الحالة شاكّ بين الثلاث و الأربع فيبني على الأربع ثم يأتي بركعة مفصولة.
3. إجراء حكم الشكّ بعد السلام ومعناه عدم الاعتناء بهذا الشكّ، فلا تجب عليه ركعة لا متّصلة كما هو مفاد الوجه الأوّل، ولا منفصلة كما هو مفاد الوجه الثاني.
أمّا الوجه الأوّل: فوجهه أنّ الواقع لا يخلو عن صورتين:
إمّا أنّه أتى بالركعة الناقصة حين تيقّن بنقصها، فتكون الركعة الموصولة، أمراً زائداً غير مخلّ بالصلاة التي تمّت حين اليقين بالنقص.
أو أنّه لم يأت بها حين الإذعان، وبعد فترة عرض له الشكّ في الإتيان تكون الركعة الموصولة واقعة في محلّها،غاية الأمر سجد سجدتي السهو للسلام الزائد.
وأمّا الوجه الثاني ـ أي جريان حكم الشكّ في الركعات ـ : فلأجل أنّ الشكّ في إتيان الركعة الناقصة وعدم إتيانها، يسبّب كونه شاكّاً بين الثلاث والأربع، فيبني على الأربع ويتمّ الصلاة ويأتي بصلاة الاحتياط.
يلاحظ عليه: أنّ مورده إذا كان الشكّ في أثناء الصلاة وهو بعد غير محرز فالتمسّك بدليله، تمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية.

صفحه 146
اللّهمّ إلاّ أن يدفع ذلك باستصحاب كون المصلّي في الصلاة.
وأمّا الثالث: فلأنّ فرض المسألة فيما إذا تيقّن ـ بعد السلام ـ نقصان الركعة ثم شكّ في إتيانها، فيكون المورد من مصاديق من شكّ في الركعة بعد الفراغ من الصلاة فيشمله صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يشكّ بعد ما ينصرف من صلاته، قال: فقال: «لا يعيد ولا شيء عليه».(1)
وقوله عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إن شكّ الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً، وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ، لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك».(2)
يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الحديثين وما بمضمونهما ما إذا كان عرض الشكّ بعد السلام دون أن يسبقه اليقين بالقطع.
وأورد عليه المصنّف بأنّ جريان حكم الشكّ بعد السلام خاص بما إذا تعلّق الشكّ بما في الصلاة من الأجزاء وما وجب قبل السلام فلا يعتد به، وأمّا المقام فالشكّ متعلّق بما وجب بعد السلام وهي الركعة المتيقّن نقصها، المشكوك إتيانها فلا يكون مشمولاً له.
يلاحظ عليه: بأنّ الشكّ وإن كان بعد السلام، إلاّ أنّ المشكوك ـ أعني: المتيقّن ـ نقصها، المشكوك إتيانها ثبت قبل السلام،   2

1 . الوسائل:5، الباب27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 147

المسألة الثامنة والثلاثون

إذا علم أنّ ما بيده رابعة ويأتي به بهذا العنوان لكن لا يدري أنّها رابعة واقعية أو رابعة بنائية ـ وأنّه شكّ سابقاً بين الاثنتين والثلاث فبنى على الثلاث فتكون هذه رابعة بعد البناء على الثلاث ـ فهل يجب عليه صلاة الاحتياط ـ لأنّه وإن كان عالماً بأنّها رابعة في الظاهر إلاّ أنّه شاكّ من حيث الواقع فعلاً بين الثلاث والأربع ـ أو لا يجب ـ لأصالة عدم شكّ سابق، والمفروض أنّه عالم بأنّها رابعته فعلاً ـ وجهان، والأوجه الأوّل.*
E فيكون حكمها حكم الاجزاء وما وجب قبل السلام.
ثمّ إنّ السيدين الجليلين في المستمسك والمستند، ذكرا للمسألة صوراً ثلاثاً، وجعلا كلّ واحد من هذه الوجوه الثلاثة راجعاً إلى صورة منها، غير أنّ بعض الصور المذكورة في كلامهما خارج عن مصبّ كلام المصنّف، ولذلك شرحنا المتن على النحو الذي عرفت.
* الشكّ في أنّ ما بيده رابعة واقعية أو رابعة بنائية، نابع من

صفحه 148
احتمال أنّه شكّ سابقاً بين الاثنتين والثلاث، فبنى على الثلاث فيكون ما بيده رابعة بعد البناء على الثلاث، واحتمال أنّه لم يشكّ أصلاً بين الاثنتين والثلاث فيكون ما بيده رابعة واقعية، فهنا وجهان:
الأوّل: تجب عليه صلاة الاحتياط لأنّه بالوجدان شاكّ بين الثلاث والأربع.
وبعبارة أُخرى: إنّه وإن كان يحتمل أنّه في الرابعة الواقعية لكنّه يحتمل أيضاً أن يكون في الرابعة البنائيّة التي لا تتمّ الصلاة معها إلاّ بصلاة الاحتياط. ولا يحصل اليقين بالبراءة عن الاشتغال اليقيني إلاّ بها.
الثاني: لا يجب عليه شيء تمسّكاً بأصالة عدم شكّ سابق، والمفروض أنّه عالم بأنّ ما بيده ركعة رابعة فعلاً.
يلاحظ عليه: أنّ الأصل مثبت، إذ كون ما بيده رابعة واقعية ـ حتى لا تجب عليه صلاة الاحتياط ـ من لوازم هذا الأصل.
فإذا ثبتت صحّة القول الأوّل فهنا بحث آخر وهو: هل الميزان في كيفية صلاة الاحتياط هو الشكّ الأوّل المحتمل ـ أي الشكّ بين الاثنتين والثلاث ـ أو الميزان هو الشكّ المتحوّل إليه وهو الشكّ بين الثلاث والأربع، ويظهر الأثر بين الوجهين في كيفية صلاة الاحتياط إذ على الأوّل يأتي بها ركعة عن قيام، وعلى الثاني يأتي بها بركعتين من جلوس؟
والظاهر من العلمين الجليلين (الحكيم والخوئي قدّس سرّهما)

صفحه 149
أنّ الميزان الشكّ الفعلي المتحوّل إليه، لا الشكّ الزائل.
يلاحظ عليه: أنّ الشكّ الأوّل أيضاً محفوظ في ظرفه كالشكّ الثاني، إذ هو مع قطع النظر عن الركعة التي بيده، شاكّ بين الاثنتين والثلاث ومع ملاحظة ما بيده من الركعة شاكّ بين الثلاث والأربع ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر.
نعم لو زال الشكّ الأوّل من رأس وتبدّل إلى شكّ آخر كما في بعض الموارد المتقدّمة كان لما ذكراه وجه، وبما أنّ مقتضى كلّ من الشكّين يغاير الآخر والجمع بين المقتضيين موجب لاحتمال الزيادة في الفريضة فتكون النتيجة عدم إمكان الاحتياط إلاّ نسبياً، وهو إمّا أن يأتي بركعة عن قيام أو بركعتين عن جلوس، فإذا أتى بإحدى الصلاتين يعلم بعدم وجوب الأُخرى إمّا لصحّة الصلاة قطعاً، أو لبطلانها كذلك، فاللازم عليه عندئذ الإعادة.
إنّما قلنا بعدم إمكان الاحتياط في المقام; لأنّ كيفية صلاة الاحتياط عند الشكّ بين الاثنتين والثلاث هو الركعة الواحدة عن قيام، وكيفية الاحتياط عند الشكّ بين الثلاث والأربع، هو الركعتان عن جلوس، فالعمل بمقتضى كلّ منهما يسُبِّب احتمال الزيادة في الصلاة; لأنّ المفروض أنّه فيها ولم يخرج بعد عنها.

صفحه 150

المسألة التاسعة والثلاثون

إذا تيقّن بعد القيام إلى الركعة التالية أنّه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهّداً، ثم شكّ في أنّه هل رجع وتدارك ثم قام، أو هذا القيام هو القيام الأوّل؟ فالظاهر وجوب العود إلى التدارك لأصالة عدم الإتيان بها بعد تحقّق الوجوب.
واحتمال جريان حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ; لأنّ المفروض أنّه فعلاً شاكّ وتجاوز عن محلّ الشكّ، لا وجه له، لأنّ الشكّ إنّما حدث بعد تعلّق الوجوب، مع كونه في المحلّ بالنسبة إلى النسيان، ولم يتحقّق التجاوز بالنسبة إلى هذا الواجب.*
* في المسألة وجهان:
الأوّل: وجوب العود إلى التدارك لأصالة عدم الإتيان بها بعد تحقّق الوجوب.
توضيحه: أنّ أمر القيام دائر بين كونه لغواً حيث قام من الركعة مع نسيان السجدة أو التشهّد، أو كونه قياماً مأموراً به، حيث إنّه هدم القيام اللغو وجلس وتدارك المنسيّ فقام ثانياً.

صفحه 151
ففي مثله لا تجري قاعدة التجاوز ويكون المحكَّم هو الاستصحاب; لأنّ جريان القاعدة مشروط بالتجاوز والدخول إلى الغير المترتّب عليه ولو ظاهراً وهو بعد مشكوك، إذ لو كان القيام أمراً لغواً لم يدخل في الغير، نعم لو كان القيام هو القيام المأمور به لدخل، فعندئذ يكون المورد شبهة مصداقية للقاعدة.
الثاني: جريان حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ; لأنّ المفروض أنّه فعلاً شاكّ وتجاوز عن محلّ الشكّ.
وأورد عليه المصنّف بوجهين.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الشكّ حدث بعد تعلّق الوجوب (حيث تيقّن بعد القيام إلى الركعة التالية أنّه ترك سجدة ثم شكّ).
وأمّا ثانياً: فبأنّه بالنسبة إلى النسيان في المحلّ ولم يتحقّق التجاوز بالنسبة إلى هذا الواجب.
وإن شئت قلت: إنّه وإن تجاوز عن المحلّ الشكّي، لكنّه لم يتجاوز عن المحلّ السهويّ.
ولا يخفى ضعف الوجه الثاني; لأنّ الميزان في جريان القاعدة هو التعدّي عن المحلّ الشكّي لا عن المحلّ السهويّ، بالدخول إلى الركن، نعم لو علم بترك الجزء أو الشرط نسياناً فما لم يدخل في الركن فالمحلّ السهويّ باق يرجع إليه، وإن كان المحلّ الشكّي قد تجاوز عنه، وليس المقام من هذا القبيل، بل الوجه في عدم جريان القاعدة ما ذكرنا من أنّ المقام شبهة مصداقية.

صفحه 152

المسألة الأربعون

إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً فبنى على الأربع، ثم أتى بركعة أُخرى سهواً فهل تبطل صلاته ـ من جهة زيادة الركعة ـ أم يجري عليه حكم الشكّ بين الأربع والخمس؟ وجهان، والأوجه: الأوّل.*
* إذا شكّ بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع ثم أتى سهواً بركعة أُخرى موصولة بما بنى عليه، فهنا وجهان:
الأوّل: بطلان صلاته.
الثاني: جريان حكم الشكّ بين الأربع والخمس بعد ضمّ الركعة.
وجه الأوّل أنّه إذا بنى على أنّ ما بيده ركعة رابعة بحكم الشرع صارت وظيفته التسليم والقيام بإتيان ركعة مفصولة، فإذا قام دون أن يسلّم فأضاف ركعة أُخرى فقد زاد في صلاته وعليه الإعادة. وليس المراد، الزيادة حسب الواقع بل أعمّ من الواقع أو حسب وظيفته الشرعيّة بعد البناء على الأكثر.
فإن قلت: إنّ الحكم بالبناء على الأربع قبل الإتيان بالركعة لا يثبت أنّ ما أتى خامسة حتى تكون زيادة في المكتوبة; لأنّ كونها

صفحه 153
خامسة من اللوازم العقلية لكون الركعة المتقدّمة رابعة.
قلت: إذا كان الواجب على المكلّف البناء على الأربع وبنى عليه فحُكم عليه شرعاً بأنّها ركعة رابعة، يجب عليه التسليم شرعاً، فإذا أضاف إليها ركعة موصولة يكون من مصاديق قوله: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».
فهناك صغرى وجدانية بفضل التعبّد بالبناء على الأربع، وهي أنّه في الرابعة وكبرى شرعيّة وهي قوله:«مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».
ويمكن تأييد القول بالبطلان بدليل آخر وهو أنّه يعلم إجمالاً أنّه مخاطب بأحد الأمرين:
1. إتمام الصلاة بركعة موصولة إن كانت معها في الواقع أربع ركعات.
2. إعادتها إن كانت معها خمس ركعات.
فلا محيص من الإعادة لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية.
وأمّا وجه الثاني فلأنّه عندما أضاف ركعة إلى ما بنى عليه بأنّه ركعة رابعة يتولّد منه شكّ آخر وهو الشكّ بين الرابعة والخامسة، والمدار في ترتيب أحكام الشكوك على الحالة الفعلية.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من قوله(عليه السلام): «إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلّم   2

صفحه 154

المسألة الحادية والأربعون

إذا شكّ في ركن بعد تجاوز المحلّ ثم أتى به نسياناً، فهل تبطل صلاته ـ من جهة الزيادة الظاهرية ـ أو لا ـ من جهة عدم العلم بها بحسب الواقع ـ؟ وجهان، والأحوط الإتمام والإعادة.*
Eبعدهما»(1)، هو الشكّ الحادث ابتداءً بين الأربع والخمس، لا المتحوّل إليه بعد ما كان الشكّ بين الثلاث والأربع.
* إذا شكّ في أنّه ركع أو لا، بعد ما سجد، ثم قام وركع نسياناً، فهل تبطل صلاته أو لا؟ وجهان:
الأوّل: البطلان من جهة الزيادة الظاهرية.
الثاني: الصحّة لعدم العلم بالزيادة حسب الواقع.
أمّا المصنّف فلم يختر قولاً وإنّما احتاط بالإتمام والإعادة.
ولكن الظاهر هو الوجه الأوّل، وذلك لأنّه لمّا شكّ في الركن بعد تجاوز المحلّ صار موظفاً بالمضىّ ظاهراً، وعندئذ فالإتيان بالركوع نسياناً يُعدّ زيادة حسب الظاهر في الوظيفة، فيشمله قوله(عليه السلام):«إذا استيقن أنّه قد زاد في الصلاة المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها،

1 . الوسائل:5، الباب14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 155
واستقبل الصلاة استقبالاً إذا كان قد استيقن يقيناً».(1)
وبعبارة أُخرى: أنّ المستفاد من الروايات أنّ مَن شكّ في الركوع بعد ما سجد، يمضي في صلاته، ففي صحيحة حمّاد بن عثمان: أشكّ وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: «إمض».(2)وبهذا المضمون روايات أُخرى مذكورة في نفس الباب.
فالوارد في هذه الروايات هو المضيّ في الصلاة، ولكن ورد في بعض الروايات التعبّد بوقوع المشكوك; ففي صحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع».(3)
فإذا كان الحكم الظاهري هو المضيّ بل التعبّد بالركوع، فالعود إليه بإتيان الركن المشكوك تركه، يُعدّ زيادة في المكتوبة.
وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني حيث قال: تصحّ الصلاة لعدم العلم بالزيادة حسب الواقع.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للزيادة هو الزيادة حسب حكم الشرع، سواء أكانت زيادة في الواقع أو لا، والمفروض أنّ المصلّي إذا شكّ في الركوع بعد ما دخل في الركن محكوم بالمضيّ والتعبّد بالوقوع، فيُعدّ إتيانه بالركوع نسياناً، زيادة.

1 . الوسائل:4 ، الباب14 من أبواب الركوع، الحديث1.
2 . الوسائل:4، الباب13 من أبواب الركوع، الحديث1.
3 . الوسائل:4، الباب13 من أبواب الركوع، الحديث6.

صفحه 156

المسألة الثانية والأربعون

إذا كان في التشهّد فذكر أنّه نسي الركوع ومع ذلك شكّ في السجدتين أيضاً ففي بطلان الصلاة ـ من حيث إنّه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنّه أتى بالسجدتين فلا محلّ لتدارك الركوع ـ أو عدمه، إمّا لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من إجرائها بطلان الصلاة، وإمّا لعدم إحراز الدخول في ركن آخر، ومجرّد الحكم بالمضيّ لا يثبت الإتيان، وجهان، والأوجه الثاني.
ويحتمل الفرق بين سبق تذكّر النسيان وبين سبق الشكّ في السجدتين، والأحوط العود إلى التدارك، ثم الإتيان بالسجدتين وإتمام الصلاة، ثم الإعادة، بل لا يترك هذا الاحتياط.*
* المسألة مؤلّفة من أُمور ثلاثة:
1. كونه في حال التشهّد.
2. الشكّ في الإتيان بالسجدتين.
3. العلم بترك الركوع في حال الشكّ.
ففي المسألة وجوه:

صفحه 157
الأوّل: بطلان الصلاة.
الثاني: صحّة الصلاة.
الثالث: التفصيل بين سبق تذكّر النسيان على الشكّ في السجدتين، فتصحّ الصلاة، وبين سبق الشكّ في السجدتين على تذكّر النسيان، فتبطل.
أمّا الأوّل ـ أي الحكم بالبطلان ـ فلأنّ الشكّ في السجدتين بمعنى التعبّد بالمضيّ وتحقّق السجدتين في محلّهما، فإذا علم في هذه الحالة بترك الركن امتنع تداركه; لأنّه دخل في الركن، أي السجدتين، وكلّ مَن ترك ركناً سهواً ثمّ تذكّر بعد دخوله في الركن الثاني يحكم على صلاته بالبطلان، وهذا نظير مَن نسي الركوع بعدما سجد قطعاً فكما يحكم عليه بالبطلان، فهكذا حكم مَن سجد ـ أي أتى بالركن تعبّداً ـ وعلم بترك الركوع.
وبعبارة أُخرى: تنزيل التعبّد بوقوع السجدتين منزلة تحقّق السجود الواقعي، فكما أنّ العلم بترك الركن إذا دخل في الركن الآخر مبطل في الثاني، فهكذا في الأوّل.
وأمّا الثاني أي صحّة الصلاة فقد ذكر المصنّف له وجهين:
أوّلهما: عدم جريان قاعدة التجاوز في مورد السجدتين وإن شكّ فيهما عند التشهّد، وذلك لأنّ الغاية من جريانها هي تصحيح الصلاة لا بطلانها، كما هو اللازم من جريانها في المقام على ما عرفت.

صفحه 158
ثانيهما: إذا ترك الإنسان الركن نسياناً فإذا تذكّر في ركن حقيقي، يحكم على الصلاة بالبطلان، وليس المقام كذلك، إذ لا يلزم من حكم المضيّ في الصلاة والتعبّد بالسجدتين، الدخول في ركن واقعي، إذ غاية ما يستفاد من الروايات التعبّد بالمضيّ، أي المضيّ بالصلاة.
وهذا الوجه أوجه ولك أن تمنع جريان القاعدة في المقام، وذلك لوجهين:
الأوّل: أنّك قد عرفت أنّ مصبّ القاعدة عبارة عن التجاوز عن الشيء والدخول في الغير، المترتّب على ما سبق ولو ظاهراً حسب عقيدته، والمقام ليس كذلك، إذ ليس التشهّد أمراً مترتّباً على ما سبق; لأنّه عمل زائد وقع في غير محلّه بشهادة أنّه تيقّن بترك الركوع، ومعه كيف يقع التشهّد أمراً مترتّباً على ما سبق.
الثاني: أنّ الغاية من إجراء القاعدة هوالتعبّد بالشيء على نحو لو تحقّق يقع في محلّه كما هو الحال في كلّ مشكوك بعد التجاوز عنه، وأمّا المقام فإنّ التعبّد بوجود السجدتين في محلّهما تعبدٌ على وجود شيء غير واقع في محلّه، بل هو أمر زائد لا يُعتدّ به لافتراض أنّه ترك الركوع، فالتعبّد عند التشهّد بوجود السجدتين مع العلم بترك الركوع تعبّد على وجود شيء لو فرض تحقّقه واقعاً لوقع في غير محلّه، فالقاعدة غير جارية في المقام، فعلى هذا فهو يقوم ويركع ثم يسجد ويتشهّد ويتمّ الصلاة.

صفحه 159
وأمّا الوجه الثالث، أعني: التفصيل بين سبق التذكّر بنسيان الركوع على الشكّ بالسجدتين فيحكم بالصحّة، وبين سبق الشكّ بالسجدتين على التذكّر بنسيان الركوع فيحكم بالبطلان.
أمّا إذا علم بترك الركوع ثم شكّ بالسجدتين فهو حينئذ يصير محكوماً بالرجوع لتدارك الركوع قبل التعبّد بوجود السجدتين فيكون مانعاً عن الاعتداد بالشكّ، وبالتالي لا تجري قاعدة التجاوز فيقوم فيركع ثم يسجد ثم يتشهّد، بخلاف ما إذا سبق الشكّ في السجدتين على العلم بترك الركوع، فإنّ الشكّ الحادث قبل التذكّر يكون موضوعاً لقاعدة التجاوز ومحكوماً بالتعبّد بتحقّق السجدتين فعندئذ يمتنع التدارك، لأنّه ترك الركن بعد الدخول في ركن آخر، ومن المعلوم أنّ حكمه البطلان.
يلاحظ على الشقّ الثاني بما عرفت من أنّ سبق الشكّ في السجدتين على العلم بترك الركوع لا يصحّح جريان القاعدة، لما عرفت من أنّ مصبّ القاعدة هو التعبّد بوجود الشيء في محلّه الشرعي، والتعبّد هنا بالسجدتين مع العلم بترك الركوع قبله ليس تعبّداً بالشيء في محلّه، وتأخّر العلم بترك الركوع لا يكفي في جريان القاعدة، فإنّ العلم بترك الركوع وإن كان متأخّراً لكن المكشوف وهو ترك الركوع في ظرفه متقدّم على الشكّ في السجدتين، وهو كاف في منع جريان القاعدة.

صفحه 160

المسألة الثالثة والأربعون

إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً وعلم أنّه ـ على فرض الثلاث ـ ترك ركناً أو ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو، لا إشكال في البناء على الأربع وعدم وجوب شيء عليه، وهو واضح.
وكذا إذا علم أنّه ـ على فرض الأربع ـ ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو، لعدم إحراز ذلك بمجرّد التعبّد بالبناء على الأربع، وأمّا إذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ركناً أو غيره ممّا يوجب بطلان الصلاة فالأقوى بطلان صلاته، لا لاستلزام البناء على الأربع ذلك ـ لأنّه لا يثبت ذلك ـ بل للعلم الإجمالي بنقصان الركعة أو ترك الركن مثلاً، فلا يمكن البناء على الأربع حينئذ.*
* للمسألة صور:
1. إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً وعلم أنّه ـ على فرض الثلاث ـ ترك ركناً.

صفحه 161
2. إذا شكّ بين الثلاث والأربع وعلم أنّه ـ على فرض الثلاث ـ ترك ما يوجب القضاء أو سجود السهو.
3. إذا شكّ بين الثلاث والأربع وعلم أنّه ـ على فرض الأربع ـ ترك ركناً أو غيره ممّا يوجب بطلان الصلاة.
4. إذا شكّ بين الثلاث والأربع وعلم أنّه ـ على فرض الأربع ـ ترك ما يوجب القضاء أو سجود السهو.
وقد أفتى المصنّف بصحّة البناء على الأربع وعدم وجوب شيء عليه في الصورتين الأُوليين، إذ غايته بعد البناء على الأربع احتمال فوات ركن أو شيء ممّا يوجب القضاء أو سجود السهو، والمرجع فيهما قاعدة التجاوز، فيشمله إطلاق ما دلّ على البناء على الأكثر، وإن احتمل فوات الركن أو فوات شيء يوجب القضاء أو سجود السهو.
كما أفتى بالصحّة في الصورة الرابعة أيضاً; لأنّ البناء على الأربع تعبّداً لا يثبت أنّه ترك ما له قضاء أو سجود سهو، إذ مجرّد التعبّد بالبناء على الأربع لا يقتضي إحراز الترك.
وإن شئت قلت: إنّ البناء على الأربع ليس أمارة حتى تثبت لوازمها بل هو حكم لمعالجة الشكّ بين الثلاث والأربع ظاهراً، ولا تثبت بهذه المعالجة لوازمها من ترك ما له قضاء أو سجود سهو.
وهذه الصور الثلاث محكومة عند المصنّف بالصحّة.
نعم أفتى بالبطلان في الصورة الثالثة ـ أعني: إذا علم أنّه ـ على

صفحه 162
فرض الأربع ـ ترك ركناً.
أمّا وجه البطلان فليس لأجل أنّ البناء على الأربع لا يفارق ترك الركن ويثبت لازمه، بل لأجل العلم الإجمالي بأحد الأمرين:
أ. نقصان الركعة على فرض الثلاث.
ب. ترك الركن على فرض الأربع.
ومع هذا العلم الإجمالي لا يمكن البناء على الأكثر.
هذا توضيح ما في المتن.
***
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحقّ هو بطلان الصلاة في كلتا الصورتين، أي ما إذا قارن الشكّ ترك الركن من غير فرق بين فرض الثلاث وفرض الأربع، وإليك التوضيح.
أمّا الأُولى، أعني: ترك الركن على فرض أنّ ما بيده ثلاثاً، فإذا بنى على الأربع فيعلم إجمالاً إمّا أنّ الصلاة باطلة على فرض كون ما بيده ثلاثاً واقعاً لاقترانه بترك الركن، أو مستغنية عن صلاة الاحتياط على فرض كون ما بيده أربعاً واقعاً، إذ عندئذ تكون صلاة الاحتياط لغواً. وبعبارة أُخرى: يعلم إجمالاً إمّا أنّ صلاته باطلة أو أنّ صلاة الاحتياط لغو، ومقتضى قاعدة الاشتغال إعادة الصلاة، فلا يمكن الجمع بين صحّة الصلاة والبناء على الأكثر.
وإن شئت قلت: أنّ ما بيده ـ على فرض الثلاث ـ ممّا ترك فيه الركن، وعلى فرض الأربع فهو مستغن عن صلاة الاحتياط، فكيف

صفحه 163
يبني على الأربع ويأتي بصلاة الاحتياط؟
وأمّا الثانية، أعني: ترك الركن على فرض أنّ ما بيده أربعاً، فإنّه يعلم إجمالاً ـ كما مرّ في كلام المصنّف ـ إمّا بطلان الصلاة على فرض كون ما بيده أربعاً لاقترانه بترك الركن، أو نقصان الصلاة على فرض الثلاث، ومعه كيف يبني على الأربع؟
وبعبارة أُخرى: لو كان ما بيده رابع الركعات واقعاً فقد ترك الركن، ولو كان ثالث الركعات فليس له البناء على الأكثر بل على الأقل، ومعه كيف يبني على الأربع؟
وما عن بعض الأعاظم(قدس سره) من عدم منجّزية هذا العلم الإجمالي، إذ يمكن جبر نقصان الصلاة، بصلاة الاحتياط، وأمّا بطلان الصلاة بترك الركن فيندفع بإجراء قاعدة التجاوز ولا تلزم مخالفة عملية لإمكان أن يكون ما بيده ثلاثاً يتمّ نقصه بصلاة الاحتياط، غير تام إذ على الاحتمال الأخير يجب أن يبني على الأقل لا على الأكثر، فكيف يبني عليه، مع أنّ وظيفته الإتيان بالركعة موصولة؟
***
فلنرجع إلى الصورتين الباقيتين أعني: ما يلازم وجوب القضاء بعد الصلاة أو سجود السهو، وإليك بيانهما:
فإذا شكّ بين الثلاث والأربع وعلم أنّه ـ على فرض الثلاث ـ ترك ما يوجب القضاء أو سجود السهو، فقد مرّ أنّ المصنّف أفتى بالصحّة وعدم الاعتناء بترك ما يوجب القضاء أو سجود السهو.

صفحه 164
وجهه: أنّه إمّا ترك السجدة ـ على فرض الثلاث ـ أو لم يترك ـ على فرض الأربع ـ والمفروض أنّه بنى على الأربع فالنقص المفروض على فرض الثلاث لا أثر له بعد كون الوظيفة هو البناء على الأربع فيتمّ الصلاة على الأربع ويأتي بصلاة الاحتياط دون قضاء السجدة أو الإتيان بسجود السهو.
وأمّا إذا شكّ بين الثلاث والأربع وعلم أنّه ـ على فرض الأربع ـ ترك ما يوجب القضاء أو سجود السهو، فالبناء على الأربع لا يلازم إحراز النقص أو وجوب سجود السهو، لعدم إحراز سبب القضاء وجداناً.
نعم الفرض المذكور يتمّ إذا شكّ بين الثلاث والأربع وهو راكع وإلاّ فلو كان قائماً يجب عليه العود لقضاء السجدة; لأنّ السجدة الواحدة إنّما تقضى إذا علم بالنقص بعد الدخول في الركن أو الخروج عن الصلاة إذا كان النقص في الركعة الأخيرة، وأمّا في غيرهما فيجب عليه العود للتدارك.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
إنّ الشكّ إذا كان مقروناً بالعلم بترك الركن على فرض، وبعدمه على فرض آخر، تبطل الصلاة. وأمّا إذا كان ملازماً لقضاء شيء أو الإتيان بسجود السهو فيبني على الأربع ولا شيء عليه، من غير فرق بين فرض الثلاث أو الأربع.

صفحه 165

المسألة الرابعة والأربعون

إذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها، فإن أتى بالجلوس بين السجدتين ثم نسي السجدة الثانية يجوز له الانحناء إلى السجود من غير جلوس.
وإن لم يجلس أصلاً وجب عليه الجلوس ثم السجود.
وإن جلس بقصد الاستراحة والجلوس بعد السجدتين ففي كفايته عن الجلوس بينهما وعدمها وجهان، الأوجه: الأوّل.
ولا يضر نيّة الخلاف، لكن الأحوط الثاني، فيجلس ثم يسجد.*
* إذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها، فلا شكّ في وجوب العود لتدارك السجود، وإنّما الكلام في كيفية العود، فقد ذكر المصنّف صوراً:
1. إذا جلس بين السجدتين لكن نسي السجدة الثانية فقام إلى الركعة.
2. لم يجلس أصلاً.

صفحه 166
3. إذا اعتقد أنّها الثانية فجلس بعنوان جلسة الاستراحة والجلوس بعد السجدتين.
أمّا الأُولى فقد أفتى المصنّف بجواز الانحناء إلى السجود من غير جلوس; وذلك لأنّه جلس بين السجدتين، فهذا الجلوس يكفي للسجدة الثانية ولذلك يهوي من القيام إلى السجود من غير جلوس.
وأمّا الثانية ـ أعني: ما إذا لم يجلس أصلاً ـ وجب عليه الجلوس ثم السجود.
وأمّا الثالثة، أي أنّه لو جلس بعد السجدة الأُولى باعتقاد أنّها السجدة الثانية فجلس بعنوان جلسة الاستراحة وبعنوان الجلوس بعد السجدتين، ففيه وجهان، واختار المصنّف كفايته. وعندئذ يهوي من القيام إلى السجود ولا تضرّ نيّة الخلاف حيث إنّه وإن نوى جلسة الاستراحة أي الجلسة بعد السجدتين ومع ذلك تحسب بعنوان الجلوس للسجدة الثانية، وذلك لأنّه من باب الخطأ في التطبيق وأنّه جلس لامتثال أمره سبحانه لكنّه زعم أنّ ما بيده السجدة الثانية فجلس للاستراحة ولو علم أنّها السجدة الأُولى لجلس للسجدة الثانية.
هذا إيضاح ما في المتن.
يلاحظ على قوله في الصورة الثانية ـ أعني: إذا قام ولم يجلس أصلاً فأفتى المصنّف بوجوب الجلوس ثم السجود ـ بأنّ إيجاب الجلوس مبني على أنّ الجلوس بين السجدتين أمر واجب لا صلة له

صفحه 167
بالسجدة الأُولى، وهناك احتمال آخر وهو أنّ الجلوس بعد السجدة الأُولى حدّ لرفع الرأس ومنتهاه وليس واجباً مستقلاًّ، فإذا كان حدّاً للسجدة الأُولى فلا يمكن تداركه; لأنّه من متمّمات السجدة الأُولى وليس له صلة بالسجدة الثانية، والمفروض أنّه سجد السجدة الأُولى فقام عن السجود بلا جلسة، ويمكن استظهار ذلك من الرواية التالية:
روى أبو بصير في حديث قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام): «فإذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتى ترجع مفاصلك، وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك، وإذا كنت في الركعة الأُولى والثانية فرفعت رأسك من السجود فاستتمّ جالساً حتى ترجع مفاصلك».(1) فإنّ المتبادر من قوله:«فاستتمّ جالساً» هو أنّ الجلوس حدّ لكمال السجدة وأنّها تكتمل بالجلوس تماماً، لا أنّه واجب من الواجبات حتى يقضى.
وعلى كلّ تقدير فقد أورد السيد الحكيم(رحمه الله) على الصورة الثالثة أعني: كفاية جلسة الاستراحة بزعم أنّها السجدة الثانية بقوله: لا يخلو من إشكال; لأنّ جلسة الاستراحة بناءً على كونها مستحبّة لا تكون من أجزاء الصلاة بل تكون فعلاً مستحبّاً للصلاة مباينة لأجزائها نظير سجدة الشكر المباينة لسجود الصلاة، فعنوانها يكون عنواناً تقييدياً يقابل عنوان الصلاة الملحوظ في أجزائها كذلك فيمتنع الاكتفاء بها عنها، إذ لابدّ في الأجزاء الصلائية من الإتيان بها

1 . الوسائل:4، الباب1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث9.

صفحه 168
بعنوان الصلاة وهو ينافي عنوان غيرها.(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ المصلّي منذ يدخل في الصلاة بالتكبيرة إلى أن يخرج منها بالسلام فهو في الصلاة ليس بخارج منها، حتى أنّ الحركات والسكنات والأذكار المستحبّة والواجبة كلّها من الصلاة، غاية الأمر أنّ الأذكار المستحبّة من أجزاء الصلاة الكاملة.
وبعبارة أُخرى: ليست الأذكار المستحبّة أمراً أجنبياً عن الصلاة حتى تكون الصلاة ظرفاً لها بأن يكون مثلها مثل أدعية شهر رمضان في نفس الشهر، حيث لا صلة للزمان بالدعاء سوى أنّه ظرف له ويقرأ فيه، بل لطبيعة الصلاة افراد عرضية وطولية تختلف من حيث الكمال والأكمل.
وثانياً: أنّ المورد من قبيل الخطأ في التطبيق والمصلّي بصدد امتثال الأمر الواقعي، ولكنّه تخيّل أنّ الأمر الواقعي تعلّق بجلسة الاستراحة، ولو علم ووقف على اشتباهه قبل الإتيان بالجلوس لجلس بنيّة الجلوس للسجدة الثانية.
هذا كلّه مبني على أنّ الجلوس واجب من الواجبات وليس حدّاً، كما مرّ في مناقشة الصورة الثانية.

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/660.

صفحه 169

المسألة الخامسة والأربعون

إذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهّد نسيان إحدى السجدتين وشكّ في الأُخرى، فهل يجب عليه إتيانهما ـ لأنّه إذا رجع إلى تدارك المعلوم يعود محلّ المشكوك أيضاً ـ أو يجري بالنسبة إلى المشكوك حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ؟ وجهان، أوجههما: الأوّل، والأحوط إعادة الصلاة أيضاً.*
* لا شكّ في أنّه يجب عليه العود لتدارك السجدة المعلوم فواتها; لأنّه وإن تجاوز عن المحلّ الشكّي ولكنّه لم يتجاوز عن المحلّ السهويّ، إنّما الكلام في السجدة الأُخرى المشكوك فواتها، فهل يجب عليه إتيانها أيضاً بحجّة أنّه إذا رجع لتدارك المعلوم يصير الشكّ بالنسبة إلى السجدة المشكوكة، شكّاً في المحلّ، أو يكون الشكّ حكمه حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ؟ وجهان.
اختار المصنّف الوجه الأوّل قائلاً بأنّه إذا رجع إلى تدارك المعلوم يعود محلّ المشكوك أيضاً.
وبعبارة أُخرى: إنّه قبل التدارك كان شكّه شكّاً بعد تجاوز

صفحه 170
المحلّ وبعد الرجوع إلى التدارك، انقلب شكّه بعد التجاوز إلى الشكّ في المحلّ.
يلاحظ عليه: أنّ الشكّ الأوّل أيضاً محفوظ في ظرفه ومكانه فالمصلي شاكّ أيضاً في ترك السجدة وعدمه ولم يزل باقياً بالنسبة إلى ظرفه، حتى بعد الرجوع والتدارك.
ومع ذلك فالقول الأوّل هو المتعيّن وذلك لأنّ التشهّد أو القيام لمّا كان أمراً زائداً غير مأمور به لعلمه بترك السجدة ولزوم الرجوع إليها، لا يصدق عليه أنّه قد دخل في الغير لأنّ المراد من الغير هو الغير الشرعي المترتّب عليه، لا الغير الباطل، أعني: التشهّد أو القيام، وهو في نفس الحالة لم يخرج عن المحلّ، فتكون السجدتان محكومتين بحكم واحد، وهو لزوم الرجوع.
ولا يخفى أنّ المصنّف وإن اختار الوجه الأوّل في المقام لكنّه تردّد في المسألة السابعة عشرة حيث قال: إذا علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه ترك التشهّد وشكّ في أنّه ترك السجدة أيضاً أو لا، يحتمل أن يقال: يكفي الإتيان بالتشهّد; لأنّ الشكّ بالنسبة إلى السجدة من قبيل الشكّ بعد الدخول في الغير الذي هو القيام فلا اعتناء به.
كما أنّه أفتى في المسألة التاسعة والخمسين ـ كما ستأتي ـ بخلاف المقام حيث قال: لو شكّ في شيء وقد دخل في غيره الذي وقع في غير محلّه... فالظاهر البناء على الإتيان، وأنّ الغير أعمّ من الذي وقع في محلّه أو كان زيادة في غير المحلّ، فلاحظ.

صفحه 171

المسألة السادسة والأربعون

إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً وبعد السلام ـ قبل الشروع في صلاة الاحتياط ـ علم أنّها كانت أربعاً ثم عاد شكّه، فهل يجب عليه صلاة الاحتياط ـ لعود الموجب وهو الشكّ ـ أو لا لسقوط التكليف عنـه حيـن العلم، والشكّ بعده شكّ بعد الفراغ؟ وجهان، والأحوط: الأوّل.*
* في المسألة احتمالات:
1. الرجوع إلى قاعدة الفراغ وعدم الإتيان بشيء باعتبار أنّه عَلِمَ أنّ الصلاة تامّة ثم شكّ.
2. الرجوع إلى قاعدة البناء على الأكثر لعود الشكّ الزائل الذي هو الموضوع للبناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط.
3. الرجوع إلى قاعدة الاشتغال وعدم الإتيان بالركعة، وضمّ ركعة موصولة.
4. احتمال بطلان الصلاة وعدم إمكان تصحيحها.
وإليك دراسة هذه الاحتمالات أو الأقوال:

صفحه 172
أمّا الاحتمال الأوّل أعني: الرجوع إلى قاعدة الفراغ وعدم لزوم الإتيان بشيء تالياً، فباعتبار أنّه «علم أنّها كانت أربعاً ثم عاد شكّه» والعلم بتمامية الصلاة ثم الشكّ فيها هو الموضوع لقاعدة الفراغ.
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ موضوع القاعدة هو الفراغ عن الفريضة متيقّناً بالصحّة والتمامية، ومجرّداً عن أي شكّ ثم عروض الشكّ بعد ذلك، لا مجرّد العلم بالتمامية ثم الشكّ فيها وإن تقدّمه الشكّ في الصحّة والتمامية، والمفروض في المقام أنّه خرج عن الصلاة شاكّاً ثم انقلب عالماً ثم صار شاكّاً، ومثل هذا خارج عن موضوع القاعدة، إذ ليس كلّ شكّ حادث بعد العمل موضوعاً لها، بل الشكّ إذا تلا الفراغ من الصلاة متيقّناً بصحّتها وتماميّتها.
ثانياً: أنّ مصبّ القاعدة حسب قوله(عليه السلام):«هو عندما يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» كون الفاعل أذكر حال العمل من حال الشكّ وأقرب إلى الواقع من الحالة الثانية، ولكن المفروض في المقام أنّ الحالتين سيّان فهو كان شاكّاً إلى حالة الفراغ في العمل كما صار شاكّاً أيضاً بعد العلم بالتمامية، فلم يكن حين العمل أذكر.
وأمّا الاحتمال الثاني ـ أعني: الرجوع إلى قاعدة البناء على الأكثر ـ فباعتبار أنّه كان شاكّاً بين الثلاث والأربع أثناء الصلاة وصار مكلّفاً بالبناء على الأكثر، فبنى عليه، وقد استمرّ الشكّ إلى الخروج من الصلاة، وبعده، وإن تخلّل بين الشكّين العلمُ بالتمامية، فيقع

صفحه 173
الكلام في شمول أدلّة البناء على الأربع على هذا النوع من الشكّ الذي تخلّل بينهما العلم بالتمامية، وعدمه.
ذهب السيد الخوئي إلى شمول الإطلاقات لمثل هذا الشكّ قائلاً: بعدم تقيّد الشكّ ـ في أدلّة البناء على الأكثر ـ بالاستمرار في لسان الدليل فلا مانع من شمول الإطلاق بلحاظ الشكّ العارض حال الصلاة ـ إلى أن قال: ـ و هذا النوع من الشكّ العائد بعد الزوال وإن كان غير الشكّ العارض بعد الصلاة، إلاّ أنّه من أجل كونه مسبوقاً بمثله فذاك الشكّ السابق بما أنّه لم يكن مقيّداً بالاستمرار فهو مشمول للإطلاق وإن انقطع، وعاد والذي لا يشمله خصوص المنقطع غيرالعائد لعدم بقاء محلّ لصلاة الاحتياط حينئذ.(1)
يلاحظ عليه: أنّ البناء على الأكثر بعد التسليم لو كان باعتبار الشكّ العارض في الأثناء فقد انعدم بالعلم بالتمامية، وإن كان البناء باعتبار الشكّ بعد العلم بالتمامية فهو ليس موضوعاً للبناء على الأكثر.
وبعبارة أُخرى: الذي كان هو الموضوع للبناء على الأكثر فقد زال ـ أعني: الشكّ في أثناء الصلاة إلى حالة التسليم ـ وإن كان هو الشكّ بعد العلم بالتمامية والصحّة فليس هو موضوعاً للبناء على الأكثر، فما هو الموضوع (الشكّ في الأثناء إلى وقت التسليم) قد

1 . مستند العروة الوثقى:7/261ـ262.

صفحه 174
انعدم، وما هو الموجود (الشكّ بعد العلم) ليس بموضوع. اللّهم إلاّ أن يقال: النظر العرفي يساعد على عود نفس الشكّ بعينه، لا مثله، وما ذكرت من حديث الانعدام ثم وجوده دقّة عقلية.
وأمّا الاحتمال الثالث وهو الرجوع إلى قاعدة الاشتغال واستصحاب عدم الإتيان وضمّ ركعة موصولة من دون تكبيرة بحجّة أنّه بعدُ في أثناء الصلاة عملاً بالاستصحاب ولم يخرج عنها، وعندئذ فلو كانت الصلاة تامّة يكون ما أتى به أمراً لغواً لا يضرّ بالصلاة، وإن كانت ناقصة يكون متمّماً لها. غاية الأمر أنّه زاد في صلاته تشهّداً وتسليماً بحكم البناء على الأربع، فيسجد لهما سجود السهو.
فإن قلت: لو كانت الصلاة تامّة فالركعة الموصولة تكون أمراً لغواً، وأمّا إن كانت ناقصة فالتسليم العمدي الصادر منه الواقع على الثلاث مفسد للصلاة وموجب للخروج عنها، فلا تصلح تلك الركعة للالتحاق والانضمام كي يتدارك بها النقص، فلا يقاس بمن سلّم على النقص سهواً حيث تُضمّ الركعة متّصلة بما سبق.
قلت: كان التشهّد والتسليم في الثالثة واقعاً، والمفروض رابعة، بأمر الشارع حيث إنّه شكّ في الأثناء بينهما فصار التشهّد والتسليم وظيفة له واقعاً في محلّه حسب الأمر الظاهري، ومثل هذا التسليم لا يُعدّ مخرجاً ومفسداً للصلاة.
والذي يشهد على ذلك أنّ من شكّ بين الثلاث والأربع فبنى

صفحه 175
على الأربع وسلّم ثم تبيّن النقص قبل صلاة الاحتياط يجب عليه أن يأتي بركعة موصولة وإن سلّم قبلها عن عمد بأمر من الشارع، وبهذه الركعة تكون صلاته صحيحة.
وأمّا الاحتمال الرابع فلا وجه له، بعد عدم كون الشكّ من المبطلات كالحدث والاستدبار، اللّهم إلاّ أن يمنع جريان القواعد الثلاث:
1. قاعدة الفراغ.
2. قاعدة البناء على الأكثر.
3. قاعدة الاشتغال والبناء على الأقل.
وقد عرفت أنّ المتعيّن هو الثالث، أو هو الأفضل.

صفحه 176

المسألة السابعة والأربعون

إذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من الأُولى ففي البناء على إتيانها ـ من حيث إنّه شكّ بعد تجاوز المحلّ أو الحكم بالبطلان لأوّله إلى الشكّ بين الواحدة والاثنتين ـ وجهان؟ والأوجه: الأوّل.
وعلى هذا فلو فرض الشكّ بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين، مع الشكّ في ركوع الركعة التي بيده وفي السجدتين من السابقة، لا يرجع إلى الشكّ بين الواحدة والاثنتين حتى تبطل الصلاة، بل هو من الشكّ بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال. نعم لو علم بتركهما مع الشكّ المذكور يرجع إلى الشكّ بين الواحدة والاثنتين، لأنّه عالم حينئذ باحتساب ركعتيه بركعة.*
* ما ذكره (قدس سره)إلى قوله: «الأوجه هو الأوّل»، لا يشكّل صورة المسألة بشهادة أنّه لم يقيّد الركعة الثانية بإكمال السجدتين، بل هو مقدّمة لتحقيق حال هذا النوع من الشكّ، هل هو شكّ بين الواحدة

صفحه 177
والاثنتين أو من قبيل الشكّ بين الاثنتين والثلاث .
فنقول: إذا دخل في سجود الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من الأُولى، فهنا وجهان:
الأوّل: البناء على إتيان الجميع من حيث إنّه شكّ بعد تجاوز المحلّ.
الثاني: الحكم بالبطلان لأنّ مرجعه إلى الشكّ بين الأُولى والثانية. حيث إنّ الشكّ في السجدتين للركعة الأُولى والشكّ في ركوع الركعة الثانية، شكّ في تحقّق الركعتين حيث إنّه لو ترك السجدتين من الأُولى فمعنى ذلك عدم تحقّق الركعة الأُولى، فيكون مرجع هذا الشكّ إلى الشكّ بين الأُولى والثانية.
ويظهر ممّا ذكره في المسألة 23 أنّ مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في تحقّق الركعتين وعدمه حيث قال فيها: إذا تذكّر ـ و هو في السجدة أو بعدها من الركعة الثانية مثلاً ـ أنّه ترك سجدة من الركعة الأُولى وترك أيضاً ركوع هذه الركعة، جعل السجدة التي أتى بها للركعة الأُولى وقام وقرأ وقنت وأتمّ صلاته.
فهذا يدلّ على أنّه في صورة العلم لم يخرج عن الركعة الأُولى ولذا يجعل السجدة التي بيده للركعة الأُولى ثم يقوم للإتيان بالركعة الثانية. وعليه يكون في صورة الشكّ شاكّاً في الخروج عن الركعة الأُولى .
ولكنّه (قدس سره) اختار الوجه الأوّل في المقام، أي إجراء قاعدة التجاوز

صفحه 178
في كلا الموردين: سجود الركعة الأُولى وركوع الركعة الثانية.
وعلى ما اختاره من أنّه شكّ بين الاثنتين والثلاث، فلو شكّ بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين مع الشكّ في ركوع الركعة التي بيده وفي السجدتين من السابقة، لا يرجع إلى الشكّ بين الأُولى والثانية حتى تبطل صلاته، بل من الشكّ بين الثانية والثالثة بعد الإكمال، ولعلّ وجهه أنّ هنا أمرين يقينيّين وأمرين مشكوكين.
أمّا الأوّلان: فركوع الركعة الأُولى... وسجود الركعة الثانية.
وأمّا الآخران: فسجود الركعة الأُولى... وركوع الركعة الثانية.
فالأوّلان محرزان بالوجدان، والآخران بقاعدة التجاوز.
يقول السيد الخوئي(رحمه الله): تتألّف الركعتان من ركوعين وسجدات أربع، وهو عقلاً محرز لجميع ذلك ولو بالتعبّد الشرعي بضميمة الوجدان إلى الأصل، فركوع الركعة الأُولى محرز بالوجدان وسجدتاها بالتعبّد، والركعة الثانية بعكس ذلك. فبحسب النتيجة يرتفع الشكّ عن الركعتين، فلا مقتضى للحكم بالبطلان، والعمدة تخلّل القيام في البين الفاصل بين الركعتين الذي به يتحقّق التجاوز عن السجدتين حسبما عرفت .(1)
أقول: أوّلاً: لا شكّ أنّه قبل جريان قاعدة التجاوز شاكّ في الصورة الأُولى بين الأُولى والثانية، فلو ترك السجدتين من الأُولى

1 . مستند العروة الوثقى:7/266.

صفحه 179
فهو بعد لم يخرج من الركعة الأُولى، فلو أتى بهما وشكّ في ركوع هذه الركعة فقد شكّ في تحقّق الركعة الثانية.
وهكذا الفرع الآخر، فبما أنّه شكّ في ركوع الركعة التي بيده يرجع شكّه بين الاثنتين والثلاث، حيث إنّ الركعة الثانية لم تحرز بعد، ومن المعلوم أنّ الشكّ بين الأُولى والثانية أو الاثنتين والثلاث مبطل للصلاة، فكيف يعالج بقاعدة التجاوز؟
وثانياً: سلّمنا جريان القاعدة في سجود الركعة الأُولى والركوع من الركعة الثانية وقد أُحرزا بالقاعدة، لكن الركعتين الأُولتين بما أنّه يعتبر فيهما الإحراز بالعلم أو العلمي، فلا تقوم مقامه الأُصول وما هو بمنزلتهما كقاعدة التجاوز.
ويشهد على ما ذكرنا أنّه لو شكّ في حال التشهّد بين الأُولى والثانية فيُحكم على صلاته بالبطلان، ولعلّ الوجه الثاني هو المتعيّن.

صفحه 180

المسألة الثامنة والأربعون

لا يجري حكم كثير الشكّ في صورة العلم الإجمالي، فلو علم ترك أحد الشيئين إجمالاً من غير تعيين يجب عليه مراعاته، وإن كان شاكّاً بالنسبة إلى كلّ منهما، كما لو علم حال القيام: أنّه إمّا ترك التشهّد أو السجدة، أو علم إجمالاً: أنّه إمّا ترك الركوع أو القراءة ـ و هكذا ـ أو علم بعد الدخول في الركوع: أنّه إمّا ترك سجدة واحدة أو تشهّداً، فيعمل في كلّ واحد من هذه الفروض حكم العلم الإجمالي المتعلّق به، كما في غير كثير الشكّ.*
* لا شكّ أنّ كثير الشكّ لا يعتني بشكّه لقوله(عليه السلام):«إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».(1)
والمتبادر منه ومن سائر الروايات الواردة في هذا الموضوع، هو الشكّ المجرّد عن العلم وأنّ حكم الشكّ بما هو هو ملغىً في حقّ

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1. ولاحظ سائر أحاديث الباب.

صفحه 181
هذا الصنف. وأمّا العلم ـ وإن كان محتفّاً بالشكّ والتردد في المتعلّق ـ فلا دليل على إلغائه فلا يشمله قوله(عليه السلام):«فإذا كان الرجل يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو»(1) كما في رواية أُخرى.
وعلى هذا فيجب عليه أن يعمل بمقتضى العلم ويصير حكمه كحكم الصنف الآخر الذي لا يكثر سهوه. وقد أتى المصنّف بالأمثلة التالية:
1. إذا علم حال القيام أنّه ترك إمّا التشهّد أو السجدة.
2. إذا علم حال القيام أنّه ترك الركوع أو القراءة.
3. إذا علم بعد الدخول في الركوع أنّه إمّا ترك سجدة واحدة أو تشهّد.
فيعمل في كلّ واحد منها بمقتضى العلم الإجمالي.
وتظهر الثمرة فيما إذا شكّ مرّتين مجرّداً عن العلم الإجمالي وشكّ مرّة ثالثة مقروناً به فليس له أن يعامل مع الثالث معاملة كثير الشكّ، بل يجب أن يعمل معه على مقتضى القواعد وإليك بيانه:
أمّا الأوّل فهو وإن تجاوز عن المحلّ الشكّي لافتراض أنّه عرضت عليه هذه الحالة وهو قائم، فلو كان شاكّاً شكّاً غير مقرون بالعلم الإجمالي لجرت فيه قاعدة التجاوز، ولكن المحلّ السهويّ بعد باق لافتراض أنّه علم بسهوه قبل الدخول في الركن، فيعمل

1 . الوسائل:5، الباب17 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث7.

صفحه 182
بمقتضى العلم الإجمالي فيهدم القيام ويجلس للسجدة ثم يسجد ويتشهّد.
وأمّا الثاني فبما أنّ الشكّ متعلّق بالركعة التي بيده فيجمع بين القراءة والركوع.
ويجمع القسمان كون الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي قبل تجاوز المحلّ السهويّ، أي قبل الدخول في الركن بخلاف الثالث الآتي.
وأمّا الثالث، أعني: إذا علم بعد الدخول في الركوع أنّه ترك إمّا سجدة واحدة أو تشهّداً، فيقضيهما بعد الصلاة.

صفحه 183

المسألة التاسعة والأربعون

لو اعتقد أنّه قرأ السورة ـ مثلاً ـ و شكّ في قراءة الحمد فبنى على أنّه قرأها لتجاوز محلّه، ثم بعد الدخول في القنوت تذكّر أنّه لم يقرأ السورة، فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضاً، لأنّ شكّه الفعلي وإن كان بعد تجاوز المحلّ بالنسبة إلى الحمد إلاّ أنّه هو الشكّ الأوّل الذي كان في الواقع قبل تجاوز المحلّ، وحكمه الاعتناء به، والعود إلى الإتيان بما شكّ فيه.*
* إذا اعتقد أنّه قرأ السورة مثلاً وشكّ في قراءة الحمد فبما أنّه ـ حسب اعتقاده ـ دخل في الغير، بنى على أنّه قرأ الحمد في محلّها، فصار الحمد محرزاً بالأصل والسورة بالعلم، ثم دخل في القنوت فتذكّر أنّ اعتقاده بقراءة السورة لم يكن صحيحاً وأنّه لم يقرأ السورة.
فهل علمه بعدم قراءة السورة يضرّ بقاعدة التجاوز التي أجراها في جانب الحمد، وعندئذ يجب تدارك الحمد والسورة، أو لا يضرّ، فيكتفي بتدارك السورة المعلوم تركها؟

صفحه 184
استظهر المصنّف الوجه الأوّل، قائلاً بأنّ شكّه الفعلي في حال القنوت وإن كان بعد تجاوز المحلّ بالنسبة إلى الحمد إلاّ أنّه هو الشكّ الأوّل الذي كان في الواقع قبل تجاوز المحلّ، وحكمه الاعتناء به والعود إلى الإتيان بما شكّ فيه.
أقول: ما ذكره متين وتوضيحه: أنّ شكّه في الحمد شكّ في المحلّ لأنّ توهّم كون الشكّ فيه تجاوزاً عن المحلّ، إن كان لأجل التجاوز عنه إلى السورة، فالمفروض أنّه لم يقرأها، وإن كان لأجل الدخول في القنوت فالمفروض أنّه وقع في غير محلّه، لأنّ محلّه بعد السورة والمفروض أنّه لم يأت بها، فتكون النتيجة أنّ شكّه بالنسبة إلى الحمد في محلّه.

صفحه 185

المسألة الخمسون

إذا علم أنّه إمّا ترك السجدة أو زاد ركوعاً فالأحوط قضاء السجدة، وسجدتا السهو، ثم إ عادة الصلاة، ولكن لا يبعد جواز الاكتفاء بالقضاء وسجدة السهو، عملاً بأصالة عدم الإتيان بالسجدة وعدم زيادة الركوع.*
* إذا علم أنّه إمّا ترك سجدة أو زاد ركوعاً وفرضنا عدم إمكان تدارك السجدة كما لو كان بعد الدخول في الركن، ومثله ما إذا حصل هذا العلم بعد الصلاة، فهنا وجهان:
الأوّل: العمل بمقتضى العلم الإجمالي وهو قضاء السجدة مع سجود السهو والإعادة; وذلك لأنّ مقتضى العلم الإجمالي بالنسبة إلى السجدة هو القضاء بعد الصلاة وسجود السهو، وبالنسبة إلى زيادة الركوع، الإعادة، فتكون النتيجة الجمع بين قضاء السجدة وسجود السهو مع إعادة الصلاة.
الثاني: الاكتفاء بقضاء السجدة وسجود السهو دون الإعادة وذلك لسقوط قاعدة التجاوز في كلّ من الجانبين للتعارض، فالمرجع هو الأصل وهو بالنسبة إلى السجدة عدم الإتيان، فيجب

صفحه 186
قضاؤها مع سجود السهو، وبالنسبة إلى زيادة الركوع فهو عدم الزيادة.
هذا ما ذكره المصنّف بإيضاح منّا، ويمكن أن نصل إلى نفس ما قاله لكن لا من جهة سقوط القاعدتين والعمل بالأصل في الجانبين، بل من جهة القول بجريان القاعدة في جانب الركوع دون جانب السجود; وذلك لأنّ جريانه في جانب السجود إنّما ينفع إذا أحرزت صحّة الصلاة من سائر الجوانب، وأمّا المقام فإحراز السجود في محلّه لا ينفع مع احتمال بطلان الصلاة لأجل زيادة الركوع، وعندئذ تخرج السجدة عن تحت القاعدة وتبقى زيادة الركوع تحتها.
وإن شئت قلت: إذا دار الأمر بين الأصل المتمّم كما في جانب السجدة والأصل المصحّح كما في جانب زيادة الركوع فالثاني مقدّم; لأنّ الجمع بينهما غير ممكن لوجود العلم الإجمالي بوجود الخلل في الصلاة، وتقديم الأصل في جانب السجدة غير مفيد; لأنّ صحّة الصلاة بعد أيضاً مشكوكة غير محرزة، فيتعيّن جريان القاعدة في جانب زيادة الركوع، فتكون النتيجة تقديم جريان القاعدة لغاية التصحيح على جريانها لغاية التتميم على ما ذكره بعض الأعاظم(قدس سره). وعلى ما ذكرنا فلا فرق بين كون الشكّ في أثناء الصلاة لشرط التجاوز عن المحلّ، أو بعد الصلاة.
إلى هنا تبيّن أنّ الأقوى الوجه الثاني وهو قضاء السجدة فقط دون الإعادة.

صفحه 187
نعم ربّما يؤيّد الوجه الأوّل ـ أي بطلان الصلاة ـ بعدم جريان القاعدة في جانب زيادة الركوع; لأنّ القاعدة مختصّة بالأجزاء والشروط دون الموانع، وزيادة الركوع من الموانع، فتكون النتيجة هو قضاء السجدة مع سجود السهو، والإعادة، لكن الوجه ضعيف لعموم القاعدة لكلّ ما يخلّ بالصلاة بحجّة أنّه حين العمل أذكر، وكما أنّها تجري في إحراز الأجزاء والشروط، تجري لإحراز عدم الموانع والقواطع، فلو شكّ في كون مكانه غصباً أو لا، أو شكّ في صدور الفعل الكثير منه حال الصلاة، يحكم على صلاته بالصحّة.

صفحه 188

المسألة الحادية والخمسون

لو علم أنّه إمّا ترك سجدة من الأُولى أو زاد سجدة في الثانية، وجب عليه قضاء السجدة والإتيان بسجدتي السهو مرّة واحدة، بقصد ما في الذمّة من كونهما للنقيصة أو للزيادة.*
* لو علم أنّه إمّا ترك سجدة من الركعة الأُولى، أو زاد سجدة في الركعة الثانية، فاحتمال ترك السجدة نسياناً مرفوض لقاعدة التجاوز، لكن تعارضها أصالة عدم زيادتها في الركعة الثانية، فتتساقطان وتصل النوبة إلى الأخذ بمقتضى العلم الإجمالي من لزوم قضاء السجدة، لأجل احتمال النقيصة وسجدة السهو لاحتمال الزيادة، فيأتي بسجود السهو مرّة واحدة بقصد ما في الذمّة لتردّده بين كونها للزيادة أو للنقيصة.
هذا ما يرجع إلى إيضاح المتن ثم إنّه ربّما يناقش في وجوب سجدتي السهو بقصد ما في الذمّة، وأُخرى في وجوب قضاء السجدة.
أمّا الأوّل: فربّما يقال: إنّه يأتي بسجود السهو لخصوص

صفحه 189
النقيصة فقط، لا، لأعمّ من النقيصة والزيادة; وذلك لأنّ مقتضى الأصل العملي في مورد السجدة المنسية، هو عدم الإتيان، وفي مورد السجدة الثانية، المحتملة الزيادة، هو عدمها، فإذن يتعيّن سجود السهو، لأجل النقيصة، لا للزيادة، لما عرفت من أنّ الأصل عدمها.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه كيف يجوز العمل بالأصلين مع العلم بكذب أحدهما فيتساقطان للتعارض.
وثانياً: ما ذكره خلاف المفروض عند المصنّف، لانّ أصالة عدم الزيادة سقطت عن الاعتبار لأجل معارضته مع قاعدة التجاوز في جانب ترك السجدة، فلا يرجع إليها، بعد التساقط، ولذا قلنا بأنّ ما ذكره في المتن مبني على أنّه مقتضى العلم الإجمالي بأحد الخللين.
وأمّا الثاني: أي المناقشة في وجوب قضاء السجدة فربّما يقال: بأنّ الواجب عليه عندئذ هو سجود السهو فقط، لا مع قضاء السجدة، لأنّه يتولّد من العلم الإجمالي (بأنّه إمّا ترك سجدة أو زاد سجدة أُخرى)، علم تفصيلي بوجوب سجدة السهو على كلّ تقدير سواء أنقص أم زاد، وشكّ بدوي في وجوب قضاء السجدة، فيقتصر بسجود السهو فقط.
وإن شئت قلت: إنّ ما ذكر في صدر البحث من معارضة قاعدة التجاوز مع أصالة عدم الزيادة غير تام، لأنّ الأثر المطلوب من الأصل الثاني، هو رفع وجوب سجود السهو، لكنّه غير مرفوع للعلم التفصيلي بوجوبه عليه، سواء أزاد أم نقص، وعندئذ يسقط الأصل

صفحه 190
في جانب الزيادة عن الاعتبار وتجري قاعدة التجاوز في جانب السجدة محتملة الترك، فيؤخذ بالمعلوم تفصيلاً وهو وجوب سجود السهو عليه، وتجري البراءة في المشكوك.
يلاحظ عليه: بأنّ العلم التفصيلي بوجوب سجدتي السهو نابع من العلم الإجمالي بأنّه إمّا ترك سجدة أو زاد سجدة، ومثل هذا العلم الإجمالي إنّما يصير سبباً للانحلال إلى العلم التفصيلي بوجوب سجدتي السهو، إذا كان باقياً بحاله لا ما إذا زال ـ كما هو الحال في المقام ـ حيث إنّ القائل بوجوب سجدتي السهو مع العلم التفصيلي يجري البراءة عن قضاء السجدة التي كانت عِدلاً للعلم الإجمالي المولّد للعلم التفصيلي
وقد أورد مثل هذا الإشكال على من قال بالبراءة العقلية عند الشكّ في الأقل والأكثر الارتباطيّين، فراجع كفاية الأُصول.

صفحه 191

المسألة الثانية والخمسون

لو علم ـ بعد الصلاة ـ أنّه إمّا ترك سجدة أو تشهّداً، وجب الإتيان بقضائهما وسجدة السهو مرّة.*
* الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها واضح فقد تعلّق العلم الإجمالي في المسألة السابقة بخلل مردّد بين النقيصة والزيادة بخلاف المقام فإنّه تعلّق بترك أحد الواجبين: إمّا السجدة أو التشهّد، فقاعدة التجاوز في كلّ من الطرفين تسقط بالتعارض فيؤخذ بمقتضى العلم الإجمالي وهو الإتيان بكلا المحتملين من السجدة والتشهّد، بناء على وجوب قضاء كلّ منسيّ حتى التشهّد ووجوب سجدة السهو لكلّ منسيّ، وإلاّ فلو قيل بوجوب القضاء في خصوص السجدة ـ لا التشهّد ـ وبوجوب سجدة السهو في التشهّد لا السجدة، يأتي بالسجدة، ويسجد سجدتي السهو لخصوص التشهّد لا، للأعم منه ومن السجدة، كما في المتن.
ومع ذلك فالأحوط إعادة الصلاة لأنّه لو أتى بالسجدة ثم بالتشهّد، يحتمل أن يكون المنسيّ في الواقع هو التشهّد، فيلزم

صفحه 192
الفصل بين الصلاة والتشهّد، بشيء زائد ـ أعني: سجدة ـ غير مأمور به شرعاً، وإن وجب عقلاً، تحصيلاً للقطع بالامتثال، ولو عكس وقدم التشهّد على السجدة يمكن أن يكون المنسىّ هو السجود، فيلزم الفصل بين الصلاة والجزء الواجب (السجدة) بأمر أجنبي وهو التشهّد الذي ليس بمأمور به.
فإن قلت: إذا علم أنّه ترك السجدة الثانية من الركعة التي قام عنها، يجب عليه هدم القيام والجلوس للسجدة وإعادة التشهّد ثانياً مع أنّه يلزم تخلّل التشهّد الأول بين الأجزاء السابقة، والسجدة المأتية.
قلت: لمّا كان الرجوع في هذا المورد بأمر الشارع فلا يضر تخلّل التشهّد بين أجزاء الصلاة، بخلاف المقام فإنّ الرجوع بأمر من العقل الحاكم بوجوب المقدّمة العلمية. ولذلك قلنا: الأحوط إعادة الصلاة.

صفحه 193

المسألة الثالثة والخمسون

إذا شكّ في أنّه صلّى المغرب والعشاء أم لا قبل أن ينتصف الليل، والمفروض أنّه عالم بأنّه لم يصلّ في ذلك اليوم إلاّ ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها، فيحتمل أن يكون الصلاتان الباقيتان المغرب والعشاء، ويحتمل أن يكون آتياً بهما ونسي اثنتين من صلوات النهار، وجب عليه الإتيان بالمغرب والعشاء فقط، لأنّ الشكّ بالنسبة إلى صلوات النهار بعد الوقت، وبالنسبة إليهما في وقتهما.
ولو علم أنّه لم يصلّ في ذلك اليوم إلاّ صلاتين أضاف إلى المغرب والعشاء قضاء ثنائية ورباعية. وكذا إن علم أنّه لم يصل إلاّ صلاة واحدة.*
* للمسألة صور:
الأُولى: إذا شكّ في أنّه صلّى المغرب والعشاء أو لا، قبل أن ينتصف الليل وقد علم أنّه لم يصل في ذلك اليوم إلاّ ثلاث صلوات من دون علم بتعيينها، فيحتمل أن تكون الصلاتان الباقيتان، هما

صفحه 194
المغرب والعشاء ويحتمل أن يكون آتياً بهما، ونسي اثنتين من صلوات النهار.
الثانية: نفس الفرض ولكن يعلم أنّه لم يصل في ذلك اليوم إلاّ صلاتين من دون علم بتعيينهما، ويحتمل أن تكونا المغرب والعشاء، كما يحتمل أن تكونا غيرهما من الصلوات النهارية.
الثالثة: نفس الفرض ولكن يعلم أنّه لم يصل إلاّ صلاة واحدة، من دون تعيين، حيث يحتمل أن تكون من الصلوات النهارية، كما يحتمل أن تكون من الصلوات الليلية.
أمّا الصورة الأُولى: فبما أنّ الشكّ في الصلوات النهارية، شكّ بعد خروج الوقت، وفي المغرب والعشاء شكّ في نفس الوقت، ينحلّ العلم الإجمالي بالأصل المثبت للتكليف في مورد المغرب والعشاء، والأصل النافي للتكليف في جانب غيرهما فيأتي بالمغرب والعشاء; ففي صحيحة زرارة والفضيل عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أي حال كنت».(1)
وأمّا الصورة الثانية، أعني: ما إذا علم أنّه لم يصل في ذلك اليوم

1 . الوسائل:3، الباب6 من أبواب المواقيت، الحديث1.

صفحه 195
إلاّ صلاتين، فبقيت عليه صلوات ثلاث، فيعلم أنّه فات منه إحدى الصلوات النهارية على الأقل المردّدة بين الظهرين والفجر كما يعلم بعدم الإتيان بصلاتين، مردّدتين بين الظهرين، أو العشائين أو الملفقتين، فينحلّ العلم الإجمالي بأصل مثبت للتكليف في جانب المغرب والعشاء، وبما أنّه صلّى صلاتين في ذلك اليوم فلا محيص عن إرجاعهما إلى الصلوات النهارية، وعلى هذا تكون النتيجة العلم بفوت صلاة واحدة مردّدة بين الفجر، والظهر، و العصر، فيأتي بثنائية ورباعية، فينطبق المعلوم بالإجمال على المأتي بالتفصيل.
الصورة الثالثة: نفس الفرض ولكن يعلم أنّه لم يصل إلاّ صلاة واحدة، فظاهر كلام المصنّف أنّها مثل الصورة السابقة يأتي بثنائية ورباعية، ومعنى ذلك أنّ عليه وراء المغرب والعشاء، صلاتين مردّدتين بين الفجر والظهرين، فلو كان الفائت هو الفجر وإحدى الظهرين يحصل الامتثال القطعي على ما ذكره من الاقتصار بثنائية ورباعية، وأمّا لو كان الفائت الظهرين فلا يحصل الامتثال القطعي إلاّ بثنائية ورباعيّتين كما لا يخفى.

صفحه 196

المسألة الرابعة والخمسون

إذا صلّى الظهر والعصر، ثمّ علم إ جمالاً أنّه شكّ في إ حداهما بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث ولا يدري أنّ الشكّ المذكور في أيّهما كان، يحتاط بإتيان صلاة الاحتياط، وإ عادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.
* إذا صلّى الظهر والعصر ثمّ علم إجمالاً أنّه شكّ في إحداهما بين الثنتين والثلاث وبنى على الثلاث (ووجبت عليه صلاة الاحتياط ولم يأت بها قطعاً) ولكن لا يدري أنّ الشكّ المذكور في أيّهما كان فإن كان النقص في الظهر، فقد تخلّلت صلاة العصر، بين الظهر وصلاة الاحتياط، نعم لو كان النقص في العصر، تقع صلاة الاحتياط في محلّها.
هذا وللمسألة صورتان:
1. إذا طرأ الشكّ بعد الصلاة وقبل الإتيان بالمنافي، يكون المورد من صغريات مَن صلّى صلاتين وعلم بعد الفراغ بنقصان ركعة من إحدى الصلاتين، والفرق بين المسألتين أنّ الركعة المنسية

صفحه 197
هناك ركعة متّصلة، وأمّا المقام فالركعة المنسية منفصلة، ولذلك أفتى هناك بأنّه يضمّ إلى الثانية (العصر) ما يحتمل النقص، ثم أعاد الأُولى فقط بعد الإتيان بسجدتي السهو لأجل السلام احتياطاً. وأمّا المقام فقال: يحتاط بإتيان صلاة الاحتياط وإعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.
أمّا صلاة الاحتياط فلاحتمال أنّه شكّ في صلاة العصر وبنى على الأكثر ولم يأت بصلاة الاحتياط فتجبر نقصانها بها وأمّا إعادة صلاة واحدة، فلاحتمال أنّه شكّ في صلاة الظهر، وبنى على الأكثر ونسي أن يأتي بصلاة الاحتياط، فتبطل بإتيان صلاة العصر قبل إتمامها بصلاة الاحتياط.
أقول: ما ذكره مبني على القول بعدم جواز اقحام صلاة في صلاة وإلاّـ كما عليه المحقّق النائيني ـ يكفي الإتيان بصلاة  الاحتياط، إذ لو كانت الظهر تامّة، تجبر صلاة العصر بصلاة الاحتياط، وإن كانت ناقصة لا يضر دخول صلاة العصر في الظهر قبل تمامها، إذ تجبر نقصها ـ بعد الفراغ عن العصر ـ بصلاة الاحتياط.
وأمّا الصورة الثانية، فالإتيان بالمنافي يمنع عن جبر النقص بصلاة الاحتياط، فيكون الإتيان بها لغواً فيرجع الأمر إلى العلم ببطلان إحدى الصلاتين فيكفي الإتيان برباعية مردّدة بين الظهر والعصر.
نعم على القول باستقلال صلاة الاحتياط أو أنّ المنافي لا    2

صفحه 198

المسألة الخامسة والخمسون

إذا علم إ جمالاً أنّه إ مّا زاد قراءة أو نقصها، يكفيه سجدتا السهو مرة، وكذا إذا علم أنّه إ مّا زاد التسبيحات الأربع أو نقصها.*
E يضرّ بها، يقتصر بإتيان ركعة الاحتياط.
***
* إذا علم بأنّه إمّا زاد قراءة أو نقصها فقد علم تفصيلاً بوجوب سجدتي السهو عليه، وإن لم يعرف سببه على التعيين; ويمكن استظهار ذلك ممّا رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن سفيان السمط، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان» (1).
فإنّ المتبادر منه أنّ كلاًّ من الزيادة أو النقيصة سبب لسجود السهو والمفروض أنّه علم بوجود السبب إجمالاً فتكون النتيجة

1 . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

صفحه 199
العلم بالمسبّب تفصيلاً .
هذا فيما إذا حصل العلم بعد الفراغ من الصلاة أو بعد الدخول في الركن، وأمّا إذا حصل قبلهما فإن لم يدخل في الغير وبقي المحلّ الشكّي فيرجع ويأتي بالقراءة أخذاً بأصالة عدم الإتيان في مورد احتمال النقص وأصالة عدم الزيادة في مورد احتمال الزيادة.
يبقى هنا كلام: وهو أنّ العمل بالأصلين غير تامّ للعلم بكذب أحدهما.
والجواب: أنّه لا مانع من جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي ما لم يستلزم المخالفة العملية كما يظهر من بعض كلمات الشيخ الأنصاري. نعم لو قلنا بانصراف أدلّة الأُصول عنها، لا يجري مطلقاً.
وأمّا إذا دخل في الغير وزال المحلّ الشكّي ولكن بقي المحلّ الذكري، أي المحلّ الذي يجب عليه الرجوع إذا ذكر، فعندئذ يقع التعارض بين القاعدتين:
أ. قاعدة التجاوز الّتي تنفي النقص.
ب. أصالة عدم الزيادة الّتي تنفيها.
فيتساقطان للعلم بكذب أحدهما، ويرجع إلى الأصل الثالث وهو أصالة عدم الإتيان، فيعود ويأتي به.

صفحه 200

المسألة السادسة والخمسون

إذا شكّ في أنّه هل ترك الجزء الفلاني عمداً أو لا؟ فمع بقاء محلّ الشكّ لا إشكال في وجوب الإتيان به. وأمّا مع تجاوزه فهل تجري قاعدة الشكّ بعد التجاوز أم لا ـ لانصراف أخبارها عن هذه الصورة، خصوصاً بملاحظة قوله: «كان حين العمل أذكر» ـ؟ وجهان، والأحوط الإتيان، ثم الإعادة.*
* للمسألة صورتان:
الأُولى: لو جهل أصل الترك وتردّد بين الإتيان به وبين تركه عن عمد .
الثانية: لو علم الترك وشكّ في مبدئه وأنّه هل كان عن عمد أو عن سهو؟
وإليك دراسة كلّ من الصورتين.
الصورة الأُولى: لو جُهِلَ التركُ وشكّ في حصوله عمداً أو سهواً، فإن لم يدخل في الغير وكان المحلّ الشكّي باقياً يأتي به بمقتضى لزوم الإتيان عند الشكّ في المحلّ.

صفحه 201
إنّما الكلام فيما لو عرض له الشكّ بعد تجاوز المحلّ، وبقي محلّ التدارك، فهنا وجهان:
1. المرجع قاعدة التجاوز فلا يعتدّ بشكّه.
2. استصحاب عدم الإتيان ويعود.
أمّا المصنّف فقد احتاط بالعود والإتيان ثم إعادة الصلاة.
أمّا كون المرجع هو قاعدة التجاوز فقد استشكل فيه المحقّق النائيني قائلاً: باختصاص القاعدة بما إذا كان الترك المحتمل مستنداً إلى السهو ومنع عن جريانها فيما إذا احتمل كون الترك مستنداً إلى العمد، واستظهر ذلك من التعليل الوارد في الحديثين التاليين:
أ. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال: «إذا شكّ الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً، وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ، لم يُعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ من بعد ذلك».(1)
ب. موثّقة بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضأ؟ قال: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»(2).
فمقتضى التعليلين اختصاص الحكم بموارد الترك السهويّ بحيث لو كان ذاكراً لما تركه، فلا يناسب ذلك مع الترك العمديّ.

1 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 .

صفحه 202
وأجاب عنه في المستمسك بأنّ التعليل المذكور إنّما يوجب عدم ظهور الرواية المتضمّنة له في عموم الحكم للفرض ولا يوجب تقييد غيرها من الأدلّة لو كان له إطلاق.
وربّما تؤيّد نظرية النائيني بدعوى الانصراف وإن كانت ألسنة الأدلّة عامّة في نفسها .
وأجاب عنه في المستمسك بأنّ الإطلاق هو الموافق للمرتكزات العقلائية من عدم الاعتناء بالشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه من دون فرق بين احتمال تركه سهواً وعمداً.(1)
أقول: الظاهر عموم القاعدة لصورة احتمال الترك عمداً، وأمّا التعليل الوارد في الحديثين فلا يُسبّب خصوصية في سائر الروايات. وذلك لأنّ السؤال فيهما كان عن احتمال الترك السهويّ، فناسب تعليل التجاوز فيهما بالتعليل المذكور، وهذا لا يدلّ على أنّ السؤال لو كان عن احتمال الترك العمديّ لأمره الإمام بالرجوع والاعتناء. ولعلّه يأمره بعدم الرجوع لكن بتعليل آخر وأنّ مَن كان قاصداً للامتثال لا يترك الجزء عن عمد، فاحتمال الترك عن عمد لا ينسجم مع كونه قاصداً لامتثال أمر مولاه، كما سيوافيك.
وأمّا الانصراف فالظاهر عدم صحّته; وذلك لأنّ القواعد الأربع التالية ـ :

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 668 .

صفحه 203
(1. عدم الاعتناء بالشكّ بعد خروج الوقت.
2. عدم الاعتناء بالشكّ في أثناء العمل بعد التجاوز.
3. عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ عن العمل .
4. عدم الاعتناء بالشكّ في العمل الصادر عن مسلم.) قواعدٌ عقلائية تبتني على أساس وهو: أنّ من يريد امتثال أمر المولى عن جدّ فإذا قام إلى العمل يأتي به كاملاً لا ينقصه ولا يزيد عليه.
فكون الرجل قاصداً للامتثال ينفي كلاًّ من الأمرين:
ترك شيء عن سهو.
ترك شيء عن عمد.
لأنّ الأوّل خلاف الذكر، والثاني خلاف كونه قاصداً للامتثال.
وعلى ذلك فلا مانع من عموم الحكم لكلتا الصورتين فيكون المرجع هو قاعدة التجاوز لا استصحاب عدم الإتيان، إذا كان محلّ التدارك باقياً، وأولى منه إذا لم يكن باقياً، كما إذا دخل في الركن.
الصورة الثانية: إذا كان الترك معلوماً وشكّ في مبدئه هل كان عن عمد أو عن سهو؟
فإن كان الشكّ في المحلّ بمعنى إذا كان التدارك ممكناً من غير فرق بين المحلّ الشكّيّ أو السهويّ، فيأتي به.
وأمّا إذا تجاوز كما إذا دخل في الركن وفات المحلّ الذكري فقد ذكر السيّد الخوئي أنّه على قسمين:
1. ما لا يترتّب أثر على تركه سهواً من قضاء أو سجود سهو

صفحه 204
ونحو ذلك، كالقراءة إذا علم حال الركوع بأنّه تركها وتردّد بين العمد والسهو.
2. ما يترتّب الأثر على تركه سهواً أيضاً، كالسجدة الواحدة أو التشهّد من الركعة السابقة، إذ يترتّب عليه الأثر الشرعي من قضاء وسجود السهو.
ثم إنّه (قدس سره) قال بجريان القاعدة في جانب الترك العمديّ في القسم الأوّل، إذ لا يترتّب على الترك السهويّ أثر حتّى مع العلم به تفصيلاً فكيف إذا كان معلوماً بالإجمال، وعندئذ يُحكم على الصلاة بالصحّة; لانحلال العلم الإجمالي، إذ لا يترتّب الأثر إلاّ على طرف واحد ويحكم بالصحّة لأنّ الأصل فيمن أراد الامتثال هو عدم الترك عمداً.
وأمّا القسم الثاني فقد جعل جريان القاعدة في كلّ من الاحتمالين متعارضاً، إذ مقتضى نفي الترك العمديّ هو كون الترك عن سهو فيترتّب عليه قضاء السجدة أو التشهّد مع سجود السهو، كما أنّ مقتضى نفي الترك السهويّ، كون الترك عن عمد ويترتّب عليه بطلان الصلاة، فتكون النتيجة وجود العلم الإجمالي بأحد الأمرين: بطلان الصلاة، أو قضاء الجزء.(1)
ولا يخفى أنّ التقسيم مبني على إنكار الضابطة الكلّية من

1 . مستند العروة الوثقى: 7 / 284 .

صفحه 205
وجوب سجود السهو لكلّ زيادة أو نقصان على ما مرّ في رواية سفيان السمط فتكون النتيجة (بعد تعارض القاعدتين في كلا الجانبين ; الترك العمديّ والترك السهويّ) عندئذ هي الجمع بين العود والقضاء في كلا القسمين كما عليه المصنّف.
والأَولى أن يقال بجريان القاعدة في جانب الترك العمدي مطلقاً دون السهوي كذلك أخذاً بالضابطة من تقديم الأصل المصحّح على الأصل المتمّم، فإنّ مفاد القاعدة (التجاوز) في مورد احتمال الترك العمديّ هو تصحيح الصلاة، ولكن مفادها في مورد احتمال الترك السهويّ إثبات التمامية وعدم وجوب قضاء الجزء وسجود السهو، ومن المعلوم أنّ جريانها في المورد الثاني مشروط بإحراز صحّة الصلاة في نفسها من عامّة الجوانب سوى احتمال الترك السهويّ، ومن المعلوم أن هذا الشرط غير محرز لاحتمال بطلان الصلاة من جانب الترك العمديّ.

صفحه 206

المسألة السابعة والخمسون

إذا توضّأ وصلّى، ثم علم أنّه إمّا ترك جزءاً من وضوئه أو ركناً في صلاته فالأحوط إ عادة الوضوء ثم الصلاة، ولكن لا يبعد جريان قاعدة الشكّ بعد الفراغ، في الوضوء، لأنّها لا تجري في الصلاة حتّى يحصل التعارض، وذلك للعلم ببطلان الصلاة على كلّ حال. *
* إذا توضّأ وصلّى، ثم علم أنّه إمّا ترك جزءاً من وضوئه أو ركناً في صلاته، فقد ذكر المصنّف فيه وجهين:
الأوّل: يعيد الوضوء والصلاة احتياطاً.
الثاني: يعيد الصلاة فقط لجريان قاعدة الشكّ بعد الفراغ، في الوضوء، وعدم جريانها في الصلاة، حتّى يحصل التعارض للعلم ببطلانها على كلّ حال، إمّا لبطلان الوضوء الّذي لا تصحّ الصلاة إلاّ معه، أو لبطلان الصلاة نفسها بترك الركن.
أقول: أمّا الوجه الأوّل فهو مبني على الاحتياط وعدم جريان البرائتين: العقلية والشرعيّة، إنّما الكلام في الوجه الثاني وهو جريان

صفحه 207
القاعدة في الوضوء دون الصلاة للعلم ببطلانها على كلّ حال.
وما ذكره مبني على انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي ببطلان الصلاة وشكّ بدوي ببطلان الوضوء.
وهذا هو الّذي ذهب إليه الشيخ الأنصاري عند البحث في الأقلّ والأكثر الارتباطيين وقال بانحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بالأقل والشكّ البدوي في الأكثر.(1)
وقد منعه المحقّق الخراساني في الكفاية وتبعه المحقّق النائيني قائلاً بأنّ العلم التفصيلي ببطلان الصلاة متولّد من العلم الإجمالي بأنّه إمّا ترك جزءاً من الوضوء أو ركناً من الصلاة; فكيف يمكن بقاء المعلول (العلم التفصيلي ببطلان الصلاة) مع انحلال العلّة (العلم الإجمالي والحكم بصحّة الوضوء). وقد كثر النقاش في المسألة في علم الأُصول.وقد ذكرنا في محاضراتنا ما هو الصحيح عندنا فلاحظ ولا نعود إليه (2).
غير أنّ السيد الحكيم تخلّص ـ في المقام ـ من الإشكال، قائلاً بأن إشكال العلمين يتوجّه إلى ما إذا كان العلم الإجمالي منجّزاً ويتولّد منه العلم التفصيلي، ولكن العلم الإجمالي في المقام ليس منجّزاً; وذلك لأنّ العلم بفوات جزء من الوضوء أو جزء من الصلاة

1 . فرائد الأُصول:2/274 .
2 . إرشاد العقول إلى علم الأُصول: 3 / 552 ـ 555 .

صفحه 208
علم بالموضوع وهو لا ينجّز، وإنّما المنجّز هو العلم بوجوب الوضوء والصلاة. أو الصلاة وحدها الملازم للعلم بالفوت، وهذا العلم ممّا لم يتولّد منه العلم التفصيلي بوجوب الصلاة بل هو عينه فينحل به .(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لا فرق بين تعلّق العلم الاجمالي بالحكم ـ كما ذكره ـ من وجوب الوضوء والصلاة، أو تعلّقه بالموضوع، فإنّ الموضوع يترتّب عليه الأثر، فالعلم بأنّه ترك إمّا جزءاً من الوضوء أو ركناً من الصلاة، عبارة أُخرى عن علمه بوجوب الوضوء والصلاة أو وجوب الصلاة وحدها. نعم ما ذكره في ذيل كلامه ـ على وجه الإجمال ـ سيأتي توضيحه فانتظر.
ويمكن حلّ الإشكال بوجهين:
الأوّل: الإشكال إنّما يتوجّه على القول بالبراءة العقلية حيث إنّ العلم بوجوب الأقل رهن حفظ الوجوب المردّد بين تعلّقه بالمقيّد (الأكثر) أو المطلق (الأقل)، فبإجراء البراءة في جانب الوجوب المقيّد لا يبقى العلم بالوجوب الجامع المتولد منهما، وأمّا البراءة الشرعيّة فليس فيها إشكال، وذلك بالبيان التالي:
أن الأمر دائر بين الكلفة الزائدة وعدمها، ففي وجوب الأكثر كلفة زائدة دون الأقل ويشمله قوله: «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون» .

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 670 .

صفحه 209
وإن شئت قلت: إنّ العقاب عند ترك الأقل متيقّن بخلافه عند الأكثر فالعقاب عليه مشكوك، ومثله المقام وهو أنّ في إيجاب إعادة الوضوء والصلاة كلفة زائدة بخلاف إيجاب الصلاة وحدها، كما أنّ في ترك الصلاة عقاباً قطعيّاً دون ترك الوضوء.
ولذلك ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الانحلال العقلي غير ممكن ويتبعه امتناع جريان البراءة العقلية، وأمّا البراءة الشرعيّة فليس في جريانها أي إشكال.
الثاني: وجود الفرق بين المقام والأقل والأكثر الارتباطيين، فلو قلنا بامتناع الانحلال في الأوّل لا يلازم القول بالامتناع في الثاني، وذلك لأنّ العلم بوجوب الأقل الّذي هو العلم بالجامع المجرّد عن كلّ قيد حتى الإطلاق، فهو وليد العلم الإجمالي بالوجوب المقيّد (أي وجوب الأقل مقيّداً بالأكثر) والوجوب المطلق بصفة الإطلاق، فانحفاظ العلم بالوجوب الجامع رهن حفظ دعامتين، أعني: الوجوب المردّد بين المقيّد والمطلق.
وأمّا المقام فبما أنّ الوضوء موجود مستقل والصلاة شيء آخر فليس العلم ببطلان الصلاة علماً متولّداً من العلم الإجمالي وإنّما التردّد في منشئه وسببه وأنّه لخلل فيها أو لنقص في الوضوء، ومن الواضح أنّ الجهالة في العلّة لا تنافي الجزم الوجداني بنفس الحكم، فإنّه على يقين من بطلان الصلاة بالضرورة وإن لم يعلم مستند البطلان، كما أنّه على شكّ من بطلان الوضوء وجداناً، فقد انحلّت

صفحه 210
القضية إلى قضيتين حمليتين، إحداهما متيقّنة والأُخرى مشكوكة، ويتّضح ذلك بالمثال التالي:
لو علم بوقوع قطرة دم في الإناء وعلم إجمالاً أنّه وقع إمّا بهذا الإناء المعيّن أو به وبغيره، فلا شكّ أنّ هذا العلم سيق بصورة العلم الإجمالي، ولكنّه عبارة أُخرى عن علم تفصيلي وشكّ بدوي، فلا فرق بين أن تقول: وقع الدم إمّا بهذا الإناء المعيّن أو به وبغيره، أو تقول: نعلم قطعاً بوقوع القطرة في هذا الإناء، ولكن نشكّ في وقوعها في الإناء الآخر.
فهذا العلم التفصيلي صورة أُخرى لما سيق بصورة العلم الإجمالي، ومثله المقام:
سواء أقلت: نعلم إجمالاً أنّه ترك جزءاً من الوضوء أو ركناً من الصلاة.
أم قلت: نعلم ببطلان الصلاة ونشكّ في بطلان الوضوء، فعلى ذلك فلا انحلال في المقام حتّى يرد الإشكال المعروف في باب الأقل والأكثر الارتباطيين. بل هناك علم واحد ربما يُساق بصورة العلم الإجمالي، وأُخرى بصورة العلم التفصيلي والشكّ البدوي.
وربّما يُستفاد هذا الجواب ممّا ذكره السيد الحكيم في ذيل كلامه، وأوضحه السيد الخوئي(1)، فلاحظ.

1 . مستند العروة الوثقى:7/290.

صفحه 211

المسألة الثامنة والخمسون

لو كان مشغولاً بالتشهّد ـ أو بعد الفراغ منه ـ وشكّ في أنّه صلّى ركعتين وأنّ التشهّد في محلّه أو ثلاث ركعات وأنّه في غير محلّه، يُجري حكم الشكّ بين الاثنتين والثلاث، وليس عليه سجدتا السهو لزيادة التشهّد، لأنّها غير معلومة، وإن كان الأحوط الإتيان بهما أيضاً بعد صلاة الاحتياط. *
* إذا كان مشغولاً بالتشهّد أو بعد الفراغ منه، وشكّ في أنّه صلّى ركعتين وأنّ التشهّد في محلّه أو ثلاث ركعات وأنّه في غير محلّه، يجب عليه أن يبني على الأكثر وهو الثلاث لكونه من مصاديق الضابطة المعروفة: «إذا شككت بين الأقل والأكثر فابن على الأكثر».
إنّما الكلام في حكم زيادة التشهّد حيث إنّ لازم البناء على الثلاث كون ما قرأه من التشهّد، زيادة سهوية، فهل يجب سجود السهو لها أو لا؟
ذكر المصنّف أنّه ليس عليه سجود السهو لزيادة التشهّد لأنّها غير معلومة، إذ يحتمل أن تكون الركعة الّتي بنى على كونها ثالثة

صفحه 212
الركعات، هي الركعة الثانية الّتي لا تتمّ إلاّ بالتشهّد.
هذا ما يرجع إلى إيضاح المتن.
ولا يخفى أنّ ما ذكره في المقام ينافي ما ذكره في المسألة «40» حيث قال فيها: إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً فبنى على الأربع ثم أتى بركعة أُخرى سهواً، فهل تبطل صلاته من جهة زيادة الركعة أم يجري عليه حكم الشكّ بين الأربع والخمس، وجهان، والأوجه الأوّل.
مع أنّ ما ذكره من التعليل في المقام (لأنّها غير معلومة) جار في المسألة «40» حيث إنّ الركعة ممّا لم تُعلم زيادتها، لاحتمال أنّ ما كان بيده هو ثالث الركعات واقعاً وهو بنى على الأربع بحكم الشرع، فلا تكون الركعة المنضمّة زيادة قطعية بل محتملة بين كونها زيادة أو جزءاً من الصلاة.
ومع هذا فما ذكره هنا هو الأقوى.
ووجهه: أنّ الأمر بالبناء على الأكثر حكم شرعي لعلاج الشكّ ونوع احتيال لعدم إعادة الصلاة; ويظهر ذلك ممّا رواه عمّار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن شيء من السهو في الصلاة؟ فقال: «ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء»؟ قلت: بلى، قال: «إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرت أنّك كنت

صفحه 213
نقصت، كان ما صلّيت تمام ما نقصت» (1).
فالتدبّر في الرواية يثبت بأنّ الأمر بالبناء على الأكثر ليس إلاّ لغاية واحدة، وهي علاج الشكّ وتصحيح الصلاة حتّى لا يحتاج إلى الإعادة، وأنّ هذا النوع من التصحيح مبني على الإغماض عن الزيادات المحتملة، كما إذا شكّ بين الثلاث والأربع وبنى على الأربع فتشهّد وسلّم ثم قام وأتى بركعة الاحتياط منفصلة، فلو كانت الركعة رابعة في الواقع فلا تكون هذه الأُمور زيادة، وأمّا لو كانت ثالثة الركعات فقد زاد في الصلاة، بالتشهّد والتسليم وتكبيرة الإحرام ـ الّذي هو ركن ـ ومع ذلك فالشارع قد أغمض عن هذه الزيادات الواقعة.
ومثله المقام فإذا بنى على الثلاث وقد تشهّد فلا يُعتد بهذه الزيادة وإن كان التشهّد قد وقع ـ بعد البناء ـ في ثالثة الركعات، لما عرفت من أنّ القاعدة شرّعت لتصحيح الصلاة إغماضاً عن الزيادات المحتملة.
وإن شئت قلت: إنّ القاعدة أُنشئت لإحراز عدد الركعات ولا يثبت بها كون التشهّد شيئاً زائداً في الصلاة.
نعم بعدما بنى على الأربع فليس له أن يزيد فيها شيئاً، مثلاً لو بنى على الأكثر في أثناء التشهّد فليس له أن يتمّها.

1 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3 .

صفحه 214
فإن قلت: نحن نعلم بعدم وجوب تشهّدين في ركعتين متواليتين إلاّ في صلاة المغرب، فعندئذ يحصل لنا علم إجمالي إمّا ببطلان التشهّد السابق لو كانت الركعة، ركعة ثالثة فيجب سجود السهو لزيادته، أو عدم وجوب التشهّد الثاني في الرابعة البنائية لكونه في الركعة الثالثة واقعاً، فإيقاعه زيادة عمدية مبطلة.
قلت: إنّ الإتيان بالتشهّد في الركعة الرابعة البنائية لمّا كان بأمر الشارع لعلاج الخلل الوارد في الصلاة، فلا يُعدّ زيادة عمدية مبطلة، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.

صفحه 215

المسألة التاسعة والخمسون

لو شكّ في شيء وقد دخل في غيره الّذي وقع في غير محلّه ـ كما لو شكّ في السجدة من الركعة الأُولى أو الثالثة ودخل في التشهّد، أو شكّ في السجدة من الركعة الثانية وقد قام قبل أن يتشهّد ـ فالظاهر البناء على الإتيان، وأنّ الغير أعمّ من الّذي وقع في محلّه أو كان زيادة في غير المحلّ. ولكن الأحوط مع ذلك إ عادة الصلاة أيضاً. *
* لو شكّ في شيء وقد دخل في غيره، لكن الغير وقع في غير محلّه، ومثّل له المصنّف بأمثلة ثلاثة:
1. لو شكّ في السجدة من الركعة الأُولى وقد دخل في التشهّد .
2. لو شكّ في السجدة من الركعة الثالثة وقد دخل في التشهّد.
3. لو شكّ في السجدة من الركعة الثانية وقد قام قبل أن يتشهّد .
فهل يبني على الإتيان بذريعة أنّ الغير أعمّ من الّذي وقع في محلّه، وما لم يقع في محلّه، أو لا يبني بل يأتي بما شكّ بحجّة أنّ المراد من الغير في الروايات، هو الغير المترتّب على المشكوك لا غير المترتّب؟

صفحه 216
وقد اختلفت كلمات المصنّف في هذا المورد، فاختار «في الفصل الذي عقده في الشكّ» من كتاب الصلاة، المسألة العاشرة، كون المراد من الغير، هو المترتّب حيث قال: إذا شكّ في شيء من أفعال الصلاة فإمّا أن يكون قبل الدخول في الغير المترتّب عليه وإمّا أن يكون بعده، فإن كان قبله وجب الإتيان، كما إذا شكّ في الركوع وهو قائم أو شكّ في السجدتين أو السجدة الواحدة ولم يدخل في القيام أو التشهّد.
ولكنّه (قدس سره)تردّد في هذا الشرط في المسألة السابعة عشرة من هذه المسائل، ومع ذلك فاستظهر الاكتفاء بمطلق الغير في المسألة الخامسة والأربعين من هذه المسائل أيضاً .
أمّا دليل القول بكفاية مطلق الغير هو زعم وجود الإطلاق في الروايات، وهو بعيد جدّاً لأنّها ليست بصدد بيان ذلك حتّى يؤخذ بالإطلاق، نظير قوله(عليه السلام): «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» (1).
ونظيره صحيحة إسماعيل بن جابر وفيها: «كل شيء شُكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه»(2).
والشاهد على عدم الإطلاق، احتفافه بالقرائن الدالّة على أنّ

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4 .

صفحه 217
المراد هو الغير المترتّب حيث إنّ الأمثلة في كلا الحديثين من قبيل الغير، المترتّب; ففي صحيحة زرارة: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ ؟ قال: «يمضي». قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي» وهكذا.
ومثلها صحيحة إسماعيل بن جابر وفيها: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض».
ولم يرد في الروايات مورد يشمل غير المترتّب، فقصور الروايات عن الشمول أفضل دليل على الاختصاص.
أضف إلى ذلك: أنّ الصحيحتين الماضيتين وغيرهما يشتملان على كلمة «المضيّ» حيث قال: شكّ في الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته». فلا يصحّ المضيّ إلاّ إذا كان الغير ممّا يترتّب على ما شكّ فيه .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه ليس في الروايات إطلاق يعمّ القسمين أوّلاً، وأنّ المضيّ على ما دخل إنّما يصحّ إذا كان المدخول واقعاً في محلّه ثانياً.
وممّا ذكرنا تستغني عن بعض التقريبات على اختصاص الغير بالمترتّب لكونه لا يخلو عن تكلّف.(1)

1 . مستند العروة الوثقى: 7 / 297 .

صفحه 218

المسألة الستون

لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر، وعليه صلاة الاحتياط من جهة الشكّ في الظهر، فلا إشكال في مز احمتها للعصر ما دام يبقي لها من الوقت ركعة، بل وكذا لو كان عليه قضاء السجدة أو التشهّد.
وأمّا لو كان عليه سجدتا السهو فهل يكون كذلك أو لا؟ وجهان، من أنّهما من متعلّقات الظهر، ومن أنّ وجوبهما إستقلالي وليستا جزءاً أو شرطاً لصحّة الظهر، ومراعاة الوقت للعصر أهم، فتقدّم العصر، ثم يؤتى بهما بعدها. ويحتمل التخيير.*
* لاشكّ أنّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختصّ بالعصر ولا تزاحمه صلاة الظهر.
هذا من جانب ومن جانب آخر روى الشهيد في «الذكرى» عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
وروى أيضاً عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن

صفحه 219
تغرب الشمس فقد أدرك العصر» .(1)
فمع ملاحظة هذين الأمرين يقع الكلام في مزاحمة أُمور ثلاثة مع العصر في وقتها الاختصاصي:
1. لو بقي من الوقت أربع ركعات وعليه صلاة الاحتياط من جهة الشكّ في الظهر، فهل تقدّم على العصر أو لا؟
2. لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر وكان عليه قضاء السجدة أو التشهّد.
3. لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر وكان عليه سجدتا السهو.
فقد أختار المصنّف في الأمرين الأوّلين تقديمهما على صلاة العصر. وأمّا في الأمر الثالث فقد تردّد فيه واحتمل التخيير.
أقول: أمّا القسم الثاني ـ أعني: قضاء السجدة أو التشهّد ـ فلا شكّ في أنهما من أجزاء صلاة الظهر فيقدّم على العصر لتقدّم الظهر عليها كلاًّ وجزءاً، إنّما الكلام في صلاة الاحتياط وسجود السهو.
أمّا صلاة الاحتياط فربما يقال إنّها من متمّمات الظهر وأجزائها الحقيقية وإن لزم الإتيان بها مفصولة رعاية لسلامة الصلاة عن الزيادة والنقصان.
يلاحظ عليه: كيف يحكم عليها أنّها من متمّمات الظهر

1 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 4 و 5 .

صفحه 220
وأجزائها الحقيقية مع احتمال أن تكون صلاة الظهر تامّة وهي نافلة .
نعم يمكن أن يقال بإمكان تقديمها على العصر بوجهين آخرين:
1. الدخول في العصر مشروط بفراغ الذمّة من السابقة، والمفروض التمكّن من الجمع بينهما بمقتضى سعة وقت العصر وبقائه إلى أن يدرك ركعة.
2. قد تقرّر في باب التزاحم أنّه إذا وقع التزاحم بين الواجبين فيقدّم ماليس له بدل على ماله بدل.
مثلاً: إذا احتاج إلى الطهارة عن الحدث والخبث ولم يسع الماء إلاّ لواحدة منهما تقدّم الطهارة من الخبث على الطهارة من الحدث لعدم وجود بدل للأُولى ووجود بدل للثانية (حيث إنّ التراب أحد الطهورين، يكفيك عشر سنين) وعلى هذا فصلاة الاحتياط لابدل لها وأمّا ركعات العصر دون الركعة الأخيرة لها بدل حيث إنّ الشارع نزّل درك ركعة واحدة منزلة درك الجميع.
وأمّا سجود السهو فهو ليس من أجزاء الصلاة قطعاً. نعم تجب فيه الفورية والمراد منها الفورية العرفية، ولا ينافيها الإتيان به بعد صلاة العصر.

صفحه 221

المسألة الحادية والستون

لو قرأ في الصلاة شيئاً بتخيّل أنّه ذكر أو دعاء أو قرآن ثم تبيّن أنّه كلام الآدمي فالأحوط سجدتا السهو، لكن الظاهر عدم وجوبهما، لأنّهما إنّما تجبان عند السهو وليس المذكور من باب السهو. كما أنّ الظاهر عدم وجوبهما في سبق اللسان إلى شيء. وكذا إذا قرأ شيئاً غلطاً من جهة الإعراب أو المادّة ومخارج الحروف.*
* إذا قرأ في الصلاة شيئاً ليس منها، ففيها صور:
1. تخيّل أنّه ذكر أو دعاء أو قرآن، ثم تبيّن أنّه كلام الآدمي.
2. لو سبق إلى لسانه شيءٌ ليس ذكراً ولا دعاءً ولا قرآناً.
3. إذا قرأ شيئاً غلطاً من جهة الإعراب أو المادّة ومخارج الحروف.
فيقع الكلام في وجوب سجود السهو في الموارد الثلاثة وعدمه؟
أمّا القسم الثالث فلا شكّ في عدم وجوب سجود السهو فيه،

صفحه 222
وذلك لأنّ القراءة الأُولى لا توصف بالزيادة لأنّه قصد بها الجزئية وهي جزء من الصلاة غاية الأمر يفقد الكيفية. نعم إذا تداركه بقراءة صحيحة توصف الأُولى بالزيادة، ولكنّها ليست موضوعاً لسجود السهو، فإنّ الموضوع ما وجد زائداً لا ما وجد غير زائد ثم طرأ عليه عنوان الزيادة، خصوصاً أنّه في القراءة الثانية يعرض عن القراءة الأُولى حتّى تخرج من الزيادة.
ومثله القسم الثاني فالظاهر عدم وجوب سجود السهو فيها، ولو قلنا بوجوب سجود السهو في كلّ زيادة، لأنّه يعتبر في صدق الزيادة قصد الجزئية ـ ولو سهواً ـ وفي مورد سبق اللسان لا قصد للمتكلّم وإنّما شيء سبق إلى لسانه بلا اختيار.
وما ربما يقال: من تعلّق وجوب السجدة بكلّ ما ليس بعمد وإن لم ينطبق عليه عنوان السهو بمقتضى إطلاق الدليل،(1) لا يخلو من تأمّل، لما قلنا من أنّ الموضوع للسجود الإتيان بالشيء بقصد الزيادة وهو منتف. نعم لو تكلّم عن عمد لا يشترط فيه قصدها، فلاحظ.
إنّما الكلام في القسم الأوّل، فلاشكّ أنّ الصلاة صحيحة لكونها من مصاديق قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس».
إنّما الكلام في وجوب سجود السهو عليه، فربّما يقال بعدم وجوبه عليه; لأنّ الموضوع في سجدتي السهو ما صدر ناسياً وعن

1 . مستند العروة الوثقى: 7/300 .

صفحه 223
سهو، والمفروض في المقام هو العمد.
ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام)عن الرجل يتكلّم ناسياً في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: «يتمّ صلاته ثم يسجد سجدتين»(1).
وصحيحة ابن أبي يعفور الواردة في الشكّ بين الاثنين والأربع من قول الإمام الصادق (عليه السلام): «وإن تكلّم فليسجد سجدتي السهو» .(2)
فيستظهر من الروايتين اختصاص وجوب سجود السهو للناسي والساهي ولا يعمّ العامد كما في المقام.
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان التكلّم عن سهو موجباً لسجود السهو فوجوبه في صورة العمد ـ بالنحو المذكور في المسألة ـ أولى .
أضف إلى ذلك ما مرّ سابقاً فيما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا عن سفيان السمط، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان ».(3)
ولاشكّ في دخول المورد في قوله: «في كلّ زيادة».
وليس قوله: «سجدتي السهو» دليلاً على اختصاص مورد الرواية بالصادر سهواً، بل هو إشارة إلى نفس السجدتين، وبما أنّ

1 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 5، الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

صفحه 224
الغالب هو السجود في موضع السهو سُمّي بسجدتي السهو. والله العالم.
فإن قلت: قد احتمل السيد البروجردي في تعليقته بطلان الصلاة، ولعلّه اعتمد على مرسلة الصدوق من قوله (عليه السلام): «ومَن تكلم في صلاته متعمّداً فعليه إعادة الصلاة» .(1)
قلت: المراد التكلّم بما يقطع بأنّه ليس من الصلاة ولا يجوز فعله فيها، وهذا بخلاف المقام فإنّه تكلّم بتخيّل أنّه دعاء يجوز إتيانه في الصلاة.

1 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3 .

صفحه 225

المسألة الثانية والستون

لا يجب سجود السهو في ما لو عكس الترتيب الواجب سهواً ـ كما إذا قدّم السورة على الحمد وتذكّر في الركوع ـ فإنّه لم يزد شيئاً ولم ينقص، وإن كان الأحوط الإتيان معه، لاحتمال كونه من باب نقص السورة، بل مرّة أُخرى لاحتمال كون السورة المقدّمة على الحمد من الزيادة.*
* لو عكس الترتيب الواجب سهواً بأن قدّم السورة على الحمد، فإن تذكّر قبل الركوع، يجب عليه العود لبقاء المحلّ، وإن تذكّر بعد الركوع وفات محلّ التدارك، يقع الكلام في وجوب سجود السهو عليه وعدمه، فهنا وجهان:
1. لا يجب عليه سجود السهو لأنّه يجب لأجل زيادة الجزء أو نقصه، والترتيب ليس جزءاً، وإنّما هو كيفيّة للجزء بأن يكون مقدّماً أو مؤخّراً.
2. يجب عليه سجود السهو فإنّ فقدان الترتيب يرجع إلى فقدان الجزء الواجب، وذلك لأنّ الواجب ليس مطلق السورة بأيّ

صفحه 226
نحو وجدت، ولا السورة المتقدّمة بل سورة خاصّة وهي المتأخّرة عن الحمد، من غير فرق بين القول بأنّ الأجزاء واجبة بالوجوب الضمنيّ ـ كما عليه المحقّق البروجردي ـ فقد تعلّق الوجوب الضمنيّ بهذا النحو من الجزء، وبين القول بأنّ الجزء واجب بنفس وجوب الكلّ ـ كما عليه السيد الأُستاذ(قدس سره) ـ فقد تعلّق وجوب الكلّ بهذا الجزء المتشخّص كذلك، فإذا قدّم السورة على الحمد فلم يأت بنفس الواجب المتشخّص بالتأخّر، فالتخلّف في الكيفية يرجع إلى التخلّف في واقع الجزء الواجب، وبالتالي تجب سجدتا السهو لأجل النقص.
ثم احتمل المصنّف وجوب سجود السهو ثانياً لأجل الزيادة لأنّ تقدّم السورة بعنوان الجزء للصلاة يعدّ زيادة، فلو بنينا على وجوب السجود لكلّ زيادة ونقيصة يلزمه التكرار.

صفحه 227

المسألة الثالثة والستون

إذا وجب عليه قضاء السجدة المنسيّة أو التشهّد المنسيّ ثم أبطل صلاته أو انكشف بطلانها، سقط وجوبه، لأنّه إنّما يجب في الصلاة الصحيحة .
وأمّا لو أوجد ما يوجب سجود السهو ثم أبطل صلاته فالأحوط إتيانه، وإن كان الأقوى سقوط وجوبه أيضاً . وكذا إذا انكشف بطلان صلاته، وعلى هذا فإذا صلّى ثم أعادها  احتياطاً ـ وجوباً أو ندباً ـ وعلم بعد ذلك وجود سبب سجدتي السهو في كلّ منهما، يكفيه إ تيانهما مرّة واحدة، وكذا إذا كان عليه فائتة مردّدة بين صلاتين أو ثلاث ـ مثلاً ـ  فاحتاط بإتيان صلاتين أو ثلاث صلوات ثم علم تحقّق سبب السجود في كلّ منها، فإنّه يكفيه الإتيان به مرّة بقصد الفائتة الواقعية، وإن كان الأحوط التكرار بعدد الصلوات.*
* في المسألة فروع:
1. إذا وجب عليه قضاء السجدة المنسيّة أو التشهّد المنسيّ ثم

صفحه 228
أبطل صلاته أو انكشف بطلانها، فهل يجب قضاؤهما أو لا؟
2. لو أوجد ما يوجب سجود السهو ـ كما إذا تكلّم عن سهو ـ ثم أبطل صلاته، أو انكشف بطلان صلاته، فهل يجب سجود السهو أو لا؟
3. إذا صلّى ثم أعادها احتياطاً ـ وجوباً أو ندباً ـ وعلم بعد ذلك وجود سبب سجدتي السهو في كلّ منهما، كأن تكلّم في كلّ منهما سهواً، فهل يكفيه إتيانهما مرّة واحدة أو لا؟
4. إذا كان عليه فائتة مردّدة بين صلاتين أو ثلاث صلوات، فاحتاط بإتيان صلاتين أو ثلاث صلوات ثم علم تحقّق سبب السجود في كلّ منهما، فهل يكفي الإتيان به مرّة واحدة بقصد الفائتة الواقعية أو لا يكفي؟
أمّا الأوّل: فلا شكّ في عدم وجوب قضاء السجدة أو التشهّد; لأنّ القضاء بمعنى أنّ المأتي بعد الصلاة جزء متمّم للصلاة، فإذا لم يكن هناك أصل ـ الصلاة ـ فما معنى إتمامها بقضاء الجزء؟ وبعبارة أُخرى: فإذا بطل الكل لا يبقى محلّ لتداركه بإتيان الجزء .
وأمّا الفرع الثاني: أعني إذا أوجد سجود السهو ثم أبطل صلاته أو انكشف بطلانها فهل يجب سجود السهو؟! الظاهر لا، لأنّ المتبادر من أدلّة وجوب سجدتي السهو هو رفع الحزازة عن الصلاة، فإذا بطل الموضوع فلا معنى لرفع الحزازة عنه.
وربّما يستدلّ بقوله (عليه السلام): «وتسجد سجدتي السهو بعد

صفحه 229
تسليمك» حيث إنّ التعبير منصرف عن الصلاة الباطلة، إذ هي لاتحتاج إلى التسليم، فدليل الوجوب خاصّ بالصلاة الصحيحة.(1)
ويمكن أن يقال: إنّ قوله: «بعد تسليمك» لبيان محلّ سجدة السهو وليس ناظراً إلى كون الصلاة صحيحة، بل الأَولى أن يقال: إنّ مجموع الروايات، واردة في الصلاة الصحيحة. وسجدتا السهو كالبناء على الأكثر نوع محاولة لإكمال الصلاة ورفع الحزازة عنها، وهو فرع وجود الموضوع.
وأمّا الفرعان الثالث والرابع فلا يجب سجود السهو إلاّ مرّة واحدة وذلك للعلم بصحّة واحدة من الصلاتين أو من الثلاث، فلا يجب سجود السهو إلاّ لها، ولا معنى لسجود السهو للصلاة الباطلة .
فما ذكره (قدس سره): «وإن كان الأحوط التكرار بعد الصلوات» لا أساس له، إذ لا معنى لسجود السهو للصلاة أو الصلوات الباطلة.

1 . مستند العروة الوثقى: 7 / 303 .

صفحه 230

المسألة الرابعة والستون

إذا شكّ في أنّه هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاث، فإن لم يتجاوز محلّها بنى على واحدة وأتى بأُخرى .
وإن تجاوز بنى على الاثنتين ولا شيء عليه، عملاً بأصالة عدم الزيادة .
وأمّا إن علم أنّه إمّا سجد واحدة أو ثلاثاً وجب عليه أُخرى مالم يدخل في الركوع، وإلاّ قضاها بعد الصلاة، وسجد للسهو.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا شكّ في أنّه هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاث.
2. إذا علم أنّه إمّا سجد سجدة واحدة أو ثلاثاً.
أمّا الفرع الأوّل: فإن لم يتجاوز المحلّ بنى على واحدة وأتى بالأُخرى، لأنّ الشكّ في المحلّ يعتدّ به لقاعدة الاشتغال .
وإن تجاوز المحلّ ودخل في غيره ـ ولكن لم يدخل في الركوع ـ فلا يعتد بشكّه أخذاً بقاعدة التجاوز.
وأمّا الفرع الثاني: أعني إذا علم أنّه إمّا سجد سجدة واحدة أو

صفحه 231
ثلاثاً دون أن يحتمل الثنتين، فله صور ثلاث:
الأُولى: إذا طرأ عليه هذا العلم وهو في المحلّ، فيعتدّ بشكّه ويأتي بالأُخرى; وذلك لأنّ العلم الإجمالي بنقصان السجدة أو زيادتها ـ كما هو الحال في المقام ـ ينحلّ بأصل مثبت للتكليف وهو قاعدة الاشتغال، وأصل ناف للتكليف وهو عدم الزيادة.
الثانية: إذا طرأ العلم الإجمالي وقد تجاوز المحلّ ولم يدخل الركوع.
وبعبارة أُخرى: تجاوز المحلّ الشكّي دون السهويّ. فقد أفتى المصنّف بوجوب الرجوع أي هدم القيام والجلوس للسجدة، وذلك لتعارض القاعدتين أوّلاً، وتساقطهما ثانياً، والرجوع إلى الاستصحاب ثالثاً .
أمّا الأوّل: أي التعارض فلأنّ الأمر يدور بين النقيصة ـ لو كانت واحدة ـ والزيادة ـ لو كانت ثلاثاً ـ ، فمقتضى قاعدة التجاوز نفي النقيصة، ومقتضى أصالة عدم الزيادة نفي الزيادة .
وأمّا الثاني: أعني التساقط فلأجل أنّ العمل بكلا الأصلين يستلزم مخالفة عملية، وهي غير جائزة.
وأمّا الثالث: أي الرجوع إلى الاستصحاب فواضح لأنّه أصل بلا معارض، فيرجع ويأتي بالسجدة.
ولا تجب سجدتا السهو للقيام الزائد، حيث إنّ هدم القيام والرجوع إلى الإتيان بالسجدة ثم القيام لمّا كان بأمر الشارع فلا

صفحه 232
يحتاج إلى سجود السهو .
وإن شئت قلت: إنّ وصف القيام بالزيادة إنّما يكون بالتدارك حيث يجلس للسجدة ثم يقوم وعند ذلك يوصف القيام الأوّل بالزيادة، ومثل هذا ليس مصداقاً للزيادة الّتي تستوجب سجود السهو إذ المراد ما يتحقّق زائداً بوجوده ابتداءً، لا ما يوصف به بعد الإتيان بمثله.
فإنّ قلت: إنّ التعارض بين الأصلين فرع أن يكون لكلّ منهما أثر شرعي، فما هو الأثر الشرعي لكلّ منهما؟
قلت: أمّا قاعدة التجاوز فأثرها الشرعي رفع وجوب العود للإتيان بالسجدة، وأمّا أصالة عدم الزيادة فأثرها الشرعي رفع وجوب سجدتي السهو للزيادة .
الصورة الثالثة: إذا طرأ العلم الإجمالي بعد الدخول في الركن فحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة من تعارض القاعدتين وتساقطهما والرجوع إلى الاستصحاب، ولكن تفترقان في أنّ التدارك في الصورة السابقة بهدم القيام والإتيان بالسجدة، وأمّا المقام فبما أنّه دخل في الركن فالتدارك يتحقّق بالقضاء بعد الصلاة بالإضافة إلى سجدتي السهو.
فإن قلت: التعارض بين قاعدة التجاوز وأصالة عدم الزيادة فرع أن يكون لكلّ منهما أثر شرعي، والحال أنّ الأثر مترتّب على قاعدة التجاوز فقط، وهو نفي وجوب قضاء السجدة، دون أصالة عدم

صفحه 233
الزيادة لأنّ أثرها نفي وجوب سجود السهو، وهو غير منتف للعلم التفصيلي بوجوبه إمّا للنقيصة أو للزيادة، فلا تجري أصالة عدم الزيادة وينحصر المورد بقاعدة التجاوز وهي تنفي قضاء السجدة.
قلت: لو صحّ هذا الإشكال لجرى في الصورة الثانية أيضاً الّتي قلنا فيها بوجوب الرجوع والإتيان بالسجدة، ولكن الحلّ هو أنّ هذا العلم التفصيلي بما أنّه وليد العلم الإجمالي لا يكون سبباً للانحلال، لأنّ العلم التفصيلي بوجوب سجدتي السهو رهن حفظ العلم الإجمالي وهو دوران الأمر بين النقيصة والزيادة، فلو نفينا النقيصة بفضل قاعدة التجاوز لا يحصل لنا علم تفصيلي بوجوب سجدتي السهو على كلّ حال.

صفحه 234

المسألة الخامسة والستون

إذا ترك جزءاً من أجزاء الصلاة من جهة الجهل بوجوبه، أعاد الصلاة على الأحوط، وإن لم يكن من الأركان.
نعم لو كان الترك ـ مع الجهل بوجوبه ـ مستنداً إلى النسيان ـ بأن كان بانياً على الإتيان به باعتقاد استحبابه فنسي وتركه ـ فالظاهر عدم البطلان وعدم وجوب الإعادة إذا لم يكن من الأركان.*
* في المسألة صور:
1. إذا ترك جزءاً من أجزاء الصلاة مع العلم بحكمه ـ نسياناً ـ بشرط أن لا يكون المنسيُّ من الأركان، صحّت صلاته.
2. إذا ترك جزءاً من أجزاء الصلاة عن نسيان ممزوج بالجهل، ولم يكن المنسيُّ ركناً.
3. إذا ترك جزءاً من أجزاء الصلاة من جهة الجهل بوجوبه وكان جاهلاً مقصّراً.
4. إذا ترك جزءاً من أجزاء الصلاة من جهة الجهل بوجوبه وكان جاهلاً قاصراً.

صفحه 235
أمّا الصورة الأُولى: فلا شكّ في صحّة صلاته وعدم وجوب الإعادة وإنّما يقضي إذا كان المنسيّ ممّا يقضى بعد الصلاة.
وأمّا الصورة الثانية: فقد استظهر المصنّف إلحاقها بالنسيان، وذلك كما لو اعتقد استحباب جزء وكان في الواقع واجباً وكان بانياً على الإتيان به ولكن نسي وتركه بحيث إنّ الجهل لم يكن مؤثّراً في الترك وإنّما الموجب له هو النسيان، وهو متين لكون الترك ينسب إلى أقوى السببين: الجهل بالحكم، ونسيان الموضوع، والمفروض أنّه كان قاصداً للإتيان به على فرض استحبابه، فلم يصدّه عن الإتيان إلاّ نسيانه، فيكون المورد من مصاديق قاعدة «لا تعاد».
وأما الصورة الثالثة: فقد اتّفقت كلمة الفقهاء ـ إلاّ من شذّ ـ على أنّ الجاهل بالحكم بمنزلة العامد في جميع المنافيات من فعل أو ترك، فتبطل صلاته بالترك وإن لم يكن المتروك ركناً، وذلك لعدم شمول قاعدة «لاتعاد» للجاهل المقصّر، وقد ذكروا لعدم الشمول وجوهاً أفضلها أن يقال: إنّ عموم القاعدة للجاهل المقصّر تقرير له للبقاء على جهله وتبرير له فيما يأتي به من الأعمال الناقصة، مع أنّ الجاهل مأمور بالتعلّم; ففي رواية مسعدة بن زياد في قوله تعالى: (الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)(1): «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم. قال تعالى له: أفلا عملت بعلمك؟ وإن قال: كنت جاهلاً. قال تعالى: أفلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه،

1 . الأنعام: 149 .

صفحه 236
فتلك الحجّة البالغة».(1)
فهذان الأمران لا ينسجمان، فمن جانب يقرّ الشارع الجاهل على جهله ويعذره ويبرر له خطأه، ومن جانب آخر يعاتبه ويخصمه، وكلّ ذلك يدلّ على قصور قاعدة «لا تعاد» عن شمولها للمقصّر.
وبذلك يظهر ضعف ما ذكره السيد الحكيم ـ رضوان الله عليه ـ حول الرواية حيث قال: إنّها تدلّ على حسن عقاب الجاهل لانقطاع عذره ولا تدلّ على بطلان عمله الناقص لإمكان كون الصلاة ذات مراتب متفاوتة في الكمال والنقصان فيكون الشيء جزءاً أو شرطاً لبعضها فيفوت بفواته ولا يكون جزءاً أو شرطاً لبعضها الآخر فيصلح بدونه بنحو لا يمكن تدارك الفائت .(2)
وجه الضعف: أنّ الاستدلال بالرواية ليس بما هي هي وإنّما هو قائم على وجود التنافي ـ على فرض شمول قاعدة «لا تعاد» للجاهل المقصّر ـ بين عقابه ومخاصمته من جانب، ومن جانب آخر تقرير عمله وتعذيره، فهما متنافيان عرفاً.
وإن شئت قلت: إنّ وظيفة الجاهل هي التعلّم، فإذا كانت هذه وظيفته فلا وجه لتبرير عمله، إذ معنى ذلك تثبيته على حالة الجهل.
وهناك وجه آخر لعدم شمول القاعدة للجاهل المقصّر، هو أنّ

1 . الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 14.
2 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 381 ـ 382 .

صفحه 237
قصر الأدلّة الأوّلية الدالّة على البطلان عند وجود القواطع وغيرها مثل قوله (عليه السلام): «مَن تكلّم في صلاته أو زاد في صلاته أو تقهقه في صلاته فعليه الإعادة»(1) على صورة العلم والعمد بعيد في نفسه جدّاً، وحمل للمطلق على الفرد النادر، إذ قلّما يرتكب العالم بالحكم الّذي هو في مقام الامتثال، خلافَ وظيفته عامداً فلابد من شمولها للجاهل المقصّر أيضاً.(2)
وأمّا الصورة الرابعة: فالمتبادر من حديث الرفع كون الجهل والاضطرار والنسيان من الأعذار الشرعيّة، خطاباً وعقاباً، والقدر المتيقّن من الجهل فيه هو القاصر الّذي يصدر في عمله عن جهل مركّب، حيث يجهل بجهله وإلاّ فلو عرف جهله يصير مقصّراً لا قاصراً، ومعه كيف يختصّ حديث «لا تعاد» بالناسي ويخرج الجاهل القاصر عن تحته مع كونه أعذر من الناسي.
نعم نقل عن المحقّق النائيني أنّه خصّ القاعدة بالناسي وقال في وجه ذلك: ما هذا خلاصته: إنّ المنفي في الحديث الإعادة ومن الواضح أنّها وظيفة من لم يكن مأموراً بالعمل نفسه، وإلاّ فيخاطب به ابتداءً، لا بالإعادة الّتي هي الوجود الثاني للطبيعة وليس هو إلاّ الناسي، إذ هو يتعذّر في حقّه التكليف الواقعي ولم يكن مأموراً في

1 . مستدرك الوسائل:5، الباب 22 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث1، نقلاً عن دعائم الإسلام.
2 . مستند العروة الوثقى: 7 / 307 .

صفحه 238
ظرف العمل وحالة نسيانه، بل هو محكوم بالإعادة أو بعدمها، وأمّا الجاهل فهو حين إحداثه محكوم بالواقع وبنفس العمل فلا يشمله الحديث وإجزاء غير الواجب عن الواجب لا دليل عليه .(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لا فرق بين الجاهل والناسي حيث إنّ كلاًّ منهما ـ مع قطع النظر عن الجهل والنسيان ـ مكلّف بنفس التكليف الواقعي كسائر الناس، أخذاً بدليل اشتراك الجمع في التكليف، وأمّا مع ملاحظة العذر الطارئ كالجهل والنسيان فبما أنّ خطاب كلّ بالواقع أمر ممتنع، يكون الكلّ غير محكوم بالواقع وبنفس العمل، بل يكون محكوماً ـ لولا حديث لا تعاد ـ بالإعادة، غير أنّ الحديث رفع عنهما الإعادة امتناناً وتفضّلاً من الشارع.
***
بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم الخميس، سادس عشر
شهر رجب الأصب من عام 1435هـ في جوار فاطمة المعصومة (عليها السلام).
بيد مؤلّفه جعفر السبحاني خلف الفقيه الشيخ
محمد حسين السبحاني تغمده الله بواسع رحمته.
نسأله سبحانه أن يحفظ الإسلام والمسلمين
من كلّ شر ومكروه، ويغفر سيّئاتنا،
ويقيل زلاّتنا، أنّه قريب مجيب .

1 . مستند العروة الوثقى: 7 / 307 ـ 308 .

صفحه 239

صفحه 240

فهرس المحتويات

مقدّمة المؤلف:   …7
المسألة الأُولى   …9
المسألة الثانية   …17
المسألة الثالثة   …20
المسألة الرابعة   …25
المسألة الخامسة   …32
المسألة السادسة   …35
المسألة السابعة   …39
المسألة الثامنة   …45
المسألة التاسعة   …47
المسألة العاشرة   …51
المسألة الحادية عشرة   …55
المسألة الثانية عشرة   …58
المسألة الثالثة عشرة   …64
المسألة الرابعة عشرة   …68
المسألة الخامسة عشرة   …74
المسألة السادسة عشرة   …79
المسألة السابعة عشرة   …88
المسألة الثامنة عشرة   …91
المسألة التاسعة عشرة   …94
المسألة العشرون   …99
المسألة الحادية والعشرون   …102
المسألة الثانية والعشرون   …106
المسألة الثالثة والعشرون   …108
المسألة الرابعة والعشرون   …111
المسألة الخامسة والعشرون   …112
المسألة السادسة والعشرون   …113
المسألة السابعة والعشرون   …118
المسألة الثامنة والعشرون   …119
المسألة التاسعة والعشرون   …122
المسألة الثلاثون   …126
المسألة الحادية والثلاثون   …131
المسألة الثانية والثلاثون   …133
المسألة الثالثة والثلاثون   …135
المسألة الرابعة والثلاثون   …137
المسألة الخامسة والثلاثون   …140
المسألة السادسة والثلاثون   …141
المسألة السابعة والثلاثون   …144
المسألة الثامنة والثلاثون   …147
المسألة التاسعة والثلاثون   …150
المسألة الأربعون   …152
المسألة الحادية والأربعون   …154
المسألة الثانية والأربعون   …156
المسألة الثالثة والأربعون   …160
المسألة الرابعة والأربعون   …165
المسألة الخامسة والأربعون   …169
المسألة السادسة والأربعون   …171
المسألة السابعة والأربعون   …176
المسألة الثامنة والأربعون   …180
المسألة التاسعة والأربعون   …183
المسألة الخمسون   …185
المسألة الحادية والخمسون   …188
المسألة الثانية والخمسون   …191
المسألة الثالثة والخمسون   …193
المسألة الرابعة والخمسون   …196
المسألة الخامسة والخمسون   …198
المسألة السادسة والخمسون   …200
المسألة السابعة والخمسون   …206
المسألة الثامنة والخمسون   …211
المسألة التاسعة والخمسون   …215
المسألة الستون   …218
المسألة الحادية والستون   …221
المسألة الثانية والستون   …225
المسألة الثالثة والستون   …227
المسألة الرابعة والستون   …230
المسألة الخامسة والستون   …234
فهرس المحتويات   …239
Website Security Test