welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسالة في اللباس المشكوك*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسالة في اللباس المشكوك

صفحه 1
    رسالة في اللباس المشكوك
   
رسالة
في
اللباس المشكوك

صفحه 2

صفحه 3
رسالة
في
اللباس المشكوك
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
السبحاني التبريزي، جعفر 1347 ـ
رسالة في اللباس المشكوك / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .
      101 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 425 - 3
1. فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. 2. بوشاك ـ ـ جنبه هاى مذهبى ـ ـ اسلام. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
353 / 297    5ر/ 2 س / 5 / 186 BP
اسم الكتاب:   … رسالة في اللباس المشكوك
المؤلف:   … العلاّمة المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   …1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
القطع:   … رقعي
عدد الصفحات:   … 101 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام)ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .
أمّا بعد; فهذه رسالة وجيزة وضعتها في بيان حكم اللباس المشكوك جوازاً ومنعاً، أرجو من الله سبحانه أن تكون مصباحاً للمرتادين ومفيدة للطالبين.
فأقول: يشترط في لباس المصلي شروطٌ نذكر منها ما يلي:
1. الطهارة، فلا تجوز الصلاة بالثوب النجس وجلد الميتة حتّى وإن كان من حيوان مأكول اللحم كالمعز والغنم وغيرهما.
2. عدم كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، سواء أكان مذكّى أم غير مذكّى.
والفرق بين المسألتين واضح فالأُولى منهما تركز على شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة، والأُخرى ـ حسب ظاهر

صفحه 8
الأدلّة على ما يأتي ـ تركّز على مانعية ما لا يؤكل لحمه من غير فرق بين جلده وصوفه وشعره ووبره، وإن كان طاهراً بالتذكية.
إذا علمت ذلك فالبحث يقع في الفرد المشتبه من الشرطين، وبعبارة أُخرى في الشبهة المصداقية منهما .
أمّا الأُولى: فلو شككنا في جلد المعز أنّه مذكّى أو غير مذكّى، فلا تجوزالصلاة فيه لاستصحاب عدم التذكية بلا كلام فيه .
وأمّا الثانية: فلو شككنا في شعر أو صوف أو في لباس نحتمل أن يكون خليطاً من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فهل تجوز الصلاة فيه أو لا؟ وهذه هي المسألة الّتي نحن بصدد بيانها.
وليست المسألة من الفقه المنصوص، إذ لم ترد في أحاديث الأئمة ولا في المتون الفقهية المنتزعة من الأحاديث وإنّما هي مسألة فرعية استخرج فقهاؤنا حكمها من الأدلّة.
وقد كثر الابتلاء به من منتصف القرن الثالث عشر لكثرة استيراد المنسوجات الغربية من قبل البلاد الإسلامية، ممّا يعمل من الصوف والوبر والشعر كالماهوت وغيره ممّا يلبسه الرجال والنساء، مع عدم علمهما بحاله، وقد عكف علماؤنا على دراسة

صفحه 9
هذه المسألة من منتصف القرن الثالث عشر إلى يومنا هذا، وقد ألّفوا فيها رسائل كثيرة خصوصاً بعدما درّسها الميرزا الشيرازي (1230 ـ 1312 هـ)، فأخذت تلامذته بالبحث والدراسة، وإليك أسماء بعض الرسائل الّذي حضرني:
1. إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: تأليف المحقّق محمد حسن الآشتياني (المتوفّى 1319 هـ).
2. الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: تأليف المحقّق ميرزا علي الإيرواني (1301 ـ 1352 هـ) .
3. رسالة في اللباس المشكوك: للمحقّق ميرزا حسين النائيني (1274 ـ 1355 هـ)، طبع في ملحقات منية الطالب لتلميذه الشيخ موسى الخوانساري (قدس سره) .
4. إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: تأليف الفقيه الحفيظ، أبو الحسن الأنكجي (1282 ـ 1357 هـ) .
5. الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: تقرير بحث سيد مشايخنا المحقّق البروجردي (1292 ـ 1380 هـ) بقلم الفاضل المعاصر أحمد الصابري حفظه الله.
6. رسالة في اللباس المشكوك: تأليف المحقّق السيد أبو

صفحه 10
القاسم الخوئي (قدس سره)(1317 ـ 1413 هـ) .
هذا بعض ما وقفت عليه من الرسائل، وهناك رسائل أُخرى أُلّفت في الموضوع ذكرها شيخنا المجيز في ذريعته فلاحظ.
مضافاً إلى ما حقّقه المتأخّرون حول المسألة في كتاب الصلاة عند البحث عن أحكام لباس المصلي كالنجفي في جواهره، وآقا رضا الهمداني في مصباح الفقيه، إلى غير ذلك من المحقّقين العظام شكر الله مساعيهم.
وما هذا إلاّ لأنّ كثرة الابتلاء دفعهم إلى دراسة المسألة. فنقول يقع الكلام في فصول:

صفحه 11
   

الفصل الأوّل:

في أُمور تمهيدية

قبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً لها علاقة بالمسألة:

1. أوّل مَن عنون المسألة

إن أوّل من عنون هذه المسألة هو المحقّق (في بحث السهو)، حيث قال: الثالث: إذا لم يعلم أنّه من جنس ما يصلي به وصلى أعاد (1) ثم العلاّمة في المنتهى في البحث الثاني فيما تجوز الصلاة فيه من اللباس، قال : فروع: الثالث: لو شك في الشعر، أو الصوف، أو الوبر أنّه هل ممّا يؤكل لحمه أو لا؟ لم تجز الصلاة فيه، لأنّها مشروطة بستر العورة بما يؤكل لحمه وهو غير متحقّق، والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط .(2)

1 . شرائع الإسلام: 1 / 114 .
2 . منتهى المطلب: 4 / 236، وقد نقل غير واحد من الأعلام عبارة العلاّمة هذه ولكن نقلاً بالمعنى لا بالنص، ونحن نقلناها بنصّها.

صفحه 12
ولا يخفى ما فيه: أنّه خص البحث بستر العورة مع أنّ الموضوع أعم منه، فإنّ الموضوع هو ثوب المصلي ولباسه، وإن لم يكن ساتراً لعورته، بل الموضوع أوسع من ثوب المصلي أيضاً، حيث يشمل شعر غير المأكول إذا حمله.(1)
ثانياً: ما ذكره إنّما يتم لو كان ستر العورة مشروطاً باتخاذه ممّا يؤكل لحمه مع أنّه يمكن أن يكون الساتر غير متخذ من الحيوان أصلاً كالقطن والكتان، اللهم إلاّ أن يريد بأن الشرط مختص بما إذا كان الساتر متخذاً من الحيوان لا من غيره.
ثالثاً: ظاهر كلامه أن كون الساتر مأخوذاً ممّا يؤكل، شرط في جواز الصلاة معه، مع أنّ هنا احتمالاً آخر أقوى منه وأوفق بالروايات، وهو كون الساتر من غير المأكول مانعاً من صحة الصلاة وجوازها، وهو الظاهر من الروايات الآتية خصوصاً موثقة أبي بكير على ما يأتي.
نعم كون غير المأكول مانعاً لا يكون مبرّراً لإيقاع الصلاة فيه مالم يحرز عدمه ، بأمارة أو أصل، فلا فرق في كون مأكول اللحم شرطاً، أو كون غير مأكول اللحم مانعاً، فكل يحتاج إلى الإحراز.

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

صفحه 13
وقال في الجواهر بعدما نقل كلام العلاّمة: ونحوه ما في التحرير والقواعد والشرائع (في بحث السهو)، والبيان والهلالية وفوائد الشرائع والميسية والمسالك (على ما حكي عن البعض مع زيادة الجلد في بعض والعظم في الآخر)، لكن في البيان: «إلاّ أن تقوم قرينة قوية» (1).
وهذه العبارة تدل على أنّ الرأي السائد إلى القرن العاشر هو المنع.
نعم ذهب المحقّق الأردبيلي وصاحب المدارك والمحدث البحراني وغيرهم إلى الجواز .
قال الأردبيلي: ثم الظاهر من كلام القوم أنّ كل ما لم يُعلم أنّه مأكول اللحم لا تجوز الصلاة في شيء منه حتّى العظم الّذي يكون عروة للسكين، والمرمى، فالمشكوك والمجهول لا تجوز الصلاة فيه، ثم أشكل عليهم وقال بجواز الصلاة فيه بوجوه مختلفة:
1. الأصل.
2. إطلاق الأمر.

1 . الجواهر: 8 / 80 .

صفحه 14
3. الشهرة في العمل.
4. الآيات الدالة على تحليل ما خُلق، وتحليل الزينة، وتحليل اللباس، وحصر المحرمات، وكذا: الاخبار مثل الأخبار الصحيحة في أنّ كل ما اشتبه بالحرام فهو حلال، والسعة وعدم الحرج، ] فالجميع [دلّ على الجواز مالم يُعلم أنّه ممّا لا يؤكل.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به من الآيات من تحليل كل ما خلق على صحة الصلاة فيها ليس بصحيح جدّاً، إذ الاستدلال بما دل من الآيات على حلية كل ما خلق، أو تحليل الزينة واللباس، مخصّص بما دل على عدم جواز الانتفاع بما لا يؤكل في الصلاة، وعندئذ يكون التمسّك بالآيات في المورد من قبل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
وعلى أي تقدير فالمحقّق الأردبيلي أوّل من خالف الرأي السائد وأفتى بالجواز، واستدلّ عليه بالتفصيل.
وتلاه تلميذه صاحب المدارك، حيث إنّه بعدما نقل كلام العلاّمة في «المنتهى» قال: ويمكن أن يقال إنّ الشرط ستر العورة، والنهي إنّما تعلّق بالصلاة في غير المأكول، فلا يثبت إلاّ

1 . مجمع الفائدة: 2 / 95. ما بين المعقوفتين أضفناه لتستقيم العبارة.

صفحه 15
مع العلم بكون الساتر كذلك، وتؤيده صحيحة عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كل شيء يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه» ولا ريب أنّ الأحوط التنزه عنه».(1)
وجاء بعده المحدّث البحراني، فبعدما نقل عبارة العلاّمة في المنتهى، قال:
والمنع عن ذلك موقوف على معلومية كونه ممّا لا يؤكل لحمه، فما لم يعلم كونه كذلك فليس بداخل تحت تلك الأخبار فيبقى على أصل الصحة، وتعضده الأخبار الصحيحة الصريحة في «أنّ كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه». والمراد بالحل ما هو أعم من حل الأكل وهو حل الانتفاع.نعم ما ذكره هو الأحوط كما لا يخفى .(2)
فأقصى ما عند صاحبي المدارك والحدائق من الدليل ـ مضافاً إلى أصالة الحلّية ـ هو اختصاص المنع بالفرد المعلوم كونه ممّا لا يؤكل ولا يعم المجهول والمشكوك.

1 . المدارك : 3 / 167 .
2 . الحدائق الناضرة: 7 / 86 .

صفحه 16
وتبعهما صاحب المستند قال: ويؤيّده بل يدلّ عليه عمل الناس، بل إجماع المسلمين، حيث إنّه لم يعلم كون أكثر الثياب ـ المعمولة من الصوف والوبر والشعر من الفراء والسقرلاب، وما عمل لغمد السيف والسكين ـ ممّا يؤكل جزماً، ومع ذلك يلبسها ويصاحبها الناس من العوام والخواص في جميع الأمصار والأعصار ويصلّون فيه من غير تشكيك أو إنكار، بل لولاه لزم العسر والحرج في الأكثر.
وتدلّ عليه أيضاً الأخبار المصرّحة بأنّ كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه.(1)
وما استدل به من السيرة على الانتفاع مالم يعلم أنّه ممّا لا يؤكل أو لزوم العسر والحرج، لا بأس بهما، وسيوافيك الكلام فيهما في خاتمة الأدّلة.
ومن هنا يعلم أنّ القول في الجواز كان قولاً شاذاً إلى عصر الميرزا الشيرازي كما صرح بذلك المحقّق النائيني ، وقال: إنّ أصحابنا قد اختلفوا في جواز الصلاة فيما يشكّ أنّه من أجزاء غير المأكول على أقوال أربعة، فالمحكيّ عن

1 . مستند الشيعة: 4 / 317 .

صفحه 17
المشهور عدم الجواز مطلقاً، بل في المدارك أنّه المقطوع به بين الأصحاب، وذهب جمع من محقّقي المتأخّرين إلى الجواز كذلك لكنّه كان يعدّ من الشواذ، إلى أن بنى عليه سيّدنا الأُستاذ الأكبر نورّ الله ضريحه وأفتى به فخرج عن الشذوذ بذلك بل انعكس الأمر .(1)

2. الأقوال في المسألة

إنّ الأقوال في المسألة لا تتجاوز الأربعة:
1. عدم الجواز وهو المحكي عن المشهور إلى عصر المحقّق الأردبيلي. وفي المدارك بأنّه مجمع عليه بين الأصحاب.(2)
2. الجواز، وقد بدأ الإفتاء به من عصرالأردبيلي إلى يومنا هذا.
3. التفصيل بين نفس اللباس وما عليه من الفضلات والشعرات الملقاة والمحمول، فلا يجوز في الأوّل دون الثاني.
4. التفصيل بين ما إذا علم أنّه من أجزاء الحيوان وشك

1 . منية الطالب: 228 .
2 . المدارك : 3 / 157.

صفحه 18
في مأكوليته وعدمها وبين ما إذا لم يُعلم ذلك بل احتمل أنّ يكون الثوب نباتياً مأخوذاً من القطن والكتان، فلا يجوز في الأوّل دون الثاني.
وربّما يستظهر قول خامس (1) وهو المنع إذا قلنا بشرطية غير المأكول في الساتر أو الثوب وبين مانعية كونه من غير المأكول، فلا يجوز على الأوّل لوجوب إحراز الشرط كسائر الشروط كالطهارة النفسانية، حتّى الطهارة الخبثية حيث يجب إحرازها ولو بالأصل، ويجوز على الثاني أخذاً بأصالة العدم.
ولكن هذا التفصيل ليس قولاً خامساً بل هو مبنى القولين في المسألة حيث إنّ الشرط أمر وجوديّ لا حالة سابقة له، بخلاف ما إذا كان وجود الشيء مانعاً، إذ يمكن احراز عدمه بالأصل.
وبالجملة الشرط أمر وجودي فاقد للحالة السابقة، وأمّا عدم المانع فله حالة سابقة قابل للإحراز بالأصل.

1 . كما في رسالة إزاحة الالتباس للمحقّق الأنگجي: 4 .

صفحه 19

3. ما هو المقصود من المنع والجواز ؟

المقصود من المنع والجواز هو المعنى الوضعي منهما بمعنى عدم صحة الصلاة أو صحتها، لا التكليفي، إذ ليس الصلاة في غير المأكول أمراً حراماً إلاّ أن يرجع إلى التشريع. وينطبق على عمله عنوانه.

4. الموارد المشتبهة

إنّ الشكّ في كون شيء من غير أجزاء المأكول يتصور على أقسام ثلاثة:
1. أن يتردد أخذه من حيوان غير مأكول أو من غير الحيوان كالقطن أو الكتان.
2. أو أن نقطع بكونه مأخوذاً من حيوان لكن تردد الحيوان بين حيوانين أحدهما المعيّن حلال اللحم كالغنم والآخر حرامه كالثعلب، فشك في المأخوذ منه. وتكون الشبهة موضوعيّة.
3. أن تقطع بكونه مأخوذاً من حيوان معيّن كالأرنب لكن شك في كونه مأكول اللحم أو غيره، فتكون الشبهة حكمية .

صفحه 20
والظاهر خروج هذه الصورة عن محط النزاع عند الأُصوليين وذلك لوجود الأصل الحاكم، لأنّ الشك في صحة الصلاة في اجزائه مسبب عن الشك في حلية لحمه وحرمته، فعلى القول بالحلية في الشبهات الحكمية يرتفع الشك لحكومة الأصل السببي على الأصل المسببي.
ثم إنّ عنوان المسألة وإن كان يعرب عن اختصاص البحث بما شك في كونه مأخوذاً من حيوان مأكول أو غير مأكول، إلاّ أن ملاك البحث يعم كل الموانع وإن لم يكن له صلة بالأكل وعدمها، وذلك كالذهب والحرير بالنسبة للرجل، فلو شك في كون ثوبه خليطاً من الذهب أو الحرير يكون البحث هنا كالبحث في المشتبه من الحيوان.

5. كون غير المأكول مانعاً يتصوّر على وجوه

إنّ الظاهر من الروايات هو كون غير المأكول مانعاً ومخلاًّ، ولكن المانعية تتصور على أقسام ثلاثة:
1. أن يكون صفة للمصلي، بمعنى أنّ كون المصلّي لابساً لأجزاء غير المأكول، مانع عن انطباق عنوان الصلاة على المأتي به.

صفحه 21
2. أن يكون وصفاً للباس، بمعنى أن كون اللباس مأخوذاً ممّا لا يؤكل مانع عن انطباق عنوان الصلاة على المأتي به.
3. أن يكون من أوصاف الصلاة، بمعنى أنّ وقوع الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، مانع عن أنطباق عنوان الصلاة عليه .
وبعبارة أُخرى: أنّ مركز القيد يحتمل أن يكون هو المصلّي أو ما يصلّى فيه (اللباس) أو الصلاة؟
فعلى الأوّل: يعتبر أن لا يكون المصلّي لابساً ما لا يؤكل.
وعلى الثاني: يعتبر أن لا يكون لباس المصلّي من جنس ما لا يؤكل .
وعلى الثالث: يعتبر أن لا تقع الصلاة في ما لا يؤكل لحمه. والكل محتمل .
ويُستظهر من بعض الروايات أنّه قيد المصلي أعني قوله: لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه، كما يستظهر من بعض آخر أنّه قيد الصلاة فعن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه لأنّ أكثرها مسوخ».
ثم إنّه ربّما يتصور أنّه لا يصح ان يكون قيداً للباس المصلي سواء أخذ شرطاً، أو مانعاً، وذلك لأن شرط المأمور به

صفحه 22
] أو مانعه [ لا يمكن إلاّ أن يكون فعلاً اختيارياً، وحيث إنّ اتّصاف اللباس بكونه من المأكول أو عدم كونه من غير المأكول لا يعقل التكليف به وجوداً وعدماً، فلا معنى لكونه قيداً في المأمور به.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأمر في الأُمور الاعتبارية سهل، وذلك لأنّ كون الحلية شرطاً للباس أو كون غير المأكول مانعاً، نظير كون القبلة، شرطاً للصلاة وهي أمر خارج عن الاختيار ولكن الّذي يصحّحه ـ والحالة هذه ـ هو أنّ المراد لزوم التوجه إليها عند الصلاة فصار هذا مصحّحاً لكونها بنفسها شرطاً، وهكذا المقام فإنّ المراد لزوم إتيان الصلاة في المأكول، أو تنزيهها عن غير المأكول، فصار هذا مصحّحاً، لكون المأكول أو غير المأكول شرطاً أو مانعاً للباس. والّذي يوضح ذلك اتفاق الفقهاء على كون الحرير مانعاً، على وجه يكون مركز الموصوف بالمانعية هو اللباس .
وبالجملة: الاعتبار خفيف المؤونة، ويكفي في صحة جعل الأمر الخارج عن الاختيار شرطاً أو مانعاً، ترتّب الأثر عليه

1 . رسالة في اللباس المشكوك للسيد الخوئي (قدس سره): 29.

صفحه 23
بنحو من الأنحاء، وقد عرفت الأثر .
ثم إنّ القائل استدرك في ذيل كلامه وقال: نعم يصح أن يقال: يشترط في الصلاة ان لا يكون اللباس من غير المأكول، لكنّه لا بمعنى أخذه في المأمور، بل بمعنى دوران الصحة مداره ولو من جهة تقيد الصلاة بأن لا يقع فيه.
وسيوافيك الكلام في هذه الاقسام ثبوتاً، وما هو المتبادر من الروايات إثباتاً عند البحث في جريان الاستصحاب في المقام.

6. وضع الألفاظ للمصاديق الواقعية

لو قلنا بأنّ هنا واضعاً وضع الألفاظ، فالظاهر أنّ الموضوع له هي المعاني الواقعية أو المصاديق الحقيقية، سواء أتعلّق بها العلم أم لا، فالماء والتراب موضوعان للمصداق الواقعي للطبيعة منهما، لا المقيّد بكونه معلوماً للمتكلم، فإن أخذ العلم في الموضوع له كأخذ الإرادة فيه، يوجب عدم انطباق اللفظ على الواقع، لأنّ جزء الموضوع له (العلم) عندئذ أمر ذهني. فقولنا: الخمر حرام، فالموضوع له هو الخمر الواقعي، سواء علم به الإنسان أم لا.

صفحه 24
نعم لا يحتج المولى على العبد إلاّ إذا ثبتت الصغرى عنده بدليل قطعي أو بأمارة، أو بأصل معتبر فما تقدّم في كلام صاحب المدارك وغيره، يجب أن يحمل على هذا بمعنى أنّ الاحتجاج فرع العلم بالصغرى لا ماهو الظاهر من كلامهم من كون الموضوع له المصاديق المعلومة.

7. الفرق بين الشرط والمانع

إنّ الفرق بين الشرط والمانع هو أنّ الشرط إمّا متمم لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل، فيجب أن يكون أمراً وجودياً مؤثراً في أحد الطرفين.
وأمّا المانع فهو عبارة عن كون وجود الشيء مزاحماً للشيء، أي مانعاً من تحقّقه، فما ربّما يقال: إن المانع عبارة عن أخذ عدمه في المأمور به فمحمول على التسامح، فإنّ العدم أنزل من أن يكون مأخوذاً في المأمور به. حسب تعبير المحقّق السبزواري:
كذاك في الاعدام لا عليّة *** وإن بها فاهوا فتقريبية
اتّفاق الأُصوليّين على البراءة في الشبهة الموضوعية دون المقام   
فقولهم: عدم الرطوبة شرط في الإحراق، مرجعه إلى أنّ الرطوبة مانعة عنه... ومثله المقام: فلو قلنا بأنّ كون مأكول اللحم

صفحه 25
شرطاً في الساتر ولو في بعض الموارد، وهو إذا كان الساتر مأخوذاً من الحيوان فهو متمم لقابلية الصلاة للعروج إلى الله سبحانه.
وإن قلنا: إنّ كونه مأخوذاً من غير المأكول مانعاً يعني أنّ كونه غير مأكول مانع لتحقّق عنوان الصلاة وسبب لمنقصتها.
 
8 . اتّفاقهم على البراءة في الشبهة الموضوعية دون المقام
اتّفق الأُصوليون على إجراء البراءة في الشبهة الموضوعية التحريمية والوجوبية، فلو شك في كون مائع خمراً لا يجب الاجتناب عنه .
ومع ذلك كله فقد اختلفوا في اللباس المشكوك مع أنّه من الشبهات الموضوعية للحكم الشرعي، فقوله (عليه السلام): «لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه» ضابطة كليّة، فلوشك في كون الوبر مأخوذاً ممّا يؤكل أو ممّا لا يؤكل، فمقتضى الضابطة جريان البراءة، ولا فرق بين الموردين، غير أنّ الأوّل شبهة موضوعية للحكم التكليفي، والثاني شبهة موضوعية للحكم الوضعي، مع أنّا نرى اختلافهم في هذا الباب.
ثم إنّ المحقّق الإيرواني حاول أن يُحلّ الشبهة وقال: إنّ

صفحه 26
القدر المسلّم من الاتفاق على البراءة والجواز في الشبهات المصداقية التحريمية، هو ما إذا توجّه التكليف إلى أفراد الطبيعة حيث ينحل الخطاب إلى خطابات، والتكليف إلى تكاليف كخطاب لا تشرب الخمر، فإنّه ينحل إلى تكاليف بحسب تعدّد
أفراد الخمر. وأمّا إذا كان التكليف وحدانياً متوجهاً إلى الطبيعة غير منحل إلى تكاليف فربما يمنع من جريان البراءة في الشبهات المصداقية في مثل هذا التكليف ويكون حاله حال التكليف الواحد المتعلّق بمجموع الأفراد من حيث المجموع، فالقول بالبراءة في الشبهة المصداقية الّتي تعلّق التكليف فيها بالطبيعة غير المنحلة، مبنيٌّ على القول بالبراءة في الأقل والأكثر الّذي كان التكليف فيه متعلقاً بالمجموع من حيث المجموع. وعلى هذا البيان الّذي بيّناه، يرجع النزاع في المقام إلى البحث عن أن تعلّق التكليف التبعيّ هل هو بطبيعة ما لا يؤكل لحمه غير المنحلة إلى الأفراد حتّى يكون الحكم فيه هو الاحتياط، أو بأفراد ما لا يؤكل لحمه حتّى يكون الحكم هو البراءة ؟(1)
وإلى ما نقلناه عن المحقّق الإيرواني أشار السيد الخوئي (رحمه الله)حيث قال: إنّ ذهاب المشهور في محل البحث إلى

1 . رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 7 .

صفحه 27
عدم الجواز مع اتفاقهم على جريان البراءة فيما تردد أمره بين
الأقل والأكثر واتفاقهم على البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية لعله من جهة أنّهم يرون النهي الغيري المستفاد منه المانعية نهياً واحداً متعلّقاً بالطبيعة ولا ينحل إلى نواهي عديدة حسب تعدد الأفراد فيكون العلم بتعلق النهي بالطبيعة موجباً لتنجزه على المكلف ولو مع الشك في فردية شيء لها، وذلك للعلم بفعلية التكليف والقدرة على امتثاله، وهذا بخلاف النواهي النفسيّة المنحلّة إلى النواهي الكثيرة حسب كثرة الأفراد الخارجية، فإذا شك في فردية شيء لموضوعاتها فلا مناص عن الرجوع إلى البراءة.
وهذا الوجه وإن لم يكن تامّاً عندنا إلاّ أنّه يندفع به تعجب شيخنا الأُستاذ العلاّمة (قدس سره)من ذهاب المشهور إلى البراءة في المقامين وإلى عدم الجواز في المقام.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التفريق ممّا لا تساعده روايات الباب، إذ أيّ فرق بين قوله: لا تشرب الخمر، حيث إنّ التكليف يتعدد حسب تعدد الخمر، وبين قوله في المقام: «إنّ

1 . رسالة في اللباس المشكوك: 7 ـ 8 .

صفحه 28
الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره
وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحل الله أكله» (1)، ونظيره قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام): «يا علي لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه» .(2) والكلّ ظاهر في تعلّق التكليف بكل فرد من أفراد الطبيعة لا بالمجموع من حيث المجموع.
والأَولى أن يقال في وجه التفريق : إنّ الشك في الشبهات الموضوعية شك بدوي حيث يشك في تعلق الحكم بالمائع الموجود أمامه ; وأمّا المقام فله جهتان: فمن جهة أنّه شك في التكليف أي تعلق النهي الغيري بالثوب الّذي لَبسه ومن جهة أُخرى شك في المكلّف به، وهو أنّ ما أتى به من الصلاة بهذا الثوب هل هو مصداق للواجب أو لا؟ ومع الشك في الامتثال يجب تجديده على وجه يقطع به.
   
وإن شئت قلت: إنّ للثوب المشكوك جهتين والجهة الأُولى أي تعلق النهي الغيري به غير مطروح، إذ لا يترتّب عليه العقاب وإنّما الجهة الّتي صارت محوراً للبحث والنقاش هو أنّ

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 6 .

صفحه 29
كون الصلاة فيه من قبيل الشك في المكلف به، وأنّه هل هي مصداق للمأمور بها أو لا؟ ولهذا ذهبوا إلى الاحتياط مُصفحين عن الجهة الأُولى ومُقبلين على الجهة الثانية، وعندئذ يكون المقامان من قبيل الأمرين المختلفين، حيث إنّ الشك في أنّ هذا المائع خمر أو لا؟ شك بدوي تجري فيه البراءة، ولكن الشك في أنّ الصلاة مع الثوب المشكوك مصداق للمكلف به أو لا، شك في المكلف به فلا ملازمة بين القول في البراءة في الأولى والقول بها في الثانية.

9. هل يختص بما يحرم حسب عناوينه الذاتّية أو يعم العرضيّة؟

هل المراد من الحرمة في قولهم: يحرم أكله هو الحرمة الذاتية، أو تعمّ الحرمة العرضية لجلل أو وطء إنسان أو شرب لبن الخنزيرة؟ وجهان ، والروايات منصرفة عن الشق الثاني.
نعم لا يشمل قطعاً ما يحرم لكونه مال الغير أو لوجود الضرر في لُبسه.
وبعبارة أُخرى: المتبادر من الروايات ـ كما سيوافيك ـ ما يحرم أكله حسب العناوين الأوّلية وحسب طبع الحيوانات، لا المحرّم بحسب العناوين العارضة.

صفحه 30
ويدل على ذلك: أنّه لو قلنا بشرطية الحلّية، فالمراد بها ما يكون حلالاً بالذات لا الحلال بالعرض، ولذلك لو اضطرّ إلى أكل ما حرمه الله، يجوز له الأكل ولا تجوز له الصلاة في أجزاء ما اضطرّ إلى أكل لحمه. وبالجملة: المراد ما يحرم حرمة دائمية لا تزول، وحرمة أكل الجلاّل أو ما شرب لبن الخنزيرة ليس أمراً ثابتاً، بل يزول بالاستبراء الخاصّ المذكور في محله، نعم الموطوء ليس كذلك بل حرمته ثابتة.
ثم إنّه ربّما يجعل المقام من قبيل قاعدة المقتضي والمانع، الّتي أسّسها العلاّمة الطهراني (قدس سره)، وقد بالغ في هذه القاعدة حتّى طبّق روايات الاستصحاب على تلك القاعدة، والمراد من القاعدة هو أنّه إذا تمّ المقتضي وشكّ في المانع فيؤخذ بالمقتضي ويدفع المانع بالأصل، فإذا رمى بالسهم حيواناً على نحو لولا المانع لقتله فيقال: المقتضي موجود، والمانع مدفوع بالأصل، وعلى هذا فيكون إحراز الجزء والشرط من قبيل المقتضي، والشك في المانع من تلك المقولة.
يلاحظ عليه أوّلاً: لا دليل على حجية قاعدة المقتضي والمانع، وأنّ روايات الاستصحاب لا تنطبق على تلك القاعدة، وقد حرّر ذلك في محلّه.

صفحه 31
وثانياً: أنّ التمسّك بالقاعدة مختصّ بما إذا كان الشيء على نمط واحد وهو ما أُحرز المقتضي بتمامه من الأجزاء والشرائط وبقي الشك في المانع مع أنّ البحث في المقام أوسع، إذ لا يختصّ البحث بما أُحرز المركّب المأمور به بتمام أجزائه وشروطه وتمحّض الشك في المانع، بل يمكن أن يتعلّق الشك بالجزء والشرط وراء تعلّقه بالمانع أيضاً بحيث يكون في المورد شكّان: أحدهما تعلق بالجزء أو الشرط، والآخر بالمانع .

10. ملاك حرمة الأكل

الّذي يستفاد من روايات الباب أنّ الميزان في حرمة الأكل هوكون الحيوان من أحد القسمين التاليين:
1. أن يكون من المسوخ.
2. أن يكون من السباع.
فيدلّ على الأوّل مرفوعة محمد بن إسماعيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ ».(1)

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7 .

صفحه 32
ويدلّ على الثاني ما رواه علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبدالله وأبا الحسن (عليهما السلام)عن لباس الفراء والصلاة فيها؟ فقال: «لا تصلّ فيها إلاّ في ما كان منه ذكيّاً»، قال: قلت: أو ليس الذكي ممّا ذكّي بالحديد؟ قال: «بلى، إذا كان ممّا يؤكل لحمه»، قلت: وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ قال: «لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللحم، وليس هو ممّا نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب ».(1)

11. هل الحلّية شرط أو الحرمة مانعة؟

هل أنّ حلّية الأكل فيما إذا كان لباس المصلّي متّخذاً من الحيوان، شرط، أو أنّ حرمة الأكل مانعة عن صحّة الصلاة؟
قد عرفت أنّه لا يمكن جعل حلّية الأكل شرطاً مطلقاً، لإمكان أن لا يكون لباس المصلي متّخذاً من الحيوان، فلابد من تخصيص الشرطية بما إذا كان لباسه متّخذاً من الحيوان، وجهان الأقوى بل المتعيّن هو الثاني.
ويدلّ على ما ذكرنا روايات الباب فهي ظاهرة في مانعية حرمة الأكل; وأوضح الروايات وأتقنها موثقة ابن بُكير قال:

1 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 .

صفحه 33
سأل زرارة أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصلاة في الثعالب والفنك
والسنجاب وغيره من الوبر؟ فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ الله أكله ـ ثم قال: ـ يا زرارة، هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذبح، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله، فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد، ذكّاه الذبح أو لم يذكّه .(1)
وتشهد على كون الحرمة مانعاً، الجملتان التاليتان:
1. إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره.... فاسد.
2. وإن كان غير ذلك ممّا نهيت عن أكله وحرم عليك أكله، فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد.
فإنّ وصف الصلاة فيما لا يؤكل لحمه بالفساد دليل على

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

صفحه 34
أنّ حرمة الأكل تمنع عن انطباق عنوان الصلاة عليه .
فإن قلت: إنّ قوله في نفس الموثقة: «لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحلّ الله أكله» يشير إلى الشرطية، حيث يقول : «حتّى يصلّي في غيره».
قلت: إنّ هذه الجملة ليست مستقلة وإنّما هي تابعة لقوله المتقدّم: «فالصلاة في كل شيء منه فاسد» فكأنّه قال: إذا كانت الصلاة فيما يحرم أكله فاسدة وهو يريد أن يصلّي في
الثوب المتّخذ من الحيوان فعليه أن يصلّي في أجزاء ما يؤكل لحمه.
وعلى ما ذكرنا فإنّ المعتمد هو الفقرة الأُولى وهو كاف، وأمّا الثانية فكأنّها إرشاد للمصلّي إلى ما تصحّ الصلاة فيه إذا حاول أن يصلّي في المتّخذ من الحيوان .
وإليك روايات أُخرى تؤيد ما ذكرناه:
1. رواية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر والشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقيّة ولا ضرورة، فكتب: «لا تجوز الصلاة فيه ».(1)
2. ما رواه الحسن بن علي الوشّاء قال: «كان أبو

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .

صفحه 35
عبدالله (عليه السلام)يكره الصلاة في وبر كلّ شيء لا يؤكل لحمه ».(1)
إلى غير ذلك من الروايات الّتي مرّ بعضها، فلا محيص من الأخذ بالمانعية وطرد احتمال الشرطية.
فإن قلت: لا مانع من الأخذ بهما أي القول بشرطية حلّية الأكل ومانعية الحرمة، جمعاً بين الروايات.
قلت: إنّ أحد الجعلين مغن عن الجعل الآخر فلا معنى للجعلين، وذلك لأنّ جعل الشرطية لأحد الضدين ككونه مأكول اللحم يغني عن أخذ عدم الضد الآخر ككونه غير مأكول اللحم فيه .
وبعبارة أُخرى: كيف يمكن البعث نحو عدم الضد، مع البعث إلى وجود ضده فإنّه من اللغو الواضح، أضف إلى ذلك: أنّ امتناع المعلول لأجل فقد الشرط مقدّم على امتناعه من جهةِ المانع، فبطلان الصلاة عندئذ يكون مستنداً إلى عدم الشرط لا إلى وجود المانع .
وبعبارة أُخرى: أنّ الشرط إما متمم لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل فيكون جزءاً للمقتضي، فإذا كان المقتضي ناقصاً

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 5 .

صفحه 36
فعدم المعلول يستند إليه لا إلى وجود المانع.
ثم إنّ المحقّق الإيرواني أطال الكلام في المقام بطرح إشكالات متعدّدة، وقد أجاب عنها السيد الخوئي في رسالته، ولا ملزم لنا لنقل كلام العلمين والقضاء بينهما (1).

12. ما هو الأصل في المسألة؟

إذا تردّد الأمر بين كون المجعول هو شرطية الحلّية، أو كونه مانعية غير المأكول، فليس هنا أصل يثبت أحد الجعلين المختلفين في الأثر، وليست المانعية والشرطية من قبيل الأقل والأكثر، حتّى ينفى الثاني بالأصل، بل هنا من قبيل المتباينيين، وإن كانت المانعية أقل كلفة من الشرطية.
وأمّا الكلام في الأصل العملي فهل هو الاحتياط كما هو المحكي عن الوحيد البهبهاني وصاحب الجواهر والشيخ محمد حسن المامقاني، بحجة ثبوت التكليف بأصل العبادة وبشرائطها وموانعها فيلزم الامتثال والخروج عن عهدته، إلاّ أن يكون هناك أصل موضوعي، كأصالة الطهارة فيما لو شك في

1 . لاحظ: رسالة الذهب المسكوك: 20 ـ 23، ورسالة في اللباس المشكوك: 11 ـ 16 .

صفحه 37
نجاسة البلل الواقع على ثوبه، فإنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو الاحتياط، غير أنّ أصالة الطهارة أصل موضوعي حاكم على أصالة الاشتغال. أو أنّ المرجع هو البراءة من أوّل الأمر تمسّكاً بأدلّتها وأدلّة الإباحة ـ كما سيوافيك شرحه ـ . أو التفصيل بين كون الشرط هوالحلية ـ فالأصل هو الاحتياط ـ وبين ما يكون الحرمة مانعاً والأصل هو البراءة، كما عليه السيد المحقّق الانگجي (1).
إذا عرفت ما مهّدناه من المقدّمات فلندخل في صلب الموضوع.

1 . إزاحة الالتباس: 4 .

صفحه 38

صفحه 39
   

الفصل الثاني

في مقتضى الأدلة الاجتهادية

إنّ التمسّك بالأدلة الاجتهادية لدى الشك في وجود الشرط أو المانع يتوقّف على ثبوت عموم أو إطلاقات فيها، ولا أظن أن يعثر الفقيه عليهما فيها، أمّا الأوامر المتعلّقة بإقامة الصلاة، فما أكثر وجودها في الكتاب العزيز فإنّما هي بصدد تشريع الصلاة أو تأكيد وجوبها ولا إطلاق لها بالنسبة إلى غيره .
وأمّا أوامر الستر فالجميع غير متعرّض لهذا الجانب ; نظير ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل قُطع عليه، أو غرق متاعه، فبقي عرياناً وحضرت الصلاة، كيف يصلي؟ قال: «إن أصاب حشيشاً يستر به عورته، أتمّ صلاته بالركوع والسجود، وإن لم يصب شيئاً يستر به عورته، أومأ وهو قائم» (1).

1 . الوسائل: 3، الباب 50 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

صفحه 40
ومثله ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل خرج من سفينة عرياناً أو سُلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلّي فيه؟ فقال: «يصلي إيماءً، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته، ثم يجلسان فيومئان إيماءً ولا يسجدان ولا يركعان، فيبدو ما خلفهما ».(1)
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الساتر وكيفياته إنّما هي في مقام بيان أصل وجوب الستر وما يجب أن يُستر،ولا صلة لها بالمشكوك من الساتر.
فظهر إنّ هذا النوع من الأدلّة لا يثبت شيئاً من القولين، نعم هناك وجوه تستخدم في إثبات صحّة الصلاة في المشكوك، نظير:
1. ادّعاء كون الألفاظ موضوعة للمصاديق المعلومة لا المجهولة ولاالمشكوكة، فعندئذ فالمانع هو غير المأكول إذا عُلم لا ما إذا شُك .
أقول: إنّ هذا الوجه لا يليق أن يُسطّر، فإنّ الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية الّتي ربّما يتعلق بها العلم تارة، والشك أُخرى، والجهل ثالثة.

1 . الوسائل: 3، الباب 50 من أبواب لباس المصلي، الحديث 6 .

صفحه 41
2. إنكار الإطلاق فيما دلّ على عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل بادّعاء وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب المانع من انعقاد الإطلاق وهو الفرد المعلوم ممّا لا يؤكل لحمه.
يلاحظ عليه: لو كان هذا سبباً لعدم انعقاد الإطلاق لصار سبباً لعدم وجود الاطلاق في الأدلّة، في باب من الأبواب، فيكون النجس هو البول المعلوم وهكذا، وهذا ما لا يقول به فقيه.
3. أنّ المانعية منتزعة عن النهي عن الصلاة في غير المأكول، فتكون فعليتهما تابعة لفعليته، وبما أنّ النهي لا يكون فعلياً مع الجهل، فتكون المانعية أيضاً مثله .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ النواهي الغيرية ليست من مقولة التكليف حتّى تختص فعليته بالعالم، بل الجميع إرشاد إلى المانعية والشرطية، وعندئذ لا وجه للاختصاص بالعالم .
وثانياً: أنّ الجهل مانع عن التنجّز، لا عن الفعلية، كما بيّن في محله، فمعناها أنّ المولى لم يرفع اليد عن شرط المأمور به أو مانعه، ولازمه عدم الإجزاء .
وثالثاً: أنّ الشرطية والمانعية منتزعان من الأمر الفعلي

صفحه 42
المتعلّق بالكل المقيّد بالشرط أو عدم المانع، وبما أنّ المنشأ يعمّ كلا الصنفين: العالم والجاهل، فهكذا المنتزع.
4. أنّ الروايات الدالّة على جواز الصلاة في الخز تدلّ على جوازها في كلّ ما كان يطلق عليه الخز في ذلك الزمان، ومن المعلوم ندرة العلم بخلوص الخز، وعدم احتمال غشّه بوبر الأرنب وغيره، إذ تخصيصها بخصوص العلم بالخلوص يوجب حمل الدليل على الفرد النادر، ويتعدّى إلى سائر الموارد بعدم القول بالفصل.
يلاحظ عليه: أنّه لا نسلّم أنّ ما يدلّ على جواز الصلاة في الخز يعم ما لو احتمل عدمُ خلوصه واختلاَطه بوبر الأرنب والثعلب، وذلك لأنّ الدليل دلّ على الجواز في الخز الخالص كما دلّ الدليل على المنع في غير الخالص، وعند الشك في الخلوص وعدمه يرجع الشك إلى دخول الموضوع تحت أحد الدليلين، فيكون شبهة مصداقية لأحدهما، ومعه كيف يمكن إقامة الصلاة فيه ؟
وبذلك تقف على أنّه ليس لنا دليل اجتهادي تحلّ به المشكلة وإنّما المهمّ هو البحث عن مقتضى الأُصول العملية.

صفحه 43

الفصل الثالث:

في مقتضى الأُصول العملية

إذا قصرت اليد عن الدليل الاجتهادي فلا ملجأ إلاّ الرجوع إلى الأُصول العملية.
احتجّ المجوّزون بأُصول مختلفة نذكرها تباعاً:

صفحه 44
 
1

التمسّك بالبراءة العقلية والنقلية

وقد قرّره المحقّق الأنگجي بالبيان التالي قال: إنّ مقتضى الأصل الثابت بالأدلّة العقلية والنقلية هو البراءة وعدم وجوب الاحتياط بالاجتناب عمّا يُشك كونه من هذا القبيل، فقال في توضيح ذلك: أنّه لا إشكال في أنّ الأصل المزبور كما أنّه مؤمّن عن العقاب في الشبهات الحكمية كذلك مُؤمِّن عنه في الشبهات الموضوعية، وكما أنّه مُؤمِّن عن العقاب المترتّب على نفس الشيء المشكوك فيما إذا شُك في وجوبه أو حرمته النفسيين كذلك مؤمّن عن العقاب الّذي يكون ذلك منشأ له، ولذلك حكمنا وحكموا بجريان الأصل المزبور عند الشك في الشرطية والجزئية والمانعية مع كونها من قبيل الواجبات الغيرية الّتي لا يترتّب العقاب عليها بنفسها.
إذا تقرّر ذلك فنقول: إذا شككنا في كون شيء من مصاديق ما علم كونه مانعاً، كما لو شككنا في لباس خاص أنّه

صفحه 45
من الحرير أو من غيره ممّا يجوز لبسه في الصلاة فنقول: النهي الغيري غير معلوم لنا، فنحن في سعة عن العقاب الناشيء عن تركه من أجل كونه مفضياً إلى ترك الصلاة المطلوبة في نفس الأمر، لأنّ الناس «في سعة ممّا لم يعلموا» وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة.. وعدّ منها: ما لا يعلمون»، ولحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إذ الشارع لم يبين لنا حكم الموضوع المشكوك كونه من مصاديق ما عُلم كونه مانعاً، نظير ما يحكم به من قبح العقاب على شرب المائع المشكوكة خمريته على تقدير كونه خمراً، فلا يتوهّم أنّ نهي الشارع عن الصلاة في الحرير يكفي في كونه بياناً رافعاً لحكم العقل عند الشك في أفراده الخارجية، لأنّ النهي المزبور إنّما يصلح بياناً بالنسبة إلى الأفراد المعلومة دون المشكوكة، كما أنّ النهي الوارد عن شرب الخمر كذلك .
والسّر في ذلك أنّ الألفاظ وإن كانت موضوعة للمعاني الواقعية، إلاّ أنّ طريق الامتثال موكول إلى العقل، وهو يحكم بأنّه لا يتنجز تكليف علينا إلاّ بالعلم، فحيث لم يتحقّق العلم لم يتحقّق تنجّز التكليف، فلا يثبت اشتغال الذمة إلاّ بالنسبة إلى المعلوم.(1)

1 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 6 ـ7 .

صفحه 46
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ البراءة العقلية الّتي تدور حول قبح العقاب بلا بيان أو البراءة الشرعية كقوله: «رفع عن أُمّتي تسعة...»، ناظرة إلى التكاليف الّتي يترتّب عليها العقاب، فالشبهات الحكمية التحريمية ممّا يترتّب عليها العقاب إذا صادف الواقع لولا المؤمّن، كما أنّ الشبهات التحريمية الموضوعية كذلك، فمصبّ هذه الأدلّة هو رفع التكاليف الّتي في وضعها كلفة وفي رفعها منّة، وليس هو إلاّ الأحكام أو الموضوعات التي يعاقب المكلّف على فعلها لولا المؤمّن.
وأين هذا من الشك في شيء أنّه متخذ ممّا لا يؤكل؟ إذ ليس في فعله ولا في تركه عقاب سوى أنّه إذا لم يترك لا تقبل صلاته، فالعقاب على ترك الصلاة لا على الصلاة فيما لا يؤكل لحمه.
وبعبارة أُخرى: هذه النواهي في مورد المانعية نواه إرشادية إلى مانعيّة غير المذكى أو غير المأكول من قبول الصلاة أو من انطباق عنوان الصلاة، فلو ارتكب أو لم يرتكب لا يعاقب عليه بشيء فلو كان هناك عقاب فإنّما هو لأجل ترك ذيها، مثلاً لو صلّى في لباس نجس فلا يعاقب على الصلاة في لباس نجس، بل يعاقب على أنّه لم يأت بالمأمور به على ما هو عليه.

صفحه 47
فأدلّة البراءة العقلية والنقلية كلّها منصبة على ما في فعله عقاب وتحذير بالنسبة إلى المكلّف، وأمّا إذا كان فعله مفضيّاً إلى ترك الصلاة المطلوبة فالعقاب على المفضى إليه لا على المفضيّ.
فإنّ قلت: لو صحّ ما ذكر، لما صحّ إجراء البراءة عند الشك في الشرطية والجزئية، لأنّ وجوبهما وجوب غيري والوجوب الغيري لا يترتّب عليه العقاب مع أنّ المشهور هو جريان البراءة النقلية، بل العقلية عند الشك فيهما.
قلت: إنّ الجزء والشرط واجبان بنفس الوجوب المتعلّق بالعنوان، لا بوجوب غيري، فعنوان الصلاة عبارة عن نفس الأجزاء والشرائط، فإذا تعلّق الوجوب بنفس العنوان يكون كلّ جزء وشرط واجباً بنفس الوجوب النفسي لا بوجوب غيري، ولذلك قلنا: إنّه لو أمر المولى عبده ببناء المسجد فاشتغل العبد ببنائه، فكلّ ما يقوم به من عمل فإنّما يمتثل الأمر النفسي لا الأمر الغيري وإن كان امتثاله رهن مضي زمان .
وعلى ذلك فالجزء المحتمل أو الشرط المحتمل على فرض جزئيتهما وشرطيتهما واجبان بنفس الوجوب النفسي، وكأنّ الأمر ينبسط على الأجزاء. ومن المعلوم أنّ محتمل

صفحه 48
الجزئية على فرض وجوبه يكون وجوبه نفسياً مترتّباً عليه العقاب.
فعلى ما ذكرنا فدليل البراءة وإن كان يشمل مشكوك الجزئية والشرطية والمانعية من الأحكام الوضعية، لكن الشمول باعتبار رجوع الشك فيها، إلى الشك في الحكم النفسي الّذي يترتّب عليه العقاب.
فظهر بذلك أوّلاً أنّ أدلّة البراءة نقليّها وعقليّها ناظرة إلى التكاليف الابتدائية الّتي يحتمل العقاب عليها لا ما لا يترتّب عليه العقاب وإن كان مفضياً إلى ما فيه العقاب .
وثانياً وجود الفرق بين المقام والشك في الجزئية والشرطية على ما عرفت، فإنّ الوجوب المحتمل هناك نفسيّ، وأمّا المقام فهو غيريّ بحكم العقل.
يلاحظ عليه ثانياً: إنّ ما ذكره من أنّ طريق الامتثال موكول إلى العقل فهو يحكم بأنّه لا يتنجز تكليف إلاّ بالعلم، فلا يثبت اشتغال الذمة إلاّ بالنسبة إلى المعلوم، أمر صحيح لكن مورده التكاليف الابتدائية الّتي يترتب عليها العقاب كالشبهات التحريمية والشبهات الموضوعية كذلك، وأما إذا شُك في كون شيء مصداقاً لما لا يؤكل فليس هناك تكليف منجّز يترتب عليه العقاب .

صفحه 49
وأمّا التكليف المترتّب عليه العقاب فهو الأمر بالصلاة، فيجب عليه إحرازها جامعة للشرائط ونافية للموانع إمّا بدليل اجتهادي أو بأصل عملي، ولا تنفع القائل أدلّة البراءة.
***
ثم إنّ للمحقّق الآشتياني كلاماً في المقام ربّما يؤيّد ما اخترناه، قال: إنّ مصب الأصل يحتمل أحد أُمور ثلاثة:
1. إجراؤه في لبس الثوب المردّد مع قطع النظر عن الصلاة ومن حيثُ هو هو .
2. إجراؤه فيه في الصلاة.
3. إجراؤه في الصلاة فيه .
أمّا الأوّل فيتوجّه عليه أنّ المفروض جواز لبس غير المأكول إذا كان ذكياً، فلا شكّ في المعلوم فضلاً عن المشكوك حتّى يرجع إلى أصل البراءة أو الحلّية.
وأمّا الثاني فيتوجّه عليه أنّ حرمة لبس غير المأكول في الصلاة إنّما هي من جهة إبطالها لها، وإلاّ فليس له حرمة ذاتية في خصوص هذه الحالة.
وأمّا الثالث فيتوجه عليه أنّ حرمة الصلاة في غير المأكول

صفحه 50
إنّما هي من جهة كونها فاقدة للشرط فالحرمة تشريعية محضة لا معنى للرجوع إلى أصالة البراءة والحلية بالنسبة إليها .
وبالجملة ليس في المقام نهي مشكوك يرجع فيه إلى الأصل، بل الشك إنّما هو في وجود المأمور به في الخارج بعد الفراغ عن كيفيته وحقيقته فهل ترى من نفسك الرجوع إلى البراءة إذا شك في إتيان الصلاة في الوقت، فحديث أصل البراءة أو الحلية أجنبي في المقام .(1)

1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 45 ـ 47 .

صفحه 51
 
2

التمسّك بأصالة الحلّية

روى الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(1) .

كيفية الاستدلال

إذا شككنا في أنّ الحيوان الّذي أُخذ منه الشعر أو الصوف ممّا يؤكل لحمه أو لا؟ فالرواية حاكمة على حلّية أكله، فإذا ثبتت حلّية أكله، ترتّبت عليه صحّة الصلاة في شعره ووبره وكلّ شيء منه.
وأورد عليه المحقّق النائيني وسيد مشايخنا البروجردي (رحمه الله)

1 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. وقد أوضحنا حال سند الحديث ونظيره ممّا روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)وغيره في محاضراتنا الأُصولية، لاحظ: إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول: 3 / 381 ـ 384 .

صفحه 52
بأنّ التمسّك إنّما يصحّ في صورة دون أُخرى. وقد سبقهما المحقّق الآشتياني كما سيوافيك.
أمّا الأُولى ففيما إذا شككنا في حلّية وحرمة لحم الحيوان الّذي نعرف نوعه وصنفه كالأرنب، فيصح التمسّك بالصحيحة لإثبات حلّية أكله بعد إحراز تذكيته، فنقول: الحيوان الّذي أُخذ منه الصوف والشعر أو الوبر والجلد محكوم بالحلّية، فإذا حل الأكل ثبت جواز الصلاة فيه.
وأمّا الثانية ففيما جُهل وتردد أخذه من حيوان، مثلاً علمنا أنّ صنفاً من الحيوان حلال أكله كالغنم وصنفاً آخر حرام
أكله كالذئب والثعلب وشككنا في المصدر الّذي أخذ منه،
فهل أخذ من الغنم أو من الثعلب؟ ففي هذا المورد لا تجري أصالة الحلية.(1) وذلك لأنّه ليس هناك لحم يشك في حلّيته وحرمته، بل الشك راجع إلى أخذ الصوف من معلوم الحرمة
أو الحلّية، نعم الحيوان الانتزاعي وهو ما أخذ منه هذا الصوف وإن لم تعلم حرمته ولا حلّيته إلاّ أنّه ليس له وجود في الخارج ولا يترتّب عليه أثر شرعي، وما هو موجود منه وموضوع للأثر

1 . رسالة في اللباس المشكوك: 37; الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 41 ـ 42 .

صفحه 53
إمّا معلوم الحرمة أو معلوم الحلّية.
وقد سبق العلمين، في هذا الإشكال المحقّق الآشتياني حيث قال : إذا فرضنا الشك في أنّه الجنس الّذي يحمل من بلاد الكفر ويسمّى بالماهوت مثلاً، هل يعمل من صوف الكلب مثلاً أو وبره، أو من صوف الغنم ووبره، أو من وبر الأرانب أو الغنم مثلاً، وهكذا فأين حيوان مردد بين ما يؤكل لحمه ويحرم حتّى يصير مجرى لأصالة الحلية وأصالة عدم أخذه من غير المأكول.(1)
وأورد عليه السيد الخوئي بأنّ معلومية حلّية أحد الحيوانين في نفسه، وحرمة الآخر كذلك، لا ينافي الشك الفعلي في حرمة ما أخذ منه هذا الصوف المبتلى به مثلاً، ومن الضروري أنّ معنون هذا العنوان موجود خارجي يشكّ في حلّيته وحرمته فعلاً، وإن كان معلوم الحرمة أو الحلية سابقاً بعنوان آخر .(2)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من العنوان ـ أعني: حرمة ما أخذ منه الصوف المبتلى به ـ عنوان انتزاعي مقرون بالتردّد ما دام لم

1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 48 .
2 . رسالة في اللباس المشكوك: 37 .

صفحه 54
يُطبق على الخارج، وأمّا معه، فلا تردّد، ومثل هذا النوع من التردّد ليس موضوعاً للأصل، فإذا فرضنا إناءً معيناً طاهراً وآخر مثله نجساً، فإذا أخذ غرفة من أحد الإنائين. ولم يعلم المأخوذ منه، فهل يحكم على الماء المأخوذ بالطهارة بحكم الأصل، أو أنّ مثل هذا التردّد الذهني ليس موضوعاً لأصل الطهارة، لأنّه إذا رجع إلى الخارج، فلا تردد ولا شك .
ثم إنّه يظهر من العلمين الجليلين: (المحقّق الإيرواني وسيد مشايخنا البروجردي) في المقام بطلان التمسّك بأصالة الحلّية في المقام بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ ما ذكره إنّما يتم لو كانت حلّية الأكل موضوعاً لجواز الصلاة وحرمة الأكل موضوعاً لعدم الجواز، مع أنّ الأوّلين حكمان عرضيان مترتّبان على العنوان الواقعي للحيوان، أعني: الغنم والبقر والإبل، فالجميع موضوع لحلية الأكل وجواز الصلاة، لا أنّ الثانية موضوعة للثالث.
ونظيره حرمة الأكل وحرمة الصلاة فيه فهما حكمان عرضيان مترتّبان على العنوان الواقعي باسم الثعلب والأسد، لا أنّ الثانية موضوعة للثالث.
ويدلّ على ذلك غالب الروايات الواردة في المقام.

صفحه 55
1. رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام)في كتابه إلى المأمون، قال: «ولا يصلّى في جلود السباع».(1)
2. رواية إسماعيل بن سعد بن الأحوص، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن الصلاة في جلود السباع؟ فقال: «لاتصلّ فيها».(2)
3. رواية سماعة، قال سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن جلود السباع؟ فقال: «اركبوها ولا تلبسوا شيئاً منها تصلّون فيه».(3)
4. رواية أحمد بن إسحاق الأبهري، قال: كتبت إليه: جعلت فداك، عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولاتقيّة؟ فكتب (عليه السلام): «لا تجوز الصلاة فيها».(4)
5. مرفوعة محمد بن إسماعيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا تجوز الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ ».(5)

1 . الوسائل: 3، الباب 6 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.
2 . الوسائل: 3، الباب 6 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 3، الباب 5 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 و 4 و 6.
4 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب لباس المصلي، الحديث 5 .
5 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7 .

صفحه 56
نعم ورد في بعض الروايات ما يشعر بالتفرّع، نظير ما في موثقة زرارة الّتي جاء فيها: «فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز ـ إلى أن قال ـ : وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد».(1)
ونظيره في الإشعار وصية الرسول لعلي (عليه السلام): «يا علي لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ويؤكل لحمه».(2)
ولكن الظاهر من الروايات المتقدّمة أنّ العناوين الواقعية والموضوعات الخارجية ككون الحيوان سبعاً أو ميتة أو ممسوخاً هي المانع لحرمة الصلاة، لا حرمة اللحم.
ومن المعلوم أنّ أصالة الحلّية أصل حكمي لا تثبت الموضوع، وإنّ اللحم مأخوذ من الغنم لا من الثعلب.
واستظهر المحقّق الخوئي كون الموضوع هو حرمة الأكل وقال: التحقيق ان يقال: إنّه إن اقتصرنا في بطلان الصلاة في غير المأكول بخصوص السباع كما هو صريح رواية علي بن حمزة

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب المصلي، الحديث 1 .
2 . الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 43 ـ 45 ; والذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 35 .

صفحه 57
المتقدّمة، فلا مناص من القول بكون المانعية ثابتة للعنوان الذاتي وهووقوع الصلاة في أجزاء السباع، وأمّا إذا تعدّينا إلى غيرها ـ بحمل الرواية على التقية ونحوها ـ فلا موجب لرفع اليد عن ظواهر الأدلّة في أخذ حرمة الأكل في موضوع عدم الجواز، فإنّ الحمل على المعرفية وعدم كون العنوان المأخوذ في الموضوع، موضوعاً خلاف الظاهر.(1)
أقول: إنّ العناوين الواردة عبارة عن:
1. جلود السباع، كما في رواية إسماعيل بن سعد.
2. كلّ ذي ناب ومخلب، كما في رواية علي بن حمزة.
3. أكثرها مسوخ، كما في مرفوعة محمد بن إسماعيل .
وهل يمكن حمل الجميع على التقية ونحوها، واختلافها في السعة والضيق لا يضر بالأخذ؟
الوجه الثاني: لو فرضنا أنّ الموضوع لجواز الصلاة هي حلّية الأكل، لكن المتبادر من الروايات، هو الحلّية الواقعية، لا الحلّية الظاهرية، حتّى تصح الصلاة في جلد الأرنب إذا اضطر إليه الإنسان في عام المجاعة.

1 . رسالة في اللباس المشكوك: 19 .

صفحه 58
وتدل على ذلك نصوص الباب.، ويكفي في ذلك موثقة زرارة وما في وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام).(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو افترضنا أنّ الموضوع في سياق الدليل هو الحلّية المنصرفة إلى الواقعية، لكن إذا حكم الشارع بحلية المشكوك، يكون الأصل حاكماً لموضوع الدليل الاجتهادي وموسّعاً له. نظيره: إذا قال الشارع صل في الطاهر، المنصرف إلى الطهارة الواقعية، فإذا شككنا في طهارة ثوب وحكم الشارع بطهارته في هذا الحالة، تجوز فيه الصلاة، حيث إنّ الأصل يكون حاكماً لموضوع الدليل الاجتهادي .
***

1 . انظر: الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 44 ـ 45 وهذا الإشكال من السيد البروجردي (قدس سره).

صفحه 59
 
3

الاستدلال بأصالة الطهارة

ربّما يتمسّك بأصالة الطهارة، فيما إذا دار أمر الصوف بين كونه من الغنم أو الخنزير، فإذا أجرى الأصل وثبتت طهارته وجازت فيه الصلاة يثبت الحكم في غير هذا المورد بعدم القول بالفصل .
يلاحظ عليه: بأن أصالة الطهارة يطرد الشك النابع من كونه طاهراً أو نجساً، وأمّا الشّك النابع من كونه مأكول اللحم أو محرمه، فلا يطرده ولا تجوز الصلاة حتّى في مثل المورد، فضلاً عن التجاوز إلى غيره .

صفحه 60
 
4

الاستدلال بعدم الحرمة الثابت قبل الشرع

ربّما يستدلّ بعدم الحرمة الثابت قبل الشرع فيثبت منه عدم كون الحيوان المشكوك فيه ممّا حرم الله أكله، فتجوز الصلاة في أجزائه .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مورد الشبهة غالباً هو المشتبه موضوعاً لا حكماً، وقلّما يتفق أن تكون الشبهة حكمية لا موضوعية .
وثانياً: ما مر من أن الموضوع لجواز الصلاة وعدمه، هو العناوين الواقعية من الغنم والثعلب مثلاً، واستصحاب الحلية الثابتة قبل الشرع لا يثبت ما هو الموضوع واقعاً.
إلى هنا تم التمسّك بالأُصول الحكمية وقد عرفت عدم نجاحها، بقي الكلام في دراسة الأصل الموضوعي في المقام، وهذا هو الّذي ندرسه تالياً.

صفحه 61
 
5

الاستدلال بالأصل الموضوعي

التمسّك بالاستصحاب الموضوعي أحد أدلّة المجوّزين ولعلّه أحسنها وأفضلها، ويمكن أن يقرر بوجوه ثلاثة حسب ما مرّ من احتمالات ثلاثة من كون غير المأكول إمّا قيداً للمصلي أو للباسه أو للصلاة، فيقرر الجميع على النحو الآتي:
1. المعتبر في الصلاة أن لا يستصحب المصلّي وقت ما يصلي شيئاً ممّا لا يؤكل لحمه، بحيث يكون عدم الاقتران وصفاً معتبراً في المصلي، فعندئذ يمكن أن يقال: إنّ المصلّي قبل تلبسه بالمشكوك لم يكن مستصحباً لغير المأكول، فتستصحب حالته السابقة ويترتب عليها أثرها وهو جواز الدخول في الصلاة .
2. يشترط فيما يلبسه المصلّي أن لا يكون من غير المأكول ولا مصاحباً له، فإذا شُك فيما عليه من الثوب من الشعرات الملقاة أو الرطوبات المشتبهة فيستصحب عدمه.

صفحه 62
وهذا النوع من الاستصحاب إنّما ينفع فيما إذا تلطّخ لباس المصلّي بشيء أو أُلقي عليه (في أثناء الصلاة) شيء يشك في أنّه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، ولا يفيد فيما إذا كان نفسُ الثوب مشتبهَ الحال.
3. يعتبر في صحة الصلاة وقوعها مجردة عن الموانع، الّتي منها وقوع الصلاة فيما لا يؤكل لحمه. وسيوافيك كيفية جريان الاستصحاب فيه تالياً.
ثم الظاهر صحّة الاستصحاب في الصورتين الأُوليين، نعم أورد على الثالثة سيد مشايخنا البروجردي بعدم الحالة السابقة فيها، فإنّ الصلاة إمّا وقعت من الأوّل في غير المأكول أو لا، ولم يكن زمان تحقّقت فيه الصلاة فكانت مجردة عن غير المأكول حتّى تستصحب.
ثم إنّه (قدس سره)أورد على نفسه بأنّه يمكن تصوير الحالة السابقة حتّى في القسم الثالث لكن في أثناء الصلاة لا في أوّلها، مثلاً نفترض أنّ المصلّي أوقع صلاته مجردة عما لا يؤكل لكن أُلقي عليه شيء في أثناء الصلاة، وشك في أنّه ممّا لا يؤكل فيقال: إنّ الصلاة كانت مجردة عما لا يؤكل والأصل بقاؤها على ما كانت .
ثم أجاب عن ذلك بأنّ الصلاة إمّا عبارة عن الأجزاء

صفحه 63
المتباينة والأُمور المتشتتة من التكبير والركوع والسجود الّتي توجد وتنعدم، وإمّا عبارة عن التوجّه الخاص إلى الله خاشعاً متذللاً بهيئة مخصوصة.
أمّا الشق الأوّل فلكل جزء وجود مستقل له حكم خاص لا يسري حكمه إلى غيره ولا يمكن استصحاب عدم وقوع الركوع فيما لا يؤكل وتسريته إلى السجود لعدم بقاء الموضوع، وهكذا سائر الأجزاء.
وأمّا الشق الثاني ـ أعني: كون الصلاة عبارة عن التوجّه الخاص إلى الله ـ فهو باق إلى آخر الصلاة فجريان الاستصحاب في مورد الشك وإن كان قريباً لأجل أنّ الصلاة على هذا الفرض، أمر وحداني يراه العرف واحداً، ولكن للإشكال فيه أيضاً مجال بدعوى أنّ التوجّه إلى الله في حال الركوع مثلاً الّذي نشك في وقوعه في غير المأكول، غير التوجّه الخاص المتحقّق في حال القراءة الّذي نقطع بعدم وقوعه فيه، وغير الّذي تحقّق في ضمن تكبيرة الافتتاح، فليتأمل .(1)
وحصيلة كلامه: أنّ المتيقّن في كلا القسمين غير المشكوك.

1 . الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 39.

صفحه 64
أقول: الظاهر صحة جريان الاستصحاب في كلا الشقّين، أمّا الشق الأوّل فلأنّ وحدة الأمر تقتضي وحدة المتعلّق، إذ لا يمكن أن تتعلّق الإرادة الواحدة بأُمور متشتتة إلاّ إذا لوحظت كشيء واحد ولو اعتباراً، ونظيره الصلاة فإنّ الأمر الواحد الّذي تعلّق بالصلاة كاشف عن وجود وحدة في جانب المتعلّق بحيث يجعل الأجزاء المتشتتة شيئاً واحداً وإن كان متصرماً حسب أجزاء الزمان، وهذا هو ملاك جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات.
مثلاً إذا شُك في أنّ عين الماء قد انقطع جريانها فالاستصحاب يقضي ببقائه وإن كان كل قطعة من الماء غير القطعة الأُخرى، وهكذا الكلام في تكلّم المتكلم إذا شك في بقائه فيستصحب رغم أن الكلام أمر متدرج متصرم فيستصحب بقاؤه.
ونظيرها الشك في قذف الدم من الرحم فيستصحب نفس الجريان إذا شك في الانقطاع.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالأمر تعلق بشيء واحد وهوالهيئة الصلاتية الّتي تفنى فيها هذه الأجزاء والشرائط بشكل تكون الهيئة الصلاتية ملحوظة بلحاظ استقلالي والأجزاء ملحوظة

صفحه 65
بلحاظ تبعي، فعلى هذا فلو كان غير المأكول وصفاً للصلاة يمكن استصحاب بقاء الصلاة على تلك الحالة بشرط أن يكون الشك طارئاً في أثناء الصلاة لا في أوّلها.
وأمّا الشق الثاني وهو كون الصلاة عبارة عن التوجه الخاص وهو أمر وحداني باق إلى آخر، وما أفاد من أنّ التوجّه إلى الله في حال الركوع الّذي نشك في وقوع غير المأكول في تلك الحالة غير التوجّه الخاص في حال القراءة الّذي نقطع بعدم وقوعه فيه، غير تام، لما عرفت من أنّ وحدة الأمر أو وحدة الإرادة فرع وحدة المتعلّق والمراد فيجب أن يكون التوجّه المستمر ملحوظاً بنحو تفنى فيه الأجزاء والشرائط الّتي تقارنه، ولذلك توصف الصلاة بالأثناء، وما هذا إلاّ لأنّ لها بقاء عرفياً كسائر الزمانيات.
***

كلام للمحقّق الهمداني

ثم إنّ للمحقّق الهمداني كلاماً في المقام لا بأس بنقله وتحليله قال: لو استفيد من أخبار المنع أنّ المعتبر في الصلاة هو أن لا يستصحب المصلّي وقتَ ما يصلّي شيئاً ممّا لا يؤكل

صفحه 66
لحمه، بحيث يكون عدم الاستصحاب صفة معتبرة في المصلّى، يمكن إحرازه بالأصل، فإنّ المصلّي قبل تلبّسه بالمشكوك لم يكن مستصحباً لغير المأكول فيستصحب حالته السابقة الّتي أثرها جواز الدخول في الصلاة .
كما أنّه لو استفيد من الأدلّة اعتباره صفة في
لباس المصلّي بأن يكون مفادها أنّه يشترط فيما يلبسه المصلّي أن لا يكون من غير المأكول ولا مصاحباً لغير المأكول، جرى الأصل بالنسبة إلى ما على الثوب من الشعرات الملقاة أو الرطوبات المشتبهة لا بالنسبة إلى أصله لو كان من حيث هو مشتبه الحال .
ثم أورد عليه وقال: «إنّ المتبادر من الأدلّة إنّما هو اعتباره في الصلاة فانّ المتبادر من المنع عن الصلاة في غير المأكول هو المنع عن إيقاع الصلاة فيه لا عن استصحابه حال الصلاة أو عن مصاحبته للباس فهي بمقتضى ظواهر الأدلّة من قيود نفس الصلاة لا المصلّي أو لباسه كي يمكن إحرازه بالأصل في صورة الشكّ، ولا أقلّ من إجمال الأدلّة وعدم ظهورها في كونه قيداً للمصلّي أو لباسه حتّى يدّعى إمكان إحرازه بالأصل ومجردّ احتماله غير مجد في مقام الإطاعة كما هوواضح .

صفحه 67
ثم أجاب عن الإشكال وقال: إنّه مبني على اعتبار عدم استصحاب غير المأكول قيداً إمّا للصلاة أو للمصلّي أو لما يصلّي فيه، وهو عبارة أُخرى عن الاشتراط فهذا التفصيل إنّما يتجه على تقدير استفادة الشرطية من الأخبار الناهية عن الصلاة في غير المأكول .
وأمّا إذا قلنا بأنّ مفادها ليس إلاّ مانعية لبس غير المأكول أو مطلق التلبّس به عن صحّة الصلاة، فلا مجال لهذا الكلام
فإنّ عدم استصحاب غير المأكول على هذا التقدير لم يؤخذ قيداً في شيء من المذكورات، إذ لا أثر لعدم المانع من حيث هو فإنّ المانع ما كان وجوده مؤثراً في البطلان لا عدمه دخيلاً في الصحّة، فتسمية عدم المانع شرطاً مسامحة كيف وقد جعلوه قسيماً للشرط. فالمعتبر في الصلاة أن لا يوجد المانع عنها حين فعلها، فعدم وجود المانع حال فعل الصلاة
هو المعتبر في صحتها وهو موافق للأصل لا أن اتّصافها بوجوده، مانع لكي يقال إن هذا ممّا ليس له حالة سابقة حتّى تستصحب .(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الأمر بالمركّب فرعُ أن يكون بين أجزائه

1 . مصباح الفقيه: 127، الطبعة الحجرية.

صفحه 68
وحدة تضم الأجزاء بعضها إلى بعض، فالمراد بالوحدة هي الوحدة بالمعنى الحرفي المندك في الأجزاء حتّى تجعل الكثيرات شيئاً واحداً قابلا لتعلّق أمر واحد، وعلى ضوء ذلك فلا يصح أن يقال: إنّ الموضوع هو اللباس وعدم المأكولية على نحو يفقد الأوّل الصلة بالثاني أو بالعكس، بل يجب أن يكون بين الجزأين صلة وارتباطاً تجعلهما شيئاً واحداً، ومن المعلوم أنّ المركّب بهذا المعنى لا سابقة له .
وكأنّ المحقّق الهمداني زعم أنّ الموضوع هو اللبس منفكاً عن غير المأكول وبالعكس، ولعل كلامه (قدس سره)صار سبباً لتقرير الاستصحاب على نحو العدم الأزلي الّذي يكون فيه القيد العدمي منعزلاً عن الوصفية والصلة بالجزء الأوّل، وهذا هو الّذي سلكه السيد الخوئي في المقام، وإليك تقريره .

تقرير الاستصحاب بوجه آخر

ما عرفت من التقريرات الثلاثة للاستصحاب هو المعروف بين القائلين بالصحّة، والجميع جدير بالاعتماد يستحسنه الذوق الفقهي، ويعدّه العرف من مصاديق قوله (عليه السلام): لا تنقض اليقين بالشك.

صفحه 69
وهناك تقرير آخر للاستصحاب يعبر عنه باستصحاب العدم الأزلي .
وفيه آراء وأقوال :
1. كونه حجة مطلقاً، وهو خيرة المحقّق الخراساني في الكفاية عند الشك في قرشية المرأة وتبعه كذلك السيد الخوئي في رسالته في اللباس المشكوك وتعليقاته على أجود التقريرات.
2. عدم الحجية مطلقاً، وهو خيرة سيد مشايخنا البروجردي في درسه الشريف وتبعه السيد الأُستاذ (قدس سره).
3. التفريق بين القيد المقسم كتقسيم المرأة إلى القرشية وغير القرشية فلا يجري فيه، والقيد المقارن كما إذا قال: أكرم العالم عند مجيء زيد، فإنّ مجيء زيد قائم به لا بموضوع الحكم، أعني: العالم، ولأجل ذلك يعد الكل من المفارقات، ويجري فيه .
وتظهر حقيقة الحال إذا درسنا القول الأوّل على ضوء ما أفاده السيد الخوئي في رسالته وتعليقاته، وقد أوضح مختاره بأُمور والمهم أمران :
الأوّل: إذا كان عدم الوصف مأخوذاً فيما يترتب عليه

صفحه 70
الحكم بنحو النعتية فلا مجال لجريان الاستصحاب وإحراز الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل، إلاّ فيما كان العدم بوصف النعتية مسبوقاً باليقين، فإذا فرضنا أنّ موضوع الحكم هي المرأة غير القرشية وشك في امرأة أنّها قرشية أو غيرها فلا يجدي استصحاب عدم تحقّق وصف القرشية، وهذا بخلاف ما إذا أخذ عدم الوصف في الموضوع بنحو العدم المحمولي، فإنّه يصح حينئذ استصحاب عدمه وضمه إلى الوجدان في ترتب الأثر على المركب منها.(1)
الثاني: أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فإذا أخذ في الموضوع المركّب منه ومن معروضه فلا بد وأن يكون ناعتياً وأمّا عدم العرض فهو وان كان بعدمه لموضوعه بمعنى أنّ العرض إذا لم يتحقّق لا تتحقّق النسبة الثبوتية والناعتية الإيجابية قهراً، إلاّ أنّه لا يلزم أن يكون نعتاً بأن يلاحظ النسبة بينه وبين الذات كما في طرف الوجود،
فعدم قيام زيد إنّما هو بعدم نسبته إلى زيد لا بانتساب العدم
إليه ضرورة أنّ ما يكون متقوماً بالمحل ومحتاجاً إليه هو
وجود العرض لا عدمه، فالربط مأخوذ في طرف الوجود

1 . رسالة في اللباس المشكوك: 52 .

صفحه 71
لا العدم فإنّ العدم يكون بعدم النسبة، بل بعدم الموضوع
أيضاً .
ومن هنا يظهر أنّ أخذ عدم العرض في الموضوع ليس على حد أخذ وجوده فيه من لزوم كونه رابطياً، بل لا معنى لارتباط العدم بشيء إلاّ بأخذ خصوصية فيه ملازمة لعدم العرض، وإلاّ فلا معنى لانتساب العدم وارتباطه فإنّهما من شؤون الوجود .(1)
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا استثنيت القرشية من المرأة أو غير المأكول من الصوف، فغاية ما هناك تضييق إطلاق الدليل بالقياس إلى حال عدم الوصف المزبور، وأمّا اعتبار النسبة بين الذات والعدم فهو خارج عن مدلول الدليل، وعلى هذا إذا فرضت ذات المرأة أو الصوف موجودة في الخارج وشك في تحقّق اتصافها بالقرشية أو بكونها من غير المأكول فمقتضى الأصل عدم تحقّقه، فيثبت الموضوع المركب من وجود الذات وعدم اتّصافه بالوصف .(2)
هذا خلاصة ما فصّله في الرسالة .

1 . رسالة في اللباس المشكوك: 56 ـ 57 .
2 . رسالة في اللباس المشكوك: 58 ـ 59 .

صفحه 72
ولكنّه أوضح مرامه في تقريراته، فمن أراد فليرجع إليها.(1)
أقول: إنّ مرجع ما ذكره هو تركّب الموضوع من أمر وجودي محرز بالوجدان وهو المرأة، وأمر عدمي يحرز بالأصل دون أن يكون بينهما صلة بجعل الثاني وصفاً أو قيداً للأوّل، وكأنّ الموضوع في لسان الشرع كالآتي في لساننا :
«1. المرأة .
2. لم تكن قرشية .
تحيض إلى خمسين» ومن المعلوم أنّ الأمرين الأوّلين مالم يكن بينهما اتّصال، لا يصلحان أن يقعا موضوعاً لأمر
واحد ضرورة أنّ وحدة الحكم كاشفة عن وحدة الموضوع، فلابدّ أن يكون في الموضوع وحدة آلية تجعل الشيئين الأجنبيين أمراً واحداً، وعندئذ ترجع السالبة المحصّلة إلى موجبة سالبة المحمول. فيكون الموضوع : المرأة التي هي لم تكن قرشية، تحيض إلى خمسين، ومن الواضح أنّها تفقد الحالة السابقة.

1 . المحاضرات: 5 / 332 ـ 336.

صفحه 73
ونظيره المقام فإنّ الموضوع هو الصوف إذا لم يكن
لغير المأكول تجوز الصلاة فيه، ومن المعلوم أنّه يفقد الحالة السابقة.
ثم إنّ ما ذكره في مورد المرأة المشتبهة مقتبس ممّا ذكره المحقّق الخراساني في كفايته حيث قال فيها: إنّ النص ورد على أنّ المرأة ترى الحمرة إلى خمسين إلاّ القرشية، فالمخصص متصل لكنه بصورة الاستثناء فليس له دور إلاّ إخراج القرشية من دون تقييد موضوع العام بقيد، غاية الأمر يجب أن يحرز عدم عنوان المخصص، ويكفي في ذلك استصحاب عدم القرشية للمرأة المرددة، فيكون المورد من الموارد الّتي تثبت أحد الجزأين بالوجدان والآخر بالأصل. ومثله ما إذا كان المخصص منفصلاً كما إذا قال: المرأة ترى الحمرة إلى خمسين عاماً ثم ذكر بعد فترة: القرشية ترى الدم إلى ستين. (1)
وبذلك تبيّن أنّ نظريته مبنيّة على أمرين:
الأوّل: أنّ التخصيص المتصل بصورة الوصف أو بصورة

1 . كفاية الأُصول: 223 بتصرف منّا.

صفحه 74
القضية الموجبة المعدولة يُنوع العام ويجعل الموضوع مركباً من جزأين، ومن المعلوم أنّه لا يمكن إثبات القيد الوجودي بالأمر العدمي.
الثاني: أنّه إذا كان المخصص متصلاً بصورة الاستثناء أو منفصلاً لا يضفي للعام تنويعاً ولا يوجب تركّب الموضوع، بل العام باق على عمومه غاية الأمر يجب أن لا يصدق عليه عنوان المخصص، فعندئذ يكفي استصحاب عدم قرشية المرأة بعدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش فيكون باقياً تحت العام محكوماً بحكمه.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان العام معنوناً بقيد وجودي لا يمكن استصحابه، وأمّا إذا كان معنوناً بقيد عدمي فيجري فيه الاستصحاب. هذا خلاصة مرامه.
أقول: يقع الكلام تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات .
أمّا الأوّل: فمن الواضح أنّه لا يمكن أن يبقى الموضوع بعد التخصيص على سعته وشموله، وإلاّ يلزم أن يكون وجود التخصيص وعدمه سيان .

صفحه 75
وبعبارة أُخرى: أنّ الإرادة الاستعمالية وإن كانت باقية على سعتها ولا يمس التخصيص بكرامتها، إلاّ أنّ الإرادة الجدية تتضيق وتنحسر عن السعة والشمول فلابد أن يكون الموضوع بعد التخصيص غيره قبله فيمكن تصويره عندئذ بإحدى الصور الثلاث:
1. الموجبة المعدولة: نحو المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين .
2. الموجبة السالبة المحمولة: نحو قولنا المرأة الّتي هي ليست قرشية ترى الدم إلى خمسين.
3. السالبة المحصلة: نحو إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين.
فلو كان الباقي تحت العام هو القسمان الأوّلان فلا سابقة لهما، لافتراض أنّ الموضوع موجبة معدولة أو موجبة سالبة المحمول. نعم لو كان الواقع تحت العام هو القسم الثالث لكان لجريان الاستصحاب وجه.
هذا كلّه في مقام الثبوت .
وأمّا الثاني (الأثبات) فالظاهر أنّ الباقي تحت العام بعد

صفحه 76
التخصيص هو أحد القسمين الأوّلين لا الثالث، وذلك لأنّ الحكم الوارد في القضية حكم إيجابي (ترى الدم...) ومن المعلوم أنّ القضية الموجبة لا تصدق إلاّ بوجود الموضوع فيجب أن يكون الموضوع هو المرأة المحقّقة الموجودة في الخارج عبر الزمان .
وأمّا السالبة فيمتنع أن تقع موضوعاً للرؤية، فلو قيل: إذا لم تكن المرأة قرشية، ترى الدم إلى خمسين فقد جُمع فيه بين نقيضين، لأنّ الموضوع بما أنّه قضية سالبة محصّلة يصدق مع عدم الوجود، ولكن المحمول (ترى) بما أنّه حكم إيجابي لا تصدق إلاّ مع وجود الموضوع فلا يمكن أن يكون الباقي تحت العام هو السالبة المحصلة .
أضف إلى ذلك: أنّا نفترض أنّ الباقي تحت العام هو السالبة المحصلة ولكن القضية المتيقنة تغايرالقضية المشكوكة، فإنّ المتيقّنة منها هي السالبة الصادقة بانتفاء الموضوع، أي لم تكن المرأة موجودة فلم تكن قرشية، والمشكوكة هي القضية السالبة، الصادقة، بانتفاء المحمول مع وجود الموضوع، ومن المعلوم أنّ إسراء الحكم من القضية الأُولى إلى القضية الثانية إسراء للحكم من موضوع إلى موضوع آخر.
***

صفحه 77
هذا كلّه حول القرشية وأمّا المقام فالمتبادر من
الروايات التالية أنّ الموضوع لجواز الصلاة هو الموجبة المعدولة.
روى حسن بن علي الوشاء قال: كان أبو عبدالله (عليه السلام)يكره الصلاة، في وبر كل شيء لا يؤكل لحمه .(1) فالمتبادر من الحديث ـ بعد حمل الكراهة على الحرمة ـ هو حرمة الصلاة في وبر كل شيء لا يؤكل فالموضوع ـ حسب كون القضية موجبة معدولة ـ هو الصلاة في وبر حيوان لا يؤكل لحمه.
وما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه يسقط على ثوبي الوبر والشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة، فكتب: لا تجوز الصلاة فيه. (2) فالمتبادر من الحديث هو انّه تحرم الصلاة في وبر وشعر ما لا يؤكل لحمه، فالموضوع إذاً هو الموجبة المعدولة أي وبر وشعر غير المأكول، فإذا كان الموضوع نحو الموجبة المعدولة فلا سابقة للموضوع حتّى يستصحب .
وكأنّ السيد الخوئي زعم أنّ الموضوع عبارة عن الوبر

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 5.
2 . الوسائل: 3، باب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .

صفحه 78
والشعر في حال كونه ممّا لا يؤكل لحمه على نحو القضية الحينيّة بحيث لا يكون الجزء الثاني عنواناً مقسماً ولا نعتاً بل كان من المقارنات، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يتعلّق به الحكم الإيجابي أوّلاً، ولا تتعلّق به الإرادة الواحدة ثانياً، كما لا يتعلّق به الحكم الإنشائي، لأنّ المتشتتات المتفرقة ما لم يكن بينها وحدة وانضمام لا تقع في أُفق الإرادة الواحدة والحكم الإنشائي كذلك.
***

السادس: السيرة العملية على إقامة الصلاة في المشكوك من الثوب.

السابع: لزوم العسر والحرج لولا الجواز.

الثامن: مقتضى إطلاق بعض الروايات عدم العبرة باحتمال كون الثوب ممّا لا يؤكل

كلّ ذلك انطلاقاً ممّا ذكره صاحب المستند، وقد مر كلامه ونعيده هنا. قال: ويؤيده بل يدل عليه عمل الناس، بل إجماع المسلمين، حيث إنّه لم يعلم كون أكثر الثياب ـ المعمولة من

صفحه 79
الصوف والوبر والشعر من الفراء والسقرلاب، وما عمل لغمد السيف والسكين ـ ممّا يؤكل جزماً ومع ذلك يلبسها ويصاحبها الناس من العوام والخواص في جميع الأمصار والأعصار ويصلّون فيه من غير تشكيك أو إنكار .
بل لولاه لزم العسر والحرج في الأكثر .(1) وسيوافيك كلامه في الأمر الثالث فانتظر.

نقد السيرة من المحقّق الآشتياني

إنّ المحقّق الاشتياني أورد على الاحتجاج بالسيرة بوجهين :
1. المنع من أصل وجود السيرة المنتهية إلى زمان الأئمة(عليهم السلام)حيث إنّ وجود نوع هذه الألبسة في الأعصار السابقة غير معلوم، بل معلوم العدم في بلاد الإسلام .
2. لو افترضنا وجود السيرة فلعلّ وجهها غفلتهم عن هذا اللباس كما هو الغالب أو علمهم أو أطمئنانهم بكونها من المأكول وإلاّ كيف يُظن بأعاظم علماء الشيعة الذين هم أساس الشريعة أن يعملوا على خلاف آرائهم وكذا مقلّديهم من أهل

1 . مستند الشيعة: 4 / 317 .

صفحه 80
الديانة والورع، بل قد عرفت من المدارك كون المنع ممّا قطع به الأصحاب .
مع أنّ المستدل ادّعى في كلامه عمل الخواص والعوام في كل عصر وزمان على لُبس الأثواب المشكوكة فلابد من أن يحمل على تقديره تصديق أصل العمل، على ما ذكرنا في وجهه وهو أنّه لا تنافي أصلاً بين كون الفتوى عندهم عدم صحة الصلاة مع الشك في حال اللباس، وعدم حصول الشك لهم فيما يلبسونه من جهة غفلتهم أو علمهم بكونها من المأكول مع حملها من بلاد الكفر كما هو الشأن في زماننا بالنسبة إلى كثير ممّن يتداول لبس الألبسة المذكورة فإنّه يدّعي علْمَه بكونها من المأكول من جهة السؤال عمّن شاهد. وبالجملة هذا الوجه للعمل في كمال القرب .(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ من سبر الأخبار الواردة في بيان ما يجوز الصلاة فيه من اللباس (2) وما لا يجوز، يقف على وجود ألبسة متّخذة من جلود غير المأكول وأوبارها ونحوهما من سائر أجزائها في زمان المعصومين كما يقف على وجود ألبسة

1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 63 ـ 64 .
2 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 2 ـ 10 .

صفحه 81
متّخذة من جلود المأكول وسائر أجزائها، فمن المعلوم أيضاً عدم تحقّق العلم بالنسبة إلى أغلب الناس في أعصارهم على حقيقة الألبسة وماهيّاتها. (1)
ولأجل أن لا يخلو كلام المُورد عن الشاهد، نذكر نموذجاً من الروايات:
روى بشير بن بشار قال: سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب والسمور الّتي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أن أُصلّي فيه لغير تقية؟ فقال: «صلّي في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ولا تصلّي في الثعالب ولا السمور ».(2)
فالمجتلب من بلاد الكفر كما يحتمل أن يكون غير مذكّى يحتمل أن يكون مذكّى لكن مأخوذاً ممّا لا يؤكل لحمه فلا يمكن نفي الشك في الثاني مع التصديق بوجود الشك في الأوّل .
ثم إنّ ما ذكره من لزوم التنافي بين السيرة على الجواز والإفتاء على المنع غير تام جداً، لما عرفت من أنّ المسألة غير معنونة في كلماتهم، وانّ أوّل من عنون هو المحقّق ثم العلاّمة،

1 . ازاحة الألتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 32 .
2 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .

صفحه 82
ولم يدل دليل على ذهاب القدماء قبل المحقّق إلى المنع، بل يحتمل أن تكون الفتوى بين القدماء على الجواز مطابقاً للسيرة.

نقد الاستدلال بالحرج للآشتياني

ثم إنّ المحقّق الآشتياني أورد على الاستدلال
بأدلّة الحرج ما هذا لفظه فقال: استدلّ غير واحد منهم على الجواز بلزوم الحرج الشديد من الاحتياط وترك اللبس رأساً أو النزع حال الصلاة مع كثرة التداول وشدة الابتلاء في هذه الأزمنة .
ثم أورد على الاستدلال بالمنع من لزوم الحرج من ترك لبس الثوب المشتبه، إذ توهّم لزومه إنّما هو من جهة الابتلاء باللّبس في هذه الأزمنة، وهذا الابتلاء كماترى إنّما هو باختيار المكلّف فلو بنى على ترك اللبس أو النزع حال الصلاة فأي حرج يلزم عليه، فإنّ أهالي الأعصار السابقة كانوا مستريحين عن لبس هذه الألبسة ولم يقعوا في حيص وبيص، فلو تبعهم أهالي سائر الأعصار لم يلزم عليهم نقص أصلاً، لا في دينهم ولا في دنياهم .(1)

1 . إزاحة الشكوك عن أحكام اللباس المشكوك: 47 .

صفحه 83
أقول: الظاهر أنّ المحقّق الآشتياني نظر إلى الحياة البسيطة في بعض الأعصار وزعم أنّه لا يتوجّه الحرج إذا تُرِك الُلبس حال الصلاة أو نزع المشكوك، ولكنّه لو نظر إلى أعصارنا يقف على وجود الألبسة المشتبه في أسواق المسلمين من غير فرق بين المجلوب من بلاد الكفر أو الإسلام وهذا ما أوضحه المحقّق الأنكجي في رسالته وقال: إنّ الظاهر بل المتيقن اشتباه الحال في غالب الألبسة بالنسبة إلى أغلب المكلّفين في جميع الأزمنة من غير فرق بين زمان الشارع وزماننا هذا، ولو وجب الاجتناب عنها ونزعها حال الصلاة للزم العسر الشديد والحرج الأكيد بالنسبة إلى أغلب المكلّفين، وليست اشتباه الحال في الألبسة مختصاً بما يعمل في بلاد الكفر كالماهوت ونحوه حتّى يدّعى عدم وجود مثل هذا النوع في الأزمنة السابقة، إذ الاشتباه كما أنّه قد يقع في الألبسة المعمولة في بلاد الكفر كذلك يقع في المعمولة منها في بلاد الإسلام خصوصاً بلد المخالفين القائلين بجواز لبس جلود الثعالب والأرانب ونحوها، بل مطلق الجلود حتّى جلد الكلب ونحوه في الصلاة لا أقل من تحقّق احتمال المزج والتخليط، فإذا كثرت الثياب المعمولة من الصوف والشعر والوبر، فمن أين للمكلف العلم بأنها ممّا يؤكل

صفحه 84
لحمه صرفاً ولم يختلط بما كان ممّا لا يؤكل لحمه .(1)
فإن قلت: اتفقت كلمتهم بمنع لبس ما كان من الحرير مع احتمال مزج غيره فليكن المقام من هذا القبيل .
قلت: الفرق بين المقامين واضح، لأنّ الصلاة في الحرير علة تامة لفساد الصلاة فيه، والشك في المزج شك في
وجود المانع، فيؤخذ بمقتضى العلة التامة كما هو الحال
في نظرائه مثلاً إذا شك في جواز بيع الوقف، أو جواز النظر
إلى المرأة المرددة بين الاجنبية وغيرها، أو بيع مال الصبي المردد بين كونه لصالح الصبي أو لا، ففي عامة الموارد لا تجري أصالة الصحة بل يحكم بالفساد حتّى يعلم بالخلاف. لأنّ العلم بنفس الموضوعات، علة تامة للفساد، فيؤخذ بها إلى أن يعلم خلافه.
وأمّا المقام فليس لبس الثوب المتخذ من الصوف علةً تامةً للفساد، لأنّ لبس الثوب أمر مشترك بين الصحة والفساد. فلا يوجب العلم به، علماً بالفساد.
إلى هنا اتّضح أنّ السيرة المستمرة بين المسلمين ولزوم

1 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 34 ـ 35 .

صفحه 85
الحرج عند ترك اللبس من الأدلة المفيدة للاطمئنان بالحكم بالجواز .
نعم بقي إشكال للتمسّك بدليل الحرج نشير إليه تالياً.

كلام ثالث للمحقّق الآشتياني

إنّ المحقّق الآشتياني أورد على التمسك بدليل الحرج إشكالاً ثانياً، وهو انّه لا ينبغي الإشكال في أنّ الحكم المنفيّ بأدلّة نفي العسر والحرج، يمنع لزوم الحرج بحسب الموارد الشخصية في حقّ أشخاص المكلّفين وحالاتهم الجزئية، فلو فرض لزوم الحرج من الالتزام بحكم حسبَ دليله في حق مكلّف دون غيره فلا يقتضي دليل نفيه نفيه عمّن لا حرج في حقّه أصلاً كما أنّه لو لزم من ثبوته في بعض حالات المكلّف دون بعضها لم يحكم بنفي الحكم بالنسبة إلى الحالتين، وهذا معنى اعتبار الحرج الشخصي في كلماتهم في قبال الحرج النوعي والغالبي.
ومن هنا استشكلنا في التمسّك بدليل نفي الحرج في الشبهة غير المحصورة للحكم بعدم وجوب الاحتياط فيها على الإطلاق مع عدم لزومه إلاّ في الجملة.

صفحه 86
كما استشكلنا في التمسّك به للحكم بعدم وجوب الاحتياط عند انسداد باب العلم في غالب الأحكام بالنسبة إلى جميع محتملات التكليف مع عدم لزومه إلاّ في الجملة حسب ما حرّرنا القول فيه في محلّه تبعاً لشيخنا الأُستاذ العلاّمة (قدس سره)، وهذا الّذي ذكرنا جار في كلّ مورد جعل لزوم العسر فيه علّة لرفع الحكم عنه.(1)
وأجاب عنه المحقّق الأنكجي بأنّ مرادهم بلزوم الحرج، لزوم الحرج النوعي من جعل هذا التكليف ابتداءً، ولا ريب في أنّ المدار في نفي التكاليف الابتدائية وعدم جعلها، على الحرج النوعي بمعنى كون الحرج الغالبي حكمة لعدم جعل الشارع تلك الأحكام الحرجية، إذ من المعلوم أنّ نظر الشارع في الأحكام الشرعية إثباتاً أو نفياً إلى نوع المكلفين دون اشخاصهم.(2)
توضيحه: أنّه لو ثبت أصل التكليف كإيجاب الوضوء أو الغسل عند الصلاة يتحدّد الحكم الشرعي بعدم الحرج شخصياً، ففي الهواء البارد لو كان التوضّؤ بالماء البارد حرجياً

1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 39 ـ 40 .
2 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 36 .

صفحه 87
لشخص دون شخص يختار كلّ مكلّف ما هو المقدور له بلا حرج، ولمّا كان التوضّؤ للأوّل منهما حرجيّاً، يعدل إلى البدل له فيتيمّم دون الثاني لعدم كونه حرجيّا له، وأمّا إذا لم يثبت الحكم الشرعي كما هو الحال في المقام ـ أعني : لزوم الاجتناب عن غير المأكول في حال الصلاة عند الشك ـ فليس هناك حكم شرعي قطعي حتّى يتحدّد في مقام التطبيق في الحرج الشخصي، بل الكلام في نفس ثبوت الحكم وتشريعه، ففي هذه الصورة يصحّ نفي هذا الحكم المشكوك بالحرج النوعي.
***

الثامن: الاستدلال على الجواز بإطلاق بعض الروايات

1. كما استدلّ القائل بالمنع بما في موثقة ابن بكير من «أنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلى في غيره ممّا أحل الله أكله». (1) فإنّ إطلاق الحديث يعم المعلوم والمشكوك إذا كان في الواقع من إجزاء ما لا تؤكل.

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

صفحه 88
ولمّا استدلّ القائل بإطلاق هذا الحديث، أجاب عنه صاحب المستند وحاصله: أنّ إطلاق هذه الرواية يعارض إطلاق سائر الروايات، فيتساقط الإطلاقان في المجمع، فيرجع إلى الأصل لا إلى الإطلاق وإن كانت النتيجة واحدة، وإليك نصه: إنّ الأخبار المصرّحة بجواز الصلاة في الجلود الّتي تشترى من سوق المسلمين (1)، وفيما يصنع في بلد كان غالب أهله من المسلمين من غير مسألة (2)، تعارض الموثقة وتعارضها بالعموم من وجه، والأصل مع الجواز كما عليه جماعة ممّن تأخّر منهم الأردبيلي وصاحب المدارك والخوانساري والمجلسي ووالدي العلاّمة(رحمه الله). (3)
توضيح التعارض هو أنّ مقتضى دليل المنع عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه مطلقاً، سواء أكان مأخوذاً من سوق المسلمين أو ممّا صنع في بلادهم أو لم يكن كذلك .
ومقتضى الطائفة الثانية هو جواز الصلاة في الجلود الّتي تشترى من سوق المسلمين أو فيما يصنع في بلدهم، سواء

1 . الوسائل: 3، الباب 55 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 3، الباب 55 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 .
3 . المستند: 4 / 316 ـ 317 .

صفحه 89
أكان من غير المأكول في الواقع أو من الميتة أو لم يكن
منهما فيتعارضان في غير المأكول واقعاً إذا كان مأخوذاً من سوق المسلمين أو معمولاً في بلدهم مع عدم علم المكلف بحاله (فيتعارضان في المجمع) فيرجع فيه إلى أصالة
الجواز .(1)
وأورد عليه المحقّق الآشتياني بأنّه لا ريب ولا إشكال في اختصاص ما جُعِلَ يد المسلم وسوق الإسلام دليلاً عند الشك في الأخبار، في الشك بالتذكية لحماً وجلداً، فلا تعلّق بالشك في مفروض البحث، فإنّه من حيث الشك في حلية ما أُخذ منه الجلد أو الصوف أو الوبر المعمول منها اللباس وإن علم بجريان التذكية الشرعية عليه فلا مغني للتشبث بالأخبار المذكورة في مفروض المقام كما صنعه بعض أفاضل من قارب عصرنا.(2)
أقول: ما ذكره وإن كان هو الظاهر من قسم من روايات الباب إلاّ أنّ قسماً منها لا يخلو من إطلاق يعم كلتا الحالتين: الشك في التذكية وعدمها، والشك في كونه مأكولاً وعدمه،

1 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 37 .
2 . إزاحة الشكوك في أحكام لباس المصلي المشكوك: 35 ـ 36 .

صفحه 90
فكأنّ سوقَ المسلمين أمارة على التذكية أوّلاً وكونه مأكولاً ثانياً. وإليك ما يمكن أن يكون ناظراً إلى المقام أيضاً .
1. ما رواه المعلى بن خنيس قال: سمعت الصادق (عليه السلام)يقول: «لا بأس بالصلاة في الثياب الّتي تعملها المجوس والنصارى واليهود». (1) ومقتضى إطلاق الحديث عدم العبرة باحتمال كون الثوب من غير المأكول. لأنّهم لا يفرقون بين المأكول وغير المأكول كما لا يفرقون بين المذكى وغيره .
2. ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فرا، لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلّي فيها؟ فقال: «نعم ليس عليكم المسألة، انّ أبا جعفر (عليه السلام)كان يقول: إنّ الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك». (2)
والعبرة بالتعليل الوارد فيه فإنّ الاجتناب عمّا يشك أنّه من غير المأكول إذا كان مأخوذاً من سوق المسلمين ينافي أوسعية الدين فلازمها هو عدم الاجتناب عن المشكوك مطلقاً، سواء أشك في تذكيته أو مأكوليته.

1 . الوسائل: 2، الباب 73 من أبواب النجاسات، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .

صفحه 91
3. ما رواه محمد بن الحسين الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الفرو يُشترى من السوق؟ فقال: «إذا كان مضموناً فلا بأس». (1) ولعلّ المراد بالمضمون ضمان البائع بالتذكية وإخباره عنها عن علم، وهذا الشرط مستحب إذا اشترى من سوق المسلمين.
ومع ذلك كله ففي النفس من الاستدلال بالروايات شيءٌ وهو أنّ سوق المسلمين إنّما يكون أمارة على التذكية لاتّفاقهم على نجاسة الميتة، وأمّا كونه أمارة على أنّه أخذ من المأكول فبعيد جداً، لأنّ الأغلبية في ذلك العصر كانت يشكّلها أهل السنّة والجماعة وهم لا يرون فرقاً بين المأكول وغير المأكول في جواز الانتفاع بهما في الصلاة وغيرها.
نعم في بعض الروايات فسر الذكي بالمأكول روى علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)وأبا الحسن (عليه السلام)عن لباس الفراء والصلاة فيها؟ فقال: «لا تصل فيها إلاّ في ما كان منه ذكياً» قال. قلت: أو ليس الذكي ممّا ذكي بالحديد؟ قال: «بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه». (2) فلو صحّ هذا الحديث سنداً أمكن أن

1 . الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 10 .
2 . الوسائل: 3، الباب 2 من لباس المصلي، الحديث 2 .

صفحه 92
يكون قرينة على شمول أكثر روايات الباب للمشكوك من جهة جواز الأكل. حيث إنّ الذكي عبارة عن خصوص تذكية ما يؤكل لحمه .
***
إلى هنا تبيّن أنّ القائلين بالجواز استدلّوا على مختارهم بالوجوه التالية:
1. أصالة البراءة.
2. أصالة الحلية.
3. أصالة الطهارة.
4. استصحاب عدم الحرمة قبل الشرع.
5. الاستدلال بالأصل الموضوعي وقد قرر بوجوه مختلفة.
6. السيرة العملية على إقامة الصلاة في المشكوك من الثوب .
7. لزوم العسر والحرج لولا الجواز.
8. إطلاق بعض الروايات على القول بشمولها للمشكوك في المقام .

صفحه 93
ولعل المجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على أنّ القول بالجواز أظهر من القول بالمنع والاحتياط .
بقيت هنا فروع نذكرها تالياً.

صفحه 94
   
 
خاتمة فيها مسائل
الأُولى: لو صلى في ثوب مشكوك وقلنا بجواز الدخول في الصلاة والحالة هذه ثم ظهر كونه مأخوذاً من غير المأكول فالصلاة صحيحة وذلك بوجهين:
الأوّل: إذا دلّت الأدلّة السابقة على جواز الدخول في الصلاة مع الشك، فهو يكشف عن أنّ المانع هو المعلوم لا ذات غير المأكول واقعاً فتكون الصلاة جامعة لعدم المانع، ومعها يسقط الأمر لانطباق عنوان الصلاة المأمور به على ما أتى وقد قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين لشخص واحد في زمان واحد.
وعلى ضوء ذلك قلنا بالإجزاء فيما إذا صلّى في ثوب مشكوك الطهارة والنجاسة المحكوم بالطهارة ظاهراً وإن بان كونه نجساً في الواقع، وذلك لأنّ قاعدة الطهارة صارت حاكمة على دليل الشرط ـ أعني: قوله مثلاً: صلِ في طاهر ـ لأنّ قاعدة الطهارة صارت سبباً لسعة الشرط (الطهارة) وأنّه عبارة عن أعم من الطهارة الواقعية أو الظاهرية.
الثاني: ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا

صفحه 95
عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: «إن كان لم يعلم فلا يعيد ».(1)
فإذا صحّت صلاته في جزء نجس من غير المأكول، فلتكن صحيحة فيما إذا صلّى في جزء منه وهو طاهر.
ولعلّ العلاّمة المجلسي اعتمد على هذه الرواية وغيرها وأفتى بالصحّة فيما إذا صلّى بغير المأكول جهلاً أو نسياناً قال :
ثم اعلم أنّ الظاهر من الأدلّة أنّ الجاهل والناسي في سائر الشروط حكمهما عدم الإعادة في الوقت وخارجه كالمصلّي في الميتة أو الحرير أو الجلد أو جلد ما لا يؤكل لحمه أو الساجد على النجس، أو ما لا يصح السجود عليه، أو المصلي مكشوف العورة، وغير ذلك إلاّ في استقبال القبلة(2).
الثانية: لو غفل عن حال ثوبه ودخل في الصلاة والتفت في الأثناء إلى أنّه ممّا لا يؤكل لحمه فإن تمكّن من نزع الثوب أو طرح المحمول من دون أي عمل ينافي الصلاة فليعمل كذلك.
ولو لم يتمكن إلاّ بقطع الصلاة أو إيجاد المنافي فإن كان

1 . الوسائل: 2، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 5 .
2 . بحار الأنوار: 83 / 273 ، باب حكم الناسي .

صفحه 96
الوقت وسيعاً فليفعل، وأمّا لو ضاق الوقت فالظاهر إتمام الصلاة وإعادتها خارج الوقت.
الثالثة: لو كان له ثوبان فعلم بكون أحدهما من المأكول والآخر من غيره ولم يكن له ثوب ثالث غير مشتبه، يصلّي في كليهما تحصيلاً للبراءة اليقينية وليست الصلاة في غير المأكول حراماً بالذات بخلاف المغصوب، فلو دار الأمر في ثوب مردد بين كونه المغصوب أو الآخر فلا يجوز له الصلاة في كلا الثوبين. تحصيلاً للبراءة اليقينة.
الرابعة: لا إشكال في أنّ إخبار الفقيه عن الموضوع الخارجي كإخباره مثلاً بأنّ اللباس الفلاني من المأكول من باب الشهادة ـ لا من باب الإفتاء ـ فيجب اجتماع شروط الشهادة في المورد من تعدّد الشاهد وكون علمه مستنداً إلى الحس.
نظير ذلك ما لو أخبر الفقيه بأنّ الصدف نبات بحري فهو من باب الشهادة لا الإفتاء.
الخامسة: لا فرق في بطلان الصلاة فيما لا يؤكل، بين الساتر وغيره كما في موثقة ابن أبي بكير «ان الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد»(1) فإطلاق الرواية يعم الساتر وغيره ما

1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

صفحه 97
دام يصدق على غير الساتر أنّه صلّى في وبر ما لايؤكل وشعره وجلده وبوله وروثه.
السادسة: لو وقف في أثناء الصلاة على كون الثوب الساتر ممّا لا يؤكل لحمه ولم يبق من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات فلو أتّم الصلاة والحال هذه تقع الصلاة كلها في الوقت، وأمّا لو قطع وتستر بساتر غيره أو نزع ما لا يجوز الصلاة فيه وحصّل ساتراً غيره فأراد الصلاة فلا يدرك من الوقت إلاّ ركعةً فما هي الوظيفة؟
فهل يقدّم الأوّل نظراً إلى أهمية الوقت في نظر الشارع، أو يقدّم الثاني لأنّ من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت جميعاً مع كون الساتر مباحاً؟ وجهان. والأقوى هو الأوّل.
نظير هذه المسألة ما لو دار الأمر بين تحصيل الساتر ولا يدرك من الوقت إلاّ ركعة واحدة وبين الصلاة عرياناً مع إدراك الوقت جميعاً.
ومثل هاتين المسألتين ما لو دار الأمر بين الصلاة في الوقت مع فقد بعض الشروط وتحصيل جميع الشروط مع إدراك ركعة، فهل يقدّم الوقت مع فقد سائر الشروط، أو يقدّم سائر الشروط مع إدراك الوقت ركعة؟

صفحه 98
الظاهر أنّ قاعدة «من أدرك» منصرفة عن هذه المواقع وإنّما هي ناظرة إلى مَنْ طرأت له هذه الحالة، وأمّا من يريد بقطع الصلاة إيجاد تلك الحالة بنفسه فالقاعدة لا تشمله .
***
تمّت الرسالة بعون الله تبارك وتعالى في صبيحة يوم
الأربعاء في عشرين شهر شعبان المعظم من شهور
عام 1430 هـ ، فما كان فيها من رأي صحيح فهو
من فضله سبحانه وما كان فيها من رأي خاطىء
فهو يرجع إلى نفسي الخاطئة، انطلاقاً من
قوله سبحانه: (إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ
عَلَى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي
إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ )(1).
جعفر السبحاني
قم المقدسة
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

1 . سبأ: 50 .

صفحه 99
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
مقدّمة   7
الفصل الأوّل
في أُمور تمهيدية
1. أوّل من عنون المسألة   11
2. الأقوال في المسألة   17
3. ما هو المقصود من المنع والجواز؟   19
4. الموارد المشتبهة   19
5. كون غير المأكول مانعاً يتصور على وجوه   20
6. وضع الألفاظ للمصاديق الواقعية   23
7. الفرق بين الشرط والمانع   24
8 . اتفاقهم على البراءة في الشبهة الموضوعية دون المقام   25

صفحه 100
الموضوع    الصفحة
9. هل يختص بما يحرم حسب عناوينه الذاتّية
      أو يعم العرضيّة؟   29
10. ملاك حرمة الأكل   31
11. هل الحلّية شرط أو الحرمة مانعة؟   32
12. ما هو الأصل في المسألة؟   35
الفصل الثاني
في مقتضى الأدلة الاجتهادية
وجوه تستخدم في إثبات صحة الصلاة في المشكوك    40
الفصل الثالث
في مقتضى الأُصول العملية
1. التمسك بالبراءة العقلية والنقلية   44
2. التمسك بأصالة الحلية   51
   كيفية الاستدلال   51
3. الاستدلال بأصالة الطهارة   59
4. الاستدلال بعدم الحرمة الثابت قبل الشرع   60
5. الاستدلال بالأصل الموضوعي   61

صفحه 101
الموضوع    الصفحة
   كلام للمحقّق الهمداني   65
   تقرير الاستصحاب بوجه آخر   68
   السادس: السيرة العملية على إقامة الصلاة في
         المشكوك من الثوب   78
   السابع: لزوم العسر والحرج لولا الجواز   78
   الثامن: مقتضى إطلاق بعض الروايات عدم العبرة
         باحتمال كون الثوب ممّا لا يؤكل   78
   نقد السيرة من المحقّق الآشتياني   79
   نقد الاستدلال بالحرج للآشتياني   82
   كلام ثالث للمحقّق الآشتياني   85
   الثامن: الاستدلال على الجواز بإطلاق بعض الروايات   87
خاتمة فيها مسائل   94
فهرس المحتويات   99
Website Security Test