welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة

(1)
مواقيت الصلوات
في
الكتاب والسنّة

(2)

(3)
مواقيت الصلوات
فى
الكتاب والسنّة
الفقيه
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

(4)
السبحاني التبريزي، جعفر، 1348 هـ . ق ـ
مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ، 1431 ق . = 1388 .
      109 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 426 - 0
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
1. الصلاة . الف . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
9 م 2س/4/187 BP   353/ 297
اسم الكتاب:   … مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   …1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
القطع:   … رقعي
عدد الصفحات:   … 109 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

(5)
بسم الله الرحمن الرحيم

(6)

(7)
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية من الأماني العزيزة الّتي يتمّناها كلّ مسلم واع بصير، خصوصاً في الأوضاع الراهنة الّتي تحالفت فيها قوى الكفر والشرك على محاربة الإسلام والمسلمين ونهب ثرواتهم وسلب حرياتهم إلى غير ذلك من الأعمال الإجراميّة الّتي تحول مشيئتهُ سبحانه بينهم وبين تحقيق مآربهم الخبيثة، حيث وعد في كتابه إعلاء كلمته وقال: (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(1) .
نعم، قضت مشيئتهُ سبحانه بإعلاء كلمته وغلبة دينهِ على غيره، ولكنّ قضاءه هذا ليس مطلقاً بل مشروطاً، ومن أهم شروطه صنع أجواء مناسبة له بين المسلمين، وذلك بنبذ التفرّق والتشرذم، والتمسّك بحبل الله المتين ليصبحوا أخواناً يدعم

1 . الصف: 9 .

(8)
بعضهم بعضاً، كما وصفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم كَمثَل الجسد إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر جسده بالسَّهَر والحُمّى »(1). وعندئذ يتحقّق ما وعده سبحانه في الذكر الحكيم.
لقد قام رجال الإصلاح وزعماء التقريب في القرن الماضي بتأسيس دار ومركز باسم دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ليحقّقوا عملياً فكرة التقريب بين الطوائف، ويقرّبوا الخُطى بينهم، وقد نجحوا في مسعاهم هذا نجاحاً باهراً، لولا أنّ السياسة الوقتية حالت بين الدار واستمرار حياتها .
إنّ هؤلاء المخلصين ساهموا في رسم خطوط عريضة مشتركة بين المذاهب في مجالي العقيدة والشريعة لغاية التمسّك بها ونشرها من على منابر الجمعة والجماعات، والصحف والمجلات، ووسائل الإعلام، حتّى يُصبح المسلمون ـ في ظل التمسّك بالمشتركات ـ إخواناً متحابّين متعاونين، وأمّا المسائل الخلافية، فَدَعَوْا إلى بحثها ومناقشتها على ضوء الكتاب والسنّة، في المؤسسات والمحافل العلمية. والخلاف والجدال مهما طال بين العلماء المنصفين، فإنّه لا

1 . صحيح البخاري: 4 / 89 (6011)، دار الكتب العلمية، طبع عام 1419 هـ .

(9)
يُفسد لهم في الودّ أمراً، وهم كما يصفهم شاعر الإهرام :
وكذلك العلماء في أخلاقهم *** يتباعدون ويلتقون سراعا
وهذا هو المراد من فكرة التقريب .
والعجب من قوم ـ وما عشت أراك الدهر عجباً ـ يتظاهرون بأنّهم من أنصار فكرة التقريب ومن رجال الإصلاح، ولكن ليس لهم غاية سوى الانتصار لمذهب، وإلغاء مذهب آخر، وتذويب طائفة في طائفة أُخرى، وهم يحسبون أنّهم يستطيعون ـ بهذه المصيدة ـ أن يقنصوا السُّذّج من الشيعة لغاية فصلهم عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، أحد الثقلين اللّذين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتمسّك بهما، وقال «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتابَ الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» وهو حديث متواتر رواه الفريقان.
لقد أمضى هؤلاء سنوات متمادية في مواجهة المذهب الشيعي، والتصدّي له، تارة بأدلّة واهية، وحجج سقيمة، وأُخرى بغير أدلّة ولا براهين، وإنّما بمحاولات التشويه والطعن والنبز، ولمّا بان عجزهم وخسرانهم في كلا الأُسلوبين، وتجلّت لرواد الحقيقة أصالة هذا الفكر السامي وعظمته، لجأوا إلى هذه

(10)
المسرحية المفضوحة، الّتي يتقمّصون فيها ثوب الإنسان الخيّر المصلح، الّذي يهمّه أمر الأُمّة الإسلامية ووحدتها وعزّتها، غافلين عن أنّ:
ثوب الرياء يشفّ عمّا تحته *** فإذا التحفْتَ به فإنّك عارِ
ويأتي ضمن أدوار هذه المسرحية، النشاط الّذي يمارسه القائمون على (مبرّة الآل والأصحاب) في دولة الكويت، إذ اتخذّوا من شعارهم الخلاّب (طرح تراث الآل والأصحاب، وإظهار العلاقة الحميمة بينهم) غطاءً لتمرير مشروعهم الطائفي المقيت، من خلال تجنيد بعض أنصاف المثقفين، للكتابة في موضوعات، لا يحسنون الكتابة فيها، ولا يمتلكون الأدوات العلمية لبحثها وتناولها، وهذا أمر طبيعي، لأن غرض (المبرّة) هو التشويش والتلبيس والخداع، وليس تحرّي الحقّ، والكشف عن الحقائق.
ومن هنا جاءت منشوراتهم وإصدراتهم على النقيض من مغزى الشعار الّذي يرفعونه، والدليل هو اقتصارها على الدفاع عن عقائد ومتبنّيات فئة متطرّفة، شذّت عن مذاهب السنّة (أعني فئة الوهابيين)، والطعن على الشيعة في أفكارهم وأحكامهم، والقدح في رواتهم ورواياتهم.

(11)
ولو كانت نيّات أصحاب (المبرّة) سليمة وصادقة، لصانوا أنفسهم من (معرّة) الذمّ والتقبيح والاتّهام، ولعكفوا على البحث عن المشتركات بين مذاهب المسلمين وإذاعتها، واهتمّوا بالأولويّات الّتي تخدم مصالح الأُمّة وقضاياها المصيرية، بدلاً من إثارة المسائل الجزئية وبأُسلوب غير علمي وغير موضوعي، كما فعل الدكتور طه حامد الدليميّ، الّذي تناول مسألة مواقيت الصلاة في كتيّب، سمّاه «نحو وحدة إسلامية حقيقية: مواقيت الصلاة نموذجاً» وحاول فيه أن يثبت أنّ مواقيت الصلاة عند الآل والأصحاب واحدة وهي خمسة أوقات متفرقة، ومن صلّى في غيرها ـ كما إذا جمع بين الصلاتين ـ فقد صلّى في غير وقتها .
وما قاله المؤلّف : «مواقيت الصلاة عن الآل والأصحاب واحدة» كلام تام لا ريب فيه، ولكن ما رتّب عليه من أنّها خمسة أوقات متفرّقة عندهما لا يصحّ بتاتاً ، ويشهد على عدم صحته روايات متضافرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والآل على أنّ الجمع بين الصلاتين كالتفريق في إفراغ الذمة، وأنّ الجمع بين الصلاتين كالتفريق بينهما سيّان في الإجزاء وامتثال أمر الله سبحانه، وأنّ من فرّق فقد أخذ بالأفضل، وأنّ من جمع فقد أخذ بالرخصة،

(12)
وأنّ الله سبحانه يحب أن يُؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه(1)، فليس للمفرّق التنديد بمن جمع، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد جمع بين الصلاتين في أوقات كثيرة من غير عذر، ليوسّع الأمر على أُمّته ويخرجهم من الحرج، كما ليس للجامع التعرّض للمفرِّق، لأنّه أخذ بالأفضل: (وَ كُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى)(2).
ثم إنّ مؤلّف الرسالة ـ سامحه الله ـ نقل عن أهل البيت ما يدلّ على التفريق بين الصلاتين ولكنّه أغفل نقل أكثر ما روي عنهم من جواز الجمع في حال السعة وعدم العذر متضافراً بل متواتراً، وانّ المسلمين على الخيار بين التفريق والجمع، كما هو الحال في كل واجب تخييري .
وكما هو أغفل نقل أكثر ما روي عن الآل في الجمع، فقد أغفل أيضاً ذكر ما استفاض من الأصحاب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في جمعه بين الصلاتين من غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا وحل، وإنّما ليوسع الأمر على أُمّته. تشهد لذلك صحاحهم وسننهم

1 . مجمع الزوائد للهيتمي: 3 / 163 ; كنز العمال: 3 / 34 برقم 5341 وص 669 برقم 8412 ; وسائل الشيعة: ج 1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 1، إلى غير ذلك من المصادر.
2 . النساء: 95 .

(13)
ومسانيدهم كما سيوافيك .
وقد نشأ صاحب الكتيّب على مذهب تقام فيه الصلاة في مواقيت خمسة وتربّى على ذلك، ولمّا رأى أنّ الجمع بين الصلاتين يخالف سلوكه وسلوك قومه زعم أنّ الصلاة في مواقيت ثلاثة، إتيان بها في غير أوقاتها، فرائدُه في موقفه هذا هو الرأي المسبق الّذي استقاه من أهل مذهبه، ثم أخذ يتطلّب له الأدّلة، فهو بدل أن يستعرض الأدلة ثم يسترشد بها في تعيين الرأي الصائب، عكس الأمر، وإلاّ فلو درس الروايات من غير رأي مسبق، طالباً الحقيقة، متجرّداً عن الهوى، لوقف على أنّ الصادع بالحق خيّر الأُمّة بين الطريقين، ولكلّ فضل ومزيّة لا توجد في غيره.
***
يُشار إلى أنّني ألّفت في سالف الزمان رسالة حول الجمع بين الصلاتين، وبحثت الموضوع على ضوء الكتاب والسنّة، ولمّا وقف عليها بعض المحقّقين من إخواننا السنّة، كتب إليّ أنّ الرسالة مكتوبة بحبر الإنصاف، وبذلك سعيت في تقريب الخطى بين المسلمين وأثبتّ أنّ عمل الجمع مقبول عنده سبحانه، وفي هذه الرسالة كفاية لمن أراد الحق وترك العصبية .

(14)
غير أنّي نزلت عند رغبة بعض الفضلاء الشيعة في الكويت حيث طلبوا مني نقد الكتيّب المذكور نقداً موضوعياً، حتّى تتبين مواضع زلاّت الكاتب وأخطائه فيه، فقمت بتأليف هذه الرسالة راجياً منه سبحانه أن يهدي الجميع إلى الحق، ويحفظهم من العثرة في القول والعمل، إنّه خير مجيب .
ويأتي تحقيق الموضوع وكشف الحقيقة ضمن فصول :

(15)
 
1

مكانة الصلاة في الكتاب والسنّة

إنّ الصلاة من أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله سبحانه وتعالى، وقد أوصى بها أنبياؤه وأولياؤه، فهذا هو إبراهيم الخليل (عليه السلام)يذكرها في دعائه ويقول (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ)(1) ويقول في دعاء آخر (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَ تَقَبَّلْ دُعَاءِ )(2) والمتبادر من الآية الأُولى أنّ الإسكان عند بيت الله في ذلك المكان المُقفِر المُمْحِل كان لغاية إقامة الصلاة .
وهذا هو إسماعيل النبي (عليه السلام)يصفه سبحانه بقوله: (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَ كَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا )(3) والآية تدلّ على أنّ إقامة

1 . إبراهيم: 37 .   2 . إبراهيم: 40 .   3 . مريم: 54 ـ 55 .

(16)
الصلاة كانت من وصايا الأنبياء الذين استجابوا لوصية ربّهم بها، وامتثلوا أمره. وفي هذا الإطار يأتي خطاب المسيح بن مريم (عليه السلام)لقومه : (إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)(1) .
وقد استجاب سبحانه دعاء نبيّه زكريا حينما كان (عليه السلام)يصلّي في المحراب، يقول سبحانه: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَة مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ )(2).
ثم إنّه سبحانه كتب الفلاح والنجاة للمصلين المحافظين عليها، بقوله عزّ من قائل : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ)(3)، وقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ وَ قُومُوا للهِ قَانِتِينَ)(4) كما كتب الخسران

1 . مريم: 30 ـ 31 .
2 . آل عمران: 38 ـ 39 .
3 . المؤمنون: 1 ـ 2 .
4 . البقرة: 238 .

(17)
على من استخفّ بها أوصلّى على وجه الرياء والسمعة، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(1)إلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيّن مكانة الصلاة وعظمتها في الشرائع السماوية عامّة والشريعة الإسلامية خاصة، وكفى في ذلك أنّ كلمة الصلاة بمفردها ـ مع قطع النظر عن باقي المشتقات ـ جاءت في القرآن الكريم (67) مرة، وهذا يكشف عن اهتمام الذكر الحكيم بهذه الفريضة الإلهية وعنايته البالغة بها.
وأمّا مكانة الصلاة في السنّة، فحدِّث عنها ولا حرج، ولا يسعنا هنا نقل معشار ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة (عليهم السلام)حول تلك الفريضة الكبيرة، فلنشر إلى نزر يسير منها:
1. أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: قدم وفد عبدالقيس على رسول الله، فقالوا : إنّ بيننا وبينك المشركين من مُضَر، وإنّا لا نصلُ إليك إلاَّ في أشهر حُرُم، فمُرْنا بجُمَل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا إليها مَن وراءنا. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، وهل

1 . الماعون: 4 ـ 5 .

(18)
تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا من المغنم الخمس» (1).
إن مجيء الأمر بإقامة الصلاة في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد توحيده سبحانه يُشعر أنّها أفضل عمل جارحي بعد التوحيد، وقد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت أنّ الصلاة أحب الأعمال وأفضلها، وأنّها عمود الدين .
2. روى الصدوق بسنده عن عبدالله بن مسعود قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أي الأعمال أحب إلى الله عزوجل؟ قال: «الصلاة لوقتها» .(2)
3. روى الشيخ الطوسي بسنده عن علي (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ عمود الدين الصلاة، وهي أوّل ما يُنظَر فيه من عمل ابن آدم فإنْ صحّت نُظِر في عمله، وإن لم تصحّ لم يُنظَر في بقية عمله» .(3)
4. من كلام لأمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يوصي به أصحابه: «تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا

1 . صحيح البخاري: 4 / 492 ـ 493 (7556); وصحيح مسلم: 1 / 35 و 36، باب الأمر بالإيمان; وسنن النسائي: 2 / 333 ; مسند أحمد: 3 / 318 .
2 . الخصال: 163 .   3 . التهذيب: 2 / 267 .

(19)
بِهَا. فَإِنَّهَا ( كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً).(1) أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قالوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)(2). وَإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ، وَتُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ الرِّبَقِ، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّات، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ».(3)
5. روى البرقي في المحاسن عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «الصلاة عمود الدين ».(4)
6. روى الشيخ الطوسي عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو كان على باب دار أحدكم نهر فاغتسل في كل يوم منه خمس مرات، أكان يبقى في جسده من الدرن شيء؟ قلنا: لا، قال: فإنّ مثل الصلاة كمثل النهر الجاري، كلّما صلّى صلاة كفّرت ما بينهما من الذنوب ».(5)

1 . النساء: 103.   2 . المدّثر: 42.
3 . نهج البلاغة: 316، الخطبة 199 (ضبط الدكتور صبحي الصالح). و (الرِّبَق): حَبل فيه عدة عُرى كلِّ منها رِبْقة. و (الحَمّة): كل عين ينبع منها الماء الحار، ويُستشفى بها من العلل.
4 . المحاسن: 1 / 44.
5 . الوسائل: ج 4، باب 2 من أبواب وجوب الصلوات الخمس، الحديث 3 .

(20)

2

الصلاة فريضة موقوتة

تجب المحافظة على أوقاتها

الصلاة فريضة موقوتة بيّن الذكر الحكيم وقتها، وتعرّضت السنّة لشرحها، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)(1) أي فرضاً موقوتاً منجَّماً يُؤدّونها في أنجمها، وبمعنى آخر: هي عليهم فرض في وقت وجوب أدائها(2) .
وأمّا ما ورد في السنّة في هذا المجال فكثير، منه:
1. روى الصدوق بسنده عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ينال شفاعتي غداً من أخّر الصلاة المفروضة بعد وقتها».(3)

1 . النساء: 103 .
2 . التبيان في تفسير القرآن: 3 / 312 ـ 313.
3 . أمالي الصدوق: 326، الحديث 15 .

(21)
2. روى الصدوق عن الإمام الرضا، عن آبائه(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على مواقيت الصلوات الخمس، فإذا ضيّعهن اجترأ عليه فأدخله في العظائم».(1)
3. روى أبان بن تغلب، قال: صلّيت خلف أبي عبدالله (عليه السلام)بالمزدلفة، فلمّا انصرف التفتَ إليّ، فقال: «يا أبان، الصلوات الخمس المفروضات، مَن أقام حدودهنّ، وحافظ على مواقيتهنّ لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنّة، ومن لم يقم حدودهن، ولم يحافظ على مواقيتهنّ، لقي الله ولا عهد له، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له ».(2)
4. روى الصدوق عن جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة، كيف محافظتهم عليها؟ وعند أسرارهم، كيف حفظهم لها عن عدونا؟ وإلى أموالهم: كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ».(3)

1 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب وجوب المحافظة على الصلوات، الحديث 13 .
2 . الوسائل: ج 2، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها، الحديث 16 .

(22)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وأنّ من صلّى صلاة الفريضة لوقتها فليس هو من الغافلين، وأمّا من استهان بأوقاتها، فهو من الذين ذمّهم سبحانه بقوله: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) (1).
فيجب على المسلم التعرّف على أوقات الصلاة: أوقات الفضيلة، وأوقات الإجزاء حتّى يكون من الذاكرين. وهذا ما نتناوله في الفصل التالي:

1 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب وجوب المحافظة على الصلوات، الحديث 29 .

(23)
 
3

مواقيت الصلوات في الذكر الحكيم

قد تضمّن الذكر الحكيم مواقيت الصلاة في غير واحدة من الآيات، وفسّرتها السنّة النبوية وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فلندرس الآيات، ثم نأتي بما في السنّة بإذن الله سبحانه.

الآية الأُولى:

(أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(1).
إنّ الآية تضمّنت بيان أوقات الصلوات الخمس، وإليك تفسيرها على ضوء توضيح مفرداتها .
1. اللام في «دلوك الشمس» إما :
«لام تعليل» أي بسبب «زوال الشمس» أو بمعنى «عند»

1 . الإسراء: 78 .

(24)
نظير قول القائل: كتبتهُ لخمس خلون من شهر كذا أي عند الخمس، والثاني هو الأظهر .
2. الدلوك: بمعنى زوال الشمس عن كبد السماء، وهو قول الأكثر، وشذّ من فسّره بغروب الشمس. حكى القرطبي عن ابن عطية: الدلوك هو الميل ـ في اللغة ـ فأوّل الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمّى دلوكاً لأنّها في حالة ميل (1).
وقال الشيخ ابن عاشور: الدلوك بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فرضي في طريق مسيرها اليومي، وبمعنى ميل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس .(2)
وعلى ما ذكره العلمان يصدق الدلوك ما دامت الشمس مائلةً عن وسط السماء إلى جانب الغرب، فالجميع دلوك، ولا يختص الميل بأوّل الزوال.
3. الغسق: اختلفت كلمة اللغويين والمفسّرين في تفسير الغَسَق على أقوال:
أ. ظلمة أوّل الليل، قاله في القاموس، وهو أحد القولين

1 . الجامع لأحكام القرآن: 10 / 304، دار الفكر.
2 . التحرير والتنوير: 14 / 144، نشر مؤسسة التاريخ .

(25)
في اللسان، ونقل الشيخ الطوسي في التبيان عن ابن عباس وقتادة أنّهما قالا: هو بدءُ الليل.(1)
ب. الظلمة، ذكره قولاً واحداً في مقاييس اللغة (مادة غسق)، وفي اللسان جعله أحد القولين، وحكى الشيخ الطوسي في التبيان عن الجُبّائي أنّ غسق الليل ظلمته، وهو خيرة صاحب التفسير الكاشف.(2)
والفرق بين المعنين واضح، فإنّ بدء الليل لايلازم الظلمة الكاملة الّتي يشير إليها المعنى الثاني.
ج. الظلمة الشديدة الّتي تمتد إلى نصف الليل وهو خيرة الأزهري، قال: غسق الليل تراكم الظلمة واشتدادها (3). وفي المفردات غسق الليل: شدة ظلمته (4) وهو المروي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وهو خيرة بعض المفسّرين .
روى ابن إدريس عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن المفضل عن محمد الحلبي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)في قوله: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ

1 . التبيان: 6 / 509 .   2 . التفسير الكاشف: 5 / 73 .
3 . مفاتيح الغيب: 21 / 27 .
4 . المفردات في غريب القرآن: 360 .

(26)
اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال: دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل: انتصافه، وقرآن الفجر: ركعتا الفجر» (1) .
روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: سألته عما فرض الله من الصلاة فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت هل سماهنّ الله وبيّنهنّ في كتابه؟ فقال: نعم، قال الله عزوجل لنبيه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)ودلوكها زوالها، ففي ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربعة صلوات سمّاهن وبيّنهنّ ووقّتهنّ، وغسق الليل انتصافه، وقال: (وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (2).
4. قُرْآنَ الْفَجْرِ: أُريد به صلاة الفجر فإنّها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. هذا ما يرجع إلى بيان مفردات الآية وتوضيحها .
إذا عرفت مفاد المفردات فاعلم أن في الآية دلالة على امتداد وقت الصلوات الأربع من الزوال إلى الغسق، فتكون

1 . الوسائل: ج 4، الباب 10 من أبواب اوقات الصلاة الخمسة، الحديث 10 .
2 . تهـذيـب الأحكام: 2 / 24، الباب 12، الحديث 23 .

(27)
أوقاتها موسّعة لأن اللام في قوله «لِدُلُوكِ» بمعنى «عند» و «إلى» في قوله: إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ «للانتهاء» فيكون معنى الآية ان وقت الصلوات ممتدٌ من الزوال إلى ذهاب الشفق أو إلى نصف الليل على الخلاف في معنى الغسق، وقد عرفت ما عليه أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في معناه، فتكون النتيجة أن إتيان الصلوات الأربع أداءٌ بين الحدّين، وأن كل جزء منه صالح له .
وبعبارة أُخرى : إن الزمان المحدّد بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت للصلوات الأربع، فله أن يصلي الظهر في أية ساعة من ساعات الحد المذكور، كما له أن يأتي بالعصر كذلك هذا هو ظاهر الآية، وهو حجة للفقيه ما لم يدل دليل على التضييق، فعندئذ تُرفع اليد بمقدار الدليل، وفي غيره يكون الظاهر حجة ومرجعاً.

الآية الثانية:

(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)(1).
الزلف: جمع زُلفى كالظُلَم جمع ظلمة (والزلفة) من

1 . هود: 114 .

(28)
أزلفه: إذا قرّبه، و (طَرَفَيِ النَّهَارِ)عبارة عن الغدوة والعشية، والمراد من الطرف الأوّل الصبح، ومن الطرف الثاني دلوك الشمس إلى آخر النهار، وهو إشارة إلى وقتي الظهر والعصر.
والزلف من الليل الساعات الأُولى منه، سمِّيت بذلك لقربها من النهار، والمراد بها هنا المغرب والعشاء.
وهذه الآية ـ كالآية السابقة ـ تتضمن بيان أوقات الصلوات الخمس: أما الفجر والظهر والعصر، فلقوله «طرفي النهار» وأما المغرب والعشاء فلقوله (زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) .
فعلى ما ذكرنا يكون قوله: (وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) عطفاً على قوله «طرفي النهار» أي أقم الصلاة «طرفي النهار،وأقم الصلاة زلفاً من الليل» .
والآية ـ كسابقتها ـ تدل على سعة الوقت، وأن طرفي النهار وقت للصلوات الثلاث، فالطرف الأوّل لصلاة الصبح، والطرف الثاني لصلاتي الظهر والعصر، وأمّا الساعات الأُولى من الليل، فهي وقت العشاءين. وهذا الظهور حجة ما لم يدل دليل على التحديد.
***

(29)

الآية الثالثة:

(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ)(1).
والمعنى: تنزيهاً لله تعالى عمّا لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات نقص أو ما ينافي عظمته، في الإصباح والإمساء والإظهار وفي العشيّ، وأن ما في السموات والأرض من خلق وأمر، يستدعي بحسنه حمداً وثناءً لله سبحانه.
وقد ذهب جملة من المفسرين إلى أنّه سبحانه أشار في هاتين الآيتين إلى الصلوات الخمس، وفي الوقت نفسه ذهب آخرون إلى أنّها راجعة إلى مطلق التحميد والتسبيح .
قال أُستاذنا السيد محمد حسين الطباطبائي: يظهر أن المراد بالتسبيح والتحميد معناهما المطلق دون الصلوات اليومية المفروضة، كما يقول به أكثر القائلين بكون القول مقدّراً، والمعنى: (قولوا: سبحان الله، وقولوا: الحمد لله)، فالتسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من غيره، حتّى يكون المعنى: (قولوا: سبحان الله، وقولوا: الحمد لله)، فقد

1 . الروم: 17 ـ 18 .

(30)
تكرر في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه، كقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1)، وقوله: (تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ)(2). (3)
وعلى فرض صحة ما ذهب إليه جملة من المفسّرين من أنّ الآيتين تشيران إلى الصلوات الخمس، فنقول: إن لهم في تفسير مفرداتها أقوالاً، نذكر منها أوضحها:
1. (حِينَ تُمْسُونَ) أي حين تدخلون في وقت المساء، وهو ما بعد الظهر إلى المغرب(4) فيكون إشارة إلى صلاة العصر.
2. (حِينَ تُصْبِحُونَ) إشارة إلى صلاة الفجر.
3. (حِينَ تُظْهِرُونَ) في حين تدخلون في وقت الظهيرة، وقد يكون إشارة إلى صلاة الظهر.
4. (عَشِيًّا) أي وفي العشيّ، وإنّما عدل من الفعل إلى الاسم لأنّه لم يُبنَ منه فعل من باب الإفعال بخلاف المساء والصباح والظهيرة حيث بني منها الإمساء والإصباح والإظهار

1 . الصافات: 180 .   2 . الفرقان: 1 .
3 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 16 / 160 ـ 161 .
4 . لسان العرب: 15 / 281 «مادة مسا» .

(31)
بمعنى الدخول في المساء والصباح والظهيرة. والعشيّ: آخر النهار، وقيل: من صلاة المغرب إلى العتمة، وأنشد ابن الأعرابي:
هيفاء عجزاء خريد بالعشيّ *** تضحك عن ذي أُشُر عذب نقيّ
والمراد بالعشيّ هنا الليل. قال ابن منظور: فإمّا أن يكون سمّى الليل عشيّاً لمكان العشاء الّذي هو الظلمة، وإما أن يكون وضع العشيّ موضع الليل لقُربه منه، من حيث كان العشيّ آخر النهار، وآخر النهار متصل بالليل .(1)
ومن هنا نقول إن الآية تشير إلى صلاتي المغرب والعشاء، لا إلى صلاة العصر، كما ذهب بعضهم، لأنّها لا تناسب وقت العشيّ الّذي مرّ بيانه.
وظاهر الآية حجةٌ لمن يجعل الوجوب بأوّل الوقت لتقييد الوجوب بالحينية المختصة بحال الدخول في المساء والصباح والظهيرة.
ولكن يمكن أن يقال إن الآية إشارة إلى أوّل الوقت

1 . لسان العرب: 15 / 60 ـ 61 .

(32)
ودخوله لا لتقييده بأوّل الوقت. وسيوافيك التوضيح عند الفراغ من دراسة الآيات.
يُشار إلى أن ظاهر الآية، هو تفريق الصلوات في الأوقات الثلاثة، كما أن ظاهر آية الدلوك، وآية طرفي النهار، الإتيان بها في تمام أجزاء الوقت، والتوفيق بينهما بحمل الأوليين على أوقات الإجزاء، والأخيرة على وقت الفضيلة، كل ذلك بفضل الروايات المتواترة كما ستوافيك .

الآية الرابعة:

(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى )(1).
ومعنى الآية: فاصبر على ما يقولون من أنك ساحر أو شاعر فإنّه لا يضرّك، وأقبِلْ على ما ينفعك فعله وهو ذكر الله، و «الباء» في بـ «بحمد ربّك» للملابسة، أي سبِّح حامداً ربّك، في فترات من الليل والنهار.
وما ذُكر في الآية من التسبيح مطلق لا دلالة فيها من جهة

1 . طه: 130 .

(33)
اللفظ على أن المراد به الصلوات الخمس (1)، ولكن بعض المفسرين ذهب إليه، وعلى فرض صحة ذلك، نقول: إنّ هذه الآية على خلاف الآيات السابقة تتضمن آخر أوقات بعض الصلوات الخمس، وإليك البيان:
1. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: إشارة إلى نهاية وقت صلاة الفجر.
2. وَقَبْلَ غُرُوبِهَا: إشارة إلى نهاية وقت صلاتي الظهر والعصر، لكونهما في النصف الأخير من النهار، كما أن الفجر في النصف الأوّل.(2)
3. وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ: إشارة إلى العشاءين، وآناء الليل: ساعاته، «ومن» في قوله «مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ» للابتداء، وفيه تنبيه على أن ابتداء وقت العشاءين من أوّل الليل، وقدّم الظرف (آناء الليل) على الفعل (فسبح) للاهتمام بفعلها ليلاً، لعدم شغل النفس حينئذ، بخلاف ما سبق حيث قدّم الفعل فيه على الزمان.
4. وَأَطْرَافَ النَّهَارِ فسّره بعضهم بصلاتي المغرب

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 14 / 235 .
2 . قال ابن عاشور التونسيّ: إن الأوقات المذكورة في هذه الآية، هي أوقات الصلوات، ثم قال وهو يعدّدها: ووقتان قبل غروبها وهما الظهر والعصر، وقيل: المراد صلاة العصر. التحرير والتنوير: 16 / 204 .

(34)
والفجر، والتكرار لأجل الاختصاص مثل قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ) (1) وهو غير جيد لأن طرفي الشيء من نفس الشيء لا خارج عنه، وصلاة المغرب تقع في الليل، فكيف تكون في النهار؟
وعن قتادة أنّه إشارة إلى صلاة الظهر (2)، وقد ذكروا في معنى كونها في أطراف النهار مع أنها في منتصفه (بعد الزوال) توجيهاً، وصفه السيد الطباطبائي بأنّه متعسف وبعيد عن الفهم، وأنّ الذوق السليم يأبى أن يسمّي وسط النهار أطراف النهار بفروض واعتبارات وهمية، فراجع تفسيره.(3)
والظاهر أن أطراف النهار كناية عن ذكر الله في كل آن وحال، كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَ قُعُودًا وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ)(4). ويمكن أن يُقال: إنّ المراد بأطراف النهار أوّله وآخره بالنظر إلى كونهما وقتين ذوَي سعة، لكل منهما أجزاء، كل جزء منها طرف بالنسبة إلى وسط النهار.(5)

1 . البقرة: 238 .
2 . التبيان في تفسير القرآن: 7 / 222 .
3 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 235 ـ 236 .
4 . آل عمران: 191 .
5 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 14 / 236 .

(35)
وفي الآية نص صريح على سعة وقت الصبح إلى طلوع الشمس، والظهرين إلى غروبها، لأنّه سبحانه ذكر أواخر أوقاتها، وعلى هذا فوقت صلاة الصبح يمتد إلى طلوع الشمس، ووقت الظهرين يمتد إلى غروبها، كما أن وقت العشاءين باق مادام يصدق آناء الليل وساعاته .
فظاهر الآية يدلّ على سعة الوقت في هذه الصلوات وهو حجّة للفقيه ما لم يدل دليل على التضييق والتحديد في السنّة المطهرة وأحاديث العترة(عليهم السلام).

الآية الخامسة:

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ )(1).
ومعنى الآية : سبّح حامداً ربّك قبل الطلوع وقبل
الغروب ولو حُمل التسبيح على ظاهره تُحمل الآية
على استحبابه في هذه الفترات، ولو حُمل على الصلاة
فالصلاة قبل طلوع الشمس: الفجر، وقبل الغروب:
الظهر والعصر، والمراد بقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ)العشاءان. وفي

1 . ق: 39 ـ 40 .

(36)
الآية دلالة واضحة على سعة أوقات الصلوات.
أمّا قوله تعالى: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)فيُراد به الركعتان بعد المغرب، وقد روي ذلك عن عليّ (عليه السلام)، والحسن (عليه السلام)، وابن عباس، ومجاهد، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.(1)

حصيلة البحث حول الآيات

النظر الصائب في استنباط الحكم الشرعي عن الأدلة الشرعية هو النظرة الفاحصة إلى القرآن الكريم والإمعان في مفاد الآيات الّتي نزلت حول الموضوع، وهذا لا يعني الاقتصار على الكتاب والاستغناء عن السنّة المبيِّنة لمجمَلات الكتاب، المقيِّدة لإطلاقاته، والمخصِّصة لعموماته، فإن هذا هو مسلك من قال: «حسبنا كتاب الله» كيف؟ والله سبحانه يقول: (وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(2) .
وقال عز من قائل: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(3) فالسنّة المطهرة مبينة لما ورد

1 . انظر: تفسير الطبري: 13 / 219 ـ 222 ; والتبيان في تفسير القرآن: 9 / 374 ـ 375 .
2 . الحشر: 7 .
3 . النحل: 44.

(37)
في الذكر الحكيم على النحو المذكور، ومع ذلك كله فظاهر القرآن من إطلاق أو عموم حجة على الفقيه، ما لم يكن في السنّة شيء يحدده ويضيقه.
وعلى أساس ذلك، فقد عرفت أن قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(1) يدل بظاهره على أنّ الوقت المحدد بالدلوك إلى الغسق، هو وقت للصلوات الواجبة فيه، فكل جزء منه صالح لصلاتي الظهر والعصر، فللمصلي أن يفرّق بينهما، كما أن له أن يجمع بينهما، لصدق إقامة الصلاة بين الدلوك والغسق على الجمع والتفريق، فلا ترفع اليد عن هذا الظهور إلاّ بمقدار ما دل على التحديد والتضييق، كما سيوافيك.
كما أن الآية الثانية أعني قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ )(2) يدل على أن طرفي النهار وقت لكل من صلوات الفجر والظهر والعصر، وعلى هذا فكل جزء من الطرف الثاني للنهار وقت للظهرين، فمن فرق أو جمع في النهار (بعد الزوال) تقع صلاته صحيحة، وهذا الظهور حجة

1 . الإسراء: 78 .
2 . هود: 114 .

(38)
ما لم يدل دليل على الخلاف.
والآية الثالثة هو قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)(1).
وقد مر أن المراد بقوله: (حِينَ تُمْسُونَ) هو الدخول في المساء أي وقت صلاة العصر وقوله: (حِينَ تُظْهِرُونَ) هو الدخول في الظهر، فعلى هذا فالآية تدل على التفريق أي الإتيان بالصلاة الأُولى في الظهر، والأُخرى في العصر، ودلالة الآية على التفريق حجة ما لم يكن هناك دليل على الترخيص .
وأما الآية الرابعة والخامسة فقد مرّ أن الآيتين في مقام بيان آخر الوقت .
ويتلخص ممّا ذكرنا أن في الآيتين الأوليين دلالة على الجمع بين الصلاتين أو الصلوات، وفي الآية الثالثة ـ بناءً على تفسيرها بالصلوات ـ دلالة على التفريق، وقد مرّ التوفيق بين الآيات، بقي الكلام فيما ورد في السنة النبوية أو ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

1 . الروم: 17 ـ 18 .

(39)
 

4

أوقات الفضيلة للصلوات الخمس

قد ورد في السنّة المطهرة وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)مواقيت خاصة لكل من الصلوات الخمس، وهذا ممّا لا ريب فيه، وإنّما الكلام في كونها أوقات للفضيلة، بحيث يجوز العدول عن وقت إلى وقت آخر، أو تحديد للجواز، بمعنى عدم جواز إقامتها في غير ذلك الوقت، فلنذكر هنا ما ورد من هذه الروايات. ثم نقوم بإيضاحها في الفصل التالي:
أخرج مسلم ، عن بريدة، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له: «صلّ معنا هذين» يعني اليومين فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذّن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر.(1)

1 . صحيح مسلم: باب اوقات الخمس الحديث 1277 .

(40)
وأخرج أيضاً عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنّه قال: سُئل رسول الله عن وقت الصلوات، فقال: وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأوّل، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس، ويسقط قرنها الأوّل، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل.(1)
ما جاء في هذه الروايات ونظائرها حق لا ريب فيه، ولا ينكره فقيه إمامي، وقد تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ما يقرب من مضامين هاتين الروايتين، فقد حدّدوا أوّل وقت فريضة الظهر وأوّل وقت فريضة العصر، تارة بصيرورة الظل قامة وقامتين، وأُخرى بصيرورته ذراعاً وذراعين، وثالثة بصيرورته قدماً وقدمين، ومرجع الجميع واحد كما سيوافيك عن قريب، ونذكر لكل عنوان من العناوين الثلاثة روايتين، فإنّ نقل الكل لا يناسب وضع الرسالة.

1 . نفس المصدر: الحديث 1275 .

(41)

القامة والقامتان:

1. روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح (موسى بن جعفر (عليه السلام)) ان أوّل وقت الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها قامة من الزوال، وأوّل وقت العصر قامة، وآخر وقتها قامتان. قلت: في الشتاء والصيف سواء؟ قال: نعم .(1)
2. روى الشيخ الطوسي عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألت عن وقت الظهر والعصر فقال: وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين.(2)

الذراع والذراعان

1. روى الكليني بسنده عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يظلل قامة، وكان إذا كان الفيء ذراعاً وهو قدر مربض عنز صلّى

1 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 29. وسيوافيك معنى القامة عن قريب.
2 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 9 .

(42)
الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر.(1)
2. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان فيء الجدار ذراعاً صلى الظهر، وإذا كان ذراعين صلى العصر .(2)
***

القدم والقدمان

1. روى ذريح المحاربي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: سأل أبا عبدالله أُناس وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ فقال بعض القوم ـ إنّا نصلّي الأُولى إذا كانت على قدمين، والعصر على أربع أقدام فقال: أبو عبدالله (عليه السلام): النصف من ذلك أَحبّ إليّ.(3)
2. روى الشيخ الطوسي عن محمد بن الفرج قال: كتبت أسأل عن أوقات الصلاة، فأجاب: إذا زالت الشمس فصلّ سُبحتك، وأُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين، ثم صلّ سُبحتك، وأُحبّ أن يكون فراغك من العصر

1 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 7 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 10 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، ح 22 .

(43)
والشمس على أربعة أقدام، فإنْ عجّل بك أمر فابدأ بالفريضتين، واقضِ بعدهما النوافل، فإذا طلع الفجر فصلّ الفريضة، ثم اقضِ بعد ما شئت.(1)
ومعنى قوله: «أُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة، والشمس على قدمين» ان لا يؤخر عنهما لفوات وقت الفضيلة عندئذ.
هذه عناوين ثلاثة لدخول وقت الظهر والعصر، وربّما يتبادر إلى الذهن وجود التنافي بينها، إذ كيف يمكن أن يكون الظل على قامة وفي الوقت نفسه على قدم وذراع؟
ويرتفع التوهم بالقول: إنّ تحديدها بالقامة لا يُراد منه قامة الشخص، وإنّما المراد ظل القامة عند الزوال، وهو يختلف بحسب الزمان والمكان فيزيد وينقص، وإنّما تطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعاً، فإذا زاد الفيء بعد الزوال ذراعاً حتّى صار مساوياً للظل فهو أوّل وقت فضيلة الظهر، وإذا زاد ذراعين فهو أوّل وقت فضيلة العصر .
فخرجنا بالنتيجة التالية: إن ما ورد في السنة المطهرة المروية عن طريق أهل السنة، قريب ممّا روي عن أهل

1 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 31 .

(44)
البيت(عليهم السلام)في أوقات الظهرين، والاختلاف الجزئي في الزيادة والنقصان لا يضرّ.
ولو كان المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والعترة نفس ما تقدم كان التفريق أمراً إلزامياً، والجمع بدعة غير مجزئ، لاستلزامه وقوع إحدى الصلاتين في غير وقتها.
غير أن هناك روايات متواترة تدل على أن التحديد المذكور في الظهرين والعشاءين، تحديد لوقت الفضيلة دون وقت الإجزاء، وأنّ بين الزوال والعصر وقت مشترك للظهرين يجزئ الصلاة فيه مطلقاً مختاراً كان أو مضطراً، سوى أربع ركعات من الزوال وأربع ركعات قبل الغروب، إذ هما وقت اختصاصي لكل من الظهر والعصر.
وهذا هو الّذي أغفله الكاتب، مقتصراً على ذكر الروايات الّتي تؤيد مدّعاه من أن لكلِّ صلاة وقتاً، وأنّ الصلاة في غير ذلك الوقت لا تُجزئ، فوقت صلاة الظهر كون الظل مثلاً، والعصر مثلين، وهذا تعتيم على الحقيقة وكتمان لها، وهو مصداق واضح لقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ

(45)
يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ)(1) .
إن تحقيق الحق وإماطة اللثام عن وجه الحقيقة يقتضي الإشارة إلى صور الجمع بين الصلاتين، فإن للجمع صوراً مختلفة اتفقت كلمة الجمهور في قسم منها، واختلفت في قسم آخر، ولكن الضالّة المنشودة في المقام، هي دراسة الجمع بين الصلاتين في الحضر جمعاً حقيقياً بلاعذر ولا حرج شخصي، وقد شرّعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله وعمله، كتعبير عن سماحة الشريعة ومرونتها وتجاوبها مع متطلّبات العصور واختلاف الظروف، وهذا هو رمز الخاتمية وشارتها، فلندرس أقسام الجمع في الفصل التالي:

1 . البقرة: 159 .

(46)

5

الجمع بين الصلاتين

في عرفة والمزدلفة والسفر

اعلم أن للجمع صوراً مختلفة اتّفقت كلمة الفقهاء في بعضها، واختلفت في البعض الآخر، وإليك صورها:
1. جمع الحاج بين الصلاتين في عرفة، والمزدلفة، فيصلي العصر في وقت الظهر في عرفة، ويصلي المغرب في وقت العشاء بالمزدلفة.
2. الجمع بين الصلاتين في السفر، تارة يقدم العصر أو العشاء، وأُخرى يؤخّرهما.
3. الجمع بين الصلاتين لأجل الأعذار كالمطر والبرد والوحل وغير ذلك.
والجمع في هذه الصور جمع حقيقي لا صوري، ولا

(47)
يتفوّه به من له إلمام بالفقه وتاريخه.
4. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً بلا عذر وهذا هو بيت القصيد في رسالة الكاتب ورسالتنا هذه، فالإمامية تبعاً للذكر الحكيم والسنّة النبوية المتضافرة بل المتواترة وتبعاً لما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، على الجواز، ووافقهم لفيف من فقهاء أهل السنة، وإن كان المشهور عندهم عدم الجواز، وإليك دراسة الصور.

1. الجمع بين الصلاتين في عرفة والمزدلفة

اتّفق الفقهاء على جواز الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة، بل اتّفقوا على رجحان الجمع من غير اختلاف بينهم، قال القرطبي: اجمعوا على الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضاً في وقت العشاء سنّة أيضاً، وإنّما اختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين.(1)
ولم يكن الجمع فيه جمعاً صورياً بل جمعاً حقيقياً أي يصلي العصر في وقت الظهر بعرفة، كما يصلي المغرب في

1 . بداية المجتهد: 1 / 170 .

(48)
وقت العشاء بالمزدلفة، ولم يقل أحدٌ ان الجمع صوري، بل ربّما لا يتمكن من الجمع الصوري، كما في الصلاة بالمزدلفة ، فإن الخروج من عرفة والنزول بالمزدلفة يستغرق وقت المغرب، فيزول الشفق، ويدخل وقت العشاء، كما هو المجرب لكل من حجّ البيت. وبما أن المسألة مورد اتّفاق نقتصر على ما ذكرنا .

2. الجمع بين الصلاتين في السفر

ذهب معظم الفقهاء (غير الحسن البصريّ وإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه) إلى جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، فيجوز عند الجمهور ـ غير هؤلاء ـ الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأُولى، وتأخيراً في وقت الثانية، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً، ويسمى الجمع في وقت الصلاة الأُولى جمع التقديم، والجمع في وقت الصلاة الثانية جمع التأخير، ولا يكون الجمع صورياً بل حقيقياً، إما باقامة العصر بوقت الظهر أو بالعكس.
ويشهد على الجمع الحقيقي روايات عديدة نقتصر على نقل روايتين منها :

(49)
أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس (رضي الله عنه)حديثه عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في السفر، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فاذا لم تزغ له في منزله، سار حتّى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تَحِن في منزله ركب حتّى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما .(1)
قال الشوكاني بعد نقل هذه الرواية عن مسند أحمد: رواه الشافعي في مسنده بنحوه وقال فيه: وإذا سار قبل أن تزول الشمس أخّر الظهر، حتّى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.(2)
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي بإسنادهم عن مُعاذ بن جبل: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمَعَها إلى العصر فيصلّيهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى

1 . مسند أحمد: 1 / 367 ـ 368 .
2 . نيل الأوطار: 3 / 213 .

(50)
يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب .(1)
والروايتان واضحتا الدلالة على أن الجمع بين الصلاتين تقديماً أو تأخيراً كان جمعاً حقيقياً، لا صورياً كما يُزعم بأن يؤخّر الظهر إلى آخر وقت فيصلّيها، ثم يقدّم العصر إلى أوّل وقتها فيصلّيها، أو يؤخّر المغرب إلى آخر وقتها، ويعجّل العشاء في أوّل وقتها، والمتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، هو الجمع في وقت إحدى الصلاتين، ويدلّ عليه صراحة القول الآنف الذكر: (أخّر الظهر حتّى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر).
والحقيقة أنّ القول بأن الجمع كان صورياً، قول متعسّف، بل هو محاولة بائسة لليّ النصوص الواضحة في هذا الباب، وإخضاعها للرأي المذهبي.
وبما أن المسألة خارجة عن موضوع الرسالة، ففيما ذكرناه كفاية لمن ينشد الحقّ.

1 . مسند أحمد: 5 / 241 ; وسنن أبي داود (1220) ; وسنن الترمذي (553).

(51)

3. الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل العذر

المشهور عند الجمهور هو جواز الجمع بين المغرب والعشاء لعذر، خلافاً للحنفية حيث لم يجوزوا الجمع مطلقاً إلاّ في الحج، وأصل الحكم مورد اتّفاق، وإنّما الاختلاف في الأُمور الجانبية، وبما أن المسألة خارجة عن موضوع البحث، فلا نطيل الكلام فيها.

(52)

6

الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً

قد عرفت حكم الجمع في الصور الثلاث المتقدمة، وإن كان الجميع خارجاً عن هدف الرسالة، إنّما المهم دراسة حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً بلا عذر ولا علّة، والغاية من تشريع الجمع ـ بعد الثبوت ـ هو تسهيل الأمر على الأُمّة، بمعنى أن المصلحة النوعية سبّبت تشريع الجمع بين الصلاتين لعامة الأفراد، وإن لم يكن حرجيّاً بالنسبة إلى بعضهم.
ونحن نورد ما روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا الفصل، وما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في فصل آخر. وإليك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المجال ضمن أصناف:

(53)

1. ما دلّ على الجمع معلّلاً بعدم إحراج الأُمة، أو للتوسعة عليها

1. روى مسلم عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر. فقال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يُحرج أحداً من أُمته.(1)
2. روى مسلم عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قال: قلت: لابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحرج أمّته.
وفي حديث أبي معاوية لقيل ابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أُمته .(2)
3. أخرج الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر وبين المغرب

1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 213 ـ 218 .
2 . صحيح النووي: 5 / 231 ـ 218 .

(54)
والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أُمته.(1)
قال الترمذي بعد نقل الحديث: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعبدالله بن شقيق العقيلي.
4. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يصلّي بالمدينة يجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر. قيل له: لِمَ؟ قال: لئلاّ يكون على أُمته حَرَج .(2)
5. أخرج أحمد عن قتادة قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولامطر. قيل لابن عباس: وما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أُمته .(3)
6. أخرج عبدالرزاق في مصنفه، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر بالمدينة، في غير سفر ولا

1 . سنن الترمذي: 1 / 354 برقم 187 باب ما جاء في الجمع في الحضر .
2 . سنن النسائي: 1 / 290، الباب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
3 . مسند أحمد: 1 / 223 .

(55)
خوف. قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لايحرج أحداً من أُمّته .(1)
7. أخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب، عن عبدالله بن عمر قال: جمع لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر. فقال رجل لابن عمر: لِمَ ترى النبي فعل ذلك؟ قال: لأنْ لا يحرج أُمّته إن جمع رجلٌ .(2)
8. أخرج عبدالرزاق عن صالح مولى التوأمة أنّه سمع ابن عباس يقول: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير سفر ولا مطر. قال: قلت لابن عباس: لِمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراه للتوسعة على أُمّته .(3)
9. أخرج الطبراني في الأوسط والكبير بسنده عن عبدالله بن مسعود قال: جمع رسول الله ـ يعني بالمدينة ـ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعتُ ذلك لئلاّ تُحرجَ أُمتي.(4)

1 . مصنف عبدالرزاق: 2 / 555 ـ 556 ح 4434 .
2 . مصنّف عبدالرزاق : 2 / 556، ح 4437 .
3 . مصنّف عبدالرزاق: 2 / 555، ح 4434 .
4 . المعجم الكبير: 10 / 269 ح 10525 .

(56)
10. أخرج الطحاوي بسنده عن جابر بن عبدالله قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر العصر، والمغرب والعشاء في المدينة للرخص، من غير خوف ولا علّة.(1)
11. أخرج أحمد عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غير مطر ولا سفر.
قالوا: يا ابن عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسّع على أُمّته.(2)
وهذه الروايات تتضمن بيان فلسفة تشريع الجمع، ذلك أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)جسد بعمله هذا إحدى الخصائص العامة الّتي اتّسمت بها الشريعة الإسلامية، وهي المرونة والسعة، الّتي تتجلّى في قوله سبحانه في كتابه المجيد: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(3)، وقوله سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(4) فحياة الإنسان لا تجري على نمط واحد، وليست هي ثابتة، بل تتغير وتتطور، وظروف الحياة

1 . معاني الآثار: 2 / 161 .
2 . مسند أحمد: 1 / 346 .
3 . الحج: 78 .   4 . البقرة: 185 .

(57)
وملابساتها تختلف زماناً ومكاناً، والشريعة تواكب ذلك التغير والتطور، وتنسجم مع واقع الحياة وظروفها، من خلال شمولية تعاليمها وأحكامها، ومرونتها، ويأتي قيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجمع بين الصلوات من غير عذر، كتعبير عملي عن يُسر الشريعة ومرونتها، واستجابتها لمختلف الظروف، حيث شرِّع التفريق لئلا يُحرم المصلّي من فضل الصلاة وثوابها، والجمع لئلا يلحقه إثم ومغبة تركها.
إن إلقاء نظرة على واقع الحياة اليوم وتعقيداتها، وما يعانيه العمال والموظفون من مصاعب في أماكن عملهم، وضيق الوقت الّذي يُمنح لهم للاستراحة، وقصر أوقات الصلوات (في بعض البلدان أو في بعض أيام السنة) إذا أديت متفرقة، كلّ ذلك وغيره يكشف لنا عن عظمة تشريع الجمع بين الصلاتين، أو التفريق بينهما، وإعطاء الرخصة للمصلّي في اختيار أحدهما.

2. ما دلّ على الجمع، من غير ذكر السّبب

1. أخرج مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء

(58)
جميعاً، في غير خوف ولا سفر .(1)
2. أخرج مسلم عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء .(2)
وقوله: الظهر والعصر لفٌّ ونشرٌ غير مرتّب، والمرتب منه ثمانياً وسبعاً، فالثمانية للظهرين، والسبع للعشاءين، والمقصود أنّه جمع بين الصلاتين، وإلاّ فيكون الكلام من قبيل توضيح الواضحات، إذ يعلم كل مسلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلي سبعاً وثمانياً وركعتين، ويفسره الحديث التالي:
3. أخرج البخاري عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً.(3)
4. قال البخاري: قال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس رضي الله عنهم ، صلّى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)المغرب والعشاء .(4)
5. أخرج مالك، عن سعيد بن جبير، عن عبدالله بن عباس أنّه قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب

1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 312 ـ 318 .
2 . شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 213 ـ 218 .
3 . صحيح البخاري: 1 / 113 باب وقت المغرب من كتاب الصلاة.
4 . صحيح البخاري: 1 / 118 باب ذكر العشاء والعتمة.

(59)
والعشاء جميعاً معاً، في غير خوف ولا سفر .(1)
6. أخرج أبو داود، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة ثمانياً وسبعاً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال أبو داود: رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: في غير مطر .(2)
7. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، من غير خوف ولا سفر. (3)
8. أخرج النسائي عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: صلّيت وراء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً.(4)
9. أخرج النسائي عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنّه صلّى بالبصرة الأُولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وزعم ابن عباس أنّه صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة، الأُولى والعصر

1 . موطأ مالك: 1 / 144، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث 4 .
2 . سنن أبي داود: 2 / 6، الحديث 1214 .
3 . سنن النسائي: 1 / 290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
4 . سنن النسائي: 1 / 290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.

(60)
ثمان سجدات ليس بينهما شيء .(1)
ثم إنّ قوله من شغل يدلّ على أنّ الشغل كان لابن عباس دون المصلّين الحاضرين في المسجد، ومن المعلوم أنّ وجود الشغل يسمح للإمام أن يجمع لا للمصلّين، فلولا أنّ الجمع كان أمراً شرعياً لجمع ابن عباس وحده، وعيّن إماماً للمصلين للتفريق .
ثم إنّ الجمع لأجل الشغل يدلّ أنّه لم يكن التفريق عزيمة، وإلاّ لما سقط وجوبه بوجود الشغل، اللهم إلاّ أن يكون الشغل أمراً مهماً كصيانة الدماء والأعراض .
10. أخرج الحافظ أبو نعيم الأصفهاني عن جابر بن زيد أنّ ابن عباس جمع بين الظهر والعصر، وزعم أنّه صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة الظهر والعصر .(2)
11. أخرج أبو نعيم عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يقول: قال ابن عباس (رضي الله عنه): صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثماني ركعات جميعاً وسبع ركعات جميعاً، من غير مرض ولا علّة.(3)

1 . سنن النسائي: 1 / 286، باب الوقت الّذي يجمع فيه المقيم والمراد من ثمان سجدات ثمان ركعات.
2 . حليلة الأولياء: 3 / 90، باب جابر بن زيد.
3 . حلية الأولياء: 3 / 90، باب جابر بن زيد.

(61)
12. اخرج البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الصلاتين في المدينة من غير خوف .(1)
13. أخرج أحمد عن طاووس، عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السَّفَر والحَضَر .(2)
14. أخرج أحمد عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً.(3)

3. ابن عباس يجمع بين الصلاتين، اقتداءً بسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد تعرّفت على الروايات الّتي تحدثت عن قيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجمع بين الصلوات، وهناك روايات تحكي أنّ ابن عباس كان يلقي ذات مساء محاضرة حتّى مضى شيء من وقت المغرب فاعترض عليه بعض الحاضرين، فقال مندّداً به: أتعلمني بالسنّة لا أُمّ لك؟ رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين

1 . مسند البزاز: 283، الحديث 421.
2 . مسند أحمد: 1 / 360 .
3 . مسند أحمد: 1 / 221 .

(62)
الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وإليك ما روي في هذا المقام.
أ. أخرج مسلم عن عبدالله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنّة لا أُمّ لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبدالله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته.(1)
ب. وأخرج أيضاً بسند آخر عن عبدالله بن شقيق العقيلي، قال : قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أُمّ لك أتعلمنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
جـ . أخرج أحمد عن عبدالله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم

1 و 2 . شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 213 ـ 218 .

(63)
وعلق الناس ينادونه الصلاة وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة، قال: فغضب، قال: أتعلمني بالسنّة شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبدالله: فوجدت في نفسي من ذلك شيئاً فلقيت أبا هريرة فسألته، فوافقه .(1)
هذه الروايات الّتي نقلناها من الصحاح والسنن والمسانيد أحاديث اعتنى بنقلها حفّاظ المحدّثين وأكابرهم، ولا يمكن لأحد أن ينكرها أو يرفضها. وقد ناهز عددها، ثمانياً وعشرين رواية.
***

1 . مسند أحمد: 1 / 251 .

(64)
 

7

تأويل النصوص لنصرة المذهب

إن الروايات المتقدمة تدل بوضوح على أن الجمع أحد الخيارين الواجبين، وأن صاحب الشريعة رخّص في الجمع، ولم يوجب التفريق .
ولما كانت الروايات مخالفة للمذهب المشهور بين فقهاء الجمهور حاول بعضهم أن يؤوّل الروايات بما لا ينسجم مع النصوص، وكان الأَولى بهم أن يأخذوا بها ويتركوا ما ورثوه من لزوم التفريق. وها نحن نأتي بتأويلاتهم ، حتّى يقف القارئ على مدى تعصب القوم بالنسبة إلى المذهب والتساهل بما ورد في السنّة .

التأويل الأوّل: الجمع لأجل وجود المطر

1. أخرج البخاري عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقال

(65)
أيوب: لعلّه في ليلة مطيرة قال: عسى .(1)
2. أخرج أبو داود عن عبدالله بن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر.
قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.(2)
أقول: إن السبب لحمل الروايات على صورة وجود المطر، هو وجود الرأي المسبق في المسألة، وإلاّ فروايات الباب صريحة في أنّ هذا الجمع كان بلا عذر، ولو رجعت إلى الروايات الّتي نقلناها في الأصناف الثلاثة، لأذعنت أنّ الجمع لم يكن لعذر، بل كان لغاية رفع الحرج عن الأُمّة، والتوسعة عليها.
وقد جاء في روايات الصنّف الأوّل أن الجمع كان في غير خوف ولا مطر، وعُلِّل ذلك بأنّه كان لأجل رفع الحرج عن الأُمّة، (3) فكيف يمكن أن يؤوَّل في هاتين الروايتين بوجود المطر؟

1 . صحيح البخاري: 1 / 110، باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب الصلاة، الحديث 543 .
2 . موطأ مالك: 1 / 44، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث 4 .
3 . لاحظ ما ورد في الصنف الأوّل .

(66)
ولذلك قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: منهم من تأوله على أنّه جمع، بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من كبار المتقدمين. ثم رد عليه بأنّه ضعيف بالرواية الأُخرى من غير خوف ولا مطر .(1)
أقول: جاء قوله ولا مطر في موضعين (2) ومعه كيف يُحمل على الليلة المطيرة؟
وممّا يثير العجب، ويدعو إلى الاستهجان، أنّ ذيل الرواية الأُولى (رواية البخاري عن ابن عباس) قد حُرِّف في كتيّب الدكتور طه الدليمي إلى الشكل التالي: (فقيل: لعلّه في ليلة مطيرة؟ قال ابن عباس: عسى)(3)!!
وأنت ترى أن الوارد فيها (فقال أيوب: لعلّه في ليلة مطيرة؟ قال: عسى). وليس في الذيل «قال ابن عباس» خبر ولا أثر.
والقائل هو أيوب السَّختياني، والمقول له ـ كما يقول ابن حجر (4) ـ هو أبو الشعثاء، ويؤكده أن أيوب لم يدرك ابن

1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 225 .
2 . لاحظ الصنف الأوّل: 54 برقم 4 و 5 .
3 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 88 .
4 . فتح الباري: 2 / 23 .

(67)
عباس، لأن مولده كان في سنة وفاة ابن عباس، أي في سنة (68 هـ)، فكيف يطرح عليه هذا التساؤل: (لعله في ليلة مطيرة؟).
وهكذا يتبيّن أن تأويل حديث ابن عباس (الصريح في الجمع من غير علّة) بسقوط المطر، إنّما صدر عن أيوب احتمالاً، وأيّده فيه أبو الشعثاء .
وسيوافيك في التأويل الثاني أن أبا الشعثاء وافق عمرو بن دينار في ظنّه أن الجمع كان بمعنى تأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء، فلا علاقة لابن عباس إذاً بهذه الاحتمالات والظنون، وهو بعلمه وفقهه أجلّ من أنْ تدور هذه الاوهام في خلَده، ولكنّ مقلّدة المذاهب لا تهمّهم الحقائق مهما بدت ساطعة، بقدر ما يهمّهم نصرة مذاهبهم، وإنْ سلكوا أوعر الطرق.
وأما الرواية الثانية: فالمؤوِّل هو مالك الّذي توفّي سنة (179 هـ) فكيف يمكن له أن يفسر كلام ابن عباس مع وجود البون الشاسع بينه وبين الراوي.
ولعمر القارئ إن هذا التأويل أبرد من الثلج، فإن الوارد في الصنف الأوّل من الروايات الّتي ذكرناها ينادي بصوت عال:

(68)
إن السبب الوحيد للجمع هو عدم إحراج الأُمّة، وقد جاوز عدد الروايات فيه العشر، ومعه كيف يمكن حمل الروايات على وجود العذر وهو المطر.

التأويل الثاني: الجمع كان صورياً

ربّما تُحمَل الروايات على أن الجمع كان صورياً، ولم يكن حقيقياً بمعنى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر الظهر إلى حد بقي من وقتها مقدار أربع ركعات فصلّى الظهر ودخل وقت العصر فصلّى العصر فكان جمعاً بين الصلاتين، ويستدلون على ذلك بالروايات التالية.
1. أخرج مسلم عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذاك .(1)
2. أخرج أحمد عن سفيان، قال عمرو: وأخبرني جابر بن زيد أنّه سمع ابن عباس يقول: صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت له: ياأبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر

1 . صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (1519) .

(69)
وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك.(1)
3. أخرج عبدالرزاق عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره أن ابن عباس أخبره، قال: صلّيت وراء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً بالمدينة. قال ابن جريج، فقلت لأبي الشعثاء: إني لأظن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر من الظهر قليلاً وقدّم من العصر قليلاً. قال أبو الشعثاء: وأنا أظن ذلك .(2)
إن المؤوِّل في الروايتين الأوليين هو عمرو بن دينار وجابر بن زيد المكنّى بأبي الشعثاء، وفي الثالثة، ابن جريج وأبو الشعثاء، ولا يُعتدّ بظنهم إذ لم يستندوا إلى دليل يُركن إليه، وإنّما ظنّوا أن الجمع كذلك، ومثل هذا الظن لا يُغني من الحق شيئاً.
قال محيي الدين النووي الشافعي: ومنهم من تأوّله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية، فصلاّها فصارت صلاته صورة جمع.
ثم ردّه وقال: وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعل ابن عباس الّذي ذكرناه حين

1 . مسند أحمد: 1 / 221 .
2 . مصنّف عبدالرزاق: 2 / 556، ح 4436 .

(70)
خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره، صريح في ردّ هذا التأويل .(1)
وكان على النووي أن يردّ عليه بما ذكرناه، وهو أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الصلاتين بغية رفع الحرج عن الأُمّة، والجمع بالنحو المذكور أكثر حرجاً من التفريق.
قال ابن قدامة: إن الجمع رخصة، فلوكان على ما ذكروه لكان أشدّ ضيقاً وأعظم حرجاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأنّ الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين، بحيث لا يبقى من وقت الأُولى إلاّ قدر فعلها.(2)

مفهوم الجمع في عامة الموارد واحد

وممّا يدل على أن الجمع حقيقي هو أن المتبادر من الجمع في عامة المواضع (الجمع في عرفة والمزدلفة، والجمع في السفر، والجمع في الحضر لعذر) واحد فإنّه في هذه المواضع عبارة عن الإتيان بالصلاتين في وقت واحد. فالجمع في عرفة بمعنى الإتيان بهما بعد الزوال، وفي المزدلفة الإتيان

1 . شرح صحيح مسلم: 5 / 225 .
2 . المغني: 2 / 114 .

(71)
بالمغرب والعشاء بعد ذهاب الشفق، وهكذا الجمع في السفر، فكيف يُحمل الجمع في هذه الموارد على الجمع الحقيقي دون ما نحن بصدده؟
قال الحافظ أبو سليمان الخطّابي : ظاهر اسم «الجمع» عرفاً لا يقع على من أخّر الظهر حتّى صلاّها في آخر وقتها وعجّل العصر فصلاّها في أوّل وقتها، لأن هذا قد صلّى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها.
قال: وإنّما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت أحدهما، ألا ترى أنّ الجمع بعرفة بينهما، ومزدلفة كذلك.(1)
***

مع الشوكاني في قوله: إن الجمع كان صورياً

تبنّى الشوكاني ما قيل من أن الجمع حصل بطريقة الجمع الصوري، وأيده بوجوه ثلاثة:
1. ما أخرجه مالك في الموطّأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود، قال: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى

1 . معالم السنن: 2 / 52، ح 1163; عون المعبود: 1 / 468 .

(72)
صلاة لغير ميقاتها إلاّ صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.
قال الشوكاني: نفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة، وصلاة الفجر قبل ميقاتها مع أنّه ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدم، فهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة جمع صوري، ولو كان جمعاً حقيقياً لتعارضت روايتاه، والجمع ما أمكن المسير إليه هو الواجب.(1)
يلاحظ عليه :
أوّلاً: إن ما ذكره من أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)«جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» دليل على وحدة مفهوم الجمع في المزدلفة وغيرها الّذي ورد في هذه الروايات، فكيف يصح لابن مسعود ومن تبعه أن يفسر الجمع في المزدلفة بالمعنى الحقيقي وفي غيره بالصوري؟
وثانياً: إنّه لا يمكن الركون إلى هذه الرواية لانّها حصرت جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمزدلفة وصلاة الصبح، مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بعرفة باتفاق الفقهاء والرواة.

1 . نيل الاوطار من أحاديث سيد الأخيار: 3 / 217 .

(73)
وثالثاً: إن ابن مسعود نفسه روى جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الصلاتين في المدينة وقال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلاّ تحرج أُمّتي.(1)
وقد عرفت أن الجمع الصوري أشد حرجاً من الجمع الحقيقي، فإن معرفة أواخر الأوقات وأوائلها على وجه الضبط كان مشكلاً في الأعصار السابقة، فلا محيص من تفسير الجمع بالجمع الحقيقي، وهذا دليل على أن رواية الحصر في المزدلفة لا يصحّ الاحتجاج بها.
2. ما أخرحه ابن جرير عن ابن عمر قال خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فكان يؤخر الظهر ويعجِّل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجِّل العشاء فيجمع بينهما. وهذا هو الجمع الصوري.(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أورد المتقي الهندي هذه الرواية في كتابه «كنز العمال»، وفيها: (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)...) (3)، وليس

1 . لاحظ رقم 9 من الصنف الأوّل ص 55 .   2 . نيل الأوطار: 3 / 217 .
3 . كنز العمال: 8 / 250 برقم 22786 .

(74)
(خرج علينا...)، وهذا يعني أنّه كان في سفر، والجمع في السفر كان جمعاً حقيقياً بشهادة ما رواه النسائي في سننه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل ان يرتحل صلّى الظهر ثم ركب .(1)
ثانياً: إنّ ما قام به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الجمع بين الصلاتين، يمكن أن يكون جمعاً حقيقياً، كما يمكن أن يكون جمعاً صورياً، والراوي (ابن عمر) لم يذكر لفظ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما أوّل فعله، وهذا يعني أنّه قاله انطلاقاً من فهمه، والشاهد على ذلك أن هذا التأويل صدر ظناً عن عمرو بن دينار، ووافقه عليه أبو الشعثاء، كما في الرواية التالية:
أخرج مسلم في صحيحه ،عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر

1 . سنن النسائي: 1 / 284، باب الوقت الّذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر ولاحظ أيضاً صحيح مسلم: 2 / 151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة ; وسنن ابن داود: 2 / 8، كتاب الصلاة الباب الجمع بين الصلاتين ; ومسند أحمد: 5 / 241 إلى غير ذلك من الروايات الدالة على ان الجمع في السفر كان جمعاً حقيقياً.

(75)
وأخّر المغرب وعجّل العشاء. قال: وأنا أظن ذاك .(1)
ومن هنا قال الشيخ الألباني عن الحديث الّذي أخرجه النسائي عن ابن عباس، قال: (صليت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخّر الظهر وعجّلَ العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء)، قال عنه: صحيح دون قوله (أخّر الظهر... الخ) فإنّه مُدْرَج.(2)
ثالثاً: في سند الرواية (رواية ابن جرير)، أبو قيس (3)، وهو (عبدالرحمن بن ثَرْوان الأوديّ)، وقد تكلّم فيه غير واحد، وإنْ وثّقه ابن مَعين وغيره.
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: هو كذا وكذا ـ وحرّك يده، وهو يخالف في أحاديث.
وعن أحمد: لا يُحتجّ به.
وقال أبو حاتم: ليّن الحديث.(4)
3. ما أخرجه النسائي عن ابن عباس قال صلّيت مع النبي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، «أخّر الظهر وعجّل العصر وأخر المغرب وعجّل العشاء».

1 . ولاحظ أيضاً مسند أحمد: 1 / 223 .
2 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 89 .
3. كنز العمال:8/250 برقم 22786.   4. ميزان الاعتدال:2/553 برقم 4832.

(76)
يلاحظ عليه: أن التفسير أعني قوله «أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء» ليس من حديث ابن عباس، بل هو من كلام عمرو بن دينار، ولذا وصفه الألباني بأنّه مُدَرج، كما تقدّم.
وحاصل الكلام: أنّ القوم لما اعتادوا على التوقيت والتفريق بين الصلوات زعموا أن التوقيت فرض لا يترك، ولمّا وقفوا على هذه الروايات الهائلة أخذ كل مهرباً، فتارة حملوا الروايات على وجود المطر كما مرّ، وأُخرى على أن الجمع كان صورياً كما عليه عمرو بن دينار، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وابن جريج، ولما صار التفريق عادة راسخة، صار الخلاف عندهم أمراً غريباً، ولذلك وقع في نفس عبدالله بن شقيق نوع شك واستبعاد من قول ابن عباس بالبصرة (رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء)، ولم تسكن نفسه إلاّ بعد ما سأل أبا هريرة عن ذلك فصدّق ابن عباس .(1)

1 . مسند أحمد: 1 / 251 .

(77)

التأويل الثالث: الجمع لأجل الغيم

أوّل بعضهم روايات الجمع بأنّه كان في غيم، فصلّى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاّها.
وهذا الاحتمال من الوهن بمكان، وكفى في وهنه ما ذكره النووي حيث قال: إنّه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر ولكن لا احتمال فيه في المغرب والعشاء، مع أن الجمع لم يكن مختصاً بالظهرين، بل جمع بين المغرب والعشاء حتّى ان ابن عباس أخّر المغرب إلى وقت العشاء .(1)
أضف إلى ذلك أنّه لو كان الجمع لأجل ذلك، لصرّح به، أفيُحتمل أن حبر الأُمة غفل عن هذا القيد، أو ذكره ولم ينقل عنه؟ وهكذا غيره نظراء أبي هريرة، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود.

التأويل الرابع: الجمع كان لمرض

وقد أوّل الروايات المذكورة بعض من لا يروقه الجمع بين الصلاتين، وقال بأنّ الروايات محمولة على الجمع بعذر

1 . شرح صحيح مسلم: 5 / 225 .

(78)
المرض أو نحوه، نقله النووي عن أحمد بن حنبل والقاضي حسين من الشافعية واختاره الخطّابي والمتولّي والروياني من الشافعية. واختاره النووي، وقال: وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة، ولأنّ المشقة فيه أشدّ من المطر.(1)
أقول: هذا التأويل كسائر التأويلات في الوهن والسقوط، ويردّه فعل ابن عباس، حيث جمع بين المغرب والعشاء ولم يكن هناك مرض ولا مريض، بل كان يخطب الناس وطال كلامه حتى مضى وقت فضيلة المغرب، فصلّى المغرب مع العشاء في وقت واحد.
على أنّه لو كان التأخير للمرض، لجاز لخصوص المريض لا لمن لم يكن مريضاً مع أنّ النبي جمع بين الصلاتين مع عامة أصحابه، واحتمال أنّ المرض عمّ الجميع بعيد غاية البعد.(2)
وإلى هذا المعنى ذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقال: لو كان جمعه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين لعارض المرض لما

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/226.
2 . لاحظ نيل الأوطار للشوكاني:3/216.

(79)
صلّى معه إلاّ من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنّه صلّى بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس في روايته.(1)
وهذا هو الخطّابي يحكي في معالمه عن ابن المنذر (2)أنّه قال: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأنّ ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: «أراد أن لا تحرج أُمّتُه» وحكي عن ابن سيرين أنّه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتّخذه عادة.(3)
وقال محقّق كتاب سنن الترمذي، تعليقاً على كلام الخطابي : وهذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث، وأمّا التأوّل بالمرض أو العذر أو غيره فإنّه تكلّف لا دليل عليه، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أُناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين ويتأثّمون من ذلك ويتحرّجون، وفي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة ما لم يتّخذه

1 . فتح الباري:2/24.
2 . محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، نزيل مكة (المتوفّى 318 هـ): فقيه مجتهد، حافظ. له كتب، منها: المبسوط في الفقه، والإشراف على مذاهب أهل العلم، واختلاف العلماء. طبقات الفقهاء للشيرازي: 108 ; وسير أعلام النبلاء: 14 / 490 برقم 275 .
3 . معالم السنن: 1/265.

(80)
عادة، كما قال ابن سيرين.(1)
وما ذكره وان كان حقاً ولكن في كلامه تضييق أيضاً لما وسّعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فحصر الجمع بمن له حاجة ليس له ما يبرّره مع ورود الأخبار بأنّ النبي (بإذن من اللّه تعالى) وسّع على وجه الإطلاق سواء أكانت هناك علة أم لا.
نعم لا شكّ أنّ التوقيت أفضل، ومن أتى بكلّ صلاة في وقتها (وقت الفضيلة) أفضل من إتيانها في الوقت المشترك، ومع ذلك فمجال الإتيان بها في الشريعة أوسع.

التأويل الخامس: كان الجمع لأحد الأعذار المبهمة

لما كان تعيين العذر المسوِّغ للجمع، أمراً مشكلاً سلك بعضهم مسلك الإبهام والإجمال، وذهب إلى أنّ الجمع كان لأحد الأعذار المسوِّغة، من دون تعيين.
وممّن عرّج على هذا الاحتمال مفتي السعودية السابق عبد العزيز بن باز في تعليقة مختصرة له على «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» فهو لمّا ضعّف مختار ابن حجر في تفسير الجمع (الجمع الصوري) بقوله هذا الجمع ضعيف، قال:

1 . سنن الترمذي:1/358، قسم التعليقة بقلم أحمد محمد شاكر.

(81)
الصواب حمل الحديث المذكور على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلوات المذكورة لمشقّة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب أو برد شديد أو وحل ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك قول ابن عباس، لمّا سئل عن علّة هذا الجمع، قال: لئلاّ يحرج أُمّته ثمّ استحسن هذا الجمع وقال: وهو جواب عظيم سديد شاف.(1)
يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع كالجمع الذي ضعّفه في الضعف والوهن سواء، وذلك لأنّه يخالف رواية ابن عباس وعمله، فإنّه جمع بين الصلاتين في البصرة من دون أن يكون هناك مرض غالب أو برد شديد أو وحل.
أضف إلى ذلك إطلاق التعليل، أعني: رفع الحرج عن الأُمّة، فإنّ الحرج لا يختصّ بصور الأعذار، بل يعمّ إلزام الناس بالتفريق بين الصلوات على وجه الإيجاب عبر الحياة.
ولابن الصدّيق في تأليفه المنيف المسمّى بـ «إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر» كلام قيّم، لابأس بإيراده هنا:
قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صرّح بأنّه فعل ذلك ليرفع الحرج عن

1 . فتح الباري بشرح صحيح البخاري:2/24، بتعاليق عبد العزيز بن باز.

(82)
أُمّته وبيّن لهم جواز الجمع إذا احتاجوا إليه، فحمله على المطر بعد هذا التصريح من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الذين رووه، تعسف ظاهر، بل تكذيب للرواة ومعارضة للّه والرسول، لأنّه لو فعل ذلك للمطر لما صرّح النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلافه، ولما عدل الرواة عن التعليل به، إلى التعليل بنفي الحرج، كما رووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يأمر المنادي أن ينادي في الليلة المطيرة: «ألا صلّوا في الرحال» ولم يذكروا ذلك في الجمع فكيف وقد صرّحوا بنفي المطر؟!
وأضاف أيضاً وقال: إنّ ابن عباس الراوي لهذا الحديث أخّر الصلاة وجمع لأجل انشغاله بالخطبة، ثمّ احتجّ بجمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجوز أن يحتجّ بجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمطر ـ و هو عذر بيّن ظاهر ـ على الجمع لمجرّد الخطبة أو الدرس الذي في إمكانه أن يقطعه للصلاة ثمّ يعود إليه أو ينتهي منه عند وقت الصلاة، ولا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة، كما يلحق الإنسان في الخروج في حالة المطر والوحل.(1)
حصيلة الكلام: انّ هذا التشريع من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من اللّه سبحانه أضفى على الشريعة مرونة قابلة للتطبيق على مرّ

1 . إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر:116ـ 120.

(83)
العصور وفي كافة صُعُد الحياة مهما تطورت.
إنّ من يحسّ بواقع الحياة المتطورة العصر الحاضر وتعقيداتها، يقف على أنّ التفريق بين الصلاتين ـ خصوصاً الظهر والعصر ـ أمر شاق على العمال والموظفين بنحو قد ينتهي بهم، إمّا إلى تحمل المشقة الكبيرة، أو إلى ترك الصلاة من رأس، وربما ينجرّ الأمر إلى الإعراض عن الفريضة.
ومن هنا ينبغي لفقهاء السنّة الواعين أن يأخذوا بنظر الاعتبار السماحة التي نادى بها الإسلام، في اجتهاداتهم، والسعة التي جاءت بها الأخبار في حساباتهم، وأن يعلنوا للملأ بصراحة أنّ الجمع بين الظهرين والعشاءين أمر مرخّص فيه موافق للشريعة، وإن كان التوقيت أفضل، فمن فرّق فله فضل التوقيت، ومن جمع فقد أدّى الفريضة.
إن هذه الروايات الّتي قارب عددها الثلاثين، تدلّ على أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قام بأمر من صاحب الشريعة بالجمع بين الصلاتين لأجل رفع الحرج عن المسلمين والتوسعة عليهم، وأنّهم على خيار بين التفريق والجمع، وليس الثاني أداءً للصلاة في غير وقتها بل في غير وقت الفضيلة، وقد عرفت أن هذا


(84)
المذهب يؤيده الذكر الحكيم، كما في قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ). وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ )(1).
فاللازم العمل بالكتاب والسنّة المطهرة، مكان الجمود والتعصب للمذاهب الفقهية.

1 . هود: 114 .

(85)
 

8

الجمع بين الصلاتين في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)

إن كاتب الرسالة زعم أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قالوا بعزيمة التفريق وحرمة الجمع إلاّ في موارد خاصّة، واستشهد بالروايات المروية عنهم لبيان وقت الفضيلة، وأغفل ما دل على الترخيص اختياراً وبلا عذر، ولأجل ذلك نأتي بما عليه الإمامية في وقت الصلوات، مع ذكر روايات أئمة أهل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجال الجمع.
أقول: اتّفقت الإمامية على الجواز، وإنْ كان التفريق أفضل.
وليس معنى الجمع بين الصلاتين في مذهب الإمامية الإتيان بإحدى الصلاتين في غير وقتها الشرعي، بل المراد الإتيان بها في وقت الإجزاء، ولكن في غير وقت الفضيلة، وإليك التفصيل:

(86)
قالت الإمامية: إنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان ـ أي وقت الظهر والعصر ـ إلاّ أنّ صلاة الظهر يُؤتى بها قبل العصر، وعلى ذلك فالوقت بين الظهر والغروب وقت مشترك بين الصلاتين، غير أنّه يختص مقدار أربع ركعات من الزوال بالظهر، ومقدار أربع ركعات قبل الغروب بالعصر، وما بينهما وقت مشترك، فلو صلّى الظهر والعصر في أي وقت (من الزوال إلى الغروب) فقد أتى بهما في وقتهما، وذلك لأنّ الوقت مشترك بينهما، غير أنّه يختص بالظهر مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت ولا تصحّ فيه صلاة العصر، ويختص بالعصر مقدار أربع ركعات من آخر الوقت ولا يصحّ الإتيان بصلاة الظهر فيه.
هذا هو واقع المذهب، فالجامع بين الصلاتين في غير الوقت المختص به آت بالفريضة في وقتها فصلاته أداء لا قضاءً.
ومع ذلك فلكلّ من الصلاتين ـ وراء وقت الإجزاء ـ وقت فضيلة.
فوقت فضيلة الظهر يبدأ من أول الزوال إلى أن يبلغ ظل الشاخص الحادث بعد الانعدام أو بعد الانتهاء مثله، ووقت

(87)
فضيلة العصر من المثل إلى المثلين عند المشهور.
وبذلك يعلم وقت صلاتي المغرب والعشاء، فإذا غربت الشمس دخل الوقتان إلى نصف الليل، وتختص صلاة المغرب بأوّله بمقدار أدائها، وصلاة العشاء بآخره كذلك، وما بينهما وقت مشترك، ومع ذلك فلكلّ من الصلاتين وقتَ فضيلة، فوقت فضيلة صلاة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق وهي الحمرة المغربية، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل.(1)
وأكثر من يستغرب جمع الشيعة الإمامية بين الصلاتين لأجل أنّه يتصور انّ الجامع يصلّي إحدى الصلاتين في غير وقتها، ولكنّه عزب عن باله أنّه يأتي بالصلاة في غير وقت الفضيلة، ولكنّه يأتي بها في وقت الإجزاء، ولا غرو أن يكون للصلاة أوقاتاً ثلاثة.
أ. وقت الاختصاص كما في أربع ركعات من أوّل الوقت وآخره، أو ثلاث ركعات بعد المغرب وأربع ركعات قبل نصف الليل.

1 . لاحظ العروة الوثقى:171، فصل في أوقات اليومية.

(88)
ب. وقت الفضيلة، وقد عرفت تفصيله في الظهرين والعشاءين.
ج. وقت الإجزاء، وهو مطلق ما بين الحدّين إلاّ ما يختصّ بإحدى الصلاتين، فيكون وقت الإجزاء أعمّ من وقت الفضيلة وخارجه.
وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه.
وبما أن كاتب الرسالة أغفل أكثر ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً، كما أغفل بيان نظرية المذهب في الجمع بين الصلاتين، وأنّه ليس بمعنى إقامة إحدى الصلاتين في وقت الأُخرى، بل جمع بينهما في وقت الإجزاء، وأن دلوك الشمس إلى غروبها وقت للصلاتين كما هو الظاهر من آية الدلوك (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) فلذلك نذكر ما هو مذهب أئمة البيت(عليهم السلام)في ذلك عبر الروايات ، حتّى يتبين أن الكاتب ينتقي من الأحاديث ما ينفعه بظاهره، ويترك ما يضره بصريحه.

(89)
1. محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء
الآخرة.(1)
2. عن القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن وقت الظهر والعصر، فقال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعاً، إلاّ ان هذه قبل هذه، ثم أنت في وقت منهما جميعاً حتّى تغيب الشمس .(2)
3. عن معاوية بن عمّار، عن الصباح بن سيّابة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين.(3)
4. عن منصور بن يونس، عن العبد الصالح (عليه السلام)
قال: سمعته يقول: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين.(4)
5. عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام): ذكر

1 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 8 .
4 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 10 .

(90)
أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة، إلاّ أن هذه قبل هذه في السفر والحضر، وإنّ وقت المغرب إلى ربع الليل. فكتب: كذلك الوقت، غير أن وقت المغرب ضيّق .(1)
6. عن مالك الجهني قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن وقت الظهر، فقال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين.(2)
7. عن عبدالله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة .(3)
8. عن عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل، إلاّ ان هذه قبل هذه، وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ ان هذه قبل هذه .(4)
9. عن سفيان بن السمط، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إذا

1 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 20 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 11 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .
4 . جامع أحاديث الشيعة: ج 4، الباب 3 من مواقيت الصلاة، الحديث 11 .

(91)
زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين.(1)
10. عن داود بن فرقد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك، فقد دخل وقت الظّهر والعصر حتّى يبقى من الشّمس مقدار ما يصلّي (المصلي) أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظّهر وبقي وقت العصر حتّى تغيب الشّمس.(2)
هذه عشرة كاملة تدل بوضوح على أن بين الحدّين ـ الدلوك والغروب ـ وقت للصلاتين إلاّ ما استثني مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت وآخره، كما أن بين الغروب وانتصاف الليل (الغسق) وقت للصلاتين إلاّ ما استثني، كما في الظهرين، فبأي دليل ترك أصحاب (المبرّة) أحاديث آل البيت وراءهم ظهريّاً، واقتصروا على ما دل على أفضلية التفريق مستنتجين منها، العزيمة، والتعّين؟ أليس عملهم هذا يجسد قول القائلين: (نُؤْمِنُ بِبَعْض وَ نَكْفُرُ بِبَعْض)(3)؟

1 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 9 .
2 . جامع أحاديث الشيعة: ج 4، الباب 3 من مواقيت الصلاة، الحديث 19 .
3 . النساء: 150 .

(92)
إنّ من الأسباب الدافعة إلى صلاحية الإسلام للبقاء والخلود، مرونة أحكامه الّتي تمكّنه من أن يواكب جميع الأزمنة والحضارات.
ومن العوامل الموجبة لمرونة هذا الدين وانطباقه على جميع الحضارات الإنسانية ،وجود القوانين الخاصة الّتي لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامّة تشريعاته، وقد تمثّلت تلك القوانين بنفي الحرج والضرر، قال سبحانه: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )(1)، وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(2).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ضرر ولا ضرار» .(3)
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله...» .(4)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث لعثمان بن مظعون: «يا عثمان لم

1 . الحج: 78 .
2 . البقرة: 185 .
3 . مسند أحمد: 5 /
4 . الكافي: 2 / 86، باب الاقتصاد في العبادة; مسند أحمد: 3 / 199 ; سنن البيهقي: 3 / 18 و 19 ; كنز العمال: 3 / 40 برقم 5378 .

(93)
يرسلني الله تعالى بالرهبانية ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة...».(1)
فهذه الآيات والروايات تعرب عن أنّ الإسلام دين الوسط بين التحجّر والجمود، والانحلال ورفض القيود ، ولذلك نرى أنّ كثيراً من الأحكام إنّما تجري على المكلّفين بشرط أن لا يكون ضررياً أو حرجياً أو غير ذلك.
هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّه سبحانه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه يحب أن يؤخذ برخصه، وقد عرفت أنّ الصادع بالحق جمع بين الصلاتين في الحضر من دون سفر ولا علّة بل لتسهيل الأمر على الأُمّة، وقد تضافر ذلك بل تواتر عنه ضمن ما يقارب ثلاثين رواية كما مرّ، فالإعراض عن الشريعة السهلة السمحاء وعدم الاعتداد بما ورد من الترخيص ينافي روح
التسليم لما قضى الله ورسوله به، يقول سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً

1 . الكافي6 5 / 494 ح 1، باب كراهية الرهانية; ; تفسير الرازي: 32 / 47 ; شرح نهج البلاغة: 15 / 144 .

(94)
مُبِينًا )(1) وقال عز من قائل: (فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما)(2) .
كل ذلك ينبغي أن يبعث فقهاء الجمهور على أن يدرسوا مسألة الجمع بين الصلاتين من دون رأي مسبق ومن دون تقليد لأئمة الفقه، بل في جو هادئ مجرد عن التعصّب والتقليد. لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً. خصوصاً أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي قام بتحديد مواقيت الصلوات الخمس، هو نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي جمع بين الصلاتين لرفع الحرج عن أُمّته ، ولم يترك ذلك للأجيال الآتية حتّى يقوم الفقهاء بتحديدها في ضوء ما دل على عدم الحرج في الدين.
وهناك أمر مهم نعطف نظر الفقهاء إليه، وهو أنّ إيقاع الصلاة في المواقيت الخمسة وإن كان مقروناً بالفضيلة إلاّ أنّ الإصرار عليها في عامة الظروف صار سبباً لترك الصلاة من قبل كثير من العمال والموظفين والشباب الجامعيين خصوصاً في أوربا وأمريكا وغيرها من بلاد الغرب، لأنّ ظروف الحياة وكيفية

1 . الاحزاب: 36 .
2 . النساء: 65 .

(95)
العمل والاشتغال لا تسمح لهم بأداء الصلاة في أوقات مختلفة، كل ذلك من نتائج الإصرار على حفظ مواقيت الصلوات الخمس وعدم المبالاة بالرخص الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته في غير واحد من الموارد. وعلى ذلك فإن مغبَّة ترك الصلاة من قبل هؤلاء ستقع على عاتق هؤلاء المصرّين على أنّ لكل صلاة وقتاً خاصاً لا غير.
***

(96)

خاتمة

تساؤلات وأجوبتها

إنّ في الكتيّب أُموراً تحتاج إلى إيضاح:
1. يقول مؤلف الكتيّب نشأت في بيئة يرفع الأذان من بعض مآذنها ثلاث مرات، ومن البعض الآخر خمس، وتولدت في نفسي تساؤلات ـ إلى أنّ قال: إنّ الاقتصار على ثلاثة أوقات أقل ما فيه أنْ يَدع المسلم في شك من صحة أداء أعظم أعمال الدين مهما كانت درجة هذا الشك، أما تفريق الصلوات على أوقاتها فإنّه يقطع هذا الشك، ويبعث في النفس الطمأنينة والارتياح .(1)
الجواب: إنّ من أقفل باب الاجتهاد على نفسه ولم يدرس ما ورد في الكتاب والسنّة حول أوقات الصلاة، ربّما يعرض له الشك فعليه أنّ يحتاط بالتفريق، لأنّ وظيفة الجاهل عند الشك في المكلَّف به هو الاحتياط، والاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة .

1 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً : 12.

(97)
وأما من فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وأمعن النظر في الكتاب والسنّة وامتثل قول الله سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(1) وضمّ ما فهمه من الكتاب، إلى ما ورد في السنّة المطهرة، وما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، أعدال الكتاب وقرنائه في حديث الثقلين، فيلزم عليه العمل بما صدع به الحق في الكتاب والسنّة وقد عرفت دلالتهما على سعة الوقت وعدم ضيقه، وأن بين الدلوك والمغرب وقت للصلاتين، كما أن طرفي النهار أوقات للصلاة، ودلت السنّة المحمدية على أنّه جمع بين الصلاتين بلا عذر ولا علّة لئلاّ يحرج أُمّته، فالجامع إذاً بين الصلاتين على بينة من ربه بفضل كتابه وسنة نبيه.
ثم إن التفريق إذا كان موافقاً للاحتياط، فإنّه مخالف له من جانب آخر، وذلك أن إلزام الناس بالتفريق صار سبباً ـ كما قلنا ـ لترك الصلاة في كثير من البلدان بين الشباب والعمال الموظفين حيث لا تسمح لهم الظروف بالتفريق، ووِزر هؤلاء في ترك عمود الدين على ذمة هؤلاء المفتين المنغلقين على أنفسهم.
***

1 . محمد: 24 .

(98)
2. لو سألت أي عالم عن جمع الصلوات وتفريقها: أيهما أفضل: الجمع، أم الإفراد، لأجاب: إن الإفراد أفضل فلماذا نترك الأفضل؟
الجواب: لاشك أن الإفراد أفضل، وليس ثمّة ما يمنع من الإفراد، ولكن الإصرار على التفريق، والقول بأن من جمع بين الصلاتين كمن ترك الصلاتين، بدعة وضلالة، لأنّه إفتاء على خلاف الكتاب وعلى خلاف ما تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بأنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ أن هذه قبل هذه.
فأي العملين أقرب إلى الضلال: عملُ من جمع بين الصلاتين ركوناً إلى الكتاب والسنّة، أم من ترك هداية الكتاب والسنّة في مورد الجمع، وأفتى ببطلان الصلاة عند الجمع؟ فما لكم كيف تحكمون؟
3. لا بأس بالجمع بين الصلاتين في السفر والمطر والبرد الشديد أو في القتال ففي مثل هذه الحالات الاستثنائية ومنها الحرج وأسبابه كثيرة، فإذا زالت هذه الأسباب، وانتهت الحالة الاستثنائية نرجع إلى ما كان عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحالات الاعتيادية .(1)

1 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 67 .

(99)
الجواب: إن الكاتب لم يُمعن في الروايات الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)في سبب الجمع حيث يدّعي أن الجمع كان أمراً استثنائياً وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع عند وجود الحرج، فعلينا أيضاً ان نجمع عنده ونفرق عند عدمه، وغفل عن أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع عندما لم يكن شيء من أسباب الحرج لا المطر ولا الوحل ولا الخوف ولا القتال ولا السفر وإنّما جمع عند الراحة، وما هذا إلاّ ليُفهم الأُمة أن التفريق ليس عزيمة بل هو رخصة، فلذلك ترك التفريق مع عدم الحرج لإفهام هذا التشريع .
فعلى ضوء ما ذكرنا لم يكن الجمع حالة استثنائية في الشريعة الإسلامية بل كان تشريعاً إلى جنب تشريع آخر (أي التفريق) فمن أراد الأفضل فليفرّق ومن أراد غيره فليجمع .
هذه جملة من التساؤلات الّتي طرحها المؤلف وغيره.
ثم إن الكاتب ضمّ إلى الكتيّب فصلاً نسبه إلى أحد الشيعة المقيمين في حي الوحدة بمحافظة القادسية، ووصف ذلك الفصل بأنّه قيم يزيد القارئ نوراً على نور، وها نحن نذكر شيئاً ممّا ورد في الفصل حتّى نقف على قيمته:

(100)
1. إن الرجل ذكر الروايات الواردة في الجمع بين الصلاتين لعذر وترك كثيراً ممّا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)حول الجمع بين الصلاتين لا لعذر، وليس هذا طريق التحقيق وتحرّي الحقيقة .
2. إنّه تصوّر أن الدليل الوحيد على الجمع بين الصلاتين، هو حديث ابن عباس ولذا حاول الإجابة عنه، ثم خرج بالنتيجة التالية: إن الجمع في حديث ابن عباس حصل بطريقة تسمى في الفقه بـ (الجمع الصوري). وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها فيصلّيها، ثم يقدّم العصر إلى أوّل وقتها فيصلّيها بعد أن صلّى الظهر مباشرة .(1)
ثم قال: إنّ هذا الجمع الصوري قد فعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كي لا يُحرج أُمّته أي أراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يعلِّم الأُمّة أنّه عند وجود حرج ما من أي نوع كان هذا الحرج ]سفر، مطر أو أي حرج آخر قد يحدث بتطور الحياة وتغير الزمان والمكان[ فيجوز الجمع في مثل هذا الظرف .(2)
يلاحظ عليه بوجهين:

1 . نفس المصدر: 89 .
2 . نفس المصدر : 91 .

(101)
1. إن الجمع الصوري بين الصلاتين لم يكن رهن دليل خاص من قول النبي أو فعله، حتّى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لو لم يفعل لكفت أدلة التوقيت في جواز هذا الجمع، وذلك لأنها حددت وقت الظهر إلى صيرورة الظل مثله، ووقت العصر إلى صيرورته مثليه، فللمصلي أن يتمسك بإطلاق الدليل، ويصلي الظهر في آخر وقت الظهر، والعصر في أوّله، فإذا كانت أدلة التوقيت ترخّص لنا هذا النوع من الجمع، فما هي الحاجة إلى جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الصلوات، وعناية الحفاظ الأثبات بنقل ذلك.
إنّ عمل الرسول يشهد أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان بصدد بيان حكم جديد غير مفهوم من أدلّة التوقيت، وليس هو إلاّ الجمع الحقيقي لا الصوري أي الجمع في الوقت لا الجمع عملاً.
2. ماذا يريد بقوله «إذا مرّ فرد من الأُمّة بظرف يُحرجه فيجوز له أن يجمع الصلاة جمعاً صورياً» أليس هو إحراجاً فوق إحراج التفريق، لما مرّ من أن معرفة آخر الوقت وأوله، أمر أصعب من التفريق.
وختاماً نقول: إن القارئ النابه يجد أن الاتجاه العام لكتيّب الدكتور طه الدليمي، يغلب عليه جانب الانتقاء والاحتمال، والتعسّف في فهم معاني الأخبار، الّذي أدى في

(102)
بعض الأحيان إلى تحريف بعض ألفاظها، كما في حديث ابن عباس، المارّ الذكر، الّذي أخرجه البخاري.(1)
كما يجد فيه القارئ محاولات للتمويه على القرّاء، منها: إيراد الأخبار السقيمة، وغضّ الطرف عمّا قاله نقّاد السنّة في أسانيدها.
وممّا يوجب الاستغراب أنّه يورد مثل هذه الأخبار الّتي تؤيد أنّ الجمع الّذي فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جمعاً صورياً، من أجل أن يصل إلى ختام يقيني في المسألة، حسب تعبيره (2)!!!
وهاك الأخبار الثلاثة الّتي جعلها ختاماً يقينياً في المسألة، مع بيان قيمتها عند نقّاد الحديث:
ـ أخرج النسائي في الكبرى عن عبدالله بن عباس (رضي الله عنه)قال: (صليت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء).
ـ عن ابن عباس (رضي الله عنه)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من جمع

1 . لاحظ ص 66 .
2 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 89 .

(103)
بين صلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الكبائر).
ـ عن عائشة رضي الله عنها قال: ما صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصلاة لوقتها الآخر مرتين حتّى قبضه الله عزّوجل .(1)
أقول: أما الخبر الأوّل، فقد مضى قول الشيخ الألباني فيه: صحيح دون قوله (أخّر الظهر... الخ) فإنّه مُدرَج.(2)
وأنت تعلم أن الغاية من إيراد هذا الخبر، هو القول المذكور، فإذا تبيّن أنّه مُدرَج وأنّه من كلام بعض الرواة، ولم يصدر عن ابن عباس، انتقضت الغاية من إيراده.
وإذا نظرنا إلى الخبر الثاني، فسنجد في إسناده (حنش)، فما هو حال هذا الراوي عند نقّاد الحديث ؟
قال الترمذي الّذي أخرج هذا الخبر: وحنش هذا هو: (أبو علي الرحبي)، وهو: (حسين بن قيس)، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أحمد وغيره.(3)
وعن أحمد بن حنبل: ليس حديثه بشيء، لا أروي عنه شيئاً.

1 . المصدر نفسه: 92 .   2 . لاحظ ص 75 .
3 . سنن الترمذي: 73 برقم 188، تخريج وترقيم وضبط صدقي جميل العطّار.

(104)
وعن يحيى بن مَعين: ضعيف. وفي رواية أُخرى عنه: ليس بشيء .
وقال أبو زرعة: ضعيف.
وقال البخاري: أحاديثه منكرة جداً، ولا يكتب حديثه.
وقال النّسائي: متروك الحديث .(1)
وأما الخبر الثالث، فقال عنه الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل.(2)
وفي سنده إسحاق بن عمر. قال ابن أبي حاتم: مجهول(3).
وقال الذهبي: تركه الدارقطني (4) .
وإذا كان طريق الوصول إلى الختام اليقينيّ، هو هذه الأخبار السقيمة، الّتي يهدف الكاتب من ورائها إقناع القارئ بموضوعه، فما ظنّك بما جاء قبل الختام من كلام مزخرف، واحتمالات بعيدة، وتحريفات مقصودة أو غير مقصودة؟!

1 . انظر: تهذيب الكمال: 6 / 465 برقم 1330 .
2 . سنن الترمذي: 68 برقم 174 .
3 . تهذيب الكمال: 2 / 461 برقم 373 .
4 . ميزان الاعتدال: 1 / 195 برقم 775 .

(105)
( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي وَ سُبْحَانَ اللهِ وَ مَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(1).
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ظهيرة يوم الحادي عشر من شهر
ذي الحجة الحرام 1430 هـ . ق

1 . يوسف: 108 .

(106)

(107)
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
التقريب بين المذاهب    7
التعريف بالمبرّة   10
1. مكانة الصلاة في الكتاب والسنّة   15
2. الصلاة فريضة موقوتة تجب المحافظة على أوقاتها   20
3. مواقيت الصلوات في الذكر الحكيم   23
   الآية الأُولى:(أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ...)   23
   الآية الثانية:(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا...)   27
   الآية الثالثة:(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ...)   29
   الآية الرابعة:(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ ...)   32
   الآية الخامسة:(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ...)   35
حصيلة البحث حول الآيات   36

(108)
الموضوع    الصفحة
4. أوقات الفضيلة للصلوات الخمس   39
   القامة والقامتان   41
   الذراع والذراعان   41
   القدم والقدمان   42
5. الجمع بين الصلاتين في عرفة والمزدلفة والسفر   46
   1. الجمع بين الصلاتين في عرفة والمزدلفة   47
   2. الجمع بين الصلاتين في السفر   48
   3. الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل العذر   51
6. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً   52
   1. ما دلّ على الجمع معلّلاً بعدم إحراج الأُمة، أو
         للتوسعة عليها   53
   2. ما دلّ على الجمع، من غير ذكر السّبب   57
   3. ابن عباس يجمع بين الصلاتين، اقتداءً
         بسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   61
7. تأويل النصوص لنصرة المذهب   64

(109)
الموضوع    الصفحة
   التأويل الأوّل: الجمع لأجل وجود المطر   64
   التأويل الثاني: الجمع كان صورياً   68
      مفهوم الجمع في عامة الموارد واحد   70
      مع الشوكاني في قوله: إن الجمع كان صورياً   71
   التأويل الثالث: الجمع لأجل الغيم   77
   التأويل الرابع: الجمع كان لمرض   77
   التأويل الخامس: كان الجمع لأحد الأعذار المبهمة   80
8 . الجمع بين الصلاتين في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)   85
خاتمة: تساؤلات وأجوبتها   96
فهرس المحتويات   107
Website Security Test