welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنّة

صفحه 1
التقية موضوعاً وحكماً
في
الكتاب والسنّة

صفحه 2

صفحه 3
التقية موضوعاً وحكماً
في الكتاب والسنّة
وتليها
قاعدتان فقهيتان
الفقيه
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنّة وتليها قاعدتان فقهيتان / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : موسسه امام صادق(عليه السلام)، 1389 .
      246 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 437 - 6
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا
كتابنامه به صورت زيرنويس .
مندرجات: التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنة ص 1 ـ 170 . ـ ـ قاعدتان فقهيتان ص. 171 ـ 235 .
چاپ دوم، 1391،
1. تقية . الف . مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان. ج. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ . قاعدتان فقهيتان. ج. عنوان.
7 ت 2س/5/226 BP   468/ 297
1391
اسم الكتاب:   … التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنّة
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:   … الثانية
تاريخ الطبع:   …1434 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
القطع:   … رقعي
عدد الصفحات:   … 246 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 763   تسلسل الطبعة الأُولى: 353
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 7745457 ; 09121519271

صفحه 5

صفحه 6
مقدّمة المؤلّف   
    التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنّة

صفحه 7
الحمد لوليه، والصلاة والسلام على رسوله الذي بعثه هادياً منيراً على أساس قويم، وبنيان عظيم، وعلى آله الغر الميامين أئمة العلم والدين والهدى.
أمّا بعد فنقول:
تحظى مسألة التقية في الفقه الإمامي بأهمية بالغة، فهي من المفاهيم الإسلامية السامية، وقد وردت في الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات، وركّزت عليها السنّة النبوية، وأكّد عليها أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك لخصائص إيجابية تكمن فيها، ولانسجامها مع حكم العقل وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدّسة، وضروريات العمل الإسلامي .
غير أنّها وقعت غرضاً للمخالفين فزعموا أنّها ثغرة في الفقه الشيعي، ولذلك قام سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره) في سالف الزمان بإلقاء محاضرات في الموضوع دوّنتها يومذاك في صحائف مازالت بيدي، ولم أتفرّغ لتبييضها ونشرها كسائر

صفحه 8
ما نشرت من محاضراته، فيما مضى.
وفي هذه الأيام اشتد الهجوم العنيف على الشيعة وعقائدهم وعلى الخصوص التقية، فلهذا رأيت من الواجب دراسة الموضوع مستعيناً بما ذكره سيدنا الأُستاذ(رحمه الله) في محاضراته، مضيفاً إليه ما يجب ذكره في هذه الأيام جواباً عن التهم التي تلصق بالفقه الإمامي، وإن كنت كتبت شيئاً في هذا في سالف الأيام رداً على تلك الشبهات، والله المستعان.
والكلام هنا يشتمل على تمهيد وفصول:
التقية لغةً واصطلاحاً   

صفحه 9

تمهيد

التقية لغةً اسم لـ«اتقى»، «يتقي». والتاء في أوّلها بدل من الواو، والأصل: «وقية» فأبدل «الواو» إلى «التاء» فيقال: «تقية» وأصله من «الوقاية». وكأنّ المتقي يجعل «التقية» وقاية لنفسه من العدو.
ثم إنّ التقية ـ كما هو واضح ـ من المفاهيم ذات الإضافة، فلها إضافة إلى مَن يتقي، وإلى المُتقى منه، وإلى مورد
التقية.
أمّا المتقي فهو لا يخلو من أن يكون إماماً معصوماً، أو مسلماً شيعياً، أو مسلماً سنيّاً.
وأمّا المُتقى منه فهو مطلق المخالف الذي صادر حريات المتقي، من غير فرق بين أن يكون سنيّاً أو شيعياً.
وأمّا مورد التقية فهو عبارة عن العقيدة والشريعة إذا تظاهر بها الإنسان المؤمن يؤخذ ويضرب أو تصادر أمواله.
والغاية من التقية هو دفع الضرر عن طريق إخفاء العقيدة أو مماشاة الظالم، وسيوافيك الفرق بينها و بين النفاق، وأنّ

صفحه 10
القرآن دعا إليها وفي الوقت نفسه نهى عن النفاق.
إنّ التقية ـ خوفاً من المخالف الغاشم ـ أمر فطري تأمر به فطرة الإنسان عندما يرى أنّ المخالف قد صادر عامة الحريات فلم يبق له محيص في حفظ نفسه وعرضه وماله إلاّ المماشاة مع المخالف على نحو لولا الخوف من المخالف، لما أخفى عقيدته ولا سايره مع العمل.
وفي الحقيقة أنّ التقية سلاح الضعيف أمام القوي الذي لا يرحم مخالفه إلاّ باتّباعه وهو مجهّز بكل وسائل القوة والبطش والظلم، ولا يملك الضعيف سلاحاً إلاّ التقية.
ولو افترضنا أنّ في التقية بعض السلبيات فهي تتوجّه إلى مَن صادر حريات الناس وسلب حقوقهم ـ بلا وعي ـ وأجبرهم عليها.
ومن قرأ شيئاً من التاريخ، سواء أكان راجعاً إلى ما قبل الإسلام أم بعده يجد أنّ الضعفاء عبر القرون كانوا يتقنعون بهذا السلاح المعنوي لصيانتهم عن الأضرار الجسيمة التي تتوجّه إليهم، ولم يستثن منهم إلاّ الأنبياء الذي لم تكتب عليهم التقية، لأنّها لا تنسجم مع دعوى النبوة حيث إنّهم بعثوا لكسر الأصنام

صفحه 11
وتصحيح عقائد الناس ودعوتهم إلى التوحيد والاعتقاد بالدار الآخرة، ونشر المعروف وهجر المنكر، وأمّا غيرهم فالتقية في حقّهم تنقسم إلى واجب ومستحب ومكروه وحرام، كما سيوافيك بيانه.
وهذا هو مؤمن آل فرعون يعرفه سبحانه بقوله: (يكتم إيمانه) ومع ذلك كان يتّخذ من التقية غطاءً وقناعاً ويقول الحق حسب ما تسمح له الظروف، قال سبحانه:(وقالَ رَجُلٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ...).(1) فهو كان يتظاهر معهم في العقيدة والعمل، ولكنّه يعتقد خلاف ما يتظاهر به.
وإذا مررنا على تاريخ الأُمّة الإسلامية ترى أنّ العلماء الصادقين كانوا يعملون بالتقية في شدة الظروف.
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء عدد من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أو شكت أن تقضي عليهم وعلى ما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتى وإن استلزم ذلك قتل

1 . غافر: 28.

صفحه 12
الجميع من دون رحمة، ولمّا أبصر أُولئك المحدّثون حدّ السيف مشهّراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.(1) والقصّة صريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة، وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.
   

الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية

إنّ الشيعة عامة والإمامية خاصة أكثر الناس ابتلاءً بالتقية، وذلك لأنّ الحكومات الغاشمة من الأمويين إلى العباسيين ثم العثمانيين، يرون مذهب الشيعة خطراً على مناهجهم، فكانوا يُحرّضون الناس على الشيعة وعلى قتلهم والتنكيل بهم، ولهذه الظروف القاسية لم يكن للشيعة مفر إلاّ اللجوء إلى التقية، أو رفع اليد عن المبادئ التي آمنوا بها والتي هي عندهم أغنى من النفس والمال.

1 . تاريخ الطبري:7/195ـ 206.

صفحه 13
وها نحن نذكر أُنموذجين ممّا ابتلى به الشيعة من مضايقات وظلامات لذكرهم فضائل الأئمة ومناقبهم.
1. هذا هو ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين(عليهما السلام)؟ قال ابن السكيت: والله إنّ قنبراً خادم علي(عليه السلام)خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات، وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل ثلاث وأربعين، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة، ولما مات سيَّر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك.(1)
2. وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكىّ بالدماء مضرّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ

1 . وفيات الأعيان لابن خلكان:3/33; سير أعلام النبلاء للذهبي:12/16.

صفحه 14
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ(1)
فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!
قال العلاّمة السيد حجة الدين الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها; لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين، وفي كثير من الأحكام الفقهيّة، وتستجلب المخالفة بالطبع رقابة وحزارة في النفوس وقد يجرّ إلى اضطهاد أقوى الحزبين لأضعفه أو إخراج الأعز منهما الأذل كما يتلوه علينا التاريخ ، وتصدّقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو

1 . ديوان ابن الرومي: 2 / 243.

صفحه 15
كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين، لئلا تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية.
لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى، متّبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمّد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين الله يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم.(1)
روي عن صادق آل البيت(عليهم السلام) في الأثر الصحيح:«التقية ديني ودين آبائي» غير أنّ التقية لها شروط وأحكام أوضحها العلماء في كتبهم الفقهية .(2)
لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت(عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم، وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاً لشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها

1 . غافر:28، النحل:106.
2 . أوائل المقالات: 96 ـ 97، قسم التعليقة.

صفحه 16
الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم. وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لابدّ أن يتكتّم ويتّقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.
ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.
ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.
والذي يرشدك إلى ما ذكرنا هو أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)عبروا في غير واحد من الروايات، عن التقية بأنّها «جُنّة المؤمن وحرزه وترسه وحصنه»، والجُنّة هو ما يدفع به المحارب ضربات العدو.
1. روى الكليني عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «كان أبي(عليه السلام)يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، «انّ التقية جُنّة المؤمن».(1)

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي الحديث5.

صفحه 17
2. وروى أيضاً عن أبي عبدالله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن».(1)
3. وروى أيضاً عن حريز، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «التقية ترس الله بينه وبين خلقه».(2)
وهذه الروايات تدل على أنّ التقية كانت سلاح المظلومين المضطهدين في مقابل الأسلحة الفتاكة التي تتوارد عليهم يوماً بعد يوم، فلم يكن لهم محيص إلاّ اللجوء إليها.
4. روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «ليس منا من لم يلزم التقية،ويصوننا عن سفلة الرعية».(3)فالإنسان الساقط غير المتخلق بأخلاق القرآن والسنة يكون جريئاً بالنسبة إلى المخالف دون أن يراعي الحدود فلذلك أمر أهل البيت(عليهم السلام) بلزوم الأخذ بالتقية.
5. يقول المفضل: سألت الصادق(عليه السلام) عن قوله: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)(4) قال: «التقية»، (فَما اسطاعُوا أنْ يظهروهُ وَ

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي الحديث 7.
2 . نفس المصدر، الحديث13.
3 . نفس المصدر، الحديث28.
4 . الكهف:95. الردم: السدّ .

صفحه 18
مَا استطاعُوا لَهُ نَقباً)(1) قال: «إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً»(2)
وقد انتقل الإمام(عليه السلام) من قصة ذي القرنين حيث إنّه عمل سدّاً بين المستضعفين والمستكبرين (يأجوج ومأجوج) إلى مسألة دينية واجتماعية هي أنّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام) مازالوا معرّضين لهجمات المخالفين، فالذي يحميهم من شرور الأعداء هو التقية أي المماشاة معهم في اللسان والموافقة في العمل حتى لا يثوروا عليهم، إلى غير ذلك من الروايات التي تصور التقية بصور مختلفة حتى يقف الإنسان الواعي على أنّ الشيعة لم يطرقوا باب الشيعة مختارين، وإنّما أُلجئوا واضطروا إلى الدخول في ذلك الحصن بإذن من الله سبحانه.
***
إذا عرفت ذلك فلندرس أدلة جواز أو وجوب التقية وأقسامها وأحكامها على ضوء الكتاب والسنّة ويأتي كل ذلك ضمن فصول:

1 . الكهف:97.
2 . نفس المصدر، الحديث34.

صفحه 19
التقية في القرآن الكريم والسنّة النبوية   

الفصل الأوّل:

التقية في القرآن الكريم

والسنّة النبوية
شُرّعت التقية بنص القرآن الكريم ووردت فيها آيات كريمة نستعرضها في المقام: ويستفاد من الجميع جوازها تكليفاً بالمعنى الأعم الّذي ينسجم مع وجوبها أو استحبابها في بعض الأحيان.

الآية الأُولى:

قال سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرهَ وَقَلْبهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان وَلكِن مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ).(1)
ترى أنّه سبحانه يسمح للمكرَه إظهار الكفر كرهاً

1 . النحل:106.

صفحه 20
ومجاراة للكافرين خوفاً منهم بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وقبل أن نذكر بعض كلمات المفسرين نذكر شأن نزول الآية:
1. ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتل الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبي وأعطاهم عمار ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر عمار بذلك رسول الله، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال رسول الله: «كلاّ إنّ عماراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه»، وفي ذلك نزلت الآية، وكان عمار يبكي، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت».(1)
2. قال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ثم قال: أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر. هذا قول مالك والكوفيين والشافعي.(2)

1 . مجمع البيان: 3 / 388.
2 . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 4/57.

صفحه 21
3. قال ابن كثير في تفسير قوله:(إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان): إنّه استثناء ممّن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.
وقد روى العوفي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عمار بن بكر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد، فوافقهم على ذلك مكرهاً وجاء معتذراً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«كيف تجد قلبك؟»، قال: مطمئن بالإيمان، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن عادوا فعدّ». وقد ذكر بعض ما روي في هذا الصدد.(1)
ومورد الآية هو الاتّقاء من المشرك، وسوف يوافيك أنّ المورد غير مخصص، فلو كان الظلم من المسلم مثل ما كان من الكافر تجوز التقية أخذاً بالملاك وهو صيانة النفس والنفيس من الهلاك.

1 . تفسير ابن كثير:2/587.

صفحه 22
 
الآية الثانية:
قال سبحانه:(لا يَتّخذ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيء إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذركمُ اللهُ نَفسهُ وَإلَى اللهِ المَصيرِ).(1)
قال الطبري: «إلاّ أن تتقوا منهم تقاة» قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة)قال: التقية باللسان من حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه (وقلبه مطمئن بالإيمان) فلا إثم عليه، إنّما التقية باللسان.(2)
وقوله«التقية باللسان وليس بالعمل» فيما إذا كان إظهار الولاية بهم كافياً في دفع الشر، وأمّا إذا توقّف دفع الأذى على عمل إيجابي يدل على ولائه لهم فيجب حفظاً للنفس والنفيس. ولعل التأكيد على اللسان، لأجل الحذر عن الولاء قلباً وجناناً.

1 . آل عمران:28.
2 . جامع البيان للطبرى:3/153.

صفحه 23
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال.
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يكون كافراً، بل يُعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وقد نزلت فيه الآية التي ذكرناها آنفاً.
إذا عرفت ذلك فلنذكر بعض الكلمات حول الآية:
1. قال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان :
الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم.
الثاني: من كان عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة.(1)
2. وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية (إلاّ أن

1 . روح المعاني:3/121.

صفحه 24
تتّقوا مِنْهُم تُقاة)استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف وقد نقل الإجماع على جوازها الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق).(1)

سؤال وإجابة

ربما يقال: إنّ مورد الآية هو اتقاء المسلم من الكافر، ولكنّ الشيعة تتقي من المسلم حيث يُخفون عقيدتهم عن المسلم السنّي وهو يصلي ويصوم مثله، وهو خارج عن مفاد الآية؟
هذا هو السؤال وأمّا الإجابة فواضحة، فإنّ المورد ليس بمخصّص، فإنّ الغرض من تشريع التقية هو صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردد الطرف القوي في إيذاء الطرف الآخر، ففي تلك الظروف الحرجة لا مناص للمسلم الضعيف من اللجوء إلى التقية لصيانة نفسه ونفيسه، وهذا ممّا صرّح به علماء الإسلام في تفسير الآية، ونقتصر بثلاث كلمات لأقطاب التفسير:

1 . محاسن التأويل:2/180.

صفحه 25
1. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه:(إلاّ أنْ تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين، حلّت التقيّة محاماة عن النفس.
وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
2. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته

1 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 في تفسير الآية.

صفحه 26
في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».(1)
3. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمان): ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهىّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(2)
وحصيلة الكلام أنّه: يظهر من غضون التاريخ أنّ التقية من السلطان الجائر كان أمراً شائعاً، وكان المسلمون يعملون بالتقية صادرين عن قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(3) .
هذا هو ابن الحنفية قال لبعض الغزاة: لا تفارق الأُمّة. اتق هؤلاء القوم بتقيتهم ـ قال الراوي: يعني بني أُمية ـ ولا تقاتل معهم. قال: قلت: وما تقيتهم؟ قال: تحضرهم وجهك عند

1 . محاسن التأويل: 4 / 82 . ومعنى ذلك أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب أي بثّ حديث الرسول تقية وحفظ لنفسه.
2 . تفسير المراغي: 3 / 136.
3 . آل عمران: 28 .

صفحه 27
دعوتهم، فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك، وتصيب من مال الله الّذي أنت أحق به منهم (1) .
وقال ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عنّي سوطين من ذي سلطان إلاّ كنت متكلّماً به (2).
وقد كان حذيفة يقول: فتنة السوط أشد من فتنة السيف، وقال السرخسي: فكان حذيفة ممّن يستعمل التقية. (3)
وفي الروايات: قال جابر بن عبدالله: لا جناح عليّ في طاعة الظالم إذا أكرهني عليها .(4)
وعن بريدة بن عميرة: قال: لحقت بعبد الله بن مسعود، فأمرني بما أمره به رسول الله أن أُصلّي الصلاة لوقتها واجعل صلاتهم تسبيحاً، قال ابن عساكر: يعني أنّ الأُمراء إذا أخّروا الصلاة أُصلّيها لوقتها ثم أُصلّي معهم نافلة مخافة الفتنة.(5)

1 . الطبقات الكبرى، لابن سعد: 5 / 96. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام)لمصطفى قصير العاملي: 28 .
2 . الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 10 / 180. كما في التقية عند أهل البيت (عليهم السلام): 28 .
3 . المبسوط، للسرخسي: 24 / 46. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام): 28 .
4 . المبسوط، للسرخسي: 24 / 47. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام): 28 .
5 . تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: 9 / 205 .

صفحه 28
وروى أحمد في مسنده عن أبي ذر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال له: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخّرون الصلاة؟ ثم قال: صلّ الصلاة لوقتها ثم انهض، فإن كنت في المسجد حتّى تقام الصلاة فصل معهم .(1)
إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبع في غضون التاريخ أنّ المسلمين كانوا يتّقون من السلاطين، وكان من مظاهر التقية مسألة الزكاة.
قال أبان: دخلت على الحسن وهو متوار زمن الحجاج في بيت أبي خليفة فقال له رجل: سألت ابن عمر أدفع الزكاة إلى الأُمراء؟ فقال: ابن عمر: ضعها في الفقراء والمساكين، فقال لي الحسن: ألم أقل لك إنّ ابن عمر كان إذا أمن الرجل قال: ضعها في الفقراء والمساكين؟ (2)
إنّ الشيعة تتّقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّىّ، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى، يلجأ إلى الاتّقاء عن أخيه المسلم لا لقصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك; لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره

1 . مسند أحمد: 5 / 168 .
2 . المصنف: لعبدالرزاق الصنعاني: 4 / 47 ـ 48 .

صفحه 29
إذا صرّح بمعتقده الذي هو عنده موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده.
نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ الله ليس له جهة، أو أنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبىّ الأكرم، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ; فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي وغيرهم الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب، جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم، ورفض للملاك الذي شرّعت لأجله التقية، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارضه المهمّ.

صفحه 30

الآية الثالثة:

قال سبحانه:(وإذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يعَْبُدُونَ إلاّ اللهَ فَأْوُوا إلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً).(1) إنّ قصة أصحاب الكهف معروفة لا تحتاج إلى بيان وتفسير،فقد كانوا يعيشون مع الوثنيين مدة بعدما آمنوا بربهم وشملتهم الهداية الإلهية، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (واذ اعتزلتموهم)، فإنّ الاعتزال فرع أن يكون القوم معهم في حلّهم وترحالهم أي مخالطين لهم.
فعاشوا مدة في تلك الظروف بالتقية إلى أن عزموا على مواجهة ضغط المجتمع بالخروج عليهم(فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمواتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوا مِنْ دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنا إذاً شَطَطاً)(2).
فعند ذلك لم يكن لهم بد من الخروج عن بيئتهم ملتجئين إلى الكهف حتى يكتب الله تعالى لهم ما تقتضيه رحمته.
روى الكليني عن درست الواسطي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «ما بلغت تقية أحد تقيةَ أصحاب الكهف، إن كانوا

1 . الكهف:16.   2 . الكهف:14.

صفحه 31
ليشهدون الأعياد ويشدّون الزنانير فأتاهم الله أجرهم مرتين».(1)
وروى عن الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين».(2)
وفي رواية ثالثة عن الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ جبرئيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمد إنّ ربّك يقرؤك السلام، ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنّة».(3)
ولا ينافي ما جاء في هذا الخبر مع تظاهر أبي طالب بالإيمان بدين ابن أخيه(صلى الله عليه وآله وسلم) في أشعاره الكثيرة، وذلك لأنّه يمكن الجمع بأنّه لم يكن يتظاهر بالإيمان في أوائل الأمر وكان يسالم قومه وإن تظاهر بذلك في أواخر عمره بعد ما بلغ السيلُ الزبى.

1 . الوسائل:11، الباب26، من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
2 . الوسائل:11، الباب29من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث17.

صفحه 32

الآية الرابعة:

قال سبحانه:(وَقَالَ رَجُلٌ مَؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَون يَكْتُمُ إيمانهُ أتَقْتُلُونَ رَجلاً أنْ يَقُول رَبّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُم بِالبَيّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإن يَكُ كاذِباً فَعَلْيه كَذِبُهُ وَإنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذي يَعدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب).(1)
وكانت عاقبة أمره كما قال سبحانه: (فوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ).(2)
وهذا بعد ما بُعث موسى للرسالة.
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيته استطاع أن ينجي نبىّ الله من الموت: (وجاءَ رَجُلٌ مِن أقصى المدِينةِ يَسْعَى قالَ يامُوسى إنّ المَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنّي لَكَ مِنَ النّاصِحين)(3). وهذا قبل أن يبعث موسى للرسالة. كلّ ذلك بناء على وحدة الرجلين مصداقاً .
وهذه الآيات تدلّ على جواز التقية لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر.
***

1 . غافر:28.   2 . غافر:45.   3 . القصص:20.

صفحه 33

التقية بمعنى التورية

ربما نسبت التقية إلى بعض الأنبياء ولكن لا بهذا المعنى ـ أي المماشاة مع الكافرين قولاً وعملاً ـ بل بمعنى التورية في تكلّمهم معهم.
روى الصدوق في العلل عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «لا خير فيمن لا تقية له، وقد قال يوسف: (أيَّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُون) (1) وما سرقوا شيئاً».(2)
ولا يخفى أنّ يوسف(عليه السلام) لم يكن هو المؤذِّن وإنّما أذَّن بذلك عماله، والنسبة إلى يوسف(عليه السلام)باعتباره هو الآمر، وقد صدرت هذه التورية لبعض المصالح التي فيها عزل أخيه بنيامين عن بقية إخوته، وهذه ليست تقية اصطلاحاً، بل المتّقي هنا هو القوي، والمتّقى منه هو الضعيف.
ونظير ذلك ما روي في حق إبراهيم(عليه السلام)، روى الكليني عن أبي بصير قال قال أبو عبد الله(عليه السلام): «التقية من دين الله»، قلت: من دين الله؟ قال: «أي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: (أيتها

1 . يوسف: 70 .
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 18 ولاحظ الحديث 19.

صفحه 34
العير إنّكم لسارقون) والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: (إنِّي سَقِيمٌ)(1) والله ما كان سقيماً».(2)
والتقية في المقامين اصطلاح خاص لا صلة له بالتقية في الأحكام والعقائد.

1 . الصافات: 89 .
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.

صفحه 35
التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)   

الفصل الثاني

التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)

كان الضغط على الشيعة عامة وعلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)خاصة، سائداً أيام الأُمويين والعباسيين، فلم يكن لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) بد إلاّ دعوة الشيعة إلى مماشاة المخالفين قولاً وعملاً حتى يصونوا بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ولذلك نرى تأكيداً شديداً على التقية في رواياتهم، والتي منها:
1. ما رواه الكليني عن ابن عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له».(1)
2. وروى أيضاً عن معمر بن الخلاد قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن القيام للولاة؟ فقال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له».(2)

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.

صفحه 36
3. وروى أيضاً عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنّه لا إيمان لمن لا تقية له، إنّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم، أنّكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم، ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا».(1)
4. وروى أيضاً عن حبيب بن بشير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): سمعت أبي يقول: «لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلىّ من التقية، يا حبيب إنّه من كانت له تقية رفعه الله يا حبيب، من لم تكن له تقية وضعه الله يا حبيب، إنّ الناس إنّما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا».(2)
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب.
فعليه يطرح هذا السؤال من الموافق والمخالف، وهو ما هو السر في التأكيد على التقية وجعلها تسعة أعشار الدين ووصف من لا تقية له بفاقد الإيمان؟

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث8.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث9.

صفحه 37
والجواب عن ذلك: أنّ مَن قرأ تاريخ حياة الشيعة في القرون الماضية يرى أنّ الشيعة كانوا يؤخذون بالظنة ويقتلون وتصادر أموالهم، وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ ما ذكره أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث».
قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة (1)، وعلى كلّ منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة علي(عليه السلام)، فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

1 . الكورة: البقعة الّتي تجتمع فيها المساكن والقرى. المنجد، مادة «كور».

صفحه 38
ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي(عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ويحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمن عليه.(1)
فإذا كان حال الشيعة بهذا الشكل في عصر معاوية المعروف بالدهاء والمرونة ـ كما تعرّفه كتب التاريخ ـ فكيف حالهم في عصر المروانيين الذي سلّطوا على شيعة الكوفة الحجاج بن يوسف الثقفي فنكّل بهم وقتلهم قتلاً فظيعاً. ثم بعد أن دالت دولة الأمويين جاء عصر بني العباس فلم يكونوا أقل من سابقيهم في الظلم والقتل حتى صدق قول شاعرهم:
يا ليت جور بني مروان دام لنا *** يا ليت عدل بني العباس في النار

1 . شرح نهج البلاغة: 11 / 44 ـ 46 .

صفحه 39
إنّ هدر الدم في سبيل الله تعالى من أفضل القربات، لكن بشرط أن تترتب عليه نتيجة إيجابية، لا على عكس المقصود، كإبعاد الشيعة من أوطانهم، وإقفال مساجدهم ومحافلهم، وإحراق كتبهم ومحو آثارهم. ففي هذه الظروف يؤكد الإمام(عليه السلام)على التقية ويراها تسعة أعشار الدين مبالغة في المقصود، ويرى المخالف ممّن لا دين له، أي لا يحترم دمه وعرضه ودم سائر أبناء مذهبه.
هذه بغداد مركز العلم والثقافة وقد كان الشيعة والسنة يعيشون فيها متسالمين، إلاّ أنّه بعد أن احتلّ السلاجقة بغداد وأزالوا حكم البويهيين فقد أضرموا نار العداء بين هاتين الطائفتين، وسرت شرارتها إلى الكرخ فقتل هناك من الشيعة وهدمت دورهم وأُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وأخذوا يحرقون الكتب، ولم يجد الشيخ بدّاً من مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الأشرف.
ثم لماذا نتصفح الأوراق التالدة للطائفتين، إذ يكفينا النظر إلى النار التي أجّجها الاستكبار العالمي في هذه الأيام بين الطائفتين ويتحمّل مسؤوليتها أُمراء المنطقة ووعاظّهم، فما زلنا نسمع بالقتل والدمار قائمين على قدم وساق، فلا يمر شيعي

صفحه 40
في بعض المناطق إلاّ ويؤخذ ويقتل أو يطلق سراحه بعد أخذ الأموال الطائلة.
فعند ذلك تتجلّى قيمة ما دعا إليه الأئمة(عليهم السلام) من وجوب الأخذ بالتقية.

صفحه 41
   

الفصل الثالث

التقية في كلّ شيء

الظاهر ممّا روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عموم التقية
في كلّ شيء إلاّ ما خرج بالدليل. وإليك بعض ما ورد في
ذلك:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «التقية في كلّ ضرورة وصاحبها اعلم بها حين تنزل به».(1)
2. ما رواه أيضاً عن محمد بن مسلم و زرارة قالا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له».(2)
3. ما رواه البرقي في محاسنه عن أبي جعفر(عليه السلام)

1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث1.
2 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث2.

صفحه 42
قال: «التقية في كلّ ضرورة».(1)
إلى غير ذلك ممّا يرفع شأن التقية ويصفها بقوله: «لا خير فيمن لا تقية له».(2)
ومع ذلك كله فقد ورد الاستثناء في موارد ثلاثة:
1. شرب الخمر، 2. مسح الخفين، 3. متعة الحج.
روى الصدوق في «الخصال» عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قال:«لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كلّ شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفين».(3)
وروى الكليني عن زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً: شرب الخمر، ومسح الخفين، ومتعة الحج»، قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً.(4)

1 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث8.
2 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث30.
3 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث3.
4 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث5.

صفحه 43
روى الشيخ عن أبي العروة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً(عليه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفين؟ فقال: «كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي(عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفّين»، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: «لا، إلاّ من عدوّ تتّقيه، أو ثلج تخاف على رجليك».(1)
وهاهنا سؤال وهو أنّ الإمام(عليه السلام) أمر بالتقية في كلّ شيء اضطر إليه الإنسان، إلاّ أنّه استثنى هذه الأُمور الثلاثة، وعندئذ يقع الكلام فيما هو السر في هذه الاستثناء، مع العلم بأنّه إذا دار الأمر بين قتل الإنسان والمسح على الخفين تجب التقية، وهكذا في الموردين الآخرين.
والجواب: أنّ هذا الاستثناء يرجع إلى نفس أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولذلك قال في رواية زرارة: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً»، ولم يقل: «ثلاثة لا تتقوا فيهن»، وذلك لأنّ موقف الأئمة(عليهم السلام)عند المخالفين يختلف عن موقف سائر الشيعة، لأنّهم كانوا مصادر الفتيا في الحرمين الشريفين فعندما سؤلوا عن هذه المسائل الثلاث أجابوا عنها بأدلة واضحة، ولذلك لمّا سُئل عن الخفين أجاب الإمام(عليه السلام): سبق الكتاب الخفين لأنّ

1 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث5.

صفحه 44
سورة المائدة التي ورد فيها الوضوء آخر سورة نزلت على قلب نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد ورد فيها الأمر بمسح بشرة الرجل.
هكذا الأمر في المسكر فإنّ الكتاب والسنّة ممّا حرّمه الله سبحانه فللإمام أن يحتج بما هو المعروف.
ونظيره متعة الحج التي هي فريضة من لم يسق الهدي ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ) إلى أن قال سبحانه:(ذَلِكَ ]أي التمتع بالعمرة والشروع بالحجّ[ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).(1)
فلأجل وجود الدلائل الواضحة والحجج القاهرة التي تبطل دليل المخالف كان الأئمّة يجاهرون فيها بالحكم الواقعي.

1 . البقرة: 196 .

صفحه 45

الفصل الرابع

أقسام التقية والتقية المحرّمة

شاع بين الفقهاء أنّ التقية تنقسم إلى أقسام خمسة حسب انقسام الحكم الشرعي إليها، فتكون تارة واجبة، وأُخرى مستحبة، وثالثة مباحة، ورابعة مكروهة، وخامسة محرمة.
وقد ذكر هذه الأقسام الشيخ الأعظم(رحمه الله) في رسالته التي ألّفها في التقية، وإليك ما ذكر من الأمثلة:
1. القسم الواجب: ما يكون لدفع ضرر متوجه إليه من النفس أو العرض، فتكون التقية واجبة باعتبار غايتها وهي حفظ النفس والنفيس.
2. القسم المستحب: ما كان موجباً للتحرز عن كونه معرضاً للضرر بمعنى أنّه من الممكن أن يكون تركها مفضياً إلى الضرر تدريجاً كترك مداراة مع المخالفين وهجرهم في المعاشرة في بلادهم فإنّه ينجر غالباً إلى حصول المباينة

صفحه 46
الموجبة للمعاداة التي يترتب عليها الضرر غالباً، فالحضور في جماعاتهم والعمل على طبق أعمالهم تقية مستحب لأجل هذه الغاية، وإن لم يكن ضرر فعلاً في تركها.
3. القسم المباح: ما كان التحرز عن الضرر وفعله مساوياً في نظر الشارع كالتقية في إظهار كلمة الكفر على ما ذكره جمع من الأصحاب، ويدلّ عليه الخبر الوارد في رجلين أخذا بالكوفة وأُمرا بسبّ أمير المؤمنين(عليه السلام).
4. القسم المحرم: كما في الدماء فقتل المؤمن في مورد لا يستحق القتل تقية حرام، وفي بعض الروايات إنّما جُعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية.(1)
5. القسم المكروه فقد مثل له الشيخ ما يكون ضدّه أفضل.(2)
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان فعل الشيء مستحباً لا يدل على كون تركه مكروهاً، وإلاّ يلزم أن يكون ترك كل المستحبات مكروهاً.
وقد ذكر الشهيد نفس التقسيم فمثل للقسم المكروه

1 . الوسائل:11، الباب31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 1و2.
2 . المتاجر، قسم الملحقات، ص 320.

صفحه 47
بالإتيان بما هو مستحب عندهم حيث لا ضرر عاجلاً ولا آجلاً، وكان ذلك الشيء في الواقع حراماً.(1)
إذا علمت ذلك فاللازم الوقوف على ما هو المحرم من التقية، إذ ليست التقية ذريعة إلى ارتكاب كل محرم، بل ربما تكون التقية أمراً محرّماً.
وإليك الموارد التي لا تجوز فيها التقية إمّا مطلقاً أو لأشخاص خاص.
***

الأوّل: لا تقية في الدم

اتّفق الفقهاء على أنّه لا تقية في الدم، فإذا أُكره الإنسان على قتل إنسان محقون الدم وهُدد بأنّه إذا لم يقتله قتل مكانه فلا يجوز القتل، وقد ذكر الإمام(عليه السلام) وجه التحريم بأنّ الغاية من تشريع التقية صيانة الدماء، أمّا إذا كان العمل بالتقية منوطاً بإراقة الدم فلا غاية موجبة للتقية، وقد تضافرت الفتاوى والروايات على ذلك.
أمّا الفتاوى فقد قال النراقي: ولو انحصر في الأعلى

1 . القواعد والفوائد: 2 / 157، الفائدة 2085 .

صفحه 48
وجب إلاّ في قتل المسلم المحقون الدم، ولا يجوز إجماعاً للصحيح: إنّما جعلت التقية (ليُحصن بها الدماء) فإذا بلغت الدم فلا تقية.(1)
وقال في الجواهر: استثنى المصنف وغيره من ذلك على كلّ حال، الدماء المحترمة بالإيمان بلا خلاف أجده بالنسبة إلى القتل ظلماً، بل الإجماع بقسميه عليه .(2)

وأمّا الروايات فنذكر منها ما يلي:

1. صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية».(2)
2. موثّقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «لم تبق الأرض إلاّ وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل، قال: إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية».(3)
وبما أنّ المسألة من المسلّمات في الفقه نقتصر بهذا المقدار.
***

1 . مستند الشيعة:14:194.   2 . الجواهر:22/169.
2 . الوسائل: 11، الباب31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . الوسائل: ج 11، الباب 31 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث2.

صفحه 49

الثاني: التبرّي عن أمير المؤمنين وأولاده

ورد في غير واحدة من الروايات عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه رخّص في سبّه عند الإكراه ولم يرخّص في البراءة منه ، نذكر منها:
1. روى محمد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ستدعون إلى سبّي فسبّوني، وتدعون إلى البراءة منّي فمدّوا الرقاب، فإنّي على الفطرة».(1)
والرواية ضعيفة بمحمد بن ميمون، وصفه النجاشي بقوله: عامي غير أنّه روى عن أبي عبدالله نسخة، وعدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الصادق (عليه السلام).
2. ما رواه علي بن علي أخي دعبل بن علي الخزاعي، عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام)، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: «وإنّكم ستعرضون على سبّي، فإن خفتم على أنفسكم فسبّوني، ألا وإنّكم ستعرضون على البراءة مني، فلا تفعلوا، فإنّي على الفطرة».(2)

1 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث8.
2 . الوسائل: ج 11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث 9.

صفحه 50
والرواية ـ أيضاً ـ ضعيفة وفي السند هلال بن محمّد الحفار وهو لم يوثق، وفيه ـ أيضاً ـ إسماعيل بن علي الدعبلي وهو ضعيف قال العلاّمة في الخلاصة: لا اعتمد على روايته لشهادة المشايخ عليه بالضعف والاختلال بالرواية.
3. جاء في نهج البلاغة أنّه(عليه السلام) قال: «أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وإنّه سيأمركم بسبّي، والبراءة مني، فأمّا السب فسبّوني فإنّه لي زكاة، ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرّأوا منّي، فإنّي ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة».(1)
وقد أفتى الشيخ المفيد(رحمه الله) بمضمون هذه الروايات في الإرشاد وقال: استفاض عن أمير المؤمنين(عليه السلام)أنّه قال: ستعرضون من بعدي على سبّي فسبّوني، فمن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه، فإن برئ منّي فلا دنيا له ولا آخرة.(2)
***

1 . نهج البلاغة:101، برقم 56 ; الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث10. والمندحق: واسع البطن.
2 . إرشاد المفيد:169; الوسائل: 11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 21.

صفحه 51
وهناك صنف ثان من الروايات يعارض ما سبق ويرخصّ في البراءة، نذكر منها:
1. ما ذكره العياشي في تفسيره عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قيل له: مدّ الرقاب أحب إليك أم البراءة من علي(عليه السلام)؟ فقال: «الرخصة أحب إلىّ، أما سمعت قول الله عزّ وجلّ في عمار: (إِلاّ مَنْ أُكره وقلبهُ مُطْمَئنٌ بالإيمان)»(1).
والرواية مرسلة وكافة روايات العياشي في تفسيره ابتليت بالإرسال.
2. وفي رواية أُخرى في تفسيره عن عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سألته فقلت له: إنّ الضحاك قد ظهر بالكوفةويوشك أن ندعى إلى البراءة من علي(عليه السلام) فكيف نصنع؟ قال: «فابرأ منه»، قلت: أيهما أحبّ إليك؟ قال:«إن تمضوا على ما مضى عليه عمّار بن ياسر، أُخذ بمكة فقالوا له: إبرأ من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبرأ منه فأنزل الله عزوجل عذره:(إلاّ من أُكرهَ وقلبهُ مُطمَئنٌ بِالإيمان).(2)

1 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث12، تفيسر العياشي:2/272، برقم 74.
2 . الوسائل:11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث13; تفسير العياشي:2/323، برقم 9.

صفحه 52
والرواية مرسلة كذلك كبقية روايات تفسير العياشي.
***
وهناك صنف ثالث يدلّ على وجوب البراءة، نذكر منها:
1.موثقة مسعدة بن صدقة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ الناس يروون أنّ علياً(عليه السلام) قال على منبر الكوفة:أيها الناس انّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثم تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي، فقال: «ما أكثر ما يكذب الناس على علي(عليه السلام)، ثم قال: إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإنّي لعلى دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يقل: ولا تتبرّؤوا منّي»، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة، فقال: «والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عزّوجلّ فيه: (إلاّ من أُكرهَ وقلبهُ مُطمَئنٌ بِالإيمان). فقال له النبي:(صلى الله عليه وآله وسلم) عندها: يا عمار إن عادوا فقد أنزل الله عذرك، وأمرك أن تعود إن عادوا.(1)
والرواية موثقة لا يُعدل عنها إلاّ بدليل.
2. ما رواه العلامة المجلسي عن كتاب الغارات للثقفي

1 . نفس المصدر، الحديث2.

صفحه 53
عن الإمام الباقر(عليه السلام)، قال: خطب علىٌّ(عليه السلام)على منبر الكوفة فقال: «سيعرض عليكم سبّي وستذبحون عليه، فإن عرض عليكم سبّي فسبّوني وإن عرض عليكم البراءة مني فإنّي على دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقل «فلا تبرّؤوا منّي».
3. وروى عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: قال علي(عليه السلام): «ليذبحن على سبّي ـ و أشار بيده إلى حلقه، ثم قال: فإن أمروكم بسبّي فسبوني وإن أمروكم أن تتبرؤوا منّي فإنّي على دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم ينههم عن إظهار البراءة، ثم قال: إنّه أباح لهم سبّه عند الإكراه لأنّ الله تعالى قد أباح عند الإكراه التلفظ بكلمة الكفر فقال: (إلاّ من أُكرهَ وقلبهُ مُطمَئنٌ بِالإيمان)».(1)
4. ويقرب منه ما ورد في الاحتجاج عن تفسير الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).(2)
أقول: ويمكن الجمع بين هذه الطوائف بالنحو التالي:
حمل البراءة على البراءة القلبية والتبرّؤ الجدّي من الإمام(عليه السلام) والدخول في عداد النواصب، وهذا ممّا لا يجوز، ويدلّ على ذلك تعليل النهي في قوله: «فإنّي ولدت على

1 . بحارالأنوار:39/325ـ 326، برقم 127.
2 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث11.

صفحه 54
الفطرة» والمولود عليها مؤمن تجب موالاته ويحرم التبرّي منه.
والذي يرشدك على ذلك أنّ الإمام يرخّص السبّ ولا يرخّص البراءة مع أنّ السبّ أفظع من البراءة بمراحل فكيف يرخّصه ولا يرخّص الأخف؟!
وإن أبيت عن هذا الجمع فالترجيح مع الصنفين الأخيرين لكثرة رواياتهما وورود التكذيب فيهما بالنسبة إلى الصنف الأوّل، مضافاً إلى أنّه إذا دار الأمر بين حفظ النفس والتلفّظ بالبراءة فالثاني هو المتعيّن، إذ لا يعدل دم المسلم شيء إلاّ إذا أُقيم به الدين.

سؤال وإجابة

لو قيل: إنّ حفظ النفس وصيانتها من الأُمور المهمة، فإذا دار الأمر بينه وبين البراءة اللفظية فالثانية هي المتعيّنة، فلماذا لم يتبرّأ الأماثل من أصحاب علي(عليه السلام)، فنراهم قد اختاروا مدّ الرقاب ولم يتبرّؤوا.
قلت: سيوافيك وجه ذلك في الاستثناء الثالث الذي ستقرأه تالياً.

الثالث: حرمة التقية فيما يتعلق بأساس الدين

إذا تعرض المسلم من قبل أعداء الدين إلى ما فيه هدم

صفحه 55
الدين، كما إذا أُكره على تأليف كتاب في رد الإسلام أو التشيّع أو إنكار قواعده المسلمة في الأنكحة والمواريث وغيرهما، فليس له العمل بالتقية وإن أدى تركها إلى حبسه وسلب أمواله بل قتله، وذلك لأنّ المقام من مصاديق التزاحم، ومن المعلوم أنّ حفظ الدين وصيانته أولى وأهم في نظر الشارع من حفظ المال والنفس، فقد قدّم المسلمون في سبيل حفظ الدين آلاف الضحايا حتى قام صَرحُه وأخضر عوده.
وبالجملة فكلّ عمل يورث الفساد في الدين وتراجع الناس عنه أو تسرّب الشكوك إلى قلوب المسلمين فلا تقية فيه.
ونظير ذلك إذا كان المكره عليه أمراً تجوز فيه التقية كما في شرب الخمر أو اللعب بالقمار، ولكن إذا أُكره السلطان الجائر أحد القادة الروحيين أو مرجعاً من مراجع الدين على مثل هذه الأُمور تحرم فيه التقية، إذ في ذلك العمل تراجع الناس عن الدين وزعزعة إيمانهم، وبذلك تقف على سرّ صمود حجر بن عدي وأصحابه الذين قتلوا في مرج العذراء، فمدّوا الرقاب للسيف ولم يتبرّؤوا، ومثلهم ميثم التّمار وغيره، وذلك لأنّ هذه الشخصيات من الأماثل الكبارمن أصحاب علي(عليه السلام)الذين بهم

صفحه 56
عرف الناس التشيّع واعتمدوا عليهم، فلو استجابوا لما دعوا إليه من البراءة حتى السبّ لخرج الناس عن دين الله وارتدوا.
قال سيدنا الأُستاذ (قدس سره): إذا كان الاتقاء موجباً لرواج الباطل وإضلال الناس وإحياء الظلم والجور بحيث لو عُمل بالتقية أصبح دين الإسلام الذي هو دين كل فضيلة رابية، دينَ المكر والغدر والحيلة، مثلاً إذا أوعد السلطان الجائر عالم الشريعة وخيّره بين إنكار ضرورة من ضروريات الإسلام وبين قتله، كان اختيار الثاني هو المتعيّن، حتى ولو خيّره بين القتل وارتكاب معصية من المعاصي التي تورث تزلزل الناس عن الدين، فعندئذ تحرم عليه التقية.
مثلاً لو خُيّر المرجع الديني بين لعب القمار أو شرب الخمر أو كشف حجاب زوجته بين الناس وبين الحبس والقتل، فالثاني هو المتعيّن، فلا أظن أنّه يخطر ببال أي فقيه في هذا المقام العمل بالتقيةوتحكيم أدلتها على حفظ الدين وسلامة العقيدة بين الناس.
فالمقام من باب التزاحم الذي يقدم فيه الأهم فالأهم على غيره، فلو كانت هناك مؤامرة على الدين وقوانينه وأحكامه فالتقية تصبح محرمة وإن بلغ الأمر ما بلغ.

صفحه 57

الفصل الخامس

ترك التقية في العبادة وحكمها شرعاً

إذا كانت التقية واجبة لأجل الخوف على النفس والنفيس ومع ذلك كلّه فقد ترك المكلّف العمل بها، وأتى بالعبادة على النحو المطلوب بالأمر الأوّلي، كما إذا سجد على التربة الحسينية مع اقتضاء الظروف تركه،أو ترك التكفير وصلّى مسدلاً، أو مسح الرجلين مكان غسلهما، فهل يصح عمله أو لا؟
ذهب الشيخ الأنصاري(رحمه الله) إلى أنّ نفس ترك التقية في جزء العمل أو في شرطه أو في مانعه لا يوجب بنفسه إلاّ استحقاق العقاب على تركها، فلازم ذلك عدم بطلان العمل إلاّ إذا اقتضت القواعد بطلانه، كما إذا سجد على التربة الحسينية مع اقتضاء التقية تركه، فيفسد العمل لأنّ السجود يقع منهياً عنه.(1)
وحاصله كلامه: انّ إيجاب الشيء لأجل التقية كالتكفير

1 . رسالة التقية:60، تحقيق فارس الحسون.

صفحه 58
في الصلاة لا يجعله معتبراً في العبادة حال التقية، ولذلك لو صلى بلا تكفير صحّت صلاته إلاّ إذا اقتضت القاعدة بطلان العمل لأجل تعلّق النهي به كما في المثالين التاليين:
أ. سجد على التربة مع التقية.
ب. مسح الرجلين مع التقية.
وذلك لأنّ السجود والمسح والحال هذه يقعان منهياً عنهما.
ثم إنّه (قدس سره)طرح سؤالاً وأجاب عنه .
أمّا السؤال فهو: إذا كان إيجاب الشيء للتقية لا يجعله معتبراً في العبادة لزم الحكم بالصحة في المثال التالي:
إذا توضّأ وترك المسح على الخفين والبشرة معاً وذلك وجه الصحة أنّ المفروض عدم أخذ مسح الخفين جزءاً في الموضوع فتركه لا يقدح في صحّته، ومن جانب أنّ المسح على البشرة سقط لأجل التقية مع أنّه لا خلاف في بطلان الوضوء.
أمّا الجواب: فقال إنّ بطلان الوضوء ليس لأجل ترك ما وجب بالتقية، بل لأجل ترك جزء من الوضوء، فبطلان الوضوء ليس مستنداً لترك التقية، بل لترك ما وجب، لا لأجل التقية .

صفحه 59
توضيحه: أنّ الأوامر الاضطرارية على قسمين :
1. ما يكون البدل الاضطراري جزءاً أو شرطاً للمأمور به، كما في الأمر بالصلاة مع الطهارة الترابية، فلو ترك البدل وإن أتى بالمبدل (والطهارة المائية) يكون عمله باطلاً، لأنّه ترك جزء المأمور به.
2. ما لا يكون البدل جزءاً أو شرطاً له، وهذا كالأمر بالقبض في الصلاة أو المسح على الخفين فترك التقية في هذين الموردين لا يوجب بطلان الوضوء والصلاة، إذ ليس القبض ولا المسح على الخفين من أجزاء المأمور به أو شرطه، حتّى يوجب تركهما بطلان العمل.
وأمّا بطلان وضوء من ترك المسح على البشرة والخفين معاً، فلأجل قوله سبحانه: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(1).
فإنّه متضمّن حكمين:
1. المسح على البشرة بحفظ قيد مماسة الماسح للممسوح .

1 . المائدة: 6 .

صفحه 60
أ. أصل المسح إلغاء قيد المماسة كما في المسح على الجبيرة، وهذا هو الفرد الميسور ضمن ترك المسح على الخفين قيد ترك ما هو الواجب بنفس الآية، أعني: الفرد الميسور، ولا يكون البطلان مستنداً إلى التقية.
أقول: ما أفاده من الضابطة من أنّ الأمر بالتقية لا يوجب تقيد العبادة بها إلاّ إذا صارت المخالفة سبباً لتعلّق النهي بجزء العبادة، صحيح ومتين .
لكن إجابته عن الإشكال الّذي طرحه ليس بمتين لما أفاده سيدنا الأُستاذ (قدس سره)من أنّ المسح على الرجل والرأس لا ينحل إلى شيئين على نحو يكون الشيء الثاني هو المسح على غير البشرة. وبعبارة أُخرى: المسح على غير البشرة لا يُعد فرداً ميسوراً على البشرة، ويدلّ على ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «امسح عن ظهر حماري أحب اليّ من أن أمسح على الخفين» (1).
وفي رواية أُخرى عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة ورد الله كلّ شيء إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى

1 . مستدرك الوسائل: 1، الباب 33 من أبواب الوضوء، الحديث 13 .

صفحه 61
أصحاب المسح أين يذهب وضوءهم».(1)
والأولى أن يجاب عن الاشكال بأنّ مَن ترك المسح على الخفين وفي الوقت نفسه ترك المسح على البشرة، فبطلان وضوءه لأجل أنّه لم يأت بالمأمور به لا بالواقعي الأوّلي ولا بالواقعي الثانوي حتى يوصف بالصحة. نعم مَن ترك المسح على الخفين دون البشرة فلا فرق بينه وبين السجدة على التربة، فجزء العبادة عندئذ يصير مصداقاً للمخالفة المنهية، وما أُدعي من الإجماع على البطلان في محله إذ لا فرق بين المثالين.
ومع ذلك كله فالحكم ببطلان عمل التارك للتقية مشكل حتّى أنّ سيدنا الأُستاذ استقرب صحة العمل حتى فيما إذا كان جزء العبادة مصداقاً للمخالفة قائلاً بأنّ المورد من موارد اجتماع الأمر والنهي، وعلى هذا فتكون الأعمال المخالفة للتقية صحيحة كما في السجدة على التربة أو المسح على الرجلين والوقوف في عرفات في اليوم الذي حكم الحاكم بأنّه يوم العاشر.
فإن قلت: يظهر من بعض الروايات بطلان العمل المخالف للتقية، فعن داود الرّقي، قال: كنت مع أبي عبد الله(عليه السلام)

1 . الوسائل:1، الباب 38 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

صفحه 62
حتى جاء داود بن ذربي فسأله عن عدّة الطهارة، فقال له: «ثلاثاً، ثلاثاً، من نقص عنه فلا صلاة له».(1) ويظهر ذلك من ذيل الرواية حيث إنّ داود بن ذربي كان مجاوراً لبيت أبي جعفر المنصور وكان يراقبه في صلواته ولذلك أفتى الإمام(عليه السلام) بالتقية. وهي غسل كل عضو ثلاثاً مع أنّ السنة هو الغسل مرتين.
قلت: الرواية ضعيفة سنداً ودلالة أمّا السند فإنّ أحمد بن سليمان مهمل في الرجال، وأمّا الدلالة فلعل التأكيد لأجل حفظ دمه ونفسه لا أنّ صلاته باطلة واقعاً.

1 . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث2.

صفحه 63
إجزاء العمل على وفق التقية عن الإعادة والقضاء   

الفصل السادس

إجزاء العمل على وفق التقية

عن الإعادة والقضاء
هل العمل المأتيّ به على وفق التقية مسقط للتكليف، مجز عن الإعادة في الوقت إذا ارتفعت التقية فيه، وعن القضاء إذا ارتفعت خارجه، أو لا؟
هذا هو البحث المهم وبيت القصيد في هذا الموضوع.
والبحث مركّز على ما إذا كان لدليل وجوب الجزء أو الشرط المتروكين لأجل التقية إطلاق يعمّ حالتي الاختيار والاضطرار، مثلاً إذا كان لدليل المسح على البشرة أو غسل الأعضاء من الأعلى إلى الأسفل إطلاق يعم كلتا الحالتين، فيقع البحث في حكومة أدلة التقية على إطلاق دليلهما ـ كما هو الحال في سائر حالات الاضطرار، كحكومة أدلة التيمم على غسل الأعضاء في حالتي وجود الماء ـ ، و عدمه.

صفحه 64
وإلاّ فلو لم يكن لدليل الجزء أو الشرط إطلاق يعم حالة الاضطرار فلا شك في إجزاء العمل لأنّ المأمور به عند التقية عمل تام لا يعوزه شيء لاختصاص وجوب الجزء أو الشرط بحال الاختيار.
إذا علمت مصب البحث فاعلم أنّ مقتضى القاعدة هو فساد العمل لافتراض وجود إطلاق في دليل الجزء والشرط، إلاّ إذا ثبتت حكومة أدلة التقية على الإطلاقين، وإلاّ فالمحكم هو إطلاق دليل الجزء والشرط.
وأمّا أدلّة التقية فهي على قسمين:
قسم يدلّ على الرخصة في مورد خاص وقسم يدلّ عليها بصورة عامّة.

ما يدلّ على الرخصة في مورد خاص

إذا ورد دليل على الرخصة في عبادة خاصّة فلا شك في دلالته على الإجزاء، فإنّ معنى الرخصة في المورد عبارة عن اكتفاء الشارع بالعمل المأتي به على وجه التقية، وإليك بعض ما ورد في هذا الموضوع:
1. ما رواه الشيخ بإسناده، عن أبي الورد، قال: قلت لأبي

صفحه 65
جعفر(عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً(عليه السلام)أراق الماء ثمّ مسح على الخفين؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي(عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلاّ من عدوّ تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك».(1)
والرواية حسنة لمكان أبي الورد ولم يوثق، وأمّا الآخرون فكلّهم ثقات.
فمعنى قوله: «رخصة» أي رخصة تكليفاً ووضعاً لا تكليفاً فقط، والشاهد عليه أنّه عطف قوله: «على رجليه من الثلج» على الاتّقاء من العدو، والإجزاء في الثلج لا خلاف فيه.
2. موثّقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلَّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: «إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أُخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلّي ركعة أُخرى ويجلس قدر ما يقول: «أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)» ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإنّ

1 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث5.

صفحه 66
التقيّة واسعة، وليس شيء من التقيّة إلاّ وصاحبها مأجور عليها، إن شاء الله»(1).
أقول: بما أنّه دخل في صلاتهم وقد صلّى ركعة قبلهم فتكون ثالثة القوم رابعته فعليه أن يجلس للتشهد ويكون معنى قوله: (ثم يتم صلاته) «ان يجلس في ثالثتهم قليلاً ويتشهّد ويسلم ـ ولكن لأجل اظهار المتابعة ـ يقوم معهم يأتي بصورة الصلاة في الركعة الأخيرة، أو يكبر ويأتي بها نافلة. وفي رواية إن لم يمكنه التشهد جالساً تشهد قائماً. وقال به بعض الأصحاب».(2)
وعلى كل تقدير: فإنّ قوله: «ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع» دليل واضح على إجزاء العمل المأتي به على وجه التقية، حيث إنّ الرجل صلى مع إمام غير عادل صلاة جماعة، ولولا الإجزاء لأمره بالإعادة أو القضاء، وهذه الرواية أوضح الروايات في هذا القسم. حيث صلّى ركعة منفرداً وصلى الركعات الباقية معهم، وتابعهم في رابعة القوم صوريّاً .
3. ما رواه الشيخ عن محمد بن فضل الهاشمي(3) قال:

1 . الوسائل:5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.
2 . مرآة العقول: 15 / 271 .
3 . في بعض النسخ محمد بن الفضيل وهو الأزدي الكوفي الصيرفي.

صفحه 67
دخلت مع أُخوتي على أبي عبد الله(عليه السلام)فقلنا له: إنّا نريد الحج وبعضنا صرورة، فقال: «عليك بالتمتع»، ثم قال:«إنّا لا نتقي أحداً بالتمتع بالعمرة إلى الحج، واجتناب المسكر، والمسح على الخفين»، معناه أنا لا نمسح.(1)
وجه الاستدلال: أنّها تدل على جواز التقية فتوى وعملاً في غير ما استثنى من الأُمور الثلاثة.
ولعلّ الاستثناء يختصّ في بعض هذه الثلاثة كالمسح على الخفين بالإمام، لأنّ مكانته بين المسلمين، تبرّر رفض التقية في هذه المسائل دون الضعفاء من الشيعة .
4. روى الشيخ عن إسحاق بن عمّار، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي أدخل المسجد وأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أؤذّن وأقيم وأكبر، فقال لي: «فإن كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتدّ بها فإنّها من أفضل ركعاتك».(2)
5. ما رواه الكليني عن يعقوب بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك تحضر صلاة الظهر فلا نقدر أن ننزل في الوقت حتّى ينزلوا وننزل معهم فنصلّي، ثم يقومون

1 . الوسائل: 8 ، الباب3 من أبواب أقسام الحج، الحديث5.
2 . الوسائل: ج 5، الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4.

صفحه 68
فيسرعون فنقوم ونصلّي العصر ونريهم كأنّا نركع، ثم ينزلون العصر فيقدمونا فنصلّي بهم؟ قال: «صل بهم لا صلى الله عليهم».(1)
والمتبادر من الرواية أنّه يصلّي الظهر معهم، والعصر وحده بإعمال الحيلة ، ثم يعيد العصر على وجه الجماعة بوصفه إماماً لهم .
6. ما رواه عبدالله بن بكير عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لا بأس أن تصلّي خلف الناصب ولاتقرأ خلفه في ما يجهر فيه فإنّ قراءته تجزيك إذا سمعتها.(2)
7. ما رواه هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ في حديث ـ أنّ المؤمن إذا أظهر الإيمان ثم ظهر منه ما يدلّ على نقضه، خرج ممّا وصف وأظهر وكان له ناقضاً إلاّ أن يدّعي أنّه إنّما عمل ذلك تقيّة، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس ممّا يمكن أن تكون التقيّة في مثله لم يقبل منه ذلك، لأنّ للتقيّة مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتّقي، مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم

1 . نفس المصدر: الباب 54، من نفس الأبواب، الحديث 6 .
2 . نفس المصدر: الباب 34 من نفس الأبواب، الحديث 5 .

صفحه 69
على غير حكم الحقّ وفعله، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز .(1)والظاهر أنّ المراد من الجواز، هو الجواز الوضعي أو أعم منه ومن التكليفي .
8. ما رواه أبو بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): من لا أقتدي به في الصلاة؟ قال: افرغْ ] من القراءة [ قبل أن يَفرغ، فإنّك في حصار، فإن فرغ قبلك فاقطع القراءة وأركع معه.(2)
فإنّ الاكتفاء بالقراءة الناقصة دليل على صحة الصلاة .
9. ما روي عن الإمام الكاظم(عليه السلام) أنّه قد أمر بعض أصحابه أن يتوضّأ كما يتوضّأ غيره من الناس، وذلك فيما كتب إلى علي بن يقطين وقال: «فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أُذنيك

1 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 6 .
2 . الوسائل: ج 5، الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. والمراد من الفراغ، هو الفراغ من القراءة بناء على لزوم أو جواز القراءة عند الاقتداء بالمخالف .

صفحه 70
وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره».
وقد عمل علي بن يقطين بما أمره به الإمام(عليه السلام) فترة، وقد امتحنه الرشيد في تلك الفترة فنظر إلى وضوئه فرأى أنّه يتوضأ كوضوئه، فناداه: «كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة»، وصلحت حاله عنده.
وبعد ذلك ورد عليه كتاب أبي الحسن(عليه السلام) ثانياً يأمره بالوضوء على النحو الثابت عند أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وقال في آخر الرسالة: «فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك».(1)
وقد نقل الشيخ الحر العاملي نظير تلك القصة في حق الآخرين، حيث أمر الإمام(عليه السلام)داود بن زربي أن يتوضّأ مثل ما يتوضّأ الناس، ولما ارتفع المحذور أمره بالتوضّؤ على الوجه الحق.(2)
فلو كان العمل على وفق التقية رافعاً للتكليف دون الوضع كان على الإمام(عليه السلام)أن ينبّه على ذلك ويأمر هؤلاء بالقضاء.

1 . الوسائل :1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث3.
2 . الوسائل :1، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث2.

صفحه 71
ولعلّ في غضون أبواب الوسائل ما يمكن أن يكون من هذا القسم أي حديثاً خاصاً بالمورد دالاًّ على الرخصة والإجزاء، إنّما الكلام في دلالة القسم الثاني أي ما يدلّ على الرخصة بعنوان الاضطرار والتقية، فيقع الكلام في أنّ مفاده هو الرخصة تكليفاً أو الأعم على نحو يشمل كلا الحكمين: التكليفي والوضعي، والقضاء الحاسم رهن دراسة الروايات واحدة تلو الأُخرى.
ما يدلّ على الرخصة بصورة عامّة:
وهي على أصناف:

1. رفع ما اضطروا إليه

روى الصدوق عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».(1)
وأساس الاستدلال هو شمول الحديث لرفع جميع الآثار. فالجزئية وهي المسح على البشرة حكم شرعي مرفوعة عند الاضطرار.

1 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.

صفحه 72
فإن قلت: إنّ الجزئية والشرطيّة من الأُمور الانتزاعية
التي ينتزعها العقل من الأمر بالمسح على البشرة في
الوضوء، فليست هي أثراً شرعياً حتى تكون مرفوعة بحديث الرفع.
قلت: إنّ رفع الجزئية بلحاظ رفع منشأ انتزاعها أي رفع الوجوب الضمني المتعلق بالمسح على البشرة، فانتهاؤها إلى الحكم الشرعي يصحّح تعلّق الرفع بها.
ويمكن أن يُجابَ بوجه آخر وهو: أنّ المرفوع هو الحكم التكليفي ـ أعني: الوجوب الضمنيّ ـ وذلك لأنّ المكلّف لو اضطر إلى ترك المسح على البشرة فالجزء (المسح على البشرة الذي كان موضوعاً) قد رفع، ورفع الجزء كناية عن رفع حكمه، أي الوجوب الضمني، وعندئذ يختص دليل التكليف بالوضوء بماعدا المسح على البشرة. فيكون حديث الرفع استثناءً من الوجوب الضمني عند الاضطرار.
ويدلّ على العموم ـ أعني: رفع الحكم مطلقاً تكليفاً كان أو وضعاً ـ ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن(عليه السلام) في مَن يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال:«لا، قال رسول

صفحه 73
الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن أُمّتي: ما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا».(1)
وقد تمسّك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق وعدم ترتّب الصحة التي هي حكم وضعي، فيكشف عن أنّ المرفوع أعم من المؤاخذة والحكم التكليفي والوضعي.
وفي تمسّك الإمام بحديث الرفع في بطلان اليمين على الثلاثة عن إكراه إشكال معروف، أجاب عنه الشيخ في الفرائد.(2)
وقد استظهر الشيخ في كتاب الفرائد شمول الرواية للآثار الوضعية أيضاً، ولكنّه في رسالة التقية اختار العكس وقال: ولكن الإنصاف ظهور الرواية في رفع المؤاخذة، فمن اضطر إلى الأكل والشرب (في شهر رمضان) أو التكتف في الصلاة فقد اضطر إلى الإفطار وإبطال الصلاة، لأنّه مقتضى عموم الأدلة، فتأمل.(3)

1 . الوسائل:16، الباب12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث12.
2 . الفرائد: 2 / 29 الطبعة المحقّقة; ولاحظ إرشاد العقول: 3 / 355 .
3 . رسالة التقية: 42 (المحققة). ولعل الأمر بالتأمّل إشارة إلى ما أفاده في الفرائد من القول بالعموم.

صفحه 74

2. ما دلّ على أنّ التقية في كلّ ما يضطر إليه

أ. صحيحة الفضلاء قالوا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له».(1)
ب. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».(2)
ج. وروى البرقي عن عمر ]معمر[ بن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «التقية في كلّ ضرورة».(3)
وجه الدلالة: أنّ تجويز الدلالة في كلّ ما يضطر إليه الإنسان عام يشمل العبادات والمعاملات والأُمور العادية، وتجويز التقية وتحليلها يلازم عرفاً إمضاء العمل وإجزائه عن الواقع، والقول بأنّ الروايات بصدد رفع الحرمة إذا كان مورد التقية أمراً حراماً كشرب النبيذ، ولا تدلّ على إمضاء العمل وإجزائه، غير تام.
وذلك لأنّ الابتلاءبالتقية في مورد العبادات كان أكثر من سائر الموارد الأُخرى، فتخصيصها بالأمر المحرّم عند الشيعة

1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.
2 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث8.

صفحه 75
والحال عندهم كشرب النبيذ يستلزم حمل الرواية على المورد النادر.
وإن شئت قلت: إنّ قوله: «فقد أحلّه الله له» و إن كان ظاهراً في رفع الحرمة ولكنّه ظهور بدئي يزول بملاحظة سائر الروايات، وذلك لأنّ ابتلاء الشيعة بالتقية في مورد الوضوء غسلاً ومسحاً والصلاة في المواقيت، والصوم في يوم الشك، والتمتع إلى غير ذلك من الموارد التي تدور التقية حول الحكم الوضعي، كان أكثر من الابتلاء بالمحرم فحمل الروايات على ارتكاب الفعل المحرم حمل لها على المورد النادر.
وعلى ذلك فيكون معنى «أحلّه الله له» أي أمضاه ونفذّه، نظير قوله سبحانه:(وأحلّ الله البيع وحرّم الربا) (1) فإنّ التحليل هنا بمعنى تجويزه وإمضائه لا تحليله تكليفاً.

3. التقية في كل شيء إلاّ في ثلاثة موارد

وهناك روايات تدلّ على وجوب التقية إلاّ في ثلاثة موارد:
1. روى هشام بن سالم، عن أبي عمر الأعجمي، عن أبي

1 . البقرة: 275 .

صفحه 76
عبدالله(عليه السلام) في حديث أنّه قال:«لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء، إلاّ في النبيذ والمسح على الخفين».(1)
2. وروى زرارة قال: قلت له(عليه السلام): في مسح الخفين تقية، فقال: «ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب الخمر، ومسح الخفين، ومتعة الحج». قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ألاّ تتّقوا فيهنّ أحداً.(2)
3. روى الصدوق في الخصال بإسناده عن علي(عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: «ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية».(3)
فإنّ استثناء الثلاثة دليل واضح على عموم التقية في غيرها، وقد عرفت أنّ اختصاص عدم التقية في مورد الثلاثة من خصائص الأئمة(عليهم السلام) لا شيعتهم، فيجوز لهم عند التقية المسح على الخفين والصلاة مع الناس. فلو كان الهدف رفع التكليف دون الوضع لكان على الإمام(عليه السلام) أن ينبه ـ ولو في مورد واحد ـ على الإعادة أو القضاء.

1 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
2 . نفس المصدر، الحديث5.
3 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث18.

صفحه 77

4. التأكيد على التقية والحثّ عليها

وهناك روايات قد شدّد فيها الأئمّة(عليهم السلام) على التقية وحثّوا عليها، نذكر منها ما يلي:
1. ما رواه معمر بن الخلاد قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن القيام للولاة؟ فقال:«قال أبو جعفر(عليه السلام): «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له».(1)
2. وروى أبو عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لاتقية له».(2)
3. ما رواه زيد الشحّام، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «يا زيد! خالقوا الناس بأخلاقهم، صلّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمّة والمؤذنين فافعلوا، فإنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً، ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه».(3)

1 . الوسائل: ج 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 4.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
3 . الوسائل: ج 5، الباب 75 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 78
4. ما رواه إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «يا إسحاق! أتصلّي معهم في المسجد؟» قال: نعم، قال : «صلّ معهم فإنّ المصلّي معهم في الصفّ الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل الله».(1)
ونقل في الحدائق عن الوافي: إنّما قيد بالصف الأوّل، لأنّه أدخل في معرفتهم بإتيانه المسجد وأدلّ على كونه منهم، وإنّما شبّهه بشاهر سيفه في سبيل الله لدفعه شرّ العدوّ.(2)
5. ما رواه الكليني، عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ومن صلّى معهم في الصف الأوّل كمن صلّى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الصف الأوّل ».(3)
6. روى الصدوق مرسلاً قال: قال الصادق (عليه السلام): «إذا صلّيت معهم غفر لك بعدد من خالفك».(4)
فإنّ تأكيد الأئمّة(عليهم السلام) على التقية بشكل يستشم منه المغالاة (ولا غلو فيه واقعاً) يدلّ بالملازمة العرفية على أنّ

1 . الوسائل: ج 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .
2 . الحدائق: 11 / 71 نقلاً عن الوافي.
3 . الوسائل: ج 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .
4 . الوسائل: ج 5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 79
الشارع رخص لمن ابتلي بالتقية ترخيصاً في مجال التكليف وتحليل الحرام له كشرب النبيذ والإفطار في شهر رمضان، وفي مجال الوضع وأنّه يقبل العمل المأتي به على وفق التقية.
فعندئذ يصبح القول بوجوب الإعادة والقضاء عند ارتفاع التقية شيئاً غير منسجم مع هذه الروايات المتنوعة الحاثة على التقية.
وإن شئت قلت: إنّ الإجزاء هو مقتضى الإطلاق المقامي حيث إنّ الإعادة أو القضاء بعد سماع هذه التأكيدات على المشاركة في عباداتهم، تكون أمراً مغفولاً عنه، فلو كان التدارك أمراً لازماً لزم التنبيه عليه.
والإجزاء هو المفهوم من كلمات أصحابنا نذكر منها ما يلي:
***
1. يقول العلاّمة: ولا يجزي الغسل عن المسح إلاّ عند التقية.(1)
2. يقول المحقّق الثاني في شرحه على هذا الموضع: ولا

1 . جامع المقاصد:1/222.

صفحه 80
تجب الإعادة بزوالها قولاً واحداً فيما أظنه.(1)
3. قال العاملي في شرحه على القواعد: إذا فعل فعلاً على وجه التقية من العبادات أو المعاملات فهو صحيح مجز بلا خلاف، وهل تجب عليه الإعادة لو تمكن من الإتيان بالعبادة قبل خروج وقتها على وجهها أو لا؟ فنقل أوّلاً التفصيل الآتي من المحقّق الثاني ثم قال: ونقل عن بعض أصحابنا القول بعدم الإعادة مطلقاً نظراً إلى كون الآتي (المأتي به) شرعياً، ثم نقل أنّه رُدّ بأنّ الإذن في التقية من جهة الإطلاق لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة مع الحاجة، ثم أمر بالتأمل.(2)
أقول: ونعم ما أمر بالتأمل، فإنّ المأمور به هو عنوان الصلاة المشتملة على الطهارة، فإذا تعذر المعسور وأتى بالميسور، بأمر الشارع ينطبق على المأتي به عنوان الصلاة ويكون مصداقاً لها ومأموراً به بالأمر بها، وعندئذ يسقط الأمر قطعاً وقد انعقد الإجماع على أنّه ليس على المكلف إلاّ صلاة واحدة لا صلاتين.
وقد أوضحنا حال ذلك الوجه في محاضراتنا الأُصولية.
فإن قلت: إنّ في دلالة بعض الروايات على الإجزاء

1 . نفس المصدر.   2 . مفتاح الكرامة:1/436.

صفحه 81
إشكالاً، وذلك لأنّ لفظ التقية يطلق ويراد به أحد معنيين:
الأوّل: الاتّقاء بالمعنى المصدري، فيكون الاتّقاء من الدين واجب، وعلى هذا فيكون قوله:«لا دين لمن لا تقية له» أي لا دين لمن ترك الاتّقاء وألقى بنفسه في الهلكة.
الثاني: ما يتّقى به، وإن شئت قلت: الوقاية، وهو العمل الموافق لهم المخالف للحق.
ودلالة الروايات على الإجزاء مبنية على أنّ المراد من التقية ما يتقى به لا نفس الاتقاء بالمعنى المصدري.(1)
قلت: بأنّه لا فرق بين المعنيين في الدلالة على الإجزاء، نفترض أنّ المراد هو الاتقاء بالمعنى المصدري، فإنّ الحث عليه والدعوة إليه والتنديد بمن أعرض عنه يلازم عرفاً الدعوة إلى ما يتّقى به، وهو يلازم كون العمل ممضى عند الداعي. بل يعدّ من المتناقض في القول عند العرف إذا حثّ على العمل وأكّد عليه، ومع الوصف ردّه ولم يقبله عند الامتثال.
إلى هنا ظهرت صحة الاستدلال بالروايات على الإجزاء مطلقاً، إعادة كانت أو قضاء.

1 . القواعد الفقهية:5/49.

صفحه 82

تفصيل للمحقّق الثاني

ثم إنّ المحقّق الثاني قد أفتى بكفاية العمل المأتي به تقية عن الإعادة حيث قال: ولا تجب الإعادة بزوالها قولاً واحداً فيما أظنه.(1)
ومع ذلك فقد اختار هو في رسالته حول التقية التفصيل الآتي، فقال: فما ورد فيه نص بخصوصه إذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحاً مجزياً، سواء كان للمكلف مندوحة عن فعله كذلك أم لم يكن، التفاتاً إلى أنّ الشارع أقام ذلك الفعل مقام المأمور به حين التقية، فكان الإتيان به امتثالاً فيقضي الإجزاء. وعلى هذا فلا تجب الإعادة ولو تمكن منها على غير وجه التقية قبل خروج الوقت، ولا أعلم في ذلك خلافاً بين الأصحاب.
وما لم يرد فيه نص بخصوصه كفعل الصلاة إلى غير القبلة، وبالوضوء بالنبيذ ومع الإخلال بالموالاة بحيث يجف البلل كما يراه بعض العامة، ونكاح الحليلة مع تخلّل الفاصل بين الإيجاب والقبول، فإنّ المكلّف يجب عليه إذا اقتضت الضرورة موافقة أهل الخلاف فيه إظهار الموافقة لهم، كما في

1 . جامع المقاصد:1/222.

صفحه 83
المقارنة بالنية لأوّل الحجر في الطواف مع محاذاة أوّل جزء من مقاديم بدنه له. ومع التعذر: فإن كان له مندوحة عن ذلك الفعل لم يجب الإتيان به وإلاّ أتى مجزياً، ثم إن أمكن الإعادة في الوقت ـ بعد الإتيان به وفق التقية، وجب الخ . (1)
ولا يخفى أنّ التفريق بين ما ورد فيه نص بخصوصه وما لم يرد فيه نص كذلك، لا دليل عليه، فإذا كانت الإطلاقات متضافرة على الإجزاء تكون دلالتها على الإجزاء نظير ما ورد فيه نص على خصوصه فإنّ القسمين يشتركان في عدم التصريح فيهما بالإعادة والقضاء و مع ذلك كيف يفترقان بالإجزاء وعدمه.
وحصيلة الكلام: أنّ الظاهر من كلا القسمين أنّ الشارع أقام ذلك النقل مقام المأمور به حين التقية، فيكون الإتيان به امتثالاً مجزياً عن الإعادة والقضاء.

الروايات المعارضة

قد وردت روايات حول الصلاة خلف المخالف يستظهر منها عدم الإجزاء، وهي على قسمين:

1 . رسالة في التقية، ضمن: رسائل المحقق الكركي(المجموعة الثانية):52.

صفحه 84
الأوّل: ما يدل على عدم جواز الاقتداء وضعاً وبطلان الصلاة، نظير :
1. ما رواه عمرو بن الربيع عن جعفر بن محمد (عليه السلام)في حديث أنّه سأل عن الإمام: إن لم أكن أثق به أُصلّي خلفه وأقرأ؟
قال: «لا، صلّ قبله أو بعده». قيل له: أفأصلّي خلفه وأجعلها تطوّعاً؟ قال: «لو قُبل التطوّع لقبلت الفريضة، ولكن أجعلها سبحة» .(1)
2. ما رواه زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: «ماهم عندي إلاّ بمنزلة الجدر» .(2)
أقول: أمّا الرواية الأُولى، فالسند غير نقي لوقوع أحمد بن محمد بن يحيى الخازني في السند وهو مجهول، كما أنّ الحسن بن الحسين الوارد في السند مشترك بين الثقة وغيرها، وأمّا الرواية الثانية فهي ناظرة إلى الحكم الأَوّلي، فلا تنافي ما دلّ على الصحة بالعنوان الثانوي.
الثاني: ما يدلّ على المتابعة في القيام والقعود والأذكار من غير أن ينويها صلاةً، نظير:

1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .
2 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 10 .

صفحه 85
3. ما رواه ناصح المؤذن قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي أُصلّي في البيت وأخرج إليهم قال: «إجعلها نافلة ولا تكبّر معهم فتدخل معهم في الصلاة، فإنّ مفتاح الصلاة التكبير».(1)
4. ما رواه القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إنّي أدخل المسجد وقد صلّيت فأُصلّي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة؟ فقال: «لا بأس، وأمّا أنا فأُصلّي معهم وأريهم إنّي أسجد وما أسجد».(2)
وفي السند القاسم بن عروة، وقد ورد في رجال النجاشي وفي فهرست الشيخ ولم يوثّق .
نعم صرّح المفيد في كتاب المسائل الصاغائيّة بوثاقته ولكن المضمون لا يناسب مقام الإمام (عليه السلام). أضف إلى ذلك: أنّ عدم الاحتساب بعد إتيان الصلاة لا يدلّ على عدم الصحّة ابتداءً.
5. ما رواه زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: «ما هم عندي إلاّ بمنزلة الجَدْر».(3)

1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .
2 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 8 .
3 . الوسائل: ج 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 86
يلاحظ عليه: بأنّه يمكن أن يكون الحديث ناظراً إلى الحكم الأوّلي، إذ لا يجوز الاقتداء إلاّ بالعدل، وأمّا بالنسبة إلى العنوان الثانوي، فالرواية لا تنافيه.
6. ما رواه أبو علي بن راشد: قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كلّ مواليك قد اختلفوا فأُصلّي خلفهم جميعاً؟ فقال: «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه».(1)
يلاحظ عليه: بمثل ما تقدّم، فإنّ الرواية يمكن أن تكون ناظرة إلى الحكم الأوّلي لا بالنسبة إلى العناوين الثانوية والمصالح النوعية الّتي ربما تكون سبباً لإيجاب التقية أو استحبابها.
وحصيلة الكلام في هذه الروايات: أنّها غير صالحة للإفتاء على وفقها، وذلك لأُمور:
أوّلاً: لو تمّت دلالتها ـ وإن ناقشنا في دلالة بعضها ـ يلزم بطلان الصلاة والوضوء وسائر الأعمال العبادية عند الخوف على النفس والنفيس أيضاً، وهذا شيء لا يمكن الإفتاء به لتضافر الروايات على وجوب التقية حينئذ وصحة الأعمال الصادرة عنها في هذه الفترة.

1 . الوسائل: ج 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .

صفحه 87
ثانياً: أنّ ما دلّ على جواز التقية عند انتفاء الضرر والخوف، أصحّ دلالة وأكثر عدداً، فيؤخذ به دون ما يعارضه.
وثالثاً: أنّها على خلاف ما هو المشهور بين الفقهاء، فلو تمت اسنادها يرجع علمها إليهم(عليهم السلام).

صفحه 88
   

الفصل السابع

حكم التقية في الموضوعات

قد عرفت حكم التقية فيما إذا كان مبدؤها هو الاختلاف في الحكم الشرعي أو في أجزاء الواجب وشرائطه وموانعه أو كيفية أدائه، وثبت أنّ إتيان الواجب على وفق مذهب من يُتّقى منه يكون مجزياً وبعبارة أخرى: إذا كان الاختلاف في الحكم الشرعي وما يتعلّق بمتعلّقه سبباً للاختلاف بين المتّقي والمتّقى منه، كمسح الرجلين أو غسلهما.
وأمّا إذا كان الحكم الشرعي مورد اتّفاق بين الطرفين وإنّما اختلفا في موضوع الحكم ومصداقه كما إذا حكم حاكمهم بأنّ السبت هو عيد الأضحى وكان عند الآخرين يوم عرفة.
فالاختلاف هنا ليس اختلافاً في الحكم الشرعي، لأنّ الطرفين متفقان على أنّ التاسع هو يوم عرفة والعاشر هو الأضحى، وانّما اختلفوا في المصداق والموضوع، فهل يكفي

صفحه 89
الاتّباع في ذلك عن الواجب، أو لا؟
استدلّ على عدم الإجزاء بوجهين:
1. أنّ المتبادر من الروايات هو إتيان الواجب على وفق مذهب مَن يتّقى منه. وأمّا المورد المذكور فليس الاختلاف هناك في المذهب لأنّ الوقوف في يوم ليس عرفة ليس موافقاً لمذهبهم وإنّما هو خطأ في التطبيق .(1)
وإن شئت قلت: إنّ مصب الروايات إنّما هو للشبهة الحكمية دون الموضوعية.(2)
2. مرسلة رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «دخلت على أبي العباس ] السّفاح [بالحيرة، فقال يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الإمام إن صمتَ صمنا وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام علىّ بالمائدة، فأكلت معه وأنا

1 . التقية: للشيخ الأنصارى:46، تحقيق فارس الحسّون قال فيها: فإنّ الظاهر خروج هذا عن منصرف أدلّة الإذن في ارتفاع الأعمال على وجه التقية لو فرضنا هنا إطلاقاً، فإنّ هذا لا دخل له في المذهب، وإنّما هو اعتقاد خطأ في موضوع خارجي.
2 . اللّهم إلاّ أن ترجع الشبهة في الموضوع إلى الشبهة الحكمية، كما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال بشهادة من لا تقبل شهادته لفسقه أو نصبه أو لجهات أُخرى مشروطة في الشاهد، ففي مثل هذا المورد تشمله أدلة التقية، لأنّ الاختلاف في الموضوع يرجع مآلاً إلى الاختلاف في المذهب.

صفحه 90
أعلم والله إنّه يوم من شهر رمضان; فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علىّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله».(1)
يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ الناظر في الروايات يقف على أنّ السر لتشريع التقية،هو الاتّقاء عن شر من يُتّقى منه، وأنّ الشارع فتح هذا الباب لأجل صيانة النفس والنفيس عن تعدّي المخالف، فإذا كانت هذه هي الغاية والعلة، فلا فرق بين أن يكون الاختلاف في الفتوى مبدأً للتقية أو لتطبيق الحكم الشرعي على الموضوع. فالقول بانصراف الروايات إلى الاختلاف في الفتوى لا وجه له، بل إطلاق الكلّ يعمّم القسمين.
يلاحظ على الوجه الثاني: أنّ الإجزاء وعدم الإجزاء يدور حول عمل صادر عن المكلّف وموافق للتقية، وأمّا إذا لم يكن هناك عمل أصلاً بتاتاً كالإفطار في شهر رمضان تقية فهو خارج عن مورد الروايات، غاية ما في الباب أنّه يجوز الإفطار تكليفاً، بل يجب لحفظ النفس وصيانتها عن القتل، وأمّا الإجزاء فلا موضوع له، وبذلك تقف على أنّ ما ورد بهذا الموضوع ونقله الحر العاملي في وسائله لا صلة له بالإجزاء وعدمه وقد ورد

1 . الوسائل:7، الباب57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث5.

صفحه 91
الأمر بالقضاء في بعضها دون البعض الآخر.
يقول صاحب الجواهر في الاختلاف في الحج ما هذا نصّه: لو قامت البينة عند قاضي العامة وحكم بالهلال على وجه يكون التروية عندنا عرفة عندهم، فهل يصح للإمامي الوقوف معهم ويُجزي، لأنّه من أحكام التقية ويعسر التكليف بغيره؟ أو لا يجزي لعدم ثبوتها في الموضوع الذي محل الفرض منه، كما يؤمي إليه وجوب القضاء في حكمهم بالعيد في شهر رمضان الذي دلت عليه النصوص التي منها: «لأن أفطر يوماً ثم أقضيه أحب إلىّ من أن يضرب عنقي»؟ لم أجد لهم كلاماً في ذلك، ولا يبعد القول بالإجزاء هنا إلحاقاً له بالحكم، للحرج، واحتمال مثله في القضاء، وقد عثرت على الحكم بذلك منسوباً للعلامة الطباطبائي، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم.(1)
وقد أشار(قدس سره) إلى الوجهين الذين استدلّ بهما على عدم الإجزاء: تارة بعدم شمول الروايات الاختلاف في الموضوع، وأُخرى بالرواية الدالة على القضاء إذ أفطر تقية.
أقول: أمّا استدلاله بالحديث الدال على عدم الإجزاء في

1 . الجواهر:19/32.

صفحه 92
الإفطار في شهر رمضان قد عرفت ضعفه، كما أنّ استدلاله على الإجزاء بالحرج والعسر خارج عن مصبّ البحث، وأمّا الوجه الأوّل فقد عرفت إطلاق الروايات وأنّه غير مقيد بالاختلاف في الحكم أو الموضوع وهو الخوف على النفس والنفيس وهو موجود في كلا النوعين من التقية.

استدلال السيد الأُستاذ على الإجزاء في الحج

ولسيّدنا الأُستاذ (قدس سره) في المقام كلام نذكره حسب ما في مذكراتي: قال: بعد التمسّك بإطلاق الأدلّة وأنّ كلا النوعين من الشروط ملغيان في حريم التقية:
الحق هو إجزاء العمل على وفق حكم القاضي إذا لم يعلم خلافه، وذلك لأنّه لم تقم دولة الحق بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أياماً قلائل في زمن الوصي ـ صلوات الله عليه ـ و بعد استشهاده والصلح المفروض على الحسن المجتبى ـ صلوات الله عليه ـ صار قضاتهم مصادر الحكم في عامة البلاد، وأخصّ بالذكر الحرمين الشريفين، فكانوا هم المعنيّون في تعيين أوقات الصلوات والحج، وكان أئمة أهل البيت وشيعتهم يحجّون معهم في أغلب السنين دون أن يتخلّفوا عنهم في

صفحه 93
المواقيت والمشاهد والمناسك.
وقد دار هذا الأمر قرابة 250 سنة فلم يرد في رواية من الروايات ولافي تاريخ حياة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أي سؤال طرح لهم في هذا الموضوع مع كثرة الابتلاء. وادّعاء أنّه لم يكن أي اختلاف في رؤية الهلال عبر هذه السنين بعيد جدّاً.(1)
إنّ بعض الأعاظم أفتى بالإجزاء مع العلم بالخلاف، قائلاً: بأنّه لا يمكن عدم وجود العلم بالخلاف عبر 250 عاماً، ومع ذلك لم يرد في رواية ولا تاريخ أنّهم احتاطوا بالجمع بين الوقوفين.
فإن قلت: ما الدليل على وجود الاختلاف في الفطر والأضحى؟
قلت: يدل على وجود الاختلاف بين أئمّة أهل البيت ومصادرالحكم الحديثان التاليان:
1. روى الكليني عن رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «دخلت على أبي العباس ] السفاح[ بالحيرة فقال: يا أبا عبدالله، ما تقول في الصيام، اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الإمام، إن

1 . بل يشهد ما سيوافيك من رواية رفاعة وزياد بن منذر وجود الاختلاف، فانتظر.

صفحه 94
صمتَ، صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال ]أبو العباس[: يا غلام علىّ بالمائدة، فأكلت معه وأنا أعلم ـ والله ـ أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله».(1) ومن البعيد أن يكون الخلاف منحصراً بسنة واحدة ومختصاً بيوم الفطر ويؤيد وجود الاختلاف .
2. ما روى زياد بن منذر، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام): إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلمّا دخلت على أبي جعفر(عليه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحّي، فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحّي الناس، والصوم يوم يصوم الناس».(2)

الاستدلال على الإجزاء بروايتين:

1. الظاهر أنّ كلام أبي جعفر(عليه السلام) في رواية زياد بن المنذر كأنّه جواب لسؤال الراوي عن يوم الشك بقرينة ما ذكره في
صدر الرواية حيث قال: إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام، فوافاه الجواب بالتنزيل وأنّ اليوم الذي يفطر الناس أو

1 . الوسائل:7، الباب57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث5 وغيره.
2 . الوسائل:7، الباب57 من أبواب مايمسك عنه الصائم ووقت الامساك، الحديث7.

صفحه 95
يضحوا فهو بمنزلة الفطر والأضحى الواقعيين، ويترتّب عليهما آثار الواقع نظير قوله:«التراب أحد الطهورين» أو قوله: «الطواف بالبيت صلاة». وللرواية على فرض صحة الاحتجاج حكومة على موضوع الأدلة الواقعية وأنّ الأضحى أو الفطر، أعمّ من الواقعي وما عليه الناس .
إن قلت: الاعتماد على الرواية من جهة المضمون مشكل من جهة زياد بن المنذر، قال النجاشي:زياد بن المنذر من أصحاب أبي جعفر، وروى عن أبي عبد الله(عليه السلام)وتغيّر لما خرج زيد رضي الله عنه. وذكره العلامة في القسم الثاني وضعّفه في الوجيزة.
قلت: إنّ الإمام الباقر(عليه السلام) توفّي عام 114، وزيد بن علي خرج عام 121 هـ ، والرجل انحرف عن الصادق (عليه السلام)بعد خروج زيد، وبما أنّ الرواية مروية عن الباقر(عليه السلام)، فلو ثبت أنّه نقلها في زمان استقامته، يصح الاحتجاج بها.
نعم غاية ما يمكن أن يقال: إنّ حكم قضاتهم في الفطر والأضحى مع وجود التقية مبرر للعمل على وفق قضائهم، كالحج معهم.

صفحه 96
وأمّا ثبوت الموضوع حكماً فيما إذا لم يكن مقروناً بالعمل فلا يثبت به، مثلاً: لو أفتى بأنّ السبت هو اليوم العاشر من ذي الحجة، فلو حج على وفق هذا القضاء فحجّه صحيح، ولكن لا يثبت به سائر أحكام ذلك اليوم من حرمة صومه أو غيرها.
2. ما ورد في تفسير النعماني عن علي (عليه السلام) في حديث أنّه قال:«وأمّا الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فإنّ الله نهى المؤمن أن يتخذ الكافر وليّاً، ثم منّ عليه بإطلاق الرخصة له ـ عند التقية في الظاهر ـ أن يصوم بصيامه، ويفطر بإفطاره ويصلّي بصلاته، ويعمل بعمله، ويظهر له استعمال ذلك، موسّعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين».(1)
ولعل المراد من قوله: «وعليه أن يدين الله في الباطن» هو العمل على وفق الحق في السر لأجل عدم الخوف والتقية في السرّ، واحتمال أنّ المراد هو قضاء ما عمله على وفق التقية، بعيد جداً.

1 . الوسائل:7، الباب57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث8.

صفحه 97
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الأعمال العبادية إذا قام بها المكلّف على وفق التقية عند الاضطرار والخوف فهي صحيحة مجزية عن الواقع، مغنية عن الإعادة والقضاء، من غير فرق بين كون مبدأ التقية هو الاختلاف في الحكم الشرعي، أو في موضوعه ومصداقه.

صفحه 98

الفصل الثامن

في اعتبار عدم المندوحة

المراد من المندوحة هو تمكّن المكلّف من الإتيان بالفرد تام الأجزاء والشرائط والفاقد للموانع، وذلك بأن يؤخّر صلاته لوقت آخر تزول فيه التقية، وهذا ما يسمّى بالمندوحة الطولية.
أو يأتي بها في نفس الوقت في مكان آخر ليس فيه ضغط ولا ضيق، وهذا ما يسمّى بالمندوحة العرضية، فللأصحاب فيها أقوال ثلاثة:
1. لا يعتبر فيها عدم المندوحة. وهذا ما عليه الشهيد الأوّل في البيان(1)، والمحقق الثاني في جامع المقاصد(2)، والشهيد الثاني في روض الجنان.(3)
2. يعتبر في إجزاء العمل الصادر تقية عدم المندوحة.

1 . البيان:10.
2 . جامع المقاصد:1/222.
3 . روض الجنان:37.

صفحه 99
وهذا ما عليه صاحب المدارك.(1)
3. التفصيل بين ما إذا كان متعلق التقية مأذونا فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء والتكتف في الصلاة، فإذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحاً مجزياً، وإن كان للمكلف مندوحة، التفاتاً إلى أنّ الشارع أقام ذلك مقام المأمور به حين التقية.
وأمّا إذا كان متعلّقها ممّا لم يرد فيه نص بالخصوص كفعل الصلاة إلى غير القبلة، والوضوء بالنبيذ أو مع الإخلال بالموالاة في الوضوء، فإنّ للمكلف إذا اقتضت الضرورة موافقة أهل الخلاف فيه فهو، لكن إن أمكن له الإعادة في الوقت وجب ولو خرج الوقت ينظر في دليل يدل على القضاء فإن حصل الظفر به أوجبناه، وإلاّ فلا، لأنّ القضاء إنّما يجب بفرض جديد.(2)
ويدلّ على عدم الشرطية أُمور:

1 . مدارك الأحكام: 1 / 223 عند البحث في المسح على الخّفين.
2 . رسائل المحقّق الكركي، الرسالة الثانية: 2 / 51 ـ 52.

صفحه 100
 
مقتضى الإطلاق عدم الاشتراط
يدلّ على كفاية العمل مطلقاً، سواء أكانت هناك مندوحة عرضية أو طولية أو لم تكن، الإطلاقات الدالة على جواز التقية وإجزاء ما يأتي به تقية عن الواجب الواقعي من دون تقييدها بعدم وجود المندوحة مع كثرة الابتلاء بالمسألة، فلو كان عدمها شرطاً لنبّه به الإمام(عليه السلام) في غير واحد من الروايات، وحمل ما مرّ من الروايات المجوزة للتقية الخاصّة أو العامة على ما إذا لم يتمكّن المكلّف من العمل إلاّ في مكان أو زمان خاص، حمل لها على الفرد غير الغالب فان مصبها، ما إذا كان في وسع المكلّف أن يصون نفسه عن الابتلاء بالتقية.
2. أنّ من درس حياة أصحاب الأئمة في أعصارهم يقف على أنّهم كانوا مخالطين مع غيرهم خلطة في التجارة والضيافة والسفر والحضر إلى غير ذلك من أنواع المناسبات التي كانت تجمعهم، فلذلك رخصوا في مقام العمل بتطبيق التكليف على ما عليه المخالف دون أن يُفتَّش عن إمكان فرض آخر للعمل. فلو كانت المخالطة والمتابعة مشروطة بعدم المندوحة، لزمهم ترك المخالطة وترك المجالسة في مواقع العبادة، وهذا غير

صفحه 101
المفروض في الروايات حيث فرضهم معاشرين مع المخالفين فأمرهم بالتقية.
3. ما ذكره الشيخ الأنصاري، قال: إن أُريد عدم المندوحة حين العمل من تبديل موضوع التقية بموضوع الأمن كأن يكون في سوقهم ومساجدهم، ولا يمكن في ذلك الحين من العمل على طبق الواقع إلاّ بالخروج إلى مكان خال أو التحيّل في إزعاج(1) من يتقي منه عن مكانه لئلاّ يراه، فالأظهر في أخبار التقية عدم اعتباره، إذ الظاهر منها الإذن بالعمل على التقيّة في أفعالهم المتعارفة من دون إلزامهم بترك ما يريدون فعله بحسب مقاصدهم العرفية، أو فعل مايجب تركه كذلك مع لزوم الحرج العظيم في ترك مقاصدهم ومشاغلهم لأجل فعل الحق بقدر الإمكان.
مع أنّ التقية إنّما شرعت تسهيلاً للأمر على الشيعة ورفعاً للحرج عنهم، مع أنّ التخفي عن المخالفين في الأعمال ربّما يؤدي إلى اطلاعهم على ذلك، فيصير سبباً لتفقدهم ومراقبتهم للشيعة وقت العمل، فيوجب نقض غرض التقية.(2)
***

1 . أزعجه: قلعه من مكانه.         2 . رسالة التقية:51.

صفحه 102
ومع ذلك فقد وردت روايات ربّما يستظهر منها شرطية عدم المندوحة وهي على طوائف :

1. ما دلّ على الصلاة في البيت ثم الحضور

دلت روايات على أنّه يصلي في منزله لنفسه ثم يخرج إلى الصلاة، نظير:
1. ما رواه عمر بن يزيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «ما منكم أحد يصلّي فريضة في وقتها ثم يصلّي معهم صلاة تقيّة وهو متوضّأ إلاّ كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة، فارغبوا في ذلك».(1)
2. ما رواه عبدالله بن سنان عنه (عليه السلام)أنّه قال: «ما من عبد يصلّي في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم فيصلّي معهم وهو على وضوء كتب الله له خمساً وعشرين درجة».(2)
3. ما رواه الحسين بن عبدالله الأرّجاني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن صلّى في منزله ثم أتى مسجداً من مساجدهم فصلّى معهم خرج بحسناتهم».(3)

1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 9 .

صفحه 103
4. ما رواه نشيط بن صالح عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل منّا يصلّي صلاته في جوف بيته مغلقاً عليه بابه ثم يخرج فيصلّي مع جيرته، تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال: «الّذي يصلّي في بيته يضاعفه الله له ضعفي أجر جماعة تكون له خمسون درجة».(1)
5. ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إنّي أدخل المسجد وقد صلّيت فأُصلّي معهم فلا أحتسب بتلك الصلاة؟ قال: «لا بأس ».(2)
6. ما رواه أبو بكر الحضرمي، قال: قلت لأبي جعفر: كيف نصنع يوم الجمعة؟ قال: كيف تصنع أنت؟ قلت: أُصلّي في منزلي ثم أخرج فأُصلّي معهم. فقال: «كذلك أصنع أنا ».(3)
7. ما رواه ناصحّ المؤذن. قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي أُصلّي في البيت وأخرج إليهم. قال: «اجعلها نافلة ولا تكبر معهم وتدخل معهم في الصلاة، فإنّ مفتاح الصلاة التكبير» .(4)

1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.
2 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 8.
3 . الوسائل: ج 5، الباب 29 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 3.
4 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7.

صفحه 104
أقول: إنّ الروايات السبع تدلّ على جواز الصلاة في البيت، ثم الصلاة معهم، ومع ذلك كلّه لا يدلّ على انحصار الوظيفة به وأنّه لو لم يصل في البيت وصلّى معهم لا يكفي. وقد عرفت ما دلّ على جواز الاعتداد، فالجمع بينهما عندئذ بحمل هذه الروايات على الاستحباب .

2. ما دلّ على إعمال الحيلة

وردت رواياتٌ تدلّ على إعمال الحيلة على نحو يجمع بين إرضاء الخصم والعمل بالواقع، مثلاً بأن يفصل بين يديه أحياناً عند التكفير، وعند إرادة غسل الرجلين يمسح شيئاً على الرجل ثم يغسل، وعلى هذا فهل هو واجب أو لا؟
قال الشيخ الأعظم(رحمه الله): وإن أُريد من عدم المندوحة بمعنى عدم التمكّن حين العمل من الإتيان به موافقاً للواقع ـ مثل أنّه يمكنه عند إرادة التكفير للتقية من الفصل بين يديه بأن لا يضع بطن أحدهما على ظهر الأُخرى، بل يقارب بينهما، وكما إذا تمكّن من صبّه الماء من الكف إلى المرفق لكنّه ينوي الغسل عند رجوعه من المرفق إلى الكف ـ وجب ذلك ولم يجز العمل على وجه التقية، بل التقية على هذا الوجه غير جائزة في

صفحه 105
العبادات وغيرها، وكأنّه لا خلاف فيه.(1)
ومعنى ذلك أنّه نفى شرطية عدم المندوحة على الوجه السابق، وأثبتها على هذا الوجه، فلاحظ.
وقال المحقّق الهمداني: إنّ إعمال الحيلة وبذل الجهد في التفصّي حال العبادة غير معروف عن المعاصرين للأئمة(عليهم السلام)، فالقول باشتراطها بعدم المندوحة مطلقاً ضعيف.(2)
ويظهر من بعض الروايات عدم وجوبها :
منها: ما كتبه الإمام الطاهر موسى بن جعفر(عليه السلام) إلى علي بن يقطين حول كيفية وضوئه، حيث أمره بالوضوء وفق ما عليه أهل السنة.(3)
فلو كان إعمال الحيلة واجباً ولم يصح الوضوء مع تركه، كان عليه البيان، مع إمكان إعمالها بأيسر ما يكون، خصوصاً في غسل الوجه واليدين بنيّة الوضوء في الغسلة الأخيرة، أو الثانية والثالثة.
ومنها: رواية داود الرقي، وحسنة داود بن زربي.(4)

1 . رسالة التقية:50 ـ51. ولا يخفى ما في عبارة الرسالة من الاجمال.
2 . مصباح الفقيه ،كتاب الطهارة:165، ط الحجرية.
3 . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث3.
4 . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث1و2.

صفحه 106
حيث أمر الإمام بالوضوء تقية وليس فيهما شيء من إعمال الحيلة.
أضف إلى ذلك ما ورد من تجويز إظهار الكفر والسب مطلقاً من دون أن يقيّد بالحيلة، فلو كان إعمال الحيلة واجباً لما قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار: «إن عادوا فعد».(1)
على أنّ إعمال الحيلة ربما يورث خلاف المقصود وربما يُلفت نظر الآخرين إلى عمله، وعلى ذلك فما ورد من الروايات الدالة على إعمال الحيلة يحمل على الاستحباب، نظير:
1. صحيحة علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن الرجل يصلّي خلف من لا يقتدى بصلاته، والإمام يجهر بالقراءة؟ قال: «إقرأ لنفسك، وإن لم تسمع نفسك فلا بأس».(2)
2. ما رواه الكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس».(3)
3. ما رواه الكليني عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال:

1 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.
2 . الوسائل: ج 5 ، الباب33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
3 . الوسائل: ج 4، الباب2 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث3.

صفحه 107
«إذا صلّيت خلف إمام لا يقتدى به فاقرأ خلفه، سمعت قراءته أو لم تسمع ».(1)
4. ما راه الشيخ عن عبدالله بن بكير، عن أبيه، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الناصب يؤمّنا ما تقول في الصلاة معه؟ فقال: «أمّا إذا جهر فأنصت للقراءة واسمع، ثم اركع واسجد أنت لنفسك ».(2)
5. ما رواه في قرب الإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كان الحسن والحسين (عليهما السلام)يقرءان القرآن خلف الإمام» .(3)
6. ما رواه إبراهيم بن شيبة، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام)أسأله عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين وهو يرى المسح على الخفين... فكتب: «إن جامعك وإيّاهم موضع فلم تجد بدّاً من الصلاة فأذّن لنفسك وأقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبّح» .(4)
7. ما رواه علي بن سعد البصري، قال: قلت لأبي

1 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 9.
2 . الوسائل: ج 5، الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.
3 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 11.
4 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

صفحه 108
عبدالله (عليه السلام): إنّي نازل في بني عديّ، ومؤذّنهم وإمامهم وجميع أهل المسجد عثمانية يتبرّأون منكم ومن شيعتكم وأنا نازل فيهم، فماترى في الصلاة خلف الإمام؟ قال: «صلّ خلفه واحتسب بما تسمع، ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن اليسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي». قال علي: فقدمت البصرة فأخبرت فضيلاً بما قال. قال: هو أعلم بما قال، لكنّي قد سمعته وسمعت أباه يقولان: لاتعتدّ بالصلاة خلف الناصب واقرأ لنفسك كأنّك وحده. قال: فأخذت بقول الفضيل وتركت قول أبي عبدالله (عليه السلام).(1)

3. ما يدلّ على لزوم الإعادة

هناك روايات تدلّ على الإعادة بعد الفراغ عن الصلاة معهم، نظير:
1. ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أُناساً رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه صلّى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهما بتسليم، فقال: «يا زرارة إنّ أمير المؤمنين صلّى خلف إمام فاسق فلّما سلّم وانصرف، قام أمير المؤمنين، فصلّى

1 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7.

صفحه 109
أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم».(1)
2. روى زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: «ماهم عندي إلاّ بمنزلة الجدر ».(2)
وهذه الروايات تدور على محاور ثلاثة:
1. أن يصلّي في البيت، ثم يحضر الجماعة.
2. أن يتشبث بالحيلة فيقرأ لنفسه ويكون الحضور صورياً.
3. أن يعيد صلاته بعد الإتيان بها بالجماعة.
وفي مقابلها ما مرّ من الروايات الخاصة والعامّة الدالّة على الإجزاء، سواء أكانت هناك مندوحة أم لم يكن، والحق أنّ الجمع بين مجموع الروايات الواردة في الفصل السادس والواردة في هذا الفصل أمر مشكل، والإفتاء بعدم شرطية عدم المندوحة مطلقاً أمر لا ينسجم مع هذه الروايات الآمرة بالاحتياط مهما أمكن.
ولذلك يمكن أن يقال: إنّ أدلّة التقيّة وإن كانت حاكمة

1 . الوسائل: ج 5، الباب 29 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 4 .
2 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 10 .

صفحه 110
على إطلاق أدلّة الإجزاء والشرائط فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» يشمل كلتا الحالتين، ولكن القدر المتيقن من الحكومة حالة الاضطرار على الترك،ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ للمسألة صوراً:
الأُولى: إذا توقّفت التقيّة على ترك الفاتحة والسورة، إمّا لأنّه دخل المسجد فوجد الإمام قد ركع فلا يمكن له الأذان والإقامة ولا الحمد ولا السورة، فلا شك أنّ الصلاة مجزية بلا إشكال. ويدلّ عليه خبر إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي أدخل المسجد فأجد الإمام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكنني أن أُؤذّن وأُقيم وأكبر، فقال لي: «إذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتدّ بها».(1)
الثانية: إذا لم تتوقّف التقية على ترك الواجب من الصلاة بل تمكّن من الإتيان بالإجزاء والشرائط مراعياً شرائطها الواقعية على وجه لا ينافي التقيّة، كما إذا كان قراءة المأموم عند عدم سماع صوت الإمام أمراً جائزاً عندهم فعليه أن يقرأ ولا يتركها، ومثله لو تمكّن من السجود على الأرض أو غير ذلك من

1 . الوسائل: ج 5، الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 4 .

صفحه 111
الشرائط لم يجز له إهمالها، إذ لا مقتضي لتقييد الأوامر الواقعيّة بغير هذا الفرض، إذ المفروض أنّ التقيّة لا تنافيها، ولعلّ اعتبار عدم المندوحة بهذا المعنى وفق الفعل في جواز التقية الخوفية ممّا لا خلاف فيه، بل هو بحسب الظاهر من مقوّمات موضوع التقيّة.
وعلى هذا يحمل خبر علي بن سعد البصري حيث حوّل الإمام أمره إلى الفضيل، فلمّا سأله عن المسألة أجاب: لا تعتدّ بالصلاة خلف الناصب واقرأ لنفسك كأنّك وحدك.(1) ونظيره ما دلّ على انّ الحسين يقرأن القرآن خلف الإمام كما مرّ.
الثالثة: إذا تمكّن من قراءة بعض الاجزاء دون الكل، فله أن يقتصر بما أمكن، وإليه يشير صحيح أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): من لا أقتدي به في الصلاة؟ قال: «افرغ قبل أن يفرغ، فإنّك في حصار، فإن فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه».(2)
الرابعة: أن لا يتمكّن من القراءة، إلاّ بحديث النفس، أو بالإخفات الّذي يشتمل على صوت خارج من قاطع الحروف

1 . الوسائل: ج 5، الباب 33 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 7 .
2 . الوسائل:5، الباب34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.

صفحه 112
دون أن يسمع، فوجوب ذلك موضع تأمّل، لأنّ مفهوم القراءة عبارة عن تقليب اللسان على مخارج الحروف مع الصوت، فما لم يظهر منه صوت فلا يصدق عليه القراءة، فمجرد تحريك اللسان لا يجعله كلاماً ملفوظاً فهذه الروايات محمولة على الاستحباب، إذ لا يعد القراءة بهذا الشكل أمراً ميسوراً للقراءة الواجبة.
الخامسة: إذا تمكّن من إتيان بقيّة الأجزاء في غير حالة القيام، كما إذا اضطرّ فيها إلى ترك الفاتحة أو بعضها تقية فهل عليه إتمام الفاتحة في حال الركوع مع الإمكان؟ ذكر الشيخ الأنصاري أنّ فيه قولين: من إطلاق ما مرّ، يعني: صحيحة أبي بصير وخبر إسحاق بن عمّار(1) الدالّين على جواز القطع أو تركها.
ومن أنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، فإنّ المتعذّر هو القيام حال القراءة لا نفسها، وكذلك لو لم يتمكّن من التشهد جالساً فإنّ وجوبه قائماً لا يخلو من قوّة ; وفاقاً للمحكي عن ابن بابويه، والعلاّمة في المختلف، والشهيد في الذكرى.(2)

1 . الوسائل:5، الباب34 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.
2 . رسالة التقية: 87 ضمن رسائل فقهية من تراث الشيخ الأعظم .

صفحه 113
ثمّ استدلّ على ذلك برواية جندب المنقولة عن محاسن البرقي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ أدلّة وجوب القراءة أو التشهّد لا تشمل غير حالة القيام أو الجلوس، فإتيانهما في غير محلّهما يحتاج إلى الدليل ولا يكون إتيانهما في غير محلّهما مصداقاً لقاعدة الميسور.
ولعلّ بإمعان النظر في هذه الصورة يمكن الجمع بين الروايات المتشتّتة المختلفة مضموناً، وبذلك يظهر حدود شرطية عدم المندوحة وأنّها معتبرة في الصورة الثالثة دون بقيّة الصور، يقول الشيخ الأنصاري: وبالجملة: فمراعاة عدم المندوحة في الجزء من الزمان الّذي يوقع فيه الفعل أقوى مع أنّه أحوط.
وقال في كتاب الصلاة: وهل يشترط في الصلاة معهم عدم المندوحة أم لا؟ قولان، والأوّل أقوى.
وأمّا الأخبار المرغّبة للصلاة معهم وشهود جنائزهم وعيادة مرضاهم فهي واردة في تلك الأزمنة حيث إنّه لم يكن

1 . كما في مصباح الفقيه: 646 .

صفحه 114
يندفع كيدهم عن الشيعة، إلاّ بهذه الأُمور الموجبة لعدم معرفة تشيّعهم لئلاً يؤخذ برقابهم، كما في بعض الأخبار، أو لعدم تأكيد العناد مع أئمّة الشيعة كما تومي إليه رواية الصادق (عليه السلام)في قوله: «رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه»(1). والله العالم.

1 . كتاب الصلاة: 375 .

صفحه 115
الوضوء الصادر تقية وحكم الأعمال اللاحقة   

الفصل التاسع

الوضوء الصادر تقية

وحكم الأعمال اللاحقة
قد عرفت في الفصل السادس أنّ مفاد أكثر أخبار التقية جواز إيجاد الأفعال المأمور بها في الشريعة على وفق التقية، مثلاً لو صلّى المكلّف بالوضوء المأتي به على صورة التقية، سقطت عنه الإعادة والقضاء بعد زوال العذر.
إنّما الكلام في وجوب إعادة الوضوء الصادر تقية بعد زوال السبب لأجل الغايات المتأخرة (اللاحقة) كما إذا توضّأ تقية للظهر والعصر وصلاهما به، فهل يجوز له أن يصلّي به صلاتي المغرب والعشاء وان لم تكن هناك تقية؟ وهذا هو الّذي ندرسه في هذا الفصل.
قال المحقّق: وإذا زال السبب (التقية مثلاً) أعاد الطهارة

صفحه 116
على قول، وقيل: لا تجب إلاّ لحدث. (1) وعلى هذا في المسألة قولان:
الأوّل: تجب الإعادة. وهو المحكي عن الشيخ في المبسوط، والمحقّق في المعتبر، والعلاّمة في المنتهى والتذكرة، وفخر المحقّقين في الإيضاح، وبعض متأخّري المتأخّرين، وهو ظاهر كاشف اللثام.
الثاني: لا تجب الإعادة. وهو خيرة العلامة في المختلف، والشهيد في الذكرى والدروس، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد، وسيد المدارك، وربّما قيل: إنّه المشهور، وفي التحرير في الإعادة نظر، وفي القواعد في الإعادة إشكال.(2)
واستدلّ للقول الأوّل بوجوه:
1. بأنّ الضرورات تتقدّر بقدرها .
يلاحظ عليه: أنّ معنى القاعدة عدم جواز التوضّؤ على وجه التقية ثانياً بعد زوال العذر، إنّما الكلام في جواز إيقاع الغايات المشروطة بالطهارة بالوضوء السابق بعد زوال العذر،

1 . الشرائع: 1 / 22، في كيفية الوضوء.
2 . الجواهر: 2 / 242 ; مصباح الفقيه: 1 / 168. الطبعة الحجرية و 2 / 455، الطبعة الحديثة.

صفحه 117
وهذا لا صلة له بالقاعدة.
2. إطلاق الآية الآمرة بالطهارة الواقعية عند إرادة الصلاة، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(1) .
يلاحظ عليه: بأنّ الآية ناظرة لغير المتطهّر دون المورد، لأنّه مردّد بين المتطهّر والمحدث.
3. الوضوء الاضطراري إنّما يبيح الدخول في الصلاة وما يشترط فيه الطهارة كمسّ المصحف، نظير وضوء المسلوس والمبطون ونحوهما، فينحصر في الإباحة ما دامت الضرورة موجودة.
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك أن يقتصر المضطرّ بمورد الاضطرار، فيجوز له الدخول في الصلاة دون مس كتابه القرآن ونحوه إذا لم يكن مورده، مع أنّهم أفتوا لذي الجبيرة أن يمسّ كتابة القرآن مع الاختيار، وهذا يدلّ على أنّه رافع للحدث إلاّ أن يدلّ دليل على الخلاف، وبذلك يظهر أنّ وضوء المبطون والمسلوس وضوء واقعي.

1 . المائدة: 6 .

صفحه 118
واستدلّ للقول الثاني بوجوه:
1. استصحاب بقاء أثر الوضوء السابق، أعني: جواز الدخول في الصلاة.
يلاحظ عليه: أنّ شرط الدخول في الصلاة ـ بعد زوال السبب ـ هو كون الرجل متطهّراً واقعاً ولايثبت بالاستصحاب الحكمي ـ جواز الدخول في الصلاة ـ الطهارة الواقعية الّتي هي شرط للصلاة حال التمكن، ونظيره استصحاب جواز الصلاة إلى الجهة الّتي صلّى إليها تقية، إذ لا يثبت به كون الجهة قبلة واقعية والّتي هي شرط للدخول في الصلاة بعد زوال السبب.
نعم لو ثبت أنّ الوضوء الاضطراري من مصاديق الوضوء الواقعي، وأنّ المضطرّ متطهّر واقعاً، يجوز له الدخول، وهذا ما سنذكره في المستقبل .
2. الأمر يقتضي الإجزاء.
يلاحظ عليه: بأنّ القاعدة تثبت كون المأتي به من الصلاة مجزياً، إنّما الكلام في الصلوات الّتي تأتي بها بعد زوال العذر، فهل يكفي الوضوء الناقص؟
وحصيلة الكلام: أنّ الوضوء الناقص مبيح لدخول الصلاة في حال التقية، وأمّا الصلوات اللاحقة ـ بعد زوال العذر ـ

صفحه 119
فالشرط فيها هو الطهارة الواقعية والمفروض عدمها، فقاعدة الإجزاء تقتضي سقوط الأوامر الغيرية للصلاة الّتي يراد إيقاعها في حال التقية. وأمّا سقوط الأوامر الغيريّة للصلاة يريد إيقاعها بعذر وأنّ التقية فلا تدلّ عليه قاعدة الإجزاء.
3. ما ورد أنّ الوضوء لا ينقض إلاّ الحدث والنوم حدث (1)، وليس زوال السبب حدثاً ولم يثبت كونه ناقضاً.
يلاحظ عليه: وجود المناقشة في الصغرى، لأنّ الموضوع، هو الوضوء الواقعي لا وضوء المضطرّ، واللازم التأكيد على كونه، من مصاديق الوضوء، وإلاّ فالكبرى ـ دون أن تثبت الصغرى ـ لا يحتح بها.
وبهذا ظهر أنّ أدلّة الطرفين غير ناهضة لتعيين أحد الوجهين.
والحق أنّ المسألة مبنية على أمر آخر، وهو المستفاد من الأدلّة، وهو أنّ الوضوء الناقص الصادر عن تقية أو عن عذر كما في رواية عبدالأعلى مولى آل سام، هل هو بدل عن الوضوء التام في جميع آثاره ولوازمه، وأنّه مصداق من مصاديق الوضوء الصحيح الّذي أمر الله به لإزالة الحدث؟

1 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 4 .

صفحه 120
أو أنّ المستفاد من الأدلّة هو الإذن في امتثال الأمر بالوضوء حال الضرورة بهذا الوضوء الناقص، وأمّا كونه مؤثراً في رفع الحدث فلا. بل غاية مفاد الأدلة كونه مبيحاً للصلاة، ومسقطاً للأمر المقدّمي المتعلّق بالتطهير كالتيمم بناءً على كونه مبيحاً للصلاة لا رافعاً للحدث؟
فعلى الفقيه أن يتحرّى في تحقيق أحد هذين الأمرين.
ثم إنّ صاحب «مصباح الفقيه» استظهر القول الأوّل وقال ما خلاصته: ظاهر الأدلّة بل صريح أكثرها أنّ الفعل المأتي به حال الضرورة مصداق حقيقي وفرد واقعي لماهية الوضوء، ولذا ينوي المكلّف ـ بعد الاطّلاع على الحكم الشرعي ـ بفعله، امتثال أمره الواقعي ولا يلتمس في تعيين وجه الفعل دليلاً آخر؟
ألاترى أنّ الأقطع ينوي بوضوئه ما يرتفع به حدثُه على نحو لو تجدّدت له رجل بقدرة الله تعالى لا يقتضي ذلك إلاّ تغيير كيفية وضوئه لا رفع أثر وضوئه السابق، لأنّ نَجْدَ الرجل ليس من نواقض الوضوء.(1)

1 . مصباح الفقيه، قسم الطهارة : 1 / 168، الطبعة الحجرية، و 2 / 440 الطبعة الحديثة.

صفحه 121
أقول: ويؤيد ذلك الأمران التاليان:
1. ما ورد في الروايات من الأمر بالوضوء على وجه التقية، فإنّ المكلّف يقصد به الوضوء الّذي يرفع الحدث. وبعبارة أُخرى: ينوي امتثال نفس الأمر الّذي ينويه المختار، أعني قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(1).
2. قوله (عليه السلام): «الميسور لا يسقط بالمعسور» فإنّ مفهومه وجوب إيجاد الماهية الواقعية الّتي أثرها رفع الحدث بهذه الكيفية لامتثال أمره الواقعي.
فهذان الأمران يدلاّن على أنّ زوال السبب ليس من المبطلات، بل الوضوء باق على صحته إلى أن يحدث.
ويظهر من المحقّق البجنوردي اختيار القول الثاني حيث قال : مقتضى القواعد الأوّلية هو عدم ترتّب آثار الصحة على ذلك العمل، وذلك لأنّ موضوع الأثر شرعاً هي العبادة الصحيحة والمفروض أنّها ليست بصحيحة، إذ لا شك في أنّ الطهارة الواقعية رهن الوضوء الصحيح بحسب الواقع،

1 . المائدة: 6 .

صفحه 122
والوضوء تقية ليس وضوءاً صحيحاً بحسب الواقع، وإنّما أذن الشارع في إتيانه لأجل دفع الضرر عن نفسه أو ماله أو عرضه أو عن غيره ممّن يخصّه ذلك، فإذا ارتفع الخوف ولم يكن احتمال ضرر في البين فلا وجه لاحتمال وجود الأثر الذي هو للوضوء الواقعي على هذا الفعل المسمّى بالوضوء عندهم، وهو ليس بالوضوء واقعاً.(1)
أقول: إنّ مقتضى الأصل هو ترتّب الأثر على العمل الصادر تقية مادامت التقية سائدة دونما إذا زالت، فيفقد أثره فلا تصحّ إقامة الصلاة بالوضوء بعد زوال التقية لكن ملاحظة لسان أدلّة التقية(2) لسان التنزيل، والتوسعة وتنزيل الفرد الاضطراريّ منزلة الفرد الواقعي، ويعلم ذلك بإمعان النظر فيما ورد حولها وملاحظتها مع ما ورد في أمثالها.
فقد ورد في سائر المقامات قوله سبحانه:(وَأَحَلَّ الله البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(3).
كما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «الصلح جائز بين

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي:5/57.
2 . التقية في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله.
3 . البقرة:275.

صفحه 123
المسلمين ما لم يحرّم حلالاً أو يحلّل حراماً».(1)
فالحلية في الآية محمولة على الحلية الوضعية بمعنى إمضاء الشارع البيعَ دون الربا، كما أنّ الجواز في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) محمول على الجواز الوضعي بمعنى جعله أمراً ممضى في عالم المعاملات.
ومن المعلوم أنّ كلا المعنيين يلازمان صحة العمل وترتّب الأثر على البيع والصلح دون أن ينحصر معنى الحلية والجواز في التكليف المحض بمعنى عدم كونهما حراماً، وذلك لأنّ النظام قائم بالمعنى الوضعي منهما لا التكليفي.
فإذا كان هذا معنى الحلية والجواز في البيع والصلح، فليكن كذلك قولهم في مورد التقية حيث جاء فيها نفس هذين اللفظين:
أ. «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله».(2)
ب. «كل شيء يعمله المؤمن بينهم لمكان التقية ـ ممّا لا

1 . الوسائل: 13، الباب3 من أبواب الصلح، الحديث2.
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.

صفحه 124
يؤدي إلى الفسادـ فإنّه جائز».(1)
فإذاً أي فرق بين الفريقين من الأدلة حيث استفيد من الفريق الأوّل المعنى الوضعي الملازم للصحة، دون الفريق الثاني حيث حمل على التكليفي أو الإمضاء المؤقت. وعلى ذلك فالوضوء تقية مصداق للوضوء.
وبذلك يظهر الجواب من قوله: «إنّ الأثر مترتّب على الوجود الواقعي من الأعمال لا أعمّ منه ومن غير الواقعي»، وذلك لأنّ المتبادر من الروايتين في مورد التقية أنّ الأثر مترتّب على كلا الوجودين، لأنّ الشارع أمضاه كما أمضى الواقعي ورتّب عليه الأثر كما رتّبه على الواقعي.
فالضابطة الكلية ترتيب الأثر على العقد أو الإيقاع أو الفعل الموافق للتقيّة مطلقاً وإن زالت التقية، إلاّ أن يدل دليل على خلافها، فالمتبع حينئذ هو الدليل.
نعم هذا كلّه في جواز الدخول في الصلاة بالوضوء الصادر تقية بقي الكلام في مورد آخر نوضحه تالياً.

1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث6.

صفحه 125

التقية والأحكام الوضعية

قد عرفت صحّة الأعمال المأتية بالوضوء عن تقية، إنّما الكلام في الأحكام الوضعية كالنجاسة إذا كان السبب عندهم مطهراً أو طاهراً، كالنماذج التالية:
1. إذا استنجى على وفق مذهبهم بمسح حشفته على الجدار وصلّى.
2. لو توضأ بالنبيذ وصلّى.
3. إذا صلى على جلد الميتة المدبوغ الّذي هو عندهم كجلد المذكى إذا كانت أعضاء بدنه رطبة.
4. إذا أكل في شهر رمضان تقية لحكم الحاكم برؤية الهلال.
5. إذا باع تقية.
لاشك في صحة صلاته ما دامت التقية باقية، إنّما الكلام في طهارة حشفته إذا استنجى بالمسح على الجدار، أو طهارة أعضاء وضوئه إذا توضّأ بالنبيذ، أو طهارة أعضاء بدنه إذا كانت رطبة وصلى على جلد الميتة المدبوغ، فهل تكون الأعضاء طاهرة، أو يحكم عليها بالنجاسة؟

صفحه 126
الأقوى هو الثاني، وذلك لأن أقصى ما يدلّ عليه دليل التقية هو أنّ الشارع نزل صلاته منزلة الصلاة الواقعية، وأنّ المأمور به في الواقع أعمّ من الواقعي الأوّلي أو الواقعي الثانوي.
وأمّا تنزيل الاستنجاء بالنحو المذكور منزلة الاستنجاء بالماء، أو تنزيل غسل الأعضاء بالنبيذ منزلة غسلها بالماء، أو تنزيل جلد الميتة المدبوغ منزلة جلد المذكى، فلا يدلّ عليه دليل. فيبقى ما دل على النجاسة في هذه الموارد على حاله.
وبذلك يُعلم أنّه لو أكل وشرب في نهار شهر رمضان تقية فلا كفّارة عليه لكن القضاء لا يسقط، وذلك لأنّ الكفّارة تجب على المفطر اختياراً، وأمّا القضاء فهو لمطلق الأكل، سواء أكان مختاراً أم مضطراً حتّى المريض، وقس على ذلك كلّ ما يمر عليك من الأحكام الصادرة تقية.
وأمّا إذا باع تقية أو اشترى كذلك يقع العقد باطلاً، لعدم تحقق الشرط الأصيل في صحة البيع أعني: طيب النفس في البيع. وتشريع التقية لغاية الامتنان على الضعيف ولا امتنان في صحة البيع عن تقية نظير البيع عن إكراه.

صفحه 127
بقي الكلام في الطلاق على وجه التقية أي غير الجامع للشرائط كالطلاق في طهر المواقعة، فالبحث عن صحّته وعدمها كالنكاح عن تقية موكول إلى محله.

صفحه 128
   

الفصل العاشر

في التقية المدارائية

كان الكلام في هذا الفصل والفصول السابقة في التقية الخوفية، بحيث يخاف الشيعي على نفسه ونفيسه لو لم يتّق، وأمّا إذا لم يكن في الموضع أي خوف ووجل، لكن لأجل توحيد الكلمة وتقريب الخطى بين المسلمين وشيوع المحبة يشارك الشيعي في صلواتهم وسائر عباداتهم فيأتي موافقاً لفقههم، ومن المعلوم أنّ المشاركة تفوت بعض الشرائط فهل العمل مداراة، موجب للإجزاء أو لا؟
وقد كان سيدنا الأُستاذ(قدس سره) يرى صحّة العمل فى هذه الصورة، ولعلّ السرّ فيها هو ترغيب المسلمين إلى توحيد كلمتهم وعدم تفرقهم ليكونوا يداً واحدة أمام الكفّار وسيطرة الأجانب، وكان يستدلّ على هذا القسم من التقية بصحيحة هشام بن الحكم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «إيّاكم أن تعملوا عملاً نعيّر به ; فإنّ ولد السوء يعيّر والده بعمله، كونوا

صفحه 129
لمن انقطعتم إليه، زَيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، صلّوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير; فأنتم أولى به منهم، والله ما عبدالله شيء أحب إليه من الخبء» قلت: وما الخبء؟ قال: التقية.(1)
فإنّ الظاهر منها الترغيب في العمل طبق آرائهم وأهوائهم وإتيان الصلاة في عشائرهم، وكذا سائر الخيرات. مع أنّ الإتيان في عشائرهم وبمحضر منهم مستلزم لترك بعض الأجزاء والشروط وفعل بعض الموانع وتذييلها بقوله: «والله ما عبد الله بشيء...» لدفع استبعاد الشيعة صحة العمل المخالف للواقع فقال: إنّ ذلك أحب العبادات وأحسنها.
ويمكن الاستدلال عليه ـ أيضاً ـ وراء صحيحة هشام بما مرّ من الروايات الست الدالة على التأكيد في مورد التقية والحث عليها، وقد مرت الروايات بأجمعها في الفصل السادس ونشير في المقام إلى بعضها:
1. ما رواه معمر بن الخلاّد قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن القيام للولاة؟ فقال:«قال أبو جعفر(عليه السلام): التقية من ديني ودين

1 . الوسائل: ج 11، كتاب الأمر والنهي، الباب 26، الحديث 3 .

صفحه 130
آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له».(1) فإنّ القيام لأجل التحبيب وحسن المعاشرة لا لصيانة النفس والنفيس عن الشر.
2. ما رواه زيد الشحام عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذّنين فافعلوا، فإنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً، ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه، وإذا شركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه».(2)
أقول: لا شك أنّ الإسلام بني على كلمتين: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة. وهذه الكلمة الطيبة مأخوذة من قوله سبحانه: (أن أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)(3)، فالفقرة الأُولى إشارة إلى التسليم أمامه سبحانه يقول سبحانه: (إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإسلامُ)(4) ومن أظهر مجاليه توحيده سبحانه، والفقرة الثانية

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.
2 . الوسائل:5، الباب75 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
3 . الشورى: 13 .
4 . آل عمران: 19 .

صفحه 131
إشارة إلى وحدة المسلمين ورصف صفوفهم، وعلى ذلك نحن نحثّ المسلمين على المداراة والمماشاة وحسن المعاشرة بالمشاركة مع إخوانهم في عامّة المجالات، ولكنّ المسألة لمّا كانت غير محررة في كلمات الأصحاب وإنّما بسط الكلام فيها السيد الأُستاذ(رحمه الله)، فالقول بالإجزاء في هذا النوع من التقية رهن دراسة المسألة بالتتبع التام في الكلمات وإمعان النظر في الروايات.
وبما أنّ التقية في العصر الحاضر خصوصاً في الحرمين الشريفين من باب التقية المدارائية، فاللازم المشاركة معهم في الصلاة ثمّ الإعادة احتياطاً. والله العالم.

صفحه 132
   
 
تنبيهات مهمة(1)

التنبيه الأوّل: في تبيين حدّ الإجزاء

قد عرفت أنّ العمل الصادر عن تقية مجز، غني عن الإعادة والقضاء، ولكن الإجزاء خاص بما إذا صدر منه عمل بعنوان أنّه الواجب، وأمّا إذا اتّقى وكانت النتيجةُ عدمَ صدور فعل منه، كما إذا أفطر في نهار شهر رمضان خوفاً من السلطان الّذي حكم بكونه يوم الفطر فليس بمجز، لأنّه لم يصدر منه عمل بعنوان الواجب حتّى ينزل بمنزلة الواجب الواقعي، وإنّما ترك العمل، ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إليّ من أن يضرب عنقي» (2).
وهذه القاعدة سائدة في كلّ مورد ـ و إن لم يكن عن تقيّة ـ يصدر فيه الإنسان عن حكم ظاهري وكان مخالفاً للواقع

1 . وإن مضى البحث عن بعضها في ثنايا الفصول السابقة استطراداً ولكن أفردناها بالبحث لأهميّتها.
2 . الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث 4.

صفحه 133
ولم يصدر منه عمل، كما إذا افطر في أوّل شهر رمضان باستصحاب موضوعي كاستصحاب بقاء شهر شعبان، أو استصحاب حكمي كاستصحاب جواز الإفطار ثم تبيّن الخلاف، فيحكم على إفطاره بالحلية فلا يُحدَّ على الإفطار ولكن عليه القضاء، لما عرفت من أنّ الإجزاء يختصّ بما إذا صدر المكلّف عمل ولو كان ناقصاً والمفروض أنّه قد ترك العمل من رأس .
***

التنبيه الثاني: شمول التقية للمخالف والمؤالف

ربّما يتصوّر أنّ أدلّة التقية في الكتاب العزيز تختص بالتقية عن الكافر كما هو مورد آياتها الدالة عليها، ولا تشمل التقية المخالف، فكيف عن الشيعي المؤالف؟!
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره نتيجة جمود على مورد الآيات مع غض النظر عن الغاية الّتي شُرّعت لأجلها التقية، وإلاّ فالملاك هو صيانة النفس والنفيس عن الاعتداء، سواء أكان المعتدي كافراً أم مخالفاً، أم مؤالفاً، فإذا ابتلي المسلم بأخيه المسلم الّذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردد في إيذاء

صفحه 134
الطرف الآخر إذا عرفه، ففي تلك الظروف يحكم العقل بصيانة النفس والنفيس عن المخالف، وذلك عن طريق كتمان العقيدة، واستعمال التقية فلو كان هناك وزر فإنّه يتوجه على من يُتقى منه لا على المتقي، إذ لو سادت الحرية جميع أبناء المذاهب الإسلامية وتحمّل أتباعُ كل مذهب عقائدَ أتباع المذهب الآخر، واستقبلها بصدر رحب، لما اتّقى أحدٌ إلى يوم القيامة، ولذلك نرى أنّ جمعاً من علماء السنة قد أفتى بجواز التقية عن السلطان السنّي، إذا كان جائراً .
وقد مرّ الكلام حول هذا الموضوع في صدر رسالتنا هذه فلا نعود إليه، وحتّى أنّ جمعاً من علماء أهل السنّة صرّحوا بعموم أدلة التقية وشمولها للمسلم وغيره، وقد مرت كلماتهم، والّذي يشهد على العموم أنّ أكثر المحدّثين عملوا بالتقية عندما جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فأحضر لفيفاً من المحدّثين والذين يربو عددهم على ستة وعشرين محدثاً فقرأ عليهم رسالة المأمون مرتين حتّى فهموها ثم سأل كل واحد عن رأيه في خلق القرآن، وقد كانت عقيدة المحدّثين بأنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث، فلمّا شعروا بالخطر وقُرأت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق

صفحه 135
أيديهم ويرسلوا إليه، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلاّ أربعة منهم: أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح; فلما كان من الغد أظهر سجادة الموافقة وقال بأنّ القرآن مخلوق وخُلّي سبيله، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأنّ القرآن مخلوق، فخُلّي سبيله، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، وللقصة تكملة ذكرنا تفصيلها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل ».(1)
وهذا أكبر شاهد على أنّ أربعة وعشرين محدثاً قد عملوا بالتقية في مقابل السلطان الجائر المسلم.
ولذا فلا فرق في الاتّقاء بين المخالف والمؤالف إذا صودرت الحريات ولم يكن للشيعي إلاّ إظهار الموافقة لصيانة نفسه ونفيسه.

التنبيه الثالث : كون التقية من المرجّحات

قد ورد في غير واحد من الروايات أنّ من المرجحّات في الروايات المتعارضة هو مخالفة العامّة، فما خالفهم يتقدّم على ما وافقهم. وإليك بعض الروايات الّتي تذكر هذا المطلب:

1 . بحوث في الملل والنحل: 3 / 605 ـ 614 .

صفحه 136
1. روى عمرو بن حنظلة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) :
] إذا [وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً
لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: «ما خالف العامّة ففيه
الرشاد» .(1)
2. روى عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ما سمعته منّي يُشبه قول الناس ففيه التقية، وما سمعته منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه ».(2)
3. روى أبو إسحاق الرّجاني مرفوعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام): «أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة؟» قال: فقال: لا أدري. فقال (عليه السلام): «إنّ علياً (عليه السلام)لم يكن يدين الله بدين، إلاّ خالفت عليه الأُمّة إلى غيره، إرادة لإبطال أمره. وكانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام)عن الشيء الّذي لا يعملونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم ليلبسوا على الناس ».(3)
وهنا سؤال يطرح نفسه: كيف يكون مطلق مخالفة العامّة من المرجّحات مع أنّ قسماً من فتاواهم مبنيّ على دلالة

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صغار المعاصي، الحديث 1.
2 . الوسائل : 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 46 .
3 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 24 .

صفحه 137
الكتاب والسنّة النبوية، ويدلّ على ذلك وجود المشتركات في الفتاوى في غير واحد من الأبواب؟
والجواب أوّلاً: أنّ موافقة الكتاب والسنّة هي ليست من المرجّحات، بل من مميزات الحجة عن اللاحجة، فلو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بأنّها من المرجّحات فالموافق منهما يؤخذ مطلقاً والمخالف يطرح كذلك من غير حاجة إلى ملاحظة فتوى الأخيرين. نعم لو فقدت الموافقة والمخالفة، فتصل التوجه إلى مخالفة العامة وموافقتهم .
وثانياً: أنّ المقصود الفتاوى الصادرة عنهم على أساس القياس والاستحسان وسائر القواعد غير الصحيحة، ولذلك قال: وما سمعته منّي يُشبه قول الناس ففيه التقية. والمراد من الشبه هو هذا.
قال الشيخ محمد جواد مغنية: والمراد بالعامّة ـ هنا ـ أهل الرأي والقياس الذين يستنبطون علل الأحكام الإلهية بحدسهم وظنونهم، ويفرعون أحكاماً يسندونها إلى الله ورسوله لا لشيء إلاّ لاعتقادهم بأنّ الله تعالى علواً كثيراً، يَشرّع الأحكام ويصدرها تبعاً للآراء والظنون بالعلل المستنبطة، والشيعة يسمّون هؤلاء

صفحه 138
بالعامّة ضد الخاصة الذين يبنون أحكامهم على أساس كتاب الله وسنة نبيه.(1)
وثالثاً: أنّ عمل الشيعة ليس به يعامله نظير في تمييز الفتوى من غيره المقدّم من الفتوى عن متأخّره لأئمة الفقه، فقد حُكي عن أبي حامد الاسفرائيني ـ وهو أحد شيوخ الشافعية ـ أنّه قال: إذا ورد عن الشافعي قولان لا يعلم أيّهما المتأخّر، فالقول المخالف لأبي حنيفة أرجح من القول الموافق له.(2)
وقال الكرخي الحنفي: إنّ الأصل قول أصحابهم فإن وافقته نصوص الكتاب والسنّة فذاك وإلاّ وجب تأويلها. وجرى العمل على هذا. أي على تأويل نصوص الكتاب والسنّة وإخضاعهما لفتوى الحنفية .(3)
قال صاحب المنار بعد نقل هذا الكلام عن الكرخي: فهل العامل به مقلّد لأبي حنيفة، أم للكرخي؟(4)
***

1 . علم أُصول الفقه في ثوبه الجديد، لمحمد جواد مغنية: 444 .
2 . أُصول الفقه في ثوبه الجديد، 444 .
3 . المنار: 2 / 83 .
4 . المنار: 2 / 83 .

صفحه 139

ترك السنّة لمخالفة الشيعة

قد عرفت أنّ الإمام أمر بطرح حكم مبني على القواعد غير الصحيحة كالقياس والاستحسان ولم يأمر بطرح المستنبط من الكتاب والسنّة، ولكن العجب أنّ جماعة أفتوا بترك السنّة القطعية لغاية المخالفة مع ما عليه الشيعة، وإن كنت في شك من هذا فأقرأ ما يلي:

1. ترك تسطيح القبر

قال الشيخ محمد بن عبدالرحمن الدمشقي: السنّة في القبر، التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى، لأنّ التسطيح صار شعاراً للشيعة. (1)
وقال الرافعي: إنّ النبي سطّح قبر ابنه إبراهيم.
وعن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي وأبي بكر وعمر مسطّحاً.
وقال ابن أبي هريرة: إنّ الأفضل الآن العدول من التسطيح

1 . رحمة الأُمة في اختلاف الأئمّة الّذي طبع مع الميزان للشعراني، كتاب الجنائز: 1 / 340 .

صفحه 140
إلى التسنيم، لأنّ التسطيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم، وصيانة الميت وأهله عن الاتّهام بالبدعة.
وهذا الوجه هو الّذي أجاب به في الكتاب ومال إليه الشيخ أبو محمد وتابعه القاضي الروياني، لكن الجمهور على أنّ المذهب، الأوّل.
قالوا: ولو تركنا ما ثبت في السنّة، لإطباق بعض المبتدعة عليه، لجرّنا ذلك إلى ترك سنن كثيرة، وإذا اطرد جريُنا على الشيء خرج عن أن يعدّ شعاراً للمبتدعة.(1)

2. الجهر بالبسملة

قال الرافعي: أيضاً ومثله ـ أي مثل التسطيح ـ ما حكي عنه أنّ الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعاراً لهم، فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم. واحتجّ له بما روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقوم إذا بدت جنازة، فأُخبر أنّ اليهود تفعل ذلك ، فترك القيام بعد ذلك مخالفة لهم.(2)
قال الإمام الرازي: روى البيهقي عن أبي هريرة قال: كان

1 . العزيز في شرح الوجيز: 2 / 453 .
2 . العزيز في شرح الوجيز: 2 / 453 .

صفحه 141
رسول الله يُجهر في الصلاة بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» وكان عليٌّ (رضي الله عنه)يُجهر بالتسمية وقد ثبت بالتواتر، وكان علي بن أبي طالب يقول: يامن ذكره شرف للذاكرين، ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه.
وقال الشيعة: السنّة، هي الجهر بالتسمية، سواء أكانت في الصلاة الجهرية أو السرية، وجمهور الفقهاء يُخالفونهم ـ إلى أن قال ـ : إنّ عليّاً كان يُبالغ في الجهر بالتسمية، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال آثار عليّ (رضي الله عنه).(1)

3. الصلاة على المؤمن مفرداً سنّة ترفض

قال الزمخشري في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي )(2) .
فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟
قلت: القياس جواز الصلاة على كلّ مؤمن لقوله تعالى: (هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ)(2)، وقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ

1 . مفاتيح الغيب: 1 / 205 ـ 206 .   2 . الأحزاب: 56 .
2 . الأحزاب: 43 .

صفحه 142
صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)(1)، وقوله: اللّهم صَل على آل أبي أوفى.
ولكنّ للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو أنّها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها، وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض .(2)
وفي «فتح الباري»: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتّفاق على مشروعيته في الحيّ، فقيل يشرع مطلقاً، وقيل بل تبعاً ولا يفرّد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.(3)
ومعنى ذلك أنّه لم يجد مبرّراً لترك ما شرّعه الإسلام، إلاّ عمل الرافضة بسنّة الإسلام، ولو صحّ ذلك، كان على القائل أن يترك عامة الفرائض والسنن الّتي يعمل بها الروافض!!

4. ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة

قال ابن تيمية ـ عند بيان التشبّه بالروافض ـ : ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبّات إذا

1 . التوبة: 103 .      2 . الكشاف: 2 / 549 .   3 . فتح الباري: 11 / 14 .

صفحه 143
صارت شعاراً لهم، فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السنّي من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحبّ .(1)

5. ترك فعل الخيرات وإقامة المآتم يوم عاشوراء

حكى البرسوي عن كتاب «عقد الدرر واللآلي وفضل الشهور والليالي» للشيخ شهاب الدين الشهير بالرسام: المطلب الثالث:
المستحب في ذلك اليوم ـ يعني: يوم عاشوراء ـ فعل الخيرات من الصّدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضاً. يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبّه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصلٌ صحيح، فإنّ ترك السنّة سنّة إذا كان شعاراً لأهل البدعة، كالتختّم باليمين فإنّه في الأصل سنّة، لكنّه لمّا كان شعار أهل البدعة والظلمة صارت

1 . منهاج السنّة: 2 / 143 .

صفحه 144
السنّة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا كما في شرح القهستاني.
ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرم مقتل الحسين (رضي الله عنه)، فقد تشبّه بالروافض، خصوصاً إذا كان بألفاظ مخلّة بالتعظيم لأجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر مقتل الحسين ينبغي أن يذكر أوّلاً مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض.
وقال الغزالي: يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنّه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة، ولعلّ ذلك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى .
ولكن ما قيمة اجتهاد، برّر سفك دماء آلالاف من المسلمين في حرب الجمل وصفين!!

6. ترك التختّم باليمين

إنّ المشروع هو التختّم في اليمين ولكن لمّا أخذته

صفحه 145
الرافضة جعلناه في اليسار.(1)
(قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا
   فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدَى)(2).

التنبيه الرابع: التقية في الإفتاء والقضاء

قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ التقية أمر شخصي يواجه بها الإنسان عبر حياته، وأمّا المسائل الكلية كالإفتاء بغير ما أنزل الله فخارجة عن مصب روايات التقية، خصوصاً إذا كان المفتي مرجعاً دينياً لجماهير الشيعة أو لقسم كبير منهم، فلو أفتى بغير ما أنزل الله تقية فلا يمكنه الرجوع عن ذلك، ويبقى الحكم سائداً بين الناس يعمل به طول الزمان، ولذلك يجب على المفتي الفرار عن الإفتاء بأي وجه كان.
اللهم إلاّ إذا هُدّد بالقتل، فعند ذلك لا مناص من الإفتاء بما يريدون ولكن يجب عليه أن يعلم الناس بوسائل مختلفة على أنّ الحكم صدر عن ضغط وإيعاد.

1 . روح البيان: 4 / 142 .
2 . طه: 135 .

صفحه 146
نعم إذا كان الإفتاء بغير ما أنزل الله سبباً لقتل الأبرياء وهتك النواميس والأعراض أو تراجع الناس عن دينهم أو تزلزلهم فلا يجوز مطلقاً وإن بلغ ما بلغ.
فإن قلت: فقد كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام)يفتون بالتقية في غير مورد من الموارد فما هو المبرر لإفتائهم ؟
قلت: إنّ إفتاءهم تقية كان لأجل صيانة نفس المستفتي كما هو الحال في قضية علي بن يقطين حيث أمره الإمام (عليه السلام)بأن يتوضّأ بوضوء أهل السنة وذلك حفاظاً على نفس المستفتي من القتل وقد صدّق الخُبرُ الخبر، حيث امتحنه هارون الرشيد خفاءً فرأى أنّه يتوضأ على وزان وضوء أهل السنة فاستحسنه وقربه، ولمّا ارتفع الخوف جاءت الرسالة الثانية عن الإمام الكاظم (عليه السلام)يأمره بأن يتوضّأ على وفق الكتاب والسنة الّذي عليه أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
ومنه يظهر حال الحكم فإن كان الحكم بغير ما أنزل الله يسبب إهراق دم محترم أو هتك عرض فلا يجوز.
وأمّا إذا لم يبلغ ذلك فعليه التخلّص من الحكم والفرار منه، وإذا أُلزم يتحرّى الأهم فالأهم.

صفحه 147
وممّا يدلّ على أنّ التقية قضية شخصية لا صلة لها بالقضايا العامة كالإفتاء والقضاء هو أنّه لم يُر من عالم شيعي عبر القرون الماضية أن يؤلّف كتاباً في العقائد أو الفروع الفقهية على غرار فقه أهل السنة وفتاواهم وهذا يعرب عن كونها قضية شخصية لا صلة لها بالقضايا العامّة، وان ابتلي الرجل بالإفتاء والحكم فعليه العمل على النحو الّذي ذكرناه.
ومن هنا نقف على جواب سؤال أو اعتراض ربّما يتوجّه على عقائد الشيعة وفقههم، فسيقولون إنّ التقية من مبادئ التشيع ولا يصح الاعتماد على كل ما يقولون ويكتبون وينشرون، إذ من المحتمل جدّاً أن تكون هذه الكتابات دعايات والواقع غيرها، وهذا ما يجترّه الكاتب الباكستاني إحسان إلهي ظهير في كتبه الّتي يتحامل بها على الشيعة، وقد عزب عن الكاتب أنّ التقية أمر شخصي ولا صلة له بما يخرج عن حدّ الشخص وتآليف كتاب عن غرار التقية أمر لم يعرف ولم يوجد ولم يدر في خلد أحد من الشيعة.
والشيعة ليست جمعية سرية حتّى تحتاج إلى هذا الأمر، وقد انتشرت في أقطار الأرض والبلاد الكثيرة فهل يمكن أن يكون المنشور بآلاف النسخ غير ما عندهم من العقائد.

صفحه 148
وقد خلط هذا الكاتب بين الشيعة والجمعيات السرية الذين يكتمون عقائدهم وأفكارهم عن غير أتباعهم. فإنّ هذا الأمر يمكن حصوله في جمعية قليلة بعيدة عن الحضارة والثقافة، وأمّا الشيعة فقد انتشرت كتبهم وثقافتهم منذ رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في عامة البلاد بصدر رحب وقلب مطمئن.
***

التنبيه الخامس: التقية خوفاً على السائل لا حذراً منه ومن الحاكم

المشهور بين الباحثين هو أنّ تقية الإمام (عليه السلام)كانت حذراً من السائل أو الحاكم الجائر، فلذلك كان يفتي على وفق مذهب السائل، حتّى لا يثير غضب الحاكم ضدّ الإمام.
ولو صحّ هذا النوع من التقية، فإنّما هو في موارد قليلة ولكن الأكثر هو التقية خوفاً على السائل، وهذا ما كان يدفع الإمام إلى الإفتاء على وفق مذهب الحاكم، لئلاّ يؤخذ السائل إذا اشتهر أنّه يعمل على خلاف مذهبه، ولمّا ذكرنا شواهد في غضون الأحاديث المروية عنهم. نذكر منها ما يلي:
1. روى عبدالله بن محرز قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى إليَّ، وهلك وترك ابنته، فقال: «أعطِ الابنة النصف،

صفحه 149
واترك للموالي النصف»، فرجعت، فقال أصحابنا: لا والله ما للموالي شيء، فرجعت إليه من قابل، فقلت له: إنَّ أصحابنا قالوا: ما للموالي شيء، وإنّما اتّقاك، فقال: «لا والله ما اتّقيتك، ولكنّي خفت عليك أن تؤخذ بالنصف، فإن كنت لا تخاف فادفع النصف الآخر إلى ابنته، فإن الله سيؤدِّي عنك».(1)
2. روى عبدالله بن محمد بياع القلانس قال: أوصى إليَّ رجل، وترك خمسمائة درهم أو ستّمائة درهم، وترك ابنةً، وقال: لي عصبة بالشام، فسألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن ذلك، فقال: «أعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر»، فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا، فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر، ثمَّ حججت، فلقيت أبا عبدالله (عليه السلام)، فأخبرته بما قال أصحابنا، وأخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: «أحسنت، إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك».(2)
3. انّ زرارة بن أعين من أجلاّء أصحاب الصادقين (عليهما السلام)

1 . الوسائل: 26، الباب 5 من أبواب لا يرث الإخوة، ولا الأعمام، ولا العصبة، الحديث 7 .
2 . الوسائل: 26، الباب 5 من أبواب لا يرث الإخوة، ولا الأعمام، ولا العصبة، الحديث 4 .

صفحه 150
وقد تلقّى عنهما الحديث قرابة خمسين سنة روى أبو بصير
عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «لولا زرارة لظننت أنّ أحاديث
أبي ستذهب» (1)، وقد تضافرت الروايات المادحة في
حقّه، ومع ذلك نرى أنّ الإمام أخذ يذمّه في بعض المجالس الحافلة بالموافق والمخالف لينجو بذلك نفسه ونفيسه، ولذلك لما ورد عبدالله بن زرارة، مجلس الإمام قال له الإمام: «أقرأ منّي على والدك السلام وقل له: إنّي أعيبك دفاعاً منّي عنك، فإن الناس والعدوّ يسارعون إلى كل من قرّبناه وحمدنا مكانة لإدخال الأذى فيمن نحبّه ونقرّبه، ويذمّونه لمحبتنا له وقربه ودنوّه منّا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله، ويحمدون كل من عبناه نحن، فإنّما أعيبك لأنّك رجل اشتهرت بنا وبميلك إلينا...».(2)
4. ما تقدّم من أمر الإمام لوزير هارون، علي بن يقطين من التوضّؤ على وجه التقية، فقد صرّح الإمام بأنّ أمره بالتوضّؤ على مسلك القوم، لأجل الخوف عليه ولمّا ارتفع الخوف، أمره بالتوضّؤ على المذهب الحق.

1 . رجال الكشي: 122، تحقيق السيد أحمد الاشكوري .
2 . رجال الكشي: 226 ، ترجمة زرارة.

صفحه 151
5. ما مرّ من حديث داود بن زربي حيث كان مصيره نفس مصير ابن يقطين، لولا الفقيه كما مرّ.
وأنا أظن أنّ أكثر ما ورد تقية إنّما كان لغاية صيانة الراوي عن الأذى وإلاّ فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)كانوا سادة الأُمّة، أساتذة الدين، يجتمع حولهم القريب والبعيد، فكيف يتقي ممّن هو دونه في المكانة الاجتماعية، أو يتّقي في السائل وهو من السوقة.
ولقد علم الأصم والأبكم أنّ لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)آراءً وأفكاراً واستنباطات خاصة في الكتاب والسنّة، تختلف عن آراء الآخرين من فقهاء عصرهم ومحدّثي زمانهم.
نعم إذا انتهى الأمر إلى المسائل السياسية الّتي تثير حساسية الحاكم كالصيام في يوم حكم بأنّه يوم فطراً، لم يكن للإمام إلاّ مماشاة الحاكم.
قال الشيخ كاشف الغطاء: وليس مذهبنا أقلّ وضوحاً من مذهب الحنفيّة، والشافعيّة، والحنبليّة، والمالكيّة، والزيديّة، والناووسيّة، والواقفيّة، والفطحيّة وغيرهم، فإنّ لكلّ طائفة طريقة مستمرّة يتوارثونها صاغراً بعد كابر، بل أهل الملل ممّن عدا المسلمين على بُعد عهدهم عن أنبيائهم الماضين لهم

صفحه 152
طرائق وسِيُر يمشون فيها على الأثر، ولا يصغون إلى إنكار من أنكر .(1)
***
لقد أُثيرت حول حكم التقية شبهات أشبه بالشبه السوفسطائية ونحن ندرس هذه الشبه كلٌّ، في تنبيه خاص.

التنبيه السادس: الفرق بين التقية والنفاق

ربّما يتصور أنّ التقية من شَعب النفاق، لأنّ النفاق إذا كان هو التظاهر بشيء على خلاف العقيدة، والمتلبّس بالتقية أيضاً يمارس عملاً أو قولاً على خلاف العقيدة. فتكون التقية من شعب النفاق.
الجواب: إنّ التقية في الكتاب والسنّة عبارة عن إظهار الكفر وإبطان الإيمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق فإذا كان هذا مفهومها فهي تقابل النفاق الوارد في الكتاب والسنّة حيث إنّ النفاق فيهما عبارة عن إظهار الإيمان وإبطان الكفر والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل، فبين المفهومين، بعد المشرقين.
يقول سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ

1 . كشف الغطاء: 1 / 215 .

صفحه 153
اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(1).
فإذا كان هذا حدّ المنافق، فكيف يكون المتّقي من أقسامه؟
إنّ التقية وردت في الكتاب والسنّة وأمر بها سبحانه ونبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كانت من شعب النفاق لكان أمراً قبيحاً، يستحيل على الله سبحانه أن يأمر به قال سبحانه: (قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2).
نعم تفسير النفاق بمطلق مخالفة الظاهر، الباطن، تفسير عرفي وليس بتفسير شرعي، ومن اعتمد عليه صحّ له أن يجعل التقية من أقسامه، لكن النفاق بهذا المعنى ليس قبيحاً مطلقاً وإنّما يقبح إذا أبطن الكفر وأظهر الإيمان، ويكون النفاق بهذا المعنى في مقابل التقية.
أضف إلى ذلك: أنّ تقية الشيعة ليس في حد إخفاء الإيمان والتظاهر بالكفر، بل في حدّ التظاهر بالفروع التي يعتقدها المخالف مادام الحاكم يظهر حساسية بالنسبة إلى بعض الفروع كالسجود على التربة، أو إظهار الولاء للأئمة الاثني

1 . المنافقون: 1 .   2 . الأعراف: 28 .

صفحه 154
عشر، أو إقامة المآتم للمضطهدين من آل البيت يوم العاشر وغيره، إذ لا محيص لهم في هذه الظروف إلاّ المماشاة مع من صادر أُصول الحريات الأوّلية الّتي يتمتع بها عامّة الإنسان في أقطار الأرض وأنحاء العالم .

التنبيه السابع: هل التقية من أُصول الدين ؟

قد تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)التأكيد على التقية إلى حدّ قالوا: «التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» وفي حديث آخر: «ولا دين لمن لا تقية له»(1)، مع أنّ أُصول الدين لا تتجاوز الثلاثة: الإيمان بالتوحيد والنبوة والمعاد، وفي بعض الروايات: إتيان الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت، مع أنّ التقية ليست منها.
والجواب: أنّ الهدف من هذه التعابير هو التأكيد على العمل بالتقية، لأنّ كثيراً من شيعة الأئمة(عليهم السلام)لا يحتاطون فيعرّضون أنفسهم وأموالهم للخطر من جانب السلطان الجائر، وربّما يتسرّعون إلى ذلك بلا مبالاة تصوراً منهم أنّ هذا النوع من الاضطهاد شهادة في سبيل الله، ولأجل استئصال هذه الفكرة

1 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3 و 4 .

صفحه 155
الخاطئة من أذهان الشيعة أخذ الإمام يخاطبهم بهذا النوع من التأكيد .
وهذا الأُسلوب من الكلام غير بعيد عن كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره، نظير قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد»، ولا شك إنّ التقية ليست من الأُصول، بل هي حكم فرعي كسائر الأحكام الفرعية، غير أنّه لما صار عدم الاعتداد بهذا الحكم سبباً لسفك الدم وإزهاق أرواح الشيعة أخذ الإمام (عليه السلام)بالتأكيد على النحو الّذي عرفت.
وكذلك فمن أساليب المبالغة في المقام قول المعصوم (عليه السلام): «إنّ تسعة أعشار الدين في التقية».(1)
وهنا احتمال آخر لقوله: «لا إيمان لمن لا تقية له»، وهو نفي الإيمان بمعنى الالتزام العملي الذي هو من آثار الإيمان، لا الإيمان القلبي الذي يدور على وجوده وعدمه الإيمان والكفر.
***

1 . وفي السند الّذي ذكره الكليني لهذه الرواية ورد أبو عمر الأعجمي، وليس له في الكتب الأربعة رواية غيرها، وهو لم يوثق.

صفحه 156

التنبيه الثامن: التقية تؤدي إلى محق الدين

إذا مارست جماعة العمل بالتقية فترة طويلة ربّما يتجلّى للجيل المقبل بأنّ ما مارسه آباؤهم من العمل برأي المخالف والتظاهر بعقيدته من صميم الدين، فعند ذلك تؤدي التقية إلى محق الدين وزواله .
أقول: إنّ للتقية سيطرة على الظاهر دون الباطن، فالأقلية الّتي صودرت حرياتهم يمارسونها في الظاهر، وأمّا في المجالس الخاصة والبيوت فيقومون بواجبهم حسب ما يرونه حقاً ويربّون أولادهم على وفق التعاليم الّتي ورثوها عن آبائهم وأئمتهم، ولو فرضنا أنّ ممارسة التقية مدة طويلة تؤدي إلى محق الدين، تكون التقية عندئذ محرمة يجب اجتنابها، ولكنّه صرف افتراض لا واقع له .
وها هي قبيلة «النخاولة» في المدينة المنوّرة عاشوا عبر قرون مع السنّة في الظاهر بالتقية ولكنّهم بقوا على عقائدهم وآدابهم وعاداتهم في حياتهم فيما بينهم.
إلى هنا تمّت مناقشة الشبه الّتي أُثيرت حول التقية، وقد عرفت أنّها شبه بنيت على أساس هار، وليست لها واقع، ولكن

صفحه 157
بقي الكلام في ذكر الآثار البنّاءة للتقية، وهذا ما سندرسه تالياً ضمن التنبيه التالي.

التنبيه التاسع: الآثار البنّاءة للتقية

لا شك أنّ العمل على خلاف العقيدة لا يخلو من حرج، خصوصاً إذا استمرت هذه الحالة لسنين عديدة، حيث إنّ الإنسان يصدر في حياته عن عقيدته ولكن في موضع التقية يصدر عن ضغط الحاكم والظروف المحيطة بالإنسان، ومع كلّ ذلك فهناك آثار بناءة للتقية لأجلها أمر الله سبحانه بها وأكد عليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)، وتلك الآثار تتلخّص في الجوانب التالية:

1. حفظ النفس والنفيس

إنّ صحائف التاريخ تشهد على استشهاد عدد كبير من المؤمنين والعلماء على أيدي الظالمين الذين صادروا الحريات كافة حتّى في العقائد والممارسات الدينية، فلأجل إبعاد الخطر عن أرواح الشيعة جعلت التقية ترساً وجنّة في مقابل الأعداء، ولذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ التقية ترس الله بينه وبين خلقه» .(1)

1 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 13 .

صفحه 158
وقال (عليه السلام): «كان أبي يقول وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، إنّ التقية جُنّة المؤمن».(1)
وفي حديث آخر قال (عليه السلام): «ما عُبد الله بشيء أحب إليه من الخبء، قلت: وما الخبء؟ قال: «التقية».(2)
وفي حديث آخر: «إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقضاً».(3)
وفي قصة وضوء علي بن يقطين وغيره ممّا مرّ دلالة واضحة على أنّ التقية إنّما شرعت لغاية المحافظة على روح المؤمن.
روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)حديثاً جاء فيه ما يلي: «فإنّ تفضيلك أعدائنا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرّنا، وإنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيتك لا يقدح فينا، ولا ينقصنا، ولئن تبرأ منّا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك، لتُبقي على نفسك روحها الّتي بها قوامها، ومالها الّذي

1 . نفس المصدر، الحديث 4 .
2 . نفس المصدر: الحديث 15 .
3 . نفس المصدر: الحديث 34 .

صفحه 159
به قيامها، وجاهها الّذي به تمسّكها، وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح إخوانك المؤمنين، وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية الّتي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك، معرّض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشدّ من ضرر الناصب لنا، الكافر بنا».(1)

2. حفظ وحدة الأُمّة

لاشك أنّ وحدة الكلمة هي مصدر قوة الأُمّة وأنّ اختلافها سبب انهيار أركان المجتمع وضعفه، ولذلك فهو سبحانه يصف الوحدة بأنّها هي العصمة ويقول: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا)(2).
وفي الوقت نفسه يندد بالتفرّق والتنافر حتّى يعدّه من ألوان العذاب، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ

1 . الاحتجاج: 238 ; الوسائل: 11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 11 .
2 . آل عمران: 103.

صفحه 160
عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ)(1).
ومن آثار ممارسة التقية في بعض الأحيان هو حفظ وحدة الكلمة عندما تواجه الأُمّة أزمة من الأزمات.
وهذا هو الّذي دعا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المماشاة ومسايرة الظروف السياسية السائدة آنذاك والتخلّي عن المطالبة بحقّه بالقوة، وما ذلك إلاّ نصرة للإسلام وحفاظاً على وحدة الأُمة، قال (عليه السلام): «فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ; فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الاَْحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ»(2).
نعم هذا النوع من التقية الّذي مارسه الإمام (عليه السلام)كان في فترة خاصة سبب سكوت الإمام (عليه السلام)، وأمّا إذا بلغ السيل الزبى

1 . الأنعام: 65 .
2 . نهج البلاغة: الكتاب 62; شرح نهج البلاغة: 6 / 94 .

صفحه 161
وكان السكوت أمام الحاكم الجائر، يسببّ هدم الدين وتراجع الناس عن الالتزام بالشريعة الإسلامية تكون التقية محرمة ويصبح تجريد السيف أمراً لازماً، لذا نرى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)قد جرّد سيفه وسيوف أنصاره وخاض غمار الحرب في وجه أعداء الإسلام، وضحّى بنفسه ونفيسه في طريق إحياء الدين وإظهار معالمه.

3. المحافظة على الطاقات البشرية

من وقف على حياة الأئمة وحياة شيعتهم في عصر الأمويين والعباسيين يقف على أنّ الضغط على الشيعة بلغ ذروته، وسنأتي بأُنموذج حتّى يكون شاهداً على ما نقول:
هذا هو هارون بن خارجة من شيعة الإمام الصادق (عليه السلام)قال: كان رجل من أصحابنا طلق امرأته ثلاثاً (في مجلس واحد) فسأل أصحابنا فقالوا: ليس بشيء، فقالت امرأته: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبدالله (عليه السلام)، وكان بالحيرة آنذاك أيام أبي العباس، قال: فذهبت إلى الحيرة، ولم أقدر على كلامه، إذ منع الخليفة الناس الدخول على أبي عبدالله (عليه السلام)، وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه، فإذا سواديٌّ عليه جبّة صوف يبيع خياراً فقلت له: بكم خيارك هذا كلّه؟ قال: بدرهم، فأعطيته درهماً، وقلت له: أعطني جبتّك هذه،

صفحه 162
فأخذتها ولبستها وناديت مَن يشتري خياراً ودنوت منه، فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار! فقال (عليه السلام)لي لمّا دنوت منه: «ما أجود ما احتلت، أي شيء حاجتك؟» قلت: إنّي ابتليت فطلّقت أهلي في دفعة ثلاثاً، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء وإن المرأة قالت: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبدالله (عليه السلام)فقال: «إرجع إلى أهلك فليس عليك شيء ».(1)
فإذا كان هذا وضع الشيعة وكان هو ديدن الحكام مع الشيعة وإمامهم (عليه السلام)، فلو أنّهم لم يعملوا بالتقية وخرجوا إلى المجتمع يصير حالهم كالجندي الّذي يقابل العدو الغاشم وليس عنده شيء من السلاح ولا الدرع فتكون النتيجة استنزاف القوى والطاقات ولا يبقى من الشيعة إلاّ الاسم، ومن أحاديث الأئمة(عليهم السلام)إلاّ شيئاً لا يذكر.
وأمّا إذا مارسوا التقية فترة خاصة، فإذا هبّ عليهم نسيم الحريّة فعندئذ تيسّرت لهم المجاهرة بآرائهم وأفكارهم دون أي خوف ووجل فلهم التجاهر بأفكارهم وأعمالهم.
روى الشريف المرتضى في رسالة «المحكم والمتشابه» نقلاً عن تفسير النعماني عن الإمام علي (عليه السلام)أنّه قال: «وإنّ الله منّ

1 . بحار الأنوار: 47 / 171 برقم 16 .

صفحه 163
على المؤمن بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر، أن يصوم بصيامه ويفطر بإفطاره ويصلّي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك، موسّعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأُمّة، فهذه رخصة تفضّل الله بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر» (1).
وهذا هو معاذ بن مسلم النحوي الّذي ـ أسّس أساس علم الصرف ـ يروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال له: بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخِلُ قولكم فيما بين ذلك، قال: فقال لي: «إصنعْ كذا، فإني أصنعُ كذا».(2)

1 . الوسائل: 1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 11، الباب 30 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 2 .

صفحه 164
 
التنبيه العاشر: حكم تسمية الإمام المهدي
هل تجوز تسمية الإمام المهدي (عليه السلام)باسمه الخاص أو لا؟ فليس لهذه المسألة صلة قوية بالتقية وأحكامها وإنّما هي مسألة فرعية، وربّما لا تجوز لمصالح خاصّة، نعم عقد الحر العاملي باباً في هذا الصدد أسماه: باب تحريم تسمية المهدي (عليه السلام)وسائر الأئمة(عليهم السلام)وذكرهم وقت التقية وجواز ذلك مع عدم الخوف. وقد نقل في الباب قرابة 23 حديثاً تختلف مضامينها.
فقسم منها يدلّ على حرمة التسمية نحو ما رواه الكليني عن علي بن رئاب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلاّ كافر» .(1)
وقسم منها يدلّ على ترك تسميته إلى أن يقوم
ويملأ الأرض عدلاً، نظير ما رواه أبو هاشم داود بن
القاسم الجعفري، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث الخضر،
أنّه قال: «وأشهد على رجل من ولد الحسن (عليه السلام)لا يسمّى
ولا يكنّى حتّى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً،

1 . الوسائل: 11، الباب 33، من أبواب الأمر والنهي، الحديث 4. وبهذا المضمون الحديث 5 و 11 و 13 .

صفحه 165
إنّه القائم بأمر الحسن بن علي (عليهما السلام)»(1).
وقسم ثالث يدلّ على عدم جواز تسميته معلّلاً بالخوف، نظير ما رواه أبو عبدالله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام)أن أسأل عن الاسم والمكان؟ فخرج الجواب: «إن دللتهم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه» (2).
وقسم رابع يدلّ على جواز التسمية وهي روايات كثيرة، نظير ما رواه محمد بن إبراهيم الكوفي إنّ أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام)بعث إلى بعض من سمّاه شاة مذبوحة وقال: «هذه من عقيقة ابني محمد» (3).
وأمّا الجمع بين هذه الأقسام فواضح، وهو أنّ حرمة التسمية مختصّة بما إذا ترتّب عليها ضرر أو خوف الضرر، وأمّا إذا ارتفع ذلك فلا مانع.
يقول صاحب الوسائل: والأحاديث في التصريح باسم المهدي محمد بن الحسن (عليهما السلام)وفي الأمر بتسميته عموماً

1 . الوسائل: 11، الباب 33 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3. وبهذا المضمون الحديث 9 .
2 . الوسائل: 11، الباب 33، الحديث 7 وبهذا المضمون الحديث 8 و 12 .
3 . نفس المصدر: الحديث 5، وبهذا المضمون الحديث 16 و 18 و 19 و 22 و 23 .

صفحه 166
وخصوصاً، تصريحاً وتلويحاً، فعلاً وتقريراً، في النصوص، والزيارات والدعوات، والتعقيبات، والتلقين، وغير ذلك كثيرة جدّاً، قد تقدّم جملة من ذلك ويأتي جملة أُخرى وهو دال على ما قلناه في العنوان.
تم بحمد الله تعالى ما أردنا إيراده حول التقية
صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين
من شهر رجب الخير من شهور عام 1430 هـ
بيد مؤلفه جعفر السبحاني
ابن الفقيه الحاج الشيخ محمد حسين السبحاني
تغمده الله برحمته الواسعة.

صفحه 167
قاعدتان فقهيتان
1. كل مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه
2. التلف في زمن ا لخيار فهو ممّن لا خيار له

صفحه 168

صفحه 169
    قاعدتان فقهيتان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد; فهذه رسالة وجيزة ألّفتها في توضيح مفاد القاعدتين، أعني:
1. كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.
2. التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له.
وفي علاج تعارضهما في بعض الموارد، كما إذا
وقع التلف قبل قبض المشتري للمبيع وكان الخيار للبائع
دون المشتري مثل ما إذا أخّر المشتري تسليم الثمن أزيد
من ثلاثة أيام فللبائع خيار النسخ دون المشتري فلو
هلكت عندئذ ففيه جهتان كون التلف قبل القبض فهو من البائع، وكون التلف في زمن خيار البائع فهو ممّن لا خيار له أعني المشتري وقد جعله المفيد، والسيد وسلاّر، من مصاديق

صفحه 170
القاعدة الثانية فقالوا: انّ التلف من المشتري(1).
انّ مقتضى القاعدة الأُولى كون التلف من مال البائع،فيلزم ردّ الثمن إلى المشتري ومقتضى القاعدة الثانية أن يكون التلف من المشتري فيلزم عليه تسليم الثمن إلى البائع. ومن المعلوم بطلان هذا النوع من التشريع المتناقض في مثل هذا المورد.(2)
وقد أوضحنا حال القاعدتين، كما عالجنا التعارض المتوهّم في المقام بفضل من الله سبحانه ومنّه.(3)
وإليك دراسة القاعدتين، الواحدة تلو الأُخرى:

1 . لاحظ المقنعة:592; الانتصار، 210; المراسم:173 و سيوافيك الكلام على وجه التفصيل عند البحث في القاعدة الثانية.
2 . التعارض، ذكره المحقّق الأردبيلي حسب ما نقله السيد الطباطبائي اليزدي في تعليقة على المتاجر، ص 169.
3 . ولمّا تمّ نظامها، وتمسّكت بحمد الله ختامها، أهديتها إلى صديقي العزيز العلاّمة الحجة الشيخ علي أكبر الإلهي الخراساني مدير مجمع البحوث الإسلامية في المشهد الرضوي ـ دام عزه ـ وإلى ولده البار قرة عين الفصل الشيخ مجتبى الإلهي ـ حفظه الله ـ سبط الورعّ التقي آية الله «مرواريد» (قدس سره)، راجياً من الله سبحانه أن يوفقهما لما فيه مرضاته.

صفحه 171
القاعدة الأُولى:
كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه
فهو من مال بائعه

صفحه 172
كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه   

صفحه 173
 
1

كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال مالكه

قبل الشروع في دراسة القاعدة الأُولى وما حولها من البحوث والفروع نشير إلى نكتة، وهي:
إنّ تحمّل البائع خسارة المبيع قبل القبض على خلاف القواعد الفقهية، وإن كان موافقاً لسيرة العقلاء، والدليل على كونه خلاف القواعد ما يلي:
ذهب المشهور إلى أنّ العقد سبب تام لحصول الملكية لا يتوقّف على القبض، فالمشتري بالعقد يملك المبيع وهكذا البائع يملك الثمن، فإذا تلف المبيع، ولو قبل القبض فقد تلف ما ملكه المشتري بالعقد، فجعل الضمان على البائع دون المبتاع حينئذ يكون على خلاف القاعدة الفقهية، بل مقتضاها كون التلف من المشتري. لأنّ التالف ملكه، والمفروض أنّ التلف ليس مستنداً إلى البائع بل إلى سبب طبيعي.

صفحه 174
وإلى ما ذكرنا يشير السيد العاملي بقوله:«فكان ذلك(دليل القاعدة) مخرجاً عن حكم القاعدة الأُخرى القائلة بحصول الملك بمجرد العقد، المستلزمة لكون التلف من المشتري فينبغي أن يندفع الإشكال عن المقدّس الأردبيلى ومن تبعه، لأنّه قداستشكله هنا وأعاده في باب القبض.(1)
نعم القبض في بيع الصرف والسلم من أجزاء السبب المملِّك، بمعنى أنّه لولا القبض لما حصل التمليك والتملّك، فلو تلف المبيع قبل القبض، فقد تلف مال البائع لعدم انتقال المثمن إلى المشتري قبل القبض.
وبما أنّ القبض في غير الصرف والسلم، ليس مملّكاً، فمقتضى القاعدة كون التلف من مال المشتري، غير أنّ سيرة العقلاء على خلافها والقاعدة وردت على وفقها، فلندرس أدلّتها، وهي تتلخّص في أُمور:

1 . مفتاح الكرامة:10/1025.

صفحه 175

الأوّل: الروايات

الرواية الأولى

روى عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل اشترى متاعاً من آخر وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال: آتيك غداً إن شاء الله، فسُرِق المتاع من مال من يكون؟
قال(عليه السلام): «من مال صاحب المتاع الّذي هو في بيته حتّى يُقبض ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه ]البائع[ حتّى يردّ ماله إليه».(1)
ولا خفاء في دلالة الرواية على المقصود. إنّما الكلام في سندها وقد ورد فيه محمد بن عبدالله بن هلال ولم يرد فيه توثيق، لكن المشايخ يروون عنه; نظراء: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسين بن عبيد، ومحمد بن أحمد بن يحيى صاحب النوادر، وغيرهم.
وأمّا عقبة بن خالد فهو الّذي روى أقضية النبي(صلى الله عليه وآله) عن الصادق(عليه السلام) وهو ممدوح، وعلى هذا فالسند لا بأس به.

1 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1. والمراد من المال هو الثمن.

صفحه 176

الرواية الثانية

النبوي الّذى رواه صاحب المستدرك:«كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».(1)

الرواية الثالثة

ما رواه بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طُنّ قصباً في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة والأنبار فيه ثلاثون ألف طُن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طُن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكّل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طن وبقي عشرة آلاف طن، فقال: «العشرة آلاف طن الّتى بقيت هي للمشتري، والعشرون الّتي احترقت من مال البائع».(2)
ودلالة الرواية على المقصود واضحة حيث إنّ التلف مع كون المبيع على نحو الكلي في المعيّن، لا في ذمّة البائع، حُسبَ على البائع لكونه قبل القبض.

1 . المستدرك، ج13، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب19 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 177
 
الرواية الرابعة
ما رواه ابن حجاج الكرخي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «كل طعام اشتريته في بيدر أو طسوّج فأتى الله عليه فليس للمشتري إلاّ رأس ماله، ومن اشترى من طعام موصوف ولم يسمّ فيه قرية ولا موضعاً فعلى صاحبه أن يؤدّيه».(1)
والرواية الأخيرة تفصل بين العين الشخصية والمبيع الكلي في الذمة، فعلى الأوّل لو تلفت العين تبطل المعاملة بشهادة أنّه يأخذ رأس ماله، وعلى الثاني يجب على البائع أن يحصّل المبيع ويسلّمه إلى المشتري وإن حدث ما حدث في مزرعته.
وهذه الروايات بأجمعها تصلح لتكون دليلاً على القاعدة، وسيوافيك المراد من قوله:«فهو من مال بائعه».
واستدلّ المحقّق السبزواري على القاعدة في مورد خيار التأخير أعني إذا تلف المبيع بعد الثلاثة وقبل الثلاثة بصحيحة

1 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2. الطسّوج كتنّور: الناحية، لاحظ مجمع البحرين.

صفحه 178
علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال:«فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما».(1)
ثمّ إنّه نقل عن المفيد والمرتضى وسلاّر ومن تبعهم أنّهم ذهبوا إلى أن تلف المبيع من المشتري نظراً إلى ثبوت الناقل عن غير خيار.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا تدلّ على المطلوب، إذ ليس فيه عن التلف أثر، وإنّما الكلام في تأخير الثمن وأنّ المشتري لو أخّر أزيد من ثلاثة فالبيع ينفسخ.
نعم ما نقله عن المفيد وتلميذيه هو الذي نقله أيضاً عنهما في «مفتاح الكرامة» وقال: والمخالف، المفيد والسيدان ومن تبعهم في خصوص خيار التأخير.(3) أي إذا أخر المشتري تسليم الثمن ومضت ثلاثة أيام فصار البائع ذا خيار، دون المشتري ففي هذه الصورة قالوا بانّ التلف من المشتري لا مطلقاً.

1 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث3.
2 . كفاية الأحكام:1/468.
3 . مفتاح الكرامة:10/1025.

صفحه 179

الثاني: الإجماع

حكى الإجماع على مفاد القاعدة غير واحد من الأصحاب: قال العلاّمة في «التذكرة»:ولا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد وسقط الثمن ـ و به قال الشافعي وأحمد في رواية، وهو محكي عن الشعبي وربيعة ـ لأنّه قبض مستحق بالعقد، فإذا تعذّر، انفسخ البيع، كما لو تفرقا قبل القبض في الصرف.
وقال أبو حنيفة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلاّ العقار.
وقال مالك: إذا هلك المبيع قبل القبض، لا يبطل البيع، ويكون من ضمان المشتري، إلاّ أن يطالبه به فلا يسلمه]البائع[، فيجب عليه]البائع [قيمته للمشتري ـ و به قال أحمد وإسحاق ـ لقوله(عليه السلام): «الخراج بالضمان» ونماؤه للمشتري فضمانه عليه، ولأنّه من ضمانه بعد القبض فكذا قبله كالميراث.(1)
أقول: سيوافيك الكلام في نماء المبيع التالف، فانتظر.
وقال العاملي بعد قول العلاّمة «وإذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه»: إجماعاً كما في السرائر، وكشف الرموز،

1 . تذكرة الفقهاء:10/112ـ113.

صفحه 180
وجامع المقاصد، والروضة، ويتناوله إجماع الغنية بإطلاقه، كما تسمع ففي التذكرة في باب القبض: لا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ انفسخ العقد وسقط الثمن.
وفي الكفاية أنّه لا يعرف فيه خلافاً ـ إلى أن قال: ـ مضافاً إلى ما ذكروه في باب الثمار فيما إذا تلفت الثمرة المبتاعة فإنّهم حكموا من غير خلاف ولا تأمّل بأنّ تلفها قبل القبض من البائع.(1)
ولعلّ هذه الكلمات كافية في إثبات الاتفاق في المقام.
نعم يحتمل أن يكون إجماعهم مستنداً إلى الروايات الّتي تقدّمت قبل ذلك فيكون الإجماع مدركياً لا تعبدياً.

الثالث: سيرة العقلاء

جرت سيرة العقلاء في المقام على انفساخ العقد وارتفاع التعهد من الطرفين، وذلك لأنّ العقد وإن تمّ والمشتري وإن ملك المبيع لكن لمّا كان البيع مقدّمة للتسليم والإقباض وكانت الغاية القصوى من التعهّد هو انتفاع المشتري من المبيع، فإذا

1 . مفتاح الكرامة:10/1024ـ 1025.

صفحه 181
امتنع ما هو المقصود الأقصى لما كان هناك أي تكليف على أحد الطرفين.
أمّا البائع فإنّ التخلّف منه يرجع إلى سبب خارج عن مقدرته، وأمّاالمشتري فإنّما تعهد في مقابل تسلّم المبيع والانتفاع به والمفروض أنّه لم يتحقّق، فإذا غلب التقدير على تدبير العباد فلا يكون لكلّ مسؤولية أمام الآخر، ومعنى ذلك فرض العقد كأن لم يكن والإنفساخ من الأصل أو من حين التلف على ما سيأتي. لا انّه يكون العقد بحاله، غاية الأمر يجب على البائع، تسليم مثله أو قيمته وأخذ الثمن المسمّى من المشتري لانّه يخالف رواية ابن الحجاج الكرخي إذ فيها: فليس للمشتري إلاّ رأس ماله، كما مر.
يقول المحقق السبزواري: ولعلّ المراد انّه ينفسخ العقد بتلفه من حينه ويرجع الثمن إلى ملك المشتري وليس للمشتري مطالبة المثل أو القيمة ورواية علي بن عقبة لا يخلو عن اشعار به (1) و سيوافيك نقد ما يخالف هذا القول عند تفسير قوله«فهو من مال بائعه».
وفيما ذكرنا من الأدلّة الثلاثة غنى وكفاية.
ثم انّه يقع الكلام في أُمور ندرسها تالياً.

1 . كفاية الأحكام:1/473 طبعة النشر الإسلامي.

صفحه 182
 
2

الكلام في أُمور

1. شمول القاعدة للثمن

وهل القاعدة تختص بتلف المبيع أو تعمّ تلف الثمن أيضاً عند المشتري قبل قبضه؟ الظاهر هو الثاني لما ذكرنا من أنّ الغاية من البيع عند العقلاء هي المعاوضة وانتفاع كلّ بما في يد الآخر من المتاع والثمن، فإذا امتنعت المعاوضة تسقط المسؤولية، فلا يكون للمشتري مسؤولية أمام البائع كما هو المفروض في العكس.
نعم ربّما يقال بشمول القاعدة للثمن أيضاً بلفظها، لأنّ المبيع يطلق ويراد به الأعمّ.(1) ولكنّه لو صحّ فإنّما هو من باب المجاز ولا يصار إليه إلاّ بدليل، والأُولى في التعميم لما ذكرنا من الدليل الثالث.

1 . الجواهر:23/85.

صفحه 183
 
2. ما هو المراد من التلف؟
ثمّ إنّ المراد من التلف خروج العين المبتاعة عن حيز الانتفاع جزءاً أو كلاً، سواء بقيت العين كالأعيان المسروقة، أو لم تبق، كما إذا تلفت بالحرق. ولا فرق أيضاً بين تلف العين أو تلف الصفات كالفواكه الفاسدة، وذلك لما عرفت من أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبدية وإنّما هي قاعدة عقلائية أمضاها الشارع، وبما أنّه الغاية من البيع هو انتفاع الطرفين من العوضين، فإذا امتنع الانتفاع لم يحصل ما هو الغرض فلا محيص عن انحلال العقد، وعلى هذا فلا فرق بين تلف العين أو تلف الصفات الدخيلة في الغرض.
بل يمكن أن يقال شمول القاعدة لما يجب إتلافه شرعاً، كما إذا باع عبداً جنى قبل القبض أو ارتد كذلك، وبذلك يعلم أنّ تفسير صاحب الجواهر التلف بآفة سماوية تفسير بالفرد الغالب.(1)

1 . الجواهر:23/83.

صفحه 184

3. لو امتنع المشتري القبض

إذا كان البائع مستعداً للإقباض ولكن امتنع المشتري عن القبض، فهل التلف من مال البائع أيضاً أو لا؟
ففي الجواهر أنّ الظاهر كونه من مال المشتري إذا كان عدم القبض لامتناع منه، بلا خلاف أجده فيه لانصراف القاعدة إلى غير هذه الصورة.
بل قد يقال بذلك أيضاً إذا كان التأخير بالتماس منه بعد العرض عليه والتمكين منه وفاقاً لجماعة، إمّا لأنّ مثله يسمّى قبضاً، أو لأنّ المراد من النبوي غيره.(1)
أقول: أمّا الشق الثاني ـ أعني: إذا كان التأخير بالتماس منه ـ فالضمان فيه على البائع، لأنّه مورد رواية عقبة بن خالد.(2)
نعم الروايات منصرفة عن الشق الأوّل وهو امتناع المشتري لصدق القبض عندئذ لانّه عبارة عن رفع الموانع عن استيلاء المشتري على المتاع وهو حاصل ولولا النص لقلنا بخروج البائع عن الضمان في صورة الالتماس أيضاً.

1 . الجواهر:23/83.
2 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1.

صفحه 185

4. إذا تلف المبيع بالمشتري أو الأجنبي أو البائع

الظاهر من التلف في الروايات هو التلف بآفة داخليّة، أو خارجية عن حيطة المتبايعين; فيقع الكلام فيما إذا تلف بفعل المشتري تسببياً أو مباشرة، أو البائع كذلك، أو الأجنبي.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ إتلافه يعدّ قبضاً من غير فرق بين التسبب والمباشرة.
وأمّا إذا تلف بفعل البائع فيرجع المشتري إليه بالمثل أو القيمة، ولا وجه لانحلال العقد.
وهذا بخلاف ما لو أتلفه الأجنبي ففيه احتمالات:
1. إذا تلف بفعل الأجنبي لا يضمنه البائع ويرجع المشتري على الأجنبي بالمثل أو القيمة.
2. يتخيّر المشتري بين ذلك والفسخ والرجوع بالثمن. وهذا ما نسبه صاحب الجواهر إلى المشهور.(1)
3. رجوع البائع إلى الأجنبي للأخذ بالمثل أو القيمة، وعندئذ يكون المشتري مخيراً بين قبول البدل، أو فسخ العقد والرجوع بالثمن.

1 . الجواهر:23/83.

صفحه 186
4. انحلال العقد وانفساخه ورجوع المشتري إلى الثمن فقط، والبائع إلى الأجنبي لعدم إمكان التقابض. ولعلّ الأخير هو الأقوى.

5. ما هو المراد من قوله:«من مال بائعه»؟

إنّ الظاهر من العبارة وقوع التلف في ملك البائع، حيث فرض أنّه من ماله مع أنّ المفروض أنّه حين التلف كان ملكاً للمشتري، فوقوع التلف في مال البائع يلازم القول بأنّه ينفسخ العقد قبل التلف ويدخل المبيع في ملك البائع فيقع التلف في ملكه فيصدق عليه أنّه من مال البائع ويعبّر عنه بالضمان المعاملىّ.
فعلى هذا لابد من الالتزام بأمرين:
أ. تقدير كونه ملكاً له قبل التلف.
ب. انحلال العقد وانفساخه.
والأمران مفهومان من قوله: «من مال بائعه»، إذ لا يمكن أن يكون الشيء الواحد بتمامه مالاً لشخصين، فإذا صار مالاً للبائع فلابدّ أن ينحل العقد وتخرج العين من ملك المشتري وتدخل في ملك البائع فيصدق أنّه من مال البائع.

صفحه 187
وهذا النوع من التقدير غير عزيز في الفقه نظير:
1. إذا قال: «اعتق عبدك عنّي» فمعناه تمليك العبد للقائل ثم عتقه عنه.
2. إذا قال: «الق متاعك في البحر» فبما أنّ الإتلاف في المورد يتحقّق بفعل المالك، فضمان الغير ـ أعني: الآمر ـ يتوقّف تمليكه إيّاه ثم إتلافه بأمره.
3. إذا اشترى أحد العمودين فقد ورد في الرواية أنّهم إذا ملكو عتقوا والرواية تؤيد الملكية التقديرية ثم العتق، وعلى كلّ تقدير فالمتبادر من الرواية ما ذكرنا.
4. إذا قتل المورث، يقدر دخول الدية في ملك الميت ثم تورث .
وربّما يحتمل: أن يكون قوله:«فهو من مال بائعه» كناية عن كون الخسارة والغرامة عليه من دون أن ينحل العقد وينفسخ ويخرج المبيع من ملك المشتري، وعلى ذلك يجب على البائع دفع الخسارة والغرامة بالمثل أو القيمة، وهذا إمّا أن يعبّر عنه بالضمان الواقعي.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مخالف لقوله: «فهو من مال بائعه»،

صفحه 188
ولو صحّ ما ذكر يجب أن يقول: فهو على بائعه.
وثانياً: أنّه مخالف لرواية الحجاج الكرخي حيث قال: فليس للمشتري إلاّ رأس ماله.(1) وقد مرّ الكلام فيه وعرفت كلام المحقق السبزواري في المقام.
وسيوافيك نظير هذا البحث في القاعدة الثانية فتربص حتّى حين.

6. حكم النماء بعد العقد وقبل التلف

لو كان للمبيع نماءٌ منفصل كالعين والنتاج فتلف المبيع قبل قبضه وبقي النتاج، المشهور أنّه للمشتري، لأنّه نماء ملكه، والمفروض أنّ الفسخ من حين الفسخ لا من حين العقد. وبعبارة أخرى: النماء حصل في ملك المشترى والفرع تابع للأصل فمن ملك الأصل ملك فرعه والمفروض تأخر الانفساخ عن وجود النماء.
أقول: المسألة مبنية على أنّ انحلال العقد من حين التلف أو من زمان العقد.
فلو قلنا بالأوّل فالنماء للمشتري لانّه حصل في ملك

1 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2.

صفحه 189
المشتري، والفرع تابع للأصل، فلو خرج عن ملكه ودخل في ملك البائع فلا تبطل الملكية السابقة.
ولو قلنا بالثاني فهو للبائع والعرف يساعده حيث يعدّ تملّك المشتري للنماء أكل المال بالباطل بعد ما رجع المشتري إلى تمام ثمنه بل يراه مخالفاً للعدل والإنصاف، خصوصاً إذا كان النتاج كثيراً والبائع بعدُ لم يَقبض الثمن أو قبض وكانت المدة قليلة، وعندئذ فلا مناص من القول بالانحلال من رأس لا من زمان التلف. فالقول بكون النماء للبائع هو الأقوى.
فإن قلت: إذا كان الانحلال من حين العقد فما معنى كون المبيع داخلاً في ملك البائع قبل التلف.
قلت: لا منافاة بين الأمرين، حيث انّ كون التلف من مال البائع فرع كونه ملكاً له فيفرض كونه ملكه قبل التلف فإذا قلنا بانحلال العقد من رأسه فهو يلازم كون المبيع حين الانحلال، ملك البائع.

7. شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية

هل القاعدة تختص بالبيع، أو تعمّ سائر العقود المعاوضية أيضاً كالإجارة والصلح بالعوض والهبة المعوضة إلى غير ذلك

صفحه 190
من العقود الّتي يكون الغرض الأقصى منها التقابض والانتفاع؟
أمّا النصوص فلا يستفاد منها شمول القاعدة لغير البيع غير أنّك عرفت أنّ القاعدة، ليست قاعدة تعبدية تمنع عن الخروج عن إطار النص، وإنّما هي قاعدة عقلائية مطابقة لقضاء العرف في ذلك المحال.
وعلى هذا فلا مانع من شمولها لكلّ عقد معاوضي، مثلاً إذا احترق البيت الّذي آجره أو عطبت الدابة المستأجرة قبل القبض ينحل العقد لعدم إمكان العمل بما تعهّد، ومنه يعلم حال الصلح بالعوض والهبة المعوضة.
وبالجملة كلّما امتنع العمل بالمسؤولية فالعرف يقضي بانحلال العقد لعدم إمكان العمل خصوصاً إذا امتنع بآفة سماوية حيث يتلقّى أنّ التقدير كان على خلاف التدبير.

8 . شمول القاعدة لتلف البعض

إذا وقع التلف على بعض المبيع، كما إذا باع طناً من الحنطة وتلف النصف منها، أو باع فرسين وعطب أحدهما، أو باع نعلين وضاع أحدهما.
فقال العلاّمة: احتراق السقف أو تلف بعض الأبنية كتلف

صفحه 191
عبد من عبدين، لأنّه يمكن إفراده في البيع بتقدير الاتصال والانفصال بخلاف يد العبد فهو أصحّ وجهي الشافعية، والآخر أنّه كسقوط يد العبد.(1)
أقول: المسألة مبنية على تعدّد المطلوب وأنّ الباقي مطلوب، والهالك مطلوب آخر أو وحدته، بحيث لو هلك بعض الأجزاء لما رغب الطرف بالباقي لعدم الانتفاع المطلوب بالباقي أو قلّته.
وعلى هذا فلو تلف نصف طن من الحنطة فيمكن القول ببقاء العقد لا انحلاله، غاية الأمر للمشتري الخيار لتبعّض الصفقة، بخلاف ما إذا سرق إحدى النعلين، فالغاية المطلوبة صارت غير ميسرة والتقابض غير ممكن، فلا محيص إلاّ عن انحلال العقد.
وأمّا النصوص فلا يعلم منها حكم الجزء الهالك كما لا يعلم من معقد الإجماع، فلا محيص من عرض المورد على العرف وتحكيمه فيه.

1 . التذكرة:1/119.

صفحه 192

9. شمول القاعدة للوصف المفقود

لو تلف وصف المبيع، سواء أكان المفقود وصف كمال أو وصف صحة، ففيه وجهان:
1. عدم انحلال العقد لإمكان التقابض والعمل بالتعهد فيكون العقد باقياً بحاله غير أنّ المشتري عندئذ مخيّر بين فسخ العقد وأخذ الأرش عند فقد وصف الصحة، وله خصوص الردّ عند فقدان وصف الكمال، كما هو الحال في العيب الموجود قبل العقد إذا كان المشتري جاهلاً بالعيب حيث إنّه مخير بين الرد والأرش عند فقد وصف الصحة وله خصوص الرد عند فقد وصف الكمال.
2. شمول القاعدة للمورد لا بالنصوص الواردة،بل بمناطها وهو أنّ الغاية القصوى للمتعاقدين هو المبيع الموصوف أو المرئي والمفروض أنّه عرض التلف لبعض صفاته وامتنع العمل بما تعهد به البائع بكماله فينحل العقد من حين التلف أو من حين العقد، ومقتضى القواعد عند المشهور هو الوجه الأوّل لكن يحتمل إلحاق الجميع بالقاعدة بالملاك الّذي عرفت.

صفحه 193

10. إبراء المشتري البائع عن ضمان المبيع

هل يجوز للمشتري أن يبرئ البائع عن ضمان المبيع، أو يبرئ البائع المشتري عن ضمان الثمن، أو لا؟ قال العلاّمة في التذكرة: لو أبرأ المشتري البائع من ضمان المبيع لم يبرأ، وحكم العقد لا يتغير. وبه قال الشافعي.(1)
أقول: المسألة مبنية على أنّ ضمان البائع حكم شرعي فلا يسقط باسقاط المشتري، أو هو حق للمشتري فله أن يسقط حقّه.
وربّما يقرر وجه جواز الاسقاط بأنّ انحلال العقد ورجوع العوض الموجود ـ بعد تلف العوض الآخر ـ إلى مالكه قبل العقد أمر قهري وليس من فعل أحد المتعاقدين حتّى يكون من قبيل الخيار الّذي هو حق حل العقد وإبرامه كي يكون قابلاً للإسقاط كسائر الحقوق القابلة للإسقاط.
يلاحظ عليه: أنّ الانحلال أمر قهري عند التلف، ولكن المفروض أنّ إسقاط الضمان إنّما هو قبل التلف، ومن المعلوم أنّ انحلال العقد انّما هو لأجل عدم تمكن البائع للوفاء بما

1 . التذكرة:10/113.

صفحه 194
تعهّد في حق المشتري، فإذا أسقط المشتري حقّه قبل عروض التلف فلا يبقى موضوع لانحلال العقد حتى يقال: انّه أمر قهري وليس من قبيل الخيار.
وبعبارة أُخرى: انّه لا يسقط خياره حتى يقال انّه أمر قهري، لا يقبل الاسقاط بل يسقط ما يكون منشأ لهذا الأمر القهري غير القابل الاسقاط فلاحظ.
تمّ الكلام في القاعدة الأُولى، أعني: كلّ مبيع قد تلف
قبل قبضه فهو من مال بائعه، بقي الكلام في القاعدة
الثانية أعني: التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له،
وهذا ما ندرسه تالياً

صفحه 195
القاعدة الثانية:
التلف في زمن الخيار
ممّن لا خيار له

صفحه 196
التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له   

صفحه 197
قد اشتهر بين الفقهاء أنّ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له. وإيضاح مفاد القاعدة ودليلها والفروع المترتّبة عليها رهن البحث في موارد:

1. كلمات العلماء في القاعدة

قال المحقّق: إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه، وإن تلف بعد قبضه وبعد انقضاء الخيار فهو من مال المشتري.
وإن كان ] بعد القبض [ في زمان الخيار من غير تفريط وكان الخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان الخيار للمشتري فالتلف من البائع .(1)
وقال العلاّمة في «القواعد»: وإن تلف بعد قبضه وانقضاء الخيار فهو من مال المشتري، وإن كان في مدّة الخيار من غير تفريط، فمن المشتري إن كان الخيار للبائع أو لهما أو لأجنبي، وإن كان للمشتري خاصة فمن البائع .(2)

1 . شرائع الإسلام: 2 / 23 ـ 24 .
2 . قواعد الأحكام: 2 / 69، في أحكام الخيار.

صفحه 198
وقال في «التحرير»: إذا تلف المبيع في زمن الخيار قبل القبض، انفسخ البيع، وكان من ضمان البائع; وإن كان بعد القبض، والخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان للمشتري فالتلف من البائع، ولو كان مشتركاً فالتلف من المشتري.(1)
وقال السيد العاملي: إذا تلف المبيع بعد قبضه وقبل انقضاء الخيار، بل في مدّته وزمنه; فقد حكم المصنّف هنا وفي «التذكرة» والمحقّق الثاني والفاضل الميسيّ أنّه يكون من المشتري إن كان الخيار للبائع أو لهما أو لأجنبيّ، وأنّه إن كان للمشتري خاصّة فمن البائع.
وهو ـ فيما عدا الأجنبيّ وما عدا ما إذا كان الخيار لهما على ما ستعرف الحال فيه ـ موافق لما في «السرائر» و «جامع الشرائع» لابن سعيد و «الإرشاد» و «شرحه» لولده و «مجمع البرهان» من أنّ التلف إن كان في مدّة الخيار فهو ممّن لا خيار له.
وهو معنى ما في «الشرائع» و «التحرير» و «التذكرة» و «المسالك» و «المفاتيح» من أنّه إن كان الخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان للمشتري فالتلف من البائع.

1 . تحرير الأحكام: 2 / 296 .

صفحه 199
ولا أجد في شيء من ذلك خلافاً.(1)
وهذه الكلمات تعرب عن أنّ مصبّ القاعدة إنّما هو بعد القبض، وأنّها تمنع عن سعة في الأُمور الأربعة من جهة المبيع حيواناً كان أو غيره ; من جهة الخيار، خيار حيوان كان أو غيره; من ناحية سبب التلف، بسبب داخلي كان أو خارجي; من جهة ذي الخيار، مشترياً كان أو بائعاً. وإثبات قاعدة بهذه السعة رهن أدلّة قاطعة فإلى المستقبل .

2. هل كون التلف ممّن لا خيار له، موافق للقاعدة ؟

وربّما يقال باختصاص القاعدة ببيع الحيوان أوّلاً، واختصاص الخيار بخيار الحيوان ثانياً الّذي حدّده الشرع بثلاثة أيام، واختصاص التلف بالتلف بآفة داخلية كالمرض، وعندئذ تكون القاعدة من فروع القاعدة السابقة، أعني: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» .

1 . مفتاح الكرامة: 3 / 1028. وسيوافيك أنّ مورد القاعدة نصاً واعتباراً فيما إذا كان البيع لازماً من جانب البائع، وجائزاً من جانب المشتري، وأمّا العكس فخارج عن مصب القاعدة وموردها، فما ذكره العلاّمة في القواعد والتحرير والعاملي في مفتاحه من تصوير كون العقد جائزاً من جانب البائع ولازماً من المشتري، لا صلة له بمورد القاعدة، فانتظر.

صفحه 200
توضيح ذلك: أنّ الحيوان يفترق عن سائر الموجودات فهو في معرض الأمراض والعيوب، وربّما يغيب المرض
عن عين المشتري ويظهر بعد مضي أيام، ولأجل ذلك جعل الشارع للمشتري خيار ثلاثة أيام لكي تُعلم صحته وبراءته من العيب .
فإذا تلف في زمن الخيار فقد تلف بعيب داخلي كان غائباً عن عين المشتري، ومن المعلوم أنّ البائع لا يخرج عن الضمان إلاّ بإقباض حيوان صحيح، وتلفه في أيام الخيار أوضح دليل على أنّه لم يُقبض بما تعهد به. فهو وإن أقبض حيواناً ولكن المبيع هو الحيوان الصحيح، فيكون التلف في ضمن الثلاثة كتلف شيء لم يقبض.
ويدلّ على ذلك (قبض المعيب بمنزلة عدمه) أنّ المشهور يتعاملون مع الصحّة والعيب معاملة الأجزاء، فكما أنّ تخلّف الجزء يورث الخيار والأرش، فهكذا تخلّف وصف الصحة يوجب كون المشتري مخيراً بين الأرش والخيار، وليس أخذ الأرش عند فقد الصحة عقوبة مالية بل هو استرداد للثمن بنسبة العيب الّذي هو بمثابة النقصان، فعندما لم يخرج البائع عن ضمان تمام الثمن بتسليم المعيب فلم يُقبض ما تعهد به

صفحه 201
تمام القبض، فلو تلف بآفة داخلية، فقد تلف قبل القبض .(1)
أقول: ما ذكره متين إذا ثبت اختصاص القاعدة ببيع الحيوان أو خياره وتلفه بآفة داخلية، فيكون التلف بعد القبض في الأيام الثلاثة كالتلف قبل القبض كما عرفت أنّ القبض الناقص (المعيب) كلاّ قبض، وعندئذ لا تكون قاعدة مستقلة. وتكون القاعدة ـ بحكم اتحادها مع القاعدة السابقة موافقة للقاعدة بالمعنى الّذي تقدم في القاعدة الأُولى، نعم إنّما يكون موافقة للقاعدة إذا كانت محدّدة بالأُمور الثلاثة: كون المبيع حيواناً، والخيار خيار حيوان، والتلف بآفة داخلية.
وربّما يتصور أنّ القاعدة بسعتها (من جانبين: الخيار غير المختص بخيار الحيوان، وسبب التلف الشامل بسبب داخلي أو خارجي) موافقة للقواعد (على خلاف ما قررناه إذ أنكرنا سعتها) قائلاً بأنّ ملكية ذي الخيار لما دخل في ملكه بسبب المعاملة، متزلزلة، وخروج ما خرج متزلزل متوقّف على بقاء ما دخل في ملكه، فإذا وقع عليه التلف قهراً تنفسخ المعاملة ولا يبقى مورد للتأمل والنظر حتّى يختار الفسخ أو الإبرام، فحكمة جعل الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام، أو جعل الخيار والشرط من

1 . الفوائد لآية الله ميرزا صادق التبريزي: 72 ـ 74 .

صفحه 202
نفس المتعاقدين يقتضي أن يكون الضمان ـ أي المسمّى ـ ينتقل ثانياً ممّن ليس له الخيار إلى الّذي له الخيار.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ مجرد كون المشتري ذا خيار لغاية التروّي في المبيع لا يكون دليلاً على ضمان البائع إلاّ في صورة واحدة، وهو ما إذا كان التلف لعامل داخلي كان موجوداً قبل القبض، وإلاّ فالقول بسعة القاعدة في مورد المبيع أوّلاً وسعة الخيار الشامل لخيار الحيوان وغيره ثانياً، وتعميم استناد التلف إلى عامل داخلي وخارجي ثالثاً، لا يكون سبباً لضمان المقابل.

3. دراسة الروايات الواردة

1. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوماً أو يومين، فماتت عنده وقد قطع الثمن، على مَن يكون الضمان؟! فقال: «ليس على الّذي اشترى ضمان حتّى يمضي شرطه» .(2)
ودلالة الحديث على أنّ تلف الأمة في أيّام الخيار على

1 . القواعد الفقهية: 2 / 134. وقد وصفه القائل بأنّه استحسان ومعه كيف يمكن الاعتماد عليه؟!
2 . الوسائل: ج 18، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1. قوله «قُد قطع الثمن»: أي منع الثمن ولم يدفعه إليه .

صفحه 203
البائع الّذي لا خيار له، واضحة، غير أنّ الكلام في سعة القاعدة.
وذلك لأنّ المبيع أمة، وللمشتري فيها خيار ثلاثة أيّام اشترط أم لم يشترط، والظاهر أنّ المشتري غفل عن الخيار المجعول شرعاً، ولذلك شَرط على البائع يوماً أو يومين.
إنّما الكلام في قوله (عليه السلام): «ليس على الّذي اشترى ضمانٌ حتّى يمضي شرطه». فهل المراد من مضيّ الشرط هو مضي يوم أو يومين، أو المراد الخيار المجعول شرعاً؟ وربّما يطلق الشرط ويراد منه الخيار كما يأتي في صحيحه ابن سنان، فلعلّ الإمام حكم بالضمان لأجل الخيار المجعول شرعاً لا لما اشترطه المشتري على البائع من خيار يوم أو يومين حتّى تكون الرواية دليلاً على شمول القاعدة لخيار الشرط، ومع هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بسعة القاعدة وعمومها لغير خيار الحيوان.
ويؤيد ما ذكرنا الرواية التالية حيث إنّ الإمام (عليه السلام)قال: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري» فركّز الإمام على مضي ثلاثة أيّام لا على ما اشترط من يوم أو يومين، فيكون السبب هو الخيار الحيوان لا مطلق الخيار .

صفحه 204
2. صحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، على مَن ضمان ذلك؟ فقال: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري (شرط له البائع أم لم يشترط على رواية التهذيب)(1)». وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع.(2) ثم إنّ قوله: «أو يحدث فيه» ربّما يمنع عن جعل القاعدة من مصاديق التلف قبل القبض لفرض حدوث الحدث، ولكنّه لا يضر بما هو المقصود من اختصاص القاعدة بالحيوان وخياره، فلاحظ.

4. اختصاص الروايتين بخيار الحيوان

ودلالة الروايتين على أنّ تلف الدابة أو العبد في أيّام الخيار من البائع واضحة، لكن الكلام في سعة القاعدة حيث إنّ المبيع فيها هو الدابة أو العبد وللمشتري فيهما خيار ثلاثة أيّام، وهو وإن شرط الخيار يوماً أو يومين لكن الإمام (عليه السلام)أعرض عن

1 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 18، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2. والمجموع حديث واحد لكل صورة في الباب 5 وذيله في الباب 8 .

صفحه 205
شرطه، وحكم بأنّ التلف على البائع ضمن ثلاثة أيّام لا أنّه ذو خيار في ضمن يوم أو يومين .
وهذا ربما يكون قرينة على أنّ التلف من البائع لأجل خيار الحيوان لا لخيار الشرط بقرينة أنّ الإمام (عليه السلام)قال: حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري.
ويؤيد ذلك أنّ الصدوق رواه مرسلاً إلاّ أنّه قال: «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير البيع له»(1) وأراد من الشرط خيار الحيوان لا الشرط المجعول من جانب المشتري، بقرينة قوله: «حتّى يصير البيع له» ولا يصير المبيع له إلاّ بعد مضي ثلاثة أيّام لا بعد مضى يوم أو يومين.
وبهذا يتّضح ما ذكرناه في الحديث السابق (حديث عبدالرحمن بن أبي عبدالله) فإنّ حكم الإمام بضمان البائع كان مبنياً على كون المشتري ذا خيار شرعي في مورد الحيوان، والتجاوز عن المورد (كون المبيع حيواناً والخيار خيار حيوان والمشتري هو صاحب الخيار) يحتاج إلى دليل قاطع.
وبالجملة استفادة العموم من الروايتين أمرٌ غير تام، أي

1 . الوسائل: 18، الباب 5 من أبواب الخيار، في ذيل الحديث 2 .

صفحه 206
عموم الرواية لمطلق المبيع، سواء أكان حيواناً أو لا، عمومها لمطلق الخيار، سواء أكان خيارَ حيوان أو خيار شرط، وعمومها لمطلق ذي الخيار، سواء كان المشتري أو البائع. بل اللازم الاقتصار على مورد النص إلاّ أن يدلّ دليل آخر على السعة والشمول .

5. الاستدلال على سعة القاعدة بوجهين

1. إنّ قوله في صحيحة ابن سنان «حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري» مفيد للعلّية، وعلى ذلك يكون معنى الحديث أنّ كلّ مَن لم يستقرّ عليه المال لكونه ذا خيار، ويقدر أن يسلب ملكيته عن نفسه فتلف ماله على غيره، أي بالتلف تنفسخ المعاملة ويدخل التالف قبل التلف آناً ما في ملك من لا خيار له ثم يتلف من ماله ، وعلى هذا فلا فرق بين الخيار الثابت للبائع أو المشتري، ولا بين خيار الحيوان والشرط وغيرهما من خيار المجلس وخيار تخلّف الشروط الضمنية.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر أنّ لفظة «حتّى للغاية» لا للعلّية، والشاهد على قوله: «على من ضمان ذلك» فقال على البائع حتّى

1 . منية الطالب: 2 / 177. نقل الإشكال ثم ردّ عليه .

صفحه 207
ينقضي الشرط، أي الضمان عليه مستمر إلى انقضاء الشرط ، وقوله: «ويصير المبيع للمشتري» تأكيد له ولا يصير له إلاّ إذا انقضى الخيار بتمامه» .
فبذلك يظهر أنّ استظهار عموم الرواية لخيار الشرط غير صحيح وإن تلقّاه الشيخ الأعظم كونه مورد إجماع إذ قال: إنّ الخيار إذا كان للمشتري فقط من جهة الحيوان فلا إشكال ولا خلاف في كون المبيع في ضمان البائع. وكذلك الخيار الثابت له من جهة الشرط بلا خلاف في ذلك.
2. قوله (عليه السلام)في ذيل صحيحة ابن سنان: «وإن ما كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري فهو من مال بائعه».
ولو كان للمشتري فقط خيار المجلس دون البائع فظاهر قوله: «حتّى ينقضي شرطه ويصير المبيع للمشتري» كذلك بناءً على أنّ المناط انقضاء الشرط الّذي تقدم أنّه يطلق على خيار المجلس في الأخبار .
بل ظاهره أنّ المناط في رفع ضمان البائع صيرورة المبيع للمشتري واختصاصه به بحيث لا يقدر على سلبه عن نفسه (وعلى هذا تشمل الرواية عامّة الخيارات) وإلى هذا المناط

صفحه 208
ينظر تعليل هذا الحكم في «السرائر» حيث قال:
فكل من كان له خيار، فالمتاع يهلك من مال من ليس له خيار، لأنّه قد استقر عليه العقد والّذي له الخيار ما استقر عليه العقد ولزم، فإن كان الخيار للبائع دون المشتري وكان المتاع قد قبضه المشتري وهلك في يده، كان هلاكه من مال المشتري دون البائع، لأنّ العقد مستقر على المشتري لازم له .(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مقتضى الجمود على ما في صدر الرواية هو حمل الشرط على أحد اليومين (اليوم أو اليومين) اللّذين جعل المشتري الخيار لنفسه فيهما لا الحمل على خيار المجلس، ومجرد استعمال الشرط في خيار المجلس نادراً (2)لا يكون دليلاً على حمل الرواية عليه، بل المراد من الشرط هوخيار الحيوان بشهادة تحديده بثلاثة أيّام .
وثانياً: أنّ ما في ذيل الرواية ـ أعني: قوله: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة» ـ فالظاهر منه أيضاً هو الأيّام الثلاثة في بيع الحيوان. خصوصاً أنّ كون المبيع هو الحيوان وتصريحه بثلاثة أيّام في صدر الرواية يمنع عن انعقاد الإطلاق لذيل الرواية،

1 . المتاجر: 6 / 175 ـ 176، الطبعة الحديثة.
2 . قلناً نادراً لاعتراف محقّق المتاجر بأنّه لم يعثر على ذلك صريحاً.

صفحه 209
أعني: قوله «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة». التمسك بالإطلاق إنّما يصح إذا لم يكن مكتنفاً ممّا يصلح للقرينية، وصدر الرواية صالح لصرف الذيل عن الإطلاق، ولا أقل تصبح الرواية مجملة لا تصلح للاستدلال.
وثالثاً: أنّ ما نقله عن صاحب السرائر فالدليل فيه هو نفس المدّعى، لأنّ تزلزل البيع من جانب أحد الطرفين واستقراره من الجانب الآخر لا يكون دليلاً على سوق التلف إلى من لا خيار له بعد ما تلف تحت يده وقبضه، ومجرد أنّ مَن له الخيار له التروّي والتأمّل في الأخذ والرد لا يكن دليلاً على تحمّل الآخر غرر المبيع بعد القبض، اللّهم إلاّ إذا كان المبيع حيواناً وتلف في ثلاثة أيّام وكشف التلف عن وجود مرض فيه كان مخفياً عن المشتري، فعندئذ يصح أن يحتج على البائع بأنّه لم يقبض ما تعهد به. إذا وقفت على مفاد الروايتين فلندرس ما بقي منهما.
***
إلى هنا ظهر أنّ كلاًّ من الوجهين لا ينهض لإثبات السعة، فلندرس ما بقي من الروايات.

صفحه 210
3. ما رواه عبدالله بن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في رجل اشترى عبداً بشرط ثلاثة أيّام فمات العبد في الشرط، قال: «يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو بريء من الضمان».(1)
والمبيع في الرواية هو الحيوان ويكون الخيار هو خياره لا مطلق الخيار، وقوله: «بشرط ثلاثة أيّام» يمكن أن يكون إشارة إلى الثلاثة المعروفة في بيع الحيوان، ولعلّ الخيار في هذه الأيام كان سائداً أيضاً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وما بعده، فلا يدلّ على عموم الحكم وشموله لمطلق المبيع والخيار والتلف .
والظاهر أنّ الاستحلاف بالله بعدم رضاه، كناية عن عدم إسقاطه خيار الحيوان.
4. ما رواه الحسن بن علي بن رباط، عمّن رواه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع» (2).
يلاحظ عليه: بمثل ما تقدّم من عدم دلالته على القاعدة بسعتها في الجهات الأربع: مبيعاً، خياراً، سبباً، ومتعاقداً.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 4.
2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 5 .

صفحه 211

6. حصيلة الكلام في الروايات

هذا مجموع ما يمكن الاستدلال به على عموم القاعدة، وقد عرفت قصورها في إثبات سعة القاعدة، مضافاً إلى أنّه لو كان الحكم على سعته في الموارد الأربعة: المبيع، الخيار، وسبب التلف، والمتعاقد يلزم أن يرد في الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ما يصرّح بذلك، وأمّا ما مضى من الروايات فهي أقصر من أن تثبت سعة القاعدة مع احتفاف الكل بالقرائن الّتي تؤيد اختصاص الحكم بتلف الحيوان بعد قبضه في ثلاثة أيّام.
وربّما يستدل بالروايتين التاليتين.
5. ما رواه إسحاق بن عمار قال: حدّثني من سمع
أبا عبدالله (عليه السلام)وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم
احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري
هذه وتكون لك أحب إليّ من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد عليّ؟ فقال: «لا
بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه»، قلت: فإنّها
كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة

صفحه 212
للمشتري، ألا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله ».(1)
6. وما رواه معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل باع داراً له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الّذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: «له شرطه». قال له أبو الجارود: فإنّ ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال: «هو ماله»، وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أرايت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري ».(2)
وجه الدلالة في الروايتين هو أنّ الإمام قد حكم بأنّه
لو تلفت الدار لكان من مال المشتري الّذي لا خيار له
دون البائع الّذي هو ذو خيار، فتدلاّن على مفاد القاعدة، أعني: تلف المبيع (الدار) في زمن الخيار، من (المشتري) الّذي لا خيار له .

1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3. ولعلّ المراد من الحاضر: الشاهد الّذي يكتب لهما ويمنعهما عن الإنكار والحصر بمعنى الحبس، وفي بعض النسخ الحاضر، ولعلّ المراد ما يكتب من المحضر بين الطرفين .

صفحه 213
ونقل السيد العاملي عن «مجمع البرهان» أنّه قال: إنّ دليل المسألة بفروعها غير ظاهر، وفي الكفاية لا أعرف في المسألة مستنداً سوى الروايات الخمس (1)، فينبغي إناطة الحكم بها .
وأراد بالروايات الخمس: رواية إسحاق بن عمار الواردة في خيار الشرط الدالة على أنّ التلف من المشتري بعد القبض حيث إنّه لا خيار له، ورواية معاوية بن ميسرة الّتي هي مثل رواية إسحاق، والروايات ] الأربع [ الواردة في خيار الحيوان المتضمّنة أنّ التلف من البائع حتّى ينقضي شرط المشتري وخياره، وقد بينّا الحال فيها فيما مر .(2)
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الإمام يؤكّد على أنّ الخراج للمشتري، مستدلاًّ بأنّه لو تلف لكان من ماله، فإذا كانت الحال كذلك فالخراج أولى أن يكون له لا لغيره من دون نظر إلى أن البائع ذو خيار أو لا.
وبعبارة أُخرى: أنّ حال البائع سواء أكان ذا خيار أو لا ليست مؤثراً في حكم الإمام (عليه السلام)بالضمان، وإنّما المؤثر هو أنّه كل مَن التلف من ماله، فأولى أن يكون الخراج له .

1 . الأولى أن يقول: الستّ كما عرفت منّا.
2 . مفتاح الكرامة: 10 / 1031 .

صفحه 214
ولو استدل بالروايتين على القاعدة المعروفة «الخراج بالضمان» بالمعنى الصحيح عندنا ـ لا عند غيرنا ـ لكان أولى .
وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده الشيخ الأعظم حيث قال: ومن هنا يعلم أنّه يمكن بناءً على فهم هذا المناط، طرد الحكم في كلّ خيار، فتثبت القاعدة المعروفة: من «أنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» من غير فرق بين أقسام الخيار ولا بين الثمن والمثمن، كما يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب، بل نسبه جماعة إلى إطلاق الأصحاب .(1)
أقول: أقصى ما يمكن أن يقال: إنهّ لو تمّت القاعدة في غير خيار الحيوان فإنّما يتم في شرط الخيار إذا كان المبيع حيواناً وتلف بعد الثلاثة، لأنّ التلف في الثلاثة من مال البائع للنصوص المتضافرة ولا حاجة في كون التلف من مال البائع فيها للشرط لوجود خيار الحيوان وإنّما الحاجة لها بعد انقضاء الثلاثة. والدليل على هذا هو ذيل صحيحة ابن سنان، أعني قوله: «وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة» بناء على حمل الشرط على شرط الخيار لكن في مورد الحيوان كلّ ذلك على تأمّل. وعليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)كما سيوافيك كلامه.

1 . المتاجر: 6 / 176 .

صفحه 215
وممّا يدلّ على أنّ القاعدة لا تشمل خيار الغبن والعيب وتخلّف الشرط وتدليس المشتري وتبعّض الصفقة، أنّ المتبادر من قوله: «ويصير المبيع للمشتري» هو المتزلزل من أوّل الأمر، ولا يشمل المتزلزل المسبوق باللزوم بأن يكون المبيع في ضمان المشتري بعد القبض ثم يرجع ـ بعد عروض التزلزل ـ إلى ضمان البائع .
اللّهم إلاّ إذا قيل بوجود الخيار من أوّل الأمر وظهوره بظهور سببه وهوالغبن والعيب.
وإلى بعض (1) ما ذكرنا يشير الشيخ الأعظم بقوله: إنّ ظاهر الرواية استمرار الضمان الثابت قبل القبض إلى أن يصير المبيع لازماًعلى المشتري، وهذا مختص بالبيع المتزلزل من أوّل الأمر، فلا يشمل المتزلزل المسبوق باللزوم، بأن يكون المبيع في ضمان المشتري بعد القبض ثم يرجع بعد عروض التزلزل إلى ضمان البائع، فاتّضح بذلك أنّ الصحيحة مختصّة بالخيارات الثلاثة، على تأمّل في خيار المجلس .(2)

1 . إنّما قلنا البعض، لأجل عدم شمول الرواية عندنا لخيار المجلس وإن قال به الشيخ الأعظم (قدس سره). على تأمّل.
2 . المتاجر: 6 / 181 .

صفحه 216
فإن قلت: لو قلنا بأنّ المبيع في زمن الخيار لا يخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، بل هو باق على ملك الأوّل، فإذا تلف فقد تلف ملكه، وعلى ذلك يمكن توسيع القاعدة لعامة الخيارات متمسكاً بأنّ المبيع ملك للبائع، فإذا تلف فقد تلف في ملكه .
قلت: إنّ لازم ذلك (عدم مالكية ذي الخيار لما انتقل إليه من المبيع ومالكية من ليس له الخيار لما انتقل إليه من الثمن) اجتماع العوضين عند شخص واحد فالبائع يملك المبيع لوجود الخيار فيه من دون أن ينتقل إلى المشتري، ويملك الثمن لعدم وجود الخيار فيه وهو كماترى.

7. فذلكة

إنّ الفقيه إذا تجرد عمّا ذكره الأصحاب حول هذه القاعدة وأمعن النظر في دليلها يذعن بأنّه لا سعة للقاعدة، وأنّ موردها تلف الحيوان ـ بعد قبض البائع للمشتري ـ في الأيام الثلاثة، وأقصى ما يمكن أن يقال: شمولها لشرط الخيار بعد ثلاثة أيّام إذا تلف فيها لقوله في صحيحة ابن سنان وان كان بيهما شرط أيّاما معدودة فهل في يدي المشتري قبل ان يمضي الشرط فهو من

صفحه 217
مال البائع (1) ولا يعمّ غير هذين الموردين، وانّ ما اُستدلّ به على سعة الحكم لا يتجاوز حد الإشعار ولا يمكن الاعتماد عليه، لكون الحكم على خلاف القاعدة .
ومن حُسنِ الحظ أنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)ممّن ذهب إلى اختصاص هذا الحكم بخيار الحيوان وشرط الخيار إذا كان مورد الشرط بيع الحيوان.(2) قال (قدس سره): والإنصاف أنّ التعدّي عن مورد الرواية إلى غيره، غير وجيه، فإلحاق خيار المجلس به في غير محلّه، ومجرد إطلاق الشرط عليه، لا يوجب التعدّي، بعدما كان المراد «بالشرط» في الروايات هو خيار الحيوان .
بل في التعدّي إلى خيار الشرط في غير الحيوان أيضاً كلام بعد ما كانت الروايات مختصة بالحيوان .
ولم يكن له مستند إلاّ ذيل صحيحة ابن سنان على رواية «التهذيب» وهو قوله (عليه السلام): «حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام، ويصير المبيع للمشتري، شرط له البائع له أم لم يشترط».(3)
قال: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة، فهلك في يد

1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2 .
2 . وقد تقدّم منا ذلك عند قولنا: «أقصى ما يمكن أن يقال» لاحظ ص 214 .
3 . لاحظ الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2 و 3 .

صفحه 218
المشتري قبل أن يمضي الشرط، فهو من مال البائع»(1) بدعوى: أنّ الشرط بينهما أيّاماً معدودة، شامل للزائد على ثلاثة أيّام، ويعم ما إذا كان في بيع غير الحيوان إذا كان الشرط للمشتري بقرينة قوله: «من مال بائعه» .
إذ يمكن أن يقال: إنّ صدر الرواية وجميع فقراته إلى قوله هذا، مخصوص بالحيوان، وهو قرينة على أنّ المراد من الذيل أيضاً، الشرط في الحيوان، وإنّما ذكر ذلك لبيان عدم الاختصاص فيه بالثلاثة ; وذلك لخصوصية فيه أوّلاً، ولظهوره في الاختصاص بخيار المشتري الّذي مرّ حكمه في ثلاثة أيّام ثانياً، وإلاّ فلو كان الحكم لخيار الشرط مطلقاً، لم يكن وجه لاختصاصه بالمشتري; ضرورة عدم الفرق في شرط الخيار بينه وبين البائع، فالإطلاق فيها محلّ إشكال.
نعم، لا إشكال في استفادة أمر زائد منها بالنظر إلى الذيل، وهو الشرط الزائد على ثلاثة أيّام.
والإنصاف: أنّ دعوى اختصاص الروايات جميعاً بالشرط في الحيوان، غير مجازفة.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2 والروايتان في الحقيقة رواية واحدة حصل التعدد لأجل التقطيع.

صفحه 219
ولو سلّم إلحاق الشرط مطلقاً بالحيوان، فلا ينبغي التأمّل في عدم إلحاق خيار المجلس، فضلاً عن سائر الخيارات; لفقد الدليل بعد كون الحكم على خلاف القواعد.(1)
نعم قال صاحب الجواهر باختصاص الحكم بخيار الحيوان والشرط لكن عمّم متعلّق الشرط ولم يفرق بين كونه حيوانا أو داراً .(2)
كما عمّم الشيخ الأعظم وقال بجريان القاعدة في خيار المجلس، وأبعد الأقوال القول بجريانها في الخيارات الزمانية وغيرها، وهو خيرة السيد الطباطبائي في تعليقته .(3)
وأقصى ما عند الأخير من الدليل التمسّك بقوله: «حتّى يصير المبيع للمشتري»، وقد عرفت ضعف الاستدلال.
وبذلك ظهر أنّ أقوال القائلين بسعة القاعدة، أربعة:
1. يشمل شرط الخيار بشرط كون المبيع حيواناً.
2. يعمّ الحيوان وغيره.

1 . كتاب البيع: 5 / 463 .
2 . الجواهر: 23، كتاب البيع. وبهذا ظهر الفرق بين القولين بعد اشتراكهما في شمول الرواية لشرط الخيار لكن الأُستاذ خصّه بالحيوان، وعمّمه صاحب الجواهر إليه وإلى غيره .
3 . تعليقة السيد الطباطبائي: 169، مبحث الخيارات .

صفحه 220
3. يشمل خيار المجلس.
4. يعمّ عامّة الخيارات.

8 . عدم شمول القاعدة للثمن

إذا باع البائع وجعل لنفسه خياراً في عدة أيّام وقبض الثمن وتلف عنده، فهل يكون التلف من مال من لا خيار له حتّى لو كان المبيع حيواناً؟
تظهر الحال فيه ممّا قدّمناه حيث قلنا بوجود القصور في دلالة الروايات على سعة الحكم، وإنّها مختصة بتلف المبيع إذا كان حيواناً ولا تشمل الثمن .
قال السيد العاملي: وأمّا إذا تلف الثمن بعد قبضه والخيار للبائع فهذا محل إشكال ; لأنّ الأصل بمعنى القاعدة يقضي بأنّ التلف من البائع لا من المشتري، ولم يتعرض أحد لحال هذا الفرع أصلاً والمقدّس الأردبيلي إنّما تعرض لحال الثمن قبل القبض، والأخبار إنّما وردت في المبيع، وخبر عقبة(1) وإن كان يشم منه التعميم إلاّ أنّه صريح في ما قبل القبض .(2)

1 . الوسائل: ج 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
2 . مفتاح الكرامة: 10 / 1032 .

صفحه 221
واستدلّ الشيخ الأعظم على عموم القاعدة بوجهين:
1. عمومية المناط وهو كون العقد خيارياً من جانب ولازماً من جانب آخر.
2. استصحاب ضمان المشتري له الثابت قبل القبض.
وكلا الوجهين غير تاميّن:
أمّا الأوّل، فلأنّ الأخذ بالمناط، إنّما يصح إذا كان قطعياً لا ظنياً كما في المقام، خصوصاً إنّ الحكم في المبيع على خلاف القاعدة وخلاف السيرة المألوفة بين العقلاء.
وأمّا الثاني، فهو أشبه بإسراء حكم من موضوع (ضمان المشتري قبل إقباضه نظير ضمان البائع للمبيع قبل إقباضه) إلى موضوع آخر، (وهو ضمانه للثمن بعد إقباضه للبائع نظير ضمان البائع للمبيع بعد إقباضه للمشتري) فإنّ الضمان بعد الإقباض موضوع جديد لا يصح إسراء حكم ما قبل القبض إلى ما بعده، إلاّ إذا دل عليه دليل كما في مورد المبيع إذا كان حيواناً.

9 . هل الحكم مختص بالمبيع المعيّن أو يعمّ الكلي؟

الإمعان في الروايات يعطي أنّ الضمان من خصائص كون المبيع حيواناً على المختار أو من خصائص كون البيع

صفحه 222
قطعياً من جانب البائع وخيارياً من جانب المشتري على القول الآخر، فعلى هذا فلا فرق بين تلف المبيع المعين أو الكلي إذا أقبضه بتسليم فرد منه .
فإنّ المبيع وإن كان كلياً لكنّه يكون معيناً بتسليم فرد منه، فلا فرق بين كونه معيناً من أوّل الأمر، أو صار معيناً بتسليم فرد منه والخروج عمّا تعهد.
لكنّ الشيخ وتبعه المحقّق الخوئي خصّا الحكم بالمبيع الشخصي، واستدلاّ عليه بالوجه التالي:
إنّ الموضوع هو تلف المبيع الّذي يستلزم انفساخ العقد، وهذا إنّما يتصوّر إذا كان المبيع شخصياً، وأمّا الكلّي فالفرد المقبوض إذا تلف فليس هو من مقولة تلف المبيع، بل من مصاديق تلف مصداق منه، والموضوع في الروايات هو تلف المبيع. ولأجل ذلك يفارق ظهور العيب في الشخصية حكماً مع ظهوره في الفرد المقبوض بما أنّه مصداق للكلي، ففي الأوّل يكون مخيراً بين الفسخ والإمضاء مع الأرش أو لا معه، دون الثاني، بل على البائع ان يبدّله بفرد آخر ولا ينفسخ العقد.(1)

1 . مصباح الفقاهة: 7 / 530 .

صفحه 223
يلاحظ عليه: أنّها دقّة عقلية لا يلتفت إليها العرف، فإنّ المبيع الكلّي إذا انطبق على الفرد يصدق عليه أنّه المبيع فتشمله الروايات، كقوله (عليه السلام): «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير المبيع له»(1)، وتصوّر أنّ في الصدق تأوّلاً وتجوّزاً وإن كان صحيحاً، لكنّه لا يلتفت إليه إلاّ الفقيه الدقيق لا العرف المخاطب بالروايات، والّذي يؤيد ذلك أنّ العناوين مرايا إلى الخارج وليس ابتياع الكلي إلاّ لغاية تجسيده بدفع الفرد منه .
وبعبارة أُخرى: إذا سلم فرداً من الكلّي فقد خرج عن المسؤولية ولولا خيار الحيوان، لكان العقد لازما إلاّ أنّه صار سبباً لتزلزل العقد كالعين الشخصية .
ثم إنّ الشيخ استدلّ بوجه آخر لا يخلو عن تعقيد، وقد أوضحناه مع ما فيه من النظر في كتابنا.(2)

10 . هل الضمان معاملي أو واقعي؟

إذا افترضنا أنّ الحيوان المبيع تلف بعد قبضه في الأيام الثلاثة فصار التلف ممّن لا خيار له أي من البائع فالخسارة

1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار في ذيل الحديث 2 .
2 . لاحظ : المختار في أحكام الخيار: 626 ـ 627 .

صفحه 224
متوجهة إلى البائع، وعندئذ يقع الكلام في وظيفته أمام المشتري الّذي دفع الثمن وخرج المبيع عن ملكه فهنا احتمالان:
1. أن يكون ضامناً للمسمّى، أي بدفع الثمن بعد خروج المبيع عن ملك المشتري ودخوله في ملك البائع حين كونه مالكاً للثمن أيضاً، فبما أنّ الجمع بين العوض والمعوض غير معقول فيجب عليه دفع المسمّى .
2. أن يكون ضامناً بالمثل أو القيمة بمعنى أنّه إذا تلف المبيع في ملك البائع فالعقد باق على حاله فتجب عليه تدارك الخسارة بالمثل أو القيمة. فعلى الأوّل الضمان معاملي، وعلى الثاني واقعي، ولكلّ من الاحتمالين قائل.
أمّا الأوّل: فهو خيرة الشيخ وغيره، حيث قال: المراد بضمان «من لا خيار له» لما انتقل إلى غيره، هو بقاء الضمان الثابت قبل قبضه وانفساخ العقد آناً ما قبل التلف، (ودخول المبيع في ملك البائع) وهو الظاهر من قول الشهيد (قدس سره)في الدروس حيث قال: «وبالقبض ينتقل الضمان إلى القابض مالم يكن له خيار».(1)

1 . الدروس: 3 / 210 .

صفحه 225
إنّ مفهوم كلامه أنّه مع خيار القابض لا ينتقل الضمان إليه، بل يبقى على ضمان ناقله (البائع) الثابت قبل القبض، وقد عرفت أنّ معنى الضمان قبل القبض هو تقدير انفساخ العقد وتلفه في ملك ناقله.(1)
ثم ان الاصرار على دخول المبيع في ملك البائع ووقوع التلف في ملكه، لأجل تصحيح كون التلف عليه، وذلك لان المفروض ان المبيع انتقل إلى المشتري وهو ملك له ومع ذلك فالتلف يحسب على البائع وهذان لا يجتمعان إلاّ بالفرض المذكور ودخول المبيع في ملك البائع قبل التلف .
وأمّا الثاني: فهو خيرة العلاّمة في «التذكرة». قال: لو تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار، فإن كان قبل القبض، انفسخ البيع قطعاً، وإن كان بعده، لم يبطل خيار المشتري ولا البائع، وتجب القيمة على ما تقدّم. (2)
وهناك احتمال ثالث يتّحد في النتيجة مع الأوّل ويخلو عن التكلّف الموجود فيه، وهو القول بالبطلان مع التلف وفرض المعاملة كأن لم تكن، ولازم ذلك رجوع الموجود

1 . المتاجر: 6 / 186 .
2 . تذكرة الفقهاء: 11 / 166 .

صفحه 226
(الثمن) من العوضين إلى مالكه، وأمّا المثمن فلأجل كونه تالفاً حين البطلان، لا يحكم عليه بالرجوع إلى مالكه، غاية الأمر لا يكون المشتري ضامناً. وهذا وإن لم يذكره الشيخ، ولكنّه أظهر عند العرف من الأوّل، وفي هذا الفرض يكون الضمان معاملياً أيضاً من دون حاجة إلى الحكم بدخول المبيع في ملك البائع .
إنّما الكلام في تعيين أحد الاحتمالين الأوّلين، وربّما يستظهر المعنى الأوّل بما يلي :
1. ما ورد في ذيل صحيحة عبدالله بن سنان حيث قال: «وإن كان بينهما شرطٌ أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» (1).
2. النبوي الوارد في القاعدة الأُولى، أعني: «كل مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».(2)
وجه الاستظهار: أنّ التلف لا يكون من مال البائع ـ بعد كونه ملك المشتري ـ إلاّ بانفساخ العقد آناً ما قبل التلف حتّى

1 . الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2.
2 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1 .

صفحه 227
يعود المبيع إلى ملك البائع ويقع التلف في ملكه ويعود الثمن إلى ملك المشتري.
3. قوله في القاعدة الثانية: «على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري».(1)
وجه الاستظهار: أنّه لمّا كانت مالكية المشتري المبيع متزلزلة في زمن الخيار، فلا يملك المشتري على وجه الاستقرار إلاّ بعد مضيّ الخيار، فإذا تلف قبل مضيّه يخرج من ملك المشتري بحكم أنّ ملكيّته كانت متزلزلة ويدخل في ملك البائع آناً ما وينفسخ فيه .
4. ما في مرسلة حسن بن علي بن رباط، عمّن رواه، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع»(2).
وفي هذه الروايات الأربع الّتي وردت الرواية الأُولى والثالثة والرابعة حول القاعدة الثانية، والثانية حول القاعدة الأُولى، وبما أنّ القاعدتين متقاربتان وقد عرفت أنّ القاعدة

1 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.
2 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 5 .

صفحه 228
الثانية عندنا من شقوق القاعدة الأُولى إلاّ في موردين كما سيوافيك، وليس لنا قاعدة سوى الأُولى، فيكون مال الجميع واحداً.
والّذي يؤكد المختار، (كون الضمان بالمسمّى لا بالمثل والقيمة) هو ما نقلناه عن آية الله ميرزا صادق التبريزي (قدس سره) حيث اختار أنّ القاعدة مختصة بالحيوان وهي من الموجودات الّتي لا تعلم صحّتها أو مرضها إلاّ بمرور الزمان، فتلفه بآفة سماوية بين الثلاثة يكشف عن كون المبيع معيباً من أوّل الأمر، وبما أنّ العقد وقع على المبيع بوصف أنّه صحيح فلا يكون المقبوض قبضاً شرعيّاً، بل قبض مالم يقع العقد عليه فيكون كالتلف قبل القبض.
نعم ما ذكره يتم لو كانت القاعدة مختصة بالحيوان وخياره فقط، وأمّا لو قلنا بشمولها العيب الحادث في الثلاثة، أو لعمومها لشرط الخيار وإن كان أكثر من ثلاثة، فلابد من تصحيح القاعدة بالقول بما ذكره الشيخ أو ما ذكرناه .

صفحه 229
 
11. لو أتلفه المشتري
ولو أتلفه المشتري في أيّام الخيار قال العلاّمة: «استقّر الثمن عليه، فإن أتلفه في يد البائع وجعلنا إتلافه قبضاً، فهو كما لو تلف في يده»(1).
والظاهر صحة ما ذكره في جانب المشتري، لأنّه أتلف ماله من دون أن يستند التلف إلى البائع أو الآفة السماوية، فالعقد يكون لازماً من غير فرق بين إتلافه تحت يده أو تحت يد البائع.
ولو أتلفه الأجنبي، قال العلاّمة: لم ينفسخ البيع ولا يبطل الخيار لأصالتهما .(2)
إنّ كلامه مشتمل على أمرين :
1. عدم انفساخ العقد .
2. عدم بطلان الخيار .
أمّا الأوّل ـ أعني: عدم انفساخ البيع ـ فهو صحيح، لأنّ حكم المبيع هنا (الحيوان) كسائر الموارد، فقد أتلف الأجنبي

1 . تذكرة الفقهاء: 11 / 168، المسألة 335 .
2 . المصدر السابق .

صفحه 230
ملك المشتري فيرجع إليه بالمثل أو القيمة من دون أن يكون هنا مسؤولية للبائع، لأنّه خرج عن المسؤولية.
وأمّا الثاني: أي عدم بطلان الخيار، فمعناه أنّ المشتري يفسخ العقد ويرجع بالثمن إلى البائع، وبالتالي يرجع البائع إلى الأجنبي ، فهو إنّما يتمّ إذا كان مصبّ الخيار هو العقد دون العين، والغالب في بيع الحيوان لو لم يكن الكل كون مصب هو المبيع الخارجي، فإذا بطلت العين بطل الخيار القائم بها.
على أنّ فسخ المشتري للعقد ثم الرجوع بالمسمّى إلى البائع ورجوع البائع إلى الأجنبي أمر لا يوافقه الذوق الفقهي ، لأنّ للبائع أن يحتج بأنّه خرج عمّا عليه من المسؤوليّة، فلا معنى للرجوع إلى الثمن وإرجاع البائع إلى الأجنبي الّذي ربّما لا يتمكّن من أخذ المثل أو القيمة منه .
إلى هنا تمّ الكلام حول القاعدتين المعروفتين. فقد عرفت أنّ الثانية من فروع القاعدة الأُولى، وليس شيئاً مستقلاً، على قول المحقّق التبريزي، إلاّ أن يقال بشمولها للعيب الحادث في الثلاثة أو لشرط الخيار، مع كون المبيع حيواناً، وقد عرفت حالهما.

صفحه 231
 
3

في تعارض القاعدتين

ربّما يتصوّر وجود التعارض بين القاعدتين، وهذا فيما إذا وقع التلف قبل قبض المشتري المبيع، وكان للبائع الخيار دون المشتري، ونبيّن ذلك ضمن مثالين:
1. إذا كان المبيع غير الحيوان وكان الخيار للبائع،
فتلف قبل القبض، فبما أنّ التلف قبل القبض، فالمورد
داخل تحت القاعدة الأُولى ، فالتلف على البائع; وبما أنّ التلف وقع في زمان خيار البائع ولزوم البيع على المشتري، فالمورد داخل تحت القاعدة الثانية فالتلف ممّن لا خيار له أي المشتري.
2. إذا كان المبيع حيواناً وقد أسقط المشتري خيار الحيوان، وكان للبائع شرط الخيار أو خيار تأخير الثمن أزيد من ثلاثة ، فتلف قبل القبض، فبما أنّ التلف قبل القبض، فالمورد داخل في القاعدة الأُولى والتلف على البائع، وبما أنّ التلف وقع

صفحه 232
وللبائع خيار دون المشتري، فالمورد داخل في القاعدة الثانية والضمان على المشتري.
الجواب: أمّا المثال الأوّل فقد عرفت أنّ القاعدة مختصة بالحيوان فإذا كان المبيع غير الحيوان فهو خارج عن مصبّ القاعدة.
وأمّا المثال الثاني، فنحن وإن عمّمنا الخيار الوارد في الرواية، لشرط الخيار، لكن بشرط أن يكون ذو الخيار هو المشتري، والمفروض أنّ شرط الخيار في المثال للبائع.
وحصيلة الكلام: أن المثال الأوّل أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، فإنّ موضوع القاعدة هو الحيوان. وأمّا المثال الثاني فالمبيع وإن كان حيواناً لكن الخيار للبائع، مع أن القدر المتيقّن من الرواية كون الخيار للمشتري لقوله (عليه السلام): «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» فذيل الحديث: «قبل أن يمضي الشرط» دليل على اختصاص شرط الخيار الوارد في قوله: «شرط أيّاماً للمشتري لا للبائع».
ثمّ إن السيد الفقيه الطباطبائي نقل عن المحقّق الأردبيلي

صفحه 233
مورد التعارض، وهو ما إذا كان خيار الشرط للبائع فقط، وتلف في يد البائع قبل القبض. وقال في حلّ التعارض ما هذا لفظه:
والأقوى ترجيح قاعدة التلف قبل القبض، وذلك لقوة دليلها على دليل هذه القاعدة من حيث تعميمها لمثل هذه الصورة ، وذلك لأنّ المدرك لها (القاعدة الثانية) إن كان هو قاعدة «كون التلف من المالك» حيث إنّ المبيع في خيار التأخير (1) للمشتري والخيار مختص بالبائع، فكون التلف على المشتري بمقتضى قاعدة الملكية، وكذا كون التلف في خيار الشرط ] للبائع [ في الصورة الّتي فرضناها، على المشتري من جهة أنّه مالك، فلا شك أنّ قاعدة التلف قبل القبض أخصّ من قاعدة كون الضمان على المالك ومقدّمة عليها.
وإن كان المدرك لها الأخبار الخاصة المتقدّمة فموردها ضمان البائع للمبيع لا المشتري له، فلا يستفاد منها هذا العموم إلاّ من جهة فهم المناط من قوله (عليه السلام): «ويصير المبيع للمشتري» وأنّ المناط في عدم الضمان هو التزلزل، فيعم ما إذا كان البيع تزلزلاً من جانب البائع إمّا لخيار تأخير الثمن، أو شرط الخيار ،

1 . أي ملك للمشتري.

صفحه 234
ومن المعلوم أنّ قاعدة التلف قبل القبض المستفادة من النص الخاص وهي رواية عقبة بن خالد أقوى من ظهور هذه الفقرة في التعميم على فرض تسليمه، فلا ينبغي التأمّل في تقديمها.(1)
وملخّص كلامه: أنّ السبب لجعل المشتري ضامناً في هذه الموارد أحد وجهين:
1. بما أنّ المشتري مالك للمبيع فيكون التلف عليه .
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة الأُولى أخصّ من ضمان المالك، فالمالك ضامن إلاّ إذا كان التلف قبل القبض .
2. الاعتماد على الأخبار الخاصة الّتي مضت في صدر الرسالة.
يلاحظ أنّ موردها ضمان البائع وكونه ذا خيار لا المشتري فلا يستفاد منه العموم. اللّهم إلاّ من جهة فهم المناط من قوله: «ويصير المبيع للمشتري» وأنّ المناط في عدم تحمّل الخسارة كون الشخص ذا خيار، فيعم البائع إذا كان ذا خيار.
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة الأُولى أقوى ظهوراً من هذه

1 . تعليقة السيد الطباطبائي: 169، قسم الخيارات.

صفحه 235
الفقرة الّتي صارت أساساً لفهم المناط وتعميم الحكم للبائع.
***
تمّت الرسالة بحمد الله سبحانه صبيحة يوم الجمعة سابع
شهر رمضان المبارك من شهور عام 1430 هـ .
بيد مؤلفه الفقير، المحتاج إلى ربه
الغني، جعفر السبحاني راجياً من
الله العفو والمغفرة يوم المساق
يوم تلتف الساق بالساق.
آمين يا رب العالمين .
الحمد لله الّذي بنعمته
تتم الصالحات

صفحه 236
    التقية موضوعاً وحكماً في الكتاب والسنّة

صفحه 237
فهرس المحتويات   
فهرس المحتويات
الموضوع    الصفحة
مقدّمة المؤلّف   7
   تمهيد   9
   الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية   12
الفصل الأوّل: التقية في القرآن الكريم والسنّة النبوية   19
   الآية الأُولى:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرهَ
         وَقَلْبهُ مُطْمَئِنٌ...
)   19
   الآية الثانية:(... إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً...)   22
      سؤال: إنّ مورد الآية هو اتقاء المسلم من الكافر   24
   الآية الثالثة: (وإذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يعَْبُدُونَ إلاّ اللهَ
         فَأْوُوا إلَى الْكَهْفِ...
)   30

صفحه 238
الموضوع    الصفحة
   الآية الرابعة:(وَقَالَ رَجُلٌ مَؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَون
         يَكْتُمُ إيمانهُ...
)   32
      التقية بمعنى التورية    33
الفصل الثاني: التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)   35
سؤال: ما هو السر في التأكيد على التقية وجعلها تسعة
أعشار الدين ووصف من لا تقية له بفاقد الإيمان؟   36
الفصل الثالث: التقية في كلّ شيء   41
الروايات الدالة على أنّ التقية في كل ضرورة واضطرار    40
موارد ثلاثة ورد فيها الاستثناء   42
ما هو السر في استثناء هذه الموارد الثلاثة؟   43
الفصل الرابع: أقسام التقية والتقية المحرّمة   45
أقسام التقية    45
الموارد الّتي لا تجوز فيها التقية   47
   الأوّل: لا تقية في الدم   47
      الروايات الدالة على حرمة التقية في الدم   48

صفحه 239
الموضوع    الصفحة
   الثاني: التبرّي عن أمير المؤمنين وأولاده   49
الروايات الدالّة على حرمة البراءة من أمير
المؤمنين وأولاده
(عليهم السلام)   49
الروايات الدالّة على الجواز والترخيص   51
الروايات الدالة على وجوب البراءة   52
الجمع بين الطوائف الثلاثة   53
   سؤال وإجابة   54
   الثالث: حرمة التقية فيما يتعلق بأساس الدين   54
الفصل الخامس: ترك التقية في العبادة وحكمها شرعاً   57
سؤال: إذا كان إيجاب الشيء للتقية لا يجعله معتبراً في
العبادة لزم الحكم بالصحة إذا توضّأ وترك المسح على
      الخفّين والبشرة معاً   58
في أقسام الأوامر الاضطرارية   59
الفصل السادس: إجزاء العمل على وفق التقية عن
      الإعادة والقضاء
   63

صفحه 240
الموضوع    الصفحة
   ما يدلّ على الرخصة في مورد خاص   64
   ما يدل على الرخصة بصورة عامة   71
      1. رفع ما اضطروا إليه   71
      2. ما دلّ على أنّ التقية في كلّ ما يضطر إليه   74
      3. التقية في كل شيء إلاّ في ثلاثة موارد   75
      4. التأكيد على التقية والحثّ عليها   77
      تفصيل للمحقّق الثاني   82
      الروايات المعارضة   83
الفصل السابع: حكم التقية في الموضوعات   88
   استدلال السيد الأُستاذ على الإجزاء في الحج   92
   الاستدلال على الإجزاء بروايتين   94
الفصل الثامن: في اعتبار عدم المندوحة   98
ما هو المراد من المندوحة؟   98
المندوحة العرضية، وفيها أقوال ثلاثة   98
الأُمور الدالة على عدم الشرطية   99

صفحه 241
الموضوع    الصفحة
   مقتضى الإطلاق عدم الاشتراط   100
طوائف الروايات الدالة على شرطية عدم المندوحة    102
   1. ما دلّ على الصلاة في البيت ثم الحضور   102
   2. ما دلّ على إعمال الحيلة   104
   3. ما يدلّ على لزوم الإعادة   108
الفصل التاسع: الوضوء الصادر تقية وحكم الأعمال
         اللاحقة
   115
   التقية والأحكام الوضعية   125
الفصل العاشر: في التقية المدارائية   128
إذا كانت التقية لأجل توحيد الكلمة وتقريب الخطى   128
الروايات الدالة على جواز التقية لأجل الوحدة
      وتقريب الخطى   129
   تنبيهات مهمة   132
      التنبيه الأوّل: في تبيين حدّ الإجزاء   132
      التنبيه الثاني: شمول التقية للمخالف والمؤالف   133

صفحه 242
الموضوع    الصفحة
      التنبيه الثالث : كون التقية من المرجّحات   135
         ترك السنّة لمخالفة الشيعة   139
         1. ترك تسطيح القبر   139
         2. الجهر بالبسملة   140
         3. الصلاة على المؤمن مفرداً سنّة ترفض   141
         4. ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة   142
         5. ترك فعل الخيرات وإقامة المآتم يوم عاشوراء   143
         6. ترك التختّم باليمين   144
      التنبيه الرابع: التقية في الإفتاء والقضاء   145
      التنبيه الخامس: التقية خوفاً على السائل لا حذراً
         منه ومن الحاكم   148
      التنبيه السادس: الفرق بين التقية والنفاق   152
      التنبيه السابع: هل التقية من أُصول الدين ؟   154
      التنبيه الثامن: التقية تؤدي إلى محق الدين   156
      التنبيه التاسع: الآثار البنّاءة للتقية   157

صفحه 243
الموضوع    الصفحة
         1. حفظ النفس والنفيس   157
         2. حفظ وحدة الأُمّة   159
         3. المحافظة على الطاقات البشرية   161
      التنبيه العاشر: حكم تسمية الإمام المهدي   164
قاعدتان فقهيتان
في البيع
مقدّمة   169
القاعدة الأُولى
كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه   171
الكلام في القاعدة يقع ضمن فروع    173
1.كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال مالكه،وفيه أُمور   173
   الأوّل: الروايات   175
      الرواية الأُولى: رواية عقبة بن خالد   175
      الرواية الثانية: رواية صاحب المستدرك   176

صفحه 244
الموضوع    الصفحة
      الرواية الثالثة: رواية بريد بن معاوية   176
      الرواية الرابعة: رواية ابن حجاج الكرخي   177
   الثاني: الإجماع   179
   الثالث: سيرة العقلاء   180
2. الكلام في أُمور   182
   1. شمول القاعدة للثمن   182
   2. ما هو المراد من التلف؟   183
   3. لو امتنع المشتري القبض   184
   4. إذا تلف المبيع بالمشتري أو الأجنبي أو البائع   185
   5. ما هو المراد من قوله:«من مال بائعه»؟   186
   6. حكم النماء بعد العقد وقبل التلف   188
   7. شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية   189
   8 . شمول القاعدة لتلف البعض   190
   9. شمول القاعدة للوصف المفقود   192
   10. إبراء المشتري البائع عن ضمان المبيع   193

صفحه 245
الموضوع    الصفحة
القاعدة الثانية
التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له   195
   1. كلمات العلماء في القاعدة   197
   2. هل كون التلف ممّن لا خيار له، موافق للقاعدة؟   199
   3. دراسة الروايات الواردة   202
   4. اختصاص الروايتين بخيار الحيوان   204
   5. الاستدلال على سعة القاعدة بوجهين   206
   6. حصيلة الكلام في الروايات   211
   7. فذلكة   216
   8 . عدم شمول القاعدة للثمن   220
   9 . هل الحكم مختص بالمبيع المعيّن أو يعمّ الكلي؟   221
   10 . هل الضمان معاملي أو واقعي؟   223
   11. لو أتلفه المشتري   229
3. في تعارض القاعدتين   231

صفحه 246
الموضوع    الصفحة
مثالان يتصوّر منهما وجود التعارض بين القاعدتين   231
الجواب عن الإشكال   232
فهرس المحتويات   237