welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الشيخ الطبرسي*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الشيخ الطبرسي

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
في رحاب نوابغ العلماء
      1
الشيخ الطبرسي
(467 ـ 548 هـ )
إمام المفسّرين في القرن السادس
حياته وآثاره
تأليف العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
اسم الكتاب:   الطبرسيى إمام المفسّرين في القرن السادس حياته وآثاره
المؤلف:   آية الله جعفر السبحاني
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:    الأُولى
التاريخ:   1382 / 1424 هـ
الكمية:   2000
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
تعتزّ الأُمم ـ جميع الأُمم ـ بالعظماء من علمائها ومفكّريها وقادتها، الّذين كرّسوا حياتهم للنهوض بالأُمّة في ميادين العلم والعمل والكفاح والجهاد، تلبيةً لدواعي الوفاء لهم، وتثميناً لجهودهم، وتعريفاً بمقامهم ومكانتهم، واستلهاماً لعطائهم الثرّ.
وتحقيقاً لهذه الأغراض، آثرنا القيام بتأليف سلسلة (في رحاب نوابغ العلماء)، نُلقي فيها الأضواء على جوانب مهمة من سيرة علمائنا الأفذاذ، ونعرض لأهمّ آرائهم وأفكارهم ونتاجاتهم المتميزة.
ونحن إذ ننشر هذه السلسلة، لا نستهدف من ورائها دعوة الشباب إلى أن يكون عظامياً، يفخر فقط بما أنجزه الماضون من علمائنا الأبرار، ويناى بنفسه عن بناء حاضر مشرق زاخر بالحيوية والنشاط، وإنّما هي دعوة إلى التواصل مع التراث الحي، الذي يبعث الجيل الحاضر على الفخر والاعتزاز لشعوره بأنّ ثقافة أُمّته وحضارتها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ثمّ هو ـ الجيل الحاضر ـ يحاول

صفحه 6
الإفادة منه، وتطويره بما ينسجم ومتطلّبات العصر، وتطلّعات الشباب المتوثّب للتقدم والنهوض لخدمة إسلامه العزيز وأُمّته العظيمة.
وهنا نحن نقدّم إلى القراء الأعزاء نماذج من حياة لفيف من علمائنا وقادتنا، لتكون نبراساً يستهدون به في مسيرتهم نحو الخير والكمال. كما نقدّمه إلى المؤتمر الّذي أُقيم تكريماً للسيد الإمام الراحل السيد شرف الدين في عاصمة العلم والفقه والدين، قم المقدسة في الثالث والرابع من صفر المظفر عام 1426 هـ . والله المسدّد ومن وراء القصد.
المؤلف

صفحه 7

الشيخ الطبرسي

مؤلّف التفاسير الثلاثة

لا تجد كتاباً سماوياً أحدث ضجَّة وتحولاً في الحياة البشرية مثلما أوجده القرآن الكريم في حياة الأُمم، فقد شيّد الحضارةَ الإسلامية وأرسى كيانها وأعطى لها دستوراً جامعاً في مجال الحياة العامّة، ولأجل هذه المكانة السامية لهذا الكتاب، شارك المسلمون عبْر القرون في تسهيل فهم القرآن بتأليف تفاسير بصور مختلفة مذكورة في المعاجم.
وممّن صنف في هذا المجال هو الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، من أعلام الإمامية في القرن السادس الهجري، فقد زوّد المكتبة الإسلامية بتآليفه الثلاثة القيّمة في تفسير القرآن الكريم المعروفة بـ:
1. «مجمع البيان لعلوم القرآن».
2. «الكاف الشاف» اقتصر فيه على الطرائف الأدبية، والظرائف البلاغية الواردة في الكشاف.

صفحه 8
3. «جوامع الجامع»، جمع فيه طرائف الكتابين وظرائفهما.
فمجمع البيان أكبر تفاسيره و ما يليه أصغرها والثالث أوسطهما، ولا أظن أن يكون لهذا المفسر العظيم كتاب آخر في التفسير، وإن كان ربما ينسب إليه غير هذه الثلاثة.
وقد ألّف غير واحد من المحقّقين مقالات ورسائل في ترجمة مفسرنا الكبير غير أنّا نشير في هذا المقال إلى نكات خلت منها أكثر المقالات التي أُلّفت لبيان سيرته.

ولادته

ذكر المترجمون انّه توفّي عام 548 ولم يشيروا إلى ولادته غالباً، ولكن يمكن استكشاف تاريخ ولادته ممّا ذكره هو في آخر الجزء الأوّل من كتابه «مجمع البيان» فانّه أرّخ فراغه عند تفسير قوله سبحانه: (فمن خافَ مِنْ موص جنفاً أو إِثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إنّ اللّه غفور رحيم).(1) بقوله: وفرغ من تأليفه يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سنة 530هـ.(2)
هذا من جانب، ومن جانب آخر انّه ذكر في مقدمة كتابه انّه شرع بهذا التفسير وقد ذرّف سنُّه على الستين واشتعل الرأس شيباً.(3)

1 . البقرة:182.
2 . مجمع البيان:1/270.
3 . مجمع البيان:1/10.

صفحه 9
وتستعمل تلك الجملة فيما إذا تجاوز السن عن الستين، كما أنّه إذا بلغ نفس الستين يقال: ذرّف سني الستين.
فعلى هذا فهو عند الشروع بهذا الكتاب تجاوز سنّه عن الستين بسنة واحدة أو سنتين، فلنفرض انّه كان ابن 62.
فلو استغرق تأليف الجزء الأوّل حوالي سنة فقد بلغ سنه عند الفراغ عنه 63 سنة ولا غرو في ذلك، لأنّه ألّف الأجزاء العشرة الباقية في سبع سنوات، وبما انّ تأليف الكتاب في بدء الأمر يواجه صعوبات جمة، فلا عجب أن يستغرق تأليف الجزء الأوّل منه سنة كاملة.
وعلى ضوء هذا فقد كان مؤلّفنا في سنة 530 من أبناء الثالثة والستين فلو نقّصنا 63 سنة من 530 هـ لكانت ولادته نحو 467هـ. 530-63=467.

مجمع البيان كتاب خالد

ربّ كتاب يبذل المؤلف جهده الحثيث لتأليفه ونشره بحُلّة قشيبة ولكن لا يحظى برغبة القرّاء لاقتنائه، فيبقى في زوايا المكتبات ولا ترى أثراً منه إلاّ في المعاجم وفهارس المكتبات، وربّ كتاب يأخذ بمجامع القلوب وينال إعجاب المحقّقين و تتوالى عليه الرغبات طيلة قرون دون أن يُبلى، كـ «الشرائع في الفقه» للمحقّق الحلّي(602ـ 676هـ)، و «لسان العرب في اللغة» لابن منظور الإفريقي(المتوفّى 707هـ)،

صفحه 10
و«ألفية ابن مالك في النحو» لمحمد بن عبد اللّه بن مالك الطائي(600ـ 672هـ) فهذه الكتب ونظائرها قد كُتب على جبينها الخلود مادامت الحضارة.
وأمّا كتاب «مجمع البيان» فيعتبر من الكتب التفسيرية الخالدة لمزاياه الخاصة، ولأجل ذلك نرى أنّه مضى على تأليفه حوالي تسعة قرون وهو بعد غضّ طريّ يرجع إليه اللغوي في لغة القرآن، و المقرئ في قراءته، والمؤرّخ في قصصه وأسباب نزوله، والفقيه في تفسير آيات الأحكام، والمتكلّم في معارفه وبحوثه الكلامية.
ومن لطيف ما واجهت انّي في سالف الزمان حللت ضيفاً على كلية الإلهيات في استنبول، ودُعيتُ لإلقاء محاضرة حول أحكام السفر، فإذا بأُستاذ التفسير رحّب بي ودعاني إلى غرفته الخاصة المكتظة بالكتب وأراني كتاب «مجمع البيان» وقال بأنّه يرجع إليه في تفسيره.
وهذا هو الشيخ عبد المجيد سليم الشيخ الأسبق لجامع الأزهر ووكيل جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية يصف الكتاب بالنحو التالي ويقول:
«إنّ كتاب «مجمع البيان لعلوم القرآن» الذي ألّفه الشيخ العلاّمة ثقة الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي من علماء القرن السادس الهجري، هو

صفحه 11
كتاب جليل الشأن، غزير العلم، كثير الفوائد، حسن الترتيب، لا أحسبني مبالغاً إذا قلت إنّه في مقدّمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه وبحوثه.
ولقد قرأت في هذا الكتاب كثيراً، ورجعت إليه في مواطن عدة، فوجدته حلاّلَ معضلات، كشّافَ مبهمات، ووجدت صاحبَه عميقَ التفكر، عظيمَ التدبّر، متمكّناً من علمه، قوياً في أُسلوبه وتعبيره، شديد الحرص على أن يجلي للناس كثيراً من المسائل التي يفيدهم علمها».(1)
وهذا هو اعتراف من أحد كبار المشايخ المعاصرين الذي كان من رواد التقريب بين المذاهب، وينظر إلى مذهب الشيعة نظرته إلى سائر المذاهب، فلا غرو في أن يعجبه «مجمع البيان» ويُثني عليه بما ذكر.
إنّ الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في مصر ـ الذي اغتيل عام 1397هـ مؤلّف كتاب «التفسير والمفسرون» ـ تناول التفاسير المعروفة لدى السنّة والشيعة بالبحث والتمحيص من القرن الثالث إلى العصر الحاضر، وأبان النقاط الإيجابية والسلبية لكلّ تفسير تناوله.
فمع أنّه بخس حقوق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حتّى عدّ عليّاً (عليه السلام)

1 . مقدمة مجمع البيان، المطبوع بمصر.

صفحه 12
المفسّر الثالث في الإسلام وعدّ تلميذه ابن عباس المفسّر الأوّل و سعيد بن جبير المفسّر الثاني، وكما بخس حقوق مفسّري الشيعة، وعلى الرغم من ذلك فقد خضع لتفسير «مجمع البيان» وأشاد به وقال ما هذا نصّه:
«والحقّ انّ تفسير الطبرسي بصرف النظر عمّا فيه من نزعات تشيعية، وآراء اعتزالية، كتاب عظيم في بابه، يدلّ على تبحّر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة، والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه في تناسق تام، وترتيب جميل، وهو مجيد في كلّ ناحية من النواحي التي يتكلّم عنها، فإذا تكلّم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلّم عن المعاني اللغوية للمفرد أجاد، وإذا تكلّم عن أسباب النزول وشرح القصص استوفى الأقوال وأفاض، وإذا تكلّم عن الأحكام تعرض لمذاهب الفقهاء وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجمل، وأوضح لنا عن حسن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال وأراح البال، وهو ينقل أقوال من تقدّمه من المفسّرين معزوة لأصحابها، ويرجح ويوجه ما يختار منها ـ إلى أن قال: ـ

صفحه 13
و الحقّ أن يقال: انّه ليس غالياً في تشيّعه ولا متطرفاً في عقيدته».(1)

براعته في الترتيب والتنظيم

إنّ من أهمّ ميزات هذا الكتاب هو الترتيب الفائق المشاهَد فيه، حيث جمع علوم القرآن في كتابه لكن بتنسيق وتهذيب لم يَسبق له أحد، ولم يَلْحقه أحد، فذكر اختلاف القراءات في الآيات وحججها، كما ذكر إعرابها ومعاني لغاتها وأسباب نزولها كلاً في فصل خاص، ولم يخلط بين المباحث، فعلى القارئ الذي يريد الوقوف على موضوع خاص لا يكدّ نفسه في العثور على ما يريد،وهذه الميزة كانت موضع إعجاب الشيخ شلتوت، فقال في هذا الموضوع:
لقد قلتُ: إنّ هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنّه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوّعها، له خاصية في الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده، فعهدُنا بكتب التفسير الأُولى أنّها تجمع الروايات والآراء في المسائل المختلفة، وتسوقها عند الكلام على الآيات سوقاً متشابكاً، ربما اختلط فيه فنّ بفن، فما يزال القارئ يكدّ نفسه في استخلاص ما يريد من هنا و هناك حتّى يجتمع إليه ما تَفرّق،

1 . التفسير والمفسرون:2/104.

صفحه 14
وربما وجد العناية ببعض النواحي واضحة إلى حد الإملال، والتقصير في بعض آخر واضحاً إلى درجة الإخلال، أمّا الذين جاءوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد أطنبوا، وحقّقوا وهذبوا، وفصلوا وبوبّوا، انّ قليلاً منهم أُولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجوّ القرآني الذي يشعر معه القارئ بأنّه يجول في مجالات متّصلة بكتاب اللّه اتّصالاً وثيقاً وتتطلبها خدمته حقاً لا لأدنى ملابسة وأقل مناسبة.(1)

الطبرسي وأداؤه لحقّ معاصره

إنّ السنّة الجارية بين المعاصرين ـ إلاّ مَن عصمهم اللّه ـ عدم الاهتمام بآثار معاصريهم في مجال العلم والفن، بل ربما ينظرون إليه بعين التحقير، ومع ذلك فانّ هناك رجالاً أحراراً خرقوا حجاب التعاصر ويرى للمعاصر حقّاً مثلما لغيره، ويقول في ذلك:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئـاً *** ويـــرى للأوائـل التقديمـا
انّ ذاك القـديم كـان حديثـاًً *** وسيبقى هذا الحديث قديمـاً (2)
فمن هذه الطائفة السامية شيخنـا أبـو علي الطبرسي فانّـه

1 . مجمع البيان: تقديم الإمام شلتوت:20.
2 . كشف الظنون:1/30.

صفحه 15
بعدما فرغ من كتابه الموسوم بـ«مجمع البيان لعلوم القرآن » عثر على كتاب الكشاف لحقائق التنزيل للزمخشري (471ـ 528هـ) فرأى فيه ظرائف وطرائف أحب أن يجمعها في كتاب خاص، فيقول في هذا الصدد:
إنّي لمّا فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم بـ«مجمع البيان لعلوم القرآن»، ثمّ عثرت من بعدُ، بالكتاب الكشّاف لحقائق التنزيل لجار اللّه العلامة، واستصلحت من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه، ما لا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف، ورأيت أن أسمه وأُسمّيه بالكاف الشاف، فخرج الكتابان إلى الوجود، وقد ملكا أزمّة القلوب، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب، وجادت جدواهما، وتراءت ناراهما، وبُعد في استجماع جواهر الألفاظ وزواهر المعاني صداهما، فسارا في الأمصار مسير الأمثال، وسريا في الأقطار مسرى الخيال.
ثمّ اقترح عليّ ولدي أبو نصر الحسن ـ أحسن اللّه نصره وأرشد أمري وأمره ـ أن أُحرّر من الكتابين كتاباً ثالثاً، يكون مجمع بينهما ومحجر عينهما، يأخذ بأطرافهما ويتّصف بأوصافهما، فيتحقّق ما قيل: إنّ الثالث خير.(1)

1 . جوامع الجامع:1/2، المقدّمة.

صفحه 16

اختبار صحّة ما ادّعاه المؤلّف

ادّعى الإمام الطبرسي أنّه ألّف «مجمع البيان» ولم يكن قد اطّلع على تفسير الكشاف للزمخشري، وهذا خبر هو يخبر به، وهو بما انّه عالم صدوق نصدّق خبره، ومع ذلك فلنا أن ندعم هذا الخبر عن طريق الرجوع إلى المواضع المشتركة بين الكشاف ومجمع البيان كي يتبين الأمر في ضوء الواقع، فانّ الزمخشري معتزلي، والطبرسي إمامي، وكلاهما من العدلية يشتركان في أُصول كثيرة كلامية، وهذا هو الذي اختبره شلتوت عند تقديمه لمجمع البيان، فقال:
رجعت إلى أوّل موضع يظن انّهما يتلاقيان فيه، وهو تفسير قوله تعالى: (انّ الّذين كَفَرُوا سَواء عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرتهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤمِنُون* خَتَمَ اللّه عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيم).
فأمّا الإمام الطبرسي في كتابه «مجمع البيان» فقد تحدث من ناحية المعنى في موضعين:
أحدهما: معنى «لا يؤمنون» وما يتّصل به من بيان عدم التعارض بين العلم الإلهي والتكليف، لأنّ العلم يتناول الشيء على ما هو به، ولا يجعله على ما هو به.

صفحه 17
الثاني: معنى (خَتَمَ اللّه عَلى قُلُوبِهِم)وبيان الآراء المختلفة فيه، وقد ذكر أربعة آراء، وأيّد الرابع منها وقوّاه بشواهده.
وهذا هو نصّ كلامه في الوجه الرابع لنضعه موضع المقارنة مع كلام الزمخشري حتّى يتبيّن الفرق بينهما:
«ورابعها: أنّ اللّه وصف من ذمّه بهذا الكلام بأنّ قلبه ضاق عن النظر والاستدلال فلم ينشرح له، فهو خلاف من ذكر في قوله: (أَفَمَنْ شَرَح اللّه صَدْرَهُ للإِسْلام فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّهِ)، ومثل قوله: (أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها) وقوله: (وَقالُوا قُلُوبنا غُلف)، (وَقُلُوبنا في أَكنّة)ويقوى ذلك أنّ المطبوع على قلبه، وُصِفَ بقلّة الفهم لما يسمع من أجل الطبع، فقال: (بل طبع اللّه عليها بِكُفرهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَليلاً)وقال: (وطبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون) ويبيّن ذلك قوله تعالى: (قُل أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّه سَمْعكُمْ وَأَبصاركُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبكم) فعدل الختم على القلوب، بأخذه السمع والبصر، فدلّ هذا على أنّ الختم على القلب هو أن يصير على وصف لا ينتفع به فيما يحتاج فيه إليه، كما لا ينتفع بالسمع والبصر مع أخذهما، وإنّما يكون ضيقه بألا يتسع لما يحتاج إليه فيه من النظر والاستدلال الفاصل بين الحقّ والباطل، وهذا كما يوصف الجبان بأنّه لا قلب له، إذا بولغ في وصفه بالجبن، لأنّ الشجاعة محلّها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي هو محلّ الشجاعة لو كانت، فأن لا

صفحه 18
تكون الشجاعة أولى، قال طرفة:
فالهبيت لا فؤاد له *** والثبيت قلبه قيمه
وكما وصف الجبان بأنّه لا فؤاد له، وأنّه يراعة، وأنّه مجوف; كذلك وصف من بعد عن قبول الإسلام بعد الدعاء إليه، وإقامة الحجة عليه، بأنّه مختوم على قلبه، ومطبوع عليه، وضيّق صدره، وقلبه في كنان وفي غلاف، وهذا من كلام الشيخ أبي علي الفارسي، وإنّما قال ختم اللّه، وطبع اللّه، لأنّ ذلك كان لعصيانهم اللّه تعالى، فجاز ذلك اللفظ، كما يقال: أهلكته فلانة إذا أعجب بها، وهي لا تفعل به شيئاً ،لأنّه هلك في اتباعها».
هذا هو نصّ كلامه، ومنه يتبيّن:
1. أنّه ممّن يؤيد الرأي القائل بأنّ الختم ليس حقيقياً، وإنّما هو على معنى من المجاز.
2. وأنّه يستعين في بيان ذلك بالآيات المشابهة لهذا الموضع في القرآن الكريم، وبالشعر، وبقول أبي علي الفارسي، وبما هو مألوف في العربية من مثل هذا التعبير بإسناد الفعل إلى من لم يفعله، ولكن وقع بسبب منه، فالختم أسند إلى اللّه لأنّه بمعناه الذي فسر به كان بسبب عصيانهم للّه، كما يقال أهلكته فلانة وهي لم تهلكه وإنّما هلك باتباعها.
وأمّا الإمام الزمخشري في كتابه «الكشاف» فقد عرض لهذا

صفحه 19
الموضوع في تفصيل أكبر، وضرب له كذلك أمثلة من الشعر والكلام العربي، وأورد فيه بعض الأسئلة وردّ عليها، ومع كون الفكرة التي يؤيّدها الإمام الزمخشري هي نفس الفكرة التي رأينا الإمام الطبرسي يؤيّدها. فانّ عبارة الزمخشري أوسع وأشمل، وأمثلته من الشعر أوضح في بيان المقصود، وتخريجه العربي لهذا التعبير مبني على دراسة فنية بلاغية مقررة المبادئ بين العلماء، فلو كان الطبرسي قد اطّلع على كتاب «الكشاف» لكان قد أيّد ما ذهب إليه بما ذكر الزمخشري نقلاً عنه أو تلخيصاً له، ولكنّنا لا نجد بين العبارات في الكتابين تلاقياً إلاّ على الفكرة، أمّا الأمثلة والعرض واسلوب البحث فمختلفة.
والآن نورد نصّ الإمام الزمخشري، كما أوردنا نصّ الإمام الطبرسي، وندع للقراء أن يتأمّلوا النصّين، على ضوء ما قلناه، فسيتضح لهم أنّ الطبرسي قطعاً لم ير«الكشاف» و هو يؤلّف «مجمع البيان».
قال الزمخشري:
«فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟
قلت: لا ختم ولا تغشية ثَمَّ على الحقيقة، وإنّما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه، وهما الاستعارة والتمثيل.
أمّا الاستعارة فأن تُجعل قلوبهُم ـ لأنّ الحقّ لا ينفذ فيها، ولا

صفحه 20
يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه، واستكبارهم عن قبوله واعتقاده ـ وأسماعُهم ـ لأنّها تمجّه، و تنبو عن الإصغاء إليه، وتعاف استماعه ـ كأنّها مستوثق منها بالختم، وأبصارُهم ـ لأنّها لا تجتلى آيات اللّه المعروضة، ودلائله المنصوبة، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين ـ كأنّما غُطي عليها، وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك.
وأمّا التمثيل فأن تُمثَّل ـ حيث لم ينتفعوا بها في الأغراض التي كلّفوها وخُلقوا من أجلها ـ بأشياء ضرب حجاب بينها و بين الاستنفاع بها بالختم والتغطية، وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعي ختماً عليه فقال:
ختم الإله على لسان عذافـر *** ختماً فليس على الكلام بقادر
وإذا أراد النطق خلت لسانه *** لحمــاً يحـركـه لصقـر ناقـر!
فإن قلت: لِمَ أسند الختم إلى اللّه تعالى، وإسناده إليه يدلّ على المنع من قبول الحقّ والتوصّل إليه بطرقه، وهو قبيح، واللّه يتعالى عن فعل القبح علواً كبيراً، لعلمه بقبحه، وعلمه بغناه عنه، وقد نصّ على تنزيه ذاته بقوله: (وَما أَنَا بِظَلاّم لِلْعَبيد)، (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمين)، (إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ). ونظائر ذلك ممّا نطق به التنزيل؟
قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها، وأمّا إسناد

صفحه 21
الختم إلى اللّه عزّ وجلّ; فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخِلقي غير العرضي، ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا، ومفطور عليه، يريدون أنّه بليغ في الثبات عليه، وكيف يُتخيّل ما خُيِّل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيدُ بعذاب عظيم، ويجوز أن تضرب الجملة كما هي ـ و هي (ختم اللّه على قلوبهم) ـ مثلاً، كقولهم : سال به الوادي إذا هلك; وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي، ولا للعنقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته، وإنّما هو تمثيل: مُثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، فكذلك مُثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق، بحال قلوب ختم اللّه عليها، نحو قلوب الأغتام(1) التي هي في خلوها من الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدر خَتمُ اللّه عليها حتّى لا تعي شيئاً ولا تفقه، وليس له عزّ وجلّ فعلٌ في تجافيها عن الحقّ ، ونبوها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك، ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللّه، فيكون الختم مسنداً إلى اسم اللّه على سبيل المجاز، وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا أنّ للفعل ملابسات شتى:

1 . جمع أغتم، وأصل الغتمة اللون المائل إلى السواد، كأنّه وصف به من ليس له قلب صاف، قال المؤلف في كتابه «أساس البلاغة» :فلان أغتم، من قوم غتم وأغتام، وفيه غتمة، وهي العجمة في المنطق من الغتم، وهو الأخذ بالنفس.

صفحه 22
يلابس الفاعل، المفعول به، والمصدر، والزمان، والمكان، والمسبب له، فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء عن طريق المجاز المسمّى استعارة، وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته، فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق، وفي عكسه:سيل مفعم، وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل، وفي الزمان: نهاره صائم، وليله قائم، وفي المكان:طريق سائر، ونهر جار; وأهل مكة يقولون: صلّى المقام، وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة ضبوث وحلوب(1) » الخ.
هذا هو نصّ كلام الزمخشري في الكشاف، وبينه و بين كلام الطبرسي فرق بعيد، ومثل هذا هو الذي جعل مؤلف «مجمع البيان» لا يقنع بما وصل إليه، حتّى يصله بما جد له من العلم، فيخرج ما أخرج من كتاب جديد، جمع فيه بين الطريف والتليد!

نفسيات المؤلّف

إنّ ما قام به المفسّر الكبير الشيخ الطبرسي يعرب عن أُمور:
أوّلاً: أنّه أدّى حقّ معاصره الزمخشري ولم يبخس حقّه، وصرح بأنّ في كتاب «الكشاف» طرائف وظرائف خلى عنها كتاب «مجمع البيان».

1 . ضبث بالشيء وعليه: قبض قبضاً شديداً، وهو مثله في الوزن أيضاً، فالناقة الضبوث ضد الناقة الحلوب.

صفحه 23
ثانياً: أنّه خرق بذلك حجاب التعاصر الذي لم يزل سائداً عبر قرون بين الكُتّاب والمحقّقين، حيث إنّ براعة المؤلّف لا تُقدّر في حياته إلاّ نادراً فبعد ما قضى نحبه تتجلّى عبقريّته على ألسن الخطباء والكتاب.
ثمّ إنّ الإمام شلتوت يصف ذلك الخلق العلمي والخصلة المحمودة من المؤلف ويقول:
إنّني أقف هنا موقف الإكبار والإجلال لهذا الخلق العلمي، بل لهذه العظمة في الإخلاص للعلم والمعرفة، فهذا الصنيع يدلّ على أنّ الرجل كان قد بلغ به حب الدراسات القرآنية حداً كبيراً، فهو يتابعها في استقصاء، ثمّ يجهد نفسه في تسجيلها وترتيبها على هذا النحو الفريد الذي ظهر في «مجمع البيان »، ثمّ لا يكتفي بما بذل في ذلك من جهد كفيل بتخليد ذكره، حتّى يضيف إلى آثاره العلمية ما جدّ له بعد ان انتهى من تأليف كتابه، ولعلّه حينئذ كان قد بلغ السبعين أو جاوزها.(1)
ونضيف و نقول: إنّ تلك الخصلة الإنسانية قد لمسناها من بعض مشايخنا المحقّقين نظير السيد الإمام حسين البروجردي(1292ـ 1380) فانّه ألّف موسوعة كبيرة، جمع فيها أسانيد كلّ راو إلى الإمام فقط ورتبها في فهارس كاملة، وبذلك فتح باباً جديداً في التعرف على قيمة الراوي من حيث عدد مشايخه وتلاميذه ومقدار روايته. وقد بذل

1 . مجمع البيان:29، المقدمة.

صفحه 24
جهداً شاقاً في هذا السبيل التهمت منه بضع سنين.
ولمّا غادر موطنه«بروجرد» وألقى عصا الإقامة في مدينة قم عام 1364، عرض أثره هذا على مشايخ الحوزة وعلمائهم، ولمّا وقف على أنّه ليس أوّل من تفطن بذلك والتفت إليه، بل سبقه بعض محقّقي علم الرجال كالشيخ محمد الأردبيلي المتوفّى في أوائل القرن الثاني عشر، في كتابه «جامع الرواة» فانّه يختار في ترجمة الرواة جملة من الأسانيد من الكتب الأربعة وغيرها ويستدلّ بها على شيوخ الراوي وتلاميذه وطبقتهم من دون استقصاء، رغب السيّد الاطّلاع على هذا الكتاب المخطوط، ولمّا رجع إليه ووقف على قيمة الكتاب قام بطبعه قبل أن يقوم بنشر كتابه حتّى قدَّم له مقدمة ثمينة أشاد فيها بما لهذا الكتاب من المكانة حيث قال:
الامتياز القيم الذي أوجب تقديرنا له، إنّما لكتابه «جامع الرواة» باعتبار ما فيه من جمع رواة الكتب الأربعة وذكر من رووا منه، و من روى عنهم و تعيين مقدار رواياتهم ورفعه بذلك بعض النقص من كتب الرجال، وانّي حين ما كنت ببروجرد وكنت أراجع ـ في أثناء أبحاثي لمعرفة أسانيد الروايات ـ ما صنّفه علماؤنا من الفهارس والرجال والمشتركات تفطّنت لما تفطّن له هذا الشيخ الجليل ولغيره من النقص في تلك الكتب ولكنّي سلكت في رفعها مسلكاً آخر غير ما سلكه.(1)

1 . جامع الرواة: المقدمة ص ز.

صفحه 25

تقديره لكتاب «التبيان»

إنّ الإمام الطبرسي من المؤلّفين المخلصين الذين لا يبغون من وراء التأليف والتصنيف إلا وجه اللّه سبحانه، وسدّ الفراغ الهائل في المكتبة الإسلامية دون أن يُعير أهمية للشهرة، فهذا هو الملموس في حياة الإمام الطبرسي فإنّه يُشيد في مقدّمة «مجمع البيان» بكتاب «التبيان» ويصفه على النحو التالي: إنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق. قد تضمن من المعاني، الأسرارَ البديعة، واحتضن من الألفاظ، اللغة الوسيعة. ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها.ولا بتنميقها دون تحقيقها. وهو القدوة استضيء بأنواره، وأطأ مواقع آثاره.(1)
فنحن نثمن هذا الخلق العلمي الرفيع الذي ينبغي أن يتحلّى به كلّ محقق مخلص فيعترف بفضل من تقدم عليه واغترف من علومه وصدر عن كتبه.

من التبيان إلى الميزان

عاش الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460) في القرن الرابع والخامس، و قد أسدى خدمة عظيمة إلى التراث الإسلامي

1 . مجمع البيان: ج1، المقدمة.

صفحه 26
من خلال تأليفه كتاب «التبيان في تفسير القرآن»، وقد تبعه الآخرون ممّن جاء بعده في هذا المنهج فألّفوا كتباً و موسوعات تفسيرية بين مطبوعة ومخطوطة، مع أنّهم ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ قاموا بواجبهم، لكنّا نرى أنّ الفاصلة العلمية بين «التبيان» في القرن الخامس و«الميزان» في القرن الخامس عشر ليست هائلة، وكان المترقّب أن يتطور علم التفسير عبر القرون العشرة في الأوساط الشيعية أكثر من ذلك، ولو انتزعنا من تفسير «الميزان» للعلاّمة الطباطبائي (1321ـ 1402) المباحث الفلسفية والاجتماعية منها لم يبق ثمة فاصلة تذكر بينهما، ونرى عكس ذلك في الحقل الفقهي فأين كتاب النهاية والمبسوط للشيخ الطوسي من كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي(1191ـ1266)، فإنّ الفاصل بينهما هائل جداً، يعكس حجم التطور الذي وصل إليه الفقه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الظروف لم تكن تسمح لعلماء الشيعة بإدخال التطور في حقل التفسير نظير التطوير في الفقه وإن كان ما قاموا به من التفاسير القيمة غنى و كفاية، وقد ألمعنا إلى تاريخ التفسير عند الشيعة والآثار التي خلّفوها في ذلك المجال في كتابنا مفاهيم القرآن.(1)

1 . راجع الجزء العاشر من مفاهيم القرآن، تحت عنوان الشيعة والتفسير تدويناً و تطوراً، ص 300ـ 448.

صفحه 27

فقاهة الإمام الطبرسي

إنّ الإمام الطبرسي كان إمام المفسّرين في عصره وبعده، ولكنّه كان إلى جانب ذلك فقيهاً بارعاً في حقل الفقه، حيث نرى أنّه يستدل في مواطن كثيرة من تفسيره على آرائه الفقهية بظواهر الآيات والسنّة الشريفة، فمع أنّه يشير في ذلك الباب إلى آراء الآخرين ولكن يؤيد نظره السامي بوجوه تثبت ما رام إليه.
والذي يدلّ على اضطلاعه في الفقه انّه لخّص كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي وأسماه «المؤتلف من المختلف»، وهو يصف عمله في ذلك الكتاب بقوله: إنّي لمّا تصفّحت كتاب مسائل الخلاف للشيخ الأوحد السعيد، والفذ في دهره، الفريد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي وجدته قد عول في أكثر مسائله على الاستدلال بإجماع الفرقة المحقة، إذ هو المرجوع إليه المعتمد عليه، المذكور وجه الاستدلال به في كتب أُصول الفقه.
ثمّ إن كان في المسألة خلاف بين الطائفة أومأ إليه، وما لم يكن فيه إجماع أشار إلى طريق آخر في الاستدلال عليه من ظاهر قرآن، أو سنّة مقطوع بها، أو دليل خطاب ]أو استصحاب حال ـ على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا ـ أو دلالة أصل أو فحوى من خطاب[.
وذكر في بعض مواضع أخباراً من كتب العامّة يلزمهم الانقياد لها

صفحه 28
والعمل بها، فرأيت تكرار ذكر إجماع الفرقة ممّا لا طائل فيه سوى إطالة الكتاب، فأثبت رؤوس المسائل والخلاف فيها على أوجز الوجوه، فكلّ مسألة عوّل فيها على إجماع الفرقة لم أذكر استدلاله إلاّ إذا اقترن بذلك الإجماع، شيء سواه ممّا أُريد ذكره فأذكره، وإيّاه، وإن لم يكن في المسألة إجماع للفرقة أشرت إلى ما ذكره من الأدلّة أو بعضها وأسقطت من بعض مودعات أدلّته مالم أجد فيه كثير فائدة أو يكون معاداً ليس في إعادته مزيد عائدة.(1)
ثمّ إنّ الشيخ الطوسي أسمى كتابه باسم«الخلاف» ولكن الإمام الطبرسي لخصّ ذلك الكتاب على النحو الذي مرّ وأسماه بـ«المؤتلف من المختلف» وهذه التسمية تعرب عن سعة صدره وابتعاده عن العصبية المذهبية، وانّ المسلمين أرباب دين واحد وكتاب واحد وأُصول واحدة، وإنّما اختلفوا فيما روي عن الرسول لا في نفس الرسول، فيمكن أن ينتهي الخصام إلى الائتلاف، وذلك من خلال تأسيس مؤتمرات فقهية أو مجالس تشريعية يطرح فيها المختلفات وتدارس براهينها و ما يؤيده البرهان هو المتبع سواء أوافق مذهب إمام أو لا.

1 . المؤتلف من المختلف:1/3ـ4.

صفحه 29

آثاره العلمية

إنّ لشيخنا المترجم وراء هذه التفاسير آثاراً ثمينة لها قيمتها العلمية نشير إلى بعضها وإن عبثت بها يدُ التاريخ فلم يبق منها عين ولا أثر.
1. تاج المواليد.
2. غنية العابد.
3. النور المبين.
4. العمدة في أُصول الدين.
5. الفرائض والنوافل.
6. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل.
7. عدّة السفر وعمدة الحضر.
8. كنوز النجاح.
9. الكاف الشاف عن كتاب الكشاف.
إلى غير ذلك من الآثار والمؤلفات التي نسبت إليه في المعاجم.

جامعية مجمع البيان

إنّ تفسير «مجمع البيان» كتاب جامع لعلوم القرآن، إذ هو ينقل أكثر الآراء أو جميعها في تفسير الآيات بصدر رحب ثمّ يؤيد ما اختاره،

صفحه 30
وهذا يدلّ على أنّه كان محيطاً بآراء المفسرين من القدامى والجدد فجمعها ونقلها وبذلك أغنى الباحث عن كثير من التفاسير، ومع ذلك كلّه ففيه مزايا أُخرى ظاهرة نشير إلى بعضها:
1. في غضون ذلك الكتاب مباحث كلامية طرحها المؤلف حسب اقتضاء الآيات، فلو قام المحقّق الكلامي العارف بأُسلوب هذه المباحث، بجمعها وترصيفها وتنظيمها لخرج بكتاب كلامي باهر في مختلف الأبواب. وسيوافيك نماذج من آرائه الكلامية في آخر الرسالة.
كما يمكن إجراء ذلك العمل في كتاب «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي(543ـ 608هـ) ففيه مباحث كلامية هامة لمختلف الفرق، فلو انتزعت تلك المباحث بشكل علمي لأصبح كتاباً كلامياً جامعاً بين الأقوال.
وفي تفسير الرازي مزية أُخرى، و هو انّه كثيراً ما أيّد مذهب أئمّة أهل البيت في الفروع والأُصول، وأقام براهين قيّمة على مختارهم وإن عدل عنها بوجوه واهية ـ أو سياسية ـ، فانتزاع هذه المباحث من هذا التفسير يوقفنا على موقف الرازي من اتّباع الحق ودعمه.
2. انّ أبا علي الجبائي ألّف كتاباً باسم «حجة القراءات» والشيخ الطبرسي قد نقل من ذلك الكتاب عند البحث عن وجوه القراءات، ولعلّ ذلك الكتاب بجملته موجود في غضون «مجمع البيان»، فلو

صفحه 31
انتزعت حجج القراءات من المجمع وأشرف عليه محقّق بارع لانتهى إلى إحياء ذلك الكتاب المفقود.
3. انّ أوّل من دوّن سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو العالم الشيعي الكبير محمد بن إسحاق (المتوفّى عام 151هـ) واستخرج تفاصيل الوقائع الإسلامية من كتب الماضين، ومن ثنايا رواياتهم ومنقولاتهم واشتهر بسيرة ابن إسحاق، وهي التي لخّصها ابن هشام(المتوفّى 218هـ) وعرفت بالسيرة النبوية.
وقد فقدت سيرة ابن إسحاق، ومع الفحص الأكيد الذي بذله المحقّقون حول العثور على ذلك الكنز لم يقفوا على نسخة كاملة، غير أنّ الإمام الطبرسي قد نشر كلّ ما في هذا الكتاب ممّا يمت إلى المغازي على صفحات كتابه، فللباحث أن يستخرج ما يمت إلى المغازي من سيرة ابن إسحاق من ذلك الكتاب، وبذلك يُعاد الكتاب إلى الساحة ويُعلم المقدار المحذوف منه في سيرة ابن هشام.

تضلّعه في التاريخ والقصص

إنّ من سبر كتاب «مجمع البيان» يقف على أنّ المؤلّف يذكر قصص الأنبياء ومغازي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه يناسب كتابه، وهو يعرب عن إلمامه بالتاريخ، ويشهد على ذلك كتابه القيم «إعلام الورى بأعلام الهدى» عرض فيه مؤلّفه فضائل وحياة أهل بيت العصمة والطهارة

صفحه 32
بشكل بديع، رتّب كتابه على أربعة أركان، تتفرع منها أبواب وفصول متعدّدة، تناول فيها التفصيل من خلال استعراض حياة المعصوم(عليه السلام) مجملَ ما يختصّ بالتاريخ المتصل به والمعاصر له.
خصّص الركن الأوّل من كتابه لسيرة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والأحداث الكبرى التي زاملت عصر الرسالة الأُولى، وبترتيب وتنسيق دقيقين، تتبّع من خلال ذلك، معظمَ الجوانب المتّصلة بحياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والقضايا التي ترتبط ارتباطاً عفوياً بالعقيدة الإسلامية المباركة، ومنها تأكيدات رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتوجيهاته للأُمّة بوجوب التمسك بأهل بيته المعصومين(عليهم السلام)باعتبارهم قرناء القرآن، والأُمناء على الرسالة من بعده.
وأمّا الركن الثاني من الكتاب فقد خصّصه لوصي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته من بعده علي بن أبي طالب(عليه السلام) بيّن فيه مجملَ جوانب حياته المباركة، ودوره المنير في حياة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، والمحن والفتن التي لازمته حتّى استشهاده.
وخصص المؤلف(رحمه الله) الركن الثالث من الكتاب لباقي الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) حتّى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)من خلال أبواب وفصول متعدّدة.
وكان نصيب الإمام المهدي الركنَ الرابع والأخير من الكتاب

صفحه 33
حيث تناول معظم الأخبار والروايات المتّصلة به، مستوفياً من خلال ذلك، الظروف والأحداث التي عاصرها أبّان حضوره الظاهري، منتقلاً منها إلى ما رافق غيبته الصغرى والكبرى، وما يتصل بها، والأحداث والوقائع التي ستصاحب ظهوره المنتظر.(1)

بين إعلام الورى وربيع الشيعة

من غريب الأمر انّ كتاباً واحداً سُمّي باسمين ونسب إلى شخصين، وما هذا إلاّ كتاب «إعلام الورى» الذي هو من مؤلفات الطبرسي، فقد نسب إلى السيد ابن طاووس وسمّي باسم «ربيع الشيعة»، فالكتابان يختلفان اسماً ويتحدان من البداية إلى النهاية.
ولذلك نرى أنّ العلاّمة المجلسي توقّف عن النقل عن كتاب ربيع الشيعة، قال: وتركنا منها ـ من كتب ابن طاووس ـ كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب «إعلام الورى» في جميع الأبواب والترتيب، وهذا ما يقضى منه العجب!!(2)
وقال الكاظمي في تكملته: وقد وقفت على «إعلام الورى» للطبرسي و «ربيع الشيعة» لابن طاووس وتتبّعتهما من أوّلهما إلى آخرهما

1 . إعلام الورى:1/21، المقدمة.
2 . بحارالأنوار:11/30.

صفحه 34
فوجدتهما واحداً من غير زيادة ونقصان، ولا تقديم ولا تأخير أبداً إلاّ الخطبة.(1)
إنّ انتساب الكتاب إلى الطبرسي أمر قطعي لا سترة عليه، فلا بدّ من تبيين وجه انتسابه إلى السيد ابن طاووس.
وقد تخلّص شيخنا المجيز من هذه المشكلة بأنّ للنساخ دوراً في المقام فقال ما هذا نصّه:
أقول: الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أنّ «ربيع الشيعة» ليس له والمراجع له لا يشكّ في اتّحاده مع «إعلام الورى» للطبرسي، وقد احتمل بعض المشايخ كون منشأ هذه الشبهة أنّ السيد ابن طاووس حين شرع في أن يقرأ على السامعين كتاب إعلام الورى هذا حمد اللّه، وأثنى عليه وصلّى على النبيّ وآله صلوات اللّه عليهم على ما هو ديدنه، ثمّ مدح الكتاب وأثنى عليه بقوله: «إنّ هذا الكتاب ربيع الشيعة» والسامع كتب على ما هو ديدنه هكذا«يقول الإمام ـ و ذكر ألقابه واسمه إلى قوله : انّ هذا الكتاب ربيع الشيعة» ثمّ كتب كلّما سمعه عنه من الكتاب إلى آخره، فظنّ من رأى النسخة بعد ذلك أنّ «ربيع الشيعة» اسمُه وأنّ مؤلّفه هو السيد ابن طاووس. (2)

1 . تكملة الرجال:1/11.
2 . الذريعة:2/241 برقم 957.

صفحه 35
وحكى شيخنا في خاتمة المستدرك احتمالاً آخر عن بعض مشايخه، وهو أنّ السيد وجد «إعلام الورى» ناقصاً من أوّله، فاستحسنه وكتبه بخطه من غير اطّلاع له على اسمه أو اسم مؤلّفه، فكتب عليه مدحاً له أنّ هذا الكتاب ربيع الشيعة، ولما وجد بعده بخطه فظنّ أنّه تأليفه وأنّه سماه بربيع الشيعة، كما وقع نظير ذلك في «نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر» حيث استحسنه يحيى بن سعيد و استنسخه بخطه وأسقط منه الخطبة الطويلة لخلوها عن الفائدة، فلمّا وجد بعده بخطه في كتبه ظنّ أنّه تأليفه ونسب إليه.

مشايخه وتلامذته

تتلمذ الإمام الطبرسي على لفيف من العلماء، وقد استقصى ذكرهم السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة»، منهم:
1. أبو علي بن شيخ الطائفة الطوسي.
2. أبو الوفاء عبد الجبار بن علي المقري الرازي عن الشيخ الطوسي.
3. الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي، جدّ منتجب الدين صاحب الفهرست.
4. الإمام موفق الدين بن الفتح الواعظ البكر آبادي عن أبي علي

صفحه 36
الطوسي.
5. أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني.
6. أبو الفتح عبد اللّه بن عبد الكريم بن هوازن القشيري.
7. أبو الحسن عبيد اللّه محمد بن الحسين البيهقي.
8. الشيخ جعفر الدوريستي.
وأمّا تلامذته فقد روى عنه جملة من العلماء الأعلام منهم:
1. ولده رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل صاحب كتاب مكارم الأخلاق.
2. منتجب الدين صاحب الفهرست.
3. أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب صاحب المناقب.
4. القطب الراوندي.
5. السيد فضل اللّه الراوندي.
6. عبد اللّه بن جعفر الدوريستي.
7. شاذان بن جبرئيل القمي.
8. مهدي بن نزار القائيني.
9. شرفشاه بن محمد بن زيادة الافطسي.

صفحه 37
وغيرهم ممّن عُرِفوا بكونهم من تلامذته أو ممّن عدّوه من شيوخهم.(1)

كلمات العلماء في حقّه

هذه هي السيرة الذاتية للإمام الطبرسي، ومع الإحاطة بها، فنحن في غنى عن نقل كلمات الأعاظم في حقّه، فانّك لمست منزلة الشيخ ومكانته عن كثب، وبالتالي نحن في غنى عن مدح وإطراء الآخرين له، ومع ذلك فلأجل أن لايرمينا القارئ بالغفلة عن هذا الجانب، نأتي ببعض كلمات الأعلام.
قال الشيخ منتجب الدين تلميذه والراوي عنه في فهرسته: ثقة، فاضل، ديّن، عين.(2)
وقال الحرّ العاملي في «أمل الآمل»: الشيخ الإمام أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي،ثقة، فاضل، ديّن، عين، له تصانيف وذكر جملة منها.(3)
وقال السيد التفريشي: فاضل، ديّن، عين، من أجلاّء هذه

1 . أعيان الشيعة:8/399.
2 . فهرست منتجب الدين برقم 336.
3 . أمل الآمل:2/216، برقم 650.

صفحه 38
الطائفة، له تصانيف حسنة.(1)
وقال صاحب المقابس: الشيخ الأجل الأوحد، والأكمل الأسعد، قدوة المفسرين وعمدة الفضلاء المتبحرين: أمين الدين أبي علي.(2)
وقال الخوانساري في روضاته: الشيخ الشهيد السعيد، الحبر الفقيه الفريد، الفاضل العالم المفسّر، المحدّث الجليل، الثقة الكامل، النبيل الفاضل.(3)
وقال السيد الأمين في أعيانه: إنّ فضل الرجل وجلالته وتبحره في العلوم ووثاقته أمر غني عن البيان.(4)
وقال الزركلي في أعلامه: وإنّه مفسّر، محقّق، لغوي، من أجلاّء الإمامية.(5)
وقال عمر رضا كحالة: بأنّه مفسر مشارك في بعض العلوم، ثمّ أشار إلى جملة من آثاره.(6)

1 . نقد الرجال:226.
2 . مقابس الأنوار:10.
3 . روضات الجنات:5/357برقم 544.
4 . أعيان الشيعة:8/398.
5 . الاعلام:5/48.
6 . معجم المؤلفين:8/66.

صفحه 39
إلى غير ذلك من الكلمات والإطراءات التي جاءت في المعاجم وفي مقدمة الطبعة اللبنانيّة والمصرية لمجمع البيان.

حديث الجري والتطبيق في «مجمع البيان»

إنّ القرآن الكريم معجزة خالدة يشق طريقه للأجيال بمفاهيمه ومعانيه السامية، فهو حجّة إلهية في كلّ عصر وجيل في عامّة الحوادث المختلفة صوراً والمتحدة مادة، ومع ذلك نرى أنّ لفيفاً من الأحاديث تذكر نزول قسم كبير من الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ،وبذلك يتجلّى في نظر بعض السُّذَّج انّ القرآن لدى الشيعة الإمامية كتاب طائفي، حتّى أنّ الكاتب الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية» يقترح على علماء الشيعة أن ينقِّحوا تفاسيرهم لكتاب اللّه من تلك الروايات ويقول: أوّلها تفسير علي بن إبراهيم القمي الذي جعل من القرآن كتاباً حزبياً كأنّه نزل للشيعة وحدهم.(1)
ولكنّ الكاتب كبعض أسلافه خلطوا بين تطبيق الآية على أوضح مصاديقها وبين نزولها في حقّ واحد من أئمّة أهل البيت، فانّ أكثر ما ورد في ذلك من قبيل التطبيق لا أنّها نزلت في حقّ شخص خاص، وإن

1 . نظرية الإمامة:505.

صفحه 40
كانت هناك آيات نزلت في حقّ الإمام علي(عليه السلام)بالخصوص، ومع ذلك فأكثر ما يتراءى فيها الفكر الطائفي من باب الجري والتطبيق، وهذا هو الذي عالج به شيخنا الإمام المفسر ذلك الجانب في مجال التفسير، نذكر منها نموذجاً:
يقول في تفسير قوله: (اهدنا الصراط المستقيم).
وقيل في الصراط المستقيم وجوه:
أحدها: انّه كتاب اللّه، وهو المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و عن علي(عليه السلام) وابن مسعود.
وثانيها: انّه الإسلام، وهو المروي عن جابر و ابن عباس.
وثالثها: انّه دين اللّه الذي لا يقبل من العباد غيره، عن محمد بن الحنفية.
والرابع: انّه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة القائمون مقامه، وهو المرويّ في أخبارنا.
والأولى حمل الآية على العموم حتّى يدخل جميع ذلك فيه، لأنّ الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر اللّه به من التوحيد والعدل، وولاية من أوجب اللّه طاعته.(1)
وقد سلك هذا المنهج بعد الإمام الطبرسي، المفسر الكبير العلاّمة

1 . مجمع البيان:1/48، ط مصر.

صفحه 41
الطباطبائي في تفسير «الميزان» فانّه حمل أكثر هذه الروايات على الجري والتطبيق، كيف و هذا الإمام الصادق(عليه السلام)يقول: «إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنّه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى».(1)
وهذا النوع من التطبيق يسمّى التأويل في مقابل التنزيل، ولأجل أن نرى نموذجاً من هذا النوع من التأويل نذكر ما يلي:
نص القرآن الكريم بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشخصه منذر كما نصّ بأنّ لكلّ قوم هاد، و قال:(إِنّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوم هاد)(2)، و قد قام النبي بتعيين مصداق الهادي في حديثه، وقال: «أنا المنذر وعلي الهادي إلى أمري» و لكن المصداق لا ينحصر بعلي، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة، ولذلك نرى أنّ الإمام الباقر(عليه السلام) يقول:«رسول اللّه المنذر، وعلي الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».(3)

1 . نور الثقلين:2/483، برقم 22.
2 . الرعد:7.
3 . نور الثقلين:2/482و 485.

صفحه 42

وفاته

عاش المترجم بالمشهد الرضوي في خراسان مدة طويلة ثمّ انتقل إلى مدينة سبزوار من مدن خراسان سنة 523هـ، و بها ألّف كتابه هذا مجمع البيان و بها توفّي سنة 548هـ، ثمّ نقل جثمانه إلى المشهد الرضوي حيث دفن، و قبره معروف يزار.
يقول السيد حسين البروجردي مؤلف «نخبة المقال في معرفة علم الرجال»:
وفضل بن الحسن بــن فضـل *** أبـو عـلي الطبـرسي العـدل
شيخ بن شهر آشوب عنه ينشر *** مفسـر عـام الـوفـاة «محشـر»
فقوله «محشر» إشارة إلى عام وفاته فانّه بالحساب الأبجدي يكون 548هـ.

بيت الطبرسي شجرة طيّبة

إنّ بيت الطبرسي بيت عامر بالعلم والتقى وإلاّ فلا غرو أن نقول إنّه من مصاديق قوله سبحانه: (أَلَم تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثلاً كَلمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرة طَيِّبَة أَصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها في السَّماء* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون).(1)

1 . إبراهيم:24ـ 25.

صفحه 43
فمفسرنا الكبير شجرة طيبة تؤتي أُكلها كلّ حين، وهكذا فروعها وأغصانها فقد ترك ذرية طيّبة تعد نجوماً في سماء العلم نذكر منها ولده وحفيده، أعني بهما :
1. ولده البار الشيخ رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل مؤلف كتاب «مكارم الأخلاق» الذي طبع في إيران ومصر مراراً.
يعرّفه شيخنا المجيز الطهراني بقوله: «مكارم الأخلاق» للشيخ أبي نصر رضي الدين الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي وقد أخذ فيه عن الآداب الدينية لوالده المفسر وأورد فيه بعض ما في الآداب، رتّبه على 12 باباً على أُسلوب المحدّثين من الشيعة، أوّله: «الحمد للّه الواحد الأحد الصمد» ولولده علي تتميمه الموسوم بـ«مشكاة الأنوار».(1)
2. حفيده الشيخ أبو الفضل علي بن الشيخ رضي الدين أبي نصر الحسن بن أبي علي المفسر الطبرسي الملقب بـ «أمين الإسلام الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي» صاحب «مشكاة الأنوار» و هو ممّا ينقل عنه في البحار قال:وهو كتاب ظريف.(2)
قال الأفندي التبريزي: وكان(قدس سره) وولده رضي الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب «مكارم الأخلاق»، وسبطه (3)، علي بن الحسن صاحب «مشكاة الأنوار» وسائر سلسلته وأقرباؤه من أكابر العلماء،

1 . الذريعة:22/146.
2 . الذريعة: 21/54.
3 . الصحيح«حفيده» لأنّه ابن ابنه، لا ابن بنته.

صفحه 44
وعندي انّ الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج أيضاً من أقربائه.(1)

ما نسب في حقّ الطبرسي من أوهام

ثمّ إنّه نسب إلى الطبرسي أُمور لم تثبت صحّتها ، والمصدر له هو كتاب رياض العلماء للأفندي التبريزي نشير إليها:

1. انّه مات شهيداً

قال الأفندي التبريزي: قد رأيت نسخة من «مجمع البيان» بخط الشيخ قطب الدين الكيدري، وقد قرأها نفسه على الخواجه نصيرالدين الطوسي، ثمّ إنّ على ظهرها بخطه أيضاً هكذا: تأليف الشيخ الإمام الأجل السعيد الشهيد وهو صار شهيداً.(2)
وهذا ممّا لم نقـف عليـه في كتـاب قبـل تـأليف الرياض، وقد توفّي الأفندي حوالي عام 1034هـ و توفّي صاحب مجمع البيان عام 548هـ، و بينهما قرابة خمسة قرون، فلو كان المترجم له توفّي شهيداً لبان وجاء ذكره في كتب التراجم.
نعم ذكره العلاّمة الأميني في كتاب «شهداء الفضيلة» من تلك الزمرة، وقال: صرّح بشهادته في الروضات والرياض.(3)

1 . رياض العلماء:4/341.
2 . رياض العلماء:4/344.
3 . شهداء الفضيلة:46.

صفحه 45

2. انّه قام من القبر حيّاً

ومن الأوهام التي حيكت حول حياة المؤلّف ما ذكره الأفندي أيضاً وتبعه المحدّث القمي في كتابه «الفوائد الرضوية»، حيث قال الأوّل: ومن عجيب الأمر بل من غريب كراماته ـ قدس اللّه روحه القدوسي ـ ما اشتهر بين الخاص والعام أنّه(رحمه الله) قد أصابته السكتة، فظنّوا به الوفاة، فغسّلوه وكفنوه ودفنوه ثمّ رجعوا، فأفاق في القبر وقد صار عاجزاً عن الخروج أو الاستعانة بأحد لخروجه، فنذر في تلك الحالة بأنّ اللّه إن خلّصه من هذه البلية ألّف كتاباً في تفسير القرآن، فاتّفق انّ بعض النبّاشين قد قصد نبشَ قبره لأجل أخذ كفنه، فلمّا نبش قبره وشرع في نزع كفنه أخذ (قدس سره) بيد النبّاش، فتحيّر النبّاش وخاف خوفاً عظيماً، ثمّ تكلّم(قدس سره) معه، فزاد اضطراب النبّاش وخوفه، فقال له: لا تخف أنا حيّ وقد أصابني السكتة فظنّوا بي الموت ولذلك دفنوني، ثمّ قام من قبره واطمأن قلب النبّاش، ولم يكن (قدس سره) قادراً على المشي لغاية ضعفه التمس من النبّاش أن يحمله على ظهره ويبلغه إلى بيته، فحمله وجاء به إلى بيته، ثمّ أعطاه الخلعة وأولاه مالاً جزيلاً، وأناب النباش على يده ببركته عن فعله ذلك القبيح وحسن حال النبّاش، ثمّ إنّه(قدس سره) بعد ذلك قد وفى بنذره و شرع في تأليف كتاب «مجمع البيان» إلى أن وفّقه اللّه

صفحه 46
تعالى لإتمامه.(1)
وفي هامش نسخة المؤلف التعليق التالي، وقد ينسب هذا إلى المولى فتح اللّه الكاشاني صاحب التفسير الكبير الفارسي وقبره بهمدان، وهذه الحكاية سمعت من أهالي همدان في حقّه.
أقول: إنّي لا أنكر صحّة الواقعة فإنّها أمر ممكن،وقد ينقل عن المرتاضين أُمور أكثر عجباً من ذلك، ولكن المفسر الكبير لم يكن من المرتاضين أوّلاً، ولو صحّت الواقعة كان عليه أن يذكرها في ديباجة كتابه ثانياً، إذ ليست الواقعة أمراً حقيراً حتى يمر عليها دون أن يذكرها بل كان على الآخرين أيضاً نقلها.
وأوّل من شكّك في صحّتها هو المحدّث النوري (المتوفّى 1320هـ) فقال في مستدركه :
ومع هذا الاشتهار لم أجدها في مؤلّف أحد قبله، وربّما نسب إلى العالم الجليل المولى فتح اللّه الكاشاني صاحب تفسير منهج الصادقين.(2)
وقد نقل شيخنا المدرس الخياباني(1294ـ 1373هـ) مؤلّف «ريحانة الأدب» في كتابه هذا نظير هذه الواقعة في حقّ محمد هادي بن

1 . رياض العلماء:4/357ـ 358. ولاحظ الفوائد الرضوية:351، ولكنّه نقل عبارة شيخه في «مستدرك الوسائل» وهو يعرب عن تردده في صحّة المطلب.
2 . خاتمة المستدرك:3/70.

صفحه 47
ملا صالح المازندراني.(1)
ولو كان الذهبي مؤلف «التفسير والمفسّرون» واقفاً على أنّ بعض مشايخ الشيعة تلقّوا الواقعة أمراً موهوماً لم يذكرها بطعن حيث قال: ومن العجيب انّهم يذكرون قصة في غاية الطرافة والغرابة في سبب تأليفه لتفسيره «مجمع البيان» الذي نحن بصدده فيقولون : ومن عجيب أمر هذا الطبرسي، بل من غريب كراماته وما اشتهر بين الخاص والعام انّه قد أصابته السكتة ... الخ.(2)

3. انّه رأى موسى(عليه السلام) في منامه

ذكر الأفندي في ترجمته انّه من جملة مقاماته بعض مناماته الطريفة، وقد حكاه نفسه في كتابه «مجمع البيان في تفسير سورة طه أو سورة ... الخ في تفسير قوله تعالى: (وَما تِلْكَ بِيَمينك يا مُوسى)(3) الآية، من رؤيته موسى كليم اللّه تعالى و مباحثته صلوات اللّه عليه بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال المنام، وشرح ذلك انّه قال: «رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام و كان معه موسى كليم اللّه، فسأل موسى رسول اللّه عن معنى قوله: «علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل».

1 . ريحانة الأدب:4/37ـ 38.
2 . التفسير والمفسرون:2/100.
3 . طه:17.

صفحه 48
وقال: كيف قلت: إنّ علماء أُمّتك مثل أنبياء بني إسرائيل مع علوهم وكثرة علومهم،وأيّ العلماء أردت من قولك؟ فدخلتُ في تلك الحالة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأشار إلى جانبي وقال: هذا واحد منهم. فلمّا سمع موسى(عليه السلام) ذلك من رسول اللّه توجّه إليّ وسألني.
فقال موسى: أنا سألتك عن فلان وأجبت بفلان وأطلت في الكلام، فقلتُ في جواب موسى(عليه السلام) :إنّ اللّه تعالى قد سألك عن عصاك بقوله: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) فلأي سبب أطلت في جوابه تعالى و قلت: (هي عَصايَ أَتوَكأ عَليها وَأَهُشُّ بها عَلى غَنَمي وَلِيَ فِيها مَ آرِبُ أُخرى) وكان أن يكفيك أن تقول في جوابه عزّ من قائل «هي عصاي».
فقال موسى(عليه السلام) في جوابه: نعم ما قلت، ثمّ تلطّف بي و قال: صدق رسول اللّه في قوله: «علماء أُمتي كأنبياء بني إسرائيل».(1)
هذا وليس ما بأيدينا من نسخ المجمع، أثر من هذا المقال.(2)

1 . رياض العلماء:4/358ـ 359.
2 . فقد راجعنا إلى هذه الطبعات التالية:   1. الطبعة الحجرية المطبوعة بإيران عام 1282هـ.   2. طبعة صيدا، المطبوعة فيها عام 1354هـ.   3. الطبعة الإسلامية بطهران، عام 1380هـ.   4. طبعة مصر، عام 1394هـ.   5. طبعة دار المعرفة بيروت1406هـ.   ولم أتوفق لمراجعة النسخ الخطية في المكتبات.

صفحه 49

بعض الآراء الكلامية

للشيخ الطبرسي

يُعدّ الشيخ الطبرسي في الرعيل الأوّل من مفسّري القرآن العظيم و في الوقت نفسه، هو إمام مقدام في حقل الكلام والعقائد والمعارف فتفسيره هذا بحر عظيم يغترف منه كلّ من حاول تفسير الذكر الحكيم والمعارف التي جاء بها القرآن العظيم بثنايا آياته في مختلف سوره، فها نحن نذكر في هذا الفصل شيئاً من آرائه ونظرياته، ليكون كنموذج لما لم نذكر. وربما يقال: إنّ الموضوعات الكلامية في مجمع البيان يناهز335 موضوعاً، وقد بحث عنها المؤلّف، إسهاباً تارة، وإيجازاً أُخرى.
وقد أُشير إلى كثيرمن هذه الموضوعات في المجموعة التي نشرناها في الجزء الأوّل من مجلة علم الكلام، وقد قام بتدوين هذه المجموعة لفيف من طلاب مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قسم علم الكلام، شكر اللّه مساعيهم.

صفحه 50

1

الجهاد العلمي جهاد أكبر

يعتقد شيخنا الطبرسي بأنّ الجهاد العلمي جهاد أكبر، لأنّه جهاد في طريق مقارعة المبطلين ودفع شبه الأعداء، يقول في تفسير قوله سبحانه: (وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كبِيراً).(1)
وفي هذا دلالة على أنّ من أجلّ الجهاد وأعظمه منزلة عند اللّه سبحانه جهاد المتكلّمين في حلّ شبه المبطلين وأعداء الدين، ويمكن أن يتأوّل عليه قوله: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.(2)

1 . الفرقان:52.
2 . مجمع البيان:7/273، دار المعرفة، بيروت.

صفحه 51

2

رفض التقليد في أُصول الدين

الإسلام عقيدة وشريعة، فالمطلوب في الأوّل الاعتقاد الجازم، كما أنّ المطلوب في الثاني هو العمل بالأحكام، ولماّ كانت الأُصول أساساً للشريعة دعا القرآن الكريم إلى تحصيل العلم ورفض التقليد فيها،ولذلك كثيراً ما نرى أنّه يندِّد بالمشركين في تقليدهم للآباء في عبادة الأصنام، وقد استفاد شيخنا الطبرسي لزوم تحصيل العلم في الأُصول والمعارف من آيات كثيرة ربما لا نتمكن من إيراد جميعها وما قاله حولها، بل نقتصر على ما يلي:
يقول في تفسير قوله سبحانه: (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنون)(1) : أي لكي توقنوا بالبعث والنشور وتعلموا أنّ القادر على هذه الأشياء قادر على البعث بعد الموت، وفي هذا دلالة على وجوب النظر المؤدّي إلى معرفة اللّه تعالى وعلى بطلان التقليد، ولولا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات

1 . الرعد:2.

صفحه 52
معنى.(1)
وقال عند تفسير قوله: (لولا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطان بيّن)(2) أي هلا يأتون على عبادتهم غير اللّه بحجّة ظاهرة، وفي هذا ذم وزجر للتقليد وإشارة إلى أنّه لا يجوز أن يقبل دين إلاّ بحجّة واضحة.(3)
وقال عند تفسير قوله: (قُلْ هاتُوا بُرهانَكُم).(4)
وفي هذا دلالة على فساد التقليد، لأنّه طالبهم بالحجة على صحة قولهم، والبرهان هو الدليل المؤدّي إلى العلم.(5)

1 . مجمع البيان:6/421.
2 . الكهف:15.
3 . مجمع البيان:6/700.
4 . الأنبياء:24.
5 . مجمع البيان:7/71.

صفحه 53

3

ضرورة معرفة اللّه

تعدّ معرفة اللّه سبحانه من أُمّهات المسائل الكلامية، التي حازت مساحة شاسعة من الأبحاث الكلامية، واستقطبت اهتمام كبار العلماء والمفكّرين لا سيّما شيخنا الطبرسي حيث قال عند تفسير قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذي حاجّ إِبراهيمَ في رَبّهِ أَن آتاهُ اللّهُ المُلكَ إِذْ قالَ إِبراهيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِيِ وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِ وَأُميتُ قالَ إِبْراهيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمين).(1)
وفي هذه الآية دلالة على أنّ المعارف غير ضرورية، إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجّة في إثبات الصانع، وفيها دلالة على فساد التقليد وحسن الحجاج.(2)

1 . البقرة:258.
2 . مجمع البيان:2/636.

صفحه 54
وقال أيضاً عند قوله: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزل اللّهُ وَإِلى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيه آباءَنا أَوََ لَوْ كانَ آباؤهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون).(1)
وفي هذه الآية دلالة أيضاً على وجوب المعرفة وأنّها ليست بضرورية على ما قاله أصحاب المعارف، فانّه سبحانه بيّن الحجاج عليهم فيها ليعرفوا صحّة ما دعاهم الرسول إليه، ولو كانوا يعرفون الحقّ ضرورة لم يكونوا مقلّدين لآبائهم، ونفى سبحانه عنهم الاهتداء والعلم معاً، لأنّ بينهما فرقاً، فانّ الاهتداء لا يكون إلاّ عن حجّة وبيان، والعلم قد يكون ابتداء عن ضرورة.(2)

1 . المائدة:103.
2 . مجمع البيان:3/391.

صفحه 55

4

برهان التمانع

وحاصله: انّ وحدة النظام وانسجامه وتلاحمه لا تتحقّق إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبّر واحد، ولو خضع الكون لإدارة مدبّرين لما كان من النظام الموحّد أي أثر، لأنّ تعدّد المدبّر والمنظم بحكم اختلافهما في الذات أو في المصنّفات والمشخصات يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإدارة، ويستلزم تعدّد التدبير فناء النظام الموحّد وغيابه.
وبعبارة أُخرى: انّ المدبرين إن كانا متساويين من كلّ الجهات لم يكن هنا اثنينية في المدبِّر، و إن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف بينهما في الذات أو في عوارضها، فالاختلاف فيها يؤثر اختلافاً في التدبير وهو خلاف الحس.
وقد استفاد من هذا البرهان شيخنا المفسّر حينما فسر قوله سبحانه: ( لَوْ كانَ فِيهما آلهةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا)(1) وقال في تقرير ذلك:

1 . الأنبياء:22

صفحه 56
وهذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلّمون مسألة التوحيد. وتقرير ذلك: انّه لو كان مع اللّه سبحانه إله آخر لكانا قديمين، والقدم من أخصّ الصفات، فالاشتراك فيه يوجب التماثل، فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيّين، ومن حقّ كلّ قادرين أن يصح كون أحدهما مريداً لضد ما يريده الآخر من إماتة وإحياء، أو تحريك وتسكين، أو إفقار وإغناء، ونحو ذلك.
فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو إمّا أن يحصل مرادهما، وذلك محال; و إمّا أن لا يحصل مرادهما، فينتقض كونهما قادرين; وإمّا أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر فينتقض كون من لم يقع مراده من غير وجه منع معقول قادراً، فإذاً لا يجوز أن يكون الإله إلاّ واحداً.(1)
وما قرره وإن كان رائعاً، غير انّا نقوم بإيضاحه بوجه آخر ونقول هنا سؤال وإجابة:

السؤال

إنّ الأرباب المفروضين وإن كانوا متكثري الذوات ومتغايريها ، ويؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها، لكن من الممكن أن يتواطؤوا على التسالم وهم عقلاء، ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظاً على بقائه. هذا هو الإشكال.

1 . مجمع البيان:7/70.

صفحه 57

الجواب

وأمّا الإجابة فبوجود الفرق الواضح بين العقلاء والأرباب المفروضين، فإنّ عمل العقلاء مبني على علومهم، وليست هي إلاّ قوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم. فللنظام الخارجي نوع تقدّم على تلك الصور العلمية وهي تابعة لنفس النظام الخارجي، فعند ذلك يتصالح العقلاء المتنازعون حسب ما تنكشف لهم المصلحة، فيأخذون بالطريق الوسط الذي تجتمع فيه مصالحهم وأغراضهم وغاياتهم. هذا هو حكم العقلاء المتنازعين أوّلاً فالمتنازلين ثانياً حسب تطابق أعمالهم على النظام السائد.
وأمّا الأرباب المفروضون فالأمر فيهم على العكس، لأنّ الكيفية الخارجية تتبع علمهم، لما عرفت من أنّ التدبير ليس منفكّاً عن الخلق والإيجاد، وليس شأنهم شأن مُدَراء الدوائر والمنش آت حيث إنّ شأنهم التبعية للسنن السائدة فيها كما عرفت، فإنّ تدبير الآلهة تدبير تكويني ينشأ عن الخلق والإيجاد ولو بقاءً لا حدوثاً، فعند ذلك يكون الخارج تابعاً لعلمهم لا أنّهم يتّبعون الخارج و السنن الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك فلا معنى للتوافق في التدبير.
وباختصار هناك فرق بين تدبير خال عن الإيجاد والخلق كرئيسين بالنسبة إلى مرؤوسيهما، فيمكن تصالحهما على كيفية الاستفادة منها، وبين

صفحه 58
تدبير ملازم للخلق والإيجاد وإدامة الحياة واستمرار الوجود، فالرئيس في الأوّل يقتفي السنن السائدة والرئيس في الثاني يوجد السنن ويبدعها.(1)

1 . لاحظ الإلهيات:2/66ـ67.

صفحه 59

5

برهان النظم

إنّ برهان النظم من أوضح البراهين على أنّ العالم مخلوق خالق عالم حكيم عارف بسنن الحياة وانسجام النظام وبقائه، وقد استخدمه القرآن الكريم في غير واحد من آياته على أنّ العالم له صانع قدير عليم، يقول الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: (إِنّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ وَاختلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لآيات لأُولي الأَلْباب).(1)
قال(قدس سره) في تقرير البرهان: وجه الدلالة في خلق السماوات والأرض انّ وجودهما متضمن بأعراض حادثة، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث مثله، والمحدَث لابدّ له من محدِث يحدثه، وموجِد يوجده، فدلّ وجودُهما وحدوثهما على أنّ لهما محدثاً قادراً ، ودلّ إبداعهما بما فيهما من البدائع والأُمور الجارية على غاية الانتظام والاتّساق على أنّ مُبدِعَهما عالم، لأنّ الفعل المحكم المنتظم لا يصحّ إلاّ من عالم، كما أنّ الإيجاد لا

1 . آل عمران:190.

صفحه 60
يصحّ إلاّ من قادر، و دلّ ذلك أيضاً على أنّ صانعهما قديم لم يزل، لأنّه لو كان محدثاً لاحتاج إلى محدث فيؤدّي إلى التسلسل، ووجه الدلالة في تعاقب الليل والنهار أنّ في ترادفهما على مقدار معلوم لا يزيدان عليه ولا ينقصان منه، ونقصان كلّ واحد منهما عن الآخر في حال وزيادته عليه في حال، وازدياد أحدهما بقدر نقصان الآخر، دلالة ظاهرة على أنّ لهما صانعاً قادراً حكيماً لا يدركه عجز ولا يلحقه سهو.(1)

1 . مجمع البيان:2/909.

صفحه 61

6

امتناع رؤية اللّه

في الدنيا والآخرة

اتّفق المسلمون على امتناع رؤية اللّه في الدنيا غير أنّ الأشاعرة تبعاً لأهل الحديث جوّزوا رؤيته سبحانه في الآخرة متمسّكين بقوله سبحانه: (وُجُوهٌ يَومَئِذ ناظِرَةٌ * إِلى ربّها ناظِرَة)(1)، وقد أوضحنا دلالة الآية على أنّها لا تدلّ على الرؤية حتّى ولو قلنا إنّ النظر بمعنى الرؤية، لأنّه سبحانه ينسب النظر إلى الوجوه لا العيون، ويقول:(وُجُوهٌ يَومَئِذ ناظِرَة)، فمن أراد الوقوف على تفصيله فليرجع إلى كتابنا الإلهيات.(2)
غير أنّ شيخنا الطبرسي استدلّ على امتناع الرؤية بالدليل العقلي وقال:
قوله سبحانه: (إِلى ربّها ناظرة) اختلف فيه على وجهين:

1 . القيامة:22ـ23.
2 . الإلهيات:2/133.

صفحه 62
أحدهما: انّ معناه نظر العين.
الثاني: انّه الانتظار.
واختلف مَن حمله على نظر العين على قولين:
1. المراد النظر إلى ثواب ربّها ونعيم الجنة.
2. النظر بمعنى الرؤية، والمعنى تنظر إلى اللّه معاينة. ثمّ أخذ في ردّ الاحتمال بقوله:
وهذا لا يجوز، لأنّ كلّ منظور إليه بالعين، مشار إليه بالحدقة واللحاظ، واللّه يتعالى عن أن يشار إليه بالعين، كما يجلّ سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع، وأيضاً فانّ الرؤية بالحاسة لاتتم إلاّ بالمقابلة والتوجه واللّه يتعالى عن ذلك، بالاتّفاق، وأيضاً فانّ رؤية الحاسّة لا تتمّ إلاّ باتصال الشعاع بالمرئي واللّه منزّه عن اتّصال الشعاع به على أنّ النظر لا يفيد الرؤية في اللغة، فانّه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية كما أنّه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة، بدلالة قولهم: نظرت إلى الهلال فلم أره، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطاً متناقضاً، وقولهم: ما زلت أنظر إليه حتّى رأيته، والشيء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال: مازلت أراه حتّى رأيته، ولأنّا نعلم الناظر ناظراً بالضرورة، ولا نعلمه رائياً بالضرورة بدلالة انّا نسأله هل رأيت أم لا؟(1)

1 . مجمع البيان:10/601.

صفحه 63

7

اللّه عادل

اتّفق المسلمون على أنّه سبحانه عادل واختلفوا في معنى العدل، فقالت الإمامية والمعتزلة: إنّ العقل الحصيف يدرك معنى العدل والظلم والحسن والقبح، فهو سبحانه بحكم كونه حكيماً يفعل ما هو الحسن عند العقل ويترك ما هو القبيح عنده والعدل حسن والظلم قبيح.
وقالت الأشاعرة : إنّه سبحانه عادل بمعنى أنّ كلّ ما يفعله فهو عدل، فلو عذّب الطائع فهو عدل، لأنّ العالم ملكه والمالك مختار في التصرّف فيما يملك. وهذا صار سبباً لانقسام المتكلّمين إلى عدلية وغير عدلية، وقد أوضحنا مقالة العدلية في محاضراتنا.(1)
وقد استدلّ شيخنا الطبرسي على نفي الظلم عن ساحته سبحانه بقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَظلمُ مِثْقالَ ذَرّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً).(2)

1 . الإلهيات:2/253.
2 . النساء:40.

صفحه 64
فقال: وإنّما لا يختار اللّه تعالى الظلم ولا يجوز عليه الظلم، لأنّه عالم بقبحه، مستغن عنه وعالم بغنائه عنه; وإنّما يختار القبيح من يختاره لجهله بقبحه، أو لحاجته إليه لدفع ضرر أو لجرّ نفع، أو لجهله باستغنائه عنه، و اللّه سبحانه منزّة عن جميع ذلك وعن سائر صفات النقص والعجز، ولم يذكر سبحانه الذرة ليقصر الحكم عليها، بل إنّما خصّها بالذكر لأنّها أقل ّ شيء ممّا يدخل في وهم البشر.(1)

1 . مجمع البيان:3/76.

صفحه 65

8

القرآن محدث

لقد أحدثت فكرة حدوث القرآن وقِدمَه في عصر المأمون العباسي جدالاً واسعاً، وانقسم المحدّثون والعلماء إلى طائفتين. فأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة إلى أنّ القرآن قديم، والعدلية إلى أنّ القرآن حادث. ومن عجيب الأمر انّهم لم ينقحوا موضع النزاع وما هو المراد من القرآن الذي حكم عليه بالقدم أو الحدوث؟ فإن أرادوا به علم اللّه سبحانه، فلا شكّ انّه قديم لا يختلف فيه اثنان; وإن أرادوا به ألفاظه وقسطاً وافراً من معانيه، فلا شكّ انّها محدثة لكون الألفاظ والوضع حادث.
إنّ أهل الحديث والأشاعرة جعلوا للّه نداً من خلال تبنّيهم قدم القرآن، فلو قالت النصارى بالأقانيم والقدماء الثلاثة فانّ أهل الحديث حسب ظواهر كلماتهم ذهبوا إلى تعدّد القدماء حسب تعدّد نسخ القرآن.
ولمّا وقف الإمام الأشعري على مضاعفات القول بقدم القرآن عدل عن القول بحدوث القرآن الملفوظ، وقال بأنّ القديم هو الكلام النفسي،

صفحه 66
وهذا الكلام على إجماله أثار ضجة كبيرة في الأوساط العلمية وزاد الطين بلّة وأكثر الجدل واللغط حول حقيقة الكلام النفسي.
نعم عدّ من الألغاز كسب الأشعري وحال البهشمي، وطفرة النظام حتّى قال قائلهم:
ممّـا يقـال و لا حقيقـة عنـد *** معقـولـة تدنـوا إلـى الأفهـام
الكسب عند الأشعري،والحال *** عند البهشمي، وطفرة النظـام
وكان على القائل أن يضيف إلى الثلاثة الكلام النفسي الذي أبداه الإمام الأشعري حفظاً لعقائد أهل السنّة وفراراً عن مضاعفات القول بقدم القرآن الملفوظ!!
وعلى كلّ تقدير يستدلّ شيخنا الطبرسي بالآية التالية على أنّ القرآن محدث، فقال عند تفسير قوله: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدير).(1)
فقال: وفي هذه الآية دلالة على أنّ القرآن محدث وانّه غير اللّه تعالى، لأنّ القديم لا يصحّ نسخه، ولأنّه أثبت له مثلاً واللّه سبحانه قادر عليه، وما كان داخلاً تحت القدرة فهو فعل، والفعل لا يكون إلاّ محدثاً.(2)

1 . البقرة:106.
2 . مجمع البيان:1/349.

صفحه 67

9

الأنبياء أفضل من الملائكة

إنّ الرأي السائد بين المتكلّمين هو أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة، غير أنّ هناك من ذهب إلى أفضلية الملائكة على الأنبياء، مستدلاً بقوله سبحانه: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسيحُ أَنْ يَكُونَ عَبداً للّهِ ولاَ الْمَلائِكةُ المُقرّبُون).(1)
قال شيخنا الطبرسي: واستدلّ بهذه الآية من قال بأنّ الملائكة أفضل من الأنبياء، قالوا : إنّ تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لأنّ العادة لم تجر بأن يقال لن يستنكف الأمير بأن يفعل كذا ولا الحارس، بل يقدّم الأدون ويؤخّر الأعظم، فيقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا ولا السلطان، وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء.
وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا إنّما أخّر ذكر الملائكة عن

1 . النساء:172.

صفحه 68
ذكر المسيح لأنّ جميع الملائكة أفضل وأكثر ثواباً من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كلّ واحد منهم أفضل من المسيح، وإنّما الخلاف في ذلك، وأيضاً فانّا وإن ذهبنا إلى أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة فانّا نقول: مع قولنا بالتفاوت أنّه لا تفاوت في الفضل بين الأنبياء والملائكة، ومع التقارب والتداني يحسن أن يقدّم ذكر الأفضل، ألا ترى انّه يحسن أن يقال ما يستنكف الأمير فلان من كذا، ولا الأمير فلان، إذا كانا متساويين في المنزلة أو متقاربين، وإنّما لا يحسن أن يقال ما يستنكف الأمير فلان من كذا ولا الحارس، لأجل التفاوت.(1)
واستدلّ (قدس سره) أيضاً على أفضلية الأنبياء بقوله سبحانه: (وَإِذْ قُلْنا للمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجُدوا).(2)
فقال: وفي هذه الآية دلالة على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة من حيث إنّه أمرهم بالسجود لآدم، وذلك يقتضي تعظيمه وتفضيله عليهم، وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل، علمنا أنّه أفضل من الملائكة.(3)

1 . مجمع البيان:3/225.
2 . البقرة:34 .
3 . مجمع البيان:1/189.

صفحه 69

10

الأنبياء لا يجوز لهم التقية

إنّ التقيّة من المفاهيم السامية في الإسلام، ولها حدود وضوابط، وربّما تكون التقية حراماً إذا صارت ذريعة لمفاسد كبيرة، وقد أوضحنا حالها وأقسامها وفوائدها في كتابنا «الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف».(1)
وعلى ضوء ما ذكرنا يحرم على الأنبياء التقية في تبليغ الرسالة، لأنّها لا تواكب أهدافهم ومقاصدهم، وقد استدلّ الشيخ الطبرسي على عدم جواز التقية عليهم بقوله سبحانه : (الّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّه وَيخشَونَهُ وَلا يخْشونَ أَحداً إِلاّ اللّه).(2)
قال: وفي هذا دلالة على أنّ الأنبياء لا يجوز عليهم التقية في تبليغ الرسالة، ومتى قيل: فكيف ما قال لنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم): (وتخشى الناس واللّهُ أَحقّ

1 . الجزء الثاني، ص231ـ346.
2 . الأحزاب:39.

صفحه 70
أَن تخشاه)(1)، فالقول إنّه لم يكن ذلك فيما يتعلق بالتبليغ وإنّما خشي المقالة القبيحة فيه، والعاقل كما يتحرز عن المضار يتحرز من إساءة الظنون به والقول السيء فيه، ولا يتعلّق شيء من ذلك بالتكليف.(2)

1 . الأحزاب:37.
2 . مجمع البيان:8/566.

صفحه 71

11

إعجاز القرآن من منظار عدم الاختلاف

إنّ القرآن المجيد من المعجزات الخالدة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكر المحقّقون وجوهاً لإعجاز القرآن أوضحنا حالها في الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة.ومن وجوه إعجازه عدم وجود التناقض فيه مع أنّه نزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نجوماً في فترات مختلفة وظروف حرجة تختل فيه أحوال الإنسان، ومع ذلك فالآيات القرآنية كسبيكة واحدة تقع فوق ما يحوم الإنسان حوله من الكلام، وقد استدلّ الطبرسي على إعجاز القرآن من منظار عدم الاختلاف بقوله سبحانه: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ الْقُرآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كَثيراً).(1) حيث قال:
أيّ كلام غير اللّه أي لو كان من عند النبي أو كان يعلمه بشر كما زعموا (لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)قيل: فيه أقوال:
أحدها: انّ معناه لوجدوا فيه اختلاف تناقض من جهة حق

1 . النساء:82 .

صفحه 72
وباطل. عن قتادة وابن عباس .
والثاني: اختلافاً في الأخبار عمّا يسرّون عن الزجاج.
والثالث: من جهة بليغ ومرذول عن أبي علي.
والرابع: تناقضاً كثيراً عن ابن عباس، وذلك كلام البشر إذا طال وتضمن من المعاني ما تضمنه القرآن لم يخل من التناقض في المعاني والاختلاف في اللفظ، وكلّ هذه المعاني منفي عن كلام اللّه كما قال: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه).(1)

1 . مجمع البيان:3/125.

صفحه 73

12

إخبار القرآن بالغيب

من وجوه إعجازه

ذكر المحقّقون انّ من وجوه إعجاز القرآن هو إخباره بالغيب في مواطن كثيرة، وقد جمعنا شيئاً من أخباره الغيبية في محاضراتنا.(1)
وقد ذكر شيخنا الطبرسي في تفسير سورة الكوثر خبراً غيبياً و قال: إنّ في هذه السورة ـ (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر) دلالات على صدق نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّة نبوته:
أحدها: انّه أخبر عمّا في نفوس أعدائه وما جرى على ألسنتهم ولم يكن بلغه ذلك، فكان على ما أخبر.
وثانيها: انّه قال : (إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثر)فانظر كيف انتشر دينه وعلا أمره وكثرت ذرّيته، حتّى صار نسبه أكثر من كلّ نسب، ولم يكن شيء من ذلك في تلك الحال.

1 . لاحظ الإلهيات:3/413.

صفحه 74
وثالثها: انّ جميع فصحاء العرب والعجم قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها مع تحدّيه إيّاهم بذلك وحرصهم على بطلان أمره منذ بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وهذا غاية الإعجاز.
ورابعها: انّه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه وأخبره بسقوط أمرهم وانقطاع دينهم أو عقبهم، فكان المخبر على ما أخبر به.(1)

1 . مجمع البيان:10/838.

صفحه 75

13

النسخ في الشريعة

اتّفق المسلمون إلاّ من شذّ على جواز النسخ في الشريعة، وليس النسخ دليلاً على جهل الشارع، بل هو بعلمه بعاقبة الأُمور يشرع حكماً ظاهراً في الاستمرار، ومؤقتاً في الواقع، فإذا جاء أمد الحكم ينسخه بحكم آخر. وقد استدلّ شيخنا الطبرسي على جواز النسخ بقوله سبحانه: (وَما جَعَلْنا الْقِبْلَةَ الّتي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعلَم مَنْ يَتَّبعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْه)(1).
قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز النسخ في الشريعة، بل على وقوعه، لأنّه قال:(وما جَعَلنا الْقِبلة الّتي كنت عليها)فأخبر أنّه تعالى هو الجاعل لتلك القبلة، وأنّه هو الذي نقله عنها، وذلك هو النسخ.(2)

1 . البقرة:143.
2 . مجمع البيان:1/418.

صفحه 76

14

نسخ السنّة بالقرآن

اتّفق القائلون بالنسخ على أنّ القرآن ينسخ السنّة، وقد استشهد الشيخ الطبرسي على هذه الضابطة بالآية التالية: (واللاّتي يأتينَ الْفاحِشة مِنْ نِسائكُمْ فَاسْتَشهدوُا عَلَيْهِنَّ أَربَعةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتّى يَتَوفّاهُنَّ الْمَوت).(1)
وكان في مبدأ الإسلام إذا فجرت المرأة وقام عليها أربعة شهود حُبسَت في البيت أبداً حتّى تموت، ثمّ نسخ ذلك بالرجم في المحصنين والجلد في البكرين ومنسوخة بسورة النور.(2)

1 . النساء:15.
2 . مجمع البيان:3/34.

صفحه 77

15

نسخ القرآن بالسنّة

اختلف العلماء في نسخ القرآن بالسنّة ، فلو كان المراد من السنّة هو خبر الواحد فلا شكّ انّه دليل ظنّي لا يُنسخ به الدليل القطعي.
إنّ للقرآن الكريم مكانة سامية في الشريعة الإسلامية لا يمكن نسخه بالنقول المظنونة حتّى بالخبر المستفيض، ولو جاز النسخ فإنّما يجوز بالسنّة القطعية، أي الخبر المتواتر أو الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم.
ثمّ إنّ شيخنا الطبرسي ذكر دليل من قال بأنّه لا يجوز نسخ القرآن بالسنّة، وهو قوله سبحانه: (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لقاءَنا ائتِ بِقُرآن غَيرِ هذا أَو بَدّلْهُ قُل ما يَكُونُ لِي أَن أُبَدِّلهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفسِي إن أتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحَى إِليّ)(1).
قال: استدلّ بالآية على أنّ نسخ القرآن بالسنّة لا يجوز..

1 . يونس:15.

صفحه 78
ولكنّه(قدس سره) عدّه أمراً بعيداً وأجاب عن الاستدلال بقوله: لأنّه إذا نسخ القرآن بالسنّة وما يقوله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه يقوله بالوحي من اللّه، فلم ينسخ القرآن ولم يبدِّله من قبل نفسه، بل يكون تبديله من قبل اللّه تعالى، ولكن لا يكون قرآناً، ويؤيّد ذلك قوله :(وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى).(1)

1 . مجمع البيان:5/147.

صفحه 79

16

رأيه في التصوير

رسماً كان أو مجسَّماً

ذهب الشيخ الطبرسي إلى كراهة التصوير مطلقاً، وقال في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ اتَّخذتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُون)(1) ما هذا لفظه:
قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْل) أي اتّخذتموه إلهاً، لأنّهم بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لأنّ فعل ذلك ليس بمحظور وإنّما هو مكروه، وأمّا الخبر الذي روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لَعَنَ المصوّرين، فالمراد به من شبّه اللّه بخلقه، أو اعتقد فيه انّه صورة .(2)

1 . البقرة:51.
2 . مجمع البيان:1/233.

صفحه 80

17

الاتّهام بإنكار علم الغيب

وقد اتّهم شيخ المفسّرين وإمامهم بأنّه من المنكرين لعلم الأئمّة(عليهم السلام) بالغيب تمسّكاً بما قاله في تفسير قوله سبحانه: (يَومَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الغُيُوب).(1)
قال ما هذا لفظه:
وذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره: انّها تدلّ على بطلان قول الإمامية: انّ الأئمّة يعلمون الغيب وأقول: إنّ هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم، فانّا لا نعلم أحداً منهم بل أحداً من أهل الإسلام يصف أحداً من الناس بعلم الغيب ومن وصف مخلوقاً بذلك فقد فارق الدين، والشيعة الإمامية برآء من هذا القول، ومن نسبهم إلى ذلك فاللّه في ما بينه و بينهم.(2)
أقول: ما ذكره أمين الإسلام لا يهدف إلاّ إلى نفي علم الغيب

1 . المائدة:109.
2 . مجمع البيان:3/403.

صفحه 81
عنهم(عليهم السلام) على غرار علمه سبحانه به، وأمّا علم الغيب المكتسب بإذن اللّه سبحانه فلا ينفيه بشهادة قوله: «ومن وصف مخلوقاً بذلك فقد فارق الدين» إذ أيُّ صلة بين مفارقة الدين والقول بأنّ اللّه سبحانه علم شيئاً من العيوب لبعض عباده الصالحين.
والذي يدلّنا إلى مرامه ومقصده ما ذكره في تفسير قوله سبحانه: (وَللّهِ غَيْبُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَليهِ وَما رَبُّكَ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُون).(1)
فقال في ذيل هذه الآية ما هذا لفظه: وجدت بعض المشايخ ممّن يتّسم بالعدوان والتشنيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره فقال: «هذا يدلّ على أنّ اللّه سبحانه يختص بعلم الغيب خلافاً لما تقول الرافضة: إنّ الأئمّة يعلمون الغيب» ولا شك أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشر ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ هذا دأبه وديدنه فيهم، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، وينسب الفضائح والقبائح إليهم، ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، فإنّما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد، وهذه صفة القديم سبحانه، العالم لذاته لا يشركه فيها أحد من المخلوقين ومن اعتقد أنّ غير اللّه سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملّة الإسلام.

1 . هود:123.

صفحه 82
فأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين(عليه السلام)ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، مثل قوله وهو يومي به إلى صاحب الزنج: «كأنّي يا أحنف وقد سار بالجيش الذي ليس له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ، ولا صهيل خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النعام».
وقوله يشير إلى مروان:« أمّا أنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة وستلقي الأُمّة منه ومن ولده موتاً أحمر».
وما نقل من هذا الفن عن أئمّة الهدى(عليهم السلام) من أولاده، مثل ما قاله أبو عبد اللّه(عليه السلام) لعبد اللّه بن الحسن وقد اجتمع هو وجماعة من العلوية والعباسية ليبايعوا ابنه محمداً:«واللّه ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنّها لهم ـ وأشار إلى العباسيّة ـ وأنّ ابنيك لمقتولان»، ثمّ نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال له: «أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟»ـ يعني أبا جعفر المنصور ـ قال: نعم، فقال:«إنّا واللّه نجده يقتله». فكان كما قال.
ومثل قول الرضا (عليه السلام) : بورك قبر بطوس، وقبران ببغداد، فقيل له: قد عرفنا واحداً فما الآخر؟ قال: ستعرفونه، ثمّ قال: قبري وقبر هارون هكذا ـ وضم أصبعيه ـ. (1)

1 . نظير قوله لموسى بن مهران في مسجد المدينة عندما كان هارون يخطب: «أترونني وإيّاه ندفن في بيت واحد». عيون أخبار الرضا:2/226.

صفحه 83
وقوله في القصة المشهورة لأبي حبيب النباحي وقد ناوله قبضة من التمر: «لو زادك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لزدناك».
وقوله من حديث علي بن أحمد الوشاء حين قدم مرو من الكوفة: «معك حلّة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك وقالت اشتر لي بثمنها فيروزجاً». والحديث مشهور.
إلى غير ذلك ممّا روي عنهم(عليهم السلام) . فإنّ جميع ذلك متلقّى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أطلعه اللّه عليه، فلا معنى لنسبة من روي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، وهل هذا إلاّ سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، اللّه يحكم بينه وبينهم وإليه المصير. (1)

1 . مجمع البيان:5/313ـ314.

صفحه 84

18

ترتيب السور

على رؤية الإمام الطبرسي

نزل القرآن المجيد نجوماً على قلب سيّد المرسلين في فترة تربو على 23 سنة، وقد قضى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من تلك الفترة 13 عاماً في مكة المكرمة و10 في المدينة المنورة، فالسور النازلة في الفترة الأُولى مكية وفي الثانية مدنية، غير أنّ المهم تمييز المكي عن المدني.
وقد أخرج الإمام الطبرسي بسنده عن ابن عباس حديثاً جامعاً يتميّز بها المكي عن المدني ويُزاح بها بعض الأوهام والشبهات التي دارت حول الآيات النازلة في حقّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وإليك نص الحديث الذي رواه الإمام الطبرسي و لا يستغني عنه أي مفسر، قال:
حدثنا السيّد أبو الحمد محمد بن نزار الحسيني القائيني. قال أخبرنا الحاكم أبو القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه الحسكاني قال: حدثنا أبو نصر المفسر قال: حدّثني عمي أبو حامد إملاء قال: حدّثني الفزاري

صفحه 85
أبو يوسف يعقوب بن محمد المقري قال: حدّثنا محمد بن يزيد السلمي قال: حدّثنا زيد بن موسى قال: حدّثنا عمرو بن هارون عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس.
قال: أوّل ما أنزل بمكة (اقرأ باسم ربّك)، ثمّ (ن والقلم)، ثمّ المزمّل ،ثمّ المدثر، ثمّ (تبت)، ثمّ (إِذا الشَّمس كوّرت)، ثمّ (سبّح اسم ربك الأعلى)، ثمّ (والليل إذا يغشى)، ثمّ (والفجر)، ثمّ (والضحى)، ثمّ (ألم نشرح)، ثمّ (والعصر)، ثمّ (والعاديات)، ثمّ (إِنّا أَعطَيناك الكوثر)، ثمّ (الهاكم التكاثر)، ثمّ (أرأيت) ثمّ الكافرون، ثمّ (أَلم تر كيف)، ثمّ (قل أعوذ بربّ الفلق)، ثمّ (قُل أعوذ بربّ الناس)، ثمّ (قل هُوا للّه أحد)، ثمّ (والنجم)، ثمّ (عبس)، ثمّ (إنّا أنزلناه)، ثمّ (والشمس)، ثمّ البروج، ثم والتين، ثمّ لإيلاف، ثم ّالقارعة، ثمّ القيامة، ثمّ الهمزة، ثمّ والمرسلات، ثم ق، ثم (لا أُقسم بهذا البلد)، ثمّ الطارق، ثمّ (اقتربت الساعة)، ثم «ص»، ثم «الأعراف»، ثمّ (قل أُوحي)، ثمّ يس، ثمّ الفرقان، ثمّ الملائكة، ثمّ كهيعص، ثم طه، ثمّ الواقعة، ثم الشعراء، ثمّ النمل، ثمّ القصص، ثمّ بني إسرائيل، ثمّ يونس، ثمّ هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثمّ الأنعام، ثمّ الصافات، ثمّ لقمان، ثم القمر، ثم سبأ، ثم الزمر، ثمّ حم المؤمن، ثمّ حم السجدة، ثمّ حمعسق، ثمّ الزخرف، ثمّ الدخان، ثمّ الجاثية، ثمّ الأحقاف، ثمّ

صفحه 86
الذاريات، ثم الغاشية، ثمّ الكهف، ثم النحل، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثم الأنبياء، ثمّ المؤمنون، ثم ألم تنزيل، ثمّ الطور، ثم الملك، ثم الحاقة، ثم ذو المعارج، ثم عمّ يتساءلون، ثم النازعات، ثم انفطرت، ثم انشقت، ثم الروح، ثم العنكبوت، ثم المطففين، فهذه أنزلت بمكة وهي خمس وثمانون سورة.
ثمّ أنزلت بالمدينة: البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم سورة محمد، ثم الرعد، ثم سورة الرحمن، ثم هل أتى، ثم ّ الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر اللّه، ثم النور ثم الحجّ، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم سورة الصف، ثم سورة الفتح، ثم سورة المائدة، ثمّ سورة التوبة فهذه ثمان وعشرون سورة.
وقد رواه الأُستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس في كتاب الإيضاح و زاد فيه: وكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثمّ يزيد اللّه فيها ما يشاء بالمدينة.
وبإسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن البصري: إنّ أوّل ما أنزل اللّه من القرآن بمكة على الترتيب: اقرأ باسم ربّك، و ن، والمزمل ـ إلى قوله:ـ وما نزل بالمدينة ويل للمطففين والبقرة والأنفال وآل عمران والأحزاب و المائدة والممتحنة والنساء وإذا زلزلت والحديد وسورة

صفحه 87
محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والرعد والرحمن وهل أتى على الإنسان إلى آخره.
و باسناده عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) انّه قال: «سألت النبي عن ثواب القرآن؟ فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء، فأوّل ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب ثمّ اقرأ باسم ربّك ثمّ ن ـ إلى أن قال: ـ وأوّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثمّ الأنفال ثمّ آل عمران ثم ّ الأحزاب ثمّ الممتحنة ثمّ النساء ثمّ إذا زلزلت ثمّ الحديد ثم سورة محمد ثم الرعد ثمّ سورة الرحمن ثم هل أتى ـ إلى قوله: ـ فهذا ما أنزل بالمدينة، ثمّ قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف واحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً، لا يرغب في تعلم القرآن إلاّ السعداء، ولا يتعهد قراءته إلاّ أولياء الرحمن.(1)
ثمّ إنّه(قدس سره) استمد بهذا الحديث وغيره على ردّ من زعم انّ سورة الإنسان (هل أتى) مكية فلا يصحّ ما اشتهر من نزول آيات من هذه السورة في حقّ علي وفاطمة والحسنين، أعني قوله سبحانه: (يُوفُونَ بِالنَّذْر وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مَسْتَطيراً)(2)الخ.
حيث أنكر بعض المعاندين نزول هذه الآيات في حقّهم(عليهم السلام)

1 . مجمع البيان:10/612 ـ 614.
2 . الدهر:7.

صفحه 88
بحجة انّ السورة مكية لا مدنية والحسنان ولدا في المدينة لا في مكة.
ويظهر من شيخ المفسرين انّ هذه الشبهة كانت ذائعة في عصره، فبهذا الحديث حاول أن يردها بأنّ السورة مدنية لا مكية.
وقال في هذا الصدد بعد نقل الحديث: إنّ بعض أهل العصبية قد طعن في هذه القصة بأن قال: هذه السورة مكية، فكيف يتعلّق بها ما كان بالمدينة؟! واستدلّ بذلك على أنّها مخترعة جرأة على اللّه سبحانه وعداوة لأهل بيت رسوله، فأحببتُ إيضاح الحق في ذلك، وإيراد البرهان في معناه وكشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه على أنّه كما نرى يحتوي على السر المخزون والدر المكنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره ويتلألأ بزهوره، وهو معرفة ترتيب السور في التنزيل وحصر عددها على الجملة والتفصيل، اللّهم أمددنا بتأييدك وأيّدنا بتوفيقك فأنت الرجاء والأمل وعلى فضلك المعول والمتّكل.(1)
ولم تزل هذه الشبهة تدور بين المعاندين والمشككين حتّى أنّ ابن تيمية كرر هذه الشبهة وأدان بها العلامة الحلي، فقال: ذكر هذا الرجل (العلامة الحلي) أشياءً في الكذب تدلّ على جهل ناقلها مثل قوله: نزل في حقهم ـ في حق أهل البيت ـ هل أتى، فإنّ هل أتى مكية باتّفاق العلماء، وعلي إنّما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، وولد الحسن والحسين بعد نزول هل أتى، فقوله: إنّها نزلت فيهم من الكذب الذي لايخفى على

1 . مجمع البيان:10/614.

صفحه 89
من له علم بنزول القرآن وأحوال هذه السادة الأخيار.(1)
وقال ابن حزم: لسنا من كذب الرافضة في تأويلهم (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وانّ المراد بذلك علي(رض)، بل هذا لا يصحّ، بل الآية على عمومها وظاهرها لكلّ ما فعل ذلك.(2)
ومع الأسف انّ هؤلاء الذين يرفضون نزول هذه الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يصدرون عن الهدى و النص الخفي، وإلاّ فقد نقل نزوله كبار المحدّثين وفطاحل المفسرين حتّى أنّ الحافظ أبا محمد العاصمي أفرد كتاباً في هذا الموضوع أسماه «زين الفتى في تفسير سورة هل أتى» وهو مخطوط لم يطبع، مضافاً إلى أنّه نقله غيره بوفرة وقد أخرج العلاّمة الأميني في غديره مصادر نزول هذه الآيات في حقّ أئمّة أهل البيت ربما تناهز الـ 34 مصدراً.(3)

1 . منهاج الكرامة:2/117.
2 . الفصل في الملل والنحل:4/146.
3 . لاحظ الغدير:3/155ـ 160، ط مركز الغدير للدراسات الإسلامية.

صفحه 90

19

الاستدلال على ما تنفرد به الإمامية

إنّ الإمام الطبرسي يذكر في مقدمة الكتاب خصائص تفسيره ويقول: ...والكلام على مطاعن المبطلين فيه وذكر ما يتفرّد به أصحابنا رضي اللّه عنهم من الاستدلالات في مواضع كثيرة،منه على صحّة ما يعتقدونه من الأُصول والفروع، والمعقول والمسموع على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز ودون الإكثار.(1)
والسابر في مجمع البيان يجد انّ الشيخ الطبرسي أفاض الكلام فيما تنفرد به الإمامية على النحو الذي وصف أي على وجه الاعتدال والاختصار فوق الإيجاز ودون الإكثار، ونحن نذكر نماذج من استدلالاته.

1. الاستدلال على المسح بالقرآن الكريم

من المواضع التي تنفرد بها الشيعة الإمامية هو مسح الرجلين في

1 . مجمع البيان:1/76.

صفحه 91
الوضوء دون غسلهما، و قد كان المسْحُ هو الأمر الرائج في عصر الرسول وبعده بفترة، وكان قسم كبيرمن الصحابة يمسحون الأرجل إلى أن غلبت المصلحة المزعومة على النصّ فصار الغسل هو الرائج بين السنّة، وقد ذكرنا تفسير ذلك في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف» والشيخ الطبرسي عندما وصل إلى تفسير قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فَاغسِلُوا وُجُوهكُمْ) بيّن كيفيّة دلالة الآية المباركة على المسح ، وقال في ذلك الصدد:
اختلف في ذلك فقال جمهور الفقهاء: إنّ فرضهما الغسل، وقالت الإمامية: فرضهما المسح دون غيره، وبه قال عكرمة وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس وأنس وأبي العالية والشعبي، وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح والغسل، وإليه ذهب الطبري والجبائي إلاّ أنّهما قالا يجب مسح جميع القدمين ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدمُ .
وقال ناصر الحق من جملة أئمة الزيدية: يجب الجمع بين المسح والغسل.
وروي عن ابن عباس انّه وصف وضوء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فمسح على رجليه، وروي عنه أنّه قال: إنّ في كتاب اللّه المسح ويأبى الناس إلاّ الغسل وقال: الوضوء غسلتان ومسحتان.
وقال قتادة: فرض اللّه غسلتين ومسحتين.

صفحه 92
وروى ابن علية عن حميد عن موسى بن أنس أنّه قال لأنس ونحن عنده: إنّ الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم واسمحو برؤوسكم وانّه ليس شيء من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبها(1)، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)قال فكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.
وقال الشعبي: نزل جبرئيل(عليه السلام) بالمسح، ثمّ قال: إنّ في التيمم يُمسح ما كان غَسْلاً، ويلقى ما كان مَسْحاً.
وقال يونس: حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه إنّما كان يمسح عليها.
وأمّا ما روي عن سادة أهل البيت(عليهم السلام) في ذلك فأكثر من أن يحصى.(2)

تفسير القراءتين على القولين

فمن أوجب الغسل حمل قراءة النصب على أنّه معطوف على وجوهكم في قوله سبحانه: (فاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ) ، كما أنّه

1 . وفي المطبوع: «عواقيبيهما» والصحيح ما أثبتناه، وهي جمع «عرقوب» وفي الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ويل للعراقيب من النار».
2 . مجمع البيان:3/255.

صفحه 93
حمل قراءة الجر على الخفض بالجوار وربما فسّروا وجه الجر بما عن أبي زيد انّه قال: المسح خفيف الغسل، فقد قالوا تمسحت للصلاة، وقوّى ذلك بأنّ التحديد والتوقيت إنّما جاء في المغسول ولم يجئ في الممسوح، فلمّا وقع التحديد في المسح علم أنّه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد وهذا قول أبي علي الفارسي.
ولا يخفى انّ الجميع لا يخلو من تعسف.
أمّا الأوّل فيلزم الفصل بين المعطوف (وأرجلكم) والمعطوف عليه (وجوهكم) بجملة معترضة تامة، أعني:(وامسحوا برءُوسكم) و هو غير جائز.
وأمّا الثاني: فلأنّ الخفض بالجوار لايجوز في كتاب اللّه، لأنّه لغة شاذة، ومجرد وروده في مثل معروف«حُجر ضب خرب» لا يكون دليلاً على تفسير أفصح الكلام به.
وأمّا الثالث: فلأنّ القول بأنّ التحديد جاء في المغسول ولم يجئ في الممسوح من غرائب الكلام.
فإنّ الممسوح كالمغسول، فالوجه مغسول غير محدد والأيدي مغسولة، محددة.
والرأس ممسوح غير محدد، والأرجل ممسوحة محددة بالكعبين.
نفترض صحّة ما ذكره فهل يصحح ما ذكره، التصرفَ في المسح، المقابل للغسل، بحمله على الغسل الخفيف، كلاّ ولا.

صفحه 94
ثمّ إنّ الشيخ الطبرسي ذكر وجه القراءتين على القول بالمسح وقال:
وأمّا من قال بوجوب مسح الرجلين حمل الجر والنصب في (وأرجلكم) على ظاهره من غير تعسف.
أمّا الجرّ فللعطف على الرؤوس.
وأمّا النصب فللعطف على موضع الجار والمجرور في برؤوسكم.
وأمثال ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى، ثمّ استشهد بقول القائل:
معاوية اننا بشر فاسجح *** فلسنـا بالجبال ولا الحديدا
حيث عطف الحديد المنصوب على موضع الجبال بالجوار، لأنّه خبر ليس.
ثمّ إنّه(قدس سره) أفاض الكلام في ذلك فمن أراد فليرجع إلى المصدر.(1)

2. الاستدلال على حلية المتعة بالكتاب

اتّفق المسلمون على حلية المتعة في فترة من أعصار الرسالة ثمّ اختلفوا في نسخها في عصر الرسول أو بقائها على الحلية كما كانت، فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة على الثاني والأكثرية الساحقة من

1 . مجمع البيان:3/255ـ256 بتلخيص وتصرّف.

صفحه 95
السنّة على الأوّل.
فاستدلّوا على حلية المتعة وشرعيتها ففي عصر الرسالة بقوله سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنّ فَريضة).(1)
فالأكثر على أنّ المراد بقوله: (فما استمتعتم) هو عقد المتعة، يقول الشيخ الطبرسي في تفسير الآية: والمراد به نكاح المتعة وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معين عن ابن عباس والسدي وابن سعيد وجماعة من التابعين، وهو مذهب أصحابنا، وهو الواضح لماذا؟
أقول: إنّ هنا ادّعاءين:
1. المراد من قوله: (وما استمتعتم) هو عقد النكاح سواء أكان عقد دائم أو عقد منقطع، لا الانتفاع والالتذاذ.
2. إذا ثبت انّ المقصود من قوله (وما استمتعتم) هو العقد، لا الاستمتاع العملي، فالمراد هو عقد المتعة، لا عقد الدائم.
أمّا الأوّل فلوجهين:
1. أنّ لفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان يطلق على الانتفاع والالتذاذ، لكنّه صار بعرف الشرع مخصوصاً بهذا العقد، لا الاستمتاع العملي، لا سيما إذا أُضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه: متى عقدتم عليهن هذا العقد فآتوهن أُجورهن.
2. انّه علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع، وهذا يقتضي أن

1 . النساء:24.

صفحه 96
يكون المراد به، هو العقد لا الاستمتاع العملي، لأنّ المهر يجب بالعقد ولا يتوقّف على الجماع.
إلى هنا تبيّن انّ المراد به هو العقد، لا الاستمتاع العملي.
وأمّا الثاني: أي كون المراد عقد المتعة، لا عقد النكاح الدائم، فلأنّ إيجاب دفع المهر بتمامه بمجرّد العقد من خصائص المتعة، وأمّا عقد النكاح الدائم، فالجميع يثبت بالعقد، ولكن لا يجب دفع الكلّ إلاّ لعد المسّ، فإيجاب دفع الكلّ بمجرّد العقد من خصائص عقد المتعة.

بعض القرائن على أنّ المراد هو عقد المتعة

وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم أُبي بن كعب وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود انّهم قرأوا:«فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهن أُجورهن» وفي ذلك تصريح بأنّ المراد به عقد المتعة.
وقد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبيّ، فرأيت في المصحف: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى.
وبإسناده عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: فما تقرأ «فما استمتعتم به

صفحه 97
منهن إلى أجل مسمّى»، قلت: لا أقرأها هكذا، قال ابن عباس: واللّه هكذا أنزلها اللّه تعالى ثلاث مرات.
وبما انّ المسلمين اتّفقوا على صيانة القرآن من التحريف، فكلام ابن عباس محمول على تفسير الآية لا انّ قوله«إلى أجل مسمّى» جزء من الآية.
ثمّ نقـل عـن علي(عليه السلام) انّه قـال:لـولا انّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلاّ شقي.
كما نقل عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ولم تنزل آية بعدها تنسخها فأمرنا بها رسول اللّه وتمتعنا مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومات ولم ينهنا عنها، فقال بعد رجل برأيه ما شاء.(1)

1 . مجمع البيان:3/52، دار المعرفة، مع تلخيص وتصرّف.

صفحه 98

20

آزر لم يكن والد إبراهيم

اتّفقت الإمامية على أنّ آباء النبي كانوا موحّدين(1)
وربّما يورد عليهم بأنّ آزر كان أبا إبراهيم وكان مشركاً ومات عليه، قال تعالى: (وَما كانَ استِغْفارُ إِبراهيمَ لأَبيه إلاّ عَنْ مَوْعِدة وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَرَّأ مِنْهُ إِنّ إبراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيم).(2)
فأجاب أصحابنا بأنّ آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه أو خاله، والأب يستعمل ـ مجازاً ـ في غير الوالد.
وأمّا الوالد، فلا يستعمل إلاّ فيمن ولد الإنسان، والشاهد على أنّه لم يكن والده، انّه(عليه السلام) بشهادة الآية السابقة، تبرّأ منه، ولكنّه في الوقت نفسه دعا في آخريات عمره لوالده، قال سبحانه حاكياً عنه :(ربّنا اغْفِر لِي وَلِوالدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَومَ يَقومُ الحِساب).(3)
وقد صدر عنه هذا الدعاء وهو كبير طاعن في السن كما يحكي

1 . أوائل المقالات:45.
2 . التوبة:114.
3 . إبراهيم:41.

صفحه 99
عنه سبحانه قبل هذه الآية (الحمدُ للّهِ الّذِي وَهبَ لِي عَلى الكِبرِ إِسْماعِيلَ وَإِسحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعاء).(1)
يقول إمام المفسّرين في هذا الصدد:
واستدلّ أصحابنا بهذا على ما ذهبوا إليه من أنّ أبوي إبراهيم(عليه السلام) لم يكونا كافرين، لأنّه إنّما يسأل المغفرة لهما يوم القيامة، فلو كانا كافرين لما سأل ذلك، لأنّه قال: فلمّا تبيّـن له انّه عدوّ للّه تبرأ منه، فصحّ انّ أباه الذي كان كافراً إنّما هو جدّه لأُمّه أو عمّه على الخلاف فيه.
ومن قال إنّما دعا لأبيه، لأنّه كان وعده أن يسلم فلما مات على الكفر تبرّأ منه على ما روى الحسن، فقوله فاسد، لأنّ إبراهيم(عليه السلام)إنّما دعا بهذا الدعاء بعد الكبر وبعد أن وهب له إسماعيل وإسحاق، وقد تبيّن له في هذا الوقت عداوة أبيه الكافر للّه، فلا يجوز أن يقصده بدعائه.(2)
وقد وقع الفراغ من هذه الرسالة ظهيرة
يوم الخميس 7 شوال المكرم
من شهور عام 1423 هـ
جعفر السبحاني

1 . إبراهيم:39.
2 . مجمع البيان:5/491.

صفحه 100

فهرس الكتاب

المقدّمة   …5
الشيخ الطبرسي مؤلّف التفاسير الثلاثة   …7
   ولادته   …8
   مجمع البيان كتاب خالد   …9
   براعته في الترتيب والتنظيم   …13
   الطبرسي وأداؤه لحقّ معاصره   …14
   اختبار صحّة ما ادّعاه المؤلّف   …16
   نفسيات المؤلّف   …22
   تقديره لكتاب «التبيان»   …25
   من التبيان إلى الميزان   …25
   فقاهة الإمام الطبرسي   …27
   آثاره العلمية   …29
   جامعية مجمع البيان   …29
   تضلّعه في التاريخ والقصص   …31
   بين إعلام الورى وربيع الشيعة   …33
   مشايخه وتلامذته   …35
   كلمات العلماء في حقّه   …37
   حديث الجري والتطبيق في «مجمع البيان»   …39
   وفاته   …42
   بيت الطبرسي شجرة طيّبة   …42
   ما نسب في حقّ الطبرسي من أوهام   …44
   1. انّه مات شهيداً   …44
   2. انّه قام من القبر حيّاً   …45
   3. انّه رأى موسى 7 في منامه   …47
بعض الآراء الكلامية للشيخ الطبرسي   …49
1. الجهاد العلمي جهاد أكبر   …50
2. رفض التقليد في أُصول الدين   …51
3. ضرورة معرفة اللّه   …53
4. برهان التمانع   …55
   السؤال   …56
   الجواب   …57

صفحه 101
5. برهان النظم   …59
6. امتناع رؤية اللّه في الدنيا والآخرة   …61
7. اللّه عادل   …63
8. القرآن محدث   …65
9. الأنبياء أفضل من الملائكة   …67
10. الأنبياء لا يجوز لهم التقية   …69
11. إعجاز القرآن من منظار عدم الاختلاف   …71
12. إخبار القرآن بالغيب من وجوه إعجازه   …73
13. النسخ في الشريعة   …75
14. نسخ السنّة بالقرآن   …76
15. نسخ القرآن بالسنّة   …77
16. رأيه في التصوير رسماً كان أو مجسَّماً   …79
17. الاتّهام بإنكار علم الغيب   …80
18. ترتيب السور على رؤية الإمام الطبرسي   …84
19. الاستدلال على ما تنفرد به الإمامية   …90
   1. الاستدلال على المسح بالقرآن الكريم   …90
   تفسير القراءتين على القولين   …92
   2. الاستدلال على حلية المتعة بالكتاب   …94
   بعض القرائن على أنّ المراد هو عقد المتعة   …96
20. آزر لم يكن والد إبراهيم   …98
فهرس الكتاب   …100