welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 1

صفحه 1
الحجّ
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
الحجّ
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الأوّل
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
هوية الكتاب
اسم الكتاب: الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الsجزء: الأوّل
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1427 هـ . ق / 1385 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم: ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 5
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه الذي جعل الكعبة للناس قياماً، والبيت الحرام مثابة لهم وأمناً، والصّلاة والسلام على من علّم الناس مناسك الحجّ وأرشد إلى معالمه ومآثره بعد ما اندرس، وعلى آله الذين هم عيبة علمه وموئل حكمه وخلفاؤه من بعده صلاة دائمة.
أمّا بعد; فهذه خلاصة ما ألقيته على جمّ غفير من فضلاء الحوزة العلمية حول مسائل الحجّ، راجياً منه سبحانه أن ينتفع به روّاد العلم، ويكون لي ذخراً في الآخرة، وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أمراً:

دور الإمام الصادق(عليه السلام) في تعليم المناسك

يتميّز كتاب الحجّ عن سائر الكتب، بكثرة مسائله، وتشعّب فروعه، وفي الوقت نفسه وافر المقاصد، جمّ المطالب، وأكثر مسائله غير مأنوس ولا متكرّر، بخلاف كتاب الصلاة والزكاة والصوم فإنّ الإنسان يمارس مسائلها كلّ يوم وشهر وسنة، روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :جعلني اللّه فداك أسألك في الحجّ منذ أربعين عاماً فتُفتيني، فقال: «يا زرارة! بيت يحجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً؟».(1)

1 . الوسائل: ج8، الباب1 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث12.

صفحه 8
ولعلّ المراد من أنّ البيت كان يُحجّ قبل آدم بألفي عام أنّ الملائكة كانت تحجُّه.
والحديث يعرب عن أمر آخر وهو أنّه كان للإمام الصادق(عليه السلام) دور عظيم في تبيين مسائل الحجّ وتعليم مناسكه حيث كان يفتي فيها أربعين سنة، وقد تُوفّي الإمام الباقر(عليه السلام) عام 114هـ، وتُوفّي الإمام الصادق(عليه السلام) عام 148هـ، و على هذا فقد كان يُستفتى الإمام في حياة أبيه أيضاً.
ويدلّ غير واحد من الروايات والأخبار على دور الإمام الصادق(عليه السلام) في تعليم مناسك الحجّ وأحكامه وآدابه، وانّ المسلمين بجميع طوائفهم كانوا يصدرون عن فتاواه وآرائه، نذكر هنا ما يلي:
1. روى الصدوق(رحمه الله) عن أبي حنيفة، أنّه قال: لولا جعفر بن محمد، ما علم الناس مناسك حجّهم .(1)
2. روى الشيخ في «التهذيب» عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: جاء رجل يلبّي حتّى دخل المسجد وهو يلبّي وعليه قميص، فوثب إليه أُناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شقّ قميصك وأخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة وعليك الحجّ من قابل وحجّك فاسد، فطلع أبو عبد اللّه(عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبّر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد اللّه(عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «اسكن يا عبد اللّه» فلمّا كلّمه وكان الرجل أعجميّاً، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) :«ما تقول؟» قال: كنت رجلاً أعمل بيدي، فاجتمعت لي نفقة فجئت أحجّ لم أسأل أحداً عن شيء، فأفتوني هؤلاء أن أشق

1 . الفقيه: 2/519، كتاب الحجّ، باب نوادر الحجّ، برقم 3113.

صفحه 9
قميصي وأنزعه من قبل رجلي وانّ حجّي فاسد وإن ّعلي بدنة، فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟» قال: قبل أن أُلبّي. قال: «فأخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل، أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيءعليه، طف بالبيت سبعاً، وصل ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحجّ، واصنع كما يصنع الناس».(1)
3. روى الشيخ في «التهذيب» عن معاوية بن عمّار قال: إنّ امرأة هلكت فأوصت بثلثها يتصدّق به عنها ويحجّ عنها ويعتق عنها فلم يسع المال ذلك فسألت أبا حنيفة وسفيان الثوري، فقال كلّ واحد منهما: انظر إلى رجل قد حجّ فقطع به فيقوّى، ورجل قد سعى في فكاك رقبته فيبقى عليه شيء فيعتق، ويتصدّق بالبقية، فأعجبني هذا القول وقلت للقوم ـ يعني أهل المرأة ـ : إنّي قد سألت لكم فتريدون أن أسأل لكم من هو أوثق من هؤلاء؟ قالوا: نعم، فسألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن ذلك فقال: «ابدأ بالحجّ فانّ الحجّ فريضة» فما بقي فضعه في النوافل» قال: فأتيت أبا حنيفة فقلت: إنّي قد سألت فلاناً فقال لي كذا وكذا، قال: فقال: هذا واللّه الحق، وأخذ به وألقى هذه المسألة على أصحابه، وقعدت لحاجة لي بعد انصرافه فسمعتهم يتطارحونها، فقال بعضهم بقول أبي حنيفة الأوّل، فخطّأه من كان سمع هذا وقال: سمعت هذا من أبي حنيفة منذ عشرين سنة.(2)
4. روى مسلم في صحيحه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا

1 . تهذيب الأحكام:5/72ـ 73، باب إذا لبس الإنسان قميصاً....
2 . تهذيب الأحكام:5/407، الحديث63.

صفحه 10
على جابر بن عبد اللّه فسأل عن القوم حتّى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمّد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى ثمّ نزع زرّي الأسفل، ثمّ وضع كفّه بين ثديَيّ وأنا يومئذ غلام شابٌّ فقال: مرحباً بك يا ابن أخي سل عمّا شئت، فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفاً بها كلّما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال بيده فقعد تسعاً فقال:
إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مكث تسع سنين لم يحجّ ثمّ أذّن في الناس في العاشرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير كلُّهم يتلمس أن يأتمّ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتّى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عُميس محمّد بن أبي بكر، فأرسلَت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد، ثمّ ركب القصواء حتّى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرتُ إلى مدّ بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد لبّيك اللّهمّ لَبّيك لبّيك لا شريك لك لَبّيك إنّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شَريك لك ، وأهلَّ النّاس بهذا الّذي يُهلّون به، فلم يردّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عليهم شيئاً منه، ولزم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تلبيته، قال جابر (رضي الله عنه): لسنا ننوي إلاّ الحجّ لسنا نعرف العمرة.
حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الرّكن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم(عليه السلام) فقرأ :(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى)(1) ، فجعل المقام بينه

1 . البقرة:125.

صفحه 11
وبين البيت فكان أبي يقول: «ولا أعلمه ذكره إلاّ عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) » كان يقرأ في الرّكعتين قل هو اللّه أحد، و قل يا أيّها الكافرون، ثمّ رجع إلى الرُّكن فاستلمه، ثمّ خرج من الباب إلى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ :(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ) (1) أبدأُ بما بدأ اللّه به، فبدأ بالصّفا فَرَقِيَ عليه حتّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد اللّه وكبّره وقال: «لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ اللّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثمّ دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرّات، ثمّ نزل إلى المروة حتّى إذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى حتّى إذا صعدتا مشى حتّى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصّفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال:«لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرتُ لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ وليجعلها عمرة».
فقام سراقة بن مالك بن جُعشم فقال: يا رسول اللّه ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبَّك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أصابعه واحدة في الأُخرى وقال: دخلت العمرة في الحجّ مرّتين لا بل لأبد أبد، وقدم عليٌّ من اليمن ببُدن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فوجد فاطمة (رضي اللّه عنها) ممّن حلّ ولبستْ ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليٌّ يقول بالعراق فذهبتُ إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مُحرِّشاً على فاطمة للّذي صنعت مستفتياً لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنّي أنكرتُ ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقتْ ماذا قلتَ حين فرضت الحجّ؟» قال: قلت:«اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهَلَّ به رسُولك» قال: «فإنّ معي الهدي فلا تحلُّ» قال: فكان جماعة الهدي الّذي قدم به عليٌّ من اليمن والّذي أتى به النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مائة قال:

1 . البقرة:158.

صفحه 12
فحلّ الناس كلّهم وقصّروا، إلاّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن كان معه هَدْي.
فلمّا كان يوم التروية توجَّهوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ وركبّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلّى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثمّ مكث قليلاً حتّى طلعت الشمس وأمر بقُبّة من شعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا تشكّ قريش إلاّ أنّه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة، فأجاز رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أتى عرفة فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتّى إذا زاغت الشَّمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلُّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع ودِماء الجاهليّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ـ وربَا الجاهليّة موضوع، وأوّل رِباً أضع ربانا ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه، فاتّقوا اللّه في النِّساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمان اللّه واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه ولكم عليهنّ أن لايوطِئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اللّه، وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى الناس: اللّهمّ اشهد، اللّهمّ اشهد، ثلاث مرّات، ثمّ أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظُّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، ولم يُصلّ بينهما شيئاً، ثمّ ركبَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتّى غربت الشَّمس وذهبت الصُّفرة قليلاً حتّى غاب القُرص وأردف أُسامة خلفَه،

صفحه 13
و دفع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد شنق للقصواء الزِّمام حتّى إنّ رأسها ليُصيب مورك رَحله ويقول بيده اليمنى: «أيّها النّاس السَّكينة السَّكينة» كلّما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتّى تصعد، حتّى أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئاً، ثمّ اضطجعَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى طلع الفجر وصلّى الفجر حين تبيّن له الصّبح بأذان وإقامة، ثمّ ركب القصواء حتّى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفاً حتّى أسفر جِدّاً فدفع قبل أن تطلع الشَّمس وأردف الفضل بن عبّاس وكان رجلاً حسن الشَّعر أبيض وسيماً، فلمّا دفع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّت به ظعن يجْرين، فطفق الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على وجه الفضل فحوّل الفضل وجهه إلى الشِّق الآخر ينظر فحوّل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يده من الشِّقّ الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشِّقّ الآخر ينظر، حتّى أتى بطن محسِّر فحرّك قليلاً، ثمّ سلك الطّريق الوسطى الّتي تخرج على الجمرة الكبرى حتّى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كلّ حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستّين بيده ثمّ أعطى عليّاً فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثمّ أمر من كلِّ بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثمّ ركب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأفاض إلى البيت فصلّى بمكّة الظُّهر فأتى بني عبد المطَّلب يسقون على زمزم فقال: «أنزعوا بني عبد المطّلب فلولا أن يغلبكم النّاس على سقايتكم لنزعتُ معكم» فناولوه دلواً فشرب منه.(1)

1 . صحيح مسلم، ج4، باب حجّة النبي:39ـ 43; سنن أبي داود:2/182، الحديث1905; شرح صحيح مسلم للنووي:7ـ8، باب حجة النبي برقم 2941.

صفحه 14
وممّا يحسن ذكره أنّ الملك سعود بن عبد العزيز زار إيران عام 1374هـ وأهدى إلى السيّد المحقّق البروجردي مصاحف مطبوعة بمكّة وقطعاً من كسوة الكعبة وهدايا أُخرى فقبل السيّد البروجردي المصاحف و كسوة الكعبة وأهدى سائر الهدايا لمندوب الملك الذي أتى بها وكتب في ذلك رسالة إلى سفير المملكة السعودية في طهران ألمع فيها إلى هذا الحديث، وإليك نصّ الرسالة .
قال سماحته :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
سلام اللّه عليكم ورحمته.
أمّا بعد: فقد بلغنا كتابكم مع السيد يوسف بوعلي، ومعه حقيبة كبيرة ذكرتم أنّها تحتوي على خمس عشرة نسخة من القرآن الكريم، وعلى قطع من حزام ستار الكعبة الشريفة، وعلى... وأنّ جلالة الملك أمر بإرسالها إليّ ، فتحيرت في الأمر لأنّ سيرتي عدم قبول الهدايا من الملوك والعظماء، ولكن اشتمال هذه الهدية على القرآن الكريم وستار الكعبة الشريفة; ألزمني قبولها، فأخذت نسخ القرآن الكريم والقطع من حزام ستار الكعبة الشريفة، وأرسلت الحقيبة « بما بقي فيها » إلى جنابكم هدية منّي إلى شخصكم، لأكون على ذلك منكم في أوقات الصلوات والدعوات، ولما كان أمر الحجّ في هذه السنين بيد جلالة الملك; أرسلتُ حديثاً طويلاً في صفة حجّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، رواها مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه، ويستفاد منه أكثر أحكام الحجّ إن لم يكن كلّها، لترسله إلى جلالة الملك هدية منّي إليه، وتبلغه سلامي و تحياتي، وأسأل اللّه عزّ شأنه أن يؤلف بين قلوب المسلمين ، ويجعلهم يداً واحدة على من سواهم، ويوجههم إلى أن يعملوا بقول اللّه

صفحه 15
تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(1)، وأن يجتنبوا التدابر والتباغض واتباع الشهوات الموجبة لافتراق الكلمة، وأن يلتزموا بقول اللّه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيل اللّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لمَنْ أَلقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤْمناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا)(2). والسلام عليكم ورحمة اللّه.(3)
***
وتتميّز مسائل الحجّ عن مسائل سائر الأبواب انّ الخلاف فيها بين الفريقين قليل، والمشتركات فيها كثيرة، ولعلّ من علله رجوع أكثر الناس في مسائله في أيّام الخلفاء إلى أئمّـة أهـل البيت(عليهم السلام) خصوصـاً الإمام الصادق(عليه السلام) كما مرّ.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

1 . آل عمران:103.
2 . النساء:94.
3 . مجلة رسالة الإسلام، السنة الثامنة، العدد الأوّل.

صفحه 16
الحجّ لغة وشرعاً
الحجّ في اللغة بمعنى القصد، وهو عند الشرع ـ أو عند المتشرعة ـ اسم لمجموع المناسك المؤدّاة في المشاعر، المخصوصة، كما عليه المحقّق في الشرائع.(1) وربّما يقال: صار اسماً لقصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة في زمان خاصّ.
والفرق بين المعنيين واضح، إذ على الأوّل فاللفظ نقل من المعنى اللغوي إلى معنى اصطلاحي، وعلى الثاني، قيّد متعلق القصد بالبيت الحرام لأداء مناسك.
وقد ناقش الشهيد في المسالك(2) في طرد التعريف وعكسه ولا يهمنا البحث فيهما.
فوائده وآثاره
ومن آثاره تقوية الدين كما في كلام الإمام علي(عليه السلام) في النهج حيث قال: «جعل اللّه الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً من الكبر... والحجّ تقوية للدين».(3)
وللحجّ وراء ما في كلام الإمام فوائد أُخرى مذكورة في محلّه، وقد أشار إلى قسم منها، صاحب الجواهر.(4) وفي مقدمة كتاب الحجّ للعروة الوثقى غنى وكفاية. وهي بقلم حفيد السيد اليزدي لانفسه.
وعلى كلّ تقدير فقد أفاد السيّد المصنّف هنا فروعاً وإليك تبيينها.

1 . الشرائع:1/163.
2 . المسالك:2/119ـ120.
3 . نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 252.
4 . الجواهر:17/218ـ 219.

صفحه 17
الفصل الأوّل
الحجّ من أركان الدين

صفحه 18

صفحه 19

الحجّ من أركان الدين

من أركان الدين: الحجّ، وهو واجب على كلّ من استجمع الشرائط الآتية من الرجال والنساء والخناثي، بالكتاب والسنّة والإجماع من جميع المسلمين، بل بالضرورة، ومنكره في سلك الكافرين، وتاركه عمداً مستخفّاً به بمنزلتهم، وتركه من غير استخفاف من الكبائر. *

* 1. الحجّ من أركان الدين

عدّ المصنّف الحجّ من أركان الإيمان، وهو رهن توضيح، فإن أراد بها ما يدخل به الإنسان في حظيرة الإسلام فالحجّ ليس منه، إذ يكفي في انخراط الإنسان في عداد المسلمين الشهادتان مقرونتين بالشهادة للمعاد، وقد كان النبي يقبل إسلام من يشهد توحيده سبحانه ورسالته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّ العقيدة باللّه سبحانه لا تعدّ ديناً ما لم يشهد بالحساب والكتاب والحشر والنشر، أُضيف إلى الشهادتين، الشهادة بالمعاد، ولذلك نرى أنّه سبحانه يعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان باللّه سبحانه ويقول: (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ والْيَومِ الآخِر).(1)
وإن أُريد أنّه من أهمّ الواجبات الإلهية وممّا بني عليه الإسلام فهو حقّ

1 . البقرة: 62 .

صفحه 20
حسب ما رواه الفريقان. قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): «بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية».(1)
وفي صحيح البخاري: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحجّ وصوم رمضان.(2)

2. الحجّ واجب عيني على المستطيع

ويدلّ على وجوب الحجّ مضافاً إلى كونه من ضروريات الفقه، بل الدين قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)(3) حيث جعل الحجّ في ذمّة الناس وهو آية الوجوب العيني كقوله: عليه الصلاة، عليه الصوم.
وفي الآية دلالة على تقدّم الاستطاعة والقدرة على الفعل خلافاً للأشاعرة فإنّهم يرونها مقارنة إلى الفعل.(4)

3. حكم المنكر و المستخفّ والتارك

ظاهر عبارة السيّد المصنّف أنّ إنكار الحجّ بما هوهو موجب للكفر، واستدلّ عليه بوجوه:
1. إنّ وجوب الحجّ من ضروريات الدين كوجوب الصلاة والزكاة وإنكار الضروري موجب للكفر.

1 . الوسائل: ج1، الباب1 من أبواب مقدّمة العبادات، ح1.
2 . صحيح البخاري: 1، كتاب الإيمان برقم8.
3 . آل عمران:97.
4 . لاحظ بحوث في الملل والنحل:2/169.

صفحه 21
يلاحظ عليه: أنّ إنكار الضروري بما هوهو غير موجب للكفر ما لم يكن ملازماً لإنكار أحد الأُصول الثلاثة بشهادة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقبل إسلام من يشهد الشهادتين من دون أن يعترف بالصلاة والزكاة، نعم إذا كان إنكار الحكم الضروري ملازماً لإنكار النبوة فهو موجب لكفر المنكر لا بما أنّه منكر للحكم الضروري، بل بما أنّه يلازم إنكار النبوّة، كما هو الحال في من أنكر وجوب الحجّ وهو ممّن يعيش في بلاد الإسلام أعواماً بخلاف من أسلم وهو في بلاد الكفر وأنكر وجوبه فإنّ إنكاره الضروريّ لا يوجب الكفر لعدم الملازمة.
وظاهر المصنّف كون الإنكار سبباً مستقلاً للكفر لا ملازماً لإنكار أحد الأُصول، كنبوّة نبي الإسلام في المقام.
2. إنّه سبحانه وصف منكر الوجوب بالكفر وقال: (ومَنْ كَفَرَ فإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمين)، وفسّره الطبرسي بإنكار وجوبه.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ سبب الكفر في الآية هو جحد الوجوب، ولكن يحتمل أن يكون سبب الكفر، كفره بتوحيده ورسوله المؤدّي إلى جحد وجوبه، والآية لو لم تكن ظاهرة في هذا النوع من الكفر ليست بظاهرة في ما احتمله.
وثانياً: أنّ الكفر في الآية فسّر بترك الحجّ، في رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) بعد قراءة الآية قال: هو لمن كان عنده مال، إلى أن قال: وعن قول اللّه عزّ وجلّ(ومن كفر)يعني من ترك.
وبما أنّ ترك الحجّ عصياناً لا يوجب الكفر اتفاقاً، فلابدّ من تفسير الكفر في

1 . مجمع البيان:1/479. قال: ومن جحد فرض الحج ولم يره واجباً، رواه عن ابن عباس والحسن.

صفحه 22
الآية بكفر النعمة في مقابل كفر الملّة، قال سبحانه: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً).(1)
فشكر النعمة عبارة عن صرفها في محلّها وكفرها عبارة عن خلافه، فعلى ذلك فالمراد من كفر بالنعمة مع الاستطاعة المالية والبدنية، ولم يحجّ فلا يضرّ اللّه شيئاً فإنّ اللّه غني عن العالمين.
3. وربما يستدلّ على كفر الجاحد بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام)، قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، وذلك قوله تعالى: (وَللّه عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمين)، قال: قلت: فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال: «لا، ولكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر».(2) فإنّ قوله: «ليس هذا هكذا» أي: ليس الحجّ واجباً.
يلاحظ عليه: أنّ الحديث غريب حيث أوجب الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، وهو ما لم يذهب إليه أحد إلاّ الصدوق كما سيأتي، مضافاً إلى احتمال أنّ قوله: «ليس هذا هكذا» هو إنكار كون القرآن وحياً سماويّاً وانّ النبي رسول مبعوث من اللّه سبحانه.
هذا كلّه حول الجاحد.
ثمّ إنّ المصنف عطف المستخِفّ على الجاحد، وهو على قسمين تارة يستخفّ بأصل الحكم الشرعي، ويراه حكماً في غير موضعه ، وأُخرى يستخف

1 . الإنسان:3.
2 . الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 23
بالعمل به من دون استخفاف بأصل الحكم، كأكثر من يترك الفرائض لأجل الاشتغال بالأُمور الدنيوية، أمّا الأوّل، فلا يبعد إلحاقه بالجاحد، فانّه أخوه الصغير، وأمّا الثاني فهو حرام من غير فرق بين حكم دون حكم كما ورد في حديث جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) في مَن سأله عن الفأرة، وقعت في خابية فيها سمن أو زيت؟ فأجاب الإمام(عليه السلام) بقوله:«لا تأكله»، فقال السائل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال له أبو جعفر(عليه السلام): «إنّك لم تستخف بالفأرة وإنّما استخففت بدينك».(1)
نعم يفارق الاستخفاف بالحجّ من الاستخفاف بسائر الأحكام بأنّه من الكبائر، كما ورد فيما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) في رسالته إلى المأمون، فقال: الإيمان هو أداء الأمانة... واجتناب الكبائر وهي قتل النفس التي حرّم اللّه... والاستخفاف بالحجّ».(2)
وأمّا تركه مجرّداً عن الإنكار والاستخفاف فقد عدّه المصنّف من الكبائر. ويدلّ عليه صحيح ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال : «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً».(3)
ويؤيّده ما ورد في روايات التسويف المنتهي إلى الترك.(4) وليعلم أنّ البحث في المقام مركّز على الترك، وأمّا ما يأتي في المسألة الأُولى فالبحث مركّز على صرف التأخير ـ مع قطع النظر عن الترك.

1 . الوسائل: 1، الباب5 من أبواب الماء المضاف، الحديث2.
2 . الوسائل:12، الباب46 من أبواب جهاد النفس، الحديث33.
3 . الوسائل:8، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث1.
4 . الوسائل:8، الباب6 ، روايات الباب.

صفحه 24
ولا يجب في أصل الشرع إلاّ مرّة واحدة في تمام العمر، وهو المسمّى بحجّة الإسلام، أي: الحجّ الّذي بني عليه الإسلام، مثل الصلاة والصوم والخمس والزكاة، وما نقل عن الصدوق في العلل: من وجوبه على أهل الجدة كلّ عام ـ على فرض ثبوته ـ شاذّ، مخالف للإجماع والأخبار، ولابدّ من حمله على بعض المحامل، كالأخبار الواردة بهذا المضمون من إرادة الاستحباب المؤكّد، أو الوجوب على البدل بمعنى أنّه يجب عليه في عامه، وإذا تركه ففي العام الثاني وهكذا، ويمكن حملها على الوجوب الكفائيّ، فإنّه لا يبعد وجوب الحجّ كفاية على كلّ أحد في كلّ عام إذا كان متمكّناً، بحيث لا تبقى مكّة خالية من الحجّاج، لجملة من الأخبار الدالّة على أنّه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحجّ، والأخبار الدالّة على أنّ على الإمام كما في بعضها، وعلى الوالي ـ كما في آخر ـ أن يجبر الناس على الحجّ والمقام في مكّة، وزيارة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمقام عنده، وأنّه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال.*
* لا يجب في أصل الشرع إلاّ مرّة واحدة
اتّفق المسلمون على وجوبه في تمام العمر مرّة واحدة.
قال العلاّمة في «التذكرة» (1): الحجّ يجب بأصل الشرع مرّة واحدة، وكذا العمرة، ولا يجب أزيد منها، وهو قول عامّة أهل العلم.(2)

1 . التذكرة:7/15، المسألة6.
2 . المغني والشرح الكبير:3/165; المجموع:7/9; فتح العزيز:7/3; حلية العلماء:3/231.

صفحه 25
وحكي عن بعض الناس أنّـه قال: يجب فـي كلّ سنة مرّة. (1)
وقال في «المنتهى»: إنّما يجب بأصل الشرع في العمر مرّة واحدة بإجماع المسلمين على ذلك ـ إلى أن قال: ـ ولا نعلم فيه خلافاً يعتدّ به، وقد حكي عن بعض الناس أنّه يقول يجب في كلّ سنة مرّة، وهذه حكاية لا تثبت، وهي مخالفة للإجماع والسنّة.(2)
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: «أيّها النّاس قد فرض اللّه عليكم الحجّ فحجّوا» فقال رجل: أكلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت حتّى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم» ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».(3)
ويدلّ على وجوبه مرّة واحدة ـ مضافاً إلى كونه من ضروريات الفقه ـ صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«... وكلّفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك». (4)
نعم قال الصدوق في «العلل»: فإنّ الذي اعتمده وأفتي به، انّ الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام فريضة. واستدلّ بأحاديث رواها في الوسائل في الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ وهي تناهز سبعة أحاديث أُوّلت بالوجوه التالية.

1 . حلية العلماء:3/232; المجموع:7/9.
2 . المنتهى:2/643.
3 . التاج الجامع للأُصول:2/100، كتاب الحجّ.
4 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1. ولاحظ الحديث2و3.

صفحه 26
1. الاستحباب المؤكّد.
2. الوجوب على البدل بمعنى أنّه إذا تركه ففي العام الثاني.
3. الوجوب الكفائي إذا عطّلت الكعبة عن الحجّ.
وكلّها على خلاف الظاهر كما لا يخفى، وحمله المحقّق الخوئي على ما في تقريراته من أنّها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي، فإنّ العرب كانت لا تحجّ في بعض الأعوام، وكانوا يعدون الأشهر بالحساب الشمسي، ومنه قوله تعالى: (إِنّما النَّسيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) (1) وربما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجّة فأنزل اللّه الآية ردّاً عليهم. فالمقصود أنّ كلّ سنة قمرية لها حجّ ولا يجوز خلوّها عن الحجّ، لا أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ سنة.(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ محاسبة الشهور، بالحساب الشمسي رهن محاسبات دقيقة، وأين هو من العرب في العصر الجاهلي البعداء عن هذا النوع من المحاسبات خصوصاً سكان «مكة» و ماحولها؟!
وثانياً: بأنّ المراد من النسيء هو تقديم وتأخير أشهر الحجّ حسب مصالحهم لا عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين، فكانوا يحجّون في كلّ سنة لكن ربما يقدّمون الأشهر الحرم وأُخرى يؤخّرونها على نحو يحجون في غير ذي الحجة.
قال الطبرسي: المراد تأخير الأشهر الحرم عمّا رتّبها اللّه سبحانه عليه، وكانت

1 . التوبة:37.
2 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/ 16.

صفحه 27
العرب تحرّم الشهور الأربعة، وذلك بما تمسكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلّون المحرّم، فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يؤول التحريم إلى المحرّم ولا يفعلون ذلك إلاّ في ذي الحجّة.(1)
وذلك يدلّ على أنّهم يحجّون في كلّ سنة، ولكن بتقديم الشهر الحرام أو بتأخيره لا بترك الحجّ في عام أساساً.
ثمّ إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع شارك في مراسم الحجّ شخصياً وقام بتعليم الناس مناسك الحجّ، فجعل الشهر الحرام في مكانه الأصلي ولم يتغير بعده إلى عصر الصادق حتّى يركّز الإمام على خلافه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته:
«أيّها الناس إنّ النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلّونه عاماً ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه، فيحلّوا ما حرّم اللّه، ويحرّموا ما أحلّ اللّه، وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متوالية(ذوالقعدة، و ذو الحجّة، وشهر المحرم، ورجب).(2)
والأولى إرجاع علم الروايات إليهم(عليهم السلام).

1 . مجمع البيان:5/57، تفسير آية : (إِنّما النَّسيء...) (التوبة:37).
2 . إمتاع الأسماع:1/523; الطبقات الكبرى:2/186.

صفحه 28
المسألة1: لا خلاف في أنّ وجوب الحجّ ـ بعد تحقّق الشرائط ـ فوريّ، بمعنى انّه يجب المبادرة إليه في العام الأوّل من الاستطاعة فلا يجوز تأخيره عنه وإن تركه فيه ففي العام الثاني، و هكذا ويدلّ عليه جملة من الأخبار. ولو خالف وأخّر ـ مع وجود الشرائط ـ بلا عذر يكون عاصياً ، بل لا يبعد كونه كبيرة، كما صرّح به جماعة، ويمكن استفادته من جملة من الأخبار.*
* هنا فرعان:
1. وجوب الحجّ ـ عند تحقّق شرائطه ـ واجب فوريّ.
2. انّ تأخيره من الكبائر وإن حجّ في الأعوام المقبلة.
أمّا الأوّل فيدلّ عليه أمران:
1. الإجماع من الفريقين إلاّ الأوزاعي والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة قال الشيخ : الحجّ وجوبه على الفور دون التراخي، وبه قال: مالك وأبو يوسف والمزني، وليس لأبي حنيفة فيه نصّ، وقال أصحابه: يجيء على قوله: إنّه على الفور كقول أبي يوسف. و قال الشافعي: وجوبه على التراخي، ومعناه انّه بالخيار إن شاء قدّم وإن شاء أخّر، والتقديم أفضل، وبه قال الأوزاعي والثوري و محمد.(1)
وأمّا الثاني فهو الروايات:
1. ما رواه الترمذي في سننه عن عاصم بن ضمر عن علي(عليه السلام) انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى الحجّ ولم يحجّ فلا عليه أن يموت يهودياً أو

1 . الخلاف:2/257، المسألة22 من كتاب الحجّ.

صفحه 29
نصرانياً.(1)
2. ما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس:«من أراد الحجّ فليعجّل».(2)
وفي دلالة الروايتين على كونه واجباً فورياً نظر.
أمّا الأُولى، فانّ موردها إذا أخّر وانتهى إلى موته مع أنّ موضوع البحث هو الأعمّ منه وممّا ترك عاماً وحجّ في العام المقبل فقد أثم أيضاً .
وأمّا الثانية، فانّه قيد التعجيل بمن أراد، لا بمن وجب عليه. والكلام في الثاني دون الأوّل.
وقال المفيد: وفرضه عند آل محمد ـ صلوات اللّه عليهم ـ على الفور دون التراخي بظاهر القرآن وما جاء عنهم(عليهم السلام) ]من الروايات[ ثمّ استدلّ برواية زيد الشحام، وذريح المحاربي.(3)
وقال ابن إدريس: ووجوبهما ـ الحجّ والعمرة ـ على الفور والتراخي بغير خلاف بين أصحابنا.(4)
وقال العلاّمة: ووجوب الحجّ والعمرة على الفور، لا يحلّ للمكلّف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع. ثمّ نقل عبارة الشيخ المتقدّمة.(5)
وقال الشهيد الثاني معلّقاً على عبارة المحقّق«وتجب على الفور، والتأخير مع الشرائط كبيرة موبقة»:لا خلاف في ذلك عندنا. (6)
هذا ما لدى الخاصة، وأمّا العامّة فقال ابن رشد القرطبي:وهل هو على

1 . سنن الترمذي:3/154، حديث809.
2 . سنن أبي داود:2/141، حديث1732.
3 . المقنعة: 385.
4 . السرائر:1/515.
5 . تذكرة الفقهاء:7/17، المسألة8.
6 . مسالك الأفهام:2/122.

صفحه 30
الفور أو التراخي، والقولان متأوّلان على مالك وأصحابه، والظاهر عند المتأخّرين من أصحابه أنّها على التراخي، وبالقول: إنّها على الفور، قال البغداديون من أصحابه وقال الشافعي: هو على التوسعة، وعمدة من قال: هو على التوسعة: انّ الحجّ فرض قبل حجّ النبي بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره النبي(عليه السلام) ، ولو أخّره لعذر لبيّنه.(1)
ويمكن أن يستدلّ على الفورية بالوجوه التالية:
الأوّل: انّ الفور هو مقتضى إطلاق الأمر، والتأخير بحاجة إلى دليل خاص، وعليه سيرة العقلاء.
وبعبارة أُخرى: انّ الأمر وإن كان ينقسم إلى قسمين: فوري وغير فوري، وكلّ من القسمين يتميّز عن المقسم بقيد خاص، حسب حكم العقل، لكن الذي يحتاج إلى البيان في نظر العرف هو التأخير دون الفور.
الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ المستطيع لا يحجّ عن غيره نيابة، ففي رواية سعد بن أبي خلف، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: «نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحجّ به عن نفسه».(2) وسيوافيك الكلام في هذه الرواية وغيرها في الفصل الثاني.(3)
الثالث: ما يدلّ على أنّ التأخير بما هوهو حرام، كصحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعـة من شرائع الإسلام، وإن كـان موسراً وحـال بينـه

1 . بداية المجتهد:3/259.
2 . الوسائل: 8، الباب 5 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1. ولاحظ سائر روايات الباب.
3 . الفصل الثاني، المسألة 110 من هذا الكتاب.

صفحه 31
و بين الحجّ مـرض أو حصـر أو أمـر يعـذره، فــإنّ عليـه أن يحجّ عنـه مـن مـالـه صـرورة لا مـال له».(1)فقوله: «ثمّ دفع ذلك» بمعنى أخّره فيكون صريحاً في أنّ نفس التأخير ـ سواء أدّى إلى الترك أو لا ـ حرام.
الرابع: الروايات المعروفة بروايات التسويف وهو مصدر مشتق من قوله: «سوّف الحج» وهي كثيرة جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب السادس من أبواب وجوب الحجّ، نذكر منها شيئاً:
1. ففي صحيحة أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: أرأيت الرجل التاجر ذا المال حين يسوّف الحج كلّ عام وليس يشغله عنه إلاّ التجارة أو الدَين؟ فقال: «لا عذر له يسوف الحج، إن مات وقد ترك الحجّ فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(2)
2. وفي رواية زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): التاجر يسوّف الحج؟ قال: ليس له عذر، فإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(3)
ولكن القدر المتيقّن من هذه الروايات هو التسويف المنتهي إلى الترك حتّى وافاه الموت، وأمّا التسويف غير المنتهي إلى ذلك فلا يستفاد منها.
ومنه يعلم قصور دلالة رواية ذريح المحاربي التي رواها عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً».(4)

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3، وروى ذيله في الباب24 من تلك الأبواب، الحديث2.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث4.
3 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ، الحديث 6.
4 . الوسائل:8، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث1.

صفحه 32
المسألة2: لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر وتهيئة أسبابه وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحجّ في تلك السنة. ولو تعدّدت الرُّفْقَة وتمكّن من المسير مع كلّ منهم اختار أوثقهم سلامة وإدراكاً. ولو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أُخرى، أو لم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحجّ بالتأخير فهل يجب الخروج مع الأُولى، أو يجوز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك، أو لا يجوز إلاّ مع الوثوق؟أقوال، أقواها الأخير. وعلى أيّ تقدير إذا لم يخرج مع الأُولى، واتّفق عدم التمكّن من المسير، أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير استقر عليه الحجّ وإن لم يكن آثماً بالتأخير، لأنّه كان متمكّناً من الخروج مع الأُولى. إلاّ إذا تبيّن عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً.*
فهذه الرواية نظير روايات التسويف تدلّ على حرمة التأخير المنتهي إلى الترك، وأمّا التأخير بما هوهو مع قطع النظر عن انتهائه إلى الترك فالرواية غير متعرضة له. نعم يكفي فيه الوجهان الأوّلان.
* في المسألة فروع:
1. وجوب تحصيل المقدّمات بعد حصول الاستطاعة.
2. لو تعدّدت الرُّفْقَة وتمكن من المسير مع كلّ منهم اختار أوثقهم سلامة وإدراكاً من الرفقتين.
3. لو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أُخرى، فهل يجب الخروج مع الأُولى؟
4. لو وجدت ثانية ولم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحجّ بالتأخير،

صفحه 33
فهل يجب الخروج مع الأُولى، أو يجوز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك، أو لا يجوز إلاّ مع الوثوق؟
5. إذا لم يخرج مع الأُولى واتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير، فهل يستقرّ عليه الحجّ أو لا؟
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الأوّل: يجب تحصيل المقدّمات بعد تحقّق الاستطاعة بمقتضى العقل حيث يحكم بلزوم تحصيل المقدّمة بعد تحقّق وجوب ذيها، والمصنّف قيّد تحصيل المقدّمة بإدراك الحجّ في تلك السنة وما ذكره يتناسب مع الأزمنة السابقة.
وأمّا بالنسبة إلى زماننا فيجب تحصيل المقدّمة ولو بإدراك الحجّ بعد سنين، وذلك لأنّ شؤون الحجّ في زماننا موكولة إلى الحكومات، وهي تجيز في كلّ سنة حصة معينة محدودة فعلى المستطيع تسجيل اسمه في قائمة الراغبين بالحجّ، ليتمكن من الحجّ بعد صدور الإجازة في نفس سنة التسجيل أو في السنين المقبلة. وإلاّ حُرم من الحجّ سنين متمادية أو إلى آخر العمر.
الثاني: لو تعدّدت الرُّفْقة، فهل يجب اختيار الأوثق سلامة وإدراكاً، أو يكفي الوثوق؟ فالأفضل اختيار الأوّل، لكن يكفي الوثوق والاطمئنان العقلائي، ولم يدلّ دليل على لزوم اختيار الأوثق فهو مع الوثوق مخيّر بينهما.
الثالث: لو تهيَّأت رفقة واحدة ولم يعلم حصول رفقة أُخرى.
الرابع: لو علم حصول رفقة أُخرى ولم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحجّ مع الثانية ففي هاتين الصورتين وجوه ثلاثة:
1. يجب البدار والخروج مع الأُولى مطلقاً.
2. يجب البدار إلاّ إذا حصل الوثوق بالإدراك مع الثانية.

صفحه 34
3. يجوز التأخير بمجرّد احتمال الإدراك ولو لم يثق به.
أمّا الأوّل: فهو مقتضى إطلاق كلام الشهيد الثاني في الروضة، قال: لو تعددت الرفقة في العام الواحد وجب السير مع أُولاها.(1)
أمّا الثاني: فهو خيرة الشهيد في الدروس، قال: ويجب البدار مع أوّل رفقة إلاّ أن يثق بالمسير مع غيرها.(2)
وأمّا الثالث: فقد حكي عن صاحب المدارك ـ بعد نقل القولين عن الشهيدين ـ أنّه قال: بل يحتمل قوياً جواز التأخير بمجرّد احتمال سفر الثانية، لانتفاء الدليل على فورية المسير بهذا المعنى.(3)
وما اختاره الشهيد هو الأوفق بالقواعد، لأنّ الوثوق طريق عقلائي، بل قطع عرفي، فإذا وثق بالإدراك فإيجاب الخروج مع الرفقة الأُولى يحتاج إلى دليل، وكما أنّ المحكي عن سيد المدارك ضعيف، لأنّ التأخير إلى القافلة الثانية، مع عدم الوثوق تفويت للواجب عند العقلاء.
الخامس: إذا لم يخرج مع الأُولى واتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ، فهل يستقرّ عليه الحجّ؟
اختار المصنّف استقرار الحجّ عليه ـ وإن لم يكن آثماً ـ إلاّ إذا تبيّن عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً.
ولعلّ وجهه، انّ الموضوع لاستقرار الحجّ، هو تمكّنه من المسير، وإن لم يخرج فيجب عليه الحجّ في العام القابل بقيت استطاعته أو لا، فيحجّ متسكعاً. واختاره صاحب الجواهر قال: الظاهر استقرار الحجّ بالتمكّن من الرفقة الأُولى، كمن وجبت عليه الصلاة ومضى وقت يمكن أن يفعلها ولم يفعلها ومات مثلاً، فانّه لا

1 . الروضة البهية:2/161.
2 . الدروس:1/269.
3 . المدارك:7/18.

صفحه 35
إشكال في تحقّق وجوب القضاء عليه بذلك.
على أنّه مندرج في جميع النصوص الدالّة على أنّ من استطاع الحجّ ولم يحجّ ومات، إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً ونحوها.(1)
أقول: الكلام فيما إذا زالت الاستطاعة في العام المقبل، وإلاّ فلو بقيت فلا شكّ انّه يجب عليه الحجّ في العام المقبل، وعلى ضوء ذلك فالقول بوجوب الحجّ مع زواله أمر مشكل أوّلاً، وما استدلّ به صاحب الجواهر غير تامّ ثانياً.
أمّا الأوّل: فلما قلنا في باب الإجزاء من أنّ قيام المكلّف بالوظيفة حسب الأُصول والضوابط الشرعية موجب للإجزاء، والمفروض انّه تأخّر عن القافلة الأُولى واثقاً بأنّه يتمكن من السير مع القافلة الثانية ويدرك الحجّ، والوثوق حجة شرعية .
ومعنى جعل الوثوق حجّة شرعية، هو اقتصار الشارع في كيفية امتثال أوامره ونواهيه بما تؤدّى إليه الحجّة، وهي هنا الوثوق، فإيجاب القضاء ثانياً مع زوال الاستطاعة يعدّ نقضاً للحجّية عند العقلاء كما أوضحناه في مبحث الإجزاء.
والحاصل: انّ تأخيره لما كان بتجويز المولى، فإيجاب القضاء عليه يعدّ مناقضاً لتجويزه.
فإن قلت: إنّ لازم ذلك عدم إيجاب الحجّ عليه في السنة المقبلة إذا بقيت الاستطاعة.
قلت: إنّ الاستطاعة في العام المقبل، موضوع جديد له حكمه، فهو داخل في قوله سبحانه:(وللّهِ علَى النّاس حِجُّ البَيْتِ) وليس إيجابه عليه فيه، تابعاً للإيجاب السابق، وهذا كما إذا كان على الإنسان حجّان: أصالة ونيابةً، أو نذراً، فإذا امتثل الأوّل، يبقى الثاني في ذمّته.

1 . جواهر الكلام:17/226.

صفحه 36
فإن قلت: فقد تقرّر في مبحث الإجزاء، انّه إنّما يتصوّر إذا أتى المكلّف بالواجب وإن كان بصورة غير كاملة، وأمّا إذا لم يأت به أصلاً، فلا وجه للإجزاء، كما إذا كان الواجب، هو صلاة الجمعة فصلّى الظهر، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإجزاء، لأنّه لم يأت بشيء من أعمال الحجّ، أو أتى ولكن لم يدرك الأركان.
قلت: المراد من الإجزاء هنا هو الكشف عن عدم تعلّق الوجوب بذمّته، أو انّه لم يكن مخاطباً في الواقع وإن زعم وجوبه عليه.
وأمّا الثاني فيرد عليه أوّلاً: انّه لو كان الموضوع لاستقرار الحجّ، هو التمكن من الحجّ، إذا سار بالقافلة الأُولى، لزم القول باستقراره عليه إذا سار مع القافلة الأُولى ولم يدرك لكنّه لو كان سائراً بالثانية، لأدرك ، لوجود الموضوع للاستقرار وهو التمكن من الحجّ، بالسير مع الثانية وهو كما ترى، والجامع بينه و بين المقام، هو وجود التمكن في الواقع، ففي المقام يتمكّن من المسير بالأولى، و في مورد النقض بالمسير بالثانية.
وقياسه بمن وجب عليه الصلاة ومضى وقته ولم يفعلها ومات، قياس مع الفارق، لأنّه فوت الواجب، بعض الوقت اختياراً، فيجب على الولي القضاء بخلاف المقام، فانّه لم يتمكن من إدراك الواجب لاعن اختيار، بل لجهله، بمصير القافلة الثانية وانّه كُتِبَ عليها ، عدمُ النجاح.
وأمّا الاستدلال عليه بالنصوص الدالة على أنّ من استطاع الحجّ ومات إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً، بتصور انّها بإطلاقها تدلّ على استقرار الحجّ حتّى لو زالت الاستطاعة، فغير تام، لأنّ موردها التفويت العمدي بالإهمال والتسويف، فأين هي ممّن عمل بالوظيفة واتبع الحجة ولم يكن التوفيق حليفه من دون اختيار.

صفحه 37
الفصل الثاني
في شرائط وجوب حجّة الإسلام

صفحه 38

صفحه 39

في شرائط وجوب حجّة الإسلام

وهي أُمور:
أحدها: الكمال بالبلوغ والعقل، فلا يجب على الصبيّ وإن كان مراهقاً، ولا على المجنون وإن كان أدواريّاً إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال. ولو حجّ الصبيّ لم يجز عن حجّة الإسلام، وإن قلنا بصحّة عباداته وشرعيّتها كما هو الأقوى، وكان واجداً لجميع الشرائط سوى البلوغ، ففي خبر مسمع عن الصادق(عليه السلام) : لو أنّ غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان عليه فريضة الإسلام، وفي خبر إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين، يحجّ؟ قال(عليه السلام): عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذا الجارية عليها الحجّ إذا طمثت.*
* في المسألة فرعان:
1. لا يجب الحجّ على الصبي وإن كان مراهقاً، ولا على المجنون، مطبقاً كان أو أدوارياً، إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال.
2. لو حجّ الصبيّ لم يُجْزِ عن حجّة الإسلام.
أمّا الأوّل لا شكّ في اعتبار العقل في التكاليف والأحكام الشرعية، وهذا

صفحه 40
شرط اتّفق عليه العقلاء، ودلّ عليه العقل، ولولاه لزم التكليف بما لايطاق، ويدلّ كلّ ما ورد في شأن العقل، وقد عقد في الوسائل باباً خاصّاً له; ففي صحيحة محمد ابن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لما خلق اللّه العقل استنطقه ـ إلى أن قال: ـ أما إنّي إيّاك آمر، وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب، وإيّاك أُثيب».(1)
ويدلّ على شرطيته وشرطية البلوغ، حديث رفع القلم وجريه، أمّا الرفع فهو الحديث المعروف عن علي(عليه السلام) أنّه قال لعمر: «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ».(2)
وأمّا الجري فهو موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: «إذا أتى عليه ثلاث عشر سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة، وجرى عليه القلم...».(3)
وربّما يحتمل أنّ المرفوع هو قلم المؤاخذة برفع فعلية التكليف، لأنّ الظاهر من رفع القلم عنه رفع قلم السيّئات لا غير، فلا يدلّ على رفع الملاك، ولا رفع المشروعية.(4)
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر، رفع التكليف مطلقاً فعليّاً كان أو إنشائياً، بقرينة رواية «وجرى عليه القلم»، إذ المراد به هناك هو جعل التكليف عليه، بشهادة أنّ السؤال فيه عن الصلاة، لا عن الحدود والديات. فلو لم يكن ظاهراً في رفع

1 . الوسائل: 1، الباب3 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث1.
2 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 11.
3 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 12.
4 . المستمسك:10/14.

صفحه 41
التكليف لكنّه مقتضى إطلاق الرفع. فيعمّ رفعه ورفع المؤاخذة، وأمّا احتمال وجود الملاك فهو وإن كان محتملاً، لكن لا يكفي الاحتمال، لأنّ التقرّب القطعي فرع العلم به.
وأمّا ما يدلّ على شرطية خصوص البلوغ فهي:
1. ما رواه الصدوق بسند صحيح، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».(1) ويؤيّده رواية شهاب (2)ومسمع بن عبد الملك.(3) وأمّا إطلاق حجّة الإسلام على حجّ الصبي في رواية أبان بن الحكم فهو من باب المشاكلة; قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول:« الصبي إذا حجّ به قضى حجّة الإسلام حتّى يكبر».(4)
وأمّا أبان بن الحكم، فالظاهر أنّه تصحيف أبان عن الحكم، إذ لم يرد في المعاجم الرجالية، أبان بن الحكم، والمراد به هو الحكم بن حُكيم أبو خلاد الصيرفي، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه، وروى عنه ابن أبي عمير، ولا غرو في أن يروي أبان بن عثمان (المتوفّى عام 212هـ)، عن الحكم بن حكيم.

لو حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام

هذا هو الفرع الثاني، وهو انّه لو حُجّ بالصبي أو حجَّ لم يجز عن حجّة الإسلام، وهو ممّا اتّفق عليه الأصحاب، ولم نقف على مخالف، وهو موافق للقاعدة

1 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
2 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.
3 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.
4 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1.

صفحه 42
أيضاً; أمّا إذا قلنا بعدم شرعية عباداته فواضح، وإن كان خلاف التحقيق كما أوضحنا حاله في كتاب الصوم; وأمّا على القول بالشرعية، فعدم الإجزاء هو مطابق للقاعدة، لأنّ إجزاء المستحب مكان الواجب، يحتاج إلى دليل، مع أنّ الدليل على خلافه كما في معتبرة مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «لو أنّ غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام».(1)
وربّما يقال أنّ المستفاد من الروايات أنّ الحجّ له حقائق مختلفة، فانّ الحجّ الذي يأتي به الصبي تختلف حقيقته مع حجّة الإسلام الثابتة على البالغين، وهذا بخلاف الصلاة، فانّ الصبي لو صلّى في أوّل الوقت ثمّ بلغ في أثنائه لا تجب عليه إعادة الصلاة، لأنّ المفروض أنّ صلاته صحيحة.(2)
يلاحظ عليه: إنّ القول بأنّ حجّ الصبي يختلف حقيقة مع حجّ البالغ بعيد جدّاً، فانّ العمل واحد، المكلّف والصبي يختلفان بالبلوغ وعدمه كنفس الصلاة الصادرة عن البالغ والصبي.
والحقّ أنّ الفارق هو النص، ولعلّ للحجّ خصوصية تجب بعد البلوغ أيضاً.

1 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.
2 . معتمد العروة:1/25، كتاب الحجّ.

صفحه 43
المسألة1: يستحبّ للصبيّ المميّز أن يحجّ وإن لم يكن مجزياً عن حجّة الإسلام، ولكن هل يتوقّف ذلك على إذن الوليّ أو لا؟ المشهور بل قيل: لا خلاف فيه، أنّه مشروط بإذنه، لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي وللكفّارة، ولأنّه عبادة متلقّاة من الشرع مخالف للأصل، فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن، وفيه إنّه ليس تصرّفاً ماليّاً، وإن كان ربما يستتبع المال، وانّ العمومات كافية في صحّته وشرعيّته مطلقاً، فالأقوى عدم الاشتراط في صحّته وإن وجب الاستئذان في بعض الصور، وأمّا البالغ فلا يعتبر في حجّه المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزماً للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيّتهما، وأمّا في حجّه الواجب فلا إشكال.*
* اعلم أنّ الصبي إمّا مميّز أو غير مميّز، والكلام في هذه المسألة في المميز، وأمّا غيره فيأتي حكمه في المسألة الثانية.
وهنا فروع:
1. يستحبّ للصبيّ المميّز أن يحجّ.
2. هل يشترط فيه إذن الولي أو لا؟
3. لا يشترط في حجّ البالغ إذن الولي إذا كان واجباً، وكذا المندوب، إن لم يكن مشتملاً للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيّتهما.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر:

استحباب الحجّ للصبي المميّز

إنّ صحّة حجّ المميّز مبنيّة على شرعيّة عباداته وانّها ليست تمرينية ـ كما هو

صفحه 44
المشهور ـ وإليك بعض الكلمات في المقام:
قال الشيخ: والحجّ يصحّ منه بإذن وليّه إذا كان مميّزاً.(1)و قيّده في المقام بإذن الولي، ولا ينافيه إطلاقه في المسألة 226، قال: «إحرام الصبي عندنا جائز صحيح» اعتماداً على ما قيده بإذن الولي سابقاً.
وقال في «المبسوط»: وإن كان مميّزاً مراهقاً جاز أن يأذن له فيحرم هو بنفسه.(2)
قال العلاّمة في «التذكرة»: وأكثر الفقهاء على صحّة إحرامه وحجّه إن كان مميّزاً ; و إن كان غير مميّز، أحرم عنه وليّه، فيصير مُحرماً بذلك، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وهو مروي عن عطاء والنخعي لما رواه العامّة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه مرّ بامرأة وهي في محفّتها، فقيل لها: هذا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذت بعضُد صبي كان معها و قالت: ألهذا حجّ؟ قال: نعم ولك أجر.(3)
ومحل الشاهد هو قوله:«إن كان مميّزاً» دون ذيله فانّه راجع إلى غير المميز.
وبمثل ذلك قال في «المنتهى».(4)
وقال الشهيد : لا إشكال في صحّة إحرام المميّز من حيث هو مميز، وإن كانت الصحّة متوقفة على أمر آخر كإذن الأبوين، لأنّ الحجّ المندوب متوقّف على إذنهما على الأقوى، وفي القواعد جعله موقوفاً على إذن الأب.(5)
ويدلّ على صحّة إحرام المميّز أُمور:

1 . الخلاف:2/359، المسألة192.
2 . المبسوط:1/328.
3 . التذكرة:7/24، المسألة14.
4 . المنتهى:2/648، الطبعة الحجرية.
5 . مسالك الأفهام:2/125ـ 126.

صفحه 45
1. ما دلّ على شرعية عباداته مطلقاً.
2. ما دلّ من الروايات على أنّه إذا حجّ به أو حجّ، لا يجزي عن حجّة الإسلام؟ ففي رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لو أنّ غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام».(1)
3. ما ورد في كيفية حجّ الصبيان والحجّ بهم وجملة من أحكامهم، فانّه بإطلاقه يعمّ المميّز وغيره، لو لم يكن بعضه ظاهراً في المميّز.(2)
ومع وجود النصّ من النبيّ والآل سقط دليل أبي حنيفة حيث استدلّ على عدم الجواز بحديث رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يبلغ، و هو كما ترى، لأنّ المرفوع ـ بقرينة كون الرفع من باب الامتنان ـ هو الوجوب، لا أصل المشروعية ولا الملاك، لأنّ رفع أصل المشروعية على خلاف الامتنان.

شرطية إذن الولي وعدمه

قد تعرفت على كلمات علمائنا وأنّها بين مطلقة ومشترطة، وليس في المسألة نصّ، وإنّما الاشتراط وعدمه على ضوء القواعد، وقد عنونه العلاّمة في «التذكرة» وقال باشتراط الإذن، وذكر له وجهاً واحداً، قال: فإن أحرم الصبي المميّز بغير إذن وليّه، لم يصحّ إحرامه; لأنّ الصبي ممنوع من التصرّف في المال، والإحرام يتضمن إنفاق المال والتصرّف فيه، لأنّ الإحرام عقد يؤدّي إلى لزوم مال، فجرى مجرى سائر أمواله وسائر عقوده التي لا تصحّ إلاّ بإذن وليه، وهو أصحّ وجهي

1 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.
2 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 2، 7.

صفحه 46
الشافعية.(1)
وحاصله: انّ الإحرام للحجّ يستتبع المال في بعض الأحوال للهدي والكفّارة.
وقد أجاب عنه في المتن، بأنّه ليس تصرّفاً ماليّاً، وإن كان يستتبع المال، والمقصود انّ إحرام الحجّ كإحرام الصلاة، فهما بما هما إحرامان لا يتوقّفان على إذن الولي، نعم لو استتبع التصرّف في المال كثمن الهدي فيستأذن، فإن أذن فهو، و إلاّ يكون كالمحرم العاجز عن ثمن الهدي.
وأمّا كفّارات الإحرام فلا تتعلّق بفعله، بشهادة عدم تعلّقها بالناسي والجاهل لصحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «من نتف إبطه، أو قلّم ظفره، أو حلق رأسه، أو لبس ثوباً لا ينبغي له لُبْسه، أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله، وهو مُحرم، ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً، فليس عليه شيء; ومن فعل متعمّداً، فعليه دم شاة».(2)
هذا من جانب، و من جانب آخر: إنّ عمد الصبي وخطأه واحد.(3) فلا تتعلّق كفارات الإحرام بفعله، لكونه غير عامد.
وأمّا كفّارة الصيد، ففي خبر الريّان بن شبيب الذي رواه في «الاحتجاج» مرسلاً: «والصغير لا كفّارة عليه، وهي على الكبير واجبة».(4)
واحتمل السيّد الخوئي أنّه يأتي بالكفّارة بعد البلوغ، ولم أقف على وجهه،

1 . التذكرة:7/26، المسألة15.
2 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث1. ولاحظ بقيّة روايات الباب.
3 . تهذيب الأحكام:10/233، رقم الحديث53.
4 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفارات الصيد، الحديث1.

صفحه 47
لأنّ روايات الكفّارات منصرفة عن الصبي، لأنّ الكفّارة نوع من المجازاة، ولا مجال لها مع عدم التكليف.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر وجهاً آخر لاشتراط الإذن وحاصله: إنّه عبادة متلقّاة من الشرع مخالف للأصل، فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّته، ما دلّ على مشروعية عباداته، خصوصاً ما دلّ على أنّ حجّه قبل البلوغ لا يكفي عن حجّة الإسلام.

إحرام البالغ للحجّ المندوب

هذا هو الفرع الأخير الذي ذكره المصنّف في المسألة، وحاصله: انّه لا شكّ في عدم اعتبار إذن الولي في الحجّ الواجب، إنّما الكلام في شرطيته في الحجّ المندوب، فقد اختلفت كلمتهم في شرطية إذن الأب، أو الأبوين إلى أقوال:
1. عدم اعتبار إذنه أو إذنهما. وهو خيرة الشهيد في الدروس(1) و صاحب المدارك.(2)
2. اعتبار إذن الوالد خاصّة. وهو خيرة القواعد(3)
3. اعتبار إذن الوالدين. وهو خيرة الشهيد في المسالك.(4)
4. عدم اعتبار إذنهما إذا لم يكن الحجّ مستلزماً للسفر المشتمل على الخطر، وإلاّ فالاشتراط أحسن. وهو خيرة الروضة(5)، والمصنّف في المتن.

1 . الدروس:1/495.
2 . المدارك:7/24.
3 . القواعد:1/73.
4 . المسالك:2/126.
5 . الروضة:2/164.

صفحه 48
ونقل صاحب الحدائق عن الذخيرة التوقّف.(1)
ولعل القول الراجح بين هذه الأقوال هو القول الرابع، وحاصله عدم اعتبار إذنهما إلاّ إذا كان سبباً لإيذائهما كما إذا كان السفر مشتملاً على الخطر.
ويؤيّد ذلك دلالة الآية الشريفة على حرمة التأفيف والنهر والزجر (2) ، على حرمة الضرب بوجه أولى، فيكون الجامع بينها هو حرمة إيذائهما، فإذا كان حجّ الولد سبباً للإيذاء يكون مبغوضاً ولا يصلح للتقرّب.
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: انّ القدر المتيقّن هو حرمة إيذائهما في الأُمور التي يرجع إليهما في مجال المعاشرة والمصاحبة، وأمّا ما لا يرجع إليهما من الأُمور التي تسبب إيذائهما فلا دليل على وجوب الطاعة أو حرمة المخالفة، فالأولاد أحرار في انتخاب المهنة والزوجة والسير والسفر و إن صار سبباً لإيذائهما، وعلى ضوء ذلك يصحّ حجّه مطلقاً، سواء أكان سبباً للإيذاء أو لا.
نعم بقي هنا رواية تمسّك بها صاحب الحدائق على أنّه لا يصحّ حجّ الولد من دون إذن الوالد، وهو ما رواه الصدوق في كتاب «علل الشرائع» عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن مروك(3) بن عبيد، عن نشيط بن صالح، عن الحكم بياع الكرابيس، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن صاحبه، ومن طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوّعاً إلاّ بإذنه وأمره، ومن صلاح العبد

1 . الحدائق:14/65.
2 . الإسراء:23ـ 24.
3 . في «علل الشرائع»: متروك، و ما أثبتناه من معاجم الرجال. راجع معجم رجال الحديث:18/125 برقم 12234ـ 12236.

صفحه 49
ونصحه لمولاه أن لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن مواليه وأمرهم، ومن برّ الولد أن لا يصوم تطوّعاً ولا يحجّ تطوّعاً ولا يصلّـي تطوّعاً إلاّ بإذن أبويه وأمرهما; وإلاّ كان الضيف جاهلاً، والمرأة عاصية، وكان العبد فاسداً عاصياً غاشّاً، وكان الولد عاقّاً قاطعاً للرحم».(1)
فقال صاحب الحدائق بعد نقل الرواية: وهي كما ترى صريحة الدلالة على توقّف الحجّ على إذن الأبوين معاً.(2)
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّ الاستدلال بالحديث فرع صحّة السند وإتقان المتن، وكلاهما مفقودان، أمّا السند ففيه أحمد بن هلال العبرتائي.
قال النجاشي: صالح الرواية، يعرف منها وينكر، وقد روي فيه ذموم من سيدنا أبي محمد العسكري، ولد سنة 180هـ، ومات سنة 267هـ.
و قال الطوسي: كان غالياً متّهماً في دينه.
وقال في التهذيب: ما يختص بروايته، لا نعمل به.
وما ورد في هذه الرواية حول الصلاة والحجّ ممّا انفرد بروايته، ولأجل ذلك نرى أنّ الصدوق قال بعد الخبر: جاء هذا الخبر هكذا، ولكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحجّ تطوّعاً كان أو فريضة، ولا في ترك الصلاة، ولا في ترك الصوم تطوّعاً كان أو فريضة، ولا في شيء من ترك الطاعات.
وثانياً: انّ الكليني نقل الرواية في «الكافي»(3)، وليس فيها قوله: «ولا يحجّ

1 . علل الشرائع:384، الباب115 باب العلة من أجلها لا ينبغي للضيف أن يصوم تطوعاً إلاّ بإذن صاحبه، الحديث4.
2 . الحدائق:14/66.
3 . الكافي:4، باب من لا يجوز صيام التطوع إلاّ بإذن غيره، الحديث2.

صفحه 50
تطوّعاً ولا يصلّ تطوّعاً إلاّ بإذن أبويه وأمرهما».
كما أنّ الصدوق أيضاً رواه في «الفقيه» بدون هذه الزيادة.(1)
ومن المعلوم أنّ «الكافي» أتقن من «الفقيه»، و«الفقيه» أتقن من العلل، ولم يعلم من أين جاءت هذه الزيادة؟!
وثالثاً: أنّ هذه الرواية علّقت جواز الحجّ بأمر الوالدين، كما علّقت الصوم به، ولم يقل به أحد، إذ غاية ما في الباب اعتبار رضاهما لا اعتبار أمرهما.
ثمّ إنّ صاحب الحدائق ذهب إلى أنّ مضمون الرواية مؤيد بروايات أُخرى دالّة على وجوب طاعتهما على الولد وإن كان في الخروج من أهله وماله.
ولكن الدقّة وإمعان النظر فيها يدلّ على أنّ الجميع أحكام أخلاقية ترجع إلى حسن المعاشرة، ففي مجال المعاشرة يجب إطاعة الوالدين ويحرم مخالفتهما، سواء أقلنا الواجب هو الإطاعة، أو أنّ الموضوع هو حرمة العقوق، وأمّا في غير ذلك المجال فالأحرار مسلطون على أموالهم، فالأولى على أنفسهم، واللّه العالم.

1 . الفقيه:2، الباب140، باب صوم الآدمي، الحديث2.

صفحه 51
المسألة 2: يستحبّ للوليّ أن يحرم بالصبيّ غير المميّز بلا خلاف، لجملة من الأخبار، بل وكذا الصبيّة، وإن استشكل فيها صاحب المستند، وكذا المجنون، وإن كان لا يخلو عن إشكال، لعدم نصّ فيه بالخصوص فيستحقّ الثواب عليه، والمراد بالإحرام به جعله محرماً، لا أن يحرم عنه، فيلبسه ثوبي الإحرام ويقول: «اللّهمّ إنّي أحرمت هذا الصبيّ...»، ويأمره بالتلبية، بمعنى أن يلقّنه إيّاها، وإن لم يكن قابلاً يلبّي عنه، و يجنّبه عن كلّ ما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويأمره بكلّ فعل من أفعال الحجّ يتمكّن منه، وينوب عنه في كلّ ما لا يتمكّن، ويطوف به، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات ومنى، ويأمره بالرمي، وإن لم يقدر يرمي عنه، وهكذا يأمره بصلاة الطواف، وإن لم يقدر يصلّي عنه، ولابدّ من أن يكون طاهراً ومتوضّئاً ولو بصورة الوضوء، وإن لم يمكن فيتوضّأ هو عنه، ويحلق رأسه، وهكذا جميع الأعمال.*
* فيه فروع:
1. يجوز للولي أن يحرم بالصبي غير المميّز.
2. هل الصبية مثل الصبيّ؟
3. هل يلحق بهما المجنون؟
4. استحقاق الولي الثواب عليه.
5. ما هو المراد من إحرام الصبي؟
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:

صفحه 52

1. إحرام الصبي غير المميّز

اتّفق أصحابنا، وكثير من غيرهم على جواز إحرام الصبي غير المميّز، قال العلاّمة: وإن كان غير مميّز، جاز لوليه أن يُحرم عنه، ويكون إحرامه شرعيّاً، وإن فعل ما يوجب الفدية كان الفداء على الولي ـ إلى أن قال ـ : وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وهو مروي عن عطاء و النخعي لما رواه العامّة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه مرّ بامرأة وهي في محفّتها، فقيل لها: هذا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذت بعضد صبيّ كان معها وقالت: ألهذا حجّ؟ قال:« نعم، ولك أجر».(1) وبمثل ذلك قال في المنتهى.(2)
ورواه مالك في موطئه.(3)
ورواه الشيخ في التهذيب باسناده، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس(4) ، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: مرّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) برويثة (5) و هو حاج فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها فقالت: يا رسول اللّه أيُحجّ عن مثل هذا؟ قال: «نعم، ولك أجره».(6) والمقصود من قولها: «أيحج عن مثل هذا؟» أيصح الحجّ عن مثله.
وقـد ورد فـي روايـة تحديد سنّ الصبيّ بـأنّه «إذا أثغـر» روى محمـد بن

1 . التذكرة:7/24، المسألة14.
2 . المنتهى:2/648، الطبعة الحجرية.
3 . الموطأ:1/422برقم 244.
4 . المراد به هو الحسن بن علي الوشاء، له روايات بهذا العنوان تبلغ خمسة عشر مورداً. لاحظ معجم الرجال:6، رقم 2951.
5 . موضع بين مكة والمدينة على ليلة منها، معجم البلدان:3/105.
6 . الوسائل:8، الباب20 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 53
الفضيل (1)، قال: سألت أبا جعفر الثاني(عليه السلام)، عن الصبي متى يحرم؟ قال: «إذا أثغر».(2)

2. الصبيّة مثل الصبي

هل الصبيّة مثل الصبي؟ أو يختص الحكم بالثاني، كما هو ظاهر الروايات التي ورد فيها لفظ «الصبيان» التي هي جمع الصبي، لكن الأصحاب ـ كما في الحدائق ـ لم يفرّقوا في هذه الأحكام بين الصبي والصبيّة، وهو جيد، فانّ أكثر الأحكام في جميع أبواب الفقه إنّما خرجت في الرجال مع أنّه لاخلاف في إجرائها في النساء ولا إشكال.(3) أضف إلى ذلك أنّ الصبيان الواردة في النصوص ـ كما سيوافيك ـ و إن كان جمع الصبيّ، لكن المتفاهم عرفاً هو جنس من لم يبلغ ذكراً أم أُنثى.
وربّما يستدلّ على صحة حجّها بروايتين:
1. ما رواه الصدوق عن صفوان(4) ،عن إسحاق بن عمار، قال: سألت أباالحسن(عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».(5)
2. وما رواه الكليني بسند فيه سهل بن زياد الآدمي ـ الذي الأمر فيه

1 . ابن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي الراوي عن الأئمة الثلاثة: الكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) المرمي بالغلو .
2 . الوسائل:8،الباب20 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 2.
3 . الحدائق:14/65.
4 . طريق الصدوق في الفقيه إليه صحيح.
5 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 54
سهل ـ عن ابن محبوب، عن شهاب(1) ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال : «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ، إذا طمثت».(2)
وجه الدلالة، هو أنّ وجه التشبيه في قوله: «وكذلك» هو انّه إذا حَجَّتْ قبل الطمث لا يغني عن حجّة الإسلام، كما أنّ حجّ الصبي كذلك.
وبذلك يظهر ضعف ما استشكل به صاحب المستند على الاستدلال بالروايتين و حيث قال: وفيه عدم دلالتهما على وقوع الحجّ عن الصبيّة، بل وقوع الحجّ عن الصبي، لجواز أن يكون السؤال عن وجوب الحجّ، فأجاب بأنّه بعد الاحتلام والطمث، لا أن يكون السؤال عن الحجّ الواقع، حتّى يمكن التمسّك فيه بالتقرير.(3)
يلاحظ عليه: كيف يقول إنّ السؤال عن ]وقت[ وجوب الحجّ وأنّ الإمام أجاب بأنّه بعد الاحتلام والطمث، مع أنّ الجواب قرينة على أنّ السؤال عن كفاية حجّ غير البالغ، أعني: ابن عشر سنين، عن حجّة الإسلام، فأجاب الإمام بأنّه لا يكفي، ومثله الجارية، أي لايغني حجّها قبل الطمث عن حجّها بعده.

3. حكم المجنون

قد ألحقه المحقّق في «الشرائع» بغير المميّز، وقال: وكذا المجنون، وتلقّاه

1 . والمراد شهاب بن عبد ربه . قال النجاشي في ترجمة إسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه: «عمومتُه:شهاب، وعبد الرحيم،ووهب، وأبوه كلّهم ثقات» له أكثر من 35 رواية، وقال الكشي: ولد عبد ربه من موالي بني أسد من صلحاء الموالي كلّهم خيار فاضلون كوفيون.
2 . الوسائل: 8، الباب12، من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 2.
3 . المستند:11/19.

صفحه 55
الشهيد الثاني في «المسالك»(1) وسبطه في «المدارك»(2)بالقبول، وهو أيضاً ظاهر الجواهر.(3)
وقال في «الحدائق»: وألحق الأصحاب المجنون، واستدلّ عليه في «المنتهى» بأنّه ليس أخفض حالاً من الصبي، وردّ عليه بأنّه ضعيف فإنّه لايخرج عن القياس، مع أنّه قياس مع الفارق.(4)
وعكس في «التذكرة»، ففرّق بين المجنون والصغير، قائلاً: والفرق ظاهر، فإنّ الجنون مرجوّ الزوال عن المجنون في كلّ وقت، فلم يجز أن يُحرم عنه وليّه، لجواز أن يفيق فيحرم بنفسه، وأمّا البلوغ فغير مرجوّ إلاّ في وقته، فجاز أن يحرم عنه وليّه، إذ لا يرجى بلوغه في هذا الوقت حتّى يحرم بنفسه.(5)
أقول: عدم الإلحاق هو الأظهر للفرق بين الصبي والمجنون، فإنّ الأوّل يعدّ إنساناً غير مكلّف، بخلاف المجنون، فإنّه ملحق بما دون الإنسان.

4. استحقاق الولي الثواب

يدلّ عليه صحيح عبد اللّه بن سنان حيث قال: «نعم ولكِ أجره» .(6)

5. ما هو المراد من إحرام الصبي؟

هذا الفرع هو المهم من بين فروع المسألة، وقد فسّره المصنّف بقوله: «والمراد بالإحرام به، جعله محرماً، لا انّه يُحرم عنه»، وحاصله :انّ نسبة الإحرام إلى الصبي

1 . المسالك:2/125.
2 . المدارك:7/24.
3 . الجواهر:17/235.
4 . الحدائق:14/65.
5 . التذكرة:7/25، المسألة14.
6 . الوسائل:8، الباب20 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث1.

صفحه 56
حقيقي، لا مجازي بنيابة الولي عنه، و الأوّل هو صريح الروايات الواردة في المقام . هذا هو إجمال الكلام، وإليك التفصيل:
أمّا كيفية إحرامه وما على الولي من الوظائف، فيأتي ضمن أُمور:
1. أن ينوي الولي الإحرام بالطفل، ووجهه واضح، لأنّ المفروض انّه غير مميّز فينوب عنه في النيّة.
2. يقول ـ عند الإحرام ـ : اللّهم إنّي قد أحرمت بهذا إلى آخر النيّة، ذكره في الدروس(1) و الجواهر(2) ولم يذكرا له دليلاً، ولم يرد في النصوص، بل ظاهرها كفاية نيّته، وذكر السيد الحكيم انّ وجهه استحباب التلفّظ بالنيّة ـ في خصوص الحجّ ـ وفيه نظر، لأنّ مورد النصّ فيما إذا أراد الحج نفسه، لا أن يُحج الغير، وإلغاء الخصوصية مشكل.
والعجب من السيد الخوئي حيث اعترض على المصنّف في هذا المورد بأنّه لا دليل عليه، لأنّ المفروض انّه يحجّ الصبي المميّز الذي يتمكّن من النيّة والتلبية وسائر الأعمال والمراد بالإحجاج هو أن يلقّنه النيّة لا أن يباشرها بنفسه.(3)
وجهه: انّ كلام المصنّف في غير المميّز ، وقد عقد المسألة الثانية لإحجاج غير المميّز.
3. ويأمره بالتلبية، بمعنى أن يلقّنه إيّاها، وإن لم يكن قابلاً يلبّي عنه.
4. ونظيرها الطواف والسعي والرمي والذبح، فإن أحسن فهو، و إلاّ يأتي عنه الولي.
5. ويقف به في عرفات والمشعر.(4)

1 . الدروس:1/262.
2 . الجواهر:17/236.
3 . معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج:1/33.
4 . وفي المتن «منى» وهو سهو من قلمه أو من الناسخ، اللّهم إلاّ إذا أُريد به البيتوتة.

صفحه 57
6. ويجنبه عن كلّ ما يجب على المحرم الاجتناب عنه.
ويدلّ عليه مجموع روايات الباب التي نذكر منها ما يلي:
1. صحيحة زرارة عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فانّه يأمره أن يلبّي ويفرض الحج، فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه، ويطاف به ويصلّى عنه».
قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: «يذبح عن الصغار ويصوم الكبار، ويتّقى عليهم ما يتّقى على المحرم من الثياب والطيب، وإن قتل صيداً فعلى أبيه».(1)
روى الكليني عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: إنّ معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟ فقال: «مر أُمّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها؟»، فأتتها فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فاحرموا عنه و جرّدوه وغسّلوه كما يجرّد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت، ومري الجارية، أن تطوف به بالبيت وبين الصّفا والمروة.(2)
هذا واختلفت كلماتهم في الوضوء إلى أقوال أربعة:
1. ذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى أنّ الولي يتوضّأ للطواف ويطوّفه، فإن كانا غير متوضّئين لم يجزئه الطواف، وإن كان الصبي متطهراً والولي مُحْدثاً لم يجزئه أيضاً، لأنّ الطواف بمعونة الولي يصحّ، والطواف لا يصحّ إلاّ بطهارة. وإن كان الولي متطهراً والصبي مُحدثاً، فللشافعية وجهان.(3)

1 . الوسائل:8، الباب17، من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 5، 1.
2 . الوسائل:8، الباب17، من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 5، 1.
3 . التذكرة:7/30.

صفحه 58
2. ويظهر من «الدروس»، الاكتفاء بطهارة الولي قال:وإذا طاف به فليكونا متطهرين،ويكفي في الصبي صورة الوضوء، ويحتمل الاجتزاء بطهارة الولي.(1)
وفي «الجواهر» أنّ الأحوط طهارتهما معاً، لأنّه المتيقّن من هذا الحكم المخالف للأصل، وإن كان يقوى في النظر الاكتفاء بطهارة الولي كما يومي إليه ما في خبر زرارة من الاجتزاء بالصلاة عنه، ولعلّه فرق بين أفعال الحجّ نفسها، وشرائطها، فيجب مراعاة الصوري منه في الأوّل دون الثاني.(2)
3. واستظهر السيد الحكيم(قدس سره) كفاية صورة الوضوء في الطفل قائلاً: بأنّ المستفاد من النصوص أنّ ما يمكن إيقاعه في الطفل يتعين فيه ذلك ولا يجتزأ بفعل الولي عنه، وما لا يمكن إيقاعه في الطفل ينوب الولي عنه فيه، كما هو مورد خبر زرارة. فلاحظ.(3)
4. وذهب السيد الخوئي إلى سقوط الوضوء عن الصبي فيما إذا لم يكن الطفل قابلاً للوضوء وعن الولي أيضاً، أمّا الأوّل فلأنّ ما ورد من إحجاج الصبي إنّما هو بالنسبة إلى أفعال الحجّ كالطواف والسعي والرمي، ونحو ذلك، وأمّا الأُمور الخارجية التي اعتبرت في الطواف، فلادليل على إتيانها صورة، فإنّ الأدلّة منصرفة عن ذلك، وأنّما تختصّ بأفعال الحجّ. وأمّا الثاني فلأنّه لا دليل على أنّ الولي يتوضّأ عنه فيما إذا لم يكن الطفل قابلاً للوضوء، فإنّ الوضوء من شرائط الطائف لا الطواف، والمفروض أنّ الولي غير طائف وأنّما يطوّف بالصبي، فدعوى إنّه ينوب عنه في الوضوء لا وجه لها، لأنّ النيابة ثابتة في أفعال الحجّ لا في شرائطها.(4)

1 . الدروس:1/262.
2 . الجواهر:17/237.
3 . المستمسك:10/22.
4 . معتمد العروة الوثقى:1/34، كتاب الحجّ.

صفحه 59
المسألة3: لا يلزم كون الوليّ محرماً في الإحرام بالصبيّ، بل يجوز له ذلك وإن كان محلاً.*
وعلى هذا صارت الأقوال أربعة:
1. وجوب الوضوء عليه وإيقاعه في الطفل، كما عليه «التذكرة».
2. كفاية وضوء الولي ، كما عليه «الدروس» و«الجواهر».
3. كفاية صورة الوضوء في جانب الطفل كما عليه السيّد الحكيم.
4. عدم وجوبهما مطلقاً كما عليه السيد الخوئي.
فإن قلت: إذا جاز الطواف بلا وضوء من الولي والمولّى عليه، فلتجز الصلاة من الولي بلا وضوء عن الطفل، فما هو الفرق بين الطواف والصلاة، مع اشتراط كلّ بالوضوء؟
قلت: إنّ الطواف هو فعل الصبي، لأنّه يطاف به، فالطواف فعل له ولو بالتسبيب، فلا يشترط فيه الطهارة للانصراف الذي ادّعاه القائل، بخلاف الصلاة فهي فعل الولي حقيقة، نيابة عن الطفل، ومن المعلوم اشتراط الطهارة في فعل النائب.
ولكن الظاهر هو كفاية صورة الوضوء للطفل إذا أوقعه الولي فيه عملاً بالضابطة المستفادة من الروايات، فكلّ واجب يمكن أن يقوم به الطفل ولو بالتسبيب ـ كالطواف ـ فعلى الطفل، و إلاّ فعلى الوليّ، ودعوى الانصراف في الشروط كما ترى
* لإطلاق النصوص.

صفحه 60
المسألة4: المشهور على أنّ المراد بالوليّ في الإحرام بالصبيّ الغير المميّز الوليّ الشرعيّ من الأب والجدّ والوصيّ لأحدهما والحاكم وأمينه أو وكيل أحد المذكورين، لا مثل العمّ والخال ونحوهما والأجنبيّ. نعم ألحقوا بالمذكورين الأُمّ وإن لم تكن وليّاً شرعيّاً للنصِّ الخاصّ فيها، قالوا: لأنّ الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المذكورين فلا تترتّب أحكام الإحرام إذا كان المتصدّي غيره، ولكن لا يبعد كون المراد الأعمّ منهم وممّن يتولّـى أمر الصبيّ ويتكفّله وإن لم يكن وليّاً شرعيّاً، لقوله(عليه السلام): «قدّموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مرّ...» فإنّه يشمل غير الوليّ الشرعيّ أيضاً، وأمّا في المميّز فاللازم إذن الوليّ الشرعيّ إن اعتبرنا في صحّة إحرامه الإذن.*

* المراد من الولي هو الولي الشرعي

لمّا كان إحرام الصبي لا يفارق التصرّف في ماله، خصّوا جواز إحجاجه بالوليّ الشرعي، مضافاً إلى ما ورد «الولي» في رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «انظروا من معكم من الصبيان، فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مرّ»(1) و يصنع بهم ما يصنع بالمحرم ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه».(2) كما ورد الأب في غير واحدة من الروايات.(3) وقد اختلفت كلّمتهم في المقام إلى أقوال:

1 . موضع بقرب مكّة وربما يقال: «مرّ الظهران».
2 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 3.
3 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث5، 6.

صفحه 61

1. الأب والجدّ

ذهب العلاّمة إلى اختصاص الإحرام بالآباء والأجداد، وانّ لهم ولاية الإحرام بإجماع من سوّغ الحج للصبيان. وهو قول علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي، لأنّ للأب والجدّ للأبّ، ولاية المال على الطفل، فكان له ولاية الإذن في الحجّ، ولا يشترط في ولاية الجدّ عدم الأب.(1)

2. الأب والجدّ والأُمّ

عطف الشيخ الأُمَّ على الأب والجدّ، لورودها في صحيحة عبد اللّه بن سنان حيث مرّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) برويثة وهو حاج فقامت إليه امرأة الخ.(2) ويؤيده صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج.(3)

3. الوليّ الشرعي

المراد مطلق الولي الشرعي الذي يجوز له التصرّف في مال الصبي، وهو خيرة المحقّق حيث قال: والولي هو من له ولاية المال، كالأب والجدّ للأب والوصيّ.(4)
وعلى ذلك كان عليه عطف الحاكم على الوصي، بل استظهر صاحب المدارك من كلام المحقّق حيث قال: وربما ظهر من قول المصنف(رحمه الله) :«والولي هو من له ولاية المال» ثبوت الولاية في ذلك للحاكم أيضاً، ونقل عن الشيخ(رحمه الله)

1 . التذكرة:7/26ـ27، المسألة16.
2 . الوسائل:8، الباب20 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
3 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث1.
4 . شرائع الإسلام:1/225، تحقيق عبد الحسين محمد علي البقال.

صفحه 62
في بعض كتبه(1)، التصريح بذلك.(2)
وعلى ضوء ذلك وسّع المصنف من له الولاية في المال، إلى وكيل الوصي والحاكم.

4. عدم اختصاصه بالولي الشرعي

ذهب المحقّق النراقي في المستند وتبعه المصنّف والسيد الخوئي إلى عدم اختصاص إحرام الصبي بالولي الشرعي، بل يجوز لكلّ أحد أن يحرم الصبي ما لم يستلزم التصرف في ماله، تمسّكاً بإطلاق صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: انظروا من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مرّ....
وخص السيّد الحكيم تصدّي الأُمّ للإحرام بما إذا كانت مأذونة بذلك ـ ولو بالاستئذان من وليّه الشرعي ـ أو إذا نصبها الحاكم للقيام بأُمور الصبي لا مطلق الأُمّ ولو لم تكن لها الولاية و لا الإذن، وإطلاق الرواية ناظر إلى نفي القصور من جهة الطفل، لا نفي القصور من جهة أُخرى ـ أي الأُمّ ـ ومقتضى حرمة التصرّف بالصبي بغير إذن وليّه عدم الجواز بالنسبة إلى الأُمّ، كغيرها من الأجانب.(3)
أقول: إنّ النبي، أمر الأُمّ بإحرام الصبي، فلو كان الإحرام مشروطاً بولايتها، كان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) السؤال عن حالها، وتصوّر أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يعلم أنّ لها الولاية، غير كاف في مقام الإفتاء، ضرورة انّ الشرط ليس ممّا يلتفت إليه العامة، فكما أنّ هذا التضييق في غير محلّه، وهكذا التوسيع الذي اختاره الأعلام الثلاثة واستدلّ عليه في «المستند» بقوله: والأخبار غير دالة على التخصيص، لأنّ قوله: «من كان معكم من الصبيان» أعمّ ممّن كان مع وليّه أو غيره، وهكذا لا اختصاص في الأمر

1 . المبسوط:1/328.
2 . مدارك الأحكام:7/26.
3 . المستمسك:10/23.

صفحه 63
المسألة5: النفقة الزائدة على نفقة الحضر، على الوليّ، لا من مال الصبيّ إلاّ إذا كان حفظه موقوفاً على السفر به أو يكون السفر مصلحة له.*
بقوله: «قدّموا» و «فجرّدوه» و«لبّوا عنه» وغير ذلك، فإن ثبت الإجماع فيه فهو وإلاّ فالظاهر جوازه لكلّ من يتكفّل طفلاً غاية الأمر، لا يتعلّق أمر مالي بالطفل، بل يكون على المباشر.
يلاحظ عليه: أنّ الروايات في مقام البيان في جانب الصبي، وانّه لا فرق بين صبي وصبيّ، لا في مقام بيان شرائط المتكفّل بأمر الصبي، فلا يصحّ التمسّك بها من هذه الجهة.
مضافاً إلى أنّ القائمين بهذا الأمر، في الأغلب كانوا هم الأولياء، وهذا يشكِّل قرينة، لعدم انعقاد الإطلاق فيها.
* لا شكّ انّ مؤونة الصبي فيما يتوقّف عليه حياته من المأكل والملبس والمسكن على مال الصبي ـ إن كان له مال ـ من غير فرق بين السفر والحضر.
وأمّا مؤونة السفر، فظاهر إطلاق الأصحاب انّها على الولي:
قال المحقّق: «ونفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل».
وقال العلاّمة:مؤونة حجّ الصبي ونفقته الزائدة في سفره تلزم الولي ـ مثل آلة سفره وأُجرة مركبه وجميع ما يحتاج إليه في سفره ممّا كان مستغنياً عنه في حضره ـ و هو ظاهر مذهب الشافعي، وبه قال مالك وأحمد، لأنّ الحجّ غير واجب على الصبي، فيكون متبرعاً، وسببه الولي فيكون ضامناً، وليس للولي صرف مال الطفل في ما لا يحتاج إليه وهو غير محتاج حال صغره إلى فعل الحجّ، لوجوبه عليه حال كبره، وعدم إجزاء ما فعله في صغره عمّا يجب عليه في كبره.(1)

1 . التذكرة:7/31ـ32، المسألة19.

صفحه 64
المسألة6: الهدي على الوليّ، وكذا كفّارة الصيد إذا صاد الصبيّ، وأمّا الكفّارات الأُخر المختصّة بالعمد فهل هي أيضاً على الوليّ، أو في مال الصبيّ، أو لا يجب الكفّارة في غير الصيد، لأنّ عمد الصبيّ خطأ، والمفروض أنّ تلك الكفّارات لا تثبت في صورة الخطاء؟ وجوه لا يبعد قوّة الأخير، إمّا لذلك، وإمّا لانصراف أدلّتها عن الصبيّ، لكن الأحوط تكفّل الوليّ، بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الأقوى، لأنّ قوله(عليه السلام) : «عمد الصبيّ خطأ» مختصّ بالديات، والانصراف ممنوع، وإلاّ فيلزم الالتزام به في الصيد أيضاً.*
وقال في «الدروس»: والنفقة الزائدة على نفقة الحضر تلزم الولي.(1)
وحاصل الاستدلال أمران:
1. انّ الولي هو السبب للنفقة الزائدة.
2. انّه المنتفع بالأجر دون الصبي غير المميز.
ونقل عن الشافعي أنّه قال: على الصبي، مستدلاً بأنّ ذلك من مصلحته كأُجرة معلّمه ومؤونة تأديبه، فكان كما لو قبل له النكاح يكون المهر عليه.
لكن القياس مع الفارق فانّ الصبي ينتفع بالتعليم بعد كبره ولو فاته قبله لا يدرك في الكبر، كما أنّ المنكوحة ربما تفوت.
ومع ذلك يجب تقييد إطلاق كلام الأصحاب بما إذا لم تكن حياته موقوفة على السفر، أو لم يكن السفر مصلحة له كما في الأسفار للاصطياف والتنزّه، و عليه المصنّف في المتن.
* يقع الكلام في مقامات ثلاث:

1 . الدروس:1/261.

صفحه 65
1. ثمن الهدي.
2. كفّارة الصيد التي لايختلف حكمها في حالتي العمد والسهو.
3. كفّارة غيره ممّا يختلف حكمه عمداً وسهواً، كالتطيب والاستظلال.

1. ثمن الهدي على الوليّ

هل ثمن الهدي على الطفل إذا كان له مال، أو على الوليّ، لم أجد نصاً للأصحاب في المقنعة والنهاية والمبسوط والمهذّب لابن البراج والغنية والسرائر والتذكرة والمدارك والمسالك غير ما في الدروس و الجواهر.
قال في الأوّل: وأمّا الهدي فعلى الولي.(1)
و قال في الثاني: وأمّا الهدي الذي يترتب عليه بسبب الحجّ، فكأنّه لا خلاف بينهم في وجوبه على الولي الذي هو السبب في حجّه. (2)
وعلى أيّ حال فلعلّ عدم الخلاف لكون المسألة منصوصة، وقد ورد فيها روايات ثلاث:
1. ما رواه إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكة بعمرة، وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام؟قال: «قل لهم: يغتسلون ثمّ يُحْرمُون واذْبحُوا عنهم كما تَذبحُون عن أنفسكم».(3) وظاهرها وجوب الهدي على الولي، سواء أكان الغلام ذا مال أم لا، وسقوط الهدي إذا لم يكن للولي مال وإن كان للطفل مال.
2. صحيحة زرارة عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير»

1 . الدروس:1/261.
2 . الجواهر:17/239.
3 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث2.

صفحه 66
إلى أن قال: قلت ليس لهم ما يذبحون؟ قال: «يذبح عن الصغار ويصوم الكبار».(1)
وأورد عليه السيد الحكيم بعدم الإطلاق في الرواية فيما إذا كان الطفل متمكناً من ثمن الهدي، بل القدر المتيقّن هو ما إذا لم يكن الطفل غير متمكن، وذلك لأنّ الأمر بالذبح عنهم إنّما كان بعد قول السائل:«ليس لهم ما يذبحون» فلا يدلّ على الحكم في صورة تمكّن الطفل منه.(2)
ولم أقف على أنّه(قدس سره) من أين استظهر من أنّ مورده، عدم تمكّن الطفل من الهدي، فانّ الضمير في قوله:«ليس لهم ما يذبحون» يرجع إلى الأولياء الذي يدلّ عليه قوله: «فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه... قلت: ليس لهم ما يذبحون» وهو أعمّ من أن يكون للطفل مال أو لا، اللّهمّ إلاّ إذا قيل بأنّ المفهوم من قوله: «ليس لهم ما يذبحون» هو فقر العائلة ولياً كان أو مولّى عليه. فتكون الرواية غير دالّة على صورة تمكّن الطفل منه.
3. رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «انظروا من كان منكم...ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، ويطاف بهم و يرمى عنهم، ومن لايجد الهدي منهم فليصم عنه وليه». (3) ربما يقال:انّ ظاهر الرواية انّ ثمن الهدي على مال الطفل، حيث قال: «ومن لا يجد الهدي منهم» أي الأطفال، فلو وجد، فعليه الهدي، وإلاّ يصوم وليه عنه فيفصل بين كون الطفل فقيراً أو ثريّاً.

1 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث5.
2 . المستمسك:10/25.
3 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 3.

صفحه 67
يلاحظ عليه: أنّ المتفاهم من هذه التعابير، فقر العائلة، لا فقر الطفل خصوصاً فيتحدّ مضمونها مع رواية زرارة، فتكون الرواية ناظرة إلى صورة فقر الولي والطفل، و أمّا إذا كان الطفل متمكّناً فالرواية ساكتة عنه، فيكون المرجع هو إطلاق إسحاق بن عمّار.
فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ مقتضى إطلاق إسحاق بن عمّار كونه على الولي مطلقاً، و أمّا الأخيرتان فموردهما، فقر العائلة فيتعيّن على الولي، أن يذبح عن الطفل ويصوم عن نفسه، إذا تمكّن من ثمن الهدي الواحد، وإلاّ فيصوم مطلقاً; وأمّا صورة تمكّن الطفل، فخارج عن مدلول الروايتين، فيرجع عندئذ إلى إطلاق رواية إسحاق بن عمّار.

2. كفّارة الصيد على الوليّ

اختلفت كلماتهم في كفّارة الصيد إذا صاد الصبي محرماً إلى أقوال:
1. ذهب العلاّمة إلى أنّه يجب في مال الصبي. قال: فإن فعل الصبي شيئاً من المحظورات فان وجب به الفداء على البالغ في حالتي عمده وخطئه كالصيد، وجب عليه الجزاء، لأنّ عمد الصبي كخطأ البالغ.
ويجب في مال الصبي، لأنّه مال وجب بجنايته، فوجب أن يجب في ماله، كما لو استهلك مال غيره، وهو أحد وجهي الشافعية.(1)
يلاحظ عليه بوجود الفرق بين الجناية والكفّارات، فإنّ الجناية سبب للضمان وهو حكم وضعي يتعلّق بذمة الجاني من دون فرق بين البالغ والصبي، وهذا بخلاف الكفّارات فانّه حكم تكليفي وإيجاب لأداء شيء من ماله،

1 . تذكرة الفقهاء:7/32ـ 33، المسألة20.

صفحه 68
والمفروض انّه غير مكلّف، فكيف يجب عليه الأداء؟
2. تتعلّق الكفّارة بوليّه. حكاه الشيخ في «المبسوط» قولاً و قال: قيل الصيد يتعلّق به الجزاء على كلّ حال.(1)
ونقله العلاّمة في «التذكرة» عن الشافعي مستدلاً بأنّ الوليّ هو الذي ألزمه الحجّ بإذنه، فكان ذلك من جهته ومنسوباً إليه.(2)
و هذا هو الحقّ للنصّ، أعني صحيحة زرارة: وفيها «و إن قتل صيداً فعلى أبيه».

3. كفّارة ما يختلف حكم عمده وسهوه

وقد تضاربت الأقوال في هذه الصورة لفقدان النصّ.
1. فقال الشيخ: الظاهر انّه تتعلّق به الكفّارة على وليّه.(3)ووصفه في «التذكرة» بأنّه أصحّ القولين و قال: وبه قال مالك، لأنّه الذي أوقعه وغرّر بماله.(4)
ولأنّ الولي يجب عليه منع الصبي عن هذه المحظورات، ولو كان عمده خطأ لما كان وجب عليه المنع.(5)
2. انّه على الصبي، لأنّ الوجوب بسبب ما ارتكبه .(6)
3. لا تتعلّق به الكفّارة واحتمله الشيخ أيضاً ووصفه بالقوة وقال: وإن قلنا: لا يتعلّق به شيء لما روي عنهم(عليهم السلام) : أنّ عمد الصبي وخطائه سواء، والخطاء

1 . المبسوط:1/329.
2 . التذكرة:7/33.
3 . المبسوط:1/329.
4 . التذكرة:7/33.
5 . المدارك:7/28.
6 . التذكرة:7/33.

صفحه 69
في هذه الأشياء لا يتعلّق به كفّارة من البالغين، كان قوياً.(1)
ونقله العلاّمة عن الشيخ في «التذكرة» واستجوده في «المدارك» وقال: لو ثبت اتحاد عمد الصبي وخطائه على وجه العموم، لكنّه غير واضح، لأنّ ذلك إنّما ثبت في الديات خاصة.
وقال الشهيد في «الدروس»: وأمّا اللازمة عمداً وسهواً كالصيد فبناها الشيخ على أنّ عمده في الجناية على الأولى خطأ.(2)
ولا يخفى ضعف كلّ ما استدلّ به على الأقوال الثلاثة ولا يصحّ الإفتاء بها، خصوصاً، ما استدلّ به على الأخير لما أشار إليه صاحب المدارك في كلامه من اختصاصه بالديات وإلاّ فيلزم أن لا يكون تكلّم الصبي في الصلاة ولا أكله في الصوم عمداً مبطلاً، لأنّ عمده وخطأه واحد ولا مناص من اختصاص القاعدة بباب الديات. ويدلّ على ذلك أمران:
الأوّل: تذييلها في بعضها بقوله:«تحمله العاقلة». وذلك انّ هنا روايتين:
1. ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «عمد الصبي وخطاه واحد».(3)
2. ما رواه إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه أنّ علياً كان يقول: «عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».(4)فانّ ذيل الحديث يكشف عن اختصاصه بالديات.
الثاني: انّ ظاهر الحديثين انّ عمد الصبي إنّما يُحسَب خطأ، فيما لو كان للفعل في الحالتين حكمان مختلفان، كما في القتل مثلاً فالعمد، محكوم بالقصاص قال سبحانه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْل إِنَّهُ

1 . المبسوط:1/329.
2 . الدروس:1/261.
3 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث 2و3.
4 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث 2و3.

صفحه 70
كانَ مَنْصُوراً)(1) وفي آية أُخرى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها).(2)
لكن الخطأ منه محكوم بالدية، قال سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطأً فَتَحْريرُ رَقَبة مُؤْمِنَة وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيةٌ مُسَلَّمةٌ إِلى أَهْلِهِ)(3)، ففي هذا المورد يحسب عمد الصبي خطأ فيحكم بالدية وتحمله العاقلة.
وأمّا إذا كان العمد محكوماً بحكم دون أن يكون الخطأ محكوماً بحكم أصلاً كما في المقام، فان التطيب والاستظلال محكومان بالكفّارة في حالة العمد، دون أن يكونا محكومين بحكم آخر في حالة الخطأ، ففي مثله ليس للخطأ حكم حتّى يقال انّ عمد الصبي يلحق بخطائه.
ومع ذلك فالوجه الأخير هو المتعيّن لوجهين:
1. حديث رفع القلم عن الصبي، فإنّ قلم التكليف مرفوع عنه، ولازم ذلك عدم وجوب الكفّارة لا عليه ولا على وليّه، لأنّ الكفّارة لأجل مخالفة التكليف والمفروض عدمه ووجوبها في الصيد على الولي خرج بالدليل، وذلك لأنّ أمر الصيد عظيم، قال سبحانه: (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقام).(4)
2. انصراف الأدلّة عن الصبي، لا لأجل انّ الكفّارة في الحقيقة تأديب و عقوبة، والصبي لا عقوبة على مخالفته حتّى يقال بأنّ قسماً منها ليس كذلك كما في التستر أو التظلل الاضطراريين، بل لأنّ الخطاب متوجّه في الأحكام الشرعية والعقلية إلى العقلاء البالغين و لا يخرج عن هذه الضابطة إلاّ بدليل.(5)

1 . الإسراء:33.
2 . النساء:93.
3 . النساء:92.
4 . المائدة:95.
5 . السرائر:1/137.

صفحه 71
المسألة7: قد عرفت أنّه لو حجّ الصبيّ عشر مرّات، لم يجزه عن حجّة الإسلام، بل يجب عليه بعد البلوغ والاستطاعة، لكن استثنى المشهور من ذلك، ما لو بلغ وأدرك المشعر، فانّه حينئذ يُجزي عن حجّة الإسلام، بل ادّعى بعضُهم الإجماعَ عليه وكذا إذا حجّ المجنون ندباً ثمّ كمل قبل المشعر.*
* ما ذكره (قدس سره) ونسبه إلى المشهور، نسبه الشيخ الطوسي في «الخلاف» إلى إجماع الفرقة كعادته في أكثر المسائل حيث يدّعي الإجماع لأجل وجود الدليل في المسألة، وعلى كلّ تقدير فقد مرّت المسألة بمراحل ثلاث:
الأُولى: مرحلة الجزم وإجزاؤه قطعاً عن حجّة الإسلام بدرك المشعر الاختياري فضلاً عن درك الموقفين، وهذا ظاهر من الشيخ في «الخلاف» و«المبسوط»، وابن حمزة في «الوسيلة»، والعلاّمة في «التذكرة» ونسبه في «الحدائق» إلى أكثر الأصحاب.(1)
قال الشيخ في «الخلاف»: وإن كملا (الصبي والعبد) قبل الوقوف، تعيّن إحرام كلّ واحد منهما بالفرض، وأجزأه عن حجّة الإسلام، وبه قال الشافعي.(2)
وقال في «المبسوط»: فإن بلغ الصبي أو أعتق العبد، أو رجع إليه العقل قبل أن يفوته المشعر الحرام فوقف بها أتى بباقي المناسك، فإنّه يجزيه عن حجّة الإسلام.(3)

1 . الحدائق:14/60.
2 . الخلاف:2/378، كتاب الحج، المسألة 226.
3 . المبسوط:1/297.

صفحه 72
وقال ابن حمزة: فإن بلغ قبل الوقوف بالموقفين، أو بأحدهما أجزأ عن حجّة الإسلام.(1)
وقال العلاّمة: وإن بلغ الصبي أو أُعتق العبد قبل الوقوف بالمشعر، فوقف به أو بعرفة معتَقاً وفعل باقي الأركان، أجزأ عن حجّة الإسلام، وكذا لو بلغ أو أُعتق و هو واقف عند علمائنا أجمع .وبه قال ابن عباس، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.(2)
الثانية: مرحلة التردد، وأوّل من أظهر التردد هو المحقّق في «الشرائع»، ثمّ العلاّمة في« التحرير» و«المنتهى».
قال المحقّق: ولو دخل الصبي المميز والمجنون في الحجّ ندباً ثمّ كمل كلّ واحد منهما في المشعر أجزأ عن حجّة الإسلام على تردد.(3)
وقال في «التحرير»: وإن أدرك أحد الموقفين بالغاً، ففي الإجزاء نظر، والوجه الإجزاء.(4)
وقال في «المنتهى»: ولو أدرك أحد الموقفين بالغاً ففي الإجزاء تردد، ولو قيل به كان وجهاً.(5)
الثالثة: مرحلة الإنكار، وهو الظاهر من الفيض في المفاتيح والبحراني في «الحدائق الناضرة».
قال الفيض:وأُلحق به المجنون والمميز إذا أدركاه مع العقل والبلوغ وهو قياس مع الفارق.(6)
وقال البحراني : فإنّي لم أقف على دليل في المسألة إلاّ ما يدّعى من الإجماع،

1 . الوسيلة:195.
2 . التذكرة:7/38.
3 . الشرائع:1/225، في حجة الإسلام.
4 . التحرير:1/543.
5 . المنتهى:1/649.
6 . مفاتيح الشرائع:296.

صفحه 73
واستدلّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: النصوص الواردة في العبد على ما سيأتي بدعوى عدم خصوصيّة للعبد في ذلك، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب، لعدم الكمال ثمّ حصوله قبل المشعر، وفيه إنّه قياس، مع أنّ لازمه الالتزام به فيمن حجّ متسكّعاً، ثمّ حصل له الاستطاعة قبل المشعر ولا يقولون به.
الثاني: ما ورد من الأخبار من أنّ من لم يحرم من مكّة أحرم من حيث أمكنه، فإنّه يستفاد منها أنّ الوقت صالح لإنشاء الإحرام، فيلزم أن يكون صالحاً للانقلاب أو القلب بالأولى وفيه ما لا يخفى.
الثالث: الأخبار الدالّة على أنّ من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ،وفيه أنّ موردها من لم يحرم فلا يشمل من أحرم سابقاً لغير حجّة الإسلام، فالقول بالإجزاء مشكل، والأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان مستطيعاً، بل لا يخلو عن قوّة.*
وعليه اعتمد شيخنا الشهيد الثاني في «المسالك». وفيه انّه قد طعن في مسالكه في هذا الإجماع في غير موضع، فالظاهر هو عدم الإجزاء.(1)
هذه هي المراحل الثلاث التي مرّت المسألة عليها واستقوى الإجزاء صاحب الجواهر(2) ،وسيّدنا الأُستاذ في تحريره. والعمدة دراسة أدلّة القول بالإجزاء، وقد استدلّ عليه بوجوه ثلاثة:
* 1. ما دلّ على أنّ العبد لو أُعتق قبل إدراك المشعر ـ أو فيه ـ يجزي.

1 . الحدائق:14/61.
2 . الجواهر:17/231.

صفحه 74
قال في «التذكرة»:وما رواه معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): مملوك أعتق يوم عرفة، قال: «إذا أدرك الموقفين فقد أدرك الحجّ». هذا وقد عقد في الوسائل باباً تحت عنوان «المملوك إذا حجّ فأدرك أحد الموقفين معتقاً، أجزأه عن حجّة الإسلام».(1)
وجه الاستدلال: هو التمسّك بكلية الكبرى و انّ المورد غير مخصص.
يلاحظ عليه: أنّ الكبرى، هو «إذا أدرك العبد أحد الموقفين فقد أجزأ، لا كلّ من أدرك الموقفين، فإسراء الحكم من العبد إلى الصبي قياس لا نقول به، بل قياس مع الفارق كما صرّح به في المدارك.(2) لأنّ العبد أتى بالعمرة بالغاً فالمقتضي كان موجوداً والمانع غير مفقود، فورد النص بأنّه إذا أُزيل المانع قبل الموقفين صحّ، وأين هو في من حجّ فاقداً للمقتضي، مع أنّ لازمه الالتزام به فيمن حجّ متسكّعاً، ثمّ حصل له الاستطاعة قبل المشعر مع أنّهم لم يلتزموا به.
2. ما استدلّ به في «المنتهى» بأنّه زمان يصحّ إنشاء الحجّ فيه فكان مجزياً، بأن يجدّد فيه نية الوجوب. (3) وهو إشارة إلى ما ورد من أنّ من لم يحرم ـ للحجّ ـ من مكة، أحرم من حيث أمكنه، فيستفاد منه انّ الوقت صالح لإنشاء الإحرام، فيلزم أن يكون صالحاً للانقلاب أو القلب، بطريق أولى.
وما ورد في هذا الباب، بين ما يرجع إلى من نسي إحرام العمرة و من نسي إحرام الحجّ. وعلى كلّ تقدير، فتدلّ الروايات على صلاحية الزمان لإنشاء الإحرام للعمرة أو الحجّ، فليكن صالحاً للقلب والانقلاب.
يلاحظ عليه: بأنّ أقصى ما تدلّ عليه النصوص أنّ الزمان صالح للبالغ،

1 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 1، 2 وغيرهما.
2 . المدارك:7/22.
3 . المنتهى:2/649.

صفحه 75
لإنشاء الإحرام لمن ينوي حجّة الإسلام من أوّل الأمر، وأمّا كونه صالحاً لقلب إحرام من لم ينو حجّة الإسلام إليها فلا تدلّ عليه.
3. الأخبار الدالّة على أنّ من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ. روى عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) :«من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ».(1)
وأورد على الاستدلال في المتن بأنّ موردها: «من لم يُحرم» فلا يشمل من أحرم سابقاً بغير حجة الإسلام.
يلاحظ عليه: بأنّ موردها من أحرم للحج; ففي رواية محمد بن فضيل، قال: سألت أبا الحسن عن الحدّ الذي إذا أدركه الرجل أدرك الحجّ؟ فقال: «إذا أتى جمعاً والناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ ولا عمرة له، وإن لم يأت جمعاً حتّى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حجّ له».(2) فإنّ من يأت مع الناس إلى المشعر، يأت محرماً، لا غير محرم، ومثله سائر الروايات، ولعلّ المصنّف لم يمعن النظر فيها وحملها على من لم يحرم.
ومع ذلك فلا يصلح للاستدلال، لأنّ موردها من أحرم بالغاً، للحج، ولم يدرك عرفة، وأدرك المزدلفة فعندئذ فقد أدرك الحجّ، وأين هو ممّن أحرم غير بالغ وأدرك المشعر بالغاً؟
والحاصل: انّ إلغاء الخصوصية في موارد الأقسام الثلاثة أمر مشكل وإن كان مورثاً للظن بوحدة الحكم.
فإن قلت: إنّ عمومات التشريع الأوّلية تقتضي الصحّة، وليس ما يستوجب

1 . الوسائل:10، الباب23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث13.
2 . الوسائل10، الباب23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3.

صفحه 76
الخروج عنها إلاّ ما تقدّم من النصوص الدالّة على اعتبار البلوغ في مشروعيـة حجّـة الإسلام، لكنّها مختصة بصورة ما إذا وقع تمام الحجّ قبل البلوغ، ولا تشمل صورة ما إذا بلغ في الأثناء، فتبقى الصورة المذكورة داخلة في الإطلاق المقتضي للصحّة.(1)
قلت: إنّ إطلاق رواية إسحاق بن عمّار يشمل صورة البلوغ في أثناء الحجّ قال: سألت أبا الحسن عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال:« عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت»، فإنّ احتمال بلوغ ابن عشر سنين في أثناء الحجّ وإن كان بعيداً، لكن احتمال طمث الجارية في الأثناء ليس ببعيد، إذ ربما يتقدم الطمث، على العشر سنين.
وربما يستدلّ للمشهور بأنّ طبيعة الحجّ، طبيعة واحدة مشتركة بين الصبي والبالغ، وإنّما الاختلاف في الحكم بمعنى انّه مستحبّ لطائفة، وواجب على طائفة أُخرى كالبالغين، نظير المقام فانّه إذا بلغ أثناء الصلاة أو بعدها في أثناء الوقت لا يجب عليه إعادة الصلاة، لأنّه طبيعة واحدة، نعم ورد النصّ على أنّ حجّ الصبي إذا وقع بتمامه حال الصغر لا يجزي، و بهذا المقدار تخرج عن مقتضى القاعدة.
وأورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ وحدة الصورة لا تكشف عن وحدة الحقيقة، فانّ صلاة النافلة كالفريضة، وصلاة الظهر كصلاة العصر، ولكنّها حقائق مختلفة، فالروايات الواردة في عدم إجزاء حجّ العبد، وكذا حجّ المتسكّع، يكشف عن اختلاف الحقيقة وانّ حجّة الإسلام لها عنوان خاصّ تختلف حقيقته

1 . المستمسك:10/31.

صفحه 77
وعلى القول بالإجزاء يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد، من أنّه هل يجب تجديد النيّة لحجّة الإسلام أو لا؟ وانّه هل يشترط في الإجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا؟ وانّه هل يجري في حجّ التمتّع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا؟ إلى غير ذلك.*
عن حجّ الصبي وإن كان مشابهاً مع حجّه.(1)
ويمكن أن يقال بوجود الفرق بين المثال والممثل، فانّ اختلاف النافلة والفريضة وما عطف عليها أي هو في العناوين التي يجب قصدها عند الإتيان بها، فلو قصد النافلة فلا يجزي عن الفريضة لانتفاء العنوان، بخلاف الحجّ فانّه في عامة المراحل عمل واحد نفلاً كان أو فرضاً، ولا يجب قصدهما حتّى لا يجزي أحدهما عن الآخر، نعم ورد النصّ، انّ من حجّ متسكعاً ثمّ استطاع، أو حجّ العبد ثمّ أعتق وصار مستطيعاً، يجب عليه الحجّ مرّة أُخرى.
وعلى كلّ تقدير فالإجزاء أقرب، وإن كان الجزم به مشكل فالأحوط الإعادة.
* ثمّ إنّ هنا فروعاً تتفرع على القول بالإجزاء وهي:
1. وجوب تجديد النية للإحرام بحجّة الإسلام وللوجوب كذلك في الوقوف، لأنّه لا عمل إلاّ بالنيّة. اللّهم إلاّ أن يقال بكفاية نية ما في الذمة وإن غفل عن الخصوصية، ولعلّه الأقوى لخلوّ نصوص العبد من تجديد النية.
2. عدم اعتبار الاستطاعة بعد البلوغ من البلد أو الميقات، بل يكفي الاستطاعة في المكان الذي بلغ فيه لإتيان ما بقي من الأعمال، ويؤيده إطلاق

1 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/46.

صفحه 78
المسألة8: إذا مشى الصبيّ إلى الحجّ فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان مستطيعاً لا إشكال في أنّ حجّه حجّة الإسلام.*
المستطيع، نعم لو وجب له الرجوع إلى الميقات وكان الوقت وسيعاً تعيّن اعتبار الاستطاعة من الميقات.
3. هل يجزي من حجّ التمتع مع كون العمرة بتمامها وقعت قبل البلوغ أو لا؟ إذ القدر المتيقّن ممّا استدلّ به من إجزاء إدراك المشعر، هو الحجّ الافرادي الذي تتأخر عمرته عن حجّه، لا التمتع.
* لا فرق بين أن يكون مستطيعاً، أو صار مستطيعاً في ذلك الوقت فتحصيصه بسبق الاستطاعة كما هو ظاهر كلام المصنف لا وجه له، ويكفي في الاستطاعة، كونه مستطيعاً في الموضع الذي بلغ فيه، لا في بلده، وقطع الطريق، لغاية الوصول إلى الميقات، والمفروض انّه وصل إليه أو إلى مكان قريب منه، وسيوافيك انّه يكفي في الحجّ النيابي استئجار النائب من الميقات لا من بلد المنوب عنه.
واعلم أنّ حجّ الصبيّ على صور:
1. إذا حجّ وهو غير بالغ.
2. إذا حجّ، وقد بلغ قبل الوقوفين.
3. إذا بلغ قبل الإحرام.
وهذه الأقسام الثلاثة قد تعرض لها المصنّف في أوّل الفصل وفي المسألة السابعة والمسألة الثامنة . بقي هنا فرع لم يتعرض له وهو: لو بلغ الصبي بعد الإحرام وقبل الشروع في الأعمال، وهذا نظير استطاعة البالغ بعد الإحرام، فهنا وجوه:

صفحه 79
1. يتمّ الحجّ ندباً.
2. ينقلب إلى حجّة الإسلام.
3. يستأنف الإحرام ويحرم ثانياً من الميقات.
والأوّل هو الأقرب، لأنّه عمل انعقد صحيحاً، فلا يحكم عليه بالبطلان أو الإبطال إلاّ بدليل ـ مضافاً ـ إلى أنّ المحرم لا يحرم ثانياً.
استدلّ للقول الثاني بأنّه إذا صحّ القول بالانقلاب فيما إذا أدرك الموقفين بالغاً، يصحّ في المقام بطريق أولى.
استدلّ للقول الثالث بأنّ الإحرام الأوّل ينكشف فساده بالبلوغ المتأخّر والاستطاعة الطارئة، ولذا لو علم حال الإحرام بأنّه يبلغ بعد يومين مثلاً، أو يستطيع بعدهما، ليس له أن يحرم وهو صبي، فلابدّ من إعادة الإحرام ويرجع إلى الميقات ويحرم إحرام حجّة الإسلام، والحاصل انّ البلوغ أو الاستطاعة يكشف عن بطلان ما أتى به من الإحرام أو العمرة، فيشمله عمومات وجوب الحجّ من الآية والرواية.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الموضوع لبطلان الإحرام الندبي، هو كونه بالغاً أو مستطيعاً، حال الإحرام، لا كونه بالغاً أو مستطيعاً بعد الإحرام، وعلى هذا فالشرط غير موجود، ووجوده في علم اللّه ليس موضوعاً للحكم حتّى يصبح مانعاً عن صحّة الإحرام.
وهكذا الحكم بعلمه بالبلوغ والاستطاعة بعد يومين، فانّه بإحرامه هذا يوجد مانعاً عن فعلية الحكم، كما إذا آجر نفسه وهو فقير واستطاع قبل الإحرام فضلاً عن كونه بعده، فالأمر بالوفاء بالعقود، يمنع عن فعلية الحكم، فإنّ من

1 . معتمد العروة:1/49.

صفحه 80
المسألة9: إذا حجّ باعتقاد أنّه غير بالغ ندباً فبان بعد الحجّ انّه كان بالغاً، فهل يجزي عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان، أوجههما الأوّل، وكذا إذا حجّ الرجل ـ باعتقاد عدم الاستطاعة ـ بنية الندب ثمّ ظهر كونه مستطيعاً حين الحجّ.*
شرائط فعلية الحكم فراغ ذمة المكلّف عن تكليف يجب الوفاء به.
ولو تنزلنا فإلحاق صورة الجهل بالبلوغ والاستطاعة بصورة العلم بهما بعد يومين قياس مع الفارق.
* في المسألة فرعان:
1. إذا حجّ باعتقاد أنّه غير بالغ فبان بعد الحجّ أنّه كان بالغاً.
2. إذا حجّ باعتقاد أنّه غير مستطيع ثمّ بان كونه مستطيعاً.
وقد تعرض للفرع الثاني في المسألة السادسة والعشرين وفصّل فيها بين كون قصد الندب من باب التقييد، أو من باب الخطأ في التطبيق، فحكم بالإجزاء في الثاني دون الأوّل وقال:«إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فحجّ ندباً، فإن قصد امتثال الأمر المتعلّق به فعلاً، وتخيّل انّه الأمر الندبي، أجزأ عن حجّة الإسلام، لأنّه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق، وإن قصد الأمر الندبي على وجه التقييد لم يجز عنها و إن كان حجّه صحيحاً.
وعلى كلّ تقدير فهل هو صحيح مطلقاً، لأنّ ظاهر حال المسلم انّه يقصد في كلّ الأحوال، ما هو وظيفته شرعاً لكنّه يتخيل انّ الوظيفة، هو الحجّ المندوب، ولو كان واقفاً على بلوغه لما عدل عن الفرض؟ أو ليس بصحيح، لأنّه نوى الأمر الندبي ولم ينو الأمر الوجوبي، فلا يتحقّق امتثال الأمر الوجوبي بقصد امتثال أمر غيره فلا موجب للسقوط.

صفحه 81
...الشرط الثالث: الاستطاعة من حيث المال، وصحّة البدن، وقوته، وتخلية السرب، وسلامته، وسعة الوقت وكفايتة بالإجماع والكتاب والسنّة.*
أو يفصّل بما ذكره في المسألة السادسة والعشرين من التفريق بين التقييد والتطبيق في الخطأ.
نظير ما ذكروه في باب الائتمام بزيد فبان انّه عمرو، فلو كان الاقتداء بزيد من باب الداعي، يصحّ الاقتداء، لأنّ تخلّفه لا يضر، بخلاف ما إذا كان من باب التقييد فانّ انتفاء القيد، يكشف عن عدم قصده الاقتداء.
أقول: إنّ تصوير التقييد وعدمه في العمل الخارجي لا يخلو من إشكال، فانّه على كلّ تقدير اقتدى بالإمام وصلّى معه، سواء كونه من باب الخطأ في التطبيق أو من باب التقييد، نظير ذلك فيما إذا اشترى فرساً عربياً فبان عجمياً، فقد فصّلوا فيه بين كون العربية قيداً أو داعياً، مع أنّه اشترى الفرس المعيّن.
وإنّما يتصوّر في المبيع الكلّي، فتارة يكون القيد المأخوذ، قيداً، جزءاً للمبيع فيكون الفاقد مبائناً للمعقود عليه، وأُخرى داعياً، فيُعدّ الفاقد، مصداقاً للمعقود عليه.
***
وقد تركنا البحث في الشرط الثاني: الحرية، لعدم الابتلاء به في الوقت الحاضر، ولذلك حذفناه متناً أيضاً وانتقلنا إلى الشرط الثالث وهو الاستطاعة.
***
* أقول: والجميع من شؤون الاستطاعة ويمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية:
1. الاستطاعة المالية.

صفحه 82
المسألة1: لا خلاف ولا إشكال في عدم كفاية القدرة العقليّة في وجوب الحجّ، بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعيّة، وهي كما في جملة من الأخبار الزاد والراحلة، فمع عدمهما لا يجب و إن كان قادراً عليه عقلاً بالاكتساب ونحوه، وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصّاً بصورة الحاجة إليها لعدم قدرته على المشي، أو كونه مشقّة عليه أو منافياً لشرفه، أو يشترط مطلقاً و لو مع عدم الحاجة إليه، مقتضى إطلاق الأخبار والإجماعات المنقولة الثاني، وذهب جماعة من المتأخّرين إلى الأوّل.*
2. الاستطاعة البدنية.
3. الاستطاعة المكانية، بأن يكون الطريق آمناً.
4. الاستطاعة الزمانية، بأن يكون الوقت وسيعاً لتحصيل المقدّمات.
ولو فقد واحد منها، لاختلّت الاستطاعة بضرورة الفقه.
قال في «الجواهر» عند شرح قول المحقّق: الثالث الزاد والراحلة: لأنّهما من المراد بالاستطاعة التي هي شرط في الوجوب بإجماع المسلمين، والنصّ في الكتاب المبين، والمتواتر من سنّة سيّد المرسلين، بل لعلّ ذلك من ضروريات الدين كأصل وجوب الحجّ، وحينئذ فلو حجّ بلا استطاعة لم يجزه عن حجّة الإسلام لو استطاع بعد ذلك .... (1)

الاستطاعة المالية

* لا إشكال في عدم وجوب الحجّ مع القدرة العقلية التي تجتمع مع حجّ

1 . الجواهر:17/248.

صفحه 83
المتسكّع والمستجدي، وغيرهما ممن يتمكن من الحجّ مع المشقة والحرج; ولو أُريد من الاستطاعة الواردة في الآية، القسم العقلي منها، لما احتاج إلى ذكرها في الآية، لأنّ التكاليف عامة مشروطة بالقدرة، كما هو واضح فلابدّ أن يراد منها، الفرد الآخر الذي ربما يعبّر عنه بالاستطاعة الشرعية.
ثمّ إنّه وقع الكلام في تفسيرها، فالمشهور لدى الفريقين، هو الزاد والراحلة، فلا يجب على من لا يملك الراحلة وإن تمكن من المشي ولا بأس بنقل كلمات الفقهاء ثمّ سرد الروايات.
1. قال ابن رشد: ولا خلاف عندهم أنّ من شرطها الاستطاعة بالبدن والمال، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد، و هو قول ابن عباس وعمر بن الخطاب: انّ من شرط ذلك الزاد والراحلة . و قال مالك: من استطاع المشي فليس وجود الراحلة من شرط الوجوب في جهة، بل يجب عليه الحج.(1)
2. قال ابن قدامة : وتشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة ثمّ إنّه قسم الشروط على أقسام ثلاثة:
1. شرط للوجوب والصحة وهو الإسلام والعقل.
2. شرط للوجوب والإجزاء وهو البلوغ والحرية.
3. شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة ، فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد وراحلة فحجّ كان حجه صحيحاً مجزئاً، كما لو تكلّف القيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه أجزأ .(2)
وفي الشرح الكبير ذيل المغني: ويشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة.
وقد بنوا فتاواهم على ما رواه الترمذي في سننه عن ابن عمر قال: جاء رجل

1 . بداية المجتهد:3/252.
2 . المغني:3/161ـ 162.

صفحه 84
إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه؟ ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة.
قال الترمذي: هذا حديث صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم: انّ الرجل إذا ملك زاداً وراحلة وجب عليه الحجّ.(1)
روى الدارقطني وصحّحه الحاكم عن أنس (رضي الله عنه) قال: قيل يا رسول اللّه: ما السبيل؟ قال: «الزاد و الراحلة».(2)
هذه كلمات فقهاء السنّة، وإليك بعض الكلمات من فقهائنا:
1. قال المفيد: والاستطاعة عند آل محمد(عليهم السلام) للحج بعد كمال العقل و سلامة الجسم ممّا يمنعه من الحركة التي يبلغ بها المكان ـ إلى أن قال: ـ ثمّ وجود الراحلة بعد ذلك والزاد.(3)
2. قال الشيخ في «الخلاف»:من لم يجد الزاد والراحلة، لا يجب عليه الحجّ، فإن حجّ لم يجزه وعليه الإعادة إذا وجدهما. وقال باقي الفقهاء: أجزأه.
وقال في مسألة تالية: المستطيع ببدنه، الذي يلزمه فعل الحجّ بنفسه،... فلا يجب عليه فرض الحجّ إلاّ بوجود الزاد والراحلة، فإن وجد أحدهما، لا يجب عليه فرض الحجّ وإن كان مطيقاً للمشي قادراً عليه، وبه قال في الصحابة: ابن عباس، وابن عمر; وفي التابعين: الحسن البصري، وسعيد بن جبير; وفي الفقهاء: الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: إذا كان قادراً على المشي لم تكن الراحلة شرطاً في حقّه، بل من شرطه أن يكون قادراً على الزاد.(4)
3. وقال في «النهاية»: والاستطاعة هي الزاد والراحلة والرجوع إلى كفاية

1 . سنن الترمذي:3/177، كتاب الحجّ، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة، الحديث 813.
2 . بلوغ المرام:143، رقم 729.
3 . المقنعة:384.
4 . الخلاف:2/246، كتاب الحجّ، المسألة3و4.

صفحه 85
وتخلية السرب من جميع الموانع، فإن ملك الزاد والراحلة ولم يكن معه غيره لم يجب عليه الحجّ، اللّهمّ إلاّ أن يكون صاحب حرفة وصناعة يرجع إليها ويمكنه أن يتعيش بها.(1)
4. وقال في «المبسوط»:الزاد والراحلة شرط الوجوب، والمراعى في ذلك نفقته ذاهباً وجائياً وما يخلفه لكلّ من يجب عليه نفقته قدر كفايتهم.(2)
5. وقال ابن زهرة: والاستطاعة تكون بالصحّة، والتخلية، وأمن الطريق، ووجود الزاد والراحلة، والكفاية له ولمن يعول، والعود إلى كفاية من صناعة أو غيرها.(3)
6. وقال ابن إدريس: وشرائط وجوبهما ثمانية: البلوغ، وكمال العقل ـ إلى أن قال: ـ ووجود الزاد والراحلة.(4)
7. وقال المحقّق: الثالث: الزاد والراحلة وهما يعتبران فيمن يفتقر إلى قطع المسافة.(5)
8.قال العلاّمة في «التذكرة»: الاستطاعة المشترطة في الآية هي الزاد والراحلة بإجماع علمائنا، وبه قال الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وإسحاق.(6)
9. وقال العلامة في «المنتهى»: والاستطاعة شرط في وجوب حجّة الإسلام بالنص والإجماع، قال اللّه تعالى: (مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)(7) قال : (لا يُكَلِّفُ

1 . النهاية:203.
2 . المبسوط:1/297.
3 . الغنية:2/152ـ153.
4 . السرائر:1/507.
5 . الشرائع:1/225.
6 . التذكرة:7/49، المسألة36.
7 . آل عمران:97.

صفحه 86
اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعها)(1) والأخبار متواترة على اشتراط الاستطاعة، و قد أجمع فقهاء الإسلام عليه أيضاً، ولأنّ تكليف غير المستطيع قبيح جداً. فإذا عرفت هذا فنقول: شرط الاستطاعة يشتمل على اشتراط الزاد والراحلة إجماعاً، إلاّ من هنالك على ما يأتي.(2)
10. وقال الشهيد: ملك الزاد والراحلة في المفتقر إلى قطع المسافة، فلا يجب على فاقدهما ولو سهل عليه المشي و كان معتاداً للسؤال.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات. إذا عرفت ذلك فنقول:
لا شكّ في أنّه لا يشترط وجود الزاد والراحلة عنده عيناً، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلها من المال نقداً كان أو غيره من العروض، كما سيوافيك بيانه في المسألة الثالثة.
كما أنّه لا شكّ في عدم وجوبه على من لايتمكّن من الراحلة، ولايتمكّن من المشي، أو يتمكّن من المشي ولكنّه يخالف زيّه وشرفه، إنّما الكلام فيمن لا يتمكن من الراحلة عيناً أو إجارة، ولكنّه يتمكّن من المشي دون حرج تمام الطريق، أو بعضه بالراحلة والبعض الآخر بالمشي على الأقدام، فهل يجب عليه أو لا؟
ظاهر كلام الأصحاب عـدم الوجوب مطلقـاً حتّى على المتمكّن من الجميع أو البعض بلا حـرج و خـروج عـن الزيّ إذا لم يكـن متمكّناً مـن الراحلـة عيناً أو إجـارة. ولذلك يقول المصنّف:وهل يكون اشتـراط الراحلة مختصاً بصـورة الحـاجـة إليهـا، لعدم قـدرتـه على المشي أو كونـه مشقـة عليه، أو منافياً لشرفه، أو يشتـرط مطلقـاً ولو مـع عدم الحاجة إليـه؟ مقتضى إطلاق

1 . البقرة:286.
2 . المنتهى:2/652.
3 . الدروس:1/265.

صفحه 87
الأخبـار والإجمـاعات المنقـولة الثاني.
وهو مختار السيد الأُستاذ في التحرير يقول: بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعية، وهي الزاد والراحلة وسائر ما يعتبر فيها، ومع فقدها لا يجب ولا يكفي عن حجّة الإسلام، من غير فرق بين القادر عليه بالمشي مع الاكتساب بين الطريق وغيره، كان ذلك مخالفاً لزيّه وشرفه أم لا، من غير فرق بين القريب والبعيد.(1)
ويدلّ على مختار المشهور الروايات التالية:
1. صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه(عليه السلام) وأنا عنده عن قول اللّه عزّ وجل:(وللّهِ على النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ استَطاعَ إليهِ سَبِيلاً) ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة، فهو ممّن يستطيع الحجّ، أو قال: فمن كان له مال، فقال له حفص الكناسي: «فإذا كان صحيحاً في بدنه، مخلّى في سربه، له زاد وراحلة، فلم يحجّ فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ قال: «نعم».(2)
2. معتبرة محمد بن أبي عبد اللّه بسند ينتهي إلى السكوني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سأل رجل من أهل القدر فقال: يابن رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ وجل:(وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سَبيلاً) أليس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة؟ فقال: «ويحك إنّما يعني بالاستطاعة الزاد والراحلة ليس استطاعة البدن».(3)
أقول: يطلق «القدري» ويراد به نافي القَدَر، والقدرية هم نفاته قائلين بأنّ القول بالقضاء والقدر، ينافي الاستطاعة والاختيار، والراوي لما كان قدريّاً حاول أن

1 . تحرير الوسيلة:1/341.
2 . الوسائل8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4.
3 . الوسائل8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5.

صفحه 88
يحتجّ على الإمام بأنّه سبحانه أثبت الاستطاعة لزائري بيته استطاعة بدنيّة، فتدلّ بالملازمة على أنّه لا قضاء ولا قدر.
فردّ الإمام استدلاله، بأنّ المراد بها هو الاستطاعة المالية لا البدنيّة، فهدم أساس دليله.
وأمّا محمد بن أبي عبد اللّه في صدر السند فقد استظهر المحقّق الخوئي انّ المراد، هو محمد بن جعفر الأسدي الفقيه، وأمّا موسى بن عمران فلم يوثق وله ثلاث روايات في الفقيه والتهذيب.
وظاهر الرواية عدم كفاية الاستطاعة البدنية ولزوم الزاد والراحلة، للمتمكن من المشي وغيره.
3. صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ: (وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سَبيلاً) ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة».(1)
وإطلاق الروايات يعمّ القادر والعاجز، فلو كان قادراً على المشي ولم تكن له راحلة فلا يجب، ولو حجّ والحال هذه لم يجزئ.
والمتبادر منها، كونه مالكاً بالفعل إمّا عينهما أو ما يتمكّن معه من تحصيلهما، والعجب من صاحب المستند، حيث اكتفى في الزاد بالتمكّن من الاكتساب في الطريق فقال: ولو لم يجد الزاد، ولكن كان كسوباً يتمكّن من الاكتساب في الطريق لكلّ يوم بقدر ما يكفيه، وظن إمكانه بجريان العادة عليه من غير مشقة، وجب الحجّ، لصدق الاستطاعة.(2)

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث7.
2 . المستند:11/27.

صفحه 89
ولا يخفى ما فيه، فأين المتمكن من الكسب، لمن يملك الزاد والراحلة بالفعل؟! ولأجله ذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى عدم الوجوب وقال: لو لم يجد الزاد ووجد الراحلة وكان كسوباً يكتسب ما يكفيه... فإن كان السفر طويلاً، لم يلزمه الحجّ، لما في الجمع بين السفر والكسب من المشقة العظيمة، ولأنّه قد ينقطع عن الكسب لعارض فيؤدّي إلى هلاك نفسه، وعطف السفر القصير على الطويل من غير فرق بين كون تكسبه في كلّ يوم بقدر كفاية ذلك اليوم، أو أكثر، فلا يجب الحجّ للمشقة ولا غير واجد لشرط الحجّ.(1) هذا و سيأتي الكلام عنه في المسألة الخامسة.
وأمّا الراحلة فظاهر الروايات كما عرفت كونه مالكاً لها، أو ما يتمكّن معه من إيجارها، وبالجملة الإمكانية المالية، لقطع الطريق بالوسائل المتداولة.

ما استدلّ به على اختصاص الراحلة بالعاجز

وهناك روايات، ربما يستظهر منها انّ الراحلة شرط للعاجز عن المشي، دون القادر عليه كلّ الطريق أو بعضه، وهي بين ما يدلّ على عدم الشرطية عموماً و ما يدلّ عليه خصوصاً.
أمّا الأُولى فروايتان:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به، ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(2)
2. خبر ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو

1 . التذكرة:7/59 بتصرف.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.

صفحه 90
سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانيّاً».(1)
يلاحظ على الاستدلال: أنّ مضمون الرواية الأُولى لا يزيد على مضمون الآية، غير أنّ الآية عبّرت بالاستطاعة، والحديث بالقدرة فلو صحّ الاستدلال، لكان الاستدلال بالآية أولى، وقد عرفت أنّها منصرفة إلى غير القدرة العقلية، وإلاّ لما احتاجت إلى الذكر كسائر التكاليف.
وأمّا الثانية فهي ناظرة إلى حرمة التسويف للمستطيع، وأمّا من هو المستطيع فليس بصدد بيانه.
وأمّا الثانية، أي الخاصة فهي لا تتجاوز عن أربع:
1. صحيحة محمد بن مسلم في حديث قال: قلت لأبي جعفر: فإن عرض عليه الحجّ فاستحيا؟، قال:« هو ممن يستطيع الحجّ، ولِمَ يستحيي!! ولو على حمار أجدع أبتر، قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل».(2)
2. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث قال: قلت له: فإن عرض عليه ما يحجّ به، فاستحيا من ذلك أهو ممّن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال: «نعم، ما شأنه، يستحيي!! ولو يحج على حمار أجدع، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ، ويركب بعضاً آخر فليحجّ».(3)
أقول: الروايتان ظاهرتان أو محمولتان على من استقرّ عليه الحجّ بعرضه عليه، ثمّ أبى استحياء، فعندئذ يجب عليه القضاء بالقدرة العقلية بالركوب تارة، والمشي أُخرى.
3. صحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحج؟ قال: «نعم، قال: إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي

1 . الوسائل:8، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث1.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1و5.
3 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1و5.

صفحه 91
من المسلمين، لقد كان أكثر من حجّ مع النبي مشاة، ولقد مرّ رسول اللّه بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء، فقال: شدُّوا ازركم،واستبطنوا، ففعلوا ذلك فذهب عنهم».(1)
4. و خبر أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) قول اللّه عزّ وجلّ:(وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً)، قال: «يخرج ويمشي إن لم يكن عنده»، قلت: لا يقدر على المشي، قال: «يمشي و يركب» قلت: لا يقدر على ذلك، أعني: المشي؟ قال: «يخدم القوم ويخرج معهم».(2)
ولا يخفى انّ صحيحة معاوية بن عمّار صحيحة السند وواضحة الدلالة، وتأويلها بالقدرة على المشي في داره وبلده، في مقابل المريض والمسجّى الذي لا يقدر على المشي أصلاً حتّى في داره وبلده(3) ، بعيد جدّاً، لظهوره في المشي إلى الحجّ، ولذلك استشهد بأنّ أكثر من حجّ مع النبي كانوا مشاة.
والذي يمكن أن يقال: انّ إيجاب الحجّ بصورة الإطاقة التي هي بمعنى بذل كلّ ما يملك الإنسان من جهد وقدرة، لم يقل به أحد، ولو كان هذا هو الموضوع لما كان حاجة إلى ذكر قيد الاستطاعة في الآية.
وأمّا خبر أبي بصير فمضافاً إلى ضعفه ـ بعلي بن أبي حمزة البطائني الذي كان قائد أبي بصير ـ فهو من الروايات الشاذة، لا يسانده روح الإسلام، إذ كيف يمكن القول بوجوب الحجّ مع التمكّن بخدمة القوم، وربما يكون فيه تحقير لمنزلة الزائر ومكانته الاجتماعية.
والحاصل: انّ الروايتين الأُوليين محمولتان على من استقر عليه الحجّ.

1 . الوسائل:8، الباب11 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1.
2 . الوسائل:8، الباب11 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 2.
3 . معتمد العروة الوثقى،كتاب الحجّ:1/82.

صفحه 92
والأخيرتان معرض عنهما لم يقل بمضمونهما أحد، ولو افترضنا التكافؤ والتعارض، فالمرجع هو الطائفة الأُولى، لشهرة العمل بها أوّلاً، وموافقتها للكتاب ثانياً، ومخالفتها للفتوى المروية عن مالك ثالثاً.
ثمّ إنّ المحدّث البحراني، والمحقّق النراقي، ممن مالوا إلى اختصاص شرطية الراحلة للعاجز.
فقال البحراني بعد نقل الروايات:وبالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الإشكال، فإنّ الخروج عن ما ظاهرهم الإجماع عليه مشكل، وموافقتهم مع ما عرفت أشكل.(1)
وأمّا المحقّق النراقي فقد استظهر من ظاهر بعض الكلمات، اختصاصَ الشرطية للمحتاج إلى الراحلة فقال: ظاهر المنتهى الأوّل، حيث اشترط الراحلة للمحتاج إليها، وهو ظاهر الذخيرة والمدارك، وصريح المفاتيح وشرحه، ونسبه في الأخير إلى الشهيدين، بل التذكرة، بل يمكن استفادته من كلام جماعة قيّدوها بالاحتياج أو الافتقار.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من المحتاج وغيره، هو البعيد والقريب، فالأوّل محتاج إلى الراحلة مطلقاً، حتّى مع القدرة على المشي، والقريب كقاطن مكة ومن حوله، غير محتاج، والشاهد عليه كلمات العلماء ونقتصر منها على كلمة العلاّمة في «التذكرة» قال: الراحلة إنّما هي شرط في حقّ البعيد عن مكة، وأمّا أهل مكّة فلا تشترط الراحلة فيهم، وكذا من كان بينه و بين مكة مكان قريب لا يحتاج إلى الراحلة، وإنّما تعتبر الراحلة في حقّ من كان على مسافة يحتاج فيها إلى الزاد والراحلة.(3)

1 . الحدائق:14/85.
2 . مستند الشيعة:11/28.
3 . التذكرة:7/51، المسألة37.

صفحه 93
لجملة من الأخبار المصرّحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضاً أو كلاً، بدعوى أنّ مقتضى الجمع بينها و بين الأخبار الأُول حملها على صورة الحاجة، مع أنّها منزّلة على الغالب، بل انصرافها إليها، والأقوى هو القول الثاني، لإعراض المشهور عن هذه الأخبار مع كونها بمرأى منهم و مسمع، فاللازم طرحها أو حملها على بعض المحامل، كالحمل على الحجّ المندوب و إن كان بعيداً عن سياقها، مع أنّها مفسّرة للاستطاعة في الآية الشريفة، وحمل الآية على القدر المشترك بين الوجوب والندب بعيد، أو حملها على من استقرّ عليه حجّة الإسلام سابقاً، وهو أيضاً بعيد، أو نحو ذلك، وكيف كان فالأقوى ما ذكرنا وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل بالأخبار المزبورة، خصوصاً بالنسبة إلى من لا فرق عنده بين المشي والركوب، أو يكون المشي أسهل، لانصراف الأخبار الأُول عن هذه الصورة، بل لولا الإجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوّة.*
* ثمّ إنّ المصنف ذكر وجوهاً في علاج الروايات المتعارضة:
1. طرحها، لمخالفتها ظاهر الكتاب، أوّلاً، وموافقتها مع فتوى مالك ثانياً، ولعلّه كان من يوافقه من التابعين أو الفقهاء.
2. الحمل على الحجّ المندوب، لكن لا يوافقه روايتا: محمد بن مسلم، والحلبي عن أبي عبداللّه(عليه السلام) حيث يقول: «نعم ما شأنه يستحيي ولو يحجّ على حمار أجدع، أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليحجّ».(1) مضافاً

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5. ولاحظ الحديث 1 من ذلك الباب.

صفحه 94
المسألة2: لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد حتّى بالنسبة إلى أهل مكّة، لإطلاق الأدلّة، فما عن جماعة من عدم اشتراطه: بالنسبة إليهم لا وجه له.*
إلى أنّ الأحاديث الواردة في المقام مفسرة للاستطاعة الواردة في الآية الشريفة المختصة بالحجّ الواجب.
وحمل الآية على القدر المشترك بين الواجب والمستحب كما في «الجواهر»: بعيد جدّاً.
3. حملها على من استقرّ عليه حجّة الإسلام سابقاً، وهذا لا بأس به في رواية محمد بن مسلم والحلبي دون غيرهما كرواية معاوية بن عمّار وأبي بصير .
والعجب انّ المصنّف يصف القول الثاني بأنّه لولا الإجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوة، ومع ذلك يصف احتمال عدم وجوب الراحلة لأهل مكة، ممّا لاوجه له.
* انّ المسألة مورد خلاف، نقل العلاّمة في «التذكرة» عن العامة أنّهم شرطوا أن يكون بينه و بين البيت مسافة القصر، فأمّا القريب الذي يمكنه المشي فلزمه المشي، كالسعي إلى الجمعة، ولو لم يتمكّن من المشي، اشترط في حقّه وجود الحمولة، لأنّه عاجز عن المشي فأشبه البعيد.(1)
فإن قلت: لا دليل على اعتبار الراحلة في السفر إلى عرفات، بعد اختصاص الآية الشريفة والأخبار بالسفر إلى البيت فالاستطاعة الشرعية معتبرة بالنسبة إليه، وفي غيره تكفي القدرة على حد كفايتها في سائر الأحكام.

1 . التذكرة:7/51 بتصرف.

صفحه 95
المسألة3: لا يشترط وجودهما عيناً عنده، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما من المال، من غير فرق بين النقود والأملاك من البساتين والدكاكين والخانات ونحوها، ولا يشترط إمكان حمل الزاد معه، بل يكفي إمكان تحصيله في المنازل بقدر الحاجة، ومع عدمه فيها يجب حمله مع الإمكان من غير فرق بين علف الدابّة وغيره، ومع عدمه يسقط الوجوب.*
قلت: هذا ما ذكره بعض الأعاظم(قدس سره) في تعليقته على المقام، لكنّه موضع تأمّل، لأنّ البيت مقصود على كلّ حال من غير فرق بين المتمتع، والقارن والمفرد، والأوّل يقصد البيت ابتداءً، ثمّ يقصد سائر المشاعر، والأخيران يقصدانه بعد الرجوع من المواقف، وعلى كلّ تقدير فالآية غير مختصة بالمتمتع.
نعم لو كانت المسافة على حد، تقطع عادة بلا راحلة فلا تشترط الراحلة فيه.
* في المسألة فرعان:
الأوّل: هل يشترط وجودهما عيناًعنده، أو يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما؟
إنّ مقتضى الجمود على تفسير الاستطاعة في الروايات بالزاد والراحلة، اشتراط وجودهما في وجوب الحجّ، لكن المتفاهم عرفاً منها هو الأعمّ من وجود عينهما أو وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما. قال العلاّمة في «التذكرة»: لا يشترط وجود عين الزاد والراحلة، بل المعتبر التمكّن منهما تملّكاً أو استئجاراً.(1)
وتشهد على ذلك السيرة المستمرة بين المسلمين فانّ الآفاقي البعيد لم يكن

1 . التذكرة:7/52.

صفحه 96
يحمل الزاد من بلده إلى مقصده، بل كان يشتري في طريقه، كما أنّ أكثرهم كانوا يكرون الجمال، وقد عدّ ذلك من فوائد الحجّ، ففي حديث هشام بن الحكم: «ولينتفع بذلك المكاري والجمّال».(1)
وفي بعض الأحاديث إشارة إلى كفاية المال، ففي بعضها: «هذه لمن كان عنده مال».(2)
وفي البعض الآخر: «عن رجل له مال ولم يحجّ قط؟ قال: هو ممّن قال اللّه تعالى : (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى).(3)
وفي ثالث: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به».(4)
الثاني: هل يشترط إمكان حمل الزاد معه، أو يكفي إمكان تحصيله في المنازل بقدر الحاجة؟
إنّ السفر إلى الحجّ كسائر الأسفار إلى الأماكن المقدّسة، أو غيرها، فإذا وجد الزاد في الطريق وأمكن شراؤه بالثمن، لا يحمل معه الزاد، وإلاّ يحمل، فعلى هذا يكفي في صدق الاستطاعة إمكان تحصيله في المنازل بقدر الحاجة، وإلاّ يحمل بمقدار الحاجة إلى أن يصل إلى منزل يتمكن من تحصيله، ولذلك يقول العلاّمة: وإن كان وجد الزاد في كلّ منزل لم يلزمه حمله، وإن لم يجده كذلك لزمه حمله.
إنّما الكلام في حمل الماء وعلف الدابة، فلا يجب حملهما إذا وجدا، وأمّا إذا لم يوجدا يلزم حملهما. قال العلاّمة: «وإن لم يوجد، لم يلزمه حمله من بلده، ولا من

1 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث18.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1.
3 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 2. والآية 124 من سورة طه.
4 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 3.

صفحه 97
المسألة4: المراد بالزاد هنا: المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه المسافر من الأوعية التي يتوقّف عليها حمل المحتاج إليه وجميع ضروريّات ذلك السفر بحسب حاله قوّة وضعفاً، وزمانه حراً وبرداً، وشأنه شرفاً وضعةً. والمراد بالراحلة مطلق ما يركب ولو مثل السفينة في طريق البحر، واللازم وجود ما يناسب حاله بحسب القوّة والضعف، بل الظاهر اعتباره من حيث الضعة والشرف كمّاً و كيفاً، فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة بحيث يعدُّ ما دونها نقصاً عليه يشترط في الوجوب القدرة عليه ولا يكفي مادونه وإن كانت الآية والأخبار مطلقة وذلك لحكومة قاعدة نفي العسر والحرج على الإطلاقات. نعم إذا لم يكن بحدّ الحرج وجب معه الحجّ، وعليه يحمل ما في بعض الأخبار من وجوبه ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب.*
أقرب البلدان إلى مكة كأطراف الشام ونحوها، لما فيه من عظم المشقة وعدم جريان العادة به، ولا يتمكّن من حمل الماء لدوابه في جميع الطريق، والطعام بخلاف ذلك.(1)
والحقّ هو التفريق بين المشقة الكثيرة المستلزمة للحرج، وعدمها، فيجب في الثاني دون الأوّل، وبالتالي لا يجب الحجّ.
على أنّ المسألة مضى زمانها أوّلاً، وحمل العلف والدابة من وظائف المكاري والجمّال، دون الزائر ثانياً .
* لا شكّ انّ وجود الآلات والأوعية و كلّ ما يحتاج إليه المسافر في السفر يعد جزءاً من الاستطاعة، إنّما الكلام في الراحلة ، فهل يشترط في الراحلة كونها

1 . التذكرة:7/54.

صفحه 98
مناسبة لحاله قوة وضعفاً، أو يشترط وراء ذلك، كونها مناسبة لحاله حسب العزة والشرف، فلا يكفي الاستطاعة على ما دون شرفه وعزّه كالاقتاب والزوامل؟ ظاهر العلاّمة والدروس والنراقي هو الأوّل.
قال العلاّمة: وإن كان لا يستمسك على الراحلة بدون المحمل أو يجد مشقة عظيمة، اعتبر مع وجود الراحلة، وجود المحمل، ولو كان يجد مشقة عظيمة في ركوب المحمل اعتبر في حقّه الكنيسة.(1) ومراده من المشقة العظيمة، هي المشقة الجسمانية، لا الروحية، فما عن «مستند الشيعة» من نسبة القول الثاني إلى «التذكرة» ففي غير محلها.
وبه قال الشهيد: والمعتبر في الراحلة ما يناسبه ولو محملاً، إذا عجز عن القتب، ولا يكفي علو منصبه في اعتبار المحمل أو الكنيسة، فانّ النبي والأئمّة حجّوا على الزوامل.(2)
وهذا صريح «مستند الشيعة» حيث قال: واختاره ـ قول الدروس ـ في الذخيرة، إلاّ مع العجز عن الركوب بدون المحمل أو التضرر. ثمّ قال: وهو كذلك. واستدلّ ببعض الروايات وقال: وبها يخصّص عموم انتفاء العسر لو سلّمناه هنا و لم نقل أنّه من الخيلاء وخداع النفس الخبيثة.(3)
واستدلّ بالروايات التي مضت عند البحث في اعتبار الراحلة لمن يتمكّن من المشي بلا حرج وعدمه.(4) وقد مضى تأويلها و انّها بين من استقر عليه الحجّ وتركه،وبين ما لا يمكن الإفتاء بمضمونه.

1 . التذكرة:7/51ـ52، المسألة38.
2 . الدروس:1/312، الدرس81.
3 . مستند الشيعة:11/32ـ 33.
4 . لاحظ الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، 3، 5، 7.

صفحه 99
المسألة5: إذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسوباً يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق لأكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه، هل يجب عليه أو لا؟ الأقوى عدمه وإن كان أحوط.*
والعجب من صاحب «المستند» حيث جعل هذه الروايات مخصّصة لقاعدة نفي العسر والحرج، مع أنّ لسان القواعد آب عن التخصيص، فقوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(1) غير قابل للتخصيص، بأن يقال: إلاّ في المورد الفلاني.
والحاصل: انّه لو كان ركوب الحمير والزوامل ذلة ومهانةوبالتالي عسراً وحرجاً ، فالعناوين الثانوية حاكمة على الإطلاقات الشاملة للحالتين.
نعم لو حجّ والحال هذه فذهب السيد الحكيم إلى صحّته قائلاً بأنّ هذه الحكومة إنّما تقتضي نفي الوجوب، ولا تقتضي نفي المشروعية، والكلام في الثاني، فعدم الإجزاء حينئذ يحتاج إلى الدليل.(2)
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من نفيها، عدم جوازها ولو بصفة المندوب فهو صحيح، وإن أراد كونه مجزئاً عن حجة الإسلام، فلا، لأنّها محددة بالاستطاعة الشرعية، وهي غير صادقة على الحجّ المأتي به عن عسر وحرج.
* وجهه انّ المتبادر من الاستطاعة في قوله سبحانه:(من استطاع إليه سبيلاً) هو الاستطاعة الفعلية، لا الاستطاعة بالقوة، فمثله غير مستطيع بالفعل و إنّما له استعداد لتحصيل الاستطاعة.
قال العلاّمة: لو لم يجد الزاد ووجد الراحلة وكان كسوباً يكتسب ما يكفيه

1 . الحج:78.
2 . مستمسك العروة الوثقى:10/76.

صفحه 100
المسألة6: إنّما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فالعراقيّ إذا استطاع وهو في الشام وجب عليه وإن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق، بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكّعاً أو لحاجة أُخرى من تجارة أو غيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحجّ به وجب عليه، بل لو أحرم متسكعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر، أمكن أن يقال بالوجوب عليه وإن كان لا يخلو عن إشكال.*
وقد عزل نفقة أهله مدة ذهابه وعوده، فإن كان السفر طويلاً، لم يلزمه الحجّ، لما في الجمع بين السفر والكسب من المشقة العظيمة، ولأنّه قد ينقطع عن الكسب لعارض فيؤدّي إلى هلاك نفسه.
وإن كان السفر قصيراً، فإن كان تكسّبه في كلّ يوم بقدر كفاية ذلك اليوم من غير فضل، لم يلزمه الحجّ، لأنّه قد ينقطع عن كسبه في أيام الحجّ فيتضرر.
وإن كان كسبه في كلّ يوم يكفيه لأيامه، لم يلزمه الحجّ أيضاً، للمشقة، ولأنّه غير واجد لشرط الحجّ، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: الوجوب، وبه قال مالك مطلقاً.(1)
ومن شواذ الفتاوى قول النراقي في مستنده حيث قال: ولو لم يجد الزاد ولكن كان كسوباً يتمكن من الاكتساب في الطريق لكلّ يوم بقدر ما يكفيه، وظن إمكانه بجريان العادة عليه من غير مشقة، وجب الحجّ، لصدق الاستطاعة.(2)
* في المسألة فروع:
الأوّل: إنّما يعتبر الاستطاعة من مكانه الذي استطاع فيه لا من وطنه.

1 . التذكرة:7/59.
2 . مستند الشيعة:11/27.

صفحه 101
الثاني: لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكّعاً أو لحاجة أُخرى، ثمّ حصل له ما يمكن أن يحجّ به.
الثالث: لو أحرم متسكعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر. وإليك دراسة الفروع.
الأوّل: إنّما تعتبر الاستطاعة من المكان الذي استطاع فيه لا من بلده الذي يسكن فيه، فإذا خرج العراقي إلى الشام، واستطاع فيه وجب عليه الحجّ وإن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق، وذلك لأنّ الواجب أداء المناسك في المشاعر المخصوصة، وأمّا قطع المسافة غير مطلوبة للشرع.
ويظهر من العلاّمة أنّ الحكم مورد اتّفاق، وذلك لأنّه استدلّ على مسألة أُخرى بوجود الاتفاق في مسألتنا هذه.
أمّا المسألة الأُخرى فهي إذا مات الإنسان وأوصى بالحج فهل يجب الاستئجار من البلد الذي وجب على الميت الحجّ فيه، أو من بلد الأجير، أو أقرب الأماكن إلى مكة؟
فقال فيه بالثالث محتجاً بالاتفاق في مسألتنا هذه، وقال: ولهذا لو اتّفق له اليسار في الميقات، لم يجب عليه الرجوع إلى بلده لإنشاء الإحرام منه، فدلّ على أنّ قطع المسافة ليس مراداً للشارع.(1)
ومنه يظهر حال الفرع الثاني، وهو أنّه لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعاً أو لحاجة أُخرى من تجارة أو غيرها، وكان له هناك ما يمكن أن يحجّ به، وجب عليه، وذلك لأنّ قطع المسافة ليس مراداً للشارع.

1 . التذكرة:7/97.

صفحه 102
وأمّا الثالث وهو انّه لو أحرم متسكّعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر ففيه احتمالات ثلاث:
1. صحّة إحرامه باستمرار نيته في الحجّ المندوب.
2. انقلابه إلى الحجّ الواجب.
3. إبطاله وتجديد الإحرام من الميقات.
والحقّ هو الوجه الأوّل، لأنّه في حال الإحرام كان جامعاً لشرائط الحجّ المندوب فأحرم بأمر من الشارع والاستطاعة المتأخرة لا تكون كاشفة عن بطلان إحرامه المندوب، لأنّ الشرط كونه مستطيعاً في حال الإحرام لا كونه مستطيعاً بعد الإحرام والتجاوز عن الميقات، وليس أيضاً علمه سبحانه بأنّه سوف يستطيع موضوعاً للحكم، وبذلك ينتفي موضوع الحجّ الواجب لاشتغال الذمّة بالحجّ المندوب الذي يجب استمراره بعد الإحرام.
ومنه يظهر ضعف الوجه الثاني أي انقلابه إلى الحجّ الواجب، ومثله الثالث بطلانه أو إبطاله والرجوع إلى الميقات والإحرام للحجّ الواجب، كلّ ذلك على خلاف الأُصول.
وعلى كلّ تقدير فيمكن الاستئناس بالمسألة ـ أي كفاية الاستطاعة من مكانها وإن لم يكن مستطيعاً من بلده ـ لما ورد فيمن استؤجر للحج من الكوفة فحجّ من البصرة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجّه».(1)

1 . الوسائل:8، الباب11 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.

صفحه 103
المسألة7: إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب، ولو وجد ولم يوجد شريك للشقّ الآخر، فإن لم يتمكّن من أُجرة الشقّين سقط أيضاً، وإن تمكّن فالظاهر الوجوب لصدق الاستطاعة، فلا وجه لما عن العلاّمة من التوقّف فيه، لأنّ بذل المال له خسران لا مقابل له، نعم لو كان بذله مجحفاً و مضرّاً بحاله لم يجب كما هو الحال في شراء ماء الوضوء.*
* في المسألة فروع:
1. إذا كان من شأنه ركوب المحمل ولم يوجد.
2. إذا وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر ولم يتمكن من أُجرة الشقين.
3. تلك الصورة ولكن يتمكن من بذلها ولم يكن مجحفاً ولا مضرّاً.
4. تلك الصورة ولكن كان مجحفاً ومضرّاً بحاله.
أمّا سقوط الوجوب في الصورتين الأُوليين فلعدم صدق الاستطاعة حسب شأنه في الأُولى، إذ في تلك الحالة يُعد السفر مهانة و ذلاً، وعدم التمكّن من بذل المال لأُجرة الشقين في الثانية.
وأمّا الوجوب في الصورة الثالثة، فلصدق الاستطاعة وإن كانت الأُجرة غالية ولكن ليس الغلاء مجحفاً أو مضرّاً بحاله، كما إذا كان إنساناً ثرياً لا تؤثر زيادة الأُجرة على حاله.
واحتمل العلاّمة سقوط الوجوب في هذه الصورة قال: إذا وجد شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، فإن لم يجد الشريك ولم يتمكّن إلاّ من مؤونة الشق، سقط عنه الحجّ مع حاجته إلى المحمل، وإن تمكن من

صفحه 104
المحمل بتمامه، احتمل وجوب الحجّ، لأنّه مستطيع، وعدمه، لأنّ بذل الزيادة خسران لا مقابل له.(1)
إنّما الكلام فيما إذا كان مجحفاً ومضرّاً بحاله وقد ذهب السيد إلى سقوطه، لأجل تحديد الأحكام الواقعية بعدم الحرج والضرر، ومعهما أو أحدهما، فلا تشريع ولا حكم شرعي وذهب السيد البروجردي إلى عدم سقوطه مادام يصدق عليه انّه مستطيع، إلاّ إذا بلغ إلى حدّ يعدّ عرفاً ممّن لا يستطيع إليه سبيلاً، فلا يجب عليه الحجّ، وتبعه بعض المشايخ من السادة.
ولعلّ وجهه، انّ حكومة «لا ضرر» مختصّة بما إذا كان للموضوع فردان: ضرري وغير ضرري، كشراء ماء الوضوء فوجوب الشراء محدد بغير استلزامه للضرر، وأمّا إذاكان له فرد واحد وهو الضرري كالخمس والزكاة والجهاد والحجّ، فإنّ أساسها على الضرر، فلا يجري فيه لا ضرر و يكون الحكم باقياً مادام يصدق عليه انّه مستطيع.
والإجابة عن هذا الوجه واضحة، لأنّ وجوب الحجّ وإن كان حكماً ضررياً، لكن الواجب هو الفرد الضرري الذي تقتضيه طبيعة الحكم عرفاً، وأمّا الزائد على مقتضى طبيعته فهو أيضاً مرفوع بحديث لا ضرر، ولعلّ تحديد الوجوب بما في المتن أولى ممّا حدّد به السيد البروجردي.

1 . التذكرة:7/52.

صفحه 105
المسألة8: غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو أُجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط، ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكّنه من القيمة، بل وكذا لو توقّف على الشراء بأزيد من ثمن المثل و القيمة المتعارفة، بل وكذا لو توقّف على بيع أملاكه بأقلّ من ثمن المثل، لعدم وجود راغب في القيمة المتعارفة، فما عن الشيخ من سقوط الوجوب ضعيف. نعم لو كان الضرر مجحفاً بماله مضرّاً بحاله لم يجب، وإلاّ فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب بعد صدق الاستطاعة وشمول الأدلّة، فالمناط هو الإجحاف والوصول إلى حدّ الحرج الرافع للتكليف.*
* في المسألة فروع:
1. إذا كان أسعار ما يحتاج أو أُجرة الركوب عالياً.
2. إذا توقّف الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة.
3. إذا توقّف على بيع أملاكه بأقلّ من ثمن المثل لعدم راغب في القيمة المتعارفة.
4. تلك الصورة وكان الضرر مجحفاً بماله، مضرّاً بحاله.
ذهب السيد إلى بقاء الوجوب وعدم سقوطه في الصورتين الأُوليين.
وعليه المحقّق في الشرائع قال: ويجب شراؤها ولو كثر الثمن مع وجوده، وقيل: إن زاد عن ثمن المثل لم يجب، والأوّل أصحّ.(1)
وذهب الشيخ إلى عدم الوجوب قال: فالمأكول هو الزاد، فإن لم يجده بحال

1 . الشرائع:1/226.

صفحه 106
المسألة9: لا يكفي في وجوب الحج وجود نفقة الذهاب فقط، بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراده، وإن لم يكن له فيه أهل ولا مسكن مملوك ولو بالإجارة، للحرج في التكليف بالإقامة في غير وطنه المألوف له، نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا تعلّق له بوطن لم يعتبر وجود نفقة العود، لإطلاق الآية والأخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب، وإذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لابدّ من وجود النفقة إليه إذا لم يكن أبعد من وطنه، وإلاّ فالظاهر كفاية مقدار العود إلى وطنه.*
أو وجده بثمن يضرّ به، وهو أن يكون في الرخص بأكثر من ثمن مثله، وفي الغلاء مثل ذلك لم يجب عليه، وهكذا حكم المشروب. (1)
ونقل في «المدارك» عن الشيخ أنّه قاس المقام بمن خاف على ماله التلف لم يجب عليه الحجّ حفظاً للمال، فكذا هنا.(2)
والدليل عليل جداً لوجود الفرق بين الموردين.
ومنه يظهر حال الفرع الثالث ـ بيع أملاكه بأقل من ثمن المثل ـ، فلا يسقط الوجوب للإطلاقات والمفروض عدم وصول الضرر إلى حدّ يكون مجحفاً مضرّاً بحاله.
وذهب السيد المحقّق البروجردي إلى بقاء الوجوب إلى حد يصدق عليه أنّه لا يستطيع عليه سبيلاً، و قد عرفت ما فيه.
* في المسألة فروع:
1. اشتراط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراد.

1 . المبسوط:1/300.
2 . المدارك:7/42.

صفحه 107
2. إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا تعلّق له بالوطن.
3. إذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه.
وإليك دراسة الفروع:
الأوّل: يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراد العود، وذلك لأنّ الآيات والروايات محمولة على الأفراد الغالبة ، فانّ أغلب الناس في جميع الأدوار والأمصار متى سافروا لغرض، يرجعون إلى أوطانهم سواء كان لهم عشيرة أو لا، كان لهم مسكن أو لا، كانت الإقامة في غير الوطن، مورثاً للمشقة أو لا، فالموضوع هو المسافر من وطنه، المريد للإياب فيعتبر فيه نفقة الذهاب والإياب.
ولذلك يقول المحقّق: والمراد بالزاد قدر الكفاية من القوت والمشروب، ذهاباً وعوداً. (1) و عبارته ناظرة لمن قصد الإياب، دون من لم يكن من نيّته العود، فلا يعتبر فيه نفقة العود.
ومنه يظهر ضعف قول العلاّمة في المنتهى، حيث حدّد لزوم اعتبار نفقة العود بما إذا كان التكليف بالإقامة في غير الوطن مشقة شديدة وحرجاً عظيماً فيكون منفيّاً.(2)
وقد استحسنه صاحب المدارك وقال: وهو حسن في صورة تحقّق المشقة بذلك.(3)
يلاحظ عليه :بأنّ مورد البحث فيما إذا كان مريداً للعود، فالموضوع هو مريد إليه، لا كونه مستلزماً للمشقة الكثيرة أو القليلة; وأمّا غير المريد، فهو الموضوع في

1 . الشرائع:1/226.
2 . المنتهى:2/653.
3 . المدارك:7/41.

صفحه 108
الفرع الثاني .
الثاني: إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا تعلّق له بالوطن على نحو يكون الوطن وغيره عنده سيّان، فلا يعتبر نفقة العود لصدق الاستطاعة عليه، ولعلّه إلى ذلك يشير المصنّف بقوله: لإطلاق الآية والأخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب.
الثالث: إذا أراد الإقامة في بلد آخر غير وطنه، فهل يعتبر وجود النفقة إليه مطلقاً أو لا يعتبر كذلك، أو يعتبر إذا لم يكن أبعد من وطنه وإلاّ فيكفي مقدار العود إلى وطنه، أو يعتبر إذا لم يكن الذهاب إلى بلد آخر محتاجاً إلى صرف المال أكثر من الرجوع إلى وطنه وإلاّ فالعبرة بالمقدار المحتاج في العود إلى وطنه؟
اختار الماتن القول الثالث، و أمّا القول الثاني ـ أي عدم الاعتبار ـ فهو ساقط لا دليل عليه، لأنّه على كلّ تقدير يريد السفر إلى مكة والخروج عنه إلى نقطة خاصة غاية الأمر يريد الإقامة في غير الوطن، فالنفقة المعتبرة للخروج من مكة والاستقرار في مكان ما شرط الاستطاعة، وهذا ممّا لا كلام فيه.
وعندئذ فلو كانت المسافة من مكة إلى الوطن المألوف والوطن المستجد متساوية، فقد استقرب المصنف لزوم اشتراطه، ولو كانت المسافة إلى الوطن المستجدّ أبعد فلا يعتبر نفقة مقدار البعد في الاستطاعة.
ولكن الأقوى هو القول الرابع بأن يقال: إن كان الذهاب إلى بلد آخر يحتاج إلى صرف المال أقل من العود إلى وطنه أو بمثله يحسب من الزاد والراحلة، و أمّا إذا احتاج إلى صرف المال أكثر من الرجوع إلى وطنه، فالعبرة بالمقدار المحتاج من العود إلى وطنه ولا عبرة بكثرة النفقة اللازم صرفها في الذهاب إلى بلد آخر.
نعم لو علم أنّه بعد الخروج إلى مكة المكرمة يصير ممنوع الدخول في وطنه

صفحه 109
المسألة 10: قد عرفت أنّه لا يشترط وجود أعيان ما يحتاج إليه في نفقة الحجّ من الزاد والراحلة، ولا وجود أثمانها من النقود، بل يجب عليه بيع ما عنده من الأموال لشرائها، لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريّات معاشه فلا تباع دار سكناه اللائقة بحاله. ولا خادمه المحتاج إليه، ولا ثياب تجمّله اللائقة بحاله، فضلاً عن ثياب مهنته، ولا أثاث بيته من الفراش والأواني وغيرهما ممّا هو محلّ حاجته، بل ولا حليّ المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها، ولا كتب العلم لأهله الّتي لابدّ له منها فيما يجب تحصيله، لأنّ الضرورة الدينيّة أعظم من الدنيويّة، ولا آلات الصنائع المحتاج إليها في معاشه، ولا فرس ركوبه مع الحاجة إليه، ولا سلاحه ولا سائر ما يحتاج إليه، لاستلزام التكليف بصرفها في الحجّ العسر والحرج.*
بسبب من الأسباب، فالظاهر اعتبار ما يصرف في العودة إلى المحل الذي يريد الاستقرار فيه في الاستطاعة .
* قد سبق عدم لزوم وجود الزاد والراحلة بأعيانهما، بل يكفي ما يتمكّن من بيعه لتحصيلهما، وعندئذ يقع الكلام في تحديد ما يجب بيعه لتحصيل الزاد والراحلة وما لايجب، ويسمّى الثاني بمستثنيات الاستطاعة، وقد أُشير في المتن إلى أُمور، أعني:
1. الدار اللائقة بحاله، 2. الخادم، 3. ثياب التجمل، 4. ثياب المهنة، 5. أثاث البيت، 6. حلي المرأة حسب حالها، 7. الكتب العلمية لأهلها المحتاجين إليها في تحصيلهم أو في معاشهم، 8. آلات الصنائع المحتاج إليها.9. فرس

صفحه 110
الركوب، 10. السلاح و ما يشبهه .
ثمّ إنّ المصنّف علّل عدم وجوب المستثنيات بأنّ إلزام البيع والصرف للحج مستلزم للعسر والحرج، ولو حجّ ببيع هذه المستثنيات صحّ حجّه ولا يجزي عن حجّة الإسلام.
إنّ مفاد هذا التعليل هو انّ الأصل وجوب بيع كلّ ما يملك الإنسان لأجل إتيان فريضة الحجّ، إلاّ إذا استلزم البيع، العسر والحرج، ولذلك خرجت هذه الأُمور العشرة، لأنّ في بيعها حرجاً كثيراً ولكن الظاهر، هو الحاجة سواء أكان في بيعها عسر أو لا، لأنّ الخطاب في الآية لمن هيّأ أسباب الحياة في الحضر، فعندئذ لو استطاع بعد ذلك على حجّ البيت يجب عليه مع حفظ الحياة الحضرية، وأمّا من لا يستطيع الحجّ إلاّ بهدم الحياة الحضرية ـ كما هو المفروض ـ فهو غير مخاطب بالآية ولا داخل في روايات الباب; ففي رواية معاوية بن عمار بعد ذكر الآية: «هذه لمن كان عنده مال و صحة».(1) و في رواية الحلبي: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به»(2) فمادامت الحاجة سائدة بصرف ما يملك في رفعها، حسب شأنها ومنزلتها الاجتماعية فإذا استغنى عنها، يكتب عليه الحجّ.
وللسيد المحقّق البروجردي هنا كلام فانّه علّل عدم الاستطاعة بقوله: «لا يقال للإنسان المتحضّر، المحتاج في حضره إلى معائش كثيرة، أنّه يستطيع السفر إلاّ إذا كان له زاد السفر وراحلته زائدة على حوائجه الحضرية، و أمّا من لا يتهيّأ له مؤن السفر إلاّ بهدم أساس الحضر فهو غير مستطيع للسفر عرفاً.
ولو افترضنا انّه حجّ بهدم حوائجه الحضرية، فالظاهر عدم الإجزاء عن

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث1، 3.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث1، 3.

صفحه 111
الحجّ الواجب، لأنّه حجّ وهو غير مستطيع، ولكن السيد الحكيم استشكل على عدم الإجزاء، وقال: إنّ أدلة نفي العسر والحرج وإن كانت نافية للتكليف، لكنّها غير نافية للملاك، فلا تقتضي البطلان لو تكلّف المكلّف الفعل.
الظاهر أنّ مراده من عدم البطلان هو إجزاؤه عن حجّة الإسلام، وإلاّ فلم يقل أحد بحرمة حجّ المتسكّع ولا المستجدي ولا غيره، ولو أراد ذلك فالظاهر عدم الإجزاء لما مرّ منا من أنّ حجّة الإسلام محددة بالاستطاعة المالية للسفر مع حفظ شؤون حياته في الحضر، وإلاّ فتحصيل الاستطاعة للسفر بهدم ما يتوقّف عليه الحياة في الحضر خارج عن حجّة الإسلام، وقد مرّ تحديد حجّة الإسلام ببعض القيود التالية:
1. السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويُبقي بعضاً لقوت عياله.
2. قوله: «ذلك القوة في المال، واليسار» قال: فإن كانوا موسرين فهم ممّن يستطيع؟ قال: «نعم».(1)

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.

صفحه 112
ولا يعتبر فيها الحاجة الفعليّة، فلا وجه لما عن كشف اللثام من أنّ فرسه إن كان صالحاً لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة، وإلاّ فهو في مسيره إلى الحجّ لا يفتقر إليه بل يفتقر إلى غيره، ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ، كما لا وجه لما عن الدروس من التوقّف في استثناء ما يضطرّ إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع، فالأقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه ممّا يكون إيجاب بيعه مستلزماً للعسر والحرج، نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحجّ، وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة كما في حليِّ المرأة إذا كبرت عنه ونحوه.*
* عدم اعتبار الحاجة الفعلية
ثمّ إنّ الميزان في الاستثناء هو حاجة الشخص إلى الشيء في حياته الحضرية، وهي بين ما يحتاج إليها بالفعل كالملابس الشتوية وهو في فصل الشتاء، أو يحتاج إليها بالقوة كالملابس الشتوية وهو في الصيف، وعلى ذلك جرت حياة الإنسان حيث إنّه لايحتاج إلى لوازم الحياة في يوم واحد، وإنّما يحتاج إليها شيئاً فشيئاً.
قال العلاّمة في «التذكرة»: لا تباع داره التي يسكنها في ثمن الزاد والراحلة، ولا خادمه ولا ثياب بدنه ولا فرس ركوبه بإجماع العلماء، لأنّ ذلك ممّا تمس الحاجة إليه.(1)
وبذلك تعرف ضعف القولين:

1 . التذكرة:7/63.

صفحه 113
1. ما ذكره الفاضل الهندي في «كشف اللثام» حيث أخرج الفرس عن المستثنيات قائلاً: فأنّ فرسه إن صلح لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة، وإلاّ فهو في مسيره إلى الحجّ لا يفتقر إليه، وإنّما يفتقر إلى غيره، ولا دليل على عدم وجوب بيعه عندئذ.(1)
ولم يعلم وجهه، لما عرفت من أنّ الميزان هو مطلق الحاجة ولو بالقوة، والفرس ممّا يحتاج إليه الرجل بعد رجوعه من الحجّ، وليس معنى الاستطاعة هدم الشؤون الحضرية لأجل السفر إلى الحجّ فإذا رجع عن سفره، تختل حياته .
2. ما ذكره في «الدروس» من التوقّف في استثناء ما يضطر إليه على وجه الإطلاق حيث قال: في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع عندي نظر.(2)
ولم يعلم وجهه مع أنّ أدلّة العسر والحرج هي الحاكمة على أدلة إطلاقات الحجّ عند المفهوم، بل قد عرفت عدم الحاجة إلى أدلّة العسر والحرج وانّ الخطاب لمن هيّأ أسباب الحياة الحضرية.
نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحجّ، لتحقّق الاستطاعة وعدم الحاجة إليها.
ونظير ذلك لو خرجت الأعيان عن موضع الحاجة، كما في حُليّ المرأة إذا كبرت.

1 . كشف اللثام:5/94 بتصرّف.
2 . الدروس:1/266.

صفحه 114
المسألة 11: لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه وكان عنده دار مملوكة، فالظاهر وجوب بيع المملوكة إذا كانت وافية لمصارف الحجّ أو متمّمة لها، وكذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته، فيجب بيع المملوكة منها، وكذا الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة، لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم يكن ذلك منافياً لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك، نعم لو لم تكن موجودة وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه، والفرق عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الأُولى إلاّ إذا حصلت بلا سعي منه، أو حصلها مع عدم وجوبه فإنّه بعد التحصيل يكون كالحاصل أوّلاً.*
* لو كان بيده دار موقوفة، أو مكتبة موقوفة ومثلهما سائر المستثنيات ومع ذلك عنده دار أو مكتبة مملوكة، فهل يجب عليه بيع المملوك وصرفه في مصارف الحجّ أو تتميمها به أو لا؟ والثاني خيرة الدروس قال:ولا يجب بيعها لو كان يعتاض عنها بالوقوف العامة وشبهها قطعاً.(1) واختاره المصنّف محتجاً بصدق الاستطاعة حينئذ لكن بشرطين:
1. إذا لم يكن منافياً لشأنه.
2. لم يكن عليه حرج في ذلك.
وخصّ بعض السادة من المشايخ وجوب البيع، بما إذا كان الوقف، وقفاً

1 . الدروس:1/266.

صفحه 115
خاصاً لا عاماً، وهو الظاهر من السيد البروجردي حيث خصّ الموقوف بما إذا لم يكن في معرض الزوال بالإخراج عنه بسبب من الأسباب، أو بمزاحمة سائر الشركاء.
ولكن الأقوى هو الأوّل، لأنّ الاستطاعة، إنّما تحصل بعد حصول حاجات الحضر، والدار والمكتبة الموقوفين، لا ترفعان حاجات الحضر، و كلّ إنسان حضريّ يحتاج إلى ابتياع دار مملوكة لنفسه ولأولاده من غير فرق بين الوقف العام أو الخاص، فانّ النفس لا تسكن إلاّ بتملك الدار وسائر المستثنيات، وإلاّ فلو قلنا بكفاية رفع الحاجة بالموقوفة لزم القول بوجوب البيع، إذا أمكن له السكنى في المدرسة، أو حجرات المسجد، أو في الدار المستأجرة.
ثمّ لما كان هناك سؤال يتوجّه إلى المصنّف و من قال بمقالته، وهو انّه ما الفرق بين الصورتين:
إذا كانت دار موقوفة تحت يده، يجب عليه بيع داره المملوكة.
إذا لم تكن الدار الموقوفة تحت يده ولكن يمكنه تحصيلها بأسهل وجه، لم يجب بيع داره للحج، والسكنى في الموقوفة؟
فأجاب المصنّف بوجود الفرق بين الصورتين، وهو صدق الاستطاعة في الصورة الأُولى وعدمها في الصورة الثانية، إلاّ إذا حصلت بلا سعي منه أو حصّلها مع عدم وجوبه، فانّه بعد التحصيل يكون كالحاصل.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الملاك في صدق الاستطاعة عدم هدم حاجات الحضر، فالصورتان من مقولة واحدة، فإنّ في بيع الدار المملوكة هدماً لحاجات الحضر، وأمّا إذا كان الملاك كونه مالكاً «لما يحجّ به» محدداً بعدم العسر والحرج،

صفحه 116
المسألة12: لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عينها لكن كانت زائدة بحسب القيمة وأمكن تبديلها بما يكون أقلّ قيمة مع كونها لائقاً بحاله أيضاً فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحجّ أو لتتميمها؟ قولان من صدق الاستطاعة، ومن عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة، والأصل عدم وجوب التبديل، والأقوى الأوّل إذا لم يكن فيه حرج أو نقص عليه وكانت الزيادة معتدّاً بها، كما إذا كانت له دار تسوى مائة وأمكن تبديلها بما يسوى خمسين مع كونه لائقاً بحاله من غير عسر فإنّه يصدق الاستطاعة، نعم لو كانت الزيادة قليلة جدّاً بحيث لا يعتنى بها أمكن دعوى عدم الوجوب، وإن كان الأحوط التبديل أيضاً.*
فهو مالك في كلتا الصورتين مع القيد المذكور، فيجب عليه البيع للصرف في الحج، أو للتتميم والمفروض عدم العسر والحرج، كما ليس السكنى في الدار الموقوفة خلاف شأنه.
* إذا كانت له دار غير زائدة عن اللائق بحاله حسب عينها، لكن كانت زائدة عنها حسب قيمتها، كما إذا صارت أطراف بيته، مجمّعاً تجارياً، يتنافس التجار وغيرهم لبناء محلاّت تجارية تباع بأغلى الثمن، فلو استعد صاحب الدار للبيع، اشتريت منه بأغلى الثمن الذي يتمكن منه تهيئة دار لائق بحاله في المحلات السكنية مضافاً إلى تمكّنه من حجّ بيت اللّه الحرام.
فيقع الكلام في وجوب التبديل وعدمه، ذهب العلاّمة والشهيد والشهيد الثاني وصاحب الجواهر إلى وجوبه، ولنذكر كلماتهم:
1. قال العلاّمة: ولو كان مسكنه واسعاً يكفيه للسكنى بعضه، وجب بيع

صفحه 117
الفاضل وصرفه في الحجّ إذا كان بقدر الاستطاعة.(1)
2. قال الشهيد: لو غلت هذه المستثنيات وأمكن الحجّّ بثمنها والاعتياض عنها فالظاهر الوجوب.(2)
3. وقال الشهيد الثاني في شرح قول المحقّق : «ولا تباع ثياب مهنته ولا خادمه ولا دار سكناه للحج» ما هذا لفظه: هذا إذا كان من أهل الخدمة، وكان الخادم صالحاً لأمثاله، فلو زاد في الوصف عن عادته وجب الاعتياض عنه بما دونه إن تحصلت من ذلك الاستطاعة، وكذا القول في دار السكنى.(3)
4. وقال في «الجواهر» بعد نقل كلمات العلاّمة والشهيدين: إنّ الوجه في استثنائها الحرج ونحوه مما لا يأتي في الفرض.(4)
هذا والظاهر من المحقّق الكركي والفاضل الاصفهاني عدم وجوب الاعتياض .
5. قال الأوّل: ولو كانت هذه المستثنيات نفيسة يجتزئ بما دونها، فإن كان حاله يقتضيها عادة فتكلّف الاكتفاء بما دونها، فالظاهر أنّه لايجب بيعها، ولا يجزئه الحج لو باعها وحجّ بالفاضل عما يكتفى به.(5)
6. وقال الفاضل الاصفهاني بعد ذكر وجه الوجوب: ويحتمل العدم كالكفّارة، لأنّ أعيانها لا يزيد عن الحاجة، والأصل عدم وجوب الاعتياض، وقد

1 . التذكرة:7/58.
2 . الدروس:1/311، الدرس81.
3 . المسالك:2/130.
4 . الجواهر:17/254.
5 . جامع المقاصد:3/128.

صفحه 118
المسألة13: إذا لم يكن عنده من الأعيان المستثنيات لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها، ففي جواز شرائها وترك الحجّ إشكال، بل الأقوى عدم جوازه، إلاّ أن يكون عدمها موجباً للحرج عليه، فالمدار في ذلك هو الحرج وعدمه، وحينئذ فإن كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلاّ مع عدم الحاجة، وإن لم تكن موجودة لا يجوز شراؤها إلاّ مع لزوم الحرج في تركه، ولو كانت موجودة وباعها بقصد التبديل ب آخر لم يجب صرف ثمنها في الحجّ، فحكم ثمنها حكمها، ولو باعها لا بقصد التبديل وجب ـ بعد البيع ـ صرف ثمنها في الحجّ، إلاّ مع الضرورة إليها على حدّ الحرج في عدمها.*
يوجب الحرج العظيم.(1)
ولا يخفى انّ مصب الكلام هو إذا لم يوجب الاعتياض حرجاً ولا عسراً ويتمكن من ابتياع دار لائقة بحاله، وعلى ذلك فالإثبات والنفي في بعض هذه الكلمات لا يتوجهان إلى نقطة واحدة.
ومع ذلك، فالأقوى عدم الوجوب، لأنّه نوع اكتساب، ولو قلنا بوجوبه، لما كان هناك فرق بين كون الزيادة قليلة أو كثيرة، إذا تمكّن بالزيادة من الحج، كما إذا كان عنده شيء من المؤونة وصار الاعتياض سبباً، لإكمالها.
* في المسألة فروع أربعة:
1. لو كانت إحدى الأعيان المستثنيات ـ كالدار ـ موجودة، فهل يجب

1 . كشف اللثام:5/95.

صفحه 119
بيعها للحجّ. وقد أشار إليه بقوله:«فإن كانت موجودة...»؟
2. إذا لم تكن موجودة لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود، فهل يجوز شراؤها وترك الحجّ؟
3. إن كانت إحدى المستثنيات موجودة كالدار المسكونة وباعها بقصد التبديل ب آخر، فهل يجب صرف ثمنها في الحجّ أو أنّ حكم ثمنها حكم أعيانها؟
4. لو باعها لا بقصد التبديل، فهل يجب ـ بعد البيع ـ صرف ثمنها في الحجّ؟
وإليك دراسة الفروع.
أمّا الفرع الأوّل فحكمه واضح، لأنّه إذا كانت الدار من المستثنيات، فمعنى ذلك انّه غير مستطيع وقتئذ، فلا يجب بيعها للحجّ، إلاّ إذا كان غير محتاج إليها، كما إذا كان له داران فيبيع إحداهما ويسكن في الأُخرى.
ثمّ إنّه إذا باع عند الحاجة إليها وحجّ فلا يغني عن حجّة الإسلام، لأنّ المستطيع عبارة عمّن يكون له وراء المستثنيات ما يصرفه في الحجّ ذهاباً وإياباً فهو عندئذ غير واجد للمستثنيات، نعم يجوز له الحجّ. ولكنّه غير مجز، كحج المتسكّع والمستجدي.
ثمّ إنّ المصنّف جعل المعيار في الفرع الأوّل الحاجة وعدمها، فعندها لا يجب البيع وعند عدمها وجب، ولكنّه جعل الميزان في الفرع الثاني العسر والحرج، وإليك دراسته.
الفرع الثاني: إذا لم يكن له دار مسكونة وورث من أبيه ما يمكن أن يشتري به داراً أو ما يحجّ به، فقال المصنّف بلزوم صرفه في الحجّ إلاّ إذا أوقعه في الحرج ،

صفحه 120
فالملاك في الفرعين مختلف، فعندما يملك الدار فالملاك في وجوب البيع وعدمه هو حاجته إلى الدار لا كونه موجباً للعسر والحرج عند عدمها، وأمّا إذا ملك النقد، فالحاجة إلى الدار المسكونة غير كافية لجواز صرفه في الحجّ، بل يجب أن يصل إلى حدّ العسر والحرج، فعندئذ ينصرف عن الحجّ ويصرفه في شراء الدار.
والحقّ أنّ الملاك في عامة الفروع، الحاجة وعدمها لا العسر وعدمه، وذلك لأنّ الاستطاعة الشرعية تفترق عن الاستطاعة في سائر الأحكام، فانّها في سائر الأحكام مشروطة بعدم العسر والحرج، فلو كانت الاستطاعة في الحجّ كالاستطاعة في سائر الأحكام مشروطة بعدم العسر والحرج، فما هو الفرق بين الاستطاعتين؟ وقد مرّ في صدر الكتاب انّه سبحانه قيد وجوب الحجّ بالاستطاعة مشعراً بأنّ المعتبر في الحجّ من الاستطاعة غير ما هو المعتبر في سائر الأحكام، وإلاّ فالأحكام كلّها مشروطة بها، قال سبحانه: (لايُكلّفُ اللّهُ نفساً إلاّ وسعَها)غير أنّ الاستطاعة في سائر الأحكام محقّقة ما لم يوجب إنجاز العمل عسراً ولا حرجاً، و هذا بخلاف المقام فمادام الإنسان محتاجاً إلى أحد المستثنيات فلا تتحقّق في حقّه الاستطاعة.
وأمّا الفرع الثالث، و هو إذا باع الدار بقصد التبديل، فقد حكم الماتن بعدم وجوب صرف ثمنها في

صفحه 121
المسألة14: إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحجّ، ونازعته نفسه إلى النكاح، صرّح جماعة بوجوب الحجّ وتقديمه على التزويج، بل قال بعضهم: وإن شق عليه ترك التزويج، والأقوى ـ وفاقاً لجماعة أُخرى ـ عدم وجوبه، مع كون ترك التزويج حرجاً عليه، أو موجباً لحدوث مرض، أو للوقوع في الزنا ونحوه. نعم لو كان عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن له حاجة فيها، لا يجب أن يطلقها ويصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف الحجّ لعدم صدق الاستطاعة عرفاً.*
الحجّ، لأنّ حكم ثمنها حكم عينها، فكما لا يجب بيع العين وصرف ثمنها في الحجّ، فهكذا لا يجب صرف ثمن العين عند قصد التبديل في الحجّ.
وقد اعتبر المصنّف في المقام كون الملاك هو الحاجة، لأنّه بعد التبديل بحاجة إلى الدار، ولكنّه جعل الملاك في الفرع الرابع هو العسر والحرج.
الفرع الرابع: لو باعها لابقصد التبديل وجب ـ بعد البيع ـ صرف ثمنها في الحجّ إلاّ مع الضرورة إليها على حدّ الحرج في عدمها ولكن مقتضى التحقيق في عامة الفروع هو الحاجة، فإذا باع الدار لا بقصد التبديل فبما انّه محتاج إلى الدار ـ و إن كان يرفع حاجته بما هو خارج عن شأنه ـ لا يجب صرفها في الحجّ.
ثمّ إنّه إذا قلنا بأنّ الملاك هو العسر والحرج يمكن القول بوجوب الصرف في الصورة الرابعة، وذلك لأنّه على كلّ تقدير واقع في العسر ببيع داره، سواء صرف ثمن الدار في الحجّ أو جعل أثمانها في البنوك لأجل المضاربة وغيرها، فإيجاب الحجّ عليه لا يستلزم عسراً لتقدّمه على إيجاب الحجّ بتبديل الدار بالأثمان الرائجة.
* صرّح غير واحد من الأصحاب بأنّه إذا دار الأمر بين صرف المال في الحجّ والنكاح، فالحجّ مقدّم على النكاح وإن شق عليه وحصل له العنت، بل الواجب صرفه في الحجّ، لأنّ الحجّ مع الاستطاعة واجب والنكاح مندوب، والمندوب لا يعارض الواجب.
قال العلاّمة في «المنتهى»: لو كان له ما يحجّ به وتاقت نفسه إلى النكاح لزمه

صفحه 122
الحجّ، وقال الشافعي: يصرف المال في النكاح إذا خاف العنت، لنا: إنّ الحجّ فرض على الفور والنكاح سنّة، والفرض مقدّم، واحتجّ لجواز تأخير الحجّ بأنّه يجب على التراخي فيقدّم النكاح مع خوف العنت، وهو ممنوع لما بيّنا من وجوب الحجّ على الفور، أمّا لو خاف من ترك النكاح المشقة العظيمة، فالوجه تقديم النكاح لحصول الضرر.(1)
هذا وقد اختار في «التذكرة» تبعاً للمحقّق تقديم الحجّ مطلقاً حتّى إذا خاف على نفسه العنت، قائلاً بأنّ الحجّ واجب والنكاح تطوّع، ويلزم الصبر.(2)
وقال المحقّق: ولو كان معه قدر ما يحجّ به، فنازعته نفسه إلى النكاح، لم يجز صرفه في النكاح وإن شق تركه. ونسبه في «الجواهر» إلى القواعد ومحكي المبسوط والخلاف والتحرير.(3)
والظاهر هو تقديم النكاح عند الحاجة إليه، لماعرفت من أنّ الملاك في الاستطاعة عدم الحاجة إلى ما يحتاج إليه في الحضر، فيقدّم النكاح مطلقاً.
ومن ذلك يظهر النظر في تحديد تقديم النكاح بكون ترك التزويج حرجاً عليه أو موجباً لحدوث مرض أو للوقوع في الزنا ونحوه، لما عرفت من أنّ الحدّ هو الحاجة لا العسر والحرج.
ثمّ إنّه ربما استشكل على ما ذكره المصنّف من لزوم تقديم النكاح على الحجّ إذا خاف الوقوع في الزنا قائلاً : إنّ مجرّد العلم بالوقوع في الزنا ليس مجوزاً لترك

1 . المنتهى:2/653.
2 . التذكرة:7/56.
3 . الجواهر:17/260، قسم المتن.

صفحه 123
الحجّ، لعدم استناده إلى الحجّ،وإنّما يرتكبه بسوء اختياره واللازم عليه تركه، ولا ينافي ذلك كونه مكلّفاً بإتيان الحجّ.
وبعبارة أُخرى: يلزم عليه أمران: ترك الزنا والحجّ، ومجرّد العلم بإتيان الزنا اختياراً لا يوجب سقوط الحجّ، بل يجب عليه الحجّ، كما يحرم عليه الزنا. ونظير المقام ما لو علم الحاج أنّه لو صرف ماله في طريق الحجّ لسرق من أموال المسلمين ليتدارك ما صرفه من أمواله، ولا يتوهم أحد سقوط الحجّ في مثل ذلك.(1)
يلاحظ عليه: أنّ النكاح شرّع لأجل صيانة النفس من الوقوع في الحرام حيث قال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها)(2) فهاهنا حاجتان: إحداهما شرعية وهو صرف المال في الحجّ، والأُخرى طبيعية وهو صرف المال في النكاح، فصحّ لقائل أن يقول: إنّ صرف المال في النكاح متعيّن، لأنّه يجب الحجّ بعد تأمين حاجاته الأوّلية في الحضر.
وأمّا السرقة فليست من لوازم صرف المال في الحجّ ، و تركها من لوازم عدم الصرف، وإنّما هي حالة شخصية طارئة، فلا معنى لترك الحجّ بذريعة انّه يصد الشخص عن السرقة.
وعلى كلّ تقدير فبما أنّ النكاح حاجة طبيعية لنوع البشر، والاستطاعة بعد الاستغناء عن حاجات الحضر حسب شأن الإنسان ومنزلته، يصرف ما في يده في النكاح مقدّماً له على الحجّ.

1 . معتمد العروة:1/108، كتاب الحج.
2 . الروم:21.

صفحه 124
المسألة15: إذا لم يكن عنده ما يحجّ به، ولكن كان له دين على شخص بمقدار مؤنته أو بما تتم به مؤنته، فاللازم اقتضاؤه وصرفه في الحجّ إذا كان الدين حالاً، و كان المديون باذلاً، لصدق الاستطاعة حينئذ، وكذا إذا كان مماطلاً و أمكن إجباره بإعانة متسلّط، أو كان منكراً وأمكن إثباته عند الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة وحرج، بل وكذا إذا توقّف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور ـ بناء على ما هو الأقوى من جواز الرجوع إليه مع توقّف استيفاء الحقّ عليه ـ لأنّه حينئذ يكون واجباً بعد صدق الاستطاعة، لكونه مقدّمة للواجب المطلق، وكذا لو كان الدين مؤجّلاً، و كان المديون باذلاً قبل الأجل لو طالبه. ومَنْعُ صاحب الجواهر الوجوب حينئذ، بدعوى عدم صدق الاستطاعة، محل منع.*
* في المسألة فروع:
1. إذا كان له دين حالّ على شخص وكان المديون باذلاً وهو بمقدار المؤونة أو تتم به مؤونة الحجّ.
2. تلك الصورة وكان المديون مماطلاً يمكن إجباره بإعانة متسلط.
3. تلك الصورة لكن كان منكراً أمكن إثباته برفع شكواه إلى الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة ولا حرج.
4. تلك الصورة إذا توقّف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور بناء على جواز الرجوع إليه.
5. كان الدين مؤجلاً والمديون باذلاً قبل الأجل لو طالبه.

صفحه 125
6. كان المديون معسراً أو مماطلاً لا يمكن إجباره أو منكراً للدين ولم يمكن إثباته أو كان الترافع مستلزماً للحرج أو كان الدين مؤجلاً مع عدم كون المديون باذلاً.
7. لو شك في البذل له لو طالبه، فهل يجب الطلب أو لا؟
هذه فروع سبعة لا كلام في الفرع الأوّل في صدق الاستطاعة، كما لا كلام في الفرع السادس في عدم صدقها، إنّما الكلام في الفروع الباقية، وإليك دراسة الجميع.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّه مستطيع، إذ لا يشترط في صدق الاستطاعة مالكية العين بل يعمّ مالكية ذمّة الغير، فيصدق عليه العناوين الواردة في الروايات.
1. له زاد وراحلة مع الصحّة.(1)
2. يكون له ما يحجّ به.(2)
3. السعة في المال.(3)
4. القوة في البدن واليسار في المال.(4)
إلى غير ذلك من العناوين الواردة في الباب الثامن والتاسع من أبواب وجوب الحجّ.
وبعبارة أُخرى: يشترط في الاستطاعة :
1. أن يكون مالكاً لما يتمكّن به تحصيل الزاد والراحلة.
2. أن يكون المال عنده حاضراً حتّى يتمكن من التصرّف فيه.

1 . الوسائل:8، الباب 8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث7، 3.
2 . الوسائل:8، الباب 8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث7، 3.
3 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، 3.
4 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، 3.

صفحه 126
3. أن يكون قادراً على التصرّف بأن لا يكون متعلّقاً بحقّ الغير كالعين المرهونة.
فهذه الوجوه الثلاثة متوفرة في الفرع الأوّل، ولا تُعد المطالبة تحصيلاً للاستطاعة.
إنّما الكلام في الفرع الثاني والثالث والرابع، فهل يصدق أنّه مستطيع بالفعل حتّى تجب مقدّمته وهي الاستيفاء بالتوسل بالقوة القاهرة، أو برفع الشكوى إلى الحاكم الشرعي أو حاكم الجور، أو لا يصدق أنّه مستطيع حتّى تجب هذه المقدمات، وقد اختار المصنّف انّه مستطيع وجب عليه الحجّ فتجب مقدّمته وهو التوصل بقوة قاهرة يحصل له طلبه.
ووافقه السيد الخوئي وقال: إنّ المقام نظير ما إذا كان له مال مدفون في الأرض أو كان محروزاً في صندوق، وتوقف التصرف فيه على حفر الأرض، وفتح الصندوق بعلاج ونحوه، فانّه لاريب في الوجوب، فانّ القدرة التكوينية إذا كانت متوقّفة على مقدّمات، لا يوجب ذلك سقوط الواجب، بل يجب عقلاً تحصيل المقدّمات.
نعم لابدّ أن لا يكون فيه حرج وكلفة زائدة وإلاّ فيسقط لأجل الحرج.(1)
يلاحظ عليه: بأنّك قد عرفت أنّ الاستطاعة رهن حصول قيود ثلاثة:
1. كونه مالكاً.
2. وكون المال حاضراً لا كالعبد الآبق أو بعيداً عن حيطة قدرة المالك.
3. قادراً على التصرف فيه.

1 . معتمد العروة، كتاب الحج:1/110.

صفحه 127
ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):«إذا قدر الرجل على ما يحج به...» (1) وفي خبر علي بن حمزة : «من قدر على ما يحجّ به...».(2)
ومن المعلوم عدم صدق القدرة العرفية فيما إذا احتاج إلى التوسل بمتسلط أو رفع الشكوى إلى المحاكم الشرعية والعرفية، وعندئذ تكون الاستعانة بأحد هذه الأُمور تحصيلاً للاستطاعة والقدرة العرفية، فكيف يصدق أنّه مستطيع قبل استيفاء الدين؟
نعم لو توصّل بأحد هذه الأُمور وحصلت الاستطاعة يجب عليه الحجّ، ولكن الكلام إنّما هو في الوقت الذي قبل التوسل، وتحديد الوجوب بما إذا لم يستلزم كلفة ولا حرج يعود إلى تفسير الاستطاعة بالاستطاعة العقلية لا الشرعية، فإنّ الأحكام المنوطة بالقدرة العقلية أيضاً محددة بعدم استلزامها الكلفة والحرج كوجوب تحصيل الماء للوضوء، و أمّا الاستطاعة الشرعية فلا يجب تحصيلها، سواء استلزمت الحرج أو لا.
وبالجملة لا يقال انّه مستطيع فيجبُ عليه الحجّ وبالتالي تجبُ مقدّمته، وأمّا ما مثّل به السيد الخوئي في تشبيه المقام بما إذا توقّف التصرف في المال على حفر الأرض وفتح الصندوق، فهو قياس مع الفارق، فإنّه مالك للعين غير أنّ هناك حواجز طبيعية متعارفة يجب عليه رفعها، وهذا بخلاف المقام فإنّه لا يملك إلاّ الذمّة، والذمّة لا يحجّ بها مادام كونه مماطلاً أو منكراً.
نعم لو كان وصول الدين في هذه الصور متيسراً بنحو يصدق عليه أنّه واجد للمال، فلا يبعد وجوب مقدّمته.

1 . الوسائل:الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 3.
2 . الوسائل:الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 9.

صفحه 128
وأمّا لو كان المديون معسراً أو مماطلاً لا يمكن إجباره، أو منكراً للدين ولم يمكن إثباته، أو كان الترافع مستلزماً للحرج أو كان الدين مؤجلاً مع عدم كون المديون باذلاً فلا يجب، بل الظاهر عدم الوجوب لو لم يكن واثقاً ببذله مع المطالبة.*
إلى هنا تمّ أحكام الفروع الأربعة.
وأمّا الفرع الخامس، أعني: إذا كان الدين مؤجلاً والمديون باذلاً قبل الأجل لو طالبه، فالظاهر أنّه مستطيع إذا كان تحصيل المال على نحو يصدق عرفاً أنّ المال في حوزته.
* وأمّا الفرع السادس، فلا يجب بالاتفاق، لأنّ المديون امّا معسر، أو مماطل لا يمكن إجباره، أو منكر للدين ولا يمكن إثباته في المحاكم، أو كان الدين مؤجلاً مع عدم كون المديون باذلاً، غير أنّ السيد الخوئي منع إطلاق الحكم وأفتى بوجوب السعي في تحصيل الدين، وهو ما إذا تمكّن من بيعه بأقلّ منه كما هو المتعارف يجب عليه بيعه لصدق الاستطاعة وانّ عنده ما يحجّ به، وقد عرفت أنّ المناط في صدق الاستطاعة وجود ما يحج به عيناً أو بدلاً وقيمة، بل حتّى إذا كان الدين مؤجلاً ولم يبلغ أجله وأمكن بيعه نقداً بمقدار يفي للحجّ على ما هو المتعارف يجب ذلك لصدق الاستطاعة.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ كلّ ما ذكره من السعي يعدّ تحصيلاً للاستطاعة مع أنّ تحصيله غير واجب، فأي تحصيل أوضح من بيع الكثير بالقليل، لأنّ المفروض أنّه

1 . معتمد العروة:1/111، كتاب الحجّ.

صفحه 129
لا يقدر على الحجّ إلاّ بهذه المعاملة المحقّقة للاستطاعة.
وأمّا الفرع السابع، فهي ما إذا شكّ في بذل المديون لو طالبه فاستظهر المصنّف عدم الوجوب، لأنّه شكّ في الاستطاعة وهو مساوق للشكّ في التكليف، ومقتضى الأصل البراءة .
توضيحه: أنّ القدرة التي هي من الشرائط العامة للتكليف على قسمين:
1. إذا كان التكليف مطلقاً ولم تكن قدرة المكلّف دخيلة في ملاك الحكم وإنّما اعتبر لأجل امتناع العمل بالتكليف إلاّ بالقدرة، وهذه هي المسمّاة بالقدرة العقلية، فلو كان التكليف فعلياً وشكّ في القدرة يجب عليه الفحص، كما إذا أمر المولى بشراء اللحم من السوق وشكّ في وجوده فيه فلا يصحّ ترك الشراء بحجة أنّه شكّ في وجود الموضوع في الخارج، لما عرفت من أنّ الحكم فعلي والملاك تام والقدرة غير دخيلة في ملاك الحكم إلاّ لأجل رفع الامتناع.
2. ما إذا كانت القدرة مأخوذة في الموضوع ودخيلة في ملاك الحكم، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ والنصاب في وجوب الزكاة، فالشكّ في الاستطاعة أو بلوغ المحصول حدّ النصاب شكّ في وجود الموضوع وبالتالي شكّ في أصل التكليف، ولأجل ذلك بنى المصنّف وغيره على عدم وجوب الفحص، ومع ذلك كلّه فالشكّ في الاستطاعة على قسمين:
تارة يسهل علم المكلّف بحالها من حيث الوجود والعدم، كما إذا شكّ في تعلّق الخمس بماله أو الزكاة بغلاته، وأُخرى يعسر العلم بوجودها ويحتاج إلى طي عقبات، فالسيرة العقلائية هي لزوم الفحص في الصورة الأُولى دون الثانية.
وعلى ذلك بنينا في الشبهات الموضوعية حيث ذهب المشهور إلى عدم

صفحه 130
المسألة16: لا يجب الاقتراض للحجّ إذا لم يكن له مال وإن كان قادراً على وفائه بعد ذلك بسهولة، لأنّه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب، نعم لو كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحجّ فعلاً، أو مال حاضر لا راغب في شرائه، أو دين مؤجّل لا يكون المديون باذلاً له قبل الأجل، وأمكنه الاستقراض والصرف في الحجّ ثمّ وفاؤه بعد ذلك فالظاهر وجوبه، لصدق الاستطاعة حينئذ عرفاً، إلاّ إذا لم يكن واثقاً بوصول الغائب، أو حصول الدين بعد ذلك، فحينئذ لا يجب الاستقراض، لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة.*
وجوب الفحص كالمائع المردد بين الخمر والخل، فلو كان الفحص عن الموضوع أمراً ميسوراً يجب الفحص.
وعلى ذلك فلو شكّ في أنّ المديون يبذل بالمطالبة أو لا، فعليه المطالبة إذا كان أمراً ميسوراً بحيث لا يعد تحصيلاً للاستطاعة.
* اتّفق العلماء على أنّه لايجب الاقتراض للحجّ إذا لم يكن له مال و إن كان قادراً على وفائه بعد ذلك بسهولة، وعلّله المصنف بأنّه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب، والأولى أن يقال انّ استدانة الفقير لا يلازم الاستطاعة، فالمقترض لا يكون مستطيعاً بالاقتراض لا انّه تحصيل له.
إنّما الكلام في الصور الآتية:
1. إذا كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحجّ فعلاً.
2. أو مال حاضر لا راغب في شرائه.

صفحه 131
3. أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلاً له قبل الأجل.
فلو أمكنه الاستقراض والصرف في الحجّ ثمّ الوفاء بعد ذلك، فقد اختار المصنّف وجوب الاستقراض، لصدق الاستطاعة عندئذ عرفاً، إلاّ إذا لم يكن واثقاً بوصول الغائب أو حصول الدين بعد ذلك، فعندئذ لا يجب الاستقراض .
يلاحظ عليه: أنّه يشترط في وجوب الحجّ كون المستطيع مالكاً والمال حاضراً وقادراً على صرف المال في الحجّ والمفروض فقدان الشرط الثالث لأجل غيبة المال، أو عدم وجود راغب في شرائه، أو امتناع المديون من أداء الدين قبل الأجل، فكيف يُحكم عليه بأنّه مستطيع يجب عليه الحجّ فيجب إنجاز هذه الأُمور مقدّمة.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد أعاد في هذه المسألة ما ذكره في المسألة السابقة من أنّه إذا أمكن بيع الدين المؤجل بالنقد فعلاً كما هو المتعارف، أو بيع المال الغائب بلا ضرر عليه وجب الاستقراض، أو البيع لصدق الاستطاعة.
والحقّ فيه التفصيل بين كون ما يقوم به أمراً متعارفاً بين الناس على نحو يعد من أُمورهم العادية في أمر التجارة فيجب لصدق انّه مالك للمال عرفاً و بين مايكون خارجاً عن حدّ المتعارف.

صفحه 132
المسألة17: إذا كان عنده ما يكفيه للحج، وكان عليه دين، ففي كونه مانعاً عن وجوب الحجّ مطلقاً، سواء كان حالاً مطالباً به أو لا، أو كونه مؤجلاً، أو عدم كونه مانعاً إلاّ مع الحلول والمطالبة، أو كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل أو الحلول مع عدم المطالبة، أو كونه مانعاً إلاّ مع التأجيل وسعة الأجل للحجّ والعود أقوال، والأقوى كونه مانعاً، إلاّ مع التأجيل والوثوق بالتمكن من أداء الدين إذا صرف ما عنده في الحجّ، وذلك لعدم صدق الاستطاعة في غير هذه الصورة وهي المناط في الوجوب، لا مجرد كونه مالكاً للمال وجواز التصرف فيه بأيّ وجه أراد، وعدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة.*
* وقبل الخوض في المسألة نذكر أمرين:
الأوّل: صورها وهي:
إنّ الدين: إمّا معجّل، أو مؤجّل.
والمعجّل: إمّا أن يكون مطالباً به، أو لا.
والمؤجّل: إمّا أن يسع الأجل لإتمام المناسك والعود، أو لا يسعه.
وعلى جميع التقادير إمّا أن يثق بالتمكّن من أداء الدين إذا صرف ما عنده في الحجّ أو لا، فصارت الصور ثمانية.
أمّا الأقوال فقد أشار المصنّف إلى ستة خامسها مختاره. وإليك دراستها:
الأوّل: انّ الدين مانع عن وجوب الحجّ مطلقاً من غير فرق بين الحال والمؤجّل، والمطالَب من الحال وغيره، عليه المحقّق والعلاّمة والشهيد ونسبه في

صفحه 133
الحدائق إلى اتّفاق العلماء ـ كما سيوافيك نصّه ـ وإنّما ظهر التفصيل بين الصور في عصر صاحب المدارك(956ـ 1009هـ).
قال المحقّق في «الشرائع»: ولو كان له مال وعليه دين بقدره لم تجب .(1)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: لو كان له مال وعليه دين بقدره لم يجب عليه الحجّ، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، لأنّه غير مستطيع مع الحلول، والضرر متوجه عليه مع التأجيل، فيسقط فرض الحجّ.(2)
وقال الشهيد في «الدروس»: والمديون ممنوع إلاّ أن يستطيع بعد قضائه مؤجلاً كان أو حالاً.(3)
وقد حكى المحدّث البحراني اتفاق علمائنا عليه حيث قال: قد صرّح الأصحاب بأنّه لو كان له مال وعليه دين فإنّه لا يجب عليه الحجّ.(4)
الثاني(5): انّ الدين مانع باستثناء صورتين:
1. المؤجّل .
2.الحال غير المطالب.
وهو خيرة المدارك : حيث قال في شرح عبارة المحقّق: إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الدين بين أن يكون حالاً أو مؤجلاً، وبهذا التعميم صرح في «المنتهى»، واستدلّ عليه بعدم تحقّق الاستطاعة مع الحلول، وتوجه الضرر مع

1 . شرائع الإسلام:1/226.
2 . المنتهى:2/653.
3 . الدروس:1/266.
4 . الحدائق:14/90.
5 . الثاني في الشرح هو الثالث في المتن، كما أنّ الثالث فيه هو الثاني في المتن.

صفحه 134
التأجيل، فيسقط الحجّ.
ولمانع أن يمنع توجه الضرر في بعض الموارد، كما إذا كان الدين مؤجلاً أو حالاً لكنّه غير مطالَب به، وكان للمديون وجه للوفاء بعد الحجّ، ومتى انتفى الضرر وحصل التمكن من الحجّ تحقّقت الاستطاعة المقتضية للوجوب.(1)
وقد اعتبر في الحالّ غير المطالب به، وجود وجه للوفاء به بعد الحجّ ولم يذكره المصنّف في المتن.
وأمّا الثالث، فهو نفس القول الثاني، سواء قلنا ليس الدين مانعاً إلاّ في صورة واحدة وهي حلوله وكونه مطالباً به، أم قلنا إنّه مانع إلاّ إذا كان مؤجلاً، أو حالاً غير مطالب به.
الرابع: انّ الدين مانع إلاّ في صورة واحدة وهي أن يكون الدين مؤجلاً والوقت وسيعاً للحجّ والعود، فهو قول صاحب كشف اللثام حيث قال: وللشافعية في المؤجل بأجل مؤجل وجه بالوجوب، ولا يخلو من قوة ـ إلى أن قال: ـ لأنّه قبل الأجل غير مستحقّ عليه، وعند حلوله إن وجد ما يفي به أدّاه، وإلاّ سقط عنه مطلقاً أو إلى ميسرة.(2)
ولو كان هذا غير مانع لوجب أن يعطف عليه الحال غير المطالب بداعي أنّه بعد العود من الحجّ إن وجد ما يفي به أدّاه، إلى آخر ما قال.
الخامس، التفصيل بين ما إذا كان الدين حالاً، أو كان الدين مؤجلاً، لا يثق بالأداء بعد العود من الحجّ، فلا يجوز لعدم صدق الاستطاعة، وهذا خيرة

1 . المدارك:7/43.
2 . كشف اللثام:5/98.

صفحه 135
المصنِّف.
وبين ما إذا كان مؤجلاً، يتمكّن من الأداء بعد الحجّ فيجب... وكان عليه أن يعطف عليه الحالّ غير المطالب به إلى العود من الحجّ ، لاشتراكهما في المناط.
والمهم في المقام، هو دراسة أدلة التفاصيل، فانّها تدور مدار صدق الاستطاعة في موارد الاستثناء وعدم صدقها في غيرها.
فلو كان الملاك في صدقها هو السعة في المال كما في رواية أبي الربيع الشامي(1) ، أو القوة في المال واليسار كما في رواية عبد الرحيم القصير(2)، فهما غير حاصلين مع الدين بعامة صوره ، و مجرد التمكن من الأداء بعد ذلك، غير كاف في صدقهما.
وأمّا لو كان الملاك في صدقها، هو كونه مالكاً للزاد والراحلة كما في غير واحد من الروايات(3) فهو مستطيع في عامة الصور، حتّى في الدين المطالب، غاية الأمر يقع التزاحم بين وجوب الحجّ، ووجوب أداء الدين، لأنّ المفروض انّه لا يتمكن من الجمع بين امتثال الحكمين فلابدّ من إعمال مرجّحات باب التزاحم، فيقدم الدين إذا كان حالاً مطالباً به، أو مؤجلاً مع عدم الوثوق بالأداء بعد الحجّ، وذلك لأهمية الدين، وأمّا إذا كان حالاً وأذن له بالتأخير أو مؤجلاً وكان متمكّناً من الأداء في وقته فيقدّم الحجّ لعدم المزاحمة.

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1. ولاحظ الباب8 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 12.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 2. ولاحظ الباب8 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 13.
3 . لاحظ الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 4، 5، 7، 10.

صفحه 136
ولا يخفى انّ الطائفة الأُولى أوضح دلالة من الطائفة الثانية، لاحتمال أن يكون الغاية من تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، هو نفي الوجوب عمّن لا يملكهما كالمتسكّع والمستجدي، أو من يطيق المشي بكلفة وحرج أو بدونهما، وأمّا كونه الملاك في عامة الحالات فلا، ولذلك لا يجب حتّى على من لا يملك نفقة من تلزمه نفقته، أو لا يرجع إلى الكفاية وإن كان مالكاً للزاد والراحلة، فالإطلاق منصرف عن هاتين الصورتين، ومثلهما المقام، أعني: من عليه دين باهظ، سواء أكان مطالباً أم لا، فالروايات منصرفة عنها.
وبذلك يظهر انّ ما اختاره المصنف من التفصيل في صدق الاستطاعة، وانّها لا تصدق في عامة الصور إلاّ في صورة التأجيل والوثوق بالتمكّن من أداء الدين إذا صرف ما عنده في الحجّ، غير تام، لما عرفت من أنّ الملاك إمّا اعتبار السعة والمال، أو كونه مالكاً للزاد والراحلة، فعلى الأوّل غير مستطيع مطلقاً، كما أنّه على الثاني مستطيع كذلك، والتفصيل بين الصور بوجود الاستطاعة في بعضها، وعدمها في البعض الآخر، غير تام.
ولذلك اختار السيد الخوئي نفس ما اختاره المصنّف لكن على مبنى آخر و هو القول بصدق الاستطاعة في جميع الصور ـ تبعاً لصاحب المستند ـ لكن قدم الدين في بعض الصور لأجل أهمية حق الناس، كما إذا كان الدين حالاً مطالباً، أو مؤجلاً مع عدم الوثوق بالأداء بعد الحجّ، وأمّا إذا كان مؤجلاً متمكّناً من أدائه في وقته، أو كان حالاً وأذن له بالتأخير، فيقدّم الحجّ لعدم المزاحمة.
وتظهر الثمرة بينه و بين المصنّف في المواضع التي وظيفته تقديم الدين على الحجّ; فلو خالف وحجّ، لا يجزي عن حجّة الإسلام عند المصنّف، لعدم الأمر

صفحه 137
الوجوبي بفقدان الاستطاعة، بخلافه على القول الآخر فانّه يعدّ مستطيعاً في عامة الحالات، فلو عصى يقع حجّه صحيحاً مأموراً به بالأمر الترتبي.

القول السادس: قول صاحب المستند

ثمّ إنّ صاحب المستند ذهب إلى القول بأنّ الواجد للمال الذي يقدر معه على الحجّ، مستطيع في جميع الصور، فهو مخيّر بين أداء الحجّ وأداء الدين، إلاّ إذا علم رضا الدائن بالتأخير فلا يكون مأموراً بالوفاء، فيبقى خطاب الحجّ خالياً عن المعارض فيكون واجباً، قال ما هذا نصّه: فالوجه أن يقال: إنّ مع التعجيل أو عدم سعة الأجل، هو مخيّر بين الحجّ، ووفاء الدين، سواء عُلمت المطالبة أم لا.
نعم لو علم رضا الدائن بالتأخير فلا يكون مأموراً بالوفاء، فيبقى خطاب الحجّ خالياً عن المعارض، فيكون واجباً.
وأمّا إذا كان مؤجلاً بأجل يسع الحجّ والعود ـ سواء ظن له طريق للوفاء، بعد العود، أم لاـ ...وعن المحقّق الأردبيلي: الوجوب...، وهو الحقّ لصدق الاستطاعة عرفاً.(1)
حاصل كلامه: إنّ هنا صورتين، ولكلّ منهما قسمان، فالصورة الأُولى داخلة تحت باب التزاحم فيكون مخيّراً بين أداء الدين والحجّ، والصورة الثانية خارجة عنه، بل يجب المبادرة إلى الحجّ دون أداء الدين.
أمّا الصورة الأُولى، فهي فيما إذا كان كلّ من الحكمين (وجوب الحجّ وأداء الدين) فعليين، كما إذا كان حالاً،علمت المطالبة أو لا، أو مؤجّلاً مع عدم سعة

1 . مستند الشيعة:11/43.

صفحه 138
الأجل، ففيها يكون مخيّراً بالعمل بأحد التكليفين.
وأمّا الصورة الثانية، ففيما إذا كان وجوب الحجّ فعليّاً، دون أداء الدين، كما إذا كان الدائن راضياً بالتأخير ـ فيما إذا كان حالاً، أو مؤجلاً مع سعة الوقت ـ للحجّ و العود، سواء كان ظن التمكّن من أداء الدين بعد الحجّ أو لا، حيث لا تجب المبادرة إلى الأداء، إمّا للرضا بالتأخير، أو سعة الوقت، فيجب الحج بلا مزاحم.
ثمّ إنّ المصنّف أورد على مختار صاحب المستند بإشكالين: أحدهما يتوجّه إلى كلتا الصورتين، وثانيهما على خصوص الصورة الأُولى.
أمّا الأوّل، فقال بأنّه لاوجه للتخيير في الصورة الأُولى، كما لا وجه للتعيين ـ تقديم الحجّ ـ في الصورة الثانية، لأنّ الوجوب تخييرياً كان أو تعيينيّاً مشروط بالاستطاعة، وهي غير صادقة فيهما خصوصاً في الصورة الأُولى.
وأمّا الثاني، فهو انّ التخيير بين الواجبين إنّما يتصوّر إذا كانا مطلقين وفي عرض واحد، لا ما إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مقيّداً كما في المقام حيث إنّ أداء الدين واجب مطلق بخلاف الحجّ فانّه واجب مشروط; وبالعمل بالأوّل، ينتفي موضوع الثاني، فيكون الأوّل وارداً على الحكم الثاني.
إلى هنا كان البحث يدور حول القواعد العامّة خصوصاً حول صدق الاستطاعة وعدمها.
وقد عرفت أنّ الأقوى هو قول القدماء، وهو عدم وجوب الحجّ مطلقاً، لعدم صدق الاستطاعة، إلاّ إذا كان الأجل وسيعاً لا يضرّ في نظر العرف بصدقها لكونه متمكناً من أدائه في وقته كالزارع الذي ينتهي أجل دينه بعد سنتين أو أكثر، إذ من البعيد أن يتوالى الجفاف على الهواء ولا ينبت شيء عدّة سنين.

صفحه 139
بقي الكلام حول الروايات الخاصّة الواردة في نفس المسألة، فهناك طائفتان:

الأُولى: ما يستظهر منها مقالة المشهور

استدلّ على مقالة المشهور بروايات، من عدم وجوب الحجّ مع الدين إلاّ إذا كان خلف ظهره مال إنْ حدث به حدث، أدّى عنه، وهي:
1. خبر أبي همام قال: قلت للرضا (عليه السلام) الرجل يكون عليه الدين ويحضره الشيء أيقضي دينه أو يحجّ؟ قال: «يقضي سنة ويحج سنة».(1)
2. موثقة عبد الملك بن عتبة قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)، عن الرجل عليه دين، يستقرض ويحجّ؟ قال:« إن كان له وجه في مال فلا بأس».(2)
وظاهر الحديث، أنّه بعد الاستقراض يكون عليه دينان، فلو كان السؤال مركَّزاً على مانعية الدين الأوّل عن الحج، يكون الجواب شاهداً للمقام، وأمّا لو كان مركَّزاً على أنّ الحجّ بالاستقراض يجزي عن حجّة الإسلام فلا تكون للرواية صلة بالمقام، ومنه يظهر حال الرواية التالية.
3. موثقة موسى بن بكر الواسطي قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يستقرض ويحجّ؟ فقال: «إن كان خلف ظهره مال إن حدث به حدث أدّى عنه فلا بأس». (3)و بما أنّها مجرّدة عن قوله: «عليه دين» يكون السؤال مركّزاً على إغناء

1 . الوسائل:8، الباب50 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث6، 5، 7. والرواية الأخيرة وصفها العلاّمة المجلسي بالضعف لأجل موسى بن بكر و هو واقفي لكنّه من مشايخ ابن أبي عمير و صفوان، وشهد صفوان على أنّ كتاب موسى بن بكر ليس فيه اختلاف عند أصحابنا. معجم رجال الحديث:19/30.
2 . الوسائل:8، الباب50 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث6، 5، 7. والرواية الأخيرة وصفها العلاّمة المجلسي بالضعف لأجل موسى بن بكر و هو واقفي لكنّه من مشايخ ابن أبي عمير و صفوان، وشهد صفوان على أنّ كتاب موسى بن بكر ليس فيه اختلاف عند أصحابنا. معجم رجال الحديث:19/30.
3 . الوسائل:8، الباب50 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث6، 5، 7. والرواية الأخيرة وصفها العلاّمة المجلسي بالضعف لأجل موسى بن بكر و هو واقفي لكنّه من مشايخ ابن أبي عمير و صفوان، وشهد صفوان على أنّ كتاب موسى بن بكر ليس فيه اختلاف عند أصحابنا. معجم رجال الحديث:19/30.

صفحه 140
الحج الاستقراضي عن حجّة الإسلام فلا صلة لها بالمقام.
إلى هنا تمّ ما يمكن أن يكون شاهداً لتقديم الدين على الحجّ .

الثانية: ما يستظهر منها من أنّ الدين غير مانع عن الحجّ

1. صحيح معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ؟ قال: «نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي في المسلمين، ولقد كان أكثر من حجّ مع النبي مشاة».(1)
يلاحظ عليه: بعد غض النظر عن إعراض المشهور عن الإفتاء بمضمونها ، لما عرفت من شرطية الاستطاعة الشرعية في وجوب الحجّ، المتمثلة في الزاد والراحلة .
إنّ انتزاع قاعدة كلية من الرواية وهي انّ الدين بما هو غير مانع مطلقاً في الحج، أمر مشكل، إذ هي ظاهرة أو محمولة على المديون الذي لا يقدر على أداء دينه، فعجزه عندئذ لا يكون مانعاً عن الحجّ إذا أطاق المشي، لافتراض انّه قادر عليه بالمشي، وأين هذا ممّا نحن فيه، من أنّه إذا وقع في يده شيء، يصلح لأن يحجّ به، وأن يؤدي دينه، يجب عليه صرفه في الحجّ، دون الثاني، فالرواية قاصرة عن إفادة ذلك.
وعلى ما ذكرنا لا حاجة لحملها على الدين المؤجل الذي يثق المديون بالتمكّن من الأداء، كما عليه المصنّف.
2. صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: أرأيت

1 . الوسائل:8، الباب11 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث1.

صفحه 141
الرجل التاجر ذا المال حين يسوّف الحجّ كلّ عام، وليس يشغله عنه إلاّ التجارة أو الدين؟ فقال: «لا عذر له يسوّف الحجّ، إن مات و قد ترك الحجّ فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(1)
يلاحظ عليه: أنّ مورد السؤال هو التاجر الثريّ الذي تشغله التجارة، والدين عن الحجّ، وهو ـ إذا حطّ من طمعه ـ قادر على الحجّ وأداء الدين عند أجله، وأين هو مما نحن فيه؟
3. موثّقة عبد الرحمن البصري قال: قال أبو عبداللّه(عليه السلام) :«الحجّ واجب على الرجل وإن كان عليه دين».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر انّ كلام الإمام جواب عن سؤال محذوف، ولعلّ السؤال كان عن ذي مال، وعليه دين مؤجل و متمكناً من أدائه في وقته فالدين في مثله غير مانع، إذ ليس أداء الدين فعلياً وصرف المال في الحجّ ليس تفويتاً لما يقضي به دينه.
4. صحيح معاوية بن وهب، عن غير واحد قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) يكون عليّ الدين فتقع في يدي الدراهم، فإن وزّعتها بينهم لم يبق شيء فأحجّ بها أو أوزعها بين الغرام؟ فقال: «تحج بها، وادع اللّه أن يقضي عنك دينك».(3)
يلاحظ عليه: أنّ ظاهرها الوجوب ولم يقل به أحد،غاية الأمر التخيير بين الأمرين، لظهور أنّ الدين حالّ، وحملها على الوثوق من التمكّن في الأداء بعد

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4.
2 . الوسائل:8، الباب50، من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4.
3 . الوسائل:8، الباب50 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث10.

صفحه 142
الحجّ، بعيد كما يشهد عليه أمره بالدعاء لقضاء دينه أو حمله على من استقر عليه الحجّ سابقاً أبعد، والأولى طرحها وإرجاع علمها إلى أهلها.
فظهر ممّا ذكرنا عدم إقامة دليل على وجوب الحجّ، مع الدين في عامة الصور. اللّهمّ إلاّ إذا كان الدين مؤجلاً والأجل موسعاً جداً على نحو يطمئن بأنّه يستطيع أن يقضي دينه حسب العادة كما مثلناه في الفلاح.

إكمال

كان البحث السابق في من كان عنده ما يكفيه للحج وكان عليه دين دون أن يستقر عليه الحجّ قبل الدين، ولو افترضنا استقرار الحجّ عليه سابقاً، ثمّ صار مديوناً وتمكّن من أداء الدين، قيل: هناك احتمالات:
1. يتخيّر بينهما لأنّهما في عرض واحد.
2.يُقدَّم الدين إذا كان حالاً مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخير لأهمية حقّ الناس من حق اللّه.
3. يقدم الأسبق منهما في الوجوب :
لاوجه للثالث بعد فعلية كلا الحكمين وسبق الوجوب غير مؤثر بعد صيرورة اللاحق فعليّاً، مثل السابق ويكون الجميع في عرض واحد.
وأمّا الثاني فوجهه أهمية حقّ الناس من حقّ اللّه.
وأورد عليه المصنّف بأنّه مطلقاً ممنوع، ولذا من مات وعليه دين وحجّ وُزِّع المال عليهما ولا يقدّم دين الناس.
وربما يناقش كلام المصنّف بأنّ قياس حال الحياة، بحال الموت ممنوع لتعلّق

صفحه 143
المسألة18: لا فرق ـ في كون الدين مانعاً من وجوب الحجّ ـ بين أن يكون سابقاً على حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا، كما إذا استطاع للحجّ ثمّ عرض عليه دين بأن أتلف مال الغير ـ مثلاًـ على وجه الضمان من دون تعمّد قبل خروج الرفقة، أو بعده قبل أن يخرج هو، أو بعد خروجه قبل الشروع في الأعمال فحاله حال تلف المال من دون دين، فإنّه يكشف عن عدم كونه مستطيعاً.*
الدين في الأُولى بالذمّة، فيتوقّف التخيير على عدم الأهمية لواحد منهما، بخلاف ما بعد الموت فإنّه يتعلّق بأعيان التركة فلا يكون مجال لرعايته.
والأولى أن يقال: انّه يصرف المال في الدين ويحجّ متسكّعاً، وذلك لأنّ للحجّ بدلاً، دون الدين وإذا دار الأمر في المتزاحمين بين ما له بدل و ما ليس له بدل يُقدَّم ما ليس له بدل على غيره، كما إذا حاز ماءً يكفي لأحد الأمرين: الوضوء أو تطهير بدنه أو ثوبه من الخبث، فيقدّم الثاني لعدم البدل له، بخلاف الأوّل لوجوده، أعني: بدلية التيمم عن الوضوء، ولو لم يقدر إلاّ على أحدهما، يقدّم الدين، أخذاً بمرتكزات المتشرعة من تقديم حق الناس على حقّ اللّه، وإن ورد في بعض الروايات: «ودين اللّه أحقّ أن يقضى».
* هذا هو الفرع الثالث، وقد تقدّم قبله فرعان في المسألة السابقة، والفرق بين الفروع الثلاثة، واضح.
فالأوّل منهما يدور على ما إذا كان عليه دين وصار عنده ما يكفيه للحجّ، فهل يكون الدين مانعاً من وجوب الحجّ إمّا لعدم صدق الاستطاعة كما هو المختار، أو لعدم تنجّزه بناء على صدقها، وانّ المورد داخل في باب التزاحم كما

صفحه 144
عليه السيد الخوئي(قدس سره).
والثاني منهما يدور على ما إذا تقدّمت الاستطاعة فزالت، ثمّ صار مديوناً، وصار عنده ما يكفيه للحجّ، وعلى ذلك فقد كان الدين متقدّماً على حصول ما يكفيه للحجّ في الأوّل، بخلاف الثاني حيث كانت الاستطاعة وزوالها فيه متقدّمة على الدين وما يكفيه للحجّ .
وأمّا الثالث الذي نحن فيه الآن فيدور على ما إذا استطاع قبل خروج الرفقة، لكن عرض عليه دين بأن أتلف مال الغير ـ مثلاً ـ على وجه الضمان من دون تعمد، فهل يكون مانعاً من وجوب الحجّ؟ الظاهر نعم، إذ يكون الدين مانعاً وكاشفاً عن عدم الاستطاعة إذا كان حالاً مطالباً، أو مؤجلاً لا يقدر على أدائه عند أجله.
نعم على مختار السيد الخوئي، لاتنثلم استطاعته بذلك غاية الأمر يقدّم الأهم فالأهم وهو الدين.
والحاصل: انّه على المختار من أنّ الدين مانع عن صدق الاستطاعة لا فرق بين المتقدّم والمتأخّر، فالمعتبر فيها، عدمه حدوثاً و بقاءً فلا يجب عليه الحجّ، إلاّ إذا استطاع في المستقبل لكنّه على القول بعدم المانعيّة، يكون وجوب الحجّ فعلياً غير منجّز، لأهمية الدين. هذا فيما إذا أتلفه خطأ، و أمّا إذا أتلفه عمداً يستقرّ عليه الحجّ،ويصرف ما في يديه في أداء الدين ويسعى إلى الحجّ متسكعاً أو خادماً أو غير ذلك، لما مرّ من تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل.

صفحه 145
المسألة19: إذا كان عليه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار ما يكفيه للحجّ لولاهما فحالهما حال الدين مع المطالبة، لأنّ المستحقّين لهما مطالبون فيجب صرفه فيهما، ولا يكون مستطيعاً، وإن كان الحجّ مستقرّاً عليه سابقاً يجيء الوجوه المذكورة من التخيير، أو تقديم حقّ الناس، أو تقديم الأسبق، هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمّته، وأمّا إذا كانا في عين ماله فلا إشكال في تقديمهما على الحجّ، سواء كان مستقرّاً عليه أو لا، كما أنّهما يقدَّمان على ديون الناس أيضاً، ولو حصلت الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معاً فكما لو سبق الدين.*
* في المسألة فروع أربعة:
1. إذا كان في ذمّته خمس أو زكاة، و كان عنده مقدار مال يكفي للحجّ لولاهما.
2. إذا استقر الحجّ في ذمّته وكان على ذمّته ـ مع ذلك ـ خمس أو زكاة أيضاً وصار عنده ما يكفي أحدهما.
3. إذا كان الخمس أو الزكاة في عين ماله، سواء أكان الحجّ عليه مستقراً أو لا.
4. إذا حصلت الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معاً.
أمّا الأوّل، فهو من مصاديق ما مرّ: إذا كان عنده ما يكفيه للحجّ وكان عليه دين فقد اتّفقت كلمتهم ـ إلاّ النراقي ـ على عدم لزوم صرف ما في يده في الحجّ، لعدم صدق الاستطاعة، أو لكونه الأهم بناء على صدقها، وانّ المقام من

صفحه 146
مصاديق التزاحم. نعم على مختار النراقي يتخيّر بين الأمرين.
وأمّا الثاني، فهو من مصاديق الفرع الثاني المذكور في ذيل المسألة 17، أعني: ما إذا استقر عليه وجوب الحجّ سابقاً وصار مديوناً، وحصل عنده ما يكفي لأحدهما فقد تقدّم فيه الوجوه:
1. يتخير بين الحجّ وأداء الدين.
2. يقدّم الدين إذا كان حالاً مع المطالبة.
3. يقدّم الأسبق.
4. يقدّم الدين ويأتي بالحجّ بالقدرة العقلية كما مر.
وأمّا الثالث، أي إذا كان الخمس والزكاة في ماله مشاعاً أو بنحو الكلي في المعين أو غيره، فيقدّمان على الحجّ ، فانّ التصرّف فيه بصرفه في الحجّ حرام فيكون رافعاً للاستطاعة، نعم لو استقر عليه الحجّ في ذمّته تقع المزاحمة بين حرمة التصرف ووجوب الحجّ وتقدّم حرمة التصرف على وجوب الحجّ.
ومنه يظهر تقدّمهما على ديون الناس لوجود المزاحمة بين وجوب أداء الدين وحرمة التصرف في مال الغير، فيقدّم حرمة التصرف في مال الغير على وجوب وفاء الدين.
ومنه يظهر حال الفرع الرابع، أعني: ما لو حصلت الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معاً، فحاله حال ما لو سبق الدين، فإنّ وفاء الدين وإخراج الخمس والزكاة مانعان عن صدق الاستطاعة.
بقي هنا كلام وهو انّ مصارف الحجّ من مؤونة عام الاستطاعة، فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكن من المسير بأن صادف سير الرفقة في

صفحه 147
المسألة20: إذا كان عليه دين مؤجل بأجل طويل جدّاًـ كما بعد خمسين سنة ـ فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة، وكذا إذا كان الديّان مسامحاً في أصله. كما في مهور نساء أهل الهند، فإنّهم يجعلون المهر ما لا يقدر الزوج على أدائه ـ كمائة ألف روپية، أو خمسين ألف ـ لإظهار الجلالة، وليسوا مقيّدين بالإعطاء والأخذ، فمثل ذلك لا يمنع من الاستطاعة ووجوب الحجّ، وكالدين ممّن بناؤه على الإبراء إذا لم يتمكّن المديون من الأداء، أوواعده بالإبراء بعد ذلك.*
ذلك العام احتسب مخارجه من ربحه، وأمّا إذا لم يتمكّن حتّى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح.(1)
وعلى ضوء ذلك فلو حصل الجميع مرّة فلماذا يقدّم الخمس عليه، لأنّه بعد المؤونة ومصارف الحجّ من المؤونة، نعم يصحّ ما ذكر في الزكاة، لأنّها تخرج من دون استثناء مؤونة المزكّي.
* في المسألة فروع أربعة:
1. الدين المؤجل بأجل طويل لا يمنع عن الاستطاعة.
2. إذا كان الديّان متسامحين في أصله.
3. إذا كان بناء الدائن على الإبراء عند عدم تمكّن المديون.
4. إذا وعده بالإبراء .
أمّا عـدم مانعيـة مثل هذه الديون فلعـدم الاعتداد بها، بل يُحسب غيـر

1 . العروة الوثقى، المسألة70 من مسائل الحجّ.

صفحه 148
المسألة 21: إذا شكّ في مقدار ماله وانّه وصل إلى حدّ الاستطاعة أو لا، هل يجب عليه الفحص أو لا؟ وجهان، أحوطهما ذلك، وكذا إذا علم مقداره وشكّ في مقدار مصرف الحجّ، وأنّه يكفيه أو لا.*
مديون عرفاً.
نعم يشكل الأمر في الرابع، إذا احتمل انّه ربّما يخلف وعده و يطالبه بالدين، فمثله مانع عن تحقّق الاستطاعة. وبالجملة الميزان صدق الاستطاعة عرفاً وعدمه، وهو يدور على اعتداد العرف بالدين وعدمه.
* ذكر للشك في الاستطاعة صورتين:
1. إذا علم مصارف الحجّ ونفقته، وانّه يتوقّف على صرف مليون تومان مثلاً، ولكن يشكّ في بلوغ ما في يده إلى هذا المقدار أو لا.
2. إذا علم مقدار ما في يده، ولكن يشك في نفقة الحجّ ومصارفه، وانّ ما في يده من المال يكفي نفقة الحجّ وعدمه.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر انّ الأحوط هو الفحص، ولمّا كان عدم الفحص في الشبهات الموضوعية هو الأصل المسلم كما في باب النجاسات ونظائرها ولازم ذلك عدمه في المقام جعل المصنّف الفحص أحوط القولين.
واستدلّوا على وجوب الفحص في المقام بوجهين:
1. لولا الفحص لزمت المخالفة القطعية كثيراً.
والظاهر انّ المراد، علم المكلّف بالمخالفة القطعية لو لم يفحص مطلقاً.
يلاحظ عليه: أنّ حصول العلم للمكلّف ممنوع إذا كانت موارد الابتلاء قليلة، كالحجّ وغيره، وأمّا إذا كان الابتلاء غير قليل، فعدم تنجيز العلم في مثله

صفحه 149
لكونه داخلاً في الشبهة غير المحصورة.
2. رواية زيد الصائغ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) الواردة في كيفية تزكية الدراهم المغشوشة قال: «إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضة الخالصة، ما يجب عليك فيه الزكاة فزكّ ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة، ودع ما سوى ذلك من الخبيث».
قلت: وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة، إلاّ أنّي أعلم أنّ فيها ما تجب فيه الزكاة؟ قال: «فاسبكها حتّى تخلص الفضة ويحترق الخبيث، ثمّ تزّكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة».(1) ولولا وجوب الفحص لما أمر الإمام بتصفيتها.
وربما يعترض بأنّ أداء الزكاة لا يتوقّف على التصفية لإمكان إخراج الزكاة من المال بالنسبة ، وعلى هذا فالرواية في مقام بيان كيفية التخليص وتعليمها.(2)
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك انّ الإمام بصدد بيان أمر تكويني صناعي هو خلاف الظاهر ويبدو أنّ الراوي لم يكن بصدد إخراج الزكاة من عين الدراهم بإعطاء الزكاة بنسبة المال الموجود، فلذلك علّمه الإمام، طريق التخلّص.
والأولى أن يقال: انّ الأُمور المبنية على التقدير والمحاسبة كإخراج الخمس والزكاة وأداء ديون الناس،وبلوغ المال إلى حدّ الاستطاعة لا تجري في مثلها البراءة من دون تفحص، بل أدلّتها منصرفة عن هذه الأُمور، من دون فحص، ولذلك أمر الإمام زيداً بالتصفية، ليعلم مقدار الواجب.
ومنه يظـهر ما في الاستدلال على عدم وجوب الفحص حتّى في هذه

1 . الوسائل:7، الباب7 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث1.
2 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/128.

صفحه 150
المسألة22: لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والإياب، وكان له مال غائب لو كان باقياً يكفيه في رواج أمره بعد العود، لكن لا يعلم بقاءه أو عدم بقائه، فالظاهر وجوب الحجّ بهذا الذي بيده، استصحاباً لبقاء الغائب. فهو كما لو شكّ في أنّ أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أو لا فلا يعدّ من الأصل المثبت.*
الموارد، بأنّ المهم صدق عنوان العالم والجاهل ولا واسطة بينهما، فإن كان عالماً لا يجري في حقّه الأصل بخلاف ما إذا كان جاهلاً، فإذا صدق عنوان الجاهل لا يجب عليه الفحص ويجوز له الرجوع إلى الأصل حتّى في مثل مراجعة الدفتر والنظر إلى الفجر لإطلاق أدلة الأُصول.(1)
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان العلم بالواقع أمراً ميسوراً، فلا يعد الشخص جاهلاً عرفاً، فالمحور عدم كون الرجل جاهلاً عرفاً، لا عقلاً.
وأمّا التمسّك بإطلاقات أدلة الأُصول، فهي منصرفة عن المواضع التي يكون التدقيق والمحاسبة أساساً لها، كما هو الحال في الضرائب المأخوذة من التجار وأرباب المكاسب فليس للتاجر، الضرب عن دفعها بحجة أنّها غير معلومة، مع إمكان تحصيل العلم بالرجوع إلى منابع ضبط أرباح التجارة.
* أقول: إنّ استصحاب بقاء المال الغائب في عبارة المصنف ملفّق من استصحابين:
1. استصحاب بقاء المستصحب في الزمان السابق إلى وقت الشكّ.
2. استصحاب بقاء المال إلى مابعد العود.

1 . معتمد العروة الوثقى، كتاب الحجّ:1/127.

صفحه 151
والروايات الواردة حول الاستصحاب ظاهرة في القسم الأوّل، وأمّا استصحاب بقاء الشيء وجرّ وجوده إلى ما بعد الحال فلم يدلّ عليه دليل إلاّ تنقيح المناط، وقد استشهدوا على جوازه باستصحاب بقاء الدم إلى ثلاثة أيّام.
فالمتعين ترك العمل بالاستصحاب فيما يرجع الأمر إلى المستقبل، والرجوع إلى وجود الوثوق وعدمه، فلو كان هناك وثوق بالبقاء فيترتب عليه الأثر وإلاّ فلا، وأمّا ما هي مبادئ الوثوق ومصادره فتختلف حسب اختلاف الموضوعات التي طرأ الشك على بقائها في المستقبل، فربّ شيء له استعداد البقاء مدّة طويلة أو قصيرة وربما لا يكون له ذاك الاستعداد، لكن العلمين ـ السيد الحكيم والسيد الخوئي ـ ذهبوا إلى حجّية الاستصحاب في كلا الموردين، الماضي والمستقبل.
وعلى كلّ تقدير فقد أُورد على الاستصحاب في المقام إشكالان:
1. يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي فما هو المستصحب في المقام، هل هو حكم شرعي أو موضوع لحكم شرعي؟
الجواب: انّ المقام من قبيل القسم الثاني، لأنّ المستصحب(كونه ذا مال) موضوع لحكم شرعي، لأنّ المستطيع هو من يملك الزاد والراحلة وقوت عياله إلى عوده مع كونه ذا مال حتّى لا يسأل الناس بكفه، والذي يدلّ على أنّ الموضوع مركّب من الأُمور الثلاثة هو خبر عبد الرحيم القصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سأله حفص الأعور وأنا أسمع عن قول اللّه عزّ وجلّ:(وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً)؟ قال: «ذلك القوة في المال واليسار»، قال: فإن كانوا موسرين فهم ممّن يستطيع؟ قال: «نعم».(1) فانّ التعبير بالقوة في المال واليسار، عبارة أُخرى عن كونه مالكاً للزاد والراحلة وذا مال للرجوع إلى الكفاية.

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.

صفحه 152
والسند صحيح إلى عبد الرحيم القصير وهو لم يوثق ولكن تعضدها روايات أُخرى في الباب، منها:
خبر أبي الربيع الشامي حيث قال: سئل أبو عبد اللّه عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) فقال: «ما يقول الناس؟»، قال: فقلت له: الزاد والراحلة، قال: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) :«قد سئل أبو جعفر(عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذاً لئن كان له زاد وراحلة قدرَ ما يقوت عيالُه ويستغني به عن الناس، يجب عليه أن يحجّ بذلك ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذاً...».(1)
وبذلك ظهر ضعف ما ربما يقال:
إنّ الموضوع للحكم الشرعي هو الرجوع إلى الكفاية واستصحاب بقاء المال إلى زمان العود لا يثبت هذا الموضوع إلاّ على الأصل المثبت.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في لسان الفقهاء هو الرجوع إلى الكفاية ولكنّه في لسان النص هو ما عرفت، أعني: القوة في المال واليسار، فيستصحب كونه ذا قوة في المال، والأصل بقاؤه.
2. استصحاب بقاء المال الغائب لا يثبت كونه حاضراً لديه واقعاً تحت يده.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع هو التمكّن من التصرف في المال لا كونه حاضراً، ولو كان متمكّناً من التصرف يكفي في جريان الاستصحاب.

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1و2.

صفحه 153
المسألة23: إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج، يجوز له ـ قبل أن يتمكّن من المسير ـ أن يتصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة، وأمّا بعد التمكن منه فلا يجوز، وإن كان قبل خروج الرفقة. ولو تصرّف بما يخرجه عنها بقيت ذمّته مشغولة به. والظاهر صحّة التصرف ـ مثل الهبة، والعتق ـ وإن كان فعل حراماً، لأنّ النهي متعلّق بأمر خارج. نعم لو كان قصده في ذلك التصرف الفرار من الحجّ لا لغرض شرعي، أمكن أن يقال بعدم الصحة. والظاهر أنّ المناط في عدم جواز التصرف المخرج هو التمكّن في تلك السنة، فلو لم يتمكّن فيها، ولكن يتمكّن في السنة الأُخرى لم يمنع عن جواز التصرف، فلا يجب إبقاء المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة، فليس حاله حال من يكون بلده بعيداً عن مكة بمسافة سنتين.*
* في المسألة فروع أربعة:
1. إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحجّ، فهل يجوز أن يتصرف فيه في غير الضروريّات بما يخرجه عن الاستطاعة كأن يهبه؟ فقد فصّل المصنف بين التصرف قبل أن يتمكن من المسير، والتصرّف بعد التمكّن منه وإن كان قبل خروج الرفقة.
2. لو تصرّف بعد التمكّن من السير بقيت ذمّتُه مشغولة بالحجّ.
3. هل التصرّف بعد التمكّن من المسير، حرام تكليفاً، أو حرام تكليفاً ووضعاً فلا يصحّ التصرّف مطلقاً، أو ما إذا كان قصده من التصرّف هو الفرار من الحجّ؟
4. المناط في عدم جواز التصرّف المعجز، هو التمكّن في تلك السنة، فلو لم

صفحه 154
يتمكّن فيها ولكن يتمكّن في السنة الأُخرى فلا يجب إبقاء المال .
ثمّ إنّ الفرع الرابع من متمّمات الفرع الأوّل، لأنّه إذا كان الميزان هو التمكّن عن المسير، فلابدّ أن يحدّد التمكّن من حيث السنة، فهل الميزان سنة الاستطاعة أو الأعم؟ فلو قلنا بالأعمّ، تكون النتيجة هي القول الرابع.
كما أنّ الفرع الثاني من نتائج الفرع الأوّل، لأنّه إذا قلنا بعدم جواز التعجيز، يصدق عليه أنّه مستطيع، والمستطيع إذا سوّف أو فوّت تكون ذمته مشغولة.فيتعيّن البحث في مواضع ثلاثة:
1. هل يحرم التصرّف المعجز أو لا؟
2. وعلى فرض التحريم هل لحرمة التعجيز حد أو لا؟ وعلى الأوّل فما هو حدّه؟
3. لو خالف فهل يصحّ تصرفه أو لا؟ وإليك دراستها.

الأوّل: هل يحرم التصرّف المعجز؟

إذا حصلت الاستطاعة بعامة شرائطها، فهل يجوز للمستطيع أن يُعجز نفسه بالتصرّف في ماله، بنحو الهبة والوقف وغير ذلك أو لا؟ الظاهر كون الحرمة أمراً مفروغاً عندهم.
مع ذلك يقع الكلام فيما هو الوجه لحفظ الاستطاعة، مع أنّ وجوب الحجّ وجوب مشروط، والواجب المشروط لا يقتضي حفظ شرطه، فكما لايقتضي إيجاد الشرط حدوثاً، لا يقتضي وجوب إبقائه بقاء.
هذا هو الإشكال، و قد أجاب عنه السيد الحكيم بالفرق بين قول: «المستطيع يجب عليه الحجّ » و قول : «من استطاع إليه سبيلاً»، فانّ الأوّل ظاهر

صفحه 155
في إناطة الحكم بالوصف حدوثاً وبقاءً، دون الثاني فهو ظاهر في كفاية وجود الشرط حدوثاً، ونظيره ما إذا قيل: «إذا سافر وجب عليه القصر» فانّه يكفي في ترتب الحكم، تحقّق السفر آناً ما فيبقى الحكم وإن زال السفر، بخلاف ما إذا قيل «المسافر يجب عليه القصر»، إذ عندئذ يكون الحكم منوطاً بالسفر حدوثاً وبقاءً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما استظهره من أنّه إذا تعلّق الحكم بالمشتقّ، يشترط في حمل المحمول بقاء الموضوع حدوثاً وبقاءً، منقوض بقوله سبحانه: (وَالسارقُ وَالسارِقةُ)(2) و (الزانيّةُ والزّانِي)(3) وغيرهما من عناوين الضارب والقاتل، والسالب التي يكفي في صحّة إطلاقها، تلبّس الذات حدوثاً لا بقاءً، وادّعاء وجود القرينة على كون التلبس فيها بالحدوث دون البقاء، غير صحيح في عامة الموارد، كآكل مال الغير وشارب مائه، أو لابس ثيابه، وهاتك حرمته، إلى غير ذلك من الموارد التي يكفي التلبّس حدوثاً ولا يلزم التلبّس بقاءً.
والأوّلى أن يقال: انّه إذا حصل عنده ما يكفيه للحجّ، فوجوب الحجّ عندئذ امّا وجوب معلّق أو وجوب مشروط.
فعلى الأوّل الوجوب فعليّ منجّز، غاية الأمر زمان الواجب متأخّر ، ومعه كيف يمكن له تعجيز نفسه بعد فعلية الوجوب وتنجزه.
وعلى الثاني، فالوجوب وإن كان مشروطاً، لكن الواجب المشروط ـ بعد حصول شرطه ـ ينقلب إلى واجب مطلق، وليس المراد انّ الحكم الكلّي، أعني قوله سبحانه: (وللّهِ عَلى النّاس حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)(4) ينقلب إلى الواجب المطلق، لوضوح بطلانه، بل الحكم الجزئي في حقّ من استطاع، يكون

1 . المستمسك:10/106ـ107بتصرف.
2 . المائدة:38.
3 . النور: 2.
4 . آل عمران:97.

صفحه 156
منجزاً، فلا يخاطب بقوله: إذا استطعت فحجّ، بل يقال له أيّها المستطيع حجّ.
بل لو أنكرنا انحلال الحكم الكلي إلى أحكام جزئية، كما هو المختار فهو يكون عند العقل محكوماً بوجوب الحجّ، بلا شرط، ويكفي ذلك في عدم جواز التعجيز، لأنّه يهدم ما يستقلّ به العقل بلا شرط.

الثاني: ما هو حدّ حرمة التعجيز؟

قد عرفت أنّ حرمة التعجيز أمر مفروغ عنه، فعندئذ يقع الكلام في حدّها، فهناك أقوال:
1. يجوز قبل خروج الرفقة ولا يجوز بعده. وهذا هو المعروف.
2. يجوز قبل التمكّن من السير ولا يجوز بعده. وهذا هو خيرة المؤلّف والسيد الحكيم وإن تردّد في آخر كلامه.
3. ما حكاه السيد الحكيم عن بعض الأعاظم]المحقّق النائيني[ في حاشيته على العروة من أنّه لا يجوز إذهاب المال في أشهر الحج وإن لم يتمكّن من المسير.
4. لا يجوز مطلقاً، قبل خروج الرفقة ولا بعده، لا قبل التمكّن من المسير ولا بعده، قبل دخول أشهر الحجّ، ولا بعده. وهو خيرة المحقّق الخوئي، ويمكن إرجاع القول الأوّل إلى الثاني، لأنّ التمكّن من المسير في الأزمنة السابقة كان مقروناً مع خروج الرفقة.
كما أنّ القول الثالث غير واضح، لأنّه إذا دخل شوال ولم يتمكّن من المسير، ـ على القول بأنّ الميزان هو التمكّن في عام الاستطاعة ـ يكشف عن أنّه لم يكن مستطيعاً، فلا يجب عليه الحجّ ولا يجب حفظ الاستطاعة.

صفحه 157
والمهم هو القول الثاني والرابع.
ولنذكر كلمات القوم، وهم بين من عنون المسألة مستقلة، كالعلاّمة في المنتهى والتذكرة والشهيد في الدروس; وبين مَن أشار إليها في مورد خاص، وهو انّه إذا دار الأمر بين الحجّ والنكاح، كالأردبيلي في شرح الإرشاد وصاحب المدارك وصاحب كشف اللثام وصاحب الجواهر. وإليك ما وقفنا عليه من الكلمات:
1. قال العلاّمة : لو كان له مال فباعه قبل وقت الحجّ مؤجّلاً إلى بعد فوته، سقط الحجّ، لأنّه غير مستطيع، وهذه حيلة يتصور ثبوتها في إسقاط فرض الحجّ على الموسر، وكذا لو كان له مال فوهبه قبل الوقت، أو أنفقه فلما جاء وقت الخروج كان فقيراً، لم يجب عليه وجرى مجرى من أتلف ماله قبل حلوله.(1)
2. وقال في« التذكرة»: لو كان له مال فباعه نسيئة، عند قرب وقت الخروج إلى أجل يتأخر عنه، سقط الفور في تلك السنة عنه، لأنّ المال إنّما يعتبر وقت خروج الناس، وقد يتوسّل المحتال بهذا إلى دفع الحج.(2)
3. وقال في «الدروس»: ولا ينفع الفرار بهبة المال أو إتلافه أو بيعه مؤجلاً إذا كان عند سير الوفد.(3)
4. قال المحقّق الأردبيلي في شرح قول العلاّمة: «ولا يجوز صرف المال في النكاح وإن شق تركه»: واعلم أنّ الظاهر أنّ المراد بذلك وجوب الحجّ وتقديمه على النكاح، وعدم استثناء مؤونته من الاستطاعة، وكون ذلك في زمان وجوبه وخروج القافلة وتهيّؤ أسبابه، وإن كان قبله يجوز.(4)
5. وقال في «المدارك» في نفس المسألة: ولا يخفى انّ تحريم صرف المال في

1 . المنتهى:2/653.
2 . التذكرة:7/59 ـ 60.
3 . الدروس:1/267.
4 . مجمع الفائدة و البرهان:6/74.

صفحه 158
النكاح إنّما يتحقّق مع توجّه الخطاب بالحجّ وتوقّفه على المال، فلو صرف فيه قبل سفر الوفد ـ الذي يجب الخروج معه ـ أو أمكنه الحجّ بدونه، انتفى التحريم.(1)
6. قال في «كشف اللثام عن قواعد الأحكام»: (ويصرف المال) الكافي لمؤونة الحجّ (إلى الحجّ، لا إلى النكاح) عند خروج الوفد.(2)
7. قال في «الجواهر» في نفس المسألة: ولا يخفى أنّ تحريم صرف المال في النكاح إنّما يتحقّق مع توجّه الخطاب بالحجّ وتوقّفه على المال، فلو صرف فيه قبل سير الوفد الذي يجب الخروج معه أو أمكنه الحجّ بدونه انتفى التحريم قطعاً.(3)
إذا عرفت ذلك فلندرس الأقوال:
أمّا القول الثالث، أعني: كون الميزان هو «أشهر الحجّ» فهو غير تام، لأنّ أشهر الحجّ ظرف الواجب حيث لا تصحّ عمرة التمتع إلاّ في هذه الأشهر الثلاثة، كما لا يصحّ الإتيان بمناسك الحجّ إلاّ في الشهر الأخير من هذه الثلاثة.
كما أنّ القول الثاني يرجع إلى الأوّل، فيدور الأمر بين تحديده بنفس السنة، أو عدم تحديده بزمان خاص، فلو حصل عنده مال يكفيه للحج، ولا يتمكّن من المسير في نفس السنة، لكن يتمكّن منه في السنة الثانية أو الثالثة فهل يجوز تفويت المال، أو لا؟فالمشهور على الأوّل، والسيد المحقّق الخوئي على الثاني.
الظاهر هو الأوّل، لأنّ تكرار العمل في كلّ سنة، يشكّل قرينة على تحديد وجوب الحفظ بنفس السنة، من غير فرق بين كون الوجوب مشروطاً أو معلقاً،

1 . المدارك:7/45.
2 . كشف اللثام:5/98، والعبارة ممزوجة مع متن القواعد، وقد فرزنا المتن عن الشرح بالأقواس الصغيرة .
3 . الجواهر:17/261.

صفحه 159
فانّ إيجاب مناسك العمرة والحجّ في كلّ سنة يصير قرينة على لزوم حفظ الاستطاعة بالنسبة إلى نفس السنة، لا السنوات الأُخرى، نعم الأحوط حفظها بلا تحديد بسنة خاصة.

الثالث: في صحّة التصرّف وعدمه

لا شكّ انّ التصرّف في المال الذي حصلت الاستطاعة به حرام، لاستلزامه تعجيز النفس عن إتيان واجب فعلي منجّز، إنّما الكلام في الحرمة الوضعية بمعنى بطلان التصرّف فقد اختار المصنّف بطلانها إذا كانت الغاية، الفرار من وجوب الحجّ.
لكن التفصيل المذكور ليس بتام، لأنّ قصد التوصّل إلى الحرام لا يوجب بطلان المعاملة، لأنّ النهي متعلّق بأمر خارج عن المعاملة سبباً ومسبباً، وهو التفويت أو التعجيز، وهذا نظير النهي عن البيع وقت النداء، فانّه في الحقيقة متعلّق بتفويت صلاة الجمعة، سواء أكان بالبيع أم بغيره.
حتّى و لو افترضنا تعلّق النهي بالبيع بما انّه الجزء الأخير من مقدّمة الحرام، فالنهي لا يكشف إلاّ عن المبغوضية وهو لا يكون دليلاً على الفساد.
نعم لو كان النهي إرشاداً إلى الفساد كما في قوله: «لا تبع ما ليس عندك» أو كان متعلّقاً بأثر المعاملة كالتصرف في الثمن والمثمن، على نحو لا تجتمع حرمة التصرف في أحدهما، مع صحّة المعاملة، يكون دليلاً على الفساد نحو قوله : ثمن العذرة سحت، أو ثمن المغنية سحت.
وأما في غيرهما فلا دليل على البطلان.

صفحه 160
المسألة24: إذا كان له مال غائب بقدر الاستطاعة ـ وحده أو منضمّاً إلى ماله الحاضر وتمكّن من التصرّف في ذلك المال الغائب يكون مستطيعاً، ويجب عليه الحجّ، وإن لم يكن متمكّناً من التصرّف فيه ـ ولو بتوكيل من يبيعه هناك ـ فلا يكون مستطيعاً إلاّ بعد التمكّن منه، أو الوصول في يده. وعلى هذا فلو تلف في الصورة الأُولى بقي وجوب الحجّ مستقرّاً عليه إن كان التمكّن في حال تحقّق سائر الشرائط، ولو تلف في الصورة الثانية لم يستقرّ، وكذا إذا مات مورثه وهو في بلد آخر وتمكّن من التصرّف في حصّته أو لم يتمكّن فإنّه على الأوّل يكون مستطيعاً بخلافه على الثاني.*
* في المسألة أُمور:
الأوّل: إذا كان له مال غائب بقدر الاستطاعة ـ وحده ـ أو منضمّاً إلى ماله الحاضر ويتمكن من التصرف يحكم عليه بالاستطاعة ووجوب الحج دونما إذا لم يكن متمكناً منه ولو بتوكيل من يبيعه هناك.
لا شكّ انّ المال بوجوده الواقعي ـ ولو لم يتمكن من التصرّف فيه ـ لا يصيِّر الإنسان مستطيعاً، بل الاستطاعة رهن التمكن من التصرّف فيه على نحو يبذله في طريق الحجّ، وبذلك يعلم أنّه لا فرق بين الحاضر والغائب في إناطة الاستطاعة بالتمكّن وتخصيص المصنف المال الغائب بالذكر، لأنّ الابتلاء بعدم التمكّن من التصرّف فيه أكثر من المال الحاضر، وإلاّ ربما يكون الإنسان ممنوعاً من التصرّف في المال الحاضر. وعلى كلّ حال ويؤيد ما ذكرنا من اختصاص الاستطاعة بالمال الذي يتمكّن المالك من التصرّف فيه لسان النصوص:

صفحه 161
1. إذا هو يجد ما يحجّ به.(1)
2. إذا قدر الرجل على ما يحجّ به.(2)
3. وعنده ما يحجّ به.(3)
4. من قدر على ما يحجّ به.(4)
إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في لزوم كون المال تحت تصرّف المالك بحيث يتقلب فيه كيفما شاء.
الثاني: إذا تلف ـ مع التمكّن من التصرف ـ بقي وجوب الحجّ مستقرّاً عليه إذا تزامن التمكّن مع سائر الشرائط، دونما إذا تلف فيما إذا لم يتمكّن منه.
نعم كان على المصنّف أن يقيد التلف بما إذا قصّر في التصرف فيه، وإلاّ فلو تلف بلا تقصير في التصرّف، فهو يكشف عن عدم الاستطاعة وبالتالي عدم استقرار الحجّ عليه.

1 . راجع الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 3، 8، 9.
2 . راجع الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 3، 8، 9.
3 . راجع الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 3، 8، 9.
4 . راجع الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 3، 8، 9.

صفحه 162
المسألة25: إذا وصل ماله إلى حدّ الاستطاعة لكنّه كان جاهلاً به أو كان غافلاً عن وجوب الحجّ عليه ثمّ تذكّر بعد أن تلف ذلك المال، فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده، والجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة، غاية الأمر أنّه معذور في ترك ما وجب عليه، وحينئذ فإذا مات ـ قبل التلف أو بعده ـ وجب الاستيجار عنه إن كان له تركة بمقداره، وكذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره ـ بهبة أو صلح ـ ثمّ علم بعد ذلك أنّه كان بقدر الاستطاعة، فلا وجه لما ذكره المحقّق القمّي في أجوبة مسائله من عدم الوجوب، لأنّه لجهله لم يصر مورداً، وبعد النقل والتذكّر ليس عنده ما يكفيه فلم يستقرّ عليه، لأنّ عدم التمكّن ـ من جهة الجهل والغفلة ـ لا ينافي الوجوب الواقعيّ والقدرة الّتي هي شرط في التكاليف القدرة من حيث هي، وهي موجودة، والعلم شرط في التنجّز لا في أصل التكليف.*
* هنا فرعان:
1. إذا وصل ماله إلى حدّ الاستطاعة لكنّه كان جاهلاً به.
2. إذا وصل ماله إلى حدّ الاستطاعة لكنّه كان غافلاً عن وجوب الحجّ.
وفي كلتا الصورتين تذكّر بعد تلف المال، فهل يستقرّ عليه الحجّ أو لا؟ وإنّما استخدم لفظ الجهل في الصورة الأُولى، والغفلة في الصورة الثانية، لأجل انّ وجوب الحجّ من ضروريات الدين، ومن البعيد أن يختفي وجوبه على المسلم العايش بين المسلمين.
وأمّا الأقوال، فثلاثة:

صفحه 163
1. يستقرّ عليه الحجّ، لأنّه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجود الاستطاعة، فالجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة، غاية الأمر انّه معذور في ترك ما وجب عليه، وحينئذ إذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستئجار عنه إن كانت له تركة بمقداره.(1)
2. لا يستقرّ عليه، لأنّه لجهله لم يصر مورداً، وبعد النقل والتذكّر ليس عنده ما يكفيه فلم يستقرّ عليه، وهو خيرة المحقّق القمي.
وأورد عليه المصنّف بأنّ عدم التمكّن ـ من جهة الجهل والغفلة لا ينافي الوجوب الواقعي، والقدرة التي هي شرط التكليف، القدرة من حيث هي، وهي موجودة، والعلم شرط في التنجّز لا في أصل التكليف.
3. التفصيل بين المقصر والقاصر في مورد وجوب الحجّ .
فلو كانت الغفلة عن وجوب الحجّ مستندة إلى التقصير منه كترك التعلم فالأمر كما ذكره المصنّف، فالغفلة في مثله لا تنافي الوجوب الواقعي، بخلاف ما إذا كانت الغفلة عن وجوبه غير مستندة إلى التقصير، فعندئذ لا يجب عليه الحجّ واقعاً، لأنّ حديث الرفع في حقّه رفع واقعي، والحكم غير ثابت في حقّه واقعاً، ففي فرض الغفلة لا يجب عليه الحجّ، وفي فرض وجوب الحكم لا استطاعة له.
ومنه يظهر حكم الجهل بالاستطاعة فإن كان جهله لوصول المال إلى حدّ الاستطاعة جهلاً بسيطاً الذي يتزامن مع الشكّ، فالظاهر استقرار الحجّ عليه، لأنّ الحكم بعدم الوجوب في حقّه حكم ظاهري لا ينافي وجوب الحجّ واستقراره عليه، بخلاف ما إذا كان الجهل مركّباً فلا يتوجه التكليف إليه واقعاً، لعدم تمكّنه

1 . الجملة الشرطية راجعة إلى قوله : «أو بعد التلف» لا إلى قبله .

صفحه 164
من الامتثال ولو بنحو الاحتياط.(1)
ولكن الأولى في التعبير، التفصيل بين الموردين: بين من يجري في حقّه الأصل ومن لا يجري، ففي الأوّل يكون في ترك المأمور به معذوراً دون الثاني.
وبعبارة أُخرى: إذا كان عند الاستطاعة معذوراً في تركه، وبعدها غير متمكّن منه، لا يستقرّ عليه الحجّ، بخلاف من لا يكون معذوراً حين الاستطاعة في تركه، فيستقرّ عليه الحجّ بعد إزالتها.
ففي مورد الاستطاعة إذا كان قاصراً ـ كما إذا كان قاطعاً بعدمها ـ يعد معذوراً حين الاستطاعة يجري في حقّه الأصل فلا يستقرّ عليه الحجّ، بخلاف من كان مقصّراً، كما إذا احتمل الاستطاعة وكان شاكّاً فيها، فَتَرك الفحص فلا يكون معذوراً في الترك حينها فلا يجري في حقّه الأصل فيعود الفرق بين القاصر والمقصّر إلى الفرق بين جريان الأصل وعدمه إلى الجهل المركب (العاجز)والجهل البسيط.
كما هو الحال في مورد الغفلة عن الحكم الشرعي، فلو كان جاهلاً مركباً، فهو جاهل قاصر لجزمه بعدم الوجوب، فيكون معذوراً، في الترك فيجري في حقّه الأصل فلا يستقرّ عليه الحجّ بعد الاستطاعة، بخلاف ما لو كان جاهلاً بسيطاً، فهو جاهل مقصّر، ترك التعلّم مع الشك في الوجوب فلا يكون معذوراً عند العقل، فلا يجري في حقّه الأصل لعدم اجتماع شرائط جريانه. فيرجع الفرق بين الصورتين (الجهل البسيط والمركب)، إلى الفرق بجريان الأصل وعدمه، فالأولى بيان حكم الصورتين بنحو واحد، وهو جريان الأصل وعدمه فيهما.

1 . معتمد العروة، قسم الحج:1/126ـ 127.

صفحه 165
المسألة 26: إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فحجّ ندباً، فإن قصد امتثال الأمر المتعلّق به فعلاً وتخيّل أنّه الأمر الندبيّ أجزأ عن حجّة الإسلام، لأنّه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق، وإن قصد الأمر الندبيّ على وجه التقييد لم يجز عنها، وإن كان حجّه صحيحاً وكذا الحال إذا علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك، وأمّا لو علم بذلك وتخيّل عدم فوريّتها فقصد الأمر الندبيّ فلا يجزي، لأنّه يرجع إلى التقييد.*
* ذكر المصنّف للمسألة صوراً:
1. إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فقصد امتثال الأمر المتعلّق به فعلاً ولكن تخيل انّ الأمر الفعلي هو الأمر الندبي.
2. إذا اعتقد أنّه غير مستطيع وقصد الأمر الندبي على وجه التقييد.
3. إذا علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك وقصد الأمر الندبي على وجه التقييد.
4. إذا علم باستطاعته لكن تخيّل عدم فوريتها فقصد الأمر الندبي.
فأفتى بالإجزاء في الصورة الأُولى، وعدمه في الصور الثلاث الباقية.
أمّا الإجزاء في الصورة الأُولى، فلأنّ صحّة العبادة رهن أمرها الواقعي والمفروض قصد الأمر الواقعي، وصار بصدد إطاعة الأمر المتعلّق بحجّة الإسلام لكنّه لقصور علمه، تخيل انّه مستحب لا واجب، مندوب لا فريضة، فهو من مقولة «الخطأ في التطبيق» بالنسبة إلى الأمر والمأمور به.
وأمّا عدم الإجزاء في الصور الأخيرة فلوجهين:
1. فلأنّ حجّة الإسلام تختلف مع غيرها في أنواع الحجّ بالخصوصيات

صفحه 166
الداخلية، نظير الاختلاف بين الظهر والعصر، وفريضة الفجر ونافلتها، وأداء الصلاة وقضائها، مع اتّحاد الجميع حسب الصورة والشكل، فإذا نوى حجّاً غير حجّة الإسلام، كيف تُجزي عنها؟
2. انّ روح العبادة هو قصد أمرها على ما هو عليه من الوجوب والندب، فإذا نوى الأمر الندبي، لم يقصد أمر حجّة الإسلام، وعند ذاك كيف يجزي ما نواه من الأمر، عمّا لم ينو؟
ويترتّب على الوجهين: انّه إذا كان حجّة الإسلام تختلف عن غيرها بالتباين فكيف يجزي المبائن عن المبائن.
وإذا كان روح العبادة قصد أمرها، فكيف يجزي ما نواه من الأمر الندبي عن الأمر الوجوبي الذي لم يقصده؟
هذا ويمكن منع كلا الدليلين.
أمّا الأوّل، أعني: اختلاف حجّة الإسلام مع غيرها بالتباين، فهو ممنوع، لأنّ استكشاف التباين رهن أحد أمرين:
1. عدم صحّة العمل إلاّ بقصد عنوانه كصلاتي الفجر ونافلته أو الأداء والقضاء منهما، فلا يجزي الإتيان بصلاتين كل بركوعين، بل يجب أن يكون الكل معنوناً بعنوان الفجر ونافلته، أو الأداء والقضاء.
2. الحكم بتقديم أحدهما على الآخر أو وجوب العدول من أحدهما إلى الآخر، كما إذا شكّ في أثناء العصر في أنّه أتى بالظهر أو لا، بنى على عدم الإتيان وعدل إليها.
وأمّا الحجّ ـ فواجبه ومندوبه ـ حقيقته واحدة، وإنّّما الاختلاف في بعض

صفحه 167
الشروط، فالواجب منهما مشروط بالاستطاعة الشرعية دون غيره.
وعلى ضوء ما ذكرنا فقد قصد الحجّ القابلَ الصالحَ للانطباق على الواجب والمستحب، فلا غرو في أن يكون مجزياً، لأنّه لم يأت بالمبائن، بل بنفس ما يصلح أن يكون واجباً، وقصد الأمر الندبي لا يخرجه عن الصلاحية، لما عرفت أنّ الاختلاف إنّما هو في الشروط لا في الماهية.
أمّا الثاني، فهو ضعيف بوجهين:
أوّلاً: أنّ روح العبادة، هو إتيان العمل للّه سبحانه، قال سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين)(1) ، والمراد من الدين في الآية ، هو الطاعة، أي تخليص الطاعة له سبحانه، ويكون الفعل للّه سبحانه من دون حاجة إلى قصد الأمر، والمفروض انّه أتى بالحجّ للّه سبحانه، فإذا ضم حسن الفاعل إلى حسن الفعل، يكون العمل مقرّباً.
وثانياً: نفرض انّ روح العبادة هو قصد أمرها المتعلّق لكنّه لا يضرّ في المقام، لأنّ المفروض انّه قصده في عامة الصور، لأنّ الفاعل قبل كلّ شيء، بصدد الإتيان بما هو المأمور به فعلاً، ثمّ يصفه بكونه مندوباً أو واجباً، وربما يتخيل انّ المأمور به هو المندوب إمّا جهلاً بالاستطاعة أو علماً بها مع عروض الغفلة عليه، أو لامع عروضها لكن تخيّل انّ حجّة الإسلام ليس وجوبها فوريّ.
وقد سبق من المصنّف طرح المسألة عند البحث عن شروط الوجوب التي منها البلوغ. (2) ويأتي نظيره في الحجّ النيابي في المسألة 110 فلاحظ.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أفتى بعدم الإجزاء في الصورة الرابعةـ أعني: ما لو

1 . البيّنة:5.
2 . لاحظ المسألة9 من هذا الباب.

صفحه 168
علم بالوجوب، وتخيل عدم فوريته فحجّ ندباً ـ قائلاً: إنّ في المقام أمرين: أحدهما وجوبي و الآخر ندبي مترتب على الأوّل وفي طوله لا في عرضه، فإنّ الأمر بالضدين إذا كان على نحو الترتّب لا استحالة فيه، لأنّ الأمر الثاني مترتب على عدم الإتيان بالأوّل ولو كان عن عصيان، وقد ذكرنا في محلّه انّ كلّ مورد أمكن جريان الترتّب فيه، يحكم بوقوعه، لأنّ إمكانه مساوق لوقوعه فما حجّ به صحيح في نفسه، إلاّ أنّه لا يجزي عن حجّة الإسلام، لأنّ الأمر الفعلي لم يُقصد وإنّما قصد الأمر الندبي المترتّب على مخالفة الأمر الفعلي، ولا يقاس هذا الفرض بالفرضين السابقين، لوحدة الأمر(1) فيهما، بخلاف المقام الذي تعدّد الأمر فيه على نحو الترتّب.(2)
أقول: إنّ الداعي الواقعي في عامة الصور، هو امتثال أوامره سبحانه، فهو حسب الإرادة الجدية الباطنية، لا يقصد سوى الامتثال، والداعي الحقيقي إلى قصد الأمر المندوب، إنّما هو تلك الإرادة اللبيّة والمشيئة الواقعية، فهو في جميع الصور، بصدد كسب رضاه سبحانه من خلال امتثال ما أمر به، وبلغه رسوله، دون أن يتخلّف عنه قدر أنملة، لكن تفانيه في طاعة اللّه،صار سبباً، لأن يأتي بغير الواقع، بنية انّه الواقع، على نحو لو وقف قبل العمل أو أثنائه، انّه غير مأمور به لرفضه.
وبذلك يظهر الفرق بينه و بين الترتّب، فانّ المكلّف عند الابتلاء بالأهم والمهمّ، عالم بأنّ الواجب والمطلوب منه هو الأهم دون المهم، فهو مع العلم به،

1 . عدّ الصورة الثانية من أقسام وحدة الأمر، مع أنّ المصنّف عدّها من باب تعدّد الأمر، حيث قصد الأمر الندبي على وجه التقييد، لأجل اعتقاده بأنّ الأمر الجزئي لا يقبل التقسيم، فلا يتصوّر فيه التقييد. لاحظ ص 138.
2 . معتمد العروة، قسم الحجّ:1/139.

صفحه 169
المسألة27: هل تكفي في الاستطاعة الملكيّة المتزلزلة للزاد والراحلة وغيرهما، كما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحجّ بشرط الخيار له إلى مدّة معيّنة، أو باعه محاباة كذلك، وجهان أقواهما العدم، لأنّها في معرض الزوال إلاّ إذا كان واثقاً بأنّه لا يفسخ وكذا لو وهبه وأقبضه إذا لم يكن رحماً، فإنّه مادامت العين موجودة له الرجوع، ويمكن أن يقال بالوجوب هنا حيث إنّ له التصرّف في الموهوب فتلزم الهبة.*
يرفض امتثال الواقع، ويتوجه إلى امتثال غيره فيكون المورد، مستعداً للأمر الترتّبي لانصرافه عن امتثال الأهم مائة بالمائة ورجوعه إلى إطاعة المهم، فلم يتعلّق بامتثال الأهم أية إرادة، لا إرادة لبية ولا ظاهرية، فيصير المجال صالحاً للأمر الترتّبي، بخلاف موردنا الذي هو في جميع الأحايين بصدد امتثال ما هو الواجب والمطلوب فعلاً.
* في المسألة فرعان:
1. كفاية الملكية المتزلزلة في الاستطاعة وعدمها.
2. المال الموهوب المقبوض، إذا كان الموهوب له غير رحم، هل يجب فيه التصرّف إذا كان كافياً في تحصيل الزاد والراحلة، لأجل حفظ الاستطاعة، أو لا؟
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: إذا ملك ما يكفي في الزاد والراحلة وغيرهما لكن ملكيّته متزلزلة، كما إذا باع ما ليس ضرورياً وجعل المشتري لنفسه خياراً، فهل تكفي تلك الملكية المتزلزلة للثمن في الاستطاعة أو لا؟ ومثّل المصنّف بما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحجّ بشرط الخيار له إلى مدّة معيّنة أو باعه محاباة كذلك، وإنّما

صفحه 170
اختار هذين المثالين لأنّ التزلزل فيهما واضح.
هنا وجوه بل أقوال:
1. إن تمكّن المشتري من حلّ العقد واسترجاع الثمن، مانع عن تحقّق الاستطاعة وصدقها. وهذا خيرة المحقّق البروجردي.
2. انّه مستطيع، اعتماداً على عدم الفسخ في المستقبل. وهذا خيرة المحقّق الخوئي.
3. التفصيل بين الوثوق بعدم الفسخ، وعدمه، فتكفي في الأوّل دون الثاني.
أقول: ينبغي الكلام في مقامين:
1. مقام الثبوت.
2. مقام الإثبات.
أمّا الأوّل، فلو لم يفسخ كشف عدم الفسخ عن وجود الاستطاعة فيستقر عليه الحجّ عندئذ إذا لم يحجّ، كما أنّه لو فسخ، كشف عن عدم الاستطاعة، فلو حجّ فعليه حجة أُخرى، لكون الأوّل غير متزامن مع الاستطاعة الواقعية على تأمّل.
وأمّا الثاني، فالظاهر عدم صدق الاستطاعة، مع الملكية المتزلزلة، لأنّ المستطيع عبارة عمّن حصل عنده مال له أن يتقلّب فيه مع العلم بأنّه لا يترتّب على تصرّفه ضمان، بخلاف المقام، إذ فيه احتمال الضمان بالمثل إذا صرفه في الحجّ وفسخ المشتري العقد.
نعم لو كان واقفاً بعدم الفسخ كما إذا استشفّ من خلال كلماته وأفعاله أنّه ليس بصدد الفسخ، كان عليه الاعتماد به، إذ هو علم عرفي، ومعه لا حاجة إلى استصحاب عدم الفسخ لتقدم الأمارة على الأصل، على أنّ في جريان

صفحه 171
المسألة28: يشترط في وجوب الحجّ ـ بعد حصول الزاد والراحلة ـ بقاء المال إلى تمام الأعمال، فلو تلف بعد ذلك(بعد حصول الزاد والراحلة) ولو في أثناء الطريق كشف عن عدم الاستطاعة، وكذا لو حصل عليه دين قهراً ، كما إذا أتلف مال غيره خطأ، وأمّا لو أتلفه عمداً فالظاهر كونه كإتلاف الزاد والراحلة عمداً في عدم زوال استقرار الحجّ.*
الاستصحاب في المستقبل تأمّلاً واضحاً تكرر منّا بيانه.
الفرع الثاني: لو وهبه وأقبضه إذا لم يكن رحماً، فانّه مادامت العين موجودة ، له الرجوع، فهل يجب التصرف فيه صوناً للاستطاعة أو لا؟ والفرع مبني على حصول الاستطاعة بالملكية المتزلزلة، فلو قلنا بها، تجب لأجل صيانة الاستطاعة بقاء، وأمّا لو قلنا بعدم كفايتها في صدقها، مطلقاً، أو بلا وثوق، فلا يجب التصرّف، لأنّه يعدّ تحصيلاً للقدرة وهو غير واجب في الحجّ.
* المتبادر من الآيات والروايات بقاء المال إلى تمام الأعمال، إذ لا تصدق الاستطاعة للحجّ إلاّ ببقائها إلى تمام الأعمال، ويترتّب على ذلك الفروع الآتية:
1. لو تلف المال في أثناء الطريق.
2. لو حصل عليه دين قهراً، كما إذا أتلف مال غيره خطأ.
3. إذا أتلف مال الغير عمداً.
إنّ التلف والإتلاف خطأ، يكشفان عن عدم الاستطاعة للحجّ، بخلاف الإتلاف العمدي، فهو كإتلاف الزاد والراحلة عمداً، فيستقرّ الحجّ عليه.
وسيوافيك في المسألة الآتية إمكان القول بالإجزاء إذا تلف المال في الأثناء.

صفحه 172
المسألة29: إذا تلف بعد تمام الأعمال مؤنة عوده إلى وطنه، أو تلف ما به الكفاية من ماله في وطنه بناء على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة، فهل يكفيه عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان، لا يبعد الإجزاء، ويقرّبه ما ورد من أنّ من مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام، بل يمكن أن يقال بذلك إذا تلف في أثناء الحجّ أيضاً.*
* إذا تلف ـ بعد تمام الأعمال ـ أحد الأمرين:
1. مؤونة عوده إلى الوطن.
2. ما يرجع إلى الكفاية بناء على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة، فهل يجزي عن حجّة الإسلام أو لا؟
الفرق بين هذه المسألة وما تقدّم واضح، فإنّ تلف المال هناك كان قبل الأعمال، وفي المقام بعد الأعمال، قد أراد المصنّف من قوله: «فلو تلف بعد ذلك في المسألة السابقة» التلف بعد حصول الزاد والراحلة لا بعد الأعمال. وعلى أيّ تقدير فالمصنّف لم يستبعد الإجزاء وقطع به صاحب المدارك.
وجه التردد انّ التلف بعد تمام الأعمال يكون كاشفاً عن عدم الاستطاعة واقعاً فكان ما أتى به، حجّاً مندوباً واقعاً لا حجّاً واجباً، ومع ذلك فيمكن القول بالإجزاء عن حجّة الإسلام بالوجوه التالية:
الأوّل: انّ المعتبر في الاستطاعة هو مؤونة الذهاب، وأمّا مؤونة العود أو الرجوع إلى الكفاية فليسا بمأخوذين في مفهومها، وإنّما قيل بالاعتبار لأجل رفع الحرج، فإنّ إيجاب الإقامة في مكة يكون حرجياً لأغلب الناس كما أنّ الرجوع من الحجّ من دون الرجوع إلى ما به الكفاية أمر حرجي.

صفحه 173
وعلى ذلك فما أتى به واجد للاستطاعة فيوصف بالوجوب، لما عرفت من عدم اعتبار الأمرين في واقع الاستطاعة.
فإن قلت: إنّ مقتضى قاعدة «لا حرج» عدم وجوب الحجّ في الواقع على من يجد مؤونة الذهاب دون مؤونة العود أو الرجوع إلى الكفاية، وعند ذلك تنعكس النتيجة فلا يوصف ما أتى به بالوجوب.
قلت: إنّ مجرى القاعدة هو رفع الحكم عمّن يريد الحجّ وهو لا يملك مؤونة العود ولا الرجوع إلى الكفاية، وأمّا رفع الوجوب عمّن حجّ بزعم انّه يملك مؤونة العود والرجوع إلى الكفاية فبان خلافه فالرفع فيه على خلاف الامتنان، ودليل الحرج دليل امتناني لا يجري فيما إذا كان رفع الوجوب على خلافه.
الثاني: لو كان تلف المال بعد تمام الأعمال كاشفاً عن عدم الوجوب فليكن كذلك إذا تلف عند العود في أثناء الطريق أو مرض مرضاً شديداً على نحو لا يتحمّل، مع أنّه لم يقل أحد بانقلاب حجّه من الواجب إلى المندوب.
الثالث: سكوت النصوص عن التعرض لهذه المسألة وما أشبهها مع كثرة اتفاق هذه الطوارئ من مرض وتلف مال ونحو ذلك ممّا يوجب زوال الاستطاعة مع الغفلة عن ذلك وارتكاز المتشرعة على صحّة الحجّ وربما يكون دليلاً على الإجزاء.
الرابع: ما ورد من أنّ من مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام، فإذا كان امتثال الجزء كافياً فكيف لا يكون امتثال الكلّ كذلك، بل يمكن أن يقال بذلك إذا تلف في أثناء الحجّ أيضاً، وهذا الوجه ذكره المصنّف في المتن، وأمّا غير هذه الوجوه فقد اقتبسناه من الشروح بتوضيح منّا.
ومع ذلك فهذه الوجوه لا تخلو من ضعف.

صفحه 174
أمّا الأوّل: فلأنّ الاستطاعة قد جاءت في الآية الشريفة، وقد قلنا إنّ تقييد وجوب الحجّ فيها بالاستطاعة مع أنّ التكاليف كلّها مشروطة بها دليل على أنّ القدرة المأخوذة في وجوب الحجّ غير القدرة المأخوذة في الوضوء والصلاة وغيرهما عقلاً ، فهي في غير الحجّ عقلية محضة وفيه شرعية، فلذلك لا يجب الحج عن طريق الخدمة للغير لأنّها تحصِّل قدرة عقلية وليست بشرعية.
فإذا قيل: أيّها الناس ـ وهم متفرقون في أقطار العالم ـ من استطاع إلى الحجّ فليرحل فلا يفهم منه إلاّ من استطاع على الذهاب والإقامة في مكة لأداء المناسك والإياب، فمؤونة الإياب أيضاً مأخوذة فيها عند العرف، فالقول بأنّ مؤونة الإياب غير مأخوذة فيها وإنّما قيل بها لأجل رفع الحرج كما ترى.
وأمّا الاستدلال بعدم الأخذ بأنّ من قدر على الحجّ ذهاباً ولم يكن له رغبة بالرجوع إلى الوطن يجب عليه الحجّ، فضعيف جدّاً، لأنّ الفرد النادر لا يكون دليلاً على أغلب الأفراد مضافاً إلى الفرق بينه و بين غيره، فإنّ الاستطاعة تقدّر بقدر الحاجة، فإذا كان مقصده ابتداءً ونهاية هو الإقامة في مكة، فلا معنى لاعتبار مازاد عليه، بخلاف من يحاول الرجوع إلى الوطن.
وأمّا الثاني: أعني الاستدلال بمن تلف ماله في أثناء الرجوع أو مرض مرضاً شديداً فهو من جزئيات هذه المسألة، فالقائل بعدم الوجوب يقول به في هذه المسألة أيضاً، إلاّ إذا مرض قريباً من وطنه على نحو لا يخرجه عن الاستطاعة البدنية عرفاً.
وأمّا الثالث ـ أي سكوت النصوص ـ: فلو تم ذلك لم يكن فرق بين زوال الاستطاعة بعد زوال الأعمال وفي أثنائها وقبلها لاشتراك الجميع فيما ذكرنا.
وأمّا الرابع: فالاستدلال أشبه بالقياس مع الفارق فإنّ الزائر في المقيس

صفحه 175
عليه، مات بعد الإتيان بجزء الأعمال وهو مستطيع، فأين هو ممّن فقد الاستطاعة أو الرجوع إلى الكفاية بعد تمام الأعمال، فقياس الفاقد بالواجد قياس مع الفارق.
نعم يمكن أن يحتجّ بالحديث فيمن مات بعد ما أحرم ودخل الحرم وأتى بقسم من الأعمال، وذلك بمفهوم الأولوية.
هذه هي دراسة المسألة على ضوء القواعد، ومع ذلك كلّه يمكن القول بالإجزاء بوجهين:
الأوّل: انّه أتى بالأعمال وهو مستطيع، أي كان معه مؤونة الرجوع، وامتثل الأمر الوجوبي وهو جامع للشرائط، وامتثال المأمور به بعامة أجزائه وشرائطه مسقط للأمر، وتلف المال ـ بعد انجاز العمل ـ لا يقلب الواقع عمّا هو عليه، وانقلابه من الغنى إلى الفقر، لا يؤثر فيما سبقه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ وصف العمل بالوجوب مشروط بالشرط المتأخّر على بقاء مؤونة الرجوع أو الرجوع إلى الكفاية، والمفروض عدمه، فلا يوصف بالوجوب فتأمّل.(1)
هذا و سيأتي الكلام في أواخر المسألة 81، فلاحظ.
الثاني: انّه قام بالواجب في ضوء الأمارات والأُصول التي دلّت على أنّه مستطيع إلى نهاية الأمر ثمّ انكشف تخلّفها بعد إتيان العمل، وقد تقرّر في محلّه أنّ العمل على وفق الأمارات والأُصول مجز وإن تبيّن خلافه.

1 . وجه التأمل احتمال كون هذه الأُمور شرطاً حدوثاً لا بقاء، شرطاً عند الشروع مع ظن البقاء، لا شرطاً للإجزاء والإسقاط كما عليه المحقّق الأردبيلي، قال: ويحتمل أن تكون هذه الشروط شرطاً علمياً لا واقعياً بأن يكون علمه عند الدخول في العمل كافياً في وصف العمل بالوجوب وإن تخلّف في الواقع. مجمع الفائدة والبرهان:6/59.

صفحه 176
المسألة30: الظاهر عدم اعتبار الملكيّة في الزاد والراحلة، فلو حصلا بالإباحة اللازمة كفى في الوجوب لصدق الاستطاعة، ويؤيّده الأخبار الواردة في البذل، فلو شرط أحد المتعاملين على الآخر في ضمن عقد لازم أن يكون له التصرّف في ماله بما يعادل مائة ليرة مثلاً وجب عليه الحجّ، ويكون كما لو كان مالكاً له.*
هذا ما يمكن أن يقال ـ و مع ذلك ـ فالأفضل أنّه لو استطاع فعليه أن يحجّ حجة ثانية.
* لا شكّ انّ المكلّف إذا ملك الزاد والراحلة مقروناً مع سائر الشروط يجب عليه الحجّ، وأمّا لو افترضنا انّه أُبيح له التصرف في ضمن عقد لازم بمقدار يكفيه للذهاب والإياب متزامناً مع سائر الشروط، فهل يكفي في الاستطاعة أو لا، كما لو شرط أحد المتعاملين في ضمن عقد لازم على الآخر أن يكون له التصرّف في ماله بما يعادل مائة ليرة مثلاً؟
والظاهر عدم الدليل على شرطية الملكية، وذلك لأنّ بعض الأدلّة وإن كان ظاهراً في الملكية كما في قوله(عليه السلام):« يكون له زاد وراحلة».(1)
لكن بعضها الآخر ظاهر في كفاية التمكّن من التصرف، كما في قوله(عليه السلام) : «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به».(2)
ونظيره صحيحة معاوية وفيه: «إذا هو يجد ما يحجّ به».(3) ولا مانع من

1 . الوسائل:8، الباب8من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4و5و6.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.
3 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 177
الأخذ بكلّ منهما والقول بكفاية كلّ، وليس المقام من باب تقيد المطلق بالمقيد، لأنّ الدليلين مثبتان فلا منافاة بينهما حتّى يحمل المطلق على المقيد.
هذا ما يقتضيه صناعة الفقه ويوافقه فهم العرف فلا يفرق بين ملكية المال وإباحة التصرّف، وذلك لأنّ الملاك هو الاستطاعة على إنجاز عمل الحجّ، سواء أكان بالملكية أم بإباحة التصرّف، والمفروض انّه ليس للمشروط عليه التخلف والرجوع عن الإذن.
والحاصل: انّ الاستطاعة أمر عرفي والملكية والإباحة من مقدّمات القدرة فلا فرق عنده بين المقدّمتين.
ثمّ إنّ السيّد الحكيم ذهب إلى عدم كفاية الإباحة الشرعية، وذكر في تأييد ذلك ما يلي: انّه لم يظهر الفرق بين الإباحة المالكية والإباحة الشرعية وليس بناؤهم على الاجتزاء بها في حصول الاستطاعة، فلا يجب الاصطياد والاحتطاب وأخذ المعدن ونحو ذلك إذا أمكن المكلّف ذلك، لكونه مستطيعاً بمجرّد الإباحة في التصرّف.(1)
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين الإباحة المالكية والشرعية، فإنّ الأُولى لا تتوقّف على شيء سوى التصرّف في مال المشروط عليه، وهو لا يعد في العرف تكسباً، وهذا بخلاف الإباحة الشرعية فإنّها تحتاج إلى مقدّمات كثيرة من اصطياد الأسماك بأدوات الصيد وعرضها للبيع في الأسواق، أو قطع الأشجار واحتطابها من الغابات ونقلها إلى القرى والأرياف، إلى غير ذلك من الأعمال المضنية التي تعد مصداقاً واضحاً للتكسّب.

1 . المستمسك:10/117.

صفحه 178
المسألة31: لو أوصى له بما يكفيه للحجّ فالظاهر وجوب الحجّ عليه بعد موت الموصي، خصوصاً إذا لم يعتبر القبول في ملكيّة الموصى له، وقلنا بملكيّته مالم يردّ، فإنّه ليس له الردّ حينئذ.*
* الوصيّة إمّا تمليكية كأن يوصي بشيء من تركته لزيد، وإمّا عهدية كأن يوصي بما يتعلّق بتجهيزه أو باستيجار الحجّ له، وإمّا فكية تتعلّق بفكّ ملك كالإيصاء بالتحرير.
لا شكّ في أنّ الوصية العهدية لا تحتاج إلى قبول، وأمّا الوصية التمليكية فإن كانت تمليكاً للنوع كالوصية للفقراء والسادة، فهي كالعهدية لايعتبر فيها القبول.
وإن كانت تمليكاً للشخص، فالمشهور على أنّه يعتبر فيها القبول من الموصى له.
والظاهر انّ تحقّق الوصية وترتّب أحكامها من حرمة التبديل ونحوها لا يتوقّف على القبول، إنّما الكلام في تملّك الموصى له، فالمشهور على أنّه متوقّف عليه فلا يتملّك قهراً.
وهناك من يقول: إنّ الإيصاء من الإيقاعات فلا يحتاج تملكُ الموصى له إلى القبول، نعم له ردّ الوصية .
وعلى كلّ تقدير فالظاهر حصول الاستطاعة بالوصية التمليكية إذا كانت كافية لمؤونة الذهاب والإياب، سواء أقلنا بعدم حاجته إلى القبول فواضح، إذ يكون عندئذ كالحجّ البذلي الذي سيوافيك بأنّه لا يحتاج إلى القبول، أو قلنا بحاجته إليه، لأنّه لايعد اكتساباً عرفاً، فعلى ضوء ذلك يجب عليه القبول حفظاً للاستطاعة.

صفحه 179
المسألة32: إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين(عليه السلام) في كلّ عرفة ثمّ حصلت لم يجب عليه الحجّ، بل وكذا لو نذر إن جاء مسافره أن يعطي الفقير كذا مقداراً، فحصل له ما يكفيه لأحدهما بعد حصول المعلّق عليه، بل وكذا إذا نذر ـ قبل حصول الاستطاعةـ أن يصرف مقدار مائة ليره مثلاً في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فإنّ هذا كلّه مانع عن تعلّق وجوب الحجّ به.*
* وفي المسألة فرعان:
الأوّل: إذا تزاحم الحجّ والنذر في سنة واحدة، أو عامّة السنوات .
الثاني: إذا تزاحم الحجّ مع واجب فوريّ، كأداء الدين الفوري، أو إنقاذ الغريق، أو تمريض المريض الذي لو تركه ربما يشرف على الموت، وإليك دراستهما:

1. إذا تزاحم الحجّ والنذر

إذا تزاحم الحجّ والنذر في عامّة السنوات، كما إذا نذر قبل الاستطاعة أن يزور الحسين(عليه السلام) في سنة أو سنتين أو في كلّ سنة يوم عرفة ثمّ حصلت الاستطاعة، ومثله ما إذا نذر أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلاً للزيارة أو التعزية أو نحو ذلك ثمّ حصلت الاستطاعة على نحو يزيل الصرفُ المذكور الاستطاعةَ.
وقد حكى المشايخ أنّ صاحب الجواهر، لمّا اشتغل بتأليف الجواهر أحسّ أنّ إتمام المشروع رهن صبّ الجهود على التأليف وعدم الاشتغال بشيء آخر سنتين، ولذلك نذر أن يزور الحسين(عليه السلام) في كلّ عرفة حذراً من تعلّق وجوب الحجّ

صفحه 180
عليه إذا استطاع، (العمل الذي كان يأخذ من وقته ـ عند ذاك ـ شهوراً مع وجود المخاطرات حوله التي ربما تودي بحياته قبل إنجاز المشروع)، فصار ذلك سبباً لطرح هذه المسألة.
واعلم أنّ المعنون في كلامهم هو إذا نذر الحجّ، ثمّ استطاع فيكون المنذور هو الحجّ، ثمّ يستطيع لحجّة الإسلام فلو كانت سنة النذر معيّنة، فيقدّم النذر; وإلاّ فلو كانت مطلقة، أو يعمّ سنتين، فيقدّم حجّة الإسلام لفوريتها.
فهذه المسألة تفارق ظاهراً مع ما في المتن لأنّ المنذور في كلمات الأصحاب، هو الحجّ، وفي مسألتنا هو زيارة الحسين في يوم عرفة وإن كانت النتيجة واحدة.
وإليك بعض كلماتهم:
قال في «الدروس»: والظاهر انّ استطاعة النذر شرعيّة، لا عقلية، فلو نذر الحجّ ثمّ استطاع صرف ذلك إلى النذر، فإن أهمل و استمرت الاستطاعة إلى القابل وجبت حجّة الإسلام أيضاً، وظاهر الأصحاب تقديم حجّة الإسلام مطلقاً، وصرف الاستطاعة بعد النذر إليها، إلاّ أن يعيّن سنة للنذر، فيصرف الاستطاعة فيها إلى حجّ النذر.(1)
وحاصله : إذا نذر الحجّ ثمّ استطاع، يجب صرفها في حجّة الإسلام إلاّ إذا عيّن سنة النذر، فيقدّم الحجّ المنذور على حجّة الإسلام.
فإذا وجب تقديم المنذور على الواجب، فلا فرق عندئذ بين كون المنذور، هو الحجّ ـ كما هو المعنون في كلام الدروس ـ أو زيارة الحسين في عرفة، أو إعطاء مقدار معيّن للفقير مزيلاً للاستطاعة، أو صرفه في الزيارة وإقامة العزاء لآل

1 . الدروس:1/274.

صفحه 181
البيت(عليهم السلام) ـ كما هو المعنون في كلام المصنف ـ لاشتراك الجميع في عدم اجتماعه مع الحجّ.
وقال الشهيد في «المسالك»: ولو نذره(الحجّ) قبل حصول الاستطاعة، ثمّ حصلت قبل الفعل، قُدِّمتْ حجّةُ الإسلام مع الإطلاق أو التقييد بمدة تزيد عن سنة بحيث يمكن فعله بعد ذلك، أو بسنة متأخرة عن عام الاستطاعة، ومع تعيّنه بتلك السنة يقدّم النذر، لعدم تحقّق الاستطاعة في تلك السنة المعينة.(1)
وقال سبطه: ولو اتّفق حصول الاستطاعة قبل الإتيان بالحجّ المنذور قدّمت حجّة الإسلام إن كان النذر مطلقاً أو مقيداً بما يزيد عن تلك السنة أو بمغايرها، لأنّ وجوبها على الفور بخلاف المنذورة على هذا الوجه ،وإلاّ قدّم النذر لعدم تحقّق الاستطاعة في تلك السنة، لأنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي، وعلى هذا فيراعى في وجوب حج الاسلام بقاء الاستطاعة إلى السنة الثانية.(2)
وقال في «الجواهر»: ولو كان نذره حال عدم الاستطاعة وجب الإتيان بالنذر مع القدرة وإن لم تحصل الاستطاعة الشرعية كما في غيره من الواجبات، إذ هي شرط في وجوب حج الإسلام للدليل دون غيره.(3)
إذا عرفت ذلك فإنّ في الفرع قولين:
1. تقديم النذر على الحجّ، لفقدان الاستطاعة الشرعية التي من أجزائها عدم مزاحمته لواجب سبق وجوبه على وجوب الحجّ، وعندئذ يكون وجوب النذر رافعاً لموضوع وجوب الحجّ، أعني: الاستطاعة فلا تكون تامّة الاجزاء، وهذا ما

1 . المسالك:2/157.
2 . المدارك:7/99ـ100.
3 . الجواهر:17/347.

صفحه 182
عليه المصنّف والسيد الحكيم ـ (قدس سره)ما ـ تبعاً لما هو المشهور.
2. تقديم الحجّ على النذر، لحصول الاستطاعة الشرعية بعامة أجزائها، من الزاد والراحلة وتخلية السرب وصحة الجسم على ما في النصوص، ولم يثبت كون عدم المزاحمة من محقّقاتها، وأمّا النذر، فلكونه مفوِّتاً للواجب، صار غير راجح. ويشترط في صحّة النذر كونه راجحاً حين العمل ولا يكفي الرجحان حين النذر.
نعم يمكن أن يقال بتقديم الحجّ على النذر، لا لأنّ وجوب الحجّ وتمامية الاستطاعة، يرفع موضوع النذر وهو الرجحان، لأنّ استلزام عمل راجح لترك واجب، لا يجعله مرجوحاً ـ كما حقّق في باب «الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه» ـ فموضوع كلّ من الواجبين متحقّق حسب دليله فيقع التزاحم بين الدليلين، فلابدّ من إعمال مرجحات باب التزاحم، ومن المعلوم أهمية حجّة الإسلام فلا يعارضها النذر.
فظهر ممّا ذكرنا انّ في الفرع قولين، وللقول الثاني مبنيين، فتقدّم الحجّ على النذر إمّا من باب التخصص، أو من باب ترجيح أحد الدليلين على الآخر، مع تحقّق موضوع كلّ منهما.
إذا عرفت ملخص الأقوال، فلندرس دليل كلّ واحد منها:

ألف: يقدّم النذر للمانع الشرعي عن الحجّ

وحاصل هذه النظرية انّ كلاً من دليلي وجوب الوفاء بالنذر والعمل بالحجّ رافع لملاك الآخر فيتعيّن الرجوع إلى مرجّح وهو الأخذ بالسابق دون اللاحق تنزيلاً للعلل الشرعية منزلة العلل العقلية، فكما أنّ العلل العقلية يكون السابق منها رافعاً للاحق كذلك العلل الشرعية فيلغى احتمال كون اللاحق رافعاً لموضوع السابق.

صفحه 183
هذا حاصل النظرية، وإليك توضيحها:
إنّ رجحان المنذور ـ المشروط به صحّة النذر ـ يجب أن يكون مع قطع النظر عن دليل النذر، ومع مزاحمة النذر للاستطاعة إذا غُضَّ النظر عن دليل النذر يكون المنذور غير راجح، لأدائه إلى ترك الحجّ، وإنّما يكون المنذور راجحاً بتوسط دليل النذر الرافع للاستطاعة، والمفروض انّ المنذور يجب أن يكون راجحاً مع قطع النظر عن دليل النذر.
فهذا من جانب ومن جانب آخر انّ الاستطاعة المعتبرة في وجوب حجّ الإسلام يجب أن تكون حاصلة مع غضّ النظر عن وجوب الحجّ، وفي المقام إذا غضّ النظر عن وجوب الحجّ ترتفـع الاستطاعة بالنـذر وتصير النتيجة عندئذ(1) انّ الأخذ بأحد الحكمين يكون رافعاً لموضوع الآخر، وترجيح وجوب الحجّ على وجوب الوفاء بالنذر بلا مرجّح، وإن كان الحجّ أهمّ، لأنّ ترجيح الأهم إنّما يكون في المتزاحمين الواجد كلّ منهما لملاكه ويكون تزاحمهما في مقام الامتثال لا في المتواردين اللّذين يكون كلّ منهما رافعاً لملاك الآخر، بل فيهما يتعيّن الرجوع إلى منشأ آخر للترجيح وهو الأخذ بالسابق دون اللاحق. ويؤيد ذلك صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به، ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(2)
فانّه ظاهر في أنّ مطلق العذر رافع للفرض، ولا ريب في أنّ الوفاء بالنذر

1 . أي عندما كان المنذور غير راجح ـ مع قطع النظر عن دليله ـ والاستطاعة غير حاصلة مع قطع النظر عن دليلها، وأمّا بالنظر إلى دليلهما، فكلّ يصلح لرفع موضوع الدليل الآخر.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.

صفحه 184
عذر، فيكون رافعاً للفرض.(1)
يلاحظ عليه: أنّ فرض الأمرين: الأمر بالوفاء بالنذر، والأمر بالحجّ إنّما يعدان من المتواردين اللّذين يكون كلّ منهما رافعاً لملاك الآخر، إذا كانت الاستطاعة الشرعية مركبة من أُمور منها عدم مزاحمة الحجّ لواجب آخر، فعند ذلك يصلح كلّ من الأمرين أن يرفع ملاك الآخر وموضوعه، فالأمر بالحجّ يرفع ملاك النذر لعدم كونه راجحاً مع قطع النظر عن دليل النذر لاستلزامه تفويت الواجب.
كما أنّ الأمر بالوفاء بالنذر يرفع موضوع الحجّ، أعني: الاستطاعة لتقيدها بعدم المزاحمة والمفروض مزاحمة الحجّ للوفاء بالنذر.
وأمّا لو قلنا بأنّ الاستطاعة الشرعية عبارة عن الزاد والراحلة وتخلية السرب وصحّة الجسم من دون تقييدها بعدم مزاحمته لواجب آخر لعدم وروده في الروايات المفسرة للاستطاعة، فعندئذ يكون ملاك الحجّ تاماً وموضوعه متحقّقاً، دون الوفاء بالنذر، إذ لم يثبت حينئذ رجحانه مع قطع النظر عن أمر النذر، بل ثبتت مرجوحيته.
وعند ذلك لا يكون المقام من قبيل المتواردين، بل ولا المتزاحمين، فإنّ المتزاحمين عبارة عن الأمرين الواجدين للملاك فيقدّم الأهم، وأمّا المقام فالملاك لأحد الأمرين دون الآخر.

ب: الحجّ يقدّم لعدم الملاك في النذر

يقدّم الحجّ على النذر لكون الحجّ تام الملاك دون النذر، وذلك لأنّ الوفاء

1 . المستمسك:10/119ـ 121.

صفحه 185
بالنذر ليس واجباً ابتدائياً نظير الصوم والصلاة وإنّما هو واجب إمضائي بمعنى انّه إلزام من اللّه تعالى بما التزم المكلّف به على نفسه، فانّ الناذر يلزم على نفسه شيئاً واللّه تعالى يلزمه بالعمل به على نحو ما التزم به، فلابدّ من أن يكون العمل الملتزم به في نفسه قابلاً للإضافة إلى اللّه تعالى ومن هنا اعتبروا الرجحان في متعلّق النذر.
ثمّ لا يكفي مجرّد الرجحان في نفسه (كزيارة الحسين(عليه السلام)) بل لابدّ في صحّة إضافة العمل إليه تعالى من ملاحظة سائر الملازمات والمستلزمات، كأن لا يكون العمل مستلزماً لترك واجب أو إتيان محرم، وإلاّ فلا يكون قابلاً للإضافة إليه سبحانه، فزيارة الحسين(عليه السلام) يوم عرفة وإن كانت راجحة في نفسها ولكنّها إذا كانت ملازمة لترك الواجب ـ كالحجّ ـ لا يمكن إضافتها إلى اللّه سبحانه، وهذا نظير نذر قراءة القرآن من أوّل طلوع الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس بحيث تفوت عنه صلاة الفجر، أو ينذر سجدة طويلة تستغرق جميع الوقت بحيث تفوت عنه الصلاة المكتوبة، ونظيره من نذر صوم اليوم الذي يجيء فيه مسافره فصادف يوم العيد، ولا ريب في انحلال النذر في أمثال هذه الموارد، والمقام من هذا القبيل فلا تصل النوبة إلى التزاحم فضلاً عن أن يرفع النذر موضوع الاستطاعة.
فتحصل من جميع ما تقدّم: انّ النذر لا يزاحم الحجّ، لأنّ وجوبه مطلق غير مشروط بشيء غير الاستطاعة المفسرة في النصوص والقدرة الشرعية المصطلحة غير مأخوذة فيه، بخلاف النذر فانّه مشروط بأن لا يكون محلّلاً للحرام ومحرّماً للحلال.(1)
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقّن من رجحان المنذور كونه راجحاً بالذات

1 . معتمد العروة:1/148، كتاب الحجّ.

صفحه 186
حين النذر والمفروض انّه كذلك، و النهي التبعي عن المنذور حيث إنّ الأمر بالشيء (الحجّ) يقتضي النهي عن ضدّه، لا يوجب المرجوحية الذاتية وإنّما هي مرجوحية عرضية.
نعم لو تعلّق النهي النفسي بالضد لكان لما ذكره وجه.
والحاصل: انّه وإن أصاب في تفسير الاستطاعة بما ذكرناه من الزاد والراحلة وتخلية السرب وصحّة الجسم ولم يقيدها بعدم مزاحمة الحجّ لواجب آخر، كما فعل السيّد الحكيم، لكنّه جعل النهي التبعي النابع من الأمر بالشيء سبباً لمرجوحية النذر وبالتالي خارجاً له عن مجال التزاحم لانحصار الواجب بالحجّ، لما عرفت من أنّ هذه المرجوحية العرضية لا تجعل المحبوب مبغوضاً إلاّ بالعرض.
وأمّا عدم صحّة النذر فيما إذا نذر قراءة القرآن من أوّل الفجر إلى مطلع الشمس أو السجدة الطويلة المستغرقة لوقت الصلاة، فلأنّ النذر يعارض الواجب الثابت وجهاً بوجه فأين هو ممّن نذر ولم يكن مستطيعاً فاستطاع؟!
وربما يقال بأنّ موضوع الحج هو العمل الراجح في ظرفه لا حين النذر وهنا ليس كذلك.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّة النذر وجود الرجحان في المنذور بما هوهو وبقاؤه إلى وقت العمل والمفروض أنّه كذلك، وتزاحمه مع واجب آخر لا يسلب عنه الرجحان الذاتي، بل يجعلهما من مصاديق المتزاحمين، فيكون المرجع هو مرجّحات باب التزاحم.

ج: يقدم الحجّ لكونه أهمّ المتزاحمين

وحاصل هذا القول: إنّ المورد داخل في المتزاحمين وانّ كلاً من الموضوعين واجد للملاك والشرائط، فالمنذور راجح والمكلّف مستطيع، وكلّ يطلب امتثاله،

صفحه 187
وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوريّ قبل حصول الاستطاعة، ولم يمكن الجمع بينه وبين الحجّ، ثمّ حصلت الاستطاعة وإن لم يكن ذلك الواجب أهمّ من الحجّ، لأنّ العذر الشرعيّ كالعقليّ في المنع من الوجوب.
وأمّا لو حصلت الاستطاعة أوّلاً ثمّ حصل واجب فوريّ آخر لا يمكن الجمع بينه و بين الحجّ يكون من باب المزاحمة، فيقدّم الأهمّ منهما، فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدِّم على الحجّ، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحجّ فيه، وإلاّ فلا إلاّ أن يكون الحجّ قد استقرّ عليه سابقاً، فإنّه يجب عليه ولو متسكّعاً.*
وعندئذ يرجع إلى مرجحات باب التزاحم وهو تقديم الأهم ـ أعني: الحجّ ـ على المهم.
وأمّا ما استدلّ به السيّد الحكيم على اتّخاذ عدم المزاحمة في تفسير الاستطاعة بصحيح الحلبي، فغير ظاهر، حيث جاء فيه:«وليس له شغل يُعذّره اللّه تعالى فيه»، فانّه كلام مجمل غير واضح، فإنّ كون وجوب النذر عذراً في مقابل الحجّ يحتاج إلى دليل، ولعلّ المقصود من قوله: «شغل يعذره اللّه» هو الواجبات الموضوعة على عاتق الإنسان، كتمريض الأبوين وغيره بحيث لو ترك لتعرضا للضرر.
ومن هنا يظهر أنّه لو ترك حجّ الإسلام ونوى حجّ النذر يقع صحيحاً لتوجّه الأمر الثاني إليه بعنوان الترتّب. وسيوافيك الكلام أيضاً في المسألة18( من فصل النذور والعهد).
* هذا هو الفرع الثاني من الفرعين اللّذين أشرنا إليهما سابقاً والفرق بينهما واضح، فإنّ الحجّ في الفرع الأوّل يزاحم النذر، وفي المقام يزاحم الحجّ الواجب

صفحه 188
الفوري دون النذري، وقد ذكر المصنّف لهذا الفرع صورتين:
1. إذا كان عليه واجب مطلق قبل حصول الاستطاعة، فيقدّم الواجب المطلق على الحجّ، وإن كان الواجب غير أهمّ، لتقدّم وجوبه وسببه فيكون مانعاً من حصول الاستطاعة الشرعية.
2. إذا حصلت الاستطاعة أوّلاً، ثمّ حصل واجب مطلق فوري آخر، غير قابل للجمع، فيكون المورد من قبيل المتزاحمين، فيقدّم الأهم كإنقاذ الغريق، أو تمريض المريض الذي لا يقوم بحاجته غيره.
أقول: ما ذكره في الشقّ الأوّل صحيح على مبناه، بخلاف الشق الثاني، إذ لو كان عدم المزاحمة مع واجب آخر مأخوذاً في مفهوم الاستطاعة الشرعية ـ كما عليه المصنّف حيث قدّم النذر على الحجّ لأجل ذلك ـ، كان اللازم التسوية بين الصورتين، فيقدّم الواجب المطلق على الحجّ مطلقاً، وذلك لأنّ عدم المزاحمة شرط الاستطاعة حدوثاً وبقاءً، فالاستطاعة بعامّة قيودها وإن كانت حاصلة حدوثاً، لأنّ المفروض أنّ الاستطاعة حصلت ثمّ حصل واجب فوريّ، لكنّها ليست كذلك بقاءً، لمزاحمة الحجّ مع واجب فوريّ، وتقدّم وجوب الحجّ، غير مؤثر في المقام، لأنّ وجوب الواجب الفوري يرفع الاستطاعة، مطلقاً، تأخّرت عنه كما في الصورة الأُولى، أو تقدّمت عليه كما في الفرع الثاني، فعلى مبناه يجب تقديم الواجب الفوري على الحجّ مطلقاً في كلتا الصورتين.
وأمّا على المختار من عدم شرطية عدم المزاحمة لتحقّق الاستطاعة فيدخل المقام في باب المزاحمة، لفعلية حكم كلّ من الحجّ والواجب، ولا تأثير لتقدّم وجوب الحجّ، بعد صيرورة الحكم الثاني مثله في فعلية الحكم، ونظير ذلك: إذا ابتلى بأحد الغريقين أولاً وقبل انقاذه ابتلى بغريق آخر ولا يستطيع الجمع بينهما،

صفحه 189
المسألة33: النذر المعلّق على أمر قسمان، تارة يكون التعليق على وجه الشرطيّة، كما إذا قال إن جاء مسافري فللّه عليّ أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة، وتارة يكون على نحو الواجب المعلّق، كأن يقول: للّه عليّ أن أزور الحسين(عليه السلام)في عرفة عند مجيء مسافري فعلى الأوّل يجب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة قبل مجيء مسافره، وعلى الثاني لا يجب فيكون حكمه حكم النذر المنجّز في أنّه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحجّ، سواء حصل المعلّق عليه قبلها أو بعدها وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحجّ، من دون فرق بين الصورتين، والسرّ في ذلك أنّ وجوب الحجّ مشروط والنذر مطلق، فوجوبه يمنع من تحقّق الاستطاعة.*
فيتعين الأهمّ منهما.
ثمّ لو قدّم الواجب المطلق لأهميته لا يجب عليه الحجّ إلاّ إذا كانت الاستطاعة باقية أيضاً، أو كان الحجّ قد استقر عليه سابقاً فتعلّل وأخّر.
وما ربما يقال: لو بنى على كون المقام من باب المزاحمة فلازمه وجوب الحجّ عليه في السنة اللاحقة وإن لم تبق الاستطاعة لاستقرار الحجّ في ذمّته(1) غير تام، لأنّه إن أراد الصورة الأخيرة(استقرار الحجّ عليه سابقاً) فهو، وإلاّ فلا وجه للوجوب بعد كون التأخير بأمر الشارع، فلو كان التأخير سبباً لزوال الاستطاعة فلا وجه لإيجاب الحجّ عليه متكلّفاً.
*رجع الكلام في هذه المسألة إلى الفرع الأوّل من المسألة السابقة، أعني:

1 . المستمسك:10/121.

صفحه 190
تعارض النذر مع الحجّ(لا تعارض الواجب الفوري مع الحجّ)، والفرق انّه لم يكن في الفرع الأوّل أيُّ قيد في مورد النذر بل نذر أن يزور الحسين(عليه السلام) في عرفة أو كلّ عرفة، ثمّ استطاع فقط، و أمّا المقام فالنذر ليس مطلقاً، بل له قيد، و هو على قسمين:
تارة يكون الوجوب غير مقيّد بشيء، ويكون الواجب مقيّداً، و يسمّى بالواجب المعلّق.
وأُخرى يكون الوجوب مقيّداً، والواجب مطلقاً، فلو قال:«للّه عليّ أن أزور الحسين(عليه السلام) عند مجيء مسافري» يكون الوجوب المستفاد من قوله: «للّه عليّ» مطلقاً غير مقيّداً، وبالتالي يكون وجوباً منجّزاً، سواء أجاء المسافر، أم لا، غاية الأمر يكون ظرف الواجب متأخراً.
ولو قال:
«عند مجيء مسافري للّه علي أن أزور الحسين(عليه السلام) في عرفة» على نحو يكون القيد راجعاً إلى الوجوب، ويكون الوجوب مشروطاً، فلا وجوب قبل مجيء المسافر.
ويسمّى الأوّل بالواجب المعلّق، والثاني بالواجب المشروط.
ثمّ إنّ المصنّف فرق بين الصورتين بالنحو التالي:
1. إذا كان النذر واجباً معلّقاً، بمعنى فعلية الوجوب من لدن انشائه، واستقبالية الواجب، ففي هذه الصور يقدّم النذر، لتقدّم وجوبه على وجوب الحجّ، وإن استطاع قبل حصول القيد(مجيء المسافر) فضلاً عن استطاعته بعد حصول القيد، أو حصولهما معاً أخذاً بتقدّم وجوب النذر وتأخّر وجوب الحجّ.
2. إذا كان وجوب النذر مشروطاً، وحصلت الاستطاعة قبل حصول شرط

صفحه 191
الوجوب ـ أعني: مجيء المسافر ـ فيقدّم الحجّ لتقدّم وجوبه على وجوب النذر وإن صار الثاني أيضاً فعلياً بحصول الشرط لكن بعد فترة من وجوب الحجّ.
حاصله: انّه إذا كان الوجوب حالياً يكون الوجوب منجّزاً مطلقاً من لدن إنشائه، سواء استطاع قبل مجيء المسافر أم معه أو بعده، ويكون حكم هذا، نفسَ النذر الماضي في المسألة 32 ـ أعني: إذا نذر أن يزور الحسين(عليه السلام) في عرفة من دون ذكر أي قيد ـ وذلك لأنّ القيد في المقام غير مؤثر، لرجوعه إلى الواجب دون الوجوب، فتأتي الأقوال الثلاثة الماضية، أعني:
1. يقدّم النذر، لأنّ كلاً من الوجوبين يصلح لرفع وجوب الآخر فيكونان من قبيل المتواردين، والمرجح هو سبق الوجوب، لأنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي.
2. يقدّم الحجّ، لتمامية شروط وجوبه لعدم شرطية عدم المزاحمة، ومرجوحية النذر، لكونه مفوتاً للواجب الفوري ـ كما عليه السيد الخوئي ـ (قدس سره) ـ .
3. يقدّم الحج، لكون كلّ من الوجوبين فعليين فيقع التزاحم بينهما فيقدّم الأهم.
هذا إذا كان الوجوب حالياً والواجب استقبالياً.
وأمّا إذا كان الوجوب مشروطاً بمعنى عدم تحقّق الوجوب قبل مجيء المسافر، فعندئذ إذا حصلت الاستطاعة قبل مجيء المسافر، فإن لم يحصل الشرط إلى خروج الرفقة، فلا كلام في وجوب الحجّ، وإن حصل قبله، فذهب المصنّف إلى تقديم الحجّ على النذر لتقدّم وجوبه على وجوب النذر.
يلاحظ على هذا الشقّ بوجهين:
أوّلاً: إذا كان عدم المزاحمة من شروط الاستطاعة، فهو شرط حدوثاً وبقاء، والشرط وإن كان حاصلاً قبل مجيء المسافر، لكنّه غير حاصل بعده، فعليه يتحد

صفحه 192
المسألة34: إذا لم يكن له زاد وراحلة ولكن قيل له: حجّ وعليّ نفقتك ونفقة عيالك وجب عليه، وكذا لو قال: حجّ بهذا المال وكان كافياً له ـ ذهاباً وإياباً ـ ولعياله، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها.*
حكمه، مع الواجب المعلّق، لأنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه يكون كالواجب المطلق.
وثانياً: على ما ذكر في الفرع الثاني للمسألة السابقة من أنّه «إذا حصلت الاستطاعة أوّلاً، ثمّ حصل واجب فوري لا يمكن الجمع بينهما يكون من باب المزاحمة» يكون المقام أيضاً داخلاً في باب المزاحمة، إذ أي فرق بين الواجب الفوري (التمريض) المتأخر وجوبه عن الاستطاعة، وزيارة الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة بعد حصول شرطه(مجيء المسافر).
وأمّا على المختار فالجميع داخل في موارد التزاحم بحصول شرط كلا الوجوبين، ولا أثر لتقدّم وجوب أحدهما على الآخر.
* في المسألة فروع:
1. الفاقد للاستطاعة، إذا بُذِل له الزاد والراحلة ذهاباً وإياباً مع سائر الشرائط يجب عليه الحجّ.
2. فيما إذا أُبيح له التصرف.
3. فيما إذا بُذِل له الثمن.
4. فيما إذا لم يكن البذل واجباً على الباذل لنذر ونحوه .
5. كون الباذل موثوقاً به.

صفحه 193
6. لو كان له بعض النفقة فبذل البقية.
7. لو بذل له نفقة الذهاب دون الإياب، أو إذا لم يبذل نفقة العيال.
وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.

الأوّل: بذل الزاد والراحلة

الظاهر من كلمات الأصحاب اتّفاقهم على وجوب الحجّ إذا بُذل لغير المستطيع ما يتمكّن معه من الحجّ مع سائر الشرائط من نفقة الذهاب والإياب ونفقة العيال ولم أعثر على مخالف، وخالفنا الجمهور إلاّ الشافعي، فقد نقل عنه قولان إذا كان الباذل ولداً، وأمّا غير الولد، فلا يجب الحجّ بالبذل، وإليك نقل بعض الكلمات.
1. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا بذل له الاستطاعة، لزمه فرض الحجّ، وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه، والثاني، وهو الذي يختارونه أنّه لا يلزمه.
دليلنا: إجماع الفرقة، والأخبار الواردة في هذا المعنى، وأيضاً قوله تعالى: (مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً) وهذا قد استطاع.(1)
2. وقال في «الغنية» في تفسير الاستطاعة: والاستطاعة تكون بالصحّة والتخلية، وأمن الطريق، ووجود الزاد والراحلة.(2) وإطلاقه يعمّ صورة الإباحة والتمليك.
3. وقال المحقّق: ولو بذل له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله وجب عليه.
4. وقال العلاّمة في «المنتهى»: لو بُذل له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله

1 . الخلاف:2/251، المسألة9.
2 . الغنية:152.

صفحه 194
وجب عليه الحجّ مع استكمال الشروط الباقية، وكذا لو حَجَّ به بعضُ إخوانه، ذهب إليه علماؤنا خلافاً للجمهور.
لنا: إنّه مستطيع فوجب عليه الحجّ.(1)
5. وقال العلاّمة في «التذكرة»: لو لم يكن له زاد وراحلة، أو كان ولا مؤونة له لسفره أو لعياله، فبذل له باذل الزاد والراحلة ومؤونته ذاهباً وعائداً ومؤونة عياله مدّة غيبته، وجب عليه الحجّ عند علمائنا، سواء كان الباذل قريباً أو بعيداً، لأنّه مستطيع للحج، ثمّ قال: وللشافعي قولان في وجوب الحجّ إذا كان الباذل ولداً... وإن لم يكن ولد لم يجب القبول.(2)
6. وقال المحدّث البحراني: ظاهر الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) الإجماع على أنّه لو بذل له باذل الزاد والراحلة ونفقة له ولعياله، وجب عليه الحجّ، وكان بذلك مستطيعاً.(3)
7. وفي «الجواهر» بعد قول المحقّق«وجب عليه»: إجماعاً محكياً في الخلاف والغنية وظاهر التذكرة والمنتهى وغيرهما إن لم يكن محصلاً، وهو الحجّة بعد النصوص المستفيضة أو المتواترة.(4)
وقال ابن قدامة: ولا يلزمه الحجّ ببذل غيره له، ولا يصير مستطيعاً بذلك، سواء كان الباذل قريباً أو أجنبيّاً، وسواء بذل له الركوب والزاد أو بذل له مالاً، و قال الشافعي: إنّه إذا بذل له ولده ما يتمكّن به من الحجّ لزمه، لأنّه أمكنه الحجّ من غير منّة تلزمه ولا ضرر يلحقه الحجّ كما لو ملك الزاد والراحلة.

1 . المنتهى:2/652.
2 . التذكرة:7/60، المسألة44.
3 . الحدائق:14/99.
4 . الجواهر:17/261.

صفحه 195
واستدلّ على عدم الوجوب بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «يوجبُ الحجَّ الزادُ والراحلةُ»، إذ يتعيّن فيه تقدير ملك ذلك، أو ملك ما يحصل به.(1)
والظاهر كون أصل الوجوب مسلّماً عند الأصحاب، للروايات المتضافرة عليه، ولو كان هنا خلاف فإنّما هو في فروع المسألة كما سيوافيك.
ويدلّ عليه من الكتاب قوله سبحانه: (مَن استطاع إِليه سَبيلاً)، فإنّه يعدّ في العرف مستطيعاً في خصوص التمليك أو الأعمّ، كما سيوافيك في الفرع الثاني من فروع المسألة .
ويدلّ عليه من السنّة الروايات المتضافرة.
1. روى الصدوق بسند صحيح عن العلاء بن رزين قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ:(وَللّهِ عَلى النّاس حجّ البَيت مَن استَطاعَ إِليه سَبيلاً)؟قال: «يكون له ما يحجّ به».
قلت: فمن عرض عليه فاستحيا؟ قال: «هو ممن يستطيع».(2)
وعلى كلّ تقدير فرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) غير مشتملة على القيد الموجود في سائر الروايات، أعني: «ولو على حمار أبتر» الذي أوجد مشكلاً في فهم روايات الباب .
2. روى الشيخ بسنده عن موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم ـ في حديث ـ قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) فإن عرض عليه الحجّ فاستحيا؟ قال: «هو ممّن يستطيع

1 . المغني:3/170.
2 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.هكذا في الوسائل ولكن في توحيد الصدوق:349 برقم10 عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم.

صفحه 196
الحجّ، ولِمَ يستحيي؟! ولو على حمار أجدع أبتر، قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل».(1)
3. صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل لم يكن له مال فحجّ به رجل من إخوانه أيجزيه ذلك عن حجة الإسلام، أم هي ناقصة؟ قال:« بل هي حجة كاملة».(2)
ودلالة الحديث على وجوب الحجّ واضحة لأنّه إذا كان الحجّ البذليّ حجاً تاماً وموصوفاً بحجة الإسلام يجب الإتيان به.
4. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «فإن كان دعاه قوم أن يُحجّوه فاستحيا فلم يفعل فإنّه لايسعه إلاّ أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر».(3)
وسيوافيك أنّ هذه الرواية قرينة على تفسير سائر الروايات وأنّ محل التأكيد هو عدم القبول فاستقرّ عليه الحجّ.
5. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث ـ قال: قلت له: فإن عرض عليه ما يحجّ به فاستحيا من ذلك أهو ممّن يستطيع إليه سبيلاً؟
قال: «نعم، ما شأنه يستحيي ولو يحج على حمار أجدع أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليحج».(4)
6. صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)، يقول: «من عرض عليه الحجّ ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع الحجّ».(5) ثمّ إنّ

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 2، 3.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 2، 3.
3 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1، 2، 3.
4 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 5و7.
5 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 5و7.

صفحه 197
لأبي بصير في هذا الباب روايات ثلاث(1) ، والظاهر أنّها رواية واحدة لوحدة الراوي والراوي عنه، فقد روى الجميع هشام بن سالم عن أبي بصير.
7. عن أبي أُسامة زيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قوله: (وللّه عَلى النّاس حجّ البيت من استطاع إِليه سَبيلاً)، قال: سألته ما السبيل؟ قال: «يكون له ما يحجّ به»، قلت: أرأيت إن عرض عليه مال يحجّ به فاستحيا من ذلك؟ قال:« هو ممّن استطاع إليه سبيلاً، قال: وإن كان يطيق المشي بعضاً والركوب بعضاً فليفعل»، قلت: أرأيت قول اللّه: (ومن كفر) أهو في الحجّ؟ قال: «نعم»، قال: «هو كفر النعم»، وقال: «من ترك».(2)
بقيت في المقام رواية أُخرى سنذكرها في ذيل نكات الروايات.

نكات حول الروايات

1. انّ صاحب الوسائل نقل في الباب العاشر عشر روايات في إثبات المطلوب ، ولكنّها في الحقيقة سبع، لأنّ الرابعة منقولة من «المقنعة» وهي إفتاء بالرواية وليس رواية، كما أنّه نقل عن طريق هشام بن سالم عن أبي بصير ثلاث روايات، والجميع رواية واحدة، إذ من البعيد أن يسأل أبو بصير عن حكم المسألة ثلاث مرات، فتكون الروايات الدالّة بضميمة ما نقله في الباب الثامن عن توحيد الصدوق، ثماني روايات.
2. ثمّ إنّ لمحمد بن مسلم روايتين: إحداهما نقلها الشيخ في التهذيب والأُخرى نقلها الصدوق في التوحيد ومضمونهما واحد.

1 . لاحظ الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 7و8.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث10.

صفحه 198
ثمّ إنّ صاحب الوسائل لما نقل رواية الشيخ في الباب الثامن ناقصة وفي الوقت نفسه نقل رواية الصدوق كاملة، قال في ذيل الرواية الثانية وزاد: «أي في نقل الصدوق» قلت: فمن عرض عليه فاستحيا... مع أنّ الذيل موجود في نفس رواية الشيخ أيضاً نقلها في الباب العاشر، فليس في نقل الصدوق زيادة عمّا نقله الشيخ فلاحظ.
3. ثمّ إنّ في هذه الروايات التي أطبقت على لزوم الحجّ عند البذل ولو على حمار أجدع وأبتر، أو بمشي بعض الطريق والركوب في البعض الآخر يخالف القواعد العامة حيث إنّ الاستطاعة تابعة لشأن الإنسان ومكانته فلا يمكن الافتاء بأنّه لو عرض الحجّ ولو على حمار أبتر يجب الحج، وهذا الإشكال هو الذي ربما يصد البعض عن الإفتاء بمضمونه.
ولكن يمكن تفسير الروايات برواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) حيث جاء فيها:«فان دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيا فلم يفعل فإنّه لا يسعه إلاّ أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر».(1)
فإنّها صريحة في أنّ إيجاب الحجّ ولو على حمار أبتر يرجع إلى من استحيا ولم يحجّ فصار الحجّ مستقراً عليه، فعلى مثله أن يحجّ ولو على حمار أبتر، وبكلمة جامعة: يجب الحجّ متسكعاً على مثل هذا لا كل من بذل له الحجّ يجب عليه ولو بالركوب على هذا النوع من الحمير.
وهذا التوجيه وإن كان لا يوافق مضمون أكثر الروايات فإنّ ظاهرها انّ البذل كان على هذا النحو من أوّل الأمر لكن رواية معاوية بن عمّار صريحة فيتصرف بها في غيرها.

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.

صفحه 199
4. ثمّ إنّ الشيخ روى رواية محمد بن مسلم بالسند التالي: «عن موسى بن القاسم، عن معاوية بن وهب، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم»(1) ولكن نسخة التهذيب المطبوعة سقيمة، لأنّ موسى بن القاسم وإن كان يروي عن جدّه معاوية بن وهب، لكن معاوية بن وهب في هذا السند يروي عن صفوان بن يحيى، و هو غير صحيح، لأنّ معاوية بن وهب من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) و صفوان بن يحيى من تلاميذ الإمام الرضا(عليه السلام) ، فكيف يمكن أن يروي أصحاب الإمام المتقدّم عن أصحاب الإمام المتأخّر بكثير؟! فلا محيص أن يقال بوجود التصحيف في «التهذيب» وانّ الصحيح موسى بن قاسم بن معاوية بن وهب، وعلى هذا الطبعة الصحيحة من الوسائل.
5. ثمّ إنّه يستفاد من بعض الروايات عدم الإجزاء إذا حجّ بالبذل وهو رواية الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل لم يكن له مال فحجّ به أُناس من أصحابه، أقضى حجة الإسلام؟ قال: «نعم، فإن أيسر بعد ذلك فعليه أن يحجّ»، قلت: هل تكون حجته تلك تامّة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله؟ قال: «نعم، قضى عنه حجّة الإسلام وتكون تامة وليست بناقصة، وإن أيسر فليحج ...».(2)
فلا مناص من حمله على الاستحباب كما حمله الشيخ عليه.
إلى هنا تمّ حكم الفرع الأوّل وهو لزوم الحجّ بالبذل.
بقي الكلام في الفروع الباقية.

1 . التهذيب:5/5 برقم4.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث6.

صفحه 200

الثاني: إذا أباح له التصرّف

قد عرفت كفاية البذل في وجوب الحجّ لمن لم يحجّ حجّة الإسلام، فيقع الكلام في لزوم التمليك أو كفاية إباحة التصرّف فإذا تمكن من التصرّف في ماله، كفى في صدق الاستطاعة أخذاً بإطلاقها في الآية، فالمتمكن من التصرف ـ وإن لم يكن مالكاً ـ مستطيع وقادر على الحجّ.
فإن قلت: إنّ الاستطاعة وإن كانت صادقة لكن الروايات فسّرتها بملكية الزاد والراحلة، لظهور قوله:«لكون له زاد وراحلة» في التمليك، وبه يقيد ما دلّ على كفاية التمكّن من التصرّف كما في قوله: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به».
قلت: قد أوضحنا في المسألة الثلاثين، عدم ظهور اللام في الملكية أوّلاً، و على فرض ظهورها فيها، لاوجه لتقييد ما دلّ على كفاية التمكّن من التصرّف، لعدم المنافاة بين الأمرين حتّى يقيد أحدهما بالآخر.

صفحه 201
من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملّكها إيّاه، ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها، ولا بين أن يكون البذل واجباً عليه ـ بنذر أو يمين أو نحوهماـ أو لا، ولا بين كون الباذل موثوقاً به أو لا على الأقوى، والقول بالاختصاص بصورة التمليك ضعيف، كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه أو بأحد الأمرين من التمليك أو الوجوب وكذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقاً به، كلّ ذلك لصدق الاستطاعة، وإطلاق المستفيضة من الأخبار، ولو كان له بعض النفقة فبذل له البقيّة وجب أيضاً، ولو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب، وكذا لو لم يبذل نفقة عياله إلاّ إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود، أو كان لا يتمكّن من نفقتهم مع ترك الحجّ أيضاً.*
* الثالث: فيما إذا بذل الثمن
هل يشترط بذل الزاد والراحلة بأعيانهما أو يكفي بذل الثمن، قال العلاّمة: هل بين بذل المال وبذل الزاد والراحلة ومؤونته ومؤونة عياله فرق أم لا؟ الأقرب: عدم الفرق(1) . وذلك لأنّ الميزان هو الاستطاعة للحجّ وهي صادقة في كلتا الصورتين، وأمّا في عصرنا هذا فلا يتمكن إلاّ من بذل الثمن كما لا يخفى.
الرابع: هل يشترط وجوب البذل للباذل، في تحقّق الاستطاعة أو لا؟

1 . التذكرة:7/62.

صفحه 202
هل يشترط وجوب البذل للباذل، في تحقّق الاستطاعة للمبذول له أو لا؟
الظاهر من العلاّمة هو الثاني قال :هل يجب على الباذل، الشيء المبذول أم لا؟ فإن قلنا بالوجوب أمكن وجوب الحجّ على المبذول له... وإن قلنا بعدم وجوبه، ففي إيجاب الحجّ إشكال، أقربه: العدم، لما فيه من تعليق الواجب بغير الواجب.(1)وتبعه في «جامع المقاصد» وقال: أمّا البذل لمجموعها، أو لبعضها وبيده الباقي، ففي وجوب الحجّ بمجرده قولان: أصحهما أنّه إن كان على وجه لازم كالنذر وجب، وإلاّ لم يجب مالم يقبل اشتراطه في عقد لازم، ونحوه كما في الهبة.(2)
وأورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ تعليق الواجب على غير الواجب كثير في الفقه، كتعليق وجوب القصر على السفر، ووجوب الإتمام على الحضر والإقامة، ووجوب النفقة على النكاح إلى غير ذلك.
والظاهر انّ النقض غير وارد، لأنّ موضع كلام العلاّمة فيما إذا كان الموقوف، والموقوف عليه، فعل شخصين كما في المقام حيث إنّ الحجّ فعل المبذول له، والبذل فعل الباذل، إذ من المحتمل جدّاً انصراف الباذل عن البذل في أثناء العمل، وهذا بخلاف ما ذكر من الأمثلة فإنّ الموقوف والموقوف عليه فعل شخص واحد.
والأولى أن يقال: انّه قيد لم يرد وجوب البذل في الأدلة أوّلاً، وأنّه على خلاف إطلاق الآية والرواية ثانياً، ولعلّ مراده من قيد وجوب البذل للباذل، الوثوق ببقاء البذل إلى آخر زمن الحاجة.

1 . التذكرة:7/62.
2 . جامع المقاصد3/129.

صفحه 203

الخامس: هل يشترط كون الباذل موثوقاً به؟

يظهر من «الدروس» أحد الأمرين: التمليك، أو الوثوق. قال: ويكفي البذل في الوجوب مع التمليك أو الوثوق به.(1)
وقال في «المدارك»: نعم لايبعد اعتبار الوثوق بالباذل لما في التكليف بالحجّ بمجرّد البذل مع عدم الوثوق بالباذل من التعرّض للخطر على النفس، المستلزم للحرج العظيم والمشقة الزائدة، فكان منفياً.(2)
وقال في «الجواهر»:قد يقال باعتبار الطمأنينة بالوفاء أو بعدم الظن بالكذب حذراً من الضرر والخطر عليه، وللشكّ في شمول أدلّة الوجوب له إن لم تكن ظاهرة في خلافه، بل لعلّ ذلك كذلك وإن وجب على الباذل، بل هو في الحقيقة خارج عمّا نحن فيه، ضرورة انّ محلّ البحث الوجوب من حيث البذل من دون نظر إلى الموانع الخارجية التي قد تنتفي الاستطاعة معها، كما هو واضح، ولا ريب في أنّ المتجه ما قلنا عملاً بإطلاق النصّ والفتوى ومعاقد الإجماعات، مضافاً إلى تحقّق الاستطاعة بذلك.(3)
أقول: إنّ الدليل على اعتبار الوثوق هو أنّ الاستطاعة الواقعية تدور حول تحقّق البذل عبر الإتيان بأعمال الحجّ وعدمه، إلاّ أنّ وجود الاستطاعة في الواقع ما لم تثبت عند المكلّف لا يبعثه إلى العمل إلاّ إذا تعلّق بها العلم الوجداني أو العلم العرفي الذي نعبّر عنه بالوثوق. والعقاب والمؤاخذة فرع التنجز، وهو فرع قيام الدليل على الاستطاعة.
هذا هو دليل القول باعتبار الوثوق.

1 . الدروس:1/265.
2 . المدارك:7/46.
3 . الجواهر:17/266.

صفحه 204
لكن السيّد الحكيم فصّل بين اعتبار الوثوق بالبذل وبين مانعية الوثوق بحصول المانع من بقاء الاستطاعة، فقال باعتبار الثاني دون الأوّّل.
فذكر بأنّ الكلام تارة: في الحكم الواقعي وهو ثبوت الوجوب واقعاً بتحقّق البذل واقعاً، وأُخرى: في الحكم الظاهري، وهو ثبوت الوجوب ظاهراً بثبوت موضوعه ظاهراً.
فإن كان الكلام في الأوّل، فلا ينبغي التأمّل في أنّ النصوص والفتاوى متفقة على ثبوت الوجوب بمجرّد البذل واقعاً، ولا دخل للوثوق ولا للعلم فيه.
وإن كان الكلام في الثاني، فالظاهر انّ اللازم العمل بما تقتضيه الطرق العقلائية، ولا يختصّ ذلك بالوجوب بالبذل، بل يجري في الوجوب بالاستطاعة المالية، فانّه إذا احتمل المستطيع زوال استطاعته ـ بموته، أو موت دابته أو سرقة ماله أو وجود سيل، أو عدو مانع من عبوره، أو نحو ذلك ممّا يمنع من بقاء استطاعته ـ لا يسقط الوجوب عنه، وإن لم يكن الوثوق بخلافه، فكذا في المقام و في الجميع يسقط الوجوب مع الوثوق بحصول المانع ولا يعتبر الوثوق بالبقاء في الاستطاعة المالية والبذلية، بل يعوّل على الأُصول العقلائية، مثل أصالة السلامة وبقاء المال، وعدم وجود الحائل، وعدم طروئه، وبقاء البذل.(1)
وحاصل كلامه يرجع إلى أُمور ثلاثة:
1. لا يعتبر الوثوق ببقاء الاستطاعة.
2. إنّما يعتبر عدم الوثوق بزوالها.
3. إذا شكّ في بقاء الاستطاعة وعدمها يُعمل بالأُصول العقلائية، كما عرفت.

1 . المستمسك:10/130.

صفحه 205
ثمّ إنّه(قدس سره) أضاف بأنّه لو حصل الوثوق بالمانع فلم يسافر وانكشف الخلاف انكشف ثبوت الوجوب واقعاً واستقر الوجوب عليه، كما لو اعتقد انّه فقير لا مال له وتبين بعد ذلك انّه غني مستطيع، فيجب عليه الحجّ ولو متسكعاً.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الواقع بما هو واقع لا يبعث ولا ينجز، والتنجيز شرط قيام الحجّة على الواقع، ولأجل ذلك يعتبر الوثوق في تنجزه.
والرجوع إلى الأُصول العقلائية في الاستطاعة المالية لا يكون دليلاً على الرجوع في المقام، لأنّ مجراها في الأُولى أُمور لا يتمكّن المكلّف من العلم بها، كسلامته في الطريق و بقاء المال وعدم وجود الحائل وعدم طروئه وبقاء البذل، فيكون المرجع هو الأُصول العقلائية، وهذا بخلاف المقام، فإنّ الطريق إلى معرفة حال الباذل مفتوح في وجه المكلّف، فلا يقوم الأصل العقلائي مقام اختبار المكلّف.
ثمّ إنّ ما أفاده أخيراً من أنّه لو حصل الوثوق بوجود المانع من بقاء الاستطاعة سقط الوجوب الظاهري، ولكن لو تبين خلافه يستقرّ عليه الحجّ.
أقول: إنّ ما أفاده مبني على أنّ العمل بالأمارة لا يفيد الإجزاء، وقد ثبت في محلّه انّ الأمر بالعمل بالأمارة يلازم الإجزاء ومعنى الإجزاء انّ المولى اقتصر في مجال إطاعة أمره بما قامت عليه الأمارة.
ثمّ إنّ المصنّف أفتى بعدم اعتبار الوثوق، واستدلّ بأمرين:
1. صدق الاستطاعة.
2. إطلاق المستفيض من الأخبار.
وكلاهما مورد تأمّل، وذلك:

صفحه 206
أمّا الأوّل فهو ممنوع لو أُريد منه الاستطاعة المحرزة.
وأمّا الاستطاعة الواقعية فهي وإن كانت غير مشروطة بالوثوق، لكنّها لا تبعث ولا تنجز.
وأمّا الثاني فهو فرع وجود الإطلاق في أخبار البذل، فإنّ موردها فيما إذا كان البذل أمراً مسلماً، وأمّا المشكوك فخرج عن حريمها.
فخرجنا بالنتيجة التالية بأنّه يشترط الوثوق بالبذل.

السادس: لو بذل له بعض النفقة

لو كان له بعض النفقة وبذل له البقية، قال المصنّف: وجب أيضاً واستدلّ له في «المدارك» بالأولوية، وتبعه صاحب الجواهر وقال:
وكذا لا فرق في الوجوب بين بذل الجميع للفاقد وبين بذل البعض لمن كان عنده ما يكمله ضرورة أولويته من الأوّل في الحكم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأولوية ليست بمثابة يفهم منها حكم الفرع من الأصل بطريق أولى، وربما يستدلّ بأنّ الموضوع لوجوب الحجّ هو الجامع بين المال الموجود الوافي وبين البذل الوافي للحجّ، والعبرة بتحقّق الجامع، ولا فرق في وجود الجامع بين وجوده في ضمن كلّ فرد مستقلاً أو منضماً، فانّ الميزان وجود الجامع، ولا إشكال في تحقّقه بوجوده في كلّ فرد بالاستقلال، أو بضم بعض الفردين بالفرد الآخر.(2)

1 . الجواهر:17/266.
2 . المعتمد:1/163ـ 164.

صفحه 207
يلاحظ عليه: أنّ ابتناء المسألة العرفية على المسألة الفلسفية أمر غير واضح، فإنّ تصوير الجامع فيما إذا صدر الواحد عن كثير ـ كالحرارة الصادرة من النار والشمس ـ إنّما هو لقاعدة فلسفية باسم الواحد لا يصدر إلاّ عن واحد، وأمّا المقام فلا مانع أن يكون هناك علّتان مستقلّتان لحكم واحد: أحدهما الاستطاعة المالية، والآخر الاستطاعة البذلية، من دون تصوير جامع بينهما. وتكون النتيجة عدم الوجوب، إذ لا استطاعة مالية تماماً، ولا استطاعة بذلية كذلك.
والأولى أن يستدلّ بإطلاقات ما ورد في تفسير الاستطاعة وهو أن يكون عنده ما يحجّ به.

السابع: لو بذل له نفقة الذهاب دون الإياب

لو بذل له نفقة الذهاب دون الإياب، فالظاهر عدم صدق الاستطاعة لما عرفت من أنّ الاستطاعة الواردة في الآية خطاب لمن يقطن غير المشاعر والمواقف، ومثل هذا يزور ويرجع، فلو قيل له: إن استطعت فحجّ، ينتقل منه إلى الاستطاعة ذهاباً وإياباً، وعلى ضوء ما ذكرنا فنفقة الإياب داخلة في جوهر الاستطاعة وليس اعتبارها لأجل الحرج.
نعم استطاعة كلّ شخص بحسبه، فلو كان ممّن بيته على ظهره فاستطاعته تحصل ببذل النفقة للإياب، وهذا لا لأجل عدم اعتبار نفقة الإياب في الحجّ، بل لأجل انّه لا يريد الإياب.

الثامن: إذا لم يبذل نفقة العيال

قد عرفت أنّ الاستطاعة الواردة في الآية تخاطب القاطنين في غير المشاعر

صفحه 208
المسألة35: لا يمنع الدين من الوجوب في الاستطاعة البذليّة، نعم لو كان حالاً وكان الديّان مطالباً مع فرض تمكّنه من أدائه لو لم يحجّ ولو تدريجاً ففي كونه مانعاً أو لا، وجهان.*
والمقامات، فإذا قيل له حجّ إن استطعت أي حجّ إن فرغت عن ضروريات الحياة في الحضر ووقع في يدك شيء يدور صرفه في كمالياتها أو في طريق الحجّ فعليك بالحج، ومن المعلوم أنّ نفقة العيال من ضروريات الحياة الحضرية، وبذلك يعلم الفرق بيننا و بين خيرة السيد المحقّق الخوئي فانّه اعتبر نفقة الإياب أو نفقة العيال من باب الحرج، وبذلك حكم بعدم الوجوب عند عدم الحرج، وعلى ما ذكرنا فالنفقتان داخلتان في جوهر الاستطاعة.
نعم لو لم يتمكن من الإنفاق مطلقاً سواء سافر أو لم يسافر فلا يعتبر بذل نفقة العيال.
* في المسألة فرعان:
1. اتّفقت كلّمتهم على أنّ الدين يمنع عن وجوب الحجّ في الاستطاعة المالية، لكنّه لا يمنع عن الاستطاعة البذلية.
2. لو كان الدين حالاً، وكان الدائن مطالباً، وتمكّن من أداء الدين إذا لم يحجّ ولو تدريجاً، ففيه عند المصنف وجهان.
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر.

1. الدين غير مانع عن الوجوب في الاستطاعة البذلية

صرّح غير واحد من الأصحاب بأنّ الدين لا يمنع الوجوب بالبذل.

صفحه 209
1. قال الشهيد: فرع: لا يمنع الدينُ، الوجوبَ بالبذل، وكذا لو وهبه مالاً يشترط الحجّ به، أمّا لو وهبه مالاً مطلقاً فانّه يجب قضاء الدين به.(1)
2. وقال الشهيد الثاني: ولا يشترط في الوجوب بالبذل، عدم الدين، أو ملكُ ما يوفيه به، بل يجب الحجّ وإن بقى الدين، نعم لو بذل له ما يكمل به الاستطاعة، اشترط في ماله الوفاء بالدين.(2)
3. وقال سبطه: لا يشترط في الوجوب بالبذل عدم الدين، أو ملك ما يوفيه به، بل يجب عليه الحجّ وإن بقي الدين، لإطلاق النصّ.(3)
4. وقال الفاضل الهندي: واعلم أنّ الدين لا ينفي الوجوب بالبذل كما ينفيه بإيهاب مالاً يفي به مع نفقة الحجّ والإياب والعيال.(4)
5. وقال في الجواهر: ولا يمنع الدينُ، الوجوبَ بالبذل وإن منعه في غيره.(5)
إلى غير ذلك من الكلمات:
وجه عدم المنع: أمّا إذا كان البذل على نحو التحليل، فظاهر، لأنّه لايملك شيئاًحتّى يصرفه في أداء دينه; وأمّا إذا كان على وجه التمليك، فلأنّه تمليك مشروط، لا يصلح إلاّ للصرف في الحجّ، دون أداء الدين، فقبوله أو رفضه، لا يؤثر في حال الدين.
نعم استدلّ صاحب المدارك بإطلاق النصّ ـ كما مرّ ـ و لكنّه في غير محلّه،

1 . الدروس:1/266.
2 . المسالك:2/133.
3 . المدارك:7/47.
4 . كشف اللثام:5/103.
5 . الجواهر:17/266.

صفحه 210
المسألة36: لا يشترط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذليّة.*
لعدم كونه متعرضاً لشرائط الحجّ حتّى يؤخذ بإطلاقه، وإلاّ لصحّ التمسّك، لنفي شرطية البلوغ والحرية وغيرهما من الشرائط، وهو كما ترى.

2. إذا كان الدين حالاً

استثنى المصنّف في عدم منع الدين من الوجوب ما إذا كان الدين حالاً لكن بشرطين:
1. كان الدائن مطالباً.
2. وتمكّن من أداء الدين لو لم يحجّ ولو تدريجاً.وجهه: وجود التزاحم بين وجوب الحجّ وأداء الدين، والثاني أهمّ كما هو المعروف .
نعم، لا يشترط كون الدين حالاً مطالباً، بل يعمّ ما إذا كان الدين مؤجّلاً غير مطالب إذا علم أنّه لو حجّ لا يتمكّن من أداء دينه مطلقاً، حالاً كان أو مؤجلاً، مطالباً كان أو غير مطالب، لأنّ عمل الحجّ ربما يفوِّت بعض الفرص الذي كان يتمكن منه من أداء ديونه المطالبة وغيرها.
* سيوافيك في محله أنّ الرجوع إلى كفاية مذهب المتقدّمين الذي ادّعى عليه الشيخ في الخلاف الإجماع.(1) خلافاً لأكثر المتأخرين، و سيوافيك الكلام في محلّه فانتظر.
إنّما الكلام في اعتباره في المقام والظاهر عدم اعتباره لقصور ما دلّ على اعتباره في المقام. وذلك لأنّ شرطية الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة المالية، لأجل

1 . الخلاف:2/245، المسألة2، كتاب الحجّ.

صفحه 211
أحد أمرين:
1. انّ المستطيع عبارة عمّن فرغ من ضروريات الحياة الحضريّة ويبقى في يده شيء يدور أمره بين صرفه في كمالياتها أو في زيارة بيت اللّه الحرام، فيجب عليه الثاني، وأمّا من لم يفرغ من ضروريات الحياة الحضريّة فلا يطلق عليه أنّه مستطيع بالمعنى السابق. ومن المعلوم انّ الرجوع إلى كفاية من ضروريات العيش الحضريّ.
ومن المعلوم أنّ ذلك الوجه ، يختصّ بمن كان في يده شيء، يدور أمره بين الأمرين، دون من كان يفقد ذلك، سواء أحجّ أم لم يحج، فلا وجه لاعتباره في حقّه.
2. رواية أبي الربيع الشامي وهي: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وللّهِ عَلى النّاسِ حجّ البَيْت مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)فقال:«ما يقول الناس؟» قال: فقلت له: الزاد والراحلة، قال: فقال أبو عبد اللّه:«قد سئل أبو جعفر(عليه السلام) عن هذا؟ فقال: هلك الناس إذاً، لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم(1) فيسلبهم إيّاه(2) لقد هلكوا(3) إذاً، فقيل له: فما السبيل؟! قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقي بعضاً لقوت عياله، أليس قد فرض اللّه الزكاة فلم يجعلها إلاّ على من يملك مائتي درهم».(4)
على فرض صحّة الاحتجاج بها، لاشتمال السند على مجهول وهو «أبو

1 . وفي نسخ الكافي:«إليه» إلى الحجّ.
2 . الكافي:4/267.
3 . أي هلَك عياله.
4 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 212
المسألة37: إذا وهبه ما يكفيه للحجّ لأن يحجّ وجب عليه القبول على الأقوى، بل وكذا لو وهبه وخيّره بين أن يحجّ به أو لا، وأمّا لو وهبه ولم يذكره الحجّ لا تعييناً ولا تخييراً فالظاهر عدم وجوب القبول كما عن المشهور.*
الربيع». لكن الرواية مختصة بالاستطاعة المالية، لا البذلية، ولا إطلاق لها حتّى يشمل مورد الاستطاعة البذلية.
* ذكر المصنف للمسألة فروعاً ثلاثة:
1. إذا وهبه وخصّ الموهوب للحجّ.
2. إذا وهبه وخيّره بين صرف الموهوب في الحجّ أو في غيره.
3. إذا وهبه مطلقاً ولم يذكر صرفه في الحجّ لا تعييناً ولا تخييراً.
وقبل الأخذ بدراسة الفروع يجب التنبيه على أمر، وهو تبيين نسبة ما في هذه المسألة، مع ما مرّ في المسألة 34، حيث قال فيها: «فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها، من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملكها إيّاه، فكلامه في المقام تبيين للشقّ الثاني الوارد في السابقة، أعني قوله: «أو يملكها إيّاه» عن طريق الهبة فانّ التمليك بالمجان نفس الهبة وليس شيئاً غيرها.
ثمّ إنّ الفرق بين البذل والتمليك، أو الإباحة والهبة واضح. فانّ الأوّل من مقولة

صفحه 213
الإيقاع، يدلّ على تجويز التصرف في ماله فيما يتعلّق بسفر الحجّ والاستفادة به حسب العادة، من دون أن يملّك شيئاً من ماله، لمن أباح التصرّف في ماله، ويكفي في ذلك تهيئة أسباب السفر إلى الحجّ وما يتوقّف عليه ذهابه وإيابه إلى بلده ورفع الموانع عن انتفاعه بها وعودته إليه، بخلاف الثاني فإنّه من مقولة العقود، فالواهب يخرج ما يملكه من حوزة ما يملك، وينقله إلى ملك الموهوب له، فلا يتم التمليك والتملك إلاّ بإيجاب من الواهب وقبول من الموهوب له.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في أُمور:
الأوّل: انّ إباحة التصرّف التي نعبّر عنه بالحجّ البذلي، كاف في تحقّق الاستطاعة، سواء أتصرّف المباح له فيه أم لا، ولم أجد فيه خلافاً بين الأصحاب إلاّ من ابن إدريس، حيث اشترط التمليك، الملازم لعدم كفاية الإباحة، قال: بشرط أن يملّكه ما يبذل له ويعرض عليه، لا وعداً بالقول دون الفعال.(1)
وما ذكره غريب جدّاً، لكونه على خلاف إطلاق روايات الباب، لو لم نقل بانصرافها إلى صورة الإباحة، وإن كان الانصراف بدويّاً.
الثاني: إذا أباح له التصرّف ، هل يتوقّف صدق الاستطاعة على القبول اللفظي، أو لا؟ الظاهر هو الثاني، لما عرفت من أنّه من مقولة الإيقاع، وانّه يكفي في استطاعة الإنسان إلى الحجّ، وأمّا القبول العملي بالركوب على الدابة والانتفاع من الزاد، فالجميع، نوع تجسيد للاستطاعة في مجال الظهور والفعليّة، وليس شرطاً لصدق الاستطاعة .
الثالث: إذا وهبه ما يكفيه للحجّ، فهل يجب عليه القبول، حتّى تحصل الاستطاعة ويترتّب عليه وجوب الحجّ أو لا؟ فيه أقوال أربعة:
القول الأوّل: المشهور أنّه لايجب، فلا يكون مستطيعاً بالتمليك المجرّد عن القبول.
1. قال المحقّق: ولو بذل له زاد وراحلة ونفقة، له ولعياله، وجب عليه،

1 . السرائر:1/517.

صفحه 214
ولو وهب له مال لم يجب عليه قبوله.(1)
2. وقال العلاّمة: لو وهب المال، فإن قبل، وجب الحجّ، وإلاّ فلا، ولا يجب عليه قبول الاتّهاب، وكذا الزاد والراحلة، لأنّ في قبول عقد الهبة تحصيل شرط الوجوب وليس واجباً.(2)
3. وقال في «المنتهى»: لو وهب له مال، لم يجب عليه القبول، سواء كان الواهب قريباً أو بعيداً، لأنّه تحصيل لشرط الوجوب، وهو غير لازم.(3)
4. وقال في «الإرشاد»: ولو وهب له مالاً يستطيع به، لم يجب القبول.(4)
5. وقال الشهيد الثاني في شرح قول المحقّق: «ولو وهب له مال لم يجب عليه قبوله»: لأنّ قبول الهبة نوع من الاكتساب، وهو غير واجب للحج، لأنّ وجوبه مشروط بوجود الاستطاعة، فلا يجب تحصيل شرطه، بخلاف الواجب المطلق، و من هنا ظهر الفرق بين البذل والهبة، فأنّ البذل يكفي فيه نفس الإيقاع في حصول القدرة والتمكّن، فيجب بمجرّده.(5)
6. وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق:«ولو وهب له مال، لم يجب عليه قبوله» :من غير فرق بين الهبة مطلقاً، ولخصوص الحجّ، وبين هبة نفس الزاد والراحلة وأثمانهما...فصدر منه الإيجاب بقصد الإنشاء، الذي لا يؤثر أثراً حتّى يتعقّبه القبول، و بدونه يكون فاسداً لا يجوز التصرّف فيه.(6)

1 . الشرائع:1/226.
2 . التذكرة:7/62.
3 . المنتهى:2/652.
4 . شرح الإرشاد:6/74، قسم المتن.
5 . المسالك:2/134.
6 . الجواهر:17/268.

صفحه 215
ولا يخفى ما في كلامه من النظر، حيث إنّ القائل بعدم وجوب القبول إنّما يقول به لأجل انّه تحصيل للاستطاعة، وهو غير واجب، أمّا على القول بحصولها بمجرّد التمليك، فلا شكّ انّه يجب القبول، لأجل انّ الانتفاع بهذا التمليك، المحقّق للاستطاعة، فرع قبوله ليحل له التصرف في مال الغير. فعلى هذا القول لا يكون القبول تحصيلاً للاستطاعة، بل سبباً للانتفاع بالاستطاعة الحاصلة بنفس الإنشاء.
وبذلك يظهر أنّ قوله: «وبدونه يكون فاسداً، لا يجوز التصرّف فيه» لا صلة له بالمقصود، إذ ليس هنا من يجوّز التصرّف في مال الواهب بلا قبول، بل الكلام في انّه هل يجب القبول؟ لأجل حصول الاستطاعة قبله، ليكون القبول من مقدّمات الانتفاع بالاستطاعة الفعلية، كأخذ جواز السفر وبطاقة الطائرة، إلى غير ذلك، أو لا يجب؟ لأجل عدم صدق الاستطاعة قبل القبول، و يتوقف صدقها على القبول وهو نوع اكتساب.
القول الثاني: وجوب القبول، وأوّل من خالف الرأي المشهور، هو الشهيد في دروسه:
1. قال: ولو وهبه زاداً وراحلة، لم يجب عليه القبول، وفي الفرق نظر.(1)
2. وتبعه الشهيد الثاني في «الروضة البهية»، قال:وكذا لو وهب مالاً مطلقاً، أمّا لو شرط الحجّ به فكالمبذول، فيجب عليه القبول إن كان عين الزاد والراحلة.(2)
3. ونقل الأردبيلي قول العلاّمة في «الإرشاد»، «ولو وهب له مالاً يستطيع به

1 . الدروس:1/265.
2 . الروضة:2/166.

صفحه 216
لم يجب القبول» : قد عرفت... وعدم حسن قوله: ولو وهب مالاً يستطيع به لم يجب القبول، لعموم الأدلة، وصدق الاستطاعة، والمبالغة في وجوب الحجّ والعمرة، بالكتاب والسنّة.(1)
4. وقال صاحب المدارك ـ تلميذ الأردبيلي ـ: «لا فرق بين بذل الزاد والراحلة وهبتهما، وقال في «الدروس»: إنّه لايجب قبول هبتهما، ثمّ تنظّر في الفرق . ووجه النظر معلوم ممّا قررناه».(2) وهو إطلاق الأدلة وصدق الاستطاعة و هذا أيضاً خيرة «النراقي».(3)
القول الثالث: وجوب القبول في العرض التعييني للحجّ والتخييري بين الحجّ وغيره، فيجب القبول في كلتا الصورتين دونما إذا بذله مطلقاً ولم يسمّ الحجّ دون المطلق. و هذا خيرة المصنّف.
القول الرابع: وجوب القبول في العرض التعييني، دون القسمين الأخيرين، أعني: العرض التخييري والعرض المطلق. وهذا خيرة المحقّق الخوئي و بعض المشايخ من المعلّقين على العروة.
والظاهر هو القول الثاني، وهو وجوب القبول، وذلك للوجوه التالية:
1. انّ الواهب إذا مكّن الموهوب له من التملّك وقال:«وهبتك» وإن لم يقبله المخاطب بعد فنفس هذا يعد استطاعة للحجّ، فيجب عليه القبول لا لتحصيل الاستطاعة، بل للانتفاع بها، كما يجب عليه فعل سائر الأُمور ممّا يتوقّف عليه الذهاب إلى الحجّ من غير فرق بين أقسام العرض، لأنّ الملاك، إيجاد التمكّن للحجّ وهو أمر مشترك.

1 . مجمع الفائدة والبرهان:6/74.
2 . المدارك:7/47.
3 . المستند:11/50ـ 51.

صفحه 217
2. انّ التمليك ـ مع قطع النظر عن قبول الموهوب له ـ يتضمن إباحة التصرّف، التي اتّفقت كلمتهم ـ سوى ابن إدريس ـ في كفايتها للاستطاعة، وبعبارة أُخرى: أنّ القبول شرط حصول الملكية وتحقّق الهيئة الشرعية، لا إباحة التصرّف فإنّها حاصلة وإن لم يكن هناك قبول.
والوجه الثاني هو الظاهر من صاحب المستند حيث قال: فانّ الهبة، متضمنة للإباحة المتحقّقة بدون القبول أيضاً، و إن كان تحقّق جزئها الآخر وهو التملّك، موقوفاً على الاكتساب.
3. منع كون هذا اكتساباً، خصوصاً على ما قلناه من تحقّق الاستطاعة العرفية فانّ هذا أشبه ببيع المال لشراء الزاد والراحلة، أو جواز السفر، وبطاقة الطائرة، وأخذ تأشيرة الدخول فكأنّ الجميع يعدّ إعمالاً للاستطاعة لا اكتسابها.
نعم لو كان المستند هو روايات عرض الحجّ فلابدّ من تقييد الوجه الثاني بالثالث، وهو اشتمال العرض على الحجّ، سواء كان تعيينياً أو تخييرياً، دون مطلق العرض.
وأمّا القول الرابع، أعني: اختصاص الوجوب، بالعرض التعييني لا العرض التخييري ولا العرض المطلق بوجوه:
1. انّ المنساق من الروايات، هو صورة العرض التعييني لا التخييري.
يلاحظ عليه: أنّ البذل للأعم في الحجّ وزيارة الرضا(عليه السلام) يتضمن الإذن في التصرّف في ماله لغاية الحجّ، وهو كاف في الاستطاعة كما مرّ، فلو قلنا بانصراف الاخبار عن البذل والتمليك التخييري، لكنّهما يتضمنان في مورد التخيير، إذن الباذل للموهوب له، للتصرّف في ماله، وهو كاف في الاستطاعة من دون حاجة للاستدلال بالاخبار حتّى تأتي شبهة الانصراف.

صفحه 218
المسألة38: لو وقف شخص لمن يحجّ أو أوصى أو نذر كذلك فبذل المتولّي أو الوصي أو الناذر له وجب عليه، لصدق الاستطاعة، بل إطلاق الأخبار، وكذا لو أوصى له بما يكفيه للحجّ بشرط أن يحجّ، فإنّه يجب عليه بعد موت الموصي.*
2. انّ التخيير يرجع إلى أنّ بذله للحجّ مشروط بعدم صرفه المبذول في جهة أُخرى أو الإبقاء عنده، ولا يجب على المبذول له تحصيل الشرط.
وقد ظهر عدم تماميّته ممّا ذكرنا فلا نعيد.
3. انّ موضوع الوجوب هو البذل للحجّ، والبذل للحجّ، والهبة مع التخيير المزبور، بذل للجامع بين الحجّ وغيره، والبذل الجامع لا يكون بذلاً للحجّ بشخصه، وإلاّ وجب القبول في الهبة المطلقة أيضاً، فانّها أيضاً لا تنفك عن التخيير في صرف الموهوب له في الحجّ أو غيره.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لامانع من القول بالوجوب في الصور عامّة، إلاّ إذا كان هنا محذور في القبول على وجه يورث العسر والحرج.
والأولى وجوب القبول، لغاية الانتفاع من الاستطاعة المحققة من غير فرق بين الصور الثلاث.
* في المسألة فرعان:
1. لو وقف شخص منفعة عين لمن يحجّ، أو أوصى له أو نذر كذلك، من دون أن يكون الموقوف عليه أو الموصى له، أو المنذور شخصاً معيّناً، غير أنّ المتولّي أو الوصيّ أو شخص الناذر، يدفع المال إلى شخص ويشترط عليه أن يحجّ به.

1 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/168.

صفحه 219
2. إذا أوصى لشخص معيّن بما يكفيه للحجّ بشرط أنْ يحجّ.
أمّا الأول: فلا إشكال في وجوب الحجّ عليه، لحصول الاستطاعة بالدفع أوّلاً، حيث إنّه مكّنه من اللحوق بالرفقة، والخروج إلى الحجّ، وشمول أخبار العرض للمورد، حيث يصدق عليه أنّه عرض عليه الحجّ ثانياً.
وأمّا الثاني: أي إذا وصّى لشخص معيّن بشيء يكفيه للحجّ بشرط أن يحجّ، فيجري فيه ما ذكرناه في الهبة، فهو متمكّن بنفس دفع ما أوصى به إليه، والقبول ليس محصِّلاً للاستطاعة لحصولها قبله، وإنّما هو سبب للانتفاع بالاستطاعة الموجودة، كبيع الأرض، لشراء الزاد والراحلة، أو جواز السفر وبطاقة الطائرة.
والفرق بين الفرعين، إنّ الحجّ في الأُولى جهة للوقف والوصية والنذر، وأمّا الثاني، ففيه وجهان:
1. أن يكون الحجّ جهة كالفرع الأوّل، فلا يحتاج إلى القبول.
2. أن يكون إيصاء بالتمليك ، فلا يملكه إلاّ بالقبول ـ كما هو الحال في عامّة الوصايا التمليكية ـ ومع ذلك فليس القبول دخيلاً في حصول الاستطاعة، بل هي حاصلة من ذي قبل فيجب عليه القبول في المقام ليتمكّن من الانتفاع بالاستطاعة.
نعم إذا حجّ حجّة الإسلام، قبل ذلك لا يجب القبول إجماعاً، لأنّ الحجّ يجب في تمام العمر مرّة واحدة والمفروض أنّه حجّ مرّة.

صفحه 220
المسألة39: لو أعطاه ما يكفيه للحجّ خمساً أو زكاة وشرط عليه أن يحجّ به فالظاهر الصحّة، ووجوب الحجّ عليه إذا كان فقيراً، أو كانت الزكاة من سهم سبيل اللّه.*
* في المسألة فروع ثلاثة:
1. إذا أعطاه من الزكاة ما يكفيه للحجّ من سهم الفقراء وشرط عليه أن يحجّ به.
2. إذا أعطاه من الزكاة ما يكفيه للحجّ من سهم سبيل اللّه.
3. إذا أعطاه من الخمس ما يكفيه للحجّ.
ثمّ إنّ مورد البحث إذا كان الآخذ ممّن لم يحجّ حجّة الإسلام، وإلاّ فهو خارج عن موضوع البحث.
أمّا الفرع الأوّل: فيقع الكلام تارة في صحّة الشرط وبطلانه، وأُخرى في صحّة الأخذ وبراءة ذمّة المعطي وإن لم يحجّ، وثالثة في وجوب الحجّ عليه.
أمّا الأوّل: أي صحّة الشرط وعدمه فالظاهر عدمها، سواء أقلنا إنّ الشرط قيد للتمليك أو قيد للمدفوع(الزكاة).
فإن قلنا بأنّه قيد للتمليك فالظاهر بطلان الاشتراط لوجوه:
1. ليس لمالك الزكاة حقّ التمليك حتّى يقيّده بالحجّ، بل له الولاية على إيصال الزكاة لأهلها الملازم لتعيين المستحقّ، فإذا دفعه إليه بعنوان الزكاة فهو يملك من دون أن يحتاج إلى تمليك

صفحه 221
المالك وقبول الفقير.
وبعبارة أُخرى: إنّ الزكاة كالدين، فإذا فرز المديون دينه ودفعه إلى الدائن بعنوان أداء دينه، فهو يملك بمجرّد الاستيلاء عليه من دون حاجة إلى تمليك المديون وتملّك الدائن.
وبالجملة: ليس في مورد الزكاة أيُّ تمليك حتّى يقيّد بالحجّ، بل يجب عليه إيصال الحقّ لصاحبه، الملازم لتعيين المستحقّ الكلّي في شخص خاص.
2. لو افترضنا أنّ للمالك حقّ التمليك للمستحقّ وراء تعيينه، لكن حقّ التمليك لا يلازم صحّة الشرط، إذ هو فرع ولاية المالك على إنشاء شرط العمل على المدفوع إليه، فانّ المالك مالك للزكاة ومأمور بإخراجها عن ملكه وإدخالها في ملك المستحقّ، وليس له وراء ذلك أيُّ ولاية لاشتراط عمل وإيجاب فعل عليه، مثلاً:
إذا باع الإنسان بيته من رجل يمكن أن يشترط عليه عملاً لصالح البائع بأن يقول: بعتك هذه الدار واشترط عليك خياطة ثوب لي، و ما هذا إلاّ لأنّ لمالك البيت ولاية التقلّب في ماله والتصرّف فيه كيفما شاء، ومنها بيعه من زيد مشترطاً عليه خياطة الثوب.
وأمّا المقام فليس للمالك سوى ولاية التمليك، وأمّا ولاية التصرّف بالعين الزكوية بأيِّ نحو شاء الدافع ومنه تمليكه بقيد الحجّ فلا ولاية له.
3. انّ الشرط في المقام شرط فقهي لا شرط أُصولي، ومعناه ايجاب فعل على المستحق، ويترتّب عليه أنّه إنْ لم يعمل بالشرط يكون للمالك جواز الاسترداد، وهو غير صحيح في المقام، لأنّ ما أعطاه من الزكاة غير قابل له، لأنّ «ما كان للّه لا يرجع»، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث قال: «ولا يرجع في الصدقة إذا ابتغى وجه اللّه».(1)

1 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب الهبة، الحديث 2.

صفحه 222
روى داود بن أبي الحصين، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته هل لأحد أن يرجع في صدقة أو هبة؟ قال: «أمّا ما تصدّق به للّه فلا».(1)
فخرجنا بالنتيجة التالية:
أوّلاً: إنّ للمالك ولاية تعيين المستحق من بين المستحقين لا ولاية التمليك.
ثانياً: ولو قلنا بولاية التمليك ليس له ولاية الاشتراط في صرفه في موضع معين كالحجّ.
ثالثاً: إنّ الشرط الفقهي لازمه جواز الاسترداد عند التخلّف، وهو غير صحيح في المقام.
هذا كلّه فيما إذا كان الشرط قيداً للتمليك.
وأمّا إذا قلنا بانّه قيد للموضوع إليه، أعني العين الزكوية بأن يدفعه له مقيّداً بكونه يحجّ به، فهل هو أمر ممكن أو لا؟
ذهب المحقّق الخوئي إلى امتناعه، مستمداً ممّا ذكره غير مرّة من أنّ الأمر الجزئي غير قابل للتقييد، لأنّ التقييد إنّما يصحّ في مورد الإطلاق والسعة، والأمر الخارجي التكويني في نفسه مضيّق وغير قابل لعروض التقييد عليه، نظير الائتمام الخارجي بالإمام الحاضر، فإنّ الائتمام قد حصل وتحقّق خارجاً، سواء كان الإمام زيداً أو عمراً، وإنّما الدواعي تختلف باختلاف الموارد.
وبالجملة: الأُمور التكوينية الخارجية تتصف بالوجود والعدم، ولا يجري فيها التعليق، ولا معنى لأن يقال: انّ الائتمام الخارجي معلّق على كون الإمام زيداً، أو أنّ الأكل الخارجي معلّق على أن يكون المأكول ملك نفسه، فإنّ الائتمام

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الهبة، الحديث3.

صفحه 223
والأكل قد تحقّقا خارجاً على كلّ تقدير. وأمّا المقام الذي وجب عليه الخمس أو الزكاة، فإنّما يجب عليه الإعطاء والأداء والإيتاء، والذي تحت اختياره ليس إلاّ الإعطاء الخارجي، و هذا غير قابل للتعليق، وأمّا الملكية الشرعية فليست تحت يده واختياره وإنّما هي بيد الشارع.(1)
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الشمول الإفرادي والإطلاق الأحوالي ، فالعمل الخارجي فرد جزئي لا يقبل التقييد من حيث هو فرد، وأمّا بالنسبة إلى أحواله فقابل للتقييد، وقد قلنا في محلّه: إنّ المطلق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم، سواء أكان كلّياً أم جزئياً، نحو قوله: أكرم زيداً، فإنّه مطلق من حيث الأحوال، لبس العمامة أو لا، وعلى ضوء ذلك فالإعطاء وإن كان عملاً خارجيّاً شخصياً لكن له حالتان:
1. صرف الشيء في طريق الحجّ.
2. صرفه في غيره.
فعند ذلك يقول:أدفع إليك هذا المال الزكوي بقيد كون المال مصروفاً في طريق الحجّ .
نعم يرد على هذا الفرض ما أوردناه على الفرض الأوّل من أنّ فائدة هذا القيد هو جواز الاسترداد إذا لم يصرف، و هو إنّما يصحّ إذا دفع ما يملكه شخصياً إلى الفقير بشرط الحجّ فلو تخلف يسترده، دون المقام فانّ ما يدفعه إلى الفقير تقرّباً إلى اللّه لا يسترجع.
إلى هنا تبيّن أنّ الشرط باطل لا يؤثر في حقّ الفقير، ولكن الفقير يملك

1 . معتمد العروة الوثقى:1/173.

صفحه 224
الموضوع كما إذا لم يشترط.
أمّا الثاني: أعني براءة ذمّته من أداء الزكاة سواء حجّ أم لا، فواضحة، لأنّه صدر من أهله ووقع في محلّه فلا وجه لعدم البراءة والشرط الزائد غير الصالح، لا يبطل.
وأمّا الثالث: أي وجوب الحجّ، فظاهر المصنّف أنّ وجوب الحجّ تابع لصحّة الشرط، حيث فرّع قوله: «فالظاهر الصحة» على قوله: «وشرط عليه أن يحجّ به» ولكنّه غير تام، بل يمكن القول بوجوب الحجّ حتّى ولو كان الشرط باطلاً، وذلك لأحد أمرين:
1. إدخال المقام تحت اخبار العرض، أي من عُرض عليه الحجّ، فالمالك بدفع الزكاة إليه عرض عليه الحجّ، وعندئذ تكون استطاعته أشبه بالاستطاعة البذلية، ولا يشترط فيه ما يشترط في الاستطاعة المالية.
2. إدخاله تحت الاستطاعة المالية، لأنّ اخبار العرض منصرفة عن تلك الصورة وتختص بما إذا وهب الواهب من صميم ماله شيئاً لا يستحقه الموهوب له، بخلاف المقام فإنّ الواهب لا يبذل من صميم ماله، كما أنّ الآخذ يأخذه بما انّه مستحق له فيشترط فيه ما يشترط في الاستطاعة المالية.
هذا كلّه إذا كان الموضوع من سهم الفقراء، وأمّا إذا كان من سهم سبيل اللّه، فحصول الاستطاعة فرع كون إحجاج الفقير من المصالح العامّة التي بها يفسّر قوله تعالى: (وفي سبيل اللّه) إلاّ إذا ترتّب عليه مصلحة عامّة.
هذا كلّه إذا كان الموضوع زكاة، وأمّا الخمس فالظاهر عدم ثبوت الولاية للمالك على تعيين المستحق، بل واجبه دفع الخمس إلى الحاكم الشرعي وهو

صفحه 225
المسألة40: الحجّ البذليّ مجز عن حجّة الإسلام، فلا يجب عليه إذا استطاع مالاً بعد ذلك على الأقوى.*
أعرف بتكليفه.
* نقل غير واحد من أنّ الإجزاء هو المشهور بين الأصحاب .
1. قال الشهيد:ولو حجّ كذلك (بالبذل) أو في نفقة غيره أجزأ، بخلاف ما لو تسكّع فانّه لا يجزئ عندنا.(1)
2. ونقل الشهيد الثاني كلام الشهيد في الدروس،للاستشهاد على وجوب الحجّ بمجرّد البذل، لأنّ الإجزاء فرع الوجوب.(2)
3. قال السيد في «المدارك»: الأصحّ انّه لا يجب على المبذول له إعادة الحجّ بعد اليسار، وهو قول الأكثر، للأصل، وصدق الامتثال، وصحيحة معاوية بن عمّار.(3)
4. وقال المحدّث البحراني: المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) أنّه لا يجب على المبذول له إعادة الحجّ بعد اليسار، وذهب الشيخ في الاستبصار إلى وجوب الإعادة.(4)
5. وقال النراقي: لا يجب على المبذول له إعادة الحجّ بعد اليسار، وفاقاً للمشهور على ما في المدارك والذخيرة والمفاتيح وشرحه، بل في الأخيرين أنّ القول

1 . الدروس:1/265.
2 . المسالك:2/134.
3 . المدارك:7/47.
4 . الحدائق:14/106.

صفحه 226
الآخر شاذ، وعن بعض آخر أنّ عليه فتوى علمائنا، الظاهر في دعوى الإجماع.(1)
6. قال في «الجواهر»: لا يخفى ظهور النصّ والفتوى، أو صراحتهما، خصوصاً صحيح معاوية بن عمّار المتقدّم منه من أنّ حجّ المبذول له حج إسلام فلا يجب عليه حينئذ غيره وإن أيسر بعد ذلك، لما عرفته من وجوبه في العمر مرّة واحدة.(2)
هذه كلمات الفقهاء المتأخرين، ومن المعلوم أنّه لامستند للشهرة إلاّ روايات الباب الظاهرة في الإجزاء، خصوصاً صحيح معاوية بن عمّار، ولم نجد مخالفاً إلاّ الشيخ في «الاستبصار» فقال بعدم الإجزاء استناداً إلى موثّق الفضل بن عبد الملك، فقدّمه على صحيح ابن عمار، وقد عكس في «التهذيب» فأفتى بالإجزاء، اعتماداً على الصحيح، وحمل الموثق على الاستحباب، وسيوافيك الكلام في الحديثين.
وعلى كلّ تقدير فالأقوى هو الإجزاء، وذلك بالبيان التالي:
1. إنّ حجّة الإسلام، فريضة المستطيع، قال سبحانه: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً).(3) فإن قلنا بأنّ الاستطاعة في الآية أعمّ من المالية والبذلية، يكون المورد من مصاديق الآية، ويكون المأتي به، معنوناً بعنوان حجّة الإسلام الّتي لا تجب طول العمر إلاّ مرّة واحدة.
وإن قلنا بظهورها في المالية، ولا تعم البذلية، تكون روايات الباب حاكمة على ظهورها في المالية نظير حكومة «التراب أحد الطهورين» على قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» الظاهر في الطهارة المائيّة، ويصير الموضوع هو الأعمّ من المائيّة

1 . مستند الشيعة:11/52.
2 . الجواهر:17/267.
3 . آل عمران:97.

صفحه 227
والترابية، وهكذا المقام فإنّ قوله: «هو ممّن يستطيع الحجّ».(1) ظاهر في الاستطاعة الماليّة، لكن أخبار البذل حاكمة عليه، فيصير الموضوع هو الأعم من المالية والبذلية، وعندئذ ينطبق عنوان حجّة الإسلام على المأتي به، فيسقط وجوبه بالامتثال.
هذا كلّه حول الآية، وأمّا الاستدلال بالرواية، فنقول:
2. روى الشيخ بسند صحيح، عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) : رجل لم يكن له مال فحجّ به رجل من إخوانه، أيجزيه ذلك عن حجّة الإسلام أم هي ناقصة؟ قال: «بل هي حجّة تامّة».(2)
وبما انّ التمام عند الراوي آية الإجزاء،والنقص آية عدمه، أجاب الإمام بأنّه حجّة تامّة.
3.صحيح جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل ليس له مال، حجّ عن رجل، أو أحجّه غيره ثمّ أصاب مالاً، هل عليه الحجّ؟ فقال: «يجزي عنهما جميعاً».(3)
والظاهر أنّ ضمير التثنية في قوله:«عنهما» يرجع إلى المنوب عنه الوارد في قوله: «حج عن رجل» وإلى المبذول له الوارد في قوله: «أحجّه غيره».
فتبيّن من جميع ما ذكرنا، إجزاء المأتي به عن الإتيان به مرّة أُخرى حتّى ولو أيسر.
استدلّ للقول بعدم الإجزاء بروايتين:

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1. ولاحظ الحديث5، 7 وغيرهما.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.
3 . الوسائل:8، الباب21 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث6.

صفحه 228
1. ما رواه الكليني في الموثّق، عن الفضل بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل لم يكن له مال فحجّ به أُناس من أصحابه، أقضى حجّة الإسلام؟ قال: «نعم، فإنْ أيسر بعد ذلك فعليه أن يحجّ».
قلت: هل تكون حجّته تلك تامّة أو ناقصة إذا لم يكن حجّ من ماله؟ قال: «نعم، قضى عنه حجّة الإسلام وتكون تامّة وليست بناقصة، وإن أيسر فليحج».(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ السند لا يصلح للاحتجاج فقد نقله الشيخ كالتالي: عن حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن عدّة من أصحابنا، عن أبان بن عثمان، عن الفضل بن عبد الملك، ففيه إرسال واضح، أعني: عن عدّة من أصحابنا، ولم يعلم المراد من العدّة في لسان ابن سماعة، و غيره، مضافاً إلى أنّ حميد بن زياد، والحسن بن محمد بن سماعة من الواقفة، فالسند مرسل أوّلاً، وموثّق وليس بصحيح وإن وصفه السيد الخوئي به.
ثانياً : وجود الاضطراب حيث إنّ الإمام أجاب عن سؤال، السائل، أعني قوله: «أقضى حجّة الإسلام؟» بقوله: «نعم»،ومعنى قوله: «أقضى» أي امتثل وفعل مثل قوله سبحانه: (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُم فَاذكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُم).(2)
وأضاف بعد ذلك قوله: «نعم، فإن أيسر بعد ذلك فعليه أن يحجّ» فلو حمل الأمر بالاعادة على الاستحباب فهو، وإلاّ يلزم التعارض، بعد ما ثبت إجماعاً انّ حجّة الإسلام لا تجب في تمام العمر إلاّ مرّة واحدة، ففي صحيح هشام بن سالم:

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث6.
2 . البقرة:200.

صفحه 229
المسألة41: يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام، وفي جواز رجوعه عنه بعده وجهان، ولو وهبه للحجّ فقبل فالظاهر جريان حكم الهبة عليه في جواز الرجوع قبل الإقباض، وعدمه بعده إذا كانت لذي رحم، أو بعد تصرّف الموهوب له.*
«وكلّفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك».(1)
2. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لو أنّ رجلاً معسراً أحجّه رجل كانت له حجّة، فإن أيسر بعد ذلك، كان عليه الحجّ».(2)
والحديث ضعيف بعلي بن أبي حمزة أوّلاً، و الاضطراب في المتن كما عرفت .
* في المسألة فروع:
1. يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل إحرام المبذول له، وأمّا بعده ففيه وجهان.
2. إذا وهب ماله للحجّ فيجري فيه حكم مطلق الهبة فلو كان الموهوب له رحماً يجوز الرجوع قبل الاقباض لا بعده.
3. ولو كان أجنبياً، يجوز الرجوع قبل تصرّف الموهوب له ولا يجوز بعده.
أمّا الفرع الأوّل: أي الرجوع قبل الإحرام والتلبية، فالظاهر كون جواز الرجوع أمراً مسلماً عند الأصحاب، ويشهد على ذلك أنّ بعضهم اشترطوا في صدق الاستطاعة كون البذل واجباً على الباذل بنذر أو يمين أو نحوهما كما مرّ، وهذا يحكي عن كون جواز الرجوع أمراً مسلماً، فحاولوا بذلك سدّ باب الرجوع، ومع ذلك كلّه فعلى الباذل نفقة الرجوع، لا من باب الغرور والخدعة والمكيدة، إذ

1 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
2 . الوسائل: 8، الباب21 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5.

صفحه 230
ربّما يكون خالياً عن هذه الأُمور، وربّما يتبدّل رأيه لأمر آخر، بل الضمان لأجل دعوته إلى الحجّ الّتي تلازم ضمانه نفقة الذهاب والإياب، فإذا بدا له في أثناء الطريق، عليه بذل نفقة الرجوع، هذا، وله نظائر في الفقه، فلو قال أحد ركّاب السفينة لأحد ركّابها: ألق متاعك في البحر لئلاّ تغرق السفينة فألقى متاعه فيه يكون ضامناً لأمره.
وأمّا الفرع الثاني: أعني الرجوع بعد الإحرام والتلبية، فقد ذكر المصنّف فيه أنّ فيه وجهين:

1. عدم جوازالرجوع

وجهه، انّ الحجّ المستحب بعد الإحرام والتلبية يصير واجباً على الزائر، فإذا صار الإتمام عليه واجباً يكون الرجوع على الباذل حراماً، لأنّ جواز رجوعه على طرف النقيض من حكمه سبحانه عليه بالإتمام.
ونظير ذلك إذا أجاز الصلاة في ملكه فدخل المستأذن في الصلاة التي يحرم قطعها فليس له الرجوع في أثناء الصلاة، لأنّ الإتمام على المصلّي واجب، وجواز الرجوع على طرف النقيض منه، فالحكم بالإتمام يلازم عدم جواز الرجوع.

2. جواز الرجوع

ربّما يقال بجواز الرجوع في المقام وفيما إذا أذن للصلاة أيضاً، أمّا المقيس عليه فلأنّ وجوب الإتمام رهن كون صلاة المصلّي جامعة للشرائط، وهو كون المكان غير مغصوب، ورجوع المالك عن إذنه يصيّر التصرّف فيه غير جائز فيمتنع التعبّد بالصلاة في ذلك المكان فلا يبقى موضوع لوجوب الاستمرار.
وبعبارة أُخرى: وجوب الاستمرار في العمل وحرمة قطعه مبنيّ على كون

صفحه 231
العمل جامعاً للشرائط، ومن تلك الشرائط كون المكان مباحاً، ومع عدول المالك عن إذنه يختل ذلك الشرط فيكون الموضوع غير جامع للشرائط، ومعه لا يجب الإتمام.
وأمّا المقيس فلأنّه قد دخل في الإحرام ولبّى بنيّة انّه حجّة الإسلام وهو فرع كون الرجل مستطيعاً، ورجوع الباذل عن بذله أو الواهب عن هبته يكشف عن عدم استطاعته بقاءً، وبانتفاء الموضوع ينتفي الحكم.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام، وما إذا أذن الزوج والوالد في حجّ الزوجة والولد إذا كان استحبابياً فإنّ رجوعهما بعد الإحرام والتلبية لا يؤثر؟
قلت: الفرق بينهما واضح، لأنّ إتيانهما بالحجّ الواجب لا يتوقف على إذن الزوج والوالد، والمتوقّف هو الحجّ المستحبّ، فمن المعلوم أنّ رجوع الزوج والوالد لا يؤثّر في انقلاب الموضوع في خروج المستحبّ عن كونه حجّاً مستحباً، وهذا بخلاف المقام فانّ رجوع الباذل أو الواهب يوجب انقلاب الموضوع وصيرورة الحجّ غيرَ واجب، لأنّ الرجوع يكشف عن أنّه لم يكن مستطيعاً، فتكون النتيجة بطلان حجّه بنفس الامتناع من دون حاجة إلى نيّة القطع والخروج عن الإحرام.
هذا وانّ المصنّف ذكر الوجهين ولم يرجّح أحدهما على الآخر، ولكن الظاهر منه في المسألة الخمسين هو عدم جواز الرجوع بعد الإحرام، فلاحظ.
هذا كلّه في الحكم التكليفي، وأمّا الحكم الوضعي فلا شكّ أنّ الباذل ضامن لنفقة الرجوع إلى بلده، لأمره بالمشاركة في الحجّ ووعده بالبذل إلى أن يرجع إلى وطنه فالضرر المترتّب على المبذول له نتيجة أمره ودعوته.
وما ذكرناه إنّما هو على وفق القواعد الرائجة، ولكن هنا كلام وهو انّ المقام داخل في العهد الذي أمر الشارع بحفظه والوفاء به، وقال سبحانه: (وَالّذينَ هُمْ

صفحه 232
المسألة42: إذا رجع الباذل في أثناء الطريق ففي وجوب نفقة العود عليه أولا وجهان.*
لأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون)(1) ،وقال عزّ من قائل:(وَالَّذينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُون)(2) ، فإذا كان العهد بهذه المنزلة فكيف يجوز نقضه والرجوع عنه في أثناء الطريق، أو بعد الإحرام والتلبية؟ وكونه داخلاً في مجرّد الوعد الذي لا يجب الوفاء به كما عليه السيّد الحكيم،(3)غير تامّ، فانّ المقام يختلف عن الوعد في نظر العرف، وإنّما هو تعاهد من الطرفين على أن يكون البذل من أحدهما والعمل من الآخر، فنقض مثل هذا أمر مشكل ، وتفسير العهد في الآيات بعهد اللّه قابل للتأمّل، بل العهد سواء كان طرفه هو اللّه سبحانه أم غيره لازم الوفاء.
وهذا الوجه وإن لم نعثر عليه في كلمات القوم، ولكنّه قابل للملاحظة، ولو صحّ ذلك لكان وجوب العمل بالعهد حاكماً على قاعدة السلطنة على المال، فالمالك مسلّط على ماله حدوثاً وبقاءً، إذا لم يكن من المالك هناك تعاهد على العمل تعاهداً عقلائياً يعد النقض أمراً قبيحاً والناقض مستحقاً للذم واللوم.
وبما ذكرنا يعلم حكم الفرع الثالث، أعني: رجوع الواهب عن هبته، فإنّ حكمها حكم البذل قبل الإحرام وبعده، إلاّ أنّ الهبة لا يجوز الرجوع فيها بعد الإقباض إذا كان الموهوب له رحماً، و في غيره إذا تصرّف فيها على نحو يصدق عليها أنّها غير باقية بحالها.
* قد علم حكم المسألة ممّا ذكرناه، فالضمان ليس لأجل الغرور بل لأجل

1 . المؤمنون:8.
2 . المعارج:32.
3 . المستمسك:10/139.

صفحه 233
المسألة43: إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة، فالظاهر الوجوب عليهم كفاية فلو ترك الجميع استقرّ عليهم الحجّ فيجب على الكلّ لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكلّ، نظير ما إذا وجد المتيمّمون ماء يكفي لواحد منهم فإنّ تيمّم الجميع يبطل.*
أنّ الإذن في العمل يكفي في الضمان.
* في المسألة فرعان:
الأوّل: البذل لأحد اثنين أو ثلاثة يستلزم وجوب الحجّ عليهم كفاية، بمعنى أنّه يجب أن يقوم أحدهم بإتيان الحجّ، كما هو الحال في الواجب الكفائي في دفن الميّت الذي يجب على المسلمين القيام بدفنه.
الثاني: انّه لو ترك الكلّ ولم يستجب واحد منهم للدعوة وجب عليهم الحجّ عيناً ولو متسكّعاً،نظير ما إذا وجد المتيممون ماءً يكفي لواحد منهم فإن تيمّم الجميع يبطل.
وقبل بيان حكم الفرعين نذكر شيئاً في التنظير، وهو: انّ ما ذكره من بطلان وضوء المتيممين بمجرّد العثور على الماء، غير تام، وإن ذكره أيضاً في باب أحكام التيمم حيث قال: إذا وجد جماعة متيمّمون ماءً مباحاً لا يكفي إلاّ لأحدهم بطل تيمّمهم أجمع إذا كان في سعة الوقت.(1)
وقد قالوا هناك بأنّ مجرّد الوجدان لا يوجب البطلان، بل هناك صور:
1.إذا تسابقوا على حيازة الماء فغلب أحدهما على الآخرين يبطل وضوءه دون الآخرين.

1 . العروة الوثقى:158، باب أحكام التيمم، المسألة22.

صفحه 234
2. إذا لم يتسابقوا على حيازة الماء وتركوه بطل وضوؤهم.
3. إذا تزاحموا ولم يحزه واحد منهم فلا يبطل تيمّمهم.
والملاك وجدان الماء وهو متحقّق فيمن سبق على غيره في الصورة الأُولى، وفي الجميع في الصورة الثانية، دون الصورة الثالثة، والتفصيل في محلّه.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم الفرع الأوّل.
الفرع الأوّل: إنّ وجوب الحجّ عليهم لأجل تحقّق الاستطاعة بالنسبة إلى كلّ واحد منهم.
هذا، ولكن صدق الاستطاعة هنا أمر مشكل، لأنّ الاستطاعة إمّا مالية أو بذلية، فالأُولى غير مـوجودة، وأمّا الثانيـة فلا تشملها أخبار البذل ،لأنّ منصرف الأخبار إلى ما إذا كان البذل عينيّاً فهذه الصورة خارجة عـن مصبّ الأخبار.
وبتعبير آخر: يجب أن يكون البذل شخصيّاً دون المقام، فإنّما هو فيه لواحد من ثلاثة.
وقد أجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ الموضوع هو البذل إلى الشخص لا البذل إلى الجامع بين الثلاثة، أعني: أحدهم، والبذل في المقام شخصيّ لكن بصورة قضية مشروطة، كأن يقول الوالد لأولاده الثلاثة: فليأخذ أحدكم هذا المبلغ للحجّ، فهو في الحقيقة ينحل إلى قضايا شخصيّة مشروطة، كأنّه يقول للأكبر: خذ أنت هذا المبلغ إن لم يأخذه الأوسط والأصغر، ومثله خطابه للأوسط: خذ أنت إن لم يأخذه الأكبر والأصغر، ومثله خطابه للأصغر.
يقول(قدس سره): إنّ البذل في المقام يرجع في الحقيقة إلى البذل إلى كلّ شخص منهما أو منهم، غاية الأمر مشروطاً بعدم أخذ الآخر، لعدم الترجيح في الفردين

صفحه 235
المتساويين، كما إذا بذل الوالد مالاً لأحد أولاده وقال لهم: يحجّ به أحدكم، فإنّ معنى ذلك انّ من أخذه منكم يجب عليه الحجّ ولا يجب على الآخر، وأمّا إذا لم يأخذه أحد منهم فالشرط حاصل في كلّ منهم ويستقرّ عليهم الحجّ نظير مسألة التيمم.(1)
يلاحظ عليه: أنّه وإن دفع الإشكال وأخرجه من العرض على الجامع إلى العرض على الأشخاص، ولكن هذا النوع من البذل الشخصي خارج عن منصرف الأخبار، فانّ منصرفها إلى البذل الشخصي المطلق لا المقيّد بعدم أخذ الآخر، وصيرورة أحد الثلاثة مستطيعاً متمكّناً من الحجّ وإن كان صحيحاً، لكن ليس كلّ مورد صدقت فيه الاستطاعة يجب فيه الحجّ.
ولو صحّ ما ذكر لزم أن نقول به فيما إذا خاطب مائةَ رجل من الأقارب والجيران والأصدقاء ببذل واحد منهم، فهل يمكن الالتزام بوجوب الحجّ عليهم كفاية على نحو لو تساهلوا يستقر عليهم الحجّ.
وأمّا الفرع الثاني فلا غبار عليه لو صحّ الفرع الأوّل، لأنّه إذا صدق على كلّ واحد كونه مستطيعاً فيجب عليهم أمام المولى أحد أمرين:
1. إمّا الامتثال بالتسابق.
2. إقامة العذر في ترك الحجّ، وهو في المقام تسابق الغير على الأخذ والمفروض عدمه، فيجب على الجميع الحجّ متسكعاً.
فإن قلت: كيف يجب الحجّ على الجميع مع كون الاستطاعة واحدة، وهذا يستلزم كون العقوبة أوسع من القدرة فالقدرة واحدة والعقوبة(إيجاب الحجّ على الجميع) متعددة، أي على الثلاثة ؟

1 . معتمد العروة، كتاب الحج:1/181.

صفحه 236
المسألة44: الظاهر أنّ ثمن الهدي على الباذل، وأمّا الكفّارات فإن أتى بموجبها عمداً اختياراً فعليه، وإن أتى بها اضطراراً أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد وغيره، ففي كونه عليه أو على الباذل، وجهان.*
قلت: إنّ تعدد العقاب ووحدته غير تابع لوحدة القدرة وتعدّدها، بل يصحّ تعدّد العقاب مع وحدة القدرة إذا لم يكن ممتثلاً ولا تاركاً عن دليل، وهذا كما إذا ابتلى بغريقين لا يقدر إلاّ على نجاة أحدهما، فلو اشتغل بنجاة أحدهما وغرق الآخر يكون في تركه مستنداً إلى العذر، وأمّا إذا اشتغل بنفسه ولم يأب بالغريقين أبداً فيتعدد عقابه، إذ يُخاطب عندئذ: لم تركت إنقاذ هذا الغريق بلا عذر؟ فيعاقب، ثمّ يخاطب بالنسبة إلى الغريق الآخر لم تركت هذا بلا عذر؟ فيتعدّد العقاب وإن كانت قدرته واحدة.
لكن الكلام في الفرع الأوّل وصدق الاستطاعة، فلا يعد مثل هذا استطاعة عرفية ما لم يتعيّن الموضوع له.
*في المسألة فرعان:
1. الكفّارات على المبذول له فيما إذا أتى بموجبها عمداً، وأمّا في غيره، ففيه وجهان.
2. ثمن الهدي على الباذل.
فلندرس الفرعين واحداً بعد الآخر.
أمّا الأوّل: فالظاهر انّ الكفّارات كلّها على المبذول له، وذلك لأنّ الباذل إنّما تعهّد نفقة الحجّ ذهاباً وإياباً والإقامة في المشاعر، وأمّا ما وراء ذلك فلم يتعهد به

صفحه 237
حتّى يحكم عليه، به وما ربّما يقال من أنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه، صحيح في غير هذا المورد، إذ ليست الكفّارات من لوازم الحجّ، فإنّ جمعاً غفيراً يحجّون ولا يأتون بموجب الكفّارات.
وأمّا الثاني: فيقع الكلام في مقامين:
1. في جواز امتناعه عن بذل ثمن الهدي، ولا شكّ أنّ من قال بجواز الرجوع في الكلّ يقول في الجزء أيضاً، وقد ذكر المصنّف في المسألة الحادية والأربعين أنّ في جواز الرجوع بعد الدخول في الإحرام وجهين.
نعم على ما ذكرنا من أنّ الموضوع داخل في العهد والعقد، وكلّ ما كان كذلك يجب العمل به، فينتج وجوب العمل بكلّ ما تعهّد به، ومنه ثمن الهدي.
فإن قلت: إنّ الباذل وإن تعهّد نفقة الحجّ، ولكنّه بامتناعه عن بذل ثمن الهدي يدخل الموضوع في غير الواجد للهدي، فيخلفه صيام ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجعتم، قال تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثةِ أَيّام فِي الحَجِّ وَسَبْعة إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرةٌ كامِلة).(1)
قلت: قد عرفت انّ المبذول له داخل في المستطيع شرعاً، ومن المعلوم المستطيع شرعاً عبارة عمّن يقدر على الهدي، وأمّا العاجز عنه ـ وإن قدر على غيره ـ فغير مستطيع، ولذلك لو تمكّن الإنسان من الحجّ سوى ثمن الهدي، لا يجب عليه الحجّ، وعلى ذلك فليس للباذل الامتناع عن بذل ثمن الهدي بحجّة أنّ له بدلاً، و ذلك لأنّ البدل أعني: الصيام ـ ليس في عرض الهدي وإنّما هو في طوله.
وعلى أيِّ تقدير، فلو امتنع، فإن قَدِرَ المبذول له على ثمن الهدي يجب عليه،

1 . البقرة:196.

صفحه 238
المسألة45: إنّما يجب بالبذل الحجّ الّذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة، فلو بذل للآفاقي بحجّ القران أو الافراد أو لعمرة مفردة، لا يجب عليه، وكذا لو بذل للمكيّ لحجّ التمتّع لا يجب عليه، ولو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام لم يجب عليه ثانياً، ولو بذل لمن استقرّ عليه حجّة الإسلام وصار معسراً وجب عليه، ولو كان عليه حجّة النذر أو نحوه ولم يتمكّن فبذل له باذل وجب عليه، (وإن قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحجّ، لشمول الأخبار من حيث التعليل فيها بأنّه بالبذل صار مستطيعاً، ولصدق الاستطاعة عرفاً).*
وتكون الاستطاعة استطاعة تلفيقيّة من البذلي والمالي، وأمّا إذا كان عاجزاً عن ثمن الهدي فيحتمل عدم وجوب الإتمام، لأنّه يكشف عن عدم الاستطاعة بامتناع الباذل، ومع امتناعه يخرج عن كونه مستطيعاً فلا يغني عن حجّة الإسلام حتّى ولو استمر في العمل بالصيام.
2. في استظهار مفاد كلام الباذل، فهل هو ظاهر في بذل ثمن الهدي أيضاً ليبذل أو لا؟
وبعبارة أُخرى: ليس الباذل بصدد الامتناع، وإنّما هو بصدد الاستفسار وانّه هل تعهّد ببذل نفقة الهدي مع نفقة الحج أو لا؟
فلو كان محور البحث هو هذا، فلا شكّ أنّ التعهد للكلّ تعهد للجزء أيضاً، فانّ الهدي من أجزاء الحجّ، وأمّا الصوم فليس من أجزاء الحجّ، وإنّما هو بدل عمّا تركه من الجزء.
* في المسألة فروع:

صفحه 239
1. لو بذل للآفاقي حجّ القران أو الافراد أو العمرة المفردة، لا يجب عليه.
2. لو بذل للمكّي حجّ التمتّع، لا يجب عليه.
3. لو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام، لم يجب عليه ثانياً.
4. لو بذل لمن استقرّ عليه حجّة الإسلام وصار معسراً، وجب عليه.
5. لو كان عليه حجّة النذر ولم يتمكن فبذل باذل، وجب عليه.
أمّا الأوّل: إذا بُذل للآفاقي القِرانَ أو الافراد، فلا يجب عليه، لأنّ البذل لا يُغيّر الوظيفة ممن بَعُدَ بيته عن مكة المكرمة قرابة ثمانية وأربعين ميلاً(1) فوظيفته التمتّع لا القران ولا الافراد، فانّهما من وظائف من كان مجاوراً لمكّة أو بينها و بينه ثمانية وأربعين ميلاً، والقارن والمفرد يقدّمان الحجّ ويؤخران العمرة، عكس المتمتّع، غير انّ القارن يسوق الهدي دون المفرد.
وأمّا لو بُذل للآفاقي العمرة المفردة، فذهب المصنّف وأكثر المعلّقين إلى عدم وجوب قبوله، ولكنّه محل تأمّل، إذ يحتمل وجوب العمرة المفردة للمستطيع لها وإن لم يستطع للحجّ، ولا تبعد دلالة قوله سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمرة للّهِ)(2) والتفصيل موكول إلى محلّه.
وأمّا الثاني: فإذا بُذل للمكّي ـ الذي وظيفته حجّ القران والافراد ـ حجّ التمتّع فلا يجب لما عرفت من أنّ البذل لا يغيّر الوظيفة.
وأمّا الثالث: أعني من حجّ حجّة الإسلام، لا يجب عليه الحجّ بالبذل، لوجوبها طول العمر مرّة واحدة كما سبق.

1 . الذي يعادل 88 كيلومتراً، وقيل اثنا عشر ميلاً ويعادل 22كيلومتراً.
2 . البقرة:196.

صفحه 240
المسألة46: إذا قال له: بذلت لك هذا المال مخيّراً بين أن تحجّ به أو تزور الحسين(عليه السلام) وجب عليه الحجّ. وإن قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحجّ، لشمول الاخبار من حيث التعليل فيها، فانه بالبذل صار مستطيعاً، ولصدق الاستطاعة عرفاً*
وأمّا الرابع: فإذا بُذل لمن استقرّ عليه حجّة الإسلام ولم يحجّ حتّى صار معسراً، وجب عليه قبول البذل لإتيان الواجب، لا لشمول أخبار البذل، بل لصدق الاستطاعة، ولا يشترط في هذا المورد، الاستطاعة الشرعية، بل تكفي الاستطاعة العقلية، وذلك لأنّه استطاع شرعاً، وسوّف ولم يذهب، فزالت الاستطاعة الشرعية وانتقل التكليف إلى وجوب الحجّ ولو بالاستطاعة العقلية، ونظيره الفرع التالي.
الفرع الخامس: من كان عليه حجّة النذر ولم يتمكّن، يجب عليه قبول البذل مطلقاً، حتّى ولو بذل ولم يقيّده بالحجّ، لا لشمول أخبار البذل، بل لصدق الاستطاعة، لما عرفت من أنّ الاستطاعة المعتبرة في هذا المورد هي الاستطاعة العقلية لا الشرعية، لأنّ الواجب بالنذر كسائر الواجبات لا تعتبر فيه سوى الاستطاعة العقلية.
ولا يخفى أنّ كلام المصنف في ذيل المسألة لا يخلو من اضطراب والظاهر أنّ قوله:(وإن قلنا بعدم الوجوب... إلى آخره) من متمّمات المسألة الآتية، وقد جعلناه في المتن بين القوسين للإشارة إلى أنّه ليس من متمّمات هذه المسألة، فلاحظ.
* تقدّم في المسألة السابعة والثلاثين انّ صور المسألة ثلاث:
1. إذا وهبه ما يكفيه للحجّ، لخصوص الحجّ.

صفحه 241
المسألة47: لو بذل له مالاً ليحجّ بقدر ما يكفيه فسرق في أثناء الطريق سقط الوجوب.*
المسألة48: لو رجع عن بذله في الأثناء، وكان في ذلك المكان يتمكّن من أن يأتي ببقيّة الأعمال من مال نفسه، أو حدث له مال بقدر كفايته، وجب عليه الإتمام، وأجزأه عن حجّة الإسلام.*
2. إذا وهبه ما يكفيه للحجّ، وخيّره بين الحجّ وغيره.
3. إذا وهبه ما يكفيه للحجّ، مطلقاً من دون أن يذكر الحج.
فاختار المصنّف هناك وجوب الحجّ في الصورتين الأُوليين دون الثالثة، وأشار في المقام إلى خصوص الصورة الثانية، وذكر أنّه يجب الحجّ عليه، ولم يعلم وجه التكرار، وقد مرّ أنّ الأقوى وجوبه مطلقاً، لأنّ التمليك يستلزم الإذن في التصرّف في المال، الذي يكفي للحجّ، وهو نفس الاستطاعة وإن لم تشمله أخبار العرض، وعلى حد تعبير المصنف انّه بالبذل صار مستطيعاً، ولصدق الاستطاعة عرفاً، فلاحظ.
ثمّ إنّ ما حرّرناه من عبارة المتن هو الصحيح، وأمّا المطبوع في العروة فقد طرأ عليه التحريف فانتقل قوله:«وإن قلنا ـ إلى قوله:ـ عرفاً» إلى المسألة السابقة ولا صلة لتلك العبارة بها.
* وجهه واضح لكشفه عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر وإن لم يكن واقفاً به، نعم لو حدث له مال يكفي في استمرار العمل وجب الحجّ كما سيشير إليه في المسألة التالية.
* هنا فروع :
1. إذا رجع عن بذله، قبل الدخول في الإحرام والتلبية، وكان معه في ذلك

صفحه 242
المسألة49: لا فرق في الباذل بين أن يكون واحداً أو متعدّداً، فلو قالا له: حجّ وعلينا نفقتك، وجب عليه.*
المكان مال يتمكّن من أن يأتي ببقيّة الأعمال معه.
2. تلك الصورة ولكن ـ بعد الرجوع ـ حدث له مال بقدر كفايته.
3. إذا رجع بعد الدخول في الإحرام والتلبية، وكان معه مال يمكن أن يأتي ببقية الأعمال معه.
4. تلك الصورة ولكن حدث له مال بقدر كفايته.
أمّا الصورتان الأُوليان، فيجب عليه الاستمرار في العمل، ويكون من مقولة الاستطاعة التلفيقية، فما بذله إلى الزمان منضمّـاً إلى المال السابق أو الحادث محقّق للاستطاعة.
وأمّا الصورتان الأُخريان، فالظاهر التفريق بين ما يمكن أن يأتي ببقية الأعمال من مال نفسه، فيكون ما بذل متممّاً للاستطاعة، وبينما حدث وتخلّل بين الرجوع وحدوث المال فترة كيوم أو يومين، فانّ الرجوع يكشف عن عدم الاستطاعة،وماحدث من المال، يصلح للإتمام إذا حدث قبل الإحرام لا بعده، لعدم كفاية وجود الاستطاعة أثناء العمل، بل يلزم وجودها قبل العمل، والمفروض انّه ليس كذلك، إلاّ إذا كان الرجوع بعد إتمام العمل أو حين الإياب، فقد سبق عن المصنّف في المسألة التاسعة والعشرين انّه لو تلفت ـ بعد تمام الأعمال ـ مؤونة عوده إلى وطنه أو تلف ما به الكفاية من ماله، لا يبعد الإجزاء، وقد أوضحنا حاله.
* وذلك لإطلاق أدلة العرض، ففي صحيح الحلبي: «فان عُرض عليه ما

صفحه 243
المسألة50: لو عيّن له مقداراً ليحجّ به، واعتقد كفايته فبان عدمها، وجب عليه الإتمام في الصورة التي لا يجوز له الرجوع. إلاّ إذا كان ذلك مقيّداً بتقدير كفايته.*
يحجّ به».(1) فالملاك هو تمكّنه ممّا يحجّ به، من غير فرق بين كون العارض واحداً أو أنّه كثيراً، أضف إلى ذلك ما ورد في صحيح معاوية بن عمار قال: «فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيّا».(2)
* للمسألة صور ثلاث:
1. لو عيّن له مقداراً ليحجّ به، واعتقد كفايته فبان عدمها قبل الدخول في الإحرام، فلا يجب على الباذل تتميم ما بذل ليكفي نفقة الحجّ كلّها.
تلك الصورة، ولكن تبيّن عدم الكفاية في ما لا يجوز الرجوع فيه ـ كما إذا تبيّن بعد الدخول في الإحرام ـ فقد ذكر له المصنف قسمين:
2. إذا بذل مقداراً ليحجّ به، لكن لم يكن بذله مقيّداً بهذا المقدار، ولو ذكره أو دفع المقدار المعيّن فلأجل التطبيق بزعم أنّ المصروفات لا تزيد على هذا، على نحو لو كان واقفاً على عدم كفايته لزاد على المقدار المذكور فيجب فيه التتميم إذا انكشف الخلاف.
3. إذا كان البذل محدداً بالمقدار المذكور، أو المدفوع على نحو لو كان حين البذل عالماً بأنّه لايكفي، لما زاد، فلا يجب فيه التتميم إذا انكشف الخلاف، فلا يكون المبذول له مستطيعاً.
وما ذكره من التفصيل مبنيٌّ على عدم جواز الرجوع بعد الإحرام، فيجب في

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5 و3 وغيره.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5 و3 وغيره.

صفحه 244
المسألة51: إذا قال: اقترض وحجّ وعليّ دينك ففي وجوب ذلك عليه نظر، لعدم صدق الاستطاعة عرفاً، نعم لو قال: اقترض لي وحجّ به وجب مع وجود المقرض كذلك.*
القسم الأوّل، دون الثاني، ولكنّه (قدس سره) في المسألة الحادية والأربعين لم يلتزم بالوجوب وإنّما ذكر فيه الوجهين من دون أن يرجّح أحدهما على الآخر .
* الفرق بين الصورتين، أنّ المبذول له يقترض ـ في الصورة الأُولى ـ لنفسه، ويضمن الباذل، أداء دينه، بخلاف الثاني فانّه يقترض ـ وكالة ـ للباذل مع وجود المقرِض، فالاستطاعة في الصورة الثانية أوضح من الأُولى، لأنّ الاقتراض في الصورة الأُولى أشبه بالاكتساب المنفي لزومه في الواجب المشروط، بخلاف الثانية فانّه ليس باكتساب عرفاً.
والظاهر عدم الفرق بين الصورتين، لانتفاء الاستطاعة الماليّة أوّلاً، وخروج القسمين عن اخبار العرض ثانياً، ولم يبق إلاّ صدق الاستطاعة العرفية، وهي موضع تأمّل، إلاّ إذا كان الاقتراض سهلاً، وكان المقرض مستعدّاً للإقراض بلا جهد ومنّة.
نعم لو اقترض في كلا القسمين، وجب عليه الحجّ، أمّا الثاني فواضح، لأنّ الباذل هو المديون، لا المبذول له، أمّا الأوّل فلأنّه مقتضى الضمان، أعني انتقال الدين من ذمة المبذول له إلى ذمة الباذل، فتخصيص الوجوب بالقسم الثاني ـ كما في بعض التعاليق تبعاً للمتن ـ ليس في محلّه.

صفحه 245
المسألة52: لو بذل له مالاً ليحجّ به فتبيّن بعد الحجّ أنّه كان مغصوباً، ففي كفايته للمبذول له عن حجّة الإسلام وعدمها وجهان، أقواهما العدم. أمّا لو قال: حجّ وعليّ نفقتك، ثمّ بذل له مالاً فبان كونه مغصوباً، فالظاهر صحّة الحجّ، وأجزأه عن حجّة الإسلام، لأنّه استطاع بالبذل، وقرار الضمان على الباذل في الصورتين عالماً كان بكونه مال الغير أو جاهلاً.*
* في المسألة صورتان:
الأُولى: إذا دفع الباذل مالاً مغصوباً لشخص، وقال :حجّ بهذا المال.
الثانية: إذا قال الباذل: حجَّ وعليَّ نفقتك، لكنّه على صعيد العمل بالتعهّد دفع المال المغصوب مكان المال الحلال.
اختار المصنّف عدم حصول الاستطاعة في الأُولى، فلوحجّ بالمال المغصوب ثمّ تبيّن له الحال، لا يكفي عن حجّة الإسلام، بخلاف الصورة الثانية، فانّ انشاء ضمان النفقة، يجعل المبذول له مستطيعاً، والتخلّف في مقام التطبيق لا يضرّه.
وهذا النوع من التفصيل موجود في باب البيوع والإجارات، فلو اشترى قميصاً بالمال المغصوب أو غير المخمّس، يكون البيع باطلاً، لأنّ البيع تبادل مال بمال مملوك، والثمن لا يملكه المشتري، فيبطل البيع، بخلاف ما لو اشترى والثمن في ذمّته، فالمعاملة صحيحة، إذ الثمن على الذمة، ودفع مال الغير عوض الذمة لايبطل ما وقع صحيحاً، غاية الأمر يبقى الثمن في ذمّته و يكون مديوناً للبائع.
أقول: لو صحّ ذلك التفصيل في البيع والإجارة فإنّه غير صحيح في المقام،

صفحه 246
لأنّ الوعد المجرّد، والإنشاء الفارغ عن التطبيق، لا يُحقّق الاستطاعة، ولذلك لو وعد وأنشأ الضمان ولم يدفع أصلاً، لا يصير الشخص مستطيعاً، ولا يجب عندئذ عليه الحجّ متسكّعاً، فانّ الاستطاعة عبارة عن: التمكّن المالي على نحو التمليك أو الإباحة، وهو فرع كون الباذل مالكاً، والمفروض انّه منتف في كلتا الصورتين.
والفرق بين البيع والثمن في ذمّة المشتري والاستطاعة واضح، فإنّه بإنشاء البيع يملك المبيع ويكون الثمن في ذمّته، و دفع مال الغير لا يبطل العقد الصحيح، غاية الأمر يُلْزم بدفع الثمن من ماله، وهذا بخلاف المقام فإنّ الغاية من البذل هو إيجاد التمكّن للمبذول له، شرعاً و قانوناً، وهو فرع كون المال صالحاً لأن يبذله الباذل دفعة أو تدريجاً، والمفروض عدم صلاحيته، وجواز تصرّف المبذول له، جواز ظاهري لا واقعي، ولذلك لو حجّ بمال الغير زاعماً بأنّه مال نفسه، لا يكفي عن حجّة الإسلام، بل عليه ـ وراء ضمان مال الغير ـ أن يحجّ مرّة ثانية إذا استطاع.
ويمكن القول بالصحّة في كلتا الصورتين، لأنّ الاستطاعة أمر عرفي والظاهر صدقها في كلا الموردين، لأنّها عبارة عن حيازة مال دفعة أو تدريجاً، يجوز له التصرّف فيه شرعاً وقانوناً، ولا يوجد التصرّف فيه أيّ تبعة ولا ضمان عليه، وهو صادق في كلا الموردين، لأنّ جهل المبذول له بكونه مال الغير، صار سبباً، لجواز التصرّف فيه، وبالتالي تمكّنه في هذه الحالة من الذهاب إلى الحجّ وإتيان المناسك والعود إلى الوطن، مع استقرار الضمان في المقام على السبب دون المباشر، لقوّة الأوّل وضعف الثاني في المقام، كما إذا أهدى طعام الغير إلى شخص بصورة انّه مالك الطعام، فانّ الضمان يستقرّ على السبب دون المباشر، فلا يورث تصرّفه في مال الغير أيَّ ضمان وتبعة.

صفحه 247
وبهذا يظهر الفرق بين المقام وما إذا حجّ بمال الغير بزعم أنّه ماله، فإنّ تصرّفه، لا ينفك عن الضمان ـ وإن كان جاهلاً ـ لأنّ الجهل والعلم لا يؤثّران في الأحكام الوضعية.
وما يقال: انّ الاستطاعة البذلية لا تتحقق باعطاء مال الغير، والمفروض أنّ الاستطاعة المالية مفقودة، فلا موجب للحجّ أصلاً، لا الاستطاعة المالية ولا البذلية،(1) مدفوع، بمنع الأوّل لحصول الاستطاعة البذلية، حيث مكّن المبذول له، من مال يجوز له التصرّف فيه ظاهراً، من دون إحداث أيّة تبعة ولا ضمان، فالتصرّف فيه حلال وضعاً وتكليفاً، وضمانه على الباذل لأقوائية السبب في المقام من المباشر. وإن صار كلّ منهما ضامناً لوقوع المال تحت اليد، فيدخل تحت باب «تعاقب الأيدي»، ولكن يستقرّ الضمان على الأقوى تأثيراً في تلف المال وهو السبب في المقام دون المباشر.
ثمّ إنّ للمحقّق الخوئي(قدس سره) بياناً لاستقرار الضمان على الباذل، سواء رجع إلى الباذل أو إلى المبذول له، قال: امّا إذا رجع المالك إلى الباذل فليس له الرجوع إلى المبذول له، لأنّ المفروض أنّ الباذل قد سلّط المبذول له على المال مجّاناً وبغير ضمان، وليس له الرجوع بعد التسليط المجاني، فإنّ المال بقاءً للباذل، لأنّه بعد ما أعطى الباذل، البدل، إلى المالك يصير المبدَل ملكاً له، والمفروض انّه سلّط المبذول له عليه مجّاناً.
وأمّا إذا رجع المالك إلى المبذول له وأعطاه البدل صار المال ملكاً له بقاءً، فيرجع المبذول له إلى الباذل، لأنّه فوّت المال على مالكه الجديد، وهو المبذول له، فالباذل ضامن على كلّ حال، إمّا للمالك الأوّل أو للمالك الثاني.(2)

1 . معتمد العروة:1/192.
2 . معتمد العروة:1/192ـ193.

صفحه 248
المسألة 53: لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ بأُجرة يصير بها مستطيعاً، وجب عليه الحجّ، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير، لأنّ الواجب عليه في حجّ نفسه أفعال الحجّ، وقطع الطريق مقدّمة توصّلية بأيِّ وجه أتى بها كفى، ولو على وجه الحرام، أو لا بنيّة الحجّ، ولذا لو كان مستطيعاً قبل الإجارة، جاز له إجارة نفسه للخدمة في الطريق، بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه، بحيث يكون العمل المستأجر عليه نفس المشي، صحّ أيضاً، ولا يضرّ بحجّه، نعم لو آجر نفسه لحجّ بلديّ، لم يجز له أن يوجر نفسه لنفس المشي كإجارته لزيارة بلديّة أيضاً، أمّا لو آجر للخدمة في الطريق فلا بأس، وإن كان مشيه للمستأجر الأوّل فالممنوع وقوع الإجارة على نفس ما وجب عليه أصلاً أو بالإجارة.*
وما ذكره تبعيد للمسافة، فانّ الضمان يستقرّ على الأقوى تأثيراً في تلف المال، و من المعلوم أنّ الأقوى هو الباذل، لا المبذول له، وأمّا البيان الماضي فلأنّ فرض التالف تارة ملكاً للباذل وأُخرى للمبذول له، مشكل، لأنّ المفروض أنّه تلف بالصرف في الحج، و معه كيف يفرض كونه مملوكاً بعد التلف؟ تارة للباذل، وأُخرى للمبذول له، إلاّ بالملكية التقديرية قبل التلف، وهي كما ترى.
* في المسألة فروع:
1. لو آجر نفسه للخدمة في الطريق إياباً، أو ذهاباً، أو في المشاعر والمواقف أو جميعاً، يصير بها مستطيعاً.
2. لو آجر نفسه لنفس المشي معه بحيث يكون المستأجر عليه نفس المشي.
3. لو آجر نفسه لحجّ بلدي، لم يجز له أن يؤجر نفسه لنفس المشي.

صفحه 249
4. تلك الصورة،ولكن لو آجر للخدمة في الطريق وإن كان مشيه للمستأجر الأوّل.
أمّا الأوّلان، فالفرق بينهما في أنّ المستأجر عليه في الأوّل، هو الخدمة في الطريق كالطبخ وصنع الشاي، وتعليف الدواب، وفي الثاني المشي مع الموجر، لمعرفته بالطريق أو لقدرته على دفع العدو، فلو كانت الأُجرة كافية في نفقة الحجّ ، مع سائر شرائطه، فهو مستطيع فيكون حجّه، حجّة الإسلام، وذلك لأنّ الخدمة أو المشي ليس من أجزاء الحجّ.
وقد أشار المحقّق والعلاّمة إلى الفرع الأوّل قال المحقّق: ولو استؤجر للمعونة على السفر، وشُرط له الزاد والراحلة، أو بعضه، وكان بيده الباقي مع نفقة أهله، وجب عليه، وأجزأه عن الفرض إذا حجّ عن نفسه.(1)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: نعم لو آجر نفسه بمال تحصل به الاستطاعة أو ببعضه إذا كان مالكاً للباقي، وجب عليه الحجّ.(2)
نعم، انّ في صحة الإجارة على المشي(3) إشكالاً أشار إليه صاحب المسالك حيث قال: ويبقى في المسألة على تقدير الوجوب إشكال، وهو أنّ القصد إلى مكّة والمشاعر حينئذ يجب لأجل العمل المستأجر عليه، ووجوب الحجّ يقتضي إيقاعه عن نفسه وإنشاء السفر لأجله، وهما متنافيان فلا يجتمعان.(4)

1 . الشرائع:1/226.
2 . التذكرة:7/61.
3 . ويمكن أن يقال بعمومية الإشكال بالنسبة إلى الفرع الأوّل أيضاً، حيث إنّ المشي يكون واجباً غيريّاً، لكونه مقدّمة للخدمة في الطريق، و واجباً نفسيّاً بناء على كونه من أجزاء الحجّ. ولكن دفعه سهل، إذ لا مانع من اجتماع الوجوبين الغيري والنفسي في شيء واحد، بعنوانين تقييديين، فلاحظ.
4 . المسالك:2/135.

صفحه 250
وقد أجاب عنه سبطه في المدارك فقال: إنّ الحجّ الذي هو عبارة عن مجموع الأفعال المخصوصة، لم تتعلّق به الإجارة، وإنّما تعلّقت بالسفر خاصّة، وهو غير داخل في أفعال الحجّ، وإنّما الغرض منه مجرّد انتقال البدن إلى تلك الأمكنة ليقع الفعل، حتى لو تحقّقت الاستطاعة فانتقل ساهياً أو مكرهاً أو على وجه محرّم ثمّ أتى بتلك الأفعال صحّ الحجّ، ولا يعتبر وقوعه لأجل الحجّ قطعاً.(1)
وحاصل كلام المسالك: انّ إنشاء السفر إلى مكة ومنها إلى المشاعر والمواقف، جزء من أعمال الحجّ فهو واجب نفسي، لا يصحّ أخذ الأُجرة عليه.
وحاصل كلام سبطه: انّ الواجب عبارة عن نفس الأعمال، وما سواها واجب غيريّ، ولا مانع من أخذها عليه، وقد تبعه في «الجواهر» وقال: ويدفع بأنّ الحجّ الذي هو عبارة عن مجموع الأعمال المخصوصة لم تتعلّق به الإجارة، وإنّما تعلّقت بالسفر خاصّة، وهو غير داخل في أفعال الحجّ. إلى آخر ما نقلناه في المدارك.(2)
ثمّ إنّ السيّد الحكيم قد نصر صاحب المسالك، قائلاً: بأنّ ظاهر الآية الشريفة وجوب السفر، فإنّ حجّ البيت في الآية الشريفة ـ يراد منه الذهاب إليه والسعي نحوه، فيكون واجباً وجوباً نفسياً كسائر أفعاله.(3) ولا يقصر منها في الظهور قوله سبحانه:(وَأَذِّن فِي الناسِ بالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِر يأْتِينَ من كلّ فَجّ عَمِيق).(4)

1 . المدارك:7/49.
2 . الجواهر:17/270.
3 . المستمسك:10/153.
4 . الحج:27.

صفحه 251
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ دلالة الآيتين على حدّ الإشعار، وبما انّ قطع الطريق في غالب الواجبات لا يُعد جزءاً من الواجب، بل مقدّمة له، فتكون قرينة على أنّ قطع السفر في الحجّ أيضاً كذلك.
ويؤيّد ذلك قوله سبحانه:(أَو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(1) فانّ التيمم بمعنى القصد، يقال أمّه: قصده، فقصد التراب بمعنى السعي إليه، لكي يمسح بالوجوه والأيدي، ولم يقل أحد بوجوب السعي نفسياً.
وثانياً: نفترض أنّه واجب نفسيّ، لكنّه واجب توصّلي لا تعبّدي، فلا يزاحمه أخذ الأُجرة، ولم يدل دليل على حرمة أخذ الأُجرة على الواجب النفسي إذا كان توصّليّاً. اللّهمّ إلاّ إذا دلّ الدليل على أنّ المطلوب للشارع هو صدوره من المكلّف، مجّاناً وبلا عوض، كدفن الميّت.
نعم ما ذكر من البيان لا يتم، في السفر من الميقات إلى مكّة، أو منها إلى المواقف، ومن بعضها إلى بعض، فانّ المرتكز هو كونه جزءاً من الواجب، ولو شكّ في كون السفر من الميقات إلى مكّة من أجزاء الحجّ، لكن الشكّ من مكّة إلى المواقف والمشاعر في غير محلّه، فلا يصحّ أن يوجر نفسه لنفس المشي معه. ولعلّ المتعارف من إيجار النفس، لنفس المشي، انتهاء أمد الإجارة عند الوصول إلى الميقات، أو إلى مكّة، للاستغناء عن الأجير، لأجل وضوح الطريق فلا يحتاج إلى الدليل، أو سيادة الأمن على الحاج بعد الدخول في الميقات.
هذا كلّه حسب القواعد، وأمّا الروايات فالظاهر منها، كون الواجب هو نفس الأعمال، مجرّدة عن السفر.

1 . المائدة:6.

صفحه 252
1. كصحيحة معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يمرّ مجتازاً يريد اليمن أو غيرها من البلدان، وطريقه بمكّة فيدرك الناس وهم يخرجون إلى الحجّ، فيخرج معهم إلى المشاهد، أيجزيه ذلك عن حجّة الإسلام؟ قال: «نعم».(1)
ولكن القدر المتيقّن أنّه أدرك الناس قبل الميقات فالتحق بهم ناوياً القربة في دخوله إلى مكّة، ومنها إلى المواقف، ومن بعضها إلى بعض.
2. وصحيحه الآخر قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) :الرجل يخرج في تجارة إلى مكّة، أو يكون له إبل فيكريها، حجّته ناقصة أم تامّة؟ قال: «لا، بل حجّته تامّة».(2)
إلى هنا تمّ الكلام في الفرعين، بقي الكلام في الفروع الباقية.
الفرع الثالث : لو أجّر نفسه لحجّ بلدي لم يجز له أن يؤجر نفسه لنفس المشي، لعدم جواز وقوع العقد على عمل واحد.
الفرع الرابع: لو أُجّر للخدمة في الطريق، يصحّ له أن يؤجر نفسه لنفس المشي، لتعدد متعلّق الإجارتين.

1 . الوسائل: الجزء8، الباب22 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث2، 4، ولاحظ 5.
2 . الوسائل: الجزء8، الباب22 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث2، 4، ولاحظ 5.

صفحه 253
المسألة54: إذا استؤجرـ أي طلب منه إجارة نفسه للخدمة ـ بما يصير به مستطيعاً لا يجب عليه القبول، ولا يستقرّ الحجّ عليه، فالوجوب عليه مقيّد بالقبول ووقوع الإجارة، وقد يقال بوجوبه إذا لم يكن حرجاً عليه، لصدق الاستطاعة، ولأنّه مالك لمنافعه، فيكون مستطيعاً قبل الإجارة، كما إذا كان مالكاً لمنفعة عبده أو دابّته وكانت كافية في استطاعته، ولأنّه مالك لمنافعه فيكون مستطيعاً قبل الإجارة، كما إذا كان مالكاً لمنفعة عبده أو دابّته وكانت كافية في استطاعته، وهو كما ترى، إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في بعض صوره، كما إذا كان من عادته إجارة نفسه للأسفار.*
* إذا كان شغله إيجار نفسه للخدمة، في الحضر والسفر، أو في خصوص أحدهما، أو لم يكن كذلك، ولكن يستطيع ذلك وطُلب منه إجارة نفسه لتلك الغاية، فهل يصير بمجرّد الطلب ـ وإن لم ينضم إليه القبول ـ مستطيعاً، فيجب عليه القبول على نحو يكون القبول إعمالاً لها، ولو لم يقبل يستقر عليه الحجّ أو لا؟ بل الوجوب مقيّد بالقبول ووقوع الإجارة؟
المشهور هو الثاني.
قال العلاّمة : لو طُلب من فاقد الاستطاعة إيجار نفسه للمساعدة في السفر بما تحصل به الاستطاعة، لم يجب القبول، لأنّ تحصيل شرط الوجوب ليس بواجب.(1)

1 . التذكرة:7/61.

صفحه 254
وقال البحراني: لو طُلب من فاقد الاستطاعة أن يؤجر نفسه للمساعدة في السفر بما تحصل به الاستطاعة لم يجب عليه القبول، لما تقرّر من أنّ تحصيل شرط الوجوب ليس بواجب.(1)
وقال النراقي: المصرَّح به في كلام الأكثر ـ هو ـ: الثاني، لأنّه مقدّمة الواجب المشروط، وتحصيلها غير واجب.(2)
وقال في الجواهر: إنّ المراد ممّا في المتن(الشرائع) وغيره الاستئجار بما يقتضي الاستطاعة، أو شرطه أو نحو ذلك، ممّا لا إشكال في عدم وجوب القبول عليه فيه، لأنّه تحصيل لشرط الوجوب فلا يجب، كما لا إشكال في الوجوب عليه بعد القبول لتحقّق الاستطاعة حينئذ.(3)
وخالف النراقي في مستنده القولَ المشهور، و ذهب إلى وجوب القبول، واستدلّ بوجهين:
1. صدق الاستطاعة، إذا كان ما استؤجر له ممّا لا يشق عليه ويتمشّى منه، و عندئذ ليس القبول مقدّمة للواجب المشروط، بل للمطلق، إذ يصير نظير اشتراء عين الزاد والراحلة .
2. انّه يملك منفعة بدنية، فيكون مستطيعاً، كمالك منفعة ضيعة تفي بمؤونة الحجّ عليه.
لا يقال: فعلى هذا يجب تحصيل مؤونة الحجّ على كلّ من قدر على الاكتساب، وتحصيل الاستطاعة، فيكون الحجّ واجباً مطلقاً.
لأنّا نقول: إن كان اقتداره بحيث تصدق معه الاستطاعة العرفية، فنسلِّم

1 . الحدائق:14/108.
2 . مستند الشيعة:11/54.
3 . الجواهر:17/269.

صفحه 255
المسألة55: يجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه للنيابة عن الغير. وإن حصلت الاستطاعة بمال الإجارة قدَّم الحجّ النيابيّ، فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه، وإلاّ فلا.*
الوجوب، وإلاّ فلا، وما ورد من الروايات في تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فالمراد ليس وجود عينها، بل أعمّ منها وممّا بإزائها، والمنفعة البدنية إنّما هي موجودة له، وهي بإزاء العين، فيصدق أنّه واجد.(1)
ولا يخفى ضعف الوجهين:
أمّا الأوّل: فنمنع صدق الاستطاعة، لوجود الفرق بين الهبة والمقام، ففي الأُولى يكفي قوله«قبلت» من دون طلب عمل وخدمة منه، بخلاف المقام فانّه يستتبع عمل جادّ طول سفر الحجّ، وهو تحصيل للاستطاعة قطعاً.
وأمّا الثاني: فلأنّ القدرة على العمل لا تعد ملكاً، وقياسه بملكية العقار والدواب قياس مع الفارق، لوجود الإضافة الاعتبارية في الثانية دون المقام .
فانّ القوّة البدنية تشكل جزءاً من واقع الإنسان لا شيئاً زائداً عليه.
أضف إلى ذلك ما ذكره السيد الخوئي من أنّه لو كان مالكاً لها، فلا يتوقف وجوب الحجّ عليه على طلب الاستئجار منه، بل يجب عليه بنفسه أن يتصدّى لذلك ويجعل نفسه معرضاً للإيجار(2) ، بل يجب عليه الحجّ إذا قدر بالعمل في الطريق بنحو من الأنحاء.
*سيوافيك في الفصل الرابع صحّة النيابة في الحجّ الواجب والمندوب وشروط النائب التي منها: خلوّ ذمّته من حجّ واجب عليه في عام النيابة بالأصالة،

1 . مستند الشيعة:11/54ـ55 بتصرّف.
2 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/197.

صفحه 256
أو بالاستئجار، أو بالإفساد، أو بغير ذلك، فلو وجب عليه حجّ في ذلك العام، لم يجز له أن ينوب عن غيره. وأمّا إذا كانت ذمّته فارغة من حجّ واجب، فله أن يؤجر نفسه للغير، وحينئذ لو استطاع، بعد إيجار نفسه للغير، يقدّم الحجّ الإجاري على الحجّ الواجب، لتعلّق حق الغير بأفعاله وأعماله، ويكون حكمه حكم الدين، فكما هو يمنع عن تعلّق الوجوب، فهكذا اشتغال ذمّته بحقّ الغير، وتعلّق حقّه بها، يمنع عن تعلق الوجوب.
وإن شئت قلت: إنّ وجوب تسليم ما عليه من الواجب ينافي وجوب الحجّ، نظير ما إذا أجّر نفسه لغير الحجّ، كبناء مجمّع يستغرق سنة، فالجميع من واد واحد.
وتدل عليه أيضاً صحيحة سعد بن أبي خلف قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن الرجل الصرورة، يحجّ عن الميّت؟ قال: «نعم، إذا لم يجد الصرورة ما يحجّ به عن نفسه، فإن كان له ما يحجّ به عن نفسه فليس يجزي عنه حتّى يحجّ من ماله».(1) وسيوافيك فقه الحديث في محلّه فانتظر.
ويترتّب على ذلك الفروع التالية:
1. لو صار نائباً في عام معيّن وتجدّدت بعد النيابة له الاستطاعة في نفس ذلك العام، تصحّ النيابة، ويحجّ للمنوب عنه، لأنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي، ويحجّ لنفسه في العام القابل إذا بقيت الاستطاعة.
2. إنّما يقدّم الحجّ النيابي على الحجّ الواجب بما إذا كان مقيّداً بالسنة التي حصلت الاستطاعة فيها بعد الإجارة، فلو استؤجر لعام بعده، يقدّم الحجّ الواجب .

1 . الوسائل: 8، الباب 5 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.

صفحه 257
3. لو كان ممّن استقرّ عليه الحجّ، وعجز عنه ولو مشياً و متسكّعاً، يجوز له الاستنابة في نفس العام، لسقوط الواجب فيه بالعجز، وإن كان ثابتاً في الذمّة، لكن يراعى في جواز استنابته ضيق الوقت بحيث لا يحتمل تجدد الاستطاعة عادة.(1)
ويبقى الكلام في الفرق بينه وبين المسألتين التاليتين:
1. فقد عرفت في المسألة 32 «إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين في عرفة، ثمّ حصلت الاستطاعة» فقد اختلفت كلمتهم في تقديم الحجّ أو النذر، والمصنف والسيد الحكيم على تقديم النذر، وأكثر المعلّقين على تقديم الحجّ تقدّماً تخصيصاً أو تخصصاً، ولكن الجميع اتّفقوا في المقام على تقديم الحجّ النيابي على الحجّ الواجب.
2. سيأتي في الفصل 3، المسألة17 من أنّه إذا نذر حجّاً في حال عدم الاستطاعة الشرعية، ثمّ حصلت له، فإن كان موسّعاً أو مقيّداً لسنة متأخرة قدّم حجّة الإسلام ـ إن نذر حجّاً غير حجّة الإسلام ـ لفوريتها، وإن كان مضيّقاً، فإن قيّده بسنة معيّنة وحصلت فيها الاستطاعة، فقد ذهب المصنف هناك بأنّه يقدم الحجّ المنذور، وذهب كثير من المعلّقين إلى تقديم حجّة الإسلام، إمّا لعدم الملاك في المنذور، لكشف الاستطاعة عن عدم كون المنذور مشروعاً حين العمل مع التقييد بتلك السنة، على قول، أو أنّه من قبيل المتزاحمين، فيقدّم الأقوى، وهو الحجّ الواجب بالذات بالنذر.
وحاصل السؤال: ما هو الفرق بين المقام ومسألة النذر في كلا المقامين حيث اتّفقت كلمتهم في المقام على الجواز، دون النذر؟

1 . لاحظ المدارك:7/109 والحدائق:14/240.

صفحه 258
والجواب واضح، لأنّ من يقدّم الحجّ على زيارة الحسين، أو الحجّ المنذور، هو إمّا لأجل فقدان المنذور الرجحان في مقام الامتثال، سواء كان المنذور، هو زيارة الحسين يوم عرفة، أو الحجّ النذري، فيكون التقديم تخصصياً، أو لاشتمال المنذور ـ سواء أكان زيارة الحسين أو الحجّ المنذورَ ـ على المصلحة بناءً على أنّ عدم مزاحمة المنذور لواجب فوري قيد عقلي، لا شرعي، فلا يوجب كونه فاقداً للملاك ، غاية الأمر يدخل المقام في باب التزاحم، فيقدّم الأقوى، فيكون التقديم تخصيصاً، كما قوّيناه.
وهذا بخلاف متعلّق الإجارة، وأمّا المقام فلو حصلت الاستطاعة بنفس النيابة على نحو لو حجّ حجّة الإسلام، لذهبت الاستطاعة ولم يقدر على الحجّ النيابي في العام القادم، فلا شكّ في عدم توجّه الإشكال، إذ لا استطاعة بالنسبة إلى الحجّ، حتّى يحتمل تقدّمه، لأنّ صرف مال الإجارة في الحجّ الواجب يوجب عجزه عن امتثال ما وجب عليه بالعقد الإجاري.
وإن شئت قلت: إنّ جواز الصرف يتوقّف على إذن المؤجر له، وإذنه في المقام يلازم انحلال عقد الإجارة، الملازم لعود المال إلى ملك المؤجر، وهو يلازم نفي الاستطاعة المستتبع لعدم وجوب حجّة الإسلام عليه.
نعم إنّما يرد الإشكال في موردين:
1. إذا استطاع بالأُجرة، على نحو تكفي للحجّ النيابي والحجّ الواجب، مع كون الأوّل مقيّداً بعام الاستطاعة.
2. إذا حصلت الاستطاعة بعد عقد الإجارة من طريق آخر، كموت المورث وغيره.
ففي هاتين الصورتين، يطرح السؤال الماضي وانّه أيُّ فرق بين النذر، والإجارة حيث يقدّم الحجّ على النذر، ولا يقدم على الإجارة؟

صفحه 259
المسألة56: إذا حجّ لنفسه أو عن غيره تبرّعاً أو بالإجارة مع عدم كونه مستطيعاً لا يكفيه عن حجّة الإسلام فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك، وما في بعض الأخبار من إجزائه عنها محمول على الإجزاء مادام فقيراً، كما صرّح به في بعضها الآخر، فالمستفاد منها أنّ حجّة الإسلام مستحبة على غير المستطيع، وواجبة على المستطيع، ويتحقّق الأوّل بأيّ وجه أتى به، ولو عن الغير تبرّعاً أو بالإجارة، ولا يتحقّق الثاني إلاّ مع حصول شرائط الوجوب.*
والجواب واضح، للفرق بين الإجارة والنذر، انّ وجوب الوفاء لا يحدث إلاّ حكماً تكليفيّاً وهو وجوب الوفاء بالنذر، ولا يحدث حكماً وضعيّاً بأن يكون عملُهُ عملَه وفعله ملكاً للغير، وهذا بخلاف المقام، فانّ وجوب تسليم ما عليه من الأعمال لغيره، أعني: المؤجر، ينافي وجوب الحجّ، فلو آجر نفسه لسائر الأعمال من البناء والخياطة، يتعلّق بهما حقّ الغير، ومعه كيف يجب الحجّ؟
* في المسألة فرعان:
1. إذا حجّ متسكّعاً لنفسه، وجب عليه الحجّ إذا استطاع.
2. إذا حجّ عن غيره تبرّعاً أو إجارة ـ مع عدم كونه مستطيعاً ـ يجب عليه الحجّ إذا استطاع.
أمّا الأوّل، فهو مورد اتّفاق بين الأصحاب، قال في الشرائع: «وكذا (لا يجزي) لو تكلّف الحجّ مع عدم الاستطاعة».(1)

1 . الشرائع:1/226.

صفحه 260
وقال في المدارك:وذلك لأنّ الحجّ على هذا الوجه مندوب، والمندوب لا يجزي عن الواجب.(1)
وقال في الجواهر: بلا خلاف أجده بيننا، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، وعلى عدم الإجزاء لو حجّ بنفسه غير مستطيع.(2)
والأولى الاستدلال بإطلاق الآية حيث إنّ مفادها، وجوب الحجّ على المستطيع سواء أحجّ متسكّعاً أم لا.
أمّا الثاني أعني إذا حجّ عن غيره تبرّعاً أو إجارة وهو غير مستطيع، فهل يغني عن حجّة الإسلام أو لا؟
قال المحقّق : ولو كان عاجزاً عن الحجّ، فحجّ عن غيره، لم يجزه عن فرضه، وكان عليه الحجّ إن وجد الاستطاعة.(3)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: فإن حجّ عن غيره لا يجزئه عن حجّة الإسلام، ولو أيسر يجب عليه الحجّ مع الاستطاعة، لأنّه الآن مستطيع للحجّ ولم يحجّ عن نفسه فيما تقدّم فيجب عليه الحجّ عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
ثمّ استدلّ برواية آدم بن علي الآتية(4) وكان عليه الاستدلال بإطلاق الآية الشامل لهذه الصورة، والمسألة مورد اتّفاق بين الأصحاب.(5)
وقال في الجواهر: إنّ المسألة من القطعيّات التي لا يقبل فيها أمثال ذلك (بعض الروايات)، ومن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين كصاحب

1 . المدارك:7/52.
2 . الجواهر:17/275.
3 . الشرائع:1/226.
4 . المنتهى:2/654.
5 . المدارك:7/50.

صفحه 261
الذخيرة بعد ذلك لهذه النصوص.(1)
وإطلاق الآية مع اتّفاق الأصحاب كافيان في ثبوت الحكم، وربّما يستدلّ أيضاً برواية آدم بن علي، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «من حجّ عن إنسان ولم يكن له مال يحجّ به، أجزأت عنه، حتّى يرزقه اللّه ما يحجّ به ويجب عليه الحجّ». (2)
وظاهر الرواية أنّه إذا وجب الحجّ على شخص ولم يحجّ و حجّ عن آخر متسكّعاً، أجزأت عن المنوب عنه، ولا يجزي عنه فلو استطاع وجب عليه الحجّ.
نعم في السند، محمد بن سهل بن اليسع الأشعري الذي ورد في سند 73 حديثاً روى عن الرضا وأبي جعفر(عليهما السلام) وله كتاب، وقال الطوسي: له مسائل عن الرضا، ولكن لم يوثّق وإن مال الوحيد إلى إثبات وثاقته.
وهو يروي عن آدم بن علي وهو مجهول لم يرد في حقّه شيء سوى انّه له روايتان في التهذيبين، فالرواية قاصرة عن كونها حجة، إلاّ إذا ثبت اعتماد الأصحاب عليه، لا على إطلاق الآية أو غيره من القواعد.
وفي مقابله، صحيحتا معاوية بن عمار.
1. حجّ الصرورة يجزي عنه وعمّن حجّ عنه.
حمله الشيخ وغيره على الإجزاء مادام معسراً، فإذا أيسر وجب عليه الحجّ، ويشهد له رواية آدم بن علي.
2. عن رجل حجّ عن غيره يجزيه ذلك عن حجّة الإسلام، قال: نعم.
وربما يحمل على الإجزاء عن المنوب عنه، لا النائب باحتمال رجوع قوله:

1 . الجواهر:17/272ـ273.
2 . الوسائل: 8، الباب21 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 262
المسألة57: يشترط في الاستطاعة مضافاً إلى مؤنة الذهاب والإياب ـ وجود ما يمون به عياله حتّى يرجع، فمع عدمه لا يكون مستطيعاً، والمراد بهم من يلزمه نفقته لزوماً عرفيّاً وإن لم يكن ممّن يجب عليه نفقته شرعاً على الأقوى، فإذا كان له أخ صغير أو كبير فقير لا يقدر على التكسّب وهو ملتزم بالإنفاق عليه أو كان متكفّلاً لإنفاق يتيم في حجره ولو أجنبيّ يعدّ عيالاً له فالمدار على العيال العرفيّ.*
«يجزيه» إلى المنوب عنه، وهو خلاف الظاهر.
ولولا إطلاق الآية واتّفاق الأصحاب على الإجزاء لكان مقتضى القاعدة الإفتاء بمضمون الصحيحتين وحمل رواية آدم بن علي، على الاستحباب كما هو الحال في سائر الموارد.
* والمسألة مورد اتّفاق بين الفريقين و لذا لم يذكرها الشيخ في «الخلاف»، لعدم الخلاف فيها بين الفقهاء، و في الوقت نفسه ذكر الرجوع إلى كفاية زائداً على الزاد والراحلة، لأنّه موضع خلاف بينهم.
قال المحقّق: الرابع: أن يكون له ما يموّن عياله حتّى يرجع، فاضلاً عمّا يحتاج إليه ـ من مصارف حجّه ـ .(1)
وقال العلاّمة: ويشترط أن يكون له مال يصرفه في مؤونة سفره ذهاباً وعوداً ومؤونة عياله الذين تلزمه نفقتهم على الاقتصاد.(2) ويدلّ عليه أُمور:

1 . الشرائع:1/226.
2 . التذكرة7/57.

صفحه 263
1. عدم صدق الاستطاعة بدون ذلك، فإذا كان الحجّ مفوّتاً لحقوق من يجب عليه مؤونتهم، لا يصدق انّه مستطيع، لماعرفت من أنّ الاستطاعة عبارة عن تملّك المال الزائد عن مؤنة الحضر.
2. ما دلّ عليه غير واحد من الروايات (1) من تفسير الاستطاعة «بما يحجّ به» لانصرافه إلى المال الزائد عن نفقة نفسه وعياله.
3. التنصيص به في غير واحد من الروايات.
1. خبر أبي الربيع الشامي ـ واسمه خليد بن أوفى ـ سُئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وللّه عَلى النّاس حِجُّ البَيْتِ مَنِ استَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)ـ إلى أن قال: ـ فقيل له (لأبي جعفر): فما السبيل؟ قال: «السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقي بعضاً لقوت عياله».(2) وأبو الربيع الشامي لم يوثّق وله في الكتب الأربعة 81 رواية.
2. خبر عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: «ذلك القوة في المال واليسار».(3)
3. خبر الأعمش، عن جعفر بن محمد(عليه السلام) في تفسير الاستطاعة: «وهو الزاد والراحلة مع صحّة البدن، وأن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجّه».(4) وتضافر الروايات، يجلب ثقة الإنسان بالحكم.
ثمّ إنّه يقع الكلام فيما هو المراد من العيال فهل المراد من تجب نفقتهم عليه شرعاً، كالأبوين والأولاد، أو يعمّ من يلزمه نفقتهم لزوماً عرفياً وأخلاقياً، الظاهر هو الثاني وذلك للوجوه التالية:

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
2 . الوسائل: 8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، 3، 4.
3 . الوسائل: 8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، 3، 4.
4 . الوسائل: 8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، 3، 4.

صفحه 264
المسألة58: الأقوى وفاقاً لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلى كفاية من تجارة أو زراعة أو صناعة أو منفعة ملك له من بستان أو دكّان أو نحو ذلك، بحيث لا يحتاج إلى التكفّف، ولا يقع في الشدّة والحرج، ويكفي كونه قادراً على التكسّب اللائق به أو التجارة باعتباره ووجاهته، وإن لم يكن له رأس مال يتّجر به.
نعم قد مرّ عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذليّة، ولا يبعد عدم اعتباره ـ أيضاً ـ فيمن يمضي أمره بالوجوه اللائقة به، كطلبة العلم من السادة وغيرهم، فإذا حصل لهم مقدار مؤنة الذهاب والإياب ومؤنة عيالهم إلى حال الرجوع وجب عليهم، بل وكذا الفقير الّذي عادته وشغله أخذ الوجوه ولا يقدر على التكسّب إذا حصل له مقدار مؤنة الذهاب والإياب له ولعياله، وكذا كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ وبعده إذا صرف ما حصل له من مقدار مؤنة الذهاب والإياب من دون حرج عليه.*
1. عدم صدق الاستطاعة، لأنّها عبارة عن وجود مال زائد عن مؤونة الحضر، والمفروض انّ الإنفاق على هؤلاء من مؤونة الحضر.
2. إطلاق الروايات، ففي رواية أبي الربيع:«قدر ما يقوت عياله»، وفي خبر الأعمش:«أن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله».
ويؤيّد ذلك، انّ العيال في باب الفطرة، مطلق من يُنفَق عليه، حتّى الضيف النازل بيت الإنسان، مدة يصدق انّه عيال عليه.
* «الرجوع إلى كفاية» من المسائل التي اختلفت فيه كلمة الفقهاء، فالسنّة على عدم كونه شرطاً، وأمّا الشيعة فالأكثر على الاعتبار، قال الشيخ في

صفحه 265
«الخلاف»:من شروط وجوب الحجّ، الرجوع إلى كفاية زائداً على الزاد والراحلة، ولم يعتبر ذلك أحد من الفقهاء إلاّ ما حكي عن ابن سريج أنّه قال: لو كانت له بضاعة يتّجر بها، ويربح قدر كفايته، اعتبرنا الزاد والراحلة في الفاضل عنها، ولا يحجّ ببضاعته، وخالفه جميع أصحاب الشافعي.(1)
وعلى كلّ تقدير فالمشهور بين قدماء الأصحاب هو الاشتراط.
1. قال المفيد: الاستطاعة عند آل محمّد(عليهم السلام) للحجّ بعد كمال العقل... وحصول ما يلجأ إليه في سد الخلّة من صناعة يعود إليها في اكتسابه أو ما ينوب عنها من متاع أو عقار أو مال.(2)
2. وقال أبو الصلاح: وجود الزاد والراحلة، والكفاية له ولمن يعول، والعود إلى كفاية من صناعة أو تجارة أو غير ذلك.(3)
3. وقال الشيخ في نهايته: والاستطاعة هي الزاد والراحلة والرجوع إلى كفاية.(4)
4. وقال ابن زهرة: فشرائط وجوب حجّ الإسلام: الحرية،... والعود إلى كفاية من صناعة أو غيرها بدليل الإجماع المتردد وعدم القول بالفصل بين شرطية النفقة لعياله إلى عوده، والعود إلى كفاية لأنّ أحداً من الأُمّة لم يفرّق بين الأمرين.(5)
5. وقال الكيدري: ومن شرائط وجوبه... العود إلى كفاية.(6)
6. وقال ابن حمزة: يجب الحجّ والعمرة باجتماع تسعة شروط والرجل والمرأة

1 . الخلاف:2/245، كتاب الحجّ، المسألة2.
2 . المقنعة:384.
3 . الكافي في الفقه:192.
4 . النهاية:203.
5 . الغنية:1/152ـ153 بتصرف.
6 . إصباح الشيعة:150.

صفحه 266
فيها سواء، وهي: البلوغ... والرجوع إلى كفاية من المال أوالصنعة أو الحرفة.(1)
7. وقال ابن سعيد: ووجوبهما ـ الحجّ والعمرة ـ على الفور... على كلّ إنسان... واجد للزاد والراحلة ـ إلى أن قال ـ : راجع إلى كفاية من مال أو ضيعة أو حرفة.(2)
وهذا ونقله السيد المرتضى عن الأكثر قال: إنّ كثيراً من أصحابنا ذهبوا إليه.(3)
وقال الشهيد: وهو المشهور بين المتقدّمين.(4)
وقال في المسالك: وهو مذهب أكثر المتقدّمين.(5)
ومع ذلك فليست المسألة مورد اتّفاق، فلم يذكره ابن أبي عقيل ولا ابن الجنيد ونقله المرتضى عن الأكثر، المعرب عن وجود الخلاف.
وأمّا مَن خالف الرأي المشهور ـ بعد عصر المرتضى ـ هو ابن إدريس في سرائره وقال: ولم يذكر فيها ـ الروايات ـ الرجوع إلى كفاية إلاّ في خبر أبي الربيع الشامي، فإنّ فيه اشتباهاً على غير الناقد المتأمّل، بل عند تحقيقه ونقده هو موافق لغيره من الأخبار التي اعتمد شيخنا عليها .(6)
ورجح المحقّق عدم الشرطية في الشرائع وقال: وهل الرجوع إلى الكفاية من صناعة أو مال أو حرفة شرط في وجوب الحجّ؟ قيل نعم، لرواية أبي الربيع، وقيل:لا، عملاً بعموم الآية. وهو الأولى.(7)

1 . الوسيلة:155.
2 . الجامع للشرائع: 173.
3 . الجمل والعقود:127.
4 . الروضة:2/168.
5 . المسالك:2/149.
6 . السرائر:1/511.
7 . الشرائع:1/228.

صفحه 267
وتبعه العلاّمة في «التذكرة» وقال: أكثر علمائنا: لا يشترط الرجوع إلى كفاية ـ وهو قول الشافعي ـ و هو المعتمد، لأنّه مستطيع بوجود الزاد والراحلة ونفقته ونفقة عياله ذهاباً وعوداً. ورواية أبي الربيع لا حجّة فيها على ما قالوه، والمشقة ممنوعة، فإنّ اللّه هو الرازق.(1)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: إذا كان له بضاعة يكفيه ربحها أو ضيعة يكفيه غلّتها، فهل يجب بيعها للحجّ وصرف البضاعة إليه، الذي نختاره نحن لزوم الحجّ إذا كان فيه قدر الكفاية لذهابه وعوده ونفقة عياله، وبه قال أبو حنيفة.(2)
واختاره في «المختلف» وقال: والسيد المرتضى نقل أنّ كثيراً من أصحابنا ذهبوا إليه، والأقرب عندي ما اختاره السيد المرتضى. واستدلّ بعموم قوله تعالى: (مَنِ اسْتطاع إِليهِ سَبيلاً)وهذا مستطيع.(3)
وفي «المسالك»: والأصحّ عدم اعتبارها، وهو المشهور بين المتأخرين، لتحقّق الاستطاعة التي هي الشرط في الآية والأخبار. والرواية لا دلالة فيها على مطلوبهم، بل ظاهرها اعتبار المؤونة ذاهباً وعائداً ومؤونة عياله كذلك.(4)
ثمّ إنّ القائلين بالشرطية على قولين:
1. انّ الرجوع إلى كفاية، من صميم الاستطاعة، فلولاه لما صدقت الاستطاعة، ولا يدور الحكم مدار العسر والحرج.
2. اعتباره لأجل أدلّة الحرج، إذ لولاه يقع في الحرج والمشقة وذلك منفيّ في الشريعة ولذا لا يعتبر ذلك في الحجّ البذلي.(5) وعلى هذا يدور الجواز وعدمه، مدار

1 . التذكرة:7/58.
2 . المنتهى:2/654.
3 . المختلف:4/6.
4 . المسالك:2/149ـ150.
5 . معتمد العروة:1/202.

صفحه 268
العسر والحرج.
هذا ما عند الشيعة وأمّا السنّة، فيظهر من الخلاف سكوت الباقين عن هذا الشرط سوى ابن سريج من الشافعية، لكن الظاهر من كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» اعتباره عند الحنفية والحنابلة، دون المالكية.
قالت الحنفية: الاستطاعة هي القدرة على الزاد والراحلة بشرط أن يكونا زائدين عن حاجياته الأصلية، كالدين الذي عليه، والمسكن، والملبس، والمواشي اللازمة له، وآلات الحرفة والسلاح وأن يكونا زائدتين عن نفقة من تلزمه نفقتهم مدّة غيابه إلى أن يعود.(1) فانّ المواشي اللازمة، وآلات الحرفة كناية عن الرجوع إلى كفاية.
ويستفاد لزومه أيضاً من كلام الحنابلة في تفسير الاستطاعة قالوا: الاستطاعة هي القدرة على الزاد والراحلة ـ إلى أن قال: ـ ونفقة عياله على الدوام.(2)
نعم شددت المالكية في ذلك وقالوا: الاستطاعة هي إمكان الوصول إلى مكة ومواضع النسك إمكاناً مادياً، سواء كان ماشياً، أو راكباً ـ إلى أن قالوا: ـ وإذا لم يوجد عند الشخص إلاّ ما يباع على المفلّس، كالعقار والماشية والثياب التي للزينة وكتب العلم وآلة الصائغ وجب عليه الحجّ، لأنّه مستطيع.(3)
ثمّ إنّ المصنّف ذكر في المسألة فروعاً أربعة:
1. اشتراط الرجوع إلى كفاية.

1 . الفقه على المذاهب الأربعة: 1/633.
2 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/635.
3 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/624.

صفحه 269
2. عدم اشتراطه في الاستطاعة البذلية.
3. عدم اعتباره فيمن يمضي أمره بالوجوه اللائقة.
4. عدم اعتباره في الفقير الذي عادته وشغله أخذ الوجوه إذا حصل له مقدار مؤنة الذهاب والإياب له ولعياله.
فلندرس أحكام الفروع.
أمّا الأوّل: فقد استدلّ القائلون بالاشتراط ـ بعد الآية المباركة ـ بروايات:
1. خبر أبي الربيع الشامي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع الشّاميّ، قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عز ّوجلّ: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)فقال: «ما يقول النّاس؟» قال: فقلت له: الزّاد والرّاحلة، قال: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) : «قد سُئل أبو جعفر(عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذاً، لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليه(1) فيسلبهم(2) إيّاه لقد هلكوا إذاً». أمّا فقه الحديث فقد فسّره بقوله: «ينطلق إليه» أي إلى الحجّ«فيسلبهم إيّاه» يعني يسلب عياله ما يقوتون به «لقد هلكوا» يعني عياله. وفي بعض النسخ ]ينطلق إليهم[. فمعنى الحديث: لئن كان من كان له قدر ما يقوت عياله فحسب وجب عليه أن ينفق ذلك في الزاد والراحلة، ثمّ ينطلق إلى الناس يسألهم قوت عياله لهلك الناس إذاً. والأوّل أصوب وأصحّ وأوضح.
فقيل له: فما السّبيل؟ قال: فقال: «السّعة في المال إذا كان يحجّ ببعض

1 . إلى الحجّ.
2 . يسلب العائلة نفقتهم فيصرفها في الحجّ.

صفحه 270
و يبقي بعضاً يقوت به عياله، أليس قد فرض اللّه الزّكاة فلم يجعلها إلاّ على من يملك مائتي درهم».(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ في السند خالد بن جرير، وأبا الربيع الشامي(خليد بن أوفى) وقد ورد الأوّل في 55 سنداً، والثاني في 81 سنداً.
وثانياً: أنّ المروي في الكافي يدلّ على شرطية نفقة عياله، وانّه ليس له أن يسلب نفقتهم، ليصرفها في الحجّ، لئلا يهلكوا، وأمّا الرجوع إلى الكفاية فليس فيها دلالة عليه.
نعم حسب ما رواه المفيد في «المقنعة»، يستفاد منه لزوم وجود ما يرجع إليه بعد العود من الحجّ، وإليك نصّ ما رواه في «المقنعة»: روى أبو الرّبيع الشّاميّ عن الصّادق(عليه السلام) قال: سئل عن قول اللّه عزّ وجلّ: (مَنِ استَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)؟ قال: ما يقول فيها هؤلاء؟ فقيل له: يقولون الزّاد والرّاحلة، فقال(عليه السلام): قد قيل ذلك لأبي جعفر(عليه السلام) ، فقال: هلك النّاس إذا كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما، أو مقدار ذلك ممّا يقوت به عياله، ويستغني به عن النّاس فقد وجب عليه أن يحجّ بذلك، ثمّ يرجع فيسأل النّاس بكفّه لقد هلك إذاً. فقيل له: فما السّبيل عندك؟ فقال: السّعة في المال. وهو: أن يكون معه ما يحجّ ببعضه، ويبقي بعض يقوت به نفسه وعياله.
ثمّ قال: أليس قد فرض اللّه الزّكاة فلم يجعلها إلاّ على، من يملك مائتي درهم.(2)

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
2 . المقنعة:384، باب وجوب الحجّ.

صفحه 271
فانّ قوله: «هلك الناس إذا كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما» راجع إلى نفقة العيال.
كما أنّ قوله: «أو مقدار ذلك ممّا يقوت به عياله ويستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحجّ بذلك ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذاً» ناظر إلى شرطية الرجوع إلى كفاية.
فالروايتان مختلفتان من حيث الزيادة والنقيصة، وإذا دار الأمر بينهما، فاحتمال النقيصة أولى.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الحكيم حيث قال: وأمّا المرسل في «المقنعة» فالموثوق به أنّه عين الخبر المذكور، وحينئذ يشكل الاستدلال به للتعارض في النقل.(1)
نعم نقل صاحب الوسائل عبارة «المقنعة»، بصورة ناقصة ربما أوهم ذلك؟ ولو رجع إلى نفس الكتاب يظهر انّ الاختلاف في النقيصة والزيادة، والأوّل يؤكد على الشرط الواحد، والثانية على شرطين، ومثل ذلك لا يوصف بالتعارض في النقل.
2. خبر عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) حيث فسرت الاستطاعة فيه بالقوة في المال واليسار(2)، الملازمة للرجوع إلى كفاية.
3. خبر الأعمش: عن جعفر بن محمد في حديث شرائع الدين: «و أن

1 . المستمسك:10/162.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث 3.

صفحه 272
يكون للإنسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجّه».(1)
4. مرسل «مجمع البيان»، فانّ المروي عن أئمّتنا انّه الزاد والراحلة ونفقة من تلزمه نفقته، والرجوع إلى كفاية إمّا من مال، أو ضياع أو حرفة...(2)
والذي يقرِّب شرطية الرجوع إلى كفاية هو انّ الوجه في لزوم وجود النفقة للعيال مدة حياته، هو انّه لولاه لهلكوا، فليس له سلب نفقتهم، للحجّ به، وهذا الوجه موجود بنحو فيما إذا رجع وليس له كفاية، وليس المراد من الهلاك هو المعنى الحقيقي ـ كما هو الظاهر من السيد الحكيم ـ بل الهلاك العرفي، بمعنى الضيق في الحياة، هذا ولعلّ ضعف الروايات، منجبر بعمل جمع من قدماء الأصحاب بها كما لا يخفى.
فإن قلت: إنّ منصرف حديث أبي الربيع، صورة العجز على نحو يؤدي إلى الهلاك فلا يدلّ على القول المعروف بين القدماء.(3)
قلت: الإشكال مبنيّ على تفسير الهلاك بالمعنى اللغوي المساوق للموت، وهو بعيد جدّاً، إذ غاية ما يستلزم عدم الرجوع إلى كفاية هو وقوعهم في صف الفقراء وقلّما يتّفق لفقير أن يموت جوعاً لأجل عدم الرجوع إلى كفاية، بل الظاهر هو الهلاك العرفي، أي الحياة مع المشقة.
فإن قلت: إنّ المراد بالكفاية على تقدير القول بها، مؤنة السنة فعلاً، أو قوّة لأنّه الغنى شرعاً، ومستلزم لعدم السؤال بالكف المذكور في دليله.(4)

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث 4، 5.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث 4، 5.
3 . المستمسك:10/162.
4 . مجمع الفائدة والبرهان:6/58.

صفحه 273
قلت: تحديد الغناء بمؤونة السنة فعلاً أو قوّة، تفسير شرعي يختصّ بباب الزكاة ولا يكون دليلاً على المراد به في عامة الموارد، بشهادة انّ الأصحاب لم يفهموا منه ذلك، وفسروه بالضيعة والصنعة وغير ذلك، وعلى ذلك فلو بقى عنده، ما يكفيه تمام السنة ولكن يصير بعده متكففاً سائلاً الناس، فهو غير مستطيع، نعم الميزان في ملك مؤونة حياته في المستقبل فعلاً أو قوة هو المعايير العقلائية، فلو كان عاملاً ماهراً يبذل بازاء عمله، الثمن الكافي لحياته وحياة عائلته، فهو مستطيع.
فلو كان فيما ذكرنا من الروايات والمؤيّدات كفاية فنعم المراد، وإلاّ فتصل النوبة إلى الأُصول العملية والمرجع هو أصالة البراءة من وجوب الحجّ.
فإن قلت: إنّ الشكّ في وجوب الحجّ وعدمه مسبب عن الشكّ في شرطية الرجوع إلى الكفاية، فالأصل عدمها، فيكون حاكماً على الأصل المسببي.
قلت: إنّ وجوب الحجّ مترتّب على عنوان الاستطاعة، واستصحاب عدم شرطية الرجوع إلى كفاية، لا يثبت عنوان الاستطاعة حتّى يترتّب عليها الوجوب لكونه مثبتاً، فتجري أصالة البراءة بلا معارض.
الفرع الثاني: لا يعتبر الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذلية، لأنّ المتبادر من الآية، هو الاستطاعة المالية، غير أنّ الرواية فسّرتها بوجه أعمّ على نحو يعمّ الاستطاعة البذلية فمقتضى إطلاق رواياتها، هو كفاية نفقة الذهاب والإياب فقط، دون شرطية بذل النفقة لعياله، أو الرجوع إلى كفاية، وذلك لأنّ البذل لا يخرجه عمّا كان عليه، فمن كان فاقداً لكلا الأمرين يكون بعد البذل كذلك أيضاً.
نعم لو لم يكن له عمل أو كسب إلاّ في فصول خاصة وقد تزامنت أيّام

صفحه 274
السفر إلى الحجّ، على نحو لو ذهب إلى الحجّ لاختلّت معيشته ومعيشة عياله، لم يجب الحجّ عليه بالبذل إلاّ إذا بذل نفقة العيال.
الفرع الثالث: من يعيش بالوجوه اللائقة ـ كطلبة العلم من السادة وغيرهمـ فحصل لهم مقدار مؤونة الذهاب والإياب ومؤونة عيالهم إلى حال الرجوع ، فهل يجب عليهم ، ظاهر المصنف والمشايخ الوجوب، وهو صحيح إذا لم يحاول الاكتساب به والغناء عن الوجوه والخروج عن عنوان الفقر، وأمّا إذا حاول الاكتساب به حتّى يستغني عن الوجوه، فالقول بالوجوب لا يخلو من إشكال لاحتمال عدم صدق الاستطاعة.
الفرع الرابع: الفقير الذي عادته وشغله أخذ الوجوه، ولا يقدر على التكسب إذا حصل له مقدار مؤونة الذهاب والإياب له ولعياله. يجري فيه ما ذكرناه في الفرع الثالث.
وبالجملة كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ وبعده، إذا صرف ما حصل له لما يكفي مؤونة الذهاب والإياب من دون حرج عليه يجب عليه الحجّ.

صفحه 275
المسألة 59: لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده ويحجّ به، كما لا يجب على الوالد أن يبذل له، وكذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده ليحجّ به، وكذا لا يجوز للوالد الأخذ من مال ولده للحجّ، والقول بجواز ذلك أو وجوبه ـ كما عن الشيخ ـ ضعيف، وإن كان يدلّ عليه صحيح سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم يحجّ منه حجّة الإسلام، قلت: وينفق منه؟ قال: نعم، ثمّ قال: إنّ مال الولد لوالده، إنّ رجلاً اختصم هو ووالده إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقضى أنّ المال والولد للوالد. وذلك لإعراض الأصحاب عنه، مع إمكان حمله على الاقتراض من ماله مع استطاعته من مال نفسه، أو على ما إذا كان فقيراً وكانت نفقته على ولده ولم يكن نفقة السفر إلى الحجّ أزيد من نفقته في الحضر، إذ الظاهر الوجوب حينئذ.*
* في المسألة فرعان:
1. حجّ الوالد من مال ولده.
2. حجّ الولد من مال والده.
أمّا الأوّل فقد ذهب المفيد في المقنعة، والشيخ في الكتب الثلاثة: الخلاف والنهاية والمبسوط والقاضي في المهذب إلى وجوب الأخذ من مال ولده.
قال المفيد: وإن كان الرجل لا مال له ولولده مال، فإنّه يأخذ من مال ولده ما يحجّ به من غير إسراف ولا تقتير.(1)

1 . لاحظ التهذيب:5/15ح43، وليس موجوداً في المقنعة المطبوعة.

صفحه 276
2. وقال الشيخ في «الخلاف»: إذا كان لولده مال، روى أصحابنا انّه يجب عليه الحجّ، ويأخذ منه قدر كفايته ويحجّ به، وليس للولد الامتناع منه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.(1)
3. وقال في «النهاية»: ومَن لم يملك الاستطاعة وكان له ولد له مال، وجب عليه أن يأخذ من مال ابنه قدر ما يحجّ به على الاقتصاد، ويحجّ.(2)
4. وقال في «المبسوط»: وقد روى أصحابنا أنّه إذا كان له ولد، له مال وجب عليه أن يأخذ من ماله ما يحجّ به، ويجب عليه إعطاؤه.(3)
5. وقال القاضي: ومن لم يقدر على الزاد والراحلة، وكان له ولد له مال، جاز له أن يأخذ من ماله مقدار ما يحجّ به على الاقتصاد.(4)
والظاهر من الشيخ وجوب الأخذ، ومن القاضي جوازه وفي «الجواهر»: لم نعرف من وافقه على ذلك غير المفيد.(5)
وعلى كلّ تقدير فالأشهر بل المشهور حسب تعبير «الجواهر»(6) هو عدم الجواز، وليس في المسألة إجماع، إنّما صدر الشيخ عن صحيح سعيد بن يسار كما سيوافيك. نعم خالف ابن إدريس والمحقّق والعلاّمة وغيرهم.
6. قال ابن إدريسـ بعد عنوان المسألة بما في نهاية الشيخ ـ: ذكر هذا

1 . الخلاف:2/250، كتاب الحجّ، المسألة8.
2 . النهاية:204.
3 . المبسوط:1/299.
4 . المهذب:1/267.
5 . الجواهر:17/277.
6 . الجواهر:17/275.

صفحه 277
شيخنا أبو جعفر في نهايته، ورجع عنه في استبصاره، ورجوعه عنه هو الصحيح، وإنّما أورده إيراداً في نهايته لا اعتقاداً.(1)
7. قال العلاّمة في «المختلف» بعد نقل كلام ابن إدريس: وكان والدي(رحمه الله) يختار ما ذهب إليه ابن إدريس، وهو الحقّ.(2)
8. وقال المحقّق: لا يجب على الولد، بذل ماله لوالده في الحجّ.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات الدالّة على عدم الوجوب أو عدم الجواز، والدليل الوحيد للمسألة، هو ما رواه الشيخ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: الرجل يحجّ من مال ابنه وهو صغير، قال: «نعم يحجّ منه حجّة الإسلام»، قلت: وينفق منه؟ قال: «نعم»، ثمّ قال: «إنّ مال الولد، للوالد، إنّ رجلاً اختصم هو ووالده إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقضى انّ المال والولد للوالد».(4)
وحملها على من يقترض من مال ولده ويحجّ، أو على من وجب عليه الحجّ أوّلاً واستقر في ذمّته وفرّط فيه ثمّ تمكن من الاقتراض من مال ولده، فإنّه يلزمه ذلك، ثمّ قال: وعلى كلا التقديرين يسقط الاحتجاج بالرواية.
واعترض عليه صاحب المدارك قائلاً: وهذا الحمل بعيد جداً لمنافاته لما تضمنته الرواية من قضاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، و كيف كان فالأصحّ ما ذهب إليه المتأخرون، لأنّ هذه الرواية لا تبلغ حجة في إثبات هذا الحكم المخالف للأدلة القطعية.(5)

1 . السرائر:1/517.
2 . المختلف:4/9.
3 . الشرائع:1/226.
4 . الوسائل:8، الباب36 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1.
5 . المدارك:7/53.

صفحه 278
كما اعترض على هذا الحمل صاحب الذخيرة قال: والعدول عن ظاهر الصحيحة لا يخلو من إشكال.(1)
وربما حُملت الرواية على الاستحباب.(2)
أقول: أمّا أخذ الولد من مال والده بلا إذن، فقد تضافرت الروايات على المنع عنه; ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«أنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذنه».(3)
وصحيحة سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:« وليس للولد، أن يأخذ من مال والده إلاّ بإذنه».(4)
إنّما الكلام في جواز أو وجوب أخذ الوالد من مال ابنه، فقد ذهب الشيخ تبعاً للمفيد إلى وجوب الأخذ استناداً إلى الصحيحة، ولكنّها لا تدلّ على مختار الشيخ من وجهين:
1. انّ السؤال عن جواز الأخذ والجواب بجوازه، لا الوجوب كما عليه الشيخ.
2. انّ مورد السؤال، هو مال الصغير الذي اتّفق الأصحاب على جواز التصرّف فيه والأكل منه بالمعروف، قال سبحانه: (وَمَنْ كانَ فَقيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)(5) إمّا مطلقاً أو في مقابل ما يقوم به من الأعمال في مال اليتيم.
نعم ذيل الحديث يدلّ على أنّه يتصرف في مال الولد لا من باب الولاية، بل من باب حكم الشارع بذلك، فيجب عليه الحجّ، لأنّه ذو مال والإفتاء بذلك

1 . نقله عنه البحراني في الحدائق:14/110.
2 . التذكرة:7/62.
3 . الوسائل: 12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و4.
4 . الوسائل: 12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و4.
5 . النساء:6.

صفحه 279
مبني على دراسة المسألة بوجه أوسع من الحجّ حيث اختلفت الروايات في جواز أخذ الوالد من مال ابنه بغير إذنه أو وطء جاريته كذلك ـ إذا لم يدخل بها ـ و صحيحة سعيد بن يسار جزء من هذه الروايات، واللازم هو طرح المسألة على صعيد أوسع كما فعل المحدث البحراني في حدائقه.(1)
أقول: إنّ الروايات الواردة في جواز تصرّف الأب في مال الولد على طوائف ثلاث، لا يعلم حالها إلاّ بسردها تحت عناوين خاصة.

1. ما يدلّ على جواز التصرّف مطلقاً

هناك روايات تدلّ على جواز التصرّف مطلقاً، سواء كان الوالد محتاجاً أو غير محتاج.
1. صحيح سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أيحجّ الرجل من مال ابنه وهو صغير؟ قال: «نعم»، قلت: يحجّ حجّة الإسلام وينفق منه؟ قال: «نعم بالمعروف» ثمّ قال: «نعم، يحجّ منه وينفق منه، انّ مال الولد للوالد وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلاّ بإذنه».(2)
2. رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يكون لولده مال فأحبّ أن يأخذ منه، قال: «فليأخذ وإن كانت أُمّه حيّة فما أُحبُّ أن تأخذ منه شيئاً إلاّ قرضاً على نفسها».(3)
3. ما رواه الصدوق عن محمد بن سنان انّ الرضا(عليه السلام) كتب إليه فيما كتب

1 . الحدائق:14/110.
2 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
3 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7.

صفحه 280
من جواب مسائله: «وعلّة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه وليس ذلك للولد، لأنّ الولد موهوب للوالد في قوله عز ّوجلّ:(يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُور) (1) مع أنّه المأخوذ بمؤنته صغيراً وكبيراً، والمنسوب إليه والمدعو له لقوله عزّوجلّ: (ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّه)(2) ولقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنت ومالك لأبيك» وليس للوالدة مثل ذلك، لا تأخذ من ماله شيئاً إلاّ بإذنه أو بإذن الأب، ولأنّ الوالد مأخوذ بنفقة الولد، ولا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها».(3)
4. ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يكون لولده الجارية أيطأها؟ قال: «إن أحبّ، وإن كان لولده مال وأحبّ أن يأخذ منه فليأخذ ،وإن كانت الأُمّ حية فلا أحبّ أن تأخذ منه شيئاً إلاّ قرضاً».(4)
5. صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه؟ قال: «يأكل منه ما شاء من غير سرف».
وقال:«في كتاب عليّ: إنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذنه والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء.
وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها، وذكر أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك».(5) وقيد الحاجة ورد في كلام الراوي دون

1 . الشورى:49.
2 . الأحزاب:5.
3 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث9.
4 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث10.
5 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 281
الإمام، ولأجله عدّت من الطائفة الأُولى، وله بهذا المضمون رواية أُخرى.(1)
6. موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه؟ قال: «نعم، وإن كان له جارية فأراد أن ينكحها، قوّمها على نفسه ويعلن ذلك»، قال: «وإن كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها ما لم يمسّها الابن».(2)

2. ما يدلّ على جواز الأخذ عند الحاجة

هناك روايات تدلّ على جواز الأخذ عند الحاجة، نظير:
1. ما رواه حسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر(عليه السلام): «انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك، ثمّ قال: ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابدّ منه، انّ اللّه لا يحب الفساد».(3)
2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سألته ـ يعني أبا عبد اللّه(عليه السلام) ـ ماذا يحل للوالد من مال ولده؟ قال: «أمّا إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئاً»... إلى أن قال: وسألته عن الوالد أيرزأ(4) من مال ولده شيئاً، قال: «نعم».(5)

3. ما يدلّ على جواز الأخذ عند الاضطرار

هناك طائفة ثالثة تدلّ على جواز التصرّف عند الاضطرار، نظير:

1 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5 فلاحظ.
2 . الوسائل:12، الباب79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
3 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
4 . يقال رزأه ماله رزأ: أصاب منه شيئاً.
5 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

صفحه 282
1. ما رواه علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم، قال: سألته عن الرجل، يأكل من مال ولده، قال: «لا، إلاّ أن يضطرّ إليه فيأكل منه بالمعروف ولا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذن والده».(1)
2. ما رواه الحسين بن أبي العلاء، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: «قوته بغير سرف إذا اضطرّ إليه»، قال: فقلت له: فقول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) للرجل الذي أتاه فقدّم أباه، فقال له: أنت ومالك لأبيك، فقال: «إنّما جاء بأبيه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن أُمّي، فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، وقال: أنت ومالك لأبيك، ولم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يحبس الأب للابن؟!».(2)
هذه عمدة ما ورد في الموضوع، وإليك إيضاحه، فنقول:
أوّلاً: انّ الطائفة الأُولى تدلّ على جواز التصرّف مطلقاً فهي تقيّد بالطائفة الثانية الدالّة على أنّ جواز التصرّف مقيّد بالحاجة، كما أنّ الطائفة الثالثة تُفسّر بالطائفة الثانية بحمل الاضطرار على الحاجة التي هي اضطرار عرفي وإن لم يكن اضطراراً عقلياً.
ثانياً: على ضوء ما ذكرنا من اختصاص جواز التصرّف بصورة الحاجة لا يمكن المساعدة مع رواية سعيد بن يسار، فإنّ الحجّ ليس من الضروريات حتّى يتصرّف في مال الولد.
اللّهمّ إلاّ إذا حملت الرواية على من استقرّ عليه الحجّ وزالت الاستطاعة فلم يكن له محيص إلاّ التصرّف في مال الولد، أو حملت على ما إذا كانت نفقة

1 . الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
2 . الوسائل:12 ، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8.

صفحه 283
السفر مساوية لنفقة الحضر أو غير ذلك، وإلاّ فالرواية التي أعرض عنها الأصحاب، ساقطة عن الحجّية.
ثالثاً: انّ تملك الوالد أمة الولد إذا لم يمسّها بلا إذن الولد ممّا ورد فيه الرواية الصحيحةـ أعني: صحيحة إسحاق بن عمّار ـ لكن بالتقويم وهو كاشف عن عدم كونها ملكاً ومالاً للوالد، غاية الأمر له الولاية على أخذ الجارية بعد التقويم، وهل هو مقيّد بصورة الحاجة أو لا؟ وفقدان الموضوع في الوقت الحاضر يغنينا عن إفاضة البحث فيه.
رابعاً: انّ الناظر في روايات الباب يرى فيها اضطراباً في المتن ووجهه: انّ المحدّثين نقلوا عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قوله:«أنت ومالك لأبيك» فصار ذلك ذريعة فقهاء السنة بجواز تصرّف الوالد في مال الولد بلا إذنه وكانت المخالفة مع هذه الفتوى، مخالفة لقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن جانب آخر انّ المحدّثين نقلوا كلام الرسول مبتوراً وإنّما قاله الرسول في مورد تصرّف الوالد في مال الولد، مدّعياً انّه صرفه في نفقة الولد ولم يكن له شاهد حتّى يُقبل قوله ولا مال حتّى يؤخذ،ولم يكن حبس الوالد لصالح الولد، فخاطب الرسول الولد بكلام أخلاقي حتّى يحسم النزاع دون حكم شرعي.
وأمّا أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فتارة أفتوا على وفقه تقيّة كما هو الحال في رواية محمد بن سنان، وأُخرى نقلوه ضمن كلامهم، مع الإفتاء بالحكم الواقعي كما هو الحال في رواية أبي حمزة الثمالي.
خامساً: انّ صاحب الحدائق بسط الكلام فيها وحاول الجمع بين الروايات عن طريق التقية، وقال: بقي الكلام في الجمع بين هذه الأخبار، فإنّك قد عرفت أنّ ما جمع به الأصحاب بينها ـ من حمل أخذ الأب على كونه على جهة النفقة ـ غير

صفحه 284
تام، والذي يقرب عندي ـ باعتبار اتّفاق الطائفة المحقّة قديماً وحديثاً على عدم العمل باخبار جواز الأخذ، مضافاً إلى مخالفتها لمقتضى القواعد الشرعية ـ هو انّ هذه الأخبار إنّما خرجت مخرج التقية.(1)
وأنت خبير بأنّ الجمع يحصل بالإطلاق والتقييد، نعم لا يمكن إنكار وجود التقيّة في بعض الروايات، مثل خبر الحسين بن علوان(2)، ومع الغضّ عنه يحصل الجمع بما ذكرنا.
ثمّ إنّ التقية لو قلنا بها إنّما هي في الروايات المجوزة وفاقاً لظاهر قول الرسول: «أنت ومالك لأبيك».
نعم لو قلنا بأنّ ملاك التقية هو ما نقله الشيخ في «الخلاف» من عدم جواز الحجّ من مال الولد عن فقهاء السنة تكون التقية في الأخبار المانعة دون المجوّزة كما هو الظاهر من السيد الحكيم حيث يقول:
نعم الطائفة الأُولى موافقة لعموم المنع من التصرف في مال الغير بغير إذنه، والطائفة الثانية مخالفة للعامّة، لما تقدّم في كلام الشيخ في «الخلاف» من بناء جميع الفقهاء على المنع.(3)
والظاهر انّ ملاك التقية لو قلنا بها كما هو الظاهر من الإمعان في الروايات هو الأوّل لا الثاني، وبذلك يُستغنى عن البحث فيما أفاده السيّد الحكيم حول الترتيب في الترجيح بالمرجحات، فلاحظ.

1 . الحدائق:14/115.
2 . الوسائل: 16، الباب67 من أبواب العتق، الحديث1.
3 . المستمسك:10/167ـ 168.

صفحه 285
المسألة 60: إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحجّ من ماله، فلو حجّ في نفقة غيره لنفسه أجزأه، وكذا لو حجّ متسكّعاً، بل لو حجّ من مال الغير غصباً صحّ وأجزأه، نعم إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه من المغصوب لم يصحّ وكذا إذا كان ثمن هديه غصباً.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحجّ من ماله، فلو حجّ في نفقة غيره أو حجّ متسكعاً لكفى.
2. لو حجّ ـ و الحال هذه ـ من مال الغير غصباً.
أمّا الأوّل فقد قال المحقّق: وإذا اجتمعت الشرائط فحجّ متسكّعاً، أو حجّ ماشياً، أو حجّ في نفقة غيره، أجزأه عن الفرض.(1)
وقال في «المدارك» في وجهه: هذا ممّا لا خلاف فيه بين العلماء، لأنّ الحجّ واجب عليه وقد امتثل بفعل المناسك المخصوصة فيحصل الإجزاء، وصرف المال غير واجب لذاته، وإنّما يجب إذا توقّف عليه الواجب، وهذا بخلاف ما إذا حجّ متسكعاً قبل تحقّق الاستطاعة، حيث لا يكون حجّه مجزئاً، لانتفاء الوجوب حينئذ، فيكون الإتيان بالحجّ على هذا الوجه جارياً مجرى فعل العبادة الموقتة قبل دخول وقتها.(2)
وقد نقله برمته في «الجواهر»، وبما انّ المسألة من الوضوح بمكان لم يعلق عليها الشهيد الثاني في المسالك شيئاً بعد نقل كلام المحقّق المذكور.(3)

1 . الشرائع:1/229.
2 . مدارك الأحكام:7/79.
3 . المسالك:2/150.

صفحه 286
وأمّا الثاني ـ أعني: إذا حجّ من مال الغير غصباً، فقد ذكر المصنّف انّه صحّ وأجزأه إلاّ إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه وثمن هديه مغصوباً فيبطل.
أمّا صحّة الحجّ في غير هذه الموارد، فلأنّ بذل الثمن واجب مقدّمي، والغرض الوصول إلى ذيها، وقد وصل على كلّ تقدير، فلا تؤثر حرمة الوسيلة في بطلان ذيها.
أمّا بطلان الإحرام إذا كان ثوب إحرامه مغصوباً فهو مبنيّ على كون لُبس الثوبين من شرائط الإحرام لا انّه واجب آخر، وسيوافيك حكمه في المسألة الخامسة والعشرين من كيفية الإحرام.
وأمّا بطلان الطواف إذا كان الثوب مغصوباً فلأنّ الستر معتبر في الطواف، وحاله حال الصلاة في شرطيةـ الساتر كما هـو المستفاد من قـوله: «الطواف بالبيت صلاة» فلا يتمشى قصد القربة بالثوب المغصوب وإن قلنا باجتماع الأمر والنهي.
وأمّا بطلان السعي فربما يقال بالصحّة لعدم اعتبار الستر فيه، إذ يصحّ عرياناً وهو موضع تأمّل كما ذكرناه في الصلاة في المكان المغصوب وإن لم يكن المكان داخلاً في حقيقة الصلاة، وذلك لأنّ اتحاد الحرام مع الواجب في الوجود كما هو الحال في السعي بالثوب المغصوب يمنع عن تمشّي قصد القربة، وإن كان السعي شيئاً والتصرّف في الثوب شيئاً آخر لكن الوحدة العرفية تمنع من قصد التقرب.
وأمّا بطلان الحجّ في ثمن الهدي فقد فرّقوا بين شراء الهدي بعين المال المغصوب وشرائه في الذمة ثمّ الوفاء بالمال المغصوب، ولو صحّ ذلك لجاز هذا

صفحه 287
المسألة 61: يشترط في وجوب الحجّ الاستطاعة البدنيّة، فلو كان مريضاً لا يقدر على الركوب أو كان حرجاً عليه ولو على المحمل أو الكنيسة لم يجب، وكذا لو تمكّن من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مؤنته، وكذا لو احتاج إلى خادم ولم يكن عنده مؤنته.*
التفصيل في ثوبي الطواف والسعي.
على أنّ حكم الشراء بعين المال المغصوب حكم الشراء بالذمة ثمّ الوفاء بالثمن المغصوب، وذلك لأنّ الثمن في الأزمنة الحالية هو العملة الورقية الرائجة وتخصيص البيع بورق دون ورق مع اشتراك جميع الأوراق في عامة الجهات، أمر لغو لا يقدم عليه العقلاء، وتقييد المعاملة بورق شخصي مع عدم الفرق بين الأوراق، يكون أمراً لغواً عند العقلاء. فيرجع الأمر في الجميع إلى البيع في الذمة وإن أشار إلى الورق الخاصّ.

في الاستطاعة البدنية

* قد عرفت أنّ الاستطاعة تنقسم إلى مالية وبدنية ومكانية وزمانية، وقد انتهى الكلام عن الاستطاعة المالية وبلغ الكلام إلى الاستطاعة البدنية، وذهب المشهور إلى أنّ الاستطاعة البدنية من شرائط الوجوب، فلو كان مريضاً لا يقدر على الركوب أو كان الركوب حرجياً مطلقاً لم يجب الحجّ، فذكر المصنف في المسألة فرعين:
الأوّل: إذا استطاع مالياً ولم يستطع بدنياً مطلقاً، إمّا أن لا يقدر على الركوب، أو كان الركوب حرجياً لا يحتمل.

صفحه 288
الثاني: إذا تمكّن من الركوب على المحمل ولكن لا يستطيع مالياً، ومثله في زماننا ما إذا استطاع السفر بالطائرة لا بالسيارة ولكن يفقد مؤونة الطائرة، أو استطاع بالسيارة لكن يحتاج إلى خادم ولم يكن عنده مال.
أمّا الفرع الأوّل: فنذكر كلمات الفقهاء.
قال في «الشرائع»: فلو كان مريضاً بحيث يتضرر بالركوب لم يجب.(1)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: الصحّة شرط في الوجوب فلا يجب على المريض وإن وجد الزاد والراحلة، ذهب إليه علماؤنا أجمع، ولا نعلم فيه خلافاً من الجمهور لأنّ التكليف بالحرج مع المرض ضرر عظيم وحرج ومشقة.
وروى الجمهور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: من لم يمنعه عن الحجّ حاجة أو مرض حابس أو سلطان جائر فمات، فليمت يهودياً أو نصرانياً.
ومن طريق الخاصة ما رواه(ابن) درّاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض فلا يطيق معه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً، ولا نعلم في ذلك خلافاً.(2)
ويدلّ عليه مضافاً إلى ما ذكره العلاّمة صحيح محمد بن يحيى الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه(عليه السلام) وأنا عنده عن قول اللّه عز ّوجلّ:(وللّه على النّاسِ حِجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة، فهو ممّن يستطيع الحجّ».(3)

1 . الشرائع:1/227.
2 . المنتهى:2/655.
3 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4.

صفحه 289
ونظيره ما رواه في صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ:(وللّه على النّاس حِجّ البيت من استطاع إليه سَبيلاً) ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سربه له زاد وراحلة».(1)
ثمّ الكلام في وجوب الاستنابة والحال هذه وعدمه يأتي في المسألة الثانية والسبعين، وكان الأنسب ذكره في المقام.
الفرع الثاني: إذا تمكّن من السفر بالطائرة لا بالسيارة، أو تمكّن من السفر بالسيارة لكن شريطة أن يرافقه خادم، ولم يملك مؤنتهما، فيسقط وجوب الحجّ، إنّما الكلام في أنّ سقوط الوجوب إنّما هو لأجل المرض أو لأجل قلة المال وعدم وفائه.
وتظهر الثمرة في وجوب الاستنابة إذا كان مستنداً إلى المرض بخلاف ما إذا كان مستنداً إلى قلّة المال.
قال السيد الحكيم: يمكن أن يدخل هذا في فقد الاستطاعة المالية، وإن كان ذلك لفقد صحّة البدن.
وإن شئت قلت: يدخل في أحد الأمرين، وذهب السيد الخوئي إلى أنّه مستند إلى المرض، والمسألة تحتاج إلى تأمّل.

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث7.

صفحه 290
المسألة62: ويشترط أيضاً الاستطاعة الزمانية، فلو كان الوقت ضيقاً لا يمكنه الوصول إلى الحجّ، أو أمكن لكن بمشقة شديدة لم يجب، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب، وإلاّ فلا.*

في الاستطاعة الزمانية

* كان الكلام في المسألة السابقة في الاستطاعة البدنية، والبحث في هذه المسألة في الاستطاعة الزمانية، وذكر فيه فروعاً ثلاثة:
الأوّل: لو كان الوقت ضيقاً لا يمكنه الوصول إلى الحجّ فلا شكّ في عدم وجوبه لفقد الاستطاعة العقلية والعرفية من باب أولى. وما يقال: إنّ الاستطاعة فسرت بالزاد والراحلة وتخلية السرب وصحّة البدن فلا يعمّ ضيق الوقت، كما ترى، إذ عدم ذكره معها لوضوح دخوله في الاستطاعة، فإنّ القدرة شرط عقلي للتكليف فأولى أن يكون شرطاً في المقام أيضاً فإنّ القدرة المعتبرة فيه أضيق دائرة من القدرة العقلية.
وبذلك تقف على عدم الحاجة إلى الاستدلال بالإجماع أو لزوم الحرج والعسر أو كونه ممّا يعذره اللّه تعالى كما عليه النراقي.(1)
الثاني: إذا أمكن الوصول لكن بمشقة شديدة فهو أيضاً مثل السابق، غاية الأمر لأجل حكومة أدلة رفع الحرج على الوجوب.
ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّ دليل الحرج هل هو رافع للوجوب فقط، أو رافع له

1 . مستند الشيعة:11/65.

صفحه 291
مع الملاك؟ والظاهر من الأصحاب هو الثاني، في غير مورد من موارد الفقه.
الثالث: إذا لم يذهب إلى الحجّ فهل يجب عليه حفظ الاستطاعة إلى العام القادم أو لا؟ فلا شكّ انّه إذا كانت الاستطاعة محفوظة وجب عليه الحجّ، إنّما الكلام في وجوب حفظها، فعلى القول بالوجوب لو زالت باختياره استقر عليه الحجّ في القابل دونما إذا لم نقل بوجوبه.
الظاهر من المصنّف عدم وجوب حفظه حيث قال: فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القادم.
ويمكن أن يقال: انّه لو كانت الاستطاعة في الآية هي نفس الاستطاعة المالية فهو مخاطب بالحجّ فعلاً فيكون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً.
وأمّا لو قلنا بأنّ الاستطاعة عنوان ينتزع من أُمور مختلفة منها سعة الوقت وإمكان الوصول إلى الحجّ، فعندئذ لا يجب حفظ الاستطاعة المالية إذا كان بعض الشرائط غير موجود كما في المقام.
والظاهر هو الثاني لتفسيرها في الروايات، مضافاً إلى الزاد والراحلة بتخلية السرب وصحّة البدن، وقد علمت أنّ من محقّقاتها كون الزمان كافياً في الوصول إلى الحجّ.
ولما كان هذا الشرط غير محقّق فالاستطاعة غير محقّقة، ومعه كيف يجب حفظ الاستطاعة؟!
اللّهمّ إلاّ أن يقال انّ للاستطاعة المالية خصوصية خاصة إذا حصلت لا يمكن إتلافها ولو بالنسبة إلى العام القادم.

صفحه 292
المسألة63: ويشترط أيضاً الاستطاعة السربية، بأن لايكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال، وإلاّ لم يجب، وكذا لو كان غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه، أوماله، وكان الطريق منحصراً فيه، أو كان جميع الطرق كذلك، ولو كان هناك طريقان، أحدهما أقرب لكنّه غير مأمون، وجب الذهاب من الأبعد المأمون. ولو كان جميع الطرق مخوفاً إلاّ أنّه يمكنه الوصول إلى الحجّ بالدوران في البلاد ـ مثل ما إذا كان من أهل العراق، ولا يمكنه إلاّ أن يمشي إلى كرمان، ومنه إلى خراسان، ومنه إلى بخارى ومنه إلى الهند، ومنه إلى بوشهر ومنه إلى جدة مثلاً، ومنه إلى المدينة، ومنها إلى مكة ـ فهل يجب أو لا؟ وجهان، أقواهما عدم الوجوب، لأنّه يصدق عليه انّه لا يكون مخلى السرب.*

في الاستطاعة المكانية

* كان الكلام في المسألة السابقة في الاستطاعة الزمانية، وهنا في الاستطاعة المكانية، وقد ذكر هنا فروعاً:
1. إذا كان في الطريق مانع.
2. إذا كان الطريق غير مأمون.
3. لو كان هناك طريقان أحدهما وهو الأقرب غير مأمون والأبعد مأموناً.
4. لو كانت جميع الطرق غير مأمونة.

صفحه 293
أمّا الفرع الأوّل فالاستطاعة غير متوفرة لوجود المانع في الطريق، كما إذا كانت الحدود بين البلدين مغلقة، وما ورد في الروايات من تخلية السرب فهو إشارة إلى هذا الشرط، ففي رواية حفص الكناسي (1): فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلى في سربه له زاد وراحلة فلم يحجّ، فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ ونظيره صحيحة هشام بن الحكم(2) ، ورواية عبد الرحمن بن سيابة. (3)
وأمّا الفرع الثاني فيما إذا كان الطريق غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله، فلا شكّ في عدم وجوب الحجّ، إنّما الكلام في أنّ عدم الوجوب حكم ظاهري أو واقعي، وتظهر الثمرة في أنّه لو تلفت الاستطاعة بالنسبة إلى العام القابل وكان الطريق مأموناً، استقر عليه الحجّ، لأنّ عدم وجوب الحجّ كان ظاهرياً تبيّن خلافه، فكان الحجّ عليه واجباً غاية الأمر يكون معذوراً لأجل الحكم الظاهري، وهذا هو الظاهر من السيد الحكيم، يقول:
الحكم هنا ظاهري، فإنّ موضوع الحكم الواقعي بعدم الوجوب ـ لعدم الاستطاعة ـ هو عدم تخلية السرب واقعاً، فمع الشكّ لا يحرز الحكم الواقعي، بل يكون الحكم بعدم الوجوب ظاهرياً.(4)
ويظهر من المحقّق الخوئي أنّ خوف الضرر طريق عقلائي إلى الضرر، ولا يلزم أن يكون الضرر معلوماً جزماً، بل جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر، فالحكم في مورد خوف الضرر مرفوع واقعاً حتّى لو انكشف الخلاف وتبيّن عدم وجود المانع في الطريق.(5)

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 4، 7، 10.
2 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 4، 7، 10.
3 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 4، 7، 10.
4 . المستمسك:10/170.
5 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/214.

صفحه 294
أقول: إنّ الجمع بين كون خوف الضرر أمارة إلى الواقع، وكون الوجوب مرفوعاً واقعاً حتّى لو انكشف الخلاف، جمع بين المتناقضين، لأنّ المفروض انّه أمارة وتخلّفها لا يقلب الواقع عمّا هو عليه، بل الحكم يتبع الواقع.
والأولى أن يقال: إنّ سلوك الطريق مظنون الخطر أو مقطوعه، معصية بما هوهو على نحو يكون القطع أو الظن مأخوذاً على نحو الموضوعية، سواء أوافق الواقع أم لا، وعلى ذلك فالحجّ لم يكن واجباً في الواقع، لأنّ نفس الظن والقطع كاف في رفع الوجوب، وهذا خيرة الشيخ الأنصاري في بحث التجري حيث قال: لا خلاف بينهم ظاهراً انّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه، ولو بعد انكشاف عدم الضرر فيه.(1)
أمّا الفرع الثالث إذا كان الأقرب غير مأمون والأبعد مأموناً يجب سلوك الآخر لعدم تعيّن سلوك الأقرب، اللّهمّ إلاّ إذا كان سلوكه حرجياً.
وأمّا الفرع الرابع فقد أشار إليه النراقي(2) بقوله: فالمدني لو منع من المسير من طريق المدينة إلى مكة وأمكنه المسير إلى الشام ومنه إلى العراق ومنه إلى خراسان ومنه إلى الهند ومنه إلى البحر ومنه إلى مكة فهل يجب أو لا؟ فقال بعدم الوجوب، إذ لا يصدق عليه انّ السرب مخلّى و هو نادر الوقوع والآية منصرفة عنه.
ثمّ لا يخفى انّ الطريق المذكور في المستند على النحو الذي عرفت، وأمّا المذكور في المتن فهو من العراق إلى كرمان إلى خراسان إلى بخارى إلى الهند إلى بوشهر إلى جدة... الخ.
والظاهر انّ قوله: كرمان مصحف كرمانشاه، إذ لا يدخل العراقي إلى إيران إلاّ عن طريق كرمانشاه أو عن طريق البصرة وعبادان والمحمرة.

1 . رسالة القطع:5.
2 . مستند الشيعة:11/61.

صفحه 295
المسألة64: إذا استلزم الذهاب إلى الحجّ تلف مال له في بلده معتد به لم يجب، وكذا إذا كان هناك مانع شرعي، من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الاستطاعة، أو لاحق مع كونه أهمّ من الحجّ، كإنقاذ غريق أو حريق. وكذا إذا توقّف عن ارتكاب محرم، كما إذا توقّف على ركوب دابة غصبية، أو المشي في الأرض المغصوبة.*
وأمّا كرمان فهي واقعة شرقَ إيران بينها و بين العراق بون شاسع.
وعلى كلّ تقدير فالحقّ مع النراقي لانصراف الدليل عن هذا النوع من المسير مع قطع النظر عن كونه خرافياً.
* في المسألة فروع:
1. إذا استلزم الذهابُ إلى الحجّ تلف مال معتد به في بلده.
2. إذا استلزم ترك واجب فوري سابق على الاستطاعة.
3. إذا استلزم ترك واجب لاحق، مع كونه أهمّ من الحجّ.
4. إذا توقّف على ركوب دابة غصبية أو المشي على أرض مغصوبة.
وإليك دراسة الفروع واحد بعد الآخر.
الأوّل: إذا استلزم الذهاب إلى الحجّ تلف مال له في بلده معتد به لم يجب الحجّ، لا لعدم الاستطاعة ، بل لحكومة قاعدة «لا ضرر» على وجوب الحجّ، لأنّ إيجاب الحجّ يلازم تحمل ضرر شديد لا يتحمل لمثله، ولذلك قيده بقوله: «معتد به» و هو يختلف حسب إمكانيات الأشخاص، وتصور كون الحجّ من التكاليف المبنية على الضرر، كالواجبات المالية من الزكاة والخمس أو البدنية كالجهاد، مدفوع بأنّ المعفوّ هو الضرر الذي يقتضيه طبع الواجب; وأمّا الزائد عنه; كإحراق

صفحه 296
بيته عند غيابه عن البلد، أو سرقة سيارته التي يعيش بها، فهذا ممّا لا يقتضيه طبع الحجّ الواجب.
الثاني: إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الاستطاعة، وذلك كما إذا نذر زيارة سيّد الشهداء(عليه السلام) في عرفة .وجهه: انّ من أجزاء الاستطاعة الشرعية للحجّ عدم مزاحمته لواجب سبق وجوبه على وجوب الحجّ، وعندئذ يكون وجوب النذر رافعاً لموضوع وجوب الحجّ، أعني: الاستطاعة، فيقدّم النذر عليه من غير فرق بين كون السابق أهمّ من الحجّ أو لا، ولذلك لم يقيّده المصنّف بالأهم، بخلاف الفرع اللاحق، أعني: الوجوب اللاحق حيث قيد تقديمه بكونه أهمّ. لدخول القسم الثاني في المتزاحمين فيقدّم الأقوى دون السابق.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من أنّ عدم التزاحم ليس من أجزاء الاستطاعة، وإنّما هو حكم عقلي في كلّ واجب، وعندئذ يدخل المورد في باب المتزاحمين، فيقدّم ما هو الأهم سواء كان هو السابق أو الحجّ، لعدم العبرة بسبق الوجوب بعد كونهما واجبين مطلقين في رتبة واحدة.
الثالث: إذا استلزم ترك واجب لاحق مع كونه أهمّ من الحجّ كإنقاذ غريق أو حريق. لما كان عدم المزاحمة لواجب آخر من أجزاء الاستطاعة عند المصنف، فلو سبق وجوب غير الحجّ، لم تتحقق الاستطاعة فيقدم السابق، وأمّا إذا سبق وجوب الحجّ فالاستطاعة تكون محقّقة قبل وجوب اللاحق، ووجوبه لا يطرد الاستطاعة ولا ينفيه ـ لتأخره ـ غاية الأمر تقع المزاحمة بين الواجبين، فيؤخذ الأهم منهما سواء سبق وجوبه أو لحقه.
وبعبارة أُخرى: سبق وجوب غير الحجّ ينفي تحقّق الاستطاعة، فلذلك

صفحه 297
المسألة65: قد علم ممّا مرّ أنّه يشترط في وجوب الحجّ مضافاً إلى البلوغ والعقل والحرّية الاستطاعة الماليّة والبدنيّة والزمانيّة والسربيّة، وعدم استلزامه الضرر، أو ترك واجب، أو فعل حرام، ومع فقد أحد هذه لا يجب، فبقي الكلام في أمرين:*
يقدّم على الحجّ مطلقاً، كان أهم أو لا، بخلاف سبق وجوب الحجّ، فتتحقّق الاستطاعة قبل لحوق وجوب الآخر فيقع التزاحم بين الواجبين فيقدم الأهم.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ عدم المزاحمة ليس من أجزاء الاستطاعة وإنّما هو حكم عقلي، فعندئذ يكون الفرعان متساويين في الحكم، فيقدّم الأقوى ملاكاً في الجميع، ومنه يعلم حال الفرع الرابع فهو أيضاً كالثاني والثالث من موارد التزاحم يقدّم ما هو الأهم.
* ظاهر كلام المصنف انّ للاستطاعة أجزاءً عشرة حسب ما ذكره:
1. البلوغ، 2. العقل، 3. الحرية، 4. الاستطاعة المالية، 5. الاستطاعة البدنية، 6. الزمانية، 7. السربية ، 8. عدم استلزامه الضرر، 9. عدم استلزامه ترك واجب، 10. عدم استلزامه فعل محرم.
ولكن الظاهر انّ الثلاثة الأخيرة ليس من أجزاء الاستطاعة ، فالاستطاعة محقّقة لكن الوجوب مرفوع إمّا لقاعدة لا ضرر، أو لحكم العقل بتقديم الأقوى، وأمّا المالية والبدنية، والزمانية و السربية فالجميع داخل في الاستطاعة، فتنحصر أجزاؤها في الأربعة.

صفحه 298
أحدهما: إذا اعتقد تحقّق جميع هذه مع فقد بعضها واقعاً أو اعتقد فقد بعضها وكان متحقّقاً فنقول: *
* ذكر في الأمر الأوّل الفروع التالية:
1. إذا اعتقد تحقّق الشرائط كالبلوغ والحرية، فحجّ ثمّ بان عدم تحقّقها.
2. إذا اعتقد انّه غير بالغ فحجّ ثمّ بان كونه بالغاً.
3. نفس الصورة ولكنّه ترك الحجّ، فهل يستقرّ عليه الحجّ إذا بقيت الشرائط إلى آخر أعمال الحجّ؟
4. إذا اعتقد انّه مستطيع مالاً وانّ ما عنده يكفيه فحجّ فبان الخلاف، فهل يجزي عن حجّة الإسلام؟
5. إن اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافياً وترك الحجّ، فهل يستقر عليه الحجّ؟
6. إن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحجّ فبان الخلاف فهل يكفي؟
7. إن اعتقد وجود المانع من العدو، أو الضرر، أو الحرج، فترك الحجّ فبان الخلاف، فهل يستقرّ الحجّ؟
8. إن اعتقد عدم مانع شرعي فحجّ وبان الخلاف، فهل يجزي عن حجّة الإسلام أو لا؟
9. إن اعتقد وجود المانع الشرعي فترك فبان الخلاف، فهل يستقرّ عليه الحجّ ؟
والغرض في جميع الصور استكشاف أحد الحكمين:
أ. الإجزاء إذا حجّ باعتقاد كونه واجداً للشرائط فبان الخلاف وانّه لم يكن

صفحه 299
إذا اعتقد كونه بالغاً أو حرّاً مع تحقّق سائر الشرائط فحجّ، ثمّ بان أنّه كان صغيراً أو عبداً، فالظاهر ـ بل المقطوع ـ عدم إجزائه عن حجّة الإسلام.*
وإن اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً مع تحقّق سائر الشرائط وأتى به أجزأه عن حجّة الإسلام كما مرّ سابقاً.**
جامعاً لها .
ب. استقرار الحجّ، إذا ترك الحجّ باعتقاده عدم اجتماع الشرائط فبان الخلاف وانّه كان جامعاً له.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الصور التسع:

*1. إذا اعتقد أنّه بالغ فحجّ فبان الخلاف

إذا اعتقد أنّه بالغ أو حر ـ مع تحقّق سائر الشرائط ـ فحجّ ثمّ بان كونه صغيراً أو عبداً فلا يجزي عن حجّة الإسلام، لكونه مستحباً في الواقع وإغناؤه عن الواجب رهن دليل غير موجود، فهو أشبه ـ بوجه ـ بمن صلّى قبل الوقت بزعم دخول الوقت فبان الخلاف.

*2. إذا اعتقد أنّه غير بالغ فحجّ فبان الخلاف

إذا اعتقد كونه غير بالغ ـ مع تحقّق سائر الشرائط ـ وأتى به فهل يجزي عن حجّة الإسلام، أو لا؟ فقد مرّ الكلام فيه في الفصل الأوّل عند البحث عن الشرط الأوّل، أعني: الكمال بالبلوغ والعقل، المسألة 9، وذكرنا صور المسألة، وقلنا: إنّها غالباً من قبيل الخطأ في التطبيق، وإنّ الزائر حسب طبعه، يقصد ما كُتِبَ عليه في

صفحه 300
وإن تركه مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجّة، فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه، فإن فقد بعض الشرائط بعد ذلك ـ كما إذا تلف ماله ـ وجب عليه الحجّ ولو متسكّعاً .*
وقت العمل غير أنّه تصور انّ المكتوب هو الحجّ المندوب على نحو لو نبّهه أحد، لعدل عن الندب إلى الوجوب.

*3. إذا اعتقد انّه غير بالغ فترك

هذه الصورة نفس الصورة السابقة، غير أنّه أتى بالحجّ في السابقة وترك هنا.
فيقع الكلام في موردين:
أ. استقرار الحجّ على ذمّته وإن زالت الاستطاعة.
ب. الميزان في الاستقرار بقاء الشرائط إلى ذي الحجّة.
أمّا الثاني، فسيوافيك البحث عنه في المسألة الحادية والثمانين، وقد ذكر المصنّف الميزان في الاستقرار هو بقاؤه مستجمعاً للشرائط إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة، وأمّا ما ذكره هنا فلم يذكر هناك، ولعلّ النسخة مغلوطة، والأصل: «مع بقاء الشرائط إلى تمام الحجّ».
وأمّا الأوّل فقال السيد الحكيم(1) : أصل الحكم( استقرار الحجّ) في الجملة ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، واستشهد بكلام صاحب الجواهر أنّه قال: لا خلاف ولا إشكال ـ نصاً و فتوى ـ في أنّه يستقرّ الحجّ في الذمّة إذ استكملت الشرائط

1 . مستمسك العروة الوثقى:10/174.

صفحه 301
فأهمل حتّى فات، فيحجّ في زمن حياته، وإن ذهبت الشرائط التي لا ينتفي معها أصل القدرة ويُقْضى عنه بعد وفاته.(1)
ولا يخفى خروج المقام عمّا جاء في عبارة الجواهر، فإنّ الإهمال في عبارته راجع إلى التسويف، وأمّا المقام فليس هنا تسويف، إذ الاعتقاد المخالف غير الإهمال فيه حيث اعتقد انّه غير بالغ، ثمّ تبيّن كونه بالغاً في ذاك الوقت وزالت الاستطاعة قبل العام القابل.
نعم لو أهمل، يستقر عليه الحجّ، ويدلّ عليه الروايات التي نقلها الشيخ الحرّ في الباب السادس من أبواب وجوب الحجّ، ففي رواية الشحّام أنّه سأل الإمام الصادق(عليه السلام):التاجر يسوِّف الحجّ؟ قال: «ليس له عذر».(2)
وذهب السيد الخوئي إلى عدم الاستقرار، واستدلّ عليه بوجوه ثلاثة:
1. انّ موضوع وجوب الحجّ هو المستطيع، ومتى تحقّق عنوان الاستطاعة، صار الحكم ـ أي وجوب الحجّ ـ فعلياً لفعلية موضوعه، وإذا زالت الاستطاعة وارتفع الموضوع، يرتفع وجوب الحجّ، ارتفاعَ الحكم بارتفاع موضوعه حتّى بإتلاف الاستطاعة.
يلاحظ عليه: أنّ الأمر يدور بين مدخلية الاستطاعة حدوثاً فقط، أو حدوثاً وبقاءً. وبعبارة أُخرى: هل يكفي في وجوب الحجّ كونه مستطيعاً أيّام الحجّ فقط ـ كما هو الحال في التسويف ـ أو يشترط بقاؤها إلى السنة القادمة، كما هو المحتمل في المقام (الجاهل)؟ فيستصحب الوجوب الجزئي في حقّ من زالت استطاعته على النحو الذي بيّناه غير مرة في كيفية استصحاب الحكم الشرعي.

1 . الجواهر:17/298.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث6.

صفحه 302
2. الأحكام وإن كانت تشمل الجاهل لكن لا تشمل المعتقد بالخلاف، لأنّه غير قابل لتوجه الخطاب إليه فهو غير مأمور بالحكم واقعاً فلا يكون وجوب في البين حتّى يستقرّ عليه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبنيّ على انحلال التكاليف وأنّ لكلّ شخص خطاباً خاصّاً وهو كما ترى، إذ لا فائدة في الانحلال بعد عدم سماع المكلّف الخطاب المتوجه إليه، وكفاية كون الخطاب الكلي حجّة على الجميع من دون انحلال، فقوله سبحانه: (للّه عَلى النّاس حجّ البيت من استطاع إِليه سَبيلاً) حجّة على كلّ فرد من آحاد الناس، لأنّه من مصاديقه دون أن يكون هناك خطاب حسب عدد المكلّفين.
وأعجب منه تخصيص التكليف بالعالم والجاهل، دون المعتقد بالخلاف مع أنّ الموضوع هو الناس أو المؤمن وهو يعمّ جميع الأقسام.
وعلى كلّ تقدير فهل يلتزم بذلك في مورد العقائد؟ لاشتراك الموردين في عدم إمكان التكليف، اللّهم إلاّ أن يفرّق بين المقصر والقاصر وعليه لا فرق بين العقائد والموضوعات.
3. إنّما يستقرّ الحجّ إذا لم يكن الترك عن عذر، وأمّا إذا كان مستنداً إلى العذر فلا موجب للاستقرار والاعتقاد بالخلاف من أحسن الأعذار، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة يجب الحجّ، وإلاّ فلا.
يلاحظ عليه: أنّ العذر، يصلح لرفع العقاب، وأمّا الملاك ولزوم استيفاء المصلحة الملزمة فلا، والظاهر استقرار الحجّ عليه كما لا يخفى، لأنّه صار مستطيعاً وترك الحجّ. وهذا يكفي في استقرار الواجب، وزوال الاستطاعة يمنع من التمسّك

صفحه 303
وإن اعتقد كونه مستطيعاً مالاً و أنّ ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحجّ، ففي إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه وجهان من فقد الشرط واقعاً، ومن أنّ القدر المسلّم من عدم إجزاء حجّ غير المستطيع عن حجّة الإسلام غير هذه الصورة.*
وإن اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافياً وترك الحجّ فالظاهر الاستقرار عليه.*
بالدليل الاجتهادي لا الأصل العملي كما عرفت، ولم أر مخالفاً في المسألة من المعلّقين على المتن.

*4. إذا اعتقد كونه مستطيعاً مالاً فحجّ فبان الخلاف

إن اعتقد كونه مستطيعاً مالاً وإنّ ما عنده يكفيه، فبان الخلاف بعد الحجّ، فقال المصنف: إنّ في إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه وجهين، من فقد الشرط واقعاً و من انّ القدر المسلّم من عدم إجزائه حجّ غير المستطيع عن حجّة الإسلام غير هذه الصورة.
ولكن الظاهر عدم الإجزاء، وأيّ فرق بينه و بين حج الصبي بزعم انّه بالغ فبان الخلاف، أضف إلى ذلك انّ الإجزاء يحتاج إلى الدليل ولا يكفي عدم الدليل كما هو مقتضى قوله: من أنّ القدر المسلّم من عدم إجزائه... الخ.

* 5.إذا اعتقد كونه غير مستطيع مالاً وترك الحجّ فبان الخلاف

إذا اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافياً وترك الحجّ وبقيت الاستطاعة المالية إلى زمان الفراغ من الأعمال، فقال المصنّف: الظاهر

صفحه 304
وإن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحجّ فبان الخلاف فالظاهر كفايته.*
الاستقرار عليه وذهب السيد الخوئي إلى عدم الاستقرار قائلاً بأنّه يجري فيه ما تقدم من الاعتقاد بالصغر، وبما انّ ترك الحجّ مستند إلى العذر فلا يتوجه إلى التكليف. وقد عرفت ما في كلامه من النظر، وقد تقدّم الكلام في المسألة الخامسة والعشرين، فلاحظ.

*6. إذا اعتقد عدم الضرر والحرج فحجّ فبان الخلاف

إذا اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحجّ فبان الخلاف، مقتضى القاعدة هو الاستقرار، لأنّ الموضوع لرفع الوجوب، هو الضرر والحرج الواقعيين والمفروض وجودهما في الحجّ فلا يوصف المأتي بالوجوب، فلو بقيت الاستطاعة إلى الوقت المقرر، يستقرّ عليه الحجّ، وإن زالت بعده.
ولكن يمكن أن يقال بخروج المورد عن تحت القاعدتين، فانّ الغاية من رفع الحكم الشرعي عند الضرر والحرج هو الامتنان على العبد وتسهيل الأمر عليه، ولا امتنان في إبطال العمل الذي أتى به المكلّف بخلوص وقربة. وربما يوجه القول بالصحة بأنّ القاعدتين ترفعان الوجوب، دون المحبوبيّة.
يلاحظ عليه: ـ مع كونه غير تام إذ الظاهر انّ المرفوع أصل التشريعـ أنّ المحبوبية أعمّ من الاستحباب والوجوب، فلو بقيت لكانت باقية في ضمن الاستحباب، وإغناؤه عن الحجّ الواجب أوّل الكلام.
وعلى ضوء ما ذكرنا، فالوجوب باق غير مرتفع.

صفحه 305
وإن اعتقد المانع من العدوّ أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ، فبان الخلاف، فهل يستقرّ عليه الحجّ أو لا؟ وجهان، والأقوى عدمه، لأنّ المناط في الضرر الخوف وهو حاصل إلاّ إذا كان اعتقاده على خلاف رويّة العقلاء وبدون الفحص والتفتيش.*
وإن اعتقد عدم مانع شرعيّ فحجّ، فالظاهر الإجزاء إذا بان الخلاف.**

*7. إذا اعتقد العدو والحرج والضرر فترك فبان الخلاف

إذا اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ فبان الخلاف، فهل يستقرّ عليه الحجّ ـ بالشرط المذكور ـ أو لا؟قال المصنف: وجهان والأقوى عدمه لأنّ المناط في الضرر، الخوف، و هو حاصل إلاّ إذا كان اعتقاده على خلاف رويّة العقلاء وبدون الفحص والتفتيش.
والظاهر عدم الاستقرار حتّى فيما لو كان اعتقاده على رويّة العقلاء، لما عرفت من أنّ الخوف موضوع لحرمة السفر، وقد أُخذ على وجه الموضوعية، سواء أكان في الواقع عدو أو لا، فحينئذ لم يكن الحجّ معه واجباً، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة فيحجّ وإلاّ فلا حتّى وإن كان اعتقاده على خلاف روية العقلاء، لأنّه على كلّ تقدير يحسّ الخطر ويخاف من السفر وإن لم يكن لخوفه عند العقلاء وجه.

* 8. إذا اعتقد عدم مانع شرعي فحجّ فبان الخلاف

إذا اعتقد عدم مانع شرعي من الواجب والحرام فحجّ فبان الخلاف كزيارة

صفحه 306
وإن اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف، فالظاهر الاستقرار.*
الحسين(عليه السلام) يوم عرفة ، أو الدين المعجل الذي تأخر أداؤه بالحجّ مع تمكنه من الأداء، فلا شكّ في الصحة، بناء على ما قلنا من أنّ تقديم المانع الشرعي على الحجّ من باب تقديم أقوى المتزاحمين على الآخر، لا بمعنى أخذ عدمه في مفهوم الاستطاعة، والتزاحم بين الواجبين، فرع فعلية وجوبهما وتنجزهما والتنجز رهن العلم والمفروض انّه جاهل.
ونظير ذلك ما إذا صلّى في المسجد، مع الجهل بوجود النجس فيه، فبما أنّ وجوب الإزالة ليس بمنجّز، لا يقع التزاحم بين الواجبين.

*9. إذا اعتقد وجود المانع فترك فبان الخلاف

إذا اعتقد وجود المانع الشرعي الذي هو أهمّ من الحجّ فترك الحجّ لطلب الأهمّ فبان عدم المانع، فقال المصنّف باستقرار الحجّ ـ مع تحقّق سائر الشرائط، وذلك لأنّه نظير الفرع الثالث فيما إذا اعتقد كونه غير بالغ ـ مع تحقّق سائر الشرائط فترك الحجّ فبان كونه بالغاً، والفرق هو زعم عدم الشرط في الثالثة وزعم وجود المانع في التاسعة.
كما ذهب أغلب المعلّقين إلى استقرار الحجّ، لأنّه صار مستطيعاً وترك الحجّ جهلاً ، مع كونه جامعاً للشرائط واقعاً كما في الثالثة، وعدم المانع كما في التاسعة.
نعم الجهل يرفع العقاب، لا الملاك والحكم الشرعي، وقد عرفت ضعف ما أقامه السيد الخوئي من الأدلة الثلاثة على عدم الاستقرار في الصورة الثالثة.
وسيوافيك في المسألة الحادية والثمانين ما له صلة بالمقام، فلاحظ.

صفحه 307
ثانيهما: إذا ترك الحجّ مع تحقّق الشرائط متعمّداً، أو حجّ مع فقد بعضها كذلك، أمّا الأوّل فلا إشكال في استقرار الحجّ عليه مع بقائها إلى ذي الحجّة.
وأمّا الثاني فإن حجّ مع عدم البلوغ أو مع عدم الحريّة فلا إشكال في عدم إجزائه إلاّ إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفين على إشكال في البلوغ قد مرّ.
وإن حجّ مع عدم الاستطاعة الماليّة فالظاهر مسلّمية عدم الإجزاء ولا دليل عليه إلاّ الإجماع، وإلاّ فالظاهر أنّ حجّة الإسلام هو الحجّ الأوّل، وإذا أتى به كفى ولو كان ندباً، كما إذا أتى الصبيّ صلاة الظهر مستحبّاً، بناء على شرعيّة عباداته فبلغ في أثناء الوقت، فإنّ الأقوى عدم وجوب إعادتها، ودعوى أنّ المستحبّ لا يجزي عن الواجب ممنوعة بعد اتّحاد ماهيّة الواجب والمستحبّ، نعم لو ثبت تعدّد ماهيّة حجّ المتسكّع والمستطيع تمّ ما ذكر، لا لعدم إجزاء المستحبّ عن الواجب، بل لتعدّد الماهية.*
* ذكر المصنّف في المسألة فروعاً، والفروع تدور حول أحد أمرين:
أ: ترك الحجّ عمداً مع تحقّق الشرائط.
ب: الحجّ عمداً مع فقد بعض الشرائط.
والفرق بين هذه الفروع والفروع التسعة الماضية هو انّ الفعل والترك كان هناك عن اعتقاد بأنّ عمله جامع للشرائط، بخلاف المقام فانّه يأتي متعمداً مع العلم بفقد الشرط، أو يترك مع العلم بوجوده.

صفحه 308
وإليك التفصيل:
1. إذا ترك الحجّ عمداً مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجّة.
2. إذا حجّ مع عدم البلوغ أو الحرية فلا يجزي إلاّ إذا بلغ قبل أحد الموقفين.
3. إذا حجّ مع عدم الاستطاعة الماليّة.
4. إذا حجّ مع عدم أمن الطريق.
5. إذا حجّ مع عدم صحّة البدن مع كونه حرجيّاً عليه.
6. لو حجّ مع ضيق الوقت وكان حرجياً.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الأوّل: إذا ترك الحجّ مع تحقّق الشرائط متعمداً، فلا إشكال في استقرار الحجّ عليه، مع بقائها إلى اليوم الثاني عشر، وإن زالت الاستطاعة بعده، وهذا هو المهم في المقام وإلاّ فلو بقيت فهو موضوع جديد لا كلام في وجوبه.
وما في المتن «إلى ذي الحجّة» غير تام، وسيأتي البحث عنه في المسألة الحادية والثمانين.
ويكفي في ذلك إطلاق «من استطاع» سواء بقيت بعد الثبوت أم زالت، ونظيرها إطلاق ما ورد من أنّ من ترك الحجّ بغير عذر فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام.(1) من غير فرق بين زوال الاستطاعة وبقائها، ولأجل التخلّص عمّا ورد في الرواية يلزم عليه الحجّ، مستطيعاً كان أو لا.
الثاني: إن حجّ مع عدم البلوغ فلا يُجزي، وفي صحيح إسحاق بن عمّار قال:

1 . لاحظ الوسائل:8، الباب6، من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.

صفحه 309
سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».(1) وقد مرّ الكلام في الشرط الأوّل من شرائط وجوب الحجّ، أعني: الكمال بالبلوغ والعقل.
واستثنى المشهور ما لو بلغ وأدرك المشعر، وقد مرّ الكلام فيه في المسألة التاسعة، وقلنا: إنّ الإجزاء هو الأقرب وإن كان مورد النصّ هو العبد إذا انعتق قبل الموقفين.
الثالث: إذا حجّ مع عدم الاستطاعة المالية فهل يجزي عن حجّة الإسلام أو لا؟ المشهور هو عدم الاجزاء، وإليك نقل الكلمات:
1. قال الشيخ في «الخلاف»: من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه الحجّ، فإن حجّ لم يجزه وعليه الإعادة إذا وجدهما، وقال باقي الفقهاء: أجزأه. وعليه إجماع الفرقة.(2)
2. وقال المحقّق: وكذا لو تكلّف الحجّ مع عدم الاستطاعة.(3)
3. وقال العلاّمة: لو فقدهما وتمكن من الحجّ ماشياً، فقد بيّنا أنّه لا يجب عليه الحجّ، فلو حجّ ماشياً حينئذ لم يجزه عن حجّة الإسلام عندنا ووجب عليه الإعادة مع استكمال الشرائط، ذهب إليه علماؤنا، وقال الجمهور يجزيه.(4)
4. وقال في «الدروس»: ولو حجّ كذلك أو في نفقة غيره أجزأ، بخلاف ما لو تسكع فإنّه لا يجزئ عندنا.(5)

1 . الوسائل:8، الباب12، من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
2 . الخلاف:2/246،المسألة3، كتاب الحجّ.
3 . الشرائع: 1/226.
4 . المنتهى:2/652.
5 . الدروس:1/265.

صفحه 310
5. وقال في المدارك: تعليقاً على قول المحقق الماضي :وذلك لأنّ الحجّ على هذا الوجه مندوب، والمندوب لا يجزي عن الواجب.(1)
6.وقال الفاضل الإصفهاني بعد نقل كلام المحقّق: فلأنّه قبل الوجوب فهو كالصلاة قبل وقت الفريضة، والتصدّق قبل وجوب الزكاة، مع عموم نصوص الوجوب إذا استطاع، وأصل عدم إجزاء المندوب والمتبرع به قبل الوجوب عن الواجب، ونحو قول الصادق(عليه السلام) ـ في خبر مسمع ـ «لو انّ عبداً حجّ عشر حجج، كانت عليه حجّة الإسلام أيضاً إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، واجتزأت العامة به».(2)
ويمكن الاستدلال على عدم الإجزاء بوجوه:
1. إطلاق الكتاب الحاكم بأنّ المستطيع يحجّ مطلقاً، سواء أحجّ قبله أم لا.
2. انّ الحجّ قبل الاستطاعة كالصلاة قبل الوقت.
3. انّ اجزاء المندوب عن الواجب يحتاج إلى الدليل.
4. الاستدلال بروايات: مسمع بن عبد الملك، وإسحاق بن عمّار، و شهاب.
أمّا الأوّل فروى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «لو أنّ عبداً حجّ عشر حجج، كانت عليه حجّة الإسلام أيضاً إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً».(3)
وأمّا الثاني: فقال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».(4)

1 . المدارك:7/52.
2 . كشف اللثام:5/109.
3 . الوسائل:8، الباب19 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.
4 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1.

صفحه 311
وأمّا الثالث فروى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سألته عن ابن عشر سنين إلى آخر ما جاء في رواية إسحاق بن عمّار.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في المقام مَنْ حجّ بلا استطاعة مالية مع كونه حرّاً وبالغاً، والموضوع في الروايات، مَنْ حجّ رقاً أو غير بالغ(من دون نظر إلى الاستطاعة المالية وجوداً وعدماً) فكيف بها على المقام؟
اللّهمّ إلاّ إذا قيل بوجود الجامع بينهما وهو فقدان الاستطاعة الشرعية فيهما، سواء استند إلى فقدان المال، أو الحرية والبلوغ.
وأورد صاحب الجواهر في المقام الروايات الواردة فيمن حجّ عن غيره، فهل يكفي عن نفسه أو لا؟ وقد مضى الكلام فيها.
وعلى كلّ تقدير فالمسألة اتفاقية، قال في «الجواهر»: وما هو إلاّ لأنّ المسألة من القطعيات ـ إلى أن قال ـ: فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين كصاحب الذخيرة في الحكم.(2)
لكن المصنّف، مع اعترافه بأنّ عدم الإجزاء من المسلّمات، استشكل وقال بما عرفت في المتن وحاصله: أنّ مقتضى القاعدة هو الإجزاء، لأنّ الحجّ طبيعة واحدة ولا اختلاف في حقيقته غاية الأمر قد تجب وقد تستحب، فالاختلاف في الأمر المتعلِّق به لا في المأمور به، فإذا وجدت الطبيعة، لا معنى لإتيانها ثانياً نظير ما إذا صلّى الصبيّ صلاة الظهر مستحباً فبلغ في الأثناء فلا يجب إتيانها ثانياً لحصول الطبيعة ثانياً، نعم لو ثبت تعدد ماهية حجّ المتسكع والمستطيع صحّ ما ذكر لا لعدم إجزاء المستحب عن الواجب.

1 . الوسائل:8،الباب12 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ، الحديث 2.
2 . الجواهر:17/272.

صفحه 312
يلاحظ عليه: أنّ الحجّ مستحبّ في كلّ عام غير أنّه إذا استطاع وجب مرة واحدة، فإذا كان كذلك فكلّ فرد من أفراد الحجّ في كلّ سنة محكوم بحكم خاص، فما أتى به قبل الاستطاعة فهو محكوم بالندب، وما أتى به بعد الاستطاعة فهو محكوم بالوجوب، فكيف يغني حكم الفرد الأوّل عن الثاني؟! وعلى هذا فالموصوف بالوجوب ـ حجّة الإسلام ـ هو ما أتى به بعد الاستطاعة.
وأمّا قياسه بصلاة غير البالغ في الوقت إذا بلغ قبل خروجه فقياس مع الفارق، وذلك إذ في الحجّ حكم مترتّب على غير المستطيع وحكم مترتب على المستطيع ولكلّ فرد حكمه، فلا يغني الفرد الأوّل عن الفرد الثاني، ويكون الموصوف بحجّة الإسلام هو ما أتى به بعد الاستطاعة، وأمّا الصلاة فهناك أمر واحد متوجّه إلى الإنسان العاقل والمميز بالغاً كان أو غير بالغ، غاية الأمر رفع الوجوب عن البالغ وبقي الاستحباب. فإذا أتى بها غير البالغ فقد امتثل نفس الأمر الصادر إلى العاقل البالغ، فلا معنى لبقائه بعد الامتثال، وبذلك يظهر انّ الأمر في المقيس متعدد وهذا بخلاف الأمر في المقيس عليه، فهناك أمر واحد تعلّق بالصلاة ليقوم بها الإنسان المميز، غير أنّه رفعت جهة الإلزام عن غير البالغ وبقي الملاك.
***

صفحه 313
وإن حجّ مع عدم أمن الطريق أو مع عدم صحّة البدن مع كونه حرجاً عليه، أو مع ضيق الوقت كذلك، فالمشهور بينهم عدم إجزائه عن الواجب، وعن الدروس الإجزاء إلاّ إذا كان إلى حدّ الإضرار بالنفس، وقارن بعض المناسك، فيحتمل عدم الإجزاء ففرق بين حجّ المتسكّع وحجّ هؤلاء، وعلّل الإجزاء بأنّ ذلك من باب تحصيل الشرط، فانّه لا يجب، لكن إذا حصله وجب، وفيه أنّ مجرّد البناء على ذلك لا يكفي في حصول الشرط، مع أنّ غاية الأمر حصول المقدّمة الّتي هو المشي إلى مكّة ومنى وعرفات، ومن المعلوم أنّ مجرّد هذا لا يوجب حصول الشرط الّذي هو عدم الضرر، أو عدم الحرج. نعم لو كان الحرج أو الضرر في المشي إلى الميقات فقط ولم يكونا حين الشروع في الأعمال تمّ ما ذكره، ولا قائل بعدم الإجزاء في هذه الصورة، هذا، ومع ذلك فالأقوى ما ذكره في الدروس، لا لما ذكره، بل لأنّ الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حدّ الحرمة إنّما يرفعان الوجوب والإلزام لا أصل الطلب، فإذا تحمّلهما وأتى بالمأمور به كفى.*
*بقي الكلام في الفروع الثلاثة الباقية ويجمع الجميع الحج مع فقد شروط الوجوب:
1. كما إذا حجّ مع عدم أمن الطريق.
2. أو إذا حجّ مريضاً وكان حرجياً.
3. إذا حجّ مع ضيق الوقت واستلزام الحرج.
فيقع الكلام في اجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه.

صفحه 314
أقول في المسألة بفروعها الثلاثة أقوال:
1. القول بعدم الإجزاء مطلقاً، ونسب إلى المشهور، وهو الظاهر من العلاّمة قال في «المنتهى»: هذه الشروط التي ذكرناها.
منها : ما هي شرط في الصحة والوجوب وهو العقل، لعدم الوجوب على المجنون وعدم الصحّة منه؟
ومنها: ما هو شرط في الصحّة دون الوجوب، كالإسلام على ما ذهبنا إليه من وجوب الحجّ على الكافر.
ومنها: ما هو شرط الوجوب دون الصحّة وهو البلوغ والحرية والاستطاعة، وإمكان المسير، لأنّ الصغير والمملوك ومن ليس له زاد ولا راحلة وليس بمخلّى السرب ولا يمكنه السير لو تكلّفوا الحجّ لصحّ منهم وإن لم يكن واجباً عليهم، ولا يجزيهم عن حجّة الإسلام على ما تقدّم.(1)
2. القول بالإجزاء إلاّ إذا وصل الضرر إلى حدّ الإضرار بالنفس وقارن المناسك، وهذا هو الظاهر من الشهيد في «الدروس» قال:
ولو حجّ فاقد هذه الشرائط لم يجزئه، وعندي لو تكلّف المريض والمعضوب والممنوع بالعدو وضيق الوقت أجزأ، لأنّ ذلك من باب تحصيل الشرط فانّه لايجب، ولو حصّله وجب وأجزأ. نعم لو أدى ذلك إلى إضرار بالنفس يحرم إنزاله، ولو قارن بعض المناسك احتمل عدم الإجزاء.(2)
3. القول بالتفصيل بين تحمل الضرر في المقدّمات وبين كونه متزامناً مع الأعمال، و هذا هو الظاهر من المستند، قال: لو حجّ من هذا شأنه، ورضى

1 . المنتهى:2/659.
2 . الدروس:1/270.

صفحه 315
بالضرر لم يكف عن حجّة الإسلام،ويجب عليه الحجّ ثانياً إذا ارتفع المانع بلا تضرر، إلاّ إذا كان تحمّل الضرر قبل أحد المواقيت، ولم يكن بعده عدو، لحصول الاستطاعة.(1)
4. نفس القول الثالث لكن ببيان خاص وهو انّ عدم الإجزاء تارة لأجل عدم الاستطاعة، وأُخرى لأجل الحكومة .
توضيحه: انّه لا يضرّ فقد الأمن والضرر والحرج والمرض من المقدّمات إذا لم يتزامن مع الأعمال، لأنّ الحجّ وإن لم يكن واجباً قبل الخروج لكنّه لمّا خرج وتحمّل الضرر والحرج ووصل إلى الميقات صار مستطيعاً شرعياً، لاجتماع الشرائط منه إلى الفراغ من الأعمال، وأمّا إذا تزامنت مع الأعمال ففيه التفصيل بينما كان الطريق من الميقات إلى مكة أو إلى المواقف غير مأمون أو كان المكلّف مريضاً، ففي هذه الصورة حاله حال من حجّ ولم يكن له مال و حجّ متسكّعاً، لأنّ المأخوذ في موضوع وجوب الحجّ تخلية السرب وصحّة البدن، فإذا تحمل وحجّ والحال هذه لا يكون حجّه مصداقاً للواجب.
وأمّا إذا تزامنت الأعمال بالضرر والحرج فحيث لم يؤخذ عدم الضرر أو الحرج في موضوع وجوب الحجّ، وإنّما قلنا بعدم الوجوب في موردهما لحكومة العناوين الثانوية على الأوّلية، فهو عندئذ مستطيع لكن لا يجب عليه الحجّ، فالوجوب مرفوع، وأمّا الاستحباب فلو قلنا ببساطة الوجوب دون تركبه من الطلب والإلزام يكون المرفوع أصل المشروعية، وأمّا لو قلنا بالتركب فالمرفوع هو الوجوب والباقي هو الاستحباب فلا يكون مجزياً عن الواجب.(2) هذا وقد سبقه النراقي. (3)

1 . المستند:11/64.
2 . معتمد العروة:1/229ـ 231، كتاب الحج، بتصرف.
3 . مستند الشيعة:11/64.

صفحه 316
هذه هي الأقوال في المسألة، وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.
أمّا القول الأوّل ـ أي القول بعدم الإجزاء فلأنّ تخلية السرب، وصحّة البدن أُخذ في موضوع وجوب الحجّ (1)، فالحجّ مع فقد الأمن والمرض، كالحجّ متسكعاً، فلا يجزي عن الواجب، وأمّا الضرر والحرج فهما وإن لم يؤخذا في موضوع وجوب الحجّ، لكنّ لهما الحكومة على أحكام العناوين الأوّلية، كالحجّ، فيكون الحجّ مرفوع الحكم، فكيف يجزي ما ليس بواجب عن الواجب.
يلاحظ عليه: أنّه صحيح إذا تزامنت هذه الأُمور، المناسك والإحرام من المواقيت فهو إمّا غير مستطيع، أو حجّه غير واجب وأمّا إذا صار السرب آمناً بعد الميقات وصار مصحاً بعده ولم تكن الأعمال متزامنة مع الضرر والحرج فهو مستطيع محكوم حجّه بالوجوب، لأنّ حلية المقدّمة ليست شرطاً في صحّة الحجّ، ووجوبه من الميقات، ولذلك قالوا بأنّ المتسكع لو استطاع عند الميقات، فهو مستطيع وحجّه مجزئ.
وأمّا القول الثاني، أعني: تفصيل الشهيد، وهو القول بالإجزاء مطلقاً، إلاّ صورة واحدة، وهي إذا كان إلى حدّ الإضرار بالنفس وقارن بعض المناسك.
يلاحظ عليه: أنّه لاوجه لاستثناء خصوص الإضرار بالنفس إذا قارن بعض المناسك، إذ عند المقارنة لا فرق بين الخوف من العدو والضرر بالنفس، أو الحرج، فإنّ الأوّلين مأخوذان في موضوع وجوب الحجّ، إذ مع عدم تخلية السرب أو عدم صحّة البدن، لا استطاعة، وأمّا الثالث ـ أعني: الحرج ـ فهو وإن لم يكن مأخوذاً في موضوع وجوب الحجّ، لكنّه لأجل حكومته على أحكام العناوين الأوّلية، يرتفع

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 4و7.

صفحه 317
الوجوب منه فلا يكون المأتي، واجباً ومعه لا يجزي عن الواجب.
ثمّ إنّ السيد الحكيم وجّه كلام الشهيد بقوله: إنّ عدم الحرج والضرر ـ المأخوذ شرطاً في الاستطاعة ـ يراد به عدم الحرج والضرر الآتيين من قبل الشارع لا مطلقاً، فإذا تكلّف المكلّف الحرج والضرر ـ لابداعي أمر الشارع بل بداع آخر ـ فعدم الحرج والضرر الآتيين من قبل الشارع حاصل، لأنّ المفروض انّ الحرج والضرر الحاصلين كانا بإقدام منه وبداع نفساني، لابداعي الأمر الشرعي، فتكون الاستطاعة حينئذ حاصله بتمام شروطها.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ لازم ذلك التوجيه، صحّة الوضوء والغسل الضرريين إذا كانا بإقدام من المكلّف.
وثانياً: انّ الغاية من تشريع القاعدتين، هو نهي المكلّف من ارتكاب الضرر والوقوع في الحرج، لا التفصيل بين الضرر الآتي من جانب الشارع، والآتي من إقدام المكلّف واختياره الضرر والحرج في امتثال تكاليف الشارع.
وأمّا ما أفاده المصنّف من تأييد النظرية عن طريق آخر وهو الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة إنّما يرفعان الوجوب والإلزام لا أصل الطلب، فإذا تحملها وأتى بالمأمور به كفى فلا يخلو من إشكال.
أمّا أوّلاً فلأنّه مبنيّ على أنّ الوجوب، أمر مركّب من أصل الطلب والإلزام، وانّ القاعدة إنّما ترفع الوجوب لا أصل الطلب، وأمّا على القول ببساطة الوجوب وانّ الفرق بين الوجوب والاستحباب إنّما هو بشدة الإرادة ورخوته، فلا يتم ما ذكره لانتفاء التركب.

1 . المستمسك:10/182.

صفحه 318
المسألة 66: إذا حجّ مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرّم لم يجزه عن حجّة الإسلام، وإن اجتمع سائر الشرائط، لا لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، لمنعه أوّلاً، ومنع بطلان العمل بهذا النهي ثانياً، لأنّ النهي متعلّق بأمر خارج، بل لأنّ الأمر مشروط بعدم المانع ووجوب ذلك الواجب مانع، وكذلك النهي المتعلّق بذلك المحرّم مانع، ومعه لا أمر بالحجّ. نعم لو كان الحجّ مستقرّاً عليه وتوقّف الإتيان به على ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة، وأمكن أن يقال بالإجزاء، لما ذكر من منع اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضدّه، ومنع كون النهي المتعلّق بأمر خارج موجباً للبطلان.*
وثانياً: سلّمنا انّ المرفوع هو الإلزام لا أصل الطلب، لكن الحجّ ـ في هذه الحالة ـ يصير مستحباً، وأمّا إغناؤه عن الواجب فيحتاج إلى الدليل، لأنّ حجّة الإسلام، الواجب على كلّ مكلّف مستطيع في تمام عمره مرّة واحدة، هو الحجّ الواجب النابع وجوبه عن استطاعته، فلو قلنا بأنّ عدم الضرر والحرج من حدود الاستطاعة فهو غير مستطيع، وإن قلنا بعدمه لكن لهما الحكومة على أحكام العناوين الأوّلية، ومعها فالحجّ غير واجب وقيامه مقام الواجب يحتاج إلى دليل.
والأظهر ما أفاده المحقّق النراقي وأوضحه السيد الخوئي، من التفريق بين فقد الشرط قبل الميقات وبعده إذا تزامن مع المناسك أو بعضها.
* إذا استلزم الحجّ، ترك الواجب أو ارتكاب الحرام، فهل يجزي عن حجّة الإسلام أو لا؟ ذهب جماعة منهم المصنف إلى عدم الإجزاء واختلفوا في وجهه.

صفحه 319
فقال جماعة بأنّ الحجّ عندئذ منهيّ عنه، والنهي آية المبغوضية فلا يكون مجزياً.
أمّا أنّه منهي عنه فبأحد وجهين:
1. إن ترك الحجّ مقدّمة لفعل الواجب الآخر، فإذا وجب ترك الشيء يكون فعله حراماً والحرام مبغوض لا يتقرّب به.
2. ان ترك الحجّ ملازم لفعل الواجب الآخر، والمتلازمان متّحدان في الحكم، فإذا كان الفعل الآخر واجباً ، كان ترك الحجّ أيضاً مثله، فإذا وجب يكون الفعل حراماً.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ كلا المبنيين غير صحيحين، أمّا الأوّل فلما حرر في محله من أنّ ترك الضدّ ليس مقدمة للضدّ الآخر حتّى يجب بملاك المقدمية،بل يلازم الفعل الآخر، وإلاّ فيمكن أن يقال: انّ فعل الواجب الآخر مقدّمة لترك الضد، فيلزم الدور كما قرر في محله.
وأمّا الثاني، فلأنّه لا دليل على وحدة المتلازمين في الحكم، بل يمكن أن يكون أحدهما واجباً والآخر مباحاً. نعم يجب أن لا يكون محكوماً بحكم يضاد حكم الملازم الآخر، كأن يجب أحدهما(الاربعة) ويحرم الآخر(الزوجية).
هذا كلّه على تسليم كون مثل هذا النهي موجباً للفساد، وإلاّ فللنظر فيه مجال.
وثانياً: ما أشار إليه السيّد الحكيم أنّ المقام إنّما يدخل في مسألة الضدين إذا كان الواجب الآخر ضداً للحجّ. وأمّا إذا كان ضدّاً للسفر إلى الحجّ فلا يكون من صغريات تلك المسألة، لأنّ السفر مقدّمة غير عبادية لا مانع من حرمته وإجزاء

صفحه 320
الحجّ.(1)
وثالثاً: أنّ الحجّ صحيح، سواء أكان الواجب الآخر أهمّ من الحجّ أم لا، أمّا الأوّل فبالترتب، فيقال: انّ هنا واجبين: أحدهما أداء الدين، والآخر الحجّ، فيكون الحجّ مأموراً به بالترتّب فيقول: أدِّ دينك وإن عصيت فحجّ.
وأمّا الثاني: فلا شكّ انّ الحجّ أهمّ فيكون مقدّماً على الواجب الآخر.
ثمّ إنّ المصنف ردّ كون النهي الناجم عن مقدّمية ترك الضد، أو وحدة المتلازمين، موجباً للفساد، وعلّل الفساد بوجه آخر وقال بأنّ النهي تعلّق بأمر خارج لا بنفس العبادة، بل الفساد لأجل انّ الأمر مشروط بعدم المانع ووجوب ذلك الواجب مانع.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ النهي ـ كما قررنا ـ تعلّق بنفس العبادة حيث إنّ ترك الحجّ لما كان واجباً صار نفسه محرّماً، لأنّ ما وجب تركه حرم فعله.
وثانياً: أنّ ما ذكره دليلاً على فساد الحجّ غير صحيح، لأنّ الاستطاعة هي عبارة عن الزاد والراحلة وأمن الطريق وصحّة البدن، وأمّا ما وراء ذلك فهو من الأحكام العقلية، فلم يؤخذ في الاستطاعة للحجّ عدم مزاحمة الحج لواجب أو حرام آخر، حتّى أنّ الحرج والضرر غير مأخوذين في موضوع وجوب الحجّ غاية الأمر لهما الحكومة على وجوب الحجّ، حكومة العناوين الثانوية على الأوّلية.
ولمّا كان المستند عند المصنّف لبطلان الحجّ، اشتراط وجوبه بعدم المانع، فرّق بين الحجّ غير المستقر والحجّ المستقرّ.
أمّا الأوّل ففيما إذا حاول الحجّ في نفس سنة الاستطاعة وكان الحجّ ملازماً

1 . المستمسك:10/186، بتصرف.

صفحه 321
المسألة67: إذا كان في الطريق عدوّ لا يندفع إلاّ بالمال (بمعنى انّه لا حدّ ماله قهراً ولكن لا يخلّى له الطريق إلاّ بمال)، فهل يجب بذله ويجب الحجّ، أو لا؟ أقوال، ثالثها: الفرق بين المضر بحالّه وعدمه، فيجب في الثاني دون الأوّل.*
لترك واجب أو فعل حرام آخر، فقد أفتى بعدم الإجزاء، لأنّ وجوب الحجّ مشروط بعدم المانع والمفروض انّه مانع.
أمّا الثاني: ففيما إذا وجب عليه الحجّ في سنة ولم يحجّ فاستقر عليه الحجّ فحاول إفراغ الذمّة و ابتلى بوجود المانع، فأفتى بالصحّة، وذلك لأنّه لم يكن وجوبه مشروطاً ـ عند التعلّق ـ بعدم المانع، ولكنّه تسامح واستقر عليه الحجّ، ثمّ توقف الإتيان به (لا الوجوب) على ترك واجب أو فعل حرام.
فيجزي لعدم جريان ما تبنّاه من الدليل(مشروطية الوجوب) فتدخل الصورة في باب الضدين، وقد عرفت أنّ النهي غير مؤثر عند المصنف لكونه متعلّقاً بالأمر الخارج لا بنفس العبادة.
ولكن الظاهر انّ المسألتين من باب واحد ولا فرق بينهما في الإجزاء.
* لو كان الدخول إلى بلد، والخروج منه إلى بلد آخر، حتّى يصل إلى الميقات، مشروطاً بضرائب دولية رسميّة، لا يسمح للأجنبي، الدخول أو الخروج إلاّ بعد دفع رسوم معينة اتخذت صفة قانونية بلا اختصاص لشخص دون شخص، فالظاهر انّ مثل هذا يعدّ من نفقة الحجّ، وهو خارج عن موضوع البحث، ولعلّه إلى هذه الصورة يشير العلاّمة في «التذكرة» بقوله:ولو يكون على

صفحه 322
المراصد من يطلب مالاً لم يلزمه الحجّ.(1) وهو كما ترى.
وأمّا إذا اتّفق ذلك صدفة، فظهر العدو القاهر أمام الطريق، ومنع من الحركة إلاّ بدفع المال فيقع الكلام في وجوب الدفع وعدمه، أو التفصيل بين المال المضرّ و المجحف وغيرهما، أقول: هنا أقوال:
أ. عدم الوجوب، وبه قال الشيخ في «الخلاف»، وفخر المحققين.
قال الشيخ: فإن لم يجد إلاّ طريقاً واحداً فيه عدوّ أو لصّ لا يقدر على رفعهم سقط فرض الحجّ، لأنّ التخلية لم تحصل، فإن لم يندفع العدو إلاّ بمال يبذله أو خفارة(2) ، فهو غير واجد، لأنّ التخلية لم تحصل، فإن تحمل ذلك كان حسناً، فإن تطوع بالبذل عنه غيره لزمه، لأنّ التخلية حصلت.(3)
وقال فخر المحقّقين في «الإيضاح»: والأقوى عندي أنّه لايجب، فإنّه لايجب دفع الظلم بالمال.(4)
ب. وجوب الدفع مع المكنة، وبه قال المحقّق في «الشرائع»، والعلاّمة في «المنتهى»، والشهيد الثاني والأردبيلي وصاحب الحدائق.
1. قال المحقّق : ولو كان في الطريق عدو لا يندفع إلاّ بمال، قيل: يسقط وإن قل. ولو قيل: يجب التحمّل مع المكنة كان حسناً.(5)

1 . التذكرة:7/90.
2 . الأمان والذمة وفي المصباح: 1/212، مادة«خفر».خفرت الرجل: حميته وأجرته من طالبه فأنا خفير، والاسم الخفارة بضم الخاء وكسرها.
3 . المبسوط:1/301.
4 . الإيضاح:1/271.
5 . الشرائع:1/227ـ228.

صفحه 323
2. وقال الشهيد في «المسالك»: والأولى الوجوب مع الإمكان لتحقّق الاستطاعة.(1)
3. وقال المحقّق الأردبيلي: لا يجب الحجّ للموانع المذكورة(المريض، المعضوب، والعدو الطالب للمال) لعدم صدق الاستطاعة التي هي شرط الوجوب وهو في الكلّ واضح. إلاّ في بذل المال مع التمكّن، فالظاهر وجوبه حينئذ لصدق الاستطاعة.(2)
4. وقال صاحب الحدائق ـ بعد رد الوجوه التي استدلّ بها الشيخ على عدم الوجوب ـ: وبذلك يظهر أنّ الأظهر ما عليه جمهور أصحابنا المتأخرين من وجوب دفع المال مع المكنة.(3)
ج. التفصيل بين الإجحاف فلا يجب، وعدمه فيجب، وهو خيرة العلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى» والشهيد في «الدروس».
قال العلاّمة في «التذكرة» بعد نقل كلام الشيخ : ولو قيل بالوجوب مع إمكان الدفع من غير إجحاف، أمكن، لأنّه كأثمان الآلات.(4)
5. وقال أيضاً في «المنتهى»: لو لم يندفع العدو إلاّ بمال أو خفارة، قال الشيخ: لا يجب، لأنّه لم يحصل التخلية، ولو قيل: إن أمكن دفع المال من غير إجحاف ولا ضرر ولا سقط كان حسناً، لأنّه كأثمان الآلات.(5)

1 . المسالك:2/141.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:6/78.
3 . الحدائق:14/142.
4 . التذكرة:7/90.
5 . المنتهى:2/656.

صفحه 324
وقال الشهيد: ولو احتاج إلى خفارة أو مال للعدوّ وجب مع المكنة ما لم يجحف.(1)
استدلّ الشيخ بوجوه ثلاثة:
1. انتفاء الشرط، وهو تخلية السرب.
2. انّ المأخوذ على هذا الوجه ظلم لا ينبغي الإعانة عليه.
3. انّ من خاف من أخذ المال قهراً، لا يجب عليه الحجّ وإن قلّ المال، وهذا في معناه.
يلاحظ على الأوّل: بمنع عدم تخلية السرب، بل السرب مخلّى بدفع المال المقدور بلا مشقة.
ويلاحظ على الثاني ـ مضافاً إلى ظهور الآية في النهي عن التعاون الجماعيّ لغاية محرمة و لا تشمل العون من جانب واحد ـ: أنّ الدافع لا يقصد إلاّ التوصل إلى فعل الواجب، وهذا نظير دفع مال إلى الظالم للتخلّص من قتله والإضرار به.
ويلاحظ على الثالث: بالفرق بين دفع المال عن اختيار، وبين أخذ المال قهراً، ولو قيل بسقوط الوجوب في الثاني لا يكون دليلاً على سقوطه في الأوّل، مضافاً إلى أنّ السقوط في الثاني أيضاً ممنوع إذا لم يكن مجحفاً.
استدلّ للقول الثاني بحصول الاستطاعة والقدرة، فيشمله قوله سبحانه:(من استطاع) ، وهذا أشبه بما إذا توقف الحجّ على اشتراء بعض الأجناس بأزيد من ثمن المثل.

1 . الدروس:1/269.

صفحه 325
المسألة68: لو توقف الحجّ على قتال العدو لم يجب حتّى مع ظن الغلبة عليه والسلامة وقد يقال بالوجوب في هذه الصورة.*
كما استدلّ للقول الثالث بأنّ المال إذا عدّ ضرراً في جنب ما ينفقه في طريق الحجّ، فهو يوجب سقوطه وإن كان قابلاً للتحمّل لحكومة أدلّة لا ضرر على أحكام العناوين الأوّلية.
أو عدّ مجحفاً خارجاً عن الطاقة فهو حرجي، يسقط معه الوجوب كذلك، ومن المعلوم أنّ الإضرار والإجحاف يختلف حسب اختلاف طاقات الناس.
وعلى كلّ تقدير فلو تحمل، ورُفِع المانع، يكون الحجّ واجباً، لوجود المقتضي، أعني: الاستطاعة، ورفع المانع، وهذا نظير ما لو قام الآخر بدفع المال وحده فيكون السرب مخلّى فيجب الحجّ .
* في المسألة قولان:
1. سقوط الحجّ، وهو الظاهر من «المبسوط» و «الشرائع».
قال الشيخ: إن كان العدو مسلماً، كالأعراب وأهل البادية فالأولى أن يَتركُوا قتالهم ويَنصرفوا إلاّ أن يدعوهم الإمام أو مَن نصبه الإمام إلى قتالهم; وإن كان العدو مشركاً، لم يجب على الحاج قتالهم، لأنّ قتال المشركين لا يجب إلاّ بإذن الإمام أو الدفع عن النفس والإسلام، وليس هاهنا واحد منهما.(1)
وقال المحقّق : لو لم يندفع العدو إلاّ بالقتال، لم يجب، سواء غلب على الظن السلامة أو العطب.(2)
وقال العلاّمة في «القواعد» : ولو افتقر إلى القتال، فالأقرب السقوط مع ظن

1 . المبسوط:1/334.
2 . الشرائع: 1/282، باب الإحصار والصدّ.

صفحه 326
السلامة، وقد فسر فخر المحقّقين قول والده«ظن السلامة» بالعلم العادي الذي لا يعدّ العقلاء نقيضه من المخوفات كإمكان سقوط جدار سليم قعد تحته.(1)
2. عدم سقوطه إذا لم يلحقه ضرر ولا خوف. وهو خيرة العلاّمة في «المنتهى» و«التحرير» واحتمله في «التذكرة».
1. قال في «المنتهى»: لو كان في الطريق عدو أمكن محاربته بحيث لا يلحقه ضرر ولا خوف، فهو مستطيع; وإن خاف على نفسه أو ماله من قتل أو جرح، لم يجب.(2)
2. وقال في «التحرير»: ولو كان في الطريق عدوّ وأمكن محاربته بحيث لا يلحقه خوف ولا ضرر، فهو مستطيع.(3)
3. وقال في «التذكرة»: ولو تمكّن من محاربتهم، بحيث لا يلحقه ضرر ولا خوف فهو مستطيع; ويحتمل عدم الوجوب، لأنّ تحصيل الشرط ليس بواجب.(4)
والظاهر أنّ الملاك هو صدق تخلية السرب وعدمها، فلو كان دفعه أمراً سهلاً، غير مقرون بالخوف على النفس والمال، فيجب دفعه.
وأمّا لو كان دفعه أمراً غير سهل وإن كان مأموناً من الضرر، فلا يجب، لعدم صدق تخلية السرب، ومنه يظهر النظر في كلام العلاّمة في المنتهى والتحرير، إذ الظاهر أنّ كلامه في إيجاب الدفع إلى الصورة الثانية، أي ما إذا كان دفعه غير سهل، وإن كان مقروناً مع الأمن من الضرر على النفس والنفيس.
وإذا لم يجب في هذه الصورة فأولى أن لا يجب الدفع، إذا لم يكن مقروناً مع ظن السلامة .

1 . إيضاح الفوائد:1/272، قسم المتن.
2 . المنتهى:2/656.
3 . التحرير:1/553.
4 . التذكرة:7/90.

صفحه 327
المسألة 69: لو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه، إلاّ مع خوف الغرق أو المرض خوفاً عقلائياً.
أو استلزامه الإخلال بصلاته، أو إيجابه لأكل النجس أو شربه، ولو حجّ مع هذا صحّ حجّه، لأنّ ذلك في المقدمة وهي المشي إلى الميقات، كما إذا ركب دابة غصبية إلى الميقات.*
* في المسألة فروع:
1. وجوب ركوب البحر إذا انحصر الطريق فيه إلاّ إذا خاف من الغرق والمرض.
2. إلاّ إذا استلزم الإخلال بصلاته أو أكل النجس أو شربه.
3. إذا حجّ والحال هذه، فهل يجزي أو لا؟
أمّا الفرع الأوّل ـ أعني: وجوب ركوب البحر ـ ففيه أقوال ثلاثة:
1. يجب مع ظن السلامة، اختاره المحقّق في «الشرائع»، والعلاّمة في «المنتهى».
قال المحقّق: وطريق البحر كطريق البرّ، فإن غلب ظن السلامة وإلاّ سقط.(1)
وقال العلاّمة: طريق البحر كطريق البرّ، فلو غلب على ظنه السلامة، وجب عليه سلوكها ـ إلى أن قال: ـ و لو غلب على ظنه العطب أو خاف منه، سقط.(2) والعطب ضد السلامة من القتل والجرح والمرض.

1 . الشرائع:1/228.
2 . المنتهى:2/656.

صفحه 328
ولا يخفى ما في صدر كلامه وذيله من التهافت، إذ لو كان الملاك ظن السلامة، فلو تساوى الأمران لم يجب ركوبه، بخلاف ما لو كان الميزان في السقوط ظن العطب والخوف منه، فلو تساوى الأمران يجب لعدم الظن به. اللّهمّ إلاّ أن يقال يكفي عندئذ في السقوط وجود الخوف.
2. كفاية مجرد عدم ترجيح العطب، وهو خيرة صاحب المسالك(1)، واستحسنه سبطه في المدارك.(2) وتظهر الثمرة بين القولين في صورة التساوي، فلا يجب على الملاك الأوّل، إذ لا ظن بالسلامة، ويجب على الثاني، إذ لا ظن بالعطب.
3. يجب إلاّ مع خوف الغرق أو المرض، وهو خيرة المصنف والمعاصرين، أخذاً بما عليه الفقهاء من حرمة سلوك الطريق المخطور، ولا يرتفع الخوف إلاّ مع الاطمئنان بالسلامة، ولو أراد المحقّق والعلاّمة من الظن، الاطمئنان يرجع القول الثالث إلى القول الأوّل.
أمّا الفرع الثاني سقوط وجوب الحجّ إذا استلزم الإخلال بصلاته أو إيجابه لأكل النجس أو شربه أو عدم سقوطه، فقد أفتى المصنف بسقوط وجوبه، لما مرّ في المسألة السادسة والستين من كون وجوب الحجّ مشروطاً بعدم استلزامه ترك الواجب أو ارتكاب الحرام.
ولكنك عرفت أنّ الحجّ مشروط بالاستطاعة الحاصلة بالأُمور الستة، وليس عدم الاستلزام من أجزاء الاستطاعة، بل هو شرط عقلي في عامة الموارد، وعندئذ

1 . المسالك:2/142.
2 . المدارك:7/64.

صفحه 329
فهناك وجوبان فعليان: الحجّ، والصلاة، فالحكم الفعلي يكون تابعاً للأهم من الواجبين، أو الأهم من فعل الواجب أو ترك الحرام، فلو أحرز فلا يجب، وإلاّ يجب تمسكاً بإطلاق قوله:(من استطاع إليه سَبيلاً)، وتقديم الأهم ليس من باب التخصيص حتّى يكون العام من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، بل من قبيل التزاحم.
أمّا الفرع الثالث، فلو قلنا بأنّ المورد من قبيل المتزاحمين، وأنّ ملاك الحجّ أقوى من ترك الواجب أو ارتكاب الحرام فهو يجزي بلا شك.
إنّما الكلام في مختار المصنّف حيث قال بالإجزاء خلافاً لما ذكره في المسألة السادسة والستين، حيث أفتى هناك بعدم الإجزاء اللّهمّ إلاّ أن يفرق بين المسألتين بأنّ الملازمة كانت هناك بين المناسك وترك الواجب أو فعل الحرام، بخلاف المقام فانّ الملازمة بين المشي إلى الحجّ وترك الواجب، وإليك نصّ عبارته: لأنّ ذلك في المقدّمة، وهي المشي إلى الميقات، كما إذا ركب دابة غصبية إلى الميقات، فلاحظ.

صفحه 330
المسألة70: إذا استقر عليه الحجّ، وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة وجب عليه أداؤها، ولا يجوز له المشي إلى الحجّ قبلها. ولو تركها عصى، وأمّا حجّه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمّته لا في عين ماله. وكذا إذا كانت في عين ماله ولكن كان ما يصرفه في مؤنته من المال الذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو غيرهما، أو كان ممّا تعلق به الحقوق ولكن كان ثوب إحرامه، وطوافه، وسعيه، وثمن هديه من المال الذي ليس فيه حق، بل وكذا إذا كانا ممّا تعلّق به الحقّ من الخمس والزكاة، إلاّ أنّه بقي عنده مقدار ما فيه منهما، بناء على ما هو الأقوى، من كونهما في العين على نحو الكلي في المعين، لا على وجه الإشاعة.*
* في المسألة فروع خمسة، فالأوّل لبيان الحكم التكليفي من جواز السفر إلى الحجّ وعدمه، والبقية ترجع إلى بيان حكم الحجّ من حيث الحكم الوضعي صحّة وفساداً.
1. إذا استقرّ عليه الحجّ وكان عليه حقوق واجبة وجب أداؤها، ولا يجوز له المشي إلى الحجّ.
2. إذا كانت الحقوق في الذمة وحجّ .
3. إذا كانت الحقوق في عين ماله وحجّ، ولكن كان ما يصرفه في مؤونة الحجّ من المال المخمّس أو المزكّى.
4. إذا كانت الحقوق في عين ماله وحجّ، وكان ما يصرفه في الحجّ مما تعلّق به الحقوق، ولكن كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه وثمن هديه من المال الذي ليس فيه حق، صحّ حجّه.

صفحه 331
5. إذا كانت الحقوق في عين ماله وحجّ ولكن يبقى من المال مقدار يفي بالحقوق، صحّ الحجّ بناء على تعلّق الخمس والزكاة بالعين على نحو الكلي في المعين.
حكم الفروع واضح ولكن لابدّ من التنبيه على نكات:
1. أمّا وجوب تقديم أداء الحقوق، لأنّ وجوب الحجّ مشروط بعدم المانع الشرعي ـ كما مرّ ـ وبما أنّ المقام من قبيل المتزاحمين، فيقدّم الأقوى ملاكاً، وهو حقوق الناس.
2. انّ الظاهر من المصنّف أنّه إذا أخّر أداء الحقوق ومشى إلى الحجّ، عصى بالمشي، والصحيح أن يقول: عصى بتأخير الأداء، لا بالمشي، لما تقدّم منه من أنّ الأمر بالشيء لأداء الحقوق لا يقتضي النهي عن ضدّه، أعني: المشي.
3. إذا اشترى ثوب الإحرام من غير المخمس، لا يبطل إحرامه، لأنّ الإحرام أمر قائم بالقلب ولبس الثوبين واجب آخر، ولذا يتحقّق الإحرام عارياً ـ وسيوافيك تفصيله ـ.
نعم يبطل السعي إذا كان الثوب حراماً، لأنّ الثوب وإن كان غير معتبر في السعي، لكن لما كان السعي أمراً قربيّاً، وهو متحد مع التصرف في الحرام، لا يتمشّى مع القربة.
وأوضح منه ثوب الطواف، للزوم الستر فيه كالصلاة، فيكون نظير الصلاة في الثوب المغصوب فيبطل، وإن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، لعدم تمشّي القربة عندئذ.
وأمّا ثمن الهدي، فقد مرّ في المسألة الستين، التفريق بين اشترائه بعين الثمن واشترائه في الذمة والوفاء من المغصوب.

صفحه 332
المسألة71: يجب الحجّ على المستطيع مباشرة، فلا يكفيه حجّ غيره عنه ـ تبرّعاً أو بالإجارة ـ إذا كان متمكناً من المباشرة بنفسه.*
المسألة72: إذا استقر الحجّ عليه ولم يتمكّن من المباشرة لمرض ـ لم يرج زواله أو حصر كذلك أو هرم بحيث لا يقدر، أو كان حرجاً عليه ـ فالمشهور وجوب الاستنابة عليه، بل ربما يقال: بعدم الخلاف فيه وهو الأقوى، وإن كان ربما يقال بعدم الوجوب، وذلك لظهور جملة من الأخبار في الوجوب.*
* لظهور الأمر بالعبادات في إتيانها مباشرة، و كفاية التسبيب رهن وجود دليل، والمسألة من الوضوح بمكان وإنّما ذكرها مقدّمة للمسائل الآتية.
* في المسألة فروع ربما تناهز سبعة عشر فرعاً، وإليك رؤوسها:
1. إذا استقرّ عليه الحجّ ولم يتمكن من المباشرة لمرض لم يرجُ زواله تجب الاستنابة.
2. إذا طرأ المانع قبل استقرار الوجوب، فهل تجب الاستنابة أو لا؟
3. اختصاص وجوب الاستنابة باليأس عن زوال العذر.
4. الاستنابة ـ عند ما تجب ـ تجب فوراً.
5. إجزاء الحجّ النيابي إذا مات المنوب عنه مع العذر.
6. إذا استناب مع اليأس عن زواله ثمّ عاد التمكن، فهل يجزي أو لا؟
7. إذا استناب مع الشرائط وارتفع العذر أثناء العمل، فهل يجب على النائب الإتمام، ويجزي عن المنوب عنه أو لا؟

صفحه 333
8. تلك الصورة وزال العذر والنائب في الطريق ولم يُحرم بعدُ.
9. إذا لم يكن العذر طارئاً، بل كان خلقة، فهل تجب الاستنابة؟
10. هل يختص وجوب الاستنابة بحجّة الإسلام، أو يجري في الحجّ الإفسادي والنذري؟
11. إذا لم يتمكّن من الاستنابة لعدم وجود النائب أو عدم رضاه إلاّ بأزيد من أُجرة المثل ولم يتمكن من الزيادة، أو تمكن ولكن كانت مجحفة.
12. إذا مات والحال هذه ثمّ وجد النائبُ بأُجرة المثل، فهل تجب الاستنابة مطلقاً، أو تختص بمن استقرّ عليه الحجّ؟
13. إذا ترك الرجل الاستنابة مع الإمكان ومات وكان عاصياً، وجب القضاء، فهل هنا فرق في وجوب القضاء بين من استقر عليه الحجّ وغيره؟
14. لو استناب مع كون العذر مرجو الزوال ، ثمّ زال العذر، فلا يجزي عن حجّة الإسلام.
15. لو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب.
16. هل يكفي حجّ المتبرع عند وجوب الاستنابة؟
17. كفاية الاستنابة من الميقات وعدمها.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: إذا استقرّ عليه الحجّ ثمّ طرأ المانع

إذا استقرّ عليه الحجّ ـ كما إذا وجب عليه الحجّ ثمّ أهمل ـ فطرأ المانع ، ربما يقال وجبت الاستنابة قولاً واحداً.

صفحه 334
وممّن ادّعى عليه الإجماع: الشهيد في «المسالك»(1) ، والأردبيلي في «مجمع الفائدة»(2) وسبط الشهيد في «المدارك»(3) .
قال في «المسالك»: أمّا لو استقرّ ثمّ عرض له المانع وجبت الاستنابة قولاً واحداً. ومثله سبطه في «المدارك».
وقال الأردبيلي بعد عنوان المسألة: والظاهر عدم الخلاف فيه.
ومع ذلك الظاهر من «الشرائع» التردد، حيث نقل القولين ولم يرجح أحد القولين لو لم تكن عبارته ناظرة إلى الصورة الثانية كما هو أحد الاحتمالين.
وحكى المحدّث البحراني التخيير من صاحب الذخيرة. (4)
و استقرب النراقي عدم الوجوب، وقال: فليس في المسألة مظنة إجماع، بل ولا علم بشهرة، وحيث كانت كذلك ولم يكن دليل تام على الوجوب، فالأقرب إذن ما يقتضيه الأصل، وهو عدم الوجوب وإن استحب.(5)
ومع ذلك فليس في كلمات المتقدّمين من التفصيل بين الصورتين:ـ من استقر عليه الحجّ ثمّ طرأ المانع، ومن لم يستقرّ عليه، وطرأ المانع في نفس سنة الاستطاعة ـ أيّ أثر، ولعلهم لم يفرقوا بين الصورتين.
وسيوافيك بعض كلماتهم في الصورة الثانية، وأوضح دليل على الوجوب في هذه الصورة، هو أمر الإمام بالاستنابة.
روى الكليني والشيخ بطرق صحيحة وغير صحيحة، عن أبي جعفر وأبي

1 . المسالك:2/138.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:6/79.
3 . المدارك:7/55.
4 . الحدائق:14/132.
5 . مستند الشيعة:11/74.

صفحه 335
عبد اللّه(عليهما السلام) أنّ علياً أمر شيخاً لم يطق الحجّ بالاستنابة. والظاهر انّها قضية واحدة نقلت بصور مختلفة، جُلّها لو لم نقل كلّها ظاهرة في مَن استقر عليه الحجّ، نظير:
1. روى الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن سلمة]بن[ أبي حفص، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّ رجلاً أتى علياً (عليه السلام) ولم يحجّ قط، فقال: إنّي كنت كثير المال وفرّطت في الحجّ حتّى كبرت سني؟ فقال: فتستطيع الحجّ؟ فقال: لا، فقال له علي(عليه السلام) : إن شئتَ فجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك.(1)
والسند ضعيف، بسلمة حيث لم يوثّق، والرواية صريحة فيمن استقرّ عليه الحجّ.
2. روى الكليني بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إنّ أمير المؤمنين ـ صلوات اللّه عليه ـ أمر شيخاً كبيراً لم يحجّ قط ولم يُطِق الحجّ لكبره أن يجهّز رجلاً يحجّ عنه».(2)
3. روى الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إنّ عليّاً (عليه السلام) رأى شيخاً لم يحجّ قط، ولم يطق الحجّ من كبره، فأمره أن يجهّز رجلاً فيحج عنه».(3)
4. روى الكليني عن عبد اللّه بن ميمون، عـن أبـي جعفـر، عن أبيه(عليهما السلام) : أنّ عليّاً قال: لرجل كبير لم يحجّ قط: إن شئتَ أن تجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ

1 . الوسائل:8، الباب24 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3. وفي الوسائل: سلمة أبي حفص والصحيح سلمة بن أبي حفص، وهو المعنون في قاموس الرجال.
2 . الوسائل:8، الباب24 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث6.
3 . الوسائل:8، الباب24 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 336
عنك».(1) وفي السند جعفر بن محمد الأشعري، وهو مردد بين أُناس.
ولا يخفى ظهور عامة الصور فيمن استقرّ، دون أن يعمّ الصورة الثانية ـ أي من استطاع ـ و ترافقت الاستطاعة مع المانع، والذي يدلّ على الاختصاص ورود لفظة «قط» فيها جميعاً، إذ لولا ذلك لما كان له وجه، وهو يشير إلى أنّه لم يحجّ طيلة عمره حتّى يُفرغ ذمّته وقد كبر، وهو ظاهر في أنّه كان مستطيعاً، ولم يحجّ طيلة حياته، ليبري ذمته، والظاهر انّ المجموع قضية واحدة.
والاختلاف في الزيادة والنقيصة نتيجة النقل بالمعنى.
وعلى كلّ تقدير فالصح