welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

(126)

الوحي والنبوة

الاَصلُ الستّون: صلة النبي بعالم الغيب

في الاَصل السابق أوْضَحنا طُرُقَ التعرّفِ على النبيّ الواقعيّ وتمييزه عن مدّعي النبوة كذِباً.

والآن يجب أنْ ندرسَ طريقَ إتصال النَبِي بعالمِ الغيب ونعني «الوحي».

إنّ «الوحيَ» الذي هو أهَمُّ طريقٍ من طُرُق إتّصال الاَنبياء بعالمِ الغيب ليس ناشئاً عن الغريزة أو العقل بل هو علم خاص يفيضُ به اللهُ تعالى على الاََنبياء خاصّة، ليبَلّغُوا الرسالاتِ الاِِلَهيّة إلى البشر.

إنّ القرآنَ يصفُ الوحيَ قائلاً: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * على قَلْبِكَ)(1).

إنّ هذه الآية تفيد أنّ معرفةَ الاَنبياء بالرّسالات الاِلَهيّة ليست نابعةً وناشئةً من استخدام أشياء كالحواسّ الظاهريّة وما شابه ذلك، بل ينزل به مَلَك الوحيِ على قلب النبي.


1 . الشعراء | 193 ـ 194 .

(127)

وعلى هذا الاَساس لا يمكن تحليل حقيقة الوحي المعقّدة وتفسيرها بالمقاييس العادية.

وفي الحقيقة إنّ نزول الوَحْي هو أحدُ مظاهر الغيب الّتي يجبُ الاِيمانُ بها وإنْ لم تتضَح لنا حقيقةُ هذه الظاهرة كما يقول: (الّذيْنَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ)(1).

الاَصلُ الواحدُ والستّون: الوحي ليس وليد نبوغ الاَنبياء وتفكّرهم الخاص

إنّ الّذين يريدونَ مقايسة كلّ شيء، وتفسيرها بالمقاييس الماديّة والاَدوات الحِسيّة، ويريدون صَبَّ الحقائق الغيبيّة في قوالب حِسّية يفسرون ظاهرة «الوحي» بصور مختلفة، جميعها باطلة في نظرنا، وفيما يأتي نقدُ هذه التفسيرات والتحليلات في عدة نقاط:

ألف: ثمت فريق يعتبر الاَنبياء من نوابغ البشر، ويعتبرون الوحي حصيلة التفكير، ونتيجةً لفعاليات حواسّهم الباطنية.

إنّ حقيقة «الروح الاَمين» في تصور هذا الفريق هي روحُ هؤلاء النوابغ الزكية، ونفوسُهم الصافية النقية، وإنّ الكتب السماويّة كذلك ليست سوى أفكارهم السامية وتصوّراتهم الراقية.

إنّ هذا النوع من التفسير والتحليل لظاهرة الوحي ليس سوى الانبهار بالعِلم التجريبيّ الجديد الذي يعتمد الاَساليب الحسيّة ـ لا غير ـ


1 . البقرة | 2 .

(128)

وسيلةً لتفسير كلِّ حقائقِ الوجودِ.

إنّ المشكلة الهامّة في هذه النَظَريّة هي منافاتُها لما قاله الاَنبياء والرُسُلُ الاِلَهيّون.

فالاَنبياء والرُسُل يصرِّحون ويعلنُون باستمرار بأنّ ما أتوا به إلى البشر ليس إلاّ الوحي الاِلَهيّ.

وعلى هذا الاَساس يكون التفسيرُ السالفُ للوحي مستلزماً لتكذيب الاَنبياء، وهذا ممّا لا يليقُ بمقامِ الاَنبياء الرفيع ومنزلِتهم المرموقة، وصدقهم، وصلاحهم الذي أخبر بها التاريخُ الثابتُ.

وبعبارةٍ أُخرى: إنّ المصلِحِين على نوعين:

مصلحون يَنسبون برامجَهم إلى الله، ومصلحون آخرون يَنسبُون برامجهم إلى أنفسهم، ويَطْرحونها على المجتمع على أنّها وليدةُ عقولِهِم، وأفكارهم.

وقد تكون كلتا الطائفتين مخلِصتين، تتسمان بالاِخلاص والخير.

وعلى هذا لا يمكن عد هذين الصنفين من رِجالِ الاِصلاحِ صنفاً واحداً.

ب : ثمّت فريقٌ آخرٌ يعتبر الوحيَ ـ منطلقاً من نفسِ الدافعِ الذي ذُكر في النظرية المتقدّمة ـ نتيجةَ تجَلّي الحالات الرُّوحِيّة في النبي.

إنّ النبيَّ ـ حسب زَعْم هذا الفريق ـ بِسبَبِ إيمانه القويّ باللهِ، وفي


(129)

ضوءِ عبادَتهِ الكثيرة للهِ يصل إلى درجة يجدُ في ذاتهِ طائفةً من الحقائق العالية ويتصوّر أنّ هذه الحقائق أُفيضت وأُلقيت إليه من عالم الغيب فيما لا يكون لِما توصل إليه من الحقائق المذكورة من منشأٍ سوى نفسه ذاته ليس إلاّ.

إنّ أصحاب هذه النظرية يقولون: نحن لانشُكُ مطلقاً في صدق الاَنبياء بل نعتقد بأنّهم شاهدُوا حقائق عالية، ولكنّ الكلامَ هو في منشأ هذه الحقائق العالية.

فالاَنبياء يتصوّرون أنّ منشأ هذه الحقائق هو عالم الغيب، الخارج عن هذا العالم المادي، أي أنّ هذه الحقائق قد أُلقيتْ إليهِم من ذلك العالَم، على حين يكون منشأ ذلك أنفسهم، لا غير.

إنّ هذه النظرية ليست كلاماً جديداً بل هي في الحقيقة طرحٌ مجدَّدٌ لاَحدى النظريّات التي كانت مطروحةً في العَهد الجاهليّ حول الوحي ولكن في لباسٍ جديدٍ.

وحاصلُ هذه النظرية هو أنّ الوحيَ ما هو الاّ حصيلة تخيُّلات الاَنبياءِ، ورجوعهم إلى بواطنهم وتعمّقهم في نفوسهم، وأنّهم بسبب كثرة ا لتفكّر في الله، وعبادته، والتفكّر في إصلاح أُممهم، وأقوامهم تمثّلت هذه الحقائق دفعة أمام عيونهم، فَظَنُّوا أنّها أُلقِيَت إليهم مِن عالَم الغيب.(1) وهذا هو ـ بشكلٍ من الاَشكال وبنحومّا ـ نفسُ تصوُّر الجاهليّين


1 . السيد محمد رشيد رضا، الوحي المحمّدي ص 66.

(130)

حول الوحي إذ قالوا: (أَضْغاثُ أحْلامٍ)(1).

إنّ القُرآنَ الكريم ردَّ على هذه النظرية بشدّةٍ وأكَّدَ على أنّ النبيَّ صَدقَ في ادّعائهِ رؤيةَ مَلَكِ الوَحي، فهو لم يخطأ لا في قلبهِ ولا في بصره إذ يقول: (ما كَذَبَ الفُؤادُ مارأى)(2).

ويقول: (ما زاغَ البَصَرُ وَما طغى)(3).

وهذا يعني أنّ النبي رأى حقاً (مَلَك الوحي) بعين الرأس وبعين القلب، بعين الظاهِر وبعين الباطن.


1 . الاَنبياء | 5 .
2 و 3. النجم | 11 و 17 .

(131)

عصمة الاَنبياء

الاَصلُ الثاني والستّون: مراتب عصمة الاَنبياء

العِصمة تعني المصُونيّة ولها في باب النبوّة مراتب هي:

ألف: العصمة في مرحلة تلقّي الوحي وإبلاغه.

ب : العصمة عن المعصية والذنب.

ج : العصمة عن الخطأ في الاَُمور الفردية والاجتماعية.

وعصمة الاََنبياء في المرحلة الاَُولى موضعُ اتفاق الجميع، لاَنّ احتمالَ الخطأ والاِلتباس في هذه المرحلة يؤثر على وثوق الناس، واطمئنانِهم، ويوجب أن لا يعتمدَ الناسُ على إخبارات النبي وأقواله، فينتقضُ هدفُ النبوّةِ في المآل.

هذا مضافاً إلى أنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الله يحفظُ نبيَّه، ويصونهُ صيانةً كاملةً حتى يبلّغ الوحيَ الاِلَهيَّ بصورةٍ صحيحةٍ كما قال: (عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفهِ رَصَدا * لِيَعْلَمَ أن قَد أَبْلَغُوا رِسالات رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا


(132)

لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدا)(1).

ففي هذه الآية ذكَرَ القرآن الكريم نوعين من الحَفَظَة لصيانة الوحي:

ألف: الملائكة الذين يحيطون بالنبيّ من كلّ ناحيةٍ وجانبٍ.

ب : انّ الله تعالى نفسه يحيط بالملائكة والنبيّ .

وهذه النظارة الشديدة والمراقَبَة الكاملة انّما هي لتحقيق غرض النبوّة، وهو إيصال الوحي الاِلَهيّ إلى البشر.

الاَصلُ الثالثُ والستُّون: عصمة الاَنبياء من كل معصية وذنب

إنّ أنبياء الله ورُسُلَه معصومون من الذنب والزلل، في مجال العمل بأحكامِ الشريعةِ، عصمةً مطلقةً.

لاَنّ الهدف من بعثة الاَنبياء إنّما يتحقّق أساساً إذا تمتّع الاَنبياء والرُسُل بمثل هذه العصمة، لاَنّهم إذا لم يلتزموا بالاََحكام الاِلَهيّة التي كُلِّفُوا بإِبلاغها إلى الناس، انتفى الوثوق بكلامهم، فلم يتحقّق الغرضُ المنشودُ من بعثِهم، وإرسالهم.

ولقد أشارَ المحققُ الطوسيُّ إلى هذا البرهان بعبارةٍ موجَزَة حيث قال: «ويجب في النبيّ العصمةُ ليحصلَ الوثوقُ فيحصل الغرضُ»(2).


1 . الجن | 26 ـ 28 .
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 217 .

(133)

إنّ عصمة الاَنبياء عن المعصية أمر قد أكّده القرآنُ الكريمُ في آيات مختلفة نورد هنا بعضها:

ألف: إنّ القرآن الكريم يعتبر الاَنبياءَ أشخاصاً مهدِيّين ومختارين من قِبل الله تعالى إذ قال: (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقيْمٍ)(1).

ب : إنَّ القرآنَ الكريمَ يذكِّر بأنّ الذي يهديه الله لا يقدر أحد على إضلاله إذ يقول: (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ)(2).

ج : يعتبر المعصية ضَلالاً إذ يقول: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً)(3).

فيستفاد من مجموعة هذه الآيات أنّ الاَنبياء معصومون من كلّ أنواع الضلال، ومصونون من كل ألوان المعصية.

إنّ البُرهانَ العَقليّ الذي أقمناه فيما سبق على عِصمة الاَنبياء يدلّ على عصمتهم قبل البعثة أيضاً، لاَنّ الاِنسان الذي صَرَفَ رَدْحاً من عمره في الذنب والمعصية، ثم حَمَلَ لواءَ الهداية والاِرشاد لم يتمكّن من الحصول على ثقة النّاس به، وسكونهم إلى أقواله، بخلاف من عاش قَبلَ بعثته نقيَّ الجيب، طاهِرَ الذَيل، فإنّه قادرٌ على جَلب ثقة الناس، وكسب تأييدهم له.

هذا مضافاً إلى أنّ في مقدور معارضي الرسالة، أن يغتالوا بسهولة


1 . الاَنعام | 87 .
2 . الزمر | 37 .
3 . يس | 62 .

(134)

شخصيّة الرسول، ويطعنوا فيه بالتلويح بسوابقه قبلَ النبوة، ويحطُّوا ـ بذلك ـ من شأنه، وشأن رسالته.

إنّ الذي استطاع ـ بفضل ـ العيش بطهر ونقاء، في بيئةٍ فاسدةٍ أن يكتسب لقب «محمد الاَمين» هو الشخص الوحيد الذي يستطيع بشخصيّتهِ الساطعة النقيّة، أن يُبدّد حُجُب الدعايات المضادة، ويفنّد مزاعم أعدائه، ومعارضي رسالته، ويضيء باستقامته العجيبة، البيئةَ الجاهليةَ المظلمة تدريجاً.

هذا مضافاً إلى أنّ من البديهي أنّ الاِنسان الذي كان معصوماً من بداية حياته، أفضلُ من الذي تحلّى بصفة العصمة منذ أن صار نَبيّاً، كما أنّ تأثيرَه، ودوره الاِرشاديّ لا ريب يكون أقوى، والحكمة الاِلَهيّة تقتضي اختيار الفَردِ الاَحسن الاَكمل.

الاَصلُ الرابعُ والستُّون: عصمة الاَنبياء عن الخطأ والزلل

إنَّ الاَنبياء ـ مضافاً إلى كونهم معصومين من الذَّنْب ـ معصومون كذلك في الاَُمور التالية:

ألف : في القضاء في المنازعات والفصل في الخصومات.

والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإنْ كان مأموراً بالقضاء على وفق البيّنة واليمين، لكنّه في صورة خطأ البيّنة أو كذب الحالف واقف على الحق المرّ، وإنْ لم يكن مأموراً بالقضاء على طبقه.


(135)

ب : في تشخيص موضوعات الاَحكام الشرعية (مثل انّ المائع الفلانيّ هل هو خمرٌ أم لا؟).

ج : في القضايا اليوميّة العاديّة .

إنّ لزوم وصف النبيّ بالعصمة في الموارد المذكورة نابعٌ من أنّ الخطأ في مثل هذه المجالات ملازمٌ للخطأ في مجال الاَحكام الدينيّة، وبالتالي فإنّ الخطأ في هذه الاَُمور والمجالات يَضُرُّ بثقةِ النّاس بشخص النبيّ، ويُوجب في المآل تَعَرُّضَ الغَرَض المنشُود للخَطَر، وان كان لُزوم العصمة في الصورتين الاَُولَيَين، أوضح من العصمة في الصورة الاَخيرة.

الاَصلُ الخامسُ والستُّون: الاَنبياء مبرَّأون عن الاَمراض المنفّرة

إنّ من مراتب العصمة هي أن لا تكون في وجود الاَنبياء أُمور توجب تنفّر الناس وابتعادهم عنهم.

فكلُّنا يعلم بأنّ بعضَ الاَمراض والعاهات الجسمية، أو بعض الخصال الروحيّة، التي تنم عن دناءة الطبع، وخِسّة النفس توجب تنفّرَ النّاسِ وابتعادهم عنه.

ولهذا فإنّ على الاَنبياء أنّ يكونوا مُنَزَّهين عن العيوب الجسمية والروحيّة، لاَنّ تَنَفّرَ الناس من النبي، واجتنابَهم عنه ينافي الهدف من بعثهم، وهو إبلاغ الرسالات الاِلَهيّة بواسطة الاَنبياء إلى الناس.

كما أنّنا نُذَكِّرُ بأنَّ المراد من حكمِ العقل في هذا المجال هو الكشف


(136)

عن حقيقة، هي أنّ على الله ـ لكونه حكيماً ـ أنّ يختارَ للنبوّة من يكون عارياً ومنزَّهاً عن مِثل هذه العيوب.(1)

الاَصلُ السادسُ والستُّون: دراسة الآيات الدالة على عدم العصمة

لقد عرفنا بِحُكمِ العقل القطعيّ، وقضاء القرآنِ الصَريح عصمة الاَنبياء، ولكن ثمّة في هذا الصعيد بضع آيات تحكي ـ في بدو النظر ـ عن صُدُور الذنب والمعصية عنهم (مثل الآيات الواردة حول النبي آدم وغيره) فما هو الحلّ في هذه الآيات؟

في البداية يجب أنّ نقول: إنّ من المُسَلَّم أنّه حيث لا تناقض في القرآن الكريم أبداً، وجب أنْ نهتدي في ضوءِ القرائن الموجودة في نفس الآيات إلى المراد الحقيقي فيها.


1 . إنّ حكمَ العقل في هذا المجال حكمٌ قَطعيٌّ، ولهذا فإنّ بعضَ الروايات التي وَرَدت حول النبي أيوب وهي تحكي عن ابتلائه بأمراض منفِّرة، مضافاً إلى كونها مخالفةً للحكمِ القَطعيِّ للعقل تنافي الرواياتِ المعارضة التي وَرَدَت عن أهل البيت في هذا المجال.
فقد قال الاِمامُ الصادق ـ عليه السلام ـ : «إنَّ أيوب مع جميع ما ابتُلي به لم تنتنْ له رائحةٌ، ولا قَبُحَتْ له صورةٌ، ولا خرجَتْ منه مَدّةٌ من دَمٍ، ولا قيحٍ، ولا استَقْذرَهُ أحَدٌ رآه، ولا استوحش منه أحدٌ شاهدَه ولادوّد شيءٌ من جَسَدهِ، وهكذا يصنعُ الله عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه، وأوليائه المكرَّمين عليه، وإنما اجتنَبَهُ الناسُ لِفَقره، وضَعْفِهِ في ظاهِرِ أمرهِ، لجَهْلهم بما لَهُ عند ربّه تعالى ذكْرُهُ، من التأييد والفَرَج».
(الخصال ج 1، أبواب السبعة، الحديث 107) ولهذا فإنّ الروايةَ المخالفةَ لهذا الموضوع، لا أساس لها من الصحة فهي مرفوضة.


(137)

ففي هذه الموارد لا يمكن أن يكونَ الظهور الاِبتدائيّ هو الملاك للحكم المُتسَرِّع.

ومن حُسن الحَظّ أنَّ كبار مفَسّري الشيعة ومتكلّميهم قاموا بدراسة هذه الآيات القرآنية، بل وأقدم بعضهم على تأليف كتب مستقلة في هذا المجال.

وحيث إنّ معالَجة هذه الآيات واحدة واحدةً لا تحتملُها هذه الرسالةُ فإنّنا نحيل القرّاء الكرام إلى الكتب المذكورة في الهامش(1).

الاَصلُ السابعُ والستُّون: منشأ العصمة وسببها

يمكن انّ نلَخّص منشأ العصمة وسببها في أمرين:

ألف : إنّ الاَنبياء حيث إنّهم يتمتعون بمعرفةٍ واسعةٍ بالله سبحانه، لا يَستبدلون رضاه تعالى بشيءٍ مطلقاً.

وبِعبارةٍ أُخرى ؛ انّ إدراكهم العميق للعظمة الاِلَهيّة وللجمالِ والكمال الاِلَهيّين يمنعهم من التوجّه إلى أيّ شيءٍ غير الحقّ تعالى، والتفكير في أيّ شيء غير الله سبحانه.

إنّ هذه المرتَبَة والدَّرَجة من المعرفة هي التي قال عنها الاِمامُ أميرُ المؤمنين عليُ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ : «ما رَأَيتُ شَيئاً إلاّ وَرَأَيْتُ اللهَ قبْلَهُ، وبَعْدَهُ


1 . تنزيه الاَنبياء للسيد المرتضى، وعصمة الاَنبياء للفخر الرازي، ومفاهيم القرآن لجعفر السبحاني ج5 فصل عصمة الاَنبياء.

(138)

ومَعَهُ»(1).

وقال عنها الاِمام الصادقُ ـ عليه السلام ـ : «وَلكنِّي أعْبُدُهُ حُبّاً لَهُ فتلكَ عِبادةُ الكِرامِ»(2).

ب : إنّ اطّلاع الاَنبياء الكامل على نتائج الطاعة وثمارها، وعلى آثار المعصية وتبعاتها السَيئة، هو سبب صيانتهم عن مخالفة الاَمر الاِلَهيّ.

على أنّ العصمة المطلقة مختصّة بثلَّة خاصّة من أولياء الله، إلاّ أنّ في إمكان بعض المؤمنين الاَتقياء أنْ يكونوا معصومين عن ارتكاب المعصية في قسم عظيمٍ من أفعالهم، فالفَرد المتّقي مثلاً، لا يُقدم على الاِنتحار، أو قتل الاَبرياء أبداً(3).

بل وحتّى بعضُ الاَشخاص العاديّين يتمتعون بالعصمة عن بعض الذنوب، وللمثال لا يُقدمُ أيُّ شخص على لمس سلك كهربائي فعّال تجنباً من الصَعق بالتيار الكهربائي.

ومن البَيّن أنّ العصمة في هذه الموارد ناشىَ من العِلم القطعيّ بآثار عمله السيئة، فإذا كان مثل هذا العِلم حاصلاً للشخص في مجال تبعات الذنوب الخطيرة جداً أيضاً، كان ذلك موجباً حتماً لصيانة الشخص عن المعصية.


1 . بحار الاَنوار 70 | 22 .
2 . المصدر السابق: 70 | 18 ضمن الحديث 9 .
3 . قالَ الاِمامُ عليُ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ عن هذا الفريق: «هُم والجَنّةُ كَمَنْ قَدْ رآها فَهُمْ فيها مُنَعَّمون، وَهُمْ والنّارُ كَمَنْ قد رَآها فَهُمْ فيها مُعَذَّبُون» نهج البلاغة، الخطبة رقم 193 الموجّهة إلى همّام.

(139)

الاَصلُ الثامنُ والسِتُّون: لاتنافي بين العصمة والاختيار

نَظَراً لمَنشأ العصمة نُذَكّر بأنّ العصمة لا تنافي إختيار المعصوم، وكونه حرّاً في إرادته، بل إنّ الشخصَ المعصومَ مع مَعرفته الكاملة بالله، وبآثار الطاعة والمعصية ونتائجهما، يمكنه أنّ يرتكب المعصية وإنْ لم يستخدم هذه القدرة، مثل الوالد الحنون الذي يقدر على قتل ابنه، ولكنّه لا يفعل ذلك أبَداً.

وأوضحُ من ذلك هو عدمُ صدور القبيح من الله تعالى، فإنَّ الله القادرَ المطلَق يمكنه أن يُدخلَ الصالحين المطيعين في جهنم، أو يُدخِل العاصِين في الجنة، إلاّ أنّ عدلَه وحكمته يمنعان من القيام بمثل هذا العمل.

ومِن هذا البيان يتضح أَنَّ تركَ المعصية والتزام الطاعة، والعبادة، يُعتبران مفخرة كبرى للاَنبياء، لاَنّهم مع كونهم قادرين على ترك الطاعة، وفعل المعصية، لا يفعلون ذلك اختياراً، وبإرادةٍ منهم.

الاَصلُ التاسعُ والستُّون: العصمة لاتلازم النبوّة

نحن مع اعتقادنا بعصمة جميع الاَنبياء لا نرى أنّ العصمة تلازم النبوّة، أي أنّنا لا نرى أنّ كلَ معصومٍ هو نبيٌّ بالضرورةِ، وإنْ كان كلّ نبيٍّ معصوماً بالضرورة، فربّ إنسان معصومٌ ولكنّه ليس بِنبيّ، فها هو القرآنُ الكريم يقول حول السيدة مريم: (يا مَرْيَمُ إنّ اللهَ اصْطفاكِ وَطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ


(140)

عَلى نِساءِ العالَمِيْن)(1).

إنّ استخدامَ القرآن الكريم للفظة «الاصطفاء» في شأن السيّدة مريم ـ عليها السلام ـ يَدلُّ على عِصمتها لاَنّ نفسَ هذه اللَّفظة «الاِصطفاء» استخدمت في شأن الاَنبياء سلامُ الله عليهم أيضاً: (إنّ الله اصْطَفى آدمَ ونُوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ عَلى العالَمِيْن)(2).

هذا مضافاً إلى أنّ الآية قد تحدَّثتْ حول طهارة السيدة مريم ـ عليها السلام ـ ، والمقصود هو طهارتها من أيّ نوع من أنواع الرجْس، والمعصية، وليست هذه الطهارة والبراءة هو براءتها من الذنب الذي رَمَتْها اليهودُ به في مجال ولادة عيسى منها من دون والدٍ، لاَنّ تبرئة مريم من هذه المعصية ثبتت في الاَيّام الاَُولى لولادة عيسى ـ عليه السلام ـ بتكلُّمه(3) فلم تعُدْ حاجة إلى بيان ذلك مجدّداً.

إضف إلى ذلك أنّ الآية تتحدّث عن مريم قبل ان تحمل بالمسيح، حيث جاء حديث حملها له عبر هذه الآية فلاحظ.


1 . آل عمران | 42 .
2 . آل عمران | 33 .
3 . «فَأشارَتْ إليه...» مريم | 29 .
Website Security Test