welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

العقيدة الإسلامية
على ضوء
مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

تأليف

العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

نقله إلى العربية

جعفر الهادي


(2)

عنابن عباس:

سألرجلٌ رسولَ الله ـصلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال:

مارأس العلم يا رسول الله؟

قالـ صلى الله عليهوآله وسلم ـ : «معرفة الله حقمعرفته».

التوحيد للصدوق:285

قالالإمام الصادق ـعليه السلام ـ :

«إنّأفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة ربّه والإقرار له بالعبوديّة».

بحار الأنوار:4/55


( 5)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف

الحمدُللهِ ربّ العالَمِين والصَّلاةُ والسَّلام على محمد رسول الله، الخاتمِ لماسَبَق، والفاتِحِ لما انغَلَق، والمُعْلِن الحقَ بالحقّ، والدافعِ جَيْشاتِالأباطيلِ، والدامغ صولاتِ الأضالِيل، وعلى أهل بيته المطهَّرين، موضعِ سرّهِ،ولَجاَ أمرهِ، وعيبة علمِهِ، وموئِلِ حكمِهِ، وكهوفِ كتُبهِ، وجبالِ دينهِ،الذين بهِمْ أقامَ انحناءَ ظهرهِ، وأذهبَ ارتعادَ فرائصِهِ، دعائِمِ الإسلامِوولائجِ الاعتِصامِ.

إنّالتَدَيُّن، والتوجُّهَ إلى الدّيِن لهوَ ـ بحقٍّ ـ من أقدم التوَجُّهاتالبشريّة التي سَجّلها التاريخُ الإنسانيُ، وأكثرها


(6)

أصالة، وتجذّراً في الحياة والتاريخ.

فالحياةُالبشريّةُ ـ بشهادةِ الوثائقِ التاريخيّة القطعيّة ـ لم تخلُ قطّ في أيّ فترةمن فتراتها، من التوجُّه إلى الدّيِن، ومن الإحساس الديني.

والعصرُالحاضرُ (عَصر التكنولوجيا والتقدّم الماديّ) و بخاصّة الإنسان الغربيّالذي كان مرتبطاً أكثرَ من الآخرين بهذا التقدّم ومعطياته وإن شهد نوعاً منالنكوص، والابتعاد عن الدين، وعن القضايا المعنويّة ظَنّاً بأنّ المنهجَالماديَّ كفيلٌ بحلِّ جميع المشكلات البشرية، إلاّ أنّه سرعان ما رجَعَ عن ذلكالتصوّر، وأدرَكَ أنّ العلمَ الماديّ الّذي تصوّرَ أنّه قادرٌ على تحقيق أمانيّالبَشريّة في العَدل والحريّة والسّلام، ليس بمفردِهِ قادراً على مَنح السعادةللبشريّة بل لابدّ أن يكون في جنبه الإحساسُ الدينيّ والقضايا المعنوية، وإلاّانهار تماسُكُ المجتمعِ البشريِّ، وتفتَّتَتِ الروابطُ والعلاقاتُ الاجتماعيةُوتفسّختِ العائلةُ.

وهكذاأصبحت البشريةُ تعودُ مرةً أُخرى إلى فطرتها، وتُقبلُ على الدين ومفاهيمهومعارفه، وحُلولِه.


(7)

وفيالحقيقة فإنَّ النكسةَ الماديّة في مجالِ منح السعادة للبشرية، وتحقيق أمانيّهافي الحريّة والعدل والسَلام صارت سبباً للبحث مجدَّداً عن معينِ الدين الصافي،ونبعه العذب بعد فترة من حرمان نفسها من مزايا الدين وفضائله، فإذا هي فيعودتها القويّة إلى ضالّتها هذه كالظمآن الذي حُرِمَ من الماء رَدْحاً طويلاًمِن الزمن.

إنّهذه الظاهرة الآن من الوُضوح والجَلاء بحيث لا يحتاج المرءُ إلى إقامة دليل أوشاهد عليها.

فهيظاهرةٌ يعرفُها جيّداً كلُّ من له اطّلاعٌ على مجريات السّاحةِ العالميّة فيالعَصر الحاضر، وإلمامٌ بوقائِعهِا، وحوادِثِها.

ولقدبَلَغَ التوجُّهُ الجديدُ إلى الدين من القوّة بمكان حتى أصبَحَ محطَّ اهتمامالمراكزِ العلميّة العليا في شتّى نقاط العالم، وراحَ المفكِّرون يتحدّثون عنه،حتى أنّه لا يمرُّ يومٌ أو أُسبوعٌ أو شهرٌ إلاّ وتطلُع علينا عشراتُ الدّراساتوالمقالات بل الأبحاث المفصَّلَة والمعمَّقة حول قضيّة الدّين، وظاهرةِالتدينِ، والقضايا الروحيةِ والدينيةِ.


(8)

وهذهالظاهرةُ وإن كانت تُخيفُ بعضَ الزعماء الماديّين، حيث يتصوّرون أنّ عودةالبشرية إلى الدين والتديُّن، يُعَدُّ تهدِيداً للكيانِ السياسيّ والماديّولكنّنا نتفاءَلُ بها، وبالتالي فنحن جدُّ مسرورين بعودة البشرية إلى أحضانِالدين الدافِئة، وشواطِئِه الآمنةِ، غير أَنّنا إلى جانب ذلك التفاؤلِوالاستبشار، وهذا الابتهاج والسُّرور، لا يمكن أن نتجاهلَ نقطةً مهمّةً تدعوللقلق وهي أنّ هذا التعطُّشَ المتزايد والمتصاعِدَ، إنْ لم يُروَ بصورة صحيحةوسليمة، وسُمِحَ للأفكار غير الصحيحة بأن تُعرَضَ تحت عنوان الدين، لم يجدالإنسانُ المعاصرُ (والإنسانُ الغربي منه بالذات) ضالَّتَه المنشودة بل يكونمثله مثل المستجير من الرمضاءِ بالنّار، وربّما آلَ به الأمرُ ـ لو حدثَ هذا ـإلى أن يُعرِضَ عنِ الدّينِ، وينأى عن التديّنِ.

ولهذافإنَّ على الكُتّابِ الملتزِمين الواعين، وعلماءِ الدّينِ المخلصين الّذينلَمَسُوا الداءَ، وعَرِفوا الدواءَ، وأدرَكوا الحاجة، وعَلمِوا بالعِلاج، أنْيُبادِروا إلى تقديمِ الاَجابة الصحيحة للجموعِ البشَرَية المقبِلة على الدّين،والعائدةِ إلى فطرتِها، ويقُوموا بِعَرض المفاهيم والحُلُول الدِينيّة بالشَكلاللائِقِ، والصُّورةِ السَلِيمة، وَيُسَهِّلُوا ـ بذلك ـ لِطُلاّب الحقيقة،


(9)

وبُغاة الحقّ طريقَ الوصول إلى الفيض الإلهيّالجاري زُلالاً، نَقِيّاً لاشوب فيه، صافياً لا غَبَش عليه، ساطعاً لا يعلُوهغُبار.

إنّعلى علماءِ الأُمّةِ الحريصين على الدّين، والمهتمّين بشؤون المسلمين ممّنيحملون همَّ الأُمة، ويشعرون بالمسؤُوليّة، ويدركون أهميّتها، وعِبئها كوظيفةشرعيّة، وواجب إلهيّ، أن لا يسمَحوا لأشخاص غيرِ صالحين، ولا لأصحاب المطامعوالأغراضِ المريضةِ، بعَرضِ عقائِدِهم السقيمة، وآرائهم الباطلة على الناسبِاسم الدين وتحت يافِطَتِهِ.

نحنإذ نعتبرُ «الإسلامَ» آخر وأكمل الشرائع الإلهيّة، ونعتقد بأنّ هذا الدّينيُلبّي كلَّ الإحتياجاتِ البشريّة إلى يومِ القيامة سواء منها الفرديّة أوالإجتماعيّة، نرى أنّ من الواجب علينا في هذا العصر «عصر الإتصالات» أن نستفيدمن جميع الوسائل والأدواتِ المتقدِّمة، لِعرض المفاهيم الدينيّة، ونشرالعقائِدِ، والتعاليم الإسلامية بشكلِها الصحيحِ.

هذامن جانب، ومن جانب آخر نعتقد أنّ طريقة أهل البيت والعترةِ النبويّةِ الطاهرةِهي الحقيقة، وهي المَعْبَر الآمِن إلى


(10)

معينِ «الإسلام» الصافي النقيّ، بعيداً عن تدخّلالأيدي الغريبة والمريبة.

فقدكان للأُسس والمبادئ المتينة التي انطوت عليها هذه الطريقةُ، وهذه المدرسَة،وكذا لاستنادها إلى أهل البيت النبويّ، طيلة التاريخ الإسلامي، جاذبيّة كبرىدَفَعت بِعُشّاق الحقّ، وبالباحثين عن الحقيقة إلى اعتناقها، والدفاععنها.

وهنانطوي صَفحةَ هذه المقدّمة التوضِيحيَّة، ونبدأ بعرض، وبيان الأُصول الإسلاميةفي مجالِ العقيدة والشريعة، مزيجةً ومقرونةً بالأدِلَّة القاطِعة، والبراهينِالساطِعة .

ومنالبديهيّ انَّ أُطروحةَ بيانِ العقائد الإسلاميّة الكاملة تتوقّف على بيانكليات في مجال نظريّة المعرفة ونظرة الإسلام إلى الكونِ والحياةِوالإنسانِ.

فإنّبيان هذا القسم في أيّة مدرسة عقائديّة، كفيلٌ بإيقافِنا على رُؤْيتها، ونظرتهاالعامّة، إلى مجموعة النّظام الكونيّ، والعالَمِ الإمكانيّ.

ونحنهنا ـ تجنُّباً من التطويل في الكلام ـ نَعْمَدُ إلى عَرضِ


(11)

أُسس هذا القِسم على نحو الإيجاز، والإختصار،ومِن المعلومِ أنَّ المزيدَ من التفصيل في كلّ أصل من هذهِ الأُصول موكولٌ إلىالكتب الكلامِيّة المؤلّفة بيد علماء أهل البيت.

واللهنسألُ ـ في الخاتمة ـ أنْ يجعلَ هذه الخطوةَ عَمَلاً من شأنه توضيح صورةالإسلام الحنيف إنّه الموفق والمعين.

جعفر السبحاني

قـم المشــرَّفة

الفصل الاَوّل

أُصولُ النظرة الاِسلامية
إلى الكون والاِنسان والحياة


(14)


(15)

طرقُ المعرفة وأدواتُها في الاِسلام

الاَصلُ الاَوّل: طرق المعرفة

يستعين الاِسلامُ لمعرفة الكون، وللوصول إلى الحقائق الدينيَّة بثلاثة أنواع من الاَدَوات مع أنّه يعتبر لكلّ واحدٍ منها مجالاً مختصّاً به.

وهذه الاَدَوات هي:

1. الحِسّ، وأهّم الحواسّ هما حاسّتا السمع والبصر.

2. العقل الّذي يكتشف الحقيقة في مجالٍ محدودٍ وخاصّ، منطلِقاً في ذلك من أُصول ومبادىَ خاصّةٍ.

3. الوحي الّذي هو وسيلة لارتباط ثُلّةٍ ممتازة ومميّزة من البشر بعالم الغيب.

وفي إمكان البشريّة جميعاً أن يستفيدوا من الطّريقين الاَوَّلين في معرفة الكون وفي فهمِ الشّريعة كذلك، بينما الطريق الثالث خاصّ بمن


(16)

شملتهُ العنايةُ الاِلهيّة، وأبرز نموذج لهذا النمط من النّاس هم رسُلُ الله وأنبياؤه الكرام(1).

هذا مضافاً إلى أنّ أدَوات الحسّ وما يسمّى بالحواسّ الخمس، لا يستفاد منها إلاّ في مجال المحسوسات، كما لا يستفاد من أداة العقل إلاّ في مجال محدودٍ يملك العقلُ مبادئه.

على حين يكون مجال الوحي أوسع نطاقاً وأكثر شموليّة، كما انّه نافذٌ في جميع الاَصعدة سواء في مجال العقيدة أو في إطار الوظائف والتَّكاليف.

ولقد تحدّث القرآنُ الكريمُ حولَ هذه الاَدَوات الثلاث في آياتٍ متعددة نأتي هنا بنموذجَين منها:

فقد قال تعالى عنِ الحسّ والعقل:

(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالاَْبْصارَ وَالاََْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(2).

والمراد من الاََفئدةَ في الآية ـ وهي جمع فؤاد ـ بقرينة لفظتَي: «السَّمع» و«البصر» هو العقل البشريّ.

على أنّ ذَيلَ الآية المذكورة الذي يتضّمن أَمراً بالشُكر يفيد أنّ على الاِنسان أن يستفيد من هذه الاََدَوات الثلاث لاَنّ الشّكر يعني صَرف كل


1 . جاءت الاِشارة في الاَحاديث الاِسلاميّة إلى مَن وُصِف بالمحدَّث وسيأتي الكلامُ عنه مستقبلاً.
2 . النَحل | 78 .

(17)

نعمةٍ في موضِعِها المناسِب.

وحول «الوحي» قال سبحانه :

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رجالاً نُوحِي إلَيْهِمْ فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1).

إنَّ الاِنسان المتديّن يستفيد ـ في معرفة الكون والحياة، والعقيدة والدين ـ مِن الحسّ، ولكن غالباً ما تكون المدرَكات الحسيّة أَساساً ومنطلقاً لاَحكامِ العقل أي أن تلك المدرَكات تصنع الاََرضيّة للفكر وحُكمه، كما انّه قد يُستفاد من العقل والفكر في معرفة الله وصفاته وأفعاله وتكون حصيلةُ كلّ واحدة من هذه الطرق والاََدَوات مقبولةً، ونافذةً ومعتبرة في اكتشاف الحقيقة ومعرفتها.

الاَصلُ الثاني: دعوة الاَنبياء والرسل

تتلخّص دعوةُ الاَنبياء والرسُل في أمرين:

1 ـ العقيدة .

2 ـ العمل .

وتتمثل مهمتُهم في مجال «العقيدة» في الدعوة إلى الاِيمان بالله، وصفاته الجماليّة والجلاليّة، وأفعاله.


1 . النحل | 43 .

(18)

بينما المقصود من «العمل» هو التّكاليف والاَحكام التي يجب أن تَقوم الحياةُ الفرديّة والاِجتماعيّة على أساسِها.

والمطلوبُ في مجال العقيدة إنّما هو العلم واليقين، ومن المسلَّم أنَّه لا يكون شيءٌ ما حجةً، (وبعبارة أُخرى: لا يَتّسِمْ بالحجيّة) إلاّ ما يؤدي إلى هذا الاََمر المطلوب.

ولهذا يجب على كل مُسلمٍ أنْ يصلَ في عقائده إلى اليقين، فليس له أن يكتفيَ في هذا المجال بمجرد التقليد، فيأخذَ عقائدَه تقليداً، ويعتنِقها من غير تحقيقٍ.

وأمّا في مجال الوظائف والتّكاليف (العمل) فإِنّ ما هو المطلوب فيها هو تطبيق الحياة على أساسِها، والاَخذُ بموازينها في جميع المَجالات الفرديّة والاِجتماعيّة والسّياسيّة والاِقتصاديّة.

وفي هذا الصَعيد ثَمَّت ـ بالاِضافة إلى اليقين ـ طُرق أُخرى أيضاً قد أيَّدَتْها الشّريعةُ وفرض علينا الاعتماد عليها للوصول إلى هذه التّكاليف والوظائف، والرجوع إلى المجتهد الجامع للشّرائط هو أَحدُ الطرق التي أيّدها وأقرّها صاحبُ الشريعة.

الاَصلُ الثالث: حجّية العقل والوحي

نحن نعتمد في أَخذ العقائد والاََحكام الدّينيّة على حُجّتين إلَهيّتين هما: العقل والوحي.


(19)

وعمدة الفرق بين هذين هو أنّنا نستفيد مِن «الوحي» في جميع المجالات، بينما نستفيد مِن «العقل» في مجالات خاصّة .

والمقصود مِن «الوحي» هو كتابُنا السَّماوي «القرآن الكريم» والاََحاديث التي تنتهي أسنادها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

وأمّا أحاديث أئمة أهل البيت: فبما أنّها تنتهي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، وتنبع منه، تسمّى جميعُها بالاِضافة إلى أحاديث النبيـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالسُّنة، وتُعتَبر من الحجج الاِلَهيّة.

إنّ العقل والوحي يؤيّد كلٌ منهما حجيّةَ الآخر وإذا أثبتنا بحكم العقل القطعي حجيّة الوحي فإنّ الوحي بدوره يؤيّد كذلك حجيّة العقل في مجاله الخاصّ به.

إنّ القرآن الكريم يَقُودُ ـ في كثير من المواضع ـ إلى حكم العقل وقضائه، ويدعو النّاس إلى التّفكر والتّدبر العقلي في عجائب الخلق، ويستعينُ هو كذلك بالعقل لاِِثبات مضامين دعوتهِ، وليس ثمَّتَ كتابٌ سماويٌ كالقرآن الكريم يحترِم المعرفةَالعقليَّة (والقضاياَ المدلَّلُ عليها بالعقل السليم). فَالقرآن زاخرٌ بالبراهين العقلية في صعيدِ العقائد، حتّى أنّها تفوقُ الحصرَ.

ولقد أكّد أئمةُ أهل البيت: على حجيّة العقلِ وأحكامهِ في


(20)

المجالات التي يحقُّ للعقل الحكمُ فيها، حتّى أنّ الاِمام السّابع موسى بنَ جعفرٍ ـ عليه السلام ـ عدّه إحدى الحجج إذ يقول: «إنّ لله على الناس حجّتين: حجّةً ظاهرةً وحجّةً باطنةً، فأمّا الظّاهرةُ فالرُّسل والاَنبياءُ والاَئمة، وأمّا الباطنةُ فالعُقول»(1).

الاَصلُ الرّابع: العقل والوحي لا يتعارضان

لمّا كانَ الوحيُ دليلاً قطعيّاً، وكان العقلُ مِصباحاً منيراً جعلهُ الله في كيان كل فردٍ من أفراد النَّوع الاِنسانيّ، ـ لذلك ـ لَزِمَ أنْ لا يقع أَيُّ تعارُضٍ بين هاتين الحجّتينِ الاِِلَهيَّتين.

ولو بدا تعارضٌ بدائيٌ أحياناً بينَ هاتينِ الحجَّتينِ، فيجب أنْ يُعْلَم بأَنّه ناشىٌَ من أحد أمرين: إمّا أنّ اسْتنباطنا مِن الدِّينِ في ذلك المورد غيرُ صحيحٍ، وإمّا أنّ هناك خطأً وقع في مقدّمات البرهانِ العقليّ، لاَنّ الله الحكيم تعالى لايدعُو النّاس إِلى طريقينِ متعارضينِ مُطلقاً.

وكما أنّه لا يُتصَوَّر أي تعارض حقيقي بين العقل والوحي، كذلك لا يحدثُ أَيُّ تعارضٍ بين «العلم» و «الوحي» مطلقاً، وإذا لُوحظَ نوعٌ مِن التعارض بين هذين في بعضِ الاََحايين فإنّه أيضاً ناشىَ من أحد أمرين: إمّا أَنْ يكونَ استنباطُنا من الدّين في هذا الموضع استنباطاً خاطئاً، وإمّا أنَّ


1 . الكافي الاَُصول: ج 1، ص 16، الحديث 12.

(21)

العلمَ لَمْ يَصِل في هذا الموضوعِ إلى المرحلة القطعيَّة.

إنّ التعارضَ ينشأُ غالباً من الشِّقِ الثاني أَيْ عندما تُتلقّى بعض الفرضيّات العلميّة على أنّها حقائق قطعيّة، وعند ذلك يحدث التصوّر بأنَّ هناك تعارضاً بين العلم والدّين.

الاَصلُ الخامس: حقيقة العالم مقولة غير خاضعة لتفكيرنا

في مجال الاَُمور التكوينيّة ذات الواقع المستقلّ عنِ الفكر والتَّصوُّر، تكون الحقيقة مقولةً ذات صفة أبَديّة وخالدة. بمعنى أنّ الاِنسان لو توصّل عن طريق إحدى الاَدَوات الحسّيّة إلى معرفة أَمرٍ واقعيٍّ كحقيقةٍ من الحقائق فإنّ ما اكتشفه يكون حقاً ثابتاً، دائماً وأبداً.

وَامّا إذا اكتشف أَمراً بعضُه معلوم ومطابق للحقيقة، وبعضُه الآخر خَطَأٌ كان ذلك القسمُ الّذي يتَّسمُ بسمةِ الحقيقة، حقيقة إلى الاََبَد، بمعنى أنّه لا ولن يتغير أبداً بتغيّرِ الظروفِ وانقلابها.

وبعبارةٍ أُخرى؛ إنَّ النِّسبيَّة في الحقائق، بمعنى كون حصيلة معرفة في زمانٍ عينَ الحقيقة، وفي زمان آخر عين الخطأ، لا تُتصوّر في مجال المعرفة التي ترتبط بالتكوينيّات.

فإِذا كان حاصلُ ضرب 2 × 2 يساوي 4 مثلاً أمراً ثابتاً، فإنَّ هذا يكون ثابتاً مطلقاً، وإِذا لم يكن هكذا فهو ليس هكذا مطلقاً.

فلا يمكنُ أنْ تكون حصيلةُ معرفة من المعارف في مرحلة خاصّة


(22)

عينَ الحقيقة وفي مرحلة أُخرى ترتدي رداءَ الخطأ.

إنَّ النسبيَّة في المعارف والمُدركات إِنَّما تُتصوَّر فيِ الاَُمورِ الَّتي ليس لها واقعية سوى فكر الاِنسان وتصديقه وتكون من مواضعاته فمثلاً، المجتمع الغربي مختار وحر في انتخاب نظام حكومته. فإِذا اتفقوا ذاتَ يوم على صيغة معيّنة للحكم اتّسمت تلك الصّيغَة بسمة الحقيقة ما داموا متفقين عليها.

وَأَمّا إذا اتَّفقوا ـ ذات يومٍ ـ على عكسها، كانت الصّيغة الثانيةُ هي الحقيقة، وفي نفس الوقت يكون كل من المعرفتين في ظرفها الخاصّ عين الحقيقة.

ولكنَّ الاَُمورَ الَّتي لها بذاتها محلّ مشخّص ومحدود خارج الذّهن، إذا وقعتْ في إطار الاِدراكِ بصورةٍ صحيحة وثابتةٍ تكون صحيحة للاَبد، وكان خلافها كذلك باطلاً دائما وأبداً.

وبتعبير آخر؛ إنّ كل شيء له واقعية خارجية وراء ذهن الاِنسان فالمعرفة الواقعة عليه يدور أمرها بين الصحة والخطأ، وأمّا الاَُمور الاعتبارية التي يصنعها الذهن لاَجل أغراض اجتماعية، كصيغة الحكومة، والرئاسة والملكيّة فهي تتسم بالنسبيّة وتوصف بها. وتكون حقيقة في ظرف دون آخر.


(23)

الكون في نظر الاِسلام

الاَصلُ السادس: الكون مخلوق لله

الكون ـ أَيْ كل ما سِوَى الله ـ مخلوقٌ لله تعالى، وليس واقعُ الكونِ هذا سِوَى التعلّق، والرَّبط بالله تعالى، وليست الكائنات في غنىً عن الحقّ تعالى ولا لحظةً واحدة، ومعنى قولنا: إِنَّ الكون مخلوق لله، هو أَنَّ الكون خُلِقَ بإِرادة الله ومشيئته، وأنّ نسبته إلى الله ليس مِنْ نمطِ نسبة الوَلد إلى الوالد، فليست العَلاقة بين الكون وبين الله علاقة توْليد، وَولادةٍ، يقول سبحانه: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)(1).

الاَصلُ السابع: نظام الكون الحالي ليس أبديّاً

النِّظام الحالي للكون ليس خالداً ولا أبديّاً، بل سينهدمُ ويندثر بعد زمانٍ يعلمه الله وحده على وجه التحديد، ويقوم مكانه نظامٌ آخر هو العالم الاَُخروي وما يسمّى بالمعاد، كما يقول تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَرضُ غيرَ الاَرْضِ والسَّماواتُ وَبَرَزُوا لله الْوَاحِدِ الْقَهّارِ) (2).

وفي قوله سبحانه: (إِنّا للهِ وَإِنّا إِليْهِ راجِعُونَ)(3) إِشارَة إلى هذه الحقيقة.


1 . الاِخلاص | 3.
2. إبراهيم | 48 .
3. البقرة | 156.

(24)

الاَصلُ الثامن: العلّة والمعلول

النِّظامُ الكوني الرّاهنُ قائمٌ على أَساس العلَّة والمعلول، وتقومُ بين ظواهرِهِ وأجزائه رابطةُ العليّة والمعلوليّة.

وتأثيرُ كلّ ظاهرة في ظاهرة أُخرى متوقّف على الاِذن الاِِلهي وَالمشيئة الاِلَهيَّة، وقد تَعلَّقت المشيئة الاِلَهيَّة الحكيمة بتحقيق فيّاضيّته غالباً عن طريق النِّظام السببيّ، وعَبْرَ الاََسباب والمسبّبات.

ومن الواضح أَنَّ الاِِعتقاد بتأثير الظّواهر بعضُها في بعض، لا يعني الاِعتقاد بخالقيّتها قَطُّ، بل المقصود هو أنّ تلك الاََسبابَ والعلل توفِّر ـ بإِذن الله ومشيئته ـ أرضيّة تحقّق ظواهر أُخرى، وأَن أيّ نوع من أَنواع التأثير والتأثر مظهرٌ من مشيئة الله وإِرادته الكلّيّة.

وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى كلا المطلبين المذكورَين ونعني خضوع الظواهر الطّبيعية لقانون العليّة وكذا توقُّفَ تأثيرِ كلّ علّةٍ وسبب في الكون على الاِذن الاِلَهي الكلّي.

ففي المجال الاََوّل نكتفي بذكر الآية التالية:

(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمرَاتِ رِزَقاً لَكمْ)(1).

وفي المَجالِ الثّاني نكتفي بالآيةِ التّالِيَة أَيْضاً:

(وَالْبلَدُ الطَّيّبُ يخرُجُ نَبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّه)(2) (3).


1. البقرة | 22.
2. الاَعراف | 58 .
3. للتَّوسُّع ومَزيد الاطِّلاعِ في هذا المجال تُراجَع كتب التّفسير والكلام (العقائد) منها: تفسير الميزان: 1 | 74 طبعة بيروت، والاِلهيّات: 2 | 51 ـ 54.

(25)

الاَصلُ التاسع: الوجود ليس مساوقاً للطبيعة المادية

الوجودُ ليس مساوِقاً للطبيعة المادّيّة، فهو لا ينحصرُ في المادّة وحدها بل هو أوسع من المادة ومن ما وراءَها الَّذي أَطلقَ عليه القرآنُ اسْمَ عالَمِ الغيبِ في مقابل عالَمِ الشَّهادةِ.

وكما انّ الظواهر المادية يؤثر بعضُها في بعضٍ بإذن الله تعالى كذلك تؤثّر الموجوداتُ الغيبية في عالَم الطبيعة بالاِذن الاِلَهيّ.

وبعبارة أُخرى: هي وسائط للفيض الاِلَهي .

ويتحدث القرآنُ الكريمُ عن تأثير مَلائكةِ الله وتسَبّبِها لحوادثِ العالَمِ الطبيعيّ إذ يقول :

(فَالمُدَبِّراتِ أمْراً )(1).

(وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرسِلُ عَليكم حَفَظَةً)(2).

نَستَنتجُ من الآيات الصَريحة السابقة:

أنّ عالَمَ الخلق بقسمَيْه: الطبيعة وما وراء الطبيعة مع ما يسوده من النظام السببي قائمٌ برمَّته بمشيئة الله سبحانه ومرتبط به، بلا استثناءٍ.


1 . النازعات | 5 .
2 . الاَنعام | 61 .

(26)

الاَصلُ العاشر: خضوع الكون لهداية خاصة

إنَّ الكونَ حقيقةٌ تخضع لهدايةٍ خاصّةٍ، وانّ جميع ذرات العالم ـ كلٌّ في مرتبته ـ تتمتع بحسب ما هي عليها بنورِ الهداية.

كما وإنّ مراتب هذه الهداية العامّة والشاملة تتكون من الهداية الطبيعية، والغريزية والتكوينية.

وَلقد ذكَّر القرآنُ الكريمُ في آيات عديدةٍ بهذه الهداية التكوينيّة والعامّة نأتي فيما يلي بواحدةٍ منها:

(ربُّنا الّذِي أَعطى كُلّ شيْءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى )(1).

الاَصلُ الحادي عشر: الكون نظام كامل

إنَّ نظامَ الخليقة الحاضر هو النظامُ الاَكملُ والاَحسنُ، وإنّ جهاز الوجود قد صُوِّر على أفضل صورة، فلا يمكن تصوّر ما هو أكمل وأفضل مما عليه الآن.

يقول القرآن الكريم: (الَّذِي أَحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ)(2).

والدليلُ العقليُّ يدعمه، وذلك لاََنّ فعلَ أيّ فاعل يتناسب ـ من حيث الكمال والنقص ـ مع ما عليه الفاعلُ من حيث الصفات والكمالات،


1 . طه | 50 .
2 . السجدة | 7 .

(27)

فإذا كان الفاعلُ منزَّهاً عن أيّ نقص من حيث الصفات الوجوديّة، كان فعلهُ كذلك عارياً عن أيّ نوع من أنواع النقص والعيب.

وحيث إنّ الله تعالى يُوصف بكلّ الكمالات الوجوديّة على وجهها الاَتمّ الاَكمل يكون فعله أيضاً ـ وبطبيعة الحال ـ أكملَ فعلٍ وأفضلَه.

هذا مضافاً إلى أنّ كونَ اللهِ حكيماً يقتضي ما دام خلقُ العالمِ الاَحسنِ ممكناً، أن لا يوجِدَ غيره.

والجدير بالذِكرِ أنّ ما في العالَم الطبيعيّمما يسمّى بالشُّرور لاينافي النظامَ الاَحسنَ للوجود، وتوضيحُ هذه النقطة سيأتي في أبحاث «التوحيدِ في الخالقيّة».

الاَصلُ الثاني عشر: الحكمة في خلق الكون

حيث إنَّ العالَمَ مَخلوقٌ لله الّذي هو الحقُّ المطلَق وفعلهُ، فإنَّ مصنوعَه كذلك حقٌ ويتَّسم بالحِكمة، فلا مجالَ للعبثيّة واللاهدفيّة فيه.

وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى هذا الموضوع في آياتٍ عديدةٍ نذكر واحدةً منها هنا:

( ماخَلَقْنا السَّماواتِ والاَرْضَ وَمَابيَنَهما إلاّ بِالحقِّ)(1).

على أنّ غايةَ هذا العالم والاِنسان إنما تَتَحقّق عندما تقومُ القيامة، كما قال الاِمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ : «فإنّ الغاية القِيامة».(2)


1 . الاَحقاف | 3 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 190 .

(28)

الاِنسانُ في نَظَر الاِسلام

الاَصلُ الثالثُ عشر: الاِنسان

الاِنسان كائنٌ مركّبٌ من الروح والجَسَد، وجَسَده يتلاشى بعد الموت وتتفرق أَجزاؤه، إلاّ أنَّ روحه تواصل حياتها، وموت الاِنسان لا يعني فناءه، ولهذا فانّه سيمرّ بحياةٍ برزخيةٍ حتى تقومَ القيامة، ولقد أشار القرآن الكريم عند بيان مراتب خَلْق الانسانِ وتكوّنه، إلى آخر مرحلةٍ من تلك المراحل، وهي التي تتحقّق بنفخ الروح في جثمانه إذ يقول:

( ثُمَّ أنْشَأناهُ خَلْقاً آخرَ )(1).

كما أنّ القرآن أشار إلى حياة الاِنسان البرزخية في عدة آيات أيضاً، ومن تلك الآيات قوله:

( ومِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُون )(2).


1 . المؤمنون | 14 .
2 . المؤمنون | 100 .

(29)

الاَصلُ الرابعُ عشر: خلق الاِنسان بفطرة سليمة

يولَد كلُ إنسان بفطرةٍ نقيّةٍ توحيديّةٍ بحيث إذا بقي بعيداً عن تأثير العوامل الخارجية (كالتربية والصَداقةِ والاِعلام) التي تُسبِّب انحرافَ عقيدتهِ، سَلَكَ طريقَ الحق.

فليس ثمة شرّيرٌ بالولادة والخلقة بل الشرور والقبائح أُمور ذات صفة عارضة وطارئة تنشأ بسبب العوامل الباطنية والاختيارية.

ولهذا فانَّ فكرةَ المعصية الذاتية في بني آدم، المطروحة من قِبل المسيحيّة المعاصرة، لا أساس لها من الصحّة قط.

يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصدد: (فَأقِم وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها )(1).

الاَصل الخامسُ عشر: الاِنسان كائن حرّ الاِرادة

الاِنسان كائنٌ حرُّ الاِرادة، مخيّرٌ، يعني انّه بَعد أن يدرسَ النواحي المختلفة لموضوعٍ مّا في ضوء العقل، يختار فعلَهُ أو تركَه، دون إجبار.

يقول القرآن الكريم: ( إنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إمّا شاكِراً وإمّاكَفُورا) (2).

ويقول أيضاً: (وقُلِ الحَقُّ مِن رَّبّكُم فَمَن شاءَ فَلْيُؤمِن وَمَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ)(3).


1 . الروم | 30 .
2. الاِنسان | 3 .
3 . الكهف | 29 .

(30)

الاَصلُ السادسُ عشر: الاِنسان مخلوق قابل للتربية والتأديب

حيث إنّ الاِنسان يتمتع بفطرةٍ سليمةٍ وقوة تُمكِّنه من معرفة الخير والشرّ، كما انّه كائن مخيّر غير مجبور، لذلك كلهِ فهو موجودٌ قابل للتربية والتأْديب، قادرٌ على سلوك طريق الرشد والتكامل، وباب العودة إلى الله مفتوحٌ عليه، اللّهم إلاّ أن يتوبَ إلى الله لحظة المعاينة، ومشاهدة الموت التي لا تُقبل فيها التوبة، ولا تنفع فيها العودة إلى الله.

ومن أَجل هذا تكون دعوةُ الاَنبياء موجَّهة إلى جميع البشر حتى نظير فرعون كما يقول تعالى:

(فَقُلْ هَلْ لَّكَ إلى أن تَزَكّى * وأهدِيَك إلى رَبّك فَتَخْشى )(1).

وعلى هذا الاََساس يجب أن لا ييأس الاِنسانُ من الرحمةِ والمغفرةِ الاِلَهيّتين كما يقول تعالى:

(لا تَقْنَطُوا مِن رَّحمَةِ الله إنّ الله يَغفِرُ الذُّنوبَ جميعاً)(2).

الاَصلُ السابعُ عشر: الاِنسان كائن مسؤول

حيث إنّ الاِنسان يتمتع بنورِ العقل وموهبة الاختيار لذلك فإنّه كائنٌ مسؤُولٌ، مسؤولٌ أمام الله، وأمام الانبياء، والقادة الاِلَهيين، وأمام غيره من


1 . النازعات | 18 ـ 19 .
2 . الزمر | 53 .

(31)

أبناء البشر الآخرين، وأمام العالَم.

وقد صَرّحَ القرآن الكريم بهذه المسؤولية الّتي تَقَعُ على الاِنسان في آيات عديدة يقول: (وأَوفُوا بالعَهْد إنَّ العَهْدَ كانَ مَسؤُولاً)(1).

ويقول كذلك: ( أيَحْسَبُ الاِنسانُ أنْ يُترَكَ سُدىً )(2).

ويقول الرسولُ الاَكرم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «كُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسؤُولٌ عَنْ رَعِيّتهِ»(3).

الاَصلُ الثامنُ عشر: ملاك التفاضل بين الناس

لا فَضْلَ لاِنسانٍ على إنسان آخر إلاّ بما يكسبه، ويحصل عليه من الكمالات المعنوية، وأفضل هذه الكمالات التي هي ملاكُ التفوّق والاَفضليّة هو التقوى كما يقول تعالى: (يا أيُّها الناسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكرٍ وأُنثى وَجَعَلْناكُم شُعُوباً وَقَبائلَ لِتَعارَفُوا إنّ أكرَمَكُمْ عِند الله أتْقاكُمْ )(4).

وعلى هذا الاَساس لا تكون الخصائصُ العرقية والجغرافية وغيرها من وجهة نظر الاِسلام سبباً للتمييز، ومبرِّراً للتفاخر والتكبّر، والاستعلاء على الآخرين.


1 . الاِسراء | 34 .
2 . القيامة | 36 .
3 . مسند أحمد: 2 | 54 ؛ وصحيح البخاري: 3 | 284 (كتاب الجمعة، الباب 11، الحديث 2).
4 . الحجرات | 13 .

(32)

الاَصلُ التاسعُ عشر: ثبات الاَُسس الاَخلاقية

الاَُسُسُ الاَخلاقية التي تُمثّل ـ في الحقيقة ـ أُسُسَ الهويّة الاِنسانية، ولها جذورٌ فطريّةٌ، أُسسٌ ثابتةٌ وخالدةٌ، وهي لا تتغيّر بسبب مُضِيّ الزمان وطروءِ التحوّلات والتطوّرات الاِجتماعية.

فمثلاً؛ حسنُ الوفاء بالعهد والعقد، أو حسن مقابلة الاِحسان بالاِحسان، قضيّةٌ خالدةٌ، وحقيقةٌ ثابتةٌ مطلقاً، وهذا القانون الاَخلاقي لا يتغير أبداً.

وهكذا الحكمُ بقبح الخيانة وخُلف الوعد.

وعلى هذا الاَساس فإنّ في الحياة البشرية الاجتماعية طائفةً من الاَُصول والاَُسُس التي امتزجت بالفطرة، والطبيعة البشرية وتكون ثابتةً وخالدةً.

وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى بعض هذه الاَُصول والاَُسُس العقليّة الاَخلاقية الثابتة إذ قال: (هَلْ جزاءُ الاِحسانِ إلاّ الاِحسانُ)(1).

(ما عَلى المُحْسِنِينَ من سَبِيلٍ)(2).

(فإنَّ اللهَ لايُضِيعُ أجرَ المُحْسنينَ)(3).

(إنّ اللهَ يأمُرُ بالعَدْلِ والاِحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وَيَنْهَى عنِ الفَحْشاء والمُنْكَرِ والبَغي)(4).


1 . الرحمن | 60 .
2. التوبة | 91 .
3. يوسف | 90 .
4. النحل | 90 .

(33)

الاَصلُ العشرون: العلاقة بين عمل الاِنسان والظواهر الكونية

إنّ أعمال الاِنسان وتصرّفاته مضافاً إلى أنّها تستتبع أجراً، أو عقاباً مناسباً لها في اليوم الآخر (القيامة)، لا تخلو من نتائج حَسَنة أو سَيّئة في هذه الدنيا، لاَنّ ثمت قوىً شاعرةً ومدركةً وُصِفت في القرآن الكريم بالمدبّرات (فالمُدبّراتِ أمْراً) (1) تدبّر أُمورَ الكون بإذن الله، ولن تقفَ من أعمال الاِنسان حَسَنة كانت أو سيّئة موقفَ المتفرج، وفي الواقع إنّ عملَ الاِنسان فعلٌ، وبعضُ حوادث العالَم المنتهية إلى تلك المدبرات ردةُ فعل على عمله. وهذه حقيقةٌ كَشَفَ الوحيُ القناع عنها، وتوصّل إليها الاِنسانُ بعلمه إلى درجة مّا أيضاً.

وللقرآن الكريم في هذا المجال آياتٌ عديدةٌ نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: (وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا علَيْهم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماء والاََرضِ)(2).

الاَصلُ الواحدُ والعشرون: العلاقة بين تقدّم الاَُمم أو تخلّفها وبين عقائدها وأخلاقها

إنّ تقدّمَ الاَُمم أو تخلّفها نابعٌ من عِلَل وعواملَ داخليّة تعود في الاَغلب إلى عقائدها وأخلاقها، وبالتالي إلى سلوكها أَنفسها، مضافاً إلى بعض العوامل الخارجية.


1 . النازعات | 5 .
2 . الاَعراف | 96 .

(34)

على أنّ هذا الاَصل لا يتنافى مَعَ مبدأ القضاء والقدر الاِلَهيّين، لاَن هذا الاَصل (أي تأثير سلوك الاَُمم في مصيرها) هو نفسُه من مظاهر التقدير الاِلَهي الكلّي.

يعني أنّ المَشيئة الاِلَهيّة الكُليّة تعلّقت بأن تَصنع الاَُممُ هي مصائِرَها كأن يحظى المجتمعُ الذي يقيمُ علاقاته الاجتماعية على أساس العَدالة، بحياة طيبة، ومستقرة، ويكون وضع الاَُمة التي تقيم علاقاتها الاجتماعية على خلاف ذلك سَيّئاً، وحالتها متدهورةً.

إنّ هذا الاَصلَ هو ما يسمّى حسب مصطلح القرآن الكريم بالسنن الاِلَهيّة حيث قال: (فَلَمّا جاءَهُمْ نَذيرٌ ما زادَهُمْ إلاّ نُفُوراً * استِكْباراً في الاَرضِ ومَكْرَ السّيّىَ ولا يحيقُ المَكْرُ السَيّىَُ إلاّ بأهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرونَ إلاّ سُنّتَ الاَوَّلين فَلنْ تَجِدَ لِسُنّتِ الله تبديلاً وَلنْ تجِدَ لِسُنّتِ اللهِ تحويلاً)(1).

وقال: (.. وأنتُمُ الاَعلَوْنَ إنْ كُنتُمْ مؤمِنينَ * ... وتلِكَ الاَيّامُ نداولها بَينَ النّاسِ..)(2).

الاَصلُ الثاني والعشرون: وضوح المستقبل البشري

إنّ مستقبلَ البشريّة واضحٌ لا إبهام فيه، صحيح أنّ حياة البشرية اقترنت في الاَغلب مع أَلوان مختلفة من التمييز، والفوضى، إلاّ أنّ هذا الوضع لن يستمرَّ إلى الاَبد، بل يَتحرَّك التاريخ البشري باتجاه مستقبلٍ


1 . فاطر | 42 ـ 43 .
2 . آل عمران | 139 ـ 140 .

(35)

مشرقٍ يسودُ فيه العدلُ، ويخيِّم عليه القسطُ الشاملُ، وتكونُ الحاكميةُ في الاَرض لمِن أسماهم القرآن الكريم بالصالحين إذ قال تعالى:

(وَلَقَد كَتَبْنا في الزَبُورِ مِن بَعدِ الذكرِ أنّ الاَرضَ يرثُها عِبادِيَ الصالِحون)(1).

ويقول أيضاً:

(وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصالحاتِ ليَستَخْلفَنَّهُمْ في الاَرضِ كَما اسْتَخلفَ الذيِنَ مِنْ قبْلِهِمْ)(2).

وعلى هذا الاَساس فإنّ النصر النهائي في مستقبل التاريخ، وفي خاتمة المطاف في حَلَبة الصراع المستمر بين الحق والباطل إنّما هو للحقِ دون سواه، وإن تأخر ذلك بعض الشيء وطال الاَمَد، كما يقولُ القرآن الكريم:

(بَل نقذِفُ بِالحقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدمَغُه فَإِذا هُوَ زاهِقٌ)(3).

الاَصلُ الثالثُ والعشرون: كرامة الاِنسان وحرّيته

يحظى الاِنسانُ ـ حسب رؤية القرآن الكريم ـ بكرامةٍ خاصّة إلى دَرَجةِ أنّه أصبحَ مَسجوداً للملائكة كما قال تعالى:(وَلَقد كَرَّمْنا بَني آدمَ وَحَمَلْناهُمْ في البر والبَحرِ وَرَزَقْناهُم من الْطّيباتِ وفَضّلْناهُمْ على كثيرٍ مِمّن خَلَقْنا تَفْضيلاً)(4).


1 . الاَنبياء | 105.
2.النور | 55 .
3. الاَنبياء | 18 .
4 . الاِسراء | 70 .

(36)

وحيث إنّ جوهر الحياة الاِنسانية يكمنُ في حفظ الكرامة والعزّة، لهذا منَعَ الاِسلامُ من أيّ عمل يضرَّ بهذه الموهبة، وبعبارة أكثر وضوحاً ؛ إن أيّ نوع من التسلّط على الآخرين وكذا قبول السلطة من الآخرين ممنوعٌ من وجهة نظر الاِسلام منعاً باتاً، فلابدّ أن يعيش المرء حُرّاً كريماً بعيداً عن أي شكلٍ من أشكال الصغار والذل.

قال الاِمامُ أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ : «ولا تكُنْ عَبْدَ غيرِك وقدْ جَعَلك الله حُرّاً»(1).

كما قال أيضاً: «إنّ الله تبارَك وتعالى فَوَّض إلى المؤمن كلَّ شيء إلاّ إِذلالَ نفسهِ»(2).

ومن الواضح جداً انّ الحكومات الاِلَهيّة المشروعة لاتنافي هذا الاَصل كما سيأتي توضيحه مستقبلاً.

الاَصلُ الرابعُ والعشرون: رؤية الاِسلام للعقل الاِنساني

إنّ للعقل الاِنساني مكانةً خاصةً في رؤية الاِسلام ونظره، وذلك لاَنّ ما يميّز الاِنسان عن سائر الاَحياء بل ويجعله مفضّلاً عليها هو عقله ومدى قوته التفكيرية.

من هنا دُعِيَ البشر ـ في آيات عديدة من القرآن الكريم ـ إلى التفكّر


1 . نهج البلاغة، قسم الكتب، الكتاب رقم 38.
2 . وسائل الشيعة: 11 | 424 (كتاب الاَمر بالمعروف الباب 12، الحديث 4).

(37)

والتأمّل، والتدبّر والتعقّل، إلى درجة، عُدَّت تنمية القوة العقليّة، والتفكّر في مظاهر الخلق، من علائم العقلاء وذوي الاََلباب قال تعالى في القرآن الكريم: (الّذيِنَ يَذْكُرُون اللهَ قِياماً وَقُعوُداً وعلى جُنُوبِهِم وَيَتَفكَّرونَ فِي خَلقَ السَّمواتِ والاَرْض رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطلاً)(1).

هذا وإنّ الآيات التي ترتبط بضرورة التفكّر والتأمّل في مظاهر الخلقة أكثر بكثير من أن يمكن سردها في هذا البيان المقتضب.

وعلى أساس هذه الرؤية نجد القرآن الكريمَ ينهى الناس عن التقليد الاَعمى، وعن الاتّباع غير المدروس للآباء والاَجداد.

الاَصلُ الخامسُ والعشرون: الانسجام بين الحرية الفردية ومبدأ التكامل المعنوي

إنّ الحريات الفرديّة (الشخصيّة) في المجالات الاقتصادية السياسيّة مقيّدة في الاِسلام بأنْ لا تُنافي مبدأَ التكامل المعنوي للاِنسان كما هي مقيّدة بأن لا تضرّ بالمصالح العامة.

وفي الحقيقة إن حكمة التكليف بالوظائف والواجبات الدينية في الاِسلام تكمن في أنّ الاِسلام يريد بهذه الوظائف التي يُكلّف بها الاِنسان أن يحافظ على كرامته الذاتيَّة، وفي الوقت نفسه يضمن سلامة واستمرار المصالح الاِجتماعية.

إنّ مَنع الاِسلام من الوثنيّة، ونهيه المؤكد عن تعاطي ومعاقرة الخمر


1 . آل عمران | 191 .

(38)

وما شابه ذلك إنّما هو للحفاظ على الكرامة الاِنسانية (فرداً وجماعة). وبهذا تتضح حكمة التشريعات الجزائية في الاِسلام أيضاً.

فالقرآن الكريم يعتبر القصاص ضماناً للحياة الاِنسانية إذ يقول:

(وَلكُمْ فِي القِصاصِ حياةٌ يا أُولي الاَلبابِ )(1).

يقول النبي الاَكرم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «إنّ المعصيةَ إذا عَمِلَ بها العبدُ لم تَضرّ إلاّ عامِلَها، فإذا عَمِل بها علانيةً، ولم يُغَيّر أضرّت بالعامة».

ويضيف الاِمام جعفر الصادق بعد نقل هذا الحديث قائلاً: «ذلك أنّهُ يُذلّ بعَملِه دينَ الله، وَيَقْتدي به أهلُ عَداوةِ اللهِ»(2).

الاَصلُ السادسُ والعشرون: لا إكراه في الدين

إنّ من مظاهر الحرية الفردية في الاِسلام هو أن لا يُجبرَ الشخصُ على قبول الدين واعتناقه كما قال تعالى:

(لا إكراهَ فِي الدِّين قَد تَبَيَّنَ الرشدُ مِنَ الغيِّ)(3).

وذلك لاَن الدين المطلوب في الاِسلام هو الاعتقاد والاِيمان القلبيّان وهما لا يتحقّقان في قلب الاِنسان بالعُنف والقهر، والقسر والاِجبار، بل ينشئان بعد حصول مقدمات أهمها اتضاح الحق والباطل


1 . البقرة | 179 .
2 . وسائل الشيعة: 11 | 407، (كتاب الاَمر بالمعروف).
3 . البقرة | 256 .

(39)

وتميّز أحدهما عن الآخر .

فإذا حَصَلت مثل هذه المعرفة اختار الاِنسانُ الحقَّ في ظروف طبيعية قطعاً.

صحيح أن «الجهاد» هو أحد الفرائض والواجبات الاِسلامية المهمّة جداً، ولكن لا يعني الجهادُ قط إجبارَ الآخرين على اعتناق الاِسلام، بل المقصود منه إزالة الموانع والعراقيل عن طريق الدعوة الاِسلامية وإبلاغ الرسالة الاِلَهيّة إلى مسامع الناس في العالم كَيما يتبيّن الرشد من الغيّ.

ومن الطبيعيّ إذا مَنَعَ أرباب الثروة والسلطة انطلاقاً من الدوافع المادية والشيطانية من إبلاغ الرسالة الاِلَهيّة الهادية إلى مسامع الناس وأفئدتهم، اقتضت فلسفة النبوة (وهي هداية البشرية وإرشادهم) أن يقوم المجاهدون بإزالة هذه الموانع، والعراقيل، لتتوفّر الشروط والظروف اللازمة لاِبلاغ دعوة الحق إلى أبناء البشرية.

اتّضح مّما سبق من الاَبحاث ـ رؤية الاِسلام حول الكون والاِنسان والحياة ـ على أنّ هناك نقاطاً وأصولاً أُخرى أيضاً سنأتي بها في مكانها المناسب.

وها نحن نشرع في استعراض مواقف الاِسلام ورؤاه في صعيد المعتقدات والاَحكام.


(40)



(41)

كليات في العقيدة

1

الفصل الثاني

التوحيدُ ومراتبُه وأبعادُه
إلى الكون والاِنسان والحياة


(42)


(43)

الاَصلُ السابعُ والعشرون: وجود الله تعالى

o إنّ الاعتقاد بوُجود الله أصلٌ مشترك بين جميع الشرائع السماويّة، وأساساً يكمنُ الفارقُ الجوهريُّ والاَساسيُّ بين الاِنسانِ الاِلَهيّ المتدينِ (مهما كانت الشريعة التي ينهجها) والفردِ الماديّ، في هذه المسألة .

إنّ القرآنَ الكريمَ يعتبر وجودَ الله أمراً واضحاً وغنيّاً عن البرهنة، ويرى أنّ الشك والتردّد في هذه الحقيقة أمر غير مبرَّر، بل ومرفوضاً كما قال: (أفي اللهِ شَكٌ فاطِرِ السّموات والاَرضِ)(1).

إلاّ أنّه رغم وضوحِ وجودِ الله وبداهته قد وضع القرآنُ الكريمُ أمام من يريدُ معرفة الله عن طريق التفكّر والبرهنة، وإزالة جميعَ الشكوك والاحتمالات المضادّة عن ذهنه، طرقاً تؤدي هذه المهمة وأبرزها هو:

1 ـ إحساس الاِنسان بالحاجة إلى كائنٍ أعلى، هذا الاِحساس الذي يتجلّى في ظروف وحالاتٍ خاصّة، وهذا هو نداء الفطرة الاِنسانية التي تدعوه إلى مبدأ الخلق يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: (فَأقِمْ وَجْهَكَ


1 . إبراهيم | 10 .

(44)

للدِّينِ حَنِيفاً فطرتَ اللهِ الّتي فَطَرَ الناَسَ عَليها لا تبديلَ لخلق الله)(1).

ويقول أيضاً: (فَإذا رَكبُوا في الفُلْكِ دَعوُا اللهَ مخلِصِينَ لهُ الدينَ فلمّا نجّاهُمْ إلى البَرّ إذا هُمْ يُشْركُون)(2).

2 ـ الدعوة إلى مطالَعة العالَم الطبيعيّ والتأمّل في عجائب المخلوقات التي هي آياتٌ واضحةٌ، ودلائلٌ قويةٌ على وجود الله. إنّها آيات تدلّ على تأثير ودور العلم والقدرة، والتدبير الحكيم في عالم الوجود: (إنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ والاَرْضِ واْختلافِ اللَيلِ والنَهارِ لآياتٍ لاَُولي الاَلباب)(3).

إنّ الآيات في هذا المجال كثيرة وما ذكرناه ليس سوى نماذج من ذلك.

ومن البديهيّ أن ما ذكرناه لا يعني بالمرّة أن الطريق إلى معرفة وجودِ الله وإثباته يختص في هذين الطريقين، بل هناك طرق عديدة أُخرى لاِثبات وجودِ الله أتى بها علماء العقيدة، والمتكلمون المسلمون في مؤلفاتهم المختصة بهذه المواضيع.


1 . الروم | 30 .
2 . العنكبوت | 65 .
3 . آل عمران | 190 .

(45)

التوحيد هو الاَصل الموحّد بين الشرائع

تقوم جميعُ الشرائع والمناهجِ السماوية على أساس التوحيد كما وأنّ الاعتقاد بالتوحيد هو أبرز أصلٍ مشتركٍ بين تلك الشرائع، وإن كان هناك شيء من الانحراف لدى أتباع بعض تلك الشرائع في هذه العقيدة المشتركة. وفيما يأتي مراتب التوحيد وأبعاده في ضوء القرآن الكريم والاَحاديث الشريفة، والبراهين العقلية:

الاَصلُ الثامنُ والعشرون: التوحيد الذاتي ومعانيه

إنّ أول مرتبة من مراتب التوحيد هو التوحيد الذاتي، وللتوحيد الذاتي معنيان:

ألف : إنّ الله واحدٌ، لا مثيل له ولا نظير ولا شبيهَ ولا عديل.

ب : إن الذات الاِلَهيّة المقدّسة ذاتٌ بسيطةٌ لا كثرةَ فيها، ولا تركّب.

يقول الاِمام علي بن أبي طالب 7 حول كلا المعنيَين:

1 ـ «هُو وَاحدٌ لَيسَ له في الاَشْياء شَبَهٌ».

2 ـ «وإنّه عزّ وجل أَحديّ المعنى لا ينقسم في وجودٍ ولا وَهمٍ ولا عقلٍ»(1).


1 . التوحيد، للصدوق ص 84 ، الباب 3، الحديث 3.

(46)

وسورة «الاِخلاص» التي تعكس عقيدة المسلمين في مجال التوحيد تشير إلى كلا القسمين:

فقوله تعالى: ( وَلَمَ يَكُنْ لَه كُفْواً أحَد) إشارةٌ إلى القسم الاَوّل.

وقوله تعالى: ( قُلْ هُوَ اللهُ أحَد) إشارةٌ إلى القسم الثاني .

وعلى هذا الاَساس يكون «التثليث» باطلاً من وجهة نظر الاِسلام، وقد صرّح القرآنُ الكريمُ في آيات عَديدة بعدم صحة ذلك.

كما أنّ هذه المسألة تَناولَتْها الكتبُ الكلاميّة (العقيديّة) بالبحث المُفَصَّل وفَنَّدَتْ التثليثَ بطرق مختلفة، ونحن نكتفي هنا بذكر طريق واحد:

إنّ التثليث بمعنى كون الاِلَه ثلاثاً لا يخلو عن أحد حالين:

إمّا ان يكون لكلِّ واحدٍ من هذه الثلاثة وجودٌ مستقلٌّ، وشخصية مستقلّة، أي أنْ يكون كلُّ واحدٍ منها واجداً لكلّ حقيقةِ الاُلوهية، وفي هذه الصورة يتنافى هذا مع التوحيد الذاتي بمعناه الاَوّل (أي كون الله لا نظير له).

وإمّا أن تكون هذه الآلهة الثلاثة ذات شخصيّة واحدة، لا متعدّدة ويكون كلُ إلَهٍ جزءاً من تلك الحقيقة الواحدةِ، وفي هذه الصورة يكون التثليث كذلك مستلزماً للتركب، ويخالف المعنى الثانيَ للتوحيد الاِلَهيّ (أي بساطة الذاتِ الاِلَهيّة).


(47)

الاَصلُ التاسعُ والعشرون: التوحيد في الصفات

المرتبة الثانية من مراتب التوحيد هو: التوحيد في صفات الذات الاِلَهيّة .

نحن نعتقد أنّ الله تعالى موصوف بكلّ الصفات الكمالية، وأنّ العقلَ والوحيَ معاً يَدُلاّن على وجودِ هذه الكمالات في الذات الاِلَهيّة المقدسة.

وعلى هذا الاَساس فإنّ الله عالمٌ، قادرٌ، حيٌ، سميعٌ، بصيرٌ و.. و .

وهذه الصفات تتفاوت فيما بينها من حيث المفهوم، فما نفهمه من لفظة «عالِم» غير ما نفهمه من لفظة: «قادر».

ولكن النقطة الجديرة بالبحث هو أن هذه الصفات كما هي متغايرة من حيث المفهوم هل هي في الواقع الخارجيّ متغايرة أم متحدة؟

يجب القول في معرض الاِجابة على هذا السؤال: حيث إنّ تغايرَها في الوجود، والواقع الخارجي، يستلزم الكثرةَ والتركّب في الذات الاِلَهيّة المقدسة، لذلك يجب القولُ حتماً بأنّ هذه الصفات مع كونها مختلفةً ومتغايرةً من حيث المعنى والمفهوم إلاّ أنّها في مرحلة العينيةِ الخارجيةِ، والواقع الخارجِي متحدةٌ.

وبتعبير آخر: إن الذات الاِلَهيّة في عين بساطتها، واجدةٌ لجميع هذه الكمالات، لا أنّ بعض الذات الاِلَهيّة «عِلم» وبعضها الآخر «قُدرة» والقسم الثالث هو «الحياة» بل هو سبحانه ـ كما يقول المحقّقون: ـ علمٌ


(48)

كلُّه وقدرةٌ كلّهُ وحياةٌ كلهُ...

وعلى هذا الاَساس فإنّ الصفاتِ الذاتية للهِ تعالى، مع كونها قديمةً وأزليةً فهي في نفس الوقت عين ذاته سبحانه لا غيرها.

وأمّا ما يقولهُ فريقٌ من أنّ الصفات الاِلَهية قديمةٌ وأزليةٌ ولكنها زائدةٌ على الذات غير صحيح، لاَنّ هذه النظرة تنبع ـ في الحقيقة ـ من تشبيه صفات الله بصفات الاِنسان وحيث إنّ صفاتِ الاِنسان زائدةٌ على ذاته فقَد تصوَّروا أنّها بالنسبة إلى الله كذلك.

يقول الاِمام جعفر الصادق 7: « لم يَزلِ اللهُ ـ جلّ وعزّ ـ ربُّنا والعلمُ ذاتُه ولا معلومَ، والسَمعُ ذاتُه ولا مسموعَ، والبَصَرُ ذاتُه ولا مُبْصَرَ، والقدرةُ ذاتُه ولا مقدورَ»(1).

ويقول الاِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 7: « وكمالُ الاِخلاصِ له نفي الصفاتِ عنه، لشهادة كلِّ صفَةٍ أنها غيرُ الموصوف، وشهادةِ كلّ موصوفٍ أنّه غير الصفة»(2)(3).


1 . التوحيد، للصدوق، ص 139 الباب 211، الحديث 1 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 1 .
3 . سمّى بعض من لا إلمامَ له بالمسائل الكلاميّة هذه النظرية بالتعطيل والمعتقدينَ بها بالمعطلة، في حين أنّ المعطّلة إنما يُطلَقُ على من لا يُثبت الصفات الجمالية للذات الاِلَهيّة، ويستلزم موقفُهم هذا خلوَّ الذات الاِلَهيّة من الكمالات الوجودية، وهذه العقيدة الخاطئة لا علاقة لها مطلقاً بنظرية (عينيّة الصفات للذات الاِلَهيّة ووحدتهما خارجاً) بل نظريةُ العينيّة هذه في عين كونها تُثبت الصفاتِ الجماليّة والكماليّة لله، مُنزَّهَة من الاِِشكالات والاِِعتراضات الواردةِ على نظريّة زيادةِ الصفاتِ على الذات.

(49)

الاَصلُ الثلاثون: التوحيد في الخالقية

المرتبة الثالثة من مراتب التوحيد هي التوحيد في الخالقية، بمعنى انّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّ الوجود برمته مخلوقُه، وقد أكّد القرآن الكريم على هذه الحقيقة إذ قال:

(قُلِ اللهُ خالقُ كلِّ شَيءٍ وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ)(1).

( ذلكمُ اللهُ رَبُّكُم خالقُ كلِّ شَيءٍ لا إلهَ إلاّ هُوَ)(2).

وليس الوحي وحده يثبت ذلك بل يقول به العقل ويؤكّده، لاَنّ كل ما سوى الله ممكنٌ محتاجٌ، وترتفع حاجته ويتحقّق وجوده من جانب الله.

إنّ التوحيد في الخالقية لا يعني نفي أصل السببيّة والعليّة في عالم الوجود، لاَنّ تأثيرَ كلِّ ظاهرة مادّية في مثلها منوطٌ بإذن الله، ووجودُ السبب وسَبَبيّتُه كلاهُما من مظاهر المشيئة الاِلَهية، فالله سبحانه هو الذي أعطى النور، والضوء للشمس والقمر، وإذا أراد سَلْبَه عنهما فعل ذلك دون مانع ومنازع، ولهذا كان الخالق الوحيد بلا ثان.

وقد أيّد القرآن الكريم ـ كما أسلفنا في الاَصل الثامن ـ قانون العليّة ونظام السببية في الكون كما قال الله: (يُرسلُ الرياحَ فتثيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَماءِ كيفَ يَشاء)(3).


1 . الرعد | 16 .
2 . غافر | 62 .
3 . الروم | 48 .

(50)

فقد صَرَّحَتِ الآيةُ المذكورة بتأثير الرياح في تحريك السحابِ وسَوْقها.

إنّ تعمِيم خالقيّة الله على جميع الظواهر الطبيعيّة لايستلزم أبداً أن ننسب أفعال البشر القبيحة إلى الله تعالى، لاَنّ كل ظاهرة من الظواهر الكونية لكونها كائناً إمكانياً وإن كان مستحيلاً أن ترتدي ثوب الوجود من دون الاستناد إلى القدرة، والاِرادة الاِلَهيّة الكلية.

ولكن في مجال الاِنسان يجب أن نضيف إلى ذلك، أنّ الاِنسان لكونهِ كائناً مختاراً، وموجوداً ذا إرادة، فهو يفعلُ أو يترك بإرادته واختيارِهِ بحكم التقدير الاِلَهيّ أي إنّ الله قدّر وشاء أن يفعلَ الاِنسانُ ما يريد فعلهُ بإرادته، ويترك ما يريد تركه بإرادته، لهذا فإنّ اصطباغ الفعل البشري من حيث كونه طاعة أو معصية لله تعالى ناشىَ مِن نوعيّة إرادته واختيار الاِنسان نفسهِ.

وبعبارة أُخرى: إنّ الله واهبُ الوجود، والوجود مطلقاً مستند إليه، ولا قبح في الاَمر من هذه الناحية كما قال: (الّذِي أحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلْقَه)(1).

ولكنّ جَعْلَ وجود هذا الفعل مطابقاً أو غير مطابق لمعايير العقل والشرع، نابعٌ في الحقيقة من كيفية اختيار الاِنسان وإرادته، وعزمه.

ولاِيضاح المقصود نأتي بمثال :

إنّ الاَكل والشرب من أفعال الاِنسان بلا ريب فيقال أكل فلان


1 . السجدة | 7 .

(51)

وشرب، ولكنّ كلاً من الفعلين يشتملان على جهتين:

الاَُولى: الوجود، وهو الاَصل المشترك بينه وبين سائر الموجودات.

الثانية: تحديد الوجود وصبّه في قالب خاص وانصباغه بعنواني الاَكل والشرب، فالفعل من الجهة الاَُولى منسوب إلى الله سبحانه، فلا وجود في الكون إلاّ وهو مفاض منه تعالى، ولكنّه من الجهة الثانية منسوب إلى العبد إذ هو الذي باختياره وقدرته صَبَغ الوجود بصبغة خاصة وأضفى عليه عنواني الاَكل والشرب، فهو بفمه يمضغ الغذاء ويبلع الماء.

وبعبارة أُخرى: إنّ الله سبحانه هو الذي أقدر العبد على إيجاد الفعل، وفي الوقت نفسه أعطى له الحرية لصرف القدرة في أيّ نحو شاء، وهو صرفها في مورد الاَكل والشرب.

الاَصلُ الواحدُ والثلاثون: التوحيد في الربوبية

المرتبة الرابعة من مراتب التوحيد هو: التوحيد في الربوبية وتدبير الكون والاِنسان.

والتوحيد الربوبي يكون في مجالين:

1 ـ التَدبير التكوينيّ .

2 ـ التَدبير التشريعيّ .

وسنتحدّث عن التدبير التشريعيّ في أصل مستقل، فيما بعد،


(52)

ونركّز في هذا الاَصل على التدبير في المجال التكويني.

إنّ تاريخ الاَنبياء يشهد بأن مسألة التوحيد في الخالقية لم تكن قط موضع نقاش في أُممهم وأقوامهم، وانما كان الشرك ـ لو كان ـ في تدبير الكون وإدارة العالم الطبيعي الذي كان يتبعه الشرك في العبادة.

فمشركو عصر النبي إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ كانوا يعتقدون بوحدة خالق الكون، إلاّ أنّهم كانوا يعتقدون خطأً بأنّ النجوم والكواكب هي الاَرباب والمدبّرات لهذا الكون، وقد تركّزت مناظرة إبراهيم لهم على هذه المسألة كما يتضح ذلك من بيان القرآن الكريم(1).

وكذا في عهد النبي يوسف ـ عليه السلام ـ الذي كان يعيش بعد النبي إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ فإنّ الشرك كان في مسألة الربوبية، وكأنَّ الله بعد أن خلقَ الكون، فوّض أمر تدبيره وإدارته إلى الآخرين.

ويتّضح هذا جلياً من الحوار الذي دار بين يوسف الصدِّيق ـ عليه السلام ـ وأصحابه في السجن إذ يقول:(ءأربابٌ مُتَفَرِّقُون خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القهّار)(2).

كما ويُستفاد من آيات القرآن الكريم أن مشركي عصر الرسالة كانوا يعتقدون بأنّ بعض مصيرهم إنّما هو بإيدي معبوداتهم إذ يقول: (واتَّخذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً ليكُونوا لَهُمْ عزّاً)(3).

ويقول أيضاً: (واتَّخذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً لَعَلّهُم يُنْصَرون * لا


1 . راجع الاَنعام | 76 ـ 78 .
2 . يوسف | 39 .
3 . مريم | 81 .

(53)

يَستطِيعُون نَصْرَهم وَهُم لهُمْ جُندٌ مُحْضَرونَ)(1).

إنّ القرآنَ الكريم يحذّر المشركين في آياتٍ عديدة بأنّ ما يعبدونه من الاََرباب المختلفَة غير قادرةٍ على جلب نفعٍ إلى عابِدِيها ولا دفعِ ضررٍ عنهم أبداً.

إنّ هذه الآيات تكشف عن أنّ مشركي عصر الرسالة المحمدية كانوا يعتقدون بأنّ تلكَ المعبودات تضرُ أو تنفع عُبّادها.(2)وهذا هو كان الدافع لهم إلى عِبادتها.

إنّ هذه الآيات ونظائرَها ممّا يعكس ويصوّر عقائد المشركين في عصر الرسالة، تحكي عن أنّه رغم أنّهم كانوا يعتقدون بالتوحيد في الخالقية، إلاّ أنّهم كانوا مشركين في بعض الاَُمور المتعلّقة بربوبيّة الحق تعالى، إذ كانوا يعتقدون بأنّ معبوداتهم مؤثرة ـ على نحو الاستقلال ـ في الاَُمور والاَشياء، أي إنَّها فاعِلة في صفحة الكون من دون إذنِ الله ومشيئته بل بصورة مستقلّةٍ وحسب مشيئتها وإرادتها لا غير، وهي من صفات الربِّ الحقيقي.

ولقد عَمَدَ القرآنُ الكريمُ ـ بهدف منع أُولئك المشركين عن عبادة الاَصنام بصورة جذرية ـ إلى إبطال هذا الاِعتقاد الفاسد وهذا التصوّر الخاطىَ، وقال بأنّ هذه الاَصنام لاتضرّ ولاتنفع ولامثقال ذرة، فليس لهم أيّ تدبير وربوبيّة.


1 . يس | 74 ـ 75 .
2 . راجع : يونس | 18، والفرقان | 55 .

(54)

ففي بعض الآيات يندّد القرآنُ بالمشركين لكونهم يتّخذون لله تعالى نظيراً وندّاً، وشبيهاً ومثيلاً، إذ يقول: (وَمن الناسِ مَنْ يتّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْداداً يُحبُّونَهُمَ كحبِّ اللهِ)(1).

وقد ورد تقبيح اتّخاذ الندّ للهِ في آيات قرآنية أُخرى أيضا(2) ويتضح من الآيات المذكورة أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لتلك الاَصنام شؤوناً مثل شؤون اللهِ سبحانه، ثم انطلاقاً من هذا التصوّر كانوا يحبّون تلك الاَصنام ويودّونها بل ويعبدونها!!

وبعبارة أُخرى: لقد كان المشركون يعبدون تلك الاَوثان والاَصنام لكونها ـ حسب تصوّرهم وزعمهم ـ «أنداداً» و «نظراء» لله سبحانَه في التدبير.

إنّ القرآن الكريم ينقل عن المشركين يومَ القيامة بأنّهم يقولون تنديداً بأَنفسهم وبأَصنامهم: ( تَاللهِ إنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبينِ * إذ نسَوِّيكُمْ بِرَبّ العَالَمِين)(3) أجل إنّ دائرةَ ربوبية الله واسعة، ومن أجل هذا كان مشركو عصر الرسالة موحّدين في أُمور هامّة. كالرزق والاِحياء والاِماتة والتدبير الكلي للكون كما يقول القرآن الكريم: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والاََرْض أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والاََبْصارَ وَمَنْ يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيّتِ وَيُخرِجُ الميّتَ منَ الحيّ وَمَنْ يُدَبّرُ الاَمرَ فَسَيَقُولونَ الله فَقُلْ أفَلاَ تَتَّقون)(4).


1 . البقرة | 165 .
2 . راجع: البقرة | 21، إبراهيم | 30، سبأ | 33، الزمر | 8 ، فصلت | 9 .
3 . الشعراء 97 ـ 98 .
4. يونس | 31 .

(55)

(قُلْ لِمَن الاَرضُ ومَنْ فيها إنْ كنْتُمْ تَعلَمونَ * سَيَقُولونَ للهِ قُل أفَلا تَذَكَّرُون * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وربُّ العرشِ العظِيم * سَيُقُولُونَ لله قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ)(1).

وَلكنَّ هؤلاء الاَفراد أنفسَهم ـ كما مرّ في آيات سورة مريم وسورة يس ـ ينسبون بعض الاَُمور والشؤون مثل النَصر في القتال والحفْظ في السَفَر، وَما شابهَ ذلك، إلى مَعْبُوداتهم وأصنامِهمْ ويَعْتَقدون بتأثيرها الذاتيّ والمُستقلِّ في مصائرهم.

وأبْرزُ من كل ذلك ؛ الشفاعةُ التي كانوا يرون أنّها حقٌ طلْقٌ لتلك الاَصنام وكانوا يَعتقدون بأنّها تشفع من غير إذن الله، وأنّ شفاعَتها مفيدةٌ لا مَحالة ومؤثّرة قطعاً وجزماً.

وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون بعض الاَفراد يعتقدون بتدبير اللهِ لبعض الاَُمور دون سواه فيكونون موحّدين في هذا المجال، بينما يعتقدون بتدبير الاَصنام والاَوثان لاَُمور وجوانب أُخرى من مصائرهم وشؤونهم كالشفاعة والاِضرار والاِنفاع والاِعزاز والمغفرة، فيكونون مشركين فيهذه المجالات .

وَلكنّ «التوحيد في الربوبية» يفنّد كلَّ لونٍ من ألوان تصوّر الاِستقلال، والتأثير المستقل عن الاِذن الاِلَهيّ كليّاً كان، أو جزئياً .

فهو يُبطل أي إسنادٍ، لتأثير غير الله في مصير الاِنسان والكون، وتدبير شؤونها بمعزلٍ عن الاِذن الاِلَهيّ وبهذا يُبطل ويرفُضُ عبادةَ غير اللهِ تعالى.


1 . المؤمنون | 84 ـ 87 .

(56)

إنَّ الدليل على التوحيد الربوبيّ واضحٌ تمامَ الوضوح، لاَنّ تدبيرَ عالمِ الخلق، في مجال الاِنسان والكون، لا ينفصل عن مسألة الخَلْقِ، وليس شيئاً غير عمليّة الخَلق.

فإذا كانَ خالقُ الكونِ والاِنسان واحداً، كان مدبّرهما بالطبع والبداهة واحداً كذلك، لوضوح العلاقة الكاملة بين عمليّة التدبير وعملية الخَلْق للعالم.

ولهذا فإنّ الله تعالى عندما يصف نفسَه بكونه خالِقَ الاَشياء يصف نفسَه في ذاتِ الوَقتِ بأنّه مدبّرُها (اللهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثمّ اسْتَوى على العَرْشِ وسَخّرَ الشَّمسَ والقَمَرَ كلٌّ يَجْرِي لاَجَلٍ مُسمًّى يُدَبِّرُ الاَمرَ...)(1).

وفي آية أُخرى يعتبر التناسقَ والانسجام السائد والحاكم على الكون دليلاً على وحدة مدبر العالم إذ يقول: (لَوْ كانَ فيهما آلِهةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا) (2).

إنَّ التوحيد في التدبير لاينافي وجودَ مدبّراتٍ أُخرى تقومُ بوظائفها بإذن الله في صفحة الكون، فهي بالحقيقةِ مظاهِر لِربوبية الحق تعالى .

ولهذا فإنَّ القرآن الكريم مع تأكيده الشديد على التوحيد في الربُوبيّة والتدبير يصرّح بوجود مدبّراتٍ أُخرى في صفحة الكون إذ يقول: (فالمدبّراتِ أمْراً)(3).


1 . الرعد | 2 .
2. الاَنبياء | 22 .
3 . النازعات | 5 .

(57)

الاَصل الثاني والثلاثون: التوحيد في الحاكمية والتقنين

بعد أن ثبت ـ في الاَصل السابق ـ أنّ للكون مدبّراً حقيقياً واحداً هو الله تعالى وأنّ تدبير العالم وحياة الاِنسان بيده دون سواه، كان تدبير أمر الاِنسان في صعيد الشريعة ـ سواء في مجال الحكومة أو التقنين أو الطاعة أو الشفاعة أو المغفرة ـ برمّته بيده تعالى، ومن شؤونه الخاصة به، فلا يحق لاَحد أن يتصرّف في هذه المجالات والاَصعدة من دون إذن الله تعالى، ولهذا يُعتبر التوحيدُ في الحاكمية، والتوحيد في التشريع، والتوحيد في الطاعة، والتوحيد في الشفاعة والمغفرة.. من فروع التوحيد في التدبير وشقوقه ولوازمه.

فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حاكماً على المسلمين فإنّ هذا نابعٌ من إختيار الله تعالى إيّاه لهذا المنصب.

وانطلاقاً من هذه العلّة ذاتها تجب إطاعتهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل إنّ إطاعته نفس إطاعة الله، قال تعالى:

(مَنْ يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ)(1).

وقال أيضاً: (وَما أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاّ لِيُطاعَ بِإِذنِ اللهِ)(2).

فلو لم يكن الاِذنُ الاِلهيّ ما كانَ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حاكماً ولا مُطاعاً.


1 . النساء | 80 .
2 . النساء | 64 .

(58)

فحكومتهُ وطاعتهُ مظهرٌ لحاكمية الله وطاعته.

كما أنّ تحديدَ الوظيفَة وتشخيص التكليف بما أنّه من شُؤون الربوبية، لم يَحِقّ ولا يحقّ لاَحدٍ أن يحكم بغير ما أمر اللهُ به، وأن يقضيَ بغير ما أنزل: (ومَنْ لَمْ يَحكُمْ بِما أنَزَلَ اللهُ فأُولئِكَ هُمُ الكافِروُنَ)(1).

وهكذا تكون الشفاعة ومغفرة الذنوب من حقوق الله الخاصة به فلا يقدر أَحَدٌ أنْ يَشْفَعَ لاََحدٍ من دُون إذنهِ تعالى:(مَنْ ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذنِهِ)(2).

وَعَلى هذا الاََساس يكونُ شراء صُكوك الغفران وبَيعُها، تصوّراً بأنّ لاَحدٍ غير المقام الربوبي أن يَهبَ الجنّة لاَحَدٍ، أو يخلّصَ أحداً من العذاب الاَُخروي كما هو رائجٌ في المسيحيّة، أمراً باطلاً لا أساس له من الصحَّة في نظر الاِسلام كما جاء في القرآن الكريم:

(فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللهُ )(3).

فالموَحدُ ـ في ضوء ما قلناه ـ يجب أن يعتقِدَ ـ في مجال الشريعة ـ بأنّ الله وحده لا سواه هو الحاكم والمرجَع، إلاّ أنْ يعيّن الله شخصاً للقيادة، وبيانِ الوظائف الدينية.


1 . المائدة | 44 .
2 . البقرة | 255 .
3 . آل عمران | 135 .

(59)

الاَصلُ الثالِثُ والثلاثون: التوحيد في العبادة

إنّ التوحيدَ في العبادة هو الاَصل المشترك والقاعدة المتفق عليها بين جميع الشرائع السماوية.

وبكلمة واحدة: إنّ الهدف الاَسمى من بَعث الاَنبياء والرُسُل الاِلَهيّين هو التذكير بهذا الاَصل كما يقول: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كلّ أُمَّةٍ رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغوتَ)(1).

إِنّ جميع المسلمين يعترفون في صلواتهم اليومية بهذا الاَصل ويقولون: (إيّاكَ نَعْبُدُ )(2).

وعلى هذا الاَساس فإنّ وجوبَ عبادة الله وحده، والاجتناب عن عبادة غيره أَمرٌ مسلَّمٌ لا كلامَ فيه، ولا يخالف أحد في هذه القاعدة الكلية أبداً، وإنّما الكلام هو في أنّ بعض الاَعمال والممارَسات هل هي مصداق لعبادة غير الله أم لا؟ وللوصُول إلى القولِ الفصلِ في هذا المجال يجب تحديد مفهوم العبادة تحديداً دقيقاً، وتعريفها تعريفاً منطقياً، بغية تمييز ما يدخل تحت هذا العنوان ويكون عبادة، ممّا لا يكون كذلك، بل يُؤتى به من باب التعظيم والتكريم.

لاشك ولا ريبَ في أنّ عِبادةَ الوالدين والاَنبياء والاَولياء حرامٌ وشركٌ، ولكن مع ذلك يكون احترامهم واجباً وعينَ التوحيد: (وَقضى رَبُّكَ


1 . النحل | 36 .
2 . الفاتحة | 5 .

(60)

أنْ لا تَعْبُدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحْساناً)(1).

والآن يجب أن نرى ما هو العنصر الذي يميّز «العبادةَ» عن «التكريم»؟ وكيف يكون العملُ الواحدُ في بعض الموارد (مثل سجود الملائكة لآدم، وَسُجود يعقوب وأولاده ليوسف) عينَ التوحيد، ولكن نفسَ العمل يكونُ في مواردَ أُخرى عينَ الشرك والوثنية.

إنّ الجوابَ على هذا السؤال يتّضح من البحث السابق الذي كانَ حول التوحيد في التدبير.

إنّ العبادَة (التي نُفيت عَنْ غير الله ونُهي عنها) عبارة عن خضوع إنسانٍ أمام شيء أو شخصٍ باعتقاد أنّ بيده مصير العالم كلّهِ أو بعضه، أو بيده إختيار الاِنسان ومصيره، وانّه مالك أمره، وبتعبير آخر: ربّه.

أمّا إذا كان الخضوع أمام كائن مّا لا بهذا الاعتقاد، إنّما من جهة كونه عَبداً صالحاً لله، وصاحبَ فضيلةٍ وكرامة، أو لكونه منشأَ إحسان، وصاحب يدٍ على الاِنسان، فإنّ مثل هذا العمل يكون مجردَ تكريم وتعظيم لا عبادةً له.

ولهذا السبب بالذات لا يوصف سجود الملائكة لآدم، أو سجود يعقوب وأَبنائه ليوسف بصفة الشرك والعبادة فهذا السجود كان ينبع من الاِعتقاد بعبوديّة آدم ويوسف إلى جانب كرامتهما ومنزلتهما عند الله، وليس نابعاً من الاِعتقاد بربوبيّتهما أو أُلوهيّتهما.


1 . الاِسراء | 23 .

(61)

بالنظر إلى هذه الضابطة يمكن الحكم في ما يقوم به المسلمون في المشاهد المشرَّفة من احترام وتكريم لاَولياء الله المقرَّبين، فإنَّ من الواضح أنّ تقبيل الضرائح المقدسة، أو إظهار الفَرَح والسُرور يوم ميلادِ النبي وبعثته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا ينطوي إلاّ على تكريم النبي الكريم ولا يُقصَد منه إلاّ إِظهار مودّته ومحبته ولا تكون ناشئةً من أُمورٍ مثل الاعتقاد بربوبيته قَطْ.

وهكذا الحال في الممارسات الاَُخرى مثل إنشاء القصائد والاَشعار في مدح أولياء الله أو مراثيهم، وكذا حفظ آثار الرسالة، وإقامة البناء على قبور عظماء الدين، فانها ليست بشركٍ ولا بدعة.

وأَمّا كونها ليست بشركٍ فلاَنّها تنبع من مودَّة أَولياء الله (لا الاِعتقاد بربوبيتهم).

وأمّا كونها ليست ببدعَة أيضاً فلاََنّ جميع هذه الاَعمال تقومُ على أساسٍ قرآنيّ ورِوائيٍ، وينطلق من أصل وجوب محبة النبي وآله.

فأَعمال التكريم هذه مَظْهَرٌ من مظاهِر إبراز هذه المودة والمحبة التي حثّ عليها الكتاب والسنّة (وسيأتي توضيح هذا الموضوع في الفصل المتعلّق بالبدعة مستقبلاً).

وفي المقابل يكون سجودُ المشركين لاَصنامهم مرفوضاً ومردوداً لكونه نابعاً من الاِعتقاد بربوبيتها ومدبريَّتها وأنّ بيدها قسماً من شؤون الناس... أو على الاَقل لاَنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ العزة والذِلّة، والمغفرة والشفاعة بأَيدي تلك الاََصنام!!


(62)


(63)

كليات في العقيدة

1

الفصل الثالث

في صفات الله سبحانه


(64)


(65)

الاَصلُ الرابع والثلاثون: الصفات الجمالية والجلالية لله سبحانه

حيث إنّ الذاتَ الاِلَهيّة لا مثيلَ لها ولا نظير، ولا يُتصوّر لله عديل ولا شبيه، فهو سبحانه أعلى من أن يعرفه الاِنسان بالكُنْه، أي ليس للاِنسان سبيلٌ إلى معرفةِ حقيقة الذات الاِلَهية، على حين يمكن معرفته تعالى عن طريق صفاته الجمالية والجلالية.

والمقصود من الصفات الجمالية هي الصفات التي تدلّ على كمالِ الله في وجوده وذلك كالعلم والقدرة، والحياة، والاِرادة والاِختيار وما شابه ذلك. وتُسمّى بالصفات الثبوتية أيضاً.

والمقصود من الصفات الجلالية هي الصفات التي يجلّ الله تعالى عن وصفه بها، لاَنّ هذه الصفات تدلّ على نقص الموصوف بها وعجزه، والله تعالى غنيٌ غِنىً مطلقاً، ومنزّه عن كلِّ نقص وعيب.

والجسمانية، والاِحتياج إلى المكان والزمان، والتركيب وأمثاله من جملة هذه الصفات، وتسمّى هذه الصفات أيضاً بالصفات السلبية في مقابل الصفات الثبوتية (التي مرَّ ذكرها أوّلاً) والمقصود في كلتا التسميتين واحد.


(66)

الاَصلُ الخامسُ والثلاثون: طرق معرفة صفاته سبحانه

لقد أسلفنا في بحث المعرفة أنّ أبرز طرق المعرفة بالحقائق تتمثّل في: الحسّ، والعقل، والوحي.

ويمكن لمعرفة الصفات الاِلَهيّة الجمالية والجلاليّة الاِستفادة من الطريقين التاليين:

1 ـ طريق العقل: فإنّ التأمّل في عالم الخَلق، ودراسة الاَسرار الكامنة فيه والتي تدل برمّتها على أنّها مخلوقة لله، تقودنا إلى كمالات الله الوجودية، فهل يمكن أن يتصوّر أحدٌ أنّ بناء الكَون الشاهق قد تمّ من دون عِلمٍ وقدرةٍ واختيارٍ.

إنّ القرآن الكريم يدعو ـ تأْييداً لحكم العقل في هذا المجال ـ بالتدبّر في الآيات التكوينية في صعيد الآفاق والاَنفس إذ يقول: ( قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ وَالاَرْضِ)(1).

أي أُنظُروا نظرة تدبّر وتأمل لتكتشفوا الحقائق العظيمة .

على أَنّ من البديهيّ أنّ العقلَ يسلك هذا الطريق بمعونة الحسّ، أي أنّ الحس يبدأ أوّلاً باكتشاف وإدراك الموضوع بصورةٍ عجيبةٍ، ثم يعتبر العقل عظمة الموضوع، وتكوينه العجيب، دليلاً على عظمة الخالق وجماله.

2 ـ طريق الوحي: فبعد أن أثبتت الاَدلةُ القاطعةُ النبوّةَ والوحيَ،


1 . يونس | 101 .

(67)

واتّضح أنّ الكتاب الذي أتى به النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكذا قوله كان برمّته من جانب الله، كان من الطبيعيّ أن يكون في مقدور الكتاب والسُّنّة أن يساعدا البشريةَ في معرفة صفات الله، فقد ذُكِرت صفات الله الجماليّة والجلاليّة في هذين المصدرين بأفضل نحو.

ويكفي أن نعرف أنّه جاء بيان قرابة 140 صفة لله تعالى في القرآن الكريم، ونكتفي هنا بذكر آية واحدة تذكر بعض تلك الصفات: ( هُوَ اللهُ الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ اْلمُؤْمِنُ الْمُهَيمنُ الْعَزيزُ الْجَبّارُ المُتَكَبّرُ سُبْحانَ اللهِ عمّا يُشْركُونَ * هُوَ اللهُ الخالِقُ البارىَُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسْماءُ الحُسنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّمواتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ)(1).

هذا والجدير بالذكر أنّ هناك من احتج بعجز البشر عن معرفة الموجودِ الاَعلى فترك البحثَ عن صفات الله، ونهى عن ذلك، وهؤلاء في الحقيقة هم «المعطِّلة» لاَنَّهم حَرَموا الاِنسان من المعارف السامية التي أرشد إليها العقلُ والوحيُ معاً.

ولو كانَ البحثُ والنّقاش حولَ هذه المعارف مَمنُوعاً حقاً لكان ذِكرُ كّلِ هذه الصفات في القرآن الكريم، والاَمرُ بالتدَبر فيها غيرَ ضروريّ بل لغواً.

ويجب أن نقول ـ مع بالغ الاَسف ـ إنّ هذا الفريق حيث إنّه أوصد على نفسه بابَ المعرفة، وقع نتيجةً لتعطيل البحث العلمي في ورطة «تجسيم الله وتشبيهه وإثبات الجهة له سبحانه».


1 . الحشر | 23 ـ 24 .

(68)

الاَصلُ السادسُ والثلاثون: صفات الذات وصفات الفعل

تنقسمُ الصِفات الاِلَهيّة من جهة أُخرى إلى قسمين :

ألف: صِفات الذات .

ب: صِفات الفِعل .

والمقصودُ من (صفات الذات) هي الصفات الّتي يلازم تصوُّرها تصوّرَ الذات الاِلَهية، كالعلم والقدرة والحياة، وإن لم يصدر منه سبحانه فعلٌ من الاَفعال.

والمقصود من (صفات الفِعل) هي الصفات التي تُوصف الذات الاِلَهيّة بها بملاحظة صدور فعل مّا منه تعالى، كالخالقية، والرازقية وما شابَهَ ذلك من الصفات التي تنتزَعُ من مقام الفعل، ويوصَف بها اللهُ تعالى بعد ملاحظة ما صدر منه من الاَفعال.

وبعبارةٍ أُخرى مالم يصدر من الله فعل كالخالقية والرازقيّة والغفارية والراحمية لا يمكن وصفه فعلاً بالخالق والرازق وبالغفّار والرحيم، وإن كان قادراً ذاتاً على الخلق والاِرزاق والمغفرة والرحمة.

ونذكّر في الخاتمة بأنّ كلَّ صفات الفعل التي يوصف بها اللهُ تعالى نابعةٌ من كماله الذاتي، وأن الكمال الذاتي المطلق له تعالى هو مبدأ جميع هذه الكمالات الفعلية ومنشؤها.


(69)

صفات الله الثبوتيّة

بعدما تبيّن انقسامُ الصفات الاِلَهيّة إلى صفاتٍ ثبوتيّة وسلبيّة، وذاتيّة فعليّة ينبغي أن نطرح على بساط البحث أهمّ المسائل والقضايا المتعلّقة بها.

الاَصلُ السابعُ والثلاثون: صفاته الذاتية

ألف: العلمُ الاََزَليّ

عِلمُ الله ـ لكونه عينَ ذاته ـ أزليٌّ، كما انّه مثل ذاته مطلقٌ، ولا نهاية له.

إنّ الله تعالى ـ مضافا إلى علمه بذاته ـ يعلم بكل شيء ممّا سوى ذاته، كليّاً كان أم جزئياً، قبل وقوعه وتحقّقه، وبَعد وقوعه وتحقّقه.

ولقد أكّد القرآنُ الكريمُ على ذلك تأكيداً كبيراً إذ قال: ( إنَّ اللهَ بِكُلّ شَيءٍ عَلِيْمٌ)(1).


1 . العنكبوت | 62 .

(70)

وقال أيضاً: ( ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وُهَوُ اللَّطِيْفُ الخَبِيْرُ)(1).

ولقد وَرَدَ مثل هذا التأكيد المكرّر والقويِّ على أزليّة العلمِ الاِلَهيّ، وسعته وإطلاقه في الاَحاديث المرويّةَ عن أئمة أهل البيت: مثل قول الاِمامِ جَعْفَرِ الصادق ـ عليه السلام ـ :

«لَمَ يَزَل عالِماً بالمَكانِ قَبْلَ تَكوينه كَعِلْمِهِ به بَعْدَ ما كوَّنَهُ وَكَذلِكَ عِلمُهُ بِجَمِيِعِ الاََشياءِ»(2).

ب : القُدرةُ الواسِعَةُ

إنّ قدرةَ الله مثلُ عِلمه أَزَليّةٌ، وَلكونها عينَ ذاته فهي مثلُ عِلمِهِ تعالى، مطلقةٌ وغير محدودة.

إنّ القرآن الكريم يؤكّد على سِعةِ قدرة الله ويقول: ( وَكانَ اللهُ على كُلِّ شيءٍ قَدِيراً)(3).

ويقول: ( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِراً) (4).

وقالَ الاِمامُ جعفرُ الصّادق ـ عليه السلام ـ :

« الاَشياءُ لَهُ سَواءٌ عِلماً وقُدْرةً وَسُلْطاناً، ومُلْكاً وإحاطةً»(5).


1 . الملك | 14 .
2 . التوحيد للصدوق ص 137، الباب 10، الحديث 9 .
3 . الاَحزاب | 27 .
4. الكهف | 45 .
5 . التوحيد للصدوق الباب 9 الحديث 15 .

(71)

وأمّا إذا كان إيجاد الاَشياء المستحيلة والممتنِعة ذاتاً خارجة عن إطار القُدرة الاِلَهية، فليس ذلك لاَجْل نقصٍ في القدرة الاِلَهيّة، بَلْ لاَجل عدم قابليّة الشيء الممتنع، للتحقّق والوجُود (فهو نَقْصٌ في جانب القابل لا في جانب الفاعل).

يقول الاِمامُ عليٌّ ـ عليه السلام ـ في الردّ على من سَألَ حول إيجاد الممتنعات: «إنّ الله تباركَ وتعالى لايُنسَبُ إلى العَجز، والّذي سَألْتنِي لا يَكُونُ»(1).

ج : الحياة

إنّ اللهَ العالِمَ القادرَ حيٌّ كذلك قطعاً، لاَنّ الصفتين السابقتين من خصوصيات الموجود الحي وتوابعه، ومن هذا تتضح دلائل الحياة الاِِلَهيّة أَيضاً.

على أنّ صِفة الحياة التي يُوصف بها الحقُ تعالى هي مثل سائر الصفات الاِلَهيّة منزَّهةٌ عن كلّ نقص، ومن كل خصوصيّات هذه الصّفة في الاِنسان وما شابهه (كعروض الموت)، وحيث إنّ اللهَ حيٌ بالذات لهذا لاسبيلَ للموت إلى ذاته المقدّسة كما يقول:

(وَتَوَكَّلْ على الحيِّالذي لايَموتُ)(2).


1 . التوحيد للصدوق: ص 130، باب القُدرة .
2 . الفرقان | 58 .

(72)

د : الاِرادةُ والاِختيار

إنَّ الفاعلَ الواعي لفعله أكملُ من الفاعِلِ غير الواعي لفعله، كما أنّ الفاعلَ المريدَ لفعلِهِ المختار فيه (وهو الّذي إذا أراد أن يفعلَ فَعَل، وإذا لم يُردْ أن يفعَلَ لم يفعل) أكمل من الفاعل المضطرّ المجبور، أي الذي ليس أمامَه إلاّ أحد أمرين: إمّا الفعل وإمّا الترك.

وبالنظر إلى ما قلناه، وكذلك نظراً إلى أنّ الله أكملُ الفاعلين في صفحة الوُجود، فإنَّ من البديهي أن نقول إنَّ اللهَ فاعلٌ مختارٌ، وليس تعالى بمجبورٍ من جانب غيرهِ، ولا بمضطرٍ من ناحية ذاته.

والمقصود من قولنا: إن اللهَ مريدٌ، هو أنّه تعالى مختارٌ وليس بمجبورٍ ولا مضطَرّ.

إنّ الاِرادة ـ بمعناها المعروف في الاِنسان والذي هو أمر تدريجي وحادث ـ لا مكان لها في الذات الاِِلَهيّة المقدسة.

من أجل هذا وُصِفت الاِرادة الاِلَهيّة في أحاديث أهل البيت: بأنّها نفسُ إيجاد الفعل وعينُ تحقّقه، مَنعاً من وقوع الاََشخاص في الانحراف والخطأ في تفسير هذه الصفة الاِلَهيّة وتوضيحها.

قال الاِمام موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ : «الاِرادة من الخَلق: الضميرُ وما يَبْدُو لهم بعدَ ذلك من الفِعْل. وأمّا مِنَ الله تعالى فإرادتُهُ: إحداثُه لاغير، ذلك لاَنَّه لايُرَوّي ولايَهِمُّ ولا يَتَفَكَّرُ، وهذهِ الِصّفاتُ مَنْفيّةٌ عَنْهُ وَهيَ صِفاتُ الخَلْقِ.


(73)

فإرادَةُ اللهِ، الفِعْلَ؛ لا غير ذلكَ يَقولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بلا لَفْظٍ ولا نُطْقٍ بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لِذلِكَ، كما أنَّه لا كيفَ له»(1).

فظهر ممّا ذكرناه: انّ وصفه سبحانه في مقام الذات بأنّه مريد، بمعنى انّه مختار ووصفه به في مقام الفعل بمعنى انّه موجد ومحدث.


1 . أُصول الكافي ج1، ص109 باب الاِرادة انّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل،الرواية 3.

(74)

الله وصفاتُ الفِعل

والآن بعد أن اطَّلعنا على أُمهات المطالب المتعلّقة بصفات الذات ينبغي التعرّف على بعض صفات الفعل.

وندرس هنا ثلاث صفات فقط من صفات الفِعل:

1. التكلّم.

2. الصِدق .

3. الحِكمة.

الاَصلُ الثامن والثلاثون: كون الله متكلّماً

إنّ القرآن الكريم يصفُ الله تعالى بصفة التكلّم إذ يقول: ( وَكَلَّم اللهُ مُوسى تَكْلِيماً)(1).

وقال أيضاً: ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكلِّمَهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أوْ مِن وَراءِ حِجابٍ أو يُرْسِلَ رَسُولاً)(2).


1 . النِسَاء | 164 .
2 . الشورى | 51 .

(75)

وعَلى هذا الاَساس لاشكّ في كون التكلّم إحدى الصّفات الاِلَهيّة.

إنّما الكلام هو في حقيقة التكلّم وأنّ هذه الصِفة هل هي من صِفات الذات أم من صفات الفعل؟ إذْ مِنَ الواضح أنّ التكلّم بالشَكل الموجود عند الاِنسان لا يجوزُ تصوّرُهُ في الحقّ تعالى.

وحيث إنّ صفَةَ التَكّلم ممّا نطق بها القرآن الكريم، وَوَصَف بها الله، لذلك يجب الرّجوع إلى القرآنِ نفسه لِفَهم حقيقته كذلك.

إنّ القرآن يقسّم تكلّم اللهِ مع عباده ـ كما عرفنا ـ إلى ثلاثةِ أنواع، إذ يقول: (وَما كانَ لِبشَرٍ أن يُكلِّمهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أو مِن وَراء حِجابٍ أو يُرسِلَ رَسُولاً فيوُحِيَ بإذنِهِ ما يشاء إنّه عَليٌّ حَكيْمٌ)(1).

إذَن فلا يمكن للبشر أن يكلّمهُ الله إلاّ من ثلاث طرق:

1 ـ «وَحْياً» الاِلهام القلبي .

2 ـ «أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ» كأن يكلّم اللهُ البشرَ من دون أن يراه كتكلّم اللهِ مع موسى ـ عليه السلام ـ .

3 ـ «أو يُرسِلَ رسولاً...» أي مَلَكاً يوحي إلى النبيّ بِإذنِ الله تعالى.

ففي هذه الآية بَيَّنَ القرآنُ تكلُّمَ اللهِ بأنّه تعالى يوجدُ الكَلامَ تارةً من دون واسطةٍ، وَأحْياناً مع الواسطةِ، عَبر مَلك من الملائكة.

كما أنّ القِسمَ الاَوّل تارةً يكون عن طريقِ الاِلقاء والاِلهام إلى قلب النبي مباشرةً، وتارةً بالاِلقاء إلى سَمْعِهِ ومنه يصلُ الكَلامُ إلى قلبه.


1 . الشورى | 51 .

(76)

وعلى كلّ حال يكونُ التكلّم بِصُوره الثلاث بمعنى إيجاد الكلام وَهَو من صِفات الفعل.

إنّ هذا التَفْسير والتحليل لصفة التكلّم الاِِلَهيّ هو أحدُ التفاسير التي يمكن استفادتها بمعونةِ القرآنِ وإرشاده وهدايته.

وهناكَ تفسيرٌ آخرٌ لهذه الصفةوهو: أنَّ اللهَ اعتبر مخلوقاتهِ من كلماتِه فقال: (قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِداداً لِكَلماتِ رَبّي لَنَفدَ البَحرُ قَبْلَ أنْ تَنَفَدَ كَلِماتُ رَبِيّ وَلوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(1).

فالمقصودُ من «الكلمات» في هذه الآية هو مخلوقات الله الّتي لا يقدرُ شيءٌ غيرُ ذاته سبحانه على إحصائها وعدّها، ويدعم هذا التفسيرَ للكلمة وصفُ القرآن الكريم المسيحَ ابنَ مريم ـ عليه السلام ـ بأنّه «كلمة الله» إذ قال: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إلى مَرْيمَ)(2).

إنّ الاِمام أميرَ المُؤْمنين ـ عليه السلام ـ فسّر تَكَلّم الله تعالى في إحدى خُطَبِه وأحاديثه بأنّه إيجادٌ وفِعلٌ، فقال: «يَقُولُ لِمَنْ أرادَ كَوْنَهُ «كُنْ»، لا بصَوتٍ يَقرَعُ، ولا بنداءٍ يُسْمَعُ وَإنّما كَلامُهُ سُبحانَه فِعلٌ منه، أنشَأهُ وَمَثَّله»(3).

فإذا كان الكلام اللفظيّ معرباً عمّا في ضمير المتكلّم، فما في الكون من عظائم المخلوقات إلى صغارها يعرب عن علم الله تعالى وقدرته وحكمته.


1 . الكهف | 109 .
2 . النساء | 171 .
3 . نهج البلاغة، الخطبة 186 .

(77)

الاَصل التاسعُ والثلاثون: هل القرآن مخلوق أم قديم؟

اتّضح مِنَ البَحْث المتَقَدّم الذّي تضمّن تفسيراً لِحقيقة كلامِ الله، بنحوين، أنَّ التفسيرَ الثاني لا يخالف التفسير الاَوّل، وانّه سبحانه متكلم بكلا الوجهين.

كما ثَبَتَ أنَّ كلامَ اللهِ حادثٌ وليس بقديمٍ، لاَنّ كلامَهُ هو فِعْلُه، ومن الواضح أنّ الفِعلَ حادثٌ، فَيَنتُجُ من ذلك أنّ «التكلّم» أمرٌ حادِثٌ أيضاً.

ومع أنّ كلامَ الله حادثٌ قطعاً فإنّنا رعايةً للاَدب، وكذا دَرءاً لسوءِ الفهم لا نقول: إنّ كلام الله (القرآن) مخلوق إذ يمكن أن يصفه أحدٌ في ضوء ذلك بالمجعول والمختلق وإلاّ فإنّ ما سوى اللهِ مخلوقٌ قطعاً.

يقول سليمان بن جعفر الجعفري: سألت الاِمامَ عليَ بن موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ: يا اْبن رسول الله أخبِرني عن القرآن أخالقٌ أو مخلوقٌ؟ فأجاب ـ عليه السلام ـ قائلاً: «ليس بخالقٍ ولا مخلوقٍ، ولكنّه كلامُ الله عزّ وجلّ»(1).

وهنا لابدّ من التذكير بنقطةٍ تاريخيةٍ في هذا المجال وهي أنّه طُرحت في أوائل القرن الثالث الهجري، في عام 212 هـ في أوساط المسلمين مسألة ترتبط بالقرآن الكريم، وهي: هل القرآنُ حادثٌ أو قديمٌ؟

وقد صارت هذه المسألة سبباً للفرقة والاختلاف الشديدين، على


1 . التوحيد للصدوق: ص 223 باب القرآن ما هو، الحديث 2 .

(78)

حين لم يمتلك القائلون بِقدَم القرآن أيَّ تبرير صحيح لمزعمتهم، لاَنّ هناك احتمالات يكون القرآنُ حسب بعضها حادثاً، وحسب بعضها الآخر قديماً.

فإذا كان المقصود من القرآن هو كلماته التي تُتلى وتُقرَأ، أو الكلمات التي تلقّاها الاَمينُ جبرائيل، وأنزلها على قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فإنّ كل ذلك حادثٌ قطعاً ويقيناً.

وإذا كان المقصود هو مفاهيم الآيات القرآنية ومعانيها، والتي يرتبط قسمٌ منها بقصص الاَنبياء، وغزوات الرسول الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فهي أيضاً لا يمكن أن تكون قديماً.

وإذا كان المقصودُ هو علم الله بالقرآن لفظاً ومعنى فإنّ من القطعيّ والمسلَّم به هو أنّ علم الله قديمٌ، وهو من صفات الذات، ولكن العلِمَ غيرُ الكلام كما هو واضحٌ.

الاَصلُ الاَربعون: كون الله صادقاً

ومن صفاته سبحانه «الصدقُ» وهو القول المطابق للواقع في مقابل الكذب الذي هو القول المخالف للواقع.

فاللهُ تعالى صادقٌ لا سبيلَ للكذب إلى قوله، ودليلُ ذلك واضحٌ تمام الوضوح، لاَنّ الكذبَ شيمةُ الجَهَلة، والعَجَزة والجُبَناء. والله منزهٌ عن ذلك كُلّه.

وبعبارة أُخرى ؛ إنَّ الكذبَ قبيحٌ والله منزهٌ عن القبيح.


(79)

الاَصلُ الواحدُ والاَربعون: كون الله حكيماً

ومِنَ الصّفات الكماليّة الاِلَهيّة «الحكمةُ» كما يوحي بذلك تسميتهُ تعالى بالحكيم.

والمقصود من كون الله حكيماً:

أوّلاً: أنّ أفعال الله تعالى تتسم بمنتهى الاِتقان والكمال.

ثانياً: أنَّ الله تعالى منزّهٌ عن الاَفعال الظالمة، والعابثة.

ويدل نظامُ الخلق الرائع العجيب على المعنى الاَوّل حيث أُقيم صرحُ الكَون العظيم على أتّم نظامٍ وأحسن صورةٍ، إذ يقول:

( صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شيءٍ )(1).

ويشهد بالمعنى الثاني قولُه تعالى:

(وما خَلَقْنا السَّماءَ واْلاََرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً)(2).

وهو أمرٌ يَدْعَمُه العلمُ والعقْلُ كلَّما تقدَّم بهما الزمنُ، وَوَقفنا على أَسرارِ الكونِ وقوانينه.


1 . النمل | 88 .
2 . ص | 27 .

(80)

صفاتُ الله السلبيّةُ

الاَصلُ الثاني والاَربعون: إنّ الله لا يرى بالعين مطلقاً

ذكَرْنا عند تصنيف صفات الله تعالى أنَّ الصفات الاِِلَهيّة على نَوعين: صفات الجمال، وصفات الجلال، وأنّ ما هو من سِنخ الكمال ومقولته يُسمّى «الصفات الجماليّة» أو «الثبوتية»، وما هو من مقولة النقص وسنخه يسمّى «الصفات الجلالية» أو «السلبية».

والهَدَف من الصّفات السَلبيّة هو تنزيه ذات الله سبحانه من النقص، والحاجة والفقر.

إنّ الله تعالى ـ لكونه غنيّاً موصوفاً بالكمال المطلق ـ منَّزهٌ عن كُلّ وصفٍ يحكي النقص، والحاجة والفقر، ولهذا قال علماء العقيدة المسلمون (علماء الكلام) إنّ الله ليس بجسمٍ ولا جسماني، ولا محلاً لِشيءٍ، ولا حالاًّ في شيء، ذلك لاَنّ كل هذه الخصوصيات ملازمة للنقص والاحتياج ومستتبعة للفقر والاِمكان، وهي تعارضُ كونه غنياً غنىً مطلقاً، وتنافي كونه واجبَ الوجود قطعاً ويقيناً.

هذا ومن الصفات التي تحكي النقص كون الشيء مرئياً، ذلك لاَن


(81)

الشيء لا يكون مرئياً إلاّ بعد تحقّق شروط ضرورية هي:

ألف : أن يكون في مكانٍ وجهةٍ خاصةٍ.

ب : أن لا يكون في ظلمة، بل يشع عليه النور .

جـ : أن يكون بينه وبين الرائي فاصلة معينة ومسافة مناسبة .

ومن الواضح أنّ هذه الشرائط من آثار الكائن الجسماني ومن خصائص الموجود المادّي لا الاِلَه ذي الوجود الاَسمى والاَعلى من ذلك.

هذا مضافاً إلى أنّ كون الله مرئياً لا يخلو من حالتين:

إمّا أن يكونَ كلّ وجودِه مرئياً.

وإمّا أن يكونَ بعض وجودِه مرئياً.

وفي الصورة الاَُولى يكون الله المحيط ؛ مُحاطاً ومحدوداً.

وفي الصورة الثانية يكونُ الحق تعالى ذا أجزاء وأبعاض.

وكلا الاَمرين لا يليقان بالله سبحانه فهو تعالى محيطٌ غير محاط به، مطلق غير مقيد، منزّه عن التركب والتبعّض.

على أنَّ ما قلناه يرتبط بالرؤية الحسيّة والبصرية، لا الرؤية القلبيّة، والشهود الباطنيّ الّذي يتحقّق للمرء بفضل الاِيمان الكامل، واليقين الصادق فإنّ هذا القسمَ خارجٌ عن محطّ البحث، وإطار النقاش. ولا ريب في إمكان وقوعه بل وقوعه لاَولياءِ الله، وعبادة الصالحين المقربين.


(82)

قال ذعلب اليمانيّ ـ وهو من أصحاب الامام علي ـ عليه السلام ـ ـ قلت للاِِمام ـ عليه السلام ـ هل رأيتَ ربَّك يا أميرَ المؤمنيِن؟

قالَ الاِمامُ ـ عليه السلام ـ : «أفَأَعْبُدُ ما لا أرى».

فقال ذعلب: وكيف تراهُ ؟

فقال ـ عليه السلام ـ : «لاَ تراهُ العُيُونُ بمشاهدة العَيانِ وَلكِنْ تدرِكهُ القُلُوب بِحَقائِقِ الاِِيمانِ»(1).

إنّ الرؤية بالبصر علاوةً على كونِها ممتنعةً عقلاً، مرفوضةً من جانبِ القرآن الكريم، فقد صرّحَ القرآن الكريم بنفِي إمكان ذلك.

فعندما طَلَب النبيّ موسى ـ عليه السلام ـ من الله (تحت إلحاحٍ وضغطٍ مِن قومه) أن يريه نفسَه ردّ عليه سبحانه بالنفي المؤكد المؤبد كما يقول: قائلاً: (رَبّ أرِنِي أَنْظُرُ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي)(2).

ويمكن أن يَسأَل أحد: إذا كانت رؤيةُ الله بالبصر والعَين غير ممكنة فلماذا قال القرآن الكريم: ( وُجُوهٌ يَوْمِئِذٍ ناضِرَةٌ * إلى رَبِّها ناظِرَةٌ)(3).

والجواب على ذلك هو: أنّ المقصود من النظر في الآية الكريمة، هو انتظار الرحمة الاِلَهية، لاَنّ في الآية شاهدين على ذلك:

1 ـ إن النظر في هذه الآية نُسِبَ إلى الوجوه وقال ما معناه: إنّ الوجوه المسرورة تنظرُ إليه. ولو كان المقصود هو رؤية الله بالبصر لنُسِبَ النظر


1 . نهج البلاغة: الخطبة 179 .
2. الاَعراف | 143 . 3. القيامة | 22 ـ 23.

(83)

إلى العيون لا إلى الوجوه.

2 ـ إن الكلام في هذه السورة عن فريقين: فريق يتمتّع بوجوهٍ مسرورةٍ مشرقةٍ وقد بيّن ثوابَها بقوله: ( إلى رَبّها ناظِرَةٌ).

وفريق يتسم بوجوه حَزينة مكفهرّة وقد بيّن جزاءها وعقابها بقوله: (تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرَةٌ).

والمقصود من الفقرة الثانية واضح وهو أنّ هذا الفريق يعلم بأنّه سيصيبه عذابٌ يفقر الظهر، ويكسره ولهذا فهو ينتظر مثل هذا العذاب الاَليم.

وبقرينة المقابلة بين هذين الفريقين يمكن معرفة المقصود من الآية الاَُولى وهو أنَّ أصحاب الوجوه المسرورة تنتظر رحمة الله، فقوله تعالى: (إلى رَبّها ناظِرة) كنايةٌ عن انتظار الرَّحمة الاِلَهية، ولهذا النّوع من التكنية وذكر شيء وإرادة شيء آخر كنايةً نظائر في المحاورات العرفية فيقال فلانٌ عينه على يد فلان أي أنّه ينتظر إفضالهَ وإنعامه عليه.

وخلاصة القول ؛ أنّه كما ينتظر أصحابُ الوجوهِ الحزينةِ عذاباً إلَهيّاً، ينتظرُ أصحابُ الوجوهِ المسرورةِ رحمةً إلَهيةً كُنّي بها بالنَظَر إليه جرياً على العادةِ المألوفةِ في المحاورات العرفيّة العربيّة، وبقرينة المقابلة التي هي من قوانين البلاغة وقواعدها.

هذا مضافاً إلى أنّه يجب أن لا يُكتفى في تفسير الآيات القرآنية بآيةٍ واحدةٍ بل لابدّ من استعراض ما يشابهُها من الآيات من حيثُ الموضوع،


(84)

والتوصل إلى المفهوم الحقيقي بعد ملاحظة مجموعة تلك الآيات.

وفي مسألة الرُؤية لو لاحظنا كلّ الآيات المتعلّقة بها في القرآن الكريم، بالاِضافةِ إلى الاَحاديثِ الشريفةِ في هذا المجال لاتّضحَ عدمُ إمكان رؤية الله تعالى في نظر الاِسلام من دون غموضٍ.

وفي خاتمة المطاف تفسّر الرؤية الواردة في قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع أصحابه، انّ موسى ـ عليه السلام ـ اختار من قومه سبعين رجلاً لميقات ربه لكي يشاهدوا نزول التوراة، فلمّا بلغوا الميقات اقترحوا عليه ان يريهم الله سبحانه، يقول تعالى:

(وإذ قُلتم يا موسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً)(1) وقال سبحانه: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتابِ أن تُنَزِّلَ عَلَيْهِم كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنا الله جَهْرةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) (2) فلما أفاقوا بدعاء من نبيهم موسى ـ عليه السلام ـ اقترحوا عليه شيئاً آخر، فقالوا: إنك تسمع كلام الله وتصفه لنا أدع ربك حتّى يريك نفسه فتنقله إلينا فأصرّوا وألَحّوا في ذلك، فطلب موسى ـ عليه السلام ـ بضغط وإِلحاح من قومه ان يريه الله ذاته مع علمه بامتناع رؤيته، وقال: (رَبِّ أَرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ) فوافاه الجواب: (قالَ لَنْ تَرانِي)(3).

فتبيَّن من ذلك انّ طلب موسى لم يكن من تلقاء نفسه بل كان إجابة لاِِلحاح قومه المعروفين باللجاج والاِصرار.


1 . البقرة | 55 .
2. النساء | 153 .
3. الاَعراف | 143 .

(85)

الصِّفات الخَبَريّة

الاَصلُ الثالثُ والاَربعون

كُلُّ ما ذُكر إلى هُنا من الصّفاتِ الاِلَهيّة (ما عدا التكلّم) كانَ برمّته مِن نوع الصّفاتِ التّي يقضي العقلُ بِإِثباتِها للهِ أو نَفْيِها عنهُ.

غَير أنَّ هناكَ مجموعةً من الصّفات وَرَدَت في آياتِ القرآنِ وفي السُّنة ولم يكن لها من مُسْتَنَدٍ ومَصْدرٍ سوى النقلِ مثل:

1 ـ يَدُ الله: ( إنَّ الّذينَ يُبايعُونَكَ إنّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوقَ أيْدِيهِمْ)(1).

2 ـ وَجْهُ الله: ( وَللهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأَيْنما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إنَّ اللهَ واسعٌ عَليمٌ)(2).

3 ـ عَيْنُ اللهُ: ( وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا)(3).

4 ـ الاِسْتواء عَلى العَرش: ( الرَّحْمنُ عَلى الْعَرْشِ استوى)(4).

والعلّة في تسمية هذا النوع من الصفات، بالصفات الخبرية، هو


1 . الفتح | 10 .
2. البقرة | 115 .
3 . هود | 37 .
4. طه | 5 .

(86)

ثبوتها لله بإخبار الكتابِ والسُنّة بِها فقط.

وللحصول على التفسير الواقعيّ لهذا النوع من الصفات يجب أيضاً ملاحظة كلّ الآيات المتعلّقة بهذا المجال.

كما أنّه يجب أن نعلم أنّ اللّغة العربية شأنها شأن غيرها من اللّغات الاَُخرى زاخرة بالكنايات والاِستعارات والمجازات، وبما أنّ القرآن نزل بلغة القوم لذلك استخدم هذه الاَساليب أيضاً.

وإليك الآن بيان هذه الصفات وتفسيرها في ضوءِ ما مرَّ.

ألف: في الآية الاَُولى قال تعالى: ( إنّ الّذيْنَ يُبايِعُونَكَ إنّما يُبايِعُونَ اللهَ) لاَنّ مبايعة الرسول بمنزلةِ مبايعةِ المرسِلِ.

ثم يَقُول بعد ذلك: ( يَدُ اللهِ فوقَ أيْدِيهِمْ) وهذا يعني أن قدرة الله أعلى وأقوى من قدرتهم وَلا يعني أنّ لله يَداً جسمانية حِسيّة تكون فوق أياديهم.

ويشهد بذلك أنّهُ قال في ختام الآية وعقيب ما مرّ: ( فَمَنْ نَكثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوفى بما عاهَدَ عَلَيْه الله فسيُؤتيِه أَجْراً عَظِيماً).

فمن نكث بيعته فلا يضرّ الله شيئاً لاَنّ قدرة الله فوق قدرتهم.

إنّ هذا النمط من الكلام والخطاب الذي يتضمن تهديدَ الناكثين لعهدهم، والتنديد بهم، وامتداح الموفين بعهدهم وتبشيرهم، يدل على أنّ المقصود من «يَدِ الله» هو القدرةُ والحاكمية الاِِلَهية.


(87)

على أنّ لفظة «اليَد» تُستخدَم أحياناً في جميع اللُغات للكناية عن القُدرةِ والقُوةِ، والسُلطةِ والحاكميةِ، ومن هذا الباب قولِهم: فَوْقَ كل يدٍ يدٌ، أي فوقَ كُلّ قوةٍ قوةٌ أعلى، وفوق كلّ قدرةٍ قدرةٌ أكبر.

ب : إنّ المقصودَ من الوَجه الذي نُسِبَ إلى الحقّ تعالى هنا هو ذاته سبحانه لا العضوُ الخاصُ الموجودُ في جسم الاِنسان وما يشابِهُهُ.

فالقرآنُ عندما يتحدّث عن هلاك ما سوى الله وفنائه يقول: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ)(1).

ثم يخبر عقيبَ ذلك مباشرةً عن بقاء الذات الاِِلَهيّة ودوامِها وأنّه لا سبيل للفناء إليها فيقول: ( وَيَبْقى وجهُ ربِّك ذو الجَلالِ والاِِكرامِ)(2).

أي تَبقى ذاته المقدسة، ولا تفنى أبداً.

من هذا البيان يتّضح بجلاءٍ معنى الآية المبحوثة هنا ويتبين أنّ المقصودَ هو أنّ الله ليس في جهةٍ أو نقطةٍ معيّنةٍ، بل وجوده محيط بجميع الاَشياء فأينما وَلَّيْنا وُجوهَنا، فقد وَلَّيْنا وجوهَنا شطرهُ.

ثم إنّ القرآن أتى لاِثبات هذه الحقيقة العظيمة بوصفين لله تعالى:

1 ـ واسعٌ: أيْ إِنّ وجود الله لا نهاية له ولا حدود .

2 ـ عَلِيْمٌ: أيْ إنّه عارفٌ بجميع الاَشياء.

ج : في الآية الثالثة يذكر القرآنُ الكريم أنّ نوحاً ـ عليه السلام ـ كُلّف من جانب


1 . الرحمن | 26 .
2 . الرحمن | 27 .

(88)

اللهِ بصنع سفينة وإعدادها.

وحيث إنّ صنعَ تلك السفينة كان في مكان بعيدٍ عن البحر، لذلك استهزأ قومُه به، وسخر به الجهلة منهم، وآذَوه.

ولذا في مثل هذه الظروف قال له الله تعالى: إصنع أنتَ السفينة ولا تُبالي، فأنتَ تفعل ذلك تحت إشرافنا، وهو أمرٌ قد أوحينا نحن به إليك.

فالمقصود من قوله (واصنَعِ الفُلْكَ بأَعْيُننا) هو ان نوحاً قامَ بما قام من صُنْع السفينة حسب أمر الله له، ولهذا فانّ الله سيحفظه ويكَلاَوه برعايته، ويحميه، ولن يَصل إليه من المستهزئين شيءٌ إذ هو في رعاية الله، ويعمل تحت عنايته.

د : إنّ العَرشَ في اللغة العربية بمعنى السرير، ولفظ «الاستواء» إذا جاء مع لفظة «على» كان المعنى هو الاستقرار والاستيلاء.

وحيث إنّ الملوك والاَُمراء بعد أن جلسوا على منصة العرش يعمدون إلى تدبير الاَُمور، وتسييرها في بلادهم، لهذا كان هذا النوعُ من التعبير (أعني: الاِستواء على العرش) كناية عن الاِستيلاء، والسيادة، والقدرة على تدبير الاَُمور، خاصة إذا نُسِبَ ذلك إلى الله سبحانه.

هذا مضافاً إلى أنّ الاَدِلّة العَقلية والنقلية أثبتت تنزّه الحق تعالى عن المكان.

وممّا يشهد بأنّ الهدف من هذا النمط من التعابير، ليس هو الجلوسُ على السَرير الماديّ، بل هو كناية عن تدبير أُمور العالم أمران:


(89)

1 ـ إنّ هذه العبارة جاءت في كثير من آيات الكتاب العزيز مسبوقةً بالحديث عن خلق السماوات والاَرض، للاِشارة إلى أنّ هذا الصرح العظيم قائم من غير أعمدة مرئيّة.

2 ـ إن هذه العبارة جاءت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز ملحوقةً بالكلام عن تدبير العالم.

إنّ مجيىَ هذا التعبير في القرآن الكريم مسبوقاً تارةً بالحديث عن الخلق، وملحوقاً تارة أُخرى بالحديث عن التدبير يمكن أن يساعِدَنا على فهم المقصود من الاستواء على العرش، وأنّ القرآن يُريدُ بهذه العبارة أن يُفَهّمَ البشريةَ أنَّ خلق الوجود على سعته، وعظمتهِ، لم يوجب خروج هذا الكون العظيم عن نطاق تدبيره ومشيئته، بل الله تعالى مضافاً إلى كونه خالقَ الكون، وموجده، فهو مدّبرُه، ومصرّفُ شؤونه .

وها نحن نختارُ من بين الآيات العديدة في هذا الصعيد آيةً جامعةً للحالتَين (المذكورتين سابقاً) تفيد ما ذكرناه:

(إنّ رَبَّكُمُ اللهُ الّذي خَلَقَ السَّماواتِ والاَرْضَ في ستَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتوى عَلى العَرْش يُدَبّرُ الاََمرَ ما مِنْ شَفِيْعٍ إلاّ مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ..)(1).


1 . يونس | 3.
2 . يراجَع في هذا الصدد الآيات: 2 | الرعد، 4 | السجدة، 54 | الاَعراف.

(90)



(91)

كليات في العقيدة

3

الفصل الرابع

العَدلُ الإلهيُّ


(92)


(93)

الاَصلُ الرابعُ والاَربعُون: العدل من الصفات الجمالية

يعتقدُ المسلمون جميعاً بعدل الله تعالى والعَدلُ من الصفات الاِلَهيّة الجماليّة.

وَيَنطلقُ هذا الاِعتقادُ مِن نفيِ القرآن لاَيّ نوعٍ من أنواعِ الظُلْم عَنِ اللهِ تعالى، ووَصفِه بكونهِ «قائماً بالقِسط» كما يقول: ( إنّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍ)(1). ويقول أيضاً: ( إنّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً)(2).

ويقولُ كذلك: ( شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَه إلاّ هُوَ وَالملائكةُ وَأُوْلوا العِلْمِ قائِماً بالقسْط )(3).
إنّ العقل ـ مضافاً إلى الآيات المذكورة ـ يحكم بوضوح بالعَدلِ الاِلَهيّ لاَنَّ العَدْلَ صفةُ كمالٍ، والظلمُ صفةُ نقصٍ، والعقلُ يحكمُ بأنّ الله تعالى مُستجمعٌ لجميع صفاتِ الكمالِ، منزَّهٌ عن كلّ عيبٍ ونقصٍ في مقام


1 . النساء | 40 .
2 . يونس | 44 .
3 . آل عمران | 18 .

(94)

الذات والفعل.

والظلمُ أساساً نابعٌ من أَحَدِ عواملَ ثلاثة:

1 ـ جَهل الفاعلِ بقبح الظُلم.

العدل الاِلَهيّ …

2 ـ إحتياج الفاعلِ للظُلم إلى الظلم مع عِلمه بقبحه، أو عجزه عن القيام بالعدل.

3 ـ كون فاعلِ الظُلم سفيهاً غيرَ حكيم، فهو لا يبالي بإتيان الاَفعالِ الظالِمة رغم علمه بقبحها، ورغمَ قدرتهِ على القيامِ بالعدل.

ومِن البديهي أنّه لا سبيل لاَيّ واحدٍ من هذه العَوامل إلى الذات الاِلهيّة المقدّسة، فهو تعالى منزّهٌ عن الجَهل، والعَجز، وعن الاِحتياج والسَفه، ولهذا فإنّ جميع أفعالهِ تتسم بالعَدل والحكمة.

ولقد أشار الشيخ الصدوق إلى هذا إذ قال: «والدليل على أنّه لا يقع منه عزّ وجلّ الظلم ولا يفعلهُ أنّه قد ثبت أنّه تبارك وتعالى قديم غنيٌ عالم لا يجهل، والظلم لا يقع إلاّ من جاهل بقبحه أو محتاج إلى فعله منتفع به».(1)

كما أشار إليه المحقّق نصير الدين الطوسي بقوله:

«واستغناؤه وعلمه يدلاّن على انتفاء القبح عن أفْعالِهِ تعالى»(2).

ونظراً إلى هذه الآيات اتّفقَ المسلمون على ثبوت العدل لله تعالى


1 . التوحيد للصدوق ص 396 ـ 397 .
2 . كشف المراد ص 305 .

(95)

والاِعتقاد بكونه عادلاً.

إلاّ أنّهم اختلفوا في تفسير العدل الاِلَهي واختارَ كلُ فريقٍ إحدى النظريّتين التاليتين:

ألف: إنّ العقلَ البشريّ السليمَ يدرك بنفسه حسنَ الاَفعال وقبحها، ويعتبر الفعلَ الحَسَن علامةً لكمال فاعله، والفعلَ القبيحَ علامةً لنقصان فاعله.

وحيث إنّ الله مستجمعٌ بذاته لجميع صفات الكمال، لهذا فاََنّ فعلَه كاملٌ ومحمودٌ، وذاته المقدّسة منزّهةٌ عن كل فعلٍ قبيحٍ.

هذا ويجدُر التذكيرُ بنقطة هامّةٍ هنا، وهي أنّ العقلَ لا يحكم على الله بشيءٍ، ولا يقول: يجب على الله أن يكون عادلاً، بل كلُ ما يفعلهُ العقلُ هنا هو أن يكتشفَ واقعيّةَ الفعلِ الاِلَهيّ، يعني أنّه بالنَظَرِ إلى كمالِ اللهِ المطلَقِ، وتنزُّهِهِ سبحانه عن كلّ نقصٍ وعيبٍ، يكتشف أنّ فِعلَه كذلك في غاية الكمال، وأنّه منزَّه أيضاً عن النقص، فهو بالتالي سيعامل عباده بالعدل، ولا يظلم أحداً منهم أبداً.

وما ذكَرَتهُ الآياتُ القرآنيّة في هذا المجال إنّما هو في الحقيقة تأكيدٌ وتأييدٌ لما أدركه الاِنسان من طريق العقل.

وهذا هو ما اصَطُلِحَ عليه في علم الكلام الاِِسلاميّ بمسألة الحُسن والقُبح العقليّين، ويُسمّى القائلون بهذه النظرية بالعَدليّة، ويقف في طليعتهم الشيعةُ الاِماميّةُ الاثنا عشرية.


(96)

ب ـ وتقابل تلك النظرية، نظريةٌ اُخرى وهي أنّ العقلَ البشريّ عاجز عن إدراك الحُسن والقُبح في الاَفعال حتى في صورتها الكليّة، وتحصر الطريق لمعرفة الحسن والقبح في الوحي الاِِلَهيّ، فما أمرَ به اللهُ فهو حَسَنٌ وما نهى عنه فهو قبيحٌ.

وعلى هذا الاََساس فلو أمَرَ اللهُ بإلقاءِ إنسان بَريء في النار، أو إدخال عاصٍ في الجنة كان ذلك عينَ الحسن والعدل.

وقول هذا الفريق هو: إنّ وصف الله بالعدل ليس إلاّ لكون هذا الوصف جاء في القرآن الكريم ليس إلاّ.

الاَصلُ الخامسُ والاَربعون: إدراك العقل للحسن والقبح

حيث إنّ مسألة الحُسن والقُبح العقليّين تُمَثّلُ الاَساسَ والقاعدة للكثير من عقائد الشيعة الاِمامية، لذلك نشير فيما يأتي إلى دليلَين من أدلّتها العديدة:

ألف: إنّ كلَّ إنسان ـ مهما كان دينه ومسلكه، وأينما حلّ من بقاع الاَرض ـ يدرك بنفسه حُسنَ العدل، وقبح الظلم، وكذلك يدرك حُسنَ الوفاءِ بالعهد، وقبحَ نقضه، وحسنَ مقابلة «الاِحسان بالاِحسان» وقبح مقابلةِ «الاِحسان بالاِساءة».

ودراسةُ التاريخ البشريّ تشهدُ بهذه الحقيقة وتؤكّدُها، ولم يُرَ حتى اليوم إنسانٌ عاقلٌ ينكرها قط.


(97)

ب : لو فَرَضْنا أنّ العقل عجز تماماً عن إدراك حسنِ الاَفعال وقبحها، واحتاج الناس في معرفة حسن جميع الاَفعال وقبحها إلى الشرع، لزم من ذلك عدم إمكانِ إثبات الحسن والقبح الشرعيّين أيضاً ذلك لاَنّنا لو فَرضنا أن الشارع أخبَرَ عن حُسن فعل أو قبح آخر لا يمكننا أنْ نتوصَّل إلى معرفة حُسن ذلك الفعلِ أو قبحِه، بواسطة هذا الاِخبار، ما دمنا نحتمل الكذب في إخبار الشارع، وكلامِهِ إلاّ إذا ثبت قَبْل ذلك قبحُ المين والكذب وتنزّهِ الشارع عن هذه الصفةِ القبيحةِ، ولا يمكن إثبات ذلك إلاّ من طريق العقل.(1)
هذا مضافاً إلى أنّه يُستفاد من الآيات القرآنية أنّ العقل البشريّ قادرٌ على إدراك حسنِ بعض الاَفعال أو قبحها، ولهذا احتكم القرآنُ إلى العقل واللبّ، ودعا إلى تحكيمه أكثر من مرة إذ قال: ( أفَنَجْعَلُ المُسْلِمين كَالْمُجرِمِين * مالَكُمْ كيْفَ تَحْكُمُونَ)(2).

وقال أيضاً: ( هَلْ جَزاءُ الاِحْسانِ إلاّ الاِحْسانُ) (3).

وهنا يُطرح سؤال لابدّ من الاِجابة عليه وهو أن الله تعالى قال: (لايُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُون) (4).

والسُؤال الآن هو: إذَنْ لا يمكن أن يُسأَل اللهُ عن أيّ فعل قامَ به


1 . وعبارة المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد تشير إلى هذا البرهان حيث قال: «ولانتفائهما مطلقاً (أي عقلاً وشرعاً) لو ثبتا شرعاً» أي لو انحصر إثبات الحسن والقبح في إخبار الشرع لانتفى حسنُ الاَفعال وقبحُها بالكلية، ولم يثبُتا لا شرعاً ولا عقلاً.
2 . القلم | 35 ـ 36 .3. الرحمن | 60 .4. الاَنبياء | 23 .

(98)

والحال أنّه بناءً على كونِ الحُسن والقبح عَقْليَّيْن إذا فَعَلَ اللهُ قبيحاً ـ إفتراضَاً ـ يُسأَل ويُقال: لماذا فَعَلَ هذا الفِعْل؟

والجواب هو: إنّما لا يُسأَل الله عن فعله لاَنّه حكيمٌ، والحكيم لا يصدر منه القبيحُ قط، ففعلهُ ملازمٌ للحكمة أبداً، ولهذا لايَبقى هناك ما يَستدعي المساءلة والاِستفسار.

الاَصلُ السادسُ والاَربعون: تجلّيات العدل الاِلهي في مجالي التكوين والتقنين

إنّ للعَدل الاِلَهي في مجالات التكوين والتشريع والجزاء، مظاهر مختلفة نبيّنها واحداً بعد آخر:

ألف : العَدلُ التكوينيّ: لقد أعطى الله تعالى لكلّ مخلوقٍ خَلَقَه، ما هو لائقٌ به، ولازمٌ له، ولم تَغَبْ عنه القابليّاتُ عند الاِفاضة والاِيجاد أبداً.

يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصدد: ( رَبُّنا الّذِي أعطى كلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)(1).

ب : العدلُ التشريعيّ: لقد هدى اللهُ الاِنسانَ الّذي يمتلكُ قابليّة الرُشد والتكامل، واكتساب الكمالات المعنويّة، بإرسال الاَنبياء، وتشريع القوانين الدينيّة له. كما أنّه لم يُكلّف الاِنسان بما هوَ فوق طاقته، ووُسعه، كما يقول: (إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وإيْتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ


1 . طه | 50 .

(99)

الفَحْشاءِ وَاْلمُنْكرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(1).

وحيث إنّ العَدل والاِِحسان وإيتاء ذي القربى توجب كمال الاِِنسان وتوجب الاَفعالُ الثلاثة الاَُخرى (الفحشاء والمُنكر والبغي) سقوطَه، أمرَ سبحانه بالاَعمال الثلاثة الاَُولى، ونهى عن الاََفعال الاَخيرة.

ويقول عن ملائمة التكاليف الاِلَهيّة لاستطاعة الاِنسان وقدرته وعدم كونها خارجة عن حدود هذه الاِستطاعة أيضاً: ( لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)(2).

ج : العدل في الجزاء: إنّ الله لا ينظر إلى المؤمن والكافر، والمحسن والمسيء من حيث الجزاء نظرةً سواء قط، بل يجازي كُلاًّ طبقاً لاستحقاقه ووفقاً لِعَمله فيثيبُ المحسنَ، ويعاقبُ المسيء.

وعلى هذا الاَساس لا يعاقبُ مَن لَمْ تبلُغْهُ تكاليفهُ عن طريق الاََنبياء والرسل، ولم تتم عليه الحجةُ كما يقول: ( وما كنُّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(3) .

ويقول أيضاً: ( وَنَضَعُ المَوازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفْسٌ شَيئاً)(4).


1 . النحل | 90 .
2 . البقرة | 286 .
3 . الاِسراء | 15 .
4 . الاَنبياء | 47 .

(100)

الاَصلُ السابعُ والاَربعون: الهدفيّة في خلق الاِنسان

إنّ الله خلق الاِنسان، وكان لخلقه وإيجاده هدفٌ خاصٌ، وهو وُصول الاِنسان إلى الكمالِ الاِنسانِي المطلوبِ الذي يتحقّق في ظلّ عِبادةِ اللهِ، وطاعتهِ.

ولو كان وصولُ الاِنسان إلى الهدف متوقِّفاً على مقدّمات، هَيَّأ سبحانه تلكَ المقدّمات، وسهّل لَه طريق الوُصول إلى الهدف، وإلاّ كان خلقُ الاِنسان عبثاً خالياً عَنِ الهَدَف.

مِن هنا بعث اللهُ أنبياءَه ورسُله وزوّدهم بالبيّنات والمعاجز، كما أنّه ترغيباً لعبادِهِ في الطاعة، وتحذيراً لَهُمْ عن المعصيَةِ ضمَّنَ تلكَ الرِسالات وَعْدَه ووعيده، فبشّروا وأنذروا.

وهذا الّذي قُلناه هو خلاصة ما يسمّى في كلام «العدلية» بـ « قاعدةِ اللُّطف» وهي من فُروع قاعدة الحُسنِ والقبحِ العقليّين، كما أَنّها هي الاَساس والمنطلَق للكثيرِ من قضايا العقيدة ومسائلها.


(101)

القضاء والقَدَر

الاَصلُ الثامنُ والاَربعون: القضاء والقدر في الكتاب والسنّة

القضاءُ والقدرُ من العقائد الاِسلامية المسلَّمة الّتي وَرَدَت في الكتاب والسُّنة، وأيَّدَتْها الاَدلةُ والبراهينُ العقليّةُ القاطعةُ.

إنّ الآيات التي تَتَحدَّثُ عن «القضاء والقدر» كثيرة جداً ونحن نأتي بنماذج منها هنا:

يقول القرآن حول القدر: ( إنّا كلَّ شيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر)(1).

ويقول أيضاً: ( وإنْ مِنْ شَيءٍ إلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إلاّ بقدرٍ مَعْلُومٍ) (2).

كما يقول حول القضاء: ( وَإذا قضى أمْراً فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكونُ)(3).

ويقول أيضاً: ( هُوَ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ طِيْنٍ ثمَّ قضى أَجَلاً) (4).


1 . القمر | 49 .
2. الحجر | 21 .
3 . البقرة | 117 .
4. الاَنعام | 2 .

(102)

وَبالنَظَر إلى هذه الآيات والروايات العديدة في هذا الصعيد لا يُمكنُ لمسلم أن يُنكر «القضاءَ والقدرَ» وإنْ لَم يجب الاِلمامُ بتفاصِيل هذه المسألة ومعرفةُ جزئياتِها.

وأساساً لا يَصْلُح الخَوضُ في هذه المسائل الدقيقة لمن لم يمتلك القابلية الذهنيّة والفكرية اللازمة لمثل هذه الحقائق الدقيقة، إذ طالما يمكن أن يتورّط مثل هذا في شكٍّ أو تردّد في عقيدته، ويقعَ في الضلال في نهاية المطاف.

ولهذا قال الاِمام علي ـ عليه السلام ـ مخاطباً هذا الفريق من الناس:

«طَريقٌ مُظْلمٌ فَلا تَسْلكوهُ، وبَحرٌ عَميق فَلا تَلِجُوهُ، وسِرُّ الله فلا تَتكَلَّفوه»(1).

نعم تحذير الاِمام ـ عليه السلام ـ هذا مُوَجّه إلى مَن لا يمكنه فهمُ هذه المعارف الدقيقة، وهضمها واستيعابها، بل وربّما يُؤدّي به الدُخول فيها إلى الضلال والانحراف .

ويشهد بهذا الموضوع أنّه ـ عليه السلام ـ طالَما عَمَد ـ في موارد ومواضع أُخرى ـ إلى شرح وبَيان مسألة القضاء والقدر(2).

ولهذا فإنّنا نشرح هذه المسألة في حدود معرفتنا مستعينين بالآيات والروايات والعقل.


1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار | 287 .
2 . أُصول الكافي ج 1، ص 158 .

(103)

الاَصلُ التاسعُ والاَربعون: معنى القدر والقضاء

«القَدَر» في اللُّغة يعني المقدار، والقضاء يعني الحَتم والجَزم.

يقول الاِمامُ الرّضا ـ عليه السلام ـ في تفسيره للقدر والقضاء: «القَدَرُ هي الهَنْدَسَة، وَوَضْعُ الحُدود من البقاء، والفَناء.

والقضاء هو الاِبرامُ، وإقامة العَيْن»(1).

والآن وَبعد أن اتَّضَحَ معنى الْقَدر والقضاء من حيث اللُّغة، نَعْمَدُ إلى بيان معناهما حسب المصطلَح الديني.

ألف : القَدَر

إنَّ لِوُجود كلّ مخلوقٍ من المخلوقات بحكم كونه من الموجودات الممكنة (أي موصوفاً بصفة الاِمكان) حَدّاً معيناً، ومقداراً خاصّاً.

فلوجود «الجماد» مثلاً حدّ خاص، ومقدار معيّن، ولوجود «النبات» و«الحيوان» مقدار وحَد آخر.

وحيث إنّ الوجود المقدَّر لكلّ شيء هو بدوره مخلوق لله تعالى، لذا فإنّ من الطبيعي أن يكونَ التقديرُ والتحديدُ نفسه تقديراً إلَهياً.

كما أنّ هذا التقديرَ من جهة كونه فِعلَ الله يسمّى «التقدير الفِعلي» ومن جهة كون الله يعلم به قبل خَلْقه يُسمّى «التقدير العِلميّ».


1 . أُصول الكافي ج 1، ص 158 .

(104)

وفي الحقيقة إن الاِعتقاد بالقَدَر، اعتقادٌ بخالقية الله بلحاظ خصوصيات الاَشياء.

وحيث إنّ هذا التقدير الفعليّ مُستندٌ إلى علم الله الاَزليّ، لهذا فإنَّ الاعتقاد بالقَدَر العِلميّ يكون في حقيقته إعتقاداً بعلمِ الله الاَزلي.

ب : تفسير القضاء

إنّ «القضاء» كما أسلفنا يعني الحَتمَ والجَزمَ بوجود الشيء، ومن المُسلَّم أنّ حتمية وجود أيّ شيء وتحقّقه على أساس العليّة والمعلولية رهن تحقّق علّته التامّة، وحيث إنّ سلسلة العلل والمعلولات (وبالاَحرى النظام العِلّي) تنتهي إلى الله تعالى، لهذا فإنّ حتمية تحقّق أيّ شيءٍ يستند ـ في الحقيقة ـ إلى قدرةِ الله ومشيئته سبحانه.

وهذا هو قضاءُ الله في مقامِ الفعل والخَلق.

وعلمُ اللهِ الاَزَليّ في مجال هذه الحتميّة يكون قضاءَ الله الذاتيّ .

كلُّ ما سَلَف يرتبط بقضاءِ الله وقَدَره التكوينيين، فعليّاً كان أم ذاتياً، وقد يكونُ «القضاء والقدر» مرتبطين بعالم التشريع ومجاله، بمعنى أنّ أصلَ التشريع، والتكليف الاِلَهيّ يكون قضاءَ الله، وكذا تكون كيفيته وخصوصيّته كالوجوب، والحرمة، وغير ذلك تقديراً تشريعياً لله تعالى.

وقد ذكّر الاِمامُ أمير المؤمنين عليُ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ في جواب من سَأَل عن حقيقة القضاء بهذه المرحلة من «القضاء والقدر» إذ قال:


(105)

«الاََمرُ بالطاعَة، والنَّهْيُ عَنِ المعصِيَةِ، والتَمْكِينُ مِن فِعْلِ الْحَسَنَةِ، وتركُ المَعْصِيَة، والمعُونَةُ على القُرْبةِ إلَيْه، والخِذْلانُ لِمَنْ عصاهُ، والوَعْدُ والوَعِيْدُ، والتَرْغِيْب والتَرْهِيْبُ كُلُّ ذلكَ قضاءُ الله في أفعالنا وقَدَرُهُ لاَعمالنا»(1).

هذا ولعل اقتصار الاِمامِ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ـ في الاِجابةِ على سؤال السائل ـ على شرحِ «القضاء والقَدَر» التشريعيين، كان رعايةً لحال السائل، أوالحاضرين في ذلك المجلس، لاَنّه كان يُستنبطُ مِنَ القضاء والقدر التكوينيين وشمولهما لاَفعال الاِنسان في ذلك اليوم الجَبْرُ وسلبُ الاختيار.

ولهذا ختم الاِمام ـ عليه السلام ـ كلامه المذكور بقوله: «أمّا غير ذلك فلا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلاََعمال».

والمقصود هو أنَّ قيمةَ الاَعمال تنبُعُ من كونِ الاِنسانِ مختاراً يأتي بأفعاله بإِختيارٍوإرادةٍ منه، ومع فَرضِ الجَبْرِ لا تبقى للاََفعالِ أيَّةُ قيمةٍ.

والحاصلُ أنّ «القَضاء والقدر» قَد يكونان في مجال التكوين، وقد يكونان في مجال التشريع.

ولكلٍّ من القِسْمَيْن مرحلتان:

1 ـ الذاتي (= العِلمي).

2 ـ الفِعلي .


1 . بحار الاَنوار: 5 | 96، الحديث 20 .

(106)

الاَصل الخَمْسُون: لاتنافي بين القضاء والقدر والاختيار

إنّ «القَضاء والقَدَر» في مجال أفعال الاِنسان لا ينافيان اختياره، وما يوصف به من حرّية الاِرادة قط، لاَنَّ التقديرَ الاِلَهيَّ في مجال الاِنسان هو فاعليّتُهُ الخاصّة وهو كونه فاعلاً مختاراً مريداً، وأن يكون فعلُهُ وتركُهُ لاَيّ عَمَلٍ تحت إختياره وبإرادته.

إنّ القضاء الاِلَهي في مجال فعلِ الاِنسان هو حتميَّتُهُ وتحقُّقهُ القطعيُّ بعد إختيار الاِنسان له بإرادته.

وبعبارةٍ أُخرى ؛ إنّ خلْقَةَ الاِنْسان مجبولةٌ على الاِختيار، ومزيجةٌ بحرّية الاِرادة ومقدّرة بذلك، وإنّ القضاءَ الاِلَهيَّ ليس إلاّ هذا، وهو أنَّ الاِنسان متى ما أوْجَدَ أسباب وقوعِ فِعْلٍ مّا تمَّ التنفيذ الاِلَهيّ من هذا الطريق.

إنّ بعض الاََشخاص يَعتَبر كونَه عاصياً، ظاهرة ناشئةً من التقدير الاِلَهيّ، ويتصوَّر أنّه لا يقدر على اختيار طريق آخر غير ما يسلكهُ، في حين يَرفُضُ العقلُ والوحيُ هذا التصوّرَ لاَنّ العقلَ يقضي بأنَّ الاِنسانَ هو الّذي يختار بنفسِهِ مصيرَه وهو كذلك في نظر الشرع أيضاً، أي إنّه حَسْب نظرِ الوَحْيِ يقْدِر انْ يكون إنساناً شاكِراً صالحاً، أو كافراً طالِحاً.

( إنّا هَدَيْناهُ السَّبْيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كَفُوراً)(1).


1 . الاِنسان | 3 .

(107)

وفي عصر الرّسالة كان ثمّت فريق من الوثنيّين يتصوّرون أنّ ضلالَهم ناشىٌَ من المَشيئة الاِلَهية. وكانوا يقولون: لَوْ لَمْ يُرِدِ اللهُ أن نكَون مشركين لما كنا مشركين.

إنّ القرآن الكريم يروي منطِقَهم وتصوُّرَهم هذا بقوله: ( سَيَقولُ الّذين أشرَكُوا لو شاءَ الله ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمنا مِن شيءٍ)(1).

ثم يقول في معرض الردّ عليهم: ( كَذلِكَ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقوا بأسَنا).

وفي الختام نُذَكّر بأنّ سُنَنَ الله الكليّة في عالم الخلق والتي تؤدّي إلى سعادةِ الاِنسانِ تارةً، وإلى شقائه وخُسرانهِ تارة أُخرى، هي من مظاهر «القضاء والقَدَر» الاِلَهيّين، وأنّ البشر هو الّذييختار أحد هذين بنفسه.

وقد مرّت الاِشارَةُ إلى أُمورٍ في هذا المجال في الاَبحاث السابقة المتعلّقة بالاِنسان وموقِعِهِ في نظرةِ الاِسلام إلى الحياة.


1 . الاَنعام | 148 .

(108)

الاِنسانُ والاِختيار

الاَصلُ الواحدُ والخمسون: الاختيار حقيقة مسلّمة

إنّ اختيار الاِنسان، وحريّة إرادته، حقيقة مسلّمةٌ وواضحةٌ، وفي مقدور كلّ أحَدٍ أن يُدركَه، ويقف عليه من طُرُقٍ مختلِفةٍ نشير إليها فيما يأتي:

ألف : إنّ وجدان كُلّ شخص يشهَد بأنّه قادرٌ ـ في قراراته ـ على أن يختارَ أحدَ الطرفين: الفعلَ أو التركَ، ولو أنّ أحداً تردّد في هذا الاِدراك البديهي وجب أن لا يقبل أيَّة حقيقةٍ بديهيةٍ أيضاً.

ب : إنَّ المدحَ والقدحَ للاَشخاص المختلفين في كلّ المجتمعات البشرية الدينيّة وغير الدينيّة، علامةٌ على أَن المادحَ أو القادحَ اعتبر الممدوح، أو المقدوحَ فيه ، مختاراً في فعلهِ، وإلاّ لَما كانَ المدحُ والقدح منطقياً، ولا مُبرَّراً.

ج : إذا تَجاهَلنا اختيارَ الاِنسان وحرّية إرادته، كان التشريعُ أمْراً لَغواً وغيرَ مفيد أيضاً، لاَنّ الاِنسانَ إذا كان مضطراً على سلوك دون اختياره، بحيث لا يمكنه تجاوزه، والخروجَ عنه، لم يكن للاَمرِ والنهي والوَعد


(109)

والوعيد، ولا الثواب والعقاب أيُّ مَعنى.

د : نَحنُ نرى طوالَ التاريخ البشري أشخاصاً أقدَموا على إصلاح الفردِ، أو المجتمع البشري وبذَلوا جهوداً في هذا السبيل فَحَصَلُوا على نتائجها وثمارها.

إنّ مِنَ البَدِيهي أنّ تحقّق هذه النتائج لا يتناسب مع كون الاِنسان مجبوراً، لاَنّه مع هذا الفَرض تكونُ كلُ تلك الجهود لاغيةً وغيرَ منتجة.

إنَّ هذه الشواهدَ الاَربعةَ تؤكّدُ مبدأَ الاختيار، وحرية الاِرادة، وتجعله حقيقة لا تقبل الشك والترديد.

على أنّنا يجب أن لا نستنتج من مبدأ حرية الاِنسان وكونه مختاراً أن الاِنسان متروكٌ لحالهِ، وأن إرادته مطلقةُ العنان، وأنّه ليس لله أيّ تأثيرٍ في فعله، لاَنّ مثل هذه العقيدة التي تعني التفويض تنافي أصل احتياج الاِنسان الدائم إلى الله، كما أنّ ذلك يحدّد دائرةَ القُدرة والخالقية الاِلَهيّتين، ويقيّدهما، بل حقيقة الاَمر هي على النحو الذي سيأتي بيانهُ في الاَصل التالي.

الاَصلُ الثاني والخَمسون: لاجبر ولاتفويض بل أمر بين أمرين

بعد وَفاة النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ طُرحَت مسائل خاصّة في المجتمع الاِسلامي منها مسألة كيفية صدورِ الفِعل من الاِنسان .

فقد ذَهَبَ فريق إلى اختيار عقيدةِ الجبر، وقالوا بأنَّ الاِنسان فاعلٌ مجبور، مسيَّر.


(110)

وفي المقابل ذَهَبَ فريقٌ آخر إلى اختيار نظرية مخالفة، وقالوا إنّ الاِنسانَ كائن متروكٌ لحاله، مفوّضٌ إليه، وأنّ أفعاله لا تستند إلى الله مطلقاً.

إنّ كلا الفريقين تصوّرا ـ في الحقيقة ـ أنّ الفِعل إمّا أنّه يجب أن يستند إلى الاِنسان، أو يستند إلى الله، أي إمّا أن تكون القدرة البشرية لوحدها هي المؤثرة، وإمّا أن تكون القدرةُ الاِلَهيّة هي المؤثّرةُ، ليس إلاّ.

في حين هناك طريق ثالث أرشدنا إليه الاَئمة المعصومون.

يقول الاِمامُ جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ : «لا جَبْرَ ولا تفويضَ، ولكن أمرٌ بَين الاَمرين»(1).

يعني أنّ فعل الاِنسان في حال كونه مستنداً إلى العبد، مستند إلى الله أيضاً، لاَنّ الفعلَ صادرٌ مِن الفاعل، وفي نفس الوقت يكون الفاعلُ وقدرتهُ مخلوقين لله، فكيف يمكن أن ينقطع عن الله تعالى؟

إنّ طريقة أهل البيت: في بيان حقيقة الفعل البشريّ تتطابق تماماً مع ما جاء في القرآن الكريم.

فإنّ هذا الكتاب السماوي ربّما نَسَب فِعلاً ـ مع نِسبَتِه وإسناده إلى فاعله ـ إلى الله تعالى أيضاً، يعني أنه يقبل كِلا الاِسنادين وكلتا النِسبتين، إذ يقول: (وما رَمَيْت إذ رَمَيْتَ ولكنَّ اللهَ رَمى)(2).

والمراد هو أنّ النبيَّ الاَكرمَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما قام بفعل لم يفعَلْه بنفسه، بل فَعَله بالقُدرةِ الاِلَهيّة، وعلى هذا الاَساس تصحّ كلتا النسبتين.


1 . التوحيد للصدوق: الباب 59 الحديث 8 .
2 . الانفال | 17 .

(111)

الاََصلُ الثالثُ والخمسون: لاتنافي بين علم الله الاَزلي وحرية الاِنسان

نحن مع إعتقادنا باختيار الاِنسان، وحريّة إرادته، نعتقد انّ اللهَ كان عالماً بفعلنا من الاَوّل، ولا منافاة بين العقيدتين، فإنّ على الذين لا يمكنُهم الجمعُ بين هذين الاعتقادين أنّ يعلموا بأنَّ عِلم الله الاَزليّ تعلَّقَ بصُدُور الفِعلِ مِن الاِنسانِ على نحو الاِختيار، ومِن الطبيعيّ أن لا يتَنافى مِثلُ هذا العلم مع حريّة الاِنسان وكونهِ مختاراً.

وبعبارةٍ أُخرى؛ إنّ العلم الاِلَهيّ كما تعلّق بأصلِ صُدُور الفِعل مِنَ الاِنسان تعلّقك ذلك بِكيفيّة صُدُور الفِعل عنه (وهو اختيار الاِنسان وانتخابه بنفسه).

إنّ مثل هذا العِلم الاََزَليّ ليس فقط لا يتنافى مع اختيار الاِنسانِ بل يُثبتُ ذلك، ويؤكّدُهُ، لاَنّ الفعلَ إذا لم يصدُر من إختيار الاِنسانِ لم يكن علمُ اللهِ آنذاك كاشفاً عن الواقع، لاَنّ كاشفيّة العلمِ إنّما تكون إذا تحقّقت على النحو الّذي تعلّق بالشيء. ومن الطبيعيّ انّ العلمَ الاِلَهيّ تعلّق بصدورِ الفِعل البشريِّ على النحو الاختياريّ، يعني أن يقوم الاِنسانُ بهذا العَمَل بصورةٍ حرّة وباختياره وإرادته، ففي هذه الصورة يجب أن يقع الفعل ويتحقّق بهذه الخصوصية، لا على نحو الجبر والاِضطرار.

مِن هذا البَيان اتّضَحَ عدمُ تنافي إرادة اللهِ الاَزليّة مع اختيار الاِنسان، وكونه حرّاً في إرادته.


(112)



(113)

كليات في العقيدة

4

الفصل الخامس

النبوّةُ العامّة


(114)


(115)

الاَدِلَّة على ضرورةِ النُبوّةِ

الاَصلُ الرابعُ والخَمسون: بعث الرسل للهداية والاِرشاد

لقد اختار اللهُ الحكيم رجالاً صالحين لهدايةِ البَشَرِ وإرشادِهم، وحمّلهم رسالته إلى جميع أفراد النوع الاِنساني، وهؤلاء الرجال هُمُ الاَنبياء والرُسل الذين بواسطتهم جَرى فيضُ الهداية من جانب الحق تعالى إلى عباده.

وهذا الفيضُ المبارك بدأ بالنزول من جانب الله منذ أن تهيّأ البشرُ للاستفادة منه وإلى عصر النبي الاَكرمِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ويجب أن نعلم بأنَّ دين كلّ نبيٍّ من الاَنبياء يُعدّ بالنسبة إلى عصره وأُمّته أكملَ دين، وأتَمَّ شريعة، ولو أنّ هذا الفيض الرباني لم يستمرّ لما بلغ البشرُ إلى حدِّ الكمال.

وحيث إنّ خَلقَ الاِنسان هو من فعل الله «الحكيم» فلا بّد أن يكون له من هَدَف وغرض، ونظراً إلى أن تركيب الكيان البشري ـ مضافاً إلى الغرائز التي هي مشتركة بينه وبين الحيوان ـ ينطوي على العَقل أيضاً، لهذا لابُدّ أنْ يكونَ لِخَلقه غرض عُقلائيٌ، وهَدَفٌ مَعْقولٌ.


(116)

ومن جانب آخر، فإنّ عَقل الاِنسان، وإنْ كان مؤثِّراً ومفيداً في سلوكه طريقَ الكمال، إلا أنّه غيرُ كاف لذلك.

ولو اكتُفيَ في هداية الاِنسان بالعقل وحده لما عَرفَ الاِنسان طريقَ الكمال بشكل كامل قط، ونذكر للمثال مسألة الوقوف على قضايا المبدأ والمعاد التي هي من أَهم مسائل الفكر البشري، وقضاياه على مدار التاريخ.

فإنّ البشر يريد أن يَعْلَم من أين جاء؟ ولماذا جاءَ؟ وإلى أين يذهب؟ ولكنّ العقلَ لا يقدر وحدَه على إعطاء الاِجابات الصحيحة الكافية على كلّ هذه الاَسئلة، ويشهد بذلك أنّه رغم كل ما أحرزته البشرية المعاصرة من التقدّم والرقيّ في ميادين العلم لا يزالُ قِسمٌ عظيمٌ من البشريّة وثنيّين.

إنّ عجز العَقل والعلم البشريَّين، وقصورهما لا ينحصر في مجال قضايا المبدأ والمعاد، بل الاِنسان لم يتمكّن من أن يختار الطريقَ الصحيحَ في كثير من مجالات الحياة أيضاً.

إنّ اختلاف الرؤى والنظريات البشريّة في قضايا الاقتصاد، والاَخلاق، والعائلة، وغير ذلك من مناحي الحياة ومجالاتها، خير دليل على قصوره عن الاِدراك الصحيح لهذه المسائل، ولهذا ظهرت المدارس المتعارضة.

مع أخذ كلّ هذا بنظر الاِعتبار يحكم العقلُ الصحيحُ بأنّه لابدّ ـ بمقتضى الحكمة الاِلَهيّة ـ من بعث وإرسال قادة ربانيّين، ومربّين إلَهيّين،


(117)

لِيعَلِّمِوا البَشّريّة النهجَ الصحيحَ للحياة.

إنَّ الّذين يَتصوَّرون أنّ في مقدور «الهدايات العقليّة» أنّ تحلَّ محلّ «الهدايات الاِلَهيّة السّماويّة» يجب أن يدركوا أمرين:

1 ـ إنّ العَقل والعلم البشريّين قاصران عن المعرفة الكاملة بالاِنسان، وبمسيره في صعيد الماضي والمستقبل، في حين يعلم خالقُ البشر ـ بحكم كون كلّ صانع عارفاً بمصنوعه ـ بالاِنسان، ومحيطٌ بأبعاده، وأسرار وجوده، إحاطةً كاملةً.

2 ـ إنّ الاِنسان بمقتضى غريزة حبّ الذات المودَعة في كيانه، يحاول ـ عِلماً أو جهلاً ـ أن يُتابعَ منافِعَه الشخصيّة ويهتمّ بها، فيعجز ـ في تخطيطه وبرمجته ـ عن الخروج من دائرة منافعه الفرديّة أو الجماعية بشكلٍ كاملٍ.

ولهذا من الطبيعي أن لا تتسم البرامج البشرية بالجامعيّة والشموليّة الكاملة، ولكن برامج الاَنبياء والمرسلين لكونها من جانب الله العالم، المحيط، الحق، المنزّه، مبرّأةٌ عن مِثل هذه النقيصة.

وبملاحظة هاتين النقطتين يمكن القولُ ـ على وَجه القطع واليقين ـ: بأنّ البشر ليس في غنىً قط عن الهدايات الاِلَهيّة، وعن برامج الاَنبياء، لا في الماضي، ولا في المستقبل إنما هو في حاجةٍ مستمرةٍ إليها.


(118)

القرآنُ وأهداف النبوّة

الاَصلُ الخامسُ والخمسون: الهدف من بعثة الاَنبياء تقوية الاَُسس التوحيدية

في الاَصل السابق تعرّفنا على الاََدلّة الّتي تثبت من طريق العقل ضرورةَ النبوّة، ووُجوب إرسال الرسل الاِلَهيّين.

والآن ندرس ضرورة إرسال الرسل في ضوء أهدافها المذكورة في القرآن الكريم والاَحاديث الشريفة وإن كانت النظرةُ القرآنيّة إلى هذه المسألة هي نوع من التحليل العقليّ في حقيقته.

إنّ القرآن يُلَخصّ أهدافَ بعثة الاَنبياء في الاَُمور التالية:

1 ـ تقوية أُسُسِ التوحيد ومكافحة كلّ نوع من أنواع الانحراف في هذا الصعيد، كما يقول القرآن: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كلّ أُمّةٍ رَسُولاً أنِ اعبُدُوا اللهَ واجتَنِبُوا الطّاغوتَ)(1).

يقول الاِمام أمير المؤمنين عليٌ ـ عليه السلام ـ حول الهدف من بعث الاَنبياء:

«ليعلم العبادُ ربّهم إذ جهلوه، وليقرّوا به بعد إذ جحدوه، وليثبتوه


1 . النحل | 36 .

(119)

بعد إذ أنكروه»(1).

2 ـ إيقاف الناس على المَعارف والرسالات الاِلَهيّة وعلى طريق التزكية والتهذيب كما يقول: (هُوَ الّذي بَعَثَ في الاَُميّين رَسُولاً مِنهُمْ يَتْلُوا عَلَيهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ) (2).

3 ـ إقامة القِسط في المجتمعِ البشريّ، كما يقول: (لقد أرْسَلْنا رُسُلَنا بالبيّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكتِابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ)(3).

ومن المُسلَّم أن إقامة القِسط رهنُ معرفة الناس للعدالة في جميع الاَبعاد والمجالات، كما ويتوقف على أن يقوموا بتحقيق ذلك من طريق الحكومة الاِلَهيّة.

4 ـ الفَصل في الخُصُومات وحَلّ الخلافات، كما يقول: (كانَ النّاسُ أُمّةً واحِدةً فَبَعثَ اللهُ النبيّينَ مُبَشِّرينَ ومُنْذِرِينَ وأنزلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقّ ليَحكُمَ بينَ النّاسِ فِيما اْخَتَلفُوا فيه)(4).

ومن البديهي أنّ اختلافات الناس لا تنحصر في مجال العقائد، بل تشمل شتّى مجالات الحياة المتنوعة.

5 ـ إتمام الحجّة على العباد كما يقول: (رُسُلاً مُبَشّرينَ وُمنْذِرينَ لئَلاّ يَكُونَ للِنّاس عَلىَ اللهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيماً)(5).


1 . نهج البلاغة، الخطبة 147 .
2. الجمعة | 2 .
3 . الحديد | 25 .
4. البقرة | 213 .
5 . النساء | 165 .

(120)

ومن المسلَّم أن لله تعالى في خلق الاِنسان هدفاً وغرضاً، وهذا الهدف إنّما يتحقّق عن طريق تنظيم برنامجٍ كامِلٍ لجميع شؤون البشر .

وهذا البرنامج يجب أن يصل إلى البشرية، بحيث تَتُمُّ حُجّةُ الله على الناس ولا يبقى عذرٌ لاََحدٍ ليقول: أنا لم أعرفِ البرنامجَ الصحيح للحياة.


(121)

طُرُق معرفةِ الاََنبياءِ

الاَصلُ السادِسُ والخَمْسُون

إنّ فطرةَ البَشر تقضي بأن لا يَقْبَلَ الاِنسانُ أيّ ادّعاءٍ من غير دليل، ومن قَبِل شيئاً أو زعماً من دون دليل، فإنّه يكون قد خالف فطرته الاِنسانية.

إنّ ادّعاءَ النبوّة أعظمُ ادّعاءٍ يمكن أن يطرحه فردٌ من أفراد البشر، ومن البديهي أن زعماً وادعاءً في مثل هذه العظمة يجب أن يستند إلى برهان قاطع، ويُقرَنَ بالدلِيل الساطع.

ويمكن أن تكون الاَدِلّة في هذا المجال أحد أُمورٍ ثلاثة:

ألف: أن يصرّح النبيُ السابقُ الذي ثبتت نبوّتُه بالاَدلّة القاطعة، على نبوة النبي اللاحِق كما صَرّح السيدُ المسيح ـ عليه السلام ـ بنبوة النبي محمد خاتم الاَنبياء ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبشّر بمجيئه.

ب: أنْ تشهَد القرائنُ والشواهد المختلفة على صِدقِ دعواه.

وهذه الشواهد والقرائن يمكن تحصيلُها من سيرته في حياته، وفي محتوى دعوته، ومن الشخصيات التي آمنت به، وانضوت تحت لوائه، وكذا في طريقة دعوته، وأُسلوبه في العمل لنشر مبادئه، وتبليغها.


(122)

وهذه الطريقة هي التي يُستفاد منها في المحاكم في العالمِ اليوم لتمييز الحق عن الباطل، والبريء عن المجرم.

وقد استفاد كثيرون مِن هذه الطريقة ذاتها للتأكّد من صِدق رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، وصحّة دعواه النبوة في صدر الاِسلام.

ج : الاِتيان بالمعجزة، يعني أن يُقرِنَ مدّعي النبوة دعواه، بعملٍ خارقٍ للعادة ويتحدّى به الآخرين، ويكونَ ذلك العمل للخارق مطابقاً لدعواه.

إنّ الطريقين الاََوّليّن ليسا عامّين في حين يكون الطريق الثالث عامّاً، وقد استفادت البشريةُ على طول التاريخ من هذا الطريق لمعرفة الاَنبياء والاِيمان بدعوتهم وكان الاَنبياء بدورهم يُقرنون دعواهم للنبوة بذلك، ويستفيدون من هذا الطريق (الثالث).

الاَصلُ السابعُ والخمسون: العلاقة المنطقية بين دعوى النبوّة والمعجزة

إنّ بَينَ المعجزة وبين صدق دعوى النُبوّة علاقةً منطقيّةً، لاَنّه إذا كان الآتي بالمعجزة صادقاً في دعواه فإنّ من الطبيعيّ أنْ يُثْبِتَ مطلبَهُ.

وإذا كان كاذباً في دعواه النبوة ـ افتراضاً ـ لم يكن لائقاً بالله الحكيم الذي يَهتَمّ بهداية عبادهِ أن يُمكّنَ الكاذبَ في ادّعاء النبوّة من الاِتيان بالمعجزة، لاَنّ الناس سَيُؤمنون به إذا رأوا قدرته على الاِتيان بالعَمَل الخارق للعادة، وسيَعملون بأقوالِهِ فيكونُ ذلِك إضلالاً للناس إذا كان المُدّعي للنبوّة كاذباً، ولا شكّ أنّ هذا يتنافى مع عَدلِ الله وحكمته.

وهذه من إحدى فروع قاعدة الحسن والقبح العَقليين التي تمّ بحثها سابقاً.


(123)

الاَصلُ الثامنُ والخمسون: الفرق بين المعجزة والكرامة

إنّ الاِتيان بالعَمَل الخارق للعادة الذي يقترن مع دعوى النبوة، ويتّفق مع الادّعاء، يسمى «معجزة».

وأمّا إذا صدر العملُ الخارقُ للعادة من عبدٍ للهِ صالحٍ لم يَدَّعِ النبوّةَ سُمِيّ «كرامة».

وممّا يشهد بأنّ عباد الله الصالحين من غير الاَنبياء قادرون أيضاً على الاِتيان بالاَعمال الخارقة للعادة، نزول مائدة سماويّة على السيدة مريم أُم النبي السيد المسيح ـ عليه السلام ـ وانتقال عرش بلقيس ملكة سبأ في سرعة خاطفة من اليمن إلى فلسطين على يد فردٍ بارزٍ من أنصار النبي سليمان (آصف بن برخيا) وقد أخبرَ القرآنُ الكريم بكلا الحَدَثين إذ قال في شأن مريم: (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَريّا الِمحْرابَ وَجَد عِنْدَها رِزْقاً)(1).

وقال حول حادثة عرش بلقيس أيضاً: (وقالَ الّذي عِنْدَهُ علْمٌ مِنَ الِكتابِ أَنا آتِيكَ بِهِ قبْلَ أنْ يرتَدَّ إليْكَ طرفُك)(2).

الاَصلُ التاسعُ والخمسون: الفرق بين المعجزة والسِحر

إن الفَرق بين المعجزة وبين غيرها من الاَعمال الخارقة يتلخّص في الاَُمور التالية:


1 . آل عمران | 37 .
2 . النمل | 40 .

(124)

ألف: عَدَمُ التعلّم في المعجزة: فإنّ الآتي بالمعجزة يقوم بالاِتيان بالمعجزة من دون سَبْق تعلّمٍ، في حين يتم الاِتيان بالاَعمال الخارقة الاَُخرى نتيجة سلسلة من التعليمات والتمرينات.

فالنبيّ موسى ـ عليه السلام ـ بعد أن انقضت فترةُ شبابه ذَهَب إلى مصر، وفي أثناء الطريق خوطب أن ياموسى ألقِ عصاك فإذا العَصا تتحول إلى ثعبان عظيم، بحيث استوحَشَ موسى لذلك.(1).
وخُوطب أن أدخِل يَدَك في جَيبك، ولمّا أخرجها فإذا هي تضيىَ إضاءةً قويةً، تخلب الاَبصار(2).

ب : عدم إمكان معارضةِ المعجزة: فإنّ المعجزة لكونها تنبُع من قدرة الله المطلقة لا يمكن معارضتها والاِِتيان بمثلها قط، على حين يمكن معارضة السِحر والشعوذة، وما شابههما ممّا يفعلُه المرتاضون بمثلها لكونها تنشأ من قدرة البشر المحدودة المتناهية.

ج : التحدّي: إنّ الآتي بالمعجزة يتحدّى الآخرين بمعجزته أي يدعوهم إلى معارضته ومقابلته بمثله، في حين لا يفعل السَحَرة والمرتاضون ذلك، لاِِمكانِ معارضتهم، ومقابلتهم بمثل ما يأتون به.

د : عدم المحدودية: فإنّ معاجزَ الاََنبياء ليْست محدودة بنوعٍ أو نوعين بل هي متنوّعة بحيث لا يمكن الاِشارة إلى جامع مشتَرك بينها.


1 . لاحظ القصص | 31 .
2 . لاحظ القصص | 32 .

(125)

فمثلاً أينَ إلقاء العصا وانقلابُهُ إلى حَيّةٍ، وإدخال اليد في الجَيب وإِخراجها بيضاءَ تنير؟

وكذا أين هاتَين المعجزتين وأين إنباعُ الماء، واستخراجه من صخرة بضربةٍ من عصا لا غير؟

كما وأين هذه المعاجز الثلاث وأين تجفيف البحر، وفتح ممراتٍ يابسةٍ عظيمةٍ في قاعِهِ بضربةٍ من عصا على الحجر أيضاً ؟

إننّا نقرأ: انّ عيسى ـ عليه السلام ـ صنع من الطين كهيئة الطير، ثم نَفَخَ فيها الروح فصارت طيوراً حيَّة بإِذنِ الله.

كما نقرأ انّه ـ عليه السلام ـ كان بالمسح بيده على وجوه العميان وأجساد المصابين بالبرص يمنحهم الشفاء، بل ويُحيي الموتى، وينبىَ عَمّا ادَّخره الناسُ في بيوتهم إلى غير ذلك من المعاجز العديدة.

هـ : وأساساً إنّ الذين يأتون بالمعجزة والكرامة يمتازون عن السَحَرة الذين يأتون بالخوارق من الاَعمال من حيث الهَدَف وكذا من حيث النَفْسِيّات.

فالفريقُ الاَوَّل يهدفون إلى غايات سامية، وأغراض قيّمة، بينما يهدف الفريق الثاني إلى أهدافٍ دنيويّة.

ومن الطبيعي أن يختلف الفريقان على أساس ذلك في النفسيات.


(126)

الوحي والنبوة

الاَصلُ الستّون: صلة النبي بعالم الغيب

في الاَصل السابق أوْضَحنا طُرُقَ التعرّفِ على النبيّ الواقعيّ وتمييزه عن مدّعي النبوة كذِباً.

والآن يجب أنْ ندرسَ طريقَ إتصال النَبِي بعالمِ الغيب ونعني «الوحي».

إنّ «الوحيَ» الذي هو أهَمُّ طريقٍ من طُرُق إتّصال الاَنبياء بعالمِ الغيب ليس ناشئاً عن الغريزة أو العقل بل هو علم خاص يفيضُ به اللهُ تعالى على الاََنبياء خاصّة، ليبَلّغُوا الرسالاتِ الاِِلَهيّة إلى البشر.

إنّ القرآنَ يصفُ الوحيَ قائلاً: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * على قَلْبِكَ)(1).

إنّ هذه الآية تفيد أنّ معرفةَ الاَنبياء بالرّسالات الاِلَهيّة ليست نابعةً وناشئةً من استخدام أشياء كالحواسّ الظاهريّة وما شابه ذلك، بل ينزل به مَلَك الوحيِ على قلب النبي.


1 . الشعراء | 193 ـ 194 .

(127)

وعلى هذا الاَساس لا يمكن تحليل حقيقة الوحي المعقّدة وتفسيرها بالمقاييس العادية.

وفي الحقيقة إنّ نزول الوَحْي هو أحدُ مظاهر الغيب الّتي يجبُ الاِيمانُ بها وإنْ لم تتضَح لنا حقيقةُ هذه الظاهرة كما يقول: (الّذيْنَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ)(1).

الاَصلُ الواحدُ والستّون: الوحي ليس وليد نبوغ الاَنبياء وتفكّرهم الخاص

إنّ الّذين يريدونَ مقايسة كلّ شيء، وتفسيرها بالمقاييس الماديّة والاَدوات الحِسيّة، ويريدون صَبَّ الحقائق الغيبيّة في قوالب حِسّية يفسرون ظاهرة «الوحي» بصور مختلفة، جميعها باطلة في نظرنا، وفيما يأتي نقدُ هذه التفسيرات والتحليلات في عدة نقاط:

ألف: ثمت فريق يعتبر الاَنبياء من نوابغ البشر، ويعتبرون الوحي حصيلة التفكير، ونتيجةً لفعاليات حواسّهم الباطنية.

إنّ حقيقة «الروح الاَمين» في تصور هذا الفريق هي روحُ هؤلاء النوابغ الزكية، ونفوسُهم الصافية النقية، وإنّ الكتب السماويّة كذلك ليست سوى أفكارهم السامية وتصوّراتهم الراقية.

إنّ هذا النوع من التفسير والتحليل لظاهرة الوحي ليس سوى الانبهار بالعِلم التجريبيّ الجديد الذي يعتمد الاَساليب الحسيّة ـ لا غير ـ


1 . البقرة | 2 .

(128)

وسيلةً لتفسير كلِّ حقائقِ الوجودِ.

إنّ المشكلة الهامّة في هذه النَظَريّة هي منافاتُها لما قاله الاَنبياء والرُسُلُ الاِلَهيّون.

فالاَنبياء والرُسُل يصرِّحون ويعلنُون باستمرار بأنّ ما أتوا به إلى البشر ليس إلاّ الوحي الاِلَهيّ.

وعلى هذا الاَساس يكون التفسيرُ السالفُ للوحي مستلزماً لتكذيب الاَنبياء، وهذا ممّا لا يليقُ بمقامِ الاَنبياء الرفيع ومنزلِتهم المرموقة، وصدقهم، وصلاحهم الذي أخبر بها التاريخُ الثابتُ.

وبعبارةٍ أُخرى: إنّ المصلِحِين على نوعين:

مصلحون يَنسبون برامجَهم إلى الله، ومصلحون آخرون يَنسبُون برامجهم إلى أنفسهم، ويَطْرحونها على المجتمع على أنّها وليدةُ عقولِهِم، وأفكارهم.

وقد تكون كلتا الطائفتين مخلِصتين، تتسمان بالاِخلاص والخير.

وعلى هذا لا يمكن عد هذين الصنفين من رِجالِ الاِصلاحِ صنفاً واحداً.

ب : ثمّت فريقٌ آخرٌ يعتبر الوحيَ ـ منطلقاً من نفسِ الدافعِ الذي ذُكر في النظرية المتقدّمة ـ نتيجةَ تجَلّي الحالات الرُّوحِيّة في النبي.

إنّ النبيَّ ـ حسب زَعْم هذا الفريق ـ بِسبَبِ إيمانه القويّ باللهِ، وفي


(129)

ضوءِ عبادَتهِ الكثيرة للهِ يصل إلى درجة يجدُ في ذاتهِ طائفةً من الحقائق العالية ويتصوّر أنّ هذه الحقائق أُفيضت وأُلقيت إليه من عالم الغيب فيما لا يكون لِما توصل إليه من الحقائق المذكورة من منشأٍ سوى نفسه ذاته ليس إلاّ.

إنّ أصحاب هذه النظرية يقولون: نحن لانشُكُ مطلقاً في صدق الاَنبياء بل نعتقد بأنّهم شاهدُوا حقائق عالية، ولكنّ الكلامَ هو في منشأ هذه الحقائق العالية.

فالاَنبياء يتصوّرون أنّ منشأ هذه الحقائق هو عالم الغيب، الخارج عن هذا العالم المادي، أي أنّ هذه الحقائق قد أُلقيتْ إليهِم من ذلك العالَم، على حين يكون منشأ ذلك أنفسهم، لا غير.

إنّ هذه النظرية ليست كلاماً جديداً بل هي في الحقيقة طرحٌ مجدَّدٌ لاَحدى النظريّات التي كانت مطروحةً في العَهد الجاهليّ حول الوحي ولكن في لباسٍ جديدٍ.

وحاصلُ هذه النظرية هو أنّ الوحيَ ما هو الاّ حصيلة تخيُّلات الاَنبياءِ، ورجوعهم إلى بواطنهم وتعمّقهم في نفوسهم، وأنّهم بسبب كثرة ا لتفكّر في الله، وعبادته، والتفكّر في إصلاح أُممهم، وأقوامهم تمثّلت هذه الحقائق دفعة أمام عيونهم، فَظَنُّوا أنّها أُلقِيَت إليهم مِن عالَم الغيب.(1) وهذا هو ـ بشكلٍ من الاَشكال وبنحومّا ـ نفسُ تصوُّر الجاهليّين


1 . السيد محمد رشيد رضا، الوحي المحمّدي ص 66.

(130)

حول الوحي إذ قالوا: (أَضْغاثُ أحْلامٍ)(1).

إنّ القُرآنَ الكريم ردَّ على هذه النظرية بشدّةٍ وأكَّدَ على أنّ النبيَّ صَدقَ في ادّعائهِ رؤيةَ مَلَكِ الوَحي، فهو لم يخطأ لا في قلبهِ ولا في بصره إذ يقول: (ما كَذَبَ الفُؤادُ مارأى)(2).

ويقول: (ما زاغَ البَصَرُ وَما طغى)(3).

وهذا يعني أنّ النبي رأى حقاً (مَلَك الوحي) بعين الرأس وبعين القلب، بعين الظاهِر وبعين الباطن.


1 . الاَنبياء | 5 .
2 و 3. النجم | 11 و 17 .

(131)

عصمة الاَنبياء

الاَصلُ الثاني والستّون: مراتب عصمة الاَنبياء

العِصمة تعني المصُونيّة ولها في باب النبوّة مراتب هي:

ألف: العصمة في مرحلة تلقّي الوحي وإبلاغه.

ب : العصمة عن المعصية والذنب.

ج : العصمة عن الخطأ في الاَُمور الفردية والاجتماعية.

وعصمة الاََنبياء في المرحلة الاَُولى موضعُ اتفاق الجميع، لاَنّ احتمالَ الخطأ والاِلتباس في هذه المرحلة يؤثر على وثوق الناس، واطمئنانِهم، ويوجب أن لا يعتمدَ الناسُ على إخبارات النبي وأقواله، فينتقضُ هدفُ النبوّةِ في المآل.

هذا مضافاً إلى أنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الله يحفظُ نبيَّه، ويصونهُ صيانةً كاملةً حتى يبلّغ الوحيَ الاِلَهيَّ بصورةٍ صحيحةٍ كما قال: (عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفهِ رَصَدا * لِيَعْلَمَ أن قَد أَبْلَغُوا رِسالات رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا


(132)

لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدا)(1).

ففي هذه الآية ذكَرَ القرآن الكريم نوعين من الحَفَظَة لصيانة الوحي:

ألف: الملائكة الذين يحيطون بالنبيّ من كلّ ناحيةٍ وجانبٍ.

ب : انّ الله تعالى نفسه يحيط بالملائكة والنبيّ .

وهذه النظارة الشديدة والمراقَبَة الكاملة انّما هي لتحقيق غرض النبوّة، وهو إيصال الوحي الاِلَهيّ إلى البشر.

الاَصلُ الثالثُ والستُّون: عصمة الاَنبياء من كل معصية وذنب

إنّ أنبياء الله ورُسُلَه معصومون من الذنب والزلل، في مجال العمل بأحكامِ الشريعةِ، عصمةً مطلقةً.

لاَنّ الهدف من بعثة الاَنبياء إنّما يتحقّق أساساً إذا تمتّع الاَنبياء والرُسُل بمثل هذه العصمة، لاَنّهم إذا لم يلتزموا بالاََحكام الاِلَهيّة التي كُلِّفُوا بإِبلاغها إلى الناس، انتفى الوثوق بكلامهم، فلم يتحقّق الغرضُ المنشودُ من بعثِهم، وإرسالهم.

ولقد أشارَ المحققُ الطوسيُّ إلى هذا البرهان بعبارةٍ موجَزَة حيث قال: «ويجب في النبيّ العصمةُ ليحصلَ الوثوقُ فيحصل الغرضُ»(2).


1 . الجن | 26 ـ 28 .
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 217 .

(133)

إنّ عصمة الاَنبياء عن المعصية أمر قد أكّده القرآنُ الكريمُ في آيات مختلفة نورد هنا بعضها:

ألف: إنّ القرآن الكريم يعتبر الاَنبياءَ أشخاصاً مهدِيّين ومختارين من قِبل الله تعالى إذ قال: (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقيْمٍ)(1).

ب : إنَّ القرآنَ الكريمَ يذكِّر بأنّ الذي يهديه الله لا يقدر أحد على إضلاله إذ يقول: (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ)(2).

ج : يعتبر المعصية ضَلالاً إذ يقول: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً)(3).

فيستفاد من مجموعة هذه الآيات أنّ الاَنبياء معصومون من كلّ أنواع الضلال، ومصونون من كل ألوان المعصية.

إنّ البُرهانَ العَقليّ الذي أقمناه فيما سبق على عِصمة الاَنبياء يدلّ على عصمتهم قبل البعثة أيضاً، لاَنّ الاِنسان الذي صَرَفَ رَدْحاً من عمره في الذنب والمعصية، ثم حَمَلَ لواءَ الهداية والاِرشاد لم يتمكّن من الحصول على ثقة النّاس به، وسكونهم إلى أقواله، بخلاف من عاش قَبلَ بعثته نقيَّ الجيب، طاهِرَ الذَيل، فإنّه قادرٌ على جَلب ثقة الناس، وكسب تأييدهم له.

هذا مضافاً إلى أنّ في مقدور معارضي الرسالة، أن يغتالوا بسهولة


1 . الاَنعام | 87 .
2 . الزمر | 37 .
3 . يس | 62 .

(134)

شخصيّة الرسول، ويطعنوا فيه بالتلويح بسوابقه قبلَ النبوة، ويحطُّوا ـ بذلك ـ من شأنه، وشأن رسالته.

إنّ الذي استطاع ـ بفضل ـ العيش بطهر ونقاء، في بيئةٍ فاسدةٍ أن يكتسب لقب «محمد الاَمين» هو الشخص الوحيد الذي يستطيع بشخصيّتهِ الساطعة النقيّة، أن يُبدّد حُجُب الدعايات المضادة، ويفنّد مزاعم أعدائه، ومعارضي رسالته، ويضيء باستقامته العجيبة، البيئةَ الجاهليةَ المظلمة تدريجاً.

هذا مضافاً إلى أنّ من البديهي أنّ الاِنسان الذي كان معصوماً من بداية حياته، أفضلُ من الذي تحلّى بصفة العصمة منذ أن صار نَبيّاً، كما أنّ تأثيرَه، ودوره الاِرشاديّ لا ريب يكون أقوى، والحكمة الاِلَهيّة تقتضي اختيار الفَردِ الاَحسن الاَكمل.

الاَصلُ الرابعُ والستُّون: عصمة الاَنبياء عن الخطأ والزلل

إنَّ الاَنبياء ـ مضافاً إلى كونهم معصومين من الذَّنْب ـ معصومون كذلك في الاَُمور التالية:

ألف : في القضاء في المنازعات والفصل في الخصومات.

والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإنْ كان مأموراً بالقضاء على وفق البيّنة واليمين، لكنّه في صورة خطأ البيّنة أو كذب الحالف واقف على الحق المرّ، وإنْ لم يكن مأموراً بالقضاء على طبقه.


(135)

ب : في تشخيص موضوعات الاَحكام الشرعية (مثل انّ المائع الفلانيّ هل هو خمرٌ أم لا؟).

ج : في القضايا اليوميّة العاديّة .

إنّ لزوم وصف النبيّ بالعصمة في الموارد المذكورة نابعٌ من أنّ الخطأ في مثل هذه المجالات ملازمٌ للخطأ في مجال الاَحكام الدينيّة، وبالتالي فإنّ الخطأ في هذه الاَُمور والمجالات يَضُرُّ بثقةِ النّاس بشخص النبيّ، ويُوجب في المآل تَعَرُّضَ الغَرَض المنشُود للخَطَر، وان كان لُزوم العصمة في الصورتين الاَُولَيَين، أوضح من العصمة في الصورة الاَخيرة.

الاَصلُ الخامسُ والستُّون: الاَنبياء مبرَّأون عن الاَمراض المنفّرة

إنّ من مراتب العصمة هي أن لا تكون في وجود الاَنبياء أُمور توجب تنفّر الناس وابتعادهم عنهم.

فكلُّنا يعلم بأنّ بعضَ الاَمراض والعاهات الجسمية، أو بعض الخصال الروحيّة، التي تنم عن دناءة الطبع، وخِسّة النفس توجب تنفّرَ النّاسِ وابتعادهم عنه.

ولهذا فإنّ على الاَنبياء أنّ يكونوا مُنَزَّهين عن العيوب الجسمية والروحيّة، لاَنّ تَنَفّرَ الناس من النبي، واجتنابَهم عنه ينافي الهدف من بعثهم، وهو إبلاغ الرسالات الاِلَهيّة بواسطة الاَنبياء إلى الناس.

كما أنّنا نُذَكِّرُ بأنَّ المراد من حكمِ العقل في هذا المجال هو الكشف


(136)

عن حقيقة، هي أنّ على الله ـ لكونه حكيماً ـ أنّ يختارَ للنبوّة من يكون عارياً ومنزَّهاً عن مِثل هذه العيوب.(1)

الاَصلُ السادسُ والستُّون: دراسة الآيات الدالة على عدم العصمة

لقد عرفنا بِحُكمِ العقل القطعيّ، وقضاء القرآنِ الصَريح عصمة الاَنبياء، ولكن ثمّة في هذا الصعيد بضع آيات تحكي ـ في بدو النظر ـ عن صُدُور الذنب والمعصية عنهم (مثل الآيات الواردة حول النبي آدم وغيره) فما هو الحلّ في هذه الآيات؟

في البداية يجب أنّ نقول: إنّ من المُسَلَّم أنّه حيث لا تناقض في القرآن الكريم أبداً، وجب أنْ نهتدي في ضوءِ القرائن الموجودة في نفس الآيات إلى المراد الحقيقي فيها.


1 . إنّ حكمَ العقل في هذا المجال حكمٌ قَطعيٌّ، ولهذا فإنّ بعضَ الروايات التي وَرَدت حول النبي أيوب وهي تحكي عن ابتلائه بأمراض منفِّرة، مضافاً إلى كونها مخالفةً للحكمِ القَطعيِّ للعقل تنافي الرواياتِ المعارضة التي وَرَدَت عن أهل البيت في هذا المجال.
فقد قال الاِمامُ الصادق ـ عليه السلام ـ : «إنَّ أيوب مع جميع ما ابتُلي به لم تنتنْ له رائحةٌ، ولا قَبُحَتْ له صورةٌ، ولا خرجَتْ منه مَدّةٌ من دَمٍ، ولا قيحٍ، ولا استَقْذرَهُ أحَدٌ رآه، ولا استوحش منه أحدٌ شاهدَه ولادوّد شيءٌ من جَسَدهِ، وهكذا يصنعُ الله عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه، وأوليائه المكرَّمين عليه، وإنما اجتنَبَهُ الناسُ لِفَقره، وضَعْفِهِ في ظاهِرِ أمرهِ، لجَهْلهم بما لَهُ عند ربّه تعالى ذكْرُهُ، من التأييد والفَرَج».
(الخصال ج 1، أبواب السبعة، الحديث 107) ولهذا فإنّ الروايةَ المخالفةَ لهذا الموضوع، لا أساس لها من الصحة فهي مرفوضة.


(137)

ففي هذه الموارد لا يمكن أن يكونَ الظهور الاِبتدائيّ هو الملاك للحكم المُتسَرِّع.

ومن حُسن الحَظّ أنَّ كبار مفَسّري الشيعة ومتكلّميهم قاموا بدراسة هذه الآيات القرآنية، بل وأقدم بعضهم على تأليف كتب مستقلة في هذا المجال.

وحيث إنّ معالَجة هذه الآيات واحدة واحدةً لا تحتملُها هذه الرسالةُ فإنّنا نحيل القرّاء الكرام إلى الكتب المذكورة في الهامش(1).

الاَصلُ السابعُ والستُّون: منشأ العصمة وسببها

يمكن انّ نلَخّص منشأ العصمة وسببها في أمرين:

ألف : إنّ الاَنبياء حيث إنّهم يتمتعون بمعرفةٍ واسعةٍ بالله سبحانه، لا يَستبدلون رضاه تعالى بشيءٍ مطلقاً.

وبِعبارةٍ أُخرى ؛ انّ إدراكهم العميق للعظمة الاِلَهيّة وللجمالِ والكمال الاِلَهيّين يمنعهم من التوجّه إلى أيّ شيءٍ غير الحقّ تعالى، والتفكير في أيّ شيء غير الله سبحانه.

إنّ هذه المرتَبَة والدَّرَجة من المعرفة هي التي قال عنها الاِمامُ أميرُ المؤمنين عليُ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ : «ما رَأَيتُ شَيئاً إلاّ وَرَأَيْتُ اللهَ قبْلَهُ، وبَعْدَهُ


1 . تنزيه الاَنبياء للسيد المرتضى، وعصمة الاَنبياء للفخر الرازي، ومفاهيم القرآن لجعفر السبحاني ج5 فصل عصمة الاَنبياء.

(138)

ومَعَهُ»(1).

وقال عنها الاِمام الصادقُ ـ عليه السلام ـ : «وَلكنِّي أعْبُدُهُ حُبّاً لَهُ فتلكَ عِبادةُ الكِرامِ»(2).

ب : إنّ اطّلاع الاَنبياء الكامل على نتائج الطاعة وثمارها، وعلى آثار المعصية وتبعاتها السَيئة، هو سبب صيانتهم عن مخالفة الاَمر الاِلَهيّ.

على أنّ العصمة المطلقة مختصّة بثلَّة خاصّة من أولياء الله، إلاّ أنّ في إمكان بعض المؤمنين الاَتقياء أنْ يكونوا معصومين عن ارتكاب المعصية في قسم عظيمٍ من أفعالهم، فالفَرد المتّقي مثلاً، لا يُقدم على الاِنتحار، أو قتل الاَبرياء أبداً(3).

بل وحتّى بعضُ الاَشخاص العاديّين يتمتعون بالعصمة عن بعض الذنوب، وللمثال لا يُقدمُ أيُّ شخص على لمس سلك كهربائي فعّال تجنباً من الصَعق بالتيار الكهربائي.

ومن البَيّن أنّ العصمة في هذه الموارد ناشىَ من العِلم القطعيّ بآثار عمله السيئة، فإذا كان مثل هذا العِلم حاصلاً للشخص في مجال تبعات الذنوب الخطيرة جداً أيضاً، كان ذلك موجباً حتماً لصيانة الشخص عن المعصية.


1 . بحار الاَنوار 70 | 22 .
2 . المصدر السابق: 70 | 18 ضمن الحديث 9 .
3 . قالَ الاِمامُ عليُ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ عن هذا الفريق: «هُم والجَنّةُ كَمَنْ قَدْ رآها فَهُمْ فيها مُنَعَّمون، وَهُمْ والنّارُ كَمَنْ قد رَآها فَهُمْ فيها مُعَذَّبُون» نهج البلاغة، الخطبة رقم 193 الموجّهة إلى همّام.

(139)

الاَصلُ الثامنُ والسِتُّون: لاتنافي بين العصمة والاختيار

نَظَراً لمَنشأ العصمة نُذَكّر بأنّ العصمة لا تنافي إختيار المعصوم، وكونه حرّاً في إرادته، بل إنّ الشخصَ المعصومَ مع مَعرفته الكاملة بالله، وبآثار الطاعة والمعصية ونتائجهما، يمكنه أنّ يرتكب المعصية وإنْ لم يستخدم هذه القدرة، مثل الوالد الحنون الذي يقدر على قتل ابنه، ولكنّه لا يفعل ذلك أبَداً.

وأوضحُ من ذلك هو عدمُ صدور القبيح من الله تعالى، فإنَّ الله القادرَ المطلَق يمكنه أن يُدخلَ الصالحين المطيعين في جهنم، أو يُدخِل العاصِين في الجنة، إلاّ أنّ عدلَه وحكمته يمنعان من القيام بمثل هذا العمل.

ومِن هذا البيان يتضح أَنَّ تركَ المعصية والتزام الطاعة، والعبادة، يُعتبران مفخرة كبرى للاَنبياء، لاَنّهم مع كونهم قادرين على ترك الطاعة، وفعل المعصية، لا يفعلون ذلك اختياراً، وبإرادةٍ منهم.

الاَصلُ التاسعُ والستُّون: العصمة لاتلازم النبوّة

نحن مع اعتقادنا بعصمة جميع الاَنبياء لا نرى أنّ العصمة تلازم النبوّة، أي أنّنا لا نرى أنّ كلَ معصومٍ هو نبيٌّ بالضرورةِ، وإنْ كان كلّ نبيٍّ معصوماً بالضرورة، فربّ إنسان معصومٌ ولكنّه ليس بِنبيّ، فها هو القرآنُ الكريم يقول حول السيدة مريم: (يا مَرْيَمُ إنّ اللهَ اصْطفاكِ وَطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ


(140)

عَلى نِساءِ العالَمِيْن)(1).

إنّ استخدامَ القرآن الكريم للفظة «الاصطفاء» في شأن السيّدة مريم ـ عليها السلام ـ يَدلُّ على عِصمتها لاَنّ نفسَ هذه اللَّفظة «الاِصطفاء» استخدمت في شأن الاَنبياء سلامُ الله عليهم أيضاً: (إنّ الله اصْطَفى آدمَ ونُوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ عَلى العالَمِيْن)(2).

هذا مضافاً إلى أنّ الآية قد تحدَّثتْ حول طهارة السيدة مريم ـ عليها السلام ـ ، والمقصود هو طهارتها من أيّ نوع من أنواع الرجْس، والمعصية، وليست هذه الطهارة والبراءة هو براءتها من الذنب الذي رَمَتْها اليهودُ به في مجال ولادة عيسى منها من دون والدٍ، لاَنّ تبرئة مريم من هذه المعصية ثبتت في الاَيّام الاَُولى لولادة عيسى ـ عليه السلام ـ بتكلُّمه(3) فلم تعُدْ حاجة إلى بيان ذلك مجدّداً.

إضف إلى ذلك أنّ الآية تتحدّث عن مريم قبل ان تحمل بالمسيح، حيث جاء حديث حملها له عبر هذه الآية فلاحظ.


1 . آل عمران | 42 .
2 . آل عمران | 33 .
3 . «فَأشارَتْ إليه...» مريم | 29 .

(141)

كليات في العقيدة

5

الفصل السادس

النُبوّةُ الخاصَّة


(142)


(143)

الاَصلُ السبعون: طرق إثبات النبوّة الخاصّة

تحدَّثْنا في الفصل السابق حول النبوّة بصورةٍ عامةٍ، وفي هذا الفصل نتحدَّث حول نبوّةِ رسولِ الاِسلام «محمد بن عبد الله» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاصّة، وقبل ذلك نُذكّرُ بأنَّ النبوّة يمكن أنّ تثبت لشخصٍ بثلاثة طرق:

ألف : الاِتيان بالمعجزة مقروناً بادّعاء النبوّة.

ب : جمع القرائن والشواهد التي تشهد بصدق دعواه.

ج : تصديق النبي السابق.

إنّ نبوّة رسولِ الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يمكن أن تثبت بجميع الطُرُق الثلاثة المذكورة، وها نحن نذكرها بصورة مختصرة:


(144)

القرآنُ أو المعجزةُ الخالدةُ

إنّ التاريخَ القاطعَ الثابتَ يشهد بأنّ رسول الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قَرَنَ دعوَته بالاِتيان بمعاجز عديدة مختلفة، إلاّ أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يؤكّد ـ من بين هذه المعاجز ـ على واحدة منها، وهي في الحقيقة معجزته الخالدة، ألا وهي «القرآن الكريم».

فإنّ نبيّ الاِسلام أعلن عن نبوّته ورسالته بالاِتيان بهذا الكتاب السَّماويّ، وتحدّى الناسَ به، ودعاهم إلى الاِتيان بمثله إن استطاعوا، ولكن لم يستطع أحدٌ ـ رغم هذا التحدِّي القرآنيّ القاطع ـ أنْ يأتي بمثله في عَصر النبوّة.

واليوم وبعد مرور القرون العديدة لا يزال القرآنُ يتحدّى الجميع ويقول: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ والجِنُّ على أنْ يَأْتوا بِمثْلِ هذَا القرآنِ لا يَأتونَ بَمثلهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لبعضٍ ظهيراً)(1).

وفي موضع آخر يقول ـ وهو يقنع بأقلّ من ذلك ـ : (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْر سُوَرٍ مِثلِهِ مُفْتَرَياتٍ)(2) (فَأْتُوا بِسُورةٍ مِنْ مِثْلِهِ)(3).

إنّنا نعلمُ أنّ أعداء الاِسلام لم يألوا جُهداً طيلة (15) قرناً من بدء ظهور الاِسلام من توجيه الضربات إليه، ولم يفتروا عن محاولة إلحاق


1 . الاِسراء | 88 .
2 . هود | 13 .
3 . البقرة | 23 .

(145)

الضرر بهذا الدين، والكيد له بمختلف ألوانِ الكيد، وحتى أنّهم استخدموا سلاح اتّهام رسولِ الاِسلام بالسّحرِ، والجنون، وما شابه ذلك، ولكنّهم لم يَستطيعوا قطّ مقابلةَ القرآن الكريم، ومعارضته فقد عجزوا عن الاِتيانِ حتى بآية قصيرة مثل آياته.

والعالمُ اليوم مجهَّزٌ كذلك بكل أنواع الاَفكار والآلات، ولكنّه عاجز عن مجابهة هذا التحدّي القرآنيّ القاطع، وهذا هو دليلٌ على أنّ القرآنَ الكريمَ فوق كلامِ البشر.

الاَصلُ الواحدُ والسبعون: الاِعجاز الاَدبي للقرآن

كانت لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معاجزُ مختلفة ومتعدّدة دُوّنَتْ في كُتُب التاريخ والحديث، ولكنّ المعجزة الخالدة التي تَتَلاَلاَُ من بين تلك المعاجز في جميع العُصُور والدهور هو القرآن الكريم، والسرُّ في اختصاص رسول الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، بمثل هذه المعجزة من بين جميع الاَنبياء، هو أنَّ دينه دينٌ خاتِمٌ، وشريعَتهُ شريعةٌ خاتمةٌ وخالدةٌ، والدينُ الخالدُ والشريعة الخاتمة بحاجة إلى معجزةٍ خالدةٍ لتكون برهانَ الرسالة القاطع لكلِ عصرٍ وجيلٍ، ولتستطيع البشرية في جميع القرون والدُّهور أنْ ترجع إليه مباشرةً من دون حاجةٍ إلى شهاداتِ الآخرين وأقوالهم.

إنّ القرآنَ الكريم يتّسمُ بصفة الاِعجاز مِن عدة جهات، يحتاج البحث فيها بتفصيلٍ، إلى مجالٍ واسعٍ لا يناسب نطاق هذه الرسالة، ولكنّنا نشير إليها على نحو الاِيجاز:


(146)

في عصر نزول القرآن الكريم كان أوّلُ ما سَحَر عيونَ العرب، وحيّر أرباب البلاغة والفصاحة منهم جمالُ كلمات القرآن، وعجيبُ تركيبه، وتفوّقُ بيانه، الذي يُعبَّر عن ذلك كله بالفصاحةِ والبلاغة.

إنّ هذه الخصُوصية كانت بارزةً ومشهودةً للعرب يومذاك بصورةٍ كاملةٍ، ومن هنا كان رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ بتلاوة آيات الكتاب، مرةً بعد أُخرى، وبدعوته المكرّرة إلى مقابلته والاِتيان بمثله إن استطاعوا ـ يدفع عمالقة اللغة والاَدب، وأبطال الشعر وروّاده، إلى الخضوع أمام القرآن، والرضوخ لعظمة الاِسلام، والاعتراف بكون الكلام القرآنيّ فوق كلامِ البشر.

فها هو «الوليد بن المغيرة» أحد كبار الشعراء والبلغاء في قريش يقول ـ بعد انْ سمع آياتٍ من القرآنِ الكريمِ تلاها عليه رسولُ الاِسلام، وطُلب منه أنْ يبدي رأيه فيها ـ : «وَوالله إنّ لِقَوله الّذي يقولُ لَحلاوةً، وإنّ عليه لطَلاوةً، وإنّه لَمُثْمرٌ أَعلاهُ، مُغدِقٌ أَسْفَلُهُ، وإنّه لَيَعْلُو وما يُعلى»(1).

وليس «الوليدُ بن المغيرة» هو الشخص الوحيدُ الذي يحني رأسه إجلالاً لجمال القرآن الظاهري، ولجلاله المعنوي، بل ثمة بلغاء غيره من العرب مثل: «عتبة بنِ ربيعة» و «الطفيلِ بن عمرو» أَبدَوا كذلك عجزَهم تجاه القرآن، واعترَفُوا بإعجاز القرآن الاَدَبي.

على أنّ العَرَب الجاهليين نَظَراً لِتَدَنّي مستوى ثقافتهم لم يُدرِكوا من القرآن الكريم إلاّ هذا الجانبَ، ولكن عندما أشرقت شمسُ الاِسلام على


1 . مستدرك الحاكم 2 | 50 .

(147)

رُبع الكرة الاَرضية، وعَرَفَتْ به جماعاتٌ بشريةٌ أُخرى اندفعَ المفكّرون إلى التدبّر في آيات هذا الكتاب العظيم، ووقفوا مضافاً إلى فصاحَته وبلاغته، وجمال اُسلوبه، وتعبيره، على جوانب أُخرى من القرآنِ الكريم والتي يكون كلُ واحدة منها بصورة مستقلّة خيرَ شاهدٍ على انتمائه إلى العالم القدسيّ، ونشأتهِ من المبدأ الاَعلى للكون.

وهكذا تنكشف في كلّ عَصر جوانب غير متناهية لهذا الكتاب العظيم.

الاَصلُ الثاني والسَّبعون: المجالات الاَُخرى للاِعجاز القرآني

لقد بَيّنّا في الاَصلِ السابقِ إعجاز القرآن من الناحية الاَدبية، باختصار، والآن نريد أن نستعرض المجالات الاَُخرى للاِعجاز القرآنيّ بصورة مختصرة.

إذا كان الاِعجاز القرآنيُ من الناحية الاََدبية قابلاً للدَرك والفهم عند طائفة خاصّة لها إلمامٌ كافٍ بالاَدب العربي، فإنّ الجوانبَ الاَُخرى من الاِعجاز القرآني ولحسن الحظ مفهومة لآخرين.

ألف : إنّ الآتي بالقرآن الكريم كان شخصاً أُميّاً لم يدرُس، ولم يَتلقَّ تعليماً قبل النبوة، فلا هو دخل مدرسة أو كَتّاباً، ولا هو تلمَّذ على أحد، أو قَرَأَ كتاباً كما قال: (ما كُنْتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إذاً لاْرتابَ المُبْطِلُونَ)(1).


1 . العنكبوت | 48 .

(148)

إنّ نبيَّ الاِِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تلا هذه الآية على قومٍ كانوا يعرفون حياتَه وتفاصيلها، تمام المعرفة، فإذا كان له سابقة تحصيل وتعلّم لكذّبوا ادّعاءَهُ هذا.

وأمّا اتّهام البعض إيّاه بأنه (يُعَلِّمهُ بَشَرٌ)(1) فهي تهمة لا أساس لها مثل سائر التهم الاَُخرى، كما يقول: (لسانُ الّذي يُلْحِدُونَ إليْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبيْنٌ)(2).

ب : لقد تُلي القرآنُ الكريم على الناسِ طيلةَ ثلاثٍ وعشرينَ سنة وفي ظروف مختلفة (في الصلح والحرب، في السفر والحضر ، و...) بواسطة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، وتقتضي طبيعة هذا النمط من التحدُّث والتكلّم أن يقع في كلام المتكلّم نوعٌ من الاختلاف والتعدُّديّة في الاُسلوب والخصُوصِيّات البيّانية فلطالما يقع المؤلّفون الذين يُؤَلِّفُونَ كُتُبَهُمْ في ظُروفٍ عاديّةٍ متماثِلةٍ ـ رغم مراعاة قواعد التأليف والكتابة، وأُصولِها ـ في الاِختلاف والاِضطراب في الكلام، فكيف بالذي يُلقي كلاماً بالتدريج، وفي أوضاع متباينة وأحوال مختلفة تتراوح بين الشدّة والرخاء، والحزن والفرح، والقتال والسلام، والاََمن والخطر؟!

إنّ المُلفت للنظر هو أنّ رسول الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تَحدَّث حول موضوعات مختلفة ومتنوعة، بدءاً بالاِلَهيّات ومروراً بالتاريخ ، والتشريع، والاَخلاق،


1 . النحل | 103 .
2 . النحل | 103 .

(149)

والطبيعة، والاِنسان، وانتهاء بالحياة الاَُخرى، وفي نفس الوقت تمتّع كلامه هذا من بدئه إلى ختمه بأعلى نوع من الانسجام، والتناغم، من حيث الاسلوب، والمحتوى.

يقول القرآن نفسُهُ عن هذا الجانب من الاِعجاز: (أفَلا يَتَدبَّرُون القرآنَ ولو كانَ مِنْ عِند غيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً)(1).

ج : إنّ القرآنَ الكريمَ جعل الفطرةَ الاِنسانيةَ الثابتة نُصب عَينيه وشرّع على أساسها قانونَه، فكانت نتيجةُ هذه الرؤية الاَساسِيّة أنْ أخَذَ في نظر الاِعتبار جميع أبعاد الروح والحياة الاِنسانية، وذكّر بالاَُصول والاَُسس الكلية التي لا تقبَلُ الزوال والاندثار.

فمن خصائص القوانين الاِسلامية الكليَّة هو أنَّ هذه القوانين قابلةٌ للتطبيق في جميع الظروف المختلفة والبيئات المتنوعة ويوم كان المسلمون يسيطرون على مساحة جدُّ كبيرة من العالم، كانوا يديرون المجتمعات البشرية قروناً عديدة في ظلّ هذه القوانين والتشريعات بقوّة، ونجاح.

يقول الاِمام محمّد الباقر ـ عليه السلام ـ : «إنَّ اللهَ لَمْ يَدَع شَيْئاً تَحْتاجُ إلَيْهِ الاَُمَّةُ إلاّ أَنْزَلَهُ في كتابهِ، وَبَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ وجَعَلَ لِكُلّ شيءٍ حَدَّاً، وَجَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيْلاً»(2).


1 . النساء | 82 .
2 . الكافي: 1 | 59 .

(150)

الاَصلُ الثالثُ والسبعون: الاِعجاز القرآني في مجال أسرار الكون وأخبار المستقبل

د : إنّ القرآن الكريم بيّن في آيات مختلفة ومتعدّدة وفي مناسبات متنوّعة أسرارَ عالَم الخلق التي لم يَكُنْ لدى البَشَر أيُّ عِلمٍ، ولا إلمام بها.

ولا شكَّ أنَّ الكشف عن هذه الاَسرار لشخصٍ لم يتلقَّ تعليماً، ولم يدرس، وذلك في مجتمع جاهليّ لا يعرف شيئاً أصلاً، لا يمكن إلاّ عن طريق الوحي.

إنّ الكشف عن قانون الجاذبية الذي يفسَّر على أساسِه قيامُ صرح الكون يُعَدّ من مفاخر العِلم الحديث.

ولقد كَشَفَ القرآنُ الكريمُ القناعَ عن هذا القانونِ في عبارةٍ قصيرةٍ إذ قال: (اللهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تروْنَها)(1).

إنّ الكَشْفَ عن قانون الزوجية العامّة هو الآخر يُعدّ من مكتسَبات العِلم الحديث، وقد تحدّث عنه القرآنُ الكريمُ في عَصرٍ لم يكنِ البشرُ يعرف عنه أيَّ شيء مطلقاً إذ قال: (وَمن كُلّ شَيءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْن لَعَلّكُمْ تَذَكَّرُون)(2).

هذا وثمّت نماذج أُخرى في هذا المجال جاء ذكرُها في كتب التفسير والعقيدة، أو دوائر المعارف.


1 . الرعد | 2 .
2 . الذاريات | 49 .

(151)

هـ : إنّ القرآنَ الكريم أخبر عن طائفة من الحوادث والوقائع المستقبلية إخباراً قطعيّاً، وقد وقعت تلك الوقائع والحوادث فيما بعد بصورةٍ دقيقةٍ، ولهذا النمط من الاِخبارات نماذج عديدة، وكثيرة إلاّ أنّنا نشير إلى واحدة منها هنا على سبيل المثال:

يَوم غَلَبَ الساسانيون عُبّادُ النار على الرُّوم الموحّدين تفاءَلَ المشركونَ العرب بهذا الحَدَث وقالوا سننتصر نحن على موحِّدي الجزيرة العربية (المسلمين) أيضاً، وعند ذاك أَخبر القرآنُ الكريمُ بانتصار الرُّوم على الفُرس:

(غُلِبَتِ الرُّوْمُ * في أدْنى الاََرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِيْنَ لله الاََمرُ مِن قبلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفرَحُ المؤمنونَ)(1).

ولم تمض بضع سنوات إلاّ وتحقّقت النبوءةُ المذكورة، وانتصر كلا الفريقين المؤمنين (الرّوم المسيحيّون ومسلمو الجزيرة العربية) على أعدائهم (الساسانيين ومشركي قريش).

ولهذه الناحية تحدّثَ القرآن في ذيل الآية عن سرور المؤمنين إذ قال: (يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ).

لاَنّ كلا الانتصارين حدثا في وقتٍ واحدٍ.

و : إنّ القرآنَ الكريمَ تَحدَّثَ عن حياة الاَنبياء وأُممهم السابقة في سورٍ مختلفةٍ بتعابيرَ مختلفةٍ.


1 . الروم | 2 ـ 4 .

(152)

إنّ هذه الوقائع وَرَدَت كذلك في كتاب العَهدين (التوراة والاِنجيل) أيضاً، ولكن إذا ما قيست تلك مع ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ اتّضح أن القرآن الكريم من الوحي الاِلَهيّ برمَّته، وأنّ ما جاء في العهدين لم يسلم من تحريف المحرّفين.

ففي رواية القرآن لقصص الاَنبياء لا يوجَد أيُّ موضوع يخالف العقلَ، والفطرة، ولا يناسب مقام الاَنبياء، في حين تزخر الرِوايات والقصص الموجودة في كتاب العهدين بهذه العيوب والنواقص.

وفي هذا الصعيد يكفي إجراء مقارنة بين القرآن والعهدين في قصة آدم.

الاَصلُ الرابع والسبعون :القرائن والشواهد على نبُوّة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّ جمع القرائن والشَّواهد ـ كما أسلفنا ـ يمكن أنْ تكون من الطُرُق الكفيلة بإثبات صدق دعوى الاَنبياء، وها نحن نشير باختصار إلى القرائن الدّالة على صحَّة دعوى النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

ألف : النبيٌّ الاَكرم وسوابقُهُ المشرِقةُ:

كانت قريش تسمّي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل ابتعاثه بالرسالة «محمد الاَمين» وتودع عنده أماناتِها الثمينة، وتستأمنه على أشيائها القيّمة.

وعندما حصل خلافٌ بين أربعة قبائل في وضع «الحَجَرِ الاَسودِ» في موضعه بعد تجديد بناء الكعبة، رضي الجميعُ بأن يقومَ عزيزُ قريش


(153)

أي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بهذه المهمّة لكونه رجلاً صادقاً أميناً.(1)

ب : النَقاء من تلوّث البيئة الاجتماعية:

لقد نشأ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وترعرع في بيئةٍ لم يكن فيها إلاّ الخمر والميسر ووأد البنات، وإقبارهن أحياءً، و إلاّ أكل الميتة والظلم والغارة، ومع ذلك ورغم نشوئه وترعرعه في مثل هذه البيئة، كان إنساناً نقيّ الجيب، طاهِرَ السُّلوك، لم يُوصف بأي شيء من الصفات الرَّذيلة، ومن دونِ أن يتلوَّث بأيّةِ لوثةٍ عقيديّة، وفكريّةٍ.

ج : محتوى الدعوة الاِسلامية:

عندما نُلقي نظرةً فاحصة على محتوى دعوةِ النبي الاَكرمِ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نراها تدعو الناس بالضبط إلى مخالفةِ كلّ ما كان رائجاً في تلك البيئة، ورفضه رفضاً مطلقاً.

إنّهم كانوا يعبدون الاَوثان وقد دعاهم إلى التوحيد، ورَفض الاَوثان.

إنّهم كانوا يُنكرون المعادَ، وقد دعاهُم إلى الاِيمان به، واعتبره شرطاً من شروط الاِسلام.

وكانوا يئدون البنات ويقبرونهنّ وهنّ أحياء، ولم يكن للمرأة أيّة قيمة، ولكنّه أعاد إليها كرامتها الاِنسانيّة، ومنزلتها اللائقة بها، كأفضل ما يكون.


1 . السيرة النبويّة لابن هشام ، ج 1، ص 209 .

(154)

د : أدوات الدعوة ووسائلها :

إنّ الاَدوات والوسائل التي استخدمها النبيُّ، لِنشر دعوته، واستعان بها لِنشر دينه، كانت إنسانيةً وأخلاقية تماماً.

فهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يستخدم أبداً الاَساليبَ اللا إنسانية كقطع الماء على خصومه، أو تسميمه وتلويثه، أو قطع الاَشجار وما شابه ذلك من الاَساليب اللا إنسانية(1).

بل وأوصى بأن لا يُلحَق الاَذى بالنساء والاَطفال والعجائز وكبار السن، وان لا تُقطَع الاَشجار، وان لا يُشرع في قتال العدوّ قبل الدعوة إلى الاِسلام وإتمام الحجة عليه.

إنّ الاِسلام يرفض رفضاً قاطعاً المنطق المكيافيلي القائل: «بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة» وكمثال رَفَضَ اقتراح أحد اليهود لاِخضاع العدوّ في وقعة خيبر عن طريق إلقاء السم في الماء.

إنّ حياة رسول الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زاخرة بقصص التعامل الاِنساني النبيل مع الاَعداء .

هـ : شخصيّةُ المؤمنين به وخصالُهم:

إنّ دراسة أفكار المؤمنين بالنبيّ، والمنضوين تحت لوائه، وأحوالهم وشخصياتهم يمكن أن توضح مدى صدقه وصحة دعواه.


1 . راجع الكتب التاريخية في هذا المجال.

(155)

فإنّ من البديهيّ أن الدعوة إذا تأثّر بها الشخصياتُ المتميزة في المجتمع فانضووا تحت رايتها، واعتنقوها بصدق وإخلاص، كان ذلك آية صدقها وصحتها ودليلاً على حقّانيتها، وواقعيّتها.

ولكن إذا التفَّ حولَه طلاّب الدنيا، وعُبّادُ المال والشهوة، كان ذلك دليلاً على ضعف ادّعائه.

لقد كان بين المنضوين تحت لواء رسول الاِسلام شخصيات عظيمة في غاية النُبل والفَضيلة كالاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ وكسلمان، وعمّار، وبلال، ومصعب، وابن مسعود، والمقداد، وأبي ذر وغيرهم ممّن شهد لهم التاريخُ بالطهر والصفاء، وسموّ الشخصية، ونزاهة الاَخلاق.

و : التأثيرُ الاِيجابي في البيئة الاجتماعية، وتأسيسُ حضارة عظيمة:

إِنّ رسول الاِسلام استطاع في مدة لا تتجاوز ثلاثاً وعشرين سنة أنْ يغيّر وضعَ الجزيرة العربية تغييراً جوهرياً.

لقد استطاع أنْ يصنع من قُطّاع طُرُق، وسَلاّبين، أشخاصاً أُمناء، ومن عُبَّاد أوثان وأصنام، موحّدين بارزين، لم يَصنَعوا حضارةً عظيمة في محلّ سكونتهم فقط بل مدّوا حضارتهم الاِسلامية الرائعة الفريدة، إلى مناطق أُخرى من العالم، كذلك.

فها هو جعفر بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ من مسلمي صَدر الاِسلام يؤكّد على هذه النقطة عندما قال في معرَض الاِجابة على سؤال النجاشيّ الذي سأله عن أحوال النبيّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


(156)

« أيّها المَلِك ؛ إنّ الله بَعَث إلينا رَسولاً مِنّا فَدعانا إلى الله لِنوَحّدَه ونعبدَه، ونخلعَ ماكنّا نعبُدُ نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والاَوثان، وأمَرَنا بصدقِ الحديث... وأمَرَنا بالصلاةِ، والزكاة وصلة الرَحم، وحُسن الجوار، ونهانا عن الفواحِشِ، وقولِ الزُّور»(1).

إنّ هذه القرائن، ونظائرها، يمكن أنْ تقودَنا إلى صدقِ قول رسول الاِسلام وحقانيّة هدفه..

إنّ من المحتم أنّ رجلاً بهذه الخصوصيّات لا يرتكب الكذِبَ أبداً، وفي النتيجة يجب أن يُقال: إنّه كان صادقاً في ادّعائه النبوّة، وارتباطه بعالم الغيب كما تؤيّد القرائنُ الاَُخرى بالذات هذا الموضوع أيضاً.

الاَصلُ الخامسُ والسبعون: تصديقُ النبيّ السابق

إنّ تصديقَ النبيّ السابق للنبيّ اللاحقِ هو أحد الطرق لاِثبات دعوى النبوة وذلك لاَنّ الفرض هو أنّ نبوة النبيّ السابق قد ثبتت بالاَدلّة القاطعة، ولهذا من الطبيعي أن يكون كلامُه سنداً قاطعاً للنبوّة اللاحقة، ويُستفادُ من بعض الآيات القرآنيّة أنَّ أهلَ الكتاب كانوا يعرفون رسول الاِسلام كما يعرفون أبناءهم، يعني أنّهم قرأوا علائم نبوَّته في كتبهم السَّماوية، وقد ادّعى رسولُ الاِسلام هذا الاَمر، ولم يكذّبه أحدٌ منهم أيضاً، كما يقول:

(الّذيْنَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرفُونَهُ كما يَعْرفُونَ أبناءَهم وإنَّ فريقاً منهم


1 . السيرة النبويّة لابن هشام ج 1، ص 359 ـ 360 .

(157)

لَيَكتمونَ الحقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(1).

إنّ رسولَ الاِسلام ادّعى أنّ السيد المسيحَ عيسى ابنَ مريم ـ عليه السلام ـ بشّر به، وانّه يأتي من بعده نبيٌّ اسمُه «أحمد»: (ومُبَشّراً بِرَسُولٍ يأتي مِنْ بَعدِي اسْمُهُ أحْمَدْ)(2).

كما وأنَّ من الطريف أنْ نَعلمَ أنّ الاِنجيل رغم تعرُّضه للتحريف منذ قرون قد جاءَ في إحدى نُسَخِهِ وهو إنجيل يوحنا (الاِصحاح 14، 15، 16) تَنَبّؤٌ بمجيء شخصٍ بعد السيد المسيح يُدعى «فارقلِيطا» (أي محمد ـ بالسريانيّة) يمكن للمحقّقين الرجوع إلى ذلك، للوقوف على الحقيقة.(3)

الاُصلُ السادسُ والسَبعون: معاجز أُخرى للرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غير القرآن

إنّ معاجز رسولِ الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كما أسلفنا ـ لا تنحصر في القرآن الكريم، بل إنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان ربما قام بإتيان بعض المعجزات في مناسباتٍ مختلفة بهدف إقناع الناس.

وفي هذا الصعيد يجب التذكيرُ بأن ثمّت محاسبةً عقليّةً تثبت أساساً وجودَ معاجزَ لرسولِ الاِسلام عدا القرآنِ الكريم.


1 . البقرة | 146 .
2 . الصف | 6 .
3 . وقد دُوّنت كتبٌ تجمع بشاراتِ العهدين بمجيَ رسول الاِسلام، وتبحث حولها وللمثال راجع في الصدد كتاب «أنيس الاَعلام».

(158)

فالنبيُّ الاَكرمُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تحدّث عن (9) معاجز للنبيّ موسى ـ عليه السلام ـ(1) وعن (5) معاجز للنبي عيسى ـ عليه السلام ـ كذلك(2).

فهل يمكن أنْ نقبل بأنْ يكون رسولُ الاِسلام أعلى وأفضل من الاَنبياء السابقين، وخاتمهم، وأنّه أثبتَ معاجز عديدة للاَنبياءالسابقين، ومع ذلك لا تكون له إلاّ معجزة واحدة؟ترى أما كانَ الناسُ ـ وهم يَسمعون بصُدُور كل تلك المعجزات عن الاَنبياء السابقين ـ يتمنّون صدورَ معاجز مختلفة ومتنوّعة على يد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولا يكتفون برؤية معجزةٍ واحدةٍ فقط؟؟!

وكيف لا تكون لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معاجز سوى «القرآن الكريم» وهذا هو القرآنُ نفسُه يثبت صدور معاجز متعددة على يد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نشير إليها فيما يأتي:

ألف : شَقّ القَمَر : عندما اشترط المشركون إيمانهم برسول اللهِ ودعوته بشقّ القَمَر نصفين، قام النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك بإذن الله تعالى، كما يقول القرآن الكريم:

(إقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعرضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسَتمِرٌّ)(3).

إنّ ذيلَ هذه الآية شاهدٌ واضحٌ على أنّ المقصود من الآية ليس هو


1 . انظر سورة الاِسراء | 101 .
2 . انظر آل عمران | 49 .
3 . القمر | 1 ـ 2 .

(159)

انشقاق القمر في يوم القيامة بل يرتبط بعصر النبيّ الاَكرمِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

ب : المعراج: إنّ عروجَ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ليلة واحدةٍ من المسجد الحرام في مكة المكرَّمة إلى المسجد الاَقصى في فلسطين، ومنه إلى السَّماء، وقد تمّت هذه الرحلة الفضائيّة العظيمة في مُدّةٍ قصيرةٍ جداً، يُعتَبَرُ هو الآخر من معاجز رسول الاِسلام التي ذُكِرتْ في القرآن الكريم.(1) على أنّ قُدرة الله أقوى وأسمى من أن تحول العواملُ الماديةُ والطبيعيةُ دون تحقّق معراج نبيه الكريم إلى العالَم الاَعلى، ووقوعه.

ج : مباهلته مع أهل الكتاب: لقد قام رسول الاِسلام ـ بهدف ـ إثبات حقّانيّته، وصدق دعوته بدعوة طائفة من أهل الكتاب إلى «المباهلة» وقال: (فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَك مِنَ العِلْمِ فقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا وَنِسَاءَكُمْ وأنفُسَنَا وأنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الكاذِبِين)(2).

ومن المُسَلَّم أنّ المباهَلة تنتهي بفناء أحد الفريقين المتباهِلَيْن، ولكنّ النبيَّ مع ذلك أعلن عن استعداده لذلك، فكانت النتيجةُ أنَّ أهلَ الكتاب لمّا شاهَدوا قاطعيّة النبي، وثباته العجيب، وكيف أنّه أتى بأعزّ أقربائِهِ إلى ساحة «المباهَلَة» من غير خوفٍ أو تهيّبٍ، انسحَبُوا، وقبلوا شرائط النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

ولقد قلنا عند الحديث عن الاِخبار بالغَيب أن السيدَ المسيحَ ـ عليه السلام ـ كان


1 . انظر الاِسراء | 1، والنجم | 7 ـ 18 .
2 . آل عمران | 61 .

(160)

يخبر عن الغيب(1) وقد أخبر النبيُّ الاَكرمُ محمدّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الغيب عن طريقِ الوحي كذلك، ومن إخباراته: الاِخبار بغَلَبة الروم على الفرس(2) وبفتح مكة(3).

إنّ هذه المعاجز هي التي ذَكَرَها القرآن الكريم، وأمّا ما ذكرهُ المؤرّخون والمحدّثون المسلمون من معاجز أُخرى لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فيفوق ما جاء ذكرُه في القرآنِ الكريمِ، وهي وإنْ لم تكن ـ في الاَغلب ـ متواترة إلاّ أنّه يتمتع مجموعُها بتواترٍ إجماليٍ.


1 . انظر آل عمران | 49 .
2 . انظر الروم | 2 .
3 . انظر الفتح | 27 .

(161)

خصائصُ نُبُوّةِ رسول الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّ لِدَعوة النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خصائصَ أهمُّها أربعة أُمور، نذكرها في ثلاثة أُصول:

الاَصلُ السابعُ والسبعون: عالمية دعوة النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورسالته

إنّ دعوةَ النبيّ الاَكرم ونبوَّتَه ورسالَتهُ، عالميةٌ، ولا تختصُّ بقومٍ دون قومٍ، ومنطقةٍ دون أُخرى. كما قال تعالى: (وَما أرْسلْناكَ إلاّكاّفةً للنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيْراً)(1).

ويقول أيضاً: (وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً لِلعالَمِين)(2).

من هنا نرى كيفَ أنّه كانَ يستفيدُ في دعوته من لفظة (النّاس) وقال :

(يا أيُّها النّاسُ قَد جاءَكُمُ الرَّسُولُ بالحقّ مِن رَبّكُمْ فآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ)(3).


1 . سبأ | 28 .
2 . الاَنبياء | 107 .
3 . النساء | 170 .

(162)

نعم عندما بدأَ النبيُّ الاَكرمُ دعوَته كان طبيعيّاً أنْ ينذِرَ قومَه في المرحلةِ الاَُولى، ويوجّه خِطابه إلى قومِهِ لينذرَ قوماً لم يُنذَرُوا مِن قَبل:

(لِتُنْذِرَ قوماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)(1).

ولكنَّ هذا لم يكن ليعني أنَّ مجالَ رسالته محدودٌ بجماعةٍ خاصةٍ، وإرشادِ قومٍ خاصّين.

ولهذا السبب نرى القرآنَ ـ أحياناً ـ في الوقت الذي يوجّه دعوته إلى جماعة خاصّة، يعمد فوراً إلى اعتبار دعوته تلك حجةً على كلّ الذين يمكن أن تبلغَهُمْ دعوتُه. إذ يقول: (وَأُوحِيَ إليَّ هذا القرآنُ لاَُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)(2).

إنّ مِنَ البديهيّ أنّ على الاََنبياء أنْ يَبدأوا أقوامَهم في البداية سواء أكانت دعوتهم عالميّة، أم محلِّية.

وهذا هو القرآنُ الكريم يُذَكّرُ بهذه الحقيقة:

(وَما أرْسَلْنا مِنْ رسَوِلٍ إلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبيّن لَهُمْ)(3).


1 . السجدة | 3 .
2 . الاَنعام | 19 .
3 . إبراهيم | 4 .

(163)

الاَصلُ الثامنُ والسبعون: إنّ نبي الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاتم الاَنبياء

إنّ نبوّة رسول الاِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نبوّةٌ خاتمةٌ، كما أنّ شريعته كذلك خاتمةُ الشرائع، وكتابهُ خاتمُ الكتب أيضاً.

يعني أنّه لا نبيَّ بعدَه، وأنّ شريعَتَه خالدةٌ، وباقيةٌ إلى يوم القيامة.

ونحنُ نستفيدُ من خاتميّة نبوّته أمرين:

1. إنّ الاِسلام ناسخٌ لجميع الشرائعِ السابقة، فلا مكانَ لتلك الشرائعِ بعد مجيَ الشريعةِ الاِسلاميةِ.

2. إنّه لا وجودَ لِشَريعةٍ سماويةٍ في المستقبل، وادّعاء أي شريعة بعد الشريعة الاِسلامية أمرٌ مرفوضٌ.

إنّ مسألة الخاتميّة طُرحت ـ في القرآن والاَحاديث الاِسلامية ـ بشكلٍ واضحٍ، بحيث لا تترك مجالاً للشك لاَحد.

وفيما يأتي نشيرُ إلى بعضها في هذا المجال :

(ما كانَ مُحمَّدٌ أبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِن رَسُولَ الله وَخاتمَ النَبِيّين وكان اللهُ بِكُلّ شَيءٍ عَليْماً)(1).

والخاتَم هو ما يوضع في الاِصبع من الحُليّ، وكان في عصر الرسالة يُخَتُم بفصّه على الرسائل، والمعاهدات، ليكونَ آيةً على انتهاءِ المكتوب.


1 . الاَحزاب | 40. لا تنحصر الآياتُ الدالّة على خاتميّة رسول الاِسلام في هذه، بل هناك سِت آيات قرآنية في هذا المجال تدلّ على خاتميته. راجع كتاب مفاهيم القرآن: 3 | 130 ـ 139 .

(164)

وفي ضوء هذا البيان يكون مفاد الآية هو أنّ كتابَ النبوّات والرسالات خُتِم بمجيَ رسول الاِسلام فلا نبيَّ بعدَه، كما يُخَتمُ الكتاب بالخاتَم، فلا كلامَبعدَه.

على أنّ لفظَ الرسالة حيث إنّه ينطوي على معنى إبلاغ أشياء (الرسالة) يتلّقاها النبي عن طريق الوحي (النبوة)، لهذا فإنّ من الطبيعي أنْ لا تكونَ الرسالة الاِلَهيّةُ من دون نبوّة، فيكون ختم النبوات ملازماً ـ في المآل ـ لختم الرسالات.

ثم إنّ في هذا المجال أحاديث وروايات متنوّعة، وعديدة، نكتفي بذكر واحد منها وهو حديثُ «المنزلة».

فعندما كان رسولُ الا ِسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ يريد أنّ ـ يتهيّأَ لغزوة تبوك، خلّف الاِمامَ عليّاً ـ عليه السلام ـ في المدينة وقال له: «أما ترضى أنْ تكونَ منّي بِمَنزلةِ هارونَ مِن مُوسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بَعدِي».

هذا وثمَّت مجموعةٌ من الاَحاديث المتواترةِ إجمالاً ترتبط بالخاتميّة عدا حديث «المنزلة» المتواتر نُقِلَت ورُوِيت في الكتب.

الاَصلُ التاسعُ والسبعون: كمال الدين الاِسلامي

إن سرَّ خلودِ الشريعة الاِسلامية يَكْمُنُ في أمرين :

ألف : إنّ الشَريعة الاِسلامية تُقَدّمُ لضمان وتحقيق حاجة البَشَرِ الطبيعيّة والفطريّة، الى الهدايات الاِلَهيّة، أكمل برنامج عُرِف بحيث لا


(165)

يمكن تصوّر ما هو أفضل وأكمل منه.

ب : بَيَّنَ الاِسلامُ في مجال الاَحكام العمليّة كذلك سلسلةً من الاَُصول والكليّات الجامعة والثابتة التي يمكنها أن تلبّي الحاجاتِ البشريةِ المتجدّدةِ والمتنوعة أوّلاً بأوّل.

ويشهد بذلك أنّ فُقَهاء الاِسلام (وبالاَخص الشيعة منهم) قدروا طوال القرون الاَربعة عشرة الماضية أنْ يلبُّوا كلّ إحتياجات المجتمعات الاِسلامية على صَعيد الاَحكام، ولم يَحْدُث إلى الآن أن عَجَزَ الفِقْهُ الاِسلاميّ عنِ الاِجابة على مُشكلةٍ في هذا المجال.

هذا والاَُمور التالية مفيدةٌ، ومؤثرةٌ في تحقيق هذه الغاية وهذا الهدف:

1 . حجيّة العقل:

إنّ اعتبار العقل، ومنحه الحجية، والقيمة المناسبة في المجالات التي يقدر فيها على الحكم والقضاء ، هو إحدى طرق استِنْباط وظائِفِ البشر في الحياة.

2 . رعايةُ الاَهمّ عِند مُزاحمة المهمّ:

إنّ الاَحكام الاِسلاميّة ـ كما نعلَمُ ـ ناشئةٌ من طائفة من الملاكات الواقعيّة، والمصالح والمفاسد الذاتيّة (أو العارضة) في الاَشياء، وهي ملاكاتٌ ربما أدرك العقلُ بعضها، وربما لم يدرِكِ البعضَ الآخر، وإنما بيَّنَها الشرعُ.


(166)

وفي ضوء معرفةِ هذه الملاكات يستطيعُ الفَقِيهُ ـ بطبيعة الحال ـ أن يحلَّ المشكلة بتقديم الاَهمّ على المهمّ، فيما إذا وقعَ تزاحمٌ بينهما .

3 . فتح باب الاجتهاد :

إن فتح باب الاِجتهاد في وجه الاَُمّة الاِسلامية ـ الذي يُعتبر من مفاخر الشيعة وامتيازات التشيّع ـ هو الآخرَ من الاَسباب الضامنة لخاتمِيّة الدين الاِسلاميّ واستمراريّته، لاَنّه في ظلّ الاِجتهاد الحيّ والمستمرّ يمكن استنباط أحكام الموضُوعات، والحوادث الجديدة، باستمرار، من القواعد والضوابط الاِسلامية الكليّة.

4 . الاََحكامُ الثّانَوِيّةُ :

هناك في الشريعة الاِسلاميّة مضافاً إلى الاَحكام الاَوّليّة، طائفةٌ من الاَحكام الثانوية التي تستطيع أن تحلَّ الكثيرَ من المشاكل.

فعلى سبيلِ المثال: عندما يصبَحُ تطبيقُ حكمٍ من الاَحكام الاِسلامية على موضوعٍ موجِباً للعُسر والحَرَج، أو مُستلزِماً للاِضرار بأشخاصٍ (بالشروط المذكورة في الفقه الاِسلاميّ) هناك أُصولٌ وقواعدُ مثل قاعدة «نفي الحرج»، أو «نفي الضرر» تساعد الشريعة الاِسلاميّة على فتح الطرق المسدودة وتجاوز المشاكل.

يقول القرآن الكريم: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1).

وجاء في الاَحاديثِ النَبَويّة: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»(2).


1 . الحج | 78 .
2 . وسائل الشيعة: 17، الباب 12 من إحياء الموات، الحديث 3.

(167)

ولابَدّ مِنَ القَول ـ بكل يقينٍ ـ بأنّ ديناً يَتحلّى بامتلاك هاتين القاعدتين ونظائرهما، لن يواجهَ أتباعُهُ قط طريقاً مسدوداً، في حياتهم، ومسيرتهم.

ومعالجةُ مَسألة الخاتميّة بشكلٍ مسهب موكولةٌ إلى الكتب الاِعتقادية.

الاَصلُ الثمانون: السهولة والاعتدال من خصائص الشريعة الاِسلامية

من خصائص الشَريعة الاِسلاميّة «الاِعتدالُ»، و «سهولة درك المفاهيم والاَحكام الاِسلامية»، وهو أمر يمكن أنْ يكون أَحدَ أهَمّ أسباب نفوذ هذا الدين وانتشاره بين شعوب العالم المختلفة.

إنّ الاِسلام يعرض ـ في مجال معرفة الله ـ توحيداً خالصاً، وواضحاً، وبعيداً عن أيّ إيهام وتعقيدٍ.

فسورة «التوحيد» التي هي من سُوَر القرآن القصار، يمكن أنْ تكون خير شاهد على هذا الاَمر.

كما أنّ القرآنَ يُؤكّد في مجال مكانة الاِنسان أيضاً على مَبدأ التَّقوى الّذي هو شاملٌ لجميع الخِصال الاََخلاقية، الرفيعة، والنبيلة.

وفي مجال الاَحكام العملية نرى كذلك أنّ الاِسلام يَنفي أيَّ عُسْرٍ وحَرَجٍ، وقد وَصَفَ النبيُّ نفسُهُ شريعتَهُ بالسهولة والسَّماحة فقال: «جِئْتُ بالشَرِيعةِ السَّهْلةِ السَّمْحَةِ».


(168)

ورغم أنَّ بعضَ المستشرقين بسبب جهلهم أو عنادِهم يرون أنّ القوّة والسَيف كان هو السبب في انتشار الاِسلام السريع، والعريض في العالم، فَإنّ المحقّقين المنصفين وغير المغرضين حتى من العلماء غير المسلمين يذعنُون ـ بكلّ صَراحة ـ أنَّ أهمَّ عاملٍ لانتشار الاِسلام السريع، هو وضوح التعاليم والاَحكام الاِسلامية وجامعيّتها. كما قال العالِمُ الفرنسي المعروف، الدُكتور «غوستاف لوبون» في هذا المجال: إنّ رمزَ تقدّم الاِسلام يكمن في سُهُولته. إنّ الاِسلام منزّه عن الاَُمور التي يمتنعُ عن قبولها العقلُ السليم، والتي يوجَد نماذج كثيرة لها في الشرايع الاَُخرى.

إنّنا مهما أمعنّا النظر وفكرنا فإنّنا لن نجد أبسط من أُصول الاِسلامِ الذي يقول: اللهُ واحد، والناسُ أمامَ الله سواسية، والاِنسانُ يحظى بالجنة والسعادة بالاِِتيان بعدّة فرائض دينية، ويقع بالاِعراض عنها في جهنم.

إنّ وضوح الاِسلام وتعاليمه وبساطتها هذه ساعدت كثيراً على تقدّم هذا الدين في العالم.

والاَهم من هذا، ذلك الاِيمانُ الراسخُ الذي صَبَّه وأوجدَه في القلوب، إنّه إيمانٌ لا تقدر أيّةُ شُبْهةٍ على اقتلاعه.

إنّ الاِسلامَ كما انّه يكون أنسبَ من أيّ دينٍ آخر، وأكثره ملائمةً مع المكتشفات العلمية. كذلك هو في مجال حمل الناس على العفو والصفح أكبر دين يستطيع أنّ يتولّى مهمة تهذيب النفوس والاَخلاق(1).


1 . حضارة العرب تأليف غوستاف لوبون .

(169)

الاَصلُ الواحدُ والثمانون: صيانة القرآن من التحريف

إنّ الكتبَ السماويّة التي عَرَضَها الاَنبياء السابقون تعَرضت ـ وللاَسف ـ من بعدهم للتحريف بالتدريج بسبب الاَغراض المريضة، وبسبب مواقف النفعيّين.

ويشهَد بذلك ـ مضافاً إلى إخبار القرآنِ الكريم بذلك ـ شواهدُ تاريخيّة قاطعةٌ.

كما أنّ مطالعة نفس تلك الكتب والتأمل في محتوياتها من المواضيع تدلُّ على ذلك أيضاً، فإنّ هناك طائفة من المواضيع في هذه الكتب لا يمكن أن يؤيّدها الوحيُ الاِلَهيّ.

هذا بغضّ النظر عن أنّ الاِنجيل الحاضر يحتوي في أكثره على حياة السيّد المسيح ـ عليه السلام ـ ، وحتى صَلْبِهِ.

ولكن رغم وقوع التحريفات الواضحة في الكتب السماويّة السابقة، فإنّ القرآنَ الكريم بقي مصوناً من أيّ نوعٍ من أنواع التحريف، والتغيير.

فإنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ترك للبشرية من بعده (مائةً وأربع عَشَرة) سورة قرآنيّة، كاملة، وقد قام كُتّابُ الوَحي، وبالخُصوص الاِمامُ عليٌّـ عليه السلام ـ بكتابة الوحي، وتدوينه منذ البداية.

وَلِحُسن الحظّ لم ينقص من القرآن الكريم، وسُوَره، وآياتِهِ شيءٌ قَطّ رغم مرور قرابة (15) قرناً على بدء نزول القرآن، كما لم يُزَد عليه شيءٌ


(170)

أبداً. ونشير فيما يلي إلى بعض الاَدلّة على عَدَم تحريف القرآنِ الكريم:

1. كيف يمكن أن يجدَ التحريفُ سبيلاً إلى القرآنِ الكريم، في حين أنّ الله تعالى تعهَّدَ صراحةً بحفظ القرآن، بنفسِهِ إذ قال: (إنّا نَحْنُ نَزَّلنا الِذّكْرَ وَإنّا لَهُ لحافِظُونَ)(1).

2. إنّ الله تعالى نفى تطرُّق أيِّ نوعٍ من أنواع الباطل إلى القرآن الكريم مهما يكن مصدرُهُ، نفياً قاطعاً فقال: (لا يأتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِن خَلْفِهِ تِنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(2).

إنَّ الباطلَ الّذي يمكن أنْ يَتَطَرَّقَ إلى القرآن الكريمِ بصُوَرِهِ المختلفة، والذي قد نفاه الله تعالى نفياً قاطعاً، لا شكَّ هو الباطل الذي يوجب وَهْنَ القرآن الكريم، ويُضعِفُ مِن مكانتهِ ويَحُطُّ من مَنزلتِهِ، وحيث إنّ النَقْصَ من القُرآنِ الكريم، أو الزيادة في كلماته، وألفاظه مما يوهن مكانة القرآن قطعاً، ويقيناً، ويَحطُّ من شأنه، لهذا لا يوجد أيّ لونٍ من ألوانِ الزيادةِ والنقص في القرآن الكريم أبَداً، ويقيناً.

3. إنّ التاريخ يشهدُ بأنَّ المسلمين كانوا يعتنون بالقرآن الكريم تعلّماً وتعليماً، قراءةً وحِفظاً أشدّ الاعتناء، وكان العرب في عصر النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتمتّعون بحافظةٍ قويّةٍ وذاكرةٍ حادّة بحيث إذا سمعوا خطبةً أو قصيدةً طويلةً مرةً واحدةً حَفِظوها، وأتقنوها.

وعلى هذا كيف يمكن أن يُقال أنّ كتاباً مثل هذا، مع كثرة قارئيه،


1 . الحجر | 9 .
2 . فصلت | 42 .

(171)

ووفرة حافظيه والمعتنين به، تعرّض للتحريف، أو الزيادة والنقصان؟!

4. لا شكَّ في أنّ الاِمام أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ كان يختلف مع الخلفاءِ، في بعض المسائل، وكان يُظهِرُ مخالفَتُهُ لهم في موارد مختلِفة بِصُورةِ منطقيّة، وتتمثل هذه الاِعتراضات في الخطبة الشقشقيّة وبعض مناشداته على سبيل المثال.

ولكنّه لم يُسَمعْ ولا مرّةً واحدةً بأنّه ـ عليه السلام ـ تَحَدّثَ ـ ولا بِكلَمَةٍ واحدةٍ ـ عن تحريف القرآن الكريم، طيلة حياته.

فإذا كان هذا التحريف حدث ـ والعياذ بالله ـ لما سَكتَ عنه الاِمامُ أميرُ المؤمنينـ عليه السلام ـ ، بل ـ على العكس من ذلك ـ نجده ـ عليه السلام ـ يدعو إلى التأمُّل والتَدَبُّر في القرآنِ الكريمِ ومن ذلك قولهُ: «لَيْسَ لاََحدٍ بَعْد القُرآنِ مِن فاقَةٍ ولا بَعْدَ القرآنِ مِن غِنىً فكونوا من حَرَثَتِهِ وأتباعِهِ»(1).

وبالنظر إلى هذه الاَدلة ونظائرها أكّدَ علماءُ الشيعة الاِمامية واتّباعاً لاَهل البيت: منذ أقدم العصور الاِسلامية، على صيانة القرآن الكريم من التحريف نذكر منهم:

1. الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ ق) والذي كان يعيش في عصر الاَئمة:، وذلك في كتاب الاِيضاح | 217.

2. الشيخ الصدوق (المتوفّى 381 هـ ق ) في كتاب الاعتقادات | 93.

3. الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ ق) في كتاب أجوبـة المسائل


1 . نهج البلاغة، الخطبة 176 .

(172)

السروّية، المطبوع ضمن مجموعة الرسائل | 266.

4. السيّد المرتضى (المتوفّى 436 هـ. ق) في كتاب: جواب المسائل الطرابلسيات الذي نقل الشيخ الطبرسي كلامه فيه، في مقدمة تفسيره: مجمع البيان.

5. الشيخ الطوسيّ المعروف بشيخ الطائفة (المتوفّى 460 هـ. ق ) في كتاب: التبيان1|3.

6. الشيخ الطبرسيّ (المتوفّى 548 هـ. ق) في مقدمة كتابه: «مجمع البيان»، حيث أكَّدَ فيها على عدم وقوع التحريف في القرآن الكريم.

7. السيد ابن طاووس (المتوفّى 664 هـ. ق) في كتاب: «سعد السعود|144» حيث يقول فيه: إن عدم التحريف هو رأي الاِماميّة.

8 . العلامة الحِلّي (المتوفّى 726 هـ. ق) في كتاب: «أجوبة المسائل المهنّائية | 121» حيث يقول فيه: «الحقُّ أنّه لا تبديلَ ولا تأخير ولا تقديم فيه، وأنّه لم يُزَد فيه ولم يُنْقص، ونعوذ بالله تعالى من أن يُعتَقَدَ مثلُ ذلك، فإنّه يوجب التَطَرُّق (أي تطرّق الشَكّ والوَهْن) إلى معجزة الرَسُّولـ عليه السلام ـ المنقولة بالتّواتر».

ونكتفي بهذا القدر من أسماء علماء الاِمامية المنكرين للتحريف، ونؤكّد على أنّ هذا كان ولم يزل إعتقاد عُلَماء الامامية، ويتّضح ذلك من مراجعة ما كتبه ويقوله مراجع الشيعة في العصر الحاضر.


(173)

الاَصلُ الثاني والثمانون: مناقشة الروايات الدالّة على تحريف القرآن وردّها

لقد وَرَدَت في كتب الحديث، والتفسير، رواياتٌ يدل بعضُها على وُقوع التحريف في القرآن الكريم، ولكن يجب أن ننتبه إلى النقاط التالية:

أوّلاً: أنّ أكثر هذه الروايات نُقِلَتْ بواسطة أفراد غير موثوق بهم وجاءت في كتب لا قيمة لها. مثل كتاب «القراءات» لاَحمد بن محمد السياري (المتوفّى 286 هـ ق) الذي ضَعَّفَهُ علماءُ الرجال وضعَّفوا رواياته، واعتبروه فاسد المذهب(1) أو كتاب علي بن أحمد الكوفي (المتوفّى 352 هـ ق) الذي قال عنه علماء الرجال بأنّه صار غالياً في أُخريات حياته.(2)
ثانياً: بعض هذه الروايات التي حُمِلَت على التحريف، لها جانبُ التفسير، أي أنّها تفسّر الآية، وتكون من قبيل تطبيق المفادِ الكليّ للآية على مصاديقه، أو أحد مصاديقه. غير أنّ البعضَ تصوّر أنّ ذلك التفسير والتطبيق هو جزءٌ مِن القرآن الكريم، وقد حُذِفَ، أو سقطَ من القرآن الكريم.

فمثلاً فُسرت لفظةُ «الصِراط المُستَقيِم» في سورة الحمد في الروايات بـ «صراط النبي وأهل بيته» ومن الواضح جدّاً أنّ مثل هذا التفسير هو نوع من أنواع التطبيق الكليّ على المصداق الاَكمل(3).


1 . رجال النجاشي: 1 | 211 رقم الترجمة 190 .
2 . رجال النجاشي: 1 | 96 رقم الترجمة 689 .
3 . الطبرسي: مجمع البيان: 1 | 28.

(174)

ولقد قَسَّمَ الاِمامُ الخمينيّ؛ الرواياتِ التي فُهِمَ منها وقوعُ التحريف في القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام:

ألف : الروايات الضَعيفةُ التي لا يمكن الاِستفادة منها والاَخذ بها أبداً.

ب : الروايات المختلَقَة التي تلوح عليها علائم الوضع والاِختلاق.

ج : الروايات الصحيحة التي لو تأمَّلْنا فيها بدقّة لاتّضح أنّ المقصودَ منها ليس هو التحريف اللَفظيّ (أي الزيادة والنقصان اللفْظِيّ) بل هو تحريف حقائِقها ومفاهيمها.(1)
ثالثاً : انّ الواجب على الذين يريدون التعرّف على المعتقد الواقعي لاَتباع مذهب من المذاهب، أنْ يرجعوا إلى الكتب الاعتقاديّة والعِلمية لذلك المذهب، لا الكتب الحديثية (أي التي تضم الاَحاديث والاَخبار) التي يَهتَمُّ مؤلفها في الاَغلب بجمع الاَحاديث وتدوينها، تاركاً التحقيق فيها، والاِستفادة منها للآخرين.

كما أنّه لا يكفي لمعرفة المعتقد الحقيقيّ والمسَلَّم لاَي مذهَبٍ من المذاهب، الرجوعُ إلى الآراء الشاذّة التي طَرَحَها أو يطرحُها أفرادٌ من أتباع ذلك المذهب.

وأساساً لا يمكن الاِستناد إلى قولِ فردٍ أو فردين في مقابل رأي الاَكثريّة القاطعة والساحقة من عُلَماء المذهب وجعله مِلاكاً صحيحاً


1 . تهذيب الاَُصول: 2 | 96 .

(175)

للحُكمِ على ذلك المَذهَب.

وفي خاتمة البحث عن التحريف من الضَروريّ أنْ نُذَكّرَ بعدة نقاط هي:

1. إنّ اتّهام بعض المذاهب الاِسلامية البعضَ الآخر بتحريف القرآن وخاصّة في العصر الحاضر لا يستفيد منهُ سوى أعداء الاِسلام، وخصومه، ومناوئيه.

2. إذا أقدَمَ أحدُ علماء الاِمامية بكتابة كتاب حولَ تحريف القرآن، وجب أن نعتبر ذلك رأيه الشخصيّ وليس رأيَ الاَكثريّة الساحقة من علماء الاِمامية.

ولهذا نرى أنّه أقدم علماءُ كثيرون من الاِِمامية على كتابة ردودٍ عديدةٍ على ذلك الكتاب. تماماً كما حَدَثَ في أوساط أهل السنة حيث أقدم أحدُ علماء مصر على تأليف كتابٍ في تحريف القرآن باسم «الفرقان» عام 1345 هـ. ق، فَرَدَّ عليه علماءُ الاَزهر، وأمَرُوا بمصادَرَتِهِ.

3. إنّ من العجيب جداً أن يحمل بَعْضُ المغرضين الذين أيسوا من الاَساليب الاَُخرى، كلّ هذه التصريحات القاطعة من قِبَل علماء الشيعة الاِماميّة بعدم تحريف القرآن الكريم على «التقيّة»!!

فإنّه يقال لهؤلاء بأنّ «التقية» ترتبط بأحوال شخصٍ يكون في ظروف الخوف والخطر، وهؤلاء العلماء الكبار لم يكونوا يخافون أَحداً حتّى يضطرّوا إلى ممارسة «التقيّة».


(176)

ثم إنّ هذه الكتب قد ألّفها علماءُ الاِمامية ـ في الاَساس ـ لاَتباع المذهب الشيعيّ، والهدف منها هو تعليم عقائد الشيعة لاَتباع ذلك المذهب، ولهذا فإنّ من الطبيعي أنْ تحتوي هذه الكتُبُ على العَقائِدِ الحقيقية.



(177)

كليات في العقيدة

6

الفصل السابع

الإمامَةُ والخِلافَةُ


(178)


(179)

لَقَدْ رَحَلَ النبيُّ الاَكرمُ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مطلع العام الحادي عشر الهجري بعد أنْ اجتهد طوال 23 سنة في إبلاغ الشريعة الاِسلامية.

ومع رحيل النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انقطعَ الوحيُ، وانتهت النُبوَّةُ، فلم يكن نبيٌّ بعده ولا شريعةٌ بعد شريعته، إلاّ أنّ الوظائف والتكاليف التي كانت على عاتق النبيّ محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (ما عدا مسألة تلقِّي الوحي وإبلاغه) لم تنته حتماً.

ولهذا كان يجب أن يكونَ بعد وفاته شخصيةٌ واعيةٌ وصالحةٌ تواصل القيام بتلك الوظائف والمهام وتقود المسلمين ويكون لهم إمامٌ خلافةً عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

إنّ مسألة ضرورة وجود خليفة للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ موضعُ اتّفاق بين المسلمين، وإنْ اختلف الشيعة والسنة في بعض صفات ذلك الخليفة وطريقة تعيينه.

فلابدّ في البداية من توضيح معنى «الشيعة» و «التشيع»، وتاريخ نشأته وظهوره، ليتسنّى بعد ذلك البحثُ في المسائل المتعلّقة بالاِمامة والخلافة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


(180)

الاَصلُ الثالث والثمانون: الشيعة لغة واصطلاحاً

«الشِيعَة» في اللغة بمعنى التابِع، وفي الاصطلاح تُطلَقُ هذه اللفظة أو التسمية على فريقٍ من المسلمين يعتقدون بأنّ قيادة الاَُمّة الاِسلاميّةِ بعد وفاةِ رَسُول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي من حق الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ وأبنائه المعصومين.

وقد تَحَدّثَ النبيُّ الاَكرمُ أيّام حياته عن فضائل الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ ومناقبه، وكذا عن قيادته وزعامته للاَُمّة الاِسلاميّة من بعده، مراراً وفي مناسبات مختلِفة، بشهادة التاريخ المدوَّن.

إنّ هذه التوصيات والتأكيدات تسبَّبت ـ كما تحدِّثُنا الاَحاديثُ الموثّقة ـ في أن يلتَفَّ فريقٌ مِنَ الصحابة حول الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ في حياة النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتحبّه قلوبُهم، فتُعْرف بشيعةِ عليّ ـ عليه السلام ـ .

ولقد بقيت هذه الثُلّة من الصحابة على ولائها واعتقادها السابق بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دون أنْ تؤثر المصالحَ الفرديّةَ على تنصيص رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووصيَّته في مجال الخلافة وقيادة الاَُمّة من بعده.

وهكذا سُمِّيَت جماعةٌ من المسلمين في عصر رسول الله، وبَعد حياته الشريفة ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالشيعة. وقد صَرحَ بهذا جماعةٌ من المؤلّفين في الملل والنحل.

فالنوبختي ( المتوفّى 310 هـ ) يكتب قائلاً: الشيعة هُم أتباع علي بنِ أبي طالب ـ عليه السلام ـ المسَمُّون بِشيعةِ علي ـ عليه السلام ـ في زمان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبعده،


(181)

معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(1).

وقال أبو الحسن الاََشعري: وإنّما قيل لهم (شيعة) لاَنّهم شايعوا عليّاً، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (2).

وقال الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايَعوا علِيّاً على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافتِهِ نصّاً ووصيّة.(3)
وعلى هذا الاَساس فليس للشيعة تاريخ غير تاريخ الاِسلام وليس له مبدأُ ظهور غير مبدأ ظهور الاِسلام نفسه، وفي الحقيقة إنّ الاِسلام والتشيّع وَجْهان لعُملةٍ واحدةٍ أو وَجهان لحقيقةٍ واحدةٍ، وتوأمان وُلدا في زَمَنٍ واحدٍ.

وقد ذكر المحدّثون والمؤرّخون أنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دعا في السَنَوات الاَُولى من دعوته بني هاشم، وجمعهم في بيته وأعلن فيهم عن خلافة عليّ ووصايته (في ما يسمّى بحديث بَدء الدعوة أو يوم الدار)(4) وأعلن عن ذلك للناس فيما بعد مكرّراً، وفي مناسبات مختلفة ومواقف متعدّدة، وبخاصة في يوم الغدير، الّذي طرح فيه خلافة عليٍ بصُورةٍ رسميّة، وأخذَ البيعة من النّاس له وسيوافيك تفصيله.

إنّ التشيُّع ليس وليدَ حوادث السقيفة ولا فتنة مصرع عثمان وغيرها


1 . فِرَق الشيعة، ص 17 .
2 . مقالات الاِسلاميين: 1 | 65 .
3 . الملل والنحل: 1 | 131 .
4 . راجع تاريخ الطبري: 2 | 62 ـ 64 .

(182)

من الاَساطير، بل انّ النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الذي بذر بذرة التشيع لاََوّل مرة وغرس غرستها في قلوب الصحابة بتعاليمه السماوية المكرّرة.

ونمت تلك الغرسة فيما بعد شيئاً فشيئاً، وعُرِف صحابةٌ كبارٌ كأبي ذرّ، وسلمان، والمقداد، باسم الشيعة.

وقد ذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُوْلئكَ هُمْ خَيْرُ البَريّةِ)(1).

قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «هُمْ عَلِيٌّ وَشِيْعَتُهُ»(2).

على أنّه لا تَسَعُ هذه الرسالةُ المختصرةُ لذكر أسماء الشيعة الاَوائل من الصَّحابة، والتابعين الذين اعتَقَدُوا بخلافَتِهِ للنبِيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بصورةٍ مباشرةٍ وبلا فصل.

إنّ التشيُّعَ بالمفهوم المذكور هو الوجه المشترك بين جميع الشيعة في العالم، والذين يشكّلون قِسماً عظيماً مِن مُسْلِمِي العالم.

ولقد كانَ للِشيعة جنباً إلى جنب مع سائر المذاهب الاِسلامية وعلى مدى التاريخ الاِسلامي إسهامٌ عظيمٌ في نشر الاِسلام، وقَدَّمُوا شخصياتٍ عِلميّة وأَدَبيّة وسياسيّة جدّ عظيمة إلى المجتمع البشري ولهم حضور فاعل في أكثر نقاط العالم الراهِن أيضاً.


1 . البينة | 7 .
2 . الدر المنثور، سورة البيّنة .

(183)

الاَصلُ الرابعُ والثمانون: الاِمامة مسألة إلهية

إنّ مسألةَ «الاِمامة» ـ كما سنثبِتُ ذلك من خلال الاَُصول القادمة ـ كانت مسألة إلَهيّة، وسماويّة، ولهذا كان من اللازم أن يتم تعيينُ خليفة النبي كذلك عبر الوحي الاِِلَهيّ إلى النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويقوم النبيُّ بإبلاغه إلى الناس.

وقبل أن نعمدَ إلى استعراض وبيان الاَدلّةِ النقليّة والشرعيّة في هذا المجال، نستعرض حُكم العقلِ في هذه الحالة، آخذين بنظر الاعتبار ظروف تلك الفترة (أي فترة ما قبل وما بعد رحيل النبيّ)، وملابساتها.

إنَّ العقلَ البديهيَّ يحكم بأنّ أي إنسانٍ مصلحٍ إذا استطاع من خلال جهودٍ مُضنيةٍ دامت سَنَواتٍ عديدةً، من تنفيذ أُطروحةٍ اجتماعيّة خاصة له، وابتكر طريقة جديدة للمجتمع البشريّ فإنّه لا بدّ من أن يفكِّر في وسيلةٍ مؤثِّرة للاِبقاء على تلك الاَُطروحة، وضمان استمرارها، بل رُشدها، ونموّها أيضاً، وليس من الحكمة أن يؤسّسَ شخصٌ مّا بناءً عظيماً، متحمّلاً في ذلك السبيل متاعبَ كثيرة، ولكن لا يفكِّر فيما يقيه من الاَخطار، ولا ينصب أحداً لصيانته والعناية به، من بعده.

إنَّ النبيَّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو من أكبر الشخصيّات العالميّة في تاريخ البشريّة، قد أوجَد ـ بما أتى من شريعة ـ أرضيّةً مساعدةً لتحوّلٍ إلهيٍّ عالميٍ كبيرٍ، ومَهَّدَ لقيام حضارةٍ جدُّ حديثةٍ، وفريدةٍ.

إنّ هذه الشخصيّة العظيمة، التي طَرَحَت على البشريّة شريعةً


(184)

خالدةً، وقادت المجتمعَ البشريّ في عصرِهِ وأيام حياته، من المسلَّم أنّه فَكَّر لحفظ شريعته من الاَخطار والآفات المحتملة التي تهدِّدها في المستقبل، وكذا لهداية أُمّته الخالدة، وإدارتها، وبيّن صيغة القيادة من بعده، وذلك لاَنّه من غير المعقول أن يؤسّس هذا النبيُ الحكيمُ قواعدَ شريعةٍ خالدةٍ أبديّةٍ، دون أنْ يطرح صيغة قويّة لقيادتها من بعده، يضمن بها بقاء تلك الشريعة.

إنَّ النبيَّ الَّذي لم يألُ جُهداً في بيان أَصغر ما تحتاج إليه سعادةُ البشرية، كيفَ يُعقَل أنْ يسكتَ في مجال قيادة المجتمع الاِسلامي وصيغتها، وكيفيتها، والحال أنها من المسائل الجوهريّة، والمصيريّة، في حياة الاَُمّة، بل وفي حياة البشريّة، وفي الحقيقة يترك المجتمعَ الاِسلاميَّ حيارى مهمَلين، لا يَعرِفون واجبهم في هذا الصعيد؟!

وعلى هذا الاَساس لا يمكن مطلقاً القبولُ بالزَّعم القائل بأنَّ النبيّ الاَكرم أغمض عينيه عن الحياة دون ان ينبس ببنت شفة في مجال قيادة الاَُمّة.

الاَصلُ الخامسُ والثمانون: الاِمامة والخطر الثلاثي المشؤوم: الروم والفرس والمنافقون

إنّ مراجعةَ التاريخ، وأخذِ الظروف التي كانت تحيط بالمنطقة، وبالعالم في زمان رحيل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقُبَيل وفاتهِ بالذات بنظر الاعتبار تثبت ـ بِوُضوح ـ بداهة وضرورةَ «تنْصيصيَّة» منصب الاََمامة وذلك لاَنّ أخطاراً ثلاثة كانت تهدّد الدينَ والكيانَ الاِسلاميَّ، وتحيط به على شكلِ


(185)

مُثَلّثٍ مَشؤُومٍ.

الضِلعُ الاَوَّل مِن هذا المثلَّث الخَطِر كان يتمثَّل في الاِمبراطورية الروميّة.

والضلع الثانِي كانَ يَتمثّل في الاِمبراطوريّة الفارسيّة.

والضلعُ الثالث كان يَتَمثَّل في فريق المنافقين الداخِلِيّين.

وبالنسبة لخَطَر الضلعِ الاَوّل، وأهميّته القُصْوى يكفي أنَ نعلمَ أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يزل يفكر فيه حتى آخر لحظة من حياته، ولهذا جهّزَ ـ قُبَيل أيّام بل ساعاتٍ من وفاته ـ جيشاً عظيماً بقيادة «أُسامة بن زيد» وبَعَثَه لمواجهة الروم، كما ولَعَنَ مَن تَخلَّفَ عنه أيضاً.

وبالنسبة لخطَر الضِلعِ الثاني يكفي أن نعرفَ أنّه كان عَدُوّاً شرساً أيضاً أقدمَ على تمزيقِ رسالةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكتب إلى حاكم اليمن بأنْ يقبضَ على رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويبعث به إليه، أو يرسلَ إليه برأسه.

وبالتالي بالنسبة إلى الخَطَر الثالث يجب أن نعلمَ أنّ هذا الفريق (أي المنافقين) كان يقوم في المدينة بمزاحمة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باستمرار وكان المنافقون هؤلاء يؤذونه بالمؤامرات المتنوعة، ويعرقلون حركته، وقد تحدّث القرآنُ الكريمُ عنهم وعن خصالهم، ونفاقهم، وأَذاهم، ومحاولاتهم الخبيثة في سوره المختلفة إلى درجة انّه سمّيت سورة كاملة باسمهم، وهي تتحدّث عنهم وعن نواياهم وأعمالِهم الشرّيرةِ.

والآن نطرحُ هذا السؤالَ وهو: هل مع وجودِ هذا المثلَّث الخَطِر كانَ


(186)

من الصحيحِ أنْ يترك النبيُ الاَكرمُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الاَُمّة الاِسلاميةَ، والدينَ الاِسلاميَ اللّذَين كانا محاطَين بالاَخطار من كلّ جانب، وكان الاَعداءُ لهما بالمرصاد من كلّ ناحية، من دونِ قائدٍ معيّنٍ؟!!

إنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولاشكَّ كانَ يَعْلَم أن حياةَ العرب حياة قَبَليّة، عشائرية وأنّ أفرادَ هذه القبائِل كانَتْ مُتَعَصِبّة لرؤساء تلك القبائل، فهم كانوا يطيعون الرؤساء بشدّة، ويخضَعُون لهُمْ خضوعاً كبيراً، ولهذا فإنَّ ترك مِثل هذا المجتمع مِن دون نصبِ قائدٍ معيّن سوف يؤدّي إلى التشتت والتنازع بين هذه القبائل، وسيستفيد الاَعداء من هذا التخاصُم والتَنازع، والاِختلاف .

وانطلاقاً من هذه الحقيقة قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: «الاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف»(1).

الاَصلُ السادسُ والثمانون: تعيين الاِمام والخليفة في أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

والآن وَبعدَ أنْ ثَبَتَ أنَّ حِكمةَ النبيّ وعلمهُ كانا يقتَضِيانِ بأن يتخذ موقفاً مناسِباً في مجالِ الِقيادة الاِسلاميّة مِن بَعدِهِ، فَلْنرَى ماذا كانَ الموقف الذي اتخذه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا الصعيد؟

هُناكَ نظريَّتان في هذا المَجال نُدرِجُهُما هنا، ونعمَدُ إلى مناقشتهما:

النظرية الاَُولى: انّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اختار بأمرِ الله تعالى شخصاً مُمتازاً


1 . الشفاء، الاِلَهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، 564 .

(187)

صالِحاً لقيادةِ الاَُمّة الاِسلامِيّة، ونَصَبَهُ لِخلافَتهِ وأخبرَ النّاسَ بذلك.

النظرية الثانية: أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أوكَلَ اختيار القائد والخليفة من بعده إلى النّاس، انفسِهِم، لينتَخِبوا ـ هم بأنفسِهِم ـ شخصاً لهذا المنصب.

والآن يجب أن نرى أيّة واحدة من النظريتين تُستفاد من الكِتابِ والسُّنة والتاريخِ؟

إنَّ الاِمعانَ في حياة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مُنذ أن كُلّف بتبليغِ شرِيعتهِ إلى أقربائِهِ وعَشيرته، ثم الاِعلان عن دعوتهِ إلى النّاس كافّة، يفيد أن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سلك طريق «التنصيص» في مسألة القيادة، والخلافة، مراراً، دون طريق «الاِنتخاب الشعبيّ» وهذا الموضوع نثبتهُ من خلال الاَُمور التالية:

1. حديث يوم الدار

بعد أن مضت ثلاثُ سَنَوات على اليوم الذي بُعِثَ فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كَلّفهُ اللهُ تعالى بأن يبلّغَ رسالَتَه لاَبناءِ قَبيلتِهِ، وذلك عندما نَزَل قولهُ عز وجلّ: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبِينَ)(1).

فَجَمَع النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رؤوسَ بني هاشم وقال : «يا بني عبد المطّلب إنّي واللهِ ما أعلمُ شابّاً في العَرَبِ جاء قومَه بأفضل ممّا قد جئتكم به إنيّ قد جئتكُم بخَيِر الدُنيا والآخِرة وقد أمَرَنيَ اللهُ تعالى أنْ أدعوكم إليه فأيُّكم يؤازرني على هذا الاَمر يكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم».


1 . الشعراء | 214 .

(188)

ولقد كرّر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ العبارة الاَخيرة ثلاثَ مرّات، ولم يقمْ في كلّ تلك المرّات إلاّ الاِمامُ علي ـ عليه السلام ـ ، الّذي أعلَنَ عن استعدادِهِ في كلّ مرّة لمؤازرةِ النَبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونُصْرته، وفي المرّة الثالِثة قال النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنَّ هذا أخِي وَوَصيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاْسمَعوا لَه وأطيعُوا»(1).

2. حَديِثُ المَنْزِلَةِ

لَقد اعتبر النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منزلةَ «عليّ ـ عليه السلام ـ » منه على غرارِ منزلةِ هارون من موسى8، ولم يستثنِ من منازِلِ ومراتبِ هارون من موسى إلاّ النبوّة حيث قال: «يا عليّ أما ترضى أن تكونَ مِنّي بمنزلةِ هارونَ من مُوسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي»(2) ن وهذا النفي والسَلب هو في الحقيقة من بابِ «السالبة بإنتفاءِ الموضوعِ». اذ لم تكن بعد رسولِ الله الخاتم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نبوّةٌ حتى يكونَ عليٌ نبيّاً من بعده إذ بنُبُوّة رسولِ الاِسلام خُتمت النبوّات، وبِشريعتِهِ خُتِمت الشّرائِع.

ولقد كانَ لِهارون ـ بنَصّ القرآنِ الكريمِ ـ مقامُ «النبوّة»(3) و «الخلافة»(4)


1 . مسند أحمد: 1 | 159؛ تاريخ الطبري: 2 | 406؛ تفسير الطبري (جامع البيان): 19 | 74 ـ 75، تفسير الشعراء، الآية 214 .
2 . صحيح البخاري: 6 | 3 طبع 1312 هـ ، باب غزوة تبوك؛ صحيح مسلم: 7 | 120، باب فضائل الاِمام علي ـ عليه السلام ـ ؛ سنن ابن ماجة: 1 | 55 باب فضائل أصحاب النبي؛ مسند الامام أحمد: 1 | 173، 175، 177، 179، 182، 185 و 230؛ والسيرة النبوية لابن هشام: 4 | 163 (غزوة تبوك).
3 . (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمتنَا أخاهُ هارُونَ نَبِيّاً) (مريم | 53).
4 . ( وَقَالَ مُوسَى لاََخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْني في قَوْمِي) (الاَعراف | 142).

(189)

و«الوزارة »(1) في زمانِ مُوسى، وقد أثبتَ حديثُ «المنزلة» جميعَ هذه المناصب الثابتة لهارون للاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ ما عدا النُبُوَّة، على أنّه إذا لم يكن المقصودُ مِن هذا الحَديث هو إثباتُ جميعِ المناصبِ والمقاماتِ لعليّ إلاّ النبوَّة، لم يكنْ أيّة حاجة إلى استثناء النُبوّة.

3. حَدِيثُ السَّفِينَةِ

لقد شَبَّه النبيُّ الاَكرمُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أهلَ بيته بِسَفينةِ نوح الّتي من رَكبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق في الطوفانِ كما قال: «ألا إنّ مَثَل أهلِ بيتي فِيكم مَثلُ سَفينة نُوح في قومه مَن رَكبها نَجا، ومَن تَخلَّفَ عَنها غرِق»(2).

ونحنُ نَعلمُ أنّ سَفينة «نوح» كانت هي الملجأ الوحيد لنجاة الناس من الطوفان في ذلك الوقت.

وعلى هذا الاَساس فإنّ أهلَ البيت النبويّ ـ وفقاً لحديث سفينة نوح ـ يُعتَبرُون الملجأ الوَحيد للاَُمّة للنجاة من الحوادث العصيبة والوقائع الخطيرة التي طالما تُؤدّي إلى انحراف البشرية وضلالها.

4. حديث «أمان الاَُمّة»

لقدَ وَصَفَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أهل بيته بكونهم سَبَباً لوحدة المسلمين،


1 . (وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي) (طه | 29).
2 . مستدرك الحاكم: 3 | 351؛ الصواعق المحرقة، ص 91؛ ميزان الاعتدال: 1 | 224؛ تاريخ الخلفاء، ص 573؛ الخصائص الكبرى: 2 | 266؛ ينابيع المودة، ص 28؛ فتح القدير، ص 113؛ وكتب أُخرى.

(190)

وممّا يوجِبُ ابتعادهم عن الاِختلاف والتَشتّت وأماناً من الغَرق في بحر الفِتنة، إذ قال: «النجومُ أمانٌ لاَهل الاَرض من الغَرَق وأهلُ بَيتي أمانٌ من الاِختلاف، فإذا خالَفتها قبيلةٌ مِنَ العَرَب اختَلَفوا فصارُوا حزب إبليس»(1).

وبهذا شبّه النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أهل بيته الكرام بالنجوم التي يقول عنها اللهُ سبحانه: (وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون)(2).

5. حَديثُ الثَقَلَين

إنّ حديثَ الثَقَلينِ مِنَ الاَحاديث الاِسلاميّة المتواترة، الّتي نَقَلها وَرَواها علماءُ الفريقين في كتبهم الحديثية.

فقد خاطَبَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الاَُمّة الاِسلامية قائلا: «إنّي تاركٌ فيكُم الثَقَلَيْن كتابَ الله وَعِتْرَتي أهلَ بَيْتي ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بهما لَنْ تَضلُّوا أبَداً وإنّهما لَنْ يَفْتَرِقا حَتى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»(3).

إنّ هذا الحديثَ، يُثبتُ ـ بوضوح ـ المرجَعيّة العِلميّة لاَهلِ البَيْت


1 . مستدرك الحاكم: 3 | 149 .
2 . النحل | 16 .
3 . صحيح مسلم: 7 | 122؛ سنن الترمذي: 2 | 307 ؛ سنن الدارمي: 2 | 432؛ مسند أحمد: 3 | 14، 17، 26، 59، و ج 4 | 59، 366 و 371، و ج 5 | 182 و 189؛ الخصائص العلوية، للنسائي ص 20؛ مستدرك الحاكم: 3 | 109، 148، و 533، وغيرها.
ويمكن مراجعةِ رسالَة «حديثِ الثَقَلين» من منشورات «دار التَقريب بَين المذاهب الاِسلامية» القاهرة، مطبعة مخيمر، في هذا المجال أيضاً.

(191)

النَبَويّ جَنْباً إلى جنب مع القرآن الكريم، وَيُلزِمُ المُسلمين بأن يتمسَّكُوا ـ في الاَُمور الدينيّة ـ بأهل البيت إلى جانب القرآن الكريم، ويلتمسوا رأيهم.

ولكنّ المؤسفَ جدّاً أن يَلتَمس فريقٌ من النّاس رأيَ كلّ أحد إلاّ رأيَ أهلِ البيت، ويطرقوا بابَ بَيْت كلّ أحد إلاّ باب بيتِ أهل البيت:.

إنّ «حديث الثقلين» الذي يتفق على روايته الشيعةُ والسنةُ يمكنهُ أن يجمع جميع مسلمي العالم حول محور واحدٍ، لاَنّه إذا ما اختلفَ الفريقان في مَسألة تعيين الخليفة والقائد، والزعيم السياسي للاَُمّة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان لكلّ فريقٍ نظريّته وآلَ الاستنباطُ التاريخيّ في هذا الصعيد إلى انقسام المسلمين إلى فريقين، فإنّه لا يوجَدُ هناك أيُّ دليلٍ للاِختلاف في مرجَعيّة أهلِ البيت العلِميّة، ويجب أن يكونوا ـ طِبقاً لحديث الثقلين المتَّفَق عليه ـ متفقين على كلمةٍ واحدةٍ.

وأساساً كانت مرجعيَّة أهلِ البَيت العلميّة في عَصر الخُلَفاء لعليّ ـ عليه السلام ـ أيضاً، فقد كانوا يرجعون إليه عند الاِختلاف في المسائل الدينيّة وكانت المشكلة تُحلُّ بواسطته.

وفي الحقيقة منذُ أن عُزل أهلُ بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن ساحة المرجَعيّة العلميّة ظهرَ التفرُّقُ والتشرذُمُ، وبرزت الفِرَقُ الكلامِيّةُ المتعدّدةُ الواحدةُ تلو الاَُخرى.


(192)

الاَصلُ السابعُ والثمانون: حديث الغدير

كان رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كما يبدو في الاَحاديث السالفةُ ـ يعرّف بخليفته ووصيه تارةً بصورةٍ كليّةٍ، وأُخرى بصورةٍمعيّنةٍ، أي بذكر اسم الخليفة والوصيّ بحيث يمثّلُ كلُ واحدٍ من تلك الاَحاديث حجةً كاملةً وتامّةً لمن يطلبُ الحقيقة وهو شهيدٌ واعٍ. ولكن مع ذلك ولكي يُوصِلَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نداءَه إلى كلّ قاصٍ ودانٍ من المسلمين في ذلك اليوم، ويرفعَ كلّ إبهام وغموضٍ، ويدفع كلّ شكٍ أو تشكيكٍ في هذا المجال، توقّفَ عند قُفوله ومراجَعَته من حَجّة الوَداع في أرض تسمى بغدير خم، وأخبر من مَعَه من الحجيج بأنّه كُلِّف مِن جانب الله تعالى بأن يُبلِّغ رسالة إليهم، وهي رسالة تحكي عن القيام بأمرٍ جدّ عظيم، بحيث إذا لم يُبلِّغها يكون كأنّه لم يُبَلّغ شيئاً من رسالته كما قال تعالى:

(يَا أَيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِكَ وإن لَمتَفْعَلْ فَماَ بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(1).(2)

ثم رقى النبيُّ منبراً من أقتاب الاِبل وحُدُوجها، وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مخاطباً الناس: «يوشك أنْ اُدعى فأجيب فماذا أنتم قائلون؟» .

قالوا: نَشهدُ أنّك قد بَلّغتَ ونَصحتَ وجَهَدتَ فجزاك اللهُ خيراً.


1 . المائدة | 67 .
2 . أشار المحدّثون والمفسِّرون المُسلمون إلى نُزُول هذه الآية في حَجّة الوداع، يومَ الغدير، اُنظر: كتابَ «الدرّ المنثور» للسيوطي 2 | 298، و «فتح القدير» للشوكاني 2 | 57؛ وكشف الغمة للاِربلّيّ، ص 94؛ «ينابيع المودّة» للقندوزي، ص 120؛ المنار: 6 | 463 وغيرها.

(193)

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألَسْتم تَشهَدون أن لا إلَه إلاّ الله وأنّ محمّداً عَبدُه ورسولهُ وان الساعة آتيةٌ لا ريبَ فيها؟»

قالوا: بَلى نَشْهدُ بذلك.

قالَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «فإنّي فَرَطٌ (أي أسبقكُم) على الحوض (أي الكوثر)، فَانظُرُوا كيفَ تَخلِفوُني في الثَقَلَين؟»

فنادى مناد: وما الثَقَلان يا رَسولَ الله ؟

قالَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الثَقَلُ الاَكبر كتابُ الله طَرَفٌ بيدِ اللهِ عزَّ وجَلَّ وطَرَفٌ بأيدِيكُمْ فتمَسَّكُوا به لا تَضِلُّوا، والآخَرالاَصغَر عترتي، وإنّ اللطيفَ الخبيرَ نبّأني أَنَّهما لنْ يفترقا حتى يَردا عليَّ الحَوضَ، فلا تقدمُوهُما فتَهلكوا، ولا تقصِّروا عنْهما فَتَهْلَكُوا».

ثم أخذ بيد «عليّ» فَرفَعها حتى رؤي بياضُ آباطهما فعرفَه القومُ أجمعون فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أيُّها الناسُ من أولى النّاس بالمؤْمِنين من أنفسِهِم؟»

قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ.

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ الله مولايَ، وأنا مَولى المؤمِنِين، وأنا أولى بِهِمْ مِن أنفسهِمْ، فَمَن كنتُ مَولاه فَعَلِيٌ مولاهُ».

ثم قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اللّهُمَّ والِ مِن والاهُ، وعادِ من عاداهُ، وأحِبَّ من أحَبَّهُ، وابْغَضْ مَن أبْغَضَهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ من خَذَلهَ، وأدِرِ الحقَّ معه حيث دارَ، ألا فَلْيُبَلّغِ الشّاهِدُ الغائبَ».


(194)

الاََصلُ الثامِنُ والثمانُون: حديث الغدير من الاَحاديث المتواترة

إنّ حديثَ الغَدِير منَ الاََحاديثِ المتَواتِرة، وقد رَواهُ من الصَّحابة والتابعين وعُلماءِ الحديث في كلّ قرنٍ بصورَةٍ متواترةٍ.

فقد نقل حديثَ الغدير ورواه (110) من الصحابة، و (89) من التابعين، و(3500) من العلماء والمحدِّثين، وفي ضوء هذا التواتر لا يبقى أيُّ مجالٍ للشَكِ في أصالةِ، وصحّة هذا الحديث.

كما أَنّ فريقاً من العُلَماء ألَّفوا كُتباً مستَقِلّةً حولَ حديث «الغدير» أشْمَلُها وأكثرُها اسْتِيعاباً لِطُرق وأسنادِ هذا الحديث كتابُ «الغدير» للعلاّمة الشيخ عبد الحسين الاَميني (1320 ـ 1390 هـ).

والآن يجب أن نَرى ما هو المقصود من لفظة «الموَلى» وماذا تَعني «مولويّة» عليّ ـ عليه السلام ـ ؟

إنّ القرائن والشواهدَ الكثيرةَ والعديدةَ تشهد بأنَّ المقصودَ من هذه اللَفظة، والكلمة هو: الزعامة والقيادة، وها نحن نشيرُ إلى بعض هذه الشَواهدِ والقرائن:

ألف: في واقعة الغدير، أمَرَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنْ يحطَّ الحُجّاج الّذين كانوا يرجعون معه من الحج، في أرض قاحِلةٍ لا ماء فيها، ولا كلاَ، وفي وقتِ الزوال، وتحت أشعّة الشَّمس الحارقة.

ولقد كانت حرارةُ الهَجير من الشِدّة في ذلك الوَقت بحيث أنّ الشخص من الحاضرين في ذلك المشهد كان يضع بعض عباءته تحت


(195)

رجليه وبعضها فوق رأسه تَوقِّياً من شدّة الرَمضاء، وحرارة الشّمس.

من الطبيعي أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يريد في هذه الحالة الخاصّة، أن يقول ماله دورٌ مصيريٌّ هامٌ في هداية الاَُمّة.

ترى أي شيء يمكنه أن يكون له دور مصيريٌّ وهامٌّ في حياة المسلمين أكثر من تعيين القيادة التي توجب وحدةَ كَلِمةِ المسلمين، وتكونُ حافظة لدينهم.

ب : لقد تحدّث رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل ذكر مسألة ولاية الاِمام علي ـ عليه السلام ـ عَن أُصول الدين الثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وأخَذَ من الناس الاِقرارَ بها، ثم طرَحَ مسألة ولاية الاِمام علي ـ عليه السلام ـ بعد ذلك.

إنّ التقارن بين إبلاغ هذه الرسالة وأخذ الاعتراف والاِقرار بالاَُصول المذكورة يمكن أن يقودنا إلى معرفة أهميّة الرسالة التي أمَرَ النبيُّ بإبلاغِها إلى النّاس في «غدير خم»، ويمكن معرفة أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما كانَ يقصُد مِن ذلك الاِجتماع العظيم في تلك الظروفِ الاِستثنائيّةِ والملابَسات الخاصّة التوصية فقط بمحبّة وموادّة شخصٍ معيّنٍ..

ج : قبل إبلاغِ الرِسّالة الاِلَهيّة في شأنِ عليٍّ ـ عليه السلام ـ تحدَّثَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن ولايَته ومولويَّتهِ وقال: اللهُ مولايَ وأنا مولى المْؤُمِنِين، وأنا أولى بِهِمْ مِن أنْفسِهِمْ.

إنّ ذكر هذه المطالب دليلٌ على أنّ «مولويّةَ الاِمام علي ـ عليه السلام ـ » كانت من نمط وسنخ مولوية النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّ النبي أثبت بأمر الله تعالى مَولويّته


(196)

وأولويّته بالاَمر لعليّ أيضاً.

د : إنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال بعد إبلاغ هذه الرِسّالة الاِلَهيّة: فَلْيبلّغِ الشاهدُ الغائبَ.

الاَصلُ التاسعُ والثمانون: كفاءة الخليفة المنتخب قطعت كيد الاَعداء

إنّ تاريخَ الاِسلام يشهدُ بأنّ أعداء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ استَخْدَموا كلَّ وسيلةٍ مُمكنةٍ لاِطفاءِ نور الرسالةِ المحمديّة، وعَرْقَلَةِ مسير الدَّعوة الاِسلاميّة بدءاً من اتّهام النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالسِحر والشعوَذة وانتهاءً بمحاولة اغتياله في فراشه، ولكنّهم بفضل العناية الاِلَهيّة، فشِلوا في خُططهم جمعاء، وحفظ اللهُ نبيّه من كيد المشركين والكافرين ، فلم يبقَ لهم من أمل إلاّ أن يموتَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيطفئوا جَذوة دعوته، ويُخمدوا نورَ رسالته (خاصّة أنّه لم يُخَلّف وَلَداً من الذكور).

وقد حكى اللهُ عن أمَلهم الشّرِير هذا بقوله:

(أمْ يَقُولُونَ شاعرٌ نَتربَّصُ به رَيبَ المَنُونِ)(1).

ولقد كانت هذه النيّة الخبيثَة، وهذه الفطرةُ الشّريرةُ تراوِدُ ذهنَ الكثيرِ من المشركين والمنافقين، ولم يكن عددُهم بين أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بِقليلٍ.

ولكنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بِنَصبه خليفةً قوياً وجديراً بالخلافة يقودُ الاَُمّة من


1 . الطور | 30 .

(197)

بَعده وقد تحلّى بسوابق جهاديّةٍ وإيمانيّةٍ مشرقةٍ، وتمتّع بإيمانٍ، وصدقٍ، وثباتٍ في سبيل الاِسلام، فوّت الفرصة على المعارضين لرسالته وخيَّب آمالهم، وأبدلها باليأس والقنوط، وبهذا ضَمِنَ بقاء الدين، ورسّخ قوائِمهَ وقواعده، وأكملَ اللهُ بتعيين القائدِ والخليفةِ نعمة الاِسلام، ولهذا نزل قول الله تعالى ـ بعد نصبِ عليٍّ ـ عليه السلام ـ لخلافةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يومَ «غدير خم» ـ :

(اليَوْمَ يئسَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن دينكُمْ فَلاَ تَخْشَوهُمْ وَاخْشَونِ اليومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلام دِينَاً)(1).(2)


1 . المائدة | 3
2 . ولقد اعتبرَ فريقٌ من الصَحابة والتابعين الآية المذكورة مرتبطةً بواقعة «غدير خم» وذلك مثل: أبي سعيد الخدري، وزيد بن الاَرقم، وجابر بن عبد الله الاَنصاري، وأبي هريرة، ومجاهد المكي.
وللوقوف على روايات الاَشخاص المذكورين حول الواقعة المذكورة راجع: كتاب «الولاية» لاَبي جعفر الطبري، والحافظ ابن مردويه الاصفهاني برواية ابن كثير في ج 2، من تفسيره؛ والحافظ أبا نعيم في كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ» والخطيب البغدادي في ج 8 من تاريخه، والحافظ أبا سعيد السجستاني في كتاب «الولاية» والحافظ أبا القاسم الحسكاني في «شواهد التنزيل»، وابن عساكر الشافعي برواية السيوطي في «الدر المنثور» 2 | 295، والخطيب الخوارزمي في كتاب «المناقب». وعباراتهم موجودة في الغدير 1 | 23ـ236.
وقال الفخر الرازي في تفسيره (ج 3 ص 529) إنه لمّا نزلت هذه الآية على النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يعَمِّر بعدَ نُزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً وَلَم يَحْصَل في الشريعةِ بَعدها زِيادة ولا نَسخٌ، وَلا تبديلُ البتّةَ.
فعلى هذا الاَساس لابُدّ مِنَ القول أنَّ هذه الآية نَزَلت يوم غدير خم. أي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة حجة الوداع. وحيثُ إنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حسبَ رأي أهلِ السُّنّة توفي في الثاني عشر من ربيع الاَوّل، وكانت الاَشهر الثلاثة (ذي الحجة، ومحرّم وصفر) 29 يوماً صح أنّه توفي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد نُزُول الآية المذكورة بـ 81 يوماً (تفسير الفخر الرازي سورة المائدة، الآية الثالثة).


(198)

ثم إنّ هناك ـ مضافاً إلى الرّوايات المتواترة المذكورة التي تُثبت أنّ مسألة خلافة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مسألةٌ إلَهيّةٌ، وأنّه ليس للنّاس أيّ خيارٍ فيها ـ رواياتٍ تحكي عن أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان منذ الاَيام الاَُولى من دعوته في مكّة، يوم لم تُشكَّلْ فيها حكومةٌ في المدينة بعدُ، يرى أنّ مسألة خلافتهِ مسألةٌ إلَهيّةٌ يعود أمر البتّ والتعيين فيها إلى الله وحده دون غيره.

فعندما أتى رئيس قبيلة «بني عامر» إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في موسم الحج مثَلاً، وقال: أرأيتَ إنْ نَحنُ بايعناكَ على أمرِكَ، ثم أظهرَكَ اللهُ على من خالَفَك، أيكونُ لنا الاَمرُ من بَعدك قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : الاَمرُ إلى اللهِ يَضَعُهُ حيثُ يَشاء(1).

إنّ من البديهيّ أنّ أمرَ مسألة القيادة والخلافَة إذا كانت متروكةً للنّاس، وانتخابهم لكانَ على النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يقول: «الاَمرُ إلى الاَُمّة» أو «إلى أهلِ الحَلّ والعَقد» ولكن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قالَ غير هذا. وبذلك طابَقَ كلامُالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في شأنِ الخلافة كلامَ الله تعالى في شأن الرسالةِ إذ قال:

(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(2).


1 . سيرة ابن هشام: 2 | 422.
2 . الاَنعام | 124 .

(199)

الاَصلُ التسعون: تعيين الخليفة أصل متفق عليه

إنّ مَسألة تَنْصِيصيَّة مقام الخلافة، وأنّه ليس للاَُمّة أيُّ خيار ولا أيّ دورٍ في تعيين خليفةٍ لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان في ذِهن الصَّحابة أيضاً. نعم كان في نظرهم هو أن ينصَّ الخليفةُ السابقُ على الخليفة اللاّحِق بدل نَصّ اللهِ ونبيّه، ولهذا نرى ـ كما هو من مسلّمات التاريخ الاِسلاميّ ـ أنّ الخليفةَ الثاني تمّ تعيينهُ ونصبهُ في منصب الخلافةِ بِنصٍ من الخليفةِ الاَوّل.

إنّ تصوّر أن تعيينَ الخَلِيفَة الثاني بواسطة أبي بكر لم يَكنْ قراراً قطعيّاً، بل كان من بابِ «الاقتراح»، يخالف ما ثبت من التاريخ، فإنّ الخليفة الاَوّل كان لا يزال على قيد الحياة عندما اعترَض جماعةٌ من الصحابة على هذا التعيين والنصب، وكان «الزبير بن العوام» أحد أُولئك المعترضين على أبي بكر في هذا التعيين، والنصب.(1) وإنّ من البديهيّ أنّه لو كانَ تعيينُ أبي بكر لِعُمر بن الخطاب مِن باب مجردَّ الاقتراح والترشيح حسب، لما كان لاعتراض الصحابة عليه أيّ مجالٍ ولا مبرّر.

هذا مضافاً إلى أنّ الخليفة الثالث هو الآخر تمّ تعيينُهُ عن طريق شورى تألَّفَتْ من (6) أشخاص عيَّنهُمُ الخليفةُ الثاني، وكانَ هذا نوعاً مِن تعيين الخليفة الّذي مَنَع الآخرين من مراجعة الرأي العامّ.

على أنّ فكرةَ مراجَعة الرأي العامّ، واختيار الخليفة بواسطة الناس لم يَدُرْ في خَلَدِ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أساساً، وما ذُكِرَ في هذا الصعيد فيما


1 . الاِمامة والسياسة: 1 | 24 ـ 25 .

(200)

بعد إنّما هو من تبريرات العُلماء والمفكرين، وأمّا من يشار إليهم من الصحابة فقد كانوا يَعتقدون بأنّ الخليفة يجب أن يُعيَّن ويُنصَب من قِبَل الخليفةِ السابق لا غير.

وللمثال عندما جُرح الخليفةُ الثاني، بَعَثَتْ عائشةُ زوجةُ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رسالةً شفويّة إلى الخليفة الثاني بواسطة ابنه «عبدِ الله» إذ قالت له: يا بُنيّ أبلغ عمرَ سلامي وقل له: لا تَدَعْ أُمّة محمد بلا راعٍ، إستَخْلِفْ عَلَيْهم، ولا تَدَعْهُمْ بَعدَك هَمَلاً، فإنّي أخشى عَلَيْهمُ الِفتْنَةَ.(1)
فأتى عبد الله أَباه وكان طريحَ الفراش فحثّه على تعيين الخليفة من بَعده قائلاً: إنّي سَمِعْت النّاسَ يقولون مقالةً فآليتُ أن أقولها لك وَزَعَمُوا أنّك غير مُسْتَخْلِفٍ وأنّه لو كان لك راعي إبِل ـ أو راعي غَنَم ـ ثم جاءَك وتَرَكَها لرأيَتَ أن قدْ ضَيَّعَ فَرِعايةُ النّاسِ أشدُّ.(2)

الاَصلُ الواحدُ والتسعون: ما هي وظائف الاِمام بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟

أشرنا في مطلعِ بحث الاِمامة إلى أنّ خليفة النبي والاِِمام إنّما هو في نظر المسلمين من يقوم بوظائف رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (ما عدا تلقي الوحي والاِِتيان بالشريعة) ونورد هنا أبرز هذه الوظائف لتتبيّن مكانة الاِِمامة وأَهميتها بصورة أوضح.


1 . الاِمامة والسياسة: 1 | 28 .
2 . حُلية الاَولياء: 1 | 44.

(201)

ألف : تَبيين مفاهيمِ القُرآن الكَريم وحلّ مُعضلاته، وبيان مقاصده، وهذا هو من أبرز وظائف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقول عنها القرآن الكريم: (وَأَنزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم)(1).

ب: بيانُ الاَحكام الشرعية، فقد كانَ هذا العَمَل من وظائفِ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث كان يقوم بذلك عن طريق تلاوة الآيات المتضمنة للاََحكام حيناً وعن طريق السّنة حيناً آخر.

ثمَّ إنّ بَيان الاَحكام من جانب النبيّ تم بصورةٍ تدريجيّة، ومتزامناً مع وقوع حوادثَ جديدةٍ، وظهورِ إحتياجات حديثة في حياة الاَُمّة، ومثل هذا الاَمر يقتضي بطبيعته أن تستمر هذه الوظيفةُ، لعدم انحصار الحاجات بما حدث في عصره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، هذا من جانب. ومن جانب آخر لا يتجاوز عددُ الاَحاديث الّتي وَصَلت إلينا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حول الاَحكام (500) حديث(2) ولا شك أنّ هذا القدر من الاَحاديث الفقهية لا تسدُّ حاجة الاَُمّة المتنامِية، ولا توصلُها إلى مرحلة (الاِكتفاءِ الذاتيّ) في مجال التقنين.

ج : حيث إنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان محوراً للحق، وكان بتعليماته، يمنع من تطرّق أيّ انحرافٍ، وتسرّبِ أيّ إعوجاجٍ في عقائد الاَُمّة، لهذا لم يحدث أيُّ تفرّقٍ عقائديّ، وأي تشتُّتٍ مذهبيّ في عَصره أو لم يكن هناك أَرضية لظهور ذلك.


1 . النحل | 44 .
2 . الوحي المحمدي ص 212، الطبعة السادسة.

(202)

د : الاِجابة على الاََسئلةِ الدينيّة والاِعتقادية، فقد كان هذا العملُ هو الآخر من وظائف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الهامَّة.

هـ : إقامةُ القِسطِ والعَدل والاَمن العامّ الشامل في المجتمع الاِسلاميِّ، وظيفة أُخرى من وظائف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و: حِفظُ الثغور، والحدُود، والثروة الاِسلاميّة تجاه الاَعداء هو أيضاً من مسؤوليات النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووظائفه.

إنّ الوظيفتين الاَخيرتين وإن أمكن القيام بهما من قِبَل الخليفة الذي تختارهُ الاَُمّة، لكن من المُسَلَّم والقطعيّ أنّ القيامَ بالوظائِفِ السّابقة (وهي بيانُ مَفاهيمِ القرآنِ الكريمِ الخفيّة، الغامِضَةِ، وبيانُ أحكامِ الشَّرع و.. و...) يَحتاج إلى قائد واعٍ خبيرٍ، يكون موضعَ عناية الله الخاصّة، كما يكون في عِلمِهِ صنوَ النبيّ ونظيرهُ، أيْ أن يكون حاملاً للعلومِ النَبَوّية ومَصُوناً من كل خطأ وزلل، ومعصوماً من كلّ ذنبٍ وخطلٍ، ليستطيع القيامَ بالوظائف الجسيمة المذكورة، وليملاََ الفراغ الذي أحدثه غيابُ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بسبب وفاته، في الظروف الزاخرة بالاَحداث الحُلوة والمرَّة، وبالوقائع الحرجة.

إنّ من البديهيّ أنّ تَشخيصَ مثلِ هذا الشخصِ، والمعرفة به لاِيكال منصب القيادة إليه، خارجٌ عن حدود عِلمِ الاَُمّةِ ونِطاق معرِفتها ، ولا يمكن أن يتُمَّ بغير رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبالاَمر الاِِلَهيّ وتعيينهما إيّاه.

ومنَ الواضح أيضاً أنّ تَحقُّق الاَهداف المذكورةِ رهنُ حماية النّاس، واستجابتهم وإطاعتهم للقائد المعيَّن، بواسطةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومجرّدُ التعيين الاِلَهيّ والنصّ النبويّ علىالخليفة لا يكفي لِتحقّقِ الاَهداف والوظائف


(203)

السالِفة. (إذ لا رَأيَ لِمَنْ لا يُطاع).

وهذا جارٍ حتّى في القرآن الكريم والنبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسِه، فإنّهما ما لم يُطاعا لا تتحقّق أهدافهما.

إنّ الحَوادِثَ السَلْبِيَّةَ، وتشتّتَ كلمة المسلمين الذي حَدَثَ بعد وفاة رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن بسبب أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقُم بوظيفته الحكيمة (والعياذ بالله)، ولا لاَجل أنّه لم يُعرِض على المسلمين أُطروحةً موضوعية وحكيمة لاِدارة الاَُمّة من بعده، أو أنّ أُطروحتَه كانت أُطروحةً ناقصة، بل حدث ما حدث مِنَ المشاكل الاَلِيمة بِسبب أنّ بعضَ أفراد الاَُمّة رجَّحُوا نَظَرَهم على نَظَر النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقدّموا مَصالحهم الشخصية على تنصيص الله ورسولهِ وتعيينِهما.

ولم يكنْ هذا هو المورد الوحيد الذي حدثت فيه مثلُ هذه الواقعة في التاريخ بل لذلك نظائرُ عديدة في تاريخ الاِسلام.(1)

الاَصلُ الثّاني والتِسعون: لُزُوم عِصمَةِ الاِمام

أثبتنا في الاَصْل السّابق أنّ الامام والخليفة ليس قائداً عاديّاً، يقدر على إدارة دفّة البلاد اقتصادياً، وسياسيّاً، وحفظ ثغور البلاد الاِسلامية تجاه الاَعداء فقط، بل ثمّت وظائف أُخرى يجب أن يقومَ بها مضافاً إلى الوظائف المذكُورة. وقد أشرنا إليها في الاَصل السابق.


1 . راجع كتاب «النَصّ والاِجتهاد» تأليف العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي.

(204)

إنّ القيام بِهذه الوَظائف الخطيرة مثل تفسير القرآن الكَريم، وبَيان الاَحكام الشرعيّة، والاِجابة على أسئلة الناس الاِعتقادية ، والحيلولة دون تسرّب الانحراف إلى العقيدة، والتحريف إلى الشريعة، رهنُ علمٍ واسعٍ، لا يخطىَ ولا يتطرّق إليه الاشتباهُ، والاَشخاص العاديّون إذا تَوَلَّوا هذه الاَُمور لن يكونوا في مأمنٍ عن الخطأ والزللِ.

على أنّه يجب أن نَعلمَ بأنّ العصمة لا تساوي النبوّة، ولا تلازمُها ولا تستلزمها، لاَنّه ربما يكونُ الشخص معصوماً عن الخطأ ولكن لا يتمتع بمقام النبوة أي لا يكون نبياً.

وأوضحُ نموذجٍ لذلك السيدةُ مريم العذراء التي مرّت الاِشارةُ إلّى أدلّة عصمتها، عند الحديث عن عصمة الاَنبياءِ والرُسُل.(1)

ثم إنّ هناك ـ مضافاً إلى التحليل والاستدلال العقلي السابق ـ أُموراً تدلُّ على عصمةِ الاِمام نذكر هنا بعضها:

1. تعلّق إرادةِ الله القطعيّة والحتمية بطهارة أهل البيت عن «الرجس» كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2).

إنّ دَلالَة هذه الآية على عِصمة أهل البيت: تكونُ على النحو التالي: إنّ تعلّق إرادة الله الخاصّـة بطهـارة أهـل البيت من أي نـوعٍ من


1 . راجع كتاب الاِلَهيّات، تأليف صاحب هذه الرسالة: 2 | 146 ـ 198 .
2 . الاَحزاب | 33 .

(205)

أنواع الرّجس يلازمُ عصمَتهم مِن الذُنوب والمعاصي، لاَنّ المقصودَ مِن تطهيرهم من «الرِّجس» في الآية هو تطهيرهم من أيّ نوعٍ مِن أنواع القذارة الفِكرية والرُّوحِيَّة، والعَمَليّة التي من أبرزها المعاصي والذُنوب.

وحيث إنّ هذه الاِرادة تعلّقَتْ بأفراد مخصوصين لا بجميع الاَفراد، فإنّها تَختَلِف عن إرادة التطهير التي تعَلّقت بالجميع بدونِ إستثناءٍ.

إن إرادةَ التَّطهير التي تَشملُ عامّة المسلمين إرادةٌ تشريعيةٌ(1) وما أكثر الموارد الّتي تتخلّف فيها هذه الاِرادةُ، ولا تتحقق بسبب تمرّد الاَشخاص، وعدم إطاعتهم للاَوامر والنواهي الشرعية في حين أنّ هذه الاِرادة إرادةٌ تكوينيّةٌ لا يتخلّف فيها المرادُ والمتعلَّقُ (وهو العصمة عن الذَّنب والمعصية) عنها أبداً.

والجدير بالذكر أن تعلّق الاِرادة التكوينيّة الاِلَهيّة بعصمة أهل البيت: لا توجبُ سَلب الاِختيار والحريّة عنهم تماماً كما لا يوجب تعلّق الاِرادة التكوينية الاِلَهيّة بعصمة الاَنبياء سلبَ الاِختيار والحرية عن الاَنبياء أيضاً (وقد جاءَ تفصيل هذا الموضوع في كتب العقائد).

2. إنّ أئمة أهل البيت: يمثِّلون بحكم حديث الثقلين الذي قال فيه رسولُ الله: «إني تاركٌ فيكمُ الثَّقَلَين كتابَ الله وعترتي» عِدلَ القرآن الكريم، يعني أنّه كما يكون القرآنُ الكريمُ مصوناً من أيّ لونٍ من ألوانِ


1 . (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ) (المائدة | 6) .

(206)

الخطأ والاِشتباه، كذلك يكون أئمة أهلِ البَيت مصونين من أيّ لونٍ من ألوانِ الخطأ الفكري، والعملي، ومعصومين من أيّ نوعٍ من أنواعِ الزَلَل والخَطَل.

وهذا المطلب واضحٌ تمامَ الوضوح، إذا أمعنّا في العبارات التي جاءت في ذيلِ الحَديث المذكور.

ألف: «ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا أَبَداً».

ب: «إنَّهما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ».

لاَنّ ما يكون التمسُّكُ به موجباً للهداية وأنه لا يفترق عن القرآن (المصون والمعصوم) مَصُونٌ ومعصومٌ هو كذلك .

3. لقد شَبَّهَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أهلَ بيته بسفينةِ نوح التي ينجو من الغرق من رَكِبها ويغرق في الاَمواج من تخلّف عنها، إذ قال: «إنّما مَثَلُ أهل بَيْتي كَسَفينَةِ نُوْحٍ مَن رَكِبَها نَجا وَمَنْ تخلَّفَ عَنهاَ غَرِقَ»(1).

بالنَظَر إلى هذه الاَدلّة الّتي بينّها بصورةٍ موجزةٍ تكونُ عصمة أهل البيت واضحةً، وحقيقةً مبرهَناً عليها.

ومن الجدير بالذِّكر أنّ الاَدلّة النَقليّة على عِصمة أهل البَيت: لا تنحصر في ما ذكرناه.


1 . مستدرك الحاكم: 2 | 151، والخصائص الكبرى للسيوطي: 2 | 266 .

(207)

الاَصلُ الثالثُ والتسعون: الاَئمِة الاِثنا عشر

إنّ معرفةَ الاِمام تُمكِنُ مِن طريقين:

ألف: نَصُّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على إمامة شخصٍ خاصٍ.

ب : نَصُّ الاِمام المعصومِ السابِق على الاِمام اللاحِق.

إنّ إمامة الاَئمة الاثني عَشَر ثَبَتت من خلال الطَريقين المذكورَين معاً أي عن طريق نصّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حسب الرّوايات المروِيّة عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا المجال. وكذا عن طريق الاَئمة:، حيث نصّ الاِمامُ السابق على الاِمام اللاحق.

ونحن رِعايةً للاِختصار نوردُ هنا حديثاً واحداً في هذا الصَعيد(1) تفيد أنّ النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكتف بنَصب عليّ ـ عليه السلام ـ ، بل ذكّر بأنّه سَيخلفهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اثنا عشر إماماً تتحقّق بهم عزةُ الاِسلام إذ قال: «لا يَزالُ الدّين مَنيِعاً إلى اثنَيْ عَشَر خَلِيفةٌ».

وقد وَرَدت هذه الاَحاديث الدالة على وجود اثني عشر خليفة في أوثق صحاح أهل السنة أيضاً.(2)


1 . للاِطلاع على بقيّة الاَحاديث في هذا المجال يراجع كتب الحديث مثل أُصول الكافي، كفاية الاَثر ، إثبات الهداة، ومنتخب الاَثر، وغيرها.
2 . صحيح البخاري، 9 | 81 ، باب الاستخلاف؛ وصحيح مسلم 6 | 3 ، كتاب الامارة؛ ومسند أحمد 5 | 86 ـ 108 ؛ ومستدرك الحاكم 3 | 81 .

(208)

ومن المُسلَّم أنّ هؤلاء الخُلَفاء الاثني عشر الذين تتوقّف عليهم عزّة الاِسلام ومنعتهُ ومضاؤه، لا تنطبق صفاتهم إلاّ على أئمة الشيعةِ الاثني عَشَر إذ لم تكن تلك الاََوصاف تتوفر في الخلفاء الاَُمويين ولا العباسيين قط.

وأئمة الشِيعة الاثنا عشر هم:

1. أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب (المولود قبل البعثة بعشر سنوات والمستشهَد عام 40 هجري) والمدفون في النجف الاَشرف .

2. الاِمامُ الحسَنُ بن علي (المجتبى) (3 ـ 50 هـ ق) المدفونُ في البقيع بالمدينة.

3. الاِمامُ الحسين بن علي سيدُ الشهداء (4 ـ 61 هـ ق) المدفون في كربلاء.

4. الاِمامُ عليُّ بن الحسينُ بن علي زينُ العابدين (38 ـ 94 هـ ق) المدفون في البقيع.

5. الاِمامُ محمدُ بن علي باقرُ العلوم (57 ـ 114 هـ ق) المدفون في البقيع.

6. الاِمامُ جعفرُ بنُ محمد الصادقُ (83 ـ 148 هـ ق) المدفونُ في البقيع.

7. الاِمامُ موسى بنُ جعفر الكاظمُ (128 ـ 183 هـ. ق) المدفونُ في الكاظمية قرب بغداد.


(209)

8. الاِمامُ عليُّ بن موسى الرضا (148 ـ 203 هـ. ق) المدفونُ في خراسان بإيران.

9. الاِمامُ محمدُ بن علي الجوادُ (195 ـ 220 هـ ق) المدفونُ في الكاظمية.

10. الاِمامُ عليُّ بن محمد الهادي (212 ـ 254 هـ ق) المدفونُ في سامراء بشمال بغداد.

11. الاِمامُ الحسنُ بنُ علي العسكريُ (233 ـ 260 هـ. ق) المدفونُ في سامراء.

12. الاِمامُ محمدُ بنُ الحسن المعروف بالمهديِّ، والحجة ـ عجَّل الله فرجَه الشريف ـ وهو الاِمامُ الثاني عشر، وهو حيٌّ حتى يظهر بأمر الله (طبقاً للوعودِ الواردةِ في القرآنِ في سورة النور | 54، وسورة التوبة | 33 وسورة الفتح | 28 وسورة الصف | 9) ويقيم الحكومة الاِِلَهيّة على كلّ الكرةِ الاَرضِيّةِ(1).

ولقد جاءَت تفاصيلُ حياة أئمةِ الشيعة الاثني عشر في كتب التاريخ والسيرة وحيث إِنّ الاِمام الثاني عشر لا يزال حيّاً، ويتولّى منصبَ الاِمامة بإرادةِ الله تعالى، لهذا سنَذكر نقاطاً حولَ هذا الاِمام فيما بعد.


1 . قد وقع بعض الاختلاف في تواريخ وفيات ومواليد بعض الاَئمة وقد اخترنا احدها، كما انّ التاريخ يثبت انّ أغلب هؤلاء الاَئمة قضوا شهداء.

(210)

الاَصلُ الرابع والتسعُون: مودّة أهل البيت :

إنّ محبَّةَ أهلِ البَيت: من الاَُمور الّتي أكَّد عليها القرآنُ والسُنَّة كما قالَ تعالى: (قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبَى)(1).

والمقصودُ من «القُربى» هم أقرباءُ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقرينة أن طالِبَ هذا الاََمر هو النبيُّ نفسه.

إنّ محبّة أهلِ البَيت وموادَّتهم ـ مضافاً إلى كونها كمالاً كبيراً ـ تسبّب في أن يحاولَ الشخصُ المحبُّ أن يجعل نفسَه مشابِهاً للمحبوب، ويقتدي به في كَسب الفضائِل، والاِجتناب عن الرَّذائل.

ولقد جاء في الاَحاديث المتواترةِ الصادرةِ عن النبيّ الاَكرمِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّ محبة أهلِ البَيت علامةُ الاِيمان، وبغضَهم علامةُ النّفاقِ والكفر، وأنّ من أحبّهم فقد أحبَّ الله والنبيّ، وأنّ مَن عاداهم فقد عادى اللهَ ورسولَه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 . الشورى | 23 .

(211)

الاِمامُ الثاني عشر
الغَيبة والظُهور

إنّ الحَديثَ حولَ كلّ واحدٍ من هؤلاء الاَئمةِ الاثني عشر خارجٌ عن نِطاق هذه الرّسالة المختصرة، وإنّما تجدر الاِشارة إلى مسألة أُخرى وهي: مسألة الاِعتقاد بوجود إمام العَصْر الذي يقضي أيامَ حياته خَلف ستار الغيبة، ريثما يأذنُ الله له بالظهور فيملاَ الاَرضَ قسطاً وعَدلاً بعد أن مُلِئتْ ظُلماً وجَوراً، ويقيمَ حكومَة الله على المعمورة جمعاء، وفيما يلي بعضُ النقاط حول هذه المسألة.

الاَصلُ الخامسُ والتسعون: ظهور مصلح عالمي في آخر الزمان

إنّ ظهورَ رجلٍ من أهل بَيت الرِّسالة لاِقامة حكومة الله العادلة العالَميّة في مُستقبل الحياةِ البَشريّة (بَعد أن تُملاََ الاَرضُ ظلماً وجَوراً) مِن مُسَلَّماتِ العقائِدِ الاِسلامية التي اتّفقَ عليها جمهورُ المُسْلمين، ونقلوا في هذا المجال أحاديث بَلَغَتْ حَدَّ التواتر.


(212)

فهناك ـ طبق بعض إحصاءات أهلِ التحقيقِ من العُلَماء ـ حوالي 657 حديثاً حول هذه المسألة نذكر منها حديثاً واحداً رواه «أحمدُ بن حنبل» في مسنده:

قالَ النَبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنيْا إلاّ يومٌ واحِدٌ لَطَوَّل اللهُ ذلك اليومَ حَتّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فَيَمْلاَُها عَدْلاً وقِسطاً كما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».(1)

وعلى هذا الاَساس يكونُ قيامُ رَجُلٍ من أهلِ البيت النَبَويّ وظَهورُهُ في آخِر الزمان موضعَ اتفاقٍ بين المسلمين شيعةً وسنةً.

الاَصلُ السادسُ والتِسعونَ: المصلح العالمي هو الاِمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ

لقد جاءَت خصوصياتُ هذا المصلِحِ العالَميّ في الرّوايات الاِسلامية نَقَلها الفريقان، وهي على النحو التالي:

1. أنّه من أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ 389 رواية .

2. أنّه من أولاد الاِمام علي ـ عليه السلام ـ 214 رواية .

3. أنّه من أولاد فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ 192 رواية .

4. أنّه تاسع وُلد الحسين ـ عليه السلام ـ 148 رواية .


1 . مسند أحمد بن حنبل: 1 | 99 و 3 | 17 و 70 .

(213)

5. أنّه من أولاد الاِمام علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ 185 رواية .

6. أنّه ابن الاِمام الحسن العسكري 146 رواية.

7. أنّه الثاني عشر من أئِمة أهل البيت 136 رواية.

8 . الرّوايات التي تتحدّث عن ولادته 214 رواية .

9. الرّوايات التي تقول: إنّه يعمّر طويلاً ، 318 رواية.

10. الرّوايات التي تقول : إنّ غيبته ستكون طويلة ، 91 رواية .

11. الرّوايات التي تقول: إنّ الاِسلام سيصير عالمياً عند ظهوره، 27 رواية.

12. الرّوايات التي تقول : إنّ الاَرض ستُملاَُ عَدلاً وقِسطاً عند ظهوره، 132 رواية.

وعلى هذا الاَساس فإنّ وجود مثل هذا المصلح العالمي في مستقبل البَشَرية أمر مقطوعٌ به ومسلَّمٌ من حيث الرّوايات والاَحاديث الاِسلامية بحيث لا يمكن الشكّ أو التشكيك فيه.

وأما ما وَقَعَ الخلافُ فيه فهو ولادته، وأنّه هل وُلِدَ هذا الرَّجُل من أُمّه ولا يزال منذُ ولادَته حَيّاً، أم أنّه سيولد في المستقبل؟

يذهب الشِيعة وفريقٌ من أهل التحقيق من أهل السُّنّة إلى الرأي الاَوّل، فيعتقدون بَأنّ الاِمامَ المهديّ وُلدِ من أُمّه (نرجس) عام 255 هـ وهو لا يزال حَيّاً إلى هذا اليوم.


(214)

وذهَبَ فريقٌ من أهلِ السّنة إلى أنّه سيُولَد فيما بعد.

وحيث إنّنا نحن الشيعة نعتقدُ بأنّ الاِمامَ المهديَّ ـ عليه السلام ـ وُلِدَ عام 255 هجرية، وهو لا يزال على قيد الحياة إلى هذه الساعة، لهذا لابدّ من أن نذكّر بنقاط حول غيبته وطول عمره في هذه الرِسالة في حدود ما يسعُه هذا المختصرُ.

الاَصلُ السابعُ والتسعون: الاِمام المهدي وليّ إلهيّ غائب عن الاَنظار

إنّ أولياءَ اللهِ ـ حَسْب نَظَر القرآن ـ على نوعين:

وَليٌّ ظاهرٌ يعرفُه الناسُ .

ووَليٌّ غائَبٌ عن أنظارِ الناس لا يعرفُه أحدٌ منهم، وإن كان يعيشُ بينَهم، ويعرفُ هو أحوالَهُمْ وأخبارهم.

وقد ذُكر في سورة الكَهف كلا النوعين منَ الاَولياء في مكانٍ واحدٍ أحدهما «موسى بن عمران» والآخر مصاحبُهُ ورفيقهُ المؤقّت، الذي صحِبَه في سَفَره البرّي والبَحْري، ويُعْرَف بالخِضر.

إنّ هذا الوليّ الاِلَهيَّ كانَ بِحَيْث لم يعرفُه مصاحِبهُ ومرافِقُه النبيُّ موسى وإنّما صاحَبَه ورافقه بتعليمٍ وأَمرٍ من الله، واستفاد من عِلمه خلال مرافَقَته إيّاه كما يقول تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءاتَيْناهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلّمَنِ ممَّا عُلِّمْتَ


(215)

رُشْداً)(1).

ثم إنّ القرآنَ الكريم يُقَدّم شرحاً مفصّلاً عمّا فَعَله هذا الوليُّ الاِلَهيّ من أعمال مفيدة، ذلك الذي لم يكن أحدٌ حتى النبي موسى ـ عليه السلام ـ يَعرفهُ، ولكن كانوا يَستفيدون من آثار وجوده المبارك ومن أفعاله المفيدة(2).

إنَّ الاِمامَ المهديّ عَجَّل الله فَرَجَه الشَّريفَ على غرارِ مرافق موسى ـ عليه السلام ـ، وليٌّ غيرُ معروف للنّاس مع أنّه في نفس الوقت منشأ لآثار طيبة للاَُمّة. أي لا يعرفهُ أحَدٌ منهم مع أنّهم يَستَفيدون مِن بركات وجودهِ الشريف.

وبهذا لا تكونُ غيبةُ الاِمام المهَديّ عجّل الله فرجَه الشريفَ بمعنى الاِنفصال عن المجتمع، بل هو ـ كما جاءَ في روايات المعصومين: ـ كذلك مثل «الشَمس خَلفَ السَحاب لا تُرى عينُها، ولكنها تبعَث الدفءَ والنورَ إلى الاَرض وساكِنِيها»(3).

هذا مضافاً إلى أنّ فريقاً من الاَبرار والطيّبين الاَتقياء الذين كانوا يَتمتّعون باللياقة والاَهليّة للتشرّف بِلقاءِ الاِمام المهديّ قد رأوه وَالتَقَوْا به واستفادوا مِن إرشاداته، وعُلُومِه، واسْتفادَ الآخرون من هذا الطريق، من آثارهِ المباركة وبركات وجوده الشريف.


1 . الكهف | 65 ـ 66 .
2 . راجع سورة الكهف، الآيات 71 ـ 82 .
3 . كمال الدين، للشيخ الصدوق، الباب 45، الحديث 4، ص 485 .

(216)

الاَصلُ الثامنُ والتسعون: وكلاء الاِمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ

إنّ الطَّريقة المتعارَفة والمَعْمُول بها بين البشر ـ ماضياً وحاضراً ـ هو أنّ الحاكمَ والقائد يقوم ببعض الاَعمال بنفسه مباشرةً، ويقومُ بالبعض الآخر وكلاؤُهُ ونوّابه.

صحيح أنّ عِلَلاً مختَلِفَة تَسَبَّبت في غيبة الاِمامِ المَهْدي عجّل الله فَرَجَه الشريف فحُرِمت البشريةُ من الاستفادة المباشرة من ذلك الاِمام ولكنه ولحسن الحظ لم يُغلَقْ بابُ الاستفادة من وُكَلائه ونوّابه ـ وهم الفقهاء العُدول الاَتقياء ـ في وجه أتباعه، ومريديه.

فالفقهاء والمجتهدون الاَجلّة كانوا ولا يَزالون نُوّابَ الاِمامِ المهديّ الذين أوكَلَ أمرَ بَيان الاَُمورِ الشَرعية والحكوميَّة وإدارة شؤون المجتمع الاِسلامي في عصر الغيبة إليهم.

هذا مع العلم بأنّ حرمان الاَُمّة الاِسلامية من آثار حضور الاِمام المهدي كان لعلل وظروف خاصة جَعَلت غيبتَه أمراً لا مناص منه.

الاَصلُ التاسعُ والتسعون: غيبة بعض الاَنبياء والاَولياء في الاَُمم السابقة

إنّ علّة غَيبة الاِمام المَهديّ عَجّل الله فرجَه الشريفُ هي من الاَسرار الاِلَهيّة التي لا نستطِع الوقوف على حقيقتها وكنهها، كما أنّ لهذه الغَيبة المؤقتة نظائر في حياة أولياء الله السابقين والاُّمم السابقة.


(217)

فقد غابَ النبيُّ موسى الكليمُ ـ عليه السلام ـ عن أُمّته أربعين يوماً، وقضى كلَّ هذه المدة في الميقات(1).

وغاب السيدُ المسيح ـ عليه السلام ـ بمشيئة الله عن أنظار أُمّته، فلم يقدر أعداؤُه على قَتْله، والقضاء عليه(2).

وغاب النبيُّ يونس ـ عليه السلام ـ عن قومه مدّةً من الزَمان(3).

إذن فليست غيبةُ الاِمام المهَدي ـ عليه السلام ـ عن أنظار الناس بدعاً من الاََمر كما لا يصحّ أن تَقَعَ هذه الغَيبة مهما طالت ذريعةً لاِنكار أصل وجودِ المهَديّ ـ عليه السلام ـ.

وأساساً إنّ كلَّ ما يثبُتُ عن طريق النقل المتواتر، ولكن لا يقدر الاِنسان على التحقّق منه، ومشاهدته لا يجوز له أن ينكره أو يتردّد في القبول به مادام رُوِيَ ونُقِلَ بالتّواتر الموجب للاطمئنان، لاَنّ قِسماً من الاَحكام الاِلَهيّة التي هي من مسلّمات الدين الاِسلاميّ وضروريّاته سيتعرَّض للتردِيد والاِنكار إذا تجاهَلْنا هذه القاعدةَ العقلائيةَ الصائبةَ، وهذا الاَمر العرفي المعقول جداً.

وغيبةُ الاِمام المهديّ عجل الله فرجَه الشريف ليس بمستثنىً من هذه القاعدة، وعَدَم الاِطلاع على سِرّها أو أسرارها الحقيقية لا يجوزُ الترديدُ فيها، وإنكارُها.


1 . لاحظ الاَعراف | 142 .
2 . لاحظ النساء | 158 .
3 . لاحظ الصافات | 140 .

(218)

ومع ذلك فإنّنا يجب أن نقول: إنّه من الممكن إدراك سرّ الغيبة هذه في حدود فكرِنا البشريَّ وهذا السِرّ هو ما يلي:

حيث إنّ آخرَ حُجَّةٍ من حَجَج الله وآخر إمامٍ من أئِمة أهلِ البيت قد أرادَ اللهُ تعالى أن يُحقّق به الاَُمنيةَ الكبرى (وهي بسط العدل والقسط ورفع راية التوحيد على كل ربوع الاَرض) وهذه الاَُمنية الكبرى وهذا الهدف العظيم لا يمكن أن يَتحقق إلاّ بعد مرور ردح من الزمان، وإلاّ بعد تكاملِ العقلِ البَشَريّ وتهيّؤهِ الروحيِّ والنفسِيّ لذلك، حتى يستقبلَ العالَمُ ـ بشوقٍ ورغبةٍ ـ موكبَ الاِمام والمصلح العالميّ، موكبَ العَدلِ والحريّةِ والسلامِ، لهذا فإنّ منَ الطبيعيّ أنّ هذا الاِمام لو ظَهَرَ بين النّاس، وعاشَ بين ظهرانيِّهم قبلَ نُضُوج الاَمر، وحصولِ المقدّمات اللازِمة، والاَرضيّة المناسبة، كان مَصيرُه ومآلهُ، مصيرَ من سَبَقه من آبائِه من الاَئمِةِ الكرامِ البرَرَة (أي الشهادة)، ولَقُتل ـ عليه السلام ـ قبل أن يتحقّق ذلك الهدفُ العظيم، وتلك الاَُمنِيّة الكبرى على يديه.

ولقد أُشير إلى هذه الحكمة في بعض الرّوايات الصادِرةِ عن أهل البَيْت: أيضاً.

فقد رُوي عن الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـأنّه قال: «إنّ لِلْقائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ ظُهُورِهِ».

يقول الراوي: قلتُ: ولِمَ؟

فقالَ الاِمامُ الباقر: «يَخافُ (أي القتل)»(1).


1 . كمال الدين للشيخ الصدوق، ص 481، الباب 44، الحديث 8 .

(219)

أي منعاً من أن يُقتَل قبل تحقّق الهدفِ المنتظَرَ مِنه.

وَرُبّما ذُكِرَ وجهٌ آخر لغيبته في بعض الرّوايات وهي إختبارُ النّاس وتمحيصُهم، وامتحانهم، يعني أنّ الناس يُختَبَرون في عَصر الغَيبة، ويمرُّون بالاِمتحان الاِلَهيّ، ويُعرَفُ مدى ثباتهِم على طريق الاِيمان، ومدى استقامَتهِم في طريق الاِيمان والعقيدة.(1)

الاَصلُ المائة: وجود الاِمام المعصوم لطف إلهي في حضوره وغيابه

إنّ البراهينَ الكلاميَّة ترى أنّ وجودَ الاِمام المعصوم في المجتمع، وحضورَه بين الناس لُطفٌ من ألطاف الله الكبرى لكونه سبباً لِهداية الناس.

ومِنَ البديهيّ أنّ النّاسَ إذا رَحَّبوا بهذا المظهر البارِزِ مِن مظاهر اللُطفِ الاِلَهيّ واستقبلوه، والتفّوا حولَه، انتفَعوا بآثار وجوده المباركة.

وإلاّ حُرِموا من الاِستفادة الكامِلَة والانتفاع التامّ من نعمة وجوده الشريف.

وفي هذه الحالة لا يكونُ السبب في هذا الحِرمان إلاّ الناس أنفسُهم، لا الله ولا الاِمام.(2)


1 . راجع بحار الاَنوار: 52 | 102 ، 113 ـ 114، باب التمحيص والنهي عن التوقيت.
2 . وقد أشار المحقّق نصيرُ الدين الطوسيّ إلى هذه الحقيقة في كتابه تجريد الاعتقاد (مبحث الاِمامة) حيث قال: وجودُهُ (أي الامام) لُطفٌ وتصرُّفُهُ لُطفٌ آخرَ وغيبته مِنّا.

(220)

الاَصلُ الواحدُ بعد المائة: الاِمام المهدي وطول العمر

لقد وُلِدَ الاِمامُ المهديّ عجّل الله فرجَه الشَريف عام 255 هجرية، وعلى هذا الاَساس يكونُ عُمرُه الآن (عام 1418 هـ ) قد تجاوَزَ أحَدَ عشر قرناً.

إنّ الاِذعان بهذا العُمُر الطَويل جداً، مع أخذ القُدرة الاِلَهيّة المطلقة بعين الاِعتبار ليس أمراً مشكلاً.

وفي الحقيقة إنّ الذين يَعتَبروُن طولَ عُمُر الاِمام المهَديّ ـ عليه السلام ـ مشكلةً في طريق الاِيمان بوجوده، ومانعاً من القول بولادته، يَغْفَلُون عن قدرة الله اللاّمتناهية فهم كمن قالَ عنهم سبحانه: (وَما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ)(1).

هذا مضافاً إلى أنّ في الاَُمَم السالِفة معمَّرين كثيرين عاشوا طويلاً ذكرهم القرآن الكريم.

فقد ذكَر أن نوحاً عاشَ في قومه ألفَ سنة إلاّ خمسين عاماً (2).

كما أنّ العِلم البشريّ الحديث يسعى في عَصرِنا إلى أنْ يُحِلّ مشكلة طولِ العُمُرِ، بالاَساليبِ الِعلميّة، والصِحّية.

وهذا يُفيد أنَّ الاِنسان يمكن ـ في نظر العُلَماء ـ أن يَعيشَ طويلاً بعد رَفْع الموانِعِ الّتي تحول دونَ العُمُر الطويل.

إنّ اللهَ قادرٌ على إطالة عُمُر من يُريد إلى يوم القيامة إذا شاء، أليسَ هو القائل بأن يونس لو لم يكن من المسبّحين لَلَبِث في بَطن الحوتِ إلى


1 . الاَنعام | 91 .
2. لاحظ العنكبوت | 14 .

(221)

يَومِ الدِّين(1).

ألا يَستَطيع هذا الاِلَهُ الخالقُ القادر أن يُطيلَ عُمُرَ حُجَّته البالِغَة، وخَلِيفَتِهِ الحقّ بِلُطْفِهِ وعِنايَتِهِ؟

الجوابُ هو: نعم.

الاَصلُ الثاني بعد المائة: علائم ظهور الاِمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ

لا يعرف أحدٌ بَوْقت ظهور الاِمام المهدي قط، فهذه الحقيقة من الاَسرارِ الاِلَهيّة، مثل مَوعد يومِ القيامة، الذي لا يَعرفُ بِهِ أحدٌ إلاّ الله وحده.

ولهذا يجب أن لا يُصدَّقُ زعمُ من يَدّعي أنّه يَعْلَمُ بوقتِ ظهورِ الاِمام المهديّ، أو يعيّنَ وَقتاً، ويضرب أجلاً معيّناً لذلك، (كَذِبَ الَوقّاتُون)(2).

ولو أنّنا تجاوَزْنا مَسألة توقيت ظهور الاِمام المهديّ ـ عليه السلام ـ، وَجَبَ أنْ نقولَ: إنّ الروايات ذَكَرَتْ علائمَ كُليَّةً لِظهورِ الاِمامِ المهديّ وهي تَنْقَسِمُ إلى نَوعين:

1. العلائم الحَتمية القَطعيّة .

2. العلائم غير الحتمية.

ويُطلب التفصيل ممّا كتب حول الاِمام المهدي من الموسوعات.


1 . لاحظ سورة الصافات | 143 ـ 144 .
2 . الاحتجاج للطبرسي، احتجاجات الاِمام المهديـ عليه السلام ـ .

(222)


(223)

كليات في العقيدة

7

الفصل الثامن

عالَمُ ما بَعد الموتِ


(224)


(225)

الاَصلُ الثالثُ بعد المائة: يوم القيامة

تَتّفِقُ جميعُ الشَرائعُ السَّماويّة في لزوم الاِيمان بالآخرة ووجوب الاِعتقاد بالقيامة، فقد تحدّث الاَنبياءُ جميعاً ـ إلى جانب التوحيد ـ عن المَعاد، وعالم ما بعد الموت أَيضاً. وجَعَلُوا الاِيمانَ باليوم الآخر في طليعة ما دَعَوا إليه.

وعلى هذا الاَساس يكونُ الاِعتقاد بالقيامة من أركانِ الاِيمان في الاِسلام.

إنّ مسألةَ المعاد وإن طُرحَت في كتاب العهدين (التوراة والاِنجيل معاً) إلاّ أنّها طُرحت في العَهد الجديدِ بشكلٍ أوضح، ولكنّ القرآنَ الكريمَ إهتمّ بهذه المسألة أكثر من جميع الكتب السماوية الاَُخرى، حتى أنَّهُ اختص قسمٌ عظيمٌ من الآيات القرآنية بهذا الموضوع.

وقد أُطلق على المعاد في القرآن الكريم أسماءٌ كثيرة مثل: يومِ القيامة، يوم الحِساب، اليوم الآخر، يوم البعث وغير ذلك.

وعلّة كلّ هذا الاِهتمام والعِناية بمسألة القيامة هي أن الاِيمان والتديّن من دون الاِعتقاد بيوم القيامة غير مثمر.


(226)

الاَصل الرابعُ بعد المائة: ضرورة المعاد

لقد أقام الحكماء والمتكلّمون المُسلمون أدلّة عديدة ومتنوعة على ضرورة المعاد، وحياة ما بعد الموت، وفي الحقيقة كان القرآن الكريم هو مصدر الاِلْهام في جميع هذه الاَدلَّة.

من هنا فإننا نذكر بعضَ الدلائل القرآنية على هذه المسألة:

ألف : إنّ الله تعالى حقٌ مطلقٌ، وفعلُهُ كذلك حقٌ، منزَّهٌ عن أي باطلٍ ولغوٍ. وخَلق الاِنسانِ من دونِ وجودِ حياةٍ خالدةٍ سيكون لغواً وعبثاً كما قال:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْناكُم عَبَثاً وأنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(1).

ب : إنّ العدلَ الاِلَهيَّ يوجبُ أن لا يعامَل المحسنون والمسيئون في مقام الجزاءِ على شكلٍ واحدٍ.

ومن جانِبِ آخر انّه لا يمكن تحقّقُ العدالةِ الكاملةِ بالنسبة إلى الثَّوابِ والعِقاب في الحياة الدنيوية، لاَنّ مصيرَ كلا الفريقين في هذا العالم متداخِلَين وغير قابلَين للتفكِيك والفَصل.

ومن جهة ثالثة فإنّ لِبعض الاَعمال الصالِحة، والطالحة جزاءً لا يسع له نطاقُ هذا العالم.

فَمَثَلاً هناك من ضَحّى بنفِسِه في سَبِيل الحق، وهناك من خضّب


1 . المؤمنون | 115 .

(227)

الاَرض بدماء المؤمنين.

ولهذا لا بُدَّ مِن وجود عالمٍ آخر يتحقَّق فيه العدلُ الاِلَهيّ الكاملُ في ضوءِ الاِمكانات غير المتناهية. كما قال: (أَم نَجْعَلُ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ في الاََرضِ أَم نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)(1).

ويقولُ أيضاً: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)(2).

ج : إن خلقَ البشَر بَدَأَ في هذا العالمَ من ذَرّةٍ حقيرةٍ ثم ترقّى في مدارج الكمال الجسمي شيئاً فشَيئاً، حتى بَلغَ مرحلةً نُفِخَت فيها الرُّوح في جسمه.

وَقدْ وَصَفَ القرآنُ الكريمُ، خالقَ الكون بكونه «أحسنَ الخالقين» نظراً إلى تكميل خلقِ هذا الموجودِ المتميّز.

ثم إنّه ينتَقل بالمَوْت من مَنْزله الدنيويّ إلى عالمٍ آخر، يُعتَبَر كمالاً للمرحلة المتقدّمة وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى إذ قال: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامةِ تُبْعَثُونَ)(3).


1 . ص | 28 .
2 . يونس | 4 .
3 . المؤمنون | 14 ـ 16 .

(228)

الاَصلُ الخامسُ بعد المائة: جواب الشبهات المثارة حول المعاد

لقد طَرَحَ مُنكروا القيامة والمعاد في عصر نزول القرآن، شُبُهاتٍ ردّ عليها القرآن، ضمن توضيحه لاَدلّة وجود المعاد.

وفيما يلي بعضُ هذه الموارد:

ألف : تارةً يؤكّدُ القرآنُ الكريم على قدرة اللهِ المطلقة فيقول:

(إِلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِ شَيءٍ قَدِيرٌ)(1).

ب : وتارةً يُذكّر بأنّ الذي يقدرُ على خَلق الاِنسان ابتداءً قادرٌ على إعادته، ولملمة رفاته، وإرجاع الروح إليه ثانية.

فهو مَثَلاً ينتقدُ قولَ المنكرين للمعاد قائلاً: (فَسَيَقولونَ مَن يُعيدُنا)؟

ثم يقول: (قلِ الّذي فَطركم أوَّلَ مَرَّةٍ)(2).

ج : وفي بَعضِ الموارد يُشَبِّهُ إحْياءَ الاِنسان بعدَ مَوْته بإعادةِ الحَياة إلى الاَرض في فَصْل الرَّبيع بعد رقدةٍ شتائيّة من جديدٍ وولوج الحياة في الطبيعة وعلى هذا يقيسُ المعادَ وعودةَ الرُّوح إلى الموتى قال تعالى: (وَتَرى الاَرضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيها الماءَ اهتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأنْبَتَتْ من كلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذلِكَ بأنّ اللهَ هُوَ الحقُّ وأنّه يُحيي الموَتى وأنّه على كلّ شَيءٍ قَديرٌ * وأنّ الساعةَ آتِيةٌ لا رَيبَ فِيها وأنّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي القبُوُر)(3).


1 . هود | 4 .
2 . الاِسراء | 51 .
3 . الحج | 5 ـ 7 .

(229)

د : في الاِجابة على هذه الشُّبهة التي تقول «من يُحيي العِظام» وقد أصبحت رميماً، وَكَيف يَجمعُها وقد ضاعَت في الاَرض ويخلق منها جَسَداً كالجسد الاَول؟ يقولُ سبحانه: (... بَلى وَهُو الخَلاّقُ العَلِيمُ)(1).

وفي موضع آخَر يُخبرُ عَن ذلك العلم الواسع قائلاً: (قدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الاََرضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيْظٌ) (2).

هـ : ربّما يتصوّر أنّ الاِنسان يتألف من أجزاء جسمانية، وأعضاء مادّية تنحل بموته وتستحيل إلى تراب. فكيف يكون الاِنسان يوم القيامة هو عينه في الحياة الدنيا، وبعبارة أُخرى ما هي الصلة بين البدن الدنيوي والاَُخروي كي يحكم بوحدتهما؟

والقرآن ينقل تلك الشبهة عن لسان الكافرين ويقول: (أَءِذَا ضَلَلنَا في الاََرضِ أَءِنَّا لفي خلقٍ جَديد)(3).

ثُمّ يعود ويجيب عليها بقوله: (قُلْ يَتَوّفاكُم مّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (4).

ويكمن حاصل الجواب في الوقوف على معنى «التوفّي» المأخوذ في الآية. الذي هو «الاََخذ»، وهو يعرب انّ للاِنسان وراء البدن الذي يبلى حين موته شيئاً آخر يأخذه ملك الموت وهي الروح، فحينها تتضح إجابة القرآن عن الشبهة.


1 . يس | 81 .
2. ق | 4 .
3 . السجدة | 10 .
4. السجدة | 11 .

(230)

وهي انّ ملاك وحدة البدنين والحكم بأنّ البدن الاَُخروي هو عين البدن الدنيوي ـ مضافاً إلى وحدة الاَجزاء ـ هي الروح المأخوذة من قبل ملك الموت، فإذا ولجت نفس الاَجزاء يكون المعاد عين المبتدأ.

فيستفاد من هذه الآية ونظائرها انّ الاِنسان المحشور يوم البعث هو عينه الموجود في نشأة الدنيا، قال سبحانه: (قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وُهَو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)(1).

الاَصلُ السادس بعد المائة: معاد الاِنسان هو جسماني وروحاني

صرّحت الآيات القرآنية والاَحاديث على أنّ معاد الاِنسان: جسماني وروحاني، ويراد من الاَوّل هو حشر الاِنسان ببدنه في النشأة الاَُخرى، وأنّ النفس الاِنسانية تتعلّق بذلك البدن في تلك النشأة فيثاب أو يعاقب بأُمور لا غنى في تحقّقها عن البدن والقوى الحسية.

ويراد من الثاني أنّ للاِنسان وراء الثواب والعقاب الحسيّين لذّات والآم روحيّة ينالها الاِنسان دون حاجة إلى البدن، وقد أُشير إلى هذا النوع من الجزاء في قوله سبحانه: (وَرِضَوانٌ مِنَ اللهِ أَكَبرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) (2)، وقال سبحانه: (وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الاَمْرُ وَهُمْ في غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)(3).

فرضوانه سبحانه من أكبر اللذائذ للصالحين، كما أنّ الحسرة من أكبر الآلام للمجرمين.


1 . يس | 79 .
2. التوبة | 72 .
3 . مريم | 39 .

(231)

الاَصلُ السابع بعد المائة: البرزخ

ليس الموت نهاية للحياة وانعدامها، بل انتقال من نشأة إلى أُخرى، وفي الحقيقة إلى حياة خالدة نعبّر عنها بالقيامة، بيد أنّ بين النشأتين نشأة ثالثة متوسطة تدعى بالبرزخ، والاِنسان بموته ينتقل إلى تلك النشأة حتى قيام الساعة، إلاّ أنّنا لا نعلم عن حقيقتها شيئاً، سوى ما جاء في القرآن والاَحاديث، ولنذكر طائفة من الآيات القرآنية بغية التعرّف على ملامح تلك النشأة.

ألف: انّ المحتضر إذا وقف على سوء مصيره يتمنّى عوده إلى الدنيا ليتدارك ما فات منه، يقول سبحانه: (حَتَّى إِذا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ)(1).

ولكن يخيب سعيه، ويُردُّ طلبه، ويقال له: (كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائلُها ومِنْ وَرَائهِم بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(2).

والآية تحكي عن وجود حياة برزَخية مخفية للمشركين.

ب : ويصف حياة المجرمين، لاسيما آل فرعون، بقوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوَّاً وعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ)(3)‌.


1 . المؤمنون | 99 ـ 100 .
2 . المؤمنون | 100 .
3 . غافر | 46 .

(232)

فالآية تحكي عن أنّ آل فرعون يعرضون على النار صباحاً ومساءً، قبل القيامة. وأمّا بعدها فيقحمون في النار.

ج : ويصف سبحانه حياة الشهداء في تلك النشأة، بقوله: (ولا تَقُولُوا لِمنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللهِ أَمْواَتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلِكنْ لا تَشْعُرُونَ)(1).

ويصف في آية أُخرى حياة الشهداء بقوله: (فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبشرُونَ بالَّذينَ لَمْ يَلْحَقوا بِهِم مِنْ خَلْفِهِمْ ألاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاهُمْ يَحْزَنُونَ)(2).

الاَصلُ الثامن بعد المائة: السؤال في القبر

تبتدأ الحياة البرزَخية بقبض الروح عن البدن، وعندما يودع بدن الاِنسان في القبر، يأتي إليه ملائكة الربّ فيسألونه عن التوحيد والنبوُة وأُمور عقائدية أُخرى، ومن الواضح أنّ إجابة المؤمن ستختلف عن إجابة الكافر وبالتالي يكون عالم البرزخ مظهراً من مظاهر الرحمة للمؤمن، أو مصدراً من مصادر النقمة والعذاب للكافر.

إنّ السؤال في القبر وما يستتبع من الرحمة أو العذاب من الاَُمور المسلّمة عند أئمة أهل البيت، وفي الحقيقة أنّ القبر يُعدّ أُولى المراحل للحياة البرزخية التي تدوم إلى أنْ تقوم الساعة.


1 . البقرة | 154 .
2 . آل عمران | 170 .

(233)

ولقد صَرَّحَ علماءُ الاِماميّة في كتُب العقائد التي ألّفُوها بما قُلناه .

فقد قال الشيخُ الصدوق؛: إعتقادُنا في المساءلةِ في القَبرِ، انَّه حقٌ لابدَّ منها، فمن أجابَ بالصواب فازَ برَوحٍ ورَيحانٍ في قَبرهِ، وبِجَنّةِ النعيمِ في الآخرة، ومَن لم يُجِبْ بِالصَّوابِ فَلهُ نُزُلٌ من حميمٍ في قبره، وتَصْلِيةُ جَحيم في الآخرةِ.(1)

وقال الشيخُ المفيد في كتابه «تصحيحُ الاِعتقاد»: جاءَت الآثارُ الصحيحة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ الملائكة تنزل على المقبُورين فتسألُهم عن أدْيانهم، وألفاظُ الاَخبارِ بذلك متقاربة فمِنها أنّ مَلكَينِ لله تعالى يُقالُ لهما ناكر ونكير ينزلان على الميّتِ فَيَسألانِهِ عن رّبِهِ ونبيِّهِ ودينِهِ وإمامِهِ، فإنْ أجابَ بالحق سَلَّموهُ إلى ملائكةِ النَعيم، وإن ارتجَّ عليه سَلَّموهُ إلى ملائكةِ العَذاب(2).

وقال المحقّق نصيرُ الدين الطوسي في كتابه: «تجريد الاعتقاد» أيضاً: وعذابُ القبر واقعٌ لاِمكانِهِ، وتواتُرِ السَمعِ بِوقوعِهِ.(3)

ومن راجَعَ كتب العقائد لدى سائر المذاهب الاِسلامية اتّضح له أنّ هذه العقيدة هي موضع إتفاقٍ بين جميع المسلمين، ولم يُنسَب إنكار عذابِ القبر إلاّ إلى شخص واحِدٍ هو «ضرار بن عمرو»(4).


1 . اعتقادات الصدوق، الباب 17، ص 37 .
2 . تصحيح الاعتقاد للمفيد: ص 45 ـ 46 .
3 . كشف المراد: المقصد 6، المسألة 14.
4 . راجع كتاب «السنة» لاَحمد بن حنبل؛ و «الاِبانة» لاَبي الحسن الاَشعري؛ وشرح الاَُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي.

(234)

الاَصل التاسع بعد المائة: تفسير المعاد بالتناسخ وردّه

لقَد اتّضحَ مّما سبق أَنّ حقيقةَ المَعاد هي أنّ الرُّوح بعد مفارَقَتها للجَسَد تعودُ مرة أُخرى ـ وبإذن الله ومشيئته ـ إلى نفسِ البدنِ الذي عاشت به ليلقى الاِنسانُ جزاءَ ما عَمِلَهُ في الدنيا، في العالم الآخر، إنْ خيراً فخيرٌ، وإنْ شراً فشرّ.

ولكن ثمَّتَ من يُنكر «المعاد» الذي دَعَت الشرائعُ السماويةُ إلى الاِيمان بهِ، وإن أقرّوا بمسألةِ الثوابِ والعقابِ، الذي يلحق أعمال البَشَر، إلاّ أنّهم فسروه عن طريقِ «التناسخ».

إنّهم ادّعَوا أنّ الرُّوح تعودُ مرّةً أُخرى إلى العالم الدنيوي عن طريق تعلّقِها بالجنين، وعبْر طيّ مراحلِ الرُشد والنموّ، ويطوي دورات الطفولة، والشباب، والشيخوخة، غاية ما في الاَمر، يحظى أصحاب الاَعمال الصالحة بحياة لذيذةٍ جميلةٍ، بينما يعاني أصحاب الاَعمال الفاسدة من حياةٍ مُرّةٍ وقاسيةٍ. فهي إذن ولادةٌ جديدةٌ، تتبعُها حياةٌ سعيدةٌ أو تعيسةٌ.

ولقد كانَ لعقيدة التناسخ هذه على طول التاريخ البشريّ أنصار ومؤيّدون، وتُعَدُّ إحدى أُصول الديانة الهندوسية.

ويجب أن نَنتبه إلى هذه النقطة، وهي أنّ النفوسَ والاَرواح البشرية إذا سَلكتْ طريقَ التناسخ بصورة دائميةٍ لم يبق مجالٌ للمعاد والقيامة، والحال أنّ الاعتقاد بالمعاد أمرٌ ضروريٌ وبديهيٌ في ضوءِ أدلّته وبراهينه


(235)

العقلية والنقلية.

وفي الحقيقة لابدّ أن يُقال: إنّ القائلين بالتناسخ حيث إنّهم لم يتمكّنوا مِن تصوّر «المعاد» بصورته الصحيحة أَحلُّوا «التناسخَ» محلَّه، واعتقدوا به، بَدَلَ الاعتقاد بالمعاد.

إنّ التناسخَ في المنطق الاِسلاميّ يستلزم الكفرَ، ولقد بُحِثَ في كتبنا الاعتقادية وأُثبِتَ بطلانه، وعدم انسجامه مع العقائد الاِسلاميّة بشكلٍ مفصَّلٍ، ونحن نشير هنا إلى ذلك باختصار:

1. إنّ النَفس والرّوحَ البشرية تكون قد بلغت عند الموت مرتبة من الكمال.

وعلى هذا الاَساس فإنّ تعلُّق الروح المجدّد بالجنين بحكمِ لُزُوم التناسقِ والانسجامِ بين «النَفْسِ» و «البَدَن» يستلزمُ تنزُّل النَفْسِ من مرحلة الكمال إلى مرحلة النقص، والفعليَّة إلى القُوّةِ، وهو يتنافى مع السُنّة الحاكمة على عالم الخَلقِ (المتمثّلة في السَير التكامليّ للموجوداتِ من القوّة إلى الفعل).

2. إذا قَبلنا بأن النفس تتعلّق بعد الاِنفصال من البَدَن، ببدنِ حيٍّ آخر، فإنَّ هذا يستلزمُ تعلّق نفسين ببدنٍ واحد، ونتيجته هي الازدواجيّة في الشخصيّة، ومثلُ هذا المطلبِ يتنافى مع الاِدراك الوجداني للاِنسان عن نفسه التي لا تمتلك إلاّ شخصيّةً واحدةً لا شخصيّتين.(1)


1 . كشف المراد للعلامة الحلّي المقصد الثاني، الفصل الرابع المسألة الثامنة، والاَسفار صدر المتألّهين: 9 | 10.

(236)

3. الاِعتقاد بالتناسُخ مع أنّه يتنافى مع السُنّة الحاكمة على نظام الخلق يعتبر بنفسه ذريعة للظالمين والنفعيّين الذين يرون أنَّ عزَّتَهم ورفاههم الفِعلِيّين نتيجةٌ لطهارة أعمالهم في حياتهم المتقدمة، ويرونَ أن شقاء الاَشقياء كذلك نتيجةٌ لِسوءِ أعمالهم في المرحلة السابقة، وبهذا يبرِّر هؤلاء الظَلَمة أعمالَهم القبيحة، ووجود الظُلم والجور في المجتمعات التي تخضع لسلطانِهِم.

الاَصلُ العاشرُ بعد المائة: الفرق بين التناسخ والمسخ

في ختام البحث حول التناسخ من الضروريّ أن نجيبَ على سؤالين:

السؤال الاَوّل: لقد صَرَّح القرآنُ الكريم بوقوع حالات من المَسخ في الاَُمم السابقة، حيث تحوّل البعضُ إلى قِردةٍ، والبعض الآخر إلى خنازير كما يقول تعالى:

(وَجَعَل مِنهُمُ القِرَدَةَ والخنازِير)(1).

فكيفَ تحقّق المسخُ إذا كان التناسخ باطلاً؟

الجواب: إنّ «المسخ» يختلف عن «التناسخ» الاصطلاحيّ، لاَنّ في التناسخ تتعلَّق الروحُ بعد انفصالها من بَدَنِها بجنينٍ أو ببدن آخر.

ولكن في المسخ لا تنفصلُ الروحُ عن البَدن بل يتغير شكلُ البدَن


1 . المائدة | 60. لاحظ سورة الاَعراف: الآية 166 .

(237)

وصورتُه، ليرى العاصي والمجرم نفسَه في صورة القِرد والخنزير، فيتألّم من ذلك.

وبعبارة أُخرى: إنّ نفسَ الاِنسان لا تتنزّل من المقام الاِنساني إلى المقام الحيواني، لاَنّه إذا كان كذلك لما كان أُولئك الذين مُسِخوا من البشر يدُرِكون العذاب، ولما لَمَسوا عقاب عَمَلهم، في حين يعتبر القرآنُ الكريمُ «المسخَ» «نكالاً» وعقوبة للعصاة(1).

يقول التفتازاني: إنّ النفوس بعد مفارقتها للاَبدان تتعلّقُ في الدنيا بأبدان أُخرى للتصرّف والاكتساب، لا أن تتبدّل صُوَرُ الاَبدان كما في المسخ.(2)

ويقول العلامة الطباطبائي: الممسوخ من الاِنسان إنسانٌ ممسوخٌ لا أنّه ممسوخٌ فاقدٌ للاِنسانية.(3)
السؤالُ الثاني: يذهبُ بعض المؤلّفين إلى أنّ القول بالرجعة ناشىَ من القول بالتناسخ.(4)
فهل يستلزمُ الاعتقادُ بالرجعة القولَ بالتناسخ؟

الجواب: إنّ الرجعة ـ كما سنتحدّث عنها في محلّها ـ حسب إعتقاد أكثر علماء الشيعة الاِمامية تعني أنّ طائفةً من أهلِ الاِيمان، وأهل الكفر


1 . ( فجَعَلْناها نكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة | 66).
2 . شرح المقاصد، للتفتازاني: 3 | 337 .
3 . الميزان، للطباطبائي، 1 | 209 .
4 . فجر الاِسلام، لاَحمد أمين المصري ص 377.

(238)

سيعودُون إلى هذه الحياة (أي العالم الدنيويّ) في آخر الزمان مرةً أُخرى، وتكون عودتهم إلى الحياة مثل إحياءِ الموتى على يد السيد المسيح، ومثل عودة «عزير» للحياة بعد مائة سنة.(1)
وعلى هذا الاَساس لا يكون للاِعتقاد بالرجعة أيّ ارتباطٍ وعلاقة بمسألة التناسخ قط، وسنعطي المزيد من التوضيحات في هذه المسألة في مبحث «الرجعة» مستقبلاً.(2)

الاَصلُ الحادي عشر بعد المائة: أشراط الساعة

لقد ورَدَت في كلمات العلماء تبعاً للقرآن مسألة باسم «أشراط الساعة» وتعني علامات القيامة.

إنّ علاماتِ يومِ القيامة على قسمين:

ألف: حوادث تقع قبل وقوع القيامة وانهدام النظام الكوني وعند وقوع ذلك يكونُ البشر لا يزالون يعيشون على وجه الاَرض، ولفظة «أشراط الساعة»تُطلَق في الاَغلب على هذا النَمَط من الحوادث والوقائع.

ب :الحوادث التي توجب تخلخل النظام الكونيّ، وقد جاء أكثرها في سور: التكوير، والاِنفطار، والاِنشقاق والزلزال.

والعلائم من القسم الاَوّل عبارة عن:


1 . لاحظ آل عمران | 49 ، والبقرة | 259 .
2 . لاحظ الاَصل التاسع والعشرين بعد المائة ص 286 .

(239)

1. بعثة النبي الخاتم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1).

2. اندكاك السدّ وخروج يأجوج ومأجوج(2).

3. إتيان السماء بدخان مبين (3).

4. نزول السيد المسيح ـ عليه السلام ـ (4).

5. خروج دابّة من الاَرض (5).

ولابُدَّ من مراجعة كتُبِ التفسير والحديث للحصول على تفاصيل هذه العلائم.

ولقد تحدّث القرآنُ الكريمُ بإسهاب حولَ العلائم والاَشراط من النوع الثاني مثل: إنهدام النظام الكونيّ وتلاشيه وتكوير الشمس والقمر، وانكدار النجوم، وتناثرها، وتفجير البحار وتسجيرها، وتسيير الجبال(6) وغيرها من الحوادث التي ملخّصُها هو اندثار النظام السائد فعلاً، وظهور نظام جديدٍ، وهو في حقيقته تجلّ للقدرةِ الاِلَهيّةِ التامّة، كما قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الاََرضُ غَيْرَ الاََرْضِ وَالسَّمَاواتُ وَبَرَزُواْ للهِ الواحِدِ الْقَهَّار)(7).


1 . لاحظ محمد | 18 .
2 . لاحظ الكهف | 98 ـ 99 .
3 . لاحظ الدخان | 10 ـ 16 .
4 . لاحظ الزخرف | 57 ـ 61 .
5 . لاحظ النمل | 82 .
6 . لاحظ سور: التكوير، والانفطار، والانشقاق، والقارعة.
7 . إبراهيم | 48 .

(240)

الاَصلُ الثاني عشر بعد المائةِ: النَفخُ في الصُّور

إنّ القرآنَ الكريم يتحدَّث عن حادثةٍ باسم «النَفخُ في الصُّور» والذي يتم مرتين:

ألف ـ النَفْخُ في الصُّور، الذي يوجبُ موتَ كلّ الاَحياء في السَّماوات والاَرضين.

ب ـ النَّفخُ في الصُّور، الذي يوجبُ إحياءَ الموتى كما يقول :

(وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنِ في السَّمَوَتِ وَمَن في الاََرْضِ إلاّ مَن شَآءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ)(1).

إنّ القرآنَ الكريم يتحدَّث عن خصوص حَشر البَشَر ونشْرهم يومَ القيامة قائلاً: (يَخْرُجُونَ مِنَ الاََجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ)(2).

الاَصلُ الثالثُ عشر بعد المائة: مراحل الحساب والقيامة

بعد عَودة الموتى إلى الحَياة، وحَشْرِهمْ ونَشْرِهِمْ، تتحقَّق عدةُ أُمور قبلَ دُخولِ الجنة أو النار، أخبر بها القرآنُ الكريمُ، والاَحاديثُ الشريفة:

1. محاسَبة النّاس على أعْمالهم بشكلٍ خاصّ، أو بصورٍ معيّنة إحداها إعطاءُ صحيفةِ عملِ كل أحد بيده.(3)


1 . الزمر | 8 6 .
2. القمر | 7 .
3 . لاحظ الاِسراء | 13 ـ 14 .

(241)

2. مضافاً إلى ما هو مُدرَجٌ في صحيفة كل واحد من الصغائر والكبائر، ثمّتَ شهُودٌ من داخلِ الاِنسان وخارجه تشهدُ يومَ القيامة بأعمالهِ التي عَمِلَها في العالمِ الدُّنْيويّ.

والشُهود الّذين من الخارج هم عبارةٌ عن الله (1) ونبي كلّ أُمّة (2) ونبيّ الاِسلام (3)، والصَفوة الاَخيار من الاَُمّة (4)، والملائكة (5)، والاَرض (6).

وأمّا الشهودُ من داخل الكيانِ البشريّ فهم عبارة عن الاَعضاء والجوارح (7)، وتجسّم الاَعمال نفسِها (8).

3. هناكَ لمحاسبة الاِنسان على أعماله ـ مضافاً إلى ما قلناه ـ ما يُسمّى بـ «موازين العَدل» التي تُقامُ يومَ القيامة، وتضمِن وصولَ كلّ إنسان إلى ما يستحقه من الجزاء على وجهِ الدِقّة كما يقول تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شيْئاً وإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِها وَكَفَى بِنَا حاسِبين) (9).

4. ويُستفاد من الاَحاديث الشريفة أنّ هناك ـ يومَ القيامة ـ ممرّاً يجبُ أن يعبر منه الجميعُ بلا استثناء .


1 . لاحظ آل عمران | 98 .
2. لاحظ النحل | 89 .
3. لاحظ النساء | 41.
4. لاحظ البقرة | 143 .
5. لاحظ ق | 18 .
6. لاحظ الزلزلة | 4 ـ 5.
7 . لاحظ النور | 24، فُصّلت | 20 ـ 21 .
8. لاحظ التوبة|34 ـ 35.
9. الاَنبياء | 47 .

(242)

وهذا الممرّ يُعبّر عنهُ في الروايات بالصراط، وقد ذهبَ المفسرون إلى أنّ الآيات 71 ـ 72 من سورة مريم ناظرة إليه.(1)

5. هناكَ حائلٌ بين أهل الجنّة وأهل النار أسماه القرآنُ الكريم بـ(الحجاب) كما أنّه يقف شخصياتٌ رفيعةُ المستوى على مكانٍ مرتفعٍ يعرفون كلاًّ مِن أهلِ الجنّة وأهلِ النارِ بسيماهُم كما يقولُ سبحانه:

(وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الاََعراَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًَّ بِسِيماهُمْ)(2).

وهؤلاءُ الشخصيّات العالِية المستوى هم ـ كما تُصرّح رواياتُنا ـ الاَنبياءُ وأوصياؤهم الكرام البرَرَة.

6. عندما تَنْتهِي عمليّةُ الحساب ويَتّضح مصيرُ الاَشخاص يومَ القيامة يعطي اللهُ سبحانه لواءً بيد النبيّ الاَكرمِ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُدعى «لواء الحمد» فيتحرّكُ أمامَ أهلِ الجنة، إلى الجنّة.(3)

7. أخبَرَتِ الرواياتُ العديدةُ بوجود حوضٍ كبير في المحشر يُعرَف بحوض «الكوثر»، يحضر عنده رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويسقى الصالحون من الاَُمّة من ماء ذلك الحوض بأيدي النبيّ وأهلِ بيته ـ عليهم السلام ـ.


1 .(وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وارِدُهَا كَانَ عَلى رَبّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَنَذَرُ الظَّالِمينَ فِيهَا جِثيّاً) (مريم | 71 ـ 72).
2 . الاَعراف | 46 .
3 . بحار الاَنوار، ج 8 ، الباب 18، الاَحاديث 1 ـ 12؛ ومسند أحمد 1 | 281، 295 و 3 | 144 .

(243)

الاَصلُ الرابع عَشَرُ بعد المائة: الشفاعة

تُعتبر شفاعة الشافعين يوم القيامة بإذن الله تعالى إحدى العقائد الاِسلاميّة المُسَلَّمة الضروريّة.

إنّ الشفاعةَ تشملُ أُولئك الذين لم يقطعوا صِلتهم بالله، وبالدين بصورةٍ كاملة، فصاروا صالحين لشمولِ الرحمةِ الاِلَهيّةِ لهم بواسطة شفاعةِ الشافعين، رغم تورُّطِهم في بعض المعاصي والذنوب.

والاِعتقادُ بالشَفاعة مأخوذٌ من القرآن الكريم والسُّنة ونشير إلى بعض تلك النصوص فيما يأتي:

ألف : الشَفاعة في القرآن

إنَّ الآياتِ القرآنيّة تحكي عن أصل وجودِ الشفاعة يومَ القيامة، وتصرّح بأصل وجودِ الشفاعة وأنّها تقع بإذنِ اللهِ تعالى.

ويقول:

(وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَن ارْتَضَى)(1).

فمَنْ هُم الشُفَعاء؟

يُستَفادُ من بعض الآيات أنّ الملائكة من الشُفعاء يومَ القيامة كما يقولُ: (وَكَم مِن مَّلَكٍ في السَّماواتِ لاَ تُغْنِي شَفاعتُهُم شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ وَيَرْضى)(2).


1 . الاَنبياء | 28 .
2 . النجم | 26 .

(244)

ويذهبُ المفسِّرون في تفسير قولِهِ تعالى: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(1) إلى أنّ المقصود مِنَ «المقام المحمود» هو مقامُ الشّفاعة الثابتُ للنبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

ب : الشَفاعة في الروايات

لقد تحدّثت روايات كثيرة ورَدَت في كتبِ الحديث عن الشفاعة مضافاً إلى القُرآنِ الكريم. ونشيرُ إلى بعضِ هذه الاَحاديث:

1. يقولُ النبيُّ الاَكرمُ: «إنَّما شَفاعَتي لاََهلِ الكَبائِر مِن أُمَّتِي»(2).

والظاهر أنّ عِلّة اختصاص الشفاعة بمرتكبي الكبائر من الذنوب وشمولها لهم خاصة، هو: أنّ اللهَ وَعَد في القرآنِ بصراحة بأن يغفرَ للناسِ السيئات الصغيرة إذا ما هم اجتنبوا الكبائرَ(3) فبقيّة الذنوب ما عدا الكبائر تشمُلُها المغفرة، في الدنيا ومع المغفرة لا موضوع للشفاعة.

2. «أُعْطِيْتُ خَمْساً... وأُعطِيتُ الشَفاعَة، فَادّخَرْتُها لاَُمَّتي فهيَ لِمَن لا يُشْرك بِاللهِ»(4).

وعلى من أراد التعرّف على غيره من شفعاء يوم القيامة كالاَئِمة


1 . الاِسراء | 79 .
2 . الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، 3 | 376 .
3 . لاحظ النساء | 31 .
4 . الخصال للشيخ الصدوق، باب «الخمسةُ» ؛ صحيح البخاري، 1 | 42؛ مسند أحمد، 1 | 301.

(245)

المعصومين، والعلماء، وكذا المشفوع لهُمْ، أن يُراجِعَ كتبَ العقائد، والكلام، والحديث.

كما أنّه لابُدّ أن نَعلَمَ بأنّ الاِعتقاد بالشَفاعة، مثل الاِعتقاد بقبُول التوبة، يجب أن لا يوجبَ تجرُّؤَ الاَشخاص على ارتكاب الذنوب، بل يجب أن يُعَدَّ هذا الاَمر «نافذةَ أمَل» تعيدُ الاِنسانَ إلى الطريقِ الصحيحِ، لكونه يرجو العفو، فلا يكونُ كالآيسين الّذين لا يفكّرون في العودة إلى الصِراط المستقيم قط.

ومِن هذا يتضح أنّ الاَثر البارز للشفاعة هو مغفرة ذنوب بعض العُصاة والمذنبين ولا ينحصر أثَرُها في رفع درجة المؤمنين كما ذهبَ إلى ذلك بعض الفِرقُ الاِسلامية (كالمعتزلة).(1)

الاَصلُ الخامسُ عشر بعد المائة: طلب الشفاعة في الدنيا

إنّ الاعتقادَ بأصلِ الشَفاعة في يَوم القيامة (في إطار الاِذن الاِلَهيّ) ـ كما أسلَفنا ـ من العقائِد الاِسلاميّة الضرورية ولم يخدش فيها أحدٌ.

يبقى أنْ نرى هل يجوز أن نطلب الشفاعةَ في هذه الدنيا من الشافعين المأذون لهم في الشفاعة يوم الحساب، كالنبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أملا؟

وبعبارةٍ أُخرى، هل يصحُ أن يقول الاِنسانُ: يا رسولَ الله يا وجيهاً


1 . أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 54 وكتب أُخرى.

(246)

عند الله إشفع لي عند الله؟

الجواب هو: أنّ هذا الموضوعَ كان محلَّ اتفاقٍ وإجماعٍ بين جميع المسلمين إلى القرن الثامن، ولم ينكرْه إلاّ أشخاصٌ معدودُون من منتصف القرنِ الثامن، حيث خالَفوا طلبَ الشفاعة من الشفعاء المأذون لهم، ولَم يجوّزوه في حين أنّ الآيات القرآنيّة والاَحاديث النبويّة المعتبرة، وسيرة المسلمين المستمرة تشهَدُ جميعُها بجوازه، وذلك لاَنَّ الشَفاعة هو دُعاؤهم للاَشخاص ومن الواضح أن طلبَ الدعاء من المؤمن العاديّ (فضلاً عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) أمرٌ جائز ومستحسَن، بلا ريب.

ولقد رَوى ابنُ عباس عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما يُستفاد منه بوضوحٍ بأنّ شفاعة المؤمن هو دعاؤه في حق الآخرين فقد قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ما مِن رَجُلٍ مُسْلِم يَموتُ فَيَقومُ على جَنازَتِهِ أربَعون رَجُلاً لا يُشركُونَ بالله شيئاً إلاّ شفَّعهُم اللهُ فِيه»(1).

ومِنَ البديهيّ والواضح أنّ شفاعة أربعين مؤمن عند الصلاة على الميّت ليس سوى دعاؤهم لذلك الميت.

ولو تَصَفَّحْنا التاريخَ الاِسلاميَّ لوَجَدنا أنّ الصَحابة كانوا يطلبون الشفاعة من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فها هو الترمذيّ يروي عن أنَس بن مالك أنّه قال: سألتُ النبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يومَ القِيامة فقال: أنا فاعل.


1 . صحيح مسلم: 3 | 54 .

(247)

قلتُ: فأَينَ أطلبُك؟

فقالَ: عَلى الصّرِاطِ (1).

ومع الاَخذ بِنَظَر الاِعتبار أن حقيقة الاِستشفاع ليست سوى طلب الدعاءِ من الشَفيع، يمكنُ الاِشارةُ إلى نماذج مِن هذا الاَمر في القرآن الكريم نفسِه:

1. طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهِم أن يستغفرَ لهم، وقد وَعَدَهم بذلك ووفى بوعده، يقول تعالى: (قَالُواْ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ * قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)(2).

2. يَقولُ القرآنُ الكريمُ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً)(3).

3. يقولُ في شأن المنافقين: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِروُنَ)(4).

فإذا كانَ الاِعراضُ عن طَلَب الاِستغفار من النَبيّ ـ الذي يَتّحدِ في حقيقته مع الاِستشفاع ـ علامةَ النِفاق، والاِستكبار، فإنّ الاِتيان بهذا الطَلَب وممارسته يُعدّ بلاشكّ علامةُ الاِيمانِ.


1 . صحيح الترمذي: 4 | 42، باب ما جاء في شأن الصراط.
2 . يوسف | 97 ـ 98 .
3 . النساء | 64 .
4 . المنافقون | 5 .

(248)

وحيثُ إنّ مقصودَنا ـ هنا ـ هو إثبات جواز طلب الشفاعة، ومشروعيّتهِ، لذلك لا يَضرُّ موتُ الشفيعِ في هذه الآيات بالمقصود، حتى لو فُرض أنّ هذه الآيات وَرَدَت في شأنِ الاَحياء من الشُفَعاءِ لا الاَموات، لاَن طَلَبَ الشَفاعة مِنَ الاَحياء إذا لم يكن شركاً فإنّ من الطبيعي أن لا يكونَ طلبُها من الاَموات كذلك شركاً لاَنّ حياة الشَفيع وموته ليس ملاكاً للتوحيد والشرك أبداً، والاَمرُ الوحيدُ الذي هو ضروريٌ ومطلوبٌ عندَ الاِستشفاعِ بالاَرواح المقدَّسة هو قدرتُها على سماع نداءاتنا، وهو أمرٌ قد أثبتْناه في مبحث التوسُّل حيث أثبتنا ـ هناك ـ(1) وجود مثل هذا الاِرتباط.

وهنا لابدّ أن نلتفتَ إلى نقطةٍ هامّة وهي أن استشفاعَ المؤمنين والموَحّدين من الاَنبياء والاَولياء الاِلَهيّين يختلفُ اختلافاً جَوهرياً عن استشفاع الوثنيّين من أصنامهم وأوثانهم.

فالفريقُ الاَوّل يطلبُ الشَّفاعةَ من أولياءِ الله، وهو مذعِنٌ بحقيقتين أساسيّتين:

1. إنَّ مقامَ الشفاعة مقامٌ خاصٌّ بالله، وحقٌ محضٌ له سبحانه كما قال:

(قُل للهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً)(2).

أي قل: إنّ أمر الشَفاعة كلَّه بِيَدِ اللهِ ولا يحقّ لاَحدٍ أن يشفَعَ مِن دون إذنِهِ ولن تكونَ شفاعةٌ مؤثرةً بغيره.


1 . لاحظ الاَصل 126 و 127 و ص 279 ـ 286 .
2 . الزمر | 44 .

(249)

2. إنّ الشُّفعاء الذين يَستشفِعُ بهم الموحِّدون عبادٌ صالحون مخلصُون لله سبحانه يستجيب الله دعاءَهم لِمكانَتِهِم عندهَ وَلِقُربِ مَنزِلَتهِم منه سبحانه.

وبهذين الشرطين يفترقُ الموحِّدُون عن الوثنييّن في مسألة الاستشفاع افتراقاً أساسياً.

أوّلاً : انّ المشركين لا يرون لنفوذ شفاعتهم وتأثيرها أيَّ قيد أو شرط، وكأنّ اللهَ فَوَّضَ أمرَ الشَفاعة إلى تلك الاَصنام العَمياء الصَمّاء. في حين أنّ الموحّدين يعتبرون الشفاعة كلّها حقاً مختصاً بالله، تبعاً لما جاء في القرآن الكريم، ويُقيِّدون قبولَ شفاعة الشافعين وتأثيرها بإذن الله ورضاه وإجازته.

ثانياً : إنّ مشركي عصر الرسالة كانوا يَعتبرون أوثانهم وأصنامَهم ومعبوداتهم المختلفة أرباباً وآلهةً، وكانوا يظنّونَ سفهاً أنّ لِهذهِ الموجودات الميّتة، والجمادات سَهْماً في الرّبوبيّة، والاَُلُوهيّة، بينما لا يرى الموحّدون، الاَنبياءَ والاَئمةَ إلاّ عباداً صالحين، وهم يردّدُون في صلواتهم وتحياتهم دائماً عبارة: «عَبْدُه ورسوله» و «عباد الله الصالحين».

فانظرْ إلى الفرق الشاسِعِ، والتفاوت الواسِع بين الرؤيتين والمنطِقَين.

بِناءً على هذا فإنّ الاستدلالَ بالآيات التي تَنفي وتندّدُ باستشفاعِ المشركين من الاَصنام، على نَفي أصل طلب الشفاعة في الاِسلام، إستدلالٌ مرفُوضٌ وباطلٌ وهو من باب القياس مع الفارق.


(250)

الاَصلُ السادسُ عشر بعد المائة: التوبة

إنّ انفتاح بابِ التوبةِ في وجهِ العُصاة والمُذنبين والدعوة إليها من التَعاليمِ الاِسلاميّة بل مِن مقرّرات جميعِ الشرائع السَّماويّة.

فعندما يندَمُ الاِنسانُ المذنبُ من عَمَلِهِ القبيحِ نَدَماً حقيقيّاً ويملاَُ التوجّهُ إلى الله، والتضرُّع إليه فضاءَ رُوحه، فيقرّر من صميمِ قَلبه أن لا يرتكبَ ما ارتكبَ ثانيةً، قَبِل اللهُ الرحيمُ أوبتَه وتَوبته، بشروطٍ مَذكورةٍ في كتُبُ العقيدة والتفسير. يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصَدَد:

(وَتُوبُواْ إِلَى اللهِ جَمِيعاً أيّها الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).

إنّ الّذين لا يَعرفونَ الآثار التربويّة الاِيجابيّة للتوبة يتصوَّرُون أنّ فتح هذين البابين (بابِ الشفاعة وباب التوبة) في وجه العُصاة والمذنبين يشجّعهم ـ بشكلٍ مّا ـ على المعصية، في حين يغفل هؤلاء عن أنّ كثيراً من النّاس متورّطونَ في بعض المعاصي، وقلّما يوجَد من لم يرتكبْ ذَنباً في حياته طوال عمره.

وعلى هذا الاَساس، إذا لم يكن بابُ التوبة مفتوحاً في وَجه هؤلاء لقالَ الذين يريدون أن يغيّروا مسيرهم ويقضوا بقيَّةَ أيّام حياتِهِمْ في الطُّهْر والنَقاء مع أنفسهم: إننَّا سنَلقى ـ على كلّ حالٍ ـ جزاءَ ذُنوبنا، وندخل جهنّم فلِمَ لا نستجيبُ لِرَغباتنا؟ ولمَ لا نحقّق شهواتِنا فيما تبقّى من عُمُرنا ما دام هذا هو مصيرُنا، وهو مصيرٌ لا يَتَغيَّر قطّ ولا مفرّ منه أبداً؟.


1 . النور | 31 .

(251)

وهكذا نكونُ بإغلاقنا بابَ التَّوبة قد فَتَحْنا في وجه النّاس بابَ اليأس والقنوط، ومَهَّدْنا للَمزيد من المعصية وللتمادي في ارتكاب القبائِح والذنوب..

إنَّ الآثار الاِيجابيّة لاَصل التوبة تتّضحُ أكثر فأكثر عندما نعلم بأن الاِسلام يقيِّد قبولَ التوبة بشروطٍ خاصّةٍ ذكرَها ـ بتفصيل ـ أئمةُ الدّين، والمحقّقون من علماءِ الاِسلام.

إنَّ القرآن الكريم يتحدّث عن التوبة بصراحةٍ تامةٍ إذ يقول :

(كَتَبَ رَبُّكُم عَلى نَفسهِ الرَّحمةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بجهالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(1).

ثم إنّه قد ذُكرَ الاَشخاصُ الذين لا تُقبَلُ توبتهم عندَ الله سبحانه في كُتب الفِقه، والتفسير، والعقيدة فمنَ شاء راجَعَها.

الاَصلُ السابعُ عشر بعد المائة: الاِنسان ينال جزاء أعماله

يَشهدُ العقلُ والنقلُ بأنّ كلَّ إنسانٍ يَرى جزاءَ عملِهِ، إنْ خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ.

يقول القرآنُ في هذا الصَّدد: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خيْراً يَرَهُ)(2).

ويقول أيضاً: (وأنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الاَوفى)(3).


1 . الاَنعام | 54 .
2 . الزلزلة | 7 .
3 . النجم | 40 ـ 41 .

(252)

ويُستفاد من الآيات السابقة أنَّ أعمالَ الاِنسان القبيحة، لا تُزيل أعمالهُ الصالحة ولا تقضي عليها، ولكن يجب أنْ نعلم في نفس الوقت أنّ الذين يرتكبون بعضَ الذنوب الخاصّة كالكُفر والشرك، أو يَسلكون سبيلَ الاِرتداد سيُصابون بالحَبط، أيْ أنّ أعمالَهم الصّالِحة تُحبط وتهلَكَ، ويَلقون في الآخرة عَذاباً أبديّاً كما يَقول سبحانه:

(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافرٌ فَأُوْلَئكَ حَبِطتْ أَعْمالُهُمْ في الدُّنْيا وَالآخِرةِ وَأُوْلئكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فيهَا خالدونَ)(1).

ونظراً إلى ما قلناه فإنّ كلَّ إنسانٍ مؤمنٍ سيَرى ثوابَ أعماله الصّالِحَة في الآخرة خيراً كانت أو شراً، إلاّ إذا ارتدّ، أو كَفَرَ، أو أشرَكَ، فإنّ ذلك سيأتي على أعماله الصالِحَة ويقضي عليها ـ كما دَلّ على ذلكَ الكتابُ والسُنّةُ ـ.

وفي الختام لابُدَّ من التذكير بالنقطة التالية وهي: أَنّ اللهَ سبحانه وتعالى وإنْ وَعَدَ المؤمِنين بالثواب على أعمالِهم الصالِحة، وفي المقابل أوعد على الاَعمال السيئة، ولكن «الوعدَ» و «الوَعيد» هذين يختلف أحدُهما عن الآخر ـ في نظر العقل ـ لاَنّ العَملَ بالوعد أصلٌ عقليٌ، والتخلّفَ عنه قبيح، لاَنّ في التخلّف عنه تضييعاً لِحقّ الآخرين، وإن كانَ هذا الحقُ مما أوجبَهُ الواعدُ، نفسُه على نفسه، وهذا بخلاف الوعيد فهو حق للمُوعِد وله الصفح عن حقه والاِعراض عنه ولهذا لا مانعَ مِن أن تستر بعضُ الاَعمالِ الصالِحة الحسنة قباحةَ بعض الاَعمال السيئة وهو ما


1 . البقرة | 217 .

(253)

يُسمّى بالتكفير(1).

وقد صَرَّحَ القرآنُ الكريمُ بكونِ بعضِ الاَعمال الصّالحة الحَسَنة مكفّرةً للاَعمال السَّيئة، وأحَد هذه الاَعمال هو اجتناب الشخص للذنوب الكبيرة:

(إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنكُمْ سَيِئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً)(2).

وكذا يكونُ لاَعمالٍ أُخرى مثل التوبة (3)، وصدقة السر(4) وغير ذلكَ مِثل هذا الاَثر.

الاَصلُ الثامن عَشَر بعد المائة: الخلود في الجحيم خاصّ بالكفّار

إنّ الخُلودَ في عذاب جهنّم خاصّ بِالكفّار، وأمّا المؤمنون العُصاة الذين أشرقت أرواحهم بنورِ التوحيد، فطريقُ المغفرة والخروج من النار غير مسدودة عليهم كما يقولُ اللهُ تعالى:

(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمنَ يَشَاءُ وَمَن يُشْرِك بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (5).

إنّ الآيةَ المذكورةَ الّتي تخبرُ بِصراحة عَن إمكان المغفرة والعفو عن


1 . كشف المراد، ص 413، المقصد 6، المسألة 7.
2 . النساء | 31 .
3. لاحظ التحريم | 8 .
4 . لاحظ البقرة | 271 .
5. النساء | 48 .

(254)

جميع الذنوب (ما عدا الشرك) ناظرة ـ من دون شَكٍّ ـ إلى أُولئك الّذين ماتُوا من دون توبة، لاَنّ جميعَ الذنوب والمعاصي ـ حتى الشرك ـ يشملُها العفوُ والغفرانُ إذا تابَ عنها الاِنسانُ.

وحيث إنّ هذه الآية فَرَّقت بين المشرك وغير المشرك، وَجَب أن نقول: إنّها تحكي عن إمكان مغفرةِ من ماتوا من دونِ توبة.

ومن الواضح أنّ مثلَ هذا الاِنسان إذا كان مشركاً لم يغفرِ اللهُ له، وأمّا إذا لم يكنْ مُشركاً فيمكنهُ أن يأمَل في عَفو اللهِ ويَطمع في غفرانه ولكن لا بشكلٍ قَطعيّ وحتميّ، إنما يحظى بالعفو والغفران من تعلَّقت الاِرادةُ والمشيئةُ الاِلَهيّةُ بمغفرته.

فإنّ قَيْد «لِمنْ يَشاءُ» في الآية تضعُ العُصاة والمُذنبين بين حالَتي «الخَوْف» و «الرَّجاءِ» وتحثهم على التوقّي من الخطر وهو التوبة قبلَ الموت.

ولهذا فإنّ الوَعدَ المذكور يدفع بالاِنسان على طريق التربية المستقيم، بإبعاده عن منزلَق «اليَأس» و «التجرّي».

الاَصلُ التاسع عشرَ بعدَ المائة: الجنة والنار مخلوقتان

نحن نعتقد أنّ الجنّة والنّار مخلوقتان موجودتان الآن.

قال الشيخ المفيد: «إنَّ الجنّة والنّارَ في هذا الوَقتِ مخلوقَتان وبذلك جاءتِ الاَخبارُ، وعليه إجماعُ أَهل الشّرعِ والآثار»(1).


1 . أوائل المقالات ص 141 .

(255)

وإنّ الآيات القرآنيّة هي الاَُخرى تشهد بالوجودِ الفِعليّ لِلجنَّة والنار إذ يقول:

(وَلَقدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِندَ سِدْرَةِ المنُتَهى * عِندَها جَنَّةُ المأْوى)(1).

ويصرّح في موضعِ آخر: بأنَّ الجنّة مهيَّئَةٌ للمؤمنين، وإن النّار للكافِرين، إذ يقول حولَ الجنّةِ:

(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(2).

ويقولُ حَولَ النّار:

(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)(3).

ومَعَ ذلك فلا نعرِفُ مكانَ الجَنَّةِ والنّار على وَجهِ الدّقةِ واليقينِ، وإن كان المُستفاد من بعض الآيات هو أن الجَنّة موجودةٌ في القِسم الاَعلى كما يقولُ سبحانه:

(وَفي السَّماءِ رِزْقُكُم وَمَا تُوعَدُونَ)(4).


1 . النجم | 13 ـ 15 .
2 . آل عمران | 133 .
3 . آل عمران | 131 .
4 . الذاريات | 22 .


(256)

(257)

كليات في العقيدة

8

الفصل التاسع

في معالم الإيمان والكفر


(258)

(259)

الاَصلُ العشرون بعد المائة: حدّ الاِيمان والكُفر

إنّ حدَّ «الاِيمان» و «الكُفر» من المباحث الكلاميّة والاِعتقادية الهامّة جدّاً.

فالاِيمان في اللُّغة يعني التّصديق و «الكُفر» يعني السَتر، ولهذا يُقال للزارع «كافر» لاَنّه يستر الحبَّةَ بالتراب، ولكن المقصود من «الاِيمان» في المصطلَح الدينيّ (وفي علم الكلام والعقيدة) هو الاِعتقاد بوحدانيَّة الله تعالى، والآخرة ورسالة النبي الخاتم محمّد المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

على أنَّ الاِيمان برسالة النبيّ الخاتِم يشمُلُ الاِيمانَ بِنبوّة الاَنبياء السابقين عليه، والكتب السّماوية السابقة، وما أتى به نبيُّ الاِسلام من تعاليم وأحكام إسلاميّة للبشر من جانب الله أيضاً.

إنّ المكان الواقعي والحقيقي للاِيمان هو قلب الاِنسان وفؤادُه كما يقول القرآن:

(أُولئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الاِِيمَانَ)(1).


1 . المجادلة | 22 .

(260)

كما أنّه يقول لسُكّان البَوادي الذِين استسْلَمُوا لِلحاكميّة الاِسلامية وسلطتها من دون أن يَدخلَ الاِيمانُ في أفئدتِهِم:

(وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُمْ)(1).

ولكنّ الحكمَ بإيمان الشخص مشروطٌ بأن يعبّر عن ذلك بِلسانه وإقرارِهِ اللفظي أو يُظهِرَه بطريقٍ آخر، أو لا يُنكر اعتقادَه به على الاَقل، وذلك لاَنّ في غير هذه الصورة لا يُحكم بإيمانِهِ كما قال :

(وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ)(2).

في ضوءِ هذا يكونُ قد تبيَّنَ معنى «الكفر» وحدّه أيضاً، فاذا أنكر شخصٌ وحدانيّةَ الحقِّ تعالى، أو أنكرَ يومَ القيامة، أو رسالة النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حُكِمَ بكفره حتماً، كما أنّ إنكار أحد مسلّمات الدين المحمديّ وضروريّاته التي يكون إنكارها مستلزِماً لاِنكار رسالةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بشكلٍ واضحٍ يجعلُ الاِنسانَ محكوماً بالكفر أيضاً.

فعندما أعطى رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الراية لعلي ـ عليه السلام ـ لفتحِ قِلاعِ خيبر، وأخبرَ الناسَ بأن حاملَ هذه الراية سيفتح خيبراً، في هذه اللحظة قال الاِمامُ عليٌ ـ عليه السلام ـ لرسول اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسولَ الله على مَ أُقاتلهُمْ؟؟

فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «قاتِلْهُمْ حَتّى يَشهَدُوا أنْ لا إِلَه إلاّ اللهُ وأنّ محمداً رسولُ الله، فإذا فَعَلُوا ذلك فقد مَنَعوا مِنْكَ دِماءَهُمْ وأموالَهم إلاّ بحقها،


1 . الحجرات | 14 .
2 . النمل | 14 .

(261)

وحسابُهم على الله».(1)

وسَأَلَ شخصٌ الاِمامَ الصادق ـ عليه السلام ـ فقال: ما أدنى ما يكونُ به العَبدُ مُؤمِناً؟

قالَ ـ عليه السلام ـ : «يَشْهَد أن لا إلَه إلاّ الله، وأنّ مُحمداً عبدُهُ ورسولهُ، ويُقرّ بالطّاعَةِ، ويعرف إمامَ زمانِهِ، فاذا فَعل ذلكَ فَهُو مؤمِنٌ».(2)

الاَصلُ الواحدُ والعشرون بعد المائة: الاِيمان مشروط بالالتزام بالعمل الصالح

إنّ حقيقةَ الاِيمان وان كانت هي الاِعتقاد القلبي (المشروط بالاِظهار أو عدم الاِنكار على الاَقلّ) ولكن يجب ان لا يُظَنَّ أنّ هذا القَدَر من الاِيمان كافٍ في فلاحِ الاِنسانِ، بل يجب على الشَخْصِ أن يَلتَزِمَ بلوازم الاِيمان وآثاره العَمَليّة أيضاً.

ولهذا فقد وُصِف المؤمنُ الواقعي وعُرّف في كثير من الآيات والرّوايات بأنه الملتزم بآثار الاِيمان، والمؤدّي للفرائض الاِلَهيّة.

فقد اعتبر القرآنُ الكريمُ في سورة «العصر» كلّ الناس في خسر إلاّ من اتّصف بالصّفات التالية حيث قال:

(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالحَقّ وَتَواصَوْا


1 . صحيح البخاري: كتاب الاِيمان، 10 ؛ صحيح مسلم: ج 7، باب فضائل علي، 121.
2 . بحار الاَنوار: 69 | 16، كتاب الاِيمان والكفر، نقلاً عن معاني الاَخبار للشيخ الصدوق، وسند الحديث صحيح.

(262)

بِالصَّبرِ)(1).

وقد روى الاِمامُ الباقر ـ عليه السلام ـ عن الاِمام علي ـ عليه السلام ـ أن رجلاً قال له: من شهد أن لا إلَه إلاّ اللهُ وأنّ محمّداً رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانَ مؤمناً؟

قال: «فأينَ فرائضُ الله»؟(2).

وَقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «لو كانَ الاِيمان كلاماً، لم ينزلْ فيه صومٌ، ولا صلاةٌ، ولا حلالٌ، ولا حرام».(3)

فيُستنتَج من البَيان السابق أنّ الاِيمان ذو مراتب ودَرَجات، وأنّ لكلِ مرتبة أثراً خاصّاً بها، وأن الاعتقاد إذا اقترن بالاِظهار أو عدم الاِنكار على الاَقل، كان أضعف مراتب الاِيمان وأدونها، وتترتّب عليه سلسلةٌ من الآثار الدِينيّة، والدنيويّة، في حين أن المرتبة الاَُخرى للاِيمان التي توجب فلاحَ الاِنسان في الدنيا والآخرة رهنٌ للاِلتزام بآثاره العمليّة.

والنقطة الجديرةُ بالِذّكر هي أنّ بعضَ الروايات اعتبرت العَمَلَ بالفرائض الدينيّة ركناً من أركان الاِيمان، فقد روى الاِمامُ الرضا ـ عليه السلام ـ عن رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «الاِيمان معرفة بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالاَركان»(4).

وفي بعضِ الرّوايات جُعِلَت أُمور، مثل إقامة الفرائض، وأداء الزكاة


1 . العصر | 3 .
2 . الكافي : 2 | 33 .
3 . الكافي: 2 | 33 ، الحديث 2 .
4 . عيون أخبار الرضا: 1 | 226 .

(263)

والحج، وصومِ شهرِ رمَضَان، إلى جانب الشهادتين أيضاً.(1)

إنّ هذه الروايات إمّا هي ناظرةٌ إلى أنّه يمكن تمييز المسلم عن غير المسلم بواسطة هذهِ الاََعمال، أو أنّ ذكرَ الشهادتين إنّما يكونُ سبباً للنجاة وموجباً للفلاح إذا اقترنَت وانضمّت إلى أعمالٍ شرعيةٍ أهمُّها وأبرزُها: الصلاةُ، والزكاةُ، والحجُ، والصوم.

بالنَظَر إلى هذين الاَصلين يجب أن لا تُكَفِّرَ أيَّةُ فِرقة من فِرَقِ المسلمين الفرقةَ الاِسلامية الاَُخرى التي تخالفُها في بعض الفرُوع، لاَنّ ملاكَ «الكُفر» هو أنْ ينكرَ الشخصُ أحدَ الاَُصول الثلاثة، أو إنكار ما يلزَمُ من إنكاره إنكار أحَدِ الاَُصول الثلاثة المذكورَة، وهذه الملازمة إنّما تتحقَّق إذا كان حكمُ ذلك الشيء بديهيّاً من وجهة نظرِ الشَرع، وواضحاً جِدّاً إلى درجة أنّه لا يستطيع أنْ يجمعَ بين إنكاره والاعترافِ بالاَُصول الثلاثة.

وعلى هذا الاَساس ينبغي للمسلمين أن يحفظوا في جميع المراحل أُخوَّتَهم الاِسلاميَّة، ولا يَسْمَحُوا بأنْ يَصيرَ الاختلافُ في الاَُمور المتعلّقة بالاُصولِ سبباً للنزاع، وربّما لتفسيقِ أو تكفير فرقةٍ لاَُخرى، وأن يكتفوا في الاختلافات الفكريّة والعقيديّة بالحوار العلميّ والمناقشة الموضوعيّة، ويتجنَّبوا إقحام التعصُّب غير المنطقيّ، والاِتهام والتحريف في هذا المجال ابقاءً على الصّفاء والمودّة بين المسلمين.


1 . صحيح البخاري: 1 | 16، كتاب الاِيمان شهادة أن لا إلَه إلاّ الله وأنّ محمّداً رسولُ الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ ، وصوم رمضان.

(264)

الاََصلُ الثاني والعشرون بَعدَ المائة: لا يجوز تكفير المسلم المعتقد بالاَُصول الثلاثة

إنّ المسلمين في عالمنا الراهن يتّفقون في الاَُصُول الاَساسية الثلاثة(1)، فيلزمُ أنْ لا يكفِّرَ فريقٌ فريقاً آخر بسبب الاختلاف في بعض الاَُصولِ، أو الفروع الاَُخرى، وذلكلاََنَّ الكثيرَ من الاَُصول المختَلف فيها، هي في الحقيقة من القضايا الكلاميّة التي طرِحَت على بساط البحثِ والمناقشة بين المسلمين فيما بعد، ولكَلِّ فريقٍ منهم أدلّتهُ وبراهينهُ فيها.

وعلى هذا لا يُمكن أن يُتّخَذَ الاختلافُ في هذه المسائل وسيلةً لتكفير هذه الفرقة، أو تلك أو ذريعة لتفسيق هذه الطائفة، أو تلك، ولا سبباً لِتفتيت وحدةِ المسلمين.

إنّ أفضلَ الطُرق لحلّ هذا الاِختلاف هو الحوارُ العلميُّ بمنأى عن العَصَبيّات الجافّة، وَالمواقف المتزمّتة وغير الموضوعية.

يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصَّدَد:

(يا أيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاّ تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً)(2).

ولقد صرّح النبيُ الاَكرمُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد ذكرهِ لاَهَمّ أُسُس الاِسلامِ وأُصُوله، بأنَّه لا يحقُّ لمسلمٍ أنْ يُكفّرَ مُسلماً آخر لارتكابه معصية، أو يرميَه بالشرك، إذ قال:«لاتُكَفّروُهُمْ بِذَنبٍ ولاتَشْهَدُوا عليهِم بِشِرْكٍ» (3).


1 . وهي الاَُصُول التي يرتبط تحقّق «الاِيمانُ» و «الكفرُ» بقبولها أو رفضِها. وهي: الشهادة بوحدانية الله، والاِيمان بنبوة خاتم الاَنبياء محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمعاد في يوم القيامة.
2 . النساء | 94 .
3. كنز العمّال: ج 1، الحديث 30.

(265)

الاَصلُ الثالث والعشرون بعد المائة: البدعة

«البِدعة» في اللغة تعني العَمَل الجديد والذي لاسابق له، الذي يبيّن نوعاً من الحُسن والكمال في الفاعل، فلفظ «البديع» من صفات الله كما نعلم كما، قال تعالى:

(بَدِيعُ السَّمَوتِ وَالاََرضِ)(1).

وأمّا المفهومُ الاِصطلاحيّ للبدعة، فهو أيضاً نسبةُ ما ليس من الشريعة إلى الشريعة، وأكثر التعاريف اختصاراً للبدعة الاِصطلاحيّة هو: «إدخالُ ما ليسَ مِنَ الدّيِنِ في الدينِ».

إنَّ الابتداع في الدين من الذُنوب الكبيرة، وهو مما لا شك قط في حرمته فقد قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كلُّ مُحدَثَةٍ بِدعَة وكلُّ ضَلالةٍ في النّار»(2).

والنقطةُ المهمّة الوحيدةُ في مسألة البِدعة هي أن يُحدَّدَ مفهومُ «البِدعة» بصورةٍ جامِعةٍ ومانِعةٍ ليمكن تمييزُ ما هو بدعةٌ عمّا ليس ببدعةٍ.

وفي هذا الصَّعيد، ولاِزالة الاِبهام عن حقيقة «البدعة» يجب الالتفات والانتباه إلى نقطتين:

1. إنّ البِدعة نوعٌ من التصرّف في الدِين، وذَلك بإحداث الزيادة أو النقص فيه.


1 . البقرة | 117 .
2 . بحار الاَنوار: 2 | 263، مسند أحمد: 4 | 126، 127 .

(266)

وعلى هذا الاَساس إذا لم يَكُن إحداثُ شيءٍ، مما يرتبطُ بالدِّين والشريعة، بل كان أمراً عاديّاً أو عُرفيّاً لم يكن بدعةً (وإن كانت مشروعيّته مشروطة بأن لا يكونَ الابتداع والاِبتكار المذكور محرَّماً أو ممنُوعاً في الشرع بدليلٍ خاصٍ).

وللمثال: إن البشريّة تبتكرُ باستمرار أساليب جديدة في مجال المسكن والمَلبس وغير ذلك من وسائل العيش وخاصّة في عصرنا الحاضر الذي تتطور فيه الاَساليب والاَدوات المستخدَمة في المعيشَة باستمرار، وبشكلٍ متواصلٍ ونضربُ على ذلك مثلاً أنواع النزهة والرياضة الجديدة، بل والمتجدّدة على الدوام.

إنّ من البديهي أنّ كلَّ هذه الاَشياء والاَُمور نوعٌ من البدعة والاَُمور البديعة (بمعنى ما لم يكن له سابق) ولكنها لا صلة لها بالبدعة المصطلَح عليها شرعاً.

إنّما تتوقَّفُ حليّتُها وحليّةُ الاستفادةِ منها ـ كما قلنا ـ على أن لا تكونَ مخالِفةً لاَحكام الشَرع وموازينه.

فمثلاً اختلاط الرجلِ والمرأة من دون حجابٍ في المجالس، والمحافل ـ الذي هو من مستورَدات الغرب الفاسد، ومعطيات ثقافته المنحرفة ـ حرامٌ، إلاّ أنّه ليس ببدعَة، لاَنّ الذين يشتركونَ في هذه المحافل لا يأتونَ بهذا العمل باعتباره عملاً أقرّ الشرعُ الاِسلاميُ صحَّته وقرَّره، بل ربما أتَوا به من بابِ اللاّمبالاة مع الاِعتقاد بأنّه مخالفٌ للشرع ولهذا ربما تنبَّهوا وعادوا لرشْدهِمْ فقرّرُوا بجديّةٍ تركَه، وعدم


(267)

الاِشتراك فيه.

وإنطلاقاً من التوضيح السابقِ إذا عيَّنَ شعبٌ مّا يوماً، أو بعض ا لاَيّام للفَرحَ والاِبتهاج والاجتماع، ولكن لا بقصد أنّ الشَرع أمرَ بهذا لم يكن مثل هذا العمل (بدعة) وإن كانت حليّةُ أو حرمة هذا العمل من جهاتٍ أُخرى يجب أن تقع محطّاً للبحث والدراسة.

من هنا اتّضح أنَّ الكثيرَ من مبتكرات البشر، وبدائعه، في مجال الفنّ والرياضة، والصناعة وغير ذلك خارجٌ عن نطاق البدعة الاصطلاحية، وما يقالُ حول حرمَتها، أو حليّتها، إنّما هو ناشىَ من جهات أُخرى ولهما ملاكٌ ومقياسٌ خاص.

2. إنّ أساس «البدعة» في الشرع يرجع إلى نقطةٍ واحدة وهي الاِتيان بعملٍ بزعم أنّه أمرٌ شرعيٌّ أمَرَ به الدين في حين لا يوجد لمشروعيته أيُّ أصل ولا ضابطة، ولكن اذا أَتى بعمل على أنّه أمر شرعي ويدل على مشروعيته دليل شرعي (بشكلٍ خاصٍ، أو بصورةٍ كليّةٍ وعامّة) لم يكن ذلك العملُ بدعةً.

ولهذا قالَ العالِمُ الشيعيُّ الكبيرُ العلاّمةُ المجلسي: «البدعة في الشرع ما حَدَثَ بعد الرَسول ولم يكن فيه نصٌّ على الخصوصِ ولا يكونُ داخلاً في بعضِ العمومات».(1)

وقال ابن حجر العسقلانيّ: «البِدعة ما أُحدِثَ وليسَ لهُ أصلٌ في


1 . بحار الاَنوار: 74 | 202 .

(268)

الشَرعَ. وما كان له أصلٌ يدل عليه الشرع فليس بِبِدعة»(1).

فإذا كان العملُ الذي نَسَبْناه إلى الشرع يستندُ إلى دَليلٍ خاصّ، أو ضابطةٍ كليّةٍ في الشرع لم يكن بدعةً حتماً.

والصورةُ الاَُولى (أيْ وجود الدليل الخاص) لا يحتاج إلى بيانٍ.

إنّما المهم هو القِسم الثاني لاَنّه ربَّ عَمَلٍ كانَ في ظاهرهِ عَملاً مبتدَعاً جديداً ومبتكراً، ولم تكن له سابقةٌ في الاِسلام، ولكنّه في معناه وحقيقتهِ يدخُلُ تحت ضابطةٍ أقرَّها الشرعُ الاِسلاميُّ بصورةٍ كليّةٍ.

ولِلمثال: يمكنُ الاِشارة إلى التجنيدِ الاِجباريّ العامّ المتداوَلِ اليوم في أكثر بُلدانِ العالم.

فإنَّ دعوةَ الشباب إلى خدمة العَلَم كوظيفةٍ دينيةٍ، وإن كانت في ظاهرها عَمَلاً مبتكراً ومبتدعاً إلاّ أنّها حيث تنخرطُ تحت أصلٍ أو قاعدةٍ دينيّة لا تُعدّ بِدعة، وذلك لاَنّ القرآنَ الكريمَ يقول:

(وأعِدّوا لهُمْ ما استَطعتُمْ من قُوَّةٍ)(2).

ومن البديهيّ أنّ التربية العَسكرِيّة العامة للشباب ـ تُعدُّ في ظلّ التحوُّلات والتَطَوّرات والاَجواء العالميّة ـ سبباً للتهَيّؤ الاَكثر في مقابلِ العدوّ المتربّص، والعملُ بروح الآية المذكورة في عصرنا الراهنِ يقتضي هذا الاَمر.


1 . فتح الباري: 5 | 156، و 17 | 9.
2 . الاَنفال | 60 .

(269)

في ضوء البيان السابق يمكن حلّ ومعالجة الكثير من الشُبهات التي تقيّد البعضَ وتعيقهم عن الحركة.

ونضرب لذلك مثلاً: ما يقومُ به جماهيرُ المسلمين العظمى من الاِحتفالِ بمولدِ النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويراهُ البَعض أو يسمّونه بِدعة، في حين لا ينطبق عليه عنوان البدعة وملاكُها، في ضوء ما قلناه، لاَنّه على فرضِ أنّ هذا النمطَ من التكريم وإظهار المحبّة والتكريم لم يَردْ في الشرع بخصوصهِ. ولكنَّ موَدّة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحُبَّه وحبَّ أهل بيته المطهَّرين سلام الله عليهم أجمعين يُعتبر أحد أُصول الاِسلام الضروريّة وتُعتَبَر هذه الاِحتفالات والاِجتماعات الدينية البهيجة مِن مظاهر ذلك الاَصل الكليّ ونعني المحبة والمودة للنبي وآله.

فقد قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يؤمِنُ أحدُكم حتّى أكونَ أحبَّ إليه مِن مالِهِ وأهْلِهِ والناسِ أجمعين»(1).

ولا يخفى أن الذين يُظهِرُون البَهجة والفرح في مواليد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته الطاهرين، ويقيمون لاَجل هذه الغاية، الاحتفالات والمجالس لا يهدفون من إقامة الاِحتفال في هذه الاَيام إلى أنّ هذه الاَعمال منصوصٌ عليها ومأمُور بهِا شرعاً بعينها وشكلها الراهن، بل يفعلون هذه الاَعمال باعتقاد أنّ حُبَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمودّة لرسول الله وأهل بيته أصلٌ كلّيٌ وَرَدَ التأكيد عليه في الكتاب والسُّنة بتعابير مختلِفةٍ ومتنوّعةٍ.


1 . جامع الاَُصول 1 | 238 .

(270)

إنّ القرآنَ الكريم يقول: (قُلْ لا أسْئَلُكُمْ عَليه أجراً إلاّ المودّة في القَربى)(1).

وهذا الاَصلُ يمكن أن تكونَ له تجلياتٌ ومظاهرُ مختلِفة ومتنوّعة، منها إقامة هذه الاحتفالات البهيجة على حياة المسلمين الفرديّة والاِجتماعية، فأنّ إقامة الاِحتفالات، في الحقيقة مما يذكّرِ بنزول الرحمةِ والبركةِ الاِلَهيّة في هذه الاَيّام، وهي نوعٌ من أنواع الشُكر لله تعالى أو عملٌ باعث عليه، وهذا المطلب (إي اقامة الاحتفال في يوم نزول الرحمة والفيضِ الربانيّ) كان في حياة الاَُمم السابقة أيضاً كما يصرّحُ بذلك القرآنُ الكريمُ.

فقد طلَبَ النبيُّ عيسى ابنُ مريم ـ عليه السلام ـ مائدةً سماويّة تنزلُ عليه وعلى حواريّيه ليكونَ يومُ نزول تلك المائدة عيداً للجيل الذي كان يعيش بينهم، وللاَجيال اللاحقة كما يقولُ تعالى:

(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاََوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَءَايَةً مِنكَ)(2).

أضف إلى ذلك انّ الله تعالى يقول في آية أُخرى في مجال تكريم النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

(فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئكَ


1 . الشورى | 23 .
2 . المائدة | 114 .

(271)

هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1).

فإنّ الله تعالى يأمر الناسَ في هذه الآية بأربعة أُمور:

1. الاِيمان بالنبيّ (آمَنُوا بهِ).

2. تكريم النبيّ وتعظيمه (عَزّرُوهُ).

3. نصرته (نَصَرُوه).

4. إتّباع القرآن (واتَّبَعُوا النُّور الذي أُنزِل مَعَهُ...).

فلزومُ التكريم والتعظيم للنبيّ كما هو واضح أصلٌ دينيٌّ وقرآنيّ، وله في كل زمان مصاديق ومجالي خاصّة: فالصلاةُ والسلام على النبيّ وأهلِ بيته عند ذكر اسمِهِ، وإظهارُ الفرح والابتهاج يومَ ولادته وبعثته، وكذا إعلانُ الحزنِ والاَسى في مأتمه ومأْتم أهل بيته، وحفظُ آثارِ النبيّ وتعمير مرقده الطاهر وحفظُ آثار أهل بيته، وتعميرُ مراقدهم الطاهرة، كلّها وكلُّها مصاديقُ لاِظهار المودّة والمحبّة للنبيّ الاَكرم وعترتِهِ الطاهرة صلواتُ الله عليهم أجمعين.

على أنّه يجب أن لا يتصوَّر أحَدٌ بأنّ محبّة النبيّ وأهل بيته ومودّتَهم تنحصرُ في هذه الاَُمور فقط، بل يجب الاِنتباه إلى أنّ اتّباعَهم في أقوالهم وأفعالهم، والذي جاءَت الاَشارة إليه في الآية أدناه أيضاً هو من أظهر مصاديق محبّتهم ومودّتهم، كما انّه سببٌ لنيلِ العِناية الاِلَهيّة واللطفِ الربانيّ كما قال:


1 . الاَعراف | 157 .

(272)

(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبوُّنَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم)(1).

والبِدعَة ـ كما أسلَفْنا ـ عبارةٌ عن نوعٍ من التصرّف في الدّين من دون أن يكون له مستندٌ صحيحٌ (خاصٌّ أو كلِّيٌ عامٌّ) في الشرع، ويجب التنويه بأنّ روايات أئمةّ أهلِ البيت: ـ بحكم حديث الثقلين المتواتر ـ تُعَدُّ من مصادر الشريعة، وأدلّةِ الاََحكام الدينيّة وعلى هذا الاَساس إذا صرَّحَ الاَئمةُ المعصومُون: بجواز أو عدم جواز شيءٍ كان اتّباعهم في ذلك اتّباعاً للدِين ولم ينطبق عليه عنوانُ الاِبتداع والاِحداث في الدّين.

وفي الخاتمة نُذَكّر بأنّ «البدعة» بمعنى التَصَرُّف في الدين من دون إذن الله سبحانه كان ولا يزال عَمَلاً قبيحاً وحراماً وقد أشار إليه القرآن بقوله:

(ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أمْ عَلى اللهِ تَفْتَرُونَ)(2).

وعلى هذا الاَساس لا يصحُّ تقسيم البِدعة (بهذا المعنى) إلى القبيح والحَسَن والحرامِ والجائزِ، بل كلُّها (بهذا المعنى) حرامٌ غير جائز.

نعم البِدعة بمعناها اللغويّ العامّ (أي الاِتيان بأشياء حديثة في أُمور المعيشة من دون نسبة ذلك إلى الشرع) يمكن أن تكون له صُوَرٌ مختلفة ومتنوّعة، وتكون مشمولةً لاََحد الاَحكام التكلِيفيّة الخمسة: (الوجوب والحرمة والكراهة والاِستحباب والاِباحة).


1 . آل عمران | 31 .
2 . يونس | 59 .

(273)

الاَصلُ الرابع والعشرون بعد المائة: التقية

إنَّ أحَدَ التعاليم القرآنيّة هو أن يكتم الاِنسانُ المسلمُ عقيدتَه إذا تعرَّضَ في نفسه، أو عِرضِه أو مالِه لِخطرٍ لو أظهرها، ويُسمّى هذا العَمل في لسانِ الشَرع والمصطلَح الشرعيّ بالتقيّة.

إنّ جوازَ «التَقيَّة» لا يحظى بالدَّليل النقليّ فحسب، بل إنّ العقلَ يحكم أيضاً بصحّته ولزومه، ويَشهَد بذلك في شرائط حسّاسةٍ، وخطيرةٍ، لاَنّ حفظ النَّفس، والمالِ، والعِرض، واجبٌ، ولازمٌ من جهة، وإظهارَ العقيدة والعمل وفقَ تلك العقيدة وظيفةٌ دينيّةٌ من جانبٍ آخر، ولكن إذا جرَّ إظهارُ العقيدةِ إلى الخطر على النّفس والمال، والعرض، وتعارضت هاتان الوظيفتان عَمليّاً، حكم العقلُ السليمُ بأن يُقدِّم الاِنسانُ الوظيفةَ الاَهمّ على المهمّ.

والتقية ـ في الحقيقة ـ سلاحُ الضُّعفاء في مقابل الاَقوياء القُساة، ومن الجَليّ أنّه إذا لم يكن خطرٌ ولا تهديدٌ لم يكتم الاِنسانُ عقيدَتَه، كما لم يَعَمل على خلافِ معتقَده.

ينصُّ القرآنُ الكريمُ في شأن عَمّارِ بن ياسر على عدم البأس عمّن يَقعُ في أيدي الكفار، ويُظهرُ كلمة الكفر على لِسانِه للخلاص والنجاة، وقلبُه عامرٌ بالاِيمان مشحونٌ بالاِعتقاد الصِحيح:

(مَن كَفَرَ باللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالاِِيمانِ)(1).


1 . النحل | 106 .

(274)

وَيقولُ في آية أُخرى:

(لاَّ يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرِينَ أَوليَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ)(1).

إنّ المفَسّرِين المسلمين يَتّفقون ـ عند ذِكرِ وتفسيرِ هاتين الآيَتين ـ على أنّ أصل «التَقيّة» أصلٌ مشروع.

ومن طالَعَ ـ ولو على عَجَل ـ ما جاء في التفسير والفقه الاِسلاميّ في هذا المجال عَرفَ بوضوحٍ أن أصلَ «التقيّة» من الاَُصول الاِسلاميّة، ولا يمكن تجاهلُ الآيتين المذكورَتين أعلاه، ولا عَمَل مؤمنِ آل فرعَون في كتمان إيمانِه(2) وإنكار «التقيّة» بالمرَّة.

والجَدير بالذّكر أنّ آياتِ «التقيّة» وإن وَرَدَت في مجال التَقيّة من الكافر إلاّ أنّ الملاكَ (وهو حِفظ نفسِ المسلم ومالهِ وعرضهِ في الظروف الحسّاسة والخطيرة) لا يختصُّ بالكفار، فَلَو استوجَبَ إظهار الشخص لعقيدته، أو العَمَل وفقها عندَ المسلمين، خوفَ ذلك الشخص على نفسهِ أو مالهِ أو عرضهِ أي احتَملَ بقوة تعرّضها للخَطَر من جانبِ المسلمين، جرى في المقام حكمُ «التقيّة» أي جاز له التقيّة من المسلمين كما جاز له التقيّة من الكفار، وذلِكَ لوحدة العلّة والمِلاك، وتحقّق الاَمر الموجب للتقيّة.


1 . آل عمران | 28.
2 . لاحظ غافر | 28 .

(275)

وهذا هو ما صَرَّحَ الآخرون به أيضاً فهذا هو الفخر الرازي يقول: إنّ مذهب الشافعي2 انّ الحالةَ بَين المسلمين إذا شاكَلتْ الحالةَ بَين المسلمِين والمشركين حَلَّتْ التقيّةُ محاماةً على النفسِ.

وقال: التقيّةُ جائزةٌ لصونِ النَّفسِ، وهل هي جائزةٌ لصونِ المال؟ يُحتَمل أنْ يُحْكَمَ فيها بالجواز لقولهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرمةِ دَمِهِ» ولقولِهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَن قُتِلَ دُون مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»(1).

وقال أبو هريرة: حَفِظْتُ مِن رسُول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وِعائَين، أمّا أحَدُهما فَبَثَثْتُهُ في النّاس، وأمّا الآخرَ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لقُطِعَ هذا البَلعُومُ.(2) إنّ تاريخَ الخُلَفاء الاَُمويّين والعَباسييّن زاخرٌ بالظلمِ والعَسْفِ، والحيْفِ والجَور.

ففي تلكَ الاَيّام لم تكنِ الشيعةُ وحدَهم هُمُ المطرودُون، والمحجور عليهم بسببِ إظهار عقائِدِهم، بل سَلَكَ أغلَبُ محدّثيِ أهلِ السُّنّة في عَصرِ المأمون أيضاً مَسْلَكَ التقيّة في محنة «خَلْقِ القرآنِ» وَلم يخالف المأمونَ في خَلْق القرآنِ وحُدُوثهِ بعدَ صُدُور المرسُوم الخليفي العامّ، سوى شخصٍ واحدٍ، وقصَّتُهُ معروفةٌ في التاريخ وعامّة المحدّثين تظاهروا بالوفاق تقيّةً.(3)


1 . تفسير الرازي: 8 | 13 .
2 . محاسن التأويل: 4 | 82 .
3 . تاريخ الطبري: 7 | 195 ـ 206 .

(276)

الاَصلُ الخامسُ والعشرون بعد المائة: التقية واجبة في بعض الحالات فقط

إنّ التقيّة ـ حسبَ منطِقِ الشِيعَة ـ واجبة في ظروف خاصَة، إلاّ أنّها مُحرَّمةٌ في بعضِ الشروطِ أيضاً، ولا يجوز للاِنسانِ في مثل هذهِ الشُروط أنْ يَستخدمَ التقيّة بحجّة أنّه قد يتعرّض نفسُه، أو مالهُ أو عرضُه للخطر.

فَقَد يَتَصوَّرُ بعضٌ أنّ الشِيعة يوجبونَ التَقيّة دائماً وفي جميع الحالات والظروف والاَوضاع، والحال أنّ هذا تصوّرٌ خاطِىٌَ، فإنّ سيرةَ أئمّة أهلِ البيت: لم تكنْ هكذا، لاَنّهم، وبغية رعايةِ المصالحِ والمفاسِدِ كانوا يَسلكون في كلّ زمانٍ موقفاً خاصّاً، وأُسلوباً مناسباً ولهذا نجدُهم كانُوا تارةً يتّخذون مَسلَك التقيّة اُسلوباً، وتارة أُخرى كانوا يُضحُّون بأنفسِهم وأموالِهم في سبيلِ إظهارِ عَقيدتهم.

ومما لا شك فيه أنّ أئمَّةَ الشّيعَة استشهدوا بالسَيف أو السُّمّ على أيدي الاَعدْاء في حين أنّهم لو كانُوا يُصانِعُونَ حُكّام عصورهم ويجاروُنهم، لمَنحهمْ أُولئِك الحكّام أعلى المناصب، وأسمَى المَراتب في حكوماتِهم ولكنهم كانُوا يَعلموُن أنّ التقيّة قبال أُولئك الحُكّام (كيزيد بن معاوية مثلاً) كان يؤدّي إلى زوال الدّين، وهلاك المذهب.

وفي مِثل هذهِ الشُروط أمام القادة الدينيّين المسلِمين نوعان من الوظيفة:

أن يسلكوا مَسلَك التقيّة في ظروف خاصَّة، وأنْ يحملوا حياتهم على أكفّهِمْ ويَستَقْبلوا الموتَ في ظروفٍ أُخرى، أي إذا وَجَدوا أساس


(277)

الدِين في خطرٍ جدّيٍ.

وفي الخاتمة نذكّرُ بأنّ التقيّةَ أمرٌ شخصيٌ ويَرتبط بوضعِ الفرد، أو الاَفراد الضعفاء العاجزين في مقابل العدوّ الغاشِم. فإنّ مثل هؤلاءِ إذا لم يَعْمَلوا بالتقيّة فَقَدوا حياتهم مِن دون أن يترتب أثرٌ مفيدٌ على مقتَلِهِمْ.

ولكن لا تجوز التقيّة مطلقاً في بيان معارف الدين وتعليم أحكام الاِسلام مثل أن يكتُبَ عالمٌ شيعيٌ كتاباً على أساس التقيّة، ويذكرَ فيه عقائدَ فاسدة، وأحكاماً منحرفة على أنّها عقائدُ الشيعة وأحكامُهم.

ولهذا فإننّا نرى علماءَ الشيعة أظهروا في أشدّ الظروف والاَحوال، عقائِدَهُمُ الحقَّة، ولم يحدُثْ طيلةَ التاريخ الشيعيّ ولا مرة واحدةً أن أقدَمَ علماءُ الشيعة على تأليف رسالةٍ أو كتابٍ على خلافِ عقائدِ مذهبهِم، بحجّة التقيّة، وبعبارة أُخرى: أن يقولوا شيئاً في الظاهر، ويقولُوا في الباطن شيئاً آخر ، ولو أن أحَداً فَعَلَ مِثلَ هذا العملِ وسَلَكَ مثلَ هذا المسلَكَ أُخرِجَ من مجموعةِ الشيعةِ الاِماميَّة.

وهنا نوصي الّذين يصعُب عليهم هضمُ مسألة التقيّة، وتقبُّل هذه الظاهرة، أوخَضَعُوا لِتأثير دعايات أعداءِ التشيُّع السيّئة، بأنْ يطالِعوا ـ ولو مرّةًـ تاريخَ الشيعة في ظلّ الحُكُومات أُموِيّةً، وعبّاسيّةً، وفي عصر الخلفاء العثمانيّين في الاناضول والشامات، لِيَعلَموا بَهاضةَ ما قَدَّمهُ هذا الفَريقُ من الثَمن للدّفاع عن العَقيدة وبِسَبب اتّباع أهلِ البَيت:، وجَسامةَ


(278)

ما قدّموه من تضحياتٍ، وقرابين، وعظمةَ ما تحمّلوه من مصائبَ مرّة، حتى أنّهم ربّما هَجَرُوا بيوتهم ومنازلهم ولجأوا إلى الجبال.

لقد كانَ الشيعة على هذه الحال مع ما كانوا عليه من التقيّة، فكيف إذا لم يُراعُوا هذا الاَصل..ترى هل كانَ يبقى من التَشيُّع اليومَ إذا لم يَتّقوا، أثرٌ أو خَبَرٌ؟

وأساساً لابُدَّ مِن الاِنتباه إلى نقطةٍ مهمّةٍ وهي أنّه إذا استوجَبَت التقيّة لَوماً فإنّ هذا اللومَ يجب أن يُوجَّهَ إلى من تَسبَّبَها، لاَنّ هؤلاء بَدَل إجراء العَدل ومراعاة الرأفةِ الاِسلاميّة أوجَدوا أصعَب ظروف الكَبت السياسي والمذهبي ضِدّ أتباع أهل البيت النبويّ، لا أن يُلامَ مَن لَجَأ إلى التقيّة اضطراراً وحفاظاً على نُفُوسهم وأموالِهِم وأَعراضِهِمْ.

والَعَجَبُ العجاب في المقام هو أن يتوجَّه البعضُ باللَّوم والنقد إلى العاملين بالتقيّة المظلومين ووصفهم بالنفاقِ بدل توجيه ذلك إلى مسبّبي التقيّة، أي الظالمين، هذا مضافاً إلى أنَّ «النفاق» يختلف عن «التقيّة» كاختلافِ المتناقضين، والبَونُ بينهما شاسع وبعيدٌ بُعدَ السَّماءِ عن الاَرض.

فالمنافِقُ، يُبْطِنُ الكُفْرَ في قَلبهِ ويُظهِرُ الاِيمانَ لِغَرض التجسس على عورات المسلمين أو الوصول الى منافع لا يستحِقها، في حين يكونُ قلبُ المسلم في حال التقيّة مفعماً بالاِيمان، وإنما يُظهرُ خلاف ما يعتقد لعلّة الخوف من الاَذى، والاضطهاد.


(279)

الاَصلُ السادسُ والعشرون بعد المائة :التوسّل

إنّ حياةَ البَشَر قائمةٌ على أساس الاستفادة من الوسائل الطبيعيّة والاِستعانة بالاَسباب، التي لِكلّ واحدٍ منها أثرٌ خاصٌ.

فَكُلُّنا عندما نعطش نشربُ الماء، وعندما نجوعُ نأكلُ الطعام، وعندما نريد الانتقالَ من مكانٍ إلى آخر نستخدم وسائلَ النَقل، وعندما نريد إيصال صوتنا إلى مكانٍ نستخدم الهاتفَ، لاَنّ رفعَ الحاجة عن طريق الوسائل الطبيعيّة ـ بشرط أن لا نعتقد بإستقلالها في التأثير ـ هو عينُ «التوحيد» ومن صميمه.

فالقرآنُ الكريمُ وهو يُذكّرُنا بقصّة ذي القرنين في بنائه للسدِّ يُخبرُنا كيف طلب العونَ والمعونة من النّاس إذ قال: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)(1).

وإنّ الذين يُفسّرُون الشركَ بالتعلُّق والتوسُّل بغير الله، إنَّما يصحُّ كلامُهم هذا إذا اعتقد الاِنسانُ بتأثيرِ الوسائل والاَسباب على نحوِ الاِستقلال والاَصالةِ.

وأمّا إذا اعتقد بأنَّها تؤثّر بإذن الله فإنّه سينتهي حينئذ إلى نتيجةٍ لا تُخرِجُه عَن مسيرِ التوحيد.

ولقد قامَت حياةُ البشرية من أوّل يوم على هذا الاَساس والقاعدة


1 . الكهف | 95 .

(280)

أي على الاستفادة من الوسائل والوسائط الموجودة، ولم يزل يتقدم في هذا السبيل.

والظاهر أنّ التَوَسُّل بالاَسباب والوسائلِ الطبيعيّة لِيس مَحَطّاً للمناقشة والبحث، إنّما الكلام هو في الاَسباب غير الطبيعيّة التي لا يعرفها البَشرُ، ولا سبيلَ له إليها إلاّ عن طريق الوحي.

فإذا وُصِفَ شيءٌ في الكتاب والسُّنة بالوسِيلِيَّةِ كانَ حكمُ التوسّل به نظير حكم التوسّلِ بالاَُمور الطبيعيّة.

وعلى هذا الاَساس فإنّنا إنّما يجوز لنا التوسل بالاَسباب غير الطبيعيّة إذا لاحَظنا مطلبين:

1. إذا ثَبَتَ كونُ ذلك الشيء «وسيلةً» لنيل المقاصد الدنيويّة أو الاَُخروية بالكتاب أو السنة.

2. إذا لم نعتقد بأيّة أصالةٍ أو استقلال للوسائل والاََسباب، بل اعتبرنا تأثيرها منوطاً بالاِذنِ الاِلَهي والمشيئةِ الاِلَهيّة.

إنّ القرآنَ الكريمَ يدعونا إلى الاِستفادة من الوسائل المعنوية إذ يقول:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِليْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).


1 . المائدة | 35 .

(281)

هذا ويجب الاِنتباهُ إلى أنّ «الوسيلة» لا تعني (التقرُّب) بل تعني الشيء الذي يوجب التقرّبَ إلى الله، وأحَد هذه الطرق هو الجهادُ في سبيل الله الذي ذُكِرَ في الآية الحاضِرة كما يمكن أن تكون أشياء أُخرى وسيلة للتقرّب أيضاً.(1)

الاَصلُ السابعُ والعِشرون بعد المائة: التوسُّل بأسماء الله الحسنى ودعاء الصالحين

ثَبَت في الاَصلِ السابقِ أنّ التوسّلَ بالاَسباب الطبيعيّة، وغير الطبيعيّة (بشرط أن لا تُصبَغ بصبغة الاَصالة ولا يعتقد فيها بالاِستقلال في التأثير) عينُ التوحيد، ولاشك في أنّ القيام بالواجباتِ والمستحبّاتِ، كالصَّلاة والصَّوم والزَّكاة والجِهاد في سبيل الله وغير ذلك وسائل معنويّة تُوصِل الاِنسان إلى المقصد الاَسمى، ألا وهو التقرّبُ إلى الله تعالى.

فالاِنسان في ظلّ هذه الاَعمال يجد حقيقة العبوديَّة، ويتقرّب في المآل إلى الله تعالى.

ولكن يجب الاِنتباهُ إلى أنّ الوسائل غير الطبيعيّة لا تنحصر في الاِتيان بالاَعمالِ العبادِيّةِ، بل هناك سلسلة من الوسائل ذكرَت في الكتابِ والسُّنةِ يستعقبُ التوَسلُ بها استجابةَ الدعاءِ، نذكر بعضَها فيما يأتي:

1.التوسُّل بالاَسماء والصّفات الاِلَهيَّة الحُسنى التي ورَدَت في


1 . قال الراغبُ الاِصفهاني في مفرداته (في مادة وسل): الوَسيلة التوصّلُ إلى الشيء برغبة، وحقيقةُ الوسيلة إلى الله سبيلُه بالعلمِ والعِبادة وتحرّي مكارم الشريعة.

(282)

الكتاب العزيز، والسُّنة الشريفة، إذ يقول سبحانه:

(وَللهِ الاَسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها)(1).

ولقد وَرَدَ التوسُّل بالاَسماء والصفات الاِلَهيّة في الاَدعية الاِسلامية كثيراً.

2. إن التوسُّل بأدعية الصالحين، والذين يكون أفضلُ أنواعه: التوسّلُ بالاَنبياء والاَولياء المقرّبين إلى الله، لِيَدعو للاِنسان في محضر ذي الجلال.

إنّ القرآنَ الكريمَ يحثُّ الذين ظَلَموا أنْفُسَهم (أي العُصاة) إلى أن يذهَبوا إلى رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويطلبوا منه أن يَستغفِرَ لهم، إلى جانب استغفارِهم هم بأنفسِهم، ويبشِّرُهم بأنّهم سيجدون الله توّاباً رحيماً:

(وَلوْ أنّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوك فَاْستغَفُروا اللهَ واْسَتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوجَدُوا اللهَ توّاباً رَحِيماً)(2).

ويَذمُّ في آية أُخرى المنافقين، بأنّهم كلّما دُعوا إلى الذهاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لِيَستغفر لهم أعرَضوا عن ذلك إذ يقول:

(وَإذا قِيْلَ لَهُمْ تعالَوْا يَسْتغْفِرْ لَكُمْ رسُوْلُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتكْبرُون)(3).


1 . الاَعراف | 180 .
2 . النساء | 64.
3 . المنافقون | 5 .

(283)

ويُستفاد من بعض الآيات أنّه كان مثل هذا العَمَل جارياً ورائجاً في الاَُمم السابقة.

وللمثال: طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهم أن يستغفرَ لهم، واستجاب لهم أبوهم يعقوبُ ـ عليه السلام ـ ووعدهم بذلك:

(يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنا كُنّا خاطِئِين * قال سَوْفَ أسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَبِّي إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ)(1).

ومن الممكن أنْ يُقال أنّ التوسُّل بدعاء الصالحين يكون في صورةٍ خاصّة عين التوحيد (أو على الاَقلّ مفيداً ومؤثراً) وهي إذا كان من نتوسّلُ به على قيد الحياة.

أمّا إذا ماتَ الاَنبياء والاَولياءفكيفَ يكونُ التوسُّل بهم مُفيداً وعين التوحيد؟

في الجواب على هذا الاِشكال لابدّ من التذكير بنقطتين:

ألف : إذا افترَضْنا أنّ التوسُّل بالنَبي أو الوليّ مشروطٌ بكونهم على قيد الحياة، ففي هذه الصورة يكون التوسُّل بالاَنبياء والاَولياء الاِلَهيّين بعد الموت مجرّد عملٍ غيرِ مفيد، لا أنّه يكون موجباً للشرك.

وقد غُفِلَ عن هذه النقطة الهامّة في الغالب، وتَصوّر البعض أنّ الموتَ والحياةَ رمزُ التوحيد والشرك! مع أنّ هذا الشرط (أي حياة النبيّ


1 . يوسف | 97 ـ 98 .

(284)

أو الولي عند توسُّلِ الآخرين به) ملاكٌ لكون التوسّل مفيداً أو غير مفيدٍ، لا أنّه «ملاكٌ» لكون التوسُّلِ عَمَلاً توحِيديّاً أو شِركيّاً.

ب : إنّ تأثيرَ التوسّل وكونَه مفيداً يُشترط فيه أمران:

1. أن يكونَ الفردُ المتوسَّلُ به مُتصِفاً بالعلم والشعور والقدرة.

2. أن يكونَ بين المتوسّلِ، والمتوسَّل به ارتباط واتصال وكلا هذين الشرطين (الاِدراك والشعور ووجود الارتباط بينهم وبين المتوسَّل بهم) موجودان في التوسّلِ بالاَنبياء، وإن فارقت أرواحُهم أجسْادَهم وذلك ثابت بالاَدلة العقلية والنقلية الواضحة.

إنَّ وجودَ الحياة البرَزَخيّة من المسائل القرآنيّةِ والحديثيّةِ المسلّمة الضَّرُوريّة، وقد مرّت أدلّتها في الاَصل 107.

فإذا كانَ الشهداء الّذين قُتلُوا في سبيلِ الحقِّ أحياءً حسب تصَريح القرآن الكريم، فأولى أن يكون أنبياء الشهداء والاَولياء المقرّبون أحياءً عند ربّهم ـ خاصة وانّ أكثرهم قد استشهد في سبيل الله ـ أيضاً بحياة أعلى وأفضل.

ثم إنّ هناكَ أدلةً كثيرةً على وجود الارتباط بيننا وبين الاَولياء الاِلَهيين نذكر بعضَها:

1. إنّ جميع المسلمين يقولون في نهاية الصَلاة مخاطِبين رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «السَّلامُ عَليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتهُ».

فهل هم يقولون ما يقولونه لغواً وعبثاً؟ وهل النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يسمع كلّ


(285)

هذه التحيات وكل هذا السلام ولا يردّ عليها؟!!

2. إنّ النبيَ الاَكرم أَمَر ـ في معركة بدر ـ بأن تلقى أجسادُ المشركين في بئر (قليب) ثم وَقَفَ يُخاطبهم قائلاً: لَقَد وَجَدْنا ما وَعَدنا ربُّنا حقاً، فهل وَجَدتُم ما وَعَدَكم ربُّكم حَقاً؟

فقال أحدُ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسولَ الله أتكلم الموتى؟!

فقالَ النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :«ما أنْتُمْ بأسَمعَ مِنْهُمْ»(1).

3. لقد ذَهَبَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى البقيع مراراً وقال مخاطباً أَرواح الراقدين في القبور والاَجداث: «السَلامُ على أهلِ الدّيار مِن المؤمِنين والمؤمِنات».

وفي رواية كان يقولُ: «السلامُ عليكمْ دارَ قومٍ مؤمِنين»(2).

4. روى البخاريُ في صحيحهِ أنّه لما تُوفّي النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دخل أ بو بكر حجرة عائشة ثم ذهبَ إلى حيث سُجِّيَ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكَشَفَ عن وجهِ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقَبَّلهُ ثم قال وهو يَبكي: بأَبي أنتَ يانبيَّ الله؛ لايجمعُ اللهُ عليكَ موتَتَين أمّا الموتة الاَُولى التي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فقد متّها(3).

وإذا لم يكن لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حياةٌ برزخيّةٌ، ولم يكن بينه وبيننا أيُّ ارتباط فكيف خاطَبَه أبو بكر قائِلاً: يا نبيّ الله؟!


1 . صحيح البخاري، ج 5، باب قتل أبي جهل؛ والسيرة النبويّة لابن هشام: 2 | 292 وغيره.
2 . صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبر.
3 . صحيح البخاري ج 2 كتاب الجنائز ص 12؛ والسيرة النبويّة لابن هشام 4 | 305 ـ 306.

(286)

5. عندما كان الاِمامُ عليٌ ـ عليه السلام ـ يغسّل رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويجهّزه قال: انقطَعَ بموتِكَ ما لمْ يَنْقَطِعْ بموتِ غَيْرِك مِن النُبوَّة والاِنْباءِ، وأخبارِ السماء بأبي أنَت وأُمّي اذكُرْنا عند ربِّكَ واجْعَلْنا مِن بالِكَ(1).

وفي الختام نُذَكّرُ بأنّ للتَوَسُّلِ بالاَنبياء والاَولياء صُوَراً مختلِفةً جاء شرحُها في كُتُبِ العَقائد.

الاَصلُ الثامن والعشرون بعد المائة: البَداء

إنّ لله تعالى في شأنِ الاِنسان نوعين من التقدير :

1. تقدير محتومٌ وقطعيٌّ لا يقبل التغييرَ والتبديلَ مطلقاً.

2. تقديرٌ معلَّقٌ ومشروطٌ وهو يتغيَّر ويَتَبَدّلُ مع فقدان بعضِ الشرائطِ، ويحلُّ محلَّه تقديرٌ آخرٌ.

وبالنَّظَر إلى هذا الاَصْلِ نُذَكِّرُ بأن الاِعتقاد بالبَداء هو أحَدُ الاَُصول الاِعتقاديّة الاِسلاميّة الاَصِيْلَة التي اتَّفَقَتْ جميعُ الفِرَقِ الاِسلاميّة على الاِعتقادِ بها إجمالاً، وإنْ أحجَمَ البعضُ عن استخدام لَفظة «البَداءِ» وهذا الاِستيحاش من إستعمال لفظة «البَداء» لا يَضُرُّ بالقَضِيّة أيضاً، إذ أنّ المقصود هو بَيان محتوى «البَداء» ومعناه، لا لفظه واسمه.

إنّ حقيقةَ «البَداء» تقومُ في الحقيقة على أصلين:


1 . نهج البلاغة قسم الخطب، الرقم 235.

(287)

ألف : انّ لله تعالى قدرةً وسلطةً مُطلقةً، فهو قادرٌ على تغيير أيّ تقديرٍ، وإحلالِ تقديرٍ آخر محلَّه متى شاءَ، في حين يعلم سلفاً بكلا التقديرين، ولا سبيل لاَيّ تغيير إلى عِلمه قط أيضاً، لاَنّ التقديرَ الاَوّل لم يكن بحيث يحدُّ من قدرةِ الله أو يَسلُبَ منه القدرةَ، فإنّ قدرة الله تعالى على خلاف ما تعتقِدُهُ اليهود من كَونها محدودةً لقولهم: (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ)، قدرةٌ مطلقةٌ، أو كما قال القرآن:

(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان)(1).

وبعبارةٍ أُخرى: إنّ خلاّقية الله وإعمال السُّلطة والقُدرة من جانبهِ تعالى مستمرٌ، وبحكم قوله تعالى: (كلَّ يَومٍ هُوَ في شَأنٍ)(2) فالله تعالى لم يفرغ سبحانه عن أمر الخلقِ، بل عمليّة الخَلق لا تزال متواصِلة ومستمرة.

روى الصدوق باسناده عن الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ : أنّه قال في قول الله عزّ وجل: (وقالتِ اليهودُ يَدُ اللهِ مَغلُولةٌ) لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا قد فرَغَ من الاَمر فلا يزيدُ ولا ينقص (أي في العمر والرّزق وغيرهما)، فقال الله جلّ جلالُه تَكذيباً لقولهم: (غُلّتْ أيدِيهمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بل يَداهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كيفَ يَشاءُ). أَلم تسَمع الله عزَّ وجَلَ يقول: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ)(3).(4)


1 . المائدة | 64 .
2 . الرحمن | 29 .
3 . الرعد | 39 .
4 . التوحيد للصدوق، ص 167، الباب 25، ح 1 .

(288)

فالعقيدة الاِسلاميّة تقومُ على أساس الاعتراف بقدرة الله المطلقة وسلطتهِ التي لا تُحدُّ، وبدوام خلاّقيته واستمرارها، وبأنّ الله تعالى قادر كلّما شاءَ ومتى شاء أن يُغيّر المقدَّرات المرتبطة بالاِنسان في مجال العُمرِ والرِزقِ وغيرهما، ويُحلَّ مَحَلَّ ذلك مقدراتٍ أُخرى، وكلا التقديرين موجودان في «أُمّ الكتاب». وفي علم الله سبحانه.

ب : إنّ إعمالَ القُدرةِ والسُّلطَة من جانبِ الله تعالى، وإقدامَه على إحلال تقديرٍ مكان تقديرٍ آخر لا يتمُّ من دون حكمةٍ ومصلَحةٍ، وان قسماً من هذا التغيير يرتبط في الحقيقة بِعَمل الاِنسان وسلوكه، وإنتخابه، واختياره، وبنمط حياته الصالح أو السّيء، فهو بهذه الاَُمور يهيِّىَ أرضيّة التغيير في مصيره.

وَلْنفترض أنَّ إنساناً لم يراع ـ لا سمح اللهُ ـ حقوقَ والدَيه، فإن منَ الطبيعيّ أنّ هذا العَمل غير الصالح سيكونُ له تأثيرٌ غير مرغوب في مصيره.

فإذا غيَّر من سُلُوكِهِ هذا في النصفِ الآخر من حياتهِ، واهتمَّ بِرعاية حقوقِ والدَيْهِ فانَّه في هذه الحالة يكون قد هَيَّأ الاَرْضيّة لتغيير مصيرِهِ، وصار مشمولاً لقولِهِ تعالى:

(يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثبتُ).

وينعكس هذا الّذي ذكرناه إذا انعكسَ الاَمر .

إنَّ الآيات والرّوايات في هذا المجال كثيرةٌ نذكرُ بعضها هنا:


(289)

1. (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)(1).

2.( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ والاََرْضِ وَلَكن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(2).

3. يروي السيوطيُ في تفسيره «الدرّ المنثور» أنَّ الاِمام أمير المؤمنين علياً ـ عليه السلام ـ سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن قوله: (يَمْحوا الله ما يَشاء).

فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لاَُقِرنَّ عَيْنَك بِتفسيرها ولاَُقِرَنَّ عَين أُمّتي بَعدي بتفسيرها: الصّدَقةُ على وَجهها، وبِرُّ الوالِدَين وَاصطِناعُ المعروف يُحوّلُ الشقاءَ سعادةً ويزيدُ في العُمُر ويقي مصارَع السُّوء».(3)

وقالَ الاِمامُ الباقُر ـ عليه السلام ـ : صِلةُ الاَرحام تُزَكّي الاَعْمالَ، وتُنمّي الاَموالَ، وَتَدْفَعُ البَلوى، وتُيَسِّرُ الحِساب، وتُنْسِىَُ في الاََجَل.(4)

وبالنَظر إلى هذين الاََصلين يتَّضح أن الاعتقاد بالبداء عقيدة إسلاميّة قطعيّة، وأنّ جميع الفرق الاِسلامية تعتقد به بغضِّ النظر عن التعبير والتسمِية، واستخدام لفظ «البَداء».

وفي الختام نُذَكّرُ بُنقطتين لنعرف لماذا أُطلقت لفظة «البدَاء» على هذه المسألة في الرّوايات فجاء التعبير عن هذه العقيدة الاِسلامية بقولهم:


1 . الرعد | 11 .
2 . الاَعراف | 96 .
3 . الدر المنثور 4 | 66 .
4 . الكافي، 2 | 470، الحديث 13.

(290)

«بَدا لله».

ألف : إنّ استخدامَ هذه اللَّفَظة في هذه المسألة جاء تبعاً للنَبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقد روى البخاريُ في صحيحه أنّ النبيّ قال في شأن ثلاثة أشخاص: أبرص وأقرع وأعمى: «بدا لله عزَّ وجلّ أن يَبْتَلِيهُمْ...».

ثم ذكر بعد ذلك قصّتهم بصورةٍ مفصَّلةٍ وبيَّنكيف أن اثنين منهم سُلبَت منهما سلامتُهما بسبب كفران النعمة، وأصابَهما ما أصيب به أسلافُهم من الاَمراض(1).

ب : إنّ هذا النّوع من الاستعمال من باب المشاكلة، والتحدّث بلسان القوم حتى يفقهوا، ويفهموا الموضوع.

فقد تعارَفَ في العرف الاجتماعي أنَّه إذا غيَّرَ أحد قراراً قد اتخذه أن يقول بدا لي.

وقد تَحدَّث أئمةُ الدين بلسان القوم ليمكنهم تفهيم مخاطبِيهم، وقد استعملوا مثلَ هذه اللفظة في حق الله تعالى.

والجدير بالذِكر أنّ القرآنَ الكريمَ استخدمَ في شأن الله تعالى ألفاظاً وصفات مثل المكر والكيد، والخُداع والنسيان، في حين أنّنا نعلم أنّ الله تعالى منزَّهٌ عن مثل هذه الاَُمور (بِمعانيها ومفاهيمها الرائجة بين البشر) قطعاً ويقيناً، ومع ذلك كرّرَ القرآنُ الكريمُ هذه الصِفات واستعمل الاَلفاظ في حق الله سبحانه.


1 . صحيح البخاري: 4 | 172 .

(291)

1. (إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً)(1).

2. (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً)2.

3. (إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)(2).

4. (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)4.

وعَلى كلّ حالٍ فإنّ لمحقّقي الشيعة حول استعمال لفظ البداء، بالنظر إلى امتناع حصول التغيّر، والتبدّل في علم الله تعالى دراساتٍ وتحقيقاتٍ قَويّةً وشيِّقةً لامجال لذكرها هنا، ونحن نحيل من يحب الاطّلاعَ عليها إلى الكتب والمؤلّفات التي تتضمن هذه الاَبحاث(3).

الاَصلُ التاسعُ والعشرون بعد المائة: الرَجعة

«الرَجعَة» في اللغة تعني العَودة، والمقصود منها في الثقافة الشيعيّة هو عودة جماعةٍ من الاَُمّة الاََسلاميّة إلى الحياة بعد ظهور الاِمام المهديّ عجّل اللهُ فرجَه الشريف، وقبل قيام القيامة.

ويَشهَد القرآنُ الكريمُ قبل أيّ شيءٍ بوجود مسألة الرَّجعة في الثقافة الاِسلاميّة.


1 . الطارق | 15 ـ 16 .2. النمل | 50 .
2 . النساء | 143 .4. التوبة | 67 .
3 . كتاب التوحيد للصدوق، ص 331 ـ 336؛ تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد 24؛ عدة الاَُصول 2 | 29؛ كتاب الغيبة، ص 262 ـ 264 طبعة النجف.

(292)

فقد قال سبحانه وتعالى في سورة النَّمل الآية 83 :

(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ).

وفي الآية 87 من سورة النمل يقول:

(وَيَومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الاَرْضِ إِلاّ من شاءَ الله وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرينَ).

أي بعد النفخ يفزع كل الناس جميعاً ومن دون استثناء.

إنّ الآية الاَُولى تتحدّث عن إحياء فريقٍ خاصٍّ في اليوم الاَوّل بينما تتحدث الآيةُ الثانيةُ عن إحياء جميع الناس مّما يكشف عن أنّ اليوم الاَوّل هو غير يوم القيامة وإنّهما يختلفان.

فالقرآنُ يتحدَّث كما نرى بوضوحٍ عن يومين، وقد عطف اليوم الثاني على اليوم الاَوّل، ممّا يكشف عن أن هناك حَشرين وإعادتين إلى الحياة بعد الموت.

ونُذكِّر ثانيةً بأنّ الآية الاَُولى تتحدّث عن إحياء طائفة من الناس ومن الطبيعي أن مثل هذا اليوم لا يمكن أن يكون يوم القيامة، لاَنّ الناس في ذلك اليوم يُحشرون بأجمعهم، كما قال أيضاً في الآيات 93 ـ 95 من سورة مريم:

(إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ والاََرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أحصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً).


(293)

وكما يقول تعالى في آية أُخرى في وصف يوم القيامة:

(وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(1).

فيُستنتج من المقارنة بين الآية 83 من سورة النمل وبين الآيات 93 إلى 95 من سورة مريم و 47 من سورة الكهف الاختلاف بينها في المضمون: أنّ العالم البشري ينتظر يومين يُحشَر في أحدهما بعضُ الناس ، ويُحشَر في الآخر جميعهم بلا استثناء.

وروايات الشيعة التي ترتبط بالرجعة، تتعلق بما يقع بعد ظهور الاِمام المهدي ـ عليه السلام ـ ، وقبل يوم القيامة.

إنّ عودة جماعة من الصالحين، والظالمين قبل يوم القيامة ليس بالاَمر العجيبِ أبداً لاَنّه قد وَقَع مثلُ ذلك في الاَُممَ السالفة حيث عاد بعضُ الناس إلى الحياة مرةً أُخرى ثم ماتوا بعد ذلك ثانية.(2)

إنّ عودةَ البعض إلى الحياة في هذا العالَم (الدنيويّ) بعدَ الموت لا هو مخالف لحكم العقل، ولا هو معارضٌ للنقل، لاَنّه كما أسلفنا مّما صرّح القرآنُ الكريمُ بوقوع نظيره في الاَُمم السالِفة، وهذا هو خير دليلٍ على إمكان وقوعه.


1 . الكهف | 47 .
2 . مِثل إحياء فريق من بني إِسرائيل، كما في سورة البقرة الآيات 55 ـ 56، وإحياء المقتول من بني إسرائيل بواسطة بقرة بني إسرائيل، كما في سورة البقرة الآيات 72 و 73، وموت جماعة من الناس وإحيائهم كما في سورة البقرة الآية 243، وإِحياء عزير بعد مائة عام، كما في سورة البقرة الآية 259، وإحياء الموتى بإعجازٍ من السيد المسيح كما في سورة آل عمران الآية 49.

(294)

على أنّ «الرَّجَعةَ» تختلف عن «التَّناسخ»، وتشبيه الاََوّل بالثاني تشبيهٌ خاطىٌَ جِداً، وذلك لاَنّ «التناسخ» يعني عودة الرُّوح والنفس إلى الحياة بعد الموت مرّةً أُخرى إبتداءً من مرحلة النطفة، أو تعلّقها بِبَدنٍ آخر، والحال أنّه لا يَحدُث مثلُ هذين الاَمرين الباطلين في «الرجعة» قط.

إنَّ حكمَ الرَجعة ـ من هذه الجهة ـ أشبه ما يكون بعودة الموتى إلى الحياة في الاَُمم السابقة وبالمعادِ الجِسمانيّ الذي يقع في القيامة.

وفي الحقيقة إنّ «الرَّجعة» هو مظهرٌ مصغَّرٌ مِن القيامة النهائية الحقيقيّة الكبرى التي يُحشَر فيها الناسُ أجمعون، وبلا إستثناء.

إنَّ البَحث المفَصَّل حول «الرَّجعة» والحديث حول جزئيّاتها، وتفاصيلها، موكول إلى: كتب التفسير، والحديث، والكلام، الشيعية، وقد بَلَغت رواياتُ الشيعة في هذا المجال حدَّ التَّواتر، وثمّت مايفوق ثلاثين حديثاً رويت في أكثرمن خمسين مؤلَّفاً(1).

الاَصلُ الثلاثون بعد المائة: عدالة الصحابة

إنّ لِصَحابة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذين آمَنوا به في حياته، واستفادوا منه المعرفةَ، وأخذوا عنه العلمَ، والسنة، احتراماً خاصّاً عندنا نحن الشيعة الاِمامية، وذلك من دون فرقٍ بين الذين استُشهدوا في معركة «بدر» و«أُحد» و«الخندق» و«حُنين»، أو بقوا على قيد الحياة بعد رَسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 . لاحظ بحار الاَنوار: 53 | 136 .

(295)

فكل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعاشوا معه، وصَحِبُوه محترمون، ولا يجوز لمسلمٍ في العالم أن يسيء إلى صحابة رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (من جهة كونهم صحابةً للنبيّ) أو يؤذيهم، ونِسبة مثل هذا الموقف إلى فريق من المسلمين نسبةٌ ظالمةٌ وافتراءٌ مرفوض.

ولكن إلى جانبِ هذه المسألة ثمّت مسألةٌ أُخرى يجب دراستها من دون تعصّب أو حبّ وبُغض غير مُبرَّرَين، وهي: هل أن جميع صحابة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عدولٌ وأتقياء، ومنزَّهون عن الذنوب، أو أنّ حكمَ الصحابة في هذه النقطة هو عين حكم التابعين الذين لا يمكن ان نعتبر جميعهم عدولاً أتقياء.

إنّ من البديهيِّ أنَّ مرافقة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورؤيته وان كانت مبعث فخرٍ واعتزاز لمن يرافقه ويراه إلاّ أنّ كل هذه الاَُمور لا توجب المصونية لهم من الذنوب، ولا الحصانة من المعاصي، ولا يمكن النظر إلى جميع الصحابة بنظرة واحدة ومساوية، واعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء، مبرَّأين عن كلّ زَلَلٍ وخطل، ذلك لاَنّهم ـ بشهادة القرآن ـ من حيث الاِيمان والِنّفاق، ومن حيث الطاعة والعِصيان، والتسليم وعدم التسليم أمامَ الله ونبيّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أصناف مختلفة، وفي هذا التصنيف لا يمكن اعتبارهم جميعاً في مرتبةٍ واحدةٍ، ولا اعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء.

إنّه ممّا لاشكَّ فيه أنّ القرآن الكريم مدح أصحاب النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مواقع مختلِفة(1) وللمثال قد ذَكَرَ القرآنُ أنّ اللهَ رضى عن الّذين بايَعوا


1 . لاحظ سورة التوبة | 100، وسورة الفتح | 18 و 29، وسورة الحشر | 8 و 9.

(296)

تَحتَ الشجرة في حالة صلح الحديبية، إذ قال سبحانه:

(لَقَد رَضي اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيبا)(1).

فالآية تعكس رضى الله سبحانه عن المؤمنين، لكنّها لا تعني انّهم صاروا بذلك عدولاً أتقياء إلى آخر عمرهم وان عَصَوا وخالفوا أمره سبحانه، نعم ثبت رضاه سبحانه عنهم في فترة خاصة وهو حال المبايعة بشهادة قول: (إذ يبايعونك) وهو ظرف للرضا. فهذا المدح لهم لا يدلُّ على ضمان صلاحِهم واستقامتِهم حتى آخر لحظة من حياتهم.

ولهذا إذا سلك شخصٌ أو أشخاصٌ منهم طريق الخلاف فيما بعد لم يكن رضا الله تعالى عنهم في طرف المبايعة دليلاً على تقواهم المستمرّ، ولا شاهداً على فلاحِهم الاَبديّ، لاَنّ شأنَ هذا الفريق، ومقامَهم ليس أعلى ولا أسمى من شأن ومقام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي قال الله مخاطباً إيّاه:

(لَئنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(2).

إنّ الآيات المادحة للمهاجرين والاَنصار تبيّن ما حصل عليه هؤلاء الاَشخاص من الكمال في تلك الحالة، ومن البديهيِّ أنّهم سيكونون مفلِحين دائماً إذا حافظوا على هذا الكمال إلى آخر لحظة من حياتهم.


1 . الفتح | 18 .
2 . الزمر | 65 .

(297)

وعلى هذا الاَساس لو دلّتِ الدلائلُ القاطعة من الكتاب والسُّنّة على انحراف فردٍ، أو أفرادٍ لا يَصحُّ في هذه الحالة الاستنادُ إلى المدائح المذكورة لهم.

ولنضربْ مَثَلاً على ذلك ما جاء في القرآن الكريمِ في حق أحد الصحابة.

فإنّ القرآنَ الكريمَ وصف أحد الصحابة بأنّه «فاسق»(1) إذ قال:

(إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنباًَ فَتَبَيَّنُوا)(2).

وقال في آية أُخرى :

(أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ) (3).

إنّ هذا الفرد بِشهادة التاريخ القطعيّ هو «الوليد بن عُقبة» وكان من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رغم كونه صحابيّاً ومهاجراً وهما فضيلتان سامقتان إلاّ أنّه لم يتمكّن من المحافظة على هاتين الفضيلتين، بل تسبَّبَ كِذبُه على طائفة «بني المصطَلَق» بأن يُذكَر بلفظ «الفاسق».

ومع الاِلتفات إلى هذه الآية ونظائرها(3) وكذا ملاحظة الاَحاديث التي وَرَدَت في ذمّ بعض الصَّحابة في كتب الحديث(4) وكذا في ضوء


1 . راجع التفاسير عند توضيح هاتين الآيتين .
2 . الحُجُرات | 6 .3. السجدة | 18 .
3 . لاحظ آل عمران | 153 ـ 154، الاَحزاب | 12، التوبة | 45 ـ 47 .
4 . جامع الاَُصول، ج 11، كتاب الحوض، الحديث رقم 7972 .

(298)

مطالعة التاريخ الاِسلاميّ والوقوف على سيرة بعضهم(1) لا يمكن اعتبار جميع صحابة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذين يتجاوز عددهم المائة ألف شخصٍ عُدولاً أتقياء جميعاً.

على أنّ ما نحن بصدد بحثِه ودراستهِ هنا هو «عدالةُ جميع الصحابة» لا سبّ الصحابة، وإنّ من المؤسف أنّه لم يفرّق البعضُ بين المسألتين، وإنّما عمد إلى اتّهام المخالفين في المسألة الاَُولى والاِيقاع فيهم في غير ما حق.

وفي الخاتمة نؤكّدُ على أنّ الشيعةَ الاِماميّة لاترى احترام صحبة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مانعاً من مناقشة أفعال بعض صحابته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والحكم عليها وتعتقد بأنّ معاشرةَ النبي لا تكون سبباً للمصُونيّة من المعاصي إلى آخر العمر.

على أنّ موقف الشيعة، في هذا المجال ينطلق من الآيات القرآنية، والاَحاديث الصحيحة، والتاريخ القطعي، والعقل المحايد الحصيف.

الاَصلُ الواحدُ والثلاثون بعد المائة: محبَة النبي وآله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّ محبَّة النبيّ وأهلِ بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ومودَّتهم من أُصول الاِسلام الّتي أكدَّ عليها القرآنُ والسُّنة، فقد قال القرآن الكريمُ في هذا الصَّدَد:


1 . صحيح البخاري، ج 5، تفسير سورة النور، ص 118 ـ 119.

(299)

(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم منَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1).

وقال في آية أُخرى :

(فالّذينَ آمَنُوا به وَعزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُون)(2).

فَإنّ الله تعالى يَعُدُّ ـ في هذه الآية ـ أربع خصوصيات للمفلحين وهي:

1. الاِيمانُ بالنبي: (آمَنُوا به).

2. تكريمهُ وتوقيره: (وعَزّرُوه).

3. نصرهُ وتأييده: (ونَصَروه).

4. إتّباعُ النور (القرآن) الذي أُنزِلَ معه: (واتّبَعَوا النّوُر الّذي أُنزِلَ مَعَهُ).

ونظراً إلى أن «نصرةَ» النبيّ الاَكرم جاءَت في الخصيصة الثالثة لذا لا مناص من أنْ يكون المرادُ بلفظة «عَزّرُوه» في الخصيصة الثانية هو تكريمُ النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتعظيمه ولاشك أنّ تعظيمه وتكريمه لا يختص بزمان


1 . التوبة | 24 .
2 . الاَعراف | 157.

(300)

حياته، كما أَنّ الاِيمان الذي ورد ذكره في الآية ليس محدوداً كذلك.

وفي مجال لزوم محبّة أهل بيته ومودّتهم يكفي أنّ القرآن الكريم اعتبرها أجراً للرسالة (أي أنّه بمنزلة الاَجر لا الاَجر الواقعي)، إذ يقول تعالى:

(قُلْ لا أسألكُمْ علَيه أجْراً إلاّ المودَّةَ فِي القربى)(1).

إنّ الدعوة إلى محبّة النبيّ، ومودَّته والحث عليها لم يرد في القرآن الكريم وحده. بل جاء التأكيد عليها حتى في الاَحاديث الشريفة التي نذكر منها نموذجين على سبيل المثال لا الحصر:

1. قالَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من وُلْدِهِ والناسِ أجمعين»(2).

2. وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديثٍ آخر: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، ذاقَ طَعمَ الاِيمانِ: مَنْ كانَ لا شيءَ أحبَّ إليه من الله ورسوله، وَمَنْ كان لئِن يُحَرق بالنّارِ أحبّ إليه من أن يرتدَّ عن دِينهِ، وَمَنْ كانَ يحبُّ لله ويُبْغِضُ لله».(3)

كما أنّ محبَّة أهلِ بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومودَّتهم جاءَ التأكيدُ والحثُّ عليها في الاَحاديث الشَرِيفة أيضاً ونود ذكر بعض تلك الاَحاديث على سبيل النموذج:


1 . الشورى | 23 .
2 . كنز العمال ج 1 | 37، ح 70 .
3 . كنز العمال: ج 1، ح 72 ؛ وجامع الاَُصول ج 1، ص 238.

(301)

1. قالَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكونَ أحبَّ إليه من نَفْسِهِ وَتكونُ عِترتي أحبَّ إليه من عِترَتِهِ ويكون أهلي أحبَّ إليه من أَهْلِهِ»(1).

2. وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديثٍ آخر: «مَنْ أحبَّهُمْ أحَبَّهُ الله، ومَنْ أبْغَضَهُمْ أبَغْضَهُ اللهُ» (2).

إلى هنا تَعَرّفنا على أَدلّة هذا الاَصل (وهو لزوم محبّة النبيّ وعترتِهِ ومودّتهم) والآن ينطرح السؤالان التالِيان:

1. ما هي الثمرة الّتي تجنيها الاَُمّةُ من مودَّة النبيّ وعترته؟

2. ما هي كيفيَّة مَودّةِ النبيّ وعترتهِ؟

لابدّ في هذا المجال أن نذكرَ أنّ محبّة الاِنسانِ الفاضِل الكامِل ومودَّته توجب بنفسها صعودَ الاِنسان في مدارج الكمال، فإنَّ الاِنسان إذا أحبّ شخصاً من صميم قلبه سعى إلى التشبّه به في حركاته وسكناته، وتحصيل ما يُسرُّ ذلك الشخص في نفسه وذاته، وترك ما يؤذيه ويزعجه.

ومن الواضح أنَّ وجودَ مثلَ هذه الروحيّة في الاِنسان توجب التحوّل فيه، وتبعَثُه على سلوكِ طريقِ الطاعة واجتنابِ طريقِ المعصيَة دائماً.

إنّ الّذي يُظهرُ التعلُّقَ بأحدٍ ويتظاهر بمودته بينما يخالِفه في مقام العمل يفتقد المحبَّةَ الحقيقيّة.


1 و 2 . مناقب الاِمام أمير المؤمنين تأليف الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ج 2 ح 619 و 700 ؛ وبحار الاَنوار ج 17 ص 13 ؛ وعلل الشرائع الباب 117 ح 3.

(302)

وقد نُسِب بيتان من الشِعر إلى الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ جاءت الاِشارة فيهما إلى هذه النقطة، إذ يقول:

تعصي الاِلَه وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ * هذا لَعْمري في الِفعالِ بَديعُ
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لاََطعتهُ * إنّ المحبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ(1)

والآن ـ وبعد أن تَبَيَّن بعضُ ثمرات مودّةِ النبيّ وعترتِه ـ يجب أن نشيرَ إلى أُسلوب إظهار تلك المودة.

لاشك أنّ المقصودَ من «الحبّ» ليس هو الحبُّ الباطنيّ العاريّ عن أيّ عمل يناسبُه، بل المقصودُ هو المودّة التي تَظهَر آثارُها المناسبة على قول الاِنسان وفعله.

ومن أحد الآثار البارزة لمحبّة النبيّ وآله الطاهرين هو اتّباعه العمليّ كما مرّت الاِشارة إلى ذلك، ولكن الحديث هنا هو عن الآثار الاَُخرى لهذه الحالة الباطنية، وتتمثل في كلّ ما يعدّه الناس من الاَقوالِ والاَفعال، علامةً للحبّ والمودّة تحتَ هذه القاعدة، شريطة أن يكون تكريم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعملٍ مشروعٍ لا بعملٍ حرامٍ.

وعلى هذا فإنّ تكريمَ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته: في كلّ زمانٍ، وبخاصة في مواليدهم أو وَفياتهم،يتحقّق بإظهار المودة لهم وإبراز التكريم لشَخصيّاتِهم.

فالاِِحتفال بمواليدهم وإشعال المصابيح ونصب الاََعلام والرّايات الملونة، ونشر معالم الزينة، وإقامة مجالس تُعرَضُ فيها فضائلُ النبيّ أو أهل بيته يُعدّ آيةَ المودة وعلامة المحبّة لهم، وعلى هذا الاََساس كان تكريمُ النبي في يوم مولِدهِ سنّةً مستمرةً بين المسلمين.

يقول القسطلاني في كتابه «المواهب اللدنيّة»: ولا يزال أهل الاِسلامِ يَحتَفلون بشهر مولده ـ عليه السلام ـ ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاتِه كل فضلٍ عميم.(2)


1 . سفينة البحار: 1 | 199 .
2 . المواهب اللدُنيّة، ج 1 ص 27؛ وفي تاريخ الخميس ج 1 ص 223 مثله.

(303)

الاَصلُ الثاني والثلاثون بعد المائة: إقامة مجالس العزاء

من البيان السابق اتّضَحَت فلسفةُ وحكمةُ إقامة مجالس العزاء، والمآتم لاَئمةِ الدّين، لاَنّ إقامةَ مثل هذه المجالس من أجل ذكر مصائبهم وبيان ما جرى عليهم من المحَن في سبيل الدين، هو نوعٌ من أَنواع إظهار المودَّة والمحبَّة لهم. فإذا ما بكى يعقوبُ لِفِراق وَلَدِهِ العزيز «يوسف» سنيناً عديدة، وذرف دموعاً كثيرة(1) فإنّ ذلك نابعٌ مِن محبته وعلاقتِهِ القَلبيّة بابنِهِ.

وإذا ما بكى محبُّو أهلِ البيت في مُصابهم بسبب علاقتهم القلبيّة بهم، وحبّهم العميق لهم، فإنّهم يتّبعون في هذا العمل النبيّ يعقوبَ ـ عليه السلام ـ .

إنّ إقامة مجلس في مصاب الاَحبّة والبكاء لفقدانهم هي في الاَساس


1 . لاحظ يوسف | 184 .

(304)

عملٌ أسَّسَهُ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذلك عندما سمع نساء الانصار يبكين قتلاهن في معركة «أحُد»، فقال وهو يَذكر عمّه «حمزة» سيد الشهداء: «وَلكِنَّ حمزة لا بواكي له»(1).

وعندما عرف أصحابُ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برغبته في إقامة مجلس العزاء لعمّه «حمزة» أمروا أزواجهم بأن يبكين على قتلاهم الشهداء وعلى «حمزة» ويقمن مجلس العزاء له، فأُقيم مجلسٌ لذلك الغرض فلمّا بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما فعلَهُ الاَنصارُ وأزواجهم شكَرَهُم على ذلك، ودعا في حقّهم قائلاً: «رَحم اللهُ الاَنصار»، ثم طلب من أصحابه من الاَنصار بأن يأمُروا أزواجهنّ بأن يَعدن إلى منازِلِهنّ (2).

وثمة روايات عديدة تكاد تبلغ حدّ التواتر تعرب عن أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكى على الحسين سبطه الاَصغر لما يلمَّ به وبأهله وأنصاره على أيدي الفئة الباغية، في وقعة كربلاء، كما يلاحظ ذلك من يراجع كتاب «الصواعق المحرقة» لابن حجر و«نور الاَبصار» للشبلنجي الشافعي، و«المستدرك على الصحيحين» للحاكم النيسابوري 3: 176.

كما رثاه وبكاه طائفة من علماء الاِسلام من سنة وشيعة وانشأوا في مصابه القصائد المطوّلة.

فهذا الاِمام الشافعي يقول:


1 . سيرة ابن هشام: 1 | 99 .
2 . المصدر السابق؛ وإمتاع الاسماع: 11 | 164 .

(305)

تأوّب قلبي فالفؤاد كئيب * وأرّق نومي فالسهاد غريب

إلى أن يقول :

فمن مُبلغٌ عَنّي الحسينَ رسالة * ًوإن كَرِهَتْها أنفسٌ وقلوبُ
ذَبيحٌ بلاَ جُرمٍ كأنَّ قميصَه * صَبِيغ بماءِ الاَُرجوان خضيبُ(1)

هذا مضافاً إلى أنّ لاِقامة المآتم ومجالس العزاء للشهداء في سبيل الحق فلسفة هامّة أُخرى وهي أنّ إحياء ذكراهم يوجب الحفاظ على عقيدتهم التي قُتلوا من أجلها... تلك العقيدة التي يتكوّن جوهرُها من التفاني في سبيل الدين وعدم الخضوع للذُلّ، والهوان وهم يردّدون شعار «الموت في عزٍ خيرٌ من الحَياة في الذلّ» ويجدّدون في كلّ يوم عاشوراء هذا المنطق العظيم ويتعلم الشعوب والاَُمم دروساً حيويّة من نهضتهم وثورتهم الكبرى.

الاَصل الثالث والثلاثون بعد المائة: صيانة الآثار الاِسلامية

يسعى كلُّ العقلاء في العالَم في حفظ آثار عظمائهم، وأسلافِهمْ، ويحمونها من الاِندثار والزوال بحجة كونها «تراثاً فكرياً» وآثاراً حضاريّة، وتجتهدُ الاَُممُ المتحضّرة والراقية في حفظ الآثار الوطنيّة القديمة وما خلّفه أسلافُها من مفاخر جديرة بالاِعتزاز، لاَنّ آثار الاَسلاف هي في


1 . ديوان الاِمام الشافعي قافية الباء. وراجع للوقوف على المزيد في هذا المجال: سيرتنا وسنتنا للعلاّمة الاَميني.

(306)

الحقيقة حلقة الوصل بين القديم والجديد، والماضي والحاضر، وهي ترسم حركة الشّعوب والاَُمم في مسار التقدّم والرقيّ، وتضيَ لها الطريق، والسبيل.

ثم إنّ الآثارَ القديمةَ إذا كانت ترتبط بالرسلِ والاَنبياء فانّ الحفاظَ عليها وحراستَها ـ مضافاً إلى ما ذُكِرَ من الفائدة ـ تساعد بصورةٍ قويةٍ في المحافظة على اعتقاد الناس وإيمانهم بأُولئك الرسُل والاَنبياء، ويكون لها أبلغ الاَثر في تقوية دعائِمها، وتجذيرها وتأصيلها، بينما يؤدّي زوالُها، واندثارها بعد مدّة إلى انقداح روح الشك، والريب في نفوس أتباعهم، ويعرض أصلَ الموضوع لخطر الغموض، والاِبهام، والنسيان والضياع.

وللمثال نشير إلى المجتمع الغربي، فإنّ الناس في هذا المجتمع وإن اصطبغت حياتهم بالصبغة الغربية، وأخذوا بآدابها وأخلاقها تماماً، ولكنهم في مجال العقيدة مدّوا أيديهم نحو الشرق، واعتنقوا الدين المسيحي وخضعوا لسلطانه ردحاً من الزمن بيد أنّهم مع تغيّر الاَوضاع، وتنامي روح البحث والتحقيق لدى الشباب الغربيّ بدأ الشك والترديد يدَبُّ في نفوسهم، وباتوا يشكّون في أصل وجود السيد «المسيح» إلى درجة أنّهم على أثر عدم وجود آثار ملمُوسة من السيّد «المسيح» عادوا يعتبرونه أُسطورةً تاريخيّةً.

في حين أنّ المسلمين ظلّوا في منأى عن مثل هذه الحالة، فقد حافظوا على طول التاريخ وبكلّ فخر واعتزاز على الآثار المتبقّية من


(307)

رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأبنائه من خطر الاِندثار، والزوال بسبب الحوادث.

فالمسلمون يَدّعُون أن شخصيّة نبيلة طاهرةً اختيرت قبل أربعة عشر قرناً للنبوة وللرسالة، وقام ذلك النبي بمعونة برنامجه الراقي جداً بإصلاح المجتمع، وأوجد في ذلك المجتمع تحوّلاً عظيماً، وانقلاباً عميقاً، وأسّس حضارة كبرى لا يزال المجتمع يستفيد من معطياتها، وثمارها، ولا سبيل للشك قط في وجود مثل هذه الشخصيّة المُصلِحة، ولا في الحضارة التي أسّسها وأرسى قواعدها، لبقاء آثاره إلى هذا اليوم، فمحل ولادته، ومكان عبادته ومناجاته، والنقطةُ التي بُعثَ فيها، والنقاط الاَُخرى التي ألقى فيها خُطَبَه، والاَماكن التي دافع فيها عن عقيدته ورسالته، والرسائل التي تبودلت بينه وبين ملوك العالم وحكام الدُّول في عصره، والعشرات بل المئات من آثاره، والعلائم الدالة عليه، باقية من دون أنْ تمسّها يدُ التغيير، ومن دون أن تطالها معاول الزوال، فهي محسوسةٌ ومشهودة للجميع.

وهذا البيان يمكن أن يوضّح أَهميّة حفظ الآثار من جهة التفكير الاجتماعي ودورها في هدايته وقيادته.

وهو أمر أيّدته النصوص القرآنية وسيرة المسلمين، فقد قال تعالى في القرآن الكريم:

(فِي بُيُوتٍ أَذنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالْغدوّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِم تجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذكرِ الله وإقامِ الصَّلاةِ وإِيتَآءِ


(308)

الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالاََبْصَارُ).(1)

وليس المراد من لفظِ «البيوت» الواردِ في هذه الآية «المساجد» لاَنّ البيوت جاءَ في القرآن الكريم في مقابل المساجد، لاَنّ «المسجد الحرام» غير «بيت الله الحرام» فالبيوتُ في هذه الآية يراد منها بيوتُ الاَنبياء، وخاصة بيت الرسولِ الاَكرم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذرّيته الطاهرة.

فقد روى السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»: عن أنس بن مالك، وبرَيدة، قالَ: قرَأَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذه الآية، فقام إليه رجلٌ فقال: أيُّ بُيوتٍ هذِهِ يا رسُول اللهِ؟ قال: «بيوت الاَنبياء».

فقام إليه أبو بكر فقال: يارسول الله هذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة، قال: «نعم من أفاضلها»(2).

والآن ـ بعد أنْ اتّضح المرادُ من «البيوت» ـ لابد من توضيح المراد من «ترفيع البيوت».

إنّ هناك احتمالين في هذا المجال:

1. الترفيع: بمعنى بناءِ البيوت وتشييدها، كما جاء بهذا المعنى في قوله تعالى:

(وَإِذ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)(3).


1 . النور | 36 ـ 37 .
2 . تفسير الدر المنثور ج 5، ص 50 .
3 . البقرة | 127 .

(309)

2. الترفيع: بمعنى إحترام تلك البيوت وحراستها، والمحافظة عليها.

فعلى المعنى الاَوّل، حيث إنّ بيوت الاَنبياء قد بُنِيَت قبلَ ذلك، لهذا لا يمكن أن يكون المراد من الترفيع في الآية الحاضرة هو إيجاد البيوت، بل المراد هو حفظها من الاِنهدام والزوال.

وبناءً على المعنى الثاني، يكون المراد من حفظ تلك البيوت هو ـ مضافاً إلى صيانتها من الخراب والانهدام ـ حفظها من أيّ نوع من أنواع التلوث المنافي لقداستها وحرمتها.

وعلى هذا الاَساس يجب على المسلمين السعيُ في تكريم، وحراسة البيوت المرتبطة بالرسول الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وعليهم أنْ يعتبروا هذا العمل أمراً قربيّاً، أي مقرّباً إلى الله سبحانه.

ثم إنّه يُستفاد من الآية التي تدورُ حول أصحاب الكهف أنّه عندما اكتُشفَ موضعُ اختفائهم، اختلف الناس في كيفية تكريمهم فصاروا فريقين:

فريق قالوا: يجب البناء على قبرهم بغية تكريمهم.

وفريق آخر قالوا: يجب بناء مسجد على مرقدهم، وقد أخبر القرآنُ الكريم بكلا الاِقتراحين، وكلا الرأيين، ولو كان هذا العمل، أو ذلك مخالفاً لاَُصول الاِسلام لاَخبر بهما بنحوٍ آخرٍ، ولتناوَلهما بالنقد. ولكنه رواهما من دون نقدٍ، إذ قال:


(310)

(إِذ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أمرَهُم فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُم أَعْلَمُ بِهِم قَالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم لَنَتَّخذنَّ عَلَيهِم مَّسْجِداً)(1).

إنّ هاتين الآيتين (مع ملاحظة سيرة المسلمين المستمرة من عصر رسول الاِسلام إلى هذا اليوم والمستقرة على حفظ هذه الآثار، والمحافظة على البيوت المرتبطة برسول الله وأهل بيته المطهرين وحراستها) دليل واضحٌ وبرهان قاطع على كون هذا الموقف موقفاً إسلامياً، وأصلاً شرعياً.

ولهذا تقوم مسألة تعمير مراقد الاَنبياء ـ وبصورة خاصّة مراقد رسولِ الله وعترتهِ الطاهِرة صلوات الله عليهم ـ وبناءِ المساجد عليها، أو إلى جانبها، على أساس هذا الاَصل الاِسلامي.

الاَصلُ الرابع والثلاثون بعد المائة: زيارة قبور المؤمنين

تُعتبر زيارةُ قبور المؤمنين، وبخاصّة قبور الاَقرباء والاَبناء منهم، من الاَُصول الاِسلامية التي تنطوي على آثار تربويّة في نفس زائريها، وذلك لاَنّ مشاهدة تلك الديار الصامتة التي يرقد فيها أُناس كانوا قبل ذلك يعيشون في الدنيا، ويقومون بمختلف النشاطات، ولكنّهم أصبحوا بعد حين أجداثاً خامدة، وجثثاً هامدة، جديرة بأن تهزَّ الضمير، وتوقظ القلوب، وتنبّه الغافلين، وتكون درس عبرة لا ينسى.


1 . الكهف | 21 .

(311)

فإنّ من يشاهد هذا المنظر سيحدّث نفسه قائلاً: وما قيمة هذه الحياة الدنيا التي سرعان ما تنتهي، وتكون مآلُها موت الاِنسان ورقوده تحت التراب.

هل يستحق العيش في مثل هذه الدنيا الفانية أن يقوم فيها الاِنسانُ من أجله بأعمالٍ ظالمة، وممارسات فاسدةٍ؟

إنّ هذا التساؤل الذي يواجهه ضميرُ الاِنسان المفكّر في مصير البشر، سيدفع به إلى إعادة النظر في سلوكه وممارساته، وسيؤدِّي ذلك إلى حصول تحوّلٍ كبيرٍ في روحه ونفسه.

وقد أشارَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى هذا الاَثر الهامّ، إذ قال فيحديث شريف: «زُورُوا القبورَ فإنّها تذَكِّرُكُم بِالآخِرَةِ»(1).

ثم إنّه مُضافاً إلى هذا تُعتبر زيارةُ مراقد أئمة الدين وقادته نوعاً من الترويج للقيم الدينيّة، والمعنويّة، كما أنّ إعتناءَ الناس بمراقد أُولئك الشخصيّات سيُقوّي لديهم الفكرة التالية، وهي أنّ الحالة المعنوية التي كانت تلك الشخصيات تتمتّع بها هي التي جذبت قلوب الناس إليهم، وهي التي رفعتهم إلى تلك المنزلة العظيمة التي حازوا بها احترام الناس وتكريمهم لهم، إذ رُبّ رجال من أصحاب السلطان والقوّة يرقدون تحت التراب دون أن يحظوا بمثل هذه العناية والاحترام من قِبَل الناس.

ولقد كانَ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يذهبُ في أُخريات حياته إلى البقيع،


1 . سنن ابن ماجة ج 1، باب ما جاء في زيارة القبور، ص 113 .

(312)

ويستَغْفر لاَصحاب القبور، ويقول: «أَمَرَني رَبّي أنْ آتي البَقيعَ وأستَغْفِرَ لَهمْ» ثم قالَ: إذا زُرْتُمُوهُمْ فقولوا:

«السلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنِ المُؤمِنِين والمُسْلِمين يَرحَمُ اللهُ المُسْتقدِمِينَ مِنّا والمُسْتَأخِرِين، وإنّا إنْ شاءَ الله بكم لاحِقُون»(1).

وقد اعتُبرت زيارَةُ قُبور أولياء الله وأئمّة الدين ـ في كُتبِ الحديث ـ من الاَعمال المستحبَّة المؤكدة، وكان أئمة أهلِ البيت يَذهَبُون دائماً لزيارة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وغيرهم من الاَئمة المتقدمين عليهم، وكانوا يحثُّون أتْباعَهم على هذا العمل.

الاصلُ الخامسُ والثلاثون بعد المائة: المنع عن الغلو

«الغُلُوّ» في اللُّغة هو التجاوز عن الحدّ، وقد خاطب القرآنُ الكريمُ أهلَ الكتاب قائلاً:

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ)(2).

ولقد خاطَبهم القرآنُ بهذا الخطاب لاَنّهم كانُوا يغالُون في حق السيّد «المسيح» ويتجاوزون الحدّ، إذ يقولون إنّه إلَهٌ، أو ابنُ الله، أو ربّ.

وقد ظَهَرتْ بعد وفاةِ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرقٌ وطوائفُ غالَت فيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو في الاَئمة المعْصُومين، من بعده وتجاوزت الحدَّ، ووصفوهم بمقامات


1 . صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبور، ص 64.
2 . النساء | 171 .

(313)

مختصَّة بالله وحده، ومن هنا سُمّي هؤلاء بالغُلاة، لتجاوزِهم حدود الحق.

يقولُ الشيخُ المفيد ؛: «الغُلاة من المتظاهرين بالاِسلام همُ الذين نَسَبوا أمير المؤمنين إلى الالُوهية والنبوَّة، ووصفوهم من الفضلِ في الدين والدنيا، إلى ما تجاوزوا فيه الحدَّ، وخَرَجُوا عن القصد»(1).

ويقول العلاّمةُ المجلسيّ: إنّ الغُلُوّ في النبيّ والاَئمّة: إنّما يكون بالقول بأُلُوهيتهم، أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبوديّة، أو في الخلق، والرزق، أو أنّ الله تعالى حلَّ فيهم، أو اتّحدَ بهم، أو أنّهم يعلمون الغيب بغير وحيٍ أو إلهامٍ من الله تعالى، أو بالقولِ في الاَئمّة أنّهم كانوا أنبياء، أو القول بأنّ معرفتهم تُغني عن جميع الطاعات، ولا تكليف معها بترك المعاصي(2).

ولقد تبرَّأَ الاِمامُ عليٌّ وأبناؤُهُ الطاهرون صلوات الله عليهم من الغلاة، وكانوا يلعنونهم على الدّوام، ونحن هنا نكتفي بإدراج حديثٍ واحدٍ في هذا المجال.

يقول الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ : «إحذَرُوا على شَبابِكُمُ الغُلاةَ لا يُفْسدُوهُمْ، فإنَّ الغلاةَ شرُّ خلقِ اللهِ، يُصغِّرونَ عظمةَ اللهِ ويَدَّعُون الرَّبوبيَّة لِعبادِ اللهِ»(3).


1 . تصحيح الاعتقاد ص 131 .
2 . بحار الاَنوار ج 25، ص 364.
3 . المصدر السابق، ص 365 .

(314)

ولهذا لاقيمة لتظاهر الغُلاة بالاِسلام، فهم عند أئمةِ الدين كفارٌ ضُلاَّلٌ.

هذا ومن الجدير بالذِكر هنا أنْ يقال: كما يجب الاجتنابُ حتماً عن الغلوّ، يجب أن لا نعتبر كلَّ تصوّرٍ واعتقادٍ في حقّ الاَنبياء، وأولياء الله غُلوّاً، ويجب الاحتياط في هذا المجال كبقيّة المجالات الاَُخرى، وتقييم العقائد بشَكل صحيح.


(315)

أُمورّ في الفروع

الفصل العاشر

الحديث والاجتهاد والفقه


(316)


(317)

الاَصل السادسُ والثلاثون بعد المائة: مصادر التشريع والحديث

يَعملُ الشيعة الاِمامية في العَقائد والاَُصول بأحاديث مرويّةٍ عن رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق ثقات يُعتَمَد عليهم، سواء أكانت هذه الروايات والاَحاديث. في كتب الشيعة أم في كتب أهل السُّنّة.

من هنا ربّما استَنَد الشيعة في كتبهم الفقهيّة إلى رواياتٍ منقولة عن طريق رواة من أهل السّنة أيضاً، ويُسمّى هذا النوع من الحديث الذي تُصَنَّف أقسامه على أربعة أقسام، بالموثّق.

وعلى هذا فإنّ ما يرمي به البعض من المغرضين «الشيعةَ الاِماميةَ» في هذا المجال لا أساس له من الصحّة مطلقاً.

إنّ الفقه الشيعيَّ الاِماميَّ يقوم ـ أساساً ـ على الكتاب والسُّنّة، والعقل، والاِجماع.

والسُّنَّة عبارة عن قول المعصومين وفعلهم وتقريرهم وعلى رأسهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وعلى هذا إذا روى شخصٌ ثقة حديثاً عن رَسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واشتمل ذلك الحديثُ على قولِ النبي، أو فعله، أو تقريره، كانَ معتبراً في نظر


(318)

الشيعة الاِمامية وتلقّوه بالقبول وعملوا وفقه.

وما نجده في مؤلّفات الشيعة ومصنّفاتهم شاهدُ صدق على هذا القول، ويجبُ أن نقول: إنَّه ليس هناك أيُّ فرقٍ بين كتب الشيعة في الحديث، وكتب أهل السنّة في الحديث، في هذا المجال، إنّما الكلام هو في تشخيص من هو الثقة، وفي درجة اعتبار الراوي.

الاَصلُ السابعُ والثلاثون بعد المائة: حجيّة الاَحاديث المروية عن أئمة أهل البيت :

إنّ الاَحاديث والرّوايات التي تُنْقَل عن أئمة أهل البيت المعصومين بأسنادٍ صحيحة، حجّةٌ شرعيّة، ويجب العمل بمضمونها، والاِفتاء وفقها.

إنّ أئمة أهل البيت: ليسوا بمجتهِدين أو «مفتين» ـ بالمعنى الاِصطلاحيّ الرائج للَّفظَتين ـ بل كلُّ ما يُنقَلُ عنهم حقائق حَصَلوا عليها من الطُرُقِ التالية:

ألف ـ النَقْل عن رَسُول اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّ الاَئمّة المعصومين: أخَذَوا أحاديثهم من جَدّهمْ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (خَلفاً عن سَلَف وكابِراً عن كابر) ثم رووها للنّاس.

وإنّ هذا النَوع من الاَحاديث والرِّوايات التي رَواها كلُّ إمام لاحق عن الاِمام السابِق إلى أن يصل السَند إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كثيرة في أحاديث الشيعة الاِمامية.

ولو أنّ هذه الاَحاديث التي وردت عن أهل البيت واتصل سَنَدها


(319)

برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جُمِعَت في مكانٍ واحدٍ لحصل مِنها مُسْنَدٌ كبيرٌ يُمثل كَنزاً عظيماً للمحدّثين، والفُقَهاء المسلمين، لاَنّ مثل هذه الاَحاديث والروايات بهذه الاَسانيد المُحكَمة القَوِيّة لا نَظير لها في عالم الحَديث ، ونشير إلى نموذج واحدٍ من هذه الاَحاديث، ويسمّى بحديث «سلسلة الذهب» ويُقال انّ السامانيّين كانوا يحتفظون بنسخةٍ منه في خزانتهم حبّاً منهم للاَدب والعلم.

روى الشيخُ الصَّدوقُ، عن أبي سعيد محمد بن الفَضل النيسابوري، عن أبي علي الحسن بن علي الخزرجي الاَنصاري السعديّ، عن أبي الصَّلت الهَرَويّ، قال: كنتُ مع علي بن موسى الرّضا ـ عليه السلام ـ حين رَحَلَ من «نيسابور» وهو راكبٌ بغلةً شهباء، فاذا محمدُ بن رافع، وأحمد بن حرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدّةٌ من أهل العلم، قد تَعَلَّقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا: بحقّ آبائِك المطهَّرين، حدِثنا بحديثٍ قد سَمِعته من أبيك، فأَخرَجَ رأسَه من العَمارية، وعَليه مِطرف خزٍ ذو وجهين، وقال: «حَدَّثَني أبي العبدُ الصالح موسى بنُ جعفرٍ قال: حَدَّثني أبي الصادقُ جعفرُ بنُ محمدٍ قالَ: حَدَّثني أبي أبو جَعفر محمدُ بنُ عليٍ باقر عِلمِ الاََنبياء قالَ: حَدَّثَني أبي عليُّ بن الحسين زينُ العابِدين قالَ: حَدَّثني أبي سيدُ شبابِ أهلِ الجَنَّةِ الحسينُ قالَ: حَدَّثني أبي عليُّ بنُ أبي طالب قالَ: سَمعْتُ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: قالَ الله جَلَّ جَلالُه: لا إلَهَ إِلاّ اللهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أمنَ مِن عَذابي».

فلَما مَرَّتِ الراحِلةُ، نادانا: «بِشُروطِها، وأنا مِن شُروطِها».(1)


1 . التوحيد للشيخ الصدوقَ: الباب 1، الاَحاديث 21، 22، 23 .

(320)

ب : الرِواية من كتابِ عليٍّ ـ عليه السلام ـ

لقد صاحَبَ عليٌ ـ عليه السلام ـ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في فترةِ بعثته كلّها، ولهذا استطاع أن يحفظ ويدوّن قدراً عظيما من أحاديث رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في كتاب (وفي الحقيقة كان ذلك الكتابُ من إملاءِ رسولِ اللهـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكتابة علي ـ عليه السلام ـ ).

ولقد ذُكِرَت خُصوصيّات هذا الكتاب الذي صار بعد استشهاد الاِمام علي ـ عليه السلام ـ إلى أهل بيته في أحاديث أهل البيت:.

يقول الاِمام الصّادق عن هذا الكتاب: «طولُه سَبْعون ذراعاً، إملاء رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قاله من فِلقِ فِيه، وخطّ علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ بيده، فيه والله جميع ما تحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة»(1).

ومِنَ الجدير بالذّكِر أنّ هذا الكتاب بقيَ عند أهل البيت يتوارثه إمامٌ من إمامٍ، وقد نقل الاِمامُ الباقر والاِمام الصّادق8 رواياتٍ عديدةٍ منه وربّما أطلَعُوا بعضَ شيعتهم عليه.

ويوجَدُ قسمٌ كبير من أحاديثه الآن في المجاميع الحديثية الشيعية وبالاَخص كتاب «وسائل الشيِعة».

ج : الاِِلْهاماتُ الاِِلَهِيّة

إنّ لِعلومِ أهلِ البيت: مَنبعاً آخر يمكن أن نسَمّيه بالاِلهام.


1 . بحار الاَنوار ج: 26 | 18 ـ 66 .

(321)

والاِلهامُ ليس مخصوصاً بالاََنبياء، فقد كان في طول التاريخ من الشخصيات المقدَّسة مَن كان يحظى بهذا الاِلهام، مع أنّهم لم يَكونوا أنبياء، وقد كانت تلقى إليهم بعضُ الاَسرار من عالم الغيب، وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى ذلك عندما تَحدَّثَ عن مرافق النبيّ موسى (خضر) الّذي علّم موسى بعضَ الاَشياء فقال:

(آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدنا وَعَلّمناهُ من لَدُنّا عِلْماً)(1).

كما وأنّه قال في شأن شخصٍ من حاشية النبيّ سليمان ـ عليه السلام ـ (وهو آصف بن برخيا) قال:

(قالَ الّذِي عندَهُ عِلْمٌ مِن الكِتاب)(2).

إنّ هؤلاء الاَشخاص لم يَتَعلَّموا علومَهم، ولم يَكتسبُوا مَعلوماتهم من طريق التعلّم، بل هو كما يُعَبّرُ عنه القرآنُ عِلْمٌ لَدُنّيٌ:(عَلَمَنّاهُ مِنْ لَدُنّا عِلماً).

وعلى هذا الاَساس لا يكونُ عدم كون الشخص نبيّاً، مانِعاً من أن يحظى بالاِِلهام الاِلَهيّ، كما يحظى بعضُ الاَشخاص من ذوي الدَرَجات المعنويّة الرفِيْعَة بالاِلْهامِ الاِلَهيّ.

وقد أُطلق على هذا النَمَط من الاَشخاص في أحاديث الفريقين وصف «المُحدَّث» يعني الّذين تَتَحَدّثُ معهم الملائكةُ من دون أن


1 . الكهف | 65 .
2 . النمل | 40 .

(322)

يكونوا أنبياء.

فقد رَوى البخاريُّ في صحيحِهِ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «لَقَدْ كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِن بَني إِسْرائِيل يُكلَّمون مِن غَيرِ أنْ يَكُونُوا أنْبِياء».(1)

من هنا كان أئمة أهل البيت: ـ لكونهم مراجعَ للاَُمة في بيان المعارف الاِلَهيّة، والاَحكام الدينيّة ـ يجيبون على الاَسئلة التي لا توجَد أجوبتها في أحادِيث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو في كتاب علي ـ عليه السلام ـ ، من طريق «الاِلهام» والتعليم الغيبي، والعِلمِ اللَدُنِيّ.(2)

الاَصلُ الثامنُ والثلاثون بعد المائة: تدوين الحديث

إنّ الاَحاديث النَبَويّة تحظى باعتبارٍ خاصٍّ، مثل القرآن الكريم، فالكتاب والسُّنّة كانا ولا يزالان من مصادر المسلمين الاعتقادية والفقهيّة.

ولقد أحجَمَ فريقٌ من المسلمين بعد رحلة النبيّ الاَكرمِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتحت ضغطٍ من السُّلُطات الحكومية بعد النبيّ، من كتابة وتدوين الحديث، ولكنّ أتباع أهلِ البيت: لم يغفَلوا ـ ولحسن الحَظّ ـ ولا لحظة واحدة عن تدوين الحديث، فدوَّنُوا، وضَبَطوا الحديث بعد رحيل النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولقد قُلنا ـ في الاَصل السابق ـ بأنّ قِسماً من أحاديث أئمة أهلِ البيت مأخوذٌ عن الرسول الاَكرم نفسه.


1 . صحيح البخاري: 2 | 149 .
2 . راجع حول المحدَّث وتعريفه كتاب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6 | 99 وغيره.

(323)

ولقد قام علماءُ مدرسة أهل البيت وعلى طول التاريخ، بتأليف مجاميع حديثيّة كبيرة، ومدوَّنات تضمُّ الرّوايات والاَخبار، جاءَ ذكرها في كتب الرجال، خاصّة في القرنِ الرابعِ والخامسِ الهجريّين، مستفيدين ـ في هذا الصعيد ـ من الكتب التي تمَّ تأليفُها وتدوينُها في عصر الاَئمة:، وعلى أيدي أصحابهم وتلامذتهم العَدِيدين.

والكتب الحديثية الجامعة المدَوَّنة التي تعتَبَرُ اليومَ محوراً للعقائد والاَحكام الشيعية هي عبارة عن:

1. «الكافي» تأليف محمّد بِنِ يعقوب الكلينيّ (المتوفّى عام 329 هـ) في ثمانية أجزاء.

2. «مَنْ لا يَحْضرُه الفقيهُ»، تأليف محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (306 ـ 381 هـ) في أربعة أجزاء.

3. «التَهذيب» تأليف محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسيّ (385ـ 460 هـ) في عشرة أجزاء.

4. «الاِستبصار»، تأليف المؤلف السابق، في أربعة أجزاء.

وهذه هي ثاني مجموعة من المجاميع الحديثيّة التي دوَّنها ونَظَّمها الشيعةُ، طوال التاريخ، بجهودِهِمُ الحثيثة حتى القرن الرابع والخامس الهجريّين، وقد أُلّفَتْ ـ كما ذكرنا ـ في عصر الاَئمة أي القرن الثاني والثالث جوامع حديثيّة تُسمّى بِالجَوامع الاَوَّليّة، بالاِضافة إلى «الاَُصول الاَربعمائة» وقد انتقلت محتوياتها إلى الجوامع الثانويّة.


(324)

وحيثُ إنّ عِلمَ الحديث كانَ دائماً موضعَ إهتمام الشيعة، لذلك أُلّفَت في القرنِ الحادي عشر، والثاني عشر مجاميعُ حديثية أُخرى نترك ذكر أسمائها لعلّة الاختصار.

إلاّ أنّ أكثر هذه المجاميع شهرة هو «بحار الاَنوار» للعلامة محمد باقر المجلسي، ووسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي.

هذا ومن البديهيّ أنّ الشيعة لا تعمل بكل حديث، ولا تعمل بأخبار الآحاد، في العقائد، أو التي تخالف في مضمونها القرآنَ أو السّنة القطعيّة، وليست بحجّة عندهم، على أنّ مجرّد وجود الرواية في كتب الحديث عندهم لا يَدلُّ على إعتقاد المؤلّف بمفاده، بل الاَحاديث تتنوَّع عند هذه الطائفة إلى صحيح وحَسَن، وموثَّق، وضعيف، ولكلِّ واحدٍ من هذه الاَنواع أحكامٌ خاصّة، ودرجةٌ خاصّة من الاعتبار، وقد جاء بيان ذلك على وجه التفصيل في علم الدراية.

الاَصلُ التاسع والثلاثون بعد المائة: الاجتهاد

أشرنا فيما سبق إلى مصادر الفقه الشيعيّ الاِماميّ (وهي عبارة عن الاَدِلّة الاَربعة: الكتاب والسُّنة والعقل والاِجماع)، وتسمّى عمليّة إستنباط الاَحكام الشرعيّة من هذه الاَدلّة بشروطٍ خاصّة مذكورة في عِلم الاَُصولِ بـ«الاِجتهاد».

إنّ الشريعة الاِسلاميّة حيث إنَّها شريعةٌ سماويّةٌ، ولا شريعة بعدَها قَط، وَجَبَ أنُ تلبّي كلَّ الحاجات البشرية في مختلف مجالات حياتها


(325)

الفرديّة والاجتماعية.

ومن جانِبٍ آخَر حيث إنَّ الحوادث والوقائع لا تنحصر فيما كان في زمن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فالتَطوُّرات المتلاحقة في الحياة تطرح احتياجات وحالات جديدة، تحتاج كل واحدة منها طبعاً إلى حكم شرعي خاصّ.

وبالنظر إلى هذين المطلبين يكون فتح باب الاجتهاد في وجه الفقهاء على طول التاريخ أمراً ضروريّاً، إذ هل يمكن أن يكون الاِسلام الذي هو شريعة إلَهية كاملة ودين جامع أن يسكتَ في الحوادثِ الجَديدة الظهور، وأن يترك البشرية حائرة في منعطفات التاريخ والحياة، أمام سيل الحوادث الجديدة.

كُلُّنا نَعلم بأنّ علماءَ «الاَُصول» قَسَّموا «الاِجتهاد» إلى قسمين «الاِجتهاد المطلَق» و «الاِجتهاد في مَذهَبٍ خاصٍّ».

فإذا اجتهد شخصٌ في مسلك أبي حنيفة الفقهيّ، وسعى إلى أن يحصل على رأيه في مسألة مّا، سُمِّيَ عَمَلُه بـ«الاِجتهاد في المذهب».

وأمّا إذا لم يقيّدِ المجتهدُ نَفسَه بمذهبٍ معيّن وخاصّ في المذهب وسعى إلى أن يَفهَمَ الحكمَ الاِلَهيَّ من الاَدلّة الشرعيّة (سواءً وافق مذهباً ومَسلَكاً معيَّناً أو خالفه) دُعيَ ذلك بالاِجتهادِ المطلق.

ولقد أُغلق بابُ الاِجتهاد المطلق ـ وللاَسف ـ في وجه علماء أهل السُّنّة(1) ّلا، وإنحصر اجتهادُهم في إطار المذاهب الاَربعة خاصّة، وهو لاشك


1 . المقريزي: الخطط: 2 | 344 .

(326)

نوعٌ من تقييد عمليّة الاجتهاد، وتضييق لدائرته.

إنّ فقهاء الشيعة اجتهدوا على أساس الكتاب والسّنة والعقل والاِجماع، وسعَوا إلى أن لايتقيّدوا لاِدراك الحقائق والمعارف الدينية بشيء، الاّ إتّباع الاَدلّة الشرعيّة.

ومن هنا انتج اجتهادُهم الحيُّ المتحرّك فِقهاً جامعاً، منسجماً مع الاِحتياجات البشريّة المختلفة، المتنوعة، المتطوّرة باستمرار، وخلّف كنزاً علمياً عظيماً.

إنّ ما ساعد على إثراء هذا الفقه العميق المتحرّك هو المنع من تقليد الميّت، والحكم بتقليد المجتهد الحيّ، الذي يعرف بالمجتمع وبالزمان واحتياجاتهما، ومستجداتهما.

إنّ الفقه الشيعيّ يوافق في أكثر المسائل نظريات الفقهاء من المذاهب الاَُخرى، وإنّ مطالعة كتابِ «الخلاف» للشيخ الطوسيّ شاهدُ صدقٍ على ذلك، فقلّما توجَد مسألةٌ فرعيّة في الفقه الشيعيّ لا توافِق رأيَ أحد مؤسسي المذاهِبِ الاَربعة، أو من سَبَقهم من الفقهاء، ومع ذلك فثمّت مسائل للفقه الشيعي فيها رأيٌ خاصٌ، نشير إلى بعضها ضِمن عدّة أُصول تالية، وسنَذكرها مع أدلّتها، لاَنّه قد يُتَصَوَّر أنّ هذه الفروع الخاصّة لا يدل عليها شيءٌ أو هي تخالف الكتاب والسُّنّة، والحال أنّ الاَمر على عكس ذلك.


(327)

بَعضُ الاَحكام الفقهيّة المختلَف فيْها

إنَّ الدينَ الاِسلاميَّ تركيبة مزيجةٌ من العقيدة والشريعة (أي من الرؤية والنظرة إلى الوجود، ومما يجب وما لا يجب) واللّذين يُعَبَّر عنهما بأُصول الدين وفُرُوعه أيضاً.

ولقد وقفنا في الاَبحاث السابقة على أُصول عقائد الشيعة بصورة برهانيّة، كما تمَّ بيان موقف الشيعة ونظريتهم حول اعتبار أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل البيت: أيضاً.

والآن يجب أن نشير باختصار إلى الاَُسلوب والمنهج الفقهيّ للشيعة وإلى بعض المسائل الفقهيّة التي للشيعة فيها آراءٌ خاصّة، وموقف خاص.


(328)

الاَصلُ الاَربعون بعد المائة: حجّية قول الصحابي وروايته

لقد رُويَت ونُقِلَت السنّة النبويّة إلى الاَجيال اللاحقة عن طريق فريقٍ مِن صَحابته، وما رُوي من قوله، وفعله، وتقريره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حجةٌ إلَهيّةٌ يجب اتّباعُها، والعمل بموجبها.

فإذا روى صحابيٌ السُّنةَ النبويّةَ وحازت تلك الرواية على كل شرائط الحجية تلقّاها الجميعُ بالقبول ولزم العمل وفقها.

وهكذا إذا فَسَّرَ أحدُ الصَّحابة لغةً من لغات القرآن ولفظاً من ألفاظه، أو روى شيئاً من الحوادث والوقائع المرتبطة بعصر الرسالة، أو غيرها، قبلت روايتهُ إذا توفرت فيها الشروط المذكورة.

ولكن إذا ذَكَرَ الصحابيُّ رأيَه أو استنباطَه من آية قرآنية، أو حديث نبويّ، أو نُقِلَ عنه قولٌ، ولم يتبيّن أنّ ذلك المنقول هل هو من سنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أو أنّه رأي ذلك الصحابي واجتهاده الخاص، لم يكن في هذه الحالة حجةً، لاَنّ رأي المجتهد ليس حجة على غيره من المجتهدين.

ولهذا يجب التفريق في مجال العمل بقول الصحابيّ بين رأيه واجتهاده، وبين ما ينقله للسنّة النبوية. والشيعة الاِمامية إنّما تعمل بقول الصحابي إذا روى السُّنة النبويّة.


(329)

الاَصلُ الواحدُ والاَربعون بعد المائة: التقليد

يجب على كل مسلم أن يحصِّلَ على اليقين في المسائل التي يجب ان يعتقدها، ولا يجوز له اتّباعُ الآخرين في هذه المسائل من دون أن يحصل له اليقين.

وحيث إنّ أُمّهات الاَُصول وكلّيات المسائل الاعتقادية محدودة ومعدودة ولكلّ منها أدلةٌ عقليةٌ واضحةٌ، لهذا فإنّ تحصيلَ اليقين للاَشخاص في أُصول الدين وأساسيات العقيدة، قضيةٌ سهلة، في حين أنّ نطاق الفروع والاَحكام الفقهية لما كان واسعاً جداً، والعلم بها يحتاج إلى مقدمات كثيرة، لا يقدر أغلبُ الاَفراد على تحصيلها، لهذا فإنّ على أُولئك الاَشخاص ـ بحكم الفطرة، وتبعاً لسيرة العقلاء ـ أن يرجعوا في أحكام الشريعة إلى العلماء والمجتهدين، ليقوموا في ضوء ذلك بواجباتهم الدينية، ووظائفهم الشرعية.

إنّ الاِنسان ـ في الاَساس ـ فاعلٌ عِلْمِيٌ أي إنّه يقومُ بأعماله على أساس العلم والمعرفة، فإذا تيسَّر له ان حَصَل بنفسه على تلك المعلومات أخَذَ بها وعمل على ضوئِها، وإلاّ استعان بغيره.

وهنا لا بدّ من أن نعلم بأنّ التقليد للمجتهد الجامع للشرائط والرجوع إليه لمعرفة الوظيفة الشرعية، هو نوعٌ من الرجوع إلى المتخصّصِين، ولا علاقة له بالتقليد الاَعمى الناشىَ من العصبيّة القوميّة، أو العرقية أو ما شاكل ذلك.


(330)

الاَصلُ الثاني والاَربعون بعد المائة: الوضوء

اتّفق المسلمون على أنّ الاِسلام عقيدة وشريعة .

أمّا الاَُولى فقد تعرفت عليها في الفصول الماضية .

أمّا الشريعة فأُصولها أربعة :

1. العبادات .

2. المعاملات .

3. الاِيقاعات .

4. الاَحكام .

وأُصول العبادات عبارة عن الاَُمور التالية :

1. الصلاة ونوافلها.

2. الصوم الواجب والمستحب .

3. الزكاة .

4. الخمس .

5. الحج .

6. الجهاد .

7. الاَمر بالمعروف .

8 . النهي عن المنكر .


(331)

هذه أُمهات العبادات والامور القُربيّة عند الاِمامية طبق الشريعة الاِسلامية اكتفينا بالاِشارة إليها ، وأمّا المعاملات والاِيقاعات والاَحكام فبيانها على عاتق الكتب الفقهية.

نعم هناك أحكام ربما لا تتفق الشيعة فيها مع الآخرين ونشير إلى مهماتها وهي في الوقت نفسه أُمور فقهية.

مسح الاَرجل مكان غسلها

كلُّنا نَعلمُ بأنّ الوُضوء هو أحَدُ مقدمات الصلاة فإنّنا نقرأُ في سورة المائدة قوله تعالى:

(يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُم إلى المرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْنِ)(1).

وللفظة «الاََيدي» وهي جمع «يد» التي جاءت في جملة (فَاغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المَرافِق) إستعمالاتٌ مختلِفةٌ في اللُّغة العربيّة فربما تُطلق ويراد منها الاَصابع إلى الرسغ، وربما يُراد منها الاَصابع إلى المرافق، وربما تُطلَق ويراد منها من رؤوس الاَصابع إلى الكتف. هذا أوّلاً.

وثانياً: حيث إنّ المقدار الواجب غسلُه في الوضوء هو ما بين رؤوس الاَصابع والمرافق، لذلك استعمل القرآن الكريم لفظة (إلى المرافق) ليعرف المقدارَ الواجبَ غسلُه من هذين العضوين في الوضوء.


1 . المائدة | 6 .

(332)

وعلى هذا الاَساس فانّ كلمة «إلى» في قوله تعالى: (إلى المرافق) تبين مقدار «المغسول» من اليدين لا كيفيّة غسل اليدين (أي انّ الغَسل من الاَعلى إلى الاَسفل أو من الاَسفل إلى الاَعلى) بل كيفيّة الغَسل متروكةٌ للعُرف ولعادة الناس الذين يَغسلون الاَعضاءَ والجوارح عادةً من الاَعلى إلى الاسفل، وهو أمر موافق للطبيعة كذلك.

وللمثال: إنّ الطبيب حينما يأمر بغَسل رجلي المريض الى الرُّكبة نجدهم يغسلونَهما من الاَعلى إلى الاَسفل.

ولهذا فإنَّ الشيعةَ الاِمامية تعتقد بأنّ غَسل الوَجه واليدين في الوضوء يجب ان يكون من الاَعلى إلى الاَسفل، ولا يصحّحون عكس ذلك.

وثمّتَ مطلبٌ آخر في الوضوء وهي مسألة مسح الاَرجل فإنّ الفقه الشيعي يقول: يجب المسح لا الغَسل، ويدلُّ على ذلك بإيجاز، ظاهرُ الآية السادسة من سورة المائدة التي تبيّن أن هناك وظيفتين في الوضوء إحداهما «غَسلٌ» والاَُخرى «مسحٌ». والغَسل للوجه واليدين، والمسح للرأس وللرجلين.

1. (فاْغسِلُوا وجوهَكم وأيديكم إلى المرافق).

2. (وامسَحوا بِرءُوسِكَم وأرجلَكم إلى الكعبين).

ولو أنّنا عرضنا هاتين الجملتين على أيّ عربي أصيل غير عارفٍ بمذهبٍ فقهيٍ خاصٍ، ولا مطّلع على موقف اجتهاديّ معيّن، وطلبنا منه


(333)

أن يبيّن المرادَ منها، لقال من دون تردّد: إنّ وظيفتنا وفق هذه الآية عملان، أحدهما: الغَسل وهو للوَجه واليدين، والآخر: المَسح وهو للرأس والرجلين.

ومن حيث القواعد العربية فإنّ لفظة (أرجلكم) يجب أن تُعطف على كلمة (رءُوسِكم) فتكون النتيجة هي مسح الاَرجل ولا يجوز عطفها على الجملة الاَسبق وهي (واغسلوا... وايديكم) التي تكون نتيجته غسل الاَرجل لاَنّ العطف على أيديكم يستلزم الفصل بين المعطوف وهو (أرجلكم) والمعطوف عليه وهو (وأيديكم) بجملة معترضة وهي (فَامسحُوا برءُوسِكم) وهو غير صحيحٍ من حيثُ القواعِدِ النَحوية العربيّة، ويوجب الاِلتباس في المقصود.

كما أنّه لا فرق في هذه المسألة بين قراءة (أرجلكم) بالجر أو النصب، فعلى كلتا القراءتين يجب عطف (أرجلكم) على (رءُوسكم) مع فارقٍ واحد وهو أن في الاَوّل يكون العطفُ على اللَّفظ والظاهر، وفي الثاني يكون العطفُ على المحلّ.

وبعبارة أُخرى ؛ إذا عُطِفتِ أرجلكم على لفظ رءُوسِكم قُرئت بالجرّ، واذا عُطِفَت على المحلّ (وهو المَفعولية) قرِئَت بالنصب.

والرّوايات المتواترة الواردة عن أهل البيت: تحكي عن أنّ «الوضوء» يتألّف من شيئين هما: «غسلتان» و «مسحتان» وقد روى الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـ في حديث بيّن فيه وضوءَ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانَ يمسح على رِجليه.


(334)

هذا والجديرُ بالذِكر أنّه لم يكن أئمة أهل البيت: هم وحدهم الذين يمسحون على الاَرجل عند الوضوء، بل كان فريق من الصحابة والتابعين يرَون هذا الرأي ويذهبون هذا المذهب أيضاً.

وليست أئمّة أهل البيت: منفردين في هذا القول بل وافقهم فيه لفيف من الصحابة والتابعين.

أمّا الصحابة ، فمنهم :

1. الاِمام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .

2. عثمان بن عفان .

3. عبد الله بن عباس الصحابي .

4. النزال بن سبرة الهلالي .

5. رفاعة بن رافع بن مالك البدري .

6. أنس بن مالك بن نضر خادم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

7. تميم بن زيد المازني الذي له صحبة .

8 . أبو مالك الاَشعري: الصحابي .

وأمّا من التابعين، فنذكر منهم :

9. الاِمام الباقر محمد بن علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ .

10. بسر بن سعيد المدني .

11. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان .


(335)

12. عبد خير بن يزيد الكوفي التابعي .

13. عباد بن تميم الخزرجي.

14. أوس بن أبي أوس الثقفي .

15. عامر شراحيل بن عبد الشعبي .

16. عكرمة مولى ابن عباس .

17. عروة بن الزبير القرشي .

18. قتادة بن عزير البصري .

19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة .

20. حصين بن جندب الكوفي التابعي .

21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي .

22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الاَحمصي .

23. عطاء القداحي .

إلى غير ذلك ممّن ذكرنا أسماءهم في رسالة مخصَّصة بحكم الاَرجل في الوضوء.(1)

ولكن سنة مسح الاَرجل هذه تبدَّلت إلى الغَسل فيما بعد لاَسباب خاصّة جاء ذكرها في الكتب الفقهيّة.

وقد قال ابن عباس الوضوء غسلتان ومسحتان(2).


1 . لاحظ رسالة حكم الاَرجل في الوضوء، ص 61 ـ 68 .
2 . تفسير الطبري : الجزء 6 | 82 .

(336)

الاَصلُ الثالث والاَربعون بعد المائة: ما يصح السجود عليه

تعتقد الشيعة بأنّه يجب السجود في حال الصلاة على الاَرض وما ينبت منها بشرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوساً، وأنّه لا يصحُّ السجود على غير ذلك في حال الاِختيار.

فقد روي في حديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ونَقَلَهُ أهلُ السُّنة أنّه قال: «وجُعِلَتْ لِيَ الاَرضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً»(1).

وكلمة «الطهور» التي هي ناظرة إلى التيمّم تفيد أنّ المقصودَ من الاَرض هو الاَرض الطبيعيّة التي تتمثل في التراب والصخر والحصى وما شابهها.

ويقول الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ أيضاً: «السجودُ لا يَجُوز إلاّ عَلى الاََرض أو عَلى ما أنبَتت الاَرضُ إلاّ ما أُكِلَ أو لُبِس»(2).

ولقَد كانت سِيرةُ المسلمين في عصر الرسول الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي السجود على أرض المسجد التيكانت مفروشة بالحصى، وعندما كان الجوّ حاراً جداً بحيث كان السجود على الحصى أمراً عسيراً، كانَ يسمح لهم بأن يأخذوا الحصى في أكفهم لتبريدها، حتى يمكنهم السجودُ عليها.

يقول «جابرُ بنُ عبد الله» الاَنصاري: كنتُ أُصلّي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 . صحيح البخاري: 1 | 91 ، كتاب التيمم، الحديث 2.
2 . وسائل الشيعة، ج 3، الباب 1 من أبواب «ما يُسجَد عليه» الحديث الاَوّل، ص 591.

(337)

الظُهر فآخذ قبضةً من حصى في كفّي لِتبرُدَ حتى أسجدَ عليه من شِدّة الحر.(1)

وتجنَّبَ أحد الصَّحابة عن تتريب جبهته عند السجود، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ترّب وجهك»(2).

كما انّه إذا كان أحدٌ من الصحابة يسجد على كور العمامة أزاح النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيده عمامته عن جبهته.(3)

إنّ هذه الاَحاديث كلَّها تشَهد بأنّ وظيفة المسلمين في عصر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت في البداية هي السجودُ على الترابِ والحصى، ولم يسجدوا على الفراش أو اللباس أو على طرف العمامة، ولكن النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أُبلغ عن طريق الوحي الاِلَهي فيما بعد أنّه يمكنه السجودُ على الحصير والخُمرة أيضاً وثمت رواياتٌ عديدةٌ وكثيرةٌ تحكي عن سجود النبيّ على الحصير والخُمرة.(4)

إنّ الشيعة الاِمامية كانوا لا يزالون مقيّدين بهذا الاَصل، فهم كانوا ولا يزالون يسجُدون فقط على الاََرض، أو ما ينبتُ من الاَرض من غير المأكول والملبُوس كالحصير المصنوع من سَعْف النَخْل، أو القَصَب، ويرجع إصرارهم على السجود على التراب أو الحصى والصخر أو


1 . مسند أحمد: 3 | 327، حديث جابر، سنن البيهقي: 1 | 439.
2 . كنز العمّال: 7 | 465، رقم الحديث 19810 .
3 . راجع سنن البيهقي: 2 | 105 .
4 . مسند أحمد : 6 | 179، 309، 331، 377، و 2 | 192 ـ 198 .

(338)

الحصير إلى هذه الاَدلّة الساطعة.

ثم إنّ من الاَفضل أن تكون المساجدُ في البلاد الاِسلامية على نحو يمكن لاَتباع جميع المذاهب المختلفة العمل بوظائفهم دون حرج.

وفي الخاتمة ؛ لابد أن نُذكِّر بهذه النقطة وهي أنّ التراب والحجر هو في الحقيقة «مسجودٌ عليه» وليس «مسجوداً له» فالشيعة يسجدون على التراب والحجر لا أنّهم يسجدون لهما.

وربما يُتصوّر أحد خطأً أنّ الشيعة يسجدون للتراب والحجرفي حين انّهم إنّما يسجدون لله تعالى تماماً مثل جميع المسلمين ويضعون جباههم على التراب تذلّلاً لله تعالى ويقولون سبحانَ ربّي الاعلى وبحمده.

الاَصل الرابع والاَربعون بعد المائة: الجمع بين الصلاتين

يَجبُ على كلّ مسلم أن يصلّيَ لله كلّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرّات في الاَوقات الشرعيّة التي بيّنها الله تعالى ورسولهُ الكريم في القرآن والسُّنة.

فوقت صلاة الظهر والعصر يَبدَأُ من الزَّوالِ إلى الغُروب، ووقتُ صَلاةِ المغرب والعشاء يبدأ من المغرب إلى منتصف اللَّيْل، ووقتُ صلاة الصُّبح يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس.

إنّ الشيعة تعتقد بأنّ الظُّهَر إلى المغرب هو الوقت المشترك بين الصَّلاتين، إلاّ بمقدار أربع ركعات من أوّل الوقت، فهو وقت مختص


(339)

بصلاة الظهر، وبمقدار أربعة ركعات من آخرِ الوقتِ فهو وقتٌ مختصٌ بصَلاةِ العَصر.

وعلى هذا الاََساس يجوزُ للاِنسان الاِتيانُ بكلتا الصَّلاتين: الظُّهرِ والعصرِ في الوقت المشتَرَك (أمّا في وقت الظهر ووقت العصر فلا يجوز إلاّ الاِتيان بالصلاة المختصّة به فيه) وإن كان الاَفضل أن يفصلَ بين الظهرين والعشائين، ويأتي بكلّ واحدةٍ منهما في وقتِ فضيلتها التي ستُذكر فيما بعد(1) ولكنه في نفس الوقت يجوز الجمعُ بينهما، وترك وقت الفضيلة.

يقول الاِمامُ الباقرُ ـ عليه السلام ـ : إذا زالتِ الشَّمسُ دَخَلَ الوقتان الظهرُ والعصرُ، وإذا غابتِ الشمسُ دخلَ الوقتان المغربُ والعشاءُ الآخرة(2).

وقال الاِمامُ الصادق ـ عليه السلام ـ : «إذا زالَتِ الشَّمسُ فَقَدْ دَخَلَ وَقتُ الظُّهرِ والعَصرِ جميعاً، إلاّ أنَّ هذِهِ قبلَ هذهِ، ثم إنّه في وقت منهما جميعاً حتى تغيبَ الشمسُ»(3).

ويُخبرُ الاِمامُ الباقر ـ عليه السلام ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه كان يَجمعُ بين الظُّهر والعَصر مِن دون عذر أو علة.(4)


1 . وقت فضيلة صلاة الظهر من أوّل زوال الشمس إلى الوقت الذي يصير فيه ظلّ الشاخص بمقدار نفسه، ووقت فضيلة صلاة العصر كذلك عندما يصير ظل الشاخص ضعفي مقداره.
2 . وسائل الشيعة: ج 3، أبواب المواقيت الباب 4، الرواية 1 .
3 . وسائل الشيعة: ج 3، أبواب المواقيت، الباب 4، الرواية 4 و 6 .
4 . نفس المصدر .

(340)

إنّ جوازَ الجمع بين الصلاتين (الظّهرين، والعِشائين) موضعُ اتّفاق بين جميع فقهاء الاِسلام، فجميع الفقهاء يجوّزُون الجمع بين الصلاتين: الظُّهر والعَصر في عرفة والمغرب والعشاء في المزدلفة .

كما أنّ فريقاً كبيراً من فُقَهاءِ أهل السُّنّة يجوّزُون الجمعَ بين الصَلاتين في السَّفر.

وما يَختلفُ فيه الشيعةُ عن الآخرين هو أنّهم يتوسَّعُون في هذه المسألة إستناداً إلى الاَدِلّة السّابقة (مع القبول بأفضلية الاِتيان بالصلوات الخمس في أوقات فضيلتها والقول به وترجيحِهِ) فيجوّزُونَ الجمعَ بين الصَّلاتين مطلقاً.

وحكمة هذا الاَمر هي ـ كما جاء في الاَحاديث ـ التوسعة على المسلمين والتخفيف عنهم، وقد جَمَعَ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسُه في مواضع كثيرة بين الصَّلاتين من دون عذر (كالسَّفر، والمرض وغيرهما) ليخفّف بذلك عن المسلمين، ويوسّعَ عليهم، حتى يستطيع ان يجمع بينهما كلُّ من شاءَ أنْ يجمع، ويُفّرِقَ بَينّهما كلُّ من شاءَ أنْ يفرّق.

فقد رَوى مُسْلم في صحيحه الحديث الآتي: «صَلّى رسولُ الله الظُّهرَ والعَصرَ جميعاً، والمغرب والعِشاء جميعاً في غير خوف ولا سَفَرٍ»(1).

وقد أُشير في بعض الرّوايات إلى حِكمة هذا العمل.


1 . صحيح مسلم: 2 | 151، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .

(341)

فقد جاء في إحدى تلك الروايات ما هذا نصُّه: «جَمَعَ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين الظُّهر والعصر وبين المغرب والعِشاء.

فقيلَ له في ذلك .

فقال: صَنَعْتُ هذا لِئلاّ تُحرَجَ أُمّتي »(1).

إنّ الروايات التي تحدّثت عن جمع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين الصلاتين وردت في الصحاح والمسانيد وهي تنص على جواز الجمع بين الصلاتين تربو على واحدة وعشرين رواية، بعضُها يرتبط بالسَّفر، والبعض الآخر يكون في غير السفر والمرض والمطر.

وفي بعضها أُشيرَ إلى حكمة الجَمع بين الصَّلاتين وهو التوسعة والتخفيف عن المسلمين، وقد استفاد فقهاء الشيعة من هذا التسهيل تجويز الجمع بين الصلاتين (الظهرين والعشائين) مطلقاً، وأمّا كيفية الجمع فهي على النحو الذي كان المسلمون جميعاً يجمعون في عرفة والمزدلفة.

وقد يُتَصوَّر أن المقصود من الجَمع هو أن يؤتى بالصلاة الاَُولى من الصَّلاتين في آخر وقت الفَضيلة (مثلاً عندما يبلغُ ظل الشاخص إلى مقداره) ويؤتى بالصلاة الثانية في أوّل وقت العصر، وبهذا العمل يكون المصلّي ـ في الحقيقة ـ قد أتى بكلتا الصلاتين في وقتهما وإن كان أحداهما في نهاية وقتها والآخرى في بدايته.


1 . شرح الزرقاني على موطأ مالك، ج 1، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ص 294.

(342)

ولكن هذا التصوُّر مخالفٌ لظاهر الرّوايات لاَنّ كيفية الجمع بين الصلاتين ـ كما أسلفنا ـ هي على غرار ما يفعله المسلمون جميعاً في عرفة والمزدلفة، يعني انّهم في عرفة يأتون بكلتا الصلاتين (الظهر والعصر) في وقت الظهر، وفي المزدلفة يأتون بكلتا الصلاتين (المغرب والعشاء) في وقت العشاء.

وعلى هذا الاَساس يجب أن يكون الجمع بين الصّلاتين الذي جاء في لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ناظراً إلى هذا النمط من الجَمع، وليس الجمع الذي يؤتى فيه بإحدى الصلاتين في آخر وقته، وبالاَُخرى في أوّل وقتها.

هذا مضافاً إلى أنّ حكمة الجمع بين الصلاتين وُصِفت في بعض الروايات بأنّها التوسعة والتخفيف وفي بعض الرّوايات وصُفِت بأنّها لرفع الحَرَج، وهذا إنّما يتحقّق إذا كان المصلّي في الجمع بين الصلاتين على خيارٍ كاملٍ يعني أن يجوز له أن يأتي بالظهر والعصر، والمغرب والعشاء متى شاء.

هذا مضافاً إلى أنّه على أساس هذا التفسير للمقصود يجب أن يُقال إنَّ النبيّ لم يأت بشيءٍ جديدٍ، لاَنّ مثل هذا الجمع كان جائزاً حتى قبل أن يفعله النبيّ، فإنّ أي مسلم كان يجوز له أن يؤخّر صلاة الظهر إلى آخر الوقت، ويأتي بالعصر كذلك في أول وقته.

ولقد كَتبَ فقهاءُ الشيعة الاِمامية حول الجَمع بين الصَّلاتين وأدلّتِهِ رسائلَ مفصّلةً يمكن لمن يحبُّ التوسعَ مراجعتها.


(343)

الاَصلُ الخامسُ والاَربعون بعد المائة: الزواج المؤقت (المتعة)

إنّ الفقه الشيعيَّ تَبَعاً للكتاب والسُّنة يُصَحّحُ نوعَينِ من الزَّواج: «الزواج الدائم» وهو لا يحتاج إلى توضيح .

«والزواج المؤقَّت» أو المتعة وكيفيتها كالتالي :

يجوز للرجل والمرأة بأن يقيما علاقة زوجيّة بينهما لمدّة معينة شريطة أن لا يكون هناك مانعٌ شرعي (من نَسَبٍ أو رِضاعٍ) في طريق زواجهما، وذلك بَعد أن يُعيّنا مبلغاً من المال، ثم إنّهما بعد انقضاء المدة ينفصلان من دون إجراء صيغة الطلاق.

ولو نشأ من هذا الزواج (المؤقَّت) وَلد كان ولدُهما شرعاً وورثهما.

وعلى المرأة ـ بعد إنقضاء المُدّة ـ أن تعتدَّ عدةً شرعيّةً، ولو كانت حاملاً وَجَبَ الاِعتدادُ إلى أن يولَد الطفلُ، ولا تتزوَّج في حالِ كونها في حبالة الرَّجُل، وكذا في حالِ عدَّتها، برجل آخر.

إنّ الزواج المؤقَّت مثل الزَّواج الدائم ماهيةً وحقيقةً، وأكثر الاَحكام الثابتة للزواج الدائم، ثابتة كذلك للنكاح المؤقَّت، وغاية ما هناك من تفاوت مهّم بين هذين الزواجين هو أمران:

1. تعيين المدة في النكاح المؤقت .

2. عدم وجوب النفقة في هذا النِّكاح.

ولو أنّنا تجاوزنا هذين المطلبين البارزين تكون الفوارق الاَُخرى


(344)

فوارق جزئية لا توجب افتراقاً كبيراً بين النكاحين.

هذا وحيث إنّ الاِسلام دينٌ خاتم وشريعة جامعة فجوّز هذه الاَطروحة لحلّ المشكلة الجنسية.

ولو أنّنا أخذنا وضع الشاب الّذي يدرس أو يعمل خارج البلاد، ويفتقد القُدرة على الزواج الدائم فماذا يفعل في هذه الحالة؟ وما هي وظيفته في هذه الصورة؟ فإنَّ الشابّ لا يجد أمامه إلاّ ثلاثة خيارات:

ألف : كبح الرغبة الجنسيّة وأن يحرم النفس من التلذّذ الجنسي.

ب : إيجاد العلاقة الجنسية غير الشرعية مع النساء الفاسدات أو المريضات.

ج : الاِستفادة من الزواج المؤقّت مع امرأةٍ طاهرةٍ ضمن شروطٍ خاصّةٍ، من دون تحمّل مشكلة النفقة والتي توجدُها رابطة الزوجية الدائمة.

إنّ من الواضح انّه ليس هناك طريقٌ رابعٌ يستفيد منه الشابُ المذكورُ، على أنّه لا يعني هذا أنّ الزواج المؤقَّت خاصٌّ بمثل هذه الشروط ولكن في نفس الوَقت تستطيع ملاحظة مثل هذه الموارد أن تكشف عن حكمة تشريع هذا النمط من الزواج.

ولابدّ من الاِلتفات ـ ضمناً ـ إلى أنّ فقهاءَ الاِسلام قد أيّدوا نوعاً من الزَّواج الدائم الذي هو في حقيقته الزواج المؤقّت وهو ان يتزوجَ رجلٌ وامرأة زواجاً دائمياً ولكنهما أو أحدهما يعلمان بأنهما سينفصلان، بعد


(345)

مدة بالطلاق.

إنّ تجويز هذا النوع من الزواج يشبه تماماً تجويز الزواج المؤقّت فهما متشابهان جوهراً وإن اختلفا اسماً.

إنّ الكتاب والسُّنَّة النبويّة حاكيان عن مشروعية الزواج المؤقّت (المتعة) فالقرآنُ الكريم يقول:

(فما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ فَرِيضةً)(1).

إنّ الاَغلبيّة الساحقة من المفسّرين يعتبرون هذه الآية مرتبطةً بالزواج المؤقّت. وأساساً لا مجال للترديد في تشريع مثل هذا النكاح في الاِسلام، إنّما الخلاف لو كان هو في نسخ هذا الزواج أو عدم نسخه، أي بقاءه على مشروعيته.

وروايات الفريقين حاكية عن أنّ هذا الحكم لم يُنسَخ. إنما مُنِعَ عن العمل بهذا الحكم في عصر الخليفة الثاني، والجدير بالذكر أنّ هناك كلاماً للخليفة في هذا المجال يكشف أيضاً عن أنّ هذا النمط من النكاح كان جائزاً بل رائجاً في عصر النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ. ويفيد أنّ هذا المنع لم يكن ناشئاً إلاّ من رأي شخصيٍ ليس إلاّ، لاَنّه قال: «أيّها الناسُ ثلاثٌ كنَّ على عَهد رسولِ الله أنا أنهى عنهنّ وأُحَرمهنَّ وأُعاقب عليهنّ، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خَير العَمَل»(2).


1 . النساء | 24 .
2 . شرح التجريد للقوشجي، مبحث الاِمامة، ص 464، وغيره .

(346)

والعجيب أن نهيَ الخليفة عن الشق الاَوّل والشق الاَخير من هذه الشقوق بقى إلى الآن ولكن متعة الحج بقيت معمولاً بها عند جميع المسلمين خلافاً لرأي الخليفة الثاني (والمقصود من متعة الحج هو أنّ الحاج بعد أن انتهى من عمرة الحج يخرج من حالة الاِحرام، وتحلّ له محرماته وهذه نهى عنها عمر وأمر بعدم الخروج من الاِحرام وبقاء محرمات الاِحرام حتى حلول موعد الحج).

والدليل الواضح على أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يمنع عن المتعة ما رواه البخاري عن عِمران بن حصين أنّه قال: نزلت آية المتعة في كتابِ اللهِ ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرّمُهُ ولم يَنهَ عنها حتى مات، قالَ رجلٌ برَأْيه ما شاءَ (والمقصود هو تحريم الخليفة الثاني لنكاح المتعة).(1)

الاَصل السادسُ والاَربعون بعد المائةِ: وضع اليد اليمنى على اليسرى في القراءة

يُعتبر التكفيرُ أو القبض وهو وضع اليد اليُمنى على اليُسرى في حال الصلاة بدعةً، وحَراماً في فقه الاِماميّة.

يقول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: «لا يَجْمَعُ المسلمُ يَدَيه في صلاته وهو قائمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يتشبّه بأهل الكُفْرِ مِنَ المجوس»(2).


1 . صحيح البخاري، 6 | 37، قسم التفسير عند تفسير الآية 196 من سورة البقرة.
2 . وسائل الشيعة، ج 4، الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 7.

(347)

وقد حكى الصَّحابيُ الكبير أبو حميد الساعدي لجماعة من صحابة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان من بينهم أبو هريرة الدوسيّ، وسهلُ الساعديّ، وأبو أسيد السّاعديّ، وأبو قتادة والحارث بن ربعي، ومحمّد بن مسلمة أيضاً، كيفيّةَ صلاة النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وذكر كلَّ ما فيها من مستحبّاتٍ صغيرةٍ وكبيرةٍ، ولكن لم يَذْكُرْ فيها هذا العمل (أيالتكفيرقط)(1).

ومن البديهي أنّ هذا العمل لو كان من سيرة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لذكَره عند ذكر صلاته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو لذَكره الحاضرون في ذلك المجلس.

وقد ورَد في كتبنا الحديثيّة ما يشابه حديث الساعدي على لسان الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ برواية حماد بن عيسى أيضاً.(2)

ويستفاد من حديث سهل بن سعد أيضاً أنّ وضع اليُمنى على اليُسرى في الصلاة حَدَث بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لاَنّه يقول: «كانَ النّاسُ يؤمَرون»(3) لاَنّه إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الآمر بهذا العمل لقال: كان النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأمرُ الناسَ.

أي كان ينسبه إلى شخص النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 . البيهقي، السنن: 2 | 72، 73، 101، 102 ؛ وأبو داود: السنن: 1 | 194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730، 736؛ الترمذي: السنن: 2 | 98 باب صفة الصلاة.
2 . وسائل الشيعة: 4، باب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 81 .
3 . فتح الباري: 2 | 224، وسنن البيهقي: 2 | 28 .

(348)

الاَصلُ السابعُ والاَربعون بعد المائة: لاتجوز صلاة التطوّع جماعة

تُعتبر صلاةُ «التراويح» من المستحبّات المؤكّدة اتّباعاً لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد جاء في الفقه الشيعيّ انّه يُستحبُّ أن يُصلّي الاِنسان طول شهر رمضان ألف ركعة زائداً على النوافل المرتّبة في سائر الشهور، وتصلى هذه الصلاة فرادى، والجماعة فيها بدعة.ويقولُ الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـ : «ولا يَجُوز أنْ يُصَلّي التطوَّعَ جماعةً»(1).

وقد ذَكرَ الاِمام الرضا ـ عليه السلام ـ في رسالته التي كتَبَ فيها عقائد المسلم، وأعماله بأنّ هذه النوافل لا يجوز الاِتيان بها جماعة، وأنّ الاِتيان بها كذلك بدعة. حيث قال: «ولا يُصَلّى التطوّع في جماعة لاَنّ ذلك بدعَة وكلُ بدعةٍ ضلاَلة وكل ضلالة في النار»(2).

من دراسة تاريخ صلاة «التراويح» جماعةً كما هو متداوَلٌ بين أهل السُّنّة، يتضح أن الاِجتهاد الشخصيّ كان وراء تشريع هذا الاَمر إلى دَرَجة أنّهم سمَّوه بدعة حسنة.

ويمكن لمن يحب الوقوف على هذا أن يراجع المصادرَ التالِية.(3)


1 . الصدوق، الخصال، ص 606.
2 . الصدوق، عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 124.
3 . القسطلاني، إرشاد الساري: 3 | 226؛ عمدة القارىَ: 11 | 126؛ الشاطبي، الاعتصام: 2 | 291.

(349)

الاَصلُ الثامنُ والاَربعون بعد المائة: الخُمس

اتّفق فقهاء الاِسلام على أنّ غنائم الحرب تقسَّم بين المجاهدين ما عدا خمس الغنائم، فإنّه يجب صرفُه في موارد خاصّة جاء ذكرُها في قوله تعالى:

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شيءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرَّسُولِ وَلذِي القُربى واليَتَامى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ)(1).

والفرقُ الوحيد بين فقهاء الشيعة وبين غيرهم من الفقهاء هو أنّ الفريقَ الثاني يخصّون «الخُمْسَ» بغنائم الحرب، ولا يقولون بفرض «الخمس» في غير ذلك، ممّا يكتسبه الاِنسان ويستحصله ويَستدلون لهذا الموقف بهذه الآية المباركة التي ذُكِرَت فيها غنيمةُ الحرب والقتال.

ولكنّ هذا الموضوع غير صحيح لسببين:

أوّلاً: أنّ الغنيمة تُطلَقُ في لغَة العَرب على كلّ مايفوزُ به الاِنسان، ولا تختص بما يَحصَلُ عليه من العَدُوّ في الحرب، وبالقتال.

يقول ابن منظور: «الغنم الفوز بالشيء من غير مشقة»(2).

كما أنّ القرآنَ الكريمَ يستعمل هذه اللفظة في نِعَمِ الجنة، إذ يقول: (فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كثيرَةٌ)(3).


1 . الاَنفال | 41 .
2 . لسان العرب، كلمة غَنَم، ويقرب من هذا المعنى ما ذكره ابن الاَثير في النهاية، والفيروز آبادي في قاموس اللغة.
3 . النساء | 94 .

(350)

وأساساً: «الغنيمةُ» في مقابل «الغرامة» فكلّما حُكمَ على الشخص بأن يدفَعَ مبلغاً من دون أن يستفيدَ من شيء سُمّيَ ذلك المبلغ «غرامة»، وإذا فاز بشيء وحَصَل عليه سمّي ذلك «غنيمة».

وعلى هذا الاَساس لا تختصُّ لفظة الغنيمة بغنائم الحرب ،ونزولُ الآية في غنيمة معركة «بدر» لايَدلُّ على اختصاصها بغنيمة الحرب، وقانون تخميس الاَرباح قانون شاملٌ وكاملٌ، ومورد الآية غير مخصّص لهذا لحكمِ العامّ.

وثانياً: لقد وَرَدَ في بعض الروايات أنّ النبيَّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرض «الخمسَ» على كلّ ربح، فعندما حضر عنده وفدٌ من قبيلة عبد القيس وقالوا: إنّ بينَنا وبينَك المشركين، وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الاَشهر الحُرُم فمرنا بجُمل الاَمر، إن عَمِلنا به دخلنا الجنة وندعوا إليه مَن وَراءنا؟

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «آمُرُكم بأربع: وأنهاكُمْ بأربع: شهادة أن لا إلَه إلاّ الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم»(1).

إنّ المراد من الغنيمة في هذه الرواية، غير غنيمة القتالِ لاَنّ وفد عبد القيس قالوا: إنّ بيننا وبينكَ: المشركين ، يعني انّنا نخاف أن نصل إليك في المدينة لوجود المشركين بيننا وبينك، وهذا يفيد أنهم كانوا محاصَرين من قِبَل الكفّار والمشركين ولم يكن في مقدورهم مقاتلة المشركين حتى يحصلوا على غَنيمة منهم، ثم يقوموا بتخميسها.


1 . صحيح البخاري، ج 2 ص 250 .

(351)

هذا مضافاً إلى أنّ الرّوايات الصادرة عن أهل البيت: تصرّح بوجوب دفع «الخمس» مِن كل ربح يحصل عليه الاِنسانُ، وهذا ممّا لا يدع مجالاً للشكّ والغموض(1).

هذه بعضُ الفُروع الفقهيّة التي اتخذَ فيها الشيعةُ مواقفَ خاصة.

وللمثال ثمتَ خلاف بينهم وبين غيرهم في أبواب الخمس، والوصيّة والاِرث، ولكن لابدّ من القول بأنّه مضافاً إلى اشتراك الشيعة مع غيرهم في كليات الاَحكام، فإنّ تدريس الفقه بصورة مقارنة وبخاصة مع الاَخذ بنظر الاعتبار كل ما ورد عن أهل البيت من آراء وأحكام مدعومة بالدليل، يمكنه أن يقلّلَ من شقة الخلاف بين أهل السنة والشيعة في هذا المجال.(2)

الاَصلُ التاسعُ والاَربعون بعد المائةِ: دور الشيعة في بناء الحضارة الاِسلامية

إنّ الحضارةَ الاِسلامية ثمرةُ الجهود المتواصلة للاَُمّة الاِسلامية منذ انبثاق الدعوة المحمدية المباركة، فهم بشعوبهم المتنوعة وفي ظِلّ الاِيمان والعقيدة ذابوا في بوتقة الاِسلام، ووظَّفُوا كلّ قواهم وإمكانياتهم وركّزوا كلّ مساعيهم وجهودِهم لخدمة الاِسلام، وتحقيق أهدافه


1 . وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الخمس، الباب الاَوّل.
2 . وصيّة الوارث نافذة في نظر الشيعة ولكنها غير نافذة في نظر السنّة، والعول والتعصيب في أحكام الاِرث باطلان في نظر الشيعة وفقههم ويجب معالجة المشكلة في مورد العول بطريق آخر، مذكور في كتب الفقه.

(352)

وأغراضه السامية، وبذلك أرسوا دعائم حضارةٍ لاتزال البشرية مدينة لها ومستفيدة منها.

ولقد كانَ للشيعة دورٌ مؤثرٌ في بِناءِ صرحِ الحضارةِ الاِسلاميّة الكبرى، ويكفي تصفّح الكتب المؤلَّفة في العلوم والحضارةِ الاِسلاميّة لنرى كيف تلمع فيها أسماءُ علماء الشيعة ومفكّريهم.

ففي مجال الآداب العربية والعلوم الاِنسانية يكفي أن نعرف أنّ الاِمام عليّاً أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ هو مؤسّسُها الاَوّل، وأن تلميذه أبا الاَسود الدؤلي هو الذي عمل على توسعتها وتدوينها. وقد واصَلَ علماء الشيعة بعد ذلك الجهود الحثيثة في سبيلها، وذلك نظراء المازني (المتوفّى 248 هـ) وابن السكيت (المتوفّى 244 هـ) وأبي إسحاق النحوي (من أصحاب الاِمام الكاظم) وخليل ابن أحمد الفراهيدي مؤلّف كتاب «العَين» (المتوفّى 170 هـ) وابن دريد مؤلف كتاب «الجمهرة» (المتوفّى 321 هـ) والصاحب بن عبّاد مؤلف كتاب «المحيط» (المتوفّى 386 هـ) وغيرهم من آلاف الاَُدباء الشيعة الذين كان كل واحد منهم قطباً من أقطاب اللغة، والنحو، والصرف، أو الشِّعر، وعلم العَروض في عصره.

وفي علم التَّفسير فالمرجع الاَوّل لتفسير القرآن بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الاَمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت: ومن بعدهم عبد الله بن عباس (المتوفّى 68 هـ) وغيرهم من تلامذة أهل البيت، وقد ألَّفَ علماءُ الشيعة طوال أربعة عشر قرناً مئات التفاسير المتنوِّعة حجماً وكيفاً ومنهجاً، وقد كتبنا مقالاً مفصّلاً حول تأليف الشيعة في


(353)

مجال التفسير عبر التاريخ، نُشِرَ في مقّدمة الطبعة الجديدة لتفسير «التبيان» للشيخ الطوسيّ.

وفي علم الحديث تقدّمت الشيعة على غيرهم من الِفرَق الاِسلامية في تدوين السنة وكتابتها ودراستها على حين كان ذلك ممنوعاً في عصر الخلفاء.

ويمكن الاِشارة في هذا الصَّعيد إلى «عبيد الله بن أبي رافع» و «ربيعة بن سميع» و «عليّ بن أبي رافع» من أصحاب الاِمام علي ـ عليه السلام ـ ، ثم إلى أصحاب وتلامذة الاِمام السجّاد والباقر والصادق:.

إنّ تنامي علم الحديث في عصر الاِمام جعفر الصّادق ـ عليه السلام ـ بلغ إلى درجة أنّ الحسن بن علي الوشاء قال: رأيتُ في مسجد الكُوفة تسعمائة محدّث كلُّهُمْ يقولُ: حَدَّثنِي جعفرُ بنُ محمد ـ عليه السلام ـ .(1)

وفي مجال الفقه تخرّج من مدرسة أهل البيت: علماء ومجتهدون كبارٌ نظراء: أبان بن تغلب (المتوفّى 141 هـ) وزرارة بن أعين (المتوفّى 150هـ) ومحمد بن مسلم (المتوفّى 210 هـ) ومئات المجتهدين الكبار والعلماء المحققين كالشيخ المفيد والسيد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، وابن إدريس الحلّي والمحقّق الحلّي، والعلاّمة الحلّي الذين خلَّفوا آثاراً علميّة وفكريّة في غاية الاَهمية.

على أنّ جهودَ الشّيعة لم تتركّزْ على هذه العلوم حسب ولم تقتصر خدماتُهم على هذه المجالات بل خدَموا الاِسلام والعالم في غيرها من


1 . رجال النجاشي، الرقم 79.

(354)

العلوم كالتاريخ والمغازي والرجال، والدراية، والشِّعر، والاَدب وغير ذلك ممّا لا يسع هذا المختصرُ لسَرد أسمائها.

هذا كلّه في مجال العلوم النَقْليّة، ولقد تقدَّموا على غيرهم من الطوائف والفِرق في العلوم العقليّة كعلم الكلام والفلسفة لاَنَّ الشيعة يمنحون العقلَ دوراً أكبر وأهمية أكثر ممّا يعطيه غيرُهم من الفِرَق الاِسلامية.

فهم بالاِستلهام من أحاديث الاِمام أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين: سعوا أكثر من غيرهم في بيان وشرح العقائد الاِسلاميّة، وبهذا قدّمت الشيعة للاَُمّة الاِسلامية جيلاً عظيماً من المتكلّمين القديرين ومن الفلاسفة الكبار، ويُعَدُّ الكلام الشيعيُّ من أغنى وأثرى المدارس الكلامية الاِسلامية، وهو يحتوي ـ مضافاً إلى أدلةٍ من الكتاب والسنة ـ على براهين قوية من العقل.

إنّ أحد أُسُس الحَضارة الاِسلامية هو معرفة عالم الطبيعة وقوانينها وقد تخرَّجَ من مدرسة الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ أشخاص معروفون مثل «جابر ابن حيان» برعوا في مجال العلوم الطبيعية إلى درجة أن جابراً دعي في هذا العصر بأبي الكيمياء الحديثة.

وفي علم الجغرافيا كان أحمدُ بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي (المتوفّى حوالي 290 هـ) أول عالم جغرافيّ ساحَ في البلاد الاِسلامية العريضة، وألّف كتاباً باسم «البلدان» وهو من علماء الشيعة.


(355)

إنّ هذه الجهود الكبرى التي بُذلت في سبيل العلم والثقافة وأبتدأت من القرن الهجري الاَوّل وحتى هذا اليوم، وأُسّسَت من أجلها الحوزات والمدارس، والجامعات والمعاهد العديدة تمت على أيدي علماء الشيعة، ورجالهم الذين لم يفتأوا لحظةً واحدة عن تقديم الخدمة للعالم البشري، وللحضارة الاِسلامية والاِنسانية.

وإنّ ماذُكِرَ هنا في هذه العجالة ليس إلاّ إشارة عابرة إلى دور الشيعة في مجال العِلم والحضارة الاِسلاميّة وللتوسّع ومزيد الاطلاع لابدَّ من مراجعة المصادر المرتبطة بهذا المجال.(1)

الاَصلُ الخمسون بعد المائة: الوحدة بين المسلمين

إنّ الشيعة لاترى الاختلاف في الفروع مانعاً من الاَخوة الاِسلاميّة، ومن توحّد صفوف المسلمين أمام الاستعمار الغاشم.

كما أنّهم يعتقدون بأنّ عقد جلسات الحوار العلمي في جوّ هادىٍَ، كفيلٌ بأن يحلّ الكثيرَ من المشاكل والاختلافات الفكرية والفقهيّة (التي تمنع أحياناً عن توحيد الصفوف ووحدة الكلمة).

على أنّ الاختلاف في الرأي والمنهج أمر غريزي عند البشر أساساً، كما أن سدّ باب المناقشة والبحث العلميّ في وجه العلماء


1 . فهرست ابن النديم، رجال النجاشي، فهرست الشيخ الطوسي، تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، أعيان الشيعة، والمجلد السادس من بحوث في الملل والنحل، وغيرها من الكتب.

(356)

والمفكّرين والفقهاء يوجب ضمورَ الفكر، وموت العلم والقضاء على روح التفكّر.

من هنا سعى علماء الشيعة الاِمامية في كل العصور إلى أن يوضحوا الحقائق بطرح الاَبحاث العلميّة والعقيديّة على طاولة البحث والنقاش، وبذلك قاموا بكُلّ خطوةٍ من شأنها توحيد صفوف المسلمين وتأليف قلوبهم ضد أعداء الاِسلام الذين أقسموا على محو هذا الدين وإطفاء جذوته.

ربّنا وإلَهنا قوّ شوكة المسلمين وأعنهم بقوةٍ منكَ
على أعدائهم الغاشمين
من المشركين والمنافقين،
ومن ساعدهم على أذى المسلمين.
واهدنا يا ربّ إلى الصراط المستقيم.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

Website Security Test