welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

(327)

بَعضُ الاَحكام الفقهيّة المختلَف فيْها

إنَّ الدينَ الاِسلاميَّ تركيبة مزيجةٌ من العقيدة والشريعة (أي من الرؤية والنظرة إلى الوجود، ومما يجب وما لا يجب) واللّذين يُعَبَّر عنهما بأُصول الدين وفُرُوعه أيضاً.

ولقد وقفنا في الاَبحاث السابقة على أُصول عقائد الشيعة بصورة برهانيّة، كما تمَّ بيان موقف الشيعة ونظريتهم حول اعتبار أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل البيت: أيضاً.

والآن يجب أن نشير باختصار إلى الاَُسلوب والمنهج الفقهيّ للشيعة وإلى بعض المسائل الفقهيّة التي للشيعة فيها آراءٌ خاصّة، وموقف خاص.


(328)

الاَصلُ الاَربعون بعد المائة: حجّية قول الصحابي وروايته

لقد رُويَت ونُقِلَت السنّة النبويّة إلى الاَجيال اللاحقة عن طريق فريقٍ مِن صَحابته، وما رُوي من قوله، وفعله، وتقريره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حجةٌ إلَهيّةٌ يجب اتّباعُها، والعمل بموجبها.

فإذا روى صحابيٌ السُّنةَ النبويّةَ وحازت تلك الرواية على كل شرائط الحجية تلقّاها الجميعُ بالقبول ولزم العمل وفقها.

وهكذا إذا فَسَّرَ أحدُ الصَّحابة لغةً من لغات القرآن ولفظاً من ألفاظه، أو روى شيئاً من الحوادث والوقائع المرتبطة بعصر الرسالة، أو غيرها، قبلت روايتهُ إذا توفرت فيها الشروط المذكورة.

ولكن إذا ذَكَرَ الصحابيُّ رأيَه أو استنباطَه من آية قرآنية، أو حديث نبويّ، أو نُقِلَ عنه قولٌ، ولم يتبيّن أنّ ذلك المنقول هل هو من سنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أو أنّه رأي ذلك الصحابي واجتهاده الخاص، لم يكن في هذه الحالة حجةً، لاَنّ رأي المجتهد ليس حجة على غيره من المجتهدين.

ولهذا يجب التفريق في مجال العمل بقول الصحابيّ بين رأيه واجتهاده، وبين ما ينقله للسنّة النبوية. والشيعة الاِمامية إنّما تعمل بقول الصحابي إذا روى السُّنة النبويّة.


(329)

الاَصلُ الواحدُ والاَربعون بعد المائة: التقليد

يجب على كل مسلم أن يحصِّلَ على اليقين في المسائل التي يجب ان يعتقدها، ولا يجوز له اتّباعُ الآخرين في هذه المسائل من دون أن يحصل له اليقين.

وحيث إنّ أُمّهات الاَُصول وكلّيات المسائل الاعتقادية محدودة ومعدودة ولكلّ منها أدلةٌ عقليةٌ واضحةٌ، لهذا فإنّ تحصيلَ اليقين للاَشخاص في أُصول الدين وأساسيات العقيدة، قضيةٌ سهلة، في حين أنّ نطاق الفروع والاَحكام الفقهية لما كان واسعاً جداً، والعلم بها يحتاج إلى مقدمات كثيرة، لا يقدر أغلبُ الاَفراد على تحصيلها، لهذا فإنّ على أُولئك الاَشخاص ـ بحكم الفطرة، وتبعاً لسيرة العقلاء ـ أن يرجعوا في أحكام الشريعة إلى العلماء والمجتهدين، ليقوموا في ضوء ذلك بواجباتهم الدينية، ووظائفهم الشرعية.

إنّ الاِنسان ـ في الاَساس ـ فاعلٌ عِلْمِيٌ أي إنّه يقومُ بأعماله على أساس العلم والمعرفة، فإذا تيسَّر له ان حَصَل بنفسه على تلك المعلومات أخَذَ بها وعمل على ضوئِها، وإلاّ استعان بغيره.

وهنا لا بدّ من أن نعلم بأنّ التقليد للمجتهد الجامع للشرائط والرجوع إليه لمعرفة الوظيفة الشرعية، هو نوعٌ من الرجوع إلى المتخصّصِين، ولا علاقة له بالتقليد الاَعمى الناشىَ من العصبيّة القوميّة، أو العرقية أو ما شاكل ذلك.


(330)

الاَصلُ الثاني والاَربعون بعد المائة: الوضوء

اتّفق المسلمون على أنّ الاِسلام عقيدة وشريعة .

أمّا الاَُولى فقد تعرفت عليها في الفصول الماضية .

أمّا الشريعة فأُصولها أربعة :

1. العبادات .

2. المعاملات .

3. الاِيقاعات .

4. الاَحكام .

وأُصول العبادات عبارة عن الاَُمور التالية :

1. الصلاة ونوافلها.

2. الصوم الواجب والمستحب .

3. الزكاة .

4. الخمس .

5. الحج .

6. الجهاد .

7. الاَمر بالمعروف .

8 . النهي عن المنكر .


(331)

هذه أُمهات العبادات والامور القُربيّة عند الاِمامية طبق الشريعة الاِسلامية اكتفينا بالاِشارة إليها ، وأمّا المعاملات والاِيقاعات والاَحكام فبيانها على عاتق الكتب الفقهية.

نعم هناك أحكام ربما لا تتفق الشيعة فيها مع الآخرين ونشير إلى مهماتها وهي في الوقت نفسه أُمور فقهية.

مسح الاَرجل مكان غسلها

كلُّنا نَعلمُ بأنّ الوُضوء هو أحَدُ مقدمات الصلاة فإنّنا نقرأُ في سورة المائدة قوله تعالى:

(يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُم إلى المرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْنِ)(1).

وللفظة «الاََيدي» وهي جمع «يد» التي جاءت في جملة (فَاغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المَرافِق) إستعمالاتٌ مختلِفةٌ في اللُّغة العربيّة فربما تُطلق ويراد منها الاَصابع إلى الرسغ، وربما يُراد منها الاَصابع إلى المرافق، وربما تُطلَق ويراد منها من رؤوس الاَصابع إلى الكتف. هذا أوّلاً.

وثانياً: حيث إنّ المقدار الواجب غسلُه في الوضوء هو ما بين رؤوس الاَصابع والمرافق، لذلك استعمل القرآن الكريم لفظة (إلى المرافق) ليعرف المقدارَ الواجبَ غسلُه من هذين العضوين في الوضوء.


1 . المائدة | 6 .

(332)

وعلى هذا الاَساس فانّ كلمة «إلى» في قوله تعالى: (إلى المرافق) تبين مقدار «المغسول» من اليدين لا كيفيّة غسل اليدين (أي انّ الغَسل من الاَعلى إلى الاَسفل أو من الاَسفل إلى الاَعلى) بل كيفيّة الغَسل متروكةٌ للعُرف ولعادة الناس الذين يَغسلون الاَعضاءَ والجوارح عادةً من الاَعلى إلى الاسفل، وهو أمر موافق للطبيعة كذلك.

وللمثال: إنّ الطبيب حينما يأمر بغَسل رجلي المريض الى الرُّكبة نجدهم يغسلونَهما من الاَعلى إلى الاَسفل.

ولهذا فإنَّ الشيعةَ الاِمامية تعتقد بأنّ غَسل الوَجه واليدين في الوضوء يجب ان يكون من الاَعلى إلى الاَسفل، ولا يصحّحون عكس ذلك.

وثمّتَ مطلبٌ آخر في الوضوء وهي مسألة مسح الاَرجل فإنّ الفقه الشيعي يقول: يجب المسح لا الغَسل، ويدلُّ على ذلك بإيجاز، ظاهرُ الآية السادسة من سورة المائدة التي تبيّن أن هناك وظيفتين في الوضوء إحداهما «غَسلٌ» والاَُخرى «مسحٌ». والغَسل للوجه واليدين، والمسح للرأس وللرجلين.

1. (فاْغسِلُوا وجوهَكم وأيديكم إلى المرافق).

2. (وامسَحوا بِرءُوسِكَم وأرجلَكم إلى الكعبين).

ولو أنّنا عرضنا هاتين الجملتين على أيّ عربي أصيل غير عارفٍ بمذهبٍ فقهيٍ خاصٍ، ولا مطّلع على موقف اجتهاديّ معيّن، وطلبنا منه


(333)

أن يبيّن المرادَ منها، لقال من دون تردّد: إنّ وظيفتنا وفق هذه الآية عملان، أحدهما: الغَسل وهو للوَجه واليدين، والآخر: المَسح وهو للرأس والرجلين.

ومن حيث القواعد العربية فإنّ لفظة (أرجلكم) يجب أن تُعطف على كلمة (رءُوسِكم) فتكون النتيجة هي مسح الاَرجل ولا يجوز عطفها على الجملة الاَسبق وهي (واغسلوا... وايديكم) التي تكون نتيجته غسل الاَرجل لاَنّ العطف على أيديكم يستلزم الفصل بين المعطوف وهو (أرجلكم) والمعطوف عليه وهو (وأيديكم) بجملة معترضة وهي (فَامسحُوا برءُوسِكم) وهو غير صحيحٍ من حيثُ القواعِدِ النَحوية العربيّة، ويوجب الاِلتباس في المقصود.

كما أنّه لا فرق في هذه المسألة بين قراءة (أرجلكم) بالجر أو النصب، فعلى كلتا القراءتين يجب عطف (أرجلكم) على (رءُوسكم) مع فارقٍ واحد وهو أن في الاَوّل يكون العطفُ على اللَّفظ والظاهر، وفي الثاني يكون العطفُ على المحلّ.

وبعبارة أُخرى ؛ إذا عُطِفتِ أرجلكم على لفظ رءُوسِكم قُرئت بالجرّ، واذا عُطِفَت على المحلّ (وهو المَفعولية) قرِئَت بالنصب.

والرّوايات المتواترة الواردة عن أهل البيت: تحكي عن أنّ «الوضوء» يتألّف من شيئين هما: «غسلتان» و «مسحتان» وقد روى الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـ في حديث بيّن فيه وضوءَ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانَ يمسح على رِجليه.


(334)

هذا والجديرُ بالذِكر أنّه لم يكن أئمة أهل البيت: هم وحدهم الذين يمسحون على الاَرجل عند الوضوء، بل كان فريق من الصحابة والتابعين يرَون هذا الرأي ويذهبون هذا المذهب أيضاً.

وليست أئمّة أهل البيت: منفردين في هذا القول بل وافقهم فيه لفيف من الصحابة والتابعين.

أمّا الصحابة ، فمنهم :

1. الاِمام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .

2. عثمان بن عفان .

3. عبد الله بن عباس الصحابي .

4. النزال بن سبرة الهلالي .

5. رفاعة بن رافع بن مالك البدري .

6. أنس بن مالك بن نضر خادم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

7. تميم بن زيد المازني الذي له صحبة .

8 . أبو مالك الاَشعري: الصحابي .

وأمّا من التابعين، فنذكر منهم :

9. الاِمام الباقر محمد بن علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ .

10. بسر بن سعيد المدني .

11. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان .


(335)

12. عبد خير بن يزيد الكوفي التابعي .

13. عباد بن تميم الخزرجي.

14. أوس بن أبي أوس الثقفي .

15. عامر شراحيل بن عبد الشعبي .

16. عكرمة مولى ابن عباس .

17. عروة بن الزبير القرشي .

18. قتادة بن عزير البصري .

19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة .

20. حصين بن جندب الكوفي التابعي .

21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي .

22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الاَحمصي .

23. عطاء القداحي .

إلى غير ذلك ممّن ذكرنا أسماءهم في رسالة مخصَّصة بحكم الاَرجل في الوضوء.(1)

ولكن سنة مسح الاَرجل هذه تبدَّلت إلى الغَسل فيما بعد لاَسباب خاصّة جاء ذكرها في الكتب الفقهيّة.

وقد قال ابن عباس الوضوء غسلتان ومسحتان(2).


1 . لاحظ رسالة حكم الاَرجل في الوضوء، ص 61 ـ 68 .
2 . تفسير الطبري : الجزء 6 | 82 .

(336)

الاَصلُ الثالث والاَربعون بعد المائة: ما يصح السجود عليه

تعتقد الشيعة بأنّه يجب السجود في حال الصلاة على الاَرض وما ينبت منها بشرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوساً، وأنّه لا يصحُّ السجود على غير ذلك في حال الاِختيار.

فقد روي في حديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ونَقَلَهُ أهلُ السُّنة أنّه قال: «وجُعِلَتْ لِيَ الاَرضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً»(1).

وكلمة «الطهور» التي هي ناظرة إلى التيمّم تفيد أنّ المقصودَ من الاَرض هو الاَرض الطبيعيّة التي تتمثل في التراب والصخر والحصى وما شابهها.

ويقول الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ أيضاً: «السجودُ لا يَجُوز إلاّ عَلى الاََرض أو عَلى ما أنبَتت الاَرضُ إلاّ ما أُكِلَ أو لُبِس»(2).

ولقَد كانت سِيرةُ المسلمين في عصر الرسول الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي السجود على أرض المسجد التيكانت مفروشة بالحصى، وعندما كان الجوّ حاراً جداً بحيث كان السجود على الحصى أمراً عسيراً، كانَ يسمح لهم بأن يأخذوا الحصى في أكفهم لتبريدها، حتى يمكنهم السجودُ عليها.

يقول «جابرُ بنُ عبد الله» الاَنصاري: كنتُ أُصلّي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 . صحيح البخاري: 1 | 91 ، كتاب التيمم، الحديث 2.
2 . وسائل الشيعة، ج 3، الباب 1 من أبواب «ما يُسجَد عليه» الحديث الاَوّل، ص 591.

(337)

الظُهر فآخذ قبضةً من حصى في كفّي لِتبرُدَ حتى أسجدَ عليه من شِدّة الحر.(1)

وتجنَّبَ أحد الصَّحابة عن تتريب جبهته عند السجود، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ترّب وجهك»(2).

كما انّه إذا كان أحدٌ من الصحابة يسجد على كور العمامة أزاح النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيده عمامته عن جبهته.(3)

إنّ هذه الاَحاديث كلَّها تشَهد بأنّ وظيفة المسلمين في عصر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت في البداية هي السجودُ على الترابِ والحصى، ولم يسجدوا على الفراش أو اللباس أو على طرف العمامة، ولكن النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أُبلغ عن طريق الوحي الاِلَهي فيما بعد أنّه يمكنه السجودُ على الحصير والخُمرة أيضاً وثمت رواياتٌ عديدةٌ وكثيرةٌ تحكي عن سجود النبيّ على الحصير والخُمرة.(4)

إنّ الشيعة الاِمامية كانوا لا يزالون مقيّدين بهذا الاَصل، فهم كانوا ولا يزالون يسجُدون فقط على الاََرض، أو ما ينبتُ من الاَرض من غير المأكول والملبُوس كالحصير المصنوع من سَعْف النَخْل، أو القَصَب، ويرجع إصرارهم على السجود على التراب أو الحصى والصخر أو


1 . مسند أحمد: 3 | 327، حديث جابر، سنن البيهقي: 1 | 439.
2 . كنز العمّال: 7 | 465، رقم الحديث 19810 .
3 . راجع سنن البيهقي: 2 | 105 .
4 . مسند أحمد : 6 | 179، 309، 331، 377، و 2 | 192 ـ 198 .

(338)

الحصير إلى هذه الاَدلّة الساطعة.

ثم إنّ من الاَفضل أن تكون المساجدُ في البلاد الاِسلامية على نحو يمكن لاَتباع جميع المذاهب المختلفة العمل بوظائفهم دون حرج.

وفي الخاتمة ؛ لابد أن نُذكِّر بهذه النقطة وهي أنّ التراب والحجر هو في الحقيقة «مسجودٌ عليه» وليس «مسجوداً له» فالشيعة يسجدون على التراب والحجر لا أنّهم يسجدون لهما.

وربما يُتصوّر أحد خطأً أنّ الشيعة يسجدون للتراب والحجرفي حين انّهم إنّما يسجدون لله تعالى تماماً مثل جميع المسلمين ويضعون جباههم على التراب تذلّلاً لله تعالى ويقولون سبحانَ ربّي الاعلى وبحمده.

الاَصل الرابع والاَربعون بعد المائة: الجمع بين الصلاتين

يَجبُ على كلّ مسلم أن يصلّيَ لله كلّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرّات في الاَوقات الشرعيّة التي بيّنها الله تعالى ورسولهُ الكريم في القرآن والسُّنة.

فوقت صلاة الظهر والعصر يَبدَأُ من الزَّوالِ إلى الغُروب، ووقتُ صَلاةِ المغرب والعشاء يبدأ من المغرب إلى منتصف اللَّيْل، ووقتُ صلاة الصُّبح يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس.

إنّ الشيعة تعتقد بأنّ الظُّهَر إلى المغرب هو الوقت المشترك بين الصَّلاتين، إلاّ بمقدار أربع ركعات من أوّل الوقت، فهو وقت مختص


(339)

بصلاة الظهر، وبمقدار أربعة ركعات من آخرِ الوقتِ فهو وقتٌ مختصٌ بصَلاةِ العَصر.

وعلى هذا الاََساس يجوزُ للاِنسان الاِتيانُ بكلتا الصَّلاتين: الظُّهرِ والعصرِ في الوقت المشتَرَك (أمّا في وقت الظهر ووقت العصر فلا يجوز إلاّ الاِتيان بالصلاة المختصّة به فيه) وإن كان الاَفضل أن يفصلَ بين الظهرين والعشائين، ويأتي بكلّ واحدةٍ منهما في وقتِ فضيلتها التي ستُذكر فيما بعد(1) ولكنه في نفس الوقت يجوز الجمعُ بينهما، وترك وقت الفضيلة.

يقول الاِمامُ الباقرُ ـ عليه السلام ـ : إذا زالتِ الشَّمسُ دَخَلَ الوقتان الظهرُ والعصرُ، وإذا غابتِ الشمسُ دخلَ الوقتان المغربُ والعشاءُ الآخرة(2).

وقال الاِمامُ الصادق ـ عليه السلام ـ : «إذا زالَتِ الشَّمسُ فَقَدْ دَخَلَ وَقتُ الظُّهرِ والعَصرِ جميعاً، إلاّ أنَّ هذِهِ قبلَ هذهِ، ثم إنّه في وقت منهما جميعاً حتى تغيبَ الشمسُ»(3).

ويُخبرُ الاِمامُ الباقر ـ عليه السلام ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه كان يَجمعُ بين الظُّهر والعَصر مِن دون عذر أو علة.(4)


1 . وقت فضيلة صلاة الظهر من أوّل زوال الشمس إلى الوقت الذي يصير فيه ظلّ الشاخص بمقدار نفسه، ووقت فضيلة صلاة العصر كذلك عندما يصير ظل الشاخص ضعفي مقداره.
2 . وسائل الشيعة: ج 3، أبواب المواقيت الباب 4، الرواية 1 .
3 . وسائل الشيعة: ج 3، أبواب المواقيت، الباب 4، الرواية 4 و 6 .
4 . نفس المصدر .

(340)

إنّ جوازَ الجمع بين الصلاتين (الظّهرين، والعِشائين) موضعُ اتّفاق بين جميع فقهاء الاِسلام، فجميع الفقهاء يجوّزُون الجمع بين الصلاتين: الظُّهر والعَصر في عرفة والمغرب والعشاء في المزدلفة .

كما أنّ فريقاً كبيراً من فُقَهاءِ أهل السُّنّة يجوّزُون الجمعَ بين الصَلاتين في السَّفر.

وما يَختلفُ فيه الشيعةُ عن الآخرين هو أنّهم يتوسَّعُون في هذه المسألة إستناداً إلى الاَدِلّة السّابقة (مع القبول بأفضلية الاِتيان بالصلوات الخمس في أوقات فضيلتها والقول به وترجيحِهِ) فيجوّزُونَ الجمعَ بين الصَّلاتين مطلقاً.

وحكمة هذا الاَمر هي ـ كما جاء في الاَحاديث ـ التوسعة على المسلمين والتخفيف عنهم، وقد جَمَعَ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسُه في مواضع كثيرة بين الصَّلاتين من دون عذر (كالسَّفر، والمرض وغيرهما) ليخفّف بذلك عن المسلمين، ويوسّعَ عليهم، حتى يستطيع ان يجمع بينهما كلُّ من شاءَ أنْ يجمع، ويُفّرِقَ بَينّهما كلُّ من شاءَ أنْ يفرّق.

فقد رَوى مُسْلم في صحيحه الحديث الآتي: «صَلّى رسولُ الله الظُّهرَ والعَصرَ جميعاً، والمغرب والعِشاء جميعاً في غير خوف ولا سَفَرٍ»(1).

وقد أُشير في بعض الرّوايات إلى حِكمة هذا العمل.


1 . صحيح مسلم: 2 | 151، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .

(341)

فقد جاء في إحدى تلك الروايات ما هذا نصُّه: «جَمَعَ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين الظُّهر والعصر وبين المغرب والعِشاء.

فقيلَ له في ذلك .

فقال: صَنَعْتُ هذا لِئلاّ تُحرَجَ أُمّتي »(1).

إنّ الروايات التي تحدّثت عن جمع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين الصلاتين وردت في الصحاح والمسانيد وهي تنص على جواز الجمع بين الصلاتين تربو على واحدة وعشرين رواية، بعضُها يرتبط بالسَّفر، والبعض الآخر يكون في غير السفر والمرض والمطر.

وفي بعضها أُشيرَ إلى حكمة الجَمع بين الصَّلاتين وهو التوسعة والتخفيف عن المسلمين، وقد استفاد فقهاء الشيعة من هذا التسهيل تجويز الجمع بين الصلاتين (الظهرين والعشائين) مطلقاً، وأمّا كيفية الجمع فهي على النحو الذي كان المسلمون جميعاً يجمعون في عرفة والمزدلفة.

وقد يُتَصوَّر أن المقصود من الجَمع هو أن يؤتى بالصلاة الاَُولى من الصَّلاتين في آخر وقت الفَضيلة (مثلاً عندما يبلغُ ظل الشاخص إلى مقداره) ويؤتى بالصلاة الثانية في أوّل وقت العصر، وبهذا العمل يكون المصلّي ـ في الحقيقة ـ قد أتى بكلتا الصلاتين في وقتهما وإن كان أحداهما في نهاية وقتها والآخرى في بدايته.


1 . شرح الزرقاني على موطأ مالك، ج 1، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ص 294.

(342)

ولكن هذا التصوُّر مخالفٌ لظاهر الرّوايات لاَنّ كيفية الجمع بين الصلاتين ـ كما أسلفنا ـ هي على غرار ما يفعله المسلمون جميعاً في عرفة والمزدلفة، يعني انّهم في عرفة يأتون بكلتا الصلاتين (الظهر والعصر) في وقت الظهر، وفي المزدلفة يأتون بكلتا الصلاتين (المغرب والعشاء) في وقت العشاء.

وعلى هذا الاَساس يجب أن يكون الجمع بين الصّلاتين الذي جاء في لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ناظراً إلى هذا النمط من الجَمع، وليس الجمع الذي يؤتى فيه بإحدى الصلاتين في آخر وقته، وبالاَُخرى في أوّل وقتها.

هذا مضافاً إلى أنّ حكمة الجمع بين الصلاتين وُصِفت في بعض الروايات بأنّها التوسعة والتخفيف وفي بعض الرّوايات وصُفِت بأنّها لرفع الحَرَج، وهذا إنّما يتحقّق إذا كان المصلّي في الجمع بين الصلاتين على خيارٍ كاملٍ يعني أن يجوز له أن يأتي بالظهر والعصر، والمغرب والعشاء متى شاء.

هذا مضافاً إلى أنّه على أساس هذا التفسير للمقصود يجب أن يُقال إنَّ النبيّ لم يأت بشيءٍ جديدٍ، لاَنّ مثل هذا الجمع كان جائزاً حتى قبل أن يفعله النبيّ، فإنّ أي مسلم كان يجوز له أن يؤخّر صلاة الظهر إلى آخر الوقت، ويأتي بالعصر كذلك في أول وقته.

ولقد كَتبَ فقهاءُ الشيعة الاِمامية حول الجَمع بين الصَّلاتين وأدلّتِهِ رسائلَ مفصّلةً يمكن لمن يحبُّ التوسعَ مراجعتها.


(343)

الاَصلُ الخامسُ والاَربعون بعد المائة: الزواج المؤقت (المتعة)

إنّ الفقه الشيعيَّ تَبَعاً للكتاب والسُّنة يُصَحّحُ نوعَينِ من الزَّواج: «الزواج الدائم» وهو لا يحتاج إلى توضيح .

«والزواج المؤقَّت» أو المتعة وكيفيتها كالتالي :

يجوز للرجل والمرأة بأن يقيما علاقة زوجيّة بينهما لمدّة معينة شريطة أن لا يكون هناك مانعٌ شرعي (من نَسَبٍ أو رِضاعٍ) في طريق زواجهما، وذلك بَعد أن يُعيّنا مبلغاً من المال، ثم إنّهما بعد انقضاء المدة ينفصلان من دون إجراء صيغة الطلاق.

ولو نشأ من هذا الزواج (المؤقَّت) وَلد كان ولدُهما شرعاً وورثهما.

وعلى المرأة ـ بعد إنقضاء المُدّة ـ أن تعتدَّ عدةً شرعيّةً، ولو كانت حاملاً وَجَبَ الاِعتدادُ إلى أن يولَد الطفلُ، ولا تتزوَّج في حالِ كونها في حبالة الرَّجُل، وكذا في حالِ عدَّتها، برجل آخر.

إنّ الزواج المؤقَّت مثل الزَّواج الدائم ماهيةً وحقيقةً، وأكثر الاَحكام الثابتة للزواج الدائم، ثابتة كذلك للنكاح المؤقَّت، وغاية ما هناك من تفاوت مهّم بين هذين الزواجين هو أمران:

1. تعيين المدة في النكاح المؤقت .

2. عدم وجوب النفقة في هذا النِّكاح.

ولو أنّنا تجاوزنا هذين المطلبين البارزين تكون الفوارق الاَُخرى


(344)

فوارق جزئية لا توجب افتراقاً كبيراً بين النكاحين.

هذا وحيث إنّ الاِسلام دينٌ خاتم وشريعة جامعة فجوّز هذه الاَطروحة لحلّ المشكلة الجنسية.

ولو أنّنا أخذنا وضع الشاب الّذي يدرس أو يعمل خارج البلاد، ويفتقد القُدرة على الزواج الدائم فماذا يفعل في هذه الحالة؟ وما هي وظيفته في هذه الصورة؟ فإنَّ الشابّ لا يجد أمامه إلاّ ثلاثة خيارات:

ألف : كبح الرغبة الجنسيّة وأن يحرم النفس من التلذّذ الجنسي.

ب : إيجاد العلاقة الجنسية غير الشرعية مع النساء الفاسدات أو المريضات.

ج : الاِستفادة من الزواج المؤقّت مع امرأةٍ طاهرةٍ ضمن شروطٍ خاصّةٍ، من دون تحمّل مشكلة النفقة والتي توجدُها رابطة الزوجية الدائمة.

إنّ من الواضح انّه ليس هناك طريقٌ رابعٌ يستفيد منه الشابُ المذكورُ، على أنّه لا يعني هذا أنّ الزواج المؤقَّت خاصٌّ بمثل هذه الشروط ولكن في نفس الوَقت تستطيع ملاحظة مثل هذه الموارد أن تكشف عن حكمة تشريع هذا النمط من الزواج.

ولابدّ من الاِلتفات ـ ضمناً ـ إلى أنّ فقهاءَ الاِسلام قد أيّدوا نوعاً من الزَّواج الدائم الذي هو في حقيقته الزواج المؤقّت وهو ان يتزوجَ رجلٌ وامرأة زواجاً دائمياً ولكنهما أو أحدهما يعلمان بأنهما سينفصلان، بعد


(345)

مدة بالطلاق.

إنّ تجويز هذا النوع من الزواج يشبه تماماً تجويز الزواج المؤقّت فهما متشابهان جوهراً وإن اختلفا اسماً.

إنّ الكتاب والسُّنَّة النبويّة حاكيان عن مشروعية الزواج المؤقّت (المتعة) فالقرآنُ الكريم يقول:

(فما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجورَهُنَّ فَرِيضةً)(1).

إنّ الاَغلبيّة الساحقة من المفسّرين يعتبرون هذه الآية مرتبطةً بالزواج المؤقّت. وأساساً لا مجال للترديد في تشريع مثل هذا النكاح في الاِسلام، إنّما الخلاف لو كان هو في نسخ هذا الزواج أو عدم نسخه، أي بقاءه على مشروعيته.

وروايات الفريقين حاكية عن أنّ هذا الحكم لم يُنسَخ. إنما مُنِعَ عن العمل بهذا الحكم في عصر الخليفة الثاني، والجدير بالذكر أنّ هناك كلاماً للخليفة في هذا المجال يكشف أيضاً عن أنّ هذا النمط من النكاح كان جائزاً بل رائجاً في عصر النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ. ويفيد أنّ هذا المنع لم يكن ناشئاً إلاّ من رأي شخصيٍ ليس إلاّ، لاَنّه قال: «أيّها الناسُ ثلاثٌ كنَّ على عَهد رسولِ الله أنا أنهى عنهنّ وأُحَرمهنَّ وأُعاقب عليهنّ، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خَير العَمَل»(2).


1 . النساء | 24 .
2 . شرح التجريد للقوشجي، مبحث الاِمامة، ص 464، وغيره .

(346)

والعجيب أن نهيَ الخليفة عن الشق الاَوّل والشق الاَخير من هذه الشقوق بقى إلى الآن ولكن متعة الحج بقيت معمولاً بها عند جميع المسلمين خلافاً لرأي الخليفة الثاني (والمقصود من متعة الحج هو أنّ الحاج بعد أن انتهى من عمرة الحج يخرج من حالة الاِحرام، وتحلّ له محرماته وهذه نهى عنها عمر وأمر بعدم الخروج من الاِحرام وبقاء محرمات الاِحرام حتى حلول موعد الحج).

والدليل الواضح على أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يمنع عن المتعة ما رواه البخاري عن عِمران بن حصين أنّه قال: نزلت آية المتعة في كتابِ اللهِ ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرّمُهُ ولم يَنهَ عنها حتى مات، قالَ رجلٌ برَأْيه ما شاءَ (والمقصود هو تحريم الخليفة الثاني لنكاح المتعة).(1)

الاَصل السادسُ والاَربعون بعد المائةِ: وضع اليد اليمنى على اليسرى في القراءة

يُعتبر التكفيرُ أو القبض وهو وضع اليد اليُمنى على اليُسرى في حال الصلاة بدعةً، وحَراماً في فقه الاِماميّة.

يقول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: «لا يَجْمَعُ المسلمُ يَدَيه في صلاته وهو قائمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يتشبّه بأهل الكُفْرِ مِنَ المجوس»(2).


1 . صحيح البخاري، 6 | 37، قسم التفسير عند تفسير الآية 196 من سورة البقرة.
2 . وسائل الشيعة، ج 4، الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 7.

(347)

وقد حكى الصَّحابيُ الكبير أبو حميد الساعدي لجماعة من صحابة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان من بينهم أبو هريرة الدوسيّ، وسهلُ الساعديّ، وأبو أسيد السّاعديّ، وأبو قتادة والحارث بن ربعي، ومحمّد بن مسلمة أيضاً، كيفيّةَ صلاة النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وذكر كلَّ ما فيها من مستحبّاتٍ صغيرةٍ وكبيرةٍ، ولكن لم يَذْكُرْ فيها هذا العمل (أيالتكفيرقط)(1).

ومن البديهي أنّ هذا العمل لو كان من سيرة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لذكَره عند ذكر صلاته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو لذَكره الحاضرون في ذلك المجلس.

وقد ورَد في كتبنا الحديثيّة ما يشابه حديث الساعدي على لسان الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ برواية حماد بن عيسى أيضاً.(2)

ويستفاد من حديث سهل بن سعد أيضاً أنّ وضع اليُمنى على اليُسرى في الصلاة حَدَث بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لاَنّه يقول: «كانَ النّاسُ يؤمَرون»(3) لاَنّه إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الآمر بهذا العمل لقال: كان النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأمرُ الناسَ.

أي كان ينسبه إلى شخص النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 . البيهقي، السنن: 2 | 72، 73، 101، 102 ؛ وأبو داود: السنن: 1 | 194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730، 736؛ الترمذي: السنن: 2 | 98 باب صفة الصلاة.
2 . وسائل الشيعة: 4، باب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 81 .
3 . فتح الباري: 2 | 224، وسنن البيهقي: 2 | 28 .

(348)

الاَصلُ السابعُ والاَربعون بعد المائة: لاتجوز صلاة التطوّع جماعة

تُعتبر صلاةُ «التراويح» من المستحبّات المؤكّدة اتّباعاً لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد جاء في الفقه الشيعيّ انّه يُستحبُّ أن يُصلّي الاِنسان طول شهر رمضان ألف ركعة زائداً على النوافل المرتّبة في سائر الشهور، وتصلى هذه الصلاة فرادى، والجماعة فيها بدعة.ويقولُ الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـ : «ولا يَجُوز أنْ يُصَلّي التطوَّعَ جماعةً»(1).

وقد ذَكرَ الاِمام الرضا ـ عليه السلام ـ في رسالته التي كتَبَ فيها عقائد المسلم، وأعماله بأنّ هذه النوافل لا يجوز الاِتيان بها جماعة، وأنّ الاِتيان بها كذلك بدعة. حيث قال: «ولا يُصَلّى التطوّع في جماعة لاَنّ ذلك بدعَة وكلُ بدعةٍ ضلاَلة وكل ضلالة في النار»(2).

من دراسة تاريخ صلاة «التراويح» جماعةً كما هو متداوَلٌ بين أهل السُّنّة، يتضح أن الاِجتهاد الشخصيّ كان وراء تشريع هذا الاَمر إلى دَرَجة أنّهم سمَّوه بدعة حسنة.

ويمكن لمن يحب الوقوف على هذا أن يراجع المصادرَ التالِية.(3)


1 . الصدوق، الخصال، ص 606.
2 . الصدوق، عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 124.
3 . القسطلاني، إرشاد الساري: 3 | 226؛ عمدة القارىَ: 11 | 126؛ الشاطبي، الاعتصام: 2 | 291.

(349)

الاَصلُ الثامنُ والاَربعون بعد المائة: الخُمس

اتّفق فقهاء الاِسلام على أنّ غنائم الحرب تقسَّم بين المجاهدين ما عدا خمس الغنائم، فإنّه يجب صرفُه في موارد خاصّة جاء ذكرُها في قوله تعالى:

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شيءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرَّسُولِ وَلذِي القُربى واليَتَامى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ)(1).

والفرقُ الوحيد بين فقهاء الشيعة وبين غيرهم من الفقهاء هو أنّ الفريقَ الثاني يخصّون «الخُمْسَ» بغنائم الحرب، ولا يقولون بفرض «الخمس» في غير ذلك، ممّا يكتسبه الاِنسان ويستحصله ويَستدلون لهذا الموقف بهذه الآية المباركة التي ذُكِرَت فيها غنيمةُ الحرب والقتال.

ولكنّ هذا الموضوع غير صحيح لسببين:

أوّلاً: أنّ الغنيمة تُطلَقُ في لغَة العَرب على كلّ مايفوزُ به الاِنسان، ولا تختص بما يَحصَلُ عليه من العَدُوّ في الحرب، وبالقتال.

يقول ابن منظور: «الغنم الفوز بالشيء من غير مشقة»(2).

كما أنّ القرآنَ الكريمَ يستعمل هذه اللفظة في نِعَمِ الجنة، إذ يقول: (فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كثيرَةٌ)(3).


1 . الاَنفال | 41 .
2 . لسان العرب، كلمة غَنَم، ويقرب من هذا المعنى ما ذكره ابن الاَثير في النهاية، والفيروز آبادي في قاموس اللغة.
3 . النساء | 94 .

(350)

وأساساً: «الغنيمةُ» في مقابل «الغرامة» فكلّما حُكمَ على الشخص بأن يدفَعَ مبلغاً من دون أن يستفيدَ من شيء سُمّيَ ذلك المبلغ «غرامة»، وإذا فاز بشيء وحَصَل عليه سمّي ذلك «غنيمة».

وعلى هذا الاَساس لا تختصُّ لفظة الغنيمة بغنائم الحرب ،ونزولُ الآية في غنيمة معركة «بدر» لايَدلُّ على اختصاصها بغنيمة الحرب، وقانون تخميس الاَرباح قانون شاملٌ وكاملٌ، ومورد الآية غير مخصّص لهذا لحكمِ العامّ.

وثانياً: لقد وَرَدَ في بعض الروايات أنّ النبيَّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرض «الخمسَ» على كلّ ربح، فعندما حضر عنده وفدٌ من قبيلة عبد القيس وقالوا: إنّ بينَنا وبينَك المشركين، وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الاَشهر الحُرُم فمرنا بجُمل الاَمر، إن عَمِلنا به دخلنا الجنة وندعوا إليه مَن وَراءنا؟

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «آمُرُكم بأربع: وأنهاكُمْ بأربع: شهادة أن لا إلَه إلاّ الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم»(1).

إنّ المراد من الغنيمة في هذه الرواية، غير غنيمة القتالِ لاَنّ وفد عبد القيس قالوا: إنّ بيننا وبينكَ: المشركين ، يعني انّنا نخاف أن نصل إليك في المدينة لوجود المشركين بيننا وبينك، وهذا يفيد أنهم كانوا محاصَرين من قِبَل الكفّار والمشركين ولم يكن في مقدورهم مقاتلة المشركين حتى يحصلوا على غَنيمة منهم، ثم يقوموا بتخميسها.


1 . صحيح البخاري، ج 2 ص 250 .

(351)

هذا مضافاً إلى أنّ الرّوايات الصادرة عن أهل البيت: تصرّح بوجوب دفع «الخمس» مِن كل ربح يحصل عليه الاِنسانُ، وهذا ممّا لا يدع مجالاً للشكّ والغموض(1).

هذه بعضُ الفُروع الفقهيّة التي اتخذَ فيها الشيعةُ مواقفَ خاصة.

وللمثال ثمتَ خلاف بينهم وبين غيرهم في أبواب الخمس، والوصيّة والاِرث، ولكن لابدّ من القول بأنّه مضافاً إلى اشتراك الشيعة مع غيرهم في كليات الاَحكام، فإنّ تدريس الفقه بصورة مقارنة وبخاصة مع الاَخذ بنظر الاعتبار كل ما ورد عن أهل البيت من آراء وأحكام مدعومة بالدليل، يمكنه أن يقلّلَ من شقة الخلاف بين أهل السنة والشيعة في هذا المجال.(2)

الاَصلُ التاسعُ والاَربعون بعد المائةِ: دور الشيعة في بناء الحضارة الاِسلامية

إنّ الحضارةَ الاِسلامية ثمرةُ الجهود المتواصلة للاَُمّة الاِسلامية منذ انبثاق الدعوة المحمدية المباركة، فهم بشعوبهم المتنوعة وفي ظِلّ الاِيمان والعقيدة ذابوا في بوتقة الاِسلام، ووظَّفُوا كلّ قواهم وإمكانياتهم وركّزوا كلّ مساعيهم وجهودِهم لخدمة الاِسلام، وتحقيق أهدافه


1 . وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الخمس، الباب الاَوّل.
2 . وصيّة الوارث نافذة في نظر الشيعة ولكنها غير نافذة في نظر السنّة، والعول والتعصيب في أحكام الاِرث باطلان في نظر الشيعة وفقههم ويجب معالجة المشكلة في مورد العول بطريق آخر، مذكور في كتب الفقه.

(352)

وأغراضه السامية، وبذلك أرسوا دعائم حضارةٍ لاتزال البشرية مدينة لها ومستفيدة منها.

ولقد كانَ للشيعة دورٌ مؤثرٌ في بِناءِ صرحِ الحضارةِ الاِسلاميّة الكبرى، ويكفي تصفّح الكتب المؤلَّفة في العلوم والحضارةِ الاِسلاميّة لنرى كيف تلمع فيها أسماءُ علماء الشيعة ومفكّريهم.

ففي مجال الآداب العربية والعلوم الاِنسانية يكفي أن نعرف أنّ الاِمام عليّاً أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ هو مؤسّسُها الاَوّل، وأن تلميذه أبا الاَسود الدؤلي هو الذي عمل على توسعتها وتدوينها. وقد واصَلَ علماء الشيعة بعد ذلك الجهود الحثيثة في سبيلها، وذلك نظراء المازني (المتوفّى 248 هـ) وابن السكيت (المتوفّى 244 هـ) وأبي إسحاق النحوي (من أصحاب الاِمام الكاظم) وخليل ابن أحمد الفراهيدي مؤلّف كتاب «العَين» (المتوفّى 170 هـ) وابن دريد مؤلف كتاب «الجمهرة» (المتوفّى 321 هـ) والصاحب بن عبّاد مؤلف كتاب «المحيط» (المتوفّى 386 هـ) وغيرهم من آلاف الاَُدباء الشيعة الذين كان كل واحد منهم قطباً من أقطاب اللغة، والنحو، والصرف، أو الشِّعر، وعلم العَروض في عصره.

وفي علم التَّفسير فالمرجع الاَوّل لتفسير القرآن بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الاَمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت: ومن بعدهم عبد الله بن عباس (المتوفّى 68 هـ) وغيرهم من تلامذة أهل البيت، وقد ألَّفَ علماءُ الشيعة طوال أربعة عشر قرناً مئات التفاسير المتنوِّعة حجماً وكيفاً ومنهجاً، وقد كتبنا مقالاً مفصّلاً حول تأليف الشيعة في


(353)

مجال التفسير عبر التاريخ، نُشِرَ في مقّدمة الطبعة الجديدة لتفسير «التبيان» للشيخ الطوسيّ.

وفي علم الحديث تقدّمت الشيعة على غيرهم من الِفرَق الاِسلامية في تدوين السنة وكتابتها ودراستها على حين كان ذلك ممنوعاً في عصر الخلفاء.

ويمكن الاِشارة في هذا الصَّعيد إلى «عبيد الله بن أبي رافع» و «ربيعة بن سميع» و «عليّ بن أبي رافع» من أصحاب الاِمام علي ـ عليه السلام ـ ، ثم إلى أصحاب وتلامذة الاِمام السجّاد والباقر والصادق:.

إنّ تنامي علم الحديث في عصر الاِمام جعفر الصّادق ـ عليه السلام ـ بلغ إلى درجة أنّ الحسن بن علي الوشاء قال: رأيتُ في مسجد الكُوفة تسعمائة محدّث كلُّهُمْ يقولُ: حَدَّثنِي جعفرُ بنُ محمد ـ عليه السلام ـ .(1)

وفي مجال الفقه تخرّج من مدرسة أهل البيت: علماء ومجتهدون كبارٌ نظراء: أبان بن تغلب (المتوفّى 141 هـ) وزرارة بن أعين (المتوفّى 150هـ) ومحمد بن مسلم (المتوفّى 210 هـ) ومئات المجتهدين الكبار والعلماء المحققين كالشيخ المفيد والسيد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، وابن إدريس الحلّي والمحقّق الحلّي، والعلاّمة الحلّي الذين خلَّفوا آثاراً علميّة وفكريّة في غاية الاَهمية.

على أنّ جهودَ الشّيعة لم تتركّزْ على هذه العلوم حسب ولم تقتصر خدماتُهم على هذه المجالات بل خدَموا الاِسلام والعالم في غيرها من


1 . رجال النجاشي، الرقم 79.

(354)

العلوم كالتاريخ والمغازي والرجال، والدراية، والشِّعر، والاَدب وغير ذلك ممّا لا يسع هذا المختصرُ لسَرد أسمائها.

هذا كلّه في مجال العلوم النَقْليّة، ولقد تقدَّموا على غيرهم من الطوائف والفِرق في العلوم العقليّة كعلم الكلام والفلسفة لاَنَّ الشيعة يمنحون العقلَ دوراً أكبر وأهمية أكثر ممّا يعطيه غيرُهم من الفِرَق الاِسلامية.

فهم بالاِستلهام من أحاديث الاِمام أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين: سعوا أكثر من غيرهم في بيان وشرح العقائد الاِسلاميّة، وبهذا قدّمت الشيعة للاَُمّة الاِسلامية جيلاً عظيماً من المتكلّمين القديرين ومن الفلاسفة الكبار، ويُعَدُّ الكلام الشيعيُّ من أغنى وأثرى المدارس الكلامية الاِسلامية، وهو يحتوي ـ مضافاً إلى أدلةٍ من الكتاب والسنة ـ على براهين قوية من العقل.

إنّ أحد أُسُس الحَضارة الاِسلامية هو معرفة عالم الطبيعة وقوانينها وقد تخرَّجَ من مدرسة الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ أشخاص معروفون مثل «جابر ابن حيان» برعوا في مجال العلوم الطبيعية إلى درجة أن جابراً دعي في هذا العصر بأبي الكيمياء الحديثة.

وفي علم الجغرافيا كان أحمدُ بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي (المتوفّى حوالي 290 هـ) أول عالم جغرافيّ ساحَ في البلاد الاِسلامية العريضة، وألّف كتاباً باسم «البلدان» وهو من علماء الشيعة.


(355)

إنّ هذه الجهود الكبرى التي بُذلت في سبيل العلم والثقافة وأبتدأت من القرن الهجري الاَوّل وحتى هذا اليوم، وأُسّسَت من أجلها الحوزات والمدارس، والجامعات والمعاهد العديدة تمت على أيدي علماء الشيعة، ورجالهم الذين لم يفتأوا لحظةً واحدة عن تقديم الخدمة للعالم البشري، وللحضارة الاِسلامية والاِنسانية.

وإنّ ماذُكِرَ هنا في هذه العجالة ليس إلاّ إشارة عابرة إلى دور الشيعة في مجال العِلم والحضارة الاِسلاميّة وللتوسّع ومزيد الاطلاع لابدَّ من مراجعة المصادر المرتبطة بهذا المجال.(1)

الاَصلُ الخمسون بعد المائة: الوحدة بين المسلمين

إنّ الشيعة لاترى الاختلاف في الفروع مانعاً من الاَخوة الاِسلاميّة، ومن توحّد صفوف المسلمين أمام الاستعمار الغاشم.

كما أنّهم يعتقدون بأنّ عقد جلسات الحوار العلمي في جوّ هادىٍَ، كفيلٌ بأن يحلّ الكثيرَ من المشاكل والاختلافات الفكرية والفقهيّة (التي تمنع أحياناً عن توحيد الصفوف ووحدة الكلمة).

على أنّ الاختلاف في الرأي والمنهج أمر غريزي عند البشر أساساً، كما أن سدّ باب المناقشة والبحث العلميّ في وجه العلماء


1 . فهرست ابن النديم، رجال النجاشي، فهرست الشيخ الطوسي، تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، أعيان الشيعة، والمجلد السادس من بحوث في الملل والنحل، وغيرها من الكتب.

(356)

والمفكّرين والفقهاء يوجب ضمورَ الفكر، وموت العلم والقضاء على روح التفكّر.

من هنا سعى علماء الشيعة الاِمامية في كل العصور إلى أن يوضحوا الحقائق بطرح الاَبحاث العلميّة والعقيديّة على طاولة البحث والنقاش، وبذلك قاموا بكُلّ خطوةٍ من شأنها توحيد صفوف المسلمين وتأليف قلوبهم ضد أعداء الاِسلام الذين أقسموا على محو هذا الدين وإطفاء جذوته.

ربّنا وإلَهنا قوّ شوكة المسلمين وأعنهم بقوةٍ منكَ
على أعدائهم الغاشمين
من المشركين والمنافقين،
ومن ساعدهم على أذى المسلمين.
واهدنا يا ربّ إلى الصراط المستقيم.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين