welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

(303)

الاَصلُ الثاني والثلاثون بعد المائة: إقامة مجالس العزاء

من البيان السابق اتّضَحَت فلسفةُ وحكمةُ إقامة مجالس العزاء، والمآتم لاَئمةِ الدّين، لاَنّ إقامةَ مثل هذه المجالس من أجل ذكر مصائبهم وبيان ما جرى عليهم من المحَن في سبيل الدين، هو نوعٌ من أَنواع إظهار المودَّة والمحبَّة لهم. فإذا ما بكى يعقوبُ لِفِراق وَلَدِهِ العزيز «يوسف» سنيناً عديدة، وذرف دموعاً كثيرة(1) فإنّ ذلك نابعٌ مِن محبته وعلاقتِهِ القَلبيّة بابنِهِ.

وإذا ما بكى محبُّو أهلِ البيت في مُصابهم بسبب علاقتهم القلبيّة بهم، وحبّهم العميق لهم، فإنّهم يتّبعون في هذا العمل النبيّ يعقوبَ ـ عليه السلام ـ .

إنّ إقامة مجلس في مصاب الاَحبّة والبكاء لفقدانهم هي في الاَساس


1 . لاحظ يوسف | 184 .

(304)

عملٌ أسَّسَهُ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذلك عندما سمع نساء الانصار يبكين قتلاهن في معركة «أحُد»، فقال وهو يَذكر عمّه «حمزة» سيد الشهداء: «وَلكِنَّ حمزة لا بواكي له»(1).

وعندما عرف أصحابُ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برغبته في إقامة مجلس العزاء لعمّه «حمزة» أمروا أزواجهم بأن يبكين على قتلاهم الشهداء وعلى «حمزة» ويقمن مجلس العزاء له، فأُقيم مجلسٌ لذلك الغرض فلمّا بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما فعلَهُ الاَنصارُ وأزواجهم شكَرَهُم على ذلك، ودعا في حقّهم قائلاً: «رَحم اللهُ الاَنصار»، ثم طلب من أصحابه من الاَنصار بأن يأمُروا أزواجهنّ بأن يَعدن إلى منازِلِهنّ (2).

وثمة روايات عديدة تكاد تبلغ حدّ التواتر تعرب عن أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكى على الحسين سبطه الاَصغر لما يلمَّ به وبأهله وأنصاره على أيدي الفئة الباغية، في وقعة كربلاء، كما يلاحظ ذلك من يراجع كتاب «الصواعق المحرقة» لابن حجر و«نور الاَبصار» للشبلنجي الشافعي، و«المستدرك على الصحيحين» للحاكم النيسابوري 3: 176.

كما رثاه وبكاه طائفة من علماء الاِسلام من سنة وشيعة وانشأوا في مصابه القصائد المطوّلة.

فهذا الاِمام الشافعي يقول:


1 . سيرة ابن هشام: 1 | 99 .
2 . المصدر السابق؛ وإمتاع الاسماع: 11 | 164 .

(305)

تأوّب قلبي فالفؤاد كئيب * وأرّق نومي فالسهاد غريب

إلى أن يقول :

فمن مُبلغٌ عَنّي الحسينَ رسالة * ًوإن كَرِهَتْها أنفسٌ وقلوبُ
ذَبيحٌ بلاَ جُرمٍ كأنَّ قميصَه * صَبِيغ بماءِ الاَُرجوان خضيبُ(1)

هذا مضافاً إلى أنّ لاِقامة المآتم ومجالس العزاء للشهداء في سبيل الحق فلسفة هامّة أُخرى وهي أنّ إحياء ذكراهم يوجب الحفاظ على عقيدتهم التي قُتلوا من أجلها... تلك العقيدة التي يتكوّن جوهرُها من التفاني في سبيل الدين وعدم الخضوع للذُلّ، والهوان وهم يردّدون شعار «الموت في عزٍ خيرٌ من الحَياة في الذلّ» ويجدّدون في كلّ يوم عاشوراء هذا المنطق العظيم ويتعلم الشعوب والاَُمم دروساً حيويّة من نهضتهم وثورتهم الكبرى.

الاَصل الثالث والثلاثون بعد المائة: صيانة الآثار الاِسلامية

يسعى كلُّ العقلاء في العالَم في حفظ آثار عظمائهم، وأسلافِهمْ، ويحمونها من الاِندثار والزوال بحجة كونها «تراثاً فكرياً» وآثاراً حضاريّة، وتجتهدُ الاَُممُ المتحضّرة والراقية في حفظ الآثار الوطنيّة القديمة وما خلّفه أسلافُها من مفاخر جديرة بالاِعتزاز، لاَنّ آثار الاَسلاف هي في


1 . ديوان الاِمام الشافعي قافية الباء. وراجع للوقوف على المزيد في هذا المجال: سيرتنا وسنتنا للعلاّمة الاَميني.

(306)

الحقيقة حلقة الوصل بين القديم والجديد، والماضي والحاضر، وهي ترسم حركة الشّعوب والاَُمم في مسار التقدّم والرقيّ، وتضيَ لها الطريق، والسبيل.

ثم إنّ الآثارَ القديمةَ إذا كانت ترتبط بالرسلِ والاَنبياء فانّ الحفاظَ عليها وحراستَها ـ مضافاً إلى ما ذُكِرَ من الفائدة ـ تساعد بصورةٍ قويةٍ في المحافظة على اعتقاد الناس وإيمانهم بأُولئك الرسُل والاَنبياء، ويكون لها أبلغ الاَثر في تقوية دعائِمها، وتجذيرها وتأصيلها، بينما يؤدّي زوالُها، واندثارها بعد مدّة إلى انقداح روح الشك، والريب في نفوس أتباعهم، ويعرض أصلَ الموضوع لخطر الغموض، والاِبهام، والنسيان والضياع.

وللمثال نشير إلى المجتمع الغربي، فإنّ الناس في هذا المجتمع وإن اصطبغت حياتهم بالصبغة الغربية، وأخذوا بآدابها وأخلاقها تماماً، ولكنهم في مجال العقيدة مدّوا أيديهم نحو الشرق، واعتنقوا الدين المسيحي وخضعوا لسلطانه ردحاً من الزمن بيد أنّهم مع تغيّر الاَوضاع، وتنامي روح البحث والتحقيق لدى الشباب الغربيّ بدأ الشك والترديد يدَبُّ في نفوسهم، وباتوا يشكّون في أصل وجود السيد «المسيح» إلى درجة أنّهم على أثر عدم وجود آثار ملمُوسة من السيّد «المسيح» عادوا يعتبرونه أُسطورةً تاريخيّةً.

في حين أنّ المسلمين ظلّوا في منأى عن مثل هذه الحالة، فقد حافظوا على طول التاريخ وبكلّ فخر واعتزاز على الآثار المتبقّية من


(307)

رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأبنائه من خطر الاِندثار، والزوال بسبب الحوادث.

فالمسلمون يَدّعُون أن شخصيّة نبيلة طاهرةً اختيرت قبل أربعة عشر قرناً للنبوة وللرسالة، وقام ذلك النبي بمعونة برنامجه الراقي جداً بإصلاح المجتمع، وأوجد في ذلك المجتمع تحوّلاً عظيماً، وانقلاباً عميقاً، وأسّس حضارة كبرى لا يزال المجتمع يستفيد من معطياتها، وثمارها، ولا سبيل للشك قط في وجود مثل هذه الشخصيّة المُصلِحة، ولا في الحضارة التي أسّسها وأرسى قواعدها، لبقاء آثاره إلى هذا اليوم، فمحل ولادته، ومكان عبادته ومناجاته، والنقطةُ التي بُعثَ فيها، والنقاط الاَُخرى التي ألقى فيها خُطَبَه، والاَماكن التي دافع فيها عن عقيدته ورسالته، والرسائل التي تبودلت بينه وبين ملوك العالم وحكام الدُّول في عصره، والعشرات بل المئات من آثاره، والعلائم الدالة عليه، باقية من دون أنْ تمسّها يدُ التغيير، ومن دون أن تطالها معاول الزوال، فهي محسوسةٌ ومشهودة للجميع.

وهذا البيان يمكن أن يوضّح أَهميّة حفظ الآثار من جهة التفكير الاجتماعي ودورها في هدايته وقيادته.

وهو أمر أيّدته النصوص القرآنية وسيرة المسلمين، فقد قال تعالى في القرآن الكريم:

(فِي بُيُوتٍ أَذنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالْغدوّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِم تجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذكرِ الله وإقامِ الصَّلاةِ وإِيتَآءِ


(308)

الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالاََبْصَارُ).(1)

وليس المراد من لفظِ «البيوت» الواردِ في هذه الآية «المساجد» لاَنّ البيوت جاءَ في القرآن الكريم في مقابل المساجد، لاَنّ «المسجد الحرام» غير «بيت الله الحرام» فالبيوتُ في هذه الآية يراد منها بيوتُ الاَنبياء، وخاصة بيت الرسولِ الاَكرم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذرّيته الطاهرة.

فقد روى السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»: عن أنس بن مالك، وبرَيدة، قالَ: قرَأَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذه الآية، فقام إليه رجلٌ فقال: أيُّ بُيوتٍ هذِهِ يا رسُول اللهِ؟ قال: «بيوت الاَنبياء».

فقام إليه أبو بكر فقال: يارسول الله هذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة، قال: «نعم من أفاضلها»(2).

والآن ـ بعد أنْ اتّضح المرادُ من «البيوت» ـ لابد من توضيح المراد من «ترفيع البيوت».

إنّ هناك احتمالين في هذا المجال:

1. الترفيع: بمعنى بناءِ البيوت وتشييدها، كما جاء بهذا المعنى في قوله تعالى:

(وَإِذ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)(3).


1 . النور | 36 ـ 37 .
2 . تفسير الدر المنثور ج 5، ص 50 .
3 . البقرة | 127 .

(309)

2. الترفيع: بمعنى إحترام تلك البيوت وحراستها، والمحافظة عليها.

فعلى المعنى الاَوّل، حيث إنّ بيوت الاَنبياء قد بُنِيَت قبلَ ذلك، لهذا لا يمكن أن يكون المراد من الترفيع في الآية الحاضرة هو إيجاد البيوت، بل المراد هو حفظها من الاِنهدام والزوال.

وبناءً على المعنى الثاني، يكون المراد من حفظ تلك البيوت هو ـ مضافاً إلى صيانتها من الخراب والانهدام ـ حفظها من أيّ نوع من أنواع التلوث المنافي لقداستها وحرمتها.

وعلى هذا الاَساس يجب على المسلمين السعيُ في تكريم، وحراسة البيوت المرتبطة بالرسول الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وعليهم أنْ يعتبروا هذا العمل أمراً قربيّاً، أي مقرّباً إلى الله سبحانه.

ثم إنّه يُستفاد من الآية التي تدورُ حول أصحاب الكهف أنّه عندما اكتُشفَ موضعُ اختفائهم، اختلف الناس في كيفية تكريمهم فصاروا فريقين:

فريق قالوا: يجب البناء على قبرهم بغية تكريمهم.

وفريق آخر قالوا: يجب بناء مسجد على مرقدهم، وقد أخبر القرآنُ الكريم بكلا الاِقتراحين، وكلا الرأيين، ولو كان هذا العمل، أو ذلك مخالفاً لاَُصول الاِسلام لاَخبر بهما بنحوٍ آخرٍ، ولتناوَلهما بالنقد. ولكنه رواهما من دون نقدٍ، إذ قال:


(310)

(إِذ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أمرَهُم فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُم أَعْلَمُ بِهِم قَالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم لَنَتَّخذنَّ عَلَيهِم مَّسْجِداً)(1).

إنّ هاتين الآيتين (مع ملاحظة سيرة المسلمين المستمرة من عصر رسول الاِسلام إلى هذا اليوم والمستقرة على حفظ هذه الآثار، والمحافظة على البيوت المرتبطة برسول الله وأهل بيته المطهرين وحراستها) دليل واضحٌ وبرهان قاطع على كون هذا الموقف موقفاً إسلامياً، وأصلاً شرعياً.

ولهذا تقوم مسألة تعمير مراقد الاَنبياء ـ وبصورة خاصّة مراقد رسولِ الله وعترتهِ الطاهِرة صلوات الله عليهم ـ وبناءِ المساجد عليها، أو إلى جانبها، على أساس هذا الاَصل الاِسلامي.

الاَصلُ الرابع والثلاثون بعد المائة: زيارة قبور المؤمنين

تُعتبر زيارةُ قبور المؤمنين، وبخاصّة قبور الاَقرباء والاَبناء منهم، من الاَُصول الاِسلامية التي تنطوي على آثار تربويّة في نفس زائريها، وذلك لاَنّ مشاهدة تلك الديار الصامتة التي يرقد فيها أُناس كانوا قبل ذلك يعيشون في الدنيا، ويقومون بمختلف النشاطات، ولكنّهم أصبحوا بعد حين أجداثاً خامدة، وجثثاً هامدة، جديرة بأن تهزَّ الضمير، وتوقظ القلوب، وتنبّه الغافلين، وتكون درس عبرة لا ينسى.


1 . الكهف | 21 .

(311)

فإنّ من يشاهد هذا المنظر سيحدّث نفسه قائلاً: وما قيمة هذه الحياة الدنيا التي سرعان ما تنتهي، وتكون مآلُها موت الاِنسان ورقوده تحت التراب.

هل يستحق العيش في مثل هذه الدنيا الفانية أن يقوم فيها الاِنسانُ من أجله بأعمالٍ ظالمة، وممارسات فاسدةٍ؟

إنّ هذا التساؤل الذي يواجهه ضميرُ الاِنسان المفكّر في مصير البشر، سيدفع به إلى إعادة النظر في سلوكه وممارساته، وسيؤدِّي ذلك إلى حصول تحوّلٍ كبيرٍ في روحه ونفسه.

وقد أشارَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى هذا الاَثر الهامّ، إذ قال فيحديث شريف: «زُورُوا القبورَ فإنّها تذَكِّرُكُم بِالآخِرَةِ»(1).

ثم إنّه مُضافاً إلى هذا تُعتبر زيارةُ مراقد أئمة الدين وقادته نوعاً من الترويج للقيم الدينيّة، والمعنويّة، كما أنّ إعتناءَ الناس بمراقد أُولئك الشخصيّات سيُقوّي لديهم الفكرة التالية، وهي أنّ الحالة المعنوية التي كانت تلك الشخصيات تتمتّع بها هي التي جذبت قلوب الناس إليهم، وهي التي رفعتهم إلى تلك المنزلة العظيمة التي حازوا بها احترام الناس وتكريمهم لهم، إذ رُبّ رجال من أصحاب السلطان والقوّة يرقدون تحت التراب دون أن يحظوا بمثل هذه العناية والاحترام من قِبَل الناس.

ولقد كانَ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يذهبُ في أُخريات حياته إلى البقيع،


1 . سنن ابن ماجة ج 1، باب ما جاء في زيارة القبور، ص 113 .

(312)

ويستَغْفر لاَصحاب القبور، ويقول: «أَمَرَني رَبّي أنْ آتي البَقيعَ وأستَغْفِرَ لَهمْ» ثم قالَ: إذا زُرْتُمُوهُمْ فقولوا:

«السلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنِ المُؤمِنِين والمُسْلِمين يَرحَمُ اللهُ المُسْتقدِمِينَ مِنّا والمُسْتَأخِرِين، وإنّا إنْ شاءَ الله بكم لاحِقُون»(1).

وقد اعتُبرت زيارَةُ قُبور أولياء الله وأئمّة الدين ـ في كُتبِ الحديث ـ من الاَعمال المستحبَّة المؤكدة، وكان أئمة أهلِ البيت يَذهَبُون دائماً لزيارة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وغيرهم من الاَئمة المتقدمين عليهم، وكانوا يحثُّون أتْباعَهم على هذا العمل.

الاصلُ الخامسُ والثلاثون بعد المائة: المنع عن الغلو

«الغُلُوّ» في اللُّغة هو التجاوز عن الحدّ، وقد خاطب القرآنُ الكريمُ أهلَ الكتاب قائلاً:

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ)(2).

ولقد خاطَبهم القرآنُ بهذا الخطاب لاَنّهم كانُوا يغالُون في حق السيّد «المسيح» ويتجاوزون الحدّ، إذ يقولون إنّه إلَهٌ، أو ابنُ الله، أو ربّ.

وقد ظَهَرتْ بعد وفاةِ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرقٌ وطوائفُ غالَت فيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو في الاَئمة المعْصُومين، من بعده وتجاوزت الحدَّ، ووصفوهم بمقامات


1 . صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبور، ص 64.
2 . النساء | 171 .

(313)

مختصَّة بالله وحده، ومن هنا سُمّي هؤلاء بالغُلاة، لتجاوزِهم حدود الحق.

يقولُ الشيخُ المفيد ؛: «الغُلاة من المتظاهرين بالاِسلام همُ الذين نَسَبوا أمير المؤمنين إلى الالُوهية والنبوَّة، ووصفوهم من الفضلِ في الدين والدنيا، إلى ما تجاوزوا فيه الحدَّ، وخَرَجُوا عن القصد»(1).

ويقول العلاّمةُ المجلسيّ: إنّ الغُلُوّ في النبيّ والاَئمّة: إنّما يكون بالقول بأُلُوهيتهم، أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبوديّة، أو في الخلق، والرزق، أو أنّ الله تعالى حلَّ فيهم، أو اتّحدَ بهم، أو أنّهم يعلمون الغيب بغير وحيٍ أو إلهامٍ من الله تعالى، أو بالقولِ في الاَئمّة أنّهم كانوا أنبياء، أو القول بأنّ معرفتهم تُغني عن جميع الطاعات، ولا تكليف معها بترك المعاصي(2).

ولقد تبرَّأَ الاِمامُ عليٌّ وأبناؤُهُ الطاهرون صلوات الله عليهم من الغلاة، وكانوا يلعنونهم على الدّوام، ونحن هنا نكتفي بإدراج حديثٍ واحدٍ في هذا المجال.

يقول الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ : «إحذَرُوا على شَبابِكُمُ الغُلاةَ لا يُفْسدُوهُمْ، فإنَّ الغلاةَ شرُّ خلقِ اللهِ، يُصغِّرونَ عظمةَ اللهِ ويَدَّعُون الرَّبوبيَّة لِعبادِ اللهِ»(3).


1 . تصحيح الاعتقاد ص 131 .
2 . بحار الاَنوار ج 25، ص 364.
3 . المصدر السابق، ص 365 .

(314)

ولهذا لاقيمة لتظاهر الغُلاة بالاِسلام، فهم عند أئمةِ الدين كفارٌ ضُلاَّلٌ.

هذا ومن الجدير بالذِكر هنا أنْ يقال: كما يجب الاجتنابُ حتماً عن الغلوّ، يجب أن لا نعتبر كلَّ تصوّرٍ واعتقادٍ في حقّ الاَنبياء، وأولياء الله غُلوّاً، ويجب الاحتياط في هذا المجال كبقيّة المجالات الاَُخرى، وتقييم العقائد بشَكل صحيح.


(315)

أُمورّ في الفروع

الفصل العاشر

الحديث والاجتهاد والفقه


(316)


(317)

الاَصل السادسُ والثلاثون بعد المائة: مصادر التشريع والحديث

يَعملُ الشيعة الاِمامية في العَقائد والاَُصول بأحاديث مرويّةٍ عن رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق ثقات يُعتَمَد عليهم، سواء أكانت هذه الروايات والاَحاديث. في كتب الشيعة أم في كتب أهل السُّنّة.

من هنا ربّما استَنَد الشيعة في كتبهم الفقهيّة إلى رواياتٍ منقولة عن طريق رواة من أهل السّنة أيضاً، ويُسمّى هذا النوع من الحديث الذي تُصَنَّف أقسامه على أربعة أقسام، بالموثّق.

وعلى هذا فإنّ ما يرمي به البعض من المغرضين «الشيعةَ الاِماميةَ» في هذا المجال لا أساس له من الصحّة مطلقاً.

إنّ الفقه الشيعيَّ الاِماميَّ يقوم ـ أساساً ـ على الكتاب والسُّنّة، والعقل، والاِجماع.

والسُّنَّة عبارة عن قول المعصومين وفعلهم وتقريرهم وعلى رأسهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وعلى هذا إذا روى شخصٌ ثقة حديثاً عن رَسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واشتمل ذلك الحديثُ على قولِ النبي، أو فعله، أو تقريره، كانَ معتبراً في نظر


(318)

الشيعة الاِمامية وتلقّوه بالقبول وعملوا وفقه.

وما نجده في مؤلّفات الشيعة ومصنّفاتهم شاهدُ صدق على هذا القول، ويجبُ أن نقول: إنَّه ليس هناك أيُّ فرقٍ بين كتب الشيعة في الحديث، وكتب أهل السنّة في الحديث، في هذا المجال، إنّما الكلام هو في تشخيص من هو الثقة، وفي درجة اعتبار الراوي.

الاَصلُ السابعُ والثلاثون بعد المائة: حجيّة الاَحاديث المروية عن أئمة أهل البيت :

إنّ الاَحاديث والرّوايات التي تُنْقَل عن أئمة أهل البيت المعصومين بأسنادٍ صحيحة، حجّةٌ شرعيّة، ويجب العمل بمضمونها، والاِفتاء وفقها.

إنّ أئمة أهل البيت: ليسوا بمجتهِدين أو «مفتين» ـ بالمعنى الاِصطلاحيّ الرائج للَّفظَتين ـ بل كلُّ ما يُنقَلُ عنهم حقائق حَصَلوا عليها من الطُرُقِ التالية:

ألف ـ النَقْل عن رَسُول اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّ الاَئمّة المعصومين: أخَذَوا أحاديثهم من جَدّهمْ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (خَلفاً عن سَلَف وكابِراً عن كابر) ثم رووها للنّاس.

وإنّ هذا النَوع من الاَحاديث والرِّوايات التي رَواها كلُّ إمام لاحق عن الاِمام السابِق إلى أن يصل السَند إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كثيرة في أحاديث الشيعة الاِمامية.

ولو أنّ هذه الاَحاديث التي وردت عن أهل البيت واتصل سَنَدها


(319)

برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جُمِعَت في مكانٍ واحدٍ لحصل مِنها مُسْنَدٌ كبيرٌ يُمثل كَنزاً عظيماً للمحدّثين، والفُقَهاء المسلمين، لاَنّ مثل هذه الاَحاديث والروايات بهذه الاَسانيد المُحكَمة القَوِيّة لا نَظير لها في عالم الحَديث ، ونشير إلى نموذج واحدٍ من هذه الاَحاديث، ويسمّى بحديث «سلسلة الذهب» ويُقال انّ السامانيّين كانوا يحتفظون بنسخةٍ منه في خزانتهم حبّاً منهم للاَدب والعلم.

روى الشيخُ الصَّدوقُ، عن أبي سعيد محمد بن الفَضل النيسابوري، عن أبي علي الحسن بن علي الخزرجي الاَنصاري السعديّ، عن أبي الصَّلت الهَرَويّ، قال: كنتُ مع علي بن موسى الرّضا ـ عليه السلام ـ حين رَحَلَ من «نيسابور» وهو راكبٌ بغلةً شهباء، فاذا محمدُ بن رافع، وأحمد بن حرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدّةٌ من أهل العلم، قد تَعَلَّقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا: بحقّ آبائِك المطهَّرين، حدِثنا بحديثٍ قد سَمِعته من أبيك، فأَخرَجَ رأسَه من العَمارية، وعَليه مِطرف خزٍ ذو وجهين، وقال: «حَدَّثَني أبي العبدُ الصالح موسى بنُ جعفرٍ قال: حَدَّثني أبي الصادقُ جعفرُ بنُ محمدٍ قالَ: حَدَّثني أبي أبو جَعفر محمدُ بنُ عليٍ باقر عِلمِ الاََنبياء قالَ: حَدَّثَني أبي عليُّ بن الحسين زينُ العابِدين قالَ: حَدَّثني أبي سيدُ شبابِ أهلِ الجَنَّةِ الحسينُ قالَ: حَدَّثني أبي عليُّ بنُ أبي طالب قالَ: سَمعْتُ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: قالَ الله جَلَّ جَلالُه: لا إلَهَ إِلاّ اللهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أمنَ مِن عَذابي».

فلَما مَرَّتِ الراحِلةُ، نادانا: «بِشُروطِها، وأنا مِن شُروطِها».(1)


1 . التوحيد للشيخ الصدوقَ: الباب 1، الاَحاديث 21، 22، 23 .

(320)

ب : الرِواية من كتابِ عليٍّ ـ عليه السلام ـ

لقد صاحَبَ عليٌ ـ عليه السلام ـ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في فترةِ بعثته كلّها، ولهذا استطاع أن يحفظ ويدوّن قدراً عظيما من أحاديث رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في كتاب (وفي الحقيقة كان ذلك الكتابُ من إملاءِ رسولِ اللهـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكتابة علي ـ عليه السلام ـ ).

ولقد ذُكِرَت خُصوصيّات هذا الكتاب الذي صار بعد استشهاد الاِمام علي ـ عليه السلام ـ إلى أهل بيته في أحاديث أهل البيت:.

يقول الاِمام الصّادق عن هذا الكتاب: «طولُه سَبْعون ذراعاً، إملاء رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قاله من فِلقِ فِيه، وخطّ علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ بيده، فيه والله جميع ما تحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة»(1).

ومِنَ الجدير بالذّكِر أنّ هذا الكتاب بقيَ عند أهل البيت يتوارثه إمامٌ من إمامٍ، وقد نقل الاِمامُ الباقر والاِمام الصّادق8 رواياتٍ عديدةٍ منه وربّما أطلَعُوا بعضَ شيعتهم عليه.

ويوجَدُ قسمٌ كبير من أحاديثه الآن في المجاميع الحديثية الشيعية وبالاَخص كتاب «وسائل الشيِعة».

ج : الاِِلْهاماتُ الاِِلَهِيّة

إنّ لِعلومِ أهلِ البيت: مَنبعاً آخر يمكن أن نسَمّيه بالاِلهام.


1 . بحار الاَنوار ج: 26 | 18 ـ 66 .

(321)

والاِلهامُ ليس مخصوصاً بالاََنبياء، فقد كان في طول التاريخ من الشخصيات المقدَّسة مَن كان يحظى بهذا الاِلهام، مع أنّهم لم يَكونوا أنبياء، وقد كانت تلقى إليهم بعضُ الاَسرار من عالم الغيب، وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى ذلك عندما تَحدَّثَ عن مرافق النبيّ موسى (خضر) الّذي علّم موسى بعضَ الاَشياء فقال:

(آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدنا وَعَلّمناهُ من لَدُنّا عِلْماً)(1).

كما وأنّه قال في شأن شخصٍ من حاشية النبيّ سليمان ـ عليه السلام ـ (وهو آصف بن برخيا) قال:

(قالَ الّذِي عندَهُ عِلْمٌ مِن الكِتاب)(2).

إنّ هؤلاء الاَشخاص لم يَتَعلَّموا علومَهم، ولم يَكتسبُوا مَعلوماتهم من طريق التعلّم، بل هو كما يُعَبّرُ عنه القرآنُ عِلْمٌ لَدُنّيٌ:(عَلَمَنّاهُ مِنْ لَدُنّا عِلماً).

وعلى هذا الاَساس لا يكونُ عدم كون الشخص نبيّاً، مانِعاً من أن يحظى بالاِِلهام الاِلَهيّ، كما يحظى بعضُ الاَشخاص من ذوي الدَرَجات المعنويّة الرفِيْعَة بالاِلْهامِ الاِلَهيّ.

وقد أُطلق على هذا النَمَط من الاَشخاص في أحاديث الفريقين وصف «المُحدَّث» يعني الّذين تَتَحَدّثُ معهم الملائكةُ من دون أن


1 . الكهف | 65 .
2 . النمل | 40 .

(322)

يكونوا أنبياء.

فقد رَوى البخاريُّ في صحيحِهِ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «لَقَدْ كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِن بَني إِسْرائِيل يُكلَّمون مِن غَيرِ أنْ يَكُونُوا أنْبِياء».(1)

من هنا كان أئمة أهل البيت: ـ لكونهم مراجعَ للاَُمة في بيان المعارف الاِلَهيّة، والاَحكام الدينيّة ـ يجيبون على الاَسئلة التي لا توجَد أجوبتها في أحادِيث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو في كتاب علي ـ عليه السلام ـ ، من طريق «الاِلهام» والتعليم الغيبي، والعِلمِ اللَدُنِيّ.(2)

الاَصلُ الثامنُ والثلاثون بعد المائة: تدوين الحديث

إنّ الاَحاديث النَبَويّة تحظى باعتبارٍ خاصٍّ، مثل القرآن الكريم، فالكتاب والسُّنّة كانا ولا يزالان من مصادر المسلمين الاعتقادية والفقهيّة.

ولقد أحجَمَ فريقٌ من المسلمين بعد رحلة النبيّ الاَكرمِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتحت ضغطٍ من السُّلُطات الحكومية بعد النبيّ، من كتابة وتدوين الحديث، ولكنّ أتباع أهلِ البيت: لم يغفَلوا ـ ولحسن الحَظّ ـ ولا لحظة واحدة عن تدوين الحديث، فدوَّنُوا، وضَبَطوا الحديث بعد رحيل النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولقد قُلنا ـ في الاَصل السابق ـ بأنّ قِسماً من أحاديث أئمة أهلِ البيت مأخوذٌ عن الرسول الاَكرم نفسه.


1 . صحيح البخاري: 2 | 149 .
2 . راجع حول المحدَّث وتعريفه كتاب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6 | 99 وغيره.

(323)

ولقد قام علماءُ مدرسة أهل البيت وعلى طول التاريخ، بتأليف مجاميع حديثيّة كبيرة، ومدوَّنات تضمُّ الرّوايات والاَخبار، جاءَ ذكرها في كتب الرجال، خاصّة في القرنِ الرابعِ والخامسِ الهجريّين، مستفيدين ـ في هذا الصعيد ـ من الكتب التي تمَّ تأليفُها وتدوينُها في عصر الاَئمة:، وعلى أيدي أصحابهم وتلامذتهم العَدِيدين.

والكتب الحديثية الجامعة المدَوَّنة التي تعتَبَرُ اليومَ محوراً للعقائد والاَحكام الشيعية هي عبارة عن:

1. «الكافي» تأليف محمّد بِنِ يعقوب الكلينيّ (المتوفّى عام 329 هـ) في ثمانية أجزاء.

2. «مَنْ لا يَحْضرُه الفقيهُ»، تأليف محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (306 ـ 381 هـ) في أربعة أجزاء.

3. «التَهذيب» تأليف محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسيّ (385ـ 460 هـ) في عشرة أجزاء.

4. «الاِستبصار»، تأليف المؤلف السابق، في أربعة أجزاء.

وهذه هي ثاني مجموعة من المجاميع الحديثيّة التي دوَّنها ونَظَّمها الشيعةُ، طوال التاريخ، بجهودِهِمُ الحثيثة حتى القرن الرابع والخامس الهجريّين، وقد أُلّفَتْ ـ كما ذكرنا ـ في عصر الاَئمة أي القرن الثاني والثالث جوامع حديثيّة تُسمّى بِالجَوامع الاَوَّليّة، بالاِضافة إلى «الاَُصول الاَربعمائة» وقد انتقلت محتوياتها إلى الجوامع الثانويّة.


(324)

وحيثُ إنّ عِلمَ الحديث كانَ دائماً موضعَ إهتمام الشيعة، لذلك أُلّفَت في القرنِ الحادي عشر، والثاني عشر مجاميعُ حديثية أُخرى نترك ذكر أسمائها لعلّة الاختصار.

إلاّ أنّ أكثر هذه المجاميع شهرة هو «بحار الاَنوار» للعلامة محمد باقر المجلسي، ووسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي.

هذا ومن البديهيّ أنّ الشيعة لا تعمل بكل حديث، ولا تعمل بأخبار الآحاد، في العقائد، أو التي تخالف في مضمونها القرآنَ أو السّنة القطعيّة، وليست بحجّة عندهم، على أنّ مجرّد وجود الرواية في كتب الحديث عندهم لا يَدلُّ على إعتقاد المؤلّف بمفاده، بل الاَحاديث تتنوَّع عند هذه الطائفة إلى صحيح وحَسَن، وموثَّق، وضعيف، ولكلِّ واحدٍ من هذه الاَنواع أحكامٌ خاصّة، ودرجةٌ خاصّة من الاعتبار، وقد جاء بيان ذلك على وجه التفصيل في علم الدراية.

الاَصلُ التاسع والثلاثون بعد المائة: الاجتهاد

أشرنا فيما سبق إلى مصادر الفقه الشيعيّ الاِماميّ (وهي عبارة عن الاَدِلّة الاَربعة: الكتاب والسُّنة والعقل والاِجماع)، وتسمّى عمليّة إستنباط الاَحكام الشرعيّة من هذه الاَدلّة بشروطٍ خاصّة مذكورة في عِلم الاَُصولِ بـ«الاِجتهاد».

إنّ الشريعة الاِسلاميّة حيث إنَّها شريعةٌ سماويّةٌ، ولا شريعة بعدَها قَط، وَجَبَ أنُ تلبّي كلَّ الحاجات البشرية في مختلف مجالات حياتها


(325)

الفرديّة والاجتماعية.

ومن جانِبٍ آخَر حيث إنَّ الحوادث والوقائع لا تنحصر فيما كان في زمن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فالتَطوُّرات المتلاحقة في الحياة تطرح احتياجات وحالات جديدة، تحتاج كل واحدة منها طبعاً إلى حكم شرعي خاصّ.

وبالنظر إلى هذين المطلبين يكون فتح باب الاجتهاد في وجه الفقهاء على طول التاريخ أمراً ضروريّاً، إذ هل يمكن أن يكون الاِسلام الذي هو شريعة إلَهية كاملة ودين جامع أن يسكتَ في الحوادثِ الجَديدة الظهور، وأن يترك البشرية حائرة في منعطفات التاريخ والحياة، أمام سيل الحوادث الجديدة.

كُلُّنا نَعلم بأنّ علماءَ «الاَُصول» قَسَّموا «الاِجتهاد» إلى قسمين «الاِجتهاد المطلَق» و «الاِجتهاد في مَذهَبٍ خاصٍّ».

فإذا اجتهد شخصٌ في مسلك أبي حنيفة الفقهيّ، وسعى إلى أن يحصل على رأيه في مسألة مّا، سُمِّيَ عَمَلُه بـ«الاِجتهاد في المذهب».

وأمّا إذا لم يقيّدِ المجتهدُ نَفسَه بمذهبٍ معيّن وخاصّ في المذهب وسعى إلى أن يَفهَمَ الحكمَ الاِلَهيَّ من الاَدلّة الشرعيّة (سواءً وافق مذهباً ومَسلَكاً معيَّناً أو خالفه) دُعيَ ذلك بالاِجتهادِ المطلق.

ولقد أُغلق بابُ الاِجتهاد المطلق ـ وللاَسف ـ في وجه علماء أهل السُّنّة(1) ّلا، وإنحصر اجتهادُهم في إطار المذاهب الاَربعة خاصّة، وهو لاشك


1 . المقريزي: الخطط: 2 | 344 .

(326)

نوعٌ من تقييد عمليّة الاجتهاد، وتضييق لدائرته.

إنّ فقهاء الشيعة اجتهدوا على أساس الكتاب والسّنة والعقل والاِجماع، وسعَوا إلى أن لايتقيّدوا لاِدراك الحقائق والمعارف الدينية بشيء، الاّ إتّباع الاَدلّة الشرعيّة.

ومن هنا انتج اجتهادُهم الحيُّ المتحرّك فِقهاً جامعاً، منسجماً مع الاِحتياجات البشريّة المختلفة، المتنوعة، المتطوّرة باستمرار، وخلّف كنزاً علمياً عظيماً.

إنّ ما ساعد على إثراء هذا الفقه العميق المتحرّك هو المنع من تقليد الميّت، والحكم بتقليد المجتهد الحيّ، الذي يعرف بالمجتمع وبالزمان واحتياجاتهما، ومستجداتهما.

إنّ الفقه الشيعيّ يوافق في أكثر المسائل نظريات الفقهاء من المذاهب الاَُخرى، وإنّ مطالعة كتابِ «الخلاف» للشيخ الطوسيّ شاهدُ صدقٍ على ذلك، فقلّما توجَد مسألةٌ فرعيّة في الفقه الشيعيّ لا توافِق رأيَ أحد مؤسسي المذاهِبِ الاَربعة، أو من سَبَقهم من الفقهاء، ومع ذلك فثمّت مسائل للفقه الشيعي فيها رأيٌ خاصٌ، نشير إلى بعضها ضِمن عدّة أُصول تالية، وسنَذكرها مع أدلّتها، لاَنّه قد يُتَصَوَّر أنّ هذه الفروع الخاصّة لا يدل عليها شيءٌ أو هي تخالف الكتاب والسُّنّة، والحال أنّ الاَمر على عكس ذلك.