welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

(279)

الاَصلُ السادسُ والعشرون بعد المائة :التوسّل

إنّ حياةَ البَشَر قائمةٌ على أساس الاستفادة من الوسائل الطبيعيّة والاِستعانة بالاَسباب، التي لِكلّ واحدٍ منها أثرٌ خاصٌ.

فَكُلُّنا عندما نعطش نشربُ الماء، وعندما نجوعُ نأكلُ الطعام، وعندما نريد الانتقالَ من مكانٍ إلى آخر نستخدم وسائلَ النَقل، وعندما نريد إيصال صوتنا إلى مكانٍ نستخدم الهاتفَ، لاَنّ رفعَ الحاجة عن طريق الوسائل الطبيعيّة ـ بشرط أن لا نعتقد بإستقلالها في التأثير ـ هو عينُ «التوحيد» ومن صميمه.

فالقرآنُ الكريمُ وهو يُذكّرُنا بقصّة ذي القرنين في بنائه للسدِّ يُخبرُنا كيف طلب العونَ والمعونة من النّاس إذ قال: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)(1).

وإنّ الذين يُفسّرُون الشركَ بالتعلُّق والتوسُّل بغير الله، إنَّما يصحُّ كلامُهم هذا إذا اعتقد الاِنسانُ بتأثيرِ الوسائل والاَسباب على نحوِ الاِستقلال والاَصالةِ.

وأمّا إذا اعتقد بأنَّها تؤثّر بإذن الله فإنّه سينتهي حينئذ إلى نتيجةٍ لا تُخرِجُه عَن مسيرِ التوحيد.

ولقد قامَت حياةُ البشرية من أوّل يوم على هذا الاَساس والقاعدة


1 . الكهف | 95 .

(280)

أي على الاستفادة من الوسائل والوسائط الموجودة، ولم يزل يتقدم في هذا السبيل.

والظاهر أنّ التَوَسُّل بالاَسباب والوسائلِ الطبيعيّة لِيس مَحَطّاً للمناقشة والبحث، إنّما الكلام هو في الاَسباب غير الطبيعيّة التي لا يعرفها البَشرُ، ولا سبيلَ له إليها إلاّ عن طريق الوحي.

فإذا وُصِفَ شيءٌ في الكتاب والسُّنة بالوسِيلِيَّةِ كانَ حكمُ التوسّل به نظير حكم التوسّلِ بالاَُمور الطبيعيّة.

وعلى هذا الاَساس فإنّنا إنّما يجوز لنا التوسل بالاَسباب غير الطبيعيّة إذا لاحَظنا مطلبين:

1. إذا ثَبَتَ كونُ ذلك الشيء «وسيلةً» لنيل المقاصد الدنيويّة أو الاَُخروية بالكتاب أو السنة.

2. إذا لم نعتقد بأيّة أصالةٍ أو استقلال للوسائل والاََسباب، بل اعتبرنا تأثيرها منوطاً بالاِذنِ الاِلَهي والمشيئةِ الاِلَهيّة.

إنّ القرآنَ الكريمَ يدعونا إلى الاِستفادة من الوسائل المعنوية إذ يقول:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِليْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).


1 . المائدة | 35 .

(281)

هذا ويجب الاِنتباهُ إلى أنّ «الوسيلة» لا تعني (التقرُّب) بل تعني الشيء الذي يوجب التقرّبَ إلى الله، وأحَد هذه الطرق هو الجهادُ في سبيل الله الذي ذُكِرَ في الآية الحاضِرة كما يمكن أن تكون أشياء أُخرى وسيلة للتقرّب أيضاً.(1)

الاَصلُ السابعُ والعِشرون بعد المائة: التوسُّل بأسماء الله الحسنى ودعاء الصالحين

ثَبَت في الاَصلِ السابقِ أنّ التوسّلَ بالاَسباب الطبيعيّة، وغير الطبيعيّة (بشرط أن لا تُصبَغ بصبغة الاَصالة ولا يعتقد فيها بالاِستقلال في التأثير) عينُ التوحيد، ولاشك في أنّ القيام بالواجباتِ والمستحبّاتِ، كالصَّلاة والصَّوم والزَّكاة والجِهاد في سبيل الله وغير ذلك وسائل معنويّة تُوصِل الاِنسان إلى المقصد الاَسمى، ألا وهو التقرّبُ إلى الله تعالى.

فالاِنسان في ظلّ هذه الاَعمال يجد حقيقة العبوديَّة، ويتقرّب في المآل إلى الله تعالى.

ولكن يجب الاِنتباهُ إلى أنّ الوسائل غير الطبيعيّة لا تنحصر في الاِتيان بالاَعمالِ العبادِيّةِ، بل هناك سلسلة من الوسائل ذكرَت في الكتابِ والسُّنةِ يستعقبُ التوَسلُ بها استجابةَ الدعاءِ، نذكر بعضَها فيما يأتي:

1.التوسُّل بالاَسماء والصّفات الاِلَهيَّة الحُسنى التي ورَدَت في


1 . قال الراغبُ الاِصفهاني في مفرداته (في مادة وسل): الوَسيلة التوصّلُ إلى الشيء برغبة، وحقيقةُ الوسيلة إلى الله سبيلُه بالعلمِ والعِبادة وتحرّي مكارم الشريعة.

(282)

الكتاب العزيز، والسُّنة الشريفة، إذ يقول سبحانه:

(وَللهِ الاَسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها)(1).

ولقد وَرَدَ التوسُّل بالاَسماء والصفات الاِلَهيّة في الاَدعية الاِسلامية كثيراً.

2. إن التوسُّل بأدعية الصالحين، والذين يكون أفضلُ أنواعه: التوسّلُ بالاَنبياء والاَولياء المقرّبين إلى الله، لِيَدعو للاِنسان في محضر ذي الجلال.

إنّ القرآنَ الكريمَ يحثُّ الذين ظَلَموا أنْفُسَهم (أي العُصاة) إلى أن يذهَبوا إلى رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويطلبوا منه أن يَستغفِرَ لهم، إلى جانب استغفارِهم هم بأنفسِهم، ويبشِّرُهم بأنّهم سيجدون الله توّاباً رحيماً:

(وَلوْ أنّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوك فَاْستغَفُروا اللهَ واْسَتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوجَدُوا اللهَ توّاباً رَحِيماً)(2).

ويَذمُّ في آية أُخرى المنافقين، بأنّهم كلّما دُعوا إلى الذهاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لِيَستغفر لهم أعرَضوا عن ذلك إذ يقول:

(وَإذا قِيْلَ لَهُمْ تعالَوْا يَسْتغْفِرْ لَكُمْ رسُوْلُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتكْبرُون)(3).


1 . الاَعراف | 180 .
2 . النساء | 64.
3 . المنافقون | 5 .

(283)

ويُستفاد من بعض الآيات أنّه كان مثل هذا العَمَل جارياً ورائجاً في الاَُمم السابقة.

وللمثال: طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهم أن يستغفرَ لهم، واستجاب لهم أبوهم يعقوبُ ـ عليه السلام ـ ووعدهم بذلك:

(يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنا كُنّا خاطِئِين * قال سَوْفَ أسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَبِّي إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ)(1).

ومن الممكن أنْ يُقال أنّ التوسُّل بدعاء الصالحين يكون في صورةٍ خاصّة عين التوحيد (أو على الاَقلّ مفيداً ومؤثراً) وهي إذا كان من نتوسّلُ به على قيد الحياة.

أمّا إذا ماتَ الاَنبياء والاَولياءفكيفَ يكونُ التوسُّل بهم مُفيداً وعين التوحيد؟

في الجواب على هذا الاِشكال لابدّ من التذكير بنقطتين:

ألف : إذا افترَضْنا أنّ التوسُّل بالنَبي أو الوليّ مشروطٌ بكونهم على قيد الحياة، ففي هذه الصورة يكون التوسُّل بالاَنبياء والاَولياء الاِلَهيّين بعد الموت مجرّد عملٍ غيرِ مفيد، لا أنّه يكون موجباً للشرك.

وقد غُفِلَ عن هذه النقطة الهامّة في الغالب، وتَصوّر البعض أنّ الموتَ والحياةَ رمزُ التوحيد والشرك! مع أنّ هذا الشرط (أي حياة النبيّ


1 . يوسف | 97 ـ 98 .

(284)

أو الولي عند توسُّلِ الآخرين به) ملاكٌ لكون التوسّل مفيداً أو غير مفيدٍ، لا أنّه «ملاكٌ» لكون التوسُّلِ عَمَلاً توحِيديّاً أو شِركيّاً.

ب : إنّ تأثيرَ التوسّل وكونَه مفيداً يُشترط فيه أمران:

1. أن يكونَ الفردُ المتوسَّلُ به مُتصِفاً بالعلم والشعور والقدرة.

2. أن يكونَ بين المتوسّلِ، والمتوسَّل به ارتباط واتصال وكلا هذين الشرطين (الاِدراك والشعور ووجود الارتباط بينهم وبين المتوسَّل بهم) موجودان في التوسّلِ بالاَنبياء، وإن فارقت أرواحُهم أجسْادَهم وذلك ثابت بالاَدلة العقلية والنقلية الواضحة.

إنَّ وجودَ الحياة البرَزَخيّة من المسائل القرآنيّةِ والحديثيّةِ المسلّمة الضَّرُوريّة، وقد مرّت أدلّتها في الاَصل 107.

فإذا كانَ الشهداء الّذين قُتلُوا في سبيلِ الحقِّ أحياءً حسب تصَريح القرآن الكريم، فأولى أن يكون أنبياء الشهداء والاَولياء المقرّبون أحياءً عند ربّهم ـ خاصة وانّ أكثرهم قد استشهد في سبيل الله ـ أيضاً بحياة أعلى وأفضل.

ثم إنّ هناكَ أدلةً كثيرةً على وجود الارتباط بيننا وبين الاَولياء الاِلَهيين نذكر بعضَها:

1. إنّ جميع المسلمين يقولون في نهاية الصَلاة مخاطِبين رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «السَّلامُ عَليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتهُ».

فهل هم يقولون ما يقولونه لغواً وعبثاً؟ وهل النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يسمع كلّ


(285)

هذه التحيات وكل هذا السلام ولا يردّ عليها؟!!

2. إنّ النبيَ الاَكرم أَمَر ـ في معركة بدر ـ بأن تلقى أجسادُ المشركين في بئر (قليب) ثم وَقَفَ يُخاطبهم قائلاً: لَقَد وَجَدْنا ما وَعَدنا ربُّنا حقاً، فهل وَجَدتُم ما وَعَدَكم ربُّكم حَقاً؟

فقال أحدُ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسولَ الله أتكلم الموتى؟!

فقالَ النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :«ما أنْتُمْ بأسَمعَ مِنْهُمْ»(1).

3. لقد ذَهَبَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى البقيع مراراً وقال مخاطباً أَرواح الراقدين في القبور والاَجداث: «السَلامُ على أهلِ الدّيار مِن المؤمِنين والمؤمِنات».

وفي رواية كان يقولُ: «السلامُ عليكمْ دارَ قومٍ مؤمِنين»(2).

4. روى البخاريُ في صحيحهِ أنّه لما تُوفّي النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دخل أ بو بكر حجرة عائشة ثم ذهبَ إلى حيث سُجِّيَ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكَشَفَ عن وجهِ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقَبَّلهُ ثم قال وهو يَبكي: بأَبي أنتَ يانبيَّ الله؛ لايجمعُ اللهُ عليكَ موتَتَين أمّا الموتة الاَُولى التي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فقد متّها(3).

وإذا لم يكن لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حياةٌ برزخيّةٌ، ولم يكن بينه وبيننا أيُّ ارتباط فكيف خاطَبَه أبو بكر قائِلاً: يا نبيّ الله؟!


1 . صحيح البخاري، ج 5، باب قتل أبي جهل؛ والسيرة النبويّة لابن هشام: 2 | 292 وغيره.
2 . صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبر.
3 . صحيح البخاري ج 2 كتاب الجنائز ص 12؛ والسيرة النبويّة لابن هشام 4 | 305 ـ 306.

(286)

5. عندما كان الاِمامُ عليٌ ـ عليه السلام ـ يغسّل رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويجهّزه قال: انقطَعَ بموتِكَ ما لمْ يَنْقَطِعْ بموتِ غَيْرِك مِن النُبوَّة والاِنْباءِ، وأخبارِ السماء بأبي أنَت وأُمّي اذكُرْنا عند ربِّكَ واجْعَلْنا مِن بالِكَ(1).

وفي الختام نُذَكّرُ بأنّ للتَوَسُّلِ بالاَنبياء والاَولياء صُوَراً مختلِفةً جاء شرحُها في كُتُبِ العَقائد.

الاَصلُ الثامن والعشرون بعد المائة: البَداء

إنّ لله تعالى في شأنِ الاِنسان نوعين من التقدير :

1. تقدير محتومٌ وقطعيٌّ لا يقبل التغييرَ والتبديلَ مطلقاً.

2. تقديرٌ معلَّقٌ ومشروطٌ وهو يتغيَّر ويَتَبَدّلُ مع فقدان بعضِ الشرائطِ، ويحلُّ محلَّه تقديرٌ آخرٌ.

وبالنَّظَر إلى هذا الاَصْلِ نُذَكِّرُ بأن الاِعتقاد بالبَداء هو أحَدُ الاَُصول الاِعتقاديّة الاِسلاميّة الاَصِيْلَة التي اتَّفَقَتْ جميعُ الفِرَقِ الاِسلاميّة على الاِعتقادِ بها إجمالاً، وإنْ أحجَمَ البعضُ عن استخدام لَفظة «البَداءِ» وهذا الاِستيحاش من إستعمال لفظة «البَداء» لا يَضُرُّ بالقَضِيّة أيضاً، إذ أنّ المقصود هو بَيان محتوى «البَداء» ومعناه، لا لفظه واسمه.

إنّ حقيقةَ «البَداء» تقومُ في الحقيقة على أصلين:


1 . نهج البلاغة قسم الخطب، الرقم 235.

(287)

ألف : انّ لله تعالى قدرةً وسلطةً مُطلقةً، فهو قادرٌ على تغيير أيّ تقديرٍ، وإحلالِ تقديرٍ آخر محلَّه متى شاءَ، في حين يعلم سلفاً بكلا التقديرين، ولا سبيل لاَيّ تغيير إلى عِلمه قط أيضاً، لاَنّ التقديرَ الاَوّل لم يكن بحيث يحدُّ من قدرةِ الله أو يَسلُبَ منه القدرةَ، فإنّ قدرة الله تعالى على خلاف ما تعتقِدُهُ اليهود من كَونها محدودةً لقولهم: (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ)، قدرةٌ مطلقةٌ، أو كما قال القرآن:

(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان)(1).

وبعبارةٍ أُخرى: إنّ خلاّقية الله وإعمال السُّلطة والقُدرة من جانبهِ تعالى مستمرٌ، وبحكم قوله تعالى: (كلَّ يَومٍ هُوَ في شَأنٍ)(2) فالله تعالى لم يفرغ سبحانه عن أمر الخلقِ، بل عمليّة الخَلق لا تزال متواصِلة ومستمرة.

روى الصدوق باسناده عن الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ : أنّه قال في قول الله عزّ وجل: (وقالتِ اليهودُ يَدُ اللهِ مَغلُولةٌ) لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا قد فرَغَ من الاَمر فلا يزيدُ ولا ينقص (أي في العمر والرّزق وغيرهما)، فقال الله جلّ جلالُه تَكذيباً لقولهم: (غُلّتْ أيدِيهمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بل يَداهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كيفَ يَشاءُ). أَلم تسَمع الله عزَّ وجَلَ يقول: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ)(3).(4)


1 . المائدة | 64 .
2 . الرحمن | 29 .
3 . الرعد | 39 .
4 . التوحيد للصدوق، ص 167، الباب 25، ح 1 .

(288)

فالعقيدة الاِسلاميّة تقومُ على أساس الاعتراف بقدرة الله المطلقة وسلطتهِ التي لا تُحدُّ، وبدوام خلاّقيته واستمرارها، وبأنّ الله تعالى قادر كلّما شاءَ ومتى شاء أن يُغيّر المقدَّرات المرتبطة بالاِنسان في مجال العُمرِ والرِزقِ وغيرهما، ويُحلَّ مَحَلَّ ذلك مقدراتٍ أُخرى، وكلا التقديرين موجودان في «أُمّ الكتاب». وفي علم الله سبحانه.

ب : إنّ إعمالَ القُدرةِ والسُّلطَة من جانبِ الله تعالى، وإقدامَه على إحلال تقديرٍ مكان تقديرٍ آخر لا يتمُّ من دون حكمةٍ ومصلَحةٍ، وان قسماً من هذا التغيير يرتبط في الحقيقة بِعَمل الاِنسان وسلوكه، وإنتخابه، واختياره، وبنمط حياته الصالح أو السّيء، فهو بهذه الاَُمور يهيِّىَ أرضيّة التغيير في مصيره.

وَلْنفترض أنَّ إنساناً لم يراع ـ لا سمح اللهُ ـ حقوقَ والدَيه، فإن منَ الطبيعيّ أنّ هذا العَمل غير الصالح سيكونُ له تأثيرٌ غير مرغوب في مصيره.

فإذا غيَّر من سُلُوكِهِ هذا في النصفِ الآخر من حياتهِ، واهتمَّ بِرعاية حقوقِ والدَيْهِ فانَّه في هذه الحالة يكون قد هَيَّأ الاَرْضيّة لتغيير مصيرِهِ، وصار مشمولاً لقولِهِ تعالى:

(يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثبتُ).

وينعكس هذا الّذي ذكرناه إذا انعكسَ الاَمر .

إنَّ الآيات والرّوايات في هذا المجال كثيرةٌ نذكرُ بعضها هنا:


(289)

1. (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)(1).

2.( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ والاََرْضِ وَلَكن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(2).

3. يروي السيوطيُ في تفسيره «الدرّ المنثور» أنَّ الاِمام أمير المؤمنين علياً ـ عليه السلام ـ سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن قوله: (يَمْحوا الله ما يَشاء).

فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لاَُقِرنَّ عَيْنَك بِتفسيرها ولاَُقِرَنَّ عَين أُمّتي بَعدي بتفسيرها: الصّدَقةُ على وَجهها، وبِرُّ الوالِدَين وَاصطِناعُ المعروف يُحوّلُ الشقاءَ سعادةً ويزيدُ في العُمُر ويقي مصارَع السُّوء».(3)

وقالَ الاِمامُ الباقُر ـ عليه السلام ـ : صِلةُ الاَرحام تُزَكّي الاَعْمالَ، وتُنمّي الاَموالَ، وَتَدْفَعُ البَلوى، وتُيَسِّرُ الحِساب، وتُنْسِىَُ في الاََجَل.(4)

وبالنَظر إلى هذين الاََصلين يتَّضح أن الاعتقاد بالبداء عقيدة إسلاميّة قطعيّة، وأنّ جميع الفرق الاِسلامية تعتقد به بغضِّ النظر عن التعبير والتسمِية، واستخدام لفظ «البَداء».

وفي الختام نُذَكّرُ بُنقطتين لنعرف لماذا أُطلقت لفظة «البدَاء» على هذه المسألة في الرّوايات فجاء التعبير عن هذه العقيدة الاِسلامية بقولهم:


1 . الرعد | 11 .
2 . الاَعراف | 96 .
3 . الدر المنثور 4 | 66 .
4 . الكافي، 2 | 470، الحديث 13.

(290)

«بَدا لله».

ألف : إنّ استخدامَ هذه اللَّفَظة في هذه المسألة جاء تبعاً للنَبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقد روى البخاريُ في صحيحه أنّ النبيّ قال في شأن ثلاثة أشخاص: أبرص وأقرع وأعمى: «بدا لله عزَّ وجلّ أن يَبْتَلِيهُمْ...».

ثم ذكر بعد ذلك قصّتهم بصورةٍ مفصَّلةٍ وبيَّنكيف أن اثنين منهم سُلبَت منهما سلامتُهما بسبب كفران النعمة، وأصابَهما ما أصيب به أسلافُهم من الاَمراض(1).

ب : إنّ هذا النّوع من الاستعمال من باب المشاكلة، والتحدّث بلسان القوم حتى يفقهوا، ويفهموا الموضوع.

فقد تعارَفَ في العرف الاجتماعي أنَّه إذا غيَّرَ أحد قراراً قد اتخذه أن يقول بدا لي.

وقد تَحدَّث أئمةُ الدين بلسان القوم ليمكنهم تفهيم مخاطبِيهم، وقد استعملوا مثلَ هذه اللفظة في حق الله تعالى.

والجدير بالذِكر أنّ القرآنَ الكريمَ استخدمَ في شأن الله تعالى ألفاظاً وصفات مثل المكر والكيد، والخُداع والنسيان، في حين أنّنا نعلم أنّ الله تعالى منزَّهٌ عن مثل هذه الاَُمور (بِمعانيها ومفاهيمها الرائجة بين البشر) قطعاً ويقيناً، ومع ذلك كرّرَ القرآنُ الكريمُ هذه الصِفات واستعمل الاَلفاظ في حق الله سبحانه.


1 . صحيح البخاري: 4 | 172 .

(291)

1. (إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً)(1).

2. (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً)2.

3. (إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)(2).

4. (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)4.

وعَلى كلّ حالٍ فإنّ لمحقّقي الشيعة حول استعمال لفظ البداء، بالنظر إلى امتناع حصول التغيّر، والتبدّل في علم الله تعالى دراساتٍ وتحقيقاتٍ قَويّةً وشيِّقةً لامجال لذكرها هنا، ونحن نحيل من يحب الاطّلاعَ عليها إلى الكتب والمؤلّفات التي تتضمن هذه الاَبحاث(3).

الاَصلُ التاسعُ والعشرون بعد المائة: الرَجعة

«الرَجعَة» في اللغة تعني العَودة، والمقصود منها في الثقافة الشيعيّة هو عودة جماعةٍ من الاَُمّة الاََسلاميّة إلى الحياة بعد ظهور الاِمام المهديّ عجّل اللهُ فرجَه الشريف، وقبل قيام القيامة.

ويَشهَد القرآنُ الكريمُ قبل أيّ شيءٍ بوجود مسألة الرَّجعة في الثقافة الاِسلاميّة.


1 . الطارق | 15 ـ 16 .2. النمل | 50 .
2 . النساء | 143 .4. التوبة | 67 .
3 . كتاب التوحيد للصدوق، ص 331 ـ 336؛ تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد 24؛ عدة الاَُصول 2 | 29؛ كتاب الغيبة، ص 262 ـ 264 طبعة النجف.

(292)

فقد قال سبحانه وتعالى في سورة النَّمل الآية 83 :

(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ).

وفي الآية 87 من سورة النمل يقول:

(وَيَومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الاَرْضِ إِلاّ من شاءَ الله وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرينَ).

أي بعد النفخ يفزع كل الناس جميعاً ومن دون استثناء.

إنّ الآية الاَُولى تتحدّث عن إحياء فريقٍ خاصٍّ في اليوم الاَوّل بينما تتحدث الآيةُ الثانيةُ عن إحياء جميع الناس مّما يكشف عن أنّ اليوم الاَوّل هو غير يوم القيامة وإنّهما يختلفان.

فالقرآنُ يتحدَّث كما نرى بوضوحٍ عن يومين، وقد عطف اليوم الثاني على اليوم الاَوّل، ممّا يكشف عن أن هناك حَشرين وإعادتين إلى الحياة بعد الموت.

ونُذكِّر ثانيةً بأنّ الآية الاَُولى تتحدّث عن إحياء طائفة من الناس ومن الطبيعي أن مثل هذا اليوم لا يمكن أن يكون يوم القيامة، لاَنّ الناس في ذلك اليوم يُحشرون بأجمعهم، كما قال أيضاً في الآيات 93 ـ 95 من سورة مريم:

(إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ والاََرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أحصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً).


(293)

وكما يقول تعالى في آية أُخرى في وصف يوم القيامة:

(وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(1).

فيُستنتج من المقارنة بين الآية 83 من سورة النمل وبين الآيات 93 إلى 95 من سورة مريم و 47 من سورة الكهف الاختلاف بينها في المضمون: أنّ العالم البشري ينتظر يومين يُحشَر في أحدهما بعضُ الناس ، ويُحشَر في الآخر جميعهم بلا استثناء.

وروايات الشيعة التي ترتبط بالرجعة، تتعلق بما يقع بعد ظهور الاِمام المهدي ـ عليه السلام ـ ، وقبل يوم القيامة.

إنّ عودة جماعة من الصالحين، والظالمين قبل يوم القيامة ليس بالاَمر العجيبِ أبداً لاَنّه قد وَقَع مثلُ ذلك في الاَُممَ السالفة حيث عاد بعضُ الناس إلى الحياة مرةً أُخرى ثم ماتوا بعد ذلك ثانية.(2)

إنّ عودةَ البعض إلى الحياة في هذا العالَم (الدنيويّ) بعدَ الموت لا هو مخالف لحكم العقل، ولا هو معارضٌ للنقل، لاَنّه كما أسلفنا مّما صرّح القرآنُ الكريمُ بوقوع نظيره في الاَُمم السالِفة، وهذا هو خير دليلٍ على إمكان وقوعه.


1 . الكهف | 47 .
2 . مِثل إحياء فريق من بني إِسرائيل، كما في سورة البقرة الآيات 55 ـ 56، وإحياء المقتول من بني إسرائيل بواسطة بقرة بني إسرائيل، كما في سورة البقرة الآيات 72 و 73، وموت جماعة من الناس وإحيائهم كما في سورة البقرة الآية 243، وإِحياء عزير بعد مائة عام، كما في سورة البقرة الآية 259، وإحياء الموتى بإعجازٍ من السيد المسيح كما في سورة آل عمران الآية 49.

(294)

على أنّ «الرَّجَعةَ» تختلف عن «التَّناسخ»، وتشبيه الاََوّل بالثاني تشبيهٌ خاطىٌَ جِداً، وذلك لاَنّ «التناسخ» يعني عودة الرُّوح والنفس إلى الحياة بعد الموت مرّةً أُخرى إبتداءً من مرحلة النطفة، أو تعلّقها بِبَدنٍ آخر، والحال أنّه لا يَحدُث مثلُ هذين الاَمرين الباطلين في «الرجعة» قط.

إنَّ حكمَ الرَجعة ـ من هذه الجهة ـ أشبه ما يكون بعودة الموتى إلى الحياة في الاَُمم السابقة وبالمعادِ الجِسمانيّ الذي يقع في القيامة.

وفي الحقيقة إنّ «الرَّجعة» هو مظهرٌ مصغَّرٌ مِن القيامة النهائية الحقيقيّة الكبرى التي يُحشَر فيها الناسُ أجمعون، وبلا إستثناء.

إنَّ البَحث المفَصَّل حول «الرَّجعة» والحديث حول جزئيّاتها، وتفاصيلها، موكول إلى: كتب التفسير، والحديث، والكلام، الشيعية، وقد بَلَغت رواياتُ الشيعة في هذا المجال حدَّ التَّواتر، وثمّت مايفوق ثلاثين حديثاً رويت في أكثرمن خمسين مؤلَّفاً(1).

الاَصلُ الثلاثون بعد المائة: عدالة الصحابة

إنّ لِصَحابة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذين آمَنوا به في حياته، واستفادوا منه المعرفةَ، وأخذوا عنه العلمَ، والسنة، احتراماً خاصّاً عندنا نحن الشيعة الاِمامية، وذلك من دون فرقٍ بين الذين استُشهدوا في معركة «بدر» و«أُحد» و«الخندق» و«حُنين»، أو بقوا على قيد الحياة بعد رَسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 . لاحظ بحار الاَنوار: 53 | 136 .

(295)

فكل هؤلاء الذين آمنوا برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعاشوا معه، وصَحِبُوه محترمون، ولا يجوز لمسلمٍ في العالم أن يسيء إلى صحابة رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (من جهة كونهم صحابةً للنبيّ) أو يؤذيهم، ونِسبة مثل هذا الموقف إلى فريق من المسلمين نسبةٌ ظالمةٌ وافتراءٌ مرفوض.

ولكن إلى جانبِ هذه المسألة ثمّت مسألةٌ أُخرى يجب دراستها من دون تعصّب أو حبّ وبُغض غير مُبرَّرَين، وهي: هل أن جميع صحابة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عدولٌ وأتقياء، ومنزَّهون عن الذنوب، أو أنّ حكمَ الصحابة في هذه النقطة هو عين حكم التابعين الذين لا يمكن ان نعتبر جميعهم عدولاً أتقياء.

إنّ من البديهيِّ أنَّ مرافقة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورؤيته وان كانت مبعث فخرٍ واعتزاز لمن يرافقه ويراه إلاّ أنّ كل هذه الاَُمور لا توجب المصونية لهم من الذنوب، ولا الحصانة من المعاصي، ولا يمكن النظر إلى جميع الصحابة بنظرة واحدة ومساوية، واعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء، مبرَّأين عن كلّ زَلَلٍ وخطل، ذلك لاَنّهم ـ بشهادة القرآن ـ من حيث الاِيمان والِنّفاق، ومن حيث الطاعة والعِصيان، والتسليم وعدم التسليم أمامَ الله ونبيّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أصناف مختلفة، وفي هذا التصنيف لا يمكن اعتبارهم جميعاً في مرتبةٍ واحدةٍ، ولا اعتبارهم جميعاً عدولاً أتقياء.

إنّه ممّا لاشكَّ فيه أنّ القرآن الكريم مدح أصحاب النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مواقع مختلِفة(1) وللمثال قد ذَكَرَ القرآنُ أنّ اللهَ رضى عن الّذين بايَعوا


1 . لاحظ سورة التوبة | 100، وسورة الفتح | 18 و 29، وسورة الحشر | 8 و 9.

(296)

تَحتَ الشجرة في حالة صلح الحديبية، إذ قال سبحانه:

(لَقَد رَضي اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيبا)(1).

فالآية تعكس رضى الله سبحانه عن المؤمنين، لكنّها لا تعني انّهم صاروا بذلك عدولاً أتقياء إلى آخر عمرهم وان عَصَوا وخالفوا أمره سبحانه، نعم ثبت رضاه سبحانه عنهم في فترة خاصة وهو حال المبايعة بشهادة قول: (إذ يبايعونك) وهو ظرف للرضا. فهذا المدح لهم لا يدلُّ على ضمان صلاحِهم واستقامتِهم حتى آخر لحظة من حياتهم.

ولهذا إذا سلك شخصٌ أو أشخاصٌ منهم طريق الخلاف فيما بعد لم يكن رضا الله تعالى عنهم في طرف المبايعة دليلاً على تقواهم المستمرّ، ولا شاهداً على فلاحِهم الاَبديّ، لاَنّ شأنَ هذا الفريق، ومقامَهم ليس أعلى ولا أسمى من شأن ومقام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي قال الله مخاطباً إيّاه:

(لَئنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(2).

إنّ الآيات المادحة للمهاجرين والاَنصار تبيّن ما حصل عليه هؤلاء الاَشخاص من الكمال في تلك الحالة، ومن البديهيِّ أنّهم سيكونون مفلِحين دائماً إذا حافظوا على هذا الكمال إلى آخر لحظة من حياتهم.


1 . الفتح | 18 .
2 . الزمر | 65 .

(297)

وعلى هذا الاَساس لو دلّتِ الدلائلُ القاطعة من الكتاب والسُّنّة على انحراف فردٍ، أو أفرادٍ لا يَصحُّ في هذه الحالة الاستنادُ إلى المدائح المذكورة لهم.

ولنضربْ مَثَلاً على ذلك ما جاء في القرآن الكريمِ في حق أحد الصحابة.

فإنّ القرآنَ الكريمَ وصف أحد الصحابة بأنّه «فاسق»(1) إذ قال:

(إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنباًَ فَتَبَيَّنُوا)(2).

وقال في آية أُخرى :

(أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ) (3).

إنّ هذا الفرد بِشهادة التاريخ القطعيّ هو «الوليد بن عُقبة» وكان من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رغم كونه صحابيّاً ومهاجراً وهما فضيلتان سامقتان إلاّ أنّه لم يتمكّن من المحافظة على هاتين الفضيلتين، بل تسبَّبَ كِذبُه على طائفة «بني المصطَلَق» بأن يُذكَر بلفظ «الفاسق».

ومع الاِلتفات إلى هذه الآية ونظائرها(3) وكذا ملاحظة الاَحاديث التي وَرَدَت في ذمّ بعض الصَّحابة في كتب الحديث(4) وكذا في ضوء


1 . راجع التفاسير عند توضيح هاتين الآيتين .
2 . الحُجُرات | 6 .3. السجدة | 18 .
3 . لاحظ آل عمران | 153 ـ 154، الاَحزاب | 12، التوبة | 45 ـ 47 .
4 . جامع الاَُصول، ج 11، كتاب الحوض، الحديث رقم 7972 .

(298)

مطالعة التاريخ الاِسلاميّ والوقوف على سيرة بعضهم(1) لا يمكن اعتبار جميع صحابة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذين يتجاوز عددهم المائة ألف شخصٍ عُدولاً أتقياء جميعاً.

على أنّ ما نحن بصدد بحثِه ودراستهِ هنا هو «عدالةُ جميع الصحابة» لا سبّ الصحابة، وإنّ من المؤسف أنّه لم يفرّق البعضُ بين المسألتين، وإنّما عمد إلى اتّهام المخالفين في المسألة الاَُولى والاِيقاع فيهم في غير ما حق.

وفي الخاتمة نؤكّدُ على أنّ الشيعةَ الاِماميّة لاترى احترام صحبة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مانعاً من مناقشة أفعال بعض صحابته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والحكم عليها وتعتقد بأنّ معاشرةَ النبي لا تكون سبباً للمصُونيّة من المعاصي إلى آخر العمر.

على أنّ موقف الشيعة، في هذا المجال ينطلق من الآيات القرآنية، والاَحاديث الصحيحة، والتاريخ القطعي، والعقل المحايد الحصيف.

الاَصلُ الواحدُ والثلاثون بعد المائة: محبَة النبي وآله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّ محبَّة النبيّ وأهلِ بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ومودَّتهم من أُصول الاِسلام الّتي أكدَّ عليها القرآنُ والسُّنة، فقد قال القرآن الكريمُ في هذا الصَّدَد:


1 . صحيح البخاري، ج 5، تفسير سورة النور، ص 118 ـ 119.

(299)

(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم منَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1).

وقال في آية أُخرى :

(فالّذينَ آمَنُوا به وَعزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُون)(2).

فَإنّ الله تعالى يَعُدُّ ـ في هذه الآية ـ أربع خصوصيات للمفلحين وهي:

1. الاِيمانُ بالنبي: (آمَنُوا به).

2. تكريمهُ وتوقيره: (وعَزّرُوه).

3. نصرهُ وتأييده: (ونَصَروه).

4. إتّباعُ النور (القرآن) الذي أُنزِلَ معه: (واتّبَعَوا النّوُر الّذي أُنزِلَ مَعَهُ).

ونظراً إلى أن «نصرةَ» النبيّ الاَكرم جاءَت في الخصيصة الثالثة لذا لا مناص من أنْ يكون المرادُ بلفظة «عَزّرُوه» في الخصيصة الثانية هو تكريمُ النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتعظيمه ولاشك أنّ تعظيمه وتكريمه لا يختص بزمان


1 . التوبة | 24 .
2 . الاَعراف | 157.

(300)

حياته، كما أَنّ الاِيمان الذي ورد ذكره في الآية ليس محدوداً كذلك.

وفي مجال لزوم محبّة أهل بيته ومودّتهم يكفي أنّ القرآن الكريم اعتبرها أجراً للرسالة (أي أنّه بمنزلة الاَجر لا الاَجر الواقعي)، إذ يقول تعالى:

(قُلْ لا أسألكُمْ علَيه أجْراً إلاّ المودَّةَ فِي القربى)(1).

إنّ الدعوة إلى محبّة النبيّ، ومودَّته والحث عليها لم يرد في القرآن الكريم وحده. بل جاء التأكيد عليها حتى في الاَحاديث الشريفة التي نذكر منها نموذجين على سبيل المثال لا الحصر:

1. قالَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من وُلْدِهِ والناسِ أجمعين»(2).

2. وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديثٍ آخر: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، ذاقَ طَعمَ الاِيمانِ: مَنْ كانَ لا شيءَ أحبَّ إليه من الله ورسوله، وَمَنْ كان لئِن يُحَرق بالنّارِ أحبّ إليه من أن يرتدَّ عن دِينهِ، وَمَنْ كانَ يحبُّ لله ويُبْغِضُ لله».(3)

كما أنّ محبَّة أهلِ بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومودَّتهم جاءَ التأكيدُ والحثُّ عليها في الاَحاديث الشَرِيفة أيضاً ونود ذكر بعض تلك الاَحاديث على سبيل النموذج:


1 . الشورى | 23 .
2 . كنز العمال ج 1 | 37، ح 70 .
3 . كنز العمال: ج 1، ح 72 ؛ وجامع الاَُصول ج 1، ص 238.

(301)

1. قالَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكونَ أحبَّ إليه من نَفْسِهِ وَتكونُ عِترتي أحبَّ إليه من عِترَتِهِ ويكون أهلي أحبَّ إليه من أَهْلِهِ»(1).

2. وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديثٍ آخر: «مَنْ أحبَّهُمْ أحَبَّهُ الله، ومَنْ أبْغَضَهُمْ أبَغْضَهُ اللهُ» (2).

إلى هنا تَعَرّفنا على أَدلّة هذا الاَصل (وهو لزوم محبّة النبيّ وعترتِهِ ومودّتهم) والآن ينطرح السؤالان التالِيان:

1. ما هي الثمرة الّتي تجنيها الاَُمّةُ من مودَّة النبيّ وعترته؟

2. ما هي كيفيَّة مَودّةِ النبيّ وعترتهِ؟

لابدّ في هذا المجال أن نذكرَ أنّ محبّة الاِنسانِ الفاضِل الكامِل ومودَّته توجب بنفسها صعودَ الاِنسان في مدارج الكمال، فإنَّ الاِنسان إذا أحبّ شخصاً من صميم قلبه سعى إلى التشبّه به في حركاته وسكناته، وتحصيل ما يُسرُّ ذلك الشخص في نفسه وذاته، وترك ما يؤذيه ويزعجه.

ومن الواضح أنَّ وجودَ مثلَ هذه الروحيّة في الاِنسان توجب التحوّل فيه، وتبعَثُه على سلوكِ طريقِ الطاعة واجتنابِ طريقِ المعصيَة دائماً.

إنّ الّذي يُظهرُ التعلُّقَ بأحدٍ ويتظاهر بمودته بينما يخالِفه في مقام العمل يفتقد المحبَّةَ الحقيقيّة.


1 و 2 . مناقب الاِمام أمير المؤمنين تأليف الحافظ محمد بن سليمان الكوفي ج 2 ح 619 و 700 ؛ وبحار الاَنوار ج 17 ص 13 ؛ وعلل الشرائع الباب 117 ح 3.

(302)

وقد نُسِب بيتان من الشِعر إلى الاِمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ جاءت الاِشارة فيهما إلى هذه النقطة، إذ يقول:

تعصي الاِلَه وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ * هذا لَعْمري في الِفعالِ بَديعُ
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لاََطعتهُ * إنّ المحبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ(1)

والآن ـ وبعد أن تَبَيَّن بعضُ ثمرات مودّةِ النبيّ وعترتِه ـ يجب أن نشيرَ إلى أُسلوب إظهار تلك المودة.

لاشك أنّ المقصودَ من «الحبّ» ليس هو الحبُّ الباطنيّ العاريّ عن أيّ عمل يناسبُه، بل المقصودُ هو المودّة التي تَظهَر آثارُها المناسبة على قول الاِنسان وفعله.

ومن أحد الآثار البارزة لمحبّة النبيّ وآله الطاهرين هو اتّباعه العمليّ كما مرّت الاِشارة إلى ذلك، ولكن الحديث هنا هو عن الآثار الاَُخرى لهذه الحالة الباطنية، وتتمثل في كلّ ما يعدّه الناس من الاَقوالِ والاَفعال، علامةً للحبّ والمودّة تحتَ هذه القاعدة، شريطة أن يكون تكريم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعملٍ مشروعٍ لا بعملٍ حرامٍ.

وعلى هذا فإنّ تكريمَ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته: في كلّ زمانٍ، وبخاصة في مواليدهم أو وَفياتهم،يتحقّق بإظهار المودة لهم وإبراز التكريم لشَخصيّاتِهم.

فالاِِحتفال بمواليدهم وإشعال المصابيح ونصب الاََعلام والرّايات الملونة، ونشر معالم الزينة، وإقامة مجالس تُعرَضُ فيها فضائلُ النبيّ أو أهل بيته يُعدّ آيةَ المودة وعلامة المحبّة لهم، وعلى هذا الاََساس كان تكريمُ النبي في يوم مولِدهِ سنّةً مستمرةً بين المسلمين.

يقول القسطلاني في كتابه «المواهب اللدنيّة»: ولا يزال أهل الاِسلامِ يَحتَفلون بشهر مولده ـ عليه السلام ـ ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاتِه كل فضلٍ عميم.(2)


1 . سفينة البحار: 1 | 199 .
2 . المواهب اللدُنيّة، ج 1 ص 27؛ وفي تاريخ الخميس ج 1 ص 223 مثله.
Website Security Test