welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

(257)

كليات في العقيدة

8

الفصل التاسع

في معالم الإيمان والكفر


(258)

(259)

الاَصلُ العشرون بعد المائة: حدّ الاِيمان والكُفر

إنّ حدَّ «الاِيمان» و «الكُفر» من المباحث الكلاميّة والاِعتقادية الهامّة جدّاً.

فالاِيمان في اللُّغة يعني التّصديق و «الكُفر» يعني السَتر، ولهذا يُقال للزارع «كافر» لاَنّه يستر الحبَّةَ بالتراب، ولكن المقصود من «الاِيمان» في المصطلَح الدينيّ (وفي علم الكلام والعقيدة) هو الاِعتقاد بوحدانيَّة الله تعالى، والآخرة ورسالة النبي الخاتم محمّد المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

على أنَّ الاِيمان برسالة النبيّ الخاتِم يشمُلُ الاِيمانَ بِنبوّة الاَنبياء السابقين عليه، والكتب السّماوية السابقة، وما أتى به نبيُّ الاِسلام من تعاليم وأحكام إسلاميّة للبشر من جانب الله أيضاً.

إنّ المكان الواقعي والحقيقي للاِيمان هو قلب الاِنسان وفؤادُه كما يقول القرآن:

(أُولئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الاِِيمَانَ)(1).


1 . المجادلة | 22 .

(260)

كما أنّه يقول لسُكّان البَوادي الذِين استسْلَمُوا لِلحاكميّة الاِسلامية وسلطتها من دون أن يَدخلَ الاِيمانُ في أفئدتِهِم:

(وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُمْ)(1).

ولكنّ الحكمَ بإيمان الشخص مشروطٌ بأن يعبّر عن ذلك بِلسانه وإقرارِهِ اللفظي أو يُظهِرَه بطريقٍ آخر، أو لا يُنكر اعتقادَه به على الاَقل، وذلك لاَنّ في غير هذه الصورة لا يُحكم بإيمانِهِ كما قال :

(وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ)(2).

في ضوءِ هذا يكونُ قد تبيَّنَ معنى «الكفر» وحدّه أيضاً، فاذا أنكر شخصٌ وحدانيّةَ الحقِّ تعالى، أو أنكرَ يومَ القيامة، أو رسالة النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حُكِمَ بكفره حتماً، كما أنّ إنكار أحد مسلّمات الدين المحمديّ وضروريّاته التي يكون إنكارها مستلزِماً لاِنكار رسالةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بشكلٍ واضحٍ يجعلُ الاِنسانَ محكوماً بالكفر أيضاً.

فعندما أعطى رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الراية لعلي ـ عليه السلام ـ لفتحِ قِلاعِ خيبر، وأخبرَ الناسَ بأن حاملَ هذه الراية سيفتح خيبراً، في هذه اللحظة قال الاِمامُ عليٌ ـ عليه السلام ـ لرسول اللهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسولَ الله على مَ أُقاتلهُمْ؟؟

فقال النبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «قاتِلْهُمْ حَتّى يَشهَدُوا أنْ لا إِلَه إلاّ اللهُ وأنّ محمداً رسولُ الله، فإذا فَعَلُوا ذلك فقد مَنَعوا مِنْكَ دِماءَهُمْ وأموالَهم إلاّ بحقها،


1 . الحجرات | 14 .
2 . النمل | 14 .

(261)

وحسابُهم على الله».(1)

وسَأَلَ شخصٌ الاِمامَ الصادق ـ عليه السلام ـ فقال: ما أدنى ما يكونُ به العَبدُ مُؤمِناً؟

قالَ ـ عليه السلام ـ : «يَشْهَد أن لا إلَه إلاّ الله، وأنّ مُحمداً عبدُهُ ورسولهُ، ويُقرّ بالطّاعَةِ، ويعرف إمامَ زمانِهِ، فاذا فَعل ذلكَ فَهُو مؤمِنٌ».(2)

الاَصلُ الواحدُ والعشرون بعد المائة: الاِيمان مشروط بالالتزام بالعمل الصالح

إنّ حقيقةَ الاِيمان وان كانت هي الاِعتقاد القلبي (المشروط بالاِظهار أو عدم الاِنكار على الاَقلّ) ولكن يجب ان لا يُظَنَّ أنّ هذا القَدَر من الاِيمان كافٍ في فلاحِ الاِنسانِ، بل يجب على الشَخْصِ أن يَلتَزِمَ بلوازم الاِيمان وآثاره العَمَليّة أيضاً.

ولهذا فقد وُصِف المؤمنُ الواقعي وعُرّف في كثير من الآيات والرّوايات بأنه الملتزم بآثار الاِيمان، والمؤدّي للفرائض الاِلَهيّة.

فقد اعتبر القرآنُ الكريمُ في سورة «العصر» كلّ الناس في خسر إلاّ من اتّصف بالصّفات التالية حيث قال:

(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالحَقّ وَتَواصَوْا


1 . صحيح البخاري: كتاب الاِيمان، 10 ؛ صحيح مسلم: ج 7، باب فضائل علي، 121.
2 . بحار الاَنوار: 69 | 16، كتاب الاِيمان والكفر، نقلاً عن معاني الاَخبار للشيخ الصدوق، وسند الحديث صحيح.

(262)

بِالصَّبرِ)(1).

وقد روى الاِمامُ الباقر ـ عليه السلام ـ عن الاِمام علي ـ عليه السلام ـ أن رجلاً قال له: من شهد أن لا إلَه إلاّ اللهُ وأنّ محمّداً رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانَ مؤمناً؟

قال: «فأينَ فرائضُ الله»؟(2).

وَقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «لو كانَ الاِيمان كلاماً، لم ينزلْ فيه صومٌ، ولا صلاةٌ، ولا حلالٌ، ولا حرام».(3)

فيُستنتَج من البَيان السابق أنّ الاِيمان ذو مراتب ودَرَجات، وأنّ لكلِ مرتبة أثراً خاصّاً بها، وأن الاعتقاد إذا اقترن بالاِظهار أو عدم الاِنكار على الاَقل، كان أضعف مراتب الاِيمان وأدونها، وتترتّب عليه سلسلةٌ من الآثار الدِينيّة، والدنيويّة، في حين أن المرتبة الاَُخرى للاِيمان التي توجب فلاحَ الاِنسان في الدنيا والآخرة رهنٌ للاِلتزام بآثاره العمليّة.

والنقطة الجديرةُ بالِذّكر هي أنّ بعضَ الروايات اعتبرت العَمَلَ بالفرائض الدينيّة ركناً من أركان الاِيمان، فقد روى الاِمامُ الرضا ـ عليه السلام ـ عن رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «الاِيمان معرفة بالقلب وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالاَركان»(4).

وفي بعضِ الرّوايات جُعِلَت أُمور، مثل إقامة الفرائض، وأداء الزكاة


1 . العصر | 3 .
2 . الكافي : 2 | 33 .
3 . الكافي: 2 | 33 ، الحديث 2 .
4 . عيون أخبار الرضا: 1 | 226 .

(263)

والحج، وصومِ شهرِ رمَضَان، إلى جانب الشهادتين أيضاً.(1)

إنّ هذه الروايات إمّا هي ناظرةٌ إلى أنّه يمكن تمييز المسلم عن غير المسلم بواسطة هذهِ الاََعمال، أو أنّ ذكرَ الشهادتين إنّما يكونُ سبباً للنجاة وموجباً للفلاح إذا اقترنَت وانضمّت إلى أعمالٍ شرعيةٍ أهمُّها وأبرزُها: الصلاةُ، والزكاةُ، والحجُ، والصوم.

بالنَظَر إلى هذين الاَصلين يجب أن لا تُكَفِّرَ أيَّةُ فِرقة من فِرَقِ المسلمين الفرقةَ الاِسلامية الاَُخرى التي تخالفُها في بعض الفرُوع، لاَنّ ملاكَ «الكُفر» هو أنْ ينكرَ الشخصُ أحدَ الاَُصول الثلاثة، أو إنكار ما يلزَمُ من إنكاره إنكار أحَدِ الاَُصول الثلاثة المذكورَة، وهذه الملازمة إنّما تتحقَّق إذا كان حكمُ ذلك الشيء بديهيّاً من وجهة نظرِ الشَرع، وواضحاً جِدّاً إلى درجة أنّه لا يستطيع أنْ يجمعَ بين إنكاره والاعترافِ بالاَُصول الثلاثة.

وعلى هذا الاَساس ينبغي للمسلمين أن يحفظوا في جميع المراحل أُخوَّتَهم الاِسلاميَّة، ولا يَسْمَحُوا بأنْ يَصيرَ الاختلافُ في الاَُمور المتعلّقة بالاُصولِ سبباً للنزاع، وربّما لتفسيقِ أو تكفير فرقةٍ لاَُخرى، وأن يكتفوا في الاختلافات الفكريّة والعقيديّة بالحوار العلميّ والمناقشة الموضوعيّة، ويتجنَّبوا إقحام التعصُّب غير المنطقيّ، والاِتهام والتحريف في هذا المجال ابقاءً على الصّفاء والمودّة بين المسلمين.


1 . صحيح البخاري: 1 | 16، كتاب الاِيمان شهادة أن لا إلَه إلاّ الله وأنّ محمّداً رسولُ الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ ، وصوم رمضان.

(264)

الاََصلُ الثاني والعشرون بَعدَ المائة: لا يجوز تكفير المسلم المعتقد بالاَُصول الثلاثة

إنّ المسلمين في عالمنا الراهن يتّفقون في الاَُصُول الاَساسية الثلاثة(1)، فيلزمُ أنْ لا يكفِّرَ فريقٌ فريقاً آخر بسبب الاختلاف في بعض الاَُصولِ، أو الفروع الاَُخرى، وذلكلاََنَّ الكثيرَ من الاَُصول المختَلف فيها، هي في الحقيقة من القضايا الكلاميّة التي طرِحَت على بساط البحثِ والمناقشة بين المسلمين فيما بعد، ولكَلِّ فريقٍ منهم أدلّتهُ وبراهينهُ فيها.

وعلى هذا لا يُمكن أن يُتّخَذَ الاختلافُ في هذه المسائل وسيلةً لتكفير هذه الفرقة، أو تلك أو ذريعة لتفسيق هذه الطائفة، أو تلك، ولا سبباً لِتفتيت وحدةِ المسلمين.

إنّ أفضلَ الطُرق لحلّ هذا الاِختلاف هو الحوارُ العلميُّ بمنأى عن العَصَبيّات الجافّة، وَالمواقف المتزمّتة وغير الموضوعية.

يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصَّدَد:

(يا أيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاّ تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً)(2).

ولقد صرّح النبيُ الاَكرمُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد ذكرهِ لاَهَمّ أُسُس الاِسلامِ وأُصُوله، بأنَّه لا يحقُّ لمسلمٍ أنْ يُكفّرَ مُسلماً آخر لارتكابه معصية، أو يرميَه بالشرك، إذ قال:«لاتُكَفّروُهُمْ بِذَنبٍ ولاتَشْهَدُوا عليهِم بِشِرْكٍ» (3).


1 . وهي الاَُصُول التي يرتبط تحقّق «الاِيمانُ» و «الكفرُ» بقبولها أو رفضِها. وهي: الشهادة بوحدانية الله، والاِيمان بنبوة خاتم الاَنبياء محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمعاد في يوم القيامة.
2 . النساء | 94 .
3. كنز العمّال: ج 1، الحديث 30.

(265)

الاَصلُ الثالث والعشرون بعد المائة: البدعة

«البِدعة» في اللغة تعني العَمَل الجديد والذي لاسابق له، الذي يبيّن نوعاً من الحُسن والكمال في الفاعل، فلفظ «البديع» من صفات الله كما نعلم كما، قال تعالى:

(بَدِيعُ السَّمَوتِ وَالاََرضِ)(1).

وأمّا المفهومُ الاِصطلاحيّ للبدعة، فهو أيضاً نسبةُ ما ليس من الشريعة إلى الشريعة، وأكثر التعاريف اختصاراً للبدعة الاِصطلاحيّة هو: «إدخالُ ما ليسَ مِنَ الدّيِنِ في الدينِ».

إنَّ الابتداع في الدين من الذُنوب الكبيرة، وهو مما لا شك قط في حرمته فقد قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كلُّ مُحدَثَةٍ بِدعَة وكلُّ ضَلالةٍ في النّار»(2).

والنقطةُ المهمّة الوحيدةُ في مسألة البِدعة هي أن يُحدَّدَ مفهومُ «البِدعة» بصورةٍ جامِعةٍ ومانِعةٍ ليمكن تمييزُ ما هو بدعةٌ عمّا ليس ببدعةٍ.

وفي هذا الصَّعيد، ولاِزالة الاِبهام عن حقيقة «البدعة» يجب الالتفات والانتباه إلى نقطتين:

1. إنّ البِدعة نوعٌ من التصرّف في الدِين، وذَلك بإحداث الزيادة أو النقص فيه.


1 . البقرة | 117 .
2 . بحار الاَنوار: 2 | 263، مسند أحمد: 4 | 126، 127 .

(266)

وعلى هذا الاَساس إذا لم يَكُن إحداثُ شيءٍ، مما يرتبطُ بالدِّين والشريعة، بل كان أمراً عاديّاً أو عُرفيّاً لم يكن بدعةً (وإن كانت مشروعيّته مشروطة بأن لا يكونَ الابتداع والاِبتكار المذكور محرَّماً أو ممنُوعاً في الشرع بدليلٍ خاصٍ).

وللمثال: إن البشريّة تبتكرُ باستمرار أساليب جديدة في مجال المسكن والمَلبس وغير ذلك من وسائل العيش وخاصّة في عصرنا الحاضر الذي تتطور فيه الاَساليب والاَدوات المستخدَمة في المعيشَة باستمرار، وبشكلٍ متواصلٍ ونضربُ على ذلك مثلاً أنواع النزهة والرياضة الجديدة، بل والمتجدّدة على الدوام.

إنّ من البديهي أنّ كلَّ هذه الاَشياء والاَُمور نوعٌ من البدعة والاَُمور البديعة (بمعنى ما لم يكن له سابق) ولكنها لا صلة لها بالبدعة المصطلَح عليها شرعاً.

إنّما تتوقَّفُ حليّتُها وحليّةُ الاستفادةِ منها ـ كما قلنا ـ على أن لا تكونَ مخالِفةً لاَحكام الشَرع وموازينه.

فمثلاً اختلاط الرجلِ والمرأة من دون حجابٍ في المجالس، والمحافل ـ الذي هو من مستورَدات الغرب الفاسد، ومعطيات ثقافته المنحرفة ـ حرامٌ، إلاّ أنّه ليس ببدعَة، لاَنّ الذين يشتركونَ في هذه المحافل لا يأتونَ بهذا العمل باعتباره عملاً أقرّ الشرعُ الاِسلاميُ صحَّته وقرَّره، بل ربما أتَوا به من بابِ اللاّمبالاة مع الاِعتقاد بأنّه مخالفٌ للشرع ولهذا ربما تنبَّهوا وعادوا لرشْدهِمْ فقرّرُوا بجديّةٍ تركَه، وعدم


(267)

الاِشتراك فيه.

وإنطلاقاً من التوضيح السابقِ إذا عيَّنَ شعبٌ مّا يوماً، أو بعض ا لاَيّام للفَرحَ والاِبتهاج والاجتماع، ولكن لا بقصد أنّ الشَرع أمرَ بهذا لم يكن مثل هذا العمل (بدعة) وإن كانت حليّةُ أو حرمة هذا العمل من جهاتٍ أُخرى يجب أن تقع محطّاً للبحث والدراسة.

من هنا اتّضح أنَّ الكثيرَ من مبتكرات البشر، وبدائعه، في مجال الفنّ والرياضة، والصناعة وغير ذلك خارجٌ عن نطاق البدعة الاصطلاحية، وما يقالُ حول حرمَتها، أو حليّتها، إنّما هو ناشىَ من جهات أُخرى ولهما ملاكٌ ومقياسٌ خاص.

2. إنّ أساس «البدعة» في الشرع يرجع إلى نقطةٍ واحدة وهي الاِتيان بعملٍ بزعم أنّه أمرٌ شرعيٌّ أمَرَ به الدين في حين لا يوجد لمشروعيته أيُّ أصل ولا ضابطة، ولكن اذا أَتى بعمل على أنّه أمر شرعي ويدل على مشروعيته دليل شرعي (بشكلٍ خاصٍ، أو بصورةٍ كليّةٍ وعامّة) لم يكن ذلك العملُ بدعةً.

ولهذا قالَ العالِمُ الشيعيُّ الكبيرُ العلاّمةُ المجلسي: «البدعة في الشرع ما حَدَثَ بعد الرَسول ولم يكن فيه نصٌّ على الخصوصِ ولا يكونُ داخلاً في بعضِ العمومات».(1)

وقال ابن حجر العسقلانيّ: «البِدعة ما أُحدِثَ وليسَ لهُ أصلٌ في


1 . بحار الاَنوار: 74 | 202 .

(268)

الشَرعَ. وما كان له أصلٌ يدل عليه الشرع فليس بِبِدعة»(1).

فإذا كان العملُ الذي نَسَبْناه إلى الشرع يستندُ إلى دَليلٍ خاصّ، أو ضابطةٍ كليّةٍ في الشرع لم يكن بدعةً حتماً.

والصورةُ الاَُولى (أيْ وجود الدليل الخاص) لا يحتاج إلى بيانٍ.

إنّما المهم هو القِسم الثاني لاَنّه ربَّ عَمَلٍ كانَ في ظاهرهِ عَملاً مبتدَعاً جديداً ومبتكراً، ولم تكن له سابقةٌ في الاِسلام، ولكنّه في معناه وحقيقتهِ يدخُلُ تحت ضابطةٍ أقرَّها الشرعُ الاِسلاميُّ بصورةٍ كليّةٍ.

ولِلمثال: يمكنُ الاِشارة إلى التجنيدِ الاِجباريّ العامّ المتداوَلِ اليوم في أكثر بُلدانِ العالم.

فإنَّ دعوةَ الشباب إلى خدمة العَلَم كوظيفةٍ دينيةٍ، وإن كانت في ظاهرها عَمَلاً مبتكراً ومبتدعاً إلاّ أنّها حيث تنخرطُ تحت أصلٍ أو قاعدةٍ دينيّة لا تُعدّ بِدعة، وذلك لاَنّ القرآنَ الكريمَ يقول:

(وأعِدّوا لهُمْ ما استَطعتُمْ من قُوَّةٍ)(2).

ومن البديهيّ أنّ التربية العَسكرِيّة العامة للشباب ـ تُعدُّ في ظلّ التحوُّلات والتَطَوّرات والاَجواء العالميّة ـ سبباً للتهَيّؤ الاَكثر في مقابلِ العدوّ المتربّص، والعملُ بروح الآية المذكورة في عصرنا الراهنِ يقتضي هذا الاَمر.


1 . فتح الباري: 5 | 156، و 17 | 9.
2 . الاَنفال | 60 .

(269)

في ضوء البيان السابق يمكن حلّ ومعالجة الكثير من الشُبهات التي تقيّد البعضَ وتعيقهم عن الحركة.

ونضرب لذلك مثلاً: ما يقومُ به جماهيرُ المسلمين العظمى من الاِحتفالِ بمولدِ النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويراهُ البَعض أو يسمّونه بِدعة، في حين لا ينطبق عليه عنوان البدعة وملاكُها، في ضوء ما قلناه، لاَنّه على فرضِ أنّ هذا النمطَ من التكريم وإظهار المحبّة والتكريم لم يَردْ في الشرع بخصوصهِ. ولكنَّ موَدّة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحُبَّه وحبَّ أهل بيته المطهَّرين سلام الله عليهم أجمعين يُعتبر أحد أُصول الاِسلام الضروريّة وتُعتَبَر هذه الاِحتفالات والاِجتماعات الدينية البهيجة مِن مظاهر ذلك الاَصل الكليّ ونعني المحبة والمودة للنبي وآله.

فقد قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يؤمِنُ أحدُكم حتّى أكونَ أحبَّ إليه مِن مالِهِ وأهْلِهِ والناسِ أجمعين»(1).

ولا يخفى أن الذين يُظهِرُون البَهجة والفرح في مواليد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته الطاهرين، ويقيمون لاَجل هذه الغاية، الاحتفالات والمجالس لا يهدفون من إقامة الاِحتفال في هذه الاَيام إلى أنّ هذه الاَعمال منصوصٌ عليها ومأمُور بهِا شرعاً بعينها وشكلها الراهن، بل يفعلون هذه الاَعمال باعتقاد أنّ حُبَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمودّة لرسول الله وأهل بيته أصلٌ كلّيٌ وَرَدَ التأكيد عليه في الكتاب والسُّنة بتعابير مختلِفةٍ ومتنوّعةٍ.


1 . جامع الاَُصول 1 | 238 .

(270)

إنّ القرآنَ الكريم يقول: (قُلْ لا أسْئَلُكُمْ عَليه أجراً إلاّ المودّة في القَربى)(1).

وهذا الاَصلُ يمكن أن تكونَ له تجلياتٌ ومظاهرُ مختلِفة ومتنوّعة، منها إقامة هذه الاحتفالات البهيجة على حياة المسلمين الفرديّة والاِجتماعية، فأنّ إقامة الاِحتفالات، في الحقيقة مما يذكّرِ بنزول الرحمةِ والبركةِ الاِلَهيّة في هذه الاَيّام، وهي نوعٌ من أنواع الشُكر لله تعالى أو عملٌ باعث عليه، وهذا المطلب (إي اقامة الاحتفال في يوم نزول الرحمة والفيضِ الربانيّ) كان في حياة الاَُمم السابقة أيضاً كما يصرّحُ بذلك القرآنُ الكريمُ.

فقد طلَبَ النبيُّ عيسى ابنُ مريم ـ عليه السلام ـ مائدةً سماويّة تنزلُ عليه وعلى حواريّيه ليكونَ يومُ نزول تلك المائدة عيداً للجيل الذي كان يعيش بينهم، وللاَجيال اللاحقة كما يقولُ تعالى:

(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاََوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَءَايَةً مِنكَ)(2).

أضف إلى ذلك انّ الله تعالى يقول في آية أُخرى في مجال تكريم النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

(فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئكَ


1 . الشورى | 23 .
2 . المائدة | 114 .

(271)

هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1).

فإنّ الله تعالى يأمر الناسَ في هذه الآية بأربعة أُمور:

1. الاِيمان بالنبيّ (آمَنُوا بهِ).

2. تكريم النبيّ وتعظيمه (عَزّرُوهُ).

3. نصرته (نَصَرُوه).

4. إتّباع القرآن (واتَّبَعُوا النُّور الذي أُنزِل مَعَهُ...).

فلزومُ التكريم والتعظيم للنبيّ كما هو واضح أصلٌ دينيٌّ وقرآنيّ، وله في كل زمان مصاديق ومجالي خاصّة: فالصلاةُ والسلام على النبيّ وأهلِ بيته عند ذكر اسمِهِ، وإظهارُ الفرح والابتهاج يومَ ولادته وبعثته، وكذا إعلانُ الحزنِ والاَسى في مأتمه ومأْتم أهل بيته، وحفظُ آثارِ النبيّ وتعمير مرقده الطاهر وحفظُ آثار أهل بيته، وتعميرُ مراقدهم الطاهرة، كلّها وكلُّها مصاديقُ لاِظهار المودّة والمحبّة للنبيّ الاَكرم وعترتِهِ الطاهرة صلواتُ الله عليهم أجمعين.

على أنّه يجب أن لا يتصوَّر أحَدٌ بأنّ محبّة النبيّ وأهل بيته ومودّتَهم تنحصرُ في هذه الاَُمور فقط، بل يجب الاِنتباه إلى أنّ اتّباعَهم في أقوالهم وأفعالهم، والذي جاءَت الاَشارة إليه في الآية أدناه أيضاً هو من أظهر مصاديق محبّتهم ومودّتهم، كما انّه سببٌ لنيلِ العِناية الاِلَهيّة واللطفِ الربانيّ كما قال:


1 . الاَعراف | 157 .

(272)

(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبوُّنَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم)(1).

والبِدعَة ـ كما أسلَفْنا ـ عبارةٌ عن نوعٍ من التصرّف في الدّين من دون أن يكون له مستندٌ صحيحٌ (خاصٌّ أو كلِّيٌ عامٌّ) في الشرع، ويجب التنويه بأنّ روايات أئمةّ أهلِ البيت: ـ بحكم حديث الثقلين المتواتر ـ تُعَدُّ من مصادر الشريعة، وأدلّةِ الاََحكام الدينيّة وعلى هذا الاَساس إذا صرَّحَ الاَئمةُ المعصومُون: بجواز أو عدم جواز شيءٍ كان اتّباعهم في ذلك اتّباعاً للدِين ولم ينطبق عليه عنوانُ الاِبتداع والاِحداث في الدّين.

وفي الخاتمة نُذَكّر بأنّ «البدعة» بمعنى التَصَرُّف في الدين من دون إذن الله سبحانه كان ولا يزال عَمَلاً قبيحاً وحراماً وقد أشار إليه القرآن بقوله:

(ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أمْ عَلى اللهِ تَفْتَرُونَ)(2).

وعلى هذا الاَساس لا يصحُّ تقسيم البِدعة (بهذا المعنى) إلى القبيح والحَسَن والحرامِ والجائزِ، بل كلُّها (بهذا المعنى) حرامٌ غير جائز.

نعم البِدعة بمعناها اللغويّ العامّ (أي الاِتيان بأشياء حديثة في أُمور المعيشة من دون نسبة ذلك إلى الشرع) يمكن أن تكون له صُوَرٌ مختلفة ومتنوّعة، وتكون مشمولةً لاََحد الاَحكام التكلِيفيّة الخمسة: (الوجوب والحرمة والكراهة والاِستحباب والاِباحة).


1 . آل عمران | 31 .
2 . يونس | 59 .

(273)

الاَصلُ الرابع والعشرون بعد المائة: التقية

إنَّ أحَدَ التعاليم القرآنيّة هو أن يكتم الاِنسانُ المسلمُ عقيدتَه إذا تعرَّضَ في نفسه، أو عِرضِه أو مالِه لِخطرٍ لو أظهرها، ويُسمّى هذا العَمل في لسانِ الشَرع والمصطلَح الشرعيّ بالتقيّة.

إنّ جوازَ «التَقيَّة» لا يحظى بالدَّليل النقليّ فحسب، بل إنّ العقلَ يحكم أيضاً بصحّته ولزومه، ويَشهَد بذلك في شرائط حسّاسةٍ، وخطيرةٍ، لاَنّ حفظ النَّفس، والمالِ، والعِرض، واجبٌ، ولازمٌ من جهة، وإظهارَ العقيدة والعمل وفقَ تلك العقيدة وظيفةٌ دينيّةٌ من جانبٍ آخر، ولكن إذا جرَّ إظهارُ العقيدةِ إلى الخطر على النّفس والمال، والعرض، وتعارضت هاتان الوظيفتان عَمليّاً، حكم العقلُ السليمُ بأن يُقدِّم الاِنسانُ الوظيفةَ الاَهمّ على المهمّ.

والتقية ـ في الحقيقة ـ سلاحُ الضُّعفاء في مقابل الاَقوياء القُساة، ومن الجَليّ أنّه إذا لم يكن خطرٌ ولا تهديدٌ لم يكتم الاِنسانُ عقيدَتَه، كما لم يَعَمل على خلافِ معتقَده.

ينصُّ القرآنُ الكريمُ في شأن عَمّارِ بن ياسر على عدم البأس عمّن يَقعُ في أيدي الكفار، ويُظهرُ كلمة الكفر على لِسانِه للخلاص والنجاة، وقلبُه عامرٌ بالاِيمان مشحونٌ بالاِعتقاد الصِحيح:

(مَن كَفَرَ باللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالاِِيمانِ)(1).


1 . النحل | 106 .

(274)

وَيقولُ في آية أُخرى:

(لاَّ يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرِينَ أَوليَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ)(1).

إنّ المفَسّرِين المسلمين يَتّفقون ـ عند ذِكرِ وتفسيرِ هاتين الآيَتين ـ على أنّ أصل «التَقيّة» أصلٌ مشروع.

ومن طالَعَ ـ ولو على عَجَل ـ ما جاء في التفسير والفقه الاِسلاميّ في هذا المجال عَرفَ بوضوحٍ أن أصلَ «التقيّة» من الاَُصول الاِسلاميّة، ولا يمكن تجاهلُ الآيتين المذكورَتين أعلاه، ولا عَمَل مؤمنِ آل فرعَون في كتمان إيمانِه(2) وإنكار «التقيّة» بالمرَّة.

والجَدير بالذّكر أنّ آياتِ «التقيّة» وإن وَرَدَت في مجال التَقيّة من الكافر إلاّ أنّ الملاكَ (وهو حِفظ نفسِ المسلم ومالهِ وعرضهِ في الظروف الحسّاسة والخطيرة) لا يختصُّ بالكفار، فَلَو استوجَبَ إظهار الشخص لعقيدته، أو العَمَل وفقها عندَ المسلمين، خوفَ ذلك الشخص على نفسهِ أو مالهِ أو عرضهِ أي احتَملَ بقوة تعرّضها للخَطَر من جانبِ المسلمين، جرى في المقام حكمُ «التقيّة» أي جاز له التقيّة من المسلمين كما جاز له التقيّة من الكفار، وذلِكَ لوحدة العلّة والمِلاك، وتحقّق الاَمر الموجب للتقيّة.


1 . آل عمران | 28.
2 . لاحظ غافر | 28 .

(275)

وهذا هو ما صَرَّحَ الآخرون به أيضاً فهذا هو الفخر الرازي يقول: إنّ مذهب الشافعي2 انّ الحالةَ بَين المسلمين إذا شاكَلتْ الحالةَ بَين المسلمِين والمشركين حَلَّتْ التقيّةُ محاماةً على النفسِ.

وقال: التقيّةُ جائزةٌ لصونِ النَّفسِ، وهل هي جائزةٌ لصونِ المال؟ يُحتَمل أنْ يُحْكَمَ فيها بالجواز لقولهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرمةِ دَمِهِ» ولقولِهِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَن قُتِلَ دُون مالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»(1).

وقال أبو هريرة: حَفِظْتُ مِن رسُول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وِعائَين، أمّا أحَدُهما فَبَثَثْتُهُ في النّاس، وأمّا الآخرَ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لقُطِعَ هذا البَلعُومُ.(2) إنّ تاريخَ الخُلَفاء الاَُمويّين والعَباسييّن زاخرٌ بالظلمِ والعَسْفِ، والحيْفِ والجَور.

ففي تلكَ الاَيّام لم تكنِ الشيعةُ وحدَهم هُمُ المطرودُون، والمحجور عليهم بسببِ إظهار عقائِدِهم، بل سَلَكَ أغلَبُ محدّثيِ أهلِ السُّنّة في عَصرِ المأمون أيضاً مَسْلَكَ التقيّة في محنة «خَلْقِ القرآنِ» وَلم يخالف المأمونَ في خَلْق القرآنِ وحُدُوثهِ بعدَ صُدُور المرسُوم الخليفي العامّ، سوى شخصٍ واحدٍ، وقصَّتُهُ معروفةٌ في التاريخ وعامّة المحدّثين تظاهروا بالوفاق تقيّةً.(3)


1 . تفسير الرازي: 8 | 13 .
2 . محاسن التأويل: 4 | 82 .
3 . تاريخ الطبري: 7 | 195 ـ 206 .

(276)

الاَصلُ الخامسُ والعشرون بعد المائة: التقية واجبة في بعض الحالات فقط

إنّ التقيّة ـ حسبَ منطِقِ الشِيعَة ـ واجبة في ظروف خاصَة، إلاّ أنّها مُحرَّمةٌ في بعضِ الشروطِ أيضاً، ولا يجوز للاِنسانِ في مثل هذهِ الشُروط أنْ يَستخدمَ التقيّة بحجّة أنّه قد يتعرّض نفسُه، أو مالهُ أو عرضُه للخطر.

فَقَد يَتَصوَّرُ بعضٌ أنّ الشِيعة يوجبونَ التَقيّة دائماً وفي جميع الحالات والظروف والاَوضاع، والحال أنّ هذا تصوّرٌ خاطِىٌَ، فإنّ سيرةَ أئمّة أهلِ البيت: لم تكنْ هكذا، لاَنّهم، وبغية رعايةِ المصالحِ والمفاسِدِ كانوا يَسلكون في كلّ زمانٍ موقفاً خاصّاً، وأُسلوباً مناسباً ولهذا نجدُهم كانُوا تارةً يتّخذون مَسلَك التقيّة اُسلوباً، وتارة أُخرى كانوا يُضحُّون بأنفسِهم وأموالِهم في سبيلِ إظهارِ عَقيدتهم.

ومما لا شك فيه أنّ أئمَّةَ الشّيعَة استشهدوا بالسَيف أو السُّمّ على أيدي الاَعدْاء في حين أنّهم لو كانُوا يُصانِعُونَ حُكّام عصورهم ويجاروُنهم، لمَنحهمْ أُولئِك الحكّام أعلى المناصب، وأسمَى المَراتب في حكوماتِهم ولكنهم كانُوا يَعلموُن أنّ التقيّة قبال أُولئك الحُكّام (كيزيد بن معاوية مثلاً) كان يؤدّي إلى زوال الدّين، وهلاك المذهب.

وفي مِثل هذهِ الشُروط أمام القادة الدينيّين المسلِمين نوعان من الوظيفة:

أن يسلكوا مَسلَك التقيّة في ظروف خاصَّة، وأنْ يحملوا حياتهم على أكفّهِمْ ويَستَقْبلوا الموتَ في ظروفٍ أُخرى، أي إذا وَجَدوا أساس


(277)

الدِين في خطرٍ جدّيٍ.

وفي الخاتمة نذكّرُ بأنّ التقيّةَ أمرٌ شخصيٌ ويَرتبط بوضعِ الفرد، أو الاَفراد الضعفاء العاجزين في مقابل العدوّ الغاشِم. فإنّ مثل هؤلاءِ إذا لم يَعْمَلوا بالتقيّة فَقَدوا حياتهم مِن دون أن يترتب أثرٌ مفيدٌ على مقتَلِهِمْ.

ولكن لا تجوز التقيّة مطلقاً في بيان معارف الدين وتعليم أحكام الاِسلام مثل أن يكتُبَ عالمٌ شيعيٌ كتاباً على أساس التقيّة، ويذكرَ فيه عقائدَ فاسدة، وأحكاماً منحرفة على أنّها عقائدُ الشيعة وأحكامُهم.

ولهذا فإننّا نرى علماءَ الشيعة أظهروا في أشدّ الظروف والاَحوال، عقائِدَهُمُ الحقَّة، ولم يحدُثْ طيلةَ التاريخ الشيعيّ ولا مرة واحدةً أن أقدَمَ علماءُ الشيعة على تأليف رسالةٍ أو كتابٍ على خلافِ عقائدِ مذهبهِم، بحجّة التقيّة، وبعبارة أُخرى: أن يقولوا شيئاً في الظاهر، ويقولُوا في الباطن شيئاً آخر ، ولو أن أحَداً فَعَلَ مِثلَ هذا العملِ وسَلَكَ مثلَ هذا المسلَكَ أُخرِجَ من مجموعةِ الشيعةِ الاِماميَّة.

وهنا نوصي الّذين يصعُب عليهم هضمُ مسألة التقيّة، وتقبُّل هذه الظاهرة، أوخَضَعُوا لِتأثير دعايات أعداءِ التشيُّع السيّئة، بأنْ يطالِعوا ـ ولو مرّةًـ تاريخَ الشيعة في ظلّ الحُكُومات أُموِيّةً، وعبّاسيّةً، وفي عصر الخلفاء العثمانيّين في الاناضول والشامات، لِيَعلَموا بَهاضةَ ما قَدَّمهُ هذا الفَريقُ من الثَمن للدّفاع عن العَقيدة وبِسَبب اتّباع أهلِ البَيت:، وجَسامةَ


(278)

ما قدّموه من تضحياتٍ، وقرابين، وعظمةَ ما تحمّلوه من مصائبَ مرّة، حتى أنّهم ربّما هَجَرُوا بيوتهم ومنازلهم ولجأوا إلى الجبال.

لقد كانَ الشيعة على هذه الحال مع ما كانوا عليه من التقيّة، فكيف إذا لم يُراعُوا هذا الاَصل..ترى هل كانَ يبقى من التَشيُّع اليومَ إذا لم يَتّقوا، أثرٌ أو خَبَرٌ؟

وأساساً لابُدَّ مِن الاِنتباه إلى نقطةٍ مهمّةٍ وهي أنّه إذا استوجَبَت التقيّة لَوماً فإنّ هذا اللومَ يجب أن يُوجَّهَ إلى من تَسبَّبَها، لاَنّ هؤلاء بَدَل إجراء العَدل ومراعاة الرأفةِ الاِسلاميّة أوجَدوا أصعَب ظروف الكَبت السياسي والمذهبي ضِدّ أتباع أهل البيت النبويّ، لا أن يُلامَ مَن لَجَأ إلى التقيّة اضطراراً وحفاظاً على نُفُوسهم وأموالِهِم وأَعراضِهِمْ.

والَعَجَبُ العجاب في المقام هو أن يتوجَّه البعضُ باللَّوم والنقد إلى العاملين بالتقيّة المظلومين ووصفهم بالنفاقِ بدل توجيه ذلك إلى مسبّبي التقيّة، أي الظالمين، هذا مضافاً إلى أنَّ «النفاق» يختلف عن «التقيّة» كاختلافِ المتناقضين، والبَونُ بينهما شاسع وبعيدٌ بُعدَ السَّماءِ عن الاَرض.

فالمنافِقُ، يُبْطِنُ الكُفْرَ في قَلبهِ ويُظهِرُ الاِيمانَ لِغَرض التجسس على عورات المسلمين أو الوصول الى منافع لا يستحِقها، في حين يكونُ قلبُ المسلم في حال التقيّة مفعماً بالاِيمان، وإنما يُظهرُ خلاف ما يعتقد لعلّة الخوف من الاَذى، والاضطهاد.