welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ

(199)

الاَصلُ التسعون: تعيين الخليفة أصل متفق عليه

إنّ مَسألة تَنْصِيصيَّة مقام الخلافة، وأنّه ليس للاَُمّة أيُّ خيار ولا أيّ دورٍ في تعيين خليفةٍ لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان في ذِهن الصَّحابة أيضاً. نعم كان في نظرهم هو أن ينصَّ الخليفةُ السابقُ على الخليفة اللاّحِق بدل نَصّ اللهِ ونبيّه، ولهذا نرى ـ كما هو من مسلّمات التاريخ الاِسلاميّ ـ أنّ الخليفةَ الثاني تمّ تعيينهُ ونصبهُ في منصب الخلافةِ بِنصٍ من الخليفةِ الاَوّل.

إنّ تصوّر أن تعيينَ الخَلِيفَة الثاني بواسطة أبي بكر لم يَكنْ قراراً قطعيّاً، بل كان من بابِ «الاقتراح»، يخالف ما ثبت من التاريخ، فإنّ الخليفة الاَوّل كان لا يزال على قيد الحياة عندما اعترَض جماعةٌ من الصحابة على هذا التعيين والنصب، وكان «الزبير بن العوام» أحد أُولئك المعترضين على أبي بكر في هذا التعيين، والنصب.(1) وإنّ من البديهيّ أنّه لو كانَ تعيينُ أبي بكر لِعُمر بن الخطاب مِن باب مجردَّ الاقتراح والترشيح حسب، لما كان لاعتراض الصحابة عليه أيّ مجالٍ ولا مبرّر.

هذا مضافاً إلى أنّ الخليفة الثالث هو الآخر تمّ تعيينُهُ عن طريق شورى تألَّفَتْ من (6) أشخاص عيَّنهُمُ الخليفةُ الثاني، وكانَ هذا نوعاً مِن تعيين الخليفة الّذي مَنَع الآخرين من مراجعة الرأي العامّ.

على أنّ فكرةَ مراجَعة الرأي العامّ، واختيار الخليفة بواسطة الناس لم يَدُرْ في خَلَدِ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أساساً، وما ذُكِرَ في هذا الصعيد فيما


1 . الاِمامة والسياسة: 1 | 24 ـ 25 .

(200)

بعد إنّما هو من تبريرات العُلماء والمفكرين، وأمّا من يشار إليهم من الصحابة فقد كانوا يَعتقدون بأنّ الخليفة يجب أن يُعيَّن ويُنصَب من قِبَل الخليفةِ السابق لا غير.

وللمثال عندما جُرح الخليفةُ الثاني، بَعَثَتْ عائشةُ زوجةُ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رسالةً شفويّة إلى الخليفة الثاني بواسطة ابنه «عبدِ الله» إذ قالت له: يا بُنيّ أبلغ عمرَ سلامي وقل له: لا تَدَعْ أُمّة محمد بلا راعٍ، إستَخْلِفْ عَلَيْهم، ولا تَدَعْهُمْ بَعدَك هَمَلاً، فإنّي أخشى عَلَيْهمُ الِفتْنَةَ.(1)
فأتى عبد الله أَباه وكان طريحَ الفراش فحثّه على تعيين الخليفة من بَعده قائلاً: إنّي سَمِعْت النّاسَ يقولون مقالةً فآليتُ أن أقولها لك وَزَعَمُوا أنّك غير مُسْتَخْلِفٍ وأنّه لو كان لك راعي إبِل ـ أو راعي غَنَم ـ ثم جاءَك وتَرَكَها لرأيَتَ أن قدْ ضَيَّعَ فَرِعايةُ النّاسِ أشدُّ.(2)

الاَصلُ الواحدُ والتسعون: ما هي وظائف الاِمام بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟

أشرنا في مطلعِ بحث الاِمامة إلى أنّ خليفة النبي والاِِمام إنّما هو في نظر المسلمين من يقوم بوظائف رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (ما عدا تلقي الوحي والاِِتيان بالشريعة) ونورد هنا أبرز هذه الوظائف لتتبيّن مكانة الاِِمامة وأَهميتها بصورة أوضح.


1 . الاِمامة والسياسة: 1 | 28 .
2 . حُلية الاَولياء: 1 | 44.

(201)

ألف : تَبيين مفاهيمِ القُرآن الكَريم وحلّ مُعضلاته، وبيان مقاصده، وهذا هو من أبرز وظائف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقول عنها القرآن الكريم: (وَأَنزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم)(1).

ب: بيانُ الاَحكام الشرعية، فقد كانَ هذا العَمَل من وظائفِ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث كان يقوم بذلك عن طريق تلاوة الآيات المتضمنة للاََحكام حيناً وعن طريق السّنة حيناً آخر.

ثمَّ إنّ بَيان الاَحكام من جانب النبيّ تم بصورةٍ تدريجيّة، ومتزامناً مع وقوع حوادثَ جديدةٍ، وظهورِ إحتياجات حديثة في حياة الاَُمّة، ومثل هذا الاَمر يقتضي بطبيعته أن تستمر هذه الوظيفةُ، لعدم انحصار الحاجات بما حدث في عصره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، هذا من جانب. ومن جانب آخر لا يتجاوز عددُ الاَحاديث الّتي وَصَلت إلينا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حول الاَحكام (500) حديث(2) ولا شك أنّ هذا القدر من الاَحاديث الفقهية لا تسدُّ حاجة الاَُمّة المتنامِية، ولا توصلُها إلى مرحلة (الاِكتفاءِ الذاتيّ) في مجال التقنين.

ج : حيث إنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان محوراً للحق، وكان بتعليماته، يمنع من تطرّق أيّ انحرافٍ، وتسرّبِ أيّ إعوجاجٍ في عقائد الاَُمّة، لهذا لم يحدث أيُّ تفرّقٍ عقائديّ، وأي تشتُّتٍ مذهبيّ في عَصره أو لم يكن هناك أَرضية لظهور ذلك.


1 . النحل | 44 .
2 . الوحي المحمدي ص 212، الطبعة السادسة.

(202)

د : الاِجابة على الاََسئلةِ الدينيّة والاِعتقادية، فقد كان هذا العملُ هو الآخر من وظائف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الهامَّة.

هـ : إقامةُ القِسطِ والعَدل والاَمن العامّ الشامل في المجتمع الاِسلاميِّ، وظيفة أُخرى من وظائف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و: حِفظُ الثغور، والحدُود، والثروة الاِسلاميّة تجاه الاَعداء هو أيضاً من مسؤوليات النبي الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووظائفه.

إنّ الوظيفتين الاَخيرتين وإن أمكن القيام بهما من قِبَل الخليفة الذي تختارهُ الاَُمّة، لكن من المُسَلَّم والقطعيّ أنّ القيامَ بالوظائِفِ السّابقة (وهي بيانُ مَفاهيمِ القرآنِ الكريمِ الخفيّة، الغامِضَةِ، وبيانُ أحكامِ الشَّرع و.. و...) يَحتاج إلى قائد واعٍ خبيرٍ، يكون موضعَ عناية الله الخاصّة، كما يكون في عِلمِهِ صنوَ النبيّ ونظيرهُ، أيْ أن يكون حاملاً للعلومِ النَبَوّية ومَصُوناً من كل خطأ وزلل، ومعصوماً من كلّ ذنبٍ وخطلٍ، ليستطيع القيامَ بالوظائف الجسيمة المذكورة، وليملاََ الفراغ الذي أحدثه غيابُ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بسبب وفاته، في الظروف الزاخرة بالاَحداث الحُلوة والمرَّة، وبالوقائع الحرجة.

إنّ من البديهيّ أنّ تَشخيصَ مثلِ هذا الشخصِ، والمعرفة به لاِيكال منصب القيادة إليه، خارجٌ عن حدود عِلمِ الاَُمّةِ ونِطاق معرِفتها ، ولا يمكن أن يتُمَّ بغير رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبالاَمر الاِِلَهيّ وتعيينهما إيّاه.

ومنَ الواضح أيضاً أنّ تَحقُّق الاَهداف المذكورةِ رهنُ حماية النّاس، واستجابتهم وإطاعتهم للقائد المعيَّن، بواسطةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومجرّدُ التعيين الاِلَهيّ والنصّ النبويّ علىالخليفة لا يكفي لِتحقّقِ الاَهداف والوظائف


(203)

السالِفة. (إذ لا رَأيَ لِمَنْ لا يُطاع).

وهذا جارٍ حتّى في القرآن الكريم والنبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسِه، فإنّهما ما لم يُطاعا لا تتحقّق أهدافهما.

إنّ الحَوادِثَ السَلْبِيَّةَ، وتشتّتَ كلمة المسلمين الذي حَدَثَ بعد وفاة رسولِ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن بسبب أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقُم بوظيفته الحكيمة (والعياذ بالله)، ولا لاَجل أنّه لم يُعرِض على المسلمين أُطروحةً موضوعية وحكيمة لاِدارة الاَُمّة من بعده، أو أنّ أُطروحتَه كانت أُطروحةً ناقصة، بل حدث ما حدث مِنَ المشاكل الاَلِيمة بِسبب أنّ بعضَ أفراد الاَُمّة رجَّحُوا نَظَرَهم على نَظَر النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقدّموا مَصالحهم الشخصية على تنصيص الله ورسولهِ وتعيينِهما.

ولم يكنْ هذا هو المورد الوحيد الذي حدثت فيه مثلُ هذه الواقعة في التاريخ بل لذلك نظائرُ عديدة في تاريخ الاِسلام.(1)

الاَصلُ الثّاني والتِسعون: لُزُوم عِصمَةِ الاِمام

أثبتنا في الاَصْل السّابق أنّ الامام والخليفة ليس قائداً عاديّاً، يقدر على إدارة دفّة البلاد اقتصادياً، وسياسيّاً، وحفظ ثغور البلاد الاِسلامية تجاه الاَعداء فقط، بل ثمّت وظائف أُخرى يجب أن يقومَ بها مضافاً إلى الوظائف المذكُورة. وقد أشرنا إليها في الاَصل السابق.


1 . راجع كتاب «النَصّ والاِجتهاد» تأليف العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي.

(204)

إنّ القيام بِهذه الوَظائف الخطيرة مثل تفسير القرآن الكَريم، وبَيان الاَحكام الشرعيّة، والاِجابة على أسئلة الناس الاِعتقادية ، والحيلولة دون تسرّب الانحراف إلى العقيدة، والتحريف إلى الشريعة، رهنُ علمٍ واسعٍ، لا يخطىَ ولا يتطرّق إليه الاشتباهُ، والاَشخاص العاديّون إذا تَوَلَّوا هذه الاَُمور لن يكونوا في مأمنٍ عن الخطأ والزللِ.

على أنّه يجب أن نَعلمَ بأنّ العصمة لا تساوي النبوّة، ولا تلازمُها ولا تستلزمها، لاَنّه ربما يكونُ الشخص معصوماً عن الخطأ ولكن لا يتمتع بمقام النبوة أي لا يكون نبياً.

وأوضحُ نموذجٍ لذلك السيدةُ مريم العذراء التي مرّت الاِشارةُ إلّى أدلّة عصمتها، عند الحديث عن عصمة الاَنبياءِ والرُسُل.(1)

ثم إنّ هناك ـ مضافاً إلى التحليل والاستدلال العقلي السابق ـ أُموراً تدلُّ على عصمةِ الاِمام نذكر هنا بعضها:

1. تعلّق إرادةِ الله القطعيّة والحتمية بطهارة أهل البيت عن «الرجس» كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2).

إنّ دَلالَة هذه الآية على عِصمة أهل البيت: تكونُ على النحو التالي: إنّ تعلّق إرادة الله الخاصّـة بطهـارة أهـل البيت من أي نـوعٍ من


1 . راجع كتاب الاِلَهيّات، تأليف صاحب هذه الرسالة: 2 | 146 ـ 198 .
2 . الاَحزاب | 33 .

(205)

أنواع الرّجس يلازمُ عصمَتهم مِن الذُنوب والمعاصي، لاَنّ المقصودَ مِن تطهيرهم من «الرِّجس» في الآية هو تطهيرهم من أيّ نوعٍ مِن أنواع القذارة الفِكرية والرُّوحِيَّة، والعَمَليّة التي من أبرزها المعاصي والذُنوب.

وحيث إنّ هذه الاِرادة تعلّقَتْ بأفراد مخصوصين لا بجميع الاَفراد، فإنّها تَختَلِف عن إرادة التطهير التي تعَلّقت بالجميع بدونِ إستثناءٍ.

إن إرادةَ التَّطهير التي تَشملُ عامّة المسلمين إرادةٌ تشريعيةٌ(1) وما أكثر الموارد الّتي تتخلّف فيها هذه الاِرادةُ، ولا تتحقق بسبب تمرّد الاَشخاص، وعدم إطاعتهم للاَوامر والنواهي الشرعية في حين أنّ هذه الاِرادة إرادةٌ تكوينيّةٌ لا يتخلّف فيها المرادُ والمتعلَّقُ (وهو العصمة عن الذَّنب والمعصية) عنها أبداً.

والجدير بالذكر أن تعلّق الاِرادة التكوينيّة الاِلَهيّة بعصمة أهل البيت: لا توجبُ سَلب الاِختيار والحريّة عنهم تماماً كما لا يوجب تعلّق الاِرادة التكوينية الاِلَهيّة بعصمة الاَنبياء سلبَ الاِختيار والحرية عن الاَنبياء أيضاً (وقد جاءَ تفصيل هذا الموضوع في كتب العقائد).

2. إنّ أئمة أهل البيت: يمثِّلون بحكم حديث الثقلين الذي قال فيه رسولُ الله: «إني تاركٌ فيكمُ الثَّقَلَين كتابَ الله وعترتي» عِدلَ القرآن الكريم، يعني أنّه كما يكون القرآنُ الكريمُ مصوناً من أيّ لونٍ من ألوانِ


1 . (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ) (المائدة | 6) .

(206)

الخطأ والاِشتباه، كذلك يكون أئمة أهلِ البَيت مصونين من أيّ لونٍ من ألوانِ الخطأ الفكري، والعملي، ومعصومين من أيّ نوعٍ من أنواعِ الزَلَل والخَطَل.

وهذا المطلب واضحٌ تمامَ الوضوح، إذا أمعنّا في العبارات التي جاءت في ذيلِ الحَديث المذكور.

ألف: «ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا أَبَداً».

ب: «إنَّهما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ».

لاَنّ ما يكون التمسُّكُ به موجباً للهداية وأنه لا يفترق عن القرآن (المصون والمعصوم) مَصُونٌ ومعصومٌ هو كذلك .

3. لقد شَبَّهَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أهلَ بيته بسفينةِ نوح التي ينجو من الغرق من رَكِبها ويغرق في الاَمواج من تخلّف عنها، إذ قال: «إنّما مَثَلُ أهل بَيْتي كَسَفينَةِ نُوْحٍ مَن رَكِبَها نَجا وَمَنْ تخلَّفَ عَنهاَ غَرِقَ»(1).

بالنَظَر إلى هذه الاَدلّة الّتي بينّها بصورةٍ موجزةٍ تكونُ عصمة أهل البيت واضحةً، وحقيقةً مبرهَناً عليها.

ومن الجدير بالذِّكر أنّ الاَدلّة النَقليّة على عِصمة أهل البَيت: لا تنحصر في ما ذكرناه.


1 . مستدرك الحاكم: 2 | 151، والخصائص الكبرى للسيوطي: 2 | 266 .

(207)

الاَصلُ الثالثُ والتسعون: الاَئمِة الاِثنا عشر

إنّ معرفةَ الاِمام تُمكِنُ مِن طريقين:

ألف: نَصُّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على إمامة شخصٍ خاصٍ.

ب : نَصُّ الاِمام المعصومِ السابِق على الاِمام اللاحِق.

إنّ إمامة الاَئمة الاثني عَشَر ثَبَتت من خلال الطَريقين المذكورَين معاً أي عن طريق نصّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حسب الرّوايات المروِيّة عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا المجال. وكذا عن طريق الاَئمة:، حيث نصّ الاِمامُ السابق على الاِمام اللاحق.

ونحن رِعايةً للاِختصار نوردُ هنا حديثاً واحداً في هذا الصَعيد(1) تفيد أنّ النبيّ الاَكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكتف بنَصب عليّ ـ عليه السلام ـ ، بل ذكّر بأنّه سَيخلفهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اثنا عشر إماماً تتحقّق بهم عزةُ الاِسلام إذ قال: «لا يَزالُ الدّين مَنيِعاً إلى اثنَيْ عَشَر خَلِيفةٌ».

وقد وَرَدت هذه الاَحاديث الدالة على وجود اثني عشر خليفة في أوثق صحاح أهل السنة أيضاً.(2)


1 . للاِطلاع على بقيّة الاَحاديث في هذا المجال يراجع كتب الحديث مثل أُصول الكافي، كفاية الاَثر ، إثبات الهداة، ومنتخب الاَثر، وغيرها.
2 . صحيح البخاري، 9 | 81 ، باب الاستخلاف؛ وصحيح مسلم 6 | 3 ، كتاب الامارة؛ ومسند أحمد 5 | 86 ـ 108 ؛ ومستدرك الحاكم 3 | 81 .

(208)

ومن المُسلَّم أنّ هؤلاء الخُلَفاء الاثني عشر الذين تتوقّف عليهم عزّة الاِسلام ومنعتهُ ومضاؤه، لا تنطبق صفاتهم إلاّ على أئمة الشيعةِ الاثني عَشَر إذ لم تكن تلك الاََوصاف تتوفر في الخلفاء الاَُمويين ولا العباسيين قط.

وأئمة الشِيعة الاثنا عشر هم:

1. أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب (المولود قبل البعثة بعشر سنوات والمستشهَد عام 40 هجري) والمدفون في النجف الاَشرف .

2. الاِمامُ الحسَنُ بن علي (المجتبى) (3 ـ 50 هـ ق) المدفونُ في البقيع بالمدينة.

3. الاِمامُ الحسين بن علي سيدُ الشهداء (4 ـ 61 هـ ق) المدفون في كربلاء.

4. الاِمامُ عليُّ بن الحسينُ بن علي زينُ العابدين (38 ـ 94 هـ ق) المدفون في البقيع.

5. الاِمامُ محمدُ بن علي باقرُ العلوم (57 ـ 114 هـ ق) المدفون في البقيع.

6. الاِمامُ جعفرُ بنُ محمد الصادقُ (83 ـ 148 هـ ق) المدفونُ في البقيع.

7. الاِمامُ موسى بنُ جعفر الكاظمُ (128 ـ 183 هـ. ق) المدفونُ في الكاظمية قرب بغداد.


(209)

8. الاِمامُ عليُّ بن موسى الرضا (148 ـ 203 هـ. ق) المدفونُ في خراسان بإيران.

9. الاِمامُ محمدُ بن علي الجوادُ (195 ـ 220 هـ ق) المدفونُ في الكاظمية.

10. الاِمامُ عليُّ بن محمد الهادي (212 ـ 254 هـ ق) المدفونُ في سامراء بشمال بغداد.

11. الاِمامُ الحسنُ بنُ علي العسكريُ (233 ـ 260 هـ. ق) المدفونُ في سامراء.

12. الاِمامُ محمدُ بنُ الحسن المعروف بالمهديِّ، والحجة ـ عجَّل الله فرجَه الشريف ـ وهو الاِمامُ الثاني عشر، وهو حيٌّ حتى يظهر بأمر الله (طبقاً للوعودِ الواردةِ في القرآنِ في سورة النور | 54، وسورة التوبة | 33 وسورة الفتح | 28 وسورة الصف | 9) ويقيم الحكومة الاِِلَهيّة على كلّ الكرةِ الاَرضِيّةِ(1).

ولقد جاءَت تفاصيلُ حياة أئمةِ الشيعة الاثني عشر في كتب التاريخ والسيرة وحيث إِنّ الاِمام الثاني عشر لا يزال حيّاً، ويتولّى منصبَ الاِمامة بإرادةِ الله تعالى، لهذا سنَذكر نقاطاً حولَ هذا الاِمام فيما بعد.


1 . قد وقع بعض الاختلاف في تواريخ وفيات ومواليد بعض الاَئمة وقد اخترنا احدها، كما انّ التاريخ يثبت انّ أغلب هؤلاء الاَئمة قضوا شهداء.

(210)

الاَصلُ الرابع والتسعُون: مودّة أهل البيت :

إنّ محبَّةَ أهلِ البَيت: من الاَُمور الّتي أكَّد عليها القرآنُ والسُنَّة كما قالَ تعالى: (قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبَى)(1).

والمقصودُ من «القُربى» هم أقرباءُ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقرينة أن طالِبَ هذا الاََمر هو النبيُّ نفسه.

إنّ محبّة أهلِ البَيت وموادَّتهم ـ مضافاً إلى كونها كمالاً كبيراً ـ تسبّب في أن يحاولَ الشخصُ المحبُّ أن يجعل نفسَه مشابِهاً للمحبوب، ويقتدي به في كَسب الفضائِل، والاِجتناب عن الرَّذائل.

ولقد جاء في الاَحاديث المتواترةِ الصادرةِ عن النبيّ الاَكرمِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّ محبة أهلِ البَيت علامةُ الاِيمان، وبغضَهم علامةُ النّفاقِ والكفر، وأنّ من أحبّهم فقد أحبَّ الله والنبيّ، وأنّ مَن عاداهم فقد عادى اللهَ ورسولَه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 . الشورى | 23 .

(211)

الاِمامُ الثاني عشر
الغَيبة والظُهور

إنّ الحَديثَ حولَ كلّ واحدٍ من هؤلاء الاَئمةِ الاثني عشر خارجٌ عن نِطاق هذه الرّسالة المختصرة، وإنّما تجدر الاِشارة إلى مسألة أُخرى وهي: مسألة الاِعتقاد بوجود إمام العَصْر الذي يقضي أيامَ حياته خَلف ستار الغيبة، ريثما يأذنُ الله له بالظهور فيملاَ الاَرضَ قسطاً وعَدلاً بعد أن مُلِئتْ ظُلماً وجَوراً، ويقيمَ حكومَة الله على المعمورة جمعاء، وفيما يلي بعضُ النقاط حول هذه المسألة.

الاَصلُ الخامسُ والتسعون: ظهور مصلح عالمي في آخر الزمان

إنّ ظهورَ رجلٍ من أهل بَيت الرِّسالة لاِقامة حكومة الله العادلة العالَميّة في مُستقبل الحياةِ البَشريّة (بَعد أن تُملاََ الاَرضُ ظلماً وجَوراً) مِن مُسَلَّماتِ العقائِدِ الاِسلامية التي اتّفقَ عليها جمهورُ المُسْلمين، ونقلوا في هذا المجال أحاديث بَلَغَتْ حَدَّ التواتر.


(212)

فهناك ـ طبق بعض إحصاءات أهلِ التحقيقِ من العُلَماء ـ حوالي 657 حديثاً حول هذه المسألة نذكر منها حديثاً واحداً رواه «أحمدُ بن حنبل» في مسنده:

قالَ النَبيُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنيْا إلاّ يومٌ واحِدٌ لَطَوَّل اللهُ ذلك اليومَ حَتّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فَيَمْلاَُها عَدْلاً وقِسطاً كما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً».(1)

وعلى هذا الاَساس يكونُ قيامُ رَجُلٍ من أهلِ البيت النَبَويّ وظَهورُهُ في آخِر الزمان موضعَ اتفاقٍ بين المسلمين شيعةً وسنةً.

الاَصلُ السادسُ والتِسعونَ: المصلح العالمي هو الاِمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ

لقد جاءَت خصوصياتُ هذا المصلِحِ العالَميّ في الرّوايات الاِسلامية نَقَلها الفريقان، وهي على النحو التالي:

1. أنّه من أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ 389 رواية .

2. أنّه من أولاد الاِمام علي ـ عليه السلام ـ 214 رواية .

3. أنّه من أولاد فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ 192 رواية .

4. أنّه تاسع وُلد الحسين ـ عليه السلام ـ 148 رواية .


1 . مسند أحمد بن حنبل: 1 | 99 و 3 | 17 و 70 .

(213)

5. أنّه من أولاد الاِمام علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ 185 رواية .

6. أنّه ابن الاِمام الحسن العسكري 146 رواية.

7. أنّه الثاني عشر من أئِمة أهل البيت 136 رواية.

8 . الرّوايات التي تتحدّث عن ولادته 214 رواية .

9. الرّوايات التي تقول: إنّه يعمّر طويلاً ، 318 رواية.

10. الرّوايات التي تقول : إنّ غيبته ستكون طويلة ، 91 رواية .

11. الرّوايات التي تقول: إنّ الاِسلام سيصير عالمياً عند ظهوره، 27 رواية.

12. الرّوايات التي تقول : إنّ الاَرض ستُملاَُ عَدلاً وقِسطاً عند ظهوره، 132 رواية.

وعلى هذا الاَساس فإنّ وجود مثل هذا المصلح العالمي في مستقبل البَشَرية أمر مقطوعٌ به ومسلَّمٌ من حيث الرّوايات والاَحاديث الاِسلامية بحيث لا يمكن الشكّ أو التشكيك فيه.

وأما ما وَقَعَ الخلافُ فيه فهو ولادته، وأنّه هل وُلِدَ هذا الرَّجُل من أُمّه ولا يزال منذُ ولادَته حَيّاً، أم أنّه سيولد في المستقبل؟

يذهب الشِيعة وفريقٌ من أهل التحقيق من أهل السُّنّة إلى الرأي الاَوّل، فيعتقدون بَأنّ الاِمامَ المهديّ وُلدِ من أُمّه (نرجس) عام 255 هـ وهو لا يزال حَيّاً إلى هذا اليوم.


(214)

وذهَبَ فريقٌ من أهلِ السّنة إلى أنّه سيُولَد فيما بعد.

وحيث إنّنا نحن الشيعة نعتقدُ بأنّ الاِمامَ المهديَّ ـ عليه السلام ـ وُلِدَ عام 255 هجرية، وهو لا يزال على قيد الحياة إلى هذه الساعة، لهذا لابدّ من أن نذكّر بنقاط حول غيبته وطول عمره في هذه الرِسالة في حدود ما يسعُه هذا المختصرُ.

الاَصلُ السابعُ والتسعون: الاِمام المهدي وليّ إلهيّ غائب عن الاَنظار

إنّ أولياءَ اللهِ ـ حَسْب نَظَر القرآن ـ على نوعين:

وَليٌّ ظاهرٌ يعرفُه الناسُ .

ووَليٌّ غائَبٌ عن أنظارِ الناس لا يعرفُه أحدٌ منهم، وإن كان يعيشُ بينَهم، ويعرفُ هو أحوالَهُمْ وأخبارهم.

وقد ذُكر في سورة الكَهف كلا النوعين منَ الاَولياء في مكانٍ واحدٍ أحدهما «موسى بن عمران» والآخر مصاحبُهُ ورفيقهُ المؤقّت، الذي صحِبَه في سَفَره البرّي والبَحْري، ويُعْرَف بالخِضر.

إنّ هذا الوليّ الاِلَهيَّ كانَ بِحَيْث لم يعرفُه مصاحِبهُ ومرافِقُه النبيُّ موسى وإنّما صاحَبَه ورافقه بتعليمٍ وأَمرٍ من الله، واستفاد من عِلمه خلال مرافَقَته إيّاه كما يقول تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءاتَيْناهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلّمَنِ ممَّا عُلِّمْتَ


(215)

رُشْداً)(1).

ثم إنّ القرآنَ الكريم يُقَدّم شرحاً مفصّلاً عمّا فَعَله هذا الوليُّ الاِلَهيّ من أعمال مفيدة، ذلك الذي لم يكن أحدٌ حتى النبي موسى ـ عليه السلام ـ يَعرفهُ، ولكن كانوا يَستفيدون من آثار وجوده المبارك ومن أفعاله المفيدة(2).

إنَّ الاِمامَ المهديّ عَجَّل الله فَرَجَه الشَّريفَ على غرارِ مرافق موسى ـ عليه السلام ـ، وليٌّ غيرُ معروف للنّاس مع أنّه في نفس الوقت منشأ لآثار طيبة للاَُمّة. أي لا يعرفهُ أحَدٌ منهم مع أنّهم يَستَفيدون مِن بركات وجودهِ الشريف.

وبهذا لا تكونُ غيبةُ الاِمام المهَديّ عجّل الله فرجَه الشريفَ بمعنى الاِنفصال عن المجتمع، بل هو ـ كما جاءَ في روايات المعصومين: ـ كذلك مثل «الشَمس خَلفَ السَحاب لا تُرى عينُها، ولكنها تبعَث الدفءَ والنورَ إلى الاَرض وساكِنِيها»(3).

هذا مضافاً إلى أنّ فريقاً من الاَبرار والطيّبين الاَتقياء الذين كانوا يَتمتّعون باللياقة والاَهليّة للتشرّف بِلقاءِ الاِمام المهديّ قد رأوه وَالتَقَوْا به واستفادوا مِن إرشاداته، وعُلُومِه، واسْتفادَ الآخرون من هذا الطريق، من آثارهِ المباركة وبركات وجوده الشريف.


1 . الكهف | 65 ـ 66 .
2 . راجع سورة الكهف، الآيات 71 ـ 82 .
3 . كمال الدين، للشيخ الصدوق، الباب 45، الحديث 4، ص 485 .

(216)

الاَصلُ الثامنُ والتسعون: وكلاء الاِمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ

إنّ الطَّريقة المتعارَفة والمَعْمُول بها بين البشر ـ ماضياً وحاضراً ـ هو أنّ الحاكمَ والقائد يقوم ببعض الاَعمال بنفسه مباشرةً، ويقومُ بالبعض الآخر وكلاؤُهُ ونوّابه.

صحيح أنّ عِلَلاً مختَلِفَة تَسَبَّبت في غيبة الاِمامِ المَهْدي عجّل الله فَرَجَه الشريف فحُرِمت البشريةُ من الاستفادة المباشرة من ذلك الاِمام ولكنه ولحسن الحظ لم يُغلَقْ بابُ الاستفادة من وُكَلائه ونوّابه ـ وهم الفقهاء العُدول الاَتقياء ـ في وجه أتباعه، ومريديه.

فالفقهاء والمجتهدون الاَجلّة كانوا ولا يَزالون نُوّابَ الاِمامِ المهديّ الذين أوكَلَ أمرَ بَيان الاَُمورِ الشَرعية والحكوميَّة وإدارة شؤون المجتمع الاِسلامي في عصر الغيبة إليهم.

هذا مع العلم بأنّ حرمان الاَُمّة الاِسلامية من آثار حضور الاِمام المهدي كان لعلل وظروف خاصة جَعَلت غيبتَه أمراً لا مناص منه.

الاَصلُ التاسعُ والتسعون: غيبة بعض الاَنبياء والاَولياء في الاَُمم السابقة

إنّ علّة غَيبة الاِمام المَهديّ عَجّل الله فرجَه الشريفُ هي من الاَسرار الاِلَهيّة التي لا نستطِع الوقوف على حقيقتها وكنهها، كما أنّ لهذه الغَيبة المؤقتة نظائر في حياة أولياء الله السابقين والاُّمم السابقة.


(217)

فقد غابَ النبيُّ موسى الكليمُ ـ عليه السلام ـ عن أُمّته أربعين يوماً، وقضى كلَّ هذه المدة في الميقات(1).

وغاب السيدُ المسيح ـ عليه السلام ـ بمشيئة الله عن أنظار أُمّته، فلم يقدر أعداؤُه على قَتْله، والقضاء عليه(2).

وغاب النبيُّ يونس ـ عليه السلام ـ عن قومه مدّةً من الزَمان(3).

إذن فليست غيبةُ الاِمام المهَدي ـ عليه السلام ـ عن أنظار الناس بدعاً من الاََمر كما لا يصحّ أن تَقَعَ هذه الغَيبة مهما طالت ذريعةً لاِنكار أصل وجودِ المهَديّ ـ عليه السلام ـ.

وأساساً إنّ كلَّ ما يثبُتُ عن طريق النقل المتواتر، ولكن لا يقدر الاِنسان على التحقّق منه، ومشاهدته لا يجوز له أن ينكره أو يتردّد في القبول به مادام رُوِيَ ونُقِلَ بالتّواتر الموجب للاطمئنان، لاَنّ قِسماً من الاَحكام الاِلَهيّة التي هي من مسلّمات الدين الاِسلاميّ وضروريّاته سيتعرَّض للتردِيد والاِنكار إذا تجاهَلْنا هذه القاعدةَ العقلائيةَ الصائبةَ، وهذا الاَمر العرفي المعقول جداً.

وغيبةُ الاِمام المهديّ عجل الله فرجَه الشريف ليس بمستثنىً من هذه القاعدة، وعَدَم الاِطلاع على سِرّها أو أسرارها الحقيقية لا يجوزُ الترديدُ فيها، وإنكارُها.


1 . لاحظ الاَعراف | 142 .
2 . لاحظ النساء | 158 .
3 . لاحظ الصافات | 140 .

(218)

ومع ذلك فإنّنا يجب أن نقول: إنّه من الممكن إدراك سرّ الغيبة هذه في حدود فكرِنا البشريَّ وهذا السِرّ هو ما يلي:

حيث إنّ آخرَ حُجَّةٍ من حَجَج الله وآخر إمامٍ من أئِمة أهلِ البيت قد أرادَ اللهُ تعالى أن يُحقّق به الاَُمنيةَ الكبرى (وهي بسط العدل والقسط ورفع راية التوحيد على كل ربوع الاَرض) وهذه الاَُمنية الكبرى وهذا الهدف العظيم لا يمكن أن يَتحقق إلاّ بعد مرور ردح من الزمان، وإلاّ بعد تكاملِ العقلِ البَشَريّ وتهيّؤهِ الروحيِّ والنفسِيّ لذلك، حتى يستقبلَ العالَمُ ـ بشوقٍ ورغبةٍ ـ موكبَ الاِمام والمصلح العالميّ، موكبَ العَدلِ والحريّةِ والسلامِ، لهذا فإنّ منَ الطبيعيّ أنّ هذا الاِمام لو ظَهَرَ بين النّاس، وعاشَ بين ظهرانيِّهم قبلَ نُضُوج الاَمر، وحصولِ المقدّمات اللازِمة، والاَرضيّة المناسبة، كان مَصيرُه ومآلهُ، مصيرَ من سَبَقه من آبائِه من الاَئمِةِ الكرامِ البرَرَة (أي الشهادة)، ولَقُتل ـ عليه السلام ـ قبل أن يتحقّق ذلك الهدفُ العظيم، وتلك الاَُمنِيّة الكبرى على يديه.

ولقد أُشير إلى هذه الحكمة في بعض الرّوايات الصادِرةِ عن أهل البَيْت: أيضاً.

فقد رُوي عن الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـأنّه قال: «إنّ لِلْقائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ ظُهُورِهِ».

يقول الراوي: قلتُ: ولِمَ؟

فقالَ الاِمامُ الباقر: «يَخافُ (أي القتل)»(1).


1 . كمال الدين للشيخ الصدوق، ص 481، الباب 44، الحديث 8 .

(219)

أي منعاً من أن يُقتَل قبل تحقّق الهدفِ المنتظَرَ مِنه.

وَرُبّما ذُكِرَ وجهٌ آخر لغيبته في بعض الرّوايات وهي إختبارُ النّاس وتمحيصُهم، وامتحانهم، يعني أنّ الناس يُختَبَرون في عَصر الغَيبة، ويمرُّون بالاِمتحان الاِلَهيّ، ويُعرَفُ مدى ثباتهِم على طريق الاِيمان، ومدى استقامَتهِم في طريق الاِيمان والعقيدة.(1)

الاَصلُ المائة: وجود الاِمام المعصوم لطف إلهي في حضوره وغيابه

إنّ البراهينَ الكلاميَّة ترى أنّ وجودَ الاِمام المعصوم في المجتمع، وحضورَه بين الناس لُطفٌ من ألطاف الله الكبرى لكونه سبباً لِهداية الناس.

ومِنَ البديهيّ أنّ النّاسَ إذا رَحَّبوا بهذا المظهر البارِزِ مِن مظاهر اللُطفِ الاِلَهيّ واستقبلوه، والتفّوا حولَه، انتفَعوا بآثار وجوده المباركة.

وإلاّ حُرِموا من الاِستفادة الكامِلَة والانتفاع التامّ من نعمة وجوده الشريف.

وفي هذه الحالة لا يكونُ السبب في هذا الحِرمان إلاّ الناس أنفسُهم، لا الله ولا الاِمام.(2)


1 . راجع بحار الاَنوار: 52 | 102 ، 113 ـ 114، باب التمحيص والنهي عن التوقيت.
2 . وقد أشار المحقّق نصيرُ الدين الطوسيّ إلى هذه الحقيقة في كتابه تجريد الاعتقاد (مبحث الاِمامة) حيث قال: وجودُهُ (أي الامام) لُطفٌ وتصرُّفُهُ لُطفٌ آخرَ وغيبته مِنّا.

(220)

الاَصلُ الواحدُ بعد المائة: الاِمام المهدي وطول العمر

لقد وُلِدَ الاِمامُ المهديّ عجّل الله فرجَه الشَريف عام 255 هجرية، وعلى هذا الاَساس يكونُ عُمرُه الآن (عام 1418 هـ ) قد تجاوَزَ أحَدَ عشر قرناً.

إنّ الاِذعان بهذا العُمُر الطَويل جداً، مع أخذ القُدرة الاِلَهيّة المطلقة بعين الاِعتبار ليس أمراً مشكلاً.

وفي الحقيقة إنّ الذين يَعتَبروُن طولَ عُمُر الاِمام المهَديّ ـ عليه السلام ـ مشكلةً في طريق الاِيمان بوجوده، ومانعاً من القول بولادته، يَغْفَلُون عن قدرة الله اللاّمتناهية فهم كمن قالَ عنهم سبحانه: (وَما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ)(1).

هذا مضافاً إلى أنّ في الاَُمَم السالِفة معمَّرين كثيرين عاشوا طويلاً ذكرهم القرآن الكريم.

فقد ذكَر أن نوحاً عاشَ في قومه ألفَ سنة إلاّ خمسين عاماً (2).

كما أنّ العِلم البشريّ الحديث يسعى في عَصرِنا إلى أنْ يُحِلّ مشكلة طولِ العُمُرِ، بالاَساليبِ الِعلميّة، والصِحّية.

وهذا يُفيد أنَّ الاِنسان يمكن ـ في نظر العُلَماء ـ أن يَعيشَ طويلاً بعد رَفْع الموانِعِ الّتي تحول دونَ العُمُر الطويل.

إنّ اللهَ قادرٌ على إطالة عُمُر من يُريد إلى يوم القيامة إذا شاء، أليسَ هو القائل بأن يونس لو لم يكن من المسبّحين لَلَبِث في بَطن الحوتِ إلى


1 . الاَنعام | 91 .
2. لاحظ العنكبوت | 14 .

(221)

يَومِ الدِّين(1).

ألا يَستَطيع هذا الاِلَهُ الخالقُ القادر أن يُطيلَ عُمُرَ حُجَّته البالِغَة، وخَلِيفَتِهِ الحقّ بِلُطْفِهِ وعِنايَتِهِ؟

الجوابُ هو: نعم.

الاَصلُ الثاني بعد المائة: علائم ظهور الاِمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ

لا يعرف أحدٌ بَوْقت ظهور الاِمام المهدي قط، فهذه الحقيقة من الاَسرارِ الاِلَهيّة، مثل مَوعد يومِ القيامة، الذي لا يَعرفُ بِهِ أحدٌ إلاّ الله وحده.

ولهذا يجب أن لا يُصدَّقُ زعمُ من يَدّعي أنّه يَعْلَمُ بوقتِ ظهورِ الاِمام المهديّ، أو يعيّنَ وَقتاً، ويضرب أجلاً معيّناً لذلك، (كَذِبَ الَوقّاتُون)(2).

ولو أنّنا تجاوَزْنا مَسألة توقيت ظهور الاِمام المهديّ ـ عليه السلام ـ، وَجَبَ أنْ نقولَ: إنّ الروايات ذَكَرَتْ علائمَ كُليَّةً لِظهورِ الاِمامِ المهديّ وهي تَنْقَسِمُ إلى نَوعين:

1. العلائم الحَتمية القَطعيّة .

2. العلائم غير الحتمية.

ويُطلب التفصيل ممّا كتب حول الاِمام المهدي من الموسوعات.


1 . لاحظ سورة الصافات | 143 ـ 144 .
2 . الاحتجاج للطبرسي، احتجاجات الاِمام المهديـ عليه السلام ـ .

(222)

Website Security Test