welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : فتنة التكفير جذورها وآثارها في المجتمع*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

فتنة التكفير جذورها وآثارها في المجتمع

صفحه 1
   
    فتنة التكفير جذورها وآثارها في المجتمع
 
 
 
 
 
 

صفحه 2

صفحه 3
 
 
فتنة التكفير
 
جذورها وآثارها
في المجتمع
 
 
 
تأليف 
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني

صفحه 4
 
 
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
      فتنة التكفير جذورها وآثارها في المجتمع / تأليف جعفر السبحاني ; مقدمة ناصر مكارم الشيرازي . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1394.
159 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 553 - 3
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه : ص 145 ـ 154 ; همچنين به صورت زيرنويس.
چاپ دوم; 1394 .
1. تكفير . 2. سلفيه ـ ـ عقايد. 3. وهابيه ـ ـ عقايد. 4. اسلام واجتماع ـ تأثير تكفير . الف. مكارم شيرازى، ناصر، 1305 ـ ، مقدمه نويس. ب. موسسه امام صادق (عليه السلام). ج . عنوان .
2ف2س/ 3/225 BP   464 / 297
1394
 
 
 
 
 
مركز التوزيع مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?00982537745457 ـ 00982532925152
www.shia.ir   www.imamsadeq.org
اسم الكتاب:   … فتنة التكفير جذورها وآثارها في المجتمع
المؤلــف:   … العلاّمة المحقّق آية الله العظمى جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الثانية
تاريخ الطبع:   … 1437 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 906   تسلسل الطبعة الأُولى: 428
 

صفحه 5
 
إدانة القرآن الكريم
لظاهرة التكفير
 
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).(النساء:94)

صفحه 6
 
 
 
ادانة التكفير على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
 
روى البخاري عن أبي ذرّ أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».
صحيح البخاري، برقم 6045

صفحه 7
كلمات مضيئة
حول مضاعفات التكفير
 
1. التكفير نابع عن طغيان العاطفة الكاذبة على العقل ومنهج الاستدلال
2. التكفير يهدف إلى تمزيق الأُمّة الإسلامية وإضعاف المسلمين
3. التكفير يورث الفوضى ويُعدم الأمن الذي هو من أهم الحاجات الفطرية
4. ظاهرة التكفير تنمو في بيئة الجهل وسوء الفهم لأحكام الشريعة المقدسة
5. التكفير من أخطر الأُمور على الإسلام في طريق تشويه صورته ظلماً وعدواناً

صفحه 8

صفحه 9
 
 

(دام ظله)

كلمة سماحة المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الرئيس الأعلى للمؤتمر

لا غرو أنّ عصرنا هو عصر الوقائع المريرة والمعقدة والفتن الخطيرة الّتي تعصف بالإسلام والمسلمين وتستقي من مؤامرات أعداء الإسلام الأجانب بالتواطؤ مع منافقي الداخل.
إنّ فتنة التكفيريين والمتطرّفين لهي من أعظم الفتن الّتي ابتُلينا بها، والّتي ظهرت لنا في الآونة الأخيرة في صورة الجماعة المسماة «داعش» وأخواتها.
فمن أين أطلّت علينا فتنة التكفير هذه؟ وكيف نشأت وترعرعت؟ وما هي أسباب انتشارها؟ وأنّى السبيل لإطفاء نائرتها؟ يحتاج كلّ من هذه الأسئلة إلى بحث مفصّل ودقيق، ويقيناً أنّ الخطط السياسية والعسكرية، مهما كانت ذات مصداقية، فلن تكون، بمفردها، فعالة في دفع هذه الفتن. إذ لابد لكبار علماء الإسلام أن يهبّوا لاقتلاع جذور هذا الفكر المنحرف بالموعظة الحسنة والمنطق السليم، ليحولوا دون انجذاب الشباب نحوه.

صفحه 10
من هذا المنطلق، اتُّخذ القرار وبمساعدة نخبة من العلماء الواعين والمثقفين من جميع المذاهب الإسلامية لعقد مؤتمر عالمي تحت عنوان «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرّفة والتكفيرية» ليتدارسوا خلاله الموضوع بعمق ودقّة، ويضعوا نتائج دراساتهم وأبحاثهم في متناول الجميع، أملاً في توعية الرأي العام الإسلامي وإطفاء نار هذه الفتنة العمياء. وهذا الّذي بين يديك عزيزي القارئ هو جانب من تلك الدراسات .
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)
 
ناصر مكارم الشيرازي
قم ـ الحوزة العلمية
ذو الحجة 1435 هـ
 

صفحه 11
جذور ظاهرة التكفير والدوافع وراء عقد المؤتمر العالمي   

(دام ظله)

مقدّمة المشرف العلمي سماحة المرجع الديني الشيخ جعفر السبحاني

 
 

جذور ظاهرة التكفير والدوافع وراء عقد المؤتمر العالمي حول آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرّفة والتكفيرية

الإيمان والكفر مفهومان متضايفان، فعندما نذكر أحدهما يتداعى الثاني إلى ذهننا، ويطلق على هذه الحالة في الفلسفة «التضايف».
إنّ مصطلح «الإيمان» يعني التصديق والاعتقاد، ولفظ «الكفر» يقصد به الستر وأحياناً يفيد الإنكار، وبحسب ما اصطلح عليه المتكلّمون فإنّ المقصود بالإيمان هو التصديق بنبوة النبيّ وبرسالته. أمّا «الكفر» فيراد به تجاهل دعوة هذا النبيّ وتكذيبه.
ولا شكّ في أنّ دعوة معلّمي السماء تشي أنّه في كلّ عصر بُعث فيه الأنبياء وجاءُوا بالأدلّة والبراهين الّتي تؤكّد على صدق دعوتهم، انشطرت مجتمعاتهم إلى فئتين: فئة آمنت بالدعوة، وأُخرى كفرت بها; فالذي آمن بالدعوة وصدّقها يسمى «مؤمناً»، والّذي قلب ظهر المجن لها وكذّب بها يقال له «كافراً».

صفحه 12
ومن المعلوم أنّ منهج جميع الأنبياء في الدعوة إلى الأُصول واحد، ولا يوجد أي اختلاف بينهم، ففي جميع الدعوات كان أفراد الفئة المؤمنة إنّما يؤمنون بالله الخالق المدبّر والحكيم الّذي لا معبود سواه، ويصدّقون رسالة نبيّ عصرهم بكلّ جوارحهم.
وحين قضت إرادة الله تعالى ببعث النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت علامة إيمان الناس بالدعوة النطق بعبارتين تفصحان عن الإيمان الّذي في مكنونهم، أعني: كلّ من كان ينطق بالشهادتين «لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله»، أفراداً أو جماعات، كان يدخل في حظيرة الإسلام، وينفصل عن دائرة الكفر.
من جهة أُخرى، فإنّ الإقرار بكلمة الإخلاص ـ الّتي تنطوي على سلب الإلوهية من كلّ موجود إلاّ الله ـ تتضمّن الإقرار بثلاثة أنواع للتوحيد: 1. توحيد الخالقية، 2. توحيد التدبير، 3. توحيد العبادة. لأنّ هذه الأنواع الثلاثة هي من خصوصيات إله العالمين لا خلائقه.
ناهيك عن أنّ الأساس الّذي تقوم عليه أيّ دعوة إلهية هو الإيمان بالآخرة، طبعاً الإقرار بالحياة الأُخروية، كما أنّ التوحيد والرسالة، يعدّ من العناصر الإيجابية في الإيمان الّذي يستكنه أعماق كلمة الإخلاص.
لو رجعنا إلى السيرة النبوية المعطّرة سوف نطالع صفحة

صفحه 13
باسم «عام الوفود» وهو العام الّذي تقاطرت فيه الوفود على المدينة المنورّة من كل حدب وصوب، زرافات ووحداناً، لتبايع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولتستظل بخيمة الإسلام من خلال النطق بالعبارتين المذكورتين اللّتين تختزلان الإيمان الحقيقي. وفي هذا الشأن نزلت سورة النصر المباركة لتصدح بالآيات الكريمة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .
إذن مفتاح دخول هذه الأفواج في الإسلام كان النطق بالشهادتين فحسب، ولم تكن ثمّة مسائل كلامية أو فقهية تشترط قبول إسلامهم. مثلاً، لم يكن هؤلاء يُساءَلوا عن مكان الله أو رؤيته في يوم البعث أو خلق القرآن وقدمه، وغير ذلك من الأسئلة، وإنّما إيمانهم الكلّي برسالة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يغنيهم عن كلّ هذه المسائل. كما لم يُساءَلوا عن مسألة جواز التوسّل بالأنبياء والأولياء أو الصلاة إلى جانب القبور أو زيارة قبور الأولياء.
في العصر الراهن، ثمّة فرقة متطرّفة وجاهلة بأُصول الشريعة المحمّدية وقواعدها، صارت تحتكر الإسلام والإيمان، فتعتبر فئة قليلة هي المؤمنة وسائر المسلمين كفّاراً ومهدوري الدم. وتعود جذور هذا النمط من التكفير إلى عصر ابن تيمية (المتوفّى 728 هـ) والوهابيّين المتطرّفين من بعده، بل أنّ الوهابيين ذهبوا في تطرّفهم

صفحه 14
إلى مديات أبعد، ذلك أنّ ابن تيمية كان في أغلب الأحيان يستخدم كلمة البدعة، بينما الفرقة الوهابية استعاضت عنها بكلمة الكفر، فأصبح معيار التكفير عندها هو مخالفة أفكارها في المسائل المذكورة آنفاً.
وتعارض هذه الفرقة بشدّة بناء أضرحة الأنبياء وأولياء الله وتعتبر ذلك من مظاهر عبادة الأوثان!! بينما شهد الإسلام عبر تاريخه الطويل بناء أضرحة الأنبياء والمحافظة عليها في فلسطين والأردن والشام والعراق، وكان المسلمون يأتون إلى زيارتها أفواجاً أفواجاً، ولم يخرج علينا أحد ليصف هذا العمل بأنّه مخالف للتوحيد.
وحتّى عندما فتح الخليفة عمر بن الخطاب بيت المقدس لم يأمر أبداً بهدم تلك المزارات والمقامات المقدّسة، وإنّما واصل نهج الماضين في المحافظة عليها وتزيينها.
وطيلة الفترة الّتي تلت رحلة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جميع الموحّدين يتوسّلون بمقام النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)ليشفع لهم في قضاء حوائجهم، غير أنّ هذه الفرقة تساوي بين هذا التوسّل وبين توسّل المشركين بالأصنام، في حين أنّ جوهر كلّ منهما متمايز عن الآخر والمسافة بينهما كالمسافة بين الأرض والسماء.

صفحه 15

التكفير العنيف

كان التكفير عند أسلاف هذه الفرقة بالقلم واللسان، لكنّه أخذ طابعاً عنيفاً في عهد الوهابيّين المتطرّفين، حيث كان أتباعهم يغيرون على القرى والقصبات والقرى المحيطة بمنطقة «نجد» وينهبون ما أمكنهم، وبذلك أصبحت لديهم قوّة مالية كبيرة.
وللاطّلاع على الجرائم الّتي ارتكبها مؤسّسو هذه الفرقة ومن جاء بعدهم ننصح بمراجعة مصدرين معتبرين في تاريخ الوهابية هما: «تاريخ ابن غنّام» و «تاريخ ابن بشر». وقد صدرا منذ فترة وأصبحا موضع اهتمام العلماء والمفكّرين.
وأخيراً، لا نريد الإطالة في هذا المقام، لذا، سوف نختم كلمتنا بهذا البيت من الشعر الفارسي:
شرح اين هجران و اين خون جگر *** اين زمان بگذار تا وقت دگر
(دع سرد قصة هذا الهجران واترك مصائب هذا الزمان لوقت آخر)
يشار إلى أنّه بعد احتلال أفغانستان من قبل الجيش الأحمر السوفيتي اتُّخذ قرار بتوظيف الروح الجهادية للشباب المسلم في المنطقة لدحر قوى الكفر وطرد الأعداء من الأراضي الإسلامية، فكان قراراً رائعاً وفيه مرضاة الله، بيد أنّ عدم وجود عالم ورع

صفحه 16
وقيادة واعية بأُصول الجهاد في أوساط هؤلاء الجهاديّين لتقودهم وفق النهج السليم، سبّب انحراف هؤلاء المقاتلين باتّجاه آخر، فتأثّر بعضهم بالأفكار الوهابية وراحوا يكفّرون جميع المسلمين.
ولسوء الطالع، انطلقت هذه الحملة أوّلاً ضدّ دول المقاومة والممانعة الصامدة بوجه الصهاينة، وبدلاً من تحرير القدس، راح هؤلاء يدمّرون البنى التحتية في سورية والعراق. وقد بلغ عنفهم وإرهابهم ضدّ الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والأبرياء مبلغاً شاهت معه صورة الإسلام في العالم، ولم يعد في الغرب من يتعاطف مع هذا الدين. فأين الأعمال المروّعة لهذه الجماعات من كلمات الوحي الإلهي حيث يقول الباري عزّ وجلّ: (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ).1 ويقول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث شريف: «إنّ الرفقَ لا يكونُ في شيء إلاّ زانه، ولا يُنزَعُ مِن شيء إلاّ شانه».
في ظل هذه الظروف المفجعة، قرّرت المرجعية الرشيدة في الحوزة العلمية بقم عقد مؤتمر عالمي تحت عنوان: «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطّرفة والتكفيرية» وذلك لتسليط الضوء على هذه الفرقة وما يترتّب على أعمالها من نتائج وعواقب

1. آل عمران: 159.

صفحه 17
وخيمة، وفي هذا الإطار تمّ توجيه نداء إلى العلماء والباحثين في العالم الإسلامي من أجل سبر جذور التكفير وتعرية جوهره الشرير، والسبل الكفيلة بالخلاص من هذا الوضع. وقد لاقى النداء استجابة طيّبة من لدن العلماء انعكس في إرسال العديد من الآثار إلى الأمانة العامة للمؤتمر، وكانت مضامين معظمها على درجة عالية من الجودة والقيمة، وبناءً عليه قرّرت الأمانة المذكورة أن تأخذ على عاتقها طبع ونشر هذه الآثار ووضعها في متناول أصحاب الرأي وضيوف المؤتمر الأعزّاء من داخل البلاد وخارجها، لتكون خطوة على طريق الحؤول دون استفحال خطر هذه الغدة السرطانية المدمّرة وانتشار هذا الفايروس المرعب.
في الختام، لا يسعني إلاّ أن أُثني على الجهود المضنية لأعضاء الأمانة العامّة المحترمين الّذين واصلوا الليل بالنهار، وأقدّر عالياً ما بذلوه خلال الفترة الماضية، كما وأشكر جميع الّذين ساهموا في خلق هذه الأجواء الروحانية والعلمية.
 
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ الحوزة العلمية
ذو القعدة 1435 هـ

صفحه 18
 

صفحه 19
   
 
 

ديباجة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) .1
لقد شهد الإسلام في محطات كثيرة من تاريخه اقتتالاً بين المسلمين، ولكن من النادر أن تجد فرقة إسلامية قامت بتكفير سائر المسلمين واستحلّت دماء أهل القبلة وأموالهم وأعراضهم عدا الخوارج والتيارات التكفيرية . فالخوارج كانوا في طليعة المكفّرين للمسلمين، ثمّ تبعهم التيار التكفيري في القرون الثلاثة الأخيرة، فقد سفكوا دماء الكثير من المسلمين ودمّروا العديد من الأماكن والآثار الإسلامية المقدّسة الّتي تجسّد الهوية الحضارية للمسلمين بدعوى التوحيد زوراً وبهتاناً.
وعلى الرغم من الجهود الحثيثة لكبار العلماء المسلمين في مواجهة التكفير، لكنّنا، وللأسف، نشهد في العصر الراهن تنامي التيارات التكفيرية وانتشارها في كلّ زاوية من زوايا العالم الإسلامي. تيارات ارتكبت من الجرائم والمجازر ما ليس له نظير

1. البقرة: 208 .

صفحه 20
في التاريخ الإسلامي. حزّ الرقاب، وإشعال الحرائق، والتمثيل بالجثث، وانتهاك الأعراض، ونهب الأموال، وتدمير الأبنية المقدسة، وغيرها من الجرائم تمثّل جانباً من الأعمال المروّعة الّتي ترتكبها هذه الجماعات باسم الإسلام.
وعلى صعيد آخر، فإنّ اغتيال كبار علماء المسلمين، وتهديم البقاع المقدّسة الّتي ترمز إلى الهوية الإسلامية، وارتكاب أفظع الأعمال المحرّمة باسم الإسلام مثل جهاد النكاح... إلخ كلّها طعنات أصابت الجسد الإسلامي في الصميم.
إنّنا إذا ما تأمّلنا خريطة البلدان الإسلامية سنجد آثار خطوات هذه الجماعات في جميع البلاد الإسلامية تقريباً، وهي من قبيل: جبهة النصرة، داعش، تنظيم القاعدة، جند العدل، حزب التحرير في آسيا، جماعة بوكو حرام في نيجيريا، حركة الشباب الصومالية، جماعة أنصار السنّة وأنصار الشريعة في أفريقيا، وغيرها من الجماعات المتعددة، والّتي تؤشّر بمجموعها وجود أزمة كبرى في العالم الإسلامي .
أمّا ما هي الأسباب والعوامل الّتي آلت إلى هذه الوضعية فذلك يستدعي منّا بحوثاً ودراسات معمّقة سوف ننوّه إليها بالتفصيل في مجموعة المقالات، ولكن إجمالاً نقول: إنّه لا ينبغي

صفحه 21
هنا التغاضي عن دور الغرب في مشروع الإسلاموفوبيا، وبالتبع، محاربة الإسلام. ذلك أنّه ارتأى، في ظلّ النمو السريع للإسلام في العالم، أن يعمل ويركّز على مشروع الإسلام ضدّ الإسلام، وأن يعمل عبر مساندة الجماعات المتطرّفة وتوظيف الاختلافات الطائفية والمذهبية، على تحريك بعض الجماعات المنبثقة من رحم الإسلام لإضعاف قوة المسلمين وقدراتهم، وليرسم في المقابل صورة مشوّهة عن المسلمين أمام أنظار العالم.
كما أنّ القراءات المنحرفة لبعض المفاهيم، مثل التوحيد والشرك والإيمان والكفر والبدع وأمثال ذلك دفعت المسلمين إلى مستنقع التكفير.
ومع ذلك، يبدو أنّ الجرائم وأعمال التدمير الّتي ترتكبها التيارات التكفيرية من السعة والصلف بحيث أحدثت موجة من الاشمئزاز والإدانة لهذه الممارسات في العالم الإسلامي .
وبناءً عليه، فإنّ التصدّي العلمي والتنويري لهذا التيار يضع على عاتق العلماء والمفكّرين مسؤولية سبر جذور هذه الظاهرة واجتراح الحلول اللازمة للفكاك منها، من هنا انبرى المؤتمر الدولي «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرّفة والتكفيرية» بحسب إمكاناته وبإشراف وتوجيه كريمين من لدن سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى مكارم الشيرازي «دام ظله

صفحه 22
الوارف» إلى توظيف الطاقات العلمية في العالم الإسلامي من أجل التصدّي لظاهرة التكفير. وقد تشكّلت لهذا الغرض أربع لجان علمية هي كالتالي:
1. نسابية التيارات التكفيرية;
2. سبر عقائد التيارات التكفيرية;
3. التيارات التكفيرية والسياسة ;
4. سبل الخلاص والتصدّي للتيارات التكفيرية.
يتناول المحور الأوّل نسابية التيارات التكفيرية، وتبحث اللجنة المعنية في منطلقات التكفير ومنابعه وأمثلته على مدى التاريخ الإسلامي .
يخوض المحور الثاني في جذور الضلالات العقدية والقراءات التكفيرية للمعتقدات الإسلامية. هنا تبحث اللجنة المعنية في نقد أُصول ومعتقدات هذه الجماعات والتيارات، وتسبر ضلالاتها وانحرافها عن العقيدة الإسلامية .
أما المحور الثالث فيعالج الأسباب السياسية وراء
تنامي التيارات التكفيرية وانتشارها، وتحليل تبعيّتها وعمالتها وأهدافها.
وفي المحور الرابع مقترحات ببعض الحلول السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية للخلاص من ظاهرة التكفير.

صفحه 23
ولابدّ من التذكير بأنّ مجموعة المقالات الّتي بين أيدينا هي حصيلة ما جادت به قريحة العلماء ومفكّري العالم الإسلامي حول المحاور المذكورة أعلاه.
مضافاً إلى ذلك، ثمّة بحوث مستقلّة تقدّم بها بعض الباحثين تهدف إلى إثراء المؤتمر وإغنائه، وهي كما يلي:
1. التكفير من منظار علماء الإسلام: يستعرض هذا البحث آراء كبار علماء المذاهب والفرق الإسلامية حول رفض التكفير، وتشمل آراء علماء القرون السابقة والمعاصرة حول حرمة تكفير أهل القبلة.
2. هدم المزارات الإسلامية في البلدان العربية: يسلّط البحث الضوء على السجل الأسود للتيارات التكفيرية في تهديم الأماكن المقدّسة والحضارية في العالم الإسلامي، وهو موثّق بصور المزارات قبل الهدم وبعده.
3. فتاوى التيارات التكفيرية في جواز قتل المسلمين: أحياناً تصدر عن التيارات التكفيرية، بسبب انحرافها وضلالها، فتاوى
لا تنسجم مع أيّ من القواعد الفقهية، وتتنافى تماماً مع
التعاليم الإسلامية، وقد جمع هذا الكتاب الفتاوى التكفيرية لتلك التيارات.
4. بيلبوغرافيا التكفير: إذا ما ألقينا نظرة على المصنّفات

صفحه 24
والكتب المدوّنة في موضوع التكفير سنجد أنّ الحصيلة جمهرة كبيرة من الآثار العلمية. هذه الببليوغرافيا تقدّم سرداً وصفياً لهذه الآثار في موضوع التكفير والردّ عليه.
5. الوهابية المتطرّفة: موسوعة نقدية: ثمّة في الفكر الوهابي تيارات تعتبر المسلمين كفّاراً، وتجمع هذه الموسوعة النقدية باقة من مصنّفات العلماء المسلمين في نقد مبادئ وأُسس هذا التيار منذ ظهوره وحتّى اليوم.
في الختام، يلزمنا التنويه إلى أنّ كل ما من شأنه إثراء مجموعة المقالات وكذا البحوث المستقلّة الخاصّة بالمؤتمر الدولي «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرّفة والتكفيرية» يعود الفضل فيه إلى الإشراف العلمي لسماحة آية الله العظمى جعفر السبحاني (أدام الله ظله) وتوجيهاته السديدة المصوّبة الّتي فتحت مغاليق المسائل أمام اللجان العلمية في المؤتمر وكانت عوناً لها على إنجاز مهمّتها.
كما لا يفوتنا أن نشيد بالدور المضني الّذي اضطلع به حجة الإسلام والمسلمين الدكتور فرمانيان ـ مسؤول اللجان العلمية ـ من خلال المتابعة الحثيثة والتنظيم الدقيق للمقالات، بمعية مسؤولي اللجان المحترمين: حجة الإسلام قزويني وحجة الإسلام مير أحمدي وحجة الإسلام فرمانيان وسعادة الدكتور أميني، فلهم

صفحه 25
منا جزيل الشكر والعرفان.
وأخيراً، نأمل أن تثمر الجهود المباركة لمراجع الدين العظام وعلماء الإسلام عن التقريب بين أجزاء العالم الإسلامي والوحدة بين أوصاله، واجتثاث فتنة التكفير من ربوعه إن شاء الله.
 
رئيس الهيئة ونائب المشرف العلمي للمؤتمر
السيد مهدي علي زاده الموسوي
ذو القعدة 1435 هـ

صفحه 26
 

صفحه 27
مقدّمة المؤلف   
 
 
 
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، والصلاة والسلام على نبيّ الرحمة وإمام الهدى محمد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فقد ظهرت في عصرنا هذا، ظاهرة التكفير وتبنَّتها جماعة احتكروا الإيمان لأنفسهم وسلبوه عن غيرهم، فقاموا بقتل الأنفس ونهب الأموال بحجّة أنّ غيرهم كفّار يجب قتالهم وسبي ذراريهم والإغارة على ممتلكاتهم وأموالهم!!
وممّا يؤسف له أنّ هؤلاء يدّعون أنّهم يحكمون باسم الإسلام وباسم نبيّ الرحمة الذي قال: «إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا يُنزع من شيء إلاّ شانه»1، فها هم يقتلون الأبرياء والعُزّل من الناس أطفالاً وشيوخاً ونساءً ويقومون بجرائمهم وهم

1. صحيح مسلم:8/22، كتاب البر والصلة والآداب.

صفحه 28
يكبّرون ويصلّون على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يصفه سبحانه بقوله:(فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)1، ويدّعون رفع لواء الجهاد في سبيل نصرة الدين ومواجهة أعدائه، وهم يعيشون في الأرض فساداً، ويحرقون الحرث والنسل، ويدّمرون المنشآت الاقتصادية، بل يخرّبون كلّ شيء؟!
يقومون بهذه الجرائم الفظيعة التي يهتزّ لها عرش الرحمن باسم الدين، والأنكى من ذلك أنّهم لا يعيرون أهمية الضحايا الأبرياء ولا يقدّرون لها قيمة، وأصبح ذبح الإنسان الذي عرّفه سبحانه بقوله:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)2 أهون عندهم من ذبح الطير أو قتل الهوام!!
إنّ القائمين بهذه الأعمال بين جاهل بقواعد الدين وأحكامه متحمّس في طريقه; أو عالم بالموضوع وحكمه لكنّه ينفذ خطط الكافرين الذين يكنّون الحِقْد والعِداء لنبي الإسلام ورسالته منذ قرون، فتراهم في كلّ عصر يأتون بخطّة جديدة. والذي يتولى كبر هذا الأمر الفظيع هو قائد الوهابية المتشددة محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري مدّعياً الدفاع عن التوحيد

1. آل عمران:159.
2. الإسراء:70.

صفحه 29
فكفّر عامّة المسلمين إلاّ مَن تابعه في أفكاره.
وقد اعتبر ابن عبد الوهاب عامّة المسلمين كفّاراً ومشركين ومرتدّين كأهل الجاهلية الأُولى أو أضلّ منهم وقال: فإذا عرفت أنّ هذا الذي يُسمّيه المشركون في زماننا «الاعتقاد» هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله(صلى الله عليه وآله) الناس عليه، فاعلم أنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا وذلك:
إنّ الأوّلين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلاّ في الرخاء، وأمّا في الشدّة فيخلصون لله الدعاء،
فيدلّ عليه قوله سبحانه:(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا)1 وبذلك تبيّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأوّلين.2
واستنتج من عبارته هذه أنّ مشركي أهل زمانه يدعون غير الله في الشدّة والرخاء، فكانوا أكثر شركاً.
وهذه العبارات تدلّ على أنّ جماهير المسلمين ـ عنده ـ مشركون شركاً أشدّ من شرك أبي جهل وأبي لهب!!
وأراد من الشرك الذي اتّهم به عامّة المسلمين عبر قرون ما

1. الإسراء:67.
2. كتاب كشف الشبهات:11.

صفحه 30
يقومون به من زيارة قبور الأنبياء والأولياء الصالحين والتوسّل بهم مضافاً إلى إعمار قبورهم وأضرحتهم، فهذا هو الذي أسماه ابن عبد الوهاب بالشرك الأكبر، وبذلك صار المسلمون بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عصر محمد بن عبد الوهاب مشركين وأضلّ من مشركي عصر الجاهلية.
هذا ما يذكره ابن غنّام معاصره ومؤرّخ حياته وحروبه مع المسلمين.
ولمحمد بن عبد الوهاب كلمة أُخرى قال: اتّبع هؤلاء سنن من قبلهم وسلكوا سبيلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حذو القذّة بالقذّة، وغلب الشرك على أكثر النفوس لغلبة الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنّة بدعة والبدعة سنّة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتدّ البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.1
والعجب أنّ الشيخ يزعم أنّه من أتباع أحمد بن تيمية!!
وحاشا أن يكون ابن تيمية بهذا التشدّد فإنّه ذكر للتكفير
شروطاً وموانع سيوافيك بيانها في محلّها. نعم عبّر عمّا يسمّيه

1. الدرر السنية في الأجوبة النجدية:1/197 و 295.

صفحه 31
محمد بن عبد الوهاب شركاً بالبدعة.
إنّ التسرّع والغلو في التكفير يمزّق المجتمع المسلم، ويغذّي الفرقة والشحناء بين المسلمين بل ربّما يؤدّي إلى إهدار المسلمين دماء بعضهم بعضاً، وهذا على جانب النقيض من قوله سبحانه:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)1.
إنّ أقلّ ضرر أُصيب به الإسلام هو أنّ بدعة التكفير على النحو الذي تبثّه الفضائيات صارت حائلاً بين الغربيّين وبين اعتناقهم الإسلام.
يا ليت هؤلاء يفهمون أو يعقلون ما عليه علماء الإسلام عامّة حيث قالوا: الخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم.2
إنّ الآثار السلبية المترتّبة على التكفير خطيرة جداً ويكفي في خطورته :
إنّه يزيل عصمة النفس والنفيس، فالنفوس تُقتل والأعراض تهتك والأموال تُسلب.
إنّه ينشر الفوضى في المجتمع الإسلامي ويجعله شيعاً

1. آل عمران:103.
2. الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي:143، مطبعة صبيح في القاهرة.

صفحه 32
والذي يعدّه سبحانه من ألوان العذاب ويقول: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا)1.
ويا ليت هؤلاء يكتفون بالتكفير فإنّ خطره قليل، وهؤلاء هم اليهود والنصارى محكومون بالكفر ولكنّهم يعيشون في الأوساط الإسلامية بعيدين عن الخطر والقتل والنهب. غير أنّ هؤلاء يتّهمون مَن يقول لا إله إلاّ الله محمّداً رسول الله ويصلّي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان، بالشرك الذي نتيجته هو الحكم بهدر دمه، واستحلال نهب ماله وهتك حرمة نسائه وأولاده، ولذلك نرى أنّ القائلين بالتكفير بهذا المعنى يمارسون أبشع جرائم العصر الحديث ولا يستثنون أحداً، بل العدو الصهيوني الغاصب عندهم أكثر احتراماً من الشعوب الإسلامية بكافّة مذاهبها وطوائفها!!
ولأجل هذا قمنا بدراسة حقيقة الإيمان والكفر على ضوء الكتاب والسنّة حتى يقف الباحث الواعي على أنّ عمل هؤلاء المنحرفين يخالف حكم القرآن والسنّة.
وتحقيق الحال يتم ضمّن فصول:
   
 

1. الأنعام:65.

صفحه 33
 

الفصل الأوّل:

الكفر والإيمان في اللغة ومصطلح المتكلّمين

الكفر والإيمان لغةً

يظهر من أئمّة اللغة أنّ للكفر أصلاً ومعنى واحداً. يقول ابن فارس: له أصل واحد وهو الستر والتغطية، والكفر ضد الإيمان لأنّه يغطّي الحق.1
وقال الجوهري: كلّ شيء غطّى شيئاً فقد كفره، ومنه سُمّي الكافر لأنّه يغطي نعم الله.2
وقال الراغب: الكفر في اللغة ستر الشيء، ويوصف الليل بالكافر لأنّه يستر الأشخاص، والزارع لأنّه يستر البذر في الأرض، يقول تعالى:(كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)3.4
ويمكن أن يقال إنّ للكفر أصلاً آخر وهو الجحد والإنكار

1. مقاييس اللغة:5/191.
2. صحاح اللغة للجوهري:2/808، مادة «كفر».
3. الحديد:20.
4. مفردات الرغب:433، مادة «كفر».

صفحه 34
وهو غير الستر والتغطية، قال سبحانه:(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).1
فمعنى قوله: (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض):أي ينكر بعضكم بعضاً.
هذا كلّه حول الكفر، وأمّا الإيمان فالثلاثي المجرّد مثل قوله: «أمن»، «يأمن» فيراد به السكينة والطمأنينة كقوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَني)2.
وأمّا الثلاثي المزيد فيه فإن كان مقروناً بلفظة «من» فهو أيضاً بنفس ذلك المعنى، مثل قوله: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْف)3; وإن كان مقروناً باللام أو الباء فهو بمعنى التصديق، يقول سبحانه:(وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا)4: أي بمصدّق لنا، ويقول سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ)5: أي صدّق الرسول.

1. العنكبوت:25.
2. النور:55.
3. قريش:4.
4. يوسف:17.
5. البقرة:285.

صفحه 35

الإيمان والكفر في مصطلح المتكلّمين

اتّفق المتكلّمون على أنّ الإيمان بمعنى التصديق ولكن اختلفوا في أنّه بأي جارحة يتحقّق التصديق؟ فهناك أقوال:

1. التصديق اللساني

ذهب ابن كرّام السجستاني (المتوفّى:255هـ) إلى أنّه يكفي في تحقّق الإيمان التصديق باللسان وإن لم يصدّق قلباً، قائلاً: بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل إيمان من قال: لا إله إلاّ الله محمداً رسول الله.1
يلاحظ عليه: أنّ كلامه هذا لا يخلو من إبهام، فلو قال: إنّ من صدّق باللسان فهو مؤمن وإن لم نعلم وفاق لسانه مع قلبه فهو أمر مقبول، إذ لا طريق لنا إلى الغيب والباطن. وأمّا لو قال بكفاية التصديق اللساني وإن علم الخلاف فهو محجوج بالقرآن الكريم، يقول سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)2.

2. التصديق القلبي

ذهب جهم بن صفوان(المتوفّى:127هـ) إلى كفاية التصديق القلبي وإن كان منكراً لساناً، واستدلّ على ذلك بإيمان عمّار الذي

1. نقله ابن حزم في الفِصَل:3/190.
2. البقرة:8.

صفحه 36
أنكر رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بلسانه ولمّا جاء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)باكياً قال له:«فإن عادوا فعُد»، وهذا يدلّ على أنّ الإنكار باللسان لا يضر إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان، قال تعالى:(إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)1.
يلاحظ عليه: بأنّ الكلام في معنى الإيمان في غير حالة الاضطرار والتقيّة، وما أُشير إليه من إيمان عمّار مع الإنكار في اللّسان فهو داخل في حالة الاضطرار وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)«رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه».
أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه يكفّر قوم فرعون ويقول:(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(2). فقد أذعنوا بصحّة رسالة موسى قلباً، ولكن جحدوها لساناً، فوصفوا بالكفر.

3. التصديق لساناً وقلباً مع الاجتناب عن الكبائر

ذهبت الخوارج إلى أنّ الاجتناب عن الكبائر من مقوّمات الإيمان، فلو آمن وصدّق بلسانه وقلبه ولكن كذّب أو اغتاب سيخرج من خيمة الإيمان ويدخل حظيرة الكفر.2

1. النحل:106.لاحظ الفصل:3/190.   2 . النمل:14.
2. لاحظ: الاباضية في موكب التاريخ:89ـ 92.

صفحه 37
وقد استدلّ هؤلاء بآيات أجبنا عنها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل»، وأوضح دليل على أنّ العمل بالفرائض والاجتناب عن المحرّمات ليس من مقوّمات الإيمان، قوله سبحانه:(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)1ترى أنّه سبحانه عطف العمل بالصالحات على الإيمان في هذه الآية وفي آيات كثيرة، وهذا يدلّ على أنّ العمل بالفرائض واجتناب الكبائر ليسا من مقومات الإيمان وإن كان لهما مدخلية تامّة في نجاة الإنسان يوم القيامة.

4. المنزلة بين المنزلتين

ذهبت المعتزلة إلى أنّ المؤمن باللسان والقلب إذا ترك فريضة أو ارتكب حراماً يخرج من خيمة الإيمان ولا يدخل في حظيرة الكفر بل يكون في منزلة بين المنزلتين، أي بين الإيمان والكفر، فلا هو مؤمن ولا كافر. وقد اشتهرت المعتزلة بهذا الرأي2، وهو مردود بقوله سبحانه:(هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).3
والآية بصدد الحصر، وقد بسطنا الكلام في نقد هذه النظرية

1. العصر:3.
2. شرح الأُصول الخمسة:697.
3. التغابن:2.

صفحه 38
في كتابنا «بحوث في الملل والنحل».

5. نظرية جمهور العلماء

الإيمان عبارة عن التصديق باللسان والإذعان بالجنان، وهذا هو الذي عليه جمهور المسلمين فلو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقبل إيمان من صدّق باللسان فلأجل أنّه كان طريقاً إلى تصديقه بالجنان.
وها نحن نذكر شيئاً من عبارات القوم سنّة وشيعة، حتى يُعلم أنّ المتكلّمين من الفريقين على هذه النظرية.
قال عضد الدين الإيجي: الإيمان: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما عُلم إجمالاً.1
وقال التفتازاني: الإيمان: اسم للتصديق عند الأكثرين، أي تصديق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما علم مجيئه به بالضرورة.(2)
وقال الشريف المرتضى(المتوفّى 436هـ): إنّ الإيمان عبارة عن التصديق القلبي ولا اعتبار بما يجري على اللسان، فمن كان عارفاً بالله تعالى وبكلّ ما أوجب معرفته، مقرّاً بذلك ومصدّقاً فهو مؤمن.2

1. شرح المواقف:8/323، قسم المتن.   2 . شرح المقاصد:5/176.
2. الذخيرة في علم الكلام:536ـ 537.

صفحه 39
وقال ابن ميثم: إنّ الإيمان عبارة عن التصديق اللبّي بالله تعالى، وبما جاء به رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره،وسائر الطاعات ثمرات مؤكّدة له.1
ثمّ إنّ هنا سؤالين لابدّ من الإجابة عنهما:
1. اتّهام نظرية المشهور بالإرجاء.
2. تعامل النبي مع المنافقين.
أمّا السؤال الأوّل، فربّما يقال: أي فرق بين نظرية الجمهور حيث اكتفوا بالتصديقين من دون إدخال العمل بالفرائض في صميم الإيمان، وما عليه المرجئة الذين اشتهروا بقولهم:«لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة»؟
أقول: بين النظريتين بعد المشرقين، وذلك لأنّ القول بأنّ الإيمان هو التصديقان، لا يُدخل القائل في عداد المرجئة إذا كان مهتمّاً بالعمل، لأنّ جمهور العلماء يرون النجاة والسعادة فيه، وأنّه لولاه لكان خاسراً غير رابح، أمّا المرجئة فهم الذين يهتمّون بالعقيدة ولا يهتمّون بالعمل ولا يعدّونه عنصراً مؤثّراً في الحياة الأُخروية ويعيشون على أساس العفو والرجاء، فهم يهتمّون بالرغبة ولا يهتمّون بالرهبة، والله سبحانه يقول:(إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي

1. قواعد المرام:170.

صفحه 40
خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)1 فكلام الجمهور على طرف النقيض ممّا هم عليه، خصوصاً على ما نقله شارح المقاصد من المرجئة بأنّهم ينفون العقاب على الكبائر إذا كان المرتكب مؤمناً على مذهبهم.2
وقد شعر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بخطورة الموقف، وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة، والشيعة خاصّة، سترجعهم إلى الجاهلية، فقاموا بتحذير المجتمع الإسلامي من خطر المرجئة فقالوا: «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة».3
كيف يمكن القول بأنّ التصديقين سبب النجاة يوم القيامة، والله سبحانه يقول:(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيًما ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ).4

1. العصر:2ـ3.
2. لاحظ شرح المقاصد للتفتازاني:2/229 و 238.
3. الكافي:6/47، الحديث5.
4. البلد:11ـ 17.

صفحه 41

وأمّا السؤال الثاني فالإجابة عنه كالتالي:

لا شكّ أنّ المنافقين كانوا كفّاراً، ومَن قرأ سورة البراءة يقف على ذلك، يقول سبحانه:(وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)1، ولكنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لمصلحة ملزمة ـ كان يتعامل معهم معاملة المسلم، لأنّ كثيراً منهم كانوا ذا قرابة وصلة نسبية أو سببية مع المؤمنين، فطرد هؤلاء يومذاك يسبب فوضى في المجتمع الإسلامي ويشتّت كلمتهم ويفرّقهم، فلم يكن بد يوم ذاك من التعامل معهم معاملة المسلم، ولذلك جاء الوحي بنفي الإيمان عنهم، قال سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)2

1. التوبة:54.
2. المنافقون:1.

صفحه 42
 

الفصل الثاني:

ما يجب التصديق به

إذا كان الإيمان بمعنى التصديق، فهو من الأُمور الإضافية القائمة بين المصدِّق والمصدَّق به، فالمصدِّق هو المؤمن، وأمّا المصدَّق به الذي يُناط به الإيمان وجوداً وعدماً، فهو كالتالي:

1. التوحيد في الذات

ويراد به توحيده سبحانه وتنزيهه عن المثل وعن التركيب، فالله سبحانه واحد لا مثيل ولا نظير له، موجود بسيط لا جزء
ولا تركيب في ذاته، وسورة الإخلاص تتكفّل ببيان ذينك التوحيدين:
أمّا الأوّل فيبيّنه قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
وأمّا الثاني ـ أي بسيط لا جزء له ـ فيكفي فيه قوله تعالى:(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).

2. التوحيد في الخالقية

ويراد به أنّه لا خالق في صحيفة الوجود على وجه الاستقلال إلاّ الله سبحانه، وقد تضافر التنصيص عليه في الذكر

صفحه 43
الحكيم، قال سبحانه:(قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)1.
قلنا: إنّ الخالقية على وجه الاستقلال منحصرة بالله سبحانه، خرجت الخالقية على وجه التبعية وبإقدار من الله سبحانه كما هو الحال في خلق الإنسان ما بدا له من الصنائع، ويكفي في ذلك أنّه سبحانه ينسب خلق الطير إلى نبيّه المسيح(عليه السلام) ويقول:(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(2).

3. التوحيد في الربوبية

بما أنّ الربّ بمعنى الصاحب، فيقال: ربّ الدار، وربّ البستان، أو ربّ الفرس، فيكون المراد به مَن يدبّر ويدير حاجات المربوب، فصاحب الدار يحمي الدار من الخراب، كما أنّ ربّ البستان يدبّر أمره بالسقي والحراسة ونحو ذلك، فعلى هذا فالله سبحانه هو خالق السماوات والأرض وما فيهما وهو المدبّر بعد الخلقة لا غيره. فإيجادها مظهر للخالقية، وتدبيرها عبر الزمان هو مظهر ربوبيته، ولذلك نرى أنّه سبحانه بعد ما يذكر خلق السماوات والأرض، يصف نفسه بالتدبير، قال:(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ

1. الرعد:16.   2 . المائدة:110.

صفحه 44
بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).1 إلى غير ذلك من الآيات التي تنصّ على حصر تدبير الكون بالله.
ثمّ إنّ مشركي عصر الرسالة كانوا موحّدين في الخالقية دون الربوبية فزعموا أنّ تدبير العالم والإنسان موكول إلى الآلهة المكذوبة من الملائكة والجن والأصنام والأوثان، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2، وقوله تعالى:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)3فكانوا يرون العزّ في الحياة والنصرة في الحرب بيد الآلهة، وبذلك يُعلم أنّ ما ذهب إليه محمد بن عبد الوهاب من أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا موحّدين في الربوبية والمدبّرية، أمر لا يصدقه الكتاب الكريم ولا التاريخ الذي يصف عادات الجاهلية.
قال ابن هشام: حدّثني بعض أهل العلم أنّ عمرو بن لحيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق ـ و هم ولد عِملاق. ويقال: عمليق بن

1. الرعد:2.
2. مريم:81.
3. يس:74.

صفحه 45
لاوذ بن سام بن نوح ـ رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا; فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له: هبل، فقدم به مكّة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.1
والذي يدلّ بوضوح على كونهم مشركين في الربوبية بمعنى التدبير أنّ مشركي قريش حملوا «العزى» معهم في خروجهم لغزوة أُحد، وكان شعارهم في تضعيف معنويات المسلمين قولهم:
نحن لنا العُزّى ولا عُزّى لكم
ولمّا سمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شعارهم هذا أمر المسلمين أن يردّوا عليهم بقولهم:
الله مولانا ولا مولى لكم
ثم كيف يمكن لباحث أن ينكر وجود الشرك في الربوبية بين الأُمم السابقة وهذا هو نبي الله إبراهيم الخليل(عليه السلام)كان يحتجّ على عبدة الأجرام السماوية ويركّز على لفظ الرب يقول سبحانه:(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ

1. السيرة النبوية:1/77.

صفحه 46
قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي)1، كلّ ذلك يكشف أنّ عبدة الأصنام في عصر إبراهيم(عليه السلام) كانوا مشركين في الربوبية ويرون أنّ تدبير العالم أو تدبير حياة الإنسان بيد الأجرام السماوية أو الأجسام الأرضية.
بل يظهر من قوله سبحانه:(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)2 أنّ دائرة الشرك في الربوبية أوسع، بل تشتمل ما إذا دفع الإنسان زمام التشريع والتقنين إلى يد الأحبار والرهبان، فهذا أيضاً شرك في الربوبية فالله سبحانه له الحقّ في التشريع وحده دون غيره.
روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية:(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا)3 حتى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون ما أحلّ الله

1. الأنعام:76ـ 77.
2. التوبة:30.
3. التوبة:31.

صفحه 47
فتحرّمونه، ويحلّون ما أحلّ الله فتستحلّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم.1
إنّ القرآن الكريم يركّز على التوحيد في الربوبية أكثر ممّا يركّز على التوحيد في الخالقية، فكأنّ الأمر الثاني كان مسلّماً بين مشركي عصر الرسالة، دون الأوّل; ولذلك ترى أنّه سبحانه يقيم عليه البرهان العقلي الذي يعرفه العقل الحصيف ويقول:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)2، ويقول في آية أُخرى:(وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)3 فإنّ تقرير البرهان في هاتين الآيتين مبني على وحدة التدبير وتعدّده.
وإن شئت قلت:وحدة المدبّر وتعدّده. فلو لم يكن الشرك في التدبير متفشّياً في القوم لما ركّز القرآن الكريم على ذلك. وأمّا تقرير البرهان في كلتا الآيتين على وجه التفصيل فموكول إلى محلّه.
إنّ الله سبحانه يردّ على المشركين بأنّ عليهم ابتغاء الرزق

1. مجمع البيان:5/46.
2. الأنبياء:22.
3. المؤمنون:91.

صفحه 48
من الله سبحانه ويقول:(إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)1، فلو لم يكن القوم معتقدين بأنّ الرزق بيد آلهتهم لما صحّ للوحي الإلهي أن يردّ عليهم بأنّ الرزق بيد الله.
كما أنّه سبحانه يردّ على المشركين بأنّ كاشف الضر أو مرسل الرحمة هو الله سبحانه ويقول:(قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَني اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).2
إلى غير ذلك من الآيات التي تردّ على المشركين بأنّ الهداية والضلالة ومغفرة الذنوب والرزق وكشف الضرّ كلّها بيد الله فهي أفضل دليل على تسرّب الشرك في هذه المواضيع بين الوثنيّين; ويؤيّد ذلك ما رواه الطبري في تفسير قوله تعالى:(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ...) عن قتادة أنّه قال: «بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد إلى شعب بسقام، ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها إنّ لها شدّة لا يقوم لها شيء، فمشى إليها خالد

1. العنكبوت:17.
2. الزمر:38.

صفحه 49
بالفأس فهشم أنفها».1 إلى غير ذلك من الدلائل التي تدلّ بوضوح على أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا مشركين في الربوبية.
وممّا يجب التنبيه عليه: خطأ الوهابية في التعبير عن التوحيد في الخالقية، بالتوحيد في الربوبية، وبذلك خلطوا بين التوحيدين. وفسّروا «الرب» بغير معناه اللغوي.

4. التوحيد في العبادة

العبادة عبارة عن الخضوع بالجوارح أمام من بيده مصير العابد في الحياة على جميع الأصعدة، اعتقاداً صحيحاً أو باطلاً، فقد بعث الأنبياء كلّهم لأجل نشر هذا الأصل وأنّه لا معبود إلاّ إيّاه، قال سبحانه:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ)2.
وجه الحصر أنّه سبحانه هو المؤثّر الواحد في الكون خلقة وتدبيراً، فكان هو اللائق بالعبادة، وأمّا المنحرفون عن أصحاب رسالات السماء فبما أنّهم وزعوا أمر التدبير على آلهتهم المكذوبة، لا يرون حصر العبادة بالله سبحانه، بل كانوا يعبدون غيره لكي يتقرّبوا بعبادتهم إلى الله سبحانه.

1. تفسير الطبري:24/9.
2. النحل:36.

صفحه 50

إجابة عن سؤال

بقي هنا سؤال وهو أنّه لم يرد في سيرة النبيّ أخذ الاعتراف بهذه المراتب الأربع من التوحيد، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل إيمان من يعترف بكلمتين: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، حتّى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عليّاً بقتال الخيبريّين إلى أن يعترفوا بهاتين الكلمتين; فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنّه قال: ما أحببت الأمارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى إليها، قال: فَدَعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: «إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك» فسار (عليٌّ) شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد مُنِعوا منك دماؤهم وأموالُهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله»1؟!
الجواب: لا شكّ أنّ السؤال جدير بالدراسة، فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يعترف بإيمان مَن ينطق بالشهادتين، لكن الحقّ أنّ لفظ الإله ـ كما حقّق في محلّه ـ ليس بمعنى المعبود، بل هو ولفظ الجلالة سيّان في المعنى لكن الثاني علم والآخر اسم جنس، فإذا أطلق الإله كان يتبادر منه معنى إجمالي تفصيله كونه خالق السماوات والأرض ومدبّرهما وخالق الإنسان ومدبّره، فإذا قيل«لا إله إلاّ الله» تكون

1. صحيح مسلم:7/17، باب فضائل عليّ(عليه السلام)

صفحه 51
نتيجة نفي الأُلوهية عن غيره سبحانه وإثباتها لله هي كونه سبحانه متوحّداً في الخلق والربوبية وكون العبادة منحصرة به.
روى المفسّرون1 أنّ أشراف قريش وهم خمسة وعشرون، منهم: الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم، وأبو جهل، وأُبيّ وأُمية ابنا خلف، وعتيبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن الحارث، أتوا أبا طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنّه سفّه أحلامنا، وشتم آلهتنا، فدعا أبو طالب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ماذا يسألونني؟» قالوا: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك، نعطيك ذلك عشر أمثالها، فقال: «قولوا: لا إله إلاّ الله»، فقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً. فنزل قوله تعالى:(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)2. فإنّ نفورهم من كلمة لا إله إلاّ الله يدلّ على علمهم بأنّ مَن ينطق بها يتجرّد عن كلّ ما يعتقد به من أنّ العزّة والانتصار والأمطار بيد الآلهة، وأنّه لا يُعبد إلاّ الله سبحانه، فلذلك كان الاعتراف بالكلمتين اعترافاً إجمالياً على ما ذكرنا من مراتب التوحيد.

1. مجمع البيان:8/378.
2. سورة ص:5.

صفحه 52

5. رسالة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان شعار الإسلام وشعار مَن يدخل تحت خيمته هو الاعتراف بتوحيده سبحانه ورسالة نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد مرّ في رواية صحيح البخاري أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر عليّاً بالقتال إلى أن يعترفوا بأمرين ثانيهما رسالة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويشهد على ذلك ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ قوله سبحانه حيث يصف المؤمنين بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)1 كيف لا يكون التصديق به جزءاً من الإيمان مع أنّ رسالات السماء قبل ظهور النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بشرّت بظهوره ونبوّته وخصاله على نحو كان أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)2.

1. الأعراف:157.
2. البقرة:146.

صفحه 53

6. إنّ القرآن وحيٌ مُنزل

إنّ نواة النزاع بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومشركي قريش كانت تتمثّل في كون القرآن وحياً منزلاً من الله على رسوله، فقد كانوا منكرين لذلك أشدّ الإنكار وينسبونه إلى السحر تارة، والكهانة أُخرى، أو أخذه من أهل الكتاب ثالثة.
وبهذا يتّضح أنّ الإقرار والإيمان بأنّ القرآن وحي من الله هو من صميم الإيمان، ويكفي في ذلك قوله سبحانه:(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)1.
كيف لا يكون من صميم الإيمان والقرآن هو المعجزة الكبرى للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والبرهان الخالد على رسالته عبر الزمان، إلى قيام القيامة، يقول سبحانه:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا).2
وبما أنّ الموضوع من الواضحات لا نطيل الكلام فيه.

1. البقرة:285.
2. الإسراء: 88.

صفحه 54

7. الإيمان بالمعاد

الإيمان بالمعاد وأنّه سبحانه يحيي الناس بعد مماتهم يوم القيامة ويحاسبهم ويجزيهم حسب أعمالهم من صميم الإيمان، ولذلك كثيراً ما يجمع القرآن الكريم الإيمان بهما معاً، ويقول:(مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)1.
هذه هي العناصر التي تحقّق الإيمان وتخرج الإنسان من دائرة الكفر، إلى فسحة الإيمان، وكلّ من حاز هذه الأُمور يحرم دمه وماله وعرضه وتحلّ ذبيحته وتحرم غيبته إلى غير ذلك من الحقوق التي تكفل ببيانها الكتاب العزيز والسنّة الشريفة.
ونحن نريد بالإيمان في هذا المقال هذا المعنى أي مَن يحرم دمه وماله، وتحلّ ذبيحته، وتحرم غيبته والافتراء عليه. وأمّا كونه محكوماً بالنجاة يوم القيامة فهو أمر آخر لأنّه مشروط بشروط خاصّة أهمها الإتيان بالفرائض والاجتناب عن المحرّمات، والاعتقاد بخلفاء الله سبحانه في أرضه، إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في كتب العقائد.
***

1. البقرة:62.

صفحه 55

حكم إنكار الضروريات

لا شكّ أنّ قسماً من الأحكام الشرعية يُعدّ من الضروريات كوجوب الصلاة والزكاة وحجّ بيت الله الحرام، إلى غير ذلك من الأحكام التي يعرفها كلّ مسلم على وجه الإجمال، فقد ذكر الفقهاء أنّ إنكار الحكم الضروري يُسبّب خروج الإنسان عن خيمة الإيمان والإسلام، لأنّ إنكار حكم الضروري يلازم إنكار رسالة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو بنفسه وإن لم يكن سبباً للخروج والارتداد، لكنّه بما أنّه يلازم إنكار رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون سبباً للكفر.
إنّما الكلام في ظرف الملازمة فهل الميزان هو وجود الملازمة بين الإنكارين في نظر المنكر، أو وجود الملازمة في نظر المسلمين؟
المحقّقون على الأوّل فلو كان المنكر يعيش بين المسلمين فترة طويلة ووقف على وضوح هذه الأحكام ومع ذلك أنكر واحداً منها عناداً ولجاجاً، فيحكم بكفره وخروجه، لأنّ مثل هذا الإنكار يلازم إنكار رسالة الرسول ونبوّته. وأمّا إذا لم تكن الملازمة إلاّ عند المسلمين لا عند المنكر، كما إذا كان جديد الإسلام أو نزيلاً في البوادي، فإنكار مثل هذا لا يسبب الكفر إذ ليس عنده تلك الملازمة.
قال المحقّق الأردبيلي: الظاهر أنّ المراد بالضروري الذي

صفحه 56
يكفّر منكره، هوالذي ثبت عنده يقيناً كونه من الدين.1
وقال الفاضل الاصفهاني في حدّه للمرتد: وكلّ مَن أنكر ضروريّاً من ضروريّات الدين مع علمه بأنّه من ضروريّاته.2
وقال الفاضل النراقي: وإنكار الضروري إنّما يوجبه ]الكفر [لو وصل عند المنكر حدّ الضرورة.3
وقال صاحب الجواهر: فالحاصل أنّه متى كان الحكم المنكَر في حدّ ذاته ضرورياً من ضروريات الدين ثبت الكفر بإنكاره ممّن اطّلع على ضروريته عند أهل الدين.4
وقال السيد اليزدي: والمراد بالكافر مَن كان منكراً للأُلوهية... أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً.5
***

1. مجمع الفائدة والبرهان:3/199.
2. كشف اللثام:1/402.
3. مستند الشيعة:1/207.
4. جواهر الكلام:6/49.
5. العروة الوثقى:1/143ـ 144.

صفحه 57

الفصل الثالث:

شروط التكفير وموانعه

قد وقفت في الفصل الثاني على العناصر المقوّمة للإيمان وأنّها لا تتجاوز عن سبعة، فبقي الكلام في الأُمور التي تسبّب الارتداد والخروج عن خيمة الإسلام، فيقع الكلام تارة في التكفير المطلق، وأُخرى في تكفير الفرد المعيّن، وبين التكفيرين بون شاسع، كما سيظهر.

التكفير المطلق

وهو عبارة عن تكفير مَن ينكر أحد هذه الأُصول السبعة من دون أن يشير إلى تكفير فرد معيّن، كما يقول الفقهاء في كتبهم الفقهية: منكر التوحيد مرتد كافر، أو منكر الحكم الضروري كذلك، فهذا النوع من التكفير أمر سهل بالنسبة إلى التكفير المعين حيث لا يشير إلى ارتداد فرد خاص وإنّما يطرح حكماً كليّاً ناظراً لإنكار أحد من الأشخاص.

تكفير الفرد المعيّن

ويراد به الإشارة إلى خروج فرد معيّن كزيد عن خيمة الإسلام وأنّه غير محقون الدم والمال إلى غير ذلك من الأحكام،

صفحه 58
فهذا النوع من التكفير من أصعب الأُمور وأشقّها، إذ لا يصار إليه إلاّ بعد اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع، فإنّ للتكفير شروطاً وموانعاً، فلو فقد أحد الشروط أو وجد أحد الموانع كان التكفير أمراً حراماً، وربّما يسبب كفر المكفّر كما سيوافيك. ولذلك يحرم التسرّع في التكفير من دون دراسة وجود الشروط وعدم الموانع، وإليك بيان الشروط والموانع.

الشرط الأوّل: إقامة الحجّة على المنكر

إنّه سبحانه عادل لا يحتجّ على الإنسان إلاّ بعد بيان تكليفه، يقول سبحانه:(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 فإنّ بعث الرسول كناية عن قيام الحجّة على الإنسان سواء أكان ببعث الرسول أم بالنقل عنه، ولذلك اتّفق العلماء على أنّه «ليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجّة وتتبيّن له المحجّة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشكّ، بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحجّة وإزالة الشبهة».(2) ولذلك قلنا: إنّ منكر الضروري إذا كان جديد الإسلام أو من أهل البادية البعيدة لا يحكم عليه بالكفر; لأنّ المفروض أنّه لم تتمّ عليه الحجّة، لحداثة دخوله في الإسلام أو بُعد محلّه عن العلم والعلماء.

1. الإسراء:15.   2 . مجموع الفتاوى لابن تيمية:12/466.

صفحه 59
روى النسائي أنّ رجلاً قال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ما شاء الله وشئت. قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أجعلتني نداً لله، فقل: ما شاء الله ثم شئت».1

الشرط الثاني: كونه قاصداً للمعنى المخرج

إذا كان تعبير الرجل ذا احتمالات ووجوه، فهي بين صحيح وباطل فلا يحكم عليه بالكفر بعبارة ذات وجوه. وسيوافيك أنّ القول بوحدة الوجود، ذو وجوه واحتمالات فلا يحكم على القائل الناطق به بالكفر إلاّ إذا أراد منه عينية الوجود الإمكاني مع وجود الواجب.
وبذلك يعلم أنّ كثيراً من العبارات المنقولة عن الصوفية التي لا تنسجم مع أُصول الإسلام المذكورة سابقاً، هي من شطحاتهم التي ينطقون بها في الأحوال غير العادية في مجالس الذكر التي يعقدونها في محافلهم; وأمّا إذا تجرّدوا عن هذه الحالة ورجعوا إلى حالتهم العادية فلا ينطقون بشيء من هذه العبارات.
ومَن نطق بمثل ذلك لا يحلّ تكفيره، إذ هو ليس قاصداً للمعنى الكفري في حالة يؤخذ فيها أقاريره.
إلى هنا تمّ ذكر ما هو الشرط للحكم بالخروج عن الإيمان وبقي هنا بيان بعض الموانع:

1. السنن الصغرى للنسائي:7/307.

صفحه 60

موانع التكفير

إنّ للتكفير شروطاً وموانع نذكر منها ما يلي:

الأول: كونه مختاراً في البيان والعمل

إذا كان الإنسان مكرهاً على الكفر، كما هو الحال في قضية عمّار (رضي الله عنه)، فلا يحلّ تكفيره، قال سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)1. وقد روى المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا، وهم عمّار وياسر أبوه وأُمّه سميّة، وصهيب وبلال وخبّاب عذّبوا، وقتل أبو عمّار وأُمّه، فأعطاهم عمّار بلسانه ممّا أرادوا منه، ثم أُخبر بذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال قوم: كفر عمّار، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«كلاّ إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» وجاء عمّار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يبكي فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وراءك». قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نِلتُ منك، وذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».2

1. النحل:106.
2. مجمع البيان:6/233. وغيره من التفاسير.

صفحه 61

الثاني: الإنكار عن شبهة خارجة عن الاختيار

ربّما يتّفق لبعض الناس إنكار حكم ضروري لشبهة طرأت على ذهنه بسبب مخالطته للكفّار ومجالسته للمنكرين، فنحن نعيش الآن في عصر تطوّر الاتّصالات، وفضائيات الأعداء تبثّ كلّ يوم وليلة عشرات الشُّبَه من على شاشات التلفزيون، ولم تزل وسائل الإعلام في الخارج والداخل تتولّى بذر الشُّبَه في الأُصول والمعارف، فالشاب غير العارف بالمبادئ والبراهين ربّما يتأثّر بعض التأثّر ببعض هذه المقالات والخطابات فربّما ينطق بشيء ممّا يلقى إليه دون عناد وعداء، فإذا أُحضر إلى المحاكم فعلى الحاكم أن يزيل شبهته ويحيله إلى أُستاذ يعرف الداء والدواء حتى يزيل ما طرأ على ذهنه من جانب الأعداء.
نعم لو استمر على الإنكار بعد أن تقام عليه الحجّة فيحكم عليه بالكفر آنذاك.

الثالث: عدم احتمال التأويل

ربّما يكون تعبير الإنسان عن موضوع ديني على وجه يقبل التأويل والحمل على الوجه الصحيح; مثلاً: إنّ القائل بوحدة الوجود والموجود (الذي يعبّر عمّا تبنّاه بقوله: الحمد لله الذي خلق الأشياء وهو عينها)، ربّما يقصد من عبارته هذه شدّة تعلّق الممكنات بالواجب لذاته، تعلّق المعنى الحرفي بالاسمي على

صفحه 62
نحو لو انقطعت الصلة بين الواجب والممكن لعمّ العدم صفحة الوجود الإمكاني، فكأنّه صار الوجود والموجود شيئاً واحداً لانغماس نور الممكنات في نور الواجب. وهذا النوع من الاحتمال في حق القائل يصدُّنا عن التسرّع في تكفيره.
ونظير ذلك لو قال فقيه بعدم جواز دفع الزكاة إلى المؤلّفة قلوبهم وإن ورد النصّ به، قال سبحانه:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ...)1 وعمل به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك لأنّ الآية وعَمَلَ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في زمان ضعف الإسلام ووجود المسلمين والحاجة إلى تأليف قلوب هذه الطائفة، وأمّا الآن فقد قويّت شوكة الإسلام وظهرت قوّته فلا ملاك لتأليف القلوب.
وعلى ضوء ذلك فكلّ ما كانت المسألة قابلة للتأويل يمكن قبول قول المؤوّل، ثمّ هدايته إلى الحقّ المقبول.
نعم المسائل التي صارت من الوضوح كالشمس في رائعة النهار فالتأويل فيها باطل مرفوض يضرب به عرض الجدار، كما هو الحال في المسائل التالية:

1. التوبة:60.

صفحه 63

1. قتل مالك بن نويرة وتبريره بالتأويل

اتّفق المؤرّخون على أنّ خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة ثم نزى على امرأته، فلمّا انتشر الخبر في المدينة وأنّ الرجل ارتكب جريمة شنيعة يستحقّ عليها القتل، أصرّ عمر على أبي بكر على إجراء الحدّ، ووصفه بقوله: عدو الله عدى على امرئ مسلم فقتله ثم نزى على امرأته، ولما ورد خالد المدينة كلّمه عمر بقوله: قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك; ومع ذلك فقد اعتذر أبو بكر عن إجراء الحدّ، وقال: يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد فإنّي لا أشيم1 سيفاً سلّه الله على الكافرين.2
ولو صحّ تبرير هذه الجريمة بهذا النوع من التأويل لما استقرّ حجر على حجر، ولعمّت الفوضى المجتمع كلّه. فإنّ التأويل إنّما يقبل في مسائل ساد عليها الخفاء، وأمّا قتل الأنفس وهتك الأعراض وسلب الأموال، فهو في منأى عن التأويل.

2. قتل الهرمزان وإمساك الخليفة عن إجراء القصاص

لمّا قُتل عمر ولم يظفر عبيد الله بن عمر بقاتل أبيه، قتل

1. أي لا أُغمد.
2. تاريخ الطبري:3/279، حوادث السنة 11هـ .

صفحه 64
الهرمزان وبنت أبي لؤلؤة الصغيرة، ولمّا أكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان عن القصاص، صعد المنبر وقال: قد كان من قضاء الله أنّ عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلاّ المسلمون عامّة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟ قالوا: نعم. فقال عليّ(عليه السلام):«أقِدِ الفاسق فإنّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب». وقال لعبيد الله:«يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لأقتلنّك بالهرمزان».1
وبهذا التأويل الباطل يبرّر عمل معاوية حيث رفض خلافة عليّ(عليه السلام) الذي بايعه المهاجرون والأنصار ولم يتخلّف عن بيعته إلاّ نفر يسير، ومع ذلك نرى أنّه جهّز جيشاً جراراً في وجه علي(عليه السلام)وقتل في معركة صفين حوالي 70 ألف مسلم من الطرفين، وفيهم الصحابة العدول وقد شهد بعضهم بدراً وأُحداً. وهذا النوع من التأويل مرفوض في منطق الشريعة والعدل، ولو فتح هذا الباب بوجه المجرمين لاستحلّوا حرمات الله وهتكوها بذريعة التأويل.

1. تاريخ الطبري:4/240، حوادث سنة 23هـ .

صفحه 65
 

الفصل الرابع:

جذور التكفير في العصور الأُولى

قد ظهرت بادرة التكفير في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة بسيطة، وقد واجهها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشدّة، ونذكر فيما يلي بعض النماذج:

1. أُسامة بن زيد يقتل مسلماً

روى المفسّرون في أسباب نزول قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)1; قيل: نزلت في أُسامة بن زيد وأصحابه، بعثهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في سرية فلقوا رجلاً قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فبدر إليه أُسامة فقتله واستاقوا غنمه; عن السدّي.2
وروى السيوطي في تفسير الآية، قال: بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سرية عليها أُسامة بن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلاً منهم يدعى

1. النساء:94.
2. مجمع البيان:3/190.

صفحه 66
مرداس بن نهيك معه غنم له وجمل أحمر، فلمّا رآهم آوى إلى كهف جبل واتّبعه أُسامة، فلمّا بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم، فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فشدّ عليه أُسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بعث أُسامة أحب أن يُثنى عليه خير ويسأل عنه أصحابه، فلمّا رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدّثون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون: يا رسول الله لو رأيت أُسامة ولقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فشدّ عليه فقتله، وهو معرض عنهم، فلمّا أكثروا عليه رفع رأسه إلى أُسامة فقال: كيف أنت ولا إله إلاّ الله، فقال: يا رسول الله إنّما قالها متعوذاً تعوّذ بها. فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه...، فأنزل الله خبر هذا.1
وقد روى البغوي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم أذاناً فلا تقتلوا أحداً.(2)

2. الوليد بن عقبة وتكفير بني المصطلق

روى المفسّرون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحاً به،

1. تفسير الدر المنثور:2/635.   2 . تفسير البغوي:1/467.

صفحه 67
وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، فظن أنّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إنّهم مَنَعُوا صدقاتهم، وكان الأمر بخلافه، فغضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهمّ أن يغزوهم، فنزل قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)1.2

3. اعتراض ذي الخويصرة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين كلّمه التميمي يوم حنين حيث قال: يا محمد قد رأيتُ ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: «ويحك! إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون!»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فقال: «لا، دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة».3
إلى هنا تمّ ما يشير إلى ظهور بادرة التكفير أو الاعتراض الملازم له في أوائل عصر الرسالة، وقد ظهرت في زمن الخلافة

1. الحجرات:6.
2. مجمع البيان:9/241ـ 242.
3. السيرة النبوية لابن هشام:2/496.

صفحه 68
حوادث أُخرى نذكر منها ما يلي:

1. تكفير مالك بن نويرة بتأويل باطل

وقد مرّ عليك تفصيل قصّته.

2. تكفير عائشة عثمان

أخرج البلاذري في «الأنساب» لمّا غضب عثمان على عمّار على النحو المذكور في التاريخ، وبلغ عائشة ما صنع بعمّار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله، ثم قالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد! فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول.1
وفي كتاب لأمير المؤمنين(عليه السلام) كتبه ـ لمّا قارب البصرة ـ إلى طلحة والزبير وعائشة وممّا جاء فيه خطاباً لها قوله: «وأنتِ يا عائشة خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً... إلى أن قال: ثم إنّك طلبت على زعمك دم عثمان، وما أنت وذاك، عثمان رجل من بني أُمية وأنت من تيم، ثم بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله: اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر، ثم تطلبين اليوم بدمه، فاتقي الله وارجعي إلى بيتك واسبلي

1. أنساب الأشراف للبلاذري:6/161.

صفحه 69
عليك سترك».1
نعم لم تكن الإدانة بالتكفير من خصائصها فقط، بل مَن اجتمع من الصحابة وغيرهم على قتله كانوا يكفّرونه، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى المصادر التاريخية.

3. الخوارج والتكفير

إنّ الخوارج الذين ظهروا في عصر علي(عليه السلام) هم الذين كانوا يكفّرون عثمان بسبب أعماله الخارجة عن الكتاب والسنّة، ولمّا بويع عليّ بالخلافة التحقوا به(عليه السلام) كسائر المسلمين غير أنّهم خرجوا عليه في مسألة التحكيم.
وأمّا ما هي قضية التحكيم فتوضيحها:
إنّه لمّا ظهرت آثار انتصار جيش علي(عليه السلام) وكان مالك الأشتر قائد الجيش بمقربة من خيام معاوية، فلجأ معاوية بإشارة من عمرو بن العاص إلى مكيدة أثّرت في جيش عليّ. وأمّا ما هي المكيدة؟ فهي أنّهم ربطوا المصاحف على أطراف رماحهم وكان بينهم خمسمائة مصحف ونادوا: الله الله في نسائكم، وبناتكم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم، إنّك أنت الحكيم الحقّ المبين. وعندئذ اختلف أصحاب علي في الرأي فطائفة قالت بالقتال، وطائفة مالت

1. تذكرة الخواص:69.

صفحه 70
إلى المحاكمة إلى الكتاب وأنّه لا يحلّ لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. وقد أثّرت تلك المكيدة في همم كثير من جيش عليّ ولم يقفوا على أنّها مؤامرة ابن النابغة وقد تعلّم منه ابن أبي سفيان، وإنّها كلمة حقّ يراد بها باطل وأنّ الغاية القصوى منها إيجاد الشقاق والنفاق في جيش عليّ(عليه السلام)، فلمّا رأى(عليه السلام)تلك المكيدة وتأثيرها في السذّج من جيشه قام خطيباً وقال: «أيّها الناس أنا أحقّ مَن أجاب إلى كتاب الله ولكن هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن». وقد كان لخطاب علي أثر في قسم كبير من جيشه، ولكنّه فوجئ بمجيء زهاء عشرين ألفاً مقنّعين بالحديد شاكي سيوفهم وقد اسودّت جبهاهم من السجود ويتقدّمهم عصابة من القرّاء ـ الذين صاروا خوارج من بعد ـ فنادوه باسمه لا بأمرة المؤمنين وقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله، إذا دعيت وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفّان، فوالله لنفعلنّها إن لم تجبهم.
وبعد محادثات كثيرة بين علي وبينهم لم يجد الإمام بدّاً من قبول التحكيم، وصارت النتيجة أن بعث عليّ قرّاء أهل العراق وبعث معاوية قرّاء أهل الشام حتى ينظروا ويحكموا ويحيوا ما أحياه القرآن وأن يميتوا ما أماته القرآن.
ولمّا تمّت الاتّفاقية بين الطرفين جاء الذين حملوا عليّاً على الرضا بالتحكيم، زاعمين أنّ التحكيم على خلاف القرآن الكريم،

صفحه 71
حيث يقول سبحانه:(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ) فحاولوا أن يفرضوا على عليّ نقض الميثاق ورفض كتاب الصلح، وقالوا: إنّ التحكيم كان منّا زلة حين رضينا بالحكمين فرجعنا وتُبْنا، فارجع أنت يا عليّ كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا وإلاّ برأنا منك، فقال علي:«ويحكم، أبعد الرضا(والميثاق) والعهد نرجع؟ أو ليس الله تعالى قال:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1، وقال: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)2» فأبى عليّ أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه، وبرئت من عليّ(عليه السلام)، وبرئ منهم.3
وصار هذا مبدأ تكفيرهم عليّاً وأصحابه ودامت بينهم مشاجرات وانتهت إلى حرب دامية قضى عليّ(عليه السلام) على أكثرهم ولم يبق منهم إلاّ عدد يسير تفرّقوا في البلاد.

1. المائدة:1.
2. النحل:91.
3. وقعة صفين:589ـ 590.

صفحه 72

الفصل الخامس:

إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والعلماء

إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والعلماء   
لمّا كان التكفير من أخطر الأُمور على الإسلام في طريق تشويه صورته ظلماً وعدواناً، ومورثاً للفوضى ومعدماً للأمن الذي هو من أهمّ الحاجات الفطرية، وهادفاً إلى تمزيق الأُمّة الإسلامية وإضعاف المسلمين، ونابعاً عن طغيان العاطفة الكاذبة على العقل والاستدلال، صار نبي العظمة ومظهر الرحمة(صلى الله عليه وآله وسلم) يدين تكفير المسلم، وها نحن نذكر شيئاً ممّا رواه المحدّثون في المجامع الحديثية:
1. «بني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك».1
2. روى البخاري بسنده عن أبي ذر أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».2

1. كنز العمال:1/29، رقم 30، طبعة مؤسسة الرسالة.
2. صحيح البخاري برقم 6045.

صفحه 73
قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث:
وهذا وعيد عظيم لمن كفّر أحداً من المسلمين وليس هو كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها كثير من المتكلّمين ومن المنسوبين إلى السنّة وأهل الحديث لمّا اختلفوا في العقائد فغلطوا على مخالفيهم وحكموا بكفرهم .1
3. «إذا كفّر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدهما».2
4. «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه».3
5. «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولاعن المؤمن كقاتله، ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله».4
وقد ورد في هذا الصدد الكثير من الروايات عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اكتفينا بهذا المقدار لأجل الاختصار، ومَن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر الحديثية المذكورة وغيرها.

1. لاحظ: إحكام الأحكام:4/76.
2. صحيح مسلم:1/56، كتاب الإيمان، باب من قال لأخيه المسلم: يا كافر، طبعة دار الفكر.
3. صحيح مسلم:1/57، كتاب الإيمان، باب من قال لأخيه المسلم: يا كافر; مسند أحمد:2/18 و 60 و 112.
4. سنن الترمذي:4/132، كتاب الإيمان، طبع دار الفكر، بيروت.

صفحه 74
وقد اقتدى بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير من علماء الإسلام في كتبهم العقائدية وغيرها، فحذّروا عن تكفير أهل القبلة بأشدّ التحذير نذكر منهم ما يلي:
1. قال ابن حزم عندما تكلّم فيمن يُكفّر ولا يكفّر: وذهبت طائفة إلى أنّه لا يُكفّر ولا يفسَّق مسلم بقول قال في اعتقاد، أو فتيا، وإنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجور على كلّ حال إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد.
ثم قال: وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة(رضي الله عنهم) لا نعلم منه خلافاً في ذلك أصلاً.1
2. كان أحمد بن زاهر السرخسي الأشعريّ يقول: لمّا حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعريّ الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا على أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم.(2)
3. قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عسر جدّاً، وكلّ من كان في قلبه إيمان، يستعظم

1. الفصل لابن حزم:3/247.   2 . اليواقيت والجواهر للشعراني:58.

صفحه 75
القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، فإنّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر (إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتعظيم خطره).1
4. قال القاضي الإيجي: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفّر أحد من أهل القبلة. واستدلّ على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون الله تعالى عالماً بعلم أو موجداً لفعل العبد، أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام.(2)
5. قال التفتازاني: إنّ مخالف الحقّ من أهل القبلة ليس بكافر ما لم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد، واستدلّ بقوله: إنّ النبي ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على ما هو الحق.2
6. قال ابن عابدين: نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا.(4)

1. اليواقيت والجواهر:58.   2 . المواقف للإيجي:392ـ 393.
2. شرح المقاصد:5/227ـ 228.   4 . رد المختار لابن عابدين:4/237.

صفحه 76

الفصل السادس:

   

الذرائع الباطلة لتكفير المسلمين

إنّ ظاهرة التكفير لا تستهدف طائفة دون أُخرى، بل هي تشمل كافّة المسلمين بعامّة طوائفهم من شيعة وسنّة، من أشعري ومعتزلي، إلى غير ذلك من الفرق الإسلامية.
نعم لهم ذرائع خاصّة لتكفير الشيعة فلذلك يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: تبيين الأسباب التي يكفّرون بها عامّة المسلمين.
الثاني: الذرائع الوهمية لتكفير الشيعة خاصّة.
ونخصّ هذا الفصل بالأوّل.

الذرائع التي يكفّر بها عامّة المسلمين

إنّ الأُمور التي يكفّرون بها المسلمين قاطبة فهي عبارة عن المسائل التالية:
***
الأُولى: الاعتقاد بقدرة غيبيّة في الأنبياء والأولياء وأنّهم يسمعون كلام المتوسّل.
وبما أنّ الاعتقاد بسماع كلام المتوسّل يلازم وجود قدرة

صفحه 77
غيبيّة في الأولياء، رتبوا على ذلك حرمة الأُمور التالية وأنّها من مظاهر الشرك:
أ. طلب الشفاعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كقولنا: اشفع لنا عند الله.
ب. التوسّل بهم في قضاء الحاجات.
ج. الاستغاثة بهم في الشدائد والمصائب.
فالجميع من مظاهر الشرك لأنّها مبنيّة على أنّ الموتى يسمعون كلام الأحياء وأنّ الصلة موجودة بينهما، وهي تلازم الاعتقاد بوجود قدرة غيبية في النبي وغيره.
الثانية: الصلاة عند قبور الأنبياء والأولياء.
الثالثة: حفظ آثار الأنبياء والسلف الصالح من قبورهم وبيوتهم وما يمت إليهم بصلة.
الرابعة: النذر للنبي والإمام.
الخامسة: التبرّك بآثار الأنبياء.
هذه هي أُمّهات المسائل التي جُعلت ذريعة لتكفير المسلمين، وهناك مسائل جزئية أُخرى يُعلم حالها ممّا سندرسه حول هذه المسائل.
وبما أنّا أشبعنا الكلام حول هذه الذرائع في غير واحد من مؤلّفاتنا، وكانت الإحالة لا تخلو من مشقّة على القرّاء، ندرس هذه المسائل على وجه الإجمال، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر التي سنشير إليها في ختام البحث.

صفحه 78

المسألة الأُولى:

الاعتقاد بقدرة غيبية في الأولياء وطلب الشفاعة والاستغاثة والتوسّل به   

الاعتقاد بقدرة غيبية في الأولياء
وطلب الشفاعة والاستغاثة والتوسّل به
اتّفق المسلمون على أنّ نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من الأنبياء يشفعون في حقّ المذنبين يوم القيامة، وهذا لا كلام فيه بيننا وبين الوهابيّين، إلاّ أنّهم يحرّمون الاستشفاع بأولياء الله في الدنيا، وربّما يعدّونه شركاً، ولهم في ذلك دلائل واهية أهمها أنّ طلب الشفاعة من نبي أو إمام يرقد تحت التراب أو يعيش في بلدة أُخرى ومكان آخر، أو كان غائباً عن الأبصار، هو شرك بالله تعالى; لأنّ الطالب يعتقد بأنّ ذلك النبي أو الإمام يستطيع أن يُهيّئ الماء، خارج القوانين والأسباب الطبيعية، أي بالقدرة الغيبية، وهذا اعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعو: النبي أو الإمام.
وقد صرّح بهذا الرأي الكاتب الهندي «أبو الأعلى المودودي» حيث قال: إنّ التصوّر الذي لأجله يدعو الإنسان الإله ويستغيثه ويتضرّع إليه ـ هو لا جرم ـ تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة.1

1. المصطلحات الأربعة:18.

صفحه 79
الجواب أوّلاً: أنّ الشيخ المودودي لم يفرّق بين القدرة الغيبية المستقلة القائمة بنفس القادر، وبين القدرة التي يكتسبها الإنسان في ظل الطاعة ويستخدمها بإذن من الله تعالى.
فالقدرة الغيبية بالمعنى الأوّل تختصّ بالله سبحانه، وأمّا بالمعنى الثاني فالاعتقاد بها ليس بالشرك بل هو نفس التوحيد، لأنّه سبحانه قادر على كلّ شيء، فأي مانع أن يمنح قدرة غيبية لنبيّه إعجازاً أو كرامة أو لغاية أُخرى، بأن يغيث المستغيث في أرض جرداء.
وما ذكرنا هو الأساس في كثير من المسائل التي يتخبّط فيها الوهابيّون فهم لا يفرّقون بين المستقل والمأذون.
وما ذكره في ثنايا كلامه من أنّه لو طلب الإنسان العطشان في الصحراء ماءً من خادمه، فإنّ طلبه هذا ليس طلباً لخرق القوانين الطبيعية فهو جائز وليس شركاً، فلابدّ فيه من القول بالتفصيل المذكور.
فلو اعتقد الرجل العطشان بأنّ الخادم يقوم بسقيه بقدرة مستقلة قائمة بنفسه فهو شرك قطعاً، وأمّا لو اعتقد بأنّه يقوم بهذا العمل بإذن من الله سبحانه وإقدار منه فهو نفس التوحيد.
وبما ذكرنا ظهر أنّ الفارق بين التوحيد والشرك هو كون الفاعل مستقلاً في عمله أو كونه مأذوناً من غير فرق بين الأُمور العادية والغيبية.

صفحه 80
وثانياً: أنّ الذكر الحكيم ينسب أُموراً غيبية نابعة عن قدرة فوق الطبيعية لأُناس، نظير:

1. القدرة الغيبية للنبي يوسف(عليه السلام)

قال يوسف لإخوته(اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا)1، (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)2.
إنّ ظاهر الآيتين يدلّ على أنّ النبيّ يعقوب(عليه السلام) استعاد بصره الكامل بالقدرة الغيبية التي استخدمها يوسف(عليه السلام) من أجل ذلك، ومن الواضح أنّ استعادة يعقوب بصره لم تكن من الله بصورة مستقلّة مجردة عن الاستعاثة به سبحانه، بل تحققّت بإذنه سبحانه، بواسطة النبيّ يوسف(عليه السلام).
إنّ إرادة النبيّ يوسف(عليه السلام) كانت هي السبب في عودة بصر أبيه كاملاً، ولولا ذلك لما أمر إخوانه بأن يذهبوا بقميصه ويلقوه على وجه أبيه، بل كان يكفي أن يدعو الله تعالى لأن يعيد بصره.
إنّ هذا التصرّف الغيبيّ صدر من أحد أولياء الله ـ يوسف ـ من غير المجرى الطبيعي لكن بإذنه سبحانه، ولا يقدر على هذا

1. يوسف:91.
2. يوسف:95.

صفحه 81
التصرّف إلاّ من منحه الله السلطة الغيبية. ولم يقم بهذا العمل إعجازاً وإثباتاً لنبوته بل تفضّلاً منه لأبيه وتكريماً له.

2. القدرة الغيبية للنبي سليمان(عليه السلام)

إنّ نبي الله سليمان(عليه السلام) كان يتمتّع بقدرات غيبية متعدّدة، وقد عبّر عن تلك المواهب والمنح الإلهية العظيمة بقوله:(وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)1 وقد جاء تفصيل الحديث عن تلك المواهب والقدرات الإلهية الممنوحة له في السور التالية:
سورة النمل من الآية 16 إلى الآية 44.
سورة سبأ، الآية 12.
سورة الأنبياء، الآية 81.
سورة ص من الآية 36 إلى 40.
ونحن لا نشير إلى جميع القدرات الغيبية التي منحت له كرامة لا إعجازاً، بل نشير إلى مورد واحد، ليُعلم أنّ الاعتماد على تلك القدرة لا ينافي التوحيد.
يحدّثنا القرآن الكريم أنّ النبي سليمان(عليه السلام) طلب من الحاضرين عنده أن يحضر أحدهم عرش بلقيس، بقدرة غيبية وخارقة للطبيعة، فسألهم بقوله:(أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ

1. النمل:16.

صفحه 82
يَأْتُوني مُسْلِمِينَ)1؟ وعندئذ أُجيب بجوابين: أحدهما ما اقترحه عفريت من الجن، والآخر ما أشار إليه مَن عنده علم من الكتاب.
أمّا الأوّل فأجاب:(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)2 .
فأخبر أنّه يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين قبل أن ينفضّ مجلس سليمان، ومعنى ذلك أنّه يأتي به ضمن ساعة أو ساعتين.
وأمّا الثاني فأجاب بقوله:(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)، ولم يرتدّ طرف سليمان(عليه السلام) إلاّ وقد رأى حضور العرش لديه كما يقول:(فَلَمَّا رَاَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)3، فلو صحّ ما ذكره المودودي من أنّ طلب الأعمال الخارقة التي لا يقوم بها إلاّ الله شرك، لزم ـ نعوذ بالله ـ القول بشرك سليمان(عليه السلام)، والله سبحانه يقول:(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)4 ونحن نقتصر في نقد هذا القول بهذا المقدار، وإلاّ ففي القرآن الكريم والسنّة النبوية شواهد كثيرة على وجود القدرة

1. النمل:38.
2. النمل:39.
3. النمل:38ـ 40.
4. البقرة:102.

صفحه 83
الغيبية التي يتمتّع بها المرتاضون تارة ـ ومَن كرس نفسه لطاعة الله سبحانه أُخرى.
وبذلك يُعلم أنّ الاستغاثة بالأنبياء والتوسّل بهم وطلب الحاجات منهم، مع كونهم راحلين إلى لقاء الله ليس شركاً; لأنّهم يطلبون منهم حاجاتهم زاعمين بأنّ الله سبحانه منحهم تلك القدرة. وهذا النوع من الاعتقاد لا يخلو من صورتين:
1. أن يكونوا صادقين في اعتقادهم، فعندئذ يتمّ المطلوب.
2. أن يكونوا خاطئين فيكون الطلب خطأ لا شركاً.
***

التوسّل بالأنبياء والأولياء بالصور الثلاثة

ومن فروع هذه المسألة، مسألة التوسّل بالأنبياء والأولياء، فالوهابيّون يرون أنّ التوسّل على أقسام ستة: ثلاثة منها جائزة بلا إشكال، والثلاثة الأخيرة إمّا محرمة أو موجبة للشرك.
أمّا الثلاثة الأُولى: فالتوسّل بأسماء الله أوّلاً، أو التوسّل بالأعمال الصالحة التي قام بها المتوسّل طول عمره، أو التوسّل بدعاء المؤمن الحي.
وأمّا الثلاثة الممنوعة:
1. التوسّل بدعاء الميّت من غير فرق بين النبي وغيره.

صفحه 84
2. التوسّل بمنزلة النبي وجاهه عند الله.
3. التوسّل بذات النبي ونفسه المقدّسة.
وبما أنّهم يمنعون الأخير أشد المنع فنحن ندرسه حتى يتبيّن به حكم الأوّلين.
روى الحاكم في مستدركه عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: ادعُ الله أن يُعافيني. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إن شئت دعوت، وإن شئت صَبَرت وهو خير؟».
قال: فادعه، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ ويحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء:«اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهمّ شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرٌّ.1

1. سنن ابن ماجة:1/441، برقم 1385; مسند أحمد:4/138، عن مسند عثمان بن حنيف; المستدرك للحاكم:1/313; الجامع الصغير للسيوطي:59; تلخيص المستدرك للذهبي المطبوع في هامش المستدرك; التاج الجامع:1/286.

صفحه 85

كلام حول سند الحديث

لا شكّ أنّ الحديث صحيح بلا كلام لم يخدش أحد في سنده، كيف وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، كما أقرّ الذهبي بصحّته في تلخيصه للمستدرك المطبوع في هامشه، مضافاً إلى أنّ كثيراً من الأعلام قد رووا هذا الحديث، منهم:
1. ابن ماجة في سننه برقم 1385 وقال: هذا حديث صحيح.
2. أحمد في مسنده:4/138.
3. السيوطي في الجامع الصغير:59، إلى غير ذلك من الاعلام.
أمّا دلالته على جواز التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) العزيزة المكرمة فمن جهات نشير إليها:
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك»، فقد توسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مرّتين; لأنّ قوله: «بنبيّك» متعلّق بفعلين أي:
1. «أسألك بنبيّك».
2. «أتوجّه إليك بنبيّك».
3. «محمد».
4. «نبيّ الرحمة».

صفحه 86
5. «يا محمد».
6. «أتوجّه بك إلى ربّي».
وأنت إذا قدّمت هذا الحديث إلى مَن يحسن اللغة العربية ويتمتّع بصفاء فكر بعيد عن مجادلات الوهابيّين وشبهاتهم ثم سألته: بماذا أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأعمى عندما علّمه ذلك الدعاء؟ لأجابك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) علّمه دعاءً تضمّن التوسّل إلى الله بنبيّه: نبيّ الرحمة الذي اسمه محمد، فجعل ذاته المقدّسة ذريعة ووسيلة لقبول دعائه.
ثمّ إنّ الوهابيّين لما وقفوا أمام هذا الحديث الذي يهدم ما اختلقوا من الأوهام، التجأوا إلى تأويل الحديث وهو تقدير «الدعاء» في المواضع الستة. وعلى هذا يكون معنى الحديث حسب زعمهم:
1. أسألك بدعاء نبيّك.
2. أتوجّه إليك بدعاء نبيّك.
3. بدعاء محمد.
4. بدعاء نبيّ الرحمة.
5. بدعاء محمد.
6. أتوجّه بدعائك إلى ربّي.
وإنّا نسأل مشايخ الوهابيّين: هل يجوز لنا أن نتصرّف

صفحه 87
بالحديث بهذا الشكل من التصرّف الذي يردّه كلّ عارف باللغة العربية أو كلّ عارف بالأحاديث الإسلامية.
وهؤلاء مكان أن يدرسوا القرآن والحديث ثم يعكسوا عقائدهم عليهما، عكسوا الأمر فحاولوا تطبيق القرآن والحديث على عقائدهم.

توسّل عمر بن الخطاب بعمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

وأحب أن أذكر هنا نكتة يظهر منها بطلان ما يذكره كثير منهم، وهي: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: إنّ عمر بن الخطاب كان إذا قُحِطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللّهمّ ] إنّا[ كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيُسقون.1
لا شكّ أنّ هذا الحديث من أوضح الدلائل على
جواز التوسّل بالذات حيث قدّم الخليفة عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وسيلة وذريعة بينه وبين الله، حتى روى غير واحد كيفية توسّل عمر بالعباس وأنّه قال:«اللّهمّ إنّا نستسقيك بعمّ نبيّك ونستشفع إليك بشيبته» فسقوا.
وفي ذلك يقول: العباس بن عتبة بن أبي لهب:

1. صحيح البخاري:2/32، باب صلاة الاستسقاء.

صفحه 88
بعمّي سقى الله الحجاز وأهله *** عشية يستسقي بشيبته عمر1
ثمّ إنّ الوهابيين مكان أن يأخذوا الحديث مقياساً لتصحيح التوسّل بدأوا النقاش وقالوا: لو كان التوسل بالذات أمراً جائزاً لما عدل عمر بن الخطاب عن التوسّل بالنبي إلى التوسّل بالعباس، ولما ترك الأفضل بالرجوع إلى الفاضل.
وقد غاب عنهم أمران:
1. أنّ الخليفة ما اختار العباس بن عبد المطلب مع وجود الأفضل منه بين صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كعثمان وغيره، إلاّ لأنّ العباس كان من أرحام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان التوسّل به في الواقع توسّلاً بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك يقول:«وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا» ولولا ذلك لما اختار العباس في مقام التوسّل مع وجود الأفضل منه.
2. إنّما اختار العباس دون النبي فلأجل أنّ العباس كان يشاركهم في المصير وفي السعة والضيق دون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي انتقل إلى جوار ربّه، فوسط بينه وبين الله إنساناً طاهراً مشاركاً لهم في الضرّاء والسرّاء، ولذلك عدل عن التوسّل بالنبي مباشرة إلى عمّه المتواجد بينهم.

1. وفاء الوفا:3/375، نقلاً عن مصباح الظلام.

صفحه 89
ويؤيّد ذلك أنّ المسلمين أُمروا في صلاة الاستسقاء بصحبة الشيوخ والأطفال إلى الصحراء، معربين بعملهم هذا أنّ المستسقين وإن لم يكونوا أهلاً للسقي ولكن هؤلاء الأبرياء أهل لأن تشملهم رحمة الله تعالى.
قال الإمام الشافعي: وأُحبّ أن يخرج الصبيان ويتنظّفوا للاستسقاء وكبار النساء ومن لا هيبة منهن ولا أُحب خروج ذات الهيبة.1

شبهة كون النبيّ ميّتاً

يقولون: انّ أنبياء الله والنبي الخاتم ميّتون والميّت لا يقدر على شيء، فلو صحّ ما ذُكر من الاعتقاد بالقدرة الغيبية أو جواز التوسّل فإنّما يصحّ إذا كان المتوسّل به حيّاً لا ميتاً؟!
وهذا من أغرب الشبه وأتفهها، وذلك للأسباب التالية:
1. إذ لو كان ميّتاً فما معنى قول المسلمين جميعاً في صلاتهم:«السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته».
2. ولو كان ميّتاً فما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أُمّتي السلام».2

1. كتاب الأُمّ:1/23.
2. المصنّف:2/399، باب ثواب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 90
3. لو كان ميّتاً فما معنى كون النبي من شهداء الأعمال يوم القيامة، فهل يمكن أن يكون الميّت شاهداً على الأعمال وقد قال سبحانه:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)1 .
4. أفيمكن أن يكون الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون ولكن نبي الشهداء غير حيّ لا يدرك شيئاً ولا يعرف؟!
ثمّ إنّ المراد من كون النبيّ حيّاً هو الحياة البرزخية، فالنبيّ انتقل بموته من حياة إلى حياة أُخرى.
إلى هنا تبيّن حال طلب الشفاعة والاستغاثة والتوسّل بالنبي والأولياء والأُمور التي زعموا أنّها شرك لاستلزامها الاعتقاد بوجود قدرة غيبية فيهم، وإليك الكلام في سائر المسائل الّتي يكفّرون بها عامة المسلمين.
***
   

1. النساء:41.

صفحه 91

المسألة الثانية:

الصلاة عند قبور الأنبياء والأولياء

إنّ الصلاة عند قبور الأولياء ليس إلاّ لأجل التبرّك بالمكان الذي دفنت فيه تلك الذوات الطاهرة المقدّسة أو مسّت أجسادهم الطاهرة وبذلك صارت مباركة، وهذا هو أحد الأُمور الواضحة في الشريعة المقدّسة، بشرط أن يتجرّد الإنسان عمّا اتّخذ هؤلاء من الضوابط والقواعد للتوحيد والشرك، وإليك بعض ما ورد:

1. الصلاة في مقام إبراهيم(عليه السلام)

أمر سبحانه المسلمين بالصلاة في المقام الذي قام به النبي إبراهيم(عليه السلام) وقال:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)1 فما هو الوجه في أمر المسلمين بالصلاة في موضع إبراهيم؟ ما هذا إلاّ للتبرّك به، فقد مسّ جسده الطاهر هذا المقام وصار مباركاً عبر القرون إلى يوم القيامة.

2. إقامة الصلاة على قبور أصحاب الكهف

إنّ أصحاب الكهف بعد أن انكشف خبرهم اختلف الناس في كيفية احترامهم وتكريمهم وانقسموا إلى صنفين:

1. البقرة:125.

صفحه 92
1. صنف قالوا:(ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ).1
وهذا التعبير أي (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) يكشف عن أنّ القائلين به لم يكونوا من الموحّدين، حيث حقّروا أُمورهم بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ربنا أعلم بأحوالهم من خير وشرّ وصلاح وفساد.
2. صنف آخر دعوا إلى بناء مسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة الله بجوار قبور الذين رفضوا عبادة غير الله وخرجوا من ديارهم، هاربين من الكفر ولاجئين إلى توحيد الله وطاعته، وقد حكى عنهم الذكر الحكيم بقوله:(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) فالضمير في قوله سبحانه:(غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) يرجع إلى أصحاب الكهف، أي وقفوا على مكانتهم وكشفوا الستر عن حقيقة أمرهم، فقالوا:(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)وقد اتّفق أعاظم المفسّرين على أنّ القائلين بذلك هم الموحّدون، قال الطبري: فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء آبائنا، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد الله فيه.2
وقال الرازي: وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب

1. الكهف:21.
2. تفسير الطبري:15/149.

صفحه 93
الكهف مسجد، وهذا القول يدلّ على أنّ أُولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.1
وقال الزمخشري:(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ) على باب الكهف (مَسْجِدًا) يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.2
وقال النيسابوري:(الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) المسلمون وملكهم المسلم; لأنّهم بنوا عليهم مسجداً يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها، وضنّاً بها.3
إلى غير ذلك من الكلمات في تفاسير الأعاظم، والّتي يتراءى منها أنّ بناء المسجد كان على باب الكهف أو عند الكهف، على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ المقترح هو بناء المسجد على قبورهم.

1. تفسير الرازي:21/105.
2. تفسير الكشّاف:2/334.
3. تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان المطبوع بهامش تفسير الطبري:15/119.

صفحه 94

كيفية الاستدلال

الاستدلال بالآية ليس مبنيّاً على استصحاب حكم شرع مَن قبلنا، بل مبني على أمر آخر وهو أنّا نرى أنّ القرآن الكريم يذكر اقتراح الطائفتين بلا نقد ولا ردّ، ومن البعيد جدّاً أن يذكر الله تعالى كلاماً للمشركين ويمرّ عليه بلا نقد إجمالي ولا تفصيلي، أو يذكر اقتراحاً للموحّدين وكان أمراً محرّماً في شرعنا من دون إيعاز إلى ردّه.
إنّ هذا النوع من النقل تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين، ويدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر وتبرّكاً به.

دليل المخالف

تمسّك الوهابيون على حرمة الصلاة عند قبور الأولياء بالروايات التالية:
روى البخاري: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجداً». قالت عائشة: لولا ذلك لابرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً.1

1. صحيح البخاري:2/111، كتاب الجنائز.

صفحه 95
وروى مسلم عنه(صلى الله عليه وآله): «ألا ومن كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك».1
وروى أيضاً أنّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها في الحبشة، فيها تصاوير لرسول الله. فقال رسول الله: إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.2
أقول: إنّ مضمون الحديثين الأوّلين مهما صحّ سندهما لا يخلو من شذوذ، إذ من المعلوم من حياة اليهود أنّهم كانوا يقتلون أنبياءهم عبر القرون، كما يحكي ذلك قوله سبحانه:(سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ)3، وقوله تعالى:(قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)4 إنّ تأكيد القرآن على عملهم الفظيع يدلّ على أنّ قتل الأنبياء كان عندهم سيرة مستمرة تتحقّق في زمن بعد زمن، فالقوم الذين هذا شأنهم وتكريمهم لأنبيائهم هل يتّخذون قبور أوليائهم

1. صحيح مسلم:2/68، كتاب المساجد.
2. صحيح مسلم:2/66، كتاب المساجد.
3. آل عمران:181.
4. آل عمران:183.

صفحه 96
وصالحيهم، مساجد يصلّون في جوارهم.
أضف إلى ذلك: ما في الرواية الثالثة من أنّ المرأتين ذكرتا كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير لرسول الله، ومعنى ذلك: أنّ صيت رسالة الرسول في أوائل البعثة وصل إلى الحبشة وصوّروا تصوير رسول الله في كنيستهم. والظاهر أيضاً من لفظة رسول الله النبي الخاتم لا المسيح.
نعم رواه النسائي والبيهقي والعيني مجرداً عن عبارة (رسول الله).
وعلى كلّ تقدير فالاستدلال بما ذكر من الروايات على موضوع اشتهر خلافه بين المسلمين أمر بعيد.

إيضاح مفاد الروايات

هذا وعلى فرض الصحّة يجب التحقيق والتأمّل فيما تهدف إليه تلك النصوص.
أقول: إنّ هنا قرائن تشهد على أنّ اليهود والنصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلة لهم تصرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، بل ربّما يعبدون أنبيائهم بجوار قبورهم بدل أن يعبدوا الله الواحد القهّار، أو كانوا يجعلون أنبياءهم شركاء مع الله سبحانه في العبادة، والشاهد على هذا المعنى الأُمور التالية:
1. إنّ الهدف من وضع صور الصالحين في حديث أُمّ حبيبة

صفحه 97
وأمّ سلمة بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها وعلى القبر بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يعبدان ويسجد لهما.
إنّ هذا الاحتمال ـ اللائح من هذا الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيّون من عبادة المسيح ووضع التصاوير والتماثيل المجسّمة له وللسيّدة مريم(عليها السلام)، ومع هذا المعنى فلا يمكن الاستدلال بهذه الأحاديث على حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها من دون أن يكون في ذلك أيّ شيء يوحي بالعبودية، كما عليه المسيحيّون.
2. إنّ أحمد بن حنبل يروي في مسنده ـ كما يروي مالك في الموطأ ـ تتمة لهذا الحديث وهي: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال ـ بعد النهي عن اتّخاذ القبور مساجد ـ:«اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يُعبد».1
فالحديث يدلّ على أنّ اليهود والنصارى كانوا يتّخذون القبر والصورة التي عليه إمّا قبلة يتوجّهون إليها، أو صنماً يعبدونه من دون الله سبحانه.
3. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ أعني قولها: لولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً ـ يدلّ على ما ذكرنا،

1. مسند أحمد:3/248.

صفحه 98
وذلك لأنّ المسلمين بعد رحيل رسول الله، وضعوا جداراً بين قبره وبين المسجد، وعندئذ نسأل أنّ إقامة الجدار حول القبر من أي شيء يمنع، ومن المعلوم أنّه يمنع من أمرين تاليين:
أ. أن يتّخذ قبره وثناً يعبد.
ب. أن يتّخذ قبلة يتوجّه إليها.
وأمّا الصلاة بجوار القبر إلى القبلة (الكعبة) تقرّباً إلى الله تعالى فلا يمنع من ذلك، بشهادة أنّ المسلمين منذ أربعة عشر قرناً يصلّون بجوار قبر رسول الله، في حين أنّهم يعبدون الله ويتوجّهون إلى الكعبة، فوجود الحاجز لم يمنعهم من هذا كلّه.
والذي يؤيّد ذلك أنّ شرّاح الحديث فهموا ما ذكرنا، يقول القسطلاني في كتاب «إرشاد الساري»: إنّما صوّروا أوائلهم الصّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم، ثمّ خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذَّر النبي عن مثل ذلك.
إلى أن يقول: قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون في مثل ذلك، فأمّا مَن اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه ـ لا

صفحه 99
للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.1
ويقول النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء إنّما نهى النبيّ(صلى الله عليه وآله) عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية، ولمّا احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وصاحبيه بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد فيصلّي إليه العوام... ولهذا قالت عائشة في الحديث: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتّخذ مسجداً.2
مع هذه القرائن ومع ما فهمه شرّاح الحديث لا يمكن الاستدلال به على منع الصلاة عند قبور الصالحين.
وفي ختام المطاف نذكر أمرين:
1. إنّ النبي نهى عن بناء المساجد، ولكن لا دليل على أنّ

1. إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:2/437، باب بناء المساجد على القبور. واختار هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري:3/208 ـ حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.
2. شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ14.

صفحه 100
النهي تحريمي، بل يحتمل أن يكون نهياً تنزيهيّاً وهذا بالضبط ما استنبطه البخاري في صحيحه حيث ذكر هذه الأحاديث تحت عنوان: باب ما يُكره من اتّخاذ المساجد على القبور.1
ويشهد لهذا الحمل ما رواه النسائي من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعن زائرات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والشرج.(2)
ومن المعلوم أنّ زيارة القبر للمرأة مكروه لا حرام، كيف وقد كانت فاطمة سيدة نساء العالمين تزور قبر عمّها حمزة في كلّ أُسبوع 2، وقد زارت السيدة عائشة قبر أخيها عندما وردت مكة المكرمة.3
حفظ آثار الأنبياء والسلف الصالح من قبورهم وبيوتهم وما يمتّ...   
ومن حسن الحظ أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فسّروا الرواية، وهذا هو أبو جعفر الباقر(عليه السلام) لمّا سأله زرارة بقوله: قلت له: الصلاة بين القبور؟ أجاب بقوله: «صل في خلالها ولا تتّخذ شيئاً منها قبلة، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك، وقال: لا تتّخذوا قبري قبلة ولا مسجداً فإنّ الله تعالى لعن الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».4

1. لاحظ: صحيح البخاري:2/111، كتاب المساجد.   2 . سنن النسائي:4/77.
2. لاحظ: مستدرك الحاكم:1/377; سنن البيهقي:4/78.
3. لاحظ: سنن الترمذي:3/371، باب ما جاء الرخصة في زيارة القبور، برقم 1055.
4. علل الشرائع:2/359.

صفحه 101

المسألة الثالثة:

حفظ آثار الأنبياء والسلف الصالح

من قبورهم وبيوتهم وما يمتّ إليهم بصلة
ونحن في الوقت الذي نلقي فيه هذه المحاضرات نسمع أخباراً مؤسفة عن تفجير وهدم قبور الأنبياء كيونس(عليه السلام)
في الموصل وغيره من قبور الأنبياء والأولياء، على يد عصابة شاذّة تربّت على يد مبلّغين تأثّروا بالفكر الوهابي، ونحن ندرس
هذه المسألة الهامّة لنزيل الشبه عن فكر المسلمين عسى أن يبلغ
ما نقوله إلى أفكار هؤلاء فيتوبوا إلى الله من أعمالهم
الخاطئة.
فنقول: إنّ رسالة الإسلام رسالة خالدة أبدية وسوف يبقى الإسلام ديناً للبشرية جمعاء، إلى يوم القيامة ولابدّ للأجيال القادمة على طول الزمن أن تعترف بأصالتها وتؤمن بقداستها،
ولأجل تحقيق هذا الهدف يجب أن نحافظ دائماً على آثار صاحب الرسالة المحمدية كي نكون قد خطونا خطوة في سبيل استمرارية هذا الدين وبقائه على مدى العصور القادمة، حتى لا يشكّك أحد في وجود نبي الإسلام كما شكّكوا في وجود النبي عيسى المسيح(عليه السلام).

صفحه 102
إنّ الشاب الغربي لم يعثر على شيء ملموس يؤدّي به إلى الاطمئنان بأصالة شخصية عيسى(عليه السلام) والركون إلى أنّها واقعة حقيقية لا يمكن التردّد فيها.
ولذلك تلقّى كثير منهم مسألة شخصية المسيح، أُسطورة تاريخية أشبه بقصة مجنون العامري وليلاه. ومن هنا ينبغي علينا نحن المسلمين أن نأخذ العبر والدروس من التاريخ المسيحي، وأن نسعى بكلّ ما أُويتنا من قوّة وجهد في سبيل صيانة الآثار الإسلامية عامّة، وآثار الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة مهما كانت صغيرة، وذلك لأنّها تمثّل الشاهد الحيّ على أصالتنا وأحقيّة دعوتنا، وأن نتجنّب عن تدميرها بمعول محاربة الشرك الذي اتّخذه البعض ـ وللأسف الشديد ـ ذريعة للقضاء على هذا التاريخ الأثري الملموس والمعلَم الإسلامي المهم، كي لا يصيب أجيالنا القادمة ما أصاب الشباب الغربي من داء الترديد والشكّ في شخصية السيد المسيح(عليه السلام). ولتوضيح هذه المسألة بكافّة جوانبها نبحث الأُمور التالية:

الأوّل: مكانة بيوت الأنبياء في القرآن الكريم

لقد أولى القرآن الكريم عناية خاصّة ببيوت الأنبياء والأولياء، وليس هذا الاهتمام إلاّ لأجل أنّ هذه البيوت تبرّكت بأُناس يسبّحون لله سبحانه في الغدو والآصال، قال تعالى:(فِي

صفحه 103
بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)1.
لقد تحدّثت الآية المباركة عن تلك البيوت بلحن يشعر بالتعظيم والتكريم وأشارت إلى سمات الرجال الإلهيّين الذين يسكنونها بأنّ دأبهم التسبيح والتمجيد والتهليل والتكبير، والمراد من البيوت في الآية هو بيوت الأنبياء.
روى الحافظ جلال الدين السيوطي قال: أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ هذه الآية: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) فقام إليه رجل، قال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال:«بيوت الأنبياء» فقام إليه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام) ـ فقال رسول الله:«نعم ومن أفاضلها».(2)
وعلى هذا فالمراد من البيوت هو بيوت الأنبياء وبيوت النبيّ الأكرم وبيت عليّ وما ضاهاها، فهذه البيوت لها شأنها الخاص
لأنّها تخصّ رجالاً يسبّحون الله ليلاً ونهاراً غدواً وآصالاً
يعيش فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقلوبهم مليئة بالخوف من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار.

1. النور:36.   2 . الدر المنثور:6/203.

صفحه 104
وقد ثبت في التاريخ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دفن في نفس البيت الذي قبض فيه، كما أنّ الإمامين العسكريين(عليهما السلام) دفنا في البيت الذي قبضا فيه وكان بيتهما معبداً لهما. وقد روى أحمد أنّ عبد الله بن سعد سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: أيّما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال: «فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد ولئن أُصلّي في بيتي أحب إليّ من أن أُصلي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة».1 وقد عقد مسلم في صحيحه باباً لاستحباب إقامة النافلة في البيت وروى فيه روايات.2
فعلى ضوء هذه الآية يجب رفع البيوت التي كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة دفنوا فيها، وهم كانوا يتلون فيها ليلاً ونهاراً آيات الله ويسبّحونه.
بقي الكلام: فيمَ هو المراد من الرفع؟
لقد ذكر المفسّرون للرفع معنيين تاليين:
الأوّل: المراد من الرفع هو البناء بشهادة قوله تعالى:(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا).3
الثاني: المراد تعظيمها والرفع من مقدارها، قال الزمخشري:

1. مسند أحمد:4/349.
2. صحيح مسلم:2/187ـ 188، باب استحباب صلاة النافلة في البيت.
3. النازعات:27ـ 28.

صفحه 105
ترفعها إمّا بناؤها فأمر الله أن تبنى، وإمّا تعظيمها، والرفع من قدرها.1
أقول: لا يخفى أنّ المراد من رفع البيوت ليس إنشاؤها; وذلك لأنّ المفروض أنّ الآية المباركة تتحدّث عن بيوت مبنيّة، وعلى كلّ تقدير فهذه البيوت يجب إعمارها وصيانتها من الاندثار، على التفسير الأوّل، وذلك إكراماً منه سبحانه لأصحابها، أو صيانتها ممّا لا يلائم قداستها على التفسير الثاني، وعلى هذا فهدم هذه البيوت يضاد ترفيعها بناءً وقداسة، وإذا ثبت الحكم في هذه البيوت التي تضمّنت الأجساد المقدّسة يثبت الحكم في سائر المراقد بعدم القول بالفصل بينهما.
***

الثاني: صيانة الآثار ومودّة القربى

دلّت الآيات والروايات على لزوم مودّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين، قال سبحانه:(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا
وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ


1. تفسير الكشّاف:2/390، بتصرّف يسير، تفسير القرطبي:2/226.

صفحه 106
لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).1
تشير الآية إلى معيار دقيق وهو أنّ المؤمن الحقيقي الذي عجن الإيمان بدمه ولحمه وجميع مشاعره، هو الذي يقدّم حُبّه لله ولرسوله والجهاد في سبيله على جميع العلاقات والروابط التي تحيط به من الأهل والأرحام والأموال والعقارات، والتجارة والمعاملات.
وفي آية أُخرى تعدّ المودّة في القربى كأجر للرسالة قال تعالى:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)2.
ومن المعلوم أنّ حبّ الله ونبيّه وعترته يتجلّى بوجهين:
1. أن يعتمد في منهج حياته، السيرَ وفقاً لأوامره سبحانه ونواهيه ولذلك يقول: الحب هو الانقياد والاتّباع للمحبوب، وقد استشهد الإمام الصادق(عليه السلام) لهذا النوع من الود بالبيتين التاليين:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه *** هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إنّ المحبّ لمن أحب مطيع
2. نشر تعاليمهم وخطبهم وأحاديثهم وصيانة آثارهم ومعالمهم والاهتمام بمشاهدهم بحيث تكون رمزاً ومعلّماً إسلامياً

1. التوبة:24.
2. الشورى:23.

صفحه 107
بارزاً، ولا يشكّ ذو مسكة أنّ بناء القباب على تلك القبور التي ضمّت جسد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة يُعد مظهراً لإظهار الودّ والحب.
***

الثالث: صيانة الآثار تعظيم للشعائر

دلّ قوله سبحانه:(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)1 والآية من مصاديق الحذف والإيصال أي: ومن يعظم شعائر دين الله. فالآية بصفة كلّية تدلّ على تعظيم ما يمت إلى دين الله بصلة.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر مصداقاً لتعظيم شعائر دين الله ويقول:(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)(2)، فإذا كانت البُدن التي صارت معلمة للذبح في مكة أو نواحيها، من شعائر الله، فالأنبياء والأولياء والذين جاهدوا لأجل رفع كلمة الله بنفسهم ونفيسهم، أولى أن يكونوا من علائم دين الله، ومن المعلوم أنّ حفظ آثارهم وقبورهم وما يمتّ إليهم بصلة، تعظيم لشعائر دين الله.
***

1. الحج:32.   2 . الحج:36.

صفحه 108

الرابع: القرآن الكريم وحفظ الآثار

دلّ القرآن الكريم على أنّ الأُمم السالفة كانت تحتفظ بآثار أنبيائها وتحافظ عليها وتصونها وتتبرّك بها، وكانت تحملها معها في الحروب، ليتسنّى لها من خلال التبرّك بها التغلّب والانتصار على عدوهم.
ومن النماذج التي ذكرها القرآن الكريم في هذا المجال صندوق بني إسرائيل الذي كانت فيه مواريث آل موسى وآل هارون، قال تعالى:(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).1
ولا ريب أنّ هذا الصندوق كان عظيم البركة بشهادة أنّ الملائكة هي التي تحمله، وإنّ فيه سكينة من الله لبني إسرائيل، فلو كان حفظ الآثار وصيانتها بصورة عامّة وحفظ هذا الصندوق الأثري بصورة خاصّة غير لائق وغير جدير بالاهتمام، فلماذا يتحدّث عنه القرآن الكريم بهذا اللحن من الخطاب الإيجابي الذي يظهر منه تأييد الفكرة واستحسانها؟! ولماذا تتصدّى الملائكة على عظمتها وقداستها لحمله؟! ولماذا تكون عملية استرجاعه من

1. البقرة:248.

صفحه 109
أيدي العمالقة آية على حقّانية قائد الجيش في وقته؟!
***

دليل المخالف

احتجّ المخالف على تهديم القباب والبيوت التي تحتضن الأجساد الطاهرة بحديث أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي، الذي رواه مسلم في صحيحه، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته.1
أقول: لا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث لا سنداً ولا دلالة.
أمّا سنداً فيكفي أنّ أبا وائل كان من المنحرفين عن الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) وممّن نصب له العداء والبغضاء.(2)
فكيف يعتمد عليه، وقد قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق».2 وروى قريباً منه الترمذي في سننه3. وأمّا أبو الهياج فليس له حديث في الصحاح والسنن إلاّ هذا الحديث فكيف يعتمد على قول رجل ليس له إلاّ رواية

1. صحيح مسلم:3/61، كتاب الجنائز.   2 . شرح نهج البلاغة:9/99.
2. مجمع الزوائد:9/133.
3. سنن الترمذي:2/301.

صفحه 110
واحدة، أفيمكن الاعتماد عليه في تهديم الآثار الإسلامية التي اهتمّ ببقائها المسلمون كافّة، عبر قرون.
وأمّا دلالة الحديث فهي كسنده، وذلك لأنّ الوارد في الحديث:«ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته» ففقه الحديث يتوقّف على تفسير ذينك اللفظين:
1. مشرفاً.      2. سوّيته.
أمّا الأوّل: فهو مردّد بين كونه بمعنى العالي، ومطلق الارتفاع. أو المرتفع على شكل سنام البعير، وهذا هو المراد كما سيوافيك.
   
وأمّا الثاني فإنّ فعل التسوية إذا كان ذا مفعول واحد يكون وصفاً لنفس الشيء، يقول تعالى:(وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا)1 وإذا كانت ذا مفعولين فالمفعول الثاني يتعدّى بالباء، نظير قوله سبحانه: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)2يراد بها مساواة الشيء مع الشيء الآخر في المقدار; والآية من القسم الأوّل فيتعيّن أن تكون التسوية وصفاً لنفس القبر بنفسه لا بالقياس إلى شيء آخر مثل الأرض، فيكون المراد جعل سطحه مستوياً ومسطحاً على خلاف القبور التي تبنى على شكل ظهر السمكة وسنام البعير، فيكون الحديث دليلاً على لزوم تسوية القبر وتسطيحه، وأين هذا من تهديم القبر

1. الشمس:7.
2. الشعراء:98.

صفحه 111
وجعله مساوياً للأرض.
وممّا يدلّ على ما ذكرنا من المعنى أنّ مسلماً أورد الحديث وحديثاً آخر تحت عنوان (باب الأمر بتسوية القبر)1، ولو كان المراد هدم القبر يجب أن يقول: تسوية القبر بالأرض.
ثمّ إنّا نغض النظر عن كلّ ما ذكرنا، فالحديث على فرض الدلالة ناظر إلى القبر لا إلى القباب والأبنية فوق القبر، فبأي دليل تهدم هذه الآثار التي تعد كالمظلّة لمن يريد زيارة القبور وقراءة القرآن.
***

المسألة الرابعة:

النذر للنبي والإمام

النذر عبارة عن إلزام الإنسان نفسه بأداء شيء معيّن إذا تحقّق هدفه وقضيت حاجته، ويقول: لله عليّ أن أعطي مبلغاً معيّناً للفقراء إذا قضيت حاجتي، وقد مدح الله سبحانه عليّاً وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) بقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)(2).
فالنذر سنّة معروفة بين كافّة المسلمين، بل في العالم كلّه،

1. صحيح مسلم:3/61، كتاب الجنائز.   2 . الإنسان:7.

صفحه 112
وقد تعارف النذر لله وإهداء ثوابه لأحد أولياءالله وعباده الصالحين، ولم يشكّ فيه أحد حتى جاء ابن تيمية فزعم حرمة ذلك وشنّ الهجوم على المسلمين وقال: مَن نذر شيئاً للنبي أو غيره من الأنبياء والأولياء من أهل القبور، أو ذبح ذبيحة، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابدٌ لغير الله، فيكون بذلك كافراً.1
والرجل نظر إلى ظاهر أعمال الناذرين ولم يقف على نيّاتهم فهم ينذرون لله سبحانه ويقصدون إهداء ثوابه للنبي وغيره، فكلّ مَن ينذر لأحد من أولياء الله إنّما يقصد في قلبه النذر لله وإهداء الثواب لذلك الولي الصالح ليس إلاّ.
ومَن استخبر حال مَن يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للأموات ـ من الأنبياء والأولياء ـ إلاّ الصدقة عنهم وجعل ثوابها إليهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السُّنّة منعقد على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات، والصلة إليهم، والأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.
ومنها: ما صحّ عن سعد أنّه سأل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا نبي الله إنّ أُمّي افتلتت(2) وأعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت، أفإن تصدَّقتُ عنها أينفعها ذلك؟

1. فرقان القرآن:132، نقلاً عن ابن تيمية.   2 . أي ماتت.

صفحه 113
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): نعم.
فسأل النبيّ: أي الصدقة أنفع يا رسول الله؟
قال: الماء.
فحفر بئراً وقال: هذه لأُمّ سعد.1
لقد أخطأ محمّد بن عبد الوهّاب فادّعى أنّ المسلم إذا قال: هذه الصدقة للنبيّ أو للوليّ، فاللاّم فيها هي اللام الموجودة في قولنا:«نذرتُ لله» ولكن اشتبه عليه الأمر فإنّما يُراد منها الغاية، فالعمل لله، فلو قال: للنبيّ، يريد بها الجهة التي يُصرف فيها الصدقة من مصالح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته ومماته.
وفي هذا الصّدد يقول العزامي ـ بعد ذكر قصة سعد ـ :
«اللام في «هذه لأُمّ سعد» هي اللام الداخلة على الجهة الّتي وُجّهت إليها الصدقة، لا على المعبود المتقرّب إليه، وهي كذلك في كلام المسلمين، فهم سعديُّون لا وثنيّون!
وهي كاللام في قوله تعالى:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) لا كاللام في قوله سبحانه: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا...)2 أو في قول القائل: صلّيتُ لله ونَذَرْتُ لله، فإذا ذَبح

1. فرقان القرآن:133.
2. آل عمران:35.

صفحه 114
للنبيّ أو الوليّ أو نَذَر الشيء له فهو لا يقصد إلاّ أن يتصدّق بذلك عنه، ويجعل ثوابه إليه، فيكون من هدايا الأحياء للأموات المشروعة المثاب على إهدائها، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه وفي كتب الردّ على الرجل ومن شايعه».1
وهكذا ظهر لك ـ أيّها القارئ ـ جواز النذر للأنبياء والأولياء، من دون أن يكون فيه شائبة شرك، فيُثاب به الناذر إن كان لله وذبح المنذور باسم الله، فقول القائل: «ذبحتُ للنبيّ» لا يريد أنّه ذبحه للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بل يريد أنّ الثواب له، كقول القائل:ذَبحتُ للضيف، بمعنى أنّ النفع والفائدة له، فهو السبب في حصول الذبح.
***

1. فرقان القرآن:133.

صفحه 115

المسألة الخامسة:

التبرّك بآثار الأنبياء

قد تعلّقت المشيئة الإلهية على إفاضة نعمه ومواهبه من خلال الأسباب، فتارة يكون السبب سبباً طبيعياً كالشمس والقمر والماء والنار، وأُخرى سبباً غير طبيعي كما هو الحال في عمل الأنبياء; مثلاً كان المسيح يبرئ الأكمه والأبرص، فالمبرئ في الحقيقة هو الله سبحانه ولكن عن مجرى خاص وهو نبيّه. ولذا كان الصحابة يتبرّكون بالنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن صور هذا التبرّك، أنّهم كانوا يأتونه بأطفالهم فيحنّكهم بالتمر، أو أن يمسح على رؤوسهم ويبارك لهم، كما أنّ صحابته كانوا يتبرّكون بماء وضوئه.1
هذا في حياته وأمّا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان الصحابة يتبرّكون بقبره، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ. روى الحاكم في المستدرك عن داود بن صالح، قال:
«أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر،

1. الإصابة:1/6ـ7، الاستيعاب (في حاشية الاصابة):3/361، وج1/539ـ 540، رقم الترجمة 2856; كنز العمال:10/493; سيرة زيني دحلان: 2/246; صحيح مسلم:3/1943.

صفحه 116
فأخذ برقبته، ثمّ قال: هل تدري ما تصنع؟ فقال: نعم.
فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب الأنصاري، فقال: إنّما جئت رسول الله ولم آت الحجر، سمعت رسول الله يقول:«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن إبكوا على الدين إذا وليه غيرُ أهله»1.
إنّ هذه الظاهرة التي نقلها الحاكم في «المستدرك» تحكي أنّ سيرة صحابة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت قائمة على التبرّك بقبره الشريف بوضع الخد عليه، كما تحكي في الوقت نفسه عن عداء مروان وغيره من رجال البيت الأُموي وخصومتهم للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.
ب. أقام الصحابي الكبير ومؤذّن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بلال الحبشي في الشام في عهد عمر بن الخطاب، فرأى في منامه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول له:
«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟».
فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين(عليهما السلام)، فجعل يضمّهما ويقبلهما...».2

1. مستدرك الحاكم:4/560، رقم الحديث 8571.
2. أُسد الغابة:1/28.

صفحه 117
ج. انّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) سيدة نساء العالمين بنت رسول الله، حضرت عند قبر أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم)وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي، وهي تقول:
ماذا على من شمّ تربة أحمد *** ألاّ يشم مدى الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها *** صُبّت على الأيام صِرن لياليا1
ومن الواضح إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء(عليها السلام) يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول الله و تربته الطاهرة.
نكتفي هنا بذكر هذه المجموعة القليلة جداً من بين الكثير من الوقائع التي تحكي عن اتّفاق الصحابة على التبرّك بآثار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومَن تتبّع كتب السير والحديث والتاريخ والصحاح والمسانيد يرى أنّ مسألة التبرّك بالنبي والصالحين قد بلغت حدّ التواتر بحيث يستحيل عند العقل أن تكون موضوعة ومجعولة.

نتيجة البحث

إنّ دراسة التاريخ الإسلامي وسيرة المسلمين في صدر الإسلام تكشف وبوضوح أنّ التبرّك بآثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبكلّ ما يرتبط به(صلى الله عليه وآله وسلم) كقبره، وتربته، وعصاه، وملابسه، والصلاة في الأماكن التي صلّى فيها(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مشى فيها، وكلّ ذلك كان يمثّل في

1. وفاء الوفا:4/1405; المواهب اللدنية:4/563.

صفحه 118
الواقع ثقافة إسلامية رائجة في ذلك الوقت، وكانوا يرومون من ورائه أحد أمرين:
1. التبرّك بالآثار تيمّناً بها لغاية استنزال الفيض الإلهي من خلال ذلك الطريق، كما حدث ليعقوب(عليه السلام) عن طريق قميص ولده يوسف(عليه السلام).
2. الدافع والباعث لهم هو حبّهم ومودتهم للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ يحثّانهم لتكريم كلّ ما ينتسب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)من درع، أو سيف، أو ملابس، أو قدح قد شرب بها، أو بئر، أو عصاً كان قد استعملها، أو خاتم، أو...، فكلّ تلك الآثار كانت مورد اهتمام أصحابه وأنصاره(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كان الخلفاء يتوارثون ختمه وخاتمه(صلى الله عليه وآله وسلم).
إلى هنا تمّت دراسة الذرائع الباطلة التي يكفّر على أساسها المسلمون من وجهة نظر اتباع ابن عبد الوهاب، وبقي هنا بعض الذرائع الوهمية كتكريم مواليد أولياء الله ووفياتهم، أو الحلف على الله بحق الأولياء، أو البكاء على الميّت، فإنّ الجميع من الأُمور الواضحة وإن وقعت ذريعة لهؤلاء، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «الوهابية في الميزان».

صفحه 119

الفصل السابع:

الذرائع التي يكفّر بها الشيعة

قد عرفت أنّ القوم يكفّرون عامّة المسلمين بالأُمور التي ذكرناها، وأشباهها، وهناك أُمور يكفّرون بها الشيعة الإمامية شيعة أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة، فقسم منها أُمور مكذوبة وافتراءات واضحة منها:
1. تأليه الشيعة لعلي وأولاده وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيّتهم .
2. إنكار ختم النبوة برحيل سيدنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الوحي لم يزل ينزل على علي وأولاده(عليهم السلام).
3. أنّ النبوة كانت لعلي ولكن جبريل خان الأمانة وأعطاها لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى أنّ بعضهم أفرغ ذلك في قالب الشعر وقال:
ويحمل قلبهم بغضاً شنيعاً *** لخير الخلق ليس له دفاع
يقولون الأمين جنى بوحي *** وخان وما لهم عن ذا ارتداع1
4.بغض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وسبّهم ولعنهم وأنّهم أعداء

1. البيتان من قصيدة للشيخ عبد الظاهر إمام المسجد الحرام وخطيبه(المتوفّى 1370هـ.).

صفحه 120
الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم.
5. تحريف القرآن الكريم وأنّه حُذف منه أكثر ممّا هو الموجود. إلى غير ذلك من المفتريات التي ليس لها حدّ في حقّ الشيعة. ومَن قرأ شيئاً من كتب الشيعة أو عاش بين ظهرانيهم يقف على أنّ الجميع فرية وكأنّهم أُمروا بالكذب مكان الصدق.
نعم للشيعة مسائل كلامية يختلفون فيها مع بعض الفرق، نشير إلى بعضها:

1. القول بالبداء

إنّ البداء حقيقة قرآنية تضافرت الآيات عليها وحقيقتها أنّه ليس للإنسان تقدير واحد لا يتغيّر، بل يمكن أن يبدّل مصيره بعمل صالح أو طالح.
ويدلّ على ذلك قوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)1، ويقول سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)2
روى القرطبي في تفسير قوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ)

1. الرعد:39.
2. الأعراف:96.

صفحه 121
أنّ عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فأمتني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أُمّ الكتاب».1
فعلى هذا فالبداء بهذا المعنى عقيدة إسلامية عامّة.
لكن يقع الكلام: لماذا عُبّر عنه بالبداء، فيقال: بدا لله، حيث إنّ معناه: ظهر لله ما خفي عليه.
ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والجواب عن ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ هذا التعبير اقتباس من كلام النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص... إلى آخر ما ذكره».2
الثاني: انّ هذا التعبير من باب المشاكلة نظير قوله سبحانه:(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)3، وقوله

1. تفسير القرطبي:9/330، تفسير سورة الرعد.
2. صحيح البخاري:2/405ـ 406، كتاب أحاديث الأنبياء، الباب 53، برقم 2464.
3. آل عمران:54، والأنفال:30.

صفحه 122
سبحانه:(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا)1، وقوله سبحانه:(نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)2، وهذا من مظاهر البلاغة فإنّ الإنسان إذا ظهر ما خفي عليه يعبّر عنه بالبداء ويقول: بدا لي، كذلك فالله سبحانه يعبّر عمّا ظهر للناس بعد ما خفي عنهم بالبداء ويقال: بدا لله، وكأنّه ينطق بلسان المخاطب. ومن مظاهر البداء في الكتاب العزيز فداء إسماعيل بعد أمر خليله إبراهيم(عليه السلام)بذبحه حيث ابتلاه الله وخرج من الابتلاء ناجحاً مرفوع الرأس ونسخ ما أمر به بالفداء.
هذا ولعلمائنا الأبرار رسائل في البداء تعرب عن أنّ النزاع بينهم وبين غيرهم لفظي بحت، وليس حقيقياً.

2. الإيمان بخلافة الخلفاء

هل الإيمان بخلافة الخلفاء من الأُصول، حتى يُكفَّر مَن يرفض خلافتهم من الرسول أو هو من الفروع الّتي لا يضر الاختلاف فيها كما هو الحقّ؟ ويشهد لِما قلناه كلمات أئمة أهل السنّة:
قال التفتازاني: لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف

1. الطارق:15 و16.
2. التوبة:67.

صفحه 123
بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلّية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد، ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية1.
وقال الإيجي: المرصد الرابع: في الإمامة ومباحثها عندنا من الفروع وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا (2).
وقال الجرجاني: الإمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد، بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً 2.
فإذا كانت الإمامة من الفروع فما أكثر الاختلاف في الفروع فكيف يكون الاختلاف موجباً للكفر؟!

3. علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب

لاشكّ أنّ العلم بالغيب علماً ذاتياً غير مكتسب وغير محدّد بحدٍّ، يختصّ بالله سبحانه، ولكن لا مانع من أن يُعلِّم سبحانه شيئاً من الغيب لبعض أوليائه فيخبر عن الملاحم لأجل كونهم

1. شرح المقاصد: 5 / 232 .   2 . المواقف: 395 .
2. شرح المواقف: 8 / 344 .

صفحه 124
محدَّثين، والمحدَّث يسمع صوت الملك ولا يراه، وهو ليس أمراً بدعيّاً في مجال العقيدة، فقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء...»1.
وقد تضافرت الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ المحدّثين، فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)عند الشيعة من المحدَّثين، فأي إشكال في ذلك؟! وهل هو يوجب مشاركتهم الله في علم الغيب ؟! وأين العلم بالغيب مكتسباً من الله محدوداً بحدّ خاص، من علمه الواسع غير المكتسب ولا المحدود؟!

4. التقيّة من المسلم

وممّا يخطِّئون به الشيعة هو تقيّتهم من المخالف المسلم، بناءً على اختصاص التقية بالكافر مع أنّه أمر صرّح بجوازه غير واحد من أئمة السنّة .
قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)2: ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين

1 . صحيح البخاري: 2 / 194، باب مناقب المهاجري فضلهم.
2 . آل عمران: 28 .

صفحه 125
المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .1
وقال ابن الوزير اليمانيّ 2 في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال، في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو أبثّه لقطع هذا البلعوم.3
قلت: إنّ هذا ليس أمراً مبتدعاً، فقد عمل به أربعة وعشرون محدِّثاً في مقابل السلطان الجائر المسلم، أعني: المأمون، وقد نقل تفصيل القصة الطبري في تاريخه، قال: جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فأحضر لفيفاً من المحدِّثين والذين يربو

1 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 .
2 . أبو عبدالله بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الحسني (المتوفّى 840 هـ). أثنى عليه الشوكاني، ونعته بالمجتهد المطلق، ثم قال: وكلامه لا يشبه كلام أهل عصره وكلام من بعده، بل هو من نمط كلام ابن حزم وابن تيميّة. البدر الطالع: 2 / 316 برقم 561 .
3 . إيثار الحقّ على الخلق: 141 ـ 142، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 هـ .

صفحه 126
عددهم على ستة وعشرين محدّثاً فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتّى فهموها، ثم سأل كلّ واحد منهم عن رأيه في خلق القرآن، وقد كانت عقيدة المحدّثين بأنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث، فلمّا شعروا بالخطر وقرئت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق أيديهم ويرسلوا إليه، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلاّ أربعة منهم: أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح; فلمّا كان من الغد أظهر سجّادة الموافقة وقال بأنّ القرآن مخلوق وخلّي سبيله، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأن القرآن مخلوق، فخلّي سبيله، وبقي أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح، وللقصة تكملة ذكرناها بتفاصيلها في كتابنا بحوث في الملل والنحل، فلاحظ .1
***

5. تكفير الصحابة

(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)2 إنّ تكفير الصحابة من الافتراءات الّتي تشهد الضرورة ببطلانها، كيف؟ وثمّة طائفة من الصحابة هم من روّاد التشيّع، ثم كيف؟ وهذا إمامهم (الّذي يقتدون

1 . بحوث في الملل والنحل: 3 / 605 ـ 614 .
2 . النور: 16 .

صفحه 127
به ويقتفون أثره)، بل إمام المسلمين عامّة، أعني: علي بن أبي طالب (عليه السلام)يقول في حق الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!
أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ»1.
ويقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)في حقّهم: «اللهمّ وأصحابُ محمّد خاصّةً، الذين أحَسنوا الصحبة، والذين أبلَوُ البلاءَ الحسَن في نصرهِ، وكانَفُوه، وأسرعوا إلى وِفادتهِ، وسابقوا إلى دعوتهِ... فلا تنسَ لَهُمُ اللهمّ ما تركوا لك وفيك، وأَرضِهِم من رضوانك...»2
ثم إنّ لعضد الدين الإيجي في «المواقف» وشارحه السيد الجرجاني في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتي بنصّهما متناً وشرحاً، فقد ذكرا الوجوه وردّها:

1 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .
2 . الصحيفة السجادية الكاملة: الدعاء الرابع (في الصلاة على أتباع الرُّسل ومصدّقيهم).

صفحه 128
الأوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والأحاديث الصحيحة بالتزكية والإيمان (تكذيب) للقرآن و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفرا.
قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة بخصوصه، وهؤلاء قد اعتقدوا أنّ مَن قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار المصنّف بقوله: «ولاهم داخلون فيه عندهم» فلا يكون قدحهم تكذيباً للقرآن، وأمّا الأحاديث الواردة في تزكية بعض معيّن من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفَّر المسلم بإنكارها أو تقول ذلك، «الثناء عليهم»، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول.
الثاني: الإجماع منعقد من الأُمّة، «على تكفير من كفّر عظماء الصحابة»، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً.
«قلنا: هؤلاء»، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره.
الثالث: قوله (عليه السلام): «مَن قال لأخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما».
قلنا: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ مَن ظن بمسلم أنّه

صفحه 129
يهودي أو نصراني فقال له: ياكافر، لم يكن ذلك كفراً بالإجماع 1.
هذا كلامهما ونحن نقول ليس هنا مَن يكفّر الصحابة بل الموجود هو دراسة حياة الصحابة بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أمر درج عليه السلف من أصحاب السيرة والتاريخ والرجال كدراسة حال التابعين لهم، وأخذ الدين عنهم لا يصدّنا عن تلك الدراسة العلمية بل يدفعنا إلى أخذها من أُناس صادقين عادلين، فمَن زعم أنّ دراسة حياة الصحابي يورث الضعف في الدين أو يوجب الخلل في الإسلام فقد أتى بكلام غير مقبول ولا معقول، وهؤلاء هم علماء الرجال قد ألّفوا موسوعات في أحوال رجال الحديث مبتدئين من التابعين، ونحن نعطف الصحابة على التابعين أيضاً، ونكيل لكلّ من قال الحق وعمل به، المدح العظيم والثناء الجميل.

نتيجة الدراسة

هذا هو حدّ الإيمان والكفر وحدّ الشرك والبدعة قد وقفت عليها عن كثب، وأنّ فِرَق الإسلام عامّة (غير الغلاة والنواصب) كلّهم داخلون في حظيرة الإسلام، فيجب أن تُحقَن دماؤهم وتُصان أموالهم وأعراضهم وكل ما يمتّ إليهم بصلة، وأنّ مَن يقوم

1. السيد الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8/344، ط مصر.

صفحه 130
بتكفير أُمّة أو أُمم من المسلمين فإنّما يصدر عن عصبية وعناد، أو عن غرض خبيث يخدم به قوى الكفر والاستبداد والاستكبار. والله سبحانه هو الهادي إلى الطريق الحقّ.

هذا هو الداء وأمّا الدواء

لا أظن أنّ ذا مسكة يرضى بما تمارسه الزمرة الداعشية من فتك وقتل وهدم وتخريب وأسر وزواج جهادي وبالتالي استئصال المسلمين الموحّدين تحت غطاء الشرك، غير أنّ هذا الداء أخذ يتفّشى في البلاد الإسلامية خصوصاً بين الشباب المتحمّسين الذين تنبض قلوبهم للجهاد من أجل نحر التوحيد.
فلابدّ من قلع هذه الفكرة الشيطانية التي اكتست ثوب التوحيد من خلال الخطوات التالية:

1. نقد الأفكار الخاطئة التي يشمّ منها رائحة تكفير الفرق الإسلامية

نذكر هنا أسماء بعض من اتّخذ هذا المنهج:
إنّ ابن تيمية لمّا كان مجسّماً في الواقع ومتظاهراً على الخلاف ولكنّه مصرّحاً بوجود الجهة لله سبحانه وأنّه مستو على عرشه، يقول في نفي نظر جمهرة المسلمين في أنّه سبحانه ليس بجسم وليس في جهة ولا يشار إليه يقول: وأمّا إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون داخل العالم ولا خارجه، فهذا ممّا

صفحه 131
يعلم العقل استحالته، وبطلانه.1
ترى أنّه يستهدف بكلامه هذا، كافّة المسلمين المنزّهين لله سبحانه، ويتّهمهم بالارتداد، فما ظنّك بمن يتّخذ ابن تيمية شيخاً للإسلام ويصدر عنه فيما يقضي ويبرم!!
وليس هذا كلامه الوحيد، بل له كلمات كثيرة يكفّر تلويحاً أو تصريحاً مَن يخالف فكرته، فيقول: فمَن قال أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد لا بل من الارتداد.2
أنا لا أدري أية ملازمة بين تقليد الشافعي في الفقه والرجوع في العقائد إلى الشيخ الأشعري الذي كان هو شافعياً في الفقه، فعلى ضوء هذه الفتوى فثلث أهل السنّة أو الأكثر مرتدّون، يحلّ دمهم وأموالهم وتفارق زوجاتهم عنهم.
وأمّا محمد بن عبد الوهاب فحدّث عنه ولا حرج، فهو يقول في الرسالة الرابعة المعنونة أربع قواعد الدين تميّز بين المؤمنين والمشركين: القاعدة الرابعة: أنّ مشركي زماننا أعظم شركاً من الأوّلين، لأنّ الأولين كانوا يخلصون لله في الشدّة ويشركون في الرخاء، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدّة. والدليل قوله تعالى: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

1. منهاج السنة النبوية لابن تيمية:2/334.
2. مجموع الفتاوى لابن تيمية:4/106.

صفحه 132
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)1.2
هذا نموذج من كلماته وإلاّ فهو في مواضع كثيرة من كتاب «كشف الشبهات» يكفّر عامّة المسلمين، منها قوله: فإذا تحقّقت أنّهم مقرّون بهذا ـ يقصد بأنّ الله هو الخالق الرازق ـ وأنّه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعا إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعرفت أنّ التوحيد الذي جحدوه هو (توحيد العبادة)، الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد.3
وتعليقاً على هذه الفقرة يقول الشيخ حسن بن فرحان المالكي: سامح الله الشيخ محمداً، ففي هذا النص تكفير صريح لعلماء المسلمين في زمانه أو كثير منهم، فإن كان يقصد كلّ الذين يطلقون كلمة (الاعتقاد) على كتب العقيدة، فقد كفّر كلّ العلماء في زمانه، وإن كان يقصد الاعتقاد الخاص (اعتقاد الصوفية) فقد كفّر بعض العلماء دون نظر لتأويلهم فالتأويل مانع كبير من موانع التكفير، فإن كان قصده الأوّل فهذا من التكفير الخفيّ الذي لا

1. العنكبوت:65ـ66.
2. لاحظ: كشف الشبهات في التوحيد:40، المطبعة السلفية:1390هـ . وقد مرّ النصّ بكامله في صدر الرسالة فراجع.
3. كشف الشبهات في التوحيد:413.

صفحه 133
يدركه كلّ قارئ، إذ يصبح مقصود الشيخ بالمشركين في زمانه هم الذين لهم كتب يسمّونها (الاعتقاد) وهذه ليست في أُمّة سوى أُمّة المسلمين.1

2. تطهير البرامج الدراسية في بعض الدول

إنّ وزارات التربية والتعليم في بعض الدول قد أدخلت في برامجها الدراسية الفكر الوهابي في تكفير المسلمين، وتدرّس هذه الأفكار لطلاب المدارس بمراحلها المختلفة، ونحن نذكر أُنموذجاً من منهج التربية الإسلامية للصف العاشر في دولة الكويت، فقد جاء فيه تحت عنوان «نواقض التوحيد»:
الشرك نوعان:
أ. الشرك الأكبر: وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى كالدعاء لغير الله عزّ وجلّ، أو التقرب بالذبائح والنذور لغير الله عزّ وجلّ من القبور والجن والشياطين، والخوف من الموتى أو غيرهم أن يضرّوه أو يمرضوه وعبادة غير الله كالذين عبدوا العجل والكواكب والأحجار والأصنام، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)(2).

1. داعية وليس نبياً، تأليف: حسن بن فرحان المالكي:43.   2 . يونس:18.

صفحه 134
ثمّ إنّه يضع جدولاً يفرق فيه بين حكم الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فيذكر أنّه من حيث العقيدة الشرك الأكبر يخرج من ملّة الإسلام، ومن حيث العقوبة فعقوبة الشرك الأكبر هي إباحة دم المشرك وماله وخلوده في النار.1
وهنا أُمور أُخرى في علاج هذه المشكلة نذكرها باختصار:
إظهار الموقف الشرعي الواضح والصريح بإدانة التكفير لأحد من أهل القبلة على أساس الاختلافات المذهبية والعقدية المعروفة في الأُمّة. وتحريم وتجريم ممارسات العنف والإرهاب.
تحذير أبناء الأُمّة وتوعيتهم عبر مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، ومنابر الخطاب الديني، من شر وخطر هذه الاتّجاهات التكفيريّة، فهي أعظم منكر يجب النهي عنه والوقوف أمامه في هذا العصر.
نشر ثقافة الإسلام، وتعاليمه السامية، في التآخي والرحمة والمحبة والتسامح، بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جمعاء، فالناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق; كما قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام).

1. لاحظ: التربية الإسلامية للصف العاشر في دولة الكويت: ص 22ـ 23، و 44ـ 45، الطبعة الثانية، 1423هـ ، نقلاً عن كتاب: تطهير المناهج من التكفير للشيخ عبد الله دشتي:10.

صفحه 135
الجدّية في الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب الإسلامية، وزعامات الأُمّة، ومؤسسات المجتمع المدني.
استمرار بذل الجهود وتضافر القوى لمواجهة تيارات التكفير عبر انعقاد المؤتمرات، والنشاط العلمي والإعلامي، وتشكيل لجان المتابعة للقرارات والمقترحات.

صفحه 136
 

صفحه 137
 
مقال ختامي أُلقي في مختتم المؤتمر، حول سبل مواجهة ظاهرة التكفير، وقـد أُشير فيه إلى أُمور سبعة، يمكن أن تساهم في مواجهة هذا التيار المتطرّف.
والرجاء من العلماء والمفكّرين وأساتذة الجامعات في البلدان الإسلامية، أن يعملوا على درء هذه الفتنة الّتي ألمّت بالأُمّة الإسلامية، من خلال الأُمور الّتي أشرنا إليها، أو من خلال ما يعنّ لهم من طرق وأساليب. وبالله التوفيق
جعفر السبحاني

صفحه 138
 

صفحه 139
 
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله محمّد وآله الطاهرين .
نرحّب بالإخوة العلماء والمفكّرين حضّار هذا المؤتمر المبارك الّذين شعروا بخطورة الموقف فلبّوا الدعوة وأتحفونا بأبحاثهم وأفكارهم القيّمة، شكر الله مساعيهم .

كيف نواجه ظاهرة التكفير؟

إنّ هذه الكلمات الطيّبة الّتي سمعناها بارتياح غامر، من الأساتذة والعلماء بلغات مختلفة كلّها تُعرب عن أنّ الأعزّاء يستنكرون التكفير بكافة صوره، ويعتقدون بأنّه يضادّ تعاليم الإسلام ومبادئه، ويقف بوجه فتاوى فقهاء الإسلام الرافضين لتكفير أهل القبلة إلاّ إذا ثبت كفر واحد منهم لدى المحكمة الشرعية العارفة بملاكات الكفر والإيمان.
لاشكّ أنّ لهذه المؤتمرات دوراً فعالاً في إبطال عقيدة التكفيريين، كما أنّ لفتاوى علماء الإسلام آثاراً مطلوبة في هذا الطريق، لاسيّما إذا أجمعوا على ذلك ، إلاّ أنّه من الواضح لا يمكن

صفحه 140
الاكتفاء بذلك بل الواجب هو وضع خطط وبرامج عملية لاستئصال هذه الظاهرة.
وبناء على ذلك نوصي بما يلي:
أوّلاً: توعية وتثقيف أبناء الأُمة الإسلامية عبر مناهج التعليم ووسائل الإعلام ومنابر الخطاب الديني بخطورة هذه الاتّجاهات التكفيرية، وأنّها أعظم منكر يجب النهي عنه والوقوف أمامه في هذا العصر. فلو كان ثَمّة منكر في المجتمع يجب إنكاره والتنديدُ به، فتكفير أهل القبلة الّذين يصلّون ويصومون ويؤتون الزكاة ويحجّون أكبر منكر يتصوّر في العالم، حيث إنّ المسلم يقتل أخاه المسلم ويحقّق بذلك أهداف قوى الشرّ والطغيان الّتي تتربّص بأُمتنا الدوائر، وفي مقدّمتها الكيان الصهيوني.
ثانياً: نشر ثقافة الإسلام وتعاليمه الّتي تدعو إلى التآخي والمحبّة والتسامح بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جميعاً، فالناس كما قال الإمام علي (عليه السلام): «صنفان إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، ولكلّ حقّ على الإنسان المسلم، ولكن فتنة التكفير وما رافقها من عمليات إجرامية بشعة نفّذها الإرهابيون قد شوّهت ـ مع الأسف الشديد ـ وجه الإسلام الحنيف لغير المسلمين بل حتّى في أذهان الضعفاء من المسلمين، فكأنّ الإسلام دين دموي قد جُرّد من الرحمة والرأفة، وكأنّه ليس قوله

صفحه 141
سبحانه:(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ما يبدأ به المسلم أعماله وأقواله.
ثالثاً: بذل الجهود لأجل تعميق الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب وزعامات الأُمة الإسلامية والحوزات العلمية والجامعات الإسلامية ومراكز الدراسات العليا، فإنّ ما يجمعهم أكثر ممّا يفرقهم كما قال شاعر النيل:
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى اتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
رابعاً: أنّ هذا المؤتمر مفيد جداً حيث ضمّ عدداً كبيراً من علماء الإسلام ومفكّريهم، وقد أوضحوا الحال وبيّنوا خطورة الموقف، وسوف يحملون لبلادهم أفكار هذا المؤتمر، ومع ذلك فهذا المؤتمر غير كاف وحده، في تحقيق أهدافه، ولذا نقترح أن يستمر هذا النوع من الاجتماعات حيناً بعد حين بعيداً عن النوازع الشخصية والميول الجانبية، بل نقترح فوق ذلك تشكيل هيئة علمية تتابع هذا الموضوع بين فترة وفترة، وتكون حلقة اتّصال بين المحقّقين والمفكّرين والقادة الإسلاميّين .
ومن المعلوم أنّ هذه الهيئة يجب أن تزوَّد بوسائل إعلام متطوّرة لكي تبيّن موقف الإسلام الصحيح إلى الشباب المسلم المتحمّس في كلّ مكان من العالم. ومن واجبات هذه الهيئة

صفحه 142
الإجابة عن شبهات التكفيريّين الّتي ينشرونها في مجلاتهم ومواقعهم وقنواتهم الفضائية، حتّى يتبين الحقّ لمن يريد الحقّ، ويرجع المغرَّر به.
خامساً: لا شكّ أنّ بين المسلمين فوارق في مسائل عقدية وفقهية، ولكلٍّ دليله على ما يعتقد أو يفتي به، ولكن الواجب عند التعرّف على مذهب ما، هو الرجوع إلى مصادره الأصلية المؤلَّفة بأقلام علمائه، وعدم الاتّكال على كلّ كتاب أُلِّف باسم المذهب، فإنّ الاعتماد على نقل الآخرين هو من الأسباب الرئيسية للابتعاد والافتراق، ونحن لا نريد أن نأتي بمثال أو نذكر مورداً، ولكنّي أعتقد أنّ الكثير من الفروق الموجودة في الأذهان أو في صفحات الكتب، تنشأ من التساهل في التعرّف على حقيقة المذهب.
ومن عجائب الزمان (وما عشت أراك الدهر عجباً) هو أن نسمع بين فترة وأُخرى أنّ بعض وزراء الدول الغربية يستنكرون الإرهاب وعمل التكفيريّين، ويصفون عملهم هذا بأنّه بعيد عن روح الإسلام في الوقت الّذي يسكت بعض مَن يُترقَّب منه القيام بهذا!!
سادساً: تطهير مناهج التعليم من بذور التكفير، حيث إنّ المناهج الدراسية لها تأثير خاص في نمو هذه الفكرة في أذهان الناشئة، وممّا يُؤسف له أنّ مناهج التعليم في عدد من الدول

صفحه 143
الإسلامية يتّجه نحو بذر هذا الانحراف في أذهان الطلاب.
فما دام يُتلى في المعاهد والمدارس الدينية قول القائل: إنّ شرك الأوّلين أخف من شرك أهل زماننا. 1 فالإرهاب يبقى سائداً ما دامت الدراسة مبنية على هذه الآراء.
بل أقول: إنّ الإرهاب يبقى سائداً ما دامت المناهج الدراسية تؤكّد ـ مثلاً ـ على أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء هو الشرك الأكبر،2أو ما دمنا نرى أنّ وزارات الإعلام تُجيز نشر الكتب الّتي تروّج للأفكار المتشدّدة الّتي تُذكي نار الخلاف، وتدعو إلى التفرقة الطائفية.
سابعاً: أنّ جذور ظاهرة التكفير تعود غالباً إلى الفهم الخاطئ عن مفهوم الإيمان والكفر أو التوحيد والشرك والبدعة، فنقترح تشكيل مؤتمر حول هذه المفاهيم تحديداً وتبييناً .
والّذي يضفي الضرورة على ذلك أنّ كثيراً من قادة هذه العصابة يطبّقون كثيراً من الآيات النازلة بحقّ المشركين على أهل القبلة، بينما هم لا يفرّقون بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية.
هذه أُطروحتنا لحضّار هذا المؤتمر حفظهم الله ووفقهم

1 . كشف الشبهات: 11 .
2 . التربية الإسلامية للصف التاسع في دولة الكويت: 22 ـ 23، الطبعة 2، 1423 هـ . وهذا النص جاء تحت عنوان: معنى العبادة ومن يستحقّها.

صفحه 144
لكلّ خير وصلاح، عسى أن تكون مورد القبول والرضا.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الأوّل من صفر 1436 هـ
 
 

صفحه 145

مصادر التأليف

1 . القرآن الكريم.
حرف الألف
2 . إ حكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العبد، مطبعة السنة المحمدية.
3 . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأحمد بن محمّد القسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة السابعة، 1323 هـ .
4 . الاقتصاد في الاعتقاد، لمحمد بن محمد الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1424 هـ .
5 . الأُم، لمحمّد بن إدريس الشافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ .
6 . أنساب الأشراف، لأحمد بن يحيى البلاذري، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزكلي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأُولى، 1417 هـ .
7 . إيثار الحقّ على الخلق، لابن الوزير، محمد بن إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 هـ .

صفحه 146
حرف الباء
8 . بحوث في الملل والنحل، جعفر السبحاني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
9 . البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمّد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت.
حرف التاء
10 . تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري)، لمّحمد بن جرير الطبري، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية، 1387 هـ .
11 . تذكرة الخواص من الأُمة في ذكر خصائص الأئمة، لسبط بن الجوزي، منشورات الشريف الرضي، قم، الطبعة الأُولى، 1418 هـ .
12 . تطهير المناهج من التكفير، لعبدالله الدشتي، الطبعة الأُولى، 1428 هـ .
حرف الجيم
13 . جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق وتقديم: الشيخ خليل الميس، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1415 هـ .
14 . الجامع الصغير، لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأُولى، 1401 هـ .

صفحه 147
15 . الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسنته وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأُولى، 1422 هـ .
16 . الجامع لأحكام القرآن، لمحمّد بن أحمد القرطبي، تحقيق: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب الرياض، 1423 هـ .
17 . جواهر الكلام، لمحمّد حسن النجفي، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثانية، 1365 ش .
حرف الدال
18 . داعية وليس نبياً، لحسن بن فرحان المالكي، دار الرازي للطباعة والنشر، عمان، الطبعة الأُولى، 1425 هـ .
19 . الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت.
20 . الدرر السنية في الأجوبة النجدية، لعلماء نجد، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، موقع مكتبة المدينة الرقمية، الطبعة السادسة، 1417 هـ .
حرف الذال
21 . الذخيرة في علم الكلام، علي بن الحسين الشريف المرتضى،

صفحه 148
مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1411 هـ .
حرف الراء
22 . رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، محمّد بن أمين بن عمر، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1412 هـ .
حرف السين
23 . سنن ابن ماجة، لابن ماجة القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية.
24 . سنن الترمذي، لمحمّد بن عيسى الترمذي، تحقيق وتصحيح: عبدالرحمن محمد عثمان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ .
25 . السنن الصغرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، 1406 هـ .
26 . السنن الكبرى، لأحمد بن حسين البيهقي، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1424 هـ .
27 . السيرة النبوية لابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمر، تحقيق: مصطفى عبدالواحد، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع،

صفحه 149
بيروت، 1395 هـ .
28 . السيرة النبوية، لابن هشام الحميري، عبدالملك، تحقيق وضبط وتعليق: محمد محيي الدين عبدالحميد، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1383 هـ .
حرف الشين
29 . شرح الأُصول الخمسة، لعبدالجبّار بن أحمد، تحقيق: عبدالكريم عثمان، مكتبة وهبة للطباعة والنشر، القاهرة .
30 . شرح المقاصد في علم الكلام، لمسعود بن عمر التفتازاني: نشر الشريف الرضي، قم، الطبعة الأُولى، 1409 هـ .
31 . شرح المواقف، نشر الشريف الرضي، قم، الطبعة الأُولى، 1325 هـ .
حرف الصاد
32 . الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1407 هـ .
33 . الصحفية السجادية الكاملة، للإمام زين العابدين (عليه السلام)، تحقيق: حاج عبدالرحيم أفشاري زنجاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1404 هـ .

صفحه 150
حرف العين
34 . العروة الوثقى، لمحمّد كاظم اليزدي، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الطبعة الأُولى، 1417 هـ .
35 . علل الشرائع، لمحّمد بن علي بن بابويه الصدوق، مكتبة الداوري، قم، الطبعة الأُولى، 1386 هـ .
حرف الغين
36 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لحسن بن محمد النيسابوري، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1416 هـ .
حرف الفاء
37 . فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ .
38 . الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد، دار صادر، بيروت، الطبعة الأُولى، 1317 هـ .
حرف القاف
39 . قواعد المرام في علم الكلام، لابن ميثم البحراني، تحقيق: السيد

صفحه 151
أحمد الحسيني، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، الطبعة الثانية، 1406 هـ .
حرف الكاف
40 . الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامي، طهران، الطبعة الثالثة، 1367 ش.
41 . الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، لمحمود بن عمرو الزمخشري، دار الكتب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407 هـ .
42 . كشف الشبهات، محمّد بن عبد الوهّاب، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأُولى، 1418 هـ .
43 . كشف اللثام، لمحمّد بن الحسن الفاضل الهندي، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، الطبعة الأُولى، 1416 هـ .
44 . كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، لعلي بن حسام المتقي الهندي، تحقيق: بكري حياني وصفوة السقا، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة، 1401 هـ .

صفحه 152
حرف الميم
45 . مجمع البيان، للشيخ الطبرسي، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحقّقين الأخصائيين، الطبعة الأُولى، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1415 هـ .
46 . مجمع الفائدة، لأحمد الأردبيلي، تحقيق: مجتبى العراقي، علي پناه الاشتهاردي، حسين اليزدي الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1404 هـ .
47 . مجموع الفتاوى: تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1416 هـ .
48 . المستدرك على الصحيحين، لمحمّد بن عبدالله النيشابوري، دار المعرفة، بيروت.
49 . مستند الشيعة، لأحمد بن محمّد مهدي النراقي، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث، قم، الطبعة الأُولى، 1415 هـ .
50 . مسند أحمد: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، دار صادر، بيروت.
51 . المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 153
(صحيح مسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار الكفر، بيروت.
52 . المصطلحات الأربعة في القرآن، لأبي الأعلى المودودي، تعريب محمّد كاظم سباق، دار الفتح، دمشق.
53 . المصنّف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شبيه، عبدالله بن محمّد، تحقيق وتعليق: سعيد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة الأُولى، 1409 هـ .
54 . مفاتيح الغيب، لمحمّد بن عمر الرازي، الطبعة الثانية.
55 . المفردات في غريب القرآن، لحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت، الطبعة الأُولى، 1412 هـ .
56 . معالم التنزيل في تفسير القرآن، لحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: خالد عبدالرحمن العك، دار المعرفة، بيروت.
57 . معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس القزويني الرازي، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر، 1399 هـ .
58 . منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأُولى، 1406 هـ .
59 . المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ليحيى بن شرف النووي،

صفحه 154
دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ .
60 . المواقف، لعبدالرحمن بن أحمد الإيجي، تحقيق: عبدالرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت 1417 هـ .
حرف النون
61 . نهج البلاغة، خطب الإمام علي (عليه السلام)، شرح: الشيخ محمد عبده، دار الذخائر، قم، الطبعة الأُولى، 1412 هـ .
حرف الواو
62 . وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، لعلي بن عبدالله السمهودي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1419 هـ .
63 . وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري، تحقيق وشرح: عبدالسلام محمد هارون، المؤسسة العربية الحديث للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثانية، 1382 هـ .
حرف الياء
64 . اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، لعبدالوهاب بن أحمد الشعراني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 2007 م.

صفحه 155
 

فهرس المحتويات

إدانة القرآن الكريم لظاهرة التكفير   …5
إدانة التكفير على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   …6
كلمات مضيئة حول مضاعفات التكفير   …7
كلمة سماحة المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام ظله)
            الرئيس الأعلى للمؤتمر   …9
مقدّمة المشرف العلمي سماحة المرجع الديني الشيخ جعفر السبحاني   …11
ديباجة   …19
مقدّمة المؤلف   …33
الفصل الأوّل
الكفر والإيمان في اللغة ومصطلح المتكلّمين
الكفر والإيمان لغةً   …33
الإيمان والكفر في مصطلح المتكلّمين   …35
   1. التصديق اللساني   …35
   2. التصديق القلبي   …35
   3. التصديق لساناً وقلباً مع الاجتناب عن الكبائر   …36
   4. المنزلة بين المنزلتين   …37

صفحه 156
   5. نظرية جمهور العلماء   …38
الفصل الثاني
ما يجب التصديق به
1. التوحيد في الذات   …42
2. التوحيد في الخالقية   …42
3. التوحيد في الربوبية   …43
4. التوحيد في العبادة   …49
   إ جابة عن سؤال   …50
5. رسالة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)   …52
6. إنّ القرآن وحيٌ مُنزل   …53
7. الإيمان بالمعاد   …54
حكم إنكار الضروريات   …55
الفصل الثالث
شروط التكفير وموانعه
التكفير المطلق   …57
تكفير الفرد المعيّن   …57
   الشرط الأوّل: إ قامة الحجّة على المنكر   …58
   الشرط الثاني: كونه قاصداً للمعنى المخرج   …59
موانع التكفير   …60

صفحه 157
   الأول: كونه مختاراً في البيان والعمل   …60
   الثاني: الإنكار عن شبهة خارجة عن الاختيار   …61
   الثالث: عدم احتمال التأويل   …61
      1. قتل مالك بن نويرة وتبريره بالتأويل   …63
      2. قتل الهرمزان وإمساك الخليفة عن إجراء القصاص   …63
الفصل الرابع
جذور التكفير في العصور الأُولى
1. أُ سامة بن زيد يقتل مسلماً   …65
2. الوليد بن عقبة وتكفير بني المصطلق   …66
3. اعتراض ذي الخويصرة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)   …67
   1. تكفير مالك بن نويرة بتأويل باطل   …68
   2. تكفير عائشة عثمان   …68
   3. الخوارج والتكفير   …69
الفصل الخامس
إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والعلماء   …64
الفصل السادس
الذرائع الباطلة لتكفير المسلمين
الذرائع التي يكفّر بها عامّة المسلمين   …76
   المسألة الأُولى: الاعتقاد بقدرة غيبية في الأولياء ...   …78

صفحه 158
      1. القدرة الغيبية للنبي يوسف(عليه السلام)   …80
      2. القدرة الغيبية للنبي سليمان(عليه السلام)   …81
   التوسّل بالأنبياء والأولياء بالصور الثلاثة   …83
   كلام حول سند الحديث   …85
   توسّل عمر بن الخطاب بعمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)   …87
   شبهة كون النبيّ ميّتاً   …89
   المسألة الثانية: الصلاة عند قبور الأنبياء والأولياء   …91
      1. الصلاة في مقام إبراهيم(عليه السلام)   …91
      2. إقامة الصلاة على قبور أصحاب الكهف   …91
   كيفية الاستدلال   …94
   دليل المخالف   …94
   إيضاح مفاد الروايات   …96
   المسألة الثالثة: حفظ آثار الأنبياء والسلف الصالح من قبورهم
            وبيوتهم وما يمتّ إليهم بصلة   …101
      الأوّل: مكانة بيوت الأنبياء في القرآن الكريم   …102
      الثاني: صيانة الآثار ومودّة القربى   …105
      الثالث: صيانة الآثار تعظيم للشعائر   …107
      الرابع: القرآن الكريم وحفظ الآثار   …108
   دليل المخالف   …109

صفحه 159
   المسألة الرابعة: النذر للنبي والإمام   …111
   المسألة الخامسة: التبرّك بآثار الأنبياء   …115
   نتيجة البحث   …117
الفصل السابع
الذرائع التي يكفّر بها الشيعة
1. القول بالبداء   …120
2. الإيمان بخلافة الخلفاء   …122
3. علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب   …123
4. التقيّة من المسلم   …124
5. تكفير الصحابة   …126
نتيجة الدراسة   …129
هذا هو الداء وأمّا الدواء   …130
   1. نقد الأفكار الخاطئة التي يشمّ منها رائحة تكفير الفرق
            الإسلامية   …130
   2. تطهير البرامج الدراسية في بعض الدول   …133
كيف نواجه ظاهرة التكفير؟   …139
مصادر التأليف   …145
فهرس المحتويات   …155
Website Security Test