welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 18*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 18

1
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 18
 
(18)

2

3
18   
 
 
الجزء الثامن عشر ويشتمل على تفسير السورتين التاليتين:
الأنبياء، الحج
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1395 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 580 - 9 (VOL.18)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1395
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 18
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1395 هـ ش / 1438 هـ . ق / 2017 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 942   تسلسل الطبعة الأُولى: 456
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

6

7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله المنتجبين.
إنّ القرآن الكريم هو القطب الذي تجتمع حوله الأُمّة الإسلامية، وهو قد أعلن عن مبدأ المؤاخاة بين أبناء الأُمّة بقوله:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)1وقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)(2) كما أمر بالاعتصام بحبل الله تعالى، وحذّر من التنازع ومن كلّ ما يفضي إلى الاختلاف والفُرقة، ودعا إلى التضامن والتآزر لمجابهة الأعداء، ومواجهة التحدّيات،
قال سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)2، وقال: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)3 إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على الوحدة الإسلامية والأُخوّة الدينية.
كما حثّ نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أُوتي جوامع الكلم على الوئام والوداد في كلماته النيّرة.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم بمنزلة الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمّى».4

1 . الحجرات:10.   2 . التوبة:71.
2 . آل عمران:103.
3 . الفتح: 29 .
4 . مسند أحمد:4/270.

8
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم».1
وعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم».2
وخطب(صلى الله عليه وآله وسلم) الناس يوم العقبة، فقال:«يا أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت»؟ قال(الراوي): قلنا: نعم، قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«اللّهم اشهد، ألا لا ترجعنّ بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».3
هذه آيات الذكر الحكيم وهتافات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) واضحة جليّة، فهل الإنسان عندما يقرأها يجد المسلمين في وقتهم الحاضر، سائرين على ضوء هذه الآيات والأحاديث؟ وهل هم رحماء بينهم وأشداء على الكفّار، أو أنّهم على النقيض ممّا رسمه القرآن الكريم لهم، ونادى به قائدهم ورسولهم؟
الجواب: كلاّ .
إنّ المسلمين ابتلوا في القرون السابقة ببلاءين عظيمين:
الأوّل: الحروب الصليبية، حيث إنّ النصارى شنّوا الغارات المتتالية على البلاد الإسلامية وحاولوا استئصال المسلمين وإفناء حضارتهم،

1 . المغازي للواقدي:2/836.
2 . الكافي: 2 / 163 برقم 1، باب الاهتمام بأُمور المسلمين.
3 . الطبقات الكبرى:2/183ـ 186.

9
فوقعت الحروب المتواصلة بين أهل الصليب، وأهل التوحيد.
الثاني: الغزو المغولي، حيث جاء بعد انخذال الصليبيّين وابتعادهم عن البلاد الإسلامية، فقدِم التتار من شرق الأرض يقتلون النفوس ويهدمون الديار ولا يبقون الأخضر ولا اليابس، حتى إذا وصلوا بغداد قتلوا ما يقرب من مليون مسلم، وكانت الحرب بين الوثنية والتوحيد.
ويكفي في بيان شدّة هذه المصيبة المؤلمة ما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة (617 هـ) تحت عنوان خروج التتر إلى بلاد الإسلام، قال: لقد بقيت عدّة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم إليه ] رِجلاً[ وأُؤخّر أُخرى، فمَن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيّ الإسلام والمسلمين، ومَن الذى يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني مُتّ قبل حدوثها وكنتُ نسياً مَنسيّاً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقّف، ثمّ رأيتُ أنّ ترك ذلك لا يُجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيّام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق، وخصّت المسلمين، فلو قال القائل: إنّ العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يُبْتَلَ بمثلها; لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمّن ما يقاربها ولا ما يُدانيها.1
وقد دفع سبحانه شرّ كلّ هؤلاء وخذلهم...
وأقول للجزريّ: قم من مرقدك، لترى أنّ ما استعظمته من تلك الحادثة، وعزّ عليك ذكرها، قد وقع، في عصرنا هذا، ما هو أعظم منها

1 . الكامل في التاريخ لابن الأثير: 12 / 358.

10
وأجلّ، فلقد عاث التكفيريّون في بلاد المسلمين فساداً وقتلاً وذبحاً ونهباً وتدميراً مستندين في ذلك إلى ذرائع باطلة، وأوهام زائفة، ولا شكّ في أنّ هؤلاء الإرهابيّين ليسوا إلاّ أداة طيّعة للقوى الغربيّة الكافرة الذين تحالفوا على إطفاء نور الله، والحدّ من الصحوة الإسلامية، والسعي إلى تشويه صورة الإسلام الناصعة.
فعلى العلماء الغيارى والساسة والقادة الكبار أن يصحوا من غفوتهم، ويقفوا بوجه أعداء الإسلام متمسّكين بالقرآن الكريم وسنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ويطفئوا نار الحرب التي أشعلها أعداء المسلمين لتدمير بلدانهم واستنزاف ثرواتهم وطاقاتهم.
وها نحن نقدّم هذا الجزء إلى المطبعة والحرب طاحنة وإبادة المسلمين مستمرة، ومسلسل قتل الأطفال والأبرياء دائر... فإلى الله المشتكى.
وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل إلى الأُستاذ السيد حيدر محمد علي الطحان البغدادي حيث قرأ ما حرّرناه، وأفادنا بآرائه وأفكاره، فله منّا خالص الدعاء بالتوفيق والسّداد.
كما أشكر المحقّق الفاضل محمد بيت الشيخ على جهوده في تصحيح الكتاب ليخرج بهذه الحلّة القشيبة، فجزاه الله خير الجزاء.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني

11
سورة الأنبياء   
 

سورة الأنبياء

(اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *

12
 
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ

13
 
مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا

14
 
هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَل مُبِين * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لاََكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ *

15
 
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُوني بَرْدًا وَ سَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فجَعَلَنْاَهُمُ الأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ * وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ

16
 
صَنْعَةَ لَبُوس لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ * وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرى لِلْعَابِدِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ * وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَالَّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ * وَحَرَامٌ

17
 
عَلَى قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْدًاَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْم عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).

18
سورة الأنبياء: الآيات 1 ـ 5   
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «الأنبياء». ولعلّ وجه ذلك هو ورود أسماء ستة عشر نبيّاً فيها، وهم حسب تسلسل الآيات: موسى، هارون، إبراهيم، لوط، إسحاق، يعقوب، نوح، داود، سليمان، أيوب، إسماعيل، إدريس، ذوالكفل، ذو النون، زكريا، يحيى(عليهم السلام). كما وردت فيها إشارة إلى عيسى(عليه السلام) في الآية(91).
وبما أنّه لم يأت في سور القرآن ذكر مثل هذا العدد من الأنبياء، سُمّيت هذه السورة بذلك.
نعم جاء في سورة الأنعام ذكر أسماء ثمانية عشر نبيّاً ولكن لم تسمّ بسورة الأنبياء، بل سُمّيت بذلك لورود لفظ الأنعام فيها ستّ مرّات، وانفرادها بذكر جملة من أحكامها الّتي تفضح زيف عقائد المشركين، حيث كانوا يتقرّبون بها إلى آلهتهم. ويحتمل نزول سورة الأنعام قبل سورة الأنبياء، فلمّا سُمّيت الأُولى بالأنعام، ناسب أن تُسمّى الثانية بسورة الأنبياء.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة مئة واثنتا عشرة آية في عدّ الكوفي، ومئة وإحدى عشرة آية في عدّ الباقين.
والسورة مكيّة بشهادة مضامينها.

19

أغراض السورة

تؤكّد السورة على أُصول الإيمان: التوحيد، والنبوّة، والبعث والجزاء، وتُبرهن ـ من خلال عرض بعض المشاهد الكونية ـ على وحدانية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة والطاعة. كما تستهدف تذكير البشر، وإيقاظهم من غفلتهم عن مصيرهم، وتنبّههم إلى استشعار مسؤولياتهم في هذه الحياة بالجدّ فيها، بعيداً عن اللّهو والغفلة والسهو. وتناولت السورة أيضاً قصص جملة من الأنبياء(عليهم السلام)، بإسهاب تارة وبإيجاز أُخرى، خدمة للأغراض المتقدّمة، وتسلية للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما كان يقاسيه من قومه من إعراض واستهزاء وأذىً .

الآيات: الخمس الأُولى من السورة

(اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)
.

المفردات

اقتربَ: من القُرْب، بمعنى: قَرُب، ودَنا.

20
ذِكر: الذِّكر: القرآن.
مُحدَث: جديد. وأُريد جديد نزوله آية بعد آية.
يلعبون: يسخرون ويستهزئون.
لاهية: غافلة.
أسرّوا النجوى: النجوى هي التناجي، وهو تارة يكون بمرأى ومسمع من أهل المجلس فيتظاهرون به، وأُخرى يُخفونه، وهذا هو المراد من قوله: (أَسَرُّوا النَّجْوَى): أي أخفَوا ما تناجَوا به.
أفتأتون السحر: تأتون هنا بمعنى تَقبلون.
أضغاث: جمع ضِغْث، وهو الحزمة من أعواد أو عشب أو حشيش مختلف.
أحلام: جمع حُلْم، وهو ما يراه الإنسان في المنام. والمراد بأضغاث أحلام: تخاليط أحلام رآها في المنام.

التفسير

1. (اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ) :
تتحدّث الآية الكريمة عن اقتراب يوم الحساب للناس وهم يعيشون في غفلة عن ذلك. ولعلّ نسبة الغفلة إلى الناس من باب التغليب وإلاّ ففي المجتمع البشري أُناس لهم قلوب واعية يذكرون يوم الحساب ويتأهّبون له. ولذلك ذهب جملة من المفسّرين إلى أنّ المراد بالناس المشركون.

21
نعم الأكثرية الساحقة يعيشون حالة الغفلة، مع أنّ الواجب على كلّ إنسان أن يتفكّر في غاية الخلق وأنّ الدنيا ليست هي الغاية القصوى له، فلابدّ أن تكون هناك حياة أُخرى دائمة سرمدية تكون الحياة الدنيا كالمقدّمة لها، وعندئذ فالناس على قسمين، فأكثرهم غافلون عن اقتراب زمان الحساب على الأعمال، قال سبحانه:(اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) فكان اللازم أن يكونوا متأهِّبين لذلك الوقت، لكنّهم ـ مع الأسف ـ ظلّوا في غفلتهم كما يقول: (وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ): أي غافلون عن حسابهم، ساهون لا يتفكّرون في عاقبتهم. وإسناد القرب إلى الحساب مجاز، والمراد اقتراب زمان الحساب. ولعلّ المراد من الحساب أيضاً يوم الحساب. وأمّا وصف الله سبحانه ذلك اليوم بالقرب فيمكن أن يكون لأحد الوجوه التالية:
1. أنّ ما مضى من الدنيا أكثر مما بقي، فيكون يوم الحساب قريباً قياساً إلى ما مضى منها. ويستشهدون لهذا المعنى بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «بُعثتُ أنا والساعة كهاتين» وأشار بإصبعيه والسبّابة وما تليها.1 فبعثة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من أشراط الساعة .
وبهذا المعنى فسّر بعض الأعلام قول الإمام علي (عليه السلام): (فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَماً لِلسَّاعَةِ).(2) قال الشيخ محمد عبده: أي إنّ بعثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)دليل على قرب الساعة حيث لا نبيّ بعده.2 واستبعد الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) إرادة هذا المعنى .3

1 . تفسير القرطبي: 10/66.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 160 .
2 . شرح نهج البلاغة لمحمد عبده: 2 / 60.
3 . في ظلال نهج البلاغة: 3 / 378، تحقيق سامي الغريري.

22
2. أنّه قريب من البشر لأنّه آت لا محالة، وكلّ آت قريب .
3. أنّ اقتراب الحساب كناية عن الموت الّذي هو آت لا محالة، وموت كلّ إنسان قيام ساعته.1 وهذا الوجه خلاف الظاهر.
ثمّ إنّه سبحانه جمع في الآية بين الغفلة والإعراض، مع أنّ الإعراض لا يجتمع مع الغفلة. وأجاب عنه الزمخشري بقوله: وصفهم بالغفلة مع الإعراض على معنى أنّهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكّرون في عاقبتهم ولا يتفطّنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنّه لابدّ من جزاء للمحسن والمسيء، وإذا قُرعت لهم العصا ونُبّهوا عن سِنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنُّذر، أعرضوا وسدّوا أسماعهم ونفَروا.2
إنّ ما ذكره مبنيّ على أنّ الإعراض في طول الغفلة وفي نهاية الأمر. ويمكن أن يقال: إنّ متعلّق الغفلة غير متعلّق الإعراض، فالأُولى تعلّقت بالحساب واقتراب زمانه، ثم صارت هذه الغفلة سبباً للثانية، أي للإعراض عن ذكر الله وقرآنه، ولذلك كلّما يتلو عليهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)آيات جديدة يستمعونها ولكن لا بجدّ، كما في الآية التالية:
2. (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ):

1 . انظر : تفسير القرطبي: 11 / 267.
2 . تفسير الكشّاف:2/320.

23

ما يأتيهم من ذكر محدث لا قديم

لمّا ابتدأ سبحانه هذه السورة بالإنذار وإدخال الرَّوع في قلوب المشركين، جاءت الآية الثانية أيضاً على ذلك الغرار، حيث يذمّ المشركين الّذين تقرع أسماعهم آيات ربّهم واحدة بعد الأُخرى، دون أن تنفتح قلوبهم لها، ويتهيّأوا لذلك اليوم، كما يقول:(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث)والذِّكر هو القرآن، و(مُحْدَث)وصف له، فهو محدث بنزوله. وتؤكّد الآية على أنّ الذكر يأتيهم مكرَّراً وواحداً بعد الآخر حتى يُتمّ الحجة عليهم، إذ لو نزل مرّة واحدة ربّما يصير معرضاً للغفلة، دون أن يتجدّد نزول الآيات وقتاً بعد وقت ، فإنّه يسدّ باب النسيان والغفلة، لكنّهم لم ينتفعوا به كما يقول:(إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ):أي استماع لعب واستهزاء لا استماع جدٍّ وإقبال.
ثمّ إنّ الفرق بين المؤمن الخاضع للواقع والجاهل المتكبّر، هو أنّ الأوّل يستمع المواعظ والدعوات إلى الحقّ والخير ويتدبّر فيها، فيجعلها نبراساً لطريقه، وأمّا الجاهل المتكبّر المغترّ بنفسه فيتلقّاها باستهزاء واستخفاف ولا يعيرها أية أهميّة.
هذا، وسيوافيك الكلام في وجه وصف الذِّكر بـ(مُحْدَث) بعد الانتهاء من تفسير هذه المجموعة من الآيات.
3. (لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّهم يستمعون الذِّكر وهم لاعبون غير

24
جادّين ولا متحمّسين لاستقباله، بيَّن في هذه الآية سبب ذلك بقوله : (لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ): أي غافلة قلوبهم عمّا يرُاد بهم، فلذلك كانوا يستمعون الذكر استماع لعب واستهزاء، ولم يكتفوا بذلك بل (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى):أي تناجَوا فيما بينهم وأخفَوا ما تناجَوا به عن غيرهم مبالغة في إحكام ما يبرمون من أمر يكيدون به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ورسالته، قبل أن يعلنوه للناس. وأمّا المتناجون فهم (الَّذِينَ ظَلَمُوا): أي الذين أشركوا بالله سبحانه. ثمّ أخبر سبحانه عن نجواهم، حيث قالوا: (هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ): أي إنّ صاحب الذِّكر بشر مثلنا والنبيّ يجب أن يكون ملَكاً (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ): أي لماذا تقبلون الذِّكر الذي هو نوع من السِّحر (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ): أي تعلمون أنّه سحر؟
لقد اعتمد المتناجون على ردّ الذِّكر ونبوّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمرين، حاولوا بهما أن ينفّروا الناس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).
أحدهما: أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)بشر، والنبيّ يجب أن يكون ملَكاً. والثاني: أنّ ما أتى به ممّا يزعم أنّه من كلام الله، سحرٌ سحرَنا به وأعجزنا عن المقابلة.
يُشار إلى أنّهم لم يقتصروا على هذين الأمرين، بل كانوا ينفّرون الناس عنه بأُمور ثلاثة، كما سيوافيك.
أمّا إجابة الوحي عن الوجه الأوّل، فستوافيك في الآية السابعة والثامنة، وأمّا عن الثاني فيأتي في الآية العاشرة، فانتظر.
4. (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):

25
لمّا تناجى المشركون وأخفوا ما تناجوا به (وهو قول بعضهم لبعض: إنّ هذا الداعي بشر وما جاء به السّحر)، ظانيّن أنّ ذلك ممّا يخفى على الله تعالى، جاءت هذه الآية تبدّد تلك الفكرة وأنّه سبحانه عالم بكلّ ظاهرة وخافية كما يقول: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) أتى بلفظ مكان (الْقَوْلَ)النجوى ليشمل كلّ ما يصدر منهم من قول ظاهر وسرّ خاف، من غير فرق بين كونه في السماء أو في الأرض (وَهُوَ السَّمِيعُ)الّذي يسمع كلّ قول (الْعَلِيمُ) الّذي يطّلع على كلّ شيء، فكلامكم وأقوالكم، وأعمالكم وتقلُّبكم معلوم له.
5. (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ):

الذرائع الخمس لتكذيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

ذكر سبحانه ـ في الآيات السابقة ـ أمرين، اتّخذهما المشركون ذريعة لإنكار رسالة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أحدهما يرجع إلى شخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو كونه بشراً، والآخر يرجع إلى معجزته وهو أنّ القرآن سحر، وذكر لهم في هذه الآية ثلاثة أُمور أُخرى:
(بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم) وهذا انتقال من أمر إلى أمر آخر من دون إبطال ما قبله، وقد ادُّعي أنّ أسلوب القرآن في استعمال (بَل) هو هذا، أي ما جاء من الذِّكر أخلاط أحلام رآها في منامه فحسِبَها نبوّة، وهذه جهة ثالثة لردّ الرسالة.

26
ثمّ أشار إلى أمر رابع بقوله: (بَلِ افْتَرَاهُ) وهو أشدّ من سابقه، لأنّ من عدَّ أضغاث أحلامه نبوّة وكتاباً سماوياً يمكن أن يكون لالتباس الأمر عليه، ولكنّهم تجاوزوا إلى أشدّ من ذلك، وهو أنّه مع علمه بكذب رسالته ينسبها إلى الله افتراءً.
وفي نهاية الأمر يرمونه بتهمة خامسة قائلين: (بَلْ هُوَ شَاعِرٌ): أي يتكلّم انطلاقاً من أحاسيسه بلا تروّ ولا تدبّر، بخلاف المفتري الذي يتكلّم عن وعي وتدبّر.
وعلى هذا، فهؤلاء المشركون تذرّعوا بأُمور خمسة انتقلوا في كلّ واحد منها من ضعيف إلى قويّ، ومن قويّ إلى أقوى. وبعد أن رموا آخر سهامهم الّتي حاولوا أن يصيبوا بها الهدف، أعني: معجزة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأدركوا أنّهم لم يفلحوا في ذلك، اقترحوا على النبيّ، للخروج من المأزق الّذي وقعوا فيه في مواجهة تلك المعجزة الكلامية، اقترحوا عليه أن يأتيهم بخارقة حسيّة يرونها بأعينهم، كما حكى سبحانه عنهم ذلك بقوله:(فَلْيَأْتِنَا بِآيَة) خارقة ( كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ): أي كما أُرسل الأنبياء السابقون، كصالح وموسى وعيسى(عليهم السلام) ، بمثلها.
ثمّ إنّ المشركين بما أنّهم تذرّعوا بوجوه خمسة فقد تخبّطوا فيها، لأنّ هذه الوجوه لا يجمعها ملاك واحد، فأين لزوم كون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ملَكاً، من كونه ساحراً أو شاعراً أو مفترياً، أو كون ما جاء به أضغاث أحلام، فهذا النوع من الاضطراب والتخبّط يدلّنا على أنّ القوم لم يكونوا مرتادين للحقيقة بل متعصّبين لعقيدتهم وآثار آبائهم، على أنّه ستوافيك الأجوبة عن بعض هذه التعلاّت الواهية.

27

الإشارة إلى قاعدة أدبية

بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّ الضابطة في الأدب العربي تجريد الفعل من علائم التثنية والجمع إذا أُسند إلى أحدهما فيقال: جاء المسلمون، يقول ابن مالك:
وجرّدِ الفعلَ إذا ما أُسندا *** لاثنين أو جمع كفازَ الشُّهدا
ثم يذكر اللغة الشاذّة ويقول:
وقد يقال: سَعِدا وسَعِدوا *** والفعل للظاهر بعدُ مسندُ
مثلاً يقولون: سعدوا المسلمون.
وأمّا المقام فليس من الضابطة الشاذّة، أعني قوله سبحانه:(وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) لأنّ الفصل بالنجوى صار سبباً لكون الموصول وصلته بدلاً من الفاعل، أعني: الضمير المتصل في أسرّوا، لا فاعلاً، نظير ما يقال:«يتعاقبون فيكم ملائكة» فإنّ توسيط فيكم سبب أن يكون «ملائكة»، بدلاً من الفاعل أي الضمير المتصل.
الثاني: أنّه سبحانه يصف الذِّكر من الربّ بأنّه مُحدَث، وقلنا إنّ المراد هو تجدّد الوحي ومجيء آية تلو آية أُخرى، وهذا يدلّ على أنّ القرآن النازل حادث وليس بقديم.
نعم، يمكن أن يجيب عنه القائل بالقِدَم بأنّ القرآن قديم وجوده، حادث نزوله. وعلى أيّ حال فالبحث عن حدوث القرآن وقِدَمه بحث قديم، شغل بال العلماء والمفكّرين الإسلاميين في عصر الخلافة العباسية، وحدثت بسببه مشاجرات ومصادمات دامية ذكرها التاريخ وسجّل

28
تفاصيلها، وخاصّة ما يسمّى بمحنة خلق القرآن، وكان الحكّام العباسيون يروّجون البحث في هذه المسألة ونحوها، حتى ينصرف المفكّرون عن نقد عمل الحكام وانحرافاتهم.
والعجب أنّهم تشاجروا بينهم في قِدَم القرآن وحدوثه دون أن يركّزوا على موضع النزاع، ولو ركّزوا عليه لقربت الخطى بل انعدم النزاع.
فما هو موضع البحث في القِدَم والحدوث؟
1. هل يريدون الحروف والكلمات والجمل وأوضاعها الخاصّة؟ فلا شكّ أنّه أمر حادث إذ لولا الوضع كانت حروفاً مبعثرة.
2. هل يريدون واقع الحوادث التي أخبر عنها الوحي في المرحلة المكّية أو المرحلة المدنيّة من مذاكرات ومشاجرات ووقائع عسكرية دامية؟ فلا شكّ أنّ واقعها كلّها حادث.
3. هل يريدون علمه سبحانه بهذه الأُمور؟ فلا شكّ أنّه قديم لا حادث.
نعم زلّت قدم من فسّر كونه سبحانه متكلّماً هو صدور الحروف والكلم والأصوات عن ذاته وقيامها معها.
فلو أراد ذلك فيصير حادثاً، لا قديماً أزليّاً، لفرض أنّه تأتي كلّ كلمة بعد كلمة. نعم أصل الكلام يكون قديماً ولكن مصاديقه حادثة. ومن المعلوم أنّ تفسير كونه متكلّماً بهذا المعنى (أصل التكلّم قديم، والمصاديق حادثة) شيء لا يقبله العقل ولا الفطرة.1

1 . وهو قول ابن تيمية في مسألة كلام الله، راجع: منهاج السنة:2/362، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.

29

موقف أهل البيت(عليهم السلام)من قدم القرآن

وكان أهل البيت(عليهم السلام) يمنعون أصحابهم من الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الرّيان بن الصلت الإمام علي الرضا(عليه السلام)، قائلاً له: ما تقول في القرآن؟ فقال: «كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا».
وروى علي بن سالم، عن أبيه، قال: سألت الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)فقلت له: يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن؟
فقال:«هو كلام الله، وقول الله، وكتاب الله، ووحي الله وتنزيله، وهو الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد».
وحدّث سليمان بن جعفر الجعفري، قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام): يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن، فقد اختلف فيه مَن قِبَلنا؟ فقال قوم: إنّه مخلوق، وقال قوم: إنّه غير مخلوق، فقال(عليه السلام): «أما إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكنّي أقول إنّه كلام الله».1
فإنّا نرى أنّ الإمام(عليه السلام) يبتعد عن الخوض في تلك المسألة لمّا رأى أنّ الخوض فيها ليس فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، وأنّ الاكتفاء بأنّه كلام الله أحسم لمادة الخلاف، ولكنّهم(عليهم السلام) عندما أحسّوا بسلامة الموقف، وهدوء الأجواء أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو الله، وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلاّ يلزم اتّحاد المُنزِل

1 . توحيد الصدوق، باب القرآن ما هو، الحديث2 و 3 و 4 و5.

30
والمُنزَل، فهو غيره فيكون لا محالة مخلوقاً.
نعم، يحسن الاجتناب عن وصف القرآن بأنّه مخلوق، وذلك لأنّه ربما يغتنم الخصم هذه الفرصة ويصف القرآن بالاختلاق، أي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اختلقه من تلقاء نفسه، وقد جاء هذا الوصف على لسان الوليد، قال تعالى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ).1
وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا «بحوث في الملل والنحل».(2)

الآيات: السادسة إلى العاشرة

(مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).

المفردات

سورة الأنبياء: الآيات 6 ـ 10   
أهل الذِّكر: أُريد بهم هنا أهل الكتاب، مصداقاً، لا انحصاراً.
جسَداً: أي جسماً.
خالدين: باقين.

1 . سورة ص: 7 .   2 . لاحظ: بحوث في الملل والنحل:2/315ـ351.

31
الوعد: نصرة الأنبياء وإهلاك الأعداء.
المُسرفين: المُفرطون في التكذيب بالإصرار والاستمرار عليه، حتى حلّ بهم العذاب.
ذِكرُكم: تذكيرُكم بما فيه الصلاح.

التفسير

6.(مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ).
لمّا حكى سبحانه في الآية المتقدّمة، اقتراح المشركين على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يأتيهم بمعجزة كمعجزات المرسلين قبلَه، لكي يصدّقوا به، ردّ عليهم هنا، وكذّبهم في هذا الادّعاء بقوله:(مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ): أي قبل قريش (مِنْ قَرْيَة): أي أهل القرى الّذين جاءتهم تلك المعجزات، وعندئذ (أَهْلَكْنَاهَا)فإذا كان الأمر كذلك (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ): أي أيؤمن هؤلاء المقترحون بها وهم مثلهم في المكابرة والعناد؟
وفي هذا تلطيف لروح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ مصير الأنبياء أمام المكذّبين واحد، غير أنّ الغابرين أُهلكوا بعد ما أُوتوا من المعجزات . وأمّا مكذّبو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أُمهلوا، فلو جئت بما اقترحوه ثمّ كذّبوك، يحكم عليهم بالإهلاك والإبادة.
7 و 8 . (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ

32
الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ):

تذرّع المشركين ببشريّة الرسول

تقدّم أنّ أوّل معاذير المشركين لتسويغ موقفهم الرافض لرسالة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ادّعاء أن يكون النبيُّ ملَكاً لا بشراً، ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بشر لا ملَك، وهنا جاء الوحي الإلهي يبطل هذا الادّعاء بأنّه سبحانه أرسل في القرون الماضية رسلاً، وكانوا كلّهم من البشر، فإن كانوا في شكّ من هذا الأمر فليسألوا علماء أهل الكتاب، فهم يخبرونهم بواقع الأمر ويقولون بملء أفواههم: إنّ إبراهيم ومن جاء بعده من الأنبياء كلّهم كانوا بشراً، قال سبحانه مخاطباً نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً)ولعلّ هذا اللّفظ(رِجَالاً)يوحي إلى أنّه لم يكن بين الأنبياء نساء(نُوحِي إِلَيْهِمْ) وصف لرجال، فصاروا وسائط بين الله سبحانه والناس، فكانوا مثلك في كافّة الشؤون، فلمّا صحّ إرسال رجال إلى مَن تقدّم، صحّ إلى مَن تأخّر، وإن كنتم ـ أيّها المشركون ـ في رَيب من ذلك، (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). وأُريد بهم علماء أهل الكتاب مصداقاً، فالسؤال عن أهل العلم والذِّكر ضابطة عقلية لا يختصّ بطائفة دون أُخرى، وقد روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنّهم هم المعنيّون بذلك، 1، ولا شكّ في أنّهم من أوضح وأعلى مصاديقهم.
ثمّ إنّ السبب الحقيقي في كون الأنبياء من جنس البشر أنّ المربّي الحقيقي هو من يمتلك مشاعر وأحاسيس مثل أحاسيس ومشاعر المربّى،

1 . انظر: تفسير القمّي : 2 / 42; مجمع البيان: 7 / 64، دار المعرفة، 1406 هـ .

33
حتّى يعرف داءه ودواءه، فلو كان من غير جنسه لكان بعيداً عن طريق تربيته وتوجيهه.
ثم أكّد سبحانه على بشريّة الأنبياء، وأنّهم كسائر البشر في الجانب المادي (لا المعنوي) من حياتهم، فقال :(وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا): أي أجساداً خالية من روح الحياة فـ (لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ)، كما كُتب عليهم ما كتب على سائر الناس من الموت والجلاء من الدنيا كما يقول: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ)، فعدم خلودهم آية كونهم بشراً.
وعلى هذا فتذرّعهم ببشريّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر يؤكّد بطلانه التاريخ الصحيح .
9. (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ):
الآية تهديد لمشركي مكّة لأنّها تحكي عن سنّة من سنن الله، ذلك أنّه سبحانه وعد رسلَه بالنصر وأعداءهم بالهلاك، ولذلك يقول:(ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ) وقد أشار سبحانه إلى هذا الوعد بقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ).1
ثم قال تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ): أي أنجينا الرسل والمؤمنين لقوله سبحانه: (كذلك حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ)(2)، وفي النهاية: (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ): أي المشركين الذين تجاوزوا حدّ العبودية، فليكن ذلك ببال

1 . الصافات:171ـ 173.   2 . يونس: 103.

34
مشركي العهد المكّي وغيرهم، فالله سبحانه يمهلهم، ثم يأخذهم ويهلكهم ويُنجي الرسول ومن معه من المؤمنين.
إلى هنا تمّ دحض المعذرة الأُولى من معاذيرهم التي جعلوها واجهة لعدم إيمانهم.

دحض سائر معاذيرهم

ثم دحض سائر معاذيرهم المتهافتة من كون كلامه سحراً أو أضغاث أحلام أو هو أمر مفترى، أو أنّه شاعر، ولو كان صادقاً فليأت بمعاجز السابقين، دحضها بكلمة واحدة تضمّنتها الآية التالية:
10. (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):
ظاهر الآية أنّه سبحانه يريد الامتنان على هذه الأُمّة بإنزال القرآن، بأنّ فيه ما يذكِّرهم ويعظهم ويهديهم إلى قمّة الكمال في جانبي العلم والعمل، فأي معجزة أفضل من هذا، فكيف تصفون هذا الكتاب الذي أعجز ألسن العظماء والبلغاء عن مباراته، واشتمل على سنن وقوانين تنجي المجتمع من الفساد والانهيار، بأنّه أضغاث أحلام أو شعر شاعر يصدر عن الأحاسيس والأخيلة بعيداً عن التعقّل أو غير ذلك؟ وعلى هذا فمعنى (فِيهِ ذِكْرُكُمْ): أي ما يذكّركم.
سورة الأنبياء: الآيات 11 ـ 15   
نعم ربّما يفسَّر قوله:(فِيهِ ذِكْرُكُمْ): أي فيه شرفكم إن تمسّكتم به، كما فسِّر به قوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)1 لكنّه بعيد عن مساق الآية، فإنّ

1 . الزخرف:44.

35
الإصرار على أنّ في الكتاب ذكر العرب وشرفهم لا صلة له بردّ المعاذير الّتي تذرّعوا بها، وإنّما يكون ردّاً عليهم إذا وصف الكتاب بكونه مشتملاً على عظات وسنن ومعارف إلى غير ذلك ممّا يهدي المجتمع إلى الصراط المستقيم.

الآيات: الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة

(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَةً وَ أَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ).

المفردات

كم: اسم يطلب الصدارة، يدلّ على كثرة الشيء، وهي هنا خبرية لا استفهامية.
قصَمنا: القَصْم: الكسر، يقال: قَصَم ظهره: أي كسره.
قال الرضيّ: وحقيقة القصم كسر الشيء الصلب، وجُعل هاهنا مستعاراً للعبارة عن إهلاك الجبّارين من أهل القرى، أصلب ما كانوا عيداناً، وأمنع ما كانوا أركاناً.1

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 161.

36
أحسّوا: الإحساس: الإدراك بإحدى الحواسّ الخمس. يقال أحسّه وأحسّ به .
يركضون: يهربون ويفرّون. وربّما يستعمل لضرب الرِّجْل بالأرض، قال سبحانه:(اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ).1
أُترفتم: التَّرف: التوسُّع في النعمة، يقال: أُترف فلان فهو مُترَف.
يا ويلنا: يا هلاكنا.
دعواهم: كلامهم الذي يردّدونه.
حصيداً: الحصيد: النبات المحصود بالمنجل.
خامدين: من الخُمود بمعنى السكون، كخمود النار إذا سكنت وزال لهبها.

التفسير

11. (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَةً وَ أَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ):
لمّا أخبر سبحانه فيما تقدّم أنّه وفى بوعده لرسله بإنجائهم مع أتباعهم المؤمنين وإهلاك المسرفين، صار ذلك سبباً لذكر إهلاك أقوام من الظالمين وإحلال أقوام آخرين مكانهم، فقال: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة): أي

1 . سورة ص: 42.

37
أهلكنا أهلها وقطعنا دابرهم، (كَانَتْ ظَالِمَةً)مشركة، وفي وصف أهل القرية بالظلم إشعار بسبب الإهلاك، ثم (وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ): أي جئنا بأُمّة أُخرى مكانهم، فليكن في ذلك عظة لمن ينكر رسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وأمّا كيفية إهلاكهم، فتذكرها الآية التالية:
12. (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ):
لمّا أدرك الظالمون أنّ العذاب، بالصاعقة أو الريح العاتية أو الرجفة، واقع بهم، ورأوا أماراته، ملئوا رعباً، وأخذوا يهربون من محلّ العذاب، طلباً للنجاة والوصول إلى مأمن منه، وعندئذ يقال لهم توبيخاً وتقريعاً:
13. (لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ):
إنّ هذا النداء التوبيخي الّذي يُنادَون به، هو ـ على الأظهر ـ واقع حالهم، فكأنّ كلّ مَن وقف على حالهم وهم يَعْدون هرَباً من العذاب، يناديهم: إلى أين تفرّون وقد حقّت عليكم كلمة العذاب؟ ارجعوا إلى النِّعم التي تتقلّبون فيها والمساكن التي كنتم تسكنونها، كما يقول: (لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ)من النِّعم (وَمَسَاكِنِكُمْ) التي كنتم تمارسون فيها الظلم والآثام. وأمّا ما هي الغاية من هذا النداء بالرجوع إلى العيش الباذخ السابق، فهذا ما يذكره سبحانه بقوله: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)، وقد اختلف المفسّرون في معنى هذه الفقرة، ولعلّ أظهر المعاني أن يقال إن المراد: ارجعوا إلى قصوركم الضخمة وما كنتم تنعمون فيه من النعم الوافرة، الّتي أطغتكم وبعثت في نفوسكم روح الاستعلاء والاستكبار على الفقراء

38
والمساكين لعلّكم تُسألون عنهم ـ حيث كنتم تطردونهم وتوصدون الأبواب في وجه حوائجهم ـ من جديد.
14. (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ):
لمّا أيقن هؤلاء بحلول العذاب بهم ويئسوا من النجاة، أَخذوا يصرخون نادبين حظّهم التعيس، معترفين بذنبهم: (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)لنفوسنا بكفرنا واجتراحنا للمعاصي وتمرّدنا على ما جاء به أنبياؤنا من الحقّ.
15. (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ):
أي مازالوا يكرّرون دعاءهم على أنفسهم بالويل والثبور، حتى هلكوا عن آخرهم وصاروا (حَصِيدًا): أي كالزرع المحصود المطروح (خَامِدِينَ): أي ساكنين، قد سكنت حركاتهم، وانطفأت جذوة نشاطهم.
قال السيد الرضي ـ في هذه الآية ـ : استعارتان، لأنّه سبحانه جعل القوم الذين أهلكهم بعذابه بمنزلة النبات المحصود الذي أُنيم بعد قيامه، وأُهمد بعد اهتزازه; والاستعارة الأُخرى قوله: (خَامِدِينَ)والخمود من صفة النار، كما أنّ الحصيد من صفات النبات، فكأنّه سبحانه شبّه همود أجسادهم بعد حراكها بخمود النار بعد اشتعالها.1
سورة الأنبياء: الآيات 16 ـ 20   

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 161 .

39

الآيات: السادسة عشرة إلى العشرين

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ).

المفردات

لاعبين: اللعب: هو الفعل المنتظم الذي له غاية خيالية غير واقعية كملاعب الصبيان التي لا أثر لها إلاّ مفاهيم خيالية من تقدّم وتأخّر وربح وخسارة ونفع وضرر، كلّها بحسب الفرض والتوهّم.1
لهواً: اللَّهو: الفعل الذي يُعمل ترويحاً عن النفس، ومن ثم تُسمّى المرأة والولد لهواً لأنّه يُستروح بكلّ منهما. ولك أن تفسّر اللهو بالعمل المقصود بنفسه كالشهوات مثل سماع الغناء، واللّعب ما يقصد لغاية خيالية. ومن لطيف القول أنّه سبحانه جمع في الآيتين بين اللّعب واللّهو وأنّ فعله منزّه عنهما.
نقذف: القذف: رمي جسم على جسم من بعيد، واستعير لإيراد ما يزيل ويبطل الشيء.

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/259.

40
فيدمغه: الدَّمغ: كسر الجسم الصلب الأجوف، واستعير لمحق الباطل وإزالته، وربّما يفسَّر الدمغ بكسر الشيء الرخو وهو خطأ.
زاهق: زائل.
الويل: الهلاك.
ومَن عنده: كناية عن الملائكة.
يستحسرون: يتعبون، يقال: حسر البعير: إذا أعيا وكَلَّ.
يفترون: من الفتور بمعنى الانقطاع عن العمل.

التفسير

16. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ):
المهمّ في تفسير هذه المجموعة من الآيات هو بيان صلتها بما سبقها من الآيات. وربّما يقال: لمّا جعل المشركين المعجزات التي ظهرت على يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من باب العبث واللَّعب، تنزّه ربُّنا عن ذلك فإنّه ما خلق السماء والأرض وما بينهما لعباً ولهواً.1
يلاحظ عليه: أنّه ما تقدّم شيء من معجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما ذكر اتّخاذ آيات الله لعباً كما قال:(إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) وقد مرّ ذلك في الآية الثانية، ونحن الآن في الآية السادسة عشرة إلى أن تنتهي إلى العشرين، فجعلُ هذا بياناً للصلة، بعيدٌ جدّاً.

1 . تفسير المراغي: 17/14.

41
وذكر الرازي في تعلّق الآية الأُولى بما قبلها وجهين:
1. أنّه تعالى لمّا بيّن إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم، أتبعه بما يدلّ على أنّه فعَل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا، وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ).1
يلاحظ عليه: لو كان هذا هو المراد لكان الأَولى أن يستدلّ بأنّه سبحانه عادل لا يجور ويقول: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)2.
2. أنّ الغرض منه تقرير نبوّة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) والردّ على منكريها، لأنّه أظهر المعجزة عليها، فإن كان محمد كاذباً كان إعجاز المعجزة عليه من باب اللّعب.3
ولا يخفى أنّ الصلة بهذا المعنى بعيدة جدّاً.
أقول: الظاهر أنّ الآيات بصدد بيان لزوم المعاد للإنسان، الذي كان المشركون ينكرونه وكانوا يستمعون تذكير النبي بقلوب لاهية، ويُعلم ذلك بدراسة الآيات التي تنفي اللّعب واللّهو عن فعله سبحانه ففي الكلّ إشعار أو تصريح بالمعاد، وإليك الآيات:
1. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ).4

1 . تفسير الرازي:22/147.
2 . النحل:33.
3 . تفسير الرازي:22/147.
4 . الحجر:85.

42
2. (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً).1
3. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ).2
4. (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ).3
ترى أنّه سبحانه يربط ذكر خلق السماوات والأرض بمسألة المعاد وما يتعلّق بالحياة الأُخروية للإنسان بشتّى الصور.
وقد تقدّم قبل آيتنا هذه ذكر إهلاك أُمم كثيرة، أعني قوله:(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَةً وَ أَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ) فصار ذلك سبباً للاستدلال على وجود المعاد للإنسان كلّه، فلو لم يكن لخلق السماوات والأرض وما بينهما غاية وقصد حكيم كالحياة الأُخروية، لكان فعلُه سبحانه لعباً بلا غاية عقلائية أو لهواً فاقداً للغاية.
ولبعض المفسّرين هنا كلام جميل نذكره بنصّه: إنّ هذه الأرض الواسعة، وهذه السماء المترامية الأطراف، وكلّ هذه الموجودات المتنوّعة البديعة التي توجد في ساحتها تبيّن أنّ هدفاً مهمّاً كان في خلقها. نعم، لقد كان الهدف هو بيان ذلك الخالق الجليل الكبير، وإبراز جانب من عظمته من جهة، ومن جهة أُخرى أن يكون دليلاً على المعاد، وإلاّ فإنّ كلّ هذه

1 . سورة ص:26 ـ27.
2 . الدخان:38ـ40.
3 . الأحقاف: 3.

43
الضجّة والغوغاء إن كانت لبضعة أيام فلا معنى لها. هل يمكن أن يبني الإنسان قصراً في وسط صحراء، ويجهّزه بكلّ الوسائل، وذلك من أجل أن يستريح فيه ساعة ـ طول عمره ـ عند مروره عليه؟1
فهؤلاء الذين شملهم عذاب الله حتى قُصمت بلادهم، كانوا يظنّون أنّهم خُلقوا للأكل والشرب والدّعة والراحة من دون غرض ومن دون حساب فهم أحرار فيما يشاءُون ويفعلون، فجاءت الآية تردّ تلك الفكرة، أي لو كان كذلك للزم أن يكون فعلُه سبحانه لعباً ولهواً، كما يقول:(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) من كائنات وعوالم (لاَعِبِينَ): أي فعلاً عبثاً خالياً عن الغاية الحقيقية، وهو منصوب على الحال.
17. (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ):
ما ورد في هذه الآية هو إكمال لمفهوم الآية السابقة، ونفيٌ لأن يكون خلق السماوات والأرض عبثاً، وتأكيد لاستحالة نسبة اللعب إليه جلّ شأنه، وأنّه لو افتُرض أنّ اللَّهو جائز في حقّه سبحانه كما يقول: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا): أي من غير هذه العوالم الجسمانية بل من العوالم الغيبية، كالملائكة التي سيأتي ذكر شأنهم وعبادتهم (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ): أي لو كان هذا الفرض صادقاً.
وبعبارة أُخرى: لو أردنا أن نتّخذ ـ على فرض المحال ـ لهواً، لاتّخذناه من نوع آخر يناسب عظمتنا كالملائكة، دون هذه الموجودات الجسمانية، ومن المعلوم أنّه افتراض محال، وليس فرض المحال محالاً،

1 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10/121 ـ 122.

44
والقرآن ربّما يستدلّ بافتراضات باطلة.
وحاصل الكلام: إنّه سبحانه حكيم وفعل الحكيم منزَّه عن
العبث والتجرّد عن الحكمة والغاية، وإنّ وراء خلق السماوات والأرض
وما بينهما (ومنه خلق الإنسان) غاية، وهي المعاد الّذي (يَجْمَعُ اللهُ
فِيهِ الاَْوَّلِينَ وَالاْخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وَجَزَاءِ الاَْعْمَالِ) 1 فمن
الباطل وصف فعله سبحانه باللّعب واللّهو، ولو فُرض أنّه يتّخذ لهواً ـ على فرض الحال ـ فإنّما يتّخذ أفضل الموجودات.
هذا ما فهمه المفسّرون من الآية ونحن أيضاً تبعاً لهم، غير أنّ للسيد الطباطبائي في تفسير الآية نظراً خاصاً في غاية الدقّة، فمن أراد فليرجع إلى تفسيره.2
18. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ):
(بَلْ) انتقال من كلام إلى كلام آخر، والآية تحكي عن رمي الباطل بالحقّ كما يقول:(نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ) فالباطل هو ما يزعمه المشركون من عدم وجود هدف ولا غاية من خلقهم، ومن ثمّ فهم أحرار في أعمالهم وممارساتهم، فالله سبحانه يوجّه بكلامه الحقّ ضربة شديدة لكلامهم الباطل (فَيَدْمَغُهُ): أي يُبطله ويَمحقه (فَإِذَا هُوَ): أي الباطل (زَاهِقٌ): أي هالك زائل، بينما الحقّ ثابت باق كما يقول:(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 102 .
2 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:14/259.

45
الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)1، فلا يبقى لأهل الباطل إلاّ قوله سبحانه:(وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ):أي تتّهمون قرآن النبيّ بأنّه أضغاث أحلام أو نوع من السّحر وتتّهمون النبيّ نفسه بكونه ساحراً مفترياً شاعراً.
قال الشريف الرضي (رحمه الله)حول هذه الآية: وهذه استعارة لأنّ حقيقة القذف من صفات الأشياء الثقيلة الّتي يرجم بها كالحجارة وغيرها فجعل سبحانه إيراد الحقّ على الباطل بمنزلة الحجر الثقيل الّذي يرضّ ما صكّه ويدمغ ما مسّه ولمّا بدأ تعالى بذكر قذف الحقّ على الباطل وفّى الاستعارة حقَّها وأعطاها واجبها، فقال سبحانه:(فَيَدْمَغُهُ) ولم يقل فيذهبه ويبطله; لأنّ الدمغ إنّما يكون عن وقوع الأشياء الثِّقال على طريق الغلبة والاستعلاء، فكأن الحقّ أصاب دماغ الباطل فأهلكه والدماغ مقتل، ولذلك قال سبحانه من بعدُ: (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) والزاهق الهالك.2
19. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ):
الآية تحكي عن أمرين:
1. أنّه سبحانه المالك لمَن في السماوات والأرض، فالموصول في قوله:(مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)مبتدأ مؤخّر، والمجرور في قوله: (وَلَهُ)خبره. .

1 . الرعد:17.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 123 .

46
2. أنّ الملائكة المقرّبين الّذين عناهم بقوله (وَمَنْ عِنْدَهُ)لقُربهم من الله جلّ شأنه (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ): أي لا يتعبون، فالموصول (وَمَنْ) مبتدأ، و (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) خبره.
وحصيلة الكلام: إنّ صحيفة الوجود وبالأخصّ الإنسان والملائكة المقرّبون كلّهم في قبضة قدرته تعالى، فالطائفة الأُولى مملوكة له، والطائفة الثانية خاضعون له أشدّ الخضوع ويتقرّبون إليه بالعبادة دون كلل أو ملل، كما يقول: (وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ). وعلى هذا فاتّصال الآية بما قبلها واضح، فكأنّه لدفع ما ربّما يتوهّم أو يُتصور من أنّه يمكن أن يقصُر سلطانه سبحانه على بعض هؤلاء فيختلّ أمر المعاد، فيجيب: كيف يختلّ مع كونه مالكاً لجميع من في السماوات والأرض، وبيده ملكه؟ كيف يختلّ مع أنّ الملائكة لا يستكبرون؟
20. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ):
قوله: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ): أي ينزّهونه عن العجز وقصور القدرة تسبيحاً مستمراً (لاَ يَفْتُرُونَ): أي لا ينقطعون عنه أبداً. قال الإمام علي (عليه السلام)، وهو يذكر أرباب العبادة من الملائكة: (مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ،... وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الأَبْدَانِ، وَلاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ)1.
سورة الأنبياء: الآيات 21 ـ 29   

1 . نهج البلاغة: الخطبة 1 .

47

الآيات : الحادية والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).

المفردات

يُنشِرون: يُحْيون، مشتقّ من أنشره بمعنى أحياه.
لفسدتا: أي لانهدم النظام السائد.
فسبحان الله: تنزيهاً لله عمّا جعلوا له من شركاء.
ذكر مَن معيَ وذكر مَن قبلي: أي التوحيد أمر أوحيَ إليّ كما أوحي إلى مَن قبلي.

48
لا يسبقونه بالقول: لا يتكلّمون قبل أمره.
مُشفقون: حَذِرون.

التفسير

21.(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ):
يظهر من قوله سبحانه:(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ) أنّ الآلهة المزعومة كانت عندهم منقسمة إلى قسمين: أرضيّة وسماويّة، فمن المشركين من يعبد الآلهة السماوية، والأكثرون يعبدون الآلهة الأرضية، والكلّ على نمط واحد من البطلان، ولو غُضّ النظر عن هذا فالطائفة الأُولى أبصر من الطائفة الثانية، حيث إنّ للآلهة الأُولى عقل وإدراك وعبادة، ولكن الآلهة الثانية جمادات لا إدراك لها ولا شعور. ولعلّ الله سبحانه يشير إلى هذا بقوله:(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ) فكلمة (مِنَ الأَرْضِ) بعد الآلهة نظير قولك: فلان من مكّة، تريد أنّه مكّيّ. أي إله مزعوم أرضيّ.
ثم يردّ عليهم سبحانه بأسلوب التهكُّم والاستهزاء، فيقول: (هُمْ يُنْشِرُونَ) أي: أهم يُنشرون ويُحيون الموتى للحساب والجزاء؟! وعندئذ يطرح هذا السؤال: كيف أنكر سبحانه عليهم اتّخاذ آلهة تُنشِر مع أنّهم ما كانوا يدّعون ذلك، فهم أبعد ما يكون عن هذه العقيدة حيث كانوا يقولون: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ).1

1 . يس:87.

49
والجواب: إنّ مبنى هذا التهكُّم هو أنّهم يصفون الأصنام بالآلهة، ومن صفات الإله الإماتة والإحياء، ولا يطلق الإله إلاّ على مَن يجمع بين الوصفين، فقيل لهم: هل آلهتكم تستطيع القيام بهذين الأمرينّ؟ فصحّ أن يقال ـ تهكُّماً ـ (هُمْ يُنْشِرُونَ): أي أهم ينشرون؟
22. (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ):
إنّ الآية من غرر الآيات في هذه السورة ومن أحكم البراهين على التوحيد. ونظير هذه الآية قوله سبحانه:(وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).1
وتوضيح البرهان رهن تبيين بعض المفردات، فقوله: (لَوْ كَانَ)فـ (لَوْ)امتناعية و (كَانَ) تامّة بمعنى وُجد، وعبّر بالماضي ليشمل الماضي بأجمعه.
وقوله:(إِلاَّ اللهُ) فلفظة (إِلاَّ) بمعنى «غير» أي غير الله، والضمير في (فِيهِمَا) يرجع إلى السماء والأرض، فصارت الآية بإيجازها مبيِّنة لبطلان فروض تعدّد الإله على وجه الإطلاق قائلة بأنّه ليس إله إلاّ هو (وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ).2
ثمّ إنّ الآيات الكريمة تشهد بأنّ المشركين في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا موحِّدين في الخالقيّة ولم يصف أحد منهم الآلهة المزعومة بخلق

1 . المؤمنون:91.
2 . الزخرف: 84 .

50
السماوات والأرض أو خلق شيء من الكائنات، والآيات التي تشهد لذلك كثيرة منها قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)1 وقوله:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)2، إلى غير ذلك من الآيات.
وبهذا يظهر بأنّ الآية ليست في صدد إثبات وحدة الصانع وأنّه لا خالق إلاّ هو، لِما عرفت من تسليم الخصم بذلك، وإنّما هي في صدد نقد عقائد المشركين وتقرير التوحيد في الربوبيّة وأنّه لا مدبّر للعالَم إلاّ الله سبحانه على خلاف عقيدة المشركين حيث كانوا يعتقدون بربّ للسماء وربّ للأرض وربّ للإنسان، إلى غير ذلك.
والنزاع بين الموحّدين والمشركين كان قائماً على قدم وساق في هذا النوع من التوحيد، حتى أنّ البراهين الدامغة التي أقامها النبيّ إبراهيم(عليه السلام)كانت راجعة إلى التوحيد في التدبير، وأنّ النجم والقمر والشمس مخلوقات لله مُدبَّرات لا مدبِّرات. وبذلك يُعلم أنّ استدلال كثير من المتكلّمين3 بالآية على وحدة الصانع بعيد عن مفاد الآية غير منطبق عليها.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه سبحانه برهن على وحدة المدبِّر بالنظام الواحد السائد على العالم كلّه وإليك بيانه.

1 . الزخرف: 9.
2 . الزخرف: 87 .
3 . منهم الشيخ الأشعري في اللُّمع:21.

51

وحدة النظام دليل على وحدة المدبِّر

إنّ مطالعة كلّ صفحة من صفحات هذا الكتاب التكويني العظيم تقودنا إلى نظام موحّد، وكأنّ صفحات ذلك الكتاب ـ على غرار الكتاب التدويني ـ كُتبت بيد واحدة، وأُخرجت في صورة كذلك، بشهادة أنّ القوانين والسنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كلّية وشاملة بحيث لو أُتيح لأحد أن يكتشف بالتجربة سنّة في نقطة خاصّة من نقاط الكون، أمكنه أن يستكشف قانوناً كلّيّاً وشاملاً ويهتدي إلى سنّة كونيّة عموميّة، وهذا هو أفضل دليل على وحدة النظام الحاكم على العالم الطبيعي.
إنّ وحدة النظام وعموميّة السُّنن والقوانين الطبيعية تقودنا إلى موضوعين:
1. ليس للعالم إلاّ خالق واحد، وهو أمر مسلَّم.
2. أنّه ليس للعالم إلاّ مدبِّر واحد.
وبعبارة أُخرى: إنّ وحدة النظام والسُّنن الكونية لدليل واضح على صحّة ما قاله القرآن الكريم:
(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)1.
إنّ جملة (لَهُ الْخَلْقُ) إشارة إلى التوحيد في الخالقيّة.
وجملة (وَالأَمْرُ) إشارة إلى التوحيد في التدبير.
وعندئذ يطرح هنا سؤال: كيف يُستدلّ بعموميّة القوانين على وحدة المدبِّر؟

1 . الأعراف:54.

52
والجواب واضح: إذ لو فرضنا أنّه يقضي بشأن الكون نوعان من الرأي والحاكمية، فمن الطبيعيّ والحتميّ أن لا نجد أيّ أثر لهذا النظام الواحد، لأنّ وحدة النظام لا تتحقّق ولا تكون إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبّر واحد، ولو خضع الكون لإدارة حاكمَين ومنظِّمَين ومدبِّرَين لَما كان للنظام الموحَّد أي أثر، لأنّ تعدّد المدبِّر والمنظِّم ـ بحكم اختلافهما في الذات أو في بعض الجهات منها ـ يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإدارة، وتعدّد التدبير بالضرورة يستلزم فناء النظام الموحّد وغيابه.
وبعبارة أُخرى: إنّ المدبِّرَين إن كانا متساويين من كلّ الجهات لم تصدق هناك اثنينية قهراً، وإن تعدّدا فتعدُّد المدبِّر يعني ـ بالضرورة ـ اختلاف المدبِّرَين من جهة أو جهات، ومعلوم أنّ اختلافاً كهذا يؤثِّر لا محالة في تدبير المدبّر.
يقول السيّد الطباطبائي: إنّه لو فُرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتاً متباينين حقيقة، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم فتتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض، لكن النظام الجاري، نظام واحد، متلائم الأجزاء في غاياتها، فليس للعالم آلهة فوق الواحد، وهو المطلوب.1
وثمّة سؤال يُطرح في غير واحد من الأجواء وهو أنّه لا مانع من افتراض وجود آلهة فوق الواحد يدبّرون أمر الكون تدبيراً عقلياً متّفقين على أن لا يختلفوا ولا يتمانعوا في تدبيرهم حفظاً للمصلحة. وكأنّ السَائل

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/267.

53
يفترض أن تعدّد الآلهة كتعدّد الحكّام في منطقة واحدة حيث يتّفقون على أن لا يعارض أحد الآخر ولا يكفّه عن عمل، فيدبّروا أُمور البلاد متشاركين في الرأي والتدبير.
والجواب: إنّ قياس تعدّد الآلهة بتعدّد الملوك والحكّام قياس مع الفارق، فإنّ القوانين العقلية ومصالح البلاد قد حُدّدت وعُلمت قبل تدبيرهم، فيتبع كلٌّ، ذلك القانونَ المشهود والمصلحة المعلومة، وأمّا المقام فالمفروض أنّ الكلام في بداية الخلقة والتدبير فلا حدّ ولا قانون ولا مصلحة ولا ملاك حتى يكون الجميع هو المتَّبع. وبما أنّ الكلام في بدء الخليقة يكون المتَّبَع نفس تدبير هؤلاء الآلهة وإنشائهم، ومن المعلوم أن تدبير كلٍّ يخالف تدبير الآخر كلّياً لتباين وجودهم وشخصيتهم .
يقول السيّد الطباطبائي: قلت: هذا غير معقول، فإنّ معنى التدبير العقلي عندنا هو أن نطبّق أفعالنا الصادرة منّا على ما تقتضيه القوانين العقلية الحافظة لتلائم أجزاء الفعل وانسياقه إلى غايته، وهذه القوانين العقلية مأخوذة من الحقائق الخارجية، والنظام الجاري فيها الحاكم عليها، فأفعالنا التعقّلية تابعة للقوانين العقلية وهي تابعة للنظام الخارجي، لكن الربّ المدبّر للكون، فعله نفس النظام الخارجي المتبوع للقوانين العقلية، فمن المحال أن يكون فعله تابعاً للقوانين العقلية وهو متبوع، فافهم ذلك.1
وفي نهاية المطاف نقول: إنّ آيتنا هذه تشير إلى أمرين كلاهما من مبادئ البرهان أو صميمه، وهما:
1. تشير إلى جانب إيجابي وهو أنّ ترابط أجزاء الكون وتأثير بعضها

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/267.

54
في بعض على وجه تكون نتيجة التأثير تولُّد وجود أكمل من المؤثِّر والمتأثِّر، دليل على وجود حاكم واحد يقود العالم تحت نظام واحد وخطة واحدة.
2. تشير إلى جانب سلبي وهو أنّ تعدّد التدبير يوجب فساد النظام واختلاله.
ومن لطيف القول إنّه جاءت الإشارة إلى كلا الجانبين في حوار الإمام الصادق(عليه السلام) مع أحد الزنادقة الذي كان يعتقد بتعدّد التدبير على ضوء تعدّد المدبِّر، وإليك نصّ الحديث:
روى الصَّدوق في توحيده بسنده عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله(عليه السلام)فكان من قول أبي عبد الله(عليه السلام) له:
لا يخلو قولك: إنّهما اثنان من أن يكونا قديمين قويّين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً، فإن كانا قويّين فلمَ لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه ويتفرّد بالتدبير؟ وإن زعمت أنّ أحدهما قويّ والآخر ضعيف ثبت أنّه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإن قلت: إنّهما اثنان لم يخلُ من أن يكونا متّفقَين من كلّ جهة، أو مفترقَين من كلّ جهة، فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف اللّيل والنهار والشمس والقمر دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبِّر واحدٌ; ثمّ يلزمك إن ادّعيتَ اثنين فلابدّ من فُرجة بينهما حتّى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما، قديماً معهما، فليزمك ثلاثة، فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتّى يكون بينهم فُرجتان فيكون خمسة، ثمّ

55
يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة.1
وفي رواية أُخرى: «وإذا بطل هذا ولم يكن بينهما اختلاف بطل الاثنان وكان واحداً».2
وبذلك يظهر مفاد قوله سبحانه:(فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) فربُّ العرش العظيم ومدبّره منزَّه عن الشرك والشركاء، وإضافة الربّ إلى العرش يمكن أن تكون لأجل أنّ العرش عبارة عن صحيفة الكون لأنّها عرش تدبيره سبحانه كعرش الملوك الذي هو محلّ تدبيره، ولذلك أكّد على تنزيه ذلك الربّ.
23. (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ):
وجه صلة الآية بما قبلها رهن تعيين مرجع الضمير في قوله:(وَهُمْ يُسْأَلُونَ) فربما يقال بأنّ الضمير يرجع إلى ما رجع إليه ضمير (يَصِفُونَ) في الآية السابقة، أي المشركون. ومضمون الآية: أنّه سبحانه لا يُسأل عن فعله، لماذا فعَل ولماذا لم يفعل، ولكن المشركين هم يُسألون عن أعمالهم يوم القيامة.
ولا يخفى ضعف هذا الوجه لأنّه لا وجه لتخصيصهم بالذكر، فإنّ جميع الناس حتى الأنبياء منهم يُسألون، يقول سبحانه: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ).3

1 . التوحيد: 238، الباب 36، برقم 1 ; بحار الأنوار: 10 / 195.
2 . تفسير نور الثقلين:3/418.
3 . الأعراف: 6.

56
الظاهر أن يقال: أنّ الضمير يرجع إلى الملائكة الذين عبّر عنهم سبحانه بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ)1وعندئذ يظهر معنى الآية: أنّ المقرَّبين يُسألون عمّا يفعلون مع أنّهم (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)2، فكيف غيرهم؟ فعلى ذلك فالآية تدلّ على أنّ ما سوى الله حتى الملائكة مسؤولون، فكيف غيرهم؟
ثمّ إنّه سبحانه فوق أن يُسأل عمّا يفعل، قد يبعث الغافل على أن يتصوّر أنّه سبحانه كبعض المتسنّمين عرش الملوكيّة لا يُسأل عمّا يفعل!! وهو تصوّر باطل لأنّ وجه عدم السؤال أنّه سبحانه حكيم على الإطلاق، ففعله نفس الحكمة ونفس الحقّ، وأنّه سبحانه هو الحقّ المبين،3 وأنّه العادل الذي لا يجور، قائم بالقسط ،(4) إلى غير ذلك من صفات الجمال والجلال، فهذا الفاعل في فعله لا يخرج عن مقتضى الحكمة والحقّ والعدل قيد شعرة، فلذلك لا يُسأل عمّا يفعل لإحاطته بما يجب أن يكون الفعل موصوفاً به ومنزَّهاً عمّا يجب أنْ لا يوصف به.
ولصديقنا المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) كلام، يقول فيه: والصحيح في معنى الآية إنّ الله سبحانه لمّا كان عادلاً بذاته فلا يجوز لأحد أن يعترض على قوله وفعله لأنّه لا يقال للعادل: لماذا عدلت؟ وللصادق: لماذا صدقت؟ تماماً كما لا يجوز للجاهل بالطب أن يقول للطبيب الماهر: لماذا وصفت هذا الدواء؟ إنّ مثل هذا السؤال إنّما يجوز ويصحّ من الندّ إلى

1 . الأنبياء: 19.
2 . الأنبياء: 27 .
3 . لاحظ: النور:25.   4 . لاحظ: آل عمران:18.

57
الندّ، من العالم إلى مثله، أمّا الجاهل فغاية جهده أن يبحث عن العالم، ويتأكّد من علمه بما يراه من العلامات والدلائل، فإذا صار على يقين منها وجب عليه أن ينقاد ويستسلم للعالم فيما هو عالم به، تماماً كما يستسلم المريض للطبيب، وقديماً قيل: مَن عَلِمَ حجةٌ على من لا يعلَم، وإذا كان هذا هو شأن المخلوق مع مخلوق مثله، فكيف به مع خالق السماوات والأرض.1

استنتاج باطل

ربّما يستدلّ بهذه الآية على أنّ الله لا يقبح منه شيء ولا يجب عليه شيء، فله أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي.
يقول الشيخ الأشعري: هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟ قيل له: لله تعالى ذلك، وهو عادل إن فعله... إلى أن قال: ولا يقبح منه أن يُعذِّب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان، وإنّما نقول: إنّه لا يفعل ذلك لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين، وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره.(2)
أقول: إذا كان كلّ ما ذكره من القبائح جائزاً على الله سبحانه، فمن أين علم أنّه سبحانه لا يجوز عليه الكذب في خبره، حيث إنّه استثنى ذلك من كلّ القبائح، فما مصدر علمه بهذا؟ فإن كان بإخباره سبحانه أنّه لا يكذب، فيمكن نقل الكلام إلى إخباره، وهلُمّ جرّاً، وإن كان لأجل حكم العقل بأنّه لا يكذب في خبره، فما هو الفرق بين هذا وسائر ما يحكم عليه من عدم جوازه على الله سبحانه؟ وحقيقة الأمر أنّ القوم لم يقفوا على مغزى حكم

1 . التفسير الكاشف: 5/269.   2 . اللمع: 116 ـ 117.

58
العقل بأنّه يجوز هذا الشيء على الله أو لا يجوز، فزعموا أنّ العقل يحكم على الله، سبحان الله!! أين العقل والحكم على الله؟! وإنّما المراد أنّ العقل يستكشف تلك الأحكام والقضايا من خلال معرفة صفاته سبحانه وتعالى من كونه عادلاً حكيماً، ومقتضى هذين الوصفين أنْ لا يعذّب المطيع ولا يؤلم الطفل الصغير، إلى غير ذلك. فالحكم على الله شيء باطل، واستكشاف ما يليق بالله وما لا يليق من خلال صفاته أمر آخر صحيح.
وإن أردت التوضيح أكثر فنقول: إنّ العقل يكشف عن أنّ الموصوف بكلّ كمال، والغنيَّ عن كلّ شيء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقّق الصارف عنه وعدم الداعي إليه، وهذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتّى لا يقدر على الخلاف، ولا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح، فإنّ الفعل بالاختيار كما أنّ الترك به أيضاً. وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه تمتنع عليه القبائح، ولا تقصد به تحديد فعله من جانب العقل، بل الله، بحكم أنّه حكيم، التزم وكتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسَن ولا يفعل القبيح، وليس دور العقل هنا إلاّ دور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته.
24. (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ):
انتقل البيان القرآني، في إبطال الشرك، من برهان إلى برهان آخر، فقد اعتمد في البرهان الأوّل على حكم عقليّ وهو أنّ تعدّد الآلهة يورث فساد

59
النظام، لكنّه اعتمد في هذا البرهان على دليل سمعيّ وهو أنّ شعار «لا إله إلاّ الله» ليس أمراً مختصّاً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هو شعار عامّة الرسل عبر القرون، فلو كان المشركون مرتابين فيه فعليهم سؤال أهل الكتاب، حتى يوقفوهم على جليّة الحال. وعلى هذا فقوله:(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)إضراب من دليل إلى دليل آخر، مشعراً بفظاعة هذا الأمر، فعلى هؤلاء أن يأتوا بالدليل على وجود آلهة مع الله تعالى، كما يقول: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ): أي بأيّ دليل جعلتم لله شركاء؟ أبدليل العقل وهو قائم على خلاف ذلك؟ أم بدليل النقل وهو أيضاً مثله؟ لأنّ (هَذَا): أي التوحيد (ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) من المسلمين (وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) من الأنبياء، وتشهد على ذلك التوراة والزبور والإنجيل. ثم انتقل إلى أمر آخر (من دون إبطال ما سبق) لتقرير جهلهم وتوبيخهم عليه، وقال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) وهو أنّه لا إله ولا معبود إلاّ هو سبحانه، ولذلك (فَهُمْ مُعْرِضُونَ)عن الحقّ منصرفون عن النظر في دلائله.
25. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ التوحيد كان شعار الأنبياء والرسل عبر القرون على وجه الإجمال حيث قال: (وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي)، أوضح ذلك في الآية التالية وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول): أي ما من رسول تحمّل رسالة من الله سبحانه إلاّ وأساس دعوته هو التوحيد في الأُلوهية كما قال: (إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)ومن المعلوم أنّ مقتضى الألوهية هو العبادة

60
والخضوع أمامه، وبما أنّها مختصّة بالله سبحانه أمر بعبادته وحده، وقال:(فَاعْبُدُونِ)
26. (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ):
لمّا أبطل سبحانه وجود الشركاء لله ببرهان عقلي ونقلي، أشار إلى إحدى صوَر الشرك الّذي كان رائجاً آنذاك، أعني: دعوى البنوّة لله سبحانه، حيث زعمت بعض القبائل العربية المشركة، مثل خزاعة أنّ الملائكة بنات الله!! وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الشرك في مواضع من كتابه، منها قوله: (وَيَجْعَلُونَ للّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ).1
ثمّ إنّه سبحانه يردّ عليهم هذه الدعوى ، معلّلاً وجه تنزّهه عنها ـ في الآيات التي حكت عنهم تلك النسبة ـ بوجوه، ففي آيتنا يقول: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) يريد أنّ الملائكة الذين يدّعي المشركون أنّهم بنات الله ويعبدونهم على هذا الأساس، هم عباده المكرمون، وأمّا وجه كونهم مكرمين عنده، فستكشف عنه الآية التالية، وفي سورة يونس علّل تنزّهه بالغنى، قال تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)2، فكونه سبحانه غنيّاً ومالكاً لصحيفة الوجود أظهر دليل على تنزّهه عن الولد، لأنّ اتّخاذ الولد يعني الحاجة إليه ، ولذلك قيل: نعم العون الولد، والله سبحانه هو الغنيّ القادر، القائم به كلُّ شيء، فكيف تُتصوّر فيه الحاجة لاتّخاذ الولد؟

1 . النحل:57.
2 . يونس: 68.

61
وعلى هذا البرهان اعتمد في سورة الفرقان وقال: (الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا).1
ثمّ إنّ حديث الولد حديث التوالد والتناسل بأن ينتقل جزء من الوالد إلى رحم الوالدة، فيتكوّن الولد من الجزأين فيصير الإنسان ذا ولد، والله سبحانه ليس جسماً ولا جسمانياً، وليس له جزء ولا له زوجة، وإلى ذلك استند في سورة الإخلاص، حيث رتّب قوله: (لَمْ يَلِدْ)، على كونه «أحداً» بسيطاً لا جزء له «صمداً» مصموداً، إليه تُرفع الحاجات، فهو غنيٌّ بالذات. كلّ ذلك يعرب عن هبوط ثقافة المشركين، وسطحيّة تفكيرهم.
27. (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ):
تقدّم في الآية السابقة قول المشركين أنّه سبحانه اتّخذ ولداً وأشاروا بذلك إلى الملائكة، فالله سبحانه ـ ردّاً على زعمهم ـ وصفهم بقوله:(بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) فجاء البيان القرآني توضيحاً لكونهم عباداً مكرمين، وقال: (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل): أي إنّهم عباد بحقيقة معنى العبودية، بشهادة أنّهم لا يسبقون الله بالقول، أي لا يقولون شيئاً قبل قوله سبحانه، ولا يريدون شيئاً قبل إرادة الله تعالى (وَهُمْ) في كلّ الحالات (بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)لا بأمر غيرهم، وهذا من كمال العبودية، وهو أن يكون العبد في كلّ ما يصدر منه تابعاً لإرادة المعبود، فهم مظاهر أمر الله ونهيه وإرادته، فالولادة التشريفية كما يدّعيها ـ مثلاً ـ بعض اليهود لعُزَير أمر مجازي، لا يعتدّ بها، والولادة الحقيقية أمر مستحيل، وأمّا ما هو الواقع فإنّ الملائكة عباد بلغوا في

1 . الفرقان: 2.

62
العبودية الذروة، وفي الإخلاص القمّة، فواقعهم وحقيقتهم كون إرادتهم تلو إرادة الله وأمره ونهيه، فلا كرامة فوق هذه الكرامة، فهم كما يصفهم سبحانه في آية أُخرى بأنّهم راسخون في العصمة تماماً (لا يَعْصُونَ الله ما أمرَهُم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).1
28. (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ):
لمّا وصف المشركون الملائكة بما عرفت، عاد البيان القرآني إلى تعريفهم ووصفهم. وشتّان بين دعواهم بأنّ الملائكة إناث اتّخذهم الله بناتاً، وبين وصف الذكر الحكيم لهم. وإليك ذكر هذه الأوصاف واحداً بعد الآخر.
الأوّل: الإحساس العميق بالعبودية، وقد مرّ شرحه في قوله سبحانه: (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل).
الثاني: أنّه سبحانه :(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): أي ما قدّموا من أعمال (وَمَا خَلْفَهُمْ): أي وما أخّروا منها، فهو محيط بجميع أعمالهم فليس فيهم إلاّ خيراً وحسناً، والله يجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
وهذا دليل على عصمتهم ونزاهتهم عن العصيان. وعُدّ علمه سبحانه بأعمالهم من صفاتهم باعتبار كون المعلوم خيراً محضاً.
الثالث: بما أنّهم لا يسبقون الله بالقول، وصفهم سبحانه بقوله: (وَلاَ

1 . التحريم: 6 .

63
يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)، فعدم شفاعتهم إلاّ للمرضيّ عند الله، أفضل دليل على أنّهم لا يسبقون الله بالقول.
ثمّ إنّ في شفاعتهم للمرضيّ عند الله نوع كرامة لهم، حيث شاء سبحانه أن يمنح فيضه للمرضيّ عن طريق الملائكة، وبذلك يستجيب دعاءهم الوارد في قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)1، وفي الآية دلالة على وجود الشفاعة يوم القيامة وليس لأحد أن ينكر أصلها يوم الجزاء، كما فيه دلالة على أنّ الملائكة من الشفعاء، وفيها دلالة ثالثة على أنّ الشفاعة محدّدة بكون المشفوع له مرضيّاً عند الله. والظاهر أنّ المراد المرضيّ دينه، فالمشركون محرومون من شفاعة هؤلاء، يقول سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)2، فالآية قطعت أُمنيّة المشركين عن شفاعة الملائكة حيث كانوا يعبدونهم لغاية أن يشفعوا لهم عند الله، مع أنّهم لا يشفعون إلاّ لمن رضيَ الله دينه.
الرابع: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) فقوله: (مِنْ خَشْيَتِهِ) تعليل لإشفاقهم، أي مشفقون وحذِرون لأجل خشيتهم إيّاه. ومع أنّ هؤلاء عباد مكرمون ولهم هذه المقامات، ولكنّهم ـ على فرض المحال ـ لو خرجوا عن خطّ التوحيد لكان جزاؤهم مثل جزاء سائر المشركين كما تقرِّر في الآية التالية.

1 . غافر:7.
2 . النساء:48.

64
سورة الأنبياء: الآيات 30 ـ 33   
29. (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ):
وردت الآية بصورة القضية المشروطة، والشرط غير محقَّق فيكون الجزاء مثله، فلو ادّعى أحد من هؤلاء الملائكة ـ على فرض المحال ـ الأُلوهيّة، كما يقول سبحانه: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ) استحقُّ العبادة (مِنْ دُونِهِ): أي من دون الله(فَذَلِكَ)القائل (نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) ولا تغني عنه أوصافه المذكورة (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) فمن يدّعي الأُلوهيّة، فهو ظالم، فيُجزى جهنّم لأنّها جزاء الظالمين.

الآيات: الثلاثون إلى الثالثة والثلاثين

(أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ).

المفردات

رتقاً: الرَّتق: الالتئام والالتحام.

65
ففتقناها: الفَتق: الفصل والانفصام، ضد الرتق. يقال: رتَقَ فتْقَهم، أي أصلحَ حالَهم.
رواسيَ: جبالاً ثابتة، جمع راسية.
تميد: تضطرب.
فِجاج: جمع فَجّ، وهو الطريق الواسع بين جبلين.
فَلَك: الفَلَك كلّ شيء دائر، وجمعه أفلاك.

التفسير

لمّا ركّز البيان القرآني في الآيات السابقة على التوحيد في التدبير وذمّ المشركين على اتّخاذهم آلهة مكذوبة يعبدونهم لغاية الشفاعة، عاد البيان القرآني إلى ذكر آيات كونية ومشاهد من عظمته وقدرته وتدبيره على نحو لو تدبّرها المنصفون وعقلوها لم يجدوا مجالاً للشرك، وهي آيات ثمان في هذه المجموعة نذكر رؤوسها تالياً:
1. فتق السماوات والأرض بعد رتقهما.
2. خلق كلّ شيء حيّ من الماء.
3. جعل الرواسي في الأرض لمنع الاضطراب.
4. جعل الفجاج والسبل بين الجبال الشامخة، وهو من آثار الفتق.
5. رفع السماء فوق الأرض كالسقف.
6. خلق الليل والنهار.
7. خلق الشمس والقمر.

66
8. سباحة كلّ في فلَكه.
وإليك تفصيل هذه الآيات الكونية التي تدلّ جميعاً على وحدة المدبِّر، ولولاها لما رأيت من هذا النظام المنسجم أثراً، وإليك التفصيل:
30. (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ):

الآية الكونية الأُولى: فتق السماوات والأرض

إنّه سبحانه يذكر في هذه الآية أمراً كونياً جديراً بالتدبّر والتأمّل وهو فتق السماوات والأرض بعد رتقهما، يذكره على وجه الإجمال ويسكت عن كيفية الأمرين، وما هذا إلاّ لتكون الآية حجّة عبر القرون، حتى يفسِّر كلّ حسب معلوماته وانطباعاته من سائر الآيات والروايات. ولا بُعد في أن تتحمّل الآية معان مختلفة كلاًّ يصلح أن يكون مراداً للقائل دون أن يخالف كلّ الآخر، ويدلّ على ذلك قول النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف القرآن:«وهو الفصل ليس بالهزل وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تُحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه».1 وقول الإمام علي(عليه السلام)لابن عباس: «لاَ تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوه».2
وعلى ضوء هذا نأتي ببعض ما ذكره المفسّرون في تفسير الآية:

1 . الكافي:2/599، كتاب فضل القرآن، برقم 2 (بإسناده عن الإمام الصادق عن آبائه(عليهم السلام)عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) .
2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 77.

67

الأوّل: فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات

يستفاد من جواب الإمام الباقر(عليه السلام) عن سؤال عمرو بن عبيد أنّ المراد بفتقهما هو فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، وإليك نصّ قول الإمام جواباً لسؤال عمرو بن عبيد المعتزلي الذي سأل الإمام (عليه السلام) عن هذه الآية امتحاناً لا تعلُّماً، فقال له: جُعلت فداك، ما معنى قول الله تعالى: (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) ما هو هذا الرتق والفتق؟ فقال أبو جعفر(عليه السلام):«كانت السماء رتقاً لا ينزل القطر، وكانت الأرض رتقاً لا يخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر وفتق الأرض بالنبات»، فانقطع عمرو ولم يجد اعتراضاً ومضى.1
ما ذكره الإمام(عليه السلام) هو أحد الوجوه في تفسير الآية لا الوجه الوحيد بشهادة أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)فسّرها بشكل آخر على ما ورد في «نور الثقلين».2
وقد حكى الرازي أنّ هذا رأي أكثر المفسّرين، أي أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات والشجر، وبه فسّروا قوله سبحانه: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ)(3).(4)

الثاني: نظرية الانفجار الكوني

إنّ المادّة الأُولى للكون كانت كتلة مادّية عظيمة تجزّأت نتيجة

1 . نور الثقلين: 3 / 424 ـ 425.
2 . لاحظ: نور الثقلين:3/425         3 . الطارق: 11 ـ 12.   4 . تفسير الرازي: 22 / 163.

68
الانفجارات الداخلية فتولّدت الكواكب والنجوم والمنظومة الشمسية والكرة الأرضية، ولا يزال الكون في توسَّع دائم.
ولو صحّت هذه النظرية فهي تدلّ على وجود مدبّر واحد حدثت هذه الانفجارات بإرادته، وإلاّ فإنّ الانفجار الأعمى لا ينتهي إلى هذا النظام الذي أدهش عقول الفلاسفة، وعلماء الطبيعة. وهذا التفسير يصلح لإثبات الصانع العليم الحكيم.

الثالث: تولّد الأرض والسيّارات من الشمس

ربّما يفسّر فتق السماوات والأرض بالنظرية الحديثة في كيفية تولّد الأرض وأخواتها الكواكب السيّارة حول الشمس وهي أنّ هناك نجماً كبيراً اقترب من الشمس فيما مضى من الزمن اقتراباً كافياً، فجذب من سطحها كتلة لم تلبث أن تقسّمت إلى كتل منفصلة ثم تكثّفت هذه الكتل في الفضاء البارد، فشكّلت هذه الكتل الكواكبَ السيّارة وبقيت تدور بفعل جاذبية الشمس حولها في مداراتها بلا انقطاع، والكواكب السيّارة تسعة وهي حسب قربها من الشمس كما يلي: عطارد، الزُّهرة، الأرض، المرّيخ، المشتري، زُحل، أُورانوس، نبتون، بلوتو. وهذه النظرية كالنظرية السابقة لا تصلح لأن تكون تفسيراً للآية إلاّ إذا كانت مبدأً للتفكير، وهو أنّ انفصال كتلة كبيرة من الشمس وصيرورتها كواكب يدور كلٌّ في مداره على نفسه وحول الشمس، لا يتحقّق إلاّ تحت قوّة قاهرة عالمة وحكيمة. وعندئذ تصلح لأن تكون دليلاً لإثبات الصانع.

69

الرابع: الرتق والفتق مستمرّان بمختلف الصور على طول الزمان

يظهر من السيد الطباطبائي أنّ الآية بصدد ردّ صارم على خرافة التفرقة بين الخلق والتدبير، فإنّ المشركين كانوا موحِّدين في الخلق مشركين في التدبير، والآية ببيان تواصل الرتق والفتق عبر الزمان، تردّ على تلك الخرافة وأنّ القائم بالخلق هو القائم بالتدبير، قال: المراد بالذين كفروا ـ بمقتضى السياق ـ هم الوثنيون حيث يفرِّقون بين الخلق والتدبير، بنسبة الخلق إلى الله سبحانه والتدبير إلى الآلهة من دونه، وقد بيّن خطأهم في هذه التفرقة بعطف نظرهم إلى ما لا يرتاب فيه من فتق السماوات والأرض بعد رتقهما، فإنّ في ذلك خلقاً غير منفكّ عن التدبير، فكيف يمكن قيام خلقهما بواحد، وتدبيرهما بآخرين.
وأضاف: لا نزال نشاهد انفصال المركّبات الأرضية والجوية بعضها من بعض، وانفصال أنواع النباتات من الأرض، والحيوان من الحيوان، والإنسان من الإنسان، وظهور المنفصل بالإنفصال في صورة جديدة لها آثار وخواص جديدة بعدما كان متّصلاً بأصله الذي انفصل منه، غير متميّز الوجود ولا ظاهر الأثر ولا بارز الحكم، فقد كانت هذه الفعليات محفوظة الوجود في القوّة، مودعة الذوات في المادّة، رتقاً من غير فتق حتى فتقت بعد الرتق، وظهرت بفعلية ذواتها وآثارها.1
وعلى ضوء التفاسير الثلاثة الأخيرة تكون الرؤية رؤية علمية لابصرية، والآية تحتمل الجميع لأنّ القرآن كتاب الأجيال، ومع ذلك

1 . الميزان في تفسير القرآن: 14/278.

70
فالنظرية الأُولى أوضح من الكلّ. ويظهر ممّا رواه الكليني في روضة الكافي أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) سئلوا عن هذه الآية غير مرّة، وقد روى أنّ الشامي سأل أبا جعفر الباقر(عليه السلام)عن الآية فقال: «كانت السماء رتقاً لا تُنزل المطر، وكانت الأرض رتقاً لا تُنبت الحبَّ، فلمّا خلق الله تبارك وتعالى الخلق وبثّ فيها من كلّ دابة فتق السماء بالمطر، والأرض بنبات الحبّ».1
ويؤيّد هذه النظرية الآية الكونية الثانية.

الآية الكونية الثانية: خلق كلّ شيء حيّ من الماء

قال سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ) فقوله: (حَيّ) صفة لشيء، والجعل بمعنى الخلق، والآية تدلّ على أنّ للماء دخلاً في وجود ذوي الحياة كما قال: (وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء).(2)
وقد ثبت أنّ حياة كلّ الكائنات الحية ترتبط بالماء، ومبدأ الماء هو المطر الذي ينزل من السماء، فالماء مصدر الحياة لكلّ نام، إنساناً كان أو حيواناً أو نباتاً.
نعم سياق الآية ناظر إلى الموجودات الحيّة التي تكون محسوسة لنا، ولا تدخل فيها الملائكة والجنّ. وعلى كلّ تقدير فإنّ كلّ الكائنات الحيّة (إنسان، حيوان، نبات) تتكوّن في معظمها من الماء، فجسم الإنسان، مثلاً، يتألّف بنسبة 65 % من الماء، وجسم الفيل بنسبة 80 %، أمّا ثمرة الطماطم ففيها 95 % من الماء.(3)

1 . الكافي: 8/95.      2 . النور:45.   3 . انظر: الموسوعة العربية العالمية: 22 / 10 .

71
ومن لطيف القول ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّ رجلاً سأله: ما طعم الماء؟ فقال الإمام(عليه السلام): «أوّلاً سل تفقُّهاً ولا تسأل تعنُّتاً»، ثمّ أضاف: «طعم الماء طعم الحياة، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)».1
وهذه الآية الكونية ربّما تكون قرينة على أنّ المراد من الفتق في أوّل الآية ما ذُكر في الوجه الأوّل.
31. (وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ):
الآية تتضمن آيتين كونيَّتين:

الآية الكونية الثالثة: جعل الرواسي في الأرض لمنع الاضطراب

قال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) والجعل هنا ـ مثل السابق ـ بمعنى الخَلْق، وقوله: (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) بمعنى: لئلاّ تضطرب الأرض بأهلها.
وقد أشار سبحانه إلى هذه الحكمة من خلق الجبال في الأرض في سور أُخرى، منها قوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا)(2)، وقوله سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة).2
وهذه الفقرة تشير إلى أنّه سبحانه أرسى الجبال وأرسخها إلى باطن

1 . مجمع البيان: 7 / 86 .   2 . النحل: 15.
2 . لقمان: 10.

72
الأرض لئلاّ تضطرب الأرض فيضطرب سكّانها ـ تبعاً لها ـ ولا يقرّ لهم فوقها قرار. فالجبال تشبه، في فائدتها، أوتاد الخيمة الّتي تُشدّ إليها، قال سبحانه: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)1، فهي تساعد على تثبيت الأرض، وتحدّ من اضطرابها ومَيَدانها في دورانها حول محورها.
وليست هذه هي الفائدة الوحيدة فلها فوائد أُخرى ذكرت في محلّها. ومن فوائدها هي أنّ الأرض معرض للرياح القوية دائماً، ولولا الجبال لغطّت الرياح العاتية سطح الأرض كما هو الحال في الصحاري المقفرة المحرقة.

الآية الكونية الرابعة: خلق السُّبل الفجاج بين الجبال

تغطّي سلاسل الجبال العظيمة مساحات كبيرة من سطح الأرض، وتفصل بعضها عن بعض فجوات، وهي السُّبل الفِجاج الّتي لولاها لانقطعت الصلة بين سكان منطقة عن منطقة أُخرى. وعلى ما ذكرنا فالضمير في قوله: (فيها) عائد إلى الجبال، فيكون المعنى (وَجَعَلْنَا فِيهَا): أي في الجبال (فِجَاجًا سُبُلاً): أي طرقاً واسعة. ولعلّ جعل السُّبل بين الجبال من آثار فتق الأرض بعد رتقها.
ثمّ إن قوله: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) يرجع إلى فوائد الطرق أي ليهتدوا في سيرهم وانتقالهم بين مختلف الأماكن، إلى مقاصدهم واكتساب منافعهم. ويحتمل أن يراد الاهتداء إلى ما هو الحقّ من التوحيد في الخلق والتدبير.

1 . النبأ: 7 .

73
32. (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ):

الآية الكونية الخامسة: جعل السماء سقفاً محفوظاً

السماء: اسم مشتقّ من السموّ، بمعنى العلوّ والارتفاع، ولذلك قيل: كلّ ما علاك فأظلّك فهو سماء. ولمّا كانت السماء ـ في نظرنا ـ تقابل الأرض شبّهت بسقف البيت، الّذي هو أعلاه مقابلاً لأرضه.
وأمّا كونه محفوظاً فيحتمل أن يراد محفوظاً من السقوط والوقوع على الأرض بسبب نظام الجاذبية الّذي أوجده الخالق سبحانه في هذا الكون، حيث تحافظ قوة الجذب ـ الّتي تعمل بين الأجسام بسبب كتلتها (أي كمية المادة المكوّنة لها) ـ على مكان كلّ كوكب وكلّ نجم في مداره .
ويشهد لذلك قوله سبحانه:(وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)1. واحتُمل أن يراد محفوظاً من تسلّق الشياطين إليها، بشهادة قوله: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجِيم)،2 ولم يرتضِ بعض الأعلام هذا التفسير،
قائلاً: إنّه لا يناسب كلمة سقف، لأنّ السقف غطاء لمن تحته، لا لمن فوقه.3
هذا ما ذكره القدامى من المفسّرين، ويمكن أن تكون الآية ناظرة إلى أمر آخر وهو خلق غلاف للأرض وهو المعروف بالغلاف الجوي (الهواء

1 . الحج: 65.
2 . الحجر: 17.
3 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 10 / 142 .

74
المحيط بالأرض)، الّذي يمتدّ لمسافة تقدّر بـ (1600 كم) فوق سطح الأرض. ولولا هذا الغلاف لسقطت الشهب (وهي أجسام صلبة تصل سرعتها إلى 40 كم في الثانية) على وجه الأرض ولاستحالت الحياة عليها، ولذا فإنّ هذا الغلاف الجوي يسبّب احتراق الكثير من هذه الشهب ـ نتيجة احتكاكها بالهواء ـ احتراقاً كاملاً فتتلاشى، أو جزئياً، وعندئذ يرتطم ما يتبقّى منها بالأرض، وتعرف بالنيازك.
كما تعمل ذرّات وجزيئات هذا الغلاف على امتصاص وتشتيت قسم كبير من الأشعة الشمسية القادمة إلى الأرض، ولولا ذلك لأحرقت تلك الأشعة كلّ صور الحياة على الأرض، ولبخّرت الماء وخلخلت الهواء. وبهذا يكون الغلاف الجوي سقفاً حافظاً للأرض.
33. (وَهُوَ الذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ):

الآية الكونية السادسة: خلق الليل والنهار

قوله سبحانه: (وَهُوَ الذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، أمّا الليل فهو عبارة عن الظل المخروطي للأرض، كما أنّ النهار عبارة عن مواجهتها للشمس، وكلاهما يحدثان نتيجة دوران الأرض حول محورها خلال أربع وعشرين ساعة، حيث إنّ قسماً منها يواجه الشمس فيتولّد من ذلك النهار، والقسم الآخر على خلاف ذلك الاتجاه، فيتولّد الليل. ولولا تعاقب الليل والنهار لما دامت الحياة. وقد ذكر سبحانه في غير واحدة من الآيات بعض فوائد

75
خلقهما فقال:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)1، وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا).(2)

الآية الكونية السابعة: خلق الشمس والقمر

قال سبحانه (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، خلق سبحانه الشمس للضياء، ولولاه لما نبت شيء ولا ثبتت حياة، كما أنّه خلق القمر للحساب، ولهما فوائد أُخرى مذكورة في محلّها.

الآية الكونية الثامنة: سباحة كلٍّ في فلكه

لو أراد من لفظ (كُلّ) الشمس والقمر، فيدلّ على أنّ كلاًّ منهما (فِي فَلَك يَسْبَحُونَ): أي يدور في مدار خاص، فالشمس تدور حول مركز مجرّة درب اللبّانة، والقمر يدور حول الأرض ويدور أيضاً مع الأرض حول الشمس، وإن أُريد كلّ ما في السماء من الشموس والكواكب، فهي تشير إلى عدم وجود ثوابت في السماء، فالمنظومة الشمسية مع مجرّتها وكذا سائر المجرّات تدور في خضم الفضاء، وبما أن حركتها حركة ملائمة، عبّر عنها بالسباحة.
قال الدكتور زغلول راغب النجّار: كان علماء الفلك، إلى عهد قريب، يعتقدون أنّ أجرام السماء تسبح في فراغ تام، ولكنّ البحوث المتأخّرة أثبتت أنّ المسافات بين كلٍّ من النجوم المختلفة تنتشر فيها الأشعة الكونية وما تحمله من جسيمات أوّليّة، والدُّخان الكونيّ وما يحمله من هباءات

1 . النبأ: 10 ـ 11.   2 . النحل: 86 ; و لاحظ: غافر:61.

76
المواد الصلبة (الرماد) بالإضافة إلى ما يُعرف باسم المادّة الداكنة، الّتي اقترح وجودها الفلكي السويسري (فريتز زفيكي) في سنة 1923 م، حين اكتشف أنّ الكتلة الكلّية المحسوبة في كوكبة العذراء تفوق بكثير مجموع كتل المجرّات المكوّنة لها.1
أقول: ما توصّلت إليه هذه البحوث من انتشار هذه الموادّ بين الأجرام قد يلقي ضوءاً على سبب إطلاق تعبير السباحة على حركتها في أفلاكها.
ومهما يكن، فهذه الآيات الكونية الثمان في الأرض والسماء التي بينها صلة قويّة ويؤيّد بعضها بعضاً، تدلّ على وحدة المدبّر، ولولاها لاختلّ النظام السائد، ولما قامت للحياة دعامة.
سورة الأنبياء: الآيتان 34 ـ 35   

الآيتان: الرابعة والثلاثون والخامسة والثلاثون

(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

المفردات

الخُلد: البقاء في الحياة الدنيا.
ذائقة: الذوق: الإدراك باللسان، واستعير هنا لإدراك آلام مفارقة الروح للبدن.

1 . من آيات الإعجاز العلمي.. السماء في القرآن الكريم: 366 .

77
النفس: أُريد هنا الشخص الإنساني.
نبلوكم: نختبركم.
الشرّ: المكروه.
الخير: المحبوب.

التفسير

الآيتان تتضمّنان أمرين:
الأوّل: أنّه ما كُتب لإنسان الخلود في هذه الدنيا من غير فرق بين نبيّ وغيره.
الثاني: أنّ الغاية من خلق الإنسان في الحياة الدنيا هي اختباره بالشرّ والخير، وكلٌّ يُجزى بعمله.
أمّا صلة الآيتين بما سبق فيمكن أن تكونا ردّاً على اقتراح المشركين بأن يكون النبيّ مَلَكاً خالداً في الحياة لا بشراً محكوماً بالفناء، فجاء البيان القرآني يردّ على هذه المزعمة، قائلاً:
34. (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ):
أي ما كتبنا على إنسان الخلود في الحياة الدنيا، وتاريخ البشرية أظهر دليل على قوله: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)فالجميع سائرون إلى الله سبحانه راجعون إليه، لا يبقى أحد على وجه

78
الأرض إلاّ ويذوق كأس المنيّة. وسيأتي وجه عدم كتابة الخلد لكلّ إنسان في تفسير الآية التالية.
35. (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ):
الفقرة الأُولى من الآية ـ أعني قوله تعالى: (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ـ تؤكّد ما تقدّم في الآية السابقة، والذوق في اللغة هو الإحساس باللسان، واستعير هنا للإحساس بالباطن، وذوق الموت ذوق آلام مقدّماته.
إنّ للنفس في القرآن الكريم إطلاقات ثلاثة:
1. يُطلق ويراد بها الذات، مثلاً يقال: جاءني زيد نفسه. وبهذا المعنى جاء في قوله سبحانه:(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)1، وقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ).2
2. يُطلق ويراد بها شخص الإنسان أي الموجود المركّب من روح وبدن، كما في قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)3، وقوله تعالى:(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).4والمراد: من قتل إنساناً.

1 . الأنعام: 12.
2 . آل عمران: 28.
3 . النساء:1.
4 . المائدة:32.

79
3. يُطلق ويراد بها الروح الإنسانية، التي بها قوام الإنسان، نظير قوله:(أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ)1.
إذا وقفت على هذا فاعلم أنّ المراد من النفس في قوله: (كُلُّ نَفْس)هو المعنى الثاني أي شخص الإنسان، ويدلّ عليه ما قبل الآية، أعني قوله تعالى:(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ)، وما بعدها أعني قوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)2.
وأمّا الفقرة الثانية، أعني قوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، فتشير إلى أنّ الحياة الدنيا قد خُلقت للامتحان والابتلاء، وهو سنّة جارية في البشر كلّ البشر، ومن المعلوم أنّه سبحانه عارف بمصائرهم جميعاً، فليست الغاية من الابتلاء أن يعلم أحوال عباده، بل المراد ما في كلام الإمام علي(عليه السلام)«يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».3
ومرجع الكلّ كما يقول:(وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، فالحياة والموت مقدّمة للنشر.
والابتلاء بالشرّ والخير دليل على حتمية الموت لكلّ إنسان، ضرورةَ أنّ الامتحان أمر مقدّميّ والمقدّمة لاتكون خالدة، فلابدّ أن يكون وراء المقدّمة شيء آخر ينتقل إليه الإنسان.

1 . الأنعام:93.
2 . الميزان في تفسير القرآن:14/285، بتلخيص.
3 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 93.

80
ثمّ إنّ المراد بالشرّ هو المكاره والنوائب من الفقر والحرمان والمرض والأذى والخوف، كما أنّ المراد من الخير عبارة عن مقابلاتها من المسارّ والمَحابّ، فالله سبحانه يبتلي الإنسان بالشرّ والخير حتّى تظهر حقيقته، وما يكنّه قلبه من إيمان قويّ أو إيمان ضعيف أو من كفر وضلال، وما تنطوي عليه نفسه من سجايا حسنة أو قبيحة، فمن صبر أمام البلايا والرّزايا الّتي لا سبيل إلى دفعها، ولم يجزع، واعتصم بدينه وعقيدته فقد خرج من الامتحان مرفوع الرأس، كما أنّ من استعمل الخير ـ بالمعنى السابق ـ في طاعة ربّه وكسبِ رضاه، ولم يسوِّل له الزهوَ والبطر والاستعلاء، فهو أيضاً كذلك.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «رُبَّ مُنْعَم عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى!».1
وإلى هذا المعنى أشار الشاعر الحكيم أبو تمام الطائيّ:
قد يُنعم الله بالبلوى وإنْ عظُمتْ *** ويبتلي اللهُ بعضَ القوم بالنِّعَمِ
ذكر الطبرسيّ في «مجمع البيان» أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) مرض فعاده إخوانه، فقالوا: كيف نجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: بشرّ. قالوا: ما هذا كلام مثلك؟ قال:«إنّ الله تعالى يقول:(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) فالخير الصحّة والغنى، والشرّ المرض والفقر».2

1 . نهج البلاغة: 518، قسم الحكم، برقم 273.
2 . مجمع البيان: 7 / 89 .

81
ومع أنّه سبحانه أكّد على عدم الخلد في الحياة الدنيا لعامّة البشر وخاصّة لنبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في آيتنا هذه1، وفي قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ
مَيِّتُونَ)
(2)، وقوله سبحانه:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(3)، ورغم ذلك نرى أنّ عمر بن الخطاب شكّ في موت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم رجوعه إلى الدنيا شكّاً مريباً.

إنكار بعض الصحابة موت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

جاء في سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدّثني سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: لمّا تُوفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام عُمر بن الخطّاب، فقال: إنّ رجالاً من المُنافقين يزعمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قد تُوفّي; وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات; ووالله ليرجعنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما رجع موسى، فليَقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مات.
قال: وأقبل أبو بكر حتّى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلِّم الناس...، إلى أن قال: ثم خرج وعمر يكلِّم الناس، فقال: على رِسْلك يا عمر، أنصِت، فأبى إلاّ أن يتكلَّم، فلمّا رآه أبو بكر لا يُنصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر; فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيّها الناس، إنّه مَن كان يعبد محمداً فإنّ محمّداً قد مات، ومَن كان

1 . الأنبياء: 34.      2 . الزمر: 30.   3 . آل عمران: 144.

82
يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ).
قال: فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر يومئذ; قال: وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنّما هي في أفواههم; قال: فقال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها، فعُقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تَحمِلُني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قد مات.1
سورة الأنبياء: الآيات 36 ـ 41   
أقول: إنّ هذا الزعم: «وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنّما هي في أفواههم»، يحطّ من مقام الصحابة الكرام حيث يصوّرهم غير عارفين بسنّة الله في خلقه، بعيدين عن إدراك دلالة آيات الكتاب ودلالة كلمات النبيّ ـ الّذي عاشروه طويلاً ـ في هذا المجال. وأظن أنّ عمر بن الخطاب كان واقفاً على هذه الآية أتمّ الوقوف، إذ من البعيد أنّها لم تقرع سمعه!! أو لم يقرع سمعه إخبار النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بموته عن قريب وتأكيده على ذلك في أكثر من موقف، كما هو واضح لمَن قرأ خُطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وكلماته في حجّة البلاغ (الوداع) وفي غدير خمّ 2 (الثامن عشر من شهر ذي الحجة عام 10 هـ)، وغيرهما.

1 . السيرة النبوية:2/655ـ656.
2 . ورد في الحديث الصحيح أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نزل غدير خمّ، قال: «كأنّي دُعيتُ فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين...». خصائص أمير المؤمنين للنَّسائي: 84 ـ 85 ، برقم 76 (تحقيق أبي إسحاق الأثري).

83
وأظنّ أنّ المصلحة التي ابتغاها عمر بن الخطاب اقتضت منه أن يطرح هذه الفكرة، ويهدّد من يقول أنّه مات ويفسّر موته(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرجعة.
لقد أشغل الناس بهذه الفكرة إلى أن يأتي رفيقه أبو بكر، فلمّا جاء وقرأ آية واحدة رجع القهقرى، وكأنّ الآية كانت ماء بارداً صُبّ على نار ملتهبة!!
وأمّا ما هي مصلحته في إشغال الناس، فنحن نترك الوقوف عليها لذكاء القارئ. ولا شكّ في أنّ كلّ من قرأ تاريخ السقيفة بموضوعية، قد وقف عليها.

الآيات: السادسة والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

84

المفردات

هُزُواً: الهزو: السخرية، وهو والاستهزاء بمعنى واحد، ويكون بالقول والفعل. وقيل: إنّ الفرق بينه وبين السخرية أنّ الثانية أكثر ما تستعمل لذات الشخص، والاستهزاء للعمل أو العقيدة أو الفكر. والعجب من الراغب أنّه فسّر الهزو بالمزح في خُفية.
عَجَل: العَجَلة: طلب الشيء وتحرّيه قبل أوانه، نظير قطاف الفاكهة قبل بدو صلاحها.
لا يكفّون: لا يدفعون.
بغتة: فجأة.
فَتَبهتُهم: بُهِت: دُهشَ وتحيَّر.
فحاقَ: حاق: حلَّ ونزلَ .

التفسير

كان المشركون يؤذون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غيابه وحضوره، فقد مرّ قولهم في غياب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)1، ويذكر سبحانه هنا إيذاءهم له في حضوره، فيقول:
36. (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ):

1 . الأنبياء:3.

85
كان زعماء المشركين إذا قابلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجها لوجه، حاولوا إيذاءه بالسخرية منه والاستهزاء به، كما يقول: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) لم يكن لهم عمل إلاّ أن يجعلوك موضع سخرية لهم كما يقول: (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا)فلفظة «إن» نافية والهزو بمعنى المهزوّ، أطلق من باب المبالغة نظير: زيد عدل.
وكان الحقّ عليهم أن يفكّروا في دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّهم أخذوا بأخلاق الجاهلين الّذين يلجأون إلى السُّخرْية من المصلحين حينما يعجزون عن مواجهتهم بسلاح الفكر، وأمّا كيفية سخريتهم فتذكره الفقرة التالية:(أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ): أي أهذا الّذي يعيب آلهتكم ويسفّه أحلامكم؟! والتعبير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بـ «هذا» لاستصغار قدْره، والاستفهام للتعجيب، ولم يذكروا كيفية ذكر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لآلهتهم تأدّباً وتكريماً لها، نظير قوله تعالى حاكياً عن مشركي عصر إبراهيم(عليه السلام): (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)1 حيث تركوا كلام إبراهيم(عليه السلام)في حقّ آلهتهم من حيث إنّها لا تنفع ولا تضرّ ولا تعقل ولا تسمع، ولكنّه سبحانه يردّ على استهزائهم بأمر جدّيّ قائلاً: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) الجملة حالية من (الَّذِينَ كَفَرُوا)والمراد من الرحمن هو الله سبحانه، والمعنى أنّهم مكان أن يذكروا الرحمن الذي هو مبدأ النعمة والبركة تجدهم كافرين به، فهم أَولى بأن يُسخر منهم لاعتقادهم بتلك الأحجار.
37. (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ):

1 . الأنبياء:60.

86
ليست هذه الآيةَ الوحيدة التي تذكر أنّ الإنسان خلق من عجل أي كأنّ مادته الأُولى التي منها خُلق هي العجلة والسرعة، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: (وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً)1. وإطلاق الآية لا يدلّ على العموم والشمول لكلّ أفراد جنس الإنسان، وإنّما أُطلق على وجه الغالبية، فإنّ أغلب البشر على هذه الشاكلة، فهم عجولون في نيل المحبوب، عجولون في دفع المكروه. ونظير هذا الإطلاق قوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).2
يقول الشريف الرضيّ حول الآية:
وهذه استعارة والمراد أنّ الإنسان خلق مستعجلاً بطلب ما يؤثره واستصراف ما يحذره، والله تعالى إنّما يعطيه ما طلب ويصرف عنه ما رهب على حسب ما يعلم من مصالحه لا على حسب ما يسنح من مآربه.
وقيل: ذلك على طريق المبالغة في وصف الإنسان بالعجلة، كما يقال في الرجل الذكيّ إنّما هو نار تتوقّد والإنسان البليد إنّما هو حجر جلمد، فأمّا من قال من أصحاب التفسير إنّ العجل هنا اسم من أسماء الطين، وأورد عليه شاهداً من الشعر، فلا اعتبار بقوله ولا التفات إلى شاهده فإنّه شعر مولّد وقول فاسد.3
قوله: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ) جواب تقريعي عن تساؤل المشركين الّذي يُفهم من قوله الآتي: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا...)، والّذي تكرّر

1 . الاسراء:11.
2 . إبراهيم: 34 .
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 164 .

87
صدوره منهم ـ على سبيل الاستخفاف ـ في أكثر من مناسبة، أعني: تساؤلهم عن قيام الساعة واستعجالهم له، وهنا ردّ عليهم سبحانه، قائلاً: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي): أي سأُظهر بيّناتي وعلاماتي (فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ): أي فلا تتعجّلوا ذلك اليوم وتطلبوه قبل أوانه.
38. (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
الضمير في (يَقُولُونَ) يرجع إلى المشركين، والمراد بالوعد قيام الساعة، وقد قلنا آنفاً: إنّ هذا المطلب قد تكرّر منهم في أكثر من موقف.1
قال السيد الطباطبائي: المخاطبون هم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنون، وكان مقتضى الظاهر أن يقولوا: (إِنْ كنت من الصادقين) لكنهم عدلوا إلى ما ترى ليضيفوا إلى تعجيز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بمطالبته ما لا يقدر عليه، إضلال المؤمنين به وإغراءهم عليه.2
39 . (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ):
لمّا تمنّى المشركون الوعد الذي وُعدوا به، جاءت الآية بأمرين ـ تهدّدهم بهما ـ :
الأوّل: أنّه إذا جاء هذا الوعد لا تستطيعون دفعه عن وجوهكم ولا عن ظهوركم ولا تنصرون. وهذا يدلّ على أنّ المراد من الوعد هو يوم

1 . لاحظ : يونس: 48 ، والنمل: 71 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 289 .

88
القيامة، حيث تغشاهم فيه النار. وما هذا إلاّ لأنّ النار تحيط بهم إحاطة كاملة مواجهة ومدابرة، فلم يبق شيء من أعضاء الإنسان إلاّ أحاطت به النار، وعندئذ لا يستطيع أن يدفع لهيب النار عن وجهه لأنّه إنّما يتصوّر إذا جاءت النار من جهة واحدة لا ما إذا عمّه لهب النار وحرارتها كما يقول:(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)كيفية إحاطة النار (حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ): أي لا يدفعون النار عن وجوههم (وَلاَ عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) وعلى هذا فجواب (لَو) محذوف، وكلمة (حين) منصوب على المفعولية لفعل (يَعْلَمُ)، وتقدير الجواب : لو يعلم الكفّار المستعجلون ما أُعدّ لهم من العذاب لما استعجلوا لأنفسهم هذا اليوم، ولما قالوا: (مَتى هذا الْوَعْد)؟
40. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ):
سورة الأنبياء: الآيات 42 ـ 47   
الثاني: أنّ الساعة التي هي الوعد الإلهي، تأتي بغتة، أي فجأة (لأنّ الحكمة هي في إخفاء موعدها)، فيصابون بالدهشة والحيرة، وعند ذاك لا يقدرون على دفعها (وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ): أي لا يؤخَّرون إلى وقت آخر.

الاستهزاء بالمصلحين سنّة جاهلية عبر الزمان

41. (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
لمّا تقدّم في قوله:(إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا) استهزاؤهم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، عاد البيان القرآني إلى تسلية النبيّ عمّا كان يلاقيه من أذى وتطييب نفسه

89
الشريفة، وفي الوقت ذاته إلى تهديد المشركين، بأنّ استهزاء الجاهلين بالأنبياء سنّة في حياة الجاهلين المعاصرين للأنبياء، فما من نبيّ قام بنشر التوحيد والدعوة إلى الآخرة إلاّ قام في وجهه الجهلة ساخرين مستهزئين كما يقول: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ) فذاقوا وبال استهزائهم، فليحذر هؤلاء المشركون من أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم، كما قال: (فَحَاقَ): أي فحلّ (بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ): أي من الرسل (مَا كَانُوا بِهِ): أي بالعذاب الإلهي (يَسْتَهْزِئُونَ) فقد استؤصلوا وأُبيدوا بألوان العذاب، قال تعالى: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).1

الآيات: الثانية والأربعون إلى السابعة والأربعين

(قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ* أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ

1 . العنكبوت:40.

90
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).

المفردات

يكلؤكم: يحرسكم ويحفظكم.
من دوننا: من غيرنا.
يُصحَبون: يُجارون. تقول العرب: أنا صاحب لك من فلان، أي مُجير لك منه.
طال عليهم العمر: أي طالت حياتهم فاغترّوا بذلك. وأُريد مجتمع قريش، فإنّهم كانوا بعد أبيهم إسماعيل قاطنين في حرم آمن، متمتّعين بأنواع النعم التي تُحمَل إليهم، فنسوا دين أبيهم إبراهيم(عليه السلام)وصاروا عبدة للأصنام.
ننقصها من أطرافها: المقصود موت أهلها.
نفحة: يقال نفحة الطيب: رائحته، نفحة الريح الدفعة منها، نفحة الدم أوّل دفعة منه، كلّ ذلك يعرب عن قلّة ما يضاف إليه. وأُريد في المقام النصيب الضئيل من العذاب.
الموازين: جمع الميزان، وهو اسم آلة الوزن. والميزان المتعارف، له كِفّتان ولسان، وبتقدّم الحضارة صارت له كيفيّات كثيرة. وهل المراد باللفظ هنا معناه الحقيقي أو المجازي؟ قولان.
مِثقال: بمعنى الثقل.

91
خَرْدَل: الخردل: نبات له حبوب صغيرة جدّاً، يُضرب بها المثل في الصِّغر والحقارة.

التفسير

لمّا تقدّم في الآية41 حلول العذاب بالمستهزئين بالرسل، جاء البيان القرآني يهدّد مشركي مكّة وغيرهم الذين كانوا يستهزئون بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويأتي في هذه المجموعة بتقريعات أربع:
1. أنّ هؤلاء إذا حاق بهم عذاب الله، فهل تستطيع آلهتهم أن تمنعهم منه؟
2. أنّ هؤلاء منذ عصر إسماعيل (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومهم كانوا متمتّعين بالنِّعم، فصار ذلك سبباً لإعراضهم عن ذكر الله، فعليهم أن يعتبروا بالحوادث التي تقع حولهم من البلايا والمنايا.
3. أنّ هؤلاء قد انغمروا في جهلهم وعنادهم، فلا يفيدهم الإنذار.
4. أنّ هؤلاء أنِسوا بما نالوا في دنياهم من النِّعم، فاغترّوا بها وأمنوا العذاب ، ولكنّهم سوف يندمون إذا مسّهم شيء ضئيل من عذاب الله، ويدعون بالثبور والويل، ولات حين مندَم.
إذا وقفت على هذه الأُمور، فلندخل في تفسير الآيات.
42. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ):

92
لمّا ذكر سبحانه في الآية السابقة حلول العذاب بالذين سخروا من الرسل، عاد البيان القرآني ليكشف عن وجه إمهال مشركي قريش مع كونهم من المستهزئين وأنّ ذلك رحمة من الله، وإلاّ فقل يا رسول الله لهم:(مَنْ يَكْلَؤُكُمْ): أي يحرسكم ويحفظكم (بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ)وهو كناية عن طول الزمان، وقدّم الليل لأنّ مظنّة الخوف فيه أكثر من النهار (مِنَ الرَّحْمَنِ): أي من عقابه الّذي تستحقّونه؟ فلو أراد سبحانه تعذيبكم هل هناك من يحرسكم؟ والجواب: لا. ومع هذا فالمشركون في غفلة عن هذا كما يقول:(بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ)فلو كانوا على ذكر من الله وعقابه وعذابه لتنبّهوا من نومة الغفلة، فلأجل هذا لا تُرجى هدايتهم.
43. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ):
لفظة (أَمْ) بمعنى بل، وهي منقطعة، فهو إضراب أي انتقال من تقريع إلى تقريع آخر، فذكر في التقريع الأوّل غفلتهم عن ذكر الله، وفي هذه الآية انتقل إلى تقريع آخر وهو أنّ المشركين يظنّون أنّ آلهتهم يشفعون لهم عند الله فتُقبل شفاعتهم عنده، وبذلك تخلّوا عن عبادة الله غير أنّ نجاتهم من عذاب الله رهن أحد أمرين:
1. أنّ آلهتهم المزعومة تصونهم من عذاب الله عن طريق الشفاعة كما يقول:(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا). وقوله:(مِنْ دُونِنَا) قيد لقوله (آلهَةٌ)أي: آلهة غيرنا، والمعنى: هل آلهتهم تحميهم من عذاب الله؟ كلاّ لا، لأنّها عُزّل عن ذلك كما يقول: (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ) فكيف يدفعون الشرّ

93
عن غيرهم؟ يقول سبحانه في بيان عجز آلهتم من الأصنام والأوثان: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ)1.
2. أن يدخلوا في جوارنا حتى تشملهم رحمة الله، وهو أيضاً منتف كما يقول: (وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ): أي يُجارون. فلا يُجيرهم جار ولا يغيثهم مغيث.
44. (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ):
انتقال من تقريع ثالث إلى تقريع رابع، وقد تقدّم أنّ لفظة (هَؤُلاَءِ)إشارة إلى مَن عاصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من مشركي قريش الذين عاشوا هم وآباؤهم في ترف ونعمة، حيث تُحمل النّعم الوافرة إلى بلدهم بسهولة، فصار ذلك سبباً لنسيانهم ذكر الله تعالى كما يقول:(بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) فآلاء الله سبحانه رحمات من الله إلى عباده، بشرط أن لا يجعل الإنسانُ البطرَ والترفَ أكبر همّه، فعند ذلك يغفل عن الله سبحانه ويركب الهوى الطائش، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَآبَةٌ».2
ويكفي لأن ينتبه مشركو قريش من غفلتهم ويُطامنوا من غرورهم، أنّه سبحانه يميت سكّان الأرض أُمّة بعد أُمّة كما يقول: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي

1 . الحج:73.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 64.

94
الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)فكيف لا يتّعظون مع أنّه سيحدث لهم ما حدث لغيرهم؟ (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) على مشيئة الله وهم يرون بأُمّ أعينهم موت أهلها وأحياناً خراب بلادهم؟
45. (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ):
بعد ما وصف سبحانه حال مشركي قريش بأنواع الأوصاف من لجاجتهم في التساؤل عن موعد الساعة، وامتداد العمر بهم وهم يتقلّبون في النِّعم الّتي أنستهم ذكر الله، وعدم اعتبارهم بهلاك سكّان الأرض، أخذ هنا في تقريعهم والطعن عليهم بأنّهم غير منتبهين من نومتهم وأنّ آيات الله وحججه غير نافذة في قلوبهم لمكان كونهم صمّاً منغلقي التفكير، كما يقول:(قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) لا بأمري، ولكن لا تسمعون أمر الله، لماذا؟ (وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ)فالبيان اللفظي لا ينفعهم ولا ينبّههم إلاّ إذا مسّتهم نفحة من عذاب الله، فعند ذلك يعترفون بجهلهم وظلمهم، كما يقول:
46. (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ):
نعم، إنّ هؤلاء يستيقظون من رقدتهم إذا مسّهم شيء يسير من عذاب الله كما يقول: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ). وفي الفقرة دلالات على المبالغة في التقليل:

95
إحداها: مادّة المسّ التي تنبئ عن قلّة الإصابة.
ثانيها: مادة النفح التي تدلّ على قلّة ما يضاف إليه.
ثالثها: هيئتها التي هي لبناء المرّة.
قال الشريف الرضي: ولفظ «النفحة» هنا مستعار والمراد بها إصابة الشيء اليسير من العذاب، يقال: نفح فلان فلاناً بيده، ونفح الفرس فلاناً بحافره، إذا أصابه إصابة خفيفة ولم يبلغ في إيلامه الغاية، فكأنّ النفحة هاهنا قدر يسير من العذاب يدلّ واقعه على عظيم متوقّعه، وشاهده على فظيع غائبه.1
47. (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ):
الآية، في ظاهرها، تحكي عن إحضار الموازين كما هو المراد من قوله:(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ)، ثم إنّه سبحانه يصف الموازين بالقسط، وذلك لأنّ الميزان قد يكون مستقيماً وقد يكون بخلافه، فتبيّن أنّ تلك الموازين تجري على حدّ العدل والقسط بشهادة أنّ القسط وصف للموازين، ويؤكّد ذلك قوله: (فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا). ولمّا بيّن أنّه لا ظلم اليوم أكّده بقوله: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا)وهو كناية عن ضبط الأعمال والمجازاة عليها مهما كانت صغيرة وخافية (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ): أي كفى الناس أنّا نحن الحاسبين، فسبحان مَن (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ).(2)

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:125.   2 . سبأ: 3 .

96
إلى هنا انتهينا من تفسير الآية بلفظها، وبقي هنا أمر نشير إليه:

ما هي حقيقة الميزان يوم القيامة؟

ذهب جمع إلى أنّه يقام في ذلك اليوم ميزان له كفّتان، فتجعل الحسنات في كِفّة، والسيئات في كِفّة أُخرى، فالناس عندئذ على طوائف ثلاث:
1. مَن ثقلت كفّة حسناته.
2. مَن ثقلت كفّة سيّئاته.
3. مَن تساوت حسناته مع سيّئاته.
وكلّ يُجزى بحسب ما يؤتيه الميزان.
وذهب بعض المفسّرين القدامى مثل قتادة، وكذلك فريق من المعتزلة إلى أنّه يجب أن يحمل ما ورد في القرآن من ذلك على رعاية العدل والإنصاف، ووضع الموازين عندهم تمثيل لإرصاد الحساب السويّ والجزاء على حسب الأعمال بالنَّصَفة. وهو جميل لو كان له دليل على العدول عن الظاهر.
وهناك وجه آخر وهو أنّ تطوّر الميزان في حياتنا من العصور الغابرة إلى العصر الحاضر الذي أحدثوا فيه ميزاناً لضغط الهواء، وميزاناً لضغط الدم، إلى غير ذلك من الموازين، يحدونا إلى القول ـ حفظاً لظاهر الآية ـ : إنّ في ذلك اليوم ميزاناً خاصّاً لكشف مقدار الحسنات والسيئات، ولفظ الميزان إرشاد إلى ذلك المعنى. وبما أنّ الإنسان المحبوس في عالم المادّة لا يتمكّن من إدراك ما في ذلك العالم من الحقائق، جيء لأجل تفهيم ذلك

97
بما هو رائج في حياتنا. ويدلّ على ذلك قوله سبحانه:(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا)1. فالثمار في الجنّة غيرها في الدنيا ومع ذلك فهي تُسمّى باسم واحد، فيقولون: هذا ما كنّا نأكله في الدنيا، ولكن الذكر الحكيم يظهر الحقيقة ويقول:(وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا).
وللسيد الطباطبائي نظرية خاصّة في موازين الأعمال، وحاصل كلامه: إنّ الوزن الذي توزن به الأعمال يومئذ إنّما هو الحقّ، فبقدر اشتمال العمل على الحقّ يكون اعتباره وقيمته، والحسنات مشتملة على الحقّ، فلها ثقل كما أنّ السيئات ليست إلاّ باطلة فلا ثقل لها. فالله سبحانه يزن الأعمال يومئذ بالحقّ، فما اشتمل عليه العمل من الحقّ فهو وزنه وثقله.
ثمّ إنّه(قدس سره) يفسّر قوله سبحانه:(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2) بقوله: الوزن في الآية بمعنى الثِّقل دون المعنى المصدري، وانّما عُبّر بالموازين، بصيغة الجمع في قوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)، ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) الدالّ على أنّ لكلّ واحد موازين كثيرة، من جهة اختلاف الحقّ الذي يوزن به باختلاف الأعمال، فالحقّ في الصلاة وهو حقّ الصلاة غير الحقّ في الزكاة والصيام والحجّ وغيرها، وهو ظاهر.(3)

الميزان في كلام صدر المتألِّهين

إنّ لصدر المتألِّهين 2 كلاماً في تفسير الموازين نأتِ به، قال: المراد

1 . البقرة:25.      2 . الأعراف: 8 .   3 . الميزان في تفسير القرآن:8/9.
2 . هو الفيلسوف الشهير صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي (979 ـ 1050 هـ ).

98
بالموازين هنا أحكام الله وشريعته والمعنى: إنّ الله سبحانه يقيس أعمال العباد بأمره ونهيه، فمن جاءت أفعاله على وفق أمر الله، وتروكه على وفق نهيه تعالى، فهو ممّن ثقلت موازينهم، وإلاّ فهو من الذين خفّت موازينهم، سئل الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)عن الموازين القسط؟ فقال: هم الأنبياء والأولياء. أي: أنبياء الله وأولياؤه، أي أحكام الله الّتي يبلغها الأنبياء والأولياء لعباده. وعلى هذا الأساس يكون الجزاء، فلا يُنقص من ثواب المحسن مقدار حبّة من خردل، وقد يُزاد له، ولا يُزاد في عقاب المسيء حبّة كذلك، وقد يُنقص منه(وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) لا نشتبه بشيء ولا يفوتنا شيء مهما بلغ العدد، ثم قال: «في قدرة الله أن يكشف للخلائق جميع أعمالهم، وميزان حسناتهم وسيئاتهم وثوابها وعقابها في لحظة واحدة، وهو أسرع الحاسبين».1
ثم إنّه تكلّم عن معنى الميزان يوم القيامة وأطال الكلام، وبالنظر إلى مكانة المؤلّف في فلسفة العقيدة وغيرها نقتطف من عباراته ما يلي مع ضرب من التصرّف في التعبير بقصد الإيضاح:
سورة الأنبياء: الآيات 48 ـ 50   
واعلم أنّ ميزان الآخرة ما يعرف به حقائق الأشياء كما هي من العلم والإيمان بالله وصفاته وأفعاله العظمى، وبملائكته وكتبه ورسله والعلم باليوم الآخر...، وهذا الميزان هو القرآن الذي أنزله المعلم الأوّل، وهو الله على المعلم الثالث وهو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة المعلم الثاني وهو جبريل، فبأحكام القرآن يقاس علم الإنسان وعقله وجميع أقواله وأفعاله، وتعرف حسناته من سيئاته، فإن كان الرجحان للحسنات فصاحبها من أهل

1 . الأسفار الأربعة: 9 / 297 ـ 298، بتوضيح وتلخيص .

99
السعادة، وإن كان للسيئات فصاحبها من أهل الشقاوة، ومع تساوي الحسنات والسيئات فصاحبهما موقوف حتى يحكم الله فيه بالعذاب أو العفو، ولكن جانب الرحمة أرجح لأنّ الله عفوّ رحيم1.2

الآيات: الثامنة والأربعون إلى الخمسين

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ).

المفردات

الفرقان: يستعمل في الفرق بين الحقّ والباطل. و(يَوْمَ الْفُرْقَانِ)3اليوم الذي فرّق فيه بين الحق والباطل، أي يوم التقى الجمعان في أرض. وربّما يطلق الفرقان ويراد به النور نحو قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا).(4)
ضياءً: من الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيّرة، يقال: ضاءت النار، وأضاءت، وسمّيت الكتب المهتدى بها(ضياءً) لأنّها تضيء الطريق أمام الإنسان في الدنيا والآخرة.
الغيب: ما غاب عن عيون الناس.

1 . الأسفار الأربعة: 9 / 300 ـ 301، بتوضيح وتلخيص .
2 . سيأتي مزيد بيان عن الموازين، عند تفسير سورة القارعة.
3 . الأنفال: 41.   4 . الأنفال: 29.

100
مُشفقون: الإشفاق عناية مختلطة بخوف، لأنّ المُشفِقِ يحبّ المُشفَق عليه ويخاف ما يلحقُه، فإذا عدِّي بمَن (كما في آيتنا)، فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عُدِّي بفي، فمعنى العناية فيه أظهر.1

التفسير

لمّا تقدّمت الإشارة ـ تطييباً لنفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ إلى موقف الاستهزاء الّذي وقفه المشركون من رسل الله، أعني قوله سبحانه:(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ)، اقتضى المقام بيان شيء من سيرة أُولئك الرُّسل وجهادهم في طريق تبليغ الدين وما لاقوا من المصائب والمصاعب. وقد تضمّنت هذه المجموعة ذكراً لاثنين من الأنبياء ـ أعني: موسى وهارون (عليهما السلام) ـ وسيوافيك ذكر خمسة عشر من أُولئك المصطفَين للنبوّة، فبدأ سبحانه بذكر موسى وهارون وقال:
48. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ):
دلّت الآية على أنّه سبحانه كرّم النبيَّين بأُمور ثلاثة، وفي نسبتها إلى نفسه(آتَيْنَا) تنبيه على عظمتها.
الأوّل:(الفُرقان) وفيه احتمالات:
1. أُريد به التوراة، ويؤيّد ذلك أنّ الفرقان من أسماء القرآن أيضاً، كما

1 . المفردات للراغب: 263، مادة «شفق».

101
قال سبحانه:(تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).1
2. أُريد به المعاجز التسع التي زوّد بها موسى(عليه السلام) لإثبات نبوّته وإبطال أُلوهية فرعون.
3. أُريد به انشقاق البحر لبني إسرائيل، لقوله تعالى:(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(2). ولا مانع من إرادة الجميع، وإن كان الأوّل هو الأظهر.
الثاني:(وَضِياءً) والضياء هو النور، وأُريد به الهدى والعلم كما يقول:(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ)2.
الثالث:(وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ): أي وموعظة للموصوفين بتقوى الله. ولعلّ الظرف قيد للثلاثة جميعاً أو للأخيرَين فقط، فلا يستغني بنور التوراة ولا يتذكّر إلاّ الموسوم بالتقوى إذ غيره جاهل وذاهل.
49. (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ):
ثمّ إنّه سبحانه يصف المتقين بوصفين:
1.(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)، الباء في قوله:(بِالْغَيْبِ) بمعنى «في» أي يخافون ربّهم في حال السرّ بعيداً عن عيون الناس، فإنّ الخشية في تلك الحالة تكون مجردة عن الرياء والسمعة. قال الإمام محمد الجواد (عليه السلام): «لا تكن وليّاً لله في العلانية، عدوّاً له في السِّرّ».3

1 . الفرقان:1.      2 . البقرة:50.
2 . المائدة:44.
3 . أعلام الدين للحسين الدَّيلمي: 309 .

102
سورة الأنبياء: الآيات 51 ـ 73   
والخشية عبارة عن الخوف الممتزج بالاحترام والتعظيم، كخوف المتعلِّم من المعلّم، والعامل من رئيسه.
2. (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) والمراد من الساعة هو يوم القيامة وأهوالها، وقد مرّ أنّ الإشفاق عبارة عن الخوف الممتزج بالعناية والاهتمام، فهم مع اهتمامهم بأمر القيامة واحترازهم من ارتكاب المعاصي، يخافون من أهوالها وما فيها من عقبات.
50. (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ):
لمّا وصف سبحانه التوراة بما عرفت، ناسب أن يلفت الأنظار إلى القرآن، الّذي يشترك معها في تلك الأوصاف وفي كونه وحياً من عنده تعالى وليس هو ببِدْع في ذلك، كما يقول: (وَهَذَا)القرآن الحكيم كالتوراة (ذِكْرٌ): أي مذكِّراً للناس بما أُودع في فطرتهم من التوحيد والمعارف الّتي تحدوهم إلى الإيمان والإحسان (مُبَارَكٌ): أي كثير الخير غزير النفع، وهو وصف ثان للقرآن الّذي (أَنْزَلْنَاهُ) على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)للاهتداء. ثمّ خاطب سبحانه المشركين الّذين يكذّبون بالقرآن ـ على وجه التوبيخ والتعجيب من تكذيبهم ـ مع كثرة خيره ونفعه لهم، فقال : (أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)؟

الآيات: الحادية والخمسون إلى الثالثة والسبعين

(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ التي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي

103
ضَلاَل مُبِين * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لاََكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُوني بَرْدًا وَ سَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فجَعَلَنْاَهُمُ الأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ

104
وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ).

المفردات

رُشدَه: الرُّشد: الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا.
التماثيل: جمع تمثال وهو الصورة المصنوعة على شبه مخلوق من صنع الله، كطير أو شجر أو إنسان. والمراد بها هنا الأصنام، عبّر عنها بذلك تحقيراً لشأنها.
عاكفون: العكوف: اللّزوم لأمر من الأُمور.
بالحقّ: الحقّ هو الشيء الثابت بالواقع، استعير به هنا للقول بالجدّ.
فَطَرهنّ: خَلَقهنّ وأبدعهنَّ.
من الشاهدين: شهادة عن طريق الفطرة، ومن ثمّ شهادة عقلية.
لاَكيدنّ: الكيد: الاحتيال في إيجاد ما يضرّ مع إظهار خلافه. وأُريد به هنا تكسير الأصنام في غياب القوم.
جُذاذاً: قِطَعاً، جمع الجِذّ، وهو القطعة الصغيرة.
يَذكُرهم: يعيبهم ويسبّهم.
على أعين الناس: أي يراه الناس بأعينهم.
فرجعوا إلى أنفسهم: أي فكّروا وتدبّروا فيما قاله إبراهيم(عليه السلام)، فلاموا أنفسهم.
نُكسوا: النَّكس: الوقوف على الرأس، وجعل أسفل الشيء أعلاه. وهو كناية عن تغيّر رأيهم وجعل الباطل مكان الحقّ.

105
أُفٍّ: اسم فعل دالّ على الضّجَر، وهو منقول من صورة تنفس المتضجِّر لضيق نفسه من الغضب.
سلاماً: إشارة إلى أنّ البرد لم يكن مؤذياً لحياة إبراهيم(عليه السلام).
نافلةً: عطيّة.

التفسير

تضمّنت هذه المجموعة من الآيات التي يبلغ عددها 23 آية، مواقف جريئة ومشرقة لنبيّ التوحيد إبراهيم الخليل(عليه السلام) وهي وإن تجلّت بصورة واحدة من وصف هذا النبيّ الكريم(عليه السلام) ولكنّها عند التحليل مشاهد مختلفة في حياته تبدأ عندما كان شابّاً حَدَثاً، كما يرشد إليه قولهم: (فَتَىً). وإليك رؤوس هذه المواقف.
1. تربّى إبراهيم(عليه السلام) في رعاية عمّه آزر، الّذي كان وثنيّاً شديد التعصّب. وبما أنّه (عليه السلام)عاش في كنفه فالله سبحانه أولاه نعمة عظيمة وهي الاهتداء إلى الحقّ المبين، والبصيرة النافذة في معرفته .
2. إنّ لازم نشأته في حِجر آزر الوثني، أن لا يعترض عليه بشيء، ولكنّه حينما شبّ وكبر اعترض عليه وعلى قومه، متسائلاً ـ في احتقار ـ عن التماثيل التي يعبدونها، فيجيبونه بأنّها سنّة الآباء، وهو يردّ عليهم ببرهان قاطع، كما سيوافيك.
3. أنّه وقف على أنّ قوّة المنطق لا تفيد في ذلك الصراع، فأخذ بمنطق القوّة وصمّم على تحطيم الأصنام، ثمّ أقدم على ذلك بشجاعة بالغة.

106
4. أنّه قام وحده بذلك العمل في غياب القوم، فجعل الجميع قِطَعاً صغيرة إلاّ كبير هذه الأصنام، حتى يرجع إليه القوم، ويتمكّن من إجراء الحوار بينه وبين القوم.
5. قاموا بتشكيل محكمة علنيّة ودعَوا الناس إلى حضورها ليشهدوا على إبراهيم (عليه السلام)بأنّه كان يحقّر آلهتهم، واتّخاذ ذلك ذريعة لانتزاع الاعتراف منه بأنّه هو الفاعل.
6. بما أنّ القوم لم يكن عندهم قانون يُرجع إليه في هذه الحادثة الكبيرة، فقد اجتمعت آراؤهم على إحراقه حتى لا يبقى أثر من وجوده، ولكنّ الله سبحانه شاء أن ينجيه من كيدهم، فكانت النّار برداً وسلاماً عليه.
7. لمّا تبيّن لإبراهيم (عليه السلام)أنّ البيئة التي عاش فيها غير مؤهّلة لتبليغ الرسالة وأنّ القوم كانوا يردّون قوّة المنطق بمنطق القوّة، عزم على الهجرة إلى أرض فلسطين مع ابن أخيه لوط، وهناك حباه الله سبحانه بعطيّة عظيمة، إذ وهب له إسحاق، وابنه يعقوب.
8 . استمرّ أمر الإمامة في نسل إبراهيم (عليه السلام)فصاروا أئمة يهدون بأمر الله تعالى.
هذه هي المواقف الثمانية التي وقفت على رؤوسها، والتي تضمّنتها هذه المجموعة من الآيات، وإليك تفسيرها.
51. (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ):
أضاف سبحانه إيتاء الرشد في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ)إلى نفسه، تنبيهاً على فخامة هذا الرشد، حيث إنّ المعطي هو الله سبحانه.

107
والرشد ـ كما قلناـ هو الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، ويقابله الغيّ. والرشد مصدر مضاف إلى مفعوله، وأُريد من الإضافة إلى إبراهيم، الرشد اللائق بمقامه (عليه السلام) أي رشداً يليق به.وقوله (مِنْ قَبْلُ): أي من قبل موسى وهارون، أي قبليّة زمنية، وتوهُّم أنّها إيضاح لواضح، مدفوع; لأنّ وضوح الأمر صار بتلاوة هذه الآية والآيات الأُخرى، ولم يكن مشركو مكة واقفين على تاريخ حياة الأنبياء وتسلسل وجودهم. ولمّا كان ثَمّة توهُّم أنّ هذه العطيّة كانت فوضى وبلا ملاك، أوضح سبحانه حقيقة الأمر بقوله (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أنّه يوفي بعهد الله، ويحمل أمانة الله طيلة حياته، فكان أهلاً لإيتائه الرشد وهو فتى لم يبلغ مبلغ الرجال.
52. (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ التي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ):
ظاهر هذه الآية أنّ أبا إبراهيم كان مشركاً تابعاً لملّة قومه، حيث يقول: (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) ولكن سيأتي عند تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)1 أنّ المراد به ليس والد إبراهيم(عليه السلام)وإنّما عمّه (أو خاله)، ويشهد لذلك دعاؤه (عليه السلام)في أواخر عمره لوالده قائلاً: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي
وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
)
(2) فلو كان والده وثنيّاً لما دعا له، مع أنّه تبرّأ من أبيه آزر في أوليات عمره كما حكى عنه سبحانه:(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)2 فبذلك يعلم أنّ الوالد الذي دعا له في أُخريات عمره

1 . الممتحنة: 4.   2 . إبراهيم:41.
2 . التوبة:114.

108
غير الأب الذي تبرّأ منه زمن كونه فتى، والتعبير بالوالد عند الدعاء وبالأب عند التبرّي أوضح دليل على تعدّدهما، وسيوافيك تفصيله في محلّه.
ثمّ إنّه(عليه السلام) يعترض على مَن يربّيه ويتحمّل معاشه ومَن معه من الوثنيّين بشجاعة بالغة ويقول: (مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ التي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) عبّر عن آلهتهم بالتماثيل تحقيراً لها وتوبيخاً لهم، أي أنّها تماثيل بلا روح وبلا وعي وعقل، فإذا كانت كذلك فلماذا أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها؟!
53. (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ):
فوجئ أبو إبراهيم(عليه السلام) ومَن معه بهذا السؤال من فتىً لا يزال في مقتبل عمره، حيث ينطوي على تحقير لآلهته وآلهة قومه وتقريع لهم، ولم يجد القوم ما يردّون به على هذا السؤال، سوى الاحتجاج بصنيع آبائهم المشركين، والتشبّت بالتقليد الأعمى لهم : (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)فالجواب بصيغة الجمع حاك ـ كما مرّ ـ عن أنّ إبراهيم ألقى سؤاله المنطوي على التحقير أمام قومه، ولذلك قاموا بالجواب جميعاً بأنّ العكوف على تلك الآلهة هي سنّة الآباء ، نتبعها وإن كانت بعيدة عن العقل.
54. (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَل مُبِين):
أتى بلام القسم تأكيداً لصحّة قوله، ومنكراً لسنّة قومه، قائلاً:(لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَل مُبِين)حيث إنّ الحقّ هو اتّباع ما يدعمه العقل لا اتّباع سنّة الآباء إذا كانت على ضلال.
قاتل الله العصبية حيث كانت سبباً في تضليل الأقوام بل كانت عاملاً

109
فعّالاً في تأجيج الحروب بينهم وحلول الدمار والهلاك بهم.
55. (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ):
كانت كلمة إبراهيم(عليه السلام)، المؤكَّدة بالقسم، بتضليل المخاطبين وأسلافهم، قد أحدثت هزّة عنيفة في عقول القوم، وزلزلت كيانهم، حيث أخذوا يفكّرون في كلام هذا الفتى ويقولون في أنفسهم: كيف تكون هذه السنّة سنّة ضالّة؟! أفيمكن أن يكون أسلافنا الّذين نقتفي آثارهم على ضلال مبين كما يصفهم به ذلك الفتى؟! ولذلك عادوا ـ تحت تأثير تلك الصدمة ـ يسألوه عن كيفية كلامه (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ): أي أتقول هذا عن جِدّ (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ)وتتكلّم عن لغو؟ وهل كلامك هذا حقّ أو باطل؟ لقد هزّهم كلام إبراهيم هذا هزّاً فلم يجدوا بدّاً من هذا التساؤل، ولكنّ بطل التوحيد(عليه السلام)لم يعبأ بتساؤلهم، بل واصل كلامه بإيراد هذه الحجّة القويّة الواضحة.
56. (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ):
بدأ إبراهيم كلامه بلفظة (بَلْ) إضراباً عن كونه من اللاعبين العابثين، فذكر أنّ ربهم (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ): أي خلقهنّ وأبدعهنّ. وهذه الفقرة من الآية تشهد على أنّ القوم كانوا موحِّدين في الخلق، معتقدين بأنّ الله هو خالقهم وخالق السماوات والأرض، إلاّ أنّهم كانوا مشركين في الربوبيّة، أي أنّ ربوبيّة الكائنات الأرضية بيد واحد من

110
الأجرام السماوية التي تحكي عنها التماثيل التي يعبدونها. فذكر إبراهيم (عليه السلام)أنّ الربوبيّة والتدبير لا تنفكّ عن الخلق، فإذا كان الخالق هو الله فهو الربّ أيضاً، وتفكيك الربوبيّة عن الخالقيّة، خرافة، فليست ربوبيّته سبحانه، كربّ الأُسرة بالنسبة إلى أفرادها، أو ربّ الضيعة بالنسبة إلى أشجارها، بل تدبيره سبحانه عبارة عن استدامة الخلق.
ثمّ إنّه لم يقتصر على هذا البيان بل جعل نفسه شاهداً عليه وقال: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ) أيّها المخاطبون (مِنَ الشَّاهِدِينَ) شهادة فطرية تتلوها شهادة عقلية. وأنتم لو فكّرتم في ذلك لوقفتم على صحّة كلامي.
وبذلك انتهى الموقفان الأوّلان ولكنّه أحسّ أنّ القوم لم يقتنعوا ببيانه وأنّهم مصرّون على ضلالهم فعدل عن قوّة المنطق إلى منطق القوّة، وأنّ العلاج هو تطهير الأرض من هذه الآلهة المكذوبة وتزييف قدسيّتها المصطنعة، حتى يتنبّه القوم إلى أنّهم أذلاّء لا يتمكّنون من الدفاع عن أنفسهم فكيف عن غيرهم؟ فظهر موقفه الثالث بالنحو التالي:
57. (وَتَاللّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ):
ظاهر الآية أنّ إبراهيم(عليه السلام) أبدى ما اعتزمه من كيد الأصنام أمام القوم حيث يقول: (وَتَاللّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ): أي بعد أن تخرجوا من مدينتكم، وسمّى تكسيره الأصنام كيداً من باب المشاكلة حيث إنّ القوم يزعمون أنّ الأصنام تدفع عن أنفسها، فأعلن ـ من منظار عقيدتهم ـ أنّه قد اعتزم أمراً في شأنها، وهو أن يفعل ما اعتزمه بكيد وحيلة تغفل عنها الأصنام. وأمّا ما هو كيده وفعله فهذا ما تتضمّنه الآية التالية.

111
وذهب عدد من المفسّرين، منهم قتادة إلى أنّ إبراهيم (عليه السلام)أسرّ هذه المقالة في نفسه .
وقال السيد الطباطبائي: إنّ سياق القصّة وطبع هذا الكلام يستدعي أن يكون قوله: (وَتَاللّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) بمعنى تصميمه العزم على أن يكيد أصنامكم، فكثيراً ما يعبَّر عن تصميم العزم بالقول، يقال: (لأفعلنّ كذا) لقول قلته، أي لعزم صمّمته. ومن البعيد أن يكون مخاطباً به القوم وهم أُمّة وثنية كبيرة ذات قوّة وشوكة، فلم يكن من الحزم أن يخبر القوم بقصد أصنامهم بالسوء خاصّة بالتصريح، على أنّ ذلك منه بالكيد يوم تخلو البلدة أو بيت الأصنام من الناس، كمن يفشي سرّاً لمن يريد أن يكتمه عنه. اللّهمّ إلاّ أن يكون مخاطباً به بعض القوم ممّن لا يتعدّاهم القول.1
58.(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ):
همّ القوم بالذهاب إلى خارج المدينة لعيد لهم، وطلبوا منه أن يرافقهم، فأبى أن يخرج معهم معتذراً بقوله: (فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ)(2)، وسيوافيك عند تفسير هذه الآية في محلّها، أنّ إبراهيم (عليه السلام)كان سقيماً فعلاً أو أنّه استظهر سقمه فاعتذر به عن الخروج معهم. وليس من البعيد أنّه أراد أنّه سقيم روحاً، فتصوّر القوم أنّه سقيم بدناً، بمعنى أنّه كان مضطرب البال، كاسف الحال، لِما يرى من ضلال قومه، الّذين مكان أن يعبدوا الله سبحانه، يعبدون الأجسام الفارغة عن كلّ شيء، وهذا هو الذي جعله في قلق واضطراب روحيّ.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:14/299.   2 . الصافات: 89 .

112
لم يصرّ القوم على مرافقته لهم، مع أنّه (حسب ظاهر الآية) أبدى ما اعتزم عليه من كيد الأصنام عند غيابهم ولعلّهم لم يكونوا يتوقّعون أنّه سيقوم بذلك، وأنّه أضعف ممّا يقول فلذلك تركوه، وصارت البلدة خالية منهم، فاستغلّ إبراهيم(عليه السلام) هذه الفرصة ودخل معبدهم، وأخذ يحطّم ما فيه من أصنام (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا)أي قطَعاً صغيرة (إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ) تركه على حاله ولم يحطّمه، وما ذلك إلاّ (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) والضمير في (إِلَيْهِ) راجع إلى (كَبِيرًا لَهُمْ)، والغاية من تركه أن يمنحهم فرصة للتفكير في حقيقة هذه الأصنام وعجزها حتّى عن حماية نفسها، فضلاً عن غيرها. ويؤيّد هذا قول إبراهيم الآتي:(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) في جواب قولهم: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا)، وفي مرجع الضمير وجهان آخران:
1. أنّ الضمير يرجع إلى إبراهيم، والمعنى: فكسّر الأصنام وأبقى كبيرهم لأنّ الناس يرجعون إلى إبراهيم فيُحاججهم ويُبكِّتهم.
2. أنّ الضمير يرجع إلى الله سبحانه، والمعنى لأنّ الناس يرجعون إلى الله بالعبادة لمّا رأوا حال الأصنام وتنبّهوا من كسرها.
يلاحظ عليهما: أنّ لازم هذين الاحتمالين كون قوله:(إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ)مستدركاً، أمراً غير لازم.
59. (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ):
لمّا رجع القوم من عيدهم، وقصدوا آلهتهم المزيّفة، لتأدية مراسم العبادة، واجهوا داهية دهياء ومصيبة كبرى وهي تحطيم الآلهة وجعلهم قِطَعاً متناثرة ، فعضّوا على أصابعهم تغيُّظاً وتعجُّباً، و (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا

113
بِآلِهَتِنَا): أي منّ حطّم هذه الآلهة وفعل تلك الفعلة؟ فلفظة (مَنْ) هنا للاستفهام، وعندئذ يكون قوله (هَذَا): (إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ)استئنافاً، أي إنّه لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، ولتعدّيه على حقوقنا بتحطيمه لمعبوداتنا. وجوّز بعضهم أن تكون (مَنْ) بمعنى الّذي، فيكون (إِنَّهُ) وما بعده الخبر .
60. (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ):
لمّا سألوا عن المرتكب لتلك الجناية، أجاب عدد منهم و (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ): أي يذكر الآلهة بالسوء. وهذا يعني أنّه كان مظنّة لارتكاب هذا الفعل . وأمّا مَن هذا الفتى؟ فإنّهم لم يذكروه إلاّ بازدراء : (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)وكأنّ اسمه غير إبراهيم وهو اسم مستعار له. وللإمعان في ازدرائه (عليه السلام)، عبّروا عنه بـ(فَتًى) نكرة.
ومهما يكن، فقد اجتمع رأيهم على إحضاره.
61. (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ):
لمّا شاهد القوم بأُمّ أعينهم ما فُعل بآلهتهم، رغب أصحاب القرار والمتصدّون للأُمور رغبة أكيدة بمعاقبة مَن اقترف هذه الجريمة، فلمّا أُشير إلى اسم ذلك الفتى الّذي يُحقِّر آلهتهم عزموا على إحضاره على رؤوس الأشهاد، كما يقول: (فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) حتى يسمعوا شهادة مَن يشهد عليه بما سمعوه منه من عيب آلهتهم، كما يقول: (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ)فتكون تلك الشهادة ذريعة لأخذ الإقرار منه بالجذّ والكسر. وأمّا احتمال أنّ المراد أن يشهد الناس ويرَوا ما يحلّ بإبراهيم من العقاب، فبعيد عن السياق، إذ لم يُحكم عليه بشيء لحدّ الآن حتى يشهدوا ذلك.

114
62. (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ):
أُحضر إبراهيم(عليه السلام) إلى المحكمة لكشف الحقيقة، ومع أنّهم كانوا جازمين بأنّ تحطيم الأصنام كان من فعله (عليه السلام)، ومع ذلك سألوه (وهو أشبه بتجاهل العارف) و (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)؟ وإضافة الآلهة إلى أنفسهم، لأجل التعظيم.
فعندئذ نرى أنّ بطل التوحيد والعصمة كيف أجابهم على نحو لم يرتكب كذباً ولم يوُرِّ، فقال:
63. (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ):
ابتدأ بكلام ألقى فيه مسؤولية الكسر على عاتق كبير الأصنام: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وعندئذ يتوجّه السؤال: هل أنّه(عليه السلام) كذب في هذا القول لمصلحة كما زعمه بعض المفسّرين، أو أنّه لم يكذب أبداً ولم يورّ، وإنّما طرحه بعنوان الفرضية حتى يتفكّر فيها القوم ويقفوا على بطلانها بأنّ الأصنام أعجز من أن تقوم بهذا العمل الكبير، وعندئذ ينتهز إبراهيم الفرصة لإبطال أُلوهيتهم بقوله:(أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ)، وهذا النوع من الكلام رائج في المخاصمات والمناظرات، فمعنى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ):أي في ظاهر الحال لأجل كونه الوحيد، من بين سائر الآلهة المزعومة، الّذي بقي على حاله. وسلامته من الكسر شاهد على أنّه فعله. وبهذا رتّب عليه قوله: (فَاسْأَلُوهُمْ): أي الأصنام المحطّمة، من فعل بهم هذا؟ بشرط أن يكونوا ناطقين، قادرين على النطق، كما يقول:(إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، فقوله:

115
(إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) قيد للأمر بالسؤال، وتقدير الآية: إن كانوا ينطقون فاسألوهم؟
وربّما يقال: بأنّ القيد راجع إلى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)، حيث قيّد فعل الكبير بالنطق، ولمّا كان الشرط منتفياً فالمشروط مثله، لكنّه بعيد عن سياق الآية.
ومَن تأمّل في كلامه(عليه السلام) يقف على أنّه لم يكن كلاماً عن جدّ وجزم وعزم حتى يوصف بالكذب، بل كان كلاماً أُلقي بصورة الجِدّ، ليكون ذريعة لإبطال أُلوهيّتهم.
وحصيلة الآية: إنّ إبراهيم ليس في مقام إبراء نفسه من ذلك العمل لأنّه كان أمراً واضحاً بينه وبين القوم، وإنّما يريد بطرح هذا الكلام (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)أن يهيّئ أرضية صالحة للحوار الذي ينمّ عن جهل القوم وضلال طريقهم، ولولا هذا الطرح لما تمكّن من الحوار.
ومن هنا يُعلم ضعف ما روي في مصادر السنّة عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لم يكذب إبراهيم إلاّ ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله عزّ وجلّ، قوله: (إنِّي سَقِيمٌ) وقوله :(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة... ثم ساق قصة طويلة، ذكر فيها قول إبراهيم(عليه السلام) إنّها أُختي.1
وفي الحديث إشكالات واضحة تسقطه عن الاعتبار.
الأوّل: أنّ الذكر الحكيم يصف إبراهيم بصفات لم يصف بها أحداً من

1 . صحيح البخاري: 2 /371، برقم 3358 .

116
أنبيائه العظام، فقد وصفه بالصفات التالية: حنيفاً، خليلاً، أوّاهاً، منيباً، أُمّة قانتاً لله، صدّيقاً نبيّاً.
فهل يُعقل أن يُكذب الموصوف بهذه الصفات السامية، حتى وإن كان كذبه للغاية المذكورة في الحديث؟
الثاني: أنّه لا دليل على أنّه كذب في الموارد الثلاثة المعروفة.
أمّا الكذبة الأُولى ـ أعني قوله:(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ)1 ـ فلا دليل لنا أنّه لم يكن حين ذاك سقيماً، وقد نطق القرآن بإخباره أنّه سقيم، وذكر سبحانه قبل ذلك أنّه جاء ربّه بقلب سليم.
فلا يصحّ عليه كذب ولا لغو في القول.
قال الرازيّ: لا نسلِّم أنّه ما كان سقيماً في تلك الساعة الآتية، كما إذا علمتَ أنّك ستصير محموماً وقت الظهر، ثمّ إنّ واحداً يدعوك إلى الضيافة بحيث تعلم أنّه لابدّ من الجلوس مع القوم وقت الظهر، فتقول: إنّي محموم، وتعني به أنّي أكون محموماً في ذلك الوقت، وأيضاً لعلّه لمّا كان مشرفاً على السُّقم سمّى نفسه سقيماً، كما في قوله تعالى:(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)(2)، وأيضاً أراد إنّي سقيم القلب، والمراد ما في قلبه من الحزن والغمّ بسبب كفرهم وعنادهم.2 وقد مرّ احتمال أنّه أراد بقوله: (إنِّي سَقِيمٌ)أنّه مضطرب البال، لأجل انكباب قومه على الشرك والوثنية.
وأمّا الثانية ـ أعني: قوله: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا

1 . الصافات: 88 ـ 89 .   2 . الزمر:30.
2 . عصمة الأنبياء:59.

117
يَنْطِقُونَ)ـ فليس بكذب قطعاً، فإنّ الصدق والكذب من صفات الكلام الصادر عن جدٍّ، وأمّا الكلام الصادر لغاية أُخرى كالهزل والاستهزاء الحق، فلا يوصف بالكذب. وممّا لا شكّ فيه أنّ إبراهيم تكلّم بما تكلّم ونسب كسر الأصنام إلى كبيرهم بغية الاستخفاف بعقول القوم، حتى يهيّئ الأرضية اللازمة لهذا الاعتراف:(لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ)1، ومن ثمّ يدمغهم بهذا البرهان القويّ، الّذي يدحض قولهم بأُلوهية تلك التماثيل: (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).(2)
فالكلام الملقى لإسكات الخصم وإفحامه لا يوصف بالكذب إذا كانت هناك قرينة واضحة على أنّه لم يصدر لغاية الجدّ، بل صدر ليكون مقدّمة لاستنطاق الخصم واعترافه بعجز الأصنام عن التكلُّم، ليستثمره في إبطال عقيدتهم الساذجة بما عرفت من البرهان القاطع.
وأمّا الثالثة فليس لها مصدر إلاّ التوراة المحرَّفة، فقد جاء فيها:
فحدَث لما دخل أبرام إلى مصر أنّ المصريين رأوا المرأة أنّها حسنة جدّاً ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيراً بسببها وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتن وجمال، فضرب الربُّ فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام.
فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني

1 . الأنبياء: 65.   2 . الأنبياء: 66 ـ 67.

118
أنّها امرأتك؟ لماذا قلت هي أُختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ والآن هو ذا امرأتك خذها واذهب فأوصى عليه فرعون رجالاً، فشيّعوه وامرأته وكلّ ما كان له.1
وبهذا تتبيّن هشاشة ما يُزعم أنّه كذب ثلاث كذبات.
64. (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ):
كانت الغاية من نسبة الفعل إلى كبير الأصنام إيقاظ ضمائرهم على بطلان سنّة آبائهم حيث يعبدون ما لا يسمع ولا يجيب، وقد وصل إبراهيم إلى تلك النتيجة، كما يقول: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ) :أي إلى وجدانهم فاعترفوا من صميم قلوبهم (فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) وكأنّ هذه كلمة حقّ جرت على لسان حالهم، فقال كلٌّ لنفسه مخاطباً لها: إنّك أنت الظالم حيث تعبد جماداً لا ينطق. ويحتمل أن يكون المراد أنّه يخاطب بعضهم بعضاً بقولهم: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)، والأوّل أفضل.
وهذه الفقرة تدلّ على أنّ في باطن الإنسان وأعماق نفسه ضميراً حيّاً، ربّما يزجره عن ارتكاب العمل الطالح، أو يوخزه بعد ارتكابه، وهذا ما يعبَّر عنه في علم النفس بالوجدان، ولكنّ هذا النور الداخلي سريعاً ما يخبو ويُطفأ بفعل تيارات الهوى والغضب والشهوة الإنسانية، والشاهد على ذلك الآية التالية حيث عدلوا عمّا قضت به ضمائرهم.
65. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ):

1 . التوراة، سفر التكوين 12 و 13، الإصحاح الثاني عشر.

119
النكس ـ كما مرّ ـ هو الوقوف على الرأس، وجعل أسفل الشيء أعلاه، والفقرة كناية عن تغيّر رأيهم ووضعهم الباطل مكان الحقّ ، فإنّهم لمّا اتّضح لهم الحقّ، وجرى على لسانهم الاعتراف بأنّهم الظالمون لأنفسهم بعبادة هذه الأحجار الّتي لا تنطق ولا تعقل، لم يثبتوا على ذلك، بل سرعان ما عادوا إلى باطلهم وضلالهم، كما يقول: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ)فصاروا خصماً لإبراهيم معترضين عليه بقولهم:(لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ).
قال الشريف الرضي حول الآية: وهذه استعارة، والمراد بها وصف ما لحقهم من الخضوع والاستكانة والإطراق عند لزوم الحجّة، فكأنّهم شبِّهوا بالمتردّي على رأسه تدويخاً بنصوع البيان، وإبلاساً عند وضوح البرهان.1
إنّ هذه الفقرة أعطت الفرصة لإبراهيم (عليه السلام)ليوجّه لهم ضربة قاضية، حيث صار قولهم بنفي إمكان نطقهم برهاناً صارماً كما بيّنه في الآية التالية:
66.(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ):
لقد أفضى الجدال المذكور آنفاً بين إبراهيم وبين قضاة المحكمة إلى أن يعظ (عليه السلام)القوم بأفضل الأدلّة وأوضح البراهين قائلاً بأنّه إذا كان هؤلاء على ما تصفون (مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ) فلماذا تعبدونهم؟ كما يقول: (قَالَ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:125.

120
أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ) فكيف تُعبد وهي لا تعقل ولا تنفع ولا تضرّ؟ ثمّ صبّ عليهم قارعة أُخرى لو كانوا أهلاً للانتباه وقال:
67. (أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):
قوله:(أُفّ لَكُمْ) بمعنى بُعْداً لكم ولمعبوداتكم التي اتّخذتموها آلهة من دون الله، فالتأفّف من شيء، يعبّر عن التضجّر منه، والضيق به (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): أي أفلا تتدبّرون ما أنتم عليه من اعتقاد فاسد ليس فيه لمسة من الحقّ، ولا مسحة من الصدق.
إنّ إبراهيم (عليه السلام)بكلامه هذا قد تبرّأ من القوم وأعمالهم على وجه لم يُبقِ فيه رجاءً للقوم في رجوعه وندامته عمّا فعل، فلذلك أصدروا حُكمهم القاسي هذا عليه:
68. (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ):
نسب الأمر بالإحراق إلى جميعهم باعتبار أنّهم ارتضَوا هذا الحُكم، الّذي ارتفعت الأصوات بإنفاذه انتقاماً للآلهة ونُصرة لها، يقول:(وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)، والقضية الشرطية لغاية تحريضهم وتحريكهم جميعاً إلى المشاركة في هذا العمل.

نجاة إبراهيم (عليه السلام)من الحرق

69. (قُلْنَا يَا نَارُ كُوني بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ):

121
إنّ طريقة القرآن الكريم في نقل القصص هو نقل المهمّ منها وترك ما يفهم من القرائن كما في المقام. ومقتضى الحال أنّهم جمعوا الحطب وأوقدوا النّار وألقَوا فيها إبراهيم (عليه السلام)، إلاّ أنّ البيان القرآني اختصر كلّ ذلك وانتقل إلى ما بعده، حيث خاطب النار التي فيها إبراهيم بقوله: (قُلْنَا يَا نَارُ)والخطاب بقوله: (قُلْنا)خطاب تكويني كسائر الخطابات التكوينية التي يحكي عن مدى تأثيرها، قوله سبحانه:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)1. نعم إنّ النار بطبيعتها تحرق وتؤلم ولكنّها بما أنّها سبب طبيعي يؤثّر بإذن الله سبحانه ولولا إذنه لسُلبت منها تلك الخصوصية وانقلبت إلى ما تعلّق به إذنه وإرادته وهو كونه، كما يقول:(قُلْنَا يَا نَارُ كُوني بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، فجمع سبحانه بين البرد والسلام وما ذلك إلاّ لأنّ البرد أيضاً مهلك كالنار، فأتى بالسلام أي أنّ البرد كان لطيفاً غير مؤذ.
هذا، وقد وردت آثار وروايات عديدة حول قصة إحراق إبراهيم (عليه السلام)بالنار، في صحّة أكثرها نظر، ولا يهمّنا ذكرها وإنّما نأتي برواية واحدة منها، للتدليل على ما دُسّ من أساطير وإسرائيليات في كتب الحديث والتفسير.
أخرج أحمد والطبراني وأبو يعلى وابن أبي حاتم عن عائشة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إنّ إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابّة إلاّ تُطفئ عنه النار غير الوزغ، فإنّه كان ينفخ على إبراهيم، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بقتله.2
وأخرج البخاري في «صحيحه» عن أُمّ شريك: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . يس:82.
2 . تفسير الدر المنثور:5/638.

122
أمر بقتل الوزغ، وقال: كان ينفخ على إبراهيم (عليه السلام).1
لو افترضنا أنّ الوزغ حين ذاك كان يحمل مشاعر عدائية لإبراهيم(عليه السلام)وكان ينفخ في النار لتسعيرها أكثر عليه، فما بال سائر الأوزاغ بعد إبراهيم، عبر كلّ العصور، تتحمّل تبعة ذلك العمل، وهي لم تشارك فيه؟ أو ليس الرسول هو الذي بلّغ إلى الناس قول الله عزّ وجلّ:(وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)؟
ولست أدري كيف استطاعت دوابّ الأرض أن تخترق تلك الجموع الغاضبة المحتشدة، وتصل إلى النار؟ وكيف تركتْها تطفئ عنه النار ولم تهاجمها؟
إنّ وضع هذه الرواية وما يماثلها يفرض على المحدّثين الغيارى العمل بجدّ وإخلاص على تهذيب كتب الحديث وتنقيتها ممّا يناقض الكتاب العزيز، والعقل الحصيف.
70. (وَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فجَعَلَنْاَهُمُ الأَخْسَرِينَ):
إنّهم أوقدوا ناراً للإحراق فصارت النتيجة برداً وسلاماً ولذلك يقول: (وَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً) فأبطل الله كيدهم، وخيّب سعيَهم، كما يقول : (فجَعَلَنْاَهُمُ الأَخْسَرِينَ) إذ صارت النّار، الّتي أُعدّت لإحراقه، معجزة من المعاجز الكبرى، الّتي تثبت صدقه وصحّة موقفه، وتفضح كفرهم وعنادهم. والآية نظير قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).2

1 . صحيح البخاري: 2 / 371، برقم 3359 (كتاب أحاديث الأنبياء).
2 . آل عمران:54.

123

مغادرة إبراهيم (عليه السلام)أرض المشركين

71.(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ):
جرت سنّة الله تبارك وتعالى على أن ينصر رسله ويُعينهم في معترك دعوتهم إلى الحقّ والفضيلة، كما يقول: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)1.
وهذه الآية تشير إلى تأييد ونصر آخر لإبراهيم (عليه السلام)، فها هو سبحانه، بعد أن نجّاه من النار الّتي أُلقي فيها وجعلها برداً وسلاماً عليه، ها هو سبحانه يُيسّر له سبيل الهجرة والخلاص من أرض المشركين المعاندين الموغلين في الظلم والطغيان، إلى أرض أُخرى، يتمكّن فيها من تبليغ دعوته، وقد رافقه في هجرته هذه لوط 2 (عليه السلام)، كما يقول:(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا)والفعل(نَجَّيْنَاهُ) يدلّ على استمرار عناية الله تعالى به وبصاحبه لوط الّذي استجاب وحده لإبراهيم (عليه السلام)وآمن بدعوته (إِلَى الأَرْضِ): أي هاجرا إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام (التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) وهذه الأرض وإن لم يأت اسمها في القرآن الكريم ولكن بشهادة قوله سبحانه: (إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)3 يعلم أنّ المراد هو أرض الشام، أمّا السبب في بركتها فلأنّ أكثر الأنبياء بعثوا منها، وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية منها، وأمّا في الدنيا فلأنّ الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء

1 . غافر:51.
2 . جاء في كتب الأنساب وغيرها أنّه كان ابن أخي إبراهيم (عليه السلام).
3 . الإسراء : 1.

124
والشجر والثمر والخصب وطيب العيش.1 ولعلّه لأجل انتفاع النّاس ببركات هذه الأرض بالوجهين المذكورين، قال: (لِلْعَالَمِينَ).
72. ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ):
قلنا: إنّ لفظ (وَنَجيناه) دليل على استمرار عناية الله ببطل التوحيد(عليه السلام)، ولذلك أشار في هذه الآية إلى بعض مواهبه على إبراهيم وهي إعطاء الولد الصالح والنسل النافع له مع أنّه كان طاعناً في السنّ وكانت زوجه عاقراً، يقول سبحانه: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) والنافلة هو الشيء المتطوَّع به، والظاهر أنّه وصفٌ لولده إسحاق وحفيده يعقوب معاً. وكونهما منحة من الله وتفضّلاً منه لأجل أنّ إبراهيم لم يسأل الله سبحانه أن يرزقه ولداً بعد ما حباه الله بإسماعيل.
وقيل: إنّ قوله: (نافِلَة) وصف ليعقوب خاصّة دون إسحاق، من جهة أنّ إبراهيم (عليه السلام) قد طلب الولد الصالح فأضاف الله إلى مراده حفيداً صالحاً، والدليل على طلبه الولد قوله سبحانه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)2.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه استجاب دعوته هذه بولده إسماعيل كما يقول: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُني).3
ثم إنّه سبحانه يصف الجميع بقوله: (وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ)والمراد

1 . تفسير الرازي: 22/190.
2 . الصافات:100.
3 . الصافات:101ـ 102.

125
إبراهيم وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام)، فالله سبحانه أصلح نفوسهم وشرّفهم بالنبوّة وعظّمهم بالإمامة.
73. (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ):
الضمير في (جَعَلْنَاهُمْ) يرجع إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام)، بقرينة قوله: (وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ). ثمّ إنّه سبحانه يصفهم في هذه الآية بأوصاف ستة تدلّ على أنّ مواهبه سبحانه إلى إبراهيم كانت عظيمة، قائمة الأُصول، منتشرة الفروع، حيث انتشرت النبوّة والرسالة والإمامة عن طريق أولادهم، فأيّ هبة أعظم وأتمّ من هذه الهبة؟ حيث إنّ أكثر الأنبياء المبعوثين في هذه المنطقة يرجعون إلى إبراهيم وأولاد إبراهيم. وأمّا ما هي هذه الصفات الستّ فاليك بيانها.

الأوصاف الستّة للأنبياء من ذرّية إبراهيم (عليه السلام)

الوصف الأوّل: جعلهم أئمة كما يقول: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)، فما هو المراد من الإمامة؟ فالفقرة تحكي أنّه سبحانه شرّفهم بمنصب الإمامة، وهل المراد منها هو منصب النبوّة والرسالة؟
ذهب الرازي إلى أنّ المراد من الإمامة هنا النبوّة 1.
وقال الشيخ محمد عبدة على ما في «تفسير المنار»: الإمامة هنا عبارة عن الرسالة. (2)

1 . تفسير الرازي: 4 / 41 .   2 . تفسير المنار: 1 / 455.

126
يلاحظ عليه: أنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل الابتلاء بالكلمات وقبل تنصيبه إماماً، فكيف يفسّر بالنبوّة على ما في لفظ الرازي، والرسالة على ما في لفظ صاحب «المنار»؟!
إنّ نزول الوحي على إبراهيم (عليه السلام)كما تدلّ عليه الآية: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)1 أوضح دليل على أنّه كان نبيّاً متلقّياً للوحي قبل نزول هذه الآية، فيتعيّن أن يكون المراد أحد أمرين:
1. كونهم مفترضي الطاعة والّذي يعبر عنه بالملك العظيم في بعض الآيات، قال سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)(2)، ويشهد لذلك أيضاً أنّ منح منزلة الإمامة للخليل (عليه السلام)كانت رهن ابتلائه بالكلمات وإتمامه إيّاها على النحو المطلوب، ونجاحه الباهر في هذا المعترك.
إنّ القيام بمسؤولية القيادة أشدّ وطئاً من القيام بمسوؤلية التبليغ والبيان، وهي من أشكل الأُمور وأصعبها، فلا يقوم بها إلاّ الإنسان الصبور أمام المصاعب والمشاكل، الواصل إلى مقام الخلّة الّذي لا يرى في نفسه وذاته سوى حبه سبحانه ورضاه، وذلك موكول إلى محلّه.
2. سيوافيك هذا المراد لمعنى الإمامة عند التعرّض للوصف الثاني الّذي نذكره تالياً :
الوصف الثاني: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)وعلى ما ذكرنا في تفسير الإمامة بمعنى كونه مطاعاً بين الأُمّة وحاكماً وسائساً، فالمراد من الهداية هو الهداية

1 . البقرة: 124 .   2 . النساء: 54 .

127
التشريعية عن طريق الوحي الإلهي. وتقييد الهداية بقوله: (بِأَمْرِنَا): أي بأمر الله لا سواه، فكلّ ما يقومون به في أمر هداية الأُمّة فالجميع منسوب إلى الله سبحانه .

الإمامة عند السيد الطباطبائي

إنّ السيد الطباطبائي يفسّر الإمامة في هذه الآية وما مرّ في سورة البقرة (الآية 124) بوجه آخر، ويستدلّ على نظريته بتفسير الهداية الّتي جاء ذكرها بعد جعلهم أئمة حيث قال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)وحاصل ما ذكره عبارة عن أنّه سبحانه كلّما تعرّض لمعنى الإمامة وتعرّض معها للهداية تعرّضَ للتفسير، كما في آيتنا هذه (الأنبياء: 73) وقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)1، فَوَصَفَها بالهداية وصْفَ تعريف ثم قيّدها بالأمر، فبيّن أنّ الإمامة ليست مطلق الهداية، بل الهداية الّتي تقع بأمر الله ـ إلى أن يقول ـ : فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم، وهدايتها إيصالها إيّاهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرد إراءة الطريق الّذي هو شأن النبيّ والرسول وكلّ مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة.
ثم إنّه (رحمه الله) يستشهد على ما ذكره بأنّه تعالى بيّن سبب موهبة الإمامة بقوله: (لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) فبيّن أنّ الملاك في ذلك صبرهم في جنب الله .

1 . السجدة: 24 .

128
هذا ما ذكره في الجزء الأوّل من تفسيره1، ثم إنّه أوضح ما قصده في كتابه «الشيعة في الإسلام» حيث قال: كما أنّ الإمام قائد ومسيِّر وزعيم للأُمّة بالنسبة للظاهر من الأعمال، كذلك هو قائد وزعيم بالنسبة للباطن من الأعمال أيضاً، فهو المسيّر والقائد للإنسانية من الناحية المعنوية نحو خالق الكون وموجده.
إنّ كلّ عمل من الأعمال الحسنة والسيئة تُولّد في الإنسان واقعية، والحياة الأُخروية ترتبط بهذه الواقعيات ارتباطاً وثيقاً. والإنسان يُتصف بحياة باطنية غير الحياة الظاهرية الّتي يعيشها والّتي تنبع من أعماله، وترتبط حياته الأُخروية بهذه الأعمال والأفعال الّتي يمارسها في حياته هنا، قال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).(2)
إنّ القرآن يدلّ على أنّ هناك حياة أسمى وروحاً أرفع من هذه الحياة، للصالحين والمؤمنين، ويؤكّد على أنّ نتائج الأعمال الباطنية تلازم الإنسان دوماً، ولكنّ الإنسان ربّما لا يشعر بأنّ الأعمال الحسنة أو السيّئة تكوّن في الإنسان حياة أُخروية وواقعية باطنية وسعادة وشقاء، ومع ذلك كلّه هي مؤثرة، والإنسان في حياته يشبه الطفل حيث يملي عليه مربّيه بألفاظ الأمر والنهي، فهما كافلان لتكوين حياة سعيدة له، هو يأتمر أمره ولا يشعر بما يترتّب على طاعة أمره ونهيه من النتائج، لكنّه كلّما تقدّم في العمر استطاع أن يدرك ما قاله مربّيه، فينال بذلك الحياة السعيدة، وما ذلك إلاّ بما اتّصف به من ملَكات، وإذا ما رفض وعصى معلّمَه الّذي كان يسعى له بالصلاح، تجد حياته مليئة بالمآسي والآلام.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 1 / 272 .   2 . النحل: 97 .

129
الإنسان يشبه المريض الّذي دأب على تطبيق أوامر الطبيب في الدواء والغذاء أو رياضة خاصة، فهو لم يبالِ بشيء إلاّ ما أملاه عليه طبيبه، فعندئذ يجد الراحة والصحّة، ويتحسّن بتحسّن صحّته.
فإذن الإنسان الّذي يصبح قائداً للأُمّة بأمر من الله، فهو قائد للحياة الظاهرية والمعنوية، وما يتعلّق بها من أعمال تسير مع سيره ونهجه.
فالإمام فضلاً عن الإرشاد والهداية الظاهرية، يختصّ بنوع من الهداية المعنوية، فهو بواسطة الحقيقة والنور الباطني الّذي يتّصف به، يستطيع أن يؤثّر في القلوب المهيّأة وأن يتصرّف بها كيف ما شاء ويسيّرها نحو مراتب الكمال والغاية المتوخّاة.1
فلو حاول أحد أن يبيّن ما هو مقصوده فعليه أن يقول: إنّ الإمام عنده هو المؤيَّد بروح القدس، القائم بأعمال تكوينية بأمر الله سبحانه، ومنها التصرّف في قلوب الأولياء وإيصالهم إلى الكمال المطلوب.
هذا غاية توضيح هذه النظرية، حرّرناها بشكل يقف على مرادها كلّ مَن له أدنى إلمام بالعلوم العقلية.
الوصف الثالث والرابع والخامس:(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ).
لو قلنا بأنّ الإمامة عبارة عن كون الإمام مطاعاً في المجتمع بالأمر والنهي الّذي عبّر عنه سبحانه بقوله: (وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)2 يكون معنى الآية: أوحينا إليهم أنِ افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة بعد فعل

1 . الشيعة في الإسلام: 163 ـ 166.
2 . النساء:54.

130
الخيرات، ولا شكّ في أنّ الصلاة والزكاة من مصاديق الخيرات لكنْ خصّهما بالذكر لأجل أنّ الصلاة هي صلة الإنسان مع الله سبحانه، والزكاة صلته مع الناس .
وهذا هو الّذي اختاره الزمخشري قائلاً: إنّ أصل فعل الخيرات أن تفعلوا الخيرات، وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والمصدر مضاف إلى المفعول. 1
سورة الأنبياء: الآيتان 74 ـ 75   
وأمّا على ما ذكره السيد الطباطبائي من معنى الإمامة والهداية حيث فسّر الإمامة بمَن يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه وله ولاية بحسب الباطن للمهديّ، يختلف معنى هذه الفقرة، فيكون المعنى أنّهم كانوا مؤيَّدين بروح القدس والطهارة، مسدَّدين بقوة ربّانية تدعوهم إلى فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فعلى هذا فالوحي هنا ليس وحياً تشريعياً بل وحياً تكوينياً يسوقهم إلى هذه الأعمال الفاضلة، فيصبح الوحي هنا كالوحي إلى النحل في انسياق هؤلاء إلى الخيرات، حسب قدسيّة أنفسهم .

الوصف السادس: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)

وهذا الوصف هو الّذي ميّزهم عن سائر الناس، حيث أخبر البيان القرآني عن كونهم كانوا موحِّدين منذ وجودهم، الأمر الّذي صار سبباً لهذه المواهب، ويشهد لذلك قول يوسف (عليه السلام): (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْء)(2)، وقال تعالى في الثناء على إبراهيم (عليه السلام): (وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
)
.(3)

1 . تفسير الكشّاف: 2 / 333 .      2 . يوسف: 38 .   3 . البقرة: 135 .

131

الآيتان: الرابعة والخامسة بعد السبعين

(وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ التي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).

المفردات

القرية: هي سَدوم الّتي بُعث إليها النبيّ لوط (عليه السلام).
الخبائث: الأعمال الخبيثة الّتي يستقذرها أرباب الفِطَر السليمة. ويأتي وجه الجمع.
قال الشريف الرضي (رحمه الله): ولفظ القرية هاهنا مستعار والمراد به الجماعة التي كانت تعمل الخبائث من أهل القرية، وكشف سبحانه عن ذلك بقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقِينَ)وفي هذا الكلام]سرٌّ[ خفيّ عجيب، لأنّه تعالى جعل لفظ أهل القرية مؤنثاً إذ كانت مؤنثة فقال: (التي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ)وجعل بقية الكلام مذكَّراً فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقِينَ)، لأنّ المراد به مذكَّر فصار الكلام في الآية على قسمين: قسم عائد على اللفظ، وقسم عائد على المعنى، وهذا من عجائب القرآن.1

1 . تلخيص البيان:165.

132

التفسير

74. (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ التي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقِينَ):
الظاهر أنّ جملة: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ)عطف على جملة: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ)1، وهو منصوب بفعل مقدّر دلّ عليه قوله (آتَيْنَاهُ)، وقد قدّم اسمه اهتماماً به، وقد تقدّم ذكر لوط في قوله: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ)(2)، فناسب أن يذكر مصير لوط الّذي هاجر مع إبراهيم من وطنه، فوصفه سبحانه بأُمور أربعة:
1. إيتاء الحكم، كما قال: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا)ولعلّ المراد من الحكم الحكمة وهي النبوة بشهادة قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) 2 .
2. إيتاء العلم، كما قال: (وَعِلْمًا)وهو علم الشريعة أو أوسع منها.
3. إنجاؤه من العذاب الّذي نزل على أهل القرية كما قال: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ التي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ).
سورة الأنبياء: الآيتان 76 ـ 77   
وأمّا ما هي الخبائث الّتي عبّر عنها سبحانه في آية أُخرى بالسيّئات، وقال: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ )3؟ فهي عبارة عن قطع الطريق على المارّة، وممارسة عمليات السلب والشذوذ الجنسي، وتعاطي كلّ

1 . الأنبياء: 51 .   2 . الأنبياء: 71.
2 . مريم: 12.
3 . هود: 78 .

133
منكر ورذيلة وفساد في مجالسهم، ولذلك عبّر عنها سبحانه بصيغة الجمع، وقال:(تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) يقول سبحانه: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ )1، وبذلك ظهر معنى قوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَاسِقِينَ).
75. (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ):
جرت سنّة الله تبارك وتعالى على إدخال كلّ صالح في رحمته. والدليل على أنّه سنّة من سنن الله إنّه سبحانه يعلِّل قوله: (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا)بقوله: (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) فالفقرة الأخيرة كُبرى لكلّ صالح عمل لله سبحانه.
قال الإمام علي بن الحسين، زين العابدين(عليه السلام): إلهي اجعلني من المصطفَينَ الأَخْيارِ، واَلْحِقْني بالصّالحينَ الأبرارِ، السّابقينَ إلى المكرُماتِ، المُسارعينَ إلى الخَيْرات، العامِلينَ للباقياتِ الصّالحاتِ، السّاعينَ إلى رَفيع الدّرجات.2

الآيتان: السادسة والسابعة بعد السبعين

(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ).

1 . العنكبوت: 29 .
2 . الصحيفة السجادية الكاملة: مناجاة المطيعين.

134

المفردات

الكرب: الغمّ الشديد. ويحتمل أن يراد العذاب النازل بقومه وهو الغرق.
قوم سَوء: أي قوماً منهمكين في الأعمال السيّئة.

التفسير

76. (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ):
ذكر سبحانه أسماء ثلاثة من الأنبياء منصوبة، وقال: (وَنُوحًا)إلى أن قال: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ)وفي نصبها وجهان:
الأوّل: كونها منصوبة بفعل مقدّر أي: واذكر نوحاً، واذكر داود، واذكر سليمان.
الثاني: كونها منصوبة بـ (آتَيْنَاهُ)لأنّ (نُوحًا) عطف على قوله: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا)، فيكون المعنى: ونوحاً آتيناه حكماً، وداود وسليمان آتيناهما حكماً.
والوجه الأوّل أظهر.
لمّا ذكر سبحانه نصرته لإبراهيم (عليه السلام)وإنجاءه من النار التي ألقاه فيها المشركون، وكذلك إنجاء لوط من العذاب الإلهي الذي حلّ بأهل قريته، ذكر ما يتضمّن أنّ نصرة الأنبياء سنّة إلهية، فالأنبياء كلّهم منصورون بنصر

135
الله، ولذلك يذكر نوحاً وإنجاءه ليكون دليلاً على أنّها كانت سنّة قائمة قبل إبراهيم (عليه السلام)، كما يذكر داود وسليمان ليكون دليلاً على أنّها كانت سنّة مستمرّة، فقال: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ).
وأمّا ما هو نداؤه، فهو ما حكاه عنه سبحانه بقوله: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)1. وقد استجاب تعالى لنوح(عليه السلام)، فأهلك قومه جميعاً ونجّاه هو وأهله (وكذلك من آمن معه)2 كما يقول:(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ). وأمّا كيفية إنجائه فقد جاءت في سورة أُخرى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَدُسُر * تَجْري بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)3، وأُشير إليها في الآية التالية:
77. (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ):
دلّت الآية السابقة على إنجاء نوح وأهله من الكرب العظيم، فجاءت هذه الآية مفسِّرة لهذا الإنجاء، قائلة: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، ومقتضى القاعدة أن يقول: ونصرناه على القوم، ولكن عُدِّي بحرف (مِنَ)لتضمّنه معنى النجاة أو المنع والحماية، ثم إنّه سبحانه وصف قومه بقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْء)وهو علّة لتعذيبهم بالغرق، كما قال: (فَأَغْرَقْنَاهُمْ

1 . القمر: 10 .
2 . قال تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
.(هود:40).
3 . القمر: 13 و 14 .

136
أَجْمَعِينَ)، فأغرق سبحانه كلّ المكذِّبين به. وأُريد من السوء التكبّر والعناد والسخرية بنبيّهم، والجميع من الرذائل .
ثم إنّ الغاية من ذكر قصة نوح هو إنذار قريش، فقد روي أنّه لمّا قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سورة فصّلت على عتبة بن ربيعة الأمويّ حتّى بلغ إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ) 1 عندئذ فزع عتبة، وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ناشدتك الرَّحِم.(2)
سورة الأنبياء: الآيات 78 ـ 82   

الآيات: الثامنة والسبعون إلى الثانية والثمانين

(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ).

المفردات

الحَرث: الزرع.

1 . فصلت: 13 .   2 . انظر: السيرة النبوية: 1 / 293 ـ 294 .

137
نَفَشت: النَّفْش: رعي الماشية في الليل بلا راع.
شاهدين: حاضرين.
لَبوس: اللَّبوس: الدرع. وقيل: هو اسم للسلاح كلّه عند العرب، درعاً كان أو سيفاً أو رمحاً.
لتُحصنكم: الإحصان: الوقاية والحماية.
بأسكم: البأس: شدّة الحرب.
الريح عاصفة: الريح العاصف: الشديدة الهبوب.
يغوصون: الغَوْص: النزول إلى أعماق البحار.
عملاً دون ذلك: أي غير الغوص في البحار، كعمل المحاريب والتماثيل، وكبناء المدن والقصور.

التفسير

ذكر سبحانه ـ فيما سلف ـ جزيل مواهبه على مَن تقدّم من الأنبياء وما اختصّهم به من التأييد والمعونة والتوفيق، وواصل هنا ما تعهّد لداود وسليمان(عليهما السلام) من عناية ورعاية، وما مَنّ به عليهما من مواهب، وهي على أقسام:
الأوّل: الموهبة المشتركة بين الوالد والولد، وهي العلم والفهم والقضاء الصحيح.
الثاني: ما يخصّ الوالد ولا يعمّ الولد .

138
الثالث: ما يشمل الولد دون الوالد.
وإليك بيان الجميع.

الموهبة المشتركة بين الوالد والولد

78. (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) :
يدلّ قوله سبحانه في الآية التالية: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)على أنّ هذه الموهبة كانت مشتركة بين داود وسليمان(عليهما السلام)، حيث عرض لنا القرآن الكريم قصة الحكم في مسألة الحرث بشكل موجز وقال: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ): أي آتينا داود وسليمان حكماً وعلماً (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ): أي في الزرع (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ): أي في الوقت الّذي تفرّقت فيه(يعني في الزّرع) غنم القوم ليلاً حتى أفسدته (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ): أي حاضرين، فلا يغيب عن علمنا شيء منه. هذا، وقد ذُكرت القصة بصورة موجزة، وأمّا ما هو موضع الحكومة وما كان حكمهما فقد سكت عنه البيان القرآني .
نعم يظهر من الآية التالية أنّ حكم سليمان(عليه السلام) في هذه المسألة كان بتفهيم من الله تعالى.
79 . (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ):

139
قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ): أي علمناه الحكومة في ذلك (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا): أي آتينا كلّ واحد منهما (داود وسليمان) الحكمة وعلم الشريعة.
والقرآن الكريم ـ كما ترى ـ لم يتناول قصة الحرث بتفصيل، ولم يُشر إلى ما قضى به سليمان وداود(عليهما السلام)فيها، وإنّما تناولت ذلك الروايات. وخلاصتها:
أقبل رجلان، أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، إلى داود (عليه السلام)للتقاضي عنده، فقال الأوّل: إنّ غنم هذا قد نفشت في زرعي، أي رعته ليلاً، فلم تُبقِ منه شيئاً، فحَكَم داود (عليه السلام) ـ بعد أن ثبت له ذلك ـ لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه عِوضَ ما أفسدته من زرع، فلمّا علم سليمان، قال لأبيه: الحُكم أن يأخذ صاحبُ الزرع الغنمَ، وصاحب الغنم الأرضَ، فينتفع بها الأوّل، ويتعهّدها الثاني إلى أن ينمو الزرع ويصبح كما كان، ثم يردّ كلٌّ منهما إلى خصمه ما تحت يده، فأقرَّ داود (عليه السلام) حكم ولده، الذي ألهمه الله تعالى وجهاً آخر في القضاء، كما يقول: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمان).
إنّ قوله تعالى: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) يدلّ على أنّ ما قضيا به كان قضاءً صحيحاً جابراً للضرر من طريقين. وكان قضاء داود حقّاً لأنّه مستند إلى تحميل المُتسبِّبين في إهمال الغنم مسؤولية ما لحق بالزرع من ضرر، وإلزامهم بدفع الغرامة، كما أنّ حكم سليمان كان حقّاً، لأنّه مستند إلى إعطاء الحقّ لذويه مع إرفاق المحقوقين باستيفاء مالِهم إلى حين، فهو يشبه الصلح .
وبتعبير آخر : إنّ الضرر الوارد على أصحاب الحرث يساوي قيمة

140
الغنم الّتي تفرّقت في الزرع وأتلفته، وعلى هذا الأساس قضى داود قضاءً باتّاً، وأمّا حكم سليمان فإنّما كان مبنياً على أساس أنّ فوائد الغنم في سنة كاملة تساوي ما تضرّر به أصحاب الحرث، فلو أخذوا الغنم واستفادوا من ألبانها وأصوافها لمدة سنة، فإنّه يساوي الضرر الوارد عليهم.
والفرق بين القضاءين أنّ أصحاب الحرث يملكون الأصل (الغنم)، وبالتَّبَع يملكون منافعه، فيكون القضاء قضاءً باتّاً غير تدريجي، بخلاف ما قضى به سليمان فالأصل يبقى على ملك أصحاب الغنم، وإنّما تنقل المنافع إلى أصحاب الحرث، فيكون جبر الخسارة برفق ولين وبصورة تدريجية.

المواهب الخاصّة بالوالد دون الولد

هذه الآيات ترسم لنا معالم شخصية عظيمة من العظماء الإلهيين، قد بلغ الكمال الإنساني بصفاته وخصائصه الروحية والنفسية درجةً تفوق حدّ التصوّر، فمنحه الله المواهب التالية:

1. تسبيح الطير والجبال معه

قال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ).
وما جاء في هذه الآية يعود إلى كمالات داود المعنوية، حيث إنّ الجبال والطّير تتجاوب معه في التسبيح إذا سبّح ومجّد ربّه، وأنّه(عليه السلام)، كان يحسّ تسبيحها بأن يظهر له ما كان خافياً فيها. وهذا هو معنى الفقرة المتقدّمة: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ)، ويشهد لهذا المعنى

141
قوله سبحانه: (يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ)1 والتأويب مشتق من الأوب بمعنى الرجوع، والمراد ترجيع الطير بالتسبيح.
ولا شكّ في أنّ كلّ ذلك بأمر وتأييد من الله سبحانه.
وقوله: (وَكُنَّا فَاعِلِينَ): أي وكنّا قادرين على ما نريده، وهو رفع لاستبعاد من لا يؤمن بأن يرافق تسبيحَه تسبيحُ الجبال والطيور حتّى يحسّ به داود(عليه السلام). وسيوافيك تفصيل ذلك في تفسيرنا لسورة سبأ.
وقد دلّ عدد من الآيات على سريان العلم والشعور في كافّة الموجودات، فالجميع(كلٌّ حسب درجته من الوجود ونصيبه من الشعور) يسبِّحون ربّهم غير أنّ الناس لا يفهمون تسبيحهم، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)2.
وذلك(أعني: عدم فقه التسبيح) يرجع إلى مَن لم يبلغ مبلغاً عالياً من الكمال يملك معه استعداداً لرؤية الصور البرزخية، وإدراك تسبيح الجبال والطيور. والآية تحكي عن كمال روحيّ عظيم لداود(عليه السلام).

2. تعليمه صنعة الدّروع

80. (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ):
ممّا خصّ الله به نبيّه داود من النِّعم، لعظيم إخلاصه وطاعته لربّه، أنّه

1 . سبأ: 10 .
2 . الإسراء: 44.

142
سبحانه علمه صنعة الدروع (بعد أن أَلانَ له الحديد)1 كما قال: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس لَكُمْ)وهي عمل الدروع (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ): أي لتحميكم وتقيَكم من وقع السلاح بأجسادكم. وهذا يدلّ على أنّ الغاية من التعليم هي حفظ الإنسان في ساحة الحرب، وهذا لو دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ اللازم في الصنعة أن تكون في مصلحة الإنسان دون الفتك به وتدمير ما يبنيه من حضارة.
ثم يطلب الله سبحانه من الناس جميعاً الشكر على هذه النعمة ويقول: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) نِعَم الله تعالى عليكم وعلى أنبيائه قبلكم.

المواهب المختصّة بالولد دون الوالد

81 . (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ) :

الأُولى: جريان الريح العاصفة بأمره

دلّت الآية الكريمة على أنّه سبحانه سخّر له الريح الّتي وصفها بالعاصفة، فمع كونها عاصفة عاتية، فهي تجري بأمره إلى الأرض الّتي بارك فيها، وهي أرض فلسطين حيث كانت مأوى سليمان ومقر ملكه.
إنّ تسخير الريح وصيرورتها أداة طيّعة بيد سليمان تجري بأمره إلى أي مكان شاء، دليل على وجود الولاية التكوينية لسليمان، حيث بلغ من الكمال مرتبة صارت فيها القوى الطبيعية مطيعة له بإذن الله تعالى.

1 . قال تعالى:(وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)
.(سبأ:10)

143
وأمّا أنّه كيف يستفيد من الريح، فللمفسّرين فيها أقوال، أوضحها ما يلي:
إنّ الريح كانت تحمل سليمان ومَن معه وتنقله إلى حيث يريد. قال قتادة في تفسير قوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)1كانت الريح تقطع به من الغدوّ إلى الزوال مسيرة شهر، ومن الزوال إلى الغروب مسيرة شهر .2
ولابن عاشور رأي آخر في جري الرياح بأمره (عليه السلام)، حيث قال: وتسخير الرياح: تسخيرها لما تصلح له، وهو سير المراكب في البحر. والمراد أنّها تجري إلى الشام راجعة عن الأقطار الّتي خرجت إليها لمصالح مُلك سليمان من غزو أو تجارة بقرينة أنّها مسخّرة لسليمان فلابدّ أن تكون سائرة لفائدة الأُمّة الّتي هو مَلِكها.3
يلاحظ عليه: أنّه لا ينسجم مع قوله سبحانه: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)الظاهر في أنّ هذه السرعة قائمة بالريح خاصّة لا بالسفينة. وعلى كلّ تقدير فالآية دليل على وجود ولاية تكوينية لسليمان، حيث تجري الريح بأمره وتسكن بأمره.
ثم إنّها تارة تجري عاصفة وأُخرى رخاء حسب إرادة سليمان، قال تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً )4 بمعنى أنّها تطاوع أمره في

1 . سبأ: 12.
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 253، ولاحظ: الميزان في تفسير القرآن: 13 / 313 .
3 . التحرير والتنوير: 17 / 90.
4 . ص: 36 .

144
كيفية الجريان، فلا منافاة بين وصفها تارة بالعاصفة، وأُخرى بالرخاء.
وأمّا قوله: (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ) فمعناه إنّما أعطيناه ما أعطيناه لما علمناه من المصلحة في ذلك.

الثانية: تسخير الجنّ

82 . (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ):
كان نبيّ الله سليمان (عليه السلام)يستخدم بأمر الله تعالى بعض أصناف الجنّ لإنجاز أعمال مهمّة تساهم في ازدهار مملكته وتعزيز قوّتها، وقد جاء تفصيل ذلك في سورة سبأ .1
وذكر في آيتنا هذه تسخيراً خاصّاً، وهو استخدام الجنّ للغوص في البحار واستخراج ما فيها من نفائس، كما يقول: (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ)ولم يكن عملهم هذا فقط، بل كان لهم عمل غير ذلك كما يقول: (وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ): أي سوى ذلك من بناء الأبنية والمحاريب والتماثيل. وبما أنّ طبيعة الجنّ هي التمرّد يقول سبحانه: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)لئلاّ يهربوا منه ويمتنعوا عن العمل.
ومن شذوذ القول ما وقفت عليه في تفسير ابن عاشور في المقام حيث قال: ولمّا مكّن الله النبيّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)من الجنّيّ الّذي كاد أن يفسد عليه صلاته وهَمَّ بأن يربطه، ذكر دعوة سليمان فأطلقه فجمع الله له بين

1 . لاحظ: سورة سبأ: 12 ـ 14 .

145
التمكين من الجنّ وبين تحقيق رغبة سليمان (عليه السلام).1
أقول: ما ذكره غير صحيح صغرى وكبرى، أمّا الأُولى فقد اعتمد فيها على ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ عفريتاً من الجنّ جعل يفتك2 عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذَعتُّه3، فلقد هممتُ أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتّى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون (أو كلكم) ثم ذكرت قول أخي سليمان: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي
مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي
)
(4) فردّه الله خاسئاً»4.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ غاية ما يثبته القرآن لإبليس وذريّته هو الوسوسة والإغواء ولم يجعل له سبحانه سلطاناً على الإنسان، وإنّما ينقاد له من يغترّ بوعوده وأمانيّه، يقول سبحانه حاكياً عن الشيطان: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).5
وأين هذا من سلطان العفريت من الجنّ على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقطع صلاته وأخذه في غفلة وخديعة؟
وثانياً: أنّه سبحانه يصرّح بأنّ إبليس يرى الإنسان وهو لا يراه، قال سبحانه: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ).(7)

1 . التحرير والتنوير: 17 / 91 ـ 92 .
2 . الفتك: الأخذ في غفلة وخديعة.
3 . خنقته.   4 . سورة (ص): 35 .
4 . صحيح مسلم: 253، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، رقم الرواية1096.
5 . إبراهيم: 22 .   7 . الأعراف: 27 .

146
فما معنى قوله: «هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتّى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلّكم». أي كلّ مَن كان في المدينة من صغير وكبير؟!
وأمّا الكبرى: أي انصراف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ربطه لأجل الآية الّتي ذكرها، فإنّها لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن عزمه، لأنّها لا تدلّ على أنّ ربط الجنِّ العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو المُلك المبني على قدرة قاهرة مثل تسخير الريح والجنّ والطير، وغير ذلك ممّا جاء في الذكر الحكيم، وأين هذا من ربط الجنّ العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد؟
سورة الأنبياء: الآيتان 83 ـ 84   
ونحن نُجلّ ساحة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن أن يستدلّ على أمر بآية ليس فيها دلالة عليه. وهكذا تكشف الرواية بنفسها عمّا فيها من عيوب ونقائص .

الآيتان: الثالثة والرابعة بعد الثمانين

(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرى لِلْعَابِدِينَ).

المفردات

الضُّرُّ: خاصّ بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما.
ذكرى: تذكرة.

147

التفسير

خصال نبيِّ الله أيوب (عليه السلام)

اشتهر النبيّ أيوب (عليه السلام)بصبره واحتماله للمكاره حتّى أصبح مضرب المثل في ذلك، وقد ابتلاه الله سبحانه بالبلاء الّذي سمّي في القرآن الكريم بالضرّ، قال سبحانه:
83 . (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ):
قوله: (وَأَيُّوبَ)عطف على داود وسليمان، أي آتينا أيوب حكماً وعلماً، ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل محذوف أي: واذكر أيوب، (إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ)ولم يصرّح بنوع الضُّرّ الّذي لحقه لكن يبدو منه أنّه أُمتحن في نفسه وأهله فلم ييأس و لم يجزع ولم يتذمّر، بل تحلّى بالصبر الجميل على ما نابه من أرزاء ونكبات، وظل متمسّكاً بإيمانه واستقامته، وثقته برحمة ربّه، كما يقول: (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
84 . (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرى لِلْعَابِدِينَ):
تذكر الآية قصة أيوب (عليه السلام)مجملة هنا ومفصّلة في (سورة ص) وتتضمّن الآية هنا أُموراً:
1. استجابة دعائه، بكشف بلائه وإزالة ما به من الأوجاع والأوصاب،

148
كما يقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ).
2. (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ): أي أحيينا مَن هلك من أهله.
3. (وَ)آتيناه (مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)وهذا هو تفضّل من الله سبحانه حيث أعطاه مثلهم معهم.
سورة الأنبياء: الآيتان 85 ـ 86   
كلّ ذلك (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)حيث صبر في محنته وابتلائه (وَ) ليكن ذلك (ذِكْرى): أي تذكرة وموعظة (لِلْعَابِدِينَ) على مرّ الزمن ليقتفوا أثره في الصبر على الضرّ، دونما شكوى من الله، وفي هذا المقام تتجلّى عبوديتهم واستسلامهم أمام تقدير الله تبارك وتعالى.
وأمّا كيفية كشف الضرّ فسيوافيك توضيحها في تفسير الآية 42 من سورة ص.

الآيتان: الخامسة والسادسة بعد الثمانين

(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ).

التفسير

ذكر سبحانه في هاتين الآيتين ثلاثة من الأنبياء، وهم: إسماعيل بن إبراهيم، وإدريس، وذو الكفل(عليهم السلام)، وقال:
85 . (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ):

149
أي(وَ)آتينا (إِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ)علماً وحكماً، ثم وصفهم بالصبر قائلاً: (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ). أمّا صبر إسماعيل فهو أظهر من الشمس لأنّه حين قال له أبوه إبراهيم (عليه السلام): (إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)أجاب، في شجاعة نادرة وإخلاص عميق، وهو مطمئن النفس: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ )1 وأي صبر في سبيل الله أعظم من الاستسلام للذبح برحابة صدر ودعوة الأب إلى أن يجري ما أُمر به؟!
وأمّا إدريس، فقد وصفه سبحانه في سورة مريم بقوله:(إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا).(2)
وأمّا كيفية صبره فلم يذكر شيء منه في الذكر الحكيم، ولعلّ صبره كان في طريق أداء الرسالة والقيام بأمر الله تعالى، واحتمال الأذى في نصرة دينه .
وأمّا ذو الكفل فقد احتمل بعض المفسّرين أنّ المراد به هو النبيّ إلياس، حتّى نقل الرازي أنّ خمسة من الأنبياء سمّاهم الله تعالى باسمين : إسرائيل ويعقوب، إلياس وذي الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذي النون، محمد وأحمد 2.
وثَمّ وصف آخر لذي الكفل في القرآن، وهو أنّه من الأخيار، قال تعالى: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ)3. ولو صحّ ما ذكره الرازي فهو من الأنبياء قطعاً، قال سبحانه: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ

1 . الصافات: 102.   2 . مريم: 56 و 57 .
2 . تفسير الرازي: 22 / 212.
3 . سورة ص: 48 .

150
الْمُرْسَلِينَ)1، ولو كان غيره فالأقرب أنّه من المرسلين لأنّه سبحانه ذكره في عداد الأنبياء، وفي سورة الأنبياء.
وأمّا أنّه كيف عُدّ من الصابرين، فلعلّ صبره كصبر إدريس في أداء رسالة ربّه، وتحمّل أعبائها.
86. (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ):
سورة الأنبياء: الآيتان 87 ـ 88   
بعد أن أثنى سبحانه على هؤلاء الأنبياء الذين تحلّوا بفضيلة الصبر، ذكر إنعامه عليهم، فقال:(وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا): أي غمرناهم بالرحمة، وهي النعمة، لماذا؟والجواب: (إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)الذين صلحت سرائرهم وأعمالهم، فاستحقّوا إفاضة الرحمة عليهم.

الآيتان: السابعة والثامنة بعد الثمانين

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) .

المفردات

النُّون: الحوت. وذا النون أي صاحب الحوت، وهو يونس بن متّى، وقد وُصف به لالتقامه إيّاه الحوت.
مغاضباً: غضبانَ من قومه لتماديهم في العناد والطغيان.

1 . الصافات: 123 .

151
نقْدر عليه: أي نضيّق عليه في أمره، قال المأمون للرضا (عليه السلام): أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟ قال (عليه السلام): «بلى». قال: فما معنى قول الله عزّوجلّ: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)؟ فقال الإمام (عليه السلام): «ذلك يونس بن متّى (عليه السلام)استيقن أن لن نقدر عليه، أي أن لا نضيِّق عليه رزقه، ومنه قول الله عزّوجلّ: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ )1: أي ضيّق عليه وقتر».(2)

التفسير

87 . (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ):

قصّة يونس بن متّى

تعرّض القرآن الكريم إلى جوانب مختلفة من حياة ذي النون(يونس)(عليه السلام) في سورة الصافات، حيث ذكر أمر إرساله وإباقه والتقام الحوت له، ثم إرساله إلى قومه وهدايتهم بدعوته .2 وأمّا المقام ففيه إشارة إلى جانب واحد من جوانب حياته وهو تركه أرض قومه وبقاؤه ـ مدّة ـ في الظلمات بالتقام الحوت له، ثم إنجاؤه لأجل تسبيحه. قال سبحانه: (وَذَا

1 . الفجر: 16 .   2 . تفسير نور الثقلين: 3 / 450 .
2 . لاحظ: الصافات: 139 ـ 148 .

152
النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا): أي واذكر ذا النون إذ ذهب بعيداً عن قومه غاضباً وساخطاً عليهم، لعصيانهم وامتناعهم ممّا دعاهم إليه من طاعة الله سبحانه وعبادته.
توضيح الآية: بعث الله تعالى يونس(عليه السلام) ـ كما جاء في الروايات ـ
إلى أهل نينوى من أرض الموصل في العراق فلم يجيبوه إلاّ بالتكذيب والردّ، فضاق صدره بهم، فخرج من بينهم من دون إذن من ربّه، وهذا هو الّذي أشار إليه سبحانه بقوله: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا): أي غضبان من قومه.
وكان (عليه السلام)قد شعر باليأس من هدايتهم بعد أن مارس فيهم تجربته الرسالية، ولكن المستقبل كشف عن أنّه كان لهم استعداد للإيمان. وعلى هذا فاللازم على الرسول أن يواصل التبليغ حتّى النفس الأخير ويصبر على عناد القوم وتكذيبهم، ولا يتخلّى عن مقامه فيهم إلاّ إذا خاف على نفسه من المكر والقتل، كما هو الحال في هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة لتلك العلّة، وهجرة موسى(عليه السلام) ومن معه فراراً من بطش فرعون وملئه، ولكنّ ذا النون ترك مدينته بمجرد الإياس دون أن يواجه خطراً على نفسه أو على دعوته، فصار ذلك عملاً دون شأن النبيّ والداعية الإلهي، ولكنّه لم يقف على أنّه دون مقامه، كما يشير إلى ذلك قوله سبحانه: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ): أي فظنّ أن لن نضيِّق عليه، ولكنْ كان ظنّه على خلاف الواقع، فآخذه سبحانه على هذه العجلة في مفارقة قومه، بالتقام الحوت له، وقد جاء تفصيله في سورة الصافات .
ثم إنّ الآية طوت ذكر الحوادث الّتي وقعت بين تلك الفترة من

153
حياته، والتقام الحوت له، اعتماداً على ما جاء بيانه في سورة الصافات.1
فخلاصة ما بين الفترتين من حياته أنّه اتّجه إلى البحر فركب الفُلك، وأشرفت السفينة على الغرق فرأى ركّابها أن يلقي واحد منهم بنفسه ليخفّ وزنها، فتقارعوا فخرجت القرعة على يونس، فألقى بنفسه في الماء فالتقمه الحوت، وعند ذلك ندم على ما فعل وأنّه قد فعل ما هو دون شأنه، كما يقول: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ)وهي ـ كما يقول كثير من المفسّرين أخذاً بالجمع على ظاهره ـ : ظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر .
وقيل: المراد بها ظلمة بطن الحوت، ونظراً لشدّتها جُعلت كأنّها ظلمات. ويشهد لصحّة هذا المعنى، قول الشاعر:
وليل تقول الناس في ظلماته *** سواء صحيحات العيونِ وعُورها(2)
وأمّا نداؤه فكان: (أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
وقد يُثار هنا هذا السؤال: أليس اعتراف يونس(عليه السلام) بكونه من الظالمين يقتضي وقوع معصية منه؟ وكيف ينسجم هذا مع القول بعصمة الأنبياء ونزاهتهم عن الذنوب؟
والجواب: إنّ هذا الاعتراف لا يدلّ على ارتكابه للمعصية، فإنّه(عليه السلام)تنبّه ـ بعدما التقمه الحوت ـ إلى أنّه قد ترك الأَوْلى بمفارقة قومه العاصين، وكان الأليق بشأنه ـ كنبيّ مبلّغ ـ أن يصبر على الإقامة بينهم، فلعلّهم ـ في نهاية الأمر ـ يستجيبون لدعوته، ويُقلعون عن عنادهم وضلالهم، فنادى(عليه السلام)بذلك النداء، تعبيراً عن تذلّله لربّه، وخشيته منه، وخضوعه له، وشعوراً منه

1 . لاحظ:الصافات:139ـ 148.   2 . انظر: روح المعاني:17/84 .

154
بالتقصير في أداء مهمّته الرسالية، من دون قصد، وأنّه قد ظلم نفسه بتركه الأَولى والأجدر بشأن الذين اصطفاهم الله للنبوّة.
ويظهر من بعض الروايات أن لقول يونس(عليه السلام): (أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)أثراً خاصّاً في مقام الاستغاثة فقد أخرج ابن جرير الطبري عن سعد بن مالك: قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «اسم الله الّذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متّى، قال، فقلت: يا رسول الله، هي ليونس بن متّى خاصّة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متّى خاصّة، وللمؤمنين عامّة إذا دعَوا بها، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)فهو شرط الله لمن دعاه بها»1.
وروى عليّ بن إبراهيم القميّ عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله]الصادق[ (عليه السلام): قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيت أُمّ سلمة في ليلتها ففقدته من الفراش، فدخلها من ذلك ما يدخل النساء، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتّى انتهت إليه وهو في جانب من البيت قائم، رافع يديه يبكي وهو يقول: «اللّهم لا تنزع منّي صالحَ ما أعطيتني أبداً، اللّهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، اللّهم لا تشمت بي عدوّاً ولا حاسداً أبداً; اللّهم لا تردّني في سوء استنقذتني منه أبداً»، قال: فانصرَفت أُمّ سلمة تبكي حتّى انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لبكائها، فقال لها: ما يبكيك يا أُمّ سلمة؟ فقالت بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله، ولم لا أبكي وأنت بالمكان الّذي أنت به من

1 . جامع البيان (تفسير الطبري): 10/107 برقم 24781; تفسير الدر المنثور: 5 / 668 .

155
الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، تسأله أن لا يشمت بك عدواً أبداً ولا حاسداً، وأن لا يردّك في سوء استنقذك منه أبداً، وأن لا ينزع عنك صالح ما أعطاك أبداً، وأن لا يَكِلك إلى نفسك طرفة عين أبداً؟ فقال: يا أُمّ سلمة وما يؤمنني، وإنّما وكل الله يونس بن متّى إلى نفسه طرفة عين، فكان منه ما كان».1

استجابة دعائه

88 . (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ):
تضمّنت الآية أُموراً ثلاثة:
1. استجابة دعوته لأجل التسبيح السابق، وهو:(سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
2. إنجاؤه من الكرب الذي نزل به، ويدلّ عليه قوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ).
3. وعدٌ بالإنجاء لمَن ابتلي من المؤمنين بغمّ، ثم نادى ربّه بمثل ما نادى به يونس (عليه السلام)، ويدلّ عليه قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) .
وفي قصة النبيّ يونس (عليه السلام)دروس للمصلحين، فليس لهم الانسحاب من الميدان وترك واجبهم تجاه الأُمّة إذا صدّ عنهم أبناؤها وشعروا باليأس من التأثير عليهم، بل عليهم الاستمرار في بثّ أفكارهم الإصلاحية، فلربّما يوجد فيهم من يستجيب لهم ويأخذ بها في آخر الأمر.

1 . تفسير القمي: 2/49; تفسير نور الثقلين: 3 / 450 ـ 451 .

156
وسيوافيك تفصيل توبة قوم يونس ودفع العذاب عنهم في تفسير سورة الصافات.
سورة الأنبياء: الآيتان 89 ـ 90   

الآيتان: التاسعة والثمانون، والتسعون

(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) .
التفسير

قصة زكريا واستجابة دعائه

يَظهر من الآيات الواردة في سورة آل عمران (الآية 38 ـ 41) أنّ ما شاهده النبيّ زكريا في مريم (عليها السلام)من الخصائص النفسية الرفيعة والكمالات الروحية حتّى أنّ الرزق كان يأتيها من الله سبحانه، قد بعث الرغبة في قلبه ـ وقد صار شيخاً كبيراً ـ إلى أن يطلب من الله تعالى ذرية طيبة، وهذا ما يحكي عنه سبحانه بقوله:
89 . (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ):
أي (وَ) اذكرْ (زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ) قائلاً: (رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًا)وهو الّذي لا عقب له (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)حيث توسّل بأحد أوصافه سبحانه، وهو

157
(خَيْرُ الْوَارِثِينَ)ليكون سبباً ممهِّداً للإجابة.
وجاء مضمون هذه الآية في سورة آل عمران بوجه أوضح، قال: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).1
90 . (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ):
تتضمّن هذه الآية الأُمور التالية:
1. أنّ الله تعالى استجاب دعاء زكريا(عليه السلام) كما يقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)دعاءه، بالرغم من أنّه يتعلّق بأمر لن يحصل إلاّ بمعجزة خارقة للمألوف.
2. أنّ الله تعالى رزقه ـ على رغم شيخوخته ـ ولداً اسمه يحيى، كما يقول: (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى).
3. لمّا استمع (عليه السلام) إلى هذا النداء: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم)(2) قال متعجّباً: (رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)(3)، فالله سبحانه أجابه بقوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ): أي جعلناها ـ بعد أن كانت عاقراً ـ قابلة للحمل .
4. أنّه سبحانه ذكر شيئاً من صفاتهم السامية وهي:
أوّلاً: (إِنَّهُمْ)يعني زكريا وزوجه وولدهما يحيى، ويحتمل كلّ الأنبياء الّذين تقدّم ذكرهم (كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي يبادرون إلى الطاعات والعبادات.

1 . آل عمران: 38 .      2 . مريم:7.   3 . مريم: 8 .

158
ثانياً: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا): أي يعبدوننا رغبة في الثواب، ورهبة من العقاب.
سورة الأنبياء: الآية 91   
ثالثاً: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ): أي خائفين مع التعظيم.
إلى هنا تمّ ذكر أسماء خمسة عشر نبياً من رجال الدعوة والإصلاح الّذين أفنَوا أعمارهم في سبيل هداية الإنسان ولاقوا في طريق الدعوة مالاقوا من المصاعب، ذكرهم سبحانه تلطيفاً لروح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعليماً للآخرين، لا سيّما رجال الإصلاح الذين يجب عليهم أن يستعدّوا لتحمّل البلايا والآلام التي يواجهونها في طريق أداء مسؤولياتهم تجاه الأُمّة.
بقي هنا ذكر حياة مريم الّتي لم تكن من الأنبياء، ولكن كانت عالمة عابدة .

الآية: الحادية والتسعون

(وَالتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).

المفردات

أحصنت: الإحصان: المنع، وإحراز الشيء من الفساد.
آية: برهاناً ودليلاً على قدرة الله.

159

التفسير

قصة مريم وابنها

91. (وَالتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ):
يعدّ المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)أحد أنبياء الله العظام الّذين لهم كتاب وشريعة ومعاجز، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم باسم عيسى خمساً وعشرين مرّة، وباسم المسيح (عليه السلام)إحدى عشرة مرّة، وأمّا حياته من لدن تكوّنه في بطن أُمّه إلى أن رفعه الله إليه فتدور في محاور عشرة1، وقد ذكرت هذه الآية جانباً من جوانب حياته وهو أنّ أُمّه مريم العذراء لمّا (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا): أي منعت نفسها ممّا ينافي العفّة، وهبها الله سبحانه ولداً زكياً طيباً من دون أن يمسّها بشر، فقال: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)إنّ النفخ في مريم كناية عن عدم استناد ولادة عيسى إلى العادة الجارية في كينونة الولد، من وجود النطفة وصيرورتها علقة ومضغة إلى أن تستعدّ لنفس الروح، كلّ ذلك لم يكن في حبل مريم، فلم يبق فيها إلاّ نفخ الروح فيها بكلمة (كن)، كما قال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)2 فقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) عبارة أُخرى عن قوله: (كُنْ فَيَكُونُ): أي تعلّقت إرادتنا بكينونته في رحم مريم دفعة. وإضافة الروح إلى

1 . استقصينا بيانها في كتابنا «القصص القرآنية» الجزء الثاني، فلاحظ.
2 . آل عمران: 59 .

160
نفسه تبارك وتعالى كناية عن عظمتها وطهارتها.
وعلى هذا فقد حملت مريم (عليها السلام)ولدها دفعة واحدة دون أن تمرّ عليها مراحل الحمل الطبيعي عند بقية النساء، فالله سبحانه خلق المسيح في بطن أُمّه مرّة واحدة ببدنه وروحه.
ويمكن القول بالفصل بين خلق البدن مرّة واحدة، ثم نفخ الروح فيه، وهذا أحد محتملات الآية.
سورة الأنبياء: الآيات 92 ـ 97   
يقول الشريف الرضي (رحمه الله) حول هذه الآية: وهذه استعارة، والمراد بالروح هنا إجراء روح المسيح (عليه السلام)في مريم (عليها السلام)لأنّه تولّد من غير علوق من ذكر ولا انتقال من طبق إلى طبق، فأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه لمزية الاختصاص بالتعظيم والاصطفاء بالتكريم، إذ كان خلقه المسيح (عليه السلام)من غير توسيط مناكحة ولا تقدّم ملامسة .1
فصارت النتيجة هي ما يقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)وقد أفرد آية وجعل الوالدة وولدها آية واحدة إذ أُريد من الآية الولادة وهي ثابتة بهما. وكفى بمريم فخراً أنّها ذُكرت عقب ذكر الأنبياء(عليهم السلام)!!

الآيات: الثانية والتسعون إلى السابعة والتسعين

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَى

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 126.

161
قَرْية أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) .

المفردات

أُمّة: الأُمّة: القوم المجتمعون على أمر، ثم شاع استعمالها في الدين، وربّما يطلق اللّفظ ويراد به الشريعة نفسها، كما في قوله سبحانه: (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)1، لكنّه قليل الاستعمال.
تقطّعوا: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قِطَعاً .
حرام: ممتنع ومحال. قال الراغب: الحرام: الممنوع منه إمّا بتسخير إلهي وإمّا بمنع قهريّ وإمّا... ثم قال: فقوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ) 2 فذلك تحريم بتسخير، وقد حُمل على ذلك: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْية أَهْلَكْنَاهَا)3.
قرية: أُريد به أهلها.
يأجوج ومأجوج: قبيلتان من جنس الإنس، مرّ بيانهما في تفسير سورة الكهف .

1 . الزخرف: 22.
2 . القصص: 12 .
3 . انظر: المفردات للراغب: 114، مادة «حرم».

162
حَدَب: مرتفع. وهذا يكشف عن أنّ أماكنهم كانت وراء الجبال والأكمّة، وبعد انفتاح السدّ يأتون مُسرعين من فوق الجبال إلى المناطق الأُخرى من الأرض.
ينسلون: يُسرعون.
اقترب: قرُب.
الوعد الحق: يوم القيامة.
شاخصة: مرتفعة أجفانها، لا تكاد تطرف من شدّة الهول .
وَيلَنا: الوَيل: الهلاك.

التفسير

إنّ هذه المجموعة من الآيات من أبهم آيات القرآن الكريم ولذلك اختلفت كلمات المفسّرين في تبيينها وتوضيحها، فاللازم قراءة النصّ القرآني بوعي ودقّة لعلّ الله تعالى يهدينا إلى الصواب، والّذي نذكره تالياً هو أحد التفاسير لهذه المجموعة الّذي انتخبناه بعد تدقيق النظر فيه .
92. (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ):
توضيح الآية رهن بيان أُمور:
1. مَنْ هو المخاطب في قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)؟
الظاهر أنّ المخاطب هو مَن تقدّمت أسماؤهم من الأنبياء، فالخطاب كان موجّهاً إليهم في الزمان السابق وقد حكاه سبحانه لنا في هذه الآية.

163
ويشهد لذلك قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)1 فإنّ مجيء قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)بعد خطاب الرسل بقوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)قرينة على أنّ المخاطب في الآيتين أمر واحد، وهذا يكون قرينة على تفسير آيتنا هذه أيضاً .
2. إنّ المشار إليه في قوله: (هَذِهِ)هو ما أتى بعده من قوله (أُمَّتُكُمْ)، نظير قوله سبحانه: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ)(2)، فاسم الإشارة إشارة إلى ما جاء بعده من حديث المفارقة.
3. إنّ المراد من الأُمّة (في كلا الموردين) هو أُمّة كلّ رسول الّذين جمعهم أمر واحد وهو الدين، نظير قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا )2 .
وربّما يفسّر بالشريعة، وهو بعيد إذ لو أُريد ذلك كان اللازم أن يقول: إنّ هذه أُمّتكم أُمّة واحدة وأنا إلهكم، مع أنّه قال: (وَأَنَا رَبُّكُمْ)، فلفظ الربوبية يناسب كون الأُمّة بمعنى الجماعة لا الشريعة.
4. ما هو المراد من الوحدة؟
الظاهر أنّ المراد من الوحدة هو الأُصول المشتركة بين عامّة الأديان من غير فرق بين الموسوية والعيسوية والمحمدية، فجميع الأنبياء قد بعثوا بالتوحيد في عامّة المجالات، والاختلاف إنّما هو في الرسوم والأشكال

1 . المؤمنون: 51 ـ 53 .   2 . الكهف: 78 .
2 . يونس: 19 .

164
بحسب اختلاف الزمان والمكان، الّذي يعبّر عنه سبحانه بالاختلاف في الشرعة ويقول: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)1. فالقرآن الكريم يصدّق ما بين يديه من الكتب، وهو دليل على الوحدة في الأُصول والمعارف، فلو مُنيت الكتب السابقة بالتحريف، فالمرجع في تمييز الصحيح عن غيره هو القرآن الكريم لقوله تعالى: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).
ولذلك قلنا في محلّه: إنّ علماء اليهود والنصارى إذا أرادوا أن يكتبوا شيئاً صحيحاً من التوراة والإنجيل وغيرهما فعليهم أن يرجعوا إلى القرآن الكريم فيجعلوه حاكماً عليهما في مواضع الاختلاف، ولذلك يأمر سبحانه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ).
وفي نهاية المطاف يصوّر لنا وجه الاختلاف، وهو أنّ الاختلاف في الشرعة والمنهاج إلاّ أنّ الكلّ ينهلون من منبع واحد.
وأمّا قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)فأراد به الوحدة في الشريعة، وقد مرّ أنّ الاختلاف فيها أمر ضروري حسب اختلاف الأمكنة والأزمنة.
إذا تبيّن ذلك فاعلم أنّ ذكر أسماء عدد كبير من الأنبياء وأصحاب

1 . المائدة: 48 .

165
الشرائع وغيرهم قرينة على أنّ الخطاب في قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً)خطاب لهؤلاء الرسل. وفي الكلام إيجاز، وكأنّه يقول: يا هذا الرسول ويا ذاك الرسول ويا ذلك الرسول إنّ هذه أُمّتكم أُمّة واحدة، وذلك لأنّ جميعكم بعثتم إلى أمر واحد وهو التوحيد في الخالقية، والربوبية، والعبادة، والقيادة الواحدة (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)ولا تشركوا بي أحداً.
ومع أنّ الخطاب للرسل الباقين، ولكنّه يشمل نبيّ الإسلام بوحدة الملاك وكأنّه خاطب نبيّ الإسلام:إنّ هذه أُمّتك وأنا ربّكم فاعبدون.
93. (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) :
انتقل البيان القرآني من مخاطبة الرسل(عليهم السلام)إلى الحكاية عن حال أُممهم في حياتهم وبعد حياتهم، حيث إنّ الجميع نقضوا العهد الوثيق المبنيّ على وحدة الأُمّة في الأُصول والمعارف ولُبّ الأحكام، فجعلوا أمر الدين قِطَعاً قِطَعاً، فصارت الوحدة كثرة.
وحصيلة الكلام: إنّ الآية تندّد بأُمّة كلّ نبيّ بأنّهم تقطّعوا أمر الدين، أي فرّقوه وجعلوه قِطَعاً قِطَعاً حسب آرائهم ومذاهبهم، فظهر الشرك بألوانه المختلفة، كما ظهر الاختلاف في الأُصول بين اليهود والنصارى .
قال الشريف الرضيّ(قدس سره) وهو يذكر قوله تعالى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ): هذه استعارة، والمراد بها أنّهم تفرّقوا في الأهواء واختلفوا في الآراء وتقسّمتهم المذاهب، وتشعّبت بهم الولائج .1

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 126 .

166
ولكنّ الله سبحانه لا يتركهم بل يجزي كلاًّ حسب عمله كما يقول: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) والظاهر أنّ المراد هو الرجوع في الآخرة، فيكون المعنى: (أنّهم راجعون إلى الدار الّتي جعلها الله مكان الجزاء على الأعمال وموفَّى الثواب والعقاب، وإلى حيث لا يحكم فيهم ولا يملك أمرهم إلاّ الله تعالى).1
قلنا: إنّ الخطاب وإن كان راجعاً إلى الأنبياء السابقين ولكنّه يشمل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأُمّته، وعلى هذا فالآية تتضمّن خبراً غيبياً، بالنسبة إلى ما يحدث في الأُمّة المحمّدية، فهم أيضاً غفلوا عن وجوب الاعتصام بحبل الوحدة ونبذ الفرقة، واختلفوا إلى مذاهب وفِرَق شتى، تتراشق فيما بينها بسهام الاتّهام والتبديع، ثم سلّ بعضها السيوف على رقاب بعض.
وفي هذا الوقت الذي يجري فيه القلم بكتابة هذه الصفحات تملأ أسماعنا أخبار سيّئة عن مواصلة التيّارات التكفيرية (التي تنتمي فكراً وعقيدة إلى الفرقة الوهابية صنيعة المخابرات الغربية) لجرائمها المروّعة المتمثّلة في قتل الأطفال والنساء والأبرياء، ونشر الفوضى والخراب في العديد من البلدان الإسلامية، خدمة للمشروع الصهيوأطلسي الذي يستهدف استنزاف المسلمين وتشتيت طاقاتهم في حروب داخلية، وتشويه صورة الإسلام، الذي أخذ يُقلق ساسة الدول الغربية وصنّاع القرار فيها، بسبب إقبال أعداد كبيرة من مثقّفي تلك الدول ـ لا سيّما في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي وما بعده ـ على الإسلام، وانفتاحهم على مبادئه وقيمه وشريعته السمحاء، وإعجابهم بحيويّته وفاعليّته.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 127.

167
وها نحن ننشد مع من أنشد متطلّعاً إلى توحيد الكلمة:
حبّذا الوحدة نوراً قد سطعْ *** يغمُر القلبَ سروراً ومُتعْ
قد بنى الإسلام قُربى بيننا *** رَحِماً موصولةً لا تُقتَطعْ
إنّها الوحدة للجيل قُوىً *** كقُوى البحر إذا البحر اندفعْ
وإذا ما عافَها الجيلُ التوى *** أو تهاوى في حضيض وانقمعْ
قد نَعِمنا في هواها حِقبةً *** وهواها القلبُ منّا والضِّلَعْ
ثمّ حدْنا عن شذاها ضَلَّةً *** فتفشّى الوهنُ فينا والجزعْ1
94. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ):
لمّا أشارت الآية السابقة إلى رجوع كلّ الأفرقاء الذين اختلفوا في الدين إلى الله تعالى للمحاسبة والجزاء، ذكر في هذه الآية الفريق الذي انتهج سبيل النجاة فقال:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ): أي من أعمال الخير كإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، وصلة الرّحم، وغير ذلك. واشترط لقبول الأعمال الصالحة الإيمان، كما قال: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ): أي مصدّق بالله ورسوله واليوم الآخر (فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ): أي لا جحود لإحسانه في عمله بل يُشكر ويثاب عليه (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ): أي إنّا نأمر ملائكتنا بكتابته في صحيفة أعماله، فلا يضيع لدينا شيء من سعيه.
95. (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْية أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ):

1 . من قصيدة «السلام الوارف»، للسيد محمود محمد الموسوي. التعايش السلمي:126.

168
قوله (حَرَامٌ)خبر لمبتدأ محذوف أي الرجوع حرام، وقوله: (عَلَى قَرْية) متعلّق بـ (حَرَامٌ)وجملة (أَهْلَكْنَاهَا)صفة لقرية، ومعنى الآية: الرجوع إلى الدنيا حرام على أهل القرية الذين أهلكناهم بذنوبهم، بل هم محكومون بـ (أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)، فهذه الفقرة جاءت تأكيداً لما فُهم من الفقرة السابقة. وقد جاء مفهوم الآية في موضع آخر قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)1.
إنّ بعض المفسّرين لمّا جعل قوله (أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) إمّا بمنزلة المبتدأ لقوله: (حَرَامٌ) أو متمّماً له، صار إلى القول بزيادة «لا» لوضوح أنّ الحرام أي الممتنع، هو رجوعهم، لا عدم رجوعهم. لكن على ما ذكرناه ليست زائدة.
وقد صارت هذه الآية مجالاً لآراء مختلفة بعيدة عن ظهور الآية، ومن هذه الآراء تفسير (حَرَامٌ)بمعنى الواجب، وعندئذ تصبح (لاَ) في قوله: (لاَ يَرْجِعُونَ) زائدة فيكون المعنى: واجب على القرية الّتي أهلكناها الرجوع في الآخرة .
وهو بعيد عن مساق الآية.
وقد تركنا سائر الأقوال.
96. (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ) :

1 . المؤمنون: 99 و 100.

169
إنّ قوله: (حَتَّى)غاية لِما تقدّم في الآية السابقة (إنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ): أي محكومون بعدم الرجوع إلى فتح يأجوج ومأجوج، فعندئذ يرجعون .
فعلى هذا فمنْع رجوعهم إلى الدنيا محدّد بفتح يأجوج ومأجوج، أي فُتح السدّ الّذي بناه ذو القرنين وذلك بانهيار السدّ وانفتاح طريقهم المسدود، فيخرجون إلى سائر الناس من مرتفعات الأرض مسرعين نحوهم، كما يقول: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ)أنّ نسبة الفتح إلى يأجوج ومأجوج مجاز، وهي في الحقيقة إشارة إلى فتح السدّ. ويمكن أن يُحمل الكلام على حسب المضاف(سدّهما)، (وَهُمْ): أي هذه الطائفة (مِنْ كُلِّ حَدَب): أي مرتفع من الأرض كجبل وأكمة (يَنْسِلُونَ) يسرعون.
هذا هو تفسير ظاهر الآية، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من تحديد المنع بفتح يأجوج ومأجوج، وهنا احتمالان:
1. أنّ فتح يأجوج ومأجوج أو فتح سدّهما كناية عن قيام الساعة، لأنّ اندكاك السدّ من أشراط الساعة فيكون خروج يأجوج ومأجوج ونزولهم من كلّ مرتفع وأَكَمة، عند الساعة أو قريباً منها، كما يحكي قوله سبحانه عن ذي القرنين الّذي بنى السدّ لمنع خروج يأجوج ومأجوج من ورائهم قال: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)1. وعلى هذا فمعنى منع رجوعهم إلى فتح يأجوج ومأجوج كناية عن عدم الرجوع إلى الدنيا بتاتاً بل يتحقّق الرجوع في الآخرة.

1 . الكهف: 98 و 99 .

170
2. أنّ عدم رجوع القرى الهالكة محدَّد بفتح يأجوج ومأجوج فيزول عنهم حرمانهم في نفس الدنيا، ويدلّ على ذلك أنّ الحرمان من عدم الرجوع إلى يوم القيامة لا يخصّ بـ (قَرْية أَهْلَكْنَاهَا) فإنّ الساعة (يَوْمَ الْجَمْعِ) 1 ولكن ذلك الحرمان محدَّد بـ (إِذَا فُتِحَتْ)فليكن رجوعاً خاصّاً قبل يوم الجمع، وذلك حسب تلميحات آيات وتصريحات روايات بأنّه محتوم على مَنْ محَضَ الإيمان مَحْضاً أو محَضَ الشِّرك مَحْضاً.2
وحاصل كلامه: إنّه سبحانه يخصّ عدم الرجوع إلى فتح يأجوج ومأجوج بطائفة خاصّة وهم الّذين أُهلكوا في هذه الدنيا بذنوبهم، فلو كان المراد عدم الرجوع إلى الدنيا واختصاص الرجوع بالآخرة لما كان لهذا التخصيص وجه، فعلى هذا فيراد من قوله: (أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ): أي لا يرجعون إلى الدنيا إلى الفتح، وأمّا بعده فيُحشَرون، وهذا ما يعبّر عنه بالرجعة، أي رجعة المؤمنين الكُمَّل، والكفّار الخُلّص، ويكون مقدّمة لقيام المهدي (عليه السلام)الّذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت جوراً وظلماً.
سورة الأنبياء: الآيات 98 ـ 104   
يلاحظ عليه: أنّه بعيد عن مساق الآية ولم يذكره أحد من المفسّرين حسب ما حضرني من التفاسير، وأمّا تخصيص عدم رجوعهم إلى الدنيا بطائفة خاصّة، لأنّ الرجوع هو أملهم لا أمل الكلّ، ولذلك يَردُّ سبحانه أملهم وأنّه لا رجوع إلى يوم القيامة.
ثم إنّما يدلّ على المعنى الأوّل الآية التالية:

1 . الشّورى:7.
2 . الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة: 16 / 240 .

171
97. (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ):
قوله: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ): أي قرُب مجيء يوم القيامة الذي وعد الله به عباده، وعندئذ تذهل عقول الكفرة العتاة، وتشخص أبصارهم فلا تطرف أجفانها ولا تتحرّك من شدّة الهول الذي يَرونه، كما يقول: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا)ويعمّهم الخوف والفزع، فيعترفون بأمرين:
الأوّل: أنّهم يقولون (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا)فإنّ العناد والجهل الشديد أقاما حجاباً بينهم وبين التفكير في مصيرهم، يقول سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)1 .
الثاني: (بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) لأنفسنا، حيث انشغلنا بالدنيا وزينتها ونعيمها حتى أصابتنا الغفلة، فلم نلتفت إلى ما وراءها، ونسينا الآخرة.

الآيات: الثامنة والتسعون إلى الرابعة بعد المئة

(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ

1 . ق: 22 .

172
وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .

المفردات

حَصَب: ما يُرمى به في النار لاشتعالها. وفسِّر بوقودها. وأصل الحصب الرمي، فالمراد أنّهم يُرمَون فيها كما يُرمى بالحصباء.
قال الشريف الرضيّ: وهذه استعارة لأنّ الحصب هو ما يُرمى له من الحصباء وهي الحصى الصغار، يقال: حصب فلان فلاناً، إذا قذفه بالحصباء، ويقولون: حصبنا الجمارَ أي قذفن فيها بالحصيات، فشبّه سبحانه قذفهم في نار جهنم بالحصباء التي ترمى بها من ذلّ مقاذفهم وهوان مطارحهم.1
زفير: ترديد النفس مع الصوت من الحزن حتى تنتفخ الضلوع. والشهيق صوت فظيع يخرج من الجوف بمدّ النّفَس.(2)
الحسنى: أُريد البشارة بثوابهم على الأعمال الحسنة.
حسيسها: الحسيس: الصوت الذي يُحسّ به، وأُريد هنا صوت النار عند ارتفاعها.
الفزع: انقباض ونفار يعتلي الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 127.   2 . مجمع البيان: 5/367.

173
نطوي: الطيّ: اللَّفّ.
السِّجِلّ: قيل: حجر كان يكتب فيه. ثمّ سُمِّي كلّ ما يُكتب فيه سجلاًّ.

التفسير

98.(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ):
صلة الآية بما قبلها واضحة، فقد تضمّنت الآية السابقة شيئاً من أحوال الكافرين وهي شخوص أبصارهم يوم القيامة مقروناً بدعائهم على أنفسهم بالويل والهلاك، واعترافاً بالغفلة والظلم، فجاء البيان القرآني لبيان مصيرهم وأنّه لا يقتصر على ويلهم واعترافهم بل يُرمَون مع آلهتهم المكذوبة في النار كما يقول: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ): أي يقال لهم يوم القيامة بأنّكم والأصنام التي تعبدونها من دون الله (حَصَبُ جَهَنَّمَ)تُرمون فيها (أَنْتُمْ)جميعاً (لَهَا وَارِدُونَ) تَرِدونها. واللام بمعنى: إليها. ولو قيل: لأيّ غرض تُلقى الأصنام في جهنم وأي فائدة تترتّب عليه؟ فالجواب: هو أنّ في ذلك نوع إذلال وتحقير لعبدة الأصنام برؤية آلهتهم المزعومة تُلقى معهم في جهنّم فتحترق، ولا تستطيع أن تدفع عن نفسها العذاب، فضلاً عن أن تدفعه عن عبّادها.
ثمّ إنّه سبحانه يستدلّ بورود الأصنام إلى النار على بطلان كونهم آلهة، كما يقول:

174
99. (لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ):
يستدلّ سبحانه بأنّه لو كانت الأصنام التي عكفتم على عبادتها طول عمركم، آلهة شفعاء عند الله تعالى لَما أُدخلوا النار، فمصيرهم هذا يدلّ على أنّه ليس لها قيمة ووزن عند الله سبحانه، وإنّ الخزي والهوان الذي أصاب الآلهة أفضل دليل على أنّهم أعجز من كلّ شيء. وظاهر الآية أنّهم يحشرون مع أصنامهم ويُلقَون مع آلهتهم معاً في الجحيم التي وقودها الناس والحجارة.
ومعنى الآية: (لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ) الآلهة المكذوبة (آلِهَةً) لديه أو شفعاء عند الله مقرّبين عنده (مَا وَرَدُوهَا): أي ما دخلوا جهنّم، وما حُكمَ عليهم بالخلود فيها، كما يقول:(وَكُلٌّ) من العابدين والمعبودين (فِيهَا)في جهنّم (خَالِدُونَ) مؤبَّدون، فلا نهاية لعذابهم.
وأمّا حال هؤلاء عبّاد الأصنام في الجحيم، فهو الذي تحكيه الآية التالية:
100. (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ):
وهنا تكشف الآية عن حال هؤلاء الكفرة، إذ يحسّون، وهم يحترقون في جهنّم، الضِّيق والاختناق، والكرب والغمّ، فيتردّد في صدورهم نَفَس شديد تنتفخ منه أضلاعهم، كما يقول سبحانه: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ). وطبع الحال يقتضي أن يسمع صاحب الزفير صوته، ولكنّه سبحانه يقول: (وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ)لشدّة العذاب.

175

بحث حول نزول الآيات

جاء في تفسير القمي من رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)قال: «لمّا نزلت هذه الآية ]يعني قوله:(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)[ وجد منها أهل مكّة وجداً شديداً، فدخل عليهم عبد الله بن الزِّبَعرى وكفّار قريش يخوضون في هذه الآية، فقال ابن الزِّبعرى: أمحمد تكلّم بهذه الآية؟ قالوا: نعم. قال ابن الزِّبعرى: لئن اعترف بها لأخصمنّه، فجمع بينهما، فقال: يا محمد أرأيت الآية التي قرأت آنفاً، أفينا وفي آلهتنا أم في الأُمم الماضية وآلهتهم؟ فقال: «بل فيكم وفي آلهتكم وفي الأُمم الماضية إلاّ مَن استثنى الله». فقال ابن الزبعرى: خصمتك والله، ألست تثني على عيسى خيراً، وقد عرفت أنّ النصارى يعبدون عيسى وأُمّه، وأنّ طائفة من الناس يعبدون الملائكة؟ أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا» فضجّت قريش وضحكوا، قالت قريش: خصمك ابن الزبعرى. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قلتم الباطل، أما قلتُ: إلاّ من استثنى الله؟ وهو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ).1
ونحن في شكّ من صحّة هذه الرواية2، لأنّ ما ورد فيها من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «قلتم الباطل، أما قلتُ: إلاّ من استثنى الله وهو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى...)» أشبه بكلام المتكلِّمين. هذا

1 . تفسير القمي:2/50ـ51; تفسير نور الثقلين:3/459.
2 . روى نحوها ابن إسحاق في «سيرته»، والواحدي في «أسباب النزول».انظر: التحرير والتنوير:17/112ـ 113.

176
أوّلاً، وثانياً: لو كانت الآية مقرونة بالاستثناء لم يكن هناك أي مستمسك لقريش ولابن الزبعرى، فلابدّ أن يكون المستثنى متأخّراً عن اعتراضهم، ومن المعلوم أنّه أشبه بتأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير صحيح عند العقل.1
101 و 102. (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ):
لمّا وصف سبحانه ـ في الآيات المتقدّمة ـ حال الكافرين يوم القيامة وما يقاسونه من ألوان العذاب، ناسب أن يصف هنا ـ جرياً على أُسلوب القرآن ـ حال الفريق المقابل لهم، أعني: المؤمنين الذين وعدهم الله الجنّة والخلود في نعيمها، كما قال:(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) لاستجابتهم لدعوة ربّهم وعملهم بمرضاته، لهم صفات سامية وهي:
1. (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ): أي عن جهنّم، فلا يقربونها أبداً.
2. (لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا).
هؤلاء الذين سبقت لهم من الله الحسنى مبعدون عن نار جهنم ولهيبها إلى حدّ لا يصل إليهم شيء من حرّها، ولا يسمعون صوت اشتعالها، فإنّ للنار حال اشتعالها، لا سيّما إذا كانت كبيرة، صوتاً مرعباً ومرهباً، والله سبحانه قد أكرم أسماعهم أن تسمع ذلك الصوت.

1 . وسيوافيك تفصيل القول بذلك في تفسيرنا لسورة الزخرف، الآية 57.

177
3. (وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ).
فأحوالهم في الآخرة تضادّ أحوالهم في الدنيا، فربّما يشتهي الإنسان نعمة ما ولا تصل يده إليها، وربّما تصل ولكن لا تدوم، أمّا نعم الآخرة فهي جامعة بين الأمرين: الوصول، والدوام والخلود.
103. (لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ):
4. (لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ)هذاـ أي الفزع الأكبر ـ هو الأمر الرابع وأُريد به ما يحصل لأهل المحشر حين النفخ في الصُّور، ولكن هؤلاء مستثنون من الحزن من هذا الفزع الأكبر والخوف الأعظم. ويظهر الاستثناء من سائر الآيات أيضاً يقول سبحانه: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ)1 فلعلّ الاستثناء ـ أعني: قوله: (إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ) ـ إشارة إلى هذه الفقرة من آيتنا.
5. (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ) وهذا هو الأمر الخامس، أي يكون اللّقاء مقروناً بكلّ سلام وأمن، قائلين: (هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) به في الدنيا من دخول الجنة والفوز بنعيمها الدائم. قال سبحانه:(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).2
وقال الإمام علي(عليه السلام): «فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي

1 . النمل:87.
2 . الزمر:73.

178
دَارِهِ. رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ، وَأَزَارَهُمْ مَلاَئِكَتَهُ، وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَار أَبَداً، وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَباً».1
هذا، وقد بيّنا، فيما تقدّم، وجه الجمع بين قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتًْما مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)2 الذي يظهر منه أنّ الفريقين: الموحّدين، والمشركين يَرِدون جهنّم جميعاً، لكنّه سبحانه ينجّي الفريق الأوّل منهما، وبين آيتنا في المقام، التي يظهر منها أنّ الذين سبقت لهم من الله الحسنى لا يردونها بل هم عنها مبعدون، فلاحظ تفسير الآيتين المذكورتين من سورة مريم.
104. (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) :
توضيح الآية رهن بيان أُمور:
1. ما هو وجه الصلة بين هذه الآية وما تقدّم؟ ولعلّ الوجه هو ما سبق في الآيات المتقدّمة من الثواب والعقاب حيث وُصف المجرمون بأنّ لهم يومذاك زفير وهم فيها لا يسمعون كما وُصف المحسنون بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) فصار ذلك سبباً للبرهنة على المعاد من خلال توكيد قدرته سبحانه على التصرّف في الكون كلّه، كما يأتي بيانه.
2. الظاهر أنّ في قوله: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ) تقديماً وتأخيراً،

1 . نهج البلاغة، الخطبة 183.
2 . مريم:71ـ 72.

179
والأصل: نعيد الخلق كما بدأناه أوّل مرّة.
3. المراد من طيّ السماء هو نقض بنيتها، وإعفاء جملتها عن صورتها، وتقارب كواكبها بعد تباعدها، فتصبح كالسجلّ المطويّ، الذي يُطوى فيه ما كُتب على أوراقه من التفاصيل.
وبعبارة أُخرى: ليس المراد إعدام السماء بكواكبها ومجرّاتها، بل المراد تغيير بنيتها وجمعها وطيّها وتقريب ما فيها من البعد، نظير طيّ ما كُتب في الأوراق والسجلّ حيث يوصف بالطيّ بعد النشر.
4. الظاهر أنّ إضافة الطيّ إلى السجلّ من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل، وذلك لأنّ طيّ السجلّ أي الأوراق المنتشرة يكون سبباً لطيّ ما كُتب فيها من المكتوبات، واحتمال أنّ السجلّ بمعنى كاتب الكتب أمر بعيد، فلم أقف في لغة العرب على استعمال السجلّ في كاتب السجلاّت، ولو ثبت لكان أحد الاحتمالات.
5. الظاهر أنّ الكتب هو جمع الكتاب وأُريد به المكتوبات، وتصوّر أنّ الكتب جمع الكتاب وهو بمعنى الكتابة المعنى المصدري، بعيد، إلاّ إذا أُريد اسم المصدر.
6. إنّ وجه الصلة بين قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ...) وقوله:(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ) هو أنّ الفقرة الأُولى تدلّ على وجود المقارنة بين طيّ السماء وما فيها من الموجودات، وبين إعادة الإنسان، نظير قوله سبحانه: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ*...)إلى أن يقول: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ).1

1 . التكوير:1ـ14.

180
ونظيره ما في سورة الانفطار وغيرها، فالآيات القرآنية تتّفق على انهدام النظام يوم بعث الإنسان، قال سبحانه:(وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)1، وقال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).(2)
7. قوله: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ) فالكاف فيه حرف تشبيه، شبّه إعادة خلق الأجسام بإعادة خلقها، ووجه الشبه إمكان كليهما وأنّ القادر على المَعاد هو القادر على المُعاد. وقد جاء هذا البرهان في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)2. وقد بُرهن على إمكان إعادة الإنسان يوم المعاد ببراهين مختلفة في الذكر الحكيم، ومنها هذا البرهان، وهو أنّ الخلق من كتم العدم أصعب في نظر الإنسان من إحياء الأجزاء الموجودة، فالقادر على الأوّل أَولى بأن يكون قادراً على الثاني.
8. إنّ المراد من السماء في قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ) مطلق الكائنات، وقد يشمل الأرض أيضاً بقرينة سائر الآيات، وأنّه سبحانه يخبر عن يوم ينهدم فيه النظام السائد، وهذا هو اليوم الذي يكون مقروناً بإعادة الإنسان إلى عالم الحياة.
سورة الأنبياء: الآيات 105 ـ 107   
9. إنّ في قوله:(وَعْدًاَ عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) دلالة على أنّ المعاد أمر قطعيّ لا يتخلّف ولا يتعلّق به البَداء; لأنّ المعاد هو السبب لإخراج فعله

1 . الزمر:67.   2 . إبراهيم: 48.
2 . يس:79.

181
سبحانه عن العبث والجزاف إلى كونه ذا غاية وغرض يتعلّق بالمخلوق.
وبما ذكرنا ظهر مفاد الآية فلا حاجة لإعادة التفسير.
ولنختم تفسير الآية بما ذكره الشريف الرضيّ، حيث قال:
وهذه استعارة، والمراد بها على أحد القولين إبطال السماء ونقض بنيتها وإعدام جملتها من قولهم: طوى الدهر آل فلان، إذا أهلكهم وعفّى آثارهم، وعلى القول الآخر يكون الطيّ هاهنا على حقيقته فيكون المعنى: أنّ عرض السماء يُطوى حتى يجمع بعد انتشاره، ويتقارب بعد تباعد أقطاره، فيصير كالسجلّ المطويّ، وهو ما يُكتب فيه من جلد أو قرطاس أو ثوب أو ما يجري مجرى ذلك.1

الآيات: الخامسة إلى السابعة بعد المئة

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْم عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

المفردات

كتبنا: أي فرضنا أمراً لا يتخلّف. والتعبير بالكتابة إشارة إلى الفرض اللازم كما يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(2)

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 126.   2 . البقرة: 183.

182
الزَّبور: المتبادر منه كتاب داود(عليه السلام) بشهادة قوله: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)1وتفسيره بالكتب التي أُنزلت على الأنبياء، بعيد.
الذِّكر: الظاهر أنّ المراد به التوراة، وقد وصفها به سبحانه في موضعين من هذه السورة، قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)2، وقوله:(وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ).3
نعم ربّما يُطلق الذِّكر ويراد به القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)4 ولكن هذا الاحتمال لا يناسب قوله:(مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) وإلاّ كان اللازم أن يقول: «من قبل الذِّكر»، واحتمال أنّ المراد من البَعدية هو البَعدية رتبة لا زماناً، يحتاج إلى قرينة.
الأرض: الظاهر أنّ المراد أرض الدنيا، وكلّما أُطلق لفظ الأرض في القرآن الكريم أُريد به هذه الأرض، وإطلاقها على أرض الجنة إنّما هو مع القرينة كقوله: (وَقَالُوا الْحَمْدُ للّهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)5، ويؤيّد ما ذكرنا قوله في نفس السورة:(أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)6، وبقوله: (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)7.

1 . النساء: 163.
2 . الأنبياء: 7.
3 . الأنبياء: 48.
4 . الحجر:9.
5 . الزمر:74.
6 . الأنبياء:44.
7 . الأنبياء:56.

183
الصالحون: الجامعون للفضائل، المنزَّهون عن الرذائل، المقبلون على مرضاة الله سبحانه.
عابدين: العابدين: الموحِّدين، كأنّ العبادة قوام حياتهم.

التفسير

105.(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ):
الظاهر أنّ الآية تبشّر بقيام دولة إسلامية كريمة عالمية، يديرها الصالحون من عباد الله تعالى، وأنّهم يرثون الأرض كلّها بعد فسادها، يقول سبحانه:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ): أي فرضنا على أنفسنا وراثة الصالحين الأرض بتمامها وأخبرنا بها في كتابين سماويّين: الزبور، والآخر (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي التوراة، وأمّا المفروض فهو (أَنَّ الأَرْضَ) بعامّة بقاعها (يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).
فالموروث هو الأرض بتمامها، وأُريد من الوراثة هو السلطة عليها بعد سلطة الآخرين، والوقوف على مغزى هذا الوعد رهن ما ورد في الزبور بعيداً عن التحريف، لأنّ يد التحريف لعبت في التوراة والإنجيل دون زبور داود(عليه السلام)، فقد جاء فيه: حِدْ عن الشرّ، وافعل الخير، واسكُن إلى الأبد، لأنّ الربّ يحبّ الحقّ ولا يتخلّى عن أتقيائه. إلى الأبد يُحفظون، أمّا نسل الأشرار فينقطع. الصدّيقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد.(إلى

184
قوله): انتظر الربّ، واحفظ طريقه، فيرفع شأنك لترث الأرض إلى انقراض الأشرار.1
ومن قرأ هذا الباب من المزامير وتأمّل في فقراته يقف على أنّها تخبر عن دولة مباركة في الأرض تدور على انقراض الأشرار ووراثة الأخيار الأرض. وبذلك يعلم أنّ القول بأنّ الآية مسوقة لوعد المؤمنين بميراث الأرض التي لقَوا فيها الأذى وهي أرض مكة وما حولها، فتكون بشارة بصلاح حالهم في الدنيا بعد بشارتهم بحسن معادهم في الآخرة، بعيد جدّاً عن مساق ما ورد في الزبور.
وممّا يؤيد ما ذكرنا قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)2، وقوله سبحانه:(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)3.
ففي الآية الأخيرة شاهدان على أنّ المراد من الاستخلاف هو الاستخلاف في أرض الدنيا حيث يقول أوّلاً:(وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)، ثم قال: (يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئًا) وكلّ ذلك لا ينسجم إلاّ مع الاستخلاف في الأرض (الدنيا) ووراثتها. فلو كان مجموع هذه الآيات

1 . الكتاب المقدّس: مزامير داود برقم 37، الفقرات: 27 و 28 و 30 و 34.
2 . التوبة:33; الفتح:28; الصف:9.
3 . النور:55ـ 56.

185
ناظراً إلى أمر واحد، يلزم القول بأنّه سبحانه وعد المؤمنين بوراثة الأرض، كلّ الأرض، في فترة من الزمن يسلّط فيها الله المؤمنين على بركات الأرض ومنافعها ويُعبد الله فيها ولا يُشرك به أبداً، وليست هذه الفترة سوى الزمن الذي يسود فيه العدل والأمن أنحاء الأرض بقيادة المهدي المنتظر، ولا يُرى فيها من الظلم والجور أثر.
فإن قلت: إنّ آيتنا ـ أعني قوله تعالى:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ) ـ جاءت بعد آية المعاد، حيث قال:(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ) فليكن هذا قرينة على أنّ المراد من الوراثة وراثة أرض الجنة.
قلت: التدبّر في مجموع ما مضى من الآيات يدفعنا إلى القول بأنّه معطوف على قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ).
بيان ذلك: إنّه سبحانه يشير إلى اختلاف حال المؤمنين مع حال الكافرين من حيث الجزاء في الدنيا والآخرة، أمّا الثانية فهو ما تضمّن بيانها قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) وأمّا الدنيا فهذا ما تضمّنته آيتنا، أي مكتوب أنّ الأرض للصالحين، وليس لغيرهم.
ويؤيّد ذلك ما روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «هم أصحاب المهدي(عليه السلام) في آخر الزمان».1

مع عزة دروزة وتعليقه على أحاديث المهدي

نقل محمد عزة دروزة في «التفسير الحديث» ما ساقه المفسّر الطبرسي الشيعي من أحاديث مروية في مصادر الشيعة والسنّة حول ظهور

1 . مجمع البيان:7/127.

186
المهدي، وأضاف إليها المؤلّف حديثين آخرين، أوّلهما من رواية الترمذي عن أبي سعيد الخُدريّ، والآخر من رواية أبي داود عن أبي سعيد أيضاً، ثمّ علّق على جملة هذه الأحاديث، بقوله:
نخشى كثيراً أن يكون الهوى الحزبي قد لعب دوره في هذه المرويّات ليتسلّح الذي حدّثته أو تحدّثه نفسه بالخروج على السلطان بها كخبر نبويّ يجب الإيمان به، أو ليتسلّح بها الشيعة الإمامية أو السبعية ليستمدّوا منها الأمل والثبات على عقيدتهم، والله أعلم.1
ونحن نخشى أيضاً أن يكون مبعث هذه الخشية هو الهوى المُردي، أو قلّة الاطّلاع، لأنّنا نربأ بالكاتب المنصف أن يتّهم مئات الرواة الذين اجتمعوا، مع اختلاف مذاهبهم وتوجّهاتهم، على تناقل روايات المهدي المنتظر، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.. أن يتّهمهم بالهوى الحزبي، كما نُجلّ الباحث المطّلع عن التشكيك ـ دون دليل أو برهان ـ في تلك الأخبار الجمّة الواردة في المهديّ، والتي اتّفقت كلمة الشيعة وجمهور السنّة على استفاضتها، بل تواترها.
وهاك بعض أقوال علماء السنّة في أحاديث المهدي:
1. قال الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبُريّ السّجزي (المتوفّى 363هـ) في «مناقب الشافعي»: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) في المهديّ، وأنّه من أهل بيته.(2)
2. قال المفسّر أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي(المتوفّى

1 . التفسير الحديث:5/297ـ 298.   2 . انظر: تهذيب الكمال:25/149، الترجمة 5181.

187
671هـ): والأحاديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة، ثابتة.1
3. قال محمد صدّيق خان القنّوجي(المتوفى 1307هـ): لا شكّ في أنّ المهديّ يخرج في آخر الزمان من غير تعيين شهر وعام، لِما تواتر من الأخبار في الباب، واتّفق عليه جمهور الأُمّة خلفاً عن سلف إلاّ من لا يعتدّ بخلافه... فلا معنى للرَّيب في أمر ذلك الفاطميّ الموعود المنتظر، المدلول عليه بالأدلّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حدّ التواتر.2
4. قال ناصر الدين الألباني في مقالة له أجاب فيها عن سؤال يتعلّق بالمهدي: إنّ عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، يجب الإيمان بها لأنّها من أُمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتّقين... وإنّ إنكارها لا يصدر إلاّ من جاهل أو مكابر. أسأل الله أن يتوفّانا على الإيمان بها، وبكلّ ما صحّ في الكتاب والسنّة.3
ومن راجع الأحاديث المروية حول ظهور المهدي(عليه السلام) من أنّه يُظهر دين الله، ويُعلي أمر الحقّ، ويميت البدع، ويقمع الباطل، ويبسط الإسلام في الأرض، ويصير سلطاناً عليها، إلى غير ذلك من الكرامات، لا يشك في أنّ ظهور المهدي(عليه السلام) وإقامة الدولة العالمية بقيادته، من أظهر مصاديق هذه الآية.

1 . التذكرة بأحوال الموتى وأُمور الآخرة:701.
2 . الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة:145ـ 146.
3 . مجلة التمدّن الإسلامي، السنة 22، شهر ذي القعدة.

188
وتتجلّى أهميّة ظهوره(عليه السلام)في الأحاديث التي تؤكّد حتميّة وقوع هذا الوعد الإلهي، ومنها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لو لم يبقَ من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً».1 وتتجلّى أهميّته أيضاً فيما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»2 وقد اتّفقت كلمة المحدّثين على أنّ نزول المسيح ابن مريم يكون عند ظهور المهدي(عليه السلام)، ويأتمّ به في صلاته، قال الحسن بن علي البربهاريّ، الحنبليّ(المتوفّى 329هـ) وهو يذكر ما يجب الاعتقاد به: والإيمان بنزول عيسى ابن مريم(عليهما السلام)... ويصلّي خلف القائم من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).3
106. (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْم عَابِدِينَ):
قوله:(إِنَّ فِي هَذَا) إشارة إلى الآية المتقدّمة، أي الوعد الموعود في الزبور الذي بلّغه القرآن (لَبَلاَغًا)، أي كفاية (لِقَوْم عَابِدِينَ): أي يعبدون الله تبارك وتعالى ويعملون بشريعة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويحتمل أن يكون (هَذَا) إشارة إلى مجموع ما ورد في هذه السورة ممّا يتعلّق بالتوحيد والنبوة والمعاد، وما وعد به سبحانه الصالحين من عباده، ففيه عظة وبلاغ لقوم يعبدون الله سبحانه ولا يشركون به شيئاً.
107.(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ):

1 . سنن أبي داود:797، كتاب المهدي، برقم 4283.
2 . صحيح البخاري:2/402، كتاب أحاديث الأنبياء، الباب 51، برقم 3449.
3 . طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى:2/18، الترجمة588.

189
صلة الآية بما قبلها، هي أنّه سبحانه لمّا ذكر في الآيات السابقة مناقب خمسة عشر نبياً من أنبياء الله، وما أُوتوا من كرامات ومعاجز، ختم كلامه فيهم بذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فوصفه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)فلو وصف الله عزّ وجلّ موسى وهارون بإيتاء الفرقان، ووصف إبراهيم(عليه السلام)بإيتاء الرشد، فقد وصف نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه رحمة للعالمين أي للناس كافّة، وهو مزية عظيمة ليست في مناقب الآخرين.
نقل الطبرسي عن ابن عباس في قوله تعالى: (رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ): أنّه رحمة للبَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة للكافر بأن عوفي ممّا أصاب الأُمم من الخسف والمسخ.
وقال أيضاً: وروي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرئيل لمّا نزلت هذه الآية: هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر فآمنت بك لما أثنى الله عليّ بقوله: (ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين)1، وقد قال: إنّما أنا رحمة مهداة. وقيل: إنّ الوجه في أنّه نعمة على الكافر أنّه عرّضه للإيمان والثواب الدائم وهداه وإن لم يهتد، كمن قدّم الطعام إلى جائع فلم يأكل، فإنّه منعم عليه وإن لم يقبل.(2)
إنّ من مظاهر كون النبيّ رحمة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خلّص، برسالته، المجتمع البشري من براثن الشرك، وأنقذه من الخضوع للحجر والمدر، كما أنقذه من وأد البنات، وكافح صور الظلم والاستغلال، ورعى المظلومين والمحرومين، وأشاع روح التعاون والمحبة والسلام، وحذّر من مخاطر الخمر والميسر، والغيبة والنميمة، والغَمز واللَّمز، وقطعَ جذور العداء النابع

1 . التكوير: 20.   2 . مجمع البيان: 7/128.

190
من هذه الآثام، إلى غير ذلك من الفوائد الكريمة.
إضافة إلى ذلك، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بخلقه السامي الذي اعترف به الصديق والعدوّ وخصائصه الرفيعة، صار مظهراً للرحمة، قال تعالى مخاطباً نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)1.
وفي الختام: يا لهذه الآية ـ مع إيجازها ـ ممّا تحفل به من معان وما تشعّ به من جمال، فقد جاء فيها ذكر المرسِل والمرسَل إليهم والرسالة والمُرسَل ووصفه، وكلّ ذلك في جملة لا يتجاوز عدد حروفها الأربع والعشرين حرفاً!!
قال الأُدباء: إنّ المصراع الأوّل لمعلّقة امرئ القيس بوجازته احتمل معاني كثيرة، حيث قال:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ
قالوا: وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، وحروف هذا المصرع يناهز العشرين حرفاً.
فأين من هذه الآية في وجازتها ولطافتها في اللفظ والمعنى، ما جاء في هذا المصراع؟
سورة الأنبياء: الآيات 108 ـ 112   

الآيات: الثامنة إلى الثانية عشرة بعد المئة

(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا

1 . آل عمران:159.

191
تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).

المفردات

مسلمون: منقادون، خاضعون.
تولّوا: أعرضوا.
آذنتُكم: أعلمتُكم بإنذار. ويستعمل غالباً في الوعيد، قال سبحانه: (فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)1.
على سواء: جميعاً بلا فرق.
ما تُوعَدون: كلّ ما توعدون من عقاب في الدنيا والآخرة.
فتنة: الفتنة: الاختبار.
بالحق: أُريد هنا العدل.

التفسير

هذه المجموعة من الآيات بمنزلة إسدال الستار على كلّ ما ورد في السورة من الحوارات بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين، حيث أمر رسوله في ختام الجدال، بقوله:

1 . البقرة:279.

192
108.(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ):
والقصر إضافي أي إنّ ما يوحى إليّ في أمر التوحيد هو أنّ لا إله إلاّ أنّه إله واحد، وإلاّ فقد أوحى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أُمور غير ذلك، ولكن في مجال الألوهية لم يوح إليه إلاّ أنّه إله واحد(فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): أي خاضعون ومنقادون لهذا الوحي الذي أُوحي إليّ؟
109. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ):
أي إن كنتم منقادين ومسلمين ومعتقدين بوحدة الإله فنعمّا هو، وإلاّ(فَإِنْ تَوَلَّوْا): أي أعرضوا عن هذا الذي تدعوهم إليه(فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء): أي أبلغتكم رسالة الله جميعاً، فقوله:(عَلَى سَوَاء) حال من ضمير (آذَنْتُكُم): أي بلّغتُ ما أُوحي إليّ وفُرض عليّ من إبلاغ رسالة الله، وأتممتُ الحجّة على الجميع. ثمّ أوعدهم بقوله: (وَإِنْ أَدْري)ولفظة (إنْ)نافية أي ما أدري (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) من العقاب والعذاب. ولعلّه من قبيل تجاهل العارف الذي يعدّ من المحسّنات البديعية.
110. (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ):
ما تقدّم من المجموعة وما يأتي يتضمّن إنذاراً ووعيداً، فهذه الآية جاءت كجملة معترضة بين الوعيدين، والغرض من ذلك إعلام المشركين بأنّه سبحانه يعلم بما يجهرون به من القول كما يعلم ما يكتمون، فكلّ ما

193
تضعون من مخططات وتحوكون من مؤامرات لا يخفى على الله سبحانه، سواء أكان ظاهراً أم مكتوماً.
111.(وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين):
بما أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أوعدهم بقوله:(آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء) وأضاف (وَإِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) ذكر البيان القرآني حكمة تأخير وعيده، وتتضمّن أمرين:
الأوّل: أنّه نوع اختبار وامتحان، كما يقول: (وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ)ليظهر ما في بواطنكم بالنسبة لأمر الدعوة.
الثاني: أنّه إمهال واستدراج لهم، كما يقول: (وَمَتَاعٌ إِلَى حِين)، فالمشركون يتمتّعون به إلى مدّة محدودة يقدّرها سبحانه، فعلى هذا فالله يُمهل ولا يَهمل.

الإمام الحسن(عليه السلام) يستشهد بهذه الآية

لمّا هادن الإمام الحسن(عليه السلام) معاوية وتنازل له ـ تحت وطأة الظروف القاسية ـ عن الحكم، ودخل معاوية الكوفة طلب من الحسن(عليه السلام) أن يخطب، وظنّ أنّه سيحصر، فقال(عليه السلام) في خطبته: إنّما الخليفة مَن سار بكتاب الله وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس الخليفة مَن سار بالجور، ذلك مَلِكٌ مَلَكَ مُلكاً يُمتَّع به قليلاً ثمّ تنقطع لذّته وتبقى تبعته، وإنّ الله عزّ وجلّ قال لنبيّه: (وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين).1

1 . انظر: مقاتل الطالبيين:72ـ 73; الكامل في التاريخ:3/407.

194
112. (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ):
تضمّنت الآية أمرين:
الأوّل: دعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، (قَالَ) النبيّ (رَبِّ احْكُمْ) بيني وبين منكري رسالتي (بِالْحَقِّ): أي بالعدل، والقيد توضيحي لأنّ الله لا يحكم إلاّ بالعدل.
الثاني: يؤكّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّه لا يستعين بغير الله تعالى في ردّ ما تصفون رسالته بالسِّحر أو الشعر أو الكهانة وغير ذلك، أو تصفون الله تعالى باتّخاذ الولد والشريك، ففي كلّ هذه المجالات لا يستعين إلاّ به، قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، وقد حذف متعلّق (مَا تَصِفُونَ) ليعمّ كلّ ما يتقوّل به المشركون في مجال دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سواء أكان راجعاً إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو دعوته وكلامه ومعجزاته، أو إلى الله سبحانه، وهذا ما يقال له في فنّ البلاغة من أنّه يحذف المتعلِّق ليذهب ذهن السامع كلّ مذهب.
***
تمّ تفسير سورة الأنبياء
والحمد لله ربّ العالمين

195
سورة الحجّ   
 

سورة الحجّ

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وَتَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا

196
 
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير * ثَانيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ * إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ * مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَات بَيِّنَات وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارى وَ المَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي

197
 
الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيد * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم * وَإِذْ بَوَّأْنَا لاِِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ

198
 
الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ

199
 
وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُعَطَّلَة وَقَصْر مَشِيد * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ

200
 
وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَة مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْم عَقِيم * الْمُلْكُ يَوْمَئِذ للهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ

201
 
إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ * لِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذَلِكُمُ اَلنَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ

202
 
مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
سورة الحجّ: خصائص السورة   

203
 

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «الحجّ» لورود الأمر فيها لإبراهيم(عليه السلام) بالدعوة إلى حجّ البيت العتيق(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) ولتناولها بعض أحكام هذه الفريضة الإلهية، التي لها دور كبير في الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك ووحدة المسلمين.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها ثمان وسبعون آية في عدّ الكوفي، وسبع وسبعون في عدّ المكّي، وست وسبعون في عدّ المدني، وخمس وسبعون في عدّ البصري، ولا يهمّنا تعيين مواضع الاختلاف.
وهذه السورة بين كون آياتها مكّية يناسب بيئتها، وقسم كبير منها مدنيّ يناسب تلك البيئة، فقد بدأ سبحانه السورة بقوله:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) ثمّ أخذ بذمّ مَن يجادل في الله بغير علم ويقول: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد) ثم يركّز على المعاد ويستدلّ عليه بإنزال الماء على الأرض إلى أن يعود، ويكرّر قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم) كلّ ذلك يناسب البيئة المكّية حتى ينتهي إلى قوله:(مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)

204
كلّ ذلك مكّيّ قطعاً. وأمّا الآيات التي تذكر تبوُّء إبراهيم مكان البيت ثم تذكر أحكام الحجّ إلى الآية الثامنة والثلاثين فكلّها مدنية، كما أنّ قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) يناسب العصر المدني. وعلى ذلك لا يمكن القول بأنّ الكلّ مكّيّ أو مدنيّ، فقسم منها مكّيّ قطعاً وقسم منها مدنيّ، وقد وُضعت الآيات مجتمعة في سورة واحدة بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

أغراض السورة

للسورة أغراض عديدة، منها:
1. التحذير من زلزلة الساعة، والاستدلال على إمكان وقوعها بدليل عقلي.
1. ذمّ الشرك والمشركين وإبطال الشرك بدليل علمي مقنع.
3. الاستدلال على تفرّد الله بالأُلوهية، بسجود كلّ ما في الكون له سبحانه.
4. الدعوة إلى الحجّ، وبيان واجباته وما فيه من المنافع.
5. الدعوة إلى الجهاد، وتبيين وظائف من مكّنه الله تعالى في الأرض.
6. الإشارة إلى مقاومة الظالمين وأعداء الإسلام وفضح خططهم.
7. إبطال أُلوهية الأوثان والأصنام ببرهان رائع.
ولو نظرنا إلى هذه الأُمور لوجدناها ـ في الحقيقة ـ كلّها تدور على محورين، وهما التوحيد، والمعاد.
سورة الحجّ: الآيات 1 ـ 4    

205

الآيات: الأربع الأُولى

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وَتَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

المفردات

اتّقوا: التقوى: تحصيل الصيانة للتباعد عن ترك الفرائض واقتراف المحرّمات.
زلزلة: الزَّلزلة والزَّلزال ـ بفتح الزاي ـ اسم مصدر، وبكسرها مصدر: شدّة الاضطراب. وزلزلة الأرض: اهتزازها وارتجاجها.
تذهل: الذُّهول: الذهاب عن الشيء ونسيانه دَهَشاً وحَيرة.
مرضعة: المُرضعة: الأُنثى في حال الإرضاع. وأمّا المرضع فهي ما من شأنها أن ترضع وإن لم ترضع في حال وصفها به، ولذا جاءت (مُرضِعة)بصيغة التأنيث، مع أنّ الأفعال الخاصّة بالأُنثى تأتي مذكّرة، فيقال: حامل، حائض وأمثالهما. وبما أنّ العناية في المقام بالأُنثى في حال الإرضاع جاءت مؤنثة.

206
يقول ابن مالك:
وما من الصفات بالأُنثى يُخَصْ *** عن تاء استغنى، لأنّ اللفظ نصْ
وحيث معنى الفعل تنوي، التاءَ زِدْ *** كذي غدت مرضعةً طفلاً وُلدْ1

التفسير

1. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ):
بدأ سبحانه السورة بخطاب الناس دون المؤمنين، لغاية إنذار الجميع من غير فرق بين المؤمن والكافر، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ): أي احذروا مخالفة ربّكم، باجتناب ما نهى عنه، وراقبوه في جميع أعمالكم. وأنت ترى أنّه قال: (رَبَّكُمْ) دون أن يقول: «خالقكم»، لِما تكرّر ذكره من أنّ الربوبيّة عبارة عن تدبير العالم، فللمدبَّر بالنسبة إلى مَن يدبِّره تكاليف يجب أداؤها، ومسؤوليات ينبغي النهوض بها. وبعبارة أُخرى: الخالقية تشير إلى إيجاد الشيء من كتم العدم، وأمّا التدبير فيشير إلى تهيئة الظروف لبقاء الموجود الإمكاني، فيناسب أن يقول:(اتَّقُوا رَبَّكُمْ)مكان أن يقول: اتّقوا خالقكم.

1 . الأبيات من الكافية لابن مالك لا الألفية الموجودة، فإنّها خلاصة الكافية، حيث قال في آخر الألفية:
أحصى من الكافية، الخلاصة   كما اقتضى غنى بلا خصاصة

207
ثم إنّه سبحانه علّل وجه تحصيل التقوى بقوله: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ
عَظِيمٌ
)
فالجملة في موضع العلّة لما سبق; وذلك لأنّ في زمن وقوع الزلزلة تنقطع عامّة الأسباب ولا يبقى للإنسان ما يتمسّك به لنجاته عمّا تُحدِثه هذه الهزّة والرَّجّة العنيفة. والساعة وإن كانت بمعنى الزمان لكنّها صارت علَماً ـ بالغلبة ـ ليوم القيامة. وعلى هذا فإضافة الزلزلة إلى الساعة تتضمّن كلمة (في) أي حدوث الزلزلة في الساعة، وتنكير «شيء» للتهويل، يشهد لذلك وصفه بـ (عَظيم). نعم ربّما يدلّ على التحقير كما في قوله: (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)1 أي شيئاً حقيراً.
وظاهر الآية أنّ هذه الزلزلة تقع قبل النفخة الأُولى التي فيها إماتة الناس جميعاً، فضلاً عن النفخة الثانية التي فيها إحياء الناس، قال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)2 فيقع الزلزال والناس يمارسون حياتهم العادية، فيفاجَأون بهزّة عنيفة تؤثّر على عقولهم وعواطفهم.
وعلى هذا فقبل قيام الساعة تحدث زلزلة مخيفة(وهي من أشراطها وأماراتها)، ثم تتبعها نفخة مُميتة، ثم تتبعها نفخة مُحْيية.
ولكنّ الظاهر من كلام الشريف الرضيّ(رحمه الله) أنّه حمل الزلزلة على المعنى الكنائي، فقال: المراد بزلزلة الساعة ـ والله أعلم ـ رجفان القلوب من خوفها، واضطراب الأقدام من روعة موقعها، ويشهد بذلك قوله سبحانه

1 . البقرة:229.
2 . الزمر:68.

208
من بعد:(وَتَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى) يريد تعالى من شدّة الخوف والوجَل والذُّهول والوَهل.1
2. (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وَتَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ):
الضمير في:(يَوْمَ تَرَوْنَهَا)يرجع إلى الزلزلة، وأُريد بالرؤية لمس الزلزال بواقعه لا الرؤية بالبصر. والآية تحكي لنا عن حوادث رهيبة.
1. (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ) إنّ ارتجاف الأرض المقرون مع الصوت الرهيب يؤثر في عقل المرضعة بحيث تذهل وتنسى رضيعها الذي للأُم شفقة خاصّة بالنسبة إليه، ومع هذا تنسى ـ لِما يلحقها من الخوف والفزع ـ كلّ شيء حتى أحبّ الأشياء إليها، أعني: الولد الذي أخذ بفمه الصغير ثدي أُمّه، فتغفل عنه كأن لم يكن لها رضيع، ولم تكن في حالة الإرضاع.
2. (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا) هذه هي الحالة الثانية حيث إنّ الهول النابع من الزلزلة المقرونة بالصوت المرعب يؤثّر على ذات الحمل فتضع حملها في وقت مبكر، وتسقط جنينها تلقائياً، نتيجة تسلّط الاضطراب على روحها.
3. (وَتَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى) حيث إنّه يصدر من

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:129.

209
السكارى أعمال خارجة عن الاختيار فيميلون يميناً ويساراً فهكذا الناس، فهم أشبه بالسكارى عملاً ـ في اضطرابهم وذهول عقولهم ـ وإن لم يكونوا كذلك واقعاً.
4. (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ): أي عذابه في الدنيا والآخرة، ولذلك فالناس مطالَبون بأن يتّقوا ربّهم ولا يتعرّضوا لمخالفة ما يأمر به وينهى عنه.
ومن المحتمل أنّ هذه الحالة ربّما تنتهي إلى الإغماء، أو الإماتة التي تحقّقها النفخة الأُولى.
نعم، هذه الحالة تختصّ بطبيعة الإنسان ولا تعمّ الكلّ، فالأنبياء والأولياء الذين لم يعصوا الله طرفة عين، مبعدون عن ذلك.
3. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد):
تذكر هذه الآية والآيات التالية أصنافاً ثلاثة من الناس، وينتهي ذكر الصنف الثالث بالآية الحادية عشرة، أعني قوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ) وإليك بيان هذه الأصناف:
الأوّل: المجادل في الله بغير علم، وهم الذين كانوا يتكلّمون في الله سبحانه بآراء فاسدة كقولهم: «إنّ الله اتّخذ من الملائكة بناتاً» أو أنّه سبحانه غير قادر على إحياء من مات، ويصفون الله تعالى بصفات من دون دليل وبرهان كما يقول:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم)، فهؤلاء يتخبّطون خبط عشواء، ولا يرَون طريقاً من طرق الفساد والضلال إلاّ سلكوه، كما يقول سبحانه: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد): أي العاري عن الخير، من قولهم:

210
شجرة مرداء إذا كان لا ورق لها.
4. (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ):
إنّ مَنْ اتّخذ الشيطان وليّاً ووضع زمام عقله ودينه بيد ذلك الوليّ الخائن، فهو ممّن كُتب عليه الخسران والضلال كما يقول:(كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ): أي أخذه وليّاً قائماً بأُموره (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) كما وعد وقال: (وَلاَُضِلَّنَّهُمْ وَلاَُمَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ)1، (وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) إذ المفروض أنّه اتّخذ موجوداً لا خير فيه بل عدوّاً لمن تولاّه، كما يقول سبحانه:(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)2، فنتيجة تولّي مثله هي الضلال عن جادّة الحقّ والخير، والدخول في السعير.
وربّما يُتوهّم من قوله سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ)
أنّ الجدال أمر غير مقبول عند الشرع، ولكنّه توهُّم باطل، حيث إنّ
الآية تقيّد الجدال (بِغَيْرِ عِلْم)، فتذمّ هذا النوع من الجدال لا مطلق
الجدال، كيف وإنّه سبحانه يأمر الموحّدين أن يجادلوا المشركين بالتي هي أحسن، كما يقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)3، وأمّا الجدال بالباطل وبغير علم فهو جدال توحي
به الشياطين الذين زيّنوا لأتباعهم طريق الغواية، قال تعالى:(وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ

1 . الأنعام:119.
2 . فاطر:6.
3 . النحل:115.

211
لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)1، ويقول سبحانه: (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)
2.
نعم، إنّ الآية وإن ذمّت تولّي الشيطان لكن المفهوم منها أمر أعمّ، فمن تولّى إنساناً بعيداً عن الله سبحانه ووضع زمام أُموره بيده، فيكون مصيره مصير مَن يقتفي الشيطان.
وللإمام علي(عليه السلام) في خطبه إشارات وتلميحات لما ورد في هذه الآية نذكر منها ما يلي: قال(عليه السلام):«إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالا، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ. فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ; وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ . وَلكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هـذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو «الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى».3
ولصاحب الكشّاف كلاماً في المقام نأتي بنصّه، قال: وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقّبين بالإمامة في دين الله إلاّ داخلين تحت كلّ هذا دخولاً أوّلياً، بل هم أشدّ الشياطين إضلالاً وأقطعهم لطريق الحقّ حيث دوّنوا الضلال تدويناً ولقّنوا أشياعهم تلقيناً، وكأنّهم ساطوه بلحومهم ودمائهم، وإيّاهم عنى مَن قال:

1 . الأنعام:121.
2 . الكهف:56،
3 . نهج البلاغة: الخطبة:50.

212
ويا رُبّ مقفوّ الخُطا بين قومه *** طريق نجاة عندهم مستو نَهْجُ
ولـو قـرأوا في اللَّوح ما خُطّ فيه من *** بيانِ اعوجاج في طريقته عَجُّوا
ثم قال: اللّهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سماواتك، وأنبيائك في أرضك، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.1
ويدعو المؤلّف بهذا الدعاء أيضاً لنفسه وإخوانه. آمين يا ربّ العالمين.
سورة الحجّ: الآيات 5 ـ 7    

الآيات: الخامسة إلى السابعة

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج* ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى

1 . تفسير الكشاف:2/341.

213
وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ).

المفردات

ريب: شكّ.
نطفة: النطفة: القليل من الماء، سُمّي بها ماء التناسل لقلّته.
علقة: العَلَقة: قطعة من الدم الغليظ الجامد الرَّطب.
مضغة: المضغة: القطعة من اللحم بمقدار ما يمضغ.
أجل مسمّى: الوقت الذي تضع فيه الأُم ولدها.
أشُدّكم: الأشُدّ: القوّة.
أرذل العمر: أردؤه وأنزله.
هامدة: ميّتة يابسة.
اهتزّت: تحرّكت.
رَبَت: انتفخت.
زوج: صنف.
بهيج: البهجة: حُسن اللون وظهور السرور. وإن شئت قلت: حسن الصورة واللون.
الساعة: اسم للقيامة.

214

التفسير

لمّا قرّر سبحانه، فيما سلف، أنّ صنفاً من الناس يجادل في الله بغير علم ولا دليل ولا برهان، وكان أكثر جدال المشركين، وهم من هذا الصِّنف، حول بعث الإنسان يوم القيامة من جديد، حيث كانوا ينكرون ذلك في إصرار وعناد عجيبَين، ويتفنّنون في ردّه بفنون من الكلام، جاء البيان القرآني لتثبيت هذا الأصل على نحو لو انتفى ـ هذا الأصل ـ من برامج الأنبياء لأصبحت دعواتهم دعوات بشرية فارغة من الروح، إذ للاعتقاد بيوم الحساب دور عظيم في كبح جماح النفس وانطلاقها في وديان الأهواء والشهوات، وفي الحدّ من الاندفاع في ميادين الصراع والاستغلال للاستئثار بالمكاسب الماديّة والتجاوز على حقوق الآخرين، وله تأثير بارز في سلوك سبل الخير والإحسان ومدّ يد العطف والمعونة للمحرومين والمظلومين، رغبة في نيل ما أعدّه الله للمؤمنين العاملين من الأجر والثواب.
والذي يدلّ على استيحاش المشركين من القول بالمعاد ما يحكيه عنهم سبحانه بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ).1
إنّ المشركين لمّا كانوا غارقين في الفساد لا يرون أمام أهوائهم مانعاً ورادعاً فكانوا يقتلون وينهبون الأموال ويرتكبون أنواع الجرائم، فإذا سمعوا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الله سبحانه سيحشرهم يوم القيامة ويجزي كلّ

1 . سبأ: 7 ـ 8 .

215
إنسان بحسب عمله، ثارت ثورتهم وقاموا في وجهه إلى حدٍّ اتّهموا أصدق الصادقين بالكذب، وأعقل العاقلين بالجنون وقالوا:(أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)فصار ذلك سبباً مهمّاً من أسباب تأكيد القرآن على أمر المعاد في كثير من الآيات لعلّها تناهز الألف آية.

تجلّي القيامة في خلق الإنسان

5. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج):
يستدلّ سبحانه على إمكان المعاد ببرهانين:
تارة يعطف نظر المنكرين إلى بدء خلق الإنسان الذي هو التراب، ثمّ النطفة ثم العلقة حتى يصير إنساناً سويّاً، فإذاً هو سبحانه قادر على أن يضفي الحياة على الأجسام التي صارت تراباً ورُفاتاً مثل ما أضفاها على التراب الأوّل، فالغاية من بيان خلق الإنسان من تراب ثم سرد المراحل التي مرّت عليه، هو تنبيه المنكرين على سعة قدرته.

216
وأُخرى يعطف نظر المنكرين إلى اهتزاز الأرض وتحرّكها، إذا أصابها المطر، بعد أن كانت هامدة يابسة، وإنباتها من كلّ زوج بهيج، فليس إحياء الإنسان إلاّ كإحياء الأرض الميّتة، والجميع من مقولة واحدة، وإليك تبيين كلا البرهانين.
أمّا البرهان الأوّل، فيقول فيه سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ): أي في شكّ منه. قال: (إِنْ كُنْتُمْ) مكان «إذا كنتم» إشعاراً بضعف الشكّ وعدم الاعتداد به، فانظروا إلى مراتب خلق الإنسان خلقاً بعد خلق والتي تبلغ إلى سبعة، فالقادر على خلقه من ماء مَهين قليل الغَناء، قادر على إحيائه بعد أن يصير تراباً وعظاماً نخرة.
وأمّا ما هي المراتب السبع، فيشير إليها سبحانه بقوله:
1. (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب) لأنّ النطفة التي هى أصل الإنسان نتيجة الأغذية التي تنتهي إلى التراب، والجميع مأخوذ من الأرض.
2. (ثُمَّ مِنْ نُطْفَة) في أرحام الأُمّهات المتكوّنة من جزأين أحدهما للذكر والأُخرى للأُنثى. ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج)1 فإنّ في قوله: (أَمْشَاج) احتمالات سيوافيك بيانها في محلّه. ومن المحتملات أنّ المادة المائية التي يُخلَق منها الإنسان مركّبة من جزأين، جزء من الأب (الحيمن) وجزء من الأُم(البويضة) وبهذا تكون الآية في مقام الردّ على الفكرة الجاهلية، التي ترى «أنّ الأب هو

1 . الإنسان:2.

217
وحده مبدأ الولد، وأمّا الأُمّ فليس لها دور سوى كون رحمها محلاًّ لنمو النطفة وتطوّرها».
3. (ثُمَّ مِنْ عَلَقَة): وقد فسّرت العلقة بالقطعة من الدم الغليظ الجامد، وسيوافيك تحقيق منّا في معنى هذا اللفظ في تفسير سورة العلق، فانتظر.
4. (ثُمَّ مِنْ مُضْغَة): وهي القطعة الصغيرة من اللّحم المتحوّلة من العلقة، وهي على قسمين كما يقول: (مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة) والأُولى تامّة الخلقة، والثانية على خلاف الأُولى. وبعبارة أُخرى: فالأُولى هي الصالحة بتحوّلها إلى جنين صالح، والثانية ما يقابلها، وهي بين ما تسقط أو تصبح جنيناً ناقصاً في عضو أو أعضاء.
(لِنُبَيِّنَ لَكُمْ): أي خلقناكم على هذا النمط البديع، لنبيّن لكم جميل نظامنا وعظيم قدرتنا.
(وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى): أي نبقي ما نشاء من الأجنّة إلى الوقت الذي قدّر أن تضع المرأة.
الظاهر أنّ قوله: (لِنُبَيِّنَ) يتعلّق بقوله: (مُخَلَّقَة): أي نحفظ الجنين الصالح في الأرحام إلى الوقت الذي قدّر تكويناً لوضع الأُم ولدها. نعم الأجل المسمّى يدور بين ستة أشهر إلى تسعة بزيادة طفيفة، أو نقيصة كذلك.
5. (ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً): أي إذا بلغ الأجل نخرجكم من
بطون أُمّهاتكم أطفالاً صغاراً في المهد. يُذكر أنّ الطفل يطلق على الفرد والجمع.

218
6. (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ): أي يعمّركم حتى تبلغوا كمال قواكم ونضج عقولكم، فبلوغ الأشُدّ هي القمّة في خلق الإنسان، حيث يتكامل فيه خلقه جسماً وعقلاً.
7. (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا): أي إذا بلغت خلقته إلى القمّة، فتارة تقتضي إرادته سبحانه أخذه كما يقول: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى): أي يؤخذ مع كمال قوّته وكمال عقله، وأُخرى تقتضي إبقاءه حتى يبلغ مرحلة الهرم أو الخرف بحيث يصير آخر حياته كأوّل طفولته كما يقول:(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) وأردئه، ويعود إلى الحالة التي كان عليها في أيام الطفولة من ضعف العقل والذاكرة، حيث ينسى جميع ما تعلّمه، كما يقول: (لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا)، ولكن (شتّان بين بدء الحياة وختامها.. بين وهَج الطفولة وتوقّدها، وخمود الشيخوخة وبرودتها.. بين إقبال الحياة وإدبارها.. بين الشروق والغروب.. بين رحلة الحياة ورحلة الموت!!).1
أمّا البرهان الثاني: فهو ما أشار إليه بقوله: (وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً): أي يابسة مُمحِلة لا نبات فيها، وهي في مرحلة بين الموت والحياة.(فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ): أي المطر، خرجت من السكون إلى الحركة كما يقول:(اهْتَزَّتْ): أي تحرّكت (وَرَبَتْ): أي انتفخت وارتفعت (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج): أي من كلّ صنف مبهج، فمن حاول أن يقف على إمكان المعاد بل بوقوع نظيره، فعليه أن يعطف نظره إلى اهتزاز الأرض وإنباتها

1 . التفسير القرآني للقرآن:9/983.

219
وعلى تفتّح البراعم والأزهار على الأشجار، فالقادر على إحياء الأرض الجدباء المُمحلة وإنبات أنواع النباتات فيها.. النباتات ذات المنظر الحسن السارّ للناظرين، قادر على إحياء الموتى.
وقد جاء ذلك البيان في القرآن غير مرّة، فيذكر حياة الأرض واهتزازها عقب هطلان المطر وظهور الثمار على الأشجار بعد سباتها، ثم يذكر إحياء الموتى، يقول سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)1.
ويقول سبحانه أيضاً: (وَالذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ).2
فهذه الآيات تذكّر الإنسان بنماذج من إحياء الموتى، كخلق الإنسان من تراب، وإحياء الأرض بالنبات والأشجار حتى يمحو تلك الشبهة العالقة في ذهنه.
ثمّ إنّ بين البرهانين نوعَ تشابه أشار إليه السيد الطباطبائي بقوله: والمحصّل أنّ للأرض في إنباتها النبات وإنمائها له شأناً يماثل شأن الرَّحِم في إنباته الحيوي للتراب الصائر نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يصير إنساناً حيّاً.3

1 . الأعراف:57.
2 . الزخرف:11.
3 . الميزان في تفسير القرآن:14/345.

220
6. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
قوله:(ذَلِكَ) إشارة إلى ما ورد في وصف خلق الإنسان في مراحل سبعة ووصف الأرض باهتزازها بعد نزول الغيث(بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ) فهو حقّ ليس للباطل إليه طريق، ومن لوازم كونه حقّاً براءة فعله من اللَّغو والعبث كما قال سبحانه: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).1 فإذا كان سبحانه هو الوجود الذي لا يتطرّق البطلان إلى ذاته أوّلاً، وصفاته ثانياً، وأفعاله ثالثاً، وكان فعله (خلق الإنسان) بلا غاية ولا هدف لما صار حقّاً مطلقاً; ويُستدلّ بكونه حقّاً محضاً على لزوم الغاية لخلق الإنسان وليست هي سوى النشأة الآخرة، ولذلك يقول بعد قوله:(هُوَ الْحَقُّ)، (وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى) لأنّ المعاد يرسم غرض الخلقة (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) فلا فرق بين الإحياء الأوّل والإحياء الثاني.
7. (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ):
سورة الحجّ: الآيات 8 ـ 13    
فإذا كان المعاد مخرجاً لفعل الحقّ عن العبث إلى الحكمة، فيترتّب عليه قوله: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا) لا في إمكانها ولا في وقوعها، فالمنكرون يرون بأُمّ أعينهم ملايين الأحياء في حياتهم في خلقة الإنسان

1 . سورة ص: 27.

221
وإنبات النبات، ومع هذا يعمَون عنها (وَ) ليعلموا (أَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ).

الآيات: الثامنة إلى الثالثة عشرة

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير * ثَاني عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ).

المفردات

ثاني: الثَّني: ليّ الشيء، يقال: ثنى عِنان فرسه إذا لَواه ليدير رأس فرسه إلى الجهة التي يريد أن يوجّهه إليها.
عِطفه: العِطْف: المنكب. عن ابن عباس قال: تقول العرب: «ثنى فلان عِطَفه» إذا تكبّر الرجل وتجبّر. وعِطْفا الرجل: جانباه من يمين وشمال، وهو

222
الموضع الذي يعطفه الإنسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء. ونظيره قوله سبحانه: (وَنأى بِجَانِبِهِ)1 كما يعبّر عنه في العرف بقولهم: «لوَى شِدْقَه» كناية عن التنكّر والإعراض.
حرف: حرف الشيء: طرفه، وحرف الجبل: حافّته.
خير: أُريد هنا السعة في المال والولد.
فتنة: الفتنة: البلاء والامتحان بالنقص في الأموال والأولاد.
على وجهه: أي جهته، فلو قيل انقلب على عقبيه رجع إلى ما وراءه يقول سبحانه: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)،2 ولكن لو أُريد أنّه استولى على الجهة التي يواجهها غير ملتفت يميناً ولا شمالاً ولا مبال بما يستقبله من حِرار3 أو جبال انقلب على وجهه. وفسّره في الكشّاف بقوله: طار على وجهه. وربما يفسّر: انكبّ على وجهه. ولعلّه كناية عن الهزيمة.4
المولى: الوليّ الذي يتولّى أمره ويعينه وينصره.
العشير: الصاحب.

1 . الإسراء:83.
2 . آل عمران:144.
3 . الحَرّة: الأرض ذات حجارة.
4 . تفسير الكشّاف: 3 / 7. ولاحظ تفسير الآلوسي: 17 / 124 .

223

التفسير

8 . (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير):
تقدّم مضمون الآية في سورتنا في الآية الثالثة وأُعيد هنا بإضافة أمرين:(وَلاَ هُدًى): (وَلاَ كِتَاب مُنِير)والموضوع في كلتا الآيتين هو المجادل، ولكنّ المجادلين في الآية الأُولى هم الأتباع من غير وعي، وفي هذه الآية القادة ورؤساء الضلال، وهذا ما يشير إليه في الكشاف بقوله:وقيل: الأوّل في المقلِّدين، وهذا في المقلَّدين.1
ويؤيّد ذلك قوله في الآية المتقدّمة:(وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد)، وأمّا المقام فيقول فيه:(لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)، وهذا ـ أعني: العمل على إضلال الآخرين ـ من شأن المقلَّد المتبوع.
قوله تعالى:(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير): أي يجادل في قدرة الله أو صفاته أو أفعاله مجرَّداً عن أدوات المعرفة الثلاث:
1. (بِغَيْرِ عِلْم): أي العلم الضروري. ويحتمل أن يراد به العلم التجربيّ.
2. (وَلاَ هُدًى): أُريد به الاستدلال والنظر لأنّه يهدي إلى المعرفة. ويحتمل أن يُراد به هداية الله سبحانه عن طريق أنبيائه ورسله.

1 . تفسير الكشّاف:3/27.

224
3. (وَلاَ كِتَاب مُنِير): وأُريد من الكتاب جنسه، ويشمل كلّ كتاب سماوي غير محرّف.
وإذا خلا الجدال من هذه الأدوات، أمسى جدالاً عقيماً لا يستند إلاّ إلى الأباطيل والخرافات، ولا يولّد إلاّ الخصام والشِّجار.
وممّا يدلّ على أنّ المجادلين هم قادة الضلال، ما يحكيه سبحانه في الآية التالية عن تجبّرهم وتكبّرهم، الذي هو من علائمهم، فيقول:
9. (ثَانيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ):
بما أنّ هذا الصنف من المجادلين لا يستضيء بنور العقل، ولا يخضع لأدلّة السمع، وإنّما يقوده الهوى والتقليد، فإنّه إذا واجه حجج العارفين المحقّين انحرف بجانبه مُعرضاً عن سماعها كبْراً وخُيلاءً كما يقول:(ثَانيَ عِطْفِهِ) قاصداً إضلال الناس وصدّهم عن الهدى كما يقول: (لِيُضِلَّ)الناس (عَنْ سَبِيلِ اللهِ)، والله سبحانه يجزيهم بجزاءين:
1. (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) حيث ينكشف للآخرين، جهل هذا المجادل وحُمقه، فيَخزى ويذلّ.
2. (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ).
10. (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ):
بما أنّه سبحانه أوعدهم بوعيدين، وهما: خزيٌ في الدنيا، وعذاب في الآخرة، جاء البيان القرآني ليكشف عن سببه وعلّته ولكي لا يتصوّر

225
الإنسان القاصر أنّه نوع تعدٍّ وظلم في حقّهم، فقال سبحانه:(ذَلِكَ): أي ذلك المصير القاتم الذي يواجهه ذلك المجادل الضالّ المضلّ، هو نتيجة أعماله الآثمة كما يقول: (بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، ومن المعلوم أنّ اليد استعارة عن كلّ جارحة يعصي بها الإنسان، من العين والسمع واللسان وغيرها.
والعجب أنّ جماعة ممّن هم بعداء عن العربية ينكرون المجاز في القرآن!! ولا أدري كيف يفسّرون هذه الآية؟! فهل اليد مصدر كافّة المعاصي، أو أنّ لكلّ معصية مصدراً وسبباً خاصّاً؟
ثمّ يؤكّد سبحانه ما في الفقرة السابقة بقوله: (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ) لأنّه أقام الحجّة عليهم بالحجّة الباطنية (العقل)، والحجّة الظاهرية (الرسل والكتب). والظلاّم بمعنى المنسوب إلى الظلم لا كثير الظلم بقرينة المقام، لأنّه سبحانه بصدد تنزيه ذاته المقدّسة ولا يتحقّق إلاّ بما ذكرناه.
وليس هذا أمراً بديعاً، بل له شواهد في لغة العرب، منها قول امرؤ القيس:
وليس بذي سيف فيقتلني به *** وليس بذي رمح وليس بنبّال1
يريد نفي كون عدوّه نبّالاً ورامياً أصلاً، ولو أُريد نفي المبالغة لا يتحقّق ما يرومه الشاعر من ذمّه وبيان قلّة جرأته.
11. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا

1 . راجع: صحاح الجوهري:5/1823.

226
وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ):
تحدّثت الآية السابقة عن المشركين المعرضين عن الله تعالى ورسالة أنبيائه إعراضاً تامّاً، وهذه الآية تتحدّث عن فريق آخر لم يبلغ في الإنكار والإدبار درجة الفريق الأوّل بل حادَ عن الشرك وقرب من التوحيد درجة لكن على حدٍّ خاص، وهو أنّه لو أصابه في تلك الفترة خير كوفرة المال وكثرة الأولاد، استمرّ على التوحيد وتفأّل به، وأمّا إذا أصابه شرّ من شرور الدنيا كقلّة المال والمياه وموت الأولاد، تطيّر به، وتنكّر للتوحيد ورجع إلى معتقده. وهذا الفريق هو الذي يصفه الله سبحانه بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف): أي طرف وجانب خاص، والحرف ـ كما عرفت ـ جانب الشيء سواء أكان مرتفعاً كطرف الجبل أم مستوياً كحافّة الطريق. والتعبير كناية على أنّه لم يؤمن بالله وتوحيده إيماناً قطعيّاً على كلّ الحالات والجوانب، بل على جانب خاص وهو:(فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ): أي خرج عن التزلزل، (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ): أي بلاء كضيق المعيشة وقلّة المال وما إلى ذلك من أُمور الدنيا التي تتعسّر عليه (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) وهو كناية عن ارتداده عن دينه ورجوعه إلى الكفر. وهذا الفريق من الناس يحسب أنّه يحسن صنعاً ولكنّه سبحانه يصفه بقوله: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ). أمّا الدنيا فالمفروض أنّه ابتُلي بالضرّاء وناله المكروه، وأمّا الآخرة فلحرمانه من الثواب ونعيم الجنة بكفره، وليس هناك خسران أشدّ من ذلك ولا أوضح، كما يقول: (ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
هذا، وقد جاءت في مصادر الفريقين روايات عديدة تلقي ضوءاً على تفسير آيتنا، منها: ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مروديه بسند صحيح

227
عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح فتمسّكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا خير، فأنزل الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف).1
ومنها: ما رواه علي بن إبراهيم بن هاشم بسند صحيح عن الفُضيل بن يسار وزُرارة عن أبي جعفر] الباقر[(عليه السلام)في قول الله عزّ وجلّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ) قال زرارة: سألت عنها أبا جعفر(عليه السلام) فقال: هؤلاء قوم عبدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله وشكّوا في محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وما جاء به، فتكلّموا بالإسلام وشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، وأقرّوا بالقرآن وهم في ذلك شاكّون في محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به، وليسوا شكّاكاً في الله، قال الله عزّ وجلّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف) يعني على شكّ في محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ)يعني عافية في نفسه وماله وولده (اطْمَأَنَّ بِهِ)ورضي به(وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ)يعني بلاء في جسده أو ماله تطيّر وكره المقام على الإقرار بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فرجع إلى الوقف والشكّ، فنصب العداوة لله ولرسوله والجحود بالنبيّ وما جاء به.2
وحول هذه الآية قال الشريف الرضي(رحمه الله): وهذه استعارة، والمراد ـ والله أعلم ـ صفة الإنسان المضطرب الدين، الضعيف اليقين، الذي لم يثبت

1 . تفسير الدر المنثور:6/12.
2 . الكافي:2/413 برقم 1; تفسير نور الثقلين:3/473.

228
في الحق قدَمُه، ولا استمرّت عليه مريرتُه، فأوهنُ شبهة تعرض له ينقاد معها ويفارق دينه لها، تشبيهاً بالقائم على طرف مهواة، فأدنى عارض يزلقه، وأضعف دافع يطرحه.1
12. (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ):
لمّا دلّ قوله: (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أنّه ارتدّ عن دينه وانصرف إلى وجهه السابق الذي فارقه توقّياً من ضرر التوحيد والإيمان حيث تصوّر أنّ ما نزل به من البلاء هو نتيجة إيمانه بالإسلام، فلذلك أخذ (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ). ثمّ إنّه سبحانه يصف الأصنام، في هذه الفقرة، بأنّها لا تضرّ عابدها ولا تنفعه وفي الوقت نفسه يصفها في الآية
التالية بقوله: (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟
سورة الحجّ: الآيات 14 ـ 17    
الذي يمكن أن يقال إنّ قوله: (مَا لاَ يَضُرُّهُ) نوع حكاية عن رأي العابد للصنم حيث إنّه تصوّر أنّ التوحيد وعبادة الله أمر أضرّه وأوقعه في المحنة، بخلاف الأصنام فإنّها لا تضرّه، فكأنّه سبحانه يشير إلى عقيدته ويقول: (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ) حسب عقيدته (وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ) حقيقة، وبما أنّ هذا النوع من العقيدة كان باطلاً، يشير سبحانه إلى ضلاله بقوله: (ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ): أي لا يماثله ضلال.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:130.

229
13. (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ):
الآية بصدد تخطئة عقيدته بأنّه كان يتصوّر أنّ عبادة الأصنام لا تضرّه، قال سبحانه: (يَدْعُوا): أي يعبد (لَمَنْ) اللام زائدة للتأكيد أي يدعو مَنْ(ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) حيث إنّه يضيِّع عمره بعبادتها دون أن يعود إليه شيء في الدنيا، نظير من تردّى في البئر بلا اختيار واستنصر جدران البئر وأحجاره دون أن يطلب الاستنصار من خارجها!! فإذن فالصنم الذي يستغيث به (لَبِئْسَ الْمَوْلَى): أي الناصر، حيث لا يستطيع نصرته (وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ): أي الصاحب الذي يعاشره، لأنّه لا يجلب له الخير، فخسر في عقيدته.
وللسيد الطباطبائي في تفسير الآية رأي خاص فليرجع إليه.1

الآيات: الرابعة عشرة إلى السابعة عشرة

(إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات
تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ * مَنْ كَانَ
يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَات بَيِّنَات وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا

1 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن: 14 / 351.

230
وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارى وَ الْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ).

المفردات

بسبب: قال الراغب: السبب: الحبل الذي يصعد به النَّخل، قال سبحانه: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ)1 وسمّي كُلُّ ما يتوصل به إلى شيء: سبباً، قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا)2 وعلى ذلك قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ)3 أي لعلّي أعرف الذرائع والأسباب الحادثة في السماء فأتوصّل بها إلى معرفة ما يدّعيه موسى(عليه السلام).4
السماء: قال الراغب: سماء كلّ شيء، أعلاه. قال بعضهم: كلّ شيء بالنسبة إلى ما دونه فسماء وبالإضافة إلى مافوقها فأرض، وسمّي المطر سماء لخروجه منها.5 وقال كثير من المفسّرين: أُريد بالسماء سقف البيت، وهو موضع تأمّل.
ليقطع: القطع: فصل الشيء مدركاً بالبصر كالأجسام، وقطع الطريق تارة يراد به السير والسلوك، وأُخرى الغصب والسرقة، فعلى هذا فقوله:

1 . سورة ص:10.
2 . الكهف:84.
3 . غافر:36ـ37.
4 . مفردات الراغب: 220، مادة «سبب».
5 . مفردات الراغب: 427، مادة «سما».

231
(ثُمّ لْيَقْطَعَ) إمّا بمعنى ليقطع حبله، أو بمعنى ليختنق كأنّه كناية عن قطع النَفَس.1
كيده: أي فعله هذا.
ما يغيظ: قال كثير من المفسّرين: «ما» مصدرية، أي «غيظَه».
الذين هادوا: اليهود.
الصابئين: اختلفت كلمة المفسّرين في عقيدة الصابئين، وسيوافيك أنّ المراد بهم أتباع يحيى(عليه السلام).
المجوس: هم الذين يقدّسون النار دون أن يعبدوها، وهم ينسبون الخير إلى «أهورا» والشرّ إلى «أهرمن» فهما كمبدأين للخير والشرّ. وجعل هؤلاء في مقابل المشركين يدلّ على أنّهم ليسوا من المشركين في مصطلح القرآن الكريم.

التفسير

14. (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ):
لمّا تقدّم في المجموعة السابقة ذكر المنافقين ومن يعبدون الله على حرف، لزم ـ لتثبيت الإيمان في قلوب المؤمنين ـ أن يذكر مصيرهم كما قال: (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): أي من يعبد الله تعالى

1 . مفردات الراغب: 678، مادة «قطع».

232
في السرّاء والضرّاء ويقرنون إلى إيمانهم العمل الصالح، فمصير هؤلاء (جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) فالله سبحانه يجازيهم بإدخالهم الجنات التي تجري من تحت أشجارها الأنهار (إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ). ولعلّ الفقرة ترجع إلى كلا الفريقين، فالله سبحانه (يَفْعَلُ) في حقّ المجادلين في الله بغير علم وفيمن يعبد الله على حرف، وفي الذين آمنوا وعملوا الصالحات (مَا يُرِيدُ)من الوعد والوعيد، فهو وحده ـ عظمت قدرته وجلّت حكمته ـ الذي يملك الأمر كلّه.
15. (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ):
إنّ الآية من الآيات المشكلة التي تضاربت فيها آراء المفسّرين، وجاء الاختلاف لأجل الأُمور التالية:
1. ما هو المراد من الموصول في قوله: (مَنْ كَانَ)؟ فهل أُريد به الفريق السابق؟
2. هل يرجع الضمير في قوله: (لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ) إلى الفريق السابق؟ أي (مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف)؟ أو يرجع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فأكثر المفسّرين ـ تبعاً للروايات ـ على أنّ مرجع الضمير هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّه لم يُذكر فيما سبق.
3. ما هو المراد من قوله: (بِسَبَب)؟ فأكثر المفسّرين على أنّه هو الحبل، مع أنّك عرفت أنّ السبب في اللغة ما يُتوسّل به، والحبل أحد أقسامه.

233
4. ما هو المراد من قوله: (إِلَى السَّمَاءِ)؟ فأكثر المفسّرين على أنّه هو سقف بيت مَن يمدّ.
5. ما هو المراد من قوله:(ثُمَّ لْيَقْطَعْ)؟ هل المراد هو فصل شيء عن شيء؟ أو المراد أن يخنق نفسه؟
6. ما هو المراد من قوله (كَيْدُهُ)؟ فهل أُريد به فعله هذا؟
إنّ اختلاف المفسّرين في تفسير هذه المقاطع جعل الآية معركة للآراء. وها نحن نذكر من الأقوال ما هو الأقرب إلى ظاهر الآية:
الأوّل: إنّ هذه الآية كالمتمِّمة لقوله سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف) بشهادة أمرين:
أ. أنّ هذه الآية جاءت مجرَّدة عن العاطف، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ)ولم يقل: «ومن كان يظنّ» وهذا يشعر بأنّ هذه الآية ناظرة إلى ذلك الفريق.
ب. أنّ ذلك الفريق هو الذي كان يظنّ أنّ الله لا ينصره في الدنيا والآخرة، بشهادة أنّه إذا أصابته فتنة واختبار كقلّة المال والولد انقلب على وجهه، وانصرف إلى الطريق الذي جاء منه، فالله سبحانه يذمّه ويندّد به بقوله: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) فليفعل ما يريد، ونظير هذا التعبير شائع في المحاورات.
وبما أنّ الغرض هو التهكُّم بهذا الفريق، أشار إليه سبحانه إلى أن يقوم بالفعل التالي: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ) معلّقاً نفسه بها، ثمّ يقوم

234
بعمل ثان وهو (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) الحبل، فتكون النتيجة أن يسقط من السماء فيتمزّق كلّ ممزَّق.
وعند ذلك (فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ): أي عملُه هذا، ووصف عملَه هذا كيداً لأنّه حيلة لذهاب الغيظ، لكن هو حيلة غير مثمرة، ولذلك يقول: (هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ): أي غيظَه على الله سبحانه؟
وعلى ما ذكرنا، فالآية تشير إلى العادة الجارية في جماعة من الناس الذين يفقدون الصبر في المكاره والمصاعب ويرتكبون أعمالاً جنونية غير عقلائية، وربّما يختارون الانتحار لإخماد نار غضبهم، فالله سبحانه يشير بهذا إلى أنّ هؤلاء الذين يتّهمون الله سبحانه بعدم نصرهم في الدنيا والآخرة، لا مخلص لهم إلاّ أن ينتحروا ويقتلوا أنفسهم بالطريقة التي ذكرها، إذ آخر الدواء الكيّ.
الثاني: إنّ مرجع الضمير في قوله: (أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ) هو نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن القائل غير الفريق السابق الذي يعبد الله على حرف، بل القائل جماعة أسلموا في فترة ضعف الإسلام فضاقت صدورهم بسبب الأخطار المحدقة بهم، فظنوا أنّ الله سبحانه لا ينصر نبيّه في الدنيا والآخرة، فصار ذلك سبباً لارتدادهم عن الإسلام، والله سبحانه يخاطب هؤلاء بأنّ ارتدادهم عن الإسلام لا يضرّ الله ولا رسوله، فإن شاءوا فليمدّوا حبلاً بأقصى ما يُمَدّ إليه الحبل، وليتعلّقوا به في أعلى مكان، ثم ليقطعوه، فإنّهم سيجدون أنفسهم قد خرّوا إلى الأرض!! وعند ذلك لا يجدون غِنىً في عملهم هذا، فلا يبقى هنا أحد على قيد الحياة حتى يفكّر في غيظه وسوء ظنه.
الثالث: أن يقال: إنّ المراد من السماء هو سقف البيت، والمراد من

235
قوله: (ثُمَّ لْيَقْطَعَ): أي ليختنق. وعلى هذا القول لا فرق بين أن يرجع الضمير في قوله: (أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ) إلى فريق خاص أو إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما الفرق في كيفية تأديبهم، وهو أنّ الله سبحانه يرشد الكافر إلى أن يعلِّق نفسه بحبل، (ثُمَّ لْيَقْطَعَ): أي ليختنق (فَلْيَنْظُرْ): أي يتدبّر (هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ): أي عمله، الذي هو أشبه بعمل المجانين (مَا يَغِيظُ): أي غيظَه على الله؟ بمعنى: هل ينفع هذا العمل ويفيد في راحة بال الكافر ويزيل قلقه؟
16. (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَات بَيِّنَات وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ):
لمّا بيّن سبحانه حججه القاطعة على إحياء من مات من الخلق بعد فنائه، أشار إلى تلك الآيات البيّنات وقال: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ): أي القرآن الكريم (آيَات بَيِّنَات): أي واضحات، فكلّها كذلك (وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)وإرادة الله بهداية أحد ليست بلا مَلاك، وإنّما تتحقّق لمن طلب الهداية، وفتح نوافذ قلبه لتلقّي أنوارها بالإقبال على طاعته عزّ وجلّ، والسير على طريق مرضاته، والرجوع إليه بإخلاص، كما قال:(وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيب)،1والضمير المستتر يرجع إلى الله، وعائد الموصول مفعول محذوف معلوم بالقرينة.
ويحتمل أن يكون (كَذَلِكَ) إشارة إلى كلّ ما تقدّم من تقسيم الناس إلى منافق، ومجادل، وعابد على حرف، وغير ذلك.
17. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارى وَ

1 . الشورى: 13 .

236
الْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ):
صلة الآية بما قبلها واضحة، فالقرآن لمّا تحدّث عن فِرَق متعدّدة من مجادل في الله في صفاته وأفعاله، ومن منافق آمن بلسانه وكفر بقلبه، ومن عابد لله سبحانه على حرف، ومن ظانٍّ بالله سبحانه ظنّ السوء، جاءت هذه الآية لتبيين مصير هذه الفرق الستّ، أعني:
1. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هم المسلمون.
2. (وَالَّذِينَ هَادُوا) هم أتباع موسى(عليه السلام).
3. (وَالصَّابِئِينَ) قال أصحاب المقالات: إنّ مذهبهم تعظيم النجوم ثوابتها وسيّاراتها. وسيأتي ما هو الحقّ.
4. (وَالنَّصَارى) هم أتباع المسيح(عليه السلام).
5. (وَالْمَجُوسَ) هم الذين يعتقدون بأنّ فاعل الخير غير فاعل الشر.
6. (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) هم عَبدَة الأصنام.
سورة الحجّ: الآية 18   
فكلّ هؤلاء أمام ميزان النصفة، في موقف الحساب والجزاء، شيء واحد، وذلك (إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): أي يقضي بينهم يوم القيامة، والفصل بمعنى الحُكم، فإنّ التنازع والتخاصم بين الطوائف لا ينتهي، حيث يدّعي كلٌّ أنّه على العقيدة الحقّة، ولكنّه سينتهي عندما يقف الجميع بين يدي الله تعالى، فيقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، وعندئذ يتميّز المحقّ من المبطل، ويُجازى كلٌّ بما كسب(إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)تعليل لصحّة

237
حكمه وقضائه، لأنّ عمل الجميع مشهود لله، وهو محيط بعقائدهم وأعمالهم.

من هم الصابئة

اشتهر عن الصابئة بأنّهم من عبدة الكواكب، قال الشهرستاني:«إنّ الصابئة كانوا على عهد إبراهيم(عليه السلام)ويقال لمقابليهم الحنفاء، وعمدة مذهبهم تعظيم النجوم ثوابتها وسيّاراتها»، غير أنّ الصابئة القاطنين على ضفاف الأنهار في إيران والعراق كلّهم ينسبون أنفسهم إلى يحيى بن زكريا(عليهما السلام)وأنّهم من أتباعه.
ونحن عندما كنّا مشغولين بكتابة دستور الجمهورية الإسلامية عام (1399هـ) زارنا كبير الصابئة في إيران على رأس وفد من أتباعه وجاءوا بكتاب زعموا أنّه كتاب سماوي، وقالوا نحن من أتباع النبي يحيى بن زكريا(عليهما السلام)، فعلى هذا فللصابئة شريعة متوسطة بين التوراة والإنجيل. وأبعد هذه الفِرَق من الشّرك هم اليهود، وأقربهم إليه هم المجوس.

الآية: الثامنة عشرة

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).

238

المفردات

ألم تر: الرؤية هنا علمية لا حسّية.
يسجد: السجود هو التذلّل، وإذا أُطلق فينصرف إلى التذلُّل لله بوضع الجبهة على الأرض عند الإنسان، وأمّا غير الإنسان فالله هو العالم بكيفية سجودهم. ويحتمل أن يكون خضوعهم لأمر الله كما سيأتي.
مَن في السماوات: هم الملائكة.
مَن في الأرض: الإنس والجنّ.
حقَّ: ثبت وتقرّر.

التفسير

18. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ):
تحدّثت الآيات المتقدّمة عن شرك المشركين وأنّهم يعبدون ما لا يضرّهم وما لا ينفعهم بل ما هو ضرّه أقرب من نفعه، فجاءت هذه الآية مشعرة بأنّ الكون بأجمعه خاضع ومتذلّل لله سبحانه، وهذا أفضل دليل على أنّه المعبود دون غيره، وأنّه الإله دون سواه، فبدأ كلامه بقوله: (ألَمْ تَرَ)

239
والخطاب وإن كان موجّهاً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لكن المراد العالم كلّه، وعلى ذلك فالرؤية هنا رؤية علمية يقف عليها الإنسان بالتأمّل والتفكّر. والآية تتحدّث عن السجود لا التسبيح، وعلى هذا فالسجود على قسمين: سجود تكويني، وسجود تشريعي.
أمّا التكويني فهو عبارة عن تذلُّل ما في الكون لإرادته وكونه مسخّراً، وأمّا التشريعي فهو عبارة عن السجود والتذلُّل عن شعور واختيار. أمّا التكويني فهو للمخلوقات غير العاقلة مثل: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) فبما أنّ الجميع مسخّر بأمر الله، حيث يجري كلٌّ وفق سنن منتظمة وضعها سبحانه، عبّر عن ذلك بالسجود، لأنّ السجود حاك عن التذلُّل والخضوع.
وأمّا التشريعي فيشير إليه بقوله: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) و (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) وبما أنّه خصّ سجود الناس بكثير منهم لا بجميعهم، فهذا يدلّ على أنّ المراد من السجود هنا هو التشريعي، وإلاّ فالتسخير ـ بمعنى كونه مسخَّراً لله ـ يعمّ صحيفة الوجود عامّة.
ثمّ إنّه سبحانه لمّا حكى عن سجود كثير من الناس الدالّ بمفهومه على ترك قسم منهم السجود، عاد البيان القرآني إلى بيان حالهم
بقوله: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) لتركهم السجود، وترك السجود
يعني الاستكبار على الله تعالى، والتمرّد على أمره، والإعراض عن
عبادته، والتوجّه إلى عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع، وهؤلاء لمّا كانوا
كذلك استحقّوا العقاب، واستحقّوا الإهانة كما يقول:(وَمَنْ يُهِنِ اللهُ)بالتعذيب (فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم) يرفع عنه هذا الهوان، وليس أمام مشيئة الله

240
مانع أو دافع كما يقول: (إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).
وبما ذكرنا يظهر أنّ المتكبّرين في هذا العالم بتركهم العبادة والسجود لله سيُحشرون أذلاّء مهانين لا يملك أحد أن يمنحهم العزّة والكرامة والسعادة، والله سبحانه ينفّذ إرادته.
وفي نهاية الكلام نذكر ما أورده الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول معنى السجود في الآية، وهو يوافق ما ذكرناه، قال: وهذه استعارة، والمراد ـ والله أعلم ـ بسجود الشمس والقمر والنجوم والشجر وما ليس بحيوان مميّز، ما يظهر فيه من آثار الخضوع لله سبحانه وعلامات التدبير ودلائل التصريف والتسخير، فحسن لذلك أن يسمّى ساجداً على أصل السجود لأنّه الخضوع والاستكانة.1
سورة الحجّ: الآيات 19 ـ 24    

الآيات: التاسعة عشرة إلى الرابعة والعشرين

(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيد * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:131.

241
وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ).

المفردات

خصمان: واحده خصم، وهو مَن له رأي يضادّ رأي الآخر، وكلّ يريد خلاف ما يريده الآخر فهو خصم، ومع أنّ اللفظ تثنية (خَصْمان) جاء الخبر بصيغة الجمع (اختصموا) وما هذا إلاّ لأنّ كلّ خصم يمثل طائفة لهم رأي معيّن، وعلى هذا فالاختصام ليس بين فردين بل بين طائفتين وذلك نظير قوله سبحانه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)1، فظاهر السياق أن يقول: اقتتلا، لمكان التثنية في المرجع، ولكن قال: (اقْتَتَلُوا)بصيغة الجمع، لأنّ كلّ طائفة تتشكّل من جماعة كثيرة، فالمقاتلون كثيرون لا اثنان.
قُطّعت: فُصِّلت، لأنّ مَن يريد اتّخاذ قميص أو نحوه يقطع من القماش ما يكفيه، وربّما يفسّر بـ : «قُدّرت».
الحميم: الماء الحارّ الشَّديد الحرارة.
يصهر: يُذاب.
مقامع: جمع مِقْمعة، وهي مِدَقّة الرأس: خشبة أو حديدة يُضرب بها رأس الإنسان ليُذلّ ويُهان.
غمّ: الغمّ: الحزن الشديد.

1 . الحجرات:9.

242
أساور: جمع سوار وهو سوار المرأة. ولعلّه مشتقّ من السور بمعنى الحائط المحيط بالمدينة، فإنّ سوار المرأة يحيط بمعصمها.
الطيِّب من القول: الأقوال الحسنة التي تدور بين أهل الجنة.
صراط الحميد: صراط الله، لأنّ الحميد من أسماء الله تعالى. ولو أُريد من حميد المعنى اللغوي كان اللازم أن يقول: الصراط الحميد.

التفسير

19. (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ):
لمّا ذكر سبحانه، في الآية المتقدّمة، فريقين من الناس، أحدهما آمن بالله سبحانه وصدّق بوحدانيّته وتوجّه إلى عبادته بالسجود له، والآخر جحد وحدانية الله واستكبر عن عبادته وأبى السجود له، فـ(حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، اقتضت المناسبة أن يذكر مصداقاً لهذين الفريقين اللَّذين اختلفا في شؤون الربّ توحيداً وعبادة، فقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)يعني الفريقين من المؤمنين والكفّار يوم بدر، كما صرّحت بذلك عدّة روايات رواها المحدّثون عن علي(عليه السلام)، وأبي ذرّ، وابن عبّاس، وهلال بن يساف، وعطاء بن يسار، فقد روى البخاريّ بإسناده عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ(رضي الله عنه) يقسم قَسماً: إنّ هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعُبيدة بن الحارث،

243
وعُتبة وشَيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.1
وروى البخاريّ والنّسائي (واللفظ له) بإسنادهما عن قيس بن عباد، قال: قال عليّ(رضي الله عنه): فينا نزلت هذه الآية في مبارزتنا يوم بدر: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).2
وأخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس أنّها نزلت في الذين برزوا يوم بدر.3
وروى أبو جعفر الطبريّ بإسناده عن هلال بن يساف، وبإسناده عن عطاء بن يسار أنّ هذه الآية نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر.4
وجاء التفصيل في رواية أُخرى، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية، قال: لمّا التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل (يريد النبيّ) فإنّه إن كان صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه وإن يكن كاذباً فأنتم أحقّ مَنْ حَقَنَ دمه، فقال أبو جهل بن هشام: لقد امتلأت رعباً، فقال عتبة: ستعلم أيّنا الجبان المفسد لقومه. قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه فقالوا: ابعث إلينا أكفّاءنا نقاتلهم، فوثب غلمة من الأنصار من بين الخزرج، فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اجلسوا... قوموا يا بني هاشم. فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي

1 . صحيح البخاري: 3 / 8 ، كتاب المغازي، برقم 3969. وانظر: جامع البيان(تفسير الطبري):10/167، برقم 24980.
2 . تفسير النّسائي: 2 / 85 ، برقم 362 ; صحيح البخاري: 3 / 8 ، كتاب المغازي، برقم 3967.
3 . انظر: الدر المنثور:6/19.
4 . انظر: جامع البيان (تفسير الطبري):10/168، برقم 24983، 24984.

244
بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم، فقال عتبة: تكلَّموا نعرفكم إن تكونوا أكفّاءنا قاتلناكم. قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب... أنا أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة: كفء كريم! فقال علي: أنا علي بن أبي طالب... فقال: كفء كريم! فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث... فقال عتبة: كفء كريم! فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة، وأخذ عبيدة الوليد. فأمّا حمزة، فأجاز1 على شيبة، وأمّا علي فاختلفا ضربتين، فأقام فأجاز على عتبة، وأمّا عبيدة فأُصيبت رجله. قال: فرجع هؤلاء وقُتل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابه: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم. فنادى منادي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. فأنزل الله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).2
ثمّ إنّ الآية وإن نزلت، كما في الروايات المتقدّمة، لهذا السبب إلاّ
أنّها تعمّ كلَّ فريقين مختصمين في وصف ربوبيّته تعالى، أعني:
جميع المؤمنين الموحّدين، وجميع أخصامهم الذين أشار إليهم سبحانه بقوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) لبيان ما يُجزَون به يوم القيامة، وهو على النحو
التالي:
1. ( قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار ): أي أُلبسوا مُقطَّعات النيران
وهي كالثياب. ولا يخفى ما في هذا التعبير من التهكُّم والتحقير، فإنّ
الناس تلبس الثياب لتحفظهم من الحرّ والبرد والأذى، ولكن هذه

1 . أجاز عليه: قتله. قال ابن الأثير: ومنه حديث أبي ذرّ رضي الله عنه (قبل أن تجيزوا عليّ) أي تقتلوني. النهاية: 1 / 315، مادة «جوز».
2 . تفسير ابن أبي حاتم:8/2480، برقم 13817; الدر المنثور:6/19ـ20.

245
الثياب يوم القيامة تصير وسيلة للتعذيب.
وعن هذه الفقرة من الآية تحدّث الشريف الرضيّ وقال: وهذه استعارة والمراد بها أنّ النار نعوذ بالله منها تشتمل عليهم اشتمال الملابس على الأبدان حتى لا يسلم منها عضو من أعضائهم ولا يغيب عنها شيء من أجسادهم، وقد يجوز أيضاً أن يكون المراد بذلك، والله أعلم، أنّ سرابيل القطران التي ذكرها الله سبحانه فقال: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان)1 إذا لبسوها واشتعلت النار فيها صارت كأنّها ثياب من نار لإحاطتها بهم واشتمالها عليهم.2
2. (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ): أي يُصبّ الماء المغلي من فوقهم.
20. (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ):
3. فصَبُّ الحميم من فوق رؤوسهم ينتهي إلى أنّه يذيب ما في بطونهم من أمعاء، كما يذيب الجلود.
21. (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيد):
4. المقامع جمع مقمعة، أي مدقّة الرأس ـ كما مرّ ـ وهي ما يُضرب بها لغاية الرّدع والإهانة. وعلى هذا فالضرب بمقامع من حديد لردعهم ومنعهم من الخروج، كما تحكي عنه الآية التالية.

1 . إبراهيم:50.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:131.

246
22. (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ):
5. أي كلّما حاولوا الخروج من النار، لِما يلحقهم من الغمّ والكرب، ضُربوا بهذه المقامع فرُدّوا فيها.
6. ثم يقال لهم بعد ذلك:(وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) والحريق هو النار الضخمة المنتشرة، والأمر بذوق عذاب الحريق نوع تحقير وإهانة وتذليل لهم.
ويقرب ممّا ورد في هذه الآيات ما في قوله سبحانه في سورة إبراهيم(عليه السلام) حيث يقول: (وَتَرى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)1.
23. (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ):
لمّا ذكر سبحانه مصير أحد الخصمين (وهم الكافرون) وجزاءهم بفنون العقوبات الستّ، أردف ذلك ـ كما هو أُسلوب القرآن ـ ببيان مصير المؤمنين وما أُعدّ لهم من النعيم، وهو على النحو التالي:
1. (يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا

1 . إبراهيم:49ـ 50.

247
الأَنْهَارُ) وأين هذا من مصير الكفّار حيث مرّ في حقّهم: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا)؟
2. (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب) الظاهر أنّ (مِنْ) في قوله:(مِنْ أَسَاوِرَ) للتأكيد، ويحتمل تقدير كلمة «بحلية»: أي يُحلَّون فيها بحلية من أساور من ذهب، فهم يُحلَّون في الجنة بالأساور. نعم حرّم الله تعالى لبس حِلية من ذهب على الرجال في الحياة الدنيا لئلا تؤدي إلى الغرور والغفلة عن الآخرة والانكباب على الدنيا، ولكنّه سبحانه أحلّها لهم في الحياة الأُخروية. وأين هذا ممّا مرّ في مصير المجرمين من قوله: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ)؟
3. (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب أي يُحلَّون لؤلؤاً، ويحتمل بقرينة الحلية أنّ المراد: يتوَّجون تيجاناً من لؤلؤ. واللؤلؤ هو عبارة عن الدرّ.
4. (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ): أي ديباج. وقد حرّم الله لبس الحرير في الدنيا على الرجال، وشوّقهم إليه في الآخرة، فأخبر أنّ لباسهم في الجنة هو الحرير، وأين هذا من قوله سبحانه في حقّ الكافرين:(قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار)؟!
24. (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ):
5. (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ): أي أُرشدوا في الجنة إلى التحيّات الحسنة، يُحيّي بعضهم بعضاً ويحيّيهم الله وملائكته بها، وهذا يقابل ما ورد في حقّ الكافرين: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).

248
6. (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) والحميد من أسمائه تعالى، وإرشادهم إلى صراطه يعني أنّه لا يصدر عنهم إلاّ محمود الفعل، كما لا يصدر عنهم إلاّ طيّب القول.1
سورة الحجّ: الآية 25    

الآية: الخامسة والعشرون

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم).

المفردات

إنّ الذين كفروا: الموصول ـ اسم إنّ ـ مبتدأ حذف خبره، أي خسروا أو هلكوا. قال الطبرسي: الخبر محذوف يدلّ عليه قوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم) فالمعنى: إنّ الذين كفروا نذيقهم العذاب الأليم2، وقريب منه ما في الكشّاف.3
المسجد الحرام: هو الذي يحتضن البيت الحرام وهو الكعبة.
العاكف: المقيم.
الباد: أصله البادي حذفت الياء تبعاً لرسم المصحف (ولعلّ الرسم وفقاً للوقف)، ويراد به القادم إلى مكّة غير مقيم بل طارئاً عليها.

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/362.
2 . مجمع البيان:7/152.
3 . لاحظ : تفسير الكشّاف: 2 / 345.

249
بإلحاد: الإلحاد: الميل عن القصد والعدول عن الاستقامة.
بظلم: بغير حقّ، واللفظان: (بِإِلْحَاد بِظُلْم) حالان مترادفان.

التفسير

25. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوايَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءَ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم):
الآية تتضمّن أمرين:
الأوّل: ذمّ الصادّين الناسَ عن سبيل الله والمسجد الحرام.
الثاني: ذمّ من مال عن الحقّ وقصد الظلم فيه.
أمّا الأوّل: فيقول سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي يمنعون الناس عن اعتناق الإسلام، وعطف المضارع (يَصُدُّونَ) على الماضي (كَفَرُوا) لأجل أنّ المراد من المضارع هو الإخبار عن الاستمرار في العمل من غير فرق بين الماضي والحال والاستقبال.(وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): أي يمنعون الناس عن دخول المسجد الحرام لأجل الطواف والصلاة. (الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) وصفٌ للمسجد الحرام، فقد جعله سبحانه للناس كافّة كائناً من كان مكيّاً كان أو آفاقيّاً (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ): أي المقيم أو الطارئ الوافد عليه. والإخبار عن التسوية دليل على ذمّ عملهم، حيث يجعلون ما شرّعه الله لعامّة الناس خاصّاً لأنفسهم. ولعلّ الآية نزلت

250
في العهد المكّيّ، حيث كان المشركون يمنعون مَن أسلم من دخول المسجد الحرام للنُّسك والعبادة، كما يحتمل أنّها نزلت في العهد المدنيّ (قبل فتح مكّة)، حيث كانت وسائل القوّة بيد الكافرين فيصدّون الناس عن الإيمان بدين الله، كما يصدّون من أسلم عن تأدية النُّسك في المسجد الحرام.
وأمّا الثاني: أعني: مَن أراد الظلم فيه، فقد أشار إليه بقوله:(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم).
قد تقدّم أنّ الإلحاد هو الميل عن الحقّ، والظاهر أنّ الباء في قوله: (بِإِلْحَاد)زائدة للتأكيد، ومعنى الفقرة: ومن يُرد إلحاداً بظلم أي مائلاً عن الحقّ متلبّساً بظلم، فالباء في (بِظُلْم) إشارة إلى التلبُّس به. وعلى هذا فالله سبحانه يهدّد من عدل عن الحق وتلبَّس بالظلم في المسجد الحرام الذي هو من أفضل المقامات، يهدّده بأشدّ العذاب. وفي الكشاف: ومن يُرد فيه مُراداً ما، عادلاً عن القصد ظالماً، نذقه من عذاب أليم.1
وقد مرّ في قسم المفردات أنّ اللفظين: (بِإ لْحاد بِظُلم) حالان مترادفان.
وأمّا ما هو المراد من العدول عن الحقّ الذي يعطيه قوله: (بِإلْحاد)فلم ينصّ عليه الذكر الحكيم، فلنلجأ إلى ما ورد في الروايات، التي نقلها السيوطي في «الدر المنثور»: عن قتادة قال: مَن لجأ إلى الحرم ليشرك فيه عذّبه الله.

1 . تفسير الكشاف:2/345.

251
وعن مجاهد قال: أن يعبد فيه غير الله.
وعن حبيب بن أبي ثابت، قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.
ولكن الأفضل فيه ما روي عن ابن عباس: أن تستحلّ من الحرام ما حرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم مَن لا يظلمك وتقتل مَن لا يقتلك، فمَن فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم.1
هذا، وقد جاء في «نهج البلاغة» من كتاب لأمير المؤمنين(عليه السلام) إلى قُثَم بن العباس (رحمهما الله) وهو عامله على مكّة: «وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً».2
والظاهر أنّ ما ورد في الروايات هو بعض المصاديق، والمراد هو التعريف بمكانة المسجد الحرام، وأنّه يجب أن يكون منزّهاً عن كلّ إلحاد وميل إلى الظلم، من غير فرق بين ظلم وظلم.
ولعلّ المراد من النهي عن الأُجرة هو أخذ الأُجرة على النزول بأرض مكّة لا النزول على الدار التي بناها المقيم على أرضها، وقد جرت السيرة على نزول الحُجّاج بأرض مكّة وضرب الخيام عليها.
وفي الفقه الرَّضوي: فمن همّ بمعصية(أي في مكّة) ولم يعملها كتب عليه سيئة لقوله تعالى:(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم) وليس ذلك في بلد غيره.3

1 . انظر: الدر المنثور:6/75.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 67.
3 . جامع أحاديث الشيعة: 12 / 144، برقم 16219 .

252
سورة الحجّ: الآيات 26 ـ 29    

الآيات: السادسة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).

المفردات

بوّأنا: التَّبوِئة: تطلق تارة على الإسكان، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ).1 وأُخرى على الرجوع، وأمّا ما هو المراد في الآية فسيوافيك بيانه في التفسير.
أذِّن: نادِ في الناس بالحجّ والدعوة إليه.
رجالاً: مشاة.
ضامر: الضامر: البعير الهزيل الذي أتعبته كثرة الأسفار.
فجّ: الفجّ: الطريق.

1 . يوسف:56.

253
عميق: بعيد.
أيام معلومات: أيام النَّحر والذَّبح في الحجّ، وهي أربعة أيام.
بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والضأن.
البائس: الذي به ضرّ الجوع، يقال: بَؤسَ فهو بائس، إذا صار ذا بؤس، وهو الشدّة.
ليقضوا: ليزيلوا.
تَفَثَهم: التَّفَث: الوسَخ.
نذورهم: النُّذور: ما يُنذَر من أعمال البِرّ. قال الراغب: النَّذْر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر.1
العتيق: القديم.

التفسير

26. (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ):
لمّا ذكر سبحانه شيئاً من جرائم المشركين من صدّهم الناس عن الدخول في الإسلام وعن دخول المسجد الحرام لأداء المناسك والطواف، أردف ذلك ببيان ما قام به أبوهم إبراهيم(عليه السلام) من بناء البيت وتهيئته للناس

1 . المفردات في غريب القرآن: 487، مادة «نذر».

254
أجمعين، فعمَلُ هؤلاء المشركين يخالف تماماً ما قام به إبراهيم(عليه السلام) الذي ينتسبون إليه.
فالنبيّ إبراهيم(عليه السلام) عمَر البيت للموحِّدين، وأمّا هؤلاء الذين ينتمون إليه فقد جعلوا البيت مثوىً للأصنام والأوثان، فبين عمل هؤلاء وعمل أبيهم(عليه السلام) بَون بعيد.
قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ)، وقد تقدّم في «المفردات» أنّ لفظ التَّبوئة الذي هو أصل «بوّأنا» يستعمل تارة في الإسكان، وأُخرى في الرجوع.
أمّا الأوّل فلا ينسجم مع ظاهر الآية لأنّ مكان البيت لم يكن مسكناً لإبراهيم(عليه السلام). وأمّا الثاني فهو بمعنى الرجوع وبه فسّر صاحب الكشّاف الآية، بقوله: جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة .1
وإليه أيضاً ذهب السيد الطباطبائي، قال: تبوئته تعالى مكان البيت لإبراهيم(عليه السلام) هي جعل مكانه مباءة ومرجعاً لعبادته لا أن يتّخذه بيت سكنى يسكن فيه، ومعنى الآية: أوحينا إلى إبراهيم(عليه السلام) أن اتَّخذْ هذا المكان مباءة ومرجعاً لعبادتي.2
وهناك قول آخر، وهو أنّ قوله: (بوّأنا) متضمِّن لمعنى هيّأنا ولذلك دخلت اللام على إبراهيم(عليه السلام).3

1 . تفسير الكشاف:2/345.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:14/367.
3 . التفسير الكاشف: 5 / 322.

255
ويؤيّده ما ذكره الطُّرَيحي، قال: (وفي الحديث): من طلب علماً ليباهي به العلماء فليتبوّأ مقعده من النار أي لينزل منزله منها، أو يُهيّئ منزله منها من بوّأت للرجل منزلاً أي هيّأته له.1
وعلى كلّ تقدير، فيظهر من الروايات أنّ البيت هُدم أيام طوفان نوح(عليه السلام)، فقد أورد السيوطي عن الحاكم من طريق حارثة بن مضرِّب عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «لمّا أُمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلمّا قدم مكّة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه فقال: يا إبراهيم ابنِ على ظلِّي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص، فلمّا بنى خرج وخلّف إسماعيل وهاجر، وذلك حيث يقول الله:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ)2، وعلى هذا فالتبوئة بمعنى التهيئة الملازمة لإرشاد إبراهيم إلى مكان البيت.
وعلى ما ذكرنا يكون معنى الآية: وإذ هيّأنا مكان البيت لإبراهيم للبناء والعمارة. ولمّا كانت الغاية من بناء البيت هي التوحيد في العبادة، خاطبه سبحانه بأُمور:
1. (أَنْ لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئًا): أي لا تجعل لي في العبادة شريكاً، ولا تشرك في بناء البيت غرضاً آخر.
2. (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) للطوائف الأربع:
الأُولى:(لِلطَّائِفِينَ)الذين يطوفون حول البيت، أي يدورون حوله.

1 . مجمع البحرين:1/67، مادة «بوّأ».
2 . تفسير الدر المنثور: 6 / 30.

256
الثانية: (وَالْقَائِمِينَ) الذين يدعون الله تعالى قائمين تجاه الكعبة ويرفعون أيديهم بالدعاء مقابل البيت.
الثالثة:(وَالرُّكَّعِ) جمع راكع كطُلّب جمع طالب.
الرابعة: (السُّجُودِ)جمع ساجد كالرُّقود جمع راقد.
وهذه الطوائف الأربع يستغيثون بالله ويدعونه وحده ولا يشركون بعبادته أحداً، فاللازم على إبراهيم(عليه السلام) تطهير بيت الله من الأصنام والأوثان، أو من كلّ دنس لا يناسب مكانة البيت، حتى يتفرّغ العبد لعبادة الله، خالصاً، مخلصاً عن كلّ شَوب شرك.
27. (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق):
3. أمره تعالى ثالثاً بأن يؤذّن للناس بالحجّ، وأُريد به المناسك المعلومة، لا القصد الذي هو معنى لغوي له، أي ادعهم لأداء المناسك. قال ابن عباس: إنّ إبراهيم(عليه السلام) قام في المقام، فنادى: «يا أيّها الناس إنّ الله قد دعاكم إلى الحجّ» فأجابوا بـ«لبّيك اللّهمّ لبّيك».1 وروى الحلبي عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)قال: سألته: لمَ جُعلت التلبية؟ فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى إبراهيم(عليه السلام): (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً)فنادى، فأُجيب (مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق)2.

1 . التبيان في تفسير القرآن:7/309.
2 . تفسير نور الثقلين:3/489.

257
قوله تعالى: (يَأْتُوكَ) جواب للأمر كأنّه قال: «إن دعوتهم يأتوك جماعات»:
أ. (رِجَالاً): أي مشاة.
ب. (وَعَلَى كُلِّ ضَامِر): أي على كلّ بعير ضامر، وهو المهزول، أضمره السَّير.
قوله: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق): أي من كلّ طريق بعيد.
وعلى ما ذكرنا تعود النون في (يَأْتِينَ) إلى تلك الجماعات المتشكّلة من المشاة والرُّكبان. ويجوز أن تعود إلى كلّ ضامر لأنّه بمعنى الجمع، وبما أنّه جمع لما لا يعقل، أُنّث الفعل (يَأْتِينَ).
وأمّا الغاية من المجيء والوفود إلى الكعبة، فهي ما تذكره الآيات التالية.

شهود منافع الحجّ

28. (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ):
لمّا أمر الله سبحانه نبيّه إبراهيم(عليه السلام) بالتأذين في الناس بالحجّ وأمرهم بزيارة البيت ركباناً ومشاة من طريق بعيد وقريب، بيّن في هذه الآية سبب هذه الزيارة أوّلاً، وما عليهم من فرائض عند البيت ثانياً.
أمّا الأوّل فأشار إليه بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ): أي ليحضروا منافع

258
لهم في الدنيا من تجارة وبيع، ومنافع في الآخرة حيث يثابون على النُّسك التي يأتون بها عند البيت.
ولا شكّ في أنّ لهذا الاجتماع الباهر حول البيت، الذي تلتقي فيه الجموع من شعوب وأقوام مختلفة لساناً ولوناً وبلاداً، أنّ لهذا الاجتماع منافع كثيرة، غير أنّ المفسّرين لم يتعرّضوا إلى ذكر المنافع التي أشارت إليها الآية بل اقتصروا على كلمتين من المنافع الدنيوية من تجارة متبادلة ومنافع أُخروية من أجر وثواب. نعم وردت في روايات أهل البيت(عليهم السلام)إشارات إلى تلك المنافع، فقد روى هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) فقلت له: ما العلّة التي من أجلها كلّف الله العباد الحجّ والطواف بالبيت؟ فقال: «إنّ الله خلق الخلق ـ... إلى أن قال: ـ و أمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا، ولينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمّال، ولتُعرف آثار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتُعرف أخباره، ويُذكر ولا يُنسى، ولو كان كلّ قوم إنّما يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد، وسقطت الجَلَب والأرباح، وعميت الأخبار، ولم تقفوا على ذلك، فذلك علّة الحجّ».1
هذا، وللسيد الطباطبائي هنا بيان شاف حول هذه المنافع، نأتي بنصّه، قال: فإذا اجتمعت أقوام وأُمم من مختلف مناطق الأرض وأصقاعها على ما لهم من اختلاف الأنساب والألوان والسنن والآداب، ثمّ تعارفوا بينهم

1 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث18.

259
وكلمتهم واحدة هي كلمة الحق، وإلههم واحد وهو الله عزّ اسمه، ووجهتهم واحدة وهي الكعبة البيت الحرام، حملهم اتّحاد الأرواح على تقارب الأشباح، ووحدة القول على تشابه الفعل، فأخذ هذا من ذاك ما يرتضيه وأعطاه ما يرضيه، واستعان قوم بآخرين في حلّ مشكلتهم وأعانوهم بما في مقدرتهم، فيبدّل كلّ مجتمع جزئي مجتمعاً أرقى، ثمّ امتزجت المجتمعات فكوّنت مجتمعاً وسيعاً له من القوة والعدّة ما لا تقوم له الجبال الرواسي، ولا تقوى عليه أيّ قوة جبّارة طاحنة، ولا وسيلة إلى حلّ مشكلات الحياة كالتعاضد، ولا سبيل إلى التعاضد كالتفاهم، ولا تفاهم كتفاهم الدين.
ومنافع أُخروية وهي وجوه التقرُّب إلى الله تعالى بما يمثّل عبودية الإنسان من قول وفعل، وعمل الحجّ بما له من المناسك يتضمّن أنواع العبادات من التوجّه إلى الله، وترك لذائذ الحياة وشواغل العيش، والسعي إليه بتحمّل المشاقّ، والطواف حول بيته، والصلاة والتضحية والإنفاق والصيام، وغير ذلك.1
وفيما ذكره(قدس سره) غنى وكفاية، غير أنّي قد شاركت في مؤتمر أُقيم في مكّة المكرّمة عام 1411هـ وألقيت فيه مقالاً تحت عنوان: الحجّ عمل عبادي وملتقى سياسي، وها أنا اقتبس منه ما يرجع إلى الأمر الثاني، أعني: الملتقى السياسي، حيث قلت: الحجّ ملتقى ثقافي يلتقي فيه المفكّرون الكبار والعلماء في شتّى الحقول فيقومون بعرض الأُطروحات والتجارب على

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/369ـ 370.

260
الصعيد الثقافي والعلمي والاقتصادي والسياسي كي تتعرف كلّ طائفة على ما عند الأُخرى من القيم المفيدة، فيؤدي ذلك إلى التقاء الأفكار والاحتكاك بينها.
الحجّ عمل اجتماعي وملتقى ثقافي وفي الوقت نفسه مؤتمر سياسي سنويّ يجتمع فيه قادة المسلمين فيتشاورون في مهامّ الأُمور، بغية التنسيق والتعاون فيما بينهم، ولعلّ إلى تلك الجوانب الثلاثة يشير قوله تعالى: (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ).1
فسواء كان القيام بمعنى القوام وما به حياة المسلمين، أو كان بمعنى ضدّ القعود، فالآية تتضمّن نكتة مهمة وهي أنّ كيان المسلمين معقود بناصية الحجّ، فبه يقومون، وفي ظلّه قوام حياتهم، فالآية نظير قوله سبحانه:(وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا).2
فَوَصَفَ سبحانه أموال الناس بكونها قياماً لهم أي بهما يقومون في الحياة، أو بها قوام حياتهم الاجتماعية، فاقتران الآيتين يعرب عن كون الحجّ ركناً في حياة المسلمين وبقاء كيانهم. ويشير أيضاً إلى تلك الجوانب قوله سبحانه:(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)3 فكانت الغاية من دعوة كلّ راجل وراكب إلى الاجتماع في أيّام الحجّ خصوصاً في المواقف والمشاهد، حيازة المنافع الكبيرة التي يحتوي عليها الحجّ. فما جاء في الآية تعبير جامع يتضمّن كلّ

1 . المائدة:97
2 . النساء:5.
3 . الحج:28.

261
نفع يرجع إلى المسلمين في ذلك الملتقى، ولا يصحّ لنا تخصيصه بالنفع المعنوي بإخراج النفع المادي، أو تخصيصه بنفع دون نفع، ففي ذلك الوفود إلى الله سبحانه منافع كثيرة يصطادها المسلمون حسب قابلياتهم وصلاحياتهم.
وممّا يدلّ على أنّه ملتقى سياسي ـ وراء ما ذُكر ـ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الإمام عليّاً(عليه السلام) بأن يتلو آيات البراءة في يوم الحجّ الأكبر. قال سبحانه: (وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ...)1 وهل يشكّ ذو مُسكة في أنّ البراءة ورفع الأمان عن المشركين وإمهالهم أربعة أشهر عمل سياسي قام به قائد الإسلام أيّام رسالته وازدهار دعوته، حتى يكون ذلك قوّة للمسلمين في الأجيال اللاحقة؟
هذا هو الإمام الطاهر الحسين بن علي(عليهما السلام) أطاح بطاغية عصره ففضحه بعرض جناياته وأعماله المخزية على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان في موسم الحجّ في أرض مِنى.
قال الطبرسي: فلمّا مات الحسن بن علي(عليهما السلام) ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق لله وليّ إلاّ خائف على نفسه، أو مقتول أو طريد أو شريد، فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين بن علي(عليهما السلام)وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عبّاس معه. وقد جمع الحسين بن علي(عليهما السلام) بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم وشيعتهم، من حجّ منهم ومَن لم يحجّ، ومن الأنصار ممّن

1 . التوبة:3.

262
يعرفونه وأهل بيته، ثمّ لم يدع أحداً من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومن أبنائهم والتابعين، ومن الأنصار المعروفين بالصّلاح والنسك إلاّ جمَعهم فاجتمع إليه بمِنى أكثر من ألف رجل، والحسين(عليه السلام) في سرادقه عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين(عليه السلام) فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أمّا بعد: فإنّ هذا الطّاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أُريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ومن أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإنّي أخافُ أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.1
ثمّ إنّ في سيرة المسلمين ما يدلّ بوضوح على أنّ الحجّ ملتقىً سياسيٌّ وراء كونه عملاً عبادياً، فإنّ الإصلاحات الجذرية التي قام بها المفكّرون المسلمون قد انعقدت نطفها في الأرض المقدّسة وفي موسم الحجّ، فحملوا الفكرة التي تبنّوها في جوار بيت الله الحرام وفي ذلك المحتشد العظيم، ثمّ غذّوها بفكرتهم وتجاربهم إلى أن أُتيحت لهم الفرص لبناء مجتمع طاهر أو حكومة عادلة أو ثورة عارمة في وجه الطغاة والظالمين، وبذلك يتّضح أنّ الحجّ الإبراهيمي ليس مجرد طقوس وسنن يقوم بها الفرد أو الجمع في أيّام معلومات، بل فيه آية العبادة وشارة السياسة وفيه منافع للمسلمين في عاجلهم وآجلهم، فيجب على المسلمين إحياء هذه السنّة الكريمة الحجّ الحقيقي الذي وضع حجره

1 . الاحتجاج:2/86ـ 87.

263
الأساس إبراهيم الخليل(عليه السلام). كلّ ذلك بفضل الحجّ وببركة ذلك المحتشد العظيم.
وختاماً: إنّ خصوم الإسلام اللُّدّ قد وقفوا على ما في الحجّ من منافع للمسلمين فركّزوا على هدم البيت ومنع المسلمين من زيارته، فقال رئيس الوزراء البريطاني جلادستون1 في بيان إلى الكنائس ورؤسائها والوزارات ودوائرها: فمادام القرآن يُتلى، والكعبة تُحجّ، ومحمد يذكر اسمه على المآذن، فالنصرانية في خطر عظيم، فعليكم بالقرآن فحرّقوه، وبالكعبة فهدّموها، وبمحمد فامحوا اسمه من المآذن.2

التسمية عند ذبح الأنعام ونحرها

قد مرّ أنّ الآية تتضمّن أمرين:
الأوّل: الإرشاد إلى منافع الحجّ على مختلف الأصعدة.
الثاني: ما يجب على زائر البيت من مناسك، وقد أشار إليها تالياً، وهـي عـدّة أُمور:
1. (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ). أمر سبحانه بذكر اسم الله عند ذبح الأنعام وقال: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات) وهي أيام النحر والذَّبح في الحجّ، وهي عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام)

1 . تولّى رئاسة الوزارة ثلاث مرّات: الأُولى (1868ـ 1874م)، والثانية(1880ـ 1885م)، والثالثة في سنة (1892م)، ولكنّه استقال من منصبه في سنة (1894م) بسبب الإرهاق من الخدمة الطويلة، وتوفّي عام (1898م). الموسوعة العربية العالمية:8/412.
2 . كتبنا بحثاً مستقلاً بعنوان: «الحج والصحوة الإسلامية الراهنة»، آثرنا أن ننشره في آخر الكتاب، فلاحظ .

264
أربعة، أوّلها يوم عيد الأضحى وآخرها اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة. وقال فقهاء أهل السنّة هي ثلاثة تنتهي باليوم الثاني عشر منه(عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) الظرف متعلّق بالفعل المتقدّم أي يذكروا اسم الله على البهيمة(الأضحية) عند ذبحها أو نحرها، وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية، والغرض من الآية نسخ ما كان عليه المشركون من ذبح الأنعام أو نحرها باسم الأصنام.
والبهيمة ما لا صوت له أو في صوته إبهام من البُهم، وتطلق على الأنعام الثلاثة من الإبل والبقر والغنم من ضأن أو معز.
وبما ذكرنا من أنّ قوله: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ) متعلّق بالفعل المتقدّم، يُعلم أنّ المراد ذكر التسمية عند الذبح لا مطلقاً ـ وإن كان ذكر الله حسناً في كلّ حال ـ .
ومن غريب الكلام ما ذكره الزمخشري في الكشّاف، قال: وكُنّي عن النَّحر والذَّبح بذكر اسم الله لأنّ أهل الإسلام لا ينفكّون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا .1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ للآية عناية خاصّة بذكر اسم الله ردّاً على سيرة المشركين، ولو كان ذكر الله كناية عن الذبح لكان المقصود هو المكنّى عنه أي الذبح.
وثانياً: أنّ ما ذكره أنّ أهل الإسلام لا ينفكّون عن ذكر اسمه، صحيح في الفترات المتأخّرة لا في زمن نزول الآيات، فإنّ المسلمين لم يكونوا

1 . تفسير الكشاف:2/343.

265
يعرفون مناسك الحجّ إلاّ بهذه الآيات وسيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنّه سبحانه يذكر في موضع آخر ذكر الله في أيام معدودات ويقول:(وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّام مَعْدُودَات فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ
عَلَيْهِ
)
1.
واختلفت كلمة المفسّرين فيما هو المراد من أيام معدودات. والظاهر أنّها الأيام المعلومات نفسها بشهادة قوله بعد تلك الفقرة: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ) فالمراد هو الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق أي الثاني عشر، والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، فالبحث عن النفر بعد تلك الفقرة ربما يناسب أن يكون المراد من الأيام المعدودات هو الأيام المعلومات نفسها، وقد عرفت أنّها تنتهي بالثالث عشر من ذي الحجّة الحرام. ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه زيد الشحام عن أبي عبد الله ] الصادق[(عليه السلام) في قول الله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّام مَعْدُودَات)قال(عليه السلام): «المعلومات والمعدودات واحدة وهي أيام التشريق».2
نعم للرواية معارضان، والتفصيل في محلّه.
وأمّا الذكر المأمور به، فهو أن يقول عقيب خمس عشرة صلاة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما

1 . البقرة:203.
2 . تفسير نور الثقلين:3/490.

266
هدانا، والحمد لله على ما أولانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام.1
2. (فَكُلُوا مِنْهَا): أي من الأضحية، فظاهر الفقرة وجوب الأكل من الأضحية ومع ذلك اختلفت كلمة فقهائنا في وجوبه أو استحبابه، فالظاهر من ابن إدريس الحلّي في سرائره، والمحقّق الحلّي في شرائعه وجوب الأكل.2 وذهب الشيخ الطوسي وزميله ابن البرّاج إلى استحبابه.3
والظاهر هو القول الأوّل لورود الأمر بالأكل مرّتين: تارة في هذه الآية، وأُخرى في آية أُخرى، حيث قال تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا)4: أي إذا سقطت إلى الأرض بعد النّحر فكلوا منها، غير أنّ هنا احتمالاً آخر، وهو أنّ الأمر بالأكل ورد في مقام توهّم الحظر لأنّ أهل الجاهلية ما كانوا يأكلون من أضاحيهم بل كانوا يحرّمونها على نفوسهم.5
ومع ذلك فرفع اليد عن ظاهر الآية بما ذُكر، بعيد.
والذي يمكن أن يقال في نفي الوجوب: إنّ الاستدلال بالآية إنّما يتمّ لو كان بصدد وجوب التقسيم وبيان السهام وعندئذ لكلٍّ حكمه، وأمّا لو كانت بصدد بيان مصارفه كآية الصدقات وأنّه يجب صرفه فيها في مقابل ادّخاره فلا يجب التقسيم، ويتفرّع عليه عدم وجوب الأكل إذا أطعم البائس

1 . مجمع البيان:2/77.
2 . السرائر:1/598; شرائع الإسلام:1/261.
3 . النهاية:261; المهذّب:1/259.
4 . الحج:36.
5 . انظر: مجمع البيان:7/165; تفسير الكشاف:2/246.

267
الفقير بصرف الجميع في مصرف واحد. وللمسألة صلة، فليراجع ـ من أحبّ ـ ما حرّرناه.1
وأمّا في الظروف الحالية فلا يمكن الأكل لأنّ الذَّبح يتمّ بإشراف المسؤولين القائمين على مراسم الحجّ.
3. (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) والبائس هو الذي أصابه بؤس أي شدّة وأضعفه الإعسار، والفقير الذي لا شيء له، ومع أنّ ذكر الفقير مُغن عن ذكر الآخر، جاء ذكرهما معاً لترقيق أفئدة الناس عليه.
29. (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ):
من محرّمات الإحرام حلق الشعر، وتقليم الأظفار، والتطيّب، بل يحرم فيه إذا انعقد حتى قتل هوامّ الجسد، فإذا خرج المكلف عن الإحرام وجب قضاء التفث بحلق الرأس وتقليم الأظفار، لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ).
وروي عن ابن عباس أنّ التَّفَث مناسك الحجّ وأفعاله كلّها. قال الشيخ الطوسي: فالتّفث مناسك الحجّ، من الوقوف، والطواف، والسعي، ورمي الجمار، والحلق بعد الإحرام من الميقات.2
والقول الأوّل هو الأرجح، لوروده عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في

1 . لاحظ : الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء: 5 / 129 ـ 135.
2 . التبيان في تفسير القرآن:7/310.

268
روايات عديدة، منها ما روي عن البزنطي عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال: التفث: تقليم الأظفار وطرح الوسخ وطرح الإحرام عنه1. ومنها ما روي عن أبي الصّباح الكناني عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: هو الحلق وما في جلد الإنسان.2
4. (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) يظهر من هذه الفقرة أنّ كثيراً من الناس كانوا ينذرون الصدقات وغيرها من أعمال الخير إذا رُزقوا الحجّ، وبما أنّ النذر قد تحقق فقد وجب عليهم الوفاء بها.
5. (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): أي البيت القديم لأنّه أوّل بيت وضع للناس كما في قوله تعالى:(إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)3.
وروى الكليني بإسناده عن أبان، عمّن أخبره، عن أبي جعفر ] الباقر[ (عليه السلام)، قال: قلت: لِمَ سمّى الله البيت العتيق؟ قال: «هو بيت حرٌّ، عتيق من الناس، لم يملكه أحد».4
هذا، وبالطواف بالبيت العتيق تتمّ فرائض الحجّ، ولكن هل المراد هو طواف الفريضة الذي هو جزء من أعمال الحجّ أو طواف النساء الذي به تحلّ النساء والطيب؟ فإنّ للحاج إحلالين: إذا رمى جمرة العقبة ثم نحر الهَدْي تحلّ له محرّمات الحجّ، إلاّ الطيب والنساء، وأمّا حلِّيّة هذين

1 . من لا يحضره الفقيه:2/485، برقم 3035.
2 . الكافي:4/503، باب الحلق والتقصير، برقم8 .
3 . آل عمران:96.
4 . الكافي:4/189، باب إنّ أوّل ما خلق الله من الأرضين موضع البيت، برقم 6.

269
الأمرين فتتمّ بطواف النساء الذي يسمّى عند فقهاء أهل السنة بطواف الوداع.
ظاهر الآية هو الإطلاق بشهادة أنّه يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا) فلو أُريد طواف النساء فقط كان الأنسب أن يقول: «وَلْيَطوفُوا» بلا تشديد.
نعم يظهر من بعض الروايات أنّ المراد كليهما، حيث روى الكليني بإسناده عن أحمد بن محمد قال: قال أبو الحسن(عليه السلام) في قول الله عزّ شأنه:(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) قال: طواف الفريضة طواف النساء.1
والظاهر سقوط العاطف لأنّ طواف الفريضة غير طواف النساء.
وفي بعض الروايات تفسيره بطواف النساء، فعن حمّاد الناب، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)؟ قال: «هو طواف النساء».2
ولعلّ تخصيصه بالذكر ـ لو صحّت الرواية ـ لأجل أنّ الناس يومذاك لا يهتمّون بهذا الطواف، فالإمام أشار بالمصداق الخفيّ، والعلم عند الله.
ثمّ إنّ الأفعال الثلاثة بصيغة الأمر الغائب كلّها بإسكان اللام (ثُمَّ لْيَقْضُوا)، (وَلْيُوفُوا)، (وَلْيَطَّوَّفُوا)ومرّ نظيرها في قوله:(ثُمَّ لْيَقْطَعْ) والضابطة أنّ لام الأمر إذا وقع بعد العاطف غير «ثمّ»، كان ساكناً، مثل (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)3 وإن وقع بعد «ثمّ» جاز فيه الوجهان.

1 . الكافي:4/512، باب طواف النساء، برقم 1; تهذيب الأحكام:5/252، الباب16، برقم 14.
2 . تهذيب الأحكام:5/253، الباب16، برقم 15.
3 . آل عمران:104.

270
ثمّ ما هو السرّ في جعل الطواف بالبيت آخر نُسُك من مناسك الحجّ؟ والجواب: يمكن أن يقال: إنّ لكلّ نسك من مناسك الحجّ سرّاً وأسراراً يقف عليها المتأمّل في الآيات والروايات، وجعلِ الطواف في البيت ختام العمل، لعلّه إشعار بأنّ الحجّاج والمعتمرون كانوا يطوفون عبر حياتهم وقبل مجيئهم إلى الحجّ على محاور متعددة، والآن قد تركوا هذه المحاور وجعلوا المحور هو الطواف حول البيت وكأنّ قلوبهم غير عالقة بشيء إلاّ ببيت الله الذي هو مظهر تعلّق القلب بالله سبحانه في بقية الحياة.
سورة الحجّ: الآيات 30 ـ 33    

الآيات: الثلاثون إلى الثالثة والثلاثين

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ).

المفردات

ذلك: اسم إشارة يقع للفصل بين كلامين أو لوجه من كلام واحد، وأُريد به هنا: الأمر هكذا، كما في قوله تعالى:(هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ

271
مَآب)1. وعلى هذا فاسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف، كما قلنا: الأمر هكذا، أو الأمر ذلك.
حُرُمات: جمع حُرْمة، وهي ما يجب احترامه ولا يحلّ انتهاكه.
الرِّجس: الخَبَث والقذارة، وهو تارة محسوس كما في النجاسات، وأُخرى معنوي كما في الأوثان.
الزُّور: الكذب. وسيوافيك الكلام في تخصيص تفسيره به في المقام.
حُنَفاء: الحَنَف: المَيْل، والحُنفاء جمع حنيف، وهو المائل عن الضّلال إلى الاستقامة.
خرّ: سقط.
فتَخْطفه: الخطف: الاختلاس بسرعة.
تهوي: تسقط.
سحيق: بعيد.
شعائر الله: جمع شعيرة، وهي العلامة، مأخوذة من الإشعار بمعنى الإعلام.
أجل مسمّى: أُريد وقت نحر الهَدْي أو ذبحه.
مَحِلّها: مصدر ميمي من حلّ يحلّ: إذا بلغ المكان واستقرّ فيه، وهو كناية عن نهاية أمرها.

1 . ص:55.

272

التفسير

30. (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ):
لمّا فرغ سبحانه من بيان مناسك الحجّ، شرع ببيان ما يجب على الحاجّ، بل على كلّ مؤمن من أُمور:
1. تعظيم حرمات الله، قال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ). يُحتمل أن يراد ما ذُكر من مناسك الحجّ في الآيات المتقدّمة. وربما يقال: الحرمات خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمُحرم حتى يحلّ1، ولا دليل عليه.
وهناك احتمال آخر، وهو أنّ المراد رعاية الحدود فيما أحلّ الله وحرّمه بشهادة قوله: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) وكأنّ قوله: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ) مقدّمة للفقرة الثانية، أي تحليل حلاله وتحريم حرامه، وفي ذلك يكون ردّاً على ما قام به عبدة الأصنام من تحريم البحيرة والسائبة وغير ذلك، وتحليل ما حرّم الله من أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك، وقد حكى الله سبحانه عن أهل الجاهلية أنّهم حرّموا الأنعام المذكورة في قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)2 كما أنّهم

1 . تفسير الكشاف:2/346.
2 . المائدة:103.

273
أحلّوا قسماً من المحرمات، أعني ما أشار إليه سبحانه بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ).1

تخصيص أمرين مهمّين بالذكر

ثمّ إنّه سبحانه يخصّ بالذكر (بعد الأمر بتعظيم حرمات الله وحرمة انتهاكها) أمرين:
الأوّل: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) ذكر أهل الأدب أنّ «من» هنا بيانية أي الرِّجس الذي هو الأوثان، وهل المراد من اجتنابها هو اجتناب عبادتها، أو المراد اجتناب ذكر أسمائها لدى النحر والذّبح؟ الظاهر هو الثاني بحكم سياق الآيات. وفي وصف الأوثان بالرِّجس إشارة إلى الرِّجس المعنوي لا الرِّجس الحسّي، فكأنّ انكباب المشركين عليها والتمسّح والاستشفاء بها، جعلها أمراً منفوراً مرغوباً عنه، كحال كلّ رجس حسّي.
الثاني: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ). وفُسّر في الروايات بالكلام الباطل والغناء.2 والظاهر أنّه تفسير بالمصداق الخفيّ. والمراد كلّ كلام مائل عن الحق فيشمل الكذب والغيبة والشَّتم والفحش. وفي بعض الروايات قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «عُدلت شهادة الزور بالشرك بالله» ثم قرأ: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ).3 والذي يناسب سياق الآية هو

1 . المائدة:3.
2 . لاحظ: تفسير نور الثقلين: 3/ 495.
3 . تفسير نور الثقلين:3/496.

274
الكلام الذي يُخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر بشهادة قوله تعالى في الآية التالية:(حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون المراد قول أهل الجاهلية في تلبيتهم:«لبّيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك».1
31. (حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق):
لمّا تقدّم في الآية السابقة الأمر باجتناب الأوثان والقول الذي يتضمّن شركاً في حال التلبية وغيرها، حتى وصفه بقول الزور، أعقب ذلك بذكر الاستقامة على التوحيد الخالص والمَيل عن الشرك فقال: (حُنَفَاءَ للهِ): أي كونوا مستقيمي الطريقة (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) في الحجّ وغيره. ثم أعقب ذلك بتمثيل يبيّن حال مَن يشرك بالله، والنهاية الفظيعة التي يلقاها، حيث شبّهه بمن يسقط من السماء فأمامه مصيران:
الأوّل: أمّا أن تستلبه الطير بسرعة، كما قال: (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) فيكون متفرّقاً بين حواصلها.
الثاني: وأمّا أن (تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق): أي تعصف به الريح فتُلقي به في مكان عميق بعيد الغَور، فلا مخلص ولا منجي له.
وأمّا حقيقة التشبيه فهو ما يذكره السيد الطباطبائي بقوله: شبّه المشرك في شركه وسقوطه به من أعلى درجات الإنسانية إلى هاوية

1 . تفسير الدر المنثور:6/45.

275
الضلال فيصيده الشيطان ، بمن سقط من السماء فتأخذه الطير (أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيق): أي بعيد في الغاية.1
ونضيف: أنّه يقع في هوّة هاوية ليس لها من قرار.

تعظيم شعائر دين الله

32. (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ):
قوله: (ذَلِكَ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر ذلك الذي قلناه، وقد تقدّم أنّ المتكلّم إذا أراد أن ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر يقول: ذلك.
ثمّ إنّه سبحانه أمر في الآية (30) بتعظيم حرمات الله، وفي هذه الآية يأمر بتعظيم شعائر الله، ومن المعلوم أنّ حرمات الله تعالى غير شعائر دينه، وقد تقدّم معنى حرمات الله، وأمّا الشعائر فهي جمع شعيرة وهي العلامة، ومن الواضح أنّها ليست شعائر وجود الله سبحانه، فإنّ العالَم كلّه آية وجوده، بل هي علائم دينه. هذا هو مفهومها، وأمّا ما هي مصاديقها، فقد ذكر القرآن الكريم للشعائر مصاديق، فقال:
1. (إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ).2
2. (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ).3
وفي آية ثالثة يقول: (لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/373.
2 . البقرة:158.
3 . الحج:36.

276
الْقَلاَئِدَ)1. وقد اختلفت كلمة المفسّرين إلى وجوه ذكرها الشيخ الطبرسي وأنهاها إلى ثمانية أقوال.2
لا شكّ أنّ الصفا والمروة وكذا البُدن من شعائر الله، فإذا كانت من شعائر الله فالطواف ومناسك الحجّ كلّها من شعائر الله، والشاهد على ذلك أنّه سبحانه عندما يقول:(لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ) يعطف عليه الشهر الحرام والهدي والقلائد وغيرها، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد من تعظيم شعائر الله هو المناسك الواردة في الحجّ، ومع ذلك يمكن أن يقال: المراد كلّ ما يُعدّ من معالم دينه وشريعته فإنّ ما ورد في الشريعة الإسلامية على قسمين: تارة قسم يتمتع بنوع من العظمة بحيث كلّ مَن يتعرّف على الإسلام يتعرّف عليه، فيعدّ من معالم دينه، وقسم آخر دون ذلك، فشعائر
الله مجموع معالم دينه وشريعته، سواء أكان منسكاً من مناسك الحجّ أم غيره.
قال القرطبي: فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلّق بالمناسك.3ولقد أحسن حيث عمّم أوّلاً، ثم ذكر مورد الآية ثانياً.
وبذلك يُعلم أنّ القرآن الكريم والأحاديث النبوية ونبيّ الإسلام وأئمّة الدين من شعائر دين الله وأعلام شريعته، فمن عظّمها فقد عظّم شعائر الدين.
ثم إنّه سبحانه يصف تعظيم شعائر الدين بقوله: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى

1 . المائدة:2.
2 . مجمع البيان: 3/307ـ 308.
3 . تفسير القرطبي:12/56، طبعة دار إحياء التراث.

277
الْقُلُوبِ): أي أنّ تعظيم معالم دينه دليل على تقوى القلوب. ولا شكّ في أنّ استشعار الخشية منه تعالى، يبعث على العمل بشرائع دينه وتعظيم معالمه. روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ بني إسرائيل أذهَبوا خشيةَ الله من قلوبهم فحضرت أبدانهم وغابت قلوبهم، وإنّ الله لا يقبل من عبد لا يحضر من قلبه ما يحضر من بَدَنه».1
هذا، والضمير في قوله:(فَإِنَّهَا) وإن يرجع إلى التعظيم المفهوم من فعل الأمر، ولكن التأنيث باعتبار المضاف إليه أي تعظيم الشعائر. وإن شئت قلت: الضمير يعود إلى شعائر الله المعظَّمة.
33. (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ):
قوله تعالى:(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) كأنّه جملة حالية، والضمير في قوله: (فِيهَا) يرجع إلى الأنعام التي وردت في قوله: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ). والآية تدلّ على إباحة الانتفاع بالأنعام المخصّصة للحجّ، والغاية من التنبيه على وجود منافع للأنعام المخصّصة للحجّ لأجل أنّ أهل الجاهلية كانوا يتشدّدون فيها فلا ينتفعون بها أصلاً، فعن أبي هريرة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رأى رجلاً يسوق بَدَنة، فقال: اركبْها، فقال: إنّها بَدَنة، فقال: اركبْها، قال: إنّها بدنة، قال: اركبها، ويلك» في الثالثة أو في الثانية.2
ثمّ إنّه ينتفع بالأنعام المخصّصة للحجّ إلى أجل مسمّى وهو وقت

1 . تاريخ اليعقوبي:2/102.
2 . صحيح البخاري:1/416، كتاب الحجّ، باب ركوب البُدن، برقم 1689.

278
النَّحر، قال تعالى: (إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا): أي نهاية أمرها، مِن حلَّ بالمكان إذا بلغه واستقرّ فيه(إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ): أي متوجِّهاً إلى البيت العتيق.
سورة الحجّ: الآيات 34 ـ 37    
ومن المعلوم أنّ النَّحر والذَّبح إنّما هو في مِنى لا في جوار البيت العتيق، ولذلك قلنا: المراد متوجِّهاً إلى البيت العتيق.

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى السابعة والثلاثين

(وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).

المفردات

منسكاً: النُّسُك: العبادة، والناسك العابد، قال سبحانه:(إِنَّ صَلاَتِي

279
وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)1 واختصّ بأعمال الحجّ. والمناسك والمنسك مواقف النسك وأعمالها.2 وظاهره أنّه يستعمل تارة في اسم المكان وأُخرى في المعنى المصدري أي أعمال النُّسك. قال ابن منظور: النُّسْك والنُّسُك: العبادة والطاعة وكلّ ما تقرّب به إلى الله تعالى. ثم قال: والنُّسك في الآية يدلّ على معنى النَّحر، كأنّه قال: «جعلنا لكلّ أُمّة أن تتقرّب بأن تذبح الذبائح لله»، وعلى هذا فقد تجرّد عن كونه اسم مكان، وأُريد المعنى المصدري.
أسلِموا: انقادوا له.
المخبتين: المتواضعين الخاشعين.
وَجِلت: خافت.
البُدن: واحده بَدَنة، وهي الناقة العظيمة البدن التي تُنحر بِمنى.
صوافّ: قائمات، قد صففنَ أيديهنّ وأرجلهنّ، واحدها صافّة.
وجبت جنوبها: سقطت على الأرض وخرجت الروح منها.
القانع: الراضي بما يُعطى له من غير سؤال.
المعترّ: من يتعرّض للعطيّة.

1 . الأنعام:162.
2 . مفردات الراغب: 490، مادة نسك.

280

التفسير

34.(وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ):
لمّا كان المشركون يذبحون أو ينحرون الهدايا باسم أصنامهم وأوثانهم، جاءت الآية تركّز على أنّ الذبائح تذبح باسم الله سبحانه لا بغيره وأن هذا لا يختصّ بالأُمة الإسلامية بل كان يعمّ ويشمل الأُمم السابقة كما يقول: (وَلِكُلِّ أُمَّة): أي لكلّ جماعة يجمعهم دين من الأديان أو شريعة من الشرائع (جَعَلْنَا)لهم (مَنْسَكًا): أي ذبحاً يذبحونه ودماً يريقونه تقرّباً إلى الله لا إلى الأصنام والأوثان، فلتكن الأُمّة المرحومة مثلهم (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) لفظة «على» تدلّ على الاستعلاء، فتكون كناية عن حالة الذبح التي يستعلي فيها الذابح على المذبوح، فيكون المعنى: عند نحرها أو ذبحها، ثم علّل وجه تخصيص التسمية بالله بقوله: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا). وفي الكلام تقديم وتأخير أي: فله أسلموا فإلهكم إله واحد. فوحدة الإله تقتضي أن تكون عامّة المناسك لله(وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ): أي الخاضعين لله، الممتثلين أمره في رضا واطمئنان. ثم ذكر صفات هؤلاء المخبتين في الآية التالية:
35. (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَ الْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ):

281

صفات المخبتين

اشتملت الآية على ذكر صفات أربع للمخبتين:
1. (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): أي إذا خوِّفوا بالله خافوا. ويحتمل أن يراد إذا ذُكر ما أعدّ الله للعصاة يوم القيامة من عذاب أليم. والأَولى أن يقال: إنّه إذا قيل: (اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) لمعرفتهم السامية بالله سبحانه.
2. (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ) من البلايا والمصائب في طاعة الله«فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الاِْيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلاَ خَيْرَ فِي جَسَد لاَ رَأْسَ مَعَهُ، وَلاَ فِي إِيمَان لاَ صَبْرَ مَعَهُ».1
3. (وَ الْمُقِيمِي الصَّلاَةِ) الذين يحافظون على أوقاتها ويؤدّونها حسب ما أُمروا.
4. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ): أي يتصدّقون في وجوه البِرّ ويزكّون أموالهم.
36. (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):
البدن: جمع بدنة كخُشب جمع خشبة، سمّيت بذلك إذا أُهديت

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 82.

282
للحرم لعظم بدَنها وهي الإبل خاصّة.1 وبما ذكره يُعلم وجه تخصيص البُدْن بالذكر مع أنّه كان داخلاً في بهيمة الأنعام التي مرّ ذكرها في الآية (28) من هذه السورة، حيث جاء فيها: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فالآية السابقة ناظرة إلى الأضحية في الحجّ، وأمّا آيتنا هذه فناظرة إلى الإبل المهداة للحرم.
ثمّ إنّه سبحانه خصّها بالذكر لإبطال عادة الجاهلية في الأضحية، حيث إنّهم كانوا يلوّثون بدمائها ولحومها الأصنام وحيطان الكعبة، وعلى هذا فالآية تتضمّن أُموراً:
1. البُدن من شعائر الله، كما يقول:(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ): أي من شعائر دينه وشريعته أو من معالم الحجّ.
2.(لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فالانتفاع بلحومها، وأمّا في الآخرة فالثواب في نحرها وتقسيم لحومها بين الفقراء.
3. كيفية نحرها، يقول: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا): أي قولوا عند النحر: «بسم الله والله أكبر. اللّهم منك وإليك» (صَوَافَّ) وصف للبُدن، أي قائمات قد صففنَ أيديهنّ وأرجلهنّ، أي مصطفّة. وقيل في تفسير الصوافّ غير ذلك، باختلاف القراءات. وبما أنّا لا نهتمّ بغير القراءة المتواترة أعرضنا عن ذكرها. فقوله:(فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ)لرّد عادة الجاهلية حيث يذكرون اسم آلهتهم المكذوبة.
4. الانتفاع بها بعد زهوق روحها، قال تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) قد

1 . تفسير الرازي:23/35.

283
مرّ أنّ وجوب الجنوب هو وقوعها على الأرض، مِن وجبَت الشمس وَجْبة إذا غربت، ووجب الحائط وجبة إذا سقط، والعبارة كناية عن خروج روحها.
ثم تقسَّم لحومها أقساماً ثلاثة:
أ. (فَكُلُوا مِنْهَا) والخطاب للمُهدي يأكل منها ويُطعم أهله. وهذا إذن من الله للأكل وليس بأمر; لأنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمونها على نفوسهم. وبعبارة أُخرى: إنّ الأمر ورد في مورد توهُّم الحظر وعندئذ يفيد الإباحة. وهذا على خلاف ما ذكرناه في قوله سبحانه: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) إذ لم يكن الامتناع من الأكل من عادة الجاهلية في الأضحية.
ب. (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ) الذي يقنع بما أُعطي أو بما عنده ولا يسأل.
ج. (وَالْمُعْتَرَّ) الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللَّحم.
وقد روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«القانع يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعترّ من يعتريك فيسألك».1
وعلى هذا فتقسَّم لحومها أثلاثاً: ثلث للأهل، وثلث للقانع، وثلث للمسكين الذي هو المعترّ. وقد مرّ أنّ إطعام الأهل أمر مباح وليس بواجب، بخلاف الأخيرين.
5. تذليلها امتناناً، بمعنى أنّ البُدن أجسم من السباع ولكنّ الله سبحانه ذلّلها وسخرها للإنسان ومكّنه من التصرّف فيها على حسب اختياره، وتلك نعمة عظيمة، فلو كانت طبيعتها كطبيعة السِّباع لَما أمكن ذلك، كما

1 . تفسير نور الثقلين:3/499.

284
يقول:(كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): أي لكي تشكروا.
37. (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ):

إبطال عادات الجاهلية

قد مرّ أنّه كان من عادات الجاهلية تلطيخ الأوثان وحيطان الكعبة بدماء الهدْي، وكانوا أيضاً يطرحون ما يتقرّبون به من لحم فلا يدَعون أحداً يأكله 1. وكأنّهم بعملهم هذا يريدون أن يصل ذلك إلى الله تعالى ويرتفع إليه شيء من صنع المُهدي، فردّ الله تعالى عليهم ذلك بقوله: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا) يعني بل الذي يصل إليه: أي يقبله ويجازي عليه هو كون العمل خالصاً لله كما يقول: (وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ): أي ما قمتم به من العمل لله سبحانه، كذكر اسم الله عليها، والتصدُّق على القانع والمعترّ، وقد فُسّر بغير ذلك. ويؤيد ما ذكرنا من التفسير ما روي من أنّ المسلمين أرادوا أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح وتشريح اللحم ونصبه حول الكعبة ونضحها بالدماء تعظيماً لها وتقرّباً إليه تعالى، فنزلت هذه الآية.2
سورة الحجّ: الآيات 38 ـ 41    
قوله تعالى:(كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ) كرّره سبحانه تذكيراً بالنعمة وتقديماً لقوله: (لِتُكَبِّرُوا اللهَ): أي توحِّدوه بالكبرياء، أو تقولوا: الله أكبر عند

1 . انظر: التحرير والتنوير:17/195.
2 . انظر: الدرّ المنثور: 6 / 55 ـ 56; وجوامع الجامع: 2 / 100.

285
الذَّبح (عَلَى مَا هَدَاكُمْ): أي لأجل هدايته وإرشاده، حيث أرشدهم من عادة الجاهلية إلى الدين الحنيف، وفي نهاية الأمر يقول: (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)القائمين بإهداء البُدن وإطعام الفقراء.
وبهذه الآية تمّت آيات الحجّ على وجه الإيجاز، وأمّا التفصيل فقد جاء في السنّة الشريفة.

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى الحادية والأربعين

(إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).

المفردات

خوّان: خائن لأمانة الله.
كفور: جاحد لنعمته سبحانه.

286
أُذن: رُخِّص.
صوامع: هي بيوت عبادة الرُهبان من النَّصارى، واحدها صومعة.
بِيَع: هي بيوت عبادة النصارى عامة، واحدها بِيعة.
صلوات: قيل هي معرّب «صلوثا» بالعبرانية ، ومعناها في لغتهم المصلّى. ويقال: الصلوات جمع صلاة، وهي مصلّى اليهود، سمّي بها تسمية للمحلّ باسم الحال.1
مساجد: هي بيوت عبادة المسلمين.

التفسير

صلة هذه المجموعة من الآيات بما قبلها يمكن أن يقال فيها: إنّه سبحانه توعّد المشركين على صدّهم عن سبيل الله والمسجد الحرام في الآية الخامسة والعشرين حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ) وقد مرّ أنّ خبر (إِنَّ)محذوف وتقديره خسروا أو هلكوا، وكان المسلمون في الفترة المكية يقاسون الظلم والاضطهاد، وكانوا يطلبون من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الإذن في القتال، فيجيب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لم يؤذن به2، فلمّا هاجر(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وتهيّأت للمسلمين عوامل الدفاع عن شرفهم وكيانهم، أنزل سبحانه هذه الآيات، وبشّرهم بقوله:

1 . لاحظ: مجمع البيان:3/167; تفسير الرازي:23/40; الميزان في تفسير القرآن:16/385.
2 . مجمع البيان:3/167; تفسير الرازي:23/38.

287
38. (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور):
قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) نوع تبشير للمؤمنين بأنّه سبحانه يدافع عنهم في مواقع الصراع بينهم وبين أعداء الله والحقّ، ولا يتركهم فريسة لهم. وهذا الدفاع تارة يكون في ميادين القتال والنزال ـ حينما يأخذ المؤمنون بأسباب النصر ـ كأن يربط على قلوبهم، ويمنّ عليهم بالصبر، ويلهمهم تدبير الأمر، وتارة يكون في ساحات الكلمة والرأي، والدعوة إلى الحقّ، فيمدّهم بالحجج الباهرة والبراهين الدامغة. ثم علّل وجه دفاعه عنهم بقوله:(إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور).
وفيه وصف للمشركين بأمرين:
1. الخيانة، بقوله: (خَوّان): أي مكثرين من الخيانة.
2. الكفران، بقوله: (كَفُور) حيث كفروا بنعمة الله سبحانه ولم يعبدوه.
إنّما الكلام فيما هو المراد من خيانتهم، ولا يبعد أن يقال: إنّ الله سبحانه فَطرَهم على التوحيد فخانوا الله سبحانه بالانحراف عنه، وإحلال عبادة الأصنام مكان عبادة الله سبحانه.
إنّ الدين أمانة أودعها الله تعالى عندهم في فِطَرهم، وهم قد تنصّلوا منها ولم يحفظوها بإنكارهم وتمرّدهم عليه فصاروا خوّانين، وبما أنّهم عبدوا غيره ولم يشكروه على نعمه السابغة بالتعبّد له وحده، صاروا كفورين.
هذا، ولصديقنا الشيخ مغنية(رحمه الله) كلام حول هذه الآية، ابتدأه بهذا

288
السؤال: إنّ تاريخ البشرية القديم والحديث مفعم بالمظالم والاعتداءات على المتّقين والمخلصين، فما هو وجه الجمع بين الآيات الدالّة على أنّ الله ينصر أهل الحقّ والآيات التي أخبرت عن قتل الأنبياء؟ وأجاب بوجهين:
1. إنّ آيات النصر سياقها يدلّ على أنّها خاصّة ببعض الأنبياء والآيات التي نحن بصددها تدلّ على أنّ محمداً وصحبه هم المقصودون بشهادة الآيات التالية.
2. إنّ كثيراً من المحقّين قُتلوا وأُسروا وشُرِّدوا، ولكنّ الله عزّ وجلّ قد أتاح لهم أنصاراً يعلنون ظلامتهم ويشيدون بعظمتهم ويدينون أعداءهم بحجج دامغة وأدلّة قاطعة، وهذا مظهر من مظاهر النصر.1
وهناك جواب ثالث، وهو أنّه سبحانه قد نصر الأنبياء بإبادة أعدائهم وإهلاكهم ومحو ذكرهم بوجوه مختلفة، قال سبحانه: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)2 .
وهناك أيضاً جواب رابع، وهو أنّ الانتصار على قسمين: انتصار مادي، وهذا لم يتحقّق للأنبياء جميعاً، وانتصار معنوي، وهو سيادة المبادئ في المجتمع ولو بعد زمن طويل، فهؤلاء اليهود همّوا بقتل المسيح(عليه السلام)وزعموا أنّهم قتلوه ولكنّ المسيحية ـ بالرغم من ذلك ـ انتشرت في

1 . انظر: التفسير الكاشف:5/332.
2 . العنكبوت:40.

289
مساحات واسعه من العالم قبل بعثة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
وسيوافيك توضيح الموضوع في تفسير قوله سبحانه:(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)1، فانتظر.

الإذن في الجهاد

39. (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ):
إنّ هذه الآية ومابعدها هي أوّل ما نزل من القرآن حول الجهاد.
إنّ الجهاد ـ بمعنى السعي في طرد الشرك وإحلال التوحيد مكانه ـ أصل من أُصول الإسلام، وكثيراً ما يعبّر عنه في الذكر الحكيم بالجهاد دون القتال، مشعراً بأنّ الغاية ليست هي المقاتلة بل الغاية بذل الجهد والسعي في رفض الشرك وإنقاذ البشرية من الوثنية ودعوتها إلى التوحيد. إنّ دراسة موضوع الجهاد رهن جمع الآيات الواردة حول الجهاد، دفاعياً كان أو ابتدائياً، وقد قمنا بتلك الدراسة في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»، غير أنّا نقتصر في المقام على تبيين الآيات الواردة في هذه المجموعة.2

تشريع الجهاد لغاية الدفاع

قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ)بفتح التاء، أي الذين يُؤذَون ويُعتدى عليهم من المؤمنين في الفترة المكّية، وأمّا ما هو المأذون فيه فيعلم بالقرينة

1 . غافر:51.
2 . لاحظ : مفاهيم القرآن: 7 / 471 ـ 518.

290
وهو الدفاع، والذي يدلّ على أنّ المأذون فيه هو الدفاع عن الحقوق المعنوية والمادية ما تقدّم في الآية السابقة: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)فلأجل ذلك أذن لهؤلاء في الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وكراماتهم.
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل هذا الإذن بقوله: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) فيدلّ بوضوح على أنّ القتال لأجل رفع الظلم ودفع العدوان، فعلى هذا فليس المؤمن هو البادئ بالقتال، بل الكافر هو الذي يبدأ به بما أنّه خوّان وبما أنّه ظالم.
ثمّ إنّه سبحانه يعدُهم بالنصر فيقول:(وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) وهذا وعد من الله لهم بالنصر إذا جاهدوا في سبيل الله واستعدّوا للقتال.
40. (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ):
لمّا بيّن سبحانه، في الآية المتقدّمة، سبب الإذن للمؤمنين بالدفاع بقوله: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا)جاءت هذه الآية لبيان نوعية ظلمهم وهي كونهم مشرّدين من ديارهم بغير سبب، فقال: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ): أي بغير سبب. وأيّ ظلم أعظم من الإبعاد القسريّ عن الأوطان ومعاناة مرارة الغربة والبُعد عن الأهل والأحباب!! وهؤلاء الظالمون الذين شرّدوا المؤمنين من ديارهم لا يملكون ما يسوّغ لهم ذلك. نعم السبب الذي استحقّوا لأجله الإبعاد والتغريب هو رفض الوثنية والالتزام بخطّ

291
التوحيد كما يقول:(إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ)والتعبير مدح بصورة الذم، فإنّ قولهم: (رَبُّنَا اللهُ) شرف وعزة لهم ولكن العدوّ الخائن الظالم عدّه جريمة!! وهو نظير قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنّي من قريش»، وقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهنّ فلولٌ من قراع الكتائبِ
وعندئذ فقد تجلّى في دراسة هذه الآية أنّ تشريع الجهاد لم يكن لأجل الاعتداء على حقوق الناس بل كان لأجل الدفاع عن حقوق المستضعفين وغيرهم.

الدفاع عن مراكز العبادة

إذا كان السبب الأوّل لتشريع الجهاد أو الدفاع كون المؤمنين مشرّدين، فهناك سبب آخر لتشريع الدفاع في عامة الشرائع من غير فرق بين الموسوية والعيسوية والمحمدية، وهو أنّه لولا تشريع الجهاد ولزوم الدفاع عن التوحيد والرسالات السماوية لهدَم المشركون معالم الدين ومراكز العبادة كما يقول: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض): أي دفع المشركين برجال غيارى من أهل الديانة (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ)تتعلّق بالرُّهبان من النصارى (وَبِيَعٌ) تتعلّق بالنصارى عامّة ( وَصَلَوَاتٌ) تتعلّق باليهود، (وَمَسَاجِدُ)تتعلّق بالمسلمين، ثم إنّه سبحانه ذكر المساجد بأنّها (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا) وبهذا تمتاز مساجد المسلمين عن معابد سائر الديانات، حيث تقام فيها الصلاة خمس مرّات في اليوم والليلة.
قال السيد الطباطبائي: في الآية إشارة إلى أنّ القتال في الإسلام من

292
فروع هذه السنّة الفطرية الجارية وهي دفع الناس بعضهم بعضاً عن شؤون حياتهم، وإذا نسب إلى الله سبحانه يكون دفعه الناس بعضهم ببعض، حفظاً لدينه من الضياع.
وإنّما خصّ انهدام المعابد بالذكر مع أنّ من المعلوم أنّه لولا هذا الدفع لم يقم أصل الدين على ساقه وانمحت جميع آثاره، لأنّ هذه المعابد والمعاهد هي الشعائر والأعلام الدالّة على الدين، المذكّرة به، الحافظة لصورته في الأذهان.1
وفي نهاية الأمر يَعِدُ سبحانه بنصر مَن يجاهد في سبيل دينه ويقول: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ): أي من ينصر شريعته ودينه، وذلك لـ(إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ): أي قادر وقاهر، فلا يستطيع أحد أن يحول بينه وبين إنجاز وعده.
41. (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ):
الظاهر أنّ الموصول وصف لقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)فهؤلاء هم (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ): أي جعلنا لهم المُلك والسلطان في البلاد، وقهروا المشركين وغلبوا عليهم، قاموا بأُمور أربعة:
1. (أَقَامُوا الصَّلاَةَ) أُريد دعوة الناس إلى الصلاة، إذ فرق بين القول: يصلّون، وبين قوله:(أَقَامُوا الصَّلاَةَ)، إذ هي صلة الناس بينهم وبين الله تعالى.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:17/386.

293
2. (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) التي هي صلة السلطة بينها وبين الناس،
فهؤلاء لا تدفع بهم القدرة إلى اللّهو واللعب; بل إلى العبادة وسدّ خلّة
الناس.
3. (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ): أي أشاعوا المعروف بين الناس بتبليغه.
4. (وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) الذي يفسد المجتمع.
والأخيران دعامتان قويتان لبناء مجتمع إلهي، إذ بهما يتقوّم
سلوك الناس وتشرق حياتهم بالاستقامة. وفي نهاية الأمر يقول
سبحانه: (وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ): أي مرجع الأُمور إلى حكمه تعالى وتقديره. وفيه تأكيد لوعده سبحانه بنصر المؤمنين وخذلان أعدائهم، وقال سبحانه في موضع آخر: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)1. إلى هنا درسنا ما يرجع إلى تفسير الآيات.

بحث موجز حول تشريع الجهاد

بقي هنا كلام وهو أنّ الجهاد المشروع في الإسلام صار سبباً للهجوم عليه لأجل جهل المهاجمين بمفهومه وحدوده، والغاية منه، ولا بأس بذكر شيء ممّا يدفع الشبهة التي أوردها المستشرقون في ردودهم على الإسلام وكتابه العزيز.
إنّ كلّ موجود حيّ يتوقّف بقاؤه على دفع المزاحم وطرد المضرّات، فالإسلام بما أنّه شريعة سماوية بحاجة في بقائه واستمرار حياته إلى دفع ما يزاحمه، فنقول: إنّ الإسلام، لكونه رسالة إلهية منزلة لهداية البشر كافّة،

1 . الأعراف:128.

294
يسعى إلى تغيير العادات والتقاليد البالية، والأوضاع الفاسدة والنظم الباطلة... فمن الطبيعي أن يواجه معارضة مَن يخالف هذا التغيير مصالحهم، ويتعارض مع مآربهم ومطامعهم... وعندئذ يجب على هذا الدين أن يقوم برفع هذه الموانع واكتساح تلكم الحواجز، ليمضي قدماً في أداء رسالته، وتحقيق أهدافه.
إنّ هناك فرقاً واضحاً بين (المذهب الفلسفي) و (الدين الإلهي).
فالفيلسوف، يكتفي ببحث الأُمور الفلسفية لمجرّد التوضيح أو النقد، وينشر أفكاره وتحليلاته بين الناس ليقفوا عليها ويعرفوها دون أن يرَ إلزامهم بشيء منها. فهو لا يهمّه سوى طرح أفكاره والدفاع عنها بقاطع البرهان، وواضح الدليل.
وأمّا (الدين الإلهي) فليس مذهباً فلسفيّاً ليكتفي بمجرّد البيان والتوضيح ويحصر همّته في النقد والإشكال، إنّما هو ثورة إصلاحية، وعملية تغييريّة، تستهدف إقامة نظام صالح عادل فوق رُكام الأنظمة الفاسدة، والأوضاع المنحطّة.
وبديهي أنّه لا يتحقّق ذلك دون مواجهة الموانع، وقيام الصراعات والحروب، مع الجهات والقوى المعارضة لهذا التغيير.
فهل في العالم حركة تغييريّة استطاعت تحقيق أهدافها دون خوض الصراعات الحامية، ودون نشوب الحروب وسقوط الضحايا، أو إراقة محجمة دم؟
فهل استطاعت (الثورة الفرنسية) أن تتجنّب إراقة الدماء؟

295
وهل نجحت (الثورة الروسية) إلاّ بعد سقوط الملايين من القتلى؟
وهل حقّقت (الثورة الهندية) أهدافها إلاّ عبر المئات من القرابين البشرية؟
نعم إنّ ما يفترق به (الجهاد الإسلامي) عن الحروب الأُخرى التي تفرضها الحركات التغييرية الأُخرى هو: أنّ الإسلام يتجنّب الحروب وإراقة الدماء قدر الإمكان، ولا يلجأ إليها إلاّ من باب الضرورة وفي حدود الإنسانية والرحمة.
هذا مضافاً إلى بقيّة الفوارق التي تتجسّد في (أحكام الجهاد الإسلامي) المذكورة في محلّها.
وصفوة القول: إنّ أيّة ثورة إصلاحية وحركة تغييريّة تتطلّب ـ بحكم الضرورة ـ هذه المواجهات الساخنة، دفعاً للمزاحم ورفعاً للموانع والحواجز، وإلاّ ماتت هذه الثورة في المهد، كما تموت الخليّة الحيّة إذا تركت ذلك.
ولهذا وصفه القرآن بأنّه وسيلة للحياة والبقاء والاستمرار إذ قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).1
وبعبارة واضحة: إنّ الإسلام نظام إجتماعي ثوري، لم ير العالم نظيراً له قطّ، وبما أنّه رسالة إلهية تضمن سعادة البشر، فإنّه يرى لنفسه حق التوسعة والتعميم.

1 . الأنفال:24.

296
وما الدينُ إلاّ للبريّة كلِّها *** فَدَعْ عنك من قد حدّدوه وخصّصوا
وما الحقّ إلاّ ثورة أبديّةً *** على الظلم لا تحنو ولا هي تنكصُ1
ولأجل ذلك يسعى إلى إزالة الموانع والحواجز بأسهل الطرق وأعدلها، فيبتدئ بالتبليغ والتعليم والبحث والمجادلة والتوجيه والإرشاد، فإذا رأى أنّ الموانع لا ترتفع إلاّ بقوّة قاهرة سعى إلى رفعها بتلك القوّة، وإليه يشير قوله سبحانه:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).2
وليس هذا يختصّ بالدين الإسلامي بل كان هذا هو طريق الأنبياء ومنهاجهم في الدعوة إلى طريق الحق. وفي ذلك يقول سبحانه:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).3
سورة الحجّ: الآيات 42 ـ 51    
والكتاب والميزان إشارة إلى أنّهم كانوا يتوسّلون في بدء الأمر بأسهل الطرق، وهي تنوير الأفكار وإقناعها بمنطق العقل.
وأمّا إذا رأوا أنّ ذلك المنطق لا يجدي في رفع الموانع توسّلوا بمنطق القوّة، فالحديد في الآية كناية عن ذلك المنطق، وحياة الأنبياء وتاريخهم خير شاهد على ذلك.

1 . من قصيدة للسيد محمود الموسوي بعنوان (الحكمة الشمّاء). القيم الإنسانية:1/84ـ 85.
2 . البقرة:190.
3 . الحديد:25.

297

بيان آخر لضرورة الجهاد

وهاهنا نقطة أُخرى نلفت نظر القارئ الكريم إليها، وهي: إنّ الإسلام يريد أن يعمّم العدالة الإجتماعية في جميع مناحي الحياة.
ومن الطبيعي أنّ العمل على تحقيق ذلك يصطدم بأهواء ومآرب الطغاة والمستبدّين، وبرغبات وأطماع المستغِلّين، الذين يريدون الاحتفاظ بمقاماتهم الزائفة، وامتيازاتهم الذاتية، ولأجل ذلك كان المترفون يصدّون عن وجه الحقّ ويقاومون كلّ دعوة إلهية إصلاحية، كما قال القرآن:(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).1
ومن هنا يجب على صاحب الرسالة التوسّل بمنطق القوّة (حين لا تجدي قوّة المنطق) في رفع الحواجز والموانع، والتخلّص ممّن يضع العقبات في طريق الحق والعدالة.
هذا وأشباهه يمثّل فلسفة الجهاد الإسلامي، وتشريعه لنوعين من الجهاد(الدفاعي والتحريري)، وخصائصهما، وأحكامهما، على نحو الإيجاز والإجمال.

الآيات: الثانية والأربعون إلى الحادية والخمسين

(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى

1 . سبأ:34.

298
فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُعَطَّلَة وَقَصْر مَشِيد * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).

المفردات

فأمليتُ: فأمهلتُ.
نكيرِ: أصله نكيري حذفت الياء تخفيفاً، والمراد إنكاري، وهو كناية عن شدّة العقاب.
فكأيّن: كلمة تدلّ على كثرة العدد. أصلها (أيّ) دخلت عليها الكاف فصارت «كأيّ»، نظير «ذا» إذا دخلت عليها الكاف تصير «كذا»، ولكن كُتبت بالنون في المصاحف تبعاً لرسم الخطّ. وبما أنّ القوم يتصوّرون أنّ رسم

299
المصحف توقيفي، بقي اللفظ على تلك الحالة، وكثير من الناس يتصوّرون أن النون جزء الكلمة.
خاوية: خالية أو ساقطة.
عروشها: سقوفها.
معطّلة: لا ينتفع بها مع إمكان صلاحها للانتفاع.
مشيد: من الشِّيد، أي بُنىَ بالشِّيد وهو الجصّ وما شابهه. وربما يقال: شيّد قواعده أي أحكمها كأنّه بناها بالشِّيد.
قال السيوطي: وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: «وقصر مشيد» قال: شيّد بالجصّ والآجُرّ، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عديّ بن زيد وهو يقول:
شاده مرمراً وجلّله كلـ *** ـساً فللطير في ذراه، وكورُ1
نذير: من الإنذار، بمعنى التخويف.
سعَوا: من السعي، وهو الإسراع في المشي، وهنا كناية عن بذل الجهد في إبطال آيات الله وإطفاء نورها.
مُعاجزين: حال من ضمير سعوا، بمعنى يسابقون ليظهروا عجز الآخرين.

1 . تفسير الدر المنثور:6/61.

300

التفسير

لمّا تقدّم في الآيات السابقة وعده سبحانه بنصر المؤمنين، الذين نصروا الله تعالى بنصر دينه وشريعته، جاءت هذه الآيات لتتحدّث عن أحد مظاهر النصر الذي تكفّل به تعالى لرسله الذين لاقَوا التكذيب من أقوامهم، وهو أخذ أُولئك المكذّبين بأشدّ العذاب واستئصالهم بأنواع الهلاك بعد أن أمهلهم وأخّر عقوبتهم مدّة، وفي هذا تهديد لمكذّبي عصر الرسالة، وتسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).. فإنّ تكذيب الرسل سنّة شيطانية لم تزل موجودة ولا تزال، وأنّ على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصبر على أذاهم، قال تعالى:
42 ـ 44. (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ):

تكذيب رجال الإصلاح سنّة شيطانية

إنّ التكذيب ـ كما قلنا ـ سنّة شيطانية يتلبّس بها المعاندون للرسالات الإلهية، والشاهد على ذلك قوله سبحانه:(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ) فجزاء الشرط محذوف، أي فليس أمراً بديعاً (فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ) أقوام سبعة وهم (قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ* وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى)، فالله سبحانه أمهلهم مدّة ولكن أخذهم بعذاب شديد، كما قال: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ): أي أمهلتهم (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) بعذاب الاستئصال (فَـ) انظر (كَيْفَ كَانَ نَكِيرِ): أي إنكاري عليهم بالعذاب؟

301
يُذكر أنّ قوم نوح أُخذوا بالطوفان والغرق، وقوم هود (عاد) أُخذوا بالريح العقيم، وقوم صالح (ثمود) أخذتهم الصاعقة، وقوم لوط أخذوا بالخسف، وأصحاب مدين (قوم شعيب) أخذوا بالرجفة والصيحة، وأمّا مَن كذَّب موسى فبالغرق بالبحر وهم قوم فرعون; ولذا لم يقل قوم موسى.
هذا، ولم يذكر القرآن الكريم نوع العذاب الّذي أُخِذ به قوم إبراهيم، ولكن أشار إلى سوء مصيرهم بقوله:(وَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ).1
45. (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُعَطَّلَة وَقَصْر مَشِيد):
لمّا ذكر سبحانه تعذيب الأقوام التي كذّبت الرسل وفرّع عليه بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)، بيّن كيفية إنكاره على المكذِّبين فقال: (فَكَأَيِّنْ): أي كم (مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا): أي أهلكنا أهلها (وَهِيَ ظَالِمَةٌ) مشركة كافرة(فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا): أي ساقطة جدرانها على سقوفها فهي خربة(وَبِئْر): أي وكم من بئر (مُعَطَّلَة) متروكة لهلاك أهلها فلا يستقي منها أحد مع إمكان صلاحها للانتفاع (وَقَصْر مَشِيد): أي وكم من قصر فخم مبنيّ بالأحجار والجصّ أصبح خالياً من ساكنيه (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)2.
أين الأُلى شادوا الحصونَ وجنّدوا *** فيها الجنودَ تَعزُّزاً، أين الأُلى؟

1 . الأنبياء:70.
2 . القمر:15.

302
أين الحُماةُ الصابرون حميَّةً *** يومَ الهِياجِ لِحَرِّ مختلف القَنا
وذوو المنابرِ والعساكرِ والدَّسا *** كرِ والحضائرِ والمدائنِ والقرى1
وذوو المواكبِ والكتائبِ والنجا *** ئبِ والمراتبِ والمناصبِ في العُلى؟
أفناهُمُ ملكُ الملوكِ فأصبحوا *** ما منهُمُ أحدٌ يَحِسُّ ولا يَرى2
قال القرطبي: يقال: إنّ هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان، فالقصر مشرف على قُلّة جبل لا يُرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تُقرّ الريح شيئاً سقط فيه إلاّ أخرجته.3 وهذا بعيد، إذ لا دليل على التعيين.
46.(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ):
لمّا أخبر سبحانه في الآية المتقدّمة عن مصارع الأُمم المكذّبة لأنبيائهم وقراهم الخربة وغير ذلك من الآثار الباقية منهم، حثّ في هذه

1 . الدَّساكر: جمع دَسْكرة(فارسية)، وهي القرية العظيمة أو القصر أو بيت الملاهي. الحضائر: جمع حاضرة: المدينة.
2 . ديوان أبي العتاهية:33.
3 . تفسير القرطبي:12/75.

303
الآية على السير في الأرض، أي في الأماكن التي عمّها العذاب بسبب التكذيب حتّى تكون عبرة للمكذّبين في عصر الرسول، فقال:(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) الاستفهام تعجّبي والغاية منه الحثّ على السفر إلى القرى البائدة لا مطلق الأرض كما هو معلوم، لأنّ العبرة هي في السير إلى الأراضي الخاصّة، فبما أنّ شأن المسافر نقل ما شاهده من الآثار أو ما سمع به من الأخبار، فالغاية من الحثّ على سفر هؤلاء إلى تلك الأماكن أن يخبروا قومهم القاعدين بما حلّ بالمكذّبين من الإهلاك والإبادة، وإلى هذا يشير بقوله: (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) وأُريد بالقلوب هنا، العقول والنفوس المدركة.
قال الراغب: ويعبَّر بالقلب عن المعاني الّتي تختصّ بالإنسان من الروح والعلم والشجاعة وغير ذلك... ثم قال: قوله: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)1: أي الأرواح.2

وجه التعبير بالقلب عن مركز الإدراك

ثمّ إنّ أدوات المعرفة تنقسم إلى أداة داخلية; وهي التي أشار إليها بالقلوب، أو خارجية، وهي التي يذكرها بقوله: (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا). نعم إنّ أدوات المعرفة وإن لم تنحصر بالقلب والإذن لكن اكتفى من الكلّ بفرد واحد من الداخلية وهو القلب، ومن الخارجية بالأُذن، وبما أنّ للبصر دوراً كبيراً في المعرفة أشار إليه في ذيل الآية بقوله: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ

1 . الأحزاب:11.
2 . المفردات للراغب: 411، مادة «قلب».

304
تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ)والضمير في (فإنّها)للشأن. ثمّ يقول: بأنّ الأبصار بما هي أبصار لا تعمى، وإنّما تعمى إذا عميت القلوب، فإنّ الاختلال في العقل يورث الاختلال في الأبصار، ولذلك يقول: (لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ) بما هي هي، فلو عميت فمن جانب آخر (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ)فالاختلال في الداخل يسبّب الاختلال في الخارج.
ولعل الذيل إشارة إلى أنّ قسماً من قريش وغيرهم يمرّون على تلك الأراضي ويشاهدونها ويسمعون أخبارها ولكن لا يعتبرون بها، وهذا ليس بسبب عمى الأبصار، والصَّمم، وإنّما بسبب عمى القلوب، فلأجل ذلك لا ينتفع بما رأى أو بما سمع.
ثمّ إنّ قوله: (فِي الصُّدُورِ) قيد توضيحي لزيادة التقرير، نظير قوله: (وَلاَ طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)1، أو قوله: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ)2 ومن المعلوم أنّ الطائر لا يطير بغير جناحيه والإنسان لا يتكلّم إلاّ بفيه، ومع ذلك فقد مرّ أنّ القلوب كناية عن مركز الإدراك، وأمّا وجه التكنية عنها بها فلأجل أنّ القلب الصنوبري يتأثّر بالأخبار السارّة والمحزنة قبل كلّ شيء، ثم ينتقل أثر الحزن والسرور إلى سائر الأعضاء، وهذا صار سبباً للتكنية بالقلوب عن العقول.

كلام لطيف للرضيّ حول الآية

وحول هذه الفقرة من الآية (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ...) قال الشريف

1 . الأنعام:38.
2 . آل عمران:167.

305
الرضي(رحمه الله): وهذه استعارة لأنّ المراد بها ذهول القلب عن التفكّر في الأدلّة التي تؤدّي إلى العلم وذلك في مقابلة قوله تعالى:(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى)1، فإذا وصف القلب عند تبيّن الأشياء بالرؤية والإبصار جاز أن يوصف عند الغفلة والذهول بالعمى والضلال. وإنّما جعلت القلوب هاهنا بمنزلة العيون لأنّ بالقلوب يوصل إلى المعلومات كما أنّ بالعيون يوصل إلى المرئيات، ولأنّ الرؤية تردُ في كلامهم بمعنى العلم. ألا تراهم يقولون: هذا الشيء منّي بمرأى ومسمع؟ أي بحيث أعرفه وأعلمه، ولا يريدون بذلك نظر العين ولا سمع الأُذن.
وفي قوله تعالى: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ)معنى عجيب وسرّ لطيف وذلك أنّه تعالى لم يرد نفي العمى عن الأبصار جملة، وكيف يكون ذلك وما يعرض من عمى كثير منها أشهر من أن يومأ إليه ويدلّ عليه، وإنّما المراد ـ والله أعلم ـ أنّ الأبصار إذا كانت معها آلة الرؤية من سلامة الأحداق واتصال الشعاعات لم يجُز ألاّ ترى ما لا مانع لها من رؤيته، والقلوب بخلاف هذه الصفة لأنّه قد تكون فيها آلة التفكير والنظر من سلامة البنية وصحّة الرؤية وزوال الموانع العارضة، ثم هي مع ذلك لاهية عن النظر ومتشاغلة عن التفكير، فلذلك أفردها الله تعالى بصفة العمى عن الأبصار على الوجه الذي بيّناه. فأمّا الفائدة في قوله تعالى: (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ)والقلب لا يكون إلاّ في الصدر، فإنّ هذا الاسم الذي هو القلب لمّا كان فيه اشتراك بين مسمّيات كقلب الإنسان وقلب النخلة والقلب الذي هو الصميم والصريح، من قولهم هو عربيٌّ قلباً، والقلب الذي هو مصدر

1 . النجم:11.

306
قلبت الشيء أقلبه قلباً، حسُن أن يُزال اللَّبس بقوله تعالى: (الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ)، احترازاً من تجويز الاشتراك.1
47.(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ):
اختلفت كلمة المفسّرين في مفاد قوله:(وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ) بعد وضوح ظاهره، إلى أقوال:

الأقوال المختلفة في التشبيه الوارد في الآية

الأوّل: أنّ يوماً من أيام الآخرة يكون كألف سنة من أيام الدنيا.
الثاني: أنّه أراد يوماً من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.2 وعلى ما ذُكر فالله تبارك وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة آلاف يوم، ولو صحّ فتكون الآية منقطعة الصلة عمّا قبلها، إذ كيف انتقل من الأمر بالسير في الأرض إلى تحديد اليوم.
الثالث: أنّ يوماً عند ربك كألف سنة في قدرته واحد، فلا فرق في قدرته بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وبين تأخّره عنهم إلاّ أنّه سبحانه تفضّل بالإمهال. وهذا هو الذي اختاره السيد الطباطبائي حيث قال: الآية ردّ لاستعجالهم بالعذاب بأنّ الله يستوي عنده قليل الزمان وكثيره، كما أنّ قوله: (وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ) تسلية وتأييد للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ورد على تكذيبهم

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:131ـ 132.
2 . التبيان في تفسير القرآن:7/326.

307
له فيما أخبرهم به من وعد الله وتعجيزهم له واستهزائهم به.1
أقول: لو كان هذا هو المراد يجب أن يعكس ويقول: وإن ألف سنة عند ربك كيوم واحد، حيث إنّ المراد هو تفهيم المخاطب بأنّ الأشدّ في نظركم (أَلْفَ سَنَة) مساو عند الله بالأخفّ عندكم.
ثمّ إنّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)ربط بين الآية الّتي نحن في صدد تفسيرها، وبين السُّنن التاريخية، وقال:
إنّ الآية أرادت أن تلفت الأنظار إلى أنّ نزول هذا العقاب ليس فورياً بالضرورة، لأنّ الفورية الّتي نفهمها في حياتنا الاعتيادية تختلف عنها بمعناها بلحاظ امتداد التاريخ الإنساني. فالآية تتحدّث عن استعجال الناس في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقولون له: أين هذا العذاب؟ لماذا لا ينزل بنا نحن الآن حيث كفرنا وتحدّيناك، وصممنا آذاننا عن قرآنك؟ القرآن هنا يتحدّث عن السرعة التاريخية الّتي تختلف عن السرعة الاعتيادية، فاليوم الواحد في سُنن التاريخ عند ربك باعتبارها كلمات الله، ألف سنة. فالآية تتحدّث عن يوم توقيت نزول العذاب الجماعي وفقاً لسُنن التاريخ.2
وربّما يفسَّر بوجه آخر، وهو أنّ يوماً واحداً كألف سنة في مقدار العذاب لشدّته وعظمته كمقدار عذاب ألف سنة من أيام الدنيا على الحقيقة.
ولعلّ الوجه الأخير أوفق بالآية، لما سبق من أنّ المشركين كانوا

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/389.
2 . انظر: السنن التاريخية في القرآن: 91 ـ 92 (طبع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، ج 13 ).

308
يستعجلون بالعذاب والله سبحانه يندِّد بهم بأنّ عذاب يوم واحد يعادل عذاب ألف سنة في الدنيا، فلماذا تستعجلون به؟
48. (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ):
لمّا فُهم من قوله سبحانه: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أنّه سبحانه لا يستعجل به بل يمهلهم، عاد في هذه الآية ليؤكّد بأنّ الإمهال ليس إمهالاً مستمرّاً، بل هو مؤقت وأنّهم سوف يؤخذون بشهادة أنّه سبحانه أملى لكثير من القرى كما قال:(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْتُ لَهَا): أي أمهلتهم (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)مشركة كافرة مستحقّة لتعجيل العقاب، ولكنّ الإملاء لم يستمر بل أُخذوا كما يقول:(ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وليكن ذلك عبرة لمشركي مكّة وكفّار قريش أنّ الإمهال المؤقت سينتهي إلى عذاب شديد حيث هلكوا.
49. (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
أمر سبحانه نبيّه بقوله: (قُلْ) لهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ)وكأنّ الآية تشعر بأنّ الأنبياء لا تُثني عزائمهم جهالةُ الجهلاء وردّ دعواتهم، ولذلك عاد إلى التبليغ من جديد فقال: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، اقتصر على الإنذار ولم يذكر التبشير مع أنّ النبي منذر ومبشِّر، وما ذلك إلاّ لأنّ الموقف لا يناسب التبشير. نعم عند ما يوجّه كلامه للمؤمنين يبشّرهم ويقول:
سورة الحجّ: الآيات 52 ـ 57    
50. (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ):

309
بما أنّ المؤمنين العاملين للصالحات ربّما كانوا مشركين فيعدهم بالمغفرة ويقول:(فَالَّذِينَ) والفاء إخبار عن الترتيب (آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) عن شركهم السابق، ثم يذكر أنّ لهم عطاءً آخر (وَ)هو (رِزْقٌ كَرِيمٌ) في الدنيا والآخرة. وفي نهاية المطاف يذمّ الفريق الأوّل بقوله:
51. (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ):
يذكر سبحانه مصير الذين يبذلون جهدهم في إبطال آيات الله
بقوله: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا): أي مَشَوا مسرعين في ذلك الطريق (مُعَاجِزِينَ): أي قاصدين تعجيز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فليعلم (أُولَئِكَ) أنّهم (أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).
فآيات الله تبارك وتعالى أنوار إلهية نزل بها أمين الوحي منذ بدأت رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحدّى سبحانه المخاطَبين المكذِّبين بها أن يأتوا ولو بسورة واحدة من مثل الكتاب فلم يُجب منهم ولا من غيرهم أحدٌ، فكيف بهؤلاء يسعون في إبطال آيات الله؟!

الآيات: الثانية والخمسون إلى السابعة والخمسين

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ

310
آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَة مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْم عَقِيم * الْمُلْكُ يَوْمَئِذ للهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).

المفردات

رسول ولا نبيّ: اختلفت كلمة المفسّرين في الفرق بينهما، وسيوافيك في نهاية تفسير هذه المجموعة، بيان الفرق بين النبي والرسول، فانتظر.
تمنّى، أُمنيَّته: المَنْيُ: التقدير، ومنه المَنيّة وهو الأجل المقدّر للحيوان وجمعه مَنايا، و (التمنّي) تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، ومنه (الأُمنيّة) وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمنّي الشيء.
وربّما يفسر التمنّي بالقراءة، ويستشهدون لذلك ببيت منسوب إلى حسّان في عثمان حين قُتل:
تمنّى كتاب الله أوّل ليله *** وآخرها لاقى حِمام المقادر

311
قال ابن عاشور: وعندي في صحّة إطلاق لفظ الأُمنيّة على القراءة شكٌّ عظيم.1
فَينسَخُ: ينسخ: يُزيل ويُبطل.
يُحكِم الله: يجعلها مُحكَمة مُثبتة لا تقبل الردّ.
فتنة: ابتلاء واختباراً.
مرض: شكٌّ وترديد.
القاسية قلوبهم: هم الكفّار المصمِّمون على البقاء على الكفر.
لَفي شقاق بعيد: لفي عداوة وخلاف بعيد عن الحق.
فَتُخبت: فتخشع.
مِرْية: شكّ في القرآن.
بغتة: فجأة.
عقيم: منفرد عن سائر الأيام لا مثيل له في شدّته.

التفسير

هذه المجموعة ـ خصوصاً الآيات الأُولى منها ـ وقعت ذريعة للقساوسة الذين يثيرون الشبهات حول رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه، مستندين في ذلك إلى أقوال المفسّرين، الذين ارتكزوا بدورهم، في تفسير الآية، على روايات اختلقها مستسلمة أهل الكتاب وصدّقها المحدِّثون السذّج

1 . التحرير والتنوير:17/216.

312
الذين يقيمون لكلّ رواية وزناً، ولكلّ أثر قيمة دون أن يزنوها ويقيّموها بموازين النقد الصحيح، وها نحن نفسر الآيتين بالتفسير الصحيح، ثمّ نرجع إلى الروايات التي حيكت حول تفسير الآيتين، وربّما يأتي شيء من التفصيل في تفسيرنا لسورة النجم عند البحث في الآيات الكريمة: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى)1.
52. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبيّ إِلاَّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
تتضمّن هذه الآية أُموراً أربعة:
1. أنّ الأنبياء والرُّسل يتمنّون كما يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنّى) .
2. أنّ الشيطان يتدخّل في أُمنياتهم كما يقول: (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ).
3. أنّ الله يمحو آثار ذلك التدخّل كما يقول: (فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ).
4. أنّ الله يُحكم آياته، كما يقول: (ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ).
وإليك توضيح تلكم الأُمور الأربعة.

1 . النجم:19 و20.

313

1. ما هو المقصود من تمنّي الأنبياء والرُسل؟

لقد كان الأنبياء والرسل يحبّون هداية أُممهم، ونشر دينهم وتعاليمهم فيها، وكانوا يدبّرون أُموراً ويرسمون خططاً لتحقيق أهدافهم هذه، واحتملوا في هذا السبيل كلّ المتاعب والمصاعب، وثبتوا أمام جميع المشكلات والمحن التي واجهتهم.
ولم يكن رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) مستثنى من هذه القاعدة، فقد كان(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطط كثيراً لتحقيق أهدافه، ويهيّئ مقدّمات، وقد بيّن القرآن هذه الحقيقة بقوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنّى).
فاتّضح إلى هنا المراد من لفظ تمنّى، ولنشرح النقطة الثانية.

2. ما هو المقصود من تدخّل الشيطان؟

إنّ تدخُّل الشيطان يمكن أن يتمّ على نحوين:
1. أن يوجِد الشكَّ والترديد في عزم الأنبياء، ويوحي إليهم بأنّ هناك عوائق كثيرة تحول بينهم وبين أهدافهم، فلن يحرزوا نجاحاً في تحقيق تلك الأهداف.
2. بأنّ الأنبياء كلّما مهّدوا لأمر وهيّأوا له مقدّماته، وظهرت منهم أمارات تدلّ على أنّهم مُقدِمون على تنفيذه فعلاً، أقام الشيطان ـ ومن تبعه من شياطين الإنس ـ العراقيل والموانع في طريقهم، ليمنعوهم من الوصول إلى غاياتهم.
أمّا الاحتمال الأوّل فلا ينسجم لا مع الآيات القرآنية الأُخرى ولا مع الآية اللاحقة.

314
أمّا من جهة الآيات الأُخرى فلأنّ القرآن ينفي بصراحة لا صراحة فوقها أنّه لا سلطان للشياطين على أولياء الله وعباده الصالحين (ولو بأن يصوّروا لهم بأنّهم لن يقدروا على تحقيق آمالهم، وأهدافهم) إذ يقول: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)1، ويقول أيضاً: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).2
إنّ هذه الآيات، والآيات الأُخرى التي تنفي سلطان الشيطان على أولياء الله وعباده الصالحين، وتأثيره في قلوبهم ونفوسهم، لَخيرُ شاهد وأفضل دليل على أنّ المقصود من تدخّل الشيطان في أُمنيات الأنبياء، ليس بمعنى إضعاف عزيمتهم وإرادتهم، وتضخيم الموانع والعراقيل في نظرهم.
أمّا من جهة الآيات محلّ البحث، فإنّ الآية الثانية والثالثة تفسِّر وتشرح علّة التدخّل على النحو الآتي:
إنّنا نختبر بهذا العمل فريقين من الناس: الفريق الأوّل: الّذين في قلوبهم مرض، والفريق الثاني: الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر.
فتدخُّل الشيطان في أعمال الأنبياء عن طريق تحريك الناس ضِدّهم وضدّ أهدافهم، يوجب مخالفة الفريق الأوّل ومعارضتهم للأنبياء، في حين يكون الأمر على العكس من ذلك في الفريق الثاني فإنّه يزيد من ثباتهم وصمودهم.

1 . الحجر: 42، الاسراء:65.
2 . النحل:99.

315
وعلى هذا فتدخّل الشيطان في أُمنيات الأنبياء مثل هذين الأثرين المختلفين (أي يحمل فريقاً على التمرّد والمخالفة، وفريقاً آخر على الصمود والثبات على الحقّ)، يرشدنا إلى أنّ المراد بالتدخّل هنا هو المعنى الثاني، يعني أنّ التدخّل يحصل عن طريق إلقائه الوساوس في قلوب أوليائه ليقفوا ضدّ الأنبياء وضدّ دعواتهم، ويضعوا الموانع والعراقيل في طريقهم، لا أنّه يتصرّف في نفوس الأنبياء وقلوبهم ويضعف إرادتهم وعزمهم.
إلى هنا اتّضح معنى تدخّل الشيطان في أُمنيات الأنبياء والرسل.
والآن حان الوقت لتوضيح المطلب الآخر يعني محو آثار هذا التدخل.

3. ما هو المقصود من محو آثار التدخل؟

إذا كان معنى تدخّل الشيطان هو تحريك الناس وتأليبهم ضد الأنبياء ليمنعوا الأنبياء والرسل من التقدّم على طريق تحقيق أهدافهم، فإنّ محو آثار التدخّل الشيطاني من قبَل الله ـ حينئذ ـ يكون بمعنى أنّ الله يدفع عن أنبيائه ورسله كيد الشيطان ليتّضح الحقُّ للمؤمنين، ويكون اختباراً لمرضى القلوب كما يقول تعالى في آية أُخرى:(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).1
وخلاصة القول: إنّ القرآن يخبر ـ في هذه الآيات ـ عن سنّة لله قديمة في مجال الأنبياء وهي:

1 . غافر:51.

316
إنّ تمنّي التقدّم في تحقيق الأهداف الربّانية وتمنّي التوفيق في هداية الناس هو ما يهجس في صدور الأنبياء دائماً.
ثم يأتي الدور لتدخّل الشيطان وأتباعه من شياطين الإنس والجنّ، وذلك بإيجاد الموانع والعقبات في طريق الأنبياء والرسل.
ثمّ يأتي من بعد ذلك حلول المدد الإلهي الغيبيّ بمحو وفسخ كلّ التدابير الشيطانية المضادّة لأهداف الأنبياء المعرقِلة لتحقيق أمانيّهم.
وهذه هي إحدى السنن الإلهية الثابتة التي جرت في جميع الأُمم السالفة.
إنّ تاريخ الأنبياء والرسل وقصصهم من نوح وإبراهيم وأنبياء بني إسرائيل وبخاصّة موسى وعيسى(عليهما السلام)، وتاريخ حياة الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)خير شاهد على هذا المطلب.
وحاصل الكلام: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطط لتبليغ الإسلام بين الناس وربّما يكون تخطيطه مؤثّراً جدّاً لولا أنّ الشيطان يلقي في أُمنيّته بمعنى يهيّج الظالمين ويغري المفسدين للوقوف في وجه النبيّ وإبطال سعيه، لكنّ الله سبحانه ينصر نبيّه فينسخ ويزيل ما ألقاه الشيطان في نفوس أوليائه الظالمين والمفسدين (ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ) بانتصار الرسول أو النبيّ على أعدائه وإظهار الحق (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، والمراد من تحكيم الله آياته نشرها بين الناس وإقبالهم عليها.
هذا إذا قلنا بأنّ التمنّي بمعنى التخطيط لتبليغ الشريعة عن حبّ ورغبة، وأمّا لو قلنا بأنّ التمنّي بمعنى التلاوة ـ وإن كان بعيداً جدّاً، ظاهر

317
التكلُّف ـ فيمكن أن يقال: إنّ المراد: وما أرسلنا من قبلك من رسول أو نبيّ إلاّ إذا تلا وقرأ آيات الله ألقى الشيطان شبهاً مضلّة على الناس بالوسوسة ليجادلوه بها ويفسدوا على المؤمنين إيمانهم، فيبطل الله ما يلقي الشيطان من الشُّبه ويوفّق النبي لردّها، أو ينزل ما يردّها ويدحضها.
وكلّ من المعنيين لا يمسّ كرامة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يزاحم عصمته.
53 و 54. (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
لنذكر أوّلاً شيئاً ممّا يوضح معنى الآيتين قبل تفسيرهما.
1. قوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) متعلِّق بما قبله أي: (يَنْسَخُ اللهُ)، وكذا قوله تعالى: (لِيَعْلَمَ)متعلِّق به.
فالله سبحانه يعلِّل نسخ ما يلقي الشيطان بأمرين:
أحدهما يرجع إلى طائفتين وهما: مَن في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم. والثاني يرجع إلى المؤمنين الذين وقفوا على صدق النبيّ ببرهان ودليل.
2. الظاهر أنّ المراد من الطائفة الأُولى أي:(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أهل الشكّ من الكفّار، والمراد من الطائفة الثانية ـ أعني:(وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) ـ أهل الجحود والعناد.

318
وإن شئت قلت: المراد من الطائفة الأُولى المتردّدون في قبول الإيمان، والمراد من الطائفة الثانية، المصمّمون على الكفر.
3. إنّ اللام في قوله تعالى:(لِيَجعَلَ) وقوله تعالى: (لِيَعْلَمَ) لام العاقبة لا لام الغاية، نظير قوله سبحانه: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا).1
إذا عرفت هذه الأُمور فلنرجع إلى تفسير الآيتين، وإليك بيانهما.
قوله تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً): أي يجعل الله سبحانه ما يقوم به الشيطان من المؤامرت العملية أو من طرح الشبهات ثم نسخها وإبطالها من الله سبحانه، يكون وسيلة لاختبار طائفتين، كما يقول: (فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): أي المتردِّدون، (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)وهم الكفّار المعاندون، فهؤلاء هم الذين يغترّون بمؤامرات الشيطان وإلقاء شُبهه، حتى بعد نسخه وإبطاله (وَ) لا بُعد في ذلك والسبب:(إِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد) من غير فرق بين المتردّد والمصمِّم، والشقاء بمعنى العداوة والخلاف، ووصفه بالبعيد لبلوغه الغاية في البُعد عن الحقّ، كما في قوله: (فَذُو دُعَاء عَرِيض)2: أي ذو دعاء كثير الإلحاح. فكلّ ما يقوم به الشيطان من اختبار، فهاتان الطائفتان لا تجنيان منه إلاّ البُعد عن الحقيقة.
وأمّا الطائفة الثالثة فهو يزيد إيمانهم كما يقول: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أوتُوا العِلْمَ): أي ينسخ الله ما قال به الشيطان فيترتّب عليه أنّ نور الإيمان يُشرق في قلوبهم فيعلمون (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) إيماناً ثابتاً، بل تسكن له

1 . القصص: 8 .
2 . فصلت:51.

319
قلوبهم كما يقول:(فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) وتخشع. ثمّ إنّ الله سبحانه يبشّر المخبتين أي الخاشعين بقوله: (وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)أُريد من الذين آمنوا هم الذين أُوتوا العلم، فيزداد إيمانهم غبّ هداية الله سبحانه لهم إلى صراط مستقيم.
هذا ما يرجع إلى الطائفة الثالثة، وأمّا الطائفتان الأُولى والثانية فحالهم ما تحكيه الآية التالية:
55. (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَة مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْم عَقِيم):
الآية السابقة حكت عن إخبات المؤمنين لله وخشوعهم له، وأمّا هذه الآية فتحكي عن حرمان الكافرين من الإيمان، كما يقول: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَة مِنْهُ)والضمير في قوله:(مِنْهُ) يرجع إلى القرآن فهم باقون على ما هم عليه من شكّ وريب (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً)إذا ماتوا في غير معركة أو حرب (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْم عَقِيم): أي في يوم الحرب، كما أتاهم يوم بدر.
ووصف العذاب بالعقيم مع أنّه عبارة عن المرأة التي لا تلد، كأنّه كناية عن الاستئصال الذي يقارب العقم، فعلى هذا فهؤلاء لا يُفيقون من سَكرة جهلهم وغفلتهم إلاّ عند اللقاء يوم القيامة أو عندما يواجهون المسلمين في ميادين الحرب.
والظاهر من السيد الطباطبائي أنّه يُرجع كلتا الفقرتين إلى يوم القيامة، يقول: والمعنى: ويستمرّ الذين كفروا في شكّ من القرآن حتى يأتيهم يوم

320
القيامة أو يأتيهم عذاب يوم القيامة وهو يوم يأتي بغتة لا يمهلهم حتى يحتالوا له بشيء، ولا يخلف بعده يوماً حتى ينقضي فيه ما فات قبله.1
قال الشريف الرضي(رحمه الله)، وهو يذكر ما في قوله تعالى: (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْم عَقِيم) من الاستعارة: وهذا من أحسن الاستعارات لأنّ العقيم المرأة التي لا تلد، فكأنّه سبحانه وصف ذلك اليوم بأنّه لا ليل بعده ولا نهار، لأنّ الزمان قد مضى والتكليف قد انقضى، فجُعلت الأيام بمنزلة الوالدات لليالي، وجُعل ذلك اليوم من بينها عقيماً لا ينتج ليلاً بعد ولا يستخلف بدلاً له.
وقد يجوز أيضاً أن يكون المراد ـ والله أعلم ـ أنّ ذلك اليوم لا خير بعده لمستحقّي العقاب الذين قال سبحانه في ذكرهم: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَة مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ)فوصفه بالعقم لأنّه لا ينتج لهم خيراً ولا ينتج لهم فرَجاً.2 وما ذكره الشريف يوافق خيرة السيد الطباطبائي، فلاحظ.
56 و 57.(الْمُلْكُ يَوْمَئِذ للهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ):
لمّا تقدّم ذكر طائفتين، كانتا قد وقفتا موقفين متضادَّين من القرآن: أُولاهما: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)وهؤلاء يدركون (أَنَّهُ الْحَقُّ)، والأُخرى: الكفّار

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/394.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:132ـ 133.

321
الذين لا يزالون في مرية منه وشك، جاء البيان القرآني ليعرض مصير هاتين الطائفتين في يوم القيامة، فيقول: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذ للهِ)وحده، فلا حكم إلاّ له، ولا سلطان إلاّ له، (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ): أي يفصل بين الطائفتين بالعدل:
أمّا الطائفة الأُولى فينعَّمون في جنات الخلد، كما يقول:(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ). وأمّا الطائفة الثانية فمصيرهم هو ما يكشف عنه قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ): أي مُذِلّ، فكم من فرق بين الحياتين، حياة في جنات النعيم، وحياة في عذاب مهين؟

خرافة حفلت بها كتب التفسير والتاريخ

إلى هنا تمّ ما يرجع إلى توضيح الآيات إيضاحاً موجزاً سالماً عن كلّ ما يخدش عصمة الأنبياء وكرامتهم. وبما ذكرنا يُعلم أنّه لا صلة لهذه المجموعة من الآيات بما حيك حولها من آيات شيطانية مذكورة في الروايات الموضوعة.ولا بأس بدراسة إجمالية حول أمرين:
الأوّل: ما حيك حول هذه الآيات من خرافة حفلت بها كتب التفسير والتاريخ، وقد رويت بصور مختلفة، نذكر واحدة منها:
قال السيوطي: وأخرج البزّار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله من الثقات من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى)1 تلك الغرانيق العلى. وانّ شفاعتهن لترتجى، ففرح المشركون

1 . النجم:19 و20.

322
بذلك، وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فجاءه جبرئيل فقال: اقرأ عليَّ ما جئتك به، فقرأ:(أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى)تلك الغرانيق العلى. وانّ شفاعتهن لترتجى، فقال: ما أتيتك بهذا! هذا من الشيطان. فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي إِلاَّ إِذَا تَمَنى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).1
وفي رواية بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بمكة النجم، فلمّا بلغ هذا الموضع (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى. قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، ثم جاءه جبريل بعد ذلك قال: اعرض عليّ ما جئتك به، فلمّا بلغ: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى، قال له جبريل: لم آتك بهذا، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي).2
إنّ هذه الرواية، أيّاً كانت أسانيدها3، لا نقيم لها وزناً ولا قيمة لأنّها مخالفة لما أجمعت عليه الأُمّة من عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام التبليغ.
وأدلّ دليل على أنّ الآيتين في سورة الحجّ لا صلة لهما بما حيك حول سورة النجم، هو أنّ سورة النجم مكّية، وهذه الآيات من سورة الحجّ

1 . تفسير الدر المنثور:6/65.
2 . الدر المنثور: 6 / 65 ـ 66.
3 . للقاضي عياض اليَحصُبي المالكي(المتوفّى 544هـ) بحث ضاف أثبت فيه وهن رواية الغرانيق من جهة النقل، ووهنها من جهة المعنى بأربعة وجوه، ثم سجّل مآخذه عليها مع افتراض التسليم بصحّتها. انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/288، الفصل السادس.

323
مدنية، فكيف يمكن أن تكون الآيتان ناظرتين إلى الحادثة التي وقعت قبل نزولهما بسنين؟! هذا وبما أنّا سوف نقوم بنقد هذه الخرافة في تفسير سورة النجم نقتصر هنا على ما ذكرناه.

الأمر الثاني: الفرق بين الرسول والنبيّ

يظهر من قوله سبحانه:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبيّ) أنّ بين الرسول والنبيّ فرق، حيث عطف الثاني على الأوّل.
وقد قيلت في الفرق بينهما وجوه لا يقوم عليها دليل، والذي منها:
أنّ الرسول هو من بُعث وأُمر بالتبليغ، والنبيّ من بُعث سواء أمر بالتبليغ
أم لا.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه يصف كلا الفريقين بقوله: (أَرْسَلْنَا) فكلّ منهما مرسَل إلى هداية قومه، ولو صحّ ما ذُكر لوجب تقييد الآية فيقول: ولا نبيّ لم يؤمر بالتبليغ، حتى يكون مغايراً للرسول وعندئذ يناقض قوله: (أَرْسَلْنَا).
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي فرّق بينهما بوجه آخر، قال: إنّ الرسول هو من ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلّمه، والنبيّ هو من يرى المنام ويوحى إليه فيه.1
ويدلّ على ذلك ما رواه محمد بن الحسن الصفّار بإسناده عن محمد بن علي بن النعمان(مؤمن الطاق) قال: سمعت زُرارة يسأل أبا جعفر ] الباقر[ (عليه السلام)، قال: أخبرني عن الرسول والنبيّ والمحدَّث؟ فقال أبو

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/391.

324
جعفر(عليه السلام): الرسول الذي يأتيه جبرئيل قُبُلاً1 فيراه ويكلّمه، فهذا الرسول، وأمّا النبيّ فإنّه يرى في منامه على نحو ما رأى إبراهيم ونحو ما كان رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من أسباب النبوّة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة. وكان محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) حين جَمع له النبوّة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويكلّمه بها قُبُلاً، ومن الأنبياء من جُمع له النبوّة ويرى في منامه يأتيه الروح فيكلّمه ويحدّثه من غير أن يكون رآه في اليقظة. وأمّا المحدَّث فهو الذي يحدَّث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه.2
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما في الرواية يلزم أن يكون مقام الرسالة أعلى وأنبل من مقام النبوّة لأنّه يعاين الملك دون النبيّ، مع أنّه سبحانه قدّم الرسول وأخّر النبي، وقال: (رَسُول وَلاَ نَبيّ) ومن المعلوم أنّ التدرّج يتحقّق من الأضعف إلى الأقوى.وفي آية أُخرى قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا)3 وهذا يدلّ على أنّ مقام النبوّة أرفع، ولذا تدرّج من الرفيع إلى الأرفع.
وأمّا المختار فيأتي في ضمن أُمور:
الأوّل: إنّ النبوّة والرسالة مفهومان متغايران، حيث إنّ النبوّة متقوِّمة بالاتصال بعالم الغيب والإنباء عنه، أمّا الرسالة فهي متقوّمة بتحمّل الرسول إبلاغ كلام من المرسِل إلى المرسَل إليه، وأنّ وصف أي إنسان بأحد هذين الوصفين فإنّما هو بسبب هذين الملاكين المتمايزين.

1 . قُبُلاً وقَبَلاً: عِياناً ومقابلة.
2 . بصائر الدرجات:2/212، برقم 1322. وانظر: الكافي:1/176، برقم 3.
3 . مريم: 51. ولاحظ : مريم: 54 ، والأعراف: 157.

325
الثاني: إنّ مقام النبوّة أعلى وأسمى من مقام الرسالة، لأنّ الحيثية المقوّمة للنبوّة هي حيثية الاتّصال والارتباط بالمقام الربوبيّ، واستعداد النفس لوعي ما ينزل به الوحي من المبدأ الأعلى، وأمّا الحيثية المقوّمة للرسالة فهي حيثية تحمل تنفيذ عمل أو إبلاغ قول من المرسِل، وأين شرف الاتّصال بالله و المبدأ الأعلى من شرف تحقيق وتنفيذ عمل في الخارج أو إبلاغ كلام عن شخص إلى الغير؟
وبالطبع، فإنّه في مجال الانطباق على المصاديق يكون النبيّ أفضل من الرسول، وذلك لأنّه في حال اجتماع النبوة والرسالة في شخص واحد يكون نبياً ورسولاً فإنّ فضيلته وشرفه إنّما ينبعان من كونه نبياً لا من كونه رسولاً، وإذا ما كان لرسالته فضل أيضاً، فبلا ريب أنّ الفضل النابع من جهة النبوّة أسمى من الفضل والشرف النابعَين من جهة الرسالة.
الثالث: النبوّة أساس رسالة الإنسان من الله سبحانه، إذ رسالة الإنسان من جانب الله ـ كما قلنا ـ لإبلاغ أمره أو زجره لا تتحقّق إلاّ باتّصاف الرسول بالنبوّة، وأنّ الرسول الذي أُمرنا باتّباعه ووجوب طاعته هو الرسول المبعوث من قبل الله، لا أي رسول حتّى لو كان ملكاً أو كان رسولاً من قبل إنسان آخر. وعلى هذا الأساس تكون المرتبة الأُولى هي مرتبة النبوّة والارتباط بعالم الغيب، وبعد ذلك تتعقّبها مرتبة الرسالة.
الرابع: إنّ النسبة بين مفهوم النبيّ وبين مفهوم الرسول الخاص ـ أعني: الإنسان المبعوث من جانب الله سبحانه ـ هي نسبة التساوي بحيث كلّما صدقت النبوّة صدقت بتبعها الرسالة، وأنّ الأنبياء الفاقدين للرسالة حالة شاذّة ونادرة لا تتجاوز عدد الأصابع. ومن المعلوم أنّ الشاذّ النادر لا

326
يمكن أن يعتبر ملاكاً للتمايز والمقارنة، فذكر اللفظين متعاطفاً، للإشارة إلى ما يتمتّعون به من المقامات.
هذه خلاصة النظرية، وأمّا دليلها من القرآن فقد فصّلنا الكلام فيه في كتابنا «الفكر الخالد» فلاحظ.1
سورة الحجّ: الآيات 58 ـ 62    

الآيات: الثامنة والخمسون إلى الثانية والستين

(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).

المفردات

مُدخلاً: اسم مكان للإدخال، والمراد به هنا الجنّة.
بُغيَ: ظُلم، واعتُدي عليه. ولعلّ المراد اضطراره إلى الهجرة ومفارقته الوطن.

1 . لاحظ : الفكر الخالد: 1 / 163 ـ 169 .

327

التفسير

صلة هذه المجموعة بما قبلها هي أنّه سبحانه لمّا أَذِن للمسلمين بمكة المكرمة ـ بعد أن اشتدّ عليهم البلاء من المشركين ـ في الهجرة من ديارهم، وأَذِن لهم أيضاً ـ بعد أن قويت شوكتهم ـ في الجهاد وقتال المشركين، وأنّ هؤلاء المهاجرين إمّا أن يستشهدوا أو يموتوا في هجرتهم، جاء البيان القرآني ليبشّرهم ويعدهم بأعظم الأجر وأنّه سبحانه يدخلهم جنّته، وهي مُدخَل يرضَونه في مقابل ديارهم التي أُخرجوا منها، فيقول:

أجر المهاجرين المستشهدين في سبيل الله

58. (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ):
قيّد الهجرة بكونها في سبيل الله وقال:(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ): أي جهاداً في طريق إعلاء كلمة الحق ودحض الباطل، لا للمال ولا لغيره من الأُمور الدنيوية (ثُمَّ قُتِلُوا)في الحرب (أَوْ مَاتُوا) موتاً طبيعياً، فالله سبحانه يجزيهم جزاء حسناً كما يقول: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا)وأُريد به النعم الأُخروية (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) وهو تعليل لقوله:(لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ).
59. (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ):
بما أنّهم أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ وتركوا أوطانهم ومحالّهم،

328
فالله سبحانه يبدّلها محالاًّ أفضل كما يقول: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً): أي محلاًّ (يَرْضَوْنَهُ) وكأنّ هذه الفقرة تأكيد لقوله في الآية السابقة:(لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا) فإنّ المحلّ الذي يسكن فيه الإنسان ويبيت من أقسام الرزق.
ثم إنّه سبحانه يصف ذاته باسمين ويقول: (وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ): أي عليم بما حلّ بهم من الظلم (حَليمٌ) لا يعاقب الأعداء معجّلاً بل يمهلهم ويُملي لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وقد تكرّر منّا أنّ الأسماء التي تأتي في أواخر الآيات يجب أن تكون متناسبة مع مضمون الآية، ففي الآية السابقة كان ملاك البحث هو الرزق ولذا ختمت الآية بقوله تعالى: (لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) وفي هذه الآية موضوع البحث هو إدخالهم مدخلاً يقع منهم موقع الرضا، فناسب أن تختم الآية بالاسمين المذكورين، وقد علمتَ وجه الصلة.
قال القرطبي في سبب نزول هاتين الآيتين: إنّه لمّا مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد، قال بعض الناس: من قُتل في سبيل الله أفضل ممّن مات حتف أنفه، فنزلت هذه الآية مُسوِّية بينهم، وأنّ الله يرزق جميعهم رزقاً حسناً.1
60. (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ):
توضيح الآية رهن بيان أُمور:
1. قوله:(ذَلِكَ) مبتدأ حُذف خبره، أي الأمر ذلك الذي قصصناه

1 . تفسير القرطبي:12/88.

329
عليه، وأنّ الله سبحانه يُدخل المهاجرين في سبيل الله في محلّ يرضَونه.
2. إنّ الآية بصدد بيان جواز الدفاع عن النفس والنفيس، وأنّ من عوقب تجوز له العقوبة بالمثل.
ثمّ إنّ إطلاق لفظ العقوبة على مقابلة العدوان بمثله، هو من قبيل قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)1، فهذا النوع من الجزاء أمر مرغوب لقوله سبحانه:(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)2.
3. الظاهر من قوله: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) أنّه بعد ما تمّت المقابلة بالمثل بين الطرفين، لكن المعاقِب الأوّل بدأ بظلم وبغي جديد، فالله سبحانه يعِدُ من بُغي عليه بالنصر، فعلى هذا تكون (ثُمّ) للترتيب الزماني.
هذا هو مفهوم الآية حسب الظاهر.
وما نقله القرطبي من شأن النزول ليس فيه إشارة إلى البغي المجدَّد، قال: قال مقاتل: نزلت في قوم من مشركي مكّة لقَوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، فقالوا: إنّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلاّ القتال، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء، فنزلت هذه الآية.3

1 . الشورى:40.
2 . الإسراء: 33.
3 . تفسير القرطبي:12/90.

330
إذا علمتَ ذلك فلنبدأ بتفسير الآية:
قوله: (ذلِك): أي الأمر الذي قصصنا عليك (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ): أي قاتل دفاعاً عن نفسه (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) لا لشيء إلاّ لأنّه ثبت على خط التوحيد (لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ): أي المبغى عليه وينتقم له من الباغي.
ثم إنّه سبحانه أتمّ الآية باسمين وقال: (إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) ولعلّه إشارة إلى أنّ العفو عن المسيء عند الظفر به، محبوب عند الله. نعم هذا إذا كان الاعتداء على الحقّ الخاصّ، وأمّا الحقّ العام فلا عفو عنه.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي ـ وكذلك الشيخ ابن عاشور ـ ذكر أنّ (ثُمّ) في قوله: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ)للترتيب البياني، وكأنّ مفهوم الآية أنّ المعاقب بالمثل الذي بُغي عليه لأجل إخراجه من وطنه لينصرنه الله، وقال: والمعنى ـ على هذا ـ فمن عامل من عاقبه بغياً عليه بمثل ما عاقب، نصره الله بإذنه فيه ولم يمنعه عن المعاملة بالمثل لأنّ الله عفوّ غفور، يمحو ما تستوجبه هذه المعاملة والانتقام من المساءة والتَّبِعة، كأنّ العقاب وإيصال المكروه إلى الناس مبغوض في نظام الحياة غير أنّ الله سبحانه يمحو ما فيه من المبغوضية ويستر على أثره السيّئ إذا كان عقاباً من مظلوم لظالمه الباغي عليه بمثل ما بغي عليه، فيجيز له ذلك ولا يمنعه بالتحريم والحظر.1
61. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ):

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/400.

331
تقدّم منّا أنّ الإيلاج بمعنى الإدخال ولكنّه ليس إدخالاً مطلقاً بل إحلالاً لأحدهما محل الآخر على نحو الظهور والغلبة، وكأنّ ظلمة الليل تغلب على ضوء النهار وبالعكس، وذلك حيث إنّ أشعة الشمس تمتدّ منذ البداية نحو طبقات الهواء العليا ثم تنتقل إلى الطبقات السفلى على نحو يطرد النهار الظلام وهكذا العكس، حيث إنّ الشمس تأخذ أشعتها من الطبقات السفلى فيسودها الظلام تدريجياً حتى يصل الظلام إلى الطبقات العليا في الهواء، فنسبة كلّ من النور والظلام كنسبة جيش يغلب على المقابل شيئاً فشيئاً، غير أنّ النور يغلب على الظلام من جانب الفوق والظلام بالعكس، وهذا ما يشير إليه بقوله: (ذلِك): أي الوعد بالنصر (بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ) وقد ختم الله الآية باسمين من أسمائه الحسنى وهما السميع والبصير، أي سميع لأقوالهم بصير بأعمالهم، فينصر المظلوم ويسمع دعاءه وكلامه. وأمّا صلة الآية بما قبلها فواضحة، وهي أنّ الله القادر على تغليب الليل على النهار وبالعكس، قادر على تغليب المظلوم على الظالم.
62. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ):
الآية دليل آخر على أنّ الله ينصر المظلوم على الظالم وأهل التوحيد على أهل الشرك، وذلك لأنّ الموحِّد يعتمد على الحقّ المطلق، الذي ليس فيه شيء من الباطل، والمشرك يعتمد على الباطل المحض، الذي ليس فيه شيء من الحقّ، فمقتضى ذلك تغليب الأوّل على الثاني فقال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ

332
هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
قوله: (ذَلِكَ) مبتدأ خبره (بِأَنَّ اللهَ) والجملة بمنزلة التعليل لنصر المظلوم على الظالم، يقول: (ذلِكَ): أي عملنا هذا(بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ) في ذاته وقوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ) من الأصنام (مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ) في غاية الجلال والكمال (الْكَبِيرُ) قدرة أو كبرياءً.
وقد جاء نظير هذه الآية في سورة لقمان بتفاوت يسير، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)1، والتفاوت بين الآيتين وجود ضمير الفصل في سورة الحجّ دون سورة لقمان. وهذه الآية من أغزر الآيات القرآنية، بمعنى أن منبع الوجود هو الله سبحانه وأنّ غيره هو البطلان المحض، فلو استحقّ شيئاً من الحقّ فإنّما هو بوجوده سبحانه.
سورة الحجّ: الآيات 63 ـ 66    

الآيات: الثالثة والستون إلى السادسة والستين

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ).

1 . لقمان:30.

333

المفردات

مخضرّة: صار لونها أخضر.
لطيف: رفيق بمخلوقاته، يعاملهم بالرفق.
الغنيّ: الحيّ الذي ليس بمحتاج.
الحميد: المحمود بصفاته وأفعاله.
سخّر: تسخير الشيء: تذليله وتسهيل الانتفاع به بدون مانع.
يُمسك: يحفظ ويصون.
السماء: مقابل الأرض، فتشمل عامّة النجوم والكواكب وسائر الأجرام السماويّة.

التفسير

ذكر تعالى في المجموعة السابقة أنّه سينصر المهاجرين المجاهدين في سبيل الله وبيّن وجه قدرته على ذلك، وانتقل في هذه المجموعة التي لها صلة بالمجموعة السابقة خصوصاً في كيفية فواصل الآيات ـ كما سيوافيك ـ إلى بيان نعم الله سبحانه، التي تدلّ على سعة قدرته وعظيم امتنانه على عباده، ومنها إنزال المطر من السماء، أي من جهة العلوّ، كما يقول:
63. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ):

334
صُدّرت الآية بخطاب عام فيه استفهام تقريري:(أَلَمْ تَرَ) والرؤية هنا حسّية يحسّها كلّ مَن فتح عينيه على الحياة، (أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ): أي جهة العلوّ (مَاءً) مطراً، فنسبة الإنزال إلى الله لا تنافي ما ورد في غير واحدة من الآيات من مقدّمات تُسبِّب نزول المطر كإرسال الريح و تحريك السحاب1 إلى غير ذلك، لأنّ الجميع جند من جنود الله سبحانه يعملون بأمره. وعندئد ـ أي بعد إنزال المطر ـ ترتدي الأرض حُلّة خضراء كما يقول: (فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً)بالنبات بعد اربدادها وجفافها (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)هذه الفقرة في موضع التعليل للإنزال، لأنّ مقتضى اللطف بالعباد هو إنزال المطر من السماء الذي هو ماء الحياة، وهو سبحانه (خَبِيرٌ)بالأسباب والمسبّبات ومواضعها.
قالوا: عطفَ المضارع المستقبل (فَتُصْبِحُ) على الماضي (أَنْزَلَ) ولم يقل فأصبحت، لإفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمضِ، والغاية من ذلك استحضار تلك الصورة الحسنة المُونِقة.2
64. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ):
قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) كأنّه خبر ثان للفظ الجلالة في الآية السابقة، وتقدير الآية: إنّ الله لطيف خبير له ما في السماوات وما

1 . لاحظ: لقمان:10، فصلت:39، النبأ:14، يونس:24، وغيرها.
2 . انظر: إعراب القرآن الكريم وبيانه:6/472.

335
في الأرض. أي له التصرّف في السماوات والأرض دون الأصنام والأوثان، فيختصّ بالمعبوديّة دون غيره.
ولعلّ الآية لبيان عدم حاجته إلى شيء من هذه التصرّفات وأنّ ما يقوم به من إنزال المطر فإنّما هو لمصلحة الإنسان، وهو غنيّ مطلق ومحمود في صفاته وأفعاله.
65. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ):

ذكر النِّعم الثلاث الدالّة على قدرته

قد تقدّم أنّ الملاك في هذه المجموعة هو بيان النِّعم الدالّة على قدرته المطلقة وفضله الجسيم، وهنا يذكّر بنِعم ثلاث، فيقول: (أَلَمْ تَرَ)الرؤية هنا حسّية وأمّا هذه النِّعم فهي:
1.(أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ) حيث سهّل للإنسان الانتفاع بما في الأرض، بقسمَيها: 1.اليابسة، وتحتوي على المعادن، والأشجار، والحيوانات التي ذلّلها سبحانه للإنسان. 2.الماء(المحيطات والبحار والأنهار)، وهو يمدّنا بالعديد من الموارد الطبيعية التي تشمل الغذاء، والمعادن، والطاقة، وموارد أُخرى كاللؤلؤ والمرجان والإسفنج الطبيعي.
2. (وَالْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) نسب جريان الفلك في البحر إلى أمره ; وذلك لأنّه سبحانه خلق البحر صالحاً لحمل الفلك وجريانها فيه،

336
وألهم الإنسان كيفية الانتفاع من البحر بصنع الفلك، وأوجد سنناً وأنظمة في الماء والفلك حيث يحمل الماء السفينة على سطحه فلا تغرق. كلّ ذلك يدلّ على تدبيره سبحانه. والغرض من ذكر هذه النِّعم هو دعوة الإنسان إلى عبادة الله تعالى وترك عبادة غيره من الآلهة المزعومة والطواغيت.
3. (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) أُريد من السماء في الآية السابقة هو جهة الفوق، وأُريد بها هنا مجموعة الكواكب والنجوم وسائر الأجرام، فإنّ كلاًّ منها يجري في مداره دون أن يصطدم واحد منها بالآخر. نعم إنّه سبحانه يمسك السماء فلا تسقط، ولا ينافي ذلك أنّه أجرى مشيئته وقدرته بخلق نُظم وسُنن توجب حِفْظ كلٍّ عن السقوط والاصطدام.
وقد كشف العلم عن جانب من هذه القوانين التي أودعها الله في السماء، والتي تحول دون اصطدام النجوم والكواكب بعضها ببعض. وممّا يقوله أهل الاختصاص في هذا المجال، هو أنّ القمر ـ مثلاً ـ يدور في مدار حول الأرض بسرعة تقدّر بنحو كيلومتر واحد في الثانية، ومداره حول الأرض بيضاوي الشكل، ومن قوانين الحركة في المدار البيضاوي أنّ السرعة المحيطيّة فيه تخضع لقانون تكافؤ المساحات مع الزمن. وهذا القانون يقتضي اختلاف مقدار السرعة على طول المحيط، فتزداد بالاقتراب النسبي من الأرض، وتزداد بزيادتها قوة الطرد المركزي على القمر فتدفعه بعيداً عن الأرض، وإلاّ اصطدم القمر بالأرض فدمّرها ودمّرته. وتقلّ السرعة المحيطيّة للقمر كلّما بعُد نسبياً عن الأرض، فتقلّ

337
القوة الطاردة المركزية على القمر لئلاّ يخرج عن نطاق جاذبية الأرض، فينطلق إلى فسحة السماء أو تبتلعه الشمس. ونفس هذا القانون ينطبق على سبح الأرض حول الشمس، وسبح باقي أجرام السماء كلٍّ في مداره حول الجِرم الأكبر أو التجمّع الأكبر.1
ثمّ إنّ الله تعالى استثنى من الإمساك مورداً واحداً وقال: (إِلاَّ بِإِذْنِهِ): أي إلاّ بمشيئته تعالى ولعلّه إشارة إلى أنّ النظام محدّد بالحياة الدنيا، فإذا قربت الساعة انفطرت السماء وانتثرت الكواكب، كلّ ذلك بإذنه سبحانه.
ثمّ إنّه سبحانه علّل ما امتنّ به على عباده من النِّعم المتقدّمة بقوله: (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ): أي متعطّف منعم عليهم.

نكتة في المجموعتين من الآيات

قدّمنا لك مجموعتين من الآيات من قوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) إلى قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ)2. ومن لطائف الكلام أنّه سبحانه خصّ هاتين المجموعتين بخصوصية لا توجد في جميع القرآن، إلاّ في هذه الآيات الثمان، حيث خُتمت كلّ آية باسمين من أسماء الله الحسنى مقدِّماً عليها لفظ الجلالة. وقد اجتمع في هاتين المجموعتين ستة عشر اسماً مضافاً إلى لفظ الجلالة، وإن شئت أن تنظر إليها بعين الدقّة، فعليك بما يأتي، قال:
1. (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ   ...وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

1 . من آيات الإعجاز العلمي.. السماء في القرآن الكريم للدكتور زغلول راغب النجار:570.
2 . الحج:58ـ 65.

338
2. (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً   ... وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ).
3. (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ   ... إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).
4. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي   ...وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
5. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ   ... وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
6. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ   ... إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ).
7. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ   ...وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ).
8 . (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ ... إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
وهنا تتجلّى حقيقة من أنصع الحقائق القرآنية، وهي أنّ هذه الآيات قد نزلت في الفترة المدنية والنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها تارة يخوض معارك الحرب بين بدر وأُحد، وفي الوقت نفسه يجادل اليهود والنصارى عدة سنين ويُبطل مخططات المنافقين ومؤامراتهم، ويعقد المعاهدات مع رؤساء القبائل، إلى غير ذلك من المشاغل المهمّة التي لا تبقي للإنسان وقتاً وسيعاً حتى ينظم هذه الدُّرر على نظام خاص، ويختار في نهاية كلّ آية اسمين من أسمائه تعالى مناسبَين لمضمون الآية، وكلّ هذا يشهد بأنّ الله الذي لا يشغله شأن عن شأن هو الذي أنزل هذا الكتاب على النبيّ الأكرم دون أن يتصرّف فيه(صلى الله عليه وآله وسلم)بكلمة واحدة.
سورة الحجّ: الآيات 67 ـ 72    
66. (وَهُوَ الذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ):

339

الإحياء بعد الإماتة من نعم الله تعالى

تضمّنت الآيات السابقة شيئاً من نعم الله سبحانه التي بها قوام الحياة ومنها جريان الفلك في البحر، إذ لولا تلك النعمة لتعرقلت عجلة التجارة ونقل البضائع والأمتعة من مكان إلى مكان آخر، إذ ربما يحمل الفلك ما لا تحمله مئات الناقلات الضخمة على الطرق البرية، فناسب أن يذكر بأنّ نعم الله سبحانه ستستمرّ حتى أنّ إحياءكم بعد موتكم نعمة من الله سبحانه إذا كنتم مستعدّين لها، فقال: (وَهُوَ الذِي أَحْيَاكُمْ) أراد الحياة الدنيوية حيث إنّه سبحانه أضفى الحياة على المواد الميّتة التي تشكِّل بدن الإنسان وهيكله (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ)بأخذ الأرواح من الأبدان (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) يوم القيامة. وبما أنّ المشرك لا يملك الاستعداد لتلقّي هذه النعمة في الدار الآخرة أخذ ينكر الإحياء بشُبه تافهة ويجحد نعمة الله، ولذا ندّد به سبحانه، فقال: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ)أُريد من الكفر كفر النعمة، ويحتمل أن يراد كفر الملّة، ولكلٍّ احتمال. والكفور مبالغة في الكفر.

الآيات: السابعة والستون إلى الثانية والسبعين

(لِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ

340
اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

المفردات

مَنسَكاً: المنسك: مصدر ميمي، بمعنى النُّسك والعبادة، لا محلّها.
وقد مرّ الكلام في قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ)1 أنّه أُريد به الذَّبح لا محلّه، أي جعلنا لكلّ أُمّة قرباناً وذبحاً خاصّاً، خلافاً لابن عاشور حيث حمل المنسك في كلا الموردين على المكان، غير أنّ المراد في الآية المتقدمة موضع القربان، وهنا موضع الحجّ.2
والظاهر أنّ آيتنا هذه ليست لها صلة بالحجّ حتى يراد به مواضع الحجّ، بل المراد هو مطلق العبادة.
ناسِكوه: عامِلوه.
هدى: الهدى: الطريق الموصل إلى الحقّ.
مستقيم: سويّ لا عوج فيه.

1 . الحج:34.
2 . التحرير والتنوير:17/236.

341
سلطاناً: السلطان: الحجّة والبرهان. وقد استعمل اللَّفظ في هذا المعنى في عدد من الآيات، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين)1، وقوله تعالى: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).2
نصير: ناصر ومعين.
يسطون: يبطشون بهم من فرط الغيظ.

التفسير

67. (لِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم):

لكلّ أُمّة شريعة خاصّة بها

لقد جعل الله سبحانه لكلّ أُمّة من الأُمم السالفة وللأُمّة المرحومة نسكاً وعبادة، وأُمروا بإتيانها والتمسّك بها. واختلاف النسك إنّما هو لاختلاف الظروف والأحوال والقابليات. ويمكن أن يراد بالنسك مطلق الشريعة لا خصوص العبادة، فلكلّ واحد من الأنبياء شريعة خاصّة تختلف عن شريعة النبيّ السابق واللاحق، لا اختلافاً جذرياً بل اختلافاً بالشكل والصورة أو قريباً منه. ومع ذلك فليس من حقّ قريش وأمثال قريش أن

1 . هود:96.
2 . يونس:68.

342
ينازعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها، كما يقول: (فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ): أي أمر العبادة أو الشريعة، ولذلك تكون الشريعة اللاحقة ناسخة للشريعة السابقة. وبذلك يظهر أنّ الآية ليست ناظرة إلى محلّ الذبح بتصوّر أنّ المنسك اسم
مكان، والنسك بمعنى الذبح. على أنّه لو أُريد ذلك فقد مرّ نظيره في
الآية (34).
ذكر في «الكشّاف» بعد قوله:(فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ) أنّ المعنى: أثبتْ في دينك لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه.1 وكأنّه فسّر النزع بالجذب. ثم يقول سبحانه: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ): أي إلى توحيده وعبادته حسب ما أوحي إليك من الشريعة، ولا تكترث لمنازعتهم وامضِ في طريق دعوتك (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى): أي طريق موصل للحقّ (مُسْتَقِيم) لا عوج فيه.
68. (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ):
أي إن اقتنعوا بمنطقك فهو (وَإِنْ جَادَلُوكَ) عناداً ومكابرةً في اختلاف النسك و العبادة أو الشريعة فأَوكلْ أمرهم إلى الله (فَقُلِ) لهم على سبيل الوعيد والإنذار (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) من فنون الجدال والمراء بالباطل، «فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ»2، كما يقول أمير المؤمنين(عليه السلام).
69. (اَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ):

1 . تفسير الكشّاف:3/39.
2 . نهج البلاغة: قصار الحِكم، برقم 31. (والدَّيدن: العادة. ولم يصبح ليله: لم يخرج من ظلام الشكّ إلى نور اليقين).

343
تقدّم في الآية السابقة بأنّ الله أعلم بما تعملون من فنون الجدال والمراء بعيداً عن طلب الحق، ثم جاء البيان القرآني تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أنّ (اَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ): أي بين المتنازعين أو بين الناس (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) في أمر العبادة أو الشريعة.
70. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ):

سعة علمه سبحانه بما في الكون

لمّا تحدّثت الآية السابقة بأنّه سبحانه يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ومن المعلوم أنّ القضاء الصحيح فرع العلم بما عليه المجادلون في قلوبهم وألسنتهم، جاءت الآية كالدليل على ذلك بأنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في السماء والأرض، فكيف علمه بأقوال وأفعال هؤلاء، كما يقول:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) فلا يخفى عليه شيء جليله ودقيقه، فكيف أمر هؤلاء؟ مضافاً إلى (إِنَّ ذَلِكَ): أي ما في السماء والأرض دقيقه وجليله (فِي كِتَاب) محفوظ، وإن كانت حقيقة ذلك الكتاب غير معلومة لنا، فالآية أشارت إلى درجتين من علمه سبحانه: علمه في مقام الذات، وعلمه في مقام الفعل، وهو ما يعبَّر عنه باللوح المحفوظ (إِنَّ ذَلِكَ): أي إحاطته بما في السماء والأرض، أو بما في اللوح المحفوظ (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) سهل وغير ممتنع. وتقدّم الظرف (عَلَى اللهِ) على قوله: (يَسير)لأجل حفظ فواصل الآيات .

344
71. (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير):
لمّا تقدم ذكر منازعة المشركين مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان أكثر جدالهم منصبّاً على عبادة الأصنام قائلين بأنّها سيرة أسلافهم وآبائهم، عاد البيان القرآني لإبراز هذا الجانب من اعتراضاتهم قائلاً:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) ثم وصف معبودهم بأمرين:
1. (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا): أي دليلاً سمعياً من الله سبحانه من غير فرق بين الشريعة المحمدية وسائر الشرائع.
فلو جازت عبادة هؤلاء، وكانت الغاية من عبادتهم التقرّب إلى الله، لصدر شيء من الله حول عملهم هذا.
2. (وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ): أي هؤلاء غير جازمين بصحّة أعمالهم. ويُحتمل أن يراد ليس عندهم حجّة عقلية على أعمالهم في مقابل الحجّة السمعية، ومن ثمّ (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير)يوم القيامة، وأُريد من الظالمين المشركون، وما ذلك إلاّ لأنّ العبادة حقّ لله تعالى وهم سلبوه منه وآثروا به من لا يستحقّه، قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )1.
72. (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ

1 . لقمان:13.

345
أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ):

غيظ المشركين على تالي آيات الله

قال الإمام عليّ(عليه السلام): «النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا»1، وليس هناك داء أعضل من داء الجهل، خصوصاً إذا كان جهلاً مركّباً، فقد بلغ جهل المشركين وعنادهم إلى درجة أنّهم إذا سمعوا آيات الله يظهر أثر الإنكار في وجوههم مكان أن يتأمّلوا فيها، يقول سبحانه: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات): أي واضحات الدلالة على العقائد والأحكام (تَعْرِفُ): أي تشاهد (فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ): أي الإنكار وكأنّ سيماهم تحكي
عن إنكارهم وتأبّيهم على الحقّ، وربّما يتجاوز أمرهم هذا الحدّ
وهو (يَكَادُونَ يَسْطُونَ): أي يبطشون (بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) فالباطش والباطشون هم قريش، وربّما بطشوا بمن كان يتلو عليهم آيات من كتاب الله العزيز.
والله سبحانه أوعدهم بأشدّ الإيعاد وقال: (قُلْ): أي قل يا رسول الله لهؤلاء(أَفَأُنَبِّئُكُمْ): أي أخبركم (بِشَرّ مِنْ ذَلِكُمُ): أي من غيظكم على مَن يتلو آيات الله، أي ما هو الشرّ؟ أجاب تعالى هي: (اَلنّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وعلى هذا تكون (النَّارُ)مبتدأ، وقوله: (وَعَدَهَا) خبره، والمعنى: إذا صعب عليكم الاستماع إلى الحقّ، فإنّ نار جهنم عليكم أشدّ وأعظم.

1 . نهج البلاغة: قصار الحِكم، برقم 172.

346
كان المشركون يوم نزول هذه الآيات بين منافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وبين كافر يتظاهر بكفره، فأمّا الطائفة الأُولى فمهما أبطنوا الكفر فآثاره تظهر على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم1، وأمّا الطائفة الثانية فليس عليهم شيء أشدّ وأقسى من سماع آيات الله التي تنطوي على دلائل واضحة تقود إلى الحقّ وتفضح الباطل، فإنّهم إذا سمعوا ذلك ضاقوا بها ذرعاً، وتجهّمت وجوههم كما قال: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ)وهم من شدّة حنَقهم يوشك أن يتوسّلوا بمنطق القوة ويَهمُّوا بإيقاع الأذى بمن يتلوها، كما يقول: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ)وهذا دليل على سقوط المشرك عن سماء الإنسانية إلى حضيض الحيوانية والهمجية.
قال الشريف الرضيّ حول هذه الآية: وهذه استعارة، والمراد بها ـ والله أعلم ـ أنّ الكفّار عند مرور الآيات بأسماعهم يظهر في وجوههم من التكرُّه لسماعها والإعراض عن تأمّلها واستماعها ما لا يخفى على المخالط لهم والناظر إليهم، وذلك كقول القائل: عرفت في وجه فلان الشرّ، أي استدللت منه على اعتقاد المكروه وإرادة فعل القبيح.2
سورة الحجّ: الآيات 73 ـ 76    
ثمّ إنّه سبحانه بعدما أوعدهم بشيء أشدّ ممّا يورث غيظهم وهو (نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * التي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ)،3 أخذ في تحقير أصنامهم بوجه لا

1 . قال الإمام علي(عليه السلام): «مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ». نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 26.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:133.
3 . الهمزة: 6 ـ 7 .

347
يبقي رغبة في حبّها وعبادتها، وهذا هو الذي يرسمه القرآن الكريم في المجموعة التالية.

الآيات: الثالثة والسبعون إلى السادسة والسبعين

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ).

المفردات

ضُرِبَ مَثَلٌ: ضرْب المثل في القرآن الكريم عبارة عن وصف الموضوع بشيء من التشبيه والاستعارة، والأمثال القرآنية لا صلة لها بالأمثال الدارجة بين الشعوب والأُمم.
لا يستنقذوه منه: أي لا يقدروا على استنقاذه منه على غاية ضعفه.
ما قدَروا: ما عظّموا.
حقّ قدْره: حق تعظيمه. ويحتمل أن يراد ما عرفوه حق معرفته.
يصطفي: يختار.

348

التفسير

73.(يَا أَيُّهَا النَّاسُ