welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 17*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 17

1
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 17
 
(17)

2

3
17   
 
 
الجزء السابع عشر ويشتمل على تفسير السور التالية:
الكهف، مريم، طه
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1396 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 594 - 6 (VOL.17)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1396
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 17
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1396 هـ ش / 1438 هـ . ق / 2017 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 958    تسلسل الطبعة الأُولى: 458
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.
سورة الكهف    

6

7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   1. بدأنا هذا الجزء بسورة الكهف مع أنّ الجزء السادس عشر يبتدأ بالآية الخامسة والسبعين منها، وذلك لأنّا آثرنا أن يكون كلّ جزء من تفسيرنا هذا مبدوءاً بسورة كاملة.

سورة الكهف(1)

(الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم وَلاَ لاِبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا

8
عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَـهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَان بَيِّن فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا * وَتَرى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ

9
بِرِزْق مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لاَِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا * وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ

10
فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لاََجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ

11
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً * وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً * مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ

12
مَوْبِقًا * وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا

13
آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْني مِنْ أَمْري عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا* وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا

14
مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُوني زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا

15
قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْري وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوني أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً * قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأْخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً * قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

16
سورة الكهف: خصائص السورة   
 
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف بسورة «الكهف»، وروي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سمّاها بهذا الاسم، فعن أبي الدَّرداء: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن حفظ عشرَ آيات من أوّل سورة الكهف عُصم من فتنة الدجّال».1
إنّ تسمية السورة باسم «الكهف» يدلّ على أنّ آيات السورة كانت مجموعة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو على خلاف قولهم من أنّ القرآن جُمعت آياته وكذلك سوره في عهد أبي بكر.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة مئة وعشر في عدّ الكوفي، ومئة وإحدى عشرة في عدّ البصري، ومئة وستّ في عدّ الشامي، ومئة وخمس في عدّ الحجازي، بناءً على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين.2
والسورة مكيّة، تدلّ على ذلك مضامين آياتها. وروي عن ابن عباس أنّه استثنى قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ

1 . سنن أبي داود: 804 ، رقم الرواية4323; صحيح مسلم:369 رقم الرواية1767. ورواها الترمذي بهذه الصيغة: «مَن قرأ ثلاث آيات من أوّل الكهف، عُصم من فتنة الدّجّال»، وقال: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي: 819 ، رقم الرواية2895.
2 . لاحظ : مجمع البيان: 6 / 351، وقد ذكر مواضع الاختلاف.

17
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا1وسيوافيك أنّها أيضاً مكيّة.

أغراض السورة

الموضوع المهم في هذه السورة ذكر القصص الثلاث:
1. قصة أصحاب الكهف التي روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سُئل عنها.
2. قصة موسى مع العبد الصالح الذي يُسمّى في الروايات بالخضر.
3. قصة ذي القرنين، وهي أيضاً ممّا سُئل عنها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
فإنّ لهذه القصص الثلاث دوراً كبيراً في تقرير أغراض السورة، ومن أهمّها:
1. التركيز على عقيدة التوحيد، والإيمان بطلاقة القدرة الإلهية التي من مظاهرها إمكان المعاد والرجوع إلى الله تعالى، وهذا ما توحي به قصة أصحاب الكهف.
2. أنّ وراء ما يقع للخلق من تقادير وما يجري من أحداث، قوة غيبية مقتدرة لا تنفكّ عنها الرحمة، وهذا ما تقرّره قصة النبيّ موسى(عليه السلام) مع العبد الصالح.
3. أنّ مسؤولية الإنسان الصالح الذي ييسّر له سبحانه أسباب القدرة والثروة والمُلك، هي أن يستثمر تلك القوى في مجالات الخير والإحسان والمعونة، ولا يتّخذها أدوات للبطش والظلم والفساد، وأن يقيم ملكه على الحقّ والعدل، وهذا ما يستفاد من قصة ذي القرنين.

1 . الكهف:28.

18
ثمّ إنّه سبحانه بدأ هذه السورة بالحمد، كما ختم السورة السابقة (أعني سورة الإسراء) بالحمد، وهذا يدلّ على أنّ بين السورتين صلة خاصّة.
سورة الكهف: الآيات 1 ـ 8   

الآيات: الثمان الأُولى

(الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم وَلاَ لاِبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا).

المفردات

عِوَجاً: العوج (بكسر العين وفتحها): الانحراف والميل عن الاستقامة. قيل: وهي بالفتح تستعمل فيما يُرى من الأجسام كالقناة والخشبة، وبالكسر فيما لا يُرى كالدين والكلام.1

1 . مجمع البيان:6/356، تفسير الكشاف:2/250.

19
والظاهر أنّه لا فرق بينهما، فالمكسور يستعمل أيضاً فيما يُرى من المحسوسات كقوله سبحانه في أحوال القيامة:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَ تَرى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا).1
قيّماً: قال الراغب: قوله: (دِينًا قِيَّمًا)2: أي ثابتاً مقوّماً لأُمور معاشهم ومعادهم. وقيل غير ذلك كما سيأتي في التفسير.
بأساً: البأس: العذاب الشديد.
من لَدُنه: من عنده.
كَبُرت: عَظُمت.
باخعٌ: قاتلٌ، مُهلكٌ، يقال: بَخَع نفسَه: يبخَعُها بخْعاً وبُخوعاً.
آثارهم: آثار: جمع أثر، وهو ما يبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو الأرض، ويطلق على ما يبقيه أهل الدار إذا تركوها. وسيوافيك أنّه كناية عن التولّي والإعراض.
أَسَفاً: الأسَف: المبالغة في الحزن والغضب، يقال: أسف الرجل فهو آسف.
صعيداً: تراباً.
جُرُزاً: الجُرُز: الذي لا نبات فيه.

1 . طه: 105ـ 107.
2 . الأنعام:161.

20
 
التفسير
1. (الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا):
بدأ سبحانه هذه السورة بالحمدلة، وقال: (الْحَمْدُ للهِ)وليست هذه السورة وحيدة بالابتداء بها، فقد افتتحت بها سور أربع، قال سبحانه: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)1، وقال سبحانه: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)2، وقال سبحانه: (الْحَمْدُ للهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)3، وقال سبحانه: (الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)4 .
والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري، وأمّا ما هو الجميل في المقام، فالظاهر أنّه عبارة عن الكتاب الذي أنزله على عبده كما قال: (الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) عبّر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعبد لأنّ العبودية المطلقة التي لا ينالها إلاّ الأنبياء والأولياء، خيرُ فخر وشرف لهم، يقول الإمام علي(عليه السلام):«إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً، أنت كما أُحبّ، فاجعلني كما تحبّ».5

1 . الحمد:1.
2 . الأنعام:1.
3 . سبأ:1.
4 . فاطر:1.
5 . الخصال للصدوق:420، باب التسعة، برقم 14.

21
ثمّ إنّه سبحانه وصف الكتاب الذي أنزله على عبده محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بوصفين:
1. (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) الضمير في (لَهُ) يرجع إلى الكتاب، والجملة حال منه، والعوج ـ كما مرّ ـ هو الميل والانحراف عن الاستقامة، والقرآن كلّه مبرَّأٌ من أيّ عوج يَردُ في ذهن المخاطب. يقول السيد الطباطبائي في توضيح ذلك: وقوع (عِوَجاً) وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالقرآن مستقيم في جميع جهاته، فصيح في لفظه، بليغ في معناه، مصيب في هدايته، حيّ في حججه وبراهينه، ناصح في أمره ونهيه، صادق فيما يقصّه من قصصه وأخباره، فاصل فيما يقضي به، محفوظ من مخالطة الشياطين، لا اختلاف فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.1
2. (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا):
قوله:(قَيِّمًا) حال أُخرى من الضمير في (لَهُ) الذي يرجع إلى الكتاب، وكونه (قَيِّمًا) هو الوصف الثاني للكتاب، وأمّا معناه، فقد فسّر بوجوه مختلفة:
أ. معتدلاً مستوياً لا تناقض فيه. عن ابن عباس.
ب. أنّه قيّم على سائر الكتب، يحفظها وينفي الباطل عنها، وهو ناسخ لشرائعها. عن الفرّاء.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 13 / 237 ـ 238.

22
ج. أنّه دائم يدوم ويثبت إلى يوم القيامة لا يُنسخ. عن الأصمّ.
د.أنّه قيّم لأُمور الدين، يلزم الرجوع إليه فيها، كقيّم الدار يرجع إليه في أمرها. عن أبي مسلم.1
والظاهر هو القول الأخير لكن بأدنى تصرّف، والمراد: القيّم بأُمور الأُمّة، فترجع إليه الأُمّة في العقائد والأحكام، بل هو القيّم على مصالح العالم الإنساني في دنياهم وأُخراهم، نظير ما يقال: قيّم الصغير. وهنا كلمة للراغب تؤيّد ذلك، قال: (دِينًا قِيَمًا): أي ثابتاً مقوّماً لأُمور معاشهم ومعادهم. ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه تارة يصف الكتاب بهذا الوصف كما مرّ، وأُخرى يصف الدِّين به، وقد جمع سبحانه في سورة البيّنة بين الأمرين، حيث قال: (رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)2. ثمّ قال: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)3 وبذلك يظهر الفرق بين القيّوم والقيّم، فالله سبحانه هو القيّوم أي القائم بنفسه، وأمّا القيّم فهو القائم بأُمور الغير.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول الآية الأُولى والثانية: وهذه استعارة لأنّ حقيقة العوج أن يكون فيما يصحّ عليه أن ينتصب ويميل ويضطرب ويستقيم، وهذه من صفات الأجسام لا من صفات الكلام، فنقول: إنّما وصف القرآن ـ والله أعلم ـ بأنّه قيّم لا عوج فيه، ذهاباً إلى نفي الاختلاف عن معانيه، والتناقض في أوضاعه ومبانيه، وأنّه غير ناكب عن المنهاج، ولا

1 . انظر: مجمع البيان:6/355.
2 . البيّنة: 2 و3.
3 . البيّنة:5.

23
مستمرّ على الاعوجاج.1
ثمّ إنّه سبحانه يعلِّل إنزال الكتاب بأُمور ثلاثة، أشار في هذه الآية إلى أمرين منهما، وذكر الثالث في الآية الرابعة. أمّا المقام فأشار إلى الأمر الأوّل بقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ): أي لينذر العبدُ الذي أنزل عليه الكتاب (أو الكتاب المجيد نفسه) الكافرين، ينذرهم عذاباً شديداً ونكالاً وسطوة من عند الله إن لم يؤمنوا به، وقوله: (مِنْ لَدُنْهُ): أي من عنده. وهل المراد العذاب الدنيوي أو العذاب الأُخروي؟ فوصف البأس بالشدّة يؤيّد المعنى الثاني خصوصاً بتقييد العذاب بقوله:(مِنْ لَدُنْهُ)، وتفسيره بالقتل والدّمار الذي سيلحق مشركي مكّة، بعيد عن ظاهر الآية.
وأمّا الأمر الثاني، فقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ)يبشّرهم بـ(أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)وهذه الفقرة من الآية تدلّ على أنّ الأجر الأُخرويّ إنّما للإيمان المقترن بالعمل الصالح دون المجرّد عنه، وأُريد من الأجر الجنّة، بشهادة ما في الآية التالية:
3. (مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا):
أي مقيمين فيه خالدين لا ينتقلون عنه ولا ينقلبون. والضمير في (فِيهِ) يرجع إلى الأجر الذي أُريد به الجنّة ونعيمها.
وقد جرت سنّة الله تعالى على أنّه كلّما ذكرَ الإنذار لطائفة، أتبعه بذكر التبشير لطائفة أُخرى. والآية تشير إلى خلود المؤمنين في الجنّة.
ثمّ إنّه سبحانه لم يذكر المنذَرين في الآية الثانية فقال: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:104.

24
شَدِيدًا) لكنّه صرّح به في الآية التالية:
4. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا):
هل المنذَرون في هذه الآية الذين عبّر عنهم بالموصول دون أن يُسمّيهم وقال: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) هم المنذَرون أنفسهم في الآية المتقدّمة أو غيرهم؟ وجهان. وعلى كلّ تقدير فالموصول وصلته يشمل عامّة الوثنيّين واليهود والنصارى. أمّا الوثنيّون، فأخبر عنهم سبحانه بقوله: (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)1، وأمّا اليهود فهم الذين قالوا: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ)2، وأمّا النصارى، فقالوا بالتثليث، ويراد به الاعتقاد بوجود ثلاثة أقانيم (أي شخوص)، وملخّصه: أنّ الربّ في الجوهر واحد، ولكنّه ذو أقانيم ثلاثة: الأب، الابن، روح القدس، قال سبحانه مندِّداً بهم: (وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا)3، وقال أيضاً: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة)4.
5. (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم وَلاَ لاِبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا):
الآية تتضمّن أُموراً:

1 . الأنعام:100ـ 101.
2 . التوبة:30.
3 . النساء:171.
4 . المائدة:73.

25
أ. أنّ هؤلاء الذين قالوا بأنّ الله اتّخذ ولداً يقولون بذلك والحال أنّه (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم) كما (وَلاَ لاِبَائِهِمْ): أي ولا لأسلافهم الذين قلّدوهم في هذه المقولة الشنعاء، فالتابعون والمتبوعون غارقون في الجهل، بعيدون عن العقل والمنطق.
ب. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)، لفظة(كَبُرَتْ) تستعمل في الإخبار عن كبر الجسم، وربّما تستعمل في ضخامة الوصف، وأمّا المقام فقد استعملت للتعبير عن كبر شناعة تلك المقولة وفظاعتها، كما قال: (كَبُرَتْ كَلِمَةً) أُريد بها الكلام (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) ولعلّه إشارة إلى أنّهم يتقوّلون بها في لسانهم من دون تصديق، بل (إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)وهو تأكيد لقوله: (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) حيث يقولون ما ليس له تحقّق وواقعيّة في الخارج.
وعن هذه الآية قال الشريف الرضيّ(رحمه الله): ووصف الكلمة هاهنا بالكبَر استعارة، والمراد: أنّ معناها فظيع وفحواها عظيم، وتقدير الكلام (كبرت الكلمة كلمة)، وللنصب هاهنا وجهان:أحدهما أن يكون على تفسير المضمر مثل قولهم: نعم رجلاً زيدٌ، وبئس صاحباً عمرو، والوجه الآخر أن يكون على التمييز في الفعل المنقول، نحو: ساءت مرتفَقاً، وتصبّب عرَقاً.1
6. (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:104.

26
كان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يدأب في إرشاد الناس وهدايتهم ليلاً ونهاراً، ومن دون توان، ويتحمّل في ذلك أشدّ المصاعب. وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) لسموّ روحه وسموّ مشاعره ورقّتها يستشعر الحزن والألم المُمضّ من أجل إعراض من أعرض عن الكتاب المجيد ولم يستجب لدعوته إلى الهدى والإيمان، وذلك لعمق إحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، واجتهاده في تبليغ الرسالة الّتي كُلِّف بأدائها. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لحرصه الشديد على هداية الناس وإشفاقه عليهم من سوء العواقب، فأراد سبحانه أن يسلّي نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ويخفّف عنه ما أصابه من غمّ يكاد أن يأتي عليه، فقال بأُسلوب الترجّي وإن كان المراد النهي (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ): أي مهلكٌ نفسك (عَلَى آثَارِهِمْ)، كناية عن تولّيهم عن قولك(إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ): أي القرآن (أَسَفًا) قوله:(أَسَفًا)مفعول له لقوله:(بَاخِعٌ نَفْسَكَ): أي مهلك نفسك لأجل شدّة الحزن والغمّ.
ثمّ إنّ لصاحب الكشّاف بياناً حول استخدام كلمة آثارهم، قال: شبّهه وإيّاهم حين تولَّوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوَجْد والأسف على تولّيهم برجل فارقه أحبّته وأعزّته فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه وجداً عليهم وتلهُّفاً على فراقهم.1
ثمّ إنّ إطلاق ( باخِعٌ) على المهلك نوع علاقة يذكرها الزمخشري، قال: البخع أن يبلغ في الذَّبح البخاع وهو عِرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حدّ الذّابح.2

1 . تفسير الكشاف:2/250ـ 251.
2 . تفسير الكشاف:3/107، تفسير سورة الشعراء.

27
أقول: ونحو هذا الحرص على هداية الناس والإشفاق عليهم، نجده عند أخيه ووصيّه الإمام علي، قال(عليه السلام) في كتاب له إلى أبي موسى الأشعريّ:
«وَلَيْسَ رَجُلٌ ـ فَاعْلَمْ ـ أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وَأُلْفَتِهَا مِنِّي، أَبْتَغِي بِذلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ. وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي».1
ومن كلام له(عليه السلام)، وقد استبطأ أصحابـُه إذنَه لهم في القتال بصفّين:
«فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا».2
7 و 8 . (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا):
يقع الكلام تارة في مفاد الآيتين، وأُخرى في صلتهما بما قبلهما.
أمّا الأوّل، فالآية الأُولى ناظرة إلى أنّه سبحانه أنعم على الإنسان بنعم كثيرة عبّر عنها بقوله:(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)3. وقال سبحانه: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).(4)

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 78 (وأيتُ على نفسي: وعدتُ وأخذت على نفسي).
2 . نهج البلاغة: الخطبة 55.
3 . آل عمران: 14.   4 . النحل: 8 .

28
ثمّ إنّ التعبير عن هذه النِّعم الموجودة بالزينة كأنّه كناية عن أنّ واقع الحياة الدنيا هو غير مرغوب فيه، ولكن رغب الناس فيها لوجود هذه الأُمور التي تعتبر زينة لها، ولذلك قال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا)وسيلة للرغبة والميل إليها، ولكن الغاية ليس الانكباب على الزينة بل الاختبار والامتحان، كما يقول: (لِنَبْلُوَهُمْ): أي الناس (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)من حيث العقيدة والعمل الصالح، وقال:(أَحْسَنُ عَمَلاً)ولم يقل: أكثر عملاً، وذلك لأنّ الميزان هو الكيفية لا الكمية الفاقدة للروح، فمن استمع إنذار المنذِرين واقتفى آثارهم فهو أحسن عملاً، بخلاف مَن أدبر عنهم.
نعم إنّ هذه النعم التي زَيّنت الحياة الدنيا وأوجدت الرغبة فيها، ليست أمراً باقياً دائماً ; بل لها أجل مسمّى، فإذا جاء أجلهم لا تجد أثراً ممّا زُيّنت به الحياة الدنيوية، بل ستجد ما على الأرض كما يقول: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا): أي ما على الأرض زينة (صَعِيدًا جُرُزًا): أي تراباً أملس لا نبات فيه، فكأنّ ما كان يبهر العقول ويجذب القلوب من الأموال والنِّعم يتبدّل إلى أرض جرز، فلا يُرى أثر منها.
سورة الكهف: الآيات 9 ـ 16   
إلى هنا تمّ تفسير الآيتين، وأمّا صلتهما بما قبلهما فيمكن أن يقال: إنّ الذين تولّوا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هم الذين اغترّوا بالحياة الدنيا وزينتها وتهالكوا عليها بزعم دوامها وبقائها وأنّها الغاية العليا، فجاءت الآية ردّاً على زعمهم بأنّ ما ألهاهم عن ذكر الله زينة مؤقتة اختُبروا بها وأنّها إذا جاء أمر الله تصبح صعيداً جرزاً. وعلى هذا ففي الآية تسلية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الله أمهلهم وأعطاهم للاختبار، لا لكونهم محبوبين عند الله تعالى.
وعن الآية الثانية قال الشريف الرضي(رحمه الله): وهذه استعارة لأنّ المراد

29
بالجرز هاهنا الأرض التي لا نبات فيها، وذلك مأخوذ من قولهم: ناقة جَروز، إذا كانت كثيرة الأكل لا يكاد لَحياها يسكنان من قضم الأعلاف ونشط الأعشاب، ومن ذلك قولهم: سيفٌ جُراز، إذا كان يبري المفاصل أو يقطُّ الضرائب، وقال محمد بن يزيد المبرّد: السيف الجُراز الذي لا يُبقي من الضريبة شيئاً. والأصل في هذه اللفظة أن تكون بمعنى الاستئصال. قال: ومن أمثالهم: لا ترضى شانئة إلاّ بجُرزة، أي لا يُرضي المُبغضة فيمن أبغضته إلاّ بالاستئصال، وإنّما سمّيت تلك الأرض جرزاً إذ كانت كأنّها تأكل نبتها فلا تدع منه نابعة، ولا تترك طالعة، ونظير ذلك قولهم: أرض جدّاء، وهي التي لا ماء فيها تشبيهاً بالناقة الجدّاء التي لا لبن لها.1

الآيات: التاسعة إلى السادسة عشرة

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:105.

30
إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَان بَيِّن فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا).

المفردات

أم: بمعنى بل، يدلّ على الانتقال من كلام إلى كلام آخر.
حسبتَ: زعمتَ. والخطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والغاية تنبيه الآخرين.
الكهف: النقب المتّسع في الجبل. فإن لم يكن متّسعاً فهو غار.
الرقيم: اللوح المرقوم، حيث كتبت أسماؤهم على الغار كالألواح الحجرية. وسيأتي سائر الأقوال فيه.
أوى: أوى إلى البيت: اتّخذ مأوى ومكاناً له.
الفتية: جمع فتى، وهو الشاب. وسيوافيك حديث في تفسيرها.
يهيئ: ييسّر.
رَشَداً: هداية إلى رضوان الله تعالى.
فضرَبْنا على آذانهم: سلَّطنا عليهم النوم، الذي لا تنبِّههم معه الأصوات. وفي مجمع البيان: وهو من الكلام البالغ في الفصاحة، يقال: ضربه الله بالفالج، إذا ابتلاه به، قال قطرب: وكقول العرب: ضرب الأمير على يد فلان: إذا منعه من التصرّف.
الحزبَين: الحزب: الجماعة.

31
أمَداً: الأمَد: المدّة التي لها حدٌّ وغاية.
ربَطْنا: الرَّبط على القلب، استعارة لتثبيت الإيمان وعدم التردّد فيه، لأنّ دور الرَّبْط والرِّباط هو تثبيت المربوط ومنعه من التفرّق.
شَطَطاً: الشَّطط: الإفراط في البُعد، يقال: شطّت الدار أي بعُدت، والمراد هنا قولاً بعيداً عن الحقّ.
مرفقاً: الرِّفق هو اللطف، والمعنى يسهُل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه.

التفسير

قبل البدء في تفسير الآيات نذكر ما رواه علي بن إبراهيم القمي بإسناده عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)حول شأن نزول الآيات، قال: كان سبب نزول سورة الكهف أنّ قريشاً بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران: النضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل السَّهمي، ليتعلّموا من اليهود والنصارى مسائل يسألونها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم); فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود، فسألوهم فقالوا: سلوه عن ثلاث مسائل، فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق، ثم سلوه عن مسألة واحدة، فإن ادّعى علمها فهو كاذب، قالوا: وما هذه المسائل؟ قالوا: سَلوه عن فتية كانوا في الزمن الأوّل فخرجوا، وغابوا وناموا، وكم بقوا في نومهم حتى انتبهوا؟ وكم كان عددهم؟ وأيّ شيء كان معهم من غيرهم؟ وما كان قصتهم؟ واسألوه عن موسى(عليه السلام)حين أمره الله عزّ وجلّ أن يتّبع العالم ويتعلّم منه من هو؟ وكيف

32
تبعه؟ وما كان قصته معه؟ واسألوه عن طائف طاف مغرب الشمس ومطلعها حتى بلغ سدّ يأجوج ومأجوج من هو؟ وكيف كان قصته؟ ثم أملَوا عليهم أخبار هذه الثلاث المسائل، وقالوا لهم: إن أجابكم بما قد أملَينا عليكم فهو صادق، وإن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدّقوه، قالوا: فما المسألة الرابعة؟ قالوا: سلوه متى تقوم الساعة؟ فإن ادّعى علمها فهو كاذب، فإنّ قيام الساعة لا يعلمها إلاّ الله تبارك وتعالى.
فرجعوا إلى مكّة واجتمعوا إلى أبي طالب(عليه السلام) فقالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك يزعم أنّ خبر السماء يأتيه ونحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها عَلِمنا أنّه صادق، وإن لم يخبرنا عَلِمنا أنّه كاذب، فقال أبو طالب: سلوه عمّا بدا لكم، فسألوه عن الثلاث المسائل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): غداً أخبركم ولم يستثنِ، فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً، حتى اغتمّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وشكّ أصحابه الذين كانوا آمنوا به، وفرحت قريش واستهزأوا وآذوا، وحزن أبو طالب، فلمّا كان بعد أربعين يوماً نزل عليه بسورة الكهف، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا جبرئيل لقد أبطأت! فقال: إنّا لا نقدر أن ننزل إلاّ بإذن الله تعالى، فأنزل: (أَمْ حَسِبْتَ) يا محمد(أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) ثمّ قص قصّتهم، فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).1
هذا، والظاهر ممّا رواه ابن هشام أنّهم سألوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الروح مكان السؤال عن موسى ومصاحبه. يقول: فجاءوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا

1 . تفسير القمّي:2/6ـ 7; تفسير نور الثقلين:3/246ـ247.

33
محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل قد كانت لهم قصّة عجب، وعن رجل كان طوّافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال: فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فيما يذكرون ـ خمس عشرة ليلة لا يُحدث الله إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرئيل،حتى أرجف أهل مكّة، وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء ممّا سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مُكثُ الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكّة: ثم جاءه جبريل من الله عزّ وجلّ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حُزْنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الله: الفتية، والرجل الطوّاف، والروح.1
ثمّ إنّه سبحانه صدّر القصتين منها بالسؤال، فقال في مورد الروح:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)2، كما صدّر قصة ذي القرنين به أيضاً وقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) بخلاف غيرهما فقد بدأ بذكرها من غير تصدير بالسؤال، مضافاً إلى أنّ السؤال عن الرُّوح ورد في سورة الإسراء، وأمّا الباقي فقد ورد في سورة الكهف، ولعلّ هذا يؤيّد رواية علي بن إبراهيم، حيث لم يذكر فيها السؤال عن الرُّوح، بل جاء مكانه قصة موسى مع مصاحبه على خلاف ما ذكره ابن هشام حيث أدرج السؤال عن الروح في ضمن الأسئلة وأحلّه محلّ قصة موسى(عليه السلام) مع مصاحبه.
وعلى كلّ تقدير، فلنشرع في تفسير الآيات:

1 . السيرة النبوية:1/301ـ302.
2 . الإسراء:85.

34
9. (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا):
صلة قصة أصحاب الكهف بما سبق، هي أنّ المشركين كانوا ينكرون البعث أشدّ الإنكار ويصفونه بالاستحالة، فالله سبحانه يذكر ما جرى على أصحاب الكهف من الإنامة سنين ثم إيقاظهم، الذي هو أشبه بإحياء الموتى وبعثهم.
وربّما يشهد لذلك أنّه سبحانه قال في الآية المتقدّمة: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا)1، وذلك يتحقّق يوم القيامة الذي هو يوم البعث والنشور، والذي كان يرتاب فيه المشركون بل ينكرونه أشدّ الإنكار، فناسب أن يذكر قصة أصحاب الكهف لتكون دليلاً على إمكانه.
ثمّ إنّه يُستشفّ من الخطاب في قوله: (أَمْ حَسِبْتَ) أنّ المخاطب زعم أنّ قصة أصحاب الكهف كانت آية ذات عجب، مع أنّ بين الآيات الإلهية ما هو أشدّ عجباً، وهو آية إحياء الموتى التي أُشير إليها في الآية المتقدّمة بجعل ما على الأرض صعيداً جرزاً يوم القيامة، فقصّة أصحاب الكهف من الإنامة سنين متمادية، ثمّ إيقاظهم وإن كانت آية ذات عجب غير أنّ إحياء الناس يوم القيامة أعجب من ذلك.
ويمكن أن يقال: إنّ قوله: (مِنْ آيَاتِنَا) يشمل كلّ آية تدلّ على القدرة، من غير اختصاص بإحياء الموتى. وعلى هذا فمعنى الآية: (أَمْ حَسِبْتَ): أي زعمت (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا)آية ذات

1 . الكهف:8.

35
عجب، فقصّتهم وإن كانت خارقة للعادة لكنّها ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآيات التي يزخر بها الوجود.
ثمّ إنّه سبحانه عطف الرقيم على الكهف، والعطف يدلّ على المغايرة، قال ابن هشام في السيرة:(وَالرَّقِيمِ) الكتاب الذي رُقم فيه بخبرهم، وجمعه: رُقّم، قال العجاج:
               .............................       ومستقر المصحف المرقّم
وقيل: اسم الجبل الذي كان فيه الكهف، أو اسم القرية التي كانوا فيها1. وقد مرّ عن الكشاف أنّه قال: إنّه لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمْرَهم، ثم وضع على باب الكهف. وأغرب الأقوال ما روي عن أنس أنّ الرقيم اسم كلبهم، واستشهد بقول أُمية بن أبي الصلت:
وليس بها إلاّ الرقيم مجاوراً *** وصيدهُمُ والقوم في الكهف هُجّعا
وقد زرت في رحلتي إلى الأُردن القرية المنسوبة إلى أصحاب الكهف ورأيت الكهف وفيه قبورهم السبعة، وأنّ ذلك المكان كان يُسمّى على لسان العامّة بالرجيب، ولعلّه كان في الأصل الرقيم فتصحّف إلى الرجيب.

قصّة أصحاب الكهف مجملة

10. (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا):

1 . السيرة النبوية:1/303.

36
قوله تعالى:(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الظرف متعلّق بمحذوف نظير: اذكر، أي اذكر إذ اتّخذ الفتية الكهف مأوى ومكاناً لهم، والفتية جمع فتى، قال الراغب: الفتى: الطريّ من الشباب، والأُنثى فتاة وجمع الفتى: فِتية وفِتيان، وجمع الفتاة: فتَيات.1 ولعلّ أصله من الفتوّة بمعنى الشجاعة والشهامة والفروسية، وآية فتوّتهم أنّهم حسب ما ورد في التاريخ كانوا من أبناء أشراف الروم وعظمائهم مسوّرين بالذهب ولكنّهم تركوا مناصبهم ومقاماتهم لأجل حفظ دينهم. نعم ظاهر الفتية أنّه كانت فيهم طراوة الشباب ونضارته، ولكن بعض الروايات تفسّره بوجه آخر، فعن سليمان بن جعفر النهدي، قال: قال لي جعفر بن محمد(عليهما السلام): يا سليمان، مَن الفتى؟ قلت له: جُعلت فداك، الفتى عندنا الشابّ، قال لي: «أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا كلُّهم كهولاً، فسمّاهم الله فتية بإيمانهم؟ يا سليمان، من آمن بالله واتّقى فهو الفتى».2
وروى الكليني أيضاً بسند صحيح، قال: «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين».3
ثمّ إنّهم بعدما دخلوا الكهف، أخذوا في الدعاء بوجهين:
الأوّل:(فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ): أي من عندك (رَحْمَةً) ولعلّ تنكير

1 . مفردات الراغب، مادة (فتى).
2 . تفسير العياشي:3/89 برقم 2635. وروى نحوه الكليني عن علي بن إبراهيم رفعه إلى أبي عبد الله جعفر الصادق(عليه السلام). الكافي:8/395، برقم 595.
3 . تفسير نور الثقلين:3/243.

37
اللفظ لبيان التعظيم، وهي تشمل المغفرة والرزق والأمن.
الثاني: (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا): أي يسّر لنا من أمرنا رشداً ونحن في طريق الهجرة من الكفّار، وأوصِلنا إلى الطريق الموصل للمطلوب. والفرق بين الرَّشَد والرُّشد أنّ الأوّل يستعمل في ما هو أعمّ، أي في الأُمور الدنيوية والأُخروية، والثاني يختصّ بالأُمور الأُخروية، فهؤلاء الفتية طلبوا من الله سبحانه أن يشملهم بلطفه وعنايته وأن يحفظهم من مكائد الملك وأعوانه الذين كانوا يحمون الوثنية وقيمها وتقاليدها ويُخضعون الناس لها بالقوّة.
ثمّ إنّه سبحانه استجاب دعوتهم حسب ما يقول:

إنامة أصحاب الكهف

11. (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا):
فالضرب على الأذان كناية عن النوم، فإنّ النوم لا يتحقّق إلاّ بانقطاع صلة الإنسان بالعالم الخارجي عن طريق السمع، يقول الشريف الرضيّ: هذه استعارة لأنّ المراد بها منع آذانهم من استماع الأصوات وهمس الحركات، ثم يقول: والمراد بقوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ): أي أخذنا أسماعهم فبطل استماعهم، ويكون ذلك من قول القائل: قد ضرب فلان على مالي، أي أخذه وحال بيني وبينه.1
12. (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:105.

38
لا يخفى وجود الإجمال في الآية، ويرتفع بالتدبُّر فيها وفيما قبلها. أمّا الإجمال فمن وجوه:
الأوّل: فالله سبحانه يذكر بعثهم من رقدتهم ويقول: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ) ومن الواضح أنّه سبحانه عالم بكلّ شيء قبل وقوعه وبعده، فما هو المراد من العلم؟فيقال: المراد من علمه سبحانه هو ظهور الشيء في الخارج وتحقُّقه فيه، وهو نظير قوله سبحانه: (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ)1. وبذلك يرتفع الإجمال.
الثاني: ما هو المراد من قوله: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ)؟ الظاهر أنّ المراد الطائفتان من أصحاب الكهف، حيث بعد أن أيقظهم الله اختلفوا في مقدار مكثهم في الكهف نياماً، فقال بعضهم: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم)فأحصَوا مدة اللَّبث، وقال الآخرون:(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فلم يُحصوا مدّة لبثهم بل أوكلوا علمَها إلى الله سبحانه.
وأمّا الثالث: أعني قوله: (أيُّهُمْ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا): أي ليتبيّن أي الحزبين عدّ أمداً ووقتاً للبثهم في الكهف. وقد عرفت أنّ المحصي هو الطائفة الأُولى دون الثانية.
هذه الآيات الثلاث ذكرت إجمال قصّتهم، فالآية الأُولى أشارت إلى دخولهم الكهف ومسألتهم النجاة، والثانية أشارت إلى نومهم فيه سنين عدداً، والثالثة إلى يقظتهم وانتباههم واختلافهم في تقدير زمان لبثهم، كما تضمّنت وجه إيقاظهم ليظهر أيّ الفريقين يقدّر للبثهم أمداً. ثم بدأ سبحانه ببيان ما جرى عليهم بالتفصيل وقال:

1 . الحديد:25.

39

تفصيل القصّة

13. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى):
يظهر من قوله سبحانه:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) أنّ هذه القصّة كانت معروفة بين الناس قبل نزول القرآن المجيد، ولكنّها تعرّضت ـ كأكثر الحوادث التاريخية ـ إلى التحريف والتزوير، وأُلصقت بها الأباطيل والخرافات، والله سبحانه يعرضها كما هي منزَّهة عن التحريف والإضافات، وهي أنّ فتية كانوا يعيشون في مجتمع طغى فيه الشرك والظلم، وهُدرت فيه كرامة الإنسان، ولكنّهم اهتدوا إلى عقيدة التوحيد، كما قال: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) ونبذوا الشرك، وحرّروا أنفسهم من قيوده وأغلاله.
فخرجوا من المدينة هاربين فوصلوا في طريقهم إلى الجبل الذي فيه الكهف فأخذوه مأوى مؤقتاً لأنفسهم، ودعَوا الله سبحانه بما مرّ في الآية العاشرة، واستجاب الله دعاءهم كما يقول: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى).
وهذه الفقرة تدلّ على أنّ لله تعالى هدايتين:
الأُولى: الهداية العامّة التي تتمّ عن طريق الأنبياء والأولياء والكتب السماوية والعلماء المخلصين والفطرة الإنسانية والعقل الحصيف، فالله سبحانه يتمّ الحجّة عن هذا الطريق على كلّ إنسان.
ثمّ إذ ذاك الإنسان بين من يعرض عن الاستضاءة بهداية هؤلاء، فهو يختم على قلبه ويبقى على ضلالته ضلالة اختيارية، لأنّ إعراضه عن

40
الاهتداء بهذه الأنوار الباهرة، يُفضي إلى حرمانه من الهداية الثانية، وهذا ما يعبّر عنه بالطبع والختم على القلب والعقل.
الثانية: الهداية المفاضة بعد استضاءة العبد بالهداية الأُولى، فيصير مستحقّاً لهذا النوع من هداية الله، فيكون التوفيق رفيقاً له في حياته الدينية، وإلى هذا يشير قوله سبحانه:(وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) لأنّ أصحاب الكهف لمّا استناروا بالعقل الحصيف والفطرة السليمة ورفضوا الوثنية وعبادة الشيطان وابتهلوا إلى الله سبحانه بالدعاء، صاروا مستحقّين لهذه الهداية.
ويدلّ عليه قوله سبحانه: (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا)1، وبالتأمّل فيما ذكرنا يظهر ما هو المراد من الختم والطبع على القلوب والعقول الذي ربّما يُستدلّ به على القول بالجبر، مع أنّ هذا الصنف من الآيات يشير إلى ما ذكرنا من الحرمان لأجل التهاون في الاستضاءة بالهداية العامّة.
14. (وَ رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا):
كانت ثمرة تلك الهداية الثانية المفاضة عليهم من الله سبحانه، العزم على مواجهة ضغوط المجتمع بالثبات على عقيدة التوحيد والصلابة في موقفهم برفض مجاراة الواقع المنحرف، ولذلك يقول تعالى: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ): أي شددنا عليها بالألطاف حتى وطّنوا أنفسهم على الثبات على

1 . مريم:76.

41
الدين، والصبر على المشاقّ ومفارقة الوطن.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هذه الفقرة: وهذه استعارة لأنّ الربط هو الشدّ، يقال: ربطتُ الأسير إذا شددتَه بالحبل أو القيد، والمراد بذلك شددنا على قلوبهم كما تشدّ الأوعية بالأوكية فتنضمّ على مكنونها ويؤمَن التبدُّد على ما استودع فيها، أي فشددنا على قلوبهم لئلاّ تنحلّ معاقد صبرها وتهفو عزائم جلَدها، ومن ذلك قول القائل لصاحبه: ربط الله على قلبك بالصبر.1
قوله تعالى: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) يكشف عن أنّهم قد أفصحوا عن إيمانهم بالتوحيد في الربوبيّة وأنّ للكون جميعاً ـ من غير فرق بين نوع ونوع ـ ربّاً واحداً على خلاف الوثنية التي تعتقد بأنّ لكلّ نوع ربّاً خاصّاً. وهذا الإفصاح عن ربوبيّة واحدة هو نتيجة ذلك الرّبط. ثم أكّدوا وحدة الربوبيّة بقولهم: (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) لأنّ الدعوة إذا كانت بمعنى العبادة فهو المستحقّ لها، وإن كانت من الدعاء لطلب الحاجة فهو المعطي دون غيره (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا): أي متى نسبنا الأُلوهيّة إلى غيره سبحانه، قلنا كلاماً خارجاً عن الحقّ بعيداً عن الصواب.

نقد عقيدة قومهم

15. (هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَان بَيِّن فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا):
لمّا تقدم في الآية السابقة من القول بنسبة الإلوهيّة إلى غيره سبحانه،

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:106.

42
صار المقام مناسباً لبيان من ينتحل تلك العقيدة الباطلة ولذلك قالوا: (هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا) ولعلّ الجملة للتعجّب (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ): أي من غيره سبحانه (آلِهَةً) دون أن يكون لهم دليل على ذاك الاتّخاذ بشهادة قوله: (لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَان بَيِّن)فلفظة (لولا) حرف تحضيض، والمراد حثّ المخاطب على مضمون الكلام، ولمّا كان لزوم اقتران العقيدة بالدليل والبرهان أمراً فطرياً وهؤلاء نسوا أو تناسوا حكم الفطرة، جاء كلامهم تحضيضاً لذلك فقالوا: (لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ)على عبادتهم أو عقيدتهم (بِسُلْطَان بَيِّن): أي ببرهان ظاهر، فالتقليد في العقائد أمر مرفوض، وبما أنّ اتخاذ الآلهة المكذوبة بلا سلطان بيّن وبرهان واضح يُعدّ ظلماً على الله سبحانه وافتراءً عليه، ختموا كلامهم بالقول:(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا)بزعمهم أنّ له شريكاً في الربوبيّة؟
وهاتان الآيتان(14 و 15) دليل على أنّ قلوب هؤلاء قد ملئت إيماناً بالتوحيد وأنّ عقيدتهم كانت مبنيّة على برهان قويم، فجعلوا المحور (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وأبطلوا ربوبيّة غيره، قائلين بأنّ الإيمان بعقيدة ما يجب أن يكون مرتكزاً على دليل واضح وبرهان قويم، وهؤلاء القوم أشركوا بالله وعكفوا على عبادة غيره من الذين لا يملكون لأنفسهم شيئاً.
إلى هنا تمّ توضيح الآيتين، إنّما الكلام في بيان الزمان الذي يدلّ عليه: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فربّما يستظهر أنّهم قالوا ذلك في مجلس الملك وأعيانه وملئه وأنّهم قاموا بين يدي الملك المسمّى بـ «دقيانوس» الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم فـ(قَامُوا)بين يديه (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا).

43
وهذا هو الذي قال به كثير من المفسرين(سنّة وشيعة)، وجنح إليه السيد الطباطبائي، حيث قال: قوله: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا)إلخ، يشير إلى أنّهم في بادئ قولهم كانوا في مجلس يصدر عنه الأمر بعبادة الأوثان والإجبار عليها والنهي عن عبادة الله والسياسة المتحلّية بالقتل والعذاب كمجلس الملك أو ملئه أو ملأ عام كذلك فقاموا وأعلنوا مخالفتهم وخرجوا واعتزلوا القوم.1
وما ذُكر بعيد عن الاعتبار إذ الملك الجبّار لا يمهلهم عند التظاهر بهذا الشعار، خصوصاً إذا كان في مجلس يضمّه وهؤلاء وسائر الأعيان وأركان الدولة.
وربّما يحتمل أنّهم قاموا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك. وهذا الاحتمال أيضاً لا يوافق تعبير الآية، حيث قال: (هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) فلو كان القيام في مجامع قومهم لما عبّروا عنهم بضمير الغائب (هَؤُلاَءِ) بل يخاطبونهم بـ«أنتم» ونظير ذلك، على أنّ الروايات تشهد أنّهم كانوا يعيشون معهم في تقيّة، فقد مرّ ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) حيث قال: «انّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر فآجرهم الله مرّتين»، إلاّ أن يقال: إنّهم كانوا على خطّ التقيّة إلاّ في الزمان الذي عزموا فيه على قطع علاقتهم بالملك وقومه، وكانوا على خطّ التقية إلاّ في هذه اللحظة.
16. (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا):

1 . الميزان في تفسير القرآن:13/252.

44
الظاهر أنّ مضمون الآية كلام بعضهم لبعض، ويحتمل أن يكون كلام كبيرهم وأعقلهم، كما يظهر أنّ هذه الآية من متمّمات الآيتين (14 و 15)، حيث إنّهم لمّا هجروا قومهم ومعتقداتهم الزائفة، اتّفقوا، بعد التشاور فيما بينهم، على اللجوء إلى الكهف للاختباء فيه، قائلين بعضهم لبعض: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ): أي في هذا الزمان الذي فارقتموهم (وَ) فارقتم (مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ): أي سيروا إلى الكهف واجعلوه مأوى لكم. والظاهر أنّ اللام في (الكَهْفِ) للعهد الحضوري وليس للجنس، فإنّكم إذا سرتم إلى الكهف (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ): أي يبسط عليكم من نعمته (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا): أي شيئاً ترتفقون وتنتفعون به. ولعلّ الفقرة الأُولى (يَنْشُرْ...)إشارة إلى نِعَمِه المعنويّة، والفقرة الثانية(وَيُهَيِّئْ...)إشارة إلى نِعَمه الماديّة، فالآية تدلّ على أنّهم دخلوا الكهف راجين رحمة الله سبحانه متطلّعين إليه سبحانه في مستقبل أمرهم.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله):وفي هذه الآية استعارتان: إحداهما: قوله تعالى: (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ). والرحمة هاهنا بمعنى النعمة، ولم يكن هناك شيء مطويّ فيُنشر، ولا مكنون فيَظهر، وإنّما المراد بذلك يسبغ الله عليكم نعمته على وجه الظهور والشياع دون الإخفاء والإسرار، فيكون ذلك كنشر الثوب المطويّ وإظهار الشيء الخفيّ في شياع الأمر وانتشار الذكر. والاستعارة الأُخرى: قوله تعالى: (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)وأصل المرفق ما ارتُفق به، وهو مأخوذ من المِرفَقة وهي التي يُرتَفق عليها، أي يُعتمد عليها بالمِرفق، ويقال مِرفق، ومَرفَقٌ بمعنى واحد، وقد قرئ بهما جميعاً، فكأنّه سبحانه قال: يهيّئ لكم من أمركم ما تعتمدون عليه

45
وتستندون إليه، ويكون لظهوركم عماداً، ولأعضادكم سناداً.1
ثمّ إنّ قوله: (إِلاَّ اللهَ) استثناء من الموصول في قوله (وَمَا يَعْبُدُونَ)فظاهر الاستثناء كونه متّصلاً، ولعلّ بينهم من كان يعبد الله مع الأصنام، فلذلك قالوا: اعتزلنا عن كلّ ما يعبدون إلاّ معبوداً واحداً.
ومع ذلك يمكن أن يكون الاستثناء منقطعاً، ومعنى (إِلاَّ اللهَ): أي دون الله وغيره.
ثمّ إنّ إجماعهم على دخول الكهف واتّخاذه مأوىً لهم، يدلّ على قوّة إيمانهم، وذلك لأنّ الغار لم يكن آمناً من الحيوانات المفترسة أو المؤذية، فدخولهم فيه بقلوب مطمئنة يشير إلى إيمانهم القويّ بأنّ الله سينشر لهم من رحمته ويهيّئ لهم من أمرهم مرفقاً.
وهكذا حال أولياء الله يختارون المكان المظلم الموحش ويفضّلونه على القصور الزاهرة المؤنسة لحفظ إيمانهم وعقيدتهم، وصيانة نفوسهم من الرذائل والآثام، ولذلك نرى أنّ يوسف(عليه السلام) آثر السّجن على البقاء في القصر بثمن باهض يدفعه من إيمانه واستقامته، وهو الاستجابة للقيام بالعمل المنكر، قال سبحانه حكاية عنه: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).2

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن : 106.
2 . يوسف:33.

46
سورة الكهف: الآيتان 17 و 18   

الآيتان: السابعة عشرة والثامنة عشرة

(وَتَرى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا).

المفردات

تَزاور: مضارع مشتقّ من الزَّور بمعنى المَيل والانحراف. وتزاور في الأصل تتزاور، فحُذفت إحدى التاءين.
تقرضهم: القرض: القطع، يقال: قرضت الموضع إذا قطعته وجاوزته. وأُريد هنا انصراف الشمس.
الفجوة: المتَّسع من الأرض، وجمعه فجوات.
رُقود: جمع راقد، وهو النائم.
الوصيد: مدخل الكهف، شبّه بالباب الذي هو الوصيد لأنّه يوصَد ويُغلق، يقال: أوصدت الباب إذا أغلقته. وقيل: هو فِناء الكهف.

47

التفسير

تتحدّث هاتان الآيتان عن أُمور ثلاثة:
1. الوضع الجغرافي للكهف
2. كيفية لبثهم في الكهف.
3. حال من يراهم أو يدخل عليهم

الأمر الأوّل: الوضع الجغرافي للكهف

17. (وَتَرى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا):

الوضع الجغرافي للكهف

هذه الآية تتضمّن بيان الأمر الأوّل، وإليك توضيحه:
1. إنّه سبحانه عندما يصف الكهف يقول:(ذَاتَ الْيَمِينِ... ذَاتَ الشِّمَالِ) والمراد بهما يمين الكهف وشماله، والذات بمعنى الصاحبة وهي صفة لمحذوف يدلّ عليه الكلام أي الجهة صاحبة اليمين، والجهة صاحبة الشمال.
2. إنّه سبحانه عندما يذكر طلوع الشمس صباحاً على باب الكهف أو فمه، يستخدم كلمة (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) وقد مرّ أنّ التزاور

48
بمعنى التمايل، وعندما يذكر غروب الشمس يستخدم كلمة (تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) وقد مرّ أنّ القرض بمعنى القطع وهو كناية عن انصرافها عنهم (وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ): أي وهم في متّسع من الكهف. ومعنى ذلك أنّ نور الشمس كان ينفذ إلى الكهف، ولكنّه لا يقع عليهم فيؤذي أجسامهم، لا عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، لأنّهم كانوا في وسط الكهف، وهو مكان واسع.
وبعبارة أُخرى: إنّ الكهف لم يكن شرقياً ولا غربياً بحيث إنّه لا يقع عليه شعاع الشمس إلاّ في أحد الوقتين، بل كان قطبياً يحاذي بابه القطب، فيقع شعاع الشمس على أحد جانبيه من داخل طلوعاً وغروباً، ولا يقع عليهم لأنّهم كانوا في متّسع منه، فوقاهم الله بذلك من أن يؤذيهم حرّ الشمس أو يغيّر ألوانهم أو يبلي ثيابهم، بل كانوا مرتاحين في نومهم مستفيدين من نسمات الهواء المتحوّل عليهم بالشروق والغروب وهم في فجوة منه، ولعلّ تنكير (فَجْوة) للدّلالة على وصف محذوف، والتقدير: وهم في فجوة منه لا يصيبهم فيه شعاعها.
وعلى هذا، فالظاهر أنّ باب الكهف كان باتّجاه الشمال، والجبل باتّجاه الجنوب، فإذا طلعت الشمس يدخل شعاعها إلى الكهف من الجهة اليمنى للناظر، وإذا غربت تنصرف عن كهفهم ذات الشمال أي شمال الناظر، وإلاّ فلو كان باب الكهف جنوبياً لدخل شعاع الشمس في وقت الظهيرة، ويكون مؤذياً لهم، اللّهم إلاّ إذا كان مكان نومهم في موضع بعيد عن باب الكهف.
يقول الشريف الرضيّ حول الآية: وفي هذه الآية استعارتان:

49
أُولاهما: قوله تعالى في ذكر الشمس:(تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ). لأنّ التزاور أصله المَيل، وهو مأخوذ من الزَّور الذي هو الصَّدر، فكأنّه سبحانه قال إنّ الشمس تميل عن هذا الموضع كما يميل المتزاور عن الشيء بصدره ووجهه. وبيّن بذلك موقع الكهف المشار إليه من جهات المشرق والمغرب وأنّ الشمس لا تلحفه ثوبَها عند الشروق، ولا تنفض عليه صبغَها عند الغروب.
والاستعارة الأُخرى: قوله تعالى: (وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ). وفي ذلك قولان: أحدهما: أن يكون المراد أنّها تقرضهم في ذات الشمال، أي أنّها تجوزهم عادلة بمطرح شعاعها عنهم، من قولهم: قرضتُ الشيء بالمقراض إذا قطعتَه به، فالمقراض متجاوز لأجزائه أوّلاً حتّى ينتهي إلى آخره. والقول الثاني أن يكون المراد أنّها تعطيهم القليل من شعاعها عند ممرّها بهم ثم تسترجعه عند انصرافها عنهم، تشبيهاً بقرض المال الذي يعطيه المعطي ليستردّه ويقدّمه ليرتجعه. ومعنى قرض المال أيضاً مأخوذ من القطع، لأنّ المقرض يعطي للمقترض شقّة من ماله، وقطعة من حاله.1
وعلى كلّ تقدير، فالآية شرحت لنا الوضع الجغرافي للكهف، وهو أنّ الكهف كان يتمتّع بشعاع الشمس شروقاً وغروباً لا شروقاً فقط ولا غروباً فقط، ولكن يدخل ضوء الشمس إلى قسم من الكهف وهؤلاء كانوا نائمين في موضع بعيد عن ضوء الشمس.
ثمّ إنّه سبحانه يعدّ ذلك من آياته، ويقول: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) ولعلّ اسم الإشارة إشارة إلى وجودهم بهذا الوضع في

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:106ـ 107.

50
كهف تلك صفته(فالشمس هنا كأنّها جزء من الكهف، قد شُغلت به عن الدنيا كلّها، حتّى كأنّها مسخّرة لمن هم في هذا الكهف دون الكائنات كلّها، وحتّى لكأنّها أُمّ حانية عليهم، ترعاهم بعينها، وتُظلّهم بظلّها).1، إذا طلعت تميل عن الكهف جهة اليمين، وإذا غربت تجوزهم منحرفة عنهم جهة الشمال.
هذا ما يتعلّق بالأمر الأوّل، وأمّا الثاني والثالث فقد تكفّلت ببيانهما الآية التالية:
18. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا):

الأمر الثاني: لبثهم في الكهف

لقد ظلّ هؤلاء الفتية بقدرة الله تعالى سنين عديدة أحياءً، بَيْد أنّهم كانوا يغطّون في نوم عميق، لا يحسّون معه بشيء، ومن تدبيره سبحانه أنّه لو نظر إليهم أحد لحسبهم أيقاظاً منتبهين لا نياماً راقدين، ذلك أنّ أعينهم كانت مفتوحة حال نومهم، تماماً كالأيقاظ.
ولأجل أن لا تتأثّر أبدانهم بطول المكث على الأرض، ولا تبطل قواهم البدنية بالخمود والركود، كانوا يُقلَّبون من جنب إلى جنب. والظاهر أنّ تقلّبهم من اليمين إلى الشمال وبالعكس كان بأمرمن الله سبحانه لا من

1 . التفسير القرآني للقرآن:8/601.

51
عند أنفسهم، لأنّه يسند التقليب إلى نفسه، حيث يقول: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ).
ومع ذلك، يمكن أن يقال: إنّ التقليب كان حركة طبيعية لهم كما هو المشاهد في النائمين العاديين حيث يتقلّبون من جهة إلى جهة، ولا مانع من نسبة فعلهم إلى الله سبحانه لأنّ الفعل المباشر للإنسان فعلٌ تسبيبي لله سبحانه، ولذلك يقول: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)1.
وإلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ).
ثمّ يأتي بعد ذلك ذكر كلبهم، فيقول: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)وقد مّر أنّ الوصيد بمعنى مدخل الكهف، أو فِنائه.

الأمر الثالث: حال من يراهم أو يدخل عليهم

الخطاب في قوله سبحانه: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) لكلّ مَن يُفترض اطّلاعه عليهم. والمعنى: أنّه لو أشرف عليهم إنسان، ورأى وضعهم ومنظرهم، لهرب منهم خوفاً من أن يصله مكروه منهم، ولَمُلئ كلّ كيانه رُعباً وفزعاً.
أمّا الوجه في ترتيب الجملتين: (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)، فهو ـ كما يقول السيد الطباطبائي ـ أنّ الفرار ـ وهو التبّعد عن المكروه ـ معلول لتوقّع وصول المكروه تحذّراً منه، وليس بمعلول للرّعب، الّذي هو الخشية وتأثّر القلب، والمكروه المُترقَّب يجب أن

1 . الأنفال:17.

52
يُتحذَّر منه، سواء كان هناك رعب أو لم يكن. فتقديم الفرار على الرُّعب ليس من قبيل تقديم المسبّب على سببه، بل من تقديم حكم الخوف على الرُّعب، وهما حالان متغايران قلبياً، ولو استُبدل الخوف بالرُّعب، لكان من حقّ الكلام تقديم الجملة الثانية على الأُولى.1
سورة الكهف: الآيتان 19 و 20   

الآيتان: التاسعة عشرة والعشرون

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْق مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا).

المفردات

بعثناهم: أيقظناهم.
الورق: ـ بكسر الراء ـ الدراهم: وكأنّه كانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كانوا في زمانه.
لِيتلطّف: التلطُّف: إعمال اللُّطف والرِّفق حتى لا يطلع على أمرهم أحد.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:13/256.

53
يظهروا عليكم: يطَّلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم.
يرجموكم: يقتلوكم بالرَّجم.

التفسير

19.(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْق مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا):

بعث أحدهم لتحصيل الرزق بعد اليقظة

يعرض القرآن الكريم في هذه الآية مشهد الفتية وهم قد استيقظوا من رقدتهم الطويلة، ويعبّر عنها بقوله: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ): أي كما أنماهم مدّة طويلة بهذه الصورة العجيبة كذلك أيقظناهم. وأمّا ما هي غاية البعث والإيقاظ، فهي ما ذكره سبحانه بقوله: (لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) عن مدّة نومهم ويتحاوروا في هذا الشأن فتظهر لهم حقيقة الأمر. ويحتمل أن تكون اللام في(لِيَتَسَاءَلُوا) للعاقبة، يعني صارت نتيجة يقظتهم تساؤلهم عن مدّة نومهم، وعند ذلك (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) كأنّه استشعر طول رقدتهم، فأجاب الآخرون كما قال: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم) ولمّا كان الجواب مبنيّاً على ظنّ غير صحيح، عادوا فأوكلوا علم ذلك إلى الله، كما يقول: (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) وهذا دليل على كمال معرفتهم وتوحيدهم.

54
ثمّ إنّهم أحسّوا بالجوع الشديد، فلذلك حاولوا أن يبعثوا أحدهم بالدَّراهم التي كانت معهم ليشتري لهم طعاماً زكيّاً أي حلالاً لا حراماً، طيّباً لا خبيثاً، كما قال: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْق مِنْهُ) والرِّزق هو القوت، كما قال سبحانه حاكياً عن يوسف:(لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ)1. ولمّا اجتمع رأيهم على بعث أحدهم لشراء الطعام وكانت هناك مظنّة التعرّف عليه وعلى مكانهم أوصَوا من بعثوه باليقظة والحذر حتى لا يُعرف، وهذا ما عبّروا عنه بقولهم: (وَلْيَتَلَطَّفْ): أي ليعمل اللُّطف والرِّفق حتى يترتّب عليه قولهم: (وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا): أي لا يخبرنّ بكم ولا بمكانكم أحداً من أهل المدينة، وعامل اللُّطف هو المبعوث لشراء الطعام.
20. (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا):
الآية تعلِّل وجه ما أوصَوا به المبعوث لشراء الطعام من الإصرار على كتمان الأمر وذلك (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ): أي إنّهم إن يطّلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم أخذوكم فـ (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم بالرَّجم إن ثبتّم على دينكم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ): أي يردّوكم إلى دينهم إن لم تثبتوا، وكلا الأمرين سيّئ; أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فقد ذكره بقوله: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا).
سورة الكهف: الآيات 21 ـ 24   
فإن قلت: كيف يقولون إنّ العَود إلى ملّتهم يلازم عدم الفلاح، مع أنّ

1 . يوسف:37.

55
العَود إذا كان ظاهرياً لا حقيقياً لا يلازم عدم الفلاح؟ وبعبارة أُخرى: إنّهم لو كانوا سالكين مسلك التقية في حياتهم، يظهرون الكفر ويبطنون الإيمان، فعندئذ يفلحون، فكيف قالوا: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)؟
والجواب يعلم من الدقّة في الشِّقَّين في كلامهم حيث قالوا:إنّ في الاطّلاع عليهم أحد أمرين:
1. الرجم بالحجارة (يَرْجُمُوكُمْ).
2. العودة في ملّتهم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ).
والظاهر أنّ الشِّقَّ الأوّل ناظر إلى صورة المقاومة ظاهراً وباطناً، والثاني ناظر إلى رفض المقاومة تماماً والالتحاق بملّتهم ظاهراً وباطناً. ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الالتحاق يلازم عدم الفلاح والنجاة، وأمّا اختيار الصورة الثالثة وهي التظاهر بالكفر واستبطان الإيمان، فلم يكن يدور في أذهانهم يومذاك.
وللسيد الطباطبائي جواب آخر عن هذا السؤال، قال: فإنّهم لو عرضوا بأنفسهم عليهم أو دلوهم بوجه على مكانهم (أي أن يصدر منهم فعل يؤدّي إلى تعرّف العدوّ على مكانهم) لأعادوهم إلى ملّتهم ـ ولو على كره ـ كان ذلك منهم تسبيباً اختيارياً ولم يُعذروا البتة.1

الآيات: الحادية والعشرون إلى الرابعة والعشرين

(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا

1 . الميزان في تفسير القرآن:13/262.

56
رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لاَِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).

المفردات

أعثرنا عليهم: عثر على الشيء، يعثر، عثراً: إذا اطَّلع عليه، والمراد هنا أطْلعنا عليهم.
يتنازعون: التنازع: التخاصم.
بنياناً: جداراً على باب الكهف.
مسجداً: موضعاً للعبادة.
رجماً: الرَّجْم: القول بالظنّ والتخمين. ويقال لكلّ مَن يخرُص في حديثه: رجمَ فيه، والحديث مرجوم ومرجّم، كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب:
وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتمُ *** وما هو عنها بالحديث المرجَّمِ
بالغيب: الغيب: ما غاب عن الإنسان.

57
مراء: المراء: الجدل، المحاجّة فيما فيه مِرية وتردّد.

التفسير

إنّ القرآن الكريم قد طوى الكلام عن كيفية انكشاف أمرهم واطّلاع أهل المدينة على حالهم، ولكن يمكن فهم ذلك من خلال السياق. إذ لا شكّ في أنّ ما يثير الناس ويلفت أنظارهم هو وجود شخص في أوساطهم لا يمت إليهم بصلة بل ينتمي إلى عصر غابر في شكله وزيّه وعاداته وطريقة تعامله حتى طريقة كلامه ولهجته.
ومن جانب آخر قد تكون الوَرِق التي دفعها لتسديد ثمن الطعام والتي ترجع إلى عهد بعيد، هي التي كشفت أمره وكشفت أمر أصحابه.
ومهما يكن لقد بان السرّ، وشاع بين أهل المدينة الخبر، فاحتشدوا عند باب الكهف وعرفوا قصة أصحابه الذين ما لبثوا أن قُبضت أرواحهم وصاروا جثثاً هامدة.
وفي تفسير علي بن إبراهيم القمّي ما يرشدنا إلى كيفية انكشاف أمرهم حيث جاء مبعوث القوم إلى المدينة فرآها بخلاف الذي عهدها، ورأى قوماً بخلاف أُولئك لم يعرفهم ولم يعرفوا لغته، ولم يعرف لغتهم، فقالوا له: مَن أنت؟ ومن أين جئت؟ فأخبرهم.1
ولعلّ المبعوث رجع من فوره إلى الكهف فأخبرهم بما شاهد
وما وقف عليه، فعند ذلك ـ كما في تفسير القمي ـ بكوا وسألوا الله تعالى

1 . تفسير القمّيّ: 2 / 7 .

58
أن يعيدهم إلى مضاجعهم.
21. (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا):
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل إيقاظهم بعد النوم بوجهين:
الأوّل: ما تقدّم في صدر القصّة في قوله: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا).1
الثاني: ما يذكره بقوله في هذه الآية: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ): أي كما أنمناهم وبعثناهم، أَطْلعنا أهل المدينة عليهم، ليعلموا أنّ وعد الله بالبعث حقّ، فقد كان هناك مَن يشكّ في قدرة الله على إحياء الموتى ويمتري في إنشاء الأجسام بعد البِلى، فأطلعهم الله عليهم وأراهم هذه الآية (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا) فإنّ إيقاظهم سالمين بعد بضع مئات من السنين، يُعدّ أفضل دليل على أنّه سبحانه قادر على إحياء الموتى يوم القيامة، وصدق ما وعد به من البعث والنّشور.
وبعد أن وصل الناس إلى باب الكهف وشاهدوا جثثاً هامدة، بدأ التنازع في شأنهم كما يقول: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ): أي أمر أصحاب الكهف. والظاهر أنّ متعلّق التنازع هو كيفية التعامل معهم وفيما يصنعون

1 . الكهف:12.

59
بهم بعد ما ماتوا، فكان هناك فريقان، ولكلٍّ رأيٌّ:
1. فريق أرادوا أن يُخفوا أمرهم (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ابنوا جداراً على باب الكهف واستروا أمرهم عن أعين الناس واجعلوهم وراء هذا البنيان. والظاهر أنّ القائلين بذلك هم الوثنيّون، وكأنّهم أرادوا بذلك أن يخفوا أمرهم لكي ينساهم الناس ولا يتحدّثون عنهم باعتبارهم برهاناً ساطعاً لإثبات البعث الذي كانوا ينكرونه، مظهرين ما أخفَوا من عدم الرغبة في بقاء قصّتهم حيّة في النفوس، بقولهم:(رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) من الصلاح والفلاح، أو من الزيغ والضلال.
ويُشعر بعدم رغبتهم في انكشاف حالهم من الإحياء بعد الإماتة، قولُهم: (رَبُّهُمْ) دون أن يقولوا: ربُّنا. وحاصل كلامهم: اتركوهم بحالهم وسدّوا فتحة الكهف وفوّضوا أمرهم إلى الله، فهو أعرف بحالهم.
2. فريق شاءوا أن ينكشف حالهم ويُستدلّ بهم على إمكان المعاد وسعة قدرة الله سبحانه، ولذلك اقترحوا بناء مسجد على الكهف كما قال: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ). وفي مرجع الضمير في قوله:(عَلَى أَمْرِهِمْ)وجهان:
الأوّل: أنّ الضمير يرجع إلى ما عاد عليهم ضمير (فَقَالُوا): أي قال الذين غلبوا على أمر القائلين (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)والمراد من الغلبة أحد الأمرين: الغلبة بالحجّة، حيث قامت حجّة على صحّة البعث، أو الغلبة من حيث انحسار الوثنية عن الساحة، واستقرار الديانة التوحيدية.
الثاني: أنّ الضمير يرجع إلى أصحاب الكهف ومعنى (غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) اطّلعوا على واقع أمرهم وأنّهم كانوا رجالاً مجاهدين في سبيل الله

60
تركوا الأوطان لحفظ الدين، أي عرفوهم حقّ المعرفة.
وعلى كلّ تقدير، تمّ إقرار رأي الفريق الثاني القاضي ببناء مسجد، وموضع للعبادة والسجود لله سبحانه كما قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)وفي التعبير بالمسجد دون المعبد دلالة على أنّ أصحاب هذا الرأي هم الموحّدون لأنّ المسجد في عرف القرآن هو المكان المخصّص لذكر الله سبحانه، قال تعالى: (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ)1، والآية أفضل دليل على مشروعية بناء المساجد عند قبور الأولياء، بل على قبورهم تبرُّكاً بتربتهم ; لأنّ القرآن يذكر ذلك دون ردّ عليه، فلو كان أمراً محرَّماً لأشار إليه من دون حاجة إلى استصحاب شريعة من قبلنا، بل أنّ نقل القرآن الكريم أمراً من دون نقد وردّ عليه كاف في حجِّيّته.
هذا، ويظهر من كثير من المفسّرين أنّ الاقتراح الثاني كان للمؤمنين بخلاف الاقتراح الأوّل، فإنّه كان للكافرين، وإليك بعض كلماتهم في ذلك:
1. قال الرازي قوله سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) قيل: المَلك المسلم وأولياء أصحاب الكهف.2
2. قال أبو حيان الأندلسي: وروي أنّ ] الطائفة[ التي دعت إلى البنيان كانت كافرة، أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم فمانعهم المؤمنون وبنوا عليهم مسجداً.3
3. قال أبو السعود: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) هم المَلك

1 . الحج:40.
2 . تفسير الرازي: 21/105.
3 . البحر المحيط:6/113.

61
والمسلمون (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا).1
4. قال الزمخشري:(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم وكانوا أَولى بهم وبالبناء عليهم: ليتّخذ على باب الكهف مسجداً يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم .2
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية، وكأنّ الاتّفاق موجود على أنّ القول بإيجاد البنيان على باب الكهف كان لغير المسلمين، والقول ببناء المسجد على بابه قول المسلمين، والذي يدلّ على ذلك أمران:

حُكم بناء المساجد عند قبور الأولياء

الأوّل: أنّ اتّخاذ المسجد دليل على أنّ القائل كان موحِّداً مسلماً غير مشرك، فأيّ صلة للمشرك ببناء مسجد على باب الكهف؟! وإذا كان المشركون يهتمّون بعمارة المسجد الحرام فلأجل أنّه أُنيط بالبيت كيانهم وعظمتهم في الأوساط العربية، بحيث كان التخلّي عنها مساوقاً لسقوطهم من أعين العرب في الجزيرة كتكريمهم البيت الحرام.
أفبعد اتّفاق أكابر المفسّرين، هل يصحّ لباحث أن يشكّ في أنّ القائلين ببناء المسجد على قبورهم كانوا من المسلمين الموحّدين؟
الثاني: ما رواه الطبري في تفسير قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ): أنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهرَي سوقها

1 . تفسير أبي السعود:5/215.
2 . تفسير الكشاف:2/245.

62
فيسمع أناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم(عليهما السلام) فزاده فَرَقاً، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه: أمّا عشيّة أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قُتل، وأمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف.1
وهذا يُعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحّدة مؤمنة متديّنة بشريعة المسيح رغم كونهم على ضدّه قبل ثلاثمائة سنة.
هذا، وقد كتبنا رسالة حول مشروعية بناء المساجد على قبور الأنبياء والأولياء، ستوافيك في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.

الاختلاف في عددهم

22. (سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا).
كان الاختلاف الأوّل راجعاً إلى أهل المدينة الذين عثروا على الكهف ورأوا بأُمّ أعينهم أجساد اللاجئين إليه، وقد اختلفوا في كيفية التعامل معهم إمّا بإغلاق فتحة الكهف، أو بإقامة مسجد عليهم.
وأمّا هذه الآية فتشير إلى اختلاف ثان يرجع إلى الاختلاف في عددهم، وهذا لا يمتّ إلى أهل المدينة بصلة إذ لا معنى لاختلافهم في

1 . انظر: جامع البيان (تفسير الطبري): 15 / 268 ـ 269 .

63
عددهم وهم بمرأى من أعينهم، بل يرجع إلى الخائضين في قصّتهم من أهل الكتاب وغيرهم في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أو بعد زمن يسير من وقوع الحادثة. وعلى ذلك يرجع الضمير في قوله: (سَيَقُولُونَ) إلى الناس، حيث كانوا مختلفين في عددهم إلى أقوال:
1. (سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ).
2. (وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ).
ثمّ إنّه سبحانه يصف هذين القولين بقوله:(رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وهو تعبير عن القول بغير علم، والرَّجم بالغيب أصله رمي الحجارة إلى مرمىً مجهول لا يعرف الرامي أين تقع.
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله): الرَّجم هنا هو القذف بالظنّ والقول بغير علم. ومن عادة العرب أن تسمّي القائل بالظنّ راجماً وقاذفاً، وتسمّي السابّ الشاتم رامياً مراجماً، ويقولون هذا الأمر غيب مُرجّم أي يرميه الناس بظنونهم ويقدرونه بحسبانهم، ومرجّم إنّما جاء لتكثير الفعل كأنّه يُرمى من هاهنا، ومن هاهنا، وإنّما سمّي الظانّ راجماً لأنّه يوجّه الظنّ إلى غير جهة معلومة، بل يظنّ هذا ويظنّ هذا كالراجم الذي لا يعلم مواقع أحجاره إذا رمى بها في الجهات، فتارة تقع يميناً، وتارة تقع شمالاً.1
3. (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) وهذا القول لا يردّ عليه القرآن بشيء، بل يقول بعده: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فهل في هذا الردّ إشعار بتزييف القول الثالث أو لا؟
الظاهر هو الثاني حيث وصف الأوّلَين بالرَّجم بالغيب دون الثالث،

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 107 ـ 108.

64
ولا ينافيه قوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)لماذا؟ لِما تضمّنه من التعقيب بقوله: (إِلاَّ قَلِيلٌ). ولعلّ الطائفة الثالثة هم المعنيّون بقوله: (إِلاَّ قَلِيلٌ)، ويشهد لِما ذكرنا من أنّه ليس إشعاراً بتزييفه، أنّه سبحانه يخبر عن مقدار لبثهم بقوله:
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)ثم يقول:(قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا).
ثمّ إنّه سبحانه نهى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية عن أمرين، وفي الآية التالية عن أمر ثالث، والأمران هما:
الأوّل: أن يدعَ المِراء والجدل الطويل في أمر أصحاب الكهف (فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ) ويكتفي بإلقاء ما عنده من علم في هذا الصدد في يسر ولين، من غير تجهيل ولا ردّ للخائضين في قصّتهم، وهو ما استثناه تعالى بقوله (إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا) وهو الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا يطول الخوض فيه.
قيل: المراد بكون المراء ظاهراً أن لا يتعمّق فيه بالاقتصار على ما قصّه القرآن من غير تجهيل لهم ولا ردّ،1 مثل أن يقول: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)، فمسألة عدد هؤلاء الفتية ـ مثلاً ـ من المسائل التي لا سبيل إلى إثباتها إلاّ بطريق الوحي، ومن هنا يصبح الجدل حولها عقيماً، والأخذ والردّ فيها مدعاة للتشويش على الهدف الذي سيقت القصة لأجله.
ولا شكّ في أنّ التمادي في الجدل في القضايا الجزئية وغير المهمّة، هو استنزاف للوقت، وتضييع للجهد، وتأجيج لمشاعر البغض والعداء.
ومن هنا نهى الإسلام عنه، وحذّر من غوائله الخطيرة، ودعا المؤمن

1 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن:13/269.

65
إلى ترك المراء ولو كان محقّاً.
الثاني: أن لا يسأل أحداً (ممّن يدّعون العلم في قصة أصحاب الكهف) في شأنهم، وقال: (وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا).
إنّ المسؤول ينبغي أن يكون عالماً بالموضوع الذي يُسأل عنه، معتمداً على الدليل في إثبات أو نفي مسائله، حتى يستهدي به السائل، ويصل إلى الحقّ الذي لا شكّ فيه، وهؤلاء لا حظَّ لهم ممّا ذُكر، وإنّما يرجمون بالغيب، ويجازفون في أقوالهم. ولا ريب في أنّ من يَرِد نبع القرآن الفيّاض، وينهل من نميره العذب، لا يبحث عن الأوشال، ولا يسعى نحو السّراب.
23. ( وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا):
هذا هو الأمر الثالث الذي نهى سبحانه رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه، وهذا النهي وإنّ كان متوجِّهاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لكن الظاهر أُريد به عامّة الموحدين حيث إنّه إذا أخبر إنسان عن فعل لنفسه في زمان المستقبل لزم أن يُقرنه بمشيئة الله، بأن يقول: سأفعل ذلك غداً إن شاء الله، كما سيوافيك في الآية التالية، وذلك لأنّ الإنسان وجوده وفعله قائم بالله سبحانه قيام المعنى الحرفيّ بالمعنى الاسميّ، فمثل ذلك لا يصحّ أن يقول سأفعل غداً، لظهوره في استقلاله في مقام الفعل، والمستقلّ في مقام الفعل مستقلّ في مقام الذات. وكأنّ ما في الكون لا يتحقّق إلاّ بإذن وإرادة منه سبحانه. ويشهد لذلك كثير من الآيات التي تقيّد تحقّق الفعل الكوني بإذن الله، حتى الفعل الصادر من الإنسان، قال تعالى:(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ

66
اللهِ)1 فلأجل ذلك نهى الله سبحانه النبيَّ وعامّة الموحِّدين عن نسبة الفعل إلى أنفسهم إلاّ إذا كان مقروناً بالمشيئة، كما قال:
24. (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا):
قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ) استثناء يحتاج إلى المستثنى منه، والظاهر أنّه محذوف فصار الاستثناء استثناءً مفرغاً، يقول السيد الطباطبائي في هذا الصدد:(وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء): أي لأجل شيء تعزم عليه (إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) في حال من الأحوال أو زمان من الأزمنة إلاّ في حال أو في زمان يلابس قولك المشيئة بأن تقول: إنّي فاعل ذلك غداً إن شاء الله أن أفعله أو إلاّ أن يشاء الله أن لا أفعله، والمعنى على أيّ حال: إن أَذِن الله في فعله.2
ومع ذلك فهنا احتمال آخر، وهو أنّه مستثنى من كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)المنهيّ عنه، وتقدير الآية: ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غداً إلاّ قولاً مقترناً بـ(إن شاء الله).
قوله تعالى: (وَاذْكُرْ) عطف على النهي أعني:( وَلاَ تَقُولَنَّ)، والآية بصدد بيان التدارك، وهو أنّ الإنسان إذا نسب الفعل إلى نفسه في المستقبل ونسي إقرانه بمشيئة الله يتدارك إذا ذكر، كما يقول: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ). وعلى هذا فالمراد بالربّ حسب الظاهر هو مشيئة الربّ، فهذا تعليم آخر،

1 . الحشر:5.
2 . الميزان في تفسير القرآن:13/271.

67
والتعليم الأوّل تعليم في الابتداء، والثاني تعليم في الأثناء، وبذلك تُعلم صلة الآية بما قبلها.
ثمّ أمره سبحانه، بعد النهي عن الأُمور الثلاثة، بقوله:(وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا): أي ادعُ بهذا الدعاء. فما هو المراد من هذا الدعاء؟
إنّ تبيين المراد يَكْمُن في تعيين المشار إليه في قوله: (مِنْ هَذَا)، والظاهر أنّه يرجع إلى المرجع الأقرب وهو ذكر الربّ إذا نُسي، ويكون المعنى: وأرجُ أن يهديك ربُّك إلى أمر هو أقرب رشداً من النسيان ثم الذِّكر، وهو الذِّكر الدائم من غير نسيان، فيكون من قبيل الآيات الداعية له(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى دوام الذِّكر، كقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)1، وذكر الشيء كلّما نُسي ثم ذِكره والتحفّظ عليه كرّة بعد كرّة من أسباب دوام ذكره.2
ولكنّ المفسّرين بين من لم يُعر عناية للمشار إليه ولم يبيِّن المراد من الفقرة، وبين من جعل المشار إليه قصة أصحاب الكهف، فقال: عسى ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوّة ما يكون أقرب إلى الرّشد وأدلّ من قصة أصحاب الكهف.3 والوجه الأوّل أفضل وأقرب إلى السياق.

1 . الأعراف:205.
2 . الميزان في تفسير القرآن:13/274.
3 . مجمع البيان:6/381. ولاحظ: روح المعاني:15/251، وغيرهما.

68

الاختلاف في مدّة المكث

سورة الكهف: الآيتان 25 و 26   

الآيتان: الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).

التفسير

بيَّن سبحانه الفترة التي قضاها الفتية راقدين في الكهف بقوله:
25. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا):
هذا هو الحقّ، فقد مكثوا نائمين (309) سنين. وقد روي أنّ يهودياً سأل علي بن أبي طالب(عليه السلام) عن مدّة لبثهم فأخبر بما في القرآن، فقال: إنّا نجد في كتابنا ثلاثمئة، فقال(عليه السلام): «ذاك بسِنيّ الشمس وهذا بسِنيّ القمر».1ولعلّه سبحانه لأجل بيان كلا التاريخين عبّر بقوله: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) ولم يقل ثلاثمئة وتسع سنين.
26. (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا):

1 . مجمع البيان:6/384.

69
ربّما كان بين أحبار اليهود أو غيرهم مَن يقول بغير ذلك، وربّما حاجّوا به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأمره سبحانه بقوله: (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا): أي الذي أنامهم هو أعلم بمقدار مكثهم فلا يصغي إلى قول آخر.
وبما أنّ ما جاء حول أصحاب الكهف من الأخبار الغيبية التي تلقّاها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الوحي، فقد صار ذلك سبباً لوصفه سبحانه نفسه بقوله: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): أي ما غاب في السماوات والأرض عن إدراك العباد (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) وهما صيغتا تعجُّب، أي ما أبصره وما أسمعه، أي ما أبصر الله تعالى بكلّ موجود، وما أسمعه لكلّ مسموع، فلا يخفى عليه شيء (مَا لَهُمْ): أي أهل السماوات والأرض (مِنْ دُونِهِ): أي غيره تعالى (مِنْ وَلِيّ) يتولّى أُمورهم (وَلاَ يُشْرِكُ) اللهُ (فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)لأنّه غنيّ عمّا سواه.
إلى هنا تمّت قصة أصحاب الكهف حسب الآيات القرآنية، بقي هنا كلام حول تعيين مكان الكهف ومحلّ القصة.

الموقع الجغرافي للكهف

ما ذكره القرآن الكريم من هذه القصة هو اللُّبّ والثمرة، وترك التفاصيل الّتي لا عبرة فيها. وهذه هي سيرة القرآن الكريم حيث يقتصر في سرده للقصص على مختارات من نكاتها المهمّة المؤثّرة في إيفاء الغرض من غير أن يبسط القول فيما يفقد النكتة والعبرة، ومنها التعرّض للأوضاع الجغرافية ومحلّ الكهف. ولذلك اختلفت كلمات المؤرّخين في محلّه، وقد عُثر في مختلف بقاع الأرض على عدّة من الكهوف، وعلى جدرانها

70
تماثيل رجال ثلاثة أو خمسة أو سبعة ومعهم كلب.
وإليك الإشارة إلى تلك المواضع:
1. كهف «إفسوس»1 بكسر الهمزة. وهي مدينة خربة في تركيا على مسافة (73) كيلومتراً من بلدة «إزمير» والكهف على مسافة كيلومتر واحد أو أقل من «إفسوس»، وهذا هو المشهور بين المفسِّرين. نعم ليس في فم الكهف مسجد، ولعلّه خرِّب عبر السنين.
2. كهف «رجيب». يقع هذا الكهف ـ الّذي شاهدته عن كثب عندما زرت الأردن لإلقاء محاضرة عام (1419هـ) ـ على مسافة ثمانية كيلو مترات من مدينة عمّان (عاصمة الأردن) بالقرب من قرية تُسمّى رجيب، والكهف في جبل محفوراً على الصخرة في السفح الجنوبي منه، وأطرافه من الجانبين الشرقي والغربي مفتوحة، وباب الكهف يقابل جهة الجنوب، وفي الغار عدّة قبور على هيئة النواويس البيزنطيّة كأنّها ثمانية أو سبعة.
وفوق الغار آثار صومعة بيزنطية تدلّ النقود والآثار الأُخرى المكتشفة فيها على كونها مبنيّة في زمان الملك جوستينوس الأوّل (418ـ 427م) وآثار أُخرى، بَيْد أنّ الصومعة بدّلت ثانياً ـ بعد استيلاء المسلمين على الأرض ـ مسجداً إسلامياً.
قال السيد الطباطبائي: إنّ مشخّصات هذا الكهف أوضح انطباقاً على ما في القرآن.

1 . قال ابن عاشور: أَبْسُس: كان بلداً من ثغور طَرَسوس بين حلب وبلاد أرمينية وأنطاكية. وليست هي (أفسس) بالفاء، المعروفة في بلاد اليونان بشهرة هيكل المشتري فيها، فإنّها من بلاد اليونان، وقد اشتبه ذلك على بعض المؤرخين والمفسّرين. التحرير والتنوير:15/21.

71
3. كهف جبل قاسيون في الشام بالقرب من الصالحيّة بدمشق الشام يُنسَب إلى أصحاب الكهف.
4. كهف بالبتراء من بلاد فلسطين ينسبونه إلى أصحاب الكهف.
5. كهف اكتشف في شبه جزيرة اسكندنافية من أوربا الشمالية، عثروا فيه على سبع جثث غير بالية على هيئة الرومانيين، يُظنّ أنّهم الفتية أصحاب الكهف.
وهناك كهوف أُخرى منسوبة إلى أصحاب الكهف أيضاً، كما يذكر أنّه بالقرب من بلدة نخجوان من بلاد قفقاس يوجد كهف يعتقد أهل تلك النواحي أنّه كهف أصحاب الكهف، ولا يمكن الاعتماد على هذه النقول.
وبما أنّ القصة رومانية وسلطتهم حتّى في أيام مجدهم لم تبلغ نواحي أوربا الشمالية أو القفقاس، فالأَولى تفويض العلم إلى الله سبحانه.1

الدروس والعبر

إنّ فيما مضى من قصة أصحاب الكهف عبراً وعظات:
1. إذا واجه الموحِّد ما يمنعه من حفظ دينه والعمل بشعائره في وطنه، وجبت عليه الهجرة إلى مكان آخر حتّى يحتفظ بدينه، كما فعل ذلك أصحاب الكهف.
2. إذا اختار المؤمن الغربةَ وترك الوطن والحياة بين قومه وعشيرته

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:13/295ـ299.

72
من أجل عقيدته، فسوف تكتنفه الألطاف الإلهية وينشر ربه رحمته عليه، كما كان الحال كذلك في أصحاب الكهف.
3. إنّ العقيدة أعز الأشياء لدى الموحِّد ولا يعادلها شيء، فإذا كان هناك تصادم بين العقيدة والعيش الرغيد، فالموحِّد يأخذ بالأُولى ويترك الثاني، وقد حكي أنّ أصحاب الكهف كانوا من حاشية الملك ومقرَّبيه ووزرائه، ولكنّهم حين رأوا أنّ بقاءهم في البلاط يصادم عقيدتهم التوحيدية، فإنّهم تركوا البلاط وما فيه من نِعَم، وتمسّكوا بعقيدتهم مهاجرين.
4. إنّ العيش في الغار مع كونه مظلماً وفاقداً لوسائل الحياة، كان عندهم بسبب ما يعمر قلوبهم من الإيمان، أجملَ من القصور والرياض والنِّعم الّتي كانوا فيها.
وهذا هو ديدن الموحِّدين العارفين حيث يرجّحون السجن على عصيان الله تبارك وتعالى، وقد مرّ بنا أنّ النبي يوسف(عليه السلام) عندما خُيّر بين السّجن وارتكاب الحرام، آثر الأوّل وقال:(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).1
سورة الكهف: الآيات 27 ـ 31   

الآيات: السابعة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ

1 . يوسف:33.

73
رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا).

المفردات

لا مبدِّل: لا مغيّر.
لكلماته: لآياته.
ملتَحداً: ملجأ، يرجع إليه عند نزول الملمّة.
واصبر نفسك: أي ثبِّتها.
بالغداة: الغَداة: أوّل النهار.
العَشيّ: آخر النهار.

74
يريدون وجهه: يبتغون رضاه وطاعته، فإنّ الإقبال بالوجه آية الرضى.
ولا تعدُ عيناك: ولا تصرف عيناك (نظرك) عنهم إلى غيرهم.
فُرُطاً: مجاوزاً الحدَّ خارجاً عنه، من قولهم: أفرط إفراطاً إذا أسرف.
سُرادقها: السُّرادق: الفُسطاط المحيط بما فيه.
كالمُهل: المُهل: خثارة الزيت ودُرديُّه. وقيل هو النحاس الذائب.
مُرتفَقاً: المُرتفق: المتَّكأ، يقال بات فلان مرتفقاً أي متّكئاً على مِرفَقه(وهو مابين السّاعد والعَضُد)، قال أبو ذؤيب الهُذَليّ:
نام الخليّ وبتُ الليل مرتفقاً *** كأنّ عينيَ فيها الصّاب مذبوحُ
أساور: جمع سِوار.
سُندس: السُّندس :الديباج الرقيق.
إستبرق: الإستبرق: ما غَلُظ من الديباج.
الأرائك: جمع أريكة، السرير في الحَجَلة، والحَجَلة كالقبّة على الأسرّة.

التفسير

هذه المجموعة التي تتشكّل من خمس آيات تتحدّث عن أُمور أربعة:
1. أن يتلو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ما أُوحيَ إليه ولا يعتدّ بمن يقول له بدِّله بقرآن آخر.

75
2. حبس النفس مع المؤمنين الفقراء، وعدم العدول عنهم إلى غيرهم من المترفين.
3. مصير الكافرين يوم القيامة وما لهم من أنواع العذاب.
4. مصير المؤمنين وما لهم من النعم الدائمة.
أمّا الأمر الأوّل فيقول عنه:
27. (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا):

اقتراح المشركين تبديل القرآن بغيره

كان هناك من المشركين مَن يقترح على النبيّ أو يصرّ عليه أن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدّله، كما حكى عنهم سبحانه ذلك بقوله: (قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)1، ولذلك يأمره سبحانه بقوله: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ): أي لا يقدر أحد على تبديلها.
والظاهر أنّ المراد من الكلمات هو آيات القرآن الكريم الذي اقتُرح على النبي تبديلُه، وأمّا ما قاله الطبرسي من أنّ المراد لا مغيّر لما أخبر الله به فيه وما أمر به،2 فهو بعيد لأنّ الخبر لا يقبل التغيير، اللّهمّ إلاّ أن يراد: أي لا مكذّب لما أخبر .

1 . يونس:15.
2 . مجمع البيان:6/385.

76
قوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا): أي إن لم تتّبع القرآن فلن تجد من دون الله ملجأً تذهب إليه إذا نزلت بك مُلمّة. والكلام مبنيّ على الفرض والتقدير وإلاّ فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أطوع الناس لربّ العالمين، لا تحدّثه نفسه بذلك، وإن شئت قلت: الكلام من قبيل: إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة.
28. (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا):

النهي عن طرد المعدمين من حوله

روى الواحدي عن سلمان، قال: جاءت المؤلَّفة القلوب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا رسول الله، إنّك لو جلست في صدر المجلس ونحّيت عنّا هؤلاء وأرواح جبابهم ـ يعنون سلمان وأباذرّ وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها ـ جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ...) حتى بلغ (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا...)يتهدّدهم بالنار، فقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخَّر المسجد يذكرون الله عزّ وجلّ، قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أُمّتي، معكم المحيا، ومعكم الممات.1

1 . أسباب النزول:171.

77
يلاحظ عليها: أنّ الآية تدلّ على أنّ هناك طائفة من المشركين عابوا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) التفاف الفقراء حوله، وأنّها جاءت تنكر عليهم تلك النظرة المستعلية لفقراء المؤمنين، معلنةً أنّ الامتياز بالإيمان والتقوى.
وأمّا كون المقترحين من المؤلّفة قلوبهم فهذا لا ينجسم مع لحن الآية، وذلك لأنّه سبحانه وصف المقترحين بأوصاف ثلاثة:
1. (أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا).
2. (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).
3. (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
وهذه الصفات تنطبق على المشركين، ولازم ذلك كون الآخرين موصوفين بخلافها، مع أنّ كون الآية مدنية يلازم كون المقترحين مسلمين.
وعلى كلّ تقدير فالله سبحانه خصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لتحبيب قلوب المستضعفين، بأُمور:
1. (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ): أي ثبّت نفسك واحبسها (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ)وهي أوّل النهار (وَالْعَشِيِّ) وهو آخر النهار، والمراد هنا أنّهم يدعون ربّهم دائماً، يقال: أنا ضربت هذا الأمر ظهره وبطنه، أي لاحظت جوانب الأمر كلّها، وهكذا ذكر الغداة والعشيّ، فهو كناية عن عامّة الأوقات.
ثمّ إنّه سبحانه يصف الذين أمر النبيّ بملازمتهم بقوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ): أي يطلبون رضاء الله سبحانه، بعيداً عن الرِّياء والسمعة.
2. (وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ): أي لا تتجاوز عيناك عنهم بالنظر إلى

78
غيرهم من أبناء الدنيا، وكأنّه كناية عن عدم تحقيرهم وتركهم ومصاحبة غيرهم، فإنّ الإنسان إذا صرف نظره عن شخص إلى شخص آخر فقد حقّره إذا استمرت الحال . فقوله: (وَلاَ تَعْدُ) من عدا يعدو وتعدو، فإذا دخلت عليه لام النهي يجزم آخره بحذف الواو، وحاصل الكلام: لا تُعرض عنهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الجملة حالية من الضمير في قوله: (عَيْنَاكَ)وبيان لغاية صرف النظر عن الفقراء وإعماله في حقّ الأغنياء، فإنّ الداعي لهذا هو ابتغاء زينة الحياة الدنيا، التي كان يستمتع بها المترفون، ولكن زينة الحياة الدنيا فانية زائلة، وأمّا ما عند هؤلاء من الإيمان والإخلاص والمكارم النفسانية، فهو الباقي الذي لا يزول.
إنّ هؤلاء المترفين إنّما يريدون بتكبّرهم على الآخرين أن يستروا نقائصهم، كما قال الكاتب المعاصر: «أعلمُ الناس بنواقصهم المتكبّرون، لأنّهم يسترون ما يعلمون منها بالغطرسة والاستعلاء»1، وما درَوا:
الناس من جهة التصوير أكفاءُ *** أبوهمُ آدم والأُمّ حوّاءُ
فإن يكن لهمُ في أصلهم شرفٌ *** يُفاخرون به، فالطينُ والماءُ
3. (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) هذا هو الأمر الثالث الذي خصّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وحاصله الإعراض عن اقتراح المشركين، الذين جعلنا قلوبهم غافلة عن ذكرنا بتعريضها للغفلة. وبما أنّ الجملة ربّما توهم الجبر وأنّه سبحانه هو القائم بجعل قلبه غافلاً عن ذكر الله، جاء قوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)دليلاً على أنّ السبب لذلك هو اتِّباعه للهوى، نظير قوله سبحانه:

1 . القيم الإنسانية للسيد محمود الموسوي:1/48.

79
(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)1 حيث صارت إزاغة الله نتيجةً لزيغ الكافر نفسه، ويؤكّد ذلك بقوله: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا): أي وكان أمره في اتّباع الهوى وترك الإيمان فرطاً أي متجاوزاً لحدود الحقّ.
إلى هنا تمّت الأُمور الثلاثة التي خصّ بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، في مقابل المشركين. ثمّ أمره برابع الأُمور:
29.(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا):

الإنسان مخيّر بين الإيمان والكفر

قوله:(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) عطف على قوله: (وَاصْبِر)، ولعلّ المراد أن يقول النبيّ:(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) ولا يزيد على ذلك ولا ينقص، فإنّ الجدال مع القوم غير نافع، وعلى هذا فالحقّ مبتدأ، وقوله: (مِنْ رَبِّكُمْ)خبره، على خلاف ما عليه صاحب الكشّاف حيث قال: الحق خبر مبتدأ محذوف.(2) ولعلّ المبتدأ عنده كلمة هذا.
قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)الظاهر أنّ هذا من كلامه تعالى يخاطب به نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس داخلاً في مقول القول.2 وهو أفضل

1 . الصف: 5.   2 . تفسير الكشاف: 2/ 258.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 13/304.

80
دليل على أنّ الإنسان مخيّر لا مسيّر. وقد نظم الفقيه الكبير زين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني مضمون الآية في بيتين، فقال:
لقد جاء في القرآن آية حكمة *** تدمّر آيات الضلال ومن يجبِّرْ
وتخبر أنّ الاختيار بأيدينا *** «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرْ»1
أقول: إنّ هذه الآية من الآيات الدالّة بوضوح على أنّ الإنسان مخيّر في إيمانه وكفره، وقد استدلّ بها القائلون بالاختيار على مختارهم، ولمّا كان الرازي من المجبّرة قال:
لقد سألني بعضهم عن هذه الآية فقلت: هذه الآية من أقوى الدلائل على صحّة قولنا، وذلك لأنّ الآية صريحة في أنّ حصول الإيمان وحصول الكفر موقوف على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر، ثم حصول ذلك القصد والاختيار إن كان بقصد آخر يتقدّمه، واختيار آخر يتقدّمه لزم أن يكون كلّ قصد واختيار مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية، وهو محال، فوجب انتهاء تلك القصود وتلك الاختيارات إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة عند حصول ذلك القصد الضروري، والاختيار الضروري يوجب الفعل، فالإنسان شاء أو لم يشأ إن لم تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعارض لم يترتَّب الفعل، وإذا حصلت تلك المشيئة الجازمة شاء أو لم يشأ يجب

1 . مقدمة الروضة البهية:188.

81
ترتُّب الفعل عليه، فلا حصول المشيئة مترتِّب على حصول الفعل، ولا حصول الفعل مترتِّب على المشيئة، فالإنسان مضطرّ في صورة مختار.1
أقول: ما ذكره ليس شيئاً جديداً بل هو من أدلّة المجبّرة، حيث قالوا: إنّ كلّ فعل اختياريّ بالإرادة، ولكنّها ليست أمراً اختيارياً وإلاّ لزم أن تكون مسبوقة بإرادة أُخرى، وينتقل الكلام إليها فإمّا أن تقف السلسلة فيلزم الجبر في الإرادة نهاية، وإمّا أن لا تقف فيلزم التسلسل، فبما أنّ الثاني باطل ثبت الأوّل.

الإجابة عن شبهة الرازي المجبِّر

ثمّ إنّ الرازي خلط بين الشبهتين، فجمع بينهما:
إحداهما: أنّ ما في الكون ينتهي إلى إرادة الله سبحانه، فإذا تعلّقت إرادته بشيء ومنه أفعال العباد فيكون العبد في فعله مسيّراً لا مخيّراً.
ثانيتهما: أنّ الميزان في كون الشيء اختيارياً كونه صادراً عن إرادة، فلو كانت الإرادة اختيارية فيلزم أن تكون مسبوقة بإرادة أُخرى، فلو كانت الثانية اختيارية يجب أن تكون مسبوقة بإرادة ثالثة، وهكذا فيتسلسل، فلا محيص من القول بأنّ الإرادة ليست إرادية بل فعلاً صادراً عن النفس عن جبر.
وهذا هو الإشكال في المقام، ولكنّ الرازي لم يفصّل بينهما بشهادة أنّه ـ دفعاً للتسلسل ـ جعل إرادة العبد مسبوقة بإرادة الله سبحانه وقال: إنّ إرادة العبد مسبوقة بإرادة الله سبحانه وهو إن أراد شاء العبد، وإلاّ فلا. مع أنّ

1 . تفسير الرازي:21/119.

82
الشبهة الثانية لا تحتاج إلى إسناد إرادته بإرادة الله، بل تكفي كونها صادرة عن النفس بلا اختيار، وها نحن نجيب عن الشبهة بالتقرير التالي فنقول: إنّ الإرادة بما هي فعل النفس يصدر عنها بلا سبق إرادة فيسقط قول المستدلّ: «بأنّها إمّا مسبوقة بإرادة أُخرى، فإمّا أن تقف أو تتسلسل»، بل نقول إنّها تصدر عن النفس بلا سبق إرادة، ومع ذلك فالإرادة فعل اختياري للنفس، وما اشتهر من أنّ كلّ فعل اختياريّ ما يكون مسبوقاً بالإرادة فهو صحيح في الأفعال الخارجية للنفس، وأمّا الأفعال الصادرة عنها بلا توسيط شيء فهي اختيارية وإن كانت غير مسبوقة بالإرادة، وذلك لأنّ الله سبحانه خلق النفس الإنسانية مختارة بالذات، فما يصدر عنها من الإرادة فإنّما يصدر باختيارها.
وإن شئت التفصيل فنقول: إن جعل ملاك الفعل الاختياريّ كونه مسبوقاً بالإرادة حتى تخرج الإرادة عن إطار الفعل الاختياريّ، أمر ممنوع، بل المناط في اختياريّة الفعل سواء أكان فعلاً جوارحيّاً أو جوانحياً، كونه صادراً عن فاعل مختار بالذات غير مجبور في صميم ذاته ولا مضطرّ في حاقّ وجوده، بل الاختيار مخمور في ذاته وواقع حقيقته.
وإن شئت فاستوضح الحال بأفعاله سبحانه، فإنّها كلّها اختيارية لكن لا بمعنى كونها مسبوقة بالإرادة التفصيلية الجزئية الحادثة لكونه سبحانه منزّهاً عن مثل هذه الإرادة، بل بما أنّه فاعل مختار بالذات، فلأجل ذلك تصبح أفعاله سبحانه في ظلّ هذا الاختيار الذاتيّ، أفعالاً اختيارية، والنفس الإنسانية في خلاّقيتها بالنسبة إلى الصور العلمية والإرادة التفصيلية مثال

83
للواجب سبحانه: (وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).1
ثمّ إنّ لأعلام الإمامية أجوبة أُخرى عن هذا الإشكال ذكرناها على وجه التفصيل في محاضراتنا في الإلهيات.(2)
وبعد ذلك فلنعد إلى تفسير ما بقي من الآية:
قوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا).
لمّا أوكل سبحانه أمر الإيمان والكفر إلى الإنسان نفسه، بدأ ببيان نتيجة مَن يختار الكفر، وبما أنّ المراد من الكفر هنا هو الشرك، والشرك ظلم عظيم عند الله وتعدٍّ لحقوقه، قال سبحانه: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ): أي المشركين، الأمرين التاليين:
1. بما أنّ هؤلاء المترفين كانوا يعيشون في الدنيا في ظل سرادقات عالية وقد هُيّئت لهم أسباب الترف من الأكل والشرب بأحسن الوجوه وأفضلها، صار ذلك سبباً لتجسِّد كلّ ذلك في الحياة الأُخروية بشكل آخر، أمّا العيش في السرادقات العالية المزينة بألوان من الأقمشة فيتجسّد في الآخرة كما يقول: (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) فالسُّرادق في الحياة الدنيا من الأقمشة الفاخرة، وأمّا في الآخرة فهو من النار.
قال الشريف الرضيّ: السُّرادق هو الفسطاط المحيط بما فيه، فقوله: (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) كناية عن إحاطة النار، فلا ينجو منها ناج.2

1 . النحل: 6.   2 . لاحظ : الإلهيات: 2 / 305 ـ 312.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:110.

84
2. أنّ هؤلاء كانوا يعيشون في هذه الخيام وحولهم جوار وغلمان يخدمونهم بأنواع الأشربة والطعام، وهذا يتجسّد في الآخرة بشكل آخر فيقول: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا): أي وإن طلبوا الغَوث من حرّ النار، وطلبوا ماءً لشدّة ماهم فيه من العذاب(يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ).
وقد فسّر «المهل» بوجهين:
أ. درديّ الزيت الذي له ريح نتنة.
ب. النحاس المذاب.
وعلى كلّ تقدير، فهذا الشراب إذا قدِّم لهم، فقبل أن يشربوا منه شيئاً، تحترق به وجوههم كما يقول: (يَشْوِي الْوُجُوهَ) إذا أرادوا أن يشربوه وقرّبوه من أفواههم، فلو كانوا في الحياة الدنيا يُسقَون أشربة باردة لذيذة، فذلك سيتجسّد في الآخرة بالمهل الذي يشوي الوجوه.
ثمّ إنّه سبحانه يصف ذلك المهل الذي يُجازى به هؤلاء بقوله:(بِئْسَ الشَّرَابُ): أي ما أقبح هذا الشراب الذي لا يطفئ غُلّة الإنسان، بل (يَشْوِي الْوُجُوهَ) ويحرقها قبل أن يصل إلى أفواه الظِّماء!!
قوله: (وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) في معنى الفقرة وجهان:
الأوّل: أنّ المرتفق بمعنى المتَّكأ وهو ما يُعتمد عليه بالمِرفَق، أعني المِخِدَّة، نظير قوله سبحانه: (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)1، والمعنى: ساءت النار متّكأً لمن يطلب فيها الاستراحة.

1 . آل عمران:197.

85
الثاني: أنّها بمعنى مجتمعاً أي ساءت مرافقة، والمرافقة لا تكون إلاّ باجتماع جماعة.1
إلى هنا تمّ وصف مصير الظالمين المشركين، ثم ينتقل البيان القرآني لوصف مصير المؤمنين الموحِّدين، فصارت أوصافهم على طرف النقيض من أوصاف المجرمين.
30. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً):

مصير المؤمنين في الآخرة

أخبر سبحانه في هذه الآية عن مآل المؤمنين على وجه الإجمال وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فالله سبحانه لا يضيع أعمالهم كما يقول: (إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) وقد تكرّر إخباره سبحانه عن شأنه في حقّ أعمال المؤمنين، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)2، والمراد من الإيمان هو الصلوات التي صلاّها المؤمنون نحو القبلة الأُولى (بيت المقدس)، وقال: (لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِنْكُمْ)3.
31. (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:110.
2 . البقرة:143.
3 . آل عمران:195.

86
سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا):
وقد وصف سبحانه جزاء المؤمنين والعاملين الصالحات الذين كانوا أشواكاً في أعين المشركين، حتى اقترحوا على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يردّهم عن ساحته ومجالسته بأُمور:
1. (أُولَئِكَ): أي المؤمنون العاملون للصالحات (لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ): أي لهم إقامة دائمة في جنات تجري من تحت قصورهم أنهار. فقوله: (تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ) بمعنى أنّها تجري من تحت قصورهم وأماكنهم، بشهادة قوله سبحانه: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)1.
2. (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) جمع سوار (مِنْ ذَهَب): أي يلبسون فيها أساور من ذهب تكون حلية لهم، فلو حرم الله سبحانه عليهم التحلّي بالذهب في الحياة الدنيا فقد أباحه لهم في الآخرة ; وذلك لأنّ التحلّي بالأساور الذهبية في الحياة الدنيا يورث الغفلة عن الله سبحانه، وهذا بخلاف الآخرة حيث تنكشف فيها الحقائق ويتجلّى سبحانه على عباده بأفضل تجلِّياته.
سورة الكهف: الآيات 32 ـ 36   
3. (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق): أي يلبسون رقيق الحرير وغليظه. واختير من الألوان، اللون الأخضر لأنّه أرفق بالأبصار. قال المُرقِّش(من شعراء الجاهلية):

1 . الزمر:20.

87
تراهنّ يلبسنَ المشاعرَ مرّةً *** وإستبرق الدِّيباج طَوراً لباسُها
4. (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ): أي يتّكئون فيها على سرر مُزدانة بالستور. وقد ذكرنا في المفردات بأنّ الأريكة هي السَّرير في الحَجَلة، والحَجَلة كالقُبّة على الأسرّة.
ثمّ إنّه سبحانه يثني على ذلك الجزاء بقوله: (نِعْمَ الثَّوَابُ): أي نِعمتِ الجنة جزاء لهم (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا): أي حسنت منزلاً ومقيلاً. ونظير المقام في الثناء على جزاء المؤمنين قوله: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).1

الآيات: الثانية والثلاثون إلى السادسة والثلاثين

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لاََجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا).

1 . الفرقان: 75 ـ 76.

88

المفردات

جنَّتين: الجنّة: البستان، وهي من الاجتنان والاستتار، لاستتار أرض الجنة بالأشجار.
أعناب: كُروم منوّعة.
حففناهما بنخل: من حَفّ القوم بالشيء إذا أطافوا به، وحِفاف الشيء: جانباه، فقوله: (وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل): أي جعلنا النخل محيطاً بهما.
أُكُلها: ثمرها.
لم تظلِم: لم تنقص، يقول الشريف الرضيّ: بمعنى لم تمنع منه شيئاً، وذلك لأنّ الجنة إذا أخرجت الثمر على تمامه وكماله، حسن أن يقال: إنّها لم تظلم منه شيئاً.1
صاحبه: الصاحب: المصاحب. ولعلّه كانت بينهما صلة وخلطة.
يحاوره: يجادله ويخاطبه.
أعزُّ نَفراً: أعزُّ عشيرة وأكثر أنصاراً وخدماً. ويحتمل أن يراد به الولد بقرينة قول مصاحبه كما سيأتي.
تَبيد: تَفنىَ وتهلك.
قائمة: ثابتة غير فانية، أو متحقّقة.
منقلَباً: مرجعاً وعاقبة.

1 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن: 147 .

89

التفسير

يمثّل الله سبحانه في هذه المجموعة والمجموعة اللاحقة، حال الكافر بالله والمنكر للحياة الأُخروية والمؤمن بهما، فالأوّل يركن إلى الدنيا ويطمئنّ بها، وهذا هو المذكور في هذه المجموعة، وأمّا حال المؤمن فسيأتي في المجموعة التالية.
وبما أنّ الزعماء المترفين من المشركين طلبوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) طرد المؤمنين الفقراء حتى يجتمعوا معه في مجلس واحد، وأنّهم لم يطلبوا ذلك إلاّ بدافع الاغترار بأموالهم وثرواتهم، جاء التمثيل مبيّناً بأنّ المال ظلٌّ زائل، وربّما ينقلب الغني فقيراً، وأنّ أساس الكرامة عند الله هو التقوى.
وحقيقة ذلك التمثيل أنّ رجلين كان أحدهما مؤمناً قانعاً راضياً بما قُسم له، وكان الآخر مشركاً غنيّاً متبجِّحاً بغناه، فقال لصاحبه المؤمن مباهياً مفتخراً: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا) وما هذا إلاّ لأنّه كان يملك جنتين من أعناب ونخل مطيفاً بهما، يتوسّطهما زرع وافر، وقد اقتضت مشيئته سبحانه بأن تأتي الجنتان أُكلها ولم تنقص منه شيئاً، وراح صاحب الجنتين المثمرتين يتيه على صاحبه بكثرة ماله وأتباعه.
وفي ظلّ هذا الشعور بالزهو والغرور، قال ـ وقد دخل جنّته ورأى ما تزخر به من خير وجمالَ ـ : ما أظنّ أن تفنى هذه الجنة وهذه الثمار ـ أي أنّها تبقى أبداً ـ وأخذ، تحت وقع ذلك الشعور الطاغي بالغرور، يكذّب بالساعة، ويقول: ما أحسب القيامة آتية!! وإن صحّ ما يقوله الموحّدون من أنّ هناك نشأة أُخرى، فإنّ ربّي سيعطيني خيراً من هذه الجنة، بشهادة

90
إعطائي الجنة في هذه الدنيا دونهم، وهذا دليل على كرامتي عليه.
هذا ما كان يتفوّه به وهو يمشي في جنته مختالاً، وأمّا الكلام الذي واجهه به صاحبه وانطوى على الحكمة والموعظة الحسنة، فسيأتي في المجموعة الثانية. وإليك تفسير الآيات:
32. (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا):

منطق الكافر الثريّ

قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً) قوله:(لَهُمْ) يمكن أن يكون متعلِّقاً بالفعل المتقدِّم(وَاضْرِبْ) أو متعلِّقاً بلفظة(مَثَلاً)، قوله:(رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا) أُريد به الرجل الكافر (جَنَّتَيْنِ) بستانين (مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا): أي أحْدَقناهما (بِنَخْل) وأحطناهما به (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا): أي جعلنا الزرع فاصلاً بين الجنتين، فالجنتان تكتنفان بالنخل، ويتوسّطهما الزرع من حبٍّ وغيره.
33. (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا):
قوله :(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا): أي أثمرتا إثماراً كثيراً معجباً (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا): أي لم تنقص من أُكلها شيئاً، بل أثمرتا ثمراً كثيراً مستوفياً كما تثمر الأشجار في التربة الخصبة (وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا)بتحريك الهاء

91
لغة في النَّهْر، نظير قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر)1 وتفجير النَّهر في البساتين من أغلى أُمنيّات أهل مكّة وما والاها، ولذلك كان من ضمن اقتراحاتهم (من باب الإعجاز) هو قولهم: (حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا).2
قال الطبرسي في توضيح معنى الفقرة المتقدّمة: شققنا وسط الجنتين نهراً يسقيهما حتى يكون الماء قريباً منهما، يصل إليهما من غير كدّ وتعب.3
34. (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا):
الضمير في (لَهُ) يرجع إلى الرجل، والمراد من (ثَمَرٌ) أنواع المال كما في صحاح الجوهري، وقال الراغب: ويكنّى به عن المال المستفاد، وعلى ذلك حمل ابن عباس (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ)4: أي كان للرجل أموال أُخرى من ذهب وفضة ادّخرها من أموال الجنتين ومن تجارات أُخرى. وعلى هذا فقد أظلَّته خيرات الدنيا بأنواعها، فمكان أن يشكر الله سبحانه على هذه النعم الوافرة، قعد على سنام العزّة والكبرياء، وداخله الزهو والخيلاء (فَقَالَ) معرباً عن كفره (لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) ويراجعه

1 . البقرة:249.
2 . الإسراء:90.
3 . مجمع البيان:6/394.
4 . المفردات للراغب: 81 ، مادة «ثمر».

92
الكلام:(أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا) فأخذ يفتخر بوفرة ماله، وعزّة عشيرته أو خدمه أو ولده.
35. (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا):
قوله تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): أي دخل الكافر بستانه وهو ظالم لنفسه، حيث عرّضها للعقاب وحرمها من الثواب، عندما هامَ بحبّ الدنيا وأَسَرته مباهجها(قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا): أي لا أعتقد أنّها تنقص وتفنى فهي باقية عبر الزمان!! وهكذا ألقى الغرور بالنعمة حجاباً بين عقله وبين الواقع المحسوس، فتناسى زواله المحتوم!!
36. (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا):
وهنا استبدّ به الغرور أكثر، وطغت عليه النظرة الماديّة إلى الحياة، فقال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)وهذا التعبير حاك عن كونه منكراً للمعاد، ومن ثمّ منكراً للرسالات السماوية، ومع ذلك لمّا احتمل قيام الساعة تمنّى أُمنيّة باطلة مثل عقيدته وقال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا): أي من هذه الجنة (مُنْقَلَبًا): أي إن كان يوم القيامة حقّاً ـ كما يقول الموحّدون ـ فلي فيه خير من هذه الجنة، عاقبة.
سورة الكهف: الآيات 37 ـ 46   
وقد تفوّه بهذه الفقرة إمّا تهكّماً بصاحبه وأنّ مصيره يوم القيامة أفضل من مصيره كما في هذه الدنيا، أو أنّه لمّا كان معجَباً بنفسه تمنّى هذه.

93
هذا هو منطق ذلك الثريّ الكافر، وأمّا الرجل المؤمن الذي كان أقلّ منه مالاً ونفراً فله منطق آخر يتّسم بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث فنّد فيه أوّلاً مقالة صاحبه، ثم أرشده إلى سبيل الهداية، وطريق الخير، ولو كان للرجل أدنى عقل ووعي لنزل عن صهوة زهوه وخيلائه كما قال:

الآيات: السابعة والثلاثون إلى السادسة والأربعين

(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيًما تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا * الْمَالُ

94
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً).

المفردات

يحاوره: يجادله، ويعظه، ويردّ على منطقه.
سوّاك: خلقك سويّاً من غير عيب ونقص.
لكنّا: أصله «لكن أنا» حذفت الهمزة تخفيفاً ونقلت حركة الهمزة إلى نون «لكن» ليكون دليلاً على المحذوف، فأُدغمت النونان فصارت لكنّا، فيقرأ على إثبات الألف وقفاً ووصلاً. وعن بعض القرّاء حذف الألف في حال الوقف.
حُسباناً: اختلف المفسّرون في تفسير هذه اللفظة، فقال الطبرسي: أصل الحسبان السهام التي تُرمى لتجري في طَلَق واحد، وإنّما يقال لما يُرمى به حُسبان، لأنّه يكثر كثرة الحساب.1
ولو أُريد هذا فيكون مناسباً للمطر المُهلك أو الصاعقة.
وقال الزمخشري: هو مصدر كالبطلان والفقدان، بمعنى الحساب والمراد المحسوب والمقدَّر أي مقدَّراً قدَّره الله تعالى وحسِبه، وهو الحكم بتخريبها. وقال الزَّجّاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك.2 وعلى كلّ تقدير المراد هو العذاب.
صعيداً: الصعيد: وجه الأرض.

1 . مجمع البيان:6/398.(والطَّلَق: الشوط الواحد في جري الخيل).
2 . تفسير الكشاف:2/260.

95
زلَقاً: تصير بحيث تزلق عليه الرِّجل. وكأنّه كناية عن صيرورة الأرض تراباً أملس لا تثبت فيه قدَم.
غوراً: الغائر في الأرض: الغائص فيها.
أُحيط بثمره: أُهلك وأحاط العذاب به، يقال: أُحيط ببني فلان إذا هلكوا عن آخرهم.
يقلِّب كفَّيه: نوع تحريك لليدين للمتحسّر.
خاوية: ساقطة.
عروشها: جمع عرش، وهي الأعمدة التي تعتمد عليها الكروم.
منتصراً: ممتنعاً بقوّته.
الوَلاية: ولاية النصرة والإعزاز. وسيوافيك ما هو الفرق بين الوَلاية (بالفتح)، والوِلاية (بالكسر).
عُقْباً: عاقبة.
هشيماً: الهشيم: ما يُكسر ويحطّم من يبَس النبات.
تذروه: الذرّ، والتذرية: تطيير الريح الأشياء الخفيفة في كلّ اتّجاه.

التفسير

منطق المؤمن بالآخرة

قبل الدخول في تفسير الآيات نشرح ما قدّمه مصاحبه له من الموعظة والنصيحة. وبما أنّه لم يتأثّر من كلامه ولم يرتدع عمّا هو فيه من

96
بَطَر وغرور بالنعمة، جاءه العذاب فأَهلك ما كان يملك. وإليك خلاصة نصحه قبل تفسير الآيات.
قال له: كيف كفرت بالله سبحانه مع أنّك كنت تراباً فصرت نطفة، ثمّ رجلاً سويّاً، فمن نقلك من حال إلى حال وجعلك سويّاً معتدل الخلقة؟
وبما أنّه ليس في كلامه شيء يدلّ على إنكاره الصانع، فلابد أن يقال إنّ إنكاره للمعاد ـ كما هو صريح كلامه ـ إنكار لقدرته على المعاد.
فإن افتخرت أنت بالمال، فأنا أفتخر بأنّي عبد من عباد الله لا أُشرك به أحداً.
ثمّ ذكّره بسوء العاقبة، قائلاً له: لماذا لم تقل حين دخولك البستان ما شاء الله، فإنّ الجنَّتين نعمة من نِعَم الله سبحانه، فلو بذلت جهداً في عمارتها فإنّما هو بقدرة الله تبارك وتعالى.
ثمّ أشار إلى نفسه، وقال: أنا وإن كنت أقلّ منك مالاً وولداً، ولكن أرجو أن يجزيني ربّي في الآخرة خيراً من جنَّتك، كما أترقّب أن يرسل عذاباً من السماء على جنَّتك فتصبح أرضاً صلبة لا ينبت فيها شيء، أو يجعل ماءها غائراً ذاهباً في باطن الأرض على وجه لا تستطيع أن تستحصله.
قال ذلك صاحبه وهو يندّد به ويحذّره من مغبّة تماديه في كفره وغيّه، ويتكهّن له بمستقبل مظلم.
وعندما جاء العذاب وأحاط بثمره، ففي ذلك الوقت استيقظ الكافر من رقدته فأخذ يقلّب كفَّيه تأسُّفاً وتحسّراً على ما أنفق من الأموال في

97
عمارة جنّته، وأخذ يندم على شِركه، ويقول: يا ليتني لم أكن مشركاً بربّي، ولكن لم ينفعه ندمه، ولم يكن هناك من يدفع عنه عذاب الله، ولم يكن منتصراً من جانب ناصر.
إذا وقفت على حاصل الحوار، فلنرجع إلى تفسير الآيات:
37. (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً):
بدأ صاحبه المؤمن حواره بإنكار مقالته كما يقول: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) ويجيب عن كلامه: (أَكَفَرْتَ بِالذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ) عدلك وصيّرك (رَجُلاً).
خاطبه بقوله: (أَكَفَرْتَ) وأراد به الشِّرك الذي يلازم إنكار الساعة، لا الكفر بمعنى نفي الصانع والخالق، والدليل على ذلك أنّ المحاور يستدلّ على إمكان المعاد بالخلق الأوّل، فإنّ القادر على الخلق الأوّل قادر على الخلق الثاني، والدليل على أنّه يستدلّ بالخلق الأوّل قوله: (بِالذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب)إشارة إلى الأجزاء التي تتكوّن منها النطفة، فإنّ الجميع متَّخذ من تراب الأرض(ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)سويّاً. فهذا الكلام يدلّ على أنّ محور الحوار إنكار البعث من جانب المشرك والاستدلال عليه من جانب الموحِّد.
ولعلّ الله سبحانه ألهمه هذا الدليل الذي أُشير إليه في القرآن الكريم أكثر من مرّة، منها قوله سبحانه: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ

98
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة)1، وقوله سبحانه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ).2
38. (لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا):
لمّا ردّ على صاحبه مقالته التي أظهر فيها الشرك أبان عن عقيدته فقال: (لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي): أي لكن أنا أقول: هو الله ربّي، وأنّ مصيري في الدنيا والآخرة بيده (وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا): أي لا أُشرك في القول بربوبيّة غيره. والظاهر أنّ الآية ناظرة إلى التوحيد في الربوبيّة لا العبادة، كما في بعض التفاسير، فمّن يعتقد بربوبيَّته يلزمه أن يعتقد بمعاده.
39.(وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا):
لمّا كان شعار المشرك قوله: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) المشعر باستغنائه عن الله سبحانه في بقاء البستان، ردّ عليه مصاحبه بقوله: (وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) وتقدير الآية: وإذ دخلت جنّتك لولا قلت، أي لماذا لم تقل: ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله؟ ولفظة (لَوْلاَ)تحضيضيّة نظير الحثّ والتحضيض في قول الوالد لولده: لولا قرأت القرآن، وبذلك نبّه المؤمن صاحبه بأنّ الشعار الصحيح هو قوله: ما شاء الله

1 . الإسراء:49ـ 51.
2 . يس:78 و 79.

99
لا قوة إلاّ بالله، أي هذه الجنة هي التي شاء الله أعطاءها له، ولا قوة إلاّ بالله، فالجميع من مظاهر قدرته.
قال الشيخ محمد متولّي الشعراوي: وذكرنا1 أنّ سيدنا جعفر الصادق(رضي الله عنه) كان عالماً بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلُّبات تعكّر عليها صَفْو الحياة من خوف أو قلق أو همّ أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها. فكان (رضي الله عنه) يُخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن. ثمّ نقل الرواية عنه(عليه السلام) وضمّنها شيئاً من تعليقاته.2
وها نحن نورد منها ما يخصّ المقام.
روى الشيخ الصّدوق بإسناده عن أبان بن عثمان وغيره، عن الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)، قال:
«عجبتُ لمن فَزع من أربع كيف لا يَفْزَع إلى أربع:... وعجبتُ لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله تبارك وتعالى:(مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) فإنّي سمعت الله عزّ وجلّ يقول بعقبها: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ).3
قوله تعالى: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا) جاء في مقابل قول المشرك: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا). ولعلّ التعبير هنا بالولد قرينة على

1 . في مدخل تفسيره:1/38.
2 . تفسير الشعراوي:14/8915ـ 8916.
3 . الخصال: 218، باب الأربعة، برقم 43.

100
أنّ المراد من (نَفَرًا) في كلام المشرك هو الولد. فقوله: (إِنْ تَرَنِ)جملة شرطية، وجواب الشرط يأتي في الآية التالية.
40. (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا):
هذه الآية تجسّد قوله سبحانه: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)1.
فالفقرة الأُولى: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ) نوع شكر من المصاحب وفي الوقت نفسه يرجو الله سبحانه أن يعطيه خيراً من جنّة ذلك المشرك.
والفقرة الثانية، أعني: (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا) تحذير للمشرك بأنّك لأجل كفرك بالنعمة سوف يسلِّط الله عذاباً(مِنَ السَّمَاءِ) على جنّتيك، وعند ذاك(فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا): أي تراباً أملس تنزلق عليه الأقدام، فلا يصلح لشيء.
41. (أوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا):
تقدّم أنّه سبحانه جعل للجنتين ماءً يتفجّر من خلالهما2، فهذا الموحِّد يهدّد الكافر بأنّك لأجل كفرانك ستُبتلى بغور الماء كما يقول: (أوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا): أي ماء الجنّة (غَوْرًا)غائراً ذاهباً في باطن الأرض، فتكون

1 . إبراهيم:7.
2 . لاحظ : الكهف: 33.

101
قد أُعدمت الماء كما أُعدمت الأرض (فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا): أي لم تقدر على طلب الماء والاستفادة منه إذا غار.
إلى هنا تمّ الحوار بين الكافر والمؤمن الذي أنذره بأمرين:
1. نزول العذاب من السماء على الجنّتين.
2. غَور ماء النهر.
42. (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا):
لمّا أنذر المؤمن صاحبه الكافر المغترّ بالنعمة، بأنّه يمكن أن يعاقبه الله بأن يسلّط على جنّته عذاباً فيدمّرها ويذهب بمائها، فالله سبحانه يخبر في هذه الآية عن تحقّق ما أنذره به المصاحب وقال: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) وقد مرّ أنّ هذه الإحاطة في أمثال هذا المقام بمعنى الهلاك عن الآخر، فعندئذ صحا الكافر من غفلته فرأى ما حلّ بجنّته التي أصبحت صحراء جرداء، وبمياه نهره التي غارت في الأرض (فَأَصْبَحَ): أي أخذ (يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ): أي يقلّب كفّيه تأثّراً وتحسّراً (عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا)من جهد و تعب بذله في عمارتها (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) لأنّ كرومها المعرّشة سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم.
ثم أظهر الندم وراح يتمنّى: (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) و كأنّه تذكَّر موعظة صاحبه من قبل، فندم ولكن ولاتَ حين مَندَم .
43. (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا):

102
بما أنّ المشرك اعتمد على كثرة رهطه أو ولده واستعزّ بهم، قال تعالى حين سلّط عليه البلاء: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ): أي جماعة يدفعون عنه ما حلّ به، لأنّه سبحانه إذا أراد أحداً بسوء فلا رادّ له (مِنْ دُونِ اللهِ) إذ هو القادر على نصرته ولا يقدر أحد على نصرته (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا): أي ممتنعاً بقوّته عن انتقام الله تعالى.
وبما أنّ الآية تمثيل وبيان حال مطلق الكافر والمؤمن، فلا يهمّنا تعيين مَن هما الرَّجلان (صاحب الجنّتين ومصاحبه) ولا تعيين مكانهما، وقد اختلفت كلمات المفسّرين في ذلك، وقد نقلها الآلوسي في تفسيره.1
44. (هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا):
قوله:(هُنَالِكَ) قيل إنّه إشارة إلى ذلك المقام الذي وقع فيه الإهلاك (الْوَلاَيَةُ): أي النُّصرة (للهِ الْحَقِّ)فلو كان هناك ناصر فهو الله سبحانه (هُوَ): أي طاعته أو اتّخاذه وليّاً(خَيْرٌ ثَوَابًا)جزاء لأوليائه (وَخَيْرٌ عُقْبًا)عاقبة لهم.
فمعنى الآية: إنّ في موضع الإهلاك والدَّمار النُّصرة لله سبحانه لا لغيره، ففي ما تخذل فيه الأسباب لا ناصر إلاّ هو، فاتّخاذه وليّاً أو طاعته خير جزاء وخير عاقبة.
هذا ما ذهب إليه المفسّرون وهو في حدّ نفسه صحيح، ولكن هل المراد من الولاية ولاية النصرة أو ولاية التدبير؟ وهو أنّ تدبير العالم وتدبير عامّة الأُمور بيد الله سبحانه، فله ولاية التدبير لا لغيره، فتكون الآية

1 . لاحظ: روح المعاني:15/273.

103
ردّاً لزعم المشركين الذين ظنّوا أنّ الأصنام والأوثان مدبّرات للعالم أو لمصير الإنسان، فجاءت الآية ردّاً على هذا الزعم أنّ ولاية التدبير هي لله سبحانه وحده، وأنّه المدبّر لا غيره وأنّه الربّ دون غيره، فعدم انتفاع المشرك بأمواله الطائلة نابع عن كون الولاية والتدبير لله سبحانه، فبما أنّه كفر بنعمة ربه، فقد خذله الله بالإهلاك والدَّمار.1
ثمّ إنّ الفرق بين الوَلاية ـ بالفتح ـ والوِلاية ـ بالكسر ـ هو أنّ الأُولى بمعنى مالكية التدبير في جميع الأحوال بخلاف الثانية، وهي بمعنى السلطة والملك، فللأب والجد وَلاية ـ بالفتح ـ على مال القصّر من الأيتام وغيرهم بمعنى تدبير مالهم، وولايتهم جعليّة بخلاف ولاية الله فإنّها ذاتيّة له.
ثمّ إنّ (الحَقّ) في القراءة المعروفة وصف لله سبحانه، وكونه حقاً لأنّه الواجب بذاته، موجود بنفسه من دون حاجة إلى غيره، بخلاف الممكنات فإنّها حسب الذات باطلات، وإنّما يُضفى عليها وصف الحقّ بسبب، وهو الله سبحانه عزّ اسمه. وقد وُصف به سبحانه في قوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)2، وقوله تعالى: (هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ)3.
وأمّا كون ولايته بالحقّ فهو باعتبار أنّ ولايته حقّ ثابت صادق في مقابل ولاية الآلهة المكذوبة، فإنّها فارغة منه.

1 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:13/317.
2 . الأنعام:62.
3 . يونس:30.

104
45. (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا):
صلة الآية بما قبلها واضحة فإنّ الذي صدّ المشركين عن الإيمان بما دعا إليه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو اغترارهم بالحياة الدنيا وزينتها ونعيمها، فصار ذلك الاغترار سبباً لإعراضهم عن الاستجابة للدعوة الإلهية، كما يقول سبحانه: (أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)1 فجاءت الآية تبيّن حال الحياة الدنيا وتصفها، فنقول: تحدّث التمثيل السابق عن عدم دوام نِعَم الدنيا التي قد تسترقّ الكافر فيتوهّم أنّها باقية لا تزول، كما قال صاحب الجنّة: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)2، ولأجل التأكيد على عدم بقاء الحياة الدنيا جاءت الآية بتمثيل آخر تصوّر فيه الحياة الدنيا وعدم ثباتها تصويراً رائعاً يتضمّن نزول قطرات من السماء على الأرض الخصبة المستعدّة لإنبات البذور الكامنة فيها، فعندئذ تبدأ الحركة فيها بشَقِّها التُّربة وانتفاعها بضوء الشمس إلى أن تصير البذور نباتاً مخضرّاً زاهياً مثمراً، فربّما يُخيَّل للإنسان بقاؤه ودوامه، ولكنّه سرعان ما يذبل ويجفّ ويتفتّت، ثمّ تطير به الرياح إلى شتّى الجهات، وكأنّه لم يك موجوداً قطّ. فهذا النوع من الحياة والموت يتكرّر على طول السنة ويشاهده الإنسان بأُمّ عينيه، دون أن يعتبر به!! وهذا ما صيغ لأجله التمثيل.
إنّ الاغترار أو الاغتباط بالمال والبنين من شيم المنحرفين عن الله

1 . القلم: 14ـ 15.
2 . الكهف:35.

105
المنكبّين على زينة الحياة الدنيا على نحو يصبح المال والبنون كعبة آمالهم، وحلماً في اليقظة والنوم، وهذا هو طرفة بن العبد البكري يقول في معلَّقته:
فلو شاء ربّي كنت قيس بن خالد *** ولو شاء ربّي كنت عمرو بن مرثدِ
فأصبحت ذا مال كثير وزارني *** بنون كرام سادة لمسوّدِ1
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية، يقول سبحانه: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي بيِّن لهؤلاء المترفين الهائمين بحبّها حال الحياة الدنيا، فحالها (كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ)الضمير يرجع إلى الماء، أي اختلط نبات الأرض بعضه ببعض بسبب الماء على وجه يلتفّ بعضه ببعض، يروق الإنسان منظرُه، لازدهاره ونضارته، فلم يزل على تلك الحال إلى أن ينتقل إلى حالة يذوي فيها ويذهب ما فيه من غصاضة وطراوة، وهذا ما يعبِّر عنه القرآن بقوله: (فَأَصْبَحَ هَشِيًما): أي مكسَّراً مفتّتاً(تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)فتنقله من موضعه إلى موضع آخر، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا) الفقرة تذكر قدرة الله سبحانه على خلق كلّ شيء، خلق أشياء فانية كالحياة الدنيا، وخلق أشياء باقية كالدّار الآخرة.
46. (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً):
جاءت هذه الآية تعقيباً على المثل المضروب في الآية السابقة للحياة

1 . شرح المعلقات للزوزني:65، طبعة بيروت.

106
الدنيا، وكنتيجة له، حيث تقرّر أنّ نعمة المال والبنين، التي يهيم بحبّها المغرورون ويفخرون بها، ماهي إلاّ زينة الحياة الدنيا، كما يقول: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فإذا كان الأصل مؤقتاً زائلاً فما ظنّك بزينته؟ فلم يكتب الخلود لشيء ممّا يرجع إلى الدنيا، فالاعتماد على الأمر الزائل اعتماد على شفير هار، بل اللازم أن يُعتمد على الأمر الباقي وهو كما يقول: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ): أي الأعمال الصالحة فإنّها محفوظة عند الله، فهي في الدنيا أعمال صالحة، وفي الآخرة باقيات صالحات، وهي (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) لأنّ الله يجازي خير الجزاء (وَخَيْرٌ أَمَلاً): أي خير ما يأمله الإنسان، إذ ينال بها صاحبها في الآخرة ما كان يؤمِّله في الدنيا. وقد جاء هذا التمثيل في الذكر الحكيم في موارد أُخرى، منها قوله سبحانه: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).1
سورة الكهف: الآيات 47 ـ 49   
وفي آية أُخرى يقول سبحانه: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا)2، فقوله: (وَخَيْرٌ مَرَدًّا)بمعنى قوله: (وَخَيْرٌ أَمَلاً).
قال الإمام علي (عليه السلام):«وَإِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللهُ تَعَالى لاَِقْوَام».3

1 . يونس:24.
2 . مريم:76.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 23.

107
وعن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمان الجعفي، قال: دخلت أنا وعمّي الحصين بن عبد الرحمان على أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)، فأدناه وقال: «مَن هذا معك؟» قال ابن أخي إسماعيل. فقال: «رحم الله إسماعيل وتجاوز عنه سيِّئ عمله. كيف خلفتموه؟» قال: بخير ما أبقى الله لنا مودّتكم. فقال: «يا حصين لا تستصغرنّ مودّتنا، فإنّها من الباقيات الصالحات». فقال: يابن رسول الله ما استصغرها، ولكن أحمد الله عليها.1

الآيات: السابعة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).

المفردات

نسيّر: تسيير الجبال: قلعها من أماكنها وجعلها هباء منثوراً.
بارزة: ظاهرة لم يبق على وجهها جبل ولا غيره.
حشرناهم: بعثناهم من قبورهم وجمعناهم في الموقف.

1 . الإختصاص: 85 ; بحار الأنوار: 23 /250 و 24/304 .

108
لم نغادر: لم نترك منهم أحداً إلاّ حشرناه.
عُرضوا: أُحضروا للحساب.
صفّاً: مصطفّين من دون تمييز بينهم.
موعداً: وقتاً للبعث.
وُضع الكتاب: نصبه ليحكم على صاحبه، ويحتمل: وضع كتاب كلّ شخص بيده.
مشفقين: خائفين.
يا ويلتنا: الويل: الهلاك.

التفسير

47. (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا):
لمّا تقدّم في قوله سبحانه:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أنّ حياتها ظلٌّ زائل، وما فيها ليس إلاّ زينة فانية، فصار ذلك سبباً لبيان الحياة الأُخروية التي هي حياة دائمة باقية، فذكر ما يُعدّ من أشراط الساعة وقال: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ): أي اذكر يوم نقلع الجبال من أُصولها، حتى تصبح الأرض ملساءَ مستويةً لا عوج فيها ولا واد ولا جبل، لحشر الناس من قبورهم. وقد عبّر سبحانه عن هذه الحادثة في مواضع أُخرى، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَ تَرى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ

109
أَمْتًا)1، وفي آية أُخرى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً)2، وثالثة: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)3 ويترتب على تسيير الجبال قوله: (وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً): أي ظاهرة لا تغيب ناحية منها عن أُخرى بوهد ولا جبل. ثم يترتّب على ذلك قوله: (وَحَشَرْنَاهُمْ) أخرجنا الناس من قبورهم (فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا): أي لم نترك منهم أحداً، لأنّ الحشر عام للجميع، وفي آية أُخرى يقول: (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالاْخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْم مَعْلُوم)4، وفي آية ثالثة: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)5.
48. (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا):
لمّا أخبر سبحانه عن تسيير الجبال وجعل الأرض مستوية وحشر الناس جميعاً، ذكر أنّ الناس سيعرضون على الله سبحانه مصفوفين، قال الطبرسي: أي مصفوفين كلّ زمرة وأُمّة صفّاً. وقيل: يعرضون صفّاً بعد صفّ كالصفوف في الصلاة، وقيل: يعرضون صفّاً واحداً لا يحجب بعضهم بعضاً. ولعلّ الغاية من بيان عرضهم مصفوفين هو أنّ ما كانوا يعتمدون عليه في الدنيا من مظاهر الزينة والتفاخر أوجد بينهم طبقات تفتخر الطبقة العليا منهم على الطبقة الدنيا، وأمّا يوم الحشر فالجميع يحشرون إلى ربّهم

1 . طه: 105ـ 107.
2 . النبأ:20.
3 . القارعة:5.
4 . الواقعة: 49 ـ 50.
5 . هود:103.

110
مصطفّين للقضاء عليهم بما عملوا من الصالحات أو الطالحات، من دون تمايز طبقيّ بينهم. ثم يخاطب المحشورين بقوله: (لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة)، يُحتمل أن يراد به: لقد جئتمونا لا تملكون شيئاً من زينة الحياة الدنيا كما كنتم في بدء الخلق لا تملكون شيئاً.1
ويحتمل أن يراد «لقد بعثناكم كما أنشأناكم أوّل مرّة».2
وهذا هو أيضاً خيرة ابن عاشور، يقول: أي جئتمونا مجيئاً كخلقكم أوّل مرّة، فالخلق الثاني أشبه بالخلق الأوّل، قال تعالى: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْس مِنْ خَلْق جَدِيد)3.4
وتكون الآية ردّاً عليهم في إنكار البعث.
وقد روى مسلم(واللَّفظ له) والبخاري وغيرهما عن عائشة قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلاً5، قلت: يا رسول الله النساء والرجال ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: يا عائشة! الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض.6
وفي الرواية مواضع تأمُّل، وهي:
1. إنّ الإنسان إذ أدرك أنّه عار عن الساتر وهو بين المحشورين

1 . مجمع البيان:6/405.
2 . تفسير الكشّاف: 2/262.
3 . ق:15.
4 . التحرير والتنوير:15/80.
5 . الغرل: جمع الأغرل: الذي لم يختن.
6 . صحيح مسلم:1401، كتاب الجنّة وصفة نعيمها، برقم 7092; صحيح البخاري:4/215، كتاب الرقاق، برقم 6527.

111
سيتألم من هذا الوضع المخجل، فما هو المبرّر لهذا النوع من التعذيب الروحي قبل نصب الميزان والحساب.
2. إنّ ظاهر الرواية أنّ الحكم عام يشمل الأنبياء والأولياء والمقرّبين، فكيف اقتضت الحكمة الإلهية حشر هؤلاء كذلك.
3. نفترض أنّ الحكمة الإلهية اقتضت حشرهم عراة، فما هو الوجه في حشرهم غير مختونين، وهم قد عملوا بسنّة إبراهيم(عليه السلام) فكانوا مختونين.
ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يجيب مَن سأله عن ذلك بشكل آخر، قال السائل أخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال: «بل يحشرون في أكفانهم»، قال: أنّى لهم بالأكفان وقد بليت؟ قال: «إنّ الله الذي أحيا أبدانهم جدّد أكفانهم، فمن مات بلا كفن يستر الله عورته بما يشاء من عنده».1
ثم يقال لهم: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا): أي زعمتم في دار الدنيا أنّ الله لم يجعل لكم موعداً للبعث والجزاء، وهذا هو يوم البعث والجزاء.
49. (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا):
دلّت الآية السابقة على صيرورة الأرض مستوية وأنّ الناس

1 . الاحتجاج: 2 / 98 ; تفسير نور الثقلين: 3/266.

112
يخرجون من الأجداث ويقفون بين يدي الرَّبّ تعالى مصطفِّين للحساب وفصل القضاء، مجرّدين عن كلّ ما كانوا يملكونه في الدنيا ويتفاخرون به، وأمّا هذه فتشير إلى وضع كتب الأعمال، ليحاسب كلٌّ وفق ما دُوِّن في كتابه، قال: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) لغاية إبراز أعمالهم.
وطبع الحال يقتضي إشفاق المجرمين منه، لعلمهم بما عملوا من الجرائم ولذلك يقول: (فَتَرى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ) خائفين (مِمَّا فِيهِ)في هذا الكتاب (وَيَقُولُونَ) متعجِّبين (يَا وَيْلَتَنَا): أي يا هلاكنا (مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا): أي لم يترك شيئاً ممّا عملناه صغيراً كان أو كبيراً إلاّ كُتب فيه وضُبط. ونحو الآية قوله تعالى:(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ).1
روى خالد بن نجيح عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «إذا كان يوم القيامة دُفع إلى الإنسان كتابه ثم قيل له: اقرأه». قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال: «إنّه يذكره، فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا شيء فعله إلاّ ذَكَرَه كأنّه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا (يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا)».2
سورة الكهف: الآيات 50 ـ 53   
ولا يقتصر الأمر على الاحتجاج عليهم بالكتاب، بل يتجسّد في
ذلك اليوم عملهم الذي عملوه، ويتمثّل بوجود أُخروي كما يقول: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) وبذلك يُعلم أنّ الفقرة ليست تأكيداً لما سبق، بل تتضمّن أمراً تأسيسيّاً، وبذلك يتجلّى عدله سبحانه بأسمى مظاهره كما

1 . الانفطار:10ـ 12.
2 . تفسير العيّاشي:3/95، برقم 2658; تفسير نور الثقلين:3/267.

113
يقول: (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).
وربّما يظهر من بعض الآيات أنّ ما يُجزَون به هو نفس عملهم لكن بوجود أُخروي، ويكون انتساب العذاب إليهم أوضح من نسبته إلى الله سبحانه، ولذلك يقول حول من اكتنز الذهب والفضة: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)1.

الآيات: الخمسون إلى الثالثة والخمسين

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً * مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا).

المفردات

ففسق: يقال: فسق الرطب: إذا خرج عن قشره، وهو أعمّ من

1 . التوبة:35.

114
الكفر،1 وهنا: كناية عن الخروج عن طاعة الله، فهو يعمّ الكافر والمؤمن إذا أذنب.
ذُرِّيته: الذُّريّة: الأولاد.
عدوّ: العدوّ يطلق على الواحد والكثير، ولذلك يقول:(فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ)2.
عَضُداً: العَضُد ما بين المرفق إلى الكتف، وأُريد به هنا المُعين.
فدَعَوهم: أي استغاثوا بهم.
مَوبقاً: كلّ شيء حالَ بين شيئين فهو موبق.
مواقعوها: داخلوها.
مَصرِفاً: مَعدِلاً.

التفسير

50. (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً):
تكرّرت قصة إبليس في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، إمّا لأنّها تشتمل في كلّ موضع على نكتة لم تشتمل عليها في الموضع الآخر، أو أنّ

1 . المفردات للراغب: 380، مادة «فسق».
2 . الشعراء:77.

115
العبرة بها في كلّ مورد تختلف عن العبرة بها في موضع آخر، فذكر سبحانه أنّه أمر الملائكة بالسجود لآدم فامتثل الكلّ إلاّ إبليس.
ولمّا تحدّثت الآيات السابقة عن غرور عدّة من المستكبرين الذين دفع بهم التكبّر والاستعلاء إلى أن يطلبوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينحّي الفقراء والمستضعفين عن مجلسه، كما بلغ غرور صاحب البستانين إلى درجة أنّه
قال: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) صار التحدّث عنهم سبباً لبيان حال زعيم المستكبرين إبليس وذريته، فلقد استكبر عدوّ الله
حتى خوطب بقوله تعالى: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ)1، قال الإمام علي(عليه السلام)في ذمّ إبليس: «اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ. وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لاَِصْلِهِ. فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ. أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَ أَعَدَّ لَهُ فِي الاْخِرَةِ سَعِيراً؟!».2
ثمّ إنّ إبليس عدوّ الله قطع على نفسه عهداً بإضلال بني آدم بكلّ وسيلة ممكنة، قال مخاطباً الله تعالى: (قَالَ فَبَِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لاَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).3

1 . الحجر:34.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 192، (القاصعة).
3 . الأعراف:16ـ17.

116
فإذا كان هذا موقفه من بني آدم، فمن أعجب الأُمور أن يتّخذ طوائف منهم إبليس وذرَّيّتَه أولياء من دون الله، ويسلِّمون له يد الطاعة «حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، وَمَهَاوِي ضَلاَلَتِهِ»1، ولهذا الأمر العجيب يقول سبحانه: (وَ)اذكر يا محمد (إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ) استكباراً في الظاهر على آدم وفي الحقيقة على الله تبارك وتعالى (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ)ومن يكن له أدنى عقل ووعي لا يستبدل ولاية الشيطان بولاية الله سبحانه الخالق المنعم الرحمن الرحيم، فمن قَبِل هذا الاستبدال فبئس حاله وعمله، كما يقول: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً)والفقرة بصدد تقبيح أخذه وليّاً للطاعة. وتقدير الفقرة: بئس البدل من الله تعالى للظالمين إبليس وذرّيته. وقد عدل سبحانه في هذه الفقرة عن الخطاب إلى الغَيبة إشعاراً بكمال سَخَطه لهذا الاستبدال.
بقي في الآية أمران:
1. الآية ظاهرة في أنّ الاستثناء منقطع لظهور قوله: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ)في أنّه لم يكن ملَكاً، وعندئذ يطرح هنا سؤال: كيف شمله خطاب الله للملائكة: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ)؟
والجواب: أنّه قد كانت في موضع الخطاب قرينة حالية على شمول الخطاب لإبليس أيضاً، ولذلك شمله الخطاب وإن لم يكن داخلاً في الموضوع (الملائكة)، وعندئذ صحّ الاستثناء مع كونه من الجنّ.
2. أنّ ظاهر قوله سبحانه:(اسْجُدُوا) مقروناً باللام في (لاِدَمَ) أنّ أبا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 192.(أعنق: أسرع، والعَنَق: ضرب من السير فسيح سريع. الحنادس: جمع حِندِس: الليل الشديد الظُّلمة).

117
البشر كان هو المسجود له، بأمر من الله سبحانه، لا المسجود عليه، كالأرض بالنسبة للساجد عليها، ولا كونه قِبْلة للملائكة والسجود لله، إذ كلّ من هذين الوجهين على خلاف ظاهر الآية، حتى أنّ النبيّ يعقوب وأولاده سجدوا ليوسف كما يقول سبحانه: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)1، فلو كان مطلق السجود لغيره سبحانه مظهراً للشرك لَمَا أمر الله الملائكة به، ولَما سجد النبيّ يعقوب(عليه السلام) وأولاده ليوسف(عليه السلام)، وهذا يدفعنا إلى التحقيق في واقع السجود وأقسامه.

حقيقة السُّجود

إنّ السجود عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فإن اندفع الساجد إلى هذا العمل عن الاعتقاد بأنّ المسجود له هو الخالق أو الربّ الذي مصيره في الحياة بيده وأنّ العزّة والذلّ أو النصر والهزيمة بيده، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الربوبية، فهذا النوع من السجود شرك لا يأمر به سبحانه ولا يصدر من نبيّه المعصوم.
وأمّا لو وضع جبهته على الأرض بنيّة التعظيم والتكريم كالولد بالنسبة إلى الوالد والمتعلّم بالنسبة إلى المعلّم أو الزوجة الصالحة أمام الزوج، بما أنّ لهم مقاماً كريماً أو أنّ لهم أياديَ عليهم من دون أن يكون مصيره بأيديهم، فهذا النوع من السجود، جائز بالذات، وكان سجود الملائكة أو النبيّ يعقوب(عليه السلام)من هذا القسم، لأنّ النبيّ آدم(عليه السلام) بلغ من الكمال أنّه صار معلّماً للملائكة، فصارت له تلك الفضيلة العظيمة، فحقّ

1 . يوسف:100.

118
عليهم أن يسجدوا له ويعظّموه; وهكذا يوسف(عليه السلام) فإنّه جاهد نفسه الأمّارة وصبر عن المعصية، وآثر السجن على العيش في القصور الفاخرة، فصار ذلك سبباً لكرامته، فحُقّ أن يسجد له أبوه وإخوته.
وهذه الآيات أفضل دليل على جواز هذا القسم في الشرائع السابقة، نعم ورد النهي عنه في الشريعة الإسلامية لمصلحة، الله ورسوله أعرف بها.
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّ قوماً أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله إنّا رأينا أناساً يسجد بعضهم لبعض، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها».1
فالسجود لغيره سبحانه بالنحو الثاني حرام ولكنّه ليس بشرك، ولو تجرّدنا عن الرأي المسبّق لقلنا: إنّ الآيات تدلّ على جواز تكريم الأولياء وتعظيمهم بأي صورة كانت مثل تقبيل أيديهم، غير أنّ الشريعة الإسلامية نهت عن صورة معيّنة وهو التعظيم على نحو السجود على الأرض.
هذا هو قضاء القرآن الكريم في جواز تكريم الأولياء والأنبياء وأصحاب الفضل حتى أنّه يعبّر عن حدّ التعظيم للوالدين بقوله:(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحٌ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)2.
قال القرطبي: هذه استعارة في الشَّفَقة والرحمة بهما والتذلُّل لهما، تذلُّل الرعيّة للأمير والعبيد للسادة، كما أشار إليه سعيد بن المسيّب، وضَرَبَ خَفض الجناح ونصبه، مثلاً لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده، والذلّ هو اللِّين. إلى أن قال: فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل

1 . الكافي:5/508، كتاب النكاح.
2 . الإسراء:24.

119
الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلّة في أقواله وسكتاته ونظره.1
فإذا كان هذا قضاء القرآن في تعظيم هؤلاء، فأين الوهابية من هذه الآيات الناصعة، حتى أنّهم اختلفوا في جواز تقبيل يد العالم. وليعلم هؤلاء أنّ كلّ ما يصدر عن المؤمنين الزائرين للعتبة النبوية إنّما هو لغاية التعظيم والتكريم بما أنّه نبيّ الإسلام ورائد التوحيد الذي له شرف فوق الشرف وكرامة فوق الكرامة، فهو الذي أنقذ الأُمّة وهدى الناس إلى التوحيد القويم، فالتعظيم الصادر عن هذه العقيدة ليس إلاّ لبّ التوحيد.
51. (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا):
لمّا ذمّ سبحانه في الآية السابقة اتّخاذ إبليس وذرّيته أولياء، علّل ذمّه بما في هذه الآية، وعلى هذا فالضمير في (أَشْهَدْتُهُمْ)أو في (خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) يرجع إلى إبليس وذرّيته.
وأمّا أنّه كيف يكون تعليلاً للذمّ السابق؟ فهذا ما حقّقه السيد الطباطبائي، ونحن نأتي بخلاصة ما ذكره، قال: اشتملت الآية في نفي ولاية التدبير عن إبليس وذرِّيته على حجَّتين:
إحداهما: أنّ ولاية تدبير أُمور شيء من الأشياء تتوقّف على الإحاطة العلميّة ـ بتمام معنى الكلمة ـ بتلك الأُمور من الجهة التي تدبَّر فيها، وهؤلاء ـ أي إبليس وذرِّيته ـ لم يُشهدهم الله سبحانه خلق السماوات والأرض ولا

1 . تفسير القرطبي:10/244، سورة الإسراء.

120
خلق أنفسهم، فلم يكونوا شاهدين، إذ قال للسماوات والأرض: كنّ فكانت، ولا إذ قال لهم: كونوا فكانوا، فهم جاهلون بحقيقة السماوات والأرض، فكيف يسعهم أن يتولَّوا تدبير أمرها، أو تدبير أمر شطر منها وهم جاهلون بحقيقة خلقتها وخلقة أنفسهم؟!!
ثانيهما: أنّ كلّ نوع من أنواع المخلوقات متوجِّه بفطرته نحو كماله المختصّ بنوعه، وهذا ضروري عند مَن تتبّعها وأمعن النظر في حالها، فالهداية الإلهية عامّة للجميع كما قال: (الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)1، والشياطين أشرار مفسدون مضلّون، فتصدِّيهم لتدبير شيء من السماوات والأرض أو الإنسان ـ ولن يكون إلاّ بإذن من الله سبحانه ـ مؤدٍّ إلى نقض السنّة الإلهية من الهداية العامّة، أي توسّله تعالى إلى الإصلاح بما ليس شأنه إلاّ الإفساد، وإلى الهداية بما خاصّته الإضلال، وهو محال.2
وإلى الحجة الأُولى أشار بقوله: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) وعدم شهودهم لكلتا الخلقتين كناية عن جهلهم بأسرار السماوات والأرض، وإلى الحجة الثانية أشار بقوله: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)فقد جرت سنَّته تبارك وتعالى ألاّ يتّخذ من المضلِّين وليّاً، لأنّ اتّخاذهم أولياء على طرف النقيض من غرض الخلقة الذي هو إيصال كلّ مخلوق إلى كماله.
وبذلك يظهر الضعف في كلمات غير واحد من المفسّرين، نشير إلى بعضها:

1 . طه:50.
2 . الميزان في تفسير القرآن:13/326ـ327.

121
1. فسّروا نفي إشهادهم خلق السماوات والأرض بنفي مشاركتهم في الخلق، فإنّ خلق السماوات والأرض كان قبل وجود إبليس وذرِّيته.
يلاحظ عليه: أنّه وإن كان صحيحاً لكنّه على خلاف ظاهر الآية، فالآية تؤكّد على عدم حضورهم وشهودهم خلق السماوات والأرض، لا على تأخّر وجودهم عن خلق السماوات والأرض، فالأَولى هو تفسير الإشهاد بمعنى جهلهم بأسرار السماوات والأرض، ومعه كيف يصحّ لهم تدبيرهما؟
2. فسّروا قوله: (وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) بقولهم: لا أشهدت بعضهم خلق بعض، كقوله: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).1
والظاهر أيضاً أنّ المراد هو ما تقدّم، أي ما شهد كلٌّ خلق أنفسهم وما حضروا وجهلوا أسرار وجودهم، فمن لا يعرف كلّ ما في خلقته من الرموز والأسرار، كيف يكون وليّاً مدبِّراً؟!
3. أنّهم فسّروا قوله سبحانه:(وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)بقولهم: فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق، فما لكم تتّخذونهم شركاء لي في العبادة.2
يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين عدم كونهم أعواناً في الخلقة وبين عدم كونهم أرباباً، لأنّ اختصاص الخلقة بالله سبحانه لا يلازم اختصاص الربوبية إذا كان في الأرباب استعداد للتدبير. والحقّ ما قدّمناه، وقد أشار إليه

1 . تفسير الكشّاف: 2/262; التحرير والتنوير:15/85.
2 . لاحظ : تفسير الكشّاف: 2/262.

122
صاحب التحرير والتنوير، فلاحظ.1
بقي هنا شيء: قال الآلوسي: وقد حكى الشيعة أنّ علياً (كرم الله وجهه) قال ـ حين صمّم على عزل معاوية وأشار عليه ابن عباس(رض) بإبقائه على عمله إلى أن يستفحل أمر الخلافة ـ : «يمنعني من ذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) فلا أتّخذ معاوية عضداً أبداً. ـ قال الآلوسي ـ : وهو كذب لا يعتقده إلاّ ضال مضلّ.2
ولعلّ القارئ يحسبه صادقاً في قضائه، ولكنّه باطل صغرى وكبرى.
أمّا الأُولى: فإنّ النقل لا يختصّ بالشيعة، بل نقله غير واحد ممّن دوّن الأخبار، منهم: أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه «الفتوح»، وذلك حينما نصحه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية، كما قال: لأنّه ابن عمّ عثمان والشام في يده، فابعث إليه بعهده والزمه طاعتك... فأجابه الإمام علي(عليه السلام) بقوله: ويحك يا مغيرة! والله ما منعني من ذلك إلاّ قول الله تعالى لنبيّه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).3
ورواه أيضاً المؤرّخ المعروف أبو الحسن المدائني(المتوفّى 224هـ أو 225هـ)، ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه، قال: قال المغيرة بن شعبة: أما والله لقد أشرت على عليّ بالنصيحة فآثر رأيه، ومضى على غُلَوائه، فكانت العاقبة عليه لا له، فقال ابن عباس: كان والله أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم بوجوه الرأي، ومعاقد الحزم، وتصريف الأُمور، من أن يقبل مشورتك فيما

1 . لاحظ : التحرير والتنوير: 15/86.
2 . روح المعاني:15/298.
3 . الفتوح:2/446.

123
نهى الله عنه، وعنّف عليه، قال سبحانه: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ)1 ولقد وقَفَك على ذكر مبين، وآية متلوّة قوله تعالى: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).2
ورواها أيضاً ابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمة في معرفة الأئمّة».3
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ نقل هذه القضية لا يختصّ بالشيعة، ولو بذل أحد الجهد لربّما يقف على مصادر أُخرى.
وأمّا الكبرى، أعني: قول السيد الآلوسي ـ عفا الله عنّا وعنه ـ : إنّه لا يعتقد بذلك إلاّ ضال مضلّ، فلا نعرف له سبباً مقبولاً، فإن كان يريد به الدفاع عن معاوية وأنّه لم يكن من المضلّين، فالآلوسي نفسه يعتقد بأنّ معاوية ومَن معه كانوا من الباغين على الإمام علي(عليه السلام)4، ولست أدري كيف لا يكون من المضلّين مَن عناه الرسول هو ومَن معه بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«تقتل عمّاراً الفئة الباغية»5؟ وكيف لا يعدّ من المضلّين مَن سعى إلى توريط الناس بمحاربة الإمام العادل وسفك دماء الصحابة الأبرار والتابعين لهم بإحسان، مثل عمّار، وخزيمة ذي الشهادتين، وابن التيّهان، وأبي عمرة

1 . المجادلة:22.
2 . شرح نهج البلاغة:6/301ـ 302.
3 . الفصول المهمة:1/356.
4 . روح المعاني:26/151(تفسير الآية 9 من سورة الحجرات).
5 . قال ابن عبد البرّ: تواترت الآثار عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«تقتل عماراً الفئة الباغية»... وهو من أصحّ الأحاديث. الاستيعاب:3/1140.

124
الأنصاري، وهاشم (المرقال) بن عتبة بن أبي وقّاص، ومحمد بن أبي بكر وغيرهم كثير؟ دعْ عنك مَن قتلهم صبراً كعمرو بن الحَمِق الخزاعي، وحُجر بن عديّ الكندي وأصحابه، وآخرين؟!
وكيف لا يعدّ من المضلّين من سنّ سبّ أخي الرسول ومَن هو منه بمنزلة هارون من موسى، وجعلها سنّة تذاع من على المنابر ستين عامّاً!! وإن شككت في ذلك فأقرأ ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إلي من حُمر النِعم. سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له، وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».
وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينّ الراية رجلاً يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه»، قال: فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
ولمّا نزلت هذه الآية:(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)1 دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام) فقال:«اللهم هؤلاء أهلي».2
قال الحموي: لُعِنَ علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) على منابر

1 . آل عمران:61.
2 . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، الحديث 6114، دار الفكر، بيروت، 1424 هـ ، ولاحظ: مروج الذهب:3/24، البداية والنهاية:8/83.

125
الشرق والغرب، ولم يُلعن على منبر سجستان إلاّ مرّة واحدة، وامتنعوا على بني أُميّة حتى زادوا في عهدهم: وأن لا يلعن على منبرهم أحد ـ ثم يقول الحموي: ـ أيّ شرف أفضل من امتناعهم عن لعن أخي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين: مكّة والمدينة.1
وأمّا إن كان الآلوسي يريد أنّه لا يصحّ الاستشهاد بقوله سبحانه في أمر معاوية، وتطبيقه عليه، وأنّ هذا القول ممّا يختصّ به سبحانه ولا يليق إلاّ بالكمال الإلهي، فهو غفلة منه، لأنّ عليّاً(عليه السلام) في صدد بيان قاعدة عامّة، وهي عدم جواز استعانة الإمام العادل بالمضلّين في إدارة شؤون الأُمّة، لأنّهم سوف يشيعون الفساد والضلال فيها، وأمير المؤمنين على يقين من ضلال معاوية، وإضلاله، وبذلك أبى أن يبقيه في منصبه إلى وقت معلوم، مستلهماًموقفه هذا من قوله تعالى:(وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).
52. (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا):
لمّا أبطل سبحانه ولاية مَن لم يُشهدهم خلْقَ السماوات والأرض ولا خلقَ أنفسهم، سلك مسلكاً آخر في إبطال ولايتهم، وهو أنّه يأمر المشركين يوم القيامة بأن يستغيثوا بآلهتهم المكذوبة وأربابهم المفتراة لينصروهم، وعند ذلك لا يجدون هنالك أي جواب، فيرجعون خائبين. وهذا أوضح دليل على بطلان ولايتهم، كما يقول سبحانه: (وَ) اذكر يا محمد (يَوْمَ يَقُولُ) الظاهر أنّ القائل هو الله عزّ وجلّ مخاطِباً المشركين بقوله: (نَادُوا

1 . معجم البلدان:3/191.

126
شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) أنّهم شركاء، ولكن كلّما دعوا هؤلاء (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ) ذلك أنّنا (جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ): أي بين الداعين والمدعوّين (مَوْبِقًا) أي حائلاً. قال ابن فارس: وبق: كلمتان يقال لكلّ شيء حال بين شيئين موبق، والكلمة الأُخرى وبق: هلك وأوبقه الله.1. وعلى هذا فالآية تدلّ على وجود الحيلولة بين الداعين والمدعوّين. ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه: (وَمَا نَرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)2. فقوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)بمعنى انقطاع الرابطة بينهما، وأمّا ما ذكره أكثر المفسّرين من أنّ المراد من «الموبق» المهلك، فلا يساعده السياق، لأنّ المهلك إنّما أُشير إليه في الآية التالية، وتصوُّر أنّ الموبق واد في جهنم يجري بدم وصديد، لا يناسب السياق، لما عرفت من أنّ ظاهره أنّهم لم يدخلوها بعدُ، بل على أعتاب الدخول كما يقول:
53. (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا):
سورة الكهف: الآيات 54 ـ 59   
لمّا تحدّثت الآية السابقة عن انقطاع الصلة بين الداعين والمدعوّين، تحدّثت هذه الآية عن مصير المشركين بعد انقطاع الأسباب، كما يقول: (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ): أي نار جهنّم (فَظَنُّوا): أي أيقنوا (أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا): أي داخلوها لخيبتهم وحرمانهم من نصرة الشركاء (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا) النار (مَصْرِفًا)مخلَصاً. وعلموا أنّ دخولهم النّار حُكم باتّ قاطع لا يبدَّل.

1 . مقاييس اللغة:6/82.
2 . الأنعام:94.

127
قلنا: إنّ الظن في قوله:(فَظَنُّوا) بمعنى اليقين، بشهادة قوله تعالى:(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ).1

الآيات: الرابعة والخمسون إلى التاسعة والخمسين

(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا
كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)
.

1 . البقرة:249.

128

المفردات

مثَل: المَثَل: الوصف وتبيين الحال.
جدلاً: الجدل: المنازعة بالقول.
سنّة الأوّلين: أي ما جرى على الأوّلين من عذاب الاستئصال، أو العناد واللَّجاج، كما سيأتي.
قُبُلاً: مقابلة وعِياناً.
ليُدحضوا: ليبطلوا به الحقّ.
وما أُنِذروا: وما خوِّفوا من أنواع العقاب.
ما قدّمت يداه: ما فعله من المعاصي التي يستحقّ بها العقاب.
أكنّة: الكِنّ: ما يُحفَظ فيه الشيء. والكِنان: الغطاء الذي يُكَنّ فيه الشيء، والجمع أكنّة، نحو غطاء وأغطية.1
وقراً: ثقلاً في السمع.
موئلاً: ملجأً.

التفسير

54. (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً):

1 . انظر: المفردات للراغب: 727، مادة «كن».

129
لعلّ الآية إشارة إلى ما مرّ في هذه السورة من قوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ)1، وقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)2، وقوله في سورة أُخرى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)3، إلى غير ذلك من الأمثال التي تتضمّن الحوادث المرّة واللحظات الحلوة في التاريخ، كما يقول في المقام: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا) ردّدْنا وكرّرْنا (فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل) وجئنا بأمثلة كثيرة مقنعة لمن تدبّر وتذكّر، لولا أنّ القلوب قد تحجّرت والأفئدة قد قست (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً): أي أكثر شيء مِراءً وخصومة، فهو مكان أن ينتفع بهذه الأمثلة أخذ يجادل ويماري ويعتذر عن قبول الرسالة بوجوه واهية، نظير قولهم الذي حكاه عنهم سبحانه: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)4 إلى غير ذلك من الأعذار التي اتّخذوها ذريعة للإنكار.

شنشنة أعرفها من أخزم

نرى أنّ غير واحد من مفسّري السنّة من قدمائهم(كالقرطبي) أو متأخّريهم(كالمراغي وابن عاشور) ذيّلوا هذه الآية برواية رواها الشيخان وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ (كرّم الله وجهه) أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طرقه وفاطمة]ليلاً[ فقال: «ألا تصلّون» فقلت: يا رسول الله إنّما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين قلت له ذلك، ثم سمعته

1 . الكهف:32.
2 . الكهف:45.
3 . الإسراء:89.
4 . المؤمنون:33.

130
وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً).1
أقول: الظاهر أنّ هذه الرواية وضعت في مقابل ما رواه البخاري في غير مورد من صحيحه، عن ابن عباس قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه قال: ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عُمر: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حَسبُنا، فاختلفوا وكثر اللَّغط، قال: قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرَّزيّة كلّ الرَّزيّة ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه.2
ثمّ إنّ البخاري يتلاعب في نقل الحديث، فإنّ المعترض كان رجلاً واحداً، فتارة يصرِّح باسمه وذلك فيما إذا جُعلت شدّة الوجع ذريعة لرفض أمر النبيّ فيقول: قال عمر: إنّ النبيّ غلبه الوجع. وعندما يتّهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالهَجْر وهو اتّهام شنيع، يترك ذكر اسم المعترض وينسبه إلى الجمع ويقول: اشتدّ برسول الله وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: دعوني، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه.3
وعلى كلّ تقدير، فرواية جدال عليٍّ مع النبيّ من موضوعات العهد الأموي والغاية هي المساواة بين الرجلين، وشتّان الفرق بين مَن أسلم لله

1 . صحيح مسلم:357، كتاب صلاة المسلمين وقصرها، برقم 1702; صحيح البخاري:1/273، كتاب التهجّد، برقم 1127.
2 . صحيح البخاري:1/38، كتاب العلم، باب كتابة العلم، برقم 114.
3 . صحيح البخاري: 2 / 287، كتاب الجهاد، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة، برقم 3053.

131
وكرّم الله وجهه من أن يسجد لصنم وكان أوّل من أسلم، وشهد المغازي كلّها إلاّ تبوك ، واتّخذه رسول الله أخاً لنفسه وقال فيما قال فيه: «عليٌّ منّي وأنا منه».1 شتّان الفرق بينه وبين من ليس كذلك.
إنّ عليّاً هو البكّاء في الظلمات والمتهجِّد في الليالي، حتى قال ابن أبي الحديد: إنّ الناس تعلّموا منه المواظبة على صلاة الليل والعبادات، فهل يمكن أن ينام عن الصلاة المفروضة، وأن يواجه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بما ذُكر؟!
على أنّ ظاهر الرواية المفتراة أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ بباب عليّ مرّة واحدة وقال ما قال وسمع ما سمع، ولكن المتضافر حسب ما أخرجه الطبري عن أنس أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).2
وروى السيوطي: أخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي الحمراء قال: حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب علي(رض) فوضع يده على جنبتَي الباب ثم قال: «الصلاة الصلاة(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)».3 وطبع الحال أنّ الإمام وزوجه يسمعان كلام النبيّ وهو في طريقه إلى الصلاة.

1 . خصائص أمير المؤمنين للنَّسائي:82، برقم 71; وسنن الترمذي:1062، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب، برقم 3736(وقال: هذا حديث حسن صحيح).
2 . تفسير الطبري:22/5ـ7.
3 . تفسير الدر المنثور: 5 / 198 ـ 199.

132
55. (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً):
لمّا تحدّثت الآية السابقة عن كون الإنسان أكثر شيء جدلاً، أشار سبحانه هنا إلى نوع جدل عمليّ من الناس، وهو أنّ المترقَّب ممّن أُوتي فهماً وعقلاً إذا جاءه الهدى من ربّه أن يستضيء بهداه ولكن مع الأسف، أنّهم حرَموا أنفسهم من الاستضاءة، كما يقول: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا)برسالة النبيّ (إِذْ جَاءَهُمُ) أن (يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) عمّا ارتكبوا من المعاصي والجرائم أو ما أشركوا، فلم يؤمنوا إلاّ لغايتين:
1. (أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ): أي كفروا ولم يؤمنوا وانتظروا عذاب الاستئصال على سنّة الأوّلين.
2. (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً) فيؤمنوا عندئذ اضطراراً. وعلى كلّ تقدير، فالمشركون معرضون عن الهداية، فهم بين أن يأخذهم عذاب الاستئصال من غير وعي، أو أن يواجهوا العذاب فيؤمنوا خوفاً ووجلاً منه. ومن المعلوم أنّ الإيمان النابع من العذاب المقبل غير نافع، قال سبحانه: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).1
وهنا احتمال آخر في تفسير الآية، وهو أنّه سبحانه ذكر المانع عن إيمان الناس برسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الأمران الآتيان:

1 . غافر:84ـ 85.

133
1. (إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) وأُريد به سيرة العناد واللَّجاج.
2. (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً): أي إنّهم يستمرّون في عنادهم ولَجاجهم إلى أن يأخذهم العذاب معاينة، فلفظة «أو» بمعنى «إلى». وعلى هذا فليس هنا إلاّ مانع واحد وهو العناد واللَّجاج وهو مغيّى بنزول العذاب.1
56. (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا):

تسلية النبيّ وتطييب نفسه

الآية تطييب لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ذكّره تعالى بأنّ مسؤولية الرسل والأنبياء هي التبشير والإنذار، فليس عليهم شيء من إعراض الناس. وقد مرّ هذا النوع من التسلية أيضاً في صدر السورة، قال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا).2
وأمّا موقف المعاندين، فهو الاستكبار عن قبول الحقّ الذي يجيء به الرُّسل، ومحاولة إبطاله بالجدال العقيم كما يقول: (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ) فهم يواجهون الحقّ بالأساليب الملتوية القائمة على الكذب والتمويه والخداع، كزعمهم أنّ القرآن سحر، أو زعمهم أنّه ينبغي أن يُنزّل على رجل ذي جاه ومال، فهم يجادلون بالباطل (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ): أي

1 . انظر: التحرير والتنوير:15/91.
2 . الكهف:6.

134
ليمحقوا بالباطل الحقَّ ويُبطلوه (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا): أي ما خوِّفوا به من عذاب يوم القيامة جزاءً لكفرهم وعتوّهم (هُزُوًا): أي سخرية واستهزاءً. والظاهر أنّ قوله: (وَمَا أُنْذِرُوا)من قبيل عطف الخاص على العام.
وهذه هي سيرة الجاهلين الذين يواجهون منطق المصلحين بالهراء والاستهزاء، فكلّما خوطبوا بالدليل والبرهان اشتدّت لجاجتهم وخصومتهم للعناد المكنون في بواطنهم، «وكلّ إناء بما فيه ينضح».
57. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا):
تتحدّث الآية عن أمرين:
الأوّل: يصف سبحانه من ذُكِّر بآيات ربّه وأعرض عنها بأنّه أظلم الناس، حيث إنّه بِنأيه عن تلك البيّنات يُلقي بنفسه في حمأة الضّلال، ومن ثمّ يعرّضها للعذاب والشقاء في الآخرة. وهذا المُعرِض لم يكترث لمصيره القاتم، إلى حدّ تغاضى عن سالف أعماله (وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ): أي ما اقترف من المعاصي التي استحقّ بها العقاب، واشتغل بالدنيا ونسي الآخرة، فهذا في منطق القرآن أظلم الناس.
وفي نسبة كلّ المعاصي إلى اليدين نوع تجوّز، قال الشريف الرضي: المراد بذكر اليد هاهنا ما كسبه الإنسان من العمل الذي يجرّ العقاب

135
ويوجب النَّكال، كقوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)1، وقوله تعالى:(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).2 وذلك على طريقة العرب معروفة، وهي أن يقولوا للجاني المعاقب: هذا ما جَنَت يداك وإن لم تكن جنايته عملاً بيده.3
الثاني: أنّه سبحانه يصفهم بقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) مانعة من (أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ) جعلنا (فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا): أي ثقلاً، (وإن لم يكونوا صمّاً) لا ينتفعون بما يسمعون من الآيات، وبذلك صاروا غير منتفعين بدعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يقول: (وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) فيموتون على كفرهم.

الآيات تشير إلى الأمر بين الأمرين فقط

قال الآلوسي: واستدلّت الجبرية بهذه الآية على مذهبهم، والقدَرية بالآية التي قبلها، قال الإمام: وقلَّ ما تجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلاّ ومعها آية للفريق الآخر، وما ذاك إلاّ امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميّز العلماء الراسخون من المقلّدين.4
وكلّ مَن تدبَّر كلتا الطائفتين من الآيات، يقف على أنّ الجميع يستهدف أمراً واحداً، وهو الأمر بين الأمرين، فلا الإنسان مسيّر بحيث لا دور له في مصيره وما يختار من الأفعال، ولا هو مخيّر بمعنى المفوّض إليه

1 . آل عمران:182.
2 . الشورى:30.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:111.
4 . روح المعاني:15/304.

136
فعلُه حتّى لا يكون لله سبحانه أي دور في فعله، فإنّ كلا الأمرين باطلان، والطريق الصحيح هو الأمر بين الأمرين كما هو المعهود من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام). هذا هو الجواب الكلّي عن كلتا الطائفتين من الآيات، فكلٌّ منهما إمّا ناظر لنفي الجبر، أو التفويض.
وأمّا ما يتعلّق بتفسير آيتنا هذه، فنقول: إنّ لله سبحانه هدايتين; هداية عامّة تشمل كلّ الناس بل عامّة الموجودات، فهداية العقل والفطرة والأنبياء والأولياء تشمل كلّ الأناسي حتى فرعون وهامان وقارون.
ثمّ إنّ من استنار بالهداية الأولى تغمره هداية ثانية وتشدّ عضده وتوصله إلى الكمال المطلوب، وأمّا مَن أعرض عن الاهتداء بالهداية الأُولى فينقطع عنه فيضه تعالى ولطفه وهدايته، ومن ثمّ يكون ممّن لهم قلوب لا يفقهون بها وآذان لا يسمعون بها، فعَمى القلوب وصمم الآذان من نتائج إعراضهم عن الهداية الأُولى، فصحّت نسبتها إلى الله سبحانه وإليهم أيضاً، والتفصيل في محلّه.
58. (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً):
سورة الكهف: الآيات 60 ـ 64   
تحدّثت الآية السابقة عن جماعة لا يُرجى منهم الصلاح أبداً وهذا يُسبّب نزول العذاب معجَّلاً، إذ لا أثر لبقائهم إلاّ الفساد، فجاءت الآية كالإجابة عن هذا السؤال (وَ) هو أنّ (رَبُّكَ الْغَفُورُ) تعريض بالترغيب للاستغفار (ذُو الرَّحْمَةِ) تمهيد لقوله: (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) فلأجل كونه غفوراً ورحيماً أمهلهم، ولكنّه لا يهملهم (بَلْ لَهُمْ

137
مَوْعِدٌ) للعذاب، إمّا في الدنيا كما حصل لهم يوم بدر، أو في الآخرة أي بعد الموت (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً): أي لهم موعد ليس لهم منه محيص ولا ملجأ يلجأون إليه من عذابه. والضمير في قوله: (دُونِهِ) يرجع إلى الموعد، أي لن يجدوا من دون هذا الموعد مخلَصاً.
59.(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا):
تقدّم منّا أنّ موعدهم الذي لا مخلص منه، إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة، فهذه الآية تشير إلى القسم الأوّل، فالذين لاقوا موعدهم في الدنيا مثل عاد وثمود وأصحاب الأيكة، يقول:(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْنَاهُمْ)الفقرة مبتدأ وخبر، أي عمّهم الهلاك، لماذا؟ (لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا): أي ميقاتاً وأجلاً، فلمّا بلغوه شملهم العذاب، فنتيجة الآيتين أنّه سبحانه يذكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ لهؤلا المشركين من قومك الذين لا يُرجى منهم الإيمان موعد يلاقونه، إمّا في الدنيا كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، أو في الآخرة للذين ماتوا كافرين، والله سبحانه مع كونه غفوراً رحيماً لكنّه لا يترك هؤلاء المفسدين بحالهم، بل يعذّبهم عذاباً نكراً.

الآيات: الستون إلى الرابعة والستين

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ

138
لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا).

المفردات

لا أبرح: لا أزال سائراً.
مجمع البحرين: المكان الذي يلتقي فيه البحران ويصيران بحراً واحداً.
حُقُباً: الحُقُب: الدهر. قيل ثمانون، وقيل سبعون. والظاهر الأوّل.
سَرَباً: السَّرَب: المكان المنحدر.
غداءنا: الغَداء: ما يؤكل أوّل النهار، وهو مشتقّ من الغُدوة، والمولّدون يستعملونه لطعام الظهر.
نَصَباً: تَعَباً وإعياءً.
أوينا: التجأنا.
نبغِ: نطلب.
فارتدّا: رجعا إلى الطريق الذي جاءا منه.
قَصصاً: القصّ: تتبُّع الأثر.

139

التفسير

هذه المجموعة وما يأتي بعدها من الآيات حلقة منقطعة النظير في القرآن الكريم عن سيرة موسى(عليه السلام)، فلم تُذكر إلاّ مرّة واحدة وهي في هذا المقام، وفيها نكات ومعارف لمَن تدبّر فيها، غير أنّ تفسير الآيات رهن تقديم أُمور تلقي الضوء على القصة بتمامها:

إيضاح قصة موسى بأُمور

الأمر الأوّل: قصة لقاء موسى(عليه السلام) بالعبد الصالح لم ترد في القرآن الكريم إلاّ في سورة الكهف، وهي غير مذكورة في التوراة، والمراد بموسى فيها هو ابن عمران، نبيّ بني إسرائيل المعروف، الذي ذُكر اسمه في القرآن أزيد من (130) مرّة، ولو أُريد به غيره لضُمّت إليه قرينة صارفة، وكون القصة غير مسطورة في التوراة لا يعتبر دليلاً على أنّ المقصود به غير ابن عمران. ويحكى عن أهل الكتاب أنّ موسى هنا هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وكان نبياً قبل موسى بن عمران واستدلّوا على ذلك بالوجوه التالية:
1. إنّ موسى بعد ما أنزلت عليه التوراة وحجّ خصمه بالمعجزات العظيمة، يبعد أن يبعثه الله بعد ذلك ليستفيد علماً من غيره.
يلاحظ عليه: أنّ النبيّ موسى(عليه السلام) قد أوتيَ علم الشريعة الظاهرة ولم يؤتَ العلم الباطني، وأمّا مصاحبه الذي سمّي في الروايات بالخضر فآتاه الله العلم الباطني، لأنّ الغاية من بعث موسى(عليه السلام) هو هداية الناس إلى التوحيد وإرشادهم إلى أحكام الله، ويكفي في ذلك علمه بالشريعة، وأمّا

140
العلم بالباطن وتأويل الأُمور ومآلها فلم يكن بحاجة إليه في تبليغ الرسالة.
وعلى هذا فالرجلان كاملان، غير أنّ ملاكَي الفضيلة لديهما متغايران.
2. إنّ موسى(عليه السلام) بعد خروجه بقومه من مصر ابتُلي بعصيانهم، فعوقبوا بالتّيه في الصحراء، وقد توفّي(عليه السلام) في أثناء فترة التّيه، فلو كانت هذه القصة منه لاقتضت خروجه من التّيه.
يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من أن يغيب عن قومه أياماً معدودة، ولعلّهم زعموا أنّه ذهب يناجي ربّه ولم يطلعهم على حقيقة غيبته بعد أن رجع، حتى أوصى بذلك فتاه الذي كان معه.
الأمر الثاني: إنّ موسى(عليه السلام) ـ كما تذكر الآيات ـ اصطحب معه فتاه، والفتى هو الطريّ من الشباب ويُكنى به عن العبد، والأَولى أن يقال: يكنى به عن الخادم، وهذا من محاسن الآداب الشرعية(العربية) حيث يخاطبون خدمهم بلفظ يضفي عليهم شخصية محترمة. واتّفق المفسرون على أنّ المراد به يوشع بن نون، وكان يخدمه.
الأمر الثالث: يأتي في المجموعة التالية قوله سبحانه:(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً) ولم يسمِّه القرآن الكريم.
غير أنّ الروايات تسمِّيه بالخضر، وهل كان نبياً؟ ليس لدينا دليل على ذلك، وتعلُّم موسى(عليه السلام) منه لا يدلّ على نبوّته لِما مرّ من أنّه سبحانه خصّ كلاًّ بفضيلة: العلم بالظاهر، والعلم بالباطن.
نعم، لم يكن نبيّاً ومع ذلك كان يتلقّى الوحيَ، بشهادة قوله:(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري): أي فعلته بوحي من الله لكن ليس كلّ مَن يوحى إليه نبيّاً،

141
بشهادة أنّه سبحانه أوحى إلى أُمّ موسى وقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)1.
الأمر الرابع: تتحدّث القصة عن رحلة مدرسية تعليمية قام بها موسى(عليه السلام) بأمر الله تعالى، للقاء عبد من عباده الصالحين المجهولين، الذين اختصّهم سبحانه بعنايته ووهبهم من لدنه علماً بالغيب، للوقوف على ما يختفي وراء ظواهر الأحداث من حِكَم إلهية خفيّة، الأمر الذي يعمّق من تجربة أصحاب الرسالات والرساليين، ويجعلهم أكثر أناة ودقّة في الحكم على الأشياء. والقصة حافلة بالغرائب والأسرار.
الأمر الخامس: انطلق موسى(عليه السلام) مع فتاه وكان يحمل معه حوتاً وسارا نحو مجمع البحرين ليلتقي هناك مع العبد الصالح، وذلك في موضع منه حدّده له تعالى بعلامة، وهي فقدان الحوت فيه، فحيث يفتقد الحوت فالرجل الصالح هناك، فأخذ موسى وفتاه بالسَّير ثم أحسّا بالتعب، وكانت هناك صخرة على شاطئ البحر فأويا إليها ليستريحا هنيئة، ويبدو أن موسى نام وبقي فتاه يقظاً، فإذا بالحوت يضطرب ويأخذ طريقه في البحر ويغور فيه، والفتى يشاهده ويتعجّب من أمره، وقد نسي أن يخبر موسى(عليه السلام)بفقدان الحوت حتى تركا ذلك الموضع الذي أقاما فيه للاستراحة، فأخذ موسى وفتاه بالسَّير حتى جاوزا مجمع البحرين، ولما شعرا بالتعب والجوع أمر موسى فتاه بالإتيان بالطعام، وعندئذ تذكَّر فتاه ما شاهده من أمر الحوت وأنّه افتقده عند الصخرة التي أويا إليها، فلمّا سمع موسى ذلك قال:

1 . القصص:7.

142
ذلك ما كنّا نطلب، فلنرجع إلى ذلك المكان الذي افتقدنا فيه الحوت، فإنّا سنجد العبد الصالح هناك. وقد اضطربت الروايات في نقل القصة، وأفضل ما ورد هو ما ذكره القمّي في تفسيره وهو يشرح ما لخّصناه.
قال علي بن إبراهيم: لمّا أخبر رسول الله قريشاً بخبر أصحاب الكهف، قالوا: أخبرْنا عن العالم الذي أمر الله عزّ وجلّ موسى(عليه السلام) أن يتبعه وما قصته؟ فأنزل الله عزّ وجلّ: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) قال: وكان سبب ذلك أنّه لمّا كلّم الله موسى تكليماً، وأنزل عليه الألواح، وفيها كما قال الله عزّ وجلّ: (وَ كَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء)1 رجع موسى إلى بني إسرائيل فصعد المنبر، فأخبرهم أنّ الله عزّ وجلّ قد أنزل عليه التوراة وكلّمه، قال في نفسه: ما خلق الله تعالى خلقاً أعلم منّي، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبرئيل(عليه السلام) أن أدركْ موسى فقد هلك، وأعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلاً أعلم منك، فصرْ إليه وتعلّمْ من علمه، فنزل جبرئيل(عليه السلام) على موسى(عليه السلام)وأخبره، فذلّ موسى في نفسه وعلم أنّه أخطأ ودخله الرُّعب، وقال لوصيه يوشع بن نون: إنّ الله عزّ وجلّ قد أمرني أن أتبع رجلاً عند ملتقى البحرين وأتعلّم منه، فتزوّد يوشع حوتاً مملوحاً وخرجا، فلمّا خرجا وبلغا ذلك المكان وجدا رجلاً مستلقياً على قفاه، فلم يعرفاه، فأخرج وصيّ موسى الحوت وغسله بالماء ووضعه على الصخرة، ومضيا ونسيا الحوت، إلى آخر القصة.2

1 . الأعراف:145.
2 . تفسير القمّي:2/11ـ 12; تفسير نور الثقلين:3/270.

143
وإليك تفسير الآيات في حلقات أربع:

الحلقة الأُولى

60. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا):
قوله تعالى:(وَ) اذكر يا محمد (إِذْ قَالَ مُوسَى) جملة معطوفة على قوله:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)1، (لِفَتَاهُ) هو يوشع بن نون كما جاء في الروايات، وهو ابن أُخت موسى وتلميذه المختصّ به ووصيّه على بني إسرائيل ـ ماذا قال؟ ـ قال: (لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ): أي لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين سريعاً (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) أو أصل إليه بعد مضيّ زمن طويل. وهذا القول من موسى(عليه السلام)يعبّر عن التصميم الأكيد له لبلوغ غايته، وفيه أيضاً شحذ لعزيمة فتاه لتحمُّل مشقّة المسير الذي قد يستدعي زمناً طويلاً فليستعدّ له، كما فيه أيضاً إشارة إلى الأدب في السفر وهو أنّ المُرافق يجب أن يعيّن لمرافقه حدّ السفر الذي قصده ليكون هو على بصيرة من سفره هذا. فقوله: (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) لأجل أنّه سيجد الرجل الأعلم منه عند ملتقى البحرين كما في الرواية. وعندئذ يقع الكلام: ما هو معنى قوله: (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) فإذا كانت ضالّته عند مجمع البحرين، فيكون عطف الجملة الثانية يستدعي سبباً. ويمكن أن يقال: إنّ المقصود بالعطف تأكيد مضيّه زمناً يتحقّق فيه الوصول إلى مجمع البحرين. فالمعنى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين بسَير قريب، أو أسير

1 . الكهف:50.

144
أزماناً طويلة حتى أبلغه، فتكون الجملة كناية عن عزمه على العثور على ضالّته وإن استلزم السير الطويل.

ما هو المراد من مجمع البحرين؟

61. (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا):
الفاء في قوله:(فَلَمّا) فاء التفريع وهو يدلّ على أُمور موجودة في القصة طوي الكلام عن ذكرها، وهي أنّ موسى وفتاه أخذا بالسّير بعد الإخبار حتى صارا عند مجمع البحرين، كما قال:(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا): أي البحرين. وقد اختلفت كلمات المفسِّرين في هذا المجمع بين البحرين على وجوه يمكن القطع ببطلان بعضها بالنسبة إلى الظروف التي عاشها موسى(عليه السلام)، والوسائل المتاحة له في السَّير.
ومن الوجوه المذكورة ما يلي:
1. أنّه مجمع خليجَي العقبة والسويس في البحر الأحمر. وكان بنو إسرائيل يقيمون في هذه المنطقة بعد خروجهم من مصر.
2. ملتقى البحر المتوسط (وكان يسمى بحر الرُّوم) مع البحر الأحمر. وهو ما يسمّى الآن بقناة السويس.
وأمّا ما يقال من أنّه ملتقى البحر المتوسط والمحيط الأطلسي عند مضيق جبل طارق في المغرب، فهو بعيد جدّاً، لأنّ موسى(عليه السلام) كان مع بني إسرائيل في التّيه بعد خروجهم من مصر، فلو خرج منهم فإنّما يخرج إلى

145
مكان قريب، حتى يرجع إليهم دون أن يشعروا بغيابه، وأمّا لو قصد ذلك المكان البعيد فهو رهن الغيبة عن قومه شهوراً ذهاباً وإياباً، ولو تحقّق ذلك لذُكر في سيرة حياة موسى(عليه السلام) ولذكره المؤرِّخون.
وعلى كلّ تقدير (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) وهي السمكة التي أمر موسى(عليه السلام)باستصحابها ليكون مكان افتقادها دليلاً على وجود العبد الصالح هناك كما ورد في الروايات، ونُسب النسيان إلى موسى وفتاه مع أنّ الثاني هو الناسي، لأنّ موسى(عليه السلام)هو القاصد وكان عليه أن يتعاهده ويسأل عنه، وأمّا كيفية النسيان فكأنّ موسى(عليه السلام) نام وبقي فتاه يقظان وعندها حدث ما يلي: (فَاتَّخَذَ) الحوت (سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا): أي فإذا بالحوت يضطرب ويأخذ طريقه في البحر ويغور فيه.
وأمّا أنّه كيف اضطرب بعد ما كان ميتاً أو مملوحاً فقد سكت عنه القرآن الكريم، والروايات تذكر له سبباً وهو أنّ وصيّ موسى(عليه السلام) أخرجه وغسله بماء الحيوان كما ذكر علي بن إبراهيم في القصّة، المتقدمة. والله العالم.
62. (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا):
استيقظ موسى(عليه السلام) كما يبدو من نومه ونسي الفتى أن يخبره بأمر الحوت واستأنفا المسير(فَلَمَّا جَاوَزَا) مجمع البحرين تعبا وجاعا وعندئذ (قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا): أي تعباً. وعندها تذكّر الفتى قضية الحوت، فقصّ على موسى(عليه السلام) ما رآه بعينه.

146
63. (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا):
قوله تعالى: (قَالَ) فتى موسى (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) ونزلنا هناك (فَإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ): أي فقدت الحوت وكان عليّ أن أذكر لك قصّته(وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ): أي هو الذي أنساني أن أذكره لك، ولو ذكره لما جاوز موسى(عليه السلام) ذلك المكان الذي فقد فيه الحوت ولَما ناله النَّصب، فلذلك ذكر إجمال القصة التي نساها وهو أنّ الحوت (اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا): أي غار في الماء بصورة عجيبة. وعند سماع موسى هذا الخبر، خاطبه بقوله:
64. (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا):
سورة الكهف: الآيات 65 ـ 70   
قوله: (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ): أي ذلك ما كنّا نطلب من العلامة (فَارْتَدَّا) من الارتداد بمعنى العَود، أي فعادا(عَلَى آثَارِهِمَا): أي آثار أقدامهما(قَصَصًا): أي اتّباعاً، فصارا يقصّانها قَصصاً ويتّبعانها اتّباعاً حتى انتهيا إلى المكان الذي دخل الحوت فيه إلى البحر. وقوله:(نَبْغِ) أصله نبغي، حُذِفت الياء في الكتابة رعاية لحالة الوقف. كذا قيل، والحق أنّ كُتّاب الوحي ـ يوم ذاك ـ لم يكونوا متقنين رسم الخط العربي على الوجه الدقيق أو كان رسم الخط العربي في بدايات أمره، وإنّما تطوّر وتكامل عبر عصور، وكم لهذا اللفظ من نظائر في المصحف الشريف لم تمسّها يد التغيير حفظاً للأصالة.
بقي هنا أمران:

147
1. إنّ فتى موسى ينسب النسيان إلى الشيطان وقال: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ)، فهل للشيطان سبيل على الأوصياء؟ الجواب: لا، ولعلّ يوشع لم يكن يومذاك وصيّاً، وإن كان ذا مقام سام.
2. ورد في صحيح البخاري أنّ موسى(عليه السلام) قال: يا رب اجعل لي علَماً أعلم ذلك به. قال: تأخذ معك حوتاً في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ.1
إذا كان الأمر كذلك، فكيف يطلب من فتاه أن يحضر الحوت للغداء؟ إذ عندئذ تبطل علامته، وهو(عليه السلام)لم يكن عالماً بأنّه اضطرب ودخل البحر.
أقول: لو صحّت الرواية يجب أن يقال: إنّ الغداء المطلوب كان غير الحوت، أو يقال: إنّ العلامة كانت وجودَ الرجل عند مجمع البحرين لا شيء آخر. ولعلّ الوجه الأوّل هو الأفضل.

الآيات: الخامسة والستون إلى السبعين

(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا).

1 . التحرير والتنوير:15/100.

148

المفردات

رحمة: مفعول به ثان، وفسّر بالوحي والنبوّة، وهو بعيد لاشتراك موسى معه في ذلك. ولعلّ المراد: جعلناه سبباً للرحمة حيث يتصرّف لمصلحة الأُمّة.
من عندنا: عند اسم مكان قريب، ويستعمل مجازاً لبيان الاختصاص، ونظيره قوله: (لَدُنَّا).
رُشداً: مفعول له، أي أتّبعك لطلب الرُّشد. ويحتمل أن يكون مفعولاً به أي: أن تعلِّمني رشداً ممّا عُلِّمته. والرُّشْد: إصابة الخير.
لم تُحِط: أُريد معرفة الشيء بغاياته معرفة تامّة.
خُبْراً: معرفة.
ذِكراً: بياناً.

التفسير

الحلقة الثانية

65.(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا):
لمّا وصل موسى(عليه السلام) وفتاه إلى الموضع الذي كانا يتوخّيانه (فَوَجَدَا): أي أدركا (عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا)، والله سبحانه يصف ما أدركاه بصفات:

149
1. (عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا). والعبوديّة التامّة هي مفخرة للإنسان، قال الإمام علي(عليه السلام): «كفى بي فخراً أن أكون لك عبداً، وكفى بي عزّاً أن تكون لي ربّاً».1
2. (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) قد مرّ أنّ في الرحمة وجهين، واخترنا الوجه الثاني، أعني: أنّه صار سبب الرحمة للناس في تصرّفاته، كما ستأتي نظائره.
قوله: (مِنْ عِنْدِنَا) إضافة «عند» لضمير المتكلّم مع الغير لبيان شرف الانتساب إلى الله تعالى.
3. (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) والإضافة في قوله: (مِنْ لَدُنّا) هي نفس الإضافة في قوله:(مِنْ عِنْدِنَا)وأُريد بهذا العلم، العلم بباطن الأفعال وغاياتها، إذ ربّما يكون فعلٌ ما منكراً بحسب الظاهر، ولكنّه ليس كذلك في واقع الأمر، بل فيه مصلحة تامّة أو دفع مفسدة مهمّة، وبهذا امتاز على موسى(عليه السلام)، فهو لا ينظر إلى ظاهر الأفعال وما يترتّب عليها من الآثار حسبها، ولكنّه ينظر إلى معاني الأفعال وتأثيرها في المستقبل.
66. (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا):
ابتدأ موسى كلامه بالأدب البارع الحريّ بالمتعلِّم المستفيد و (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ): أي هل تجيز لي أن أتّبعك؟ فجعل من نفسه تابعاً يقفو أثر متبوعه، وهو المصاحب، ثم عظَّم قدْر علم المعلِّم وقال: (عَلَى أَنْ

1 . الخصال: 420; روضة الواعظين: 109.

150
تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) حيث لم يقل: «ما عُلِّمت» بمعنى كلّ ما عُلِّمت، بل قال: (مِمَّا عُلِّمْتَ): أي بعض ما عُلِّمت، ثم مدحه وقال: (رُشْدًا): أي إصابة الخير والمصلحة، مشعراً بأنّ العلم النافع هو ما فيه الرُّشد.
67. (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا):
وقد تعامل مصاحب موسى مع متعلِّمه بأدب أيضاً، حيث لم يرفض استئذانه باتّباعه، بل أشار بلطف إلى عدم صبره على ما يفعله و(قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا).
68. (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا):
ثم علّل عدم صبره بقوله:(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى)ما سأقوم به من الأعمال وهو في ظاهره منكر عندك، كما يقول: (مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا): أي لم تعرف باطنه وتأويله وما يترتّب عليه من المصالح؟
69. (قَالَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا):
لقد أظهر المتعلِّم أدبه البارع مرّة أُخرى و (قَالَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا) على ما تقوم به من الأعمال، وقد قيّد الفعل (سَتَجِدُني) بمشيئة الله سبحانه عملاً بالسنّة الرائجة في الشرائع (وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) تأمرني به. وبهذا جعله آمراً وجعل نفسه مأمورة.
سورة الكهف: الآيات 71 ـ 78   
70. (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا):

151
أذن له المصاحب باتّباعه، ولكن شرط عليه أن لا يسأله عن علل الأفعال ووجوهها كما قال: (فَإِنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْني) ووقّت عدم السؤال بقوله: (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا): أي أكون أنا مفسّراً ومبيِّناً.
فالمصاحب بهذا التعبير يذكِّر المتعلِّم بأنّ ما يقوم به من الأفعال والتصرّفات له مصالح واقعية، فعلى المتعلِّم (موسى) أن يدع السؤال ويصبر إلى أن يبتدئ هو بالكلام، ويكشف له عن علل وأسرار تصرّفاته وأعماله.

الآيات: الحادية والسبعون إلى الثامنة والسبعين

(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْني مِنْ أَمْري عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).

152

المفردات

خَرَقها: شقّها.
إمراً: الإمر: المنكَر. وقال أبو عبيدة: الداهية العظيمة.1
ولا ترهقني: ولاتكلِّفني. وأصل الرَّهَق الغِشيان، يقال: رَهِق الفارس فلاناً إذا غَشِيَه فأدركه.
زكيّة: طاهرة، والمراد طهارتها من سبب القتل حسب الظاهر، ولذا قيّده بقوله: (بِغَير نَفس): أي بغير قتل شخص.
نُكراً: منكراً. ولعلّه يرادف (إمراً).
فلا تصاحبني: أي فلا تقاربني، أي إن سألتك بعد هذه المرّة عن شيء فحقّ لك أن لا تصاحبني.
ينقضّ: يسقط بسرعة.

التفسير

الحلقة الثالثة:

1. خرق السفينة

71.(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا):

1 . التبيان في تفسير القرآن:7/73.

153
بدأ موسى(عليه السلام) رحلته التعليمية بركوبه هو وصاحبه في السفينة كما قال: (فَانْطَلَقَا) يمشيان على شاطئ البحر (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ)وجرت السفينة بركّابها (خَرَقَهَا) الرجل الصالح بشكل يعرّض السفينة ومَن فيها لخطر الغرق، فاستغرب موسى(عليه السلام) من هذا التصرّف و(قَالَ)مستنكراً (أَخَرَقْتَهَا): أي شققتها (لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ولم يقل: «لنغرق» إشفاقاً منه على القوم أكثر من إشفاقه على نفسه جرياً على عادة الأنبياء، مضافاً إلى أنّ في غرق أهل السفينة غرق موسى وصاحبه. ثم قال بعد إنكاره ذلك (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا): أي شيئاً منكراً فظيعاً.
ثمّ إنّ اللام في قوله: (لِتُغْرِقَ) لام العاقبة، لا لام الغاية بمعنى أنّه يترتّب على فعله غرق أهل السفينة شاء أم لم يشأ، مثل قوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)1بمعنى أنّه قد ترتّب على تموّلهم وتمتّعهم بالزينة، إضلالُ الناس.
72. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا):
(قَالَ) الرجل الصالح: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) وذكّرتك حين رغبتَ في اتّباعي أنّك لا تطيق ما أقوم به من الأعمال؟ فاعتذر موسى(عليه السلام) وقال:
73. (قَالَ لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْني مِنْ أَمْري عُسْرًا):

1 . يونس:88.

154
(قَالَ) موسى معتذراً مستقيلاً (لاَ تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ): أي لا تلُمْني وتعاتبْني بترك الوعد، فليس النسيان هنا بالمعنى المعروف بل المراد تركه، لأجل أنّه استشعر بأنّ تذكير مخاطرة هذا الأمر أَولى من حفظ العهد (وَلاَ تُرْهِقْني مِنْ أَمْري عُسْرًا): أي لا تكلِّفني مشقة، ولا تعاملني بالعسر، ولا تضيّق عليّ الأمر في صحبتك.

2. قتل غلام زكيّ

74.(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا):
يظهر من الآية أنّهما هبطا من السفينة في مكان ما، ثمّ سارا فلقيا غلاماً، كما قال: (فَانْطَلَقَا) وتابعا مسيرهما(حَتَّى إذَا لَقِيَا غُلاَمًا) فبادر الرجل الصالح إلى قتله(فَقَتَلَهُ) فانتفض موسى مستنكراً، و(قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً)طاهرة من الذنوب المستوجبة للقتل؟ (بِغَيْرِ نَفْس) ولم تقتل نفساً فيُقتصّ منها (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا): أي أمراً منكراً في الشرع والعقل.
ولا دليل على أنّ المقتول كان غير بالغ، إذ يستعمل الغلام في الشاب الطريّ وهو يشمل البالغ وغيره بشهادة أنّه سبحانه يصف إسماعيل بقوله: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ)1، فهو في ظرف الحلم كان غلاماً، ومن المعلوم أنّه كان في ذلك الظرف شاباً لا صبيّاً غير بالغ.
75. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا):

1 . الصافات:101 و 102.

155
لم يجد الرجل الصالح أمام هذا الاعتراض،إلاّ تذكير موسى بالشرط الذي كان قد اشترطه عليه حين الالتقاء، ولذلك (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)؟ قيل: إنّ الأُستاذ هنا قد أخذ تلميذه بشيء من الشدّة، ففي كلمة (لَكَ) نخسة قويّة.
76. (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا):
هنا أبدى موسى ندمه على ما صدر عنه و (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْني): أي اتركني واحرمني من مصاحبتك (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي): أي من قِبَلي(عُذْرًا): أي لك العذر في تركي.

3. بناء جدار

77. (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا):
الظاهر أنّهما استمرا في السَّير وتركا الأرض التي قُتل فيها الغلام فساروا إلى أرض أُخرى كما يقول: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا): أي طلبا منهم الطعام ضيافة (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا)!! ما أشدّ بخل هؤلاء إذ يغلقون أبوابهم في وجه الضيف الجائع الغريب، ومع ذلك واصلا مسيرهما في نفس هذه القرية (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ):

156
أي يُشرف على الانهدام (فَأَقَامَهُ): أي أثبته العبد الصالح بإصلاح شأنه، فتعجَّب موسى من قيامه بهذا العمل الذي يرجع نفعه إلى أناس قد رفضوا قبل قليل ضيافتهما وهما جائعان، ولذلك لم يعترض على عمله بخلاف العملين السابقين لأنّه كان عملاً صالحاً، وإنّما (قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) لكي نشتري به طعاماً نسدّ به جوعنا.
قال الشريف الرضي في قوله سبحانه:(يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) استعارة لأنّ الإرادة على حقيقتها لا تصحّ على الجماد، والمعنى يكاد أن ينقضّ أي يقارب أن ينقضّ على التشبيه بحال من يريد أن يفعل في المباني ; لأنّه لمّا ظهرت فيه أمارات الانقضاض من مَيل بعد انتصاب واضطراب بعد ثبات، حَسُنَ أن يطلق عليه إرادة الوقوع على طريق الاتِّساع، ويردُ في كلامهم كاد بمعنى أراد، وأراد بمعنى كاد، وجاء في القرآن قوله سبحانه: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)1: أي أردنا ليوسف.2
78. (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا):
سورة الكهف: الآيات 79 ـ 82   
فعند ذلك (قَالَ) الرجل الصالح (هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ) لا أُصحابك من بعد أخذاً بقولك: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْني) ومع ذلك (سَأُنَبِّئُكَ): أي أُخبرك (بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).

1 . يوسف:76.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:111.

157

الآيات: التاسعة والسبعون إلى الثانية والثمانين

(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا* وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).

المفردات

لِمساكين: المساكين: جمع مسكين وهو الفقير أو أبلغ منه.
يعملون في البحر: أي يؤاجرون بحمل المسافر أو المتاع.
أعيبها: أجعلها ذات عيب.
خَشينا: خِفنا. وتستعمل الخشية في التحذّر عن رأفة ورحمة.
يُرهقهما: رَهِقَه الأمر: غَشِيه بقهر.
طغياناً: مجاوزة للحدود الإلهية.
زكاة: طهارة من الذنوب.

158
رُحماً: رحمة، نظير الكُثر والكُثرة.
لم تسطع: لم تستطع، ماضيه اسطاع الذي أصله استطاع.

التفسير

الحلقة الرابعة:

79.(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا):

ذكر المصالح الواقعية لأعماله الثلاثة

كان ظاهر الأعمال الثلاثة التي قام بها صاحب موسى(عليه السلام) تثير العجب والاستنكار، لذا راح يفسِّرها ويكشف له عن أسرارها، ويبيّن أنّها كانت على مُرّ الحق، وأنّه لا يعرف ما وراءها إلاّ المطَّلع على حقائق الأشياء العارف بالمصالح الواقعية.
ولذلك بدأ ببيان المصالح المكنونة في أفعاله، فذكر أمر السفينة أوّلاً، ثمّ قتل الغلام، ثمّ بناء الجدار، وقال: (أَمَّا السَّفِينَةُ) التي خرقتها (فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ): أي لِفقراء (يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) في المؤاجرة ويتعيّشون بها (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا): أي أُحدث فيها عيباً (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) أُريد به ـ كما يقول المفسّرون ـ أمامهم (مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة)صحيحة غير معيبة (غَصْبًا): أي اغتصاباً من أصحابها.

159
لقد أوقع العبد الصالح بهؤلاء المساكين ضرراً خفيفاً بإحداث عيب في سفينتهم من أجل أن يدفع عنهم ضرراً شديداً، وهو غصب سفينتهم من قبل ملك ظالم كان يأمر بغصب كلّ سفينة صالحة للاستعمال.
وعلى هذا الأساس كان الإمام الصادق(عليه السلام) يعيب على زرارة في بعض مجالسه للحفاظ على الأصلح، حيث إنّه كان لزرارة مقاماً شامخاً في المجتمع يوم ذاك، فلو وقفت جلاوزة النظام على صلته الوثيقة بالإمام الصادق(عليه السلام) لأقدموا على تصفيته، فلذلك يتظاهر الإمام(عليه السلام)، في بعض الأوقات، بذمّه. وقد روي في الصحيح أنّ أبا عبد الله(عليه السلام) قال لولده عبدالله بن زُرارة: اقرأ منّي على والك السلام وقل له : «إنّي إنّما أعيبك دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس والعدوّ يسارعون إلى كلّ مَن قرّبناه وحمدنا مكانه، لإدخال الأذى فيمن نحبّه ونقرّبه، ويرمونه لمحبّتنا له وقربه ودنوّه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله ويحمدون كلّ من عِبناه نحن، فإنّما أعيبك لأنّك رجل اشتهرت بنا وبميلك إلينا، وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر بمودّتك لنا ولميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك، ويكون بذلك منّا دافع شرّهم عنك، يقول الله عزّ وجلّ:(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا)هذا التنزيل من عند الله (صالحة)، لا والله ما عابها إلاّ لكي تسلم من الملك ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مسانح، والحمد لله. فافهم المثل يرحمك الله فإنّك والله أحبّ النّاس إليّ، وأحبّ أصحاب أبي إليّ حيّاً وميّتاً، فإنّك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، وإنّ من ورائك ملكاً ظلوماً غصوباً

160
يرقب عبور كلّ سفينة صالحة ترد من بحر الهدى ليأخذها غصباً، ثمّ يغصبها وأهلها، فرحمة الله عليك حيّاً، ورحمته ورضوانه عليك ميّتاً».1
بقيت هنا نكتة وهي أنّه ينسب إرادة عيب السفينة إلى نفسه وقال: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)، وفي الوقت نفسه ينسب أمر بناء الجدار إلى الله تعالى، ويقول: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا)2، وما هذا إلاّ لرعاية الأدب في الكلام، حيث إنّ خرق السفينة بظاهره عمل مذموم، بخلاف بناء الجدار فإنّه عمارة، فيعدّ عملاً محموداً.
تقدّم أنّ المفسّرين ذهبوا في قوله: (وَرَاءَهُمْ) أنّه بمعنى أمامهم، حيث إنّ السفينة حين تجري بعد هبوط العبد الصالح وموسى منها ستواجه ملكاً ظالماً، فالوراء بمعنى أمام، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)3.
ولكنّ الظاهر أنّ الوراء بمعناه الواقعي لأحد وجهين:
1. يُحتمل أنّ من ينفذّ إرادة الملك كان خلفهم، فربّما كان يلاحقهم ويسير على أثرهم ليدركهم ويستولي على سفينتهم خصوصاً إذا كان في سفينة تجري بسرعة أكبر.
2. ما ذكره السيد الطباطبائي بقوله: ربّما يطلق (الوراء) على الطرف الذي يغفل عنه الإنسان وفيه من يريده بسوء أو مكروه وإن كان قدّامه، أو فيه ما يعرض عنه الإنسان، أو فيه ما يشغل الإنسان بنفسه عن غيره، كأنّ

1 . رجال الكشّي: 126، برقم 62 ; تفسير نور الثقلين:3/285.
2 . الكهف:82.
3 . المؤمنون:100.

161
الإنسان ولّى وجهه إلى جهة تخالف جهته، قال تعالى: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)1، وقال: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)2، وقال: (وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ)3.4
80 و 81 . (وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا):
وهنا يميط العبد الصالح اللثام عن الوجه الخفيّ لقتله هذا الغلام من غير ذنب ظاهر صادر عنه، وهو أنّ أَبَوا هذا الغلام كانا مؤمنين، وأمّا هو فلديه قابلية للانحراف واستعداد لأن يصبح في مستقبل أيامه شرّيراً طاغياً، وخشية من أن يرهق، أي يغشى والديه ويسيطر عليهما ـ بعد أن يكبر ـ بطغيانه وفساده وكفره، قتله العبد الصالح كما قال: (وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) صالحين (فَخَشِينَا)، ولمّا كانت نسبة الخشية إلى الله سبحانه أمراً غير صحيح، فأُريد به التحذّر عن رأفة ورحمة مجازاً، وإلاّ فمعناه الحقيقي الذي هو التأثّر القلبيّ الخاصّ، منفيٌّ عنه تعالى، (أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)الظاهر أنّ الوصفين(طُغْيَانًا وَكُفْرًا) حالان من الغلام بقرينة ما يأتي في الآية التالية حيث يصف سبحانه الولد الذي يرزق به الوالدان فيما بعد بقوله:

1 . المؤمنون:7.
2 . الشورى:51.
3 . البروج:20.
4 . الميزان في تفسير القرآن:13/347.

162
(خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) ويكون معنى الفقرة: (أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا): أي يُغشيهما في حال كونه طاغياً وكافراً شرّاً وبلاءً. ويقال: إنّ طغياناً وكفراً مفعولان لـ (يُرْهِقَهُمَا): أي يُغشيهما بقهر طغياناً وكفراً. والمعنى أنّه يحمل والديه على الطغيان والكفر بالإغواء والتأثير الروحي لمكان حبّهما الشديد له (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا): أي أن يرزقهما بدل ابنهما القتيل ولداً (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً): أي خيراً منه صلاحاً وإيماناً (وَأَقْرَبَ رُحْمًا): أي أوصل للرحم والقرابة.
82 . (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا):
هذا هو الأمر الثالث الذي أشكل على موسى(عليه السلام) وقد فسّره العبد الصالح بقوله: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ)متعلّقاً (لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا): أي مال مدفون تحت هذا الجدار المشرف على الانقضاض، فلو تُرك وهذا حاله، لانهار وسقط وظهر الكنز وضاع (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) يبلغا الوقت الذي يَقدِران فيه على حفظ مالهما (وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا) بأنفسهما (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) يصيب بها مَن يشاء حسب ما تقضي به حكمته.
ثم إنّ العبد الصالح ذكر أنّه إنّما قام بهذه الأُمور بأمر من ربّه، قال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري) فالأَولى أن يرجع الضمير إلى الأُمور الثلاثة لا إلى

163
الأمر الأخير فقط (ذَلِكَ): أي ما شرحتُ لك (تَأْوِيلُ) مآل (مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا): أي المصالح التي سبّبت قيامي بهذه الأعمال.
وهكذا امتد الأثر الطيّب لصلاح الأب حتى شمل ولديه، فنفعهما وحفظ لهما كنزهما من الضياع، وقد روي في هذا الصدد عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ الله ليُصلح لصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده، ويحفظه في دويرته ودويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله. ثم ذكر الغلامين، فقال: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) ألم تر أنّ الله شكر صلاح أبويهما لهما».1
وعن الإمام الحسين(عليه السلام) أنّه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بِم حفظ الله الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبي وجدّي خير منه، فقال: قد أنبأنا الله أنّكم قوم خصمون.2
أقول: بل هم ـ أعني: أهل البيت(عليهم السلام) ـ : «أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَأَعْلاَمُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ!».3 وقد شهد لهم الجميع ـ حتى معاوية ـ بقوّة الحجّة وفصاحة اللسان، وكان يقول (أي معاوية) لمن يريد أن يخاصم الإمام الحسن(عليه السلام): لا تفعل فإنّهم قوم أُلهموا الكلام.4
ويستفاد من مجموع هذه الآيات الأُمور التالية:

1 . تفسير العيّاشي: 3 / 106، الحديث 63.
2 . تفسير الكشّاف: 2/400.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 87 .
4 . وفيات الأعيان:2/68.

164

الأوّل: التأويل في القرآن الكريم

قد اشتهر بين المتأخّرين أنّ المراد من التأويل هو صرف الآية عن ظاهرها، وبهذا يفسّر قوله سبحانه:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).1
أقول: إنّ هذا مصطلح جديد بين العلماء حيث يطلقون التأويل على صرف الظاهر عن ظاهره، ولا صلة لهذا بالتأويل في القرآن الكريم.
والذي يمكن أن يقال هنا على وجه الإجمال: إنّ التأويل مأخوذ من آل، يؤول إذا رجع، فإذا كان التأويل بمعنى إرجاع الشيء إلى مآله وحقيقته، فهو يختلف مصداقاً حسب موضعه.
فإذا كان المبهم فعلاً من الأفعال، وكان يغمره الإبهام والسؤال فيراد من التأويل إرجاع الفعل إلى واقعه بمعنى رفع الستر عن مصالحه. وهذا هو المراد من التأويل في هذه الآيات، حيث قال: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)2، فالتأويل في الآية رفع الإبهام عن وجه الفعل، وإبراز صورته الحقيقية.
وأمّا إذا كان المورد هو الرؤيا التي يكتنفها الإبهام، فالتأويل عبارة عن إرجاع ما يراه النائم إلى الأصل الذي انشقّت منه الرؤيا الفعلية. وهذا هو المراد من التأويل في موارد أربعة وردت في سورة يوسف(عليه السلام)وهي:
1. رؤية يوسف سجود أحد عشر كوكباً مع الشمس والقمر له.

1 . آل عمران:7.
2 . الكهف:82.

165
2. رؤية أحد صاحبَيه في السجن أنّه يعصر خمراً.
3. رؤية صاحبه الآخر أنّه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل منه الطير.
4. رؤية الملك سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف... إلخ.
فالتأويل في هذه الموارد، هو تأويل عمل تكويني وإرجاع له إلى واقعه.
وأمّا إذا كان مورد التأويل الكلام المبهم بحيث يسوده الإجمال، فالتأويل عبارة عن رفع الإبهام من خلال القرائن الحافّة به، مثلاً في قوله سبحانه:(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)1، فإنّ ظاهر الآية أنّ لله سبحانه أيدياً، بنى بها السماء، ومن المعلوم أنّه سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)فعلى المفسّر رفع إبهام الآية بالإمعان في القرائن الحافّة بها، وهذا النوع من العمل ـ أي إرجاع الآية المبهمة إلى ما قُصد منها حقيقة ـ يُسمّى تأويلاً.
والقرينة الموجودة في الآية أنّه سبحانه باستخدام كلمة اليد بصدد بيان دفع ما يُتوهّم أنّه شارك الله تعالى في بناء السماوات، غيره، فالتأكيد على أنّه بناها (بِأَيْد) كناية عن عدم المشاركة. والتعبير عن الاختصاص بهذا اللفظ أمر رائج.
فإن قلت: قد تقدّم منك أنّ إطلاق التأويل على صرف الظاهر عن ظاهره مصطلح جديد لا صلة له بالتأويل في القرآن الكريم، مع أنّ ما ذكرت من القسم الثالث هو من هذا القبيل.
قلت: شتّان بين الأمرين، فدور التأويل في قوله سبحانه: (وَالسَّمَاءَ

1 . الذاريات:47.

166
بَنَيْنَاهَا بِأَيْد)عبارة عن رفع الإبهام وإثبات الظهور للآية، وفي الثاني رفض ظاهر الآية والأخذ بغيره، فكيف يمكن أن يكونا من مقولة واحدة؟
وإن شئت قلت: المقصود الأسنى في الأوّل هو التعرّف على ظهور الآية عن طريق الإمعان في القرائن، وفي الثاني صرف الظاهر المستقر للآية إلى خلافه.

الثاني: تقسيم الحجّة إلى ظاهرة وغير ظاهرة

الإمعان في الآيات المتقدّمة يثبت أنّ لله سبحانه بين عباده حججاً ظاهرة يبلّغون رسالات الله إلى الناس، وحججاً غير ظاهرة لا يعرفهم الناس، ومع ذلك فهم يقومون بتنفيذ أوامره سبحانه بينهم حسب المصالح.
وقد التقى النوعان من الأولياء في مكان واحد: أحدهما موسى بن عمران، والآخر صاحبه المؤقّت، العبد الصالح العالم، الّذي صحبه في سفره برّاً وبحراً.
إنّ هذا الوليّ الإلهيّ كان مغموراً خفيّاً على نحو لم يكن يعرفه نبيٌّ عظيم كموسى بن عمران ـ فضلاً عن غيره ـ وإنّما تعرّف عليه بإرشاد من الله سبحانه، واستفاد من علمه خلال مرافقته إيّاه.
وعلى ضوء ذلك لا إشكال في أن يكون بين أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)(وهم حجج ظاهرة يعرفهم الناس)، حجّة غائبة لا يعرفه الناس وهو يعرفهم، كإمامنا المهدي المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وفي ذلك يقول الإمام علي(عليه السلام):«لا تَخْلو الأرضُ من قائم للهِ بحُجّة،

167
إمّا ظاهراً مَشْهُوراً أو خائِفاً مَغْموراً، لئلاّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّناتُهُ».1
وحريٌّ بنا ـ ونحن نتحدّث عن الأولياء المغمورين ـ أن نذكر هنا كلمة ذهبية للإمام محمد الباقر(عليه السلام)، تضيء لنا معالم الطريق في كيفية السلوك مع الله تعالى ومع الناس، قال(عليه السلام) لابنه جعفر الصادق(عليه السلام): «إنّ الله خَبَأ ثلاثة في ثلاثة أشياء: خَبَأ رضاه في طاعته، فلا تحقرنّ من الطاعة شيئاً، فلعلّ رضاه فيه; وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرنّ من المعصية شيئاً، فلعلّ سخطه فيه; وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقرنّ أحداً، فلعلّه ذلك الوليّ».2
إنّ غيبة الوليّ ليس بمعنى الانفصال عن المجتمع والعيش فيما وراء هذا العالَم، بل هي بمعنى أنّه يعرف الناس ويعيش بينهم، ولكنّهم لا يعرفونه، وهو في هذا كصاحب موسى، فقد كان مرّةً في مجمع البحرين، وأُخرى في السفينة، وثالثة في القرية.
كلّ ذلك شاهد على أنّ حياته بين الناس كحياتنا بينهم، والحجاب الحائل بينه وبين الناس هو حجاب عدم التعرُّف عليه، ولكن ذلك لا يمنع من تشرُّف فريق من الأبرار والأتقياء الذين يتمتّعون باللياقة والأهليّة بلقاء هذا الوليّ ورؤيته والاستفادة من إرشاداته وعلومه، كما استفاد موسى(عليه السلام)من إرشادات العبد الصالح.

1 . نهج البلاغة: باب الحكم، الرقم 147.
2 . مجمع الأمثال للميداني:2/458(من حِكَم السَّلف); الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 895 ; كشف الغمة:ر2/361.

168

الثالث: التصرّف حسب المصالح

ثمّ إنّ للوليّ الغائب تصرّفات في أموال الناس ونفوسهم حسب مصالحهم، وأنّ غَيبة الإمام لا تعني أنّه الإمام ليس له شأن سوى انتظار أمر الله بالظهور، بل هو في أصل الغيبة مصدر التصرّفات التي تصبّ في مصلحة المجتمع البشري، وإن كان الناس لا يرونها، شأنه في هذا شأن صاحب موسى فإنّه خرق السفينة دون أن يراه صاحبها أو ركّابها، وتصرّفه هذا كان نافعاً، إذ بدون ذلك الخرق سيقوم الملك الجبّار بمصادرتها.

الرابع: الولاية التكوينية لأولياء الله تعالى

إنّ الآيات تدلّ على أنّ العبد الصالح خرق السفينة، ولم يلتفت إليه لاربّان السفينة ولا أحد من ركّابها، كما أنّه قتل غلاماً وسط المدينة وخرج عنها دون أن يلاحقه أحد من أوليائه أو أقاربه، مع أنّ قتل الولد لم يكن في الليل أو في مكان خال من البشر، فكيف قام بذلك من دون ملاحقة؟! وهكذا عمله الثالث فهو قد بنى جداراً وهو بمرأى ومسمع من الناس وما سألوه عن علاقته بهذا الجدار، مع أنّ بناء الجدار يحتاج إلى وقت، كما أنّه بحاجة إلى موادّ البناء، فكيف قام بذلك ولم يلتفت إليه إنسان؟
والجواب: إنّ لأولياء الله تعالى ولاية تكوينية يتصرّفون بها في العيون والأسماع ويقومون بأعمال مفيدة ذات مصلحة للأُمّة دون أن يلتفت إليهم أحد.
ومن هنا يُعلم أنّ المهدي المنتظر(عج) له ذلك المقام الشامخ، وهو أنّه لم يزل يقوم بأُمور مهمة ترجع مصالحها إلى الأُمّة الإسلامية دون أن

169
يشعر به الناس، وربّما يشير إلى ذلك ما ورد في الروايات من أنّ مثله كمثل الشمس وراء السحاب لاترى عينها وإنّما تبعث ضوءها ودفئها إلى الأرض.1

الخامس: خرق السفينة ومقولة ميكافيلّي

ربّما يُتوهَّم أنّ عمل العبد الصالح يؤيّد الضابطة المعروفة هذه الأيام «الغاية تبرِّر الوسيلة»، وأين عمل العبد الصالح من هذه القاعدة الخاطئة التي وقعت ذريعة لقتل النفوس وتخريب العمران من أجل القضاء على النظام الفاسد حسب عقيدتهم؟ وإنّما كرّس العبد الصالح عمله لمورد خاص وهو رفع الظلم عن مظلوم واقعي بإيقاع ضرر بسيط على ماله، كما في حديث خرق السفينة، أو صيانة دم مسلم بالتظاهر بذمّه كما ورد ذلك عن الإمام الصادق(عليه السلام) في بعض أصحابه، وأمّا هؤلاء الميكافيلّيون فقد اتّخذوها ضابطة تبرّر كلّ عمل إجرامي يقومون به لأجل غاية يبغونها; فربّما يمارسون قتل الأبرياء، أو اغتيال بعض رجال المعارضة، بهدف تحريض الجماهير ضد الحكومة بحجّة أنّ هذا من عمل الحكومة، ولو كان لهذه القاعدة مجال ما، لأقام الإمام علي(عليه السلام) معاوية في ولايته إلى أن يتمكّن(عليه السلام) من البلاد كلّها ثم يعزله.
نعم الإمام(عليه السلام) أبى أن يفعل ذلك، لأنّ إبقاء الظالم على كرسيّه يُلحق ضرراً كبيراً بالمسلمين وبأحكام الإسلام.

السادس: هل يصحّ العقاب قبل المعصية؟


1 . انظر: كمال الدين للصدوق: 485، الباب 45، الحديث4.

170
قد شغل بال المفسّرين بأنّ قتل الغلام كان عقاباً قبل المعصية، فكيف قام به العبد الصالح بأمر من ربّ العالمين؟ فالله سبحانه وإن كان مالكاً للملك والملكوت، والمالك له أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء، لكنّه سبحانه بما أنّه عادل حكيم لا يقوم بفعل ولا يأمر به إذا كان على خلاف العدل والحكمة.
والذي يمكن أن يقال ـ مضافاً إلى ما ذكره المفسّرون ـ : أنّ الغلام كان يومذاك بالغاً له عشرين سنة.1
وقد ذكر الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) أنّه قد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّ الغلام كان في سنّ البلوغ وكان كافراً وأنّه كان يعمل جاهداً لحمل والديه على الكفر تماماً.2 وعلى ذلك فلا مانع من جواز قتله لوجهين:
الأوّل: أنّه مرتدّ فطريّ، ولعلّ الحكم الشرعي آنذاك هو قتل المرتدّ الفطري.
الثاني: أنّه كان مفسداً في الأرض، وأيّ فساد أعظم من نشر الكفر بين المؤمنين، قال سبحانه: (كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)3.
فإن قلت: ظاهر قوله سبحانه: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أنّه

1 . تفسير الدر المنثور: 3/236.
2 . تفسير الكاشف:5/150.
3 . المائدة:32.

171
سيقوم بذلك في مستقبل حياته.
قلت: لا منافاة في ذلك، فيمكن أن يحدث شيئاً فشيئاً إلى أن يسيطر على والديه بطغيانه وكفره، فالتأثير القطعيّ كان رهن مضيّ زمان حتى يؤثر كلامه في روحية والديه ويصيّرهما كافرين بعد أن كانا مؤمنين.

السابع: الكنز الدفين وصلاح الأب

جمع سبحانه في قوله: (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)بين كنز الذهب والفضة مع كون الوالد صالحاً، والله سبحانه يذمّ الكنز ويقول: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)، فكيف صحّ هذا الجمع؟1
وقد أُجيب عن هذا السؤال بوجوه، منها جواب السيد الطباطبائي قال: الآية لا تتعرّض لأكثر من أنّه كان تحته كنز لهما، من غير دلالة على أنّ أباهما هو الذي دفنه وكَنَزَه، وعلى تقدير كون الكانز هو الأب لا مانع من أن يكون كنزُهُ لهما لأمر يسوّغه وليس هو بأعظم من خرق السفينة وقتل النفس المحترمة.2
وفي بعض الروايات جواب آخر، فعن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام) قال: «أما إنّه لم يكن بذهب ولا فضّة»، قلت: فما كان؟ قال: «كان علماً».3
ورويت أُمورٌ أُخرى أيضاً، لكن يمكن أن يقال: إنّ الكنز المحرّم هو

1 . التوبة:34.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 13/349.
3 . تهذيب الأحكام:9/276، برقم 1000(باب ميراث الأولاد).

172
عبارة عن دفن الذهب والفضّة قبل إخراج فريضتهما، فإذا أدّى زكاة ماله ونزل عن حدّ النّصاب فلا مانع من دفنه لكي يصل إلى ورثته الأعزاء، كلّ ذلك احتمالات يمكن أن يُدفع بها الإشكال .

الثامن: مَن هو العبد الصالح؟

ورد في الروايات أنّ هذا العبد الصالح الذي صاحبه موسى(عليه السلام) هو المسمّى بالخضر، ولم يرد ذكره في القرآن الكريم إلاّ في تلك الرحلة التعليمية، ولم يذكر القرآن من جوامع أوصافه إلاّ قوله تعالى:(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا).1
وقد شرحنا مفاد هذه الأوصاف عند تفسير الآية، وهل كان نبياً أو لا؟ اضطربت الروايات في ذلك، وقد مرّ أنّه ليس في هذه الآية ما يدلّ على أنّه من الأنبياء. ومهما يكن، فلقد كان من العلماء الذين يعرفون بواطن الأُمور وحقائق الأشياء والحوادث والوقائع التي يُبتلى بها الناس، وليس هذا من مختصّات الأنبياء، فإنّ للعرفاء الشامخين المخلصين من عباد الله المطهَّرين من اللوث والدَّنس المتحرّرين من قيود الطبيعة الحابسين أنفسهم في ذات الله الحاكمين بالكتاب والعاملين بسننه وسنن نبيّه، ربّما يحصل لهم شيء من تلك المقامات التي كانت للخضر، كلٌّ حسب إخلاصه وعرفانه، وحسب استعداده وقابليته، وحسب ما له من المقدرة والطاقة لتحمّل عجائب الحقائق الغيبية.
إنّ الناظر في «نهج البلاغة» يجد في كلام الإمام علي(عليه السلام) تصريحات

1 . الكهف:65.

173
وإشارات على فتح هذا الباب في وجه الأُمّة وعدم سدّه، فالإمام(عليه السلام) يقول: «قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ، وَلَطُفَ غَلِيظُهُ، وَبَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ، وَتَدَافَعَتْهُ الاَْبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلاَمَةِ، وَدَارِ الاِْقَامَةِ، وَثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الاَْمْنِ وَالرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ».1
ويقول(عليه السلام): «هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ».2
فهذه الكلمات العلوية تبيّن جليّاً أنّ القلب يمكن أن يصبح محلاًّ للإشعاع الإلهي على مدار الزمان في عامّة الأعصار.
وقد روى الفريقان عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن أخلص لله أربعين صباحاً، فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه، على لسانه».3
وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «ما أخلص عبدٌ الإيمان بالله أربعين يوماً، إلاّ زهّده الله في الدنيا، وبعّده داءها ودواءها،وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه».4
وهناك كلمة طيبة وردت عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) تعرب عن رأي الإسلام في المقام، قال(عليه السلام):«إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعَالى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاَءً

1 . نهج البلاغة: الخطبة 215.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 147.
3 . سفينة البحار: مادة «خلص»، نقله عن «عدّة الداعي» لابن فهد الحلّي.
4 . حديث مشهور.

174
لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ، وَمَا بَرِحَ لِلّهِ ـ عَزَّتْ آلاَؤُهُ ـ فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ1، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ».2فهو(عليه السلام) يصرّح بأنّ الذاكرين من عباده قد بلغ بهم المقام إلى درجة يناجيهم الله في سرائر ضمائرهم، ويكلّمهم من طريق عقولهم، فهل يوجد مقام أرفع من هذا، أو درجة أشرف من تلك؟

التاسع: مثل الفضل والفضيلة

قد كان لأمير المؤمنين(عليه السلام) صفوة من الأصحاب يُستدرّ بهم الغمام ويندر وجود أمثالهم في الدهر، كزيد وصعصعة ابني صوحان، وأُويس القرني، والأصبغ بن نباتة، ورُشيد الهُجْري، وميثم التمّار، وكُميل بن زياد، وأشباههم. وكان هؤلاء مثالاً للفضيلة وكرم الأخلاق، وخزنة للعلم والأسرار، منحهم أمير المؤمنين (عليه السلام)من سابغ علمه واستأمنهم على غامض أسراره ممّا لا يقوى على احتماله غير أمثالهم فجمعوا العلم، سرّه وجهره، والفضائل، نفسية وخلقية، ذاتية وكسبية، والعبادة قولاً وعملاً وجارحة وجانحة، فاكتسبوا من أمير المؤمنين كثيراً من الفعال والخصال، وأخذوا عنه أسرار العلم وعلم الأسرار، حتى زكت بهم النفوس وكادوا أن يزاحموا الملائكة المقرّبين في صفوفهم، وغبطهم الملأ الأعلى على ما اتّصفوا به

1 . التخصيص بعد التعميم لا يضر بالمطلوب، لو كان المراد منه الفترة بين المسيح(عليه السلام) وبعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . نهج البلاغة: الخطبة 217.

175
من كمال الذات والصفات، فصاروا أهلاً لأن يأتمنهم الإمام على نفائس الأسرار وأسرار النفائس، فكادوا أن يكونوا بعد التصفية ملائكة مجرّدين عن النقائص، لا يعرفون الرذيلة ولا تعرفهم.
فهذا ميثم، عظيم من حواريّي عليّ، ووليّ من أوليائه، وأحد خرّيجي مدرسته العالية، الذين نهجوا في السير على هداه واتّبعوه قائداً وقدوة في أمره ونهيه، فصار مستودع أسراره وحقل علومه وخاصّة حواريّيه.
كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخلو بعليّ(عليه السلام) يناجيه، وكانت أُم سلمة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تلك البَرّة الطاهرة، تلتقط من المناجاة درراً ثمينة، فممّا التقطته منها، وصاياه لأبي الحسن (عليه السلام) في ميثم، فدخل ميثم على أُمّ سلمة وهو يريد الحجّ، فقالت له: طالما سمعت رسول الله يذكرك في جوف الليل، ويوصي بك عليّاً.
وكان ميثم يصحب الإمام أحياناً إلى الأماكن الخالية وعند خروجه في الليل إلى الصحراء، فيستمع منه الأدعية والمناجاة، وكثيراً ما يجلس إليه الإمام في السُّوق وأفواج الناس ذاهبة وآيبة، ينظرون الإمام وهو في دكان «ميثم» يسامره ويحادثه ويلقي إليه دروسه ويميره من العرفان الإلهي، فعلّمه علم المنايا والبلايا، أي علم الآجال وعلم الحوادث والوقائع الّتي يُبتلى بها الناس، حتى أخبره أنّه سيُصلَب على باب عمرو بن حريث.
لم يكن ميثم فريداً من بين أصحاب الإمام وحواريّيه، وإن كان أحد عظمائهم إذ أنّه قد أودع هذا العلم عند من كان يأتمنه عليه من أفذاذ أصحابه الآخرين، نظراء رُشَيد الهَجَري، وأُويس القَرَني، وعمّار بن ياسر، وعمرو بن الحَمِق الخزاعي، وكُمَيل بن زياد النخعيّ، ومن يشابههم في

176
الإيمان الشامخ.
ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغاية، لنقلنا كثيراً ممّا دار بينهم من المحادثات حول البلايا والمنايا.
فهذا ميثم نفسه، وقد قُيّد على خشبة الصَّلب يقول للناس رافعاً صوته: أيّها الناس من أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قبل أن أُقتل فوالله لأخبرنّكم بعلم ما يكون إلى أن تقوم الساعة، وما يكون من الفتن.1
لم يكن علي(عليه السلام) نسيج وحده في تربية هؤلاء العظماء الذين صُقلت نفوسُهم، وتجلّت لهم صور ما في الكون من الحقائق والموجودات، بل سبقه سيّد الرُّسل(صلى الله عليه وآله وسلم) فأدّب أناساً، نهجوا في السير على هداه، واتّبعوه في أمره ونهيه، وساروا في الطريق الذي رسمه لهم، فكانوا مثلاً أعلى للفضيلة وكرم الأخلاق، وخزنة للعلم والأسرار، فشاهدوا الخليقة وما فيها من حقائق غامضة، ورأوا ملكوت السماوات والأرض، وعاينوا الحقائق العُلوية والعوالم الروحية، من قبل أن يخرجوا من الدنيا.
سورة الكهف: الآيات 83 ـ 88   
روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) أنّه قال: «استقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري، فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك؟ فقال: يا رسول الله مؤمن حقّاً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لكلّ شيء حقيقة، فما حقيقة قولك؟ فقال: يا رسول الله! عَزَفتْ نفسي عن الدنيا، فأسهرَتْ ليلي وأظمأتْ هواجري. كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد

1 . راجع في ترجمة ميثم، كتب الرجال، ولا سيّما: «قاموس الرجال»: 9 / 164ـ 171، وما دبّجته يراعة الأُستاذ المغفور له الشيخ محمد حسين المظفر حول حياة ميثم.

177
وضع للحساب، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة، وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار، فقال له رسول الله: عبد نوّر الله قلبه، أبصرتَ فاثبتْ، فقال: يا رسول الله اُدع الله لي أن يرزقني الشهادة معك، فقال: اللّهمّ ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلاّ أياماً حتى بعث رسول الله سريّة، فبعثه فيها فقاتل، فقتل تسعة أو ثمانية ثم قُتل».1
وروى نحوها عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام).2
هذا هو الإيمان المحض والعبودية الخالصة، بل إنّه لشأن لا يُتوصَّل إليه بالحسّ والعلم.
فكم في الأُمّة الإسلامية من ذوي الرُّتب العُلوية، رجال وأبدال شملتهم العناية الإلهية، فجرّدوا أنفسهم عن أبدانهم، حينما أرادوا، فعاينوا الحقائق واطّلعوا على الأسرار.
هذه بعض الدروس والعبر التي يمكن أن تستفاد من هذه المجموعة من الآيات الكريمة.

الآيات: الثالثة والثمانون إلى الثامنة والثمانين

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة

1 . الكافي:2/54، برقم3.
2 . الكافي: 2/53، برقم2.

178
وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا).

المفردات

ذِكراً: الذِّكر: مصدر لا يخلو إمّا أن يكون بمعنى المفعول والمعنى (سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ) (أي من ذي القرنين) شيئاً مذكوراً. ويحتمل أن يراد بالذكر القرآن، بقرينة قوله: (سَأَتْلُوا): أي(سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ)قرآناً، وهو ما يتلو هذه الآية.1
سبباً: جاء هذا اللفظ في موضعين:
1. في قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا) والسَّبب هو الحبل الذي يُصعَد به النَّخل، وسمّي كلُّ ما يُتوصّل به إلى شيء سبباً، وأريد به هنا الأسباب التي توصله إلى المقصود، كالعقل، والعلم، والدين، وقوّة الجسم، وكثرة المال، والجند، وحسن التدبير، إلى غير ذلك.
2. في قوله: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا)، وفيه وجهان:
   أ. كونه بمعنى الطريق.
   ب. الوسائل التي استخدمها للوصول إلى جهتَي الغرب والشرق.
عين: العين: عباب الماء ولُجّته.
حَمِئة: أي ذات حَمْأة، وهي الطين الأسود.

1 . الميزان في تفسير القرآن:13/360.

179
نُكراً: منكراً فظيعاً.
يُسراً: سهلاً ميسّراً غير شاقّ.

التفسير

يذكر القرآن الكريم لذي القرنين رحلات ثلاث:
الأُولى: رحلة إلى المغرب، قال تعالى:(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا)إلخ.
الثانية: رحلة إلى المشرق، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا).
الثالثة: الرحلة التي بلغ فيها ما بين السدّين (أو الجبلين)، و (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً)فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج وطلبوا منه أن يجعل بينهم سدّاً فأجابهم إلى ذلك.
ونحن أيضاً نأخذ في تفسير آيات كلّ رحلة، فإذا فرغنا من تفسير الآيات نذكر ما يرجع إلى قصة ذي القرنين حسب مقتضى الحال.

الرحلة الأُولى: إلى المغرب

قد تقدّم أنّ قريشاً سألوا أحبار اليهود عن صحّة الرسالة المحمّدية، فقال لهم أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاث، منها: اسألوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبأه؟1

1 . مجمع البيان:6/360.

180
وهذا هو الأمر الثاني الذي سألوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه، وأمّا الأمر الثالث، فهو السؤال عن الروح وقد تقدّم ذكره في سورة الإسراء.
فبدأ سبحانه بذكر هذا الرجل الطوّاف بقوله:
83 . (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا):
أي تسألك قريش سؤال اختبار وامتحان عن ذي القرنين، وأمّا وجه تسميته بهذا اللقب فسنذكره بعد الفراغ من تفسير جميع الآيات الواردة في الرحلات الثلاث.
(قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا): أي سأقصّ عليكم شيئاً من قصصه، ويشهد لهذا المعنى قوله: (مِنْهُ). وهذا يدلّ على أنّ لذي القرنين قصصاً كثيرة، والقرآن اقتصر على ما فيه الاعتبار، وهذا بخلاف قصة أصحاب الكهف فقد ذكرها بتمامها.
84 . (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا):
قوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ): أي أعطينا له القدرة من التصرّف في الأرض كيف يشاء، حيث يرحل تارة إلى المغرب وأُخرى إلى المشرق ويحكم فيهما، إلى غير ذلك من مظاهر التمكّن (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَبًا): أي آتيناه من كلّ ما يتوسّل به الإنسان إلى ما يطلبه ويبتغيه، سبباً ووسيلة. وقد مرّ في المفردات أنّ المراد من السبب هنا هو ما يوصله إلى مقصوده مثل العلم والقدرة والصحّة والمال والجيش وآلات الحرب،

181
وقد توفّرت هذه القوى بكاملها لذي القرنين. وبهذا تجسّد معنى قوله سبحانه: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ).
85 . (فَأَتْبَعَ سَبَبًا):
أي مضى في طريق ما هو ميسّر له.
86 ـ 88 . (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ):
أي أخذ في السَّير غرباً حتى بلغ مكاناً وجد فيه الشمس تغرب في عين حمئة، أي انتهى إلى مكان مغمور بالمياه المحمّلة بالطين الأسود، ورأى الشمس تغرب هناك. وهذا يدلّ على أنّه وصل إلى شاطئ مياه تغمر مساحة واسعة جدّاً من الأرض، ولذلك رأى الشمس كأنّها تغرب فيها، ولم يقل حتى إذا بلغ مغرب الشمس تغرب في عين حمئة، بل قال: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة): أي تراءى له أنّ الشمس تغرب في عين حمئة، فإنّ راكب البحر يراها كأنّها تطلع من البحر وتغيب فيه، كما أنّ الذي يعيش في أرض مسطّحة ملساء يراها كأنّها تطلع من الأرض وتغيب فيها.
ثمّ إنّ المراد من العين ليس العين الجارية، إذ من الواضح أنّ الشمس لا تدخل فيها، ولذلك فالمراد منه عباب الماء ولُجّته، أو أن تسمية البحر

182
بالعين كأنّه قطرة بالنسبة إلى عظمة الخالق أو وجود عين في نهاية البحر المرئيّ. وعلى كلّ تقدير فقد وصفها سبحانه بقوله:(حَمِئَة): أي محمّلة بالطين الأسود.
ثمّ إنّ القرآن الكريم لم يحدّد هذا المكان، وهناك احتمالان:
1. إنّه المحيط الأطلسي.1 قيل: وتنطبق هذه العين الحمئة على المحيط الغربي وفيه الجزائر الخالدات التي كانت مبدأ الطول سابقاً ثم غرقت.2
2. إنّه بحر إيجة وبحر مرمرة، وعلى امتدادهما البحر الأسود، حيث كانت الشمس (كما تراءت لذي القرنين) تغرب على آفاق تتاخم تلك البحار الضارب لونها إلى السواد.3
أقول: وهذا التحديد الأخير يرجع إلى الأخذ بالرأي الذي يذهب إلى أنّ ذي القرنين هو الملك الفارسي (قورش الكبير) الذي قاد حملة صوب الغرب لإخضاع بلاد ليديا (تركيا حاليّاً).
وعلى كلّ حال، فالآية تدلّ على أنّ لذي القرنين جيشاً جرّاراً وقدرة مالية ووسائل نقل وأرزاقاً متوفّرة إلى غير ذلك ممّا تتوقّف عليه تلك الرحلة العسكرية بواسطة المواصلات الرائجة في ذلك العصر.
فلمّا وصل إلى البلاد التي يقع عندها غروب الشمس في عين حمئة، ترك له سبحانه ـ كما هو ظاهر الآية ـ حرية التعامل مع أهلها كما قال: (قُلْنَا

1 . تفسير المراغي:16/16.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:13/360ـ361.
3 . شبهات وردود حول القرآن الكريم لمحمد هادي معرفة:474.

183
يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) وظاهر قوله: (قُلْنَا) أنّه كان من طرف الوحي، ولا يلازم أن يكون نبيّاً، بل يمكن أن يكون محدَّثاً أو من قبيل الإلهام القلبي، الذي يمنحه سبحانه لغير الأنبياء.
وهناك احتمال آخر1 وهو أنّ الوحي إليه كان بواسطة نبيّ كان معه، فمُلكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل حيث كان عمله بإشارة من نبيّهم وهدايته، يقول سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا).2
وظاهر الآية البدائي أنّه سبحانه خيّره بين تعذيبهم وبين الإحسان إليهم، ولكن ذيل الآية يشهد بأنّه خوطب بكلا السلوكين، كلٍّ بملاك خاص وهو أنّهم كانوا بين مشرك وموحّد، والموحّد بين مفسد وصالح، فالمشرك والمفسد كانا محكومين بالتعذيب، والموحّد الصالح كان محكوماً بحسن الجزاء، ولذلك أعلن ذو القرنين عن موقفه منهم، وقال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا): أي يعذّب في الدنيا بعذاب دنيوي كما أنّه سيُعذَّب في الآخرة بعذاب مجهول كنهه. والظاهر أنّ المراد من الظلم هو الشِّرك، لأنّه المنصرَف إليه في الذكر الحكيم، قال تعالى حكاية عن لقمان:(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).3
ولم يكن التعذيب مختصّاً بالمشركين بل يعمّ الموحِّد المفسد، ولذلك أضاف إلى الإيمان العمل الصالح، وقال: (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى) فَشَرَطَ العمل الصالح وراء الإيمان.

1 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن: 13/361.
2 . البقرة:247.
3 . لقمان:11.

184
قوله: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى): أي له الحسنى جزاء، فقوله: (جَزَاءً)تمييز أو حال، وتأنيث (الْحُسْنى)لكونها صفة لموصوف مؤنّث، أي المثوبة الحسنى، أو الخصلة الحسنى (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا): أي نتعامل معه بالحسن قولاً وعملاً.
إلى هنا انتهت الرحلة الأُولى لذي القرنين. والعمل الّذي قام به في نهاية الرحلة دليل على أنّ رحلته كانت رحلة دينية لنشر التوحيد ومناهضة الشرك وقطع الفساد في الأرض، ولم تكن لغاية البَطَر أو فتح الأقاليم وبسط الشوكة والسلطة.
هكذا هو الرجل الإلهي.
وهنا كلمة قيّمة للأُستاذ الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله) يقول فيها ـ بعد قوله سبحانه: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ...) ـ : هذا هو الدستور لحكم ذي القرنين وسلطانه، ويتلخّص بهذه الكلمة: السيف لمن عصى الله، والحسنى لمن أطاعه.. إنّ المال والعلم والسلطان نعمة عظمى يمتحن الله بها عباده، فأمّا الأشرار فتزيدهم كفراً وطغياناً، وأمّا الأخيار فيتّخذونها وسيلة إلى طاعة الله ومرضاته، كما فعل ذو القرنين.1
سورة الكهف: الآيات 89 ـ 91   

الآيات: التاسعة والثمانون إلى الحادية والتسعين

(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا
تَطْلُعُ عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ

1 . التفسير الكاشف: 5 / 157 ـ 158.

185
وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا).

المفردات

مطلِع: (بكسر اللاّم): اسم مكان، كالمغرب، بخلاف المطلَع ـ بالفتح ـ في قوله: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)1 فهو مصدر بمعنى حتى طلوع الفجر.
سِتراً: ما يستر الجسد أو شيء يظلِّلهم.
خُبراً: الخُبْر : العلم والإحاطة بالخَبَر، كناية عن كون المعلوم عظيماً بحيث لا يحيط به علماً إلاّ علاّم الغيوب.

التفسير

الرحلة الثانية: إلى المشرق

89 و 90.(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا):
لمّا أتمّ ذو القرنين رحلته الأُولى وبلغ مقصوده وغايته، بدأ برحلة تقابل الأُولى كما يقول: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا): أي أخذ في السير طريقاً أو أخذ بالتمسّك بما أُوتي من الأسباب، فرحل: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ): أي إلى جهة طلوع الشمس، أي المشرق (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْم): أي وجد هناك أُناساً وصف تعالى حالهم بقوله:(لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا): أي من

1 . القدر: 5 .

186
دون الشمس (سِتْرًا) ساتراً.
فيظهر أنّ أرض هؤلاء كانت صحراوية قاحلة، وكان أهلها يعيشون فيها حياة بدائية، فلم يعرفوا بناء البيوت الّتي تؤويهم وتحجبهم عن الشمس. وعلى ذلك فالمراد بالستر: البناء أو الخيام أو الأشجار ذات الظلّ الكثيف.
ويُحتمل أن يكون المراد به ما يستر الجسم، أي أنّهم كانوا عراة لا لباس عليهم، يقيهم حرّ الشمس. والظاهر هو الأوّل.
وأمّا ماذا فعل ذو القرنين في تلك الرحلة، فإنّ الوحي الإلهي لم يذكر شيئاً عن ذلك.
ويمكن أن يقال: إنّه انتهج نفس الأُسلوب الّذي انتهجه في رحلته الأُولى، فعذّب من أصرّ على الكفر والفساد، وجازى بالإحسان من آمن. ويحتمل أنّه تركهم بحالهم إذ كان شأنهم كالوحوش والحيوانات، فلم يكونوا ناضجين من ناحية الفكر والعقل.
سورة الكهف: الآيات 92 ـ 98   
91. (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا):
وفي نهاية المطاف يقول سبحانه: (كَذَلِكَ): أي هكذا كان شأن ذي القرنين(وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) ولم يكن عمله خافياً علينا، حيث إنّه سبحانه علاّم الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، فكان ذو القرنين يعمل تحت رعاية الله وعلمه.
وقد رجّح بعض المفسرين أنّ هذه الأرض تقع على شاطئ إفريقية

187
الشرقي1، في حين قال غيره (استناداً إلى أنّ ذا القرنين هو قورش الكبير): إنّها المنطقة الصحراوية الممتدّة من شمالي بحر قزوين حتّى شواطئ المحيط الهندي، وتشمل بلاد مكران وسيستان وبلوجستان.2
وقال ابن عاشور: الظاهر أنّه بلغ ساحل بحر اليابان في حدود منشوريا أو كوريا شرقاً، فوجد قوماً تطلع عليهم الشمس لا يسترهم من حرّها، أي لا جبل فيها يستظلّون بظلّه ولا شجر فيها، فهي أرض مكشوفة للشمس، ويجوز أن يكون المعنى أنّهم كانوا قوماً عراة فكانوا يتّقون شعاع الشمس في الكهوف، أو في أسراب يتّخذونها في التراب.3

الآيات: الثانية والتسعون إلى الثامنة والتسعين

(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّني فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُوني زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ

1 . انظر: في ظلال القرآن: 16/12.
2 . شبهات وردود حول القرآن الكريم:481.
3 . التحرير والتنوير:15/129.

188
يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا* قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا).

المفردات

السَّدّ: الجبل، وكلّ حاجز يسدّ طريق العبور، وكأنّ المراد بالسَّدّين: الجَبَلان.
خَرْجاً: الخَرْج:الجُعل والعطية.
الرَّدْم: الحاجز. وسدّ الثلمة بالحجر، كما في المفردات.1
الزُّبَر: جمع زُبْرة، وهي القطعة الضخمة.
الصَّدَفين: الصَّدَف: جانب الجبل.
قِطْراً: القِطْر: النحاس أو الرصاص المذاب.
أن يظهروه: أن يعلوه.

التفسير

الرحلة الثالثة: إلى ما بين السدّين (أو الجبلين)

لمّا أتمّ ذو القرنين مهمّته في رحلتَيه إلى الشرق والغرب، ذكر له القرآن الكريم رحلة ثالثة، وقد بدأ بها سالكاً طريقاً لم يحدّد القرآن الكريم اتّجاهه، ولم يسمِّ ـ كما في الرِّحلتين الأُولَيين ـ الموضع الذي بلغه، لأنّ

1 . المفردات للراغب: 193، مادة «ردم».

189
هدف القرآن يتعلّق بنفس القصّة لا بخصوصيّاتها.
92 و 93.(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً):
بدأ ذو القرنين بالسير في الطريق أو بالتمسّك بالأسباب التي توصله إلى غايته وهدفه كما يقول: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ): أي وصل إلى مكان يقع بين جبلين مُنيفَين (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا): أي وجد قريباً منهما (قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً): أي أُمّة من الناس يصعب التفاهم معهم إمّا لبساطتهم وسذاجة فهمهم، أو لغرابة لغتهم. ولعلّ الثاني هو القول الأفضل، واحتمال سذاجة فهمهم بعيد من وجهين:
1. أنّهم شاركوا بكلّ ما لهم من فعل وقوّة في بناء السدّ، وتدلّ الآيات التالية على أنّهم كانوا يملكون زبر الحديد، كما يملكون النُّحاس وذَوبه، كلّ ذلك يدلّ على وجود مدنية عندهم.
2. أُولئك الذين وصفهم الله سبحانه سابقاً بقوله: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) أَولى بأن يكونوا بهذا الوصف، أعني: (لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) بمعنى بساطتهم وسذاجة فهمهم.
وعلى ما ذكرنا فغرابة لغتهم لم تمنع من التفاهم معهم، ولعلّه لأجل وجود مترجمين في رَكب الملوك كما هو المعمول في أصحاب السلطة إذا ارتحلوا إلى مكان بعيد.
94. (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي

190
الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا):
طلب هؤلاء القوم من ذي القرنين ـ لمّا رأوا ما معه من القدرة والعدد والقوّة والعظمة ـ (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) كلامهم هذا يدلّ على أنّ بين هؤلاء القوم وبين الطائفتين سلسلة جبال شاهقة لا يمكن تسلّقها خصوصاً بدوابّهم ومراكبهم للإغارة، ولكن كان هناك مضيق بين الجبلين يسهّل لهم العبور إلى أراضي الآخرين والإغارة عليها من خلاله، ومن هنا اقترحوا على ذي القرنين هذا الاقتراح: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) يسدّ هذا المضيق في مقابل مبلغ من المال ندفعه إليك، ويكون هذا السدّ حائلاً بين هؤلاء وبين الطائفتين؟ وهذا التفاهم يدلّ على أنّهم عرفوا أنّ ذا القرنين سلطان مصلح يسعى لإغاثة المستغيثين. ولمّا كان اقتراحهم ذاك مقروناً بدفع المال إليه، استجاب ذو القرنين لاقتراحهم، لكنّه أعرب عن استغنائه عن المال الذي عرضوه عليه، كما حكى عنه سبحانه ذلك:
95. (قَالَ مَا مَكَّني فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا):
استجاب ذو القرنين لاقتراحهم و (قَالَ مَا مَكَّني فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ): أي ما أعطاني الله من السلطان والمال خير من المال الذي تريدون بذله، ولكن يجب عليكم المشاركة بشكل آخر وهو (فَأَعِينُوني بِقُوَّة)أُريد بها العمّال وأدوات البناء (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) حاجزاً مانعاً حصيناً.

191
96. (آتُوني زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا):
قام ذو القرنين ببناء السدّ وَفق مراحل ثلاث:
المرحلة الأُولى: أمرهم بتهيئة قطع الحديد، فلمّا جيء بها، وضع بعضها فوق بعض حتّى غطّى بها ما بين الجبلين إلى قِمَّتيهما، وإليه يشير بقوله: (آتُوني زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ).
المرحلة الثانية: أمرهم أن يجلبوا له الوقود، فلمّا أتوه به، أشعل النار فيه، ثم أمر بالنفخ بالمنافخ لتسخين زبر الحديد، فلمّا نفخوا فيها، صار الحديد كالنار توهّجاً، وهذا ما أشار إليه بقوله: (قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) حتى تصير القطعات المتفرّقة ملتحمة متّصلة ككتلة واحدة.
المرحلة الثالثة: أمر بجلب النحاس المذاب، فأتوه به، فصبّه على الحديد المسخَّن لكي يتماسك ويزيد صلابة، فصار سدّاً حصيناً، وإليه يشير بقوله: (قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا).
وبهذه المراحل الثلاث تمّ عمل السدّ. وهذا يدلّ على تقدّم الحضارة آنذاك.
97. (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا):
بعد بناء هذا السدّ، عجز المفسدون عن تسوّره والصعود عليه، كما يقول: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ)كما عجزوا عن خرقه والنفوذ منه كما يقول: (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).

192
والجمع بين (اسْطَاعُوا) بالتخفيف و(اسْتَطَاعُوا)، تفنّن في فصاحة الكلام، فإنّ تكرار الكلمة يحطّ من فصاحة الكلام، وقد جاء اللفظان أيضاً في قصة موسى مع العبد الصالح الذي قال له: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) ثم قال له: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).1
98.(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا):
إنّ ذا القرنين أشار بعد إنجاز السدّ إلى أمرين:
1. وجّه أفكارهم إلى أنّ هذا العمل رحمة من الله سبحانه، ونعمة منه أجراها على يده. وهذا يدلّ على كونه مؤمناً متواضعاً شاكراً لله تعالى، فلم يغترّ بإنجازه لهذا العمل، بل نسبه إلى الله تعالى، كما جاء في صدر الآية: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي).
2. إنّ لكلّ شيء أجلاً حتّى الأبنية الشاهقة والسدود المحكمة، فلها عمر محدود تنتهي بعده وتزول من الوجود، كما قال: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا).
وأمّا ما هو الوعد الّذي جاء في هذه الآية، هل هو يوم القيامة؟ أو اليوم الّذي يخرج فيه يأجوج ومأجوج كما تشير إليه الآية الكريمة: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ)؟2
يميل المفسّرون الجُدد إلى الرأي الثاني، ويروق لهم حمل الآية على

1 . لاحظ: الكهف:78 و 82.
2 . الأنبياء:96.

193
خروج التتر والمغول من بلادهما متوجّهين إلى الشرق الإسلامي في أوائل القرن السابع، وقد سفكوا الدماء وخرّبوا البلاد وعاثوا في الأرض فساداً، وقضوا على الدولة العباسيّة. والله العالم.
بقي هنا كلام، وهو أنّنا أشرنا عَرَضاً إلى الرأي القائل إنّ ذا القرنين هو نفسه قورش الكبير(؟ـ 528ق.م). ذكر هذا الرأي أحمد خان الهندي، وبذل الجهد في إيضاحه الباحث الهندي مولانا أبو الكلام آزاد، وأيّده فيه بقوة بعض العلماء، وأجاب عن الشكوك المثارة حوله.1
وهذه الإشارة تقتضي سرد بقية الآراء الّتي ذُكرت في هذا المجال، وأشهرها رأيان:
1. إن ذا القرنين كان عربياً يمنيّاً، من ملوك حِمير القبيلة الشهيرة، وقد اختلفوا في اسمه، فقيل: الصَّعب بن ذي مراثد، وقيل: أبو بكر بن أفريقش، وقيل غير ذلك .
2. إنّه ليس سوى الإسكندر المقدوني، تلميذ أرسطو .
وقد رُدّ هذا الرأي، ووُصف بأنّه أغرب الآراء، باعتبار أنّ الإسكندر كان وثنيّاً يعبد الأصنام، بينما كان ذو القرنين مؤمناً موحِّداً، وعبداً صالحاً، معتقداً باليوم الآخر.
لقد أكثر المفسّرون والباحثون الكلام في تحديد شخصيته، وفي وجه تسميته بذي القرنين، وفي تحديد موقع السدّ، ونحن نترك الخوض في هذه المواضيع ، اقتداءً بالكتاب المجيد، ولأنّ أكثر ما قالوه يستند إلى أخبار متعارضة متهافتة، أو إلى أدلّة ظنّية، لا تفيد يقيناً.

1 . شبهات وردود حول القرآن الكريم:468ـ551.

194

الدروس والعبر في هذه القصّة

اشتملت قصة ذي القرنين على عبر كثيرة وعظات مهمّة على الرغم من وجود جوانب مبهمة في بعض تفاصيلها، ونحن نشير إلى ما يستفاد من الآيات المذكورة من المواعظ والعبر، ومنها:
1. إنّه سبحانه خلق العالم على نظام الأسباب والمسبّبات، وجعل لكلّ ظاهرة سبباً وعلّة، فمَن أراد تحقيق غاية ما، فعليه أن يدخل من الباب، وهو تهيئة أسبابها ووسائلها بأفضل ما يمكن. ولا يبلغ الإنسان الهدف المنشود إلاّ باتّباع السبب الّذي جعله الله سبحانه طريقاً لتحصيله .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرطاً» .1
2. إنّ الحواسّ الخمس هي أدوات المعرفة للنفس، بها ندرك ما في الخارج من الحقائق، والله سبحانه تبارك وتعالى يمنّ علينا بهذه النِّعم ويقول: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)2 ومع أنّها من أفضل الأدوات إلاّ أنّها قد تخطئ في درك الواقع، كما هو الحال في رؤية غروب الشمس في مكان معيَّن، يختلف باختلاف الموضع الّذي يقف فيه الرائي، فالرؤية هنا ظاهرية لا واقعية، صادرة عن خطأ الباصرة، وهكذا تراءت الشمس لذي القرنين، حيث وجدها تغرب في عين حمئة، مع أنّ الشمس لا تغرب في مكان محدَّد، بل أنّ دوران الأرض حول

1 . الكافي: 1 / 183، باب معرفة الأنام، الحديث 7 .
2 . النحل: 78 .

195
محورها مرّة واحدة في اليوم، يجعل الجانب غير المواجه للشمس ليلاً، ولذا يرى الناس الذين يعيشون في هذا الجانب، يرَون الشمس تغيب في المغرب، وفي مكان معين، كلٌّ بحسب موقعه.
3. إنّ على الحاكم الصالح أن يتّبع نظاماً عادلاً، يحظى فيه المواطنون الصالحون العاملون خيراً بالتكريم والتقدير والإحسان والإعانة، ويلقى فيه الشرّيرون المسيئون الإهانة والإذلال والعقاب.
وقد أخذ ذو القرنين بهذا المنهج الّذي يساهم في تشجيع ذوي القلوب السليمة على التزام الصلاح، والتشمير عن ساعد الجدّ في ساحة العمل المثمر، وفي ردع أصحاب القلوب السقيمة عن الإقدام على الأعمال السيئة، والاعتداء على حقوق الآخرين (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا).
وللإمام علي (عليه السلام)كلمة في هذا المجال أوصى بها صاحبَه المُنتجب مالك بن الحارث الأشتر (رحمه الله)، في عهده الخالد إليه بولاية مصر
وأعمالها:
وَلاَ يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَة سَوَاء، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لاَِهْلِ الاِْحْسَانِ فِي الاِْحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لاَِهْلِ الاِْسَاءَةِ عَلَى الاِْسَاءَةِ! وَأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.1

1 . نهج البلاغة: الرسالة رقم 53 .

196
4. إنّ الحاكم الصالح يجب أن يسخّر نفسه لخدمة الرعيّة، ولا يمنعه تخلّفهم وقلّة فطنتهم عن توفير مصالحهم وتحقيق منافعهم، فالقائد الإلهي ذو القرنين سارع إلى تلبية مطالب القوم بإقامة سدٍّ لهم، رغم بساطتهم وصعوبة التفاهم معهم، إذ كانوا (لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) .
5. إنّ الأمن والأمان من نعم الله الكبرى، ومن شروط الحياة الاجتماعية السالمة، ففي الحديث الشريف: «نعمتان مكفورتان: الأمن والعافية»1. وفي هذه القصة نجد مسارعة ذي القرنين إلى تلبية طلب القوم (الذين لقيهم في رحلته الثالثة) بإحداث سدٍّ لهم، يمنع عنهم هجمات المفسدين، وقد بذل في سبيل إقامته جهوداً جبّارة، تكشف عن إدراكه لأهمية سيادة الأمن في البلاد الّتي تخضع لسيطرته، وتمتّع أهلها بظلال هذه النعمة.
سورة الكهف: الآيات 99 ـ 102   
6. إنّ القيادة الرشيدة ذات الفكر الناضج والعقل المبدع، تستفيد من كافّة القوى والقدرات المتاحة، وتحرّك كلّ الهمم للتعاون والبذل والعطاء للنهوض بالأعمال الكبيرة والمشاريع الضخمة الّتي تعود بالنفع والفائدة على الأُمّة، وتعزّز كيانها، وتحفظ مصالحها. وهذا ما تجلَّى بوضوح في عمل ذي القرنين الّذي استنفر طاقات القوم، فكانت النتيجة بناء سدٍّ حصين منيع، أتاح لهم العيش في أمن من غارات المعتدين.
7. يرشدنا عمل ذي القرنين إلى أنّ الإتقان في العمل وإحكامه هو المطلوب في مدرسة الأنبياء والمصلحين الإلهيّين، وقد روي عن

1 . الخصال للصَّدوق:34، الحديث5; بحار الأنوار: 78 / 170. ومعنى «مكفورتان»: مستورتان عن الناس لا يعرفون قَدْرهما، أو لا يشكرهما الناس لغفلتهم عن عظم شأنهما.

197
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه جلس حول قبر سعد بن معاذ ورتّب التراب فوق قبره وقال: «إنّي لأعلم أنّه سيَبلى ويصل البِلى إليه، ولكنّ الله يحبّ عبداً إذا عمل عملاً أحكمه».1
8. إنّ الإنسان المؤمن يحسّ بفقره إلى الله تعالى مهما بلغ من القدرة والعظمة، ويشعر بأنّ ما ينجزه من أعمال كبيرة، لايستند إلى قدرته المحدودة (وإن بدت عظيمة في مقياس البشر)، بل إلى قدرة الله المطلقة، الّتي أفاضت عليه النِّعم، وشملته بالألطاف. وهذا الإحساس بالفقر والضعف، والشعور الغامر بالرحمة الإلهية، أبان عنهما ذو القرنين بقوله، بعد أن ألقى بنظره إلى السدّ العجيب، وقد اكتمل بناؤه: (هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي).

الآيات: التاسعة والتسعون إلى الثانية بعد المئة

(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْري وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوني أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً).

1 . أمالي الصدوق: 468، المجلس 61، الحديث 2.

198

المفردات

تركنا: إمّا بمعنى ضدّ الأخذ، أو بمعنى جعلنا، على اختلاف بين المفسِّرين.
يموج: يضطرب اضطراب البحر.
الصُّور: قَرن يُنفَخ فيه.
نُزُلاً: النُّزُل: ما يُعَدُّ لإكرام الضيف.

التفسير

99. (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا):
الظاهر أنّ الآية من كلامه سبحانه وليست من كلام ذي القرنين، بشهادة تغيير السياق من الغَيبة ـ أعني: (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) ـ إلى المتكلِّم مع الغير، أعني: (تَرَكْنا). والآية تتركّب من فقرتين:
1. (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض).
2. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا).
أمّا الفقرة الثانية فالمراد من النفخ هي النفخة الثانية التي بها يحيى الناس كلُّهم بشهادة الآية التالية كما سيوافيك.
إنّما الكلام في الفقرة الأُولى، فما هو المراد من أنّه سبحانه ترك بعضهم يموج في بعض؟

199
والإبهام في موردين:
أ. في مرجع الضمير في قوله: (بَعْضَهُمْ) هل يرجع إلى المفسدين، أو يرجع إلى الناس كلّهم؟
ب. قوله: (يَومَئِذ) فهل أُشير به إلى يوم بناء السدّ، أو إلى يوم هدمه قبل القيامة، أو عندها، وإليك الاحتمالات:
1. يوم إتمام بناء السدّ، أي جعلنا يأجوج ومأجوج يومئذ مضطربين بينهم، فصار فسادهم قاصراً عليهم، لأنّهم إذا لم يجدوا ما اعتادوه من غزو الأُمم المجاورة لهم رجع قويُّهم على ضعيفهم بالاعتداء.1
وعلى هذا فالضمير في قوله: (بَعضَهُمْ) يرجع إلى المفسدين.
يلاحظ عليه: أنّه يلزم فقدان الصلة بين فقرتي هذه الآية، إذ أيّ صلة بين كون المفسدين مضطربين بينهم، وبين النفخ في الصور وجمع الناس فيه؟ اللّهمّ إلاّ أن يقال: الصلة هي تشبيه حال تموجّهم وراء السدّ بحال تموّج الناس في المحشر، تذكيراً للسامعين بأمر الحشر، وتقريباً لحصوله في خيال المشركين، وأنّ القادر على جمع أُمّة وراء السدّ، قادر على جمع الأُمم يوم الحشر.(2)
2. يوم خراب السدّ واندكاكه بعد مدّة مديدة، ويُراد: يوم يُدكّ السدّ يخرج هؤلاء من ورائه يموجون في الناس ويفسدون عليهم زروعهم ويتلفون أموالهم، وهذا بمعنى قوله في سورة الأنبياء:(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ)2: أي وهم من كلّ مرتفع من

1 و 2 . انظر: التحرير والتنوير:15/168.
2 . الأنبياء:96.

200
الأرض يُسرعون في النزول من الآكام والمرتفعات، وتلك حال تنطبق على قوم جنكيزخان1، فقد كان خروجهم من هضبات آسيا الوسطى، كما ذكر مؤرّخو العرب والإفرنج.2 وعلى هذا يرجع الضمير إلى المفسدين أيضاً.
يلاحظ عليه: بأنّه يلزم فقدان الصلة بين الفقرتين، إذ لا صلة بين خروج المفسدين من وراء السدّ في أوائل القرن السابع الهجري، وبين نفخ الصور وجمع الناس جمعاً.
3. ما عليه أكثر المفسّرين من أنّ الآية بمنزلة التفصيل للإجمال الذي في قول ذي القرنين: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)، وعلى هذا فالمراد من الظرف هو يوم القيامة، والضمير في قوله: (فَجَمَعْنَاهُمْ)يرجع إلى الناس كلّهم، وقد تقدّم أنّ من أهمّ أغراض هذه السورة هو إثبات البعث يوم القيامة.
وحاصل الآية: إنّ الناس يضطربون يومئذ من شدّة الهول اضطراب البحر باندفاع بعضه على بعض فيرتفع من بينهم النظم ويحكم فيهم الهَرْج والمَرْج.3
وأمّا صلة الفقرتين، فإنّ اضطرابهم يقع قبل النفخة الأُولى، ثم إنّهم

1 . جنكيزخان(1162ـ 1227م): فاتح مغوليّ، كوّن أكبر أمبراطورية في التاريخ. حكم مساحة تمتد عبر أواسط آسيا إلى بحر اليابان. اسمه الأصلي توموجين. أصبح حاكماً للمغول عام (1207م)، غزا شمال شرقي الصين، واستولى على بكّين عام (1215م)، واكتسح أواسط آسيا عام (1218م). الموسوعة العربية العالمية:8/503.
2 . تفسير المراغي:15/20.
3 . الميزان في تفسير القرآن:13/366.

201
يموتون بعدها ثم يحيون بالنفخة الثانية.
ولعلّ الوجه الثالث أقرب الوجوه.
قال الشريف الرضيّ حول قوله تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض): وهذه استعارة لأنّ أصل المَوَجان من صفات الماء الكثير، وإنّما عبّر سبحانه بذلك عن شدّة اختلاطهم ودخول بعضهم في بعض لكثرة أعدادهم تشبيهاً بموج البحر المتلاطم، والتفاف الدَّبا المتعاظل1.2
100. (وَ عَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا):
تحدّثت الآية السابقة عن إحياء الناس بعد النفخ الثاني واجتماعهم في المحشر، وعندئذ تذكر هذه الآية أنّ المجرمين يشاهدون منازلهم في جهنم قبل أن يُساقوا إليها، كما يقول: (وَ عَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذ): أي يوم القيامة (لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) وهذا تعذيب بالرُّعب، وبعده يأتي تعذيب آخر بالنار.
والمؤمنون يروَن النّار أيضاً لقوله تعالى:(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا)(3)، والمراد بورودهم إشرافهم عليها، ووصولهم إليها، ولكنّهم لا يدخلونها، فتكون رؤيتهم لها رؤيةً تبعث فيهم الشعور بنعمة الله وفضله عليهم إذ كُتبت لهم النجاة من مقاساة عذابها.
وأمّا الكفّار فتبعث فيهم الإحساس بالرُّعب والفزع، لعلمهم بأنّهم سيُلقَون فيها ويَصلَون سعيرَها، كما قال سبحانه:(وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ

1 . الدَّبا: جمع دَباة، وهي أصغر الجراد. والمتعاظل: الذي يركب بعضه بعضاً.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:112.   3 . مريم:71.

202
فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا)1.
101. (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْري وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا):
لمّا تقدّم أنّ الكافرين يشاهدون منازلهم في جهنّم بعرضها لهم وإظهارها واضحة أمامهم، جاءت هذه الآية تصف هؤلاء الكافرين بأمرين:
1. (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْري) والإنسان ينال الحقّ عن طريق البصر، وذلك بالنظر إلى آيات الله تعالى والاهتداء بها إلى الله، ولكنّ هؤلاء (كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْري): أي عن النظر فيما يحصل به ذكره سبحانه، والغطاء استعارة لعدم الانتفاع بالبصر، فمن كان له بصر ولم ينتفع به، يكون نظير من كان على بصره غطاء يمنعه من الرؤية.
قال الشريف الرضيّ حول هذه الفقرة: وهذه استعارة، وليس المراد أنّ عيونهم على الحقيقة كانت في غطاء يسترها وحجاز يحجزها، وإنّما المعنى أنّهم كانوا ينظرون فلا يعتبرون أو تعرض لهم العبر فلا ينظرون، ومن الدليل على ذلك قوله: (عَنْ ذِكْري).2
2. (وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) والإنسان يهتدي بالسمع حيث يستمع الآيات الإلهية والمواعظ والقصص، وهم قد بلغوا من الكبْر والعناد حدّاً بحيث يثقل عليهم سماعها، ولا تطاوعهم نفوسهم للاستماع ويتأذّون من سماع الآيات ويتلقَّونها كالضربات على الرؤوس.

1 . الكهف:53.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:112.

203
ونظير الآية قوله سبحانه: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).1
102. (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوني أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً):
إنّ هؤلاء الطاغين لمّا حرموا أنفسهم من الانتفاع بأعينهم وآذانهم للاهتداء إلى الحقّ، أفضى ذلك إلى حرمانهم ممّا تدلّ عليه الآيات من أنّه ليس له شريك في الإبداع والتدبير، ولأجل هذا الحرمان كانوا يحسبون أنّ عباد الله الذين اتّخذوهم آلهة، وجعلوا ولاءهم لهم، سينتفعون بهم عند الله، وهذا حُسبان باطل، ولهذا جاءت الآية تذمّ هذا الحسبان، وتقول: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوني أَوْلِيَاءَ) لا شكّ أنّ «حسب» يتعدّى إلى مفعولين، يقول ابن مالك:
اِنْصِبْ بفعلِ الْقَلْبِ جُزْأيِ ابْتِدا *** أعْني رَأى خال عَلِمْتُ وَجَدا
ظَنَّ حَسِبْتُ و زَعَمْتُ مع عَدّ *** حَجى دَرى و جَعَلَ اللَّذْ كَاعْتَقَدْ2
فعلى هذا يقع الكلام في تعيين المفعول الثاني لفعل (أَفَحَسِبَ). أمّا المفعول الأوّل فهو عبارة عن قوله: (أَنْ يَتَّخِذُوا) مع متعلّقاته، فيكون المقدَّر: أفحسب الذين كفروا اتّخاذ عبادي أولياء من دوني.
وأمّا المفعول الثاني فيجب أن يكون مقدّراً مستفاداً من القرآن، قال

1 . الأعراف:179.
2 . شرح ابن عقيل:1/353ـ354.

204
في «مجمع البيان»: المفعول الثاني قوله: ينصرونهم ويدفعون عقابي عنهم.1
وهذا أفضل ممّا نُقل عن ابن عباس من أنّه قال: أفحسب الذين كفروا أن يتّخذوا من دوني آلهة وأنا لا أغضب لنفسي عليهم ولا أُعاقبهم؟2 وذكر صاحب الميزان وجهين آخرين فراجعهما إنْ أحببت.3
ولمّا أبطل سبحانه انتفاع الكافرين بأوليائهم ذكر النتيجة، وهي كونهم محكومين بنار جهنم كما يقول:(إِنَّا أَعْتَدْنَا) أصله أعددنا، قلبت الدال تاء لقرب مخرجيهما، أي هيّأنا (جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً)والتعبير بالنُّزل نوع تهكُّم، فإنّه يُطلق على ما يقدَّم للضيف. ونظير الآية ما مرّ في هذه السورة:(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)4.
سورة الكهف: الآيات 103 ـ 108   

الآيات: الثالثة بعد المئة إلى الثامنة بعد المئة

(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

1 . مجمع البيان:6/449.
2 . نفس المصدر.
3 . لاحظ : الميزان في تفسير القرآن:3/367.
4 . الكهف:29.

205
الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً).

المفردات

لقائه: لقاء الله، كناية عن الحشر يوم القيامة.
هُزُواً: سخرية واحتقاراً.
الفردَوس: البستان الذي توجد فيه كلّ الفواكه، ويجتمع فيه كلّ ما يمتع ويلذّ، أو تجتمع فيه محاسن كلّ بستان.
حِوَلاً: تحوُّلاً وتبديلاً إلى شيء آخر.

التفسير

103 و 104.(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا):

مَن هم الأخسرون أعمالاً؟

لمّا تحدّث سبحانه عن كون الكافرين غير منتفعين بأعينهم ولا بأسماعهم وكأنّ على أعينهم غطاء وفي أسماعهم وقراً، ذكر سبحانه في هذه الآيات نتيجة هذا النوع من العمى والصَّمَم وقال: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) ومقتضى السياق أن يقول: هل ننبّئكم ـ أيّها الكافرون ـ أنّكم الأخسرون أعمالاً؟ ولكن عَدِل إلى الغَيبة حتى يتفكّروا بأنّ المراد

206
بهم هم أنفسهم، فصارت الآية توبيخاً منه لهم لحرمانهم أنفسهم من النظر إلى آيات الله وسماعها.
ثمّ إنّه سبحانه عرّف هؤلاء الأخسرين بقوله: (اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي بطل عملهم واجتهادهم في الحياة الدنيا، فقد عبدوا آلهتهم المكذوبة ولم ينتفعوا بعبادتها شيئاً (وَهُمْ)مع ذلك (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا): أي يظنّون أنّهم يفعلون الأفعال الجميلة.
وبين (يَحْسَبُونَ)و (يُحْسِنُونَ) جِناس مصحَّف، وهو أن يكون النقط فيه فارقاً بين الكلمتين.
قال الشريف الرضيّ حول قوله تعالى:(اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ...)إلخ: وهذه استعارة، وأصل الضلال ذهاب القاصد عن سَنن الطريق، فكأنّ سعيهم لمّا كان في غير الطريق المؤدّية إلى رضا الله تعالى، حسن أن يوصف بالضلال، والعدول عن سَنن الرَّشاد.1
روى الطبري عن أبي الطُّفيل أنّ عليّاً(عليه السلام) قال لابن الكوّاء (من رؤساء الخوارج) وقد سأله عن الأخسرين أعمالاً: ويلك، أهل حروراء منهم.2
وروى العيّاشي بإسناده قال: قام ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)فسأله عن أهل هذه الآية. فقال: «أُولئك أهل الكتاب كفروا بربهم، وابتدعوا دينهم، فحبطت أعمالهم، وما أهل النَّهر منهم ببعيد» يعني الخوارج.3
والرواية بصدد التطبيق، والمشركون هم المعنيّون بالآية.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:132.
2 . انظر: جامع البيان(تفسير الطبري):9/50، برقم 23398.
3 . تفسير العياشي: 3/124، برقم 2713.

207
105. (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا):
لمّا تقدّم وصفهم بقوله: (اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) جاء البيان القرآني ليكشف عن وجه خطأ سبيلهم وضلالهم، قائلاً: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) فقد خسروا لوجهين:
1.(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ): أي جحدوا أدلّة ربّهم، سواء أكانت كونية أم تنزيلية، الأمر الذي يؤول إلى إنكار التوحيد وإنكار النبوّة التي نزلت بها آيات الله.
2. (وَلِقَائِهِ): أي أنكروا البعث.
فصار هذان الأمران سبباً لحبط أعمالهم، وذلك لأنّهم لم يعملوا لوجه الله سبحانه ولم يطلبوا ثواب الدار الآخرة، فصارت أعمالهم هباء منثوراً. ولمّا كان قوله: (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) بياناً موجزاً، بيّنه بقوله: (فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ): أي لأُولئك الموصوفين بحبوط الأعمال(يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) لأنّ مناط التكريم والاعتبار هو الأعمال الصالحة، وهؤلاء قد حبطت أعمالهم، فهم مُزدَرَون مُهانُون، لا قيمة لهم ولا اعتبار.
قال الشريف الرضيّ: وفي هذه الآية استعارتان:
إحداهما: قوله سبحانه: (بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ) وتأويل (لِقَائِهِ) هاهنا على وجهين: أحدهما أن يكون فيه مضاف محذوف، فكأنّه تعالى قال: ولقاء ثوابه وعقابه أو جنّته وناره. والوجه الآخر أن يكون معنى ذلك رجوعهم إلى دار لا أمر فيها لغير الله تعالى فيصيرون إليها من غير أن يكون

208
لهم عنها محيص أو دونها محيد، وذلك مأخوذ من مقابلتك الشيء من غير أن تصرف عنه وجهك يميناً ولا شمالاً، يقول القائل: لقيت فلاناً، أي قابلته بجملتي، وتقول: داري تلقاء دار فلان، أي مقابلتها، فكانت كلّ واحدة منهما كالمقبلة على الأُخرى، فلمّا كان لا أحد يوم القيامة يستطيع انصرافاً عن الوجهة التي أمر الله سبحانه بجمع الناس إليها، وحشرهم نحوها، سمّى ذلك لقاء الله على السعة والمجاز.
والاستعارة الأُخرى: قوله تعالى:(فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ أنّا لم نجد أعمالاً صالحة تَثقُل بها موازينهم يوم القيامة، والميزان إذا كان ثقيلاً سمّي مستقيماً وقائماً، وإذا كان خفيفاً سمّي عائلاً وشائلاً.
وقد يجوز أن يكون معنى ذلك أنّهم لا اعتداد بهم ولا نباهة لذكرهم يوم القيامة، كما يقال في التحقير للشيء: هذا لا وزن له ولا قيمة له، وكما تقول: فلان عندي بالميزان الراجح، إذا كان كريماً عليك وحبيباً إليك.1

حديث غريب عن أبي هريرة في تفسير الآية

لم يَدَع أبو هريرة هذه الفقرة من الآية دون أن يستخرج لها مصداقاً من كيسه2، فقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما عنه، عن رسول الله، قال: إنّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 132ـ 133.
2 . روى أبو هريرة حديثاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا له: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. انظر: صحيح البخاري:3/439، كتاب النفقات، رقم الرواية 5355.

209
بعوضة. وقال: اقرأوا:(فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)1.
والغريب أنّ العديد من مفسّري السنّة، ينقل عنهما ـ عند تفسير الآية ـ هذه الرواية، وكأنّهم يريدون بذلك تقريب معناها للأذهان، دون أن يقفوا عندها، أو يثيروا تساؤلاً حول صلة سِمْن الرجل وكثرة لحمه وشحمه بذلك، مع أنّ عدم إقامة الوزن لهم متفرّع عن حبط أعمالهم.
ولا شكّ في أنّ القول بعدالة الصحابة، هو الذي حال بينهم وبين التحقيق في الرواية ودراسة مضمونها.
يُذكر أنّ عدداً من الصحابة كانوا يتّهمون أبا هريرة في روايته عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وينكرون عليه كثرة رواياته، منهم: ابن مسعود، وعائشة، وابن عباس، وسعد بن أبي وقّاص، وعمر بن الخطاب، الذي قال له: لتتركنّ الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو لألحقنّك بأرض دَوْس2.3
106. (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا):
تقدّم في قوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً): أنّ اسم الإشارة أعني: (ذَلِكَ) إشارة إلى ما مرّ في تلك الآية، أي ماهيّأنا وأعتدنا ليس شيئاً

1 . صحيح البخاري:3/232ـ 233، كتاب التفسير، رقم الرواية 4729; صحيح مسلم:1372، كتاب صفة القيامة، رقم الرواية 6939.
2 . سير أعلام النبلاء:2/600ـ 601.
3 . راجع كتابنا: الحديث النبويّ بين الرواية والدراية:323ـ 420، للاطّلاع على حال أبي هريرة وما قيل فيه.

210
إلاّ أنّه (جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ) فقوله: (جَهَنَّمُ) عطف بيان لقوله:(جَزَاؤُهُمْ بِمَا): أي بسبب ما (كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا)فالكفر بالله تعالى والاستخفاف بآياته وبرسله الذين ظهرت على أيديهم تلك الآيات والمعجزات، هما السببان الموجبان لجزائهم جهنّم. ومن المعلوم أنّ مشركي عصر الرسالة كذّبوا الرسل عامّة ورسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة، محتجّين بأنّ الإنسان لا يصلح للرسالة لأنّه مثلنا، بل يجب أن يكون موجوداً عُلوياً.
107 و 108 .(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً):

مكانة المؤمنين يوم القيامة

سورة الكهف: الآيتان 109 و 110    
جرت سيرة الذكر الحكيم على عملية التقابل وهو أنّه كلّما يذكر شيئاً عن مصير الكافرين وعقابهم، يذكر مصير الموحِّدين وجزاءهم، وأُخرى بالعكس. وهذا هو التقابل الذي يُعدّ من المحسِّنات البديعية. ولمّا تقدّم وصف مصير الكافرين بقوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً) جاء في الآية التالية ببيان مصير المؤمنين مصيراً متضادّاً مع مصير الكافرين وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)ولم يقتصروا على الإيمان المجرّد عن العمل الصالح بل ضمُّوا إليه العمل الصالح، إذ كثير من أهل الكتاب وفَسَقة المسلمين يؤمنون بالله ولكنّه إيمان مجرّد عن العمل الصالح، والذين يستحقّون الجنّة هم أُولئك الذين قرَنوا الإيمان بالعمل الصالح كما يقول: (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) وهذا النُّزل في مقابل

211
نُزل الكافرين الذي وصفه سبحانه بقوله:(إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً).
ثمّ إنّه سبحانه يصف جنّات الفردوس بوجهين:
الأوّل: (خَالِدِينَ فِيهَا).
الثاني:(لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً): أي لا يطلبون عن تلك الجنّات تحوُّلاً إلى موضع آخر، لاشتمالها على كلّ ما تشتهيه الأنفس.
ثمّ إنّ إضافة الجنات إلى الفردوس في قوله: (جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ)، بيانية، أي جنات هي من صنف الفردوس، وقد مرّ أنّ الفردوس فُسّر بما يجتمع فيه ما يمتع ويلذّ، ويجمع محاسن كلّ بستان. ومن المعلوم أنّ الإنسان العاقل لا يبدله بشيء آخر.

الآيتان الأخيرتان من السورة (109 و 110)

(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

المفردات

مِداداً: المِداد: الحِبْر.
لكلمات ربّي: كلمات الربّ: كلّ وجود مفاض منه سبحانه، أو هي كلمات علمه وحكمته.

212
لَنَفد: النَّفاد: الفَناء والاضمحلال.
مدداً: إمداداً وعَوناً.

التفسير

109. (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا):

سعة علمه سبحانه

تدلّ الآية على أنّه سبحانه قد أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول: لو كان ماء البحر حِبْراً للقلم الذي تُكتب به كلمات ربّي لفَني هذا البحر من الحبر قبل أن تَفنى هذه الكلمات ولفَنيَ واضمحلّ بحر من الحبر مثله أيضاً قبل أن تفنى.
وفي موضع آخر قال تعالى:(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).1
ومن المعلوم أنّ كلمة (سَبْعَةٌ) كناية عن الكثرة، وليس لها أية خصوصية.
هذا هو مفهوم الآية، بقي في الآية أمران:
1. وجه صلة الآية بما قبلها.

1 . لقمان:27.

213
2. ما هو المراد من كلمات الله؟

وجه صلة الآية بما قبلها

أمّا الأوّل فيمكن أن يقال: بما أنّ السورة اشتملت على ذكر ثلاث قصص، امتحن أحبارُ اليهود بها صدق النبوّة، وكان العلم بها على وجه دقيق أمراً مغموراً مُشكلاً، جاء البيان القرآني يذكر هذه القصص بالتفصيل بعيداً عن أي خرافة يلحقها القصّاصون وأهل السَّمر، وعندئذ جاءت هذه الآية لتؤكد أنّ هذه الأسئلة بالنسبة إلى ما يعلمه الله سبحانه ليست إلاّ كذرّة في عالم غير متناه.
ويؤيّد ذلك ما روي في تفسير علي بن إبراهيم، قال: وقوله: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وذلك أنّ اليهود سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الرُّوح، فقال: (الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) قالوا: نحن خاصّة؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «بل الناس عامّة»، قالوا: فكيف يجتمع هذان يا محمّد، تزعم أنّك لم تؤت من العلم إلاّ قليلاً ولقد أوتيت القرآن وأوتينا التوراة، وقد قرأت: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ) وهي التوراة (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)فأنزل الله تبارك وتعالى:(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) يقول: علم الله أكثر من ذلك، وما أوتيتم كثير فيكم، قليل عند الله.1
وليست الرواية دليلاً على كون الآية مدنيّة، لاحتمال نزول الآية في

1 . تفسير القمّي: 2/143; تفسير نور الثقلين:3/219، ولاحظ: ج 4 / 215.

214
مكة، والجدال من اليهود في المدينة بعد الوقوف على الآية.

ما هو المراد من كلمات الله؟

وأمّا الأمر الثاني، فهل المراد من كلمات الله هو علمه غير المتناهي تبعاً لوجوده كذلك؟ أو أنّ المراد أفعاله أو ما صدر منه؟
يدلّ على الثاني أنّه سبحانه كثيراً ما يستعمل الكلمة في القرآن الكريم فيما قاله وحكم به، نظير: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)1، وقوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)2.
حتى أنّه سبحانه يصف المسيح(عليه السلام) بأنّه كلمة الله، يقول: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا)3، وعلى هذا يمكن أن يقال: المراد هو أفعاله التشريعية والتكوينية التي لا يحصيها إلاّ الله سبحانه.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ.لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً».4
ويكفي في ذلك النظر إلى عالم السماوات الذي كشف الإنسان شيئاً من سعته ولم يبلغ كنهه.

1 . الأعراف:137.
2 . يونس:33.
3 . النساء:171.
4 . نهج البلاغة: الخطبة186.

215

اعتراف العلماء بضآلة العلم البشري

ذكرت إحدى الصحف أنّ العالم المشهور (اَينشتاين) صاحب النظرية النسبية كان واقفاً عند دُرج صغير في أسفل مكتبته، فسئل عن نسبة ما يعلم إلى ما لا يعلم، فقال: إنّ نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم كنسبة هذا الدُّرج إلى مكتبتي.
قال الدكتور أحمد أمين المصري معلِّقاً على هذه العبارة: ولو أنصف لقال: إنّه أقلّ من هذه النسبة. إنّا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء هي، وهذا في الدنيا التي نعيش فيها ونلمسها ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأُخرى البعيدة عنّا؟1
بل كان الحق أن يقول: إنّ نسبة ما أعلم بالنسبة إلى ما لا أعلم كنسبة هذا الدُّرج إلى عنان السماوات.
أجل إنّ الكون ـ كما يقول العلماء ـ أشبه بمحيط عريض وعميق وكبير غارق في الظلمات، ولم يستطع البشر سوى كشف كيلومترين منه بمصباح العلم والمعرفة فيما لا تزال البقية العظمى تختفي خلف تلك الظلمات الشاملة الهائلة.
إنّ البشر لم يستطع أن يقف ـ بصورة نهائية ـ على أقرب الأشياء إليه وهو نفسه، فلا تزال كلمات بل أسطر بل صفحات كثيرة من هذا الكتاب العجيب غير معلومة ولا معروفة للإنسان.
لنستمع إلى ما يكتبه الدكتور «الكسيس كاريل» الحائز على جائزة

1 . مجلة رسالة الإسلام المصريّة، العدد الأوّل من السنة الرابعة:24.

216
نوبل في الطب والجراحة في كتابه المعروف «الإنسان ذلك المجهول» تحت عنوان: «جهلنا بأنفسنا»:
إنّ الإنسانية قد بذلت جهوداً جبّارة لكي تعرف نفسها، ومع أنّنا نملك كنوز الملاحظة التي جمعها العلماء والفلاسفة والشعراء والمتصوّفة فنحن لا ندرك غير جوانب من الإنسان وأجزاء منه.. الواقع أنّ جهلنا مطبق! فأكثر الأسئلة الّتي يطرحها من يدرس أفراد الإنسان بقيت دون جواب ولا تزال مناطق شاسعة من عالمنا الداخلي غير معلومة» ثم أشار إلى نماذج من هذه المناطق المجهولة.1
ولقد نبّه القرآن الكريم إلى هذا القصور والضآلة في العلم البشري وعجز الإنسان عن الإحاطة بحقائق الحياة وبواطن الأُمور، إذ يقول: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاْخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).2
إنّه يصرّح بأنّ معلومات الإنسان عن الكون والحياة لم تتجاوز إطار هذه الحياة، بل لم يقف إلاّ على ظاهرها، دون حقيقتها وباطنها.
قال الإمام علي(عليه السلام): «الدنيا كلّها جهل إلاّ مواضع العلم».3
إنّ قافلة العلم لا تزال تسير ـ منذ أن بدأت ـ دون أن تتوقّف وسوف يكتشف البشر ـ في المستقبل ـ أضعاف أضعاف ما اكتشفه حتّى الآن.
وقد تحقّق ما شكّك فيه الإنسان في الماضي، أليست المعلومات

1 . الإنسان ذلك المجهول:17.
2 . الروم:7.
3 . توحيد الصدوق: 371، الحديث 10، بيانه في معنى مشيئته تعالى.

217
الّتي توصّل إليها الإنسان اليوم كانت ممّا ينكرها بالأمس ويرفض صحّتها، فلم يصدّق ـ مثلاً ـ بأنّ الإنسان سيتمكّن من الهبوط على القمر، وارتياد الفضاء الخارجي، ثم يعود من رحلته سالماً، حاملاً إلى الأرض عيِّنات من صخور القمر، وشيئاً كبيراً من حقائق السماء وأسرار الفضاء؟
وكلّ ذلك دليل قاطع وبرهان ساطع على أنّ ما يجهله البشر أكثر بكثير ممّا يعلمه، وأنّ ما لم يحصل عليه من الحقائق أكثر بكثير ممّا حصل عليه.
110. (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا):
الظاهر أنّ الآية تلخيص لغرض السورة، وقد تضمّنت بيان الأُصول الثلاثة، ويبدو أنّ المشركين كانوا يطلبون من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تنبّؤات وأخباراً غيبيّة، أو يطلبون معاجز وكرامات ربّما كانت غير مؤثّرة، فجاء الوحي الإلهي يحصر وظيفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في إبلاغ الرسالة، وقال: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)فقوله:(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) قصر الموصوف على الصفة، والقصر إضافي أي لست أنا إلاّ بشر كسائر الناس، والإخبار عن المغيّبات والإتيان بالمعاجز ليسا من شأني وإنّما هي بيد الله، فلو أقدرني على ذينك الأمرين فأُخبركم والاّ فلا. ثم ذكر أنّ مهمّته تتلخّص في أُمور ثلاثة:
1. التوحيد، (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فليست الوحدة عددية بل الوحدة الحقّة، أي ليس له نظير، ردّاً على المشركين والنصارى.

218
2. النبوّة، (يُوحَى إِلَيَّ) وقوام النبوّة بالوحي.
3. المعاد، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ) فليستعدّ لذلك اليوم، وهو يتحقّق بأمرين:
أ. (فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا) وإلاّ فالإيمان المجرّد لا ينفع.
ب. (وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا): أي يتجنّب الرياء والسمعة، وكلّ مَن عمل لغير الله فقد أشرك بعبادته ولو لم يقل بتعدّد الآلهة. والفرق أنّ شرك المشركين شرك علني، وشرك هؤلاء شرك خفيّ، فمن صلّى أو صام رياء، فقد أشرك بعبادة الله.
والظاهر أنّ الآية نزلت كضابطة كليّة. نعم، روي عن ابن عباس أنّه قال: كان جندب بن زهير إذا صلّى أو صام أو تصدّق، فذُكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس، فلامه الله فنزل في ذلك: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).1
وقلنا: إنّ نزولها في هذا المورد بعيد. مع كون السورة مكّية، وأكثر ما يقال إنّه من مصاديق التطبيق.
روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) قال: «الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله إنّما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه. ثمّ قال: ما من عبد أسرّ خيراً فذهبت الأيام أبداً حتى يُظهر الله له خيراً، وما من

1 . الدر المنثور:5/469.

219
عبد يُسرّ شرّاً فذهبت الأيام أبداً حتى يُظهر الله له شرّاً».1
وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «قال الله عزّ وجلّ: أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، فهو للذي أشرك».2
***
تمّ تفسير سورة الكهف

1 . الكافي:2/293ـ 294، باب الرياء، برقم 4; تفسير نور الثقلين:3/315.
2 . مجمع البيان: 6 / 396 ; تفسير نور الثقلين: 3/316.

220
بناء المساجد عند مراقد الأنبياء والأولياء   

بناء المساجد عند مراقد الأنبياء والأولياء1

كان بناء المساجد إلى جوار مراقد الأنبياء والأولياء والصالحين بعد عصر الرسالة إلى القرن الحادي عشر، سنّة رائجة لم يختلف فيها اثنان، ويدلّ عليه بناء المساجد إلى جوار قبور الأنبياء في بلاد الرافدين والشام والأُردن، وقد رأيت ذلك في سفري إلى هذه البلاد، وكان الأمر كذلك إلى أن أظهر الخلاف محمد بن عبد الوهاب، ومَن قلّده، فهدموا المساجد في جوار مراقد الأولياء.
ولمّا كان الكتاب العزيز دليلاً قاطعاً وبرهاناً صارماً في المسألة، آثرنا أن ندرس الموضوع من هذا المنظار، فنقول:
يذكر سبحانه قصة أصحاب الكهف ، وأنّهم اعتزلوا قومَهم للحفاظ على عقيدتهم ودينهم ، حتّى وافاهم الأجل وهم في الكهف ، وقد أعثر الله عليهم قوماً بعد ثلاثة قرون وأطلعهم عليهم ، يقول سبحانه : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى

1 . قد تقدّم منا في تفسير الآية (21) من سورة الكهف أنّها تدلّ على جواز بناء المساجد عند مراقد الأنبياء والأولياء، وقد ذكرنا أنّ لنا رسالة في هذا الموضوع تأتي بعد الانتهاء من تفسير سورة الكهف، وإليك هذه الرسالة.

221
أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً )1 .
ومعنى الآية أنّا أعثرنا على أصحاب الكهف أهلَ تلك المدينة ليعلموا أنّ وعد الله بالبعث حقّ ، فإنّ بَعْثَ هؤلاء بعد لَبْثهم في كهفهم نائمين ثلاثمائة سنة وتسع سنوات دليل على إمكان الحياة الثانية ، وليعلموا أنّ الساعة لا ريب فيها .
ثمّ إنّ القوم الذين أعثرهم الله على أجسادهم اتّفقوا على تكريمهم ، ولكن اختلفوا في طريقة التكريم ، كما يقول سبحانه : إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) ، فظاهرُ المنازعة هو ما جاء بعد هذه الجملة بضميمة حرف الفاء ، فقال جماعة : ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ) ، أي اجعلوا عليهم بنياناً كبيراً ، ويدلّ على الوصف تنكير بُنْيَاناً ) ، وقد صرّح الجوهري وابن منظور بأنّ البنيان بمعنى الحائط2 ، ولذلك فسّره القاسمي بقوله : أي على باب كهفهم بنياناً عظيماً كالخانقاهات3 والمشاهد والمزارات المبنيّة على الأنبياء وأتباعهم4 ، تستر أجسادهم، وتعظّم أبدانهم . ولكن قال آخرون وهم الذين غلبوا على أمر القائلين بالقول الأوّل وصار البلد تحت سلطتهم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ): أي معبداً وموضعاً للعبادة والسجود يتعبّد الناس فيه ببركاتهم . هذا هو الظاهر المستفاد من الآية .

1 . الكهف : 21 .
2 . الصحاح : 6 / 228 مادة «بناء»; لسان العرب: 1 / 510، مادة «بناء».
3 . الخانقهات كلمة فارسية مفردها : خانقاه وتعني محلّ اجتماع الصوفيّين والدراويش . (لغت نامه: 20 / 169 بالفارسية) .
4 . محاسن التأويل: 11 / 20 .

222
قال الرازي : قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم ) قيل : المراد به الملك المسلم وأولياء أصحاب الكهف ، وقيل : رؤساء البلد ، لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً )نعبد الله فيه ، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد.1
وقال أبوحيان الأندلسي (654 ـ 754هـ ): روي أنّ الّتي دَعت إلى البنيان كانت كافرة; أرادت بناء بَيعة أو مصنع لكفرهم ، فمانعهم المؤمنون وبنوا عليهم مسجداً.2
وقال أبو السعود (المتوفّى 951 هـ) : وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم )وهم المَلك والمسلمون لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ).3
وقال الزمخشري : وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم ) من المسلمين ومَلكهم، وكانوا أَولى بهم وبالبناء عليهم : ليتّخذ على باب الكهف مسجداً يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.4
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية . وكأنَّ الاتّفاق موجود على أنّ القول بإيجاد البنيان على باب الكهف كان لغير المسلمين ، والقول ببناء المسجد على بابه قول المسلمين ، والّذي يدلّ على ذلك أمران :
الأوّل : أنّ اتّخاذ المسجد دليل على أنّ القائل كان موحّداً مسلماً غير

1 . تفسير الرازي: 21 / 105.
2 . البحر المحيط: 6 / 109 ط . دار الكتب العلمية .
3 . تفسير أبي السعود: 5/215 .
4 . تفسير الكشّاف: 2 / 245 .

223
مشرك; فأيّ صلة للمشرك ببناء مسجد على باب الكهف؟ وإذا كان المشركون يهتمّون بعمارة المسجد الحرام فلأجل أنّه أُنيطَ بالبيت كيانهم وعظمتهم في الأوساط العربيّة ، بحيث كان التخلّي عنها مساوقاً لسقوطهم من أعين العرب في الجزيرة.
أفبعدَ اتّفاق أكابر المفسّرين، هل يصحّ لباحث أن يشكّ في أنّ القائلين ببناء المسجد على قبورهم كانوا من المسلمين الموحّدين؟!
الثاني : ما رواه الطبري في تفسير قوله : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ )1 قال : إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أُناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم ، فزاده فرَقاً ورأى أنّه حيران ، فقام مسنِداً ظهرَه إلى جدار من جُدر المدينة ويقول في نفسه : أمّا عشيّة أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قُتل ، أمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف!! ثمّ قال في نفسه : لعلّ هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف2 .
وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحّدة مؤمنة متديّنة بشريعة المسيح ، رغم كونهم على ضدّه قبل ثلاثمائة سنة .
وقال في تفسير قوله تعالى : فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً )3 فقال الّذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) يقول : ربّ الفتية أعلم بالفتية وشأنهم ، وقوله : قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ )

1 . الكهف : 19 .
2 . جامع البيان(تفسير الطبري):9/268ـ269.
3 . الكهف : 21 .

224
يقول جلّ ثناؤه : قال القوم الّذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) .
ثم روى عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال : فقال المشركون : نبني عليهم بنياناً; فإنّهم أبناءُ آبائنا، ونعبد الله فيها ، وقال المسلمون : بل نحن أحقّ بهم ، هم منّا ، نبني عليهم مسجداً نصلّي، ونعبد الله فيه.1

الرأي المسبق يضرب عرض الجدار

إنّ الشيخ الألباني ربيب الوهابيّة ومروّجها ، لمّا رأى دلالة الآية على أنّ المسلمين حاولوا أنْ يبنوا مسجداً على قبورهم ، وكان ذلك على طرف الخلاف من عقيدته ، حاول تحريف الكلم وقال : إنّ المراد من الغالبين هم أهل السلطة ، ولا دليل على حجيّة فعلهم! ولكنّه عزب عن رأيه أنّ البيئة قد انقلبت من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإسلام حسبما نقله الطبري ، وليس القائل ببناء المسجد على بابهم هو الملك ، وإنّما القائل هم الّذين توافدوا على باب الكهف عندما أعثرهم سبحانه على أحوالهم ، وطبع الحال يقتضي توافد الأكثرية الساحقة القاطنين في المدينة على باب الكهف لا خصوص الملك ، ولا وزراؤه ، بل الموحّدون بأجمعهم ، وهوفي هذه النسبة عيال على ابن كثير حيث قال : والظاهر أنّهم أصحاب النفوذ2.

1 . جامع البيان:9/276ـ277. ولاحظ تفسير القرطبي والكشاف للزمخشري وغرائب القرآن للنيسابوري في ذيل هذه الآية .
2 . تفسير ابن كثير :5/ 375 .

225
نحن نفترض أنّهم أصحاب النفوذ ، إلاّ أنّهم نظروا إلى الموضوع من خلال منظار دينهم ومقتضى مذهبهم لا مقتضى سلطتهم .

تقرير القرآن على صحّة كلا الاقتراحين

إنّ الذكر الحكيم يعرض كلا الاقتراحين من دون أيّ نقد وردّ ، وليس صحيحاً قطعاً أن يذكر الله سبحانه عن هؤلاء المحتشدين على باب الكهف أمراً باطلا من دون أيّة إشارة إلى بطلانه; إذ لو كان كذلك كأن يكون أمراً محرّماً أو مقدّمة للشرك والانحراف عن التوحيد ، لنَبّه عليه ولا يمرّ عليه بلا إشارة إلى ضلالهم وانحرافهم ، خصوصاً أنّ سياق الآية بصدد المدح ، وأنّ أهل البلد اتّفقوا على تكريم هؤلاء الّذين هجروا أوطانهم لأجل صيانة عقيدتهم ، غاية الأمر اختلفوا في كيفيّته ، فمن قائل ببناء بنيان عليهم إلى آخر قائل ببناء مسجد .
إنّ القرآن كتاب نزل لهداية الإنسان وتربية الأجيال ، والهدف من عرض حياة الأُمم ووقائعهم هو الاعتبار ، فلا ينقل شيئاً إلاّ فيه عبرة ، فلو كان الاقتراحان يمسّان كرامة التوحيد ، لِمَ سكت عنهما؟!
وهذا ظاهر في مَن تدبّر القرآن الكريم ، وستوافيك بقيّة الكلام عند بيان النتيجة .
ولكن هلمّ معي لنقف على بعض ما قاله محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي (1283-1332 هـ ) الذي كان يصوّر نفسه مصلحاً إسلاميّاً يسعى إلى توحيد كلمة المسلمين ولَمِّ شَعْثِهم ، ومن شروط من يتبنّى لنفسه ذلك المقام الرفيع أن ينظر إلى المسائل من منظار وسيع ،

226
ويستقبل الخلاف بين المسلمين بسعة صدر ، ولكنّه ـ عفا الله عنه ـ يريد توحيد الكلمة في ظلّ الأُصول الّتي ورثها عن ابن تيمية ، فزاد في الطين بلّة ، ويشهد لذلك ما علّقه على عبارة ابن كثير الآتية:
قال ابن كثير بعد تفسير الآية : هل هم كانوا محمودين أم لا؟ فيه نظر; لأنّ النبيّ قال : «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» يحذّر ما فعلوا .
وعلّق عليه القاسمي بالقول : وعجيب من تردّده في كونهم غير محمودين ، مع إيراده الحديث الصحيح بعده المسجّل بلعن فاعل ذلك... والسبب في ذلك أنّ البناء على قبر النبيّ والوليّ مَدعاة للإقبال عليه والتضرّع إليه ، ففيه فتح لباب الشرك ، وتوسّل إليه بأقرب وسيلة . . .1 .
أقول: إنّ القرآن هو الحجّة الكبرى للمسلمين ، وفيه تبيان لكلّ شيء ، وهو المهيمن على الكتب ، فإذا دلّ القرآن على جوازه فما قيمة الخبر الواحد الّذي روي في هذا المجال إذا كان مضادّاً للوحي ، ومخالفاً لصريح الكتاب؟ وإن كانت السنّة المحمديّة الواقعية لا تختلف عنه قيد شعرة ، إنّما الكلام في ما يرويه زيد عن عمرو عن بكر حتّى ينتهي إلى النبيّ ، فإنّ مثله خاضع للنقاش ، ومرفوض إذا خالف الكتاب ، لكن ما ذكره يعرب عن أنّ الأساس عنده هو الحديث لا الذكر الحكيم .
وكان عليه بعد تسليم دلالة القرآن أن يبحث في سند الحديث ودلالته ، وأنّ الحديث على فرض الصحّة ناظر إلى ما كان القبر مسجوداً

1 . محاسن التأويل:11/21.

227
له ، أو مسجوداً عليه، أو كان قِبلة ، ومن المعلوم أنّ المسلمين لا يسجدون إلاّ لله ، ولا يسجدون إلاّ على ما صحّ السجود عليه ، ولا يستقبلون إلاّ القِبلة .
وأعجب منه ما في ذيل كلامه : من أنّه رأى التوسّل بالنبيّ شركاً ، مع أنّ النصوص الصحيحة في الصحاح تدلّ على جوازه ، فقد توسّل الصحابي الضرير بالنبيّ الأكرم حسب تعليمه وقال : اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى.1
وقد اتّفقوا على صحّة الحديث ، حتّى أنّ ابن تيمية ـ مُثيرَ هذه الشكوك ـ اعترف بصحّته وقال : وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبيّ أنّه علّم رجلا يدعو فيقول : . . . ، وقد أوردنا نصوص القوم في كتابنا «في ظلال التوحيد».2
ومَن زعم أنّ هذه التوسّلات أساس الشرك ، فلينظر إلى المسلمين طوال أربعة عشر قرناً; فإنّهم ما برحوا يتوسّلون بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وما عدلوا عن سبيل التوحيد قيد شعرة .
إنّ إنشاء البناء على قبر نبيّ التوحيد تأكيدٌ لمبدأ التوحيد ورسالته العالمية الّتي يشكّل أصلها الأوّل قوله سبحانه : أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )3 .

1 . سنن الترمذي: ج 5، كتاب الدعوات ، الباب 119، برقم 2578; سنن ابن ماجة :1/441، برقم 1385; مسند الإمام أحمد : 4/138 ، إلى غير ذلك من المصادر .
2 . راجع بحث التوسّل في ص 611 من هذا الكتاب .
3 . النحل : 36 .

228
وممّا تقدّم تظهر لنا النتيجتان التاليتان:
1 . جواز البناء على قبور الأولياء والصالحين ودعاة التوحيد فضلا عن النبيّ ، وما ذلك إلاّ لأنّ القرآن ذكر ذلك من دون أن يَغمِص عليه ، وليس القرآن كتاباً قصصيّاً ولا مسرحيّاً للتمثيل ، بل هو كتاب هداية ونور ، فإن نقل شيئاً ولم يغمص عليه فهو دليل على أنّه محمود عنده .
نرى أنّه سبحانه يحكي كيفيّة غرق فرعون ويقول : حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ )1 .
ولمّا كانت تلك الفكرة باطلة عنده سبحانه ، أراد إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد ، فلأجل ذلك عقّب عليه بقوله : ءالاْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )2 .
فالإنسان العارف بالكتاب يقف على أنّه لم يترك على صعيد العقائد أُموراً إلاّ وذكر أوضحها وبيّنها بطرق مختلفة ، ومن تلك الطرق القصص الواردة في الكتاب العزيز; فكلّ ما وقع في الأُمم السالفة وعرض له القرآن، فهو على أقسام ثلاثة : إمّا بيّن الصحة ، أو بيّن البطلان ، أو مردّد بين الأمرين .
وقد يترك البيان في الأوّلين لعدم الحاجة إليه، وأمّا الثالث فلا يتركه إلاّ إذا كان مقبولا لديه .

1 . يونس : 90 .
2 . يونس : 91 .

229
2 . جواز بناء المساجد على قبور الصالحين فضلا عن الأنبياء وجواز الصلاة فيها والتبرّك بتربتها ، فلو كانت الصلاة في المقابر مكروهة، فالأدلّة المرغّبة في الصلاة إلى جِوار قبور الأنبياء والصالحين تُخصّص تلك العمومات; وذلك لأنّ للصلاة في مشاهدهم مصلحة تغلب على المضاضة الموجودة في الصلاة في المقابر المطلقة .

أدلّة الوهابيّين على التحريم

استدلّ الوهابيون على حرمة بناء المساجد إلى جوار قبور الصالحين بالروايات التالية:
1. حكى البخاري في صحيحه: لمّا مات الحسن1 بن الحسن بن علي رضي الله عنهم، ضربت امرأته2 القُبّة على قبره سنة، ثم رُفعتْ، فسمِعُوا صائحاً يقول:«ألا هل وَجَدوا ما فَقَدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا».3
يلاحظ عليه: أنّ هذه الحكاية تدلّ على خلاف ما يرومه الوهابيّون، فإنّها تدلّ على جواز نصب المظلّة وإقامة القبَّة على القبر، ولو كان ذلك حراماً لما صدر من امرأة الحسن بن الحسن(عليه السلام) ; لأنّ عملها كان بمرأى ومسمع من التابعين وفقهاء المدينة، وقد نصبتها لزيارة القبر وتلاوة القرآن عنده، وقاية من الحرّ والبرد وغيرهما.

1 . المعروف بالحسن المثنّى. توفّي نحو سنة (90هـ). الأعلام:2/187.
2 . امرأته، هي ابنة عمّه: فاطمة بنت الحسين(عليه السلام).
3 . صحيح البخاري:1/323، كتاب الجنائز، باب (61)، قبل الرقم1330، وذكرها الشيخ المفيد في الإرشاد:197.

230
وأمّا ما جاء في الحكاية: «فسمعوا صائحاً يقول...» فهو أشبه بقول إنسان غير صالح ; لأنّه نوع من الشماتة، وهي ليست من أخلاق الصالحين.
ومثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر، لأنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة حتى يقال إنّها يئست، بل كان لتلاوة القرآن وغيره.
ثمّ إنّ قول ذلك الصائح المزعوم وجواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ ليس هو من كتاب الله ولا من السنّة الشريفة ولا هو كلام معصوم.
2. روى البخاري بإسناده عن عروة عن عائشة أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً» قالت: ولولا ذلك لاَبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتّخذ مسجداً.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تاريخ اليهود لا ينسجم مع مضمون الرواية أساساً ; لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا التي كانوا يصبّونها على أنبيائهم، كما ذكر ذلك الذكر الحكيم:(لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ).2
فهل من المعقول أنّ أُمّة قتلت أنبياءها في مواطن مختلفة تتحوّل إلى

1 . صحيح البخاري:1/323، برقم 1330.
2 . آل عمران: 181. ولاحظ : آل عمران: 183، والنساء:155.

231
أُمّة تشيّد المساجد على قبورهم تكريماً وتبجيلاً لهم؟!
وثانياً: أنّ الحديث ـ مع افتراض صحّته ـ له معنى آخر، يفسّره ما رواه البخاري عن عائشة، قال: لما اشتكى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أُمّ سلمة وأُمّ حبيبة، أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حُسنها وتصاوير فيها، فرفع(صلى الله عليه وآله وسلم) رأسه فقال:«أُولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنَوا على قبره مسجداً، ثم صوّروا فيه تلك الصورة، أُولئك شرار الخلق عند الله».1
أقول: إنّ هذا الحديث يدل على أنّ نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتعلّق ببناء المساجد على القبور، وإنّما تعلّق بعبادة القبور، وهذا هو الذي فهمه شُرّاح الحديث.
يقول القسطلاني في كتاب «إرشاد الساري»قال القرطبي:وإنّما صوّر أوائلهم الصورَ ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم، ثمّ خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظّمونها، فحذَّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مثل ذلك سدّاً للذريعة المؤدية إلى ذلك. ثم قال: قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، لعنهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأمّا مَن اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه، لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه، فلا

1 . صحيح البخاري:1/326، برقم 1341.

232
يدخل في الوعيد المذكور.1
وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.2
وليس القرطبي والبيضاوي منفردين في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:
«اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً» أي: قبلة للصلاة ويُصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يُصلّون فيها. ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.3
ويقول أيضاً:
يُحذّر (النبي) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.4
ويقول النووي في شرح صحيح مسلم ـ :
قال العلماء: إنّما نهى النبيّ عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية، ولمّا احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في

1 . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 2 / 437 ـ 438، دار إحياء التراث العربي.
2 . لاحظ: فتح الباري:3/208.
3 . السنن للنسائي:2/21، مطبعة الأزهر.
4 . نفس المصدر السابق.

233
مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وصاحبيه، بَنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّي إليه العوام...
ولهذا قالت «عائشة» في الحديث:ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مسجداً.1
2. إنّ مضمون هذا الحديث قد روي بصيغة أُخرى، فروى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة، ومالك بن أنس عن عطاء بن يسار أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال :«اللّهمَّ لا تَجْعَلْ قَبْري وَثَناً يُعْبَد، اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».2
وهذا النهي يدلّ على أنّ أُولئك كانوا يتّخذون القبر قبلة يتوجّهون إليها، أو يتّخذونه صنماً يعبدونه من دون الله سبحانه.
3. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تقول:
«لولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مسجداً».
ونتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أيّ شيء؟!
من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه وأن يتّخذ وثناً يُعبد، وعلى الأقل لا يكون قبلة يُتوجّه إليها.

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ 14.
2 . مسند أحمد: 2 / 246 ; الموطّأ: 118، باب جامع الصلاة، برقم 414.

234
أمّا الصلاة إلى جوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها، سواء أكان هناك حاجز يحجز القبر عن الرؤية أم لا، وسواء أكان القبر بارزاً أم لا، وذلك لأنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون إلى جوار قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حين أنّهم يتوجّهون إلى الكعبة ويعبدون الله تعالى، فوجود الحاجز لم يمنع من هذا كلّه.
وثالثاً: إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المساجد في كلّ المشاهد ـ ماعدا مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مبنيّة إلى جوارها لا عليها، وبشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.
وبعبارة أُخرى: هناك حرم وهناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة والتوسّل إلى الله تعالى بذلك الوليّ الصالح، والمسجد ـ إلى جواره ـ للصلاة والعبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ خارجة عن مفاد الحديث ومعناه ـ على فرض أن يكون مفاده ما يدّعيه الوهابيّون ـ .
ورابعاً: كيف يمكن القول بحرمة بناء المسجد إلى جوار القبر أو كراهتها، في حين أنّنا نرى بأعيننا أنّ مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقع إلى جوار قبره الشريف... فإذا كانت الصحابة كالنجوم ويجب الاقتداء بهم، فلماذا لا يُقتدى بهم في هذا المجال؟ إنّ أُولئك زادوا في المسجد زيادات كثيرة بحيث استقرّ قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في وسط المسجد، بعد أن كان المسجد في الجانب الشرقي من القبر الشريف، وبسبب الزيادات الكثيرة دخل الجانب الغربي من القبر أيضاً في المسجد. فإذا كان بناء المسجد إلى جوار قبور الصالحين حراماً، فلماذا أحدث المسلمون هذه الزيادات فيه من جميع أطرافه؟

235
وخامساً: إنّ بناء المساجد على قبور الصالحين كان سنّة مشهورة في عصور الإسلام المتقدّمة، يقول نور الدين السَّمهودي(المتوفّى 911هـ) في حديث ذكر فيه وفاة السيّدة فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، قال: فلمّا توفيّت خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يُقال له اليوم: قبر فاطمة.1
ويقول السَّمهودي إنّ موضع قبر فاطمة بنت أسد تحوّل بعد ذلك إلى مسجد، ويقول أيضاً: إنّ مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش دُفنا تحت المسجد الذي بُني على قبر حمزة.2
وقد كان ذلك المسجد موجوداً حتّى احتلال الوهابيّين لهذه البقاع المقدّسة، حيث عمدوا إلى هذا المسجد وغيره من المساجد والآثار، فهدّموها بمعاول الحقد والجهل بالمبادئ.
تمّت الرسالة بحمد الله سبحانه

1 . وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى:3/897. تحقيق محمد محيّي الدين.
2 . وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى:3/923 و 936.

236

237
سورة مريم    

سورة مريم

(كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ

238
صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانيَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ

239
مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَل مُبِين * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْني عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْني أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَـنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْني مَلِيًّا * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا

240
يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَ نَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا * أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَـنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنِ الَّتي وَعَدَ الرَّحْمَـنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلاَمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا

241
فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا * وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَ لاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَة أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَـنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا * قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا * وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا * أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاَُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَـنِ عَهْدًا * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا * أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلاَ

242
تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا * يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَـنِ عَهْدًا * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَـنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـنُ وُدًّا * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَد أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا).
سورة مريم: خصائص السورة    

243
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «مريم»; وذلك لأنّ قصّة مريم ذكرت فيها على وجه التفصيل.
وروي عن ابن عباس أنّه سمّاها سورة (كهيعص)، وهكذا جاءت التسمية في أكثر النُّسخ من «صحيح البخاري».1
وأمّا في روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فقد سمّيت بسورة «مريم». روى الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)، قال: «مَن أدمن قراءة سورة مريم لم يمت حتى يصيبه ما يغنيه في نفسه وماله وولده».2

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها تسع وتسعون في عدّ المدني، وثمان وتسعون آية في عدّ الكوفي.
والسورة مكّيّة بشهادة مضامين آياتها، ولم يختلف في ذلك اثنان.

أغراض السورة

استظهر السيد الطباطبائي ممّا جاء في آخر هذه السورة ـ أعني قوله:

1 . صحيح البخاري:3/258، كتاب التفسير، الباب19، دار إحياء التراث العربي. وانظر: عمدة القاري للعيني:19/50.
2 . تفسير نور الثقلين:3/319.

244
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا)1 ـ أنّ غرض السورة هو التبشير والإنذار.2
ويمكن أن يقال: إنّ هذه السورة أشبه بسورة الأنبياء فقد جاءت فيها قصص كلّ من: زكريا، ويحيى، وعيسى، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس.
والغرض أنّه سبحانه اختارهم للنبوّة وخصّهم بنعمة الولاية للتبشير والإنذار، غير أنّ أخلافهم كانوا بين صالح وطالح، والله سبحانه يجزي كلاًّ حسب عمله .
سورة مريم: الآيات 1 ـ 6   

الآيات: الست الأُولى

(كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).

المفردات

زكريا: من ولد النبيّ سليمان بن داود(عليهما السلام).

1 . مريم:97.
2 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:14/6.

245
نادى ربّه: دعاه.
خَفيّاً: لم يسمعه أحد، أو لم يُسمع به أحد.
وَهَن العظم: ضعف ورقّ من كبَر السنّ.
اشتعل: الاشتعال: انتشار شعاع النار. وقوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)من أحسن الاستعارات والمعنى: انتشر الشيب في الرأس، كما ينتشر شعاع النار.1
شقيّاً: محروماً.
الموالي: المولى (في الأصل): مَن وليَ الشيء يليه ولاية، وهو الاتّصال للشيء بالشيء من غير فاصل، وهو على وجوه، منها: الأَولى (وهو الأصل والعماد، الذي ترجع إليه المعاني في باقي الوجوه)، والناصر، وابن العمّ، والمتولّي.2

التفسير

1.(كهيعص):
هذه الآية هي الوحيدة في الحروف القرآنية المقطّعة من حيث التركيب، إذ جاءت الحروف الخمسة فيها كأنّها كلمة واحدة، بخلاف بقية الحروف المقطّعة، فقد جاءت في أوّل سورة الشورى حروف خمسة

1 . التبيان في تفسير القرآن:7/104.
2 . انظر: أقسام المولى في اللِّسان للشيخ المفيد:27، منشورات المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، المجلد الثامن.

246
ولكن بتركيبين، قال تعالى:(حم* عسق).
وأمّا كيفية النطق بهذه الحروف فإنّما ينطق بها موقوفاً عليها، لأنّ كلّ واحد حرف مستقلّ.
وأمّا ما هو المراد من هذه الحروف المقطّعة؟ فهنا أمران:
1. تارة يتعلّق البحث في نفس الحروف المقطّعة في كلّ القرآن، وأنّه سبحانه ماذا أراد بوضع هذه الحروف في أوائل السور؟ وهذا ما درسناه في سورة البقرة وغيرها، وسندرسه بالتفصيل في تفسيرنا لسورة الأحقاف.
2. وأُخرى يقع البحث في ما هي الصلة بين ما صدّرت به كلّ سورة ببعض الحروف وبين بقية آياتها؟
وهذا هو الأمر المهمّ الذي يجب على المفسّرين الاهتمام به وخاصّة بعد أن تيسّر ذلك بواسطة الحاسوب. ولعلّ المستقبل الكشّاف يفصح عن وجه الصلة بين الحروف المقطّعة وبين بقية آيات السورة ومضامينها. ومع ذلك فقد ورد في بعض الروايات بأنّ ما ورد في صدر سورتنا هذه إشارة إلى أسماء الله سبحانه، فعن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، قال: «هذه أسماء الله مقطّعة، وأمّا قوله: كهيعص، قال: الله هو الكافي، الهادي، العالم، الصادق، ذو الأيادي العظام».1
وعن سفيان الثوري، عن الصادق(عليه السلام)، في رواية طويلة، قال: و(كهيعص) معناه: «أنا الكافي الهادي الوليّ العالم الصادق الوعد».2

1 . تفسير القمي:2/22; تفسير نور الثقلين:3/320.
2 . معاني الأخبار للصَّدوق:22، برقم 1، باب معنى الحروف المقطّعة.

247
2. (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا):
الظاهر أنّ قوله:(ذِكْرُ) خبر مبتدأ محذوف، والمصدر بمعنى المفعول، وتقدير الكلام: هذا خبر (رَحْمَةِ رَبِّكَ)، والمراد من رحمة الربّ (عَبْدَهُ)، استجابة دعائه، كما سيأتي. والمراد بعبده ما جاء بعده من قوله: (زَكَرِيَّا).
3. (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا):
لمّا تقدّم في الآية السابقة خبر رحمة الربّ تعالى، جاءت هذه الآية لتذكر ظرف نزولها وقال: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ) بمعنى أنّ رحمة الله كانت عندما نادى ربّه، والنداء: الجهر بالدعوة، خلاف المناجاة، ولكنّه وصفه بقوله: (نِدَاءً خَفِيًّا)، وخفاء النداء يحتمل وجهين:
1. الجهر بالنداء لكن في مكان لا يسمعه أحد، وعندئذ فالنداء بمعناه اللغوي ضد المناجاة، ووصفه بالخفاء لأجل أنّ أحداً من الناس لم يسمعه.
2. أنّه خفَّض صوته حتى لا يسمعه أحد، لأنّه رأى أنّه أدخل في الإخلاص.

من هو زكريا (عليه السلام)؟

لنذكر شيئاً من حياة زكريا، فإنّ ذلك يلقي مزيداً من الضوء على تفسير الآيات.
كان(عليه السلام) من أنبياء بني إسرائيل، ذُكر اسمه في القرآن الكريم سبع

248
مرّات.1 ووردت قصة حياته بشيء من التفصيل في هذه السورة وفي سورة آل عمران. وفيهما مشهدان:
الأوّل: حضانته لمريم(عليها السلام)، ومشاهدة ما يحيطها من كرامات.
الثاني: دعاؤه ـ بعد أن طعن في السنّ ـ أن يرزقه الله سبحانه ولداً، وكانت امرأته عاقراً.
يقول المؤرّخون: إنّه كان لقوفاذ الإسرائيلي بنتان: الأُولى حنّة، كانت عند عمران (وهو من ذرية النبي سليمان(عليه السلام)) فولدت له مريم، والثانية: إيشاع، كانت عند زكريا(عليه السلام)، فولدت له يحيى. وعلى هذا فيحيى بن زكريا ومريم بنت عمران، ابنا خالة.

لماذا طلب زكريا الولد؟

يظهر أنّ هناك باعثين لهذا الطلب:
الباعث الأوّل: يذكر سبحانه حضانة زكريا لمريم(عليها السلام) في سورة آل عمران، حيث قال:(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)2، وأنّه رأى ـ حينما كان يُعنى بتربيتها والقيام بأمرها ـ ، كرامة لها، يحكيها سبحانه بقوله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)3 فهو يجد عندها طعاماً ويعلم أنّه لم يحمله إليها أحد، فعلم أنّه من الله سبحانه، فصار ذلك سبباً لأن يطلب من الله

1 . لاحظ: آل عمران:137 مرّتان، و 38، الأنعام:85، مريم:2 و 7، والأنبياء:89.
2 . آل عمران:37.
3 . آل عمران:37.

249
سبحانه أن يرزقه ولداً مثل مريم، كما يدلّ عليه قوله: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).1
إنّ مشاهدة فضائل مريم السامية وشأنها الرفيع عند الله تعالى، قد ألهبت الشوق في قلب هذا الشيخ الكبير إلى أن يَنعَم بولد مثل مريم في الكرامة عند الله وسمو الشخصية، كما يحكي عنه قوله:(رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).2
الباعث الثاني: وهو ما يظهر من الآيات التالية:
4. (قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا):
وصف زكريا حاله بقوله: (إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي) أي ضَعُف، مع أنّ خصوصية العظم هو الصلابة ووهنه حاك عن هَرَمه وضعف قواه، وإنّما خصّ العظم بالذكر لأنّ ضعفه يلازم ضعف سائر الأعضاء، واستشهد على ذلك بقوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) وأُريد من الرأس شعره، واشتعال الشعر كناية عن انتشار الشيب في شعره، كانتشار لهب النار في الحطب.
ثمّ إنّه ـ بعدما أظهر عجزه وضعفه ـ توسّل برحمة ربه وقال: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا): أي لم أكن بدعائي إيّاك فيما مضى خائباً محروماً، وقد عوّدتني حسن الإجابة فلا تخيِّبني فيما أسألك، ولا تحرمني إجابتك فيما أدعوك. وأمّا ما هو المدعوّ فتذكره الآية التالية:

1 . آل عمران:38.
2 . آل عمران:38.

250
5. (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا):
بعدما وصف طَوْل إحسانه تعالى إليه واستجابة دعوته، ذكر الباعث الثاني لطلبه الولد، وأشار إليه بقوله: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي)والموالي: جمع المولى وأُريد هنا أقارب الرجل من جهة الأب، وإنّما خاف من أن يرثه بنو عمومته. وخوفه منهم دليل على عدم كونهم صالحين. هذا من جانب، ومن جانب آخر ذكر عقم زوجته وقال: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) فصار ذانك الأمران سبباً لأن يطلب من الله أن يهب له سبحانه ولداً خارجاً عن الأسباب الطبيعية، خصوصاً مع كون زوجته عاقراً، فانحصر الطريق بالكرامة، ولذلك قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ). وأمّا الغاية من وجود وليّ له، فهي ما تذكره الآية التالية:
6. (يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا):
الآية تتضمّن أمرين:
الأوّل: أن يرزقه الله سبحانه وليّاً يرثه، ويرث مَن هو من آل يعقوب من الأقارب، ويكون حاجباً لأبناء العمّ عن الميراث.
الثاني: أن يجعله سبحانه ولداً رضيّاً كما قال: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)، وأمّا ما هو المراد من كونه رضيّاً، فهذا ما تفسّره آية أُخرى في موضع آخر، قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)1: أي نظير مريم في الطهارة والتقوى.

1 . آل عمران:38.

251
وبما أنّ قصة زكريا جاءت في سورتين، فإنّه بمقارنة آياتهما يظهر أنّ الداعي لطلب الولد ـ كما ذكرنا ـ أمران:
1. مشاهدة كرامات مريم، كما يدلّ عليه قوله: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيّا)1.
2. خوفه من الموالي من بعده، فقوله:(مِنْ وَرَائِي): أي من بعدي.
وبما أنّ امرأته كانت عاقراً طلب من الله أن يرزقه من لدنه، لأنّ إجابة مثل هذا الطلب تخرج عن دائرة الأسباب الطبيعية.
هذا ما يرجع إلى توضيح الآيات.

ما هو المراد من الوراثة؟

ثمّ إنّ المفسِّرين اختلفوا فيما هو المراد من الوراثة في قوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ).
أقول: لو لم يكن للمفسِّر رأيٌّ مُسبَق إلهاماً واستلهاماً ممّا رواه أبو بكر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» ـ لو لم يكن هذا الرأي المسبق ـ لحكم على أنّ الداعي لطلب الولد أمران:
الأوّل: أنّ ذلك ممّا فطر الله عليه النوع الإنساني، سواء في ذلك الصالح والطالح، والنبيّ وغيره. وكلّ إنسان لولم ينحرف طبعه، ينساق إلى طلب الولد ويرى وجود الولد بعده بقاء لنفسه، والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري، ولا ذمّت هذا الدافع الغريزيّ بل مدحته، وكفى في ذلك قول إبراهيم(عليه السلام): (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)2، وقوله تعالى حكاية

1 . آل عمران:38.
2 . الصافات:100.

252
عن المؤمنين: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن).1
الثاني: الرغبة القويّة لدى عامّة الناس في أن تنتقل ممتلكاتهم بعد موتهم إلى أولادهم. وفي قصة زكريا(عليه السلام)ربّما كانت تجلب إليه أموال من بني إسرائيل، أو تجلب إلى الأحبار، وكان زكريا رئيسهم، فلذلك خاف أن يموت بلا عقب وتقع تلك الأموال بيد الموالي الذين لم يكونوا أُناساً صالحين، فطلب منه سبحانه ولداً يقوم مقامه ويتصرّف في الأموال حسب الموازين الإلهية، ففي تفسير علي بن إبراهيم: لم يكن يومئذ لزكريا ولد يقوم مقامه ويرثه وكانت هدايا بني إسرائيل ونذورهم للأحبار وكان زكريا رئيس الأحبار. الخ.2
وبعبارة واضحة: إنّ قوله: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ) ظاهر في أنّه كان هناك أمر يخاف منه، فلو رُزق الولد لارتفع خوف زكريا، ولو مات بلا عقب لحدث. وعلى ضوء هذا نقول: لو أُريد من الخوف خوف الوراثة، فهذا هو الذي يرتفع مع وجود الولد، إذ أنّ الموالي حينئذ لا يرثونه مع وجود الولد. وهذا بخلاف ما لو أُريد من الوراثة وراثة النبوّة أو العلم أو ما يشبهه، فإنّه ممّا لا يترتّب عليه لو مات بلا عقب، لأنّ النبوّة والعلم ليسا من الأُمور الوراثية، فسواء أكان له ولد أم لا، أوصار ذا ولد أم لا، فهذا ليس ممّا يخاف منه، لأنّ الله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته.
إنّ كثيراً من المفسّرين المتأثّرين بالخبر الواحد الذي رواه أبو بكر يستميتون في إثبات أنّ المراد من الوراثة هي الوراثة في النبوّة والعلم.

1 . الفرقان:74. ولاحظ: الميزان في تفسير القرآن : 14/11.
2 . تفسير القمّي:2/22.

253
والعجب هو غفلتهم عن خوف زكريا الذي يتحقّق مع عدم وجود
الولد، ويرتفع مع وجوده، فما هو هذا الخوف؟ ليس هو إلاّ وراثة المال، وأمّا غيرها فلا يخاف منه سواء أنجب أم لا، لأنّ الله يضع رسالته فيمن له أهليّة.
ثمّ إنّ في كلتا السورتين (آل عمران ومريم) اللتين تحدّثتا عن الموضوع جاء وصف الولد الموهوب بكونه (رَضيّاً) كما في المقام أو (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) كما في سورة آل عمران، فلو كان طلب الولد لوراثة النبوّة والقيادة الدينية لَكان هذا القيد في الطلب أمراً لغواً، لأنّ الأنبياء كلّهم راضون مرضيّون طاهرون مطهَّرون. وتوهُّم كون التقييد لأجل التأكيد، في غير مورده، إذ لا شكّ في النبيّ أنّه يكون مرضيّاً قطعاً.

كلام للسيد الآلوسي

إنّ السيد الآلوسي من المصرّين على أنّ الوراثة ليست وراثة ماليّة، وذكر لتأييد رأيه ثلاثة وجوه:
الأوّل: يقول: ممّا يؤيّد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال، أنّه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلّقات هذا العالم المتغيّر الفاني واتّصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لا سيما جناب زكريا(عليه السلام) فإنّه كان مشهوراً بكمال الانقطاع والتجرّد، فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلَف والحزن والخوف، ويستدعي من حضرة الحق سبحانه وتعالى ذلك النحو من

254
الاستدعاء، وهو يدلّ على كمال المحبّة وتعلّق القلب بالدنيا.1
يلاحظ عليه: بأنّ خوف زكريا من وراثة الأغيار لم يكن لأجل تعلّق نفسه بالمال حتى يقال إنّ الهمم العليا للنفوس القدسية انقطعت من تعلّقات هذا العالم، وإنّما خوفه أن تقع هذه الأموال التي تأتي يوماً بعد يوم بيد أشرار الناس فتُصرف في غير محلّها، ولذلك ورد في سيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يصرف ما يقع تحت يده من الغنائم بأسرع وقت. وليس هذا النوع من الخوف دليلاً على التعلّق بالدنيا ومتاعها، بل دليلاً على ورعه وتقواه، وخشيته من أن تُصرف الأموال في غير جهتها الشرعية.
الثاني: أنّ ذلك لا يُخاف منه، إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر فصرفه على ذمّته صواباً أو خطأ ولا مؤاخذة على الميّت من ذلك الصرف بل لا عتاب أيضاً.2
يلاحظ عليه: بأنّ الإنسان المؤمن شديد الحسّاسيّة من أي شرّ أو ظلم أو فساد يظهر في الناس، ويستشعر المسؤولية بتطهير جوّ الحياة منه، فيعمل على استئصاله من جذوره، أو على تجفيف المنابع التي تمدّه بأسباب القوّة والبقاء والانتشار. وزكريا(عليه السلام) إذ خاف من وقوع الأموال، بعد رحيله عن الدنيا، بأيدي الأشرار، فرضَ عليه إيمانه وتقواه واشمئزازه من المنكر وأصحابه، أن يفكّر في أمر المستقبل، وأن يدبّر له بما يحول بين هؤلاء وبين الأموال التي سوف ينفقونها في السُّبُل البعيدة عن مرضاة الله تعالى. وعلى هذا فالقول بأنّ المال مالهم والوزر عليهم، قول من لم يقف

1 . روح المعاني:16/64.
2 . روح المعاني:16/65.

255
على خصائص النبيّ وعلى ما يحسّه من مسؤولية تجاه ما سوف يملكه الأشرار من الأموال التي بيده.
الثالث: بأنّه كان في إمكان زكريا أن يصرف ما يملك قبل موته ويتصدّق به كلّه في سبيل الله، ويترك بني عمّه الأشرار خائبين.1
أقول: هذا الكلام أغرب من سابقَيه، وهو بمعنى أنّ زكريا كان يعلم بأجله متى يموت، فيتصدّق بماله قبل ذلك بسنة، مثلاً، وقد مرّ أنّ الأموال كانت تجبى إليه وقتاً بعد وقت.
ولعمري إنّ الداعي لنسج هذه الوجوه وصرف الآية عن ظاهرها هو تصحيح ما رواه أبو بكر في هذا المقام، ولولا هذا لما خطر في بال أحد واحدٌ من هذه الوجوه.
وبما أنّ ابن عاشور وقف على الحقّ وقوفاً نسبياً، فقد أنصف في المقام وقال: فقوله: (يَرِثُني) يعني به وراثة ماله. ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن]البصريّ[ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله». والظواهر تؤذن بأنّ الأنبياء كانوا يورَثون، قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)2، وأمّا قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«نحن معشر الأنبياء لا نوّرث ما تركنا صدقة» فإنّما يريد به رسول الله نفسه، كما حمله عمر في حديثه مع العباس وعلي في «صحيح البخاري» إذ قال عمر: «يريد رسول الله بذلك نفسه» فيكون ذلك من خصوصيات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).3

1 . روح المعاني:16/65.
2 . النمل:16.
3 . التحرير والتنوير:16/11ـ 12.

256
أقول: إنّ ابن عاشور وإن اعترف بظهور الآية في الوراثة المالية، لكنّه احتمل أن يكون ما في الرواية من خصائص النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن غفل عن أنّ الرواية ـ على فرض صحّتها ـ تعدّ وراثة المال من خصائص الأنبياء، لقوله فيها: «نحن معشر الأنبياء».
ثمّ إنّ السيد الآلوسي استدلّ على ما تبنّاه برواية الشيخ الكليني، قال: روى الكليني في «الكافي» عن أبي البختري، عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله عنه أنّه قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء»، وذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمَن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظّ وافر».1
أقول: إنّ الآلوسي غفل عن مرمى الحديث ومفاده، فالحديث بصدد بيان أنّه ليس من شأن الأنبياء إيراث ورثتهم أموالاً طائلة وكنوزاً مكتنزة، وإنّما شأنهم التبليغ ومسؤوليتهم الإرشاد والتعليم وقد قاموا بها من خلال أحاديثهم.
وأمّا لو فرض أنّ نبيّاً ما، مات وعنده سجّادة أو إبريق أو عنده عباء وقباء، فهذا لا يورَث؟ فالرواية غير ناظرة إليه.
سورة مريم: الآيات 7 ـ 15   
لو فرضنا أنّ الأنبياء لا يورَثون من غير استثناء، أفليس من واجب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر ذلك على رؤوس الأشهاد أو لا أقلّ من أن يذكره لأولاده وورثته قبل أن يذكره لأبي بكر، حتى لا يحصل نزاع بينهم بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ولذلك نرى أنّ سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام)تحتجّ

1 . روح المعاني:16/64.

257
على أبي بكر في حرمانها من الإرث وتخاطبه بقولها: «يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً؟ أفعلى عَمْد تركتم كتابَ الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا(عليه السلام):(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)».1

الآيات: السابعة إلى الخامسة عشرة

(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا).

1 . تفسير نور الثقلين:3/324.

258

المفردات

غلام: الغلام: الذكر إذا بلغ.
سميّاً: شريكاً له في الاسم، فلم يسمّ أحد بهذا الاسم قبله.
أنّى: استفهام بمعنى كيف.
عِتيّاً: يقال: عتا يعتو، عتوّاً وعتيّاً، نظير عسا يعْسو، عسوّاً وعسيّاً، فهو عات وعاس: يطلق لمَن غيّره طول الزمان إلى حال اليبس والجفاف.1
هيِّن: سهل.
المحراب: هو المسمّى عند أهل الكتاب بالمذبح، وهو مقصورة في مقدَّم المَعبد يُصعد إليها بسُلّم، وعند المسلمين مقام الإمام في المسجد.
أَوحى: الإيحاء: إلقاء المعنى إلى النفس في خفية وبسرعة. وأُريد في المقام: الإيماء إليهم أن يشرعوا بالتسبيح.
بقوّة: بعزيمة وثبات.
الحُكم: لعلّ المراد به الحكمة.
صبيّاً: في حال الصِّبا قبل أن يبلغ الأشدّ.
حناناً: الحنان: التعطّف وحسن النظر على كافّتهم.
تقيّاً: موصوفاً بالتقى.
عصيّاً: صفة مشبهة من العصيان.
سلام: دعاء بالسلامة يقوله الزائر والراحل.

1 . التبيان في تفسير القرآن:7/109.

259

التفسير

7 . (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا):
استجاب الله سبحانه دعوة زكريا وخاطبه بقوله: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ): أي نخبرك (بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا): أي شريكاً في الاسم، فهو المتوحّد بهذا الاسم. وفي هذا تشريف له من وجهين:
1. أنّ الله سبحانه تولّى تسميته ولم يَكِلها إلى الأبوين.
2. أنّه تعالى سمّاه باسم لم يُسبق إليه، ويدلّ ذلك الاسم على فضله.
قال الطبرسي: وقرأ علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد(عليهم السلام): «يرثني وأرث من آل يعقوب لم نجعل له من قبل سميّاً». قال أبو عبد الله]يعني جعفراً الصادق[(عليه السلام): «وكذلك الحسين(عليه السلام) لم يكن له من قبل سَميّ ولم تبك السماء إلاّ عليهما أربعين صباحاً»، قيل له: وما كان بكاؤها؟ قال: «كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء، وكان قاتل يحيى ولد زنا وقاتل الحسين ولد زنا».1
وروى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين(عليه السلام) قال: «خرجنا مع الحسين(عليه السلام)، فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريا، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على الله عزّ وجلّ أنّ رأس يحيى بن

1 . نور الثقلين:3/324، نقلاً عن مجمع البيان: 6 / 398 و 405 في تفسير الآية.

260
زكريا أُهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل».1
نقل الطبرسي للفقرة معنى آخر وقال: قيل: إنّ معنى قوله: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا): أي لم تلد العواقر مثله ولداً، وهو كقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)2: أي مثلاً، عن ابن عباس.(3)
وهذا هو الذي اختاره ابن عاشور وأوضحه بقوله: لم يجئ قبل يحيى من الأنبياء مَن اجتمع له ما اجتمع ليحيى فإنّه أُعطي النبوّة وهو صبيّ، وجعل حصوراً ليكون غير مشقوق عليه في عصمته عن الحرام، ووُلد لأبيه بعد الشيخوخة، ولأُمّه بعد العَقر، وبُعث مبشِّراً برسالة عيسى(عليه السلام)، ولم يكن هو رسولاً، وجُعل اسمه العلم مبتكراً غير سابق من قبله.3
يلاحظ عليه: أنّه لو أُريد ذلك لكان اللازم أن يقول: ولم نجعل له من قبل مثيلاً. وأمّا الاستشهاد بالآية المذكورة فالظاهر أنّ ما فسّر به فهو مفهوم من القرينة، وإلاّ فالسميّ في اللغة هو الاشتراك في الاسم.
8 . (قَالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا):
لمّا سمع نبأ البشارة من الملائكة كما هو ظاهر قوله: (فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى)4، أخذ يسأل ويقول:

1 . نور الثقلين:3/324، نقلاً عن إرشاد المفيد.
2 . مريم: 65 .   3 . مجمع البيان: 6 / 464.
3 . انظر: التحرير والتنوير:16/14.
4 . آل عمران:39.

261
(قَالَ رَبِّ أَنَّى ) كيف (يَكُونُ) يولد (لِي غُلاَمٌ) وهو الذكر من جنس الإنسان (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) لا تلد (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): أي بلغت من كبر السنّ إلى حال اليُبس والجفاف وضعف العظم.
وحاصل سؤاله: كيف يرزق بولد وهو شيخ كبير وامرأته عاقر؟ وسؤاله هذا سؤال تعجُّب واستعلام لحقيقة الحال دون أن يطرأ عليه الشكّ في البشارة، وهو نظير سؤال إبراهيم(عليه السلام) عن كيفية إحياء الموتى، ليطمئنّ قلبه، فأُجيب زكريا(عليه السلام) بالآية التالية:
9. (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا):
في الآية فعلان، فاعل الفعل الأوّل هو الضمير الراجع إلى الملَك المبشِّر، وفاعل الثاني هو الربّ تعالى المذكور في الآية، فقوله: (قَالَ): أي الملَك (كَذَلِكَ): أي الأمر كما وصفت لكن (قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ): أي قدرة الله تعالى فوق ما تتصوّر بشهادة (وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا): أي أنشأتك من العدم ولم تكن شيئاً، فأنا أقدر على أن أرزقك ولداً.

طلب العلامة لحمل امرأته

10. (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا):
إنّ زكريا سأل الله تعالى أن يجعل له علامة يعرف بها وقت حمل

262
امرأته: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً)استعجالاً للسرور واطمئناناً أكثر حتى يقابل هذه النعمة حمداً وشكراً، وأمّا ما هي العلامة فهو كما يقول: (قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا): أي كاملة بأيامها، فجعل الله تعالى العلامة في إمساك لسانه فلم يقدر أن يكلِّم الناس إلاّ إيماءً من غير آفة حدثت فيه. وفي سورة آل عمران قال: (قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّام إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)1. فهذه الآية تدلّ على أنّ لسانه ينطق إذا أراد أن يلهج بذكر الله وتسبيحه، ويحتبس عند الكلام مع الناس، وهذا ما تشير إليه الآية التالية:
11. (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا):
ظاهر الآية أنّه كانت له غرفة خاصّة للعبادة يسبِّح فيها ويصلّي، ثم إنّه يخرج منها في مواقيت خاصّة ليصلّي مع الناس، وهذا هو الذي تذكره الآية، وتقول: (فَخَرَجَ): أي طلع بشهادة تعديته بـ(عَلَى)نظير قوله (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)2، (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ): أي أشار إمّا باليد أو بالعين(أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)ولعلّ المراد: صلّوا بكرةً وعشيّاً.
توضيح الآية رهن بيان أمرين:
1. إنّ زكريا بشّر الأحبار الذين يصلّون معه بكرة وعشيّاً بما أوحى الله إليه من أنّ علامة حمل زوجته هو اعتقال لسانه، وهو قد خرج عليهم

1 . آل عمران:41.
2 . القصص:79.

263
حتى يؤدّي إليهم ذلك ولكي لا يتصوّروا أنّ صمته من صنوف العبادة، حيث كان الصمت في الشرائع السالفة أحد أنواع العبادة كما في قول مريم: (إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)1 بل أنّ صمته كان لاعتقال لسانه فليس عليهم الاقتداء به في ذلك بل عليهم أن يعبدوا الله كما اعتادوا على ذلك.
2. إنّ قوله: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) هل هو بمعنى أذن لهم أن يدخلوا المحراب فيصلّوا معه في محرابه هاتين الصلاتين؟ أو أنّ المراد أن كلاًّ يعبد الله في مكانه في الأيام الثلاثة وزكريا في محرابه والأحبار في معبدهم؟ الثاني هو الأظهر.
يُذكر أنّ قصة ولادة يحيى بمعجزة ربّانية كانت متداولة عند النصارى في عهد الرسالة وقبله، بدليل أنّها جاءت في إنجيل لوقا بتفصيل يتقارب مضمونه مع ما جاء في القرآن، وإليك بعض الفقرات الواردة فيه:
«كان في أيام هيرودُس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا... له امرأة من بنات هارون اسمها أليصابات، وكان كلاهما بارّاً عندالله... ولم يكن لهما ولد لأنّ أليصابات كانت عاقراً، وقد طعن كلاهما في السنّ.
وبينما زكريا يقوم بالخدمة الكهنوتية أمام الله في دَور فرقته، أُلقيت القرعة على سنّة الكهنوت، فأصابته ليدخل مَقْدِس الربّ ويُحرق البَخور، وكانت جماعة الشعب كلّها تصلّي في خارجه... فتراءى له مَلاك الربّ... فاضطرب زكريا حين رآه واستولى عليه الخوف، فقال له المَلاك: لا تخف

1 . مريم:26.

264
يا زكريا فقد سُمع دعاؤك، وستلد لك امرأتك أليصابات ابناً فسمّه يوحنّا، وستلقى فرحاً وابتهاجاً... فقال زكريا للمَلاك: بم أعرف هذا وأنا شيخ كبير وامرأتي طاعنة في السنّ؟ فأجابه الملاك:... ستُصاب بالخَرَس، فلا تستطيع الكلام إلى يوم يحدث ذلك. وكان الشعب ينتظر زكريا، متعجّباً من إبطائه في المَقْدِس، فلمّا خرج لم يستطع أن يكلِّمهم، فعرفوا أنّه رأى رؤيا في المَقْدِس، وكان يخاطبهم بالإشارة وبقي أخرس.1

صفات يحيى كما ذكرها القرآن الكريم

12. (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا):
في الكلام اختصار تقديره: فوهبنا لزكريا يحيى حتى نشأ وآتيناه الفهم والعقل، وعندئذ خاطبناه بالوجه التالي:(يَا يَحْيَى) الظاهر أنّ القائل هو الله سبحانه، ولم يذكر ما ذكرنا من الأُمور لعدم تعلّق الغرض به، قال: (خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة): أي خذ التوراة بكلّ عزيمة وثبات في جانبَي العلم والعمل. والمراد بالكتاب التوراة، ويُحتمل هي وسائر كتب الأنبياء، ويحتمل أن يكون كتاباً خاصّاً به.
ثمّ إنّه سبحانه يصفه بالأوصاف التالية:
1. (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) الظاهر أنّ المراد بالحكم الحكمة لقوله سبحانه: (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)2. ولعلّ

1 . الكتاب المقدّس، العهد الجديد ـ إنجيل لوقا: 186ـ188، الإصحاح الأوّل.
2 . الجمعة:2.

265
المراد من الحكمة العلم بالمعارف الحقّة الإلهية في مجاري العلم والعمل، فالله سبحانه عزّزه وكرّمه حيث أعطاه ذلك العلم وهو صبيّ لم يبلغ الحلم بعد.
وربّما يفسّر الحكم بالنبوّة، وهو بعيد لأنّ الحكم في قسم من الآيات جاء في مقابل النبوّة، قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ).1
روى الكليني عن يزيد الكُناسي عن أبي جعفر الباقر في حديث طويل يقول فيه(عليه السلام): «ثمّ مات زكريا فورثه ابنُه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبيّ صغير، أما تسمع لقوله عزّ وجلّ: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)؟ فلمّا بلغ عيسى(عليه السلام) سبع سنين تكلّم بالنبوّة والرسالة حين أوحى الله إليه، فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين».2
13. (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا):
2. (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا): أي جعلنا في قلبه تعطُّفاً على العباد كافّة. وهذا نظير قوله سبحانه في حقّ نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم): (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)3. قال الراغب: ولمّا كان الحنين متضمّناً للإشفاق، والإشفاق لا ينفكّ من الرحمة، عُبِّر عن الرحمة بالحنان4، فتكون النتيجة: جعلنا فيه

1 . الجاثية: 16.
2 . الكافي:1/382، برقم 1، باب حالات الأئمّة(عليهم السلام) في السنّ.
3 . التوبة:128.
4 . المفردات: 133 ، مادة «حنّ».

266
تحنُّناً على العباد ورقّة قلب عليهم ليدعوهم إلى طاعة الله....
3. (وَزَكَاةً): أي عملاً صالحاً زاكياً.
4. (وَكَانَ تَقِيًّا) التقيّ صفة مشبَّهة من التقوى، وهي الورع عن محارم الله تعالى، وتجنب المناهي المؤدّية إلى عذابه.
14. (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا):
5. (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) البَّر ـ بفتح الباء ـ صفة مشبهة من البِّر وهو الإحسان، أي وكان محسناً ومُكرِماً لوالديه.
6. (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا): أي لم يكن مستكبراً مستعلياً يحمل الناس على ما أراد ولا يتحمّل عنهم.
إنّ الأوصاف الأخيرة: «تقياً، بَرّاً، لم يكن جبّاراً عصيّاً» سيقت لتبيان جوامع أحواله بالنسبة إلى الخالق والمخلوق، فقوله: (وَكَانَ تَقِيًّا) حالُه بالنسبة إلى ربّه، وقوله: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ) حاله بالنسبة إلى والديه، وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) حاله بالنسبة إلى سائر الناس،1 فكان مطيعاً لربّه، بارّاً بوالديه، ناصحاً للناس غير متحكّم بهم بما أُوتي من النبوّة.
15. (وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا).
إنّه سبحانه سلّم على يحيى(عليه السلام) في مواطن ثلاثة:
1. يوم مولده كما قال تعالى:(وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ).

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/21.

267
2. يوم موته، كما قال تعالى:(وَيَوْمَ يَمُوتُ).
3. يوم بَعْثه حيّاً، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)في الآخرة. ولعلّه إشارة إلى كونه من الشهداء لقوله تعالى:(بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)1.
ثمّ إنّ السلام يمكن أن يكون من الله أو من الملائكة. وعلى كلّ تقدير، فهو يدلّ على شرفه وفضله، وقد جاء السلام على نوح وإبراهيم(عليهما السلام)في قوله تعالى: (سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ)2، وقوله:(سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)3.
ولكنّ المسيح(عليه السلام) هو الذي سلّم على نفسه وقال: (وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)4.
وفي نهاية المطاف كانت نهاية حياة هذا النبيّ الصالح التقيّ، أن يُقتل بسيف الظلم، ويُهدى رأسه إلى امرأة بغيّ. ومن أراد أن يقف على قصته تفصيلاً، فليرجع إلى المصادر الحديثية والتاريخية.5

عبر ودروس في قصة زكريا ويحيى(عليهما السلام)

تعطينا قصة زكريا (عليه السلام)دروساً في الحياة، منها:
1. يجب أن لا يقطع الإنسان أمله من رحمة الله حتّى في الظروف

1 . آل عمران:169.
2 . الصافات:79.
3 . الصافات:109.
4 . مريم:33.
5 . انظر: بحار الأنوار:14/163ـ190.

268
القاسية الّتي تنقطع فيها الأسباب والوسائل الطبيعية، لأنّه سبحانه قادر على استجابة دعاء الإنسان وتحقيق حاجته عن طريق غير عاديّ.
2. إنّ الولد وإنْ كان نعمَ العضُد والعَون لأبيه، ولكن ليس كلّ ولد عضداً ومساعداً ومعيناً، بل هو الولد الطيب المرضيّ عند الله كما ورد في دعاء زكريا، حيث قال: (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)وقال: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً). وقد وصف الله سبحانه عباد الرحمن بأنّهم هم الذين يطلبون من الله أن يهبهم ذرية تكون قرّة أعين لهم، كما قال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَ ذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن وَ اجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)1.
3. إنّ الأنبياء يُورثون كسائر الناس ولا وجه لحرمان أولاد الأنبياء من الإرث، فإنّما لا يتوارث أهل ملّتين لا أهل ملّة واحدة كما احتجّت بذلك الزهراء(عليها السلام)عند حرمانها من ميراثها، ولذلك ورث يحيى ما لزكريا من الأموال.
4. إنّ زكريا (عليه السلام)طلب من ربّه ولداً رضيّاً، حتّى يرثه، ويحجب الموالي (بنو عمّه) الذين كانوا ـ كما ورد في الأخبار ـ غير صالحين، عن وراثته .
وهذا الأمر، يدعو الإنسان إلى أن يفكّر في مصير أولاده وأن يهتمّ فيما يتركه من الأموال حتّى لا يسيطر عليها الطالحون فيصرفونها في غير ما يرضي الله سبحانه .
5. يجب أن يكون الرجاء مقترناً مع الخوف، فالرجاء المنفصل عن

1 . الفرقان: 74.

269
الخوف يورث الطغيان، كما أنّ الخوف المجرّد عن الرجاء يوجب اليأس، فالرجاء مع الخوف من العوامل البنّاءة للحياة السعيدة، والخاسر مَن اعتمد على الرجاء وغضّ النظر عن الخوف، وبالعكس.
6. جرت سنّة الله تعالى على أن يخصّ عباده المخلَصين بالمواهب، وهم في مرحلة الشباب أو الكهولة، ولكن ربّما تقتضي حكمته سبحانه أن يؤتيهم المواهب والكرامات وهم في سنّ الطفولة والصِّبا، ويكون لهم شأن خطير في مجتمعاتهم، وقابلية واستعداد على التذكير والتوجيه والإرشاد والقيادة.
ومن هنا لا ينبغي إخضاع أمثال هذه الشخصيات للمقاييس المألوفة لجُلّ البشر، فهم يُنكرون أو يستبعدون توافر هذه المزايا والمؤهّلات في مثل هؤلاء الأشخاص، الذين تستضيء بأنوارهم أُممهم، وهم في عمر كواكب الأسحار، فالله هو الّذي يختار بعلمه من يُجزل له من عطائه، ويفيض عليه من كرمه، و (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)1 .
وقد تجلّى هذا العطاء الإلهي في النبيّ يحيى (عليه السلام)، الّذي آتاه سبحانه الحكم وهو صبيّ، وأضفى عليه من الصفات والسمات، ما جعله سيِّد قومه في علمه وحكمته وأخلاقه، وملاذاً يلجأون إليه في مهمّاتهم وشؤونهم الدينية.
7. إنّ أنبياء الله هم الأُسوة لنا في حياتنا، فالنبيّ يحيى (عليه السلام)كان زاهداً، تقيّاً، مجتنباً للمعاصي، صائناً لنفسه عن ملذّات الحياة الدنيا، مستجيباً لطاعة

1 . الأنعام: 124.

270
الله، منتهجاً شريعته الغرّاء، وفي الوقت نفسه كان بارّاً بوالديه محسناً إليهما، عطوفاً على الناس غير متجبّر عليهم ولا ظالم لهم، وبهذا استحقّ هذه المنزلة الخصيصة عند ربّه، والسيادة على قومه .
8. يستفاد من قصة يحيى (عليه السلام)(من خلال الروايات والأخبار) أنّ أتقى الناس وأشرفهم وأكرمهم عند الله تعالى قد يُقتلون بيد الأشقياء والأشرار، فتُحرم الأُمم من بركاتهم وعطاءاتهم وأنوارهم، بفعل استهتار هؤلاء الظالمين بأرواح الأبرار، وبالقيم والمبادئ الّتي يحملونها ويسعون إلى بثّها ونشرها بين الناس.
فالنبي يحيى (عليه السلام)قد قتله الحاكم الظالم، وأَهدى رأسه إلى إحدى البغايا، استجابة لنزوة تافهة، وحقد أعمى .
وما أشبه الّذي جرى لريحانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الإمام الحسين (عليه السلام)، بما جرى ليحيى (عليه السلام)، إذ قُتل السبط(عليه السلام)بيد أحد الفجرة، وأُهدي رأسه إلى لعين ناكر للوحي والنبوّة على رؤوس الأشهاد، إذ تمثّل يومئذ بأبيات ابن الزِّبَعْرى، وزاد فيها (يزيد) هذا البيت الطافح بالكفر:1
لعبتْ هاشم بالملك فلا *** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
والحديث ذو شجون.
سورة مريم: الآيات 16 ـ 21   

الآيات: السادسة عشرة إلى الحادية والعشرين

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا *

1 . نقل ذلك الباغندي عن ابن عساكر. انظر: أعيان الشيعة: 1 / 616 .

271
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا).

المفردات

انتبذت: اعتزلت وتنحّت.
مكاناً شرقيّاً: شرقيّ بيت المقدس.
حجاباً: ساتراً توارتْ به منهم.
روحنا: هو جبرئيل(عليه السلام).
سويّاً: كامل الخلقة.
أعوذ: أعتصم وألتجئ.
أمراً مقضيّاً: أمراً تعلّق به قضاء الله.

التفسير

16. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا):

272
قوله: (وَاذْكُرْ) عطف على قوله تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) من باب عطف قصة على قصة حيث جاء في الأُولى ذكر ولادة يحيى من أب طاعن في السنّ لا يُرجى منه الإنجاب ومن أُمّ عاقر، وجاء في الثانية ذكر قصة مريم وكيفية ولادة عيسى.
وإنّما قدّم ولادة يحيى على ولادة المسيح، لأنّ خلق الولد من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات، من خلق الولد بلا أب، وأحسن الطرق إلى التعليم والتفهّم الأخذ من الأقرب فالأقرب، مترقّياً من الأصعب إلى الأصعب.1
ثمّ إنّ النوع الثاني من الولادة وإن كان على خلاف المألوف، إلاّ أنّه ليس أمراً محالاً; لأنّ قدرة الله تعالى مطلقة لا يحدّها شيء، وسلطانه نافذ لا يحول دونه شيء. وقد ظهر هذا الاقتدار جليّاً في خلق آدم من تراب من دون أن يكون له أب أو أُمّ، قال سبحانه:(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)2. وسيوافيك تفصيله في فصل العبر والعظات.

الحلقة الأُولى من قصّة مريم

ثمّ إنّه سبحانه ذكر قصّة زكريا بصورة جملة خبرية: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) وأمّا قصة مريم فذكرها بصورة جملة إنشائية وقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ): أي في القرآن قصة (مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا): أي

1 . تفسير الرازي:21/195.
2 . آل عمران:59.

273
انفردت عن أهلها إلى مكان في جهة المشرق وقعدت ناحية منه، وقوله: (انْتَبَذَتْ) من «النَّبْذ» بمعنى الطرح، ومنه بيع المُنابذة، حيث إنّ المعاملة تصير لازمة بطرح الثوب أو الحصاة، والتعبير عن ترك الأهل بالنبذ، كناية عن أنّها خرجت بسرعة إلى مكان يلي جهة الشرق. وأمّا هو المراد من هذا الجانب، فليس في الآية دليل عليه. وأمّا ما هي الغاية من الخروج، فذكروا لها وجوهاً أفضلها: أنّها انفردت عن أهلها إلى ذلك الجانب لتتفرّغ للعبادة وتعتكف لها. ولعلّ هذا المكان، هو الذي يشير إليه قوله سبحانه: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)1،2 وسيأتي الكلام فيه. ولعلّ هذا المكان كان واقعاً في شرق بيت المقدس. وعن ابن عباس: إنّما جعلت النصارى قبلتهم إلى المشرق لأنّ مريم اتّخذت من جهة الشرق موضع صلاتها.3
17. (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا):
الآية تتضمّن بيان أمرين:
1. إنّ السيدة مريم اتّخذت من دون أهلها ستراً وحاجزاً بينها وبينهم.
2. إنّ الروح تمثّل لها بصورة بشر سويّ.
أمّا الأوّل: فاتّخاذ السِّتر، يحكي عن أنّها كانت في مكان لولا السِّتر

1 . آل عمران:37.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 14/35.
3 . التبيان في تفسير القرآن:7/114.

274
لَمَا خلا لها المكان من الأغيار. وهذا يكشف عن أنّ الحادثة لم تقع في محرابها الخاصّ بها الذي كلّما دخل عليها زكريا وهي فيه وجد عندها رزقاً، ـ كما مرّ ـ لأنّه كان مستوراً بالجدران، فلا يحتاج إلى ستر آخر. وتفسير السِّتر بالجدار كماترى، لأنّ المتبادر من اتّخاذ السِّتر، إيجاد السِّتر الذي لم يكن قبل موجوداً، وليس الجدار كذلك، والآية ساكتة في واقع هذا الحجاب، كما هي كذلك في تعيين المكان الشرقيّ، فنسكت ـ تبعاً للقرآن ـ ما لم يدلّ دليل قاطع على المراد.
وأمّا الثاني: أي تمثُّل الروح لها بصورة إنسان سويّ، فهو الذي سبّب لها الرعب والاضطراب، حيث شاهدت أمامها شاباً جميلاً في محلّ خلوتها، فاهتزّت بكلّ وجودها بمشاهدته، فمريم التي يُضرب بها المثل في العفّة والتقوى شعرت بحَرَج الموقف الذي لا ينجو منه إلاّ اللاجئ إلى الله تعالى، ولذلك قالت:
18.(قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا):
لمّا توهّمت أنّ هذا الإنسان المجهول ربّما يريد ما ليس من شأنها، تعوّذت بالرحمن ورحمته العامّة و(قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ) حتى يرتدع هذا الرجل عن نيّته السيئة، وأتمّت كلامها بقولها: (مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)لعلمها بأنّ الاستعاذة لا تؤثر إلاّ إذا كان المستعاذ منه تقيّاً خائفاً من الله، نظير قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)1. كانت السيدة مريم في تلك اللحظات تعيش في أحلك الظروف وأصعبها،

1 . البقرة:278.

275
وكانت تنتظر رد فعل ذلك الإنسان، وهل تَعوّذها بالرحمن يؤثّر فيه فيرتدع عن نيّته السيئة، فإذا ذلك المجهول يُطلق كلامه قائلاً:
19. (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا):
كان لهذا الكلام (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أثر بالغ في تقليل الاضطراب أو القلق الذي أحاط بوجودها كلّه، واطمأنّت إلى أنّ الرجل ليس معتدياً آثماً أو فاجراً زنيماً، وإنّما هو رسول ربّها. ثم إنّه أبان عن وجه حضوره لديها بقوله: (لاَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا): أي أحمل لك من ربّك هبة ربّانية، وغلاماً طاهراً من كلّ سوء، من دون وقاع. وسياق الكلام يدلّ على أنّ السيدة مريم صدّقته في نفسها، وأنّه ليس هناك أمر مريب، ولكنّها انتقلت من قلق إلى قلق آخر، وقالت:
20. (قَالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا):
لقد استغربت من وقوع هذه البشارة ـ كما استغرب زوج خالتها زكريا من قبل ـ و(قَالَتْ أَنّى): أي كيف (يَكُونُ لِي غُلاَمٌ) مع أنّ الطريق إليه أحد أمرين: الزواج (وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ) أو الانحراف (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا)ولم تسمع أُذن الدنيا أنّ امرأة تكون ذات ولد، ولم يكن هناك أي وقاع حلالاً كان أو حراماً.
كانت السيدة تتفكّر في واقع هذه البشارة باضطراب، فإذا برسول الربّ:

276
21. (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا):
تشتمل الآية على فعلين أعني:(قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) فالقائل في الأوّل هو رسول الربّ، وفي الثاني هو الله سبحانه، فقوله(قَالَ كَذَلِكِ)يعني أنّ الأمر واقع كما أخبرتك. ولعلّ المراد أنّ الحقّ ما تقولين حسب العادات، لكن هنا إرادة قاهرة إذا تعلّقت بشيء، فإنّه يوجد بلا ريث ولا تأخير، وهي إرادة الله سبحانه، التي تتعلّق تارة بوجود المسبِّبات غِبَّ الأسبـاب، وأُخرى بتحقّقها بلا سبب عادي (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ): أي سهلٌ لا يشقّ عليّ ذلك، فالله سبحانه لا يمتنع عليه فعل ما يريد خلقه ولا يحتاج في إنشائه إلى الآلات والأدوات والموادّ.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر ما يرتّب على هذا المولود من الآثار والحكم:
1. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) برهاناً ساطعاً على قدرة الله تعالى. وهذا يرجع إلى كيفية خلقه من أُمّ بلا سبب طبيعيّ.
2. (وَرَحْمَةً مِنَّا)للعباد برسالاته التي يبلّغها عن الله تعالى والآيات الجارية على يده. وهذا يرجع إلى وصف المولود.
3. (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) تعلّق به قضاء الله سبحانه. ولعلّ فيه إشارة إلى أنّ الأغراض الإلهية أعظم من أن يحيط بها فهم إنسان.
إلى هنا تمّت الحلقة الأُولى من قصّة مريم، وسيوافيك الكلام في الحلقة الثانية بعد بيان أمرين:
1. ما هو المراد من الرُّوح في قوله: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا)؟

277
2. ما هو المراد من التمثّل في قوله: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)؟

ما هو المراد من الرّوح؟

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ الرُّوح الذي أرسله الله إليها، هو جبرئيل(عليه السلام)بشهادة أنّه سبحانه سمّاه روحاً في قوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ)1، وقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ)2، وسمّاه رسولاً في قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم)3 وقد جاء الوصفان: الرُّوح والرسول في المقام: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا)، (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ).

تبيين حقيقة التمثُّل

أمّا الثاني: أي واقع التمثّل وحقيقته، فالتمثّل مأخوذ من المثول وهو الوقوف أمام شخص أو شيء كمثول العبد أمام مولاه. وأمّا ما هو المراد به من قوله: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، فربما يقال: إنّ جبرئيل(عليه السلام)كان شخصاً عظيماً فكيف صار بدنه في مقدار جثة الإنسان؟ وأجاب عنه الرازي:أنّه لا يمتنع أن يكون جبرئيل(عليه السلام) له أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة، والأجزاء الأصلية قليلة جدّاً، فحينئذ يكون متمكّناً من التشبّه بصورة الإنسان.4
إنّ الإشكال والجواب نابعان عن تصوّر غير صحيح في حقيقة التمثّل، حيث تصوّر أنّ حقيقته عبارة عن انقلاب الملَك عن واقعه

1 . النحل:102.
2 . الشعراء:193ـ 194.
3 . الحاقة:40.
4 . تفسير الرازي:2/197.

278
وصيرورته بشراً واقعاً، وعندئذ تأتي مشكلة صيرورة الجسم الكبير جسماً صغيراً، بل حقيقة التمثّل عبارة عن أنّ الله سبحانه أو الملَك يتصرّف في إدراك المتمثَّل له ويرى صورة إنسان وهو يتكلّم معه من دون أن يكون فيه انقلاب وتحوّل عن واقعه، أو دخول وحلول. والآية لا تدلّ على أزيد من أنّ السيدة مريم شاهدت إنساناً سويّاً أمامها، وهو يتحقّق بالتصرّف في إدراك الإنسان ليرى صورة إنسان سويّ أمامه ويتكلّم كتكلّم الإنسان الطبيعي.
وبهذا يمكن تفسير نزول الملائكة في قصة تمثّلهم لإبراهيم ولوط في صورة الإنسان.1
سورة مريم: الآيات 22 ـ 26   

الآيات: الثانية والعشرون إلى السادسة والعشرين

(فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).

1 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 36 ـ 37. بتصرّف وتلخيص.

279

المفردات

فانتبذت: النَّبْذ ـ كما مرّ ـ هو الرمي، وأُريد تَركُ المَحلّ بسرعة.
قصيّاً: المكان البعيد، أي بعيداً عن مكان أهلها. واحتمال أنّها خرجت إلى البلاد المصرية فارّة من قومها بعيد جدّاً، كيف وهي وحدها ليس معها أحد والمسافة غير قليلة؟!
فأجاءها: ألجأها.
المخاض: وجع الحمل عند تحرّك الجنين للخروج.
نَسْياً: النسي: الشيء الحقير الذي من شأنه أن يُنسى ولا يذكر، وكأنّه مبالغة في النسيان.
سَرِيّاً: السَّرِيّ: النهر الصغير.
هزِّي: الهزّ: تحريك الشيء.
تُساقط: تُسقط.
بِجِذع: الجِذْع: ساق النخلة.
جنيّاً: صالحاً للاجتناء.
صوماً: صمتاً وإمساكاً عن الكلام فقط لا عن الطعام والشراب، بشهادة أكلها وشربها في نفس اليوم، اللّهم إلاّ أن يكون اليومان متعدّداً.
قرّي: من قرّ يقرّ، يقال: قرّ في مكانه إذا ثبت ثبوتاً، وهو كناية عن المسرّة، يقال: أقرّ الله عينك، أي سرّك.

280

التفسير

الحلقة الثانية: حمل مريم ومخاضها

هذه هي الحلقة الثانية من حياة مريم العذراء، حيث إنّها لمّا أحسّت بالحمل وتحرّك الجنين في أحشائها للخروج، اعتزلت عن الناس وتركت مكانها الشرقيّ وغادرته إلى مكان قصيّ بعيد وانفردت به. وعلى هذا فحَبلها كان في مكان شرقيّ قريب، ووضعها للولد في مكان بعيد، يقول سبحانه:
22. (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا):
قوله:(فَحَمَلَتْهُ): أي حملت ما وهب لها رسول ربّها (فَانْتَبَذَتْ بِهِ): أي اعتزلت بسرعة بالذي حملت به (مَكَانًا قَصِيًّا): أي بعيداً، حياءً وخوفاً من أن تُتّهم في عفّتها وشرفها.
وهذا المكان القصيّ الذي وُلد فيه عيسى(عليه السلام)، يراد به، كما في التاريخ المسيحي، بيتَ لحم.1 وهي تقع على بُعد حوالي (8كم) جنوبيّ القدس.
وأمّا كيفية حملها فربّما يقال إنّ جبرئيل نفخ في كمّها، وقيل غير ذلك. وأمّا مدّة حملها ففيه اختلاف كثير، فقيل: ساعة واحدة، وقيل: تسع ساعات وقيل: ستة أشهر. وبما أنّ القرآن سكت عن كيفية الحمل ومدّته فلنسكت عنهما. والذي يمكن استظهاره من الآية هو قلّة الفاصل الزماني بين الحمل والولادة، وذلك بوجهين:

1 . انظر: إنجيل متّى، الإصحاح2، وإنجيل لوقا، الإصحاح 2 (الميلاد).

281
الأوّل: قوله: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) لأنّ الفاء في قوله: (فَانْتَبَذَتْ) يدلّ على عدم الفصل الزماني بين كونها حاملاً والخروج إلى مكان قصيّ، وإلاّ كان اللازم أن يقول: ثمّ انتبذت.
الثاني: ما يستفاد من الآية التالية:
23. (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا):
قوله تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ): أي الجأها وجع الولادة وألم الطَّلْق (إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) لتتّخذه سناداً، ولظهرها عماداً.
إنّ عطف الأفعال الثلاثة: «حملته»، «انتبذت»، «أجاءها» كلّها بالفاء، يدلّ على تسلسل هذه الأُمور بلا فصل بيّن، فلم يكن حملها ووضعها كسائر المواليد. وفي «مجمع البيان»: كانت مدّة حملها تسع ساعات، وهذا مرويّ عن أبي عبد الله(عليه السلام).1
ويؤيّد ما ذكرنا دراسة القصّة من أوّلها إلى آخرها، إذ لو كان حملها ووضعها كسائر المواليد فهاهنا صورتان:
الأُولى: أنّها ـ سلام الله عليها ـ عاشت تلك الفترة غائبة عن قومها وعشيرتها. وهذا ما لا يمكن تصديقه، إذ كيف يمكن افتراض غيبتها عن قومها ولم يكن هناك لقومها أي تفحّص وبحث عن مكانها مع أنّها الدرّة الطاهرة بين بني إسرائيل؟ فهل يمكن تصوّر عدم تحرّي الأحبار عن غيبتها ومكانها؟!

1 . مجمع البيان: 6 / 417 .

282
الثانية: أنّها عاشت تلك الفترة بين ظهرانيهم. وهذا أيضاً بعيد مثل ما تقدّم، لأنّ علائم الحمل تظهر بعد ثلاثة شهور، وحينئذ تثير حالتها الخاصّة وتتعرّض للمساءلة من قومها، مع أنّ ظاهر القصّة أنّ السؤال والجواب لم يكن إلاّ في مدّة قصيرة، بل في يوم واحد.
ويؤيّد ما ذكرنا من كون مدّة الحمل قصيرة، قوله سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)1، ومطلق المماثلة يقتضي كون مدّة الحمل قصيرة، كما هي الحال في خلق آدم، حيث (قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
وعلى كلّ تقدير، ألجأها المخاض إلى جذع النخلة حتى تستند إليه وتضع ولدها، وفي هذه الحالة غمر وجودها تيار من الغمّ والحزن، وأحسّت أنّ اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، وستتوجه إليها سيول الاتّهامات من الناس، فأثقلت تلك الهموم كاهلها وتمنّت و (قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) تمنّت الموت أو شيئاً لا يؤبه به استحياءً من الناس من أن يظنّوا بها سوءاً. روي عن الصادق(عليه السلام): «أنّها لم تر في قومها رشيداً وذا فراسة ينزّهها من السوء ويؤمن بمقالتها».2
فحقّ لها أن تقول: (يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا).
نعم إنّ هذه الحالة لم تدم طويلاً، فالله سبحانه رفع عنها الغمّ، إذ سمعت فجأة نداءً ملؤه الرجاء والسُّرور، وهذا هو الذي تتحدّث عنه الآية التالية:

1 . آل عمران:59.
2 . مجمع البيان:6/477.

283
24. (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا):
مَن هو المنادي؟ هل هو وليدها، أو الرُّوح الأمين؟ يؤيّد الأوّل قوله: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا)، حيث يفيد هذا القَيْد (مِنْ تَحْتِهَا) أنّه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه، مبادرَة للتسلية والبشارة، وتصويراً لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبيّ بأُمّه.1 وقيل: إنّ الرُّوح الأمين كان حين الوضع في أكمة، وكان واقفاً من تحت الأكمة، فناداها من تحتها، والأوّل أظهر.
ثمّ إنّ المنادي ناداها بنداءات ثلاثة:

نداءات ثلاثة توجّهت إلى مريم

1. (أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا): أي لا تغتمّي لهذا الأمر، فقد أجرى ربّك تحت قدميك نهراً صغيراً.
25. (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا):
2. هذا هو النداء الثاني، حيث وجّه نظرها إلى الأعلى، على خلاف النداء الأوّل الذي توجّه فيه نظرها إلى الأسفل، فغمرتها النِّعم من تحتها بوجود العين الجارية لتغتسل وتغسل ولدها، ومن أعلاها إلى الجذع اليابس الذي يفقد الحياة والتمر، فلو هزّته لاجتنت منه غذاءً طيّباً كما قال: (وَهُزِّي إِلَيْكِ): أي حرّكي (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)فإذا هي (تُسَاقِطْ): أي يتساقط (عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) صالحاً للاجتناء، فالماء الجاري تحت رجليها، والرطب

1 . التحرير والتنوير:16/26.

284
الجنيّ فوق رأسها كلّ ذلك لرفع حاجتها، فالنفساء تحتاج إلى الاغتسال عن الدم وإلى التغذية بمادّة سكّرية.1 وأمّا النداء الثالث الذي رفع به قلقها واضطرابها عند لقاء القوم، فسيوافيك عند تفسير الآية التالية.
قال الطبرسي: إنّ الجذع كان يابساً لا ثمر عليه، إذ لو كان عليه ثمر لهزّته من غير أن تؤمر بذلك، وكان في الشتاء فصار معجزة بخروج الرطب في غير أوانه وبخروجه دفعة واحدة، فإنّ العادة أن يكون التمر نَوْراً أولاً ثم يصير بَلَحاً ثم بُسْراً ثم رطباً. وبذلك أتمّ الله نعمته على أمته الصالحة في حملها ومخاضها ووضعها وإروائها من جدول ماء أُجري تحت قدميها، وإطعامها من ثمرة طيّبة في غير فصلها.2
26. (فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا):
سورة مريم: الآيات 27 ـ 37   
فهذه الخطابات الثلاثة أعني قوله: فكلي، واشربي، وقرّي، ليس شيئاً جديداً بل هي عصارة للخطابين السابقين. وحاصل الآية: أنت بين عيش رغيد (فَكُلِي) من الرطب الجنيّ، (وَاشْرَبي) من العين الجارية، (وَقَرِّي عَيْنًا) وطيبي نفساً، ولتقرّ عينك بهذا الولد الذي ترَين.

1 . يحتوي التمر على نسبة عالية من السكريات تزيد على 85% من وزنه الجاف، كما يحتوي على كميات من الأملاح المعدنية والعناصر النادرة، حتى أطلق عليه لقب منجم لغناه بالمعادن. فتناول (100غم) من التمر يمدّ جسم الإنسان بكامل احتياجاته من كلٍّ من المغنيسيوم والمنغنيز والنحاس والكبريت، وبنصف احتياجاته من الحديد، وربع احتياجاته من كلٍّ من الكالسيوم والبوتاسيوم.انظر: الموسوعة العربية العالمية:7/189.
2 . مجمع البيان:6/478.

285
إلى هنا تمّت نعم الله سبحانه في حقّ السيدة مريم العذراء، بقي هنا شيء وهو قلقها واضطرابها من الولد الذي تحمله إلى قومها، وهذا هو الذي عالجه النداء الثالث.
3. (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا): أي إنّك لا تحتاجين للدفاع عن نفسك، فإنّ هناك مَن يدافع عنك ويثبت بوضوح طهارتك من الدَّنَس وعصمتك من الذنب. وأمّا طريق الدفاع فهو: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا): أي إذا رأيت أحداً يسألك عن ولدكِ فعليكِ أن لا تجيبيه إلاّ (فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْمًا): أي نذرت صوم الصمت. وطبع الحال يقتضي أنّها نذرت بعد الأمر (قُولِي) صوم الصمت (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا). ومن المعلوم أنّ سكوتها وصومها عن الكلام لا يدفع عنها سهام التُّهم التي يرشقها بعض أقوامها بها، فلابدّ إذاً أن يكون هناك عامل آخر يثبت طهارتها من الذنب، وهذا هو الذي يأتي في الحلقة الثالثة من قصّتها.

الآيات: السابعة والعشرون إلى السابعة والثلاثين

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانيَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا

286
بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم).

المفردات

فَريّاً: أمراً شنيعاً بذيئاً. وقيل: أمراً قبيحاً منكراً، من الافتراء وهو الكذب.
المهد: الموضع الذي يُهيّأ للصبيّ ويوطّأ له.
الكتاب: الإنجيل.
مباركاً: نفّاعاً للناس.
جبّاراً: الجبّار: المتكبّر العاتي، لا يرى لأحد عليه حقّاً.
شَقِيّاً: الشقيّ: ضدّ السعيد. قال الراغب: إنّ السعادة في الأصل ضربان: سعادة أُخروية، وسعادة دنيوية.1 أمّا الأُولى فهي ثلاثة أضرب: سعادة نفسية، وبدنية، وخارجية. كذلك الشقاوة على هذه الأضرب. والأَولى أن يفسّر السعيد بمن تكون حياته حياة مرضية، والشقيّ من تكون حياته كدرة ومؤلمة.

1 . المفردات للراغب: 264، مادة «شقا»

287
السلام: أي السلام من الله، وهو تكريم الله سبحانه عبده.

التفسير

الحلقة الثالثة من قصة مريم(عليها السلام)

27. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا):

عودتها إلى قومها

أدام الله تعالى نعمته على مريم العذراء بأن رفع عنها معاناة التفكير في الموقف الذي ينبغي أن تتّخذه إزاء قومها في أمرها وأمر ولدها، وكيف تقنعهم بأنّها حملته من دون أن يمسّها بشر، وأنّ ولدها آية معجزة من الحكيم القدير، ولذلك نقرأ في الآيات التالية أنّها حملت ولدها الى قومها من دون اضطراب.
دلت «الفاء» في قوله سبحانه: (فَأَتَتْ بِهِ) أنّها بعد ما كلّمها ابنها1بالخطابات الستة (أَلاَّ تَحْزَني)و (هُزِّي)و (كُلِي)و(اشْرَبي) و (قَرِّي)و (فَقُولِي)، أنّها حملت ولدها بعد تلك الخطابات إلى قومها من دون تأخير، خلافاً لما في إنجيل «لوقا» أنّها بقيت في (بيت لحم) إلى انتهاء واحد وأربعين يوماً2، وهو كماترى، إذ من البعيد أن تبقى الدرّة الطاهرة

1 . لقوله تعالى:(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا)
فضمير الفاعل يرجع للمولود، ويؤيّده هذا التقييد (مِنْ تَحْتِهَا) فإنّه أنسب لحاله عند وضعه.
2 . انظر: إنجيل لوقا، فقرة (تقدمة يسوع لله).

288
في ذاك المحلّ دون أن يطّلع عليها أحد، ودون أن يبحثوا عنها، إذ لم تكن من الجواري المغمورات اللاّتي لا يعتدّ بغيبتهنّ. وعلى كلّ حال، جاءت مريم العذراء بولدها في حال (تَحْمِلُهُ) معلنة به غير ساترة، حيث اطمأنّت أنّها عطيّة ربّانية، فهو يذود عنها ويحفظ كرامتها، وعندئذ واجهت أسئلة لاذعة من قومها (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)شنيعاً ومنكراً.
28. (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا):

إيكال التُّهم إلى مريم العذراء

فتارة اتّهموها بالأمر الشنيع (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)، وأُخرى شرعوا في التوبيخ قائلين: (يَا أُخْتَ هَارُونَ)ومن كانت أُخته، ليس من شأنها أن تفعل ما فعلتِ (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء) فقد كان أبوك مثله في العفّة والتُّقى، وقد فعلتِ ما ليس في شأن أبيك (وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) ولم تكن أُمّك امرأة سوء، فعملك هذا شنيع من جانب، ودون شأن والديك.
ثمّ إنّ المفسّرين اختلفوا في تفسير كونها أُخت هارون، على أقوال:
أحدها: أنّ هارون هذا كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل ينسب إليه كلّ من عرف بالصلاح. عن ابن عباس وقتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقولهم: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) معناه: يا شبيهة هارون في الصلاح، ما كان هذا معروفاً منك.
وثانيها: أنّ هارون كان أخاها لأبيها ليس من أُمّها، وكان معروفاً

289
بحسن الطريقة. عن الكلبي.
وثالثها: أنّه هارون أخو موسى(عليهما السلام) فنُسبت إليه لأنّها من ولده، كما يقال: يا أخا تميم1، أي واحداً منهم.
ويؤيّد بعض هذه الوجوه ما رواه السيوطي عن عدّة من المحدّثين عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون يا أُخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا و كذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله; فقال: «ألا أخبرتهم أنّهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم».2
وحاصل كلامهم: إنّ في ناموس الطبيعة أنّ الولد يتبع والديه في سلوكه وحياته، ومن هنا أخذوا يذكّرونها بأصلها الطيِّب فقالوا معيّرين إيّاها بإتيان هذه الفعلة الشنعاء التي لا تصدر عن سلسلة الطاهرين.
ولمّا أراد القوم الاسترسال في التوبيخ وإيكال التّهم، قطعت السيدة مريم(عليها السلام) عليهم كلامهم، وحالت بينهم وبين ما أرادوا، وذلك بالإشارة إلى ولدها وأنّ في إمكانهم أن يسألوه عن حقيقة الحال.
29. (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا):
امتثلت (عليها السلام) ما أمرها الله سبحانه به وهو عدم التكلّم مع القوم، واكتفت بالإشارة إلى الرضيع (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) ليسألوه عن حقيقة الأمر!! فظنّوا أنّها تهزأ بهم، فاعترضوا عليها و(قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا): أي

1 . مجمع البيان:6/479.
2 . تفسير الدر المنثور: 5/507.

290
أمرُكِ بسؤالنا إيّاه أمر عجيب غير محقّق، إذ لم يعهد تكلّم الصبيّ وهو في المهد. ثمّ إنّ لفظة (كَانَ)في الآية ليست زائدة بل هي منعزلة عن الدلالة على الزمان لما في الكلام من معنى الشرط والجزاء، فإنّها في معنى مَن كان صبيّاً لا يمكن تكليمه. والغاية بيان الملازمة بين الشرط والجزاء سواء أكان في الماضي أو الحال. ثمّ إنّ المراد من المهد فراش الصبيّ وما يمهَّد لوضعه، سواء أكان سريراً أو كان محلاًّ لوضعه فيه، مثل كونه ملفوفاً بالقِماط وموضوعاً في مكان خاصّ من البيت .
ومهما يكن، ففي هذا الموقف العصيب لأُمّه البتول انطلق الصبيّ يكسر حاجز الصمت ويهدم جدران السكوت بكلمات قدسية عرّف فيها نفسه بأجلى بيان، ولم يُبقِ لقائل كلاماً... عرّفها بتعابير سبعة كلٍّ يكرس موقعه وموقع رسالته وطهارة أُمّه، وبذلك سدّ الباب في وجه كلّ غلوّ يتصوّر فيه وفي أُمّه، أو كلّ تفريط يُنسب إليهما، وبهذه الخطابات تجلّى مفاد قوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)1، حيث يعترف بعبوديّته لله، وأنّه ابن الإنسان، وأنّه لا صلة بينه وبين الله سوى كونه ربّاً وهو له عبد. وإليك بيانات الصبيّ المتكلّم بأمر من الله.
30. (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانيَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا):

تكلّم المسيح في المهد دفاعاً عن أُمّه

كشف(عليه السلام) في هذه الآية عن حقيقته بالأُمور التالية:
1. (إنِّي عَبْدُ اللهِ) ابتدأ بالإعلان عن عبوديته لله تعالى، ليدحض

1 . المؤمنون:50.

291
عقيدة الغلاة من النصارى الذين زعموا فيما بعد أنّه ابن الله. فأين خرافة التثليث من الأب والابن وروح القدس؟! أين خرافة الأبوة والبنوّة للمسيح، من الاعتراف بالعبودية: (إنِّي عَبْدُ اللهِ)؟
2. (آتَانيَ الْكِتَابَ) وهو الإنجيل. ولعلّ التعبير بالماضي لأجل كونه أمراً متيقَّناً وأنّه سوف يؤتى الكتاب. 1
3. (وَجَعَلَني نَبِيًّا) إعلام بنبوّته. ولم يقل رسولاً، وإنّما آتاه الله الكتاب والنبوّة، إذ الرسالة عبارة عن تحمّل النبيّ هداية الناس إلى الشريعة الإلهية، وقد تلبّس بها بعدما أصبح شابّاً.
31. (وَجَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا):
4. (وَجَعَلَني مُبَارَكًا): أي محلاًّ لكلّ بركة، والبركة نماء الخير، والمبارك الذي يُنمى الخير به، وكان(عليه السلام) نفّاعاً للناس، ولذا وصف بالمبارك، فصار معلّماً ومؤدّباً.
5. (وَأَوْصَاني بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ) مشيراً إلى تشريعهما في شريعته. والصلاة هي صلة الإنسان بالله سبحانه، والزكاة صلته بالناس، وقد تقارن ذكر الصلاة والزكاة في القرآن الكريم في نيف وعشرين مورداً، وهذا يدلّ على وحدة الشرائع السماوية جوهراً وإن اختلفت شكلاً. وأمّا كيفية العبادتين فربّما تختلف مع ما في الشريعة الإسلامية.

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:14/46.

292
32. (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا):
6. (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي): أي وجعلني مطيعاً محسناً لها. وأين هذا ممّا جاء في إنجيل مرقس: إذ كان يكلّم تلاميذه وجاء حينئذ إخوته وأُمّه ووقفوا خارجاً وأرسلوا إليه يدعونه، وكان الجمع جالساً حوله فقالوا: هو ذا أُمُّك وإخوتك يطلبونك، فأجابهم قائلاً: مَن أُمّي وإخوتي؟! ثم نظر إلى الجالسين ها أُمّي وإخوتي لأنّ من يصنع مشيئة الله هو أُختي وأُمّي».1
وفي إنجيل لوقا: «أُمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلام الله فيعملون بها».2
7. (وَلَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا): أي متكبّراً مستعلياً على الناس يحملهم على ما يريد ولا يتحمّل منهم، ولم يجعلني شقيّاً بالنسبة إلى سائر الناس.
33. (وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا):
هذه التسليمات الثلاث أجراها الله سبحانه على لسانه ليعلموا أنّه محلّ عناية ربّه تعالى. وعلى هذا فاللاّم في السلام إشارة إلى سلام الله، وفيه إيذان لما ستقوم به اليهود إذ طعنوا فيه في الأحوال الثلاثة فقالوا: وُلد من زنا، وقالوا: مات مصلوباً، وقالوا: يحشر مع الملاحدة والكفرة لأنّه في زعمهم كفر بأحكام التوراة.

1 . إنجيل مرقس: 3 / 31.
2 . إنجيل لوقا: 8 / 31.

293
34. (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ):
قوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى ما مرّ من بدء القصة إلى ختامها ومن ولادته إلى ما وصف به نفسه، فما ذكر هو واقع (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) وحقيقته، وأكّد هذا المعنى بقوله: (قَوْلَ الْحَقِّ): أي أقول ذلك قول الصدق، فهو مفعول لفعل محذوف، أي أقول قول الحقّ(الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ): أي يتنازعون أو يشكّون.
هذا، ومع أنّ معجزة كلام عيسى(عليه السلام) في طفولته المبكّرة لم ترد في الأناجيل الأربعة المتداولة إلاّ أنّ بعض الباحثين ذكر أنّها واردة في بعض الأناجيل، ذكر ذلك «فيليب حتّي» في كتابه «تاريخ العرب» المترجم إلى العربية، ص 95، وذكره أيضاً «طاهر التنير» في كتابه «العقائد الوثنية في الديانة النصرانية: ص 141». وممّا ذكره هذا اسم إنجيلين، هما: إنجيل الطفولة، وإنجيل ولادة عيسى، وقال: إنّهما ذكرا خبر كلام عيسى حين ولادته.1
35. (مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ):

تنزيهه سبحانه عن اتّخاذ الولد

الآية إبطال لقول النصارى ببنوّة عيسى، وتتضمّن برهانين:
الأوّل: أنّ الغاية من اتّخاذ الولد هو الاستعانة به في قضاء الحوائج،

1 . انظر: التفسير الحديث لدَرْوزة:3/153.

294
والله سبحانه غنيٌّ عن ذلك. وإليه يشير بقوله: (مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ): أي هو منزّه عن الفقر والعجز.
الثاني: أنّ الولد عبارة عن عزل جزء من وجود الأب يعزل ويربّى تدريجاً حتى يكون ولداً، والله سبحانه أعلى وأنبل من ذلك، فإنّه إذا أراد شيئاً خاطبه بقوله: (كُنْ فَيَكُون) بلا تريّث وإمهال. ولعلّه إلى ذلك يشير بقوله: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وحاصل الكلام: إنّ اتّخاذ الولد لا يناسب قداسة الله سبحانه من جهات شتّى:
1. إذ الولد الحقيقي فرع كون الوالد جسمانياً، ينشأ وجود الولد من وجوده.
2. أنّ اتّخاذ الولد لرفع الحاجة، والله غنيّ بالذات.
3. أنّ اتّخاذ الولد يلازم المحدودية، إلى غير ذلك من التوالي، فالله سبحانه في حاكميّته أجلّ من ذلك كلّه.
36 و 37. (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم):
قوله: (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) هل هو من كلام الله سبحانه أمر به النبيّ أن يقوله، أو هو من قول عيسى(عليه السلام)عطف على قوله: (إنِّي عَبْدُ اللهِ)؟ الظاهر هو الثاني لوجهين:
الأوّل: لورود الآيتين في سورة الزخرف كما قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ هُوَ

295
رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْم أَلِيم).1
الثاني: لورود الآية الأُولى من سورة آل عمران، أعني قوله: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)2. ولعلّ الغاية من التصريح بكونه سبحانه «ربّهم» كما هو «ربّي»، كونه حجّة على الحواريّين وغيرهم ممّن يؤمنون به.
وحاصل الآية: إنّ الخالق هو الربّ، فبما أنّه سبحانه خالق الجميع فهو ربّ الجميع كما قال: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) ثم عطف عليه قوله: (فَاعْبُدُوهُ) شكراً لنعمه، (هَذَا) أي التوحيد في الربوبية والتوحيد في العبادة (صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)، فمَن عدل عن أيّ واحد من المجالين، فقد عدل عن الصراط المستقيم.
إلى هنا تمّ ما تكلّم به عيسى(عليه السلام) في المهد. ولازم التصريح بعبوديته(عليه السلام) ألاّ يختلف فيه أحد بعده، ولكنّهم يا للأسف اختلفوا إلى فرق شتّى كما يقول سبحانه:(فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ) أُريد أحزاب النصارى، وظهور الاختلاف يدلّ على أنّهم كانوا متّفقين على قول واحد في عصر من العصور، ثمّ تسرّب الاختلاف إلى أعقابهم، أمّا فرقهم فكثيرة :

فرق النصارى البائدة والقائمة

قال الشهرستاني: ثم افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبار

1 . الزخرف: 64 ـ 65.
2 . آل عمران: 51.

296
فرقهم ثلاثة: المَلْكانية، والنسطورية واليعقوبية،وانشعبت منها: الإليانية، والبليارسية، والمقدانوسية، والسبالية، والبوطينوسية، والبولية، إلى سائر الفرق.
ثمّ إنّه فصّل في عقائد بعض هذه الفرق فمن أراد التفصيل فيرجع إليه.1
ولكنّ الموجود من هذه الفرق التي تنتمي إليها الأكثرية الساحقة هي ثلاثة:
1. المَلْكانِيّة: وهم الكاثوليك.
2. اليعقوبية: وهم الأُرثوذوكس.
3. الاعتراضية: وهم البروتستانت. والفرقة الأخيرة هي التي أوجدها مارتن لوثر(المتوفّى 1546م) في ألمانيا، فقد أنكر كثيراً من المراسم، ومع ذلك فجميع النّصارى، مع تشتّت مذاهبهم، يتّفقون على بنوّة المسيح(عليه السلام).
ثمّ إنّه سبحانه يهدّد هؤلاء الذين عدلوا عن الصراط المستقيم فيقول:(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم) قوله: (وَيْلٌ) كلمة تهديد للذين كفروا، وأمّا ما هو المهدّد به فهذا ما يشير إليه بقوله: (مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم): أي من شهود يوم عظيم أهواله.
إلى هنا تمّ ذكر قصّة مريم وقصّة ولدها وما تكلّم به وهو في المهد مصرّحاً بعبوديّته لله تعالى وبالتوحيد في الربوبيّة والعبادة، غير أنّ الأحزاب اختلفوا بعد رفعه(عليه السلام).

1 . لاحظ : الملل والنحل: 2 / 265 ـ 266.

297

عبر وعظات

بقي هنا شيء آخر وهو تبيين العبر والعظات وما يتّصل بها من تلك القصّة، وهي كالتالي:

الأُولى: الولادة المعجزة

إنّ ولادة المسيح(عليه السلام) كانت ولادة خارقة للعادة، إذ جرت العادة على تولّد كلّ إنسان من نطفة أمشاج مؤلّفة من حيمن الرجل وبويضة المرأة، غير أنّ حساب الإعجاز يغاير القانون العادي، فالمعجزة عبارة عن خرق القوانين الطبيعية وتحقّق الشيء بدون سبب من أسبابها، فمن أنكر ذلك فقد أنكر قدرة الله سبحانه وخلط بين أمرين: محال عادي، ومحال عقلي. وتولّد الإنسان من دون لقاح، محال عادي وليس بمحال عقلي، كمثل إدخال الجسم الكبير في جوف الجسم الصغير مع الاحتفاظ بحجميهما (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)1.

الثانية: الفرج بعد الشدّة

عند تراكم المحن وتكاثر الغصص تنفتح أبواب الرجاء والنجاة للمؤمنين، وقد تجلّى ما ذكرنا في حياة مريم، حيث إنّها بعد ما تعرّضت لتلك المواقف الصّعبة، انتابها قلق شديد، وتملّكتها الحَيْرة في كيفية مواجهة قومها عندما تحمل عيسى إليهم، إذ لا يمكن إقناعهم بأيّ دليل وبرهان بأنّه وُلد من غير أب، وهنا ـ في هذا الظرف العصيب ـ امتدّت يد

1 . الأنعام:91.

298
الرحمة إلى تلك المرأة القانتة لله، الدائبة على طاعته، لتنقذها من محنتها، إذ أنطق سبحانه مَن يدافع عنها بأفضل البراهين، ذلك هو وليدها الذي يرقد في المهد، حيث انبرى قائلاً: إنّي عبد الله، فهذه الهديّة الربّانية كشفت تراكمَ المحن والغصص عن وجهها القدسيّ.

الثالثة: الأمر بهزّ النخلة

إنّه سبحانه هيّأ كلّ ما تحتاج إليه مريم العذراء عند الولادة حتى أنّ الشجرة اليابسة أثمرت بأمره سبحانه، ولكنّه أمرها بتحريك النخلة لتستفيد من ثمرها، وبذلك أعطى سبحانه درساً تربوياً لها ولعامّة الناس، وهو ألاّ يترك الإنسان السعيَ وهو في أشدّ الحالات وأصعب الأوقات، وأن لا يَكِل كلّ الأُمور إلى الله ويجلس في زواية البيت منتظراً حكم القضاء والقدر.
وهذا المعنى استلهمه بعض الشعراء، فنظمه في هذين البيتين:
ألم ترَ أنّ اللهَ أوحى لمريم *** وهُزِّي إليك الجذعَ يَسّاقطِ الرُّطَبُ
ولو شاء أحنى الجذعَ من غير هزِّه *** إليها، ولكن كلُّ شيء له سَببُ

الرابعة: اجتناء الرُّطب

يستفاد من عدد من الروايات أنّ الرُّطب من أفضل الأغذية للنساء بعد وضع الحمل، فقد روى الكليني بسند رفعه إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ليكن أوّل ما تأكل النفساء الرُّطب، فإنّ الله تعالى قال لمريم(عليها السلام):(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) قيل: يا

299
رسول الله فإن لم يكن أوان (اِبّان) الرُّطب؟ قال: سبع تمرات من تمر المدينة، فإن لم يكن فسبع تمرات من تمر أمصاركم، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: وعزّتي وجلالي وعظمتي وارتفاع مكاني لا تأكل النفساء يوم تلد الرطب فيكون غلاماً إلاّ كان حليماً، وإن كانت جارية كانت حليمة».1
وفي «مجمع البيان» وقال الباقر(عليه السلام):«لم تستشف النفساء بمثل الرُّطب إنّ الله أطعمه مريم».2

الخامسة: صوم الصمت

إنّه سبحانه أمرها بصوم الصمت، بأن تقول للقوم عند الجدال:(إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)3 وحقيقته أن يمتنع الإنسان عن الكلام في المدّة المحدّدة. ويظهر من الآية أنّه كان أمراً معروفاً لدى المجتمع.
نعم هو ممنوع في الشريعة الإسلامية، فقد روى زُرارة عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في حديث: «ولا صمت يوماً إلى الليل». وفي رواية أُخرى: «وصوم الصمت حرام»، إلى غير ذلك من الروايات.4
ولا إشكال في ذلك، لإمكان اختلاف الأحكام لاختلاف الظروف.

1 . الكافي: 6/22، كتاب العقيقة، رقم الرواية 4; نور الثقلين:3/330 برقم51.
2 . مجمع البيان:3/477.
3 . مريم:26.
4 . لاحظ: الوسائل: 10، الباب5 من أبواب الصوم المحرّم والمكروه، الحديث1 و2.

300

السادسة: البِرّ بالأُمّ

إنّ الوليد (المسيح) وصف نفسه بصفات منها قوله:(وَبَرًّا بِوَالِدَتِي)وكأنّ البرَّ بالوالدة من المميّزات الرسالية، وفي نفس الوقت هو من النواميس العامّة. وعلى كلّ تقدير فالإظهار بهذه المزيّة يدلّ على أنّ البرَّ بالوالدة في درجة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وفي الروايات الإسلامية تحريض على تكريم الأُمّ بوجه معجب، وقد عقد الشيخ الحرّ العاملي باباً تحت عنوان: «استحباب الزيادة في برّ الأُمّ على برّ الأب» ونكتفي هنا بنقل روايتين:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) قال: «جاء رجل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله مَن أبرُّ؟ قال: أُمّك، قال: ثم مَن؟ قال: أُمّك، قال: ثمّ مَن؟ قال: أُمّك. قال: ثم مَن؟ قال: أباك».1
2. وروى الصدوق في «الأمالي» عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام) قال: قال موسى بن عمران(عليه السلام): يا ربّ أوصني، قال: أُوصيك(بك ثلاث مرات) قال: يا ربّ أوصني، قال: أُوصيك بأُمّك مرّتين، قال: يا ربّ أوصني، قال: أُوصيك بأبيك، فكان لأجل ذلك يقال: إنّ للأُمّ ثلثي البِرّ، وللأب الثلث».2
سورة مريم: الآيات 38 ـ 40   

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى الأربعين

(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَل مُبِين * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَة

1 . الوسائل: 21، الباب 94 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.
2 . الوسائل: 21، الباب 94 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث4.

301
وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ).

المفردات

أسمعْ بهم وأبصرْ: هما صيغتا تعجّب، وهو تعجّب على لسان الرسول أو المؤمنين، والمعنى: ما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك اليوم، وفيه تهديد ووعيد.
يوم الحسرة: من أسماء يوم القيامة، أي يوم الندامة.
قُضيَ الأمر: أي تمّ أمر الله بزجّهم في العذاب.

التفسير

38. (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَل مُبِين):
لمّا كان الانحراف عن أصل التوحيد مبدأً لسائر الانحرافات، وكان انحراف المسيحيّين عنه إلى نسبة اتّخاذ الولد إلى الله سبحانه من أشدّ مظاهر الانحراف، جاء البيان القرآني يهدّدهم ويقول: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ): أي ما أسمعهم وأبصرهم (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) وقد كانوا قبل ذلك صُمّاً وعُمياناً، ولكن حجاب الغفلة سيزول عن أسماعهم وأعينهم فيسمعون ويبصرون ما كانوا في غفلة عنه (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَل مُبِين) ولعلّ اللام في

302
قوله: (اليَوم) إشارة إلى الحياة الدنيا، والمعنى مع كون الظالمين أسمع وأبصر يوم القيامة (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ): أي في الحياة الدنيا (فِي ضَلاَل مُبِين) على عكس ما سيكونون عليه يوم القيامة إذ ستزول الحجب عن أسماعهم وعن أعينهم. هذا، ويذهب السيد الطباطبائي إلى أنّ اللام في قوله: (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ) للعهد الذهني وهو يوم القيامة، ويقول: إنّ هؤلاء قد رسخت فيهم ملكة الضلال في الدنيا، وانقطعوا عن موطن الاختيار بحلول الموت، فليس لهم إلاّ أن يعيشوا مضطرّين على ما هيّأوا لأنفسهم من الضلال، لا معدل عنه، فلا ينفعهم انكشاف الحقّ وظهور الحقيقة.1
ويؤيّد قولَه وحدة السياق، حيث تكرر اليوم في نفس الآية مرّتين، وأُريد بالأوّل يوم القيامة فيكون قرينة على أنّه المراد بالثاني، ولكنّ الذي يُبعده أنّه تفسير عرفانيّ دقيق بعيد من الأذهان.
39. (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ):

إنذار بعد إنذار

لقد أمر سبحانه نبيَّه أن ينذر الناس جميعاً ويحذّرهم من يوم يتحسّر فيه الظالمون على ما فرّطوا في جنب الله وقال:(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ): أي خوّفْهم هَول يوم الندامة الشديدة الباعثة على التلهّف، فهؤلاء يتلهّفون

1 . الميزان في تفسير القرآن: 14/50.

303
على الفرص التي ضيّعوها، ولم ينتفعوا بها في انتهاج السبيل المؤدّية إلى النجاة والسعادة (إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ) وحُكم على أهل الإيمان والإحسان بالجنّة، وعلى أهل الكفر والعصيان بالنار. وربّما ينادى كلٌّ من الفريقين بالقول التالي «لا خروج من هنا بعد اليوم، ولا موت بعد اليوم». والأسف أنّ الظالمين كانوا في غفلة عن هذا اليوم كما يقول: (وَهُمْ فِي غَفْلَة) عن ذلك اليوم وأحواله وحسراته، وكانوا لا يصدّقون بيوم القيامة والجزاء والحساب.
40. (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ):
كأنّ الآية تسلية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لا يحزن لتكذيب الظالمين، فإنّ مرجع الجميع إليه، لماذا؟ لهذه العلّة:(إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ) فالأرض التي كانت تحت تصرّف الناس تَخرج عن أيديهم بعد هلاكهم، ولم يبق إلاّ خالقها، فيعود إليه التصرّف فيها، حيث لا يملكها غيره سبحانه. وهذا معنى (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ)فالأرض تركة هؤلاء الموتى يرثها الله سبحانه.
بقي الكلام في قوله: (وَمَنْ عَلَيْهَا) فماذا يريد من إرث مَن عليها؟ فإنّ الإرث عبارة عن تركة الميّت (وَمَنْ عَلَيْهَا) صاروا موتى لا تركة حتى يرثهم الله سبحانه ولذلك أوجد عطف (وَمَنْ عَلَيْهَا) على (الأَرْضَ)إبهاماً في الآية. فالأَولى أن يقال: إنّ المراد من الوراثة هو أنّه سبحانه يميتهم ويخرب ديارهم وأنّه يفني أجسادهم ويفني الأرض ويذهب بها.1
قال السيد الطباطبائي بعد ذكر الإشكال في عطف(وَمَنْ عَلَيْهَا)على

1 . تفسير الكشّاف: 2/279.

304
(الأَرْضَ): ويمكن أن نحمل الآية على معنى أدقّ من ذلك، وهو أن يراد أنّ الله سبحانه هو الباقي بعد فناء كلّ شيء فهو الباقي بعد فناء الأرض يملك عنها ما كانت تملكه من الوجود وآثار الوجود، وهو الباقي بعد فناء الإنسان يملك ما كان يملكه كما قصر الملك لنفسه في قوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)1 وقوله: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا)2. ويرجع معنى هذه الوراثة إلى رجوع الكلّ وحشرهم إليه تعالى فيكون قوله: (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)عطف تفسير وبمنزلة التعليل للجملة الثانية أو لمجموع الجملتين، بتغليب أُولي العقل على غيرهم، أو لبروز كلّ شيء يومئذ أحياء عقلاء. وهذا الوجه أسلم من شبهة التكرار اللازم للوجه الأوّل، فإنّ الكلام عليه نظير أن يقال: ورثت مال زيد وزيداً.3
ولله دَرُّ الشاعر، حيث يقول:
سورة مريم: الآيات 41 ـ 50   
سَتَدْرُسُ4 آثارٌ وتُعقِبُ حسرةً *** ستخلُو قصورٌ شُيِّدتْ وحُصونُ
نَصون فلا نبقى ولا ما نصونُهُ *** ألا إنّنا، للحادثات، نصونُ
وكم عِبرة للناظرين تكشّفتْ *** فخانت عيونَ الناظرين جفونُ

1 . غافر: 16.
2 . مريم: 84 .
3 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 51.
4 . دَرَس: امّحى.

305
نرى، وكأنّنا لا نرى كلّما نرى *** كأنّ مُنانا للعيون سُجونُ
وكم من عزيز هان من بعد عزّة *** ألا قد يَعِزُّ المرءُ ثم يَهونُ
ألا رُبّ أسباب إلى الخير سهلة *** وللشرّ أسبابٌ، وهنّ حُزون12

الآيات: الحادية والأربعون إلى الخمسين

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْني عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْني أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَـنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْني مَلِيًّا * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا *

1 . الحزون: جمع حَزْن، وهي الأرض الغليظة الصلبة.
2 . ديوان أبي العتاهية:381.

306
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا).

المفردات

اذكر في الكتاب: أي اتْلُ (من التلاوة).
صدّيقاً: مبالغة في الصدق، لم يكذب قطّ.
سويّاً: مستقيماً ليس فيه اعوجاج. شبّه الاعتقاد الموصل إلى الحقّ بالطريق المستقيم الموصل إلى المقصود.
وليّاً: الوليّ: الصاحب و التابع، فكنّى بالولاية عن المقارنة في المصير.
أراغب أنت عن آلهتي: أي أكاره أنت لها ومعرض عنها.
لأرجمنّك: الرَّجم: الرمي بالحجارة.
واهجرني: الهَجْر: قطع المعاشرة.
مَليّاً: طويلاً، وهو وصف لموصوف محذوف أي هَجْراً مليّاً.
حَفِيّاً: الحَفِيّ: الشديد البِرّ والإلطاف، يقال: حَفيَ به إذا اعتنى بإكرامه.
شقيّاً: خائباً في السعي.
لسان صدق: أي ثناء حسناً. قال الشريف الرضي: المراد بذكر اللسان هاهنا ـ والله أعلم ـ الثناء الجميل الباقي في أعقابهم والخالف في آثارهم، والعرب تقول: جاءني لسان فلان، تريد مدحه أو ذمّه، فلمّا كان مصدر

307
المدح والذمّ عن اللسان، عبّروا عنهما باسم اللسان، وإنّما قال سبحانه: (لِسانَ صِدق)إضافة اللسان إلى أفضل حالاته وأشرف متصرّفاته، لأنّ أفضل أحوال اللسان أن يخبر صدقاً أو يقول حقّاً.1

التفسير

القصّة الثالثة

مناظرة إبراهيم(عليه السلام) مع آزر

إنّ مناظرة إبراهيم(عليه السلام) ـ وهو فتى يافع ـ مع أبيه آزر2 وهو كبير الأُسرة تعدّ من ألطف المناظرات، لأنّها جاءت في إطار خاص استلزم أُسلوباً في الحوار ينسجم مع الإرادة الإلهية من جهة ومع العلاقة الأُسرية والارتباط العاطفي من جهة أُخرى.
ترى أنّه يخاطب رئيس الأُسرة وهو من أشدّ المتشدّدين في الوثنية، مرّة بعد أُخرى ويقول:
1. (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ).
2. (يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَني مِنَ الْعِلْمِ).
3. (يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ).
4. (يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَـنِ).

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:114ـ 115.
2 . سوف يوافيك أنّ آزر كان عمّه أو جدّه لأُمّه، ولم يكن أباً حقيقياً.

308
ولمّا عجز آزر عن الحوار معه وردّ الحجج التي يلقيها عليه، هدّده بالهجر، ولكنّ إبراهيم قابله بقوله:
5. (سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي).
هكذا كانت سيرة الأنبياء يقابلون العتاة الطغاة بألطف العبارات وأعطفها .
إذا عرفت ذلك، فلنشرع في تفسير الآيات:
41. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا):
كانت الوثنية قد غطّت بيئة بابل على نحو كان أقرب الناس إلى إبراهيم(عليه السلام)، وثنياً مدافعاً عنها بشدّة. ولعلّ من سنن الله تبارك وتعالى أن يُخرج داعية التوحيد من وسط أحضان الوثنية، وكان اللازم عليه أن يبدأ بنشر التوحيد في عقر داره، وأن يُرشد إليه أقرب الأفراد المنتمين إليه، وهو أبوه آزر.
ناظر إبراهيم أباه آزر في موقفين:
الأوّل بشكل انفرادي، والثاني بحضور قومه المشركين معه، فالآيات المتقدّمة ناظرة إلى الموقف الأوّل إذ لا نرى فيها ذكراً لقومه. وقبل أن يبدأ القرآن بذكر الحوار قدّم تعريف إبراهيم ووصْفَه، فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ)وصْف (إِبْرَاهِيمَ) وأنّه كان جامعاً بين أمرين كما يقول:(إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) لم يكذب قطّ (نَبِيًّا) طرَفاً لكلامه سبحانه ووحيه.
وأين قوله سبحانه:(إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) لم يكذب قطّ، مع ما نسبه إليه أبو هريرة من أنّه كذب ثلاث كذبات؟! فقد روى مسلم في صحيحه

309
بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لم يكذب إبراهيم النبيّ(عليه السلام)قط إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله: (إنّي سَقِيمٌ)1، وقوله:(بَلْ
فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا)
(2)، وواحدة في شأن سارة... إلى آخر الرواية.2
ونحن لا نعلّق على هذه الرواية إذ في متنها ما لا ينسجم مع مقام النبوّة، مع ما في الأُكذوبة الثالثة ممّا لا يصدر عن إنسان مهتمّ بناموسه، فكيف يصدر عن أبي الأنبياء الذي وُصف في القرآن بخمسة عشر وصفاً لم يوصف بها غيره من سائر الأنبياء؟! وإلى الله المشتكى.
42. (إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْني عَنْكَ شَيْئًا):
اعتمد إبراهيم في نقد عمل آزر وإثبات بطلانه تارة على إثارة الفطرة، وأُخرى على إثارة العقل بقضايا واضحة تتمثّل بما يلي:
1. أنّ العبادة لغاية التقرّب من المعبود وهو فرع التفاته إلى عمل العابد وعلمه به. ومن المعلوم أنّ الأصنام لا تسمع ولا تبصر، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى (إِذْ قَالَ لاَِبِيهِ يَا أَبَتِ) التاء في أبت نابت مناب الياء (لِمَ تَعْبُدُ) وتخضع أمام (مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْني عَنْكَ شَيْئًا).
43. (يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْني أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا):

1 . الصافات: 89 .   2 . الأنبياء: 63 .
2 . صحيح مسلم:7/98، باب من فضائل إبراهيم الخليل(عليه السلام).

310
2. أنّ سلوك الطريق الصحيح في العبادة للوصول إلى ساحل النجاة لا يحصل إلاّ من خلال العلم بهذا الشأن، وقد خصّه الله به من دون آزر، ومن هنا كان على آزر أن يتّبعه، ولا يضيق صدره بذلك. وهذا ما خاطب به أباه بقوله: (يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) و اللازم على هذا ما يقول: (فَاتَّبِعْني أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) معتدلاً موصلاً لك، إلى المقصود المطلوب.
44. (يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيًّا):
3. أنّ عبادة الأصنام تعبير آخر عن عبادة الشيطان وإطاعته، حيث إنّه يغوي الناس بالأمر بعبادة الأصنام، فعليك ألاّ تتَّبع الشيطان كما قال: (يَا
أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ
)
ولا تطعه (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـنِ عَصِيًّا): أي
عاصياً.
45. (يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَـنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا):
4. أنّ إبراهيم يخوّف آزر من أن يمسّه عذاب الرحمن بعد ما تبيّن له الحقّ، وأنّ الله هو المستحقّ للعبادة، وأنّ عبادة غيره طاعة للشيطان ودخول في ولايته وخروج عن ولاية الله، كما قال:(يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَـنِ): أي من جهته سبحانه لإصرارك على الكفر (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا): أي تابعاً ولاحقاً بالشيطان باللّعن والخذلان، ومن

311
ثمّ تكون له قريناً في النار.
46. (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْني مَلِيًّا):
بالرّغم من البراهين الواضحة التي ساقها إبراهيم(عليه السلام) في حواره مع أبيه آزر، لكنّ الأب ـ للأسف ـ لم يتأثّر بكلامه بل أصرّ على موقفه وهدّد إبراهيم بالرَّجم وأمره بالابتعاد عنه فترة طويلة و:(قَالَ أَرَاغِبٌ): أي أمُعرض (أَنْتَ عَنْ)عبادة (آلِهَتِي) التي هي الأصنام (يَا إِبْرَاهِيمُ)؟ ثم هدّده بقوله: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ): أي لم تترك كلامك حول الأصنام (لاََرْجُمَنَّكَ)بالحجارة (وَاهْجُرْني مَلِيًّا): أي فارقْني دهراً طويلاً. هذا هو منطق ذلك الرجل الطاغي، وأمّا ما هو موقف إبراهيم الحليم فهو ما يذكره سبحانه.
47. (قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا):
لم يقابل إبراهيم هذا الأُسلوب العنيف لأبيه بمثله، بل واجه الموقف انطلاقاً من مسؤوليته كنبيّ واع لدوره، فأظهر المرونة والعطف والرفق به من جهة، حيث (قَالَ) له: (سَلاَمٌ عَلَيْكَ) سلام توديع وهجر على ألطف الوجوه (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) وهذا أيضاً لطف آخر في مقابل تشدّده (إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا): أي بارّاً لطيفاً رحيماً، وأبدى، من جهة أُخرى، موقفاً صارماً من الآلهة المزيّفة وعَبَدتها، كما يدلّ عليه قوله:
48. (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا):

312

اعتزال إبراهيم قومه ومغادرته إلى فلسطين

بما أنّه أحسّ أنّ البيئة غير مستعدّة لنشر الدعوة أخبر آزر ومَن على دربه قائلاً: (وَأَعْتَزِلُكُمْ): أي أتنحّى عنكم جانباً، (وَ) أعتزل (مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي): أي أعبده وحده تعالى (عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي): أي راجياً أن لا أكون بسبب عبادة ربّي(شَقِيًّا): أي خائباً. وفيه تعريض بعبّاد الآلهة المزعومة بأنّهم أشقياء.
49 . (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا):
لمّا تحدّث إبراهيم (عليه السلام)عن أنّه سوف يعتزل المشركين وآلهتهم المكذوبة، وقال: (اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ)جاء البيان القرآني لتبيين واقع الاعتزال وقال: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ): أي فارقهم وهاجرهم إلى الأرض المقدّسة فالله سبحانه جزاه بجزاء أوفى وهو أن النبيّ إبراهيم (عليه السلام)لم ينجب إلى يومه هذا فصار جزاؤه ما يقول: (وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ)ولداً (وَيَعْقُوبَ)ولد الولد (وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا)يقتدى به في الدين.
50. (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا):
قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ): أي لإبراهيم ولولديه إسحاق ويعقوب (مِنْ رَحْمَتِنَا) ما هو المراد من هذه الرحمة وقد جاءت مبهمة وهي غير النبوّة لما مرّ من جعلهم أنبياء؟
يحتمل أن يراد بها نعم الدين والدنيا. وقال السيد الطباطبائي: ولعلّ

313
المراد جعلهم أئمة يهدون بأمر الله، قال سبحانه:(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا).1
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق): أي جعلنا لهم ثناءً حسناً في الناس (عَلِيًّا) مرتفعاً سائراً في الناس. ويشهد لذلك أنّ أتباع عامّة الشرائع يتولّون إبراهيم وذرّيته ويثنون عليهم ويدّعون أنّهم على دينهم، وقد اشتهرت في أعصارنا الأديان الإبراهيمية مكان الشرائع الإبراهيمية، وكلٌّ يدّعي الانتماء إليه.
يقول الشريف الرضيّ: إضافة اللسان إلى الصدق لأنّه من أفضل حالاته وأشرف متصرّفاته.2
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أَلاَ وَإِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لاَ يَحْمَدُهُ».3

كلام في أُبوّة آزر

ربّما يتبادر من خطاب إبراهيم(عليه السلام) لآزر بقوله: (يَا أَبَتِ) أنّه كان والده، إذ لا شكّ في أنّه إذا أُطلق الأب يتبادر منه الوالد بالمعنى الحقيقي، ولكن في الآيات الواردة حول استغفار إبراهيم لأبيه آزر دليل قاطع على أنّه لم يكن أباً حقيقياً بل كان من أقربائه. والدليل على ذلك أنّه(عليه السلام) تبرّأ من آزر أيام إقامته في بابل، وهي أيام شبابه كما قال سبحانه:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ

1 . الأنبياء: 72 ـ 73.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 115. بتصرف يسير.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 120.

314
إِبْرَاهِيمَ لاَِبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)1 هذا من جانب، ومن جانب آخر نجد إبراهيم (عليه السلام)بعد ما طعن في السنّ ورُزق بولدين صالحين أخذ يدعو لوالديه بالمغفرة ويقول: (الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)،2 ويُفهَم من هذا أنّ المستغفَر له في أيام شيخوخته غير المتبرَّأ منه في أيّام شبابه، وعندئذ فالذي سمّي بالأب، هو غير الذي دعا له في أُخريات حياته وسمّاه بالوالد.
وهذه قرينة واضحة على أنّ تسمية آزر بالأب، إنّما هي لوجود صلة قوية بينه وبين إبراهيم(عليه السلام)ككونه عمّه أو جدّه لأُمّه، فقد دعا له بالمغفرة ثم تبرّأ منه. وسيوافيك تفصيل المقام في سورة الممتحنة.

القصة الرابعة

قصة موسى وهارون

سورة مريم: الآيات 51 ـ 53   

الآيات: الحادية والخمسون إلى الثالثة والخمسين

(وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ

1 . التوبة:114.
2 . إبراهيم:39ـ 41.

315
رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا).

المفردات

مُخلَصاً: المُخلَص: هو الذي أخلصه الله لنفسه فلا نصيب لغيره تعالى فيه لا في نفسه ولا في عمله وهو أعلى مقامات العبودية.1 ويمكن أن يقال: إنّه عبارة عمّن خرج عن طاعة النفس والهوى إلى طاعة الله سبحانه تماماً، فالعبد أخلص لله سبحانه والله استخلصه فصار عبداً خالصاً. ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)2، وفي آية أُخرى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي)3.
الطُّور: جبل بين بلاد الشام ومصر، ويقال له طور سَيناء.
الأيمن: هل هو صفة الطور أو صفة الجانب؟ لا يظهر من الآية شيء، ولكن يدلّ ما ورد في سورة طه أنّه صفة للجانب قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ)4 فكون الأيمن منصوباً دليل على أنّه وصف للجانب المنصوب مثله. قيل:المراد من الجانب الأيمن ناحيته السُّفلى، ووصفه بالأيمن لأنّه الذي على يمين مستقبلي مشرق الشمس، لأنّ جهة مشرق الشمس هي الجهة التي يضبط بها البشر النواحي5

1 . الميزان في تفسير القرآن: 14/63.
2 . طه:41.
3 . الأعراف:144.
4 . طه:80.
5 . التحرير والتنوير:16/55.

316
نجيّاً: أي مناجياً مكلّماً لله بلا واسطة.

التفسير

51.(وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا):
خصّ سبحانه قصّة موسى بالذكر بعد ذكر قصة إبراهيم وولديه ; لأنّه أشرف نبيّ من ذرّية إبراهيم أو من ذرّية إسحاق ويعقوب، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ): أي اتلُ في القرآن النبيَّ (مُوسَى). وذكر من صفاته أُموراً ثلاثة:
1. (إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) وقد مرّ أنّ الفعل (كان) مجرّد عن الزمان، وعرفتَ معنى المخلَص وهو خلوصه من كلّ شيء يدفعه إلى غير عبودية الله.
2 و 3.(وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا): اشتهر بين المفسّرين أنّ الرسول بالمعنى الشرعي أخصّ من النبيّ، لأنّ الرسول هو المرسل بوحي من الله ليبلِّغ إلى الناس فلا يكون إلاّ نبيّاً، وأمّا النبيّ فهو المنبَّأ بوحي من الله ولو لم يؤمر بتبليغه، فإذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبيّ وليس رسولاً.1

الفرق بين النبيّ والرسول

وما ذُكر هو خيرة عدّة من المفسّرين، ولكن يرِدُ عليه أنّ المعيار في

1 . التحرير والتنوير:16/54.

317
مقام التعريف هو الترقّي من العالي إلى الأعلى، فلو كان مقام الرسالة أشرف من مقام النبوّة كان اللازم في مقام الإطراء هو تأخير الرسول عن النبيّ مع أنّا نرى تأخير النبيّ عن الرسول في المقام ومقام آخر. والذي يمكن أن يقال هو أنّ النبوّة متقوّمة بالاتّصال بالله والإنباء عنه ونزول الوحي إلى مَن يسند إليه منصبها بأحد الطرق المذكورة في الآية (51) من سورة الشورى. وأمّا الرسالة فهي متقوّمة بتحمّل الرسول إبلاغ كلام من المرسل إلى المرسل إليه، وليس في مفهوم الرسول المصطلح أنّه يوحى إليه وأنّه منبئ عن الله، إذ ربّما يكون رسولاً من جانب إنسان إلى إنسان كما قال:(فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ)1. وعلى هذا فالنبيّ عبارة عن الإنسان الموحى إليه من ناحيته سبحانه، وأمّا الرسول فليس في صميم معناه سوى أنّه مأمور بتبليغ أمر أو إنفاذ عمل من الله أو من غيره، ولذلك نرى أنّه سبحانه عندما يذكر أوصاف الأنبياء يقدّم الرسول على النبيّ في المقام وفي قوله:(إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا)2.
هذا خلاصة ما اخترناه في الفرق بين الرسول والنبيّ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «مفاهيم القرآن».3
52.(وَ نَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا):
بعد أن وصفه سبحانه بالإخلاص والرسالة والنبوّة، ذكر الموضع

1 . يوسف:50.
2 . مريم:54.
3 . لاحظ: مفاهيم القرآن: 4 / 343 ، بحث حول النبيّ والرسول في القرآن الكريم .

318
الذي أوحى فيه إلى موسى بقوله: (إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)1، وهذا الموضع حدّده بقوله:(وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ): أي الجانب الأيمن من الطُّور، وهو الجانب الغربيّ منه. هذا، وبين النداء (وَنَادَيْنَاه)الدالّ على الجهر بالصوت لإسماع البعيد، وقوله: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)الدالّ على المحادثة السرّية، نوع تقابل، فكيف يتمّ الجمع بينهما؟ لعلّ وصفه بالمناجاة لأجل أنّه ما اطّلع عليه أحد وإن كانت المحادثة بصورة المناداة. وللسيد الطباطبائي بيان آخر يقول: الظاهر أنّ تقريبه(عليه السلام)كان تقريباً معنوياً وإن كانت هذه الموهبة الإلهية في مكان وهو الطور ففيه كان التكليم، ومثاله من الحسّ أن ينادي السيّدُ العزيز عبدَه الذليل فيقرّبه من مجلسه حتى يجعله نجيّاً يناجيه، ففيه نيل ما لا سبيل لغيره إليه.2
روى الترمذي بإسناده عن الأجلح، عن أبي الزّبير، عن جابر قال: دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما انتجيته، ولكنّ الله انتجاه».3
سورة مريم: الآيتان 54 و 55   
وروى نحوه محمد بن الحسن الصفّار بإسناده عن معاوية بن عمّار]الدُّهني[، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري.4
53. (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا):

1 . القصص:30.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 16/63.
3 . سنن الترمذي:1065، برقم 3747، باب مناقب علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)(وفيه: ومعنى قوله:«ولكنّ الله انتجاه»: إنّ الله أمرني أن أنتجي معه).
4 . بصائر الدرجات:2/289، برقم 1455، باب 16.

319
لمّا طلب موسى(عليه السلام) من ربّه سبحانه وزيراً من أهله وقال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي)نودي بقوله سبحانه:(قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)1. والآية تشير إلى تلك الموهبة، قال: (وَوَهَبْنَا لَهُ): أي لموسى (مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا): أي أنعمنا عليه بأخيه هارون وآتيناه النبوّة فجعلناه شريكاً في أمره.
ثمّ إنّه سبحانه لخّص قصّة موسى بما يناسب المقام، وسيأتي تفصيلها في سورتي: «طه» و «القصص»، وغيرهما.

القصة الخامسة

قصة إسماعيل(عليه السلام)

الآيتان: الرابعة والخمسون والخامسة والخمسون

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا).

المفردات

صادق الوعد: أي ما وعد عِدَةً إلاّ وفى بها.
رسولاً نبياً: قد عرفت الفرق بينهما، وأنّ النبوّة أسمى مقاماً من

1 . طه:29ـ 36.

320
الرسالة لوجود الاتّصال بالله في معنى النبوّة دون الرسالة.

التفسير

54. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا):
لمّا فرغ من الكلام في توالي النبوّة في الشجرة الإسرائيلية، بدأ بذكر إسماعيل على وجه الاستقلال.
ورد اسم إسماعيل في القرآن المجيد اثنتي عشرة مرّة1، مقروناً بالمدح والثناء، وبيان بعض خصائصه وشمائله، فقد منّ الله عليه بالهداية إلى الصراط المستقيم، واجتباه للنبوّة من أجل دعوة الناس إلى التوحيد، وإرشادهم إلى الخير والفلاح، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)2، وقوله: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)3، كما أسبغ عليه القرآن الكريم صفات الصبر والحلم والصلاح.
والآيات الواردة في قصّة إبراهيم، تُشيد بالموقف الرائع لإسماعيل، والمعبّر عن شجاعته النادرة، وإيمانه العميق، وإخلاصه الشديد، وبصيرته

1 . انظر: البقرة:125، 127، 133، 136، 140; آل عمران:84; النساء:163; الأنعام:86; إبراهيم:39; مريم:54; الأنبياء:85; ص:48.
2 . النساء:163.
3 . البقرة:136.

321
النافذة، إذ جاد بنفسه لله، راضياً بقضائه، مطمئناً إلى مشيئته وحكمته، ولم يتردّد في تسليم رقبته لأبيه الّذي أُمر بذبحه، ولكن الله تعالى أنجاه من القتل، وفداه بذِبح عظيم بعد أن ظهر كمال إخلاصهما لله، وبان جوهرهما ومعدنهما الحقيقيّان.
وقد ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ المراد بإسماعيل هنا ـ كما في سائر الآيات ـ هو ابن إبراهيم الخليل(عليه السلام)، ولو أُريد به غيره في هاتين الآيتين، لكان الأنسب التصريح بالتعدّد والتغاير.
وقيل: إنّ المذكور في هاتين الآيتين، هو غير المذكور في سائر الآيات، وإنّ هذا ـ كما ورد في بعض الروايات1 ـ هو إسماعيل بن حزقيل، وهو بعيد جدّاً. وعلى كلّ تقدير فقد وصفه سبحانه بعد قوله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ) بصفات خمس:
1. (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) وأي دليل أفضل على كونه كذلك من استسلامه للذبح بعدما وعد أباه بقوله:(سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)2؟
وفي «مجمع البيان»: كان إذا وعد بشيء وفى ولم يخلف، قال ابن عباس: إنّه واعد رجلاً أن ينتظره في مكان ونسي الرجل، فانتظره سنة حتى أتاه الرجل3. وروي ذلك أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام).4

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:14/64ـ65.
2 . الكهف: 69 .
3 . لا يخفى أنّ الانتظار لتلك المدّة يضيع وقت النبي المبعوث إلى هداية الناس، والانتظار أزيد من يوم إلى ثلاثة أيام بعيد لا تصدّقه الموازين.
4 . تفسير نور الثقلين: 3/343 برقم 104.

322
ونقل السيد الطباطبائي في تفسيره : أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعد بعض أصحابه بمكّة أن ينتظره عند الكعبة حتى يرجع فمضى الرجل لشأنه ونسي الأمر فبقي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة أيام هناك ينتظره فاطّلع بعض الناس عليه فأخبر الرجل بذلك فجاء واعتذر إليه. وهذا مقام الصدّيقين لا يقولون إلاّ ما يفعلون.1
2 و3. (وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا) إلى «جرهم»، وقد مضى الفرق بينهما.
55. (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا):
4 و 5. (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ) كان من مواصفاته أنّه يهتمّ بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويبدأ بأهله في الأمر بهما كما يقول: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ) وهما من فروع الشريعة الإبراهيمية التي تبعها ولده إسماعيل(عليه السلام).
6. (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) وهذا هو المقام السامي أن يصل العبد إلى درجة يكون المولى راضيّاً عنه. وفي نهاية المطاف لو صار يعقوب في رأس الرسالات الإسرائيلية، فإسماعيل أيضاً في رأس الرسالة المحمّدية إذ جعل أشرف الأنبياء من ذريته، كما جعله أباً لأُمّة عربية وهي العرب العدنانية.
سورة مريم: الآيتان 56 و 57   

1 . الميزان في تفسير القرآن: 16/65.

323

القصّة السادسة

قصّة إدريس(عليه السلام)

الآيتان: السادسة والخمسون والسابعة والخمسون

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا).

المفردات

إدريس: هو جدّ أبي نوح واسمه في التوراة اخنوخ.
صدّيقاً: مبالغة في الصدق، كأنّه لم يكذب قطّ.
مكاناً عَليّاً: رفيع المنزلة أو رفيع المكان. وسيأتي تفسيره.

التفسير

56. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا):
جاء اسم النبيّ إدريس(عليه السلام) في موضعين من القرآن الكريم مقروناً بأجمل الأوصاف وأعطر الثناء، قال سبحانه:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ): أي اتلُ في القرآن إدريس، بالثناء عليه(إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) لم يكذب قط (نَبِيًّا) يوحى إليه بأحد الطرق المذكورة في آخر سورة الشورى(الآية 51).

324
57. (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا):

ما هو المراد من المكان العليّ؟

اختلف المفسّرون في معنى هذه الآية على أقوال:
1. أنّه رُفع إلى السماء الرابعة(عن أنس)، أو إلى السماء السادسة(عن ابن عباس)1.
2. رفعنا ذكره وأعلَينا قدْره في الملأ، نظير قوله سبحانه:(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ).2
3. رفعناه إلى درجة عالية من درجات القرب.
ولعلّ القول الثاني هو الأقرب، لأنّ لفظ المكان يستعمل في مطلق المنزلة خيراً كان أو شرّاً، قال سبحانه حاكياً عن يوسف(عليه السلام) مخاطباً إخوانه (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)3.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر إدريس في آية أُخرى في عداد الذين غمرهم بنعمته لصلاحهم وصبرهم، فقال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ).4
ورغم أنّ اسمه(عليه السلام) تلا اسم إسماعيل(عليه السلام) إلاّ أنّ المؤرّخين والنسّابين يقولون: إنّه جدّ أبي نوح(عليه السلام)، وإنّ نسبه كالتالي:

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:7/134.
2 . الانشراح:4.
3 . يوسف:77.
4 . الأنبياء: 85 ـ 86 .

325
إدريس بن يادر بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم(عليه السلام)، ويقول ابن كثير: إنّه أوّل بني آدم أُوتي النبوّة بعد آدم وشيث(عليهما السلام)، وقد أدرك من حياة آدم (808) سنة.1
قال العلاّمة السيد الطباطبائي: إنّ القرآن لم يراعِ في ذكر الأنبياء هنا الترتيب بحسب الزمان ولا الانتقال من السابق إلى اللاحق.
هذا، وقد اختلف في مولدِ إدريس(عليه السلام)، فقالت فرقة إنّه ولد في مصر وسمّوه بهرمس الهرامسة، وقالوا: هو باليونانية إرميس (ومعناه عطارد) وعرّب بهرمس، وقال آخرون: اسمه باليونانية طرميس، وهو عند العبرانيّين خنوخ، وعرّب اخنوخ.
وقالت فرقة أُخرى: إنّه ولد ببابل (في العراق)، وآتاه الله النبوّة فيها، ثم رحل إلى مصر.
وقد شاع بين أصحاب السير والآثار أنّه أوّل مَن خطّ بالقلم، وحاك الثياب وارتداها، وأوّل مَن نظر في النجوم وتعلّم الحساب، إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت في حقّه، والّتي لا ينبغي الركون إلى أكثرها، لتقادم العهد به(عليه السلام)، وللدور الذي لعبته الإسرائيليات فيها، حيث إنّ قسماً منها مرويّ عن كعب الأحبار ووهب بن منبّه، وهما مَن هما.
ومهما يكن، فإنّ خلود اسم إدريس(عليه السلام) بين الحكماء والعلماء، يدلّ بجلاء على مكانته السامية بينهم، وعلى عمق دوره في التعليم ونشر المعارف الإلهية، وفوق ذلك كلّه مقامه الرفيع عند الله، والزلفى لديه سبحانه.

1 . البداية والنهاية:1/92ـ93.

326
وهنا سؤال يطرح نفسه وهو أنّ النبي نوحاً(عليه السلام) هو شيخ الأنبياء وأوّل نبي بعث ومعه شريعة سماوية ولم تكن قبله أي شريعة أُخرى، فما هي وظيفة ومسؤولية الأنبياء المبعوثين بين آدم ونوح؟
والّذي يمكن أن يقال: إنّ هؤلاء الأنبياء كانوا يدعون إلى توحيد الباري تعالى وإلى أحكام الفطرة الّتي لا تتغير وإلى أحكام العقل الحصيف كحسن العدل وقبح الظلم، والإحسان إلى الوالدين، إلى غير ذلك من الأحكام الفطرية والعقلية الواضحة.
سورة مريم: الآيات 58 ـ 60   

الآيات: الثامنة والخمسون إلى الستين

(أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا).

المفردات

إسرائيل: يعقوب(عليه السلام).
اجتبينا: اصطفينا واخترنا.
سُجّداً: جمع ساجد.

327
بُكيّاً: جمع «باك».
خلْف: الخلف (بسكون اللام): النَّسل الطالح، (وبفتحها): النَّسل الصالح. قال لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم *** وبقيتُ في خَلْف كجلد الأجربِ
أضاعوا: أهملوا.
غيّاً: الغيّ: الضّلال، الفساد، الخَيبة. وقد يطلق عند العرب على كلّ شرّ. قال المُرَقِّش الأصغر:
فمَنْ يلقَ خيراً يَحمَدِ الناسُ أمرَهُ *** ومَن يَغوَ لا يعدم على الغيّ لائما

التفسير

58. (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا):
تفسير الآية بوجه دقيق رهن بيان إعرابها.
قوله: (أُولَئِكَ) إشارة إلى مَن سبق ذكره في السورة من قوله: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) إلى هذه الآية وستوافيك أسماؤهم. وأمّا خبره فهنا احتمالان:
1. أنّ الموصول (الَّذِينَ) مع صلَته (أَنْعَمَ اللهُ) خبره.

328
2. أنّ الموصول وصلته بدل لقوله: (أُولَئِكَ) وبيان للمشار إليه، وأمّا الخبر فهو قوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)، أي هؤلاء الذين أنعمنا عليهم، إذا تليت عليهم آيات الله تراهم ساجدين وباكين.
ولعلّ الثاني أفضل.
ثمّ إنّ قوله: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) عطف على قوله: (مِنَ النَّبِيِّينَ). وعلى هذا فالذين أنعم الله عليهم على صنفين:
1. النبيّون من ذرية آدم(عليه السلام).
2. غير الأنبياء ممّن هداهم الله سبحانه واجتباهم.
ثمّ إنّه سبحانه أخبر عن كلا الصنفين بالخرور ساجدين باكين، عند تلاوة آيات الله.
إذا عرفت ذلك، فإليك الكلام في الصنف الأوّل.

الصنف الأوّل ممّن أنعم الله عليهم

قوله سبحانه: (أُولَئِكَ): أي أُولئك الذين قصصنا عليك أنباءهم، يعني: زكريا، ويحيى، وعيسى، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس(عليهم السلام)، تلك عشرة كاملة.
فهؤلاء(الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ) على أصناف أربعة:
1. (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) كإدريس.
2. (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح): أي من ذرِّية من حملنا مع نوح كإبراهيم.

329
3. ( وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ) كإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب.
4. (وَإِسْرَائِيلَ): أي من ذرِّية إسرائيل كموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى.
وإنّما فرّق سبحانه نسبهم مع أنّ جميعهم كانوا من ذرِّية آدم لبيان مراتبهم في النسب، حيث إنّ إدريس أقرب إلى آدم من غيرهم، وهكذا. 1
ويظهر من السيد الطباطبائي وجه آخر قال: ولعلّ الوجه فيه، الإشارة إلى نزول نعمة السعادة وبركة النبوة على نوع الإنسان كَرّة بعد كَرّة، فقد ذُكر ذلك في القرآن الكريم في أربعة مواطن لطوائف أربع:
أحدها لعامّة بني آدم، حيث قال: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).2
والثاني: ما في قوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ).3
والثالث: ما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَد وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)4.
والرابع: ما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ

1 . مجمع البيان:6/492.
2 . البقرة:38ـ 39.
3 . هود:48.
4 . الحديد:26.

330
وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)1.
فهذه مواعد أربع بتخصيص نوع الإنسان بنعمة النبوّة وموهبة السعادة، وقد أُشير إليها في الآية المبحوث عنها.2
قد عرفت أنّ الله سبحانه يصنِّف (الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ)إلى صنفين:الأوّل منهم: النبيّون، وقد مرّ الكلام فيهم.

الصنف الثاني ممّن أنعم الله عليهم

فهم غير النبيّين، وأشار إليه بقوله: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا)، فنعمة الله تعالى تعمّ الأنبياء وغيرهم، بشهادة قوله سبحانه: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)3. وقد مرّ في ثنايا ما قصّه سبحانه، ذكرُ مريم، وهي داخلة في الصنف الثاني لكونها صدِّيقة، لقوله سبحانه:(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ).4
وعلى كلّ تقدير، فهذان الصنفان مع كونهما ممّن أنعم الله عليهم، يشاركان في أمر آخر وهو (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ): أي كلّ ما يحكي عن شأن من شؤون الربّ، وتفسيرها بالقرآن بعيد (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) فسجودهم لربّهم وبكاؤهم أفضل دليل على خضوعهم وخشوعهم.

1 . الجاثية:16.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 75 ـ 76.
3 . النساء:69.
4 . المائدة:75.

331
بقي هنا شيء، وهو أنّه روى ابن شهر آشوب في كتاب المناقب في مناقب الإمام زين العابدين(عليه السلام)أنّه قال في قوله:(وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا): نحن عُنينا بها1.

نقد كلام الآلوسي

لم يزل السيد الآلوسي ناقداً لما يذكره الشيخ الطبرسي في تفسيره حول عقائد الإمامية وأحاديثهم، ومن ذلك قوله في المقام: وروى بعض الإمامية عن علي بن الحسين ـ رضي الله عنهما ـ انّه قال:«نحن عنينا بهؤلاء القوم» ولا يخفى أنّ هذا خلاف الظاهر جدّاً، وحال روايات الإمامية لا يخفى على أرباب التمييز.2
إنّ الداعي لتلقّي الرواية على كونها خلاف الظاهر، هو أنّه جعل قوله: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا)معطوفاً على قوله: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) فانحصر قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ...) في النبيّين، ولا يشمل غيرهم، ولذلك ردّ الرواية، غير أنّه غفل عمّا ذكرنا من أنّ قوله:(وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) معطوف على قوله:(مِنَ النَّبِيِّينَ)، فصار من أنعم الله عليهم على صنفين: أنبياء، وقد مرّت أسماؤهم وأوصافهم، وغير أنبياء من (الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ).3
والذي يشهد على خلاف ما ذكر أنّ قوله: (أُولئكَ) إشارة إلى المذكورين في السورة، من قوله: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) إلى إدريس، وفيهم

1 . تفسير نور الثقلين: 3 / 351، ورواه الطبرسي في مجمع البيان: 6 / 493.
2 . تفسير روح المعاني: 16 / 108.
3 . النساء:69.

332
مريم العذراء التي كانت صدّيقة ولم تكن نبيّة، ومع ذلك شملها قوله:(أُولئِكَ).
وأمّا ما وصف به روايات الإمامية، فنحن نمرّ عليه مرور الكرام، ومَن أراد أن يقف على حال روايات القوم فعليه أن يرجع إلى كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» حتى ينكشف له ما هو الأليق بما وصف، وإلى الله المشتكى.
59. (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا):
الآية تحكي عن وجود عقب لهؤلاء الذين أنعم الله عليهم غير مقتفين أثر آبائهم، بل أساؤوا القول والعمل فصاروا لهم خلْفاً كما قال: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ): أي نسلٌ طالح وعَقِبُ سوء.
ثمّ إنّه سبحانه يحكي عن أفعالهم الذميمة أمرين:

ما هو المراد من إضاعة الصلاة ؟

1. (أَضَاعُوا الصَّلاَةَ)وربّما تفسَّر إضاعتها بتركها وهو بعيد، بل إضاعة الصلاة عبارة عن إتيانها على غير وجهها الواجب، والتهاون في أوقاتها وشروطها وأجزائها. والذي يدلّ على ما ذكرنا هو أنّه سبحانه يصف المنافقين بهذا النوع من الوصف ويقول: (وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى)1، ويقول أيضاً: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ

1 . التوبة:54.

333
سَاهُونَ1 فإنّ السهو عن الصلاة كناية عن كونهم غير معتنين بشأنها.
2. (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ): أي انهمكوا في المعاصي واتّبعوا الهوى، فلا يهمّهم إلاّ شهوة البطن وشهوة الفرج.
ثمّ إنّ نتيجة هذين الأمرين، ما يقوله سبحانه:(فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا): أي يلقون جزاء غيِّهم. ويحتمل أن يكون المراد: يلقَون نفس ضلالهم عند الموت أو في البرزخ أو يوم القيامة، فيُكشَف عنهم غطاؤهم كما يقول: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)2.

دبيب الانحراف إلى المسلمين بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

ولا شكّ في أنّ مخالفة النبيِّين والمجتبَين يقود إلى الانحراف عن سبيل الهدى وإلى تغيير معالم الدين شيئاً فشيئاً، ومن هنا حذّر نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) من الابتعاد عن نهجه وسنّته، لئلاّ تبلغ بهم الأُمور إلى ذلك المصير القاتم، ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«ائتمّوا بي يأتمّ بكم مَن بَعدكم، فإنّه لا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرهم الله عزّ وجلّ».3
ولكن قبيل أن يفارق ـ بأبي وأُمّي ـ هذه الدنيا عُصي، ورُدّ أمره، فقد روى المحدّثون بأسانيدهم عن ابن عباس قال: لمّا حُضِرَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«هَلُمَّ أكتب لكم

1 . الماعون:4ـ5.
2 . ق:22.
3 . مسند أحمد: 3 / 395، برقم 10756، دار إحياء التراث العربي، 1412هـ ـ 1991م.

334
كتاباً لا تضلّوا بعده». فقال عمر: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتابُ الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم مَن يقول: قرّبوا يكتب لكم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً لن تضلُّوا بعده، ومنهم مَن يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللَّغو والاختلاف عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا». قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من خلافهم ولغَطهم.1
ثم أخذت خطوات الانحراف عن نهج الإسلام تتّسع يوماً بعد آخر، لا سيّما بعد تسلّط الأمويين على مقاليد الحكم في عهد عثمان، ثم بلغ الانحراف مداه في عهد معاوية وما بعده، حتى شمل معالم الصلاة!!
روى البخاري بإسناده عن مطرّف بن عبد الله قال: صلّيت خلف علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)، أنا وعمران بن حُصين، فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر، فلما قضى الصلاة، أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكّرني هذا صلاة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو قال: لقد صلّى بنا صلاة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).2
سورة مريم: الآيات 61 ـ 63   
وروى بإسناده عن أنس قال: ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). قيل: الصلاة؟ قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها؟3

1 . صحيح البخاري:4/10ـ 11، كتاب المرضى (75)، الباب(17)، برقم 5669(واللَّفظ له); مسند الحُميدي:1/241، برقم 526; تاريخ الطبري:2/436(وفيه: إنّ رسول الله يهجر).
2 . صحيح البخاري:1/188، كتاب الأذان، الباب(116)، برقم 786; وصحيح مسلم:194، كتاب الصلاة، الباب(10)، برقم 759.
3 . صحيح البخاري:1/134، كتاب مواقيت الصلاة، الباب(7)، برقم 529.

335
60. (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا):
أخبر سبحانه عن أنّ باب التوبة مفتوح في وجه هؤلاء الذين أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، لكن بشروط :
1. (إِلاَّ مَنْ تَابَ) توبة نصوحاً، وتعني الندم عندئذ على ما مضى، والعزم على ترك العَود إليه أبداً، وأداء حقوق المخلوقين إليهم، إلى غير ذلك من شرائط التوبة.1
2. (وَآمَنَ) الظاهر أنّ الاستثناء متّصل، ولكن ليس لازم الاتّصال أنّهم كانوا كافرين وإنّما طلب منهم الإيمان بمعنى رسوخه في أنفسهم الداعي إلى إتيان الواجبات وترك المحرّمات.
3. (وَعَمِلَ صَالِحًا) في مقابل اتّباع الشهوات (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) وعداً قطعيّاً من الله (وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا): أي لا يُنقَصون من أُجورهم شيئاً.

الآيات: الحادية والستون إلى الثالثة والستين

(جَنَّاتِ عَدْنِ التي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلاَمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا).

1 . انظر: نهج البلاغة، قسم الحكم:417.

336

المفردات

جنات عدن: أي جنّات إقامة واستقرار.
بالغيب: متعلّق بقوله: (وعد): أي وعدها إيّاهم وهي غائبة عنهم لم يشاهدوها. ويحتمل أن يُراد: وعدهم بها في الأزمنة الغائبة عنهم كما يحكي عنهم قوله سبحانه:(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).1
مأتيّاً: ربّما يقال إنّ المفعول بمعنى الفاعل أي آتياً. والأَولى أن يقال: إنّه بمعناه المفعولي، والمأتيّ عبارة عن الذي يأتيه غيره.

التفسير

لمّا تقدّم في الآية الأخيرة من المجموعة السابقة بأنّ التوّابين والعاملين عملاً صالحاً يدخلون الجنة، جاء البيان القرآني لتبيين حال الجنة ووصفها بقوله:
61. (جَنَّاتِ عَدْن التي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا):
1. وصف سبحانه الجنّات بأوصاف منها(جَنَّاتِ عَدْنِ): أي
جنّات إقامة وخلود وتقابلها الجنّات البرزخية حيث تفنى بفناء الدنيا،
وأمّا جنّات العدن فتبتدئ بفناء السماوات والأرض ولا انتهاء لها، وقد
جاء وصف الجنّات بالخلود في كثير من ا لآيات، قال سبحانه: (وَ أَمَّا

1 . آل عمران:133.

337
الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا).1
2. ثمّ إنّه سبحانه وصفها بقوله:(وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ): أي وعدهم بها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها، أو وعدهم في الأزل كما قال: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)2. ثمّ أكّد سبحانه على تحقّق وعده على سبيل الجزم، فقال:(إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا): أي هؤلاء الموعودون بهذا الوعد (وهو الجنّة) صائرون إليه وسيأتونه.
62. ( لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلاَمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا):
مرّ الوصف الأوّل للجنّات بكونها جنّة استقرار، وتضمّنت هذه الآية وصفين آخرين يعرّفان مكانة الجنّة.
3.(لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلاَمًا) لا شكّ في أنّه استثناء منقطع، أي: لكن يسمعون سلاماً، قال تعالى:(تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ)3، وقال تعالى: (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا)4، حتّى أنّ الملائكة تحيّيهم بالسلام قائلين: (اُدْخُلُوهَا بِسَلاَم ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ)5. وحاصل الآية: إنّ الجنّة منزل ملؤه السلامة، سلامة الجسم وسلامة الروح، ويسودها

1 . هود:108.
2 . آل عمران:133.
3 . إبراهيم:23.
4 . الواقعة: 25 ـ 26.
5 . ق:34.

338
الصفاء والعلاقة الحميمة والهدوء والاطمئنان.
4. (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) مع أنّ نِعَم الجنة تحت تصرّفهم وإرادتهم، فأي رزق هذا الذي يأتيهم بكرة وعشياً؟ وربّما يجاب بما في حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث تأتيهم طرف الهدايا من الله بمواقيت الصلوات التي كانوا يصلّون فيها في الدنيا وتسل