welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 10*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 10

صفحه 1
    رسائل و مقالات/ ج 10
   

صفحه 2

صفحه 3
رسائل ومقالات
10

صفحه 4

صفحه 5
 
رسائل ومقالات
يشتمل هذا الجزء على مقالات في:
الكلام، العقائد، الفقه، وحوارات مع بعض الأعلام،
وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله جعفر السبحاني
الجزء العاشر
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
رسائل و مقالات: تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1394 .
ج.   ISBN: 978 - 964 - 357 - 575 - 5 (VOL.10)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 465- 9 (VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
1. شيعة ـ ـ عقائد ـ ـ مقاله ها و خطابه ها . 2. إسلام ـ ـ مسائل متفرقة . ألف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
5ر 2س/5/211/BP   4172/297
1394
اسم الكتاب:    رسائل و مقالات
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الجزء:    العاشر
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1437هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر: 923                  تسلسل الطبعة الأُولى: 451
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org,www.shia.ir

صفحه 7

مقدّمة المؤلّف:

الحمد لله بجميع محامده كلّها على جميع نعمه كلّها، وصلى الله على محمد وآله الميامين شجرة النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وأهل بيت الوحي والرسالة.
أمّا بعد; فهذا هو الجزء العاشر من موسوعتنا المسمّاة بـ «رسائل ومقالات» ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: مقالات في الكلام والعقائد.
ويحتوي على أربع مقالات:
1. مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية: ناقشنا فيها ما أفاده سماحته في محاضراته مع تبيين نقاط الخلاف والوفاق بين الفريقين وكلّنا أمل أن يساهم الانفتاح على الطرف الآخر في حلّ الكثير من الإشكالات المثارة والشبهات المطروحة، وهذا أمر ممكن من خلال النقاش العلمي والبحث المنطقي بين العلماء والمفكّرين.
2. فتنة التكفير: وهي رسالة تسلّط الضوء على الحالة المأساوية الّتي يمرّ بها المسلمون وظهور طائفة ضالّة مضلّة ترتكب الجرائم الفظيعة باسم الدين والدين منهم براء.
3. آل البيت(عليهم السلام)وحقوقهم الشرعية.

صفحه 8
4. أسئلة وأجوبة عقائدية: وهي رسالة تحتوي على أسئلة حول التوحيد والتوسّل بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة المعصومين(عليهم السلام)في الحوائج الدنيوية أو الأُخروية، ويأتي بعدها بيان الصلة بين الحياة الدنيا وما بعد الموت (البرزخ) والأجوبة كلّها على ضوء الكتاب العزيز والسنّة النبوية.
الفصل الثاني: مقالات في الفقه والكلام. ويحتوي على أربع مقالات أيضاً، هي:
1. مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة.
2. الخمس فريضة شرعية.
3. رسالة حول توسعة المسعى.
4. فقه المزار في أحاديث الأئمة الأطهار(عليهم السلام).
الفصل الثالث: رسائل وتقاريظ وبيانات .
وقد حرصنا في هذا الجزء على غرار الأجزاء السابقة التأكيد على الوحدة الإسلامية والدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال الحوار العلمي البنّاء وبعيداً عن التعصّب الأعمى البغيض، سائلين المولى القدير أن يقع موقع القبول والرضا.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
الثالث من جمادى الآخرة يوم وفاة السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (عليها السلام)1437 هـ

صفحه 9
      الفصل الأوّل:
مقالات في الكلام والعقائد
1. مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية
2. فتنة التكفير
3. آل البيت(عليهم السلام) وحقوقهم الشرعية
4. أسئلة وأجوبة عقائدية

صفحه 10

صفحه 11
1
مع شيخ الأزهر
في
محاضراته الرمضانية
حوار هادئ مع الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر حول محاضراته الرمضانية الّتي تناول فيها: عدالة الصحابة ومسألة الخلافة والإمامة والعصمة وأُمور أُخرى اختلف فيها الفريقان

صفحه 12
مع شيخ الأزهر في محاضراته الرمضانية   

صفحه 13

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الّذي دعانا إلى الاعتصام بحبل الوحدة ونهانا عن التفرّق والتشرذم; والصلاة والسلام على نبيّ الرحمة وآله الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد ; يشهد العالم الإسلامي في كلّ يوم جرائم فظيعة وشلاّلات دم وهَدماً للمنشآت وقتلاً للأبرياء إلى غير ذلك من الجرائم الّتي يهتز لها عرش الرحمن، ومن المؤسف جدّاً أنّ هذه الأعمال الوحشية تقع باسم الدين إلى حدّ أصبح ذبح الإنسان الّذي عرّفه سبحانه بقوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )1 أهون عندهم من ذبح الطير أو قتل الهوام.
وفي خضمّ هذه الأحداث المريرة قامت المرجعية الرشيدة في الحوزة العلمية في قم بعقد مؤتمر عالمي تحت عنوان «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرفة والتكفيرية» إمتداداً للعشرات من المؤتمرات واللقاءات الّتي عقدت في الجمهورية الإسلامية لتعزيز الوحدة ورصّ الصفوف أمام الخطر المحدق بالعالم الإسلامي، شارك فيه بحمد الله أصحاب الفضيلة من كلتا الطائفتين، وقام العلماء بإرسال العديد من المقالات والّتي ألقيت في المؤتمر.
وكان للمؤتمر صوت مدوّي في الأوساط العلمية ووسائل الإعلام، وكان

1 . الإسراء: 70 .

صفحه 14
الدكتور الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر أحد المدعوّين وإن لم يحضر، وكان المأمول من سماحته أن يقوم في محاضراته الّتي ألقاها عصر أيام شهر رمضان لعام 1436 هـ بما يوافق أهداف المؤتمر، إلاّ أنّه حفظه الله رغم دعوته إلى التقريب لكنّه في الوقت نفسه سلّط الضوء على أُمور لا تخدم التقريب بين الطائفتين .
ولأجل ذلك قمنا بتأليف هذه الرسالة الّتي سنناقش فيها ما أفاده الدكتور في تلك الحلقات ونبيّن مواضع الوفاق والخلاف، عسى أن تقع موقع القبول وتساهم في رفع الإشكالات المثارة .
جعفر السبحاني
قم المقدسة
10 شوال المكرّم 1436 هـ

صفحه 15

الحلقة الأُولى:

اليوم الأوّل من شهر رمضان 1436 هـ

ركّز الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر (حفظه الله) في حديثه اليومي الّذي كان يُبث من الفضائية المصرية قبل الإفطار، على أمرين:
1. أنّه سوف يخصّص بعض حلقات هذا الشهر أو كلّها لموضوع في غاية الأهمية وهو منزلة الصحابة الكرام وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة فيهم ـ إلى أن قال: ـ ونحن لا نريد توسيع الخلافات أو إحداث فتنة فالأزهر على مدى تاريخه مركز لوحدة المسلمين بكلّ طوائفهم ومذاهبهم.
2. أشار إلى وجود محاولات لضرب استقرار مصر من خلال دعوة شبابها إلى ترك مذهب أهل السنّة الّذي تربّوا عليه إلى مذهب آخر (التشيّع) وإدخالهم من بوابة محبّة أهل البيت، الّذين نحبّهم ـ حسب قوله ـ أكثر ممّا يحبهم غيرنا.
***
أقول: كان المترقّب من شيخ الأزهر الّذي يدّعي أنّ الأزهر على مدى تاريخه مركز لوحدة المسلمين، أن يركّز في الحلقة الأُولى من محاضراته وفي اليوم الأوّل من شهر رمضان المبارك على الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب ويشير إلى أنّ القرآن يأمرنا بالتمسّك بحبل الوحدة ويقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)1، لما لهذه القضية من أهمية أشارت إليها الآية المباركة من خلال طرحها لنكتة عجيبة حيث أمر سبحانه بالاعتصام بحبل الله مكان أن يقول واعتصموا بالإسلام، أو بالقرآن، أو ما شابههما، وإنّما عدل عن ذلك كلّه إلى الاعتصام بحبل الله مشيراً إلى أنّ الأُمّة المتفرّقة المتشرذمة

1 . آل عمران: 103 .

صفحه 16
أشبه بمن تردّى في البئر فلا تكتب له النجاة إلاّ بالتمسّك بحبل قويّ يساعده في الخروج منه.
فعلى الأُمّة الإسلامية في هذه الأزمة الّتي تراق فيها دماء أبنائها كلّ يوم بأيدي سفلتهم أن يتمسّكوا بالمشتركات ويتركوا معالجة الخلافات إلى المحافل الدينية والمؤتمرات العلمية، فإنّ ما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم.
ونحن إذا تأمّلنا في كتاب الله المجيد نرى أنّه سبحانه يجعل الخلاف بين الأُمة أحد مصاديق العذاب النازل من السماء أو من تحت الأرجل ويقول: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ).1
وقال أمير البيان علي (عليه السلام): «وَالْزَمُوا السَّوَادَ الاَْعْظَمِ فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ! فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ. أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هذِهِ».(2)
ومن هنا كان الأجدر بشيخ الأزهر الشريف التركيز على الوحدة الإسلامية ودعوة المسلمين إلى التمسّك بالمشتركات الكثيرة: وحدة الرب، وحدة الرسول، وحدة الكتاب، وحدة السنّة، وحدة الشريعة، وحدة القبلة، وحدة اللغة الدينية، وغير ذلك، بدلاً من الانطلاق من النقاط الخلافية والإشارة إلى الخلاف الموجود حول الصحابة بين الشيعة والسنّة أو انتشار التشيّع في مصر العزيزة!!
أمّا الوجه الأوّل فسيوافيك ما هو الحقّ في الموضوع.
وأمّا الثاني فقد أبدى انزعاجه بالنسبة إلى انتشار التشيع وكأنّ مارداً يجتاح أرض الكنانة، وهو انزعاج لا نرى من الناحية الموضوعية أيَّ مبرر له، ولا تشير

1. الأنعام: 65 .   2 . نهج البلاغة: الخطبة 127 .

صفحه 17
المعطيات الواقعية إلى صوابية هذا الإدّعاء.
وعلى فرض صحّته لماذا أهمل سماحته الحملات التنصيرية في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية الّتي تؤمن بمرجعية الأزهر الشريف على أقل تقدير منذ سنين طوال الّتي تشقّ وحدة المسلمين؟! ولماذا لم يشر إلى الوهابية الّتي هي بوابة للإرهاب، الّتي أخذت تهدّد وحدة المسلمين في أرض مصر وغيرها من خلال ما تبذله من المال في شراء الذمم والأقلام المأجورة والدعاية ووعّاظ السلاطين؟!
هذا ما نقدّمه إلى شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب (طيّب الله قلمه ولسانه) وبشكل موجز راجين من سماحته أن يرصد ـ ولو على نحو الفهرسة والاستعراض العام ـ الدور الكبير الّذي لعبه كبار أعلام الشيعة، والمؤلّفات القيّمة الّتي خطّتها أنامل مراجعهم ومفكّريهم في هذا المجال، مضافاً إلى الجهود الكبيرة الّتي بذلت في تأليف القلوب وتقريب النفوس من خلال المؤتمرات العالمية الّتي عقدت في طهران وقم والنجف. على أمل اللقاء معه في حديثه اليومي الثاني الّذي بُثّ يوم الجمعة ثاني شهر رمضان.

الحلقة الثانية:

اليوم الثاني من شهر رمضان 1436 هـ

تحدّث شيخ الأزهر الشريف في ثاني حلقاته مساء اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك عن تعريف الصحابي وقال: الصحابي هو مَن تحقّقت فيه ثلاثة أركان:
الأوّل: أن يكون قد لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وإن لم يره كما لو كان كفيفاً.
الثاني: أن يلقاه وهو مسلم، وبذلك فقد خرجت جماعة الكفّار

صفحه 18
والمشركين حتّى وإن أسلموا بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
الثالث: أن يموت على إسلامه.
فمن استوفى هذه الأركان الثلاثة فهو صحابي.
فخرج بالقيد الأوّل التابعي وما تلاه من الطبقات، وبالقيد الثالث عبدالله بن جحش 1 فقد خرج إلى الحبشة وهناك ارتدّ عن الإسلام، كما يدخل بالثالث مَن لقي النبيّ وأسلم ثم ارتدّ ثم بعد ذلك عاد إلى الإسلام في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم مات على إسلامه نظير عبدالله بن أبي سرح.
***
ما ركّز عليه الدكتور من طول الصحبة هو أحد القولين في تعريف الصحابي، وفيه قول آخر لا يرى لطول الصحبة تأثيراً في وصف الرجل بالصحابي، وإليك الاشارة إلى بعض القائلين به :
أحمد بن حنبل: أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه .
وقال البخاري: من صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وقال القاضي أبو بكر بن محمد بن الطيّب: لا خلاف بين أهل اللغة في أن الصحابي مشتق من الصحبة قليلاً كان أو كثيراً.
وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه، ثم يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصّصه بمن كثرت صحبته.2

1 . الّذي تنصرّ في الحبشة هو عبيد الله بن جحش، وأمّا عبد الله فقد استشهد يوم أحد.
2 . أُسد الغابة: 1 / 11 ـ 12 .

صفحه 19
وسيأتي في الحلقة الثالثة بأن الأستاذ ذكر وجود قولين في تعريف الصحابي أحدهما لمدرسة المحدّثين والآخر لمدرسة علماء أُصول الفقه.
ثم إنّ التوسّع في مفهوم الصحابي حسب ما جاء في بعض هذه الآراء ممّا لا تساعد عليه اللغة ولا العرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطة ومعاشرة معه، مدّة مديدة، فلا تصدق على مَن ليس له إلاّ الرؤية من بعيد، أو سماع كلام، أو التحدّث معه مدّة يسيرة أو الإقامة في المدينة زمناً قليلاً، ونحن نصافق الأُستاذ في المقام .
وبعد هذه الإطلالة السريعة في تعريف الصحابي نلفت نظر شيخ الأزهر إلى أمرين:

الأوّل: ادّعاء الإجماع على موضوع غير محدّد

عدّ الشيخ حفظه الله عدالة الصحابة من الخطوط الحمراء وقال: إنّه أمر متّفق عليه بين أهل السنّة، فنسأله كيف تكون عدالة الصحابة جزءاً من تلك الخطوط وأمراً ثابتاً عندهم مع اختلافهم في موضوعه اختلافاً واسعاً، فإنّ الاتّفاق على حكم رهن الاتّفاق على تعريف محدّد وجامع لمفهوم الصحابي، وقد عرفت آراءَهم المختلفة، حتّى أنّ الأُستاذ صرّح في الحلقة الثالثة بأنّ المحدّثين توسّعوا كثيراً في معنى الصحابي .

الثاني: التوسّع لحفظ كرامة بعض الصحابة

إنّ التوسّع في مفهوم الصحابي وشموله لمن رآه مرّة واحدة ثم ترك المدينة ولم يره بعد ذلك، إنّما جاء لغاية حفظ كرامة ثلّة من الصحابة، ويعلم ذلك بعد بيان مقدّمتين:
أ. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه كان يحدّث أن رسول

صفحه 20
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون (وفي رواية: يحلؤون) عن الحوض، فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى» .1
ب. بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ارتدّ كثير ممّن أسلم وآمن به في اليمامة وغيرها بقيادة مسيلمة الكذّاب وغيره، وهؤلاء المرتدّون كانوا قد شاهدوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وسمعوا حديثه، ثم تركوا المدينة فعُدّوا من الصحابة.
ولمّا كان الارتداد يحطّ من كرامة الصحابة، حاولوا إرجاع الروايات الدالة على الارتداد إلى الّذين لم يصحبوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ زمناً قليلاً لا يعتدّ به، حتّى يصونوا بذلك كرامة الصحابة الآخرين.
ولكنّها محاولة غير ناجحة ; لأنّ ما رواه البخاري ناظر ـ لمن تأمّل فيه ـ إلى مَن يعدّ من تلك الثلّة الجليلة، وذلك واضح لمن قرأ الروايات.

الحلقة الثالثة:

اليوم الثالث من شهر رمضان 1436 هـ

تحدّث الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر الشريف في محاضراته اليومية في الثالث من شهر رمضان المبارك عام 1436 هـ عن الصحابة وعدالتهم، ويتلخّص ما أفاده في أُمور:
الأوّل: الإشارة إلى أنّ هناك مدرستين لتحديد لقاء الصحابي، وهما: مدرسة المحدّثين، ومدرسة علماء أُصول الفقه.

1 . صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب في الحوض، الحديث رقم 6586، ولاحظ سائر روايات ذلك الباب تحت الارقام 6576 ـ 6593 .

صفحه 21
فالمحدّثون توسّعوا كثيراً في معنى لقاء الصحابي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: إنّ المراد باللقاء مجرّد اللقاء، ولو لم تطل المجالسة بأن كانت قصيرة، سواء روى عنه، أم لم يرو عنه، وسواء غزا معه أم لم يغز.
وأمّا الأُصوليون فقد احتاطوا كثيراً في تعريف الصحابي وقالوا: مَن طالت صحبته متتبعاً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مدّة يثبت معها إطلاق «صاحب فلان فلاناً» بلا تحديد هذه المدّة. وقيل: ستة أشهر. وقيل: سنة، أو غزو.
الثاني: أنّ عدالة الصحابي لا تأتيه من كثرة عبادة ولا صوم ولا صلاة ولا حجّ ولا زكاة، وإنّما تأتي من اجتماعه بالنبي مع إسلامه إلى أن يموت .
الثالث: عدالة الصحابي بمعنى أنّه إذا روى حديثاً لا يبحث عنه فهو كما يقولون: «تجاوز القنطرة» وغيره لا يقبل حديثه إلاّ إذا خضع للجرح والتعديل، إذ الصحابي عدل والعدل تقبل أخباره.
الرابع: إنّ أهل السنّة لا يثبتون العصمة إلاّ للأنبياء، وأنّ الصحابة كلّهم عدول يجوز عليهم الخطأ.
هذه الأُمور الأربعة عصارة ما قاله في محاضرته الثالثة.
***
أقول: يلاحظ على الأمر الأوّل: بما عرفت من أنّ التوسّع في مفهوم الصحابة حتّى يشمل مَن رآه ساعة، كان لغاية خاصّة، وهي حفظ كرامة الصحابة المعروفين وذلك بإرجاع ما دلّ على ارتداد قسم منهم إلى غير المعروفين الّذين لم يصحبوا النبيّ إلاّ يوماً أو أقل. ولكن المحاولة غير تامّة لمن قرأ ما دل على ارتداد طائفة منهم بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).1

1 . لاحظ : صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب في الحوض: الروايات برقم 6579، 6582، 6583، 6584، 6585، 6586، و 6587.

صفحه 22
ويلاحظ على الأمر الثاني: أنّ ما أفاده من أنّ عدالة الصحابي وليد لقاء النبيّ فقط، أمر لا يقبله العقل الحصيف، إذ على هذا يصير اللقاء في تكوين الشخصية الإسلامية المثالية للصحابي كمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس ـ مثلاً ـ إلى عنصر آخر كالذهب حتّى تصنع صحبة الجيل الكبير الّذي يناهز مائة ألف، أُمّة عادلة مثالية تكون قدوة وأُسوة للأجيال المستقبلة.
وممّن التفت إلى هذا المعنى الإمام ابن الوزير (المتوفّى 842 هـ) حث استثنى من الصحابة مَن ظهر منه فسق أو ظلم; لأنّه يرى أنّ هذا الظالم والفاسق يسيء إلى صحبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: استثني من الصحابة مَن ذكر بالفسق الصريح كالوليد بن عقبة ـ ولو كانت الصحبة تؤثر بطريقة إعجازية لما فسق الوليد ـ ويقول: ومن مهمات هذا الباب القول بعدالة الصحابة كلّهم في الظاهر، إلاّ مَن قام الدليل على أنّه فاسقُ تصريح، ولابدّ من هذا الاستثناء على جميع المذاهب، وأهل الحديث وإن أطلقوا القول بعدالة الصحابة كلّهم، فإنّهم يستثنون مَن هذه صفته، وإنّما لم يذكروه لندوره، فإنّهم قد بيّنوا ذلك في كتب معرفة الصحابة، وقد فعلوا مثل هذا في قولهم: إنّ المراسيل لا تقبل على الإطلاق من غير استثناء، مع أنّهم يقبلون مراسيل الصحابة .1
إنّ دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن دعوة إعجازية خارجة عن قوانين الطبيعة فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقم بتربية الناس وتعليمهم إلاّ مستعيناً بالأساليب التربوية المتاحة والإمكانيات المتوفّرة، والدعوة القائمة على هذا الأساس تختلف آثارها على حسب استعدادها وقابلياتها.
فبالنظر إلى ما ذكرنا نخرج بالنتيجة التالية:

1 . انظر: الصحبة والصحابة لحسن بن فرحان المالكي: 44، الطبعة الأُولى عام 1423 هـ .

صفحه 23
إنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ من الصحابة مَنْ يمكن أن يصل في قوة الإيمان ورسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثّر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثّرة إلاّ شيئاً طفيفاً لا يجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.
وهذا ما يدفعنا إلى تصنيف الصحابة إلى أصناف كالتابعين، وإلاّ فلازم ذلك كون مجرّد اللقاء سبباً جعل مائة ألف صحابي رجالاً مثاليين كأنّهم جنس من غير البشر، وأمّا الاستناد في ذلك إلى القرآن الكريم فسوف نفسّر الآيات بفضل الله تبارك وتعالى.
اعتقد أنّ المشكلة ليست في وثاقة الصحابي وقبول روايته كي
يركّز الدكتور الطيّب عليها، وإنّما الكلام في السلوكيات المتضادّة مع
الشريعة وعدم انسجامها مع القيم الإسلامية، فعلى سبيل المثال أين
يضع الدكتور قضية مالك بن نويرة وقتله والاعتداء على زوجته؟!1 وأين
يضع الموقف من أبي ذر2 وعمّار3 و...؟! وأين يضع تمكين الأمويين

1 . تضافرت الروايات على أنّ خالد بن الوليد بعد ما قتل الصحابي مالك بن نويرة بعذر واه وتزوج امرأته، فلمّا رجع إلى المدينة وانتشر خبره قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال له: أرئاء قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بأحجارك. تاريخ الطبري: 3 / 279، حوادث سنة 11 هـ .
2 . وقد سيّره عثمان إلى الربذة ومات هناك وحيداً. لاحظ : أنساب الأشراف: 5 / 52 .
3 . لاحظ ما ذكره البلاذري في «الأنساب»: 6 / 161 ممّا جرى بينه وبين عمّار حيث أمر عمّاله بقوله: خذوه، فأُخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتّى غشي عليه. ثم أُخرج فحمل حتّى أُتي به منزل أُم سلمة زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضّأ وصلّى .

صفحه 24
وإرجاع المطرودين كالحكم وابنه مروان؟!1
وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في الأمر الثالث أعني: أنّه يقبل حديث الصحابي ولا يخضع للجرح والتعديل، إذ معنى ذلك أنّ مجرد اللقاء ولو ساعة واحدة أو يوماً أو سمع حديثاً جعل مائة ألف ممّن لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجالاً مثاليين على وجه صاروا أصحاب ملكة تمنعهم من ارتكاب الكبائر أو الصغائر المسيئة أو المباحات المخلّة!! وأنّ للصحبة بعداً إعجازياً يؤثّر فيمن رآه تأثير المعاجز. وهذا أمر غريب جداً.
ولهذا لم يعد أحد، الصحبة معجزة من معاجزه صلوات الله عليه، إذ لم تكن دعوته خارجة عن حدود القوانين الطبيعية.
ويلاحظ على الأمر الرابع: وهو إدّعاء أنّ العصمة عند أهل السنّة لا تثبت إلاّ للنبي، أمر لا يصدقه القرآن الكريم، فهذا هو الذكر الحكيم يصف مريم (عليها السلام)بقوله: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)2، فقوله سبحانه (وَطَهَّرَكِ ) لا يريد تطهيرها من الدنس والقذارات وإنّما أراد تطهير روحها من الرذائل وتحليتها بالفضائل. والشاهد على ذلك أنّه كرر لفظة (اصْطَفَاكِ)وجعل قوله: (طَهَّرَكِ)بينهما.
وأمّا تفسير التطهير بتبرئتها ممّا قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل، (3) فبعيد عن مساق الآية ; لأنّ الآية وردت قبل أن تحمل مريم حتّى تتّهم بما رمتها به اليهود، والشاهد على ذلك أنّ قصة حملها أتت بعد تلك الآية حيث جاء بعدها

1 . الحكم بن عاص فقد غرّبه وولده، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطائف غير أن الخليفة عثمان ردّهم إلى المدينة فأنكر المسلمون عليه إدخاله إياهم المدينة. الأنساب: 3 / 27 .
2 . آل عمران: 42 .   3 . تفسير البيضاوي: 1 / 159 .

صفحه 25
قوله: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ).
ومَن قرأ الآيات الّتي تعرّف مريم ومكانتها، يذعن بأنّها كانت معصومة منزّهة من كلّ ما يشين، يقول سبحانه: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب )1. وهذه الكرامة يثبتها الذكر الحكيم لمريم قبل أن تحمل بالمسيح (عليه السلام)كما يشهد عليه سياق الآيات.
كما أنّ الذكر الحكيم يتحدّث عن عبد من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علماً وصار معلّماً لموسى (عليه السلام)حيث قال له الكليم: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا )(2) ولم يكن ذلك الرجل المثالي نبيّاً، ومع ذلك صار معلّماً لنبيّ، فهل يتصوّر أن يكون معلّم النبيّ إنساناً غير معصوم ربّما يخطأ وربّما يقترف المعاصي ثم يتوب؟! وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ العصمة لا تساوق النبوّة، فكلّ نبي معصوم وليس كلّ معصوم نبي.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى كلام الرازي في تفسير قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )2 حيث قال: اعلم أنّ قوله: (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)يدلّ عندنا على أنّ إجماع الأُمّة حجّة، والدليل على ذلك أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته.

1 . آل عمران: 37 .   2 . الكهف: 66 .
2 . الأنبياء: 59 .

صفحه 26
إلى أن قال: فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً... ثم أقرّ أنّ ذلك المعصوم هو أهل الحل والعقد .1
فكلام الرازي وهو من كبار علماء السنّة يخالف ادّعاء شيخ الأزهر بأنّ السنّة لا يثبتون العصمة إلاّ للأنبياء.
نكتفي بهذه الأسطر الموجزة على أمل اللقاء في الحلقة القادمة.

الحلقة الرابعة:

اليوم الرابع من شهر رمضان 1436 هـ

أفاد الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر الشريف في محاضرته لهذا اليوم بما هذه خلاصته:
إنّ السنّة والشيعة مسلمون ومؤمنون، فنحن أُمّة واحدة، وأبناء دين واحد، وفي زورق واحد، وهذه قضية لا يجب أن نقترب منها، لكن نحن الآن نتحدث عن قضايا مذهبية داخل الإسلام .
فمن القضايا المذهبية الفارقة بين السنّة والشيعة هي قضية عدالة الصحابة، فأهل السنّة يعتقدون أنّ الصحابة عدول، والشيعة ياللأسف يفتحون باب النقد على صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على مصراعيه .
وأضاف: وأحياناً هذا النقد أدّى بالغلاة والمتطرّفين منهم إلى الجرأة على تكفير صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه من المصائب الكبرى الّتي حلّت بالمسلمين

1 . لاحظ : تفسير الرازي: 10 / 144 .

صفحه 27
أن يعتقد مسلم أنّه يمكن أن يكفّر أصحاب النبيّ.
ثمّ ذكر أنّ إحدى الشيعيات قالت له: نحن نلعن الصحابة بعد كلّ صلاة، وهذا لا يصحّ أبداً .
ثم أشار إلى أنّ المبشرين بالتشيّع بين أهل السنّة يقولون: إنّ عمر ـ وحاشاه وهذا كذب ـ ضرب السيدة فاطمة (عليها السلام).
واختتم كلامه بأنّ السنّة جميعاً على أنّ الصحابة عدول.
***
أقول: أشكر الإمام الأكبر لوجهين:
الأوّل: أنّه جعل الشيعة والسنة أُمّة واحدة وأبناء دين واحد وفي زورق واحد. وما قاله هو قضاء الكتاب والسنّة ; فهذا ما يروى عن عمر بن الخطاب أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا علي بن أبي طالب يوم خيبر وأعطاه الراية وقال: امش ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئاً ثم وقف ولم يلتفت فصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله». 1
وفي حديث عن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله».(2)
فإذا كان هذا ملاك الإسلام فكلّ مَن شهد الشهادتين وآمن بيوم المعاد فهو

1 . صحيح مسلم: 7 / 121، كتاب فضائل علي (عليه السلام).   2 . صحيح البخاري: 26 برقم 25 .

صفحه 28
داخل تحت خيمة الإسلام من غير فرق بين مسلم ومسلم.
وعلى هذا فعدالة الصحابة ليست من صميم الدين الّذي يناط به الإيمان والإسلام، بل هي مسألة كلامية، وعلى حدّ تعبير الشيخ من القضايا المذهبية، فلماذا نكبّر هذا الاختلاف؟ وهل هي إلاّ كسائر المسائل الخلافية وما أكثرها بين المسلمين في الأُصول والفروع؟ فاللازم على الأُستاذ الّذي رزق صدراً رحباً ألاّ يوسّع هذه الفجوة.
وكان على شيخ الأزهر أن ينسب إلى الشيعة ما رووه عن إمامهم وإمام المسلمين عليّ (عليه السلام)فهو يصف أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ! لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ! كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ ! إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ!».1
وله (عليه السلام)كلمة أُخرى في صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول فيها: «أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِْسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَؤُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفّاً صَفّاً. بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لاَ يُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ، وَلاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتى (القتلى)، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الاَْلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ. أُولئِكَ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 97 .

صفحه 29
إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ، وَ نَعَضَّ الاَْيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ».1
وهذا هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)يقول في دعائه: «اللهم وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة الّذين أحسنوا الصحبة والّذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته...».2
وعلى هذا فالقول بأنّ الشيعة ينكرون عدالة الصحابة جميعاً أمر غير صحيح يبطله ما روي عن الإمامين الهمامين، والشيعة تعتقد بأنّ الصحابة على طبقات ودرجات من الإيمان والتقوى والعدالة، فمنهم مَن يستدرّ به الغمام، ومنهم مَنْ لا يعتدّ بإيمانه وقوله وفعله، ومنهم مَن هو في رتبة متوسطة.
وأمّا ما ذكر من تجرؤ الغلاة والمتطرفين على صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فيكفي في جوابه أنّ القائل به هم الغلاة، والغلاة عند الشيعة كفّار لا يحكم عليهم بالإسلام.
كيف يمكن القول بتكفير صحابة النبيّ وتفسيقهم وأنّ ثلّة جليلة من صحابة النبيّ هم روّاد التشيّع الّذين كانوا مع عليّ (عليه السلام)في عهد النبيّ تبعاً لوصاياه وبقوا على ما كانوا عليه بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد ذكرت كتب التاريخ أسماءهم نظراء: جندب ابن جنادة (أبو ذر الغفاري)، عمّار بن ياسر، سلمان الفارسي، المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، حذيفة بن اليمان صاحب سرّ النبيّ، خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، الخباب بن الأرت التميمي، سعد بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء، أبو أيوب

1 . نهج البلاغة: الخطبة 117 .
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع .

صفحه 30
الأنصاري، خالد بن زيد الّذي استضاف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عند دخوله المدينة و... وقد ذكرنا أسماءهم في كتابنا «عقيدة الإمامية في عدالة الصحابة» ص 144 فراجع.
ثمّ إنّ الواقع التاريخي يثبت أنّ جلّ الأصحاب بل كلّهم من المهاجرين والأنصار كانوا مع أمير المؤمنين (عليه السلام)في حروبه الثلاثة، قال الزرقاني في نهج المسالك: أتى علي (رضي الله عنه)في أهل العراق في سبعين ألفاً، فيهم تسعون بدرياً، وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان، وأربعمائة من سائر المهاجرين والأنصار، وخرج معاوية في أهل الشام في خمسة وثلاثين ألفاً ليس فيهم من الأنصار إلاّ النعمان بن بشير ومسلمة بن مخُلد.1
وقال المسعودي في «مروج الذهب»: وكان ممّن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممّن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تسعمائة وكان جميع مَن شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة .2
فهل من المعقول أن يقوم الشيعة مع هذا الدعم الكبير والمساندة القوية لسيد الأوصياء (عليه السلام)بتكفير الصحابة والنيل منهم؟! ومن هنا نحن نطالب الشيخ الطيّب أن يأتي لنا بعبارة واحدة تثبت أنّ علماء الشيعة ورجالييهم ضعّفوا الصحابة وقالوا بكفرهم أو أسسوا قاعدة تشير إلى هذا المعنى.
ثمّ أنا أتعجّب من الدكتور كيف جعل قول واحدة من النساء الشيعيات حجّة على الكلّ، والاعتماد على قولها، نظير احتجاج الشيعي في إتّهام أهل

1 . راجع: النصائح الكافية للعلوي: 36 .
2 . مروج الذهب: 2 / 352، تحقيق أسعد داغر، قم ـ دار الهجرة، 1409 هـ .

صفحه 31
السنّة بسبّ عليّ بأنّ ناصبية من النواصب تلعن عليّاً!!
وما ذكره الأُستاذ هنا ينافي ما ذكره في واحدة من حلقات بحثه: إنّي سمعت عدداً من الفضلاء من علماء الشيعة يتبرّأون من هذه الأقوال ولا يرضونها.
وأمّا ما أنكر على ما جرى على السيدة فاطمة (عليها السلام)فنحن لا نريد أن نخدش العواطف غير أنّ أمراً مسلّماً في التاريخ لا يمكن لأحد إنكاره ألا وهو كشف بيت فاطمة حيث نقله كثير من الأعلام في كتبهم.
هذا هو عبدالرحمن بن عوف يقول: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الّذي توفّي فيه فسلّمت عليه، وقلت: ما أرى بك بأساً والحمد لله، ولا تأس على الدنيا، فوالله إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً. فقال: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهم وودت أنّي لم أفعلهم، وثلاث لم أفعلهم وودت أنّي فعلتهم، وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عنهم; فأمّا الّتي فعلتها وودت أنّي لم أفعلها فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا. لخلّة ذكرها. قال: أبو عبيد لا أُريد ذكرها... 1
إن صاحب كتاب الأموال وإن تستّر على ما تمنّاه الخليفة أن لا يفعله غير أنّ كثيراً من المحققّين ذكروه بنصّه، فهذا هو المبرّد في كامله يقول: فأمّا الثلاث الّتي فعلتها وودت أنّي لم أكن فعلتها، فوددت أنّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب .2
وهذا هو المسعودي يقول ناقلاً عن الخليفة: فأمّا الثلاث الّتي فعلتها وددت أنّي تركتها، وددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة.(3)

1 . الأموال: 193 ـ 194، مكتبة الكليات الأزهرية; وفي لسان الميزان وغيره: «فعلتهن».
2 . الكامل في التاريخ للمبرد: 1 / 11 .   3 . مروج الذهب: 2 / 301.

صفحه 32
وبما أنّ نقل كلمات المحقّقين والمؤلّفين يُطيل بنا المقام نشير إلى بعض المصادر أدناه .1 وعلى من أراد التحقيق في هذا الموضوع فليبحث في الموضوع فيتعرّف على مَن أصدر الأمر بالهجوم (أو الكشف) على بيت فاطمة (عليها السلام)ومن نفّذ هذا الأمر، وما هي تبعاته، وستتجلّى له الحقيقة بأجلى مظاهرها.
وهذا ما يذكره الشيعة استناداً إلى هذه المصادر .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الشيعة تحترم الصحابة تبعاً لأئمتهم ولا يقولون بتكفيرهم، غير أنّهم يدّعون على أنّهم على مراتب من الإيمان. ودرجات مختلفة من التقى والعدالة.
وأمّا ما نسب إلى الغلاة والمتطرّفين فالشيعة الإمامية براء منه، وأمّا حكاية الكشف عن بيت السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، فهذا أمر نُقل بالتضافر، ومع ذلك ندعو إلى الوحدة مكان الفرقة قائلين: إنّ ما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا.
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى أتباعاً
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً
ولو أنّ الأُستاذ لم ينبس ببنت شفة في أمر فاطمة (عليه السلام)لما أشرنا إليه في هذه المحاضرة، غير أنّا دفاعاً عن الحقّ والحقيقة لم نر بدّاً من التطرّق إليه .

1 . الطبراني في المعجم الكبير: 1 / 62 برقم 43 ; ابن عبد ربه في العقد الفريد: 4 / 93 ; ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق: 13 / 122 ; ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 2 / 46 ; الجويني في فرائد السمطين: 2 / 34 ; الذهبي في تاريخ الإسلام: 3 / 117 ; نور الدين الهيتمي في مجمع الزوائد: 5 / 102 ; ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: 4 / 188; المتقي الهندي في كنز العمال: 5 / 631 برقم 14113 ; عبد الوهاب عبد المقصود في كتاب الإمام علي: 4 / 74 .

صفحه 33

الحلقة الخامسة:

اليوم الخامس من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف : إنّ الصحابي الّذي ثبتت صحبته لا يُسأل عن عدالته، ولا يحتاج لشهادة تزكية، لأنّ هذه الصحبة تعطيه هذه الشهادة بشكل تلقائي. ثم تابع حفظه الله في بيان معنى العدالة إلى أن انتهى بقوله: فإذا روى الصحابي حديثاً أو شهد في واقعة فإن روايته تقبل، وكذا شهادته، بدون أن أقول: مَن هو وما تاريخ حياته؟ هذا هو معنى عدالة الصحابة وهذا ما تميّز به عن غيره، وأمّا غير الصحابي بدءاً من التابعي حينما يروي أو يشهد فلابدّ من شهادة بعدله قبل قبول شهادته أو روايته.
وانتهى في آخر كلامه بأنّ الصحابي الفقير الّذي ربّما لا يمتلك نعلاً يمشي به، ثم يجود بنفسه وبكل ما يملك وعنده استعداد ليراق دمه حفاظاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى الدين، يستحق أن تنزل فيه آيات القرآن الكريم لتقرّر عدالته.
***
أقول: ليس في كلامه حفظه الله شيءٌ جديدٌ وإنّما هو تكرار لما أفاده في المحاضرات السابقة ومع ذلك فنقدّم إلى سماحته الملاحظات التالية:
الأُولى: إنّ ما ذهب إليه الشيخ الطيب ادّعاء لابدّ من دعمه بالدليل والبرهان القاطع عقلاً أو نقلاً على مستوى الحديث والسنّة، هذا إذا لم نقل أنّ الدليل النقلي يعطي العكس من ذلك، كما سيأتي .
ثم مَن قال: إنّ الكلام في الصحابي الّذي وصفه الطيّب بتلك
الصفات العالية، وهو الّذي يجود بنفسه وبكل ما يملك وعنده استعداد

صفحه 34
ليراق دمه حفاظاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهل وجد الدكتور باحثاً منصفاً أو وجد أنصاف المتعلمين من الشيعة مَن تعرّض لمثل هكذا صحابي بسوء أو يشكّك فيه؟!
وأين هذا ممّن شرب الخمر وقاء وهو في محراب صلاته وكان من قبلُ قد نزل فيه آية من الذكر الحكيم تؤكّد فسقه؟!1
الثانية: أنّه يركّز على ملاك الصحبة وأنّ الّذي صيّر مائة ألف من الّذين كانوا غارقين في الوثنية والأخلاق الجاهلية ـ من وأد البنات إلى الإغارة ـ عدولاً، هو رؤية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومصاحبته بشكل بين شروطه في المحاضرات المتقدمة، ومن هنا نقول:
إنّ صحبة الصحابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من الله شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)2.
الثالثة: أنّ الكتاب العزيز يندّد ببعض نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل كشف سرّه ويعاتبهنّ في ذلك ويقول: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْض فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ

1 . لاحظ : الكامل في التاريخ: 2 / 246، حوادث سنة 30 هـ ; أسد الغابة: 5 / 452 برقم 5468 ; تاريخ الخلفاء: 144 ; الاستيعاب (القسم الرابع): 1556 برقم 2721 ; السيرة الحلبية: 2 / 284 .
2 . التحريم: 10.

صفحه 35
أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَني الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَارًا)1 فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا): أي مالت قلوبكما عن الحق، كما أنّ قوله: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ)يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخفاق أُمنيتهن; لأنّ الله ناصر النبيّ وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة.
الرابعة: التدبّر في الآيات يبيّن لنا موقع المرأتين وأن الله سبحانه يخيّرهما بين أمرين:
1. التوبة والإنابة.
2. الحرب من الله وأنّ الله سبحانه سيكون ظهيراً للنبي ومعه الملائكة وصالح المؤمنين.
وهذا يدلّ على أنّ ما صدر عنهما كان ذنباً ومعصية، ولذلك استحقتا هذا النحو من التحذير، ولو كان أمراً هيّناً وعادّياً لما استحقّ هذا القدر من التهديد والتحذير.
إنّ القرآن قد أجمل ولم يبيّن، هل تابت المرأتان، أو لم تتوبا وبقيتا على ما كانتا عليه من إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
***
إنّ الدكتور أحمد الطيب ـ مدّ الله في عمره ـ أشار في تعريفه للعدالة إلى

1 . التحريم: 3 ـ 5 .

صفحه 36
أنّ ملكة العدالة تمنع الشخص من الكبائر، فإنّه سوف يمتنع عن الكذب بالضرورة وحين يريد أن يكذب لا تطاوعه نفسه!!
أقول: ما ذكره صحيح ولكن فليتدبّر فيما رواه البخاري عن عائشة في هذا المورد في تفسير الآيات الثلاث المتقدّمة، قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فواطيت أنا وحفصة عن أيّتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟! إنّي أجد منك ريح مغافير، قال: «لا، ولكنّي كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً» 1.
أليست نسبة النبيّ إلى أكلّ المغافير، نسبة كاذبة، وأين الملكة هنا من تواطئهما على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والاتفاق على الكذب في قضية كان الحسد أو الغيرة هي المحرّك الأساسي فيها؟!
كلّ هذا يدلّ على أنّ القضية أي عدالة الصحابة أمر مقبول لكن لا بشكل قضية كلّية تشمل كلّ فرد فرد.
فإنّ السيدة عائشة محترمة عندنا لأنّها زوجة النبيّ ونقول في حقّها ما ذكره الإمام علي (عليه السلام)في وقعة الجمل: «وَأَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ (رائحة) النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ. وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الاُْولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ تَعَالى».2
ومع ذلك فهذا لا يصدّنا عن دراسة ما قامت به في حرب الجمل من تجييش الجيوش إلى البصرة، وخالفت قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).3

1 . صحيح البخاري: 3 / 308، كتاب التفسير (65)، باب من سورة التحريم برقم 4912.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 156 .
3 . الأحزاب: 33 .

صفحه 37
وقتل في هذه الحرب آلاف من أولادها.
ولم يذكر لنا الدكتور سبب غياب الملكة هذه والكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وإخباره بخلاف الواقع كما هو مسلّم في قضية الوليد بن عقبة وبني المصطلق الّتي نزل فيها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).1 حينما افترى الوليد على بني المصطلق مالم يصدر عنهم وكادت أن تقع في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فتنة عظيمة لولا التدخل الرباني!!
نكتفي بهذا البحث الموجز على أمل اللقاء في محاضرة قادمة.

الحلقة السادسة:

اليوم السادس من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور الشيخ أحمد الطيب في محاضرته: إنّ القاعدة العامّة لمذهب أهل السنّة والجماعة تقضي بأنّ جميع الصحابة عدول وثبتت لهم العدالة، وسبب هذا التميّز هو صحبتهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فالصحبة تقتضي هذه العدالة.
إنّ أهل الحديث يرون أنّ الصحبة تَثبت بمجرّد اللقاء بالنبيّ، قصر اللقاء أم طال، والأُصوليّون اشترطوا طول الصحبة.
ثم قال: الفرق بين السنّة والشيعة في هذه النقطة، فالشيعة لا يرون هذا، أمّا أهل السنّة يعتقدون أنّ الصحابة جميعاً عدول، فالراوي غير الصحابي يجب البحث في تاريخه وحياته من خلال كتب الجرح والتعديل كي نصل في النهاية إلى أنّ هذا الراوي عدل تقبل روايته أو مجروح لا تقبل روايته .

1 . الحجرات: 6 .

صفحه 38
أمّا إذا كان الراوي من الصحابة فتسلّم عدالته ولا يبحث في حياته ولا في تاريخه لأنّ مجرّد الصحبة يثبت عدالته.
***
أقول: إنّ شيخ الأزهر لم يأت في محاضرته في اليوم السادس من شهر رمضان بشيء جديد بل أكّد ما ذكره سابقاً، وكأنّه يعتقد بأنّ الصحبة أشبه بمادة كيمياوية حوّلت الصحابة من حالة سيئة إلى حالة حسنة، ومن فسق إلى عدالة، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون بياناً لمراده.
كما أنّه يصوّر أنّ الصحابي بمجرّد الصحبة يصير إنساناً عادلاً منزّهاً عن كلّ ذنب، ولكن مع الأسف أنّ الصحابي نفسه لا يرى لنفسه هذا المقام!!

الصحابة أبصر بحالهم من غيرهم

إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدريّ وأُحديّ انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.
وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاًّ من المتصارعين ، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادّة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، لكنّه يكشف عن أنّ كلاًّ من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة الأُخرى.
فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه مائل عن الحقّ ومجانب لشريعة اللّه ورسوله، وعلى أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ

صفحه 39
سواء؟! ونُبرّأهم من كلّ زيغ وانحراف؟!
أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بمكانته؟!
أو ليست الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟!
هذا بالإضافة إلى ما دار بينهم من حوارات تكشف عن اعتقاد بعضهم في حقّ البعض الآخر، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد ابن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقال لسعد ]بن معاذ[: كذبت لعمر الله... فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد] بن معاذ [فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفِّضهم حتّى سكتوا وسكت.1
أفيمكن وصف الحيّين من أوّلهما إلى آخرهما بالعدالة والوثاقة وهما على هذا الحد من قلّة الأدب والعصبية وعدم ضبط النفس في مجلس رسول الله؟! وتزداد الحيرة عندما تعلم أنّ السبب من وراء هذه القضية هو قول سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس: يا رسول الله: أنا أعذرك منه ـ يعني: المنافق عبدالله بن سلول ـ فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج وقد احتملته الحميّة دفاعاً عن ابن سلول المنافق؟!!
وعليه فإنّ القداسة الّتي أحاطت الصحابة أمر طارئ صنعتها عوامل كثيرة منها سياسية، ومنها ما أشار إليه كبار رجال المدرسة السنيّة في الجرح والتعديل

1 . صحيح البخاري: 3 / 245، كتاب التفسير، رقم الحديث 4750.

صفحه 40
كالشيخ الذهبي في معرفة الرواة، حيث قال:
ولو فتحنا هذا الباب (الجرح والتعديل) على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمة، فبعض الصحابة كفّر بعضهم بعضاً بتأويل ما. 1
وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها نظائر وردت في الصحاح والمسانيد وفي غضون كتب التاريخ.
أو ليس من العجب العجاب، أنّ الصحابي يصف صحابياً آخر ـ في محضر النبيّ ـ بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق وكلا الرجلين من كبار الأنصار وسنامهم؟! ولكنّ الّذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرأف بالطفل من أُمّه؟!
***
وعندما يقف الباحث السنّي على مصادر جمّة تكشف عن أفانين من اقتراف المعاصي وسفك الدماء الطاهرة، وهتك الحرمات، ويجابههم بهذه الحقائق، فلا يجد بدّاً من الالتجاء إلى ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز وأحياناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ : تلك دماء طهّر اللّه منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا.
ويُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ وأيم الحق ـ عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان على بيّنة من ربّه وبصيرة

1 . معرفة الرواة: 45.

صفحه 41
في دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: «والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ».1
ما هذا التجنّي أمام الحقائق الواضحة؟!
أو ليس العزوف عن نقد الصحابة تبريراً للأخطاء، وهروباً من الواقع، وإيغالاً في التقديس؟!
أو ليس تنزيه الصحابة جميعاً تنكّراً للطبيعة البشرية.

الحلقة السابعة:

اليوم السابع من شهر رمضان 1436 هـ

واصل الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في اليوم السابع من شهر رمضان حديثه عن عدالة الصحابة ـ أيضاً ـ ، وقال: إنّ القول بها لم يكن من اختراع أهل السنّة والجماعة وإنّما أخذاً من نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة.
أمّا القرآن فيدلّ عليها قوله سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)2.
وأكّد أنّ الصحابة اكتسبوا هذا الفضل والتعديل بتعديل الله تعالى لهم وثناؤه عليهم.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 224 .
2 . التوبة: 100 .

صفحه 42
ثم استدلّ بالسنّة بما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تسبّوا أصحابي، فوالّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه. وغيرها من الروايات.
***

تفسير الآية

إنّ شيخ الأزهر اقتصر بنقل الآية ولم يشرح لنا كيفية دلالتها على عدالة أصحاب النبيّ من أوّلهم إلى آخرهم وربّما يبلغ عددهم مائة ألف مع أنّ الآية أخصّ ممّا يدّعيه الدكتور وذلك بالبيان التالي:
قوله سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ...) تشير إلى الأصناف الثلاثة:
1. (السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ).
2. السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ (الأَنْصَارِ) .
3. (وَالَّذِينَ ـ أي من أصحاب النبيّ ـ اتَّبَعُوهُمْ ـ أي اتّبعوا السابقين في الهجرة والنصرة اتّباعاً ـ بِإِحْسَان).
ثم إنّه سبحانه ذكر السبق والأوّلية في الصنفين الأوّلين ولم يذكر متعلّقهما، غير أنّ وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً، يرفع الإجمال عن الآية وأنّ الملاك هو السبق في الهجرة والنصرة .
ولأجل إيضاح المراد يجب أن ندرس الفقرتين الأُوليين ثم نرجع إلى الثالثة فنقول: إنّ ثناء الله يختصّ بالسابقين في هذين المضمارين (الهجرة والنصرة) لا بكلّ مهاجر وأنصاريّ بشهادة وجود (من)في قوله: (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ)فمن وصف بأحد الأمرين: السبق في الهجرة أو السبق في النصرة فالله سبحانه يقول: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) إنّما الكلام في

صفحه 43
مصاديق هاتين الطائفتين، ولا شكّ أنّ المراد هم السبّاقون الأوّلون في الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة المنوّرة .
وأمّا السبّاقون الأوّلون في النصرة فهم الّذين بايعوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في البيعتين الأُولى والثانية، وقد كان عدد المبايعين من الأنصار في العقبة الأُولى اثني عشر رجلاً، وفي العقبة الثانية قرابة السبعين، فهؤلاء هم الّذين بايعوا للنصرة والدفاع عنه إذا نزل بأرضهم، فهؤلاء هم السبّاقون في النصرة.
وتخصيصهما بالذكر لأنّهم تحمّلوا أنواع العذاب فلم يروا منجاة لهم إلاّ الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة المنوّرة أو الّذين نصروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وآووه وآووا المهاجرين في ديارهم زمن غربة الإسلام وكونه مهدّداً من قبل الأعداء، فلفظ السبّاقون من الطائفتين ينطبق على مَن هاجر قبل معركة بدر الّتي كانت مبدأ ظهور الإسلام وقوته، أو آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآواه وآوى المهاجرين من الأنصار.
فهذه الفقرة تحكي عن رضا الله عن تلك المجموعة وهم السبّاقون في الهجرة والنصرة قبل معركة بدر.
ويؤيّد ما ذكرناه أنّه سبحانه يذكرهم في سورة الأنفال ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)1. وبما أنّ سورة الأنفال نزلت عقب غزوة بدر فتكون دليلاً على أنّ المراد من الطائفتين هم الّذين وصفوا بالسبق والنصرة إلى حدّ النصف من السنة الثانية للهجرة.
إلى هنا تمّ الكلام في الفقرتين الأُوليين أمّا الفقرة الثالثة ـ أعني قوله:

1 . الأنفال: 72 .

صفحه 44
(وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)ـ فأُريد بهم الّذين اتّبعوا الصنفين السابقين في الهجرة والنصرة فالصنفان الأوّلان إمامان متبوعان والصنف الثالث هم الأتباع وهم الّذين هاجروا بعد عزّ الإسلام وظهور قوّته أو نصروه كذلك، ولأجل تأخّرهم في الهجرة والنصرة صاروا أتباعاً، فكل مَن هاجر بعد غزوة بدر أو آمن أو نصر بعدها قبل فتح مكة فهذا هو المراد من الصنف الثالث.
وعلى ضوء ما ذكرنا، يكون رضا الله متعلّقاً بهذه الأصناف الثلاثة فقط، فكيف يصحّ أن تكون الآية دليلاً على عدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم حتّى الّذين اسلموا في العام التاسع من الهجرة وهو عام الوفود وفيه أسلم أغلب سكان الجزيرة العربية، فكيف تكون الآية دليلاً على عدالتهم؟! وهذا ما قلناه من أنّ المدّعى عام والدليل خاص .

الرضا مقيّد لا مطلق

إنّ الله سبحانه قيّد تعلّق رضاه بالصنف الثالث بقوله: (اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان): أي اتّباعاً حسناً أو اتّباعاً في العمل الصالح، والقيد يكشف أنّ الصنف الثالث ينقسم إلى صنفين: مع الإحسان أو بدونه. فعلى هذا لو شكّ في واحد من مصاديق الصنف الثالث في وجود القيد فيه، فلا تكون الآية دليلاً على وجوده. نظير ما إذا قال القائل: «أكرم العالم العادل»، وشكّ في وجود العدالة، لا يجوز التمسّك بالدليل على وجود القيد في المورد.
إلى هنا ظهر أنّ الآية أخصّ من المدّعى بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ الفقرة الأُولى (السبّاقون في الهجرة والنصرة) تختصّ بمَن وصفوا بالهجرة والنصرة قبل غزوة بدر.
الثاني: أنّ الفقرة الثانية تختصّ بمَن هاجر ونصر قبل غزوة بدر، ولا

صفحه 45
يشمل مَن آمن وهاجر ونصر بعدها.
الثالث: أنّ الرضا في الفقرة الثالثة مقيّد باتّباع بإحسان، فإذا شكّ في وجود القيد (وهو الإحسان) فلا تكون الآية دليلاً على وجود القيد.
وعلى هذا فقد كشفت الآية عن تعلّق الرضا بجماعة وفئة خاصة، وأين هذا من عامّة الصحابة الّذين يبلغ عددهم إلى مائة ألف. والمذكورة أسماؤهم منهم حوالي خمسة عشر ألف؟!
***
وهنا نكتة أُخرى غفل عنها كلّ مَن استدلّ بالآية وهي أنّ إخباره سبحانه بتعلّق رضاه بهذه الأصناف الثلاثة محدّد بكونهم باقين على ماكانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح والعدالة، وإلاّ فلو دلّ الدليل على خروج جمع قليل أو كثير عن هذه الضابطة فالآية ساكتة عن تلك الفئة ; وذلك لأنّ الأُمور بخواتيمها.
فقد روى البخاري في صحيحه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنّة وأنّه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بخواتيمها» .1
وليست منزلة الصحابة من الأوّلين والآخرين أعلى وأنبل ممّا يتحدّث عنه الذكر الحكيم بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) .2
وعلى هذا فتعلّق الرضا بفئة أو شخص في فترة معيّنة لا يكون دليلاً على بقاء الرضا إلى نهاية عمرهم. فلو دلّ دليل على تنكّب هؤلاء عن الصراط

1 . صحيح البخاري: 7 / 188، كتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم.
2 . الأعراف: 175 .

صفحه 46
المستقيم فهذا لا يكون مخالفاً للآية ; لأنّ لكلّ ظرفاً وأمداً خاصّاً.
ثم إنّ الشيخ الطيب لم يبّين لنا الدليل على بقاء العدالة والوثاقة وعدم تزحزحها عنهم في الوقت الّذي وقعوا فيه في أُمور أخطر من الكذب في الحديث. وهذا ما اعترف به البراء بن عازب حيث روى البخاري في باب غزوة الحديبية عن العلاء بن المسيّب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب فقلت له، طوبى لك صحبت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبايعته تحت الشجرة!! فقال: يا ابن أخي: إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده! 1
ولا ريب أنّ الرجل كان شاهداً على الواقع وكان على معرفة بأسباب نزول الآيات الكريمة. ولذلك لم يتمسّك بها ويراها مشروطة بعدم العدول والانحراف عن الطريق بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومواصلة السير على نهجه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يعتبر صرف الصحبة بل البيعة كافية.
وكيف يفسّر لنا الشيخ الطيب تعوّذ ابن أبي مليكة من الافتتان بعد نقل روايات الحوض، قال البخاري: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتتن عن ديننا!! .2
***
وأمّا الاستدلال بنهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن سبّ أصحابه فيلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّه لو صحّ الحديث سنداً فهو على خلاف المقصود أدلّ، لأن النبيّ يخاطب الصحابة ويقول لهم: لا تسبّوا أصحابي، ومعنى ذلك، وجود السابّ في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الصحابة في حق بعضهم، ومن المعلوم أنّ السبّ فسوق،

1 . صحيح البخاري: 5 / 66، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية.
2 . صحيح البخاري: 7 / 209، كتاب الرقاق، باب في الحوض .

صفحه 47
وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «قتال المؤمن كفر وسبابه فسوق»1. وما ربّما يقال من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطب الأجيال الآتية لا الجيل المعاصر له، فهو كما ترى مخالف لصريح الرواية، حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا تسبّوا» والمخاطبون هم الحاضرون في مجلس الخطاب، ولو كان المخاطبون هم المسلمون في الأجيال الآتية لغيّر كلامه وقال: سباب إصحابي حرام، كما قال: «سباب المؤمن فسوق».
وهذا المعنى عين ما فهمه ابن حجر حيث قال: المراد بقوله: (أصحابي) أصحاب مخصوصون وإلاّ فالخطاب كان للصحابة .2
وعقب في نفس الموضع على القائلين بأنّ الخطاب لغير الصحابة وردّه باعتبار أنّ الخطاب كان بسبب حادثة سب خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف .3
أضف إلى ذلك أن السبّ حرام، ولكنّ ذكر سيرة حياتهم بإيجابيّاتها وسلبيّاتها لا يُعدّ انتقاصاً لهم، وبعبارة أُخرى: فالسبّ هو الشتم والنيل من كرامة الرجل وعرضه، ولا شكّ أنّ سبّ المؤمن فسوق، وأمّا نقد حياة الصحابة بذكر إيجابيّاتهم وسلبيّاتهم لا يُعدّ سبّاً وإنّما هو نقد لسيرتهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، بل يشهد الحديث الصحيح على أمر فوق الحوار وهو أنّ الصحابي كان يتعرّض للسب; ففي صحيح مسلم عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك من أن تسبّ أبا التراب، فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 18 برقم 46 ; سنن الترمذي: 4 / 131 برقم 2771 .
2 . فتح الباري: 7 / 34 .
3 . فتح الباري: 7 / 34 .

صفحه 48
منهن أحبّ إليّ من حُمر النعم.
ثم أشار إلى فضائل ثلاثة للإمام علي (عليه السلام)وهي:
1. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى».
2. إعطاؤه الراية يوم خيبر وقوله: «لأعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله».
3. لمّا نزلت الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي.1
وحصيلة الكلام: أنّ القوم خلطوا بين السبّ والنقد، والشيعة برآء من السبّ، فهم يرون أنّ السبّ فسق حسب قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو عمل النوكى. أمّا النقد أي دراسة سلوك الصحابي خلال حياته من قوة وضعف، فهو سيرة القرآن الكريم حيث يذكر حسنات الصحابة وسيئاتهم، وصالح أعمالهم وطالحها، وقد تطرق القرآن الكريم إلى ذكر أعمالهم الإيجابية، كما وذكر السلبيّة منها، وهذا واضح لمن قرأ الآيات التالية:
البقرة: 187، آل عمران 144، 153، 161، الحجر: 6، الأحزاب: 22، الجمعة: 6 .
ثم إنّ الشيخ الدكتور مدح الصحابة على وجه يظهر منه أنّ الزمان لا يمكنه أن يأتي بمثلهم إلى يوم القيامة.
غير أنّ كلامه هذا على خلاف ما ورد في القرآن الكريم في مواضع:

1 . صحيح مسلم: 7 / 120 .

صفحه 49
الأوّل: تنبّأ القرآن الكريم بإمكان ارتداد الصحابة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم .
يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه أنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله سبحانه قوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)1. (2)
قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله أو قتل.2
الموضع الثاني: أخبر القرآن الكريم عن أنّه إن ارتدّ من الصحابة أحدٌ أو صنف (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم )3.
وهذا يدلّ على أنّ المستقبل لم يكن عقيماً عن أن يأتي بمن هو أفضل من بعض الصحابة، والله سبحانه هو الفيّاض المطلق ليس لفيضه حدّ محدود.

1 . آل عمران: 144 .   2 . تفسير ابن كثير: 1 / 409 .
2 . زاد المعاد: 253 .
3 . المائدة: 54 .

صفحه 50
الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة التوبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 1
قال ابن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير»:... وإن جرينا على ما عزاه ابن عطية إلى النقّاش: أنّ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ... الأرض) هي أوّل آية نزلت من سورة براءة كانت الآية عتاباً على تكاسل وتثاقل ظهرا على بعض الناس فكانت «إذا» ظرفاً للمستقبل، على ما هو الغالب فيها، وكان قوله: (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)تحذيراً من ترك الخروج إلى غزوة تبوك. (2)
وقال ابن كثير في تفسيره: (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ): أي لنصرة نبيّه وإقامة دينه كما قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).2(وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا): أي ولا تضرّوا الله شيئاً بتولّيكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه.3
ونختم الكلام هنا بكلمة نقلها الدكتور أحمد أمين في «ضحى الإسلام» من رسالة لبعض الزيدية، قال: «إنّا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضاً، بل يلعن بعضهم بعضاً ـ ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة الّتي لا يصحّ فيها نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها، لأنّهم أعرف بمحلّهم من عوامّ أهل دهرنا، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومَن كان معهم وفي جانبهم، لم يروا أن يمسكوا عن علي، وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصرا دون ضربه وضرب

1 . التوبة: 38 ـ 39 .   2 . التحرير والتنوير: 10 / 94 ـ 95 .
2 . محمد: 38 .
3 . تفسير القرآن العظيم: 4 / 135 ـ 136 .

صفحه 51
أصحابه بالسيف، وكالذي روي عن عمر من أنّه طعن في رواية أبي هريرة وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه، وخوّن عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفيء واقتطاعه، وقلّ أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده، إلى كثير من أمثال ذلك ممّا رواه التاريخ . وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ويقولون في العصاة منهم هذا القول، وإنّما اتّخذهم العامّة أرباباً بعد ذلك. والصحابة قوم من الناس، لهم ماللناس وعليهم ما عليهم. من أساء ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم كبير فضل إلاّ بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربّما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنّهم شاهدوا الأعلام والمعجزات، فمعاصينا أخفّ لأنّنا أعذر».1

الحلقة الثامنة:

اليوم الثامن من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف: إنّ العصمة هي عدم القدرة على الوقوع في الذنب، والمعصوم هو الّذي إذا أراد أن يقع في الذنب منعه الله تعالى عن الوقوع فيه .
أمّا العدالة فالملكة الراسخة في نفسه هي الّتي تمنع الشخص من الوقوع في الذنب، لكن في العصمة لا يقع المعصوم في الذنب لا لكونه لديه هذه الملكة فقط ; بل الله سبحانه وتعالى تولّى حفظه من مواقعة الذنوب الظاهرة والباطنة.
ثم مثل بمثال سيدنا يوسف (عليه السلام)ممّا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ

1 . ضحى الإسلام: 3 / 75 ـ 76 .

صفحه 52
بِهَا ) وقال: كان همّ يوسف همّ خطرات وحديث نفس (لَوْلاَ أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ).1
واستطرد الدكتور في ذكر الفرق بين وقوع الذنب أحياناً من الصحابي وعدم وقوعه من جانب النبيّ المعصوم، وقال: إنّ الموانع الّتي تمنع الصحابي كوابح داخلية إنسانية بشرية، يمكن أن تتخلّف، لكن الكوابح الّتي في المعصوم كوابح إلهية تمنع المعصوم من الوقوع في الذنب مطلقاً.
وأكدّ الدكتور أنّه من هنا صحّ وقوع الصحابي في الذنب دون النبيّ.
ثم اختتم حديثه بأنّ الشيعة يمدّون العصمة إلى اثني عشر إماماً بدءاً من الإمام علي ومروراً بالإمامين الحسن والحسين ووصولاً إلى الإمام الثاني عشر الّذين يقولون أنّه في دور الغيبة، وهذا ما لا يقول به أهل السنّة والجماعة.
***
ولنا على كلامه حفظه الله ملاحظات:

الأُولى: تعريف العصمة

عرّف الدكتور العصمة بعدم القدرة على الوقوع في الذنب، وعلّله بوجود كوابح إلهية تمنع المعصوم من الوقوع في الذنب مطلقاً.
فنسأله: أنّ العصمة مفخرة يتحلّى بها الأنبياء والمعصومون، فلو كانوا معها غير قادرين على المعصية ومخالفة التكليف، فلا يُعدّ ذلك مفخرة لعدم قدرتهم على المعصية إذا أرادوها. ولذلك لو افتخر عنين بعدم اقتراف الفحشاء فلا يُعدّ ذلك فخراً له، إنّما الفخر ليوسف (عليه السلام)الّذي كان يتمتّع بالغريزة الكاملة ورغم كلّ ذلك فقد استعصم، وبذلك اعترفت امرأة العزيز وقالت: (وَلَقَدْ

1 . يوسف: 24 .

صفحه 53
رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ )1.
وبعبارة أُخرى: إذا كان الامتناع عن الذنب يتمّ برادع خارجي يوكّل بالإنسان ويمنعه عنه، فلا فضيلة في ذلك، إذ المسألة تشبه أن يقوم شخص بالسرقة ويمتنع آخر عنها ; لأنّ معه دائماً شرطياً يتابعه. ففي هذه الحالة، الثاني سارق كالأوّل ولكن مع فارق فالأوّل يسرق، لا يحول دونه شرطي، والثاني سارق ولكن الشرطي يحول دون ممارسته للسرقة .2
وعلى ذلك فالتفريق بين المعصوم والعادل بالعجز عن المعصية في الأوّل والقدرة عليها عند الثاني، غير صحيح.

حقيقة العصمة

والصحيح أنّ العصمة هي نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي. حيث إنّ العلم القطعي بعواقب الأعمال الخطيرة، يخلق في نفس الإنسان وازعاً قوياً يصدُّه عن ارتكابها.
وأمثاله في الحياة كثيرة; فلو وقف أحدنا على أنّ في الإسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل مَن يمسّها من دون عائق، فإنّه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والإقتراب منها; ونظير ذلك، الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، فإنّه إذا صادف ماءً اغتسل فيه مصاب بالجُذام أو البَرَص، أو إناءً شرب منه مصابٌ بالسِّلِّ، لا يقدم على الإغتسال فيه أو شربه، مهما اشتدّت حاجته إليه، لعلمه بما يَجُرّ عليه الشرب والإغتسال بذاك الماء الموبوء، من الأمراض. وقس على ذلك سائر العواقب الخطيرة، وإن كانت من

1 . يوسف: 32 .
2 . الإمامة للشهيد المطّهري: 203 .

صفحه 54
قبيل السقوط في أعين الناس، وفقدان الكرامة وإراقة ماء الوجه بحيث لا ترغد الحياة معه.
فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال يوجد تلك المصونية عن الإرتكاب، في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعي بالعواقبِ الأُخرويِة للمعاصي ورذائل الأفعال، علماً لا يداخله ريبٌ ولا يعتريه شكٌ، علماً تسقط دونه الحُجُب فيرى صاحبُه رَأي العينِ، ويَلْمِسُ لَمسَ الحِسِّ، تَبِعاتِ المعاصي ولوازِمَها وآثارَها في النشأة الأُخرى، ذَاك العلم الّذي قال تعالى فيه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)1، فمِثْلُ هذا العِلم يخلُق من صاحبه إنساناً مثالياً، لا يخالفَ قول ربه قيد أنملة، ولا يتعدّى الحدود الّتي رسمها له في حياته قدر شعرة، ولن تنتفي المعصية من حياته فحسب، بل إنّ مجرّد التفكير فيها، لن يجد سبيله إليه.
وما ذكرناه يفيد أنّ للعلم مرحلة قوية، راسخة، تُغَلِّب الإنسان على الشهوات وتَصُدُّه عن فعل المعاصي والآثام. ونجد هذا البيان في كلمات جمال الدين الفاضل مقداد بن عبد الله السُيوري الحلِّي في كتابه القيّم «اللّوامع الإلهية»، يقول: «العصمة ملكة نفسانية تمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه. وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات; لأنّ العفة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس، فتصير ملكة».(2)
وليس المُدَّعى أنّ كلّ علم بعواقب الأفعال يصد الإنسان عن ارتكابها،

1 . التكاثر: 5 و 6.   2 . اللوامع الإلهية: 170.

صفحه 55
وأنّ العلم بمجرّده يورث العصمة، فإنّ ذلك باطل بلا ريب، لأنّا نرى الكثيرين من ذوي العلوم بمَضرَاتِ المُخَدِّرات والمُسكرات والأعمال الشنيعة لا يتورّعون عن ارتكابها، استسهالاً للذم في مقابل قضاء وَطَرهم منها. فلو كان العلم بعواقب المعاصي من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك العادي، لتسرّب إليه التخلّف، لكنّ سنخ العلم الّذي يصيِّر الإنسان معصوماً، ليس من سنخ هذه العلوم والإدراكات المتعارفة، بل علمٌ خاصٌ فوقها، ربما يعبّر عنه بشهود العواقب وانكشافها كشفاً تامّاً لا يبقى معه ريب.
نعم كلّ ما ذكرناه يرجع إلى العصمة بأحد معانيها، وهو المصونية عن المعصيّة والتمرّد على أوامر المولى، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي أوّلاً، والتحفّظ عليها ثانياً، وإبلاغه إلى الناس ثالثاً، والعصمة عن الخطأ في الأُمور الفردية والاجتماعية فلابدّ لها من عامل آخر، نتعرض له في الأبحاث الآتية بإذن الله .
***
الثانية: قال الدكتور: من هنا صحّ وقوع الصحابي في الذنب.
أقول: إنّ الشيخ قد تفرّد في هذا الرأي حيث إنّه يصرّح بأنّه قد صدر من الصحابة الذنب الكبير، إلاّ أنّ غيره من علماء السنّة يتعاملون مع الصحابة معاملة المعصوم حيث إنّهم يتحاشون عن نسبة الذنب إليهم، وكلّما يورد عليهم بصدور الذنب عن الصحابي، يقولون: إنّه اجتهد، والمجتهد مأجور فإن كان مصيباً فله أجران وإن كان مخطئاً فله أجر واحد ; وبالتالي صار مقترف الذنب ذا أجر، وليس هذا إلاّ المغالاة في حقّ الصحابة!!
***

صفحه 56

الحلقة التاسعة:

اليوم التاسع من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: إنّ العدالة ـ عند أهل السنّة ـ هي ملكة بشرية تحول دون وقوع العدل في المعاصي، ولكن يجوز معها أن تتغلب النوازع ويقع في الذنب، أمّا العصمة فتعني استحالة الوقوع في الذنب بسبب حفظ الله (عزّوجلّ) للرسل والأنبياء بواطنهم وظواهرهم من التلبّس بالمعاصي.
ثم إنّه حفظه الله استرسل في الكلام حول عصمة الأنبياء بوجه جيد لا خلاف فيه، ثم قال: بأنّ مفهوم العدالة عند أهل السنّة هي العدالة الّتي يجوز معها الوقوع في الخطأ، وهذا المفهوم ينطبق على الصحابة رضي الله عنهم، ولكن الشيعة لمّا توسعوا في مفهوم العصمة اضطروا لفتح باب الوحي للأئمة من بعد الأنبياء، ونحن نقول: إنّ العصمة للأنبياء فقط، والوحي قد انقطع بوفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
***

أقول: وعلى كلامه حفظه الله ملاحظات:

الأُولى: أنّك قد عرفت أنّ العصمة لا تلازم استحالة الوقوع في الذنب، وإلاّ لم تكن فخراً لواحد من الأنبياء، وقد مرّ تفصيله.
الثانية: أنّه تارة يقول: إنّ العدالة يجوز معها أن تتغّلب النوازع ويقع في الذنب.
ولكنّه مرّة أُخرى يقول: إنّ العدالة هي الّتي يجوز معها الوقوع في الخطأ.
ومن الواضح أنّ التعريف الثاني لا صلة له بالعدالة ، ولا منافاة بين الخطأ

صفحه 57
والعدالة، بخلاف الذنب.
الثالثة: أنّ ما نسبه إلى الشيعة من أنّهم لمّا توسّعوا في مفهوم العصمة اضطروا لفتح باب الوحي للأئمة من بعد الأنبياء .
إنّ الأُمّة الإسلامية سنّة وشيعة قالوا بغلق باب الوحي بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا هو إمام الأُمّة يقول عند تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ».1
وعلى ذلك كيف يمكن للشيعة بأن يقولوا بأنّ الأئمة يوحى إليهم، غير أنّ الأُستاذ في قضائه هذا لم يفرّق بين الوحي والتحديث، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)محدَّثون، لا موحى إليهم، وقد عقد البخاري باباً في التحديث، وسيوافيك ما أورده فيه، بعد تعريف المحدَّث .
فالمحدّث هو مَن تكلّمه الملائكة بلا نبوّة ولا رؤية صورة، أو يُلهم ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، أو غير ذلك من المعاني الّتي يمكن أن يراد منه، فوجود مَن هذا شأنه من رجالات هذه الأُمّة متّفق عليه بين فرق الإسلام، بيد أنّ الخلاف في تشخيصه، فالشيعة ترى أنّ عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة(عليهم السلام)من المحدّثين، وأهل السنّة يرون أن منهم عمر بن الخطاب:
1. أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب عن أبي هريرة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لقد كان فيمَن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أُمّتي منهم أحدٌ فعمر.2

1 . نهج البلاغة: الخطبة 235 .
2 . صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب عمر بن الخطاب، دار الفكر ـ 1401 هـ .

صفحه 58
2. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد كان فيما قبلكم من الأُمم محدَّثون فإن يكن في أُمّتي أحد فإنّه عمر .1
3. أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان في الأُمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.2
وقال ابن حجر أيضاً: قوله: «محدَّثون» بفتح الدال جمع محدّث واختلف في تأويله فقيل: ملهم، قاله الأكثر، قالوا: المحدَّث بالفتح هو الرجل الصادق الظن وهو من أُلقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدّثه غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري، وقيل: مَن يجري الصواب على لسانه من غير قصد. وقيل: مكلّم أي تكلّمه الملائكة بغير نبوّة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ولفظه: قيل: يا رسول الله وكيف يُحدّث؟ قال: تتكلّم الملائكة على لسانه. وحكاه القابسي وآخرون. ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة، ويحتمل ردّه إلى المعنى الأوّل أي تكلّمه في نفسه وإن لم ير مكلّماً في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام .3
ولأعلام القوم حول المحدَّث والروايات الواردة في حقّه كلمات وافية تعرب ـ بوضوح ـ عن وجود الفرق بين المحدَّث والنبي، وأنّه ليس كلّ مَن يُنكَت في أُذنه أو يُلقى في قلبه نبيّاً، واختلاف الشيعة مع السنّة إنّما هو في المصاديق فالشيعة ـ كما قلنا ـ يرون أن عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة من

1. صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب عمر بن الخطاب، دار الفكر ـ 1401 هـ .
2 . صحيح مسلم بشرح النووي: 15، رقم الحديث 6154 .
3 . فتح الباري: 7 / 50 .

صفحه 59
المحدَّثين وأهل السنّة يرون أنّ منهم عمر بن الخطاب.
***
ثم إنّ الدكتور أشار في محاضرته بأنّ هناك نوعاً آخر من العصمة عند أهل السنّة لابدّ من توضيحه بهذه المناسبة، وهو أنّ العصمة تكون لمجموع الأُمّة وليست لأفرادها، وهناك فرق بين المجموع وبين الأفراد، فلو أجمع علماء المسلمين على أمر وتلقّاه المسلمون بالقبول الحسن، فإنّ هذا الأمر يصير حقّاً، فإنّ الأُمّة معصومة في هذه الأحكام، وهي واجبة الاتّباع، بل هي حجج تشريعية بعد نصوص القرآن الكريم، والسنّة النبوية.
ثم قال: إنّ الشيعة يقولون إنّ إجماع الأُمّة لو كان بينهم الإمام المعصوم ـ بزعمهم ـ فإنّه يُعدّ هذا الإجماع معصوماً بعصمة الإمام.
وأمّا لو لم يكن بينهم إمام معصوم فإجماع الأُمّة حينئذ غير معصوم.
يلاحظ عليه: بأنّ من مراتب التوحيد، التوحيد في التشريع بأنّه لا مشرّع إلاّ الله، وليس لأحد حقّ التشريع والتقنين: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)1 .
وعلى هذا فمصدر التشريع هو الكتاب والسنّة فقط، وأمّا الاحتجاج بالعقل، فلأجل أنّ إدراكه كاشف عن الحكم الشرعي، فليس له حقّ التشريع، وإنّما يتمتّع بالكشف عمّا هو الحكم عند الشارع على وجه بيّنه الأُصوليون.
وأمّا إجماع الأُمّة فلم يدلّ دليل صحيح على أنّ إجماعهم على حكم إذا كان معه دليل ظنّي يرتفع الحكم مع الإجماع إلى حكم قطعي واقعي ويكون

1 . يوسف: 40 .

صفحه 60
كسائر ما دلّ عليه الكتاب والسنّة. إذ معنى هذا أنّ الإجماع من مصادر التشريع، وقد عرفت أنّ مقتضى القول بالتوحيد في التشريع انحصار التشريع في الكتاب والسنّة.
وأمّا الشيعة فلا يرون الإجماع من أدوات التشريع، بل أنّه كاشف عن الحكم الشرعي فلو كان الإمام المعصوم بينهم فإجماعهم يكشف عن موافقة الإمام لهم، فيكون أيضاً كاشفاً عن الحكم الشرعي، وأمّا في غير هذه الصورة فالشيعة تقول بحجّية الإجماع بطرق مختلفة مذكورة في الكتب الأُصولية أوضحها أنّها تكشف عن وجود دليل شرعي بين المجمعين، وصل إليهم ولم يصل إلينا، وعلى ذلك يصير النزاع في حجّية الإجماع نزاعاً لفظياً لا ثمرة له فهو حجّة في كلتا الحالتين، سواء أكان الإجماع من أدوات التشريع كما هو رأي أهل السنّة، أو كاشفاً قطعياً عن الحكم الشرعي أو الدليل الشرعي.
ونحن نقترح على شيخ الأزهر بأن يسمح بدراسة الفقه الإمامي في الأزهر الشريف حتّى يتبيّن أنّ الفوارق أقل ممّا يُتصور، وأنّه ما من مسألة شرعية ـ إلاّ ما شذّ ـ لها موافق من فقهاء السنّة قديمهم أو حديثهم، ويكفي في ذلك مطالعة كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي (رحمه الله)، وقد سمعت بأُذني من الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي عندما حلّ علينا ضيفاً في قم المقدّسة قال: إنّي أشهد أنّ الاختلاف بين فقهاء السنّة أكثر من الاختلاف بين السنّة والشيعة، أنار الله برهانه.

صفحه 61

الحلقة العاشرة:

اليوم العاشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب في هذه المحاضرة بعد بيان الفرق بين العصمة في الأنبياء والعدالة في الصحابة ما هذا حاصله:
إنّ العدالة ليست عصمة إلهية، ولذا قد تضعف العدالة عند الصحابي وتتغلّب عليه نوازع النفس ويقع في الإثم وسرعان ما يتوب إلى الله، لكنّها حالات محدودة، فمن الصحابة مَن اقترف بعض الآثام، وكان يعترف بإثمه، ويذهب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يطلب منه أن يطهره بإقامة الحدّ، والتاريخ يقصّ علينا أنّ بعض الصحابة قد دخلوا فيما يُسمّى بالفتنة الكبرى وهو الاقتتال الّذي حدث فقتل سيدنا عثمان، وفي عهد سيدنا علي ـ رضي الله عنهما ـ مع أنّهم ما دخلوا فيه إلاّ مجتهدين ومتأوّلين، فكلّ كان يعتقد أنّه يقاتل في سبيل الحقّ ومن أجل مصلحة المسلمين، ومعلوم أنّ المجتهد إذا اصاب له أجران: أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحقّ، وأنّ المجتهد المخطئ له أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد، وبالتالي فإنّ المسألة هنا لا تجرّم الصحابي الّذي ذهب وانضمّ للجيش المطالب بدم عثمان، ولا تجرّم الصحابي الّذي انظم لجيش علي.
***
أقول: نحن رضينا بقول الدكتور بأنّ الصحابة يصدر منهم الذنب الكبير، وقد ذكر مثالاً واحداً وهو الّذي جاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)طالباً منه أن يطهّره، بإقامة الحدّ، ولكن بيت القصيد الّذي تدور عليه رحى الاختلاف، هم الّذين حاربوا الخليفة الشرعي أعني الإمام عليّاً (عليه السلام)في الحروب الثلاثة: الجمل، وصفين،

صفحه 62
والنهروان، والأُستاذ ـ حفظه الله ـ جعلهم مجتهدين متأوّلين وأثبت لهم الأجر، ثم إنّه في ختام كلامه قال: وليس مَن شرب الخمر وادّعى الاجتهاد مجتهداً، لأنّه لا اجتهاد ولا تأويل مع النصوص الواضحة.
فنحن نقول: أي نصّ أوضح من قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم». 1
وقوله: «يا علي ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحقّ، فمَن لم ينصرك يومئذ فليس منّي».2
وأي دليل أوضح من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» وقال أيضاً: «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».3 وقد قتله جيش معاوية الّذين سمّاهم رسول الله الفئة الباغية.
أو ليس عمل الفئة الباغية هذا، اجتهاداً في مقابل النصّ، وأيُّ فرق بين تحليل الخمر مع ورود النصّ الروائي على حرمته ومحاربة الإمام الّذي نصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على كون المحارب له باغياً، متجاوزاً عن ميزان الحقّ؟! أو يصحّ بعد ذلك تعديل هؤلاء والحكم بانّهم متأوّلون مثابون؟!
وبعبارة أُخرى: إنّ طبيعة القضية وخطورة الموقف المترتّب على الحروب الثلاثة تقتضي أن يكون النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قد حذّر الجميع منها، ورسم

1 . مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 169; المعجم الأوسط للطبراني: 3 / 179 ; المستدرك على الصحيحين: 3 / 161، برقم 4714 .
2 . تاريخ دمشق لابن عساكر: 12 / 370 ; برقم 1220 ; مجمع الجوامع للسيوطي: 6 / 155 ; كنز العمال: 11 / 613، برقم 32970 .
3 . الإصابة لابن حجر: 2 / 512 برقم 5704 ; تهذيب التهذيب: 7 / 409، برقم 665 ; البداية والنهاية لابن كثير: 7 / 298، حوادث سنة 37 هـ .

صفحه 63
لهم الموقف المناسب الّذي عليهم اتّخاذه عند نشوبها ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حذّر ممّا هو أدنى منها خطورة، فكيف بقضية بحجم تلك الفتنة الّتي كادت أن تعصف بالعالم الإسلامي؟! وهذا ما تؤيّده الروايات الّتي انتهت إلى كبار الصحابة، وهذه كلمات الصحابة مبثوثة في طيّات الكتب والمعاجم، وهي تعرب عن أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحثّ أصحابه على نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام)في تلك الحروب، ويدعوهم إلى القتال معه، ويأمر عيون أصحابه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ونشير هنا إلى نماذج من تلك الروايات الّتي تنتهي إلى كبار الصحابة كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)وأبي أيوب الأنصاري، وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعمّار بن ياسر، وابن عباس، ممّا يكشف عن مدى اهتمامه بهذه القضية:
أخرج الحاكم في المستدرك1 والذهبي في تلخيصه عن أبي أيوب الأنصاري: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ورواه أيضاً الكنجي 2.
وأخرج الحاكم أيضاً 3، عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله يقول لعلي: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
ولمّا عوتب أبو أيوب الأنصاري على مقاتلة المسلمين احتجّ بأنّه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال أبو صادق: قدم علينا أبو أيوب العراق فأهدت له الأزد جزراً، فبعثوها معي، فدخلت فسلمت عليه وقلت له: يا أبا أيوب قد كرّمك الله

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 139 .
2 . لاحظ : كفاية الطالب: 70 .
3 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 140 .

صفحه 64
عزَّ وجلَّ بصحبة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ونزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم؟! هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة! قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم ـ يعني: معاوية وأصحابه ـ وعهد إلينا أن نقاتل مع علي المارقين، ولم أرهم بعد .1
وروى علقمة والأسود عن أبي أيوب أنّه قال: إنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمرنا بقتال ثلاثة مع علي بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين.2
وقال عتاب بن ثعلبة: قال أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع عليّ. ورواه عنه أصبغ بن نباتة غير أن فيه: أمرنا.3
وعن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء فمع مَن؟ قال: «مع عليّ بن أبي طالب».4

1 . شرح نهج البلاغة: 3 / 207 .
2 . تاريخ ابن عساكر: 42 / 472، دار الفكر، بيروت ـ 1415 هـ ; تاريخ ابن كثير: 7 / 306 (7 / 339 حوادث سنة 37 هـ) ; كنز العمال: 11 / 352 ح 31720. وراجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 207، الخطبة 48.
3 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 42 / 472 ; ورواه الحاكم في المستدرك: 3 / 139 ـ 140 بلفظ قريب من هذا; وابن عبدالبرّ في الاستيعاب: 3 / 53 (القسم الثالث / 1117 برقم 1855 ).
4 . أخرجه: الحاكم في أربعينه كما ذكره السيوطي; والحافظ الكنجي في الكفاية : 72 (ص 173 الباب 38) ; وابن كثير في تاريخه: 7 / 305 (7 / 339 حوادث سنة 37 هـ).

صفحه 65
وعن أبي اليقظان عمّار بن ياسر، قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. أخرجه الطبراني، وفي لفظه الآخر من طريق آخر: أمرنا، أخرجه الطبراني وأبو يعلى، وعنهما الهيثمي .1
ومن كلام لعمّار بن ياسر خاطب به أبا موسى الأشعري، قال: أمّا إني أشهد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عليّاً بقتال الناكثين، وسمّى لي فيهم من سمّى، وأمره بقتال القاسطين، وان شئت لأقيمنّ لك شهوداً يشهدون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما نهاك وحدك وحذرك من الدخول في الفتنة.2
والعجب أنّ الدكتور يساوي بين الجبهتين في أنّ كلاهما مجتهد!! وشتّان بين الشجرتين: شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وما أبعد ما بين الشجرتين، شجرة مباركة زيتونة والشجرة الملعونة في القرآن بتأويل من النبيّ الأعظم، بلا اختلاف بين اثنين في أنّهم هم المراد من الشجرة الملعونة كما ذكر الطبري.(3)
نقل الأُستاذ محمد رشيد رضا في تفسيره: قال أحد كبار علماء الألمان في الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكّة: إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان (كذا) من عاصمتنا (برلين)، قيل له: لماذا؟ قال: لأنّه هو الّذي حوّل نظام الحكم الإسلامي من قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوربا عرباً مسلمين .3

1 . مسند أبي يعلى: 3 / 194 ح 1623 ; مجمع الزوائد: 7 / 238 .
2 . شرح نهج البلاغة: 14 / 15 .   3 . لاحظ : تاريخ الطبري: 11 / 365 .
3 . تفسير المنار: 11 / 260 .

صفحه 66
ومن الجدير بالذكر فإنّ الدكتور قد تطرّق في نهاية كلامه إلى ما ذكرته وكالة أنباء فارس، وأجاب هو عن ذلك. ونحن لا نتدخل في ذلك .

الحلقة الحادية عشرة:

اليوم الحادي عشر من شهر رمضان 1436 هـ

ركّز الدكتور أحمد الطيب في حديثه اليومي على عصمة الأُمّة وقال: إنّ تفخيم وتعظيم شأن الأُمّة على الرغم من عدم وجود دليل عقلي; ذاهب بنا إلى أنّ الأُمّة قد تجتمع على ضلال، وكثير من الأُمم اجتمعت على ضلالات كثيرة في التاريخ، وكان يمكن أن تجتمع الأُمة الإسلامية على ضلال عقلاً ولكن جاء الشرع ليستثني أُمّة المسلمين من الوقوع في الضلال، فعن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إنّ الله لا يجمع أُمّتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة، وعن أنس بن مالك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقول: إنّ الله قد أجار أُمتي أن تجتمع على ضلالة، فاجتماع الأُمّة على أمر يعني أنّها معصومة من الخطأ فيه.
***
أقول: إنّ مصادر التشريع منحصرة في: الكتاب والسنّة والعقل والإجماع، وأُريد من الإجماع اتّفاق المسلمين على أمر شرعي بحيث يُعد من الاتّفاقيات بين عامّة المسلمين، وأين هذا من خلافة الخلفاء الّتي أصفق عليها جمع من المسلمين مع مخالفة غيرهم، فعلى هذا فهي ليست من الأُمور الّتي أطبق عليها كُلُّ المسلمين، كيف وقد خالف فيها جمع من الصحابة وهم روّاد التشيّع وعلى رأسهم أهل البيت كافّة؟!
فعلى سماحة الدكتور أن يقرأ تاريخ السقيفة وما جرى فيها من نزاع

صفحه 67
وتضارب في الآراء وشجار وعراك وسلّ السيوف، وقد خرج من تسنّم منصّة الخلافة برأي طائفة معيّنة من الأنصار وهم الأوس مع إنكار الخزرجيّين كلّهم.1
وأمّا الحديث الّذي استدلّ به الدكتور فهو ضعيف، وإليك بيانه على وجه الإجمال.
1. روى ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم ».2
وفي سنده أبو خلف الأعمى، قال الذهبي: يروي عن أنس، كذّبه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث .3
2. روى الترمذي عن ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله لا يجمع أُمّتي، أو قال: أُمّة محمد، على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ إلى النار».4
وفي سنده سليمان بن سفيان المدني، وقد عرّفه الذهبي قائلاً: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرّة: ليس بثقة، وقال أبو حاتم والدارقطني: ضعيف وليس له في السنن والمسانيد غير حديثين .5

1 . لاحظ : تاريخ الطبري: 2 / 443، وغيره من المصادر.
2 . سنن ابن ماجة: 2 / 1303، برقم 3950 .
3 . ميزان الاعتدال: 4 / 521، برقم 10156 .
4 . سنن الترمذي: 4 / 466، برقم 2167، كتاب الفتن.
5 . ميزان الاعتدال: 2 / 209، برقم 3469 .

صفحه 68
3. روى أبو داود عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله أجاركم من ثلاث خلال ـ إلى أن قال: ـ وأن لا تجتمعوا على ضلالة».1
وفي سنده محمد بن عوف الطائي ذكره الذهبي ووصفه بكونه مجهول الحال.(2)
4. روى أحمد في مسنده عن أبي ذر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث أنّه قال: «اثنان خير من واحد ـ إلى أن قال: ـ إنّ الله عزوجل لم يجمع أُمّتي إلاّ على هدى».2
وفي سنده ابن عياش الحميري قال عنه الذهبي: مجهول.(4)
5. روى الحاكم النيسابوري في مستدركه هذا الحديث بمسانيد تشتمل جميعها على المعتمر بن سليمان. ذكره الذهبي قال: معتمر بن سليمان البصري أحد الثقاة الأعلام. قال ابن خراش: صدوق يخطأ من حفظه وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة.
قلت: هو ثقة مطلقاً. ونقل عن ابن معين: ليس بحجّة .3
وعلى كلّ تقدير فهذا الخبر على علاّته خبر واحد لا تثبت به القاعدة القطعية حتّى يحتج به في عامّة الأبواب، ولذلك يقول تاج الدين السبكي (المتوفّى 771 هـ): أمّا الحديث فلا أشكّ أنّه اليوم غير متواتر، بل لم يصحّ منه طريق على السبيل الّذي يرتضيه جهابذة الحفاظ... إلى آخر ما قال .4

1 . سنن أبي داود: 4 / 98، برقم 4253 .   2 . ميزان الاعتدال: 2 / 676، برقم 8030 .
2. مسند أحمد: 5 / 145 .   4 . ميزان الاعتدال: 4 / 594، برقم 10821 .
3 . ميزان الاعتدال: 4 / 143، برقم 8648 .
4 . رفع الحاجب عن ابن الحاجب، الورقة 176 ب، المخطوط في مكتبة الأزهر.

صفحه 69
وبهذا يظهر بأنّه لا يمكن أن يحتج على صحّة خلافة الخلفاء بالإجماع وذلك من وجهين:
1. عدم وجود الإجماع لكثرة المخالفين.
2. أنّ الاستناد في حجّية مثل هذا الإجماع إلى الحديث المذكور، غير تام ; لأنّه خبر واحد لا يحتجّ به في العقائد والمعارف. وفي مثل الخلافة الّتي تعد من مهام الأُمور. مضافاً إلى ما عرفت من عدم تحقق الاجماع .
وقد تخلّف عن البيعة كثير من الأنصار كالخزرجيين وآل هاشم وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب وجمع معه.1

الحلقة الثانية عشرة:

اليوم الثاني عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: إنّ عدالة الصحابة ليست محلّ نقاش بين السنّة وهي قضية مسلّمة، فبعد تعديل الله عزوجل إيّاهم وثنائه عليهم في نصوص واضحة من القرآن الكريم2، لا يصحّ أي تعديل بعد ذلك من أحد، ولا يجوز التطاول عليهم، ومَن يتطاول عليهم فإنّه يغامر بإيمانه والعياذ بالله.
ثم قال في تصريحات صحفية له: ومن ثم لا يصحّ أن نبحث في أحوالهم

1 . لاحظ : تاريخ الخلفاء الراشدين، لابن قتيبة: 12; صحيح البخاري: 5 / 83 ، كتاب المغازي، غزوة خيبر، دار الفكر ـ 1401 هـ ; والطبعة الجديدة، برقم 4241 .
2 . يشير إلى قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). التوبة: 100 .

صفحه 70
بنيّة معرفة هل الصحابي عدل أم لا؟ لأنّ القرآن الكريم أعطاهم شهادة تزكية، ومَن يتشكّك في هذا فهو متشكّك في هذه الشهادة الإلهية، ولذا لا يوجد في أي مصدر من مصادر علم الجرح والتعديل عند أهل السنّة اسم صحابي واحد، فهذا لم يحدث في كتب أهل السنّة، لعلمهم أنّهم معدّلون من فوق سبع سماوات.
***
أقول: لم أجد في كلام شيخ الأزهر أمراً جديداً حتّى نتأمّل به. وقد مرّ في الحلقة السابعة أنّ الآية لا تدلّ إلاّ على رضا الله سبحانه عن جمع من الصحابة لا عن الكلّ من أوّلهم إلى آخرهم.
أضف إلى ذلك: أنّ كلّ تعديل وتحسين رهن بقاء المعدّل على الحالة السابقة إلى يوم وفاته، وقد مرّ نصّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ الأُمور بخواتيمها، وعلى هذا فلا يمكن الاستدلال بالآية المذكورة على عدالة الصحابة إذا دلّ الدليل على صدور الذنب منهم، خصوصاً إذا كان الصحابي محارباً للإمام المنصوص على إمامته، أو من اتّفق المهاجرون والأنصار على بيعته، كما هو الحال في الإمام علي (عليه السلام)فهو إمّا إمام منصوص عليه ـ كما عليه الإمامية ـ أو أنّه قد بايعه المهاجرون والأنصار ولم يتخلّف عن بيعته إلاّ مَن لم يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد.
ثم إنّ الدكتور لا يفرّق بين السبّ ودراسة حياة الصحابي، أمّا العمل الأوّل فقد مرّ أنّه عمل النوكى، والشيعة الإمامية برآء لا يسبّون أحداً، فكيف الصحابي؟! وأمّا الثاني فلا صلّة له بالسبّ، وهذا هو الّذي ربّما يتصوّر أنّه سبّ للصحابي.

صفحه 71
فهذه السيدة عائشة أُمّ المؤمنين فهي وإن كان لها كرامتها الأُولى حسب ما قاله الإمام علي (عليه السلام)، ولكنّ ذلك لا يصدّنا عن تقييم ودراسة ما قامت به من أعمال حيث خرجت على إمام زمانها، على رأس جيش يقوده طلحة والزبير اللّذان كانا يحرّضان الناس ضد عثمان بن عفّان، ولكنّهما انقلبا على عقبيهما فصارا يطالبان بدمه الّذي أُريق بسببهما!!
وقد استعانا في تحريض الناس على الخروج على الإمام علي (عليه السلام)بزوج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي أُمرت بأن تقرّ في بيتها بنصّ القرآن الكريم.
روى الطبري: أنّ عائشة لمّا انتهت إلى (سَرِف) راجعة في طريقها إلى مكّة لقيها عبد بن أُمّ كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ـ ينسب إلى أُمّه ـ فقالت له: مَهيم؟ قال: قتلوا عثمان وبقوا (فمكثوا) ثمانياً، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأُمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب، فقالت: والله ليت إن هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك. ردّوني ردّوني، فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قُتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أُم كلاب: ولِمَ؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.
قالت: إنّهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل. فقال لها ابن أُمّ كلاب:
فمنك البداء ومنك الغير *** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام *** وقلت لنا إنّه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله *** وقاتله عندنا مَن أمر
فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فسترت ،

صفحه 72
واجتمع إليها الناس.1
هذا هو عملنا في دراسة حياة الصحابي والصحابية، ولا نتجاوزه بشيء، فإذا كان هذا سبّاً لهم، فأوّل من سبّ هم أصحاب السير والتاريخ الّذين جمعوا حياة الصحابة في موسوعاتهم التاريخية وغيرها.
وبذلك يظهر أنّ التشكيك في عدالة الصحابي ليس تشكيكاً في الشهادة الإلهية فهي حقّ في موضعها ومحلّها، كما أنّ الدراسة أيضاً حقّ في محلّها.
وكلّ ما يُسمّيه نظراء شيخ الأزهر سبّاً فهو من مقولة دراسة حياتهم وأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر، من دون النيل من كرامتهم أو أعراضهم، وما شابه ذلك .
وهناك كلمة قيّمة للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سره)قال: لعلّ قائلاً يقول: إنّ سبب العداء بين الطائفتين أنّ الشيعة ترى جواز المسّ من كرامة الخلفاء أو الطعن فيهم، وقد يتجاوز البعض إلى السبّ والقدح ممّا يسيء الفريق الآخر طبعاً ويهيج عواطفهم. فيشتدّ العداء والخصومة بينهم.
والجواب: أنّ هذا لو تبصّرنا قليلاً ورجعنا إلى حكم العقل بل والشرع أيضاً لم نجده مقتضياً للعداء أيضاً .
أمّا (أوّلاً) فليس هذا من رأي جميع الشيعة وإنّما هو رأي فردي من بعضهم، وربّما لا يوافق عليه الأكثر. كيف وفي أخبار أئمة الشيعة النهي عن ذلك، فلا يصحّ معاداة الشيعة أجمع لإساءة بعض المتطرّفين منهم.

1 . تاريخ الطبري: 3 / 476 ، أحداث سنة 36 هـ ; ولاحظ : الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 206 ـ 207.

صفحه 73
(وثانياً): أنّ هذا على فرضه لا يكون موجباً للكفر والخروج عن الإسلام. بل أقصى ما هناك أن يكون معصية، وما أكثر العصاة في الطائفتين. ومعصية المسلم لا تستوجب قطع رابطة الأُخوة الإسلامية معه قطعاً.
(وثالثاً): قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً ولا يوجب فسقاً إذا كان ناشئاً عن اجتهاد واعتقاد، وإن كان خطأ، فإنّ من المُتَسالمَ عليه عند الجميع في باب الاجتهاد أنّ للمخطئ أجراً وللمصيب أجرين. وقد صحّح علماء السنّة الحروب الّتي وقعت بين الصحابة في الصدر الأوّل كحرب الجمل وصفين وغيرهما، بأنّ طلحة والزبير ومعاوية اجتهدوا وهم وإن أخطأوا في اجتهادهم، ولكن لا يقدح ذلك في عدالتهم وعظيم مكانتهم. وإذا كان الاجتهاد يبرر ولا يستنكر قتلَ آلاف النفوس من المسلمين وإراقة دمائهم، فبالأولى أن يبرر ولا يستنكر معه ـ أي مع الاجتهاد ـ تجاوز بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.
والغرض من كلّ هذا أننّا مهما تعمقّنا في البحث ومشينا على ضوء الأدلّة، عقلية أو شرعية، وتجرّدنا من الهوى والهوس والعصبيات، فلا نجد أي سبب مبرّر للعداء والتضارب بين طوائف المسلمين مهما اتّسعت شقّة الخلاف بينهم في كثير من المسائل.1

1 . مجلة رسالة الإسلام، العدد الثالث من السنة الثانية: 270 .

صفحه 74

الحلقة الثالثة عشرة:

اليوم الثالث عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: إنّ هدفنا هو البحث عن وحدة الأُمة الإسلامية لا فرقتها، فالأزهر لم يكن في يوم من الأيام مؤسسة فتنة أو فرقة بين المسلمين، فهو الّذي نادى في القرن الماضي بالتفاهم بين السنّة والشيعة، وهو حريص على هذه الوحدة، لأنّ ما أصابنا وما نكتوي بناره الآن، ما جاء إلاّ من هذه الفرقة بين أصحاب المذهبين، فليكن هذا معلوماً للجميع.
***
أقول: التقريب بين المذاهب الإسلامية أُمنية تمنّاها رجال التقريب في أوائل القرن الرابع عشر، وهم كانوا من العلماء المخلصين المتحمّسين للإصلاح (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ )1 .
ولتحقيق هذه الأُمنية قاموا بإصدار مجلة إسلامية عالمية باسم «رسالة الإسلام» 2 .
إنّ هذه المجلة بأُسلوبها المركّز وحيادها التام واحترامها المتقابل وابتعادها عن كافّة الميول والاتجاهات السياسية، لم تثمر إلاّ الخير والنصيحة للمسلمين ونالت ثقة علماء المذاهب .
إنّ هؤلاء الّذين رفعوا راية التقريب انتقلوا إلى رحمة الله سبحانه، فمن الشيعة أصحاب السماحة من العلماء الاعلام أمثال:
1. الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.

1 . الكهف: 13 ـ 14 .
2 . صدر العدد الأوّل بتاريخ ربيع الأوّل 1368 هـ .

صفحه 75
2. السيد هبة الدين الشهرستاني.
3. السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي.
4. الشيخ محمد جواد مغنية.
والمراجع العظام نظراء:
1. آية الله البروجردي.
2. آية الله السيد صدر الدين الصدر.
3. آية الله السيد محمد تقي الخوانساري.
ومن علماء أهل السنّة شيخا الأزهر الكبيران :
1. الشيخ عبدالمجيد سليم.
2. الشيخ محمود شلتوت.
وجمع من علماء الأزهر أمثال: الشيخ محمود أبو زهرة، والشيخ محمد محمد المدني (رئيس تحرير المجلة)، والأُستاذ الكبير عبد العزيز عيسى أمين (مدير إدارة المجلة) وآخرون غيرهم.
ومن الكتّاب يومذاك السادة: أحمد أمين، وعباس محمود العقّاد، ومحمد فريد وجدي، وأمثالهم .
وهذه النخبة الفاضلة قلّما يتّفق أن يأتي الزمان بأمثالهم، وقد حملوا هموم المسلمين، ووقفوا على مواضع الخطر الّذي يهدّد الأُمة الإسلامية فوضعوا العلاج له، فياليت أن يقوم الخلف من بعدهم بالاقتداء بهم والتمسّك بالمشتركات الكثيرة وإيكال المسائل الخلافية إلى المعاهد والمراكز العلمية دون نشرها على رؤوس الملأ.
وإليك كلام أحد أعلام التقريب، قال: نعم ربّما يتصوّر أنّ التقريب بين المذاهب أمر ممتنع لوجود الفرق الجوهري بين الشيعة والسنّة، فالشيعة ترى أنّ الإمامة أصل من أُصول الدين وهي رديفة التوحيد والنبوّة، وأنّها منوطة بالنصّ

صفحه 76
من الله ورسوله، وليس للأُمّة فيها من الرأي والاختيار شيء، كما لا اختيار لهم في النبوّة، بخلاف إخواننا من أهل السنّة، فهم متّفقون على عدم كونها من أُصول الدين، ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الإمام على الرعية بالإجماع ونحوه، وبين قائل بأنّها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أُصوله ولا من فروعه، ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إنّ مَن لا يقول بالإمامة غير مسلم (كلاّ ومعاذ الله) أو تجد السنّة تقول إنّ القائل بالإمامة خارج عن الإسلام ـ لا وكلاّ ـ إذن فالقول بالإمامة وعدمه لاعلاقة له بالجامعة الإسلامية وأحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ووجوب إخوّته، وحفظ حرمته، وعدم جواز غيبته، إلى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه.
ثم إنّ غرض مَن دعا إلى التقريب ليس إزالة الخلاف بين المذاهب الإسلامية وجعلها مذهباً واحداً سنّياً فقط أو شيعياً أو وهابياً، كيف واختلاف الرأي والخلاف في الجملة طبيعة ارتكازية في البشر; بل أقصى الغرض هو إزالة أن يكون هذا الخلاف سبباً للعداء والبغضاء، الغرض تبديل التباعد والتضارب بالإخاء والتقارب، فإنّ المسلمين جميعاً مهما اختلفوا في أشياء من الأُصول والفروع فإنّهم قد اتّفقوا على مضمون الأحاديث المقطوع عندهم بصحّتها من أنّ من شهد الشهادتين واتّخذ الإسلام ديناً له، فقد حرم دمه وماله وعرضه، والمسلم أخو المسلم، وأنّ مَن صلى إلى قبلتنا وأكلّ من ذبيحتنا ولم يتديّن بغير ديننا فهو منّا، له ما لنا وعليه ما علينا.1

1 . لاحظ مقالة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المنشورة في العدد الثالث من السنة الثانية من مجلة رسالة الإسلام، الصادرة عن دار التقريب بين المذاهب .

صفحه 77

الحلقة الرابعة عشرة:

اليوم الرابع عشر من شهر رمضان 1436 هـ

استدلّ الدكتور أحمد الطيّب على محبّة الصحابة ووجوب الإحسان لهم بقوله عزَّ وجلَّ: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).1
وقال: هذه الآية دليل على وجوب الإحسان والاستغفار للصحابة، لأنّ المولى سبحانه جعل لمن يأتي بعدهم حظّاً في الفيء ما أقاموا على محبّتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأنّ مَن سبّهم أو واحداً منهم أو اعتقد فيهم شرّاً، لا حقّ له في الفيء.
قال مالك: مَن كان يبغض أحداً من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)أو كان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حقّ من فيء المسلمين، ثم قرأ: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)وبهذه الآية يستدلّ على أنّ الأجيال الّتي تأتي بعد المهاجرين والأنصار مأمورة بالإحسان والاستغفار للصحابة من الفريقين، وهذا يقتضي حرمة سبّهم ولعنهم والإساءة إليهم.
***
أقول: إنّ الله سبحانه قسّم المسلمين في سورة الحشر من الآية الثامنة إلى العاشرة، إلى أصناف ثلاثة:
1. ما أشار إليه بقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ).(2)

1 . الحشر: 10 .   2 . الحشر: 8 .

صفحه 78
2. ما أشار إليه بقوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)1.
3. ما جاء في الآية التالية:
أ. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ).
أي أنّهم يَدْعونَ ويستغفرون لأنفسهم ولمَن سبقهم بالإيمان.
ب. (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)فهم يسألون الله تعالى أن يزيل الغلّ والحقد والعداء من قلوبهم، إذ لا يجتمع الإيمان مع وجود الغلّ في قلب مؤمن على المؤمن الآخر; لأنّ الحقد على المؤمن حقد على النفس، والمؤمنون كالجسد الواحد.
ج. (رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ): أي يسألونه سبحانه بما أنّه رؤوف رحيم أن ينزّه قلوبهم من الغلّ والنفاق .
وهذه الدعوات الثلاث تختلف مضموناً، فهم في الدعاء الأوّل يسعون في إصلاح أنفسهم ويطلبون العفو والرحمة من الله بتلك الغاية، وفي الدعاء الثاني يطلبون العفو والمغفرة لمَن سبقهم بالإيمان، وفي الثالث يركّزون على تصفية نفوسهم من الرذائل والضغائن لمَن سبقهم بالإيمان.
وفي هذه الأدعية مقابس نور لعامّة المسلمين، ولكلّ الأجيال ينبغي أن يستضيئوا بها في سلوكهم وتعاملهم مع إخوانهم بالصفاء والأُخوّة.
ثم إنّ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا

1 . الحشر: 9 .

صفحه 79
وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)دعاء لعامّة المؤمنين في الأجيال السابقة ولا يختصّ بالصحابة دون غيرهم، فالله تعالى يعلّم المسلمين في كلّ جيل أن يدعون للسابقين عن هذا الجيل .
وكأنّ الدكتور تصوّر أنّ هذه الفقرة ناظرة للتابعين في مصطلح أهل الحديث وهم الّذين لم يروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن رأوا من رآه، فعندئذ جاء الحثّ لهم على الدعاء للصحابة، غير أنّ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)يأمر المسلمين بلسان الإخبار بالدعاء إلى كافّة المسلمين ممّن غبر من دون اختصاص بالصحابة.
ولو فرضنا دلالة الآية على خصوص الدعاء للصحابة، لكنّها لا تدلّ على عدالتهم وأنّ سلوك الجميع كان سلوكاً صحيحاً لا غبار عليه; بل تدلّ على انهم أهل لطلب المغفرة لهم واين هذا من القول بالعدالة.
فخرجنا بالنتائج التالية:
الأُولى: أنّ الآية لا تختصّ بالصحابة، بل مفادها هو دعاء كلّ جيل لعامّة السابقين.
الثانية: أنّ طلب المغفرة للسابقين أو خصوص الصحابة لا يدلّ
على كونهم أهل صلاح وفلاح، غاية الأمر يدلّ على أنّهم أهل لغفران الرب عزّ وجلّ.
بقي الكلام في الفقرة الثانية: أعني قوله: (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) فهذا أيضاً دعاء عام لا يختصّ بجيل دون جيل، فالاستدلال بالآية في مورد الصحابة غفلة عن مفادها.
وختاماً نقول: إنّ هنا أُموراً:

صفحه 80
1. سبّ الصحابي وشتمه والنيل من كرامته وكرامة أولاده وأزواجه.
2. حمل الحقد والعداء لواحد من الصحابة بما أنّه صحابي فإنّهما متناقضان.
3. دراسة أحوال الصحابة من الإيجابيات والسلبيات.
فالمسلمون عامّة والإمامية خاصّة لا يحومون حول الأمر الأوّل والثاني، ويرونهما عمل النوكى والسفهاء، وأمّا الأمر الثالث فهو سيرة المحقّقين الواعين الّذين يدرسون حياة السابقين على ضوء الكتاب والسنّة والعقل.
يضاف إلى ذلك كلّه: أنّ آيات سورة الحشر حصرت الحديث في المهاجرين الّذين أُخرجوا من ديارهم...، والأنصار الّذين تبوَّءوا الدار والإيمان ومن جاء بعدهم، فلا دلالة لإدراج مسلمة عام الفتح وما بعده تحت الآية المباركة.

الحلقة الخامسة عشرة:

اليوم الخامس عشر من شهر رمضان 1436 هـ

ذكر الدكتور الطيّب أنّ الشيعة يسيئون لزوج النبيّ عائشة أُم المؤمنين وأبيها الخليفة أبي بكر، ويعدّ سبّهما سبّاً وتطاولاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
***
أقول: إنّ الدكتور شيخ الأزهر استنكر على الشيعة لأنّهم يسيئون لزوج النبيّ عائشة أُم المؤمنين وأبيها. ونحن نقول:
إنّ السيدة عائشة من زوجات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأُمّهات المؤمنين، ولم يشكّ

صفحه 81
أحدٌ من المسلمين في براءتها من الإفك 1 الّذي صنعته يد النفاق، ونشره عميد المنافقين وأذنابه «عبدالله بن أُبّي بن سلول» في عصر النبيّ وحدّث عنه القرآن في آيات، يقول عزّوجلّ: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)2 ثم قال سبحانه: (وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)(3).
ولمعرفة تفاصيل هذه الفرية وتفسير الآيات النازلة حولها نرجع القارئ إلى تفسيرها في «مجمع البيان» للطبرسي. 3 ولكن هذا لا يصدنا عن دراسة حياتها بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خصوصاً في فتنة الجمل.
هذا وأمّا والدها فنحن لا ننكر أنّه صاحب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في الغار وأنّه من المهاجرين السابقين ولكنّ الاعتراف بهذا لا يمنعنا من دراسة حياته وخلافته ومواقفه، وانّه كيف تمّت البيعة له، وكيف دامت، فكلّ ذلك على عاتق التاريخ. فإنّ إيقاف البحث حول الصحابة يورث حرمان الآخرين عمّا وقع في عصرهم من الحوادث الحلوة والمرّة.
ونحن إذا تأملنا في أُمّهات مصادر الحديث والتاريخ الّتي ألّفها كبار الأعلام من أهل السنّة نراهم لا يرون ضيراً في رصد الواقع ونقل الأحداث الّتي بدأنا نتحاشى عن التعرّض لها اليوم، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال: كنت أُقرئ رجالاً من المهاجرين منهم: عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا

1 . أجمعت الروايات من طرق السنّة أنّ عائشة هي محور قصّة الأفك، غير أنّ رواياتنا الشيعية تذكر أنّ محور هذه القصّة هي مارية القبطية، ونحن بكلمة واضحة نقول: إنّ نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منزّهات مبرّآت من هذه التهم، سواء كانت عائشة أو غيرها.
2 . النور: 11 .   3 . النور: 16 .
3 . لاحظ : مجمع البيان: 4 / 130، طبعة صيدا، لبنان.

صفحه 82
في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجّة حجّها، إذ رجع إليّ عبدالرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت..
وبعد أن ذكر البخاري بقية الرواية قال: ولما رجع الخليفة إلى المدينة خطب الناس فممّا جاء في خطبته: ثم إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترّن امرؤ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألاّ وإنها كانت كذلك ولكنّ الله وقى شرّها .1
فهذا البخاري ومن قبله ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف لم يعتبروا قول القائل ولا قول الخليفة سبّاً لأبي بكر وإساءة له بل هو ذكر لحادثة
تاريخية.
وهكذا ابن الأثير قال في النهاية : أراد بالفلتة الفجأة، ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيّجة للشر والفتنة، فعَصَم الله من ذلك ووقوا .
ثم قال: والفلتة كلّ شيء فُعل من غير رويّة، وإنّما بودر بها خوف انتشار الأمر. وقيل: أراد بالفلتة الخلسة. أي إنّ الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الانفس، ولذلك كثر فيها التشاجر فما قُلدّها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي واختلاساً.2
هذا كلام ابن الأثير وهو واضح في الإشارة إلى الشجار ورغبة كلّ فريق

1 . صحيح البخاري: 1712، الحديث رقم 6830، باب رجم الحبلى من الزنا، من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة.
2 . النهاية في غريب الحديث والأثر: 3 / 467 .

صفحه 83
من المجتمعين في السقيفة بتولّي الخلافة والإمامة، ولم يرَ ابن الأثير في عرضه للخبر أنّه في معرض سب المجتمعين في السقيفة بقدر ما هو عرض لواقعة تاريخية!!

الحلقة السادسة عشرة:

اليوم السادس عشر من شهر رمضان 1436 هـ

رفض شيخ الأزهر أحمد الطيب يوم الجمعة 16 شهر رمضان تسمية الشيعة بالرافضة. وأنّ قلّة متعصّبة من أهل السنّة يكفّرون الشيعة، وتسمّيهم بالرافضة، ويقول: كيف يكون هناك تلاق والسنّة يسمعون هذه الإساءات من كثير من المنتسبين إلى الشيعة.
ثم قال: إنّنا نجد بعض السلبيات عند قلّة متعصّبة من أهل السنّة جعلت الشيعة يشعرون بالتوتر، مثل تكفير البعض للشيعة، والإصرار على تسميتهم «بالرافضة» مؤكداً أنّ هذا لا ينبغي.
***
أقول: إنّ تسمية الشيعة بالرافضة جهل بمعناها، فإنّ الرافضة كلمة سياسية تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة سواء أكانت حقّاً أم باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الّذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى عمرو بن العاص وهو في البيع1 في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر عليّ وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم علينا جرير

1 . كذا في الأصل .

صفحه 84
بن عبدالله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً .1
ترى أنّ معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة، وهؤلاء كانوا أعداء عليّ ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك، وبما ذكرنا يظهر أنّ كلّ مَن رفض الحكومة الحاضرة فهو رافضي، سواء أكان سنّياً أو شيعياً أو مادّياً.
وبذلك يعلم أنّ ما نقله ابن منظور في معجمه عن الأصمعي غير صحيح ، حيث قال: كانوا قد بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك، فأبى فقال: كانا وزيري جدّي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه، فسُمّوا رافضة. 2
إذا عرفت ذلك نرجع إلى تقييم ما ذكره الدكتور فلا شكّ أنّ ما أفاده في هذه الحلقة من أروع كلامه وأنفع محاضراته وأطيب ما صدر منه في هذه الحلقات، فإنّ التقريب لا يتحقّق إلاّ بالالتزام بالأدب الإسلامي الّذي أشار إليه سبحانه بقوله: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ)3.
ونحن نرحّب بكلّ دعوة تقرّب المسلمين وتوحّدهم وتجعلهم يداً واحدة وصفّاً واحداً أمام الصهاينة والمستكبرين الّذين يفرّقون المسلمين للتسلّط عليهم وشعارهم: «فرّق تَسُد»، ونحن نتبرأ من بعض الفضائيات الّتي تنال من وحدة المسلمين وتضرّ بها ببيانات بعيدة عن الأدب الإسلامي ومنطقه.

1 . وقعة صفين: 29 .
2. لسان العرب: 7 / 157، مادة «رفض».
3 . الأنعام: 108 .

صفحه 85

الحلقة الثامنة عشرة: 1

اليوم الثامن عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: إنّ مسألة الإمامة ليست من أُصول الاعتقاد ولا متعلّقة بالإيمان أو بالكفر عند أهل السنّة; لأنّ الإيمان يُبنى على الاعتقاد، حيث إنّه عمل قلبي، وليس من أعمال الجوارح. في المقابل فإنّ الشيعة يقولون: إنّ الإمامة أصل من أُصول الدين فمن لا يؤمن بالإمامة لا يكتمل إيمانه وليس شيعياً، وأُصول الدين عند الشيعة هي: التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والإيمان بالمعاد بالبعث أي الحياة بعد الممات والجنة والنار. والسنّة والشيعة متّفقون في كلّ هذه الأُصول ما عدا أصل الإمامة، فالشيعة يعتقدون أنّها من أُصول الدين، فكما يجب على المسلم أن يعتقد بالنبوة، فيجب عليه أيضاً بالإمامة.
***
أقول: ما ذكره الدكتور في بيان النظريتين لا غبار عليه، ولتبيين موضع الإمامة عند أهل السنّة نذكر ما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد حتّى يعلم أنّها فرع من فروع الدين عندهم يقول: لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق لرجوعها إلى القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلّية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية ، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها ويقصد بتحصيلها في الجملة من غير أن يقصد أُصولها من كلّ أحد ولا خفاء في ذلك أنّها من الأحكام العملية دون الاعتقادية.2

1 . لم نعثر على محاضرة الدكتور أحمد الطيب في اليوم السابع عشر من شهر رمضان.
2 . شرح المقاصد: 5 / 232 .

صفحه 86
ويقول السيد الشريف في شرح المواقف: الإمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمة سمعاً، وإنّما ذكرناه في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا إذ جرت العادة من المتكلمين بذكرها في أواخر كتبهم للفائدة المذكورة في صدر الكتاب.1
أقول: إذا كانت مسألة الإمامة من الأحكام الفرعية الّتي ربّما يكثر فيها الخلاف، فلا عتب على مَن لم يعتقد بخلافة الخلفاء استناداً إلى دليل مقنع عنده كما هو الحال في عامّة الأحكام الفرعية.
وأنت إذا لاحظت كتاب «المغني» لابن قدامة من القدماء، أو قرأت كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» للجزيري، قلّما تجد مسألة كلّية مصونة من الاختلاف، فكما يكون المخالف فيها معذوراً فليكن المخالف في خلافة الخلفاء كذلك.
وبما ذكرنا يظهر أنّ الاختلاف في عدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم ليست مسألة أُصولية عقديّة وإنّما هي أمر تاريخي يمكن أن يقع مورد الخلاف والخصام، فالموافق والمخالف كلّهم يتظلّلون تحت خيمة الإسلام لكنّهم يختلفون في أُمور تاريخية لكلّ دليله ومدركه، وللمحقّق سعد الدين التفتازاني كلام في المقام نذكره بنصّه .
يقول: إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقاة، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق. وكان الباعث له الحقد

1 . شرح المواقف: 8 / 344 .

صفحه 87
والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة، والميل إلى اللّذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً، ولا كلّ من لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالخير موسوماً .
إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة، ] لا [ سيما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار.
وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وتنهدّ منه الجبال، وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومر الدهور، فلعنة الله على من باشر، أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.1
نعم أنّ نظرية الإمامة عند الشيعة الإمامية مبنية على أنّها منصب إلهي لا اجتماعي وقد بيّنت دلائلها ومصادرها في الكتب الكلامية. وبما أنّ الغرض هو الإيجاز في المقام وتحليل كلمات الدكتور أحمد الطيب فلنكتف بما ذكرنا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الموسوعات الكلامية لعلماء الإسلام.2
وفي الختام لابدّ من الإيعاز إلى أمر وهو أنّ أُصول الدين عند الإمامية تنحصر في ثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، فمن اعتقد بها فهو مسلم، يحرم دمه وماله إلاّ بسبب شرعي; وأمّا الاعتقاد بالعدل والإمامة فهو من أُصول المذهب

1 . شرح المقاصد: 5 / 310 ـ 311 .
2 . انظر: بحوث في الملل والنحل: 1 / 456 ; ومحاضرات في الإلهيات: 325 ـ 336 .

صفحه 88
بمعنى أنّه لا يوصف الرجل بالشيعي إلاّ إذا اعتقد بهما وأن الله عادل لا يجور عقلاً، وأنّ القيادة الشرعية بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوضت بتخصيص من النبيّ إلى علي وأوصيائه. ومن لم يعتقد بهما لا يوصف بكونه شيعيّاً، ولكنّه مسلم تجري عليه كلّ أحكام الإسلام. والتفصيل في محلّه .

الحلقة التاسعة عشرة

اليوم التاسع عشر من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: اجتماع السقيفة نموذج مبكر لديمقراطية المسلمين.
وقال: إنّ الإمامة مفهوم إلهي عند الشيعة بينما هو عند السنّة مفهوم خاضع للأحكام البشرية، لأنّ أهل السنّة يرون أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم ينصّ على أحد من بعده وترك المسلمين أحراراً فيمن يختارون، مثل ما حدث في اجتماع الصحابة في السقيفة واختاروا أبا بكر خليفة للمسلمين بطريقة ديمقراطية، وهذا الأمر بالعكس عند الشيعة الّذين يقولون: إنّ النبيّ حدّد إماماً من بعده وهو الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)وأنّ المسألة لا تخضع لاختيار الأُمة ولا لاختيار المسلمين.
ثم أفاض الكلام في أنّ الخليفة عند أهل السنّة ليس معصوماً لكنّه معصوم عند الشيعة.
ثم قال: إنّ الإمامة عند الشيعة أصل من أُصول الدين، وليست أمراً متروكاً لتقدير الناس أو اختيارهم، ومن لا يعتقد بذلك فلا يكون شيعياً، بل لا يكون مسلماً عندهم. أمّا الخلافة عند أهل السنّة فليست من أُصول الدين، وإنّما هي من المسائل العملية، إذ لمّا كانت هناك أحكام تتطلّب خليفة أو حاكماً قلنا

صفحه 89
بوجوب اختيار الأُمّة لخليفة يقيم لها الأحكام ويحفظ عليها شريعة الإسلام .
***
أكّد الدكتور على أنّ انتخاب الخليفة الأوّل في سقيفة بني ساعدة يمثل ممارسة ديمقراطية في ذلك العهد، وها نحن نذكر مجريات الأُمور في السقيفة حتّى يُعلم أنّه هل كان الانتخاب انتخاباً صحيحاً وعقلائياً وحسب اصطلاح الدكتور ديمقراطياً، أو كان فلتة من الفلتات؟! ولا يعلم تحديد أحد الوجهين بدون سرد القصة كما وردت في المصادر، بدون تغيير، ثم القضاء عليها وتحليل الأحداث كما ورد ذكرها.
1. توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبو بكر في السنح، وعمر حاضر، فقام وقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله توفّي، وأنّ رسول الله والله ما مات ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران. والله ليرجعن رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّ رسول الله مات.1
2. وأقبل أبو بكر حتّى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس حتّى دخل على رسول الله ورسول الله مسجّى في ناحية البيت فأقبل حتّى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبّله ثم ردّ الثوب على وجهه فقال: على رسلك يا عمر، فقال: أيّها الناس أنّه مَن كان يعبد محمّداً فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ثم تلا هذه الآية: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) 2. عندئذ قال

1 . تاريخ الطبري: 3 / 200، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار التراث، الطبعة الثانية ـ 1967 م .
2 . آل عمران: 144.

صفحه 90
عمر: «... وعرفت أنّ رسول الله قد مات »1.
3. لمّا قبض رسول الله انحاز هذا الحيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة وأبو بكر وعمر حول بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يفكّران في تجهيز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كسائر المهاجرين، إذ جاء رجلان من الأنصار (وهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عُدي)(2) فقالا: إنّ هذا الحيّ من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم. ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيته لم يفرغ من أمره قد أَغلق دونه الباب أهله .
قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتّى ننظر ما هم عليه .2
4. فدخلا ومعهما أبو عبيدة السقيفة وسعد بن عبادة وهو يخطب ويقول: يا معشر الأنصار لكم سابقة وفضيلة ليست لأحد من العرب، إنّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم فما آمن به إلاّ القليل، ما كانوا يقدرون على منعه ولا على إعزاز دينه ولاعلى دفع ضيم، حتّى (إذا) أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ورزقكم الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشدّ الناس على عدوّه حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً وأعطى البعيد المقادة صاغراً فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفّاه الله وهو عنكم راض قرير العين، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس، فإنّه لكم دونهم.

1 . تاريخ الطبري: 2 / 232 ـ 233.   2 . تاريخ الطبري: 2 / 235 .
2 . السيرة النبوية: 2 / 656 .

صفحه 91
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفّقت وأصبت الرأي ونحن نولّيك هذا الأمر فإنّك مقنع ورضاً للمؤمنين.1
5. ثم خطب أبو بكر وقال: أنتم يا معشر الأنصار مَن لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء لا تفاوتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأُمور.2
6. ثم أضاف: إنّ هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج (وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا تداوى)، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد يضغمه (يقضمه) المهاجري ويجرحه الأنصاري.3
7. فقام حباب بن المنذر بين الجموع فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في ظلّكم ولن يجترئ على خلافكم ولا يصدروا إلاّ عن رأيكم، أنتم أهل العزّ وأُولو العدد والمنعة وذوو البأس، وإنّما ينظر الناس ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم، وإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير. ثم قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. 4
8. فقام عمر وقال: هيهات لا يجتمع اثنان في (قرن) والله لا ترضى العرب

1 . الكامل في التاريخ: 2 / 328 ; تاريخ الطبري: 2 / 241 ـ 242 .
2 . تاريخ الطبري: 2 / 242 ; الكامل في التاريخ: 2 / 329 .
3 . البيان والتبيين: 4 / 10، دار إحياء التراث العربي، بيروت .
4 . الكامل في التاريخ: 2 / 329 .

صفحه 92
أن تؤمّركم ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها مَنْ كانت
النبوّة فيهم، ولنا بذلك الحجّة الظاهرة، مَن ينازعنا سلطان محمّد ونحن
أولياؤه وعشيرته. فأجاب عمر عن تهديد حباب: إذاً ليقتلك الله، فقال: بل إيّاك يقتل.1
9. لمّا تمّ الجدال بين الطائفتين، وهيمن السكوت لم يفضه إلاّ بشير بن سعد الخزرجي الّذي هو ابن عم سعد بن عبادة، حينما شعر بأنّ الأنصار يميلون إلى سعد بن عبادة، وكان يكنّ له العداء والحقد ولا يرضى بإمارته قال: يا معشر الأنصار إنّ محمداً من قريش وقومه أحق به وأولى، وأيم الله لا يراني الله أُنازعهم في هذا الأمر أبداً، فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.
10. ففي هذه الحالة استغلّ أبو بكر الفرصة فقال: هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيّهما شئتم فبايعوا. فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك أبسط يدك نبايعك.
فلمّا ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب ابن المنذر: أنفِسَت على ابن عمّك الإمارة.
11. ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير، وكان أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمره.2

1 . الكامل في التاريخ: 2 / 330 ; تاريخ الطبري: 2 / 243 .
2 . تاريخ الطبري: 2 / 243 .

صفحه 93
12. فأقبل الناس (الأوس) من كلّ جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتّقوا سعداً لا تطئوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه: فقال: لقد هممت أن أطأك حتّى تُندر عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر! الرفق، هاهنا أبلغ. فأعرض عنه عمر. وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة مّا، أقوى على النهوض، لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يجحرك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه في داره وترك أيّاماً ثم بُعث إليه أن أقبل، فقال: وأيم الله لو أنّ الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى أُعرض على ربيّ، وأعلم ما حسابي، فقال عمر: لا تدعوه حتّى يبايع، فقال له بشير بن سعد: إنّه قد لجّ وأبى وليس بمبايعكم حتّى يقتل وليس بمقتول حتّى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فتركوه .1
13. وجاءت قبيلة أسلم فبايعت، فقوي أبو بكر بهم . (2)
قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتّى ماتت فاطمة رضي الله عنها.2
هذه صورة مصغرّة ملخّصة من أحداث السقيفة نقلتها من مصادرها بلا تصرّف .
فلنرجع إلى كلام الدكتور هل كانت هذه البيعة بيعة ديمقراطية أو فلتة؟! فلنرجع إلى ما حررنا.

1 . تاريخ الطبري: 2 / 244 .   2 . الكامل في التاريخ: 2 / 331 .
2 . الكامل في التاريخ: 2 / 331 .

صفحه 94

تحليل أحداث السقيفة

1. كيف جهل عمر بهذا الأمر الواضح والحال أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مسجّى في بيته؟! وكيف يصفه بأنّه غاب كغيبة موسى (عليه السلام)وسيرجع؟! وأعجب من ذلك أنّه رجع فوراً عند سماع الآية الّتي تلاها أبو بكر، أعني قوله تعالى: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)1؟! والّذي أظنّ كما تدلّ عليه قرائن الحادثة أنّه أراد بطرح هذه الفكرة أن يصرف القوم عمّا هم فيه ـ أعني: مَن ينوب مناب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ ويحوّل تفكيرهم إلى ناحية أُخرى حتّى لا يحدثوا بيعة واحد من الناس قبل وصول صاحبه، وليس هناك مَن تحوم حوله الأفكار إلاّ عليّاً للنصّ عليه كما نعتقد، أو لأنّه أولى الناس، حتّى كان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول الله.(2)
2. إذا كان انتخاب الخليفة عن طريق المشورة باجتماع أهل الحلّ والعقد فهذا الشرط لم يكن متوفراً في سقيفة بني ساعدة، فلو أرادوا الانتخاب الصحيح للخليفة كان عليهم أن يخبروا عامّة المهاجرين وعلى رأسهم بنو هاشم بما يجري في سقيفة بني ساعدة حتّى يجتمع الجميع ويتشاوروا بضع أيام لانتخاب ما هو الأصلح، مع أنا نرى أنّ الشيخين لم يخبرا أحداً من المهاجرين إلاّ أبا عبيدة، أو شخصاً رابعاً، وهذا يدلّ على أنّ موقفهم هذا كان انتهازاً للفرصة، إذ لو كان بنو هاشم وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، في مجلس المشاورة لما تمّ هذا الأمر وبهذه السرعة في يوم واحد أو ساعة أو ساعتين لأبي بكر!!
3. إنّ للخليفة في الشريعة الإسلامية شروطاً ومؤهّلات، فكان اللازم على القوم أن يبحثوا عن وجود هذه الملاكات في أيّ شخص من المهاجرين

1 . آل عمران: 144.    2. لاحظ : شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 21 ; السقيفة: 85 ـ 86 .

صفحه 95
والأنصار حتّى ينتخبوا الأعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، والأقوى في إدارة الأُمور، إلى غير ذلك من الشروط.
ولكنّا نرى أنّ المجتمعين عدلوا عن هذه المعايير إلى معايير جاهلية وقبيلية، فالأنصار اعتمدوا على أنّهم نصروا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وآووا المهاجرين وجاهدوا المشركين، والشيخان وأبو عبيدة اعتمدوا على كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)منهم، وكلا المعيارين لا يلازم كون الخليفة منهم، فنصرتهم للدين لا تدلّ على أنّ مرشّحهم واجد للمؤهلات، كما أنّ كون النبيّ من عشيرتهم لا يلازم ذلك .
4. إنّ الحيّين الأوس والخزرج كانا متنافسين ومتخاصمين منذ أمد بعيد، وكان يوم بُعاث أشدّ الأيام بينهم في القتال، والنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)جعلهما إخوة وأمرهم بتناسي ما سبق; ويا للأسف، ترى أنّ الخليفة يشير إلى تلك المنافسات الشيطانية ويقول: إنّ هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج، (وقد كانت بين الحيّين قتلى لا تنسى وجراح لا تُداوى)، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد يضغمه (يقضمه) المهاجري ويجرحه الأنصاري.1
فهو بكلامه هذا أحيا ما كان قد خفي من الخلافات والنزعات الجاهلية، فكلامه هذا صار سبباً لانفضاض الوحدة بين الأنصار.
مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل الحيين إخوة وأمرهم بتناسي ما كانوا عليه من الخلافات، ورغم ذلك كانت جذور التنافس والتنافر بين الحيّين موجودة ويشهد على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة في أمر الإفك حيث يقول: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من يومه فاستعذر من عبدالله بن أُبي وهو على المنبر فقال: يا

1 . البيان والتبيين: 4 / 10 .

صفحه 96
معشر المسلمين مَن يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما يدخل على أهلي إلاّ معي. قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عمّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخفضّهم حتّى سكتوا وسكت.1
5. نرى أنّ أبا بكر يقدّم الرجلين للبيعة ويقول لكلّ من عمر وأبي عبيدة: ابسط يدك لأُبايعك، وهما يردّان عليه الأمر قائلين بأنّك الأولى!!
كلّ ذلك يدلّ على وجود اتّفاق بين الثلاثة حتّى يتمّ الأمر إلى أبي بكر.
6. أو ما كان اللازم للخليفة أن يبحث عن الأصلح داخل السقيفة وخارجها ويرشّحه للخلافة، مكان ترشيحه هذين الرجلين.
7. أنّ بيعة الأوس لم تكن مبنية على أنّ أبا بكر كان يتحلّى بالمؤهّلات الّتي تصلح لأن يكون هو الخليفة، وإنّما بايعوه لأجل أن لا يكون للحيّ المنافس لهم، مزيّة عليهم.
8 . أنّ مجلس المشاورة يسوده الهدوء واستماع منطق المخالف، ثم أخذ الرأي بأمانة خاصّة، ولا نرى هذا الشرط موجوداً بأقل وجه في مجلس السقيفة،

1 . صحيح البخاري: 1015، برقم 4141، باب حديث الإفك.

صفحه 97
بل كان أشبه بمجلس المهاترة حيث إنّ سعد بن عبادة يأخذ بلحية عمر ويقول ما يقول، ويجيبه عمر بما مرّ عليك، إلى أن انتهى إلى وطء سعد بن عبادة، ذلك الرجل الهرم الّذي خدم الإسلام من حين آمن!!
9. كيف يصف الدكتور هذا الانتخاب انتخاباً ديمقراطياً مع أنّ رفيق الخليفة في شبابه وهرمه يصف الانتخاب بأنّه فلتة وقى الله المسلمين شرّها؟! فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس عن عمر أنّه قال: ثم إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترنّ امرؤٌ أن يقول: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها...1
وقد صدق قوله: «كانت بيعة أبي بكر فلتة» إذ تمّ الانتخاب بسرعة خاطفة لم تبق مجال للمفكّر حتّى يفكّر بالموضوع، ولا للمعارض أن يقيم حجّة، فكانت مفاجأة في مفاجأة مع أنّ العاطفة العدائية عند الأوس المهيّجة من أبي بكر كان لها الأثر الفعّال في انتخاب الخليفة، فلا يمكن لباحث أن يتّخذ هذا النوع من الانتخاب إسوة للأجيال الآتية فالحادثة من مبدئها إلى منتهاها كانت على غفلة من علي (عليه السلام)ومن بني هاشم إلى آخر لحظة منها، وأهمل شأنهم كأنّهم لم يكونوا من المسلمين، أو لم يكونوا من الحاضرين في المدينة إلاّ بعد أن تمّ كلّ شيء.2
فهل كان من مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقتاً حتّى يستتب أمر الخلافة؟ أليس هذا المقدار من التريّث كان

1 . لاحظ : صحيح البخاري: 1712 برقم 6830، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
2 . السقيفة: 108 .

صفحه 98
أرفق بهؤلاء المفجوعين؟! وهم وديعة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لديهم، وبقيته فيهم.
وأمّا ما جرى بعد انتخاب الخليفة على أهل بيت النبوّة وأخي رسول الله عليّ (عليه السلام)وبضعة الرسول فلنجعجع القلم عن ذكر الحوادث المريرة، ويكفي في مرارتها قول شاعر النيل حافظ إبراهيم في القصيدة العمرية:
وقولة لعليّ قالها عمر *** أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرّقت دارك لا أبقي عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلها *** أمام فارس عدنان وحاميها
فالبيعة الّتي تطالب بالتهديد والوعيد بإحراق البيت ومن فيه، هل تعدّ بيعة شرعية إسلامية؟! فلو كانت هذه البيعة بيعة إسلامية فعلى الإسلام السلام!! وأي ديمقراطية هذه الّتي تهدّد المعارضين بالقتل والنفي وحرق البيوت على أصحابها؟!
10. ونختم جوابنا بكلام الإمام علي (عليه السلام)لمّا انتهت إليه أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال (عليه السلام): ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير، قال (عليه السلام): «فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلى مُحْسِنِهِمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟، فقال(عليه السلام): لَوْ كَانَتِ الاِْمَامَةُ (الأمارة) فِيهِمْ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثم قال(عليه السلام): فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟ قَالُوا: احتجّت بأَنها شجرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال(عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ».1
وللإمام علي (عليه السلام)كلام آخر في ذلك، قال (عليه السلام): «وَاعَجَبَاهُ! أَتَكُونُ الْخِلاَفَةُ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 67 .

صفحه 99
بِالصَّحَابَةِ وَلا تَكُونُ بِالصَّحابَةِ وَالْقَرَابَةِ؟ وروي له شعر في هذا المعنى :
فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ *** فَكَيْفَ بِهذا وَ الْمُشِيرُونَ غُيَّبُ؟
وَإِنْ كُنْتُ بِالْقُربَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ *** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَ أَقْرَبُ1
وممّا ذكرنا يمكن للقارئ النابه أن يستنتج أنّ عمل القوم في انتخاب الخليفة لم يكن مستنداً إلى قاعدة إسلامية ولم يكن إلاّ قراراً خاطفاً تحكمت فيه العواطف في المبدأ والمنتهى وكانت المعايير الّتي اعتمدت في إنتخاب الخليفة معايير جاهلية، وبذلك تمثّل قوله سبحانه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).2

الحلقة العشرون:

اليوم العشرون من شهر رمضان 1436 هـ

ذكر الدكتور أحمد الطيّب في حديثه اليومي الّذي يُبث من الفضائية المصرية قبل الإفطار .
1. أنّ من الفوارق الواضحة بين السنة والشيعة أنّ الأئمة الاثني عشر عند السنّة بشر يصيبون ويخطأون بينما هم معصومون عند الشيعة .
2. أنّ الأئمة عند الشيعة أفضل من الأنبياء والرسل عدا النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنّة الّذين يعتقدون أنّ الأنبياء والمرسلين

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم برقم 190 .
2 . آل عمران: 144 .

صفحه 100
معصومون ومفضّلون على باقي البشر، لأنّه يوحى إليهم من الله .
***
ركّز شيخ الأزهر في هذه الحلقة على أمرين: الأوّل: عصمة الأئمة الاثني عشر، والثاني: كون الأئمة أفضل من الأنبياء والمرسلين.
أمّا الأمر الأوّل: فيكفي في ثبوته ما ثبت من أحاديث صحيحة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومنها:

1. حديث الثقلين

قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها الناس كأنّي دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»، وقد ثبت تواتر هذا الحديث في مصادر الفريقين.1
إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد حكى في حديث الثقلين عن وجود التلازم بين عترته وأهل بيته وبين الكتاب العزيز، وأوصى المسلمين بالتمسّك بهما معاً مصطحبين، ليتجنّبوا الوقوع في الضلالة، وأشار(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» إلى أنّهما بمنزلة الخليفتين التوأمين عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يقتضي أن يكون أهل البيت(عليهم السلام) مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة. وإلاّ يلزم وجود أحد المتلازمين (الكتاب) دون الآخر.
وبعبارة أُخرى: إنّ ذلك يدلّ على أنّه لابدّ في كلّ عصر، من حجّة معصوم مأمون يُقطع بصحّة قوله.

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 109، أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم.

صفحه 101
وممّا يؤيد ما ذكرنا أنّه ورد في ذيل بعض الصور أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما ذكر أنّه مخلّف كتاب ربه وعترته أهل بيته، قد أخذ بيد عليّ(عليه السلام) ورفعها وقال: «هذا عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»1، وعصمة القرآن أمرٌ مسلمٌ لا يُشكّ به؟! فلابدّ أن لا يشكّ في عصمة مَن لا يفارقه.

2. حديث السفينة

تضافرت الروايات عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه شبّه أهل بيته بسفينة نوح، وقال:«ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق».2
وفي لفظ آخر: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له».3
يقول السيد شرف الدين العاملي: وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم(عليهم السلام)بسفينة نوح، أنّ مَن لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين، نجا من عذاب النار، ومَن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا في الحميم والعياذ بالله.

1. الصواعق المحرقة:124، المطبعة المحمدية بمصر.
2. المستدرك على الصحيحين: 2/343، و 3/151.
3. مجمع الزوائد للهيتمي:9/168. ولاحظ: المعجم الكبير للطبراني:3/46; كنز العمّال:2/435 و ج12/98.

صفحه 102
والوجه في تشبيههم(عليهم السلام) بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والخضوع لحكمه، ولهذا كان سبباً للمغفرة. وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها والاتّباع لأئمتهم مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة. هذا وجه الشبه.
وقد ذكر ابن حجر1 في كلامه ـ بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها ـ : ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان... إلى أن قال: وباب حطّة ـ يعني: ووجه تشبيههم بباب حطّة ـ أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها.2
وأمّا الأمر الثاني أعني أفضلية الأئمة على الأنبياء غير النبيّ الخاتم: فظاهر الكتاب أنّ عليّاً (عليه السلام)أفضل من سائر الأنبياء لأنّه عدّ فيه نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في آية المباهلة النازلة في مباهلة النبيّ مع نصارى نجران قال سبحانه: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)3.
وقد تضافرت النصوص على أنّ المراد بقوله تعالى: (وَأَنْفُسَنَا)هو عليّ بن أبي طالب، وأنّ المراد من قوله تعالى: (أَبْنَاءَنَا): الحسن والحسين، والمراد

1. الصواعق المحرقة:151، المطبعة المحمدية بمصر.
2 . المراجعات:77ـ 78، المراجعة 8 .
3 . آل عمران: 61 .

صفحه 103
من قوله تعالى: (وَنِسَاءَنَا): فاطمة (عليها السلام).1
فإذا كان عليّ (عليه السلام)نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أفضل من سائر الأنبياء فليكن عليّ أيضاً كذلك، ومع ذلك فليس في المسألة قول موحّد للشيعة ; بل هي مسألة كلامية.
فهذا هو الشيخ المفيد يقول: قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمد على سائر من تقدّم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أُولي العزم منهم(عليهم السلام)، وأبى القولين فريق منهم آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلّهم على سائر الأئمة(عليهم السلام)، وهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال، ولا على أحد الأقوال فيه إجماع، وقد جاءت الآثار عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمير المؤمنين (عليه السلام)وذريته من الأئمة، والأخبار عن الأئمة الصادقين أيضاً من بعد، وفي القرآن مواضع تقوّي العزم على ما قاله الفريق الأوّل في هذا المعنى، وأنا ناظر فيه وبالله اعتصم من الضلال.2
ترى أنّ الشيخ المفيد شيخ الشيعة لم يتّخذ موقفاً موحّداً.
وهناك نص آخر للعلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني وقد سأله سائل بقوله: هل الأئمة أفضل من الأنبياء أو الأمر بالعكس؟ فأجاب (رحمه الله) عنه بهذا النص: أمّا بالقياس إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فالجميع دونه في جميع الفضائل وإنّما فضائلهم رشحات من فضله، وعلومهم مقتسبة من علمه، وشرفهم فرع شرفه. وأمّا بالقياس إلى سائر الأنبياء السالفين فلا يبعد أن تكون جملة من هؤلاء أفضل

1 . لاحظ : التفاسير الروائية كالطبري والدر المنثور، ومن التفاسير العلمية: الكشّاف وتفسير الرازي .
2 . أوائل المقالات: 42 ـ 43 .

صفحه 104
وأشرف من جملة من أُولئك، لأنّ في هؤلاء مَن هو أعلم وأشرف وأكثر جهاداً في سبيل الله وأصبر وأعظم نفعاً للبشر علمياً وأدبياً وأخلاقياً واجتماعياً، فلا يبقى ما يقف عثرة في سبيل التفضيل سوى ميزة النبوة. وقد قرّرت في محلّه أنّ الخلافة لأفضل الأنبياء قد تعتبر أعظم درجة من بعض الأنبياء.
وبعبارة أُخرى: لم يثبت أنّ الخلافة الإلهية عن أعظم الأنبياء أقلّ درجة من كلّ نبي .1
هذان النصّان أحدهما من شيخ الشيعة القدامى، والآخر من بعض فطاحلهم المتأخّرين يعربان عن أنّ المسألة ليست مورد اتّفاق للشيعة حتّى تُعدّ ممّا يميّز به الشيعة عن غيرهم، والعجب أنّ الدكتور يطرح هذه المسألة ونظائرها لتمييز إحدى الطائفتين عن الأُخرى!!
ومن أراد التفصيل في هذه المسألة فليرجع إلى: متشابه القرآن للشيخ الجليل محمد بن شهرآشوب السروي (488 ـ 588 هـ) وأصل الشيعة وأُصولها للعلاّمة الشهير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (1294 ـ 1373 هـ) .2

1 . أوائل المقالات: 43، الهامش.
2 . لاحظ : متشابه القرآن: 44 ـ 45 ; أصل الشيعة وأُصولها: 64، طبعة النجف الأشرف.

صفحه 105

الحلقة الحادية والعشرون:

اليوم الحادي والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب: من مسائل الخلاف بين السنّة والشيعة مسألة عقد الإمامة، أي بم تنعقد الإمامة؟! فعند أهل السنّة طريقان تنعقد بهما الإمامة لا ثالث لهما; إمّا باستخلاف الخليفة، كاختيار أبي بكر لعمر ليخلفه في الحكم; وإمّا ببيعة فريق من العلماء وأهل الحل والعقد; لاختيار شخص معيّن، فإذاً يصبح شرعاً هو الخليفة أو هو الحاكم، وهذا يشبه الوضع الحالي تقريباً لكنه وضع مصغّر.
وأضاف أيضاً: إنّ الخلافة الراشدة أو خلافة النبوّة هي الّتي قامت عقب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي الدولة الّتي تعتمد الشورى في نظامها، وقد توالى على حكم الدولة الإسلامية أربعة خلفاء من كبار الصحابة، وجميعهم من العشرة المبشّرين بالجنّة، وهم: أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وهذا وفق معتقد أهل السنّة.
وذكر أيضاً أنّ حديث «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنّة» معجزة للنبيّ حيث كانت خلافة الخلفاء الأربعة ثلاثين سنة.
***
أقول: ركّز الدكتور شيخ الأزهر في هذه المحاضرة على أمرين:
الأوّل: استخلاف الخليفة إمّا باختيار الخليفة السابق أو باختيار أهل الحلّ والعقد.
الثاني: أنّ الخلافة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأربعة من كبار الصحابة، وأنّ حديث «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة» معجزة للنبيّ.

صفحه 106
أمّا الأمر الأوّل: فقد نصّ عليه الماوردي قال: الإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما: باختيار أهل الحلّ والعقد، والثاني: بعهد الإمام من قبل .1
أقول: لو كان أمر الإمامة منوطاً بانتخاب أهل الحلّ والعقد لما أهمل الرسول التصريح به والإرشاد إليه، كيف وأمر الإمامة أعظم الأُمور في حياة الأُمّة حيث يقود الإمام الأُمة الإسلامية بعد رحيل النبيّ، وكيف سكت عن ذلك مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر مندوبات الوضوء وآداب المائدة وغيرها من المستحبّات ودقائق الأُمور، ومع ذلك لم يصرّح بذلك الأمر المهم والخطير الّذي يتوقّف عليه مصير الأُمّة ومستقبلها؟!
أضف إلى ذلك: أنّ أهل الحلّ والعقد تعبير غامض، فمَن هم أهل الحلّ والعقد؟
وماذا يحلّون؟! وماذا يعقدون؟!
يقول الشيخ عبدالكريم الخطيب: هم أهل أصحاب الفقه والرأي الّذين يرجع إليهم الناس فيما ينوبونهم في أُمور؟ وهل هناك درجة معيّنة من الفقه والعلم إذا بلغها الإنسان صار من أهل الحلّ والعقد؟ وما هي تلك الدرجة؟ وبأيّ ميزان توزن؟ ومَن إليه يرجع الأمر في تقديرها؟ إنّ كلمة أهل العقد والحلّ لأغمض غموضاً من (الأفراد المسؤولون). (2)
إنّ التعبير بأهل الحلّ والعقد عبارة أُخرى عن كون أساس الحكم ومنشئه هو الشورى حتّى يتشاور أعضاء الشورى في أمر الخلافة، فلو كانت صيغة الحكومة بعد النبيّ هي الشورى كان على النبيّ توعية الأُمّة وتطبيقها في حياته، إذ ليس أمر الحكومة أمراً صغيراً ; بل هو أمر خطير خصوصاً في المجتمعات العشائرية الّتي يتنافس فيها شيخ العشيرة مع شيخ العشيرة الأُخرى.

1 . الأحكام السلطانية: 6 ـ 7 .   2 . الخلافة والإمامة: 271 .

صفحه 107
وفي المقام تحقيق للعلاّمة الشهيد محمد باقر الصدر نأتي بإجماله:
لو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة الّتي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء الّتي يتطلّبها هذا الموقف الإيجابي أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للأُمّة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله وإعطائه طابعاً دينياً مقدّساً وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبّل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى وإنّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكّم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حدّ كبير.
ونستطيع بسهولة أن ندرك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية ; لأنّ هذه العملية لو كانت قد أُنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسّد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي ذهنية الأُمّة، أو على أقلّ تقدير في ذهنية الجيل الطليعي منها الّذي يضم المهاجرين والأنصار بوصفه هو المكلّف بتطبيق نظام الشورى، مع أنّنا لا نجد في الأحاديث المأثورة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أي صورة تشريعية محدّدة لنظام الشورى. وأمّا ذهنية الأُمّة أو ذهنية الجيل الطليعي منها فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محدّدة لتوعية من ذلك القبيل.1
ولأجل غموض نظرية الشورى برمّتها وعدم ورود نصّ واضح وصريح حولها يقول الدكتور طه حسين: ولو قد كان للمسلمين هذا النظام المكتوب

1 . تاريخ الإمامية للدكتور عبدالله فياض قسم المقدّمة.

صفحه 108
(يعني نظام الشورى) لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك، وما يدّعون دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف.1
أقول: إنّ في كون الشورى أساساً للحكم غموضاً آخر غيرما ذكر، لم يرد في الشرع حلّه، وذلك:
أوّلاً: مَن هم الذين يجب أن يشاركوا في (الشورى) المذكورة ؟ هل هم العلماء وحدهم، أو السياسيّون وحدهم، أو كلاهما معاً؟
ثانياً: مَن هم الذين يختارون أهل الشورى ؟
ثالثاً: لو اختلف أهل الشورى في شخص فبأي شيء يكون الترجيح، هل يكون بملاك الكمّ، أم بملاك الكيف ؟
إنّ جميع هذه الأُمور تتّصل بجوهر مسألة (الشورى)، فكيف يجوز ترك بيانها، وتوضيحها؟ وكيف سكت الإسلام عنها إن كان قد جعل (الشورى) طريقاً إلى تعيين الحاكم؟!
ثم إنّ الماوردي نفسه بعد تعرضه لبيان الوجهين في انعقاد الإمامة، تعرّض للاضطراب الّذي أصاب مفكري المدرسة السنية في هذا المجال حيث قال:
فأما انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى:
فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضاء به عامّاً والتسليم لإمامته اجماعياً.
ورده آخرون بأنّه مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من

1 . الخلافة والإمامة: 272 .

صفحه 109
حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها .
وقالت طائفة أُخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشر بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة.
والثاني: أن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهما برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.
وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين.
وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأن العباس قال لعلي أُمدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم واحد نافذ.1
ولم يغفل ابن حزم عن نقطة فساد هذه الآراء، في مطاوي حديثه عنها حيث إنّ البعض منها يعد تكليفا بما لا يطاق مضافاً إلى ضياع أُمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مائة جزء من فضلاء أهل هذه البلاد، مع أنّه لو كان ممكنا لما لزم لأنّه دعوى بلا برهان. وأما قول من قال أن عقد الإمامة لا يصحّ إلاّ بعقد أهل حضرة الإمام وأهل الموضع الّذي فيه قرار الأئمة، فإن أهل الشام كانوا قد دعوا ذلك لأنفسهم حتّى حملهم ذلك على بيعة مروان وابنه عبدالملك واستحلوا بذلك دماء أهل الإسلام .
وهو قول فاسد لا حجة لأهله وكلّ قول في الدين عري عن ذلك من

1 . الاحكام السلطانية للماوردي: 6 ـ 7 .

صفحه 110
القرآن أو من سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أو من إجماع الأُمة المتيقن فهو باطل بيقين، قال الله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)1 فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقاً فيه، فسقط هذا القول أيضاً.(2)
يضاف إلى ذلك: أنّ الدكتور الطيب اكتفى بذكر وجهين لتعيين الخليفة المتمثلين باختيار أهل الحلّ والعقد وتعيين الخليفة السابق، وأهمل الوجه الثالث المتمثل بالقهر والاستيلاء أو الغلبة بالسيف، قال الإمام أحمد: ومن غلبهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، براً كان أو فاجراً. وعند وجود إمام مستقر ثم يخرج عليه آخر طلبا للملك، فقد قال الإمام أحمد: الإمامة لمن غلب، واحتجّ لذلك بأن ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة وقال: نحن مع من غلب .2 والأمر مطرد، فلو ثبتت الإمامة لواحد بالقهر والاستيلاء، فيجئ آخر ويقهره ويستولي على الأمر، ينعزل الأوّل ويصير الإمام هو الثاني.(4)
وهو كسابقه لا يستند إلى مرتكز شرعي وإنّما هو تبرير لواقع فرضته السياسة أو موقف اتخذه البعض كأبن عمر .
هذا كلّه حول كون الشورى أساس الحكم ، وأمّا انعقاد الإمامة بعهد الإمام من قبل فليس له أي دليل سوى عمل الخلفاء حيث تمّت خلافة عمر بن الخطاب بتعيين أبي بكر، وهكذا كان الأمر في الخلافة الأموية والعباسية، فلو كانت صيغة الحكومة الإسلامية بعهد الخليفة من قبل، فمرجع هذا إلى الاستبداد الّذي يخالف روح الإسلام، وعلى هذا الأساس غير المشروع دالت الخلافة بين الأمويين والعباسيين من والد إلى ولد دون أن تتوفّر فيهم المؤهّلات اللازمة

1 . البقرة: 111.    2 . الفصل: 4 / 168 .
2 . الأحكام السلطانية، للفرّاء: 20 و 22 و 23 .   4 . مآثر الانافة: 1 / 71 .

صفحه 111
للولاية والقدرة على الإدارة والسياسة الناجحة والإحاطة بأُصول الإسلام وأحكامه.
وحصيلة الكلام: أنّ شيخ الأزهر ومن سبقه من علماء أهل السنّة اتّخذوا الأمر الواقع بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دليلاً على المشروعية دون أن يقيموا على صحة الأمر الواقع دليلاً من الكتاب أو من السنّة النبوية الشريفة.
ثم إنّ القوم أعرضوا عمّا ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر الوصاية والخلافة من غير فرق بين ما أدلى به بوصاية الإمام في صدر البعثة، وما أوصى به في أواخر عمره.
أمّا في صدر البعثة فلمّا نزل قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)1 دعا النبيّ أقرباءه فقال لهم: يا بني عبد المطلب إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم» .
قال علي (عليه السلام): «فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلتُ وإنّي لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».
قال: «فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع».2
وأمّا في أُخريات عمره فيكفي في ذلك ما بلّغ عن الله سبحانه في أمر

1 . الشعراء: 214 .
2 . تاريخ الطبري: 2 / 216; نقض العثمانيّة كما في شرح نهج البلاغة: 3 / 263، شرح الشفاء للقاضي عياض: 3 / 37، تفسير الخازن:390; مسند أحمد: 1 / 159 ; ولاحظ : حياة محمّد لهيكل:104 .

صفحه 112
الخلافة يوم الغدير وبما أنّ الحديث معروف بأسانيده فقد اقتصرنا بما مرّ عليك، وسيوافيك بعض تفاصيله في الحلقات التالية.
***
ذكر الدكتور أحمد الطيب حفظه الله: أنّ قول رسول الله من أنّ الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة هي معجزة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث كانت خلافة الخلفاء الأربعة ثلاثين سنة.
أقول: اعتمد الدكتور في كلامه هذا على ما رواه الترمذي في سننه عن أحمد بن منيع، عن سريح بن النعمان، عن حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان قال: حدّثني سفينة (مولى رسول الله) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك.1
وأقول: إنّ الحديث لا يحتجّ به سنداً ولا دلالة، أمّا السند ففيه حشرج بن نباتة، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال مرّة: ليس بالقوّي، وأخرج له الترمذي حديثاً واحداً، ثم قال: ولحشرج غير ما ذكرت، وأحاديثه حسان وأفراد وغرائب. وقال: الساجي: ضعيف.
وقال ابن حبّان: كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. 2
وفي سندها أيضاً سعيد بن جمهان البصري (المتوفّى 136 هـ)، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقوم يضعفونه، ليس له عند الترمذي غيره.3

1 . سنن الترمذي: 3 / 341، باب ما جاء في الخلافة.
2 . تهذيب التهذيب: 2 / 325 .
3 . راجع: تهذيب الكمال: 10 / 376 .

صفحه 113
هذا عن السند وأمّا دلالة الحديث، فإنّ ظاهر الحديث أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان واقفاً على أنّ الخلافة ستدوم ثلاثين سنة، فلو صرّح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بمدة خلافتهم، فلماذا لم يصرّح بأسمائهم وأعيانهم، فهل كان التصريح بمدة الخلافة أولى من التصريح بأعيانهم؟!
أضف إلى ذلك: أنّ مضمون الحديث يضاد تماماً مع ما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)متضافراً بدوام الخلافة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)باثني عشر رجلاً، فقد عقد الشيخان (البخاري ومسلم) باباً لهذه الرواية وذكراها بأسانيد مختلفة، نذكر شيئاً طفيفاً منها:
أ. روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش.1
ب. روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: كلّهم من قريش».2
3. وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: انطلقت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمّنيها الناس. فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: كلّهم من قريش» .3

1 . صحيح البخاري: 9 / 81 ، باب الاستخلاف، ورواه ناقصاً كما يظهر ممّا نقله مسلم وغيره، ورواه أحمد في مسنده: 5 / 90 و 92 و 95 و 108.
2 . صحيح مسلم: 6 / 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش.
3 . صحيح مسلم: 6 / 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش. وروى نحوه: أحمد في مسنده: 5 / 98، وفيه: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً يُنصرون على ما ناواهم».

صفحه 114
4. أحمد بن حنبل بسنده إلى مسروق قال: كنّا جلوساً عند عبدالله بن مسعود فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كم يملك هذهِ الأُمة من خليفة؟
فقال ابن مسعود: نعم، سألنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل» .1
وروى أحمد في مسنده حديث: «الاثني عشر خليفة» عن جابر بن سمرة من أربع وثلاثين طريقاً .2
5. روى الحاكم في «المستدرك» بسنده عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة... كلهم من قريش».3
كلّ ذلك يدلّ على أن الخلافة تدوم أكثر من ثلاثين سنة، وبما أن القسم الثاني من الروايات متضافرة فيؤخذ بها ويترك غيرها. أعني ما يدلّ على أن مدّتها، ثلاثون سنة.

1 . مسند أحمد: 1 / 398، طبعة بيروت .
2 . انظر : التشيع، لعبدالله الغريفي: 150 نقلاً عن المسند: 5 / 90، طبعة بيروت.
3 . المستدرك على الصحيحين : 3 / 618، طبعة بيروت.

صفحه 115

الحلقة الثالثة والعشرون:

اليوم الثالث والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ 1

قال الدكتور أحمد الطيب: لا عصمة لأيّ إمام أو خليفة من بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بداية من أبي بكر الصديق حتّى تقوم الساعة، وهذا ما أكّده سيدنا أبو بكر في خطبة التنصيب، قال: أيّها الناس! إني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني. وهو يعترف بأنّ الخليفة يُخطئ أو يجانبه الصواب؟ وقوله: (قوّموني) يعني تعيدونني وترجعونني إلى الصواب، وبالتالي فليس لأي أحد عصمة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم تابع الدكتور مسألة عدم وجود نص على إمامة سيدنا علي (عليه السلام)وقال: إنّ الأحاديث الّتي وردت في الثناء على الخلفاء ومنهم سيدنا عليّ، ليس فيها لا من قريب ولا من بعيد ما يشير إلى إمامة سيدنا علي (عليه السلام)بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). ولو كان الأمر كما ذهب الشيعة لنصّ على ذلك صراحة بأن يقول: أيّها المسلمون عليٌّ هو الإمام من بعدي، وتحسم المسألة، لكن نحن أمام نصّ خفيّ ـ كما قال الشريف المرتضى; وهو من أعمدة علماء الشيعة ـ يحتمل أن يكون دالاًّ ويحتمل أن يكون غير دال .
***
أقول: ما اعتمد عليه الدكتور فيما أُثر عن أبي بكر، فقد روي على وجهين:
الأوّل: أمّا بعد أيّها الناس فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني.(2)
الثاني: قوله: اعلموا أيّها الناس أنّي لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم

1 . لم نعثر على محاضرة الدكتور في اليوم الثاني والعشرين.   2 . الصواعق المحرقة لابن حجر: 11 .

صفحه 116
ولوددت أنّ بعضكم كفانيه ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي وما أنا إلاّ كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتّبعوني وإن زغت فقوّموني، واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني... 1
أمّا الأوّل فيلاحظ عليه: أنّه إذا كان بين الصحابة مَن هو خير منه وأعلم بالأُصول والفروع والتنزيل والتأويل، فلماذا لم يشر إليه يوم السقيفة حتّى يختاره الناس ويبايعه هو؟! أليس هذا بخساً لحقّ الأُمّة أن يتسنّم الفاضل مع وجود الأفضل؟! أو المفضول مع وجود الفاضل .
وأمّا الثاني: فالاعتراف به عجيب وخطير جداً، فإنّ تدخل الشيطان في أفكاره في موضع بيان الأحكام والقضاء أمر غير مغتفر، فليس لمثل هذا أن يترشّح للزعامة!!
ثم إنّ الغاية من تنصيب الرجل للزعامة هو تدبير الأُمّة على ضوء الكتاب والسنّة، وهو رهن أن يكون الخليفة عارفاً بما تحتاج إليه الأُمّة في الإدارة والسياسة، قال علي (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهذَا الاَْمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ. فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ». 2
وقال الإمام الحسين بن علي (عليه السلام): «والله ما الإمام إلاّ القائم بالقسط، الحاكم بالكتاب، الحابس نفسه على ذات الله».3
وظاهر كلام الخليفة أنّه يحتاج في أمر القيادة إلى أفراد آخرين، وعندئذ تكون النتيجة: أنّه كان يفقد مقوّماتها ومؤهلاّتها.
ثم إنّ الدكتور أنكر وجود النصّ على إمامة عليّ (عليه السلام)ونقل عن السيد

1 . تاريخ الخلفاء لابن قتيبة: 1 / 16 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 172 .
3 . روضة الواعظين: 206 .

صفحه 117
المرتضى أنّه قال: يحتمل أن يكون النص دالاًّ ويحتمل أن يكون غير دال.
وأقول: الدكتور اعتمد في نقله هذا على ما كتبه أحمد الكاتب في المقام، ولم ينقله بوجه صحيح، وإليك كلامه الّذي أشار إليه الكاتب قال: الّذي نذهب إليه أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على أمير المؤمنين (عليه السلام)بالإمامة بعده، ودلّ على وجوب فرض طاعته ولزومها لكلّ مكلّف. وينقسم النص عندنا في الأصل إلى قسمين: أحدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول، والآخر إلى القول دون الفعل.
إلى أن قال (رحمه الله): قد دللنا على ثبوت النصّ بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)بأخبار مجمع على صحّتها، متّفق عليها، وإن كان الاختلاف واقعاً في تأويلها، وبيّنا أنها تفيد النصّ عليه (عليه السلام)بغير احتمال ولا إشكال كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» و «من كنت مولاه فعليّ مولاه» إلى غير ذلك ممّا دللنا، على أنّ القرآن يشهد به كقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)1، فلابدّ من أن نطرح كلّ خبر نافِ ما دلّت عليه هذه الأدلة القاطعة إن كان غير محتمل للتأويل، ونحمله بالتأويل على ما يوافقها ويطابقها إذا ساغ ذلك فيه .(2)
ترى أنّه (رحمه الله) عدّ حديث الغدير من الأحاديث الّتي تفيد النص عليه (عليه السلام)بلا احتمال ولا إشكال، وأنّ دلالتها قاطعة توجب طرح كلّ خبر ينافيها.
والنقل إن عَدِم الأما *** نة كان عنوانَ الخسار
وقد بحث هذا الموضوع المحقّق الأُستاذ حيدر محمد علي البغدادي الطحّان في كتابه «واحة اليقين»، وكشف الهفوات الّتي وقع فيها أحمد الكاتب في كتابه المذكور.2

1 . المائدة: 55 .   2 . الشافي في الإمامة: 3/ 99، مؤسسة إسماعيليان، قم ـ 1410 هـ .
2 . لاحظ : واحة اليقين: 418 ـ 420، طبع في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) .

صفحه 118
ثم إنّ الدكتور قال: لو كان الأمر كما ذهب إليه الشيعة لنصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على إمامة علي بصراحة، بأن يقول: أيّها الناس عليّ هو الإمام من بعدي.
أقول: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كرّر ذلك القول أكثر من مرّة خلال سنيّ حياته، ومنها:
1. ما تقدّم نقله من حديث بدء الدعوة، وقد مرّ نصّه.
2. إنّ حديث الولاية يعني قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ علي (عليه السلام) : «علي منّي وأنا من علي، وهو وليّكم من بعدي» من الأحاديث المتضافرة الّذي أخرجه غير واحد من أئمّة الصحاح والسنن وحفّاظ الحديث، وقد نقله جمّ غفير من كبار أئمّة الحديث في كتبهم، ربما يبلغ عددهم حسب ما استخرجه المحقّق المتتبع السيد حامد حسين اللكهنوي (المتوفّى 1306 هـ) في كتابه «عبقات الأنوار» إلى 65، وعلى رأسهم :
1. سليمان بن داود الطيالسي (المتوفّى 204 هـ).
2. أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (المتوفّى 239 هـ).
3. أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 هـ).
4. محمد بن عيسى الترمذي (المتوفّى 279 هـ).
5. أحمد بن شعيب النسائي (المتوفّى 303 هـ).
إلى غير ذلك من أئمّة الحفّاظ والمحدّثين 1، وإليك نصّ الحديث :
1. أخرج النسائي في سننه قائلاً: حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فضيل، عن الأعرج، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى اليمن مع خالد بن الوليد وبعث عليّاً على جيش آخر، وقال: إن التقيتما فعليٌّ

1 . لاحظ : نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار: 15 / 51 ـ 54 .

صفحه 119
على الناس، وإن تفرّقتما فكلّ واحد منكما على جنده، فلقينا بني زبيد من أهل اليمن، وظفر المسلمون على المشركين، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى عليٌّ جاريةً لنفسه من السبي، فكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمرني أن أنال منه. قال: فدفعت الكتاب إليه ونلت من عليّ، فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وألزمتني بطاعته فبلّغت ما أُرسلت به. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لي: «لا تقعنَّ يا بريدة في عليّ، فإنّ عليّاً منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي».1
2. وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمتُ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكرت عليّاً فتنقصته فرأيت وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يتغيّر، فقال: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه».(2)
وما جاء في الحديث الّذي أخرجه النسائي من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ منّي وأنا من علي وهو وليكم بعدي» لا ينافي المنقول في مسند أحمد ولعلّ الرسول جمع بين الكلمتين، أو أنّ الراوي نقل بالمعنى فقال: مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه.
وعلى كلّ حال فالحديث كان مذيّلاً بما يدلّ على ولايته بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ويؤيد ذلك أنّ الإمام أحمد أخرج الحديث عن عمران بن حصين بالشكل التالي:

1 . خصائص علي بن أبي طالب: 75 .   2 . مسند أحمد : 5 / 347 .

صفحه 120
3. قال: بعث رسول الله سرية وأمّر عليهم علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره لرسول الله، قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفرنا بدأنا برسول الله، فسلّمنا عليه، قال: فدخلوا عليه، فقام رجل منهم، فقال يا رسول الله: إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه.
ثمّ نقل قيام الثلاثة الباقين وتكرارهم ذلك القول وإعراض الرسول عنهم، حتّى انتهى إلى قوله: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيّر وجهه، فقال: «دعوا عليّاً، إنّ عليّاً مني وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي». 1
4. وأخرج الترمذي عن عمران بن حصين ونقل الحديث مثل ما نقل أحمد بن حنبل إلى أن قال: فقام الرابع، فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ والغضب يُعرف في وجهه ـ فقال: «ما تريدون من عليّ! ما تريدون من عليّ! ما تريدون من عليّ! إنّ عليّاً مني وأنا منه وهو ولي كلّ مؤمن بعدي».(2)
ترى أنّ الرواية تنصّ على الولاية الدالّة على أنّه الإمام بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى هذا: أنّ حديث الغدير نصّ على ولاية علي (عليه السلام)، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر في خطبته التوحيد والرسالة والمعاد، فقال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق وتؤمنون بالكتاب كلّه؟» قالوا: بلى، قال: «فإنّي أن قد صدقتم وصدقتموني، إلاّ وأنّي فرطكم وأنّكم تبعي توشكون أن تردوا عليّ الحوض، فأسألكم حين تلقوني عن ثقلي، كيف خلفتموني فيهما»؟ قالوا: ما ندري ما الثقلان؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله تعالى.. والأصغر منهما عترتي... ثم أخذ بيد علي فرفعها ثم قال:

1 . مسند أحمد: 4 / 438 .   2 . سنن الترمذي: 5 / 632 .

صفحه 121
«من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. من كنت وليّه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» قالها ثلاثاً.
ثم توّج رسول الله عليّاً بعمامته أمام الجموع الحاشدة من المؤمنين بيده الشريفة، فسدل طرفها على منكبه وأمر المهاجرين والأنصار أن يسلّموا على عليّ بأمر المؤمنين .
هذه خلاصة ما جرى في الغدير وقد حضر خطبته جموع كثيرة من عشرات الآلاف، في أرض غدير خم القريبة من الجحفة.
حديث الغدير رواه قرابة 119 صحابياً، ومن التابعين ما يقارب 90 تابعياً، ومن العلماء السنّة عبر القرون ما يناهز 360 عالماً، وبما أنّ هذه الرسالة تضيق عن ذكر جميع المصادر فعلى الدكتور الرجوع إلى موسوعة الغدير للعلاّمة الحجّة عبدالحسين الأميني النجفي فقد جمع رواة الحديث من الصحابة والتابعين ومَن نقله من الحفاظ في كتابه وهو من حسنات الدهر.
5. روى الحاكم في «المستدرك» بالإسناد إلى عبدالله بن أسعد بن زرارة، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أوحي إليّ في عليّ ثلاث: إنّه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.1 وروى مثله الطبراني في المعجم الصغير عن حكيم الجهني 2 وابن الأثير في أُسد الغابة 3 والمغازلي الشافعي في المناقب .(4)
وليس يصحّ في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهار إلى دليل

1 . المستدرك على الصحيحين : 3 / 137 ـ 138، طبعة بيروت.
2 . المعجم الصغير: 2 / 360، طبعة بيروت.
3 . أُسد الغابة: 1 / 84 ، طبعة بيروت.   4 . مناقب المغازلي: 83 ، طبعة بيروت.

صفحه 122

الحلقة الرابعة والعشرون:

اليوم الرابع والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر: إنّ قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» لا يصحّ أن يكون نصّاً صريحاً يلزم المسلم بأن عليّاً هو الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّ الجميع فهم تقديراً خاصّاً لسيدنا عليّ.
وتابع فضيلته في حديثه اليومي قال: إنّ لازم قول الشيعة الإمامية إنّ الصحابة خانوا عهد الله وعهد رسوله ورضوا أن يغتصب الخلافة من سيدنا علي، وهذا كلام غير معقول، إذ كيف يوصف الصحابة الكرام بالخيانة ونقض العهد.
ثم إنّ الصحابة هم الّذين حملوا إلينا القرآن الكريم وبلّغوا لنا هذا الدين الحنيف فلو كانت الصحابة خونة كيف أخذ الشيعة كالسنّة القرآن وفهموه من الصحابة.
***
ركّز الدكتور في محاضرته هذه على أُمور:
الأوّل: قصور دلالة حديث الغدير على كون عليّ إماماً .
الثاني: لو كان عليٌّ هو الإمام المنصوص فمعنى ذلك خيانة الصحابة لعليّ.
الثالث: لو كانت الصحابة بهذا الوصف فكيف أخذ الشيعة القرآن من جماعة لهم هذا الوصف. ولنأخذ كلّ واحد بالتحليل.
أمّا الأمر الأوّل: فقد أجبنا عنه في الحلقة السابقة وقلنا: إنّ خطبة الحديث أفضل دليل على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدد بيان أصل من أُصول الإسلام حيث أخذ

صفحه 123
الشهادة على الأُصول الثلاثة من الحاضرين، ثم رفع يد عليٍّ وقال ما قال، فلو كانت الغاية بيان فضيلة من فضائل الإمام لما احتاج إلى ذكر الأُصول الثلاثة، على أنّ في خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا: بلى، ثم قال: «مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه» وما يدلّ على أنّ النبيّ بصدد تنزيل عليّ منزلة نفسه في الأولوية على أنفس الآخرين، والأولى على الأنفس والأموال، يلازم كون الموصوف زعيماً إلهيّاً، فأي تنصيص أظهر من ذلك؟!
على أنّ الحاضرين فهموا من الحديث تفويض قيادة المجتمع إلى عليّ (عليه السلام)، فهذان هما الشيخان لما أمر الرسول المسلمين بالتسليم على عليّ بإمرة المؤمنين قدما يسلّمان عليه بإمرة المؤمنين ويهنّئانه حتّى قال عمر: بخ بخ لك يا عليّ فقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. أو بالفاظ تقارب هذا المعنى.1
ومن الحاضرين في واقعة الغدير حسّان بن ثابت شاعر عصر الرسالة فقد صاغ حديث الغدير في قالب الشعر وقال:
يناديهم يوم الغدير نبيُّهم *** بخمّ وأسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبينا *** ولم تلق منّا في الولايةِ عاصيا
فقال له قُمْ يا عليُّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليُّهُ *** فكونوا له أتباع صدق مواليا

1 . لاحظ : تفسير الرازي : 12 / 49 ; المصنّف لابن أبي شيبة: 12 / 78 برقم 12167; مسند أحمد: 5 / 355 برقم 18011 ; المعيار والموازنة للإسكافي: 212 ، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة والّتي ذكرها العلاّمة الأميني في موسوعة الغدير: 1 / 510 ـ 527، طبعة مركز الغدير للدراسات ـ قم المقدّسة.

صفحه 124
هناك دعا اللهم وال وليّهُ *** وكن للّذي عادا عليّاً معادياً1
وهناك قرائن كثيرة في متن الحديث ربّما تناهز العشرة قد أسهب الكلام فيها الباحث الكبير العلاّمة الأميني في موسوعته وأثبت أنّ المراد هو الولاية الإلهية لعلي (عليه السلام). فلو أراد الدكتور الإلمام بهذه القرائن فليرجع إلى الجزء الأوّل من كتاب الغدير. هذا كلّه حول الأمر الأول .
وأمّا الأمر الثاني: وهو اتّهام الشيعة بالقول بخيانة الصحابة فإنّ هذه الكلمة من الدكتور غريبة جدّاً، وذلك:
أوّلاً: أنّ جمّاً غفيراً من الصحابة بقوا على ما كانوا عليه في عهد الرسالة فأكّدوا على إمامة عليّ وأنّه الإمام المنصوص، وهم روّاد الشيعة ويبلغ عددهم مائتين أو أزيد، ولا يساعد المقام على ذكر أسمائهم، وقد تحملّ عبء هذا العمل الشيخ الدكتور أحمد الوائلي في كتابه «هويّة التشيع» فعلى الدكتور أحمد الطيّب الرجوع إلى هذا الكتاب ليعرف أنّ قسماً من الصحابة لم يتّفقوا مع الآخرين. وقد سبقه في هذا الموضوع العلاّمة السيد علي خان المدني (المتوفّى 1120 هـ) في كتابه: «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية»، وتلاه غير واحد من المحقّقين .
وأمّا عدول غيرهم عن إمامة الإمام عليّ إلى الآخرين فإنّما كان من باب التأويل والاجتهاد حيث إنّ كثيراً من الصحابة يقدّمون المصلحة المزعومة على النصّ الصريح، وليس هذا المورد أوّل قارورة كسرت في الإسلام، فكم لكبار الصحابة من مواقف عدلوا فيها عن النص الصريح إلى الاجتهاد. وها نحن نذكر منها شيئاً قليلاً:

1 . الغدير: 2 / 65، نقله عن اثني عشر مصدراً من أعلام السنّة وستاً وعشرين مصدراً من أعلام الشيعة.

صفحه 125

1. رزية يوم الخميس

أخرج البخاري عن ابن عباس وقال: لمّا اشتدّ بالنبيّ وجعه قال: إئتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده. قال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عنيّ ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.1
ترى أنّ الصحابة الّذين حضروا عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يومذاك رفضوا الانصياع لأمر النبيّ وهو حيّ يرزق، متمسّكين بعذر يخجل القلم من ذكره، فكيف بأوامره ونصوصه بعد رحيله عنهم؟!

2. الاعتراض على صلح الحديبية

لمّا تمّ الصلح بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ورؤساء الشرك عملاً بما توحيه المصلحة وثب عمر بن الخطاب وقد أدركته الحميّة، فأتى أبا بكر وقد استشاط غضباً وغيظاً، فقال: يا أبا بكر أليس هو برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلى م نُعطي الدنية من ديننا؟ فقال له أبو بكر: أيها الرجل إنّه رسول الله وليس يعصي ربّه .2

3. الأمر بالإحلال

لمّا تمّ صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين واتّفقا على رجوع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من مكانه هذا إلى المدينة ومجيئه في العام القادم في نفس الوقت إلى العمرة، وكان بين المسلمين من ساق بدنة، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرّات،

1 . صحيح البخاري: برقم 114، وأخرجه أيضاً في أبواب أُخرى، فلاحظ .
2 . صحيح البخاري: برقم 2732 ; صحيح مسلم: 5 / 175، بتفاوت في المخاطب.

صفحه 126
فلمّا لم يقم منهم أحد، دخل على أُمّ سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أُمّ سلمة: يا نبيّ الله أتحب ذلك؟ أُخرج ثم لا تُكلِّم أحداً منهم كلمة حتّى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلّم أحداً منهم حتّى فعل ذلك: نحر بدنة ودعا حالقه فحلقه، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتّى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً .1
هذا الحديث وما قبله يدلّ على أنّ ما اشتهر بين الناس من أنّ الصحابة كانوا أطوع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من مطاوعة الظل لصاحبه ممّا لا أساس له، بل يوافقونه تارة فيما لم يخالف هواهم.
وأمّا اجتهاد القوم وتأويلهم للنصوص بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فحدّث عنه ولا حرج، ولا يسعنا المقام الإشارة إلى قليل منه فضلاً عن الكثير، وإنّما نقتصر بذكر موردين من ذلك حتّى يعلم موقف كبار الصحابة من النصوص النبوية.

4. سرية أُسامة

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أصحابه بالتهيّؤ لسرية أمّر عليها أُسامة بن زيد، وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة 11 للهجرة، فلمّا كان من الغد دعا أُسامة فقال له: سر إلى موضع قتل أبيك، فقد وليتك هذا الجيش، فلمّا كان يوم الثامن والعشرون من صفر بدأ به مرض الموت، فحمّ وصدع، فلمّا أصبح يوم التاسع والعشرون ووجدهم متثاقلين، خرج إليهم فحضّهم على السير وعقد اللواء لأُسامة بيده الشريفة تحريكاً لحميّتهم وإرهافاً لعزيمتهم، ثم تثاقلوا، فلم يبرحوا مع ما سمعوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم، وطعن قوم في تأمير أُسامة، ولمّا بلغ كلامهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)صعد المنبر وقال: «أيّها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة، ولئن طعنتم في تأميري أُسامة، لقد طعنتم

1 . صحيح البخاري: برقم 2732، كتاب الشروط.

صفحه 127
في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقاً بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها» فجعل يقول: «جهّزوا جيش أُسامة، أنفذوا جيش أُسامة، أرسلوا بعث أُسامة»، يكرّر ذلك وهم مُثّاقلون.
وفي نهاية الأمر خرج أُسامة في ثلاثة آلاف مقاتل وتخلّف عنه جماعة ممّن عبّأهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في جيشه، ولم يطيعوا أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى لقي ربه، وما هذا إلاّ لأنّهم تشبّثوا بأعذار واهية من أنّ إشفاقهم على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طريح فراش الموت، هو الّذي ثبّطهم عن السير، مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «جهّزوا جيش أُسامة، لعن الله مَن تخلّف عنه».1

5 . إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم

جعل سبحانه المؤلّفة قلوبهم أحد المصارف للزكاة وقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)2 لكن لمّا ولي أبو بكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم هذا، جرياً على عادتهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكتب أبو بكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطه عليه فمزّقه وقال: لا حاجة لنا بكم فقد أعز الله تعالى الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتّم على الإسلام وإلاّ فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقّه عمر، فقال: هو إن شاء الله ووافقه .3
ولسنا بصدد استقصاء مخالفة القوم لنصوص النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعليماته، فإنّ

1 . تاريخ الطبري: الجزء الأوّل أحداث سنة 11 هـ ، السيرة الحلبية: 3 / 209 ; السيرة الدحلانية في هامش السيرة: 2 / 240 ; طبقات ابن سعد: 2 / 189 ـ 192 ; الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 23.
2 . التوبة: 60 .
3 . لاحظ : روح المعاني للآلوسي: 10 / 122، تفسير سورة التوبة، وذكره القدوري في كتابه الجوهرة النيّرة في الفقه الحنفي: 1 / 164 .

صفحه 128
المخالفات ربّما تربو على نيّف وسبعين مورداً استقصاها بعض الأعلام.1
بقي الكلام في بيان ما هي المصلحة المزعومة الّتي سببت العدول؟
إنّ في غضون التاريخ شواهد واضحة على سبب عدولهم عن زعامة الإمام (عليه السلام).
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: قال عمر: يابن عباس أما والله إنّ صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّا خفناه على اثنين ـ إلى أن قال ابن عباس ـ : فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: خفناه على حداثة سنّه، وحبّه بني عبدالمطلب. وفي موضع آخر قال: كرهناه على حداثة السنّ، وحبّه بني عبدالمطلب .2
ونقل ابن أبي الحديد عن أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مُسنداً، حيث قال: روى ابن عباس (رضي الله عنه)، قال: دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتّى أتى عليهن ثم شرب من جَرّ كان عنده، واستلقى على مِرفقة له، وطفق يحمد الله، يكرّر ذلك.
ثم قال: من أين جئت يا عبدالله؟ قلتُ: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبدالله بن جعفر، قلتُ: خلّفتُه يلعب مع أترابه، قال: لم

1 . لاحظ كتاب النص والاجتهاد للسيد الإمام عبد الحسين شرف الدين وهو كتاب ممتع مليء بالأحداث الّتي قُدّم فيها الاجتهاد الخاطئ ـ لا الصحيح فإنّه تبع النص ـ على النص النبوي الجلي، وعلى ضوء ذلك لا يكون ترك العمل بحديث الغدير من أكثرية الصحابة دليلاً على عدم تمامية دلالته.
2 . شرح نهج البلاغة: 6 / 51 .

صفحه 129
أعنِ ذلك، إنّما عنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت، قلتُ: خلّفته يمتح بالغَرْب 1 على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن.
قال: يا عبدالله، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق.
فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمره ذَرْوٌ 2 من قول لا يثبتُ حُجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا ورب هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم.3
ونقل ابن أبي الحديد في مكان آخر نظرية الخليفة في مسألة اجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد، فخاطب ابن عباس بقوله: يابن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكنّي أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهتْ قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فيجخِفوا جخفاً، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت، ووفقت فأصابت.4
هذه النصوص تعرب عن وجه عدول الصحابة عن النصّ على الولاية لعليّ .
إنّ هذا التعبير يعرب عن أنّ الخليفة لا يرى صحّة اجتماع النبوّة والخلافة

1 . الغَرْب: الدلو.
2 . ذرو: طرف.
3 . شرح نهج البلاغة: 12 / 20 ـ 21، ولاحظ أيضاً ص 53 .
4 . شرح نهج البلاغة: 12 / 53. فيجخفوا: يتكبّروا، وفي بعض المصادر (فتجحفوا الناس جحفاً).

صفحه 130
في بيت واحد، وفي مقابل هذا الرأي يحكي الذكر الحكيم عن اجتماع النبوّة والإمامة في آل إبراهيم ، يقول سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)1، فالملك العظيم هو الإمامة والخلافة الراشدة الّتي أعطاها الله سبحانه لآل إبراهيم مع ما آتاهم من النبوّة وخصّهم بالوصاية.
ما ذكرناه غيض من فيض وقليل من كثير ممّا يدلّ على أنّ إعراض القوم عن حديث الغدير وما يشابهه الدالّ على الولاية الكبرى والزعامة العظمى لعليّ (عليه السلام)، كان نابعاً عن اجتهادات وتأويلات ولمصالح متوهّمة، وإلاّ لم يكن أي شكّ ولا ريب في قلوب الحاضرين في يوم الغدير من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)جعله إماماً للناس وزعيماً بعده.
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّ الدكتور أحمد الطيب زعم أنّ حديث الغدير تقدير خاص لسيدنا علي (عليه السلام).
يلاحظ عليه: أنّه لو كان مفاد حديث الغدير فضيلة خاصّة لعليّ، لما كانت ضرورة لجمع الناس العائدين من الحجّ حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا وصل غدير خم من الجحفة الّتي تتشعب فيها طرق المدنيين والشاميين والعراقيين، أمر الناس بالترجل عن رواحلهم وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة فأمر رسول الله برجوع مَن تقدم منهم وبحبس مَن تأخّر عنهم في ذلك المكان، وكان يوماً هاجراً، إذ يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلمّا انصرف (صلى الله عليه وآله وسلم)من صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الابل وأسمع

1 . النساء: 54.

صفحه 131
الجميع، رافعاً عقيرته، وقال:... الحمد لله... إلى آخر الخطبة).
إنّ ذكر فضيلة خاصّة بعلي لا يحتاج إلى هذه المقدّمات الكثيرة والتمهيدات والاستعدادات المتعدّدة المحرجة!!
ونحن نرجو من الدكتور حفظه الله أن يراجع شأن نزول قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)1 فقد نصّ غير واحد من اعلام السنّة على نزول هذه الآية في حادثة الغدير، والقرائن الموجودة في الآية تؤيد ذلك حيث إن مورد التبليغ، بلغ من الأهمية حدّاً قيل في حقه (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، فما هو هذا الأمر الّذي لو لم يؤده لم يؤد الرسالة الإلهية بشكل كامل؟ مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صرف 23 سنة من عمره الشريف في تبليغ رسالة ربّه، أضف إلى ذلك قوله تعالى: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...) فهذه الفقرة تكشف عن حساسية المهمة، بحيث تحيطها الاخطار والردود المعاكسة من قبل المنافقين ومن في قلوبهم مرض.
هذا الأمران يؤيدان نزول الآية في قضية سياسية مهمة يُعد عدم تبليغها عدم تبليغ الرسالة، وأن في تبليغها خوفاً على النفس والنفيس، وليس لها مصداق إلاّ التصريح بالزعامة العامّة لرجل من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
وممّا يؤيد أن تصريح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم الغدير ليس فضيلة خاصّة، الروايات الّتي رواها كبار علماء السنة، منهم:
1. ابن عساكر في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)فقد روى بإسناده عن أبي هريرة قال: مَن صام ثمانية عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستين

1 . المائدة: 67. وقد روى نزول الآية في واقعة الغدير جمٌّ غفير يناهز الثلاثين بين محدّث ومفسّر، ومؤرّخ ومحقّق. لاحظ : الغدير: 1 / 424 ـ 438 .

صفحه 132
شهراً، وهو يوم غدير خمّ لمّا أخذ النبيّ بيد علي فقال: الست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم، فأنزل الله الآية.1
2. الحاكم الحسكاني الحنفي فقد روى بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال: إنّ رسول الله لمّا نزلت هذه الآية قال: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتي وولاية علي، اللّهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله».2
الثاني: قال الدكتور الطيب: إنّ الشيعة قالوا إنّ الصحابة خانوا عهد الله وعهد رسوله.. إلى أن قال: فلو كانت الصحابة خونة كيف أخذ الشيعة كالسنة، القرآن وفهموه من الصحابة؟
أقول: نحن لا نصفهم بما ذكر كما مرّ ; بل نقول إنّ القرآن الكريم كتاب الله الّذي ضمن سبحانه من أن لا يتسرّب إليه التحريف ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقال سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)3 وعندئذ لا يتمكّن أي ابن أُنثى من أن يُدخل على القرآن الكريم نقيصة ولا يزيد فيه زيادة، من غير فرق بين الصحابي وغيره .

1 . تاريخ دمشق: 42 / 233 .
2 . شواهد التنزيل: 1 / 201، برقم 211 .
3 . القيامة: 17 .

صفحه 133

الحلقة الخامسة والعشرون:

اليوم الخامس والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر:
1. إنّي لا أُريد أن أُحدث فرقة أو فتنة بين السنّة والشيعة فما حملني على هذا البرنامج إلاّ لنتفاهم بهدوء لنزع أسباب الفرقة وتفتيت المؤامرات الشيطانية الكبرى العالمية لضرب أُمّة الإسلام بإرشاد الأُمّة لما فيه الخير في الدنيا والآخرة .
2. إنّ عليّاً بايع أبا بكر وعمر وعثمان، ولو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على إمامته لما رضي ببيعتهم ولقاتلهم كما حدث بينه وبين معاوية بعد 25 سنة .
3. إنّ الإمامة الّتي تلي شؤون الحكم والمنصوص عليها من قبل الله تعالى غير معقولة، وللأسف الشديد هذه النظرية هي الّتي تبعث الآن ليقتل السنّي الشيعي ويقتل الشيعي السنّي.
4. إنّ الشيعة الأوائل الّذين كانوا حول عليٍّ لم يعرفوا إمامة الإمام وزعامته بعد النبيّ وإنّما ظهرت هذه النظرية في القرن الثاني الهجري .
***
ما ذكرناه خلاصة ما أكّد عليه شيخ الأزهر في حديثه اليومي الّذي يقدّم في الشهر المبارك من على الفضائية المصرية، ونحن نرجع ونحلّل كلّ واحد من الأُمور الأربعة الّتي أكد عليها.
أقول: أمّا الأمر الأوّل: فقد ذكر فضيلة الشيخ أنّ الهدف هو نزع فتيل الفتنة والفرقة وإرشاد الأُمّة إلى التفاهم بهدوء، ونحن نرحب بهذا الهدف السامي الّذي فيه تقوية الإسلام وعلو شأنه، لكن كان يجب على الشيخ قبل إلقاء المحاضرة أن يجمع علماء الإسلام من السنّة والشيعة حول طاولة مستديرة لمناقشة هذه

صفحه 134
الأُمور بشكل علمي بعيداً عن الضجيج الإعلامي، غير أنّه عدل عن هذا الطريق الصحيح بإلقاء محاضرات على الهواء يبيّن فيها الفوارق الموجودة بين الطائفتين ويؤيّد إحداهما ويردّ على الأُخرى، وهذا العمل لا ينتج إلاّ استنزاف القوى وتشتّت الصف الإسلامي، وهو خلاف ما يتبّناه .
وأما الأمر الثاني: وهو بأنّ عليّاً بايع الخلفاء الثلاثة، فلم يرد في التاريخ إلاّ بيعة علي لأبي بكر بعد ستة أشهر عقب وفاة بنت المصطفى فاطمة الزهراء (عليها السلام).
فقد جاء في صحيح البخاري... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت. وعاشت بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ستة أشهر. فلمّا توفيّت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها، وكان لعليّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر.1
فلو كانت بيعة أبي بكر بيعة صحيحة لا فلتة،2 فلماذا لم تبايع بنت المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي سيدة نساء العالمين إلى أن توفيت وهي واجدة على أبي بكر؟! أو ما سمعت قول أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». 3
أفيمكن أن نرمي بنت النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) بما ورد في هذا الحديث الصحيح؟!

1 . صحيح البخاري: 1036، برقم 4241 .
2 . كما وصفها عمر حيث قال:... ثم إنّه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرّها.. (صحيح البخاري: 1713 برقم 6830، باب رجم الحبلى من الزنا).
3 . صحيح مسلم: 56 / 22; السنن الكبرى: 8 / 156 .

صفحه 135
ونسأل أيضاً لماذا تأخر عليّ (عليه السلام)عن بيعة أبي بكر مدة 6 أشهر؟!
نعم أنّ عليّاً لمّا شاهد إقصاءه عن منصة الخلافة، ترك الأمر إليهم لمصلحة أشار إليها في بعض خطبه وقال: «فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلاَن يُبَايِعُونَهُ. فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاِْسْلاَمِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ ...» .1
وأمّا الأمر الثالث: فقد أفاد الدكتور بأنّ الإمامة المنصوصة عليها من قبل الله غير معقولة وتثير النزاع بين السنّة والشيعة.
أقول: ياللأسف يذكر الدكتور أنّ كون الإمامة أمراً منصوصاً من الله سبحانه، أمراً غير معقول مع أنّ النبيّ الأكرم ينصّ على صحّة الإمامة بهذا المعنى، وذلك لمّا عرض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه على بني عامر الّذين جاءوا إلى مكّة في موسم الحج ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على مَن خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء».2
وهذا هو الشيخ الرئيس ابن سينا يقول: «والاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف» .3
ثم العجب من أنّه جعل وجود القتال بين الطائفتين من آثار القول بالنصّ في مورد الحكم مع أنّه لا صلة بين الأمرين، فإذا كانت الخلافة من الأحكام الفرعية وكان الاختلاف فيها أمراً شائعاً فما هو السبب لأن يقتل السنّي الشيعي؟!

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 62.
2 . السيرة النبوية لابن هشام:2/424ـ 425.
3 . الشفاء: 452، قسم الإلهيات المقالة العاشرة من الفصل الخامس، طبعة مصر.

صفحه 136
إن القتال من آثار تعظيم الخلاف ورفع مستواه إلى حدّ الإيمان والكفر من قبل المتشددين.
إنّ الدماء الطاهرة الّتي تراق كلّ يوم في بلاد الرافدين واليمن الفيحاء كلّها من آثار فتاوى التكفير الّتي يقوم بها مَن لا علم له بالكتاب والسنّة ولا تقوى حتّى تصدّه عن هذا العمل الشنيع .
قال السيد الأمين: وقتل السلطان سليم العثماني من الشيعة في الأناضول أربعين ألفاً وقيل سبعين ألفاً لم يكن لهم ذنب سوى أنّهم شيعة.1
وفي «الفصول المهمّة» أنّ الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جرّاء هذه الفتوى عشرات الألوف من شيعة حلب، وقتل العثمانيون الشهيد الثاني المشهور بفضله وورعه; وفعل الجزّار والي عكّا بجبل عامل فعل الحجّاج في العراق، وقد نهب الجزار أموال العامليين وأحرق مكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد، وبقيت أفران عكّا توقد أُسبوعاً كاملاً من كتب العامليين، ولم يسلم من ظلم الجزّار إلاّ مَن استطاع الفرار.2
ومن هنا نطالب الدكتور الطيب برصد الواقع التاريخي للمسلمين لنرى ما هي الأسباب الحقيقية للصراع الّذي نشب في العالم الإسلامي، فعلى سبيل المثال أنّ معركة الجمل وصفّين لم يكن للإمامة بما هي أمامة دور فيها، بل حدثت بسبب تمرّد البعض على الخليفة الشرعي تحت ذريعة المطالبة بدم الخليفة المقتول، وأمّا النهروان فقد انطلق الخوارج فيها من فكرة الكفر بالله بسبب تحكيم الرجال في أمر الدين كما يزعمون. وهكذا تواصل الصراع ووقع

1. أعيان الشيعة: 1 / 30، طبعة دار التعارف بيروت.
2 . لاحظ : الشيعة والحاكمون للشيخ مغنية: 194 ـ 195.

صفحه 137
الاختلاف الكبير بين المسلمين في العصر الأُموي والعصر العباسي بعد هارون الرشيد بين الإخوة الأمين والمأمون ولم يكن للإمامة المنصوصة فيه أثر و...
ثم كيف أهمل الدكتور ظاهرة التكفير والصراع بين المعتزلة والأشاعرة ; فهذا الإمام أحمد ـ إن صدقت الحنابلة في النقل عنه ـ قال: مَن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومَن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأوّل، ومَن زعم أنّ الفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومَن لم يكفّر هؤلاء القوم فهو مثلهم. 1 وهل للنصّ على الإمام مكان في كلامه؟!
وهذا كتاب «السنّة» لعبدالله بن أحمد بن حنبل لم يسلم منه فريق، فقد جاء فيه: مثل المرجئة مثل الصابئين (الحديث 436) والمرجئة كاليهود (الحديث 563 ) وأنّه لم أر قوماً أوسخ وسخاً ولا أقذر ولا أطفس من الرافضة (الحديث 322)، وليس قوم أشدّ بغضاً للإسلام من الجهمية والقدرية، (الحديث رقم 9) وأنّ الجهمية كفّار والقدرية كفّار (الحديث رقم 8 و 672).2فهل في هذا الصراع مكان للإمامة؟!
وما هو دور النصّ على الإمامة في قضية التجسيم الّتي اتّهم بها الأشاعرة حشوية الحنابلة، وقضية التعطيل الّتي اتّهم بها الحنابلة الأشاعرة و... وقد سالت من جرّاء ذلك دماء غزيرة. بل بلغ التعصّب بين بعض أتباع المذاهب الأربعة حدّ التكفير، فهذا محمد بن موسى الحنفي قاضي دمشق (المتوفّى 506 هـ) يقول: لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية؟ وسئل أحد متعصّبي الشافعية عن طعام وقعت فيه قطرة نبيذ فقال: يرمى لكلب أو حنفي؟!3

1 . طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى: 1 / 29 .
2. لاحظ : السُّنّة لعبد الله بن أحمد. طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ .
3 . الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، لأسد حيدر: 1 / 190 .

صفحه 138
إلى غير ذلك من عوامل الاختلاف الّتي ليس للإمامة فيها نصيب قطّعاً .
وأمّا الأمر الرابع: فيقول الدكتور: إنّ الشيعة الأوائل لم يعرفوا إمامة الإمام بالمعنى الّذي ظهر في القرن الثاني .
أقول: إنّ الشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومَن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر القيادة ، ولم يغيِّروه ، ولم يتعدّوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ)1 ففزعوا في الأُصول والفروع إلى عليّ وعترته الطاهرة (عليهم السلام)، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى مِنَ الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة ، حيث تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح . والشيعة بهذا المعنى كانوا متواجدين في عصر الرسول وبعد رحيله، وليس للشيعة تاريخ سوى تاريخ الإسلام ولم تكن وليد الجدالات السياسية ولا الكلامية، بل الإسلام والتشيّع كعملة واحدة يمثل الإسلام وجهها الأوّل والتشيّع الوجه الثاني منها.
إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الإمام عن لسان النبيّ الأكرم ـ والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين والأنصار حول الوصيّ ، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة ، وأنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون ، وإن كنت في شكّ من هذا فسنتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام :
1 . أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله مَن أكرم الخلق على الله؟ قال : «يا عائشة أما تقرئين :(إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

1 . الحجرات : 1 .

صفحه 139
أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَرِيَّة)».1
2 . أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) فأقبل عليّ، فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» ، ونزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّة) فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البريّة.2
3 . أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : «عليّ خير البريّة».(2)
4 . وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ : «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين» .(3)
5 . أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «ألم تسمع قول الله : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة) أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».(4)
6 . روى ابن حجر في صواعقه عن أُمّ سلمة قالت: كانت ليلتي ، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله)عندي فأتته فاطمة فتبعها عليّ ـ رضي الله عنهما ـ فقال النبيّ : «يا عليّ أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة».(5)
7 . روى ابن الأثير في نهايته : قال النبيّ مخاطباً عليّاً : «يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوُّك غضاباً مقمحين» ثمّ جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح . قال ابن الأثير : الإقماح :

1 . الدر المنثور : 6 / 589، والآية هي السابعة من سورة البيّنة .
2 و 2 و 3 و 4 . الدر المنثور : 6 / 589 .   5 . الصواعق المحرقة: 161 .

صفحه 140
رفع الرأس وغض البصر.1
8 . روى الزمخشري في ربيعه : أنّ رسول الله قال : «يا عليّ ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحجزتي ، وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم ، فترى أين يؤمر بنا؟».2 والحجزة كناية عن مقام من المقامات.
9 . روى أحمد في المناقب : أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ : «أما ترضى أنّك معي في الجنّة ، والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّيتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».(3)
10 . روى الطبراني : أنّه(صلى الله عليه وآله) قال لعليّ : «أوّل أربعة يدخلون الجنّة : أنا وأنت والحسن والحسين ، وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّياتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا».(4)
11 . أخرج الديلمي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : «يا عليّ ، إنّ الله قد غفر لك ولذرّيّتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ، فأبشر فإنّك الأنزع البطين».(5)
12 . أخرج الديلمي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال لعليّ: «أنت وشيعتك تردون الحوض رواء مرويّين ، مبيضّة وجوهكم ، وإنّ عدوّك يردون على الحوض ظماء مقمحين».(6)
13 . روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : «يدخلون من أُمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ـ ثمّ التفت إلى عليّ فقال : ـ هم شيعتك وأنت إمامهم».3

1 . النهاية : 4 / 106. ورواه ابن حجر في الصواعق : 154 .
2 . ربيع الأبرار: 1 / 808 .   3 و 4 و 5 و 6 . الصواعق المحرقة: 161 .
3 . مناقب المغازلي : 293 .

صفحه 141
14 . روى ابن حجر : أنّه مرّ عليّ على جمع فأسرعوا إليه قياماً ، فقال : «مَن القوم؟» فقالوا : من شيعتك يا أمير المؤمنين ، فقال لهم خيراً ، ثمّ قال : «يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبَّتنا؟» فأمسكوا حياءً ، فقال له من معه : نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم ، لما أنبأتنا بصفة شيعتكم فقال : «شيعتنا هم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله».1
15 . روى الصدوق (306 ـ 381هـ ) : أنّ ابن عباس قال : سمعت رسول الله يقول : «إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعدّ الله تبارك وتعالى لشيعة عليّ من الثواب والزلفى والكرامة . . .».2
وهذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة أسنادها ، تعرب عن كون عليّ(عليه السلام) متميّزاً بين أصحاب النبيّ بأنّ له شيعة وأتباعاً ، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها ، في حياة النبيّ وبعدها ، وكان(صلى الله عليه وآله) يشيد بهم ويبشّر بفوزهم ، وهم ـ بلا ريب ـ ليسوا بخارجين قيد أُنملة عن الخط النبوي المبارك للفكر الإسلامي العظيم ، وهذا الأمر يؤكّد على حقيقة التشيّع ومبدئه الذي لا يفترق عن نشوء الدين واستقراره .

1 . الصواعق المحرقة: 154 .
2 . علل الشرائع : 156 .

صفحه 142

الحلقة السادسة والعشرون:

اليوم السادس والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

أكّد الدكتور أحمد الطيب في هذه الحلقة على الأُمور التالية:
1. أنّ الجيل الأوّل من الشيعة لم يكن يعرف نظرية الإمامة الإلهية بدليل أنّ سيدنا عمر استعمل بعض الولاة من أنصار سيدنا عليّ (عليه السلام)منهم سلمان الفارسي، ومالك بن الأشتر، وحجر بن عدي، فظهر أنّ نظرية الإمامة لم تكن موجودة في ذلك العصر.
2. أشار إلى كتابين: أحدهما لأحمد الكاتب باسم «السنّة والشيعة وحدة الدين خلاف السياسة والتاريخ» وثانيهما للسيد علي الأمين باسم «السنة والشيعة أُمّة واحدة». وقرّر الأوّل أنّ الأوائل الّذين كانوا حول عليّ كان لهم موقف إيجابي خالص من الخلفاء الثلاثة، ولمّا انتهى القرن الهجري الأوّل وتعرّض الشيعة إلى ضغوط سياسية شديدة على أيدي الأمويين، حتّى نشأت لدى فريق صغير ـ كردّ فعل على هذه الضغوط الصعبة ـ نظرية الإمامة الإلهية.
3. ختم فضيلته حديث هذا اليوم بأنّنا (في حاجة) بحاجة إلى مثل هذا الصوت المعتدل الّذي يمكن أن يساهم في مسيرة التفاهم بين أهل السنة والشيعة على أُسس واضحة.
***
أقول: أمّا الأمر الأوّل وهو أنّ الجيل الأوّل من الشيعة لا يعرفون نظرية الإمامة الإلهية، بشهادة استعمال عمر لأنصار سيدنا علي (عليه السلام) كولاة في بعض البلدان، فما استشهد به خال عن الدلالة على ما يرتئيه، فإنّ موقف هؤلاء لا يشذّ عن موقف الإمام علي (عليه السلام)الّذي نصر الإسلام والمسلمين في زمان الخلفاء ; لأنّ

صفحه 143
ظاهرة الارتداد كادت تقضي على الإسلام كما قال: «حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاِْسْلاَمِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ» .1
فمنذ أُقصي علي (عليه السلام)عن ولايته الحقّة رأى أنّ رفع صوت الخلاف والقيام بمن معه من الأنصار، يسبّب محق الإسلام، خصوصاً وأنّ المنافقين بعد في المدينة منتشرون يتحيّنون الفرص للانقضاض على الإسلام .
فردّة العرب من جانب وكيد المنافقين من جانب آخر، ألجأ الإمام عليّاً (عليه السلام)إلى المماشاة وتبعه أنصاره.
ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام): «وَوَاللهِ لاَُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ; وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً»2.
واقتدت به شيعته فتعاملوا مع الخلفاء إذا اقتضت المصلحة.
وأمّا ما ذكر من أنّ الجيل الأوّل من الشيعة لم يكونوا يعرفون نظام الإمامة، فقد عرفت خلافه في الحلقة السابقة، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الّذي بذر بذرة التشيّع وربّى جمعاً يوصفون بأنّهم من شيعة علي (عليه السلام)في عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والمجال لا يساعد على أن نذكر أسماء هؤلاء الّذين تفانوا في ولاية الإمام (عليه السلام)ولا يعرفون قائداً إلاّ إيّاه، وكفاك هنا ما ذكره «كرد علي» في كتابه: «خطط الشام» قال: عُرِف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 62 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 74 .

صفحه 144
ومثل أبي سعيد الخدري الّذي يقول: أُمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولمّا سئل عن الأربع، قال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحجّ.
قيل: فما الواحدة الّتي تركوها؟
قال: ولاية عليّ بن أبي طالب.
قيل له: وإنّها لمفروضة معهنّ؟
قال: نعم هي مفروضة معهنّ.
ومثل أبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيّوب الأنصاري، وخالد ابن سعيد، وقيس بن سعد بن عبادة.1
ثم إنّ الشيعة في أوائل القرن الأوّل لو كانوا لا يختلفون عن إخوانهم السنّة في الأُصول والفروع ويعتقدون بخلافة الخلفاء بدءاً من أبي بكر وانتهاء بعلي، فما هو السبب في الضغط عليهم إذ لم يكن أي فارق بينهم وبين بقية المسلمين حتّى يلتجئوا إلى القول بنظرية الإمامة لعلي وأولاده في القرن الثاني، ومجرّد حبهم لعلي وأولاده لا يكون مبرراً للضغط، لاشتراك عامّة المسلمين في حب أهل البيت(عليهم السلام).
نعم نسي أحمد الكاتب أو تناسى أو غفل عن سبب الضغط، فإنّهم كانوا يهتفون بولاية عليّ بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ويرون أنّ خلافة الآخرين خلافة غير صحيحة، وبالتالي خلافة مَن جاء بعد علي كمعاوية وأولاده فصار كلّ ذلك سبباً للضغط، فلم يكن تفاني هؤلاء في حب أهل البيت(عليهم السلام)أو اتّخاذهم أُسوة وقدوة

1 . خطط الشام: 5 / 251 .

صفحه 145
في الحياة إلاّ لنصوص صحيحة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)دون أن يكون ردّ فعل للضغوط.
وأمّا ما أشار إليه الدكتور من الصوت المعتدل، فهو ليس بمعتدل، بل معنى ذلك ذوبان الشيعة في السنّة، وهذا مستحيل، كما أنّ ذوبان السنّة في الشيعة كذلك مستحيل. والصوت المعتدل هو الأخذ بالمشتركات المتوفرة بين الطائفتين وإرجاع البحوث الكلامية إلى المعاهد العلمية بين العلماء.
والغريب أنّ الدكتور قال بضرورة الصوت المعتدل لأحمد الكاتب والسيد الأمين موحياً للمشاهد بأنّها حالة طارئة على الوسط الشيعي، وأنّ السائد في المدرسة الشيعية هو التطرّف والغلو، متجاهلاً ذلك الصوت الوحدوي والّذي ضرب أروع الأمثلة في الاعتدال على مرّ التاريخ، فهاهم رجال الشيعة ومرجعياتهم تتصدّى للثورة ضد الحاكم الإنجليزي في ثورة العشرين 1 ثمّ قدّموا الحكم لإخوانهم السنّة على طبق من ذهب، ومن قبل ذلك وقفوا إلى جانب الحاكم العثماني السنّي رغم أنّه بخل عليهم بالسلاح والعتاد ولم يدعمهم بشيء، بل تآمر بعض قادته عليهم. وعندما اشتدّت الحملة الأمريكية على نظام صدام رفضت الجمهورية الإسلامية في إيران السماحَ للمحتَّل الأمريكي من الاستفادة من مجالها الجوي والبري والبحري رغم الجرائم الّتي اقترفها صدام بحق الشعب الإيراني، وعندما غزا صدام الكويت السنيّة وقفت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الإخوة الكويتيين وهي تعلم أنّهم ساندوا النظام البعثي ووفّروا له كلّ ما يريد في حربه القذرة.
وبعد أن سقط نظام صدام عام 2003 م فتح الشيعة قلوبهم قبل بيوتهم لأخوتهم وطالبوا بفتح صفحة جديدة إلاّ أنّ الردّ كان قاسياً فكان نصيبهم آلاف

1 . ثورة العشرين الّتي حدثت إبّان الاحتلال البريطاني للعراق في عام 1920 م .

صفحه 146
المفخّخات الّتي كان نصيب الشيعة ومناطقهم منها أكثر من 95 %، وفي مقدّمتها هدم ضريح الإمامين العسكريين (عليهما السلام)وحادث جسر الأئمة في بغداد الّذي راح ضحيته أكثر من 1500 شهيد، ورغم كلّ ذلك صرّحت المرجعية الشيعية المتمثّلة بالسيد السيستاني حفظه الله بأنّه لا تقولوا إخواننا أهل السنّة بل قولوا أنفسنا أهل السنّة؟!!
هذا ولا ننسى دور المدرسة القميّة ومراجعها العظام بتحريم الإساءة إلى رموز أهل السنّة والوقوف إلى جانب أفغانستان وحماس السنيتين وتحمّل المسؤولية الكبيرة في دعمها بالمال والسلاح و المواقف السياسية.
نعم، يا سماحة الدكتور أنّ الشيعة وقفوا وسيقفون إلى جانب إخوتهم أهل السنّة لأنّ ذلك أدب ورثوه من أئمة الهدى(عليهم السلام) .
وأتمنّى من الدكتور الطيب أن يرصد العلاقة الحميمة الّتي تسود الشارع الإيراني سنّة وشيعة ليدرك بما لا ريب فيه مدى الأُخوّة بين الطائفتين وكيف يعيش المسلم السنّي إلى جانب أخيه الشيعي رغم محاولات بعض دول الجوار تعكير الصفو من خلال تحريكها لبعض المغفلين والانتهازيين.
وأمّا تقييم الكتابين اللّذين أشار إليهما الدكتور فيحتاج إلى تأليف رسالة مستقلة، فقد قام أحمد الكاتب بتحريفات كثيرة في عشرات الروايات تأييداً لأفكاره، وكفانا في ذلك ما ألفه الأُستاذ حيدر محمد علي البغدادي الطحّان في كتابه «واحة اليقين».
وأمّا الكتاب الآخر فسيوافيك الكلام فيما نقله عنه في الحلقة التالية.

صفحه 147

الحلقة السابعة والعشرون:

اليوم السابع والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

تابع شيخ الأزهر في حديثه اليومي الّذي يبث من الفضائية المصرية قبيل الإفطار، وقال: الجديد الّذي يمكن أن يقرأ من كتاب السيد علي الأمين، أنّه يفرق بين الإمامة الدينية وبين الإمامة السياسية، فالإمامة الدينية تعني الرجل العالم التقي الّذي يُهتدى به ويلجأ إليه في أُمور الدين وفي مدلهمات الأُمور، ويقصد بكلامه هداية الناس، وأمّا الإمامة السياسية تعني الرجل الّذي يتولى الحكم وإدارة شؤون المجتمع وتطبيق الشريعة والحدود وإنصاف المظلوم، فهو معنيّ بالأُمور الدنيوية الحياتية والحياة المدنية، وبالتالي هناك إمام للحياة الدينية وإمام للحياة المدنية، والفرق بينهما كبير.
وأضاف شيخ الأزهر: ويرى السيد علي الأمين أنّه حدث خلط عند كثير من الشيعة بين مسألة الإمامة الدينية ومسألة الإمامة السياسية.
***
أقول: إنّا لم نعثر على كتاب السيد علي الأمين وإنّما أقضي على نظريته حسب ما نقله الدكتور الطيّب، فإنّها ليست شيئاً جديداً، وإنّما هي نظرية غربية ألا وهي تفكيك الدين عن السياسة، متأثّراً بالمقولة المشهورة: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله».
كيف يمكن القول بالتفكيك مع أنّ القرآن الكريم يجمع لآل إبراهيم (عليه السلام)بين المقامين ويقول: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)1 فإيتاء الكتاب والحكمة

1 . النساء: 54.

صفحه 148
علامة النبوّة وإيتاء الملك العظيم هو الحكم والسيادة .
ولقد تأثّر المؤلّف في نظريته هذه بما أُثر عن عمر بن الخطاب حيث قال لابن عباس: يابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: لكنّي أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟
قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فيجخفوا جخفاً، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت .1
روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)في قوله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً)(2) قال: «جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمة، فكيف يُقرّون في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)» قال: قلت: (وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)قال: «الملك العظيم أن جعل فيهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم».2
إنّ الإمامة بمعنى الحياة الدينية، لم تكن مختصّة بالإمام، بل كان بين الصحابة الكرام من يصلح لأن يكون قدوة، ممّن بلغوا في الإيمان والتقوى مرحلة سامية، فلماذا تعلّقت الشيعة بعلي (عليه السلام)نافين غيره من التسلّق إلى هذا المقام الشامخ؟ وهذا يكشف عن أنّ إمامته كانت أمراً لا يتقمّصه إلاّ هو وليست هي إلاّ الرئاسة العامّة في الدين والدنيا .
ثم نقل الدكتور أنّ السيد علي الأمين استدلّ على نظريته بكلام الإمام علي (عليه السلام)عندما جاء الناس لمبايعته بعد مقتل عثمان بن عفّان حيث قال: «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان» وقال بعد نقل كلامه (عليه السلام): يعني اتركوني وانتخبوا غيري، فالخير أن أكون فيكم ناصحاً آمراً بالمعروف

1 . شرح نهج البلاغة: 14 / 53 .   2 . النساء: 54 .
2 . الكافي: 1 / 160 .

صفحه 149
وناهياً عن المنكر من أن أكون لكم أميراً أتولّى الإمامة والسياسة.
وهذا ما سنناقشه في الحلقة القادمة بتوفيق من الله تعالى.

الحلقة الثامنة والعشرون:

اليوم الثامن والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

قال الدكتور الطيب: إنّ قول الإمام علي (عليه السلام): «دعوني والتمسوا غيري... وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً» يدلّ على أنّه (رضي الله عنه)لم يطلب الإمامة السياسية أبداً ولم تكن في ذهنه بل كان ينفر منه (كذا ـ منها) وهذا كان بعد مقتل عثمان حيث كانت الساحة خالية أمامه ليتولّى إمامة المسلمين. ومعنى كلامه: اتركوني وابحثوا عن غيري.
***
أقول: إنّ للإمام علي (عليه السلام)كلمات في هذا المضمون، فقد قال لابن عباس مشيراً إلى نعله: ما قيمة هذا النعل؟ فقال له: لا قيمة لها. قال (عليه السلام): «والله لهي أحب إليّ من إمرتكم».1
لكن الاستدلال بهذه الكلمات نابع عن عدم الوقوف على زمان صدور هذه الأقوال، وأنّه في أي موقف رفض بيعة القوم وقال: «دعوني والتمسوا غيري»، وأي خلافة رفضها وقال في حقّها ما قال.
إنّ الذين أرادوه للبيعة هم الذين بايعوا الخلفاء السابقين، وكان عثمان منهم، وقد استأثر بأموال المسلمين، فلمّا قُتِل قالوا لعليّ: نبايعك على أن تَسير

1 . نهج البلاغة: الخطبة 33 .

صفحه 150
فينا بسيرة الرسول، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره، ثم ذكر عدم قبوله في ذيل كلامه وهو «إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكرت»1 مشيراً إلى أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثر الناس محجّة الحق، ففي مثل هذه الظروف فإنّي لا أقدر أن أسير فيكم بسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أصحابه مستقلاًّ بالتدبير، لفساد أحوالكم، وتعذّر صلاحكم.
وقد صدق الخُبْر الخَبَر، فلمّا قام الإمام (عليه السلام)بالأمر وقسّم الأموال بينهم بالعدل، نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وقسط آخرون.2
فالذي رفضه الإمام هو الخلافة الّتي يتقمّصها الإمام عن طريق البيعة، وأمّا الخلافة الالهية الّتي ألبسها الله سبحانه إيّاه يوم الغدير وغيره فلم تكن مطروحة لدى المبايعين والإمام، حتّى يستقيلها أو يقبلها.
وأمّا الخلافة الّتي ينحلها الناس عن طريق البيعة، فالإمام وغيره أمامها سواء، وفي حقّها قال: «دعوني والتمسوا غيري». وأمّا الخلافة الإلهية الّتي تدّعيها الشيعة بفضل النصوص الكثيرة فهي غنية عن البيعة، غير خاضعة لإقبال الناس وإدبارهم. وليس الناس أمامها سواء، بل تختصّ بمن خصّه سبحانه بها، وليس لمن خصَّه بها حق رفضها ولا استقالتها. والإمامة بهذا المعنى لم تكن مطروحة حين الحوار حتّى يرفضها الإمام .
وليس هذا أوّل كلام للإمام وآخره حول رفضه بيعة القوم وإن أصرّوا عليه وتداكّوا عليه تداكّ الإبل على حياضها يوم وِرْدها، يقول:
«وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 92 .
2 . لاحظ : نهج البلاغة: الخطبة 3 .

صفحه 151
الاِْبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِئَ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ»1.2
أقول: إنّ الذين جاءوا لمبايعة عليّ من الصحابة والتابعين، إنّما حاولوا أن يبايعوه كما بايعوا الخلفاء الماضين، فالخليفة في هذا المقام يستمدّ شرعية خلافته من بيعة الناس، وهي التي وقف منها الإمام موقفاً رافضاً لعدم رغبته فيها ، وعلماً منه بأنّ المبايعين لا يطيقون عدله وقضاءه.
وأين ذلك من الإمامة الإلهية الثابتة له بتنصيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واحد من المواقف؟! فإنّ المبايعين في تلك الظروف العصيبة لم يكن لهم همّ سوى تنصيب الخليفة من دون نظر إلى الإمامة المنصوصة لعلي (عليه السلام)، حتّى يستقيلها الإمام أو يقبلها.
وفي الختام نودّ الإشارة إلى نكتة، وهي أنّ البيعة الّتي تمّت لعلي (عليه السلام)على النحو الّذي وصفها الإمام (عليه السلام)كانت ظاهرة استثنائية لم يكن لها مثيل في من سبقه من الخلفاء، ومع ذلك نرى أنّه لمّا استتب الأمر للإمام (عليه السلام)ظهرت بوادر

1 . نهج البلاغة: الخطبة 229 .
2 . قال ابن أبي الحديد في شرح مفردات الخطبة:
التداك: الازدحام الشديد، والإبل الهيم: العطاش.
وهدج اليها الكبير: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً، والمضارع يهدج، بالكسر.
وتحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقّة .
وحسرت إليها الكعاب: كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة، والكعاب: الجارية الّتي نهد ثديها، كعُب تكعُب (بالضم).
قوله: «حتّى انقطع النعل وسقط الرداء» شبيه بقوله في الخطبة الشقشقية: «حتّى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي». لاحظ : شرح نهج البلاغة: 13 / 3 ـ 4 .

صفحه 152
التمرّد والعصيان عليه، والتي شغلت باله(عليه السلام)منذ تولِّيه منصب الخلافة وحتّى استشهاده (عليه السلام).
ثم إنّ الإمام في نهاية الأمر يبيّن وجه قبوله لبيعة هؤلاء (مع عدم رغبته في الخلافة) في خطبة أُخرى، حيث يقول :
أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلاَ سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلاََلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز!».1

الحلقة التاسعة والعشرون:

اليوم التاسع والعشرون من شهر رمضان 1436 هـ

أكّد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في هذه الحلقة الّتي هي خاتمة المطاف، على أنّ الأزهر من أحرص المؤسسات الدينية على وحدة الأُمّة الإسلامية وقال: إنّ حديثنا خلال شهر رمضان المبارك لم نكن نقصد به إحداث فرقة أو إثارة ضغائن بين السنّة والشيعة.
وتابع سماحته قائلاً بأنّ الأزهر لا يحجر على الرأي أبداً; لأنّ الله عزّ وجلّ قال: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(2) ولكنّا نقول: تعالوا نلتقي على أُصول واضحة تمنع وقوع الفتن، تعالوا لإيقاف شلاّلات الدم الّتي تجري بين المسلمين.
وأضاف فضيلته: بأنّ مصر بلد سنّي ولا نريد أن يتحوّل شعبه المسلم إلى

1 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .   2 . الكهف: 29 .

صفحه 153
طائفتين تقتتل من أجل الطائفية، وإنّ مصر ليس فيها شيعة ولذلك يراد الآن إحداث فتنة فيها من خلال إيجاد قاعدة شبابية تتمذهب بالمذهب الشيعي. ثم عزّز كلامه بتنبؤات بيرنارد لويس حول الشرق الأوسط يقول فيها: «عاجلاً وليس آجلاً سيعاود النمط التاريخي في المنطقة ـ يقصد الخلاف بين السنّة والشيعة ـ ظهوره إلى العلن فتركيا إسلامية وإيران إسلامية ستتنافسان على الزعامة وستكون المنافسة كما كانت عليه منذ عدّة قرون بين المذهبين السنّي والشيعة».
وفي ختام كلامه طالب فضيلته علماء الشيعة الاجتماع بالأزهر لإصدار فتاوى من المراجع الشيعية ومن أهل السنة تحرّم على الشيعي أن يقتل السنّي وتحرم على السنّي أن يقتل الشيعي.
***
أقول: التقريب بين الطوائف الإسلامية من الأماني العزيزة الّتي يتمنّاها كلّ مسلم واع بصير، خصوصاً في الأوضاع الراهنة، والأجواء السائدة على المسلمين، والظروف المحيطة بهم في شتى النواحي والأقطار، ولا يشكّ في ضرورته إلاّ اثنان: جاهل مغفل، وجاحد معاند ماكر. إذ لا يمرّ على المسلمين يوم إلاّ وفيه مجازر رهيبة، وحروب دامية طاحنة، فرضتها عليهم القوى الكافرة، الّتي تخاف من سيادة الإسلام في ربوع العالم، وانتشاره فيها، فعادت تؤجّج نار الحرب بين آونة وأُخرى، فتضرب المسلم بالمسلم تارة، وبالكافر أُخرى فتحقّق أُمنيتها الكبرى.
فعلى هذا فهو رأي متفّق عليه بيننا وبين الدكتور أحمد الطيب حفظه الله، والشاهد على ذلك أنّ علماء الشيعة قد اتّفقوا مع شيخ الأزهر في وقته الشيخ محمود شلتوت في تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وقد تبادلت

صفحه 154
الرسائل بين مشايخ الأزهر ومراجع الشيعة كآية الله البروجردي وغيره. فعلى هذا فهذه النقطة أمر يعرفه مَن له إلمام بالأوضاع المريرة في حياتنا الإسلامية.
نعم إنّ الدكتور شيخ الأزهر ينزعج من وجود التبشير الشيعي داخل مصر وأنّه بلد سنّي لا شيعي لكن نسأل الأُستاذ لماذا لا ينزعج من التبشير المسيحي في مصر والّذي يمتدّ تاريخه لعشرات السنين حتّى أنّ القبطيّين لهم دور في التبشير؟! كما إنّي لا أظن وجود تبشير شيعي بمعنى تحويل السنّي إلى شيعي بينما يريد إزالة العقبات وإزاحة الموانع بين الطائفتين وأنّ بينهما مشتركات كثيرة. ومن عجائب الكلام أنّ الدكتور يقول إنّ السنّة يمثّلون 90 % من المسلمين في العالم، ولكنّه تصوّر غير تام، فإنّ الشيعة يمثّلون ربع المسلمين لو لم يكن أكثر، ثم إنّ بينهم علماء وحكماء، كتّاب وخطباء، ومثقّفين وأساتذة من طبقات مختلفة، وهم أحرار لا يمكن للمرجعية أن تكمّم أفواههم عن التكلّم بما يعتقدون ونشر ما يريدون خصوصاً إذا كان لرفع سوء الظن بين الطائفتين. كما أنّ علماء الأزهر وأهل السنّة لا يستطيعون السيطرة على جميع علمائهم ومثقّفيهم وتكميم أفواههم . نعم نحن نجانب ونخالف كلّ تبشير من أي طائفة تريد إشعال نار الفتنة بين الطائفتين.
فنحن نرى ما يمضي من يوم إلاّ وينتشر كتاب أو رسالة أو مقال من أهل السنّة في تكفير الشيعة وتحريض الشباب على إراقة دمائهم، وليس هذا ببعيد ممّن يقرأ شيئاً ممّا يجري في أفغانستان وباكستان والعراق وسورية واليمن وغيرها من البلدان.
ثم إنّ ما نقله عن بيرنارد لويس ووصفه بالتنبّؤات غير صحيح جدّاً، فإنّه مخطّط لهم وليس تنبّؤاً، إذ ليس هناك أي تنافس بين إيران وتركيا على الزعامة، وما ذكره ليس إلاّ مؤامرة تدبّرها الدول الاستكبارية لضرب الدولتين باسم التنبّؤ .

صفحه 155
وأقول بصراحة: إنّ الحرب في العراق وسورية واليمن حرب سياسية وليست حرباً طائفية فإنّ يد الدول الكبرى وراء هذه الحروب، فهذه الدول بإشعال فتيل الحرب في تلك المناطق تنتفع كثيراً حيث تتم الحرب بإضعاف المسلمين أوّلاً، وتهديم منشآتهم الاقتصادية ثانياً، وبيع الاسلحة عليهم ثالثاً، ودفع الخطر عن إسرائيل وجعلها أكثر أمناً رابعاً، إلى غير ذلك من الآثار المشؤومة.
والعجب أنّ الأزهر الشريف سكت عن شلاّلات الدماء الّتي تجري في اليمن الجريح الّتي تُدّمر كلّ يوم وليلة بأعذار واهية.
وهذا آخر مقالي وكلامي إلى سماحة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر حفظه الله عسى أن يقوم بما تبنّاه من اجتماع رؤساء الطائفتين ودراسة الموضوع، أي وحدة المسلمين ونجاتهم ممّا يحيط بهم من مؤامرات عسى أن يصل الجميع إلى أُمنياتهم.
ونحن على إيمان ويقين بأنّه لو كان الاجتماع لله وبنية خالصة فالله سبحانه يسدّد خطاهم ويوفّقهم لما فيه الصلاح والسداد .
يقول تبارك وتعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا )1.
***
تمّت الرسالة مساء يوم الخميس الثاني
عشر من شهر ذي القعدة الحرام 1436 هـ
في مدينة قم المقدّسة عش آل محمد
صلوات الله عليهم أجمعين .
جعفر السبحاني

1 . النساء: 35 .

صفحه 156

صفحه 157
2
فتنة التكفير
جذورها وآثارها
في المجتمع

صفحه 158

صفحه 159
إدانة القرآن الكريم لظاهرة التكفير
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
(النساء:94)

صفحه 160
ادانة ظاهرة التكفير على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
روى البخاري عن أبي ذرّ أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».
(صحيح البخاري، برقم 6045).
وروى الترمذي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لاعن المؤمن كقاتله، ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله».
(سنن الترمذي: 4 / 132).

صفحه 161
كلمات مضيئة
حول ظاهرة التكفير ونتائجها
1. التكفير نابع عن طغيان العاطفة الكاذبة على العقل ومنهج الاستدلال
2. التكفير يهدف إلى تمزيق الأُمّة الإسلامية وإضعاف المسلمين
3. التكفير يورث الفوضى ويُعدم الأمن الذي هو من أهم الحاجات الفطرية
4. ظاهرة التكفير تنمو في بيئة الجهل وسوء الفهم لأحكام الشريعة المقدسة
5. التكفير من أخطر الأُمور على الإسلام في طريق تشويه صورته ظلماً وعدواناً

صفحه 162
فتنة التكفير جذورها وآثارها في المجتمع    

صفحه 163

تمهيد

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، والصلاة والسلام على نبيّ الرحمة وإمام الهدى محمد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فقد ظهرت في عصرنا هذا، ظاهرة التكفير وتبنَّتها جماعة احتكروا الإيمان لأنفسهم وسلبوه عن غيرهم، فقاموا بقتل الأنفس ونهب الأموال بحجّة أنّ غيرهم كفّار يجب قتالهم وسبي ذراريهم والإغارة على ممتلكاتهم وأموالهم!!
وممّا يؤسف له أنّ هؤلاء يدّعون أنّهم يحكمون باسم الإسلام وباسم نبيّ الرحمة الذي قال: «إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا يُنزع من شيء إلاّ شانه»1، فها هم يقتلون الأبرياء والعُزّل من الناس أطفالاً وشيوخاً ونساءً ويقومون بجرائمهم وهم يكبّرون ويصلّون على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يصفه سبحانه بقوله:(فَبِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(2)، ويدّعون رفع لواء الجهاد في سبيل نصرة الدين ومواجهة أعدائه، وهم يعيشون في الأرض فساداً، ويحرقون الحرث والنسل، ويدّمرون المنشآت الاقتصادية، بل يخرّبون كلّ شيء؟!
يقومون بهذه الجرائم الفظيعة التي يهتزّ لها عرش الرحمن باسم الدين،

1. صحيح مسلم: 8/22، كتاب البر والصلة والآداب.   2 . آل عمران:159.

صفحه 164
والأنكى من ذلك أنّهم لا يعيرون أهمية الضحايا الأبرياء ولا يقدّرون لها قيمة، وأصبح ذبح الإنسان الذي عرّفه سبحانه بقوله:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)1 أهون عندهم من ذبح الطير أو قتل الهوام!!
إنّ القائمين بهذه الأعمال بين جاهل بقواعد الدين وأحكامه متحمّس في طريقه; أو عالم بالموضوع وحكمه لكنّه ينفذ خطط الكافرين الذين يكنّون الحِقْد والعِداء لنبي الإسلام ورسالته منذ قرون، فتراهم في كلّ عصر يأتون بخطّة جديدة. والذي يتولى كبر هذا الأمر الفظيع هو قائد الوهابية المتشددة محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري مدّعياً الدفاع عن التوحيد فكفّر عامّة المسلمين إلاّ مَن تابعه في أفكاره.
وقد اعتبر ابن عبد الوهاب عامّة المسلمين كفّاراً ومشركين ومرتدّين كأهل الجاهلية الأُولى أو أضلّ منهم وقال: فإذا عرفت أنّ هذا الذي يُسمّيه المشركون في زماننا «الاعتقاد» هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الناس عليه، فاعلم أنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا وذلك:
إنّ الأوّلين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلاّ في الرخاء، وأمّا في الشدّة فيخلصون لله الدعاء، فيدلّ عليه قوله سبحانه:(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا)(2) وبذلك تبيّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأوّلين.(3)
واستنتج من عبارته هذه أنّ مشركي أهل زمانه يدعون غير الله في الشدّة والرخاء، فكانوا أكثر شركاً.
وهذه العبارات تدلّ على أنّ جماهير المسلمين ـ عنده ـ مشركون شركاً أشدّ من شرك أبي جهل وأبي لهب!!

1. الإسراء:70.      2 . الإسراء:67.   3 . كتاب كشف الشبهات:11.

صفحه 165
وأراد من الشرك الذي اتّهم به عامّة المسلمين عبر قرون ما يقومون به من زيارة قبور الأنبياء والأولياء الصالحين والتوسّل بهم مضافاً إلى إعمار قبورهم وأضرحتهم، فهذا هو الذي أسماه ابن عبد الوهاب بالشرك الأكبر، وبذلك صار المسلمون بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عصر محمد بن عبد الوهاب مشركين وأضلّ من مشركي عصر الجاهلية.
هذا ما يذكره ابن غنّام معاصره ومؤرّخ حياته وحروبه مع المسلمين.
ولمحمد بن عبد الوهاب كلمة أُخرى قال: اتّبع هؤلاء سنن من قبلهم وسلكوا سبيلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حذو القذّة بالقذّة، وغلب الشرك على أكثر النفوس لغلبة الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنّة بدعة والبدعة سنّة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتدّ البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.1
والعجب أنّ الشيخ يزعم أنّه من أتباع أحمد بن تيمية!! وحاشا أن يكون ابن تيمية بهذا التشدّد فإنّه ذكر للتكفير شروطاً وموانع سيوافيك بيانها في محلّها. نعم عبّر عمّا يسمّيه محمد بن عبد الوهاب شركاً بالبدعة.
إنّ التسرّع والغلو في التكفير يمزّق المجتمع المسلم، ويغذّي الفرقة والشحناء بين المسلمين بل ربّما يؤدّي إلى إهدار المسلمين دماء بعضهم بعضاً، وهذا على جانب النقيض من قوله سبحانه:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا).(2)
إنّ أقلّ ضرر أُصيب به الإسلام هو أنّ بدعة التكفير على النحو الذي تبثّه الفضائيات صارت حائلاً بين الغربيّين وبين اعتناقهم الإسلام.

1. الدرر السنية في الأجوبة النجدية:1/197 و 295.   2 . آل عمران:103.

صفحه 166
يا ليت هؤلاء يفهمون أو يعقلون ما عليه علماء الإسلام عامّة حيث قالوا: الخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم.1
إنّ الآثار السلبية المترتّبة على التكفير خطيرة جداً ويكفي في خطورته :
إنّه يزيل عصمة النفس والنفيس، فالنفوس تُقتل والأعراض تهتك والأموال تُسلب.
إنّه ينشر الفوضى في المجتمع الإسلامي ويجعله شيعاً والذي يعدّه سبحانه من ألوان العذاب ويقول: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا)2.
ويا ليت هؤلاء يكتفون بالتكفير فإنّ خطره قليل، وهؤلاء هم اليهود والنصارى محكومون بالكفر ولكنّهم يعيشون في الأوساط الإسلامية بعيدين عن الخطر والقتل والنهب. غير أنّ هؤلاء يتّهمون مَن يقول لا إله إلاّ الله محمّداً رسول الله ويصلّي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان، بالشرك الذي نتيجته هو الحكم بهدر دمه، واستحلال نهب ماله وهتك حرمة نسائه وأولاده، ولذلك نرى أنّ القائلين بالتكفير بهذا المعنى يمارسون أبشع جرائم العصر الحديث ولا يستثنون أحداً، بل العدو الصهيوني الغاصب عندهم أكثر احتراماً من الشعوب الإسلامية بكافّة مذاهبها وطوائفها!!
ولأجل هذا قمنا بدراسة حقيقة الإيمان والكفر على ضوء الكتاب والسنّة حتى يقف الباحث الواعي على أنّ عمل هؤلاء المنحرفين يخالف حكم القرآن والسنّة.
وتحقيق الحال يتم ضمّن فصول:

1. الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي:143، مطبعة صبيح في القاهرة.
2. الأنعام:65.

صفحه 167

الفصل الأوّل:

الكفر والإيمان في اللغة ومصطلح المتكلّمين

الكفر والإيمان لغةً

يظهر من أئمّة اللغة أنّ للكفر أصلاً ومعنى واحداً. يقول ابن فارس: له أصل واحد وهو الستر والتغطية، والكفر ضد الإيمان لأنّه يغطّي الحق.1
وقال الجوهري: كلّ شيء غطّى شيئاً فقد كفره، ومنه سُمّي الكافر لأنّه يغطي نعم الله.(2)
وقال الراغب: الكفر في اللغة ستر الشيء، ويوصف الليل بالكافر لأنّه يستر الأشخاص، والزارع لأنّه يستر البذر في الأرض، يقول تعالى:(كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)2.3
ويمكن أن يقال إنّ للكفر أصلاً آخر وهو الجحد والإنكار وهو غير الستر والتغطية، قال سبحانه:(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).4
فمعنى قوله: (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض):أي ينكر بعضكم بعضاً.

1. مقاييس اللغة:5/191.   2 . صحاح اللغة للجوهري:2/808، مادة «كفر».
2. الحديد:20.
3. مفردات الراغب: 433، مادة «كفر».
4. العنكبوت:25.

صفحه 168
هذا كلّه حول الكفر، وأمّا الإيمان فالثلاثي المجرّد مثل قوله: «أمن»، «يأمن» فيراد به السكينة والطمأنينة كقوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَني)1.
وأمّا الثلاثي المزيد فيه فإن كان مقروناً بلفظة «من» فهو أيضاً بنفس ذلك المعنى، مثل قوله: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْف)(2); وإن كان مقروناً باللام أو الباء فهو بمعنى التصديق، يقول سبحانه:(وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا)2: أي بمصدّق لنا، ويقول سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ)3: أي صدّق الرسول.

الإيمان والكفر في مصطلح المتكلّمين

اتّفق المتكلّمون على أنّ الإيمان بمعنى التصديق ولكن اختلفوا في أنّه بأي جارحة يتحقّق التصديق؟ فهناك أقوال:

1. التصديق اللساني

ذهب ابن كرّام السجستاني (المتوفّى:255هـ) إلى أنّه يكفي في تحقّق الإيمان التصديق باللسان وإن لم يصدّق قلباً، قائلاً: بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل إيمان من قال: لا إله إلاّ الله محمداً رسول الله.4
يلاحظ عليه: أنّ كلامه هذا لا يخلو من إبهام، فلو قال: إنّ من صدّق باللسان فهو مؤمن وإن لم نعلم وفاق لسانه مع قلبه فهو أمر مقبول، إذ لا طريق لنا إلى الغيب والباطن. وأمّا لو قال بكفاية التصديق اللساني وإن علم الخلاف فهو

1. النور:55.   2 . قريش:4.
2. يوسف:17.
3. البقرة:285.
4. نقله ابن حزم في الفِصَل:3/190.

صفحه 169
محجوج بالقرآن الكريم، يقول سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)1.

2. التصديق القلبي

ذهب جهم بن صفوان(المتوفّى:127هـ) إلى كفاية التصديق القلبي وإن كان منكراً لساناً، واستدلّ على ذلك بإيمان عمّار الذي أنكر رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بلسانه ولمّا جاء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)باكياً قال له:«فإن عادوا فعُد»، وهذا يدلّ على أنّ الإنكار باللسان لا يضر إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان، قال تعالى:(إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)2.
يلاحظ عليه: بأنّ الكلام في معنى الإيمان في غير حالة الاضطرار والتقيّة، وما أُشير إليه من إيمان عمّار مع الإنكار في اللّسان فهو داخل في حالة الاضطرار وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)«رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه».
أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه يكفّر قوم فرعون ويقول:(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(3). فقد أذعنوا بصحّة رسالة موسى قلباً، ولكن جحدوها لساناً، فوصفوا بالكفر.

3. التصديق لساناً وقلباً مع الاجتناب عن الكبائر

ذهبت الخوارج إلى أنّ الاجتناب عن الكبائر من مقوّمات الإيمان، فلو آمن وصدّق بلسانه وقلبه ولكن كذّب أو اغتاب سيخرج من خيمة الإيمان ويدخل حظيرة الكفر.3

1. البقرة:8.
2. النحل:106. لاحظ : الفصل:3/190.   3 . النمل:14.
3. لاحظ : الاباضية في موكب التاريخ:89 ـ 92.

صفحه 170
وقد استدلّ هؤلاء بآيات أجبنا عنها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل»، وأوضح دليل على أنّ العمل بالفرائض والاجتناب عن المحرّمات ليس من مقوّمات الإيمان، قوله سبحانه:(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)1 ترى أنّه سبحانه عطف العمل بالصالحات على الإيمان في هذه الآية وفي آيات كثيرة، وهذا يدلّ على أنّ العمل بالفرائض واجتناب الكبائر ليسا من مقومات الإيمان وإن كان لهما مدخلية تامّة في نجاة الإنسان يوم القيامة.

4. المنزلة بين المنزلتين

ذهبت المعتزلة إلى أنّ المؤمن باللسان والقلب إذا ترك فريضة أو ارتكب حراماً يخرج من خيمة الإيمان ولا يدخل في حظيرة الكفر بل يكون في منزلة بين المنزلتين، أي بين الإيمان والكفر، فلا هو مؤمن ولا كافر. وقد اشتهرت المعتزلة بهذا الرأي،(2) وهو مردود بقوله سبحانه:(هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).2
والآية بصدد الحصر، وقد بسطنا الكلام في نقد هذه النظرية في كتابنا «بحوث في الملل والنحل».

5. نظرية جمهور العلماء

الإيمان عبارة عن التصديق باللسان والإذعان بالجنان، وهذا هو الذي عليه جمهور المسلمين فلو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقبل إيمان من صدّق باللسان فلأجل أنّه كان طريقاً إلى تصديقه بالجنان.

1. العصر:3.   2 . شرح الأُصول الخمسة:697.
2. التغابن:2.

صفحه 171
وها نحن نذكر شيئاً من عبارات القوم سنّة وشيعة، حتى يُعلم أنّ المتكلّمين من الفريقين على هذه النظرية.
قال عضد الدين الإيجي: الإيمان: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما عُلم إجمالاً.1
وقال التفتازاني: الإيمان: اسم للتصديق عند الأكثرين، أي تصديق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما علم مجيئه به بالضرورة.(2)
وقال الشريف المرتضى(المتوفّى 436هـ): إنّ الإيمان عبارة عن التصديق القلبي ولا اعتبار بما يجري على اللسان، فمن كان عارفاً بالله تعالى وبكلّ ما أوجب معرفته، مقرّاً بذلك ومصدّقاً فهو مؤمن.2
وقال ابن ميثم: إنّ الإيمان عبارة عن التصديق اللبّي بالله تعالى، وبما جاء به رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره،وسائر الطاعات ثمرات مؤكّدة له.3
ثمّ إنّ هنا سؤالين لابدّ من الإجابة عنهما:
1. اتّهام نظرية المشهور بالإرجاء.
2. تعامل النبي مع المنافقين.
أمّا السؤال الأوّل، فربّما يقال: أي فرق بين نظرية الجمهور حيث اكتفوا بالتصديقين من دون إدخال العمل بالفرائض في صميم الإيمان، وما عليه المرجئة الذين اشتهروا بقولهم:«لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة»؟

1. شرح المواقف:8/323، قسم المتن.   2 . شرح المقاصد:5/176.
2. الذخيرة في علم الكلام:536ـ 537.
3. قواعد المرام:170.

صفحه 172
أقول: بين النظريتين بعد المشرقين، وذلك لأنّ القول بأنّ الإيمان هو التصديقان، لا يُدخل القائل في عداد المرجئة إذا كان مهتمّاً بالعمل، لأنّ جمهور العلماء يرون النجاة والسعادة فيه، وأنّه لولاه لكان خاسراً غير رابح، أمّا المرجئة فهم الذين يهتمّون بالعقيدة ولا يهتمّون بالعمل ولا يعدّونه عنصراً مؤثّراً في الحياة الأُخروية ويعيشون على أساس العفو والرجاء، فهم يهتمّون بالرغبة ولا يهتمّون بالرهبة، والله سبحانه يقول:(إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)1 فكلام الجمهور على طرف النقيض ممّا هم عليه، خصوصاً على ما نقله شارح المقاصد من المرجئة بأنّهم ينفون العقاب على الكبائر إذا كان المرتكب مؤمناً على مذهبهم.2
وقد شعر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بخطورة الموقف، وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة، والشيعة خاصّة، سترجعهم إلى الجاهلية، فقاموا بتحذير المجتمع الإسلامي من خطر المرجئة فقالوا: «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة».3
كيف يمكن القول بأنّ التصديقين سبب النجاة يوم القيامة، والله سبحانه يقول:(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيًما ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ).4

1. العصر:2ـ3.
2. لاحظ شرح المقاصد للتفتازاني:2/229 و 238.
3. الكافي:6/47، الحديث5.
4. البلد:11ـ 17.

صفحه 173

وأمّا السؤال الثاني فالإجابة عنه كالتالي:

لا شكّ أنّ المنافقين كانوا كفّاراً، ومَن قرأ سورة البراءة يقف على ذلك، يقول سبحانه:(وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)1، ولكنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لمصلحة ملزمة ـ كان يتعامل معهم معاملة المسلم، لأنّ كثيراً منهم كانوا ذا قرابة وصلة نسبية أو سببية مع المؤمنين، فطرد هؤلاء يومذاك يسبب فوضى في المجتمع الإسلامي ويشتّت كلمتهم ويفرّقهم، فلم يكن بد يوم ذاك من التعامل معهم معاملة المسلم، ولذلك جاء الوحي بنفي الإيمان عنهم، قال سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)2

1. التوبة:54.
2. المنافقون:1.

صفحه 174

الفصل الثاني:

ما يجب التصديق به

إذا كان الإيمان بمعنى التصديق، فهو من الأُمور الإضافية القائمة بين المصدِّق والمصدَّق به، فالمصدِّق هو المؤمن، وأمّا المصدَّق به الذي يُناط به الإيمان وجوداً وعدماً، فهو كالتالي:

1. التوحيد في الذات

ويراد به توحيده سبحانه وتنزيهه عن المثل وعن التركيب، فالله سبحانه واحد لا مثيل ولا نظير له، موجود بسيط لا جزء ولا تركيب في ذاته، وسورة الإخلاص تتكفّل ببيان ذينك التوحيدين:
أمّا الأوّل فيبيّنه قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
وأمّا الثاني ـ أي بسيط لا جزء له ـ فيكفي فيه قوله تعالى:(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).

2. التوحيد في الخالقية

ويراد به أنّه لا خالق في صحيفة الوجود على وجه الاستقلال إلاّ الله سبحانه، وقد تضافر التنصيص عليه في الذكر الحكيم، قال سبحانه:(قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)1.
قلنا: إنّ الخالقية على وجه الاستقلال منحصرة بالله سبحانه، خرجت الخالقية على وجه التبعية وبإقدار من الله سبحانه كما هو الحال في خلق الإنسان

1. الرعد:16.

صفحه 175
ما بدا له من الصنائع، ويكفي في ذلك أنّه سبحانه ينسب خلق الطير إلى نبيّه المسيح(عليه السلام) ويقول:(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي).1

3. التوحيد في الربوبية

بما أنّ الربّ بمعنى الصاحب، فيقال: ربّ الدار، وربّ البستان، أو ربّ الفرس، فيكون المراد به مَن يدبّر ويدير حاجات المربوب، فصاحب الدار يحمي الدار من الخراب، كما أنّ ربّ البستان يدبّر أمره بالسقي والحراسة ونحو ذلك، فعلى هذا فالله سبحانه هو خالق السماوات والأرض وما فيهما وهو المدبّر بعد الخلقة لا غيره. فإيجادها مظهر للخالقية، وتدبيرها عبر الزمان هو مظهر ربوبيته، ولذلك نرى أنّه سبحانه بعد ما يذكر خلق السماوات والأرض، يصف نفسه بالتدبير، قال:(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).(2) إلى غير ذلك من الآيات التي تنصّ على حصر تدبير الكون بالله.
ثمّ إنّ مشركي عصر الرسالة كانوا موحّدين في الخالقية دون الربوبية فزعموا أنّ تدبير العالم والإنسان موكول إلى الآلهة المكذوبة من الملائكة والجن والأصنام والأوثان، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2، وقوله تعالى:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)3 فكانوا يرون العزّ في الحياة والنصرة في الحرب بيد الآلهة، وبذلك

1. المائدة: 110.   2 . الرعد:2.
2. مريم:81.
3. يس:74.

صفحه 176
يُعلم أنّ ما ذهب إليه محمد بن عبد الوهاب من أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا موحّدين في الربوبية والمدبّرية، أمر لا يصدقه الكتاب الكريم ولا التاريخ الذي يصف عادات الجاهلية.
قال ابن هشام: حدّثني بعض أهل العلم أنّ عمرو بن لحيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق ـ و هم ولد عِملاق. ويقال: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ـ رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا; فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له: هبل، فقدم به مكّة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.1
والذي يدلّ بوضوح على كونهم مشركين في الربوبية بمعنى التدبير أنّ مشركي قريش حملوا «العزى» معهم في خروجهم لغزوة أُحد، وكان شعارهم في تضعيف معنويات المسلمين قولهم:
نحن لنا العُزّى ولا عُزّى لكم
ولمّا سمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شعارهم هذا أمر المسلمين أن يردّوا عليهم بقولهم:
الله مولانا ولا مولى لكم
ثم كيف يمكن لباحث أن ينكر وجود الشرك في الربوبية بين الأُمم السابقة وهذا هو نبي الله إبراهيم الخليل(عليه السلام)كان يحتجّ على عبدة الأجرام السماوية ويركّز على لفظ الرب يقول سبحانه:(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا

1. السيرة النبوية:1/77.

صفحه 177
رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي)1، كلّ ذلك يكشف أنّ عبدة الأصنام في عصر إبراهيم(عليه السلام)كانوا مشركين في الربوبية ويرون أنّ تدبير العالم أو تدبير حياة الإنسان بيد الأجرام السماوية أو الأجسام الأرضية.
بل يظهر من قوله سبحانه:(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)2 أنّ دائرة الشرك في الربوبية أوسع، بل تشتمل ما إذا دفع الإنسان زمام التشريع والتقنين إلى يد الأحبار والرهبان، فهذا أيضاً شرك في الربوبية فالله سبحانه له الحقّ في التشريع وحده دون غيره.
روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية:(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا)3 حتى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما أحلّ الله فتستحلّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم.4
إنّ القرآن الكريم يركّز على التوحيد في الربوبية أكثر ممّا يركّز على التوحيد في الخالقية، فكأنّ الأمر الثاني كان مسلّماً بين مشركي عصر الرسالة، دون الأوّل; ولذلك ترى أنّه سبحانه يقيم عليه البرهان العقلي الذي يعرفه العقل الحصيف ويقول:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ

1. الأنعام:76ـ 77.
2. التوبة:30.
3. التوبة:31.
4. مجمع البيان:5/46.

صفحه 178
عَمَّا يَصِفُونَ)1، ويقول في آية أُخرى:(وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(2) فإنّ تقرير البرهان في هاتين الآيتين مبني على وحدة التدبير وتعدّده.
وإن شئت قلت:وحدة المدبّر وتعدّده. فلو لم يكن الشرك في التدبير متفشّياً في القوم لما ركّز القرآن الكريم على ذلك. وأمّا تقرير البرهان في كلتا الآيتين على وجه التفصيل فموكول إلى محلّه.
إنّ الله سبحانه يردّ على المشركين بأنّ عليهم ابتغاء الرزق من الله سبحانه ويقول:(إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)2، فلو لم يكن القوم معتقدين بأنّ الرزق بيد آلهتهم لما صحّ للوحي الإلهي أن يردّ عليهم بأنّ الرزق بيد الله.
كما أنّه سبحانه يردّ على المشركين بأنّ كاشف الضر أو مرسل الرحمة هو الله سبحانه ويقول:(قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَني اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).3
إلى غير ذلك من الآيات التي تردّ على المشركين بأنّ الهداية والضلالة ومغفرة الذنوب والرزق وكشف الضرّ كلّها بيد الله فهي أفضل دليل على تسرّب الشرك في هذه المواضيع بين الوثنيّين; ويؤيّد ذلك ما رواه الطبري في تفسير قوله تعالى:(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ...) عن قتادة أنّه قال: «بعث رسول

1. الأنبياء:22.   2 . المؤمنون:91.
2. العنكبوت:17.
3. الزمر:38.

صفحه 179
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد إلى شعب بسقام، ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها إنّ لها شدّة لا يقوم لها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها».1 إلى غير ذلك من الدلائل التي تدلّ بوضوح على أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا مشركين في الربوبية.
وممّا يجب التنبيه عليه: خطأ الوهابية في التعبير عن التوحيد في الخالقية، بالتوحيد في الربوبية، وبذلك خلطوا بين التوحيدين. وفسّروا «الرب» بغير معناه اللغوي.

4. التوحيد في العبادة

العبادة عبارة عن الخضوع بالجوارح أمام من بيده مصير العابد في الحياة على جميع الأصعدة، اعتقاداً صحيحاً أو باطلاً، فقد بعث الأنبياء كلّهم لأجل نشر هذا الأصل وأنّه لا معبود إلاّ إيّاه، قال سبحانه:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ)2.
وجه الحصر أنّه سبحانه هو المؤثّر الواحد في الكون خلقة وتدبيراً، فكان هو اللائق بالعبادة، وأمّا المنحرفون عن أصحاب رسالات السماء فبما أنّهم وزعوا أمر التدبير على آلهتهم المكذوبة، لا يرون حصر العبادة بالله سبحانه، بل كانوا يعبدون غيره لكي يتقرّبوا بعبادتهم إلى الله سبحانه.

إجابة عن سؤال

بقي هنا سؤال وهو أنّه لم يرد في سيرة النبيّ أخذ الاعتراف بهذه المراتب الأربع من التوحيد، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل إيمان من يعترف بكلمتين: لا إله إلاّ

1. تفسير الطبري:24/9.
2. النحل:36.

صفحه 180
الله، محمّد رسول الله، حتّى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر عليّاً بقتال الخيبريّين إلى أن يعترفوا بهاتين الكلمتين; فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنّه قال: ما أحببت الأمارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى إليها، قال: فَدَعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: «إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك» فسار (عليٌّ) شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد مُنِعوا منك دماؤهم وأموالُهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله»1؟!
الجواب: لا شكّ أنّ السؤال جدير بالدراسة، فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يعترف بإيمان مَن ينطق بالشهادتين، لكن الحقّ أنّ لفظ الإله ـ كما حقّق في محلّه ـ ليس بمعنى المعبود، بل هو ولفظ الجلالة سيّان في المعنى لكن الثاني علم والآخر اسم جنس، فإذا أطلق الإله كان يتبادر منه معنى إجمالي تفصيله كونه خالق السماوات والأرض ومدبّرهما وخالق الإنسان ومدبّره، فإذا قيل«لا إله إلاّ الله» تكون نتيجة نفي الأُلوهية عن غيره سبحانه وإثباتها لله هي كونه سبحانه متوحّداً في الخلق والربوبية وكون العبادة منحصرة به.
روى المفسّرون(2) أنّ أشراف قريش وهم خمسة وعشرون، منهم: الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم، وأبو جهل، وأُبيّ وأُمية ابنا خلف، وعتيبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن الحارث، أتوا أبا طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنّه سفّه أحلامنا، وشتم آلهتنا، فدعا أبو طالب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ماذا يسألونني؟» قالوا: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«أتعطوني كلمة واحدة

1. صحيح مسلم:7/17، باب فضائل عليّ (عليه السلام).   2 . لاحظ : مجمع البيان:8/378.

صفحه 181
تملكون بها العرب والعجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك، نعطيك ذلك عشر أمثالها، فقال: «قولوا: لا إله إلاّ الله»، فقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً. فنزل قوله تعالى:(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)1. فإنّ نفورهم من كلمة لا إله إلاّ الله يدلّ على علمهم بأنّ مَن ينطق بها يتجرّد عن كلّ ما يعتقد به من أنّ العزّة والانتصار والأمطار بيد الآلهة، وأنّه لا يُعبد إلاّ الله سبحانه، فلذلك كان الاعتراف بالكلمتين اعترافاً إجمالياً على ما ذكرنا من مراتب التوحيد.

5. رسالة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان شعار الإسلام وشعار مَن يدخل تحت خيمته هو الاعتراف بتوحيده سبحانه ورسالة نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد مرّ في رواية صحيح البخاري أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر عليّاً بالقتال إلى أن يعترفوا بأمرين ثانيهما رسالة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويشهد على ذلك ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ قوله سبحانه حيث يصف المؤمنين بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(2) كيف لا يكون التصديق به جزءاً من الإيمان مع أنّ رسالات السماء قبل ظهور النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بشرّت بظهوره ونبوّته وخصاله على نحو كان أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(3)

1. سورة ص:5.      2 . الأعراف:157.   3 . البقرة:146.

صفحه 182

6. إنّ القرآن وحيٌ مُنزل

إنّ نواة النزاع بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومشركي قريش كانت تتمثّل في كون القرآن وحياً منزلاً من الله على رسوله، فقد كانوا منكرين لذلك أشدّ الإنكار وينسبونه إلى السحر تارة، والكهانة أُخرى، أو أخذه من أهل الكتاب ثالثة.
وبهذا يتّضح أنّ الإقرار والإيمان بأنّ القرآن وحي من الله هو من صميم الإيمان، ويكفي في ذلك قوله سبحانه:(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)1.
كيف لا يكون من صميم الإيمان والقرآن هو المعجزة الكبرى للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والبرهان الخالد على رسالته عبر الزمان، إلى قيام القيامة، يقول سبحانه:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا).2
وبما أنّ الموضوع من الواضحات لا نطيل الكلام فيه.

7. الإيمان بالمعاد

الإيمان بالمعاد وأنّه سبحانه يحيي الناس بعد مماتهم يوم القيامة ويحاسبهم ويجزيهم حسب أعمالهم من صميم الإيمان، ولذلك كثيراً ما يجمع القرآن الكريم الإيمان بهما معاً، ويقول:(مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)3.
هذه هي العناصر التي تحقّق الإيمان وتخرج الإنسان من دائرة الكفر، إلى

1. البقرة:285.
2. الإسراء: 88 .
3. البقرة:62.

صفحه 183
فسحة الإيمان، وكلّ من حاز هذه الأُمور يحرم دمه وماله وعرضه وتحلّ ذبيحته وتحرم غيبته إلى غير ذلك من الحقوق التي تكفل ببيانها الكتاب العزيز والسنّة الشريفة.
ونحن نريد بالإيمان في هذا المقال هذا المعنى أي مَن يحرم دمه وماله، وتحلّ ذبيحته، وتحرم غيبته والافتراء عليه. وأمّا كونه محكوماً بالنجاة يوم القيامة فهو أمر آخر لأنّه مشروط بشروط خاصّة أهمها الإتيان بالفرائض والاجتناب عن المحرّمات، والاعتقاد بخلفاء الله سبحانه في أرضه، إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في كتب العقائد.
***

حكم إنكار الضروريات

لا شكّ أنّ قسماً من الأحكام الشرعية يُعدّ من الضروريات كوجوب الصلاة والزكاة وحجّ بيت الله الحرام، إلى غير ذلك من الأحكام التي يعرفها كلّ مسلم على وجه الإجمال، فقد ذكر الفقهاء أنّ إنكار الحكم الضروري يُسبّب خروج الإنسان عن خيمة الإيمان والإسلام، لأنّ إنكار حكم الضروري يلازم إنكار رسالة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو بنفسه وإن لم يكن سبباً للخروج والارتداد، لكنّه بما أنّه يلازم إنكار رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون سبباً للكفر.
إنّما الكلام في ظرف الملازمة فهل الميزان هو وجود الملازمة بين الإنكارين في نظر المنكر، أو وجود الملازمة في نظر المسلمين؟
المحقّقون على الأوّل فلو كان المنكر يعيش بين المسلمين فترة طويلة ووقف على وضوح هذه الأحكام ومع ذلك أنكر واحداً منها عناداً ولجاجاً، فيحكم بكفره وخروجه، لأنّ مثل هذا الإنكار يلازم إنكار رسالة الرسول ونبوّته. وأمّا إذا لم تكن الملازمة إلاّ عند المسلمين لا عند المنكر، كما إذا كان جديد

صفحه 184
الإسلام أو نزيلاً في البوادي، فإنكار مثل هذا لا يسبب الكفر إذ ليس عنده تلك الملازمة.
قال المحقّق الأردبيلي: الظاهر أنّ المراد بالضروري الذي يكفّر منكره، هوالذي ثبت عنده يقيناً كونه من الدين.1
وقال الفاضل الاصفهاني في حدّه للمرتد: وكلّ مَن أنكر ضروريّاً من ضروريّات الدين مع علمه بأنّه من ضروريّاته.2
وقال الفاضل النراقي: وإنكار الضروري إنّما يوجبه ]الكفر [لو وصل عند المنكر حدّ الضرورة.3
وقال صاحب الجواهر: فالحاصل أنّه متى كان الحكم المنكَر في حدّ ذاته ضرورياً من ضروريات الدين ثبت الكفر بإنكاره ممّن اطّلع على ضروريته عند أهل الدين.4
وقال السيد اليزدي: والمراد بالكافر مَن كان منكراً للأُلوهية... أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً.5
***

1. مجمع الفائدة والبرهان:3/199.
2. كشف اللثام:1/402.
3. مستند الشيعة:1/207.
4. جواهر الكلام:6/49.
5. العروة الوثقى:1/143ـ 144.

صفحه 185

الفصل الثالث:

شروط التكفير وموانعه

قد وقفت في الفصل الثاني على العناصر المقوّمة للإيمان وأنّها لا تتجاوز عن سبعة، فبقي الكلام في الأُمور التي تسبّب الارتداد والخروج عن خيمة الإسلام، فيقع الكلام تارة في التكفير المطلق، وأُخرى في تكفير الفرد المعيّن، وبين التكفيرين بون شاسع، كما سيظهر.

التكفير المطلق

وهو عبارة عن تكفير مَن ينكر أحد هذه الأُصول السبعة من دون أن يشير إلى تكفير فرد معيّن، كما يقول الفقهاء في كتبهم الفقهية: منكر التوحيد مرتد كافر، أو منكر الحكم الضروري كذلك، فهذا النوع من التكفير أمر سهل بالنسبة إلى التكفير المعين حيث لا يشير إلى ارتداد فرد خاص وإنّما يطرح حكماً كليّاً ناظراً لإنكار أحد من الأشخاص.

تكفير الفرد المعيّن

ويراد به الإشارة إلى خروج فرد معيّن كزيد عن خيمة الإسلام وأنّه غير محقون الدم والمال إلى غير ذلك من الأحكام، فهذا النوع من التكفير من أصعب الأُمور وأشقّها، إذ لا يصار إليه إلاّ بعد اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع، فإنّ للتكفير شروطاً وموانعاً، فلو فقد أحد الشروط أو وجد أحد الموانع كان التكفير أمراً حراماً، وربّما يسبب كفر المكفّر كما سيوافيك. ولذلك يحرم التسرّع في التكفير من دون دراسة وجود الشروط وعدم الموانع، وإليك بيان الشروط والموانع.

صفحه 186

الشرط الأوّل: إقامة الحجّة على المنكر

إنّه سبحانه عادل لا يحتجّ على الإنسان إلاّ بعد بيان تكليفه، يقول سبحانه:(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 فإنّ بعث الرسول كناية عن قيام الحجّة على الإنسان سواء أكان ببعث الرسول أم بالنقل عنه، ولذلك اتّفق العلماء على أنّه «ليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى
تقام عليه الحجّة وتتبيّن له المحجّة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشكّ، بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحجّة وإزالة الشبهة».(2) ولذلك قلنا: إنّ منكر الضروري إذا كان جديد الإسلام أو من أهل البادية البعيدة لا يحكم عليه بالكفر; لأنّ المفروض أنّه لم تتمّ عليه الحجّة، لحداثة دخوله في الإسلام أو بُعد محلّه عن العلم والعلماء. روى النسائي أنّ رجلاً قال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ما شاء الله وشئت. قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أجعلتني نداً لله، فقل: ما شاء الله ثم شئت».2

الشرط الثاني: كونه قاصداً للمعنى المخرج

إذا كان تعبير الرجل ذا احتمالات ووجوه، فهي بين صحيح وباطل فلا يحكم عليه بالكفر بعبارة ذات وجوه. وسيوافيك أنّ القول بوحدة الوجود، ذو وجوه واحتمالات فلا يحكم على القائل الناطق به بالكفر إلاّ إذا أراد منه عينية الوجود الإمكاني مع وجود الواجب.
وبذلك يعلم أنّ كثيراً من العبارات المنقولة عن الصوفية التي لا تنسجم مع أُصول الإسلام المذكورة سابقاً، هي من شطحاتهم التي ينطقون بها في الأحوال غير العادية في مجالس الذكر التي يعقدونها في محافلهم; وأمّا إذا

1. الإسراء:15.   2 . مجموع الفتاوى لابن تيمية:12/466.
2. السنن الصغرى للنسائي:7/307.

صفحه 187
تجرّدوا عن هذه الحالة ورجعوا إلى حالتهم العادية فلا ينطقون بشيء من هذه العبارات.
ومَن نطق بمثل ذلك لا يحلّ تكفيره، إذ هو ليس قاصداً للمعنى الكفري في حالة يؤخذ فيها أقاريره.
إلى هنا تمّ ذكر ما هو الشرط للحكم بالخروج عن الإيمان وبقي هنا بيان بعض الموانع:

موانع التكفير

إنّ للتكفير شروطاً وموانع نذكر منها ما يلي:

الأول: كونه مختاراً في البيان والعمل

إذا كان الإنسان مكرهاً على الكفر، كما هو الحال في قضية عمّار (رضي الله عنه)، فلا يحلّ تكفيره، قال سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)1. وقد روى المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا، وهم عمّار وياسر أبوه وأُمّه سميّة، وصهيب وبلال وخبّاب عذّبوا، وقتل أبو عمّار وأُمّه، فأعطاهم عمّار بلسانه ممّا أرادوا منه، ثم أُخبر بذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال قوم: كفر عمّار، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«كلاّ إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» وجاء عمّار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يبكي فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وراءك». قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نِلتُ منك، وذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».2

1. النحل:106.
2. لاحظ : مجمع البيان:6/233. وغيره من التفاسير.

صفحه 188

الثاني: الإنكار عن شبهة خارجة عن الاختيار

ربّما يتّفق لبعض الناس إنكار حكم ضروري لشبهة طرأت على ذهنه بسبب مخالطته للكفّار ومجالسته للمنكرين، فنحن نعيش الآن في عصر تطوّر الاتّصالات، وفضائيات الأعداء تبثّ كلّ يوم وليلة عشرات الشُّبَه من على شاشات التلفزيون، ولم تزل وسائل الإعلام في الخارج والداخل تتولّى بذر الشُّبَه في الأُصول والمعارف، فالشاب غير العارف بالمبادئ والبراهين ربّما يتأثّر بعض التأثّر ببعض هذه المقالات والخطابات فربّما ينطق بشيء ممّا يلقى إليه دون عناد وعداء، فإذا أُحضر إلى المحاكم فعلى الحاكم أن يزيل شبهته ويحيله إلى أُستاذ يعرف الداء والدواء حتى يزيل ما طرأ على ذهنه من جانب الأعداء.
نعم لو استمر على الإنكار بعد أن تقام عليه الحجّة فيحكم عليه بالكفر آنذاك.

الثالث: عدم احتمال التأويل

ربّما يكون تعبير الإنسان عن موضوع ديني على وجه يقبل التأويل والحمل على الوجه الصحيح; مثلاً: إنّ القائل بوحدة الوجود والموجود (الذي يعبّر عمّا تبنّاه بقوله: الحمد لله الذي خلق الأشياء وهو عينها)، ربّما يقصد من عبارته هذه شدّة تعلّق الممكنات بالواجب لذاته، تعلّق المعنى الحرفي بالاسمي على نحو لو انقطعت الصلة بين الواجب والممكن لعمّ العدم صفحة الوجود الإمكاني، فكأنّه صار الوجود والموجود شيئاً واحداً لانغماس نور الممكنات في نور الواجب. وهذا النوع من الاحتمال في حق القائل يصدُّنا عن التسرّع في تكفيره.
ونظير ذلك لو قال فقيه بعدم جواز دفع الزكاة إلى المؤلّفة قلوبهم وإن ورد النصّ به، قال سبحانه:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا

صفحه 189
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ...)1 وعمل به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك لأنّ الآية وعَمَلَ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كان في زمان ضعف الإسلام ووجود المسلمين والحاجة إلى تأليف قلوب هذه الطائفة، وأمّا الآن فقد قويّت شوكة الإسلام وظهرت قوّته فلا ملاك لتأليف القلوب.
وعلى ضوء ذلك فكلّ ما كانت المسألة قابلة للتأويل يمكن قبول قول المؤوّل، ثمّ هدايته إلى الحقّ المقبول.
نعم المسائل التي صارت من الوضوح كالشمس في رائعة النهار فالتأويل فيها باطل مرفوض يضرب به عرض الجدار، كما هو الحال في المسائل التالية:

1. قتل مالك بن نويرة وتبريره بالتأويل

اتّفق المؤرّخون على أنّ خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة ثم نزى على امرأته، فلمّا انتشر الخبر في المدينة وأنّ الرجل ارتكب جريمة شنيعة يستحقّ عليها القتل، أصرّ عمر على أبي بكر على إجراء الحدّ، ووصفه بقوله: عدو الله عدى على امرئ مسلم فقتله ثم نزى على امرأته، ولما ورد خالد المدينة كلّمه عمر بقوله: قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك; ومع ذلك فقد اعتذر أبو بكر عن إجراء الحدّ، وقال: يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد فإنّي لا أشيم2 سيفاً سلّه الله على الكافرين.3
ولو صحّ تبرير هذه الجريمة بهذا النوع من التأويل لما استقرّ حجر على حجر، ولعمّت الفوضى المجتمع كلّه. فإنّ التأويل إنّما يقبل في مسائل ساد عليها

1. التوبة:60.
2. أي لا أُغمد.
3. تاريخ الطبري:3/279، حوادث السنة 11هـ .

صفحه 190
الخفاء، وأمّا قتل الأنفس وهتك الأعراض وسلب الأموال، فهو في منأى عن التأويل.

2. قتل الهرمزان وإمساك الخليفة عن إجراء القصاص

لمّا قُتل عمر ولم يظفر عبيد الله بن عمر بقاتل أبيه، قتل الهرمزان وبنت أبي لؤلؤة الصغيرة، ولمّا أكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان عن القصاص، صعد المنبر وقال: قد كان من قضاء الله أنّ عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلاّ المسلمون عامّة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟ قالوا: نعم. فقال عليّ(عليه السلام):«أقِدِ الفاسق فإنّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب». وقال لعبيد الله:«يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لأقتلنّك بالهرمزان».1
وبهذا التأويل الباطل يبرّر عمل معاوية حيث رفض خلافة عليّ(عليه السلام) الذي بايعه المهاجرون والأنصار ولم يتخلّف عن بيعته إلاّ نفر يسير، ومع ذلك نرى أنّه جهّز جيشاً جراراً في وجه علي(عليه السلام)وقتل في معركة صفين حوالي 70 ألف مسلم من الطرفين، وفيهم الصحابة العدول وقد شهد بعضهم بدراً وأُحداً. وهذا النوع من التأويل مرفوض في منطق الشريعة والعدل، ولو فتح هذا الباب بوجه المجرمين لاستحلّوا حرمات الله وهتكوها بذريعة التأويل.

1. تاريخ الطبري:4/240، حوادث سنة 23هـ .

صفحه 191

الفصل الرابع:

جذور التكفير في العصور الأُولى

قد ظهرت بادرة التكفير في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة بسيطة، وقد واجهها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشدّة، ونذكر فيما يلي بعض النماذج:

1. أُسامة بن زيد يقتل مسلماً

روى المفسّرون في أسباب نزول قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)1; قيل: نزلت في أُسامة بن زيد وأصحابه، بعثهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في سرية فلقوا رجلاً قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فبدر إليه أُسامة فقتله واستاقوا غنمه; عن السدّي.2
وروى السيوطي في تفسير الآية، قال: بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سرية عليها أُسامة بن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنم له وجمل أحمر، فلمّا رآهم آوى إلى كهف جبل واتّبعه أُسامة، فلمّا بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم، فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فشدّ عليه أُسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بعث أُسامة أحب أن يُثنى عليه خير ويسأل عنه أصحابه، فلمّا رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدّثون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون: يا رسول الله

1. النساء:94.
2. مجمع البيان:3/190.

صفحه 192
لو رأيت أُسامة ولقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فشدّ عليه فقتله، وهو معرض عنهم، فلمّا أكثروا عليه رفع رأسه إلى أُسامة فقال: كيف أنت ولا إله إلاّ الله، فقال: يا رسول الله إنّما قالها متعوذاً تعوّذ بها. فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه...، فأنزل الله خبر هذا.1
وقد روى البغوي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم أذاناً فلا تقتلوا أحداً.(2)

2. الوليد بن عقبة وتكفير بني المصطلق

روى المفسّرون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحاً به، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، فظن أنّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إنّهم مَنَعُوا صدقاتهم، وكان الأمر بخلافه، فغضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهمّ أن يغزوهم، فنزل قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)2.3

3. اعتراض ذي الخويصرة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين كلّمه التميمي يوم حنين حيث قال: يا محمد قد رأيتُ ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: «ويحك! إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون!»، فقال

1. تفسير الدر المنثور:2/635.   2 . تفسير البغوي:1/467.
2. الحجرات:6.
3. مجمع البيان:9/241ـ 242.

صفحه 193
عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فقال: «لا، دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة».1
إلى هنا تمّ ما يشير إلى ظهور بادرة التكفير أو الاعتراض الملازم له في أوائل عصر الرسالة، وقد ظهرت في زمن الخلافة حوادث أُخرى نذكر منها ما يلي:

1. تكفير مالك بن نويرة بتأويل باطل

وقد مرّ عليك تفصيل قصّته.

2. تكفير عائشة عثمان

أخرج البلاذري في «الأنساب» لمّا غضب عثمان على عمّار على النحو المذكور في التاريخ، وبلغ عائشة ما صنع بعمّار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله، ثم قالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد! فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول.(2)
وفي كتاب لأمير المؤمنين(عليه السلام) كتبه ـ لمّا قارب البصرة ـ إلى طلحة والزبير وعائشة وممّا جاء فيه خطاباً لها قوله: «وأنتِ يا عائشة خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً... إلى أن قال: ثم إنّك طلبت على زعمك دم عثمان، وما أنت وذاك، عثمان رجل من بني أُمية وأنت من تيم، ثم بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله: اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر، ثم تطلبين اليوم بدمه، فاتقي الله وارجعي إلى بيتك واسبلي عليك سترك».2

1. السيرة النبوية لابن هشام:2/496.   2 . أنساب الأشراف للبلاذري:6/161.
2. تذكرة الخواص:69.

صفحه 194
نعم لم تكن الإدانة بالتكفير من خصائصها فقط، بل مَن اجتمع من الصحابة وغيرهم على قتله كانوا يكفّرونه، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى المصادر التاريخية.

3. الخوارج والتكفير

إنّ الخوارج الذين ظهروا في عصر علي(عليه السلام) هم الذين كانوا يكفّرون عثمان بسبب أعماله الخارجة عن الكتاب والسنّة، ولمّا بويع عليّ بالخلافة التحقوا به(عليه السلام) كسائر المسلمين غير أنّهم خرجوا عليه في مسألة التحكيم.
وأمّا ما هي قضية التحكيم فتوضيحها:
إنّه لمّا ظهرت آثار انتصار جيش علي(عليه السلام) وكان مالك الأشتر قائد الجيش بمقربة من خيام معاوية، فلجأ معاوية بإشارة من عمرو بن العاص إلى مكيدة أثّرت في جيش عليّ. وأمّا ما هي المكيدة؟ فهي أنّهم ربطوا المصاحف على أطراف رماحهم وكان بينهم خمسمائة مصحف ونادوا: الله الله في نسائكم، وبناتكم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم، إنّك أنت الحكيم الحقّ المبين. وعندئذ اختلف أصحاب علي في الرأي فطائفة قالت بالقتال، وطائفة مالت إلى المحاكمة إلى الكتاب وأنّه لا يحلّ لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. وقد أثّرت تلك المكيدة في همم كثير من جيش عليّ ولم يقفوا على أنّها مؤامرة ابن النابغة وقد تعلّم منه ابن أبي سفيان، وإنّها كلمة حقّ يراد بها باطل وأنّ الغاية القصوى منها إيجاد الشقاق والنفاق في جيش عليّ(عليه السلام)، فلمّا رأى(عليه السلام)تلك المكيدة وتأثيرها في السذّج من جيشه قام خطيباً وقال: «أيّها الناس أنا أحقّ مَن أجاب إلى كتاب الله ولكن هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن». وقد كان لخطاب علي أثر في قسم كبير من جيشه، ولكنّه فوجئ بمجيء زهاء عشرين ألفاً مقنّعين بالحديد شاكي سيوفهم وقد اسودّت جبهاهم من السجود ويتقدّمهم

صفحه 195
عصابة من القرّاء ـ الذين صاروا خوارج من بعد ـ فنادوه باسمه لا بأمرة المؤمنين وقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله، إذا دعيت وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفّان، فوالله لنفعلنّها إن لم تجبهم.
وبعد محادثات كثيرة بين علي وبينهم لم يجد الإمام بدّاً من قبول التحكيم، وصارت النتيجة أن بعث عليّ قرّاء أهل العراق وبعث معاوية قرّاء أهل الشام حتى ينظروا ويحكموا ويحيوا ما أحياه القرآن وأن يميتوا ما أماته القرآن.
ولمّا تمّت الاتّفاقية بين الطرفين جاء الذين حملوا عليّاً على الرضا بالتحكيم، زاعمين أنّ التحكيم على خلاف القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه:(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ) فحاولوا أن يفرضوا على عليّ نقض الميثاق ورفض كتاب الصلح، وقالوا: إنّ التحكيم كان منّا زلة حين رضينا بالحكمين فرجعنا وتُبْنا، فارجع أنت يا عليّ كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا وإلاّ برأنا منك، فقال علي:«ويحكم، أبعد الرضا(والميثاق) والعهد نرجع؟ أو ليس الله تعالى قال:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1، وقال: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)2» فأبى عليّ أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه، وبرئت من عليّ(عليه السلام)، وبرئ منهم.3
وصار هذا مبدأ تكفيرهم عليّاً وأصحابه ودامت بينهم مشاجرات وانتهت إلى حرب دامية قضى عليّ(عليه السلام) على أكثرهم ولم يبق منهم إلاّ عدد يسير تفرّقوا في البلاد.

1. المائدة:1.
2. النحل:91.
3. وقعة صفين:589ـ 590.

صفحه 196

الفصل الخامس:

إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والعلماء

لمّا كان التكفير من أخطر الأُمور على الإسلام في طريق تشويه صورته ظلماً وعدواناً، ومورثاً للفوضى ومعدماً للأمن الذي هو من أهمّ الحاجات الفطرية، وهادفاً إلى تمزيق الأُمّة الإسلامية وإضعاف المسلمين، ونابعاً عن طغيان العاطفة الكاذبة على العقل والاستدلال، صار نبي العظمة ومظهر الرحمة(صلى الله عليه وآله وسلم) يدين تكفير المسلم، وها نحن نذكر شيئاً ممّا رواه المحدّثون في المجامع الحديثية:
1. «بني الإسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين... فلا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك».1
2. روى البخاري بسنده عن أبي ذر أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».2
قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث:
وهذا وعيد عظيم لمن كفّر أحداً من المسلمين وليس هو كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها كثير من المتكلّمين ومن المنسوبين إلى السنّة وأهل الحديث لمّا اختلفوا في العقائد فغلطوا على مخالفيهم وحكموا بكفرهم .3

1. كنز العمال:1/29، برقم 30، طبعة مؤسسة الرسالة.
2. صحيح البخاري برقم 6045.
3. لاحظ: إحكام الأحكام:4/76.

صفحه 197
3. «إذا كفّر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدهما».1
4. «أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه».2
5. «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولاعن المؤمن كقاتله، ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله».3
وقد ورد في هذا الصدد الكثير من الروايات عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اكتفينا بهذا المقدار لأجل الاختصار، ومَن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر الحديثية المذكورة وغيرها.
وقد اقتدى بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير من علماء الإسلام في كتبهم العقائدية وغيرها، فحذّروا عن تكفير أهل القبلة بأشدّ التحذير نذكر منهم ما يلي:
1. قال ابن حزم عندما تكلّم فيمن يُكفّر ولا يكفّر: وذهبت طائفة إلى أنّه لا يُكفّر ولا يفسَّق مسلم بقول قال في اعتقاد، أو فتيا، وإنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجور على كلّ حال إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد.
ثم قال: وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة(رضي الله عنهم) لا نعلم منه خلافاً في ذلك أصلاً.4

1. صحيح مسلم: 1/56، كتاب الإيمان، باب من قال لأخيه المسلم: يا كافر، طبعة دار الفكر.
2. صحيح مسلم: 1/57، كتاب الإيمان، باب من قال لأخيه المسلم: يا كافر; مسند أحمد:2/18 و 60 و 112.
3. سنن الترمذي:4/132، كتاب الإيمان، طبع دار الفكر، بيروت.
4. الفصل لابن حزم:3/247.

صفحه 198
2. كان أحمد بن زاهر السرخسي الأشعريّ يقول: لمّا حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعريّ الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا على أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم.1
3. قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عسر جدّاً، وكلّ من كان في قلبه إيمان، يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، فإنّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر (إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتعظيم خطره).2
4. قال القاضي الإيجي: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفّر أحد من أهل القبلة. واستدلّ على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون الله تعالى عالماً بعلم أو موجداً لفعل العبد، أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام.(3)
5. قال التفتازاني: إنّ مخالف الحقّ من أهل القبلة ليس بكافر ما لم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد، واستدلّ بقوله: إنّ النبي ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على ما هو الحق.3
6. قال ابن عابدين: نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا.(5)

1. اليواقيت والجواهر للشعراني: 58.
2. اليواقيت والجواهر:58.   3 . المواقف للإيجي:392ـ 393.
3. شرح المقاصد:5/227ـ 228.   5 . رد المحتار لابن عابدين:4/237.

صفحه 199

الفصل السادس:

الذرائع الباطلة لتكفير المسلمين

إنّ ظاهرة التكفير لا تستهدف طائفة دون أُخرى، بل هي تشمل كافّة المسلمين بعامّة طوائفهم من شيعة وسنّة، من أشعري ومعتزلي، إلى غير ذلك من الفرق الإسلامية.
نعم لهم ذرائع خاصّة لتكفير الشيعة فلذلك يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: تبيين الأسباب التي يكفّرون بها عامّة المسلمين.
الثاني: الذرائع الوهمية لتكفير الشيعة خاصّة.
ونخصّ هذا الفصل بالأوّل.

الذرائع التي يكفّر بها عامّة المسلمين

إنّ الأُمور التي يكفّرون بها المسلمين قاطبة فهي عبارة عن المسائل التالية:
***
الأُولى: الاعتقاد بقدرة غيبيّة في الأنبياء والأولياء وأنّهم يسمعون كلام المتوسّل.
وبما أنّ الاعتقاد بسماع كلام المتوسّل يلازم وجود قدرة غيبيّة في الأولياء، رتبوا على ذلك حرمة الأُمور التالية وأنّها من مظاهر الشرك:
أ. طلب الشفاعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كقولنا: اشفع لنا عند الله.

صفحه 200
ب. التوسّل بهم في قضاء الحاجات.
ج. الاستغاثة بهم في الشدائد والمصائب.
فالجميع من مظاهر الشرك لأنّها مبنيّة على أنّ الموتى يسمعون كلام الأحياء وأنّ الصلة موجودة بينهما، وهي تلازم الاعتقاد بوجود قدرة غيبية في النبي وغيره.
الثانية: الصلاة عند قبور الأنبياء والأولياء.
الثالثة: حفظ آثار الأنبياء والسلف الصالح من قبورهم وبيوتهم وما يمت إليهم بصلة.
الرابعة: النذر للنبي والإمام.
الخامسة: التبرّك بآثار الأنبياء.
هذه هي أُمّهات المسائل التي جُعلت ذريعة لتكفير المسلمين، وهناك مسائل جزئية أُخرى يُعلم حالها ممّا سندرسه حول هذه المسائل.
وبما أنّا أشبعنا الكلام حول هذه الذرائع في غير واحد من مؤلّفاتنا، وكانت الإحالة لا تخلو من مشقّة على القرّاء، ندرس هذه المسائل على وجه الإجمال، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر التي سنشير إليها في ختام البحث.

صفحه 201

المسألة الأُولى:

الاعتقاد بقدرة غيبية في الأولياء

وطلب الشفاعة والاستغاثة والتوسّل بهم
اتّفق المسلمون على أنّ نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من الأنبياء يشفعون في حقّ المذنبين يوم القيامة، وهذا لا كلام فيه بيننا وبين الوهابيّين، إلاّ أنّهم يحرّمون الاستشفاع بأولياء الله في الدنيا، وربّما يعدّونه شركاً، ولهم في ذلك دلائل واهية أهمها أنّ طلب الشفاعة من نبي أو إمام يرقد تحت التراب أو يعيش في بلدة أُخرى ومكان آخر، أو كان غائباً عن الأبصار، هو شرك بالله تعالى; لأنّ الطالب يعتقد بأنّ ذلك النبي أو الإمام يستطيع أن يُهيّئ الماء، خارج القوانين والأسباب الطبيعية، أي بالقدرة الغيبية، وهذا اعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعو: النبي أو الإمام.
وقد صرّح بهذا الرأي الكاتب الهندي «أبو الأعلى المودودي» حيث قال: إنّ التصوّر الذي لأجله يدعو الإنسان الإله ويستغيثه ويتضرّع إليه ـ هو لا جرم ـ تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة.1
الجواب أوّلاً: أنّ الشيخ المودودي لم يفرّق بين القدرة الغيبية المستقلة القائمة بنفس القادر، وبين القدرة التي يكتسبها الإنسان في ظل الطاعة ويستخدمها بإذن من الله تعالى.
فالقدرة الغيبية بالمعنى الأوّل تختصّ بالله سبحانه، وأمّا بالمعنى الثاني فالاعتقاد بها ليس بالشرك بل هو نفس التوحيد، لأنّه سبحانه قادر على كلّ شيء، فأي مانع أن يمنح قدرة غيبية لنبيّه إعجازاً أو كرامة أو لغاية أُخرى، بأن يغيث المستغيث في أرض جرداء.

1. المصطلحات الأربعة:18.

صفحه 202
وما ذكرنا هو الأساس في كثير من المسائل التي يتخبّط فيها الوهابيّون فهم لا يفرّقون بين المستقل والمأذون.
وما ذكره في ثنايا كلامه من أنّه لو طلب الإنسان العطشان في الصحراء ماءً من خادمه، فإنّ طلبه هذا ليس طلباً لخرق القوانين الطبيعية فهو جائز وليس شركاً، فلابدّ فيه من القول بالتفصيل المذكور.
فلو اعتقد الرجل العطشان بأنّ الخادم يقوم بسقيه بقدرة مستقلة قائمة بنفسه فهو شرك قطعاً، وأمّا لو اعتقد بأنّه يقوم بهذا العمل بإذن من الله سبحانه وإقدار منه فهو نفس التوحيد.
وبما ذكرنا ظهر أنّ الفارق بين التوحيد والشرك هو كون الفاعل مستقلاً في عمله أو كونه مأذوناً من غير فرق بين الأُمور العادية والغيبية.
وثانياً: أنّ الذكر الحكيم ينسب أُموراً غيبية نابعة عن قدرة فوق الطبيعية لأُناس، نظير:

1. القدرة الغيبية للنبي يوسف(عليه السلام)

قال يوسف لإخوته(اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا)1، (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا).(2)
إنّ ظاهر الآيتين يدلّ على أنّ النبيّ يعقوب(عليه السلام) استعاد بصره الكامل بالقدرة الغيبية التي استخدمها يوسف(عليه السلام) من أجل ذلك، ومن الواضح أنّ استعادة يعقوب بصره لم تكن من الله بصورة مستقلّة مجردة عن الاستعاثة به سبحانه، بل تحققّت بإذنه سبحانه، بواسطة النبيّ يوسف(عليه السلام).
إنّ إرادة النبيّ يوسف(عليه السلام) كانت هي السبب في عودة بصر أبيه كاملاً، ولولا

1. يوسف:91.   2 . يوسف:95.

صفحه 203
ذلك لما أمر إخوانه بأن يذهبوا بقميصه ويلقوه على وجه أبيه، بل كان يكفي أن يدعو الله تعالى لأن يعيد بصره.
إنّ هذا التصرّف الغيبيّ صدر من أحد أولياء الله ـ يوسف ـ من غير المجرى الطبيعي لكن بإذنه سبحانه، ولا يقدر على هذا التصرّف إلاّ من منحه الله السلطة الغيبية. ولم يقم بهذا العمل إعجازاً وإثباتاً لنبوته بل تفضّلاً منه لأبيه وتكريماً له.

2. القدرة الغيبية للنبي سليمان(عليه السلام)

إنّ نبي الله سليمان(عليه السلام) كان يتمتّع بقدرات غيبية متعدّدة، وقد عبّر عن تلك المواهب والمنح الإلهية العظيمة بقوله:(وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)1 وقد جاء تفصيل الحديث عن تلك المواهب والقدرات الإلهية الممنوحة له في السور التالية:
سورة النمل من الآية 16 إلى الآية 44.
سورة سبأ، الآية 12.
سورة الأنبياء، الآية 81.
سورة ص من الآية 36 إلى 40.
ونحن لا نشير إلى جميع القدرات الغيبية التي منحت له كرامة لا إعجازاً، بل نشير إلى مورد واحد، ليُعلم أنّ الاعتماد على تلك القدرة لا ينافي التوحيد.
يحدّثنا القرآن الكريم أنّ النبي سليمان(عليه السلام) طلب من الحاضرين عنده أن يحضر أحدهم عرش بلقيس، بقدرة غيبية وخارقة للطبيعة، فسألهم بقوله:(أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ)(2)؟ وعندئذ أُجيب بجوابين: أحدهما

1. النمل:16.   2 . النمل: 38.

صفحه 204
ما اقترحه عفريت من الجن، والآخر ما أشار إليه مَن عنده علم من الكتاب.
أمّا الأوّل فأجاب:(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)1 .
فأخبر أنّه يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين قبل أن ينفضّ مجلس سليمان، ومعنى ذلك أنّه يأتي به ضمن ساعة أو ساعتين.
وأمّا الثاني فأجاب بقوله:(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)، ولم يرتدّ طرف سليمان(عليه السلام) إلاّ وقد رأى حضور العرش لديه كما يقول:(فَلَمَّا رَاَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)،(2) فلو صحّ ما ذكره المودودي من أنّ طلب الأعمال الخارقة التي لا يقوم بها إلاّ الله شرك، لزم ـ نعوذ بالله ـ القول بشرك سليمان(عليه السلام)، والله سبحانه يقول:(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)(3) ونحن نقتصر في نقد هذا القول بهذا المقدار، وإلاّ ففي القرآن الكريم والسنّة النبوية شواهد كثيرة على وجود القدرة الغيبية التي يتمتّع بها المرتاضون تارة ـ ومَن كرس نفسه لطاعة الله سبحانه أُخرى.
وبذلك يُعلم أنّ الاستغاثة بالأنبياء والتوسّل بهم وطلب الحاجات منهم، مع كونهم راحلين إلى لقاء الله ليس شركاً; لأنّهم يطلبون منهم حاجاتهم زاعمين بأنّ الله سبحانه منحهم تلك القدرة. وهذا النوع من الاعتقاد لا يخلو من صورتين:
1. أن يكونوا صادقين في اعتقادهم، فعندئذ يتمّ المطلوب.
2. أن يكونوا خاطئين فيكون الطلب خطأ لا شركاً.
***

1. النمل:39.      2 . النمل: 38 ـ 40.   3 . البقرة:102.

صفحه 205

التوسّل بالأنبياء والأولياء بالصور الثلاث

ومن فروع هذه المسألة، مسألة التوسّل بالأنبياء والأولياء، فالوهابيّون يرون أنّ التوسّل على أقسام ستة: ثلاثة منها جائزة بلا إشكال، والثلاثة الأخيرة إمّا محرمة أو موجبة للشرك.
أمّا الثلاثة الأُولى: فالتوسّل بأسماء الله أوّلاً، أو التوسّل بالأعمال الصالحة التي قام بها المتوسّل طول عمره، أو التوسّل بدعاء المؤمن الحي.
وأمّا الثلاثة الممنوعة:
1. التوسّل بدعاء الميّت من غير فرق بين النبي وغيره.
2. التوسّل بمنزلة النبي وجاهه عند الله.
3. التوسّل بذات النبي ونفسه المقدّسة.
وبما أنّهم يمنعون الأخير أشد المنع فنحن ندرسه حتى يتبيّن به حكم الأوّلين.
روى الحاكم في مستدركه عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: ادعُ الله أن يُعافيني. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إن شئت دعوت، وإن شئت صَبَرت وهو خير؟».
قال: فادعه، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ ويحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء:«اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهمّ شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضرٌّ.1

1. سنن ابن ماجة:1/441، برقم 1385; مسند أحمد:4/138، عن مسند عثمان بن حنيف; المستدرك للحاكم:1/313; الجامع الصغير للسيوطي:59; تلخيص المستدرك للذهبي المطبوع في هامش المستدرك; التاج الجامع:1/286.

صفحه 206

كلام حول سند الحديث

لا شكّ أنّ الحديث صحيح بلا كلام لم يخدش أحد في سنده، كيف وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، كما أقرّ الذهبي بصحّته في تلخيصه للمستدرك المطبوع في هامشه، مضافاً إلى أنّ كثيراً من الأعلام قد رووا هذا الحديث، منهم:
1. ابن ماجة في سننه برقم 1385 وقال: هذا حديث صحيح.
2. أحمد في مسنده:4/138.
3. السيوطي في الجامع الصغير:59، إلى غير ذلك من الاعلام.
أمّا دلالته على جواز التوسّل بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) العزيزة المكرمة فمن جهات نشير إليها:
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك»، فقد توسّل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مرّتين; لأنّ قوله: «بنبيّك» متعلّق بفعلين أي:
1. «أسألك بنبيّك».
2. «أتوجّه إليك بنبيّك».
3. «محمد».
4. «نبيّ الرحمة».
5. «يا محمد».
6. «أتوجّه بك إلى ربّي».
وأنت إذا قدّمت هذا الحديث إلى مَن يحسن اللغة العربية ويتمتّع بصفاء فكر بعيد عن مجادلات الوهابيّين وشبهاتهم ثم سألته: بماذا أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأعمى عندما علّمه ذلك الدعاء؟ لأجابك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) علّمه دعاءً تضمّن

صفحه 207
التوسّل إلى الله بنبيّه: نبيّ الرحمة الذي اسمه محمد، فجعل ذاته المقدّسة ذريعة ووسيلة لقبول دعائه.
ثمّ إنّ الوهابيّين لما وقفوا أمام هذا الحديث الذي يهدم ما اختلقوا من الأوهام، التجأوا إلى تأويل الحديث وهو تقدير «الدعاء» في المواضع الستة. وعلى هذا يكون معنى الحديث حسب زعمهم:
1. أسألك بدعاء نبيّك.
2. أتوجّه إليك بدعاء نبيّك.
3. بدعاء محمد.
4. بدعاء نبيّ الرحمة.
5. بدعاء محمد.
6. أتوجّه بدعائك إلى ربّي.
وإنّا نسأل مشايخ الوهابيّين: هل يجوز لنا أن نتصرّف بالحديث بهذا الشكل من التصرّف الذي يردّه كلّ عارف باللغة العربية أو كلّ عارف بالأحاديث الإسلامية.
وهؤلاء مكان أن يدرسوا القرآن والحديث ثم يعكسوا عقائدهم عليهما، عكسوا الأمر فحاولوا تطبيق القرآن والحديث على عقائدهم.

توسّل عمر بن الخطاب بعمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

وأحب أن أذكر هنا نكتة يظهر منها بطلان ما يذكره كثير منهم، وهي: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: إنّ عمر بن الخطاب كان إذا قُحِطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللّهمّ ] إنّا[ كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيُسقون.1

1. صحيح البخاري:2/32، باب صلاة الاستسقاء.

صفحه 208
لا شكّ أنّ هذا الحديث من أوضح الدلائل على جواز التوسّل بالذات حيث قدّم الخليفة عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وسيلة وذريعة بينه وبين الله، حتى روى غير واحد كيفية توسّل عمر بالعباس وأنّه قال:«اللّهمّ إنّا نستسقيك بعمّ نبيّك ونستشفع إليك بشيبته» فسقوا.
وفي ذلك يقول: العباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمّي سقى الله الحجاز وأهله *** عشية يستسقي بشيبته عمر1
ثمّ إنّ الوهابيين مكان أن يأخذوا الحديث مقياساً لتصحيح التوسّل بدأوا النقاش وقالوا: لو كان التوسل بالذات أمراً جائزاً لما عدل عمر بن الخطاب عن التوسّل بالنبي إلى التوسّل بالعباس، ولما ترك الأفضل بالرجوع إلى الفاضل.
وقد غاب عنهم أمران:
1. أنّ الخليفة ما اختار العباس بن عبد المطلب مع وجود الأفضل منه بين صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كعثمان وغيره، إلاّ لأنّ العباس كان من أرحام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان التوسّل به في الواقع توسّلاً بنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك يقول:«وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا» ولولا ذلك لما اختار العباس في مقام التوسّل مع وجود الأفضل منه.
2. إنّما اختار العباس دون النبي فلأجل أنّ العباس كان يشاركهم في المصير وفي السعة والضيق دون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي انتقل إلى جوار ربّه، فوسط بينه وبين الله إنساناً طاهراً مشاركاً لهم في الضرّاء والسرّاء، ولذلك عدل عن التوسّل بالنبي مباشرة إلى عمّه المتواجد بينهم.
ويؤيّد ذلك أنّ المسلمين أُمروا في صلاة الاستسقاء بصحبة الشيوخ والأطفال إلى الصحراء، معربين بعملهم هذا أنّ المستسقين وإن لم يكونوا أهلاً

1. وفاء الوفا:3/375، نقلاً عن مصباح الظلام.

صفحه 209
للسقي ولكن هؤلاء الأبرياء أهل لأن تشملهم رحمة الله تعالى.
قال الإمام الشافعي: وأُحبّ أن يخرج الصبيان ويتنظّفوا للاستسقاء وكبار النساء ومن لا هيبة منهن ولا أُحب خروج ذات الهيبة.1

شبهة كون النبيّ ميّتاً

يقولون: انّ أنبياء الله والنبي الخاتم ميّتون والميّت لا يقدر على شيء، فلو صحّ ما ذُكر من الاعتقاد بالقدرة الغيبية أو جواز التوسّل فإنّما يصحّ إذا كان المتوسّل به حيّاً لا ميتاً؟!
وهذا من أغرب الشبه وأتفهها، وذلك للأسباب التالية:
1. إذ لو كان ميّتاً فما معنى قول المسلمين جميعاً في صلاتهم:«السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته».
2. ولو كان ميّتاً فما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أُمّتي السلام».2
3. لو كان ميّتاً فما معنى كون النبي من شهداء الأعمال يوم القيامة، فهل يمكن أن يكون الميّت شاهداً على الأعمال وقد قال سبحانه:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا)3 .
4. أفيمكن أن يكون الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون ولكن نبي الشهداء غير حيّ لا يدرك شيئاً ولا يعرف؟!
ثمّ إنّ المراد من كون النبيّ حيّاً هو الحياة البرزخية، فالنبيّ انتقل بموته

1. كتاب الأُمّ:1/23.
2. المصنّف:2/399، باب ثواب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
3. النساء:41.

صفحه 210
من حياة إلى حياة أُخرى.
إلى هنا تبيّن حال طلب الشفاعة والاستغاثة والتوسّل بالنبي والأولياء والأُمور التي زعموا أنّها شرك لاستلزامها الاعتقاد بوجود قدرة غيبية فيهم، وإليك الكلام في سائر المسائل الّتي يكفّرون بها عامة المسلمين.
***

المسألة الثانية:

الصلاة عند قبور الأنبياء والأولياء

إنّ الصلاة عند قبور الأولياء ليس إلاّ لأجل التبرّك بالمكان الذي دفنت فيه تلك الذوات الطاهرة المقدّسة أو مسّت أجسادهم الطاهرة وبذلك صارت مباركة، وهذا هو أحد الأُمور الواضحة في الشريعة المقدّسة، بشرط أن يتجرّد الإنسان عمّا اتّخذ هؤلاء من الضوابط والقواعد للتوحيد والشرك، وإليك بعض ما ورد:

1. الصلاة في مقام إبراهيم(عليه السلام)

أمر سبحانه المسلمين بالصلاة في المقام الذي قام به النبي إبراهيم(عليه السلام)وقال:(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)1 فما هو الوجه في أمر المسلمين بالصلاة في موضع إبراهيم؟ ما هذا إلاّ للتبرّك به، فقد مسّ جسده الطاهر هذا المقام وصار مباركاً عبر القرون إلى يوم القيامة.

1. البقرة:125.

صفحه 211

2. إقامة الصلاة على قبور أصحاب الكهف

إنّ أصحاب الكهف بعد أن انكشف خبرهم اختلف الناس في كيفية احترامهم وتكريمهم وانقسموا إلى صنفين:
1. صنف قالوا:(ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ).1
وهذا التعبير أي (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) يكشف عن أنّ القائلين به لم يكونوا من الموحّدين، حيث حقّروا أُمورهم بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ربنا أعلم بأحوالهم من خير وشرّ وصلاح وفساد.
2. صنف آخر دعوا إلى بناء مسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة الله بجوار قبور الذين رفضوا عبادة غير الله وخرجوا من ديارهم، هاربين من الكفر ولاجئين إلى توحيد الله وطاعته، وقد حكى عنهم الذكر الحكيم بقوله:(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) فالضمير في قوله سبحانه:(غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) يرجع إلى أصحاب الكهف، أي وقفوا على مكانتهم وكشفوا الستر عن حقيقة أمرهم، فقالوا:(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)وقد اتّفق أعاظم المفسّرين على أنّ القائلين بذلك هم الموحّدون، قال الطبري: فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء آبائنا، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد الله فيه.2
وقال الرازي: وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد، وهذا القول يدلّ على أنّ أُولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.3

1. الكهف:21.
2. تفسير الطبري:15/149.
3. تفسير الرازي:21/105.

صفحه 212
وقال الزمخشري:(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ) على باب الكهف (مَسْجِدًا) يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.1
وقال النيسابوري:(الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) المسلمون وملكهم المسلم; لأنّهم بنوا عليهم مسجداً يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها، وضنّاً بها.2
إلى غير ذلك من الكلمات في تفاسير الأعاظم، والّتي يتراءى منها أنّ بناء المسجد كان على باب الكهف أو عند الكهف، على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ المقترح هو بناء المسجد على قبورهم.

كيفية الاستدلال

الاستدلال بالآية ليس مبنيّاً على استصحاب حكم شرع مَن قبلنا، بل مبني على أمر آخر وهو أنّا نرى أنّ القرآن الكريم يذكر اقتراح الطائفتين بلا نقد ولا ردّ، ومن البعيد جدّاً أن يذكر الله تعالى كلاماً للمشركين ويمرّ عليه بلا نقد إجمالي ولا تفصيلي، أو يذكر اقتراحاً للموحّدين وكان أمراً محرّماً في شرعنا من دون إيعاز إلى ردّه.
إنّ هذا النوع من النقل تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين، ويدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر وتبرّكاً به.

1. تفسير الكشّاف: 2/334.
2. تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان المطبوع بهامش تفسير الطبري:15/119.

صفحه 213

دليل المخالف

تمسّك الوهابيون على حرمة الصلاة عند قبور الأولياء بالروايات التالية:
روى البخاري: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجداً». قالت عائشة: لولا ذلك لابرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً.1
وروى مسلم عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا ومن كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك».2
وروى أيضاً أنّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها في الحبشة، فيها تصاوير لرسول الله. فقال رسول الله: إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.3
أقول: إنّ مضمون الحديثين الأوّلين مهما صحّ سندهما لا يخلو من شذوذ، إذ من المعلوم من حياة اليهود أنّهم كانوا يقتلون أنبياءهم عبر القرون، كما يحكي ذلك قوله سبحانه:(سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ)4، وقوله تعالى:(قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)5 إنّ تأكيد القرآن على عملهم الفظيع يدلّ على أنّ قتل الأنبياء كان عندهم سيرة مستمرة تتحقّق في زمن بعد زمن، فالقوم الذين هذا شأنهم وتكريمهم لأنبيائهم هل يتّخذون قبور أوليائهم وصالحيهم، مساجد يصلّون في جوارهم.

1. صحيح البخاري:2/111، كتاب الجنائز.
2. صحيح مسلم:2/68، كتاب المساجد.
3. صحيح مسلم:2/66، كتاب المساجد.
4. آل عمران:181.
5. آل عمران:183.

صفحه 214
أضف إلى ذلك: ما في الرواية الثالثة من أنّ المرأتين ذكرتا كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير لرسول الله، ومعنى ذلك: أنّ صيت رسالة الرسول في أوائل البعثة وصل إلى الحبشة وصوّروا تصوير رسول الله في كنيستهم. والظاهر أيضاً من لفظة رسول الله النبي الخاتم لا المسيح.
نعم رواه النسائي والبيهقي والعيني مجرداً عن عبارة (رسول الله).
وعلى كلّ تقدير فالاستدلال بما ذكر من الروايات على موضوع اشتهر خلافه بين المسلمين أمر بعيد.

إيضاح مفاد الروايات

هذا وعلى فرض الصحّة يجب التحقيق والتأمّل فيما تهدف إليه تلك النصوص.
أقول: إنّ هنا قرائن تشهد على أنّ اليهود والنصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلة لهم تصرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، بل ربّما يعبدون أنبيائهم بجوار قبورهم بدل أن يعبدوا الله الواحد القهّار، أو كانوا يجعلون أنبياءهم شركاء مع الله سبحانه في العبادة، والشاهد على هذا المعنى الأُمور التالية:
1. إنّ الهدف من وضع صور الصالحين في حديث أُمّ حبيبة وأمّ سلمة بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها وعلى القبر بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يعبدان ويسجد لهما.
إنّ هذا الاحتمال ـ اللائح من هذا الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيّون من عبادة المسيح ووضع التصاوير والتماثيل المجسّمة له وللسيّدة مريم(عليها السلام)، ومع هذا المعنى فلا يمكن الاستدلال بهذه الأحاديث على حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها من دون أن يكون في ذلك أيّ شيء يوحي بالعبودية، كما عليه المسيحيّون.

صفحه 215
2. إنّ أحمد بن حنبل يروي في مسنده ـ كما يروي مالك في الموطأ ـ تتمة لهذا الحديث وهي: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ بعد النهي عن اتّخاذ القبور مساجد ـ: «اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يُعبد».1
فالحديث يدلّ على أنّ اليهود والنصارى كانوا يتّخذون القبر والصورة التي عليه إمّا قبلة يتوجّهون إليها، أو صنماً يعبدونه من دون الله سبحانه.
3. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ أعني قولها: لولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً ـ يدلّ على ما ذكرنا، وذلك لأنّ المسلمين بعد رحيل رسول الله، وضعوا جداراً بين قبره وبين المسجد، وعندئذ نسأل أنّ إقامة الجدار حول القبر من أي شيء يمنع، ومن المعلوم أنّه يمنع من أمرين تاليين:
أ. أن يتّخذ قبره وثناً يعبد.
ب. أن يتّخذ قبلة يتوجّه إليها.
وأمّا الصلاة بجوار القبر إلى القبلة (الكعبة) تقرّباً إلى الله تعالى فلا يمنع من ذلك، بشهادة أنّ المسلمين منذ أربعة عشر قرناً يصلّون بجوار قبر رسول الله، في حين أنّهم يعبدون الله ويتوجّهون إلى الكعبة، فوجود الحاجز لم يمنعهم من هذا كلّه.
والذي يؤيّد ذلك أنّ شرّاح الحديث فهموا ما ذكرنا، يقول القسطلاني في كتاب «إرشاد الساري»: إنّما صوّروا أوائلهم الصّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم، ثمّ خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذَّر النبي عن مثل ذلك.

1. مسند أحمد:3/248.

صفحه 216
إلى أن يقول: قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون في مثل ذلك، فأمّا مَن اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.1
ويقول النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء إنّما نهى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية، ولمّا احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبيه بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد فيصلّي إليه العوام... ولهذا قالت عائشة في الحديث: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتّخذ مسجداً.2
مع هذه القرائن ومع ما فهمه شرّاح الحديث لا يمكن الاستدلال به على منع الصلاة عند قبور الصالحين.
وفي ختام المطاف نذكر أمرين:
1. إنّ النبي نهى عن بناء المساجد، ولكن لا دليل على أنّ النهي تحريمي، بل يحتمل أن يكون نهياً تنزيهيّاً وهذا بالضبط ما استنبطه البخاري في صحيحه

1. إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:2/437، باب بناء المساجد على القبور. واختار هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري:3/208 ـ حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.
2. شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ14.

صفحه 217
حيث ذكر هذه الأحاديث تحت عنوان: باب ما يُكره من اتّخاذ المساجد على القبور.1
ويشهد لهذا الحمل ما رواه النسائي من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعن زائرات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسُرج.2
ومن المعلوم أنّ زيارة القبر للمرأة مكروه لا حرام، كيف وقد كانت فاطمة سيدة نساء العالمين تزور قبر عمّها حمزة في كلّ أُسبوع 3، وقد زارت السيدة عائشة قبر أخيها عندما وردت مكة المكرمة.4
ومن حسن الحظ أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فسّروا الرواية، وهذا هو أبو جعفر الباقر(عليه السلام) لمّا سأله زرارة بقوله: قلت له: الصلاة بين القبور؟ أجاب بقوله: «صل في خلالها ولا تتّخذ شيئاً منها قبلة، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ذلك، وقال: لا تتّخذوا قبري قبلة ولا مسجداً فإنّ الله تعالى لعن الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».5

1. لاحظ: صحيح البخاري:2/111، كتاب المساجد.
2. سنن النسائي:4/77.
3. لاحظ: مستدرك الحاكم:1/377; سنن البيهقي:4/78.
4. لاحظ: سنن الترمذي:3/371، باب ما جاء الرخصة في زيارة القبور، برقم 1055.
5. علل الشرائع:2/359.

صفحه 218

المسألة الثالثة:

حفظ آثار الأنبياء والسلف الصالح

من قبورهم وبيوتهم وما يمتّ إليهم بصلة
ونحن في الوقت الذي نلقي فيه هذه المحاضرات نسمع أخباراً مؤسفة عن تفجير وهدم قبور الأنبياء كيونس(عليه السلام)في الموصل وغيره من قبور الأنبياء والأولياء، على يد عصابة شاذّة تربّت على يد مبلّغين تأثّروا بالفكر الوهابي، ونحن ندرس هذه المسألة الهامّة لنزيل الشبه عن فكر المسلمين عسى أن يبلغ ما نقوله إلى أفكار هؤلاء فيتوبوا إلى الله من أعمالهم الخاطئة.
فنقول: إنّ رسالة الإسلام رسالة خالدة أبدية وسوف يبقى الإسلام ديناً للبشرية جمعاء، إلى يوم القيامة ولابدّ للأجيال القادمة على طول الزمن أن تعترف بأصالتها وتؤمن بقداستها، ولأجل تحقيق هذا الهدف يجب أن نحافظ دائماً على آثار صاحب الرسالة المحمدية كي نكون قد خطونا خطوة في سبيل استمرارية هذا الدين وبقائه على مدى العصور القادمة، حتى لا يشكّك أحد في وجود نبي الإسلام كما شكّكوا في وجود النبي عيسى المسيح(عليه السلام).
إنّ الشاب الغربي لم يعثر على شيء ملموس يؤدّي به إلى الاطمئنان بأصالة شخصية عيسى(عليه السلام) والركون إلى أنّها واقعة حقيقية لا يمكن التردّد فيها.
ولذلك تلقّى كثير منهم مسألة شخصية المسيح، أُسطورة تاريخية أشبه بقصة مجنون العامري وليلاه. ومن هنا ينبغي علينا نحن المسلمين أن نأخذ العبر والدروس من التاريخ المسيحي، وأن نسعى بكلّ ما أُويتنا من قوّة وجهد في سبيل صيانة الآثار الإسلامية عامّة، وآثار الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة مهما كانت صغيرة، وذلك لأنّها تمثّل الشاهد الحيّ على أصالتنا وأحقيّة دعوتنا، وأن نتجنّب

صفحه 219
عن تدميرها بمعول محاربة الشرك الذي اتّخذه البعض ـ وللأسف الشديد ـ ذريعة للقضاء على هذا التاريخ الأثري الملموس والمعلَم الإسلامي المهم، كي لا يصيب أجيالنا القادمة ما أصاب الشباب الغربي من داء الترديد والشكّ في شخصية السيد المسيح(عليه السلام). ولتوضيح هذه المسألة بكافّة جوانبها نبحث الأُمور التالية:

الأوّل: مكانة بيوت الأنبياء في القرآن الكريم

لقد أولى القرآن الكريم عناية خاصّة ببيوت الأنبياء والأولياء، وليس هذا الاهتمام إلاّ لأجل أنّ هذه البيوت تبرّكت بأُناس يسبّحون لله سبحانه في الغدو والآصال، قال تعالى:(فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)1.
لقد تحدّثت الآية المباركة عن تلك البيوت بلحن يشعر بالتعظيم والتكريم وأشارت إلى سمات الرجال الإلهيّين الذين يسكنونها بأنّ دأبهم التسبيح والتمجيد والتهليل والتكبير، والمراد من البيوت في الآية هو بيوت الأنبياء.
روى الحافظ جلال الدين السيوطي قال: أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ هذه الآية: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ)فقام إليه رجل، قال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال:«بيوت الأنبياء» فقام إليه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام) ـ فقال رسول الله:«نعم ومن أفاضلها».(2)
وعلى هذا فالمراد من البيوت هو بيوت الأنبياء وبيوت النبيّ الأكرم وبيت

1. النور:36.   2 . الدر المنثور:6/203.

صفحه 220
عليّ وما ضاهاها، فهذه البيوت لها شأنها الخاص لأنّها تخصّ رجالاً يسبّحون الله ليلاً ونهاراً غدواً وآصالاً يعيش فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقلوبهم مليئة بالخوف من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار.
وقد ثبت في التاريخ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دفن في نفس البيت الذي قبض فيه، كما أنّ الإمامين العسكريين(عليهما السلام) دفنا في البيت الذي قبضا فيه وكان بيتهما معبداً لهما. وقد روى أحمد أنّ عبد الله بن سعد سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: أيّما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال: «فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد ولئن أُصلّي في بيتي أحب إليّ من أن أُصلي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة».1 وقد عقد مسلم في صحيحه باباً لاستحباب إقامة النافلة في البيت وروى فيه روايات.(2)
فعلى ضوء هذه الآية يجب رفع البيوت التي كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة دفنوا فيها، وهم كانوا يتلون فيها ليلاً ونهاراً آيات الله ويسبّحونه.
بقي الكلام: فيمَ هو المراد من الرفع؟
لقد ذكر المفسّرون للرفع معنيين تاليين:
الأوّل: المراد من الرفع هو البناء بشهادة قوله تعالى:(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا).2
الثاني: المراد تعظيمها والرفع من مقدارها، قال الزمخشري: ترفعها إمّا بناؤها فأمر الله أن تبنى، وإمّا تعظيمها، والرفع من قدرها.3

1. مسند أحمد: 4/349.   2 . صحيح مسلم: 2/187 ـ 188، باب استحباب صلاة النافلة في البيت.
2. النازعات:27ـ 28.
3. تفسير الكشّاف: 2/390، بتصرّف يسير، تفسير القرطبي:2/226.

صفحه 221
أقول: لا يخفى أنّ المراد من رفع البيوت ليس إنشاؤها; وذلك لأنّ المفروض أنّ الآية المباركة تتحدّث عن بيوت مبنيّة، وعلى كلّ تقدير فهذه البيوت يجب إعمارها وصيانتها من الاندثار، على التفسير الأوّل، وذلك إكراماً منه سبحانه لأصحابها، أو صيانتها ممّا لا يلائم قداستها على التفسير الثاني، وعلى هذا فهدم هذه البيوت يضاد ترفيعها بناءً وقداسة، وإذا ثبت الحكم في هذه البيوت التي تضمّنت الأجساد المقدّسة يثبت الحكم في سائر المراقد بعدم القول بالفصل بينهما.
***

الثاني: صيانة الآثار ومودّة القربى

دلّت الآيات والروايات على لزوم مودّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين، قال سبحانه:(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).1
تشير الآية إلى معيار دقيق وهو أنّ المؤمن الحقيقي الذي عجن الإيمان بدمه ولحمه وجميع مشاعره، هو الذي يقدّم حُبّه لله ولرسوله والجهاد في سبيله على جميع العلاقات والروابط التي تحيط به من الأهل والأرحام والأموال والعقارات، والتجارة والمعاملات.
وفي آية أُخرى تعدّ المودّة في القربى كأجر للرسالة قال تعالى:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(2)

1. التوبة:24.   2 . الشورى: 23.

صفحه 222
ومن المعلوم أنّ حبّ الله ونبيّه وعترته يتجلّى بوجهين:
1. أن يعتمد في منهج حياته، السيرَ وفقاً لأوامره سبحانه ونواهيه ولذلك يقول: الحب هو الانقياد والاتّباع للمحبوب، وقد استشهد الإمام الصادق(عليه السلام) لهذا النوع من الود بالبيتين التاليين:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه *** هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إنّ المحبّ لمن أحب مطيع
2. نشر تعاليمهم وخطبهم وأحاديثهم وصيانة آثارهم ومعالمهم والاهتمام بمشاهدهم بحيث تكون رمزاً ومعلّماً إسلامياً بارزاً، ولا يشكّ ذو مسكة أنّ بناء القباب على تلك القبور التي ضمّت جسد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة يُعد مظهراً لإظهار الودّ والحب.
***

الثالث: صيانة الآثار تعظيم للشعائر

دلّ قوله سبحانه:(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)1والآية من مصاديق الحذف والإيصال أي: ومن يعظم شعائر دين الله. فالآية بصفة كلّية تدلّ على تعظيم ما يمت إلى دين الله بصلة.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر مصداقاً لتعظيم شعائر دين الله ويقول:(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)(2)، فإذا كانت البُدن التي صارت معلمة للذبح في مكة أو نواحيها، من شعائر الله، فالأنبياء والأولياء والذين جاهدوا لأجل رفع كلمة الله بنفسهم ونفيسهم، أولى أن يكونوا من علائم دين

1. الحج:32.   2 . الحج:36.

صفحه 223
الله، ومن المعلوم أنّ حفظ آثارهم وقبورهم وما يمتّ إليهم بصلة، تعظيم لشعائر دين الله.
***

الرابع: القرآن الكريم وحفظ الآثار

دلّ القرآن الكريم على أنّ الأُمم السالفة كانت تحتفظ بآثار أنبيائها وتحافظ عليها وتصونها وتتبرّك بها، وكانت تحملها معها في الحروب، ليتسنّى لها من خلال التبرّك بها التغلّب والانتصار على عدوهم.
ومن النماذج التي ذكرها القرآن الكريم في هذا المجال صندوق بني إسرائيل الذي كانت فيه مواريث آل موسى وآل هارون، قال تعالى:(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).1
ولا ريب أنّ هذا الصندوق كان عظيم البركة بشهادة أنّ الملائكة هي التي تحمله، وإنّ فيه سكينة من الله لبني إسرائيل، فلو كان حفظ الآثار وصيانتها بصورة عامّة وحفظ هذا الصندوق الأثري بصورة خاصّة غير لائق وغير جدير بالاهتمام، فلماذا يتحدّث عنه القرآن الكريم بهذا اللحن من الخطاب الإيجابي الذي يظهر منه تأييد الفكرة واستحسانها؟! ولماذا تتصدّى الملائكة على عظمتها وقداستها لحمله؟! ولماذا تكون عملية استرجاعه من أيدي العمالقة آية على حقّانية قائد الجيش في وقته؟!
***

1. البقرة:248.

صفحه 224

دليل المخالف

احتجّ المخالف على تهديم القباب والبيوت التي تحتضن الأجساد الطاهرة بحديث أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي، الذي رواه مسلم في صحيحه، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته.1
أقول: لا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث لا سنداً ولا دلالة.
أمّا سنداً فيكفي أنّ أبا وائل كان من المنحرفين عن الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) وممّن نصب له العداء والبغضاء.(2)
فكيف يعتمد عليه، وقد قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق».2 وروى قريباً منه الترمذي في سننه.(4) وأمّا أبو الهياج فليس له حديث في الصحاح والسنن إلاّ هذا الحديث فكيف يعتمد على قول رجل ليس له إلاّ رواية واحدة، أفيمكن الاعتماد عليه في تهديم الآثار الإسلامية التي اهتمّ ببقائها المسلمون كافّة، عبر قرون.
وأمّا دلالة الحديث فهي كسنده، وذلك لأنّ الوارد في الحديث:«ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته» ففقه الحديث يتوقّف على تفسير ذينك اللفظين:
1. مشرفاً.      2. سوّيته.
أمّا الأوّل: فهو مردّد بين كونه بمعنى العالي، ومطلق الارتفاع. أو المرتفع على شكل سنام البعير، وهذا هو المراد كما سيوافيك.

1. صحيح مسلم:3/61، كتاب الجنائز.   2 . شرح نهج البلاغة:9/99.
2. مجمع الزوائد:9/133.   4 . سنن الترمذي:2/301.

صفحه 225
وأمّا الثاني فإنّ فعل التسوية إذا كان ذا مفعول واحد يكون وصفاً لنفس الشيء، يقول تعالى:(وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا)1 وإذا كانت ذا مفعولين فالمفعول الثاني يتعدّى بالباء، نظير قوله سبحانه: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)2يراد بها مساواة الشيء مع الشيء الآخر في المقدار; والآية من القسم الأوّل فيتعيّن أن تكون التسوية وصفاً لنفس القبر بنفسه لا بالقياس إلى شيء آخر مثل الأرض، فيكون المراد جعل سطحه مستوياً ومسطحاً على خلاف القبور التي تبنى على شكل ظهر السمكة وسنام البعير، فيكون الحديث دليلاً على لزوم تسوية القبر وتسطيحه، وأين هذا من تهديم القبر وجعله مساوياً للأرض.
وممّا يدلّ على ما ذكرنا من المعنى أنّ مسلماً أورد الحديث وحديثاً آخر تحت عنوان (باب الأمر بتسوية القبر)3، ولو كان المراد هدم القبر يجب أن يقول: تسوية القبر بالأرض.
ثمّ إنّا نغض النظر عن كلّ ما ذكرنا، فالحديث على فرض الدلالة ناظر إلى القبر لا إلى القباب والأبنية فوق القبر، فبأي دليل تهدم هذه الآثار التي تعد كالمظلّة لمن يريد زيارة القبور وقراءة القرآن.
***

1. الشمس:7.
2. الشعراء:98.
3. صحيح مسلم:3/61، كتاب الجنائز.

صفحه 226

المسألة الرابعة:

النذر للنبي والإمام

النذر عبارة عن إلزام الإنسان نفسه بأداء شيء معيّن إذا تحقّق هدفه وقضيت حاجته، ويقول: لله عليّ أن أعطي مبلغاً معيّناً للفقراء إذا قضيت حاجتي، وقد مدح الله سبحانه عليّاً وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) بقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ).1
فالنذر سنّة معروفة بين كافّة المسلمين، بل في العالم كلّه، وقد تعارف النذر لله وإهداء ثوابه لأحد أولياءالله وعباده الصالحين، ولم يشكّ فيه أحد حتى جاء ابن تيمية فزعم حرمة ذلك وشنّ الهجوم على المسلمين وقال: مَن نذر شيئاً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيره من الأنبياء والأولياء من أهل القبور، أو ذبح له ذبيحة، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابدٌ لغير الله، فيكون بذلك كافراً.2
والرجل نظر إلى ظاهر أعمال الناذرين ولم يقف على نيّاتهم فهم ينذرون لله سبحانه ويقصدون إهداء ثوابه للنبي وغيره، فكلّ مَن ينذر لأحد من أولياء الله إنّما يقصد في قلبه النذر لله وإهداء الثواب لذلك الولي الصالح ليس إلاّ.
ومَن استخبر حال مَن يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للأموات ـ من الأنبياء والأولياء ـ إلاّ الصدقة عنهم وجعل ثوابها إليهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السُّنّة منعقد على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات، والصلة إليهم، والأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.

1. الإنسان:7.
2. فرقان القرآن للعزّامي: 133، نقلاً عن ابن تيمية.

صفحه 227
ومنها: ما صحّ عن سعد أنّه سأل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا نبي الله إنّ أُمّي افتلتت1 وأعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت، أفإن تصدَّقتُ عنها أينفعها ذلك؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): نعم.
فسأل النبيّ: أي الصدقة أنفع يا رسول الله؟
قال: الماء.
فحفر بئراً وقال: هذه لأُمّ سعد.2
لقد أخطأ محمّد بن عبد الوهّاب فادّعى أنّ المسلم إذا قال: هذه الصدقة للنبيّ أو للوليّ، فاللاّم فيها هي اللام الموجودة في قولنا:«نذرتُ لله» ولكن اشتبه عليه الأمر فإنّما يُراد منها الغاية، فالعمل لله، فلو قال: للنبيّ، يريد بها الجهة التي يُصرف فيها الصدقة من مصالح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته ومماته.
وفي هذا الصّدد يقول العزامي ـ بعد ذكر قصة سعد ـ :
«اللام في «هذه لأُمّ سعد» هي اللام الداخلة على الجهة الّتي وُجّهت إليها الصدقة، لا على المعبود المتقرّب إليه، وهي كذلك في كلام المسلمين، فهم سعديُّون لا وثنيّون!
وهي كاللام في قوله تعالى:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) لا كاللام في قوله سبحانه: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا...)3 أو في قول القائل: صلّيتُ لله ونَذَرْتُ لله، فإذا ذَبح للنبيّ أو الوليّ أو نَذَر الشيء له فهو لا يقصد إلاّ أن يتصدّق بذلك عنه، ويجعل ثوابه إليه، فيكون من هدايا الأحياء للأموات

1. أي ماتت.
2. فرقان القرآن:133.
3. آل عمران:35.

صفحه 228
المشروعة المثاب على إهدائها، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه وفي كتب الردّ على الرجل ومن شايعه».1
وهكذا ظهر لك ـ أيّها القارئ ـ جواز النذر للأنبياء والأولياء، من دون أن يكون فيه شائبة شرك، فيُثاب به الناذر إن كان لله وذبح المنذور باسم الله، فقول القائل: «ذبحتُ للنبيّ» لا يريد أنّه ذبحه للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بل يريد أنّ الثواب له، كقول القائل:ذَبحتُ للضيف، بمعنى أنّ النفع والفائدة له، فهو السبب في حصول الذبح.
***

المسألة الخامسة:

التبرّك بآثار الأنبياء

قد تعلّقت المشيئة الإلهية على إفاضة نعمه ومواهبه من خلال الأسباب، فتارة يكون السبب سبباً طبيعياً كالشمس والقمر والماء والنار، وأُخرى سبباً غير طبيعي كما هو الحال في عمل الأنبياء; مثلاً كان المسيح يبرئ الأكمه والأبرص، فالمبرئ في الحقيقة هو الله سبحانه ولكن عن مجرى خاص وهو نبيّه. ولذا كان الصحابة يتبرّكون بالنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن صور هذا التبرّك، أنّهم كانوا يأتونه بأطفالهم فيحنّكهم بالتمر، أو أن يمسح على رؤوسهم ويبارك لهم، كما أنّ صحابته كانوا يتبرّكون بماء وضوئه.2

1. فرقان القرآن:133.
2. الإصابة: 1 / 6 ـ 7، الاستيعاب (في حاشية الإصابة): 3 / 361، وج1/539ـ 540، رقم الترجمة 2856; كنز العمال:10/493; سيرة زيني دحلان: 2/246; صحيح مسلم: 3/1943.

صفحه 229
هذا في حياته وأمّا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان الصحابة يتبرّكون بقبره، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ. روى الحاكم في المستدرك عن داود بن صالح، قال:
«أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته، ثمّ قال: هل تدري ما تصنع؟ فقال: نعم.
فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب الأنصاري، فقال: إنّما جئت رسول الله ولم آت الحجر، سمعت رسول الله يقول:«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن إبكوا على الدين إذا وليه غيرُ أهله»1.
إنّ هذه الظاهرة التي نقلها الحاكم في «المستدرك» تحكي أنّ سيرة صحابة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت قائمة على التبرّك بقبره الشريف بوضع الخد عليه، كما تحكي في الوقت نفسه عن عداء مروان وغيره من رجال البيت الأُموي وخصومتهم للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.
ب. أقام الصحابي الكبير ومؤذّن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بلال الحبشي في الشام في عهد عمر بن الخطاب، فرأى في منامه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول له:
«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟».
فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين(عليهما السلام)، فجعل يضمّهما ويقبلهما...».2
ج. انّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) سيدة نساء العالمين بنت رسول الله، حضرت عند قبر أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم)وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي، وهي تقول:

1. مستدرك الحاكم: 4/560، برقم 8571 .
2. أُسد الغابة:1/28.

صفحه 230
ماذا على من شمّ تربة أحمد *** ألاّ يشم مدى الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها *** صُبّت على الأيام صِرن لياليا1
ومن الواضح إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء(عليها السلام) يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول الله و تربته الطاهرة.
نكتفي هنا بذكر هذه المجموعة القليلة جداً من بين الكثير من الوقائع التي تحكي عن اتّفاق الصحابة على التبرّك بآثار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومَن تتبّع كتب السير والحديث والتاريخ والصحاح والمسانيد يرى أنّ مسألة التبرّك بالنبي والصالحين قد بلغت حدّ التواتر بحيث يستحيل عند العقل أن تكون موضوعة ومجعولة.

نتيجة البحث

إنّ دراسة التاريخ الإسلامي وسيرة المسلمين في صدر الإسلام تكشف وبوضوح أنّ التبرّك بآثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبكلّ ما يرتبط به(صلى الله عليه وآله وسلم) كقبره، وتربته، وعصاه، وملابسه، والصلاة في الأماكن التي صلّى فيها(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مشى فيها، وكلّ ذلك كان يمثّل في الواقع ثقافة إسلامية رائجة في ذلك الوقت، وكانوا يرومون من ورائه أحد أمرين:
1. التبرّك بالآثار تيمّناً بها لغاية استنزال الفيض الإلهي من خلال ذلك الطريق، كما حدث ليعقوب(عليه السلام) عن طريق قميص ولده يوسف(عليه السلام).
2. الدافع والباعث لهم هو حبّهم ومودتهم للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ يحثّانهم لتكريم كلّ ما ينتسب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)من درع، أو سيف، أو ملابس، أو قدح قد شرب بها، أو بئر، أو عصاً كان قد استعملها، أو خاتم، أو...، فكلّ تلك الآثار

1. وفاء الوفا:4/1405; المواهب اللدنية:4/563.

صفحه 231
كانت مورد اهتمام أصحابه وأنصاره(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كان الخلفاء يتوارثون ختمه وخاتمه(صلى الله عليه وآله وسلم).
إلى هنا تمّت دراسة الذرائع الباطلة التي يكفّر على أساسها المسلمون من وجهة نظر اتباع ابن عبد الوهاب، وبقي هنا بعض الذرائع الوهمية كتكريم مواليد أولياء الله ووفياتهم، أو الحلف على الله بحق الأولياء، أو البكاء على الميّت، فإنّ الجميع من الأُمور الواضحة وإن وقعت ذريعة لهؤلاء، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «الوهابية في الميزان».

صفحه 232

الفصل السابع:

الذرائع التي يكفّر بها الشيعة

قد عرفت أنّ القوم يكفّرون عامّة المسلمين بالأُمور التي ذكرناها، وأشباهها، وهناك أُمور يكفّرون بها الشيعة الإمامية شيعة أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة، فقسم منها أُمور مكذوبة وافتراءات واضحة منها:
1. تأليه الشيعة لعلي وأولاده وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيّتهم .
2. إنكار ختم النبوة برحيل سيدنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الوحي لم يزل ينزل على علي وأولاده(عليهم السلام).
3. أنّ النبوة كانت لعلي ولكن جبريل خان الأمانة وأعطاها لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى أنّ بعضهم أفرغ ذلك في قالب الشعر وقال:
ويحمل قلبهم بغضاً شنيعاً *** لخير الخلق ليس له دفاع
يقولون الأمين جنى بوحي *** وخان وما لهم عن ذا ارتداع1
4.بغض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وسبّهم ولعنهم وأنّهم أعداء الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم.
5. تحريف القرآن الكريم وأنّه حُذف منه أكثر ممّا هو الموجود. إلى غير ذلك من المفتريات التي ليس لها حدّ في حقّ الشيعة. ومَن قرأ شيئاً من كتب الشيعة أو عاش بين ظهرانيهم يقف على أنّ الجميع فرية وكأنّهم أُمروا بالكذب مكان الصدق.

1. البيتان من قصيدة للشيخ عبد الظاهر إمام المسجد الحرام وخطيبه(المتوفّى 1370هـ.).

صفحه 233
نعم للشيعة مسائل كلامية يختلفون فيها مع بعض الفرق، نشير إلى بعضها:

1. القول بالبداء

إنّ البداء حقيقة قرآنية تضافرت الآيات عليها وحقيقتها أنّه ليس للإنسان تقدير واحد لا يتغيّر، بل يمكن أن يبدّل مصيره بعمل صالح أو طالح.
ويدلّ على ذلك قوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)1، ويقول سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)2
روى القرطبي في تفسير قوله سبحانه:(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ)أنّ عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فأمتني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أُمّ الكتاب».3
فعلى هذا فالبداء بهذا المعنى عقيدة إسلامية عامّة.
لكن يقع الكلام: لماذا عُبّر عنه بالبداء، فيقال: بدا لله، حيث إنّ معناه: ظهر لله ما خفي عليه.
ومن المعلوم أنّه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والجواب عن ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ هذا التعبير اقتباس من كلام النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ ثلاثة في

1. الرعد:39.
2. الأعراف:96.
3. تفسير القرطبي:9/330، تفسير سورة الرعد.

صفحه 234
بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص... إلى آخر ما ذكره».1
الثاني: انّ هذا التعبير من باب المشاكلة نظير قوله سبحانه:(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)2، وقوله سبحانه:(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا)3، وقوله سبحانه:(نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ)4، وهذا من مظاهر البلاغة فإنّ الإنسان إذا ظهر ما خفي عليه يعبّر عنه بالبداء ويقول: بدا لي، كذلك فالله سبحانه يعبّر عمّا ظهر للناس بعد ما خفي عنهم بالبداء ويقال: بدا لله، وكأنّه ينطق بلسان المخاطب. ومن مظاهر البداء في الكتاب العزيز فداء إسماعيل بعد أمر خليله إبراهيم(عليه السلام)بذبحه حيث ابتلاه الله وخرج من الابتلاء ناجحاً مرفوع الرأس ونسخ ما أمر به بالفداء.
هذا ولعلمائنا الأبرار رسائل في البداء تعرب عن أنّ النزاع بينهم وبين غيرهم لفظي بحت، وليس حقيقياً.

2. الإيمان بخلافة الخلفاء

هل الإيمان بخلافة الخلفاء من الأُصول، حتى يُكفَّر مَن يرفض خلافتهم من الرسول أو هو من الفروع الّتي لا يضر الاختلاف فيها كما هو الحقّ؟ ويشهد لِما قلناه كلمات أئمة أهل السنّة:
قال التفتازاني: لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من

1. صحيح البخاري:2/405ـ 406، كتاب أحاديث الأنبياء، الباب 53، برقم 2464.
2. آل عمران:54، والأنفال:30.
3. الطارق:15 و16.
4. التوبة:67.

صفحه 235
فروض الكفايات، وهي أُمور كلّية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد، ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية1.
وقال الإيجي: المرصد الرابع: في الإمامة ومباحثها عندنا من الفروع وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا (2).
وقال الجرجاني: الإمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد، بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً 2.
فإذا كانت الإمامة من الفروع فما أكثر الاختلاف في الفروع فكيف يكون الاختلاف موجباً للكفر؟!

3. علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب

لاشكّ أنّ العلم بالغيب علماً ذاتياً غير مكتسب وغير محدّد بحدٍّ، يختصّ بالله سبحانه، ولكن لا مانع من أن يُعلِّم سبحانه شيئاً من الغيب لبعض أوليائه فيخبر عن الملاحم لأجل كونهم محدَّثين، والمحدَّث يسمع صوت الملك ولا يراه، وهو ليس أمراً بدعيّاً في مجال العقيدة، فقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء...»3.

1. شرح المقاصد: 5 / 232 .   2 . المواقف: 395 .
2. شرح المواقف: 8 / 344 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 194، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

صفحه 236
وقد تضافرت الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ المحدّثين، فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)عند الشيعة من المحدَّثين، فأي إشكال في ذلك؟! وهل هو يوجب مشاركتهم الله في علم الغيب ؟! وأين العلم بالغيب مكتسباً من الله محدوداً بحدّ خاص، من علمه الواسع غير المكتسب ولا المحدود؟!

4. التقيّة من المسلم

وممّا يخطِّئون به الشيعة هو تقيّتهم من المخالف المسلم، بناءً على اختصاص التقية بالكافر مع أنّه أمر صرّح بجوازه غير واحد من أئمة السنّة .
قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)1: ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .2
وقال ابن الوزير اليمانيّ 3 في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال، في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا

1 . آل عمران: 28 .
2 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 .
3 . أبو عبدالله بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الحسني (المتوفّى 840 هـ). أثنى عليه الشوكاني، ونعته بالمجتهد المطلق، ثم قال: وكلامه لا يشبه كلام أهل عصره وكلام من بعده، بل هو من نمط كلام ابن حزم وابن تيميّة. البدر الطالع: 2 / 316 برقم 561 .

صفحه 237
الآخر فلو أبثّه لقطع هذا البلعوم.1
قلت: إنّ هذا ليس أمراً مبتدعاً، فقد عمل به أربعة وعشرون محدِّثاً في مقابل السلطان الجائر المسلم، أعني: المأمون، وقد نقل تفصيل القصة الطبري في تاريخه، قال: جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فأحضر لفيفاً من المحدِّثين والذين يربو عددهم على ستة وعشرين محدّثاً فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتّى فهموها، ثم سأل كلّ واحد منهم عن رأيه في خلق القرآن، وقد كانت عقيدة المحدّثين بأنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث، فلمّا شعروا بالخطر وقرئت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق أيديهم ويرسلوا إليه، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلاّ أربعة منهم: أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح; فلمّا كان من الغد أظهر سجّادة الموافقة وقال بأنّ القرآن مخلوق وخلّي سبيله، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأن القرآن مخلوق، فخلّي سبيله، وبقي أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح، وللقصة تكملة ذكرناها بتفاصيلها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل»، فلاحظ .2
***

5. تكفير الصحابة

(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)3 إنّ تكفير الصحابة من الافتراءات الّتي تشهد الضرورة ببطلانها، كيف؟ وثمّة طائفة من الصحابة هم من روّاد التشيّع، ثم كيف؟ وهذا إمامهم (الّذي يقتدون به ويقتفون أثره)، بل إمام المسلمين عامّة،

1 . إيثار الحقّ على الخلق: 141 ـ 142، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 هـ .
2 . بحوث في الملل والنحل: 3 / 605 ـ 614 .
3 . النور: 16 .

صفحه 238
أعني: علي بن أبي طالب (عليه السلام)يقول في حق الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!
أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ»1.
ويقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)في حقّهم: «اللهمّ وأصحابُ محمّد خاصّةً، الذين أحَسنوا الصحبة، والذين أبلَوُ البلاءَ الحسَن في نصرهِ، وكانَفُوه، وأسرعوا إلى وِفادتهِ، وسابقوا إلى دعوتهِ... فلا تنسَ لَهُمُ اللهمّ ما تركوا لك وفيك، وأَرضِهِم من رضوانك...»2
ثم إنّ لعضد الدين الإيجي في «المواقف» وشارحه السيد الجرجاني في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتي بنصّهما متناً وشرحاً، فقد ذكرا الوجوه وردّها:
الأوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والأحاديث الصحيحة بالتزكية والإيمان (تكذيب) للقرآن و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفرا.
قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة بخصوصه، وهؤلاء قد اعتقدوا أنّ مَن قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار المصنّف بقوله: «ولاهم داخلون فيه عندهم» فلا يكون

1 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .
2 . الصحيفة السجادية الكاملة: الدعاء الرابع (في الصلاة على أتباع الرُّسل ومصدّقيهم).

صفحه 239
قدحهم تكذيباً للقرآن، وأمّا الأحاديث الواردة في تزكية بعض معيّن من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفَّر المسلم بإنكارها أو تقول ذلك، «الثناء عليهم»، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول.
الثاني: الإجماع منعقد من الأُمّة، «على تكفير من كفّر عظماء الصحابة»، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً.
«قلنا: هؤلاء»، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره.
الثالث: قوله (عليه السلام): «مَن قال لأخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما».
قلنا: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ مَن ظن بمسلم أنّه يهودي أو نصراني فقال له: ياكافر، لم يكن ذلك كفراً بالإجماع 1.
هذا كلامهما ونحن نقول ليس هنا مَن يكفّر الصحابة بل الموجود هو دراسة حياة الصحابة بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أمر درج عليه السلف من أصحاب السيرة والتاريخ والرجال كدراسة حال التابعين لهم، وأخذ الدين عنهم لا يصدّنا عن تلك الدراسة العلمية بل يدفعنا إلى أخذها من أُناس صادقين عادلين، فمَن زعم أنّ دراسة حياة الصحابي يورث الضعف في الدين أو يوجب الخلل في الإسلام فقد أتى بكلام غير مقبول ولا معقول، وهؤلاء هم علماء الرجال قد ألّفوا موسوعات في أحوال رجال الحديث مبتدئين من التابعين، ونحن نعطف الصحابة على التابعين أيضاً، ونكيل لكلّ من قال الحق وعمل به، المدح العظيم والثناء الجميل.

1. شرح المواقف: 8/344، طبعة مصر.

صفحه 240

نتيجة الدراسة

هذا هو حدّ الإيمان والكفر وحدّ الشرك والبدعة قد وقفت عليها عن كثب، وأنّ فِرَق الإسلام عامّة (غير الغلاة والنواصب) كلّهم داخلون في حظيرة الإسلام، فيجب أن تُحقَن دماؤهم وتُصان أموالهم وأعراضهم وكل ما يمتّ إليهم بصلة، وأنّ مَن يقوم بتكفير أُمّة أو أُمم من المسلمين فإنّما يصدر عن عصبية وعناد، أو عن غرض خبيث يخدم به قوى الكفر والاستبداد والاستكبار. والله سبحانه هو الهادي إلى الطريق الحقّ.

هذا هو الداء وأمّا الدواء

لا أظن أنّ ذا مسكة يرضى بما تمارسه الزمرة الداعشية من فتك وقتل وهدم وتخريب وأسر وزواج جهادي وبالتالي استئصال المسلمين الموحّدين تحت غطاء الشرك، غير أنّ هذا الداء أخذ يتفّشى في البلاد الإسلامية خصوصاً بين الشباب المتحمّسين الذين تنبض قلوبهم للجهاد من أجل نحر التوحيد.
فلابدّ من قلع هذه الفكرة الشيطانية التي اكتست ثوب التوحيد من خلال الخطوات التالية:

1. نقد الأفكار الخاطئة التي تُشمّ منها رائحة تكفير الفرق الإسلامية

نذكر هنا أسماء بعض من اتّخذ هذا المنهج:
إنّ ابن تيمية لمّا كان مجسّماً في الواقع ومتظاهراً على الخلاف ولكنّه مصرّحاً بوجود الجهة لله سبحانه وأنّه مستو على عرشه، يقول في نفي نظر جمهرة المسلمين في أنّه سبحانه ليس بجسم وليس في جهة ولا يشار إليه يقول: وأمّا إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون داخل العالم ولا

صفحه 241
خارجه، فهذا ممّا يعلم العقل استحالته، وبطلانه.1
ترى أنّه يستهدف بكلامه هذا، كافّة المسلمين المنزّهين لله سبحانه، ويتّهمهم بالارتداد، فما ظنّك بمن يتّخذ ابن تيمية شيخاً للإسلام ويصدر عنه فيما يقضي ويبرم!!
وليس هذا كلامه الوحيد، بل له كلمات كثيرة يكفّر تلويحاً أو تصريحاً مَن يخالف فكرته، فيقول: فمَن قال أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد لا بل من الارتداد.(2)
أنا لا أدري أية ملازمة بين تقليد الشافعي في الفقه والرجوع في العقائد إلى الشيخ الأشعري الذي كان هو شافعياً في الفقه، فعلى ضوء هذه الفتوى فثلث أهل السنّة أو الأكثر مرتدّون، يحلّ دمهم وأموالهم وتفارق زوجاتهم عنهم.
وأمّا محمد بن عبد الوهاب فحدّث عنه ولا حرج، فهو يقول في الرسالة الرابعة المعنونة أربع قواعد الدين تميّز بين المؤمنين والمشركين: القاعدة الرابعة: أنّ مشركي زماننا أعظم شركاً من الأوّلين، لأنّ الأولين كانوا يخلصون لله في الشدّة ويشركون في الرخاء، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدّة. والدليل قوله تعالى: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)2.3
هذا نموذج من كلماته وإلاّ فهو في مواضع كثيرة من كتاب «كشف

1. منهاج السنة النبوية لابن تيمية:2/334.   2 . مجموع الفتاوى لابن تيمية:4/106.
2. العنكبوت:65ـ66.
3. لاحظ: كشف الشبهات في التوحيد:40، المطبعة السلفية:1390هـ . وقد مرّ النصّ بكامله في صدر الرسالة فراجع.

صفحه 242
الشبهات» يكفّر عامّة المسلمين، منها قوله: فإذا تحقّقت أنّهم مقرّون بهذا ـ يقصد بأنّ الله هو الخالق الرازق ـ وأنّه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعا إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعرفت أنّ التوحيد الذي جحدوه هو (توحيد العبادة)، الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد.1
وتعليقاً على هذه الفقرة يقول الشيخ حسن بن فرحان المالكي: سامح الله الشيخ محمداً، ففي هذا النص تكفير صريح لعلماء المسلمين في زمانه أو كثير منهم، فإن كان يقصد كلّ الذين يطلقون كلمة (الاعتقاد) على كتب العقيدة، فقد كفّر كلّ العلماء في زمانه، وإن كان يقصد الاعتقاد الخاص (اعتقاد الصوفية) فقد كفّر بعض العلماء دون نظر لتأويلهم فالتأويل مانع كبير من موانع التكفير، فإن كان قصده الأوّل فهذا من التكفير الخفيّ الذي لا يدركه كلّ قارئ، إذ يصبح مقصود الشيخ بالمشركين في زمانه هم الذين لهم كتب يسمّونها (الاعتقاد) وهذه ليست في أُمّة سوى أُمّة المسلمين.2

2. تطهير البرامج الدراسية في بعض الدول

إنّ وزارات التربية والتعليم في بعض الدول قد أدخلت في برامجها الدراسية الفكر الوهابي في تكفير المسلمين، وتدرّس هذه الأفكار لطلاب المدارس بمراحلها المختلفة، ونحن نذكر أُنموذجاً من منهج التربية الإسلامية للصف العاشر في دولة الكويت، فقد جاء فيه تحت عنوان «نواقض التوحيد»:
الشرك نوعان:
أ. الشرك الأكبر: وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه

1. كشف الشبهات في التوحيد:413.
2. داعية وليس نبياً، تأليف: حسن بن فرحان المالكي:43.

صفحه 243
وتعالى كالدعاء لغير الله عزّ وجلّ، أو التقرب بالذبائح والنذور لغير الله عزّ وجلّ من القبور والجن والشياطين، والخوف من الموتى أو غيرهم أن يضرّوه أو يمرضوه وعبادة غير الله كالذين عبدوا العجل والكواكب والأحجار والأصنام، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ).1
ثمّ إنّه يضع جدولاً يفرق فيه بين حكم الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فيذكر أنّه من حيث العقيدة الشرك الأكبر يخرج من ملّة الإسلام، ومن حيث العقوبة فعقوبة الشرك الأكبر هي إباحة دم المشرك وماله وخلوده في النار.2
وهنا أُمور أُخرى في علاج هذه المشكلة نذكرها باختصار:
إظهار الموقف الشرعي الواضح والصريح بإدانة التكفير لأحد من أهل القبلة على أساس الاختلافات المذهبية والعقدية المعروفة في الأُمّة. وتحريم وتجريم ممارسات العنف والإرهاب.
تحذير أبناء الأُمّة وتوعيتهم عبر مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، ومنابر الخطاب الديني، من شر وخطر هذه الاتّجاهات التكفيريّة، فهي أعظم منكر يجب النهي عنه والوقوف أمامه في هذا العصر.
نشر ثقافة الإسلام، وتعاليمه السامية، في التآخي والرحمة والمحبة والتسامح، بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جمعاء، فالناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق; كما قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام).
الجدّية في الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب الإسلامية،

1. يونس:18.
2. لاحظ: التربية الإسلامية للصف العاشر في دولة الكويت: ص 22ـ 23، و 44ـ 45، الطبعة الثانية، 1423هـ ، نقلاً عن كتاب: تطهير المناهج من التكفير للشيخ عبد الله دشتي:10.

صفحه 244
وزعامات الأُمّة، ومؤسسات المجتمع المدني.
استمرار بذل الجهود وتضافر القوى لمواجهة تيارات التكفير عبر انعقاد المؤتمرات، والنشاط العلمي والإعلامي، وتشكيل لجان المتابعة للقرارات والمقترحات.

صفحه 245

الملاحق

1الملحق

جذور ظاهرة التكفير ودوافع عقد المؤتمر 1

الإيمان والكفر مفهومان متضايفان، فعندما نذكر أحدهما يتداعى الثاني إلى ذهننا، ويطلق على هذه الحالة في الفلسفة «التضايف».
إنّ مصطلح «الإيمان» يعني التصديق والاعتقاد، ولفظ «الكفر» يقصد به الستر وأحياناً يفيد الإنكار، وبحسب ما اصطلح عليه المتكلّمون فإنّ المقصود بالإيمان هو التصديق بنبوة النبيّ وبرسالته. أمّا «الكفر» فيراد به تجاهل دعوة هذا النبيّ وتكذيبه.
ولا شكّ في أنّ دعوة معلّمي السماء تشي أنّه في كلّ عصر بُعث فيه الأنبياء وجاءُوا بالأدلّة والبراهين الّتي تؤكّد على صدق دعوتهم، انشطرت مجتمعاتهم إلى فئتين: فئة آمنت بالدعوة، وأُخرى كفرت بها; فالذي آمن بالدعوة وصدّقها يسمى «مؤمناً»، والّذي قلب ظهر المجن لها وكذّب بها يقال له «كافراً».
ومن المعلوم أنّ منهج جميع الأنبياء في الدعوة إلى الأُصول واحد، ولا يوجد أي اختلاف بينهم، ففي جميع الدعوات كان أفراد الفئة المؤمنة إنّما

1. عقدت الحوزة العلمية في قم المقدّسة المؤتمر العالمي حول «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرّفة والتكفيرية» في شهر ذي الحجة الحرام 1435 هـ ، وقد شاركنا في جلسة افتتاح أعمال المؤتمر بهذه الكلمة.

صفحه 246
يؤمنون بالله الخالق المدبّر والحكيم الّذي لا معبود سواه، ويصدّقون رسالة نبيّ عصرهم بكلّ جوارحهم.
وحين قضت إرادة الله تعالى ببعث النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت علامة إيمان الناس بالدعوة النطق بعبارتين تفصحان عن الإيمان الّذي في مكنونهم، أعني: كلّ من كان ينطق بالشهادتين «لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله»، أفراداً أو جماعات، كان يدخل في حظيرة الإسلام، وينفصل عن دائرة الكفر.
من جهة أُخرى، فإنّ الإقرار بكلمة الإخلاص ـ الّتي تنطوي على سلب الإلوهية من كلّ موجود إلاّ الله ـ تتضمّن الإقرار بثلاثة أنواع للتوحيد: 1. توحيد الخالقية، 2. توحيد التدبير، 3. توحيد العبادة. لأنّ هذه الأنواع الثلاثة هي من خصوصيات إله العالمين لا خلائقه.
ناهيك عن أنّ الأساس الّذي تقوم عليه أيّ دعوة إلهية هو الإيمان بالآخرة، طبعاً الإقرار بالحياة الأُخروية، كما أنّ التوحيد والرسالة، يعدّ من العناصر الإيجابية في الإيمان الّذي يستكنه أعماق كلمة الإخلاص.
لو رجعنا إلى السيرة النبوية المعطّرة سوف نطالع صفحة باسم «عام الوفود» وهو العام الّذي تقاطرت فيه الوفود على المدينة المنورّة من كل حدب وصوب، زرافات ووحداناً، لتبايع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولتستظل بخيمة الإسلام من خلال النطق بالعبارتين المذكورتين اللّتين تختزلان الإيمان الحقيقي. وفي هذا الشأن نزلت سورة النصر المباركة لتصدح بالآيات الكريمة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .
إذن مفتاح دخول هذه الأفواج في الإسلام كان النطق بالشهادتين فحسب، ولم تكن ثمّة مسائل كلامية أو فقهية تشترط قبول إسلامهم. مثلاً، لم يكن هؤلاء

صفحه 247
يُساءَلوا عن مكان الله أو رؤيته في يوم البعث أو خلق القرآن وقدمه، وغير ذلك من الأسئلة، وإنّما إيمانهم الكلّي برسالة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يغنيهم عن كلّ هذه المسائل. كما لم يُساءَلوا عن مسألة جواز التوسّل بالأنبياء والأولياء أو الصلاة إلى جانب القبور أو زيارة قبور الأولياء.
في العصر الراهن، ثمّة فرقة متطرّفة وجاهلة بأُصول الشريعة المحمّدية وقواعدها، صارت تحتكر الإسلام والإيمان، فتعتبر فئة قليلة هي المؤمنة وسائر المسلمين كفّاراً ومهدوري الدم. وتعود جذور هذا النمط من التكفير إلى عصر ابن تيمية (المتوفّى 728 هـ) والوهابيّين المتطرّفين من بعده، بل أنّ الوهابيين ذهبوا في تطرّفهم إلى مديات أبعد، ذلك أنّ ابن تيمية كان في أغلب الأحيان يستخدم كلمة البدعة، بينما الفرقة الوهابية استعاضت عنها بكلمة الكفر، فأصبح معيار التكفير عندها هو مخالفة أفكارها في المسائل المذكورة آنفاً.
وتعارض هذه الفرقة بشدّة بناء أضرحة الأنبياء وأولياء الله وتعتبر ذلك من مظاهر عبادة الأوثان!! بينما شهد الإسلام عبر تاريخه الطويل بناء أضرحة الأنبياء والمحافظة عليها في فلسطين والأردن والشام والعراق، وكان المسلمون يأتون إلى زيارتها أفواجاً أفواجاً، ولم يخرج علينا أحد ليصف هذا العمل بأنّه مخالف للتوحيد.
وحتّى عندما فتح الخليفة عمر بن الخطاب بيت المقدس لم يأمر أبداً بهدم تلك المزارات والمقامات المقدّسة، وإنّما واصل نهج الماضين في المحافظة عليها وتزيينها.
وطيلة الفترة الّتي تلت رحلة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جميع الموحّدين يتوسّلون بمقام النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)ليشفع لهم في قضاء حوائجهم، غير أنّ هذه الفرقة تساوي بين هذا التوسّل وبين توسّل المشركين بالأصنام، في حين أنّ

صفحه 248
جوهر كلّ منهما متمايز عن الآخر والمسافة بينهما كالمسافة بين الأرض والسماء.

التكفير العنيف

كان التكفير عند أسلاف هذه الفرقة بالقلم واللسان، لكنّه أخذ طابعاً عنيفاً في عهد الوهابيّين المتطرّفين، حيث كان أتباعهم يغيرون على القرى والقصبات والقرى المحيطة بمنطقة «نجد» وينهبون ما أمكنهم، وبذلك أصبحت لديهم قوّة مالية كبيرة.
وللاطّلاع على الجرائم الّتي ارتكبها مؤسّسو هذه الفرقة ومن جاء بعدهم ننصح بمراجعة مصدرين معتبرين في تاريخ الوهابية هما: «تاريخ ابن غنّام» و «تاريخ ابن بشر». وقد صدرا منذ فترة وأصبحا موضع اهتمام العلماء والمفكّرين.
وأخيراً، لا نريد الإطالة في هذا المقام، لذا، سوف نختم كلمتنا بهذا البيت من الشعر الفارسي:
شرح اين هجران و اين خون جگر *** اين زمان بگذار تا وقت دگر
(دع سرد قصة هذا الهجران واترك مصائب هذا الزمان لوقت آخر)
يشار إلى أنّه بعد احتلال أفغانستان من قبل الجيش الأحمر السوفيتي اتُّخذ قرار بتوظيف الروح الجهادية للشباب المسلم في المنطقة لدحر قوى الكفر وطرد الأعداء من الأراضي الإسلامية، فكان قراراً رائعاً وفيه مرضاة الله، بيد أنّ عدم وجود عالم ورع وقيادة واعية بأُصول الجهاد في أوساط هؤلاء الجهاديّين لتقودهم وفق النهج السليم، سبّب انحراف هؤلاء المقاتلين باتّجاه آخر، فتأثّر بعضهم بالأفكار الوهابية وراحوا يكفّرون جميع المسلمين.

صفحه 249
ولسوء الطالع، انطلقت هذه الحملة أوّلاً ضدّ دول المقاومة والممانعة الصامدة بوجه الصهاينة، وبدلاً من تحرير القدس، راح هؤلاء يدمّرون البنى التحتية في سورية والعراق. وقد بلغ عنفهم وإرهابهم ضدّ الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والأبرياء مبلغاً شاهت معه صورة الإسلام في العالم، ولم يعد في الغرب من يتعاطف مع هذا الدين. فأين الأعمال المروّعة لهذه الجماعات من كلمات الوحي الإلهي حيث يقول الباري عزّ وجلّ: (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ).1 ويقول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث شريف: «إنّ الرفقَ لا يكونُ في شيء إلاّ زانه، ولا يُنزَعُ مِن شيء إلاّ شانه».
في ظل هذه الظروف المفجعة، قرّرت المرجعية الرشيدة في الحوزة العلمية بقم عقد مؤتمر عالمي تحت عنوان: «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطّرفة والتكفيرية» وذلك لتسليط الضوء على هذه الفرقة وما يترتّب على أعمالها من نتائج وعواقب وخيمة، وفي هذا الإطار تمّ توجيه نداء إلى العلماء والباحثين في العالم الإسلامي من أجل سبر جذور التكفير وتعرية جوهره الشرير، والسبل الكفيلة بالخلاص من هذا الوضع. وقد لاقى النداء استجابة طيّبة من لدن العلماء انعكس في إرسال العديد من الآثار إلى الأمانة العامة للمؤتمر، وكانت مضامين معظمها على درجة عالية من الجودة والقيمة، وبناءً عليه قرّرت الأمانة المذكورة أن تأخذ على عاتقها طبع ونشر هذه الآثار ووضعها في متناول أصحاب الرأي وضيوف المؤتمر الأعزّاء من داخل البلاد وخارجها، لتكون خطوة على طريق الحؤول دون استفحال خطر هذه الغدة السرطانية المدمّرة وانتشار هذا الفايروس المرعب.

1. آل عمران: 159.

صفحه 250
في الختام، لا يسعني إلاّ أن أُثني على الجهود المضنية لأعضاء الأمانة العامّة المحترمين الّذين واصلوا الليل بالنهار، وأقدّر عالياً ما بذلوه خلال الفترة الماضية، كما وأشكر جميع الّذين ساهموا في خلق هذه الأجواء الروحانية والعلمية.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ الحوزة العلمية

صفحه 251

2الملحق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله محمّد وآله الطاهرين .
نرحّب بالإخوة العلماء والمفكّرين حضّار هذا المؤتمر المبارك الّذين شعروا بخطورة الموقف فلبّوا الدعوة وأتحفونا بأبحاثهم وأفكارهم القيّمة، شكر الله مساعيهم .

كيف نواجه ظاهرة التكفير؟1

إنّ هذه الكلمات الطيّبة الّتي سمعناها بارتياح غامر، من الأساتذة والعلماء بلغات مختلفة كلّها تُعرب عن أنّ الأعزّاء يستنكرون التكفير بكافة صوره، ويعتقدون بأنّه يضادّ تعاليم الإسلام ومبادئه، ويقف بوجه فتاوى فقهاء الإسلام الرافضين لتكفير أهل القبلة إلاّ إذا ثبت كفر واحد منهم لدى المحكمة الشرعية العارفة بملاكات الكفر والإيمان.
لاشكّ أنّ لهذه المؤتمرات دوراً فعالاً في إبطال عقيدة التكفيريين، كما أنّ لفتاوى علماء الإسلام آثاراً مطلوبة في هذا الطريق، لاسيّما إذا أجمعوا على ذلك، إلاّ أنّه من الواضح لا يمكن الاكتفاء بذلك بل الواجب هو وضع خطط وبرامج عملية لاستئصال هذه الظاهرة.
وبناء على ذلك نوصي بما يلي:
أوّلاً: توعية وتثقيف أبناء الأُمة الإسلامية عبر مناهج التعليم ووسائل

1. أُلقيت هذه الكلمة في اختتام أعمال المؤتمر العالمي حول: «آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرّفة والتكفيرية».

صفحه 252
الإعلام ومنابر الخطاب الديني بخطورة هذه الاتّجاهات التكفيرية، وأنّها أعظم منكر يجب النهي عنه والوقوف أمامه في هذا العصر. فلو كان ثَمّة منكر في المجتمع يجب إنكاره والتنديدُ به، فتكفير أهل القبلة الّذين يصلّون ويصومون ويؤتون الزكاة ويحجّون أكبر منكر يتصوّر في العالم، حيث إنّ المسلم يقتل أخاه المسلم ويحقّق بذلك أهداف قوى الشرّ والطغيان الّتي تتربّص بأُمتنا الدوائر، وفي مقدّمتها الكيان الصهيوني.
ثانياً: نشر ثقافة الإسلام وتعاليمه الّتي تدعو إلى التآخي والمحبّة والتسامح بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جميعاً، فالناس كما قال الإمام علي (عليه السلام): «صنفان إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، ولكلّ حقّ على الإنسان المسلم، ولكن فتنة التكفير وما رافقها من عمليات إجرامية بشعة نفّذها الإرهابيون قد شوّهت ـ مع الأسف الشديد ـ وجه الإسلام الحنيف لغير المسلمين بل حتّى في أذهان الضعفاء من المسلمين، فكأنّ الإسلام دين دموي قد جُرّد من الرحمة والرأفة، وكأنّه ليس قوله سبحانه:(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ما يبدأ به المسلم أعماله وأقواله.
ثالثاً: بذل الجهود لأجل تعميق الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب وزعامات الأُمة الإسلامية والحوزات العلمية والجامعات الإسلامية ومراكز الدراسات العليا، فإنّ ما يجمعهم أكثر ممّا يفرقهم كما قال شاعر النيل:
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى اتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
رابعاً: أنّ هذا المؤتمر مفيد جداً حيث ضمّ عدداً كبيراً من علماء الإسلام ومفكّريهم، وقد أوضحوا الحال وبيّنوا خطورة الموقف، وسوف يحملون لبلادهم أفكار هذا المؤتمر، ومع ذلك فهذا المؤتمر غير كاف وحده، في تحقيق

صفحه 253
أهدافه، ولذا نقترح أن يستمر هذا النوع من الاجتماعات حيناً بعد حين بعيداً عن النوازع الشخصية والميول الجانبية، بل نقترح فوق ذلك تشكيل هيئة علمية تتابع هذا الموضوع بين فترة وفترة، وتكون حلقة اتّصال بين المحقّقين والمفكّرين والقادة الإسلاميّين .
ومن المعلوم أنّ هذه الهيئة يجب أن تزوَّد بوسائل إعلام متطوّرة لكي تبيّن موقف الإسلام الصحيح إلى الشباب المسلم المتحمّس في كلّ مكان من العالم. ومن واجبات هذه الهيئة الإجابة عن شبهات التكفيريّين الّتي ينشرونها في مجلاتهم ومواقعهم وقنواتهم الفضائية، حتّى يتبين الحقّ لمن يريد الحقّ، ويرجع المغرَّر به.
خامساً: لا شكّ أنّ بين المسلمين فوارق في مسائل عقدية وفقهية، ولكلٍّ دليله على ما يعتقد أو يفتي به، ولكن الواجب عند التعرّف على مذهب ما، هو الرجوع إلى مصادره الأصلية المؤلَّفة بأقلام علمائه، وعدم الاتّكال على كلّ كتاب أُلِّف باسم المذهب، فإنّ الاعتماد على نقل الآخرين هو من الأسباب الرئيسية للابتعاد والافتراق، ونحن لا نريد أن نأتي بمثال أو نذكر مورداً، ولكنّي أعتقد أنّ الكثير من الفروق الموجودة في الأذهان أو في صفحات الكتب، تنشأ من التساهل في التعرّف على حقيقة المذهب.
ومن عجائب الزمان (وما عشت أراك الدهر عجباً) هو أن نسمع بين فترة وأُخرى أنّ بعض وزراء الدول الغربية يستنكرون الإرهاب وعمل التكفيريّين، ويصفون عملهم هذا بأنّه بعيد عن روح الإسلام في الوقت الّذي يسكت بعض مَن يُترقَّب منه القيام بهذا!!
سادساً: تطهير مناهج التعليم من بذور التكفير، حيث إنّ المناهج الدراسية لها تأثير خاص في نمو هذه الفكرة في أذهان الناشئة، وممّا يُؤسف له أنّ مناهج التعليم في عدد من الدول الإسلامية يتّجه نحو بذر هذا الانحراف في أذهان الطلاب.

صفحه 254
فما دام يُتلى في المعاهد والمدارس الدينية قول القائل: إنّ شرك الأوّلين أخف من شرك أهل زماننا. 1 فالإرهاب يبقى سائداً ما دامت الدراسة مبنية على هذه الآراء.
بل أقول: إنّ الإرهاب يبقى سائداً ما دامت المناهج الدراسية تؤكّد ـ مثلاً ـ على أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء هو الشرك الأكبر،2 أو ما دمنا نرى أنّ وزارات الإعلام تُجيز نشر الكتب الّتي تروّج للأفكار المتشدّدة الّتي تُذكي نار الخلاف، وتدعو إلى التفرقة الطائفية.
سابعاً: أنّ جذور ظاهرة التكفير تعود غالباً إلى الفهم الخاطئ عن مفهوم الإيمان والكفر أو التوحيد والشرك والبدعة، فنقترح تشكيل مؤتمر حول هذه المفاهيم تحديداً وتبييناً .
والّذي يضفي الضرورة على ذلك أنّ كثيراً من قادة هذه العصابة يطبّقون كثيراً من الآيات النازلة بحقّ المشركين على أهل القبلة، بينما هم لا يفرّقون بين البدعة اللغوية والبدعة الشرعية.
هذه أُطروحتنا لحضّار هذا المؤتمر حفظهم الله ووفقهم لكلّ خير وصلاح، عسى أن تكون مورد القبول والرضا.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

1 . كشف الشبهات: 11 .
2 . التربية الإسلامية للصف التاسع في دولة الكويت: 22 ـ 23، الطبعة 2، 1423 هـ . وهذا النص جاء تحت عنوان: معنى العبادة ومن يستحقّها.

صفحه 255
3
آل البيت(عليهم السلام)
وحقوقهم الشرعية

صفحه 256
آل البيت(عليهم السلام)وحقوقهم الشرعية   

صفحه 257

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الخاتم، وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد: فقد وقع في يدي كتاب «آل البيت(عليهم السلام)وحقوقهم الشرعية» تأليف الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش القاضي بالمحكمة العامة بالقطيف، نشرته دار ابن الجوزي، فطالعته ووقفت على ما فيه، فوجدته قد جارى فيه ما كتبه ابن تيمية من قبل في كتابه الّذي أسماه «حقوق أهل البيت» مع فارق بين الكتابين يتمثّل في تفسير «أهل البيت» .
وقد تعرّفت على المؤلِّف من قبلُ من خلال رسائله إليَّ، والمكاتبات الّتي دارت بيننا وبينه.1
وبالرغم من أنّ المؤلّف قد راعى أدب الكتابة ونزاهة القلم عمّا يشينه، إلاّ أنّه لم يعط الموضوع حقّه في ما كتب، ولعلّ عذره في ذلك ، ممارسته لمهمة القضاء الّتي تأخذ منه وقتاً كثيراً ، وتعيقه عن الرجوع إلى المصادر والكتب الّتي تعالج الموضوع الّذي يمارس الكتابة فيه، ولذلك أخذت على عاتقي أن أكتب بعض التعاليق على الفصول التي رَتّب كتابه المذكور عليها، سالكاً طريق

1 . نشر قسم من هذه المراسلات في الجزء الثالث والرابع والخامس والسادس من هذه الموسوعة.

صفحه 258
الإيجاز، مشيراً إلى ما هو المهمّ من كلماته، راجياً من الله سبحانه أنّ يهدينا إلى سواء السبيل، وينقذنا من التعصّب لغير الحق، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
جعفر السبحاني
7 ربيع الأوّل 1428 هـ
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 259

الفصل الأوّل

في تفسير «أهل البيت»

نقل المؤلّف في تحديد معنى آل البيت أقوالاً على النحو التالي:
الأوّل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وبه قال الجمهور .
الثاني: هم ذريّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأزواجه خاصّة، وهو مختار ابن العربي .
الثالث: أتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يوم القيامة، واختاره الإمام النووي من الشافعية والمرداوي من الحنابلة.
الرابع: هم الاتقياء من أُمّته (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعد أن استعرض الآراء أشار إلى المختار لديه قائلاً: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأوّل ـ قول الجمهور ـ وبناءً عليه طرح هذا السؤال : مَنْ هم الذين حُرِّمت عليهم الصدقة؟
الجواب: هم بنو هاشم وبنو المطلب، هذا هو الراجح; لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»1، ومن العلماء مَنْ قصر التحريمَ على بني هاشم فقط دون بني المطلب.2

مَنْ حُرّمت عليهم الصدقة؟

لايهمنا تحديد مَنْ حُرّمت عليهم الصدقة، وهل هم بنو هاشم فقط، أو هم وبنو المطلب؟

1 . صحيح البخاري: 4 / 155، باب المناقب.
2 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 8 .

صفحه 260
وقد جنح الشيخ إلى التعميم، ولكنّه لو درس أدلّة المسألة بعمق ودون تقليد، لاختار المعنى الأوّل، وذلك لأنّ دليل حرمة الصدقة هو الحديثان :
1. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا بني هاشم إنّ الله حرّم عليكم غُسالة أوساخهم وعوّضكم عنها بخمس الخمس» .
2. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ الناس، وإنّها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد» .
وكلا الحديثين قاصران عن إثبات التعميم.
أمّا الأوّل: فالموضوع فيه هو بنو هاشم، وهم ولد أبي طالب: عقيل وجعفر وعلي، وولد العباس بن عبدالمطلب، وولد أبي لهب، وولد الحارث بن عبدالمطلب فقط، إذ لا عقب لهاشم إلاّ من هؤلاء، وعلى هذا فلا تحرم الصّدقة على ولد المطلب ونوفل وعبد شمس بن عبد مناف.
وأمّا الثاني: فالموضوع أضيق وهو آل محمد، وقد رواه مسلم في صحيحه.1
وذلك لأنّ المراد من «آل محمد» مَنْ ينتمي إلى النبي بالنسب، ومن المعلوم أنّ بني هاشم أقرب إلى النبي من بني المطلب ; لأَنَّ النبي ينتمي في عمود النسب إلى هاشم لا إلى المطلب، فهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، والمطلب كان أخا هاشم، فهو عمّ جدّ النبي، أي عبدالمطلب.
وأمّا ما استدلّ به على سعة الموضوع وشموله لأبناء المطلب بما روي من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» فهو قاصر الدلالة على ما يتبنّاه، لأنّ المؤلّف نقل الحديث مبتوراً وهو بالنحو التالي: «إنا وبنو المطلب لم

1 . صحيح مسلم بشرح النووي: 7 / 177 .

صفحه 261
نفترق في جاهلية ولا في إسلام، وإنّما نحن وهم شيء واحد». 1 وفي رواية: «إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه».2
فحينئذ يقع الكلام في ما هو المراد من التوحيد بين القبيلتين؟
فهل المراد هو الوحدة النسبية؟ أو المراد التكاتف والوحدة في الكلمة في عصري الجاهلية والإسلام؟ أو المراد به اشتراكهما في أخذ الخمس أو حرمة الصدقة؟ ومع هذه الاحتمالات المتعدّدة كيف يمكن الاحتجاج بهذا الحديث على حرمة الصدقة عليهم؟
ومن الواضح: أنّ توسيع مفهوم آل البيت بهذا النحو هو خفض لمقامهم بإدخال كثير من الناس الذين لم يسجّل التاريخ لهم طهارة نفسانية ولا مواقف محمودة تحت هذا المفهوم السامي.
هذا ما يرجع إلى موضوع تحريم الصدقة، وقد عرفت أنّ الحق هو خلاف ما اختاره المؤلّف.

تفسير آل البيت بمَن تحرم عليه الصدقة

ثم إنّ الشيخ لم يذكر على تفسير آل البيت بمَن تحرم عليهم الصدقة دليلاً، ولا ملازمة بين كون عامّة بني هاشم أو بني المطلب أيضاً ممّن تحرم عليهم الصدقة وكونهم هم المقصودين من آل البيت في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) 3 فكان عليه أن يدلّل على وحدة المفهومين مصداقاً وتطبيقاً; حتّى يتّضح أنّ مَنْ تحرم عليهم الصدقة

1 . سنن أبي داود: 2 / 26، باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذوي القربى.
2 . صحيح البخاري: 4 / 155، باب المناقب.
3 . الأحزاب: 33.

صفحه 262
هم أهل البيت، وأنّ أهل البيت هم الذين تحرم عليهم الصدقة.
فأيُّ دليل له على تساويهما مصداقاً وتطبيقاً؟
بل يمكن أن يقال: إنّ بين المفهومين ـ خصوصاً عند أهل السنّة ـ عموماً وخصوصاً من وجه، فيجتمعان في مورد ويفترقان في موردين.
أ. فأولاده ذكوراً وإناثاً من أهل بيته وتحرم عليهم الصدقة.
ب. نساؤه ممّن لا تحرم عليهن الصدقة ـ على المشهور بين أهل السنّة ـ ولكنّهنّ من مصاديق أهل البيت في العرف واللغة .
ج: من كان يسكن في بيته (صلى الله عليه وآله وسلم)ويتولّى خدمته يُعدّ من أهل البيت ولا تحرم عليه الصدقة.

أهل البيت في حديث زيد بن أرقم

مَن فسّر أهل البيت بمن تحرم عليهم الصدقة يعتمد على حديث زيد بن أرقم الذي رواه مسلم في صحيحه: أنّه قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خُمّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أمّا بعد: ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين:
أوّلهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به».
فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه .
ثم قال: «وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي ».
فقال له حصين: ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟
قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

صفحه 263
قال: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كلّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم .1
وفي حديث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا وإنّي تارك فيكم ثقلين: أحدهما: كتاب الله عزوجل، وهو حبل الله، مَن اتّبعه كان على الهدى، ومَنْ تركه كان على ضلالة»، وفيه فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة .2
أقول: لاشكّ في صحّة هذا الحديث، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الحديث يرويه الإمام مسلم ومنزلته لا تخفى على أحد، ومع ذلك نلفت نظر القارئ إلى أُمور:
1. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله.
والسياق يقتضي أن يقول (صلى الله عليه وآله وسلم)وثانيهما.
وكأنّه قد سقط من الحديث سهواً أو عمداً، ومكانه في الحديث هو قوله: ثم قال وأهل بيتي، أي وثانيهما أهل بيتي.
2. ما هو الداعي لنزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في ماء يُدعى «خُمّاً» بين مكة والمدينة في رجوعه من حجّة الوداع؟ ولماذا خصّ هذا الموضع لإلقاء هذه الخطبة؟ أو ليس هذا الموضع مفترق طرق الحجيج حيث تتشعّب فيه طرق المدنيين والمصريين والعراقيّين؟ فقد حاول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يُسمع كلامه عامّة مَنْ حج معه، لما في كلامه من أمر مهم به هداية الأُمّة وكمالها، كما أنّ في الإعراض عنه ضلالها.

1 . صحيح مسلم: 7 / 122 .
2. صحيح مسلم: 7 / 123 .

صفحه 264
3. قرن في الحديث أهل بيته بكتاب الله تعالى وأوصى المسلمين بهم ثلاث مرات حيث قال: «أُذكّركم الله بأهل بيتي».
فهل كان كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الثقل الآخر منحصراً بالوصاية بما ذُكر، أو أنّه تكلّم بكلام آخر لم يذكر في الحديث لعلّة من العلل؟! لأنّ مقتضى كون أهل بيته عدلاً لكتاب الله والثقل الآخر أن يذكر في شأنهم شيئاً يصحّح قرنهم بكتاب الله، وإلاّ فسيكون كلامه بعيداً عن البلاغة حيث يجعل أهل بيته عدلاً لكتاب الله ولا يذكر في شأنهم إلاّ أمراً بسيطاً.
ولئن فات مسلم أن يذكر الحديث بتمامه، فلم يفت غيره أن يذكركلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك المشهد العظيم.
فهذا هو الإمام أحمد أخرج في مسنده عن عطية العوفي قال: سألت زيد بن أرقم فقلت له: إن ختناً لي حدّثني عنك بحديث في شأن علي يوم غدير خمّ، فأنّي أُحب أن أسمعه منك؟ فقال: إنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم، فقلت له: ليس عليك مني بأس، فقال: نعم، كنّا بالجحفة فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلينا ظهراً وهو آخذٌ بعضد عليّ، فقال: «يا أيها الناس ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه». قال: فقلت له: هل قال: اللهم والِ مَنْ والاه، وعادِ من عاداه؟ قال: إنّما أُخبرك كما سمعت.
وفي موضع آخر من المسند عن سفيان، عن أبي عوانة، عن المغيرة، عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبدالله قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بواد يقال له: وادي خُم، فأمر بالصلاة، فصلاها بهجير، قال: فخطبنا وظُلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: «ألستم تشهدون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى. قال: «فمن كنت مولاه فإنّ

صفحه 265
عليّاً مولاه، اللّهم عاد من عاداه، ووال من والاه». 1
4. إنّ تفسير أهل البيت بمَن تحرم عليهم الصدقة، إنّما هو رأي رآه الصحابي زيد بن أرقم، ولم ينسبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كما هو صريح الحديث، ومن المعلوم: أنّ نقل الصحابي حجّة في ما أسنده إلى النبي، وأمّا رأيه ونظريته، فلا يؤخذ بها إلاّ إذا دعمها الدليل، وسيوافيك أنّ مفهوم أهلِ البيت في الآية الكريمة لا صلة له بهذا التفسير ولا بغيره، فانتظر.

1 . مسند أحمد: 4 / 368 و 372، ورواه النسائي في الخصائص: 16.

صفحه 266

الفصل الثاني

مفهوم «آل البيت»

عند الشيعة الاثني عشرية

عقد الشيخ الدرويش هذا الفصل لبيان مفهوم آل البيت عند الشيعة الاثني عشرية، وقال فيه ما هذه خلاصته:
«جمهور الشيعة يرون أنّ المراد بأهل البيت هم أصحاب الكساء الخمسة، وأنّهم هم الذين نزلت فيهم آية التطهير، وهم: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وربّما أدخلوا فيهم بقية الأئمة الاثني عشر، فقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)غداة وعليه مَرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).1
ثم قال: وهم يرون عدم دخول أُمّهات المؤمنين في مسمّى آل البيت، ونحن نقول: لماذا لا تدخل زوجات الرسول فيه؟ فإنّ نص الآية وسياقها يدلّ لأوّل وهلة ] على [ أنّ المراد بأهل البيت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ ما قبل آية التطهير وما بعدها خطاب لهن.

1 . صحيح مسلم: 1061، الحديث 2424، باب فضائل أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، دار ابن حزم، بيروت ـ 1423 هـ .

صفحه 267
وكذلك تزعم الاثنا عشرية أنّ خطاب التذكير في قوله تعالى: (عَنْكُمُ)و (يُطَهِّرَكُمْ)يمنع من دخول أُمّهات المؤمنين في جملة أهل البيت، وهذا مردود، وذلك لأنّه إذا اجتمع المذكر والمؤنث في جملة، غُلّب المذكر.
ثم قال: (ما الدليل على) حصر آل الرسول في علي والحسن والحسين وفي تسعة من أبناء الحسين فقط؟ فهل هؤلاء فقط هم آل بيت الرسول؟!
سبحان الله أين أعمام رسول الله كحمزة بن عبدالمطلب والعباس بن عبدالمطلب، وأبي سفيان بن الحارث؟! أين بقية ذرية الحسين كزيد بن علي بن الحسين؟ أين ذرية الحسن; وبأي دليل أخرجوهم من آل البيت ؟.1
***
 
دليل الحصر عند الشيعة
لقد ذكرنا في مقدمة هذه الرسالة أنّ الشيخ الدرويش لم يعط الموضوع حقّه من الدراسة والتتبّع، ومن ثَمَّ لم يرجع في تبيين دليل الشيعة على الحصر إلى المصادر الّتي تطرقت إلى تفسير الآية بشكل واضح، كمجمع البيان للشيخ الطبرسي والميزان للعلاّمة الطباطبائي إلى غير ذلك من المصادر الّتي تبنت تفسير الآية بوجه واضح، ولذلك نلفت نظر الشيخ إلى دليل الشيعة على الحصر حتّى يلاحظه بدقّة.

أوّلاً: اللام في أهل البيت للعهد

يقول سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فعندئذ يطرح هذا السؤال : ما هو المراد من اللام؟ هناك احتمالات ثلاثة:

1 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 9 ـ 14.

صفحه 268
أ. اللام للجنس كما في قوله سبحانه: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)1 .
وهذا الاحتمال قطعي الانتفاء في قوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ) على وجه لا يحتاج إلى بيان.
ب. الاستغراق، وهذا كالاحتمال السابق.
إذاً ليست الآية بصدد بيان جميع البيوت في العالم.
فتعيّن الثالث، فلابدّ أن تكون اللام مشيرة إلى بيت واحد معهود بين المتكلّم والمخاطب، وعندئذ يجب تحديد هذا البيت الواحد المعهود.
فهل هو بيوت أزواجه، أو هو بيت فاطمة؟
لا سبيل إلى الأوّل، لأنّه لم يكن لنسائه بيت واحد، بل كانت كل واحدة تسكن في بيت، ولو أُريد واحد من بيوتهنّ لاختصت الآية بواحدة منهن، وهذا ما اتفقت الأُمّة على خلافه.
وأوضح دليل على نفي هذا الاحتمال أنّه سبحانه عندما يذكرهنَّ، يجمع البيت ويقول: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى)2، فتعيّن أنّ المراد بالآية بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين، فتكون الآية ناظرة إلى ذلك البيت .
ولو أُريد بيت النبي فهو أيضاً غير صحيح، إذ لم يكن للنبي بيت واحد، بل كان بيته بيوت أزواجه.
وحصيلة الكلام: أنّ الآية تتكلّم عن بيت واحد معهود، فما هذا البيت الواحد المعهود؟ هل المراد بيت أزواجه، أو بيت فاطمة؟

1 . العصر: 2.
2 . الأحزاب: 33.

صفحه 269
أمّا الأوّل: فغير صحيح، إذ لم يكن هناك بيت واحد، بل بيوت متعدّدة بحكم نصّ الآية.
وأمّا الثاني: فهو المتعيّن، فقد كان لفاطمة (عليها السلام)بيت واحد تسكنه بنت النبي ـ أفضل نساء العالمين بحكم صحيح السنّة ـ وولداها وزوجها.
وليس هناك بيت ثالث حتّى تكون اللام مشيرةً إليه .

ثانياً: تذكير الضمائر

إنّ تذكير الضمائر في الآية دليل واضح على عدم نزول الآية في أزواج النبي ونسائه، وإلاّ كان مقتضى السياق أن يؤنث الضمير ويقال: (ليذهب عنكن الرجس ويطهركن تطهيراً)، وذلك بشهادة أنّه سبحانه خاطب في نفس الآيات نساء النبي بصيغة ضمير التأنيث.
ففي الآية الأُولى يخاطبهن بهذه الخطابات:
1. «لستن». 2. «اتقيتن». 3. «فلا تخضعن». 4. «وقلن».
وفي الآية الثانية يخاطبهن بما يلي:
1. «قرن». 2. «بيوتكن». 3. «لا تبرجن». 4. «أقمن». 5. «آتين». 6. «أطعن».
وفي الآية الثالثة يخاطبهن بقوله:
1. «واذكرن». 2. «بيوتكن».
وفي الوقت نفسه يتّخذ في ثنايا الآية الثانية، موقفاً خاصّاً في الخطاب ويقول:
1. «عنكم». 2. «يطهركم».
فماوجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبي؟
أو ليس هذا دليلاً على أنّ المراد غيرهن .

صفحه 270
وأمّا ما اعتذر به الشيخ عن إبدال الضمير المؤنث بالمذكر وقال: «لأنّه إذا اجتمع المذكّر والمؤنث في جملة غُلّب المذكّر».
فهو من أعجب الأعذار! لأنّ الشيخ في هذا المقام بصدد بيان اختصاص الآية بنساء النبي بشهادة أنّه قال: «فإنّ نص الآية وسياقها يدلّ ولأوّل وهلة ] على [ أنّ المراد بأهل البيت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُمهات المؤمنين...» فإذا كانت الآية نصاً ـ حسب تعبيره ـ في ما يرتئيه، فليس هناك أيُّ مذكر حتّى يغلّب على المؤنث بل الجميع أُناث.
وأعجب من ذلك ما ذكره في الهامش من أنّه: «إذا صحّ دخول فاطمة (عليها السلام)وهي مؤنث في الآية، فلم لا يصح في غيرها» وذلك لما بيّنّا من أنّ المراد بالبيت هو بيت فاطمة (عليها السلام)، فصحّ فيه التغليب لأنّ المذكر أكثر من المؤنث، وأمّا على هذا الرأي الّذي عدّه الشيخ نصَّ الآية وسياقها، فليس هناك أي مذكّر يغلب على المؤنث.

سؤال وإجابة

يمكن للشيخ أن يتخلّص من هذا المأزق بأنّ المراد من الضميرين المذكّرين مطلق من حرمت عليهم الصدقة الّذي اختاره في الفصل الأوّل خلافاً لما في هذا الفصل.
وقد سبق أنّ المذكّر والمؤنث إذا اجتمعا في جملة غُلّب المذكر .
والإجابة عن هذا السؤال واضحة، إذ يجب على الشيخ أن يلتزم بتفكيك الضمائر في الآيات فيخصّ الضميرين (عَنْكُمُ)و (يُطَهِّرَكُمْ) بمن تحرم عليه الصدقة، وسائر الضمائر الّتي تناهز اثني عشر ضميراً بنساء النبي وزوجاته اللاتي لا تحرم عليهنّ الصدقة، لأنهنّ لسن هاشميات ولا مطّـلبيات .
وقد حاول القرطبي التفصّي عن الإشكال فقال: إنّ تذكير الضمير يحتمل

صفحه 271
لأن يكون خرج مخرج «الأهل» كما يقول لصاحبه: كيف أهلك، أي امرأتك ونساؤك؟ فيقول: هم بخير، قال الله تعالى: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)1.2
ولكن المحاولة فاشلة، فإنّ ما ذكره من المثال على فرض سماعه من العرب إنّما إذا تقدم «الأهل» وتأخّر الضمير، دون العكس كما في الآية، فإنّ أحد الضميرين مقدّم على الأهل في الآية، قال سبحانه: (عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).

ثالثاً: ممارسة الحصر في فعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

وقد تكرر في كلام الشيخ في ذلك الفصل أنّه لا دليل على حصر الآية في فاطمة وبعلها وبنيها، ولكنّه لو أمعن النظر في ما ذكرنا من الوجهين وما مارسه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طيلة حياته، إذ طبق الآية على المذكورين غير مرّة، لوقف على أنّ القول بالحصر هو عين الصواب لا بعيداً عن الصواب، وها نحن نذكر شيئاً من ممارسة النبي لتطبيق الآية:
1. ما نقله المؤلّف عن صحيح مسلم عن عائشة خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)غداة وعليه مَرْط مُرحّل من شعر أسود، فأدخل الحسن والحسين وفاطمة وعلياً تحته ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فماذا كان النبي يقصد بذلك العمل؟ فلو كان المراد كل من يحرم عليهم الصدقة أو نساءه وزوجاته، فما هو الوجه لإدخالهم تحت الكساء، فإنّ عمله هذا نوع تحديد لمفهوم الآية، حتّى يسد الطريق أمام كلّ مَن يريد تفسير الآية بغير هؤلاء الأربعة أو جعل شركاء آخرين لهم في المراد.

1 . هود: 73 .
2 . جامع الأحكام: 14 / 182 .

صفحه 272

2. تلاوة الآية على باب بيت فاطمة (عليها السلام)

حفلت كتب التفاسير لأهل السنّة عند تفسير آية التطهير بذكر روايات عديدة تشير إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يتلو هذه الآية على باب بيت فاطمة عندما كان يمر عليها، وهي كثيرة نذكر هنا القليل منها:
1. عن أنس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
2. وعن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
3. وعن أبي سعيد الخدري قال: لمّا دخل علي (رضي الله عنه)بفاطمة (عليها السلام)جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أربعين صباحاً إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم».1
والروايات الواردة في تفسير الآية بفاطمة (عليها السلام)ومن يسكن بيتها تناهز 35 رواية تنتهي أسانيدها إلى أقطاب الحديث من الصحابة وهم:
1. أبو سعيد الخدري.
2. أنس بن مالك.
3. ابن عباس.

1 . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات: تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 7، وتفسير الدر المنثور للسيوطي: 5 / 198 ـ 199 .

صفحه 273
4. أبو هريرة الدوسي.
5. سعد بن أبي وقاص.
6. واثلة بن الأسقع.
7. أبو الحمراء، أعني: هلال بن الحارث.
8. أُمّهات المؤمنين: عائشة وأُم سلمة.
أفيصح بعد هذا لمناقش أن يشك في صحّة نزولها في حق العترة الطاهرة؟
وليس الطبري ولا السيوطي متفردين في نقل تلك المأثورات، بل سبقهما أصحاب الصحاح والمسانيد، فنقلوا نزول الآية في حقّهم صريحاً أو كناية، منها :
1. ما نقله الترمذي عن أُم سلمة رضي اللّه عنها، قالت: إنّ هذه الآية نزلت في بيتي (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول اللّه ألست من أهل البيت؟ فقال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم »، قالت: وفي البيت رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وعلي وفاطمة وحسن وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً». 1
وفي رواية أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة ثم قال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامَّتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»، قالت أُم سلمة: وأنا معهم يا رسول اللّه ؟ قال: «إنّك إلى خير». 2
هذا، وقد تركنا نقل ما وقفنا عليه من النصوص الصريحة في نزول الآية

1 . سنن الترمذي: 5 / 30 برقم 3258، تفسير سورة الأحزاب باختلاف.
2 . سنن الترمذي: 5 / 360 برقم 3963، باب ما جاء في فضل فاطمة (عليها السلام).

صفحه 274
واختصاصها بأصحاب الكساء روماً للاختصار، فعلى الشيخ ومَن على منهجه أن يرجع إلى المصادر الحديثية المتوفّرة بين يديه.1
وإذا كان الوحي هو الّذي خصّص الآية ببيت خاص،2 فما معنى تباكي الشيخ على أعمام الرسول وأبناء أعمامه أو بقية ذرية الحسن والحسين، بقوله: أين أعمام الرسول، وأبناء أعمامه إلى آخر ما ذكره؟! أليس هذا إطاحة بالوحي وتقدّماً على الله ورسوله؟! وقد قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)3.
2. ما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص في حديث لمّا نزل قوله سبحانه: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ...).(4)
دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي» .4
ولا أظن أنّ الشيخ الدرويش يناقش في صحّة هذين الحديثين اللّذيْن رواهما مسلم في صحيحه.

1 . للوقوف على تلك المأثورات انظر: جامع الأُصول لابن الأثير: 10 / 100 ـ 103 وغيره من الجوامع الحديثية.
2 . ذلك البيت الّذي يتمتع بجلال وكرامة والّذي عرّفه النبي بأنّه من أفاضل البيوت الّتي أمر الناس برفعها، أخرج السيوطي في الدر المنثور عن أنس بن مالك وبريدة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ قوله تعالى: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) فقام إليه رجل وقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «بيوت الأنبياء».
فقام إليه أبو بكر وقال: يا رسول الله، وهذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمة (عليهما السلام).
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم من أفاضلها». تفسير الدر المنثور: 5 / 50 .
3 . الحجرات: 1 .   4 . آل عمران: 61 .
4 . صحيح مسلم: 1054، الحديث 2404، باب فضائل علي (عليه السلام) .

صفحه 275

الفصل الثالث

فضائل آل البيت عند أهل السنّة

عقد الشيخ الدرويش فصلاً تحت هذا العنوان وذكر فضائلهم في القرآن وعدّ منها:
1. آية التطهير.
2. آية المباهلة.
3. حديث الغدير.
4. حديث الاصطفاء، يعني ما رواه مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
5. حديث الصلاة الإبراهيمية.
روى أحمد في مسنده عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يقول: «اللّهم صل على محمد وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» .
ثم نقل عن ابن القيّم أنّه قال حول الحديث: جمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنّما نصّ عليهم بتعيينهم، ليبيّن أنّهم حقيقون بالدخول في الآل وأنّهم ليسوا بخارجين منها، بل هم أحقّ من دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام.

صفحه 276
وأمّا ما ورد عن الصحابة (رض) في حقّ آل البيت فأكثر من أن يُحصر فمن ذلك، قال أبو بكر: ارقبوا محمداً في أهل بيته.
وقال لعلي: والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله أحبّ إلي أن أصل قرابتي ; وبعد أن ذكر بعض الأحاديث والآثار في فضائل آل البيت قال: وطلباً للاختصار لم نتوسع في ذكر ما ورد عن علماء السنة وأئمتهم في الثناء على آل البيت وهي كثيرة جدّاً لو جمعت لامتلأت بها مجلدات.1

تحليل ومناقشة

لا شك أنّ ما ذكره من فضائل أهل البيت صحيح لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، غير أنّا نسأل المؤلّف أن يجيب عن هذا السؤال:
ما هو المبرِّر والداعي لذكر هذه الفضائل في الذكر الحكيم والسنّة النبوية؟
فهل أنّ الغرض من ذلك فقط هو دعوة المسلمين إلى تكريمهم حتّى يحتلّوا مكانة مرموقة في المجتمع الإسلامي .
أم أنّ هناك أمراً آخر وراء ذلك أيضاً ؟
إذ لو كان الغرض مجرد الدعوة إلى التكريم وإظهار الحب لكفى في ذلك الآية الكريمة: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)2 .
ولما كانت هناك حاجة إلى إشراكهم في المباهلة، أو التعريف بعلي في غدير خمّ في ذلك المحتشد العظيم في الجو اللاهب حيث لا يظلهم فيه إلاّ الشمس قائلاً: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».
كلّ ذلك يبعثنا لئن نتحسّس الدافع الحقيقي الّذي صار سبباً لئن يهتم

1 . آل البيت وحقوقهم الشرعية : 15 ـ 21.
2 . الشورى: 23 .

صفحه 277
الوحي الإلهي ببيان مكانتهم ومقاماتهم في شتّى المواقف والحالات، وما ذلك الهدف إلاّ دعوة الناس إلى مرجعية أهل البيت في ما يهمّ المسلمين في دينهم ودنياهم، وقد صرّح بذلك في حديث الثقلين الّذي قد رواه أعلام أهل السنّة، ونقتصر على ذكر القليل من الكثير:

1. حديث الثقلين

1. أخرج الترمذي من حديث جابر وزيد بن أرقم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما» .1
2. أخرج أحمد بطريق صحيح من حديث زيد بن ثابت قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض (أو بين السماء إلى الأرض)، وعترتي أهل بيتي وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» .2
3. أخرج الحاكم في الجزء الثالث من المستدرك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».3
قال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وأقرّ الذهبي في تلخيص المستدرك بصحّته على شرط الشيخين في هامش الكتاب.

1 . صحيح الترمذي: 5 / 328 ـ 329 برقم 3874 و 3876 .
2 . مسند أحمد: 5 / 182 و 189 .
3. المستدرك على الصحيحين: 3 / 148 .

صفحه 278
وللحديث طرق ومصادر كثيرة لا يسع المقام لنقلها، ومن أراد فليرجع إلى ما أُلّف حول الحديث من موسوعات وكتب ورسائل .
وهناك كلمة قيّمة لابن حجر ; إذ بعدما نقل حديث الثقلين قال ما هذا لفظه:
ثم اعلم أنّ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً،... إلى أن قال: وفي بعض تلك الطرق: أنّه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أُخرى: أنّه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه. وفي أُخرى: أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي أُخرى: أنّه قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ (قال): ولا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة... إلى آخر كلامه.1

2. حديث السفينة

وليس حديث الثقلين فريداً في الإشارة إلى أنّ أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم)هم المعنيّون بوجوب الرجوع إليهم في أُمور الدين والدنيا، بل تتلوه أحاديث أُخرى نذكر حديثاً واحداً منها وهو حديث السفينة المعروف.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا إنّ مثَلَ أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق». 2 وللحديث طرق ومصادر أُخرى، صفحنا عن ذكرها للاختصار.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الغرض الأهم والمقصد الأسنى من الإشارة إلى

1 . الصواعق المحرقة: 148 ط. المحمدية وص 89 ط . الميمنية بمصر.
2 . المستدرك على الصحيحين : 3 / 151 .

صفحه 279
فضائلهم ومناقبهم الّتي ذكر الشيخ المؤلف قسماً منها وترك القسم الآخر، هو بيان أنّهم هم المفزع والمرجع في مهام الأُمور ممّا يمت إلى العقيدة والشريعة وإدارة الأُمور وتدبيرها.
فعندئذ نسأل المؤلّف ـ أعني: فضيلة الشيخ صالح الدرويش ـ هل أنّه رجع إليهم في جانبي العقيدة والشريعة؟! أو هل أنّ أساتذته ومشايخه قد رجعوا إليهم في الأُصول والفقه؟!
أم أنّهم أعرضوا عن العترة الطاهرة في هذين المجالين وأناخوا ركائبهم على أبواب غيرهم.
وأمّا ما ذكره في معرض كلامه عن الحديث المروي في مسند أحمد عن رجل من أصحاب النبي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهم صل على محمد وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته» حيث قال: إنّه من قبيل عطف الخاص على العام. فإنّه أمر غير صحيح على مختاره في تفسير أهل البيت، لأنّه فسّر أهل البيت بمن تحرم عليهم الصدقة، ومن المعلوم: أنّ أزواج النبي لا تحرم عليهنّ الصدقة ; لأنهنّ لسن هاشميات ولا مطّلبيّات،1 ولو صحّ الحديث فهو في مورد الأزواج من عطف المغاير على المغاير، وسوف نعطي الموضوع حقّه في فصل خاص عند ذكر الصلوات على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . إلاّ زينب بنت جحش، ابنة عمته (صلى الله عليه وآله وسلم) .

صفحه 280

الفصل الرابع

عقيدة أهل السنّة والجماعة

في آل البيت (عليهم السلام)

عقد الشيخ الدرويش هذا الفصل لبيان عقيدة أهل السنّة في آل البيت(عليهم السلام)، وكان اللائق به أن يلتزم بتوضيح ما يحكي عنه العنوان ولا يخرج عنه، في ثنايا البحث إلاّ أنّنا وجدناه ـ عفا الله عنّا وعنه ـ قد اتخذ العنوان غطاءً للرد على ما حسبه عقيدة للشيعة في آل البيت(عليهم السلام)، فخلط الغث بالسمين والزائف بالصحيح، ونحن نذكر خلاصة ما ذكره في ذلك الفصل ضمن نقاط:
الأُولى: قال: يتّهم الاثنا عشرية أهل السنّة بأنّهم يبغضون آل البيت، لذا يسمّونهم بالنواصب والخوارج، ولكنّ الحق أنّ مذهب أهل السنّة مذهب مستقل ومذهب النواصب والخوارج مذهب آخر.
فأهل السنّة وسط في حب آل البيت بين المذاهب .1
يلاحظ على ما ذكر:
إنّ الشيعة تُميِّزُ أهل السنّة عن الخوارج والنواصب في كتب العقيدة والشريعة، ومَن كان له أدنى إلمام بكتبهم يعرف أنّ لكلّ من هؤلاء تعريفاً في كتبهم وأحكاماً خاصّة، فكان على الشيخ أن يذكر مصدراً من كتب الشيعة بأنّهم يتّهمون أهل السنّة عامّة بكونهم من النواصب والخوارج.

1 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 21 .

صفحه 281
وكيف يمكن للشيعة أن يَعدّوا أهل السنّة من النواصب والخوارج؟! وهم تبعاً لفقهائهم يكفّرون طوائف ثلاثة ، وهي: الغلاة، والخوارج، والنواصب فقط، ولا يكفّرون أحداً من أهل السنّة.1
كيف يتّهمون أهل السنّة وهم يترنّمون بأبيات الإمام الشافعي في حق آل البيت، إذ يقول:
يا أهل بيت رسول الله حبكمُ *** فرض من الله في القرآن أنزلهُ
كفاكم من عظيم الفخر انّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ
وقال أيضاً:
يا راكباً قفْ بالمحصَّب من منى *** واهتف بقاعد خِيفها والناهضِ
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منىً *** فيضاً كملتطم الفرات الفائضِ
إن كان رفضاً حبّ آل محمد *** فليشهدِ الثقلانِ أنّي رافضي
ومن أشعاره أيضاً :
إذا في مجلس ذكروا علياً *** وسبطيه وفاطمة الزكيّة
يقال تجاوزوا يا قوم هذا *** فهذا من حديث الرافضيّة
برئتُ إلى المهيمن من أُناس *** يرون الرفض حبَّ الفاطمية
والمسألة غنية عن البيان لا تحتاج إلى نقل كلمات فقهائنا في حق أهل

1 . العروة الوثقى، للسيد كاظم اليزدي: 24، طبعة دار الكتب الإسلامية; تحرير الوسيلة، للإمام الخميني: 1 / 118 .

صفحه 282
السنّة، بل يكفينا أن نشير إلى أنّ جميع فقهاء الشيعة يعتمدون في ذكر فضائل الأئمة ومناقبهم على المصادر الحديثية الّتي كتبها العلماء الأعلام من أهل السنّة .
فهل راجعت يا سماحة الشيخ ماكتبه أقطاب أهل الحديث من أهل السنّة في مناقب أئمة أهل البيت، نظراء :
1. الإمام أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 هـ) مؤلّف كتاب فضائل علي الّذي طبع ضمن كتاب «فضائل الصحابة».
2. الحافظ أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي (المتوفّى 303 هـ) مؤلف كتاب «خصائص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)» المطبوع في مصر وغيرها.
3. الحافظ الخطيب أبي الحسن علي بن محمد الشهير بابن المغازلي (المتوفّى 483 هـ) مؤلّف كتاب «مناقب الإمام علي بن أبي طالب ».
4. أحمد بن محمد المكّي المعروف بالخوارزمّي (المتوفّى 568 هـ) مؤلف «المناقب». وقد قمنا بطبع هذا الكتاب مقدّمين له مقدّمة بقلمنا باسم: «علي إمام المتقين».
5. الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي (المتوفّى 833 هـ) مؤلف كتاب: «أسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب».
إلى غير ذلك من كتب ورسائل ألّفها إخواننا أهل السنّة، فكيف يمكن لنا أن نتّهمهم بالنصب والخروج؟!
وقد قمنا تبعاً لأسلافنا بإلقاء محاضرات في الفرق الإسلامية وطبعت في عدة أجزاء1 فخصصنا الجزء الأوّل لبيان عقيدة أهل الحديث، والثاني لبيان

1 . انظر: موسوعة بحوث في الملل والنحل، في ثمانية أجزاء، طبع مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ للمؤلف.

صفحه 283
عقيدة الأشاعرة، والثالث لبيان عقيدة المعتزلة، والرابع لبيان عقيدة الوهابية، والخامس لبيان عقيدة الخوارج والاباضية، والسادس لبيان عقيدة الشيعة الإمامية، والسابع لبيان عقيدة الزيدية، والثامن لبيان عقيدة الإسماعيلية.
ويحق لنا أن نعاتبه بأنّ بعض مشايخ أهل السنّة هم الذين يتّهمون الشيعة بالكفر، وهذا هو مسلسل التكفير الّذي يصدره مشايخ الوهابية حيناً بعد حين ويرأسهم عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين (عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية) مرة بعد أُخرى، والّذي يقول في أحد بياناته المؤرخ 22 / 2 / 1412 هـ : إنّ الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء، حتّى في عرفات والطواف والسعي، ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً، وهذا شرك أكبر، وردّة عن الإسلام يستحقون القتل عليها، كما أنّهم يغالون في وصف علي (رضي الله عنه)ويصفونه بأوصاف لا تصلح إلاّ لله، كما سمعناهم في عرفات، وهم بذلك مرتدون.
ولم يكتف هذا المفرّق بذلك، بل له جواب مشابه عن سؤال آخر أدلى به بتاريخ 23 / 8 / 1421 هـ في مسجد الراجحي في إحدى حلقات درسه ولم يأت فيه بشيء جديد.
ولم تتوقّف بياناته المغرضة حتّى أنّه أصدر في هذه الأيام 1 بياناً يدعو فيه إلى تكفير الشيعة وجواز قتلهم، وقد صدّر بيانه في وقت كانت الحرب ضارية بين مجاهدي شيعة لبنان والعدو الصهيوني، وقد بلغت الجرأة بابن جبرين ومن لفّ لفَّه إلى حدّ حرّم هو وأمثاله حتّى الدعاء لأجل طلب النصر للشيعة في حربهم على الاسرائيليين.
أفبعد هذه الوثائق الصارخة يصحّ للشيخ الدرويش أن يعتب على الشيعة

1 . تاريخ إصدار البيان كان في 2 / 1 / 1428 هـ .

صفحه 284
ويقول: إنّهم يتّهمون السنّة بأنّهم خوارج ونواصب؟!
وحاشاه أن يكون مصداق هذا المثل: رمتني بدائها وانسلت.
وقد صار عمل ابن جبرين ذريعة لعدّة ممّن لا يخافون الله، فأصدروا بياناً يكفّرون فيه الشيعة، ويدعون إلى نصرة الإرهابيّين الذين يقتلون المسلمين في العراق وغيره بلا رحمة.
الثانية: قال: والاثنا عشرية يغالون في حب آل البيت، ومنهم من يطوف على قبورهم ويدعوهم بكشف الضر وجلب النفع، ومنهم من يزعم أنّهم يعلمون الغيب، وأمّا أهل السنّة فهم لا يغلون 1، ولا يطوفون حول قبورهم، لأنّ الله أمر بالطواف حول الكعبة فقط، ولأنّ الطواف عبادة والعبادة لا تكون إلاّ لله، وكذلك لا يدّعون فيهم أنّهم يعلمون الغيب، لأنّ الله يقول: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ )2.
ثم إنّ المؤلّف استدلّ على عدم علمهم بالغيب بخروج الإمام الحسين (عليه السلام)مع أولاده الصغار من مكة متوجهاً إلى كربلاء وقال: وهل يصحّ الخروج بالأولاد الصغار إلى مصارعهم وقد قال تعالى: (وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ)3؟ فكيف يخرج الحسين (رضي الله عنه)بأولاده الصغار وهو يعلم قتلهم؟! بل هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أفضل خلق الله وأكرمهم عليه يقول كما أمره ربه: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ )4 .
هذه النقطة هي الّتي أشرنا إليها من قبل وقلنا: إنّ المؤلّف قد خرج فيها

1 . كذا في المصدر والصحيح «يغالون ».
2 . النمل: 65.
3. الإسراء: 31.
4 . الأعراف: 188 .

صفحه 285
عن العنوان الّذي اختاره لهذا الفصل، وصار يتّهم الشيعة ويردّ عليهم ونسب إليهم الأُمور التالية:
1. أنّهم يطوفون على قبور الأئمة.
2. يدعونهم لكشف الضر.
3. منهم من يزعم أنّهم يعلمون الغيب.
4. كيف خرج الحسين وهويعلم قتله وقتل أولاده الصغار؟
وإليك دراسة ما ذكر.
أمّا الأمر الأوّل: فهو أمر لامسحة عليه من الحق ولا لمسة له من الصدق، وكان على الشيخ أن يذكر مصدراً لذلك، وشهيدي الله إنّي لم أر في كتاب ولا رسالة ولا في كتيب منسوب إلى أحد الشيعة أن يذكر فيه استحباب الطواف على القبور، وقد تواترت الروايات على زيارة القبور، بالأخّص زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)، وأمّا الطواف فلم يذكره أحد، ولو صدر شيء يشبه الطواف من شخص، فيجب أن يُرشد إلى الحق، لا أن يتّخذ دليلاً ضد الشيعة جميعهم.
وأمّا الأمر الثاني: أعني به دعاء الأئمة لكشف الضر وقضاء الحوائج، فهو أيضاً نسبة مفتعلة تضاد عقائد الشيعة، فإنّ التوحيد في الربوبية 1 من مراتب التوحيد، وأنّه لا يقضي الحوائج ويكشف الكرب سوى الله سبحانه، كما أنّه لا خالق غيره .
وهؤلاء هم الشيعة يقرأون لقضاء حوائجهم هذه الآية: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ) ثم إنّهم بعد ذلك يذكرون حوائجهم .

1 . التوحيد في الربوبيّة غير التوحيد في الخالقية، وقد خلط غير واحد من طلاب منهج محمد بن عبدالوهاب بينهما. لاحظ : مفاهيم القرآن: 1 / 380 .

صفحه 286
وهاهم أيضاً يقرأون صباح كلّ جمعة الدعاء التالي: «اللهم أنتَ كشّافُ الكُرَبِ والبلْوى، وإليك أسْتَعدي فعندك العَدْوى، وأنتَ ربُّ الآخرةِ والدنيا، فأغثِ يا غياثَ المستغيثين عُبيدَك المبتلى».
وكذا نجد في الدعاء الّذي علمه الإمام علي (عليه السلام)لحواريّه كميل بن زياد والشيعة يدعون بهذا الدعاء الّذي يتضمن قوله (عليه السلام): «اللّهم إنّي أسألك برحمتك الّتي وسعت كلّ شيء... إلى أن يقول : يا غياثُ المُستغيثين يا غايةَ آمالِ العارفِين يا حبيبَ قلوب الصادقين»، إلى غير ذلك من الأدعية الّتي يردّدها الشيعة كلّ يوم وليلة، ولا يرون رباً ولا كاشفاً للكرب ولا قاضياً للحوائج سوى الله سبحانه، ولسان حالهم هو الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ).
نعم التوسّل بالنبي والأئمة غير دعائهم لكشف الضر وجلب النفع، ومعنى التوسّل هو: طلب الدعاء منهم، لأنّهم ممّن تُستجاب دعوتُهم، وليس طلبُ الدعاء منهم بعد رحلتهم إلاّ كطلب الدعاء منهم حال حياتهم، فلو كان الأوّل شركاً كان الثاني أيضاً مِثلَه، وكون المدعو حيّاً أو ميتاً لا يؤثر في حقيقة الدعاء، وإنّما يؤثر في كون الدعاء نافعاً أو غير نافع.
وقد جرت سيرة الصحابة على طلب الدعاء من النبي بعد رحيله كما هو الحال في حال حياته، وها نحن نذكر أُنموذجاً لذلك.
روى الطبراني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضّأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك

صفحه 287
إلى ربّي فتقضي لي حاجتي، فتذكر حاجتك ورح حتّى أروح معك.
فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان (رضي الله عنه)فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتّى كان الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمتُه، ولكنّي شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فتصبّر، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد، فقد شق عليّ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وما طال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط .1
إنّ هذه الرواية ونظائرها تكشف عن أنّ الصحابة كانوا يدعون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويتوسّلون به حتّى بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)من دون أن يعتبروا ذلك محرّماً، بل ولا مكروهاً.
هذا هو الإمام شمس الدين أبو الفرج عبدالرحمن بن قدامة المقدسي (المتوفّى 682 هـ) الحنبلي مؤلف الشرح الكبير على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ينقل عند الكلام في استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): عن العتبي أنّه قال: كنت جالساً عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ

1 . الحافظ الطبراني: المعجم الكبير: 9 / 16 و 17. واسناد الحديث متوفرة لاحظ: سنن ابن ماجة: 1 / 441، برقم 1385 ; مسند أحمد: 4 / 138 ; والمستدرك: 1 / 313 وغيرها.

صفحه 288
لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً)1 وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن البان والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عيني، فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال ياعتبي: «إلحق الأعرابي فبشّره أنّ الله قد غفر له».2
لاشك أنّ دعاء النبي أو أحد الأئمة من أهل بيته ونداءه والتوسّل به باعتقاد أنّه إله أو ربّ أو مستقلّ في التأثير أو مالك للشفاعة والمغفرة شرك وكفر، ولكنّه لا يقوم به أيّ مسلم في أقطار الأرض، بل ولا يخطر ببال أحد وهو يقرأ آيات الكتاب العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويتلو قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ)3 ؟
(أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ).(4)
(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا)4.
(قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ).5
إنّ المسلمين لا يعتقدون في النبي وأهل بيته المطهرين: (فاطمة وعلي والحسن والحسين(عليهم السلام)) إلاّ كونهم عباداً صالحين مقرَّبين عند الله مستجابة

1 . النساء: 64.
2 . الشرح الكبير: 3 / 494. وليس المقدسي فريداً في نقله، بل يوجد مصادر أُخرى يستطيع عليها المتتبّع الرجوع إليها.
3 . فاطر: 3.   4 . النمل: 63 .
4 . الأنعام: 164.
5. يونس: 49 .

صفحه 289
دعوتُهم، ولا يعتقدون بغير ذلك من ربوبية أو إلوهية أو مالكية للشفاعة والمغفرة أبداً.
ولكنّ القوم الذين عمدوا إلى تكفير الشيعة وغيرهم من المسلمين لم يفرّقوا بين الدعاءين والنداءين، فرموهما بسهم واحد.
الثالثة: نسب الشيخ إلى الشيعة أنّهم يعتقدون بأنّ أئمتهم يعلمون الغيب والله سبحانه يقول: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ)1.
يلاحظ على ما ذكر: أنّ العلم بالغيب يراد به أحد معنيين:
أ. العلم الذاتي الّذي ينبع من ذات العالم غير المكتسب من آخر، وهذا هو ما يختصّ بالله الواحد الأحد، وإليه تشير الآية المباركة الّتي استدلّ بها الشيخ الدرويش.
ب. الإخبار بالغيب بتعليم من الله العزيز أحداً من عباده الصالحين في مورد واحد أو في موارد كثيرة أو قليلة، فعلم الغيب بهذا المعنى يزخر به الكتاب والسنّة.
فهذه سورة يوسف (عليه السلام)تخبرنا بأنّ يعقوب وابنه يوسف (عليهما السلام)قد أخبرا عن حوادث غيبية مستقبلية كثيرة، منها:
1. لمّا أخبر يوسف والده بأنّه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، قال يعقوب (عليه السلام): (يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)(2)، وبذلك أخبر ضمناً عن مستقبله المشرق الّذي لو عرف به إخوته لثارت عليه حفائظهم.
2. لمّا أخبر صاحبا يوسف في السجن يوسفَ برؤياهما قال (عليه السلام): (وَأَمَّا

1 . النمل: 65 .   2 . يوسف: 5 .

صفحه 290
الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ).1
3. لمّا فصلت العير قال أبوهم «يعقوب»: (إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ).(2)
وهذا هو النبي عيسى (عليه السلام) يقول لقومه في معرض بيان معاجزه وبيّناته: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ )(3).
أليست كلّ هذه إخبارات بالغيب، ومغيبات أنبأ بها الرسلُ؟
وإذا هي ثبتت لنبيّ، جاز نسبتها إلى العترة الطاهرة ; لما لهم من المنزلة والمكانة العليا، وهل عليٌّ (عليه السلام)أقلّ شأناً من هارون (عليه السلام)وقد قال النبي بشأنّه: «ياعلي أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»؟ 2 الّذي يعني: أنّه له ما للرسول إلاّ أنّه ليس نبياً، لختم النبوة برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
كيف لا، وعلي (عليه السلام)وارث علم رسول الله بإجماع الأُمة الإسلامية، وهل عليٌّ(عليه السلام)أقل من كعب الأحبار الّذي أخبر الخليفة الثاني بأنّه سيموت بعد ثلاثة أيام وتحقّقت هذه النبوءة فعلاً.(5)
وكان على الشيخ الدرويش دراسة ما أخرجه قومه في أئمتهم من العلم بالغيب، ففي مسند أحمد: أنّ عمر بن الخطاب أخبر بموته بسبب رؤيا رآها وكان بين رؤياه وبين يوم مصرعه أُسبوع واحد. 3
ولماذا غفل عن مسألة «المحدَّث» بين الأُمة الإسلامية، الّذي لا يرى الملك ولكن يسمع كلامه فيخبر عن ملاحم ومغيبات بإذن الله، وانّ عمر بن

1. يوسف: 41 .   2. يوسف: 94.   3 . آل عمران: 49.
2 . جامع الأُصول: 8 / 650.   5 . الرياض النضرة: 2 / 75 .
3 . مسند أحمد: 1 / 48 و 51.

صفحه 291
الخطاب أحد هؤلاء المحدَّثين.
وإن كان في شكّ منه، فليقرأ الصحيحين .1

الاستدلال بخروج الإمام الحسين (عليه السلام)

استدلّ الشيخ المؤلّف على عدم علم الإمام بالغيب حتّى بالمعنى الّذي بيّناه بخروج الإمام الحسين بأولاده الصغار إلى العراق، فقال: كيف يخرج الحسين (عليه السلام)بأولاده الصغار وهو يعلم قتلهم... الخ .
يلاحظ عليه:
1. ما ذكره الشيخ ليس أمراً جديداً، وإنّما طرحه المخالفون قبل أكثر من ألف عام، وقام علماء الشيعة آنذاك بتوضيح جوابهم على ذلك، وهو: أنّ علم الإمام بشهادته وشهادة أبنائه لا يمنعه من الخروج على الظالمين والوقوف بوجه طغاة عصره، إذ لم ينهض ريحانة المصطفى إلاّ بواجبه الديني حيث أحس بالخطر المحدق بالإسلام والمسلمين المتمثّل بحكومة يزيد والّذي يصفه الإمام لأبيه معاوية بقوله: تُريد أن توهم الناس في يزيد؟! كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّاكان ممّا احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبّق لاترابهن، والقينات ذوات المعازف وضرب الملاهي، تجده باصراً، ودع عنك ما تُحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه .2
كيف يسكت ويُسلم أزمّة الأُمور لمن يطالب بثارات من قتل في بدر

1 . راجع: صحيح البخاري: 2 / 460، باب مناقب عمر بن الخطاب، برقم 3689; صحيح مسلم: 1194 برقم 6098، تحقيق صدقي جميل العطار .
2 . الإمامة والسياسة: 1 / 153 .

صفحه 292
وأُحد، فلمّا بلغ مناه جاهر بكفره وأظهر شركه بالشعر الّذي تغنى به:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلناه ببدر فاعتدل
لأهلّوا واستهلوا فرحاً *** ثمّ قالوا: يا يزيد لا تُشل
لست من خندفَ إن لم انتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولاوحي نزل1
فقد عرف سيد العظمة وريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ من واجبه إنهاض المسلمين ضد الحكومة الأُموية وإيقاظ ضمائرهم لمقابلة الخطر، وذلك الأمر لا يتحقق إلاّ بخروجه واستشهاده في ذلك الطريق حتّى تتحرك الدماء في عروق الأُمة الإسلامية، وقد تحققت أُمنيّته حيث توالت النهضات واحدة بعد الأُخرى حتّى انقلعت الشجرة الخبيثة من أُصولها.
وقد قام غير واحد من المحقّقين بتحقيق أهداف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)وانّه خاض هذه المعركة مع علمه بأنّه سيقتل، إذ لم تكن غايته من الثورة هي مجرد السيطرة على مقاليد الخلافة، حتّى يعوقه العلم بالشهادة عن خوض هذه المعركة، بل كان غرضه من هذه التضحيات إعلام الأُمّة بفضاضة الأُمويين وقسوة سياستهم وابتعادهم عن الدين وتوغّلهم في الجاهلية، وأنّهم هم الذين لا يوقرون كبيراً ولا يرحمون صغيراً، فلذلك قدّم إلى ساحة التضحية أغصان الرسالة وأوراد النبوة وأنوار الخلافة، حتّى يعرف الملأ بما يكنّه يزيد من حقد على الإسلام وعلى نبيه ونواميسه وطقوسه، وهذا شيء يعرفه كلّ من درس نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإليك بعض الكلمات من محقّقي التاريخ في العصر الحاضر.

1 . الأبيات لابن الزبعرى. وقد تمثل بها يزيد.

صفحه 293
أشار الشيخ شمس الدين في كتابه «ثورة الحسين (عليه السلام)»إلى فلسفة قيام الإمام الحسين (عليه السلام)بهذه الثورة العظيمة وبتلك التضحيات الجسام، قائلاً: والّذي أعتقده هو أنّ وضع المجتمع الإسلامي إذ ذاك كان يتطلّب القيام بعمل انتحاريّ فاجع يُلهب الروح النضالية في هذا المجتمع، ويتضمّن أسمى مراتب التضحية ونكران الذات في سبيل المبدأ، لكي يكون مناراً لجميع الثائرين حين تلوح لهم وعورة الطريق، وتضمحل عندهم احتمالات الفوز، وترجح عندهم إمارات الفشل والخذلان.
لقد كان قادة المجتمع وعامة أفراده إذ ذاك يقعدون عن أيّ عمل إيجابي لتطوير واقعهم السيء بمجرد أن يلوح لهم ما قد يعانون في سبيل ذلك من عذاب، وما قد يضطرون إلى بذله من تضحيات، وكانوا يقعدون عن القيام بأي عمل إيجابي بمجرد أن تحقّق لهم السلطة الحاكمة بعض المنافع القريبة .1
وقال عبدالله العلايلي في كتابه «تاريخ الحسين نقد وتحليل» قال في فصل خاص سمّاه« مصرع في سبيل الواجب»: وازن الحسين (عليه السلام)بين الرغبة في البقاء، وبين الواجب، فرأى طريق الواجب أفسح الطريقين وأرضاهما عند الله والناس .
ثم يقول: سار بقلّته المؤمنة وثبت في معركة الحق والباطل، وجعل بين ناظريه برهان ربّه: (وَ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ للهِ) والفتنة في الآية ليست بمعنى الاختلاف والتنازع، بل بمعنى شيوع الفساد والفسوق، فخروج الحسين (عليه السلام)ليس فتنة ـ كما اتّهموا ـ بل لمكافحة الفتنة، فأيّة محاولة وثورة على الفساد في سبيل أن يكون الدين كلّه لله، نحن مأمورون بها، فالحسين بخروجه لم يجاوز برهان ربّه .

1 . ثورة الإمام الحسين (عليه السلام): 158 ـ 159 .

صفحه 294
إلى أن يقول: علّمنا الحسين (عليه السلام)كيف نعتنق المبادئ وكيف نحرسها.
وعلّمنا كيف نقدّس العقيدة، وكيف ندافع عنها.
وعلّمنا كيف نموت، كما علّمنا كيف نحيا كراماً بها.
ورسم طريق الخلود الأبدي من طريقها.
فسلام عليه يوم يموت ويوم يبعث حياً .1
وقال عباس محمود العقاد: وصل الحد في عهد يزيد إلى حدّ لا يعالج بغير الاستشهاد وما نحا منحاه، وهذا هو الاستشهاد ومنحاه، وهو بالبداهة الّتي لا تحتاج إلى مقابلة طويلة منحى غير منحى الحساب والجمع والطرح في دفاتر التجار.
ومع هذا يدع المؤرخ طريق الشهادة تمضي إلى نهاية مطافها، ثم يتناول دفتر التجار كما يشاء، فإنّه لواجد في نهاية المطاف أنّ دفتر التجار لن يكتب الربح آخراً إلاّ في صفحة الشهداء.
فالدعاة المستشهدون يخسرون حياتهم وحياة ذويهم، ولكنّهم يرسلون دعوتهم من بعدهم ناجحة متفاقمة فتطفو في نهاية مطافها بكلّ شيء حتّى المظاهر العرضية والمنافع الأرضية.2
وقال الدكتور السيد الجميلي: إنّني أرى أنّ الحسين انتصر على المدى البعيد، فهو وإن لم يظفر بمراده في معركة حربية ومواجهة عسكرية، إلاّ أنّ نيله الشهادة في حدّ ذاته كان انتصاراً له، ثم إنّه زرع بذور الحسيكة والحقد والسخيمة في قلوب الناس جميعاً نحو بني أُمية، ولا يخامرني شك في أنّ

1 . تاريخ الحسين نقد وتحليل : 347 ـ 349. المطبوع ضمن كتاب الإمام الحسين الّذي يشتمل على ثلاث رسائل للمؤلّف نفسه، دار مكتبة التربية، بيروت ـ 1972 م .
2 . أبو الشهداء الحسين بن علي: 193.

صفحه 295
الحسين انتصر على المدى البعيد وكان استشهاده سبباً مباشراً في زلزلة عروش دولة الأُمويين، مع انصباب جام اللعنات والسخطات عليهم من جراء هذه الجريمة البشعة .1
هذا وكم لمحقّقي التاريخ من السنّة و الشيعة، بل من غيرهم من أعلام الكتّاب من غير المسلمين كلمات زاهية حول صلابة الحسين وتضحياته، لا يسعنا نقلها فمن أراد فليرجع إلى محالّها.
وأمّا مرافقة صبيانه وعياله ونسائه له، فكان ذلك يصب في ذات الهدف ; حيث إنّ استشهاده وحده في طف كربلاء ربّما لا يصل خبره إلى أسماع كافة أبناء الأُمّة الإسلامية، بل أنّ هذا العمل العسكري بحاجة إلى دعم إعلامي لبيان حقيقته وكشف أهدافه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ من خلال مرافقة أُسرته له، ولذلك نرى الأثر الكبير الّذي خلّفته خطب عقيلة بني هاشم زينب الكبرى في الكوفة والشام، وكذلك ما سببته خطب ولده الإمام زين العابدين (عليه السلام).
فكم كان لهذه الكلمات والخطب من تأثير في نفوس العراقيين والشاميين، الأمر الذي دعا يزيد أن يلقي اللائمة على عبيد الله بن زياد بعد أن شعر بخطورة الموقف على نفسه .
ولأجل أن نعزز ما قلناه، نذكر نتفاً من خطب السيدة زينب بنت علي (عليهما السلام).
قالت: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم.
إلى أن قالت: ويلكم ياأهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟!

1 . مقدمة استشهاد الحسين للطبري: 23 (تحقيق السيد الجميلي).

صفحه 296
وأيّ كريمة له أبرزتم؟! وأيّ دم له سفكتم؟! وأيّ حرمة له انتهكتم؟! لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء....
قال الراوي: فوالله لقد رأيتُ الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم.1
وليست هذه الخطبة هي الوحيدة لبطلة كربلاء، بل لها خطب أُخر نذكر منها ما ألقته في مجلس يزيد عندما تمثّل بأبيات ابن الزبعرى شاعر قريش في الجاهلية الّذي كان شديداً على المسلمين، ولمّا فتحت مكة هرب إلى نجران ومات هناك، وقد سَبق منّا نقل أشعاره، فلمّا سمعت زينب هذه الأشعار الّتي تعرب عن كفر يزيد قامت وقالت:
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين، صدق الله كذلك يقول: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)2، أظننتَ يا يزيد ـ حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تُساق الإماء ـ أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة!! وأنّ ذلك لعظيم خطرك عنده!! فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، جَذِلاً مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأُمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله عزّوجلّ: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)3 .
أمِنَ العدل يابن الطلقاء تخديرك إماءك ونساءك وسوقك بنات رسول الله

1 . اللهوف (الملهوف) على قتلى الطفوف: 192 ـ 193 .
2 . الروم: 10 .
3 . آل عمران: 178 .

صفحه 297
سبايا؟!، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المنازل والمناهل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف، ليس معهنّ من رجالهن وليّ، ولا من حماتهنّ حميّ.1
وقد اكتفينا في المقام بهذا المقدار، ولم نذكر ما قام به بقية أفراد عائلة الحسين خلال الطريق وفي الكوفة والشام من خطب بليغة ومواقف صلبة وعمليات بطولية، أتمّوا بها رسالة أبي الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام)موضحين للعالم حقيقة الثورة وأهدافها السامية وشموخ رجالاتها وخطر الإنجرار مع المؤامرات الأموية والانصياع للخط الجاهلي الّذي تزيّى بزي الدين، ليضرب الدين بالصميم وليعيدها جاهلية تحكمها شريعة أبي سفيان وهند.

1 . اللهوف (الملهوف) على قتلى الطفوف: 215 ـ 216 .

صفحه 298

الفصل الخامس

حقوق آل البيت (عليهم السلام)

عقد المؤلّف هذا الفصل لبيان حقوق آل البيت(عليهم السلام)وذكر منها الحقوق التالية:
1. حق الموالاة والمحبة.
2. حق الدفاع والذبّ عنهم.
3. حق تبرئة ساحتهم ممّا ينسب إليهم كذباً وزوراً.
4. مشروعية الصلاة عليهم.
5. حقّهم من الخمس.
6. اليقين الجازم بأنّ نسب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وذريته هو أشرف الأنساب .
7. تحريم الزكاة والصدقة عليهم.
ذكر المؤلّف هذه الحقوق وبدلاً من أن يخوض في تفسيرها على وجه يليق بها ويشرحها معتمداً على الكتاب والسنّة، اتّخذها ذريعة للرد على ـ ما زعمه ـ عقيدة للشيعة حول آل البيت(عليهم السلام)، فكأنّ هذا الفصل صنو الفصل السابق، حيث إنّ العنوان لا يحكي عمّا يحتويه الفصل، ولذلك نعطف عنان الكلام إلى ما حسبه عقيدة للشيعة ثم نرد عليه .

1. رمي الشيعة بالغلو

إنّ اتّهام الشيعة الإمامية وعلمائهم بالغلو هو بيت القصيد في هذا الفصل
قال: إنّ الدفاع عنهم يشمل الرد على من غلا فيهم وأنزلهم فوق منزلتهم،

صفحه 299
فإنّ ذلك يؤذيهم، وقد ألّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الكبير «منهاج السنة» في الرد على مَنْ غلا فيهم.
ثم نقل رواية عن رجال الكشي عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)حيث قال: إنّ اليهود أحبّوا عزيراً حتّى قالوا فيه ما قالوا فلا عزير منهم ولا هم من عزير، إلى أن قال: إنّ قوماً من شيعتنا سيحبونا حتّى يقولوا فينا ما قالت اليهود في عزير وما قالت النصارى في عيسى بن مريم فلا هم منّا ولا نحن منهم .1
يلاحظ عليه: أنّ الحديث الّذي ذكره راجع إلى الغلاة المتسمّين بالتشيّع الذين هم ليسوا من الشيعة ولا الشيعة منهم. وأنّ روايات أئمة أهل البيت في ردّ الغلاة وطردهم كثيرة يقف عليها من له إلمام بكتب الحديث عند الشيعة، فلو صحّ الحديث فإنّما المقصود به هم الذين ألّهوا علياً وبعض أولاده، وأين هم من الشيعة الذين لا يعتقدون في نبي الإسلام وخلفائه من أهل بيته إلاّ أنّهم عباد صالحون معصومون بنص الكتاب العزيز، تستجاب دعوتهم فلا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً إلاّ ما شاء الله وأقدرهم عليه؟
وهذه الرواية ونظائرها يُراد بها الفرقة الخطابية الذين لعنهم الإمام الصادق (عليه السلام)، والفرقة المغيرية أتباع المغيرة بن سعيد العجلي وأضرابهم الذين أكل عليهم الدهر وشرب فانقرضوا، ولو بقي منهم مَنْ يُعدُّ من الغلاة فالشيعة الإمامية منه برآء .
وقد ألّف غير واحد من أعلام الشيعة ردوداً على الغلاة وكفّروهم وحكموا بنجاستهم، وهذا هو العلاّمة المجلسي عقد في موسوعته الحديثية فصلاً حول الغلاة والرد عليهم.(2)

1 . آل البيت وحقوقهم الشرعية : 32.   2 . بحار الأنوار: 25 / 260.

صفحه 300
كما أنّنا اقتفينا أثر العلاّمة المجلسي فعقدنا فصلاً حول الغلاة والرد عليهم في كتابنا «كليات في علم الرجال» 1.
ثم إنّ الشيخ الدرويش نقل عن العلاّمة المامقاني الكلمة التالية:
(إن القدماء ـ يعني من الشيعة ـ كان يعدّون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب الشيعة غلوّاً وارتفاعاً، وكانوا يرمون بذلك أوثق الرجال كما لا يخفى على من أحاط خبراً بكلماتهم) .(2)
وقد استغلّ المؤلّف هذه الكلمة لرمي شيعة اليوم بالغلو، مع أنّ كلمة المامقاني تتعلّق بمسألة نفي السهو عن النبي والأئمة(عليهم السلام)، فقد كان كثيرٌ من القدماء يجوّزون السهو على النبي والأئمة، ولكن الثابت عن المتأخّرين أنّهم لم يجوّزوا وقوعه منهم، لأنّه يورث الشك والترديد في ما يصدر عنهم في مجالي العقيدة والشريعة.
وهذه المسألة ونظيرها كصدور الكرامات وعدمه مسائل كلامية لم تزل تختلف فيها الأنظار بين بعض القدماء والمتأخّرين، فليس نفي السهو عنهم إذا ساعده الدليل موجباً للغلو، كما أنّ اثبات الكرامات لهم لا يُعدّ غلواً، وهاهي مريم العذراء ليست بنبيّة ولا وصيّة، ولكن أثبت سبحانه لها كرامات تبهر العقول لا تؤتى إلاّ لنبي أو وصي، ومع ذلك لا يعدّ القول بها ونسبتها إليها غلواً.

2. مشروعية الصلاة عليهم

ذكر الشيخ تحت هذا العنوان الكلام التالي:
تشرع الصلاة عليهم وذلك عقب الأذان، وفي التشهد آخر الصلاة، وعند الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد جاء في هذا عدة نصوص، كقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ

1 . كليات في علم الرجال: 428 ـ 434 .   2 . تنقيح المقال: 3 / 23.

صفحه 301
وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً)1، كما جاء في الحديث لمّا سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن كيفية الصلاة عليه في الصلاة، قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم» فالصلاة على آله من تمام الصلاة عليه وتوابعها; لأنّ ذلك ممّا تقرُّ به عينه ويزيده الله به شرفاً وعلواً.(2)
ولمّا كان هذا الحديث ردّاً عنيفاً لما تداول بين أهل السنّة عبر قرون من حذف الآل عند الصلاة على النبي وعطف الأصحاب على الآل عند ضمهم إلى اسمه (صلى الله عليه وآله وسلم)حاول الشيخ الدرويش أن يجيب عن هذا الإشكال، فقال:
أمّا حذف الآل فالأمر في ذلك واسع ; فقد أمر الله في القرآن بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يذكر الآل كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً) فلم يذكر الآل.
وأمّا ضم الصحابة إليهم، فإن الله أمر نبيّه بالصلاة على أصحابه، وقال: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )2، ونحن مأمورون بالاقتداء به، فذكرهم في الصلاة مع النبي فيه سعة وهو من الاقتداء بالنبي. (4)
يلاحظ على الجواب الأوّل:
انّ ما استدلّ به موهون جدّاً، فمعنى ذلك هو الاكتفاء بالقرآن ورفض السنّة، وما هذا إلاّ قول من رفع شعار «حسبنا كتاب الله» الّذي لا يطابق ذات الكتاب ولا السنّة النبوية ولا إجماع المسلمين، كيف وقد قال سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)،(5) إلى غير ذلك من الآيات الّتي

1 . الأحزاب: 56 .   2 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 33 .
2 . التوبة: 103.         4 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 35.   5 . الحشر: 7 .

صفحه 302
تعرّف النبي بأنّه قدوة وأُسوة، قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا)1 .
وقد ملأ الخافقين قول شيوخهم: الحب هو الاتّباع لا الابتداع، فما هو الوجه لمخالفة النبي، مع أنّه بصدد بيان كيفية الصلاة عليهم، وهل انّ حذف الآل فيه إقرار لعين الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وكيف جاز حذف ما تقرّ به عينه ويزيده الله به شرفاً وعلواً؟! كما تفضّل به الشيخ الدرويش نفسه، وأين أدب التعامل الّذي أُمرنا بالالتزام به أمام أعظم شخصية عرفها تاريخ الإنسانية؟! أهكذا يتعامل مع رسول أعطى للإنسانية كلّ شيء ولم يطلب منها أجراً إلاّ المودة في القربى؟! فلماذا تعامل القربى بهذهِ الطريقة؟!
وأمّا جوابه الثاني فهو أعجب من الأوّل فإنّه سبحانه لم يأمر بالصلاة على الصحابة، بل أمر بالصلاة على كلّ من يؤدّي الصدقات والزكوات، وقد ذكر الشيخ الآية مبتورة، حيث يقول سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
وقال: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)،(2) فالآية وما بعدها ناظرتان للصلاة على مَنْ يؤدّي زكاة ماله، من غير فرق بين الصحابي وغيره، ولذلك أفتى الفقهاء باستحباب الصلاة على المؤدّين للزكاة حين أدائها، وأي صلة له بالصلاة على الصحابي!! فالآية إنّما نزلت لأجل تثبيت حكم شرعي، من عصر النبي إلى يوم القيامة، فالاستدلال بها على جواز الصلاة على الصحابة أمر عجيب نابع عن
موقف مسبق، فلم يجد دليلاً على الطريقة الرائجة في خطبهم وكتبهم،

1 . الأحزاب: 21 .   2 . التوبة: 104.

صفحه 303
فصار يتمسك بالحشيش والطحلب.
ثم إنّه كان من اللازم على الشيخ الدرويش التتبّع في الروايات الّتي ورد فيها الأمر بالصلاة على الآل، وانّ الصلاة على النبي وحده مجردة عن الصلاة على الآل تُعدّ صلاةً بتراء نهى عنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبودي أن أذكر ما نقله ابن حجر في هذا المقام، فإنّه بعدما ذكر الآية الشريفة وروى جملة من الأخبار الصحيحة الواردة فيها، قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه، قال: وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته، وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها، ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا أُجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه، ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا أدخل مَن مرّ في الكساء، قال: «اللّهمّ إنَّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم»، وقضية استجابة هذا الدعاء: انّ اللّه صلّى عليهم معه، فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.
ويروى: لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: و ما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد و تمسكون ،بل قولوا: اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد. ثمّ نقل عن الإمام الشافعي قوله:
يا أهل بيت رسول اللّه حبكمُ *** فرض من اللّه في القرآن أنزلهُ
كفاكم من عظيم القدر إنّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ
فقال: فيحتمل لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة، فيوافق أظهر قوليه.1

1 . الصواعق المحرقة: 146، ط عام 1385 هـ .

صفحه 304

3. حقّهم في الخمس

ذكر الشيخ أنّ من حقوق آل البيت عند السنّة حقّهم من الخمس، أي: خمس الغنيمة والفيء، لقوله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ).
وأمّا الفيء فقوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، ففي الخمس لهم سهم خاصٌ بذوي القربى وهو ثابت لهم بعد وفاة رسول الله، وهو قول جمهور العلماء وهو الصحيح.
ثم إنّه في الهامش فسّر الغنيمة بقوله: «ما غنمه المسلمون من الكفّار من أموال سواء بحرب أو بدونه، ولا يدخل فيه ما اكتسبه المسلمون من غير هذا الطريق».1
يلاحظ عليه: نحن لا نحوم حول هذا الموضوع، وأنّ الخلافة الراشدة هل أعطتهم خمس الخمس (حسب تعبيرهم) أو حرمتهم منه، فإنّ ذلك على ذمة التاريخ، ولو أردنا أن نخوض فيه لطال بنا الكلام، وكفانا في ذلك ما دبجته يراعة الفقيه الكبير السيد عبدالحسين شرف الدين في كتابه «النص والاجتهاد» فقد أثبت فيه بالوثائق التاريخية حرمان آل البيت من الخمس المشروع لهم بنفس الآية.(2)
ويكفي في ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه، قال: أرسلت فاطمة (عليها السلام)تسأله (أبو بكر) ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً،

1. آل البيت وحقوقهم الشرعية: 35 ـ 36 .   2 . النص والاجتهاد: 50 .

صفحه 305
فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ستة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها علي (عليه السلام)ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها.1
وإنّما نعطف القلم إلى تفسير الغنيمة بما غنمه المسلمون فقط، وهو يريد بذلك ردّاً على الشيعة ; فإنهم عمّموا الخمس على كلّ ما يغنمه المسلم حتّى أرباح المكاسب والفوائد الّتي يكتسبها خلال سنة، فنقول:
إنّ تفسير الغنيمة الواردة في قوله: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ)بخصوص ما يفوز به الإنسان في الحرب، أمر لا توافقه اللغة ولا السنّة النبوية، فإنّهما يثبتان بوضوح أنّ الغنيمة عبارة عن كلّ ما يفوز به الإنسان، سواء أكان بطريق الحرب أم بطريق الكسب وغيره (دون النهب والغارة) وقد ألّفنا في ذلك رسالة أوردناها ضمن كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»2.
ونقتصر هنا بإيراد بعض ما ذكرنا فيها بشكل موجز ; حتّى يتبيّن أنّ مصطلح القرآن بل السنّة النبوية غير مصطلح الفقهاء.
قال الخليل: الغُنم الفوز بالشيء من غير مشقة، والاغتنام انتهاز الغنم .3
قال الأزهري: قال الليث: الغنم الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(4)
قال الراغب: الغَنْم: معروف، والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدا وغيرهم، قال تعالى: (فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)، (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا)، والمغنم ما يغنم، وجمعه مغانم، قال تعالى: (فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ).4

1 . صحيح البخاري: 3 / 36، باب غزوة خيبر.
2 . انظر: الانصاف: 2 / 6 ـ 36، طبعة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
3 . العين: مادة «غنم».   4 . تهذيب اللغة: مادة «غنم».
4. المفردات: مادة «غنم».

صفحه 306
قال ابن فارس: غنم أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل، ثم يختصّ بما أُخذ من المشركين .1
قال ابن منظور: الغنم: الفوز بالشيء من غير مشقّة.(2)
قال ابن الأثير: في الحديث «الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» وغنمه زيادته ونماؤه وفاضل قيمته.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تعرب عن أنّ المعنى الأصلي للفظ (الغنيمة) أعم ممّا يؤخذ في الحرب وغيره، وانّه لم يوضع لما يفوز به الإنسان في خصوص الحروب، بل أوسع من ذلك، وإن كان غلب استعمالها في العصور المتأخّرة بعد نزول القرآن في ما يظفر به في ساحة الحرب.
إنّ القرآن استعمل لفظة المغنم في ما يفوز به الإنسان عن غير طريق القتال، فنراه يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)2.
والمراد بالمغانم هو الأُجور الأُخروية مقابل عرض الحياة الدنيا.
وقد تقدّم ذلك في كلام الراغب أيضاً .
فإذا كانت اللفظة عامة، فليس لنا إلاّ حملها في الآية على المعنى اللغوي لا على المصطلح المتأخّر عن نزول الآية.
وفي الأحاديث النبوية شهادة على ما ذكرنا:
1. روى ابن ماجة في سننه أنّه جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «اللّهم

1 ـ 3 . انظر مادة «غنم» في: مقاييس اللغة، لسان العرب، والنهاية.
2 . النساء: 94 .

صفحه 307
اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً».1 وهنا نرى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد استعمل هذا اللفظ في مورد الزكاة.
2. وجاء في مسند أحمد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «غنيمة مجالس الذكر، الجنّة» 2.
4. وفي وصف شهر رمضان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «غنم للمؤمن» 3.
5. وجاء في نهاية ابن الأثير: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»، قال: سمّاه غنيمة ; لما فيه من الأجر والثواب .(4)
فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة الشريفة، انّ العرب تستعملها في كلّ مورد يفوز به الإنسان من أموال الأعداء وغيرهم. وإنّما صارت حقيقة متشرعية في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّي على مورد خاص، ولكن المورد غير مخصِّص إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمله وغيره.

الخمس في أرباح المكاسب

ثم إنّ السنّة النبوية تدلّ على وجوب الخمس في أرباح المكاسب، حسب ما رواه الشيخان من أنّه قدم وفد عبد القيس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين، وإنّا لا نصل إليك إلاّ في شهر الحرام، فمرنا بأمر فصل

1 . سنن ابن ماجة، كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797 .
2 . مسند أحمد: 2 / 330 و 374 و 524 .
3 . مسند أحمد : 2 / 177 .   4 . النهاية: مادة «غنم».

صفحه 308
إن عملنا به دخلنا الجنة؟» فمما أمرهم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ـ قوله: «وتؤتوا الخمس من المغنم» 1.
ولا يشك أحد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يطلب من بني عبد القيس دفع خمس غنائم الحرب، كيف! وهم كانوا ضعفاء لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم خوفاً من المشركين، فكيف تحصل لهم الغنيمة بهذا المعنى، فليس المراد إلاّ ما يفوزون به من الأرباح وما يفوزون به من غير طريق الحرب.
هذا غيض من فيض فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف».

مصرف الخمس

ثم إنّ الشيخ الدرويش ذكر آراء الإمامية في مصرف الخمس واختار أحد الأقوال، وهو سقوط إخراجه في غيبة الإمام وقال:
القول الوحيد المستند إلى الأخبار الواردة عن الأئمة من بين الأقوال الّتي استعرضها الشيخ المفيد هو القول الأوّل الّذي يسقط إخراج الخمس .2
يلاحظ عليه:
1. أنّ ما طرحه الشيخ هنا مسألة فقهية لا صلة لها بحقوق آل البيت، ومع ذلك فهو لم يعط الموضوع حقه حتّى في نقل الأقوال، وذلك لأنّ مَن قال بسقوط الخمس إنّما يريد سقوط حقوق الثلاثة الأُولى، لا سقوط حقوق الأصناف الثلاثة الأُخرى، توضيح ذلك: أنّ الخمس يقسّم على ستة أسهم: ثلاثة

1 . صحيح البخاري: 4 / 250، باب (والله خلقكم وما تعملون) من كتاب التوحيد; صحيح مسلم: 1 / 36، باب الأمر بالإيمان.
2 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 37 ـ 38 .

صفحه 309
أسداس لله وللرسول ولذوي القربى، والثلاثة الأُخرى لليتامى والمساكين وابن السبيل من السادة، ومن قال بالسقوط، فإنّما قال بسقوط الأسداس الثلاثة الأُولى لا الثلاثة الأُخرى.1
2. أنّ ما ذكره من القول الأوّل قول جنح إليه بعض الفقهاء القدامى وليس من هذا القول في هذا الوقت عين ولا أثر، بل قام الإجماع على خلافه، والقول الّذي اتّفقت عليه كلمة فقهائنا هو أنّ النصف من الخمس الّذي للإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة يتولّى أمره المجتهد الجامع للشرائط، فلابدّ من إيصاله إليه أو دفعه إلى المستحقين بإذنه، وأمّا النصف الآخر ـ الّذي هو للأصناف الثلاثة ـ فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه، لكن الأحوط فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه، لأنّه أعرف بمواقعه والمرجّحات الّتي ينبغي ملاحظتها.2
ويدلّ على هذا القول (تولّي المجتهد الجامع للشرائط له): إنّ الخمس ليس ملكاً شخصياً للإمام، بل ملك له بما أنّه قائم بأمر الإمامة والزعامة، فيكون في الحقيقة ملكاً لمنصب الإمامة الّذي يرجع إلى تدبير المجتمع وهدايته نحو الكمال، وهو في عصر الغيبة يتمثّل بالمرجع المجتهد الجامع للشرائط.
ويدلّ على ذلك صحيح أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟
فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهوميراث على كتاب الله وسنة نبيّه» 3 .
فإذا كان الخمس راجعاً إلى مقام الإمامة، وليس منصبها أمراً قابلاً للتعطيل،

1 . الحدائق الناضرة: 12 / 448 .
2 . العروة الوثقى: 447، الفصل الثاني من كتاب الخمس، المسألة 7 .
3 . الوسائل: 6، الباب 20 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

صفحه 310
فالشاغل لمنصبه في عصر الغيبة، إنّما هو الفقيه العارف بالكتاب والسنّة، فكيف يكون نائباً عنه في شؤون الإمامة ولا يكون نائباً عنه في المال الخاص به ؟
وأمّا الروايات الّتي استند إليها الشيخ صالح والّتي تشير إلى سقوط الخمس، فليس لها إطلاق لكي تشمل كلّ مورد يجب فيه الخمس، بل لها مورد خاص وهو الغنائم الّتي كانت الجيوش الإسلامية تجلبها من الغزوات والحروب من دون أن تقوم الحكومة الأُموية والعباسية بإخراج الخمس منها ودفعه إلى أصحابه، فكان ذلك سبباً لاختلاط الحلال بالحرام، وموجباً للحرج بين المؤمنين الذين يتعاملون بها بيعاً وشراءً وهبةً وغير ذلك، ففي ذلك الموقف العصيب أحل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)خمس هذه الأموال المجلوبة من بلاد المشركين ، وأين ذلك من تحليل أرباح المكاسب الّتي هي أطيب الأموال؟
والحق أنّ الشيخ صالح تطّلع إلى موضوع أرفع وأعلى منه، ولم يقرأ تلك الروايات، إنّما أشار إليها إشارة مقتضبة.
بقي هنا شيء وهو: أنّ الشيخ الدرويش أشار إلى سبعة من حقوق آل البيت، ولكنّه غفل عن الحقوق الأُخرى الثابتة لهم، وهي:

1. رفع بيوتهم

قال سبحانه: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ).1
ومن المعلوم: أنّ البيوت غير المساجد، فمَن فسّرها بالمساجد خالف اللغة ومصطلح القرآن والسنّة، فالكعبة بيت وليست مسجداً، والمسجد الحرام مسجد وليس بيتاً، وقد أمر الله سبحانه برفع تلك البيوت ومنها بيوت آل البيت .

1. النور: 36 .

صفحه 311
روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك وبريدة: أنّ رسول الله قرأ قوله تعالى: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) فقام إليه رجل وقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بيوت الأنبياء.
فقام إليه أبو بكر فقال يا رسول الله: وهذا البيت منها؟ (وأشار إلى بيت علي وفاطمة) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، من أفاضلها .1
وممّا يؤسف له أنّا لا نرى الآن أثراً لبيت من بيوت النبي وآله في مدينة الرسول ولا في مكة المكرمة، حيث إنّها بدل أن ترفع، هُدّمت تحت غطاء التوحيد، أو توسيع الحرمين الشريفين، وإنّما نشكو حزننا إلى الله القوي العزيز.

2. المرجعية السياسية والعلمية

إنّ حديث الثقلين المتواتر أثبت بوضوح مرجعية أئمة أهل البيت في ما يحتاج إليه المسلمون، وقد صار آل البيت بموجبه قرناء الكتاب وأعداله .
ومَن تدبّر في حديث الغدير وخطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك المشهد الكبير، حيث صرح بولاية علي (عليه السلام)بعد أخذ الشهادة من المسلمين بالتوحيد والرسالة، وأخبر عن رحيله، يقف على أنّ ولاية الإمام علي (عليه السلام)هي أصل من أُصول الإسلام في جنب التوحيد والرسالة ، ولكن القوم سلبوا ذلك الحق منهم إثر السقيفة وما جرى فيها:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً *** وأيديهم من فيئهم صفرات
ونشير إلى أنّ هذا الحق الّذي غفل الشيخ عن ذكره هو أُمّ الحقوق السابقة وأصلها وجذرها، وفي المثل السائر : (كلّ الصيد في جوف الفرى)، ومن المعلوم: أنّه لو اعترف به الشيخ، لناقض ما هو عليه من العقيدة والشريعة.

1 . الدر المنثور: 5 / 50 .

صفحه 312

الفصل السادس

بشرية آل البيت (عليهم السلام)

عقد الشيخ الدرويش هذا الفصل تحت هذا العنوان، وبعد أن أفاض الكلام في غلو اليهود في عزير والنصارى في المسيح، جعل كلّ ذلك مقدمة لقوله التالي:
والعجب كلّ العجب ممّن غلا في الأئمة والأولياء، واختلق الأساطير والأوهام ليسطرها في كتبه، معارضاً بها كلام الله سبحانه وتعالى، بحجّة أنّ الله على كلّ شيء قدير، فجعلوا الأئمة فوق منزلة الأنبياء والرسل(عليهم السلام).1
ثم قال تحت عنوان تنبيه: جرت مناقشات وحوارات مع بعض المنتسبين إلى الحوزة ـ طلاباً وأساتذة ـ فكانوا يحتجون بأن الله عزوجل أطلع أئمتهم على بعض علمه، أو أعطاهم قدرة، ونحو ذلك، كما يحتجون برفع عيسى (عليه السلام)على غيبة الإمام المنتظر (عليه السلام) .(2)
ويلاحظ على ما ذكر:
أوّلاً: أنّ العنوان يدلّ على مدى سوء فهم المؤلف للشيعة تاريخاً وعقائد وفقهاً و...، إذ جعل عنوان هذا الفصل «بشرية آل البيت(عليهم السلام)» مشيراً إلى أنّ الشيعة يعتبرونهم فوق البشر، فنسأله هل وجد شيعياً واحداً صرّح بأنّ آل البيت هم ليسوا ببشر، مع العلم أنّه يمارس القضاء في منطقة شيعية (أعني: القطيف) وفيها يوجد علماء أفذاذ وأساتذة في الفقه والأُصول من الشيعة، فهل سمع ذلك من أحد منهم؟!

1 . آل البيت وحقوقهم الشرعية : 45.         2 . نفس المصدر: 46.

صفحه 313
ما هذه القسوة يا شيخ بالنسبة إلى الشيعة؟ وأنت بحمد الله من دعاة الوحدة؟ وها هي كتب الشيعة منتشرة في العالم، وعقائدهم تدرّس في الكليات والجامعات، وقد ملأ أسماع الخافقين قول الإمام الرضا (عليه السلام)في دعائه رداً على الغلاة الخارجين عن الإسلام :
«اللّهم إنّي بريء من الحول والقوّة ولا حول ولا قوّة إلاّ بك، اللّهم إنّي أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحقّ، اللّهم إنّي أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا، اللّهم لك الخلق ومنك الرزق وإيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اللّهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين، اللّهم لا تليق الربوبيّة إلاّ بك ولا تصلح الإلهية إلاّ لك، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك، والعن المضاهئين لقولهم من بريّتك.
اللّهم إنّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم(عليهما السلام)من النصارى، اللّهم انّا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون، ولا تدع على الأرض منهم ديّاراً، إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً»1.
وكأنّ الشيخ يريد دراسة عقيدة الغلاة، ولكنّه مع ذلك يخاطب الشيعة الإمامية بكلماته .
وثانياً: أنّ ما نسبهُ إلى الشيعة من أنّهم غلوا في أئمتهم ونسبوا إليهم الأساطير، فالكاتب ومَن على نحلته أولى بهذه، فهذه كتبهم الحديثية والتاريخية مليئة بالمغالاة، ولذلك قام غير واحد من علماء السنّة بوضع كتب حول

1 . بحار الأنوار: 25 / 343، باب نفي الغلوّ في النبيّ والأئمة(عليهم السلام).

صفحه 314
الموضوعات الّتي هي أشبه بالأوهام والأساطير، منها:
1. «الموضوعات» لأبي الفرج عبدالرحمن الجوزي (510 ـ 597 هـ)، وهو في ثلاثة أجزاء.
2. «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة»، لجلال الدين السيوطي (848 ـ 911 هـ).
3. «تمييز الطيّب من الخبيث ممّا يدور على ألسنة الناس من الحديث» لعبد الرحمن الشيباني (866 ـ 944 هـ).
4. «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» لناصر الدين الألباني في خمسة أجزاء.
إلى غير ذلك من الكتب الّتي أشارت إلى جانب خاص من الموضوعات، وما أُبرّئ كتب الشيعة من وجود الموضوعات فيها، ولذلك أقدم غير واحد من المحقّقين 1 على وضع كتب في هذا المضمار حتّى أنّ العلاّمة المجلسي شرح كتاب «الكافي» وأسمى شرحه له بـ : «مرآة العقول» وقد صنف أحاديث الكافي إلى: صحيح وموثق وحسن وضعيف.
وليس من نيّتنا شقّ العصا وتفريق الكلمة وتمزيق الوحدة، وإلاّ فكتب حديث السنّة خصوصاً في ما يرجع إلى فضائل الصحابة مليئة بالأساطير والموضوعات، نظير:
1. ما صبّ الله في صدري شيئاً إلاّ وصبّه في صدر أبي بكر.
2. كان النبي إذا اشتاق إلى الجنّة قبّل شيبة أبي بكر.

1 . من الكتب التي ألّفها علماؤنا لأجل تمحيص ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)نذكر:
   أ. الأخبار الدخيلة، تأليف المحقّق محمد تقي التستري (1320 ـ 1415 هـ).
   ب. الموضوعات في الآثار والأخبار، تأليف المحقّق هاشم معروف الحسني.

صفحه 315
3. أنا وأبو بكر كفرسي رهان.
4. ان الله لمّا اختار الأرواح اختار روح أبي بكر .1
وإليك شهادة أُخرى وهي: أنّ السيوطي قد ذكر ثلاثين حديثاً من أشهر فضائل أبي بكر ممّا اتّخذه المؤلّفون في القرون الأخيرة من المتسالم عليه وأرسلوه إرسال المسلَّم بلا أي سند.2
فعلى الكاتب المحقّق أن يكون عدلاً في قضائه ويحاسب الجميع بحساب واحد.
وأمّا ما نسبه إلى الشيعة من أنّهم جعلوا الأئمة فوق منزلة الأنبياء والرسل، فليس صحيحاً على إطلاقه، وإنّما فضّلوهم على غير أُولي العزم من الرسل، وقد أوضحنا الحال في ذلك في كتابنا «دليل المرشدين إلى الحق المبين» فليرجع إليه من أراد المزيد.
وهل يحق لمن تدبّر في حياة الإمام علي (عليه السلام)وجهاده في سبيل الله، وبذل نفسه ونفيسه، وما أُوتي من علم وحكمة، هل يحق له أن يضعه في مرتبة هي دون مرتبة غير أُولي العزم من الأنبياء، كيف وقد وصفه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث الطير المتضافر بأنّه أحب خلق الله إليه سبحانه.
وثالثاً: أنّ ما حكاه عن بعض المنتسبين إلى الحوزة، من أنّهم احتجّوا برفع عيسى على غيبة الإمام المنتظر (عليه السلام)فهو لم يقف على مراد القائل، فإنّه أمر معروف بين الشيعة، وهو أنّ المخالف يستبعد غيبة الولي عن الناس، فحاول من

1 . سفر السعادة: 2 / 211 وانظر كذلك : أسنى المطالب: 1 / 207; كشف الخفاء: 2 / 565 ; المنار المنيف في الصحيح والضعيف: 1 / 115 ; المغني عن الحفظ والكتاب: 1 / 147 ; الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: 1 / 476 .
2 . اللآلي المصنوعة: 1 / 286 ـ 302 .

صفحه 316
يعتقد ذلك أن يثبت أنّه ليس بأمر محال، لأنّ القرآن يشهد على غيبة بعض الأنبياء والرسل نظير:
1. غيبة موسى عن قومه في الميقات أربعين ليلة، قال سبحانه: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)1.
2. غيبة يونس عن قومه، قال تعالى: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَ نَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).(2)
وقال تعالى: (وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين)2.
3. رفع المسيح وغيبته عن الناس ; قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً)3.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي ذكرت ثبوت الغيبة لأحد من أولياء الله، فالغرض من ذكر غيبة هؤلاء هو تقريب المطلب، وتوضيح المدّعى، ورفع الاستبعاد عن غيبة ولي الله سبحانه عن أنظار الناس، ومع ذلك فهو له وظائف يقوم بها في زمان الغيبة، ونظيره ما حكاه الله سبحانه لنا عن ولي كان يعيش بين الناس، ولكنّهم لم يكونوا يعرفونه حتّى كليم الله موسى (عليه السلام)، وكان هذا الولي

1 . الأعراف: 142 .   2 . الأنبياء: 87 ـ 88 .
2 . الصافات: 139 ـ 146 .
3 . النساء: 157 ـ 158 .

صفحه 317
يتصرف بالأموال والأنفس دون أن يعلم به أحد .1

كلمة أخيرة للشيخ

يقول الشيخ الدرويش قبل أن يورد خلاصة لكتابه:
أين الأدلّة على أنّ الأئمة يعلمون الغيب؟
وأين الأدلّة على أنّ الأئمة والأولياء يتصرّفون بالكون ؟
وأين الأدلّة على أنّ هؤلاء بأعيانهم دون غيرهم يملكون الشفاعة؟ فأين شفاعة الشهداء؟
ثم يقول: وأين الأدلّة على أنّ هؤلاء يحيون الموتى؟
وأين الأدلّة... وأين الأدلّة.. فإنّ المسائل الّتي غلا فيها هؤلاء كثيرة، فأين الأدلّة عليها؟
ثم يقول: وإذا قيل: توجد روايات تدلّ على ذلك، قلنا: هاتوا تلك الروايات وأثبتوا صحّتها إن كنتم صادقين .(2)
وها نحن ندرس هذه الأُمور الّتي استبعدها الشيخ بقوله: أين... أين ؟
أمّا الأمر الأوّل: أعني كونهم عالمين بالغيب، فأقول: ليس هناك أي مانع من أن يعلّم اللهُ سبحانه أحداً ممّن خلق علم ما كان وما سيكون، قال الله سبحانه: (وكذلك نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ).2
ومع ذلك، لا منافاة بين هذا التعليم وبين اختصاص علم الغيب بالله، وشتان بين علم محدود مكتسب من الله سبحانه، وبين علم ذاتي مطلق غير محدود، فالعلم بالمعنى الثاني مختص بالله سبحانه دون المعنى الأوّل، فإنّه من

1 . لاحظ سورة الكهف: 60 ـ 82.   2 . آل البيت وحقوقهم الشرعية: 47 ـ 48 .
2 . الأنعام: 75 .

صفحه 318
شؤون المخلوق، فالعلم بالغيب عن طريق التعليم أمر جائز وواقع.
وبما أنّ نسبة علم الغيب إلى غيره سبحانه ربّما توهم العلم الذاتي، والعلم المطلق، والعلم غير المكيّف بكيف، نرى أنّ بعض أئمة أهل البيت يتبرأون من ذلك .
ونورد على ذلك نموذجين من أقوال أئمتنا(عليهم السلام):
1. لما فتح جيش الإمام علي (عليه السلام)البصرة بعد حرب الجمل، جلس (عليه السلام)على منبر الخطابة وأخبر عن بعض الملاحم كغرق البصرة وغيره، فقال له بعض أصحابه: قد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟ فضحك الإمام (عليه السلام)وقال للرجل وكان كلبياً: «يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلم من ذي علم»1.
2. وهذا هو الإمام أبو الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)لمّا سأله يحيى بن عبدالله بن الحسن بقوله: جُعلت فداك أنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب؟ فقال (عليه السلام): سبحان الله ضع يدك على رأسي فوالله ما بقيت شعرةٌ فيه ولا في جسدي إلاّ قامت، ثمّ قال: لا والله ما هي إلاّ وراثة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».2
وأمّا الأمر الثاني: أعني: أنّ أئمة أهل البيت يتصرّفون بالكون، فنقول: إنّ التصرف بالكون على وجهين:
تارة بالإعجاز وهو من خصائص الأنبياء، لأنّ المعجزة عبارة عن عمل خارق للعادة لمدّعي النبوة، وعلى هذا فالتصرف بالكون على هذا المعنى خارج عن الموضوع.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 128 .
2 . أمالي الشيخ المفيد: المجلس الثالث (ضمن مصنفات الشيخ المفيد: 13 / 23، الحديث 5) طبع المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

صفحه 319
وتارة ما يصدر عن الأولياء على وجه الكرامات، وهذا ليس ببعيد عن عباد الله الصالحين، وتجد له نظيراً في قصة النبي سليمان (عليه السلام)، يقول سبحانه: (قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)1، ولم يكن هذا الّذي عنده علم من الكتاب ولا العفريت من الجن نبياً ولا ولياً .
والحق: أنّ الكاتب ومن على منهجه غير عارفين بمقامات الأنبياء والأولياء ، فإنهم يتصوّرون أنّ التصرف في الكون بإذن الله سبحانه أمر لا ينسجم مع القول بالتوحيد بالخالقية والربوبية، ولولا الخوف من إطالة الكلام لبسطت الكلام في مقاماتهم بنقل الآيات والروايات.
وأمّا الأمر الثالث: أعني قوله: إنّ أئمة أهل البيت دون غيرهم يملكون الشفاعة.
فهذا كلام غير صحيح ونسبة مفتراة، فإنّ أحداً من الناس من غير فرق بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره لا يملك الشفاعة، قال سبحانه: (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)2، وقد تضافرت الأدلّة من الكتاب والسنّة على أنّ شفاعة أحد من الناس منوطة بإذنه سبحانه، قال عزوجل: (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)3.
ولو حاول الشيخ أن يقف على موقف القرآن والسنّة، وموقف أهل البيت من الشفاعة، فليرجع إلى موسوعتنا «مفاهيم القرآن»4.
وأمّا الأمر الرابع: أعني إحياء الموتى، فلو كان من باب الإعجاز، فهو من

1 . النمل: 40 .
2 . الزمر: 44.
3 . طه: 109 .
4 . مفاهيم القرآن: 4 / 177 .

صفحه 320
خصائص الأنبياء، لأنّ المعجزة لا يقوم بها إلاّ النبي الموحى إليه، وأمّا أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فليسوا بأنبياء، وبالتالي ليسوا أصحاب معاجز بالمعنى المصطلح .
وأمّا إذا كان من باب الكرامة، فهو ليس بأمر ممتنع، إذ في وسع المولى أن يعطي القدرة لأحد من عباده لإحياء الموتى، فلو تواترت الروايات وتضافرت الأحاديث على صدوره من أحد الأئمة فيقبل، وأمّا إذا ورد عن طريق الآحاد، فهو لا يفيد يقيناً، بل يترك على حاله.
وعلى كلّ تقدير، فليس القول بإحياء الموتى من عقائد الشيعة ولا ضرورياتها.
ومن المعلوم: أنّ المحيي هو الله سبحانه، وإنّما يجري فيضه عن طريق الأسباب، فلا بدعة في أن يُجري فيضه عن طريق عباد الله الصالحين، كما جرى فيضه عن طريق آخر، وهو ما حكاه سبحانه في سورة البقرة إذ قال: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)1، فقد أجرى الله سبحانه فيضه على يد البعض من بني إسرائيل الذين ذبحوا البقرة، وضربوا جسد المقتول ببعض البقرة، فقام المقتول حيّاً وشهد على قاتله.
وهنا نكات:
1. قد فرغنا عمّا وعدنا القارئ به في أوّل الرسالة من تحليل كلام الشيخ، تحليلاً هادئاً مقروناً بالدليل والبرهان، على وجه لو تأمّله الشيخ وأضرابه ربّما يؤدّي إلى تبدّل موقفهم بالنسبة إلى عقائد الشيعة.
وقد دعا المؤلّف ـ عفا الله عنّا وعنه ـ الشيعة إلى المناظرة وقال :
وإذا قيل: توجد روايات تدلّ على تلك (الكرامات) قلنا: هاتوا تلك

1 . البقرة: 73 .

صفحه 321
الروايات وأثبتوا صحّتها إن كنتم صادقين.
أقول: ونعم ما فعل ; إذ هذه أُمنيتنا منذ سنين، فنحن مستعدون لإراءة البراهين على عقائدنا في جو هادئ يشارك فيه العلماء والمحدّثون ليعرضوا آراءهم، وليتعرّفوا على عقائد الشيعة في ما يتفقون ويختلفون فيه معهم .
2. نسب الشيخ المؤلف إلى الشيعة الإمامية تهمة عدم الاهتمام بالتصحيح والتضعيف في ما يروونه عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إلاّ أنّ هذه النسبة ـ كسائر النسب ـ في غير محلّها.
أمّا الروايات الفقهية، فقد أشبعها الفقهاء الشيعة بحثاً وتدقيقاً منذ عشرة قرون، فميّزوا الصحيح عن السقيم، والمقبول عن المرفوض، يقف عليه كلّ من له إلمام بالكتب الفقهية.
وأمّا ما يرجع إلى العقائد، فما يذكره الكليني في ذلك الباب، فقد أخذ العلامة المجلسي جميع ما يرويه بالتصحيح والتضعيف وكتابه المعروف بـ «مرآة العقول» أصدق شاهد على ذلك.
هذا وقد قام المرجع الديني الكبير آية الله الخوئي (قدس سره)بتأليف موسوعة كبيرة تشتمل على 23 جزءاً حول رجال الشيعة وأسماها بـ «معجم رجال الحديث» وهي عمل ضخم قام به مجموعة من فضلاء حوزة النجف الأشرف ومن تلاميذ المؤلف تحت إشرافه، فياليت الشيخ يطّلع عليها.
3. انّ الرواية حتّى لو كانت صحيحة، لا تكون مصدراً للعقيدة، وإنّما تؤخذ العقائد من الكتاب المجيد والسنّة النبوية المتواترة وأحاديث أئمة أهل البيت بشرط التواتر، وأمّا آحاد الروايات، فهي ليست مصدراً للعقيدة، وإن جاءت في الكافي وغيره، إذ ليس عند الشيعة الإمامية كتاب (صحيح) سوى القرآن المجيد، وما عداه خاضع للنقاش كما هو معلوم.

صفحه 322
4. أنّ هناك أمراً مهماً نلفت نظر الإخوة إليه، وهو: أنّ العقائد الشيعية كمنظومة متسلسلة، لا يمكن الأخذ بواحدة منها مع غض النظر عن الأُصول الأُخرى، وذلك نظير الحج، فإنّ أعمال الحج من بدء الإحرام إلى الخروج منه عمل عبادي مركب من أجزاء، فالقضاء الحاسم فيه رهن دراسة العمل من أُصوله إلى فروعه ومن أوّله إلى آخره، فعند ذلك يتجلّى أنّ الحج من أظهر مظاهر الخشوع والخضوع لله سبحانه، ومن أبرز مصاديق الخروج من عبودية النفس والوفود على الله سبحانه وترك زخارف الدنيا وراءه والاكتفاء منها بثوبين أبيضين، فياله من منظر رائع .
وأمّا إذا اقتصرنا على دراسة جزء واحد من هذا العمل المركب، فربّما يصبح أقرب شيء إلى أعمال الوثنيين، حيث إنّ الإنسان الموحّد مع ادّعاء التوحيد يدور حول الأحجار والتراب كطواف المشركين حول آلهتهم الحجرية أو الخشبية، وقس على ذلك سائر أجزاء الحج .
وهكذا عقائد الشيعة، فهي منظومة منسجمة لا يصح دراستها إلاّ كمجموعة واحدة، أصلها ثابت في الكتاب والسنّة وفروعها متشعّبة في العقول الحصيفة، فمَن لم يعرف حقيقة الإمامة والولاية الّتي حازها الإمام علي (عليه السلام)وأولاده من بعده، فربّما لا يهضم فكره أنّهم ذوو كرامات يعجز عنها الآخرون.
وأخيراً نلفت نظر الشيخ إلى أمر مهم، وهو: أنّ الكتابة حول الشيعة كانت قليلة جدّاً قبل الثورة الإسلامية في إيران، ولم تكن تتجاوز مفرداتها عدد أصابع اليدين، ولكن بعد أن انتصرت الثورة الإسلامية توسّعت الكتابة عن عقائد الشيعة، واهتمّ بها الكثير من المؤلّفين، وأصبحت موضوعاً للعديد من الاطروحات العلمية في الجامعات، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، وكأنّه ليس للمسلمين أي مشكلة سوى الشيعة، أو أي موضوع يُهتم به سوى

صفحه 323
عقائد الشيعة، فهل يتّفق الشيخ معنا على أنّ خلف الكواليس شيئاً ما؟ وأنّ هناك أيادي غير مرئية تدفع بالمؤلفين إلى تناول هذا الموضوع، حتّى يتمزق جسد الأُمة الإسلامية وتذهب جهود المصلحين والدعاة إلى الوحدة والتقريب سدى، وأن يفترق المسلمون ولا يتّحدوا حتّى آخر زمانهم؟!
أوليس الواجب على أمثال الشيخ ـ الّذي يُعدّ من دعاة الوحدة والتقريب ـ أن يترك هذه المساجلات والمناظرات ويشتغل بالأهم فالأهم، وأن يضع البنان على النقاط المشتركة بدل مواضع الخلاف.
وفي الختام نقدّم لكم كتابنا المعنون بـ «العقيدة الإسلامية» المنتشر في البلاد العربية والذي نعتبره نموذجاً كاملاً لعرض العقائد الشيعية الّتي تتجلى فيها النقاط المشتركة بين المسلمين.
وإلى هنا نجعجع بالقلم عن الإفاضة، فقد بلغنا نهاية المطاف من تحليل الرسالة.
نرجو الله سبحانه أن يؤلّف بين قلوب المسلمين، ويوحّد صفوفهم، ويجمع شملهم، ويجعلهم كتلة واحدة في وجه الأعداء الغاشمين .
ويرزقنا وجميع المؤلّفين الإخلاص فيما نكتب ونؤلّف .
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
14 ربيع الأوّل 1428 هـ
Website Security Test