welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 9*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 9

صفحه 1
    رسائل و مقالات/ ج9
   

صفحه 2

صفحه 3
رسائل و مقالات
9

صفحه 4

صفحه 5
 
رسائل و مقالات
يشتمل هذا الجزء على مقالات في: الكلام، العقائد، الفقه، الأُصول، التراجم، وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات
ودعوة إلى التقريب بين المذاهب
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
الجزء التاسع
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
آية الله العظمى جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
رسائل و مقالات تبحث في مسائل كلامية، عقائدية، فقهية، أُصولية،تراجم، وحوارات مع بعض الأعلام، وفيها إرشادات ودعوة إلى التقريب بين المذاهب / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1435 ق =1393
ج
(ج.9)2 ـ 464ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(دوره)9 ـ 465ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا:
1. شيعة ـ ـ عقائد ـ ـ مقالات ورسائل . 2. إسلام ـ مسائل متفرقة . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1393 5ر 2س/5/211/BP   4172/297
اسم الكتاب:    رسائل و مقالات
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الجزء:    التاسع
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1435هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:631                  تسلسل الطبعة الأُولى:372
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه وأفضل بريته محمّد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأحد الثقلين الذين أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهما صوناً لنا عن الضلالة والزلل.
أمّا بعد;
فإنّ الجيل الجديد يعيش في عالم يشهد نهضة علمية شاملة خصوصاً في مجال الاتصالات وتبادل المعلومات ساعدت على سرعة انتقال الأفكار والآراء إلى كافة أرجاء العالم خلال مدة قليلة، من غير فرق بين رأي صائب أو رأي خاطئ، فصارت سرعة الاتصالات كسيف ذي حدّين، فالموحّد يتمكّن من إعماله في تبيين عقائده وأفكاره ببيان رصين وبرهان متين، كما أنّ الملحد يتمكّن كذلك.
فلذلك يجب على ذوي الهمم العالية من علماء الإسلام ومفكّريه أن يحصّنوا جيلنا الحاضر وأجيالنا القادمة من أفكار الملحدين وشُبه المبطلين ومكر الشياطين، وأن يغتنموا الفرصة ويكونوا بالمرصاد لما ينشر على صفحات المواقع الالكترونية وما تبثّه وسائل الإعلام ليل نهار من أفكار سامّة وقضايا مكذوبة لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين بأساليب رخيصة بعيدة كلّ البعد عن الحقّ والحقيقة.
وراقم هذه السطور ـ مع كثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقه في الحوزة العلمية وغيرها ـ ممّن ترصّد بعض هذه الأفكار المغرضة والوسائل الخبيثة

صفحه 8
فكتب ما استطاع من المقالات دفاعاً عن الإسلام وإبرازاً للحقيقة وتنويراً للأفكار.
وهذا هو الجزء التاسع من هذه المجموعة نقدّمه إلى القرّاء الكرام، وهو يحتوي على مقالات متفرّقة في مواضيع مختلفة يجمعها الدفاع عن العقيدة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنّة وما أجمع عليه المسلمون بقلم نزيه بعيد عن التعصّب الأعمى، والجهل المقيت.
ويشتمل هذا الجزء على خمسة فصول، هي:
الفصل الأوّل: مقالات في الكلام والعقائد. ويحتوي على إحدى عشرة مقالة.
الفصل الثاني:مقالات في الأُصول والفقه والرجال. ويحتوي على تسع مقالات.
الفصل الثالث:الرسائل المتبادلة. ويحتوي على مراسلاتنا مع عدد من العلماء والمحقّقين.
الفصل الرابع:رسائل وتقاريظ. ويحتوي على مجموعة من الرسائل الداعية إلى الوحدة والتقريب بين المذاهب، والتقريظ لبعض الكتب.
الفصل الخامس: بيانات وتعازي. ويحتوي على بيانات تستنكر اعتقال جماعة من العلماء والمؤمنين وتخريب قبر الصحابي الجليل حجر بن عدي، وكذلك رسائل تعزية بمناسبة وفاة الشيخ العمري والفضلي وحسن شحاتة.
وفي الختام أدعو الله تبارك وتعالى أن ينفع بهذا الجزء كلّ مَن يجعله مصباحاً منيراً لدربه، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
27 رجب الأصب(عيد المبعث النبوي) ـ 1435هـ

صفحه 9
الفصل الأوّل
مقالات في الكلام والعقائد
1. الإله في كلمة الإخلاص
2. رؤية الله طبقاً للكتاب والسنّة
3. الصفات الخبرية في الكتاب والسنّة
4. ثبات الأنواع أو تطوّرها في الذكر الحكيم
5. حياة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قبل البعثة حافلة بالكرامات
6. عصمة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في الكتاب والسنّة
7. تفسير القرآن بالقرآن منهج مؤيّد بالقرآن والسنّة
8. أسئلة حول البسملة وأجوبتها
9. الناشئ الجديد والظروف المحدقة به
10. ظاهرة التكفير على ضوء القرآن والسنّة الشريفة
11. البهائية وتحريف الآية الخامسة من سورة السجدة

صفحه 10

صفحه 11
الإله في كلمة الإخلاص
1

الإله في كلمة الإخلاص

تمهيد

إنّ المسلمين في زيارتهم البيت الحرام يذكرون موقفاً خالداً لنبيهم العظيم(صلى الله عليه وآله) حيث وقف ذات يوم على صخرة في جبل الصفا منادياً بصوت عال، وقال: «أرأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم مصدّقيّ؟»
قالوا: بلى، قال: فإنّي نذير لكم من بين يدي عذاب شديد... ثم دعاهم إلى كلمة التوحيد، وقال:«قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا».
فاستجاب لدعوته قليل من الناس ورفض الأكثرون، ولكن دعوته انتشرت بفضل الله تعالى في مكّة والقبائل المحيطة بها، إلى أن عمّت غالب أرجاء الدنيا.
فعلى المسلمين أن يعيدوا النظر في فهمهم لمعنى كلمة التوحيد.
وهذا المقال يتكفّل بتبيين مفهوم الإله، في هذه الكلمة المباركة.

معنى «الإله» في الذكر الحكيم

المشهور أنّ «الله» أصله «إله» فحذفت همزته وأُدخل عليه الألف واللام، فخُصّ بالباري، ولتخصّصه به قال تعالى: (رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا

صفحه 12
فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً).1
والمهم هنا، هو تفسير لفظ الإله، وتبيين معناه، وقد فُسّر بوجوه سبعة، إليك بيانها:
1. مشتق: من الأُلوهية التي هي العبادة، فإنّ التألّه، هو التعبّد. يقال: فلان متألّه، أي متعبِّد، قال رؤبة:
لله درّ الغانيات المُدّهِ2 *** لمّا رأين حليي المُموَّهِ
سبّحن واسترجعن من تألّهي
أي من تعبّدي. ويقال: ألِه الله فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عبده عبادة3. فعلى هذا يكون معناه: الّذي يحقّ له العبادة.
2. مشتق من الوله وهو التحيّر، يقال: أله يأله إذا تحيّر.
3. مشتق من قوله: أَلَهْتُ إلى فلان أي فَزِعتُ إليه، لأنّ الخلق يألهون إليه، أي يفزعون إليه في حوائجهم.
4. مشتق من ألِهتُ إليه أي سكنت إليه، لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره.
5. مشتق من لاه أي احتجب. والمعنى أنّه سبحانه المحتجب بالكيفية عن الأوهام، الظاهر بالدلائل والأعلام.4
6. مشتقّ من ألِه الفصيل إذا ولع بأُمّه. والظاهر أنّه يرجع إلى التفسير الثالث، أي أنّه مشتق من أَلَهَ بمعنى «فزع».
7. مشتق من «لاه» إذا ارتفع، والله سبحانه وتعالى هو المرتفع عن مشابهة

1 . مريم:65.
2 . المُدَّه، جمع مادِه، وهو المادح.
3 . التبيان في تفسير القرآن:1/28.
4 . مجمع البيان:1/19.

صفحه 13
الممكنات ومناسبة المحدثات.1
والحق أنّه لا صلة لهذه المعاني لما وضع له لفظ «إله» وإنّما هي من لوازم المعنى، لا نفسه ولا جزءه بل لازماً له لأنّ مَن كان إلهاً ـ بالمعنى الّذي نذكره ـ للعالمين، يُعبد وتتحيّر العقول في درك كنهه، وتسكن إليه النفس، ويُحتجب عن الأوهام وإن كان وجوده ظاهراً بالدلائل والبرهان.

ما هو المختار؟

إنّ لفظ الجلالة وما يعادله في عامّة اللغات موضوع لما يتبادر في عامّة الأذهان بصورة إجمالية من كونه مصدر الخلق والكون الذي يعبّر عنه في لسان الحكماء والمتكلمين بواجب الوجود، أو الذات الجامعة لصفات الجمال والجلال، إلى غير ذلك من الكلمات التي هي تعبير تفصيلي عمّا هو المتبادر عند عامّة الشعوب.
ثمّ إنّ الوثنيين اخترعوا لله سبحانه أنداداً وأشباهاً على درجات مختلفة من الكمال والجمال، وتفويض الأُمور إليهم، وما هي إلاّ أسماء ليس لها من الألوهية شيء سوى الاسم،كما قرّرت ذلك الآية المباركة: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)2فإذا حاول العرب أن يشيروا إلى هذه الآلهة المزعومة مع ما لها من درجات ومراتب مختلفة من القرب والبعد عن الله سبحانه يطلقون عليها لفظ الآلهة، وعلى هذا فلفظ الجلالة عَلَمٌ لمصداق كامل لمفهوم الإله، ولكن لفظ الإله موضوع لمعنى كلّي يشمله وسائر الآلهة المزعومة التي ليست على درجة واحدة من الكمال والجمال. فربما يكون إلهاً ولا يكون خالقاً ورازقاً، بل يكفي في كونه معزّاً أو ناصراً أو ممطراً أو غافراً للذنوب أو

1 . تفسير الرازي: 1/158ـ161.
2 . النجم:23.

صفحه 14
مفوّضاً له شيء من أفعاله سبحانه.
وليس من البعيد أنّ لفظ (إله) مأخوذ من كلمة (يهوه) و«ادوناي»... يقول مؤلّف قاموس الكتاب المقدّس ـ فالإسم الثاني يدلّ على علاقة الله مع بني إسرائيل وهو إله تابوت العهد، وإله الرؤيا، والإعلان، وإله الفداء.1
والقرآن الكريم إذا أراد أن يشير إلى الفرد المعيّن من الكلّي يستعمل لفظ الجلالة «الله»، وإذا أراد أن يشير إلى المعنى الكلّي الشامل لهذا الفرد وغيره، الذي له درجات ومراتب، يستعمل لفظ «إله» كما يقول سبحانه ـ ناطقاً عن لسان المشركين ـ : (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً وَاحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).2
ولذلك نرى أنّه في بعض اللغات العالمية يفرّقون بين مفاد لفظ الجلالة، ومفاد «الإله»كتابة، ويعبّرون عن المعنيين بلفظ واحد، فعندما يشيرون إلى «الله» يكتبونها بالشكل التالي: (God)، وعند الإشارة إلى المعنى الكلّي لهذا الفرد يكتبونها بالنحو التالي: (god).
هذا هو المدّعى، والدليل عليه بوجوه:

الأوّل: مادة اللفظين واحدة

إنّ مادة اللفظين واحدة فكيف يفترقان في المعنى؟ والدليل على ذلك قولهم: إنّ «الله» مشتق من لفظ «إلاه».
قال سيبويه في تفسير لفظ الجلالة: إنّ أصله «إلاه» على وزن فعال، فحذفت الفاء الّتي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في خصوص النداء في نحو قوله: «يا الله اغفر لي»، ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما

1 . قاموس الكتاب المقدّس:107.
2 . ص:5.

صفحه 15
لم تثبت في غير هذا الاسم.1
فإذا كانت المادة واحدة فيكون لفظ الجلالة بالمعنى الموجود في مادته علماً للشخص. ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة حاك عن الصفات الجلالية والجمالية أو ما أشبه ذلك، فيجب أن تكون مادته حاكية عن هذه المعاني كلّها لا عن معنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة فقط.

الثاني: الاحتجاج بعدم وجود إله غير الله

إنّه سبحانه حينما يستدلّ على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ الله فإنّه يستخدم كلمة الإله ويقول:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمداً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ).2
ترى أنّه سبحانه يعدُّ تدبير العالم على نحو يعيش الإنسان فيه عيشاً رغيداً من شؤون الإله، ولذلك يقول: (مَنْ إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء) أو يقول: (مَنْ إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل) فهذا تصريح بأنّ التصرّف في الكون من شؤون الإله، ثم يردّ على المشركين بأن التصرّف في الكون وإن كان من شؤون الإله إلاّ أنّه لا إله إلاّ الله.
فلو وضعنا «الخالق البارئ» وغيرها ممّا يعدّ تفسيراً للمعنى الإجمالي للإله، مكانه: لانسجم معنى الفقرة، بأن يقال: لا خالق ولا بارئ ولا مدبّر غير الله، لانسجمت.
وأمّا لو جعلنا المعبود مكانه، لاختلّت بلاغة الآية، كأن نقول: هل معبود إلاّ

1 . لاحظ: مجمع البيان:1/19.
2 . القصص:71ـ72.

صفحه 16
الله يأتيكم بالنهار أو بالليل. إذ ليس التصرّف في الكون على النحو البديع من شؤون المعبود، وما أكثر المعبودين ولكنّهم لا ينفعون ولا يضرون.
وبعبارة أُخرى: إنّ التصرّف في الكون وتنظيم أسباب الحياة من شؤون مَن بيده الكون ومصير الإنسان، فكأنّه سبحانه يقول: لو اختلّ النظام بأنْ دام النهار أو دام الليل فأيّ إله (مَن بيده الكون) يأتي بالضياء بعد الليل، أو به بعد النهار، وليس هو إلاّ الله، وأمّا لو قلنا بأنّه بمعنى المعبود يكون المعنى كالتالي: فأي معبود يأتي بالضياء بعد الليل أو العكس. ومن المعلوم أنّ التصرّف في الكون ليس من شؤون مطلق المعبود. وإنّما هو من شؤون مَن بيده الكون إيجاداً وتدبيراً. فيكون الإله في الآيتين بمعنى المتصرّف في الكون والمدّبر وما يرادفه.

الثالث: الاستدلال على التوحيد بلزوم الفساد عند تعدّد الآلهة

استدلّ سبحانه على التوحيد في الربوبية بآيات منها:
1. قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا).1
فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتمّ إلاّ إذا فُسّر «الإله» في الآية بالمتصرّف المدبّر، أو مَن بيده أزمّة الأُمور أو ما يقرب من هذين اللفظين. ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدّد المعبودات في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، وقد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة، ومركزاً لها وكان العالم منتظماً، غير فاسد.
وعندئذ يجب على مَن يجعل «الإله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق» أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحقّ ـ لفسدتا، ولمّا كان المعبود بالحقّ مدبِّراً ومتصرّفاً، لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له، والدليل على ذلك عدم خطوره عند سماعه.

1 . الأنبياء:22.

صفحه 17
2. قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض).1
ويتمّ هذا البرهان أيضاً إذا فسّرنا الإله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ ما يطلق عليه لفظ الجلالة. وإن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق، أو المدبّر، المتصرّف، أو مَن يقوم بأفعاله وشؤونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. ويلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق وعلوّ بعضهم على بعض.
ولو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لأنّه لا يلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، وقد كان في أطراف الكعبة المشرّفة ثلاثمائة وستون إلهاً ولم يقع أيّ فساد واختلال في الكون.
فيلـزم على مَـن يفسّر(الإله) بالمعبـود إعمـال التكلّف بمـا ذكـرناه في الآية المتقدّمة. وما ربّما يتصوّر من غلبة استعمال الإله في المعبود بالحقّ فلا حاجة إلى تقديره، مدفوع باستعماله كثيراً في غيره كقوله:(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا).2
3. قوله سبحانه:(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً).3
فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو مَن بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى

1 . المؤمنون:91.
2 . ص: 5. لاحظ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الّذي صنّفه محمّد فؤاد عبد الباقي المصريّ، فقد استعمل في كثير من الآيات في مورد المعبود الباطل، لو سلّمنا وضعه للمعبود. ولذلك قلنا في «مورد المعبود الباطل» لا في معناه.
3 . الإسراء:42.

صفحه 18
الأُلوهية، وأمّا تعدّد المعبود، فلا يلزم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

الرابع: الملازمة بين الإلوهية وعدم ورود النار

قوله تعالى:(إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا).1
والآية تستدلّ بورود الأصنام والأوثان في النار على أنّها ليست آلهة، إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار.
والاستدلال إنّما يتمّ لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه فإنّ خالق العالم أو مدبّره والمتصرّف فيه أو مَن فوّض إليه أفعال الله، أجلّ من أن يُحكَم عليه بالنار أو أن يكون حصبَ جهنّم.
وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود، إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصب جهنم، وعندئذ لا يتمّ البرهان. إلاّ إذا قُيّد المعبود بقيد أو قيود ترفعه إلى حدّ القداسة المطلقة، وهذا تكلّف واضح، ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله والآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

الخامس: لزوم اختلال المعنى لو فسّر بالمعبود

قوله سبحانه:(فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الُْمخْبِتِينَ).2
فلو فسّر الإله في الآية بالمعبود لزم عدم صحّة المعنى، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، ولأجل دفع هذا ربما يقيّد الإله هنا بلفظ «الحقّ» أي المعبود الحقّ إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى الإجمالي الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرّف، وإيصال النفع، ودفع الضرّ على نحو الاستقلال، لصحّ

1 . الأنبياء:98ـ 99.
2 . الحج:34.

صفحه 19
حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد، بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة، إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة الإنسانية والمجتمع البشري، يتّصف بهذه الصفات التي ذكرناها إلاّ الله سبحانه.
ولا نريد أن نقول: إنّ لفظ «الإله» بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر على وجه التفصيل، إذ لا يتبادر من لفظ «الإله» إلاّ المعنى الإجمالي، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الذي وضع له لفظ الإله. ومعلوم أنّ كونَ هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى الإجمالي، غير كونها معنى موضوعاً له اللّفظ المذكور، كما أنّ كونه تعالى ذا سلطة على العالم كلّه أو سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف نشير إليه بالمعنى الإجمالي الذي نتلقّاه من لفظ «الله»، لا أنّه نفس معناه.

السادس: استعمال لفظ الجلالة مكان الآخر وبالعكس

ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الإله، ويتجرّد عن معنى العلَمية ويبقى فيه معنى الوصفية، فلذلك يصحّ استعماله مكان الإله، وإليك بعض موارده.
قال سبحانه:(وَ هُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ فِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ)1، فالآية تشير إلى أنّ إله السماء هو إله الأرض وليس هناك آلهة بحسب الأنواع والأقوام، فالضمير «هو» مبتدأ ولفظ الجلالة خبر، والمعنى هو المتفرّد بالإلهيّة في السماوات، فوزانها وزان قوله سبحانه:(وَ هُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ).2
فإنّ اللفظين في الآيتين بمعنى واحد، يعني أنّ لفظ الجلالة في الآية الأُولى خرج عن العلَمية وعاد إلى الكلّية والوصفية، ولذلك صحّ جعله مكان

1 . الأنعام:3.
2 . الزخرف:84.

صفحه 20
الإله في الآية الأُولى، وجيء بنفس لفظ الإله في الآية الثانية.

السابع: معنى «الإله» في تثليث النصارى

حكى القرآن الكريم عقيدة النصارى في الله سبحانه، وهي ما تُعرف بعقيدة التثليث، وتتلّخص في وجود ثلاثة أقانيم، هي: الأب، والابن، والروح القدس، أي أنّ هناك إلهاً أباً وإلهاً ابناً وإلهاً باسم: الروح القدس.
وهذا القول لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون كلُّ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة جزءاً يشكّلُ وجوده سبحانه، وعندئذ تُصبح له شخصية واحدة ذات أجزاء، أو أن يكون كلّ واحد منها ذا شخصية مستقلّة. وعلى كلّ تقدير فالجميع عندهم إله، يقول سبحانه (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)1، ثم قال سبحانه:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)2.
ففي الآية الأُولى يحكي عنهم قولهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم، فالمسيح عندهم هو الله المتجسّد.
وردّ عليهم في نفس الآية بأنّه كيف يصحّ ذلك مع أنّ المسيح لا يأمر الناس بعبادته، بل بعبادة غيره، وذلك بقوله: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ)؟
وفي الآية الثانية يحكي سبحانه عنهم اعتقادهم بالآلهة الثلاثة، فكلّ من الأب والابن والروح القدس عندهم إله، ويردّ عليهم بأنّه لا إله إلاّ إله واحد.
أمّا كيفية الاستدلال على أنّ الإله في هذه الآيات وما يليها ليس بمعنى

1 . المائدة:72.
2 . المائدة:73.

صفحه 21
المعبود أو غيره من المعاني السبعة، بل أُريد به ما يُراد من لفظ الجلالة بتجريده عن العلَمية، فواضحة لدى التدبّر، بشرط أن نقف على مغزى الاختلاف بين الموحّدين وأهل التثليث، إذ ليس مصبّ الاختلاف بينهم، وحدة المعبود أو تعدّده، وإنّما هو لازم نزاع آخر يرجع إلى وحدة ذات الواجب أو تعدّدها، فإذا قال سبحانه:(إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ)1، فلا يريد أنّه معبود واحد ليس له ولد، وإنّما يُريد بساطة ذات الله ووحدتها.
وإذا قالت النصارى: (إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة)، فمرادهم أنّه ثالث الآلهة، وإنّ الواجب جلّ اسمه أو ما يشار إليه بلفظ الجلالة، آلهة ثلاثة لا إله واحد، فإذا ردّ عليهم سبحانه بقوله: (وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يُريد وحدة الذات وبساطتها.
فالإله في كلام كلّ من الطرفين يشير إلى تلك الذات المقدّسة فيكون مرادفاً للفظ الجلالة، لكن بشرط تجريدها عن العلَمية.
ولو فُسِّر لفظ (الإله) في هذه الموارد بوحدة المعبود أو كثرته، لزم غضُّ النظر عمّا هو موضع النزاع لبّاً عبر قرون.
ومنه يظهر مفاد الإله في الآية التالية، إذ لا محيص من تفسيره بالمعنى المختار الّذي يعبّر عنه بواجب الوجود، الخالق، البارئ، إلى غير ذلك من الصفات.
قال سبحانه:(وَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)2، وذلك أنّ علماء النصارى يتبّنون التثليث وينسبونه إلى عيسى ابن مريم، وأنّه دعا إلى إلهين آخرين من دون الله، وهما: نفسه وأمُّه.

1 . النساء:171.
2 . المائدة:116.

صفحه 22
ومن المعلوم أنّ النفي والإثبات يردان على موضوع واحد وهو ادّعاء النصارى أنّ ثمّة إلهين وراء الله سبحانه هما: المسيح وأُمّه، وردّ سبحانه على تلك المزعمة بأنّ الإله واحد لا غير.
فعندئذ لا يمكن تفسير الإله بمعنى المعبود، إذ الكلام يتعلّق بمقام الذات وأنّه كثير أو واحد لا بمقام المعبودية.
ونظيرها الآية التالية قال سبحانه:(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللهِ وَكِيلاً).1
وحصيلة الكلام هو أنّ الاختلاف والنزاع بين أهل التوحيد وأهل الكثرة راجع إلى وحدة ما يشار إليه بلفظ الجلالة أو تعدّده. وأنّه هل هو ذات بسيطة واحدة أو هو ذات مركبة أو متعدّدة يعبّر عنها بالإله الأب، والإله الابن، والإله الروح القدس.
فحقيقة النزاع عبارة عن دراسة مسألة فلسفية غامضة، وهي أنّ جوهر الذات شيء واحد أو هي أشياء؟ فمن السذاجة أن نعبّر عن واقع النزاع بوحدة المعبود وتعدّده، فإذا قيل: الإله الواحد، أو ثالث الآلهة، فلا يُراد عندئذ إلاّ ما يُشار إليه بلفظ الجلالة الّذي تشير إلى الذات المستجمعة لصفات الجمال والجلال ولكن بقيد تجريده عن العلَمية.

الثامن: وقوع قوله: (لا إله إلاّ هو) تعليلاً لحصر الشؤون

قد وقع قوله:(لا إله إلاّ هو) في الآيات التالية تعليلاً لحصر الرازقية،

1 . النساء:171.

صفحه 23
وربوبية المشرق والمغرب، ومالكية السماوات والأرض في الله سبحانه، ولا يصحّ كونه علّة للحصر المذكور إلاّ إذ أُريد به المعنى الإجمالي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية والمالكية، فعندئذ يصلح أن يقع تعليلاً، لما تقدّمه من حصر الأُمور المذكورة في الله، والآيات هي:
1. (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ).1
فصدر الآية ينفي أيَّ خالق غير الله يرزق الناس، وذيلها أعني قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بمنزلة التعليل له ولا يصحّ تعليلاً إلاّ إذا أُريد به ذلك المعنى السامي الملازم للشؤون فكأنّه يقول: «إذا لم يكن إله ـ بهذا المعنى ـ فلا خالق يرزق الناس إلاّ الله».
2. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً).2
إنّ صدر الآية يصفه سبحانه بكونه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ)، أي رب عالم الشهادة، ثم يأتي بقوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تعليلاً لما تقدّم، ولا يصحّ ذلك إلاّ بتفسير الإله بالمعنى السامي الّذي يدلّ عليه لفظ الجلالة، لكن مجرّداً عن العلَمية فيكون المعنى: إذا لم يكن خالق مدبر و...، إلاّ الله، فهو رب السماوات والأرض و....
ثم عطف عليه قوله: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) لأنّ اتّخاذ الوكيل بمعنى إيكال الأُمور إليه، من شؤونه سبحانه.
3. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ)3. وكيفية الاستظهار هو نفس ما تقدّم في الآيتين المتقدّمتين، فلا يصلح قوله:(لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تعليلاً لما سبق، إلاّ إذا أُريد بالإله المعنى الإجمالي السامي الملازم

1 . فاطر:3.
2 . المزمّل:9.
3 . الأعراف:158.

صفحه 24
للخالقة والرازقية والربوبية وغيرها، فإذا كانت هذه الشؤون منحصرة في الله سبحانه فله ملك السماوات والأرض.

التاسع: مفهوم الإله عند الوثنيين

يظهر من بعض الآيات أنّ الإله عند المشركين عبارة عمّن ينصر العبدةَ في الشدائد والملمّات، ويورث لهم عزّاً في الحياة.
قال سبحانه حاكياً عن عقيدتهم: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ).1
وقال عزّ من قائل:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا).2
وكانوا يُسوّون بين الله والآلهة، يقول سبحانه حاكياً عن قولهم يوم القيامة:(تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)3.
فإذا كانت الآلهة المزعومة عند المشركين هي الناصرة في الشدائد وواهبة العزّة، وفي مستواه سبحانه، فلا يراد بها عند الإطلاق إلاّ ما يراد من لفظ الجلالة مجرداً عن العلمية.
ولذلك يردّ عليهم سبحانه في غير واحدة من الآيات بأنّ الآلهة لا يملكون من شؤونه سبحانه شيئاً.
ويقول:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ).4
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو الخلق، والأصنام فاقدة له.
ويقول:(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ

1 . يس:74.
2 . مريم:81.
3 . الشعراء:97ـ 98.
4 . الفرقان:3.

صفحه 25
مِنَّا يُصْحَبُونَ)1.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو القدرة والدفاع عن نفسه وعمّن يعبده، وإلهتهم تفقد هذه اللوازم والشؤون.
فالآيتان تدلاّن على أنّه كلّما أُطلق الإله لا يتبادر منه إلاّ من يملك هذه الشؤون ـ لا مجرد كونه معبوداً ـ ولذلك ردّ الوحي الإلهي وصفهم أصنامهم بالإلوهية، بعدم وجود هذه الشؤون فيها.

انتقال هُبَل إلى مكة

ويوضح مكانة الأوثان عندهم ما نقله ابن هشام في سيرته يقول: إنّ عمرو بن لحَيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآبَ في أرض البَلْقاء، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تَعْبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنَسْتمطرها فتُمْطرِنا، ونَسْتَنْصرها فتَنْصرنا; فقال لهم: أفلا تُعطُونني منها صَنماً، فأسيرَ به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعْطَوْه صَنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكّة، فَنَصَبه وأمَر الناس بعبادته وتعظيمه.2
فإذا كانت الإمطار عند الجفاف والنصر في الحروب والشدائد من شؤون الآلهة المزعومة، فيكون المتبادر منه هو نفس ما يتبادر من لفظ الجلالة، مجرّداً عن العلَمية.

العاشر: الإله في كلام الإمام علي(عليه السلام)

وممّا يؤيّد ما ذكرناه من عدم الفرق بين الإله، ولفظ الجلالة إلاّ بالكلّية والجزئية، كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في معرض نقده لكون كلامه سبحانه

1 . الأنبياء:43.
2 . السيرة النبوية:77.

صفحه 26
قديماً، بأنّه لو كان كذلك، لكان إلهاً ثانياً. وإليك نصّه:
«يقول لمن أراد كونه:(كُنْ فَيَكُونُ)، لا بصوت يُقرع، ولا بنداء يُسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثَّله، لَمْ يَكُ مِنْ قَبلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كانَ قَدِيماً لَكَانَ إلهاً ثَانِياً».1
أي لو كان قديماً، لكان واجب الوجود، أو ما يفيد ذلك، ولا معنى لتفسير الإله بالمعبود، أي لكان إلهاً معبوداً ثانياً.
وفي بعض كلماته أيضاً، إشارة إلى ما ذكرنا، حيث قال:
«أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلى إِلهِكَ».2
وقال في موضع آخر:
«وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالإِسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ».3

حصيلة البحث:

1. ليس للإله إلاّ معنى واحد وهو نفس ما يفهم من لفظ الجلالة لكن مجرّداً عن العلَمية.
2. أنّ تفسير الإله بالمعاني السبعة أو الأكثر تفسير باللوازم والآثار للإله، لا نفس معناه.
3. لفظ الإله ليس بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر، إذ لا يتبادر من لفظ الإله إلاّ المعنى البسيط، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الموضوع له لفظ الإله، ومعلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للّفظ المذكور، فتدبّر.

1 . نهج البلاغة: الخطبة186.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 31.
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 31.

صفحه 27

تصحيح خطأ في الاصطلاح

إنّ لتوحيده سبحانه مراتب:
منها: التوحيد في الخالقية، بمعنى أنّه لا خالق إلاّ هو، يقول سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ).1
ومنها: التوحيد في الربوبية، بمعنى أنّه سبحانه مدبّراً للكون بعد خلقه له.
إنّ الوثنيين في جزيرة العرب لم يكونوا يعانون من أي انحراف في مسألة التوحيد في الخالقية وكانوا يعتقدون بأنّه ليس في الكون سوى خالق واحد، بيد أنّ بعضهم أو أكثرهم كانوا يعانون مشكلة في توحيد الربوبية حيث يعتقدون بأنّ الله سبحانه فوّض تدبير بعض أُمور الكون إلى الملائكة والجن والكواكب والأرواح المقدّسة إلى غير ذلك، فجاء القرآن يركّز على التوحيد في الربوبية مضافاً إلى التوحيد في الخالقية، قال سبحانه:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)2، وقال سبحانه: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).3
فقوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ) إشارة إلى التوحيد في الربوبية وتدبير الكون بعد إيجاده، وأنّ المدبّرية منحصرة به سبحانه لا يشاركه فيها غيره.
حتّى أنّه سبحانه استدلّ على التوحيد في الربوبية بأنّ تعدّد الآلهة يوجب الفساد، وقال:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا

1 . فاطر:3.
2 . يونس:3.
3 . الرعد:2.

صفحه 28
يَصِفُونَ)1، ومثلها قوله سبحانه:(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).2
وبذلك أثبت أنّ المدبّر واحد مضافاً إلى وحدة الخالق، هذا من جانب ومن جانب آخر كلّما أُطلق (الرب) يراد به: مَنْ فوّض إليه أمر الشيء من حيث الإصلاح والتدبير والتربية، فيقال: رب الضيعة، لمن عليه إصلاحها ورعايتها; ويقال: رب الدار، لمن عليه حفظها وتصليح خرابها; وقد أطلق يوسف(عليه السلام) كلمة الرب على عزيز مصر حيث قال:(إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)3، كما أنّه سبحانه وصف اليهود والنصارى بأنّهم (اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)4، وقال عبد المطلب لإبرهة: «أنا رب الإبل وللبيت رب».5
وهذه الفقرات ترشدنا إلى معنى الرب وأنّه دون الخالق.
إذا علمت ذلك فلنقف على الخطأ في الاصطلاح الّذي وقع فيه ابن عبد الوهاب ومن والاه، حيث فسّر التوحيد في الربوبية بالخالقية، والتوحيد في الإلوهية بمعنى العبادة، فقال في كتاب (تسع رسائل): إذا قيل لك: أين الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية؟ فقل: توحيد الربوبية فعل الرب، مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأُمور.
وتوحيد الإلهية فعلك أيها العبد مثل الدعاء والخوف والرجاء والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة.6
ترى أنّه فسّر الربوبية بالخالقية، ولكنّه عطف عليها ما هو داخل في

1 . الأنبياء:22.
2 . المؤمنون:91.
3 . يوسف:23.
4 . التوبة:31.
5 . السيرة النبوية لابن هشام:1/33; الكافي:1/447، باب بلد النبي(صلى الله عليه وآله).
6 . تسع رسائل، الرسالة الخامسة: 41، طبعة القاهرة.

صفحه 29
الربوبية; كما أنّه فسّر الإلهية بالعبادة، وقد علمت أنّ الإله وما يشتق منه يراد منه معنى سام له مصاديق مختلفة يجمعها كلّها (إله).
فعلى ما ذكرنا في وضع الاصطلاح التعبير الصحيح بالخالقية مكان الربوبية، والتوحيد بالعبادة مكان الإلهية.
تمّت الرسالة ظهيرة يوم الخامس والعشرين
من شهر رمضان المبارك من شهور عام 1431هـ
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني
قم المشرّفة

صفحه 30
«رؤية الله» طبقاً للكتاب والسنّة
2

«رؤية الله» طبقاً للكتاب والسنّة

نشرت الجمعية العلمية السعودية لعلوم السنّة مقالاً حول رؤية الله ـ جلّ جلاله ـ يوم القيامة، ونسبتها إلى الصحابة والتابعين وأئمّة الإسلام المعروفين بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنّة والجماعة، واستند صاحب المقال إلى أدلّة من الكتاب والسنّة على أنّ رؤية الله بالأبصار جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة، واستدلّ بآيات متعدّدة سوف ندرسها، كما استدلّ بحديث عن أبي هريرة في الصحيحين.
وقبل دراسة الأدلّة نذكر مقدّمة وهي:
إنّ الاعتقاد بالرؤية عقيدة يهودية أصيلة جاءت في العهد القديم، وإليك مقتطفات منها:
1. رأيت السيد جالساً على كرسي عال فقلت: ويل لي لأنّ عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود.1
2. كنت أرى أنّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار.2

1. اشعياء: 6/1 ـ 6.
2. دانيال:7/9.

صفحه 31
3. أمّا أنا فبالبر أنظر وجهك.1
4. فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لأنّنا قد رأينا الله.2
5. فغضب الرب على سليمان، لأنّ قلبه مال عن الرب، إله إسرائيل الذي تراءى له مرّتين.3
6. وقد رأيت الرب جالساً على كرسيّه وكلّ جند البحار وقوف لديه.4
7. كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيّين، عند نهر خابور، أنّ السماوات انفتحت فرأيت رؤى الله ـ إلى أن قال: ـ هذا منظر شبه مجد الرب ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم.5
هذا نزر يسير ممّا ورد في العهد القديم الذي يركّز على رؤية الله تعالى في الدنيا فضلاً عن الآخرة.
إنّ مَن تدبّر في آيات الذكر الحكيم يقف على أنّه كلّما يذكر الرؤية فإنّما يذكرها بإنكار واستنكار، يقول سبحانه مسلّياً للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله):(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ...).6
ولمّا سأل الكليم ـ بضغط من قومه ـ رؤيته سبحانه وقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)7 أُجيب بنفي قاطع، قال: (لَنْ تَرانِي)، إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ

1. مزامير داود:17/15.
2. القضاة:13/23.
3. الملوك الأوّل:11/9.
4. الملوك الأوّل:22/19.
5. حزقيال:1/1 و 28.
6. النساء:153.
7. الأعراف:143.

صفحه 32
على أنّ الرؤية أمر مستحيل وأنّ طلبه محال، وأنّ الإصرار عليه يستوجب العتاب والعقاب.
وأي كلام أوضح في بيان العقيدة الإسلامية من قوله سبحانه:(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)1، ومن المعلوم أنّ الإدراك إذا نسب إلى الأبصار يراد به الرؤية البصرية، وإذا نسب إلى السمع يراد به الإدراك بالسمع. وحاصل الآية: أنّه يَرى ولا يُرى كما تفرّد سبحانه بالصفات التالية: فهو يطعم ولا يُطعَم، ويجير ولا يجار عليه، قال سبحانه:(أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاَ يُطْعَمُ)2، وقال سبحانه:(قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).3
ولسنا في هذا المقال بصدد سرد أدلّة المنكرين فإنّها مذكورة في الكتب الكلامية والتفاسير وغيرهما، وإنّما الغاية نقد المقال الذي نشرته الجمعية العلمية السعودية لعلوم السنّة (لاحظ موقعهم على شبكة الانترنت بعنوان www.sunnah.org.sa).
كان الرأي السائد تبعاً للذكر الحكيم وكلمات العترة الطاهرة(عليهم السلام) هو تنزيه الله سبحانه عن الرؤية بالأبصار، إلاّ أنّ أوّل من نشر الرؤية بين المحدّثين هو كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار، فقد كان حبراً يهودياً ماكراً استطاع أن يستقطب عدداً من الصحابة والمحدّثين بمكره الثعلبي، وكان يركّز في كلماته على أمرين:

1. التركيز على التجسيم

قال: إنّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك، فاستعلت

1. الأنعام:103.
2. الأنعام:14.
3. المؤمنون:88.

صفحه 33
إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة فشكر لها ذلك، فوضع عليها قدمه فقال: هذا مقامي ومحشر خلقي وهذه جنتي وناري وهذا موضع ميزاني، وأنا ديّان الدين.1

2. التركيز على رؤية الله

من كلامه أيضاً:إنّ الله تعالى قسّم كلامه ورؤيته بين موسى و محمّد2.
وعلى هذا فلا تعجب من أن تصبح الرؤية عقيدة إسلامية يركّز عليها إمام الحنابلة والأشاعرة والمفكّرون منهم تبعاً لما روي في الصحيحين.
وها نحن ندرس الآيات التي استدلّ بها في المقال المذكور على وجه الإيجاز.

الدليل الأوّل (لصاحب المقال)

قوله تعالى:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).3
وقال: وهي من أظهر الأدلّة وأمّا من أبى إلاّ تحريفها بما يسمّيه تأويلاً، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، وهذا هو الذي أفسد الدنيا والدين، هكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل حذّرنا الله أن نفعل مثلهم، فهل قتل عثمان إلاّ بالتأويل الفاسد، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرّة.4
أقول: قد عزب عن الكاتب أنّ التدبّر في الآية غير التأويل، فقد أمر الله سبحـانه بالتـدبّـر في الآيات وقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب

1. حلية الأولياء:6 /20.
2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي:3/ 237.
3. القيامة:22 ـ 23.
4. شرح الطحاوية: 189.

صفحه 34
أَقْفَالُهَا)1.
وقد شغلت هذه الآية بال الأشاعرة والمعتزلة، فالفرقة الأُولى تصرّ على أنّ النظر بمعنى الرؤية، والثانية تصرّ على أنّها بمعنى الانتظار لا الرؤية .
ونحن نقول: إنّ النظر سواء أُريد به المعنى الأوّل أو المعنى الثاني لا يدلّ على الرؤية، وذلك لأنّ المستدلّ لم يذكر مجموع الآيات الأربع التي كلّ يقابل الآخر، وإليك نقل الآيات ثم تنظيمها:
1. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ*وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).2
هذه هي الآيات الأربع في سورة القيامة، وبالمقابلة يمكن أن يتيسّر لنا فهم الآيات ورفع إبهامها، وليس تفسير الآية بآية أُخرى تأويلاً وإنّما هو تدبّرٌ أُمرنا به، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ) يقابلها قوله:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ).
(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يقابلها قوله:(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).
وبما أنّ قوله:(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) واضح المعنى، يكون قرينة على المراد من مقابلها، أعني قوله:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظن وتتوقّع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها، ويقصم ظهرها، يكون المراد من عِدله وقرينه عكسه وضدّه، وليس هو إلاّ أنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته ومتوقعة فضله وكرمه، لا النظر إلى جماله وذاته وهويته، وإلاّ لخرج المتقابلان عن التقابل في المعنى، وهو خلف.
وأنت ترى أنّ هذا النوع من التفسير استنطاق آية بآية أُخرى، والله سبحانه

1. محمد:24.
2 . القيامة:22ـ 25.

صفحه 35
يصف القرآن بقوله:(تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)، وحاشا أن يكون تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه.
وإن شئت توضيحاً أكثر فنقول:
يجب أن يكون المتقابلان ـ بحكم التقابل ـ متّحدي المعنى والمفهوم. ولا يكونان مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات، فلو كان المراد من المقابل الأوّل ـ أعني: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ـ هو رؤية جماله سبحانه وذاته، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه ـ أعني: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) ـ هو حرمان هؤلاء من الرؤية أخذاً بحكم التقابل.
وبما أنّ تلك الجملة ـ أعني: القرين الثاني ـ لا تحمل ذلك المعنى ـ أعني: الحرمان من الرؤية ـ بل صريحة في انتظار العذاب الفاقر، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأوّل وهو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.
***
ثمّ إنّ في الآية دليلاً واضحاً على أنّ المراد من النظر غير الرؤية; وذلك لأنّه إذا أُريدت الرؤية نسب النظر إلى العيون لا إلى الوجوه، فالمسند إليه في الآيتين هو الوجوه:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ)
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ)
وهذا يدلّ على أنّ النظر حتى بمعنى الرؤية كناية عن الانتظار لرحمة الله سبحانه، وهو دليل على أنّه كُنّي بالنظر إلى الله عن الانتظار لرحمته وشمول فضله وكرمه، وله نظائر في الكتاب العزيز، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَ أَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَ لاَ يَنْظُرُ

صفحه 36
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لاَ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).1
والمراد من قوله: (وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) هو المعنى المكنّي عنه، أي عدم شمول رحمته لهم.
إلى هنا تبيّن مفهوم الآية وأنّ ما ذكرناه هو مدلولها لكن بشرط التدبّر، ولا صلة له بالتأويل الباطل الذي ورد في النص النبوي: «أنّ مَن فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».
ونظير الآية قوله سبحانه في سورة عبس، حيث يحكي أنّ وجوه الناس في يوم القيامة على نحوين، كما يقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ).2
فإذا أردنا تنزيل تلك الآيات الأربع على ما ورد في سورة القيامة تكون بالشكل التالي:
      سورة القيامة                                          سورة عبس
1. (وُجوهٌ يومَئِذ ناضِرَة)                  1. (وُجوهٌ يومئذ مُسفِرَةٌ).
2. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)                        2.(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ).
3. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ)               3.(وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ).
4. (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)               4. (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ).
فبما أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً فعليك رفع الإبهام عن قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بما ورد في سورة عبس، فقد جاء فيها ما يقابله قوله تعالى:(ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) فأين هذا من رؤية الله تبارك وتعالى.
وعلى هذا فإنّ أصحاب الوجوه الناضرة والوجوه المسفرة نصيبهم

1. آل عمران:77.
2. عبس:38ـ 41.

صفحه 37
شمول الرحمة لهم، ولذلك تراها ضاحكة مستبشرة تنتظر رحمة الله عزّ وجلّ.

الدليل الثاني(لصاحب المقال)

قال: قد طمع موسى في رؤية الله فأخبره ربه أنّه لن يراه في الدنيا ولا يستطيع، قال تعالى:(وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي...)1.
فلو كانت الرؤية أمراً مستحيلاً لما خفي على موسى أنّه مستحيل.
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ أخذ بآية واحدة، وترك التدبّر في سائر الآيات الواردة حول الموضوع، وتصوّر أنّ الكليم ابتدأ بالسؤال وأُجيب بالنفي، وعلى ذلك بنى استدلاله بأنّه لو كان ممتنعاً لما سأله الكليم.
ولكن الحقيقة غير ذلك وإليك بيانها: إنّ الكليم لمّا أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء وسأل الله سبحانه أن يكلّمه فلمّا كلّمه الله وسمعوا كلامه، قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً)فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم وعتوّهم واستكبارهم.
وإلى هذه الواقعة تشير الآيات التالية:
1. (وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).2
2. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ).3

1. الأعراف:143.
2. البقرة:55.
3. النساء:153.

صفحه 38
3. (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ).1
إلى هذه اللحظة الحسّاسة لم يَحم الكليم حول الرؤية ولم ينبس بها ببنت شفة ولم يطلب شيئاً، بل طلب منه سبحانه أن يجيبهم حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا: إنّك لمّا لم تكن صادقاً في قولك: إنّ الله يناجيك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم الله وبعثهم معه كما يحكي مقاله عنه سبحانه ويقول: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ).
فلو كان هناك سؤال من موسى(عليه السلام) فإنّما كان بعد هذه المرحلة وبعد إصابة الصاعقة للسائلين وعودهم إلى الحياة بدعاء موسى.
وعند ذلك يطرح السؤال الآتي:
هل يصحّ أن ينسب إلى الكليم ـ بعد ما رأى بأُمّ عينيه ما أصاب القوم من الصاعقة والدمار، إثر سؤالهم ـ طلب الرؤية وأنّه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرّر أو بلا ضرورة؟ أو أنّه ما قام بالسؤال ثانياً إلاّ بعد إصرار قومه وإلحاحهم عليه أن يسأل الرؤية لا لهم بل لنفسه، حتى تحصل رؤية الله مكان رؤيتهم، فيؤمنوا به بعد إخباره لهم بالرؤية.
لا شكّ أنّ الأوّل بعيد جداً لا تصحّ نسبته إلى مَن يملك شيئاً من العقل والفكر، فضلاً عن نبي عظيم مثل الكليم، كيف وقد رأى جزاء مَن سأل الرؤية، فالثاني هو المتعيّن.

1. الأعراف:155.

صفحه 39
وفي نفس الآية قرائن تدلّ على أنّ السؤال في المرّة الثانية كان بإصرار القوم وإلحاحهم وكفى في القرينة عليه، قوله:(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)حيث يعدّ سؤال الرؤية من فعل السفهاء، ومعه كيف يصحّ له الإقدام بلا ملزم ومبرّر أو بلا ضرورة وإلجاء، وبما أنّ الله سبحانه يعلم بأنّه لم يقدم على السؤال إلاّ بإصرار قومه حتى يفحم هؤلاء ويسكتهم، لم يوجّه إلى الكليم أيّة مؤاخذة بل خاطبه بقوله:(لَنْ تَرَانِي وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).
***
ونحن نعيد السؤال على المستدلّ بأنّ المسلمين اتّفقوا على امتناع رؤية الله في الدنيا أو عدم جواز طلبها، فحينئذ فهل كان موسى جاهلاً بهذا الأمر، أو عالماً؟ والأوّل غير لائق بمقام كليم الله، والثاني ينافي عصمته، إذ مع علمه بالامتناع أو بعدم جواز الطلب، فكيف طلب رؤية الله من غير مبرر وبلا سبب وجيه؟!

الدليل الثالث (لصاحب المقال)

قوله تعالى في الكفّار:(كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ)1.
فلو كان الحجب عامّاً للكافر والمؤمن لما كان وجه لتخصيص الكفّار به.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من الحجب هو الحرمان عن رؤية الله سبحانه، مع أنّ المناسب لظاهر الآية كونهم محجوبين عن رحمة ربهم بسبب الذنوب التي اقترفوها.
وإليك الآية مع ما قبلها وما بعدها:
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا

1. المطففين:15ـ 16.

صفحه 40
كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ).1
فإنّ لحن الآية يكشف عن غضب الله عليهم من أجل وصف الآيات بأنّها من أساطير الأوّلين، وعندئذ استوجبوا أمرين:( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجُوبُونَ): أي محرومون عن رحمته ومغفرته، وبالتالي: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ): أي يُصلون النار، ولا دلالة في الآية على أنّ المراد هو الحجب عن الرؤية وإنّما هو تأويل جرّ القائلَ به الرأيُ المسبق فهؤلاء تبنّوا عقيدة، ثم ذهبوا يطلبون الدليل لها من الذكر الحكيم، وهذا هو نفس تفسير القرآن بالرأي.

الدليل الرابع(لصاحب المقال)

قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)2
ثم قال: المراد من الزيادة التي وُعِد بها المؤمنون، هو النظر إلى وجهه الكريم.
يلاحظ عليه: بأي دليل جعل متعلّق الزيادة هو الرؤية؟ إذ لا دليل على حمل اللام على العهد بل المراد الجنس، ومعنى الآية إنّ الذين أحسنوا لهم المثوبة الحسنى مع زيادة على ما يستحقّونه، فقد جرت سنّة الله على جزاء سيئة بمثلها وجزاء الحسنة بأكثر منها. قال سبحانه:(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).3

1. ا لمطففين:13ـ 16.
2. يونس:26.
3. يونس:27.

صفحه 41
وفي آية أُخرى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).1
هذه هي الآيات التي استدلّ بها الكاتب تبعاً للرازي وغيره على رؤية الله تعالى يوم القيامة.
***
ثمّ إنّ الكاتب قال: تواترت الروايات حول الرؤية، وذكر منها رواية أبي هريرة، قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أنّ الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنّكم ترونه كذلك.
أقول: إنّ هذا الحديث مهما كثرت رواته وتعدّدت نقلته، لا يصحّ الركون إليه في منطق الشرع والعقل، وذلك لأنّه:
1. أنّه خبر واحد لا يفيد علماً في باب الأُصول والعقائد، وإن كان حجّة في الفروع والأحكام، لأنّ المطلوب في العقائد هو الإذعان ورفع الريب والشكّ عن وجه الشيء، وهو لا يحصل بخبر الواحد أو بخبر الاثنين إنّما يحصل إذا بلغ حدّاً يورث القطع والإذعان.
2. أنّ هذا الحديث رواه مسلم أيضاً في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وجاء في ذيله هذه الفقرات:
«... حتى إذا لم يبق إلاّ مَن كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: فما تنتظرون، تتبع كلّ أُمّة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نُشرك بالله شيئاً

1. الأنعام:160.

صفحه 42
مرتين أو ثلاثاً حتى أنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى مَن كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلاّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياء إلاّ جعل الله ظهره طبقة واحدة كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه...».1
أقول: ماذا يريد الراوي بقوله: «أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها... فيقول: أنا ربّكم»؟ فهل كان لله سبحانه صوراً متعدّدة يعرفون بعضها وينكرون البعض الآخر وما ندري متى عرفوها؟ فهل كان ذلك منهم في الدنيا؟ أو كان في البرزخ أو في الآخرة؟!
وماذا يريد الراوي بقوله:«نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه»؟! فإنّ معناه أنّ المؤمنين والمنافقين يعرفون الله سبحانه بساقه، فكانت هي الآية الدالّة عليه.
***
إنّ القائل بالرؤية تمسّك بآيات زعم دلالتها على إمكان الرؤية ووقوعها يوم القيامة، ولكنّه غضّ النظر عن الآيات الكثيرة التي تصف الرؤية بأنّها أمر غير ممكن، ومن المعلوم أنّ القرآن كلام إلهي ليس فيه أي تناقض واختلاف، وهذه هي واحدة من جهات إعجازه، قال سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا).2
ونحن مهما تجرّدنا عن كلّ شيء لا يمكن أن نتجرّد عن القول بأنّ الرؤية رهن المقابلة والجهة والمكان، فهي عبارة عن وجود الرابطة بين الرائي والمرئي، فيجب أن يكون المرئي في مكان حتى تتحقّق تلك الرابطة بوسيلة الرائي، من غير فرق بين القول بأنّ الرؤية عبارة عن انطباع صورة المرئي في

1. صحيح مسلم:1/115، باب معرفة طريق الرؤية.
2. النساء:82.

صفحه 43
العين ـ كما عليه العلم الحديث ـ أو بخروج إشعاع منها ـ كما عليه بعض القدماء ـ فعلى ذلك فالرؤية سواء أكانت في الدنيا أو الآخرة رهن تواجد المرئي في جهة ومكان، وهذا يضاد صريح القرآن الكريم الذي يقول: (وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَما كُنْتُم).1
ويقول عزّ وجلّ: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أيْنَ ما كانُوا).2
ولمّا رأى القائلون بالرؤية أنّ الآيات تكذبها صاروا إلى تأويلها بأنّ المراد: علمه سبحانه بالأشياء في كلّ مكان، لا ذاته، وهو تأويل باطل على خلاف صريح الآية، ولو تكلّم به أهل التنزيه سوف يتّهمون بأنّهم جهميّون.

نظرية تافهة

التقيت في ماضي السنوات في دمشق مع بعض شيوخ الأشاعرة الذين كانوا يصرّون على إمكان الرؤية، فلمّا ألزمتهم بأنّ الرؤية رهن تصوير مكان لله سبحانه، وتواجده في جهة، قالوا كلاماً تافهاً حاصله: إنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا، وهذا الكلام عليه مسحة من الحق، لكن لا يعنى به أنّ حقيقة الأشياء في الآخرة تباين حقيقتها في الدنيا، وهذا مثل أن يقال: إنّ حقيقة المربع والمثلث في الآخرة غيرهما في الدنيا، أو إنّ نتيجة (2×2) تصير في الآخرة خمسة، بحجّة أنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا، وإنّما المراد من هذه القاعدة هو أنّ كلّ ما يوجد من الأشياء في الآخرة يكون بأكمل الوجود وأمثله، لا أنّه يباينه على وجه الإطلاق، يقول الله سبحانه:(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا).3

1. الحديد:4.
2. المجادلة:7.
3. البقرة:25.

صفحه 44
ونظير ذلك حينما قابلني شاب مثقف في مؤتمر في تركيا وقد دارالحديث بيني وبينه حول الرؤية، فقلت له: إنّ لي سؤالاً لو أجبت عنه، لوافقتك على ما تقول، قال: ما هو؟
قلت له: هل المرئي يوم القيامة وجوده سبحانه كلّه أو بعضه، فإن قيل بالأوّل يلزم أن يكون سبحانه مُحاطاً والمشاهِد محيطاً، وهو باطل بالضرورة، قال سبحانه: (وَ لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ)1، فكيف يمكن الإحاطة بوجوده سبحانه؟
وإن قيل بالثاني فيلزم أن يكون سبحانه مركب من جزأين أو أجزاء، والتركّب آية الإمكان، لاحتياج الكلّ إلى الجزء، والمحتاج ممكن مخلوق حادث، فلا يكون واجباً.

حوار بين الإمام الرضا(عليه السلام) وبعض المحدّثين

وفي نهاية الكلام نذكر الحوار الذي جرى بين الإمام الثامن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) وأحد المحدّثين في عصره.
قال أبو قرّة: فإنّا روينا: أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى(عليه السلام) الكلام ولمحمد(صلى الله عليه وآله)الرؤية.
فقال أبو الحسن(عليه السلام): «فمَن المبلّغ عن الله إلى الثقلين الجن والإنس أنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، أليس محمد(صلى الله عليه وآله)؟» قال: بلى.
قال أبو الحسن(عليه السلام):«فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: إنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء، ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً

1. البقرة:255.

صفحه 45
وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون أتى عن الله بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».
فقال أبو قرّة: إنّه يقول: (وَلَقَدْ رَاَهُ نَزْلَةً أُخْرى).1
فقال أبو الحسن(عليه السلام): «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى)2، يقول: ما كذّب فؤاد محمد(صلى الله عليه وآله) ممّا رأت عيناه، ثم أخبر بما رأت عيناه، فقال: (لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)3، فآيات الله غير الله، وقال: (وَلا يُحيطُونَ به عِلماً)4 فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة»، فقال أبو قرة: فتكذّب الرواية؟
فقال أبو الحسن(عليه السلام): «إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه إنّه لا يحاط به علماً ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء».5
وكلمتي الأخيرة هي بذل النصح لهؤلاء الذين يعيشون في إطار محدود وبيئة ضيقة أن يقرأوا ويدرسوا كتب الشيعة الإمامية عن كثب، وأخصّ بالذكر كتب العقائد والمعارف بدقّة وإمعان نظر، من دون نظر مسبق فربما يحصل التقارب بين الطائفتين والتفاهم بين الفئتين، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.

1. النجم:13.
2. النجم:11.
3. النجم:18.
4. طه:110.
5. الاحتجاج للطبرسي:2/375ـ376.

صفحه 46
الصفات الخبرية في الكتاب والسنّة
3

الصفات الخبرية في الكتاب والسنّة

قسّم المتكلّمون صفاته سبحانه إلى قسمين: ثبوتية وسلبية، أو جمالية وجلالية. ويشير الأوّل إلى وجود صفة في ذاته سبحانه كالعلم والقدرة والحياة، ويشير القسم الثاني إلى نفي نقص عنه سبحانه كنفي الجسم والتحيّز والحركة والتغيّر.
وتسمية هذين القسمين بالجمالية والجلالية مأخوذة من الكتاب العزيز، قال تعالى:(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)1.
كما أنّهم قسّموا صفاته سبحانه إلى صفة الذات وصفة الفعل. ويشير الأوّل إلى ما يكفي في وصف الذات به فرض نفس الذات فحسب، كالقدرة والحياة والعلم. ويشير الثاني إلى ما يتوقّف توصيف الذات به على فرض الغير معه وراء الذات وهو فعله سبحانه، وهذا كالخلق والرزق ونظائرهما.
وهناك تقسيم آخر وهو يختصّ بأهل الحديث حيث يقسّمونها إلى ذاتية وخبرية، وأُريد من الأُولى الصفات الكمالية، وأُريد من الثانية ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به النبي(صلى الله عليه وآله)ككونه ذا وجه، ويدين، وأعين، إلى غير ذلك من الصفات التي لو وصف بها سبحانه بمعانيها المتبادرة عند العرف للزم التجسيم

1. الرحمن:78.

صفحه 47
والتشبيه.
هذه هي التقسيمات الرائجة في صفاته سبحانه.

ما هو الميزان في معرفة صفاته تعالى؟

اتّفق المسلمون ـ عدا المشبّهة والمجسّمة ـ على أنّ الميزان في وصفه سبحانه بأي وصف من الأوصاف هو تنزيهه سبحانه عن الجسم والجسمانية والتشبيه بالممكنات ذاتاً ووصفاً، لقوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)1، وقوله سبحانه: (وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)2، وهذا هو الأساس، فعلى الباحث في صفاته سبحانه أن يهتمّ به، ولا يجرّه اتّباع السلف أو غيرهم إلى خرق هذه القاعدة.
***

صرف الظاهر عن ظاهره

لا شكّ أنّ ظواهر القرآن حجّة بلا كلام، فمن أراد صرف الظاهر عن ظاهره فقد أخطأ خطأً كبيراً بل يُعدّ عمله هذا داهية كبرى وطامّة عظمى، فإنّ تأويل الظاهر هو مخطّط أهل الكتاب خصوصاً في هذه السنوات التي دلّت البحوث العلمية على بطلان شيء كثير من العهدين فصاروا يأوّلون الظواهر ويصرفونها عن ظواهرها لكي يستروا به عوار العهدين، فما روي عن الصاوي من أنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنّة من أُصول الكفر3، أمر غير مقبول، وسيوافيك ما لعلّه هو المقصود منه.

1. الشورى:11.
2. التوحيد:4.
3. حاشية تفسير الجلالين في تفسير قوله سبحانه:(وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًاً).(الكهف:23)

صفحه 48
هذا ما هو الأصل بين المحقّقين من علماء الإسلام.
نعم لو دلّ دليل قطعي أو حجّة شرعية على خروج فرد من تحت العام ممّا لا إشكال فيه لجريان السنّة على فصل المخصّصات عن العمومات، والمقيّدات عن المطلقات، من غير فرق بين القوانين الشرعية والقوانين الوضعية، إنّما الكلام في غير هذا المورد فما دلّ عليه ظاهر الكتاب والسنّة يجب الأخذ به دون أدنى تصرّف.
لكن الذي نلفت نظر القارئ إليه أنّ الظواهر على قسمين:
1. كلام له ظهور مستقرّ وليس له إلاّ محتمل واحد، وهذا ما لا يجوز صرفه عن ظاهره.
2. كلام له ظهور متزلزل ومحتملات متساوية، فهذا ممّا لابدّ من إرجاعه إلى المحكمات حتى يستقرّ ظهوره. وإرجاع الظاهر المتزلزل إلى المحكم المستقّر ظهوره ليس من باب صرف الظاهر عن ظهوره، وإنّما هو من قسم التدبّر في الآية الذي أمرنا الله به في الذكر الحكيم1 حتى يظهر ما هو المقصود، وذلك من طريق جمع القرائن الداخلية والخارجية، ولعلّ الصاوي أراد هذا القسم من الظواهر، وإلاّ فكلامه مردود.
ولنأت بمثال:
يقول سبحانه:(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ)2.
لا شكّ أنّ الآية ظاهرة ظهوراً بدئياً في أنّ لله سبحانه يدين اثنتين بهما خلق آدم، وفي آية أُخرى تدل على أنّ لله أيدي فوق الاثنتين قال تعالى: (أَوَ لَمْ

1. (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ)(ص:29).
2. ص:75.

صفحه 49
يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ)1.
إنّما الكلام في أنّ هذا الظهور هل هو ظهور مستقرّ نأخذ به ونتّبعه؟ أو هو ظهور غير مستقرّ، لابدّ من إرجاعه إلى المحكمات؟ ومن المعلوم أنّ تفسيره باليدين أو الأيدي الجسمانية أمر يرفضه جلّ المسلمين، لكونه مخالفاً لقوله سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، ومن جانب آخر يجب تفسير الآية وفهمها وهناك يأتي دور التحقيق والتدبّر في الآية; أمّا الآية الأُولى فالتركيز على أنّه سبحانه خلق آدم بيديه ليس إلاّ لذم الشيطان لتركه السجود لآدم، قائلاً بأنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يمكنك يا إبليس ألاّ تسجد له، بل هو مخلوق خلقته بنفسي ونفخت فيه من روحي فهو مخلوقي الذي قمت بخلقه ومع ذلك تمردّت عن السجود له، فقوله سبحانه: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)جار مجرى: لما خلقت أنا، وذلك مشهور في لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك، وهذا ما جرّت عليه يداك. وإذا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه ولا ينطق لسانه ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الغاية فيه النفي عن الفاعل.2
وحصيلة الكلام: أنّ هذا التركيب في لغة العرب يستعمل تارة في إثبات الفعل للفاعل، وأُخرى في نفي الفعل عن غير الفاعل، فليس هذا التفسير صرفاً للظاهر عن ظهوره بل تعييناً لظهوره المستقرّ.
وبعبارة أُخرى: هناك ظهور تصوّري، وهناك ظهور تصديقي; فالظهور التصوّري يدفعنا إلى أنّ المراد من اليدين هو الجارحتان، ولكن الظهور التصديقي يدفعنا إلى ما هي الغاية من إلقاء هذا الكلام وهو التركيز على أنّه فعلي لا فعل غيري.

1. يس:71.
2. أمالي السيد المرتضى:1/565.

صفحه 50
فعدم سجودك لآدم إهانة لي قبل أن يكون إهانة لآدم.
وأمّا الآية الثانية فالظهور التصوّري يدفعنا إلى القول بالتشبيه والتجسيم، ولكن الظهور التصديقي ـ بعد التدبّر في موقف الآية وما هو الغرض النهائي منها ـ يدفعنا إلى تفسيرها بالنحو التالي:
إنّ قوله:(مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)كناية عن تفرّده تعالى بخلق الأنعام وأنّه لم يشاركه أحد فيها، فهي مصنوعة لله تعالى، والناس مكان أن يشكروا لله يكفرون بنعمته.
وهذا التفسير ليس صرفاً للظاهر عن ظاهره بل تعييناً لظهوره، وهناك آية ثالثة في هذا المضمار يقول سبحانه:(وَ السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ)1، فالظهور التصوّري يدفعنا إلى أنّ لله سبحانه جوارح فوق الاثنتين، لكنّ التدبّر في الآية وموقفها وما سيقت لأجله يدفعنا إلى أنّه سبحانه بصدد بيان قوة واستحكام بناء السماء بقرينة قوله: (وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ)وكأنّه سبحانه يقول: والسماء بنيناها بقدرة عظيمة ونوسعها في الخلقة.
وبعبارة واضحة: لا أقول إنّ الأيدي مستعملة في القوة والقدرة، بل أقول: إنّ اليد والأيدي مستعملة في المعنى اللغوي، لكنّ الأخذ بالمعنى اللغوي ظهور تصوّري يؤخذ به إذا لم تدلّ قرينة على أنّ المراد هو الظهور التصديقي، وقد عرفت وجود القرائن، أعني: ما سيقت الآيات لأجله، يدفعنا إلى جعل الكلام كناية على أنّه المباشر للفعل لا غيره كما في الآيتين الأُوليين و أنّ المخلوق ـ السماء ـ ذو إحكام وإتقان لا يتصدّع ولا ينهدم في الآية الثالثة.
وبذلك عرفت أنّ حمل الآية على خلاف ظاهرها التصديقي الذي استقرّ ظهور الكلام فيه، أمر غير جائز مطلقاً إلاّ فيما جرت السيرة فيه، أعني: مجال

1. الذاريات:47.

صفحه 51
التشريع، مثل: حمل المطلق على المقيّد، والعام على الخاص وما ربّما يتراءى من المشايخ من «أنّ الظواهر خفيفة المؤونة يمكن التصرّف فيها» صحيح في الظهور البدوي أو الظهور الجزئي لا في الظهور الجملي والتصديقي الاستقراري.
فإن قلت: أو ليس هذا تأويلاً والتأويل على خلاف القاعدة؟
قلت: سواء أسميته تأويلاً أو لا، فهذا النوع من التفسير عين السنّة الجارية في حوارات العقلاء بعضهم مع البعض الآخر، فالذي يعيّن الظهور هو الغاية التي سيق الكلام لأجلها.
فلو قال: زيد كثير الرماد، وكان الغرض ذمّه، فهو يدلّ على أنّ بيته مليء بالنفايات، ويؤخذ بهذا الظهور؟
وإن كانت الغاية من هذا الكلام بيان جوده وكرمه وإحسانه وتكريمه للضيوف، يؤخذ بالظهور التصديقي وهو كونه كريماً. ونحن لا نستوحش من لفظة التأويل وإنّما نلفت نظر القارئ إلى سيرة العقلاء وسيرة العرب في حواراتهم.
فظهر ممّا ذكرنا أُمور:
1. المتّبع الظهور التصديقي لا التصوّري.
2. المتّبع ما سيق له الكلام من الغاية دون تجريد الكلام عنها.
3. المتّبع هو الظهور الجملي للكلام لا الظهور الجزئي.
إذا عرفت هذه المقدّمات فلنذكر الآراء في الصفات الخبرية التي شغلت بال المحدّثين وقسماً من أهل السنّة عبر قرون.

صفحه 52

1. قول المشبّهة

وهو إجراء الصفات على الله سبحانه بنفس المعاني المرتكزة في أذهان الناس، من دون تصرّف فيها، فقد زعموا أنّ لله عينين ويدين ورجلين مثل الإنسان.
وبما أنّ هذا القول إلحاد في دين الله وخروج عن الدين لا نحوم حوله، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا بحوث في الملل والنحل.1

2. قول المثبّتة

إنّ المحدّثين وتبعهم الشيخ الأشعري يجرون الصفات الخبرية على الله بالمعنى المتبادر منها في العرف، لكن لما استشعروا بأنّ ذلك يورث التشبيه أضافوا إليه قولهم: بلا كيف. يقول الشيخ الأشعري: وإنّ الله استوى على عرشه، كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )2، وإنّ له وجهاً بلا كيف، كما قال:(وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ).3 وإنّ له يدين بلا كيف، كما قال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)4 وكما قال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )5 وإنّ له عيناً بلا كيف، كما قال: (تَجْري بِأَعْيُنِنَا)6.7

بين التشبيه والتعقيد

أقول: إنّ عقيدة الأشعري ومَنْ قبله، دائرة بين التشبيه والتعقيد، وكلاهما

1. الملل والنحل:2/121ـ 127.
2. طه:5.
3. الرحمن:27.
4. ص:75.
5. المائدة:64.
6. القمر:14.
7. الإبانة:18.

صفحه 53
مرفوضان.
توضيحه: إنّ اليد والوجه والرجل موضوعة للأعضاء الخاصّة في الإنسان، ولا يتبادر منها إلاّ ما يتبادر عند أهل اللغة، وحينئذ فإن أُريد منها المعنى الحقيقي يلزم التشبيه، وإن أُريد غيره فذلك الغير إمّا معنى مجازي أُريد منه بحسب القرينة فيلزم التأويل وهم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك، وإمّا شيء لا هذا ولا ذاك، فما هو ذلك الغير؟ بيّنوه لنا حتى تتّسم العقيدة بالوضوح والسهولة، ونبتعد عن التعقيد والإبهام، وإلاّ فالقول بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، ألفاظ جوفاء وشعارات خدّاعة لا يستفاد منها شيء سوى تخديش الأفكار وتضليلها عن جادة الصواب.
وباختصار: إنّ المعنى الصحيح لا يخرج عن المعنى الحقيقي والمجازي، وإرادة أمر ثالث خارج عن إطار هذين المعنيين يعدّ غلطاً وباطلاً، وعلى هذا الأساس لو أُريد المعنى الحقيقي لزم التشبيه بلا إشكال، ولو أُريد المعنى المجازي لزم التأويل، والكلّ ممنوع عندهم، فما هو المراد من هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة؟
إنّ ما يلهجون به ويكرّرونه من أنّ هذه الصفات تجري على الله سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة، إذ لو كان إمرارها على الله بنفس معانيها الحقيقية لوجب أن تكون الكيفية ملحوظة حتى يكون الاستعمال حقيقياً، لأنّ الواضع إنّما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي يكون قوامها بنفس كيفيتها، ويكون عمادها وسنادها بنفس هويتها الخارجية، فاستعمالها في المعاني الحقيقية بلا كيفية أشبه بالأسد بلا ذنب ولا مخلب ولا ولا... فقولهم: «المراد هو أنّ لله يداً حقيقية لكن لا كالأيدي» أشبه بالكلام الذي يناقض ذيله صدره.
أضف إلى ذلك: أنّه ليس في النصوص من الكتاب والسنّة من هذه

صفحه 54
«البلكفة» أثر ولا عين، وإنّما هي ذرائع للردّ على الخصم والنقض عليهم، وأنّ لازم إمرارها على الله بنفس معانيها، هو التجسيم والتشبيه.
وبما ذكرنا في المقام تقدر على تفسير الآيات التالية وتمييز الظهور التصوّري عن التصديقي، نظير:
1. العين، كقوله سبحانه:(وَ لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني )1.
2. اليمين، كقوله سبحانه:(وَ السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ )2.
3. الاستواء، كقوله سبحانه:(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )3.
4. النفس، كقوله سبحانه:(تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ )4.
5. الوجه، كقوله سبحانه:(فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)5.
6. الجنب، كقوله سبحانه:(عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ)6.
7. القرب، كقوله سبحانه:(فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)7.
8. المجيء، كقوله سبحانه:(وَجَاءَ رَبُّكَ)8.
9. الإتيان، كما قال سبحانه:(أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)9.
10. الغضب، كما في قوله:(وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ)10.

1. طه:39.
2. الزمر:67.
3. طه:5.
4. المائدة:116.
5. البقرة:115.
6. الزمر:56.
7. البقرة:186.
8. الفجر:22.
9. الأنعام:158.
10. الفتح:6.

صفحه 55
11. الرضا، كما في قوله: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ )1.
إلى غير ذلك من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم وأخبر عنها الوحي، فللجميع ظواهر غير مستقرّة لا تلائم الأُصول الواردة في محكمات الآيات، ولكن بالإمعان والدقّة يصل الإنسان إلى مآلها ومرجعها وواقعها، وهذا لا يعني حمل الظاهر على خلافه بل التتبّع لغاية العثور على الظاهر، إذ ليس للمتشابه ظهور مستقرّ في بدء الأمر حتى نتبعه.

إكمال وإيضاح

نقول: إنّ قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) مركّب من كلمتين: الاستواء، والعرش...
لا شكّ أنّ الاستواء يحكي عن نوع علو واستعلاء، إنّما الكلام هل المراد هو العلو بالمكان أو المراد العلو المعنوي، فابن تيمية وأتباعه الذين انتشروا في البلاد يصرّون على تفسير الآية بالعلو في المكان ولمّا رأوا أنّ هذا التفسير يوجب اتّهامهم بالتشبيه والتجسيم التجأوا إلى قولهم: «بلا كيف» أو الاستواء اللائق بالله سبحانه، وقد استخدم الكلمة الأخيرة الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره المسمّى «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، قال في تفسير قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ): أنّها صفة كمال وجلال لائقة بالله جلّ وعلا ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله.2
ونحن نفسّر الآية على ضوء الضابطة التي بيّناها بتمييز الظهور التصوّري عن التصديقي، والظهور الجزئي الإفرادي عن الظهور الكلّي الجملي، وبالأخصّ ملاحظة الغاية التي سيقت الآية من أجلها.

1. المائدة:119.
2. أضواء البيان:7/290.

صفحه 56
أقول: قال شيخ السلف من المفسّرين أبو جعفر الطبري: الاستواء في كلام العرب على وجوه:
1. انتهاء شباب الرجل وقوّته. يقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل...
2. استقامة ما كان فيه أود من الأُمور والأسباب، يقال: استوى لفلان أمره إذا استقام له بعد أود، ومنه قول الطرمّاح:
طال على رسم محدّد أبده *** وعفا واستوى به بلده
يعني استقام به.
3. الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان، بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه.
4. الاختيار والاستيلاء، كقولهم: استوى فلان على المملكة، أي احتوى عليها وحازها.
5. العلو والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به: عَلَى عليه.
ثم قال: وأولى المعاني بقول الله جلّ ثناؤه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ )1: علا عليهن وارتفع، قد برأهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات.2
ترى أنّ هذا الشيخ السلفي لا يفسّر الاستواء على العرش بالجلوس، ولا بالاستقرار، بل أشبه بعلو الملك والسلطان على عرشه كما هو المراد من قوله سبحانه:(وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
ويدلّ على هذا عدّة أُمور:
1. أنّ العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يفهمون من الاستواء ـ إذا وقع

1. البقرة:29.
2. تفسير الطبري:1/150.

صفحه 57
وصفاً لموصوف بالقدرة والعظمة ـ شيئاً سوى العلو المعنوي، فما جاء في شعر الطرماح، قوله: واستوى به بلده، حيث فسّر بمعنى: استقام به.
2. قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
يريد أنّه تسلّط على البلد وأهله بلا حرب.
3. قال الشاعر:
ولمّا علونا واستوينا عليهم *** تركناهم مرعى لنسر وكاسر
فالاستواء في الجميع استعمل في العلو المعنوي والتسلّط التام، لا الاستقرار والجلوس على السرير.
4. العرش يفارق السرير، فإنّ الثاني خاص للنوم والجلوس العالي، وأمّا العرش فهو خاصّ بالاستعلاء عليه وتدبير الأُمور مع الوزراء حوله.
5. إنّ هذه الفقرة جاءت في القرآن الكريم في مواضع سبعة، وقد احتفّت بذكر ما يدلّ على تدبيره سبحانه صحيفة الكون.
ومن تتبّع القرآن الكريم وأمعن النظر في الموارد الّتي ورد فيها استواؤه سبحانه على العرش في موارد متعدّدة يجد أنّه ذكر مقروناً بفعل من أفعاله، دال على غناه المطلق، وتسلّطه التام واستعلائه مثل رفع السماوات بغير عمد، قال سبحانه:(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ)1.
وإليك سائر الآيات الّتي جاء فيها هذا الأمر، قال سبحانه:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ

1. الرعد:2.

صفحه 58
النَّهَارَ)1.
وقال سبحانه: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ).2
وقال سبحانه: (الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا).3
وقال سبحانه: (اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَ لاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ).4
وقال سبحانه:(هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا).5
والناظر في هذه الآيات يرى أنّه سبحانه عندما يذكر استواءه على العرش، يذكر آثار قدرته وعظمته من خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتدبيره الأمر (يُدَبِّرُ الأَمْرَ )، وأنّه لا مؤثّر ولا موجد إلاّ بإذنه(مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)، ومن علمه الوسيع بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، كلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية في جميع الموارد تهدف إلى علوّه سبحانه على عالم الوجود الإمكاني، وأنّه بجملته في سلطانه وقدرته، ولا يخرج شيء من حيطة قدرته، وأين هذا في تفسيره بالجلوس أو الاستقرار على العرش الذي هو فوق السماوات ناظراً إلى ما دونه (تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا

1. الأعراف:54.
2. يونس:3.
3. الفرقان:59.
4. السجدة:4.
5. الحديد:4.

صفحه 59
كَبِيرًا).
وهذا النوع من التفسير ليس صرف الظاهر عن ظاهره بل سعيٌّ لتبيين الظاهر عن غيره، وتمييز الظهور التصديقي عن التصوّري، وتجسيد للتدبير.
ونعم ما فسّر الطبري لفظ (الواسع) في قوله سبحانه: (وَاللهُ واسعٌ عَليم)1 بقوله: والله واسع الفضل، جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم فإنّ الله واسع يوسّع عليهم من فضله إن كانوا فقراء.2
كما أنّ الشيخ البخاري فسّر الوجه في قوله سبحانه: (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ )3 بالملك.4
فليس لأنصاف المتعلّمين في هذا اليوم اتّهام العلمين (الطبري والبخاري) بصرف الظاهر عن ظاهره، وبالتأويل الممقوت، وإنّما سعيا في تبيين ما هو الظاهر.
ولعلّ هذا المقدار كاف في تزييف هذا القول الذي لا يعدو عن التشبيه أو التعقيد.
ولنصرف الكلام في القول الثالث حول الصفات الخبرية.

3. التفويض أو تعطيل العقول عن التفكير

إنّ جماعة من أهل السنّة جنحوا إلى نظرية التفويض، وحاصلها: الإيمان بكلّ ما جاء في القرآن والسنّة من الصفات التي وصف الله سبحانه نفسه بها إجمالاً وتفويض ما يراد منها إليه.يقول الغزالي: وأقلّ ما يجب اعتقاده على

1. النور:32.
2. تفسير الطبري:18/98.
3. القصص:88.
4. صحيح البخاري:6/17، تفسير سورة القصص.

صفحه 60
المكلّف هو ما يترجمه قوله: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله. ثمّ إذا صدّق الرسول فينبغي أن يصدّقه في صفات الله بأنّه حيّ قادر، عالم متكلّم مريد، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، وعلى هذا الاعتقاد المجمل استمرّت الأعراب وعوام الخلق، إلاّ من وقع في بلدة تقرع سمعه فيها هذه المسائل كقدم القرآن وحدوثه، ونفي الاستواء والنزول وغيره.1
إنّا لا نلوم أصحاب هذه النظرية فإنّها نظرية مَن لا يتعرّض للأبحاث المهمّة ولا يقتحم العقبات، ويرى أنّه يكفيه في النجاة قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمد رسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم شهر رمضان» فهو يرى أنّ التفويض أسلم من الإثبات الذي ربما ينتهي عند الأخذ بالظاهر التصوّري إلى التجسيم والتشبيه المبغوض أو إلى التعقيد والألغاز إذا قيّد بـ «اللاكيف» أو «اللائق بمكانه» الذي لا ينسجم مع سمة سهولة العقيدة.

4. التأويل

إنّ تأويل نصوص الآيات وظواهرها على الإطلاق في مورد الصفات الخبرية وغيرها بلا دليل وحجّة شرعية ليس بأقل خطراً من الجمود، لو لم يكن أكثر، إذ ينتهي ذلك القسم من التأويل إلى الإلحاد وإنكار الشريعة.
ونحن نركّز على لزوم الأخذ بظاهر الكتاب والسنّة الصحيحة لكن الكلام في تشخيص الظاهر التصديقي عن الظاهر التصوّري، والظاهر الجملي عن الظاهر الإفرادي، مثلاً: هل اليد في قوله تعالى: (وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).2 ظاهرة في الجارحة

1. علاقة الإثبات:162، نقلاً عن الرسالة الواعظية.
2. الإسراء:29.

صفحه 61
المخصوصة، أو كناية عن الجود والبذل(بسط اليد) أو البخل والتقتير(غلّ اليد).
وهذا هو الذي يجب بذل الجهد في سبيل معرفته، بدل السب والشتم، أو التفسيق والتكفير.
ولو أنّ قادة الطوائف الإسلامية وأصحاب الفكر منهم، نبذوا الآراء المسبقة والأفكار الموروثة وركّزوا البحث على تشخيص الظاهر عن غيره، حسب المقاييس الصحيحة، لارتفع جدال الناس ونقاشهم حول الصفات، الذي دام مئات السنين.
ونركّز أخيراً أنّ ما أخذناه ليس تأويلاً وإنّما هو استنطاق للمراد من الآية، ولو سمّي به فهو ليس من التأويل الممقوت الذي يتّخذ الآية دليلاً على عقيدة مسبقة، كما هو دأب الملحدين.
ثمّ إنّ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي مؤلف «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» قد تأثّر بالأفكار الوهابية في تفسيره هذا، ومن غريب ما تحامل به على أصحاب التنزيه الذين يفسّرون الاستواء بالاستيلاء قوله: إنّ هؤلاء لم ينكروا أنّ كلمة القرآن هي استوى، ولكن حرّفوها وقالوا في معناها استولى، وإنّما أبدلوها بها، لأنّها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن، لأنّ كلمة القرآن توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزّهة اللائقة بالله مع أنّه لا يعقل تشبيه أشنع هنا تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم، باستيلاء بشر على العراق.
وهل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش، واستولى عليه؟
وهل يوجد شيء إلاّ والله مستول عليه، فالله مستول على كلّ شيء.

صفحه 62
وهل يجوز أن يقال إنّه تعالى استوى على كلّ شيء غير العرش؟1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تفسير كلمة بكلمة أُخرى لو كان بمعنى أنّ كلمة القرآن توهم غير اللائق، يجب سد باب التفسير، فإنّ المفسّرين ـ والمؤلّف أحدهم ـ يوضح معنى الآية بكلمة أُخرى أو بتعبير آخر، فهل معنى ذلك أنّ التعبير القرآني غير لائق.
ثانياً: أنّ ما زعمه: «هل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش» كلام خاو عن المعنى،وذلك لأنّه بصدد الردّ على الوثنيين الذين زعموا أنّه سبحانه بعد ما خلق السماوات والأرض فوّض أمر التدبير إلى العقول والنفوس أو الملائكة والجن أو الأصنام والأوثان، ولأجل ردّ هذه المزعمة يقول سبحانه: إنّه المدبّر لا غير، وإنّه هو مستعل على العرش، وأنّه على القدرة التي خلق السماوات والأرض فدبّر أمرهما بعد الخلق. ففي الصفحات التي خصّها ببيان الصفات الخبرية التي تناهز 26 صفحة ملاحظات كثيرة لا أُريد أن أُسوّد كتابي بها وبأجوبتها، عفا الله عنا وعنه.

1 . أضواء البيان:7/296.

صفحه 63
ثبات الأنواع أو تطوّرها في الذكر الحكيم
4

ثبات الأنواع أو تطوّرها في الذكر الحكيم

ظهرت عام 1859م نظرية تطور الأنواع التي ترى أنّ الإنسان وكافة الكائنات الحيّة تكوّنت من أنواع سبقتها نتيجة تحوّل تدريجي مستمر من غير فرق بين الإنسان وغيره، على خلاف القول بأصالة الأنواع وأنّ كلّ كائن حيّ خلق خلقاً خاصّاً ولم يتحوّل من نوع آخر.
ثمّ إنّ صاحب النظرية تشارلز داروين(1809ـ 1882م) بناها على أركان أربعة:
1. ناموس التنازع والبقاء.
2. ناموس الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح.
3. ناموس الوراثة.
4. ناموس الملاءمة مع البيئة.
وقد شرحنا هذه النواميس التي اعتمد عليها داروين في محاضراتنا التي حرّرها ولدنا الفاضل المحقّق الشيخ جعفر الهادي في كتاب «الله خالق الكون» فمن أراد الوقوف على تفصيل هذه المباحث فليرجع إليه.1

1. ا لله خالق الكون:668ـ 681.

صفحه 64
إنّما الكلام فيما يستفاد من القرآن حول نظرية خلقة الإنسان وهل القرآن يؤيّد ثبات الأنواع بالأخصّ خلقة الإنسان وأنّه خلق يوم خلق بهذا النحو، أو أنّ خلقته رهن تحول تدريجي من نوع إلى نوع حتى صار إنساناً؟ ومن قرأ القرآن الكريم حول خلقة آدم يقف على مراحل ثلاث مرّت على خلقة آدم أبي البشر ولا صلة لها بالتطوّر الذي يدّعيه أتباع مذهب تطوّر الأنواع، وإليك بيان تلك المراحل الثلاث:

المرحلة الأُولى: التراب المتحوّل

تدلّ الآيات على أنّه مرّت على المرحلة الأُولى التي هي التراب حالات مختلفة، وهي:
1. التراب، قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب)1.
2. الطين، قال تعالى: (اَلذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِين)2.
3. الطين اللازب، قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب).3
4. الحمأ المسنون، قال تعالى:(وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون).4
5. سلالة من طين، قال تعالى:(وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين).5

1. آل عمران:59.
2. السجدة:7.
3. ا لصافات:11.
4. ا لحجر:26.
5. المؤمنون:12.

صفحه 65
6. الصلصال، قال تعالى:(خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ).1
هذه هي المرحلة الأُولى من خلقة الإنسان التي تتشكّل من حالات ست.

المرحلة الثانية: مرحلة التصوير

يقول سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ).2
فكأنّ قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) كناية عن المرحلة الأُولى بحالاتها الست، ولذلك أجمل الكلام وعطف عليه التصوير.
وفي سورة أُخرى يقول: (وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ).3 فعبر عن التصوير بالتسوية.
وأمّا نسبة هذه الأُمور إلى عامّة الناس كما هو الظاهر من ضمائر الجمع في قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فلأجل أنّ خلقة آدم رمز لخلقة أولاده، ولذلك نسب ما للوالد إلى الأبناء أيضاً.

المرحلة الثالثة: مرحلة نفخ الروح

تدلّ الآيات على أنّه سبحانه بعد ما سوّى آدم أبا البشر نفخ فيه من روحه، قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).4
هذه هي المراحل التي تدلّ عليها الآيات الشريفة وقد عرضناها على وجه الإجمال، وتدلّ الآيات بوضوح على أنّه كان لآدم تخطيط خاص لا صلة له بسائر الأنواع، ولم يكن هناك تخطيط مشترك بينه وبين سائر الأنواع.

1. ا لرحمن:14.
2. ا لأعراف:11.
3. الحجر28 ـ 29.
4. الحجر:29.

صفحه 66

دليل القائل بتطوّر الأنواع من القرآن

وربّما يستدلّ على النظرية الدارونية ببعض الآيات أوضحها قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحًا وَ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَ آلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)1، وظاهر الآية أنّه سبحانه
اصطفى كلاًّ من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران من الناس الموجودين في زمانهم، ولازم ذلك وجود إنسان في زمان آدم أيضاً حتى يتحقّق الاصطفاء بالنسبة إليه بتقديمه عليه، فلو كان آدم أبا البشر ولم يكن إنسان قبله فما معنى
أنّه اصطفاه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر مبني على أنّ المراد من العالمين هو الناس المتواجدون في عصر كلّ واحد من هؤلاء الأنبياء، مع أنّ المراد بالعالمين هو كلّ إنسان يظهر على صحيفة الوجود من عصر آدم إلى يوم القيامة والله سبحانه هو الذي اصطفى هؤلاء منهم.
ويكفي في صدق الاصطفاء في حقّ آدم وجود أقوام بعد عصره إلى يوم القيامة.
هذه هي شجرة وجود آدم أبي البشر، وهي شجرة طيبة لم تختلط بسائر الأنواع النازلة، وأمّا شجرة أبنائه فقد ذكرها سبحانه بقوله:(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَة مِنْ مَاء مَهِين)2
وبذلك ظهر أنّه لم يتدخل في خلقة أبناء آدم غير شيء واحد يسمّى: (مِنْ مَاء مَهِين).
وهنا يجب أن ننوّه إلى وجود أمر نفسي وهو أنّ القول بتطوّر الأنواع وأنّ

1. آل عمران:33 ـ 34.
2. السجدة:8.

صفحه 67
الإنسان كان في بدء وجوده خلية ثم تطوّر إلى نوع بعد نوع حتى أصبح حيواناً ذا قوائم أربع إلى أن تحوّل إلى حيوان ذي قائمتين، كلّ ذلك يورث العقدة في نفس الإنسان حيث يرى أنّ شجرة وجوده حقيرة مهينة. فأي النظريتين أطيب في النفس.

صفحه 68
حياة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قبل البعثة حافلة بالكرامات   
5

حياة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قبل البعثة حافلة بالكرامات

إنّ المتطلّع على حياة الأنبياء ـ الذين يذكرهم القرآن الكريم ـ يجد أنّها حافلة بالكرامات، فهذا هو طاغية مصر كان يذبح أبناء بني إسرائيل خوفاً من ولادة موسى الذي أُخبر أنّ هلاكه على يده، ومع ذلك كلّه فقد شملته الرعاية الإلهية فنجا من الذبح، بل دخل في بيت فرعون وتربّى في رعايته، كما يقول سبحانه:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ جُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَ قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْن لِي وَ لَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).1
وهذا هو سيدنا عيسى المسيح(عليه السلام) فقد شملته العناية الإلهية منذ أن كان في رحم أُمِّه دون أن يكون هناك لقاء بينها وبين رجل، وقد حملته أُمُّه حتى أجاءها المخاض إلى جذع النخلة فقد ولدته تحت جذعها، وتساقط عليها من ذلك الجذع رطب جني، ولمّا جاءت به قومها ووجهوا لها تهمة باطلة، أبطل الله سبحانه تهمتهم بأن أنطق صبيّها وهو في المهد، قائلاً:(قَالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَ جَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَ أَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَ بَرًّا بِوَالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْني جَبَّارًا شَقِيًّا * وَ السَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ

1 . القصص:8ـ9.

صفحه 69
وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا).1
فإذا كانت هذه مكانة موسى الكليم والمسيح عيسى ابن مريم(عليهما السلام) فالنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) أولى بأن تشمله الرعاية الإلهية والكرامات المتوالية منذ أيام رضاعه إلى شبابه وحتى بعثته، وها نحن نذكر شيئاً يسيراً من كرامات الله سبحانه على نبيّه الخاتم، كما جاء في كتب السيرة.

1. الكرامة الإلهية أيام الرضاع

نقل أهل السِّير عن حليمة السعدية أنّها لمّا دخلت دار عبد المطلب وسمع بمجيئها جاء من ساعته ودخل الدار، ووقف بين يدي حليمة، ففتحتْ حليمة جيبها وأخرجت ثديها الأيسر، وأخذت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فوضعته في حجرها، ووضعت ثديها في فمه، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) ترك ثديها الأيسر واضطرب إلى ثديها الأيمن، فأخذت حليمة ثديها الأيمن من يد النبي(صلى الله عليه وآله) ووضعت ثديها الأيسر في فمه. وذلك أنّ ثديها الأيمن كان جهاماً2، وخافت حليمة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) إذا مصّ الثدي3 ولم يجد فيه شيئاً لا يأخذ بعده الأيسر، فيأمر عبد المطّلب بإخراجها من الدار، فلمّا ألحّت على النبي(صلى الله عليه وآله) أن يأخذ الأيسر والنبيّ يميل إلى الأيمن، فصاحت عليه وقالت: يا ولدي مصّ الأيمن حتّى تعلم أنّه جهام يابس لا شيء فيه، قال: فلمّا مصّ النبيّ الأيمن امتلأ فانفتح باللّبن حتّى ملأ شدقيه4 بأمر الله تعالى وببركته، فضجّت حليمة وقالت: واعجباه منك يا ولدي، وحقّ ربِّ السماء ربّيتُ بثديي الأيسر اثني عشر ولداً، وما ذاقوا من ثديي الأيمن

1 . مريم:30ـ 33.
2 . أي كان خالياً من اللبن ولم يكن يدرّ به، والجهام: السحاب لا ماء فيه.
3 . في المصدر: الثدي الأيمن.
4 . في المصدر: حتى امتلأ شدقيه كفم رأس الزق، بأمر الله.

صفحه 70
شيئاً، والآن قد انفتح ببركتك.1
إنّ الإنسان المادي أو غيره ممّن اغترّ بقشور العلم قد يُنكر هذه الكرامة أو يشكّك فيها ويعتبرها من نسج الخيال، وولائد الأوهام، ويقول في نفسه كيف يمتلأ الثدي الجهام عبرَ سنين باللبن، بمصّ الطفل؟ ولكنّ الإنسان الإلهي يؤمن بأنّ قدرة الله سبحانه وإرادته النافذة فوق العلل والأسباب الطبيعية وأنّه تعالى:(فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)2، ولكنّ هذا الإنسان لا يرى تلك الكرامة إلاّ مظهراً من مظاهر المشيئة المطلقة، الّتي لا يحدّها شيء، وأثراً من الآثار الّتي تصنعها الإرادة المدبّرة، وتقتضيها الحكمة البالغة. وكيف لا يؤمن بذلك، وهو يرى ما يشابهها في حياة مريم أُمّ عيسى(عليهما السلام)، فالقرآن يحدّثنا عن تساقط الرطب الجنيّ من جذع النخلة اليابسة كرامة لوالدة المسيح عندما لجأت إليها عند المخاض، يقول سبحانه:(أَلاَّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).3
نعم، ثمّة فرق بين مريم الصدِّيقة وبين حليمة من حيث الملَكات والمكانة والمنزلة، لكن إذا استوجبت منزلة مريم هذا اللطف الإلهي، ففي المقام ما يستوجب هذه العناية الإلهية، أعني: منزلة هذا الوليد العظيم.

2. تعرّف نصارى الحبشة عليه وهو طفل

كان النبي(صلى الله عليه وآله) في أحضان مرضعته(حليمة) يعيش معها، والذي سبّب إرجاعه إلى عبد المطلب ما ذكره ابن هشام، قال: قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أهل العلم:
أنّه ممّا هاج أُمَّه السعدية على ردّه إلى أُمّه، مع ما ذكرتْ لأُمّه ممّا أخبرتها

1 . المناقب لابن شهر آشوب:1/24; بحار الأنوار:15/345.
2 . هود:107.
3 . مريم:24ـ 25.

صفحه 71
عنه، أن نَفَراً من الحبشة نصارى، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه، ثمّ قالوا لها: لنأخذنّ هذا الغلامَ، فلنذهبن به إلى مَلِكنا وبَلَدِنا، فإنّ هذا غلامٌ كائن له شأن نحن نعرف أمره. فزعم الّذي حدّثني أنّها لم تكد تنفلت به منهم.1
وهذا ليس أمراً بعيداً، لأنّه سبحانه يحكي أنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي(صلى الله عليه وآله) كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه:(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ
كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ
)2، ويقول أيضاً:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ)3، إلى غير
ذلك من الآيات التي تدلّ على أنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي(صلى الله عليه وآله) بشمائله وصفاته.

3. ابتعاده عن الوثنية منذ نعومة أظفاره

كان النبي(صلى الله عليه وآله) يعيش في الصحراء مع إخوته لأُمّه الرضاعية، ولمّا تمّت له ثلاث سنين، قال يوماً لحليمة السعدية: مالي لا أرى أخويّ بالنهار؟ قالت له: يا بنيّ، إنّهما يرعيان غنيمات.
قال: فمالي لا أخرج معهما؟
قالت له: أتحبّ ذلك؟ قال: نعم.
قالت حليمة: فلمّا أصبح محمّد، دهّنته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يماني، فنزعه ثم قال لأُمّه: مهلاً يا أُمّاه فإنّ معي من يحفظني.4

1 . السيرة النبوية:1/167.
2 . البقرة:146; الأنعام:20.
3 . الأعراف:157.
4 . بحار الأنوار:15/392، نقلاً عن المنتقى للكازروني، الباب الثاني من القسم الثاني.

صفحه 72

4. إعراضه عن الحلف باللاّت والعزّى

خرج النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) مع غلام خديجة (ميسرة) إلى الشام، ولمّا حضر رسول الله(صلى الله عليه وآله) سوق بُصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى غيرها، فكان بينه وبين رجل اختلاف في شيء، فقال له الرجل: احلفْ باللاّت والعزّى، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ما حلفت بهما قط، وإنّي لأمرّ فأعرض عنهما».1

5. رعيُه الغنم وتعويد النفس على مشاقّ الأُمور

روى ابن هشام عن ابن إسحاق، قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «ما من نبيّ إلاّ وقد رعى الغنم». قيل: وأنت يا رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ قال:«وأنا».
وجاء في هامش سيرة ابن هشام نقلاً عن «الروض الأُنُف»: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) رعاها بمكة على قراريط لأهل مكّة.2
ولعلّ وجه ذلك أنّ رعيَ الغنم من مشاقّ الأُمور، فإنّ شخصية عظيمة يفترض أنّها ستواجه طواغيت قريش كأبي جهل وأبي لهب، لابدّ أن تتسلّح قبل ذلك بسلاح الصبر، وتتجهّز بأداة التحمّل، وتتزوّد بقدرة الاستقامة، وهذا لا يمكن إلاّ بتعويد النفس على المشاقّ قبل النهوض بعبء المسؤوليّة.
فبناء شخصية كريمة سامية صلبة، لا تلين ولا تستكين أمام إيذاء الجهّال، وسفَه الأنذال، وطغيان الجبابرة، رهنُ ترويض النفس على مشاقّ الأُمور، وصعاب الأعمال والأفعال.
ولعلّ هناك سبباً آخر لانتخابه رعي الغنم في الصحاري، وهو أنّه كان يرى بأُمّ عينيه دبيب الظلم والحيف بين قريش، وبخس حقوق الضعفاء منهم، وكان يشقّ عليه أن يرى تعاونهم على الإثم والعدوان وبخس الحقوق، ولا يتمكّن من

1 . طبقات ابن سعد:1/256.
2 . سيرة ابن هشام:1/167.

صفحه 73
ردعهم، فاختار العيش في الصحراء حتى يكون بعيداً عن هذه المظاهر المؤلمة المخزية مدة خاصّة.

6. مشاركته في حلف الفضول

حاصله: أنّه دخل رجل من زبيد مكة المكرّمة في شهر ذي القعدة الحرام، وعرض بضاعة للبيع فاشتراها منه العاص بن وائل لكن حبس عنه حقّه، فاستدعى عليه الزبيدي قريشاً وطلب منهم أن ينصروه على العاص، ولأجل أن يبلغ صوته أسماع قريش عامّة نادى بأعلى صوته وهم في أنديتهم حول الكعبة:
يا آل فهر لمظلوم بضاعتُه *** ببطن مكّة نائي الدار والنَفَر
ومُحرمٌ أشعثٌ لم يَقض عُمْرتَه *** يا للرِّجال وبين الحِجر والحَجَر
إنّ الحرام لِمَنْ تَمَّت كرامته *** ولا حَرام لِثوب الفاجر القذرِ
فأثارت هذه الأبيات العاطفية مشاعر بعض شباب قريش، وبينهم النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم في وجه الظالم، حتّى يؤدّي إليه حقَّه، ما أمكنهم ذلك، فمشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه.
ولمّا كانت أسماء المتحالفين مشتقة من لفظة الفضل(كفضل بن فضالة، وفضل بن الحارث، وفضل بن وداعة)، سُمّي الحلف بـ«حلف الفضول»، وقد شارك رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيه، ونقلت عنه هاتان الكلمتان.
قال(صلى الله عليه وآله):«لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيتُ به في الإسلام لأجبت».
وكان يقول: «ما أحبّ أنّ لي به حُمر النِّعَم وإنّي كنت نقضته».1

1 . السيرة الحلبية:1/156ـ157; ولاحظ: الطبقات الكبرى لابن سعد:1/129.

صفحه 74
وما ذكرناه حول حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أيام طفولته وشبابه يُجسّدُ لنا قوله سبحانه:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى).1

1 . الضحى:6ـ8.

صفحه 75
عصمة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في الكتاب والسنّة   
عصمة أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في الكتاب والسنّة
6

عصمة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)

في الكتاب والسنّة
قبل الدخول في صلب الموضوع نمهّد له بأمرين:

الأوّل: حقيقة العصمة

إنّ حقيقة العصمة عن اقتراف المعاصي ترجع إلى أحد أُمور ثلاثة ـ على وجه مانعة الخلو، وإن كانت غيرمانعة الجمع ـ وهي:

1. العصمة الدرجة القصوى من التقوى

العصمة ترجع إلى التقوى لكنّها ترجع إلى درجة أعلى منها، فما توصف به التقوى وتعرف به، تعرف وتوصف به العصمة.
لا شكّ أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فإذا بلغت تلك الحالة إلى نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال، وذميم الفعال على وجه الإطلاق، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية، فالمعصوم ليس خصوص مَن لا يرتكب المعاصي ويقترفها، بل هو مَن لا يحوم حولها بفكره.
إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصّة كسائر الملكات النفسانية من الشجاعة والعفّة والسخاء; فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً،

صفحه 76
وسخياً وباذلاً، وعفيفاً ونزيهاً، يطلب في حياته معالي الأُمور، ويتجنّب عن سفاسفها فيطرد ما يخالفه من الآثار، كالخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبح والسوء، ولا يُرى في حياته أثر منها.
ومثله العصمة، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه يصل الإنسان إلى حد لا يُرى في حياته أثر من العصيان والطغيان، والتمرّد والتجرّي، وتصير ساحته نقية عن المعصية.
وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يمكّنه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر لا يسع المقال لبيانه.
فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.
فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختصّ بطبقة خاصّة من الناس، لكن العصمة النسبية تعمّ كثيراً من الناس من غير فرق بين أولياء اللّه وغيرهم، لأنّ الإنسان الشريف ـ الذي لا يقل وجوده في أوساطنا ـ وإن كان يقترف بعض المعاصي لكنّه يجتنب عن بعضها اجتناباً تامّاً بحيث يتجنّب حتى التفكير بها فضلاً عن الإتيان بها.
مثلاً الإنسان الشريف لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وإن عُرضت عليهم مكافآت مادّية كبيرة، فإنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفعال المنكرة غير موجودة في نفوسهم، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولا يحدّثون بها أنفسهم أبداً.
والعصمة النسبية التي تعرّفت عليها تُقرِّب حقيقة العصمة المطلقة في أذهاننا، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في الإنسان مبلغاً كبيراً ومرحلة

صفحه 77
شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع القبائح، يصير معصوماً مطلقاً، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل صار معصوماً نسبياً.
وعلى الجملة: إذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة، يصير الإنسان معصوماً تامّاً منزّهاً عن كلّ عيب وشين.
***

2. العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي

قد تعرّفت على النظريّة الأُولى في حقيقة العصمة وأنّها عبارة عن: الدرجة العليا من التقوى، غير أنّ هناك نظرية أُخرى في حقيقتها، لا تنافي النظرية الأُولى، بل ربّما تعدّ من علل تحقّق الدرجة العليا من التقوى التي عرّفنا العصمة بها وموجب لتكوّنها في النفس، وحقيقة هذه النظرية عبارة عن «وجود العلم القطعي اليقيني بعواقب المعاصي والآثام» علماً قطعياً لا يُغلب ولا يدخله شكّ، ولا يعتريه ريب، وهو أن يبلغ علم الإنسان درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى وتبعاتها فيها، ويصير على حد يدرك بل يرى درجات أهل الجنة ودركات أهل النار، وهذا العلم القطعي هو الذي يزيل الحجب بين الإنسان وتوابع الأعمال، ويصير الإنسان مصداقاً لقوله سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم) 1، وصاحب هذا العلم هو الذي يصفه الإمام علي (عليه السلام) بقوله: «فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون».2
فإذا بلغ العلم إلى هذه الدرجة من الكشف يصد الإنسان عن الاقتراب من

1 . التكاثر: 5 ـ 6.
2 . نهج البلاغة:2/187، الخطبة 188، طبعة عبده.

صفحه 78
المعاصي واقتراف المآثم، بل لا يجول حولها فكره.
ولتوضيح تأثير هذا العلم في صيرورة الإنسان معصوماً من اقتراف الذنب نأتي بمثال:
إنّ الإنسان إذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها قتل الإنسان إذا مسّها من دون حاجز أو عائق بحيث يكون المسّ والموت مقترنين، أحجمت نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والاقتراب منها دون عائق.
أو أنَّ الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، إذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السل، لم يقدم على شربه والاغتسال منه ومباشرته مهما اشتدت حاجته إلى ذلك لعلمه بما يَجُرُّ عليه الشرب والاغتسال بذلك الماء الموبوء، فإذا وقف الإنسان الكامل على ما وراء هذه النشأة من نتائج الأعمال وعواقب الأفعال ورأى بالعيون البرزخية تبدّل الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة إلى النار المحماة التي تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن إنفاقها في سبيل اللّه.
قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) .1
إنّ ظاهر قوله سبحانه: (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ) هو أنّ النار التي تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، ليست إلاّ نفس الذهب والفضة، لكن بوجودهما الأُخرويّين، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين فهذه الأجسام الفلزية، تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة، وفي النشأة الأُخروية في صورة النيران المحماة.

1 . التوبة : 34 ـ 35.

صفحه 79
فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وإن كان لا يحسّ فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها، إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس، الحسَّ المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها، فلو فرض إنسان كامل يمتلك هذا الحسّ إلى جانب بقية حواسّه العادية المتعارفة ويدرك بنحو خاص الوجه الآخر لهذه الفلزات، وهو نيرانها وحرارتها، يجتنبها، كاجتنابه النيران الدنيوية، ولا يقدم على كنزها وتكديسها.
وهذا البيان يفيد أنّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون مغلوباً للشهوات والغرائز.
قال جمال الدين مقداد بن عبد اللّه الأسدي السيوري الحلي في كتابه القيّم «اللوامع الإلهية»: «ولبعضهم كلام حسن جامع هنا قالوا: العصمة ملكة نفسانية يمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه، وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، لأنّ العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء، والطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس فتصير ملكة».1
يقول العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد: إنّ القوة المسمّاة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك، لتسرّب إليها التخلّف، ولتخبّط الإنسان على أثره أحياناً، فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة، التي تقبل الاكتساب والتعلّم، وقد أشار اللّه في خطابه الذي خصّ به نبيه بقوله: (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) 2 وهو خطاب خاص لا نفقهه

1 . اللوامع الإلهية: 170.
2 . النساء: 113.

صفحه 80
حقيقة الفقه، إذ لا ذوق لنا في هذا المجال.1
وهو قدّس سره يشير إلى كيفية خاصة من العلم والشعور الذي أوضحناه بما ورد حول الكنز وآثاره.
***

3. الاستشعار بعظمة الرب وكماله وجماله

إنّ هاهنا نظرية ثالثة في تبيين حقيقة العصمة يرجع لبّها إلى أنّ استشعار العبد بعظمة الخالق وحبه وتفانيه في معرفته وعشقه له، يصدّه عن سلوك ما يخالف رضاه سبحانه.
وتلك النظرية مثل النظرية الثانية لا تخالف النظرية الأُولى التي فسّرنا العصمة فيها بأنّها الدرجة العليا من التقوى، بل يكون الاستشعار والتفاني دون الحق سبحانه، والعشق لجماله وكماله، أحد العوامل لحصول تلك المرتبة من التقوى، وهذا النحو من الاستشعار لا يحصل إلاّ للكاملين في المعرفة الإلهية البالغين أعلى قممها.
إذا عرف الإنسان خالقه كمال المعرفة الميسورة، وتعرّف على معدن الكمال المطلق وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذاباً نحو الحق تعالى، وتعلّقاً خاصّاً به بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً، فهذا الكمال المطلق هو الذي إذا تعرّف عليه الإنسان العارف، يؤجّج في نفسه نيران الشوق والمحبّة، ويدفعه إلى أن لا يبتغي سواه، ولا يطلب سوى إطاعة أمره وامتثال نهيه، ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، مقبوحاً في نظره، أشد القبح. وعندئذ يصبح الإنسان مصوناً عن المخالفة، بعيداً عن المعصية بحيث لا يؤثر على رضاه شيئاً، وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: «ما عبدتك خوفاً من نارك ولا

1 . الميزان في تفسير القرآن: 5/81 .

صفحه 81
طمعاً في جنتك إنّما وجدتك أهلاً للعبادة».1
هذه النظريات الثلاث أو النظرية الواحدة المختلفة في البيان والتقرير تعرب عن أنّ العصمة قوة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع في مخالفة الرب سبحانه وتعالى، وليست العصمة أمراً خارجاً عن ذات الإنسان الكامل وهويته الخارجية.
نعم هذه التفاسير الثلاثة لحقيقة العصمة، كلّها راجعة إلى العصمة عن المعصية والمصونية عن التمرّد كما هو واضح لمن تأمّل فيها، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي وحفظه وإبلاغه إلى الناس، أو العصمة عن الخطأ في الحياة والأُمور الفردية أو الاجتماعية فلا بدّ أن توجه بوجوه غير هذه الثلاثة.

العصمة عن الخطأ

أمّا العصمة عن الخطأ في تحمّل الوحي وحفظه ونقله إلى الأُمّة في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو عصمة أهل البيت(عليهم السلام)في الإفتاء ونقل ما ورثوه من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فهي رهن أمر آخر.
أمّا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه سبحانه يسدّده، بالملائكة كما يقول سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا)2.
فإنّ قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ) بمعنى يجعل له رصداً. فهؤلاء الملائكة هم الذين يسدّدون الأنبياء عن الخطأ في القول والفعل; وأمّا أهل البيت(عليهم السلام)، فبما أنّ عصمتهم عن المعصية والخطأ ثابتة بالدلائل الآتية فلا محيص من القول من أنّ

1 . عوالي اللآلي: 2 / 11 برقم 18 ; بحار الأنوار: 41 / 14 .
2 . الجن: 26 ـ 28 .

صفحه 82
لهم مسدّداً في الإفتاء ونقل الأحاديث وتفسير القرآن الكريم.
أمّا ما هو المسدّد فالبحث عنه موكول إلى مقام آخر.
***

الثاني: العصمة لا تلازم النبوّة

إنّ بعض مَن يتحاشى من وصف غير الأنبياء بالعصمة يتصوّرون وجود الملازمة بين العصمة والنبوة، والحال أنّ بينهما من النسب عموماً وخصوصاً من وجه مطلق، فكلّ نبي معصوم وليس كلّ معصوم بنبي.
فهذه هي مريم العذراء الّتي هي الأُسوة والقدوة للنساء كما عليه قوله سبحانه: (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَ كُتُبِهِ وَ كَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ)1.
وبما أنّه سبحانه جعلها قدوة ومثالاً يحتذى به فلابد أن تكون معصومة عن المعاصي والأخطاء، وإلاّ لايصح أن تكون أُسوة قولاً وفعلاً على الإطلاق. وبالجملة: وجود الملازمة بين الأُسوة المطلقة وبين العصمة .
ويؤيّد عصمتها أيضاً قوله سبحانه: (وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)2، فإن إطلاق قوله: (وَطَهَّرَكِ) يدلّ على طهارتها من الرذائل والذنوب والخطأ والزلل.
كما أنّ منزلة الزهراء (عليها السلام)في حديث أبيها تعرب عن عصمتها قولاً وفعلاً، فقد روى البخاري عن مسعود بن مخرمة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني» 3.

1 . التحريم: 12.
2 . آل عمران: 42 .
3 . صحيح البخاري: 910، برقم 3714 ، فضائل الصحابة; فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7 / 84 .

صفحه 83
وروى الحاكم بإسناده عن علي (عليه السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لفاطمة: «إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» .1
أقول: أيّ مكانة شامخة للزهراء (عليها السلام)حتّى صار غضبها ورضاها ملاكاً لغضبه سبحانه ورضاه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما أنّه عادل وحكيم لايغضب إلاّعلى الكافر والعاصي ولايرضى إلاّ عن المؤمن والمطيع، فلو دلّت الرواية الصحيحة على أنَّ فاطمة غضبت على أحد فهو إمّا كافر أو فاسق.
***
إذا تمّ هذا التمهيد فلنعرّج إلى بيان أدلّة عصمة أهل البيت(عليهم السلام)كتاباً وسنّة، ونقتصر من الكتاب العزيز بآيتين، ومن السنّة بحديثي الثقلين والسفينة. ويقع الكلام في بحثين:

البحث الأوّل: عصمة أهل البيت(عليهم السلام) في القرآن الكريم

الآية الأُولى:

قال سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )2، فيقع الكلام في مقامين:
1. ما هو المراد من أهل البيت(عليهم السلام)؟
2. دلالة الآية على عصمتهم وتنزيههم عن الذنوب.
أمّا المقام الأوّل: فلاشكّ أنّ عبارة (أهل البيت) تعمّ النساء والأزواج لغة وكتاباً، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 154، وقد صحّحه الحاكم.
2 . الأحزاب: 33 .

صفحه 84
بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)1 فقد عُدّت امرأة إبراهيم (عليه السلام)من أهل البيت، والخطاب في الآية أعني قوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ)ناظر إليها .
ومع الاعتراف بذلك لكن المراد به في الآية عبارة عمّن عيّنهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مرّة بعد أُخرى فخصّهم بعلي وفاطمة وابنيهما فتارة يصرّح (صلى الله عليه وآله وسلم)بأسمائهم، كما روى الطبري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وعلي (رضي الله عنه)وحسن (رضي الله عنه)وحسين (رضي الله عنه)وفاطمة رضي الله عنها: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) .2
وأُخرى أدخلهم تحت الكساء، كما أخرج مسلم في صحيحه قال: قالت عائشة: خرج النبي ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فادخله ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).3
وثالثة تلاوة الآيات على بابهم، كما أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت(عليهم السلام)(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).4
وقد بلغ عدد الروايات الواردة في تخصيص أهل البيت بالخمسة ما يناهز 35 رواية أخرجها الطبري في تفسيره والسيوطي في «الدر المنثور» وغيرهما،5وتصل أسانيد الروايات إلى ثمانية من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهم:
1. أبوسعيد الخدري. 2. أنس بن مالك. 3. ابن عباس. 4. أبوهريرة

1 . هود: 73 .
2 . تفسير الطبري: 22 / 9 برقم 21727، دار الفكر ـ 1415 هـ .
3 . صحيح مسلم: 7 / 130، باب فضائل أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
4 . تفسير الطبري: 22 / 9 برقم 21729 .
5 . تاريخ الطبري: 22 / 9 ـ 13 ; الدر المنثور: 5 / 198 ـ 199; تفسير الرازي: 8 / 85 .

صفحه 85
الدوسي. 5. سعد بن أبي وقّاص. 6. واثلة بن الأسقع. 7. أبو الحمراء، أعني: هلال بن الحارث. 8 . أُمهات المؤمنين: عائشة وأُمّ سلمة.
نعم هناك سؤال وهو أنّه لو كان المراد بأهل البيت هؤلاء الخمسة فلماذا وردت الإشارة إليهم في أثناء حديث القرآن عن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
الجواب أوّلاً: أنّ عادة الفصحاء في كلامهم أنّهم ينتقلون من خطاب إلى غيره ثم يعودون إليه ، والقرآن مليء بذلك الأُسلوب، وكذلك كلام العرب وأشعارهم .
قال الشيخ محمد عبده: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ثم يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرّة بعد المرّة .1
ولأجل إيقاف القارئ على صحّة ماقاله نأتي بشاهد على ذلك، فنقول: قال سبحانه ناقلاً عن «العزيز» مخاطباً زوجته: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)2 فنرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ)وقبل أن يفرغ من كلامه معها، يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)... ثم يرجع إلى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)... فقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) جملة معترضة وقعت بين الخطابين، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين، وكانت له صلة بحديث المرأة الّتي رفعت الشكوى إلى العزيز.
وثانياً: أنّ الضمائر في الآية كلّها مذكّرة أعني «عنكم» و «يطهركم»، مع أنّ الضمائر في الآيات المتقدّمة والمتأخّرة كلّها جاءت على وجه التأنيث، وربما يقرب عددها من عشرين ضميراً كلّها مؤنثة، وهذا دليل على أنّ الآية ناظرة إلى

1 . تفسير المنار: 2 / 451.
2 . يوسف: 28 ـ 29 .

صفحه 86
غير النساء.
وإليك صور الضمائر: (يَا أَيُّهَا النَّبي قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَافَتَعَالَيْنَأُمَتِّعْكُنَّوَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ... يَا نِسَاءَ النَّبي مَنْ يَأْتِمِنْكُنَّ... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ...يَا نِسَاءَ النَّبيلَسْتُنَّ... إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ.. وَقُلْنَ... وَقَرْنَ فِيبُيُوتِكُنَّ وَلاَتَبَرَّجْنَ...وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَوَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).1
هذه هي الضمائر المتقدّمة على الآية، وأمّا الضمائر المتأخّرة عنها فهي: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِيبُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ)2 .
والذي يؤكّد خروج النساء عن الآية، هو أنّ الله سبحانه أفرد لفظ البيت في الآية وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، ولكنّه عبّر عن بيوت أزواجه بصيغة الجمع وقال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى). وعلى هذا فهناك «بيت» معروف مشخّص أُضيف إليه لفظ «أهل» فأصبحت العبارة «أهل البيت»، وفي الوقت نفسه هناك بيوت لنسائه وأزواجه، فالمتواجد في البيت الأوّل، غيرالمتواجد في البيوت، فإذا كانت البيوت خاصّة لنسائه (صلى الله عليه وآله وسلم)فيكون البيت خاصّاً لأهل الكساء، إذ الأمر يدور بين الطائفتين ليس غير .
فحول النبي أُسرتان:
أُسرة لها المكانة والفضل لاتّصالها بالنبي لا لذواتهن، ولذا استهلّ سبحانه الآيات بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبي مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة...) و (يَا نِسَاءَ النَّبي لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ)كلّ ذلك يعرب عن أنّ كرامتهنّ لأجل اتّصالهنّ

1 . الأحزاب: 28 ـ 33 .
2 . الأحزاب: 34 .

صفحه 87
بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأُسرة لها الفضل والكرامة لاستحقاقهم وقدسية أنفسهم، فقد أعطى سبحانه كلّ أُسرة حقّها، فقد أدّب الأُسرة الأُولى ونهاهنّ عن أُمور، تمسّ بكرامة زوجهنّ. ثم أخذ بوصف الأُسرة الثانية وتكريمها مشعراً بطهارتهم عن كلّ رجس ودنس .1
فبذلك يعلم وجه ادغام قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ...) في ثنايا الآيات النازلة في حقّ نسائه، فكأنّه سبحانه يريد إعطاء كلّ أُسرة حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّها .
وممّن أصحر بالحقيقة الإمام الشوكاني، قال: وقالت الزيدية والإمامية: إنّ إجماع العترة حجّة واستدلّوا بقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) وأُجيب بأنّ سياق الآية أنّه في نسائه، ثم أضاف وقال: ويجاب عن هذا الجواب بأنّه قد ورد الدليل الصحيح أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسنين، وقد أوضحنا الكلام في هذا في تفسيرنا الذين سمّيناه «فتح القدير» فليرجع إليه .2
نعم ربما ذهب بعضهم إلى نزول الآية في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لكنّهم جماعة لا يعتدّ بقولهم، منهم:
1. عكرمة، ومن المعلوم أنّ عكرمة من الإباضية، فهورجل منحرف عن جادة الحق، ولم يكن ليتحرّز الكذب على ابن عباس3.
2. عروة بن الزبير، ويكفي في عدم حجية قوله عداؤه لعلي وانحرافه عنه.4

1 . انظر: دلائل الصدق للشيخ محمد حسين المظفر: 2 / 72.
2 . إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأُصول: 126 .
3 . لاحظ : ترجمته في ميزان الاعتدال: 3 / 93 ـ 97 ; سير أعلام النبلاء: 5 / 18 ـ 29 .
4 . لاحظ : سير اعلام النبلاء: 4 / 421 ـ 434.

صفحه 88
ومنهم مقاتل بن سليمان، وهو من المشبّهة، وعن الإمام أبي حنيفة قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان; جهم معطل، ومقاتل مشبّه. وفي البخاري: لا شيء البتة. قلت: أجمعوا على تركه1.
ولمّا كان هذا الرأي ـ أعني: اختصاص الآية بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ رأياً قاسياً مخالفاً لرأي جمهور المفسّرين، اتّخذ الآلوسي رأياً وسطاً ليكون جامعاً بين القولين وقال: «والذي يظهر لي: إنّ المراد من أهل البيت من لهم مزيد علاقة به (صلى الله عليه وآله وسلم)ونسبة قوية قريبة إليه عليه الصلاة والسلام بحيث لايقبح عرفاً اجتماعهم وسكناهم معه (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيت واحد، ويدخل في ذلك أزواجه والأربعة أهل الكساء، وعلي كرم الله وجهه مع ماله من القرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد نشأ في حجره ـ عليه الصلاةوالسلام ـ فلم يفارقه وعامله كولده صغيراً وصاهره وآخاه كبيراً.2
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما ذكره هو خلاف ما فهمه زيد بن أرقم ـ ذلك الصحابي ـ من الآية لمّا قيل له: من أهل بيته نساؤه؟! قال: لا وأيم الله إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها.. إلى آخر ما ذكره3.
وثانياً: أنّ تعميم أهل البيت في الآية إلى النساء خلاف ما نصّ عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى الحاكم: عن عطاء بن يسار عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنّها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله

1 . سير أعلام النبلاء: 7 / 220 .
2 . روح المعاني للسيد محمود الآلوسي البغدادي (المتوفّى 1270 هـ): 22 / 19، في تفسير آية التطهير. ط دار احياء التراث العربي ـ بيروت .
3 . صحيح مسلم: 7 / 123، باب فضائل علي(عليه السلام) .

صفحه 89
عنهم ـ فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي.
قالت أُمّ سلمة: يا رسول الله: ما أنا من أهل البيت ؟
قال: إنّك على خير، وهؤلاء أهل بيتي. اللّهم أهلي أحق .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.1
وقال الترمذي بعد نقل الحديث: هذاحديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.2
وثالثاً: أنّ ما ذكره يخالف تخصيص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الآية بأصحاب الكساء بصور مختلفة حتّى جعلهم تحت الكساء وجلّلهم به، حتّى يكون عمله جامعاً ومانعاً للغير. ومع ذلك كيف يصحّ للسيد الآلوسي ـ تعميم الآية؟! فلاحظ .
وبالجملة: الأحاديث المتضافرة بل المتواترة ـ إجمالاً ـ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أخبر عن اختصاص الآية بأهل الكساء وحقّق ما يريده بعناوين متنوّعة، كثيرة لايسعنا نقلها في هذا المقال المطلوب فيه الإيجاز والاختصار.
هذا إجمال ما يمكن أن يقال في نزول الآية في حق الخمسة سلام الله عليهم، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب أصحابنا فلهم بحوث تفصيلية حول الآية.
***
وأمّا المقام الثاني: أي دلالة الآية على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)، فهي مبتنية على ثبوت أمرين:
1. أنّ الرجس أمر يعمّ المعاصي صغيرها وكبيرها.
2. أنّ الإرادة تكوينية لا تشريعية.

1 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 147 .
2 . سنن الترمذي: 5 / 361 برقم 3963، باب ما جاء في فضل فاطمة (عليها السلام).

صفحه 90
أمّا الأمر الأوّل: فقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمان مرّات ووصف بها الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والكافر غير المؤمن بالله، والميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والأوثان، وقول الزور.
فالجامع بينها القذارة الّتي تتنفّر منها النفوس ; سواء أكانت مادّية كما في مورد اللحوم، أم معنوية كما هوالحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه، فالجامع بينهما هي الأعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً.
قال العلاّمة الطباطبائي: الرجس ـ بالكسر والسكون ـ صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر منها، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير، قال تعالى: (أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ )1 وبحسب باطنه أُخرى، وهي الرجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّئ، قال تعالى: (وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ)2، وقال: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)3 .
وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيّئ، وإذهاب الرجس عبارة عن إزالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تضاد حق الاعتقاد والعمل، وعند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلاً للعصمة الإلهية الّتي هي صورة علمية نفسانية، تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيّئ العمل 4، هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

1 . الأنعام: 145.
2 . التوبة: 125 .
3 . الأنعام: 125 .
4 . الميزان في تفسير القرآن: 16 / 330 .

صفحه 91
وأمّا الأمر الثاني: أعني كون الإرادة تكوينية لاتشريعية فأقول:
إنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية أمر واضح، أمّا الأُولى فهي ما تتعلّق بإيجاد الشيء، ومنها قوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)1.
وأمّا الثانية فهي ما إذا تعلّقت إرادته بتشريع حكم من الأحكام وبعث الناس إلى العمل به.
فالإرادة التكوينية لا تنفك عن المراد، بخلاف التشريعية فإنّها لغاية بعث الناس إلى الفعل أو الترك مخيّرين بين الطاعة والعصيان.
فنقول: لاشكّ أنّ الإرادة المتعلّقة بإذهاب الرجس عن أهل البيت بالخصوص تكوينية، إذ لو كانت تشريعية لما اختصّت بطائفة دون طائفة ; لأنّ الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو تطهير عامّة الناس عن الذنوب بقوله سبحانه: (وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)2 .
وإن شئت قلت: تخصيص تعلّق الإرادة بجمع خاص يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية الّتي عمّت الأُمّة جميعاً.
وبعبارة ثالثة: لو كانت الإرادة تشريعية لما احتاج إلى إبراز العناية بصور مختلفة كالتي وردت في الآية، فإليك بيان تلك العناية:
أ. ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر، (إِنَّمَا) ولا معنى له إذا كانت الإرادة تشريعية، لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.
ب. عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ) أي أخصّكم أهل البيت.

1 . يس: 82 .
2 . المائدة: 6 .

صفحه 92
ج. قد بيّن متعلّق إرادته بلفظة (عَنْكُم) وقال : (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).
د. قد أكّده أيضاً بالإتيان بمصدره بعد الفعل وقال: (وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)ليكون أوفى في التأكيد.
هـ . أنّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدلّ على الإكبار والإعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.
و. أنّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الإرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.
وعلى الجملة: العناية البارزة في الآية تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة هناك غير الإرادة العامّة المتعلّقة بكلّ إنسان حاضر أو باد.
وبذلك نقول: تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن القبيح والعصيان كما تعلّقت إرادته بعصمة الأنبياء عن الذنب والعصيان، وقد ثبت في محلّه أنّ العصمة لا تخالف الاختيار، وذلك لأنّ القدرة والتمكّن على من فعل المعصية ثابتان للمعصوم، إلاّ أنّ العصمة تصدّه عن ذلك، فهذا يوسف(عليه السلام) كان قادراً على ارتكاب الفاحشة إلاّ أنّ عصمته منعته عن ذلك، وبهذا استحق الثناء والمدح.

شبهتان ضئيلتان

إنّ السيد محمود الآلوسي ـ مع أنّه من الشرفاء ـ أخذ يناقش دلالة الآية على عصمة أصحاب الكساء بوجهين ضعيفين لايليقان بساحته:
الأوّل: أنّ الآية لا تدلّ على عصمتهم، بل لها دلالة على عدمها. إذ لا يقال في حقّ مَن هو طاهر: إنّي أُريد أن أُطهّرك، ضرورة امتناع تحصيل الحاصل، غاية ما في الباب أنّ كون هؤلاء الأشخاص (رضي الله تعالى عنهم) محفوظين من

صفحه 93
الرجس والذنوب بعد تعلّق الإرادة بإذهاب رجسهم، يثبت بالآية1.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ النبي من أصحاب الكساء والداخل تحت قوله تعالى: (أَهْلَ الْبَيْتِ)فلازم ما ذكره من التفسير: أنّ النبي لم يكن متطهّراً من الرجس قبل هذه الآية وإنّما صار كذلك بعد نزولها، وهو خلاف ما اتّفق عليه المسلمون من عصمته بعد البعثة.
وثانياً: أنّ الإذهاب تارة يطلق ويراد به إذهاب الشيء بعد وجوده كما في قوله تعالى: (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ )2، وأُخرى يطلق ويراد حسم أسباب الرجس وإذهاب المقتضي، لا رفعه بعد وجوده، ونعم ما ذكره الزمخشري حيث قال في تفسير الآية: إنّما يريد لئلاّ يقارف أهل بيت رسول الله المآثم وليتصونوا عنها بالتقوى .3
الثاني: لو تعلّقت إرادته التكوينية بعصمتهم، فيتحقّق عندها الفعل، فعندئذ فأي حاجة لدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّهم حيث روى أنّه قال: اللّهم إنّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، إذ عندئذ يكون أشبه بحصول واجب الحصول.4
يلاحظ عليه: بأنّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما هو للاستمرار، نظير قوله سبحانه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)5، فإنّ معناه طلب استمرار الهداية من الله سبحانه، وهكذا دعاء النبي طلب استمرار الطهارة لأهل بيته في المستقبل أيضاً، إذ من المحتمل أن تتعلّق إرادته سبحانه بفترة خاصّة دون عامّة الفترات، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . روح المعاني: 19 / 18 .
2 . الأنفال: 11.
3 . تفسير الكشّاف: 23 / 538 .
4 . روح المعاني: 19 / 10 .
5 . الفاتحة:6.

صفحه 94
طلب من الله شمولها لعامّة الفترات.
يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسير قوله سبحانه: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)1: إن تلك القوة القدسية التي استعصم بها يوسف (عليه السلام)كانت كأمر تدريجي يفيض عليه آناً بعد آن من جانب الله سبحانه وليست بالأمر الدفعي المفروغ عنه، وإلاّ لانقطعت الحاجّة إليه تعالى، ولذا عبّر عنه بقوله: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي)ولم يقل: «ولم تصرف عني»2.
وحصيلة الكلام: أنّ الممكن في وجوده وبقائه قائم بالله سبحانه فهو في حدوثه رهن العلّة، وهكذا في بقائه لأنّه في حدّ الذات لايملك شيئاً فلذلك هو في كل آن رهن الإفاضة من الله سبحانه إليه، وهذا هو المصحّح لدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لاستمرار تلك الإفاضة.
وأظنّ أنّ هذه الإشكالات كانت واضحة الجواب عند السيد الآلوسي ولكنّ رأيه المسبق في أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أوجد تلك الأفكار في ذهنه.

سؤال وإجابة

ربما يقال: إنّ الآية على فرض دلالتها على العصمة إنّما تدلّ على عصمتهم من العصيان، وأمّا عصمتهم من الخطأ فالآية غير ناظرة إليها .
والجواب: أنّ بعض المفسّرين عمّم الرجس على الفكر الخاطئ في ذهن الإنسان، وبذلك جعل الآية دالّة على العصمة في كلا الموقفين.3
ومع ذلك يمكن الإجابة بالقول بالملازمة بين العصمة من الذنوب والعصمة من الخطأ بالبيان التالي:

1 . يوسف: 33.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 13 / 270 .
3 . نقله الشوكاني في إرشاد الفحول: 126.

صفحه 95
إنّ الهدف الأسمى من وصف أهل البيت(عليهم السلام)بالعصمة ليس إلاّ اتّخاذ الأُمّة لهم أُسوة على الصعيد الفردي والاجتماعي، ومعنى ذلك كونهم معصومين من جميع الجوانب، وإلاّ فلو كانوا يخطأون في بعض الأحيان لما صحّ جعلهم أُسوة على وجه الإطلاق.
وبعبارة أُخرى: إنّ أهل البيت(عليهم السلام)أُسوة قولاً وفعلاً، ومعنى ذلك كونهم مصيبين في مجالي القول والفعل.

الآية الثانية: آية طاعة أُولي الأمر

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً) 1.
وجه الدلالة: أنّه سبحانه عطف أُولي الأمر على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأشرك بينهما وقال: أطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم، ومن المعلوم إنّ إطاعة الرسول غير مقيّدة بشيء لأنّه معصوم لا يأمر إلاّ بالحق وما فيه رضا الله تعالى، فاقتضى أن يكون أُولو الأمر كذلك أيضاً فتجب إطاعتهم مطلقاً، ومن كان كذلك فهو معصوم قطعاً.
وإن شئت فصغه في قالب الكبرى والصغرى، وقل:
أُولو الأمر مَن وجبت إطاعتهم مطلقاً.
ومن وجبت إطاعتهم مطلقاً فهم معصومون.
ينتج: أُولو الأمر معصومون.
وهذا ممّا لا كلام فيه، فقد اعترف بما ذكرنا الفخر الرازي في تفسيره وقال:

1 . النساء: 59 .

صفحه 96
إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد أن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبارالواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوماً.1
ثم إنّ بعض المفسّرين حمل (أُولِي الأَمْرِ) على الأمراء والسلاطين، ومن المعلوم أنّ أُولئك غير معصومين، بل أكثرهم من الفسقة والفجرة الذين يتعاملون بحقوق الشعوب بالحرمان والعصيان، وبعضهم فسّره بالعلماء من أهل الحلّ والعقد، وهذا أيضاً كالتفسير السابق إذ ليسوا بمعصومين قطعاً.
وأمّا تفسيرهم بالخلفاء الراشدين فغير تامّ جدّاً ; لأنّه يستلزم اختصاص الآية بفترة خاصّة لا تتجاوز الأربعين سنة .
فعلى المفسّر المحقّق أن يتحرّى عن المراد بـ (أُولِي الأَمْرِ) فلامعنى لأن يأمر الله سبحانه بإطاعة أُولي الأمر ولكنّه لم يعرّفهم.
والذي يجب أن يقال: إنّهم عبارة عن الخلفاء الاثني عشر الذين عرّفهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بتعابير مختلفة.
أخرج مسلم في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لايزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش» 2.

1 . تفسير الرازي: 10 / 144 .
2 . صحيح مسلم: 6 / 3، ط. دار الفكر بيروت; ولاحظ : سنن أبي داود: 2 / 309 .

صفحه 97
إنّ أحاديث الأئمة الاثني عشر من الروايات الواردة في صحيحي البخاري ومسلم بطرق وصور مختلفة، كلّها تحكي عن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر عن اثني عشر خليفة من بعده، بهم أُنيط عز الإسلام وقوامه، وبما أنّ المقال لا يسع لنقل هذه الروايات فللطالب أن يرجع إلى الصحيحين .1
وقد مرّ أن تفسير أُولي الأمر بالخلفاء الراشدين يستلزم اختصاص الآية بفترة معيّنة ولكن تفسيره بالأئمة الاثني عشر يلازم استمرار وجود أُولي الأمر، فإنّ الإمام الثاني عشر (أعني: المهدي ابن الحسن المنتظر (عليه السلام)) هو حي يرزق سيظهره الله تعالى في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ورد في المصادر الحديثية للفريقين.
1 . روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً».2
2 . أخرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».3
3. أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».4
4 . أخرج الترمذي عن ابن مسعود : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».5
إلى هنا تمّ الكلام في الدليل القرآني على عصمة أهل البيت، بقي الكلام

1 . لاحظ صحيح البخاري: 8 / 127، طبعة دار الفكر، 1401 هـ .
2 . مسند أحمد: 1 / 99 ، 3 / 17 و 70 .
3 . جامع الأُصول: 11 / 48 برقم 7810 .
4 . جامع الأُصول: 11 / 48 برقم 7812 .
5 . سنن الترمذي:3/343 برقم 2332، باب ما جاء أنّ الخلفاء من قريش.

صفحه 98
في ما ورد في السنّة الشريفة من دلائل عصمتهم .

البحث الثاني: عصمة أهل البيت(عليهم السلام) في السنّة النبوية

لقد جاء ذكر أهل البيت وعترته(عليهم السلام) على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعبارات تدلّ على أنّهم لايفارقون الحق ولايميلون إلى الباطل، وقد ورد ذلك المضمون في روايات متعدّدة نخصّ بالذكر منها اثنتين وهما:
1. حديث الثقلين
إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قرن عترته بالكتاب الكريم وجعل التمسّك بهما سبباً لعدم ضلال الأُمّة، ومن المعلوم أنّ القرآن لايأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، فما فيه عين الحق وحق اليقين، فإذن يكون قرينه الذي لا يفترق عنه، مثله، وهذا ما يعبّر عنه بحديث الثقلين لوروده في بعض المتون، وهانحن نذكر الصور المختلفة المتنوعّة من هذا الحديث الذي نادى به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواضع مختلفة، ولعلّ الاختلاف في بعض الألفاظ نابع من إيراده في ظروف متعدّدة، وإليك صور الحديث:
أ. لمّا رجع من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن فقال:
1. كأنّي دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.1
2. يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي.2
3. إنّي تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل

1 . أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم، المستدرك: 3 / 109 .
2 . أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر ونقله عنهما في كنز العمال: 1 / 44 .

صفحه 99
ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ; ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما 1.
4. إنّي تارك فيكم الخليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.2
وقد اقتصرنا في نقل المصادر بالأقل القليل من الكثير وإلاّ فمصادر الحديث كثيرة تناهز العشرات، وقد ألّف غير واحد من أصحابنا كتباً في أسانيد الحديث وتضافره بل تواتره.
ولكن يجب علينا أن نركّز على ما رامه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)من الوصاية بهما، فنقول:
إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد حكم في حديث الثقلين عن وجود التلازم بين عترته أهل بيته وبين الكتاب العزيز وأوصى المسلمين بالتمسّك بهما معاً مصطحبين، ليتجنّبوا الوقوع في الضلالة، وأشار (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» إلى أنّهما بمنزلة التوأمين الخليفتين عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يقتضي أن يكون أهل البيت(عليهم السلام)مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة.
وإن شئت قلت: إنّ ذلك يدلّ على أنّه لابدّ في كلّ عصر، في جملة أهل البيت، من حجّة معصوم مأمون يقطع على صحّة قوله.
وممّا يؤيد ما ذكرنا أنّه ورد في ذيل بعض الروايات أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعدماذكر أنّه مخلّف كتاب الله وعترته أهل بيته، أخذ بيد علي (عليه السلام)ورفعها وقال:

1 . أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم ونقله في كنز العمال: 1 / 44، برقم 874 .
2 . أخرجه أحمد في مسنده: 5 / 182 و189. ولاحظ: مسند أحمد: 3 / 14 و 17 و 26، طبعة دار صادر ـ بيروت; سنن الترمذي: 5 / 328; فضائل الصحابة للنسائي: 15; مجمع الزوائد: 1 / 88 .

صفحه 100
«هذا عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»1أفيشك في عصمة القرآن مسلمٌ؟! فلابدّ أن لا يشكّ في عصمة مَن لا يفارقه.
***

2. حديث السفينة

تضافرت الروايات عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه شبّه أهل بيته بسفينة نوح، وقال ما هذا لفظه: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق» .2
وفي لفظ آخر: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني اسرائيل من دخله غُفر له» .3
إنّ حديث السفينة من الأحاديث المتواترة عند المحدّثين ولايسعنا نقل مصادره، ولمن أراد المزيد الرجوع إلى كتاب المراجعات.4
يقول السيد شرف الدين العاملي: وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم بسفينة نوح، أنّ مَن لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار، ومَن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذاك غرق في الماء وهذا في الجحيم والعياذ بالله.
والوجه في تشبيههم(عليهم السلام)بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والخضوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.

1 . الصواعق المحرقة: 124، طبعة المحمدية بمصر.
2 . مستدرك الحاكم: 2 / 343، و 3 / 151.
3 . مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 168. ولاحظ : المعجم الكبير للطبراني: 3 / 46 ; كنز العمال: 2 / 435 و ج 12 / 98 .
4 . راجع: المراجعات للسيد شرف الدين:75، تحقيق حسين الراضي، الطبعة الثانية ـ 1402هـ .

صفحه 101
وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل نبيّها والاتّباع لأئمتهم مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة. وهذا وجه الشبه، وقد بيّنه ابن حجر في كلامه ـ بعد أن أورد هذا الحديث وغيره قال ـ : ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.. إلى أن قال: وباب حطّة ـ يعني: ووجه تشبيههم بباب حطّة ـ أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمة مودّة أهل البيت سبباً لها.1
هذا ما سمح به الوقت وجاد به الفكر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1 . المراجعات:77: الصواعق المحرقة: 151، الطبعة المحمدية، مصر.

صفحه 102
   
تفسير القرآن بالقرآن منهج مؤيّد بالقرآن والسنّة
7

تفسير القرآن بالقرآن

منهج مؤيّد بالقرآن والسنّة1
إنّ لتفسير الكتاب العزيز مناهج مختلفة، ومن تلك المناهج رفع إبهام الآية بآية أُخرى، وهذا شيء يصدّقه القرآن الكريم والسنّة النبوية والحديث العلوي.
أمّا القرآن الكريم فيكفي في ذلك ما نتلوه عليك (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)2 فإذا كان الكتاب تبياناً لكلّ شيء فحاشا أن لا يكون تبياناً لنفسه بأن يُستوضح معنى الآية بآية أُخرى وردتا في موضوع واحد في سور مختلفة، وقال سبحانه:(وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)3، ومقتضى كون القرآن نوراً أن يكون ظاهراً بنفسه مظهراً لغيره، فهل يعقل أن يكون مظهراً لغيره دون نفسه؟
إنّه سبحانه يقول: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)4، فالآيات المتشابهة بردّها إلى المحكمات تصير

1 . مقال أُلقي في دار تفسير القرآن الكريم للعلاّمة الطباطبائي(قدس سره) ليلة الخميس 2 صفر المظفر 1435هـ .
2. النحل:85.
3. النساء:174.
4. آل عمران:9.

صفحه 103
واضحة المعنى، أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه يصف القرآن بالأوصاف التالية:«هدى» و «بيّنات» و «فرقان» و يقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَ بَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَ الْفُرْقَانِ)1، وهذه الآيات عند التدبّر لا تبقي شكّاً بأنّ من أحد المناهج لرفع إبهام الآيات ضمّ آية إلى آية واردتين في موضع واحد واستيضاح إحداهما بالأُخرى إذا كانتا مختلفتي الدلالة من حيث الخفاء والظهور.
وأمّا السنّة فقد روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) مرسلاً أنّه قال:«إنّ القرآن يصدّق بعضه بعضاً»، وقال الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في كلام له يصف فيه القرآن: «كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض».2
ولأجل إيضاح المقصود نأتي بأمثلة يرى الباحث من خلالها أنّه كيف يفسّر بعض الآيات البعض الآخر بلا تكلّف، وإليك تلك الأمثلة:
***
الأوّل: يقول سبحانه:(وَ أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)3.
الآية تحكي أنّه سبحانه أمطر على قوم لوط مطراً وأهلكهم به، وظاهر المطر هو نزول قطرات الماء من السماء، ولكنّ الآية الأُخرى تبيّن ما هو المقصود ويقول:(وَ أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل)4، وتبيّن أنّ النازل من السماء هو الأحجار الصغيرة التي تقتل بإذن الله كلّ من أصابته.
***

1. البقرة:185.
2. نهج البلاغة: الخطبة 129.
3. الشعراء:173.
4. الحجر:74.

صفحه 104
الثاني: اتّفق فقهاء الشيعة على أنّ القصر في السفر عزيمة لا رخصة مع أنّ ظاهر الآية هي الثانية حيث يقول:(وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ...)1، وهذه المشكلة هي التي عرضها تلميذا أبي جعفر الباقر(عليه السلام) ـ أعني: زرارة ومحمد بن مسلم ـ عليه، فالإمام حلّ العقدة بتفسير تلك الآية بما ورد حول السعي بين الصفا والمروة وقال: أو ليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة:(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)2ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض; لأنّ الله عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي(صلى الله عليه وآله) وذكره الله في كتابه».3
نعم يقع الكلام في وجه التعبير عن العزيمة «بلاجناح» ووجهه: أنّ الآيتين في مقام دفع توهّم الحظر لا في مقام بيان ما هو الحكم الشرعي فإنّه يطلب من السنّة الشريفة .
أمّا دفع توهّم الحظر في آية الطواف بين الصفا والمروة فيظهر ممّا رواه الطبرسي عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه كان في عمرة القضاء، وذلك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام، فتشاغل رجل من أصحابه حتى أُعيدت الأصنام، فنزلت هذه الآية: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا): أي والأصنام عليهما.4
وأمّا نفي الحظر في آية التقصير فلعلّه لدفع توهّم أنّ التقصير يورث نقصان الصلاة، فردّ بقوله تعالى:(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ).
***

1. النساء:101.
2. البقرة:185.
3. الوسائل:5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.
4. مجمع البيان:1/240.

صفحه 105
الثالث: يقول سبحانه: (وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).1
ففي الآية جهات من البحث، منها: ما هو المراد من الكلمات التي أُبتلي بها إبراهيم(عليه السلام)؟
وهناك أقوال وآراء ذكرها المفسّرون، وفي المقام آية أُخرى ترفع إبهام تلك الآية فإنّه سبحانه بعد ما أمر إبراهيم بذبح إسماعيل واستسلم ابنه للذبح يقول سبحانه: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَ نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ)2 فالآية الأخيرة تفسّر لنا ما ابتلي به إبراهيم حيث يقول: (لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ).
***
الرابع: أنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) استنبط من إقران آية بآية أُخرى أنّ أقل الحمل هو ستة أشهر، فإنّ الله تعالى يقول:(وَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا)3، وجعل مدّة الأمرين الحمل والفصال ثلاثون شهراً.
وفي آية أُخرى يحدّد الفصال وهو الرضاع بحولين كاملين ويقول:(وَ الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)4، فإذا كانت مدّة الفصال والحمل ثلاثون شهراً وكانت مدّة الرضاع فقط 24 شهراً، فالباقي وهو ستة أشهر هو مدّة الحمل.
***

1. البقرة:124.
2. الصافات:103ـ 105.
3. الأحقاف:15.
4. البقرة:233.

صفحه 106
الخامس: يقول سبحانه:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة)1، والإبهام في الآية واضح، وأنّ هذه الليلة غير محدّدة فهي أي ليلة من الشهور؟ فيرتفع الإبهام إذا وضعناها إلى جنب الآية التالية وهي قوله تعالى:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)2، وأمّا موضع ليلة القدر فيبيّنه قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)3، فمجموع الآيات الثلاث تثبت أنّ القرآن نزل في ليلة القدر التي هي من ليالي شهر رمضان.
***
السادس: يقول سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ)4 غير أنّ حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه يعلوها إبهام وأنّه كيف يحول بينهما؟ فيفسّره قوله سبحانه:(وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)5فبإقران الآيتين يعلم أنّ إنساء الذات عبارة أُخرى عن حيلولته بين المرء وقلبه، ومن نسي ذاته فقد أهلك نفسه.
***
السابع: قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَ اللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)6 ففي الآية إبهامان:
1. ما هو المراد من الأرض؟
2. ما هو المراد من النقص؟

1. الدخان:3.
2. القدر:1.
3. البقرة:185.
4. الأنفال:24.
5. الحشر:19.
6. الرعد:41.

صفحه 107
أمّا الأوّل: فربّما يتبادر في بادئ النظر أنّ المراد هو الكرة الأرضية بمجموعها، ولكنّه غير صحيح لأنّ الآية الأُخرى تفسّر الأرض بأنّ المراد بها البلد العامر، حيث يحكم سبحانه بنفي المحارب من الأرض ولا يريد إخراجه من الكرة الأرضية بل المراد نفيه وإبعاده عن البلد الذي كان يعيش فيه، يقول سبحانه: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَف أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).1
فقوله:(أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ) هو نفيهم من أوطانهم.
وأمّا الثاني: أعني النقص فقد فسّرته السنّة النبوية بأنّه فقد العلماء.2
***
الثامن: قوله سبحانه:(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ الْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهَا وَ حَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً).3
فالإبهام موجود في الآية حيث إنّ الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض ماهي؟ ولكن تفسّره آية أُخرى وهي قوله سبحانه:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).4 وتبيّن أنّ المراد هو خلافة الإنسان عن الله سبحانه التي هي الأمانة الكبرى وضعت على عاتق الإنسان، فمن كان خليفة لله يجب أن يحكي بصفاته وأفعاله صفات

1. المائدة:33.
2. من لايحضره الفقيه:1/186، برقم 560.
3. الأحزاب:72.
4 . البقرة:30.

صفحه 108
الله تعالى وأفعاله.
***
التاسع: قوله تعالى:(وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)1.
فقد أطلق سبحانه اليد وأبهم المراد منها حيث إنّها تطلق على خصوص الأصابع وعلى خصوص الكفّ وعليه إلى المرافق، وإلى الكتف، فيرتفع الإبهام بقوله سبحانه:(وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا)2 حيث إنّ المستفاد منه على أنّ مواضع السجود لله، وراحة الكفّ من مواضع السجود، وما كان لله لا يقطع.
***
العاشر: قوله تعالى:(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضَّالِّينَ)3 حيث أمرنا سبحانه بسلوك صراط جماعة لهم ثلاثة أوصاف:
1. الإنعام عليهم.
2. كونهم من غير المغضوب عليهم.
3. كونهم غير ضالّين.
وأمّا مَن هؤلاء الذين حازوا تلك الصفات فالآية التالية ترفع الإبهام، قال تعالى:(وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدَاءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)4.
***

1. المائدة:38.
2. الجن:18.
3. ا لفاتحة:6ـ 7.
4. النساء:69.

صفحه 109
هذه نماذج عشرة من تفسير القرآن بالقرآن وتوضيح الآية بأُختها، وهناك أُمور ينبغي التنبيه عليها:

1. هل هذا المنهج يهدف إلى كفاية كتاب الله؟

ربّما يتوهّم أنّ تفسير القرآن بالقرآن يؤدّي إلى القول: «حسبنا كتاب
الله» الذي تفوّه به عمر بن الخطاب بعد ما طلب النبي(صلى الله عليه وآله) القلم والدواة ليكتب شيئاً لا تضلّ الأُمّة بعده، فحال هو بين النبي(صلى الله عليه وآله)والكتابة قائلاً:«حسبنا كتاب الله».1
والجواب: أنّ السؤال نابع من تصوّر أنّ المفسّر يقتصر بهذا المنهج في كشف عامّة معضلات القرآن، مع أنّ هذا المنهج أحد المناهج ولا يغني عن التفسير بالسنّة خصوصاً فيما يرجع إلى آيات الأحكام التي هي بين مجملة بحاجة إلى التبيين، ومطلقة قيّدت في السنّة، وعامّة جاء مخصّصها هناك.

2. هل هذا المنهج عبارة عن ضرب القرآن بعضه ببعض؟

إنّ تفسير الآية بالآية ممّا نهي عنه كما في الرواية المنقولة عن إسماعيل بن جابر عن الصادق(عليه السلام)حيث إنّه بعدما وصف القرآن وقال: «فجعله النبي(صلى الله عليه وآله)علماً باقياً في أوصيائه، فتركهم الناس، وهم الشهداء على أهل كلّ زمان، حتّى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر، وطلب علومهم، وذلك أنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجّوا بالمنسوخ وهم يظنّون أنّه الناسخ، واحتجّوا بالخاص، وهم يقدّرون أنّه العام، واحتجّوا بأوّل الآية، وتركوا السنّة في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام، وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوه عن أهله، فضلّوا وأضلّوا».2

1. لاحظ: صحيح البخاري، كتاب العلم برقم 114.
2. جوامع الجامع:92; الوسائل:18، الباب13 من أبواب صفات القاضي، الحديث62.

صفحه 110
والجواب: أنّ الرواية أجنبية عن الموضوع فإنّها ناظرة إلى مَن عاند مَن أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم وهم فقهاء الشيعة ومحدّثيهم، ثم إنّ هؤلاء بعد ما عاندوهم رجعوا إلى القرآن ليفسّروه بضرب بعضه ببعض، وأمّا ما هو المراد من الضرب فتفسّره الجمل التالية وهي:«احتجّوا بالمنسوخ وهم يظنّون أنّه الناسخ، واحتجّوا بالخاص وهم يظنّون أنّه العام، واحتجّوا بأوّل الآية وغفلوا عن آخرها» مضافاً إلى أنّهم تركوا السنّة في تفسير القرآن، إلى غير ذلك من الأُمور التي هي من سمات المعرضين عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) دون من أناخ مطيّته في أبوابهم، ومع ذلك استنار ببعض الآيات في رفع الإبهام عن بعضها الآخر.
***
ثمّ إنّ تفسير الآيات بالآيات ليس شيئاً بديعاً، فهذا هو العلاّمة المجلسي جمع الآيات الواردة في كلّ موضوع في باب خاص وفسّرها ثم نقل أحاديث موضوع الآيات، وما هذا إلاّ لأنّه يريد رفع إبهام بعض الآيات بالبعض الآخر.
وعلى كلّ تقدير فتفسير القرآن بالقرآن يتحقّق على نحو التفسير التجزيئي كما عليه السيد الأُستاذ الطباطبائي(رحمه الله) كما يتحقّق بالنمط الموضوعي الذي سار على ضوئه العلاّمة المجلسي(رحمه الله)واقتفيناه نحن أيضاً في مشروعنا «مفاهيم القرآن الكريم» باللغة العربية و«منشور جاويد» باللغة الفارسية.
هذا ما سنح به الوقت وجادت
به الذاكرة في يوم الثلاثاء
آخر محرم الحرام1435هـ

صفحه 111
أسئلة حول البسملة وأجوبتها
8

أسئلة حول البسملة وأجوبتها

إنّ البسملة جزء من كلّ سورة من غير فرق بين سورة الحمد وغيرها، عند الإمامية. نعم أكثر الجمهور يعتبرونها جزءاً من سورة الحمد دون سائر السور وللبحث فيه موضع آخر.
إنّ البسملة زين كلّ فعل وكلام وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ أمر ذي بال لم يبتدأ ببسم الله فهو أبتر».1
وقد اعتاد المسلمون بابتداء كلّ فعل أو كلام له شأن من الشؤون بالبسلمة، عملاً بالسنّة.
غير أنّ هنا أسئلة حول معنى الآية نطرحها مع أجوبتها:

1. ما معنى الباء في قوله: «بسم الله» ؟

الباء في قوله: «بسم الله» للاستعانة، مثل قولك: كتبت بالقلم. وكأنّ المؤمن يستعين باسم الله الّذي هو جامع للأسماء. ويشهد على ذلك قوله سبحانه في ثنايا سورة الحمد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ويؤيّده أيضاً قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ أمر ذي بال لم يبتدأ ببسم الله فهو أبتر».
وجه الدلالة: أنّ المؤمن الواعي الّذي ينظر بعين المعرفة، يعلم أنّ لكلّ

1 . وسائل الشيعة:7، الباب17 من أبواب الذكر، الحديث4; كنز العمال:1/555 برقم 2491.

صفحه 112
شيء أسباباً وعللاً، فهو يهيِّئها وعندما يبدأ بالعمل يستفتحه بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي أستعين باسمك في إنجاز عملي باستعمال هذه المقدّمات والأسباب للحصول على مرادي .

2. ما هو سبب حذف الهمزة عند الكتابة؟

قد دخل حرف الجر على الاسم، والهمزة فيه همزة وصل تسقط عند التلفّظ، ولكنّها تكتب شأن كلّ همزة وصل; فعلى ذلك يجب أن تكتب بالنحو التالي: باسم الله الرحمن الرحيم، كما هو الحال في قوله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)1، وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)2.
ولذلك نرى أنّ الأُدباء يكتبون البسملة عند تجرّدها عن الرحمن الرحيم بالنحو التالي: «باسمه تعالى»، وأمّا غيرهم فيكتبون «بسمه تعالى»، فالتلفّظ عند الفريقين واحد، والإملاء مختلف.
وقد اعتذر عن حذف الألف عند الكتابة في التسمية بوجهين:
الأوّل: أنّ كثرة استعمال تلك الآية المباركة فوق كلّ رسالة، وبداية كلّ عمل، صار سبباً لحذف الهمزة كتابة مثل حذفها تلفّظاً، ولذلك نرى أنّ سليمان (عليه السلام)كتب إلى بلقيس ملكة سبأ بالنحو التالي: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)3.
الثاني: أنّه لو كان متعلّق الجار مذكوراً تكتب الهمزة، كما في قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)4، وقوله (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)5; حيث إنّ الجار متعلّق بـ

1 . العلق: 1 .
2 . الواقعة: 74 .
3 . النمل: 30 .
4 . الواقعة: 96 .
5 . العلق: 1 .

صفحه 113
«سبّح» أو «إقرأ» .
وأمّا إذا كان متعلّق الجار محذوفاً، كما في المقام، فتحذف الهمزة تلفّظاً وكتابة، والمفروض أنّ الجار في الآية متعلّق بالمحذوف، نحو: أستعين، وأشباهه.

3. كيف نستعين بالاسم لا بالذات؟

هنا سؤال وهو: كيف نستعين باسم الله ، مع أنّ المستعان هو الله سبحانه لا اسمه، فيجب على كلّ مسلم أن يلتجئ إليه لا إلى اسمه، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )1، فالمسؤول هو ذاته لا اسمه؟
ربّما يقال في الجواب عن ذلك: أنّ لفظة اسم زائدة، فكأنّ القارئ يقول: بالله أستعين، مكان: باسم الله استعين.
يلاحظ عليه: أنّ القول باشتمال القرآن على الحروف الزائدة أمر غير صحيح حتّى في قوله سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)2 ـ كما حقّق في محلّه ـ ،3فكيف القول باشتماله على كلمة زائدة وهي «اسم»؟!
ويمكن أن يجاب بأنّ الاسم على قسمين:
1. علَم للشخص إذا أُطلق ينتقل الذهن منه إلى المسمّى الخارجي دون أن يدلّ على أمر زائد. مثلاً إذا سُمّي رجل باسم حسن أو جميل، فإذا أُطلق يتبادر منه نفس المسمّى، سواء أكان حسناً، جميلاً أم لا. والغاية كون الاسم سبباً للانتقال إلى الفرد الخارجي.

1 . البقرة: 186 .
2 . البلد: 1 .
3 . راجع: آلاء الرحمن في تفسير القرآن للعلاّمة البلاغي: 1 / 38 ـ 39، طبعة صيدا.

صفحه 114
2. علَم للشخص وفي الوقت نفسه بمنزلة الوصف الّذي يحكي عن صفات الجمال والجلال، لأنّه لم يوضع للذات فقط بل للذات الجامعة للصفات العليا، فإذا قلنا (باسم الله) فكأنّا قلنا: باسم العالِم القادر السميع البصير،
إلى غير ذلك من الصفات العالية، فهذا النوع من الاسم الّذي هو الوصف
الحاكي عن صفات الجلال والجمال، قابل للاستعانة به; لأنّ الاستعانة به،
كأنّها استعانة بالذات، فكأنّ الإنسان يستعين بالموصوف بصفات الجلال والجمال.
وبالجملة الاسم بالمعنى الأوّل علَم محض لا دور له سوى إحضار المسمّى في ذهن المخاطب.
وبالمعنى الثاني اسم، لكنّه في الوقت نفسه لا يفتقد معنى الوصفية، ولذلك يحكي عن الصفات الجمالية والجلالية المندرجة تحت ذلك الوصف. فالاستعانة بهذا الاسم استعانة بذاته تبارك وتعالى.
نعم: السؤال والجواب متعلّقان بما إذا قلنا بأنّ الباء للاستعانة والمتعلّق هو «أستعين» دون ما إذا كان الجارّ متعلقّ بـ (أبتدئ)، وتقدير الكلام: أبتدئ قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، قال الطبرسي: هذا القول أقرب للصواب، لأنّا أُمرنا أن نفتتح أُمورنا بتسمية الله كما أُمرنا بالتسمية على الأكل والشرب والذبائح، ألا ترى أنّ الذابح إذا قال: بالله، ولم يقل: باسم الله، لكان مخالفاً لما أُمر به.1
فالمؤمن في كلّ حال يذكر الله سبحانه بخلاف المنافق، قال سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)2.

1 . مجمع البيان: 1 / 21 .
2 . الحشر: 19 .

صفحه 115

4. ما هو المراد من الاسمين: الرحمن الرحيم؟

قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كلاهما من صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى، والكلام يأتي في معنى الرحمة، فالظاهر من الطبرسي أنّها بمعنى النعمة، فقال عند تفسير البسملة وبيان لغتها: «الرحمن الرحيم» اسمان وضعا للمبالغة واشتقا من الرحمة وهي النعمة، إلاّ أنّ (فعلان) أشد مبالغة من (فعيل).1
وعلى هذا فكلا اللفظين بمعنى المنعم مع تفاوت بينهما، كما سيوافيك.
وأمّا على القول بأنّ الرحمة بمعنى رقة القلب وتأثّره بما يطرأ عليه
من الحوادث المؤلمة، كما لو سمع ببكاء يتيم جائع فيرقّ له قلبه ويقوم
بإطعامه، والإنعام عليه، فلو كان هذا اللفظ بمعنى رقّة القلب فلا يمكن وصف الله سبحانه به; لأنّ رقّة القلب وتأثّره بالحوادث محال على الله سبحانه لتنزّهه عن الانفعال.
ونظير ذلك وصفه سبحانه بالغضب، فإنّ الغضب عبارة عن فوران الدم في القلب يوجب تشنّجاً في أعضاء الإنسان تهيّؤاً للانتقام، والله سبحانه فوق ذلك; لأنّ الانفعال من صفات المادّة، والله فوقها.
ومع ذلك فقد ورد في الذكر الحكيم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ)2.
والجواب عن الموردين ـ الرحمة بمعنى رقّة القلب، والغضب بمعنى فوران الدم ـ ونظائرهما واحد، وهو ما يقال: خذ الغايات واترك المبادئ.
توضيحه: أن رقّة القلب تكون مبدأً للتفضّل والإحسان، كما أنّ الغضب

1 . مجمع البيان: 1 / 20، ط صيدا.
2 . الممتحنة: 13.

صفحه 116
يكون سبباً لإيقاع العقوبة والتعذيب، فوصفه سبحانه بهما لأجل الغايات، وهو أنّه متفضّل بالإحسان بالنسبة إلى عباده أو آخذ بالعقوبة لمن خالفه وجادله .
فكلّ وصف يكون فيه مبدأٌ مادّي وانفعالي ومع الوصف يكون له غاية تناسب الله تبارك وتعالى، فوصفه به إنّما هو لأجل النتيجة لا لأجل المبدأ.
ومنه يُعلم الجواب عن كثير من الأوصاف الّتي هي من شؤون الإنسان كالمكر والمخادعة والاستهزاء، ولا يمكن وصفه بها سبحانه ، ومع ذلك فقد أُطلقت عليه سبحانه في غير واحدة من الآيات منها:
قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)1.
وهكذا قوله:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)2.
وقوله سبحانه حاكياً عن المنافقين: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)3.
ومن المعلوم أنّ المكر والخديعة حرفة العاجز، والاستهزاء عمل النَّوكى، غير أنّ وجه وصفه سبحانه بهذه الأفعال إنّما هو لأحد أمرين:
1. إمّا رعاية للمشاكلة في الكلام، حيث إنّ القائل وصف عمله مكراً واستهزاءً، والله يعبّر عن ردّ مكرهم وإبطال استهزائهم بنفس عبارة القائل ، وهذا من المحسِّنات الكلامية، قال الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نُجد لك طبخُهُ *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا4

1 . آل عمران: 54.
2 . النساء: 142 .
3 . البقرة: 14 ـ 15 .
4 . هذا البيت لأبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي، المعروف بأبي الرقعمق، نادرة الزمان وجملة الإحسان، وممّن تصرّف بالشعر الجزل في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداحين المجيدين والفضلاء المحسنين، وهو بالشام كابن الحجّاج في العراق، وكان شاعراً فكهاً، وأقام بمصر طويلاً يمدح ملوكها ووزراءها، وتوفّي فيها سنة 399هـ . لاحظ:يتيمة الدهر للثعالبي:1/379; سير أعلام النبلاء:17/77 برقم 42; الأعلام:1/210; وفيات الأعيان:1/131 برقم 54; أعيان الشيعة:3/76 برقم 282; الغدير:4/113.

صفحه 117
حيث عبّر عن خياطة الجبّة بالطبخ رعاية للمشاكلة في الكلام.
2. ما تقدّم منّا حول وصف فعله سبحانه بالمكر والغضب، وهو حذف المبادئ والأخذ بالغايات، فإذا مكر المنافقون فالله سبحانه يجعل فعلهم عقيماً من حيث لا يشعرون، ولذا وصف فعله بالمكر أخذاً بالغايات دون المبادئ، وهكذا الاستهزاء فإنّ المستهزئ يريد الحطّ من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين في أعين الناس، والله سبحانه يجعل فعله بلا أثر على نحو يكون المستهزئ ذليلاً في أعين الناس.

5. ما هو الفرق بين الرحمن والرحيم؟

إذا كان الوصفان مشتقين من الرحمة فما هو الفرق بينهما، خصوصاً على القول بأنّ كليهما على وزان صيغة المبالغة، نظير فعلان وفعيل؟
أُجيب عن ذلك بوجوه، نذكر منها وجهين:
1. أنّ الرحمن من صفاته المختصّة به سبحانه، ولا يستعمل في حقّ الغير، فلا يصحّ أن يقال: زيد رحمان بل الصحيح عبدالرحمن، بخلاف الرحيم فيمكن أن يوصف به غيره سبحانه، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)1.
2. أنّ الرحمن أوسع من الرحيم، وذلك أنّ (فعلان) أشد مبالغة من (فعيل)، ولعلّ وجه الأشدّية هو أنّ كثرة المباني تكون غالباً دليلاً على كثرة المعاني، فالرحمن يعمّ جميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصّة.
ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم،

1 . التوبة: 128 .

صفحه 118
هو إنشاؤه إيّاهم، وجعلهم أحياء قادرين، ورزقه إيّاهم.
ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين، هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق، وما يفعله بهم في الآخرة من الجنة والإكرام وغفران الذنوب; وإليه يشير ما روي عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «الرحمن اسم خاص بصفة عامّة، والرحيم اسم عام بصفة خاصّة».1
فقوله (عليه السلام): «الرحمن اسم خاص»، لأنّه لا يطلق إلاّ على الله سبحانه، وقوله: «بصفة عامّة»: أي تعمّ رحمته الكافر والمؤمن.
وقوله: «الرحيم اسم عام»، لأنّه يطلق على غيره سبحانه، وقوله: «بصفة خاصّة»، لأنّه يختصّ بالمؤمن فقط.

6. لماذا تقدّم الرحمن على الرحيم؟

لماذا تقدّم وصف الرحمن على الرحيم، مع أنّ الضابطة في الكلام البليغ هو التدرّج من الضعيف إلى القوي، ومن القليل إلى الكثير، فيقال: فلان عالم بالفقه بل مجتهد، أو يقال: إنّ هذا المسجد يكفي لألف مصلٍّ بل لألفين، وعلى هذا فالمناسب أن يقول: الرحيم الرحمن؟
وأمّا الجواب عن ذلك فهو أنّه يمكن أن يقال: بما أنّ الرحمن يختصّ بالله سبحانه وشاع استعماله في ذاته القدسيّة، فقد خرج عن معنى
الوصفية وأصبح اسماً له سبحانه، فلفظ الجلالة اسم والرحمن اسم آخر، وبما أنّه اسم فلا يُشعر بشيء من المعاني، على خلاف لفظ (الرحيم) فإنّه باق
على وصفيته.
ومهما يكن، فإنّ مفاد البسملة، هو : أنّ الإنسان الضعيف غير القادر على

1 . مجمع البيان: 1 / 21.

صفحه 119
شيء إلاّ بعون الله عزّوجل، يجب أن يستعين على جميع أُموره بالله سبحانه، وأن يبتدئ جميع أُموره باسم الله، ولا يغفل عن الله سبحانه حتّى لا يكون ممّن: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)1.

1 . الحشر: 19 .

صفحه 120
الناشئ الجديد والظروف المحدقة به
9

الناشئ الجديد والظروف المحدقة به

تحيط بالناشئ الجديد هذه الأيام ظروف يعبر عنها بعالم الارتباطات، فما من فكرة تتولّد في مكان ما إلاّ انتشرت بعد دقيقة أو دقائق في كلّ بقاع العالم.
وهذا النوع من التواصل وإن تضمّن خيراً لكنّه تضمّن شرّاً كثيراً كذلك، وهذا شأن كلّ نتاج حضاري، فله وجهان خير وشر، فصاحب العقل الحصيف والتفكير السليم ينتقي ممّا تنشره وسائل الأعلام على اختلاف أنواعها ما ينفعه عاجلاً وآجلاً، عاملاً بقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)1.
وفي مقابل هذا فمن لم يتدرّع بدليل وبرهان واضح ورصين فسوف يتأثّر بالتيارات الإلحادية الكافرة الّتي تبثّها وسائل الأعلام الغربية الّتي تهدف لإبعاد المسلمين عن مبادئهم وتعاليمهم الدينية التي إن التزموا بها فستكون سدّاً حصيناً أمام أطماع الغربيّين الساعين للسيطرة على ثروات وخيرات الشعوب المسلمة.
ومن أسباب سرورنا هو ما بلغنا من أنّ العتبة العبّاسية في كربلاء المقدّسة بصدد إصدار مجلة فكرية علمية تحمي عقائد المسلمين وتردّ على شبهات المخالّفين وتوضح المسير أمام الشباب المتحمّس لدينه وعقيدته، وسررت

1 . الزمر: 18 .

صفحه 121
لهذا النبأ سروراً غامراً، فشكرت الله سبحانه لعودة الأجواء في العراق إلى حالتها الطبيعية حتّى أتاحت للمفكّرين نشر أفكارهم بحرية، بعد زوال الأجواء المظلمة الّتي عُدّ فيها التفكير السليم جريمة وعثرة لا تغتفر .
ولأجل أن اشارك في هذا المشروع النافع أتقدّم أوّلاً بالتهاني والتبريكات لهيئة تحرير المجلّة الذين تحمّلوا مسؤوليتهم الإلهية وعزموا على القيام بهذا العمل الثقافي الهام.
وتلبية لطلب الإخوة المشرفين على المجلّة، قمت بتحرير مقال له صلة بالعقيدة الإسلاميّة، راجياً من الله القبول، والنفع الوافر لقرّاء المجلة.
***
إنّ من المسائل الّتي تشغل بال أكثر شبابنا هي ما أشار إليه الذكر الحكيم من أنّ الهداية والضلالة من الله تعالى، وعندئذ تتولّد في أذهانهم شبهة وهي: إذا كان الأمران من الله سبحانه فما هو دور الإنسان في أمر الإيمان والكفر؟
وإليك شرح الشبهة والإجابة عنها :
إذا كان الإنسان حرّاً في مسيرته وأنّه يقف على مفترق طريقي الهداية والضلالة بحرية تامة، وأنّ زمام الأُمور بيده فله أن يختار طريق السعادة والفلاح، كما له أن يختار طريق الضلال والشقاء والانحراف، فلماذا ياترى نجد الكثير من الآيات التي قد يستشم منها رائحة«الجبر»، وأنّ مصير الإنسان وعاقبته بيد اللّه سبحانه هو الذي يختار له ما يشاء، كما في الآيات التالية:
(...فيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ)1 ، (...وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ...)2، (فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ

1 . إبراهيم:4.
2 . النحل:93.

صفحه 122
وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ...).1
فإنّ ظاهر هذه الآيات المباركة أنّ مسألة الهداية والضلالة تابعة للإرادة الإلهية، وإنّ زمام الأُمور هنا بيد اللّه سبحانه، وأنّ الإنسان ليس حرّاً في مقابل الإرادة الإلهية. فأمام هذه الصراحة كيف نوجّه حرية الإنسان أمام الإرادة والمشيئة الإلهية؟
الجواب: إنّ بحث الهداية والضلال من وجهة نظر القرآن الكريم من البحوث المعمّقة والواسعة النطاق والمفصّلة، بحيث إنّ دراستها دراسة كاملة وشاملة تستدعي أن نأتي بجميع الآيات الواردة في هذا المجال وتسليط الضوء على جميع زوايا تلك الآيات وبيان أسرارها والنكات الكامنة فيها لنستخلص النظرية القرآنية في هذا المجال، وبما أنّ ذلك يستدعي بحثاً مفصّلاً لا ينسجم مع هدف هذا المقال، لذلك سوف نركّز البحث على نوع واحد من الآيات، وهي الآيات التي تقول: (فيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ).
الحقيقة أنّ الاستدلال بهذا الطيف من الآيات القرآنية لإثبات نظرية «الجبر» يُعدّ غفلة عن هدف الآيات المذكورة، والسبب في هذه الغفلة هو الخلط بين نوعين من الهداية وعدم التفكيك بينهما، وهما: «الهداية العامة» والأُخرى«الهداية الخاصة»، فإذا سلّطنا الضوء على هذين النوعين من الهداية يتّضح بجلاء مفهوم تلك الآيات والمراد منها، وستنتفي حينئذ فكرة الجبر بالكامل.

الهداية العامّة والخاصّة

إنّ اللّه سبحانه هو مفيض كلّ شيء، ومن الأُمور التي يفيضها «فيض الهداية» وإنّ له سبحانه نوعين من الإرشاد والهداية، إحداهما عام وشامل بحيث

1 . فاطر:8 .

صفحه 123
يستوعب ويشمل جميع أفراد الإنسان، والآخر هو الفيض والإرشاد الخاص وهو الذي يشمل بعض الأفراد الذين استفادوا من الهداية العامّة على أحسن وجه وأكمله، فلو أنّ فئة من الناس لم تستغل الهداية العامّة والفيض الشامل لعامّة الناس بل كافّة الكائنات، فحينئذ لا تصل النوبة إلى مرحلة الهداية الخاصة ولا يشملها هذا الفيض أبداً.
فالهداية العامّة تتلخّص في نوعين من الهداية، هما:

الف: الهداية العامّة التكوينية

والمقصود هنا أنّ اللّه سبحانه خلق جميع الموجودات وبيّن لكلّ مخلوق مهمّته والوظائف التي ينبغي عليه القيام بها والمسؤوليات التي لابدّ من تحمّلها. يقول سبحانه في هذا الخصوص:
(...رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) .1
ومن الواضح أنّ في هذا النوع من الهداية لا يوجد أدنى استثناء وتمييز وتفاضل، بل حتّى الأفعال التي تنطلق من الحالة الغريزية لبعض الحيوانات والأعمال المنظمة والموزونة التي تصدر منها معلولة لذلك النوع من الهداية، فضلاً عن الهداية الفطرية للإنسان، ففطرة كلّ إنسان تهديه إلى التوحيد ونبذ الشرك، وكذلك العقل الموهوب له المرشد إلى معالم الخير والصلاح.

ب: الهداية العامّة التشريعية

إنّ المراد من الهداية التكوينية هو ذلك النوع من الإرشاد والهداية التي تنبع من داخل الإنسان وكيانه،وأمّا الهداية التشريعية فهي الهداية التي ترد على الإنسان من الخارج والتي تأخذ بيده في مواطن الخطر وترشده إلى ساحل الأمان وتوصله إلى ما يريده بيسر وطمأنينة، وفي هذا النوع من الهداية ـ لا يوجد

1 . طه:50.

صفحه 124
أدنى تمييز وتفاضل ـ حالها حال الهداية التكوينية كما قلنا ـ حيث توفّر السماء للإنسان كلّ وسائل الهداية والرشاد والصلاح والتي تتمثّل بما يلي:
1. الأنبياء والرسل(عليهم السلام).
2. الأولياء.
3. الكتب السماوية.
4. الأئمّة والقادة(عليهم السلام).
5. العلماء والمفكّرون.
وغير ذلك من الوسائل التي وضعها اللّه سبحانه تحت اختيار الجميع بنحو يتسنّى للجميع الاستفادة منها وأن ينهلوا من نميرها العذب على حد سواء بلا فرق وبلا تمايز.
وبسبب شمولية وعمومية هداية هذه المجاميع نراه سبحانه يصف «النبي الأكرم» و «القرآن» بأنّهما هاديان ومرشدان للأُمّة ويخاطب النبي الأكرم وبصراحة:
(...وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراط مُسْتَقيم).1
ويقول سبحانه واصفاً القرآن الكريم:
(إِنَّ هذا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...).2
إنّ العدل الإلهي يقتضي أن توفّر السماء للناس كافّة، جميع سبل الهداية والرشاد وتسهّل لهم الوصول إليها، وفهمها، كما أنّ وظيفة العباد ومهمتهم تقتضي أن يستفيد الإنسان ـ و من خلال الحرية التي منحت له ـ من جميع تلك السبل على أحسن ما يرام وأن يرغم أنف الشيطان وجنوده بالتراب، وأن يتوجّه

1 . الشورى:2.
2 . الإسراء:9.

صفحه 125
نحو اللّه سبحانه مستعيناً بكلّ تلك النعم التي توفرت له، ومن المعلوم أنّ الاستفادة من تلك الطرق والوسائل لتحصيل هذا النوع من الهداية غير مشروط بأي شرط أو قيد، وأنّ الإرادة والمشيئة الإلهية تعلّقت بأن تضع كلّ تلك الوسائل تحت تصرّف جميع أفراد الإنسان واختيارهم.

الهداية الخاصة

إنّ هذا النوع من الهداية يختصّ بمجموعة وطائفة خاصة من الناس الذين تشملهم العناية الإلهية الخاصّة، وهذه الطائفة ـ وكما قلنا ـ هي تلك المجموعة من عباد اللّه الذين استغلّوا الهداية العامّة واستفادوا منها على أكمل وجه بحيث استنارت قلوبهم وأرواحهم بنور الهداية العامّة.
إنّ هذه الطائفة من الناس حينما استغلت الهداية العامّة ـ التكوينية والتشريعية ـ بالنحو الأكمل جعلت من نفسها محلاًّ مناسباً لنيل الفيض الإلهي الخاص والرعاية الإلهية الخاصّة، وأن يشملها الإمداد الغيبي والتوفيق والتسديد الإلهي(الهداية الخاصة).
وهذه الحقيقة التي ذكرناها ـ وهي أنّ الهداية الخاصة تشمل تلك الطائفة من الناس الذين استفادوا من الهداية العامة بأحسن وجه ـ هي من الحقائق التي بيّنها القرآن الكريم في آيات متعدّدة، حيث قال في بعضها:
(...إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) .1
وفي آية أُخرى قال سبحانه:
(...اللّهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُوَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنيبُ) .2
إنّ المراد من كلمة (أَنابَ) في الآية الأُولى و(يُنيبُ) في الآية الثانية هو

1 . الرعد:27.
2 . الشورى:13.

صفحه 126
العودة والرجوع والالتفات إلى اللّه سبحانه بصورة متكرّرة، هو أنّ هذا النوع من الهداية من نصيب من أصغى لنداء العقل وخضع واستجاب لنداء المرشدين والمصلحين الإلهيّين، ووضع نفسه في طريق الهداية الخاصّة طالباً من اللّه سبحانه المزيد من التوفيق و السداد و الرعاية والعطف.
وإذا كان الملاك في شمول الهداية الخاصّة للإنسان هو استغلاله لطرق الهداية العامّة على أكمل وجه، فإنّ الملاك في الضلال والخذلان الإلهي هو الإعراض والعصيان والتمرّد على الهداية العامّة وعدم الاستفادة منها بالنحو المطلوب.
يقول سبحانه:
(...فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الْفاسِقينَ).1
وفي آية أُخرى يقول سبحانه:
(...وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ) .2
إنّ استفادة الجبر من قوله تعالى: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) مبني على تصوّر وحدة الضلالة والهداية، بمعنى أنّهم تصوّروا أنّ للّه سبحانه وتعالى نوعاً واحداً من الهداية والضلالة وأنّها تختصّ بذلك الفريق الذي أراد اللّه له الهداية والرشاد ويُحرم منها الفريق الآخر، والحال أنّه يوجد هنا نوعان من الهداية: إحداهما عامّة، والأُخرى خاصة، وانّ الملازم للعدل الإلهي هو النوع الأوّل من الهداية، وأمّا النوع الثاني من الهداية (الهداية الخاصّة) فهو رهين ببعض الشروط التي من أهمها شرط الاستفادة من النوع الأوّل من الهداية واستغلالها بحيث يضع الإنسان نفسه أمام الرحمة والفيض الإلهي لكي تشمله

1 . الصف:5.
2 . إبراهيم:27.

صفحه 127
الرعاية والهداية الخاصّة.
صحيح أنّ اللّه تعالى جعل كلا النوعين من الهداية في إطار مشيئته وإرادته، ولكن إرادته سبحانه ومشيئته لا تكون بدون ملاك وبلا جهة، بل ملاكها وجهتها هو وجود اللياقة والكفاءة والاستعداد اللازم في العبد الذي وصف في بعض الآيات بقوله تعالى:(أَنابَ) و(يُنيبُ) ولا شك أنّ الحصول على هذا الاستعداد، وتلك اللياقة لا تتسنّى لكلّ إنسان مهما كان.
ولتوضيح فكرة الهداية الخاصة بنحو أتم وبصورة أجلى وأوضح نأتي بالمثال التالي:
لنفرض أنّ مجموعة من الناس قد وقفوا على مفترق طرق وأنّهم يبحثون عن مكان خاص يريدون الوصول إليه، فأرشدهم أحد الأشخاص العارفين بالطريق، وقال: خذوا هذا الاتجاه وبعد أن تصلو إلى المكان الكذائي سوف تجدون هناك شخصاً آخر يدلكم على هدفكم النهائي.
فقسم من الناس يتبعون إرشاد المرشد الأوّل، وقسم آخر لا يلتزمون بقوله. فالطائفة الأُولى الذين استناروا من الهداية الأُولى يستفيدون من الهداية الثانية بخلاف الطائفة الأُخرى الذين بقوا على عنادهم ولم يأخذوا بكلام هذا المرشد، فهؤلاء لا يصلون إلى هدفهم أبداً.
«لأنّ العامل من غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزداده كثرة السير إلاّ بعداً».1
من هذا المثال يتّضح لنا أنّ اللّه سبحانه وضع الجميع ـ وطبقاً لمفاد الآيات ـ تحت الهداية العامّة فقال سبحانه:

1 . الأُصول الأصيلة للفيض الكاشاني:148.

صفحه 128
(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ...) .1
(وَهَدَيْناهُ النَّجدَيْنِ) .2
ثمّ شاء سبحانه أن يفيض مرّة أُخرى على الذين أدركوا الطريق واهتدوا إلى الحق واستفادوا من الهداية العامّة، بفيض وعناية وهداية خاصة ليتسنّى لهم الوصول إلى قمة هرم الإنسانية، وقد عبّر سبحانه وتعالى عن تلك الحقيقة والنعمة الإلهية والفيض الرباني الخاص بقوله:
(وَالّذينَ اهْتَدَوا زادَهُمْ هُدىً...) .3
انطلاقاً من هذا الأصل نرى أنّ اللّه سبحانه وتعالى يعتبر الهداية إحدى ثمار ونتائج جهاد الإنسان وسعيه في طريق اللّه سبحانه حيث قال:
(وَالَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْديَنَّهُمْ سُبُلَنا...).4
هذا من جهة ومن جهة أُخرى تعلّقت المشيئة والإرادة الإلهية أن تترك المنحرفين والضالّين ـ الذين اختاروا طريق الانحراف والضلالة بإرادتهم، وحرموا أنفسهم من الاستفادة من الهداية العامّة ـ لحالهم وهذا ما سبب ضلالهم وانحرافهم بصورة أشدّ، لأنّه كلّما توغّل الإنسان في الانحراف ازداد بعداً عن الحقّ، وهكذا كلّما خطا خطوة في طريق الانحراف فلا يزيده ذلك السير إلاّ بعداً عن الهدف الذي أراده اللّه له.
إذاً صحيح أنّ اللّه(يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) ولكن مَن هم هؤلاء الذين يريد اللّه ضلالهم وعدم هدايتهم؟ القرآن المجيد يجيب عن هذا التساؤل قائلاً:

1 . الإنسان:3.
2 . البلد:10.
3 . محمد:17.
4 . العنكبوت:69.

صفحه 129
(...وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقينَ) .1
وفي آية أُخرى:
(...فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ...) .2
نعم أنّ اللّه قادر على أن يأخذ بأعناق الجميع إلى طريق الهداية والصراط المستقيم وأن يجبرهم على طي هذا الطريق حيث يقول سبحانه:
(وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْس هُداها...) .3
ولكن في هذه الحالة لا يكون الإنسان إنساناً، بل يتحوّل إلى آلة ميكانيكية، لا تعمل بإرادتها ومشيئتها وإنّما عملها وحركتها تابع لإرادة العامل الفنّي المشرف عليها، فمتى شاء ضغط على زِرّ التشغيل فتعمل ومتى شاء أطفأها، وأنّها لا تملك القدرة على العصيان أو التمرّد أمام إرادة العامل القاهرة لها، وكذلك يصبح الإنسان عاجزاً أيضاً عن الصمود أمام الغرائز الكامنة فيه، ولذلك سيضطر لتكييف نفسه مع تلك الغرائز والميول وينظم حياته على أساسها حاله في ذلك حال النحل، أو دودة القز أو....
ولكن شاء اللّه تعالى أن يكون الإنسان إنساناً ومخلوقاً خاصاً له إرادته ومشيئته واختياره وحريته الكاملة التي منحها اللّه تعالى له، ليتمكّن من خلال وضعها في الموضع المناسب أن ينطلق بنفسه إلى قمّة هرم الكمال والرقي الإنساني والسموّ المعنوي.
وفي الختام إذا أردنا أن نقرّب الفكرة بمثال عرفي يمكن لنا أن نشبه طريقة الخطاب القرآني في الآيات المذكورة، بطريقة مخاطبة المعلم لتلامذته حيث يقول لهم: أنا قد بيّنت لكم الدرس بصورة واضحة وأزلت من أمامكم كلّ

1 . البقرة:26.
2 . الصف:5.
3 . السجدة:13.

صفحه 130
حالات الغموض والإبهام الموجودة في المادة، فما بقي عليكم إلاّ المثابرة والجدّ والدراسة على أحسن وجه، فمن يفعل منكم ذلك فسأمنحه الدرجة الكاملة، وأُفيض عليه عطايا أُخرى حسب إرادتي ومشيئتي.
فمن الواضح هنا أنّ المعلم قد ربط مسألة الفيض على الطالب أو عدم الفيض بإرادته ولكنّه في نفس الوقت لاحظ صلاحيات الطالب ومواهبه واستعداداته ومدى استفادته من الجهود التي بذلها الأُستاذ في بيان الدرس وتوضيحه.
جعفر السبحاني
الحوزة العلمية ـ قم المقدّسة
السابع من رجب المرجب 1435 هـ

صفحه 131
ظاهرة التكفيرعلى ضوء القرآن والسنّة الشريفة
10

ظاهرة التكفير

على ضوء القرآن والسنّة الشريفة

لا شكّ في أنّ التكفير في هذا العصر وإنْ كان امتداداً للتكفير في العصور السالفة، والّذي تصاعد في القرنين الثالث والرابع الهجريين بفعل المتشدّدين لاسيّما المتشدّدين من أتباع المذهب الحنبليّ، بَيْد أنّه اشتدّ في أوائل هذا القرن، ثم بلغ ذروته في السنوات العشر الأخيرة، حيث أناخ بكلكله على البلاد الإسلاميّة، وتحوّل إلى ظاهرة بارزة اقترنت بمجازر رهيبة، أقدم عليها شباب مهوّسون، شَحنت بعض المؤسّسات والمدارس الدينية أذهانهم بالأفكار المتشدّدة، ومشاعرهم بالحقد والكراهية لسائر المسلمين لاسيّما أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، ثم أطلقت لأيديهم الحرية بممارسة عمليات القتل والذبح والنحر الجماعي للنساء والشيوخ والأطفال في مدن العراق واليمن وباكستان وسوريا وأفغانستان وغيرها، واستباحة الأموال والأعراض، من خلال فتاوى عمياء يصدرها المتعصّبون من أنصاف المتعلّمين الذين عقدوا حلفاً شيطانياً مع محترفي السياسة، فاحتلّوا المواقع العليا في الإفتاء والإرشاد.
وإذا كان التكفير في العصور الماضية يرتبط، في جانب كبير منه، بعوامل داخلية، يشكّل فيها العامل السياسي ركناً من أركانه، فإنّ هذا العامل يشكّل، في

صفحه 132
الوقت الحاضر، ركناً أساسياً فيه، حيث استغلّت الدوائر الصهيوينة العالمية، وأجهزة المخابرات للدول الاستكبارية، ما في تاريخ المسلمين من خصومات وصراعات مذهبية، وما في تراثهم العقديّ من آفات التكفير والتبديع والتضليل، فأخذت تسخّر شتى الأجهزة من أجل نبشها وتضخيمها، وعرضها بأساليب استفزازية على القنوات الفضائية ووسائل الإعلام.
كما أنّها سلكت مختلف السبل الماكرة المحرّضة الّتي تؤدّي ـ في إطار تخطيط شامل ـ إلى تكريس التفرقة بين المسلمين، وإشعال فتيل النزاع، وتأجيج نار الصراع بينهم، بغية إشغال بعضهم ببعض، وتحويلهم إلى تيارات متناحرة فيما بينها، وصولاً للأهداف المبتغاة، وأهمها:
1. تشويه الصورة الناصعة للإسلام، الذي تعاظمت ـ في العقود الأخيرة ـ رغبة المثقّفين الغربيّين في التعرّف على مبادئه وقيمه السامية، والانتماء إليه .
2. نشر الفوضى والخراب في بلاد المسلمين، وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، لتيسير سبل الهيمنة عليها، ونهب ثرواتها، والتحكّم بمقدّراتها.
3. محاصرة المقاومة الإسلاميّة لاسيما الشيعية منها، وتفتيت قوّتها الّتي كان لها الدور الأكبر في هزيمة الكيان الصهيوني الإرهابي في لبنان وفلسطين، وفي هزيمة أمريكا في العراق.
4. توفير الأمن للكيان الصهيونيّ، والسعي إلى جعله القوّة الوحيدة الضاربة في المنطقة، لتكون له الغلبة عليها، وليخلو له الجوّ لتكريس وجوده وتوسيعه، وانتهاك مقدّسات المسلمين، وتحقيق سائر مآربه الشرّيرة.
كلّ هذا وغيره دعانا إلى توضيح مبادئ الكفر وأُسسه وأسبابه على ضوء الكتاب والسنّة، حتّى يتضّح للرأي العام الإسلامي والعالمي أنّ الإسلام بعيد كلّ البعد عن أفكار هؤلاء وسلوكياتهم.
وأنّه لو كان ثَمّة جرثومة فساد في المجتمع الإسلامي، فهؤلاء هم الفساد

صفحه 133
المجسّم حيث حالوا بين الناس وبين معرفة الإسلام الحقيقي، وصدّوهم عن اعتناقه والإيمان بمبادئه، وهذا هو أكبر الفساد، ولو كان ثَمّة منكر فيه، فأعمالهم الإجرامية الّتي لا ترحم صغيراً ولا كبيراً، هي المنكر الأخطر والأكبر الّذي يجب تطهير الأرض منه، بتأييد من الله سبحانه... والله من وراء القصد. أمّا رسالتنا هذه فتقع في ستة فصول.

الفصل الأوّل:

المتطرّفون وتكفير رجال العلم

في القرون السابقة

الغلوّ عبارة عن الخروج عن حدّ الوسط وهو يتمثّل تارة في الإفراط، وإليه يشير سبحانه بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ )1، وأُخرى في التفريط ومن ابرز مصاديقه بخس حقوق الناس بذرائع واهية.

جذور التكفير في القرون الأُولى

الحكم بالكفر على شخص أو فئة من أخطر الأُمور لما يستتبع من استباحة دماء الأُمّة وأعراضها وأموالها، والتكفير كالحكم بالإيمان حكم شرعي لا يقوم به إلاّ العالم بالكتاب والسنّة المميّز للأُصول عن الفروع وضروري الدين من ضروري الفقه، والشرك الجليّ عن الشرك الخفيّ، والمتّفق عليه منه من المختلف فيه، إلى غير ذلك من الأُمور التي هي من اختصاصات الفقيه الجامع للشرائط.

1 . المائدة: 77 .

صفحه 134
وأي شيء أخطر من التكفير الذي يجعل كيان المسلمين فريسة سهلة سائغة للأعداء بما يقع بينهم من الفتن.
وممّا نلفت إليه نظر القارئ الكريم هو جذور التكفير في القرون الأُولى وإن كانت خفيفة لكنّها صارت نواة نامية في ثنايا القرن الأوّل.

1. أُسامة بن زيد والآية النازلة فيه

روي عن أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الحُرَقَةِ من جُهينة قال: فصبّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلاّ الله، قال: فكفّ عنه الأنصاري فطعنته بُرمحي حتى قتلته، قال: فلما قَدِمنا بلغ ذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال فقال لي: يا أُسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلاّ الله، قال: قلت: يا رسول الله: إنّما كان متعوِّذاً. قال: اقتلته بعد ما قال: لا إله إلاّ الله، قال: فما زال يكررها عليّ حتّى تمنيّت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.1
وفي لفظ: قال لا إله إلاّ الله وقتلته، قال: قلت: يا رسول الله إنّما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قبله حتى تعلم أقالها أم لا.2
وبهذا يظهر أنّ التكفير ظاهرة نابعة عن سوء الفهم لأحكام الشريعة المقدّسة ولو كان أُسامة عالماً بحكم الشرع لما أراق دمه.
وفي هذه الواقعة نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ

1. صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قوله تعالى: (ومن أحياها): 1723، برقم 6872.
2. صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلاّ الله:1/67، و ح2/99.

صفحه 135
كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).1

2. الوليد بن عقبة بن أبي معيط والآية النازلة في حقّه

ذكر المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)2 أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) بعث الوليد بن عقبة مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم ـ في رواية: لإحنة كانت بينه وبينهم ـ فرجع إلى النبي(صلى الله عليه وآله)فأخبره أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام، فبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً أنّهم متمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم.
وفي رواية: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) بعثه إلى بني المصطلق بعد إسلامهم، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأخبره أنّ القوم قد همّوا بقتله، ومنعوا صدقاتهم، فهمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بغزوهم; فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فأستمر راجعاً، وبلغنا أنّه يزعم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية وسُمّيَ الوليدُ فاسقاً أي كاذباً.3
وهذا النوع من التكفير إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّه الأساس لتمزيق الأُمّة الإسلامية وإضعاف المسلمين وانهدام الأمن الذي هو من أهم الحاجات الفطرية للإنسان.

1. النساء:94.
2. الحجرات:6.
3. تفسير الطبري: 26/78ـ79; تفسير القرطبي:16/311ـ 312، وغيرهما.

صفحه 136

3. ذوالخويصرة التميمي واعتراضه على توزيع الغنائم

روى أصحاب السير والتاريخ أنّه بعد أنّ انتصر المسلمون في غزوة هوازن وقام النبي (صلى الله عليه وآله) بتقسيم الغنائم فإذا جاء رجل من بني تميم يقال له: ذوالخويصرة فوقف عليه(صلى الله عليه وآله) وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد، قد رأيتُ ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي(صلى الله عليه وآله)، ثم قال: ويحك! إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون! فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فقال: لا، دَعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين، حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة.1
روى مسلم في صحيحه في باب الخوارج شر الخلق والخليقة عن الإمام علي(عليه السلام) ـ عند سيره إلى حرب الخوارج ـ قال: سمعت رسول الله يقول: يخرج قوم من أُمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرأون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.2

4. قد صدّق الخُبر الخبر

قد اشتدت ظاهرة التكفير في غزوة صفين عند ما رضي الإمام علي(عليه السلام) ـ بضغط من جيّشه ـ بالتحكيم، وإليك إجمال القضية.
بعدما رفع أهل الشام المصاحف على رؤوس الرماح يدعون إلى حكم

1. السيرة النبوية لابن هشام:2/492.
2. صحيح مسلم:3/116، ولاحظ: صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدّين باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجّة عليهم، الحديث رقم 6930 و 6931 و 6932 و 6933 و 6934.

صفحه 137
الله قال الإمام علي(عليه السلام): عباد الله إنّي أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكنّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وإنّي أعرف بهم منكم صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال، إنّها كلمة حقٍّ يُراد بها باطل، إنّهم والله ما رفعوها أنّهم يعرفونها ويعملون بها ولكنّها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعةً واحدة، فقد بلغ الحقُّ مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يُقطع دابر الذين ظلموا». فجاءه زهاء عشرين ألفاً مقنعّين في الحديد شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودّت ـ جباههم من السجود، يتقدمهم مِسعر بن فدكيّ، وزيد بن حصين، وعصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بأمرة المؤمنين: يا عليّ، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دُعيت إليه، وإلاّ فقلناك كما قتلنا ابنَ عفّان، فوالله لنفعلنها إن لم تُجبهم.1
ثمّ إنّ هؤلاء الجماعة الذين ضغطوا الأمر على عليّ(عليه السلام) بعد كتابة وثيقة التحكيم بين الطرفين، ندموا من أمرهم التحكيم فجاءوا إلى علي(عليه السلام) وقد سلّوا سيوفهم واضيعها على عواتقهم، وكان الإمام في خطبة له ـ فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تنتظر بهؤلاء القوم أن نمشي إليهم بسيوفنا حتّى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق. فقال لهم عليّ(عليه السلام): «قد جعلنا حُكمَ القرآن بيننا وبينهم، ولا يحلُّ قتالهم حتّى ننظر بم يحكم القرآن».2
ولكنهم كانوا يصرون على نقض العهد، وكان شعارهم في المسجد عندما كان علي يخطب:«الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك» والإمام يسامحهم قائلاً: «أمّا إنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدأونا،

1. وقعة صفين لنصر بن مزاحم:489ـ 490.
2. وقعة صفين:497.

صفحه 138
وإنّما فيكم أمر الله. ثمّ رجع إلى مكانه من الخطبة.1
كانت الحال على هذه الشاكلة ولكن لما بلغ السيل الزبى وبلغ أنّهم قتلوا عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم ير بداً من استئصال شأنهم حتى قضى عليهم في حرب النهروان.2

5. مسألة خلق القرآن وتفرّق الأُمّةً

لا أُريد أن أخدش في العواطف ولكن نرى قسماً ممن دوّن عقيدة أهل الحديث والحنابلة خلطوا بين المسائل الكلامية والمسائل التي يدور عليها الإسلام والإيمان.
وهذا هو النبي(صلى الله عليه وآله) يحدد الإسلام بقوله ـ عندما سأله الإمام علي(عليه السلام) في غزوة خيبر ـ قائلاً: يا رسول الله على ما أقاتلهم؟ فقال(صلى الله عليه وآله):«على أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وانّي رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله عزّ وجلّ».3
وروى عبد الله بن عمر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس
حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام أو حسابهم
على الله».4
ومع ذلك نرى أنّ بعض مَن كتب رسالة في العقيدة الإسلامية جعل المسائل الكلامية من الضروريات التي لو انكرها أحد فقد كفر.
يقول أحمد بن حنبل:والقرآن كلام الله ليس بمخلوق فمن زعم أنّ القرآن

1. الكامل في التاريخ:2/335.
2. اقرأ تفصيل ذلك في الكامل في التاريخ:3/341ـ348.
3. المستدرك للحاكم:3/38.
4. صحيح البخاري:26، برقم 25، كتاب الإيمان.

صفحه 139
مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ الفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهميّ، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم.1
من أين جعل هذه المسائل مداراً للإيمان والكفر، فإن أراد من قوله: القرآن مخلوق أي مختلق، فهذا ممّا لا شبهة في كفر القائل به، حيث أنكر الرسالة، وأمّا لو أراد غير هذا فالجميع مسائل كلامية لا تُعدّ ميزاناً للكفر والإيمان.

6. مرتكب الكبيرة

ممّا أثار الفتنة بين المسلمين موضوع مرتكب الكبيرة فالازارقة من الخوارج كفّروا مرتكبها2، وبما أنّ التحكيم عندهم كان كبيرة كفّروا بها أصحاب التحكيم.
وأمّا المعتزلة فلم يكفروا بها مرتكبها لكنهم حكموا بكونه غير مؤمن وجعلوه وسطاً بين الإيمان والكفر وحكموا بخلوده في النار إذا مات من غير توبة.3
لا شكّ انّ كلا القولين بمعزل من التحقيق لأنّ صريح الكتاب في مرتكب الكبيرة وأنّه في معرض الرحمة، يقول سبحانه:(إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُشْركْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيًما).4
فإنّ المراد من الغفران هو الغفران بلا توبة و إلاّ فالغفران معها يشمل

1. كتاب السنّة:44ـ50.
2. الفرق بين الفرق:83، الملل والنحل:1/121.
3. الانتصار:5، مقالات الإسلاميين:1/278.
4. النساء:48.

صفحه 140
الشرك وغير الشرك مع أنّه سبحانه يفصّل بين الشرك وغيره بأنّ الأوّل لا يغفر بخلاف الثاني.
وليست الآية إلاّ أنّها بصيص من الرجاء بالنسبة إلى مرتكبي الكبائر، حتى يصلح حالهم فيما يأتي في مستقبل حياتهم.
فهذه الفتاوى وما أشبهها التي لا تستند إلى دليل من الكتاب والسنّة هي التي حملت جمعاً من الشباب المتحمّسين على إيجاد الفتنة وإشعال نار الحرب عبر القرون، وسنذكر نماذج من ذلك:

1. محنة الطبري (224 ـ 310 هـ)

قبل أن نشير إلى محنة محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، نودّ أن نتعرّف على مكانته العلمية من خلال كلمات بعض الأعلام.
قال الخطيب البغدادي في حقّه: أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحدٌ من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين... عارفاً بأيام الناس وأخبارهم.1
وقال الذهبي: كان من أفراد الدهر علماً، وذكاء، وكثرة تصانيف. قلّ أن ترى العيون مثله. ثم قال: جمع طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. وأضاف: وكانت الحنابلة حزبَ أبي بكر بن أبي داود2، فكثّروا وشغَّبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم

1 . تاريخ بغداد: 2 / 163، الترجمة 589 .
2 . أبو بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث السِّجستاني (230 ـ 316 هـ) قال ابن عدي: كان في الابتداء يُنسب إلى شيء من النَّصْب، فنفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، فردّه ابن عيسى فحدّث، وأظهر فضائل عليّ، ثم تحنبل، فصار شيخاً فيهم. قيل لابن جرير الطبري: ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي، فقال: تكبيرة من حارس!! سير أعلام النبلاء: 13 / 230، الترجمة 118 .

صفحه 141
بيته، نعوذ بالله من الهوى.1
وكان ابن جرير قد دفن ليلاً بداره لأنّ العامّة ـ كما ذكر ابن مِسكويه ـ اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، واتهموه بأمرين:
أ. ادّعوا عليه الرفض.
ب. ادّعوا عليه الإلحاد.
وكان علي بن عيسى2 يقول: والله لو سُئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه.3
أمّا ابن الأثير فعلّل دفنه ليلاً بداره، بالقول: إنّ بعض الحنابلة تعصّبوا عليه، ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب، وهو أنّ الطبري جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنّف مثله ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهاً، وإنّما كان محدّثاً، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يُحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه وقالوا ما قالوا.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسداً وبغياً إنّه لدميم4

2. هدم جامع (براثا)

قال أبو صالح بن أحمد بن عيسى السليلي في كتابه «الفتن» بعد أن ذكر

1 . سير أعلام النبلاء: 14 / 277، الترجمة 175 .
2 . علي بن عيسى بن داود ابن الجرّاح (244 ـ 334 هـ): وزير المقتدر العباسي والقاهر، وأحد العلماء الرؤساء من أهل بغداد. له كتب منها: «ديوان رسائل» و «معاني القرآن» أعانه عليه ابن مجاهد المقري. الأعلام: 4 / 317 .
3 . الكامل في التاريخ: 8 / 134 (نقله عن ابن مسكويه) .
4 . الكامل في التاريخ: 8 / 134 ـ 135 .

صفحه 142
فضل جامع براثا الّذي يؤمّه الشيعة ببغداد: فرأيت مسجد براثا وقد هدمه الحنبليون وحفروا قبوراً فيه، وأخذوا أقواماً قد حُفر لهم قبور فغلبوا أهل الميت ودفنوهم فيه، إرادةَ تعطيل المسجد وتصييره مقبرة، وكان فيه نخل فقُطع، وأُحرق جذوعه وسقوفه، وذلك في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة .1

3. التطرّف في تفسير الصفات الخبرية

ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (323 هـ )، فتنة المتطرّفين (من الحنابلة) في بغداد وأنّهم يأخذون الرجال إذا مشوا مع النساء والصبيان ويحملونهم إلى صاحب الشرطة ويشهدون عليهم بالفاحشة، فأرهجوا بغداد.
إلى أن قال: وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان وكانوا إذا مرّ بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيّهم حتّى يكاد يموت، فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه: تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلين والنعلين المذهَّبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة الّتي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الأنبياء، وكرامات

1 . نقله عنه السيد ابن طاووس في: التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (المعروف بالملاحم والفتن): 261، برقم 379، الباب 48 .

صفحه 143
الأولياء، فلعن الله شيطاناً زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه.1

4. فتنة الجهر بالبسملة

يقول ابن الأثير: في هذه السنة (يعني 447 هـ) صارت مسألة الجهر بالبسملة والمخافتة بها سبباً للفتنة بين فقهاء الشافعية والحنابلة، فالطائفة الثانية أنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتّى لا أتلوها.2

5. إحراق مسجد الشوافع

لم يكن اختلاف الحنابلة مع الشافعية ـ حسب زعمهم ـ إلاّ في الفروع، لأنّ أئمتهم كانوا مختلفين فيها، لا في الأُصول الّتي يناط بها الإيمان، ومع ذلك نرى أنّ الحنابلة ربّما يحرقون مسجد الشوافع تعصُّباً.
وإلى هذا أشار ابن جنيد حيث قال: وقد بنى وزير خوارزم شاه للشافعية بمرو جامعاً مشرفاً على جامع الحنفية، فتعصّب شيخ الإسلام (بمرو) وهو مقدّم الحنابلة بها، وجمع الأوباش، فأحرقه. فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممّن سعى في ذلك، فأغرمهم مالاً كثيراً.3

6. التشكيك في شيخ الأشاعرة

إنّ علي بن إسماعيل المعروف بأبي الحسن الأشعري كان معتزلياً ثم أعلن براءته من هذا المذهب والتحق بمذهب الإمام أحمد، ومع ذلك نرى أنّ الحنابلة

1 . الكامل في التاريخ: 8 / 308 .
2 . الكامل في التاريخ: 9 / 614، حوادث عام 447 هـ .
3 . الكامل في التاريخ: 12 / 158، حوادث عام 596 هـ .

صفحه 144
لا يعدّونه من أهل السنّة كما لا يعدّون أتباعه الذين يمثّلون كثيراً منهم من أهل السنّة، والتاريخ حافل بوجود منازعات كثيرة بين الحنابلة والأشاعرة، إلى أن احتاج رئيس الأشاعرة في وقته إلى استفتاء أرسله إلى مشاهير العلماء في حال الإمام الأشعري، فكتب كلّ شيئاً في علمه وسيرته، ومع ذلك نرى أنّ نار الفتنة كانت تشتعل بين فينة وأُخرى، حتّى أنّ السبكي خصّص فصلاً يشرح فيه حال الفتنة الّتي وقعت في نيشابور، وآلت إلى خروج أكابر العلماء من تلك المنطقة، وكان ذلك في أيام سلطة طغرل بك السلجوقي ووزيره أبي نصر منصور بن محمد الكندري، وقد وصف السبكي هذه الفتنة بقوله:
وهذه هي الفتنة الّتي طار شررها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان، والشام، والحجاز، والعراق، وعظم خطبها وبلاؤها، وقام في سَبِّ
أهل السنّة خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة
في الجُمَع، وتوظيف سبّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن (الأشعري) بها أُسوة بعليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، في زمن بغض بني أُمية،
حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع والمراتب.1

7. موت البوريّ بحلواء مسمومة

يذكر الجزري في حوادث سنة (567 هـ) : أنّه مات فيها البوريّ، الفقيه الشافعيّ، تفقّه على محمد بن يحيى، وقدم بغداد ووعظ، وكان يذمّ الحنابلة، وكثرت أتباعه، فأصابه إسهال فمات هو وجماعة من أصحابه، فقيل: إنّ الحنابلة أهدوا له حلواء، فمات هو وكلّ مَن أكل منها.2

1 . طبقات الشافعية: 3 / 391 .
2 . الكامل في التاريخ:11/376.

صفحه 145

8 . قتل الأشاعرة في المدرسة النظامية

كان أبو نصر بن أبي القاسم القشيري 1 إماماً على مذهب الإمام الأشعري، فلمّا ورد بغداد حاجّاً جلس في المدرسة النظامية يعظ الناس... و جرى له مع الحنابلة فتن، لأنّه تكلّم على مذهب الأشعري ونصرَه، وكثر أتباعه والمتعصّبون له، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة، وكان من المتعصّبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق، وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان، وجرت بين الطائفتين أُمور عظيمة.2
لم يكن الإمام الأشعري ولا أتباعه مختلفين مع الحنابلة في توحيده سبحانه ولا في رسالة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا في معاوية، وإنّما كانوا يختلفون في التنزيه والتشبيه، أفيكون هذا مسوّغاً لإراقة الدماء؟!
هذا شيء قليل من أعمال المتطرّفين عبر قرون، وتحاملهم على رجال العلم والإصلاح من دون دليل وبرهان.
ونكتفي بهذه الشواهد دون حاجة للاستطراد في ذكر الأعمال الإجرامية الّتي حدثت في القرون الوسطى.
وممّا يدلّ على جهل المتعصّبين بمعايير الإيمان والكفر أنّهم كفّروا الأشاعرة أو قتلوهم في أُمور لا تمتّ إلى الإيمان والكفر وإنّما هي مسائل كلامية نظير الصفات الخبرية ـ أعني: العين واليد والاستواء لله سبحانه ـ فالحنابلة يأخذون بها في المعنى اللغوي كما مرّ في بيان الراضي العباسيّ، والأشاعرة من أهل التنزيه يفسّرونها بوجه لا يوجب التشبيه والتجسيم، وقد مرّ أنّهم آذوا إمام المسجد بحجّة أنّه يجهر بالبسملة. والجهر بها أو القنوت في صلاة الفجر ـ

1 . فهرست النديم:271; وفيات الأعيان:3/285.
2 . الكامل في التاريخ :10 / 104 ـ 105 ، حوادث عام 469هـ .

صفحه 146
اللّذين آذوا بسببهما إمام المسجد ـ حكم فرعي خاضع للاجتهاد، فللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد، وإمام المسجد لم يكن خارجاً عن أحدهما.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)1

الفصل الثانى:

إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ للإيمان والكفر معايير واضحة في الكتاب والسنّة ، ولم تفوَّض تلك المعايير إلى أحد حتّى يكفّر من شاء ويعدّ من شاء مؤمناً، وإنّما يتبع كون الرجل مؤمناً أو كافراً تلك المعايير الّتي وردت في الكتاب والسنّة وحفلت بذكرها كتب علماء الفقه والتفسير والكلام. وممّا يؤسف له أنّ أدعياء العلم والاجتهاد يكفّرون أُمّة كبيرة من المسلمين بلا دليل ولا برهان وإنّما يتّبعون الهوى، كما سيظهر من خلال البحث.
وأمّا إدانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كلّ مَن يكفّر أهل التوحيد فتظهر من كلامه حول قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)2.
1. روى البخاري عن أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الحُرَقة

1 . الكهف: 103 ـ 104.
2 . النساء: 94 .

صفحه 147
]من جُهَينة [فصبَّحْنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاَّ الله، فكفّ الأنصاري، فطعنته برُمحي حتّى قتلته، فلمّا قدمنا بلغَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «يا أُسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟» قلت: كان متعِّوذاً، فمازال يكرّرها حتّى تمنيّت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.1
2. روى أبو يعلى الموصلي وغيره عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث عليٌّ إلى رسول الله من اليمن بذَهَبة في أدَم مقروظ 2 لم تحصَّل3، فقسمها بين أربعة نفر: زيد الخيل، والأقرع بن حابس، وعُيَينة بن حِصْن، وعلقمة بن عُلاثة، فقال ناس من المهاجرين والأنصار: نحن كنا أحقّ بهذا، فبلغه ذلك فشقّ عليه... إلى أن قال فقام إليه ]آخر[ فقال: يا رسول الله اتّق الله... فقام خالد... فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، إنّه لعلّه يصلّي. قال: إنّه إنْ يصلّي يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال : «إنّي لم أُومر أن أشقَّ4 عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم».5
3. أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر»6.
4. أخرج مسلم عن ابن عمر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»7.

1 . صحيح البخاري: 3 / 86 ، كتاب المغازي، برقم 4269; المصنّف: 10 / 173، برقم 18720 .
2 . في البخاري: «أديم». والأدم جمع أديم، وهو الجلد، والمقروظ: المصبوغ بالقرظ، وهو حبٌّ كالعدس يخرج من شجر العضاه.
3 . في البخاري: «لم تحصل من ترابها». والمعنى: لم تميّز ولم تُصفّ من التراب.
4 . في البخاري: أنقُب.
5 . مسند أبي يعلى الموصلي: 2 / 391، برقم 1163 ; مسند أحمد: 3 / 371، برقم 10625، وفي الطبعة القديمة: ج 3 ص 4 ; صحيح البخاري: 3 / 107 ، برقم 4351، كتاب المغازي.
6 . سنن أبي داود: 4 / 221، برقم 4687، كتاب السنّة.
7 . صحيح مسلم: 1 / 56، باب مَن قال لأخيه المسلم: يا كافر، من كتاب الإيمان.

صفحه 148
5. أخرج الترمذي في سننه عن ثابت بن الضحاك، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولاعن المؤمن كقاتله، ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله...»1.
***
وعلى ضوء هذه الأحاديث المتضافرة والكلمات المضيئة عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يعلم أنّ تكفير مسلم ليس بالأمر الهيّن بل هو من الموبقات، قال سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)2.
ونؤكد مرّة أُخرى، أنّ المسلمين لم يزالوا منذ قرون غرضاً لأهداف المستعمرين ومخطّطاتهم في بثّ الفرقة بين صفوفهم وجعلهم فرقاً وأُمماً متناحرة ينهش بعضهم بعضاً، وكأنّهم ليسوا من أُمّة واحدة، كلّ ذلك ليكونوا فريسة سائغة للمستعمرين، وبالتالي ينهبون ثرواتهم ويقضون على عقيدتهم وثقافتهم الإسلاميّة بشتّى الوسائل، ولأجل ذلك نرى أنّهم ربما يُشعلون نيران الفتن لأجل مسائل فقهية لا تمتّ إلى العقيدة بصلة، فيكفّر بعضهم بعضاً مع أنّ المسائل الفقهية لم تزل مورد خلاف ونقاش بين الفقهاء.

الفصل الثالث:

إدانة علماء المسلمين

تكفير أهل القبلة
إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو القدوة والأُسوة للمسلمين عامّة وللعلماء

1 . سنن الترمذي: 5 / 22، برقم 2636، كتاب الإيمان .
2 . آل عمران: 105 .

صفحه 149
الواعين المخلصين خاصّة، فقد قاموا بالدعوة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف وجمع عامّة المسلمين تحت خيمة الإسلام والإيمان، إلاّ مَن أنكر أحد الأُصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، أو أنكر ما يلازم أحد هذه الأُصول. وإليك بعض كلماتهم:

1. كلمة الشيخ الجليل الأقدم الفضل بن شاذان الأزدي:1

ولو جعلتم للذين تسمّونهم الرافضة ما في الأرض من ذهب أو فضة على أن يستحلّوا قتل رجل مسلم، أو أخذ ماله، ما استحلّوا ذلك إلاّ مع إمام مثل عليّ صلوات الله عليه في علمه بما يأتي وما يذر، وهو المهدي الّذي تروون أنّه يعدل بين الناس.2

2. كلمة الإمام الأشعري:

قال أحمد بن زاهر السرخسي الأشعري: لمّا حضرت الوفاة لأبي الحسن الأشعري في داري ببغداد أمر بجمع أصحابه ثم قال: اشهدوا عليَّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم.3

3. كلمة ابن حزم في المقام

قال ابن حزم الظاهري: وذهبت طائفة إلى أنّه لا يُكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وإنّ كلّ مَن أجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحقّ فإنّه مأجور على كلّ حال، إن أصاب الحق فأجران، وإن أخطأ فأجر

1 . المتوفّى (260 هـ). وكان من كبار فقهاء الإمامية ومتكلّميهم، كثير التصانيف. قال النجاشي: وهو في قدره أشهر من أن نصفه. رجال النجاشي: 306 ـ 307 برقم 840 .
2 . الإيضاح: 208، مؤسسة الأعلمي، 1402 هـ .
3 . اليواقيت والجواهر للشعراني: 2 / 126، طبعة عام 1378هـ .

صفحه 150
واحد. وهذا قول ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، والشافعي، وسفيان الثوري، وداود، وعلي (عليه السلام)، وهو قول كلّ مَن عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة، ما نعلم منهم في ذلك خلافاً أصلاً.1

4. كلمة القاضي الإيجي

قال القاضي الإيجي: قال جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة. واستدلّ على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً بعلم أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام. 2

5. كلمة تقي الدين السبكي

قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عسر جدّاً، وكلّ مَن في قلبه إيمان، يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، فإنّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر.3

6. كلمة التفتازاني

قال: إنّ مخالف الحقّ من أهل القبلة ليس بكافر ما لم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد، واستدلّ بقوله: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على ما هو الحق.4
***

1 . الفصل لابن حزم: 3 / 291 .
2 . المواقف: 392.
3 . اليواقيت والجواهر: 2 / 125.
4 . شرح المقاصد: 5 / 227 .

صفحه 151
هذا قليل من كثير من كلمات علماء الإسلام ممّن تنبض قلوبهم رغبة بوحدة المسلمين ورفض أي محاولة لتمزيقهم وهدم كيانهم، فلنذكر شيئاً من كلمات علمائنا المعاصرين:
لمّا أفتى الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين بتكفير أتباع أهل البيت وهدر دمائهم مقرونة بسيل من التهم الباطلة والشبهات المختلقة، قامت مجموعة من علماء أهل السنّة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي باستنكار تلك الفتوى الشاذّة عن الكتاب والسنّة والّتي تفرّق الأُمة الإسلاميّة وتمزّق أوصالها، فلنذكر شيئاً من كلماتهم ضمن رسائلهم الّتي أرسلوها إلى العلاّمة الحجّة الشيخ التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام):
1. كلمة الدكتور سامي حمّود (المدير العام لمركز البحوث والاستشارات العالمية الإسلاميّة ـ عمّان ـ الأردن)، قال:
وقد أسفت لصدور مثل هذه الفتوى عمّن يدّعي العلم بالدين، وهو يخالف أمر الله للمسلمين بالوحدة والاعتصام بحبل الله المتين، وكأنّه لم يقرأ قول الله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )1.
2. كلمة عبدالله بن عبد الرحمن البسّام «رئيس الدائرة الحقوقية الأُولى في محكمة التمييز في المنطقة الغربية، وزارة العدل، المملكة العربية السعودية»: قال:
كلّ ما أشار إليه فضيلتكم ـ مخاطباً الشيخ التسخيري ـ هو عين الحق والصواب وهو الّذي نسأل الله تعالى أن يحقّقه لتجتمع الكلمة ويتوحّد الصّف، ويكون للإسلام قوّة في وجه أعدائه، إلى أن يقول: ونحن في عصر نُبذ فيه

1 . البقرة: 191 .

صفحه 152
التعصّب، فدعونا نجتمع ونتوحّد على دين الله ونتعاون على إعلاء كلمة الله ونشر دينه ونشل البشرية الضالّة من حضيض الجهل بدين ربها إلى العلم به.
3. كلمة محمد كمال آدم (عضو مجلس العلماء في أثيوبيا).
قال: لاشكّ أنّ هذه الفتاوى مستنكرة لدى كلّ المسلمين عامّة ولدى كلّ العلماء المخلصين خاصّة، وإصدار مثل هذه الفتاوى الباطلة لا يحقّق إلاّ الخدمة للمستكبرين، ومحاولة لتشتيت شمل المسلمين لكي لا يتّحدوا لمواجهة قوى الشر والباطل.
4. كلمة محمد عبده اليماني «رئيس جمعية اقرأ الخيرية، في جدّة»، قال:
إنّ وحدة الأُمّة الإسلاميّة وتلاحمها بوجه أعدائها الذين يحيكون لها المؤمرات من أهم الضرورات، هذا أمر لا يختلف عليه عاقل ويجب أن تنسى الأُمّة كلّ خلافاتها الاجتهادية، الّتي لا تمس التوحيد وأُصول الإيمان، وتنصهر في بوتقة واحدة استجابة لأمر الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا )1.
5. كلمة أحمد جمال (العضو الخبير لمجمع الفقه الإسلامي ـ مكّة ـ الزاهر). قال:
أسفت لما ذكّرتم به من صدور بعض الفتاوى ضد الشيعة بما لا دليل عليه، ووجهة نظري في المسألة أحد أمرين:
إمّا الصبر والصمت وإهمال المسألة وعدم الاهتمام بها، وإمّا الرد عليها بالحجج والأدلّة الّتي تبطل الفتوى وتظهر أنّها مجرد دعوى.

1 . آل عمران: 103.

صفحه 153
6. كلمة محمود علي السرطاوي (كلية الشريعة ـ الجامعة الأردنية) قال:
إنّ المفتي لم يستند فيما ادّعاه إلى مستند شرعي من الكتاب الكريم أو السنّة النبوية المطهّرة وعمل السلف وأقوالهم، بل كان دليله الهوى، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
عجباً عجباً، هل يستحلّ الأخ الكريم ذبيحة اليهود والنصارى، والزواج منهم، ويحرّم ذبيحة إخواننا من الشيعة الذين يؤمنون بالله رباّ وبمحمد نبياً ورسولاً وبالقرآن الكريم كتاباً منزلاً من عند الله تعالى على قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وباليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه.
7. كلمة الدكتور محمد علي محجوب (وزير الأوقاف المصري آنذاك، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة) .
قال: لقد تلقّيت كتابكم بشأن الرأي في صدور القتل الجماعي لأتباع مذهب أهل البيت... إلى أن يقول: وكما تعلمون أنّنا في مصر نعاني من مثل هذه الآراء الجافّة والتطرّف في الحكم والفتيا والّذي لن يخلص منه مجتمعنا المسلم إلاّ حين تأخذ الوسطية الإسلاميّة طريقها إلى التمكّن ويفسح لها الجميع حتّى تسود وتعلو.
8. كلمة الدكتور طه جابر العلواني (أُستاذ الفقه والأُصول في جامعة محمد بن سعود الإسلاميّة في الرياض).
قال: نحن في عصر قد تكاثرت فيه الأُمم على المسلمين وتداعت عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، ونحن حريّون بأن نتذكر على الدوام قول الله

صفحه 154
تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا )1 ونبذ ذلك التراث المفرّق لكلمة المسلمين المدّمر لوحدة الأُمة... إلى أن قال: إنّ ما نعرفه عن عقائد الشيعة وما يصرّح به أئمتهم المعتبرون كما هو ظاهر في مؤلّفاتهم ويعلن به مشايخهم أنّهم يؤمنون بالله ربّاً وبمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)نبيّاً ورسولاً ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمنون بأنّ الإمامة منصب ديني بعد النبوة، وأنّ الأئمة من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هم أئمة حق يوالونهم بالمودّة والمحبّة، ولكنّهم لا يؤمنون بألوهيّة الإمام علي (عليه السلام)أو نبوته.
9. كلمة الشيخ أحمد حمد الخليلي (المفتي العام لسلطنة عمان).
قال: قد اطّلعت على الفتوى الحمقاء الّتي تشرك طائفة لا يستهان بها من أُمّة الإسلام وتدعو إلى قتلهم وهذا ممّا يكون له أبلغ الأثر في إضعاف هذه الأُمّة.
إنّ صدور فتوى كهذه منهم لدليل واضح على ضيق أُفقهم وضحالة تفكيرهم وعدم تخلّقهم بأخلاق العلماء، وأنّهم دعاة فرقة لا وحدة، ودعاة شقاق لا وفاق، وإنْ هم إلاّ أداة طيّعة في أيدي أعداء الإسلام ـ وعَوا ذلك أم لم يعوه ـ يستغلّونهم في تفتيت الأُمة الإسلاميّة وتمزيق شملها وإبقائها في سبات عميق بعيدة عن فهم الإسلام والعمل بجوهره.
10. كلمة الشيخ عبدالحميد السائح (رئيس المجلس الوطني الفلسطيني)
قال: إذا كان طعام أهل الكتاب بنصّ القرآن حلالاً لنا، ويشمل ذلك الذبح فكيف نحرّم ذبيحة من هو معروف من المسلمين، ولم نتوضح عقيدته، أو لم يصرّح هو شخصه باعتقاده تلك التهم الّتي تستوجب التكفير، والأصل في

1 . آل عمران: 103.

صفحه 155
الإسلام براءة الذمّة، ولذلك لا يجوز أن نحكم بأنّ فئة من المسلمين لا تؤكل ذبائحهم، بناء على تلك الأقاويل الّتي لا ترقى إلى درجة اليقين والقطع.1
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)2

الفصل الرابع:

أسباب نشوء ظاهرة التكفير
من أسباب التكفير جهل المكّفر أو تجاهله لمذهب مَن يرميه بالكفر، وهذا هو الّذي جرّ البلاء على المسلمين طوال قرون، ولأجل أن يقف القارئ على نماذج من هذا النوع من التجاهل الّذي لا يغفر أبداً، نذكر ما يلي:

1. اختلاق خيانة الأمين

يزعمون أنّ الشيعة تقول: إنّ النبوة كانت لعلي (عليه السلام)ولكنّ جبرئيل خان الأمانة وأعطاها لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ألف القصيمي 3 كتاباً باسم «الصراع بين الإسلام والوثنية» وأراد من الوثنية الشيعة الإمامية، وأتى آخر فقرّضه بشعره وعرّف الشيعة الإمامية بقوله:
ويحمل قلبهم بغضاً شنيعاً *** لخير الخلق ليس له دفاعُ
يقولون الأمين حبا بوحي *** وخان وما لهم عن ذا ارتداعُ

1 . تم نقل هذه النصوص عن مجلة رسالة الثقلين، العدد 2، السنة 1، 1413 هـ . (83 ـ 97) .
2 . ق: 37 .
3 . عبدالله القصيمي (1903 ـ 1995 م) وهابي تزندق في آخر عمره، وألف كتاباً باسم: «كيف ذلّ المسلمون» ثم ألف كتاباً آخر باسم: «هذي هي الأغلال»، وقد آثار الكتاب الثاني غضب الوهابيين، فقام بعضهم بالرد عليه بكتاب أسماه: الرد القويم على ملحد القصيم، ثم توالت الردود على كتابه حتّى أنّهم انشأوا فيه قصائد، ورد في أحدها هذا البيت :
هذا القصيمي في الأغلال قد كفرا *** وفاه بالزيغ والإلحاد مشتهرا

صفحه 156
فهل في الأرض كفر بعد هذا *** وحرثُهمُ لمن يهوى متاعُ
فما للقوم دينٌ أو حياءٌ *** وحسبهمُ من الخزي «الصراع» 1
أقول: إذا كان هذا مبلغ علم إمام المسجد الحرام وخطيبه فما ظنّكم بحال من هم تحت منبره.
وما نسبه إلى الإمامية من أعظم التهم الّتي سمعت بها أُذن الدنيا بالنسبة إلى أُمّة يعبدون الله سبحانه وحده، ويؤمنون بأنبيائه وعلى رأسهم النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكتابه وشريعته وسننه، كما يؤمنون بأمانة أمين الوحي جبرئيل الّذي يصفه سبحانه بقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)2.
وقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)3.
والشيعة يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، فكيف يصفون الأمين بالخيانة؟!
فهلمّ معي لنوقفك على مصدر التهمة، وهو رواية منقولة عن الشَّعبي (المتوفّى 103 هـ)، جاء فيها: (واليهود تبغض جبرئيل وتقول: هو عدوّنا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب)4.

1 . الأبيات من قصيدة للشيخ عبدالظاهر أبي السمح إمام المسجد الحرام وخطيبه آنذاك. توفّي سنة (1370 هـ).
2 . البقرة: 97 .
3 . البقرة: 98 .
4 . العقد الفريد: 2 / 249 ـ 250، تحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة. ورواها ابن شاهين (المتوفّى 385 هـ) بإسناده عن عبدالرحمن بن مالك بن مِغْول، عن أبيه عن الشعبي. ذكر ذلك ابن تيمية في: منهاج السنة: 1 / 23 .

صفحه 157
والرواية المنقولة عن الشعبي من السخافة بمكان، لأُمور منها:
1. أنّ الشعبيّ يسمّي الشيعة بالرافضة، وهذا اللقب الّذي نُبز به الشيعة، ذكر مؤرّخو السنّة أنّه عُرف عند قيام زيد بثورته ضد الحكم الأُموي عام (122 هـ) أي بعد وفاة الشعبي بنحو (19) عاماً، فأمّا أن يكون هذا اللقب قد ورد قبل هذا، وهو ما لا تقول به رواياتهم، أو أنّ الرواية مخترعة، وهو الأصحّ.
2. قد وقع في سند هذه الرواية: عبدالرحمن بن مالك بن مِغْول، وهو مجروح عند نقّاد السنّة. قال أحمد والدارقطني: متروك. وقال أبو داود: كذّاب. وقال مرّة: يضع الحديث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة.1
وقد شاء الله تعالى أن يفتضح هذا الكذّاب، فقد روى زكريا بن يحيى الساجي بإسناده عنه، عن أبيه، عن الشعبي، قال: ائتني بزيديٍّ صغير أُخرج لك منه رافضياً كبيراً...
نقل ذلك عنه الذهبيّ، وعلّق عليه بالقول: إنّ الزيدية إنّما وُجدوا بعد الشعبيّ بمدّة.2
3. ألا تكفي آلاف المنائر والمساجد عند الشيعة، والّتي تصرخ ليل نهار: أشهد أنّ محمداً رسول الله، للتدليل على أنّ هذه القصة فرية مفتعلة.
4. أنّ كتب عقائد وفقه الشيعة تملأ الدنيا، فهل يوجد في كتاب واحد منها ما يشير إلى هذه الفرية، ونرضى بأن يكون حتّى من المخرّفين ممّن نراهم عند فئة أُخرى. إنّنا نطالب بمصدر واحد اعتمد عليه هؤلاء في نقل ما نقلوه.3

1 . ميزان الاعتدال: 2 / 584، برقم 4949 .
2 . المصدر نفسه، وفيه: (هكذا رواه زكريا الساجي عنه. ورواه غير الساجي عن ابن المثنى، فقال فيه ـ بدل زيدي: شيعي. وهذا أشبه، فإنّ الزيدية إنّما وُجدوا بعد الشعبيّ بمدّة). ولم يذكر لنا الذهبي اسم هذا الراوي رحمه الله تعالى. هذا، ويعدّ الساجي من الثقات عندهم، وقد مات في سنة (307 هـ) .
3 . انظر: هوية التشيّع: 202 ـ 206. وقد ناقش مؤلّفه الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، هذه الرواية، وزيّفها بأُمور بلغت أحد عشر أمراً.

صفحه 158

2. نسخ الشريعة عن طريق البداء

إنّ البداء حقيقة قرآنية تضافرت الآيات عليها وحقيقتها أنّه ليس للإنسان تقدير واحد لا يتغيّر، بل يمكن للإنسان أن يبدل تقديره بعمل صالح أو طالح، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)1.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدلّ على أنّ للإنسان أن يبدل تقديره بعمله إمّا إلى صالح أو طالح، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)2.
هذه هي حقيقة البداء، ولو قالوا: «بدا لله»، فقد اقتدوا في ذلك بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم
فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص... إلى آخر ما ذكر»3.
ومن المعلوم أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «بدا لله» ليس بمعناه الحقيقي أي ظهر له بعد ما خفي، وإلاّ تعارض مع قوله سبحانه: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ).4
وإنّما هو تعبير مجازي نظير قوله سبحانه: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا)5، وقوله سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ )6، وهذا من باب المشاكلة في

1 . الأعراف: 96 .
2 . الرعد: 39 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 405 ـ 406، كتاب أحاديث الأنبياء، الباب 53، برقم 2464.
4 . إبراهيم: 38.
5 . الطارق: 15 ـ 16 .
6 . التوبة: 67 .

صفحه 159
التعبير، أو بضرب من التشبيه والمجاز.
هذه هي حقيقة البداء على وجه الإجمال الّذي هو أمر متفق عليه بين الفرق الإسلاميّة، ولكن نرى أن أبا القاسم البلخي المتكلّم المعتزليّ
(المتوفّى 319 هـ) ينسب البداء إلى الشيعة، ويفسره بقوله: إن الأئمّة
المنصوص عليهم بزعمهم مفوّض إليهم نسخ القرآن وتبديله1، وتجاوَزَ بعضهم حتّى خرج من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عزّ وجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدّله وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون إلاّ ما يقدّره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكّة.
نقل الشيخ الطوسي عنه هذا الكلام، وقال: وأظنّ أنّه عنى بهذا أصحابنا الإماميّة، لأنّه ليس في الأُمّة من يقول بالنص على الأئمة(عليهم السلام)سواهم، فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة(عليهم السلام)ولا أحد منم يقول بحدوث العلم .2
هذا وقد سرى الجهل بعقائد الشيعة في أمر البداء إلى كتب المتأخّرين من السنّة ولا نريد التذكير به، والحق أنّ النزاع في البداء لفظي وليس معنوياً.
وقد سألني أحد علماء السنّة عن حقيقة البداء، فدفعت إليه «أوائل المقالات» و «شرح عقائد الصدوق» للشيخ المفيد، فأخذ الكتابين وطالعهما وجاء بهما بعد ستة أيام وقال: البداء بهذا المعنى الموجود في الكتابين ممّا اتّفق عليه علماء السنّة.

1 . في المصدر «وتدبيره» وهو تصحيف والصحيح ما أثبتناه، وفقاً للطبعة الحجرية من التبيان: ص 6.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 13 ـ 14، طبعة النجف 1376 هـ .

صفحه 160

3. رمي الشيعة بتهم زائفة

لم تزل الشيعة تُرمى بالتُّهم الباطلة، من عهد بني أُميّة، وإلى يومنا هذا، ومن أبرز من نسب إليهم تلك الأكاذيب ابن تيمية في كتابه «منهاج السنّة»، وقد ذكرنا شيئاً منها في كتابنا «ابن تيمية فكراً ومنهجاً»1 ولو أردنا استقصاءها لطال بنا المقام، ونذكر منها هنا أمرين:
1. قال: ومن حماقاتهم كون بعضهم لا يشرب من نهر حفره يزيد.
أقول: لم أر في كتاب ولم أسمع من شيخ أنّ الشيعة لا يشربون من نهر حفره يزيد، فمن أين جاء ابن تيمية بذلك؟
2. قال: ومن حماقاتهم كونهم يكرهون التلفظ بلفظ (العشرة) أو فعل شيء يكون عشرة حتّى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك .2
ونحن لا نعلّق على ذلك بشيء، إلاّ بقوله سبحانه:
(وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرى)3.

الفصل الخامس:

الجهل بالمفاهيم الإسلاميّة

إذا كان الداعي الأول هو التجاهل، فهناك سبب آخر وهو الجهل ببعض المفاهيم الإسلاميّة الّتي صارت سبباً لتكفير قوم، وعلى رأس هذا الأمر العنوانان التاليان:

1 . لاحظ: ابن تيمية فكراً ومنهجاً:611ـ 612.
2 . منهاج السنة: 1 / 38 ـ 39 ، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
3 . طه: 61 .

صفحه 161
1. العبادة.
2. البدعة.
فإن كثيراً من الوهابيين إنّما يكفّرون الأُمّة الإسلاميّة جمعاء لأجل جهلهم بمعاني هذين اللفظين، حيث قاموا بتفسير التوحيد في العبادة من عند أنفسهم بشكل لا ينطبق حتّى على أنفسهم. ولأجل رفع الحجاب عن وجه الحقيقة نذكر شيئاً عن هذا الموضوع على وجه الإجمال.
لاشكّ أنّ التوحيد في العبادة من مراتب التوحيد، فالإنسان الموحِّد من يوحِّد الله سبحانه ذاتاً وأنّه واحد لا نظير له، وخلقاً وأنّه لا خالق إلاّ هو،
وتدبيراً وأنّه لا مدبّر إلاّ هو، وعبادة وأنّه لا معبود سواه، فمن لم يوحّد الله
في شيء من هذه المراتب فليس بموحِّد فضلاً عن أن يكون مسلماً أو مؤمناً، وقد بلغ التوحيد في العبادة منزلة كبيرة بحيث صار العلّة الغائية لبعث الأنبياء، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)1.
وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)2.
وعلى هذا فلا نزاع في الكبرى، وأنّ العبادة تختصّ بالله سبحانه، أخذاً بقوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)3، إنّما الكلام في تحديدها تحديداً منطقياً يكون جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار، وممّا يؤسف له أنّ القوم لم يحدّدوها بحدّ تتميّز به العبادة عن غيرها، وإليك التعاريف الواردة في كتب اللغة والتفسير:

1 . النحل: 36.
2 . الأنبياء: 25.
3 . الحمد: 5 .

صفحه 162

كلمات اللغويين

إن أئمة اللغة العربية فسّروا العبادة بما يلي:
1. العبادة: أصل العبودية الخضوع والتذلّل.1
2. العبودية إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها لأنّها غاية التذلّل .2
3. العبادة: الطاعة .3
فلو رجعت إلى سائر القواميس، تجد تعابير مشابهة.
ولا يخفى أنّه لو كانت العبادة هي الخضوع لعمّ البلاء جميع البشر،
حيث إنّه يخضع بعضهم لبعض، كالولد أمام الوالدين، والجندي أمام الضابط، والتلميذ أمام الأُستاذ، وعلى هذا فلا يوجد على أديم الأرض موحّد، حتّى الوهابيّ نفسه.

كلمات المفسّرين

1. قال صاحب المنار: العبادة: ضرب من الخضوع، بالغ حد النهاية، ناشئٌ عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يُعرف منشؤها، واعتقاد بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها.4
ولا يخفى أنّ التعريف غير جامع ولا مانع، أمّا الأوّل فإنّ بعض مصاديق العبادة يفقد الخضوع الشديد ولا يكون بالغاً حدّ النهاية، كصلوات الناس العاديّين والعوام منهم، مع أنّ عملهم عبادة.
وأمّا الثاني فربّما يكون خضوع العاشق أمام معشوقته والجندي أمام ضابطه، أشدّ خضوعاً ممّا يقوم به كثير من المؤمنين تجاه ربّ العالمين، ولا

1 . لسان العرب: مادة «عبد».
2 . مفردات الراغب: مادة «عبد».
3 . القاموس المحيط: مادة «عبد».
4 . تفسير المنار: 1 / 57 .

صفحه 163
يوصف خضوعه بالعبادة.
2. قال شيخ الأزهر: العبادة خضوع لا يحدّ لعظمة لا تحدّ.1
ويرد عليه ما أُورد على التعريف الأوّل.
إلى غير ذلك من التعاريف الّتي لا تنطبق على واقع الأمر، وهؤلاء هم ملائكة الله قد سجدوا لآدم وخضعوا له نهاية الخضوع، ومع ذلك لم يخرجوا عن حدّ التوحيد قيد شعرة، وهؤلاء أبناء يعقوب ووالداهم سجدوا ليوسف(عليه السلام)، كما قال سبحانه: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا )2، ولم يشركوا بربّهم .
وعلى هذا فلابدّ أن تحدَّد العبادة حدّاً منطقياً جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار، حتّى يقطع كلّ عذر للوهابيّين حيث يعدّون كلّ خضوع وخشوع للأنبياء والأولياء أو أيّ دعاء لهم، عبادة لهم.
وأنت إذا زرت الحرمين الشريفين فستقرع سمعك كلمات الشرك والبدعة أكثر من كلّ الكلمات، وكأنّه ليس في جعبة القوم إلاّ أمران: الشرك والبدعة.

التعريف الصحيح للعبادة

قد وقفت على أن التعاريف السابقة ليست بجامعة ولا مانعة، واللازم في تعريف العبادة هو التعرّف على القيود المأخوذة في تعريفها، إذ ليست العبادة مجرّد الخضوع بل الخضوع النابع عن اعتقاد خاص، وهذا هو الّذي يميّز العبادة عن التكريم والاحترام، فنقول:

1 . تفسير القرآن الكريم: 77. تأليف الإمام محمود شلتوت.
2 . يوسف: 100 .

صفحه 164

1. العبادة هي الخضوع الناشئ عن الاعتقاد بأُلوهية المعبود

فالذي يميّز العبادة عمّا يشابهها هو الاعتقاد الخاصّ بأنّ المعبود إلهٌ، سواء أكان إله العالمين أو إلهاً مختلقاً في الواقع وإن لم يكن كذلك في نظر مَن يعبده، وهذا القيد يُدخل كلّ عبادة صحيحة وباطلة تحت التعريف. أمّا الصحيحة فواضحة لأنّ المؤمن يخضع عن اعتقاد بأنّ المخضوع له إله العالمين، وأمّا عبادة الوثني فهو يخضع بتصوّر أنّ الوثن إله صغير، مخلوق لإله أكبر، ولذلك لمّا دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الإله الواحد، استغرب المشركون وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)1.
ويدلّ على ما ذكرنا من القيد قوله سبحانه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ )2، فقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)بمنزلة التعليل وهو أنّ العبادة خاصّة للإله ولا إله إلاّ الله.
وقد أثبتنا في محلّه أنّ الإله يساوق لفظ الجلالة في المعنى غير أنّ الثاني علَم، والإله اسم جنس يعمّ الإله الصادق والإله الكاذب، وأنّ ما اشتهر بأنّ الإله بمعنى المعبود فإنّما هو تفسير باللازم لا أنّه معناه، بل المتبادر منه ما هو المتبادر من لفظ الجلالة ويفترقان بالكلّية والعلَمية.

2. العبادة: هي الخضوع لشيء على أنّه ربّ3

العبادة عبارة عن الخضوع النابع عن أنّ المخضوع له ربّ الخاضع، المالك لشؤونه، المتكفّل بتدبيره وتربيته، وهما من صفات الربّ، فربّ الدار وربّ الضَّيعة وربُّ الفرس مسؤول عن تربية المربوب وتدبيره.

1 . ص: 5 .
2 . الأعراف: 59 .
3 . البيان للسيد الخوئي: 503 .

صفحه 165
ويدلّ على ما ذكرنا من القيد قوله سبحانه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
)1 فقوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ) بمنزلة التعليل للعبادة، ويثبت
أنّها من شؤون الربّ، ولا ربّ إلاّ الله سبحانه فهو ربّ العالمين وربّ الآلهة المكذوبة.

3. العبادة: هي الخضوع أمام من يعتقد بأنّه يملك شأناً من شؤون وجوده

ليس مجرد الخضوع عبادة إلاّ إذا كان نابعاً من الاعتقاد الخاصّ بأنّ المخضوع له يملك شأناً من شؤون حياة الخاضع في الدنيا والآخرة .
وعلى هذا فالعبادة قائمة بأمرين:
1. ما يرجع إلى الجوارح وهو الخضوع بالرأس واليد والكلام وغيرها.
2. ما يرجع إلى الجوانح وهو الاعتقاد الخاصّ بأنّ المخضوع له إله أو رب أو بيده شأن من شؤون حياته في الدنيا والآخرة.

4. العبادة على رأي ابن عاشور

ومن أفضل ما عُرّفت به العبادة هو ما ذكره ابن عاشور، حيث قال: إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنّه يملك نفع العابد وضُرّه ملكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله كما حكى الله قول فرعون: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)2 .3

دعاء الصالحين ليس عبادة لهم

إنّ دعاء الصالحين على قسمين وإن كان أوّلهما غير موجود بين المسلمين:
1. دعاؤهم والخضوع لهم بما أنّهم آلهة أو أرباب أو أنّ بيدهم مصير

1 . الأنبياء: 92 .
2 . المؤمنون: 47 .
3 . التحرير والتنوير: 27 / 45 .

صفحه 166
الداعي في الدنيا والآخرة. ولا شكّ أنّ الدعاء بهذا القيد عبادة لهم، ولكن لا تجد على أديم الأرض مسلماً يدعو الصالحين بأحد هذه الأوصاف.
2. دعاؤهم بما أنّهم عباد صالحون وبما أنّ لهم منزلة عند الله، يستجاب دعاؤهم وتقبل شفاعتهم، والدعاء بهذا المعنى نوع توسّل بأحد الأسباب الّتي دعا إليها القرآن الكريم وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً)1.
فلو قال القائل: إنّ الآية ناظرة إلى حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا صلة لها بما بعد موته؟
قلنا: أوّلاً: نمنع اختصاص الآية بحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). بل تشتمل الآية لما بعد الرحيل بشهادة السيرة المستمرة بين المسلمين.
وثانياً: نفترض أنّها راجعة إلى حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لكن الكلام في مجال آخر وهو أنّ دعاء الصالحين ـ بما أنّهم عباد الله المكرمون ـ لو كان عبادة لهم لكان كذلك عند حياتهم أيضاً فإنّ الحياة والموت ليستا ميزاناً للتوحيد والشرك، ولو فرض كونهما ميزاناً لكانا ميزاناً في الانتفاع وعدمه فيكون دعاء الحيّ مجدياً، ودعاء الميّت غير مجد، وأين هذا من الشرك؟
ومن هنا يعلم أنّ ما قاله ابن جبرين في وصف الشيعة الإمامية، نابع عن جهله بمفهوم العبادة، حيث قال: إنّ الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون عليّ بن أبي طالب دائماً في الشدّة والرخاء حتّى في عرفات والطواف والسعي ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً، وهذا شرك أكبر وردّة عن الإسلام يستحقّون القتل عليها كما سمعناهم في عرفات وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون.

1 . النساء: 64 .

صفحه 167
أقول: كلّ ما ذكره من القيود ناظر إلى الصورة الأُولى ولا تجد أحداً من المسلمين (فضلاً عن الشيعة الذين يوحِّدون الله تعالى بأفضل صور التوحيد) مَن يعتقد أنّ علي بن أبي طالب ربٌ أو خالق أو متصرّف في الكون.
(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)1
وبمثل هذه الفتاوى الباطلة المبنية على شفا جرف هار يبيح الشيخ ابن جبرين وغيره من شيوخ الوهابيّة، القتل الجماعي لأُمّة مسلمة موحِّدة يتجاوز عددها المائتي مليون، ويعدّون ثلث المسلمين أو ربعهم.
إنّ الصخب والضوضاء والصراخ الذي يُسمع من أئمة المسجد النبوي أو في المسجد الحرام وأطرافهما، وهم يكِّفرون بملء أفواهم المسلمين عامّة والشيعة خاصّة، ناشئ من الجهل بمفاد الشرك في العبادة، حيث زعموا أنّ الخضوع أمام ضريح النبي الأكرم عبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّ هؤلاء ذوي العقول الجامدة لم يفرّقوا بين عبادة النبي وبين تكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي أمر الله تعالى المسلمين به، بقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2 فالضمائر الثلاثة ترجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمراد من التعزير هو تكريمه وتوقيره، لا نصرته ; لأنّ الإخبار عنها ورد صريحاً بقوله: (وَنَصَرُوهُ).

دعاء الصالحين في حديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

كيف يلهج ابن جبرين وغيره بأنّ دعاء الصالحين شرك وعبادة لهم مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)علّم ضريراً بأن يتوسّل في دعائه بنفس النبي وشخصه : روى عثمان بن حنيف، قال: إن رجلاً ضريراً أتى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: ادعُ الله أن يعافيني .

1 . الكهف: 5 .
2 . الأعراف: 157 .

صفحه 168
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن شئت دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ وهو خير؟».
قال: فادعُهُ، فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتوضّأ فيحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهم شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: «فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضُرّ».
لا كلام في صحّة سند الحديث ولم يشك أحدٌ إلى الآن في صحّته، حتّى أنّ الكاتب الوهابي المعاصر الرفاعي الّذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصّة بالتوسّل أذعن بصحّة الحديث، وقال: لاشكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور .1
كيف لا يكون صحيحاً مشهوراً عندهم وقد رواه أحمد بن حنبل 2، وابن ماجة3، والترمذي4، والنسائي5، والطبراني6، والحاكم النيسابوري7، ابن خزيمة.8
وأمّا دلالة الحديث فهي واضحة، فلو قدّمت هذا الحديث إلى من يُحسن اللُّغة العربية جيّداً ويتمتّع بصفاء فكر، بعيد عن مجادلات الوهابييّن وشُبهاتهم ثم سألته: بماذا أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك الأعمى عندما علّمه ذلك الدعاء؟ لقال: علّمه

1 . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 158 .
2 . مسند أحمد: 4 / 138 .
3 . سنن ابن ماجة: 326 ـ 327 برقم 1385 (وقال: قال ابن إسحاق: هذا حديث صحيح).
4 . سنن الترمذي: 1026 برقم 3589 (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب) .
5 . سنن النسائي:6/169.
6 . المعجم الكبير:9/31.
7 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 313 .
8 . صحيح ابن خزيمة:2/225.

صفحه 169
النبي أن يقول: يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي. أليس ذلك نداءً للصالحين ودعاء لهم، فكيف علّم نبي التوحيد أُمّته بدعائه وندائه؟
والعجب أنّ عثمان بن حنيف علّم هذا الدعاء لشخص آخر كان يختلف على عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلمّا علّمه ابن حنيف ذلك الدعاء وعمل بما فيه، قُضيت حاجته، عندما ذهب إليه .1

مفاد قولهم: الدعاء مُخّ العبادة

وهناك من الوهابيين مَن يدلّس ويشوّش الأفكار ويقول بأنّ الدعاء يرادف العبادة، ويروي أنّ الدعاء مخّ العبادة، فدعاء الصالح بأيّ معنى كان، يكون عبادة.
وهذا من مغالطاتهم الواضحة فإنّ الدعاء تارة يستعمل في العبادة وأُخرى بمعنى الطلب، فهذا هو مؤمن آل فرعون يدعو قومه ويقول: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَني إِلَى النَّارِ )2، وقال سبحانه حاكياً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ )3، وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ )4 إلى عشرات الموارد الّتي استعمل فيها الدعاء بمعنى الطلب والدعاء. وأمّا ما روي من أنَّ الدعاء مخّ العبادة، فالمراد أنّ دعاء الله مخّ العبادة، لا دعاء الصبي أُمّه، والمخدوم خادمه.
وبما أنّ المجال لا يسع لأن نذكر سائر الأدلّة الّتي تدل على جواز التوسل بالصالحين ودعائهم، اكتفينا برواية واحدة وفيها غنىً وكفاية.

1 . المعجم الكبير: 9 / 30 ـ 31 برقم 8311 .
2 . غافر: 41 .
3 . آل عمران: 153 .
4 . آل عمران: 104 .

صفحه 170

البدعة مفهومها وحدّها

قد تقدّم أنّ الجهل بمفهوم الأمرين: العبادة والبدعة، وعدم تحديد مفهوم كلٍّ منهما، صار سبباً لمسلسل التكفير، وقد مرّ الكلام في مفهوم العبادة وعرفت أنّ المسلمين عامّة لا يعبدون سوى الله تبارك وتعالى، وأنّ توسّلهم أو نداءهم للصالحين لا يمتّ إلى العبادة بصلة، وبقي الكلام في مفهوم البدعة، فإنّ الجهل بها وبحدودها صار سبباً لرمي كثير من الأعمال والسنن والمراسم والشعائر الدينية بالبدعة.
ولاشكّ أنّ البدعة في الدين من كبائر المعاصي وعظائم المحرّمات وقد دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة، وأُوعد صاحبها بالنار على لسان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ المبتدع ينازع سلطان الله تبارك وتعالى في التشريع والتقنين، ويتدخّل في دينه فيزيد عليه وينقص منه شيئاً، كلّ ذلك افتراء على الله، وهذا أمر اتّفق عليه المسلمون، إنّما الكلام في تحديد مفهوم البدعة.

تعريف البدعة

يمكن تعريف البدعة بالنحو التالي:
البدعة: التدخّل في الدين في الأُصول والفروع، وبعبارة أُخرى: عقيدة وحكماً بزيادة أو نقيصة لكن بشرطين:
1. أن تكون هناك إشاعة ودعوى إلى فعل المبتدع.
2. أن لا يكون هناك دليل في الشرع على جواز الشيء، لا بالخصوص ولا بالعموم .
أمّا التعريف فتعلم صحّته من الآيات الذامّة لعمل المشركين وأحبار

صفحه 171
اليهود. وأمّا الشرط الأوّل فيقول: (قُلْ ءآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)1 فتدلّ على أنّ كلّ شيء إذا لم يأذن به، ومع ذلك نُسب إليه سبحانه، يكون من مقولة الافتراء على الله.
وأمّا الشرط الثاني فقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ)2 فقولهم: (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الإلهية فيعرِّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله. وهذا يثبت أنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها.
وبذلك ظهر أنّ كلّ أمر مستحدث إذا لم يُنسَب إلى الدين وإلى ما أنزله الله فليس ببدعة، وإن اندرج في الحلال تارة والحرام أُخرى.
توضيحه: لاشكّ أنّه قد ظهرت في مجتمعاتنا أُمور جديدة، ومع ذلك لا يمكن وصفها بالبدعة، ولا يشملها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ بدعة ضلالة» إذ المراد كلّ بدعة في الدين، لا كلّ أمر جديد، فالمبتدع هو المتدخِّل في الشريعة لا المتدخّل في شؤون الحياة بغير صبغة شرعيّة.
مثلاً جرت العادات في بعض المجتمعات على اختلاط النساء بالرجال، في حفلات الاستقبال من دون حجاب ولا عفاف، فلاشكّ في أنّ ذلك حرام جدّاً ولكنّه ليس بدعة في الدين، لأنّ هؤلاء خاضعون للهوى ولم ينسبوا عملهم إلى الدين. فالأُمور العادية بين مباح ومكروه وحرام، فلا توصف بالبدعة إذا لم تُنسب إلى الدين.
إنّ لكل قوم سُنناً وآداباً خاصة ترسم طبيعة المعاشرة ونوع العلاقات الاجتماعية، كما أنّ لهم أساليبهم الخاصّة في الأُمور العمرانية وفي كيفية استغلال الطبيعة، وغير ذلك، فمثلاً قد تقتضي تقاليد وأعراف قوم تخصيص

1 . يونس: 59.
2 . البقرة: 79 .

صفحه 172
يوم واحد لتكريم زعيم لهم باعتباره رمزاً تاريخياً، أو للاحتفال بذكرى حادثة جليلة ساهمت في صنع أمجادهم، وقد توجب المصالح التطوير في الأُمور العمرانية وما شاكلها، أو في استغلال الطبيعة عن طريق الأجهزة الحديثة، فهذه الأُمور وغيرها قد ترك الشارع طريقة التعامل معها إلى الناس وفق أساليب حياتهم والتجديد الحاصل فيها، ولم يتدخل فيها إلاّ بوضع الأُطر العامّة لها، وهي أن لا تكون طريقة التعامل مخالفة للقواعد والضوابط الشرعيّة العامّة، ولولا هذه المرونة لما كان الإسلام ديناً عالمياً سائداً، ولتوقّفت حركته منذ أقدم العصور، ونأتي لمزيد من التوضيح بمثال:
قد حدثت في العصور الأخيرة عدّة تقاليد في ميدان الألعاب الرياضية ككرة القدم والسلّة، والطائرة والمصارعة والملاكمة وغير ذلك، فبما أنّها أُمور عادية محدثة فلا تعدُّ بدعة في الدين، ولو صحّ إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار المعنى اللغوي أي الشيء الجديد في ميادين الحياة، لا في الأُمور الشرعية، غاية الأمر يجب أن تحدّد شرعيتها بالضوابط الكلّية بأن لا يكون هناك اختلاط بين اللاعبين نساءً ورجالاً وأن لا يكون هناك ضرر وإضرار كما هو المحتمل في الملاكمة.
إنّ جميع العادات من قول أو فعل محكوم بالإباحة بشرطين:
1. أن لا يدلّ دليل على حرمة بخصوصها، في الكتاب والسنّة .
2. أن لا ينطبق عليه أحد العناوين الثانوية «كالإسراف» و «الإعانة على الإثم» و« تقوية شوكة الكافرين» و «الإضرار بالمسلمين» و «الإضرار بالنفس والنفيس» إلى غير ذلك من العناوين الثانوية المغيّرة لحكم الموضوع. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع الأجهزة الحديثة الّتي هي من نتائج التقدّم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلفاز والسيارة والطائرة وما شابهها ، هي من هذا القبيل، لعدم وجود دليل خاص على حرمتها وعدم انطباق دليل على تحريمها

صفحه 173
من العناوين الثانوية .
ومن جهالات المتطرّفين في الأُمور العادية ما يقضى منه العجب، وهذا النوع من التزمّت هو الّذي يعرقل عجلة تبليغ الإسلام .
يقول الشاطبي: إنّ من السلف من يرشد كلامه إلى أنّ العاديات كالعباديات، فكما أنّا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها، فكذلك العاديات.
وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم... ثم قال: ويظهر أيضاً من كلام من قال: أوّل ما أحدث الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المناخل.1
وأضاف الشاطبي: ويُحكى عن الربيع بن أبي راشد أنّه قال: لولا أنّي أخاف من كان قبلي لكانت الجبّانة مسكني إلى أن أموت. والسكنى (أمر) عادي بلا إشكال. وعلى هذا الترتيب يكون قسم العادات داخلاً في قسم العبادات، فدخول الابتداع فيه ظاهر، والأكثرون على خلاف هذا.2
وإليك بعض هذه الموارد الدالَّة على هذا الفهم المغلوط للبدعة:
ـ روى الغزالي: أنّ رجلاً قال لأبي بكر بن عيّاش: كيف أصبحت؟ فما أجابه، قال: دعونا من هذه البدعة3.
ـ وقال محمد بن حمد ابن الحاج المالكي (المتوفّى 737 هـ): وقد منع علماؤنا رحمة الله عليهم المراوح، إذ أنّ اتخاذها في المساجد بدعة.4
ـ وقال ابن الحاج أيضاً (وهو يذكر ما يسمّيه البدع المحدثة في المساجد): وليحذر أن يفرش السجّادة على المنبر لأنّ ذلك بدعة.. وكذلك

1 . يريد أنّ نخل الدقيق بالمُنْخُل بدعة!!
2 . الاعتصام للشاطبي: 2 / 79 .
3 . إحياء علوم الدين: 2 / 251، كتاب العزلة.
4 . المدخل: 2 / 217 .

صفحه 174
ينبغي أن يُمنع ما يُفرش على درج المنبر يوم الجمعة، فإنّه من باب الترفّه، ولم يكن من فعل مَن مضى، فهو بدعة أيضاً .1
وقد ذكر كلٌّ من الشاطبي وابن الحاج نظائر من هذه الأُمور الّتي أدخلت تحت عنوان الابتداع في الدين، فلا نطيل فيها الكلام.2
أهؤلاء هم الذين صاروا زيناً لخير القرون وأصبحوا أدّلاء على الإسلام في عامة القرون؟! لا أدري ولا المنجم يدري.
هذا خلاصة ما يرجع إلى القيد الأوّل وأنّ حقيقة البدعة هي إدخال ما ليس من الدين فيه، بزيادة أو نقيصة، وأنّ قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «شرّ الأُمور محدثاتها»، ناظر إلى الأُمور المنسوبة إلى الدين وهي ليست منه، وأنّ الاستدلال بالحديث على ذم العادات المحدثة استدلال باطل، وإنّما يستنبط حكم المحدثات من ناحية الحلال والحرام من الكتاب العزيز والسنّة النبوية.
بقي الكلام في القيدين الأخيرين أعني:
1. الإشاعة في المجتمع.
2. أن لا يكون هناك دليل في الشرع على جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

الإشاعة ودعوة الآخرين إلى ما أُحدث

هذا هو أحد مقوّمات البدعة، فلو جلس أحدٌ في البيت وزاد أو نقص شيئاً في الدين فقد ارتكب أمراً حراماً لكن لا يوصف قوله أو فعله بالبدعة، لأنّ عمل المبتدعين عبر القرون ـ وأخصّ بالذكر عمل المشركين ـ لم يكن عملاً شخصياً في الخفاء بل كان مقروناً بدعوة الناس إليه كما لا يخفى .
***

1 . المدخل: 2 / 268 .
2 . لاحظ : الاعتصام: 2 / 68; والمدخل: 2 / 203 ـ 239 .

صفحه 175

عدم وجود أصل لها في الكتاب والسنّة

هذا هو الأمر المهم الّذي يجب التركيز عليه في مقابل المتزمّتين حيث لا يميّزون بين البدعة لغة وبينها شرعاً، فلو أمسك شخص إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض فقد ابتدع لغة وشرعاً. إنّما الكلام إذا كان لعمله المحدَث أصل في الشريعة وإن لم يكن عليه دليل بالخصوص فلا يوصف بالبدعة.
قال ابن حجر العسقلاني: والمراد بالبدعة: ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.1
وقال ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة .2
وقال العلاّمة المجلسي: البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً.3
ونأتي بمثال: قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)4، فإنّ قوله: (مِنْ قُوَّة)موضوع كلّي يشمل عامّة القوى الّتي تحقّق هذا الهدف.
وعلى هذا فالتسلّح بالغوّاصات والأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة،

1 . فتح الباري: 5 / 156، و 17 / 9 .
2 . تحفة الأحوذي للمباركفوري: 7 / 366 ; جامع العلوم والحكم: 160، طبعة الهند.
3 . بحار الأنوار: 74 / 202 .
4 . الأنفال: 60 .

صفحه 176
من مصاديق القوّة ولا يُعدّ بدعة، بل يُعدّ تجسيداً لهذا الأصل.
وبما ذكرنا تقف على أنّ كثيراً من الأُمور الّتي يصفها الوهابيون بأنّها
من البدعة ليس منها، فإنّ لها أُصولاً في الكتاب والسنّة، ونشير إلى بعض الموارد:
1. يقول محمد حامد الفقي: والمواليد والذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم .1
وقد تبع الرجل مبدع مسلكه، قال ابن تيمية حول الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف: إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف أحقّ به منّا، فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعظيماً له منّا وهم على الخير أحرص .2
وقد تخبّط الرجلان، أمّا الأوّل فقد عدّ الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد قلنا: إنّ من مقوّمات العبادة الاعتقاد بأُلوهية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو ربوبيته أو كون مصير المحتفل بيده، وليس شيء من ذلك في الاحتفالات وإنّما يقام الاحتفال لتكريم رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق توحيده سبحانه، فكيف يكون عبادة له؟!
وأمّا الثاني (ابن تيمية) فقد ابتدع في تعريف البدعة حيث جعل الميزان في الحلال والحرام عمل السلف، وهذا هو البدعة بعينها، فإنّ الميزان هو الكتاب والسنّة لا عمل السلف.
أضف إلى ذلك: أنّ الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تجسيد لحبّه الّذي دعا إليه الكتاب والسنّة; أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ

1 . فتح المجيد (قسم الهامش): 145 .
2 . اقتضاء الصراط المستقيم: 293 ـ 494 .

صفحه 177
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده والناس أجمعين».
وقد تضافرت الروايات على حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)2.
ولاشكّ أنّ الاتّباع من مظاهر الحبّ، ولكنّه لا يختصّ بالاتّباع بل له آثار في حياة المحبّ كأن يزور محبوبه ويكرمه ويعظّمه.
ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحبّ الكامن في القلب من دون أن يُرى أثره في الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم القيام بكلّ ما يُعدّ مظهراً لحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة، ويمكن أن يتجلّى الحب بالأُمور التالية:
1. مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نظماً ونثراً، وقد تفجّرت قرائح الشعراء بمدح النبي ضمن قصيدة وقصائد لو جمعت في كتاب لصار موسوعة، وهذا هو كعب بن زهير بن أبي سلمى ينشئ قصيدة مطوّلة في مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)منطلقاً من حبّه له ويلقيها على روؤس الأشهاد والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم ويقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ *** متيّم إثرها لم يُفدَ مكبولُ
إلى أن قال:
إنّ الرسول لنور يستضاء به *** مهنَّد من سيوف الله مسلولُ3

1 . التوبة: 34 .
2 . مسند أحمد: 3 / 177; صحيح البخاري: 1 / 9 .
3 . السيرة النبوية: 2 / 315. لاحظ : بقية أبيات القصيدة .

صفحه 178
2. تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بصلة كباب داره وضريحه وأستار قبره، انطلاقاً من مبدأ الحب الّذي عرفته، وهذا أمر طبيعي فكلّ مَن يقبّلون ضرائح الأولياء وأبواب قبورهم فإنّما ينطلقون من مبدأ الحب.
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيضعها على فيه يُقبّلها، وأحسب أنّي رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به.
وعلّق الحافظ الذهبي على ذلك قائلاً: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنّ عبدالله سأل أباه عمّن يلمس رُمّانة منبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمسّ
الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأساً، أعاذنا الله من رأي الخوارج، ومن البدع.1
3. الاحتفال بميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وكلّ من دعا إلى الاحتفال بمولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في أي قرن من القرون، فقد انطلق من حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي أمر به القرآن وأكدّت عليه السنّة، وها نحن نذكر كلمة واحدة من الكلمات الكثيرة لعلماء أهل السنّة، حول الاحتفال بميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول الديار بكري: لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة المولد الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم.2

4. شدّ الرحال لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

ممّا يثير غضب الوهابيين وأخصّ بالذكر الفئة التكفيرية، شدّ الرحال

1 . سير أعلام النبلاء: 11 / 212 ، الترجمة 78 .
2 . تاريخ الخميس: 1 / 323.

صفحه 179
لزيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي سار عليه المسلمون بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، وأنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا مناسك الحجّ يتوجهون إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا شيء لا ينكره إلاّ المكابر، ثم إنّ الفئة التكفيرية تستدلّ على التحريم بالحديث التالي:
«لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» 1.
وهؤلاء المتزّمتون حُرموا فهم الحديث، فإنّه لا صلة له بالسفر لزيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأنّ المستثنى منه محذوف وتقدير الحديث: «لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد» .
فالموضوع في المستثنى منه والمستثنى هو المسجد لا غير، ونحن نقول أيضاً: لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
وأين هو من شدّ الرحال إلى زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد الأولياء، أو شدّ الرحال إلى صلة الأرحام أو الدراسة في الجامعات؟ فكلّ هذا خارج عن مدلول الحديث من غير فرق بين المستثنى والمستثنى منه .
يقول الدكتور عبدالملك السعدي: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى لأجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب لأنّه في الثواب سواء، بخلاف الثلاثة لأنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة، فزيادة الثواب تحبّب السفر إليها وهي غير موجودة في بقية المساجد.2

1 . صحيح مسلم: 4 / 126، باب لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
2 . البدعة للدكتور عبدالملك السعدي: 60 .

صفحه 180

5. قبض اليد اليمنى باليسرى في الصلاة

اتّفق فقهاء السنّة ـ إلاّ مالكاً ـ على أنّ القبض سنّة وليس بفريضة، وقال مالك: يندب إسدال اليدين في الصلاة، ونقل عن الأوزاعي التخيير بين القبض والسَّدل .1
ومع ذلك ترى أنّ المتزمّتين يؤاخذون مَن ترك القبض، مع أنّ أبا حُميد الساعدي أحد أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عرض صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على أصحابه وذكر عامّة خصوصيات صلاته ولم يذكر فيها القبض.
روى البيهقي عن أبي حُميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة؟! قال: بلى، قالوا: فاعرض علينا، فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبّر حتّى يقرّ كلّ عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبّر ويرفع يديه حتّى يحاذي بها منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه... إلى أن قال:
فلمّا عرض صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على أصحابه قالوا جميعاً: صدق، هكذا كان يصلّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).2
إلى هنا تمّ الكلام في البدعة وقد أشبعنا الكلام فيها في كتابنا: «البدعة حدّها وآثارها» فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .
وإنّما الغرض هنا الإشارة إلى العوامل الّتي صارت سبباً لتكفير المسلمين.

1 . رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبدالحميد: 5 .
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 72، 73، 101، 102; سنن أبي داود: 1 / 194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730 ـ 736 .

صفحه 181

الفصل السادس:

ما هو ملاك الكفر والإيمان؟

إذا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مبعوثاً من قبل الله سبحانه وموحى إليه، فيجب الإيمان بكلّ ما جاء به، ولا يصحّ التبعيض بأن يؤمَن ببعض ويُكفر ببعض، فإنّ ذلك تكذيب للوحي، غير أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجال المعارف والأحكام لمّا كان واسعاً مترامي الأطراف لا يمكن استحضاره في الضمير ثم التصديق به، فلذلك ينقسم ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى قسمين; قسم منه معلوم بالتفصيل كتوحيده سبحانه والحشر يوم المعاد ووجوب الصلاة والزكاة، وقسم آخر معلوم بالإجمال وهو موجود بين ثنايا الكتاب وسنّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا محيص من الإيمان بما علم تفصيلاً بالتفصيل، وبما علم إجمالاً بالإجمال، هذا هو الموافق للتحقيق وما عليه المحقّقون.
قال عضد الدين الإيجي (المتوفّى 756 هـ): الإيمان عندنا وعند الأئمة كالقاضي1 والأُستاذ2: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً.3
وقال السَّعد التفتازاني (المتوفّى 793 هـ): هو تصديق النبيّ فيما علم مجيئه به بالضرورة أي فيما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه من غير افتقار إلى نظر واستدلال كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالاً، ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلاً

1 . يعني: القاضي أبا بكر محمد بن الطيّب الباقلاني (المتوفّى 403 هـ)، أحد كبار متكلّمي الأشاعرة.
2 . يريد أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الاسفراييني (المتوفّى 418 هـ)، من مجتهدي الشافعية ومتكلّميهم.
3 . المواقف : 384 .

صفحه 182
حتّى لو لم يصدّق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه وبحرمة الخمر عند السؤال عنه كان كافراً، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور.1

ما يجب الإيمان به تفصيلاً

إن الّذي يجب الإيمان به تفصيلاً هو عبارة عن الأُمور التالية:
1. وجوده سبحانه ـ جلّت عظمته وتقدّست ذاته ـ وتوحيده وأنّه واحد لاندّ له ولا مثل، وقد تمثّل هذا النوع من التوحيد في سورة الإخلاص، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اَللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)2.
2. أنّه متفرّد في الخالقية، فلا خالق للعالم وما فيه إلاّ الله سبحانه، وقد أكّد القرآن على ذلك في آيات كثيرة، نظير قوله تعالى: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )3.
3. أنّه متفرّد في الربوبية والتدبير، فلا مدبّر للعالم وما فيه سواه، وقد ركّز القرآن على هذا الأمر في مختلف الآيات نظير قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ )4.
إنّ التوحيد في التدبير لا ينافي الاعتقاد بسائر المدبّرات الّتي تدبّر العالم بإذنه سبحانه والّتي تُعد من جنود الله، كما لا ينافي أيضاً القول بتأثير الأسباب الطبيعية في المسبّبات إذ كلّ ذلك بإذنه سبحانه. كيف وقد جاء التصريح به في

1 . شرح المقاصد: 5 / 127 .
2 . التوحيد: 1 ـ 4 .
3 . الرعد: 16. ولاحظ : الزمر: 62 وغافر: 62، الأنعام: 101، الحشر: 24 .
4 . يونس: 3. ولاحظ : الرعد: 2، آل عمران: 64، التوبة: 31.

صفحه 183
آيات عديدة .1
4. التوحيد في العبادة الّذي هو الهدف المهم من بعث الأنبياء كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)2.
نعم التوحيد في العبادة من شؤون التوحيد في الخالقية والربوبية، فبما أنّ مصير العالم والإنسان آجلاً وعاجلاً بيده سبحانه، فلا يعبد إلاّ إيّاه.
5. نبوّة الأنبياء العظام(عليهم السلام)ونبوّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ورسالته العالمية الخاتمة، قال سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَ مَلاَئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَ قَالُوا سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ)3، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على نبوّة الأنبياء(عليهم السلام)ونبوّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكونه خاتم الأنبياء.
6. المعاد، والاعتراف بأنّه من أركان الإيمان، وإن غفل عنه أكثر المتكلّمين الباحثين في الإيمان والكفر، ولا يتحقّق للدين ـ بمعناه الوسيع ـ مفهوم، ما لم يوجد فيه عنصر العقيدة بيوم المعاد، ولا تتسم العقيدة بسمة الدين إلاّ به، ولأجل ذلك قُرن الإيمان به، بالإيمان بالله سبحانه في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ )4.
هذا كلّه حول العقائد، وأمّا الفروع فالإيمان بالضروريات من مقوّمات الإيمان، كالإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والحج وصوم شهر رمضان، بمعنى أنّ

1 . لاحظ : الآيات الّتي ورد فيها ذكر الماء ونزول المطر.
2 . النحل: 36، ولاحظ : الأنبياء: 25 .
3 . البقرة: 285 .
4 . النساء: 59، ولاحظ : البقرة 232 .

صفحه 184
منكر وجوب هذه العبادات يخرج من الإيمان.
وما ذكرناه هو حصيلة الروايات المتضافرة الّتي جاءت على صنفين:
1. ما اقتصر على إظهار الشهادتين.
2. ما جاء فيه الاعتقاد ببعض الفروع.
أمّا الصنف الأوّل فنذكر منها ما يلي:
روى مسلم عن عمر بن الخطاب أنّ عليّاً(عليه السلام) صرخ: يا رسول الله، على ماذا أُقاتل الناس؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أنّ لا الله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد مَنعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله »1.
وهذا هو المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)حيث روى البرقي مسنداً عنه أنّه قال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث»2.
وقد روي نظيره عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) قال: «قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أُمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماؤهم وأموالهم»3.
ومن حسن الحظ أنّ أئمة الفقه من السنّة صرّحوا بذلك.
قال الإمام الشافعي: فاعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه سبحانه فرض أن يقاتلهم حتّى يظهروا أن لا إله إلاّ الله، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها.4
وقال القاضي عياض: اختصاص عصم النفس والمال لمن قال: لا إله إلاّ

1 . صحيح مسلم: 1199 برقم 6116، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي (عليه السلام) .
2 . بحار الأنوار: 68 / 248، برقم 8 .
3 . بحار الأنوار: 68 / 242، برقم2.
4 . الأُمّ للشافعي: 7 / 296 ـ 297 .

صفحه 185
الله، تعبير عن الإجابة عن الإيمان، أو أنّ المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحّد، وهم كانوا أوّل من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأمّا غيرهم ممّن يقرّ بالتوحيد فلا يكفي في عصمته قوله: لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الآخر: «وأنّي رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة»1.
وهذه النصوص ـ وغيرها كثير ـ تُصرّح بأنّ ما تحقن به الدماء وتصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين ويستظلُّ بخيمة الإسلام، هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، وهذا ما نعبّر عنه ببساطة العقيدة وسهولة التكاليف الإسلامية.
وأمّا الصنف الثاني فنأتي ببعض نصوصه:
1 . ما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (وهو يبيّن معنى الإيمان بالله وحده): «شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان وأن تُعطوا من المغنم الخُمُس» 2.
2 . ما تضافر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن شهد أن لا إله إلاّ الله ، واستقبل قبلتنا، وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم»3.
3 . روى ابن عمر: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام، وحسابهم على

1 . بحار الأنوار: 68 / 243.
2. صحيح البخاري: 1/ 21 برقم 53 ، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس.
3. جامع الأُصول لابن الأثير: 1/158 ـ 159.

صفحه 186
الله» 1.
إذا عرفت هذين الصنفين من الروايات فاعلم أنّ الجميع يهدف إلى أمر واحد وهو أنّ الدخول في الإسلام والتظلّل تحت مظلّته ليس بأمر عسير بل سهل جدّاً، وليس في الإسلام ما هو معقّد في المعارف، ولا معسور في الأحكام، وشتّان بين بساطة العقيدة فيه، والتعقيد الموجود في المسيحية من القول بالتثليث وفي الوقت نفسه من الاعتقاد بكونه سبحانه إلهاً واحداً.
وأمّا الاختلاف بين الصنفين فيمكن رفع ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ موقف الصنف الأوّل غير موقف الصنف الثاني، فالأوّل بصدد بيان ما تُصان به الدماء وتحلّ به الذبائح، وتجوز به المناكحة، فيكفي في ذلك الإقرار بالشهادتين المعربتين عن التصديق بهما قلباً. وأمّا الثاني فهو بصدد بيان ما ينجي الإنسان من عذاب الآخرة وهو رهن العمل بالأحكام، وقد ذكرنا نماذج منه، لتكون إشارة إلى غيرها.
الثاني: أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ينقسم إلى ضروري يعلم من غير نظر واستدلال، ويعرفه كلّ مَن ورد حظيرة الإسلام، كوجوب الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان; وإلى غير ضروري يقف عليه مَن عمّر في الإسلام وعاش بين المسلمين وخالط العلماء والوعاظ، أو نظر في الكتاب والسنّة، فإنّ إنكار القسم الأوّل إنكار لنفس الرسالة، بحيث لا يمكن الجمع ـ في نظر العرف ـ بين الشهادة على الرسالة وإنكار وجوب الصلاة والزكاة، ولأجل ذلك لا يعذر فيه ادّعاء الجهل عند الإنكار إلاّ إذا دلّت القرائن على جهل المنكر بأنّه ضروريّ، كما إذا كان جديد عهد بالإسلام. وعلى هذا لا منافاة بين الصنفين، فلعلّ عدم ذكرها في الصنف الأوّل للاستغناء عنها بالاعتراف بالرسالة الّذي لا ينفكّ عن الاعتراف

1. صحيح البخاري: 1 / 14 برقم 25، كتاب الإيمان، باب: (فَإِنْ تَابُوا وَ أَقَامُوا الصَّلَوةَ...) التوبة: 5 .

صفحه 187
بها.
وبذلك يظهر: أنّ المسائل الفرعية والأُصولية الكلامية وإن كانت من صميم الإسلام لكن لا يجب الإذعان القلبي بها تفصيلاً، بل يكفي الإيمان بها إجمالاً حسب ما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله) فيكفي في الإيمان، الإذعان بأنّ القرآن نزل من الله، من دون لزوم عقد القلب بقِدَمِه أو حدوثه، وأنّ الله عالم وقادر من دون لزوم تبيين موقع الصفات وأنّها عين الذات أو زائدة عليها، وقس على ذلك جميع المسائل الكلامية والفقهية إلاّ ما خرج بالدليل.

المرونة في قبول الإسلام

إذا عرفت هذه السنن والكلمات فاعلم أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقبل إسلام كلّ إنسان يُقرّ بـ (لا إله إلاّ الله) و (محمد رسول الله).
ومن المعلوم أنّ الإقرار بهما كان يلازم الإقرار بيوم الجزاء، ولم يكن رسول الله يسأل أحداً عن سائر الأُمور الكلامية الّتي ظهرت بعد رحلته(صلى الله عليه وآله وسلم)وتداولتها ألسن المحدِّثين والمتكلِّمين، وما ذلك إلاّ لأن هذه المسائل
لا تمتّ إلى جوهر الإيمان وقوامه بصلة، وإن كان الحق في كلّ مسألة في
وجه واحد.
كان الناس يحضرون عند (رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) زرافات ووحداناً ويتشرّفون بالإسلام بكلمتين أو بكلمة واحدة (تلازم الكلمتين الأُخريين)، ولم يكن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يسألهم عن المسائل التالية:
1. هل أنت تعترف بأنّ صفاته سبحانه عين ذاته أو زائدة عليها؟
2. هل أنت تعترف بأنّ الصفات الخبرية في القرآن كالرجل واليد بنفس معانيها، أو هي كناية عن معان أُخرى؟
3. هل أنت تقول بأنّ القرآن قديم أو محدث؟

صفحه 188
4. هل أنت تعترف بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله أو لا؟
5. هل أنت تعتقد بعصمة الأنبياء قبل البعثة أو بعدها؟
6. هل أنت تعتقد برؤية الله في الآخرة؟
إلى غير ذلك من عشرات الأسئلة الّتي صارت ذريعة لتكفير المسلمين، بسبب الاعتقاد بهذه المسائل خصوصاً الصفات الخبرية وحدوث القرآن وقِدَمه أو رؤية الله تعالى يوم القيامة.
وأخيراً صارت عدّة مسائل كلامية ذريعة للتكفير أحدثها محمد بن عبدالوهاب إمام الفرقة الوهابية نظير:
1. التوسّل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم.
2. البناء على القبور الّذي وصفوه بالوثنية.
وغير ذلك من المسائل الكلامية أو الفقهية الّتي لا تناط بالإيمان والكفر ولم يكن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يسأل عنها كلّ مَن يدخل في حظيرة الإيمان، بل كان يصهر الجميع في بوتقة واحدة ويدخلهم في خيمة الإسلام والإيمان.
وممّا زاد في الطين بلّة، أنّهم يفترون على الشيعة أُموراً مكذوبة، ثم يكفِّرونهم بها، نظير:
1. تأليه الشيعة لعليٍّ وأولاده، وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيتهم.
2. إنكارهم ختم النبوة برحيل سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ الوحي لم يزل ينزل على عليّ وأولاده.
3. بغض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسبّهم ولعنهم وأنّهم أعداء الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم.
4. تحريف القرآن الكريم وأنّه حُذف منه أكثر ممّا هو الموجود .
5. نسبة الخيانة لأمين الوحي وأنّه بعث إلى عليٍّ(عليه السلام)فخان فذهب إلى

صفحه 189
محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم للشيعة الإمامية مسائل كلامية تختصّ بها وربما يكون ذلك سبباً لبعض التُّهم، ومن ذلك:

1. الإيمان بخلافة الخلفاء

إنّ هذا الأمر ليس من الأُصول بل هو من الأحكام الفرعية الّتي لا يضر الاختلاف فيها، ويشهد لِما قلناه كلمات أئمة أهل السنّة:
قال التفتازاني: لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلّية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد، ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية1.
وقال الإيجي: المرصد الرابع: في الإمامة ومباحثها عندنا من الفروع وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا 2.
وقال الجرجاني: الإمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد، بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً 3.
فإذا كانت الإمامة من الفروع فما أكثر الاختلاف في الفروع. فكيف يكون الاختلاف موجباً للكفر؟

1. شرح المقاصد: 5 / 232 .
2. المواقف: 395 .
3. شرح المواقف: 8 / 344 .

صفحه 190

2. علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب

لاشكّ أنّ العلم بالغيب علماً ذاتياً غير مكتسب وغير محدّد بحدٍّ، يختصّ بالله سبحانه، ولكن لا مانع من أن يُعلِّم سبحانه شيئاً من الغيب لبعض أوليائه فيخبر عن الملاحم لأجل كونهم محدّثين، والمحدّث يسمع صوت الملك ولا يراه، وهو ليس أمراً بدعيّاً في مجال العقيدة، فقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء...»1.
وقد تضافرت الروايات عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ المحدّثين، فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)عند الشيعة من المحدَّثين، فأي إشكال في ذلك؟ وهل هو يوجب مشاركتهم الله في علم الغيب ؟! وأين العلم بالغيب مكتسباً من الله محدوداً بحدّ خاص، من علمه الواسع غير المكتسب ولا المحدود؟

3. التقيّة من المسلم

وممّا يخطِّئون به الشيعة هو تقيّتهم من المخالف المسلم، بناءً على اختصاص التقيّة بالكافر مع أنّه أمر صرّح بجوازه غير واحد من أئمة السنّة .
قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )2: ظاهر الآية يدلّ أنّ التقيّة إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .3

1 . صحيح البخاري: 2 / 194 .
2 . آل عمران: 28 .
3 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 .

صفحه 191
وقال ابن الوزير اليمانيّ 1 في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال، في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو أبثّه لقطع هذا البلعوم.2
قلت: إن هذا ليس أمراً مبتدعاً، فقد عمل به أربعة وعشرون محدِّثاً في مقابل السلطان الجائر المسلم، أعني: المأمون، وقد نقل تفصيل القصة الطبري في تاريخه، قال: جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فأحضر لفيفاً من المحدِّثين والذين يربو عددهم على ستة وعشرين محدّثاً فقرأ عليهم رسالة المأمون مرتين حتّى فهموها، ثم سأل كلّ واحد منهم عن رأيه في خلق القرآن، وقد كانت عقيدة المحدّثين بأنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث، فلمّا شعروا بالخطر وقرئت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق أيديهم ويرسلوا إليه، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلاّ أربعة منهم: أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح; فلمّا كان من الغد أظهر سجّادة الموافقة وقال بأنّ القرآن مخلوق وخلّي سبيله، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأن القرآن مخلوق، فخلّي سبيله، وبقي أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح، وللقصة تكملة ذكرناها بتفاصيلها في كتابنا بحوث في الملل

1 . أبو عبدالله بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الحسني (المتوفّى 840 هـ). أثنى عليه الشوكاني، ونعته بالمجتهد المطلق، ثم قال: وكلامه لا يشبه كلام أهل عصره وكلام من بعده، بل هو من نمط كلام ابن حزم وابن تيميّة. البدر الطالع: 2 / 316 برقم 561 .
2 . إيثار الحقّ على الخلق: 141 ـ 142، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 هـ .

صفحه 192
والنحل، فلاحظ .1
***

4. تكفير الصحابة

(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )2 إنّ تكفير الصحابة من الافتراءات الّتي تشهد الضرورة ببطلانها، كيف؟ وثمّة طائفة من الصحابة هم من رواد التشيّع، ثم كيف؟ وهذا إمامهم (الّذي يقتدون به ويقتفون أثره)، بل إمام المسلمين عامّة، أعني: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)يقول في حق الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!
أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ»3.
ويقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)في حقّهم: «اللهمّ وأصحابُ محمّد خاصّةً، الذين أحَسنوا الصحابة، والذين أبلَوُا البلاءَ الحسَن في نصرهِ، وكانَفُوه، وأسرعوا إلى وِفادتهِ، وسابقوا إلى دعوتهِ... فلا تنسَ لَهُمُ اللهمّ ما تركوا لك وفيك، وأَرضِهِم من رضوانك...»4
ثم إنّ لعضد الدين الإيجي في «المواقف» وشارحه السيد الجرجاني في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتي بنصهما متناً وشرحاً، فقد ذكرا الوجوه وردّها:

1 . بحوث في الملل والنحل: 3 / 605 ـ 614 .
2 . النور: 16 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .
4 . الصحيفة السجادية الكاملة: الدعاء الرابع (في الصلاة على أتباع الرُّسل ومصدّقيهم).

صفحه 193
الأوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والأحاديث الصحيحة بالتزكية والإيمان (تكذيب) للقرآن و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفراً.
قلنا: لا ثناء عليهم خاصّة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة بخصوصه، وهؤلاء قد اعتقدوا أنّ مَن قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار بقوله: (ولاهم داخلون فيه عندهم) فلا يكون قدحهم تكذيباً للقرآن، وأمّا الأحاديث الواردة في تزكية بعض معيّن من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفَّر المسلم بإنكارها; أو تقول: ذلك الثناء عليهم، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول.
الثاني: الإجماع منعقد من الأُمّة، على تكفير من كفّر عظماء الصحابة، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً.
قلنا: هؤلاء، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره.
الثالث: قوله (عليه السلام): «مَن قال لأخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما».
قلنا: آحاد، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ إنكار الآحاد ليس كفراً، ومع ذلك نقول: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ من ظن بمسلم أنّه يهودي أو نصراني فقال له: ياكافر، لم يكن ذلك كفراً بالإجماع 1.
هذا كلامهما ونحن نقول ليس هنا من يكفر الصحابة بل الموجود هو دراسة حياة الصحابة بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أمر درج عليه السلف من أصحاب السيرة والتاريخ والرجال كدراسة حال التابعين لهم، وأخذ الدين عنهم

1. شرح المواقف: 8/344، ط مصر.

صفحه 194
لا يصدّنا عن تلك الدراسة العلمية بل يدفعنا إلى أخذها من أُناس صادقين عادلين، فمن زعم أنّ دراسة حياة الصحابي يورث الضعف في الدين أو يوجب الخلل في الإسلام فقد أتى بكلام غير مقبول ولا معقول، وهؤلاء هم علماء الرجال قد ألّفوا موسوعات في أحوال رجال الحديث مبتدئين من التابعين، ونحن نعطف الصحابة على التابعين أيضاً، ونكيل لكلّ من قال الحق وعمل به، المدح العظيم والثناء الجميل.
هذا هو حدّ الإيمان والكفر وحدّ الشرك والبدعة قد وقفت عليها عن كثب، وأنّ فِرَق الإسلام عامّة (غير الغلاة والنواصب) كلّهم داخلون في حظيرة الإسلام، فيجب أن تُحقَن دماؤهم وتُصان أموالهم وأعراضهم وكل ما يمتّ إليهم بصلة، وأنّ مَن يقوم بتكفير أُمّة أو أُمم من المسلمين فإنّما يصدر عن عصبية وعناد، أو عن غرض خبيث يخدم به قوى الكفر والاستبداد والاستكبار. والله سبحانه هو الهادي إلى الطريق الحقّ.

بيان واقتراح

وبعد هذه الجولة العلمية الخاطفة لمناقشة بعض أُسس ومبررات الاتجاهات التكفيرية، لابُدّ لنا أن نعيد التأكيد على ما تمّثله هذه الاتجاهات من خطورة بالغة على مستقبل الإسلام والأُمّة.
فالتكفير اليوم لم يعد مجرد فتوى أو رأي نظري، وليس اتجاهاً لمجموعة محدودة كما كان في العهود السابقة، بل تحوّل إلى تيار فاعل يستقطب الاتباع في بلدان ومجتمعات كثيرة، ويخرّج أجيالاً من ابناء الأُمّة تحمل فكر التطرّف والتشدّد، وتتجه لممارسة العنف والإرهاب، ورأينا ضمن اتباع هذا التيار التكفيري بعض من اعتنقوا الإسلام حديثاً من الشباب الغربيين والذين قتل بعضهم في معارك الصراع والفتن في مناطق عديدة.

صفحه 195
كما أصبح لهذا التيار التكفيري وسائل إعلام متطورة ضمن عالم التواصل الاجتماعي الحديث، ولهم معسكراتهم وقدراتهم الحربية الهائلة، وشبكاتهم التنظيمية الواسعة، وامكاناتهم المالية الكبيرة.
وكلّ ذلك يدلّ على أنّ قوىً عالمية كبرى تدعمهم لخدمة اغراضها ومخططاتها ضد الإسلام والمسلمين، وواضح ان بعض الدول والقوى الاقليمية تستفيد منهم في صراعاتها ضد الأنظمة والجهات المنافسة لها، فتدعمهم، ممّا يمنحهم فرص التجديد والتطوير لقدراتهم وفاعليتهم المرعبة.
من هنا لابدّ من إعلان النفير العام في جميع أوساط الأُمة، وخاصّة العلماء والقيادات الفكرية والاجتماعية، ضد هذا الخطر الماحق، والوباء الفتّاك، ولا يصح أبداً أن تتاح للتكفيريين فرصة الاستفادة من مجال الاختلافات المذهبية والسياسية، للعبث بواقع الأُمّة، وتهديد مستقبلها، وتشويه صورة الإسلام أمام العالم.
وأُطالب جميع المخلصين من علماء الأُمّة، وقياداتها الواعية، بتحمّل المسؤولية أمام الله والتاريخ تجاه هذا التحدي والخطر الكبير، ضمن النقاط التالية:
1. إظهار الموقف الشرعي الواضح والصريح بإدانة التكفير لأحد من أهل القبلة على أساس الاختلافات المذهبية والعقدية المعروفة في الأُمّة. وتحريم وتجريم ممارسات العنف والإرهاب.
2. تحذير أبناء الأُمّة وتوعيتهم عبر مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، ومنابر الخطاب الديني، من شر وخطر هذه الاتجاهات التكفيرية، فهي أعظم منكر يجب النهي عنه والوقوف أمامه في هذا العصر.
3. نشر ثقافة الإسلام، وتعاليمه السامية، في التآخي والرحمة والمحبة والتسامح، بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جمعاء، فالناس صنفان إمّا أخ لك

صفحه 196
في الدين، أو نظير لك في الخلق، كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
4. الجدّية في الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب الإسلامية، وزعامات الأُمّة، وفاعليات مجتمعات المسلمين.
5. استمرار بذل الجهود وتضافر القوى لمواجهة تيارات التكفير عبر انعقاد المؤتمرات، والنشاط العلمي والإعلامي، وتشكيل لجان المتابعة للقرارات والمقترحات.
***
(فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)1

1 . الزمر: 17 ـ 18 .

صفحه 197
البهائية وتحريف الآية الخامسة من سورة السجدة
11

البهائية وتحريف الآية الخامسة من سورة السجدة

تحريف مفاد الآية

البهائية مسلك سياسي صنعه الاستعمار في القرن الثالث عشر لغاية تمزيق الأُمّة الإسلامية خصوصاً الشعب الإيراني المتمسّك بولاية الأئمّة الاثني عشر(عليهم الصلاة والسلام) أوّلهم الإمام علي(عليه السلام) وآخرهم المهدي المنتظر(عجل الله فرجه الشريف) الذي وعد الله به الأُمم.
وقد تواتر عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً منّي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».1
وقد ألّف علماء الإسلام عشرات الموسوعات ومئات الكتب حول الإمام المهدي(عليه السلام)وسجّلوا كلّ دقيق وجليل ممّا يتعلّق بحياته من ولادته عام 255هـ إلى آن ظهوره، فلم يبقوا لمشكّك شكّاً ولا لمريب ريباً.
ورغم وضوح هذه الحقائق إلاّ أنّه قد ظهر رجل يُدعى علي محمد من مواليد عام 1225هـ في شيراز، وقد ادّعى في عام 1260هـ أنّه باب الإمام الثاني عشر، ثم بالغ وقال إنّه نفس الإمام، إلى أن آل أمره إلى ادّعائه النبوّة الناسخة لنبوّة خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله)، وقد استجاب لدعوته زمرة قليلة بين جاهل لا يميّز الحقّ عن

1. الغيبة للشيخ الطوسي:46.

صفحه 198
الباطل، ومغرض عميل مرتزق، منهم: أبو الفضل الجرفادقاني فصار داعية من دعاتهم وألّف كتاباً باسم «الفرائد» باللغة الفارسية ونشره في مصر، فخبط خبط عشواء، تقف على مقدار علمه وتعميته الأمر على الجهلة من أتباع مسلكه، فيما نذكره هنا:
إنّه استدلّ على نبوّة ذلك الرجل الذي ادّعى النبوّة عام 1260هـ وقال: إنّ الآية التالية من الأدلّة القاطعة على صحّة الادّعاء، قال سبحانه:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ).1
وأوضح دلالتها بما يلي: إنّ الله ينزل الدين المبين من السماء إلى الأرض ثم بعد نزوله وكماله بالنبيّ والأئمة المعصومين يزول شيئاً فشيئاً ويصعد إلى السماء.
فعلى ما ذكره فيكون معنى الآية على النحو التالي:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ):أي ينزل دينه (مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ) فبعد ما كَمُلَ وأخذ الدين بالزوال والضعف ضمن ألف سنة، (ثُمَّ يَعْرُجُ) هذاالدين(إِلَيْهِ): أي إلى الله (فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة).
ثمّ حاول تطبيقه على دعوة إمام مسلكه فقال: الأنوار الإلهية أي الوحي النازل على قلب سيد المرسلين والإلهامات الواردة على قلوب الأئمّة الطاهرين كملت ضمن 260 سنة، وبعد ما توفّي الإمام العسكري(عليه السلام)وأُحيل أمر الدين إلى الفقهاء فصار الدين لأجل اختلاف الآراء يضعف تدريجياً، وصاعداً إلى الله شيئاً فشيئاً حتى بلغ الأمر إلى أنّه لم يبق من الإسلام إلاّ الاسم، فعندئذ ظهر عام 1260هـ من أُفق فارس شمس الهداية، وتحقق ما بشّر به القرآن الكريم.2
أقول: لا يخفى ما فيه من الأغاليط والتحريفات، وهي أفضل دليل على أنّ

1. السجدة:5.
2. الفرائد:37ـ 38، طبع مصر.

صفحه 199
الرجل اتّخذ لنفسه عقيدة مسبقة ثم حاول أن يستدلّ عليها بشيء من القرآن حتى يقنع الرعرعة الدهماء، وإلاّ فالعالم باللغة العربية وقواعدها يقف على أنّه ليس لهذا الاستدلال مسحة من الحق، ولا لمسة من الصدق، وأنّ الجميع أُغلوطة بعد أُغلوطة، وإليك بيانها:
أمّا أوّلاً: فلأنّه فسّر قوله: (يُدَبِّرُ الأمْرَ) بأنّه ينزل الشريعة، مع أنّ تلك الفقرة وردت في القرآن الكريم أربع مرّات وأُريد بها في الجميع تدبير أمر الخلقة من السماء إلى الأرض،1 لا نزول الشريعة.
وثانياً: لو أراد الله سبحانه تنزيل الشريعة فكان من اللازم أن يقول: «ينزل الشريعة»، ولذلك يقول:(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَ نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)2، وقال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً )3 إلى غير ذلك من الآيات، ولم يُرَ في القرآن الكريم تعبير عن نزول الوحي بتدبير الأمر.
وثالثاً: أنّه لو تمّ الاستدلال بأنّه سبحانه ينزل شريعته وينسخها بعد ألف عام، يجب أن ينسخها بعد مضي ألف عام من نزول القرآن الكريم أو من هجرة النبي أو وفاته، وكلّ ذلك لا ينطبق على ألف ومائتين وستين، بل ينقص عنه.
وقد حاول أن يتخلّص من هذا الإشكال بإدخال حياة الأئمّة الممتدة إلى 260 سنة، ويجعلها جزءاً من كمال الشريعة وتمامها، وهي تمّت عنده بوفاة الإمام العسكري(عليه السلام)، وهو كما ترى، فإنّ الشريعة تمّت بوفاة النبيّ وكمل الدين في يوم الغدير.
ورابعاً: أنّ ما ذكره من الضابطة لا ينطبق على سائر الأنبياء، فإنّ الفاصلة الزمانية بين النبيّ موسى والمسيح(عليهما السلام) أزيد من ألف سنة فهي تناهز 1500 سنة،

1. لاحظ: يونس، 3، 31، الرعد:2، السجدة:5.
2. الإسراء:106.
3. الإنسان:23.

صفحه 200
كما أنّ الفاصل الزماني بين المسيح(عليه السلام)ونبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) أقلّ من ألف سنة بكثير.
وخامساً: أنّ القرآن الكريم كتاب عربي نزل بأوضح العبارات وأبلغها، فلو كان المقصود نزول كلّ شريعة ألف سنة ثم نسخها لكان عليه أن يبيّن ذلك بعبارة واضحة ويقول: إنّ الله سبحانه ينزل كلّ شريعة وتدوم ألف سنة ثم تنسخ بعد الألف حتى لا يشتبه المراد.
والحقّ أنّ الرجل من مصاديق قوله سبحانه:
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ
هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا
قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ
وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)1.
***

1. البقرة:79.

صفحه 201
الفصل الثاني
مقالات في الأُصول والفقه والرجال
1. فلسفة أُصول الفقه
2. الخطابات القانونية ودورها في المسائل الأُصولية
3. أُسس آراء المحقّق النائيني
4. مسند ابن أبي عمير
5. الوزير المغربي تفسيره ومذهبه
6. في الكر
7. حكم الصلاة في المساجد الشيعية
8. صوم مَن به داء العطش
9. مِنى التاريخ والتشريع
10. اختلاف الزوجين في دوام العقد

صفحه 202

صفحه 203
   
فلسفة أُصول الفقه
1

فلسفة أُصول الفقه1

أكثر ما يتناقل على ألسنة أهل العلم هو إطلاق لفظ الفلسفة مجردة دون أن يضاف إلى شيء آخر، وربما يطلق مضافاً إلى شيء ما، نظير فلسفة التاريخ أو فلسفة الفقه ونحو ذلك.
أمّا الأوّل: فيراد منه الفن الأعلى.
وإن شئت قلت: الأُمور العامّة وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود دون أن يكون متحيّثاً بحيثية طبيعية أو رياضية، وربما يعرّف بقولهم: نعوت كلية تعرض للموجود من حيث هوهو.
وأمّا الثاني ـ أعني المضاف إلى علم ـ : فقد طال التشاجر في تبيين مفهومه، ونحن نعرض عن تلك الآراء ونذكر ما هو المقصود من هذا اللفظ المضاف فنقول: المراد هو العلم الذي يقع في خدمة علم آخر بتبيينه وتوضيحه، مثلاً أُصول الفقه يلاحظ على وجهين:
الأوّل: تارة يلاحظ بما فيه من بحوث ومسائل نظير الأوامر والنواهي

1 . أُلقيت هذه المقالة في المؤتمر العلمي لتكريم وتقدير الجهود العلمية للشيخ العلاّمة محمد حسين الغروي الإصفهاني(قدس سره).

صفحه 204
والمفاهيم والعموم والخصوص والمطلق والمقيّد، والحجج الشرعية، ففي هذه النظرة يكون الملحوظ عند الباحث هو نفس العلم بما هوهو، ولا يخرج عنه قيد شعرة.
الثاني: النظر إلى ذاك العلم من الخارج، ففي هذه النظرة يكون الملحوظ الأُمور التي لها صلة بهذا العلم وتكون مجيبة لكثير من الأسئلة حول هذا العلم، نظير البحوث التالية:
1. ما هي الغاية من تأسيس علم أُصول الفقه؟
2. الأُسس التي بُني عليها علم أُصول الفقه.
3. تاريخ علم أُصول الفقه.
4. الطرق المختلفة في تدوين علم أُصول الفقه.
5. موضوع علم الأُصول أي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائله.
6. ماهية علم الأُصول ومكانته، فهل هو علم حقيقي أو اعتباري؟ وتدرس هنا آفات ذلك العلم.
7. تعريف علم الأُصول تعريفاً جامعاً ومانعاً.
8. الأدوار التي مرّ بها علم أُصول الفقه.
وممّا يجب التنبيه عليه أنّ قسماً كبيراً من هذه الأُمور داخل في الرؤوس الثمانية التي كان القدماء يذكرونها في مطالع كتبهم.
ولتبيين هاتين النظرتين: النظرة إلى العلم من صميمه، والنظرة إليه من الخارج نأتي بمثال يوضّح لنا واقع النظرتين.
نفترض أنّ ظاهرة صناعية كسفينة مشحونة بالركاب والبضائع تسير في البحر وتقطع أمواجه العاتية، فهناك من يريد تسجيل خصوصيات السفينة من داخلها، وهناك شخص آخر يريد تسجيلها خصوصيات السفينة من خارجها.

صفحه 205
أمّا الأوّل فلا يتجاوز نظره عن داخلها فيسجّل ما تشتمل عليه السفينة في طبقاتها المختلفة، وغرفها المتعدّدة وما فيها من قاعات الطعام والاستراحة ومحرّكاتها وغرفة القيادة وأبراج المراقبة والحراسة.
وأمّا الثاني أي الناظر إليها من الخارج فيقع نظره على هيئة السفينة وشكلها وإلى المواد التي صنعت منها، وإلى مكان صنعها، وينظر إلى سرعتها واتّجاهها، وغير ذلك ممّا يقع عليه النظر من الخارج.
فموقف العلم هو موقف الناظر من الداخل، وموقف فلسفة العلم هو موقف الناظر من الخارج.
إذا وقفت على ما ذكرنا فلنبدأ ببيان البحوث التي أشرنا إليها:

الأوّل: ما هي الغاية من تأسيس علم أُصول الفقه؟

قد وقف غير واحد من الفقهاء خلال القرن الثاني من الهجرة النبوية على أنّ استنباط قسم من الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة رهن ثبوت عدّة من القضايا قبل عملية الاستنباط، وبعبارة أُخرى رهن تسليم فروض لا غنى للفقيه عن قبولها قبله، مثلاً ما لم يثبت أنّ الأمر الحاضر أو الغائب وضعا للوجوب; لا يمكن إثبات وجوب الكتابة عند المداينة من قوله سبحانه:(وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)1، أو ما لم يثبت أنّ النهي موضوع للحرمة; لا يمكن استخراج حرمة الأكل بالباطل من قوله سبحانه:(وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)2، إلى غير ذلك من المسائل التي لا يمكن استخراجها من مصادرها ما لم تثبت أُمور تُعدّ أُسساً للاستنباط، وقد سمّيت هذه الأُمور بأُصول الفقه التي هي مبادئ تصديقية لمسائل علم الفقه.

1. البقرة:282.
2. البقرة:288.

صفحه 206
وليس هذا من خصائص علم الفقه بل يعمّ سائر العلوم، مثلاً: التصديق بالقواعد التالية: كلّ فاعل مرفوع، كلّ مفعول منصوب، كلّ مضاف إليه
مجرور، رهن ثبوت أُمور تسبّب التصديق بها ولولاها لما حصل التصديق والجزم بها. وتتلخّص تلك الأُمور في التتبع في كلمات البلغاء وخطبهم وأشعارهم وقبل ذلك القرآن الكريم وخطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلمات المعصومين(عليهم السلام) بما أنّهم من أهل اللسان، فهذه الأُمور تُعدّ مبادئ تصديقية لعلم النحو.

الثاني: الأُسس الّتي بُني عليها علم أُصول الفقه

إنّ القواعد الأُصولية، وإن كانت مبادئ تصديقية لمسائل علم الفقه، ولكنّها في حدّ نفسها مسائل نظرية لا بديهية فلا تثبت إلاّ بالدليل والبرهان، ولذلك لا غنى للفقيه من التعرّف على الأُسس الّتي تستمدّ منها مسائل أُصول الفقه وتوصف بالمباني، وهي في بادئ النظر لا تعدو عن مبان سبعة نشير إليها باختصار:

أ. المداليل اللغوية

بما أنّ قسماً من مسائل أُصول الفقه تعدّ مباحث لفظية كدراسة مفاهيم الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيّد، فالتعرّف على مفاهيمها رهن الوقوف على قواعد لغوية استنبطها أهل اللغة أو نفس الفقيه من كلام العرب ودواوينهم وخطبهم، وربما يستمدّ في تعيين مفاهيم هذه الألفاظ بالتبادر، وعدم صحّة السلب، والاطّراد، وإن كان الأخير عندنا هو الأرجح.

ب. حكم العقل النظري في باب الملازمات

إنّ قسماً من مسائل أُصول الفقه يرجع إلى الملازمة بين وجوب الشيء

صفحه 207
ووجوب مقدّمته، أو بين حرمة الشيء وحرمة مقدّمته، أو الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، إلى غير ذلك ممّا يبحث عنه في باب الملازمات، والحاكم فيها هو العقل النظري إيجاباً أو سلباً، ونظير ما ذكرنا الحكم بثبوت الشيء عند ثبوت شرطه أو وصفه، وارتفاعه عند ارتفاعهما.

ج. الأحكام البديهيّة للعقل النظري

إنّ قسماً من قواعد علم الأُصول يبتني على امتناع اجتماع الضدّين أو امتناع الأمر بغير المقدور، فيعدّ هذا النوع من الحكم أساساً لبعض الأحكام، وعلى هذا بُني قسمٌ من المسائل الأُصولية نظير امتناع تعلّق الأمر والنهي بعنوانين متّحدين في الخارج، لأنّ الأمر يكشف عن الإرادة، والنهي يكشف عن الكراهة وهما متضادّان يستحيل اجتماعهما. ونظيره القول بامتناع الترتّب، حيث إنّ لازم تجويزه، طلب الضدين في ظرف واحد، المستلزم للأمر بغير المقدور، وهل الاستلزام صحيح أو لا؟ فلسنا في مقام تقويمه.

د. حكم العقل العملي في باب التحسين والتقبيح

تستمدّ بعض مسائل أُصول الفقه من حكم العقل العملي بالتحسين والتقبيح، ولذلك بنوا البراءة العقلية على قبح العقاب بلا بيان، كما بنوا لزوم الموافقة القطعية في مورد العلم الإجمالي بوجوب أحد المتباينين، على صحّة العقوبة إذا اقتصر بالامتثال الاحتمالي ولم يصادف الواقع.

هـ  . سيرة العقلاء

إنّ سيرة العقلاء التي يعبر عنها ببناء العقلاء أيضاً، من مباني أُصول الفقه، مثلاً يحتجّ على حجّية الظواهر أو على حجّية قول الثقة بسيرة العقلاء الجارية في عصر المعصومين(عليهم السلام)، إذا كانت السيرة بمرأى ومسمع منهم ولم يصدر

صفحه 208
عنهم أي ردّ فيها.

و. كتاب الله العزيز

إنّ كتاب الله العزيز من مصادر الفقه وفي الوقت نفسه فهو يُعدّ أساساً لقسم من المسائل الأُصولية، مثلاً البراءة الشرعية فهي مبنيّة على ما تضافر في الكتاب من أنّه سبحانه لا يعذّب أُمّة قبل البيان كما يقول: (وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1
وقوله سبحانه:(وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً).2

ز. السنّة الشريفة

إنّ قسماً من مسائل أُصول الفقه تستمدّ من السنّة الشريفة ونشير إلى موردين منها:

1.الاستصحاب

فهي قاعدة أُصولية في الشبهات الحكمية تعتمد في حجيّتها على قولهم(عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ».

2. مرجّحات باب التعارض

إذا وردت روايتان متعارضتان فالقاعدة الأوّلية هي سقوط الروايتين عن الحجيّة، والرجوع إلى قواعد أُخرى في نفس المسألة، غير أنّ قسماً من الروايات ذكر مرجّحات لتقديم إحداهما على الأُخرى، وبالتالي أضفى الحجّية لذي المزيّة كموافقة الكتاب ومخالفة العامّة.

1. الإسراء:15.
2. القصص:59.

صفحه 209
هذه هي الأُسس السبعة والتي تبتني عليها مسائل أُصول الفقه.
***

الثالث: تاريخ علم أُصول الفقه

المشهور عند أهل السنّة أنّ الشافعي بتأليف كتابه الموسوم بـ«الرسالة» يُعدّ أوّل من ألّف في أُصول الفقه. والحقّ أنّ الرسالة كتاب ممتع غير أنّ محتوياته لا تختصّ بعلم الأُصول فهو يبحث عن الفقه والحديث وشيء من مسائل أُصول الفقه كالإجماع والقياس والاستحسان والنسخ والعام والخاص، ولعلّ الشيء القليل من محتوياته يختص بأُصول الفقه، وأمّا أوّل مَن عطف نظر الفقهاء إلى قواعد هذا العلم هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأخصّ بالذكر الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) فقد أمليا على أصحابهما قواعد كلّيّة فقهية وأُصولية، وقد جمعها صاحب الوسائل في كتاب خاص أسماه«الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة»، وقد قام بعض المتأخّرين بشرح ما في هذا الكتاب من القواعد.
***

الرابع: الطرق المختلفة في تدوين أُصول الفقه

إنّ الرسالة للشافعي صارت نواة للتأليف حول أُصول الفقه، ثمّ قام بالتدوين بعده طائفتان هما المتكلّمون والفقهاء، من علماء أهل السنّة.
الطائفة الأُولى كانت تمثّل مذهب الإمام الشافعي الذي ألّف في أُصول الفقه رسالته المعروفة.
والطائفة الثانية كانت تمثّل المذهب الحنفي في الفقه.
ولأجل ذلك تميّز تأليف كلّ طائفة عن الأُخرى ببعض الوجوه، وإليك بعض الميزات التي تمتعت بها طريقة المتكلّمين:

صفحه 210
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية حتى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهية، فأخذوا بالفروع إذا وافقت الأُصول وتركوا ما لم يوافقها، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول.
ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابَع عقلي واستدلالي استخدمت فيها أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليين، وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك.
ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع. وإليك شيئاً من أسماء تلك الكتب:
1. المعتمد، تأليف أبي الحسين البصري(المتوفّى 436هـ).
2. البرهان في أُصول الفقه، تأليف إمام الحرمين الجويني(المتوفّى 478هـ)
3. المستصفى في أُصول الفقه، تأليف أبي حامد الغزالي(المتوفّى 505هـ).
4. المحصول في علم أُصول الفقه، تأليف فخر الدين الرازي(المتوفّى 606هـ).
5. الإحكام في أُصول الأحكام، تأليف سيف الدين الآمدي(المتوفّى 631هـ).
6. منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل، تأليف ابن الحاجب، (المتوفّى 646هـ)، الذي اشتهر مختصره باسم مختصر ابن الحاجب في
الأُصول.
7. التحصيل من المحصول، تأليف محمود بن أبي بكر الأرموي (المتوفّى 656هـ).
8. منهاج الوصول إلى علم الأُصول، تأليف عبد الله بن عمر البيضاوي(المتوفّى 685هـ).

صفحه 211
هذه نماذج من الكتب التي ألّفت على طريقة المتكلّمين التي لوحظت فيها المسائل الأُصولية بصورة مستقلّة.

القواعد الأُصولية المنتزعة من الفروع الفقهية

تقدّم أنّ طريقة المتكلّمين من أتباع الإمام الشافعي هي النظرة إلى القواعد الأُصولية نظرة استقلالية، حتى تتفرع عليها الفروع الفقهية، غير أنّ طريقة الفقهاء الأحناف على خلاف ذلك ولها ميزات نشير إليها:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة آلية، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأُصول وعدمها هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب، فكانوا يقرّرون القواعد الأُصولية طبقاً لما قرّره أئمّة المذاهب في فروعهم الاجتهادية الفقهية، ولابدّ أن تكون القاعدة الأُصولية منسجمة مع الفروع الفقهية، فلو خالفتها لما قام لها وزن وإن أيدها البرهان وعضدها الدليل، فتجد كثرة التخريج تشكل الطابع العام في كتبهم التي أُلّفت على هذه الطريقة.
ب. خلوّ هذه الطريقة من الأساليب العقلية والقواعد الكلامية.
ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألّف على هذا الأُسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي(المتوفّى 220هـ).
ومن الفقهاء الذين كتبوا على هذه الطريقة:
1. أبو بكر أحمد بن علي الجصّاص الرازي(المتوفّى 370هـ)، مؤلّف كتاب «أُصول الجصّاص».
2. فخر الإسلام البزدوي(المتوفّى 482هـ)، مؤلّف كتاب «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول».
3. الحافظ النسفي(المتوفّى 701هـ)، مؤلّف كتاب «منار الأنوار في أُصول الفقه».

صفحه 212

الجمع بين الطريقتين

يوجد بين فقهاء السنّة مَن جمع بين الطريقتين أي طرح كلّ قاعدة أُصولية ثم ذكر الفروع المترتّبة عليها، وبذلك خرج علم الأُصول من كونه قواعد جامدة، نذكر منهم:
1. ابن الساعاتي(المتوفّى 694هـ) مؤلّف كتاب«البديع في أُصول الفقه» لخّص فيه كتاب «الإحكام» للآمدي الذي ألّف على الطريقة الأُولى، وكتاب «كنز الأُصول» لفخر الإسلام البزدوي الذي ألّف على الطريقة الثانية.
2. صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود البخاري(المتوفّى 747هـ) مؤلّف كتاب «تنقيح الأُصول».
3. تاج الدين السبكي(المتوفّى 771هـ)مؤلّف كتاب «جمع الجوامع».
4. كمال الدين ابن الهمّام(المتوفّى 861هـ) مؤلّف كتاب «التحرير في أُصول الفقه».
فهؤلاء هم الذين جمعوا بين الطريقتين.

طريقة التأليف عند فقهاء الشيعة

الطريقة المألوفة لفقهاء الشيعة في تدوين ذلك العلم هي الطريقة الأُولى، وهي النظرة الاستقلالية إلى القواعد الأُصولية، وهذا هو الظاهر من كتاب «التذكرة» للشيخ المفيد و «الذريعة» للسيد المرتضى و«العدّة» للشيخ الطوسي، وعلى هذا المنهج سار المتأخّرون إلى عصرنا هذا، نعم قام الشهيد الثاني في القرن العاشر بابتكار طريقة ثانية وهي الجمع بين القاعدة والتفريع، فألّف كتاباً أسماه بـ«تمهيد القواعد» ذكر كلّ قاعدة أُصولية مع الفروع التي تترتّب عليها. شكر الله مساعي الجميع.
***

صفحه 213

الخامس: موضوع علم الأُصول

لو قلنا بلزوم وجود موضوع لكلّ علم، فالذي يمكن أن يكون موضوعاً لهذا العلم ويكون جامعاً لموضوعات مسائله هو «الحجّة في الفقه» والعوارض التي يبحث عنها في ذلك العلم عوارض تحليلية نعبّر عنها بالتعيّنات. هذا هو إجمال النظرية وإليك تبيينها وهو رهن بيان أمرين:
1. الحجّة في الفقه هو الموضوع لذلك العلم.
2. البحث عن التعيّنات بحثٌ عن عوارض ذلك الموضوع.
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه أنّ الداعي إلى تأسيس ذلك العلم ما مرّ من أنّ الفقيه يعلم علماً قطعيّاً أنّ الشريعة الإسلامية شريعة خاتمة، وقد أغنت المجتمع الإسلامي عن كلّ حكم وضعي، ولها في كلّ موضوع حكم شرعي مقرون بالحجّة بحيث لو رجع إليه المجتهد لعثر عليه، فهذا العلم المرتكز هو الذي حفّز الفقهاء إلى تدوين ذلك العلم، فضالّته المنشودة هي التعرّف على الحجج التي تقع في طريق الاستنباط، وهذا أوضح دليل على أنّ بحوثه تدور حول هذا الموضوع لا غير.
وأمّا الثاني: أعني ما هي العوارض التي تعرض على ذلك الموضوع فنقول: إنّ الأعراض الذاتية التي يبحث عنها في كلّ علم أعمّ من أعراض خارجية وأعراض تحليلية، ألا ترى أنّ موضوع الفنّ الأعلى هو الوجود أو الموجود بما هو موجود، ومباحثه هي تعيّناته التي هي الماهيّات، وليس نسبة الماهيات إلى الوجود نسبة العرض الخارجي إلى الموضوع، بل العارضية والمعروضية يتحقّقان بتحليل عقلي، فإنّ الماهيّات بحسب الواقع تعيّنات الوجود، ومتّحدات معه ومن عوارضه التحليلية، فإن قيل الوجود عارض الماهية ذهناً فهو صحيح، وإن قيل الماهية عارضة الوجود وهي تعيّنه، فهو صحيح أيضاً.

صفحه 214
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، فإنّ الفقيه لمّا رأى احتياجه في الفقه إلى الحجّة توجّه إليها، وجعلها نصب عينيه وبحث عن تعيّناتها التي هي الأعراض الذاتية التحليلية لها، فالحجّة بما هي حجّة، موضوع بحثه، وتعيّناتها التي هي خبر الواحد والظواهر والاستصحاب وسائر المسائل الأُصولية من العوارض الذاتية لها، بالمعنى الذي ذكرنا، فعلى هذا يكون البحث عن حجّية خبر الواحد وغيره بحثاً عن العرض الذاتي التحليلي للحجّة، وتكون روح المسألة أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بخبر الواحد أو لا؟ وبالجملة بعد ما علم الأُصولي أنّ لله تعالى حجّة على عباده في الفقه يتفحّص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليلية لها، فالموضوع هو الحجّة بوصف اللا بشرطية والمحمولات هي تعيّناتها.
وهنا سؤال: وهو أنّه إذا كانت الحجّة هي الموضوع، والتعيّن بخبر الواحد وغيره هو المحمول، فاللازم في تنظيم المسائل أن يقال: الحجّة هي خبر الواحد، مع أنّ القضية المعقودة في الكتب الأُصولية هي العكس؟
والجواب: أنّ ذلك لأجل السهولة في التعليم، فإنّ المحمول مهما كان أوسع كان أسهل للتعليم نظير ذلك مسائل الفن الأعلى، وقد عرفت أنّ الموضوع هو الوجود بما هوهو، والأعراض تعيّنه بالواجب والممكن، والمجرّد والمادي، مع أنّ المسائل المعقودة على العكس فلا يقال: الموجود عقل أو جسم، بل يقال: العقل أو الجسم موجود.
وقد أشار إليها الحكماء في كتبهم.
***

السادس: ماهية علم الأُصول ومكانته

من الأُمور المهمّة تبيين مكانة كلّ علم يريد الباحث دراسته، فهل هو علم

صفحه 215
حقيقي كوني، أو هو علم اعتباري.
وبمعرفة مكانة العلم تُعرف آفات البراهين أو صحّتها التي تقام عليها مسائل العلم، وأمّا القسم الأوّل فلمسائل ذلك العلم مصاديق واقعية تطابقها تارة وتخالفها أُخرى، ويصحّ الاستدلال عليها بالدور والتسلسل واجتماع النقيضين أو اجتماع الضدين إلى غير ذلك، فيقال: لولا هذا للزم الدور، أو التسلسل، أو يلزم المحال.
فمسائل تلك العلوم أُمور واقعية لا تختلف هويتها مع اختلاف اللحاظ والاعتبار، فالقواعد الرياضية أو الهندسية أو الفيزيائية قواعد كلّية
ثابتة عبر الدهور والقرون، فزوايا المثلث تساوي قائمتين سواء اعتبرها
المعتبر أو لا.
وفي مقابل ذلك العلوم الاعتبارية وهي مسائل قائمة بلحاظ الملاحظ واعتبار المعتبر، فالاستدلال على صحّتها أو فسادها لا يخضع للدور والتسلسل، والذي يشترط في صحّة الأُمور الاعتبارية أمران:
1. أن يكون للاعتبار أثر عقلائي وإلاّ يلزم اللغو.
2. أن لا يعتبر خلاف ما اعتبره إذ عندئذ يلزم نقض الغرض.
لكن مع الأسف أنّ المتأخرين غفلوا عن ماهية علم الأُصول فتلقوه علماً كونياً فاستدلّوا عليه بالبراهين التي يستدلّ بها في العلوم الطبيعية والرياضية والهندسية، حتى الفلسفية، وإليك بيان نظائر ذلك:
1. ذهب المحقّق الخراساني إلى وجود الجامع بين أفراد الصحيح للصلاة، واستدلّ على ذلك بقاعدة الواحد لا يصدر إلاّ عن الواحد، وقال: الأثر الواحد ـ أعني: النهي عن الفحشاء ـ لا ينفك عن واحد جامع بين أفراد الصلاة، فيستكشف ذلك الجامع من أثره وإن لم نعلم اسمه.

صفحه 216
وأنت خبير بأنّ مصبّ القاعدة ـ لو صحّت ـ هو البسيط من جميع الجهات، مع أنّ النهي عن الفحشاء كثير، فكيف يكون مصداقاً للقاعدة.
2. أقام المحقّق الخراساني براهين كثيرة على امتناع أخذ الأمر في متعلّقه كأن يقال: صلِّ بداعي أمرها، قائلاً بأنّه يستلزم الدور أو التسلسل مع أنّهما من خصائص العلم الحقيقي.
إلى غير ذلك من المسائل التي استدلّ عليها ببراهين كونية، فالباحث الحقيقي هو مَن يعرف مكانة العلم ويستدلّ على مسائله بالطرق التي تنسجم معها.

   *** السابع: تعريف علم الأُصول تعريفاً جامعاً ومانعاً

عُرّف علم الأُصول في الآونة الأخيرة بتعاريف مختلفة، فصارت مثاراً للنقاش والجدل، والذي يمكن أن يقال: إنّ التعريف الجامع هو عبارة عمّا يشتمل على أمرين:
الأوّل: الحجج التي يستدلّ بها على الحكم الواقعي ويعبّر عنها بالأمارات.
الثاني: البحث عن الحجج التي تحدّد وظيفة المكلّف عند الشكّ، وهذا ما يعبّر عنه بالأُصول العملية كالاستصحاب والبراءة والتخيير والاشتغال.
فإذا كان الأمران هما ضالتا المستنبط، فالتعريف الحقيقي لهذا العلم لا ينفكّ من الإشارة إلى ذينك الأمرين بأن يقال: ملكة تعرف بها الحجج الشرعية على الأحكام الكلّية أو ما تعرف بها وظيفة المكلّف عند الشكّ في الحكم الشرعي الواقعي.
***

صفحه 217

الثامن: الأدوار التي مرّ بها علم أُصول الفقه

مرّ علم الأُصول في مراحل حتى بلغ القمة من التكامل ويمكن بيان هذه المراحل بالعناوين التالية:

أ. مرحلة النشأة

قد قام غير واحد من متكلّمي وفقهاء الشيعة بتدوين بعض مسائل أُصول الفقه فصارت نواة للتبلور، نظير:
1. يونس بن عبد الرحمن مؤلّف كتاب علل الحديث.
2. أبو سهل النوبختي مؤلّف كتاب الخصوص والعموم وإبطال القياس.
3. الحسن بن موسى النوبختي مؤلّف كتاب خبر الواحد والعمل به.
مضافاً إلى ما قام به الحسن بن علي العُماني المعاصر للشيخ الكليني أو أبو علي الإسكافي(المتوفّى 381هـ) من إدغام بعض المسائل الأُصولية في كتبهما الفقهية.
وقد بدأ هذه المرحلة فيما بين القرن الثالث والرابع الهجري.

ب. مرحلة التبلور والتفتح

بدأت هذه المرحلة منذ عصر الشيخ المفيد إلى أوائل القرن العاشر، وأوّل من كتب كتاباً جامعاً لكافة مسائل أُصول الفقه هو الشيخ المفيد في كتابه «التذكرة في أُصول الفقه»، ولم يصل إلينا وإنّما الواصل خلاصته التي أوردها تلميذه الكراجكي(المتوفّى 449هـ) وأدرجها في كتابه «كنز الفوائد» المطبوع عدّة مرّات، وأمّا العلماء الذين ساهموا في بلورة هذا العلم وانفتاحه حيث صارت كتب أُصول الفقه معادلة لكتب الآخرين في الاشتمال على أغلب المسائل، فيمكن أن نذكر منهم:

صفحه 218
1. الشريف المرتضى(المتوفّى 436هـ) مؤلّف كتاب «الذريعة إلى أُصول الشريعة» الذي طبع بتحقيق مؤسستنا سنة 1429هـ .
2. سلاّر الديلمي(المتوفّى 448هـ) مؤلّف كتاب «التقريب» في أُصول الفقه.
3. الشيخ الطوسي(المتوفّى 460هـ) مؤلّف كتاب «العدّة في أُصول الفقه».
4. ابن زهرة الحلبيّ(المتوفّى 585هـ) مؤلّف كتاب «غنية النزوع إلى علم الأُصول والفروع». حقّق وطبع في مؤسستنا سنة 1417هـ .
5. سديد الدين الحمصي(المتوفّى 600هـ) مؤلّف كتاب «المصادر في أُصول الفقه».
6. المحقّق الحلّيّ(المتوفّى 667هـ) مؤلّف كتاب «المعارج في أُصول الفقه».
7. العلامة الحلّيّ(المتوفّى 726هـ) مؤلّف كتب كثيرة في ذلك العلم أوسعها كتابه«نهاية الوصول إلى علم الأُصول» الذي حقّق وطبع في مؤسستنا في خمسة أجزاء، طبع الجزء الأخير منه سنة 1429هـ .
8. عميد الدين الأعرجي(المتوفّى754هـ) مؤلّف كتاب «منية اللبيب في شرح التهذيب» الذي حقّق وطبع في مؤسستنا مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في جزأين سنة 1431هـ .
9. فخر الدين الأعرجي (الذي كان حياً سنة 740هـ) مؤلّف كتاب «النقول في شرح تهذيب الأُصول».
10. فخر الدين الحلّي(المتوفّى 771هـ) مؤلّف كتاب «غاية السؤول في شرح تهذيب الأُصول».
11. زين الدين (الشهيد الثاني)(المتوفّى 965هـ) مؤلّف كتاب «تمهيد

صفحه 219
القواعد».
هؤلاء من أبرز الشخصيات الذين بذلوا جهودهم في تبسيط هذا العلم ودراسة عامّة المسائل التي كانت مطروحة في كتب الأُصول عند أهل السنّة، ولا يتوهّم أنّ هؤلاء استنسخوا تلك المسائل وإنّما أخذوا العناوين ودرسوا المسائل دراسة معمّقة فربما وافقوهم وربما خالفوهم فيها.

ج. مرحلة الإبداع والابتكار

ظهر المذهب الأخباري في أوائل القرن العاشر وامتدّ إلى أواخر القرن الثاني عشر، ورُفع علم المخالفة لهذا العلم بجد وحماس، وأوجد خمولاً وجموداً في تطوّر هذا العلم، وقلّما يتّفق لفقيه أن يؤلّف كتاباً حوله في تلك الفترة إلاّ نادراً، نظير الفاضل التوني(المتوفّى1071هـ) وآقا حسين الخوانساري(المتوفّى1098هـ) وآقا جمال الدين الخوانساري (المتوفّى 1131هـ)، ولو استثنينا هؤلاء فنحن لم نقف على شخص ألّف كتاباً في أُصول الفقه خلال تلك الأدوار التي كان الشجار والنقاش بين الأخباريين والأُصوليين محتدماً.
وفي أواخر القرن الثاني عشر ظهر الضعف في المدرسة الأخبارية بسبب قوّة احتجاجات المحقّق البهبهاني (المتوفّى 1206هـ) على نحو أقنع رئيس الأخباريين ـ أعني: المحدّث البحراني(المتوفّى 1185هـ) ـ بأنّ النزاع في كثير من المسائل لفظي لا حقيقي وفي قسم منها الحق مع الأُصوليين، وقد اعترف بأكثر ما ذكره ذلك المحدّث فانقلب الأمر وبزغ نجم علم الأُصول، فعند ذلك قام المحقّق البهبهاني وجملة من تلاميذه أو تلاميذهم بإبداعات وابتكارات لم يكن لها وجود في كتب السابقين من السنّة أو الشيعة، ولذلك توصف هذه المرحلة بمرحلة الإبداع التي كانت ثمرة ناضجة لجهود ذلك الأُستاذ الكبير وتلاميذه

صفحه 220
كالشيخ جعفر كاشف الغطاء(المتوفّى 1228هـ) والمحقّق القمّي(المتوفّى 1231هـ) صاحب «قوانين الأُصول»، والسيد علي صاحب الرياض(المتوفّى 1231هـ) (في كتابه رياض المسائل)، فصار علم الأُصول عند الشيعة علماً متكامل الأركان، شاملاً لمسائل جديدة لم تسبق إليها أفكار المتقدّمين من السنّة والشيعة.

د. مرحلة التكامل

وروّاد هذه النهضة العلمية عدّة من نوابغ العصر وفطاحل الدهر، نظير: شريف العلماء المازندراني(المتوفّى 1245هـ)، والشيخ محمد تقي الاصفهاني (المتوفّى 1248هـ)، والشيخ محمد حسين بن محمد رحيم صاحب الفصول(المتوفّى 1255هـ) والشيخ مرتضى الأنصاري(المتوفّى 1281هـ)، على نحو صار علم الأُصول لدى الشيعة يغاير ما عند السنّة بكثرة المسائل الإبداعية.

هـ. مرحلة قمّة التكامل

ولو أنّا أسمينا المرحلة السابقة بالتكامل ويحقّ لنا أن نصف هذه المرحلة بمرحلة قمّة التكامل، فقد تحقّقت بجهود تلاميذ الشيخ الأنصاري الذين أضفوا على هذا العلم مكانة رفيعة، ونذكر منهم: الأساتذة العظام أمثال:
1. الميرزا الشيرازي الكبير(المتوفّى 1312هـ).
2. السيد محمد الفشاركي(المتوفّى 1315هـ).
3. المحقّق الخراساني(المتوفّى1329هـ).
4. المحقق النائيني(المتوفّى 1355هـ).
5. المحقّق عبد الكريم الحائري(المتوفّى 1355هـ).
6. المحقّق ضياء الدين العراقي(المتوفّى 1361هـ).

صفحه 221
7. المحقّق الشيخ محمد حسين الاصفهاني(المتوفّى 1361هـ) (الذي زيّن هذا المحفل باسمه وبيان نظريّاته وجهوده العلمية).
8. المحقّق السيد البروجردي(المتوفّى 1380هـ).
9. الإمام السيد روح الله الخميني(المتوفّى 1409هـ).
10. المحقّق السيد أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ).
هؤلاء هم فطاحل هذه المرحلة وأعاظمهم، وبقيت هناك شخصيات بارزة أُخرى ساهموا في رفع منار هذا العلم حفلت بهم كتب التراجم، ونحن نعتذر لمقاماتهم السامية عن ترك ذكر أسمائهم لأنّ الرسالة ضاقت عن التبسّط.
***

المنهج الأُصولي للمحقّق الإصفهاني

الشيخ محمد حسين الإصفهاني(1296ـ 1361هـ) شخصية عظيمة، والتعريف الفني لا يفي ببيان مكانته، فهو نابغة الدهر وفيلسوف الزمان وفقيه الأُمّة.
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فنائله الإفضال والعلم ساحله
كان(قدس سره) متخصّصاً في علوم ومشاركاً في علوم أُخرى، ومتحلّياً بمآثر جمّة وملكات فاضلة حتى في الشعر والأدب والتاريخ، وكأنّ وجوده(قدس سره) واقع في مركز الدائرة فخطوط العلوم والفضائل إليه متساوية.
تخرج في الأُصول والفقه على نابغتين:
الأوّل: المحقّق الأكبر السيد محمد الإصفهاني الفشاركي(المتوفّى 1315هـ) صاحب النظريات العالية.
الثاني: العلاّمة المحقّق الأكبر المولى محمد كاظم الخراساني(المتوفّى

صفحه 222
1329هـ) ذلك المحقّق الفذ في مستوى العلوم، فقد حضر دروسه مدة ثلاثة عشر عاماً فقهاً وأُصولاً حتى ارتحل الأُستاذ فاستقلّ هو بالتدريس.
وقبل أن نشير إلى آرائه الأُصولية نذكر شيئاً من إبداعاته، فقد كان بصدد الإبداع في أُصول الفقه وتنظيم مباحثه بشكل آخر يختلف تماماً عن المنهج الدارج، وقد بنى أساس تنظيمه على أركان أربعة:
1. المباحث اللفظية.
2. الملازمات العقلية.
3. الحجج الشرعية.
4. الأُصول العملية.
وقد شرع في كتابة مشروعه ولكن الأجل لم يمهله، غير أنّ تلميذه الجليل الشيخ محمد رضا المظفر(رحمه الله)مشى على نهجه في كتابه «أُصول الفقه».
إذا عرفت ذلك فلنشر إلى بعض آرائه:

1. أداة الشرط تقع موقع الفرض

المعروف بين الأُصوليين أنّ أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط والجزاء، وبينهما صلة قوية، مردّدة بين كون الشرط تمام العلّة أو جزئها، ولكنّه(قدس سره)أصرّ على أنّ أداة الشرط لإفادة أنّ مدخولها واقع موقع الفرض، والتقدير: أي لو فرضنا كذا لكان كذا.1

2. عدم وجوب المقدّمة

ذكر تلميذه الشيخ المظفر أنّ أُستاذه أوّل من تنبّه إلى عدم وجوب

1. نهاية الدراية:1/609، نشر مؤسسة سيد الشهداء(عليه السلام)، قم ـ 1374هـ .ش.

صفحه 223
المقدّمة، وأقام برهانه بأُسلوبه الخاص.1

3. الحروف موضوعة لبيان الوجود الرابط

الوجود منقسم إلى نفسي ورابطي ورابط، يقول السبزواري:
أنّ الوجود رابط ورابطي *** ثمة نفسي فهاك فاضبط2

4. جريان البراءة قبل الفحص

ذهب المحقّق الإصفهاني إلى أنّ قاعدة العقاب بلا بيان تجري قبل الفحص خلافاً للمشهور من القول بعدم جريانها إلاّ بعده.3

5. الصحّة في المعاملات ليست مجعولة

ذهب الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) إلى أنّ الصحّة في المعاملات كالصحّة في العبادات ليست من الأُمور المجعولة للشارع بل هما أمران اعتباريان.4

6. العدلان في الواجب التخييري، واجبان معاً

ذهب الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) إلى أنّ الوجوب التخييري عبارة عن وجوب كلّ من العدلين والبدلين لوجود الملاك فيهما معاً، غير أنّ تحصيل ملاكهما معاً يعارض مصلحة التسهيل، ولذلك يرخّص المولى في ترك أحدهما على سبيل البدل.5

1. لاحظ: أُصول الفقه للشيخ المظفر:2/319.
2. نهاية الدراية:1/51.
3. نهاية الدراية:2/717.
4. نهاية الدراية:1/587.
5. نهاية الدراية:1/494.

صفحه 224

7. العلم الإجمالي عند الإصفهاني علّة تامّة للامتثال القطعي

اختلفت كلمة الأُصوليّين في أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة للامتثال القطعي وحرمة المخالفة الاحتمالية فضلاً عن القطعية، أو مقتض لهما، فاختار النظرية الأُولى.1

8. العرض الذاتي هو المأخوذ في تحديد المحمول

العرض الذاتي عند المحقّق الخراساني تبعاً للحكيم السبزواري هو العارض على الموضوع بلا واسطة في العروض، سواء أكان واسطة في الثبوت أم لا، وسواء أكانت الواسطة أعمّ أو أخصّ من ذي الواسطة أو مبايناً له، ولكنّه عند المحقّق الإصفهاني عبارة عن كلّ عارض أخذ في تحديده.
مثلاً نقول: الوجود إمّا واجب أو ممكن، والممكن إمّا جوهر أو عرض، فالجميع عارض ذاتي للوجود لأنّه مأخوذ في تحديد المحمول فالواجب هو الوجود الذي يجب وجوده، والممكن هو الوجود العاري عن الإيجابين، وهكذا الجوهر هو الوجود القائم بلا موضوع، والعرض هو الوجود القائم بغيره.2

9. أنّ المصدر ليس مادة المشتقّات

المصادر عنده مطلقاً لم توضع لنفس المعاني الخالية من جميع أنحاء النسب، بل المصدر من جملة المشتقّات لاشتماله على نسبة ناقصة ومبدأ من دون فرق بين المجرّد والمزيد فيه.3

1. نهاية الدراية:3/88ـ92.
2. نهاية الدراية:1/22.
3. نهاية الدراية:1/174، (آل البيت).

صفحه 225

10. أعدام الملكات نظير الاستعدادات، له حظ من الوجود

ذهب المحقّق الإصفهاني إلى أنّ لأعدام الملكات شأناً من الوجود حيث قال: فعدم البياض ـ الذي هو من أعدام الملكات ـ كقابلية الموضوع من الحيثيات الانتزاعية منه، فكون الموضوع بحيث لا بياض له هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد، فمتمّم القابلية كنفس القابلية.1
تلك عشرة كاملة من آرائه(رحمه الله) ودراستها في هذه المسائل موكولة إلى محلّها.
جعفر السبحاني
قم المشرفة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
28 محرم الحرام من شهور عام 1435هـ

1. نهاية الدراية:1/427.

صفحه 226
الخطابات القانونية ودورها في المسائل الأُصوليّة
2

الخطابات القانونية ودورها

في المسائل الأُصوليّة1
اتّفق العلماء على أنّ لله سبحانه أحكاماً مشتركة بين العالم والجاهل والمؤمن والكافر. والمجتهد بين مصيب ومخطئ، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحدٌ. نعم نسب إلى الأشاعرة إنكار حكم الله المشترك بين الجميع وأنّ أحكام الله سبحانه تابعة لآراء المجتهدين، وأُورد عليهم بأنّه مستلزم للدور، فإنّ الاجتهاد فرع وجود الحكم حتى يطلبه المجتهد، فلو كان تابعاً لاجتهاده لدار.
وقد تحمّس المحقّق النائيني في نسبة هذا إلى الأشاعرة ولكن الظاهر أنّ النسبة غير صحيحة، وتشهد على ذلك كتبهم الأُصولية، كـ «المستصفى» للغزالي و«مختصر الأُصول» لابن الحاجب و«المحصول» للرازي وغيرها، فهم يتّفقون مع سائر الفقهاء في القول بالحكم المشترك.
نعم في ما لم يرد فيه نصّ في القرآن والسنّة فإنّهم يقولون :إنّ حكم الله

1. أ لقيت هذه المحاضرة في الندوة العلمية الأُصولية حول نظرية الخطاب القانوني مكان الخطاب الشخصي الذي ذهب إليه السيد الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره).

صفحه 227
تابع لآراء المجتهدين.
وعلى كلّ تقدير فالإمامية قاطبة يقولون به.
ثمّ إنّ المشهور تفسير الحكم المشترك بوجود خطابات كثيرة حسب عدد المكلّفين، فالخطاب الواحد عندهم ينحلّ إلى خطابات، فقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)1ينحل إلى خطابات لكلّ مكلّف عبر الزمان، فعلى هذا التفسير رتّبوا أُموراً نذكرها:

1. تقسيم الحكم المشترك إلى إنشائي وفعليّ

لا شكّ أنّ لفعليّة الحكم وانبعاث المكلّف إلى المكلّف به، شرائط عامة من البلوغ والعلم والقدرة، فلو كان المكلّف حائزاً لها فالحكم فيه فعليّ وإن كان فاقداً لبعض منها فالخطاب في حقّه شأني، وذلك لأنّ الغاية من البعث هو الانبعاث وهو لا يتصوّر إلاّ في الواجد للشرائط، وأمّا الفاقد لها فيخلو عن الانبعاث، وبالتالي يكون البعث الفعلي في حقّه أمراً لغواً ولا محيص من تصوير البعث في مورده بعثاً إنشائياً.

2. شرطية الابتلاء في صحّة التكليف

لمّا كان لكلّ مكلّف خطاب شخصيّ فلصيانته عن اللغويّة يشترط كون المكلّف به مورداً للابتلاء وإلاّ يستهجن الخطاب عندئذ، فلو كان الخمر في أقاصي البلاد الذي لا تصل إليه يد المكلّف عادة، فخطابه بالاجتناب عنه يصير أمراً مستهجناً، وبذلك يختلف حكم المكلّف به حسب اختلاف الأفراد بالنسبة إلى المكلّف به، فلو كان موردَ ابتلاء لزيد فالحكم فيه فعليّ وفي مورد غيره

1. المائدة:6.

صفحه 228
شأنيّ.

3. عدم وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر في العلم الإجمالي

رتّبوا على النتيجة الثانية أنّه إذا خرج بعض أطراف العلم الإجمالي عن محلّ الابتلاء قبل تعلّق العلم بالموضوع فلا يكون مثل ذلك العلم منجزاً في الطرف الذي وقع مورداً للابتلاء، مثلاً إذا فرضنا إنائين أحدهما خمر والآخر ماء والمكلّف غير عارف بحالهما، ثم خرج أحد الإنائين عن محلّ الابتلاء وحدث العلم الإجمالي بخمرية أحدهما، فلا يجب الاجتناب عن الإناء الموجود، لماذا؟ لأجل أنّه يستهجن خطاب المكلّف بالقول: اجتنب عن هذا الإناء أو الإناء الذي خرج عن محلّ الابتلاء.

4. القدرة شرط التكليف لكلّ مكلّف

لمّا كان الحكم المشترك ظاهراً بصورة الخطاب الشخصي، فيشترط في فعلية الخطاب وجود الشرائط العامة في كلّ مكلّف على حدة وإلاّ عاد الحكم إنشائياً.
هذه هي الآثار المترتّبة على تفسير الحكم المشترك بالخطاب الشخصيّ، وعلى ذلك جرى الشيخ الأنصاري في فرائده والمعلّقون على كتابه، والمحقّق الخراساني وتلاميذه وعامّة مشايخنا رحم الله الماضين منهم وحفظ الله الباقين.

الخطاب القانوني مكان الخطاب الشخصي

كان الرأي العام هو ما ذكرنا في تفسير الحكم المشترك إلى أن وصلت النوبة إلى سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره) فأبدى نظراً خاصّاً، أوجد انقلاباً في الأحكام الأربعة المترتّبة على الخطاب الشخصي، وحاصل نظره: أنّ خطابات الشارع في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة خطابات قانونية وحجج عقلائية،

صفحه 229
فالخطاب واحد وإن كان المخاطب متعدّداً، لكن الخطاب الواحد بوحده حجّة على كلّ مكلّف كان مصداقاً للعنوان، من دون حاجة إلى تعدّد الخطاب .
ثمّ قال: إنّه يمكن استئناس ذلك بوجهين:
1. دراسة وضع القانون الوضعي في المجامع التقنينية، فالمقنّن أو القوّة التقنينيّة، ينشئ الحكم على عنوان ليكون حجّة على كلّ مَن يكون مصداقاً له، مثلاً التجنيد الإجباري لكلّ مَن بلغ العشرين، فإذا تمّ التشريع يصير دور الإبلاغ إلى الشعب بالطرق المألوفة في كلّ زمان، فيكون الخطاب في حقّ عامّة المكلّفين فعلياً دون أن يوجد في ذهن المقنّن ولا فريق التقنين خطابات متعدّدة حسب مصاديق العنوان.
2. لو صحّ الانحلال في الإنشاء كما عليه الأُصوليّون لزمت صحّة الانحلال في الإخبار، فلو قال القائل: النار باردة، يلزم أن يتّهم بأنّه كذب في صميم نفسه (لا في لفظه) أكاذيب كثيرة حسب عدد النيران.
ثمّ إنّه(قدس سره) لمّا بنى على أنّ وجود الحكم المشترك بمعنى وجود الحجّة المشتركة بين عامّة المكلّفين، رتّب على هذا المبنى أُموراً تخالف الرأي العام في الأُمور الماضية بين الأُصوليّين.

ألف. تفسير الحكم الإنشائي والفعلي

قد مرّ تفسير الحكم الإنشائي والفعلي حسب نظر المشهور، وهو صحيح على مختارهم، ولمّا كان المختار عند سيدنا الأُستاذ وحدة الخطاب فسّر الحكم الإنشائي بالحكم الذي تمّ تشريعه ولكن لم يتمّ إبلاغه، وذلك نظير الأحكام المخزونة عند صاحب الأمر فهي أحكام إنشائية وليست فعليّة، وأمّا ما سواها فبما أنّه تمّ تشريعه وابلاغه عن طريق النبي(صلى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فالأحكام كلّها أحكام فعليّة لا إنشائية، فلا تجد في الكتاب والسنّة ولا في مورد المكلّفين

صفحه 230
حكماً إنشائياً بل الجميع فعلي أي تمّ تشريعه وإبلاغه. غاية الأمر لا يكون الحكم منجّزاً إلاّ في ظرف وجود الشرائط، وإلاّ يكون غير منجّز، فالعاجز عن امتثال المكلّف به، محكوم بحكم فعليّ بمعنى شمول الحجّة له، لأجل صدق العنوان عليه، غاية الأمر عند فقد الشرائط فهو يحتجّ على المولى في ترك الامتثال بالعجز.

ب. عدم شرطية الابتلاء في التكليف

لو كان الخطاب شخصيّاً صحّت شرطية الابتلاء في توجيه الخطاب إلى المكلّف، وأمّا إذا كان الخطاب قانونياً وخطاباً واحداً وحجّة فريدة فلا يشترط وجود الابتلاء بالمكلّف به في كلّ واحد منهم، بل يكفي وجود الابتلاء في جم غفير منهم، وهذا النوع من الابتلاء يصحّح تكليف عامّة المكلّفين ولا يعدّ الخطاب للجميع خطاباً مستهجناً.

ج. وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر

إذا كان الخطاب شخصيّاً صحّ القول بعدم تنجيز العلم الإجمالي فيما إذا خرج الطرف الآخر عن مورد الابتلاء قبل تعلّق العلم الإجمالي، وأمّا على القول بأنّ الخطاب واحد متعلّق بالعنوان فيكفي وجود الابتلاء عند أكثر المكلّفين لا كلّ واحد منهم، فقد تمّت الحجّة على وجوب الاجتناب عن النجس من غير فرق بين تعلّق العلم قبل الخروج عن محلّ الابتلاء أو بعده وكون الخطاب مستهجناً لازم للخطاب الشخصي لا الخطاب القانوني، وعندئذ يقال: الاشتغال اليقيني يستلزم البراءة اليقينية ولا يحصل إلاّ باجتناب مورد الابتلاء.
أضف إلى ذلك: أنّه لو كان الخروج عن محلّ الابتلاء سبباً لاختصاص الحكم التكليفي بمن ابتلي بالمكلّف به دون مَن خرج عن ابتلائه، لزم القول بذلك في الأحكام الوضعية فيكون الخمر نجساً لمن ابتلى به دون من لم يكن

صفحه 231
كذلك، وهذا ممّا لا يلتزم به فقيه.

د. كفاية وجود الشرائط في جمع من المكلّفين

لو كان التكليف بالخطاب الشخصي يستهجن لمن فقد الشرائط، وأمّا لو كان الخطاب قانونيّاً فيكفي وجود الشرائط في جمّ غفير من المكلّفين وإن كان البعض الآخر فاقداً، ومع ذلك فالخطاب عام يعمّ الحائز والفاقد، غير أنّ الثاني يحتجّ على المولى بالعذر، وهذا غير القول بعدم شمول التكليف له.
ويترتّب على ذلك صحّة خطاب العاصي المتمرّد والكافر الجاحد; وذلك لأنّ الخطاب قانوني والحكم موضوع على العنوان العام شامل للعاصي والكافر من دون أخذ خصوصيات المكلّف في الموضوع حتى يستهجن الخطاب بالنسبة إليهما، وهذا من أحد المشاكل في القول بالخطاب الشخصي في مورد العاصي المتمرّد والكافر الجاحد، حيث يستهجن خطاب الكافر بإقامة الصلاة بخطاب شخصي.
***

تصحيح الترتّب بخطابين عرضيّين

لمّا ذهب القوم إلى الخطاب الشخصي، التجأوا في تصحيح الترتّب إلى تقييد الخطاب بالمهم بقيد العصيان على نحو الشرط المتأخّر حتى يكون الخطاب بالمهم في طول الخطاب بالأهم.
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ أنكر القول بالترتّب وقال: إنّ اختلاف الأمرين في الرتبة لا يصحّح الخطاب بأمرين متضادين. وأوضح ذلك بردّ المقدّمات الخمس التي أقامها المحقّق النائيني على تصحيح الترتّب، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى «تهذيب الأُصول».
ومع ذلك صحّح مورد الترتّب بأمرين عرضيّين على نحو وجود حجّتين

صفحه 232
مطلقتين:
أحدهما: أزل النجاسة.
والآخر: صل فريضة الظهر.
قائلاً بأنّ الخطاب فيهما قانوني لا شخصي، فالمصلّي أمام حجّتين شرعيّتين يمكن أن يمتثل الأهم ويحتجّ على المولى في ترك الأمر بالمهم بصرف القدرة في الأهم، كما أنّه يمكن له أن يمتثل الأمر بالمهم ولكن يثاب من جهة ويعاقب من جهة ترك الأهم.
ولو فرضنا أنّه ترك كلا الأمرين لتعدّد عقابه; وذلك لأنّه كان في إمكان المكلّف أن يقوم بعمل يحتجّ به على المولى بأن يأتي بالأهم، ولمّا تركه يحتجّ عليه المولى ويقول:لِمَ تركت الأمر بالإزالة؟ فيعاقب.
ثمّ يقول: لِمَ تركت الأمر بالصلاة؟ فيعاقب.
وتوهّم أنّه كيف يعاقب بعقابين مع وجود قدرة واحدة والتي لا تكفي إلاّ لواحد من الواجبين; مدفوع بأنّ الملاك في صحّة العقاب هو تمكّن المكلّف من إقامة الحجّة على المولى وامتثال أوامره بنحو يكون له الحجّة على المولى، والمفروض أنّه كان متمكّناً منها بأن يأتي بالأهم ويكتسب رضا المولى. وبما أنّه ترك ذلك كان له الاحتجاج على ترك الأمرين.
ثمّ إنّه(قدس سره) لما قرّر صحة خطابين عرضيّين بترتيب مقدّمات، ولمّا تمّ كلامه أوردنا عليه الإشكال التالي:
إنّ الإهمال في عالم الثبوت غير معقول، فحينئذ عجز المكلّف، والمطاردة والتزاحم وإن كانت بوجودها متأخّرة عن رتبة الجعل والتشريع إلاّ أنّ الحاكم يمكن أن يتصوّر حين إرادة التشريع تزاحم هذا الحكم الكلّي مع الكلّي الآخر إذا أراد المكلّف إيجادهما في الخارج.

صفحه 233
وبالجملة: يمكن أن يتصوّر تزاحم الحكمين الكلّيين في مقام الامتثال فحينئذ نسأل: إنّ الإرادة المتعلّقة على هذا العنوان هل هي باقية على سعتها وعمومها بالنسبة إلى حال التزاحم التي فرضنا أنّ المولى توجّه إليها حين تعلّق الإرادة أولا؟
فعلى الأوّل يلزم تعلّق الإرادة التشريعية بشيء محال، وعلى الثاني يلزم التقييد في جانب الإرادة، ولازمه التقييد في جانب الخطاب، وليس الكلام في مفاد اللفظ حتى يقال: إنّ الإطلاق ليس معناه التسوية في جميع الحالات، بل في الإرادة المولوية التي لا تقبل الإجمال والإهمال.
ثمّ إنّه (قدس سره) كتب بخطّه الشريف الجواب التالي:
ليس معنى عدم الإهمال الثبوتي أنّ الحاكم حين الحكم يلاحظ جميع الحالات الطارئة على التكليف والمكلّف، ويقايس التكليف مع سائر تكاليفه جمعاً ومزاحمة، ضرورة بطلان ذلك، بل المراد من عدم الإهمال هو أنّ الأمر بحسب اللّبّ إمّا أن تتعلّق إرادته وحكمه بنفس الطبيعة بلا قيد، فتكون الطبيعة بنفسها تمام الموضوع، وإمّا أن تتعلّق بها مع قيد أو قيود، فيكون موضوعها هو المقيّد، والإهمال إنّما هو في مقام البيان لا في مقام الواقع.
وأمّا الحالات الطارئة للمكلّف أو للتكليف بعد جعله، فهي ليست دخيلة في الموضوع حتى يتقيّد بها أو يكون الحاكم ناظراً إليها، فالحاكم في مقام الحكم لا ينظر إلاّ إلى موضوع حكمه وكلّ ما هو دخيل فيه لا غير.
هذا موجز ما شرحه(قدس سره) في عدّة مجالس من درسه.
والذي أقترح على الحضّار الكرام دراسة تلك النظرية بإمعان ودقّة لتطوير علم الأُصول و تكامله، وكان(قدس سره) يحثّ تلاميذه على نقد الآراء ودراستها، وأن لا يقتصروا على تحرير آراء الأُستاذ بل يعلّقوا عليه في الهامش بما يخطر ببالهم«فإنّ الحقيقة بنت البحث».

صفحه 234
وأنا أختم الكلام بالشكر الجزيل للمقيمين لهذه الندوة الأُصولية وحضّارها، ونرجو أن يأتي بعدها ندوات أُخرى بإذن الله سبحانه.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
26 من شهر ذي الحجة الحرام عام 1434هـ

صفحه 235
أُسس آراء المحقّق النائيني
3

أُسس آراء المحقّق النائيني

إنّ للمحقق النائيني(رحمه الله)(1274ـ 1355هـ) آراءً وأفكاراً نشير إلى رؤوسها على وجه الإجمال ويطلب التفصيل من محالّها.

1. حلّ المشاكل عن طريق القضايا الحقيقية والخارجية

إنّ تقسيم القضايا إلى حقيقية وخارجية تقسيم معروف في المنطق، وإن وقع الاختلاف في تفسيرهما بين الحكيم السبزواري والشيخ الرئيس، لكن المحقّق النائيني قبل ما هو المعروف من عهد الحكيم السبزواري إلى يومنا هذا، فبنى عليه معالجة قسم من مشاكل علم الأُصول، منها: شمول الخطابات القرآنية للغائبين والمعدومين، فقال: إنّ الأحكام الشرعية موضوعة على غرار القضايا الحقيقية التي يحكم فيها بالحكم على الأفراد المحقّقة أو المقدّرة، والغائب والمعدوم بين محقّق ومقدّر.
وتقسيم القضايا إلى القسمين أداة طيّعة بيد النائيني يستعملها في كثير من الموارد وهي بمنزلة تقسيم القضايا إلى مشروطة وحينية أو الحصة التوأمة، في مدرسة المحقّق النراقي، وهما بمنزلة إطلاق المادّة في مدرسة شيخ مشايخنا المحقّق الحائري في درره، وكلاًّ وعد الله الحسنى.

صفحه 236

2. إرجاع الشروط إلى الموضوع

من أفكاره إرجاع الشروط إلى الموضوع وبالتالي إرجاع القضايا الشرطية إلى الحملية، فقال: كلّ موضوع شرط وكلّ شرط موضوع، فالموضوع لوجوب الحج هو العاقل البالغ المستطيع، وبذلك تخلّص من البحث في إرجاع القيود إلى الهيئة كما عليه المحقّق الخراساني، أو إلى المادة كما عليه الشيخ الأنصاري(قدس سرهما).

3. نتيجة الإطلاق والتقييد

لمّا كان العلم بالحكم من الانقسامات اللاحقة له فلا يمكن فيه الإطلاق ولا التقييد اللحاظيين لاستلزامه الدور، ولذلك قال بامتناع أخذ العلم قيداً، جزءاً أو شرطاً، في مقام الجعل، كما هو الحال في عامّة الانقسامات اللاحقة للمتعلّق باعتبار تعلّق الحكم به، كقصد التعبّد والتقرّب في العبادات، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً; لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، ولكن الإهمال الثبوتي أيضاً لا يعقل بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق بدليل آخر أو من نتيجة التقييد بدليل آخر أيضاً; وذلك لأنّ الملاك الذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون في كلتا حالتي الجهل والعلم، فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فلابدّ من نتيجة التقييد.
وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلاً لبيان ذلك، فلابدّ منه من جعل آخر تستفاد منه إمّا نتيجة الإطلاق أو نتيجة التقييد، وهو المصطلح عليه بمتم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجتي الإطلاق والتقييد يكون بدليل آخر.
وعلى هذا الأساس رتّب أُموراً:
أ. اشتراك الأحكام في حقّ العالم والجاهل.
ب. إمكان أخذ ما يقع تحت دائرة الطلب في المتعلّق كقصد التعبّد وقصد

صفحه 237
الوجه.
ج. إمكان توجيه مقالة الأخباريّين من تقييد الأحكام الواقعية بما أدّى إليه الكتاب والسنّة، كلّ ذلك بدليل ثان خارج عن الجعل الأوّلي.
د. استنباط صحّة الترتّب; لأنّ العصيان والطاعة من الانقسامات اللاحقة للأحكام فعصيان الأمر بالأهم متأخّر عنه، وهو موضوع للأمر بالمهم، فيكون الأمر به متأخّراً عن الأمر بالأهم بمرتبتين.

4. اختصاص الأمر بالحصّة المقدورة

يقول: إنّ الغرض من الأمر هو إيجاد الداعي والتحريك في المكلّف، فيكون شموله للعاجز لغواً، فلازم ذلك عدم شمول الأحكام للعاجز لعدم وجود الداعي فيه.

5. تفسير الحجّية في الأمارات بجعل الطريقية

يقول: إنّ المجعول في الأمارات هي الطريقية والكاشفية، فبما أنّ كاشفيتها كانت ناقصة فالشارع أتمّ كاشفيتها وطريقيتها فتلقاها كاشفاً تامّاً في عالم التشريع.
وعلى هذا يقوم مقام العلم في القطع الموضوعي لأنّه وإن لم يكن قطعاً تكوينياً بل قطعاً تشريعياً لكن الشارع نزله منزلة القطع، في مقابل من يقول:إنّ المجعول في الأمارات هو الحكم المماثل لما تؤدّي إليه الأمارات، وفي مقابل من يقول: ليس في مورد الأمارات أي جعل سوى إمضاء ما بيد العرف.

6. عدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجّية

المعروف أنّه إذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجّية لأجل التعارض تسقط الدلالة الالتزامية لكلّ من المتعارضين التي تتفقان في نفي الثالث ولكنّه(رحمه الله)

صفحه 238
يعتقد بعدم التبعية ويأخذ بلوازم الخبرين المتعارضين وهي نفي صحّة الثالث.

7. الموضوع غير المتعلّق

يُستعمل كثيراً الموضوع مكان المتعلّق وبالعكس، ولكنّه(قدس سره) يخصّص كلاًّ منهما بمعنى خاص، فالمكلّف نفسه عنده هو الموضوع وما تعلّق به الوجوب والحرمة هو المتعلّق.

8 . تقسيم العقود إلى أقسام

إنّ المحقق النائيني هو البطل العلمي في حلبة فقه المعاملات، فكأنّ متاجر الشيخ أُقفل في صندوق أُعطيت مفاتحه بيده، فهو يشرحها في محاضراته التي جمعها وحرّرها الشيخ موسى الخوانساري بنحو رائع، ومن ابتكاراته تقسيم العقود إلى عقود إذنية وعقود عهدية; والعقود العهدية إلى عقود عهدية تنجيزية، وعقود عهدية تعليقية.
والعقود التنجيزية إلى تمليكية وغير تمليكية.
وعلى هذا التقسيم بنى قسماً من آرائه في باب المعاملات.

9. ابتناء القول بالإشاعة على القول ببطلان قول الجزء لا يتجزّأ

يذكر عند البحث في قاعدة اليد وأنّها أمارة الملكية وينتهي كلامه حول الملك المفروز والملك المشاع إلى أنّ القول بالثاني مبني على بطلان الجزء لا يتجزّأ في مقابل القول بالجوهر الفرد. يقول الحكيم السبزواري:

تفكك الرحى ونفي الدائرة *** وحجج أُخرى لديهم دائرة 10. جواز الاجتماع وكيفية تركيب المادّة والصورة

القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه مبني عنده على تركيب المادّة والصورة في الخارج تركيب انضمامي لا اتّحادي، فيكون مركّب الأمر غير

صفحه 239
مركّب النهي على خلاف القول بأنّ التركيب بينهما اتحادي، فيكون المتعلّق واحداً.
هذا كلّه حول آرائه في الأُصول والفقه ولنذكر شيئاً من آرائه الفلسفية.

1. بطلان قاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد

يعتقد بأنّ قاعدة: الشيء ما لم يجب لم يوجد، غير جارية في أفعال الإنسان، فإنّ فعله حتى عندما تمّت الإرادة مع مبادئها واقع في حيّز الإمكان وتساويه إلى الفاعل، وإنّما يترجّح أحد طرفي الشيء بترجيح من الفاعل، وكأنّه من قبيل تخصيص القاعدة العقلية.

2. تفسير الإرادة بوجه خاص

ويقول: عندما تمت مبادئها، يصدر من الإنسان أمر نفساني، يعبر عنه بـ «حملة النفس».
هذا ما سمح به الوقت.
رحم الله من تقدّم من علمائنا وحفظ الله الباقين منهم.
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 240
مسند ابن أبي عمير
4
مسند ابن أبي عمير
يطلق «المسند» ويقع وصفاً للحديث. يقال: «حديث مسند» وهو ما اتّصل اسناده من راويه إلى منتهاه.1
ويطلق عليه المتصل وربما يفرّق بينهما بملاحظة الرفع في المسند، فهو مرفوع إلى النبي(صلى الله عليه وآله). أمّا المتصل فما اتّصل سنده بسماع كلّ راو من رواته عمّن فوقه، سواء أكان مرفوعاً إلى النبي(صلى الله عليه وآله) أم موقوفاً على التابعي.2
وأُخرى يطلق على الحديث المدوّن، حيث يجمع المؤلّف أحاديث صحابي في موضوعات مختلفة دون ترتيب بينها، كمسند عبد الله بن العباس أو عبد الله بن مسعود أو أُبيّ بن كعب.

المسانيد في عصر الأئمّة(عليهم السلام)

قد تضافر النقل على أنّه روى عن الإمام الصادق(عليه السلام) من مشهوري أهل العلم، أربعة آلاف إنسان، وصُنِّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تُسمّى «الأُصول» رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى الكاظم(عليه السلام)، يقول المحقّق

1. تدريب الراوي:1/ 147، دار الكتاب العربي; محاسن الاصطلاح:46ـ47، دار الكتب العلمية.
2. تدريب الراوي:60.

صفحه 241
الحلّي: كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمد(عليه السلام) أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف سمّوها أُصولاً.1
وقال الشهيد: إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) كُتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام، وكذلك عن مولانا الباقر(عليه السلام)، ورجال باقي الأئمّة معروفون مشهورون، أُولو مصنّفات مشتهرة ومباحث متكثّرة، قد ذكر كثيراً منهم العامّة في رجالهم، ونسبوا بعضهم إلى التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام).2
إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة، وهذه الأُصول كلّها كانت مسانيد لمؤلّفيها، حيث جمع الراوي ما سمعه من الإمام بلا واسطة أو ممن سمعه كذلك، في أصل .
ولم يكن لهذه الأُصول ترتيب خاص في نقل الروايات حسب الكتب والأبواب; وما ذلك إلاّ لأنّ جلّها من إملاءات المجالس وأجوبة المسائل المختلفة، ويشهد على ذلك ما هو الموجود من هذه الأُصول الستة عشر الّتي وقف عليها أُستاذنا السيد محمد الحجّة الكوه كمري وقام بطبعها.
ومن الواضح أنّ احتمال الخطأ والغلط والسهو والنسيان في الأصل المسموع شفاهاً عن الإمام(عليه السلام) أو عمّن سمع عنه، أقلّ منها في الكتاب المنقول عن كتاب آخر، فالاطمئنان بصدور عين الألفاظ المندرجة في الأُصول أكثر، والوثوق به آكد. فإذا كان مؤلّف الأصل من الرجال المعتمد عليهم، الواجدين لشرائط القبول، يكون حديثه حجّة لا محالة وموصوفاً بالصحّة، كما عليه بناء

1. المعتبر:1/ 26.
2. موسوعة الشهيد الأوّل:1/22.

صفحه 242
القدماء.1
وعلى هذا فهذه الأُصول كانت مسانيد لأصحابنا في القرنين الثاني والثالث، ولم يكن تأليف الأُصول مختصّاً بحياة الإمامين الصادق والكاظم(عليهما السلام)بل استمرت كتابتها على هذا النمط إلى عهد الإمام العسكري(عليه السلام).
وبما أنّ ابن أبي عمير أدرك أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) وعاصر الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)والرضا(عليه السلام)فما أخذه من تلاميذ الإمام الصادق(عليه السلام) أو من الإمامين الهمامين يعدّ أصلاً من الأُصول، وله قيمة كقيمة سائر الأُصول.
لقد امتاز الرجل من بين أقرانه أنّه روى عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ما لم يروه عنهم غيره، حيث بلغ عدد رواياته حسب ما جمعه ولدنا الفاضل الشيخ بشير المحمدي المازندراني(4443) رواية، وهذا يدلّ على مكانته العلمية وولعه بحفظ آثار أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ونقلها إلى الأجيال الآتية، فالرجل حقّاً من مصاديق قول الإمام الصادق(عليه السلام): «اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر روايتهم عنّا».2
إنّ التعرّف على شخصية ذلك المحدّث الرفيع يتوقّف على الكلام في محاور ثلاثة:
1. مكانته العلمية والاجتماعيّة.
2. التعرّف على مشايخه الذين يعدّون بالمئات.
3. مراسيله كمسانيده في الحجّية.
أمّا الأوّل: فقد بذل الأُستاذ الفاضل السيد حيدر محمد علي البغدادي (أبو أسد) أحد المحقّقين في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)جهده في تبيين مكانته

1. الذريعة لآقا بزرگ:2/ 126.
2. رجال الكشّي: 9.

صفحه 243
العلمية والاجتماعية وثباته على المبدأ والتزامه بالشريعة وذكر آثاره وتآليفه وقوّة حافظته مع بحث موجز حول مشايخه، شكر الله مساعيه. وسيوافيك ذلك المقال بعد هذا.
وأمّا الثاني ـ أي التعرّف على مشايخه ـ: فقد قامت به لجنة التحقيق في دار الحديث فذكروا مشايخه ومن أخذ عنه الحديث على وجه التفصيل.
وأمّا الثالث: فالسبب لانقلاب مسانيده إلى المراسيل أنّه لما تعرّض للظلم والاضطهاد والتعذيب، وأُصيب بمحنة هلاك كتبه، لم تضعف عزيمته، بل حدّث من حفظه، فأسند ما كان في ذاكرته وأرسل غيره، وقد اشتهر أنّ مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده، وهذا ما أوضحنا حاله في كتابنا «كليات في علم الرجال»، وأثبتنا أنّ الرجل ممّن كان لا يروي إلاّ عن ثقة، وأجبنا عن النقوض التي وجهها إليه السيد المحقق الخوئي(قدس سره) في معجم رجال الحديث.1
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

1. لاحظ: كليات في علم الرجال: 216 و 234.

صفحه 244
ابن أبي عمير
حياته، ومكانته العلمية والاجتماعية
يُعدّ ابن أبي عمير من أجلّ الشخصيات الشيعية في عصره، علماً وفضلاً ونُبلاً وجلالة وورعاً وثباتاً على المبدأ، فقد أثنى عليه الفقهاء والرجاليون من الشيعة الإمامية ثناءً بليغاً، كما ذكره من غيرهم أبو عثمان الجاحظ (المتوفّى255هـ)، ووصفه بأنّه من مشايخ الشِّيَع.
وقبل الشروع في عرض أبرز جوانب حياة هذه الشخصية الفذّة، لابدّ لنا من التعريف به أوّلاً:

اسمه ونسبه:

محمد بن أبي عُمير(واسمه زياد) بن عيسى، أبو أحمد الأزديّ، من موالي المُهلَّب1 بن أبي صُفرة.
كذا صرّح النجاشي والطوسيّ بأنّه أزديّ بالولاء2، ولكنّ البرقيّ وصفه بالأزديّ، ولم يقل إنّه من مواليهم.3

1. المهلّب بن أبي صُفرة الأزدي العَتَكي(7ـ83 هـ):ولي إمارة البصرة لمصعب بن الزبير. وفقئت عينه بسمرقند. ثم ولاّه عبد الملك بن مروان ولاية خراسان، فقدمها سنة (79هـ)، ومات فيها. الأعلام:7/315.
2. انظر: رجال النجاشي:326 برقم 887، وفهرست الطوسي:404 برقم 618.
3. رجال البرقي:294 برقم 57(ط. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1430هـ).

صفحه 245

موطنه:

قال النجاشيّ: إنّه بغداديّ الأصل والمقام.1
وهذا يعني أنّه كان يعيش في عاصمة الدولة الإسلامية، وهي في أزهى عصر من عصور الحضارة(الربع الأخير من القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث)، حيث كانت آنذاك ملتقى العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم. وهذا يؤشّر على وجود نشاط علميّ مبكّر لرجال الشيعة في هذه المدينة2، ساهم، جنباً إلى جنب مع نشاط الآخرين، في ازدهارها علمياً، وفي جعلها مركزاً عالمياً للفكر والعلم والثقافة، على الرغم من الظروف القاسية التي كانت تحيط بالشيعة، وأساليب القمع التي تُمارس ضدهم من قِبَل حكّام الجور وصنائعهم.

كلمات الثناء في حقّه

1. قال علي بن الحسن بن علي بن فضّال(نحو206 ـ بعد 270هـ): كان ابن أبي عمير أفقه من يونس، وأصلح وأفضل.3
وتتّضح أهمية هذا الرأي، إذا عرفنا منزلة قائله، وعرفنا أيضاً منزلة يونس، فابن فضّال كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم4، وقد شهد أبو النضر محمد بن مسعود العيّاشي(المتوفّى حدود 320هـ) بأنّه لم يرَ فيمن لقي بالعراق وخراسان أفقه ولا أفضل منه.5
وأمّا يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208هـ)، فقد كان وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، وكان علي بن موسى الرضا(عليه السلام) يشير إليه في

1. رجال النجاشي:326 برقم 887.
2. سيتضح الأمر أكثر عند الكلام عن المكانة العلمية لابن أبي عمير.
3. رجال الكشّي:492 برقم 483.
4. رجال النجاشي:257برقم 676.
5. انظر: رجال الكشّي: 445برقم 397.

صفحه 246
العلم والفتيا.1
ومما يؤكّد سموّ المقام العلميّ لابن أبي عُمير عند المتقدّمين (وإنْ
نُقل عنهم تقديم يونس عليه في الفقه)، هو أنّ أبا عمرو الكشيّ(المتوفّى
حدود 340هـ) ذكر إجماعهم على تصديق ستة أشخاص من أصحاب الإمامين موسى الكاظم، وعلي الرضا(عليهما السلام)، والإقرار لهم بالفقه والعلم، وعدّ منهم ابن
أبي عمير.2
2. و قال أبو العباس النجاشي(المتوفّى 450هـ): جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين. الجاحظ يحكي عنه في كتبه، وقد ذكره في (المفاخرة بين العدنانية والقحطانية)، وقال في «البيان والتبيين»: حدثني إبراهيم بن داحة عن ابن أبي عمير، وكان وجهاً من وجوه الرافضة.3
يُذكر أن عبارة الجاحظ في المطبوع من «البيان والتبيين» وردت
كالتالي:
قال(بعد ما أورد كلاماً للأئمة: عليّ بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي بن الحسين(عليهم السلام)): وذكر هذه الثلاثة الأخبار، إبراهيم بن داحة عن محمد بن عمير]كذا[، وذكرها صالح بن علي الأفقم عن محمد بن عمير، وهؤلاء جميعاً من مشايخ الشِّيع، وكان ابن عمير أغلاهم.4
3. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي(المتوفّى 460هـ): وكان من أوثق الناس عند الخاصّة والعامّة، وأنسكهم نُسكاً، وأورعهم، وأعبدهم... .5

1. انظر: رجال النجاشي: 446برقم 1208.
2. انظر: رجال الكشّي:466.
3. رجال النجاشي:326برقم 887.
4. البيان والتبيين:1/61.
5. فهرست الطوسي:404برقم 618.

صفحه 247

ثباته على المبدأ، والتزامه بالشريعة

عُرف هارون العبّاسيّ بإيغاله في الاستمتاع بلذائذ دنياه العريضة، وبحبّه الشديد للمُلك، وافتتانه بمغرياته، وحرصه على توريثه لأبنائه، حتى أنّه بايع لابنه محمد(الأمين) بولاية العهد في سنة (175هـ)، وهو ابن خمس سنين!!1
ومن هنا، كان هارون ـ وبدافع هذا الحبّ والحرص، وبهاجس المخاوف من القوى والشخصيات التي تنافسه في الحكم، أو التي تعارضه في سياسته، أو التي لا تمشي في ركابها وتعمل على نشر الوعي في صفوف الجماهير ـ يمارس سياسة القمع والتنكيل، وكبت الحريات، ويستبيح إراقة الدماء، ومصادرة الأموال.
وكانت الشيعة من الزيدية والإمامية في مقدّمة من تعرّض لظلمه واضطهاده، وعلى رأسهم الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام)، الذي قضى مسموماً شهيداً في ظلمات سجن السندي بن شاهك ببغداد، عام (183هـ).
وكانت أجهزة هارون القمعية تلاحق أصحاب الإمام(عليه السلام)، وأتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وتودعهم السجون، وتسفك دماءهم بغير حقّ، ومن هؤلاء الأبطال الذين قاسوا شدائد السجن والتعذيب، وتحمّلوا الأذى في سبيل المبادئ والقيم الإسلامية، صاحبنا ابن أبي عمير.
قال أبو عمرو الكشّي: وجدت بخطّ أبي عبد الله الشاذاني: سمعت أبا محمد الفضل بن شاذان، يقول:
سُعي بمحمد بن أبي عمير إلى السلطان أنّه يعرف أسامي عامّة الشيعة بالعراق، فأمره السلطان أن يسمّيهم فامتنع، فجرّد وعلّق بين القفازين، وضرب مائة سوط.

1. تاريخ الخلفاء، للسيوطي:348، دار الجيل، طبع عام 1408هـ .

صفحه 248
قال الفضل: فسمعت ابن أبي عمير يقول: لما ضرب فبلغ الضرب مائة سوط، أبلغ الضرب الألم إليّ، فكدتُ أن أُسمّي، فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمن، يقول:
يا محمد بن أبي عمير، اذكر موقفك بين يدي الله تعالى، فتقوّيت بقوله، فصبرت ولم أُخبر، والحمد لله. قال الفضل: فأضرّ به في هذا الشأن أكثر من مائة ألف درهم.1
وعن الفضل أيضاً، قال: وسمعته ]أي سمع أباه شاذان[ يقول: ضُرب ابن أبي عمير مائة خشبة وعشرين خشبة بأمر هارون لعنه الله، تولّى ضربه السندي بن شاهك، على التشيّع، وحُبس فأدّى مائة وإحدى وعشرين ألفاً حتى خُلّي عنه. فقلت: وكان متموّلاً؟ قال: نعم، كان رَبَّ خمسمائة ألف درهم.2
وهذا الإيمان العميق، الذي أمدّه بقوة الثبات على الموقف، والصبر على آلام التعذيب، تجسّد أيضاً في التزامه بأحكام الشريعة الغرّاء، والوقوف عند حدودها مهما كانت المصاعب التي تواجهه. وإليك هذه القصة التي تجلّي هذا الأمر:
روى الشيخ الصدوق بسنده عن إبراهيم بن هاشم أنّ محمد بن أبي عمير كان رجلاً بزّازاً، فذهب ماله وافتقر، وكان له على رجل عشرة آلاف درهم، فباع داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم، وحمل المال إلى بابه، فخرج إليه، فقال: ما هذا؟
قال: بعتُ داري التي أسكنها، لأقضي دَيني.
فقال محمد بن أبي عمير: حدّثني ذَريح المحاربي، عن أبي عبد

1. رجال الكشي:493ـ494، الترجمة 483.
2. المصدر نفسه:494.

صفحه 249
الله(عليه السلام):«لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدَّين»، ارفعها فلا حاجة لي فيها، ووالله إنّي محتاج في وقتي هذا إلى درهم، ولا يدخل مُلكي منها درهم!!1

مكانته العلمية والاجتماعية

إنّ الاستناد إلى المقاييس والمعايير التالية، يكشف عن تمتّع ابن أبي عمير بمكانة علمية واجتماعية سامية:
1. كلمات الثناء والتبجيل والتعظيم التي صدرت في حقّه من الأعلام، الذين لا يطلقون القول جزافاً، ولا محاباة.
2. توارد كبار العلماء إلى داره ببغداد، وحضورهم مجلسه.
قال الفضل بن شاذان بن الخليل الأزديّ: أخذ يوماً شيخي بيدي، وذهب بي إلى ابن أبي عمير، فصعدنا في غرفة، وحوله مشايخ يعظّمونه ويبجّلونه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا ابن أبي عمير. قلت: الرجل الصالح العابد؟ قال: نعم.2
وقال الفضل أيضاً: بَيْنا أنا قاعد في قطيعة الربيع] ببغداد[ مع أبي، إذ جاء شيخ حلو الوجه، حسن الشمائل... حضر فسلّم على أبي، فقام إليه فرحّب به وبجّله، فلمّا أن مضى يريد ابن أبي عمير، قلت لشيخي: هذا رجل حسن الشمائل من هذا الشيخ؟ فقال: الحسن بن علي بن فضّال.3
وهذان الخبران يكشفان عمّا بلغه ابن أبي عمير من مكانة علمية مرموقة، وسمعة فائقة، حيث يقصده جلّة العلماء، وفيهم مثل الفقيه الكبير والمحدّث الورع ابن فضّال(المتوفّى 224هـ)، الذي كان يسكن الكوفة. وما وصف ابن

1. من لا يحضره الفقيه:3/190.
2. رجال الكشّي: 494، الترجمة 483.
3. رجال الكشّي: 434، الترجمة 378.

صفحه 250
شاذان له (كما في الخبر الأوّل) بالرجل الصالح العابد، وهو بعدُ لم يعرفه لصغره آنذاك، إلاّ دليلاً على اشتهار اسمه بين الناس، وعلوّ قدره عندهم.
3. مصاحبة المأمون العباسيّ له بعد استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، ذكر ذلك نصر بن الصباح.1
وروي أنّه حبسه المأمون، حتى ولاّه قضاء بعض البلاد.2
ولولا أنّ ابن أبي عمير كان يتمتع بمقام علميّ رفيع، وموقع اجتماعيّ مؤثر، لَما أقدم المأمون على مصاحبته، ولَما أراده على القضاء، وفرض عليه ذلك بالقوة.
4. ويأتي في طليعة المقاييس التي تُقاس بها الدرجة العلمية لأصحاب الأئمة(عليهم السلام) وتلامذة مدرستهم، هو ذلك المقياس الذي تكشف عنه هاتان الروايتان المرويّتان عن الإمام جعفر الصادق، قال(عليه السلام): «اعرفوا منازل الرجال منّا على قَدْر رواياتهم عنا»3، وقال(عليه السلام):«اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنّا لا نعدُّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون مُحَدَّثاً»4. فقيل له: أوَ يكون المؤمن محدَّثاً؟ قال:«يكون مُفهَّماً، والمُفَهَّم: المحدَّث».
فما هي درجة ابن أبي عمير بهذا المقياس؟ إن التعرّف على ذلك يتمّ من خلال الأُمور التالية:

أ. كثرة تآليفه

بلغت تآليفه ـ كما نقل ابن بُطّة عن أحمد بن محمد البرقيّ ـ أربعة

1. رجال الكشّي:493، الترجمة 483.
2. رجال النجاشي:326برقم 887.
3. رجال الكشّي:9، في فضل الرواية والحديث.
4. رجال الكشّي:9، في فضل الرواية والحديث.

صفحه 251
وتسعين كتاباً، في شتّى العلوم والمعارف الإسلامية، ذكر منها أبو العباس النجاشي (19) كتاباً، وهي:
1. المغازي، 2. الكفر والإيمان، 3. البداء، 4. الاحتجاج في الإمامة 5. الحجّ، 6. فضائل الحجّ، 7. المتعة، 8. الاستطاعة، 9. الملاحم، 10. يوم وليلة، 11. الصلاة، 12. مناسك الحجّ، 13. الصيام، 14. اختلاف الحديث، 15. المعارف، 16. التوحيد، 17. النكاح، 18. الطلاق، 19. الرضاع.
ثم قال: فأمّا نوادره، فهي كثيرة، لأنّ الرواة لها كثيرة، فهي تختلف باختلافهم.1
وممّن روى نوادره، وهي في ستة أجزاء، أبو غالب الزراريّ(المتوفّى 368هـ) بسنده عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير.2
وتسأل: أين صارت هذه الكتب؟ وهل وصل إلينا منها شيء؟ ويصدمك الجواب حينما يكون بالنفي، لقد كانت ـ كالكثير من تراث المسلمين الزاخر لا سيّما الشيعة منهم ـ إحدى ضحايا الظلم والطغيان، أو الإهمال وعدم الاهتمام.
قال أبو العباس النجاشي: قيل: إنّ أُخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين، فهلكت الكتب.
وقيل: بل تركتها في غرفة، فسال عليها المطر، فهلكت.3

ب. قوّة حافظته

على الرغم ممّا تعرّض له ابن أبي عمير من ظلم واضطهاد وتعذيب، وما

1. رجال النجاشي:326 برقم 887.
2. رسالة أبي غالب الزراريّ:182 برقم 113.
3. رجال النجاشي:326برقم 887.

صفحه 252
ابتلي به من محنة هلاك كتبه، التي تعتبر من أشدّ المحن التي تصيب العلماء، فإنّ عزيمته لم تضعف، بل حدّث من حفظه، وممّا كان سلَفَ له في أيدي الناس، ومن هنا قيل: إنّ أصحابنا كانوا يسكنون إلى مراسيله.1
وهذا يُعرب عن توقّد ذهنيته، وقوة حافظته، التي أسعفته بعدما قسى عليه القَدَر.

ج . غزارة رواياته عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) مشافهة أو بالواسطة

لقي ابن أبي عمير(المتوفّى217هـ) الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام)، وسمع منه أحاديث، كنّاه في بعضها، فقال: يا أبا أحمد، وروى أيضاً عن الإمام عليّ موسى الرضا(عليه السلام).2
وروى عن الجمّاء الغفير من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) وتلامذة مدرستهم، وممّن أكثر عنهم: معاوية بن عمّار الدُّهني (المتوفّى 175هـ)، وحمّاد بن عثمان الفزاريّ العرزميّ(المتوفّى 190هـ)، وهشام بن سالم الجواليقيّ، وعمر بن أُذَينة العبديّ البصريّ، وجميل بن درّاج النخعيّ، وعبد الرحمن بن الحجّاج البجليّ، وعبد الله بن بكير بن أعين، وعبد الله بن سنان بن طريف.
وقد أورد مؤلف «مشايخ الثقات» أسماء من روى عنهم ابن أبي عمير، فبلغ عددهم (415) شيخاً.3

تحقيق موجز حول مشايخه

إنّ من يتتبّع أسماءهم يجد أنّ جماعة منهم ليسوا من مشايخه، وقد

1. المصدر نفسه. أمّا البحث في كون مراسيله حجّة، أو ليست بحجّة، فموكول إلى الكتب التي تناولت هذا الموضوع.
2. انظر: رجال النجاشي:326 برقم 887 .
3. مشايخ الثقات:125ـ 200، ط 2، المطبعة العلمية في قم، 1409هـ .

صفحه 253
عدّهم مؤلِّف «مشايخ الثقات» فيهم اعتماداً على ورود تلك الأسماء في الكتب الروائية، التي لا يخلو عدد منها من تصحيفات وتحريفات في أسماء الرجال وفي ألفاظ أسانيدها، ومن فقدان واسطة واحدة أو أكثر من أسانيدها.
وإليك أسماء أحد عشر ممّن عدّهم المؤلّف من مشايخ ابن أبي عمير، ولم يكونوا كذلك:
1. محمد بن سنان(المتوفّى 220هـ).
2. نجية بن إسحاق الفزاري.
3. معاوية بن حفص.
4. عبد الرحمن بن أبي نجران1.
5. المعلّى بن خنيس2.
6. جابر]بن يزيد الجعفيّ(المتوفّى 128هـ)[.
ورد حديثه عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) في «الكافي»3، و«الوسائل»4.
قال الشيخ المامقاني: الظاهر أنّها مرسلة.
وردّ عليه المحقّق الشيخ محمد تقي التستري بقوله: ما قاله أخذه من «جامع الرواة» لكن من أين رواية ابن أبي عمير عنه]أي عن جابر الجعفي[؟ فالخبر بلفظ «عن جابر» ولعلّ المراد به: جابر بن أبحر، أو جابر بن إسماعيل، أو جابر بن شمير، أو...، وهم وإن لم يُذكروا في غير أصحاب الصادق(عليه السلام)، وهذا روى عن الباقر(عليه السلام)، إلاّ أنّه لا دليل على عدم روايتهم عن الباقر(عليه السلام)، أو المراد به

1. كان حيّاً سنة (227هـ). انظر: رسالة أبي غالب الزراريّ:153، تحقيق السيد محمد رضا الجلاليّ.
2.انظر: كليات في علم الرجال:227ـ 233، ففيه من الأدلة والقرائن ما يثبت عدم صحة جعل هؤلاء الخمسة من مشايخه.
3. الكافي:3/489، كتاب الصلاة، باب النوادر، ح14.
4. وسائل الشيعة:3/554، باب 68 من أبواب أحكام المساجد، ح2.

صفحه 254
غير الجميع، فكم من الأخبار من لم يُذكر في الرجال.1
أقول: وأنت ترى ما في هذا الردّ من التكلّف، ويُردّ عليه بأنّ متن الحديث، رواه الشيخ الطوسي في أماليه2، وفيه النصّ على أنّه (جابر الجعفي)، ولكن رواه بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن جابر الجعفي، وهذا يعضد القول بسقوط الواسطة في سند حديث ابن أبي عمير(أو بإرساله)، لأنّ الحسن بن محبوب، المعاصر له، والمتوفّى سنة (224هـ) يرويه عن سيف بن عميرة، الذي يروي عنه ابن أبي عمير أيضاً.
7. أبان بن تغلب(المتوفّى 141هـ).
وردت روايتـه عنـه عـن زرارة فـي «الكـافـي»3 وفـي «رجـال الكشّي».4
ولا يمكن لابن أبي عمير أن يروي عن أبان بن تغلب للبُعد بين الطبقتين، وليس له رواية عنه إلاّ في الموضعين المذكورين، ولم يصحّا، فالصواب في رواية الكافي(ومثلها في الوسائل): عن أبان بن عثمان، بدل أبان بن تغلب، وقد رواها الشيخ الطوسي هكذا في «تهذيب الأحكام»5، ويؤيد ذلك كثرة رواية ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان الأحمر.
وأمّا رواية الكشّي، فلابدّ من وقوع سقط في سندها، ويدلّ عليه (بالإضافة إلى البعد بين الطبقتين كما قلنا) أن سند الرواية التي سبقت هذه

1. قاموس الرجال:2/547، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، طبع عام 1410هـ .
2. أمالي الطوسي:145، المجلس الخامس، ح237.
3. الكافي:4/140، كتاب الصيام، باب من وجب عليه صوم شهرين متتابعين، ح9، وعنه في «وسائل الشيعة»:7/278، باب 8 من أبواب بقية الصوم الواجب، ح2.
4. رجال الكشّي:280، الترجمة 156.
5. تهذيب الأحكام:10/216، باب القاتل في الشهر الحرام، ح851.

صفحه 255
الرواية، تضمّن واسطتين بين ابن أبي عمير، وبين أبان بن تغلب1، فكيف يروي عنه هنا بلا واسطة؟
8. بُكير بن أعيَن.
9. عبد الله بن أبي يعفور.
10. أبو عبيدة الحذّاء.
11. الفضيل بن يسار.
وهؤلاء المشايخ الستة (جابر، فمن بعده) قد توفّوا في حياة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)(المتوفّى 148هـ)، فلا تصحّ رواية ابن أبي عمير عنهم، لعدم إدراكه عصر الصادق(عليه السلام).
والعارف بطبقات الرواة، يجد أنّ هؤلاء المشايخ في طبقة متقدّمة على طبقة من ثبت أنّهم من مشايخ ابن أبي عمير الأزديّ، وأنّهم (أي مشايخ ابن أبي عمير) قد ماتوا في حياة الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)(المتوفّى 183هـ) أو بعده، ومنهم على سبيل المثال:
عبد الله بن بكير، وحمّاد بن عثمان (المتوفّى 190هـ)، وجميل بن درّاج، وعبد الرحمن بن الحجّاج البجليّ(المتوفّى بعد 183هـ)، ومعاوية بن عمّار الدهنيّ(المتوفّى 175هـ)، وإبراهيم بن عبد الحميد الأسديّ، وابن أذينة، وهشام بن الحكم(المتوفّى 199هـ)، وعبد الله بن مسكان، وأبان بن عثمان الأحمر، وعبد الله بن سنان بن طريف، وذريح المحاربي، ورفاعة بن موسى الأسديّ، والحسين بن نُعيم الصحّاف، وحفص بن البختري البغداديّ، وسيف بن عميرة النخعيّ، وعاصم بن حُميد الحنّاط (المتوفّى بعد 191هـ)، وعليّ بن أبي حمزة البطائنيّ، وهشام بن سالم الجواليقيّ، وعليّ بن يقطين (المتوفّى 182هـ)،

1. رجال الكشّي:280، الترجمة156(والواسطتان، هما: عليّ بن إسماعيل بن عمّار، وابن مسكان).

صفحه 256
ومعاوية بن وهب البجليّ، ويونس بن يعقوب البجليّ(المتوفّى بعد 183هـ)، وعبد الله بن يحيى الكاهلي(المتوفّى قبل 183هـ)
وثمة نقطة جديرة بالاهتمام تلقي ضوءاً على هذا الأمر، وهي أنّ كبار المحدّثين، كانوا يحرصون على طلب الأسانيد العالية، فمن البعيد أن يروي ابن أبي عمير عن جابر، وأبان بن تغلب، وعبد الله بن أبي يعفور، وغيرهم من رجال هذه الطبقة، ثم يروي عن طبقة متأخّرة عنهم، تضمّ رواة كثيرين، هم من تلامذة تلك الطبقة المتقدّمة؟
ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا العدد الهائل من المشايخ الذين لقيهم ابن أبي عمير وروى عنهم، يُعدُّ من خصائصه التي قلّما تتّفق لغيره، ويدلّ على اهتمامه الواسع بالحديث النبويّ الشريف وروايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ولا يؤثر عليه أبداً عدم اعتبار مجموعة من المحدّثين من مشايخه، وإنّما ذكرنا ذلك استطراداً. أسأل الله تعالى أن يقيّض من الباحثين المحقّقين من يكتب بحثاً مستقلاًّ في هذا الموضوع، يورد فيه ـ على وجه الدقّة ـ مشايخه، ويستبعد من لم تثبت روايته عنهم.
هذا، ولابن أبي عمير روايات جمّة، رواها عنه تلامذته بعناوين مختلفة، منها:
1. ابن أبي عمير.
2. محمد بن أبي عمير.
3. محمد بن زياد.
4. محمد بن زياد الأزديّ.
5. محمد بن زياد البزّاز.
6. محمد بن زياد بن عيسى.

صفحه 257
وقد جمع الشيخ الفاضل مؤلّف هذا الكتاب، ما روي عنه بالعناوين المتعدّدة، فبلغ (4443)رواية.
أمّا رواياته في الكتب الأربعة، فبلغت (بعدِّ المكرّرات منها) أكثر من(5360) مورداً، منها (645)1 مورداً بعنوان (محمد بن أبي عمير)، و(4715) بعنوان (ابن أبي عمير)، ومجموعة من الروايات بعناوين أُخرى.2
وأمّا الأُصول والكتب التي رواها عن تلامذة الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، فهي كثيرة جداً، ذُكر قسم منها في «رجال النجاشي»، وفي فهرست الشيخ الطوسي، الذي قال في ترجمة ابن أبي عمير: روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى، كتب مائة رجل من رجال أبي عبدالله]الصادق[(عليه السلام).3
وناهيك بذلك دليلاً ساطعاً على عنايته الفائقة بالحديث والرواية، وعلى همّته الشّمّاء في تتبّع مصادر علوم أئمة أهل البيت، للانتهال منها، وبثّها بين تلامذته، الذين اجتمعوا حوله، وصاروا فيما بعد من الأعلام، ومنهم:
1. أحمد بن محمد بن عيسى الأشعريّ.
2. أيوب بن نوح بن درّاج.
3. محمد بن عبد الله بن زرارة.
4. إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي.

1. ذكر الشيخ صفاء الدين الخزرجي في مقالته عن (محمد بن أبي عمير الأزدي) هذا العدد من الروايات عنه، وسها عن ذكر ما ورد عنه من روايات بعنوان (ابن أبي عمير) وغيره من العناوين.
مجلة فقه أهل البيت::217، العدد26، السنة السابعة 1423هـ.
2. انظر: معجم رجال الحديث:14/279برقم 10018، 22/101برقم 14997، 16/89برقم 10765و 10766.
3. فهرست الطوسي:404برقم 618. يُشار إلى أنّ الشيخ صفاء الدين الخزرجي استخرج من فهرست الشيخ الطوسي فقط، ما رواه ابن أبي عمير من أصول وكتب مشايخ، فبلغ (78) أصلاً وكتاباً. مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام).

صفحه 258
5. محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمْدانيّ(المتوفّى 262هـ).
6. معاوية بن حُكيم بن معاوية بن عمّار الدُّهنيّ.
7. موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب البجليّ.
8. عبيد الله بن أحمد بن نَهيك النخعيّ.
9. محمد بن خالد البرقي.
10. الفضل بن شاذان الأزديّ(المتوفّى260هـ).
قال الشيخ صفاء الدين الخزرجي: وقد تتلمذ عليه]أي على ابن أبي عمير [نحو خمسين سنة.1
وهذا وَهْم، لعله ناشئ من مروره سريعاً ـ حفظه الله تعالى ـ على رواية الكشّي، التي جاء فيها: سمعت الفضل بن شاذان آخر عهدي به يقول: أنا خلفَ لمن مضى، أدركت محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وغيرهما، وحملت عنهم منذ خمسين سنة.2
رحم الله تعالى ابن أبي عمير، وجعل الجنّة مأواه، بما جاهد وصبر، وبما تعلّم وعلّم، وعَمِل بما تعلّم.
حيدر محمد علي البغدادي الطحّان
(أبو أسد)

1. مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام):212، العدد26.
2. رجال الكشّي: 452، الترجمة 416.
Website Security Test