welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الشیعة و وسائل الإعلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الشیعة و وسائل الإعلام

صفحه 1
    الشيعة ووسائل الإعلام
   
الشيعة
و
وسائل الإعلام

صفحه 2

صفحه 3
الحلقة الأُولى
الشيعة
و
وسائل الإعلام
رسالة تتضمن ما تبثّه وسائل الإعلام من كذب وافتراء حول عقائد الشيعة وأُصولهم
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر ، 1308 ـ
الشيعة ووسائل الاعلام / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394.
184 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 581 - 6
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
چاپ دوم; 1395 .
1. شيعه اماميه ـ ـ دفاعيه ها و رديه ها . 2. شيعه ـ ـ عقائد . الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
9ش 2س/5/ 212 Bp   4172/297
1395
اسم الكتاب:   الشيعة ووسائل الاعلام
المؤلــف:   الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعــة:   الثانية ـ 1438 هـ
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
      تسلسل النشر: 895               تسلسل الطبعة الأُولى: 436
مركز التوزيع
قم، ساحة الشهداء، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تلفن: 37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir
www.tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لا يخفى أنّ لوسائل الإعلام فوائد جمّة من نشر العلم والثقافة والأخلاق والمثل السامية، والدعوة إلى التعايش السلمي والتعاون بين الشعوب والتعاضد على حلّ المشاكل.
ولكن في مقابل ذلك يتّخذ أصحاب الأغراض السقيمة من الإعلام وسيلة لبثّ الفتن، ونشر الأفكار المسمومة في المجتمع، والدعوة إلى الخصام والنزاع. ولاشكّ في أنّ المصلح يتّبع الأمر الأوّل، بينما يتّبع غيره الثاني.
وها نحن نشاهد أنّ أشباه المثقّفين وأنصاف المتعلّمين الّذين ظهروا على الساحة الإسلامية في الآونة الأخيرة يصبّون جهودهم لأجل التفريق وإيجاد الفوضى بين أفراد المجتمع الإسلامي عن هذا الطريق، وكأنّه ليس لهم همّ إلاّ ذلك الأمر البغيض، ومنهم على سبيل المثال الشيخ عثمان الخميس ومَن سلك معه هذا الطريق المظلم من الكتّاب المعاصرين الّذين رفعوا

صفحه 8
راية التفريق حتّى يفكّكوا الأُمة الواحدة إلى أُمة مسلمة وأُخرى كافرة!
ولمّا رأينا أنّ ترك هذه الساحة لهم، يسرحون فيها ويمرحون كما شاءُوا، يُعتبر تقوية لهم، وإخفاء للحقّ، ونشراً للباطل، أطعنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه» ولذلك قمنا بنقد محاضراتهم الّتي تبث عن طريق الفضائيات، ومقالاتهم الّتي يدوّنونها على صفحات الانترنيت نقداً موضوعياً نزيهاً بعيداً كلّ البُعد عن كيل التهم الباطلة والافتراءات الواهية ـ كما هم يفعلون ـ .
وها نحن نقدّم الحلقة الأُولى من هذه الردود وفيها مناقشة لخمس من هذه المحاضرات والمقالات، عسى أن تكون نافعة للمسلمين الواعين، ودامغة للباطل ومظهرة للحقّ والحقيقة.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
4 محرّم الحرام 1436 هـ

صفحه 9
حكم الصلاة في مساجد الشيعة   
1
حكم الصلاة
في
مساجد الشيعة

صفحه 10

صفحه 11
الحمد لله رب العالمين ; والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمد وآله الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وعلى صحبه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان.
أمّا بعد; فإنّ الاجتهاد عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل الحصيف الّذي به عرفنا الله سبحانه .
وليس الاجتهاد مشرعاً لكلّ وارد وشارد، وإنّما يرِده مَن اتّسم بمواهب فكرية وكفاءات علمية في مختلف العلوم والفنون، وقد أنهاها بعضهم إلى ما يتجاوز العشرة، ولأجل صعوبة الارتقاء إلى درجة الاجتهاد نرى أنّ أعاظم الفقهاء يسألون الله أن يرزقهم الاجتهاد قائلين بأنّه أشدّ من طول الجهاد.1
هذا وقد ظهر في عصرنا الحاضر مَن يبرم وينقض، ويجلس في منصة الفتيا، وهو لم يحظ بالمواهب اللازمة لذلك، فصار يخبط خبطاً بعد خبط، ويعثر عثرة بعد عثرة.

1 . هذه العبارة مقتبسة من كلام للإمام علي (عليه السلام)، وهو: «تخليص من الفساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد». لاحظ : الكافي: 8 / 24.

صفحه 12
وسوف تطمئنّ إلى كلامنا هذا إذا قرأت فتوى الشيخ عثمان الخميس حول الصلاة في مساجد الشيعة، وأنّه كيف تجرّأ وأفتى بأنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد إلى غير ذلك من الأحكام المقيتة.
ولأجل إيضاح المقام قمنا بنقد كلامه حسب ما سمح به الوقت، والله الهادي والموفّق.
جعفر السبحاني

صفحه 13

حكم الصلاة في مساجد الشيعة

من خلال برنامج «لقاء الجمعة» الّذي بثّته قناة «البرهان» سُئل الشيخ عثمان الخميس عن الصلاة في مساجد الشيعة؟ فأجاب: لا يجوز للمسلم أن يدخل هذه المساجد ليصلّي فيها ; لأنّها لا تخلو من أُمور تمنع المسلم من الصلاة فيها، وهذه الأُمور كما يلي:
1. إنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.
2. إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد، فيذكر غير الله ويستغاث بغير الله، ويدعون غير الله، ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.
3. أفتى بأنّه لو دخل إنسان وصلّى في هذه المساجد حتّى مع علمه بعدم الجواز فصلاته (صحيحة)، لكن الأمر الأوّل ـ أعني عدم جواز دخول هذه المساجد ـ باق على حاله.
هذا ما ذكره عثمان الخميس في برنامج لقاء الجمعة، وهو مبني على أصل مسلّم عنده، وهو حرمة بناء المساجد على قبور الأولياء، وعلى هذا بنى ما ذكره في الفصول الثلاثة ; ولذا علينا

صفحه 14
دراسة مبنى كلامه، قبل مناقشة فقرات جوابه، ولذلك فقد بسطنا الكلام في تبيين المبنى وما هو الحقّ فيه.
وقبل دراسة الموضوع ـ أي حكم بناء المساجد على القبور ـ نقدّم شيئاً وهو أنّ الشيخ عثمان الخميس قال: (إنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور، أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها)، ونحن نسأله عن مصدر هذا الخبر؟ وهل أنّه شاهد ذلك الأمر في عامّة المساجد للشيعة الّتي تُعدّ بعشرات الآلاف في مختلف البلدان؟! لا أظنّ أنّه قد قام بذلك العمل.
ومع ذلك فكيف أصدر هذا الحكم العام؟!
أقول: كلّ ما ذكره الشيخ في هذا الصدد كذب واضح وافتراء صريح، نابع من أصل مسلّم عند القوم، وهو أنّه لكلّ شيء دليل إلاّ الافتراء على الشيعة، بل لكلّ شيء نهاية إلاّ الكذب على الشيعة، وكأنّه سبحانه فرض عليهم الكذب مكان الصدق، والافتراء مكان طرح الحقيقة!!
ولنفرض جدلاً صحّة قوله، فلندرس حكم هذه المسألة، أعني: بناء المساجد على القبور، على ضوء الكتاب المجيد والسنّة الشريفة.

صفحه 15

حكم بناء المساجد على قبور الأولياء

ما أنكره الشيخ من بناء المسجد على قبور الموتى فقد نطق الذكر الحكيم به وعلى جواز قسم منه، وهو إذا كان الموتى من الأولياء، فلا مانع من بناء المسجد على قبورهم تبرّكاً بهم، قال سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)1.
إنّ التأمّل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا من أنّ بناء المسجد فوق قبور الأولياء كان سنّة متّبعة عند الأُمم والشرائع السابقة، والقرآن الكريم يشير إلى تلك السنّة من دون أي ردّ
ونقد .
إنّ أصحاب الكهف بعد أن انكشف خبرهم اختلف الناس في كيفية تقديرهم واحترامهم وتكريمهم، وانقسموا إلى قسمين:
1. قسم قالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ).
وهذا التعبير أي ( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)يكشف عن أنّ القائل أو القائلين به لم يكونوا من الموحّدين، حيث استصغروا أمرهم بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ربنا أعلم بأحوالهم من خير وشرّ وصلاح وفساد.
2. وقسم آخر كسب الموقف في النهاية، حيث دعا إلى بناء

1 . الكهف: 21.

صفحه 16
مسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة الله بجوار قبور الذين رفضوا عبادة غير الله وخرجوا من ديارهم هاربين من الكفر ولاجئين إلى توحيد الله وطاعته، وقد حكى عنهم الذكر الحكيم بقوله: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)فالضمير في قوله سبحانه: (غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)يرجع إلى أصحاب الكهف، أي وقفوا على مكانتهم وكشفوا الستر عن حقيقة أمرهم، فقالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)، وقد اتّفق أعاظم المفسّرين على أنّ القائلين بذلك هم الموحّدون، قال الطبري: فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء أبائنا، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم، هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد الله فيه .1
وقال الرازي: وقال آخرون: بل الأَولى أن يبنى على باب الكهف مسجد، وهذا القول يدلّ على أنّ أُولئك الأقوام كانوا عارفين بالله، معترفين بالعبادة والصلاة. (2)
وقال الزمخشري: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم(لَنَتَّخِذَنَّ)على باب الكهف(مَسْجِدًا) يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.2

1 . تفسير الطبري:15/149.   2 . تفسير الرازي: 21/105.
2 . تفسير الكشّاف: 2 / 334 .

صفحه 17
وقال النيسابوري: (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)المسلمون وملكهم المسلم; لأنّهم بنوا عليهم مسجداً يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضنّاً بها.1
إلى غير ذلك من الكلمات في تفاسير الأعاظم، والّتي يتراءى منها أنّ بناء المسجد كان على «باب الكهف» أو «عند الكهف»، على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ المقترح هو بناء المسجد على قبورهم.

كيفية الاستدلال

الاستدلال بالآية ليس مبنيّاً على استصحاب حكم شرع من قبلنا، بل مبني على أمر آخر وهو أنّا نرى أنّ القرآن الكريم يذكر اقتراح الطائفتين بلا نقد ولا ردّ، ومن البعيد جدّاً أن يذكر الله تعالى كلاماً للمشركين ويمرّ عليه بلا نقد إجمالي ولا تفصيلي، أو يذكر اقتراحاً للموحّدين وكان أمراً محرّماً في شرعنا من دون إيعاز إلى ردّه.
إنّ هذا تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين،

1 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان (تفسير النيشابوري): 7 / 283، طبعة المكتبة القيّمة، القاهرة .

صفحه 18
ويدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر وتبرّكاً به.
إنّ مَن قرأ القرآن الكريم بتدبّر ووعي يعرف أنّ ما ينقله عن المشركين لو كان أمراً بيّن البطلان ربّما يمرّ عليه من دون ردّ، وأمّا إذا كان غير واضح البطلان فسيكون له موقف آخر منه، مثلاً عندما أحدق الخطر بفرعون وتيقّن أنّه سوف يغرق قال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)1 .
فالقرآن لم يتركه على حاله إذ ربّما يتوهّم الجاهل أنّه ربّما يكفي هذا النوع من الإيمان، فلذلك ردّ عليه بقوله: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)2 .
إنّ الغاية من ذكر قصص السابقين هي اتّخاذ العبر والمواعظ والتدبّر في مضامينها ومعانيها.
إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً قصصياً أو تاريخياً تُسرد فيه حياة الغابرين، وإنّما نزل كدستور حياة للبشر، وكلّ واحد يستنبط من القصص ما ينفعه. فالمتكلّم يستنبط من قصة أصحاب الكهف إمكان المعاد وتجديد الحياة بعد قرون، ولكن الفقيه يستنبط

1 . يونس: 90 .
2 . يونس: 91.

صفحه 19
من هذه القصة أنّه يجوز بناء المساجد على قبور الأولياء للتبرّك بهم.

زلّة لا تستقال

إنّ الشيخ الألباني (عفا الله عنّا وعنه) لمّا وقف على هذا الاستدلال الباهر المتين، حاول أن يناقش في الاستدلال لغاية حفظ موقفه المسبق في المسألة، فقال:
الاستدلال باطل من وجهين:
الأوّل: أنّه لا يصحّ أن يعتبر عدم الردّ عليهم إقراراً لهم إلاّ إذا ثبت أنّهم كانوا مسلمين وصالحين، ومتمسّكين بشريعة نبيّهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنّهم كانوا كذلك، بل يحتمل أنّهم كانوا كفّاراً أو فجّاراً، فعدم الردّ عليهم لا يعدّ إقراراً بل إنكاراً، لأنّ حكاية القول عن الكفّار والفجّار يكفي في ردّه عزوه إليهم، فلا يعتبر السكوت عليه إقراراً.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ في الآية إشارة إلى أنّ القول الأوّل قول غير الموحّدين الّذين لم يكونوا متفاعلين مع أصحاب الكهف، والقول الثاني قول الموحّدين الذين كانت لهم صلة روحية بهم، والشاهد على ذلك أنّ الاقتراح الأوّل ذكر بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 81 ـ 82 .

صفحه 20
بُنْيَانًا)ثم أعقبوا اقتراحهم بقولهم: (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي لا نعرفهم ولا نقول عنهم شيئاً وربّهم أعرف بهم، وهذا كلام مَن لا يعرف أصحاب الكهف وعملهم، أو لا يحبّ أن يوصفوا بشيء من الصلاح والفلاح ولذا يفوّض مصيرهم إلى الله.
وأمّا الاقتراح الثاني فهو نابع عن قلب عارف بأصحاب الكهف، حيث قالوا: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)عرفوهم بجد (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)وهل يمكن أن يكون هذا الاقتراح ياترى يصدر عن الكافر الفاجر؟!
وعلى هذا كيف يقول الشيخ: يحتمل أنّهم كانوا (المقترحون) فجّاراً كفّاراً؟!!
وثانياً: أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على كون الاقتراح من المسلمين والموحّدين، بل مبني ـ كما تقدّم ـ على رؤية قرآنية وهي أنّه لا يذكر شيئاً عن غيره إذا كان أمراً مشتبهاً إلاّ مع نقده وردّه، والمقام من هذا القبيل، فلو كان في هذا الاقتراح رائحة شرك كما يزعمه من يمنع بناء تلك المساجد، لما سكت عنه القرآن الكريم .
الوجه الثاني: قال: إنّ الاستدلال المذكور إنّما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون

صفحه 21
بالقرآن فقط ديناً ولا يقيمون للسنّة النبوية وزناً.1
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ بالآية هو الشيخ أبو الفيض الصدّيق الغماري في كتابه المسمّى: «إحياء المقبور من أدلّة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور» وهو شيخ الحديث في المغرب وله مدارس وتلاميذ وهو محيي السنّة في منطقته، فكيف يتّهمه بأنّه من أهل الأهواء المعرضين عن السنّة المكتفين بالقرآن؟!
ولقائل أن يعكس الأمر ويقابله بأنّ كلام المانعين من اتّخاذ قبور الأولياء مساجد، كلام المعرضين عن القرآن، المكتفين بالسنّة، ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!
والعجب أنّه في بعض كلامه ينسب الاقتراح الأوّل للمؤمنين، ويقول: ولقائل أن يقول: إنّ الطائفة الأُولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتّخاذ المساجد على القبور، فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسدّه وكفّ التعرّض لأصحابه، فلم يقبل الأُمراء منهم وغاضهم ذلك حتّى أقسموا على اتّخاذ المسجد.2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره على خلاف قول المفسّرين الذين وقفت على كلماتهم، وهذا هو الإمام الأثري الشيخ الطبري: ينسب القول الأوّل إلى الكافرين والاقتراح الثاني للمؤمنين، وقد مرّت كلمته وكلمات غيره من غير استقصاء.

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 82 .
2 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 .

صفحه 22

تأويل مردود للألباني

لمّا أذعن الألباني بأنّ ما ذكره من الردود لا يقابل نصّ القرآن الكريم، حاول أن يؤوّل الآية، قال: وإن أبيت إلاّ حسن الظنّ بالطائفة الثانية، فلك أن تقول: إنّ اتّخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتّخاذ المساجد على القبور، المنهي عنه، وإنّما هو اتّخاذ مسجد (عندهم) وقريباً من كهفهم ومثل هذا ليس محذوراً .1
يلاحظ عليه: أنّ الموقف المسبق للشيخ الألباني المقلّد لمنهج ابن تيمية وأشباهه، جرّه إلى تأويل القرآن، فليس في الآية القرآنية لفظة (عند) بل الموجود لفظة (على) حيث قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ): أي على قبورهم وعلى كهفهم، بحيث تكون القبور داخل المسجد لا خارجه.

عود إلى كلام عثمان الخميس

لمّا استشعر عثمان الخميس أنّ نهيه عن إقامة الصلاة في مسجد فيه قبر، لا يجتمع مع الصلاة في مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فالمسلمون عبر قرون يصلّون فيه وفيه قبر النبيّ والشيخين، فحاول الإجابة عن عمل المسلمين بقوله: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان حيّاً لمّا بُني المسجد، ولمّا دفن لم يدفن في المسجد بل في بيته، ولمّا

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 ـ 77 .

صفحه 23
وسّع المسجد صار قبره الشريف داخل المسجد، وهنا يختلف الحكم فالمسجد بُني على تقوى فتصحّ الصلاة فيه بلا إشكال، أمّا أن يبنى مسجد على قبر أو يدفن ميّت داخل مسجد، فإنّه لم يبن على التقوى ولا تجوز الصلاة فيه.
أقول: إنّ كلامه هذا يعبّر عن تصويبه عمل إدخال قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، بالبيان الّذي ذكره، ولكنّه يخالف ما ذكره الشيخ الألباني حيث لم يرض بعمل السلف بإدخال قبر النبيّ في المسجد وقال: وقد وقع مع الأسف الشديد بإدخال القبر في المسجد، إذ لا فارق بين أن يكونوا دفنوه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين مات في المسجد، وحاشاهم عن ذلك، وبين ما فعله الذين بعدهم من إدخال قبره في المسجد بتوسيعه، فالمحذور حاصل على كلّ حال.1

الإهانة لأهل البيت(عليهم السلام) والتابعين

إنّ الشيخ الألباني أنكر عمل التابعين في إدخال قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، وقال: إنّ عمر بن عبدالعزيز لمّا كان نائباً للوليد على المدينة في سنة 91 هـ ، هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 89 .

صفحه 24
حجرات أزواج النبيّ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه ; ثم اعترض عليه بقوله: إنّ إدخال القبر الشريف في المسجد النبوي وضع حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، وأنّ ذلك كان على خلاف غرضهم، فلا يجوز لمسلم أن يحتجّ بما وقع بعد الصحابة .1
أقول: من أين علم أنّه لم يكن حين ذاك أحد من الصحابة في المدينة؟!
أليس هذا رجماً بالغيب؟! فلقد صحب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من مائة ألف صحابي، ولقد سجّل التاريخ أسماء قرابة خمسة عشر ألف غير أنّ تاريخ وفاة أكثرهم غير مسجّلة .
ثم إنّ كلامه هذا مأخوذ من كلام مؤسّس مذهبه ابن تيمية حيث اعتذر بهذا وقال: إنّما أُدخلت الحجرة في المسجد بعد انقراض الصحابة. لاحظ كتابه «الجواب الباهر في زوّار المقابر» فقد طبع في المطبعة السلفية في القاهرة كما يحكيه نفس الألباني.
نفترض أنّه لم يكن في المدينة أحد من الصحابة ولكن كان منهم مَن عاش إلى سنة ثلاث وتسعين، أعني: أنس بن مالك (راوية الحديث النبوي بعد أبي هريرة) فهذا هو الذهبي يقول في ترجمته: وقال عدّة وهو الأصحّ أنّه مات سنة ثلاث وتسعين; قاله:

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 93.

صفحه 25
ابن عدي وسعيد بن عامر والمدائني وأبو النعيم والفلاس والقعنب.1
فلا محال وقف عليه أنس بن مالك، سواء أكان في المدينة أم غيرها، ولكن مع ذلك لم ينبس فيه ببنت شفة، ولم ينقل عنه أنّه اعترض أو أنكر هذا العمل.
وهذا هو أبو الطفيل آخر مَن مات من الصحابة فقد مات كما يقول الذهبي سنة مائة وقيل: مات بعد تلك السنة وأقام بمكة.2
أفيمكن أن لا يطّلع عليه ذلك الصحابي والمدنيون يحجّون كلّ سنة وينقلون أخبارها، ومع ذلك لم ينقل عنه أي إنكار؟!
نفترض أنّه لم يكن يوم أُدخل قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أي صحابي ولكن كان في المدينة فقهاء وأصحاب الفتيا وعلى رأسهم الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)الّذي أطبق المؤرّخون والمحدّثون على علمه وزهده، وقد أخذ عنه جمع غفير من الفقهاء وأصحاب الفتيا، كما أنّه أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين ممّن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.
فقد حدّث عنه: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم

1 . سير أعلام النبلاء: 3 / 406 برقم 62.
2 . سير أعلام النبلاء: 3 / 470 برقم 97 .

صفحه 26
ابن محمد بن أبي بكر، وأبو الزناد، ويحيى بن أُمّ الطويل، وعمر بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعد الأنصاري، وطائفة .
روي عن الزهري، أنّه قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه.1 فلو كان إدخال قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أمراً غير صحيح لما سكت الإمام عنه، ولما سكت عنه ولده الإمام الباقر ومن بعده ولده الصادق(عليهم السلام).
هذا وقد صلّى المسلمون يوم أُدخل القبر في المسجد عبر قرون ولم يُسمع من أي ابن أُنثى أنّه أنكر ذلك العمل، بل المسلمون كلّهم يصلّون في المسجد ويتبرّكون بقبره الشريف إلى أن ولد الدهر ابن تيمية ومن لفّ لفّه فأظهروا نكيرهم لهذا العمل!!
أليس اتّفاق المسلمين أو الفقهاء وأهل الفتيا في قرن واحد على عمل دليلاً على حلّية العمل وجوازه؟ فإنّ الإجماع عند القوم من مصادر التشريع كالكتاب والسنّة، فلماذا لم نجعل هذا الاتّفاق دليلاً على الجواز بل الاستحباب؟!
وهذه هي المدن الإسلاميّة في الشامات كلّها تحتضن قبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)وفيها مساجد جنب القبور، وما هذا إلاّ ليتبرّك المصلّي بقبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)الذين كرّسوا حياتهم في نشر

1 . لاحظ : سير أعلام النبلاء: 4 / 389 ; تاريخ مدينة دمشق: 41 / 371 .

صفحه 27
التوحيد ومكافحة الوثنية، ومن الظلم الواضح عدّ الصلاة عند قبورهم تبرّكاً بهم، شركاً أو ما يفوح منه رائحة الشرك! ومن يوم سيطرت الوهابية على قسم من تلك البلاد أخذوا يفصلون المساجد عن قبورهم ومشاهدهم بشيء من الستر.
ومن عجيب الأمر أنّ القوم حسب ما رووا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ خير أُمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .1 جعلوا هذه القرون الثلاثة من أفضل القرون، وصار المقياس بين تمييز السنّة عن البدعة هو ما ظهر في هذه القرون من أمر جديد وما ظهر بعدها.
فعلى هذا فلماذا نقضوا غزلهم فلقد حدث هذا الأمر في خير القرون بيد التابعين؟! فلماذا صار أمراً غير مرضي يا ترى؟!!
نعم يقع قبر النبيّ يونس (عليه السلام)في الموصل في داخل المسجد وكذلك قبر نبي الله شيث (عليه السلام).

دراسة أدلّة المانعين

تمسّك الوهابيون بمجموعة من الأحاديث على حرمة بناء المسجد عند قبور الصالحين، ونحن ندرس المهم منها، وهي ليس إلاّ حديثين.

1 . فتح الباري: 7 / 3.

صفحه 28

الحديث الأوّل:

روى البخاري: لمّا مات الحسن بن الحسن بن عليّ، ضربت امرأته القُبّة على قبره سنة، ثمّ رفعتْ، فسمِعوا صائحاً يُقول: ألا هل وَجَدوا ما فَقَدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.1
أقول: هذا الحديث الّذي رواه البخاري ـ وهو أصحّ الكتب عند القوم ـ دليل على جواز أمرين تنكرهما الوهابية:
1. نصب المظلّة والقبّة على القبر، لأنّ امرأة الحسن ضربت القبّة على قبر زوجها بمرأى ومسمع من التابعين وبينهم الفقهاء وأصحاب الفتيا وأهل الحديث، ولم يعرف من أحد منهم استنكار ذلك، وهذا أوضح دليل على جواز نصب القبّة على القبور، وكان ذلك في أفضل القرون الّذي هو الفاصل بين البدعة والسنّة، كما يقول القوم.
2. أنّه تجوز الصلاة عند قبور الأولياء وقد ضربت زوجته القبّة لإقامة الصلاة عند قبره وتلاوة القرآن الكريم. والحسن بن الحسن المعروف بالمثنّى، من أسباط النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكفى في فضله أنّه كان وصيّ أبيه وولي صدقة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)في عصره، وقد

1 . صحيح البخاري: 314، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، قبل الرقم 1330، طبعة دار الفكر، بيروت، 1424 هـ ، تخريج وتنسيق: صدقي جميل العطار.

صفحه 29
روى عن أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)وابن عمه عبدالله ابن جعفر بن أبي طالب إلى غير ذلك. وقد هدّده الحجّاج يوم كان أمير المدينة بالقبض عليه لو لم يدخل شخصاً غير صالح في صدقة عليٍّ، فقام في وجهه وقال: لا أُغيّر شرط عليٍّ، ولا أُدخل فيها من لم يُدخل.1
وأمّا قول الراوي: فسمعوا صائحاً يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.
ففيه أوّلاً: أنّه أشبه بقول قائل غير صالح ; لأنّ كلامه هذا نوع من الشماتة لأهل المصيبة فكان عليه أن يعزّيها بشيء لأجل موت زوجها كما هو السنّة، فصار يَشمُت بأهل المصيبة بلغة لاذعة وهي ليست من أخلاق الصالحين. ومثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر.
وثانياً: أنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة حتّى يقال إنّها يئست، بل كان لغايات قدسية أشرنا إليها. فقول ذلك الصائح وجواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ لم يعتمدوا على كتاب الله ولا على سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أبرزوا أحقادهم وضغائنهم يوم ابتليت المرأة الصالحة بموت زوجها .

1 . تهذيب الكمال: 6 / 92 .

صفحه 30

الحديث الثاني:

روى البخاري عن عروة، عن عائشة، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في مرضه الّذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً» قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً.1
إنّ هذا الحديث مهما صحّ سنده لا يمكن قبول ظاهره، بل لابدّ من تبيين المراد منه بشيء وذلك للأسباب التالية :
أوّلاً: أنّ تاريخ اليهود لا يتّفق مع مضمون هذا الحديث، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا الّتي كانوا يصبّونها على أنبيائهم، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)2 .
وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(3).
وقوله سبحانه: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ)(4).

1 . صحيح البخاري:314، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، برقم 1330.
2 . آل عمران: 181 .      3 . آل عمران: 183 .   4 . النساء: 155.

صفحه 31
وثانياً: أنّ هناك قرائن شاهدة على أنّ النصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلة لهم، تصرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، فأين هذا من الصلاة في مسجد النبيّ أو مسجد فيه قبر أحد أولياء الله سبحانه متوجّهاً إلى الكعبة، مصلّياً لله سبحانه تالياً آيات الله، متبرّكاً بالأرض المقدّسة؟!
والّذي يدلّ على ذلك أُمور:
1. ما روي أنّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ».1
2. والهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها أو على قبورهم، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو يكونا كالصنم المنصوب يُعبدان ويُسجد لهما.
ويشهد على ذلك أنّ أحمد بن حنبل في «مسنده» ومالك بن أنس في «الموطأ» رويا تتمة لهذا الحديث وهي:أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ بعد النهي عن اتّخاذ القبور مساجد ـ : «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْري وَثَناً يُعْبَد».2
إنّ هذا يدلّ على أنّ أُولئك كانوا يتّخذون القبر والصورة

1 . صحيح مسلم: 2 / 66، كتاب المساجد ; ولاحظ: سنن النسائي: 2 / 41.
2 . مسند أحمد:3/248; الموطأ: 1 / 172، برقم 85 .

صفحه 32
الّتي عليه قبلة يتوجّهون إليها، بل صنماً يعبد ، من دون اللّه
سبحانه.
2. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)تقول: «لولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مسجداً». أي جعلوا حاجزاً.
ونتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أيّ شيء؟!
من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه وأن يتّخذ وثناً يُعبد، وعلى الأقل لا يكون قبلة يُتوجّه إليها.
أمّا الصلاة بجوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها بشهادة أنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون بجوار قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حين أنّهم كانوا يتوجّهون إلى الكعبة ويعبدون اللّه تعالى، فوجود الحاجز لم يمنعهم من هذا كلّه.
وحصيلة الكلام : إنّ تتمة الحديث الثاني ـ الّتي هي من كلام عائشة ـ تُوضّح معنى الحديث، لأنّها تذكر السبب الّذي منع من إبراز قبر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه للحيلولة دون اتّخاذه مسجداً، ومرادها من اتّخاذ مدفنه مسجداً أي قبلة يُصلّى إليه كما سيأتي التصريح من شرّاح الحديث، ولهذا أُقيم الجدار الحاجز حول القبر الشريف.

صفحه 33
فالحاجز يمنع من شيئين:
1. من أن يتحوّل القبر إلى وثن يقف الناس بين يديه يعبدونه، فمع وجود الحاجز لا يمكن رؤية القبر فلا يمكن اتّخاذه وثناً للعبادة.
2. من أن يُتَّخذ قبلة، ذلك لأنّ اتّخاذه قبلة فرع رؤيته.
وأمّا الصلاة في المسجد الّذي دفن فيه فلم يمنع عنه بالبداهة، وهذا دليل على أنّ قلق الرسول ـ على فرض صحّة الحديث ـ من مدفنه، اتّخاذ قبره صنماً يُعبد أو يسجد عليه .
فإن قال قائل: إنّ اتخاذ القبر قبلة لا يتوقّف على الرؤية بشهادة أنّ الكعبة قبلة للمسلمين في حين أنّ أكثر المسلمين لا يرونها وقت العبادة.
فالجواب: لا تصحّ المقارنة والمقايسة بين الكعبة والقبر، لأنّ الكعبة قبلة عامّة لجميع المسلمين في كافّة أرجاء الكرة الأرضية، وليست قبلة للعبادة فقط، بل للعبادة وغيرها كالذبيحة والدفن وما شابه، فهي قبلة في جميع الأحوال، ولا علاقة للرؤية فيها بأيّ وجه.
أمّا اتّخاذ قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلة، فإنّما يمكن للّذين يتواجدون في مسجده ويقيمون الصلاة عنده، فإبراز القبر الشريف يمهّد لهذا الاحتمال ـ على رأي عائشة طبعاً ـ بينما يكون الستر مانعاً عن ذلك.

صفحه 34
وثالثاً: من القرائن الدالّة على أنّ نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما هو عن عبادة القبور، هو أنّ الكثير من شارحي صحيح البخاري ومسلم فسّروا الحديث بمثل ما فسّرناه، وفهموا منه مثل ما فهمناه... فمثلاً:
يقول القسطلاني ـ في كتاب إرشاد الساري ـ :
إنّما صوّر أوائلهم الصُّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا اللّه عند قبورهم، ثمّ خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويُعظّمونها، فحذَّر النبيّ عن مثل ذلك.
إلى أن يقول:
قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.1
وليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:

1 . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:2/437، باب بناء المساجد على القبور. وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري:3/208 حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.

صفحه 35
«اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة يُصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يُصلّون فيها. ولعلّوجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.1
ويقول أيضاً:
يُحذّر (النبيّ) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.2
ويقول النووي ـ في شرح صحيح مسلم ـ :
قال العلماء: إنّما نهى النبيّ عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخاليـة، ولمّا احتاجت الصحـابـة والتابعون إلـى الـزيادة فـي مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبيه، بَنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّـي إليه العوام...

1 . سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي: 4 / 96، طبع دار احياء التراث العربي بيروت.
2 . نفس المصدر السابق.

صفحه 36
ولهذا قالت «عائشة» في الحديث: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.1
أقول: مع هذه القرائن ومع ما فهمه شُرّاح الحديث لابدّ من القول به، ولا يمكن استنتاج غير ذلك أو الإفتاء بغيره.

وجود المساجد في المشاهد المشرّفة لا صلة له بهذه الأحاديث

إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المسجد ـ في كلّ المشاهد ـ ما عدا مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما هو بجوارها لا عليها، بشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.
وبعبارة أُخرى: هناك حرم وهناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة والتوسّل إلى اللّه تعالى بذلك الوليّ الصالح، والمسجد ـ بجواره ـ للصلاة والعبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ خارجة عن مفاد الحديث ومعناه ـ على فرض أن يكون مفاده ما يدّعيه الوهّابيّون ـ .
وبذلك يظهر مفاد الأحاديث الّتي جمعها الشيخ الألباني في صدر كتابه «تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد»، الّذي بلغ عددها أربعة عشر حديثاً، فالجلّ ـ لولم نقل الكلّ ـ ناظر إلى عمل

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ 14.

صفحه 37
النصارى من اتّخاذ القبور قبلة أو السجود عليها، وأمّا مجرد الإتيان بالصلاة تبرّكاً بالموضع الّذي فيه قبر نبيّ التوحيد (صلى الله عليه وآله وسلم)فخارج عن مفاد هذه الروايات.
إلى هنا تمّ ما أردناه من تبيين حكم بناء المساجد على قبور الأولياء، الّذي هو الأساس لنقد كلام عثمان الخميس.

مقاطع ثلاثة في كلام عثمان الخميس

إذا تبيّن ذلك فلنرجع إلى مقاطع ثلاثة في كلامه.

مناقشة المقطع الأوّل

منع عثمان الخميس من الصلاة في مساجد الشيعة لأمرين:
1. لأنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.
ولنا مع الشيخ في كلامه هذا بعض الأسئلة:
أوّلاً: أنّ الشيخ أفتى في كلامه بأنّه لا يجوز للمسلم أن يدخل مساجد الشيعة ويصلّي فيها لأنّها تشتمل على القبور .
نسأله أنّ الإفتاء بالقضية الكلّية رهن مشاهدة الشيخ أكثر مساجد الشيعة المنتشرة في العالم أو كلّها، حتّى يستطيع الحكم بالقضية الكلّية. أفهل قام الشيخ بهذا العمل، وشاهد المساجد

صفحه 38
الشيعية كلّها بعينه حتّى يحكم بهذا الحكم؟!
إنّ للشيعة مساجد تعدّ بعشرات الآلاف في إيران والعراق ولبنان وباكستان والهند وأفغانستان وغيرها من البلاد الإسلاميّة والغربية، فلا يصحّ للشيخ أن يفتي بقضية كلّية دون أن يشاهد هذه المساجد ويرى بأُمّ عينه دفن الموتى فيها .
وقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سُئل عن الشهادة؟ فقال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع» .1 ولا أظنّ أنّ الشيخ ولا أترابه الذين يجترّون ما ذكره ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب قاموا بهذا العمل ولو بنسبة ضئيلة. وقد مرّ التذكير بذلك في صدر المقال .
ثانياً: كيف يتّهم الشيعة بأنّهم يدفنون الموتى في مساجدهم مع أنّ فقهاء الشيعة صرّحوا في الكتب الفقهية بتحريم ذلك، هذا هو السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى» عقد فصلاً في بعض أحكام المسجد وقال: لا يجوز دفن الميّت في المسجد2، لمنافاة الدفن جهة الوقف، فمن خصّ أرضاً بالمسجد فقد فكّ ملكه عن نفسه وجعله لله سبحانه، ومع ذلك كيف يتصرّف في ملك الله، فهل قرأ الشيخ صفحة من فقه الشيعة، وصدر في هذه الفتيا عن

1 . كنز العمال: 7 / 23 برقم 17782 .
2 . العروة الوثقى: 2 / 407، فصل في بعض أحكام المسجد.

صفحه 39
علم وبصيرة؟! نعم الحرام دفن الموتى بعد بناء المساجد، وأمّا بناء المساجد على قبورهم لا صلة له بما ذكرنا من الحرمة. وبذلك يظهر أنّ الصلاة في حرم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الّتي تضمّنت أجسادهم الطاهرة، لا صلة له بمسألة دفن الموتى في المساجد، بل بنيت مشاهدهم بعد دفنهم، كما أنّ هذه المشاهد لا تُعدّ مساجد عند الشيعة.
نعم ربّما يوجد في بعض الأمكنة بصورة نادرة أنّ الواقف يجعل لنفسه غرفة خاصّة خارج المسجد متّصلة به ليدفن فيها، لأجل أن يستغفر له المصلّون ويقرأوا الفاتحة ويُهدوا ثوابها إليه ، ولا يوجد مثل هذا أيضاً إلاّ نادراً.
ثالثاً: أنّ المانع عند أُستاذه هو القبر الظاهر وأمّا القبر غير الظاهر فيجوز فيها الصلاة، هذا هو الألباني يقول: إنّ العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة وأمّا ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط بها حكم شرعي من حيث الظاهر بل الشريعة تتنزّه عن مثل هذا الحكم لأنّا نعلم بالضرورة والمشاهدة أنّ الأرض كلّها مقبرة الأحياء، كما قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)1.(2) فالقبور في مساجد الشيعة على فرض غير صحيح ليست ظاهرة، فكيف يفتي بعدم جواز الصلاة فيها؟!

1 . المرسلات: 25 ـ 26 .   2 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 113 .

صفحه 40

مناقشة المقطع الثاني

أمّا السبب الثاني للمنع فيوضّحه بقوله: إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد .
1. فيذكر غير الله .
2. ويستغاث بغير الله.
3. ويدعون غير الله .
4. ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.
فقد ذكر في كلامه هذا أُموراً أربعة:
الأوّل: يذكر غير الله
فنسأله: هل ذكر غير الله في المسجد عبادة للغير؟! ولو صار ذلك ملاكاً للتوحيد والشرك فلا يوجد على أديم الأرض أيُّ موحّد، فالخطباء يذكرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورواة الحديث وأسماء العلماء وغير ذلك، وربّما يذكر الواعظ أسماء الصالحين والطالحين وقصصهم وأحوالهم.
الثاني: ويستغاث بغير الله
وهذا هو المهم في كلام الشيخ، فنقول: هل الاستغاثة بغير الله أمر حرام، فهذا القرآن يذكر قصة الرجل الّذي استغاث بموسى (عليه السلام)وهو من شيعته لينصره على عدوه القبطي، واستجاب له موسى (عليه السلام)

صفحه 41
كما في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)1.
فلو كانت الاستغاثة أمراً شركياً فلماذا استجاب له موسى (عليه السلام)ولم يستنكر عليه، ولعلّ عثمان الخميس كأسياده يجيبون عن ذلك، بأنّه من قبيل استغاثة الحي بالحي، وكلامنا هو في استغاثة الحي بالميّت، ولكن المجيب لم يعرف أنّ الحياة والموت ليسا ملاكين للتوحيد والشرك، بل ملاكين للجدوى وعدمها، فله أن يمنع الاستغاثة بالميّت لعدم الجدوى لا للشرك. ولكنّه يصرّ على أنّ الاستغاثة بالميّت شرك، أفهل يمكن أن يكون عمل واحد توحيداً في حالة وشركاً في حالة أُخرى؟!
وأمّا كون الاستغاثة بالميّت مجدية أو لا؟ فهي خارجة عن مصبّ كلامنا.
الثالث: ويدعون غير الله
فنسأله: ماذا يريد من دعاء الغير؟ هل يريد الدعاء بالمعنى اللغوي، أي دعاء شخص شخصاً، لا أظنّ أنّ أحداً يحرّمه، فهذا هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا في غزوة أُحد أصحابه الذين تركوا ساحة

1 . القصص: 15 .

صفحه 42
الحرب وولّوا هاربين، قال تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)1.
وإن أراد عبادة الغير فهو بهتان عظيم، فإنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام مَن هو خالق أو مدبّر الأُمور وبيده مصائر العباد، والشيعة جمعاء ـ وفاقاً لعامّة المسلمين ـ يعتقدون بالتوحيد في الخالقية والربوبية، وأنّ الأُمور كلّها بيد الله سبحانه، ولا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً إلاّ الدعاء لنفسه أو لغيره بإذن من الله سبحانه.
وإن أراد من دعاء الغير طلب الدعاء والشفاعة فهذا أمر اتّفق على جوازه المسلمون إلاّ شذّاذ الآفاق.
هذا هو الترمذي يروي عن أنس أنّه قال: سألت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل»، قلت: فأين أطلبك، قال: «على الصراط» 2.
وهذا هو سواد بن قارب وفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب منه الشفاعة ضمن قصيدة، منها:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب3

1 . آل عمران: 153.
2 . سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.
3 . الدرر السنية لزيني دحلان: 29.

صفحه 43
ولا يختصّ طلب الشفاعة من الحي بل يشمل طلب الشفاعة من الميّت، فهذا هو ابن عباس يقول: لمّا فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام)من تغسيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ ـ إلى أن قال: ـ اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!...»1.
ويروى أيضاً أنّه لمّا توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كشف أبو بكر عن وجهه ثمّ أقبل عليه فقبّله ثم قال: «بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً»2.
إنّ هاتين الروايتين ـ وأمثالهما ـ تدلاّن على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته وبعد وفاته، وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته، فإنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صحيحاً أيضاً.
ولا يُوجَد في مساجد الشيعة شيء ممّا ذكره الشيخ إلاّ طلب الشفاعة، أي طلب الدعاء من النبيّ وآله، وقد دلّت الآيات والروايات على حياتهم ووجود الصلة بيننا وبينهم، فلنفترض ـ فرضاً باطلاً ـ أنّهم غير أحياء وأنّهم لا يسمعون كلامنا، فغاية ما

1 . نهج البلاغة: قصار الكلم برقم 235.
2 . السيرة النبوية: 2 / 655 ـ 656.

صفحه 44
يمكن أن يقول به الرجل هو عدم الجدوى في طلب الدعاء من العبد الّذي لا يسمع، فلا يكون ذلك دليلاً على الشرك.

الرابع: يسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء

إنّ الشيعة تقتفي إثر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في تكريم الصحابة، فهذا إمام المتقين وقدوة الموحّدين عليُّ أمير المؤمنين (عليه السلام)وها نحن ننقل شيئاً من كلامه حول الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!». (قال: ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء، ثم قال(عليه السلام)):
«أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ».1
وهذا هو الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام)يدعو لصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقول: «اللّهم وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته ـ إلى أن

1 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .

صفحه 45
يقول: ـ فلا تنس لهم اللّهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم
من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عنك ، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم»، ثم يقول: «اللّهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ربنا أغفر لنا»1.
هذا هو منطق أئمة الشيعة والمسلمين، والمسلمون كلّهم سائرون عليه، والعجب أنّه يتّهم الشيعة بسبّ الصحابة في عامّة مساجدهم ولذلك منع من الدخول إليها، ومع ذلك كلّه نرى في أصحّ كتبهم وهو صحيح البخاري سبّ بعض الصحابة البعض الآخر في مجلس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضوره، وإن كنت في ريبّ فلنتلوا عليك رواية واحدة نقلها البخاري في صحيحه باختصار:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قصة الإفك: «مَن يعذرني من رجل ]المراد به عبدالله بن سلول[ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي، إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي».
فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت ]عائشة[: فقام سعد بن عبادة

1 . الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 4، الصلاة على مصدّقي الرسل.

صفحه 46
وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنّك منافق، تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأَوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يُخفّضهم حتّى سكتوا وسكت.1

النقد والتقييم غير السبّ

إنّ النقد القائم على أُسس صحيحة وموازين سليمة هو قبلة طالبي الحقيقة، والساعين إلى الفضيلة.
وأمّا السبّ والشتم فهو وليد العصبية ونتاج الغيظ والحقد والهوى، وبتعبير آخر: السبّ هو النيل من كرامة الشخص بكلمات مبتذلة، ولسان بذيء لغاية التشفّي وهدم الكرامة.
وأمّا النقد: فهو دراسة حياة الشخص من منظار موضوعي وبيان ما له من الفضيلة والكرامة، أو ما اقترف من المآثم والخطايا، فيُمدح على الأوّل ويذمّ على الثاني.
فالذي في كتب الشيعة عند المرور بآيات الذكر الحكيم هو

1 . صحيح البخاري:1192، كتاب تفسير القرآن (سورة النور)، برقم 4750.

صفحه 47
النقد والتقييم لا السبّ.
ولو كان هذا سبّاً فكتب القوم هي التي فتحت هذا الباب على مصراعيه بوجه المسلمين، وهذا هو البخاري، ومسلم رووا في صحاحهم روايات كثيرة في ارتداد الصحابة بعد النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن ننقل منها رواية واحدة:
روى أبو هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال: من أُمّتي ـ فيحلّؤون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى».1

مناقشة المقطع الثالث

مع أنّ المفتي أفتى بحرمة الصلاة في مساجد الشيعة، إلاّ أنّه أفتى أخيراً بأنّ الإنسان لو دخل وصلّى في هذه المساجد ـ حتّى مع علمه بعدم الجواز ـ فصلاته صحيحة.
أقول: كيف يفتي بصحّة الصلاة، مع أنّ المصلّي فيها ـ حسب روايتهم ـ ملعون بعمله هذا، فكيف تنسجم حرمة العمل مع صحّته، وكيف ينسجم كون المصلّي ملعوناً مع كون صلاته مقبولة؟!

1 . صحيح البخاري:1655، كتاب الرقاق، باب في الحوض، برقم 6576، ولاحظ بقية الأحاديث بالأرقام:6582، 6583، 6584، 6585، 6586، 6587.

صفحه 48
وكيف يتمشّى قصد التقرّب وامتثال الأمر مع كونه مطروداً من رحمة الله؟!
ولعمر الحق فما أرخص هذا الاجتهاد الّذي لا يحتاج إلى إتقان المبادئ والمقدّمات اللازمة.
فكأنّ الإفتاء عند القوم لا يحتاج إلى مبادئ ومقدّمات تؤهّل المفتي لاستنباط الحكم الشرعي من كتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيفتي بلا دليل على حرمة الدخول، ثم ينقض ما أبرمه، بلا دليل ولا برهان.
هذا ما سمح به الوقت في دراسة هذه الفتوى ونقدها نقداً علمياً، وقد ظهر لنا ضعفها وأنّها على شفا جرف هار.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني

صفحه 49
 
2
نقد نظرية عثمان الخميس
في
الاستغاثة والتوسّل

صفحه 50

صفحه 51
نقد نظرية عثمان الخميس في الاستغاثة والتوسّل   
إنّ للإيمان والكفر معايير واضحة في الكتاب والسنّة، ولم تفوَّض تلك المعايير إلى أحد حتى يكفّر مَن شاء ويعدّ مَن شاء مؤمناً، وإنّما يُتّبع في وصف الرجل بالإيمان أو الكفر تلك المعايير التي وردت في المصدرين الرئيسيّين، وحفلت بذكرها كتب علماء الفقه والتفسير والكلام، وممّا يؤسف له أنّ أدعياء العلم والاجتهاد يكفّرون أُمّة كبيرة من المسلمين بلا دليل وبرهان.
إنّ التكفير اتّباعاً للهوى، يُفضي إلى تمزيق الأُمّة الإسلامية، وإضعاف المسلمين، وإلى نشر الفوضى وانعدام الأمن الذي هو من أهمّ الحاجات الفطرية.
ولا ريب في أنّ ظاهرة التكفير إنّما تنمو في بيئة الجهل وسوء الفهم لأحكام الشريعة المقدّسة، وهي من أخطر الأُمور على الإسلام وأشدّها سوءاً في طريق تشويه صورته ظلماً وعدواناً.
وممّن رفع رايتها في الوقت الحاضر الشيخ عثمان الخميس ـ عفا الله عنّا وعنه ـ فقد ترى أنّه يكفّر مَن استغاث بالحيّ في أمر لا يقدر عليه إلاّ الله، وحكم بأنّ ذلك كفر وشرك بالله جلّ وعلا.
ولقائل أن يسأل الشيخ:إنّ المستغاث به إذا لم يقدر عليه إلاّ الله فكيف يطلبه الإنسان العاقل من غير الله سبحانه؟! مع علمه بالموضوع، ومع جهله به يكون معذوراً.

صفحه 52
وبما أنّ الشيخ لم يفرّق بين القدرة الاستقلالية والقدرة الاكتسابية، حكم على القسمين بحكم واحد!!
ولأجل إيضاح الموضوع كمقدّمة ـ وقبل أن يأتي تفصيله في ثنايا الجواب ـ نقول: مثلاً لا شكّ في أنّ الإحياء والإماتة فعلان من أفعال الله سبحانه ولا يقوم بهما أحد غيره، وقد دلّت الآيات الكثيرة على اختصاص الله عزّ وجلّ بهما، يقول سبحانه:(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)1.
ويقول سبحانه: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات التي تحصر الإحياء والإماتة بالله سبحانه.
هذا وفي الوقت نفسه نرى أنّ المسيح(عليه السلام) يُخبر عن إحيائه الموتى ويقول:(وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ)(3)، حتى أنّه سبحانه يخاطبه(عليه السلام) بأنّه يحيي الموتى ويقول: (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(4).
ومن كان له أدنى إلمام بتفسير القرآن الكريم يقف على أنّه لا تعارض بين الصنفين من الآيات، فإنّ الصّنف الأوّل ناظر إلى القدرة المطلقة غير المكتسبة على إحياء الموتى وكلّ ما لا يقدر عليه غيره، وهذا منحصر بالله سبحانه، فمن وصف غيره بتلك

1 . يس:12.         2 . الحديد:2.      3 . آل عمران:49.   4 . المائدة:110.

صفحه 53
القدرة وزعم أنّه بنفسه وبلا قدرة مكتسبة يحيي ويميت فقد كفر، بل لو ادّعى ذلك حتى في الأفعال العادية التي يقوم بها غيره سبحانه من القيام والقعود فزعم أنّه بنفسه بقدرة مستقلة غير مكتسبة من الله، يقوم ويقعد، فقد كفر، إذ عندئذ يصير إِلهاً ثانياً.
وأمّا الصنف الثاني فهو ناظر إلى مَن يقوم بالمعاجز والكرامات التي ليست في متناول أغلب الناس ولكن بإذن الله سبحانه وقدرة مكتسبة منه، وهذا هو نفس التوحيد، وبما أنّ الشيخ لم يذكر للإيمان والكفر معياراً، زعم «أنّ مَن توسّل بالميّت في أمر لا يقدر عليه إلاّ الله فقد كفر» مع أنّ العاقل لا يتوسّل بشخص في مورد يعلم أنّ القيام به منحصر بالله، وإنّما يتوسّل به بتصور أنّه سبحانه أقدره على ذلك ومنحه القدرة عليه، ثم إنّه ـ عند ذلك ـ ربّما يكون مصيباً وربّما يكون مخطئاً، والخطأ في الموضوعات لا يقتضي الكفر، يقول سبحانه:(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيماً)1.
وقس على هذا سائر الموضوعات، وفرّق بين القدرة المطلقة والقدرة المكتسبة، فمَن يطلب شيئاً من الكرامات وخوارق العادات، إنّما يطلبها من الأولياء بتصوّر أنّه سبحانه منحهم تلك المقدرة، فيطلب عندئذ ما بطبعه وبنفسه لا يقدر عليه إلاّ الله.
وهذا هو ابن تيمية ـ إمام الشيخ ومرجعه في الأُصول

1 . الأحزاب:5.

صفحه 54
والفروع ـ يقول: لم يكن لأهل السنّة أن يكفّروا كلّ مَن قال قولاً أخطأ فيه فإنّ الله سبحانه قال: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).1
ونحن لسنا بحاجة إلى فتوى هذا وذاك، فالكتاب العزيز والسنّة النبوية وإجماع المسلمين أكبر دليل على تمييز المؤمن عن الكافر.
وفي نهاية المطاف نلفت نظر الشيخ إلى خطورة الموقف بما ذكره الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي حيث قال: إنّا وجدنا الدماء أعظم ما يُعصى الله تعالى بها بعد الشرك.(2) ومعنى ذلك أنّ التكفير إذا وقع في غير موقعه فهو أعظم معصية بعد الشرك بالله سبحانه، ونوصيه بألاّ يطلق لسانه بلا تدبّر في الكتاب والسنّة وما أجمع عليه المسلمون، في تكفير سائر المسلمين سوى الوهابية، وألاّ يقوم بعمل يورث تشويه صورة الإسلام لدى غير المسلمين، الأمر الذي يحول دون انتشاره في أقطار الأرض، بل ينبغي أن يكون شعاره قول القائل:
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى أتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا2
***

1 . مجموع الفتاوى لابن تيمية:7/684.   2 . الأُم:6/205.
2 . للأديب الشاعر الكاتب محمد عبد الغني حسن المصريّ(المتوفّى 1405هـ).

صفحه 55
بثّت قناة «وصال» الفضائية، برنامجاً للشيخ عثمان الخميس سُئل فيه عن الفرق بين الاستغاثة والتوسّل؟ فقال في جوابه ـ بعد تفسير الاستغاثة بالدعاء ـ إنّه جائز إذا كان الغير قادراً على إنجاز دعاء المستغيث كما في قوله سبحانه:(فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ)1، وأمّا إذا لم يكن قادراً فذكر صوراً:
1. أن يستغيث بشخص في أمر لا يقدر عليه إلاّ الله عزّ وجلّ، فهذا شرك وكفر بالله جلّ وعلا.
2. أن يستغيث بالغائب كأنّه يقول: هذا الذي لا تخفى عليه خافية.
3. أن يستغيث بميّت كأنّه يقول: هذا هو الحي الذي لا يموت. وعندما يستغيث لشيء لا يقدر عليه إلاّ الله فكأنّه يقول: هذا الذي على كلّ شيء قدير.
فلندرس ما ذكره واحداً بعد الآخر.
***

1. الاستغاثة بالحيّ

قسّم الشيخ الاستغاثة بالحيّ إلى قسمين:
أ. ما إذا كان الحيّ قادراً على إنجاز أمر، فحكم بجوازه

1 . القصص:15.

صفحه 56
مستشهداً بالآية، ولا كلام لنا فيه.
ب. ما إذا استغاث بالحيّ في أمر لا يقدر عليه إلاّ الله، فحكم بأنّه شرك وكفر بالله جلّ وعلا.
أقول: إنّ المستغيث في أمر لا يقدر عليه إلاّ الله عزّ وجلّ، لكنّه زعم أنّ ذلك الوليّ قادر عليه بقدرة من الله سبحانه وإقدار منه، هل يكون ذلك كفراً وشركاً بالله؟
فالجواب لا، لوجهين:

أوّلاً:

إنّ النبيّ سليمان بن داود (عليهما السلام)طلب من الملأ الّذين حوله إحضار عرش بلقيس، كما في قوله تعالى:(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ...)1فنسأل الشيخ: إنّ إحضار عرش بلقيس بالوجهين المذكورين في الآية خارج عن القدرة البشرية، فكيف طلب النبيّ سليمان ذلك الأمر الذي لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه؟!
فإن قال الشيخ: إنّ النبيّ سليمان (عليه السلام)كان عالماً بأنّ الله سبحانه منحهم تلك المقدرة فلذلك طلبه منهم.

1 . النمل:38 ـ 40.

صفحه 57
قلنا: فليكن المورد مثل ذلك وهو أن يكون المستغيث قاطعاً بأنّ المستغاث به ممّا أقدره الله سبحانه على إنجاز ما طلب منه فيكون مثل طلب سليمان إلاّ أنّه يفارقه في أنّ سليمان كان مصيباً في اعتقاده، ولكن هذا المستغيث كان خاطئاً، وإلاّ فماهية الطلبين أمر واحد، فكيف يكون أحد الأمرين نفس التوحيد والآخر عين الشرك؟
اتّففت الأُمّة الإسلامية على أنّ الإعجاز دليل قطعي على صدق مدّعي النبوة، فلا شكّ أنّ الناس كانوا يطلبون من مدّعي النبوة ما لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه، فهل كان طلبهم ـ لغاية التحقيق ـ موجباً للكفر؟
لا شكّ أنّ الأنبياء بإقدار من الله سبحانه يقومون بأُمور لا يقوم بها إلاّ الله سبحانه كقلب العصا إلى حيّة، وشقّ البحر إلى قسمين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، حتى أنّ المسيح (عليه السلام)كان ينادي بذلك ويقول:(قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ).1
فلو افترضنا أنّ رجلاً من بني إسرائيل صار بصدد التحقيق وطلب من المسيح (عليه السلام)أحد هذه الأُمور، فهل يلام على عمله هذا،

1 . آل عمران:49.

صفحه 58
أو يمدح لكونه مرتاداً للحقيقة ومتحريّاً لها؟!

وثانياً:

إنّ المستغيث بشخص في فعل لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه لو علم بذلك لما استغاث به أبداً، وإنّما يستغيث بزعم أنّه سبحانه أقدره على ذلك، وأنعم عليه بتلك الكرامة، وعند ذلك يستغيث به لكنّه أخطأ في مورد الاستغاثة، فهل يوصف فعله هذا بالكفر، مع أنّه في صميم ذاته يعلم أنّ الأفعال على قسمين:
1. ما لا يقدر عليه إلاّ الله.
2. ما يقدر عليه غيره، بإقدار من الله.
وهو يعتقد بأنّ المورد ممّا أقدر الله عليه الوليّ المستغاث به، كبرء المريض وإحياء الميّت، وعندئذ يطلب من الولي الحيّ ذلك العمل، وهو خاطئ في مورد السؤال، لكنّه مصيب إجمالاً في أنّ ما لا يقدر عليه إلاّ الله لا يطلب من غيره.
***

2. الاستغاثة بالغائب

قال الشيخ: إذا استغاث الإنسان بشخص غائب فكأنّه يقول: هذا هو الذي لا تخفى عليه خافية.
أقول: كيف قال الشيخ بأنّ الاستغاثة بالغائب في مورد خاص

صفحه 59
يلازم الاعتقاد بأنّ الغائب لا تخفى عليه خافية، هل لديه دليل على تلك الملازمة من شرع أو عقل؟ فإنّ معنى مَن لا تخفى عليه خافية أنّه عالم بجميع المغيّبات والمشهودات في الأرض والسماوات وفي المجرّات وما تحت الثرى وفوق السماء.
وأمّا مَن استغاث بغائب حيّ فإنّما يعتقد سماع الغائب كلامه هذا في مورد خاص، فإن صحّ فهو، وإن كان خاطئاً فيحكم عليه بالخطأ.
وأمّا كونه يلازم كون المستغاث به لا تخفى عليه خافية، فدونك وجدانك، هل هو كذلك؟
ثمّ إنّ مَن يعتقد بأنّ الغائب يسمع كلامه، يعتقد بأنّ الله سبحانه قد أقدره على ذلك، ومنحه قدرة سماع كلام من يستغيث به. فهذا هو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطب المنافقين بقوله:(قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ)1 كما أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر بعض أزواجه وقال: (قَالَ نَبَّأَني الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)(2) فلو فرضنا أنّ ولياً غائباً من أولياء الله استغاث به شخص باعتقاد أنّ الله سبحانه منحه قدرة يسمع بها كلامه، فهل يخرج هذا المعتقد عن دائرة الإسلام؟ وهل أشرك بالله؟ وهل جعل الولي المستغاث به شريكاً لله، لا تخفى عليه خافية؟ ما لكم كيف تحكمون؟

1 . التوبة:94.   2 . التحريم:3.

صفحه 60
وهناك أمر آخر نلفت إليه نظر القارئ، وهو أنّ المحدّث (بصيغة المفعول) في الإسلام ممّا أصفقت الأُمّة الإسلامية على وجوده في هذه الأُمّة، وهو عبارة عمّن تحدّثه الملائكة بلا نبوّة ولا رؤية صورة، أو يُلهم له ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام، والمكاشفة، من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، ويدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أُمّتي منهم أحدٌ فعمر». قال ابن عباس: ما من نبيّ ولا محدّث.1
فلو فرضنا أنّ المستغاث به من المحدَّثين في الأُمّة الإسلامية، وهو ربّما يقف بواسطة أحد الطرق المذكورة آنفاً على استغاثة المستغيث، فهل معنى ذلك أنّه عالم بجميع المغيّبات والمشهودات، ولا تخفى عليه خافية؟
***

3. الاستغاثة بالميّت

قال الشيخ: عندما يستغيث بميّت فكأنّه يقول: هذا هو الحيّ

1 . صحيح البخاري:901، كتاب فضائل الصحابة، برقم 3989، ولاحظ في تفسير الحديث: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري:6/99.

صفحه 61
الذي لا يموت، وعندما يستغيث لشيء لا يقدر عليه إلاّ الله فكأنّه يقول: هذا الذي على كلّ شيء قدير.
أقول: قد رتّب على الاستغاثة بالميّت، الأمرين التاليين:
1. إنّه هو الحيّ الذي لا يموت.
2. هذا هو الذي على كلّ شيء قدير.
والملازمة في كلا الموردين مفقودة، ويظهر وجه ذلك بما يلي:
أمّا الأوّل: فلا يلازم كون المستغاث به هو الحيّ الذي لا يموت، وذلك أنّ المستغيث يعتقد بأنّه حيّ في البرزخ حين الاستغاثة ولكنّه يموت عند النفخة الأُولى، فأين الاشتراك بينه وبين الله؟
إنّه سبحانه يصف الذين قتلوا في سبيل الله بأنّهم (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وظاهر الآية أنّهم أحياء في الحياة البرزخية إلى ما شاء الله. فهل الاعتقاد بحياتهم يعني كذلك أنّهم أحياء لا يموتون أبداً؟
وأمّا الثاني: فإنّ الاستغاثة بشيء لا يقدر عليه إلاّ الله لا يلازم القول بأنّه على كلّ شيء قدير، وذلك لأنّ القضية الجزئية ـ أعني: القدرة على شفاء مريض ـ لا تلازم أنّ المستغاث به قادر على خلق السماوات والأرض، فهل ياترى الاعتقاد بالقدرة على مورد خاص دليل على الاعتقاد بالقدرة على كلّ شيء؟

صفحه 62
ثم إنّ المستغيث في المورد الذي لا يقدر عليه إلاّ الله سبحانه يعتقد بأنّ الولي حيّ أعطاه الله سبحانه القدرة على ذلك.
فلو كان خاطئاً في هذا الاعتقاد يُعدّ معذوراً في المورد ولكنّه مصيب في الأمر الكلّي، وهو أنّ ما لا يقدر عليه إلاّ الله لو لم يمنح الله تلك القدرة لأحد من عباده، لا يطلب إلاّ منه تعالى.
***

كلام الشيخ في التوسّل

قسّم الشيخ التوسّل ـ تبعاً لأسلافه ـ إلى قسمين:
الأوّل: توسّل صحيح وهو عبارة عن الأقسام الثلاثة التالية:
1. التوسّل إلى الله بأسمائه وصفاته.
2. التوسّل إلى الله بالأعمال الصالحة.
3. التوسّل إلى الله بدعاء الصالحين.
وهذا لا كلام لنا فيه، وقد ورد التوسّل بهذه الأُمور الثلاثة في روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) نتمنّى أن يكون الشيخ قد اطّلع عليها.
القسم الثاني: توسّل غير صحيح، وقد ذكر له موردين:
1. التوسّل بذات الميّت كأن يقول: اللهم إنّي أتوسّل بمحمد، قال هذا محرّم وليس كفراً.
2. التوسّل بجاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لقربه من الله، وقد حكم أيضاً بحرمته.

صفحه 63
أقول: أمّا الأوّل فهو جائز لوروده في غير واحدة من الروايات ونقتصر بذكر موردين:

1. حديث الضرير:

اتّفق المحدّثون على صحّة رواية الضرير ـ حتّى ابن تيمية ـ . وإليك نصّها ثم دراستها سنداً ودلالة.
عن عثمان بن حنيف أنّه قال:«إنّ رجلاً ضَريراً أتى إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادعُ الله أن يُعافيني. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن شئتَ دعوتُ، وإن شئتَ صَبَرتَ، وَهُوَ خَير».
قال: فادعُهُ، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ فَيُحْسِنَ وُضوءهُ وَيُصلّي رَكْعَتين وَيَدْعُو بِهذا الدُّعاء:«اللّهمّ إنّي أسألُكَ وَأتَوجَّهُ إليكَ بِنَبيّكَ نَبيِّ الرَّحْمَةِ، يا مُحَمّد إنّي أتوجّهُ بِكَ إلى ربّي في حاجَتي لِتُقْضى، اللّهمّ شَفِّعْهُ فِيَّ».
قال ابن حنيف: فَوَ الله ما تَفَرَّقْنا وطالَ بنا الحَديث حتّى دَخَلَ عَلَيْنا كأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ.

دراسة الحديث سنداً ودلالة

لا كلام في صحّة سند هذا الحديث، حتّى أنّ إمام الوهّابيّين
ـ ابن تيمية ـ اعتبر هذا الحديث صحيحاً وجزم بأنّ المقصود
من «أبي جعفر» الموجود في سند الحديث، هو: أبو

صفحه 64
جعفر الخطمي وهو ثقة.1
يقول محمد نسيب الرفاعي ـ الكاتب الوهّابيّ المعاصر الّذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصّة بالتوسّل ـ حول هذا الحديث:
فعلى هذا يكون الحديث ولا شكّ صحيحاً.2
ويقول:
لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه، ولكن الترمذي والحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعني فيه» بدل جملة «شفّعه فيّ».(3)
بعد هذا كلّه... لا مجال للمناقشة في سند الحديث أو الطعن فيه.
وأمّا دلالة الحديث، فلو قدّمت هذا الحديث إلى من يُحسن اللُّغة العربية جيّداً ويتمتّع بصفاء فكر، بعيد عن مجادلات الوهّابيّين وشُبهاتهم حول مسألة التوسّل، ثم سألته: بماذا أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأعمى عندما علّمه ذلك الدعاء؟
فسيكون جوابه ـ فوراً ـ : لقد علّمه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو الله

1 . جاء في مسند أحمد: «أبو جعفر الخطمي» أمّا في سنن ابن ماجة ففيه«أبو جعفر» فقط.
2 و 3 . التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 228 ـ 229، طبعة بيروت، 1394 هـ .

صفحه 65
تعالى وفي دعائه أن يتوسّل إلى الله بنبيّه محمّد نبيّ الرحمة، ويطلب من الله أن يشفِّعه فيه.
وهذا المعنى هو بالضبط ما يُفهم من كلمات الحديث المذكور. وفيما يلي نُقسّم الحديث إلى جمل لمزيد التوضيح:
أ. «اللّهُمّ إنّي أسألُكَ وَأتَوَجَّهُ إليكَ بِنَبِيّكَ».
إنّ كلمة «نبيّك» تتعلّق بما قبلها، أي«أسألُك» بنبيّك و «أتوجّه إليك» بنبيّك.
وبعبارة أوضح: أنّه سأل الله تعالى بواسطة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمقصود من «النبيّ» نفسه المقدّسة لا دعاء النبيّ.
أمّا من يقدِّر كلمة «دعاء» في قوله: «أسألك بنبيّك» أي بدعاء نبيّك، فهو تحكّم بلا دليل وادّعاء على خلاف الظاهر، والداعي إلى هذا التأويل هو أنّ المؤوِّل لا يعتقد بجواز التوسّل بنفس النبيّ، فيلجأ إلى تقدير كلمة «دعاء» لتقوّل: بأنّ التوسّل بدعاء النبيّ لا إشكال فيه، وبهذا يُبرِّر رأيه المسبق.
والعجب أنّ هؤلاء يفسّرون الصفات الخبرية بحرفيتها ولا يسوّغون أي تصرّف وتأويل في قوله سبحانه:(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأيد). ولكنّهم لمّا ضاق عليهم الخناق في المقام يتصرّفون في الحديث ويأوّلونه بأبعد ما يمكن .
ب. «محمّد نبيّ الرحمة».

صفحه 66
لكي يتّضح أنّ المقصود هو سؤال الله بواسطة النبيّ وشخصيّته وحُرمته فقد جاءت بعد كلمة «نبيّك» جملة «محمّد نبي الرحمة» لكي يتّضح الهدف أكثر.
ج. «يا مُحَمّد إنّي أتوجّهُ بِكَ إلى ربّي».
هذه الفقرة تدلّ على أنّ الرجل اتّخذ نفس النبيّ وسيلة لدعائه، لا دعاءه(صلى الله عليه وآله وسلم) أي: أنّه توسّل بذات النبيّ لا بدعائه.
لقد اتّضح بما ذكرنا أنّ النقطة المركزيّة في الدعاء كلّه هو شخص رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونفسه الكريمة، وليس فيه أي دليل للتوسّل بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم) أصلاً.
وكلّ من يزعم أنّ ذلك الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبيّ لا بشخصه وشخصيّته، فإنّما تغافل عن فقرات الرواية وتجاهلها.
وأنت لو تأمّلت قوله: «اللّهمّ إنّي أسألُكَ وَأتَوجَّهُ إليكَ بِنَبيّكَ نَبيِّ الرَّحْمَةِ» وقوله: «يا مُحَمّد إنّي أتوجّهُ بِكَ إلى ربّي » لظَهر لك ـ بكلّ وضوح ـ أنّ التركيز إنّما هو على شخص رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان الهدف هو دعاء النبيّ لكان الصحيح أن يقول: أسألك بدعاء النبيّ.
بقي الكلام في قوله: «وشفّعه فيّ» فربما يتصوّر أنّه قرينة على أنّ الضرير توسّل بدعاء النبيّ، حيث إنّ معناه استجب دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه باطل من وجهين:
أوّلاً: يحتمل أنّ معناه اجعل النبيّ شفيعي وتقبّل شفاعته في

صفحه 67
حقّي، كما نقول: وتقبل شفاعته وارفع درجته.
ثانياً: نفترض أنّ معنى الفقرة: استجب دعاءه بحقّي، لكنّه لا يثبت ما أرادوه لأنّه لا ينافي أن يقوم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالدعاء وفي الوقت نفسه يقوم الضرير أيضاً بالدعاء الّذي علّمه رسول الله متوسّلاً فيه بذات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لا منافاة بين العملين.
وبعبارة أُخرى: قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعملين:
1. علّم الضرير ذلك الدعاء الذي فيه التوسّل بذات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعاء له، ولا منافاة بين الأمرين.
وعلى كلّ تقدير فنحن نركّز على متن الدعاء الذي علّمه النبيّ للضرير ففيه دلالات واضحة على أنّ التوسّل كان بشخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

2. استسقاؤهم بالعباس عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج البخاري بسنده إلى أنس بن مالك قال: إنّ عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّك(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون.1

1 . صحيح البخاري: 238، برقم 1010، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا.

صفحه 68
وأنت إذا رفعت هذا الحديث إلى أي عربيّ صميم غير مطّلع على جدال الوهابيّين ونقاشهم في التوسّل بذات القدّيسين يحكم بضرس قاطع أنّ الخليفة إنّما توسّل بذات العباس بما أنّه عمّ النبيّ، وأنّ توسّله بعمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان ذريعة للتوسّل بذات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لوجود وشيجة قوية بين العباس والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ولذلك اختاره وإلاّ كان بين الصحابة مَن هو أفضل من العباس من جهات شتّى.
ثمّ إنّ الألباني ذلك الوهابي المتشدّد، لمّا وقع أمام هذا الدليل القاطع، حاول تأويل الرواية على نحو لو قام به أحد في غير هذا المورد لرمي بالجهمية والمؤوّلة فقال: إنّ المراد «بدعاء عمّ نبيّك» حيث إنّ المعهود من الصحابة هو الذهاب إلى النبيّ وطلب الدعاء للاستسقاء، والسنّة يفسّر بعضها بعضاً فيكون المراد هو التوسّل بالدعاء لا التوسّل بالذات، إذ أنّ التوسّل بالذات لا وجود له في السنّة النبويّة.1
يلاحظ عليه بأُمور:
أوّلاً: أنّه لو كان التوسّل هنا بدعاء عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو دعاء مسلم، كان اللازم التوسّل بدعاء الأفضل من العباس فإنّ دعاء الأفضل أقرب إلى القبول من دعاء غيره، والمفروض عند الكاتب أنّ عمر أفضل الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وهو يصحّح

1 . التوسّل للألباني:51، منشورات مكتبة المعارف.

صفحه 69
حديث «لو كان نبي لكان عمر».1
وحصيلة الكلام: أنّه لو كان المقصود هو التوسّل بالدعاء كان على الخليفة أن يختار أفضل الصحابة وفي مقدّمتهم نفسه ولو تواضع عن نفسه فلماذا ترك الأفضل ـ أعني: الذين سبقوا في الإسلام والإيمان والجهاد ـ على عمّ النبيّ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الخليفة توسّل بعمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لوجود القرابة بينهما، وأمّا التوسّل بالدعاء فلم يكن لا في ذهن الخليفة ولا المسلمين.
وثانياً: أنّ شرّاح البخاري لم يفهموا من الحديث إلاّ التوسّل بالذات، فهذا هو ابن حجر العسقلاني قال: ويستفاد من قصّة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه.2
وقال بدر الدين العيني الحنفي في شرح الخبر:«قوله: استسقى بالعباس» أي: متوسّلاً به حيث قال: «اللّهم إنّا كنّا...» إلى آخره... وفيه من الفوائد: استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة. وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقّه.3

1 . سلسلة الأحاديث الصحيحة:1/646، منشورات مكتبة المعارف.
2 . فتح الباري:2/413، دار المعرفة، بيروت.
3 . عمدة القاري:7/33، دار إحياء التراث، بيروت.

صفحه 70
إلى غير ذلك ممّن ذكر الحديث وشرحه.1 فكلّ يذهب إلى أنّ التوسّل كان بنفس العباس لما كان له صلة بنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
هذا وقد روى محمّد بن النعمان المالكي (المتوفّى 683هـ ) في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» كيفيّة توسّل عمر بالعبّاس وأنّه قال:
«اللّهمّ إنّا نَسْتَقيكَ بعَمِّ نَبيّك وَنَسْتَشْفِعُ إلَيْكَ بِشَيْبَتِهِ» فَسُقُوا وفي ذلك يقول العبّاس بن عُتبة بن أبي لهب:
بعمّي سقى الله الحجازَ وأهلَه *** عشِيّةَ يَستسقي بشيبَتِه عُمَرُ2
وكذلك أنشد حسّان قوله:
......... *** «فَسَقَى الغَمامُ بغُرَّة العبّاس»
وثالثاً: أنّ من المضحك أخذ المدّعى في الدليل حيث قال: إنّ التوسّل بالذات لا وجود له في السنّة النبوية. فقد اتّخذ هذا المدّعى سبباً لتأويل الرواية بتقدير الدعاء كما قام بذلك في تأويل حديث الضرير.
ورابعاً: لمّا كان منهج القوم هو الحطّ من منازل الأنبياء ومقاماتهم وجعلهم بعد رحيلهم مع الناس في صف واحد استماتوا في تأويل

1 . لاحظ الأذكار النووية:178، من منشورات دارالفكر; والمدخل للعبدري المالكي: 1/254.
2 . وفاء الوفا:3/375، نقلاً عن مصباح الظلام.

صفحه 71
الحديث وتحريفه قال الألباني: لو كان التوسّل بالذات جائزاً لما كان هناك مبرر للعدول عن التوسّل بالنبيّ إلى التوسّل بالعباس، فدلّ عدولهم على أنّ توسّلهم كان بدعاء النبيّ، ولمّا توفّي النبيّ ولم يمكن التوسّل بدعائه لجأوا إلى العباس فتوسّلوا بدعائه.1
أقول: إنّ قوله: (ولمّا توفّي النبيّ لم يمكن التوسّل بدعائه، لجأوا إلى العباس فتوسّلوا بدعائه) كلام يناقض مسلكه، إذ أي ملازمة بين عدم التوسّل بدعاء النبيّ وبين التوسّل بدعاء شخص العباس إلاّ أن يكون للعباس منزلة باعتبار انتسابه إلى النبيّ فيكون فرض التوسّل حتى بدعائه توسّلاً بالنبيّ، وإلاّ فعدم التمكّن من التوسّل بدعاء النبيّ لا يلازم انتخاب الفاضل للدعاء مع وجود الأفضل، فالأفضل من عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) موجود.
أمّا عدولهم عن التوسّل بالنبيّ إلى التوسّل بالعباس وانتخابه، لأجل أنّ عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يشارك القوم في الشدّة والرخاء بخلاف النبيّ، ولذلك عدلوا عن التوسّل بالنبيّ، إلى عمّه فتوسّلوا بمن ينتفع بالاستسقاء وبنزول الرحمة إليه لكي ينتفع الآخرون أيضاً.
ثمّ إنّ ما يدلّ على جواز التوسّل بالذات أكثر من ذلك، فاقتصرنا بروايتين دلالتهما على المقصود كالشمس في رائعة النهار.

1 . التوسّل للألباني:56.

صفحه 72

التوسّل بجاه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

هذا هو المورد الثاني الذي منعه الشيخ عثمان الخميس، ويراد من الجاه منزلة النبيّ عند الله وحقوقه عليه التي منحها الله له بفضله وكرمه، فصار ذا حقّ.
فقد وردت روايات كثيرة نكتفي بذكر واحدة منها.
روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «مَن خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، وخرجت إتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك».1
إنّ حق السائلين، عبارة عن مقامهم عند الله سبحانه، الذي منحه لهم تفضّلاً وكرامة.
نعم ربّما يناقش في السند بعطية العوفي، وليس له ذنب إلاّ تشيّعه.
هذا هو الذهبي يقول: فلو رُدّ حديث هؤلاء ] الشيعة [ لذهب جملة من الآثار النبوية، وهي مفسدة بيّنة.(2)

1 . سنن ابن ماجة:1/256، برقم778.   2 . ميزان الاعتدال:1/5.

صفحه 73
قال ابن سعد في الطبقات: وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة.1
وقال الترمذيّ في تعليقه على بعض الأحاديث التي فيها عطية العوفي: «حديث حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه»2، وحسّن له في مواضع متفرّقة من كتابه.3
وقال العجلي: عطية العوفي: كوفي، تابعي، ثقة، وليس بالقويّ.4
وقال الملاّ علي القاري: وهو من أجلاّء التابعين.5
ثمّ إنّ الأحاديث الصحيحة الدالّة على جواز التوسّل بحقّ النبيّ ومقامه وجاهه، متوفّرة لا مجال في المقام لنقل قليل منها، فلو أراد الشيخ الوقوف عليها فليرجع إلى كتابنا «الوهابية في الميزان».
وفي نهاية المطاف نعطف نظر الشيخ عثمان الخميس إلى القول السائد بين مشاهير علماء السنّة فقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي:
ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخّرو الحنفية،

1 . الطبقات الكبرى لابن سعد:6/304، طبعة دار صادر، بيروت.
2 . سنن الترمذي:2/394، طبعة دار الفكر، بيروت.
3 . سنن الترمذي:1/296، و ج3/228، و ج4/7ـ 8، و 46 و 96، و 260 و 261.
4 . معرفة الثقات:2/140، طبعة المدينة المنوّرة، 1405هـ .
5 . شرح مسند أبي حنيفة:292، طبعة بيروت.

صفحه 74
وهو المذهب عند الحنابلة) إلى جواز هذا النوع: (اللّهم إني اسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك) من التوسّل سواء في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو بعد وفاته 1.
***
ثمّ إنّ للشيخ محاضرة أُخرى حول ما روي من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يورِّث، ونحن ندرس الحديث سنداً ومتناً ونعرضه على الكتاب والسنّة في المستقبل إن شاء الله، بشرط أن يجيب الشيخ على السؤالين التاليين وهما:
1. هل كشف أبو بكر بيت فاطمة أو لا؟
2. هل ندم عند وفاته عن عمله هذا أو لا؟
فلو أجاب الشيخ عن هذين السؤالين فسوف نقدّم تعليقنا على محاضرته، وستظهر له جليّة الحال، فليغتنم الشيخ هذه الفرصة.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

1 . الموسوعة الفقهية الكويتية، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت: 14 / 156.

صفحه 75
 
ميراث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومطالبة الزهراء (عليها السلام) بفدك   
3
ميراث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
ومطالبة الزهراء (عليها السلام)
بفدك

صفحه 76

صفحه 77
 
في حلقة أُخرى من برنامج «شبهات وردود» طرح الشيخ عثمان الخميس ثلاثة أسئلة حول منع فاطمة(عليها السلام) عن إرث أبيها، وبالتالي حول منع إيراث الأنبياء ما تركوا من الأموال الشخصية، ثم إنّه أجاب عن هذه الاسئلة.
وها نحن نناقش ما ذكره الشيخ على الترتيب الذي جاء في حواره:

السؤال الأوّل: لماذا لم يعلّم النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة حكم ميراثها؟

قال: إنّه لما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جاءت فاطمة(عليها السلام) إلى أبي بكر، فطلبت منه أن يعطيها ميراثها من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)1 فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: «لا نورّث ما تركناه صدقة»، فرجعت فاطمة(عليها السلام) ولم يعطها شيئاً.
ثمّ أجاب عن سؤال: كيف أنّ أبا بكر علم أنّ النبيّ لا يُورث وفاطمة لا تعلم ذلك؟ بقوله: أين المشكلة في هذا وهل هو

1 . النساء: 11.

صفحه 78
مطلوب من فاطمة أن تعلم كلّ تفاصيل الشريعة؟ فالذي يعلم كلّ تفاصيل الشريعة هو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

أقول: في كلامه ملاحظتان:

الأُولى: أنّه قطع الحوار الذي دار بينها وبين أبي بكر، ولم ينقله بتمامه لما في ذيله ما لا ينسجم مع فكرته ومذهبه وإليك الحوار بتمامه: روى البخاري عن عائشة أنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال أبو بكر: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) «لا نورث ما تركنا صدقة».
إلى أن قال: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر. فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها.1
ترى أنّ عثمان الخميس لم يذكر قوله: وَجَدتْ عليه، أي غضبت، فهل يكون غضب سيدة نساء العالمين بلا سبب؟! وهل يكون دفنها ليلاً بلا سبب؟! وكان على الخليفة أن يتذكّر في هذه الحالة قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في بنته: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني».2

1 . صحيح البخاري: 1036، برقم 4240 ـ 4241 ، كتاب المغازي.
2 . صحيح البخاري: 910، برقم 3614، كتاب فضائل الصحابة.

صفحه 79
ومن يقرأ هذه الحادثة ويتأمّل في الحديث الوارد عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن بضعته(سلام الله عليها) يتعرّف على موقف الرجل من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)!!
لماذا مرّ الشيخ على هذه الأُمور ولم ينبس بها ببنت شفة.
الثانية: ثمّ إنّ الشيخ أجاب عن سؤال السائل: كيف علم أبو بكر أنّ النبيّ لا يورث وفاطمة لا تعلم ذلك، بقوله: هل هو مطلوب من فاطمة أن تعلم كلّ تفاصيل الشريعة؟
ولا يخفى ما فيه من المغالطة الواضحة.
فإنّ السائل يسلّم أنّ فاطمة لا يجب أن تعلم تفاصيل الشريعة، ولكن في قاموس الشريعة يجب أن تعلم فاطمة تكليفها الخاص بها، وهو أنّها لا ترث أباها، فعلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعلّمها ذلك لئلاّ تشتبه عليها الحقيقة، ولئلاّ تتمسّك بإطلاق الآية في رد الحديث المزعوم.

السؤال الثاني: أنّ النبيّ سليمان ورث أباه داود (عليهما السلام)

قال: كيف تقول: لا يورث النبيّ والله يقول في كتابه المنزل: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)1 .
الجواب: أنّ سليمان ـ على نبيّنا وعليه السلام ـ ورث النبوّة

1 . النمل:16.

صفحه 80
بعد داود(عليه السلام)، وداود(عليه السلام) كان له عدد كبير من الأولاد، فإنّ الروايات تقول بأنّ سيدنا داود(عليه السلام) كانت لديه مائة زوجة وثلاثمائة سرية، أي أنّ له أولاداً كثيرين فذكر سليمان لوحده لا معنى له، فعلى هذا فالمراد هو الوراثة في العلم والنبوّة.
أقول: كان داود يتمتّع بأُمور أربعة:
1. العلم      2. النبوّة      3. الملك      4. المال
أمّا الأوّل فلم يرثه سليمان من داود لوجهين:
أ. أنّ العلم غير قابل للإيراث.
ب. أنّ الآية المتقدّمة صرّحت بأنّه سبحانه أفاض عليهما العلم من دون أن يرث أحدهما الآخر وقال:(وَ لَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا)1، فلا معنى بعد هذا، لحمل الوراثة على العلم.
وأمّا الثاني ـ أعني: النبوة ـ فهي أيضاً غير قابلة للإيراث لأنّها رهن ملكات وقابليات خاصّة حتى يختار الله سبحانه الإنسان للنبوة، فلو كان فاقداً لها يمتنع أن يكون نبياً، ولو كان واجداً لاختاره الله للنبوة من دون حاجة إلى أن يرثها عن الآخر.
وأمّا الثالث ـ أي الملك ـ فإن أُريد بالملك هو تدبير المملكة فهو قابل للوراثة .
وأمّا الرابع ـ أي المال ـ فهو من أظهر مصاديق الوراثة، وكلّ ما أُطلقت الوراثة ينصرف المعنى إليه، ولو استعمل في غيرها فإنّما

1 . النمل:15.

صفحه 81
هو بنوع من التشبيه كما في قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا)1.
وعلى هذا فإطلاق الآية يدلّ على أنّ داود ورث سليمان الملك والمال.
وأمّا ما ذكره المجيب من (أنّ لداود أولاداً كثيرين، فذكر سليمان لوحده لا معنى له) فالجواب عنه واضح; لأنّ سليمان ملك السلطنة والمال معاً، وأمّا غيره من الأولاد فقد ورثوا المال دون الملك والسلطنة.
وممّا يندى له الجبين ما نقل من الرواية من أنّ لسيدنا داود مائة زوجة وثلاثمائة سرية، فإنّها من الإسرائيليات التي لا قيمة لها، ومعنى ذلك أنّ داود رجلاً شهوانياً مشغولاً بزوجاته وإمائه عن كلّ شيء، وأين هذا مما وصفه القرآن الكريم بقوله:(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ).(2)
ثمّ إنّ عثمان الخميس قال: إنّ السيدة فاطمة لم تكن متعلّقة بالدنيا، وكأنّه اقتدى في قوله هذا بقول الراغب حيث قال: إنّ المال لا قدر له عند الأنبياء.(3)
يلاحظ عليه بأمرين:

1 . الزخرف:72.         2 . ص:17ـ18.   3 . المفردات للراغب، مادة «ورث».

صفحه 82
أوّلاً: أنّه سبحانه يصف المال بالخير ويقول:(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ)1 فالمال خير إذا كان بيد الصالحين وشر إذا كان بيد الطالحين.
ونعم ما وصف الإمام علي(عليه السلام) الدنيا وما فيها بقوله: «مَن أبصر بها بصّرته، ومَن أبصر إليها أعمته».(2)
ثانياً: أنّ بنت المصطفى لمّا وجدت نفسها مظلومة، وتلقّت حكم الحاكم حكماً على خلاف الكتاب والسنّة، وقفت بوجه الحاكم ; لأنّه وظيفة كلّ مسلم حرّ لا تأخذه في الله لومة لائم. كيف لا يكون ذلك وهذا هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «مَن قتل دون ماله فهو شهيد».2
فالنبيّ يصف مَن يطلب حقّه وإن انتهى ذلك إلى قتله، شهيداً، أمّا عثمان الخميس يصفه بأنّه طالب للدنيا.
نعم روى أهل السنّة عن النبيّ أنّه قال:«نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً، ولكنّا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنّة».3
وروى الكليني بسنده عن أبي البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام)،

1 . البقرة:180.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 82.
2 . صحيح البخاري: 595، برقم 2480، كتاب المظالم والغصب.
3 . شرح نهج البلاغة:16/223.

صفحه 83
قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء وذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم».1
لكن المراد هو أن شأن الأنبياء هو إيراث الإيمان والحكمة والعلم والسنّة لا المال، وهذا غير أنّه إذا ترك حصيراً أو إناء أو سجادة أو بيتاً فهو ينتقل إلى الأُمّة لا إلى أولاده، لما قلنا من أنّ موقف هذه الرواية هو تفكيك شأن الأنبياء عن سائر الملوك وطلاّب الدنيا الذين يتركون الأموال المكدّسة والكنوز الممتلئة.
والذي يدلّ على ما ذكرنا أنّه خصّ ميراثه بالإيمان والحكمة والأحاديث، ومن المعلوم أنّه ليس ميراثاً لورثته وإنّما ميراث للأُمّة، فموقف الحديث هو رفض ترقّب الأُمّة من الأنبياء أن يورث لهم الكنوز والأموال الطائلة، وليس المراد من هذه الأحاديث هو ما ملكه الأنبياء من الحوائج الأوّلية التي لا مناص للإنسان منها.
وممّا يقضى منه العجب هو أنّ الخليفة طبّق ما سمعه من الحديث على مورد واحد وهو الحيلولة بينه وبين فاطمة، ولكنّه ترك سائر أموال النبيّ بيد مَن ورثه، فهذه بيوت النبيّ قد بقيت على يد أزواجه دون أن تصادر!! وهذا سيف رسول الله وخاتمه وبعض ما يختصّ به، فلم يطلب ولم يصادر!! وإنّما خصّت المصادرة بفدك، التي كانت ذات ريع كثير والخلافة آنئذ كانت بحاجة إليها، وإنّ فدك صارت أمراً سياسياً بعد عصر الخليفة، والشاهد على

1 . الكافي:1/32، باب صفة العلم....

صفحه 84
ذلك أنّه اختلفت سيرة الخلفاء بين ردّها على أولاد فاطمة وبين أخذها، يقول ابن أبي الحديد: ولمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي(عليهما السلام)، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، ووهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كانت أوّل ظلامة ردّها، دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، وقيل: بل دعا علي بن الحسين(عليهما السلام)، فردّها عليه، وكانت بيد أولاد فاطمة مدة ولاية عمر بن عبد العزيز; فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، وكان الأمر على هذا النحو إلى أيام العباسيّين. وأمّا فيها فقد كانت تتداول بين الخلفاء وأولاد الزهراء(عليها السلام) فقد ردّها السفاح إلى عبد الله بن الحسن، وبعد رحيله ارجعها المنصور وكانت بيده إلى أن مات، فقام مقامه ابنه المهدي فردّها إلى أولاد فاطمة، إلى أن وصل الأمر إلى المأمون فردّها وكتب فيها رسالة إلى والي المدينة، وفي هذا الصدد يقول دعبل الخزاعي:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا *** بردّ مأمون هاشم فدكا1

1 . شرح نهج البلاغة:16/218.

صفحه 85

رسالة المأمون العباسي إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة

قال البلاذري: ولمّا كانت سنة عشر ومائتين أمر المأمون، فدفعها (يعني فدكاً) إلى ولد فاطمة وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين الله. وخلافة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)والقرابة به، أولى من استن سنّته، ونفذ أمره وسلّم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أعطى فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تزل تدعى منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله وإلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادى في كلّ موسم بعد أن قبض الله نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر كلّ مَن كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته، أنّ فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وقد كتب (أمير المؤمنين) إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق

صفحه 86
والغلاّت وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية (أمير المؤمنين) إيّاهما القيام بها لأهلها. فأعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرّب إليه وإلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاّتها إن شاء الله، والسلام. وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر ومائتين.
فلمّا استخلف المتوكل على الله، أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون .1

السؤال الثالث: أنّ زكريا (عليه السلام)سأل الله سبحانه أن يهبه ولداً يرثه

كيف تقول بأنّ الأنبياء لا يورثون، ونحن نرى أنّ زكريا طلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً يرثه وقال:(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)(2) .
أجاب عثمان الخميس عن الاستدلال بأجوبة ثلاثة:
1. لو نظرنا إلى الواقع لوجدنا أنّ يحيى(عليه السلام) مات في حياة أبيه

1 . فتوح البلدان:46ـ 47.   2 . مريم:5ـ6.

صفحه 87
وقتل فيها ولم يرث من زكريا، وهذا يعني إنّ الله استجاب لزكريا(عليه السلام)دعاءه وأورث يحيى النبوة.
2. أنّ زكريا(عليه السلام) مات فقيراً، لم يكن لديه مال.
3. أين يحيى من آل يعقوب، فهو محجوب بالمئات وهي العصبة، فلا يرث شيئاً من آل يعقوب.
أقول: قبل أن ندرس الوجوه الثلاثة التي استدلّ بها على ما يتبنّاه، نذكر كيفية استدلال أصحابنا الإمامية بالآية على أنّ المراد هو الوراثة في المال، وذلك بوجهين:
الأوّل: إنّ طلب الولد ممّا فطر الله عليه النوع الإنساني، سواء في ذلك الصالح والطالح، والنبيّ وغيره، وكلّ إنسان لولم ينحرف طبعه، ينساق إلى طلب الولد ويرى وجود الولد بعده بقاء لنفسه، والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري، ولا ذمّت هذه الداعية الغريزية بل مدحتها، وكفى في ذلك قول إبراهيم(عليه السلام): (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)1، وقوله تعالى حكاية عن المؤمنين: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن)(2).
الثاني: كانت تجلب إلى زكريا أموال من بني إسرائيل بل تجلب إلى مطلق الأحبار، وكان زكريا رئيسهم، فلذلك خاف أن يموت بلا عقب وتقع تلك الأموال بيد الموالي الذين لم يكونوا

1 . الصافات:100.   2 . الفرقان:74.

صفحه 88
أُناساً صالحين، فطلب منه سبحانه ولداً يقوم مقامه ويتصرّف في الأموال حسب الموازين الإلهية، ففي تفسير علي بن إبراهيم: لم يكن يومئذ لزكريا ولد يقوم مقامه ويرثه وكانت هدايا بني إسرائيل ونذورهم للأحبار، وكان زكريا رئيس الأحبار. الخ.1
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ في نفس الآية دليلين واضحين على أنّ المراد من الوراثة هو الوراثة في المال:
الأوّل: أنّ قوله: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي) ظاهر في أنّه كان هناك أمر يخاف عليه، فلو رزق الولد لارتفع خوف زكريا، ولو مات بلا عقب لساد الخوف، وعلى ضوء هذا فنقول: لو أُريد من الخوف خوف وراثة المال فهذا هو الذي يرتفع مع وجود الولد إذ أنّ الموالي حينئذ لا يرثونه مع وجود الولد. وهذا بخلاف ما لو أُريد من الوراثة وراثة النبوة أو العلم أو ما يشبهه، فإنّه ممّا لا يحدث ولا يسود لو مات بلا عقب ; لأنّ النبوة والعلم ليسا من الأُمور الوراثية، فسواء أكان له ولد أو لا، أوصار ذا ولد أو لا، فهذا ليس ممّا يخاف منه، لأنّ الله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته.
الثاني: أنّه يطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً يكون مرضياً عنده، كما قال:(وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)(2)، وفي آية أُخرى قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) فلو كان المراد أنّه

1 . تفسير القمي: 2 / 48 ; تفسير نور الثقلين:3/323.   2 . مريم:6.

صفحه 89
سبحانه يرزقه ولداً يرثه في النبوة والحكمة، فكان طلب ولد يوصف بكونه طيباً أو طيبة عنده، أمراً لغواً ; لأنّ النبوة تلازم كون الموصوف بها مرضيّاً عند الله، فلو أنّ القوم تأمّلوا في هذين الأمرين لما استماتوا في تفسير الآية على أنّ المراد هو الوراثة في الحكمة والنبوة.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الوجوه التي ذكرها عثمان الخميس ولعلّ الجميع مأخوذ من تفسير الآلوسي.
أمّا الوجه الأوّل ـ أعني قوله: إنّ يحيى(عليه السلام) مات في حياة أبيه فلم يرث أباه ـ فيلاحظ عليه:
أوّلاً: بأنّ السؤال متوجّه إلى كلّ من النظريتين وراثة النبوّة أو وراثة المال، لأنّ الوراثة بكلا المعنيين تتصوّر بعد رحيل زكريا إلى لقاء الله، وإلاّ فلو مات يحيى قبله فما معنى كون يحيى نبيّاً في نفس الوقت الّذي كان فيه زكريّا كما لا معنى لكونه وارثاً لأبيه، إذ لا حاجة لبعث نبيّين (زكريا ويحيى) إلى أُمّة واحدة، وجماعة معيّنة كبني إسرائيل .
نعم ربّما تقتضي ظروف الرسالة لبعث نبيين في مكانين وأُمتين مختلفين كبعث لوط إلى قوم، وإبراهيم إلى آخرين، وربّما تقتضي الظروف لوجود نبيين في مكان وأُمّة واحدة لحاجة النبيّ السابق لدعم وتأييد النبيّ اللاحق، كنبوة هارون حيث سأل

صفحه 90
موسى (عليه السلام)ربّه أن يبعث أخاه نبيّاً ووزيراً له.
وثانياً: أنّه لم يثبت بدليل قاطع على أنّ يحيى قتل في حياة أبيه لو لم يثبت عكسه، هذا هو جلال الدين السيوطي ينقل عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في قوله:(لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)1 قال: الأوّل: قتل زكريا(عليه السلام)، والأُخرى يحيى(عليه السلام).(2)
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان إفسادهم الّذي يفسدون في الأرض مرّتين: قتل زكريا(عليه السلام) ويحيى بن زكريا...(3) الظاهر في تقدّم الوالد على الولد.
وروى الكليني عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه مات بعد رحيل زكريا.2 فالظاهر من هذه الروايات تقدُّم موت الوالد (زكريا) على الولد (يحيى).
أمّا الوجه الثاني ـ أعني قوله: إنّ زكريا (عليه السلام)مات فقيراً ولم يكن لديه مال ـ فيلاحظ عليه بما ذكرنا من أنّه كانت تجلب إليه أموال من بني إسرائيل، بل تجلب الأموال إلى الأحبار أيضاً وكان زكريا على رأسهم، فخاف أن يموت بلا عقب وتقع تلك الأموال بيد أُناس غير صالحين.
وأمّا الوجه الثالث ـ أي وراثة يحيى من آل يعقوب فهو

1 . الإسراء: 4.   2. تفسير الدر المنثور:5/235.   3 . تفسير الدر المنثور:5/243.
2 . الكافي:1/382، باب حالات الأئمّة(عليهم السلام) في السن.

صفحه 91
محجوب بالمئات وهي العصبة فلا يرث شيئاً من آل يعقوب ـ فيلاحظ عليه: أنّ حجب العصبة إنّما هو في فقه السنة ولم يُعلم كونه كذلك في الشريعة الموسوية أو العيسوية، كما أنّ العصبة ليست حاجزاً في فقه الإمامية، مضافاً إلى أنّ المراد من قوله تعالى (يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)ليس إرثاً من جميع آل يعقوب، وإنّما هو إرث من بعضهم، ويكفي في ذلك أنّه يرث أُمّه أو فرداً آخر من آل يعقوب، والذي تجمعهما رابطة نسبية أو سببية.

نقد كلام الآلوسي

ولمّا انتهى كلامنا إلى هنا فلنذكر ما ذكره السيد الآلوسي في المقام، وهو من المتحمسّين إلى أنّ الوراثة ليست وراثة مالية وذلك بوجوه ثلاثة:
الأوّل: يقول ممّا يؤيّد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال، أنّه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلّقات هذا العالم المتغيّر الفاني واتّصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لاسيّما جناب زكريا(عليه السلام) فإنّه كان مشهوراً بكمال الانقطاع والتجرّد، فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف، ويستدعي من حضرة الحقّ سبحانه وتعالى ذلك النحو من

صفحه 92
الاستدعاء، وهو يدلّ على كمال المحبّة وتعلّق القلب بالدنيا.1
يلاحظ عليه: بأنّ خوف زكريا من وراثة الأغيار لم يكن لأجل تعلّق نفسه بالمال حتى يقال إنّ الهمم العليا للنفوس القدسية انقطعت من تعلّقات هذا العالم، وإنّما خوفه أن تقع هذه الأموال التي تأتي يوماً بعد يوم بيد أشرار الناس فتصرف في غير محلّها، ولذلك ورد في سيرة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يصرف ما يقع تحت يده من الغنائم بأسرع وقت. وليس هذا النوع من الخوف دليلاً على التعلّق بالدنيا ومتاعها، بل دليلاً على ورعه وتقواه من أن تصرف الأموال في غير جهتها الشرعية.
الثاني: أنّ ذلك لا يخاف منه إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر، فصرفه على ذمّته صواباً أو خطأ ولا مؤاخذة على الميّت من ذلك الصرف بل لا عتاب أيضاً.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الإنسان المتديّن إذا أحسّ بأنَّ ما في يده من الأموال سوف يقع في يد شرار الناس يصرفونه في غير مواضعه الشرعية، يخطّط لها حتى لا تقع في أيديهم، فالقول: «بأنّ المال مالهم والوزر عليهم» قول مَن لا يحسّ بالمسؤولية تجاه ما يملكه الأشرار من الأموال التي بيده.

1 . روح المعاني:16/64.   2 . روح المعاني:16/65.

صفحه 93
الثالث: بأنّه كان في إمكان زكريا أن يصرف ما يملك قبل موته ويتصدّق به كلّه في سبيل الله، ويترك بني عمه الأشرار خائبين.1
أقول: هذا الكلام أغرب من سابقيه وهو يعني أنّ زكريا كان يعلم بأجله متى يموت، فيتصدّق بماله قبل ذلك بسنة، مثلاً، وقد مرّ أنّ الأموال كانت تجبى إليه وقتاً بعد وقت.
ولعمري أنّ الداعي لنسج هذه الوجوه وصرف الآية عن ظاهرها هو تصحيح ما رواه أبو بكر في هذا المقام، ولولا هذا لما خطر ببال أحد شيء من هذه الوجوه.
وفي الختام نذكر ما احتجّت به بنت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) سيدة نساء العالمين (عليها السلام)في خطبتها الغرّاء على خطأ أبي بكر في مصادرة فدك وإخراج عمالها عنها.
روى المؤرّخون والمحدّثون أنّه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدكاً وبلغ ذلك فاطمة، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، فنيطت دونها ملاءة، وابتدأت كلامها بقولها:
«الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم... إلى أن قالت: أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمّد أقول عوداً وبدواً

1 . روح المعاني:16/65.

صفحه 94
ولا أقول ما أقول غلطاً ولا أفعل ما أفعل شططاً... إلى أن قالت: يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئاً فريّاً؟! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول:(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن
زكريا(عليهما السلام) إذ قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)1، وقال] أيضاً[: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ)(2)، وقال: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(3) وقال: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
)(4) وزعمتم: أن لاحظوة2 لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآية ] من القرآن[ أخرج أبي ] محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)[ منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل الملّتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟»3.

1 . مريم:5ـ6.      2 . الأنفال:75.      3 . النساء:11.   4 . البقرة:180.
2 . الحظوة ـ بضم الحاء وكسرها ـ : المكانة والمنزلة. لسان العرب:14/185.
3 . بلاغات النساء:23ـ33، لمحمد بن أبي طاهر(204ـ 280هـ); كتاب السقيفة:97ـ 101، لأبي بكر الجوهري (المتوفّى:323هـ); الشافي في الإمامة:4/69ـ 77، للسيد المرتضى (المتوفّى 436هـ); معاني الأخبار:354 للشيخ الصدوق (المتوفّى 381هـ); أمالي الطوسي:384، المجلس 13 للشيخ الطوسي (المتوفّى:460هـ); شرح نهج البلاغة:16/211، لابن أبي الحديد (المتوفى:655هـ); كشف الغمة: 1/116، لأبي الحسن الإربلي (المتوفّى 936 هـ)، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة.

صفحه 95
بقي هنا أمران:
الأوّل: قد مرّ أنّ الخلفاء الأمويّين والعباسيّين كانوا يتلاعبون بفدك، فتارة يأخذونها وأُخرى يسلّمونها إلى أصحابها.
وقد ذكر الشيخ عثمان الخميس قصة التداول على وجه لم نجد له مصدراً، وقد ذكرنا ما هو الموجود في كتاب «فتوح البلدان» للبلاذري.
الثاني: أنّه قال: سألني أحد الشيعة مرّة فقال: إنّ أبا بكر ظلم، لأنّه منع ميراث فاطمة(عليها السلام). فقلت: أبو بكر ظلم، وقلت من كان بعده؟ قال: عمر، قلت: هو أيضاً ظلم إلى أن ساق الحديث إلى علي، فهو أيضاً ظلم لأنّه لم يعط الحقّ لأصحابه. إلى أن قال: فكيف الفعل واحد والبعض ظالم و الآخر غير ظالم؟
يلاحظ عليه: أنّه خفي على المجيب وجه امتناع علي(عليه السلام) من التصرّف في فدك وقد ذكر وجه ذلك في بعض خطبه فقال في رسالة كتبها إلى عامله عثمان بن حنيف على البصرة وقال: «بلى، قد كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانها في غد جدث، تنقطع في ظلمة آثارها، وتغيب أخبارها».1

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45.

صفحه 96
يقول ابن أبي الحديد ردّاً على هذه الشبهة التي استند إليها عثمان الخميس ونقلها بشكل كأنّها من إبداعاته، يقول: أمّا ما ذكر من ترك أمير المؤمنين(عليه السلام) فدك لمّا أفضى الأمر إليه واستدلاله بذلك، فالوجه في تركه ردّ فدك هو الوجه في إقراره أحكام القوم وكفّه عن نقضها وتغييرها، وقد بيّنا ذلك فيما سبق وذكرنا أنّه كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية.1
وكم من أحكام بدعية في أيام الخلفاء، كإقامة صلاة التراويح جماعة، والإيراث بالعول والتعصيب إلى غير ذلك، لم يستطع الإمام(عليه السلام) أن يردّها إلى مواضعها حتى أنّه(عليه السلام) لما أرسل ولده الحسن(عليه السلام) إلى المسجد ليصدّ الناس عن إقامة النوافل جماعة في شهر رمضان ارتفعت أصوات المصلين بـ : «واعمراه»، فتركهم، ولو أنّ الإمام(عليه السلام) قام بردّ أرض فدك إلى أولاد فاطمة(عليها السلام) لارتفعت أصوات مقلّدة الخلفاء، كما قامت في غيرها، فرجّح الإمام تركها بحالها وأن يُسقي آخرها بكأس أوّلها.
هذا ما نقدّمه إلى مَن يستمع هذه البرامج وندعوه إلى القضاء، وأن يقتدي بقوله سبحانه:(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
جعفر السبحاني

1 . شرح نهج البلاغة:16/278.

صفحه 97
مع عثمان الخميس في ردّه على الشيعة في مفاد حديث الكساء   
4
مع عثمان الخميس
في ردّه على الشيعة
في مفاد حديث الكساء

صفحه 98

صفحه 99
بثّت قناة «وصال» حلقة جديدة من برنامج «شبهات وردود» وموضوع الحلقة ـ حسب تعبيرهم ـ هو الردّ على احتجاج الرافضة بحديث الكساء، وكان الشيخ عثمان الخميس. هو أحد المتحدّثين في هذا البرنامج.
وقد نقل الشيخ حديث الكساء عن صحيح مسلم، وقال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نادى عليّاً وفاطمة وأدخلهما تحت الكساء، ثم جاء الحسن ودخل تحت الكساء، ثم جاء الحسين ودخل هو كذلك معهم تحت الكساء.
وقال: عندما اجتمع الخمسة تحت الكساء رفع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يديه إلى السماء وقال: «اللّهم إنّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس، اللّهم طهرهم تطهيراً».
ثم وجّه اعتراضات أربعة:
1. أنّ الشيعة يعجزون عن إخراج سند صحيح لهذا الحديث ولا توجد رواية عندهم تروي هذا الحديث، فالحديث ثابت عندنا نحن أهل السنّة والجماعة.
2. ذهبت الشيعة إلى أنّ هذا الحديث خصّ السيدة فاطمة والإمام عليّاً والحسن والحسين(عليهم السلام)بأنّهم أهل البيت، وغيرهم

صفحه 100
خارج عن أهل بيت النبيّ، فلا يدخل أي فرد آخر في المعنى المراد من أهل البيت(عليهم السلام).
ثمّ ردّ عليه بأنّ هذا الأمر غير صحيح، وكمثال توضيحي لهذا الأمر عندما أقول: إنّ هؤلاء تلاميذي وأنا أقصد الحاضرين منهم، هذا لا يخرج التلاميذ الغائبين عن صدق قولي: تلاميذي عليهم، وهذا ما ثبت بالنصّ على أنّ هناك أهل بيت للنبي يصدق عليهم هذا القول، وهم لم يكونوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الكساء.
3. أنّ الشيعة يُدخلون باقي الأئمة من ولد الحسين (عليه السلام)(رغم أنّهم) لم يكونوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الكساء.
4. تقول الشيعة: إنّ أهل البيت معصومون منذ الولادة، فلو كانوا كذلك كيف يقول النبيّ في دعائه: طَهِّرهم تطهيراً، وهل هو إلاّ تحصيل الحاصل؟
وحاصل كلامه يتلخّص في محاور أربعة:
1. ليس عند الشيعة حديث صحيح حول أصحاب الكساء.
2. أنّ هذا الحديث لا يدلّ على اختصاص أهل البيت بأصحاب الكساء.
3. لو فرض اختصاص أهل البيت بأصحاب الكساء فلازم ذلك خروج بقية الأئمة عنهم.
4. لو كان الأئمة معصومين فكيف يطلب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لهم التطهير من الذنب ؟

صفحه 101
وقبل الإجابة عن شبهاته الّتي يكررها حيناً بعد حين، وكأنّه ليس للشيخ في هذه الظروف الحرجة أي أمر يهمّه سوى الردّ على الشيعة، وأحياناً بالافتراء عليهم؟! نقول:
سماحة الشيخ يقرأ القرآن الكريم والله سبحانه يذمّ التنابز بالألقاب ويقول: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ)1 أو ليست تسمية أُمّة كبيرة من المسلمين الّذين يوحّدون الله تبارك وتعالى، خلقاً وتدبيراً وتشريعاً وعبادة ويشهدون برسالة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وخاتميته ويصلّون ويصومون ويحجّون ـ تسمية هؤلاء ـ بالرافضة من قبيل التنابز بالإلقاب، وهو أمر محرّم، فكان اللازم على الشيخ أن يعبّر بالإمامية أو بشيعة أهل البيت، كما في ثنايا كلامه.
إذا وقفت على ذلك فلنرجع إلى دراسة المحاور الأربعة من كلامه.

المحور الأوّل: الشيعة وحديث الكساء

يقول: إن الشيعة يعجزون عن إخراج سند صحيح لهذا الحديث.
أقول: نحن نسأل الشيخ هل أحاط خُبراً بكتب الشيعة وأحاديثهم وفحصها فلم يجد فيها رواية صحيحة حول أصحاب الكساء؟! لا أظنّ أنّ الشيخ يجيب بنعم، وعلى كلّ تقدير فعلى

1 . الحجرات:11 .

صفحه 102
خلاف زعم الشيخ فإنّ الشيعة اهتمّوا بنقل هذا الحديث منذ القرون الأُولى إلى يومنا هذا، فقد عقد الكليني (المتوفّى 329 هـ) باباً نقل فيه حديث الكساء بأسانيد صحيحة،1 واستمر الاهتمام بنقل هذا الحديث من بعده، فنقل الحافظ ابن البطريق الحلّي (523 ـ 600 هـ) في أثره القيّم «عمدة عيون صحاح الأخبار» فصلاً في ذلك ونقل فيه 37 حديثاً من أعلام السنة .2
كما نقل المحدّث الخبير السيد هاشم البحراني في كتاب «غاية المرام» ما يتجاوز عن أربعين حديثاً من كتب أهل السنّة و 34 حديثاً من كتب الشيعة .3
ونقل المفسّر الكبير العلاّمة الحويزي في تفسيره نور الثقلين 25 حديثاً 4.
وروى الشهيد السعيد نور الله القاضي في كتابه «إحقاق الحقّ» حديث أهل الكساء من كتب أهل السنّة (حديثاً وتفسيراً وتاريخاً) وتجد في هوامش الكتاب استدراكات كثيرة على ما فات المصنّف.5

1 . الكافي:1/286، باب ما نصّ الله عزّوجل ورسوله على الأئمة واحداً فواحداً.
2 . العمدة: 75 ـ 90 .
3 . غاية المرام وحجّة الخصام: 3 / 193 ـ 211، طبعة بيروت.
4 . لاحظ: تفسير نور الثقلين: 4 / 270 ـ 277.
5 . إحقاق الحقّ: 2 / 502 ـ 544.

صفحه 103
ولنا رسالة باسم «أهل البيت سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم» حقّقنا فيها مفاد آية التطهير ونقلنا فيها ما يناهز 35 حديثاً ممّا رواه أعلام السنّة .
وقد قام ولدنا الروحي السيد علي الموحد الأبطحي بجمع كلّ ما رواه أعلام السنّة والشيعة حول آية التطهير ونشره في جزئين، باسم: «آية التطهير في أحاديث الفريقين».
وعلى ضوء هذا فالحديث متواتر عند الفريقين لا يحتاج إلى نقل حديث صحيح حوله، رغم وجود صحاح عندهم تتعلّق به، ومع ذلك كيف يطلب الشيخ منّا حديثاً صحيحاً حول الكساء ولقد بلغ الموضوع إلى حدّ يصحّ أن يقال: اطفأ المصباح فقد طلعت الشمس، ومع ذلك فنحن ننزل عند رغبة الشيخ فنذكر حديثاً صحيحاً، ونقول:
روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر، وعمران بن علي الحلبي، عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)، في حديث... قال: «لكن الله عزوجل أنزله في كتابه تصديقاً لنبيّه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)1 فكان عليّ

1 . الأحزاب: 33.

صفحه 104
والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام)فأدخلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الكساء في بيت أُم سلمة ثم قال: اللهم إن لكلّ نبي أهلاً وثقلاً وهؤلاء بيتي وثقلي» فقالت أُم سلمة: ألست من أهلك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي...».1
ونقل الكليني أيضاً ـ في نفس الباب ـ طريقين صحيحين لهذا الحديث تركنا ذكرهما روماً للاختصار.

المحور الثاني: حديث الكساء لا يختصّ بأهل البيت(عليهم السلام)

يقول: إنّ هذا الحديث لا يدلّ على اختصاص أهل البيت بأصحاب الكساء، مستشهداً بمثال قد عرفته.
أقول: لو أحاط الشيخ بكافّة طرق الحديث الّتي نقلها أعلام الحديث والتاريخ والتفسير لوقف على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قام بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة، وكان الغرض من اتّخاذ هذه الطرق المختلفة تخصيصه بهم:
تارة صرّح بأسماء مَن نزلت الآية بحقّهم حتّى يتعيّن المنزول فيه باسمه ورسمه.
وأُخرى قد أدخل جميع مَن نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء، ومنع من دخول غيرهم، وأشار بيده إلى السماء وقال:

1 . الكافي:1/288 ح 1، باب ما نصّ الله عزّوجل ورسوله على الأئمة واحداً فواحداً.

صفحه 105
«اللّهم إنّ لكلّ نبيّ أهل بيت، وهؤلاء أهل بيتي».
وثالثة: كان يمرّ ببيت فاطمة (عليها السلام)عدّة شهور، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
وبهذه الطرق الثلاثة حدّد أفراد البيت وعيّن مصاديقهم على وجه يكون جامعاً لهم ومانعاً عن غيرهم.
ولمّا كانت الروايات في كلّ طريق من هذه الطرق كثيرة، نقتصر في كلّ مورد بما نقله الطبري في تفسيره والسيوطي في درره، وفيهما كفاية عن ذكر سائر المصادر من الصحاح والسنن والمسانيد ولم نذكر كلّ ما رواه العلمان في تفسيرهما روماً للاختصار، وإليك البيان:

الطائفة الأُولَى: التصريح بأسمائهم

1. روى الطبري: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ، وفي عليّ (رضي الله عنه)، وحسن (رضي الله عنه)، وحسين (رضي الله عنه)، وفاطمة رضي اللّه عنها: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)».1
2. وعن أبي سعيد، عن أُم سلمة زوج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ هذه

1 . تفسير الطبري: 22 / 5، طبعة دار المعرفة، بيروت، 1400 هـ .

صفحه 106
الآية نزلت في بيتها (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)» قالت: وفي البيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه عنهم.1
3. روى السيوطي عن ابن مردويه، عن أُم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) وفي البيت سبعة: جبريل، وميكائيل(عليهما السلام)، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين (رضي اللّه عنهم); وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال: «إنّك إلى خير، إنّك من أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ».2
4. نقل عن ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) ، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي عليّ، وفاطمة، وحسن، وحسين (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).3

1 . تفسير الطبري: 22 / 7 .
2 . تفسير الدر المنثور: 6 / 604، طبعة دار الفكر، بيروت، 1403 هـ .
3 . تفسير الدر المنثور: 6 / 604.

صفحه 107

الطائفة الثانية: إدخالهم تحت الكساء

إدخالهم تحت الكساء أو «مرط» أو «ثوب» أو «عباءة أو قطيفة»: فقد وردت حوله هذه الروايات:
5. أخرج الطبري قال: قالت عائشة: خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات غداة وعليه مِرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).1
6. أخرج الطبري قال: عن أُمّ سلمة قالت: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عندي وعليّ وفاطمة والحسن والحسين فجعلت لهم حريرة فأكلوا وناموا وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة ثم قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».2
7. أخرج الطبري: عن أبي عمّار قال: إنّـي لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليّاً (رضي الله عنه)فشتموه، فلمّا قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، إنّي عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاءه عليّ وفاطمة وحسن وحسين فألقى عليهم كساء له ثم قال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».3

1 . تفسير الطبري: 22 / 5 .
2 . تفسير الطبري: 22 / 6 .
3 . تفسير الطبري: 22 / 6 .

صفحه 108
8. أخرج الطبري: عن أبي عمّار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدّث، قال: سألت عن عليّ بن أبي طالب في منزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاء، فدخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ودخلت، فجلس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليّاً عن يساره وحسناً وحسيناً بين يديه، فلفع عليهم بثوبه، وقال: « (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) اللّهم هؤلاء أهلي اللّهم هؤلاء أهلي».1

الطائفة الثالثة: تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم

9. أخرج الطبري: عن أنس، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)».(2)
10. أخرج الطبري: عن أبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) .2

1 . تفسير الطبري: 22 / 6 .   2 . تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 6 .
2 . تفسير الطبري: 22 / 6 .

صفحه 109
11. روى السيوطي: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسّنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه، عن أنس (رضي الله عنه) أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ بباب فاطمة (رضي اللّه عنها) إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: «الصلاة يا أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ».1
12. روى السيوطي: أخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: لما دخل علي (رضي الله عنه) بفاطمة (رضي اللّه عنها) جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين صباحاً إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته، الصلاة رحمكم اللّه (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم».(2)
13. روى السيوطي: أخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أبي الحمراء (رضي الله عنه) قال: حفظت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب عليّ (رضي الله عنه)فوضع يده على جنبّتي الباب ثم قال: «الصلاة الصلاة: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ». 2

1 . تفسير الدر المنثور: 6 / 605.   2 . تفسير الدر المنثور: 6 / 606.
2 . تفسير الدر المنثور: 6 / 606.

صفحه 110
14. روى السيوطي: أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهمـا ـ قال: شهدنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عند وقت كل صلاة، فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الصلاة رحمكم اللّه» كل يوم خمس مرّات. 1
15. روى السيوطي: أخرج الطبراني عن أبي الحمراء (رضي الله عنه) ، قال: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يأتي باب عليّ وفاطمة ستة أشهر فيقول: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(2)
أو ليس في هذه الأُمور الثلاثة دلالة على اهتمام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ببيان اختصاص الآية بالخمسة الطيبة. وكم فرق شاسع بين مورد الآية، والمثال الّذي تمسّك به، ولا نطيل الكلام في بيان الفرق خصوصاً بالنظر إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منع أُم سلمة من الدخول تحت الكساء قائلاً بأنّها من أزواج النبيّ لا من أهل بيته الوارد في الآية.
***

1 . تفسير الدر المنثور: 6 / 606.   2 . تفسير الدر المنثور: 6 / 607.

صفحه 111

المحور الثالث: حديث الكساء لا يشمل باقي الأئمة من ولد الحسين (عليه السلام)

هذه شبهة واهية أُخرى يثيرها الشيخ، وذلك لوجهين:
1. أن الشيعة يعتقدون بإمامة بقية الأئمة من ولد الحسين(عليه السلام)لأنّه قد تواترت روايات كثيرة على خلافة اثني عشر خليفة، وقد رواها أعلام السنّة والشيعة.
روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، قال: ثم تكلم بكلام خفي عليَّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش» .1
ومن المعلوم أنّ الأئمة الاثني عشر الّذين أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بإعزاز الإسلام بهم في غير واحدة من صور الحديث، لا ينطبق على مدّعي الخلافة من الأمويّين ولا العباسيّين ; لأنّهم سفكوا الدماء وقتلوا أسباط النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وظلموا الأُمّة الإسلامية وانتهكوا المحارم. وليس له مصداق سوى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الّذين اتّفقت كلمة المسلمين جميعاً على جلالتهم وطهارتهم وعلومهم وتفانيهم في إعلاء راية الدين.

1 . صحيح مسلم: 6 / 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، فقد أخرجه عن غير واحد من الطرق، ولاحظ : صحيح البخاري: 1812، برقم 7223، طبعة دار الفكر، بيروت، 1424 هـ .

صفحه 112
2. كما أنّ العصمة قد ثبتت لهم(عليهم السلام)، لأنّ عصمة الإمام ثابتة له بنصّ من الله سبحانه في الذكر الحكيم 1، كما ويدلّ عليها أيضاً العقل الحصيف.
فكلا الوصفين ، ثابتان في حقّ باقي الأئمة من دون حاجة إلى كونهم داخلين في مدلول الآية، أو أنّهم كانوا تحت الكساء.
***

المحور الرابع: حديث الكساء وعصمة الأئمة (عليهم السلام)

يقول: الشيعة الإمامية تقول بعصمة الأئمة فلو كانوا معصومين فلماذا يطلبها النبيّ لهم، وهل هذا إلاّ طلب الحاصل؟!
أقول: هذا الإشكال لا يختصّ بعثمان الخميس فله جذور في التاريخ، فهذا هو العلاّمة المجلسي ينقل الإشكال ويجيب عنه.
أمّا الإشكال فهو: إنَّ إذهاب الرجس لا يكون إلاّ بعد ثبوته، وأنتم قد قلتم بعصمتهم من أوّل العمر إلى انقضائه. وأمّا الجواب فهو: أنّ الإذهاب والصرف كما يستعمل في إزالة الأمر الموجود، يستعمل في المنع عن طريان أمر على محلّ قابل له، كقوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)(2) وتقول في الدعاء: صرف الله عنك كلّ سوء وأذهب عنك كلّ محذور.(3)

1 . لاحظ : سورة البقرة:124.      2. يوسف:24.   3. مرآة العقول:3/245 ـ 246.

صفحه 113
أقول: كيف غفل الشيخ عن أنَّ ما ذكره من الإشكال يرد على قول عامَّة المسلمين حيث يطلبون من الله سبحانه في الصلوات الخمس، هدايتهم إلى الصراط المستقيم، ويقولون: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، أو ليسوا هم على الصراط المستقيم، أو ليس هذا المطلب من قبيل طلب الحاصل؟!
والجواب في عامّة المقامات واحد، وهو طلب الاستمرار على الصراط المستقيم، فطلب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقاءهم على العصمة والطهارة، فإنّ عباد الله عامّة غير مستغنين عن تثبيت الله لهم على الهداية واستمرارهم عليها عبر حياتهم.
***
ثم إنّ الشيخ ذيّل كلامه بأمرين:

1. استغراب الخميس من انتساب الشيعة إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

قال: أنا لا استغرب هذه الأقوال من الشيعة لأنّهم يدّعون أُموراً كثيرة لا أساس لها من الصحّة، ومن هذه الأُمور كذلك ادّعاء السيادة والانتساب إلى نسل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنا أقول دائماً كيف يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عربياً في حين أَنَّ أكثر أولاده هم من الفرس والعجم؟
أقول: ما ذكره الشيخ من شيوع السيادة والانتساب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الفرس، نابع عن جهله بأنساب العترة الطاهرة في

صفحه 114
عامّة البلاد الإسلامية وغيرها، فقد أخبر سبحانه تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن تفضّله عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)وفسّر الكوثر بكثرة الأولاد بشهادة قوله آخر السورة (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) ، وقد عمّ الانتساب إلى شجرة النبوّة في كافّة البلاد، فكم من بيوت ينتمون إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في اليمن والمغرب ومصر وغيرها من البلدان، ولهم شجرة أنساب واضحة وصريحة بنسبهم.
وقد زرت بلد المغرب فلمست كثرة السادة الشرفاء المنتمين إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هناك. ولكن ادّعاء الشيوع بين الفرس والعجم، كذب من أصله وقد دلّت الإحصاءات على وجود أزيد من ستين مليون هاشمي في البلاد الإسلامية، أكثرهم من ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2. الشيعة والأخذ بروايات أهل السنّة

إنَّ الشيعة الإمامية لا يأخذون بروايات أهل السنّة، إلاّ أنّهم إذا وجدوا أمراً يخصّهم ويخدم مصلحتهم يأخذونه ويحتجّون به، فأين الإنصاف ؟
أقول: الظاهر أنَّ الشيخ لم يطالع الكتب الاستدلالية للشيعة الإمامية في مجالي الفقه والعقائد، فإنَّ الحجّة عندهم قول الثقة من غير فرق بين أن يكون شيعياً أو غير شيعي، ولذلك يحتجّون بقسم من الروايات المروية في الصحاح والمسانيد، إذا كان الراوي ثقة أو

صفحه 115
دلت القرائن على صدور الرواية .
وأعجب منه كلامه الآخر: أنّ الشيعة لا يحتجّون بأحاديث أهل السنّة ولكن إذا وجدوا رواية تخدم مصلحتهم يحتجّون بها.
أقول: وأي عيب في ذلك وهم يصدرون في عملهم هذا عن قوله سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ )1. أو ليس الجدل بالتي هي أحسن ممّا دعا إليه الكتاب والسنّة وعليه جرت سيرة علماء الإسلام في عامّة الاعصار.

ممازحة الشيخ في آخر مقاله

ثم إنّ الشيخ عثمان يعتقد بوجود الأحقاد في قلوب الشيعة على العرب كما هو صريح كلامه حيث يقول: (إنّ هذا الأمر لا يعقل أنّ الأحقاد الّتي في قلوب الشيعة من العرب هي الّتي تجعلهم يدّعون مثل هذه الادّعاءات).
أقول: أوّلاً: إنَّ الشيخ حصر الشيعة في الفرس والعجم وكأنّه ليس في تركيا، ولا في العراق، ولا في سوريا، ولا في اليمن، ولا في مصر، ولا في لبنان، ولا في المغرب، ولا في الجزائر ولا ولا، أي شيعي من أصل عربي، فكأنّ الشيعة عنده هم العجم فقط، كيف والشيعة ربع المسلمين، قاطنين في البلاد الإسلامية قاطبة؟!

1 . النحل: 125.

صفحه 116
ثانياً: قد افترى على شيعة إيران بوجود الحقد في قلوبهم على العرب، ونسأل الشيخ لو كان مطّلعاً على أخبار غزّة في الأيام الأخيرة، لعرف مَن الّذي نصرهم وزوّدهم بالصواريخ الّتي أخرست إسرائيل وحطّمت القبّة الفولاذية الّتي كانت تفتخر بها أنّها لا تخرق؟ وهل نصرهم في ذلك أصحاب الجلالة أو رؤساء الدول العربية أو أُمراؤهم الّذين كانوا يتفرّجون على مذابح الأطفال والعزّل من النساء والرجال وهم في قصورهم متنعمون، ووعّاظ السلاطين يكيلون لهم المدح والتقديس في خطبهم.
شيخنا: قليلاً من الإنصاف والمروءة في الأحكام الّتي تصدرها!!
***

وقفة أُخرى مع الشيخ الخميس

إنّ الشيخ الخميس ـ وفي برنامج آخر من برامج قناة وصال أيضاً ـ يقول: إنّه لقى شيعياً يقول بكفر يزيد لأجل أنّه قتل الحسين (عليه السلام)، فرّد عليه بأنَّ الحسين جزء من الثقل الأصغر، والقرآن هو الثقل الأكبر، فكيف لا تكفّر مَن قال بتحريف القرآن (الثقل الأكبر) وشكّك فيه، وهو الّذي نصّ فيه بأنّه محفوظ لا يمكن تغييره وتحريفه.

صفحه 117

الشيعة وتكفير يزيد

أقول: لا أدري كيف جرى الحجاج بينه وبين هذا الشيعي، ولكن الشيعي المطّلع على التاريخ والسير، يعلم أنّ يزيد الخميّر قد كفر بارتداده عن الدين، وعدائه للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
هذا هو مولانا الإمام الحسين (عليه السلام)سبط النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لمعاوية لمّا أراد أخذ البيعة له: «تريد أن توهم الناس، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ يزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف وضروب الملاهي، تجده باصراً، دع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه».1
وهذا يكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد، ونزيد بياناً بما ذكره الطبري في تاريخه، قال: وفي هذه السنة ]يعني سنة 284 هـ [عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس، وإليك ما جاء في الكتاب الّذي أنشأ للمعتضد بالله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله العلي العظيم، الحليم

1 . الإمامة والسياسة لابن قتيبة:1/161، طبعة مؤسسة الحلبي، وغيره من المصادر.

صفحه 118
الحكيم، العزيز الرحيم... إلى أن قال في حق ابنه يزيد:
ومنه إيثاره بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمّير صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة; وهو يعلم سفهه، ويطّلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكرانه وفجوره وكفره ; فلمّا تمكّن منه ما أمكنه منه، ووطأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين، فأوقع بأهل الحرّة الوقيعة الّتي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش ممّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد نفسه وغليله، وظَنَّ أنْ قد انتقم من أولياء الله وبلغ النوى لأعداء الله، فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه :
ليتَ أشياخي ببدر شهدوا *** جزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأسَلْ
قد قتلنا القَرمَ من ساداتكم *** وعدَلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ
فأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لَعَبَتْ هاشمُ بالمُلكِ فلا *** خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزَلْ1

1 . يدّعي الخميس وأضرابه أنّ الشيعة ـ ولأجل تشويه صورة يزيد في الأذهان ـ ينسبون إليه هذا الشعر .
أقول: هل أنّ المعتضد أو الطبري من الشيعة، وذلك حينما قالا: «فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه)، ولو صحّ أنّ الأبيات لغيره، فإنشاده لها يثبت كفره أيضاً.

صفحه 119
هذا هو المروق من الدين، وقول مَن لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله. ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم، سفكه دم الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مع موقعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل وشهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة اجتراء على الله، وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتث أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدّ له من عذابه وعقوبته ما استحقّه من الله بمعصيته.1
***

الشيعة وتحريف القرآن

وإمّا ما يوجد في بعض الروايات من الإشعار بالتحريف فهو إمّا مؤوّل بالتفسير، أو مردود مخالف للقرآن الكريم وإجماع المسلمين، ولو أراد الشيخ أنْ يقف على آراء الشيعة في مسألة التحريف فليرجع إلى الكتب التالية:

1 . تاريخ الطبري: 8 / 187 ـ 188، طبعة مؤسسة الاعلمي، بيروت.

صفحه 120
1. التحقيق في نفي التحريف، للسيد علي الميلاني.
2. صيانة القرآن من التحريف، للشيخ محمد هادي معرفة.
3. البيان في تفسير القرآن، للسيد الخوئي.
4. الميزان في تفسير القرآن (الجزء 12)، للسيد الطباطبائي.
5. النص الخالد لم ولن يحرّف أبداً، للسيد علي الموسوي الدارابي (إصدار مجمع البحوث الإسلامية في مشهد ـ إيران، 1433 هـ ).
وقد ذكر مؤلّف الكتاب الأخير من نصوص أهل البيت(عليهم السلام)إلى الإمام العسكري (عليه السلام)ما يدلّ على رفضهم التحريف، ثم ذكر 114 نصّاً من علماء الشيعة الدالة على نفي التحريف، كما ذكر 11 نصاً من علماء السنّة الّذين صرّحوا ببراءة الشيعة من القول بالتحريف.
ولو صحّ تكفير مَن قال بالتحريف فللشيخ أنْ يكفّر كلّ من قال بالتلاوة المنسوخة من الآيات، فإنَّ القول بها عبارة أُخرى عن التحريف وإلقاء ستر على عوار هذا القول المضاد لكتاب الله العزيز، فيُسأل لماذا نسخت تلاوة هذه الآيات وبقيت تلاوة سائر الآيات المنسوخة؟ فهل نسخت لأجل نقص في صياغتها أو في محتواها؟ والله سبحانه منزّه من أنْ يُنزل آية دون حد الإعجاز ، والمحتوى بعد باق كآية الرجم .
وهل الشيخ يكفّر مَن كان يقول: إيّاكم أن تهلكوا عن آية

صفحه 121
الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ورجمنا، والّذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله تعالى لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فإنّا قد قرأناها.1
وفي صحيح البخاري، قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتّى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله.2
أو هل يكفّر مَن قال: إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: ألاّ ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إنّ كفّراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم.3
أو هل يكفّر مَن قال لأُبيّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدناه من كتاب الله؟ فقال أُبيّ: بلى.4 والقائل في هذه المواضع الثلاثة هو عمر بن الخطاب.
أو هل يكفّر مَن قال: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفّي رسول الله

1 . فتح الباري: 12 / 127 .
2 . صحيح البخاري: 1712، برقم 6829، باب الاعتراف بالزنا، كتاب الحدود.
3 . صحيح البخاري: 1713، في ذيل الحديث 6830، باب رجم الحبلى من الزنا إذا احصنت.
4 . تفسير الدر المنثور: 1 / 106 .

صفحه 122
وهنّ فيما يقرأ من القرآن.1 والقائل هي عائشة أُم المؤمنين.
اللّهم إنا نشهد إنَّ هذه الآيات أُلصقت بالقرآن الكريم، وليست هي منه، ومَن نظر في صميم جملها وصياغتها، يقف على أنّها من كلام البشر ولا صلة لها بالكتاب العزيز، ولذلك قلنا في صدر هذا المقال: إن جمهور المسلمين متّفقون على عدم التحريف، فلو ذهب شُذّاذٌ من الفريقين، فهو محمول على التفسير، أو مطروح لمخالفته الذكر الحكيم واتّفاق المسلمين.
(فَبِأَي حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)2
جعفر السبحاني

1 . صحيح مسلم: 4 / 167، باب التحريم بخمس رضعات.
2 . المرسلات: 50 .

صفحه 123
البداء حقيقة قرآنية   
5
البداء
حقيقة قرآنية

صفحه 124

صفحه 125
 
نُشر في موقع البرهان مقالٌ حول البداء عند الإمامية، وممّا جاء في مقدّمة هذا المقال، قوله:
] تحتّل مسألة البداء مكانة رفيعة في عقيدة الإمامية الإثني عشرية، حتى لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب عقائدهم، وجاءت الروايات الكثيرة في كتبهم الحديثية بتعظيم هذه العقيدة.
وفي المقابل فقد لقيت هذه العقيدة هجوماً عنيفاً ونقداً كبيراً من معظم فرق المسلمين، وشنّعوا بها على الإمامية.
ولما نرى أيّها القارئ من خطورة هذا التناقض في هذه العقيدة وكون الفريقين فيها على طرفي نقيض، كان من الأهمية بمكان أن نستجلي الحقيقة فيها، وذلك أنّ مسلك النظر الحيادي في كلا القولين والإنصاف المستلزم لترك التعصب، هو المسلك الحق والطريق المرضي [.
***
ربّما يتصوّر القارئ أنّ لكلام كاتب المقال مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، وأنّه درس الموضوع مجانباً التعصّب والتقليد، ولكنّه في الحقيقة كتب مقالاً صفراً من الإنصاف، بشهادة أنّه لم

صفحه 126
يبيّن حقيقة البداء عند الشيعة الإمامية، وإنّما عطف النظر إلى المسائل الجانبية، ولو أنّه نظر إلى ما ذكره أعلام الشيعة أو إلى ما ذكرناه في كتابنا: «البداء في ضوء الكتاب والسنّة» لأذعن ـ كما أذعن بعض أهل السنّة ـ أنّ البداء بالمعنى الذي تعتقده الإمامية، حقيقة قرآنية وعقيدة نصّ عليها النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واحد من أقواله الشريفة.
ويا للأسف أنّ الرادّين على عقيدة البداء ركّزوا على لفظه الذي هو بمعنى الظهور بعد الخفاء الممتنع على الله سبحانه، وغفلوا عن حقيقته وواقعه، وأنّ إطلاق البداء هنا ليس بمعناه الحقيقي وإنّما استعمل بعناية خاصّة، تبعاً لما جاء في أقوال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي استعمل عبارة «بدا لله» في حديث الأبرص والأقرع والأعمى، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «بدا لله في أبرص وأقرع وأعمى» وقد رواه البخاري في صحيحه، وسنذكر فيما بعد نصّ الحديث.1
ونحن نركّز في هذا المقال على أمرين، ونترك المسائل الجانبية التي ذكرها صاحب المقال إلى مجال آخر، وقد أجبنا عنها جميعاً في رسالتنا المعنونة: «البداء في الكتاب والسنّة» 2.

1. لاحظ : صحيح البخاري: 852 برقم 3464، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع من بني إسرائيل.
2 . المطبوعة عام 1430 هـ ، ضمن سلسلة: نحو قراءة جديدة للعقائد.

صفحه 127

1. حقيقة البداء

حقيقة البداء عند الشيعة الإمامية كلمة واحدة وهي إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو بالأعمال الطالحة، وأنّه ليس للإنسان تقدير واحد محتّم لا يتغيّر ; بل بيده إبدال تقدير مكان تقدير آخر لكن على ضوء الأعمال التي يقوم بها، سواء أكان صالحاً أم طالحاً.
هذه هي حقيقة البداء، دون زيادة أو نقيصة، فمن يريد أن يؤيّد تلك العقيدة أو يردّ عليها، فليجعل هذا التعريف منطلقاً له في التأييد أو الرد ولا يخرج منه.
والدليل على أنّ الإنسان قادر على تغيير مصيره، الآيات القرآنية الكثيرة التي تجاهل ذكرها صاحب المقال، ومنها:
1. قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).1
2. وقوله سبحانه:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).2

1 . الأعراف: 96.
2 . نوح: 10 ـ 12.

صفحه 128
3. وقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).1
4. وقوله سبحانه:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ...).(2)
5. وقوله سبحانه:(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ).(3)
6. قوله سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).2
7. وقوله سبحانه:(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ).(5)
8. وقوله سبحانه:(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ).(6)
9. وقوله سبحانه: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين).(7)
إنّ هذه الآيات تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثرة في مصير الإنسان، وأنّه يستطيع بعمله الصالح تغيير التقدير وتبديل

1 . الرعد: 11.      2. الأنفال: 53.    3 . الطلاق:2ـ3.
2. إبراهيم:7.    5. الأنبياء:76.      6. الأنبياء:83 ـ 84 .   7 . الصافات:143 ـ 146.

صفحه 129
القضاء ـ غير المبرم ـ لأنّه ليس في أفعال الإنسان الاختيارية مقدّر محتوم حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.
ما ذكرناه حقيقة قرآنية، ونرى مثلها في السنّة النبوية فهي تؤيّد أنّ للإنسان إبدال تقدير مكان تقدير آخر بالأعمال الصالحة، ونقتصر بذكر القليل من الكثير.
1. أخرج الحاكم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ينفع الحذر عن القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر».1
2. أخرج ابن سعد وابن حزم وابن مردويه عن الكلبي في الآية (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)(2) قال: «يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه»، فقيل له: مَن حدّثك بهذا؟ قال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
3. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ (عليه السلام) أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذه الآية فقال له: «لأقرّنّ عينيك بتفسيرها، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء».2

1 . تفسير الدر المنثور:13/660، طبعة دار الفكر، بيروت، 1403هـ .   2 . الرعد:39.
2 . تفسير الدر المنثور: 13 / 661 .

صفحه 130
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في كتب التفسير والحديث خصوصاً في آثار الدعاء والإنابة.
هذه هي حقيقة البداء كتاباً وسنّة، وهذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في البداء، فهل يمكن لمسلم مؤمن بالقرآن والسنّة أن ينكر هذه الحقيقة ويعتقد خلاف ذلك، حتى يقع في عداد اليهود الذين أنكروا البداء بهذا المعنى وقالوا: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) فردّ عليهم سبحانه بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ).1

الأثر البنّاء للبداء

إنّ الاعتقاد بالبداء له آثار تربوية، فإنّ الإنسان إذا اعتقد بأنّه إذا عصى وحُكم عليه بدخول النار لا يهتمّ بإصلاح حاله في مستقبل أيام عمره، وذلك لاعتقاده بأنّ التقدير الأوّل ينفذ في حقّه، سواء أعمل صالحاً أم طالحاً، وهذا يوجب توغّله في المعاصي طول حياته; وأمّا إذا اعتقد أنّ الله سبحانه هو الرؤوف الرحيم، فلو أصلح حاله في المستقبل فسوف يصلح الله له تقديره ويغيّره بنحو يتناسب مع عمله الصالح.
ولذلك ينادي الله سبحانه عباده بقوله: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).(2)

1 . المائدة:64.   2 . الزمر:53.

صفحه 131

الحوادث الّتي بدا لله تعالى فيها

ربّما أخبر أنبياءُ الله(عليهم السلام) عن وقوع حادثة في المستقبل ولكنّها لم تقع،وذلك كالقضايا التالية التي نرى إخبار الأولياء وعدم وقوعها تالياً، وما ذلك إلاّ لأنّ المورد غيّر تقديره بالعمل الصالح ولولاه لوقع ما أخبر به النبيّ. وسنشير إلى موارد منها:

1. رفع العذاب عن قوم نبي الله يونس(عليه السلام)

أخبر يونس قومه بنزول العذاب ثم ترك القوم وكان في وعده صادقاً معتمداً على مقتضي العذاب الذي اطّلع عليه، لكن نزول العذاب كان مشروطاً بعدم المانع، أعني: التوبة والتضرّع، إذ مع المانع لا تجتمع العلّة التامّة للعذاب، قال سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين).1

2. الإعراض عن ذبح إسماعيل

ذكر القرآن الكريم أنّ إبراهيم(عليه السلام) رأى في منامه أنّه يذبح ابنه إسماعيل، وأعلمه بذلك، ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه على طاعة الله وطاعة أبيه، وقال كما عبّر القرآن الكريم:

1.يونس:98، ولاحظ ما ذكر حول قصة يونس(عليه السلام) في تفسير الدر المنثور:7/121، 122.

صفحه 132
(إنِّي أَذْبَحُكَ)وهذا القول يحكي عن حقيقة ثابتة وواقعية مسلّمة.
إلاّ أنّ ذلك الأمر لم يتحقّق ونسخ نسخاً تشريعياً، كما لم يتحقّق ذبح إبراهيم إسماعيل في الخارج فكان نسخاً تكوينياً.وهذا هو الذي ورد في سورة الصافات.1

3. إكمال ميقات موسى(عليه السلام)

ذكر المفسّرون أنّه سبحانه واعد في الميقات موسى ثلاثين ليلة لأخذ التوراة، فصامها موسى(عليه السلام)وطواها، فلمّا تمّ الميقات أمره الله تعالى أن يُكملها بعشر، قال سبحانه:(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).(2)
ففي هذه القصة إخباران:
إنّه يمكث في الميقات ثلاثين ليلة، ثم نسخه بخبر آخر بأنّه يمكث أربعين ليلة، وكان موسى(عليه السلام) صادقاً في كلا الإخبارين، حيث كان الخبر الأوّل مستنداً إلى جهات تقتضي إقامة ثلاثين ليلة، لولا طروء ملاك آخر يقتضي أن يكون الوقوف أزيد من ثلاثين.2
هذه جملة من الحوادث التي تنبّأ أنبياء الله بوقوعها، وجاء خبرها في الذكر الحكيم إلاّ أنّها لم تقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا لله

1. لاحظ : سورة الصافات: الآيات 101ـ 111.   2 . الأعراف:142.
2. لاحظ : تفسير الدر المنثور:3/335.

صفحه 133
فيها، وسيوافيك وجه استعمال هذه الصيغة في المقام، فانتظر.
هذا ما في القرآن العزيز، وأمّا ما ورد في الروايات الصحيحة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإليك شيئاً منها.
1. مرّ يهوديّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: السام عليك، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)له:«وعليك» فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك؟ فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «وكذلك رددت» ثمّ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: «إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله»، فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثم لم يلبث أن انصرف.
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ضعه»، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا يهوديّ ما عملت اليوم» قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بها دفع الله عنه»، وقال:«إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».1
2. مرّ المسيح(عليه السلام) بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلتها هذه، فقال: يُجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فلمّا أصبحوا وجدوها على حالها،

1. بحارالأنوار:4/121.

صفحه 134
ليس بها شيء، فقالوا: يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميتة لم تمت، فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة، فننيله ما يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّي عن مجلسك; فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، قال(عليه السلام): «بما صنعت صُرف عنك هذا».1
هذا كلّه حول الأمر الأوّل الذي يتضمّن بيان حقيقة البداء الذي تعتقده الشيعة والمسلمون عامّة بشرط أن يقفوا على هذا المعنى، وما ذكرناه من المعنى للبداء قد نصّ عليه علماء الشيعة منذ عصر الصدوق حتى يومنا هذا.2

2 . ما هو معنى: «بدا لله» في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

هذا هو الأمر الثاني الّذي أردنا دراسته وهو سبب التعبير بالبداء عن هذه الحقيقة القرآنية الناصعة.
لا شكّ أنّ إطلاق البداء على الله سبحانه بمعنى الظهور بعد

1 . بحارالأنوار:4/94.
2. لاحظ: عقائد الإمامية للصدوق المطبوع في ذيل الباب الحادي عشر:73، وأوائل المقالات للشيخ المفيد:53، ورسائل الشريف المرتضى: 117، المسألة الرازية، المسألة 5، وعدّة الأُصول للشيخ الطوسي:2/29، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 263، ونبراس الضياء للسيد المحقق الداماد:56، وأجوبة مسائل جار الله للسيد عبدالحسين شرف الدين:101ـ 103.

صفحه 135
الخفاء أمر باطل لا يستعمله إلاّ الجاهل، لأنّ الله سبحانه عالم بكلّ شيء قبل أن يخلق ومع الخلق وبعده، ويستحيل أن يوصف أنّه بدا لله أي ظهر له بعد الخفاء.
وأمّا وجه التعبير عن هذه الحقيقة بهذا اللفظ الذي يمتنع وصفه سبحانه به بالمعنى الحقيقي فلأجل أمرين:
1. أنّ الشيعة الإمامية قد اقتفت أثر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في نسبة البداء إلى الله سبحانه حيث أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: أنّه سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرصَ، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك الله لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قد قذرني الناس ; قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إليّ

صفحه 136
بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذّرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله، ثمّ بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجحدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.1

1. صحيح البخاري: 852 ، برقم 3464، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل.

صفحه 137
هذا هو تعبير الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون جميعاً مأمورون بالاقتداء به وبأقواله، قال الله تعالى:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا).1
2. أنّ إطلاق هذا اللفظ يأتي من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّه سبحانه في مجالات خاصّة يعبّر عن فعله بما يعبّر به الناس عن أفعالهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية، وهذا ما نقرأه في الآيات التالية:
أ. قال سبحانه:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ).2
ب. وقال سبحانه: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).3
ج. وقال سبحانه: (وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).4
إذ لا شكّ أنّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّ هذا

1. الأحزاب:21.
2. النساء:142.
3. آل عمران:54.
4. الجاثية:34.

صفحه 138
من صفات الإنسان الضعيف، إلاّ أنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الناس من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه وبالتالي عن جنته ونعيمها.
3. إنّ اللام في قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بدا لله» هي بمعنى «من» أي بدا من الله للناس، يقول العرب: قد بدا لفلان عمل صحيح، أو بدا له كلام فصيح، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللام مقام «من»، فقولهم: بدا لله، أي بدا من الله سبحانه للناس.
فعلى ضوء هذه الجهات يصحّ إطلاق «البداء» على الله سبحانه ووصفه به، حتّى لو قلنا بتوقيفية الأسماء والصفات، وما ينسب إليه تعالى من الأفعال، لوروده في الحديث النبويّ كما عرفت.
***
هذه هي حقيقة البداء وأثره البنّاء في تربية الإنسان على النهج الإسلامي الصحيح، واتّضح للقارئ الكريم وجه استعمال هذا اللفظ لبيان هذه الحقيقة.
وكما قلنا فمن أراد الردّ أو تأييد هذه الحقيقة فليبحث في هذا الإطار ويترك الأُمور الجانبية المتعلّقة بالموضوع، والتي صعب على المستشكل فهمها لو صحّ سندها ومنها:
1. ما نُسب إلى الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«ما بدا لله بداءٌ كما بدا

صفحه 139
له في إسماعيل».
2. ما نسب إلى أمير المؤمنين علي(عليه السلام) حيث أخبر بحصول الرخاء بعد سبعين عاماً، ولم يقع.
وقد درسنا هذه الأحاديث سنداً ودلالة في محاضراتنا حول «البداء» التي دوّنها العلاّمة الحجّة الشيخ جعفر الهادي، فللكاتب أن يرجع إلى تلك الرسالة حتى لا يطول مقامنا مع القرّاء.
***

الناس أعداء ما جهلوا

ومن أعجب ما رأيت حول البداء مقال آخر كتبه الشيخ إبراهيم الجنادي حيث قال: البداء عند الشيعة فكرة يهودية مستوردة.
والحق أن يقال: إنّ الناس أعداء ما جهلوا، والمسكين غير عارف بأنّ الإيمان بالبداء على طرف النقيض من عقيدة اليهود حيث إنّهم أنكروا النسخ بتاتاً، ومن المعلوم أنّ البداء في التكوين كالنسخ في التشريع، فهم ينكرونهما جميعاً، فلو أراد الكاتب التفصيل فليرجع إلى تفسير قوله سبحانه:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ
كَيْفَ يَشاء وَلَيَزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إَلْيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَداوةَ وَالْبَغْضاءَ إلى يَوْمِ الْقِيامةِ كُلَّما أوقَدُوا ناراً

صفحه 140
لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ وَيَسْعَونَ فِي الأرْضِ فَساداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدينَ).1
والعجب أنّ الكاتب عنون مقاله بقوله:«فهل للعقول أن تتحرّر» فنقول: نعم عقول الشيعة تحرّرت منذ عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وأخذوا بما في الكتاب العزيز والسنّة النبوية، وأمّا غيرهم ممّن لم يقرأ شيئاً من عقائد الشيعة ولا سائر الطوائف فهو من رماة القول على عواهنه، فأخذ ينسب القول بالبداء إلى اليهود، وهم على جانب النقيض من تلك العقيدة.

1. المائدة:64.

صفحه 141
الشيعة الإمامية في الفروع والأُصول على ما عليه آل الرسول   
6
الشيعة الإمامية في الفروع والأُصول
على ما عليه آل الرسول

صفحه 142

صفحه 143
إدعى ضيف إحدى الفضائيات في بعض الحلقات أن ما رواه الشيعة الإمامية من أحاديث غير ثابتة عن أئمتهم واستند في ذلك إلى أمرين:
1. أنّهم لم يأخذوا بما في مسند زيد بن علي الثائر، وقد اجبنا عن هذه الشبهة بحيث لم يبق لمشكك شك، ولا لمرتاب ريب.
2. تقليل الرواية عن علي (عليه السلام)، قائلاً: (بأن الشيعة الإمامية لمّا لم يجدوا في علم علي ما يسعفهم في تمييز التشيّع وإفراده كمدرسة عن مدرسة أهل السنة والجماعة، بل وجدوا ان فقه علي وعلمه يطابق كثير ما عليه الصحابة ولهذا أهملوا علم علي وفقهه واقتصروا على النزر اليسير).
أقول: ربما يتصور القارئ أن لكلام هذا الضيف مسحة حق أو لمسة صدق، مع أنّه صفر عن البرهنة والاستدلال ، كما سيتضح. أضف إلى ذلك أنّه يتهم الشيعة بتلك التهمة الباطلة ولا يذكر أي دليل لمدعاه ولا يعتمد على أي مصدر لكلامه من كتب معتبرة، بل ولا غير المعتبرة. وسيوافيك أن الشيعة الإمامية عن بكرة ابيهم اكبّوا على أخذ العلم عن علي (عليه السلام)أكثر من غيرهم حتّى في الظروف

صفحه 144
القاسية، يقول الأُستاذ أبوزهرة:
«يجب علينا أن نقرّ هنا أن فقه عليّ وفتاويه وأقضيته لم ترو في كتب السنة... وكان أكثر الصحابة اتّصالاً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد رافق الرسول وهو صبيّ قبل أن يبعث، واستمرّ معه إلى أن قبض الله تعالى رسوله إليه، ولذا كان يجب أن يذكر له في كتب السنّة أضعاف ما هو مذكور فيها.
وإذا كان لنا أن نتعرّف على السبب الّذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويّات عليّ وفقهه فإنّا نقول: إنّه لابدّ أن يكون للحكم الأُموي أثر في اختفاء كثير من آثار عليّ في القضاء والإفتاء; لأنّه ليس من المعقول أن يلعنوا عليّاً فوق المنابر وأن يتركوا العلماء يتحدّثون بعلمه وينقلون فتاويه وأقواله للناس، وخصوصاً ما كان يتّصل منها بأساس الحكم الإسلامي...».1
كيف يمكن أن يكون الشيعة معرضين عن علم علي إلاّ في النزر اليسير، مع أنّهم رووا عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» .
وما إدّعاه القائل من اتهام الشيعة بقلة الرواية عن علي (عليه السلام)على طرف النقيض ممّا ذكره الأُستاذ مصطفى عبدالرزاق في سبق الشيعة إلى تدوين الحديث قبل سائر الطوائف والفرق، حيث قال:

1 . الإمام الصادق (عليه السلام): 162 .

صفحه 145
ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الأحكام الشرعية أسرع إلى الشيعة لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو ما يشبه العصمة كان حريّاً أن يسوقهم إلى الحرص على تدوين أقضيتهم وفتاواهم.1
كفى الشيعة فخراً أن عند أئمتهم (كتاب علي) وهو كتاب عظيم بخط علي وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويعبر عنه أيضاً بالجامعة.
روى النجاشي في ترجمة محمد بن عُذَافر عن عُذافر الصيرفي قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر(عليه السلام) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر(عليه السلام) له مُكْرماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «يابنيّ قم، فأخرجْ كتاب عليّ»، فأخرَجَ كتاباً مدروجاً عظيماً وفتحه (ففتحه) وجعل ينظر فيه حتّى أخرج المسألة. فقال أبو جعفر(عليه السلام): «هذا خط علي(عليه السلام) وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)». وأقبل على الحَكم وقال: «يا أبا محمد إذهب أنت وسَلَمَه وأبو المِقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل(عليه السلام) ».2
ولقد كان للإمام علي (عليه السلام)صحابة أصفياء عُرفوا بشيعة علي، حتّى في حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد اقتفوا أثره في كافة

1 . التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبدالرزاق: 220 .
2 . رجال النجاشي: 360، برقم 966 .

صفحه 146
المجالات، فدونوا ما سمعوه عن إمامهم من الخطب والحكم والمواعظ والأحكام، وغيرها، فصارت رسائلهم في ذلك العهد مصدراً لمن أتى بعدهم، وها نحن نذكر عدداً من هؤلاء الّذين دونوا كلمات الإمام (عليه السلام):

1. أبو رافع

وأبو رافع: مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، له كتاب السنن والأحكام والقضايا، روى فيه عن علي (عليه السلام)، يشتمل على أبواب الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا.1

2. عبيد الله بن أبي رافع

وكان من خواص أصحاب الإمام علي (عليه السلام)وكاتبه وقد شهد معه حرب الخوارج بالنهروان، ذكر له الشيخ الطوسي كتابين: كتاب قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)يعني أقضيته في المحاكمات والمرافعات، وكتاب من شهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام)الجمل والنهروان من الصحابة، ثم ذكر سنده إلى الكتابين.2

3. ربيعة بن سُميع

كان ربيعة بن سُميع من خيار التابعين من صحابة الإمام

1 . رجال النجاشي: 4، برقم 1 .
2 . رجال النجاشي: 6، برقم 2 ; الفهرست للطوسي: 174، برقم 467 .

صفحه 147
علي (عليه السلام)، قال النجاشي: أن له كتاباً في زكوات الأنعام يرويه عن أمير المؤمنين (عليه السلام).1

4. الأصبغ بن نباتة

الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي كان ناسكاً عابداً من خواص أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)شهد معه وقعة صفين، وعمّر بعده، قال النجاشي والطوسي: أن الاصبغ روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)عهده إلى مالك الأشتر لما ولاّه، ووصيته إلى ابنه محمد بن الحنفية، ثم ذكرا سنديهما إلى الأصبغ بالعهد والوصية.2

5. الحارث الأعور الهمداني (المتوفى 65 هـ)

وهو أحد الاصفياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، روى ابن سعد باسناده عن علباء بن أحمر: أنّ علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: مَنْ يشتري علماً بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفاً بدرهم، ثم جاء بها عليّاً، فكتب له علماً كثيراً.3
قال الذهبي: كان الحارث من أوعية العلم ومن الشيعة الاُول.4

1 . رجال النجاشي: 7 برقم 3 .
2 . لاحظ : رجال النجاشي: 8 ، برقم 5 ; الفهرست للطوسي: 85 ، برقم 119 .
3 . طبقات ابن سعد: 6 / 168 .
4 . سير أعلام النبلاء: 4 / 152، برقم 54 .

صفحه 148

6. عبيد الله بن الحر الجعفي (المتوفّى 68 هـ)

وصفه النجاشي بقوله: الفارس الفاتك الشاعر له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين (عليه السلام).1
وقال ابن أبي حاتم: روى عن علي (عليه السلام)، روى عنه: سليمان بن يسار وعمر بن حبيب .2

7. ميثم التمّار (المتوفى 60 هـ)

وهو ميثم بن يحيى التمّار الأسدي بالولاء، أبو صالح الكوفي، من اعاظم الشهداء وأوائلهم في التشيّع، وكان عبداً لأمرأة من بني أسد اشتراه علي منها واعتقه، فكان من خيار أصحابه3، وكان خطيباً متكلماً مفسّراً، وله كتاب.
عن صالح بن ميثم التمّار، قال: وجدت في كتاب ميثم: يقول تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال لنا: «ليس من عبد امتحن الله قلبه بالإيمان إلاّ أصبح يجد مودتنا في قلبه»... الحديث.4

1 . رجال النجاشي: 9 برقم 6 .
2 . الجرح والتعديل: 5 / 311، الترجمة: 1480 .
3 . رجال البرقي: 36 برقم 17، وصفحة 60 برقم 4; الارشاد للمفيد: 170.
4 . الأمالي للشيخ الطوسي: 148، الحديث 243; بشارة المصطفى لعماد الدين الطبري: 143، الحديث 94 (الجزء الثاني) طبع 1422 هـ .

صفحه 149

7. زيد بن وهب

هو زيد بن وهب الجهني ابو سليمان الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهاجر إليه، فقبض وزيد في الطريق، وهو معدود في كبار التابعين في الكوفة .1
ولزيد بن وهب كتاب خطب أمير المؤمنين في الجمع والأعياد وغيرها، ذكره بسنده إليه الشيخ الطوسي.2
ما ذكرناه عدد يسير من أوائل الشيعة الّذين أناخوا ركائبهم عند باب الإمام علي (عليه السلام)فجمعوا ما سمعوه من الإمام في كتبهم ثم صارت كتبهم مصادر للتابعين وتابعي التابعين، ولهؤلاء عشرات الأحاديث في كتب المتأخرين، فلو كان هناك عتب لأجل قلة الرواية عن الإمام علي (عليه السلام)فهو متوجه إلى خصوص مؤلفي الصحاح والسنن، حيث لم يرووا عن علي (عليه السلام)إلاّ 586 مسنداً .3روي غير أصحاب الصحاح عن علي (عليه السلام)روايات كثيرة كما سيوافيك.
***

1 . الاستيعاب: 2 / 559، الترجمة رقم 86 .
2 . لاحظ : الفهرست: 202 برقم 30 .
3 . الفصل: 4 / 137 ; تاريخ الخلفاء للسيوطي في أوائل أحوال عثمان:

صفحه 150

المقارنة بين ما رواه الشيعة، والسنة عن علي (عليه السلام)

إدعى القائل (أن ما رواه السنة عن علي (عليه السلام)هو أضعاف ما رواه الشيعة عنه).
أقول: هذا ما يدعيه الكاتب غير أن المقارنة بين ما رواه الشيعة وبين ما رواه السنة، تبطل هذا الادعاء، وها نحن نذكر عدد ما روته الطائفة الأُولى عن علي (عليه السلام)وعدد ما روته الطائفة الثانية عنه (عليه السلام).
وقد قام الباحث الكبير الشيخ عزيز الله العطاردي بتأليف موسوعة كبيرة حول الأئمة الاثني عشر فخص لكل إمام مجلد أو مجلدين باسم نفس الإمام فجمع كلّ ما رواه الشيعة والسنة عن كلّ إمام من الأئمة الاثني عشر، بأسانيدها ومتونها، يبلغ عدد ما رواه الشيعة عن علي (عليه السلام)6157 حديثاً، وفي الوقت نفسه واما ما رواه أهل السنة في مجموع مؤلفات أهل السنة من الصحاح والسنن وكتب الحديث والتاريخ يبلغ 4125 حديثاً، فليس الخبر كالعيان فإن صاحب هذه الموسوعة نقل الروايات عن كلتا الطائفتين بأسانيدها ومتونها عن مصادرها، فمن شاء فليرجع إليها.1
ثم إن المستشكل لم يذكر شيئاً ممّا رواه أهل السنة عن بنت المصطفى فاطمة الزهراء ولا عن الإمامين السبطين الحسن والحسين، وإنما تجاوزهم إلى علي بن الحسين (عليهما السلام)ونحن نكمل

1 . مسند الإمام علي (عليه السلام).

صفحه 151
البحث فيما تركه، فأقول:

عدد الروايات عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)

ذكر الشيخ العطاردي أن الموجود في مصادر الإمامية فيما روي عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)يناهز (93) حديثاً، وفي الوقت نفسه الموجود في مصادر أهل السنة لا يتجاوز عن ستة أحاديث.

عدد الأحاديث عن السبط الأكبر (عليه السلام)

روى الشيعة الإمامية عن الإمام الحسن المجتبى ما يبلغ 275 حديثاً، والموجود في مصادر أهل السنة يناهز (183) حديث.

عدد الأحاديث عن سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)

روى الشيعة الإمامية عن الحسين بن علي (عليه السلام)ما يناهز (164) حديثاً، وفي مصادر السنة (113) والأسف كلّ الأسف أن الأُمة لم تتوفق لأخذ الرواية عن الإمامين الهمامين(عليهما السلام)، وذلك لأجل وجود الضغط من الأمويين على الشيعة وأئمتهم منذ عصر معاوية.

عدد الأحاديث عن الإمام سيد الساجدين (عليه السلام)

قد تقدّم منا أن المستشكل لم يذكر شيئاً عمّا روي عن فاطمة الزهراء والإمامين الهمامين الحسن والحسين(عليهم السلام)، بل تجاوز عنهم إلى الكلام عن الإمام الرابع أعني زين العابدين علي بن

صفحه 152
الحسين (عليهما السلام)فقال ما لفظه: (وهو الرابع من أئمة الشيعة الاثني عشرية وروايتهم عنه قليلة ومحدودة رووا عنه أُموراً تتعلق بالثقافة الشيعية).
أقول: إن المستشكل في هذا المقام كالمواضع السابقة يقضي بلا برهان، ويفتي بلا دليل دون أن يذكر مصدراً لكلامه، مع أن الموجود في مصادر الشيعة يخالف ما ذكره مئة بالمئة، وها نحن نذكر ما نقله الشيخ العطاردي في موسوعته حول ما روي عن الإمام السجاد (عليه السلام)وهو قد صب جهده لجمع كلّ ما روي عن الإمام (عليه السلام)، وضم كلّ شارد ووارد في هذا الفصل ولم يكن غرضه اتهام طائفة بالتقليل وأُخرى بالتكثير، وإنّما غرضه جمع كلمات الإمام (عليه السلام)في مختلف المجالات، فبلغ عدد ما رواه الشيعة عن إمامهم (1057) حديثاً، كما بلغ ما رواه أهل السنة في مصادرهم (184) حديثاً، وها هو مسند الإمام السجاد مطبوع منتشر جاءت فيه متون الروايات مع أسانيدها ومصادرها.
لقد ركز علماء الشيعة جهودهم على حفظ آثار الإمام زين العابدين (عليه السلام)في أحلك العصور وأظلمها، وإليك ما نقل عنه (عليه السلام)من الأدعية والرسائل، وهي مكتوبة بيده وقلمه بعد مأساة كربلاء الدامية المروّعة. وإليك أهم ما تركه هذا الإمام للمسلمين من ثروة فكرية وعلمية نفيسة.

صفحه 153

أ. الصحيفة السجادية

1. الصحيفة السجادية في الأدعية: تحتوي على واحد وستين دعاءً في أبواب الخير وأنواع العبادات وطلب السعادة وتعليم العباد كيف يلجأون إلى ربّهم في الشدائد والمهمّات ويطلبون منه حوائجهم ويعملون بقوله تعالى: (ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ )1. وبلاغة مضامينها وفصاحة ألفاظها ـ التي لا تبارى وعلوّ مضامينها وما فيها من أنواع التذلل لله تعالى والثناء عليه والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسل إليه ـ أقوى شاهد على صحّة نسبتها، وأن هذا الدّر من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب، وتعدّد أسانيدها المتصلة إلى منشئها (عليه السلام)، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة إلى زين العابدين (عليه السلام).2
وقد طبعت الصحيفة طبعات عديدة، وطبعت أخيراً في السعودية بإجازة رسمية من مكتبة الملك فهد.
ثم إنّ العلماء عبر القرون بذلوا جهودهم في جمع ما روي عن السجاد في مجال الأدعية التي خلت عنها الصحيفة المعروفة، فألفوا صحائف متعدّدة كالتالي:

1 . غافر: 60 .
2 . أعيان الشيعة: 1 / 638 .

صفحه 154
2. الصحيفة السجاديّة: تأليف الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي نزيل مشهد الرضا (عليه السلام)المتوفّى عام 1104 هـ .
3. الصحيفة السجادية التي جمعها الميرزا عبدالله التبريزي المعروف بالأفندي صاحب «رياض العلماء» المتوفّى عام 1134 هـ .
4. الصحيفة السجادية التي جمعها الميرزا حسين النوري المتوفّى عام 1320 هـ ، فاستدرك ما فات المؤلّفين السابقين.
5. الصحيفة السجادية التي جمعها السيد الأمين صاحب «أعيان الشيعة» .1

ب. رسالة الحقوق

وللإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)رسالة معروفة باسم «رسالة الحقوق»، رواها الصدوق بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن زين العابدين (عليه السلام) في «الأمالي» 2 و «الخصال»3، وأوردها الحسن بن علي بن شعبة في «تحف العقول»، وقال في الكتاب الأخير: رسالة علي بن الحسين المعروفة برسالة الحقوق: اعلم رحمك الله أنّ لله عليك حقوقاً محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتَها، أو سكنة سكنتها،

1 . المصدر نفسه.
2 . الأمالي: 301 ـ 306، المجلس (59).
3 . الخصال: 564، أبواب الخمسين وما فوقه، ح 1 .

صفحه 155
أو حال حُلتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرّفت بها، بعضها أكبر من بعض وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقّاً، ولسمعك عليك حقّاً... الخ.1
ثمّ إنّ الإمام أشار في هذه الرسالة إلى واحد وخمسين حقّاً، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الرسالة.

ما روي عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)

إن المستشكل لما لم يجد بغيته فيما روي عن الإمامين الصادقين (عليهما السلام)في المصادر الشيعية حيث إنهم رووا عنهما الآلاف من الأحاديث في مختلف أبواب المعرفة والفقه، حتّى عرفت الشيعة بالباقرية والجعفرية.
لما لم يجد بغيته في حياة الإمامين (عليهما السلام)خرج عن الموضوع الّذي عنونه، إلى نقل روايات من كتب أهل السنة تشتمل على ذم الأئمة(عليهم السلام)للشيعة تحت عنوان الرافضة.
أقول: هذه الروايات لا يحتج بها في المناظرة إذ لا يُقام لها وزنٌ ولا قيمة حتّى بمقدار قلامة ظفر، والّذي يدلّ على أن هذه الروايات مدسوسة ومكذوبة على لسان أئمة الشيعة، هو أن المتبادر منها أن (الرافضة) كان علماً للشيعة الإمامية في عصر الإمام

1 . تحف العقول: 184 .

صفحه 156
السجاد (عليه السلام)وإنّما صار علماً لهم في الاعصار المتأخرة ـ خلافاً لقوله سبحانه: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ )1 وأما قبلها فلا يراد به إلاّ كلّ من ترك قائده، يقول ابن منظور: الروافض جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، وكلّ طائفة منهم رافضة، والنسبة إليه: رافضي .
ثم نقل عن الأصمعي قال: والروافض قوم من الشيعة سُمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي .2
والحق إن الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة، سواء أكانت حقاً أو باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الّذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين; أمّا بعد، فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط ] نزل [إلينا مروان بن الحكم في رافضة البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.3

1 . الحجرات: 11 .
2 . لسان العرب، مادة «رفض».
3 . وقعة صفين: 29 .

صفحه 157
ترى أن معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأن هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.
وعلى ذلك فتلك لفظة سياسية تطلق على القاعدين عن نصرة الحكومة والالتفاف حولها، وبما أنّه كان من واجب هذه الجماعة البيعة للحكومة والتعامل معها معالمة الحكومة الحقّة، ولكنّهم لم يقوموا بواجبهم فتركوه وتفرقوا عنها، فسمّوا رافضة. وعلى هذا فاطلاق الرافضة على خصوص الشيعة الإمامية في عصر الإمام السجاد، بحاجة إلى قرينة غير موجودة في كلام الراوي.

صفحه 158

صفحه 159
شبهات وردود حول ثلاثة أحاديث   
7
شبهات وردود
حول ثلاثة أحاديث

صفحه 160

صفحه 161
أثار أحد ضيوف قناة «وصال» الفضائية في أحد برامجها إشكالاً حول الحديث المتعلق بالحجّ وهو ما رواه بكير بن أعين عن أخيه زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلني الله فداك! أسألك في الحجّ منذ أربعين عاماً فتفتيني؟ فقال: «يا زرارة بيت يُحج قبل آدم(عليه السلام) بألفي عام تُريد أن تُفنى مسائله في أربعين عاماً».1 والرواية كالصحيح حسب مصطلح أصحابنا في تقسيم الروايات.
ومحاور الإشكال كالتالي:
أوّلاً: كيف يقول زرارة: أسألك في الحجّ أربعين عاماً، مع أنّ إمامة أبي عبد الله(عليه السلام) لم تتجاوز34 عاماً، لأنّه تولّى الإمامة بعد وفاة أبيه(عليه السلام) الإمام الباقر(عليه السلام)في عام 114هـ، وتوفّي عام 148هـ ؟
ثانياً: أنّ الإمام يجيب بأنّ البيت يحجّ قبل آدم بألفي عام، وهذا لا يكون جواباً على سؤال السائل، أعني ما هو السبب لكثرة الأسئلة في الحجّ؟
والجواب عن الأمر الأوّل بوجهين، أمّا أوّلاً فإنّ التعبير بأربعين

1 . من لا يحضره الفقيه:2/519.

صفحه 162
عاماً ربّما يكون كناية عن كثرة الأعوام وإن لم تكن بالدقّة، أربعون عاماً وهذا أمر رائج، فإنّ الإنسان إذا عاش مع آخر أعواماً كثيرة ربّما يعبر عن مدة حياته معه بأربعين عاماً وإن كان بالدقّة أقل، ولا يوصف بالكذب.
وثانياً: فإنّ الإمام الصادق(عليه السلام) وإن كان تولّى أمر الإمامة بعد وفاة أبيه، ولكنّه كان مورد اهتمام لأبيه فربما كان يُرجع الناس إليه ليسألوه. ويشهد على ذلك أنّ عبد الملك بن مروان بعث إلى عامله في المدينة أن وجِّه إليّ محمد بن علي بن الحسين ولا تهيّجه ولا تروعه، واقض له حوائجه، وقد كان ورد على عبد الملك رجل من القدرية1 فحضر جميع من كان بالشام فأعياهم جميعاً، فقال ما لهذا إلاّ محمّد بن علي، فكتب إلى صاحب المدينة أن يحمل محمّد بن علي إليه، فأتاه صاحب المدينة بكتابه فقال له أبو جعفر(عليه السلام): إنّي شيخ كبير، لا أقوى على الخروج وهذا جعفر ابني يقوم مقامي، فوجّهه إليه فلمّا قدم على الأموي ازدراه2 لصغره وكبره أن يجمع بينه وبين القدري مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس

1. القدري في الأخبار يطلق على الجبري وعلى التفويضي، والمراد في هذا الخبر هو الثاني وقد أحال كلّ من الفريقين ما ورد في ذلك على الآخر وقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة في كتب الفريقين مثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله القدرية على لسان سبعين نبياً». وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «القدرية مجوس أُمّتي».
2 . استخفّ به.

صفحه 163
بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدرية، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتها فقال الأموي لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري وإنّما كتبت إليك لأجمع بينك وبينه فإنّه لم يدَعْ عندنا أحداً إلاّ خصمه، فقال: إنّ الله يكفينا قال: فلمّا اجتمعوا قال القدري لأبي عبد الله(عليه السلام): سل عمّا شئت، فقال له: اقرأ سورة الحمد قال: فقرئها وقال الأموي ـ وأنا معه ـ : ما في سورة الحمد علينا! (إنّا لله وإنّا إليه راجعون)! قال: فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: (إيّاكَ نَعبدُ وَإيّاكَ نستَعين)فقال له جعفر(عليه السلام): قف من تستعين؟ وما حاجتك إلى المعونة؟ إنّ الأمر إليك، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الكافرين.1 فالحديث يكشف أنّ الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) كان مرجعاً للأسئلة في حياة أبيه، ومن الممكن انّ زرارة سأله بعض ما يرجع إلى الحجّ من الأسئلة أيام حياة أبيه.
وأمّا الجواب عن السؤال الثاني فكلام الإمام يتضمّن أمرين:
أمّا الأوّل: فقوله: «بيت يحج قبل آدم بألفي عام»، فليس الإمام منفرداً في نقله فقد أخرجه الشافعي في مسنده2 عن ابن أبي لبيد عن محمد بن كعب القرظي أو غيره، قال:«حجّ آدم(عليه السلام)فلقيته

1 . تفسير العياشي:1/23ـ 24; بحارالأنوار:5/55.
2 . مسند الشافعي، ترتيب سنجر، ج2، ص 170.

صفحه 164
الملائكة، فقالوا: بَرَّ نُسككَ آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام».1
وأخرجه البيهقي أيضاً في سننه2 وفي «شعب الإيمان» عن أنس بن مالك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: كان موضع البيت في زمن آدم(عليه السلام) شبراً أو أكثر عَلَماً فكانت الملائكة تحجّ إليه قبل آدم، ثم حجّ آدم فاستقبلته الملائكة، فقالوا: يا آدم من أين جئت؟ قال: حججت البيت، فقالوا قد حجته الملائكة من قبلك.3
وأمّا الثاني: أي كيف أجاب الإمام عن سبب كثرة الأسئلة حول الحجّ بقوله: «بيت يُحجّ قبل آدم بألفي عام، فتظهر حاله بالتدبّر فيما ورد من غير من واحدة من الروايات وهو أنّ الله تعالى أدخل بعض سنن أنبيائه في مناسك الحجّ عبر قرون وفرضها على العباد وهذا صار سبباً لوجود الأسئلة الكثيرة في أمر الحجّ، فلذلك جعل الإمام أبو جعفر(عليه السلام)سبب كثرة الأسئلة كون البيت يحج بألفي عام حيث تواردت الأحكام من قبل سائر الشرائع على الحجّ عبر قرون فصار ذلك سبباً لوجود كثره الاسئلة فيه ويدل على ذلك ما يلي:
1. ما أخرجه أبو داود وغيره عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مُربع الأنصاري ونحن بعرفة في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال:«أمّا إنّي رسول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إليكم يقول لكم: «قفوا على

1 . سنن البيهقي:5/288.
2 . سنن البيهقي:5/288.
3 . شعب الإيمان للبيهقي:5/449 وفي سننه الكبرى:5/288.

صفحه 165
مشاعركم، فإنّكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم». رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وصحّحه الألباني.1
2. ما رواه البخاري، في وجه سعي الناس بين الصفا والمروة وقال راوياً عن ابن عباس في قصة وضع إبراهيم(عليه السلام)زوجته هاجر وابنه إسماعيل عند البيت، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«فذلك سعي الناس بينهما» رواه البخاري.2
ما يدلّ على أنّ طبيعة الحجّ طبيعة متميّزة، فكلما مرّ عليها الزمان، يواجه الحجاج مسائل جديدة لم تكن مطروحة في

1 . سنن أبي داود، باب موضع الوقوف بعرفة:2/189 وبهامشه تحقيق الألباني وحكمه بالصحّة والترمذي باب ما جاء في الوقوف بعرفات:3/221 و سنن النسائي:5/255 وسنن ابن ماجة:4/215. واللفظ لأبي داود أمّا لفظ الترمذي وغيره فكما يلي: كونوا على مشاعركم فإنّكم على إرث من إرث إبراهيم».
2 . صحيح البخاري، ج4، ص 142، الحديث 3364.

صفحه 166
العصور السابقة، كما هو الواضح في زماننا هذا، حيث طرحت مسائل لا يوجد لها عنوان في الكتب الفقهية، فليس من الغريب أن يقول الإمام الصادق(عليه السلام):«بيت يحج قبل آدم بألفي عام، تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً».
إنّ للإمام جعفر الصادق(عليه السلام) مقاماً رفيعاً بين الفقهاء منذ شبابه في بيان مسائل الحجّ، وقد روى مسلم في صحيحه حديثاً مفصلاً عن الإمام (عليه السلام) يصف فيه أكثر مناسك الحجّ، وكأنّ هذا الحديث هو العمدة عند الفقهاء في مناسك بيان الحجّ، قال: الزيعلي في «نصيب الراية» ما هذا نصّه: ولنذكره برمّته فإن عمدة في مناسك الحجّ أخرجه مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه، ثم ذكر الحديث إلى آخره.1
ويدلّ غير واحد من الروايات والأخبار على دور الإمام الصادق(عليه السلام) في تعليم مناسك الحجّ وأحكامه وآدابه، وانّ المسلمين بجميع طوائفهم كانوا يصدرون عن فتاواه وآرائه، نذكر هنا ما يلي:
1. روى الصدوق(رحمه الله) عن أبي حنيفة، أنّه قال: لولا جعفر بن محمد، ما علم الناس مناسك حجّهم.2

1 . صحيح مسلم:4/39ـ 43، باب حجّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); سنن أبي داود:2/...، برقم 1905; شرح صحيح مسلم للنووري:7ـ8، باب حجة النبي برقم 2941.
2 . الفقيه:2/519، كتاب الحجّ، باب نوادر الحجّ، برقم 3113.

صفحه 167
2. روى الشيخ في «التهذيب» عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: جاء رجل يلبّي حتّى دخل المسجد وهو يلبّي وعليه قميص، فوثب إليه أُناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شقّ قميصك وأخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة وعليك الحجّ من قابل وحجّك فاسد، فطلع أبو عبد الله(عليه السلام) فقال على باب المسجد فكبّر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد الله(عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال أبو عبد الله(عليه السلام):«اسكن يا عبد الله» فلمّا كلّمه وكان الرجل أعجميّاً، فقال أبو عبد الله(عليه السلام):«ما تقول؟» قال: كنت رجلاً أعمل بيدي، فاجتمع لي نفقة فجئت أحجّ لم أسأل أحداً عن شيء، فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي وانّ حجّي فاسد وإنّ علي بدنة، فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟» قال: قبل أن أُلبّي. قال:«فأخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل، أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً، وصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهّل بالحجّ، واصنع كما يصنع الناس».1
3. روى الشيخ في «التهذيب» عن معاوية بن عمّار قال: إنّ

1 . تهذيب الأحكام:5/72ـ 73، باب إذا لبس الإنسان قميصاً... .

صفحه 168
امرأة هلكت فأوصت بثلثها يتصدّق به عنها ويحجّ عنها ويعتق عنها فلم يسع المال ذلك فسألت أبا حنيفة وسفيان الثوري، فقال كلّ واحد منهما: انظر إلى رجل قد حجّ فقطع به فيقوّى، ورجل قد سعى في فكاك رقبته فيبقى عليه شيء فيعتق، ويتصدّق بالبقية، فأعجبني هذا القول وقلت للقوم ـ يعني أهل المرأة ـ: إنّي قد سألت لكم فتزيدون أن أسأل لكم من هو أوثق من هؤلاء؟ قالوا: نعم، فسألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن ذلك فقال: «ابدأ بالحجّ فانّ الحجّ فريضة» فما بقي فضعه في النوافل» قال: فأتيت أبا حنيفة فقلت: إنّي قد سألت فلاناً فقال لي كذا وكذا، قال: فقال: هذا والله الحق، وأخذ به وألقى هذه المسألة على أصحابه، وقعدت لحاجة لي بعد انصرافه فسمعتهم يتطارحونها، فقال بعضهم بقول أبي حنيفة الأوّل، فخطّأه من كان سمع هذا وقال: سمعت هذا من أبي حنيفة منذ عشرين سنة.1

إيضاح معنى قوله تعالى:(مِيثاقاً غَليظاً)

ثمّ أثار الضيف إشكالاً على حديث آخر وهو ما رواه بُريد العجلي، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن قول الله عزّ وجلّ:(وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)2 قال: «الميثاق هي الكلمة التي عقد بها

1 . تهذيب الأحكام:5/407، الحديث 63.
2 . النساء:21.

صفحه 169
النكاح، وأمّا قوله: (غَليظاً) فهو ماء الرجل يفضيه إلى امرأته».1
وحاصل إشكاله: إنّ قوله تعالى: (غَليظاً) وصف للميثاق، فكيف يمكن تفسير (غَليظاً) بما أنّه وصف للميثاق، بماء الرجل يفضيه إليها».
والجواب: إنّ كلمة (غَليظاً) ليست كلمة غريبة حتى يقوم الإمام(عليه السلام) بتفسيرها، وبريد العجلي كان عربياً صميماً عارفاً بمعنى (غَليظاً)فلم يكن له أي حاجة عن السؤال عن معناها، فعلى هذا فالإمام ليس بصدد تفسير الكلمة من حيث اللغة، بل بصدد بيان كيف صار الميثاق بين الرجل والمرأة ميثاقاً غليظاً شديداً من بين سائر المواثيق، وحاصل كلامه(عليه السلام) انّ في المورد ميثاقاً، وفيه ما يوجب وصفه بالغلظة، أمّا الأوّل فهو ما أشار إليه الإمام بقوله: الكلمة التي عُقد بها النكاح.
وأمّا الثاني ـ أي كون الميثاق موصوفاً بالغلظة ـ فهو ما أُشير إليه في الآية بقوله:(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض)وهذا التعبير في الوحي الإلهي تعبير مهذّب عن حالة الوقاع بين الرجل والمرأة الذي يوجب دخول ماء الرجل فرج المرأة الذي يكون منه الولد الناشئ من المائين، وبهذا يصير الميثاق اللفظي الاعتباري، ميثاقاً مؤكَّداً بالعمل التكويني. فقول الإمام(عليه السلام):«وأمّا

1 . الكافي:5/560ـ561، برقم 19.

صفحه 170
قوله: «غليظاً» فهذا ماء الرجل يفضيه إلى امرأته» ليس تفسيراً لمعنى «غليظاً» بل إشارة إلى الأمر الذي صار سبباً لكون الميثاق غليظاً.
فالإشكال نابع عن تصور المستشكل أنّ الإمام بصدد تفسير لفظ الغليظ، وغفل عن أنّه (عليه السلام)بصدد بيان ما هو السبب لكون الميثاق موصوفاً بالغلظة.
وبعبارة أُخرى: الاتفاق شيء والعمل به شيء آخر، فالاتفاق هو العقد، وأمّا المسّ فهو عمل بالاتفاق، فالثاني يؤكد الأوّل ويلزمه، وإلى هذا يشير الإمام(عليه السلام) بقوله:«هو ماء الرجل يفضيه إلى امرأته» فإنّه تجسيد للاتفاق القولي.
ولو أنّه رجع إلى كلمات علمائنا وكان منصفاً في القضاء، لأحجم عن الإشكال، قال العلاّمة المجلسى: إنّ غلظة هذا الميثاق باعتبار أنّه يحصل منه الولد، والمساهلة في ذلك يوجب اختلاط الأنساب .1
وقال العلاّمة الشيخ أسد الله التستري: إنّ اتباع العقد بالدخول والانزال، أوجب غلظة أمره وعظمه.2 إلى غير ذلك من الكلمات الواردة حول الرواية:

1 . مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول:20/413.
2 . مقابس الأنوار:268.

صفحه 171
   (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
***

كلام في تحديد إرث الزوجة

آثار الضيف إشكالاً ثالثاً حول حرمان الزوجة عند الشيعة الإمامية من بعض التركة يقول:«لا يوجد تفصيل في إرث الزوجة بينما عند الشيعة الإمامية، الزوجة ترث الأموال المنقولة فقط وأمّا الأرض والأموال غير المنقولة فالزوجة لا ترث وهذا مخالف لظاهر آيات الإرث لأنّ ظاهرها أنّ الإرث لكلّ التركة سواء كان ربعاً أو ثمناً.
والجواب: أنّ حرمان الزوجة من بعض التركة على وجه الإجمال أمر متفق عليه عند الإمامية إلاّ من شذّ، ولكنّهم اختلفوا في موضعين:

الأوّل: في تعيين الزوجة المحرومة من الإرث

فمنهم من خصّها بغير ذات الولد وعليه الصدوق.1 وعليه بعض مراجع العصر، والأكثر تعميم الحكم لذات الولد وغيرها.

1 . لاحظ: الفقيه: باب نوادر الميراث:4/252، الحديث8.

صفحه 172

الثاني: تحديد ما لا ترثه الزوجة

ففيه أقوال ثلاثة:
أ. أنّها تحرم من عين الرباع لا من قيمتها وأنّ الرباع وإن تسلم إلى الزوجات ولكن قيمتها محسوبة.1
ب. حرمانها من أراضي الدور والمساكن الخاصة عيناً وقيمة، دون سائر الأراضي من المزارع والبساتين، وهذا القول هو المعروف قبل الشيخ الطوسي، هو الظاهر من المفيد.2
ج. حرمانها من مطلق الأراضي، من غير فرق بين أرض عليها بناء وغيرها من المزارع والحدائق والأراضي البائرة، وهذا القول هو المعروف بعد الشيخ الطوسي.
وبما ذكرنا يعلم انّ المستشكل مرّ على المسألة مروراً عابراً ولم يشر إلى واقع الاختلاف في الموضعين.
ثمّ إنّ فقهاء الإمامية استندوا في حرمان الزوجة على وجه الإجمال على روايات تناهز العشرين بين صحيحة وموثقة وحسنة، ومن المعلوم أنّ ظاهر الآيات وإن كانت مطلقة أو عامة لكن المطلق يقيّد والعموم يخصّص لا بالخبر الواحد فإنّ القرآن الكريم أعلى وأجل من أن يخصّص بالخبر الواحد، وإنّما

1 . لاحظ: الانتصار:31.
2 . لاحظ: المقنعة:687.

صفحه 173
يخصّص بالروايات المتواترة أو المتضافرة، والروايات في هذا المورد إمّا متواترة أو متضافرة.
نعم لو كانت الرواية مخالفة للكتاب على وجه التباين يضرب بها الجدار، لا ما إذا كانت النسبة هي العموم والخصوص، وهذه مسألة لم يشك فيها أي فقيه . والروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حجّة حسب الخبر المتواتر:«إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
وأمّا وجه خفاء الحكم في مورد إرث الزوجة إلى عصر الإمام الباقر والصادق(عليهما السلام) فلأنّ الظروف الحرجة التي مرّ بها أهل البيت وشيعتهم في العصر الأموي صارت سبباً لتأخير بيان قسم من الأحكام. ولولا خوف الإطالة لذكرنا شيئاً عن الظروف الضاغطة على الأئمّة وشيعتهم في ذلك العصر.
ثمّ إنّ خفاء هذا الحكم ليس أمراً بديعاً، وكم له من نظير ووجه ذلك انّه لم يدون من الحديث النبوي حول الشريعة والأحكام العملية إلاّ قرابة خمسمئة حديث تمدّها موقوفات لم تثبت نسبتها إلى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).1 ومن المعلوم أنّ هذه الكمية القليلة من الأحاديث لا تسدّ حاجة المجتمع الإسلامي إلى يوم القيامة، فلا محيص عن القول بخفاء قسم من الأحكام التي بينها الرسول،

1 . لاحظ: الوحي المحمدي:187.

صفحه 174
فليكن حرمان الزوجة عن بعض التركة في العصور الأُولى من هذا القبيل، غير أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم اعدال الكتاب وقرناؤه بيّنوه ـ بعد ما صفى الجوّ لهم نسبيّاً كأكثر الأحكام التي لم يصل فيها حديث من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي نهاية المطاف أقول: إنّ المستشكل ينكر تخصيص الكتاب بالأخبار المتضافرة مع أنّ نحلته وقومه رفضوا صريح القرآن بالخبر الواحد، في موضعين:
1. حرموا أزواج النبي من ميراث زوجهن بخبر ينقضه القرآن الكريم، وهو ما رواه أبو بكر عن النبي أنّه قال:«نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» وهذا الخبر يعارض تماماً مع قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُدَ)1، وقوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)2.
ثمّ إنّهم خصصوا عموم قوله تعالى في مورد الأزواج: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الُّثمُنُ)3 بحرمان أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من إرثه.
2. حرموا سيدة نساء العالمين ميراثها من أبيها مع تصريح القرآن بذلك، يقول سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ

1 . النمل:16.
2 . مريم:5ـ6.
3 . النساء:12.

صفحه 175
حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)1، وهم بعملهم هذا جعلوا الصديقة الطاهرة(عليها السلام)في مرتبة القاتلة الممنوعة من ميراث والدها لجرمها، وفي مرتبة الذميّة الممنوعة من الميراث لكفرها، فما أعظم الفرية على الله عزّ وجلّ وردّ كتابه، ولم تقشعر لذلك جلودهم ولا أبته نفوسهم، فلما ورد الخبر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق عترته الصادقين الأبرار بمنع الزوجات ملك الرباع من ذلك قيمة الطوب والآلات والبناء جعلوا ذلك خلافاً للقرآن مع أنّ موقف الأخبار المروية عن أهل البيت(عليهم السلام)موقف المخصّص إلى العام .
ولنا في هذا الصدد اقتراح نقدمه للمستشكل، وهو أنّه كان من اللازم عليه أن يقوم ـ خضوعاً لما قيل «الدار ثم الجار» ـ بنقد رواياتهم قبل نقد روايات الآخرين، ولذا فليبين لنا مفاد الروايات التالية التي وردت في الصحيحين نذكرها بلا توضيح لانّ عوارها واضح للجميع:
1. ما أخرجه البخاري عن عمرو بن ميمون، قال:«رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردةٌ، قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم».2
الرواية وإن لم تكن مروية على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن بما أنّها

1 . النساء:11.
2 . صحيح البخاري:5/44، وبرقم 3849، طبعة دار الفكر، كتاب مناقب الأنصار.

صفحه 176
في كتاب مناقب الأنصار فهي تشير إلى قيمة ومكانة هذا الصحيح.
2. ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:«جاء ملك الموت إلى موسى(عليه السلام) فقال له: أجب ربّك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني».1
3. أخرج البخاري في صحيحه عن محمد عن أبي هريرة، قال: «إنّ نبي الله سليمان(عليه السلام) كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفنّ الليلة على نسائي فلتحملن كلّ امرأة ولتلدن فارساً يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدت منهن إلاّ امرأة ولدت شِقَّ غلام».2
4. أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لم يكذب إبراهيم(عليه السلام) إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله عزّ وجلّ: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إنّ هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فاسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أُختي يا لله وللغيرة والحميّة. أقرء بقية الرواية في مصدرها.3

1 . صحيح مسلم:7/99ـ 100، باب من فضائل موسى.
2 . صحيح البخارى.:9/138، باب قول الله: «إنّما قولنا لشيء» من كتاب التوحيد.
3 . صحيح البخاري:4/112، كتاب بدء الخلق، وبرقم 3358، طبعة دار الفكر.

صفحه 177
5. أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإنّ في إحدى جناحيه داء والأُخرى شفاء».1
وكم في الصحيحين وغيرهما أحاديث تناقض الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الحصيف، وإنّما قدمنا نماذج ليدرسها، فلو أراد التفصيل فليراجع كتابنا:«الحديث النبوي بين الرواية والدراية».
تجد فيها عشرات من ضعاف الأحاديث التي دسّت في الحديث النبوي(صلى الله عليه وآله وسلم) في خير القرون؟!

1 . صحيح البخاري:809، برقم 3320، طبعة دار الفكر.

صفحه 178

صفحه 179
   

فهرس محتويات الكتاب

مقدّمة المؤلّف   …7
1. حكم الصلاة في مساجد الشيعة
   مقدّمة   …11
   حكم الصلاة في مساجد الشيعة   …13
   حكم بناء المساجد على قبور الأولياء   …15
   كيفية الاستدلال بقوله تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)    …17
   زلّة لا تستقال   …19
   تأويل مردود للألباني   …22
   عود إلى كلام عثمان الخميس   …22
   الإهانة لأهل البيت(عليهم السلام) والتابعين   …23
   دراسة أدلّة المانعين   …27
   وجود المساجد في المشاهد المشرّفة لا صلة له بهذه الأحاديث   …36
   دراسة مقاطع ثلاثة في كلام عثمان الخميس   …37
   مناقشة المقطع الأوّل: الشيعة يعظّمون القبور   …37
   مناقشة المقطع الثاني من كلامه، وفيه أُمور   …40

صفحه 180
      1. الشيعة يذكرون غير الله في مساجدهم   …40
      2. الشيعة يستغيثون بغير الله في مساجدهم   …40
      3. الشيعة يدعون غير الله في مساجدهم   …41
      4. سبّ الأولياء من الصحابة والخلفاء   …44
   النقد والتقييم غير السبّ   …46
   مناقشة المقطع الثالث: في صحّة الصلاة في مساجد الشيعة   …47
2. نقد نظرية عثمان الخميس في الاستغاثة والتوسّل
مقدّمة   …51
   في الفرق بين الاستغاثة والتوسّل وجواب عثمان الخميس   …51
      1. الاستغاثة بالحيّ   …55
      2. الاستغاثة بالغائب   …58
      3. الاستغاثة بالميّت   …60
   كلام الخميس في التوسّل   …62
      التوسّل بذات الميّت توسّل غير صحيح عند الخميس   …62
      الروايات الدالّة على صحّة التوسّل بذات الميّت   …63
         1. حديث الضرير   …63
            دراسة الحديث سنداً ودلالة   …63
         2. استسقاؤهم بالعباس عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)   …67
      التوسّل بجاه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حرام عند الخميس   …72

صفحه 181
      في الرد على ادّعائه    …72
3. ميراث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومطالبة الزهراء (عليها السلام) بفدك
      لماذا لم يعلّم النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة حكم ميراثها؟   …77
      ملاحظتان في كلام الخميس   …78
      كيف ورث النبيّ سليمان أباه؟   …79
في الردّ على جواب الخميس عن السؤال    …80
      رسالة المأمون العباسي إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة   …85
      زكريا يسأل الله سبحانه أن يهبه ولداً يرثه   …86
      في الرد على جوابه   …87
      نقد كلام الآلوسي حول الوراثة   …91
4. مع عثمان الخميس في ردّه على الشيعة في مفاد حديث الكساء
   الخميس ينقل حديث الكساء عن صحيح مسلم   …99
   اعتراضات الخميس على الشيعة حول حديث الكساء    …99
      1. الشيعة وحديث الكساء   …101
      الخميس يدّعي أنّ الشيعة ليس عندهم حديث صحيح حول حديث الكساء والرد على مدّعاه   …101
      2. حديث الكساء لا يختصّ بأهل البيت(عليهم السلام)   …104
      في الردّ على هذا الاعتراض   …104

صفحه 182
الروايات الدالّة على اختصاص الحديث بأهل البيت(عليهم السلام) وهي على طوائف   …104
      الطائفة الأُولَى: التصريح بأسمائهم   …105
      الطائفة الثانية: إ دخالهم تحت الكساء   …107
      الطائفة الثالثة: تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم   …108
      3. حديث الكساء لا يشمل باقي الأئمة من ولد الحسين (عليه السلام)   …111
         في الردّ على هذا الاعتراض    …111
      4. حديث الكساء وعصمة الأئمة (عليهم السلام)   …112
   استغراب الخميس من انتساب الشيعة إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   …113
   الشيعة والأخذ بروايات أهل السنّة   …114
   ممازحة الشيخ في آخر مقاله   …115
   وقفة أُخرى مع الشيخ الخميس   …116
      الشيعة وتكفير يزيد   …117
      الشيعة وتحريف القرآن   …119
5. البداء حقيقة قرآنية
البداء عند الإمامية   …125
   1. حقيقة البداء   …127
      الأثر البنّاء للبداء   …130
      الحوادث الّتي بدا لله تعالى فيها   …131

صفحه 183
      1. رفع العذاب عن قوم نبي الله يونس(عليه السلام)   …131
      2. الإعراض عن ذبح إسماعيل   …132
      3. إكمال ميقات موسى(عليه السلام)   …132
   2. ما هو معنى: «بدا لله» في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟   …134
   الناس أعداء ما جهلوا   …139
6. الشيعة الإمامية في الفروع والأُصول على ما عليه آل الرسول
   1. أبو رافع   …146
   2. عبيد الله بن أبي رافع   …146
   3. ربيعة بن سُميع   …146
   4. الأصبغ بن نباتة   …147
   5. الحارث الأعور الهمداني (المتوفى 65 هـ)   …147
   6. عبيد الله بن الحر الجعفي (المتوفّى 68 هـ)   …148
   7. زيد بن وهب   …149
   المقارنة بين ما رواه الشيعة، والسنة عن علي (عليه السلام)   …150
   عدد الروايات عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)   …151
   عدد الأحاديث عن السبط الأكبر (عليه السلام)   …151
   عدد الأحاديث عن سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)   …151
   عدد الأحاديث عن الإمام سيد الساجدين (عليه السلام)   …151
   أ. الصحيفة السجادية   …153

صفحه 184
   ب. رسالة الحقوق   …154
   ما روي عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)   …155
7. شبهات وردود حول ثلاثة أحاديث
   إيضاح معنى قوله تعالى:(مِيثاقاً غَليظاً)   …168
   كلام في تحديد إرث الزوجة   …171
   الأوّل: في تعيين الزوجة المحرومة من الإرث   …171
   الثاني: تحديد ما لا ترثه الزوجة   …172
   فهرس محتويات الكتاب   …141
Website Security Test