welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الموجز في اصول الفقه- مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في اصول الفقه- مصححه

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
الموجز في أُصول الفقه

صفحه 4
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
(التوبة ـ 122)

صفحه 5
الموجز
في
أُصول الفقه
 
دورة أُصولية موجزة
للمبتدئين في هذا العلم
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
قرّرت اللّجنة العلميّة المشرفة على المناهج الدراسيّة في الحوزة العلمية تدريسَه لطلاّب السنة الرابعة
طبعة مصححة ومنقحة

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر، 1347ق ـ
      الموجز في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني. ـ]ويراست 2[ . ـ قـم :
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ، 1387  .
      280 ص.    ISBN : 978 - 964 - 357 - 558 - 8
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
       كتابنامه به صورت زير نويس.
      چاپ بيست و سوم، 1395
      1 . اصول فقه شيعه، الف . مؤسسه امام صادق (عليه السلام) ، ب . عنوان.
8م 2س/8/ 159 BP    312 / 297
1395
اسم الكتاب:   … الموجز في أُصول الفقه
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الثالثة والعشرون
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التـاريخ :   … 1395 / 1438ق
السعر:   … 14000 تومان ـ گالينگور و 12500 تومان ـ شوميز
تسلسل النشر: 945    تسلسل الطبعة الأُولى: 432
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
توزيع: مكتبة التوحيد
ايران ـ قم المقدسة ; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir
www.shia.ir

صفحه 7
   
    الموجز في أُصول الفقه
الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد: فهذا كتاب وجيز في أُصول الفقه يستعرض أهمّ المسائل الأُصوليّة الّتي تعدّ أُسُسَاً لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المعيّنة.
وقد وضعته للمبتدئين في هذا الفن، و الغرض من وراء ذلك، إيقافهم على أُمّهات المسائل بعيداً من إيجاز مخلّ، وإطناب مملّ.
لقد كان كتاب المعالم الذي ألّفه الشيخ حسن بن زين الدين العاملي ـ قدّس اللّه سرّهما ـ هو الدارج في الحوزات العلمية لهذا الغرض، و قد أدّى ـ بحق ـ رسالته في العصور السالفة.
غير أنّه لمّا طُرحت بعد تأليفه، أبحاث أُصولية جديدة لم يتعرض لها هذا الكتاب، اقتضت الحاجة إلى تأليف كتاب آخر يضمُّ في طيّاته الأبحاث الأُصولية الجديدة بعبارات واضحـة، و متلائمـة مع اللغة العلمية الدارجة في الحوزة، مع تطبيقات تساعد الطالب بشكل أفضل على فهم المسائل

صفحه 8
الأُصولية في مختلف الأبواب والإشارة إلى مواضعها في الكتب الفقهية.
و لقد استعرضت فيه ما هو المشهور لدى المتأخرين من أصحابنا الأُصوليين إلاّ شيئاً نادراً ، و ربما كان المختار عندي غيره، لكن لم أُشر إليه لتوخّي الإيجاز، وصيانة الذهن عن التشويش.
كما تركت الخوض في البحوث المطروحة في الدراسات العليا، و ربما أشرت إلى بعض عناوينها في الهامش، وأسميته بـ «الموجز في أُصول الفقه» إيعازاً إلى أنّ الكتاب صورة موجزة للمسائل الأُصولية المطروحة.
والنهج السائد في الكتب الدراسية هو الاقتصار على أقلّ العبارات لكن وافية بالمراد وخالية عن التعقيد وإيكال التفصيل والشرح إلى الأُستاذ وإلاّ يخرج الكتاب عن كونه متناً دراسياً. ورائدنا في تنظيم المقاصد والمباحث هو الكتب المتداولة في الأُصول، نظير الفرائد والكفاية وتقريرات الأعاظم ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ .
و الأمل أن يكون الكتاب وافياً بالغاية المنشودة، واقعاً مورد الرضا و نسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا لما فيه الخير و الرشاد.
المؤلّف

صفحه 9

الفهرس العام لهذا الكتاب

1. المقدمة تتضمّن اثني عشر أمراً.
2. المقصد الأوّل في الأوامر وفيه تسعة فصول.
3. المقصد الثاني في النواهـي وفيه ثلاثة فصول.
4. المقصد الثالث في المفاهيم وفيه خمسة أُمور.
5. المقصد الرابع في العموم والخصوص وفيه ثمانية فصول.
6. المقصد الخامس في المطلق والمقيد والمجمل والمبين وفيه ستة فصول.
7. المقصد السادس في الحجج والأمارات وفيه مقامان.
8. المقصد السابع في الأُصول العملية وفيه فصول أربعة.
9. المقصد الثامن في تعارض الأدلّة وفيه أُمور أربعة وفصلان وخاتمة.
و قبل الخوض في المباحث الأُصوليّة نذكر أُموراً كمقدّمة للكتاب:

صفحه 10

المقدّمة:

وفيها أُمور:
الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول وموضوعه وغايته.
الأمر الثاني: في تقسيم المباحث الأُصولية إلى أنواع أربعة.
الأمر الثالث: في الوضع وأقسامه الأربعة وتقسيمه أيضاً إلى شخصي ونوعي.
الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصورية وتصديقية.
الأمر الخامس: في تعريف الحقيقة والمجاز.
الأمر السادس: علائم الحقيقة والمجاز
الأمر السابع: الأُصول اللفظية.
الأمر الثامن: الاشتراك والترادف وإمكانهما ووقوعهما.
الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى.
الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية والمتشرعية.
الأمر الحادي عشر: في أنّ أسماء العبادات والمعاملات موضوعة للصحيح أو للأعم.الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول وموضوعه وغايته
الأمر الثاني عشر: المشتق و أنـّه موضوع للمتلبس بالمبدأ أو للأعم.

صفحه 11

الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول

وموضوعه وغايته

إنّ لفظ أُصول الفقه يشتمل على كلمتين تدلاّن على أنّ هنا أُصولاً وقواعد يتّـكل الفقه عليها، فلابدّ من تعريف الفقه أوّلاً، ثمّ تعريف أُصوله ثانياً.
الفقه ـ على ما هو المعروف في تعريفه ـ : هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية.
فخرج بقيد«الشرعية» العقلية، وبـ«الفرعية» الاعتقادية و المسائل الأُصولية وبـ «التفصيلية» علم المقلِّد بالأحكام، فإنّه و إن كان عالماً بالأحكام، لكنّه لا عن دليل تفصيلي، بل بتبع دليل إجمالي و هو حجّية رأي المجتهد في حقّه في عامة الأحكام، وأمّا المجتهد فهو عالم بكلّ حكم عن دليله الخاص.
الأُصول ـ وإليك توضيحه ببيان أُمور ثلاثة:
1. تعريفه: هو علم يبحث فيه عن القواعد التي يتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية عن الأدلّة أو ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس عن الأدلّة الاجتهادية.1
وعلى ذلك فعلم أُصول الفقه من مبادئ الفقه التصديقية، ويتكفّل بيان كيفيّة إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعيّة عند الشك.
2. موضـوعه: كلّ شـيء من شأنه أن يكون حجّة في الفقه بأحد

1 . إشارة إلى الأُصول العملية إذ لا يستنبط بها الحكم الشرعي، بل تقع في طريق بيان الوظيفة عند الشك.

صفحه 12
الوجهين المذكورين في تعريفه. قلنا من شأنه لأنّه ليس كلّ قاعدة علمية تصلح لأن تكون حجّة في الفقه، فليس لمسائل العلوم الطبيعية و لا الرياضية، هذه الصلاحية، و إنّما هي لعديد من المسائل، كظواهر الكتاب و الخبر الواحد، و الشهرة الفتوائية، إلى غير ذلك .
3. غايته: القدرة على استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها أو العثور على أُمور يحتج بها في الفقه على الوظائف عند الشك.
ومما ذكرنا يعلم وجه الحاجة إلى أُصول الفقه، فإنّ الحاجة إليه كالحاجة إلى علم المنطق، فكما أنّ المنطق يرسم النهج الصحيح في كيفية إقامة البرهان، فهكذا الحال في علم الأُصول; فإنّه يُبيّـن كيفية إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية عند الشكّ.

الأمر الثاني: تقسيم مباحثه

تنقسم المباحث الأُصولية إلى أربعة أنواع:
الأوّل: المباحث اللفظية و يقع البحث فيها عن مداليل الألفاظ و ظواهرها التي تقع في طريق الاستنباط نظير صيغة الأمر والنهي وتبيين مفادهما.
الثاني: المباحث العقلية ويقع البحث فيها عن الأحكام العقلية الكلية التي تقع في طريق الاستنباط نظير البحث عن وجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته.
الثالث: مباحث الحجج والأمارات كالبحث عن حجّية الخبر الواحد.
الرابع: مباحث الأُصول العملية، وهي تبحث عن مرجع المجتهد عند فقد الدليل على الحكم الشرعي.

صفحه 13
ويمكن تقسيمها بملاك آخر وهو تقسيمها إلى مباحث لفظيّة، وعقليّة وهذا هو الرائج بين المتأخّرين ورتّبنا كتابنا على ترتيب مباحث الكفاية.

الأمر الثالث: الوضع الأمر الثالث: الوضع

إنّ دلالة الألفاظ على معانيها دلالة لفظية وضعيةو الوضع قد عُرِّف بوجوه أوضحها:
جعل اللفظ في مقابل المعنى و تعيينه للدلالة عليه.
و ربما يُعرَّف: انّه نحو اختصاص للّفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به تارة، ويسمّى بالوضع التعييني، أو من كثرة استعماله أُخرى ويسمّى بالوضع التعيّني.
والفرق بين التعريفين واضح، فإنّ الأوّل لا يشمل إلاّالتعييني بخلاف الثاني فانّه أعمّ منه و من التعيّني.

أقسام الوضع

ثمّ إنّ للوضع ـ في مقام التصوّر ـ أقساماً أربعة:
1. الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
2. الوضع العام و الموضوع له العام.
3. الوضع العام و الموضوع له الخاص.
4. الوضع الخاص و الموضوع له العام.
ثمّ إنّ الميزان في كون الوضع خاصّاً أو عامّاً هو كون المعنى الملحوظ حين الوضع جزئياً أو كلّياً.
فإن كان الملحوظ خاصّاً ووضع اللفظ بازائه، فهو من القسم الأوّل،

صفحه 14
كوضع الأعلام الشخصية .
وإن كان الملحوظ عامّاً و وضع اللفظ بازائه، فهو من القسم الثاني، كأسماء الأجناس فالملحوظ هو الحيوان المفترس وقد وضع له لفظ الأسد.
وإن كان الملحوظ عامّاً و لم يوضع اللفظ بازائه بل وضع لمصاديق ذلك العام، فهو من القسم الثالث، كالحروف على ما هو المشهور، فالواضع على هذا القول تصوَّر مفهومي الابتداء و الانتهاء الكليّين ثمّ وضع لفظة «من» و«إلى» لمصاديقهما الجزئية التي يعبّر عنها بالمعاني الحرفية .
وإن كان الملحوظ خاصّاً، و وضع اللفظ للجامع بين هذا الخاص وسائر الأفراد، فهو من القسم الرابع.
المعروف إمكان الأوّلين ووقوعهما في عالم الوضع، وإمكان الثالث، و إنّما البحث في وقوعه.و قد عرفت أنّ الوضع في الحروف من هذا القبيل.
إنّما الكلام في إمكان الرابع فضلاً عن وقوعه، فالمشهور استحالة الرابع فيقع الكلام فيما هو الفرق بين الثالث حيث قيل بإمكانه، والرابع حيث قيل بامتناعه.
وجهه: انّ الملحوظ العام في القسم الثالث له قابلية الحكاية عن مصاديقه وجزئياته، فللواضع أن يتصوّر مفهومي الابتداء و الانتهاء و يضع اللّفظ لمصاديقهما التي تحكي عنها مفاهيمهما.
و هذا بخلاف الرابع فإنّ الملحوظ لأجل تشخّصه بخصوصيات يكون خاصّاً، يفقد قابلية الحكاية عن الجامع بين الأفراد، حتى يوضع اللّفظ بازائه.
وبالجملة العام يصلح لأن يكون مرآة لمصاديقه الواقعة تحته، و لكن

صفحه 15
الخاص لأجل تضيّقه و تقيّده لا يصلح أن يكون مرآة للجامع بينه و بين سائر الأفراد.

تقسيم الوضع بحسب اللفظ الموضوع

إنّ ما مرّ كان تقسيماً للوضع حسب المعنى، و ثَمَّ تقسيم آخر له حسب اللفظ الموضوع إلى شخصي ونوعي.
فإذا كان اللفظ الموضوع متصوّراً بشخصه، فيكون الوضع شخصيّاً كتصوّر لفظ زيد بشخصه; و أمّا إذا كان متصوّراً بوجهه و عنوانه، فيكون الوضع نوعيّاً، كهيئة الفعل الماضي التي هي موضوعة لانتساب الفعل إلى الفاعل في الزمان الماضي، و لكن الموضوع ليس الهيئةَ الشخصية في ضرب أو نصر مثلاً، بل مطلق هيئة «فعل»، في أيّ مادة من المواد تحقّقت.
وبذلك يعلم أنّ وضع الهيئة في الفاعل و المفعول و المفعال ونظائرها هو نوعي لا شخصي.

الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصوّرية و تصديقيّة الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصوّرية و تصديقيّة

تنقسم دلالة اللّفظ إلى تصوّرية و تصديقيّة.
فالدلالة التصوّرية: هي عبارة عن انتقال الذهن إلى معنى اللّفظ بمجرّد سماعه و إن لم يقصده اللاّفظ، كما إذا سمعه من الساهي أو النائم.
وأمّا الدلالة التصديقيّة: فهي دلالة اللّفظ على أنّ المعنى مراد للمتكلّم ومقصود له.
فالدلالة الأُولى تحصل بالعلم باللغة، و أمّا الثانية فتتوقف على أُمور:
أ. أن يكون المتكلم عالماً باللغة.

صفحه 16
ب. أن يكون في مقام البيان والإفادة.
ج. أن يكون جادّاً لا هازلاً.
د. أن لا ينصب قرينة على خلاف المعنى الحقيقي.

الأمر الخامس: الحقيقة والمجاز الأمر الخامس: الحقيقة والمجاز

الاستعمال الحقيقي: هو إطلاق اللّفظ و إرادة ما وضع له، كإطلاق الأسد وإرادة الحيوان المفترس.
وأمّا الاستعمال المجازي: فهو استعمال اللّفظ في غير ما وضع له، مع وجود علقة بين الموضوع له و المستعمل فيه بإحدى العلائق المسوِّغة، كإطلاق الأسد و إرادة الرجل الشجاع.
ثمّ إذا كانت العلقة المسوغة للاستعمال هي المشابهة بين المعنيين فيطلق عليه الاستعارة، وإلاّفيطلق عليه المجاز المرسل كإطلاق الجزء و إرادة الكلّ كالعين و الرقبة.
هذا هو التعريف المشهور للمجاز، و هنا نظر آخر موافق للتحقيق، وحاصله:
إنّ اللّفظ ـ سواء أكان استعماله حقيقيّاً أم مجازيّاً ـ يستعمل فيما وضع له، غير أنّ اللّفظ في الأوّل مستعمل في الموضوع له من دون أيّ ادّعاء و مناسبة بعده، و في الثاني مستعمل في الموضوع له لغاية ادّعاء انّ المورد من مصاديق الموضوع له، كما في قول الشاعر:
لَدى أسد شاكي السلاحِ مُقَذَّف *** لــه لِبَــد أظفــارهُ لـم تُقَــلَّم1

1 . البيت لزهير بن أبي سلمى، و هو في ديوانه ص 24; و لسان العرب:9/277، مادة «قذف».

صفحه 17
فاستعمل لفظ الأسد ـ حسب الوجدان ـ في نفس المعنى الحقيقي لكن بادّعاء انّ المورد ـ أي الرجل الشجاع ـ من مصاديقه وأفراده حتّى أثبت له آثار الأسد من اللُبد و الأظفار، وهذا هو خيرة أُستاذنا السيد الإمام الخميني(قدس سره).1
والحاصل: أنّه لو كان ـ بعد استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له ـ لو كان تفهيمه هو الغاية من وراء الكلام، فالاستعمال حقيقي، و إن كان مقدّمة و مرآة لتفهيم فرد ادّعائي و لو بالقرينة فالاستعمال مجازي.

الأمر السادس: علائم الحقيقة و المجاز2الأمر السادس: علائم الحقيقة و المجاز

إذا استعمل المتكلم لفظاً في معنى معيّن، فلو عُلِم أنّه موضوع له، سُمِّي هذا الاستعمال حقيقيّاً، و أمّا إذا شُكّ في المستعمل فيه وأنّه هل هو الموضوع له أو لا؟ فهناك أُمور يُميّز بها المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي.

1. التبادر:

هو سبق المعنى إلى الفهم من نفس اللّفظ مجرّداً عن كلّ قرينة عند أهل اللسان، و هذا يدلّ على أنّ المستعمل فيه معنى حقيقيّ، إذ ليس لحضور المعنى في الذهن سبب سوى أحد أمرين، إمّا القرينة، أو الوضع، و الأوّل منتف قطعاً كما هو المفروض، فيثبت الثاني.

1 . تهذيب الأُصول: 1/44.
2 . إنّ هذه العلائم تصلح لأن تكون دليلاً على الحقيقة والمجاز على كلا المبنيين.

صفحه 18

2. صحّة الحمل وعدم صحّة السلب:

إنّ صحّة الحمل عند أهل اللسان دليل على أنّ الموضوع الوارد في الكلام قد وضع للمحمول كما أنّ صحّة السلب دليل على عدم وضعه له.
توضيحه: أنّ الحمل على قسمين:
الأوّل: الحمل الأوّلي الذاتي، و هو ما إذا كان المحمول نفسَ الموضوع مفهوماً بأن يكون ما يفهم من أحدهما نفسَ ما يفهم من الآخر، مع اختلاف بينهما في الإجمال والتفصيل كما إذا قلنا: الأسد حيوان مفترس، والإنسان حيوان ناطق.
الثاني: الحمل الشائع الصناعي، و هو ما إذا كان الموضوع مغايراً للمحمول في المفهوم، ولكن متحداً معه في الخارج، كما إذا قلنا :زيد إنسان، فما يفهم من أحدهما غير ما يفهم من الآخر غير أنّهما متحقّقان بوجود واحد في الخارج.
إذا اتّضح ما تلوناه عليك، فاعلم أنّ المقصود من أنّ صحّة الحمل أو صحّة السلب علامة للحقيقة و المجاز هو القسم الأوّل، فصحّة الحمل و الهوهوية تكشف عن وحدة المفهوم و المعنى و هو عبارة أُخرى عن وضع أحدهما للآخر، كما أنّ صحّة السلب تكشف عن خلاف ذلك، مثلاً إذا صحّ حمل الحيوان المفترس على الأسد بالحمل الأوّلي يكشف عن أنّ المحمول نفس الموضوع مفهوماً، و هو عبارة أُخرى عن وضع أحدهما للآخر، كما أنّه إذا صحّ سلب الحيوان الناطق عن الأسد بالحمل الأوّلي كما إذا قيل: الأسد ليس حيواناً ناطقاً يكشف عن التغاير المفهومي بينهما، و هو يلازم عدم وضع أحدهما للآخر.

صفحه 19

3. الإطّراد:

هي العلامة الثالثة لتمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي، توضيح ذلك:
إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كليّ بحيثية خاصّة، كرجل باعتبار الرجولية، في زيد و عمرو و بكر، مع القطع بعدم كونه موضوعاً لكلّ
واحد على حدة، يستكشف منه وجود جامع بين الأفراد قد وضع اللّفظ بازائه.
فالجاهل باللغة إذا أراد الوقوف على معاني اللغات الأجنبية من أهل اللغة، فليس له سبيل إلاّ الاستماع إلى محاوراتهم، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصّاً يستعمل مع محمولات عديدة في معنى معيّن، كما إذا قال الفقيه: الماء طاهر و مطهّر، و قال الكيميائي: الماء رطب سيال، وقال الفيزيائي: الماء لا لون له، يقف على أنّ الكلّ يستعمل ذلك اللفظ في مورده بحيثية واحدة وهو المايع السيال وبما انّ المستعملين ذو ثقافات مختلفة فمن البعيد أن يكون بينهم اتفاق على استعماله في معنى مجازي ولذا ينتقل الإنسان إلى انّ الماء في لغة العرب موضوع للجسم السيال وكلّ يطلق ذلك اللفظ على هذا المعنى بما هو أبناء تلك اللغة لا بما هو فقيه أو كيماوي أو فيزياوي.
و لنذكر مثالاً آخر:
إنّ آية الخمس، أعني قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِوَ لِذِي القُربى وَ اليَتامى وَالمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيل)(الأنفال/41) توجب إخراج الخمس عن الغنيمة.
فهل الكلمة(الغنيمة) موضوعة للغنائم المأخوذة في الحرب، أو تعمّ

صفحه 20
كلّ فائدة يحوزها الإنسان من طرق شتى؟
يُستكشف الثاني عن طريق الاطّراد في الاستعمال، فإذا تتبعنا الكتاب والسنّة نجد إطّراد استعمالها في كلّ ما يحوزه الإنسان من أيّ طريق كان.
قال سبحانه:(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياة الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمَ كَثِيرَة)(النساء/94)، والمراد مطلق النِّعم و الرزق.
وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مورد الزكاة :«اللّهمّ اجْعَلْها مغنماً» 1، وفي مسند أحمد:«غنيمة مجالس الذكر الجنة»، وفي وصف شهر رمضان: غنم المؤمن.
فهذه الاستعمالات الكثيرة المطّردة، تكشف عن وضعه للمعنى الأعم.
وهذا هو الطريق المألوف في اقتناص مفاهيم اللغات و معانيها وفي تفسير لغات القرآن، و مشكلات السنّة، وعليه قاطبة المحقّقين، و يطلق على هذا النوع من تفسير القرآن، التفسير البياني. وعندي انّ هذا الطريق أفضل من الطرق السابقة.

4. تنصيص أهل اللغة

المراد من تنصيص أهل اللغة هو تنصيص مدوّني معاجم اللغة العربية، فإنّ مدوّني اللغة الأوائل كالخليل بن أحمد الفراهيدي(ت175هـ) مؤلّف كتاب «العين»، و الجوهري (ت393هـ) مؤلّف الصحاح قد دوّنوا كثيراً من معاني الألفاظ من ألسن القبائل العربية و سُكّان البادية، فتنصيص مثل هؤلاء

1 . للوقوف على مصادر الروايات عليك بمراجعة الاعتصام بالكتاب والسنّة، ص 92.

صفحه 21
يكون مفيداً للاطمئنان بالموضوع له.
هذا وسيأتي1 تفصيل الكلام في حجّية قول اللغوي فانتظر.

الأمر السابع: الأُصول اللفظية الأمر السابع: الأُصول اللفظية

إنّ الشكّ في الكلام يتصوّر على نحوين:
أ. الشكّ في المعنى الموضوع له، كالشكّ في أنّ الصعيد هل وضع للتراب أو لمطلق وجه الأرض؟
ب. الشكّ في مراد المتكلّم بعد العلم بالمعنى الموضوع له.
أمّا النحو الأوّل من الشكّ فقد مرّ الكلام فيه في الأمر السادس، و علمتَ أنّ هناك علامات يميز بها المعنى الحقيقي عن المجازي.
وأمّا النحو الثاني من الشكّ فقد عُقد له هذا الأمر، فنقول:
إنّ الشكّ في المراد على أقسام، و في كلّ قسم أصل يجب على الفقيه تطبيق العمل عليه، و إليك الإشارة إلى أقسام الشكّ و الأُصول التي يعالج بها الشكّ:

1. أصالة الحقيقة

إذا شكّ في إرادة المعنى الحقيقي أو المجازي من اللفظ، بأن لم يعلم بوجود القرينة على إرادة المعنى المجازيّ مع احتمال وجودها، كما إذا شك في أنّ المتكلم هل أراد من الأسد في قوله: رأيت أسداً، الحيوان المفترس أو الجندي الشجاع؟ فعندئذ يعالج الشكّ عند العقلاء بضابطة خاصة، و هي

1 . لاحظ صفحة 185 من هذا الكتاب.

صفحه 22
الأخذ بالمعنى الحقيقي مالم يدلّ دليل على المعنى المجازي، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الحقيقة.

2. أصالة العموم

إذا ورد عام في الكلام كما إذا قال المولى: أكرم العلماء و شكّ في ورود التخصيص عليه و إخراج بعض أفراده كالفاسق، فالأصل هو الأخذ بالعموم وترك احتمال التخصيص، ما لم يدل دليل قطعى عليه، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة العموم .

3. أصالة الإطلاق

إذا ورد مطلق و شك في كونه تمام الموضوع أو بعضه، كما قال سبحانه: (أحلّ اللّهُ البيع) (البقرة/275) و احتمل انّ المراد هو البيع بالصيغة دون مطلقه، فالمرجع عندئذ هو الأخذ بالإطلاق و إلغاء احتمال التقييد، و هذا ما يُعبَّر عنه بأصالة الإطلاق.

4. أصالة عدم التقدير

إذا ورد كلام و احتمل فيه تقدير لفظ خاصّ، فالمرجع عند العقلاء هو عدم التقدير إلاّ أن تدلّ عليه قرينة، كما في قوله سبحانه:(وَ اسْئَلِ القرية الّتي كُنّا فِيها)(يوسف/82) و التقدير أهل القرية، و هذا ما يُعبَّر عنه بأصالة عدم التقدير.

5. أصالة الظهور

إذا كان اللفظ ظاهراً في معنى خاص دون أن يكون نصّاً فيه بحيث لا

صفحه 23
يحتمل معه الخلاف، فالأصل الثابت عند العقلاء هو الأخذ بظهور الكلام وإلغاء احتمال الخلاف، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الظهور .
ثمّ إنّ الأُصول السابقة تثبت الظهور وتحقّق مصاديق لأصالة حجّية الظهور .
وهذه الأُصول ممّا يعتمد عليها العقلاء في محاوراتهم ولم يردع عنها الشارع فهي حجّة.

الأمر الثامن: الاشتراك والترادف الأمر الثامن: الاشتراك والترادف

الاشتراك عبارة عن كون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين أو أكثر بالوضع التعييني أو التعيّني.
ويقابله الترادف، و هو وضع اللفظين أو الأكثر لمعنى واحد كذلك .
واختلفوا في إمكان الاشتراك أوّلاً ووقوعه بعد تسليم إمكانه ثانياً فذهب الأكثر إلى الإمكان ،لأنّ أدلّ دليل عليه هو وقوعه، فلفظة العين ذات معان حقيقية كثيرة نحو: الباكية والجارية، والذهب والفضة.
ومردّ الاشتراك إلى اختلاف القبائل العربية القاطنة في أطراف الجزيرة في التعبير عن معنى الألفاظ، فقد كانت تُلْزِمُ الحاجة طائفة إلى التعبير عن معنى بلفظ، وتُلْزم أُخرى التعبيرَ بذلك اللّفظ عن معنى آخر، و لمّا قام علماء اللغة بجمع لغات العرب ظهر الاشتراك اللفظي.
و ربّما يكون مردّه إلى استعمال اللّفظ في معناه المجازي بكثرة إلى أن يصبح الثاني معنى حقيقياً، كلفظ الغائط، فهو موضوع للمكان الذي يقضى فيه الإنسان حاجته، كما في الآية المباركة:(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).1
ثمّ كُنِّي به عن فضلة الإنسان، إلى أن صار حقيقة فيها مع عدم هجر

1 . المائدة:6.

صفحه 24
المعنى الأوّل.
نعم ربّما يذكر أهل اللغة للفظ واحد معاني عديدة ،و لكنّها ربما يكون من قبيل المصاديق المختلفة لمعنى واحد، و هذا كثير الوقوع في المعاجم.1
وقد اشتمل القرآن على اللّفظ المشترك، كالنجم المشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، قال سبحانه:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) (النجم/1).
وقال سبحانه: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدان) (الرحمن/6).
هذا كلّه في المشترك اللفظي.
وأمّا المشترك المعنوي، فهو عبارة عن وضع اللّفظ لمعنى جامع يكون له مصاديق مختلفة، كالشجر الذي وضع لما قام على ساق من نباتات الأرض وله أنواع كثيرة.

تنبيه

إنّ فهم المعنى المجازيّ بحاجة إلى قرينة، كقولك «يرمي» أو «في الحمام» في «رأيت أسداً يرمي أو في الحمّام» كما أنّ تعيين المعنى المراد من بين المعاني المتعددة للّفظ المشترك يحتاج إلى قرينة كقولنا:«باكية» أو «جارية» في عين باكية، أو عين جارية، لكن قرينة المجاز قرينة صارفة و معيّنة، و قرينة اللفظ المشترك قرينة معيّنة فقط، و الأُولى آية المجازية دون الثانية.الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى

1 . ذكر الفيروزآبادي في كتاب «القاموس المحيط» للقضاء معاني متعددة كالحكم، الصنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام وبلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، الأداء مع أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى فارد، و لذلك أرجعها صاحب المقاييس إلى أصل واحد، فلاحظ.

صفحه 25

الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى

إذا ثبت وجود اللّفظ المشترك، يقع الكلام حينئذ في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد في استعمال واحد، بمعنى أن يكون كل من المعنيين مراداً باستقلاله، كما إذا قال: اشتريت العين، و استعمل العين في الذهب و الفضة. فخرج ما إذا استعمله في معنى جامع صادق على كلا المعنيين، كما إذا استعمل العين في «المسمّى بالعين» والمفروض أنّ الذهب والفضة داخلان تحت هذا العنوان، فهذا النوع من الاستعمال ليس من قبيل استعمال المشترك في أكثر من معنى.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّه اختُلِفَ في جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد على أقوال أربعة:
أ. الجواز مطلقاً.
ب. المنع مطلقاً.
ج. التفصيل بين المفرد و غيره والتجويز في الثاني.
د. التفصيل بين الإثبات والنفي والتجويز في الثاني.
والحق جوازه مطلقاً، وأدلّ دليل على إمكانه وقوعه، و يجد المتتبع في كلمات الأُدباء نماذج من هذا النوع من الاستعمال : يقول الشاعر في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
المُرتمي في الدجى،والمُبتلى بِعَمى *** و المُشتكي ظمأً و المبتغي دَيْناً
يأتون سدَّتَه من كلِّ ناحية *** و يستفيدون من نعمائه عيناً
فاستعمل الشاعر لفظ «العين» في الشمس، و الباصرة، و الماء الجاري والذهب; حيث إنّ المرتمي في الدجى، يطلب الموجود في الشمس;

صفحه 26
والمبتلى بالعمى، يطلب العين الباصرة; والإنسان الظمآن يريد الماء; و المستدين يطلب الذهب.1

الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية

ذهب أكثر الأُصوليين إلى أنّ ألفاظ العبادات كالصلاة والصوم و الزكاة والحج كانت عند العرب قبل الإسلام مستعملة في معانيها اللغوية على وجه الحقيقة، أعني: الدعاء، و الإمساك، و النمو، و القصد، وهذا ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية.
وإلى أنّ تلك الألفاظ في عصر الصادقين(عليهما السلام) و قبلهما بقليل، كانت ظاهرة في المعاني الشرعية الخاصة بحيث كلّما أطلقت الصلاة والصوم و الزكاة تتبادر منها معانيها الشرعية .
إنّما الاختلاف في أنّه كيف صارت هذه الألفاظ حقيقة في المعاني الشرعية في عصر الصادقين(عليهما السلام) أو قبلهما بقليل ؟ فهنا قولان:
أ. ثبوت الحقيقة الشرعية في عصر النبوّة.
ب. ثبوت الحقيقة المتشرّعية بعد عصر النبوة.
أمّا الأوّل: فحاصله: أنّ تلك الألفاظ نقلت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني حتى صارت حقائق شرعية في تلك المعاني في عصره، لأنّ تلك الألفاظ كانت كثيرة التداول بين المسلمين لا سيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات و يسمعونها كراراً من المآذن.

1 . راجع :وقاية الأذهان:1/87ـ 88.

صفحه 27
و من البعيد أن لا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة في وقت ليس بقليل.
وأما الثاني فحاصله: أنّ صيرورة تلك الألفاظ حقائق شرعية على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوقف على الوضع وهو إمّا تعييني أو تعيّني، و الأوّل بعيد جداً، و إلاّ نقل إلينا، والثاني يتوقف على كثرة الاستعمال التي هي بحاجة إلى وقت طويل، وأين هذا من قصر مدّة عصر النبوّة؟!
يلاحظ عليه: أنّ عصر النبوّة استغرق 23 عاماً، و هي فترة ليست قصيرة لحصول الوضع التعيّني على لسانه، وإنكاره مكابرة .

ثمرة البحث

وأمّا ثمرة البحث بين القولين ، فتظهر في الألفاظ الواردة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا قرينة، فتحمل على الحقيقة الشرعية بناءً على ثبوتها و على الحقيقة اللغوية بناءً على إنكارها.
والظاهر انتفاء الثمرة مطلقاً، لعدم الشكّ في معاني الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة لكي يتوقف فهم معانيها على ثبوت الحقيقة الشرعية أو نفيها إلاّ نادراً.

الأمر الحادي عشر: الصحيح و الأعم الأمر الحادي عشر: الصحيح و الأعم

هل أسماء العبادات و المعاملات موضوعة للصحيح منهما، أو لأعم منه؟
أقول: تطلق الصحّة في اللغة تارة على ما يقابل المرض، فيقال: صحيح و سقيم. و أُخرى على ما يقابل العيب، فيقال: صحيح و معيب.

صفحه 28
وأمّا الصحة اصطلاحاً في العبادات فقد عُرِّفت تارة بمطابقة المأتي به للمأمور به، وأُخرى بما يوجب سقوط الإعادة والقضاء، ويقابلها الفساد.وأمّا في المعاملات فقدعُرِّفت بما يترتّب عليه الأثر المطلوب منها، كالملكية في البيع، وعُلقة الزوجية في النكاح و هكذا.
والمراد من وضع العبادات للصحيح أو للأعمّ هي أنّ ألفاظ العبادات وضعت لما تمّت أجزاؤها و كملت شروطها ،أو لأعم منه و من الناقص.
المعروف هو القول الأوّل، واستدلّ له بوجوه1 مسطورة في الكتب الأُصولية أوضحها:
إنّ الصلاة ماهية اعتبارية أمر بها الشارع لآثار خاصّة وردت في الكتاب والسنّة، منها: كونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، أو معراج المؤمن، وغيرهما، و هذه الآثار إنّما تترتب على الصحيح لا على أعمّ منه، و هذا (أي ترتّب الأثر على الصحيح) ممّا يبعث الواضع إلى أن يضع الألفاظ لما يُحصِّل أغراضه و يؤمِّن أهدافه، و ليس هو إلاّالصحيح. لأنّ الوضع للأعمّ الذي لا يترتّب عليه الأثر، أمر لغو.
استدلّ القائل بالأعم بوجوه أوضحها صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة و الفاسدة.
وأُجيب عنه بأنّ غاية ما يفيده التقسيم هو استعمال الصلاة في كلّ من الصحيح و الفاسد، و الاستعمال أعمّ من الحقيقة.
وأمّا المعاملات فهنا تصويران:
الأوّل: انّ ألفاظ العقود، كالبيع و النكاح; و الإيقاعات، كالطلاق والعتق،

1 . التبادر و صحّة الحمل وصحّة السلب عن الأعمّ وغيرها.

صفحه 29
موضوعة للأسباب التي تُسبِّب الملكية وعلقة الزوجية و الفراق و الحرية، ونعني بالسبب الإيجاب والقبول في العقود، والإيجاب فقط كما في الإيقاعات.
و عليه يأتي النزاع في أنّ ألفاظها هل هي موضوعة للصحيحة أعني العقود التامّة الأجزاء والشرائط المؤثرة في المسبب، أو لأعم من التام و الناقص غير المؤثر في المسبب؟ والمختار في العقود والإيقاعات نفس المختار في العبادات والدليل في كلا المقامين واحد.
الثاني: أن تكون الألفاظ موضوعة للمسببات، أي ما يحصل بالأسباب كالملكية و الزوجية و الفراق والحرية، و بما أنّ المسببات من الأُمور البسيطة، التي يدور أمرها بين الوجود و العدم، فلا يتأتى على هذا الفرض، النزاع السابق لأنّ الملكية إمّا موجودة أو معدومة كما أنّ الزوجية إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، ولا يتصوّر فيهما ملكية أو زوجية فاسدة.
   الأمر الثاني عشر: هل المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدأ بالفعل أو أعم منه و ممّا انقضى عنه المبدأ؟ الأمر الثاني عشر: هل المشتق حقيقة في خصوص المتلبس...
اتّفقت كلمتهم على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ بالفعل ومجاز فيما يتلبّس به في المستقبل، واختلفوا فيما انقضى عنه التلبّس بالمبدأ، مثلاً إذا ورد النهي عن التوضّؤ بالماء المسخَّن بالشمس، فتارة
يكون الماء موصوفاً بالمبدأ بالفعل، وأُخرى يكون موصوفاً به في المستقبل، وثالثة كان موصوفاً به لكنّه زال وبرد الماء، فإطلاق المشتق
على الأوّل حقيقة، ودليل الكراهة شامل له، كما أنّ إطلاقه على الثاني
مجاز لا يشمله دليلها، وأمّا الثالث فكونه حقيقة أو مجازاً وبالتالي شمول

صفحه 30
دليلها له وعدمه مبنيّ على تحديد مفهوم المشتق، فلو قلنا بأنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ بالفعل يكون الإطلاق مجازياً والدليل غير شامل له، ولو قلنا بأنّه موضوع لما تلبّس به ولو آناً ما فيكون الإطلاق حقيقيّاً والدليل شاملاً له.
والمشهور انّه موضوع للمتلبّس بالفعل.
وقبل الخوض في المقصود نقدم أمرين:

1. الفرق بين المشتق النحويّ والأُصولي

المشتق عند النحاة يقابل الجامد، فيشمل الماضي والمضارع و الأمر و النهي واسم الفاعل و مصادر أبواب المزيد.
وأمّا المشتق عند الأُصوليّين، فهو عبارة عمّا يُحمل على الذات
باعتبار اتصافها بالمبدأ و اتحادها معه بنحو من الاتحاد، ولا تزول
الذات بزواله فخرجت الأفعال والمصادر لعدم صحّة حملهما على الذوات على نحو الهوهوية، كما خرجت الأوصاف التي تزول الذات بزوالها كالناطق الذي هو الفصل للإنسان فلم يندرج فيه إلاّاسم الفاعل
والمفعول وأسماء الزمان و المكان و الآلات و الصفات المشبهة وصيغ المبالغة وأفعل التفضيل ويشمل حتى الزوجة و الرقيق و الحرّ لوجود
الملاك المذكور في جميعها، فالنسبة بين المشتق النحوي والمشتق الأُصولي عموم و خصوص من وجه.1

1 . فيجتمعان في أسماء الفاعلين والمفعولين وأمثالهما، ويفترقان في الفعل الماضي والمضارع، فيطلق عليهما المشتق النحوي دون الأُصولي; وفي الجوامد كالزوج والرق، فيطلق عليها المشتق الأُصولي دون النحوي.

صفحه 31

2. اختلاف أنحاء التلبّسات حسب اختلاف المبادئ

ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم انّ بعضها حقيقة في المتلبّس كالقائم وبعضها في الأعمّ، نظير الكاتب والمجتهد و المثمر، فما يكون المبدأ فيه حرفة أو ملكة أو قوّة يصدق و إن زال التلبّس عن الذات، فهي موضوعة للأعم بشهادة صدقها مع عدم تلبّسها بالكتابة و الاجتهاد و الإثمار بخلاف غيرها ممّا كان المبدأ فيه أمراً فعلياً، كالأبيض والأسود.
يلاحظ عليه: أنّ المبدأ يؤخذ تارة في المشتق على نحو الفعلية كقائم، وأُخرى على نحو الحرفة كتاجر، وثالثة على نحو الصناعة كنجّار،
ورابعة على نحو القوّة كقولنا: شجرة مثمرة، وخامسة على نحو الملكة كمجتهد.
فإذا اختلفت المبادئ جوهراً و مفهوماً لاختلفت أنحاء التلبّسات بتبعها أيضاً، وعندئذ يختلف بقاء المبدأ حسب اختلاف المبادئ، ففي القسم الأوّل يشترط في صدق التلبّس تلبّس الذات بالمبدأ فعلاً، و في القسم الثاني و الثالث يكفي عدم إعراضه عن حرفته وصناعته وإن لم يكن ممارساً بالفعل، و في الرابع يكفي كونه متلبّساً بقوة الإثمار و إن لم يثمر فعلاً، و في الخامس يكفي وجود الملكة و إن لم يمارس فعلاً، فالكلّ داخل تحت المتلبّس بالمبدأ بالفعل، في مقابل ما انقضى عنه المبدأ ـ كما لو اعرض عن حرفته أو يبست الشجرة وزالت قوة الأثمار، أو زالت ملكة الاجتهاد وبذلك علم أنّ اختلاف المبادئ يوجب اختلاف طول زمان التلبّس و قصره ولا يوجب تفصيلاً في المسألة.
فما تخيّله القائل مصداقاً لمن انقضى عنه المبدأ، فإنّما هو من مصاديق

صفحه 32
المتلبّس و منشأ التخيّل هو أخذ المبدأ في الجميع على نسق واحد وهو الفعلية، و قد عرفت أنّ المبادئ على أنحاء.
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ مرجع النزاع إلى سعة المفاهيم وضيقها وأنّ الموضوع له هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أو أعمّ من المتلبس والذات المنقضي عنها المبدأ فعلى القول بالأخصّ، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، وعلى القول بالأعمّ يشمل ما انقضى عنه المبدأ أيضاً.
***
استدلّ المشهور على أنّ المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ بالفعل بأمرين:
1. التبادر، إنّ المتبادَر من المشتق هو المتلبس بالمبدأ بالفعل، فلو قيل: صلّ خلف العادل، أو لا تصلّ خلف الفاسق، أو قيل: لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون، أو لا يَؤمّ الأعرابيُّ المهاجرين; لا يفهم منه إلاّ المتلبّس بالمبدأ في حال الاقتداء.
2. صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ، فلا يقال لمن هو قاعد بالفعل انّه قائم إذا زال عنه القيام، و لا لمن هو جاهل بالفعل، انّه عالم إذا نسي
علمه.
***
استدلّ القائلون بالأعم بوجهين:
الأوّل: صدق أسماء الحِرَف كالنجار على من انقضى عنه المبدأ، مثل أسماء الملكات كالمجتهد.

صفحه 33
وقد عرفت الجواب عنه و أنّ الجميع من قبيل التلبّس بالمبدأ لا الزائل عنه المبدأ.
الثاني: لو تلبس بالمبدأ في الزمان الماضي يصحّ أن يقال انّه ضارب باعتبار تلبّسه به في ذلك الزمان.
يلاحظ عليه: أنّ اجراء المشتق على الموضوع في المثال المذكور يتصوّر على وجهين:
أ . أن يكون زمان التلبّس بالمبدأ في الخارج متحداً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول زيد ضارب أمس، حاكياً عن تلبّسه بالمبدأ في ذلك الزمان، فهو حقيقة ومعدود من قبيل المتلبّس لأنّ المراد كونه ضارباً في ذلك الظرف.
ب. أن يكون زمان التلبّس بالمبدأ في الخارج مختلفاً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول: زيد ـ باعتبار تلبّسه بالمبدأ أمس ـ ضارب الآن، فالجري مجاز ومن قبيل ما انقضى عنه المبدأ .

تطبيق

1. قال رجل لعليّ بن الحسين(عليهما السلام): أين يتوضأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة».1
فعلى القول بالوضع للمتلبّس بالمبدء يختص الحكم بما إذا كانت مثمرة ولو بالقوة، كما هي الحال في فصل الشتاء بخلاف القول بأعم من المتلبّس وغيره فيشمل الشجرة المثمرة سابقاً حتّى ولو يبست وفقدت قوّة

1 . الوسائل:1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.

صفحه 34
الإثمار لأجل طول عمرها.
2. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة ماتت وليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».1
فلو قلنا بأنّ المشتق حقيقة في المنقضي أيضاً، فيجوز للزوج المطلِّق تغسيلها عند فقد المماثل وإلاّ فلا.
إذا وقفت على تلك الأُمور، فاعلم أنّ كتابنا هذا مرتّب على مقاصد، وكلّ مقصد يتضمن فصولاً:

1 . الوسائل:2، الباب 24 من أبواب غسل الميّت، الحديث8.

صفحه 35
المقصد الأوّل
في الأوامر
وفيه فصول:
   الفصل الأوّل: في مادة الأمر.
   الفصل الثاني: في هيئة الأمر.
   الفصل الثالث: في إجزاء امتثال الأمر الواقعي والظاهري.
   الفصل الرابع: مقدمة الواجب وتقسيماتها.
   الفصل الخامس: في تقسيمات الواجب.
   الفصل السادس: اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.
   الفصل السابع: إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز .
   الفصل الثامن: الأمر بالأمر بفعل، أمر بذلك الفعل.
   الفصل التاسع: الأمر بالشيء بعد الأمر به تأكيد أو تأسيس.

صفحه 36

صفحه 37
في مادّة الأمر

الفصل الأوّل

في مادّة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل:لفظ الأمر مشترك لفظي

إنّ لفظ الأمر مشترك لفظي بين معنيين هما:
الطلب والفعل، و إليهما يرجع سائر المعاني التي ذكرها أهل اللغة.
لا خلاف في صحّة استعماله في الطلب كقوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(النور/63).
وإنّما الخلاف في المعنى الثاني، و الظاهر صحّة استعماله في الفعل لوروده في القرآن. كقوله سبحانه:(قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ)(آل عمران/154)،:(وَ قُضِيَ الأَمْرُ وَ إِلَى اللّهِ تُرجَعُ الأُمور )(البقرة/210) و(وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران/159).
ثمّ الأمر إن كان بمعنى الطلب ـ أي طلب الفعل من غيره ـ يجمع على «أوامر»، كما أنّه إذا كان بمعنى الفعل يُجمع على أُمور والاختلاف في صيغة الجمع دليل على أنّه موضوع لمعنيين مختلفين.

صفحه 38
المبحث الثاني: اعتبار العلوّ و الاستعلاء
في صدق مادّة الأمر بمعنى الطلب
اختلف الأُصوليون في اعتبار العلو و الاستعلاء في صدق الأمر بمعنى الطلب على أقوال:
1. يعتبر في صدق مادة الأمر وجود العلوّ في الآمر دون الاستعلاء، لكفاية صدور الطلب من العالي و إن كان مستخفضاً لجناحه عند العقلاء، و هو خيرة المحقّق الخراساني(قدس سره).
2. يعتبر في صدق مادة الأمر كلا الأمرين، فلا يعدّ كلام المولى مع عبده أمراً إذا كان على طريق الاستدعاء، و هو خيرة السيد الإمام الخميني(قدس سره).
3. يعتبر في صدق مادة الأمر أحد الأمرين: ا لعلو أو الاستعلاء، أمّا كفاية العلو فلما تقدّم في دليل القول الأوّل، وأمّا كفاية الاستعلاء، فلأنّه يصحّ تقبيح الطالب السافل المستعلي، ممّن هو أعلى منه و توبيخه بمثل «انّك لِمَ تأمرني».
4. لا يعتبر في صدق مادة الأمر واحد منهما، و هو خيرة المحقّق البروجردي(قدس سره).
الظاهر هو القول الثاني، امّا اعتبار العلوّ فلانّ لفظ الأمر في اللغة العربية معادل للفظ «فرمان» في اللغة الفارسية، و هو يتضمن علوّ صاحبه، ولذلك يذم إذا تظاهر بالأمر ولم يكن عالياً.
وأمّا اعتبار الاستعلاء فلعدم صدقه إذا كان بصورة الاستدعاء، و يشهد

صفحه 39
له قول بريرة 1 لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: إنّما أنا شافع» فلو كان مجرد العلو كافياً لما انفك طلبه من كونه أمراً.

المبحث الثالث: في دلالة مادة الأمر على الوجوب

إذا طلب المولى من عبده شيئاً بلفظ الأمر كأن يقول: آمرك بكذا، فهل يدل كلامه على الوجوب أو لا؟
الظاهر هو الأوّل، لأنّ السامع ينتقل من سماع لفظ الأمر إلى لزوم الامتثال الذي يعبّر عنه بالوجوب، و ُيؤيَّد هذا الانسباق والتبادر بالآيات التالية:
1. قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليم) (النور/63) حيث هدّد سبحانه على مخالفة الأمر، والتهديد دليل الوجوب.
2. قوله سبحانه: ( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف/12) حيث ذمّ سبحانه إبليس لمخالفة الأمر، و الذم آية الوجوب.
3.قوله تعالى: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ)(التحريم/6)حيث سمّى سبحانه مخالفة الأمر عصياناً، و الوصف بالعصيان دليل الوجوب.
مضافاً إلى ما ورد في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لولا أن أشُقّ على أُمّتي لأمرتهم

1 . روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: لما خُيِّرتْ بريرة(بعد ما أُعتقت و خُيّرت بين البقاء مع زوجها أو الانفصال عنه) رأيت زوجها يتبعها في سُكَكَ المدينة و دموعه تسيل على لحيته، فكلَّم العباس ليكلِّم فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريرة انّه زوجك، فقالت: تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: «إنّما أنا شافع»، قال: فخيّرها فاختارت نفسها.(مسند أحمد:1/215).

صفحه 40
بالسواك».1 ولزوم المشقّة آية كونه مفيداً للوجوب إذ لا مشقّة في الاستحباب لجواز تركه.

الفصل الثاني

في هيئة الأمر وفيه مباحث:في هيئة الأمر

المبحث الأوّل : في بيان مفاد الهيئة

اختلفت كلمة الأُصوليين في معنى هيئة افعل على أقوال منها:
1. انّها موضوعة للوجوب.
2. انّها موضوعة للندب.
3. انّها موضوعة للجامع بين الوجوب و الندب، أي الطلب إلى غير ذلك.
و الحقّ انّها موضوعة لأمر رابع وهو انشاء البعث إلى إيجاد متعلّقه و يدلّ عليه التبادر والانسباق، فقول المولى لعبده: اذهب إلى السوق و اشتر اللحم عبارة أُخرى عن بعثه إلى الذهاب و شراء اللحم.
بيانه: أنّ بعث العبد إلى الفعل قد يكون بالإشارة باليد، كما إذا أشار المولى بيده إلى خروج العبد و تركه المجلس، و أُخرى بلفظ الأمر كقوله: اخرج، فهيئة افعل في الصورة الثانية قائمة مقام الإشارة باليد، فكما أنّ الإشارة باليد تفيد البعث إلى المطلوب، فهكذا القائم مقامها من صيغة افعل،

1 . الوسائل:1، الباب3 من أبواب السواك، الحديث 4.

صفحه 41
وإنّما الاختلاف في كيفية الدلالة، فدلالة الهيئة على إنشاء البعث لفظية بخلاف دلالة الأُولى.
سؤال: لا شكّ انّ هيئة افعل تستعمل في البعث كقوله سبحانه:(وَأَقِيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكاة)(البقرة/43) أو قوله: (أَوفُوا بِالعُقود)(المائدة/1) و لكن ربما تستعمل في غير البعث أيضاً:
كالتعجيز مثل قوله سبحانه:(وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ) (البقرة/23).
والتمنّي كقول الشاعر:
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
إلى غير ذلك من المعاني المختلفة المغايرة للبعث. فيلزم أن تكون الهيئة مشتركة بين المعاني المختلفة من البعث و التعجيز و التمنّي.
الجواب: انّ هيئة افعل تستعمل في جميع الموارد في البعث إلى المتعلّق والاختلاف إنّما هو في الدواعي، فتارة يكون الداعي من وراء
البعث هو إيجاد المتعلّق في الخارج، و أُخرى يكون الداعي هو التعجيز، و ثالثة التمني، و رابعة هو الإنذار كقوله:(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّه
عَمَلَكُمْ وَرسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ
)(التوبة/105) إلى غير ذلك من الدواعي،
ففي جميع الموارد يكون المستعمل فيه واحداً و إنّما الاختلاف في الدواعي من وراء إنشائه.
ونظير ذلك، الاستفهام فقد يكون الداعي هو طلب الفهم، و أُخرى أخذ الإقرار مثل قوله:(هَلْ يَسْتَوي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَ الّذينَ لا يَعْلَمُونَ)(الزمر/9). والمستعمل فيه في الجميع واحد و هو إنشاء طلب

صفحه 42
الفهم.

المبحث الثاني: دلالة هيئة الأمر على الوجوب

قدعرفت أنّ هيئة إفعل موضوعة لإنشاء البعث و أنّها ليست موضوعة للوجوب و لا للندب، و أنّهما خارجان عن مدلول الهيئة ـ و مع ذلك ـ هناك بحث آخر، وهو أنّه لا إشكال في لزوم امتثال أمر المولى إذا علم أنّه يطلب على وجه اللزوم إنّما الكلام فيما إذا لم يعلم فهل يجب امتثاله أو لا؟ الحقّ هوالأوّل.
لأنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية و العبودية ولا يصحّ ترك المأمور به بمجرّد احتمال أن يكون الطلب طلباًندبياً و تؤيّده سيرة العقلاء على أنّ ترك المأمور به لابدّ أن يستند إلى عذر قاطع، فلا يصحّ تركه باحتمال انّ أمره ليس إلزاميّاً فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. انّ المدلول المطابقي لهيئة إفعل هو إنشاء البعث .
2. الوجوب و لزوم الامتثال مدلول التزامي لها بحكم العقل.

المبحث الثالث: استفادة الوجوب من أساليب أُخرى

إنّ للقرآن و السنّة أساليب أُخرى في بيان الوجوب والإلزام غير صيغة الأمر، فتارة يعبّر عنه بلفظ الفرض والكتابة مثل قوله سبحانه: (قَدْفَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) (التحريم/2)،وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام)(البقرة/182)، وقال: (إِنَّ الصلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنينَ كِتاباً مَوقُوتاً) (النساء/103).
وأُخرى يجعل الفعل في عهدة المكلّف قال: (وَ للّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران/97).

صفحه 43
وثالثة يخبر عن وجود شيء في المستقبل مشعراً بالبعث الناشئ عن إرادة أكيدة، قال سبحانه: (والوالِداتُ يُرضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَين)(البقرة/233).
وأمّا السنّة فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت في أبواب الطهارة والصلاة و غيرهما قولهم:«يَغْتَسِلُ»، «يُعيدُ الصلاة» أو «يستَقْبِل القبلة».
فالجمل الخبرية في هذه الموارد و إن استعملت في معناها الحقيقي، أعني: الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل، لكن بداعي الطلب و البعث. وقد عرفت أنّ بعث المولى لا يترك بلا دليل.

المبحث الرابع: الأمر عقيب الحظر

إذا ورد الأمر عقيب الحظر فهل يحمل الأمر على الوجوب أو لا؟
فمثلاً قال سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّما يُتلى عَلَيْكُمْ غَير مُحِلّي الصيدِ وَ أَنْتُمْ حُرُم)(المائدة/1).
ثمّ قال:(وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا...) (المائدة/2).
فقد اختلف الأُصوليون في مدلول هيئة الأمر عقيب الحظر على أقوال:
أ. ظاهرة في الوجوب.
ب.ظاهرة في الإباحة.
ج. فاقدة للظهور.
والثالث هو الأقوى، لأنّ تقدّم الحظر يصلح لأن يكون قرينة على أنّ

صفحه 44
الأمر الوارد بعده لرفع الحظر لا للإيجاب، فتكون النتيجة هي الإباحة، كما يحتمل أنّ المتكلم لم يعتمد على تلك القرينة و أطلق الأمر لغاية الإيجاب، فتكون النتيجة هي الوجوب، و لأجل الاحتمالين يكون الكلام مجملاً.
نعم إذا قامت القرينة على أنّ المراد هو رفع الحظر تكون النتيجة هي الإباحة فهو أمر آخر خارج عن موضوع البحث.

المبحث الخامس: المرّة و التكرار

إذا دلّ الدليل على أنّ المولى يطلب الفعل مرّة واحدة كقوله سبحانه:(وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ) (آل عمران/97) ، أو دلّ الدليل على لزوم التكرار كقوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/185) فيتبعُ مدلوله.
وأمّا إذا لم يتبيّن واحد من الأمرين، فهل تدلّ صيغة الأمر على المرّة أو على التكرار أو لا تدلّ على واحد منهما؟
الحقّ هو الثالث، لأنّ الدليل إمّا هيئة الأمر أو مادته، فالهيئة وضعت لنفس البعث، و المادّة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك ما يدلّ على المرّة أو التكرار و استفادتهما من اللفظ بحاجة إلى دليل.

المبحث السادس: الفور والتراخي

اختلف الأُصوليون في دلالة هيئة الأمر على الفور أو التراخي على أقوال:
1. انّها تدلّ على الفور.
2. انّها تدلّ على التراخي.

صفحه 45
3. انّها لا تدلّ على واحد منهما.
والحقّ هو القول الثالث لما تقدّم في المرّة والتكرار من أنّ الهيئة وضعت للبعث، والمادة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك ما يدلّ على واحد منهما.
استدل القائل بالفور بآيتين:
1. قوله سبحانه: (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين) (آل عمران/133).
وجه الاستدلال: انّ المغفرة فعل للّه تعالى، فلا معنى لمسارعة العبد إليه، فيكون المراد هو المسارعة إلى أسباب المغفرة و منها فعل المأمور به.
يلاحظ عليه: بأنّ أسباب المغفرة لا تنحصر بالواجبات إذ المستحبات أيضاً من أسبابها، و عندئذ لا يمكن أن تكون المسارعة واجبة مطلقاً مع كون أصل العمل في بعض الموارد مستحباً.
2. قوله سبحانه: (وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرات) (المائدة/48).
فظاهر الآية وجوب الاستباق نحوَ الخير الذي هو تعبير آخر عن الفور والإتيان بالفرائض من أوضح مصاديق الخير.
يلاحظ عليه: أنّ مفاد الآية بعث العباد نحوَ العمل بالخير بأن يتسابق
كلّ على الآخر مثل قوله سبحانه:(وَاسْتَبَقا الباب) (يوسف/25) ولا صلة للآية بوجوب مبادرة كلّ مكلّف إلى ما وجب عليه وإن لم يكن في
مظنة السبق.
أضـف إلى ذلك انّ محـور البحـث دلالة صيغة الأمر بنفسها على

صفحه 46
الفور، لا بالقرائن الخارجية فلو تمت دلالة الآيتين على الفورية تكون النتيجة، لزوم الإتيان بالمأمور به فوراً لقرائن خارجية وهو خارج عن
محط البحث.

الفصل الثالث

الإجزاء

تصدير الإجزاء

لانزاع في أنّ المكلّف إذا امتثل ما أمر به مولاه على الوجه المطلوب ـ أي جامعاً لما هو معتبر فيه من الأجزاء أو الشرائط ـ يعدّ ممتثلاً لذلك الأمر من دون حاجة إلى امتثال ثان.
دليل ذلك: انّ الهيئة تدلّ على البعث أو الطلب، و المادة تدلّ على الطبيعة و هي توجد بوجود فرد واحد، فإذا امتثل المكلّف ما أمر به بإيجاد مصداق واحد منه فقد امتثل ما أمر به و لا يبقى لبقاء الأمر بعد الامتثال
وجه.
وإنّما النزاع في إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياري وإجزاء الأمر الظاهري عن الواقعي وهاهنا مبحثان:

المبحث الأوّل: إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياريّ

الصلوات اليومية واجبة بالطهارة المائية قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ...)(المائدة/6).

صفحه 47
وربما يكون المكلّف غير واجد للماء فجُعِلت الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية لأجل الاضطرار، قال سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَو عَلى سَفَر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِطِ اوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(المائدة/6).
فالصلاة بالطهارة المائية فرد اختياري والأمر به أمر واقعي أوّلي، كما أنّ الصلاة بالطهارة الترابية فرد اضطراريّ و الأمر به أمر واقعي ثانوي،
فيقع الكلام في أنّ المكلّف إذا امتثل المأمور به في حال الاضطرار على الوجه المطلوب، فهل يسقط الأمر الواقعي الأوّلي بمعنى أنّه لو تمكّن
من الماء بعد إقامة الصلاة بالتيمم، لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء، أو لا يسقط؟ أمّا سقوط أمر نفس الاضطراريّ فقد علمت أنّ امتثال أمر كلّ شيء مسقط له.
ثمّ إنّ للمسألة صورتين:
تارة يكون العذر غيرَ مستوعب، كما إذا كان المكلّف فاقداً للماء في أوّل الوقت وقلنا بجواز البدار فصلّى متيمّماً ثمّ صار واجداً له في أثنائه.
وأُخرى يكون العذر مستوعباً، كما إذا كان فاقداً للماء في جميع الوقت فصلّى متيمّماً، ثمّ ارتفع العذر بعد خروج الوقت.
فالكلام في القسم الأوّل يقع في وجوب الإعادة في الوقت، و القضاء خارجه، كما أنّ الكلام في الثاني في وجوب القضاء.
والدليل على الإجزاء أنّه إذا كان المتكلم في مقام البيان لما يجب على المكلّف عند الاضطرار، ولم يذكر إلاّ الإتيان بالفرد الاضطراري من دون إشارة إلى إعادته أو قضائه بعد رفع العذر، فظاهر ذلك هو الإجزاء فمثلاً:انّ

صفحه 48
ظاهر قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(المائدة/6)، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أباذر يكفيك الصعيد عشر سنين».1 و قوله (عليه السلام) في رواية أُخرى: «إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين»2، هو الإجزاء; و عدم وجوب الإعادة والقضاء، وإلاّ لوجب عليه البيان فلابدّ في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص.
ولو افترضنا عدم كون المتكلّم في مقام البيان في دليل البدل و كونه ساكتاً عن الإعادة و القضاء، فمقتضى الأصل أيضاً هو البراءة وسيأتي تفصيله.

المبحث الثاني: في إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

الكلام في إجزاء امتثال الأمر الظاهري عن امتثال الأمر الواقعي يتوقف على توضيح الأمر الظاهري أوّلاً، ثمّ البحث عن الإجزاء ثانياً.
ينقسم الحكم عند الأُصوليين إلى واقعي و ظاهري.
أمّا الحكم الواقعي: فهو الحكم الثابت للشيء بما هوهو أي من غير لحاظ كون المكلّف جاهلاً بالواقع أو شاكّاً فيه، كوجوب الصلاة و الصوم و الزكاة و غيرهما من الأحكام القطعية. فالموضوع للوجوب نفس الصلاة بما هي هي لا بما هي مشكوكة الحكم بخلاف القسم التالي.
وأمّا الحكم الظاهري، فهو الحكم الثابت للشيء عند عدم العلم بالحكم الواقعي، و هذا كالأحكام الثابتة بالأُصول العملية.3

1 . الوسائل:2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12.
2 . الوسائل:2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 15.
3 . كالحكم بالطهارة على الثوب المبهم من حيث الطهارة والنجاسة في قوله: كلّ شيء   2
(مشكوك الطهارة والنجاسة) طاهر حتى تعلم انّه قذر.

صفحه 49
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أنّ العمل بالأُصول هل يقتضي الإجزاء عن امتثال الأمر الواقعي أو لا؟
مثلاً إذا صلّى في ثوب مستصحب الطهارة ثمّ تبيّن أنّه نجس، فهل يُجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء بعده أو لا؟
الحق هو القول بالاجزاء دليله: انّه إذا قال الشارع: «صلّ في ثوب طاهر» فهو ظاهر في لزوم الصلاة في ثوب طاهر واقعاً.
ثمّ إذا أردفه بقوله«كلّ شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر»، يعلم منه انّ الشرط لصحّة الصلاة، هو أعمّ من أن يكون طاهراً واقعياً أو طاهراً ظاهرياً، فلو صلّى في مثل الثوب المشكوك، المحكوم شرعاً بالطهارة فصلاته واجدة لما هو الشرط لصحّتها، إذ الدليل الثاني كشف عن انّ الشرط أعمّ من الطهارة الواقعية ولو علمت نجاسة الثوب فهو محكوم بالنجاسة، ولكن الصلاة محكومة بالصحّة لكونها واجدة لشرطها الذي هو أعمّ من الطهارة الواقعية أو الظاهرية.

صفحه 50

الفصل الرابع مقدّمة الواجب

مقدّمة الواجب

تعريف المقدّمة

«ما يتوصل بها إلى شيء آخر على وجه لولاها لما أمكن تحصيله» من غير فرق بين كون المقدّمة منحصرة، أو غير منحصرة، غاية الأمر أنّها لو كانت منحصرة لانحصر رفع الاستحالة بها، و إن كانت غير منحصرة لانحصر رفع الاستحالة في الإتيان بها أو بغيرها، وقد وقع الخلاف في وجوب مقدمة الواجب شرعاً بعد اتفاق العقلاء على وجوبها عقلاً، و قبل الدخول في صلب الموضوع نذكر أقسام المقدمّة:
فنقول: إنّ للمقدّمة تقسيمات مختلفة:

الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية

المقدّمة الداخلية: و هي كلّ جزء من أجزاء المركب، وليس له وجود مستقل خارج عن وجود المركّب كالصلاة فانّ كلّ جزء منها مقدّمة داخليّة باعتبار أنّ المركّب متوقّف في وجوده على أجزائه، فكلّ جزء في نفسه مقدّمة لوجود المركّب، و إنّما سمّيت داخلية لأنّ الجزء داخل في قوام المركّب، فالحمد أو الركوع بالنسبة إلى الصلاة مقدّمة داخلية.
المقدّمة الخارجية: وهي كلّ ما يتوقف عليه الشيء و له وجود مستقل

صفحه 51
خارج عن وجود الشيء، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

الثاني: تقسيمها إلى عقلية و شرعية و عادية

المقدّمة العقلية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليها عقلاً، كتوقف حجّ البيت على قطع المسافة.
المقدّمة الشرعية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليها شرعاً، كتوقّف الصلاة على الطهارة.
المقدّمة العادية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليها عادة، كتوقّف الصعود إلى السطح على نصب السلَّم.

الثالث: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود والصحّة و الوجوب و العلم

الملاك في هذا التقسيم غير الملاك في التقسيمين الماضيين، فانّ الملاك في التقسيم الأوّل هو تقسيم المقدّمة بلحاظ نفسها و في الثاني تقسيمها بلحاظ حاكمها و هو إمّا العقل أو الشرع أو العادة و في التقسيم الثالث تقسيمها باعتبار ذيها وإليك البيان.
مقدّمة الوجود: هي ما يتوقف وجود ذي المقدمة عليها، كتوقف الكلّ على الأجزاء.
مقدّمة الصحّة: هي ما تتوقف صحّة ذي المقدّمة عليها كتوقف صحّة الصلاة على الطهارة وتوقف صحّة العقد الفضولي على إجازة المالك.
مقدّمة الوجوب: هي ما يتوقف وجوب ذي المقدمة عليها كتوقف وجوب الحجّ على الاستطاعة بحيث لولا وجود المقدمة لما وجب ذوها.
مقدّمة العلم: هي ما يتوقّف العلم بتحقّق ذي المقدمة عليها، كتوقّف

صفحه 52
العلم بالصلاة إلى القبلة، على الصلاة إلى الجهات الأربع.
والنزاع في وجوب المقدّمة و عدمه إنّما هو في القسمين الأوّلين أي مقدّمة الوجود و الصحّة، و أمّا مقدّمة الوجوب فهو خارج عن محطّ النزاع، لأنّه لولا المقدّمة لما وصف الواجب بالوجوب، فكيف تجب المقدّمة بالوجوب الناشئ من قِبَل الواجب، المشروط وجوبه بها؟
وأمّا المقدّمة العلمية فلا شكّ في خروجها عن محطّ النزاع، فإنّها واجبة عقلاً لا غير، ولو ورد في الشرع الأمر بالصلاة إلى الجهات الأربع، فهو إرشاد إلى حكم العقل .

الرابع: تقسيمها إلى السبب والشرط والمُعدّ والمانع1

ملاك هذا التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير كلّ في ذيها، غير أنّ تأثير كلّ يغاير نحو تأثير الآخر، و إليك تعاريفها.
السبب: ما يلزم من وجوده، وجود المسبب ومن عدمه، عدمه كالدلوك بالنسبة إلى وجوب الصلاة، ولقوله سبحانه:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل) (الإسراء/ 78). وقول السيّد لعبده: أنت حرّ لوجه الله فهو سبب للعتق.
الشرط: ما يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده، وجوده كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة ونصب السلم بالنسبة إلى الكون في السطح.2
المُعِدّ: ما يقرّب المعلول إلى العلّة كارتقاء السلّم، فإنّ الصعود إلى كلّ

1 . انّ لأرباب المعقول اصطلاحاً خاصاً في هذه الأُمور الأربعة ونحن نفسرها حسب اصطلاح الأُصوليين، فلا يقع خلط بين الاصطلاحين.
2 . قوانين الأُصول:1/100.

صفحه 53
درجة، معدّللصعود إلى الدرجة الأُخرى.
المانع: ما يكون وجوده مانعاً عن تأثير المقتضي، كالقتل حيث جعله الشارع مانعاً من الميراث، والحدث مانعاً من صحّة الصلاة.

الخامس: تقسيمها إلى مفوِّتة و غير مفوِّتة

المقدّمة المفوّتة: عبارة عن المقدّمة التي يحكم العقل بوجوب الإتيان بها قبل وجوب ذيها على وجه لو لم يأت بها قبله لما تمكّن من الإتيان بالواجب في وقته، كقطع المسافة للحجّ قبل حلول أيّامه بناء على تأخر وجوب الحجّ إلى أن يحين وقته1، فبما أنّ ترك قطع المسافة في وقته يوجب فوت الواجب، يعبّـر عنه بالمقدّمة المفوّتة.
ومثله الاغتسال عن الجنابة للصوم قبل الفجر، فإنّ الصوم يجب بطلوع الفجر، وشرط صحّته كون الصائم طاهراً عن الجنابة فيلزم الإتيان بالغسل قبله و إلاّ لفسد الصوم، و يكون تركه مفوِّتاً للواجب.

السادس: تقسيمها إلى مقدّمة عبادية وغيرها

إنّ الغالب على المقدّمة هي كونها أمراً غير عبادي، كتطهير الثوب للصلاة، و قطع المسافة إلى الحجّ، و ربما تكون عبادة،و مقدّمة لعبادة أُخرى بحيث لا تقع مقدّمة إلاّإذا وقعت على وجه عبادي، و مثالها منحصر في الطهارات الثلاث (الوضوء و الغسل والتيمم). فالمقدمة هي الوضوء الذي

1 . وفي مقابله: القول بوجوب الحجّ في أوّل أشهر الحجّ أعني شهر شوال على نحو يكون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً، قال سبحانه:(اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)(البقرة:196) وهي شهر شوال وذي القعدة والعشرة من ذي الحجة.

صفحه 54
أتى بها المكلف تقرباً إلى الله أو امتثالاً لأمره.

الأقوال في المسألة

اختلفت كلمة الأُصوليين في حكم المقدمة على أقوال:
1. وجوبها شرعاً مطلقاً.
2. عدم وجوبها كذلك.
3. القول بالتفصيل.
والمختار عندنا : عدم وجوب المقدّمة أساساً، فيصبح القول بالتفصيل كالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّ القول بالتفصيل إنّما يصحّ على فرض وجوبها إجمالاً، و إليك بيان المختار.

وجوب المقدّمة بين اللغوية و عدم الحاجة

إنّ الغرض من الإيجاب هو جعل الداعي في ضمير المكلّف للانبعاث نحو الفعل، و الأمر المقدّمي فاقد لتلك الغاية، فهو إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه.
أمّا الأوّل، فهو فيما إذا لم يكن الأمر بذي المقدّمة الذي يترتّب عليه الثواب والعقاب باعثاً نحو المطلوب النفسي، فعند ذلك لا يكون الأمر بالمقدّمة باعثاً لعدم ترتبهما عليها.
وأمّا الثاني، فهو فيما إذا كان الأمر بذيها باعثاً للمكلّف نحو المطلوب، فيكفي ذلك في بعث المكلّف نحو المقدّمة أيضاً، و يكون الأمر بالمقدّمة أمراً غير محتاج إليه.
والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين عدم الباعثية إذا لم يكن

صفحه 55
المكلّف بصدد الإتيان بذيها، وعدم الحاجة إليه إذا كان بصدد الإتيان بذيها، و إذا كان الحال كذلك فتشريع مثله قبيح لا يصدر عن الحكيم.

صفحه 56

الفصل الخامسفي تقسيمات الواجب

في تقسيمات الواجب1

للواجب تقسيمات مختلفة نشير إليها إجمالاً، ثمّ نأخذ بالبحث عنها تفصيلاً:
1. تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط.
2. تقسيم الواجب إلى المؤقّت وغير المؤقّت.
3. تقسيم الواجب إلى نفسيّ وغيريّ.
4. تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي.
5. تقسيم الواجب إلى عينيّ وكفائيّ.
6. تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري.
7. تقسيم الواجب إلى التعبديّ والتوصلّي
***

1. تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط

إذا قيس وجوب الواجب إلى شيء آخر خارج عنه، فهو لا يخرج عن

1 . يمكن اجراء هذا التقسيم في جانب الوجوب، فالوجوب امّا مطلق أو مشروط وهكذا والدارج في ألسن الأُصوليين هو ما في المتن ولكن محور التقسيم في الحقيقة هو الوجوب ووصف الواجب بها إنّما هو بالعرض والمجاز، فلاحظ.

صفحه 57
أحد نحوين:
إمّا أن يكون وجوب الواجب غير متوقّف على تحقّق ذلك الشيء، كوجوب الحجّ بالنسبة إلى قطع المسافة، فالحجّ واجب سواء أقطع المسافة أو لا، ولو ترك قطع المسافة يكون عاصياً.
وإمّا أن يكون وجوبه متوقّفاً على تحقّق ذلك الشيء، بمعنى انّه لولا حصوله لما تعلّق الوجوب بالواجب، كالاستطاعة الشرعيّة1 بالنسبة إلى الحجّ، فلولاها لما تعلّق الوجوب بالحجّ.
وعلى هذا يجب تحصيل مقدّمة الواجب المطلق دون الواجب المشروط.
و من هنا يعلم أنّه يمكن أن يكون وجوب الواجب بالنسبة إلى شيء واجباً مطلقاً، و بالنسبة إلى شيء آخر واجباً مشروطاً كوجوب الصلاة، بل عامة التكاليف بالنسبة إلى البلوغ والقدرة و العقل، فإنّ الصبي والعاجز و المجنون غير مكلّفين بشيء و قد رفع عنهم القلم، فوجوب الصلاة مشروط بالنسبة إلى هذه الأُمور الثلاثة، و لكنّه في الوقت نفسه غير مشروط بالنسبة إلى الطهارة الحدثية والخبثية، فالصلاة واجبة سواء أكان المكلّف متطهراً أم لا ولكن لا تصحّ إلاّ بالطهارة.
وبذلك يظهر أنّ الإطلاق والاشتراط من الأُمور النسبية، فقد يكون الوجوب بالنسبة إلى شيء مطلقاً و إلى شيء آخر مشروطاً.

1 . خرجت الاستطاعة العقلية كالحجّ متسكّعاً فلا يجب معها الحجّ.

صفحه 58

2. تقسيم الواجب إلى المؤقّت وغيرالمؤقّت

والمؤقّت إلى الموسّع والمضيّق.
الواجب غير المؤقت: مالا يكون للزمان فيه مدخلية و إن كان الفعل لا يخلو عن زمان 1، كإكرام العالم و إطعام الفقير.
ثمّ إنّ غير المؤقت ينقسم إلى فوري: و هو ما لا يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كإزالة النجاسة عن المسجد، و ردّ السّلام ، والأمر
بالمعروف.
وغير فوري: وهو ما يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كقضاء الصلاة الفائتة، وأداء الزكاة، والخمس.
الواجب المؤقّت : ما يكون للزمان فيه مدخلية، و له أقسام ثلاثة:
أ. أن يكون الزمان المعيّن لإتيان الواجب مساوياً لزمان الواجب، كالصوم، و هو المسمّى بالمضيّق.
ب. أن يكون الزمان المعيّن لإتيان الواجب أوسع من زمان الواجب، كالصلوات اليومية، و يعبّر عنه بالموسّع.
ج. أن يكون الزمان المعيّن لإتيان الواجب أضيق من زمان الواجب، و هو مجرّد تصور; بل محال لاستلزامه التكليف بمالا يطاق.

1 . و كم فرق بين عدم انفكاك الفعل عن الزمان، و مدخليته في الموضوع كسائر الأجزاء، وغير المؤقت من قبيل القسم الأوّل دون الثاني.

صفحه 59

تتمة

هل القضاء تابع للأداء؟

إذا فات الواجب المؤقّت في ظرفه من دون فرق بين كونه مضيّقاً أو موسّعاً، فقيل يدلّ نفس الدليل الأوّل على وجوب الإتيان خارج الوقت فيجب القضاء ويعبّر عنه بأنّ القضاء تابع للأداء، وقيل بعدم الدلالة لذاك الدليل على القضاء وهذا ما يعبّر عنه بانّ القضاء تابع لا جديد. ويختص محلّ النزاع بما إذا لم يكن هناك دليل يدلّ على أحد الطرفين فمقتضى القاعدة عندئذ سقوط الأمر المؤقّت بانقضاء وقته و عدم وجوب الإتيان به خارج الوقت لأنّه من قبيل الشكّ في التكليف الزائدوسيأتي أنّ الأصل عند الشك في التكليف، البراءة .

3. تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري

الواجب النفسي: هو ما وجب لنفسه كالصلاة.
والواجب الغيري: ما وجب لغيره كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

4. تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي

إذا كان الوجوب مفاد خطاب مستقل و مدلولاً بالدلالة المطابقية، فالواجب أصلي سواء كان نفسياً كما في قوله سبحانه:(وَ أَقِيمُوا الصَّلاة وَ آتُوا الزَّكاة)(النور/56)، أو غيرياً كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ) (المائدة/6). فالوضوء واجب غيري وفي الوقت نفسه أصلي.

صفحه 60
وأمّا إذا كان بيان وجوب الشيء من توابع ما قصدت إفادته، كما إذا قال: اشتر اللحم، الدال ضمناً على وجوب المشي إلى السوق، فالواجب تبعي لم يُسق الكلام إلى بيانه إلاّ تبعاً. والمشي إلى السوق واجب غيري، تبعي فظهر بذلك انّ الواجب الغيري تارة يكون أصلياً وأُخرى تبعياً.

5. تقسيم الواجب إلى العيني والكفائي

الواجب العيني: هو ما تعلّق فيه الأمر بكلّ مكلّف ولا يسقط عنه بفعل غيره، كالفرائض اليومية.
الواجب الكفائي: هو ماتعلّق فيه الأمر بعامّة المكلّفين لكن على نحو لو قام به بعضهم سقط عن الآخرين كتجهيز الميت والصلاة عليه.

6. تقسيم الواجب إلى التعييني و التخييري

الواجب التعييني: هو ما لا يكون له عِدْل، كالفرائض اليومية.
الواجب التخييري: هو ما يكون له عِدْل، كخصال كفّارة الإفطار العمدي في صوم شهر رمضان، حيث إنّ المكلّف مخيّر بين أُمور ثلاثة: صوم شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكيناً، وعتق رقبة.

7. تقسيم الواجب إلى التوصّلي والتعبّدي

الواجب التوصّلي: هو ما يتحقّق امتثاله بمجرّد الإتيان بالمأمور به بأيِّ نحو اتفق من دون حاجة إلى قصد القربة، كدفن الميت وتطهير المسجد، وأداء الدين، وردّ السلام.
الواجب التعبّدي: هو ما لا يتحقق امتثاله بمجرّد الإتيان بالمأمور به بل

صفحه 61
لابدّ من الإتيان به متقرباً إلى اللّه سبحانه، كالصلاة والصوم والحجّ.
ثمّ إنّ قصد القربة يحصل بأحد أُمور ثلاثة:
أ. الإتيان بقصد امتثال أمره سبحانه.
ب. الإتيان للّه تبارك و تعالى مع صرف النظر عن الآمر.
ج. الإتيان بداعي محبوبية الفعل له تعالى دون سائر الدواعي النفسانية.
ثمّ إنّه إذا شكّ في كون واجب توصّلياً أم تعبّدياً، نفسياً أم غيرياً، عينياً أم كفائياً، تعيينياً أم تخييرياً، فمقتضى القاعدة كونه توصلياً لا تعبّدياً، نفسياً لا غيرياً، عينياً لا كفائياً، تعيينياً لا تخييرياً، والتفصيل موكول إلى الدراسات العليا. اقتضاء الأمر بالشيء ، النهي عن ضدّه

الفصل السادس

اقتضاء الأمر بالشيء ، النهي عن ضدّه

اختلف الأُصوليون في أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ على أقوال، و قبل الورود في الموضوع نقول: الضدّ هو مطلق المعاند والمنافي، وقسّم الأُصوليون الضدّ إلى ضدّ عام و ضدّ خاص.
والضدّ العام: هو ترك المأمور به.
والضدّ الخاص: هومطلق المعاند الوجودي.
وعلى هذا تنحلُّ المسألة في عنوان البحث إلى مسألتين موضوع إحداهما الضدّ العام، و موضوع الأُخرى الضدّ الخاص.
فيقال في تحديد المسألة الأُولى: هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أو لا؟ مثلاً إذا قال المولى: صلّ صلاة الظهر، فهل هو نهي عن

صفحه 62
تركها؟ كأن يقول:«لاتترك الصلاة» فترك الصلاة ضدّ عام للصلاة بمعنى انّه نقيض له والأمر بها نهي عن تركها.1
كما يقال في تحديد المسألة الثانية: إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص أو لا؟ فإذا قال المولى: أزل النجاسة عن المسجد، فهل هي لأجل كونها واجباً فوريّاً بمنزلة النهي عن كلّ فعل وجودي يعاندها، كالصلاة في المسجد؟ فكأنّه قال: أزل النجاسة ولا تصلّ في المسجد عند الابتلاء بالإزالة.

المسألة الأُولى : الضدّ العام

إنّ للقائلين باقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن الضدّ العام أقوالاً:
الأوّل: الاقتضاء على نحو العينية و انّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام، فيدلّ الأمر عليه حينئذ بالدلالة المطابقية، فسواء أقلت : صلّ أم قلت: لا تترك الصلاة، فهما بمعنى واحد.
الثاني: الاقتضاء على نحو الجزئية و انّ النهي عن الترك جزءٌ لمدلول الأمر بالشيء، لأنّ الوجوب الذي هو ـ عند القائل ـ مدلول مطابقي للأمر ينحلُّ إلى طلب الشيء والمنع من الترك، فيكون المنع من الترك الذي هو نفس النهي عن الضدّ العام، جزءاً تحليلياً للوجوب.
الثالث: الاقتضاء على نحو الدلالة الالتزامية، فالأمر بالشيء يلازم عقلاً النهي عن الضدّ.

1 . كما أنّ ترك الصلاة ضدّ عام لها ، كذلك الصلاة أيضاً ضد عام لتركها; وعلى هذا فالضد العام هو النقيض، ونقيض كلّ شيء إمّا رفعه أو مرفوعه، فترك الصلاة رفع و الصلاة مرفوع وكلّ، نقيض للآخر و ضدّ عام له.

صفحه 63
ومختار المحقّقين عدم الدلالة مطلقاً.
أقول: إنّ أساس القولين الأوّلين، هو كون الوجوب مدلولاً للأمر بأحدى النحوين(المطابقية والتضمنية) وقد مرّ أنّ الوجوب خارجٌ عن مدلول الأمر، وأنّ هيئة إفعل وضعت لإنشاء البعث.
أمّا القول الثالث أي حكم الشرع بالنهي عن الترك المستكشف عن حكم العقل فيلاحظ عليه بمثل ما ذكرنا في لغوية الأمر الشرعي بالمقدّمة.
بيانه: أنّه إذا كان الأمر بالصلاة باعثاً فيكون النهي عن الترك لغواً وأمّا إذا لم يكن باعثاً نحو المطلوب فالنهي عن الضد أولى بأن لا يكون باعثاً لعدم ترتب الثواب والعقاب عليه.

المسألة الثانية: الضد الخاص

استدلّ القائلون بالاقتضاء بالدليل التالي وهو مركّب من أُمور ثلاثة:
أ . انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام وهو ترك الإزالة على القول به في البحث السابق.
ب . انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.
ج . المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله في الحكم أي منهيّاً عنه .
فينتج أنّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء

صفحه 64
لا يقتضي النهي عن ضده العام، و أنّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه، كما مرّ.
ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً بحكم المتلازم الآخر فلو كان ترك الإزالة حراماً لا يجب أن يكون ملازمه، أعني: الصلاة حراماً، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً
في هذا الظرف، وهذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجَدْي،
فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجَدْي. نعم يجب أن لايكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً واستدبار الجَدي حراماً، وفي المقام كأن يكون ترك الإزالة محرماً
والصلاة واجبة.

الثمرة الفقهية للمسألة:

تظهر الثمرة الفقهية للمسألة في بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء، فإذا كان الضد عبادة كالصلاة، وقلنا بتعلّق النهي بها تقع فاسدة، لأنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد كما سيأتي في محلّه، فلو اشتغل بالصلاة حين الأمر بالإزالة تقع صلاته فاسدة أو اشتغل بها، حين طلب الدائن دينه الذي يجب أداءُه فوراً فصلاته تكون منهياً عنها.

صفحه 65
نسخ الوجوب

الفصل السابع

نسخ الوجوب1

إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا ؟ ولنقدم مثالاً من الكتاب العزيز.
فرض اللّه سبحانه على المؤمنين ـ إذا أرادوا النجوى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تقديم صدقة، قال سبحانه:
(يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إذا نَاجَيتُمُ الرسولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً ذلكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأطهر فإن لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (المجادلة /12).
فلمّا نزلت الآية كفّ كثير من الناس عن النجوى، بل كفّوا عن المسألة، فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقدّم صدقة فناجى2، ثم نسخت الآية بما بعدها، وقال سبحانه:
(ءأشفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدَقات فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَلاةَ وَآتُوا الزَكاةَ وَأَطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ واللّهُ خبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(المجادلة / 13).

1 . سيوافيك تفسير النسخ في المقصد الرابع وإجماله رفع الحكم الثابت بدليل شرعي.
2 . مجمع البيان للطبرسي: 5/245 في تفسير سورة المجادلة.

صفحه 66
فوقع الكلام في بقاء جواز تقديم الصدقة إذا ناجى أحد مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فهناك قولان:
الأوّل: ما اختاره العلاّمة في «التهذيب» من الدلالة على بقاء الجواز.
الثاني: عدم الدلالة على الجواز، بل يرجع إلى الحكم الذي كان قبل الأمر. وهو خيرة صاحب المعالم.
استدل للقول الأوّل بأنّ المنسوخ لما دلَّ على الوجوب، أعني قوله: (فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً) فقد دلَّ على أُمور ثلاثة:
1. كون تقديم الصدقة جائزاً.
2. كونه أمراً راجحاً.
3. كونه أمراً لازماً.
و القدر المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه كالجواز والرجحان فيؤخذ من دليل المنسوخ، نظيره ما إذا دلّ دليل على وجوب شيء و دلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد أكرم زيداً وورد دليل ناسخ للوجوب، فالمنسوخ هو اللزوم دون الجواز والرجحان.
يلاحظ عليه: أنّه ليس للأمر إلاّ ظهور واحد وهو البعث نحو المأُمور به، وأمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر، وهو كون بعث المولى تمام الموضوع لوجوب الطاعة ولزوم العمل بالأمر عند العقل والعقلاء، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فقد دلَّ على رفع اليد عن مدلول المنسوخ فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز أو الرجحان إذ ليس له إلاّ ظهور واحد، وهو البعث نحو المطلوب وقد ارتفع لا ظهورات متعدّدة حتى يترك المنسوخ (اللزوم) ويؤخذ بالباقي (الجواز والرجحان).

صفحه 67
وبعبارة أُخرى: الجواز والرجحان من لوازم البعث إلى الفعل، فإذا نسخ الملزوم فلا وجه لبقاء اللازم.

الفصل الثامن الأمر بالأمربفعل، أمر بذلك الفعل

الأمر بالأمربفعل، أمر بذلك الفعل

إذا أمر المولى فرداً ليأمر فرداً آخر بفعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً أو لا؟ ولإيضاح الحال نذكر مثالاً:
إنّ الشارع أمر الأولياء ليأمروا صبيانهم بالصلاة، ، روي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع» 1 ففي هذا الحديث أمر الإمام الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة.
فعندئذ يقع الكلام في أنّ أمر الإمام يتحدّد بالأمر بالأولياء، أو يتجاوز عنه إلى الأمر بالصلاة أيضاً.
فلو قلنا بانّ الأمر بالأمر بالشيء أمر بنفس ذلك الشيء أيضاً تقع صلاة الصبي متعلقاً بأمره سبحانه ولو قلنا بانّه أمر بالأمر فقط لا بالفعل، فلا تكون صلاته متعلقاً بأمره.
فمحصّل الكلام: أنّه لا شك أنّ الصبيان مأمورون بإقامة الصلاة إنّما الكلام في أنّهم مأُمورون من جانب الأولياء فقط، أو هم مأُمورون من جانب الشارع أيضاً.

1 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 5.

صفحه 68
وتظهر الثمرة في مجالين:
الأوّل: شرعية عبادات الصبيان، فلو كان الأمر بالأمر، أمراً بذلك الفعل تكون عبادات الصبيان شرعية وإلاّتكون تمرينيّة.
الثاني: في صحّة البيع ولزومه فيما إذا أمر الوالد ولده الأكبر بأن يأمر ولده الأصغر ببيع متاعه، فنسي الواسطة إبلاغ أمر الوالد واطّلع الأصغر من طريق آخر على أمر الوالد فباع المبيع.
فإن قلنا بأنّ الأمر بالأمر بفعل، أمر بنفس ذلك الفعل أيضاً يكون بيعه صحيحاً ولازماً، وإن قلنا بخلافه يكون بيعه فضولياً غير لازم.
الظاهر أنّ الأمر بالأمر بالفعل أمر بذلك أيضاً، لأنّ المتبادر في هذه الموارد تعلّق غرض المولى بنفس الفعل وكان أمر المأُمور الأوّل طريقاً للوصول إلى نفس الفعل من دون دخالة لأمره في حصول الغرض.

صفحه 69
الأمر بالشيء بعد الأمر به

الفصل التاسع

الأمر بالشيء بعد الأمر به

إذا أمر المولى بشيء ثم أمر به قبل امتثال الأمر الأوّل، فهل هو ظاهر في التأكيد، أو ظاهر في التأسيس؟
للمسألة صور:
أ . إذا قُيِّدَ متعلّق الأمر الثاني بشيء يدلّ على التعدّد والكثرة كما إذا قال: صلِّ، ثم قال: صلِّ صلاة أُخرى.
ب . إذا ذُكِرَ لكل حكم سبب خاص، كما إذا قال: إذا نمت فتوضّأ، وإذا مسست ميّتاً فتوضّأ.
ج . أن يذكر السبب لواحد من الحكمين دون الآخر، كما إذا قال: توضأ، ثم قال: إذا بلت فتوضأ.
د . أن يكون الحكم خالياً عن ذكر السبب في كلا الأمرين.
لا إشكال في أنّ الأمر في الصورة الأُولى للتأسيس لا للتأكيدلأن الأمر الثاني صريح في التعدّد .
وأمّا الصورة الثانية، فهي كالصورة الأُولى ظاهرة في تأسيس إيجاب،

صفحه 70
وراء إيجاب آخر.
نعم يقع الكلام في إمكان التداخل بأن يمتثل كلا الوجوبين المتعدّدين بوضوء واحد وعدمه، فهو مبني على تداخل المسببات1 وعدمه عند تعدد الأسباب، فعلى الأوّل يكفي وضوء واحد ولا يكفي على الثاني وسيأتي الكلام فيه في باب المفاهيم2، فيختص محل البحث بالصورتين الأخيرتين. ولعل القول بالإجمال وعدم ظهور الكلام في واحد من التأكيد و التأسيس أولى، لأنّ الهيئتين تدلاّن على تعدّد البعث وهو أعم من التأكيد والتأسيس.وما يقال من أنّ التأسيس أولى من التأكيد، لا يثبت به الظهور العرفي.
تم الكلام في المقصد الأوّل
و الحمد للّه

1 . المراد من المسبّب هو الوجوب، وكفاية الوضوء الواحد كاشف عن تداخل الوجوبين واتحادهما، ومن آثار التداخل.
2 . لاحظ: ص 101.

صفحه 71
المقصد الثاني
في النواهي
وفيه فصول:
   الفصل الأوّل: في مادة النهي و صيغته.
   الفصل الثاني: في جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء
      واحد بعنوانين.
   الفصل الثالث: في اقتضاء النهي للفساد.

صفحه 72

صفحه 73

الفصل الأوّلفي مادة النهي و صيغته

في مادة النهي و صيغته

النهي هو الزجر عن الشيء، قال سبحانه:(أَرَأَيْتَ الّذي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلّى)(العلق/9ـ10) .
ويعتبر فيه العلو و الاستعلاء.ويتبادر من مادة النهي، الحرمة بمعنى لزوم الامتثال على وفق النهي. والدليل عليه قوله سبحانه:(وَأَخذِهمُ الرِّبا وَ قَد نُهُوا عَنْهُ) (النساء/161).و قوله سبحانه :(فَلَمّا عَتَـوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُوُنُوا قِرَدَة خاسِئين) (الأعراف/166).و قوله سبحانه :(وَما آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر/7) وقد مرّ نظير هذه المباحث في مادة الأمر فلا نطيل.
وأمّا صيغة النهي فالمشهور بين الأُصوليين أنّها كالأمر في الدلالة على الطلب غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما هو الوجود، أعني: نفس الفعل; وفي الآخر العدم، أعني: ترك الفعل.
ولكن الحق أنّ الهيئة في الأوامر وضعت للبعث إلى الفعل، وفي النواهي وضعت للزجر عنه، وهما يتحققان إمّا بالجوارح كالإشارة بالرأس و اليد أو باللفظ والكتابة.
وعلى ضوء ذلك فالأمر والنهي متّحدان من حيث المتعلّق ، مختلفان

صفحه 74
من حيث الحقيقة والمبادئ والآثار.
أمّا الاختلاف من حيث الحقيقة، فالأمر بعث إنشائي والنهي زجر كذلك.
وأمّا من حيث المبادئ فمبدأ الأمر هو الارادة النابعة من التصديق بالمصلحة والاشتياق إليها، ومبدأ النهي هو الكراهة النابعة من التصديق بالمفسدة والانزجار عنها.
وأمّا من حيث الآثار فإنّ الإتيان بمتعلّق الأمر إطاعة يوجب المثوبة، والإتيان بمتعلّق النهي معصية توجب العقوبة.

ظهور الصيغة في التحريم

قد علمت أنّ هيئة لا تفعل موضوعة للزجر، كما أنّ هيئة إفعل موضوعة للبعث، وعلى هذا فالوجوب والحرمة ليسا من مداليل الألفاظ وإنّما ينتزعان في مقام الثبوت من مبادئ الأمر والنهي فلو كان البعث ناشئاً من إرادة شديدة أو كان الزجر صادراً عن كراهة كذلك، ينتزع منهما الوجوب أو الحرمة وأمّا إذا كانا ناشئين من إرادة ضعيفة أو كراهة كذلك، فينتزع منهما الندب والكراهة. هذا كلّه في مقام الثبوت.
وأمّا في مقام الإثبات والدلالة فكما قلنا أنّ الوجوب والحرمة ليسا من المداليل اللفظية لكن الأمر أو النهي إذا لم يقترنا بما يدلّ على ضعف الإرادة أو الكراهة، يحمل على الوجوب والحرمة لحكم العقل بأنّ بعث المولى أو زجره لا يترك بلا امتثال، واحتمال أنّهما ناشئان من إرادة أو كراهة ضعيفة لا يعتمد عليه مالم يدلّ عليه دليل.
وبعبارة أُخرى: العقل يُلزِم بتحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية

صفحه 75
والعبودية ولا يتحقق إلاّ بالإتيان بالفعل في الأمر وتركه في النهي.

النهي والدلالة على المرّة والتكرار

إنّ النهي كالأمر لا يدلّ على المرة ولا التكرار، لأنّ المادة وضعت للطبيعة الصرفة، والهيئة وضعت للزجر، فأين الدال على المرة والتكرار؟!
نعم لمّا كان المطلوب هو ترك الطبيعة المنهي عنها، ولا يحصل ترك الطبيعة إلاّ بترك جميع أفرادها يحكم العقل بالاجتناب عن جميع محققات الطبيعة، وهذا غير دلالة اللفظ على التكرار.
ومنه يظهر عدم دلالتها على الفور والتراخي بنفس الدليل.

الفصل الثانياجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين

اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين

اختلفت كلمات الأُصوليين في جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، لكن بعنوانين، وقبل بيان أدلّة الطرفين نذكر أُموراً:

الأمر الأوّل: في أنواع الاجتماع

إنّ للاجتماع أنحاء ثلاثة:
أ. الاجتماع الآمري:فهو عبارة عمّا إذا اتحد الآمر والناهي أوّلاً، والمأُمور والمنهيّ (المكلَّف) ثانياً والمأُمور به والمنهى عنه (المتعلّق) ثالثاً مع وحدة زمان امتثال الأمر والنهي فيكون التكليف عندئذ محالاً، كما إذا قال: صلّ في ساعة كذا ولا تصلّ فيها، ويعبَّـرعن هذا النوع، بالاجتماع الآمري، لأنّ الآمر هو الذي حاول الجمع بين الأمر والنهي في شيء واحد.

صفحه 76
ب. الاجتماع المأموري: هو عبارة عمّا إذا اتحد الآمر والناهي، والمأُمور والمنهي ولكن اختلف المأُمور به والمنهى عنه، كما إذا خاطب الشارع المكلّف بقوله: صل، ولا تغصب، فالمأُمور به غير المنهى عنه، بل هما ماهيّتان مختلفتان غير أنّ المكلَّف بسوء اختياره جمعهما في مورد واحد على وجه يكون المورد مصداقاً لعنوانين ومجمعاً لهما،.
ج. الاجتماع الموردي: وهو عبارة عمّـا إذا لم يكن الفعل مصداقاً لكل من العنوانين بل يكون هنا فعلان تقارنا وتجاورا في وقت واحد يكون أحدهما مصداقاً لعنوان الواجب وثانيهما مصداقاً لعنوان الحرام، مثل النظر إلى الأجنبية في أثناء الصلاة، فليس النظر مطابَقاً لعنوان الصلاة ولا الصلاة مطابَقاً لعنوان النظر إلى الأجنبية ولا ينطبقان على فعل واحد، بل المكلّف يقوم بعملين مختلفين متقارنين في زمان واحد، كما مرّ في المثال.
تنبيه: إذا عرفت هذا فاعلم انّ النزاع في الاجتماع المأموري لا الآمري ولا الموردي.

الأمر الثاني: ما هو المراد من الواحد في العنوان؟

المراد من الواحد في عنوان المسألة، هو الواحد وجوداً بأن يتعلّق الأمر بشيء والنهي بشيء آخر، ولكن اتحد المتعلّقان في الوجود والتحقّق، كالصلاة المأُموربها والغصب المنهي عنه المتحدين في الوجود عند إقامة الصلاة في الدار المغصوبة.
فخرج بقيد الاتحاد في الوجود أمران:
الأوّل: الاجتماع الموردي، كما إذا صلّى مع النظر إلى الأجنبية إذ ليس وجود الصلاة نفسَ النظر إلى الأجنبية، بل لكلّ تحقّق وتشخّص ووجود

صفحه 77
خاص.
الثاني: الأمر بالسجود للّه والنهي عن السجود للأوثان، فالمتعلّقان مختلفان مفهوماً ومتّحدان مصداقاً.

الأمر الثالث: الأقوال في المسألة

إنّ القول بجواز الاجتماع هو مذهب أكثر الأشاعرة، والفضل بن شاذان من قدمائنا، وهو الظاهر من كلام السيد المرتضى في الذريعة، و إليه ذهب فحول المتأخّرين من أصحابنا كالمحقّق الأردبيلي و سلطان العلماء والمحقّق الخوانساري وولده والفاضل المدقّق الشيرواني والسيد الفاضل صدر الدين وغيرهم، واختاره من مشايخنا: السيد المحقّق البروجردي والسيد الإمام الخميني ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ ويظهر من المحدّث الكليني رضاه بذلك حيث نقل كلام الفضل بن شاذان في كتابه ولم يعقبه بشيء من الرد والقبول، بل يظهر من كلام الفضل بن شاذان (ت 260هـ) انّ ذلك من مسلّمات الشيعة .1
وأمّا القول بالامتناع، فقد اختاره المحقّق الخراساني في الكفاية وأقام برهانه.
إذا عرفت ذلك، فلنذكر دليل القولين على سبيل الاختصار وقد استدلوا على القول بالجواز بوجوه نذكر ما هو الأهم منها:
أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو الدخيل في الغرض دون ما يلازمه من الخصوصيات غير الدخيلة، ومثله النهي لا يتعلّق إلاّ بما هو المبغوض دون

1 . لاحظ: القوانين:1/140.

صفحه 78
اللوازم والخصوصيات.
وعلى ضوء ذلك فما هو المأُمور به هو الحيثية الصلائيّة وإن اقترنت مع الغصب في مقام الإيجاد، والمنهي عنه هو الحيثية الغصبية وان اقترنت مع الصلاة في الوجود والتحقّق.
وعلى هذا فالوجوب تعلّق بعنوان الصلاة ولا يسري الحكم إلى غيرها من المشخّصات الاتفاقية كالغصب، كما أنّ الحرمة متعلّقة بنفس عنوان الغصب ولا تسري إلى مشخصاته الاتفاقية، أعني: الصلاة، فالحكمان ثابتان على عنوانهما لا يتجاوزانهما وبالتالي ليس هناك اجتماع.
والذي يؤيد جواز الاجتماع هو عدم ورود نص على عدم جواز الصلاة في المغصوب وبطلانها مع عموم الابتلاء به، فإنّ ابتلاء الناس بالأموال المغصوبة في زمان الدولتين: الأُموية والعباسية لم يكن أقل من زماننا خصوصاً مع القول بحرمة ما كانوا يغنمونه من الغنائم في تلك الأزمان، حيث إنّ الجهاد الابتدائي حرام بلا إذن الإمام (عليه السلام) على القول المشهور، فالغنائم ملك لمقام الإمامة، ومع ذلك لم يصلنا نهي في ذلك المورد، ولو كان لوصل، وهذا يكشف عن صحة اجتماع الأمر والنهي إذا كان المتعلّقان متصادقين على مصداق واحد.
استدلّ القائل بالامتناع بوجوه أتقنها وأوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات نذكر المهم منها:
المقدّمة الأُولى: انّ الأحكام الخمسة متضادة ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث في زمان، والزجر عنه في ذلك الزمان، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في زمان واحد من قبيل التكليف المحال.

صفحه 79
المقدّمة الثانية: أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما يصدر عنه في الخارج لا ما هو اسمه وعنوانه، وإنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام للإشارة إلى مصاديقها وأفرادها الحقيقية.
ثم استنتج وقال: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً يكون تعلّق الأمر والنهي به محالاً وإن كان التعلّق به بعنوانين، لما عرفت من أنّ الموضوع الواقعي للتكليف هو فعل المكلّف بحقيقته وواقعيته لا عناوينه وأسمائه.
يلاحظ على ذلك: ـ بعد تسليم المقدّمة الأُولى ـ بما قرّر في محلّه من أنّ الموضوع للتكاليف ليس هو الهوية الخارجية، لأنّه يستحيل أن يتعلّق البعث والزجر بها، وذلك لأنّ التعلّق إمّا قبل تحقّقها في الخارج، أو بعده، فعلى الأوّل فلا موضوع حتى يتعلّق به الأحكام بل مرجع ذلك إلى تعلّق الحكم بالعناوين، وعلى الثاني يلزم تحصيل الحاصل وطلب الموجود.
ثمرة النزاع: انّ القائل بجواز الاجتماع يذهب إلى حصول الامتثال والعصيان بعمل واحد، فهو يتحفّظ على كلا الحكمين بلا تقديم أحدهما على الآخر، وأما القائل بالامتناع، فهو يقدّم من الحكمين ما هو الأهم، فربما كان الأهم هو الوجوب فتكون حرمة الغصب إنشائية، وربما ينعكس فيكون الترك أهم من الإتيان بالواجب فتكون الحرمة هو الحكم الفعليّ في حقّه.
واعلم انّ محور البحث فيمن كان له مندوحة ومع ذلك اختار المكان المغصوب للصلاة، وأمّا المضطر كالمحبوس في مكان مغصوب فهو خارج عن محل البحث.

صفحه 80

الفصل الثالث في اقتضاء النهي للفساد

في اقتضاء النهي للفساد

هذه المسألة من المسائل المهمة في علم الأُصول التي يترتب عليها استنباط مسائل فقهية كثيرة ويقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في العبادات

و قبل دراسة الموضوع نذكر أُموراً:
الأوّل: المقصود من العبادة في عنوان البحث ما لا يسقط أمرها على فرض تعلّقه بها إلاّ إذا أتى بها على وجه قربى، فخرجت التوصليات من التعريف، لأنّها أُمور يسقط أمرها ولو لم يأتِ بها كذلك.
الثاني: قد عرفت1 انّ المراد من الصحة في العبادات هو كون المأتي به مطابقاً للمأُمور به أو ما يسقط الإعادة والقضاء.
الثالث: انّ النهي ينقسم إلى تحريمي وتنزيهي، ومولوي وإرشادي.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع، فنقول:

1 . عند البحث عن وضع أسماء العبادات للصحيح أو للأعم، لاحظ ص28.

صفحه 81

1. التحريمي المولوي

إذا تعلّق النهي التحريمي المولوي بنفس العبادة، فلا شك في اقتضائه للفساد، كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):نهى رسول الله عن صيام ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر1 لأنّ الصحّة بمعنى مطابقة المأتي به للمأمور به ومع تعلّق النهي بنفس العبادة2 لا يتعلّق بها الأمر لاستلزامه اجتماع الأمر والنهي في متعلّق واحد، فلا يصدق كون المأتي به مطابقاً للمأُمور به لعدم الأمر، وبالتالي لا يكون مسقطاً للإعادة والقضاء.
وبعبارة أُخرى: انّ الصحة إمّا لأجل وجود الأمر، أو لوجود الملاك (المحبوبية) وكلا الأمرين منتفيان، أمّا الأوّل فلامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد تحت عنوان واحد، وأمّا الثاني فلأنّ النهي يكشف عن المبغوضية فلا يكون المبغوض مقرّباً.

2. التحريمي الإرشادي

إذا ورد النهى بلسان تنبيه السامع بعدم الانتفاع بالعبادة كما في قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) «دعي الصلاة أيام أقرائك»3 يسمى نهياً ارشاديّاً دالاً على الفساد بوجه واضح.
فعلى هذا فانّ الضابطة في دلالة النهي على الفساد في العبادات أحد أمرين:
1. إمّا لامتناع اجتماع ملاك النهي(المبغوضية) مع ملاك الصحّة (الأمر

1 . الوسائل:6، الباب1 من أبواب الصوم الحرام، الحديث4.
2 . خرجت الصلاة في الدار المغصوبة، فالنهي تعلق فيها بالغصب لا بالصلاة كما مرّ.
3 . كنز العمال:6/42 و 262.

صفحه 82
أو الملاك و المحبوبية) كما في النهي المولويّ.
2. أو لكون النهي إرشاداً إلى عدم الصحّة فيحكم على العبادة بالفساد في كلا الموردين.

3. النهي التنزيهي

إذا تعلّق النهي التنزيهي بالعبادة يكون إرشاداً إلى قلة الثواب لا فسادها نظير لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد.1

المقام الثاني: في المعاملات

ولإيضاح الحال نذكر أُموراً:
الأوّل: المراد من المعاملات في عنوان البحث ما لا يعتبر فيه قصد القربة، كالعقود والإيقاعات.
الثاني: انّ المراد من الصحة في المعاملات ما يترتب عليها الأثر المطلوب منها كالملكية في البيع والزوجية في النكاح.
الثالث: إنّ النهي عن المعاملة يدلّ على فسادها في الصورتين التاليتين بلا كلام:
أ. إذا تعلّق النهي بالأثر المترتب على المسبب كما إذا تعلّق النهي بالتصرف في الثمن أو المثمن كما إذا قيل ثمن الخمر سحت فإنّ تحريم الثمن للبائع يلازم فساد المعاملة وأنّ الثمن لم يخرج عن ملك المشتري

1 . الوسائل:3، الباب2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث7.

صفحه 83
وبالتالي لم يملك المبيع.
ب. إذا كان النهي إرشاداً إلى فساد المعاملة كما في قوله تعالى: (ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ) (النساء /22).
ففي هاتين الصورتين لا شكّ في الدلالة على الفساد.
وهناك صورة ثالثة لا تلازم الفساد، وهي تعلّق النهي بالعقد الصادر عن المحرم في حال الإحرام بأن يكون المبغوض صدور عقد النكاح عن المُحْرِم دون أن يكون نفس العمل (النكاح) مبغوضاً، فالظاهر عدم اقتضائه الفساد. وبما أنّ العقد ليس أمراً عبادياً فتجتمع صحته مع النهي
وبذلك ظهرت دلالة النهي على الفساد في موردين:
1. إذا تعلق النهي بأثر المعاملة.
2. إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد.
تنبيه: انّ الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة ـ أعني: مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ واضح لوجهين:
1. انّ المسألتين مختلفتان موضوعاً ومحمولاً فلا قدر مشترك بينهما حتى تُبحث في الجهة المائزة، لأنّ عنوان البحث في المسألة السابقة هو:
هل يجوز تعلّق الأمر والنهي بشيئين مختلفين في مقام التعلّق، ومتحدين في مقام الإيجاد أو لا؟ كما أنّ عنوان البحث في هذا المقام هو:
هل هناك ملازمة بين النهي عن العبادة أو المعاملة وفسادها أو لا؟
فالمسألتان مختلفتان موضوعاً ومحمولاً، ومع هذا الاختلاف، فالبحث عن الجهة المائزة ساقط.
2. انّ المسألة السابقة تبتني على وجود الأمر والنهي، ولكن هذه

صفحه 84
المسألة تبتني على وجود النهي فقط سواء أكان هناك أمر كما في باب العبادات، أم لا كما في باب المعاملات، فوجود الأمر في المسألة السابقة يعدُّ من مقوماتها دون هذه المسألة.

تطبيقات:

لقد مضى أنّ مسألة النهي في العبادات والمعاملات من المسائل المهمة، لذا استوجب الحال بأن نستعرض تطبيقات لتلك المسائل:

1. الصلاة بالذهب:

روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام):
لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه .1
قال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري: قد دلّت طائفة من الأخبار على اعتبار عدم كون لباس المصلّي من الذهب للرجال، والنهي في تلك الأخبار قد تعلّق بالصلاة في الذهب، والنهي المتعلّق بالعبادة يقتضي الفساد كما حرّر في محلّه .2

2. إذا فرَّق الزكاة بين الفقراء مع طلب الإمام:

لو طلب الإمامُ الزكاة، ولكن المالك فرّقها بين الفقراء دون أن يدفعها إلى الإمام، فهل يجزي التفريق مع النهي الصادر من الإمام أو لا؟ 3

1 . الوسائل:3، الباب 30 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.
2 . الصلاة للحائري: 57.
3 . جواهر الكلام: 15/421.

صفحه 85

3. لو تضرّر باستعمال الماء:

لو تضرّر باستعمال الماء في الوضوء ينتقل فرضه إلى التيمم، فإن استعمل الماء وحاله هذا فهل يبطل الوضوء أو لا ؟1

4. التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوبين:

إذا تيمّم بالتراب أو بالحجر المغصوبين أي الممنوع من التصرف فيهما شرعاً، فهل يفسد تيمّمه أو لا؟ 2

5. الاكتفاء بالأذان المنهيّ عنه:

إذا تغنَّى بالأذان، أو أذّنت المرأة متخضعة، أو أذّن في المسجد وهو جنب، فهل يصح الأذان منهم ويكتفي به أو لا؟ 3

6. حرمة الاستمرار في الصلاة:

إذا وجب قطع الصلاة لأجل صيانة النفس والمال المحترمين من الغرق والحرق، ومع ذلك استمرَّ في الصلاة فهل تبطل صلاته أو لا؟4

7. النهي عن التكفير في الصلاة:

قد ورد النهي عن التكفير في الصلاة ـ أي قبض اليد اليسرى باليمنى ـ كما ورد النهي عن إقامة النوافل جماعة في ليالي شهر رمضان (صلاة

1 . جواهر الكلام: 5/111.
2 . جواهر الكلام: 5/135.
3 . جواهر الكلام: 9/53 ـ 59
4 . جواهر الكلام: 11/123.

صفحه 86
التراويح) فهل تبطل الصلاة أو لا؟

8 . صوم يوم الشك بنيّة رمضان:

إذا صام آخر يوم من شهر شعبان بنيّة رمضان، فهل يصح صومه أو لا؟1

9. القِران بين الحج والعمرة:

لو قارن بين الحج والعمرة بنية واحدة، فهل يبطل عمله لأجل النهي عن القِران كما لو نوى صلاتين بنية واحدة أو لا ؟ 2

10. شرط اللزوم في المضاربة:

إذا شرط اللزوم في المضاربة، فهل تبطل المضاربة للنهي المنكشف عن طريق الإجماع عن شرط اللزوم أو لا؟3
تمّ الكلام في المقصد الثاني
و الحمد لله

1 . جواهر الكلام: 16/207.
2 . جواهر الكلام: 18/96.
3 . لاحظ: مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة، ص 38.

صفحه 87
المقصد الثالث
في المفاهيم
وفيه أُمور:
   الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق.
   الأمر الثاني: تقسيم المدلول المنطوقي إلى صريح وغير صريح.
   الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي.
   الأمر الرابع : تقسيم المفهوم إلى موافق و مخالف .
   الأمر الخامس: أقسام مفهوم المخالف.
      الأوّل: مفهوم الشرط.
      الثاني: مفهوم الوصف.
      الثالث: مفهوم الغاية.
      الرابع: مفهوم الحصر.
      الخامس: مفهوم العدد.
      السادس: مفهوم اللقب.

صفحه 88

صفحه 89

الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق:الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق

إنّ مداليل الجمل على قسمين:
قسم يصفه العرف بأنّ المتكلّم نطق به، وقسم يفهم من كلامه ولكن لا يُوصف بأنّ المتكلّم نطق به، ولأجل اختلاف المدلولين في الظهور والخفاء ليس للمتكلّم إنكار المدلول الأوّل بخلاف المدلول الثاني، فإذا قال المتكلّم، إذا جاءك زيد فأكرمه فإنّ هنا مدلولين.
أحدهما: وجوب الإكرام عند المجيء، وهذا ممّا نطق به المتكلّم وليس له الفرار منه، ولا إنكاره.
والآخر: عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء، وهذا يفهم من الكلام وبإمكان المتكلّم التخلّص عنه بنحو من الأنحاء.
فالأوّل مدلول منطوقي، والثاني مدلول مفهومي، ولعل ما ذكرناه هو مراد الحاجبي من تعريفه للمنطوق والمفهوم بقوله:
المنطوق: ما دلَّ عليه اللّفظ في محل النطق.
والمفهوم : ما دلَّ عليه اللّفظ في غير محل النطق .1
والحاصل انّ ما دل عليه اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ حاملاً لذلك المعنى وقالباً له فهو منطوق .
وما دلّ عليه اللّفظ على وجه لم يكن اللّفظ حاملاً وقالباً للمعنى ولكن دلّ عليه باعتبار من الاعتبارات فهو مفهوم.

1 . منتهى السؤل والأمل للحاجبي: 147، واختصره المؤلف واشتهر بالمختصر الحاجبي وشرحه العضدي، وكلاهما مطبوعان.

صفحه 90

الأمرالثاني: المدلول المنطوق بين صريح وغيره

تنقسم الدلالة المنطوقية إلى أقسام ثلاثة: المطابقية، وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى، وتضمنية وهي دلالة اللفظ على جزء المعنى، والتزامية وهي دلالة اللفظ على لازم المعنى، والأوليان توصفان بالدلالة المنطوقية الصريحة، والثالثة بغير الصريحة، والأخيرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ . المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.
ب . المدلول عليه بدلالة التنبيه .
ج . المدلول عليه بدلالة الإشارة.
أمّا الأوّل فهو ما يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ والنسيان و...» فإنّ المراد رفع المؤاخذة عنها أو نحوها وإلاّ كان الكلام كاذباً لوجود الأُمور الثلاثة بكثرة.
وقوله تعالى: (واسْئَلِ القريةَ التي كُنّا فِيها) (يوسف / 82) فلو لم يقدَّر الأهل لما صحَّ الكلام عقلاً.
وقول القائل: اعتق عبدك عنّي على ألف، فإنّ معناه ملِّكه لي على ألف ثم اعتقه، إذ لا يصح العتق شرعاً إلاّ في ملك.
وأمّا الثاني، فهو ما لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً وشرعاً، ولكن كان مقترناً بشيء لو لم يكن ذلك الشيء علة له، لفُقِد الربطُ بين الجملتين مثلاً: إذا قال الراوي للإمام: بعتُ السمك في النهر، فقال الإمام في جوابه: «بطل البيع» فيفهم منه انّ علة البطلان كون المبيع في النهر الخارج عن قدرة البائع على التسليم فيوصف ذاك، بدلالة التنبيه.

صفحه 91
وأمّا الثالث، فهو لازم الكلام وإن لم يكن المتكلّم قاصداً له مثل دلالة قوله سبحانه: (وحَمْلُهُ وفصالُهُ ثلاثُونَ شهراً) (الأحقاف / 15) إذا انضم إلى قوله تعالى: (والوالِداتُ يُرضِعْن أولادَهُنَّ حولينِ كامِلَين) (البقرة / 233) على كون أقل الحمل ستة أشهر، فإنّ المقصود في الآية الأُولى بيان ما تتحمّله الأُم من آلام و مشاقّ، و في الثانية بيان أكثر مدة الرضاع، غير أنّ لازم هذين المدلولين مدلول ثالث، وهو أنّ أقل الحمل ستة أشهر.

الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي:

إنّ النزاع في باب المفاهيم صغروي لا كبروي وأنّ مدار البحث هو مثلاً أنّه هل للقضايا الشرطية مفهوم أو لا؟النزاع في باب المفاهيم صغروي
وأمّا على فرض الدلالة والانفهام العرفي فلا إشكال في حجيته.
وبعبارة أُخرى: النزاع في أصل ظهور الجملة في المفهوم وعدم ظهورها فيه، فمعنى النزاع في مفهوم الجملة الشرطية (إذا سلَّم أكرمه) هو أنّ الجملة الشرطية مع قطع النظر عن القرائن الخاصة هل تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، وهل هي ظاهرة في ذلك أو لا؟
وأمّا بعد ثبوت دلالتها على المفهوم أو ظهورها فيه فلا نزاع في حجيته، ومن خلال هذا البيان يظهر وجود التسامح في قولهم مفهوم الشرط حجة أو لا، فإنّ ظاهره أنّ وجود المفهوم مفروغ عنه وانّما الكلام في حجيته، مع أنّ حقيقة النزاع في وجود أصل المفهوم.

الأمر الرابع: تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق:

إنّ الحكم المدلول عليه عن طريق المفهوم إذا كان موافقاً في السنخ

صفحه 92
للحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم موافق، كما في قوله سبحانه: (فَلا تَقُل لَهُما أُفّ)1 (الإسراء/23) فحرمة التأفيف تدل بالأولوية على حرمة الشتم وربما يسمّى لحن الخطاب.
وأمّا لو كان الحكم في المفهوم مخالفاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم مخالف.

الأمر الخامس: أقسام مفهوم المخالف

اعلم أنّ الموارد التي وقعت محل النزاع عبارة عما يلي:
1.مفهوم الشرط.أقسام مفهوم المخالف
2. مفهوم الوصف.
3.مفهوم الغاية.
4.مفهوم الحصر.
5. مفهوم العدد.
6. مفهوم اللقب.
وإليك التفصيل:الأوّل: مفهوم الشرط

1 . أُفّ: اسم فعل: بمعنى «اتضجّر واتكرّه».

صفحه 93

الأوّل: مفهوم الشرط

إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم (أي انتفاء الجزاء لدى انتفاء الشرط) لا يتم إلاّ إذا ثبتت الأُمور الأربعة التالية:
1. أنّ النزاع في وجود المفهوم في القضايا الشرطية إنّما هو فيما إذا عُدَّ القيد شيئاً زائداً على الموضوع وتكون الجملة مشتملة على موضوع، ومحمول(الجزاء)، وشرط، فيقع النزاع حينئذ في دلالة القضية الشرطية على انتفاء المحمول عن الموضوع ، عند انتفاء الشرط وعدمها مثل قوله (عليه السلام) :«إذا كان الماء قدر كرّ لم يُنجِّسه شيء» فهناك موضوع وهو الماء، ومحمول وهو العاصمية (لم ينجسه) وشيء آخر باسم الشرط، أعني: الكرية، فعند انتفاء الشرط يبقى الموضوع (الماء) بحاله بخلاف القضايا التي يعد الشرط فيها محقّقاً للموضوع ويكون ارتفاع الشرط ملازماً لارتفاع الموضوع، فهي خارجة عن محل النزاع، كقوله: إن رزقت ولداً فاختنه، فهو بمنزلة قولنا: الولد ـ إن رزقتَ ـ فاختنه فهذه القضايا فاقدة للمفهوم. فإنّ الرزق هنا ليس شيئاً زائداً على نفس الولد.
2. وجود الرابطة بين الجزاء والشرط في القضية بأن لا يكون من قبيل القضايا الاتفاقية، كما في قوله: كلما كان الإنسان ناطقاً فالحمار ناهق1، فإنّ

1 . أُريد من الناطق والناهق هو فصل النوعين، لا النطق أو النهق فالقضية كلية اتفاقية من دون وجود ربط بين الشرط والجزاء.

صفحه 94
التقارن من باب الاتفاق .
3. أن يكون الرابطة من باب الترتب أي ترتب أحدهما على الآخر، بأن يكون الشرط علة للجزاء، فخرج ما إذا لم يكن هناك أي ترتب كما إذا قال: إن طال الليل قصر النهار، أو إذا قصر النهار طال الليل، فليس بينهما أي ترتب علّي فانّ الانتفاء عند الانتفاء لأجل كونهما متضادين والضدان لا يجتمعان نظير قولك: إذا كان الجسم ساكناً فليس بمتحرك وإذا كان متحركاً فليس بساكن.
4. أن يكون الترتب علّياً انحصارياً، ومعنى الانحصار عدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام الشرط .
فالقائل بالمفهوم لا محيص له إلاّ من إثبات هذه الأُمور، ويكفي للقائل بالعدم منع واحد منها.
ثمّ إنّ دلالة الجملة الشرطية على هذه الأُمور بأحد الوجوه
التالية:
1. الوضع: ادّعاء وضع هيئة الجملة الشرطية على ما يلازم هذه الأُمور الثلاثة: الرابطة، الترتب، الانحصار.
2. الانصراف1: ادّعاء انصراف الجملة الشرطية في ذهن المخاطب إلى هذه الأُمور.
3. الإطلاق: ادّعاء أنّ المتكلّم كان في مقام بيان العلل ولم يذكر إلاّ

1 . إذا كان اللّفظ موضوعاً لحقيقة ذات أنواع كالحيوان أو ذات أصناف كالماء فإذا تبادر منه ـ عند الاستعمال ـ نوع أو صنف إلى الذهن دون الأنواع والأصناف الأُخرى، يقال: اللفظ منصرف إلى كذا، مثلاً إذا قيل: «لا تصل في ما لا يؤكل لحمه» يكون منصرفاً إلى غير الإنسان.

صفحه 95
واحداً منها، فيعلم انحصارها فتثبت الرابطة والترتب بوجه أُولى.
أمّا إثباتها بالطريق الأوّل أي بالدلالة الوضعية، فالحق دلالة الجملة الشرطية على الأمرين : الرابطة والترتب، وذلك لأنّ المتبادر من هيئة الجملة الشرطية هو أنّ فرض وجود الشرط وتقدير حصوله، يتلوه حصول الجزاء وتحقّقه وهذا مما لا يمكن إنكاره، وهو نفس القول بالرابطة والترتب.
وأمّا إثبات الأمر الثالث، وهو انّ العلّية بنحو الانحصار بالدلالة الوضعية، فهو غير ثابت، لأنّ تقسيم العلّة إلى المنحصرة وغير المنحصرة من المفاهيم الفلسفية البعيدة عن الأذهان العامة فمن البعيد أن ينتقل الواضع إلى التقسيم، ثم يضع الهيئة الشرطية على قسم خاص منها وهي المنحصرة.
وأمّا إثبات الانحصار بالانصراف فهو أيضاً بعيد، لأنّ الانصراف رهن أحد أمرين:
1. كثرة الاستعمال في العلة المنحصرة.
2. كون العلة منحصرة أكمل من كونها غير منحصرة.
وكلا الأمرين منتفيان لكثرة الاستعمال في غير المنحصرة، وليست العلّة المنحصرة بأكمل في العليّة من غيرها.
وأمّا إثبات الانحصار بالإطلاق وهو كون المتكلّم في مقام البيان وهذا يتصوّر على وجهين:
تارة يكون في مقام بيان خصوصيات نفس السبب الوارد في الجملة الشرطية وماله من جزء وشرط ومانع من دون نظر إلى وجود سبب آخر، وأُخرى يكون في مقام بيان ما هو المؤثر في الجزاء، فعلى الأوّل يكون مقتضى الإطلاق انّ ما جاء بعد حرف الشرط هو تمام الموضوع وليس له

صفحه 96
جزء أو شرط آخر ولايتفرع عليه المفهوم، بل أقصاه أنّ ما وقع بعد حرف الشرط تمام الموضوع للجزاء وأمّا أنّه لايخلفه شيء آخر فلايمكن دفعه لأنّه ليس في مقام بيانه.
وعلى الثاني أي إذا كان بصدد بيان ما هو المؤثر في الجزاء على وجه الإطلاق، فإذا ذكر سبباً واحداً وسكت عن غيره، فالسكوت يكون دالاً على عدم وجود سبب آخر قائم مقامه.
والحاصل: أنّه لو أحرز كون المتكلّم في مقام تحديد الأسباب ومع ذلك اقتصر على ذكر سبب واحد يستكشف أنّه ليس له سبب إلاّ ما جاء في كلامه فيحكم على السبب بأنّه علة منحصرة، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن في مقام بيان الأسباب كلّها فإنّ مقتضى الإطلاق أنّ ما وقع تحت الشرط تمام الموضوع وليس له جزء آخر غير موجود، وأمّا أنّه ليس للجزاء سبب آخر يقوم مقام السبب الأوّل فلايدلّ عليه.

تطبيقات

إنّ للقول بدلالة الجملة الشرطية على المفهوم ثمرات فقهية لا تحصى، وربما يستظهر من خلال الروايات أنّ القول بالدلالة كان أمراً مسلماً بين الإمام والراوي، وإليك تلك الروايات:
1. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الشاة تُذْبَح فلا تتحرك، ويُهراق منها دم كثير عبيط، فقال: «لا تأكل، إنّ علياً كان يقول: إذا ركضت الرِجْل أو طَرِفت العين فكل» .1

1 . الوسائل: 16، الباب 12 من أبواب الذبائح، الحديث 1.

صفحه 97
ترى أنّ الإمام (عليه السلام) يستدلّ على الحكم الذي أفتى به بقوله: «لا تأكل» بكلام علي (عليه السلام) ، ولا يكون دليلاً عليه إلاّ إذا كان له مفهوم، وهو إذا لم تركض الرِجْل ولم تَطْرف العين (كما هو مفروض الرواية) فلا تأكل.
2. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين يضمّن القصار والصائغ احتياطاً للناس، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان
مأموناً» .1
فالرواية على القول بالمفهوم دالة على تضمينه إذا لم يكن مأموناً .2
3. روى علي بن جعفر في «مسائله»: أنّه سأل أخاه عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، فقال: «إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس» .3
دلّت الرواية على القول بالمفهوم على حرمة حمل المسلمين إلى المشركين التجارة إذا كان المحمول سلاحاً من دون فرق بين زمان الحرب والهدنة.
4. روى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء».
دلّت الرواية لاشتمالها على المفهوم على انفعال القليل بالملاقاة، وإلاّ كان تعليق عدم الانفعال بالكرّية أمراً لغواً .4
5. روى عبد اللّه بن جعفر عن أبي محمد(عليه السلام) قوله: ويجوز للرجل أن

1 . الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 4.
2 . مباني العروة : كتاب المضاربة: 17.
3 . جواهر الكلام: 22/28.
4 . جواهر الكلام: 1/106.

صفحه 98
يصلّي ومعه فارة مسك، فكتب:«لا بأس به إذا كان ذكياً».
فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على المنع عن حمل الميتة وإن كان جزءاً صغيراً.1
6. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قلت له: الأمة تغطي رأسها، (أي في حالة الصلاة) فقال: «لا، ولا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد» .
دلّ بمفهومه على وجوب تغطية الرأس مع الولد عند الصلاة.2
7. روى الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأُولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئاً» .
دلّ بمفهومه على وجوب السورة بعد الحمد في غير مورد الشرط.3
8. روى ابن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «لا بأس أن يتكلّم إذا فرغ الإمام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين أن تقام الصلاة».
استدلّ بها صاحب الجواهر على حرمة الكلام في أثناء الخطبة.4
9. روى علي بن فضل الواسطي، عن الرضا (عليه السلام) قال: كتبت إليه إذا انكسفت الشمس أو القمر وأنا راكب لا أقدر على النزول، فكتب إليّ: «صل على مركبك الذي أنت عليه». أي صلّ على مركبك إذا لم تقدر على

1 . جواهر الكلام: 6/132.
2 . جواهر الكلام: 8/222.
3 . جواهر الكلام: 9/334.
4 . جواهر الكلام: 11/294.

صفحه 99
النزول.استدلّ بها على عدم جواز إقامة صلاة الآيات على ظهر الدابة إلاّ مع الضرورة .1
10. روى معاوية بن وهب بعد أن سأله عن السرية يبعثها الإمام (عليه السلام)فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام (عليه السلام) ، أخرج منها الخمس للّه تعالى وللرسول، وقسّم بينهم ثلاثة أخماس» أي الباقي بعد أخذ الخمسين لله وللرسول.
استدلّ بأنّه إذا كان هناك حرب بغير إذنه، فلا يعدّ ما أصابوه من الغنائم بل من الأنفال .2
وينبغي التنبيه على أمرين:

التنبيه الأوّل: إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء

إذا كان الشرط متعدّداً والجزاء واحداً كما لو قال: إذا خفي الأذان فقصّر، وإذا خفي الجدران فقصّر، فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم، تقع المعارضة بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر، فلو افترضنا أنّ المسافر بلغ إلى حدّ لايَسمع أذان البلد ولكن يرى جدرانه فيقصِّر حسب منطوق الجملة الأُولى ويُتمّ حسب مفهوم الجملة الثانية، كما أنّه إذا بلغ إلى حد يسمع الأذان و لا يرى الجدران فيتم حسب مفهوم الجملة الأُولى ويُقصّر حسب منطوق الجملة الثانية، فالتعارض بين منطوق إحداهما ومفهوم الأُخرى.
وبما انّك عرفت أنّ استفادة المفهوم مبني على كون الشرط علّة تامة

1 . جواهر الكلام: 11/477.
2 . جواهر الكلام: 16/127، كذا في الوسائل، وفي الكافي(أربعة).

صفحه 100
أوّلاً، ومنحصرة ثانياً يرتفع التعارض بالتصرف في أحد ذينك الأمرين، فتفقد الجملة الشرطية مفهومها، وعندئذ لا يبقى للمعارضة إلاّ طرف واحد وهو منطوق الآخر، وإليك بيان كلا التصرفين:
أمّا الأوّل: أي التصرف في السببيّة التامة بأن تكون الجملة الثانية قرينة على أنّ خفاء الأذان ليست سبباً تاماً للقصر، وانّما السبب التام هو خفاء كلا الأمرين من الأذان والجدران، فتكون النتيجة بعد التصرف هو إذا خفي الجدران والأذان معاً فقصر .
وأمّا الثاني: وهو التصرّف في انحصارية الشرط بأن يكون كل منهما سبباً مستقلاً لا سبباً منحصراً، فتكون النتيجة هي استقلال كل واحد في وجوب القصر، فكأنّه قال: إذا خفي الأذان أو الجدران فقصّر.
والفرق بين التصرفين واضح، فإنّ مرجع التصرف في الأوّل إلى نفي السببية المستقلّة عن كل منهما وجعلهما سبباً واحداً، كما أنّ مرجعه في الثاني إلى سلب الانحصار بعد تسليم سببيّة كل منهما مستقلاً.
فعلى الأوّل لا يقصر إلاّ إذا خفي كلاهما وعلى الثاني يقصر مع خفاء كل منهما.
وعلى كلا التقديرين يرتفع التعارض لزوال المفهوم بكل من التصرفين، لأنّ المفهوم فرع كون الشرط سبباً تاماً ومنحصراً، والمفروض أنّه إمّا غير تام، أو غير منحصر.
إلاّ أنّه وقع الكلام في تقديم أحد التصرفين على الآخر، والظاهر هو التصرف في ظهور كلّ من الشرطين في الانحصار فيكون كل منهما مستقلاً في التأثير، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم، وإذا حصلا معاً

صفحه 101
فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق وإن تقارنا كان الأثر لهما معاً ويكونان كالسبب الواحد.
وانّما قلنا برجحان التصرف في الانحصار على التصرف في السببية التامة، لأجل أنّ التصرف في الانحصار مما لا بدّ منه سواء تعلّق التصرف برفع الانحصار أو تعلّق التصرف برفع السببية التامة، فالانحصار قطعيّ الزوال ومتيقن الارتفاع، وأمّا السببية التامة فمشكوك الارتفاع فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل.
التنبيه الثاني: في تداخل الأسباب والمسببات 1
إذا تعدّد السبب واتحد الجزاء كما إذا قال: إذا بُلْت فتوضّأ وإذا
نُمتَ فتوضّأ، فيقع الكلام في تداخل الأسباب أوّلاً، وتداخل المسببات
ثانياً.
والمراد من تداخل الأسباب وعدمه هو أنّ السببين هل يقتضيان وجوباً واحداً فتتداخل الأسباب في التأثير، أو يقتضيان وجوبين فلا تتداخل في مقام التأثير؟
وأمّا المراد من تداخل المسبّبات وعدمه هو أنّ الإتيان بالطبيعة مرّة هل يكفي في امتثال كلا الوجوبين أو يتوقف على الإتيان بها مرّتين.
ثمّ البحث في تداخل المسببات وعدمه مبني على ثبوت أمرين:
1. عدم التداخل في الأسباب وإلاّ فلا وجه للبحث عن التداخل في

1 . يكفي في عقد هذا البحث القول بكون كل شرط سبباً تاماً، لا سبباً منحصراً، فليس البحث مبنياً على اشتمال القضية الشرطية على المفهوم ، فلاحظ.

صفحه 102
المسببات لافتراض وحدة السبب لأجل التداخل.
2. إذا أمكن تكرار الجزاء كالوضوء وإلاّ فيسقط البحث كما إذا قال: من ارتد عن دينه فاقتله وإذا كان الكافر محارباً فاقتله فصار زيد مرتداً وكافراً محارباً، فإنّ القتل غير قابل للتكرر، فلا معنى للبحث عن التداخل سبباً أو مسبباً.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: حكم الأسباب من حيث التداخل وعدمه، والمتبادر عرفاً من القضيتين: إذا بُلت فتوضّأ و إذا نِمت فتوضّأ هو عدم التداخل بمعنى انّ كلّ شرط علّة لحدوث الجزاء، أعني: الوجوب مطلقاً، سواء وجد الآخر معه أم قبله أم بعده أم لم يوجد، وليس لعدم تداخل الأسباب في مقام التأثير معنى إلاّ تعدد الوجوب.
الثاني: حكم تداخل المسببات أي كفاية وضوء واحد وعدمه فالظاهر عدم ظهور القضية في أحد الطرفين، فتصل النوبة إلى الأصل العمليّ وهو أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد ولو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دلّ الدليل على سقوطها به، وبعبارة أُخرى: الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية وهي رهن تعدّد الامتثال.
نعم دلّ الدليل على سقوط أغسال متعددة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع.
فخرجنا بهذه النتيجة: انّ مقتضى الأصل العملي هو عدم سقوط الواجبات المتعدّدة ما لم يدلّ دليل بالخصوص على سقوطها.

صفحه 103

تطبيقات

1. إذا وجبت عليه الزكاة، فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الإنفاق؟ قال في الجواهر:لا يجوز، لكونه ليس إيتاءً للزكاة لأصالة عدم تداخل الأسباب أي تداخل الوجوبين ويترتب عليه عدم تداخل المسببات فلا تحسب ما دفعه إلى من وجبت نفقته عليه، أداء للزكاة. 2. إذا اجتمع للمستحق سببان يستحق بهما الزكاة، كالفقر والجهاد في سبيل اللّه جاز أن يُعطى لكل سبب نصيباً، لاندارجه حينئذ في الصنفين مثلاً، فيستحق بكل منهما فيكون المورد من قبيل عدم التداخل.
3. إذا وقعت نجاسات مختلفة في البئر ولكل نصيب خاص من النزح في الروايات، فهل يجب نزح كل ما قدّر أو لا يجب بل يكفي نزح الأكثر تقديراً فالوجوب مبني على عدم التداخل.
4. إذا تغيّرت أوصاف ماء البئر الذي يجب فيه نزح جمع الماء، ومع ذلك وقعت فيه نجاسات لها نصيب من النزح، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟

صفحه 104
الثاني: مفهوم الوصف

الثاني: مفهوم الوصف

ولإيضاح الحال نذكر أُموراً:
الأوّل: المراد من الوصف في عنوان المسألة ليس خصوصَ الوصف النحوي بل الأُصولي، فيعم الحال والتمييز ممّا يصلح أن يقع قيداً للتكليف أو متعلقه.
الثاني: يشترط في الوصف أن يكون أخصّ من الموصوف مطلقاً حتى يصح فرض بقاء الموضوع مع انتفاء الوصف كالإنسان العادل، فخرج منه ما إذا كانا متساويين، كالإنسان المتعجب و ما إذا كان أعم منه مطلقاً، كالإنسان الماشي.
و أمّا إذا كان أعم منه من وجه كما في الغنم السائمة فانّ بين الغنم والسائمة عموم و خصوص من وجه، فيفترق الوصف عن الموضوع في الغنم المعلوفة، والموضوع عن الوصف في الإبل السائمة و يجتمعان في الغنم السائمة، فهل هو داخل في النزاع أو لا؟
الظاهر دخوله في النزاع إذا كان الافتراق من جانب الوصف بأن يكون الموضوع باقياً والوصف غير باق كالغنم المعلوفة، وأمّا إذا ارتفع الموضوع، سواء كان الوصف باقياً، كالإبل السائمة، أو كان هو أيضاً مرتفعاً كالإبل المعلوفة فلا يدلّ على شيء في حقهما.
الثالث: انّ النزاع في ثبوت مفهوم الوصف وعدمه لا ينافي اتفاقهم

صفحه 105
على أنّ الأصل في القيود1 أن تكون احترازية وذلك:
لأنّ معنى كون القيد احترازياً ليس إلاّ ثبوت الحكم في مورد القيد، فإذا قال: أكرم العلماء الخطباء، معناه ثبوت الحكم مع وجود الأمرين: العلماء والخطباء.
وأمّا نفي الحكم عن غيرهما فلا يدل عليه كون القيد احترازياً، بل يُتوقف في الحكم بالثبوت أو العدم، بخلاف القول بالمفهوم، فإنّ لازمه نفي الحكم في غير مورد الوصف والفرق بين الأمرين واضح، فكون القيد احترازياً يلازم السكوت في غير مورد الوصف، والقول بالمفهوم يلازم نقض السكوت والحكم بعدم الحكم في غير مورد الوصف.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الحقّ عدم دلالة الوصف على المفهوم، لأنّ أقصى ما يدلّ عليه القيد هو كونه قيداً احترازياً بالمعنى الذي مرّعليك،

1 . أقول: إنّ القيود الواردة في الكلام على أقسام خمسة:
1. القيد الزائد كقولك: الإنسان الضاحك ناطق .
2. القيد التوضيحي:و هو القيد الذي يدلّ عليه الكلام و إن لم يذكر كقوله سبحانه:(وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى البِغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) (النور/33).
3. القيد الغالبي: و هو القيد الوارد مورد الغالب، و مع ذلك لا مدخلية له في الحكم، كقوله سبحانه:(وَرَبائبكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) (النساء/22) فكونهن في حجور الأزواج قيد غالبي.
4. القيد الاحترازي: و هو القيد الذي له مدخلية في الحكم ولا يحكم على الموضوع بحكم إلاّ معه كالدخول في الآية المتقدّمة فانّ الدخول بالأُم شرط لحرمة الربيبة، فلو لم يدخل بها و طلّقها يتوقّف في الحكم.
5. القيد المفهومي: أو القيد ذو المفهوم، و هو ما يدلّ على ثبوت الحكم عند وجوده و عدمه عند انتفائه، وهذا النوع من القيد يُثبت أكثر ممّا يثبته القيد الاحترازي، فإنّ الثاني يثبت الحكم في مورد القيد و يسكت عن وجوده و عدمه في غير مورده، و لكن القيد المفهومي يُثبت الحكم في مورده وينفيه عن غيره.

صفحه 106
وأمّا الزائد عليه أي الانتفاء لدى الانتفاء فلا دليل عليه لامكان إقامة قيد آخر مكان الوصف ويكون الحكم ثابتاً في كلتا الحالتين.
نعم ربما تدلّ القرائن على ثبوت المفهوم للقضية الوصفية ـ وراء كونه احترازياً ـ مثل ما حُكي أنّ أبا عبيدة قد فهم من قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليّ الواجد يُحِلُّ عرضه و عقوبته»: أنّ ليَّ غير الواجد لا يُحلّ.1
نعم خرجت عن تلك الضابطة العقود و الإيقاعات المتداولة بين الناس حتى الأقارير و الوصايا، فإنّها لو اشتملت على قيد و وصف لأفاد المفهوم، فمثلاً لو قال: «داري هذه وقف للسادة الفقراء» فمعناه خروج السادة الأغنياء عن الخطاب.

1 . الليّ: «المماطلة» و الواجد: الغني، و إحلال عرضه: عقوبتُه وحبسُه.

صفحه 107
الثالث: مفهوم الغاية

الثالث: مفهوم الغاية

إذا ورد التقييد بالغاية مثل قوله:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)(المائدة/6) فقد اختلف الأُصوليّون فيه من جهتين:
الجهة الأُولى: في دخول الغاية«المرفق» في حكم المنطوق«اغسلوا» و هذا ما يعبّر عنه بدخول الغاية في حكم المغيّى (اليد) و عدمه. وعلى كلا القولين فالبحث هنا في الدلالة المنطوقية أي دلالة المنطوق على الخروج وعدمه.
وفيها أقوال:
أ. خروجها مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و السيد الإمام الخميني قدّس اللّه سرّهما.
ب. دخولها مطلقاً.
ج. التفصيل بين ما إذا كانت الغاية و ما قبلها متحدين في الجنس، فتدخل كما في قوله سبحانه:(فَاغسِلُوا وُجُوهكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)(المائدة/6) فيجب غسل المرفق، و بين ما لم يكن كذلك فلا يدخل كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة/187) فإنّ الليل (الغاية) يغاير

صفحه 108
المغيّى(النهار).فانّ جنس النهار عرفاً هو النور، وجنس الآخر هو الظلمة فهما مختلفان جنساً، واشتراكهما في الزمان صحيح لكنّه أمر عقليّ. د. عدم الدلالة على شيء و إنّما يُتبع في الحكم ، القرائنُ الدالّة على واحد منهما.
ثمّ إنّ اللفظ الدالّ على الغاية ربما يكون لفظة «حتى» والبحث في دخول الغاية في حكم المغيّى وعدمه إنّما يتصوّر إذا كانت خافضة كما في قوله سبحانه:(حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر) (القدر/5).
وأمّا إذا كانت عاطفة فهي خارجة عن البحث، لأنّ الغاية فيها داخلة تحت حكم المغيّى قطعاً، كما إذا قال: مات الناسُ حتى الأنبياء، فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضاً، و الغرض من ذكر الغاية هو بيان أنّه إذا كان الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى، محكوماً بالموت فكيف حال الآخرين، و نظيره القول المعروف: مات كلُّ أب حتى آدم.
إذا عرفت ذلك فالحقّ في دخول الغاية تحت المغيى وعدمه هو القول الأوّل، أي عدم دخول الغاية في حكم المغيّى أخذاً بالتبادر في مثل المقام، قال سبحانه:(تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر * سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر ) (القدر/4و5) فإنّ المتبادر منه أنّ النزول أو السلام إلى مطلع الفجر لا فيه نفسه، و كقول القائل: قرأت القرآن إلى سورة الإسراء، فإنّ المتبادر خروج الإسراء وما بعده عن إخباره بالقراءة، فإن تمّ ما ذكرنا من التبادر فهو، و إلاّ فالقول الرابع هو الأقوى من أنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى و لا في عدمه.
إلى هنا تمّ الكلام في الجهة الأُولى أعني دخول الغاية في حكم المغيّى أوّلاً، وقد عرفت ما هو الحقّ، فيقع الكلام في الجهة الثانية.

صفحه 109

الجهة الثانية

ربما يشتمل دليل الحكم الشرعي على أُمور ثلاثة:
1. المغيّى
2. الغاية
3. ما بعد الغاية
نظير قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)1.
فيقع الكلام في مفهوم الغاية فهل يدل على خروج مابعد الغاية عن الحكم أو لا؟
والظاهر دلالة الجملة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية، لأنّ المتفاهم العرفي في أمثال المقام هو تحديد الواجب و تبيين ما هو الوظيفة في مقام التوضّؤ.
ثمّ إنّ البحث عن الجهة الثانية إنّما يتصوّر فيما إذا كان دليل الحكم الشرعي مشتملاً على الأُمور الثلاثة كآية الوضوء، وأمّا إذا كان مشتملاً على أمرين (المغيّى والغاية) فهو داخل في الجهة الأُولى. كما في قوله:(أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)2 ولا يبحث فيه عن الجهة الثانية لعدم الموضوع للبحث ومثله قوله: «كلّ شيء حلال حتى تعلم انّه حرام» فتدبّر

1 . المائدة:6.
2 . البقرة:187.

صفحه 110

الرابع: مفهوم الحصر

المشهور أنّ للحصر أدوات منها:
1. إلاّ الاستثنائية.الرابع: مفهوم الحصر
2. إنّما.
3. بل الإضرابية.
4. توسط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر.
5. تعريف المسند إليه باللاّم.
6. تقديم ما حقّه التأخير.
و إليك الكلام في كلّ واحد منها:

1. إلاّ الاستثنائية:

هل الاستثناء يدلّ على الحصر أي حصر الخروج عن المستثنى منه في المستثنى وعدم خروج فرد آخر عن المستثنى منه؟ و الظاهر هو الدلالة عليه، و يكفي في ذلك التبادر القطعي بحيث لو دلّ دليل آخر على خروج فرد غيره لعدّ مخالفاً لظاهر الدليل، فلو قال:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور والقبلة والوقت والركوع و السجود»1 ثمّ قال في دليل آخر بوجوب الإعادة في غير هذه الخمسة لعدّ مخالفاً للمفهوم المستفاد من

1 . الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.

صفحه 111
القضية الأُولى و لابدّ من علاج التعارض بوجه.

2. كلمة «إنّما»

استدلّ على إفادتها للحصر بوجهين:
أ. التبادر عند استعمال تلك اللفظة.
ب. تصريح اللغويين كالأزهري و غيره على أنّها تفيد الحصر.1
و التتبع في الآيات الكريمة يرشدنا إلى كونها مفيدة للحصر، أي حصر الحكم في الموضوع، قال سبحانه:
1. (إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَوَ هُمْ راكِعُونَ)(المائدة/55).
2. (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزير ) (البقرة/173).
3. (لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يخْرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ... * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخرجُوكُمْ)(الممتحنة/8ـ9).
إلى غير ذلك من الآيات المسوقة بالحصر.
3. «بل »
تستعمل بل على وجوه:
أ. ما كان لأجل أنّ المضرب عنه إنّما أُوتي به غفلة أو سبقه به لسانه، فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه كما إذا قال: جاءني زيد بل عمرو، إذا التفت

1 . مطارح الأنظار:122.

صفحه 112
إلى أنّ ما أتى به أوّلاً صدر عنه غفلةً فلا تدلّ على الحصر والكتاب والسنّة منزّهان عن هذا الوجه.
ب. ما كان لأجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر المضرب إليه فلا تدلّ على الحصر، كقوله سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدّنيا) (الأعلى/14ـ 16).
ج. ما كان في مقام الردع و إبطال ما جاء أوّلاً، فتدلّ على الحصر، قال سبحانه:(وَقالُوااتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (الأنبياء/26) و المعنى بل هم عباد فقط.
و نحوه قوله سبحانه:(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ)(المؤمنون/70).
والآية تدلّ على حصر ما جاء في القرآن والسنّة في الحقّ.

4. من أدوات الحصر توسيط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر

مثل قولك: «زيد هو القائم»، وقول الصادق (عليه السلام) «الكافور هو الحنوط».

5. من أدوات الحصر تعريف المسند إليه باللاّم

إذا دخلت اللام على المسند إليه سواء أكانت لام الجنس أم لام الاستغراق، فهو يفيد الحصر، كقوله سبحانه: (اَلْحَمْدُ لِلّهِ) وكقولك :الكاتب زيد، و مثله الفتى عليّ.

6. من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير

هناك هيئات غير الأدوات تدلّ على الحصر، مثل تقديم المفعول على الفعل، نحو قوله: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِين) (الحمد/5).

صفحه 113

تطبيقات

1. لو حصل التغيّر بملاقاة النجاسة لماء الكر أو الجاري في غير صفاته الثلاث: اللون و الطعم و الرائحة، كالحرارة و الرقة والخفة، فهل ينجس الماء أو لا؟
الظاهر هو الثاني، للحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي، أعني قوله: «خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجِّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».1
2. لو ضمّ إلى نية التقرّب في الوضوء رياءً.
قال المرتضى بالصحّة مع عدم الثواب، والمشهور هو البطلان لقوله سبحانه:(وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين) (البيّنة/4) و المراد من الدين هو الطاعة، أي مخلصين له الطاعة و الحصر قاض بأنّ العمل الفاقد للإخلاص لم يتعلّق به أمر فكيف يكون صحيحاً؟2
3. يجب أن يُحـنَّط مساجد الميت السبعة بالحنوط، و هو الطيب المانع عن فساد البدن، و ظاهر الأدلّة حصر الحنوط بالكافور، لقول الصادق(عليه السلام) : «إنّما الحنوط بالكافور»، و قوله: «الكافور هو الحنوط».3

1 . جواهر الكلام:1/83.
2 . جواهر الكلام:2/96ـ 97.
3 . جواهر الكلام: 4/176.

صفحه 114
الخامس: مفهوم العدد

الخامس: مفهوم العدد

إنّ العدد المأخوذ قيداً للموضوع يتصوّر على أقسام أربعة:
1. يُؤخذ على نحو لا بشرط في جانبي الزيادة و النقيصة، كقوله سبحانه:(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ) (التوبة/80) فالاستغفار لهم مادام كونهم منافقين لا يفيد قلّ أو كثر.
2. يؤخذ بشرط لا في كلا الجانبين، كأعداد الفرائض.
3. يُؤخذ بشرط لا في جانب النقيصة دون الزيادة، كما هو الحال في مسألة الكرّ حيث يجب أن يكون ثلاثة أشبار و نصف طولاً، و عرضاً و عمقاً ولا يكفي الناقص كما لا يضرّالزائد.
4. عكس الصورة الثالثة بأن يؤخذ بشرط لا في جانب الزيادة دون النقيصة، كالفصل بين المصلّين في الجماعة، فيجوز الفصل بالخطوة دون الزائد.
الظاهر أنّه بصدد التحديد قلّة و كثرة فيدلّ على المفهوم في جانب التحديد إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه، مثل قوله: (الزّانِيةُ وَالزّاني فَاجْلِدُوا
كُلّ واحد مِنْهُما مِائةَ جَلْدَة
) (النور/2) و ظاهر الآية التحديد في كلا
الجانبين.
وربما تشهد القرينة على أنّه بصدد التحديد في جانب النقيصة دون الزيادة، كقوله سبحانه:(وَاسْتَشْهدوا شَهيدينَ مِنْ رِجالِكُمْ)

صفحه 115
(البقرة/282).ومثله ما ورد في عدد الغسلات من إصابة البول وملاقاة الخنزير.
و ربما ينعكس فيؤخذ التحديد في جانب الزيادة، ككون ما تراه المرأة من الدم حيضاً في عشرة أيّام بشرط أن لا تتجاوز العشرة.
كلّ ذلك يعلم بالقرينة و إلاّفيحمل على التحديد في كلا الجانبين: الزيادة و النقيصة.

تطبيقات

1. هل تكره قراءة أزيد من سبع آيات على الجنب؟ قيل: نعم، لمفهوم موثقة سماعة سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: «ما بينه و بين سبع آيات».1
2. يسقط خيار الحيوان بانقضاء المدة، و هي ثلاثة أيّام.2
3. لا يجب إرغام الأنف في حال السجود لمفهوم ما دلّ على أنّ السجود على سبعة أعظم أو أعضاء.3
4. لا تنعقد الجمعة بالأقل من خمسة، لقوله (عليه السلام) : «لا تكون الخطبة والجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» فالمنطوق ينفي انعقادها بالأقل من خمسة فيكون مفهومه ـ لو قلنا بأنّ للعدد مفهوماً ـ انعقادها بالخمسة.4

1 . جواهر الكلام:3/ 69 ـ 71 .
2 . جواهر الكلام:23/23.
3 . جواهر الكلام:1/174.
4 . جواهر الكلام:11/199.

صفحه 116
السادس: مفهوم اللقب

السادس: مفهوم اللقب

المقصود باللقب كلّ اسم ـ سواء أكان مشتقاً أم جامداً ـ وقع موضوعاً للحكم كالفقير في قولهم: أطعم الفقير، و كالسارق و السارقة في قوله تعالى: (وَالسّارِق وَ السّارِقَة فاقْطَعُوا أَيديهما)(المائدة:38) و معنى مفهوم اللقب نفي الحكم عمّا لا يتناوله عموم الاسم، و بما أنّك عرفت عدم دلالة الوصف على المفهوم، فيكون اللقب أولى بعدم الدلالة، بل غاية الأمر عدم دلالة الكلام على ثبوته في غير ما يشمله اللقب وأمّا دلالته على العدم فلا، فمثلاً إذا قلنا إنّ محمّداً رسول اللّه، فمفاده ثبوت الرسالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويكون غير ناظر إلى رسالة المسيح(عليه السلام) لا نفياً ولا إثباتاً.

تطبيق

روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى أن يكفَّن الرجال في ثياب الحرير، فلو قلنا بمفهوم اللقب لدلّ على جواز تكفين المرأة به وإلاّ فلا.1
تمّ الكلام في المقصد الثالث
والحمد للّه ربّ العالمين

1 . جواهر الكلام:4/170.

صفحه 117
المقصد الرابع
العموم والخصوص
وفيه فصول:
   الفصل الأوّل: في ألفاظ العموم.
   الفصل الثاني: هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟
   الفصل الثالث: حجّية العام المخصص في الباقي.
   الفصل الرابع: التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص.
   الفصل الخامس: في تخصيص العام بالمفهوم.
   الفصل السادس: في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد.
   الفصل السابع: تعقيب الاستثناء للجمل المتعدّدة.
   الفصل الثامن: في النسخ والتخصيص.

صفحه 118

صفحه 119

تمهيد العموم و الخصوص

تعريف العام: العام من المفاهيم الواضحة الغنية عن التعريف، ولكن عرّفه الأُصوليّون بتعاريف عديدة و ناقشوا فيها بعدم الانعكاس تارة و عدم الاطراد أُخرى، و لنقتصر على تعريف واحد و هو:
شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله، و يقابله الخاص.
تقسيم العام: ينقسم العام إلى أقسام ثلاثة:
أ. العام الاستغراقي: و هو لحاظ كلّ فرد فرد من أفراد العام بحياله واستقلاله، و اللّفظ الموضوع له هو لفظ «كل» كقولك: أكرم كلّ عالم.
ب. العام المجموعي: و هو لحاظ الأفراد بصورة مجتمعة، و اللّفظ الدالّ عليه هو لفظ «المجموع»كقولك: أكرم مجموع العلماء.
ج. العام البدلي: و هو لحاظ فرد من أفراد العام لا بعينه، و اللّفظ الدالّ عليه لفظ «أيّ» كقولك :أطعم أيّ فقير شئت.
وعلى ذلك فالعام مع قطع النظر عن الحكم يلاحظ على أقسام ثلاثة ولكلّ لفظ خاص يعرب عنه و ربما يقال 1 انّ التقسيم إنّما هو بلحاظ تعلّق الحكم، فمثلاً :
العام الاستغراقي هو أن يكون الحكم شاملاً لكلّ فرد فرد، فيكون كلّ فرد وحده موضوعاً للحكم.
والعام المجموعي هو أن يكون الحكم ثابتاً للمجموع بما هو مجموع، فيكون المجموع موضوعاً واحداً.

1 . القائل هو المحقّق الخراساني. وما تقدّم من تعريف العام والخاص من متفرعات هذا القول.

صفحه 120
والعام البدلي هو أن يكون الحكم لواحد من الأفراد على البدل، فيكون فرد واحد على البدل موضوعاً للحكم.
إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في فصول:

الفصل الأوّل ألفاظ العموم

ألفاظ العموم

لا شكّ انّ للعموم ألفاظاً دالّة عليه إمّا بالدلالة اللفظية الوضعية، أو بالإطلاق و بمقتضى مقدّمات الحكمة.1
أمّا الدالّ بالوضع عليه فألفاظ مفردة مثل: كلّ، جميع، تمام،أيّ، دائماً.
والألفاظ الأربعة الأُوَل تفيد العموم في الأفراد، واللفظ الأخير يفيد العموم في الأزمان، فقولك: أكرم زيداً في يوم الجمعة دائماً، يفيد شمول الحكم لكلّ جمعة. ونظير«دائماً» لفظة «أبداً» قال سبحانه: (ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبداً) (الأحزاب/54).
إنّما الكلام في الألفاظ الّتي يستفاد منها العموم بمقتضى الإطلاق ومقدّمات الحكمة و هي ثلاثة:

1. وقوع النكرة في سياق النفي

المعروف انّ «لا » النافية الداخلة على النكرة نحو: «لا رجل في الدار» تفيد العموم، لأنّها لنفي الجنس و هو لا ينعدم إلاّ بانعدام جميع الأفراد،

1 . سيأتي تفسيرها مفصلاً في مبحث المطلق و المقيد و إجماله أن يكون المتكلّم في مقام البيان، و لم يأت في كلامه بقرينة دالّة على الخصوص، فيحكم عليه بالعموم.

صفحه 121
وبعبارة أُخرى: يدلّ على عموم السلب لجميع أفراد النكرة عقلاً 1 ، لأنّ عدم الطبيعة إنّما يكون بعدم جميع أفرادها.

2. الجمع المحلّى باللاّم

من أدوات العموم الجمع المحلّى باللاّم كقوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَوفُوا بالعُقُود) (المائدة/1) و قول القائل: جمع الأمير الصاغة.

3. المفرد المحلّى باللام

قد عدّ من ألفاظ العموم، المفرد المحلّى بلام الجنس، كقوله سبحانه:(وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْر * إِلاّ الّذينَ آمَنُوا) (العصر/1ـ3).
فإن قلت: المعروف بين الأُدباء أنّ النكرة في سياق النفي، والجمع المحلّى باللام، والمفرد المحلّى بلام الجنس، تفيد العموم، وعلى هذا فالعموم فيها مستند إلى الوضع لا إلى الإطلاق المعتمد على مقدمات الحكمة.
قلت: ما نُقل عنهم صحيح لكن الحاجة إلى الإطلاق لأجل دفع احتمال مدخليّة قيد في الموضوع لم يذكر في الدليل نظير، «عالم» في «لا رجل في الدار»، والعربية في «أوفوا بالعقود» وهكذا، فلا محيص في دفع هذا الاحتمال من التمسك بالإطلاق. وانّه لو كان القيد المحتمل دخيلاً في الموضوع لما أخل المولى بذكره لأنّه في مقام البيان.

1 . المراد من العقل هو العقل العرفي، لا العقل الفلسفي و إلاّ فحسب التحليل الفلسفي أنّ للطبيعة وجودات حسب تعدّد أفرادها ،و أعداماً حسب انعدام أفرادها.

صفحه 122
هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟

الفصل الثاني

هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟

إذا خُصِّصَ العام و أُريد به الباقي فهل هو مجاز أو لا؟ فهنا أقوال:
أ. انّه مجاز مطلقاً، و هو خيرة الشيخ الطوسي و المحقّق والعلاّمة الحلّي في أحد قوليه.
ب. انّه حقيقة مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و من تبعه.
ج. التفصيل بين التخصيص بمخصص متصل(والمراد منه ما إذا كان المخصص متصلاً بالكلام وجزءاً منه) كالشرط و الصفة و الاستثناء والغاية فحقيقة، وبين التخصيص بمخصص منفصل(والمراد ما إذا كان منفصلاً ولا يعدّ جزء منه)من سمع أو عقل فمجاز، و هو القول الثاني للعلاّمة اختاره في التهذيب.
والحقّ انّه حقيقة سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً.
أمّا الأوّل: أي إذا كان المخصِّص متصلاً بالعام، ففي مثل قولك: «أكرم كلّ عالم عادل» الوصف مخصص متصل للعام، و هو «كلّ عالم» غير أنّ كلّ لفظة من هذه الجملة مستعملة في معناها، فلفظة «كل» استعملت في استغراق المدخول سواء أكان المدخول مطلقاً كالعالم، أم مقيداً كالعالم العادل، كما أنّ لفظة «عالم» مستعملة في معناها سواء أكان عادلاً أم غير عادل،

صفحه 123
و مثله اللّفظ الثالث، أعني: عادل، فالجميع مستعمل في معناه اللغوي من باب تعدّد الدال والمدلول.
نعم لا ينعقد الظهور لكلّ واحد من هذه الألفاظ إلاّ بعد فراغ المتكلّم عن كلّ قيد يتصل به، و لذلك لا ينعقد للكلام المذكور ظهور إلاّ في الخصوص.
وأمّّا الثاني: أي المخصص المنفصل كما إذا قال المتكلّم :«أكرم العلماء» ثمّ قال في كلام مستقل: «لا تكرم العالم الفاسق»، فالتحقيق أنّ التخصيص لا يوجب المجازية في العام .
و وجهه: أنّ للمتكلّم إرادتين:
الأُولى: الإرادة الاستعمالية و هي من مقومات الاستعمال الذي هو عبارة عن إطلاق اللّفظ و إرادة معناه، و يشترك فيه كلّ من يتكلم عن شعور و إرادة من غير فرق بين الهازل و الممتحِن و ذي الجدّ .
ثمّ إنّ له وراء تلك الإرادة إرادة أُخرى، و هي ما يعبّر عنها بالإرادة الجدية، فتارة لا تتعلّق الإرادة الجدية بنفس ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، أصلاً كما في الهازل والآمر امتحاناً.
وأُخرى تتعلّق الأُولى بنفس ما تعلّقت به الثانية بلا استثناء و تخصيص، كما في العموم غير المخصص.
وثالثة تتعلق الإرادة الجدية ببعض ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، و هذا كالعام المخصص، و عند ذاك يشير إلى ذلك البعض بدليل مستقل. و يكشف المخصص عن تضيّق الإرادة الجدية من رأس على خلاف الإرادة الاستعمالية.

صفحه 124
وعلى ضوء ذلك يكفي للمقنِّن أن يلقي كلامه بصورة عامة، و يقول: أكرم كلّ عالم، و يستعمل الجملة في معناها الحقيقي من دون أن يستعملها في معنى مضيق ثم يشير بدليل مستقل إلى مالم تتعلّق به إرادته الجدية كالفاسق مثلاً.
وأكثر المخصصات الواردة في الشرع من هذا القبيل حيث نجد أنّه سبحانه يقول: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ)(البقرة/278). ثمّ يُرخَّص في السنّة الشريفة ويخصّص حرمة الربا بغير الوالد والولد، والزوج والزوجة.

صفحه 125
حجّية العام المخصَّص في الباقي

الفصل الثالث

حجّية العام المخصَّص في الباقي

إذا ورد عام و تبعه التخصيص ثمّ شككنا في ورود تخصيص آخر عليه غير ما علم، فهل يكون العام حجّة فيه أو لا؟ و هذا ما يعبّر عنه في الكتب الأُصولية بـ« هل العام المخصص حجّة في الباقي أو لا؟»، مثلاً: إذا ورد النص بحرمة الربا، ثمّ علمنا بخروج الربا بين الوالد والولد عن تحت العموم و شككنا في خروج سائر الأقربين كالأخ و الأُخت، فهل العام (حرمة الربا) حجّة في المشكوك أو لا؟
والمختار حجّيته في المشكوك لأنّ العام المخصَّص مستعمل في معناه الحقيقي بالإرادة الاستعمالية، فلو ورد عليه التخصيص فإنّما يخصِّص الإرادة الجدية، و إلاّ فالإرادة الاستعمالية باقية على حالها لا تمسّ كرامتها.
و الأصل العقلائي هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية إلاّ ما علم فيه عدم التطابق.
وهذه (أي حجّية العام المخصص في الباقي) هي الثمرة للفصل السابق في كون العام المخصص حقيقة في الباقي و ليس مجازاً.

صفحه 126
التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصص

الفصل الرابع

التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصص

إنّ ديدَن العقلاء في المحاورات العرفية هو الإتيان بكلّ ما له دخل في كلامهم و مقاصدهم من غير فرق بين القضايا الجزئية أو الكلية، و لذا يتمسّك بظواهر كلامهم من دون أيِّ تربص.
وأمّا الخطابات القانونية التي ترجع إلى جَعْل القوانين و سَنِّ السُّنن سواء أكانت دولية أم إقليمية، فقد جرت سيرة العقلاء على خلاف ذلك، فتراهم يذكرون العام و المطلق في باب، و المخصص و المقيد في باب آخر، كما أنّهم يذكرون العموم والمطلق في زمان، و بعد فترة يذكرون المخصِّص و المقيِّد في زمان آخر.
وقد سلك التشريع الإسلامي هذا النحو فتجد ورود العموم في القرآن أو كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المخصص و المقيد في كلام الأوصياء مثلاً و ما هذا شأنه لا يصحّ عند العقلاء التمسك بالعموم قبل الفحص عن مخصصاته أو بالمطلق قبل الفحص عن مقيداته.

صفحه 127
تخصيص العام بالمفهوم

الفصل الخامس

تخصيص العام بالمفهوم

إذا كان هناك عام و دليل آخر له مفهوم، فهل يقدّم المفهوم على العام أو لا؟
و إنّما عقدوا هذا البحث ـ مع اتّفاقهم على تقديم المخصص على العام ـ لأجل تصوّر أنّ الدلالة المفهومية (و إن كانت أخص) أضعف من الدلالة المنطوقية (العموم)، و لأجل ذلك عقدوا هذا الفصل و انّه هل يقدم مع ضعفه أو لا؟ و يقع الكلام في مبحثين:
المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق.
المبحث الثاني: تخصيص العام بالمفهوم المخالف.

المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق

قد نقل الاتفاق على جواز التخصيص بالمفهوم الموافق فمثلاً إذا قال: اضرب من في الدار، ثمّ قال: ولا تقل للوالدين أُف.فالدليل الثاني يدلّ على حرمة ضرب الوالدين أيضاً إذا كانا في الدار فيخصص العام بهذا المفهوم.

صفحه 128

المبحث الثاني:هل يخصص العام بالمفهوم المخالف ؟

إذا ورد عام كقوله: «الماء كلّه طاهر» فهل يخصص هذا العام بمفهوم المخالف في قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء»، أم لا؟ والظاهر أنّه إذا لم تكن قوّة لأحد الدليلين في نظر العرف على الآخر يعود الكلام مجملاً، و أمّا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر فيقدّم الأظهر كما في المثال المذكور.

الفصل السادس تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

اتّفق الأُصوليّون على تخصيص الكتاب بالكتاب وتخصيص الكتاب بالخبر المتواتر.
واختلفوا في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد على أقوال ثلاثة:
القول الأوّل: عدم الجواز مطلقاً. و هو خيرة السيد المرتضى في «الذريعة»، و الشيخ الطوسي في «العدّة»، والمحقّق في «المعارج».
القول الثاني: الجواز مطلقاً، و هو خيرة المتأخّرين.
القول الثالث: التفصيل بين تخصيص الكتاب بمخصص قطعي قبل التخصيص بالخبر الواحد فيجوز به أيضاً، و عدمه فلا يجوز به.
فقد استدلّ المتأخّرون على جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد بوجهين:
الوجه الأوّل: جريان سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب و احتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة المفيدة للعلم

صفحه 129
بعيد جدّاً، فمثلاً خصصت آية الميراث: (يُوصيكُمُ اللّهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) (النساء/11) بالسنّة كقوله : لا ميراث للقاتل.1
وخصصت آية حلية النساء، أعني قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ)(النساء/24) بما ورد في السنّة من أنّ المرأة لا تُزوَّج على عمّتها و خالتها.2
وخصصت آية الربا بما دلّ على الجواز بين الولد و الوالد، و الزوج والزوجة.
الوجه الثاني: إذا لم نقل بجواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد لزم إلغاء الخبر بالمرَّة إذ ما من حكم مروي بالخبر الواحد إلاّ بخلافه عموم الكتاب.
أقول: لا يخلو الوجه الثاني عن إغراق،لأنّ كثيراً من الآيات الواردة حول الصلاة والزكاة و الصوم وغيرها واردة في مقام أصل التشريع، و لأجل ذلك تحتاج إلى البيان، والخبر الواحد بعد ثبوت حجيته يكون مبيّناً لمجملاته و موضحاً لمبهماته ولا يُعدُّ مثل ذلك مخالفاً للقرآن ومعارضاً له، بل يكون في خدمة القرآن و الغاية المهمة من وراء حجّية الخبر الواحد هو ذلك.
ثمّ لو قلنا بجواز تخصيص القرآن بالخبر الواحد لا نجيز نسخه به، لأنّ الكتاب قطعي الثبوت والخبر الواحد ظنّي الصدور، فكيف يسوغ نسخُ القطعي بالظنّي إذا كان النسخ كلياً لا جزئياً، أي رافعاً للحكم من رأسه.

1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14، الباب30من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها.

صفحه 130

الفصل السابع تعقيب الاستثناء للجمل المتعدّدة

تعقيب الاستثناء للجمل المتعدّدة

إذا تعقّب الاستثناءُ جملاً متعدّدة، كقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةوَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادة أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الفاسِقُون * إِلاّالّذينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلحُوا فانَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (النور/4ـ5) ففي رجوع الاستثناء إلى الجميع أو إلى الجملة الأخيرة أو عدم الظهور في واحد منهما أقوال:
أ. رجوعه إلى جميع الجمل، لأنّ تخصيصه بالأخيرة فقط بحاجة إلى دليل.
ب. ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة لكونها أقرب.
ج. عدم ظهور الكلام في واحد منها و إن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقّناً على كلّ حال، لكن الرجوع إليها شيء و ظهوره فيها شيء آخر.
لا شكّ في إمكان رجوع الاستثناء إلى خصوص الأخيرة أو الجميع، و إنّما الكلام في انعقاد الظهور لواحد منهما عند العقلاء، فالاستثناء كما يحتمل رجوعه إلى الأخيرة كذلك يحتمل رجوعه إلى الجميع، و التعيين بحاجة إلى دليل قاطع، وما ذكر من الدلائل للأقوال الثلاثة لا يخرج عن كونها قرائن ظنية، غير مثبتة للظهور.

صفحه 131

الفصل الثامن النسخ و التخصيص

النسخ و التخصيص

النسخ في اللغة: هو الإزالة. و في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخّر على وجه لولاه لكان ثابتاً.
وبذلك علم أنّ النسخ تخصيص في الأزمان، أي مانع عن استمرار الحكم، لا عن أصل ثبوته و لنذكر مثالاً:
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدَقَة ذلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَر فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ)(المجادلة/12) فرض اللّه سبحانه على المؤمنين إذا أرادوا مناجاة الرسول أن يقدِّموا قبله صدقة بشهادة قوله:(قَدِّمُوا).
ثمّ إنّ الصحابة لمّا نهُوا عن المناجاة قبل أن يتصدّقوا ضنَّ كثير من الناس من التصدق حتى كفُّوا عن المسألة فلم يناجه إلاّعلي بن أبي طالب (عليه السلام)بعد ما تصدّق.
ثمّ نسخت الآية بما بعدها، قال سبحانه: (ءَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (المجادلة/13).
إنّ النسخ في القرآن الكريم نادر جدّاً، و لم نعثر على النسخ في الكتاب

صفحه 132
إلاّ في آيتين إحداهما ما عرفت و الثانية قوله سبحانه:(وَ الّذينَ يُتوفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحَولِ غَيْرَ إِخْراج)(البقرة/240).
و اللاّم في الحول إشارة إلى الحول المعهود بين العرب قبل الإسلام حيث كانت النساء يعتددن إلى حول، و قد أمضاه القرآن كبعض ما أمضاه من السنن الرائجة فيه لمصلحة هو أعلم بها.
ثمّ نسخت بقوله سبحانه: (وَ الّذينَ يُتوفَّونَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعة أَشْهُر وَعَشْراً) (البقرة/234).
وبذلك يعلم أنّه يشترط في النسخ وقوع العمل بالمنسوخ فترة، ثمّ ورود الناسخ بعده و إلى هذا يشير كلام الأُصوليين حيث يقولون يشترط في النسخ حضور العمل.
إنّ النسخ في القوانين العرفية1 يلازم البداء2، أي ظهور ما خفي لهم من المصالح و المفاسد، و هذا بخلاف النسخ في الأحكام الشرعية، فإنّ علمه سبحانه محيط لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فاللّه سبحانه يعلم مبدأ الحكم و غايته غير أنّ المصلحة اقتضت إظهار الحكم بلا غاية لكنّه في الواقع مغيّى.
فقد خرجنا بهذه النتيجة أنّ النسخ في الأحكام العرفية رفع للحكم واقعاً، و لكنه في الأحكام الإلهية دفع لها و بيان للأمد الذي كانت مغيّى به منذ تشريعها ولا مانع من إظهار الحكم غير مغيّى، و هو في الواقع محدّد

1 . المراد ما تقابل الأحكام الإلهية.فالقوانين المجعولة بيد الإنسان يسمى في اصطلاح الحقوقيين قوانين وضعية.
2 . البداء بهذا المعنى محال على اللّه دون الإنسان.

صفحه 133
لمصلحة في نفس الإظهار.
هذا هوالنسخ، و أمّا حدّ التخصيص، فهو إخراج فرد أو عنوان عن كونه محكوماً بحكم العام من أوّل الأمر حسب الإرادة الجدية، و إن شمله حسب الإرادة الاستعماليّة، فهو تخصيص في الأفراد لا في الأزمان مقابل النسخ الذي عرفت أنّه هو تخصيص فيها، و لأجل ذلك يشترط في التخصيص وروده قبل حضور وقت العمل بالعام، و إلاّ فلو عمل بالعام ثمّ ورد التخصيص يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و هو قبيح على الحكيم، فلا محيص من وروده قبل العمل بالعام لو كان مخصِّصاً، نعم لو كان ناسخاً لحكم العام في مورده، يجب تأخيره عن وقت حضور العمل بالعام، ولم نعثر عليه في الشريعة الإسلامية.
تمّ الكلام في المقصد الرابع
و الحمد للّه

صفحه 134

صفحه 135
المقصد الخامس
في المطلق والمقيّد والمجمل والمبين
وفيه فصول:
   الفصل الأوّل: في تعريف المطلق و المقيّد.
   الفصل الثاني: في ألفاظ المطلق.
   الفصل الثالث: في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً.
   الفصل الرابع: في مقدمات الحكمة.
   الفصل الخامس: في المطلق والمقيّد المتنافيين.
   الفصل السادس: في المجمل والمبيّن والمحكم والمتشابه.

صفحه 136

صفحه 137

الفصل الأوّل تعريف المطلق

تعريف المطلق

عرّف المطلق: بأنّه ما دلّ على شائع في جنسه، و المقيّد على خلافه.
والمراد من الموصول في قولهم «ما دلّ» هو اللفظ ، و المراد من الشائع هو المتوفّر وجودُه من ذلك الجنس.
ثمّ إنّ ظاهر التعريف أنّ الإطلاق والتقييد عارضان للّفظ بما هو هو سواء أتعلّق به الحكم أم لا، فهنا لفظ مطلق، و لفظ مقيّد.
و لكن هذا النوع من البحث يناسب البحوث الأدبية، و الذي يهمّ الأُصولي الذي هو بصدد تأسيس قواعد تكون مقدّمة للاستنباط هو تعريف المطلق والمقيد بلحاظ تعلّق الحكم بالموضوع، فنقول:
المطلق: عبارة عن كون اللفظ بما له من المعنى، تمامَ الموضوع للحكم، بلا لحاظ حيثية أُخرى، فبما أنّه مرسل عن القيد في مقام الموضوعية للحكم فهو مطلق. ويقابله المقيد حيث لا يكون تمام الموضوع إلاّ مع قيده.
وإن شئت قلت: إنّ الإطلاق و التقييد وصفان عارضان للموضوع باعتبار تعلّق الحكم باللفظ، فلو كان اللفظ في مقام الموضوعية مرسلاً عن القيد و الحيثية الزائدة، كان مطلقاً و إلاّ كان مقيّداً.
فقولنا : أعتق رقبة مطلق لكونها تمام الموضوع للحكم و مرسلة عن

صفحه 138
القيد في موضوعيّته، و يخالفه أعتق رقبة مؤمنة فهي مقيّدة بالإيمان لعدم كونها تمام الموضوع وعدم إرسالها عن القيد.
وبذلك يظهر أنّه لا يشترط في المطلق أن يكون مفهوماً كليّاً، بل يمكن أن يكون جزئياً حقيقياً و مرسلاً عن التقيد بحالة خاصة، فإذا قال: أكرم زيداً فهو مطلق، لأنّه تمام الموضوع للوجوب و مرسل عن القيد، بخلاف ما إذا قال: أكرم زيداً إذا سلّم، فهو مقيد بحالة خاصة، أعني: «إذا سلّم»، فوصف الكلي ـ في مقام الموضوعية للحكم ـ بالإطلاق باعتبار الأفراد، ووصف الجزئي ـ في ذلك المقام ـ به بالنسبة إلى الحالات .
ويترتب على ما ذكرنا أُمور:
الأوّل: لا يشترط في المطلق أن يكون أمراًشائعاً في جنسه بل يجوز أن يكون جزئياً ذا أحوال، فلو كان موضوعاً للحكم بلا قيد فهو مطلق و إلاّ فهو مقيّد فمثلاً إذا شكّ الحاج في جواز الطواف بالبيت مع خلو البيت عن الستر، فيصح له التمسّك بقوله سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيق) (الحج/29) إذ لو كان الستر شرطاً للصحّة كان عليه البيان إذا كانت الآية في ذلك المقام.
الثاني: إنّ الإطلاق و التقييد من الأُمور الإضافية، فيمكن أن يكون الحكم مطلقاًمن جهة و مقيداًمن جهة أُخرى، كما إذا قال: أطعم إنساناً في المسجد، فهو مطلق من جهة كون الموضوع هو الإنسان لا الإنسان العالم ، و مقيّد من جهة تقييد مكانه بالمسجد.
الثالث: يظهر من التعريف المشهور أنّ الإطلاق من المداليل اللفظية كالعموم، و الحقّ أنّ الإطلاق من المداليل العقلية، فإذا كان المتكلّم حكيماً غير ناقض لغرضه و جعل الشيء بلا قيد موضوعاً للحكم كشف ذلك عن انّه

صفحه 139
تمام الموضوع وإلاّلكان ناقضاً لغرضه و هو ينافي كونه حكيماً .
الرابع: إذا كانت حقيقة الإطلاق دائرة مدار كون اللفظ تمام الموضوع من دون اشتراط أن يكون الموضوع اسم الجنس أو النكرة أو معرفاً باللام، فنحن في غنى عن إفاضة القول في حقائق تلك الأسماء.
نعم من فسّر الإطلاق بالشيوع أو نظيره فلا محيص له عن التكلّم في حقائق تلك الأسماء، وحيث إنّها ذكرت في الكتب الأُصولية نشير إليها على سبيل الإجمال.

الفصل الثاني ألفاظ المطلق

ألفاظ المطلق

1. اسم الجنس

كان الرأي السائد بين الأُصوليّين قبل سلطان العلماء انّ المطلق كاسم الجنس موضوع للماهية بقيد الإطلاق والسريان و الشيوع على نحو كان الشيوع بين الأفراد و الحالات من مداليل اللّفظ، فالرقبة في (أعتق رقبة) موضوعة للرقبة المطلقة على وجه يكون الإطلاق قيداً، نظير المفعول المطلق.
ولكن صار الرأي السائد بعد تحقيق سلطان العلماء هو أنّه موضوع للماهية المعرّاة عن كلّ قيد حتى الإطلاق نظير مطلق المفعول.
وعلى ذلك فاسم الجنس كالأسد و الإنسان و البقر كلّها موضوعة للماهية المعرّاة عن كلّ قيد.

صفحه 140

2. علم الجنس

إنّ في لغة العرب أسماءً ترادفُ أسماءَ الأجناس في المعنى، لكن تُعامل معها معاملةَ المعرفة بخلاف أسماء الأجناس فيعامل معها معاملة النكرة، فهناك فرق بين الثعلب وثعالة، والأسد و أُسامة، حيث يقع الثاني منهما مبتدأً و ذا حال بخلاف الأوّلين، و هذا ما دعاهم إلى تسمية ذلك، بعلم الجنس.

3. المعرّف بالألف واللام

اللام تنقسم إلى: لام الجنس و لام الاستغراق، و لام العهد. ولام الاستغراق تنقسم إلى: استغراق الأفراد، و استغراق خصائصها. ولام العهد تنقسم إلى: ذهني، و ذكريّ، و حضوري.
فصارت الأقسام ستة والمقصود منه هاهنا المحلى بلام الجنس مثل قولهم: التمرة خير من جرادة.

4. النكرة

اختلفت كلمة الأُصوليّين في أنّ النكرة هل وضعت للفرد المردّد بين الأفراد، أو موضوعة للطبيعة المقيّدة بالوحدة؟
والتحقيق هو الثاني، لأنّها عبارة عن اسم الجنس الذي دخل عليه التنوين، فاسم الجنس يدلّ على الطبيعة و التنوين يدلّ على الوحدة.
وأمّا القول بأنّها موضوعة للفرد المردّد بين الأفراد، فغير تام، إذ لازم ذلك أن يمتنع امتثاله إذا وقع متعلّقاً للحكم، لأنّ الفرد الممتثل به، فرد متعيّن مع أنّ المأُمور به هو الفرد المردّد، فإذا قال: جئني بإنسان، فأيّ إنسان أتيت به فهو هو و ليس مردّداً بينه و بين غيره.

صفحه 141
في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً

الفصل الثالث

في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً

اختلفت كلمة الأُصوليّين في أنّ المطلق بعد التقييد مجاز أو لا على أقوال، نذكر منها قولين:
القول الأوّل : إنّه مجاز مطلقاً سواء أكان المقيد متصلاً أم منفصلاً، و هو المشهور قبل سلطان العلماء.
القول الثاني: إنّه حقيقة مطلقاً، و هو خيرة سلطان العلماء.
حجة القول الأوّل هو أنّ مقوّم الإطلاق هو الشيوع و السريان، و قد قيل في تعريفه ما دلّ على شائع في جنسه و بالتقييد يزول الشمول والسريان فينتج المجازية.
وحجّة القول الثاني: انّ المطلق موضوع للحقيقة المعرّاة من كلّ قيد حتى الشيوع والسريان، فالتقييد لا يحدث أيّ تصرف في المطلق.
والحقّ انّ التقييد لا يوجب مجازية المطلق، سواء أكان المطلق موضوعاً للشائع، أم لنفس الماهية المعراة عن كلّ قيد لما مرّ من أنّ تخصيص العام بالتخصيص المتصل و المنفصل، لا يستلزم مجازيته.
لأنّ كل لفظ مستعمل في معناه، فلو قلنا بأنّ المطلق موضوع للشائع في جنسه، فهو مستعمل في معناه، و تقييده بقيد لا يوجب استعماله في غير ما وضع له، لما عرفت من تعدّد الدالّ و المدلول، فكلّ من المطلق والقيد مستعمل في معناه وهذا هو المراد من تعدد الدالّ والمدلول فلاحظ.

صفحه 142
مقدّمات الحكمة

الفصل الرابع

مقدّمات الحكمة

الاحتجاج بالإطلاق لا يتم إلاّبعد تمامية مقدّمات الحكمة الحاكمة على أنّ ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم، و هذا هو السرّ لحاجة المطلق إلى تلك المقدّمات.
فنقول: إنّ مقدّمات الحكمة عبارة عن:
1. كون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده لا في مقام الإهمال و لا الإجمال.
2. انتفاء ما يوجب التقييد. وإن شئت قلت: عدم نصب القرينة على القيد.
3. انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب.
أمّا المقدّمة الأُولى: فالمتكلّم قد يكون في مقام بيان أصل الحكم من دون نظر إلى الخصوصيات و الشرائط، مثل قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّبات)(المائدة/5) وقوله: (أُحِلَ لَكُمْ صيدُ البَحْرِ) (المائدة/96) وقول الفقيه: الغنم حلال، فالجميع في مقام بيان أصل الحكم لا في مقام بيان خصوصياته، فلا يصحّ التمسك بأمثال هذه الإطلاقات عند الشكّ في الجزئية والشرطية.
وقد يكون في مقام بيان كلّ ما له دخل في الموضوع من الأجزاء

صفحه 143
والشرائط، فإذا سكت عن بيان جزئية شيء أو شرطيته نستكشف انّه غير دخيل في الموضوع.
وعلى ما ذكرنا: إنّما يصحّ التمسّك بالإطلاق في نفي الجزئية والشرطية بالإطلاقات الواردة لبيان الموضوع بأجزائه و شرائطه دون ما كان في مقام الإجمال والإهمال، فإن ترك بيان ما هو الدخيل في الغرض قبيح في الأوّل دون الثاني.
مثل قوله سبحانه:(فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّهَ سَريعُ الحِساب) (المائدة/4).
فالآية بصدد بيان أنّ ما أمسكه الكلب بحكم المذكّى إذا ذكر اسم اللّه عليه و ليس بميتة، فهي في مقام بيان حليّة ما يصيده الكلب مطلقاً و إن مات الصيد قبل أن يصل إليه الصائد.
وهل يصحّ التمسّك بإطلاق قوله: (فَكُلُوا) على طهارة موضع عضّه وجواز أكله بدون غسله و تطهيره، أو لا؟
الظاهر، لا لأنّ الآية بصدد بيان حلّيته و حرمته لا طهارته و نجاسته، فقوله تعالى: (فَكُلُوا) لرفع شبهة حرمة الأكل، لأجل عدم ذبحه بالشرائط الخاصة، لا بصدد بيان طهارته من أجل عضّه.
وأمّا المقدّمة الثانية أي انتفاء ما يوجب التقييد، و المراد منه عدم وجود قرينة على التقييد لا متصلة ولا منفصلة، لأنّه مع القرينة المتصلة لا ينعقد للكلام ظهور إلاّ في المقيد و مع المنفصلة و إن كان ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق ولكن لا يحتجّ به مع وجود القرينة المنفصلة.
وأمّا المقدّمة الثالثة، أي انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب

صفحه 144
والمحاورة، فمرجعه إلى أنّ وجود القدر المتيقن في مقام المحاورة بمنزلة القرينة الحالية المتصلة، فلا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق.
تتميم: الأصل في كلّ متكلّم أن يكون في مقام البيان، فلو شكّ في أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مراده، فالأصل كونه كذلك إلاّ أن يدلّ دليل على خلافه، كما أنّه يمكن أن يكون للكلام جهات مختلفة، كأن يكون وارداً في مقام البيان من جهة وفي مقام الإهمال من جهة أُخرى، كما في الآية السابقة، فقد كان في مقام البيان من جهة الحلية لا في مقام بيان طهارة موضع العضّ.

الفصل الخامس المطلق و المقيّد المتنافيان

المطلق و المقيّد المتنافيان

إذا ورد مطلق كقول الطبيب: إذا استيقظت من النوم اشرب لبناً، وورد مقيّد مناف له كقوله في كلام آخر: إذا استيقظت من النوم اشرب لبناً حلواً. فهذان الحكمان متنافيان، لأنّ الأوّل يدلّ على كفاية شرب مطلق اللبن بخلاف الثاني فإنّه يخصه بالحلو منه.
فعلاج هذا التنافي يحصل بأحد أمرين:
أ. التصرّف في المطلق بحمله على المقيّد فيصير اللازم هو شرب اللبن الحلو.
ب. التصرّف في المقيّد مثل حمله على الكمال فيكفي شرب اللبن مطلقاً.
والرائج في الخطابات الشرعية هو حمل المطلق على المقيّد لا حمل المقيّد على الاستحباب، وقد عرفت وجهه من أنّ التشريع تمّ تدريجاً و مثله

صفحه 145
يقتضي جعل الثاني متمماً للأوّل.
ثمّ إنّ إحراز التنافي فرع إحراز وحدة الحكم، و إلاّفلا يحصل التنافي كما إذا اختلف سبب الحكمين، مثلاً إذا قال: إذا استيقظت من النوم فاشرب لبناً حلواً، وإذا أكلت فاشرب لبناً، فالحكمان غير متنافيين لاختلافهما في السبب.
فعلى الفقيه في مقام التقييد إحراز وحدة الحكم عن طريق إحراز وحدة السبب و إلاّفلا داعي لحمل المطلق على المقيد لتعدّد الحكمين .

الفصل السادس المجمل و المبين

المجمل و المبين

عرّف المجمل بأنّه مالم تتضح دلالته، و يقابله المبين.
والمقصود من المجمل ما جهل فيه مراد المتكلّم إذا كان لفظاً، أو جهل فيه مراد الفاعل إذا كان فعلاً. ولذا يقول المحقّقون: إنّ فعل المعصوم كما لو صلى مع جلسة الاستراحة بعد السجدتين، يدلّ على أصل الجواز ولا يدلّ على الوجوب أو الاستحباب بخصوصهما.
ثمّ إنّ لإجمال الكلام أسباباً كثيرة منها:
1. إجمال مفرداته كاليد الواردة في آية السرقة، قال سبحانه: (وَ السّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) (المائدة/38) فانّ اليد تطلق على الكف إلى أُصول الأصابع، و على الكف إلى الزند ،و عليه إلى المرفق، و عليه إلى المنكب، فالآية مجملة، فتعيين واحد من تلك المصاديق بحاجة إلى دليل.
2. الإجمال في متعلّق الحكم المحذوف كما في كلّ مورد تعلّق الحكم

صفحه 146
بالأعيان كقوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ المَوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ) (المائدة/3). فهل المحرم أكلها، أو بيعها، أو الانتفاع منها بكل طريق؟
3. تردّد الكلام بين الادّعاء والحقيقة كما في قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» وقوله : «لا صلاة إلاّبطهور» فهل المراد نفي الصلاة بتاتاً، أو نفي صحّتها، أو كمالها تنزيلاً للموجود بمنزلة المعدوم؟
و يمكن أن يكون بعض ما ذكرنا مجملاً عند فقيه و مبيّناً عند فقيه آخر، وبذلك يظهر أنّ المجمل و المبين من الأوصاف الإضافية تعرض للكلام.
تمّ الكلام في المقصد الخامس
والحمد للّه ربّ العالمين

صفحه 147
المقصد السادس
في الحجج والأمارات
وفيه مقامان:

   المقام الأوّل: القطع وأحكامه وفيه فصول:

      الفصل الأوّل: في حجّية القطع.
      الفصل الثاني: في التجرّي وأحكامه.
      الفصل الثالث: تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي.
      الفصل الرابع: في قطع القطّاع.
      الفصل الخامس: في أنّ المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً.
      الفصل السادس: في حجّية العقل.
      الفصل السابع: في حجّية العرف والسيرة.

   المقام الثاني: في حجّية الظنون المعتبرة وفيه فصول:

      الفصل الأوّل: حجّية ظواهر الكتاب.
      الفصل الثاني: حجّية الشهرة الفتوائية.
      الفصل الثالث: حجّية السنّة المحكية بالخبر الواحد.
      الفصل الرابع: حجّية الإجماع المنقول بالخبر الواحد.
      الفصل الخامس:حجّية قول اللغوي.

صفحه 148

صفحه 149
الحجّج والأمارات

الحجّج والأمارات

و هذا المقصد من أهم المقاصد في علم الأُصول، فإنّ المستنبِط يبذل الجهد للعثور على ما هو حجّة بينه و بين ربّه، فيثاب إن أصاب الواقع، ويُعذَّر إن أخطأه.
وقد يعبّر عن هذا البحث بمصادر الفقه و أدلّته، وهي عندنا منحصرة في أربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، والعقل. و هي معتبرة عند أهل السنّة أيضاً مع اختلاف بينهم في سعة حجيّة العقل. غير انّ أهل السنّة يفترقون عن الشيعة في القول بحجية أُمور أُخرى مذكورة في كتبهم، كالقياس والاستحسان و... .
وقبل الخوض في المقصود نذكر تقسيم المكلّف حسب الحالات، فنقول:

تقسيم المكلّف باعتبار الحالات

إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي له حالات ثلاث:
الأُولى: القطع بالحكم الشرعي الواقعي.
الثانية: الظن بالحكم الشرعي الواقعي.
الثالثة: الشكّ في الحكم الشرعي الواقعي.

صفحه 150
فإن حصل له القطع، فيلزمه العمل به لاستقلال العقل بذلك، فيثاب عند الموافقة، و يعذَّر عند المخالفة شأن كلّ حجّة.
و إن حصل له الظن بالحكم الواقعي، فإن قام الدليل القطعي على حجّية ذلك الظن كالخبر الواحد يجب العمل به، فإنّ الطريق إلى الحكم الشرعي و إن كان ظنياً كما هو المفروض، لكن إذا قام الدليل القطعي من جانب الشارع على حجّية ذلك الطريق، يكون هذا الطريق علميّاً وحجّة شرعية .
و إن لم يقم، فهو بحكم الشاك، و وظيفته العمل بالأُصول العملية التي هي حجّة عند عدم الدليل.

صفحه 151

المقام الأوّل

القطع و أحكامه

وفيه فصول:

الفصل الأوّل:حجّية القطع

حجّية القطع

لا شكّ في وجوب متابعة القطع و العمل على وفقه مادام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و هو حجّة عقلية، وهي عبارة عمّا يحتج به المولى على العبد و بالعكس، و بعبارة أُخرى ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب و معذِّراً إذا أخطأ، و القطع بهذا المعنى حجّة، حيث يستقل به العقل و يبعث القاطعَ إلى العمل وفْقَه و يحذّره عن المخالفة.
و ما هذا شأنه، فهو حجّة بالذات، غنيّ عن جعل الحجّية له، لأنّ جعل الحجّية للقطع يتم إمّا بدليل قطعي أو بدليل ظني، وعلى الأوّل يُنقل الكلام إلى ذلك الدليل القطعي، و يقال: ما هو الدليل على حجّيته، و هكذا فيتسلسل، و على الثاني يلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظن.
و لذلك يجب أن ينتهي الأمر في باب الحجج إلى ما هو حجّة بالذات، أعني: القطع، و قد تبيّن في محله« أنّ كلّ ما هو بالعرض لابد و أن ينتهي إلى ما

صفحه 152
بالذات».
فتبيّن أنّ للقطع خصائص ثلاث:
1. كاشفيته عن الواقع و لو عند القاطع.
2. منجّزيته عند الإصابة للحكم الواقعي بحيث لو أطاع يثاب ولو عصى يعاقَب.
3. معذِّريته عند عدم الإصابة، فيعذَّر القاطع إذا أخطأ في قطعه و بان خلافه.
قد عرفت إنّ القطع حجّة بالمعنى اللغوي أو العقلائي وهي ما يحتجّ به المولى على العبد وبالعكس ويكون قاطعاً للعذر في كلا الجانبين لكن حجيته بهذا المعنى ذاتي له غني عن جعلها له.
وأمّا الحجّة الأُصولية1 فلا يوصف بها القطع وهي عبارة عمّا لا يستقل العقل بالاحتجاج به غير أنّ الشارع أو الموالي العرفيّة يعتبرونه حجّة في باب الأحكام و الموضوعات لمصالح، فتكون حجّيته عرضيّة مجعولة كخبر الثقة، وبما أنّ القطع غنيّ عن إفاضة الحجّية عليه، فلا يوصف بالحجّة الأُصولية لاستقلال العقل بكونه حجّة في مقام الاحتجاج و معه لا حاجة إلى جعل الحجّية له.

1 . أُريد بالحجة الأُصولية ما يبحث عنها في علم الأُصول، وهي الّتي لا توصف بالحجّة إلاّ إذا جعلها المولى حجّة، وأمّا الحجّة المنطقية فهي التي يبحث عنها في علم المنطق وهي المركّبة من صغرى وكبرى: نظير العالم حادث، وكلّ حادث متغير، وبهذا تبين انّ الحجة على أقسام ثلاثة: العقلية أو اللغويّة كما هي الحال في القطع، الأُصولية، المنطقية.

صفحه 153

الفصل الثاني التجرّي

التجرّي

التجرّي في اللغة إظهار الجرأة، فإذا كان المتجرّى عليه هو المولى فيتحقق التجرّي بالإقدام على خلاف ما دلّ الدليل على وجوبه أو حرمته، سواء أكان الدليل موافقاً للواقع أم مخالفاً ولكنّه في الاصطلاح هو الإقدام على خلاف ما قطع به أو قام الدليل المعتبر عليه بشرط أن يكون كلّ مخالفاً للواقع، كما إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فترك الأوّل وارتكب الثاني، فبان خلافهما و انّه لم يكن واجباً أو حراماً.
ويقابله الانقياد في الاصطلاح، فهو عبارة عمّا إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فعمل بالأوّل و ترك الثاني، فبان خلافهما.
والكلام في التجرّي يقع في موضعين:

الموضع الأوّل: في حكم نفس التجرّي

وفيه أقوال :
منها: استحقاق العقاب.
ومنها: عدم استحقاق العقاب.
ومنها: استحقاق العقاب إلاّ إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة وأتى به، فلا يبعد عدم استحقاق العقاب، و هو خيرة صاحب الفصول.

صفحه 154
والصواب هو القول الثاني أي عدم استحقاق العقاب لأجل عدم المعصية.
فإن قلت: إنّ المتجرى بعمله يهتك الستر ويتمرد على المولى ويرفع علم الطغيان، ولا شكّ في حرمة الجميع لانّها مصداق للطغيان وإظهار الجرأة .
قلت: الكلام في التجري ممحض في مخالفة الحجة العقلية أو الشرعية مجردة عن هذه العناوين فهل هو تورث العقاب أو لا، وأمّا إذا ضم إليه أحد هذه العناوين فلا شكّ في انّه يورث العقاب لكنّه خارج عن مصب البحث لما عرفت من انّ المتجري ربما يرتكب مع استيلاء الخوف عليه.
وبالجملة: الكلام في مخالفة الحجة بما هي هي مخالفة، لا فيما صدر من العبد وراء هذا من هتك الستر، ورفع علم الطغيان.
نعم انّ التجرّي يكشف عن ضعف الإيمان، فيستحق اللوم والذم لا العقاب.
الموضع الثاني: في حكم الفعل المتجرّى به1
والكلام فيه تارة من حيث كونه قبيحاً و أُخرى من جهة الحرمة الشرعية.
أمّا الأوّل، فهو منتف قطعاً، لأنّ الحسن و القبح يعرضان على الشيء بالملاك الواقعي فيه، و المفروض أنّ الفعل المتجرّى به هو شرب الماء و هو فاقد لملاك القبح.

1 . الفرق بين التجرّي والمتجرّى به انّ الأوّل ينتزع من مخالفة المكلّف الحجّةَ العقلية والشرعية، بخلاف الثاني فانّه عبارة عن نفس العمل الخارجي كشرب الماء الذي يتحقّق به مخالفة الحجّة.

صفحه 155
وأمّا الثاني، فلا دليل على الحرمة، لأنّ الحرام هو شرب الخمر، و المفروض أنّه شرب الماء و ليس هناك دليل يدلّ على أنّ شرب ما يقطع الشارب بكونه خمراً حرام، و ذلك لأنّ الحرمة تتعلّق بواقع الموضوعات لا الموضوع المقطوع به.
فبذلك ظهر عدم حرمة التجرّي ولا المتجرّى به. غاية الأمر أنّ الفاعل يستحق الذم، لأنّ عمله يكشف عن سوء سريرته.

الفصل الثالث تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي

تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع بلا مدخلية للعلم و القطع فيه، فالقطع طريقي كحرمة الخمر والقمار، ولا دور للقطع حينئذسوى تنجيز الواقع عند الإصابة والتعذير عند الخطأ.
وأمّا إذا أخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بحيث يكون الواقع بقيد القطع موضوعاً للحكم، فيعبّر عنه بالقطع الموضوعي، كما إذا افترضنا أنّ الشارع حرّم الخمر بقيد القطع بحيث لولاه لما كان الخمر محكوماً بالحرمة.
ثمّ إنّه ليس للشارع أيّ تصرف في القطع الطريقي فهو حجّة مطلقاً بالمعنى الذي عرفت من الاحتجاج من الطرفين. و أمّا القطع المأخوذ في الموضوع، فبما أنّ لكلّ مقنن، التصرفَ في موضوع حكمه بالسعة والضيق، فللشارع أيضاًحقّ التصرف فيه، فتارة تقتضي المصلحة ، اتخاذ مطلق القطع في الموضوع سواء أحصل من الأسباب العادية أم من غيرها كما في المثال

صفحه 156
الثالث الآتي في التطبيقات، و أُخرى تقتضي جعل قسم منه في الموضوع كالحاصل من الأسباب العادية، و عدم الاعتداد بالقطع الحاصل من غيرها كما في المثال الأوّل والثاني من التطبيقات .

تطبيقات

1. انّ قول العدلين أو الشاهد الواحد فيما يعتبر مع اليمين إنّما يكون حجّة في القضاء إذا استند إلى الحس لا إلى الحدس فلو قطعت البيّنة أو الشاهد عن غير طريق الحس فقطعهما حجّة لهما ولا يصحّ للقاضي الحكم استناداً إلى شهادتهما لأنّ المعتبر في الشهادة هو حصول القطع للبيّنة أو الشاهد من طريق الحس.
فقطع البيّنة أو الشاهد بالنسبة إلى أنفسهما قطع طريقي محض لا يمكن التصرف فيه ولهما العمل بقطعهما من أيّ طريق حصل ولكن قطعهما بالنسبة إلى القاضي قطع موضوعي وقد تصرّف الشارع في الموضوع وجعل القسم الخاص موضوعاً للحكم(القضاء) لا مطلق القطع وكم له من نظير.
2. إذا حصل اليقين للمجتهد من غير الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، كالرمل والجفر فقطعه بالحكم حجّة لنفسه دون المقلد وذلك لما ذكرناه في قطع الشاهد أو البيّنة بالنسبة إلى القاضي .
3. الحكم بوجوب التيمّم لمن أحرز كون استعمال الماء مضراً فقد أخذ القطع بالضرر في موضوع الحكم سواء أحصل من سبب عادي أم غير عادي، ولو انكشف الخلاف وانّه لم يكن مضرّاً لم يعاقب لأنّه عمل بالوظيفة وامّا كونه مجزأ أو لا فليطلب حكمه ممّا مرّ في مبحث الاجزاء.

صفحه 157

الفصل الرابع قطع القطّاع

قطع القطّاع

يطلق القطّاع و يراد منه تارة من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لو أُتيحت لغيره لحصل أيضاً، وأُخرى من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لا يحصل منها القطع لغالب الناس. و القَطّاع بالمعنى الأوّل زَيْن وآية للذكاء، وبالمعنى الثاني شين وآية الاختلال الفكري، ومحل البحث هو القسم الثاني.
ثمّ إنّ الوسواسي في مورد النجاسات، من قبيل القطّاع يحصل له القطع بها كثيراً من أسباب غير عادية لكنّه في مورد الخروج عن عهدة التكاليف أيضاً ليس بقطاع بل وسواسي لا يحصل له اليقين بسهولة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه حُكي عن الشيخ الأكبر1 عدم الاعتناء بقطع القطاع، وتحقيق كلامه يتوقف على البحث في مقامين:
الأوّل: ما إذا كان القطع طريقياً .
الثاني: ما إذا كان القطع موضوعياً .
أمّا الأوّل: فالظاهر كون قطعه حجّة عليه و لا يتصوّر نهيه عن العمل به

1 . الشيخ جعفر النجفي المعروف بـ«كاشف الغطاء» المتوفّى (1228هـ).

صفحه 158
لاستلزام النهي وجود حكمين متناقضين عنده في الشريعة، حيث يقول: الدم نجس وفي الوقت نفسه ينهاه عن العمل بقطعه بأنّ هذا دم.
نعم لو أراد عدم كفايته في الحكم بصحّة العمل عند انكشاف الخلاف، كما إذا قطع بدخول الوقت و تبيّن عدم دخوله فيحكم عليه بالبطلان فله وجه، ولكن لا فرق عندئذ بين القطاع و غيره.
وأمّا الثاني: أي القطع الموضوعي فبما أنّ القطع جزء الموضوع، فللمقنّن التصرف في موضوع حكمه، فيصح له جعلُ مطلقِ القطع جزءاً للموضوع، كما يصحّ جعل القطع الخاص جزءاً له، أي ما يحصل من الأسباب العاديّة دون قطع القطّاع كالقطع الحاصل للشاهد أو القاضي أو المجتهد بالنسبة إلى الغير. فلو كان الشاهد أو القاضي أو المجتهد قطاعاً فلا يعتد بقطعه، لأنّ المأخوذ في العمل بقطع الشاهد أو القاضي أو المجتهد هو القطع الحاصل من الأسباب العادية لا من غيرها.
هذا كلّه حول القطّاع، أمّا الظنّان فيمكن للشارع سلب الاعتبار عنه، من غير فرق بين كونه طريقاً إلى متعلّقه، أو مأخوذاً في الموضوع و الفرق بينه و بين القطع واضح، لأنّ حجّية الظن ليست ذاتية له، و إنّما هي باعتبار الشارع وجعله إيّاه حجّة في مجال الطاعة و المعصية، وعليه يصحّ له نهي الظنّان عن العمل بظنّه من غير فرق بين كونه طريقياً أو موضوعياً.
وأمّا الشكّاك ففي كلّ مورد لا يعتدّ بالشكّ العادي لا يعتنى بشكّ الشكّاك بطريق أولى كالشك بعد المحل، وأمّا المورد الذي يعتنى بالشك العادي فيه و يكون موضوعاً للأثر، فلا يعتنى بشك الشكّاك أيضاً، كما في عدد الركعتين الأخيرتين فلو شكّ بين الثلاث و الأربع، و كان شكّه متعارفاً

صفحه 159
يجب عليه صلاة الاحتياط بعد البناء على الأكثر و أمّا الشكّاك، فلا يعتنى بشكّه فيبنى على الاتيان بالركعة ولكن لا يترتب عليه الأثر كوجوب صلاة الاحتياط بشهادة قوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» فلو اعتدّبه لم يبق فرق بين الشكّاك وغيره.

الفصل الخامس هل المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً؟

هل المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً؟

العلم ينقسم إلى: تفصيلي كالعلم بوجود النجاسة في الإناء المعيّـن، وإجمالي، كالعلم بوجود النجاسة في أحد الإناءين لا بعينه.
فاعلم أنّهم اختلفوا في أنّ العلم الإجمالي هل هو كالعلم التفصيلي بالتكليف أو لا؟ والبحث يقع تارة في منجّزية العلم الإجمالي وأُخرى في كفاية الامتثال الإجمالي.
أمّا منجّزية العلم الإجمالي فالحقّ أنّ العلم الإجمالي بوجود التكليف الذي لا يرضى المولى بتركه منجّز للواقع، و معنى التنجيز هو وجوب الخروج عن عهدة التكليف عقلاً، فلو علم وجداناً بوجوب أحد الفعلين أو حرمة أحدهما، يجب عليه الإتيان بهما في الأوّل و تركهما في الثاني و لا تكفي الموافقة الاحتمالية بفعل واحد أو ترك واحد منهما.
وبهذا ظهر أنّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في لزوم الموافقة القطعية (وعدم كفاية الموافقة الاحتمالية) وحرمة المخالفة القطعية كما سيأتي في فصل أصالة الاحتياط.
وأمّا كفاية الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، فله

صفحه 160
صور:
الصورة الأُولى: كفاية الامتثال الإجمالي في التوصليات، كما إذا علم بوجوب مواراة أحد الميّتين فيواريهما من دون استعلام حال واحد منهما، و مثله التردّد في وقوع الإنشاء بلفظ النكاح، أو بلفظ الزواج، فينشئ بكلا اللفظين.
الصورة الثانية: كفاية الامتثال الإجمالي في التعبديّات فيما إذا لم يستلزم التكرار، كما إذا تردّد الواجب بين غسل الجنابة و غسل مسّ الميت، فيغتسل امتثالاً للأمر الواقعي احتياطاً مع التمكّن من تحصيل العلم التفصيلي بانّ الواجب هو الاغتسال للجنابة أو مسّ الميت أو الظن التفصيلي الذي دلّ الدليل على كونه حجّة، والحقّ جوازه فلا يجب عليه التفحّص عن الواجب وإن تمكن منه، لأنّ الصحّة في العبادات رهن إتيان الفعل لأمره سبحانه و المفروض أنّه إنّما أتى به امتثالاً لأمره الواقعي.
الصورة الثالثة: كفاية الامتثال الإجمالي في التعبديات فيما إذا استلزم التكرار، كما إذا تردّد أمر القبلة بين جهتين، أو تردّد الواجب بين الظهر والجمعة مع إمكان التعيين بالاجتهاد أو التقليد فتركهما و امتثل الأمر الواقعي عن طريق تكرار العمل.
فالظاهر كفايته لأنّ حقيقة الطاعة هو الانبعاث عن أمر المولى بحيث يكون الداعي و المحرّك هو أمره و المفروض أنّ الداعي إلى الإتيان بكلّواحد من الطرفين هو بعث المولى المقطوع به، و لولا بعثه لما قام بالإتيان بواحد من الطرفين.
نعم لا يعلم تعلّق الوجوب بالواحد المعيّن، و لكن الداعي للإتيان

صفحه 161
بكلّ واحد هو أمر المولى في البين واحتمال انطباقه على كلّ واحد، و يكفي هذا المقدار في حصول الطاعة.
وبذلك ظهر أنّ الاحتياط في عرض الدليل التفصيلي: الاجتهاد و التقليد. ولذلك قالوا: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته وعادياته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.1
فقد خرجنا بنتيجتين:
1. العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في منجّزية التكليف و معذّريته.
2. كفاية الامتثال الإجمالي عن الامتثال التفصيلي مطلقاً سواء أتمكّن من التفصيلي أم لا.
ثمّ إنّ العلم بالتكليف قد يراد به العلم الوجداني بالتكليف الذي لا يرضى المولى بتركه أبداً، كما إذا علم بكون أحد الشخصين محقون الدم دون الآخر، وأُخرى يراد به العلم بقيام الحجّة الشرعية على التكليف، كما إذا قامت الأمارة على حرمة العصير العنبي إذا غلى، و تردّد المغلي بين إناءين وشمل إطلاق الأمارة المعلوم بالإجمال.
والكلام في المقام إنّما هو في الصورة الأُولى أي العلم الوجداني، لا ما إذا قامت الحجّة على الحرمة و تردّدت بين الإناءين، فانّ البحث عن هذا القسم من حيث الموافقة القطعية أو كفاية الموافقة الاحتمالية بأن يترك أحد الانائين دون الآخر، موكول إلى مبحث الاحتياط من الأُصول العملية.

1 . العروة الوثقى:90، فصل التقليد، المسألة الأُولى.

صفحه 162

الفصل السادس حجّية العقل

حجّية العقل

حجّية العقل في مجالات خاصة:

إنّ العقل أحد الحجج الأربع التي اتّفق أصحابنا إلاّقليلاً منهم على حجّيته، و لأجل إيضاح الحال نقدّم أُموراً:
الأوّل: ينقسم الإدراك العقلي إلى إدراك نظري و إدراك عملي، فالأوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم، كإدراك وجود الصانع و صفاته و أفعاله و غير ذلك، و الثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل، كإدراكه حسن العدل و قبح الظلم ووجوب ردّالوديعة و ترك الخيانة فيها.
الثاني: انّ الاستدلال لا يتم إلاّ بالاستقراء أو التمثيل أو القياس المنطقي.
والاستقراء الناقص لا يحتج به، لأنّه لا يفيد إلاّ الظنّ ولم يدلّ دليل على حجّية مثله، و أمّا الاستقراء الكامل فلا يعدّ دليلا لأنّه علوم جزئية تفصيلية تُصَبُّ في قالب قضية كليّة عند الانتهاء من الاستقراء دون أن يكون هناك معلوم يُستدل به على المجهول .
وأمّا التمثيل، فهو عبارة عن القياس الأُصولي الذي لا نقول به كاستنباط حكم أحد المتشابهين (الفقّاع) عن حكم المتشابه الآخر(الخمر).

صفحه 163
فتعيّن أن تكون الحجّة هي القياس المنطقي، و هو على أقسام ثلاثة:
أ. أن تكون الصغرى والكبرى شرعيّتين وهذا ما يسمّى بالدليل الشرعي.
ب. أن تكون كلتاهما عقليّتين، كإدراك العقل حسن العدل (الصغرى) وحكمه بالملازمة بين حسنه عقلاً ووجوبه شرعاً(الكبرى)و هذا ما يعبّر عنه بالمستقلاّت العقلية، أو التحسين والتقبيح العقليين.1
ج. أن تكون الصغرى شرعية و الكبرى عقلية كما قد يقال: «الوضوء ممّا يتوقف عليه الواجب(الصلاة)» وهذه مقدّمة شرعية «وكلّ ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب عقلاً» وهذه مقدمة عقلية فينتج: فالوضوء واجب عقلاً. وهذا ما يعبر عنه بغير المستقلات العقلية نعم يعلم وجوب الوضوء شرعاً بالملازمة بين حكمي العقل والشرع.
الثالث: عرّف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصّل به إلى حكم شرعي، مثلاً إذا حكم العقل بأنّ الإتيان بالمأمور به على ما هو عليه موجب لحصول الامتثال وسقوط الأمر يُستدل به على أنّه في الشرع أيضاً كذلك، فيترتّب عليه براءة الذمّة عن الإعادة والقضاء، أو إذا حكم العقل عند التزاحم بلزوم تقديم الأهم كانقاذ النفس المحترمة على المهم كترك التصرّف في مال الغير بلا إذنه، فيُستدل به على الحكم الشرعي و هو وجوب إنقاذ الغريق، و جواز التصرف في مال الغير، كلّ ذلك توصلٌ بالحكم العقلي للاهتداء إلى الحكم الشرعي.

1 . في مقابل الأشاعرة الذين لا يعترفون بهما إلاّ عن طريق الشرع، فالحسن عندهم ما حسّنه الشارع وهكذا القبيح.

صفحه 164
إذا عرفت ذلك، فيقع البحث في حجّية العقل في مقامين:
المقام الأوّل: استكشاف حكم الشرع عند استقلاله بالحكم بالنظر إلى ذات الموضوع، فنقول: إذا استقل العقل بالحكم على الموضوع عند دراسته بما هوهو من غير التفات إلى ماوراء الموضوع من المصالح و المفاسد ، فهل يكون ذلك دليلاً على كون الحكم عند الشارع كذلك أيضاً أو لا؟ فذهب الأُصوليّون إلى وجود الملازمة بين الحكمين، و ما ذلك إلاّ لأنّ العقل يدرك حكماً عاماً غير مقيّد بشيء.
مثلاً إذا أدرك العقل (حسن العدل) فقد أدرك انّه حسن مطلقاً، أي سواء أكان الفاعل واجب الوجود أم ممكن الوجود، و سواء أكان الفعل في الدنيا أم في الآخرة، و سواء أكان مقروناً بالمصلحة أم لا، فمثل هذا الحكم العقلي المدرَك يلازم كون الحكم الشرعي أيضاً كذلك وإلاّ لما كان المدرَك عاماً شاملاً لجميع تلك الخصوصيات.و بذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في المستقلاّت العقلية.
هذا كلّه في المستقلات العقلية و به يظهر حكم غير المستقلاّت العقلية، فمثلاً إذا فرضنا أنّ العقل أدرك الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه ، يكشف ذلك انّ الحكم عند الشرع كذلك، لأنّ الحكم المدرَك بالعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود، فكما أنّ العقل يدرك الملازمة بين الأربعة والزوجية بلا قيد فيكون حكماً صادقاً في جميع الأزمان والأحوال، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة، فالقول بعدم كشفه عن حكم الشارع كذلك، ينافي إطلاق حكم العقل و عدم تقيّده بشيء.

صفحه 165
وبذلك يتّضح أنّ ادّعاء الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع يرجع إلى أنّ الحكم المدرك بالعقل حكم مطلق غير مقيد بشيء، فيعمّ حكم الشارع أيضاً.
المقام الثاني: حكم الشرع عند استقلال العقل بالحكم بالنظر إلى المصالح والمفاسد في الموضوع لا بالنظر إلى ذات الموضوع.
فنقول: إذا أدرك العقل المصلحة أو المفسدة في شيء و كان إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللّتين يستوي في إدراكهما جميع العقلاء، ففي مثله يصحّ استنباط الحكم الشرعي من الحكم العقلي كلزوم الاجتناب عن السمّ المهلك، وضرورة إقامة الحكومة، وغيرهما.
نعم لو أدرك المصلحة أو المفسدة و لم يكن إدراكه إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، بل إدراكاً شخصياً حصل له بالسبر والتقسيم، فلا سبيل للعقل بأن يحكم بالملازمة فيه، و ذلك لأنّ الأحكام الشرعية المولوية و إن كانت لا تنفك عن المصالح أو المفاسد، و لكن أنّى للعقل أن يدركها كما هي عليها.
وبذلك يعلم أنّه لا يمكن للفقيه أن يجعل ما أدركه شخصيّاً من المصالح والمفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي، بل يجب عليه الرجوع إلى سائر الأدلّة.

تطبيقات

يترتب ثمرات كثيرة على حجّية العقل نستعرض قسماً منها:

صفحه 166
1. وجوب المقدّمة على القول بالملازمة1 بين وجوب الشيءو وجوب مقدّمته.
2. حرمة ضدّ الواجب على القول بالملازمة(2) بين الأمر بالشيء و النهي عن ضدّه.
3. بطلان العبادة على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي وتقديم النهي على الأمر و صحّتها في هذه الصورة على القول بتقديم الأمر و صحّتها مطلقاً على القول بجواز الاجتماع.
4. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بها أو أجزائها أو شرائطها أو أوصافها.
5. الإتيان بالمأمور به مجز عن الإعادة و القضاء لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال على تفصيل مرّفي محلّه.
6. وجوب تقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما لقبح العكس.

1 و2. أي عند من يقول بالملازمة، وقد مرّ في مبحث وجوب المقدمة ومبحث الضد انّه لا ملازمة بين الوجوبين الشرعيين عند العقل.

صفحه 167

الفصل السابع العرف والسيرة

العرف والسيرة

إنّ العرف له دور في مجال الاستنباط أوّلاً، وفصل الخصومات ثانياً، حتى قيل في حقّه، «العادة شريعة محكمة» أو «الثابت بالعرف كالثابت بالنص» 1 ولابدّ للفقيه من تحديد دوره و تبيين مكانته حتى يتبين مدى صدق القولين.
أقول: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه، من فعل شاع بينهم، أو قول تعارفوا عليه، ولا شكّ انّ العرف هو المرجع إذا لم يكن هناك نص من الشارع (على تفصيل سيوافيك) وإلاّ فهو ساقط عن الاعتبار. وتتلخص مرجعية العرف في الأُمور الأربعة التالية:

1. استكشاف الجواز تكليفاً أووضعاً

يستكشف الحكم الشرعيّ من السيرة بشرطين:
الف. أن لا تصادم النص الشرعي.
ب. أن تكون متصلة بعصر المعصوم.
توضيحه: إنّ السيرة، على قسمين:

1 . رسائل ابن عابدين:2/113، في رسالة نشر العرف التي فرغ منها عام 1243هـ.

صفحه 168
تارة تصادم الكتاب والسنّة و تعارضهما، كاختلاط النساء بالرجال في الأفراح والأعراس وشرب المسكرات فيها والمعاملات الربوية، فلا شكّ انّ هذه السيرة باطلة لا يرتضيها الإسلام ولا يحتج بها إلاّ الجاهل.
وأُخرى لا تصادم الدليل الشرعي وفي الوقت نفسه لا يدعمها الدليل، فهذا النوع من السير إن اتصلت بزمان المعصوم و كانت بمرأى ومسمع منه ومع ذلك سكت عنها تكون حجّة على الأجيال الآتية، كالعقود المعاطاتية من البيع والإجارة وكوقف الأشجار والأبنية من دون وقف العقار.
وبذلك يعلم أنّ السير الحادثة بين المسلمين بعد رحيل المعصوم أو غيبته لا يصح الاحتجاج بها و إن راجت بينهم كالأمثلة التالية:
أ. عقد التأمين: وهو عقد رائج بين العقلاء، عليه يدور رحى الحياة العصرية، فموافقة العرف له ليست دليلاً على مشروعيّته، بل يجب التماس دليل آخر عليها.
ب . عقد حقّ الامتياز: قد شاع بين الناس شراء الامتيازات كامتياز الكهرباء والهاتف والماء وغير ذلك التي تعدُّ من متطلّبات الحياة العصرية، فيدفع حصة من المال بغية شرائها وراء ما يدفع في كلّ حين عند الاستفادة والانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة استحدثت ولم تكن من قبل، فلا تكون دليلاً على جوازها، فلابدّ من طلب دليل آخر.
ج . بيع السرقفلية: وهي عبارة عن أخذ المالك من المستأجر مقداراً
من المال ليكون له حق إيجار العين إلى أيّ شخص شاء في أية مدة
أراد.

صفحه 169

2. تبيين المفاهيم

أ. إذا وقع البيع والإجارة وما شابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّ شكّ في مدخلية شيء كالبيع بالصيغة أو مانعيته في صدق الموضوع شرعاً، فالصدق العرفي دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع تبادر غيره و كمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات إذ يكون تركه إغراءً بالجهل وهو لا يجوز عليه عقلاً.
ب. لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في صدقهما إلى العرف.
قال المحقّق الأردبيلي: قد تقرّر في الشرع انّ مالم يثبت له الوضع الشرعي يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من رد الناس إلى عرفهم.1
ج:لو افترضنا الإجمال في حدّ الغناء فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى بالغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.
يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، ومالم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بيّن في الأُصول.2
يقول الإمام الخميني(رحمه الله): أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنوان فصحيح لا محيص عنه إذا كان الموضوع مأخوذاً في

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.
2 . مفتاح الكرامة:4/229.

صفحه 170
دليل لفظي أو معقد إجماع.1

3. تشخيص المصاديق

قد اتّخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً لأحكام، ولكن ربما يعرض الإجمال على مصاديقها ويتردّد بين كون الشيء مصداقاً لها أو لا.
وهذا كالوطن والصعيد وا لمفازة والمعدن والأرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.

4. حل الإجمالات في ظلّ الأعراف الخاصة2

إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم يتعاملون في إطارها ويتفقون على ضوئها في كافة العقود والإيقاعات، فهذه الأعراف تشكّل قرينة حالية لحل كثير من الإجمالات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:
ألف. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين وهو اللحم الأحمر دون اللحم الأبيض كلحم السمك.
ب. إذا أوصى الوالد بشيء لولده، فالمرجع في تفسير الولد وانّه هو الذكر والأُنثى أو الذكر فقط هو العرف.
ج. إذا اختلفت البلدان في بيع شيء بالكيل أو الوزن أو بالعدِّ، فالمتبع هو العرف الرائج في بلد البيع.
قال المحقّق الأردبيلي: كلّ ما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما

1 . كتاب «البيع» للإمام الخميني:1/331.
2 . في مقابل الأعراف العامة التي سبقت.

صفحه 171
في عهده(صلى الله عليه وآله وسلم) فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل.1

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.

صفحه 172

المقام الثاني أحكام الظنون المعتبرة

أحكام الظنون المعتبرة

ويقع البحث في موضعين:
الأوّل: إمكان التعبّد بالظن.
الثاني: وقوعه بعد ثبوت إمكانه.

الموضع الأوّل: في إمكان التعبّد بالظن

والمراد منه هو الإمكان الوقوعي1: أي ما لا يترتب على وقوعه مفسدة فالبحث في أنّه هل تترتب على التعبد بالظن مفسدة أو لا؟
فالقائلون بعدم جواز العمل بالظن ذهبوا إلى الامتناع وقوعاً، كما أنّ القائلين بجواز التعبّد ذهبوا إلى إمكانه كذلك.
ثمّ إنّ القائلين بامتناع التعبد ـ منهم ابن قبة الرازي 2ـ استدلّوا بوجوه مذكورة في المطولات. و لكن أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه في الشريعة الإسلامية كما سيتضح فيما بعد. ومع هذا لا حاجة إلى الاستدلال على الإمكان الوقوعي.

1 . في مقابل الإمكان الذاتي الذي لا ريب فيه بشهادة عمل الناس بالظن في حياتهم.
2 . هو محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي المتكلّم الكبير المعاصر لأبي القاسم البلخي المتوفّى عام (317هـ) و قد توفّـي ابن قبة قبله و له كتاب الانصاف في الإمامة. ترجمه النجاشي في رجاله برقم 1024.

صفحه 173

الموضع الثاني: في ورود التعبد بالظن بعد ثبوت إمكانه

و قبل الدخول في صلب الموضوع لابدّ أن نبيّن ما هو الأصل في العمل بالظن حتى يكون هو المرجع عند الشكّ، فما ثبت خروجه عن ذلك الأصل نأخذ به، وما لم يثبت نتمسك فيه بالأصل فنقول:
إنّ القاعدة الأوّلية في العمل بالظن هو الحرمة و عدم الحجّية إلاّ ما خرج بالدليل.
والدليل عليه أنّ العمل بالظن عبارة عن إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل، و من المعلوم أنّ إسناد المؤدّى إلى الشارع إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّه حكم الشارع و إلاّ يكون الإسناد تشريعاً دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة1، و ليس التشريع إلاّ إسناد مالم يعلم أنّه من الدين إلى الدين.
قال سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُل ءآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس/59).
فالآية تدلّ على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقروناً بالإذن منه سبحانه و في غير هذه الصورة يعد افتراءً سواء أكان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أم مقطوع العدم، و الآية تعم كلا القسمين. و المفروض أنّ العامل بالظن شاكّ في إذنه سبحانه و مع ذلك ينسبه إليه.
ثمّ إنّ الأُصوليين ذكروا خروج بعض الظنون عن هذاالأصل . منها:
1.ظواهر الكتاب.
2. الشهرة الفتوائية.

1 . الكتاب و السنّة والإجماع والعقل كما أوضحه الشيخ الأعظم في الفرائد، واقتصرنا في المتن على الكتاب العزيز.

صفحه 174
3. الخبر الواحد.
4. الإجماع المنقول بالخبر الواحد.
5. قول اللغوي.
يأتي كلّ ذلك ضمن فصول:

الفصل الأوّل حجّية ظواهر الكتاب العزيز

حجّية ظواهر الكتاب العزيز

اتّفق العقلاء على أنّ ظاهر كلام كل متكلّم إذا كان جادّاً لاهازلاً، حجّة وكاشف عن مراده، و لأجل ذلك يؤخذ بإقراره و اعترافه في المحاكم، و ينفّذ وصاياه، و يحتج برسائله و كتاباته.
وآيات الكتاب الكريم إذا لم تكن مجملة ولا متشابهة، لها ظواهر كسائر الظواهر، يحتج بها كما يحتج بسائر الظواهر، قال سبحانه(وَ لَقَدْ يَسّرنا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر ) (القمر/17) و في الوقت نفسه أمر بالتدبّر، و قال:(أَفلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها) (محمد/24) كلّ هذا يعرب عن كون ظواهر الكتاب كسائر الظواهر، حجّة أُلقيت للإفادة و الاستفادة و الاحتجاج والاستدلال.
نعم أنّ الاحتجاج بكلام المتكلّم يتوقّف على ثبوت أُمور:
الأوّل: ثبوت صدوره من المتكلّم.
الثاني: ثبوت جهة صدوره و أنّه لم يكن هازلاً مثلاً.
الثالث: ثبوت ظهور مفرداته و جمله.

صفحه 175
الرابع: حجّية ظهور كلامه و كونه متبعاً في كشف المراد.
والأوّل ثابت بالتواتر والثاني بالضرورة حيث إنّه سبحانه أجلّ من أن يكون هازلاً. والمفروض ثبوت ظهور مفرداته ومركّباته و جُمله بطريق من الطرق السابقة وهو التبادر و صحّة الحمل و السلب والإطراد. و لم يبق إلاّ الأمر الرابع و هو حجّية ظهور كلامه، و الكتاب الكريم كتاب هداية و برنامج لسعادة الإنسان والمجتمع، فلازم ذلك أن تكون ظواهره حجّة كسائر الظواهر، وعلى ذلك فما ذهب إليه الأخباريون بحجيّة كلّ ظاهر إلاّ ظاهر الكتاب ممّا لا وجه له بل هو دعوى تقشعرّ منها الجلود، و ترتعد منها الفرائص، إذ كيف توصف حجّةُ اللّه الكبرى، والثقل الأعظم، بعدم الحجّية مع أنّ الكتاب هو المعجزة الكبرى للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أفيمكن أن يكون معجزاً ولا يُحتج بظواهره ومفاهيمه مع أنّ الإعجاز قائم على اللفظ والمعنى معاً؟!
واعلم أنّه ليس المراد من حجّية ظواهر القرآن هو استكشاف مراده سبحانه من دون مراجعة إلى ما يحكم به العقل في موردها، أو من دون مراجعة إلى الآيات الأُخرى التي تصلح لأن تكون قرينة على المراد، أو من دون مراجعة إلى الأحاديث النبوية و روايات العترة الطاهرة في إيضاح مجملاته و تخصيص عموماته وتقييد مطلقاته.
فالاستبداد في فهم القرآن مع غض النظر عمّا ورد حوله من سائر الحجج ضلال لا شكّ فيه، كيف؟ واللّه سبحانه يقول:(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْر لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل/44) فجعل النبي مبيِّناً للقرآن و أمر الناس بالتفكّر فيه، فللرسول سهم في إفهام القرآن كما أنّ لتفكّر الناس و إمعان النظر فيه سهماً آخر، و بهذين الجناحين يُحلِّق الإنسان في سماء معارفه، و يستفيد من حِكَمِه و قوانينه.

صفحه 176
وبذلك تقف على مفاد الأخبار المندِّدة بفعل فقهاء عصرهم الذين كانوا يستبدون بنفس القرآن من دون الرجوع إلى حديث العترة الطاهرة في مجملاته و مبهماته و عموماته و مطلقاته. فالاستبداد بالقرآن شيء، و الاحتجاج بالقرآن بعد الرجوع إلى الأحاديث شيء آخر، و الأوّل هو الممنوع والثاني هو الذي جرى عليه أصحابنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ .

هل الظواهر من الظنون أو من القطعيّات

ثمّ إنّ الأُصوليين جعلوا مطلق الظواهر من الظنون و قالوا باعتبارها وخروجها عن تحت الضابطة السالفة الذكر بدليل خاص، و هو بناء العقلاء على حجّية ظواهر كلام كلّ متكلّم، و لكن دقة النظر تقتضي أن تكون الظواهر من القطعيات بالنسبة إلى المراد الاستعمالي لا الظنيّات.
لأنّ السير في المحاورات العرفية يرشدنا إلى أنّها من الأمارات القطعية على المراد الاستعمالي بشهادة انّ المتعلِّم يستدل بظاهر كلام المعلِّم على مراده. وما يدور بين البائع و المشتري من المفاهيم لا توصف بالظنية، وما يتفوّه به الطبيب يتلقّاه المريض أمراً واضحاً لا سترة فيه كما أنّ ما يتلّقاه السائل من جواب المجيب يسكن إليه دون أيّ تردد.
فإذا كانت هذه حال محاوراتنا العرفية في حياتنا الدنيويّة، فلتكن ظواهر الكتاب و السنّة كذلك فلماذا نجعلها ظنيّة الدلالة؟!
نعم المطلوب من كونها قطعية الدلالة هو دلالتها بالقطع على المراد الاستعمالي لا المراد الجدي، لأنّ الموضوع على عاتق الكلام هو كشفه عمّا يدل عليه اللفظ بالوضع و ما يكشف عنه اللفظ الموضوع هو المراد الاستعمالي، و المفروض أنّ الظواهر كفيلة لإثبات هذا المعنى فلا وجه

صفحه 177
لجعلها ظنيّة الدلالة. وأمّا المراد الجدّي فإنّما يعلم بالأصل العقلائي، أعني: أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدّية.
والذي صار سبباًلعدِّ الظواهر ظنّية هو تطرّق احتمالات عديدة إلى كلام المتكلّم، أعني:
1. احتمال كون المتكلّم هازلاً، 2. أو كونه مورّياً في مقاله، 3. أو ملقياً على وجه التقية ، 4. أو كون المراد الجدّي غير المراد الاستعمالي من حيث السعة والضيق بورود التخصيص أو التقييد عليه.فلأجل وجود تلك الاحتمالات جعلوا الظواهر من الظنون .
يلاحظ عليه: بالنقض أوّلاً :لأنّ أكثر هذه الأُمور موجودة في النص أيضاً مع أنّـهم جعلوه من القطعيات، والحلّ ثانياً بأنّ نفي هذه الاحتمالات ليس على عاتق الظواهر حتى تصير لأجل عدم التمكّن من دفعها ظنية، بل لا صلة لها بها و إنّما الدافع لتلك الاحتمالات هو الأُصول العقلائية الدالّة على أنّ الأصل في كلام المتكلّم كونه جادّاً، لا هازلاً و لا مورّياً ولا ملقياً على وجه التقية، كما أنّ الأصل هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية، مالم يدل دليل على خلافه كما في مورد التخصيص و التقييد.
فالوظيفة الملقاة على عهدة الظواهر هي إحضار المراد الاستعمالي في ذهن المخاطب و هي تحضره على وجه القطع و البت بلا تردد و شك. وأمّا سائر الاحتمالات فليست هي المسؤولة عن نفيها حتى توصف لأجلها بالظنية على أنّ أكثر هذه الاحتمالات بل جميعها منتفية في المحاورات العرفية و إنّما هي شكوك علميّة مغفولة للعقلاء.
فخرجنا بالنتيجة التالية:

صفحه 178
إنّ دلالة القرآن والسنّة و كذا دلالة كلام كلّ متكلّم على مراده من الأُمور القطعية شريطة أن تكون ظاهرة لا مجملة، محكمة لا متشابهة.و يكون المراد من قطعيتها، كونها قطعية الدلالة على المراد الاستعمالي.
نعم الفرق بين الظاهر و النص، هو انّ الأوّل قابل للتأويل إذا دلّت عليه القرينة، بخلاف النصّ فلا يقبل التأويل بل يعدّ التأويل نقيضاً للكلام المتقدم.

الفصل الثاني الشهرة الفتوائيّة

الشهرة الفتوائيّة1

من الظنون التي قد خرجت عن أصل «حرمة العمل بالظن»، الشهرة الفتوائية بين القدماء من الفقهاء و هي:
عبارة عن اشتهار الفتوى في مسألة لم ترد فيها رواية معتبرة فمثلاً إذا اتّفق القدماء من الفقهاء على حكم في مورد، و لم نجد فيه نصاً من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يقع الكلام في حجّية تلك الشهرة الفتوائية وعدمها.
والظاهر (وفاقاً لبعض الأعلام)2 حجّية مثل هذه الشهرة، لأنّها تكشف عن وجود نص معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا حتى دعاهم إلى الإفتاء على مضمونه، إذ من البعيد أن يُفتي أقطاب الفقه بشيء بلا مستند شرعي و دليل معتدّ به، و قد حكى سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في

1 . وهنا ـ وراء الشهرة الفتوائية ـ شهرة روائية، وشهرة عملية أوضحنا حالهما في «الوسيط» الجزء الثاني فلاحظ .
2 . الأُستاذ السيد المحقق البروجردي في درسه الشريف.

صفحه 179
درسه الشريف أنّ في الفقه الإمامي مسائل كثيرة تلقّاها الأصحاب قديماً وحديثاً بالقبول و ليس لها دليل إلاّ الشهرة الفتوائية بين القدماء بحيث لو حذفنا الشهرة عن عداد الأدلّة، لأصبحت تلك المسائل، فتاوى فارغة مجرّدة عن الدليل.1

الفصل الثالث حجّية السنّة المحكية بالخبر الواحد

حجّية السنّة المحكية بالخبر الواحد

السنّة في مصطلح فقهاء أهل السنّة هي قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو فعله أو تقريره، ولكن المعصوم من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يجري قوله و فعله و تقريره عندنا مجرى قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و فعله و تقريره، و لأجل ذلك تطلق السنّة عند الإمامية على قول المعصوم و فعله و تقريره دون أن تختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وليس أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من رواة الحديث ورجاله وإن نسبوا الحديث أحياناً إلى جدّهم(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هم المنصوبون من اللّه تعالى على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لتبليغ الأحكام الواقعية، فقد رُزقوا من جانبه سبحانه علماً لصالح الأُمّة كما رزق مصاحب النبي موسى(عليهما السلام) علماً كذلك من دون أن يكون نبياً، قال سبحانه: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلِماً)(الكهف/65) . فعندهم علم الشريعة و إن لم يكونوا أنبياء ولا رسلاً.
ثمّ إنّ الخبر الحاكي للسنّة إمّا الخبر المتواتر، أو الخبر الواحد. ثمّ إنّ الخبر الواحد إمّا منقول بطرق متعددة من دون أن يبلغ حدّالتواتر فهو

1 . والأسف انّه(قدس سره) لم يشر إلى محالّ هذه المسائل ولعل قسماً منها في المواريث ويظهر ذلك لمن مارس مسائل هذا الباب.

صفحه 180
مستفيض وإلاّفغير مستفيض.
ولا شكّ في أنّ الخبر المتواتر يفيد العلم ولا كلام في حجّيته وإنّما الكلام في حجّية الخبر الواحد أعم من المستفيض وغيره.فقد اختلفت كلمة أصحابنا في ذلك المورد:
أ. ذهب الشيخ المفيد والسيد المرتضى والقاضي ابن البراج و الطبرسي وابن إدريس إلى عدم جواز العمل بالخبر الواحد في الشريعة.
ب. و ذهب الشيخ الطوسي1 و قاطبة المتأخّرين إلى حجّيته.
والمقصود في المقام إثبات حجّيته بالخصوص وفي الجملة، مقابل السلب الكلّي، و أمّا البحث عن سعة حجّيته فسنشير إليها بعد الفراغ عن الأدلّة.2
وقد استدلّوا على حجّيته بالأدلّة الأربعة:

1. الاستدلال بالكتاب العزيز

استدلّوا على حجّية الخبر الواحد بآيات:

1. آية النبأ

قال سبحانه: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ) (الحجرات/6).3

1 . لاحظ عدة الأُصول:1/338 من الطبعة الحديثة.
2 . راجع ص 187 قولنا: لكن الإمعان فيها....
3 . قال الطبرسي:نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحاً به ـ و كانت بينه و بينهم عداوة في الجاهلية ـ فظنّ انّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إنّـهم مَنعوا صدقاتهم ـ و كان الأمر بخلافه ـ فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و همّ أن يغزوهم، فنزلت الآية.لاحظ مجمع البيان:5/132.

صفحه 181
وقبل تقرير الاستدلال نشرح ألفاظ الآية:
1. التبيّن يستعمل لازماً ومتعدياً، فعلى الأوّل فهو بمعنى الظهور، قال سبحانه:(حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخيَطِ الأَسْوَد) (البقرة/187). وعلى الثاني فهو بمعنى طلب التثبت كقوله سبحانه: (إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلام لَسْتَ مُؤْمناً) (النساء/94) ومعناه في المقام تبيّنوا صدقَ الخبرو كذبه.
2. قوله: (أَن تصيبُوا قَوماً بِجهالة) علّة للتثبّت، و المقصود خشية أن تصيبوا قوماً بجهالة أو لئلاّ تصيبوا قوماً بجهالة.
3. الجهالة مأخوذة من الجهل، و هي الفعل الخارج عن إطار الحكمة والتعقّل.
وأمّا كيفية الاستدلال، فتارة يستدل بمفهوم الشرط، وأُخرى بمفهوم الوصف.و ربما يحصل الخلط بينهما، ففي تقرير الاستدلال بمفهوم الشرط ينصبّ البحث، على الشرط أي مجيء المخبر بالنبأ، دون عنوان الفاسق ، بخلاف الاستدلال بمفهوم الوصف حيث ينصبّ البحث على عنوان الفاسق مقابل العادل ففي إمكان الباحث جعل لفظ آخر مكان الفاسق عند تقرير الاستدلال بمفهوم الشرط لأجل صيانة الفكر عن الخلط، فنقول:

الأوّل: الاستدلال بمفهوم الشرط

إنّ الموضوع هو نبأ الفاسق، والشرط هو المجيء، والجزاء هو التبيّن والتثبّت، فكأنّه سبحانه قال: نبأ الفاسق ـ إن جاء به ـ فتبيّنه.

صفحه 182
ويكون مفهومه:نبأ الفاسق ـ إن لم يجئ به ـ فلا يجب التبيّـن عنه.
لكنَّ للشرط (عدم مجيء الفاسق) مصداقين:
عدم مجيء الفاسق والعادل فيكون عدم التبيّن لأجل عدم النبأ فيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
ب. مجيء العادل به فلا يتبيّن أيضاً فيكون عدم التبيّن من قبيل السالبة بانتفاء المحمول. أي النبأ موجود والمنفي هو المحمول، أعني: التثبّت.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ المفهوم عبارة عن سلب الحكم عن الموضوع الوارد في القضية حين انتفاء الشرط، لا سلبه عن موضوع آخر، لم يرد فيها، فالموضوع في المنطوق هو «نبأ الفاسق» فيجب أن يتوارد التثبّت منطوقاً وعدم التثبّت مفهوماً على ذلك الموضوع لا على موضوع آخر كنبأ العادل، وعندئذ ينحصر مفهومه في المصداق الأوّل و يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
وإن شئت قلت: إنّ الموضوع هو نبأ الفاسق فعند وجود الشرط، أعني: المجيء بالنبأ، يُتثبّت عنده، وعند عدم المجيء به لا يُتثبّت لعدم الموضوع، فخبر العادل لم يكن مذكوراً في المنطوق حتى يحكم عليه بشيء في المفهوم.

الثاني: الاستدلال بمفهوم الوصف

وطريقة الاستدلال به واضحة لأنّه سبحانه علّق وجوب التبيّن على كون المخبر فاسقاً، و هو يدل على عدم وجوب التبيّن في خبر العادل، مثل: «في الغنم السائمة زكاة» الدالّ على عدمها في المعلوفة.
وإذا لم يجب التثبت عند إخبا رالعادل، فإمّا أن يجب القبول و هو

صفحه 183
المطلوب أو الردّ فيلزم أن يكون خبر العادل أسوأ حالاً من خبر الفاسق، لأنّ خبر الفاسق يتبيّن عنه فيعمل به عند ظهور الصحّة، وأمّا خبر العادل فيترك، ولا يعمل به مطلقاً.
يلاحظ عليه : بما مرّ من عدم دلالة الجملة الوصفية على المفهوم. لاحتمال أن يكون للتبيين سبب آخر غير الفسق يكون قائماً مقامه عند عدم الفسق وهذا الاحتمال يكفي في الحكم بعدم المفهوم واستمرار حكم المنطوق. وإنّما خصّ الفاسق بالذكر مع كون الحكم أعم لعلّه لأجل التصريح بفسق الوليد.
2. آية النفر
قال سبحانه:(وَ ما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِروا كافّةً فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَومَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون)(التوبة/122).
تشيرالآية إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من تقسيم العمل بين الأفراد، إذ لولا ذلك لاختلّ النظام، ولا تشذ عن ذلك مسألة الإنذار و التعليم والتعلّم، فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافة لتحصيل أحكام الشريعة، ولكن لماذا لا ينفر من كلّ فرقة منهم طائفة لتعلّم الشريعة عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ينذروا قومهم عند الرجوع إليهم؟
وجه الاستدلال: انّه سبحانه أوجب الحذر على القوم عند رجوع الطائفة التي تعلّمت الشريعة وإنذارهم و المراد من الحذر هو الحذر العملي، أي ترتيب الأثر على قول المنذر .ثمّ إنّ إنذاره كما يتحقّق بصورة التواتر يتحقّق أيضاً بصورة إنذار بعضهم البعض، فلو كان التواتر أو حصول العلم

صفحه 184
شرطاً في الإنذار لأشارت إليه الآية، وإطلاقها يقتضي حجّية قول المنذر سواء أأنذر إنذاراً جَماعياً أم فردياً، وسواء أأفادا العلم أم لا.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية بصدد بيان أنّه لا يمكن نفر القوم برمّتهم، بل يجب نفر طائفة منهم، و أمّا كيفية الإنذار و انّه هل يجب أن يكون جَماعياً أو فردياً أو يكون مفيداً للعلم أو لا فليست الآية بصدد بيانها حتى يتمسّك بإطلاقها، و قد مرّفي مبحث المطلق و المقيد انّه يشترط في صحّة التمسّك بالإطلاق كون المتكلّم في مقام البيان.
ويشهد على ذلك انّ الآية لم تذكر الشرط اللازم، أعني: الوثاقة والعدالة عند انفراد المنذر، فكيف توصف بأنّها في مقام البيان؟!

3. آية الكتمان

قال سبحانه:(إِنَّ الّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون)(البقرة/159).
والاستدلال بها يشبه الاستدلال بآية النفر، فانّ وجوب الإظهار وتحريم الكتمان يستلزم وجوب القبول وإلاّ لغى وجوب الإظهار، نظير قوله سبحانه:(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)(البقرة/228) فإنّ حرمة كتمان النساء لما في أرحامهن يقتضي وجوب قبول قولهن و إلاّ لغى التحريم.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية في مقام إيجاب البيان على علماء أهل الكتاب لما أنزل اللّه سبحانه من البيّنات و الهدى، و من المعلوم أنّ إيجاب البيان بلا قبول أصلاً يستلزم كونه لغواً. أمّا إذا كان القبول مشروطاً بالتعدد أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي فلا تلزم اللغوية، و ليست الآية في مقام

صفحه 185
البيان من هذه الناحية كآية النفر ـ على ما مضى ـ حتى يتمسّك بإطلاقها.

4. آية السؤال

قال سبحانه: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكرِ إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُون) (النحل/43).
وجه الاستدلال على نحو ما مضى في آية الكتمان حيث إنّ إيجاب السؤال يلازم القبول و إلاّتلزم اللغوية.
يلاحظ عليه: أنّما تلزم اللغوية إذا لم يقبل قولهم مطلقاً، وأمّا على القول بقبول قولهم عند حصول العلم به أو وجود التعدّد في المجيب فلا تلزم، و ليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية حتى يتمسّك بإطلاقها، بل الآية ناظرة إلى قاعدة عقلائية مطّردة وهي رجوع الجاهل إلى العالم.

2. الاستدلال بالروايات

استدلّ القائلون بحجّية الخبر الواحد بروايات ادّعى في الوسائل تواترها يستفاد منها اعتباره إجمالاً، وهي على طوائف نذكر أهمّها:1

1 . ذكرها الشيخ الأنصاري في فرائده، و هي خمس طوائف نشير إليها على سبيل الإجمال:
الطائفة الأُولى: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الأخذ بحديث الأعدل و الأصدق والمشهور ثمّ التخيير.
الطائفة الثانية: ما ورد في إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الأئمّة على وجه يظهر فيه عدم الفرق في الإرجاع بين الفتوى و الرواية ومضت في المتن.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على الرجوع إلى الرواة الثقات، و هذا ماأشرنا إليه في المتن.
الطائفة الرابعة: ما دلّ على الترغيب في الرواية و الحث عليها و كتابتها و إبلاغها.
الطائفة الخامسة: ما دلّ على ذم الكذب عليهم و التحذير من الكذّابين.
ولولا أنّ الخبر الواحد حجّة لما كان لهذه الأخبار موضوع.

صفحه 186
وهي الأخبار الإرجاعيّة إلى آحاد الرواة الثقات من أصحابهم بحيث يظهر من تلك الطائفة انّ الكبرى (العمل بقول الثقة) كانت أمراً مفروغاً منه، وكان الحوار فيها بين الإمام والراوي حول تشخيص الصغرى وانّ الراوي هل هو ثقة أو لا؟ وإليك بعض ما يدلّ على ذلك:
1 روى الصدوق عن أبان بن عثمان أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له: «إنّ أبان بن تغلب قد روى عنّي روايات كثيرة، فما رواه لك فاروه عنّي».1
2. عن أبي بصير قال: إنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له في حديث: «لولا زرارة ونظراؤه، لظننت انّ أحاديث أبي ستذهب».2
3. عن يونس بن عمّار انّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له في حديث: «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، فلا يجوز لك أن تردّه».3
4. عن المفضل بن عمر ، انّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال للفيض بن المختار في حديث: «فإذا أردت حديثنا، فعليك بهذا الجالس» وأومأ إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين.4
5. روى القاسم بن علي التوقيع الشريف الصادر عن صاحب الزمان (عليه السلام)انّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا.5
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تورث اليقين بأنّ حجّية قول الثقة كان أمراً مفروغاً منه بينهم و لو كان هناك كلام، فإنّما كان في الراوي.

1 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
2 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 16.
3 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث17.
4 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19.
5 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.

صفحه 187
أنت إذا استقرأت الروايات التي جمعها الشيخ الحرّ العاملي في الباب الثامن من أبواب صفات القاضي والذي بعده، تقف على اتّفاق أصحاب الأئمّة على حجّية الخبر الواحد الذي يرويه الثقة، وهو ملموس من خلال روايات البابين.1
ثمّ إنّ ظواهر ما نقلناه من الروايات تدلّ على حجّية «قول الثقة» فلو كان المخبر ثقة، فخبره حجّة و إلاّ فلا و إن دلّت القرائن على صدوره من المعصوم.

العبرة بوثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية

لكن الإمعان فيها و في السيرة العقلائية ـ التي يأتي ذكرها ـ يعرب عن أنّ العناية بوثاقة الراوي في نقل الرواية لكونها طريقاً إلى الاطمئنان بصدورها من المعصوم، و لذلك لو كان الراوي ثقة و لكن دلّت القرائن المفيدة على خطئه و اشتباهه، لما اعتبره العقلاء حجّة، و هذه تشكِّل قرينة على أنّ العبرة في الواقع بالوثوق بالصدور لا على خصوص وثاقة الراوي، بل الاعتماد عليها لأجل استلزامها الوثوق بالصدور غالباً.
فتكون النتيجة حجّية الخبر الموثوق بصدوره سواء أكان المخبِر ثقة أم لا، نعم الأمارة العامة على الوثوق بالصدور، هو كون الراوي ثقة، و بذلك تتسع دائرة الحجّية، فلاحظ.

3. الاستدلال بالإجماع


1 . الوسائل:18، الباب 8 و9 من أبواب صفات القاضي، ص 52ـ89.

صفحه 188
نقل غير واحد من علمائنا كالشيخ الطوسي (385ـ460هـ) و من تأخّر عنه إلى يومنا هذا إجماعَ علماء الإمامية على حجّية الخبر الواحد إذا كان ثقة مأموناً في نقله و إن لم يُفِدْ خبره العلم، و في مقابل ذلك حكى جماعة أُخرى منهم ـ أُستاذ الشيخ ـ السيد المرتضى(رحمه الله)(355ـ436هـ) إجماع الإمامية على عدم الحجّية.
سؤال: إذا كان العمل بالخبر الواحد أمراً مجمعاً عليه كما ادّعاه الشيخ فلماذا أبدى السيد(رحمه الله) خلافه؟ وكيف يمكن الجمع بين هذين الإجماعين المنقولين؟
الجواب: انّ الشيخ الطوسي التفت إلى هذا السؤال وأجاب عنه بما حاصله: انّ مورد إجماع السيد، الخبر الواحد الذي يرويه مخالفوهم في الاعتقاد ويختصون بطريقه ومورد الإجماع الذي ادّعاه هو ما يكون الراوي من الإمامية وطريق الخبر أصحابهم فارتفع التعارض.

4. الاستدلال بالسيرة العقلائية

إذا تصفّحت حال العقلاء في سلوكهم، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بخبر الثقة في جميع الأزمان و الأدوار، و يتضح ذلك بملاحظة أمرين:
الأوّل: انّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن في أكثر الموضوعات أمر صعب.
الثاني: انّ خبر الثقة يورث الاطمئنان عند العرف على وجه يفيد سكوناً للنفس، خصوصاً إذا كان عدلاً.
و لو كانت السيرة أمراً غير مرضيّ للشارع كان عليه الردع.
ولم يكن عمل المسلمين بخبر الثقة إلاّ استلهاماً من تلك السيرة

صفحه 189
العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.
والحاصل: انّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً، لكان على الشارع أن ينهى عنه و ينبّه الغافل و يُفهم الجاهل. فإذا لم يردع كشف ذلك عن رضاه بتلك السيرة و موافقته لها.
فالاستدلال بسيرة العقلاء على حجّية الخبر الواحد من أفضل الأدلّة التي لاسبيل للنقاش فيها، فانّ ثبوت تلك السيرة و كشفها عن رضا الشارع ممّا لاشكّ فيه.
سؤال: ربما يقال انّ الآيات الناهية عن اتّباع الظن كافية في ردع تلك السيرة كقوله سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُونَ)(الأنعام/116)و قوله سبحانه:(إِنَّ الّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى* وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنّ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً)(النجم/27ـ28).
والجواب: انّ المراد من الظن في الآيات الناهية ترجيح أحد الطرفين استناداً إلى الخرص والتخمين كما قال سبحانه:(إِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُونَ) و يشهد بذلك مورد الآية من تسمية الملائكة أُنثى، فكانوا يُرجّحون أحدَ الطرفين بأمارات ظنية وتخمينات باطلة، فلا يستندون في قضائهم لا إلى الحس ولا إلى العقل بل إلى الهوى و الخيال، وأين هذا من قول الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره الذي يرجع إلى الحس و تدور عليه رحى الحياة و يجلب الاطمئنان والثبات؟!

صفحه 190

الفصل الرابع الكلام في الإجماع

الكلام في الإجماع

الإجماع في اللغة هو الاتّفاق، قال سبحانه:(فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الجُبّ) (يوسف/15). وأمّا في الاصطلاح اتفاق علماء عصر واحد على حكم شرعيّ.فإذا أحرزه المجتهد يسمّى إجماعاً محصّلاً لنفسه وإذا نقله إلى الآخرين يكون إجماعاً منقولاً بالنسبة إليهم فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الإجماع المحصّل عند السنّة و الشيعة

اتّفق الأُصوليون على حجّية الإجماع على وجه الإجمال، و لكنّه عند أهل السنّة يعدّ من مصادر التشريع فالإجماع عندهم في عداد الكتاب والسنة.
وأمّا الشيعة، فتقول بانحصار الدليل في الكتاب والسنّة والعقل، وأمّا الاتّفاق فلا يُضفي عندهم على الحكم صبغةَ الشرعيّة ولا يؤثر في ذلك أبداً غاية الأمر انّ المستند لو كان معلوماً فالإجماع مدركي وليس بكاشف لا عن قول المعصوم ولا عن دليل معتبر لم يصل إلينا، لا يزيد اتّفاقهم شيئاً. وأمّا إذا كان المستند غير معلوم، فربما يكشف إجماعهم عن قول المعصوم واتّفاقه

صفحه 191
معهم، كما إذا اتّفق الإجماع في عصر حضور المعصوم. وربما يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إلى المجمعين و لم يصل إلينا، كما إذا اتفق في الغيبة الصغرى وأوائل الكبرى إذ من البعيد أن يتّفق المجتهدون على حكم بلا مستند شرعي.وعلى كلا التقديرين
فالإجماع بما هو هو ليس بحجّة، و إنّما هو كاشف عن الحجّة، وسيوافيك تفصيله.
حجّية الإجماع المحصل عند الإمامية
قد عرفت أنّ الأُمّة مع قطع النظر عن الإمام المعصوم غير معصومة من الخطأ في الأحكام، وأقصى ما يمكن أن يقال إنّ الإجماع الذي حصّله المجتهد بنفسه عن طريق التتبع، يكشف عن قول المعصوم أو الحجّة الشرعية التي اعتمدت عليها الأُمّة، و الثاني أمر معقول و مقبول في عصر الغيبة غير أنّ كشف اتّفاقهم عن الدليل يتصوّر على وجوه ذكرها الأُصوليون في كتبهم.1
أوجهها : أنّ اتّفاق الأُمّة مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل يُعْرِب عن أنّ الاتّفاق كان مستنداً إلى دليل قطعي لا عن اختراع للرأي من تلقاء أنفسهم نظير اتّفاق سائر ذوي الآراء و المذاهب.
وبعبارة أُخرى: أنّ فتوى كلّ فقيه و إن كانت تفيد الظن و لو بأدنى مرتبة

1 . لاحظ «كشف القناع عن وجه حجّية الإجماع» للعلاّمة التستري، فقد ذكر فيه اثني عشر طريقاً إلى كشف الإجماع عن الدليل، و نقلها المحقّق الآشتياني في تعليقته على الفرائد. لاحظ ص 122ـ 125.

صفحه 192
إلاّ أنّها تتقوّى بفتوى فقيه ثان، فثالث إلى أن يحصل اليقين بأنّ فتوى الجميع كانت مستندة إلى الحجّة، إذ من البعيد أن لا يستند الجميع إلى دليل شرعي صالح للافتاء.
وبالجملة ملاحظة إطباقهم في الإفتاء على عدم العمل إلاّبالنصوص دون المقاييس يورث القطع بوجود حجّة في البين وصلت إليهم و لم تصل إلينا.1

المقام الثاني : الإجماع المنقول بالخبر الواحد

والمراد هو الاتّفاق الذي لم يحصِّله الفقيه بنفسه و إنّما ينقله غيره من الفقهاء واختلفوا في حجّيته على أقوال:
القول الأوّل: إنّه حجّة مطلقاً، لأنّ المفروض أنّ الناقل ثقة و ينقل الحجّة أي الاتّفاق الملازم لوجود دليل معتبر، فيشمله أدلّة حجّية الخبر الواحد.
القول الثاني: إنّه ليس بحجّة مطلقاً، و ذلك لأنّ الخبر الواحد حجّة
فيما إذا كان المخبَر به أمراًحسّياً أو كانت مقدّماته أُموراً حسّية،
كالإخبار بالعدالة النفسانية إذا شاهد منه التورّعَ عن المحرّمات، أو الإخبار بالشجاعة إذا شاهد قتاله مع الأبطال، و أمّا إذا كان المخبَر به أمراً
حدسياً محضاً لا حسّياً و لم تكن له مقدّمات حسّية، فالخبر الواحد

1 . وعلى ذلك يكون الإجماع المحصل من الأدلة المفيدة للقطع بوجود الحجة، الخارج عن تحت الظنون موضوعاً و تخصّصاً، و قد تناولناه بالبحث للإشارة إلى الأدلّة الأربعة ،و المناسب للبحث في المقام هو الإجماع المنقول بالخبر الواحد.

صفحه 193
ليس بحجّة فيه.
فالناقل للإجماع ينقل أقوال العلماء و هي بنفسها ليست حكماً شرعياً ولا موضوعاً ذا أثر شرعي، وأمّا الحجّة، أعني: رأي المعصوم، فإنّما ينقله عن حدس لا عن حس بزعم انّ اتّفاق هؤلاء يلازم رأي المعصوم، و الخبر الواحد حجّة في مورد الحسيّات لا الحدسيات إلاّ ما خرج بالدليل كقول المقوِّم في أرش المعيب.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كانت هناك ملازمة بين أقوال العلماء و الحجّة الشرعية، فلماذا لا يكون نقل السبب الحسي دليلاً على وجود المسبب و قد تقدّم انّ نقل الأُمور الحدسية إذا استند الناقل في نقلها إلى أسباب حسية، هو حجّة كما في وصف الرجل بالعدالة والشجاعة.
وأمّا عدم حجّية الخبر الواحد في الأُمور الحدسية، فإنّما يراد منه الحدسيّ المحض كتنبّؤات المنجمين لا في مثل المقام الذي يرجع واقعه إلى الاستدلال بالسبب الحسّي على وجود المسبب.
القول الثالث: إنّه ليس بحجّة إلاّإذا كان ناقل الإجماع معروفاً بالتتبّع على وجه علم أنّه قد وقف على آراء العلماء المتقدّمين و المتأخّرين على نحو يكون ما استحصله من الآراء ملازماً عادة للدليل المعتبر أو لقول المعصوم.
غير أنّ الذي يوهن الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهية، وجود التساهل في نقل الإجماع، فربما يدّعون الإجماع بعد الوقوف على آراء محدودة غير ملازمة لوجود دليل معتبر، بل ربما يدّعون الإجماع لوجود الخبر.

صفحه 194
نعم لو كان الناقل واسع الباع محيطاً بالكتب و الآراء، باذلاً جهوده في تحصيل الأقوال في المسألة و كانت نفسُ المسألة من المسائل المعنونة في العصور المتقدّمة، فربما يكشف تتبعه عن وجود دليل معتبر. وليس بين نقلة الإجماع من له هذا الوصف إلاّ النادر كالسيد محمد جواد العاملي(قدس سره)(المتوفّى 1226هـ) في كتابه«مفتاح الكرامة»، فلاحظ.

صفحه 195

الفصل الخامس حجّية قول اللغوي

حجّية قول اللغوي

إنّ لإثبات الظهور طرقاً ذكرناها في محلّها1 بقي الكلام في حجّية قول اللغوي في إثباته وتعيين الموضوع له، و قد استدلّ جمع من العلماء على حجّية قول اللغوي بأنّ الرجوع إلى قول اللغوي من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، و لا إشكال في حجّية قول أهل الخبرة فيما هم خبرة فيه.
أُشكل عليه: بأنّ الكبرى ـ و هي حجّية قول أهل الخبرة ـ مسلّمة، إنّما الكلام في الصغرى وهي كون اللغوي خبيراً في تعيين الموضوع له، وبالتالي في تعيين المعنى الحقيقي عن المجازي، مع أنّ ديدن اللغويين في كتبهم ذكر المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها، سواء أكان معنى حقيقياً أم مجازياً.
و لكن يمكن أن يقال: أنّ أكثر المعاجم اللغوية و إن كانت على ما وصف، و لكن بعضها أُلِّف لغاية تمييز المعنى الأصلي عن المعنى الذي استعمل فيه بمناسبة بينه و بين المعنى الأصلي، و هذا كالمقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395هـ) فقد قام ببراعة خاصة بعرض أُصول المعاني و تمييزها عن فروعها و مشتقاتها، و مثله كتاب أساس البلاغة

1 . راجع مقدّمة الكتاب، بحثَ علائم الحقيقة والمجاز، ص 17.

صفحه 196
للزمخشري (المتوفّى538هـ).
و من سبر في الأدب العربي يجد أنّ سيرة المسلمين قد انعقدت على الرجوع إلى الخبرة من أهل اللغة في معاني الألفاظ الّذين يعرفون أُصول المعاني عن فروعها وحقائقها عن مجازاتها. وقد كان ابن عباس مرجعاً كبيراً في تفسير لغات القرآن.1
على أنّ الإنسان إذا ألِفَ بالمعاجم الموجودة، استطاع أن يميز المعاني الأصلية عن المعاني الفرعية المشتقة منها، ولا يتم ذلك إلاّ مع قريحة أدبية و أُنس باللغة والأدب. نعم تكون الحجة عند ذلك هو قطعه ويقينه لا قول اللغويّ.
***
إلى هنا انتهينا من دراسة الحجج الشرعية الأربعة:ـ الكتاب و السنّة والإجماع و العقل ـ و هي أدلّة اجتهادية تتكفّل لبيان الأحكام الشرعية الواقعية .
وحان حين البحث عن الأُصول العمليّة التي ينتهي إليه المجتهد بعد اليأس عن الأدلة الاجتهادية.

1 . راجع الاتقان لجلال الدين السيوطي:2/324، ط الاستقامة.

صفحه 197
المقصد السابع
الأُصول العملية
وفيه فصول:
   الفصل الأوّل: في أصالة البراءة .
   الفصل الثاني: في أصالة التخيير .
   الفصل الثالث: في أصالة الاحتياط.
   الفصل الرابع: في أصالة الاستصحاب.

صفحه 198

صفحه 199
الأُصول العملية

الأُصول العملية

قد عرفت أنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي إمّا يحصل له القطع أو الظن أو الشكّ، و قد فرغنا عن حكم القطع والظنّ(الحجج الشرعية) وحان حين البحث عن حكم الشكّ.
ولا يخفى أنّ المستنبط إنّما ينتهي إلى «الأُصول العملية» إذا لم يكن هناك دليل قطعي، كالخبر المتواتر; أو دليل علمي، كالظنون المعتبرة التي دلّ على حجّيتها الدليل القطعي، وتسمّى بالأمارات و الأدلّة الاجتهادية، كما تسمّى الأُصول العملية بالأدلّة الفقاهية.
وبذلك تقف على ترتيب الأدلّة في مقام الاستنباط، فالمفيد لليقين هو الدليل المقدّم على كلّ دليل، يعقّبه الدليل الاجتهادي، ثمّ الأصل العملي.
إنّ الأُصول العملية المعتبرة و إن كانت كثيرة، لكن أكثرها مختص بباب دون باب، كأصل الطهارة المختص بباب الطهارة، أو أصل الحلّية المختص بباب الشك في خصوص الحلال و الحرام، أو أصالة الصحّة المختصة بعمل صدر عن الشخص و شكّ في صحّته و فساده، وأمّا الأُصول العملية العامة التي يتمسك بها المستنبط في جميع أبواب الفقه فهي أربعة تعرف ببيان مجاريها.

صفحه 200
لأنّ الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، و على الثاني إمّا أن يكون الشكّ في أصل التكليف أو لا، و على الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى البراءة، و الثالث مجرى الاحتياط، والرابع مجرى التخيير.

توضيحه

1. إذا شكّ المكلّف في حكم أو موضوع كان على يقين منه في السابق، كما إذا كان على طهارة ثمّ شكّ في ارتفاعها، فبما أنّ الحالة السابقة ملحوظة غير ملغاة تكون مجرى للاستصحاب على الشروط المقرّرة في محلّها.
2. إذا لم تكن الحالة السابقة ملحوظة، و تعلّق الشكّ بأصل التكليف كما إذا شكّ في حرمة التدخين; فهي مجرى البراءة.
3. إذا لم تكن الحالة السابقة ملحوظة، وعلم بأصل التكليف و لكن شكّ في متعلّقه، و كان الاحتياط ممكناً، كما إذا علم بوجوب الصلاة يوم الجمعة وتردّدت بين الظهر والجمعة، أو علم بوجود النجاسة و تردّد بين الإناءين; فهي مجرى الاحتياط.
4. إذا لم تكن الحالة السابقة ملحوظة، وعلم بأصل التكليف، وكان الاحتياط غير ممكن، فتارة يكون نوع التكليف معلوماً كما إذا علم انّ أحد الفعلين واجب والآخر محرّم واشتبه أحدهما بالآخر فهو مجرى التخيير فيجب إتيان أحدهما وترك الآخر مخيّراً وأُخرى يكون مجهولاً كما إذا دار حكم فعل بين الوجوب والحرمة.1

1 . وبذلك علم انّ مجرى التخيير أعمّ يجري في الشك في المكلّف به كما في المثال الأوّل والشكّ في التكليف كما في المثال الثاني.

صفحه 201
و لنقدم البحث عن البراءة أوّلاً، ثمّ التخيير، ثمّ الاحتياط، ثمّ الاستصحاب، حفظاً للنهج الدارج في الكتب الأُصولية.

الفصل الأوّل أصالة البراءة

أصالة البراءة

قد تقدّم انّ مجرى أصالة البراءة هو الشكّ في أصل التكليف وهو على أقسام:
لأنّ الشكّ تارة يتعلّق بالحكم، أي يكون أصل الحكم مشكوكاً، كالشك في حكم التدخين هل هوحرام أو لا؟ أو الدعاء عند رؤية الهلال هل هو واجب أو لا ويسمى بالشّبهة الحكمية.
و أُخرى يتعلّق الشكّ بالموضوع بمعنى أنّ الحكم معلوم، ولكن تعلّق الشكّ بمصاديق الموضوع، كالمائع المردّد بين كونه خمراً أو خلاً.ويسمّى بالشبهة الموضوعية.
ثمّ إنّ منشأ الشك في الشبهة الحكمية إمّا فقدان النصّ أو إجماله أو تعارض النصّين.
ومنشأ الشك في الشبهة الموضوعية خلط الأُمور الخارجية. حتّى اشتبه عليه الخمر والخلّ.
والشبهة بقسميها تنقسم إلى: تحريمية ووجوبية:
أمّا التحريمية، فأُريد بها ما إذا احتُمِلَتْ حرمةُ الشيء مع العلم بأنّه غير واجب، فيدور أمره بين الحرمة، و الإباحة، أو الكراهة، أو الاستحباب; كالتدخين الدائر أمره بين الحرمة والإباحة.

صفحه 202
وأمّا الوجوبية، فالمراد منها هي ما إذا احتمل وجوبه مع العلم بأنّه غير محرّم، فيدور أمره بين الوجوب، و الاستحباب; أو الإباحة، أو الكراهة، كالدعاء عند رؤية الهلال الدائر أمره بين الوجوب والاستحباب.
و على ذلك يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الشبهة التحريمية و فيها مسائل أربع:

أ. الشبهة الحكمية التحريمية لأجل فقدان النص.
ب. الشبهة الحكمية التحريمية لأجل إجمال النص.
ج. الشبهة الحكمية التحريمية لأجل تعارض النصّين.
د. الشبهة الموضوعية التحريمية لأجل خلط الأُمور الخارجية.
و إليك الكلام في هذه المسائل، الواحدة تلو الأُخرى.

المسألة الأُولى: في الشبهة الحكمية التحريمية لأجل فقدان النص

إذا شكّ في حرمة شيء لأجل عدم النصّ عليها في الشريعة فقد ذهب الأُصوليّون إلى البراءة و الأخباريون إلى الاحتياط .واستدلّ الأُصوليّون بالكتاب والسنّة والعقل نذكر المهمّ منها:

1. التعذيب فرع البيان

قال سبحانه: (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ ما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(الإسراء/15).
علّق سبحانه التعذيب على بعث الرسول وهو كناية عن البيان الواصل إلى المكلّف، لأنّه لو بَعَثَ الرسول و لم يكن هناك بيان، أو كان هناك بيان و لم

صفحه 203
يصل إلى المكلّف، لما صحّ التعذيب ولَقَبُحَ عقابُه، فالدافع لقبح العقاب هو البيان الواصل بمعنى وجوده في مظانّه على وجه لو تفحّص عنه المكلّف لعثر عليه.
والمفروض أنّ المجتهد تفحص في مظانّ الحكم و لم يعثر على شيء يدلّ على الحرمة، فينطبق عليه مفاد الآية، و هو أنّ التعذيب فرعُ البيان الواصل و المفروض عدم التالي فيكون المقدم غير محقق.

2. حديث الرفع

روى الصدوق بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان،و ما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة».1
تقرير الاستدلال يتوقف على ذكر أمرين:
الأوّل: انّ لفظة «ما» في قوله:«ما لا يعلمون» موصولة تعمّ الحكم و الموضوع المجهولين، لوضوح انّه إذا جهل المكلّف بحكم التدخين، أو جهل بكون المايع الفلاني خلاًّ أو خمراً صدق على كلّ منهما أنّه من «مالا يعلمون» فيكون الحديث عاماً حجّة في الشبهة الحكمية و الموضوعية معاً.
الثاني: انّ الرفع ينقسم إلى تكويني ـ و هو واضح ـ و تشريعي، أريد به نسبة الرفع إلى الشيء بالعناية و المجاز، باعتبار رفع آثاره كقوله (عليه السلام):«لا شكّ لكثير الشكّ» و من المعلوم أنّ المرفوع ليس هو نفس « الشك» لوجوده،

1 . الخصال:417، باب التسعة، الحديث 9.

صفحه 204
وإنّما المرفوع هو آثاره فيبني على الإتيان لكن لا تجب عليه صلاة الاحتياط، وهذا صار سبباً لنسبة الرفع إلى ذات الشكّ، و نظيره حديث الرفع، فانّ نسبة الرفع إلى الأُمور التسعة نسبة ادّعائية بشهادة وجود الخطأ و النسيان و ما عطف عليه في الحديث، بكثرة بين الأُمّة، و لكن لمّا كانت الموضوعات المذكورة مسلوبة الآثار صحّت نسبة الرفع إلى ذاتها باعتبار عدم آثارها.
فحينئذ يقع الكلام في تعيين ما هو الأثر المسلوب الذي صار مصحِّحاً لنسبة الرفع إليها، أهو جميع الآثار كما هو الظاهر أو خصوص المؤاخذة أو الأثر المناسب لكلّ واحد من تلك الفقرات، كالمضرّة في الطيرة، والكفر في الوسوسة و المؤاخذة في أكثرها؟ و على جميع الوجوه والأقوال فالمؤاخذة مرتفعة و هو معنى البراءة.
نعم، انّ مقتضى الحديث هو رفع كلّ أثر مترتب على المجهول إلاّ الآثار الوضعية، كنجاسة الملاقي فيما إذا شرب المائع المشكوك فبان انّه خمر، فلا ترتفع نجاسة كلّ ما لاقى الخمرَ بضرورة الفقه على عدم ارتفاع مثل هذه الآثار.

اختصاص الحديث بما يكون الرفع منّة على الأُمّة

إنّ حديث الرفع، حديث منّة و امتنان كما يعرب عنه قوله:«رفع عن أُمّتي» أي دون سائر الأُمم، و على ذلك يختص الرفع بالأثر الذي يكون في رفعه منّة على الأُمّة(لا الفرد الخاص)، فلا يعم ما لا يكون رفعه منّة لهم، كما في الموارد التالية:
1. إذا أتلف مال الغير عن جهل و نسيان، فهو ضامن، لأنّ الحكم بعدم الغرامة على خلاف المنّة.

صفحه 205
2. إذا أكره الحاكمُ المحتكرَ في عام المجاعة على البيع، فالبيع المكره يقع صحيحاً ولا يعمّه قوله:«وما أُكرهوا عليه» لأنّ شموله للمقام و الحكم برفع الصحة وببطلان البيع على خلاف المنّة.
3. إذا أكره الحاكمُ المديون على قضاء دينه و كان متمكّناً، فلا يعمّه قوله:«وما أُكرهوا» لأنّ شموله على خلاف الامتنان.

3. مرسلة الصدوق

روى الصدوق مرسلاً في «الفقيه» و قال: قال الصادق (عليه السلام) : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي».1
فقد دلّ الحديث على أنّ الأصل في كلّ شيء هو الإطلاق حتى يرد فيه النهي بعنوانه، كأن يقول: الخمر حرام، أو الرشوة حرام، فما لم يرد النهي عن الشيء بعنوانه يكون محكوماً بالإطلاق والإرسال، وبما أنّ التدخين مثلاً لم يرد فيه النهي فهو مطلق. وأُريد من الورود، الوصول إلى المكلف الفاحص عن الدليل.

4. الاستدلال بالعقل

إنّ صحّة احتجاج الآمر على المأمور من آثار التكليف الواصل و لا يصحّ الاحتجاج بالتكليف غير الواصل أبداً بل يُعدّ العذاب معه ظلماً و قبيحاً من المولى الحكيم، و هذا ممّا يستقل به العقل، و يعد العقاب بلا بيان واصل أمراً قبيحاً لا يصدر عن الحكيم.
وقياس الاستدلال بالشكل التالي:

1 . الوسائل:18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

صفحه 206
العقاب على محتمل التكليف عقاب بلا بيان ـ بعد الفحص التام و عدم العثور عليه.
والعقاب بلا بيان يمتنع صدوره عن المولى الحكيم.
فينتج: العقاب على محتمل التكليف يمتنع صدوره من المولى الحكيم.

التعارض بين القاعدتين

سؤال: هنا قاعدة عقلية أُخرى هي على طرف النقيض من هذه القاعدة العقلية، و هي:
أنّ العقل يفرِّق بين الضرر الدنيوي المحتمل فلا يحكم بوجوب دفعه إلاّ إذا كان خطيراً لا يتحمّل. والضرر الأُخروي الذي هو كناية عن العقاب الأُخروي فيُؤكِّد العقل على وجوب دفعه و يستقلّ به، فلا يرخّص استعمال شيء، فيه احتمال العقوبة الأُخروية، ولو احتمالاً ضعيفاً، و على ذلك فيمكن للقائل بالاحتياط أن يُعارض القاعدة الأُولى بقاعدة أُخرى، و هي قاعدة «وجوب دفع الضرر المحتمل» بالبيان التالي:
احتمال الحرمـة ـ في مورد الشبهـة البدوية ـ يلازم احتمال الضرر الأُخروي، وهو بدوره واجب الدفع و إن كان احتماله ضعيفاً، و عندئذ يحكم العقل بلزوم الاحتياط بترك ارتكاب محتمل الضرر لذلك المحذور.
و إن أردت صبَّه في قالب القياس المنطقي المؤلف من الصغرى و الكبرى فتقول:
الشبهة البدوية التحريمية فيها ضرر محتمل، و كلّ ما فيه ضرر محتمل يلزم تركه.

صفحه 207
فينتج: الشبهة البدوية التحريمية يلزم تركها، فينتج لزوم الاحتياط، وعندئذ يقع التعارض بين القاعدتين العقليتين، فمن جانب يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فيرخِّص بالارتكاب، و من جانب آخر يحكم بدفع الضرر الأُخروي المحتمل فيمنع من الارتكاب.

الجواب

إنّ الصغرى في القاعدة الثانية غير محرزة، إذ المراد من الصغرى هو احتمال الضرر(العقاب) في ارتكاب الشبهة البدوية، فيجب أن يكون لاحتماله منشاء عقلائيّاً، والمفروض انتفاؤه، لأنّ احتمال العقاب ناشئ من الأُمور التالية:
1. صدور البيان عن المولى ووصوله إلى العبد.
2. التمسك بالبراءة قبل الفحص .
3. كون العقاب بلا بيان أمراً غير قبيح.
4. كون المولى شخصاً غير حكيم أو غير عادل.
وكلّها منتفية في المقام ،فاحتمال العقاب الذي هو الصغرى في القاعدة الثانية غير موجود، و مع انتفائه كيف يمكن الاحتجاج بالكبرى وحدها؟ مع أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ مع إحراز الصغرى.

صفحه 208
أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية التحريميّة

أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط

في الشبهة الحكمية التحريميّة

استدلّ الأخباريون بآيات وروايات، ودليل العقل فلنذكر كلاًّ تلو الآخر:

الاستدلال بالكتاب

الآيات الآمرة بالتقوى حق تقاته، قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران/102).1
وجه الاستدلال: أنّ اجتناب محتمل الحرمة يعدّ من التقوى، و كلّ ما يعدّ منها فهو واجب بحكم انّ الأمر في (اتَّقُوا اللّهَ) دالّ على الوجوب، فينتج أنّ اجتناب محتمل الحرمة واجب.
يلاحظ عليه: أنّ كليّة الكبرى ممنوعة، أي ليس كلُّ ما يعدّمن التقوى أمراً واجباً، و ذلك لأنّ التقوى تستعمل تارة في مقابل الفجور و لا شكّ في وجوب مثلها بعامة مراتبها، مثل قوله:(أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجّار )(ص/28) وقوله:(فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقواها) (الشمس/8) و قد تطلق و يراد منها ما يعم القيام بكلّ مرغوب فيه من الواجب والمستحب، و التحرّز عن كلّ مرغوب

1 . لاحظ الآية السادسة عشرة من سورة التغابن.

صفحه 209
عنه من حرام و مكروه مثل قوله سبحانه: (وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَالزّادِ التَّقْوى)(البقرة/197) ففي مثل ذلك تكون التقوى واجبة، لكن ببعض مراتبها لا بكلّ مراتبها، و يحمل الأمر في (تَزَوَّدُوا) على الاستحباب كالآية التي استدلّ بها في المقام. فانّ الاتقاء بقدر الوسع والطاقة ليس أمراً واجباً بالضرورة وإلاّ لعادت المستحبات أمراً واجباً.

الاستدلال بالسنّة

استدلّ الأخباريون بطوائف من الروايات:

الأُولى: حرمة الإفتاء بلا علم

دلّت طائفة من الروايات على حرمة القول و الإفتاء بغير علم، أو الإفتاء بما لم يدلّ دليل على حجّيته كالقياس والاستحسان، كصحيحة هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: «أن يقولوا
ما يعلمون، ويكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه
حقّه».1
وبهذا المضمون روايات كثيرة في نفس الباب.
يلاحظ عليه: بانّ الإفتاء بعدم الحرمة الواقعية في مورد الشبهة يُعدّ قولاً بلا علم، و هذا ممّا يحترز عنه الأُصوليّون.
وأمّا القول بعدم المنع ظاهراً، حتى يعلم الواقع مستنداً إلى الأدلّة الشرعيّة والعقلية، فليس قولاً بلا علم وهو نفس ما يقصده الأُصولي.

1 . الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، و بهذا المضمون الحديث 19و 54 و مثله ما دلّ على لزوم الكف عمّا لا يعلم، كالحديث 4و32.

صفحه 210

الثانية: ما ورد من الأمر بالاحتياط قبل الفحص

روى عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجلين أصابا صيداً و هما محرمان، الجزاء بينهما، أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ قال: «لا، بل عليهما أن يجزى كلّ واحد منهما الصيد»، قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه؟ فقال:« إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا».1
يلاحظ عليه: إنّ هذه الرواية ناظرة إلى الاحتياط قبل الفحص، وهي خارجة عن مورد الكلام، و إنّما الكلام فيما إذا فحص عن دليل الحرمة في مظانه و لم يعثر على شيء، مضافاً إلى انّ موردها الشبهة الوجوبية لا التحريمية التي هي موضع بحثنا.

الثالثة: لزوم الوقوف عند الشبهة

هناك روايات تدلّ على لزوم الوقوف عند الشبهة، وأنّه خيرٌ من الاقتحام في الهلكة، و إليك بعض ما يدلّ على ذلك:
1. روى داود بن فرقد، عن أبي شيبة، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة».2
2. روى مسعدة بن زياد، عن جعفر (عليه السلام)، عن آبائه، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة، وقفوا عند الشبهة، فإنّ الوقوف عند

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 1، و بهذا المضمون الأحاديث 3 و23 و29 و31 و43.
2 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.

صفحه 211
الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة».1
3. روى في «الذكرى»، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».2
يلاحظ على الاستدلال بهذه الطائفة من الأحاديث أنّها إمّا راجعة إلى الشبهة المحصورة التي يعلم بوجود الحرمة فيها ويجب فيها الاحتياط اجماعاً وذلك بقرينة «الهلكة»، كما في الحديث الأوّل.
أو راجعة إلى الشبهة البدويّة الموضوعيّة، التي لم يقل أحد بالاحتياط فيها حتى الأخباريين كما في الحديث الثاني، وكلامنا في الشبهة البدويّة الحكمية.
أو محمولة على الاستحباب كما في الحديث الأخير.

الرابعة: حديث التثليث

إنّ أقوى حجّة للأخباريين هو حديث التثليث الوارد في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي(عليه السلام) ، رواه عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، في حديث قال: «إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتَّبع، وأمر بيّن غيّه فيُجْتَنب، وأمر مشكل يُردّ علمه إلى اللّه و رسوله».
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «حلال بيّن، وحرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و مَن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم».

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15.
2 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 38.

صفحه 212
ثمّ قال في آخر الحديث: «فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات».
وجه الاستدلال: إنّ مورد التثليث الوارد في كلام الإمام(أبي عبد الله) هو الشبهات الحكميّة، وحاصل التثليث أنّ ما يبتلى به المكلّف إمّا بيّن رشده فيُتَّبع، و إمّا بيّن غيّه فيُجتنب، وامّا الأمر المشكل فلا يفتي بما لا يعلم حتى يرجع حكمه إلى اللّه.
الجواب: انّ التثليث في كلام الإمام ينسجم مع الطائفة الأُولى من حرمة الإفتاء بغير علم، والجواب عنه نفس الجواب عنها.
وأمّا التثليث في كلام الرسول، فموردها الشبهات الموضوعيّة التي يُقطع بوجود الحرام فيها، و هي تنطبق على الشبهة المحصورة، حيث إنّ ظاهر الحديث أنّ هناك حلالاً بيّناً، وحراماً بيّناً، و شبهات بين ذلك، على وجه لو ترك الشبهات نجا من المحرمات، و لو أخذ بها ارتكب المحرمات، و هلك من حيث لا يعلم وما هذا شأنه فهو خارج عن الشبهة البدويّة التي هي محل النزاع، ومنطبق على الشبهة المحصورة.
وإن شئت قلت: إنّ الرواية ظاهرة فيما إذا كانت الهلكة محرزة مع قطع النظر عن حديث التثليث، وكان اجتناب الشبهة أو اقترافها ملازماً لاجتناب المحرمات وا قترافها، حتى يصحّ أن يقال: «فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات» و ما هذا شأنه لا ينطبق إلاّ على الشبهة المحصورة لا الشبهة البدوية التي لا علم فيها أصلاً بالمحرمات.
وأنت إذا استقصيت روايات الباب تقف على أنّ أكثرها لا مساس لها

صفحه 213
بمورد البراءة، و ما لها مساس محمول إمّا على الاستحباب، أو التورّع الكثير.

الاستدلال بالعقل

نعلم إجمالاً ـ قبل مراجعة الأدلّة ـ بوجود محرمات كثيرة في الشريعة التي يجب الخروج عن عهدتها بمقتضى قوله سبحانه:(وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا)(الحشر/7).
وبعد مراجعة الأدلّة نقف على وجود محرمات في الشريعة بيّنها الكتاب والسنّة، و لكن نحتمل وجود محرمات أُخرى بيّنها الشارع و لم تصل إلينا، فمقتضى منجزيّة العلم الإجمالي، هو الاجتناب عن كلّ ما نحتمل حرمته إذا لم يكن هناك دليل على حلّيته، حتى نعلم بالخروج عن عهدة التكليف القطعي، شأن كلّ شبهة محصورة.
يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي إنّما ينجِّز إذا بقي على حاله، و أمّا إذا انحلّ إلى علم تفصيلي وشك بدوي، فلا يكون منجزاً و يكون المشكوك مورداً للبراءة، مثلاً إذا علم بغصبية أحد المالين مع احتمال غصبيتهما معاً، فإذا قامت البيّنة على غصبيّة أحدهما المعيّـن، انحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بالحرمة و هو ما قامت البيّنة على غصبيته، وشك بدوي و هو المال الآخر الذي يُحتمل أيضاً غصبيّته.
ومثله المقام إذ فيه علمان:
أحدهما: العلم الإجمالي بوجود محرّمات في الشريعة والتي أُشير إليها في الآية المتقدمة .
ثانيهما: العلم التفصيلي بمحرمات واردة في الطرق و الأمارات والأُصول المثبتة للتكليف كاستصحاب الحرمة. على وجه لو عزلنا موارد

صفحه 214
العلم التفصيلي عن موارد العلم الإجمالي، لما كان فيها علم بالمحرّمات بل تكون الحرمة أمراً محتملاً تقع مجرى للبراءة.
وعلى ضوء ما ذكرنا، فالعلم الإجمالي بالمحرمات المتيقنة ينحلّ إلى علم تفصيلي بمحرمات ثبتت بالطرق و الأُصول المثبتة للتكليف، و إلى شك بدوي محتمل الحرمة، وفي مثل ذلك ينتفي العلم الإجمالي فلا يكون مؤثراً، و تكون البراءة هي الحاكمة في مورد الشبهات.

المسألة الثانية: الشبهة الحكمية التحريمية لإجمال النصّ

إذا تردّد الغناء المحرّم بين كونه مطلق الترجيع أو الترجيع المطرب، فيكون الترجيع المطرب قطعيّ الحرام، والترجيع بلا طرب مشكوكَ الحكم فيكون مجرى للبراءة.
ومثله النهي المجرّد عن القرينة إذا قلنا باشتراكه بين الحرمة و الكراهة.
و الحكم في هذه المسألة حكم ما ذكر في المسألة الأُولى، من البراءة عن الحرمة والأدلّة المذكورة من الطرفين جارية في المقام إشكالاً وجواباً.

المسألة الثالثة: الشبهة الحكمية التحريمية لتعارض النصّين

إذا دلّ دليل على الحرمة و دليل آخر على الإباحة، و لم يكن لأحدهما مرجّح، فلا يجب الاحتياط بالأخذ بجانب الحرمة لعدم الدليل عليه، نعم ورد الاحتياط في رواية وردت في «عوالي اللآلي» نقلها عن العلاّمة،
رفعها إلى زرارة عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال في الخبرين المتعارضين:«فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر»1 و الرواية ضعيفة

1 . عوالي اللآلي:4/133 برقم 229.

صفحه 215
السند لا يحتجّ بها .

المسألة الرابعة: الشبهة الموضوعيّة التحريميّة

إذا دار الأمر بين كون شيء حراماً أو مباحاً لأجل الاشتباه في بعض الأُمور الخارجيّة، كما إذا شكّ في حرمة شرب مائع أو إباحته للتردّد في أنّه خلّ أو خمر، فالظاهر عدم الخلاف في أنّ مقتضى الأصل الإباحة، للأخبار الكثيرة في ذلك، مثل قوله (عليه السلام) : كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه.1
ويمكن الاستدلال على البراءة بالدليل العقلي، وهو أنّ الاحتجاج لا يتمّ بالعلم بالكبرى وحده وهو انّ الخمر حرام مالم ينضم إليه العلم بالصغرى، ففي المقام، الكبرى محرزة، دون الصغرى ، فلا يحتج بالكبرى المجرّدة على العبد.المقام الثاني: في الشبهة الوجوبية

المقام الثاني: في الشبهة الوجوبية

إذا شكّ في وجوب شيء وعدمه، ففيها أيضاً مسائل أربع:
أ. الشبهة الحكمية الوجوبية لأجل فقدان النصّ، كالدعاء عند رؤية الهلال، أو الاستهلال في شهر رمضان إذا احتمل وجوبهما.
ب. الشبهة الحكمية الوجوبية لأجل إجمال النصّ، كاشتراك لفظ الأمر بين الوجوب والاستحباب.
ج. الشبهة الحكمية الوجوبية لأجل تعارض النصّين، كما في الخبرين

1 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.

صفحه 216
المتعارضين، أحدهما يأمر، والآخر يبيح، ولم يكن لأحدهما مرجح.
د. الشبهة الموضوعية لأجل الاشتباه في بعض الأُمور الخارجية، كما إذا تردّدت الفائتة (صلاة الفجر) بين صلاة واحدة وصلاتين.
والحكم في الجميع البراءة وعدم وجوب الاحتياط، إجماعاً. مضافاً إلى بعض الأدلّة التي مرت في المقام الأوّل أي الشبهة التحريمية من آية التعذيب وغيرها.

الفصل الثانيأصالة التخيير

أصالة التخيير

إذا دار الأمر بين وجوب شيء و حرمته، فهنا مسائل أربع:

المسألة الأُولى: دوران الأمر بين المحذورين لفقدان النص

وذلك كدفن الكافر الحربي لو تردّد حكمه بين الوجوب والحرمة ولم يكن دليل معتبر في البين.
لا شكّ انّ المكلّف مخيّر بين الفعل و الترك تخييراً تكوينياً على وجه ليس بإمكانه المخالفة القطعية، لامتناع الجمع بين الفعل و الترك مع وحدة زمان العمل، و لا الموافقة القطعية لنفس السبب. وأمّا من حيث الحكم الظاهري فالمقام محكوم بالبراءة عقلاً وشرعاً.
أمّا الأُولى، فلأنّ موضوعها هو عدم البيان الوافي، و المراد من الوافي ما لو اقتصر عليه المكلِّف لكفى في نظر العقلاء، و يقال انّه أدّى الوظيفة في مقام البيان، ولكنّ الحكم المردّد بين الوجوب و الحرمة ليس بياناً وافياً لدى

صفحه 217
العقلاء حتى يصحّ للمتكلّم السكوت عليه، فيكون من مصاديق، قبح العقاب بلا بيان.
وأمّا الثانية فلانّ موضوعها هو الجهل بالحكم الواقعي و المفروض وجود الجهل، و العلم بالإلزام الجامع بين الوجوب و الحرمة ليس علماً بالحكم الواقعي، فيشمله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي مالا يعلمون».
المسألة الثانية: دوران الأمر بين المحذورين لإجمال النص
إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة من جهة إجمال الدليل، كالأمر المردّد بين الإيجاب و التهديد فالحكم فيه كالحكم في المسألة السابقة.
المسألة الثالثة : دوران الأمر بين المحذورين لتعارض النصّين
لو دار الأمر بين الوجوب والحرمة من جهة تعارض الأدلّة، فالحكم هو التخيير شرعاً ـ أي الأخذ بأحد الدليلين بحكم الشرع ـ لإطلاق أدلّته.
روى الحسن بن الجهم، عن الرضا(عليه السلام): قلت: يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقة ـ بحديثين مختلفين، ولا نعلم أيّهما الحق، قال: «فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيّهما أخذت».1
والفرق بين تعارض النصّين في المقام وما مرّ في مبحث البراءة هو عدم إمكان الاحتياط في المقام بخلاف السابق فلاحظ.
المسألة الرابعة: دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الموضوعية
إذا وجب إكرام العادل وحرم إكرام الفاسق، و اشتبه حال زيد من حيث

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

صفحه 218
الفسق والعدالة، فالحكم فيه كالحكم في المسألة الأُولى طابق النعل بالنعل.

هل التخيير ابتدائي أو استمراريّ

ثمّ إذا دار الأمر بين المحذورين و كانت الواقعة واحدة، فلا شكّ أنّه مخيّر عقلاً بين الأمرين، مع جريان البراءة عن كلا الحكمين في الظاهر، أمّا لو كانت لها أفراد في طول الزمان، كما إذا تردّد (إكرام زيد في كلّ جمعة إلى شهر) بين الوجوب والحرمة، فيقع الكلام في أنّ التخيير العملي هل هو حكم استمراري، فله أن يختار في الجمعة الثانية غير ما اختاره في الجمعة الأُولى، وإن استلزم ذلك، المخالفةَ القطعية، أو لا، بل التخيير ابتدائي فلا يجوز له أن يكرمه في الجمعة الأُولى دون الثانية؟
الظاهر عدم كونه استمراريّاً، لأنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي وحرمة المخالفة بين كون الواقعة دفعية أو تدريجية، فكما تحرم المخالفة العملية الدفعية كترك صلاتين يعلم بوجوب احدهما، وشرب انائين يعلم بحرمة شرب احدهما كذلك تحرم التدريجية أيضاً، فإنّه يعلم بأنّه لو أكرم زيداً في الجمعة الأُولى وترك إكرامه في الجمعة الثانية، فقد ارتكب مبغوضاً للمولى.
فالمانع هو تنجيز العلم الإجمالي مطلقاً في الدفعيات والتدريجيات، وعدم الفرق بينهما لحكم العقل بلزوم إطاعة المولى وحرمة المخالفة حسب الإمكان والاستطاعة.
فتلخص: انّ الحكـم بالتخييـر عنـد دوران الأمـر بيـن المحـذورين لا يكـون حجّـة على جـواز المخالفة القطعية، وهذه ضابطة كلية تجب مراعاتها.

صفحه 219
أصالة الاحتياط

الفصل الثالث

أصالة الاحتياط

هذا هو الأصل الثالث من الأُصول العملية و يعبّر عنه بأصالة الاشتغال أيضاً و مجراه هو الشكّ في المكلّف به مع العلم بأصل التكليف وإمكان الاحتياط.
ثمّ الشبهة تنقسم إلى تحريمية و وجوبية، فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الشبهة التحريمية

مقتضى التقسيم السابق في الشكّ في التكليف يقتضي أن يكون هنا أيضاً مسائل أربع، لأنّ الشبهة إمّا حكمية، أو موضوعية، و منشأ الشكّ في الحكمية إمّا فقدان النص، أو إجماله، أو تعارض النصين، و لكن كلّ ذلك فروض نظرية لاواقع لها في الفقه فالتي لها تطبيقات عملية ملموسة في الفقه هي المسألة الرابعة، أي الشبهة التحريمية الموضوعية، وأمّا المسائل الثلاث الحكمية، فليست لها تطبيقات عملية ، و لذلك نكتفي بالمسألة الرابعة.
ثمّ إنّ الشبهة الموضوعية التحريمية من الشكّ في المكلّف به تنقسم

صفحه 220
إلى قسمين، لأنّ الحرام المشتبه بغيره، إمّا مشتبه في أُمور محصورة، كما لو دار الحرام بين أمرين أو أُمور محصورة، و تسمّى بالشبهة المحصورة; و إمّا مشتبه في أُمور غير محصورة، وتسمى بالشبهة غير المحصورة، فإليك دراسة حكم كلا القسمين من الشبهة الموضوعية.

حكم الشبهة المحصورة

إذا قامت الأمارة على حرمة شيء و شمل إطلاق الدليل مورد العلم الإجمالي، كما إذا قال: اجتنب عن النجس، و كان مقتضى إطلاقه شمولَه للنجس المعلوم إجمالاً أيضاً، فهل يجوز المخالفة الاحتمالية أو لا؟
فيقع الكلام في موردين:
الأوّل: ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية؟
الثاني: في ورود الترخيص في لسان الشارع.
أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة الأوّلية وجوب الاجتناب عن الأطراف لوجود المقتضي وعدم المانع، أمّا وجود المقتضي فلأنّ إطلاق قول الشارع: «اجتنب عن الخمر» يشمل الخمر المردد بين الإناءين أو أزيد، ولا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلاً .
وأمّا عدم المانع فلأنّ العقل لا يمنع من تعلّق التكليف عموماً أو خصوصاً بالاجتناب عن عنوان الحرام المشتبه بين أمرين أو أُمور، كما لا يمنع عن العقاب على مخالفة هذا التكليف.
وأما الثاني: ورود الترخيص في لسان الشارع، وهذا هو الأمر المهم في الشبهة المحصورة، و أنّه هل ورد فيه الترخيص لبعض الأطراف أو لا؟فالناظر إلى الروايات يقطع بعدم وروده.

صفحه 221
1. روى الكليني بسند معتبر عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: «يهريقهما و يتيمّم».1
2. ما ورد في وجوب غسل الثوب من الناحية التي يعلم بإصابة بعضها للنجاسة.
روى زرارة، قال: قلت له: إنّي قد علمت أنّه قد أصابه (الدم) و لم أدر أين هو فاغسلَه؟ قال: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».2
3. ما ورد في الثوبين المشتبهين من تكرار الصلاة في كلّ منهما على الانفراد.3
إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ على لزوم الأخذ بإطلاق الدليل، وعدم ورود التقييد.

الاستدلال على جواز الترخيص

وربما يستدلّ على جواز الترخيص ببعض الروايات منها: كلّ شيء هولك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه.
وجه الاستدلال: أنّ قوله: «بعينه» تأكيد للضمير في قوله:«إنّه» فيكون المعنى حتى تعلم أنّه بعينه حرام، فيكون مفاده أنّ محتمل الحرمة ما لم يتعيّن انّه بعينه حرام، فهوحلال، فيشمل العلم الإجمالي والشبهة البدوية.

1 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 82.
2 . التهذيب: 1/421، الحديث 1335.
3 . الوسائل: 2، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

صفحه 222
الجواب: انّ تلك الفقرة ليست رواية مستقلة، بل هي جزء من رواية مسعدة ابن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سمعته، يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باعَ نفسه، أو خُدِعَ فبيعَ قهراً، أو امرأة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».1
والأمثلة الواردة في ذلك الحديث كلّها من الشبهة البدوية، و هذا يوجب انصراف إطلاق الحديث إلى موارده، و عدم عموميته لموارد العلم الإجمالي، ولو كان الحديث عاماً لكلا الموردين لكان له (عليه السلام) الإتيان بمثال لصورة العلم الإجمالي.الشبهة غير المحصورة

الشبهة غير المحصورة

اتّفق الأُصوليّون على عدم تنجيز العلم الإجمالي في أطراف الشبهة التحريمية الموضوعية غير المحصورة، فقد عُرِّفت بأن تكون الأطراف إلى حدّ يوجب ضعف احتمال كون الحرام في طرف خاص بحيث لا يعتني به العقلاء، ويتعاملون معه معاملة الشكّ البدوي، فلو أُخبِر أحد باحتراق بيت في بلد أو اغتيال إنسان فيه، و للسامع فيه بيت أو ولد لا يَعتدُّ بذلك الخبر.
نعم لو كان المحتمل على وجه لا يرضى المولى بارتكابه، كوجود السمّ القاتل بين أطراف غير محصورة، فيعامل معه معاملة المحصورة.
وأمّا حكمها، فلو علم المكلّف بوجود تكليف قطعي أو احتمالي بين

1 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.

صفحه 223
الأطراف على وجه لا يرضى المولى بمخالفته على فرض وجوده، كقتل المؤمن فلا يجوز الترخيص لا في كلّها ولا في بعضها، و لكن الكلام في مقام آخر، و هو انّه إذا دلّ الدليل على حرمة الشيء(نحو اجتنب عن الغصب) و كان مقتضى إطلاق الدليل حرمته مطلقاً، و إن كانت غير محصورة، فهل هناك دليل أقوى يقدّم على ذلك الإطلاق؟
وقد استدلّ القوم على وجود دليل يقدّم على الإطلاق بوجوه نذكر بعضها:
الأوّل: انّ الموافقة القطعية في الشبهة غير المحصورة أمر موجب للعسر والحرج، و معه لا يكون التكليف فعلياً، فيجوز ارتكاب الأطراف جميعها أو بعضها.
الثاني: الروايات الواردة حول الشراء من الظالم المحمولة على الشبهة غير المحصورة، الدالة على عدم وجوب الاجتناب، منها:
1. روى إسحاق بن عمّار عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم، قال: «يشتري منه مالم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً».1
2. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ، قال: سألته عن الرجل أيشتري من العامل و هو يظلم؟ فقال:«يشتري منه».2
وقد وردت روايات في أخذ الجوائز من الظالم.3

1 . الوسائل: 12، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2، ولاحظ الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.
2 . الوسائل: 12، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3، ولاحظ الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.
3 . لاحظ: الوسائل: 12، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

صفحه 224
إلى غير ذلك من الروايات المورِثة لليقين بعدم وجوب الموافقة القطعية بمعنى اجتناب الجميع.

تنبيه

إذا كان المردّد في الشبهة غير المحصورة أفراداً كثيرة نسبة مجموعها إلى المشتبهات كنسبة الشيء إلى الأُمور المحصورة، كما إذا علم بوجود مائة شاة محرّمة في ضمن ألف شاة، فإنّ نسبة المائة إلى الألف نسبة الواحد إلى العشرة، و هذا ما يسمّى بشبهة الكثير في الكثير، فالعلم الإجمالي هنا منجز، و العقلاء يتعاملون معه معاملة الشبهة المحصورة، ولا يعد احتمال الحرمة في كلّ طرف احتمالاً ضئيلاً.المقام الثاني: الشبهة الوجوبية

المقام الثاني: الشبهة الوجوبية

إنّ الشبهة الوجوبية في المكلّف به تنقسم إلى قسمين، تارة يكون الشك مردّداً بين المتباينين كتردّد الأمربين وجوب الظهر أو الجمعة، وأُخرى بين الأقل والأكثر كتردّد الواجب بين الصلاة مع السورة و بدونها، و بذلك يقع الكلام في موضعين.

الموضع الأوّل: الشبهة الحكمية الوجوبية الدائرة بين متباينين

إذا دار الواجب بين أمرين متباينين، فمنشأ الشك إمّا فقدان النص أو إجماله، أو تعارض النصّين، أو الشبهة الموضوعية، فهناك مسائل أربع:و إليك البحث فيها بوجه موجز:
1. إذا تردّد الواجب بغيره لأجل فقدان النصّ، كتردّده بين الظهر

صفحه 225
والجمعة.
2. إذا تردّد الواجب بغيره لأجل إجمال النص بأن يتعلّق التكليف الوجوبي بأمر مجمل، كقوله تعالى: (حافِظُوا علَى الصَلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى)(البقرة/238)حيث إنّ الصلاة الوسطى مردّدة بين عدّة منها.
3. إذا تردّد الواجب بغيره لأجل تعارض النصّين و تكافؤهما، كما إذا دار الأمر بين القصر و الإتمام. كمن قطع طريقاً يُعد أربعة فراسخ ولم يرجع إلاّ بعد الغد.
4. إذا تردّد الواجب بغيره من جهة اشتباه الموضوع، كما في صورة اشتباه الفائتة بين العصر و المغرب.
إنّ المختار في هذه المسائل هو وجوب الاحتياط في الأُولى و الثانية والرابعة، لوجود العلم الإجمالي المنجّز للتكليف، وأمّا الثالثة، فالمشهور فيها التخيير، لأخبار التخيير السليمة عن المعارض وستوافيك في مبحث التعادل والترجيح.

الموضع الثاني: الشبهة الحكمية، الوجوبية الدائرة بين الأقل و الأكثر

إنّ الأقل والأكثر ينقسمان إلى استقلاليين وارتباطيين و الفرق بينهما، هو انّ وجوب الأقل و امتثاله في الاستقلالي يغاير وجوب الأكثر ـ على فرض وجوبه ـ وامتثاله، فلكل وجوب و امتثال، كالدين المردّد بين الدينار والدينارين، فيجب امتثال الأقل، ولا يجب امتثال الأكثر لعدم ثبوت وجوبه، بخلاف الأقل في الإرتباطي فانّه على فرض وجوب الأكثر يكون واجباً بنفس وجوب الأكثر ففي الارتباطي وجوب واحد وامتثال فارد، ولذلك اختلفوا في جواز الاقتصار بالأقل، أو لزوم الإتيان بالأكثر.

صفحه 226
فاللازم دراسة حكم الأقل والأكثر الارتباطيين، لوضوح حكم الاستقلالي ويبحث عنه ضمن مسائل أربع:

المسألة الأُولى: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل فقدان النص

إذا شككنا في جزئية السورة، أو جلسة الاستراحة، أو شرطية إباحة ثوب المصلّـي فيكون الواجب مردّداً بين الأقل كالصلاة بلا سورة وبلا جلسة الاستراحة...، أو الأكثر كالصلاة مع السورة و مع جلسة الاستراحة، فهل الإتيان بالأكثر مجرى للبراءة، أو مجرى للاحتياط؟ والمختار هو البراءة العقلية والشرعية.
و أمّا العقلية فيُعْتَمَدُ في تقرير البراءة العقلية على مسألة قبح العقاب بلا بيان، فيقال في المقام انّ الجزء المشكوك لم يرد في وجوبه بيان، فلو تركه العبد وكان واجباً في الواقع فالعقاب على تركه عقاب بلا بيان وهو قبيح على الحكيم.
أمّا الشرعية فيعتمد في تقرير البراءة الشرعية لأجل رفع الوجوب الشرعي ، على حديث الرفع، فيقال انّ وجوب الأكثر موصوف بأنّه «مما لا يعلمون» وكلّ ما كان كذلك فهو مرفوع.

استدلال القائلين بالاحتياط

إنّ الاشتغـال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ، فذمّة المكلّف مشغولة بالواجب المردّد بين الأقل والأكثر، ولا يحصل اليقين بالبراءة إلاّ بالإتيان بالأكثر نظير ما إذا دار أمر الصلاة الفائتة بين إحدى الصلاتين: المغربِ أو العشاءِ، فيجب الإتيان بالأقل والأكثر كما يجب الإتيان بكلتا الصلاتين.

صفحه 227
يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المشبَّه (دوران الواجب بين الأقل والأكثر) والمشبَّه به(دوران الواجب بين المتباينين) بوجود العلم الإجمالي في الثاني وعدم زواله بالتأمّل حيث إنّ الواجب مردد بين شيئين مختلفين غير متداخلين كصلاتي المغرب والعشاء.
وهذا بخلاف المقام فانّ الترديد زائل بأدنى تأمّل حيث يُعلم وجوب الأقل على كلّ حال، بنحو لا يقبل الترديدَ، وإنّما الشك في وجوب الأكثر أي السورة، ففي مثله يكون وجوب الأقل معلوماً على كلّ حال، ووجوب الأكثر مشكوكاً من رأس، فيأخذ بالمتيقن وتجري البراءة في المشكوك.
ومن ذلك يعلم أنّ عدّ الشكّ في الأقل والأكثر الارتباطيين من باب العلم الإجمالي إنّما هو بظاهر الحال وبدء الأمر، وأمّا بالنسبة إلى حقيقة الأمر فوجوب السورة داخل في الشبهة البدوية التي اتفق الأخباري و الأُصولي على جريان البراءة فيها.

المسألة الثانية: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل إجمال النص

إذا دار الواجب بين الأقل و الأكثر لأجل إجمال النصّ، كما إذا علّق الوجوب في الدليل اللفظي بلفظ مردّد معناه بين مركبين يدخل أقلّهما تحت الأكثر بحيث يكون إتيان الأكثر إتياناً للأقل، و لا عكس، كما إذا دلّ الدليل على غسل ظاهر البدن، فيشكّ في أنّ الجزء الفلاني كداخل الأُذن من الظاهر أو من الباطن، و الحكم فيه كالحكم في السابق، و نزيد هنا بياناً:
إنّ الملاك في جريان البراءة الشرعية هو رفع الكلفة، فكلّ شيء
فيه كلفة زائدة وراء الكلفة الموجودة في الأقل، يقع مجرى للبراءة
الشرعية.

صفحه 228

المسألة الثالثة: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل تعارض النصّين

إذا تعارض نصّان متكافئان في جزئية شيء، كأن يدل أحد الدليلين على جزئية السورة، و الآخر على عدمها، و لم يكن لأحدهما مرجح، فالحكم فيه هوالتخيير، لما عرفت من تضافر الروايات العديدة على التخيير عند التعارض.

المسألة الرابعة: دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الشبهة الموضوعية

إذا شكّ في جزئية شيء للمأمور به من جهة الشبهة في الموضوع الخارجي، كما إذا أمر بمفهوم مبيّـن مردّد مصداقه بين الأقل و الأكثر، و هذا كما إذا أمر المولى بإكرام العلماء على نحو العام المجموعي بحيث تكون للجميع إطاعة واحدة وعصيان واحد، فالشكّ في كون زيد عالماً أو غير عالم شكّ في كون الواجب هو الأقل أو الأكثر و منشأ الشكّ هو خلط الأُمور الخارجية، وبما أنّ عنوان المجموع، عنوان طريقي1 إلى الواجب ففي الحقيقة يتردّد الواجب بين الأقل والأكثر فتجري البراءة.

حكم الشكّ في المانعية والقاطعية

المراد من المانع ما اعتبره الشارع بما أنّ وجوده مخلّ بتأثير الأجزاء في الغرض المطلوب كنجاسة الثوب في حال الصلاة.

1 . خرج الشكّ في المحصِّل فإنّ للعنوان فيه موضوعية، كما إذا كان الواجب في الوضوء هو تحصيل الطهارة النفسانية وتردد المحصِّل بين الأقل(عدم وجوب المضمضة) والأكثر أي وجوبها أو كانت الصلاة اسماً للناهي عن الفحشاء وتردد المحصِّل بين الأقل(عدم وجوب السورة) والأكثر (وجوبها) فالاحتياط في هذه الموارد لازم يطلب وجهه من الدراسات العليا. وقد حصل الخلط في الفرائد بين المسألة الرابعة والشكّ في المحصّل فليلاحظ.

صفحه 229
والمراد من القاطع ما اعتبره الشارع بما انّه قاطع للهيئة الاستمرارية كالفعل الماحي للصورة الصلاتية.
فإذا شككنا في مانعية شيء أو قاطعيته، فمرجع الشك إلى اعتبار أمر زائد على الواجب ـ وراء ما علم اعتباره، فيحصل هنا علم تفصيلي، بوجوب الأجزاء وشك بدوي في مانعية شيء أو قاطعيته ـ فالأصل عدم اعتبارهما إلى أن يعلم خلافه، فالشكّ فيهما كالشكّ في جزئية شيء أو شرطيته في أنّ المرجع في الجميع هو البراءة.
والحمد للّه ربّ العالمين

صفحه 230
الاستصحاب

الفصل الرابع

الاستصحاب

لإيضاح الحال نذكر أُموراً:
الأوّل: تعريف الاستصحاب وهو في اللغة أخذ الشيء مصاحَباً أو طلب صحبته، وفي الاصطلاح «إبقاء ما كان» مثلاً إذا كان المكلف متيقناً بأنّه متطهّر من الحدث، ولكن شكّ بعد فترة في صدور حدث منه ناقض طهارته، فيبني على بقائها، وأنّه بعدُ متطهر، فتكون النتيجة: «إبقاء ما كان على ما كان» و يختلف عن الأُصول الثلاثة السابقة باختلاف المجرى، فانّ مجرى الأُصول الثلاثة هو الشكّ في الشيء من دون لحاظ الحالة السابقة، إمّا لعدمها أو لعدم لحاظها واعتبارها، وهذا بخلاف الاستصحاب فانّ مجراه كون الحالة السابقة ملحوظة.

الثاني: أركان الاستصحاب

إنّ الاستصحاب يتقوم بأُمور منها:
1. اليقين بالحالة السابقة والشكّ1 في بقائها.
2. اجتماع اليقين والشكّ في زمان واحد عند المستصحِب، أي فعلية

1 . المراد بالشكّ هو اللاحجّة فيعم الحالات الثلاث: الظن غير المعتبر، والاحتمال المساوي، والوهم.

صفحه 231
اليقين بالنسبة إلى الحالة السابقة في ظرف الشكّ.
3. تعدد زمان المتيقن والمشكوك.
4. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك.
5. وحدة متعلّق اليقين و الشكّ.

الثالث: تطبيقات

أ. استصحاب الكرية إذا كان الماء مسبوقاً بها وشكّ في بقائها فيترتب عليه عدم نجاسة الماء بملاقاة النجس.
ب. استصحاب عدم الكرية إذا كان الماء مسبوقاً به وشكّ في بقائها فيترتّب عليه نجاسة الماء بملاقاة النجس.
ج. استصحاب حياة زيد إذا شكّ في بقائها فيترتب عليه حرمة قسمة أمواله و بقاء علقة الزوجية بينه و بين زوجته.
وفي هذه الأمثلة، ـ ما ذكر من الشرائط ـ موجودة

الرابع: الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين

وهناك قاعدة أُخرى تسمّى في مصطلح الأُصوليين بقاعدة اليقين،وهذا كما إذا تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثم طرأ عليه الشكّ يوم السبت في عدالة زيد في نفس يوم الجمعة (لا السبت) و ممّا ذكرنا يظهر انّه تختلف عن الاستصحاب في الأمرين التاليين:
أ. عدم فعلية اليقين لزواله بالشكّ.
ب. وحدة متعلّقي اليقين والشكّ جوهراً وزماناً.
والمعروف بين الأصحاب انّ الاستصحاب حجّة دون قاعدة اليقين.

صفحه 232
وانّ روايات الباب منطبقة على الأوّل دون الثانية كما سيوافيك.

أدلّة حجّية الاستصحاب

اختلف الأُصوليون في كيفيّة حجّية الاستصحاب، فذهب القدماء إلى أنّه حجّة من باب الظن، واستدلوا عليه بالوجوه التالية:
1. بناء العقلاء على العمل على وفق الحالة السابقة، ولم يثبت الردع عنه من جانب الشارع.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى عدم كلّيتها، فانّ العقلاء لا يعملون في الأُمور الخطيرة على وفق الاستصحاب و إن أفاد الظن ـ: أنّه يكفي في الردع ما دلَّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم، وقد مرّت تلك الآيات عند البحث عن حجّية الخبر الواحد.
2. ما استند إليه العضدي في شرح مختصر الحاجبي، فقال: إنّ استصحاب الحال: انّ الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بعدم ثبوت الكبرى(كلّ ما كان فهو مظنون البقاء)، لمنع إفادة الاستصحاب الظن في كلّ مورد، وثانياً سلّمنا لكن الأصل في الظنون عدم الحجّية إلاّ أن يدلّ دليل قاطع عليها.
3. الاستدلال بالإجماع، قال العلاّمة: الاستصحاب حجّة لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم، ثمّوقع الشكّ في طروء ما يزيله، وجب الحكم على ما كان أوّلاً، ولولا القول بأنّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح.
يلاحـظ عليـه: عـدم حجّيـة الإجمـاع المنقول، خصوصاً إذا علم

صفحه 233
مستند المجمعين.أضف إلى ذلك رفض عدّة من الفقهاء الاستصحابَ.
وأمّا المتأخرون فقد استدلّوا بالأخبار، وأوّل من استدلّ بها الشيخ الجليل الحسين بن عبدالصمد والد الشيخ بهاء الدين العاملي (918ـ984هـ) في كتابه المعروف بـ«العقد الطهماسبي» وهي عدّة روايات:

1. صحيحة زرارة الأُولى

روى الشيخ الطوسي بإسناده، عن الحسين بن سعيد عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة: قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء».
قلت: فإن حُرِّك على جنبه شيء ولم يعلَم به؟ قال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ، وإنّما ينقضه بيقين آخر».1
وجه الدلالة: أنّ المورد وإن كان هو الوضوء، لكن قوله :«ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ» إلى آخره ظاهر في أنّه قضية كلّية طبِّقت على مورد الوضوء، فلا فرق بين الشكّ في الوضوء وغيره. وانّ اللاّم في قوله: «اليقين » لام الجنس لا العهد، ويدلّك على هذا ، أنّ التعليل بأمر ارتكازيّ و هو عدم نقض مطلق اليقين بالشك، لا خصوص اليقين بالوضوء.

2. صحيحة زرارة الثانية


1 . نقلنا الرواية عن التهذيب:1/7ـ8، لاحظ الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1. مع اختلاف يسير بين المصدرين.

صفحه 234
روى الشيخ في التهذيب 1 عن زرارة رواية مفصّلة تشتمل على أسئلة وأجوبة، ونحن ننقل مقاطع منها:
أصاب ثوبي دم رعاف، أو غيره، أو شيء من مني، فعلَّمتُ أثره إلى أن أُصيبَ له من الماء، فأصبتُ وحضرت الصلاة و نسيتُ أنّ بثوبي شيئاً وصلّيتُ ثمّ إنّي ذكرتُ بعد ذلك.
قال: «تعيد الصلاة وتَغْسله».
قلت: فإنّي لم أكن رأيتُ موضعه، وعلِمتُ أنّه قد أصابه فطَلَبْتُه فلم أقدر عليه، فلما صلّيتُ وجدته؟
قال: «تَغْسله و تُعيد».
قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقن ذلك، فنظرتُ فلم أر شيئاً، ثمّ صلّيتُ فرأيت فيه؟
قال: «تغسله ولا تعيد الصلاة»، قلت: لِمَ ذلك؟
قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً».2
وجه الاستدلال: يُركِّز الراوي في سؤاله الثالث على أنّه ظن ـ قبل الدخول في الصلاة ـ بإصابة الدم بثوبه ولكن لم يتيقن ذلك فنظر فلم يرَ
شيئاً فصلّـى فلما فرغ عنها رأى الدم ـ الذي ظن به قبل الصلاة ـ فأجاب
الإمام (عليه السلام)بأنّه يغسل ثوبه للصلوات الأُخرى ولكن لا يُعيد ما صلّـى.
فسأل الراوي عن سببه مع أنّه صلّـى في الثوب النجس، كالصورتين

1 . رواه عن زرارة بنفس السند السابق.
2 . الوسائل: 2، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث 1، وقد تركنا نقل الأسئلة الباقية للاختصار.

صفحه 235
الأُوليين فأجاب (عليه السلام) بوجود الفرق، وهو علْمُه السابق بنجاسة ثوبه في الصورتين فدخل في الصلاة بلا مسوِّغ شرعي، وشكُّه فيها بعد الإذعان بطهارته في الصورة الثالثة فدخل فيها بمجوز شرعي وهو عدم نقض اليقين بالطهارة، بالشك في النجاسة ومنه يعلم أنّ ظرف الاستصحاب هو قُبَيل الدخول فيها.
ثم إنّ للاستصحاب دوراً فقط في إحراز الصغرى: أعني: طهارة الثوب، ويترتب عليه أمر الشارع بجواز الصلاة فيه، ومن المعلوم أنّ امتثال
الأمر الشرعي واقعياً كان أو ظاهرياً مسقط للتكليف، كما مرّ في مبحث الاجزاء.

3. حديث الأربعمائة 1

روى أبو بصير، و محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أنّه قال: «من كان على يقين ثمّ شكّ فليمض على يقينه، فانّ الشكّ لا ينقض اليقين» .2
والرواية صالحة للاستدلال بها على حجية قاعدة اليقين إذا كان متعلّق اليقين والشك واحداً ذاتاً وزماناً، بأن يكون مفادها، من كان على يقين
(من عدالة زيد يوم الجمعة) ثم شك يوم السبت (في عدالته في نفس
ذلك اليوم وبالتالي شك في صحة الطلاق الذي طلق عنده) فليمض على

1 . المراد من حديث الأربعمائة ،الحديث الذي علّم فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه أربعمائة كلمة تصلح للمسلم في دينه و دنياه، رواه الصدوق بسند صحيح، عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم، في كتاب الخصال في أبواب المائة ومافوقها. لاحظ ص 619.
2 . الوسائل: 7، باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.

صفحه 236
يقينه.
كما هي صالحة للاستدلال بها على حجية الاستصحاب إذا كان متعلّق الشك غير متعلّق اليقين زماناً ففي المثال: إذا أيقن بعدالته يوم الجمعة وشك في بقائها يوم السبت فليمض على يقينه (مثلاً ليطلق عنده وليصلّ خلفه).
لكنّها في الاستصحاب أظهر لوجهين:
1. انّ الصحيحتين تشكّلان قرينة منفصلة على تفسير هذه الرواية فتحمل إلى ما حملت عليه الروايات السابقة.
2. انّ التعليل في الحديث تعليل بأمر ارتكازي وهو موجود في الاستصحاب دون قاعدة اليقين لفعلية اليقين في الأوّل دون قاعدة اليقين.

صفحه 237
في تنبيهات الاستصحاب

في تنبيهات الاستصحاب

التنبيه الأوّل: في فعلية الشك

يشترط في الاستصحاب فعلية الشكّ فلا يفيد الشكّ التقديريّ، فلو تيقن الحدث من دون أن يشكّ ثمّ غفل و صلّى ثمّ التفت بعدها فشكّ في أنّه تطهر من حدثه السابق قبل الصلاة أو لا فلا يجري الاستصحاب، لأنّ اليقين بالحدث وإن كان موجوداً قبل الصلاة لكنّه لم يشك لغفلته، ولأجل عدم جريانه يحكم عليه بصحّة الصلاة أخذاً بقاعدة الفراغ، لاحتمال أنّه توضّأ قبل الصلاة، وهذا المقدار من الاحتمال كاف لجريان قاعدة الفراغ، ولكن يجب عليه التوضّؤ بالنسبة إلى سائر الصلوات، لأنّ قاعدة الفراغ لا تثبت إلاّ صحّة الصلاة السابقة، وأمّا الصلوات الآتية فهي رهن إحراز الطهارة.
وهذا بخلاف ما إذا كان على يقين من الحدث ثمّ شكّ في وضوئه و مع ذلك غفل و صلّى والتفت بعدها فالصلاة محكومة بالبطلان لتماميّة أركان الاستصحاب وإن احتمل انّه توضّأ بعد الغفلة، ومعه لا يجري قاعدة الفراغ.

التنبيه الثاني: في استصحاب الكلّـي

المراد من استصحاب الكلّـي هو استصحاب الجامع بين الفردين، كاستصحاب الإنسان المشترك بين زيد وعمرو، وكاستصحاب الطلب

صفحه 238
الجامع بين الوجوب والندب، وله أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل من استصحاب الكلّي

إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد ثمّ شكّ في بقائه وارتفاعه، فلا محالة يشك في بقاء الكلّي وارتفاعه، فإذا علم بوجود زيد في الدار فقد علم بوجود الإنسان فيها، فإذا شكّ في بقائه فيها يجري هناك استصحابان:
أ . استصحاب بقاء الفرد ـ أعني: زيداً ـ .
ب. استصحاب بقاء الكلّي ـ أعني: الإنسان ـ .
وهكذا إذا صار محدثاً بالحدث الأكبر ـ أعني: الجنابة ـ و شكّ في ارتفاعها بالرافع فيجوز له استصحاب الجنابة، فيترتب عليه جميع آثار الجنابة كحرمة المكث في المساجد وعبور المسجدين الشريفين.
كما يجوز استصحاب الكلّي، أي أصل الحدث الجامع بين الجنابة و سائر الأحداث، فيترتب عليه أثر نفس الحدث الجامع كحرمة مس كتابة القرآن وعدم المكث في عامة المساجد.

القسم الثاني من استصحاب الكلّي

إذا علم إجمالاً أنّ في الدار حيواناً مردّداً بين قصير العُمر كالغنم،
وطويله كالفيل، فقد علم تفصيلاً بوجود حيوان فيها ـ و إن كانت المشخّصات مجهولة ثمّ مضى زمان يقطع بانتفاء الفرد القصير فيشكّ
في بقاء الحيوان في الدار ـ فلا يصحّ استصحاب الفرد مثل الغنم أو الفيل، لعدم الحالة المتيقّنة للفرد، لافتراض كون المشخّصات مجهولة، ولكن يصحّ استصحاب الكلي.

صفحه 239
ومثاله من الأُمور الشرعية ما إذا كان متطهّراً وخرج بلل مردّد بين البول والمني، فعندئذ حصل له علم تفصيلي بالحدث الكلّي. ثمّ إذا توضّأ بعده فلو كان البلل بولاً ارتفع الحدث قطعاً، ولو كان منيّاً فهو باق، وعندئذ لا يقطع بارتفاع الحدث الجامع لاحتمال كون الحادث هو المني.
فلا يجوز استصحاب أيِّ فرد من أفراد الحدث لعدم العلم بالحالة السابقة، لكن يصحّ استصحاب الجامع أي مطلق الحدث الجامع بين الأصغر والأكبر.

القسم الثالث من استصحاب الكلّي

إذا تحقّق الكلّي (الإنسان) في الدار في ضمن فرد كزيد، ثمّ علم بخروجه من الدار قطعاً، ولكن يحتمل مصاحبة عمرو معه عندما كان زيد في الدار، أو دخوله فيها مقارناً مع خروجه.
ففي هذا المقام لا يجري استصحاب الفرد أصلاً، لأنّ الفرد الأوّل مقطوع الارتفاع والفرد الثاني مشكوك الحدوث من رأس، ولكن يجري استصحاب الكلّي أي وجود الإنسان في الدار الذي هو الجامع بين الفردين.
مثاله في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بكون الشخص كثير الشك وعلمنا أيضاً ارتفاع كثرة شكه إجمالاً، ولكن احتملنا ارتفاعها من رأس أو انقلابها إلى مرتبة ضعيفة، فلا يجوز استصحاب المرتبة الشديدة لأنّها قطعية الارتفاع، ولا المرتبة الضعيفة لأنّها مشكوكة الحدوث، لكن يمكن استصحاب الجامع بين المرتبتين وهو كونه كثير الشكّ غير مقيد بالشدة والضعف.

صفحه 240

التنبيه الثالث: عدم حجّية الأصل المثبت

يشترط في الاستصحاب أن يكون المستصحَب إمّا حكماً شرعيّاً كاستصحاب أحد الأحكام الشرعية ـ كليّة أو جزئية ـ أو موضوعاً لحكم شرعي كاستصحاب حياة زيد، فانّها موضوعة لأحكام كثيرة، مثل بقاء علقة الزوجية وحرمة تقسيم أمواله، إلى غير ذلك من الآثار الشرعيّة.
فلو افترضنا أنّ زيداً غاب و له من العمر اثنا عشر عاماً، فشككنا في حياته بعد مضيِّ ثلاثة أعوام من غيبته، فهل يصحّ استصحاب حياته لغاية إثبات أثره العقلي ـ بلوغه ـ حتى يترتب عليه آثاره الشرعيّة من وجوب الإنفاق من ماله على والديه أو لا يصحّ؟ وعلى هذا فالمراد من الأصل المثبت هو إجراء الاستصحاب لإثبات الأثر العقلي أو العادي للمستصحب.
ذهب المحقّقون إلى عدم صحّته لأنّ الآثار العقلية وإن كانت أثراً لنفس المتيقّن، ولكنّها ليست آثاراً شرعيّة، بل هي آثار تكوينية غير خاضعة للجعل والاعتبار، والآثار الشرعية المترتبة على تلك الأُمور العادية والعقلية و إن كانت خاضعة للجعل لكنّها ليست آثاراً للمتيقّن(الحياة) الذي أمرنا الشارع بإبقائه وتنزيل مشكوكه منزلة المتيقّن. بل هي آثار للأمر العقلي المتوسط بين الآثار الشرعية والمستصحب.
وإليك مثالاً آخر:
مثلاً إذا تعبّدنا الشارع بإبقاء شهر رمضان، أو عدم رؤية هلال شوال في يوم الشك فإذا ضُمّ هذا التعبد إلى العلم القطعي بمضيّ تسعة وعشرين يوماً من أوّل الشهر قبل هذا اليوم، فيلازمه الأثر العادي وهو كون اليوم التالي هوعيد الفطر، فهل يترتب على ذلك الأثر العادي ـ الملازم للاستصحاب ـ

صفحه 241
الأثر الشرعي من صحّة صلاة الفطر ولزوم إخراج الفطرة بعد الهلال ونحوهما؟
فالتحقيق: انّه لا يترتّب على الاستصحاب، الأثر العادي حتى يترتّب عليه الأثر الشرعي، لأنّ الذي تعبّدنا الشارع بإبقائه هو بقاء شهر رمضان أو عدم رؤية هلال شوال، فلصيانة تعبّد الشارع عن اللغوية يترتّب كل أثر شرعي على هذين المستصحبين، لا الأثر العادي، لأنّه غير خاضع للجعل والاعتبار، فإنّ الأُمور التكوينية تدور مدار الواقع.
وأمّا الآثار الشرعيّة المترتبة على ذلك الأثر العادي، فهي وإن كانت خاضعة للجعل و الاعتبار، لكنّها ليست أثراً مترتّباً على ما تعبّدنا الشارع بإبقائه و هو كون اليوم شهر رمضان أو عدم كونه من شوال.
نعم استثنى بعض المحقّقين من الأصل المثبت موارد تطلب من الدراسات العليا.

التنبيه الرابع: تقدّم الأصل السببي على المسببي

إذا كان في المقام أصلان متعارضان، غير أنّ الشك في أحدهما مسبب عن الشكّ في الآخر، مثلاً إذا كان في إناء ماءُ قليل مستصحب الطهارة، وثوب متنجس قطعاً، فغُسِلَ الثوبُ بهذا الماء، فهنا يجري بعد الغَسل استصحابان:
أ. استصحاب بقاء طهارة الماء الذي به غُسِلَ الثوبُ النجس، ومقتضاه طهارة الثوب المغسول به.
ب. استصحاب نجاسة الثوب وبقائها حتى بعد الغَسْل.
وعندئذ يقدّم الاستصحاب الأوّل على الاستصحاب الثاني، لأنّ الشكّ في بقاء النجاسة في الثوب ـ بعد الغسل ـ ناشئ عن الشكّ في طهارة الماء

صفحه 242
الذي غُسل به، فإذا تعبدنا الشارع ببقاء طهارة الماء ظاهراً يكون معناه ترتيب ما للماء الطاهر الواقعي من الآثار على مستصحب الطهارة، ومن جملة آثاره طهارة الثوب المغسول به، فالتعبّد ببقاء الأصل السببي يرفع الشكّ في جانب الأصل المسببي بمعنى انّ النجاسة هناك مرتفعة غير باقية فيكون الأصل السببي مقدّماً على الأصل المسببي.
وهنا بيان آخر لتقدم الأصل السببي على المسببي وهو إنّ الأصل السببي ـ استصحاب طهارة الماء ـ ينقّح موضوعَ الدليل الاجتهادي، فيكون الدليل الاجتهاديّ مقدّماً على الأصل المسببي، لأنّ استصحاب طهارة الماء يثبت موضوعاً، وهو أنّ هذا الماء طاهر، هذا من جانب.
ومن جانب آخر دلّ الدليل الاجتهادي على أنّ كلَّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر، فبضم الصغرى إلى الكبرى لا يبقى شكّ في طهارة الثوب و ارتفاع نجاسته.1

التنبيه الخامس: تقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول

يقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول، لأنّ التعبّد ببقاء اليقين السابق وجعله حجّة في الآن اللاحق يوجب ارتفاع موضوعات الأُصول، أو حصول غاياتها، وإليك البيان:
أ. أنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، فإذا كان الشيء مستصحَب الحرمة أو الوجوب، فالأمر بالتعبّد بإبقاء اليقين السابق بيان من الشارع، فلا يبقى موضوع للبراءة العقلية.

1 . هذا البيان للسيد الأُستاذ(قدس سره).

صفحه 243
ب.كما أنّ موضوع البراءة الشرعية هو «مالا يعلمون» والمراد من العلم هو الحجّة الشرعيّة، والاستصحاب كما قرّرناه حجّة شرعيّة على بقاء الوجوب والحرمة في الأزمنة اللاحقة، فيرتفع موضوع البراءة الشرعية.
ج. أنّ موضوع التخيير هو تساوي الطرفين من حيث الاحتمال، والاستصحاب بحكم الشرع هادم لذلك التساوي.
د. أنّ موضوع الاشتغال هو احتمال العقاب في الفعل أو الترك، والاستصحاب بما أنّه حجّة شرعية، مؤمِّنة عن العقاب.
فالاستصحاب بالنسبة إلى هذه الأُصول رافع لموضوعها .وإن شئت فسمِّه وارداً عليها.
وربّما يكون الاستصحاب موجباً لحصول غاية الأصل كما هو الحال في أصالتي الطهارة والحليّة، فإنّ الغاية في قوله(عليه السلام) :«كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»، وفي قوله (عليه السلام) : «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» وإن كان هو العلم، لكن المراد منه هو الحجّة، و الاستصحاب حجّة، ومع جريانه تحصل الغاية، فلا يبقى للقاعدة مجال.
تمّ الكلام في الأُصول العملية،
ويليه البحث في تعارض الأدلّة الشرعية إن شاء اللّه
والحمد للّه ربّ العالمين

صفحه 244

صفحه 245
المقصد الثامن
في تعارض الأدلّة الشرعية
وفيه فصلان:
الفصل الأوّل: في التعارض غير المستقر.
الفصل الثاني: في التعارض المستقر.
خاتمة المطاف: في التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه.

صفحه 246

صفحه 247
في تعارض الأدلّة الشرعيّة

في تعارض الأدلّة الشرعيّة

يُعدّ البحث عن تعارض الأدلّة الشرعية، وكيفيّة علاجها، من أهمّ المسائل الأُصوليّة، إذ قلّما يتفق في باب أن لا توجد فيه حجّتان متعارضتان، على نحو لا مناص للمستنبط من علاجهما، ولأجل تلك الأهميّة أفردوا له مقصداً.
إنّ التعارض من العرض وهو في اللغة بمعنى الإراءة قال سبحانه: (وَعَلَّمَ آدمَ الأَسماء كُلَّها ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَة)(البقرة/31).
وامّا اصطلاحاً فقد عُرِّف بتنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض كما إذا ورد: يحرم العصير العنبي قبل التثليث، و ورد أيضاً: لا يحرم، أو على وجه التضاد كما إذا ورد: تستحب صلاة الضحى وورد أيضاً«تحرم». وسمي هذا الدليلان متعارضين لانّ كلا يعرض نفسه على الآخر.
ثمّ إنّ التعارض بين الدليلين تارة يكون أمراً زائلاً بالتأمل واللازم فيه هو الجمع بين الدليلين، و أُخرى يكون باقياً غير زائل فالمرجع فيه، هو الترجيح أوّلاً ثمّ التخيير ثانياً. فصار ذلك سبباً لعقد فصلين يتكفّلان لبيان حكم القسمين فنقول:

صفحه 248
في الجمع بين الدليلين أو التعارض غير المستقر

الفصل الأوّل

في الجمع بين الدليلين

أو

التعارض غير المستقر

إذا كان التعارض بين الخبرين تعارضاً غير مستقر، يزول بالتأمّل بحيث لا يعدّ التكلّم بهذا النحو على خلاف الأساليب المعروفة بين المقنّنين وعلماء الحقوق ، بل كان دارجاً بينهم، فيقدّم فيه الجمع على التخيير أو الترجيح أو التساقط و هذا هو المراد من قول الأُصوليّين: «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» ومقصودهم هو الجمع المطلوب عند أهل الحقوق والقانون بحيث يعد أحد الدليلين قرينة على التصرف في الآخر، وهذا ما يعبّر عنه بالجمع العرفي، أو الجمع مع الشاهد في مقابل الجمع التبرّعي الذي يجمع بين الدليلين بلا شاهد وقرينة، ولأجل ذلك يكون الجمع الأوّل مقبولاً والآخر مرفوضاً.
وقد بذل الأُصوليّون جهودهم في إعطاء ضوابط الجمع المقبول وحصروها في العناوين التالية:

صفحه 249
1. التخصّص، 2. الورود، 3. الحكومة، 4. التخصيص، 5. تقديم الأظهر على الظاهر.
وإليك تعريف تلك العناوين:
1. التخصّص: هو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر حقيقة وتكويناً، كقولنا: «الخمر حرام» و«الخل حلال» فالمحمولان وإن كانا متنافيين، ولكن التنافي بينهما بدويّ يزول بالنظر إلى تغاير الموضوعين.
2. الورود: هو رفع أحد الدليلين موضوع الدليل الآخر حقيقة، لكن بعناية من الشارع بحيث لولاه لما كان له هذا الشأن، كتقدّم الأمارة على الأُصول العملية، فإنّ لكلّ من الأُصول العملية موضوعاً خاصّاً، فالأمارة بعد ثبوت حجّيتها بالأدلّة القطعية ترفع موضوع تلك الأُصول عامة.
مثلاً موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، و موضوع الاشتغال هو احتمال العقاب، وموضوع التخيير هو عدم المرجّح، فإذا قام الدليل القطعي على حجّية الأمارة ارتفع بذلك موضوع الأصل، فتكون الأمارة بياناً لمورد الشك(في أصل البراءة)، ورافعاً لاحتمال العقاب(في أصالة الاشتغال)، ومرجحاً لأحد الطرفين على الآخر (في أصالة التخيير). كلّ ذلك بفضل جعل الشارع الحجّية للأمارة.
وبذلك يظهر ورود الأمارة على أصالتي الطهارة والحلّية، لأنّهما مغياة بعدم العلم، والمراد منه هو الحجّة الشرعية، فالأمارة بما أنّها حجّة شرعية، دالة على حصول الغاية في قوله(عليه السلام) :«كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» أو قوله(عليه السلام): «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام».

صفحه 250
3. الحكومة: أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى الدليل الآخر و مفسراً له ، فيقدّم على الآخر بحكم انّ له تلك الخصوصية ويسمّى الناظر بالحاكم، والمنظور إليه بالمحكوم، ويتلخّص النظر في الأقسام التالية:
أ. التصرف في عقد الوضع بتوسيعه، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) (المائدة/6) فالمتبادر من الصلاة هو الفريضة، فإذا ضمَّ إليه قوله(عليه السلام) :«الطواف بالبيت صلاة» يكون حاكماً على الآية بتوسيع موضوعها ببيان انّ الطواف على البيت من مصاديق الصلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة.
ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا صلاة إلاّ بطهور» الظاهرة في شرطية الطهارة المائية، فكأنّه قال: «الطهور شرط للصلاة» فإذا قال: التراب أحد الطهورين، فقد وسّع الموضوع(الطهور) إلى الطهارة الترابية أيضاً، وهذا النوع من التصرّف في عقد الوضع لا يتم إلاّ ادّعاءً، كادّعاء انّ الطواف أو التيمّم، صلاة أو طهور.
ب. التصرّف في عقد الوضع بتضييقه، ويتحقّق ذلك بنفي الموضوع لغاية نفي حكمه كما إذا قال: «لا شكّ لكثير الشكّ»، أو قال: «لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم»، أو بالعكس، فهي حاكمة على أحكام الشاكّ، «إذا شككت فابن على الأكثر وصلّ صلاة الاحتياط بعد الفراغ» ومتصرفة في موضوعها بادّعاء عدم وجود الشك في تلك الموارد الثلاثة، والغاية هي رفع الحكم برفع الموضوع ادّعاءً.
مع أنّ هذه الأمثلة تُشبه التخصيص، ولكن الذي يميّزها عنه هو أنّ لسانها لسان النظارة إلى الدليل الآخر.

صفحه 251
ج. التصرّف في عقد الحمل أو متعلّقه بتوسيعه، فإذا قال: ثوب المصلي يلزم أن يكون طاهراً وقال: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» فقد وسّع متعلّق الحكم إلى الطهارة الثابتة حتى بالأصل.
د: التصرّف في عقد الحمل بتضييقه، وهذا كقوله سبحانه:(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج/78) فإنّها بحكم نظرها إلى الأحكام الشرعية المترتبة على العناوين الأوّلية تضيق محمولاتها ويخصصها بغير صورة الحرج، ومثله قوله: «لا ضرر ولا ضرار » بالنسبة إلى سائر الأحكام فوجوب الوضوء محدد بعدم الحرج والضرر.
ولْيُعلم أنّ مقوم الحكومة اتخاذ الدليل لنفسه موقف الشرح والتبيين، فتكون النتيجة إمّا تصرّفاً في عقد الوضع، أو الحمل إمّا بالتوسيع أو بالتضييق.ولكن التعارض ورفعه بالحكومة مختص بصورة التضييق لا التوسيع إذ ليس فيها أيّ تعارض حتى تُعالج بالحكومة بخلاف صورة التضييق فالتعارض محقّق لكن يقدم الحاكم على المحكوم في عرف أهل التقنين فلاحظ.
4. التخصيص: عبارة عن إخراج بعض أفراد العام عن الحكم المحمول عليه مع التحفّظ على الموضوع كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، فهو يشارك الحكومة في بعض أقسامه (القسم الرابع) لكنّه يفارقه بأنّ لسان التخصيص هو رفع الحكم عن بعض أفراد الموضوع ابتداءً من دون أن يكون لسانه، لسان النظارة، بخلاف الحكومة فإنّ لسانها لسان النظر إمّا إلى المحمول أو إلى الموضوع، ولذلك ربما يقال بأنّه لو لم يرد من الشارع حكم في المحكوم لم يكن للدليل الحاكم مجال.

صفحه 252
5. تقديم الأظهر على الظاهر، إذا عُدَّ أحد الدليلين قرينة على التصرّف في الآخر يقدم ما يصلح للقرينية على الآخر وإن لم يدخل تحت العناوين السابقة، وهذا ما يسمّى بتقديم الأظهر على الظاهر ولأجل التعرّف على الأظهر والظاهر نذكر أمثلة:

أ. دوران الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق

إذا دار الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق، كما إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفاسق، فدار أمر العالم الفاسق بين دخوله تحت الحكم الأوّل أو الثاني، فقد اختار الشيخ الأعظم الأنصاريّ تقديم
العام على المطلق، ولزوم التصرّف في الثاني، فتكون النتيجة وجوب إكرام العالم الفاسق، وما هذا إلاّ لأنّ دلالة العام على الشمول أظهر من دلالة المطلق عليه.

ب. إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن

إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن، مع تساويهما في الظهور اللفظي وكونهما بصيغة العموم كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق، فبين الدليلين عموم و خصوص من وجه، فيتعارضان في مجمع العنوانين: أعني: العالم الفاسق، فيجب إكرامه على الأوّل و يحرم على الثاني ولكن علمنا من حال المتكلّم أنّه يبغض العالم الفاسق، فهو قرينة على تقديم عموم النهي على عموم الأمر، فيكون مجمع العنوانين (العالم الفاسق) محرَّم الإكرام.

صفحه 253

ج. دوران الأمر بين التقييد والحمل على الاستحباب

إذا قال الشارع إذا أفطرت فاعتق رقبة، ثمّ ورد بعد مدّة إذا أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة، فيدور الأمر بين حمل المطلق على المقيد، أو حمل الأمر المتعلّق بالمقيّد على الاستحباب، فربما يقدّم الأوّل على الثاني لشيوع التقييد، وربما يرجح العكس لشيوع استعمال الأوامر على لسان الشارع في الاستحباب. وقد مرّ تفصيله في المقصد الخامس عند البحث في المطلق والمقيّد.
ولهذا أمرنا بالتدبّر في رواياتهم.
روى داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، انّ الكلمة لتنصرف على وجوه لو شاء إنسان لصرف كلامه حيث يشاء».1
وهذا الحديث يحثّ على التأمّل والتدبّر في الأحاديث المروية، حتى لا يتسرّع السامع باتّهامها بالتعارض بمجرد السماع، دون التدبّر في أطرافها.
فتلخّص أنّ التنافي غير المستقر يرتفع بأحد الأُمور الخمسة التي أشرنا إليها، بقي الكلام في التنافي المستقر وهو الذي نبحث عنه في الفصل التالي.

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

صفحه 254
التعارض المستقر أو إعمال الترجيح والتخيير

الفصل الثاني

التعارض المستقر

أو إعمال الترجيح والتخيير

إذا كان هناك بين الدليلين تناف وتدافع في المدلول على وجه لا يمكن الجمع بينهما جمعاً عرفياً مقبولاً عند أهل التقنين، فيقع البحث في أُمور:

الأوّل: ماهي القاعدة الأوّلية عند التعارض؟

لا شكّ أنّ الأخبار حجّة من باب الطريقية بمعنى أنّها الموصلة إلى الواقع في كثير من الأحيان، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ دليل حجية قول الثقة منحصرة في السيرة العقلائية عند المحقّقين، وبما أنّ السيرة دليل لبّي يؤخذ بالقدر المتيقّن منه لعدم وجود لسان لفظي لها حتى يؤخذ بإطلاقه، والقدر المتيقّن من السيرة في مورد حجّية قول الثقة هي صورة عدم التعارض، فتكون القاعدة الأوّلية هي سقوط الخبرين المتعارضين عن الحجّية. لخروجهما عن مورد السيرة العقلائية فانّ مجراها هو قول الثقة من دون معارض.

صفحه 255

الثاني: ماهي القاعدة الثانوية عند التعارض؟

قد وقفت على أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في الخبرين المتعارضين هو التساقط، فلو ثبت شيء على خلاف تلك القاعدة نأخذ به، وإلاّ فهي محكَّمة. فنقول:إنّ الخبرين المتعارضين على صورتين:
أ. الخبران المتكافئان اللّذان لا مزيّة لأحدهما توجب ترجيحه على الآخر.
ب. الخبران المتعارضان اللّذان في أحدهما مزيّة توجب ترجيحه على الآخر. وإليك الكلام في كلا القسمين:

الصورة الأُولى: الخبران المتعارضان المتكافئان

إذا ورد خبران متعارضان متكافئان من دون مزية لأحدهما على الآخر1 فقد استفاضت الروايات على التخيير بينهما، فمنها:
1.ما روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن الحسن بن الجهم2 عن الرضا(عليه السلام)قال: قلت له تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ وجلّ وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، وإن لم يكن يشبههما فليس منّا»، قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولانعلم أيّهما الحق؟ قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت».3

1 . سيوافيك أنّ أخبار التخيير محمولة على صورة التكافؤ.
2 . الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، ترجمه النجاشي برقم108، وقال: ثقة، روى عن أبي الحسن والرضا(عليهما السلام) .
3 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.

صفحه 256
2. ما رواه الشيخ في «التهذيب»، عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد اللّه بن محمد، إلى أبي الحسن(عليه السلام) : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: صلّها في المحمل، وروى بعضهم لا تصلّها إلاّ على الأرض، فقال (عليه السلام) :«موسّع عليك بأيّة عملت».1
والرواية بقرينة قوله:«موسّع عليك بأيّة عملت» ناظرة إلى الأخبار المتعارضة، نعم موردها هي الأُمور المستحبّة، والتخيير في المستحبات لا يكون دليلاً على التخيير في الواجبات، لأنّ للأُولى مراتب مختلفة في الفضيلة، فيصح التخيير بين درجاتها، وهذا بخلاف الواجبات، فإنّ أحد الطرفين تعلّق به الأمر دون الآخر.

هل التخيير بدوي أو استمراري؟

إذا ورد خبران متعارضان متكافئان، فهل التخيير بينهما بدوي أو استمراري بمعنى أنّه له اختيار غير ما اختاره في الواقعة الأُولى؟ والحقّ أنّه بدوي،وقد سبق بيانه في مبحث أصالة التخيير، وذكرنا فيه أنّ المخالفة القطعية العملية للعلم الإجمالي قبيح وحرام، من غير فرق بين أن تكون المخالفة دفعية أو تدريجية، فإذا أخذ بأحد الخبرين في واقعة، والخبر الآخر في واقعة أُخرى، فقد علم بالمخالفة العملية إمّا بعمله هذا أو بما سبق.

ما هو مرجع الروايات الآمرة بالتوقّف؟

هناك روايات تأمر بالتوقف والصبر إلى لقاء الإمام، أو مَنْ يخبر

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 44.

صفحه 257
بحقيقة الحال من تبحّر في علومهم(عليهم السلام)، ومع هذا كيف يكون التكليف هو التخيير بين الخبرين المختلفين؟
روى الكليني، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: «يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه».1
وفي مقبولة عمر بن حنظلة المعروفة حينما انتهى السائل إلى مساواة الخبرين في المرجّحات قال: «إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرمن الاقتحام في الهلكات».2
والأوّل يأمر بالتوقّف منذ بدء الأمر،والآخر يأمر به بعد مساواتهما في المرجحات،وعلى كلّ تقدير ينفيان التخيير.
والجواب: أنّ هذا القسم من الروايات محمول على صورة التمكن من لقاء الإمام، أو من لقاء بطانة علومهم، ويشهد لهذا الجمع نفس الحديثين، ففي الأوّل: «يرجئه حتى يلقى من يخبره» أي يخبره بحقيقة الحال وما هو الصحيح من الخبرين، وفي الثاني: «فارجئه حتى تلقى إمامك» و من لاحظ الروايات الآمرة بالتوقّف يلمس ذلك، فإنّ من الرواة من كان يتمكن من لقاء الإمام و السماع منه، ومنهم من لم يكن متمكنّاً من لقائه (عليه السلام) إلاّببذل مؤن، و قطع مسافة بعيدة، فالأمر بالتوقّف راجع إلى المتمكّن،و الأمر بالتخيير إلى الثاني.

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5. ولاحظ الحديث 42 من هذا الباب.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. ولاحظ الحديث 36 من هذا الباب.

صفحه 258

الصورة الثانية: الخبران المتعارضان غير المتكافئين

إذا كان هناك خبران، أو أخبار متعارضة، ويكون لأحدهماترجيح على الآخر; فيقع الكلام في الأُمور الثلاثة:
1. التعرّف على هذه المرجّحات.
2. هل الأخذ بذي المزيّة واجب أو راجح؟
3. هل يقتصر على المنصوص من المرجّحات أو يُتعدى غيره؟
ولنتناول البحث في كل واحد منها.

الأمر الأوّل: في بيان المرجّحات الخبرية

نستعرض في هذا الأمر المرجّحات الخبرية ـ عندنا ـ أو ما قيل إنّها من المرجّحات الخبرية وهي أُمور:

أ. الترجيح بصفات الراوي

قد ورد الترجيح بصفات الراوي، مثل الأعدليّة و الأفقهية و الأصدقية والأورعية، في غير واحد من الروايات التي نذكر بعضها.
روى الكليني بسند صحيح، عن عمر بن حنظلة1 قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين، أو ميراث، فتحاكما

1 . عمر بن حنظلة وإن لم يوثق في المصادر الرجاليّة، لكن الأصحاب تلقّوا روايته هذه بالقبول و ـ لذا ـ سمّيت بالمقبولة، واعتمدوا عليها في باب القضاء، والحديث مفصّل ذكرناه في مقاطع أربعة فلاتغفل.

صفحه 259
إلى السلطان، وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال:«من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، و إن كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر اللّه أن يُكفر به، قال اللّه تعالى: (يُريدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطاغُوتِ وَ قَد أُمِرُوا أن يَكْفُرُوا بِه)1».
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه وعلينا ردّ، والراد علينا، راد على اللّه وهو على حدِّ الشركِ باللّه».
قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم، فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر».2
إنّ هذا القسم من الترجيح قد ورد في غير واحدة من الروايات3، لكن الجميع راجع إلى ترجيح حكم أحد القاضيين على حكم القاضي الآخر، ومن المحتمل جدّاً اختصاص الترجيح به لمورد الحكومة، حتى يرتفع النزاع وتُفْصل الخصومة،ولا دليل على التعدّي منه إلى غيره، وذلك لأنّه لمّا كان إيقاف الواقعة وعدم صدور الحكم، غير خال من المفسدة، أمر الإمام بإعمال المرجّحات حتى يرتفع النزاع.

1 . النساء/60.
2 . الكافي: 1/68، ط دارالكتب الإسلامية.
3 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20(رواية داود بن الحصين) و45 (رواية موسى بن أكيل).

صفحه 260
نعم ورد الترجيح بصفات الراوي في مورد تعارض الخبرين، فيما رواه ابن أبي جمهور الاحسائي، عن العلاّمة، مرفوعاً إلى زرارة، لكن الرواية فاقدة للسند، يرويها ابن أبي جمهور الاحسائي (المتوفّـى حوالي سنة900هـ)،عن العلاّمة (المتوفّـى عام 726هـ)، عن زرارة (المتوفـّى عام 150هـ)، ومثل هذا لا يصحّ الاحتجاج به أبداً، ولأجل ذلك، لم نعتمد عليها. وعلى ذلك ليس هنا دليل صالح لوجوب الترجيح بصفات الراوي.

ب. الترجيح بالشهرة العمليّة

قد ورد الترجيح بالشهرة العملية، أي عمل جلّ الأصحاب بالرواية، دون الرواية الأُخرى، في المقبولة السابقة، فقد طرح عمر بن حنظلة مساواة الراويين في الصفات قائلاً:
«فقلت: إنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضَّل واحد منهما على الآخر، قال: فقال:
يُنظر إلى ما كان من روايتهم عنّا ـ في ذلك الذي حكما به ـ المجمعَ عليه عند أصحابك فيُؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه.
إنّما الأُمور ثلاثة:أمر بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيّه فيُجتنب، وأمر مشكل يُرد علمه إلى اللّه وإلى رسوله».1
يلاحظ على الاستدلال بأنّه: يحتمل جداً اختصاص الترجيح بالشهرة العملية بمورد القضاء وفصل الخصومة الذي لا يصحّ فيه إيقاف الحكم

1 . الكافي: 1/68.

صفحه 261
فيرجّح أحد الحكمين على الآخر بملاحظة مصدره، وأمّا لزوم الترجيح بها أيضاً في تعارض الخبرين في مقام الإفتاء، فغير ظاهر من الحديث، لا يثبته ولا ينفيه،إلا إذا قيل بإلغاء الخصوصية بين المقامين عرفاً. ببيان انّ المرجِّح كون الخبر مشهوراً أو شاذاً، من دون نظر إلى كون المورد حكماً شرعياً أو قضاءً بين المتحاكمين.

ج . الترجيح بموافقة الكتاب

إنّ الإمعان في المقبولة يثبت انّ صدر الحديث بصدد بيان مرجحات القضاء، لكن السائل لمّا وقف على أنّ الإمام (عليه السلام) يقدّم رأي أحد القاضيين على الآخر بحجّة أنّ مستند أحدهما هو الخبر المجمع عليه، بدا له أن يسأله عن تعارض الخبرين ومرجّحاتهما مع قطع النظر عن كونهما مصدراً للقضاء وقال:
فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهماالثقات عنكم؟
قال: «ينظر فماوافق حكمه حكم الكتاب والسنّة (وخالف العامة) فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة (ووافق العامة)».1
ويدلّ على الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة غير واحد من الروايات:
روى عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، قال: قال الصادق (عليه السلام) : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه».2

1 . أخذنا الرواية في جميع مقاطعها من كتاب الكافي: 1/67، الحديث 10، لأنّ صاحب الوسائل جزّأها على عدّة أبواب.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29;ولاحظ أيضاً الحديث 20 و21 من هذا الباب.

صفحه 262
ثمّ إنّه ليس المراد من مخالفة الكتاب هو المخالفة بالتناقض والتباين الكلّي، لأنّ عدم حجية المباين الصريح معلوم لا يحتاج إلى البيان أوّلاً، ولا يضعه الوضّاعون ثانياً، لأنّه يواجَه من أوّل الأمر بالنقد والرد بأنّه كذب موضوع على لسان الإمام.
فإذن المراد من مخالفة الكتاب هو المخالفة بمثل العموم والخصوص، فلو كان أحد الخبرين موافقاً لعموم الكتاب والآخر مخالفاً له بنحو التخصيص يؤخذ بالأوّل دون الثاني،وإن كان المخالف(الخاص) حجّة يخصص به الكتاب إذا لم يكن مبتلى بالمعارض.

د. الترجيح بمخالفة العامة

روى عمر بن حنظلة ، قال: قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: «ما خالف العامة ففيه الرشاد».
فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً، قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل ـ حكّامهم وقضاتهم ـ فيترك ويؤخذ بالآخر».1
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (البصري)
قال: قال الصادق (عليه السلام) :«فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما
على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه».2

1 . مضى مصدر الرواية.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29; لاحظ الحديث 21، 30، 31، 34، 40، 42، 48 من ذلك الباب.

صفحه 263

وجه الإفتاء بالتقيّة

إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا يفتون بالتقية خوفاً من شرّ السلطان أوّلاً، وفقهاء السلطة ثانياً، والمحافظة على نفوس شيعتهم ثالثاً، وكان العامل الثالث من أكثر الدواعي إلى الإفتاء بها، وكفانا في ذلك ما جمعه المحدّث البحراني في هذا الصدد، في مقدّمة حدائقه.1
إنّ الرواة كانوا على علم بأنّ الإمام ربما يفتي في مكاتيبه بالتقيّة بشهادة ما رواه الصدوق باسناده عن يحيى بن أبي عمران أنّه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام) في السنجاب والفنك والخز، وقلت: جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب إليَّ بخطّه :«صلّ فيها».2
لم يكن للإمام بُد، من إعمالها لصيانة دمه ودم شيعته حتى نرى أنّه ربما كان يذم أخلص شيعته، كزرارة في غير واحد من المحافل حتى لا يؤخذ ويضرب عنقه بحجّة أنّه من شيعة أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام) .
وكانت بطانة علومه و خاصة شيعته يميزون الحكم الصادر عن تقية، عن الحكم الصادر لبيان الواقع عندما كانت تصل إليهم أجوبة الإمام، فإن كان على وجه التقية يقولون لمن جاء به: «أعطاك من جراب النورة»3 وعندما كان يفتي بالحكم الواقعي يقولون: «جئت بها من عين صافية».4

الأمر الثاني: الأخذ بالمرجّحات لازم

لا شكّ أنّ من رجع إلى لسان الروايات يقف على لزوم العمل

1 . الحدائق الناضرة: 1/5ـ8.
2 . الوسائل: 3، الباب3 من أبواب لباس المصلّي، الحديث6.
3 . الوسائل: 17، الباب1 من أبواب ميراث ولاء العتق من كتاب الإرث، الحديث16.
4 . الوسائل:17، الباب13 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد من كتاب الإرث، الحديث3.

صفحه 264
بالمرجّحات، ولا يمكن حملها على الاستحباب إذ كيف يمكن حمل الأمر في قوله(عليه السلام) :«ما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه» على الاستحباب، وقد سبق أنّ الأمر حجّة من المولى على العبد، فليس له ترك العمل إلاّ بحجّة أُخرى.
وأمّا ما هو ترتيب العمل بالمرجحات، فهل يقدّم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة أولا؟
الجواب: انّ المستفاد من رواية عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه هو تقديم الترجيح بالأوّل على الثاني، وقد مضى نصّها.1

الأمر الثالث: التعدّي من المنصوص إلى غير المنصوص

قدعرفت أنّ المنصوص من المرجحات لا يتجاوز الاثنين«موافقة الكتاب ومخالفة العامة»،وهل يجب الاقتصار عليهما، والرجوع في غيرهما إلى أخبار التخيير، أو يجوز التعدّي من المنصوص إلى غيره، فيعمل بكل خبر ذي مزية، ولا تصل النوبة إلى أخبار التخيير إلاّ بعد تساوي الخبرين في كلِّ مزيّة توجب أقربية أحدهما إلى الواقع؟
الحقّ هو الأوّل: لأنّ إطلاق أخبار التخيير يفرض علينا التخيير في مطلق المتعارضين، سواء أكانا متكافئين أم غير متكافئين، خرجنا عن إطلاقها بروايات الترجيح، وأمّا في غير موردها فالمحكّم هو أخبار التخيير، فلو كان في أحد الطرفين مزيّة غير منصوصة، فالتخيير هو المحكّم.
***

1 . لاحظ الصفحة 261 من هذا الكتاب.

صفحه 265

النتائج المحصّلة

قد خرجنا من هذا البحث الضافي في هذا المقصد بالنتائج التالية:
1. إذا كان التنافي بين الخبرين أمراً غير مستقرّ، يزول بالتدبّر، فهو خارج عن باب التعارض، وداخل في باب الجمع الدلاليّ بين الخبرين.
2. أنّ القاعدة الأوّلية في الخبرين المتعارضين اللّذين يكون التنافي بينهما أمراً مستقراً، هو التساقط والرجوع إلى دليل آخر، كالعمومات والإطلاقات إن وُجدت، وإلاّ فالأصل العملي، لكن خرجنا عن تلك القاعدة بأخبار التخيير.
3. أنّ مقتضى أخبار التخيير و إن كان هو التخيير بين الخبرين مطلقاً، سواء كان هناك ترجيح أو لا، لكن خرجنا عن مقتضى تلك الأخبار بلزوم إعمال المرجحات المنصوصة فقط دون غيرها. وهي منحصرة في موافقة الكتاب ومخالفة العامة، والأوّل مقدّم على الثاني.

صفحه 266
التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه

خاتمة المطاف

التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان بنحو العموم والخصوص المطلق، أو المطلق والمقيّد، فقد علمت أنّه من أقسام التعارض غير المستقر وانّه داخل في قاعدة الجمع، وانّ المرجع هناك هو الجمع بينهما، بتخصيص العام و تقييد المطلق.
وأمّا إذا كان التنافي بينهما بنحو التباين الكلي فالمرجع هو الترجيح، ثمّ التخيير، كما إذا ورد في الخبر: «ثمن العذرة سحت» وفي الخبر الآخر:«لا بأس بثمن العذرة».
بقي الكلام فيما إذا كان التعارض بين الدليلين على نحو العموم والخصوص من وجه، كما إذا قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال:«لا تكرم الفسّاق» فيكون العالم الفاسق مجمع العنوانين فيجب إكرامه باعتبار كونه عالماً، ويحرم باعتبار كونه فاسقاً، فما هي الوظيفة؟
وكما إذا ورد دليل يدلّ بإطلاقه على نجاسة عذرة كلّ مالا يؤكل لحمه، وورد دليل آخر يدلّ بإطلاقه على طهارة عذرة كلّ طائر، فيكون الطائر غير المأكول مجمع العنوانين، فهل يحكم بنجاسة عذرته بحكم الدليل الأوّل، أو بطهارته بحكم الدليل الثاني ؟

صفحه 267
لا شكّ في انصراف روايات التخيير عن المقام، لأنّ المتبادر من قوله في رواية الحسن بن الجهم «يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقة ـ بحديثين مختلفين» هو اختلافهما في تمام المدلول لا في بعضه، فإذا كان الاختلاف في بعض المدلول فيقع الكلام في أمرين:
1. حكم مورد الاجتماع فيؤخذ بالحديث المطابق لإطلاقات الكتاب والسنة، فلو كان حكم أحد الدليلين في مورد الاجتماع موافقاً للكتاب أو السنة، دون غيره، أو مخالفاً للعامّة، فيؤخذ به دون الآخر.
2. حكم موردي الافتراق، فيعمل بهما في موردي الافتراق ولا محذور في ذلك لإمكان أن يكون الإمام في مقام بيان الحكم الواقعي بالنسبة إلى أصل الحكم لا بالنسبة إلى إطلاقه، فلا مانع من الأخذ بالحكم وطرد اطلاقه بالمرجح(اطلاق الكتاب والسنّة) لعدم التعارض في الموردين، وليس الخبر كشهادة الشاهد حيث لا يجوز الأخذ ببعض مدلولها دون بعض.
تمّ الكلام بحمد اللّه في تعارض الأدلّة
وقع الفراغ من تحرير هذا الكتاب، ولاح بدر تمامه بيد مؤلّفه جعفر السبحاني
ابن الفقيه الشيخ محمد حسين الخياباني التبريزي ـ قدّس اللّه سرّه ـ
يوم الأحد ثامن شهر رجب المرجب
من شهور عام 1418 من الهجرة النبوية
على هاجرها وآله ألف صلاة وتحية.

صفحه 268

صفحه 269
فهرس المحتويات   

فهرس المحتويات

مقدّمة المؤلف   …7
الفهرس العام لهذا الكتاب   …9
المقدّمة، و فيها أُمور    …10
الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول وموضوعه وغايته   …11
الأمر الثاني: تقسيم مباحثه   …12
الأمر الثالث: الوضع    …13
   أقسام الوضع   …13
   تقسيم الوضع بحسب اللفظ الموضوع   …15
الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصوّرية وتصديقيّة   …15
الأمر الخامس: الحقيقة والمجاز    …16
الأمر السادس: علائم الحقيقة و المجاز   …17
   1. التبادر   …17
   2. صحّة الحمل وعدم صحّة السلب   …18
   3. الإطّراد   …19
   4. تنصيص أهل اللغة   …20
الأمر السابع: الأُصول اللفظية    …21
   1. أصالة الحقيقة   …21
   2. أصالة العموم   …22
   3. أصالة الإطلاق   …22
   4. أصالة عدم التقدير   …22
   5. أصالة الظهور   …22

صفحه 270
الأمر الثامن: الاشتراك والترادف   …23
الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى   …25
الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية   …26
الأمر الحادي عشر: الصحيح و الأعم   …27
الأمر الثاني عشر: هل المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدأ بالفعل أو أعم منه...   …29
   1. الفرق بين المشتق النحويّ والأُصولي   …30
   2. اختلاف أنحاء التلبّسات حسب اختلاف المبادئ   …31
      تطبيق   …33
المقصد الأوّل: في الأوامر
الفصل الأوّل: في مادّة الأمر   …37
   المبحث الأوّل:لفظ الأمر مشترك لفظي   …37
   المبحث الثاني: اعتبار العلوّ و الاستعلاء في صدق مادّة الأمر بمعنى الطلب   …38
   المبحث الثالث: في دلالة مادة الأمر على الوجوب   …39
الفصل الثاني: في هيئة الأمر   …40
   المبحث الأوّل : في بيان مفاد الهيئة   …40
   المبحث الثاني: دلالة هيئة الأمر على الوجوب   …42
   المبحث الثالث: استفادة الوجوب من أساليب أُخرى   …42
   المبحث الرابع: الأمر عقيب الحظر   …43
   المبحث الخامس: المرّة و التكرار   …44
   المبحث السادس: الفور والتراخي   …44
الفصل الثالث: الإجزاء   …46
   المبحث الأوّل: إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياريّ   …46

صفحه 271
   المبحث الثاني: في إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي   …48
الفصل الرابع: مقدّمة الواجب   …50
   تعريف المقدّمة   …50
   الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية   …50
   الثاني: تقسيمها إلى عقلية و شرعية و عادية   …51
   الثالث: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود والصحّة و الوجوب و العلم   …51
   الرابع: تقسيمها إلى السبب والشرط والمُعدّ والمانع   …52
   الخامس: تقسيمها إلى مفوِّتة و غير مفوِّتة   …53
   السادس: تقسيمها إلى مقدّمة عبادية وغيرها   …53
   الأقوال في المسألة   …54
   وجوب المقدّمة بين اللغوية و عدم الحاجة   …54
الفصل الخامس: في تقسيمات الواجب   …56
   1. تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط   …56
   2. تقسيم الواجب إلى المؤقّت وغيرالمؤقّت   …58
      تتمة هل القضاء تابع للأداء؟   …59
   3. تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري   …59
   4. تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي   …59
   5. تقسيم الواجب إلى العيني والكفائي   …60
   6. تقسيم الواجب إلى التعييني و التخييري   …60
   7. تقسيم الواجب إلى التوصّلي والتعبّدي   …60
الفصل السادس: اقتضاء الأمر بالشيء ، النهي عن ضدّه   …61
   المسألة الأُولى : الضدّ العام   …62
   المسألة الثانية: الضد الخاص   …63

صفحه 272
   الثمرة الفقهية للمسألة    …64
الفصل السابع: نسخ الوجوب   …65
الفصل الثامن: الأمر بالأمربفعل، أمر بذلك الفعل   …67
الفصل التاسع: الأمر بالشيء بعد الأمر به   …69
المقصد الثاني: في النواهي
الفصل الأوّل: في مادة النهي و صيغته   …73
   ظهور الصيغة في التحريم   …74
   النهي والدلالة على المرّة والتكرار   …75
الفصل الثاني: اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين   …75
   الأمر الأوّل: في أنواع الاجتماع   …75
   الأمر الثاني: ما هو المراد من الواحد في العنوان؟   …76
   الأمر الثالث: الأقوال في المسألة   …77
الفصل الثالث :في اقتضاء النهي للفساد   …80
   المقام الأوّل: في العبادات   …80
   المقام الثاني: في المعاملات   …82
   تطبيقات   …84
      1. الصلاة بالذهب    …84
      2. إذا فرَّق الزكاة بين الفقراء مع طلب الإمام    …84
      3. لو تضرّر باستعمال الماء    …85
      4. التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوبين    …85
      5. الاكتفاء بالأذان المنهيّ عنه    …85
      6. حرمة الاستمرار في الصلاة   …85
      7. النهي عن التكفير في الصلاة   …85

صفحه 273
      8 . صوم يوم الشك بنيّة رمضان   …86
      9. القِران بين الحج والعمرة   …86
      10. شرط اللزوم في المضاربة   …86
المقصد الثالث: في المفاهيم
   الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق   …89
   الأمرالثاني: المدلول المنطوق بين صريح وغيره   …90
   الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي   …91
   الأمر الرابع: تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق   …91
   الأمر الخامس: أقسام مفهوم المخالف   …92
الأوّل: مفهوم الشرط   …93
   تطبيقات   …96
   التنبيه الأوّل: إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء   …99
   التنبيه الثاني: في تداخل الأسباب والمسببات   …101
   تطبيقات   …103
الثاني: مفهوم الوصف   …104
الثالث: مفهوم الغاية   …107
الرابع: مفهوم الحصر   …110
   1. إلاّ الاستثنائية    …110
   2. كلمة «إنّما»   …111
   3. «بل»    …111
   4. من أدوات الحصر توسيط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر   …112
   5. من أدوات الحصر تعريف المسند إليه باللاّم   …112

صفحه 274
   6. من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير   …112
   تطبيقات   …113
الخامس: مفهوم العدد   …114
   تطبيقات   …115
السادس: مفهوم اللقب   …116
المقصد الرابع: العموم والخصوص
تمهيد   …119
الفصل الأوّل: ألفاظ العموم   …120
   1. وقوع النكرة في سياق النفي   …120
   2. الجمع المحلّى باللاّم   …121
   3. المفرد المحلّى باللام   …121
الفصل الثاني: هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟   …122
الفصل الثالث: حجّية العام المخصَّص في الباقي   …125
الفصل الرابع: التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصص   …126
الفصل الخامس: تخصيص العام بالمفهوم   …127
   المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق   …127
   المبحث الثاني:هل يخصص العام بالمفهوم المخالف ؟   …128
الفصل السادس: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد   …128
الفصل السابع: تعقيب الاستثناء للجمل المتعدّدة   …130
الفصل الثامن: النسخ و التخصيص   …131
المقصد الخامس: في المطلق والمقيّد والمجمل والمبين
الفصل الأوّل: تعريف المطلق   …137

صفحه 275
الفصل الثاني: ألفاظ المطلق   …139
   1. اسم الجنس   …139
   2. علم الجنس   …140
   3. المعرّف بالألف واللام   …140
   4. النكرة   …140
الفصل الثالث: في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً   …141
الفصل الرابع: مقدّمات الحكمة   …142
الفصل الخامس: المطلق و المقيّد المتنافيان   …144
الفصل السادس: المجمل و المبين   …145
المقصد السادس: في الحجج والأمارات
الحجّج والأمارات   …149
   تقسيم المكلّف باعتبار الحالات   …149
المقام الأوّل: القطع و أحكامه   …151
الفصل الأوّل: حجّية القطع   …151
الفصل الثاني: التجرّي   …153
   الموضع الأوّل: في حكم نفس التجرّي   …153
   الموضع الثاني: في حكم الفعل المتجرّى به   …154
الفصل الثالث: تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي   …155
   تطبيقات   …156
الفصل الرابع: قطع القطّاع   …157
الفصل الخامس: هل المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً؟   …159
الفصل السادس: حجّية العقل   …162
   حجّية العقل في مجالات خاصة   …162

صفحه 276
   تطبيقات   …165
الفصل السابع: العرف والسيرة   …167
   1. استكشاف الجواز تكليفاً أووضعاً   …167
   2. تبيين المفاهيم   …169
   3. تشخيص المصاديق   …170
   4. حل الإجمالات في ظلّ الأعراف الخاصة   …170
المقام الثاني: أحكام الظنون المعتبرة   …172
   الموضع الأوّل: في إمكان التعبّد بالظن   …172
   الموضع الثاني: في ورود التعبد بالظن بعد ثبوت إمكانه   …173
الفصل الأوّل: حجّية ظواهر الكتاب العزيز   …174
   هل الظواهر من الظنون أو من القطعيّات؟    …176
الفصل الثاني: الشهرة الفتوائيّة   …178
الفصل الثالث: حجّية السنّة المحكية بالخبر الواحد   …179
   1. الاستدلال بالكتاب العزيز   …180
      1. آية النبأ   …180
         الأوّل: الاستدلال بمفهوم الشرط   …181
         الثاني: الاستدلال بمفهوم الوصف   …182
      2. آية النفر   …183
      3. آية الكتمان   …184
      4. آية السؤال   …185
   2. الاستدلال بالروايات   …185
      العبرة بوثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية   …187
   3. الاستدلال بالإجماع   …187

صفحه 277
   4. الاستدلال بالسيرة العقلائية   …188
الفصل الرابع: الكلام في الإجماع   …190
   المقام الأوّل: الإجماع المحصّل عند السنّة و الشيعة   …190
      حجّية الإجماع المحصل عند الإمامية   …191
   المقام الثاني: الإجماع المنقول بالخبر الواحد   …192
الفصل الخامس: حجّية قول اللغوي   …195
المقصد السابع: الأُصول العملية
الأُصول العملية   …199
   توضيحه   …200
الفصل الأوّل: أصالة البراءة   …201
   المقام الأوّل: الشبهة التحريمية و فيها مسائل أربع   …202
      المسألة الأُولى: في الشبهة الحكمية التحريمية لأجل فقدان النص   …202
      1. التعذيب فرع البيان   …202
      2. حديث الرفع   …203
         اختصاص الحديث بما يكون الرفع منّة على الأُمّة   …204
      3. مرسلة الصدوق   …205
      4. الاستدلال بالعقل   …205
   التعارض بين القاعدتين   …206
   أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية التحريميّة   …208
   الاستدلال بالكتاب   …208
   الاستدلال بالسنّة   …209
   الأُولى: حرمة الإفتاء بلا علم   …209

صفحه 278
   الثانية: ما ورد من الأمر بالاحتياط قبل الفحص   …210
   الثالثة: لزوم الوقوف عند الشبهة   …210
   الرابعة: حديث التثليث   …211
   الاستدلال بالعقل   …213
   المسألة الثانية: الشبهة الحكمية التحريمية لإجمال النصّ   …214
   المسألة الثالثة: الشبهة الحكمية التحريمية لتعارض النصّين   …214
   المسألة الرابعة: الشبهة الموضوعيّة التحريميّة   …215
   المقام الثاني: في الشبهة الوجوبية   …215
الفصل الثاني: أصالة التخيير   …216
   المسألة الأُولى: دوران الأمر بين المحذورين لفقدان النص   …216
   المسألة الثانية: دوران الأمر بين المحذورين لإجمال النص   …217
   المسألة الثالثة : دوران الأمر بين المحذورين لتعارض النصّين   …217
   المسألة الرابعة: دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الموضوعية   …217
   هل التخيير ابتدائي أو استمراريّ؟    …218
الفصل الثالث: أصالة الاحتياط   …219
   المقام الأوّل: الشبهة التحريمية   …219
      حكم الشبهة المحصورة   …220
      الاستدلال على جواز الترخيص   …221
      الشبهة غير المحصورة   …222
   المقام الثاني: الشبهة الوجوبية   …224
      الموضع الأوّل: الشبهة الحكمية الوجوبية الدائرة بين متباينين   …224
      الموضع الثاني: الشبهة الحكمية، الوجوبية الدائرة بين الأقل و الأكثر   …225
      المسألة الأُولى: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل فقدان النص   …226

صفحه 279
      استدلال القائلين بالاحتياط   …226
      المسألة الثانية: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل إجمال النص   …227
      المسألة الثالثة: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل تعارض النصّين   …228
      المسألة الرابعة: دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الشبهة الموضوعية   …228
   حكم الشكّ في المانعية والقاطعية   …228
الفصل الرابع: الاستصحاب   …230
   الثاني: أركان الاستصحاب   …230
   الثالث: تطبيقات   …231
   الرابع: الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين   …231
   أدلّة حجّية الاستصحاب   …232
      1. صحيحة زرارة الأُولى   …233
      2. صحيحة زرارة الثانية   …234
      3. حديث الأربعمائة   …235
في تنبيهات الاستصحاب   …237
   التنبيه الأوّل: في فعلية الشك   …237
   التنبيه الثاني: في استصحاب الكلّـي   …237
      القسم الأوّل من استصحاب الكلّي   …238
      القسم الثاني من استصحاب الكلّي   …238
      القسم الثالث من استصحاب الكلّي   …239
   التنبيه الثالث: عدم حجّية الأصل المثبت   …240
   التنبيه الرابع: تقدّم الأصل السببي على المسببي   …241
   التنبيه الخامس: تقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول   …242

صفحه 280
المقصد الثامن: في تعارض الأدلّة الشرعية
الفصل الأوّل: في الجمع بين الدليلين أو التعارض غير المستقر   …248
   أ. دوران الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق   …252
   ب. إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن   …252
   ج. دوران الأمر بين التقييد والحمل على الاستحباب   …253
الفصل الثاني: التعارض المستقر أو إعمال الترجيح والتخيير   …254
   الأوّل: ماهي القاعدة الأوّلية عند التعارض؟   …254
   الثاني: ماهي القاعدة الثانوية عند التعارض؟   …255
   الصورة الأُولى: الخبران المتعارضان المتكافئان   …255
      هل التخيير بدوي أو استمراري؟   …256
      ما هو مرجع الروايات الآمرة بالتوقّف؟   …256
   الصورة الثانية: الخبران المتعارضان غير المتكافئين   …258
   الأمر الأوّل: في بيان المرجّحات الخبرية   …258
      أ. الترجيح بصفات الراوي   …258
      ب. الترجيح بالشهرة العمليّة   …260
      ج . الترجيح بموافقة الكتاب   …261
      د. الترجيح بمخالفة العامة   …262
      وجه الإفتاء بالتقيّة   …263
   الأمر الثاني: الأخذ بالمرجّحات لازم   …263
   الأمر الثالث: التعدّي من المنصوص إلى غير المنصوص   …264
   النتائج المحصّلة   …265
خاتمة المطاف: التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه   …266
فهرس المحتويات   …269

صفحه 281
Website Security Test