welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : تهذيب الأُصول_الجزءالثاني*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تهذيب الأُصول_الجزءالثاني

تهذيب الأُصول

الجزء الثاني

تقرير ابحاث الأُستاذ الأعظم والعلامة الأفحم

آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي
الإمام الخميني - قدس سره -

تأليف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب :   تهذيب الاُصول / ج 2

المؤلف :   آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي

تحقيق ونشر :   مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ

سنة الطبع :   شهريور 1381 ـ جمادى الثانية 1423

الطبعة :   الاُولى

المطبعة :   مطبعة مؤسسة العروج

الكمية :   3000 نسخة

السعر :    16000 ريال

سعر الدورة :    55000 ريال


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)

(5)

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله خالق العباد ، وساطع المهاد ; حمداً كلّما وقب ليل وغسق ، أو لاح نجم وخفق ، والصلاة والسلام على سفيره ونبيّه وأمينه على وحيه وتنزيله ، وصفيّه وبعيثه محمّد ، وعلى أئمّة الحقّ من بعده ، الذين أضاءت بهم البلاد بعد الضلالة المظلمة والجهالة الغالبة ; صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج والأرض ذات فجاج . أمّا بعد :

فهذه عقود درّية تزيّن المعاصم ، وأقراط تشفّ المسامع ، لا بل هي غرر وطرائف ، ودرر وظرائف التقطتها من بحث سيّدنا العلاّمة الحجّة ، كعبة العلم ومناره ، ولجّة الفضل وتيّاره ، مولانا الأفخم والمحقّق الأعظم ، الاُستاذ الأكبر ، آية الله الحاج آغا روح الله الخميني ، دامت أظلاله على رؤوس المسلمين .

هذه الصحائف والأوراق تحتوي لبّ ما أفاده في مجلس درسه الشريف ، وتشير إلى آرائه وأنظاره ـ قديمها وحديثها ـ بعبائر وجيزة وتراكيب غير مملّة ، غير أ نّه ـ دام ظلّه الوارف ـ طلباً للاطمئنان قد أشرف على عامّة ما حبرته يراعتي إشرافاً تامّاً ، وأعاد النظر ودقّق حتّى جاءت صحيفة مكرّمة واقعة مورد القبول ، حافلة لما بقي من المباحث اللفظية ، وما سيوافيك من الاُصول العقلية .

ولمّا تمّ نظامه وتمسّك ـ بحمد الله ـ ختامه أهديته إلى أخي وصديقي في الله ، العلاّمة المفضال ، رجل العلم والفضيلة ، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دامت معاليه .


(6)


(7)

المقصد الثاني
في النواهي

وفيه فصول :


(8)


(9)

الفصل الأوّل
في مفاد هيئة النهي

متعلّق الطلب في النهي

المشهور بين الأعلام ـ منهم المحقّق الخراساني(1) ـ أنّ النهي كالأمر في دلالته على الطلب ، غير أنّ متعلّقه هو الترك ونفس أن لا تفعل .

والتحقيق : امتناع ذلك ثبوتاً ، ومخالفته لظواهر الكلام إثباتاً :

أ مّا الأوّل : فلأنّ الإرادة لا تتعلّق بشيء إلاّ بعـد حصول مبادئها ; من التصوّر والتصديق بالفائدة والاشتياق إليه أحياناً ، بل هـذه المبادئ من علل حصول الإرادة ووجـودها . وحينئذ : فالعدم والترك من الاُمور الباطلة الوهمية ، لا  يمكـن أن يكون ذا مصلحـة تتعلّق بـه اشتياق وإرادة أو بعث وتحريك ; إذ البطلان المحض لا يترتّب عليه أثر حتّى يقع مورد التصديق بالفائدة ، وقـد عرفت(2)  أنّ ما هـو المشهور مـن أنّ للأعدام المضافة حظّاً من الوجـود ممّا لا  أصل له ; إذ الوجود لملكاتها لا لأعدامها .


1 ـ كفاية الاُصول : 182 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 411 .


(10)

وأوضح بطلاناً ما ربّما يقال : بتعلّق الطلب ببعض الأعدام وجداناً ; لأنّ ذلك مغالطة ، وحصلت من أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات ; لأ نّه قد يكون وجود شيء مبغوضاً لفساد فيه ، فينسب المحبوبية إلى عدمه عرضاً بعد تصوّره بالحمل الأوّلي . وبالجملة فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى البيان .

وبذلك يظهر : أنّ النزاع الدائر بين قدماء الاُصوليين من أنّ متعلّق النهي هل هو الكفّ أو نفس أن لا تفعل ; ظانّين أنّ الحقّ منحصر فيهما(1)  ليس كما ينبغي ، بل هنا وجه آخر ، كما سيوافيك بيانه .

وأ مّا مخالفته للظواهر إثباتاً فلأنّ النهي كالأمر ينحلّ إلى مادّة وهيئة ، والمادّة تدلّ على نفس الماهية ، والهيئة تدلّ على الزجر عن الماهية أو عن إيجادها بالمعنى الحرفي كما سبق(2) ، وليس هناك شيء يدلّ على الترك والعدم ; لا مادّة ولا هيئة .

والتحقيق ـ كما هو المتبادر من النواهي ـ أنّ مادّتها هي مادّة الأوامر ، لا تدلّ إلاّ على نفس الطبيعة ، ولكن مفاد هيئة الأمر هو البعث والتحريك تشريعاً ، ومفاد هيئة النهي هو الزجر والمنع عن الطبيعة تشريعاً وقانوناً .

والسرّ في ذلك : أنّ ملاك الأمر هو اشتمال المتعلّق على مصلحة ملزمة ، كما أنّ ملاك الآخر هو اشتمال وجود الطبيعة على مفسدة شخصية أو نوعية ، فكما أنّ مقتضى الأوّل هو التحريك لاستيفائها كذلك مقتضى الثاني هو زجره ومنعه عن إيجادها . والمناسب مع اشتمال الطبيعة على المفسدة هو الزجر عنها ، لا طلب تركها والبعث إلى استمرار عدمها ; إذ هذا أشبه شيء بالأكل عن القفاء ، كما لا يخفى .


1 ـ راجع معالم الدين : 90 ـ 91 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 191 .


(11)

ويؤيّد ما ذكرنا : التفحّص حول سائر اللغات ; فإنّ مرادف قولنا لا تضرب في الفارسية كلمة «نزن» وليس مفاده عرفاً وتبادراً إلاّ ماذكرنا . على أ نّه لو صرّح بطلب العدم لابدّ من تأويله لما عرفت من امتناع تعلّق الإرادة به .

دلالة النهي على التكرار

ثمّ إنّه لا خلاف بين العقلاء في النواهي ـ ومنها النواهي الشرعية ـ في أنّ النهي يتميّـز عن الأمر بأنّ مقتضى النهي لدى العرف هو ترك جميع الأفراد ـ  عرضية كانت أو طولية ـ بخلاف الأمر ; فإنّ الغرض منه يحصل بإيجاد فرد واحد منه ، ويسقط الأمر به دون جميع الأفراد .

لكن الكلام في أنّ ذلك من ناحية اللغة أو حكم العقل أو العرف :

فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ مقتضى العقل أنّ الطبيعي يوجد بفرد ما ، وينعدم بعدم جميع الأفراد(1) .

وأنت خبير بفساد هذه القاعدة ; لأنّ المراد منها إن كان هو الطبيعة المهملة ـ  أي بلا شرط  ـ فهي كما توجد بفرد ما تنعدم بانعدام فرد ما ، وإن اُريد الطبيعة السارية في مصاديقها ـ على اصطلاح القوم ـ فهي لا توجد إلاّ بوجود جميع مصاديقها .

هذا ، وقد عرّفناك(2) : أنّ الطبيعي متكثّر وجوداً وعدماً ، فكما أنّ له وجودات كذلك له أعدام بعدد الأفراد ; إذ كلّ فرد حائز تمام الطبيعي بلا نقصان ، فعدمه يكون عدماً للطبيعي حقيقة .


1 ـ كفاية الاُصول : 182 ـ 183 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 27 و 496 .


(12)

وما قرّر في المنطق من أنّ نقيض السالبة الكلّية هو الموجبة الجزئية ليس مبنياً على أساس عقلي وبرهان علمي ، بل على الارتكاز العرفي المسامحي ; لأنّ الطبيعة لدى العرف العامّ توجد بفرد ما وتنعدم بعدم جميع الأفراد .

فإن قلت : فعلى هذا قد انحلّت العويصة ; لأنّ القاعدة المزبورة وإن لم يساعدها البرهان إلاّ أنّ الارتكاز العرفي يساعدها في محاوراتهم ، والنواهي الشرعية تحمل على المحاورات العرفية . فحينئذ إذا تعلّق نهي بطبيعة يكون حكمه العقلائي أنّ امتثاله بترك الأفراد جميعاً .

قلت : نعم ، لكنّه يتولّد منه عويصة اُخرى ; وهو أنّ لازم ذلك أن يكون للنهي امتثال واحد ومعصية واحدة ; لعدم انحلاله إلى النواهي ، مع أنّ العرف لا يساعده كما ترى ، ولذا لو خولف يرى العرف أنّ النهي بحاله . هذا حكم العقل والعرف .

وأ مّا اللغة : فلا دلالة للنهي وضعاً بمادّته وهيئته عليه ; ضرورة أنّ ما تعلّق به هيئة الأمر عين ما تعلّق به هيئة النهي ; وهو نفس الطبيعة لا بشرط ، والهيئة لا تدلّ إلاّ على الزجر مقابل البعث ، وليس للمجموع وضع على حدة .

وأفاد بعض الأعيان من المحقّقين ـ رحمه الله ـ في رفع الإشكال : أنّ المنشأ حقيقة ليس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبيعة كذلك ، بل سنخه الذي لازمه تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من طبيعة العدم عقلاً ; بمعنى أنّ المولى ينشئ النهي بداعي المنع نوعاً عن الطبيعة بحدّها الذي لازمه إبقاء العدم بحدّه على حاله ، فتعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من العدم تارة بلحاظ الحاكم ، واُخرى بحكم العقل لأجل جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعي العدم بحدّه(1) ، انتهى .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 291 .


(13)

قلت وفيه أ مّا أوّلاً ـ فبعد الغضّ عن أنّ النهي ليس طلباً ، والمتعلّق ليس عدماً  ـ أ نّه منقوض بمثله ; إذ لقائل أن يقول : إنّ الأمر حقيقة في جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعي الفعل ، مع أ نّه باطل .

وأ مّا ثانياً : فإنّ ما يدّعي من إنشاء سنخ الطلب إن كان لأجل اتّحاد السنخ والطبيعي مع الشخص ، فبجعله يصير مجعولاً ، ففيه : أ نّه لا يفيد ; لأنّ الطبيعي في الخارج ليس إلاّ الفرد ، فلا يكون قابلاً للانحلال عقلاً .

وإن كان لأجل كون جعل طبيعي الطلب القابل للكثرة ملازماً لطبيعي العدم ; بحيث يصير قابلاً للانحلال ، ففيه : أنّ هذا يحتاج إلى لحاظ غير إنشاء الطلب ، ويحتاج إلى قرينة وتجوّز .

ولو التزمنا به فالأهون ماذهب إليه بعض الأعاظم من الالتزام بالعموم الاستغراقي في جانب النهي حتّى ينحلّ النهي بتبعه(1) ; وإن كان خلاف التحقيق ; لعدم استعمال المادّة في الأفراد وجداناً ، كما لم تستعمل الهيئة في الطبيعي على ما ادّعاه المدّعي .

وبذلك يظهر الخلل فيما يقال من أنّ المصلحة تترتّب غالباً على صرف الوجود ، فتكون تلك الغلبة كاشفاً عن تعلّق المصلحة بصرف الوجود المتحقّق بإيجاد فرد ، كما أنّ المفسدة في النهي تترتّب على كلّ فرد ، فتكون قرينة عامّة على أنّ النهي متعلّق بكلّ فرد باستقلاله(2) ، انتهى .

وجه الخلل فيه : أ نّه إن أراد من تعلّق النهي بكلّ فرد أنّ المادّة اُخذت مرآة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 395 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 328 ، الهامش 1 .


(14)

للخصوصيات والزجر تعلّق بكلّ فرد فقد عرفت امتناع مرآتيتها لها ، وضعف ما يتمسّك به لإثباتها من سريان الطبيعة واتّحادها معها .

وإن أراد أنّ النهي متعلّق بالطبيعة إلاّ أنّ تلك الغلبة قرينة على أنّ جدّ المولى هو الزجر عن كلّ فرد ففيه : أنّ الزجر مفاد النهي الاستعمالي ، فإذا استعملت الهيئة في نفس الطبيعة دون الأفراد فلا يرجع كون الزجر عن الأفراد جدّاً إلى محصّل ، إلاّ أن يرجع إلى التشبّث بالاستعمال المجازي ، وهو كما ترى .

وأ مّا ما عن بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ من أنّ الأمر لمّا كان متعلّقاً بالطبيعة فيكون تمام المتعلّق له هو الطبيعة ، فبتحقّق فرد منها يتحقّق تمام المطلوب ، فيسقط الأمر ; لأنّ بقائه مع تحقّق تمام المطلوب جزاف .

وأ مّا النهي فلمّا كان حقيقته الزجر عن الوجود لا طلب الترك يكون حكمه العقلائي هو دفع الطبيعة والزجر عنها بتمام حقيقتها ، فلا يكون المطلوب حاصلاً مع انتهاء المكلّف في زمان ، ولا النهي ساقطاً مع الإتيان بفرد ، فإنّ العصيان لا يعقل أن يكون مسقطاً ; لا في الأمر ولا في النهي ، فإنّ السقوط إمّا بحصول المطلوب أو رفع الموضوع أو موت المكلّف أو عدم قابليته للتكاليف ; لنقصان عارض له ، أو خروج الوقت في الموقّتات ، فلا يكون السقوط مستنداً إلى المعصية في شيء من الموارد . فتحصّل ممّا ذكر : أنّ مفاد النهي لمّا كان هو الزجر فلازم ذلك ماذكرنا ، بخلاف ما لو كان طلب الترك(1) .

غير تامّ ، بل ما أفاده لا يزيد إلاّ عن دعوى كون حكم العرف ذلك ، من غير إقامة برهان مقنع على سرّه .


1 ـ لمحات الاُصول : 208 ـ 210 .


(15)

ومجرّد كون مفاد النهي هو الزجر لا يوجب الفرق في الحكم العقلائي ; ضرورة أنّ المولى إذا قال «اترك شرب الخمر» أو صرّح بـ «أ نّي أطلب منك ترك شرب الخمر» يكون حكمه العقلائي هو لزوم الترك مطلقاً ، ومع الترك في زمان والإتيان في الآخر عدّ مطيعاً وعاصياً .

فهذا الافتراق ليس من جهة كون مفاد النهي هو الزجر ، بل لو فرض تعلّق الزجر بصرف الوجود ـ أي ناقض العدم ـ فمع المخالفة يسقط النهي بالضرورة ; لانتهاء اقتضائه ، كما لو نهاه عن ذكر اسمه في الملأ ; لغرض عدم معروفيته ، فمع ذكره يسقط النهي ، لا لأجل تعلّقه بأوّل الوجود ـ كما توهّم ـ بل لأجل تعلّقه بصرف الوجود ، فيسقط ما ذكر : أنّ العصيان لا يوجب السقوط في شيء من الموارد .

فالأولى أن يتشبّث في جانب النهي بذيل فهم العرف المتّبع في تلك المقامات في كلتا المرحلتين ; أي مرحلة أنّ الطبيعي ينعدم بعدم جميع الأفراد ، ومرحلة أنّ النهي إذا تعلّق بالطبيعة ينحلّ إلى النواهي ، من غير أن تستعمل الطبيعة في الأفراد ، ومن غير فرق بين كون النهي زجراً أو طلب ترك ، فتأمّل .


(16)


(17)

الفصل الثاني
في جواز اجتماع الأمر والنهي

اختلفوا في جـواز اجتماع الأمر والنهي وعدمـه على أقوال ، وقبل الخـوض في المقصود لابدّ مـن تقديم اُمـور :

الأوّل : تحرير محلّ النزاع

المعروف في عنوان البحث عن سلف وخلف : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ، أو لا ؟ ثمّ ذكروا : أنّ المراد مـن الواحـد هـو الواحـد الشخصي لا الجنسي(1) .

وفيه : أنّ ظاهره هو أنّ الهوية الخارجية من المتعلّقين محطّ عروض الوجوب والحرمة ، مع أ نّه من البطلان بمكان ; لأنّ الخارج لا يكون ظرف ثبوت التكاليف ، فاجتماع الأمر والنهي فيه ممّا لا معنى له .

والأولى أن يقال : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين


1 ـ معالم الدين : 93 ـ 94 ، قوانين الاُصول 1 : 140 / السطر5 .


(18)

على واحد في الخارج أو لا ؟ ويكون المراد بالواحد هو الواحد الشخصي ; لأ نّه الذي يتصادق عليه العناوين ، ويخرج الواحد الجنسي والنوعي :

أ مّا الأوّل : لأنّ العناوين لا تتصادق عليه ، بل يكون جنساً لها ، مع أنّ النزاع في الواحد الجنسي مع قطع النظر عن التصادق على الواحد الشخصي ممّا لا معنى له ; ضرورة أنّ الحركة في ضمن الصلاة يمكن أن يتعلّق بها الأمر ، وفي ضمن الغصب أن يتعلّق بها النهي ، مع قطع النظر عن تصادقهما خارجاً .

وأ مّا الثاني : فمضافاً إلى ما تقدّم من عدم محذور مع التكثّر شخصاً أ نّه عبارة عن نفس العنوانين المنطبقين على الواحد الشخصي .

وبذلك يتّضح : أنّ النزاع على ما ذكرنا يصير كبروياً ، لا صغروياً كما زعموا(1) ، فتدبّر .

الثاني : الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي في العبادة

إذا أحطت خُبراً بما أوضحناه في صدر الكتاب عند البحث عن تمايز العلوم وتمايـز مسائل العلم بعضها عـن بعض(2)  تقف على أنّ الفرق بين هـذه المسألة وبين مسألة النهي في العبادة أو المعاملة أوضح من أن يخفى ، بل لا جامع بينهما حتّى نبحث عن تميّزهما ; إذ البحث في المقام على ماذكرناه إنّما هو في جـواز تعلّق الأمـر والنهي على عنوانين متصادقين على واحـد ، كما أنّ البحث هناك في


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 399 ـ 400 ، نهاية الأفكار 1 : 408 ـ 409 ، نهاية الاُصول : 252 ـ 253 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 16 .


(19)

أنّ النهي إذا تعلّق بالعبادة أو المعاملة هل يقتضي الفساد أو لا ؟

فالمسألتان مختلفتان موضوعاً ومحمولاً ، واختلاف المسائل إنّما هو بهما أو بأحدهما ; لأنّ ذات المسائل متقوّمة بهما ، والتميّز بأمر ذاتي هو المميّز بين الشيئين في المرتبة المتقدّمة على التميّز بأمر عرضي ; فضلاً عن الاختلاف بالأغراض .

فما أفاده المحقّق الخراساني : من أنّ الميز إنّما هو في الجهة المبحوث عنها ; التي هي سراية كلّ من الأمر والنهي إلى متعلّق الآخر وعدمها في المقام ، وكون النهي ـ  بعد تسليم سرايته ـ هل يوجب الفساد أو لا في غير المقام(1) .

ليس بصحيح ; لأنّ تمايز العلوم إنّما هو بذواتها ، وأنّ ميز مسألة عن اُخرى ـ  وإن كانتا من مسائل علم واحد ـ إنّما هو بموضوعها ومحمولها معاً أو بأحدهما ، وإذا كانت القضية متميّزة عن اُخرى بجوهرها فلا معنى للتمسّك بما هو خارج من مرتبة الذات .

فإن قلت : إنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية راجعة إلى التقييدية ، فالسراية وعدمها من قيود الموضوع لبّاً ، فالميز صار بنفس الموضوع أيضاً .

قلت : لكن القيد بما هو قيد متأخّر عن ذات المقيّد ، فيكون الاختلاف بالذات مميّزاً قبلها .

أضف إلى ذلك : أنّ الجهة المبحوث عنها ليس هو كون التعدّد في الواحد يوجب تعدّد المتعلّق أو لا ؟ أو أنّ النهي والأمر هل يسري كلّ منهما إلى متعلّق الآخر أو لا ؟ بل ما عرّفناك من جواز الاجتماع ولا جوازه ، ولذلك قلنا : إنّ النزاع كبروي لا صغروي .


1 ـ كفاية الاُصول : 184 .


(20)

وعليه لا حاجة إلى العدول عن العنوان المعروف إلى شيء آخر الذي هو من مبادئ إثبات المحمول للموضوع ، ويعدّ من البراهين لإثباته ; فإنّ جواز الاجتماع ولا جوازه يبتني على السراية وعدمها ، وعلى أنّ تعدّد العنوان هل هو مجد أو لا ؟

وبالجملة : قد جعل ـ قدس سره ـ ما يعدّ من المبادئ والبراهين جهة البحث ومحطّ النزاع ، وهو خارج من دأب المناظرة . هذا كلّه لو أراد بالجهة المبحوث عنها محطّ البحث ومورد النزاع ، كما هو الظاهر .

وإن أراد علل ثبوت المحمول للموضوع ، أو الغرض والغاية للبحث فالأمر أوضح ; لأنّ اختلاف المسألتين ليس بهما قطعاً ; إذ كلّ قضية متميّز بصورته الذهنية أو اللفظية قبل أن يقام عليه البرهان ، بل الغالب صوغ المطالب في قالب الألفاظ أوّلاً ; بحيث يتميّز كلّ واحد قبل إقامة البرهان عن الآخر ، ثمّ يتفحّص عن براهينه ومداركه ، كما أنّ الاختلاف في الغاية فرع اشتمال كلّ واحد من الأمرين على خصوصية مفقودة في الآخر ; حتّى يستند التغاير إليها ، ومعه يسقط كون الميز بالأغراض .

الثالث : في اُصولية مسألة جواز الاجتماع

إنّ المسألة على ما حرّرناه اُصولية ; لصحّة وقوعها في طريق الاستنباط .

والعجب ممّا اُفيد في المقام : من جواز جعلها مسألة فقهية ; حيث إنّ البحث فيها عن صحّة الصلاة في الدار المغصوبة . أو كلامية ; لرجوعه إلى حصول الامتثال بالمجمع أو لا . أو من المبادئ التصديقية ; لرجوع البحث فيه إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض والتزاحم(1) .


1 ـ أجود التقريرات 1 : 332 .


(21)

وفيه : أنّ ما اُفيد أوّلاً من كونها فقهية صرف للمسألة إلى مسألة اُخرى ، وإخراج لها من مجراها ، ولو جاز ذلك لأمكن جعل جلّ المسائل الاُصولية فقهية ، وهو كما ترى .

ومن ذلك يظهر : أنّ جعلها من المسائل الكلامية أيضاً ممّا لا وجه له ; لأنّ كون المسألة عقلية لا يوجب كونها داخلاً فيها ، وإلاّ كانت مسائل المنطق وكلّيات الطبّ كلامية . والقول بأنّ مرجع المسألة إلى أ نّه هل يحسن من الحكيم الأمر والنهي بعنوانين متصادقين على واحـد أو لا ؟ أو هل يحصل الامتثال بالمجمع أو لا ؟ قد عرفت حاله ; فإنّ ذلك إخراج للشيء من مجراه الطبيعي .

وأ مّا ما اختاره ثانياً من كونها من المبادئ التصديقية(1) ، ففيه : أنّ كون بحث محقّقاً وعلّة لوجود موضوع بحث آخر لا يوجب أن يكون من المبادئ التصديقية له . كيف ، وبراهين إثبات وجود الموضوع ـ لو سلّم كونها من المبادئ التصديقية  ـ غيـر علل وجوده . والله تعالى علّـة وجود الموضوعات ومحقّقها ، وليس من المبادئ التصديقية لشيء من العلوم . مع أنّ في كون هذه المسألة محقّقة لوجود الموضوع لمسألة التعارض كلاماً سيوافيك بيانه في المباحث الآتية بإذن الله ، فارتقب حتّى حين(2) .

وربّما يقال في مقام إنكار كونها من المسائل الاُصولية : أنّ موضوع علم الاُصول ما هو الحجّة في الفقه ، ولابدّ أن يرجع البحث في المسائل إلى البحث عن عوارض الحجّة ، وليس البحث في المقام عن عوارضها ; لأنّ البحث عن جواز


1 ـ أجود التقريرات 1 : 333 .
2 ـ يأتي في الصفحة 29 .


(22)

اجتماع الأمر والنهي في عنوانين ليس بحثاً عن عوارض الحجّة في الفقه(1) .

وفيه ـ بعد تسليم كون الموضوع ما ذكره ، والغضّ عمّا تقدّم في صدر الكتاب  ـ أنّ المراد من لزوم كون البحث عن عوارض الحجّة في الفقه إن كان هو البحث عن عوارض الحجّة بالحمل الأوّلي فيلزم خروج كثير من المباحث ، إلاّ مع تكلّفات باردة ، وإن كان المراد البحث عن عوارض ماهو حجّة في الفقه بالحمل الشائع ـ أي ما يستنتج منها نتيجة فقهية ـ ففيه : أنّ المقام كذلك ، وقد أوضحناه فوق ما يتصوّر عند البحث عن حجّية الخبر الواحد(2) ، ومضى ذكر منه عند البحث عن وجوب مقدّمة الواجب(3) .

الرابع : في اعتبار قيد المندوحة

لا إشكال في عدم اعتبار قيد المندوحة لو كان النزاع صغروياً ; لأنّ البحث عن أنّ تعدّد العنوان هل يرفع غائلة اجتماع الضدّين أو لا ، لا يبتني على وجود المندوحة ; إذ لو كان تعدّد الوجه مجدياً في رفع غائلة اجتماع الضدّين لكان وجـود المندوحـة وعدمها سواء ، وإن لم يكن مجـدياً في رفعها لما كان لوجـودها ولا لعدمها أثر أصلاً .

وبالجملة : البحث في تلك الحيثية ـ جـوازاً وامتناعاً ـ لا يتوقّف على وجودها وعدمها .


1 ـ لمحات الاُصول : 215 ـ 216 .
2 ـ راجع أنوار الهداية 1 : 267 .
3 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 284 ـ 287 .


(23)

وأ مّا على ما أخترناه ; من كبروية النزاع وأنّ محطّ البحث هـو جـواز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين على واحـد فقد يقال باعتبارها في المقام ; لأنّ النزاع في اجتماع الحكمين الفعليين لا الإنشائيين ; ضرورة عـدم التنافي في الإنشائيات ، ومع عدمها يصير التكليف بهما تكليفاً بالمحال ; وإن لم  يكن تكليفاً محالاً .

قلت : الظاهر أنّ ما ذكر نشأ من خلط الأحكام الكلّية بالجزئية والخطابات القانونية بالخطابات الشخصية .

وتوضيحه : أنّ العنوانين إن كان بينهما تلازم في الوجود ; بحيث لا ينفكّ أحدهما عن الآخر في جميع الأمكنة والأزمنة وعند جميع المكلّفين ممّن غبر أو حضر فالبعث إلى أحدهما والزجر عن الآخر ـ مع كون حالهما ذلك ـ ممّا لا يصدر عن الحكيم المشرّع ، بل من غيره ; لأنّ الإرادة الجدية إنّما تنقدح في مورد يقدر الغير على امتثاله ، وعند التلازم في الوجود كان التكليف محالاً لأجل التكليف المحال ; فضلاً عن كونه تكليفاً بالمحال ، ومعه لا يلزم التقييد بالمندوحة ، كما  سنشير إليه .

وأ مّا إذا فرضنا عدم التلازم في الوجود في كلّ عصر ومصر وعند جميع المكلّفين ، وأنّ عامّة الناس يتمكّنون من إتيان الصلاة في غير الدار المغصوبة غالباً ، وأ نّه لو ضاق الأمر على بعضهم ; بحيث لم يتمكّن إلاّ من الصلاة في الدار المغصوبة لكان من القضايا الاتّفاقية التي يترقّب زوالها فلا حاجة إلى اعتبار المندوحة ; لما قد حقّقنا(1)  أنّ الأحكام الشرعية لا تنحلّ إلى خطابات بعدد الأفراد حتّى يكون كلّ


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 437 .


(24)

فرد مخصوصاً بخطاب خاصّ ، فيستهجن الخطاب إليه بالبعث نحو الصلاة والزجر عن الغصب ، ويصير المقام من التكليف بالمحال أو التكليف المحال .

بل معنى عموم الحكم وشموله قانوناً هو جعل الحكم على عنوان عامّ ، مثل «المستطيع يجب عليه الحجّ» ، ولكن بإرادة واحدة ; وهي إرادة التشريع وجعل الحكم على العنوان ; حتّى يصير حجّة على كلّ من اُحرز دخوله تحت عنوان المستطيع ، من دون أن يكون هناك إرادات وخطابات .

وحينئذ : فالملاك لصحّة الحكم الفعلي القانوني هو تمكّن طائفة منهم من إتيان المأمور به ، وامتثال المنهي عنه ، لا كلّ فرد فرد ، وعجز بعض الأفراد لا يوجب سقوط الحكم الفعلي العامّ ، بل يوجب كونه معذوراً في عدم الامتثال .

والحاصل : أ نّه إن اُريد بقيد المندوحة حصول المندوحة لكلّ واحد من المكلّفين فهو غير لازم ; لأنّ البحث في جواز تعلّق الحكمين الفعليين على عنوانين ، ولا يتوقّف ذلك على المندوحة لكلّ واحد منهم ; لأنّ الأحكام المتعلّقة على العناوين لا تنحلّ إلى إنشائات كثيرة حتّى يكون الشرط تمكّن كلّ فرد بالخصوص . وعليه : فالحكم الفعلي بالمعنى المتقدّم فعلي على عنوانه ; وإن كان بعض المكلّفين معذوراً في عدم امتثاله .

وإن اُريد بقيد المندوحة كون العنوانين ممّا ينفكّان بحسب المصداق في كثير من الأوقات ; وإن لم يكن كذلك بحسب حال بعض المكلّفين فاعتبار المندوحة وإن كان لازماً في هذه المسألة لكن لا يحتاج إلى تقييد البحث به ; فإنّ تعلّق الحكم الفعلي بعنوان ملازم لمنهي عنه فعلاً ممّا لا يمكن ; للغوية الجعل على العنوانين ، بل لابدّ للجاعل من ترجيح أحد الحكمين على الآخر ، أو الحكم بالتخيير مع عدم الرجحان . فتقييد العنوان بالمندوحة غير لازم على جميع التقادير .