welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : تهذيب الأُصول_الجزءالثاني*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تهذيب الأُصول_الجزءالثاني

تهذيب الأُصول

الجزء الثاني

تقرير ابحاث الأُستاذ الأعظم والعلامة الأفحم

آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي
الإمام الخميني - قدس سره -

تأليف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب :   تهذيب الاُصول / ج 2

المؤلف :   آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي

تحقيق ونشر :   مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ

سنة الطبع :   شهريور 1381 ـ جمادى الثانية 1423

الطبعة :   الاُولى

المطبعة :   مطبعة مؤسسة العروج

الكمية :   3000 نسخة

السعر :    16000 ريال

سعر الدورة :    55000 ريال


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)

(5)

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله خالق العباد ، وساطع المهاد ; حمداً كلّما وقب ليل وغسق ، أو لاح نجم وخفق ، والصلاة والسلام على سفيره ونبيّه وأمينه على وحيه وتنزيله ، وصفيّه وبعيثه محمّد ، وعلى أئمّة الحقّ من بعده ، الذين أضاءت بهم البلاد بعد الضلالة المظلمة والجهالة الغالبة ; صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج والأرض ذات فجاج . أمّا بعد :

فهذه عقود درّية تزيّن المعاصم ، وأقراط تشفّ المسامع ، لا بل هي غرر وطرائف ، ودرر وظرائف التقطتها من بحث سيّدنا العلاّمة الحجّة ، كعبة العلم ومناره ، ولجّة الفضل وتيّاره ، مولانا الأفخم والمحقّق الأعظم ، الاُستاذ الأكبر ، آية الله الحاج آغا روح الله الخميني ، دامت أظلاله على رؤوس المسلمين .

هذه الصحائف والأوراق تحتوي لبّ ما أفاده في مجلس درسه الشريف ، وتشير إلى آرائه وأنظاره ـ قديمها وحديثها ـ بعبائر وجيزة وتراكيب غير مملّة ، غير أ نّه ـ دام ظلّه الوارف ـ طلباً للاطمئنان قد أشرف على عامّة ما حبرته يراعتي إشرافاً تامّاً ، وأعاد النظر ودقّق حتّى جاءت صحيفة مكرّمة واقعة مورد القبول ، حافلة لما بقي من المباحث اللفظية ، وما سيوافيك من الاُصول العقلية .

ولمّا تمّ نظامه وتمسّك ـ بحمد الله ـ ختامه أهديته إلى أخي وصديقي في الله ، العلاّمة المفضال ، رجل العلم والفضيلة ، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دامت معاليه .


(6)


(7)

المقصد الثاني
في النواهي

وفيه فصول :


(8)


(9)

الفصل الأوّل
في مفاد هيئة النهي

متعلّق الطلب في النهي

المشهور بين الأعلام ـ منهم المحقّق الخراساني(1) ـ أنّ النهي كالأمر في دلالته على الطلب ، غير أنّ متعلّقه هو الترك ونفس أن لا تفعل .

والتحقيق : امتناع ذلك ثبوتاً ، ومخالفته لظواهر الكلام إثباتاً :

أ مّا الأوّل : فلأنّ الإرادة لا تتعلّق بشيء إلاّ بعـد حصول مبادئها ; من التصوّر والتصديق بالفائدة والاشتياق إليه أحياناً ، بل هـذه المبادئ من علل حصول الإرادة ووجـودها . وحينئذ : فالعدم والترك من الاُمور الباطلة الوهمية ، لا  يمكـن أن يكون ذا مصلحـة تتعلّق بـه اشتياق وإرادة أو بعث وتحريك ; إذ البطلان المحض لا يترتّب عليه أثر حتّى يقع مورد التصديق بالفائدة ، وقـد عرفت(2)  أنّ ما هـو المشهور مـن أنّ للأعدام المضافة حظّاً من الوجـود ممّا لا  أصل له ; إذ الوجود لملكاتها لا لأعدامها .


1 ـ كفاية الاُصول : 182 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 411 .


(10)

وأوضح بطلاناً ما ربّما يقال : بتعلّق الطلب ببعض الأعدام وجداناً ; لأنّ ذلك مغالطة ، وحصلت من أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات ; لأ نّه قد يكون وجود شيء مبغوضاً لفساد فيه ، فينسب المحبوبية إلى عدمه عرضاً بعد تصوّره بالحمل الأوّلي . وبالجملة فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى البيان .

وبذلك يظهر : أنّ النزاع الدائر بين قدماء الاُصوليين من أنّ متعلّق النهي هل هو الكفّ أو نفس أن لا تفعل ; ظانّين أنّ الحقّ منحصر فيهما(1)  ليس كما ينبغي ، بل هنا وجه آخر ، كما سيوافيك بيانه .

وأ مّا مخالفته للظواهر إثباتاً فلأنّ النهي كالأمر ينحلّ إلى مادّة وهيئة ، والمادّة تدلّ على نفس الماهية ، والهيئة تدلّ على الزجر عن الماهية أو عن إيجادها بالمعنى الحرفي كما سبق(2) ، وليس هناك شيء يدلّ على الترك والعدم ; لا مادّة ولا هيئة .

والتحقيق ـ كما هو المتبادر من النواهي ـ أنّ مادّتها هي مادّة الأوامر ، لا تدلّ إلاّ على نفس الطبيعة ، ولكن مفاد هيئة الأمر هو البعث والتحريك تشريعاً ، ومفاد هيئة النهي هو الزجر والمنع عن الطبيعة تشريعاً وقانوناً .

والسرّ في ذلك : أنّ ملاك الأمر هو اشتمال المتعلّق على مصلحة ملزمة ، كما أنّ ملاك الآخر هو اشتمال وجود الطبيعة على مفسدة شخصية أو نوعية ، فكما أنّ مقتضى الأوّل هو التحريك لاستيفائها كذلك مقتضى الثاني هو زجره ومنعه عن إيجادها . والمناسب مع اشتمال الطبيعة على المفسدة هو الزجر عنها ، لا طلب تركها والبعث إلى استمرار عدمها ; إذ هذا أشبه شيء بالأكل عن القفاء ، كما لا يخفى .


1 ـ راجع معالم الدين : 90 ـ 91 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 191 .


(11)

ويؤيّد ما ذكرنا : التفحّص حول سائر اللغات ; فإنّ مرادف قولنا لا تضرب في الفارسية كلمة «نزن» وليس مفاده عرفاً وتبادراً إلاّ ماذكرنا . على أ نّه لو صرّح بطلب العدم لابدّ من تأويله لما عرفت من امتناع تعلّق الإرادة به .

دلالة النهي على التكرار

ثمّ إنّه لا خلاف بين العقلاء في النواهي ـ ومنها النواهي الشرعية ـ في أنّ النهي يتميّـز عن الأمر بأنّ مقتضى النهي لدى العرف هو ترك جميع الأفراد ـ  عرضية كانت أو طولية ـ بخلاف الأمر ; فإنّ الغرض منه يحصل بإيجاد فرد واحد منه ، ويسقط الأمر به دون جميع الأفراد .

لكن الكلام في أنّ ذلك من ناحية اللغة أو حكم العقل أو العرف :

فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ مقتضى العقل أنّ الطبيعي يوجد بفرد ما ، وينعدم بعدم جميع الأفراد(1) .

وأنت خبير بفساد هذه القاعدة ; لأنّ المراد منها إن كان هو الطبيعة المهملة ـ  أي بلا شرط  ـ فهي كما توجد بفرد ما تنعدم بانعدام فرد ما ، وإن اُريد الطبيعة السارية في مصاديقها ـ على اصطلاح القوم ـ فهي لا توجد إلاّ بوجود جميع مصاديقها .

هذا ، وقد عرّفناك(2) : أنّ الطبيعي متكثّر وجوداً وعدماً ، فكما أنّ له وجودات كذلك له أعدام بعدد الأفراد ; إذ كلّ فرد حائز تمام الطبيعي بلا نقصان ، فعدمه يكون عدماً للطبيعي حقيقة .


1 ـ كفاية الاُصول : 182 ـ 183 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 27 و 496 .


(12)

وما قرّر في المنطق من أنّ نقيض السالبة الكلّية هو الموجبة الجزئية ليس مبنياً على أساس عقلي وبرهان علمي ، بل على الارتكاز العرفي المسامحي ; لأنّ الطبيعة لدى العرف العامّ توجد بفرد ما وتنعدم بعدم جميع الأفراد .

فإن قلت : فعلى هذا قد انحلّت العويصة ; لأنّ القاعدة المزبورة وإن لم يساعدها البرهان إلاّ أنّ الارتكاز العرفي يساعدها في محاوراتهم ، والنواهي الشرعية تحمل على المحاورات العرفية . فحينئذ إذا تعلّق نهي بطبيعة يكون حكمه العقلائي أنّ امتثاله بترك الأفراد جميعاً .

قلت : نعم ، لكنّه يتولّد منه عويصة اُخرى ; وهو أنّ لازم ذلك أن يكون للنهي امتثال واحد ومعصية واحدة ; لعدم انحلاله إلى النواهي ، مع أنّ العرف لا يساعده كما ترى ، ولذا لو خولف يرى العرف أنّ النهي بحاله . هذا حكم العقل والعرف .

وأ مّا اللغة : فلا دلالة للنهي وضعاً بمادّته وهيئته عليه ; ضرورة أنّ ما تعلّق به هيئة الأمر عين ما تعلّق به هيئة النهي ; وهو نفس الطبيعة لا بشرط ، والهيئة لا تدلّ إلاّ على الزجر مقابل البعث ، وليس للمجموع وضع على حدة .

وأفاد بعض الأعيان من المحقّقين ـ رحمه الله ـ في رفع الإشكال : أنّ المنشأ حقيقة ليس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبيعة كذلك ، بل سنخه الذي لازمه تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من طبيعة العدم عقلاً ; بمعنى أنّ المولى ينشئ النهي بداعي المنع نوعاً عن الطبيعة بحدّها الذي لازمه إبقاء العدم بحدّه على حاله ، فتعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من العدم تارة بلحاظ الحاكم ، واُخرى بحكم العقل لأجل جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعي العدم بحدّه(1) ، انتهى .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 291 .


(13)

قلت وفيه أ مّا أوّلاً ـ فبعد الغضّ عن أنّ النهي ليس طلباً ، والمتعلّق ليس عدماً  ـ أ نّه منقوض بمثله ; إذ لقائل أن يقول : إنّ الأمر حقيقة في جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعي الفعل ، مع أ نّه باطل .

وأ مّا ثانياً : فإنّ ما يدّعي من إنشاء سنخ الطلب إن كان لأجل اتّحاد السنخ والطبيعي مع الشخص ، فبجعله يصير مجعولاً ، ففيه : أ نّه لا يفيد ; لأنّ الطبيعي في الخارج ليس إلاّ الفرد ، فلا يكون قابلاً للانحلال عقلاً .

وإن كان لأجل كون جعل طبيعي الطلب القابل للكثرة ملازماً لطبيعي العدم ; بحيث يصير قابلاً للانحلال ، ففيه : أنّ هذا يحتاج إلى لحاظ غير إنشاء الطلب ، ويحتاج إلى قرينة وتجوّز .

ولو التزمنا به فالأهون ماذهب إليه بعض الأعاظم من الالتزام بالعموم الاستغراقي في جانب النهي حتّى ينحلّ النهي بتبعه(1) ; وإن كان خلاف التحقيق ; لعدم استعمال المادّة في الأفراد وجداناً ، كما لم تستعمل الهيئة في الطبيعي على ما ادّعاه المدّعي .

وبذلك يظهر الخلل فيما يقال من أنّ المصلحة تترتّب غالباً على صرف الوجود ، فتكون تلك الغلبة كاشفاً عن تعلّق المصلحة بصرف الوجود المتحقّق بإيجاد فرد ، كما أنّ المفسدة في النهي تترتّب على كلّ فرد ، فتكون قرينة عامّة على أنّ النهي متعلّق بكلّ فرد باستقلاله(2) ، انتهى .

وجه الخلل فيه : أ نّه إن أراد من تعلّق النهي بكلّ فرد أنّ المادّة اُخذت مرآة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 395 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 328 ، الهامش 1 .


(14)

للخصوصيات والزجر تعلّق بكلّ فرد فقد عرفت امتناع مرآتيتها لها ، وضعف ما يتمسّك به لإثباتها من سريان الطبيعة واتّحادها معها .

وإن أراد أنّ النهي متعلّق بالطبيعة إلاّ أنّ تلك الغلبة قرينة على أنّ جدّ المولى هو الزجر عن كلّ فرد ففيه : أنّ الزجر مفاد النهي الاستعمالي ، فإذا استعملت الهيئة في نفس الطبيعة دون الأفراد فلا يرجع كون الزجر عن الأفراد جدّاً إلى محصّل ، إلاّ أن يرجع إلى التشبّث بالاستعمال المجازي ، وهو كما ترى .

وأ مّا ما عن بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ من أنّ الأمر لمّا كان متعلّقاً بالطبيعة فيكون تمام المتعلّق له هو الطبيعة ، فبتحقّق فرد منها يتحقّق تمام المطلوب ، فيسقط الأمر ; لأنّ بقائه مع تحقّق تمام المطلوب جزاف .

وأ مّا النهي فلمّا كان حقيقته الزجر عن الوجود لا طلب الترك يكون حكمه العقلائي هو دفع الطبيعة والزجر عنها بتمام حقيقتها ، فلا يكون المطلوب حاصلاً مع انتهاء المكلّف في زمان ، ولا النهي ساقطاً مع الإتيان بفرد ، فإنّ العصيان لا يعقل أن يكون مسقطاً ; لا في الأمر ولا في النهي ، فإنّ السقوط إمّا بحصول المطلوب أو رفع الموضوع أو موت المكلّف أو عدم قابليته للتكاليف ; لنقصان عارض له ، أو خروج الوقت في الموقّتات ، فلا يكون السقوط مستنداً إلى المعصية في شيء من الموارد . فتحصّل ممّا ذكر : أنّ مفاد النهي لمّا كان هو الزجر فلازم ذلك ماذكرنا ، بخلاف ما لو كان طلب الترك(1) .

غير تامّ ، بل ما أفاده لا يزيد إلاّ عن دعوى كون حكم العرف ذلك ، من غير إقامة برهان مقنع على سرّه .


1 ـ لمحات الاُصول : 208 ـ 210 .


(15)

ومجرّد كون مفاد النهي هو الزجر لا يوجب الفرق في الحكم العقلائي ; ضرورة أنّ المولى إذا قال «اترك شرب الخمر» أو صرّح بـ «أ نّي أطلب منك ترك شرب الخمر» يكون حكمه العقلائي هو لزوم الترك مطلقاً ، ومع الترك في زمان والإتيان في الآخر عدّ مطيعاً وعاصياً .

فهذا الافتراق ليس من جهة كون مفاد النهي هو الزجر ، بل لو فرض تعلّق الزجر بصرف الوجود ـ أي ناقض العدم ـ فمع المخالفة يسقط النهي بالضرورة ; لانتهاء اقتضائه ، كما لو نهاه عن ذكر اسمه في الملأ ; لغرض عدم معروفيته ، فمع ذكره يسقط النهي ، لا لأجل تعلّقه بأوّل الوجود ـ كما توهّم ـ بل لأجل تعلّقه بصرف الوجود ، فيسقط ما ذكر : أنّ العصيان لا يوجب السقوط في شيء من الموارد .

فالأولى أن يتشبّث في جانب النهي بذيل فهم العرف المتّبع في تلك المقامات في كلتا المرحلتين ; أي مرحلة أنّ الطبيعي ينعدم بعدم جميع الأفراد ، ومرحلة أنّ النهي إذا تعلّق بالطبيعة ينحلّ إلى النواهي ، من غير أن تستعمل الطبيعة في الأفراد ، ومن غير فرق بين كون النهي زجراً أو طلب ترك ، فتأمّل .


(16)


(17)

الفصل الثاني
في جواز اجتماع الأمر والنهي

اختلفوا في جـواز اجتماع الأمر والنهي وعدمـه على أقوال ، وقبل الخـوض في المقصود لابدّ مـن تقديم اُمـور :

الأوّل : تحرير محلّ النزاع

المعروف في عنوان البحث عن سلف وخلف : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ، أو لا ؟ ثمّ ذكروا : أنّ المراد مـن الواحـد هـو الواحـد الشخصي لا الجنسي(1) .

وفيه : أنّ ظاهره هو أنّ الهوية الخارجية من المتعلّقين محطّ عروض الوجوب والحرمة ، مع أ نّه من البطلان بمكان ; لأنّ الخارج لا يكون ظرف ثبوت التكاليف ، فاجتماع الأمر والنهي فيه ممّا لا معنى له .

والأولى أن يقال : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين


1 ـ معالم الدين : 93 ـ 94 ، قوانين الاُصول 1 : 140 / السطر5 .


(18)

على واحد في الخارج أو لا ؟ ويكون المراد بالواحد هو الواحد الشخصي ; لأ نّه الذي يتصادق عليه العناوين ، ويخرج الواحد الجنسي والنوعي :

أ مّا الأوّل : لأنّ العناوين لا تتصادق عليه ، بل يكون جنساً لها ، مع أنّ النزاع في الواحد الجنسي مع قطع النظر عن التصادق على الواحد الشخصي ممّا لا معنى له ; ضرورة أنّ الحركة في ضمن الصلاة يمكن أن يتعلّق بها الأمر ، وفي ضمن الغصب أن يتعلّق بها النهي ، مع قطع النظر عن تصادقهما خارجاً .

وأ مّا الثاني : فمضافاً إلى ما تقدّم من عدم محذور مع التكثّر شخصاً أ نّه عبارة عن نفس العنوانين المنطبقين على الواحد الشخصي .

وبذلك يتّضح : أنّ النزاع على ما ذكرنا يصير كبروياً ، لا صغروياً كما زعموا(1) ، فتدبّر .

الثاني : الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي في العبادة

إذا أحطت خُبراً بما أوضحناه في صدر الكتاب عند البحث عن تمايز العلوم وتمايـز مسائل العلم بعضها عـن بعض(2)  تقف على أنّ الفرق بين هـذه المسألة وبين مسألة النهي في العبادة أو المعاملة أوضح من أن يخفى ، بل لا جامع بينهما حتّى نبحث عن تميّزهما ; إذ البحث في المقام على ماذكرناه إنّما هو في جـواز تعلّق الأمـر والنهي على عنوانين متصادقين على واحـد ، كما أنّ البحث هناك في


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 399 ـ 400 ، نهاية الأفكار 1 : 408 ـ 409 ، نهاية الاُصول : 252 ـ 253 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 16 .


(19)

أنّ النهي إذا تعلّق بالعبادة أو المعاملة هل يقتضي الفساد أو لا ؟

فالمسألتان مختلفتان موضوعاً ومحمولاً ، واختلاف المسائل إنّما هو بهما أو بأحدهما ; لأنّ ذات المسائل متقوّمة بهما ، والتميّز بأمر ذاتي هو المميّز بين الشيئين في المرتبة المتقدّمة على التميّز بأمر عرضي ; فضلاً عن الاختلاف بالأغراض .

فما أفاده المحقّق الخراساني : من أنّ الميز إنّما هو في الجهة المبحوث عنها ; التي هي سراية كلّ من الأمر والنهي إلى متعلّق الآخر وعدمها في المقام ، وكون النهي ـ  بعد تسليم سرايته ـ هل يوجب الفساد أو لا في غير المقام(1) .

ليس بصحيح ; لأنّ تمايز العلوم إنّما هو بذواتها ، وأنّ ميز مسألة عن اُخرى ـ  وإن كانتا من مسائل علم واحد ـ إنّما هو بموضوعها ومحمولها معاً أو بأحدهما ، وإذا كانت القضية متميّزة عن اُخرى بجوهرها فلا معنى للتمسّك بما هو خارج من مرتبة الذات .

فإن قلت : إنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية راجعة إلى التقييدية ، فالسراية وعدمها من قيود الموضوع لبّاً ، فالميز صار بنفس الموضوع أيضاً .

قلت : لكن القيد بما هو قيد متأخّر عن ذات المقيّد ، فيكون الاختلاف بالذات مميّزاً قبلها .

أضف إلى ذلك : أنّ الجهة المبحوث عنها ليس هو كون التعدّد في الواحد يوجب تعدّد المتعلّق أو لا ؟ أو أنّ النهي والأمر هل يسري كلّ منهما إلى متعلّق الآخر أو لا ؟ بل ما عرّفناك من جواز الاجتماع ولا جوازه ، ولذلك قلنا : إنّ النزاع كبروي لا صغروي .


1 ـ كفاية الاُصول : 184 .


(20)

وعليه لا حاجة إلى العدول عن العنوان المعروف إلى شيء آخر الذي هو من مبادئ إثبات المحمول للموضوع ، ويعدّ من البراهين لإثباته ; فإنّ جواز الاجتماع ولا جوازه يبتني على السراية وعدمها ، وعلى أنّ تعدّد العنوان هل هو مجد أو لا ؟

وبالجملة : قد جعل ـ قدس سره ـ ما يعدّ من المبادئ والبراهين جهة البحث ومحطّ النزاع ، وهو خارج من دأب المناظرة . هذا كلّه لو أراد بالجهة المبحوث عنها محطّ البحث ومورد النزاع ، كما هو الظاهر .

وإن أراد علل ثبوت المحمول للموضوع ، أو الغرض والغاية للبحث فالأمر أوضح ; لأنّ اختلاف المسألتين ليس بهما قطعاً ; إذ كلّ قضية متميّز بصورته الذهنية أو اللفظية قبل أن يقام عليه البرهان ، بل الغالب صوغ المطالب في قالب الألفاظ أوّلاً ; بحيث يتميّز كلّ واحد قبل إقامة البرهان عن الآخر ، ثمّ يتفحّص عن براهينه ومداركه ، كما أنّ الاختلاف في الغاية فرع اشتمال كلّ واحد من الأمرين على خصوصية مفقودة في الآخر ; حتّى يستند التغاير إليها ، ومعه يسقط كون الميز بالأغراض .

الثالث : في اُصولية مسألة جواز الاجتماع

إنّ المسألة على ما حرّرناه اُصولية ; لصحّة وقوعها في طريق الاستنباط .

والعجب ممّا اُفيد في المقام : من جواز جعلها مسألة فقهية ; حيث إنّ البحث فيها عن صحّة الصلاة في الدار المغصوبة . أو كلامية ; لرجوعه إلى حصول الامتثال بالمجمع أو لا . أو من المبادئ التصديقية ; لرجوع البحث فيه إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض والتزاحم(1) .


1 ـ أجود التقريرات 1 : 332 .


(21)

وفيه : أنّ ما اُفيد أوّلاً من كونها فقهية صرف للمسألة إلى مسألة اُخرى ، وإخراج لها من مجراها ، ولو جاز ذلك لأمكن جعل جلّ المسائل الاُصولية فقهية ، وهو كما ترى .

ومن ذلك يظهر : أنّ جعلها من المسائل الكلامية أيضاً ممّا لا وجه له ; لأنّ كون المسألة عقلية لا يوجب كونها داخلاً فيها ، وإلاّ كانت مسائل المنطق وكلّيات الطبّ كلامية . والقول بأنّ مرجع المسألة إلى أ نّه هل يحسن من الحكيم الأمر والنهي بعنوانين متصادقين على واحـد أو لا ؟ أو هل يحصل الامتثال بالمجمع أو لا ؟ قد عرفت حاله ; فإنّ ذلك إخراج للشيء من مجراه الطبيعي .

وأ مّا ما اختاره ثانياً من كونها من المبادئ التصديقية(1) ، ففيه : أنّ كون بحث محقّقاً وعلّة لوجود موضوع بحث آخر لا يوجب أن يكون من المبادئ التصديقية له . كيف ، وبراهين إثبات وجود الموضوع ـ لو سلّم كونها من المبادئ التصديقية  ـ غيـر علل وجوده . والله تعالى علّـة وجود الموضوعات ومحقّقها ، وليس من المبادئ التصديقية لشيء من العلوم . مع أنّ في كون هذه المسألة محقّقة لوجود الموضوع لمسألة التعارض كلاماً سيوافيك بيانه في المباحث الآتية بإذن الله ، فارتقب حتّى حين(2) .

وربّما يقال في مقام إنكار كونها من المسائل الاُصولية : أنّ موضوع علم الاُصول ما هو الحجّة في الفقه ، ولابدّ أن يرجع البحث في المسائل إلى البحث عن عوارض الحجّة ، وليس البحث في المقام عن عوارضها ; لأنّ البحث عن جواز


1 ـ أجود التقريرات 1 : 333 .
2 ـ يأتي في الصفحة 29 .


(22)

اجتماع الأمر والنهي في عنوانين ليس بحثاً عن عوارض الحجّة في الفقه(1) .

وفيه ـ بعد تسليم كون الموضوع ما ذكره ، والغضّ عمّا تقدّم في صدر الكتاب  ـ أنّ المراد من لزوم كون البحث عن عوارض الحجّة في الفقه إن كان هو البحث عن عوارض الحجّة بالحمل الأوّلي فيلزم خروج كثير من المباحث ، إلاّ مع تكلّفات باردة ، وإن كان المراد البحث عن عوارض ماهو حجّة في الفقه بالحمل الشائع ـ أي ما يستنتج منها نتيجة فقهية ـ ففيه : أنّ المقام كذلك ، وقد أوضحناه فوق ما يتصوّر عند البحث عن حجّية الخبر الواحد(2) ، ومضى ذكر منه عند البحث عن وجوب مقدّمة الواجب(3) .

الرابع : في اعتبار قيد المندوحة

لا إشكال في عدم اعتبار قيد المندوحة لو كان النزاع صغروياً ; لأنّ البحث عن أنّ تعدّد العنوان هل يرفع غائلة اجتماع الضدّين أو لا ، لا يبتني على وجود المندوحة ; إذ لو كان تعدّد الوجه مجدياً في رفع غائلة اجتماع الضدّين لكان وجـود المندوحـة وعدمها سواء ، وإن لم يكن مجـدياً في رفعها لما كان لوجـودها ولا لعدمها أثر أصلاً .

وبالجملة : البحث في تلك الحيثية ـ جـوازاً وامتناعاً ـ لا يتوقّف على وجودها وعدمها .


1 ـ لمحات الاُصول : 215 ـ 216 .
2 ـ راجع أنوار الهداية 1 : 267 .
3 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 284 ـ 287 .


(23)

وأ مّا على ما أخترناه ; من كبروية النزاع وأنّ محطّ البحث هـو جـواز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين على واحـد فقد يقال باعتبارها في المقام ; لأنّ النزاع في اجتماع الحكمين الفعليين لا الإنشائيين ; ضرورة عـدم التنافي في الإنشائيات ، ومع عدمها يصير التكليف بهما تكليفاً بالمحال ; وإن لم  يكن تكليفاً محالاً .

قلت : الظاهر أنّ ما ذكر نشأ من خلط الأحكام الكلّية بالجزئية والخطابات القانونية بالخطابات الشخصية .

وتوضيحه : أنّ العنوانين إن كان بينهما تلازم في الوجود ; بحيث لا ينفكّ أحدهما عن الآخر في جميع الأمكنة والأزمنة وعند جميع المكلّفين ممّن غبر أو حضر فالبعث إلى أحدهما والزجر عن الآخر ـ مع كون حالهما ذلك ـ ممّا لا يصدر عن الحكيم المشرّع ، بل من غيره ; لأنّ الإرادة الجدية إنّما تنقدح في مورد يقدر الغير على امتثاله ، وعند التلازم في الوجود كان التكليف محالاً لأجل التكليف المحال ; فضلاً عن كونه تكليفاً بالمحال ، ومعه لا يلزم التقييد بالمندوحة ، كما  سنشير إليه .

وأ مّا إذا فرضنا عدم التلازم في الوجود في كلّ عصر ومصر وعند جميع المكلّفين ، وأنّ عامّة الناس يتمكّنون من إتيان الصلاة في غير الدار المغصوبة غالباً ، وأ نّه لو ضاق الأمر على بعضهم ; بحيث لم يتمكّن إلاّ من الصلاة في الدار المغصوبة لكان من القضايا الاتّفاقية التي يترقّب زوالها فلا حاجة إلى اعتبار المندوحة ; لما قد حقّقنا(1)  أنّ الأحكام الشرعية لا تنحلّ إلى خطابات بعدد الأفراد حتّى يكون كلّ


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 437 .


(24)

فرد مخصوصاً بخطاب خاصّ ، فيستهجن الخطاب إليه بالبعث نحو الصلاة والزجر عن الغصب ، ويصير المقام من التكليف بالمحال أو التكليف المحال .

بل معنى عموم الحكم وشموله قانوناً هو جعل الحكم على عنوان عامّ ، مثل «المستطيع يجب عليه الحجّ» ، ولكن بإرادة واحدة ; وهي إرادة التشريع وجعل الحكم على العنوان ; حتّى يصير حجّة على كلّ من اُحرز دخوله تحت عنوان المستطيع ، من دون أن يكون هناك إرادات وخطابات .

وحينئذ : فالملاك لصحّة الحكم الفعلي القانوني هو تمكّن طائفة منهم من إتيان المأمور به ، وامتثال المنهي عنه ، لا كلّ فرد فرد ، وعجز بعض الأفراد لا يوجب سقوط الحكم الفعلي العامّ ، بل يوجب كونه معذوراً في عدم الامتثال .

والحاصل : أ نّه إن اُريد بقيد المندوحة حصول المندوحة لكلّ واحد من المكلّفين فهو غير لازم ; لأنّ البحث في جواز تعلّق الحكمين الفعليين على عنوانين ، ولا يتوقّف ذلك على المندوحة لكلّ واحد منهم ; لأنّ الأحكام المتعلّقة على العناوين لا تنحلّ إلى إنشائات كثيرة حتّى يكون الشرط تمكّن كلّ فرد بالخصوص . وعليه : فالحكم الفعلي بالمعنى المتقدّم فعلي على عنوانه ; وإن كان بعض المكلّفين معذوراً في عدم امتثاله .

وإن اُريد بقيد المندوحة كون العنوانين ممّا ينفكّان بحسب المصداق في كثير من الأوقات ; وإن لم يكن كذلك بحسب حال بعض المكلّفين فاعتبار المندوحة وإن كان لازماً في هذه المسألة لكن لا يحتاج إلى تقييد البحث به ; فإنّ تعلّق الحكم الفعلي بعنوان ملازم لمنهي عنه فعلاً ممّا لا يمكن ; للغوية الجعل على العنوانين ، بل لابدّ للجاعل من ترجيح أحد الحكمين على الآخر ، أو الحكم بالتخيير مع عدم الرجحان . فتقييد العنوان بالمندوحة غير لازم على جميع التقادير .


(25)

الخامس : عدم ابتناء النزاع على تعلّق الأحكام بالطبائع

ربّما يقال إنّ النزاع إنّما يجري على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع ، وأ مّا على القول بتعلّقها بالأفراد فلا مناص عن اختيار الامتناع(1) .

أقول : الحقّ جريانه في بعض صور القول بتعلّقها بالأفـراد ، وعـدم جريانه في بعض آخر :

أ مّا الثاني ففي موردين :

الأوّل : ما إذا قلنـا بتعلّقها بالفرد الخارجي الصادر عن المكلّف . ولكنّـه بديهي البطلان ; لكون الخارج ظرف السقوط لا الثبوت ، ولم يظهر كونه مراد القائل ، كما سبق(2) .

الثاني : ما إذا اُريد من القول بتعلّقها بالأفراد هو تعلّقها بها مع كلّ ما يلازمها ويقارنها ـ حتّى الاتّفاقيات منها ـ فلو فرضنا إيجاد الصلاة في الدار المغصوبة يكون متعلّق الأمر هو الطبيعة مع جميع ما يقارنها ; حتّى وقوعها في محلّ مغصوب ; بحيث اُخذت هذه العناوين في الموضوع ، ويكون متعلّق النهي هي طبيعة الغصب مع ما يقارنها ; حتّى وقوعها في حال الصلاة وعليه يخرج المفروض من مورد النزاع ; لكون طبيعة واحدة وقعت مورداً للأمر والنهي ، ويصير من باب التعارض ; إذ البحث فيما إذا تعدّد العنوان ; وإن اتّحد المعنون .

وأ مّا الأوّل : ـ أعني الصور التي يمكن فيها جريان النزاع ـ فكثير :


1 ـ اُنظر كفاية الاُصول : 188 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 17 .


(26)

منها : أن يراد من تعلّقها بالأفراد تعلّقها بالعنوان الإجمالي لها ; بأن يقال : إنّ معنى «صلّ» أوجد فرد الصلاة ، فيكون فرد الصلاة وفرد الغصب عنوانين كلّيين منطبقين على معنون واحد ، كالأمر بطبيعة الصلاة والنهي عن طبيعة الغصب .

ومنها : أن يراد تعلّقها بالطبيعة الملازمة للعناوين المشخّصة أو أمارات التشخّص ، كطبيعي الأين والمتى ، فيكون الواجب طبيعة الصلاة مع مكان كلّي ، وهكذا سائر العناوين ، والحرام الطبيعة الغصبية المتّصفة بالوضع والمكان الكلّيين وغيرهما كذلك ، فاختلف العنوانان ; وإن اتّحد المعنون .

ومنها : أن يراد تعلّقهما بالوجود السعي من كلّ طبيعة ، فالواجب هو عنوان الوجود السعي من الطبيعة فقط لا الوجود السعي مع عوارضها ولواحقها . وقس عليه الحرام ; فهنا عنوانان : عنوان الوجود السعي من الصلاة ، والوجود السعي من طبيعة الغصب مع إلغاء الوجود السعي لعوارضهما ومشخّصاتهما .

ومنها : تعلّقهما بعنوان وجودات الصلاة والغصب في مقابل الوجود السعي ; فإنّه لا يخرج به من العنوانين المختلفين .

فظهر : أنّ النزاع جار على القول بتعلّقهما بالأفراد على الفروض التي تصحّ أن تكون محلّ النزاع .

السادس : في عدم ابتناء النزاع على إحراز المناط

يظهر من المحقّق الخراساني ابتناء النزاع في المقام على إحراز المناط في متعلّقي الإيجاب والتحريم(1) .

ولكن التحقيق : عدم ابتنائه عليه :


1 ـ كفاية الاُصول : 189 .


(27)

أ مّا على القول بأنّ النزاع صغروي والبحث حيثي راجع إلى أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون أو لا فواضح ; لأنّ اشتمالهما على المناط وعدمه لا دخل له في أنّ تعدّد العنوان هل يوجب تعدّد المعنون أو لا ؟

وأ مّا على ما حرّرناه(1)  من أنّ النزاع كبروي ، وأنّ البحث في أنّ الأمـر والنهي هل يجوز اجتماعهما في عنوانين متصادقين على واحد أو لا ؟ فالأمر أوضح ; لأنّ إحراز المناط ليس دخيلاً في الإمكان وعدمه ، بل لابدّ من أخذ القيود التي لها دخل تامّ في إثبات الإمكان والامتناع .

الفرق بين باب الاجتماع وباب التعارض

والذي يختلج في البال ـ وليس ببعيد عن مساق بعض عبائره ـ أن يكون مراده ـ قدس سره ـ فيما أفاده في الأمر الثامن والتاسع هو إبداء الفرق بين هذا المقام وبين باب التعارض ; دفعاً عن إشكال ربّما يرد في المقام ; وهو أنّ القوم ـ  رضوان الله عليهم  ـ لمّا عنونوا مسألة جواز الاجتماع مثّلوا له بالعامّين من وجه ، واختار جمع منهم جواز الاجتماع ، ولكن هذا الجمع لمّا وصلوا إلى باب التعارض جعلوا العامّين من وجه أحد وجوه التعارض ، ولم يذكر أحد منهم جواز الجمع بينهما بصحّة اجتماع الأمر والنهي في عنوانين بينهما عامّ من وجه .

فصار ـ قدس سره ـ بصدد دفع هذا الإشكال بالفرق بين البابين ; بأنّ كون العامّين من وجه من باب الاجتماع مشروط بإحراز المناط ; حتّى في مورد التصادق ، وإلاّ دخـل باب التعارض . وبالجملـة : فالميّز التامّ هـو دلالـة كلّ مـن الحكمين على


1 ـ تقدّم في الصفحة 17 ـ 18 .


(28)

ثبوت المقتضي في مورد الاتّفاق أو عدمها .

هذا ، ولكن يمكن أن يقال : إنّ الميز بين البابين ليس بما ذكر ; إذ الميزان في عدّ الدليلين متعارضين هو كونهما كذلك في نظر العرف ; ولذا لو كان بينهما جمع عرفي خرج من موضوعه ، فالجمع والتعارض كلاهما عرفيان ، وهذا بخلاف المقام ; فإنّ التعارض فيه إنّما هو من جهة العقل ; إذ العرف مهما أدقّ النظر وبالغ في ذلك لا  يرى بين قولنا «صلّ» و «لا تغصب» تعارضاً ; لأنّ الحكم على عنوانين غير  مرتبط أحدهما بالآخر ، كما أنّ الجمع أيضاً عقلي مثل تعارضه .

وعليه : فكلّ ما عدّه العرف متعارضاً مع آخر ـ وإن أحرزنا المناط فيهما  ـ فهو داخل في باب التعارض ، ولابدّ فيه من إعمال قواعده من الجمع والترجيح والطرح ، كما أنّ ما لم يعدّه متعارضاً مع آخر وآنس بينهما توفيقاً ـ وإن عدّهما العقل متعارضين  ـ فهو من باب الاجتماع ; وإن لم يحرز المناط فيهما .

وبالجملة : موضوع باب التعارض هو الخبران المختلفان ، والمناط في الاختلاف هو الفهم العرفي ، والجمع هناك عرفي لا عقلي . بخلافه هاهنا ; فإنّ المسألة عقلية ، فلا ربط بين البابين أصلاً ، فما ادّعي من المناط غير تامّ ; طرداً وعكساً ، كما عرفت .

والسرّ فيه : أنّ رحى باب التعارض تدور على العمل بالأخبار الواردة فيه ، وموضوعها مأخوذ من العرف ـ كموضوع سائر ما ورد في الكتاب والسنّة ـ فكلّما يحكم العرف باختلاف الخبرين وتعارضهما يعمل بالمرجّحات ، وكلّما يحكم بعدمه لأجل الجمع العرفي أو عدم التناسب بين الدليلين لا يكون من بابه .

فقوله «صلّ» و «لا تغصب» غير متعارضين عرفاً ; لأنّ الحكم على العنوانين بنحو الإطلاق بلا ارتباط بينهما ، فليس بينهما اختلاف عرفاً ـ ولو لم نحرز


(29)

المناطين  ـ كما أنّ قوله «أكرم كلّ عالم» معارض عرفاً في الجملة لقوله «لا تكرم الفسّاق» ; ولو فرض إحراز المناطين في مورد الاجتماع وقلنا بجواز الاجتماع حتّى في مثله ; لأنّ الحكم فيهما على الأفراد بنحو العموم ، فيدلاّن على إكرام المجمع وعدم إكرامه .

وبذلك يظهر : أنّ ما ذكره بعض الأعاظم من أنّ هذه المسألة محقّقة لموضوع مسألة التعارض(1)  في غير محلّه ; لما عرفت من أنّ المسألتين لا جامع بينهما ولا إحداهما مقدّمة للاُخرى .

كما أنّ ما ادّعاه من أنّ التمايز بين البابين هو أنّ التركيب في باب الاجتماع انضمامي وفي باب التعارض اتّحادي(2)  لا يرجع إلى محصّل وسيتّضح أنّ حديث التركيب الانضمامي والاتّحادي أجنبي عن هذه المقامات ، فارتقب(3) .

السابع : في ثمرة النزاع على القول بالجواز

قد يقال(4)  إنّه لاملازمة بين القول بالجواز والقول بصحّة العبادة ; لوجود ملاك آخر للبطلان في بعض الموارد ، كالصلاة في الدار المغصوبـة ; لأنّ التصرّف في مال الغير بلا إذنه في الخارج عين الحركة الصلاتية ، والمبعّد عن ساحة المولى لا يمكن أن يكون مقرّباً ، نعم مع جهله بالموضوع أو الحكم قصوراً تصحّ صلاته بلا إشكال .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 400 ، أجود التقريرات 1 : 332 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 410 ـ 411 و 427 ـ 428 ، أجود  التقريرات 1 : 341 ـ 343 .
3 ـ يأتي في الصفحة 38 .
4 ـ لمحات الاُصول : 224 .


(30)

والمعيار الكلّي في الحكم بالصحّة والبطلان هو أ نّه كلّما كانت الخصوصية العبادية في المصداق غير الخصوصية المحرّمة وجوداً ـ وإن جمعهما موضوع واحد  ـ تصحّ العبادة ، ولا يرد الإشكال ; لأنّ المكلّف يتقرّب بالجهة المحسّنة ، وليست فيها جهة مقبّحة على الفرض ; وإن قارنتها أو لازمتها ، ولكن المقارنة أو اللزوم لا يضرّ بعباديتها .

وكلّما كان العنوانان موجودين بوجود واحد وخصوصية فاردة لا يمكن التقرّب بـه ; و إن جـوّزنا اجتماع الأمـر والنهي ، فإنّ التقرّب بما هـو مبعّد بالفعل ممّا لا يمكن .

هذا ، وسيأتي تحقيق المقام ، وأنّ المبعّد من حيثية يمكن أن يكون مقرّباً من حيثية اُخرى ، فانتظر(1) .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر  ـ رحمه الله ـ قد أفاد في تقريراته : أنّ الصلاة في الدار المغصوبة من قبيل الأوّل ، وأنّ الحركة الصلاتية غير الحركة الغصبية خارجاً ; لأنّ الغصب من مقولة الأين والصلاة من مقولة الوضع ، والظاهر أن تكون أفعال الصلاة من مقولة الوضع ; سواء قلنا إنّ المأمور به في مثل الركوع والسجود هو الهيئة كما  هو مختار «الجواهر» ، أو الفعل كما هو المختار ; فإنّ المراد من الفعل ليس هو الفعل باصطلاح المعقول ، بل الفعل الصادر عن المكلّف ، فيكون الانحناء إلى الركوع أوضاعاً متلاصقة متّصلة .

ثمّ المقولات متباينات وبسائط يكون ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك ، و إنّ الحركة ليست داخلة في المقولات ، بل هي مع كلّ مقولة عينها ، ولم تكن


1 ـ يأتي في الصفحة 49 .


(31)

الحركة جنساً للمقولتين ، وإلاّ يلزم تفصّل الواحد بالفصلين المتباينين في عرض واحد ، ويلزم التركيب فيهما ولا معروضاً لهما ، وإلاّ يلزم قيام العرض بالعرض ; وهو محال . فالحركة الغصبية تكون من مقولة متباينة للحركة الصلاتية .

وليس المراد من الحركة هو رفع اليد أو وضعها ورفع الرأس أو وضعه ، بل المراد الحركة الصلاتية والغصبية ، وهما حركتان كما عرفت ، فكون حيثية الصلاتية غير حيثية الغصبية وجوداً وماهية ، يجوز اجتماع الأمر والنهي فيهما ، ويكون المقرّب غير المبعّد .

والشاهد على ما ذكرنا من اختلافهما وجوداً : أنّ نسبة المكان إلى المكين والإضافة الحاصلة بين المكين والمكان لا يعقل أن تختلف في الجوهر والعرض ، فكما أنّ كون زيد في الدار المغصوبة لا يوجب كونه غصباً فكذلك كون الصلاة فيها . فالتركيب بينهما انضمامي لا اتّحادي(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيها : موارد للنظر ، نذكر مهمّاتها :

منها : أنّ الصلاة ليست من المقولات ، بل من الماهيات الاختراعية المركّبة من عدّة اُمور اعتبارية ومقولية ، ومثل ذلك لا يندرج تحت مقولة ، ولا تحت ماهية من الماهيات الأصيلة ، هذا إن اُريد من الصلاة نفسها .

وإن اُريد أجزاؤها ـ كالركوع مثلاً ـ فغير صحيح ; لأ نّه إن قلنا : إنّ الركوع عبارة عـن الحركـة مـن الاستقامـة إلى الانحناء تعظيماً ; بحيث يكون مركّباً مـن الهوي والحالة الحاصلة حين الانحناء التامّ فلا يكون من مقولة الوضع فقط ، بل يكون أحد جزئيه ـ أعني الهوي ـ مـن مقولـة الحركـة في الأين ، ويكون مـن


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 424 ـ 427 .


(32)

مقولة الأين ، بناءً على أنّ الحركة في كلّ مقولة عينها .

والعجب : أنّ القائل سمّى هذه الحركة الأينية أ نّها أوضاع متلاصقة ، وغفل عن أنّ تبدّل الأوضاع وتلاصقها من لوازم هذه الحركة ، كما يكون الجزء الآخر ـ  أعني الحالة المخصوصة ـ من مقولة الوضع .

وإن قلنا : إنّه عبارة عن نفس الهيئة المخصوصة تعظيماً ، الحاصلة بعد الانحناء التامّ فلا يندرج تحت المقولة ; لأنّ كونه تعظيماً من مقوّماته ، وهو لا  يندرج تحت مقولة . على أنّ هذا الإشكال يرد على الشقّ الأوّل أيضاً إذا قلنا بكون التعظيم قيداً أو جزءً .

أضف إليه : أنّ مبناه أنّ الجـزء للصلاة هـو الفعل ـ كما صرّح به ـ والفعل الصادر مـن المكلّف هـو الحركة مـن الاستقامة إلى الانحناء ، وتبدّل الأوضاع يكون لازماً له ، وما هو جزء للصلاة ـ على الفرض ـ هـو الفعل الصادر عنه لا  الأوضاع المتلاصقة .

هذا ، مع ما في تلاصق الأوضاع من مفاسد غير خفي على أهله ومن له إلمام بالمعارف العقلية .

ومنها : أنّ الغصب لا يكون من المقولات ; لأ نّه الاستيلاء على مال الغير عدواناً ، وهو من الاُمور الاعتبارية ، ولا يدخل في ماهية الكون في المكان . فالكون في المكان المغصوب ليس غصباً ، بل استقلال اليد عليه واستيلاؤها غصب ; سواء كان الغاصب داخلاً فيه أم لم يكن ، وهذا واضح بأدنى تأمّل .

مع أ نّـه لو فرض أنّ الغصب هو الكون في المكان الذي للغير عـدواناً لم  يصر مـن مقولة الأين :


(33)

أ مّا أوّلاً : فلأنّ المقولة ليست نفس الكون في المكان ، بل هي هيئة حاصلة من كون الشيء في المكان .

وأ مّا ثانياً : فلأنّ ماهية الغصب متقوّمة بكون المكان للغير ، ويكون إشغاله عدواناً ، وهما غير داخلين في ماهية مقولة الأين . فعلى هذا الفرض الباطل يكون المقولة جزء ماهية الغصب .

ومنها : أنّ عدم صحّة الصلاة ليس لأجل الغصب ـ أي استقلال اليد ـ بل لأجل التصرّف في مال الغير بلا إذن منه ، وهذا عنوان آخر غير الغصب ; فإنّه قد  يكون الشخص متصرّفاً في مال الغير بلا إذنه مع عدم كونه غاصباً ; لعدم استقلال يده عليه . وقد يكون غاصباً بلا تصرّف خارجي في ماله .

فالصلاة في الدار المغصوبة باطلة لا لأجل استقلال اليد على ملك الغير ; لأ نّه أمر اعتباري لا ينطبق على الصلاة غالباً ، بل لأجل التصرّف في مال الغير ; ضرورة أنّ الحركة الركوعية والسجودية عين التصرّف في مال الغير ، بل السجود على سبعة أعظم تصرّف ، والكون القيامي والقعودي وغيرهما تصرّف في مال الغير وحرام ، فلا  يمكن التقرّب بما هو مبعّد على الفرض ـ قيل بجواز الاجتماع أم لم يقل ـ وسيأتي ـ  إن شاء الله ـ أنّ جواز الاجتماع لا يتوقّف على كون الحيثيات تقييدية والتركيب انضمامياً(1) ، كما بنى عليه ـ قدس سره ـ  .

وممّا ذكر يعلم حال ما ذكره من قياس كون زيد في الدار المغصوبة بكون الصلاة فيها ; فإنّ الصلاة لمّا كانت فعل المكلّف تكون تصرّفاً في مال الغير ، وأ مّا زيد فنفس ذاته لا يكون فعلاً ; حتّى يكون تصرّفاً ، بل كون زيد في الدار غصب


1 ـ يأتي في الصفحة 44 .


(34)

لا  ذاته على مبناه ، أو تصرّف على ما ذكرنا ، وزيد غاصب أو متصرّف ، كما أنّ صلاته باعتبار كونها من أكوانه وأفعاله غصب وتصرّف ، وهو غاصب ومتصرّف ، والأمر أوضح من أن يحتاج إلى البيان .

الثامن : في ثمرة النزاع على القول بالامتناع

بناءً على الامتناع وترجيح جانب الأمر تصحّ الصلاة في الدار المغصوبة إذا لم يكن هناك مندوحة ، وأ مّا معها فلا ملاك لتقييد النهي المتعلّق بالغصب ; بلغ ملاك الصلاة ما بلغ ; لعدم دوران الأمر بينهما ، بل مقتضى الجمع بين الغرضين تقييد الصلاة عقلاً أو شرعاً بغير محلّ الغصب . فإطلاق كلام المحقّق الخراساني بأ نّه بناءً على الامتناع وترجيح جانب الأمر تصحّ صلاته ، ولا معصية عليه(1)  مخدوش .

وأ مّا بناءً على ترجيح جانب النهي فمع العمد أو الجهل بالحكم تقصيراً لا  إشكال في بطلانها .

وأ مّا مع القصور فصحّتها متوقّف على أمرين : أحدهما إثبات اشتمال الصلاة في مورد الاجتماع على الملاك التامّ ، وثانيهما كون الملاك المرجوح قابلاً للتقرّب ومصحّحاً لعبادية الصلاة .

والأوّل ممتنع بناءً على كون الامتناع لأجل التكليف المحال لا التكليف بالمحال ; وذلك للتضادّ بين ملاك الغصب وملاك الصلاة ، فإن أمكن رفع التضادّ بين الملاكين باختلاف الحيثيتين أمكن رفعه في الحكمين ، ولا يلتزم به الخصم .

فالقائل بالامتناع لابدّ له من الحكم بأنّ الحيثية التي تعلّق بها الحكم الإلزامي


1 ـ كفاية الاُصول : 191 .


(35)

عين ما تعلّق به النهي ، ومع وحدة الحيثية لا يعقل تحقّق الملاكين ، فلابدّ أن يكون المرجوح بلا ملاك . فعدم صحّة الصلاة لأجل فقدان الملاك ، ومعه لا دخالة للعلم والجهل في الصحّة والبطلان .

وبالجملة : الأمر لا يتعلّق بالذات إلاّ بما هو حامل الملاك بالذات ، وكذا النهي . فمتعلّقهما عين حامل الملاك ، وهو مع وحدته غير معقول ، ومع تكثّره يوجب جواز الاجتماع فتصوّر الحيثيتين الحاملتين للملاك يناقض القول بالامتناع من جهة التكليف الذي هو المحال ، فتدبّر جيّداً .

وأ مّا الثاني : فهو بعد تصوّر الملاك قابل للتقرّب به ; لأنّ الحيثية الحاملة لملاك الصلاة غير الحيثية الحاملة لملاك الغصب ، فأتمّية ملاك النهي من الأمر لا يوجب تنقيصاً في ملاكه . فملاكه تامّ ، لكن لم ينشأ الحكم على طبقه لأجل المانع ; وهو أتمّية ملاك الغصب ، وهو غير قابل لمنع صحّتها ; لكفاية الملاك التامّ في صحّتها مع قصد التقرّب . فعدم الأمر هاهنا كعدمه في الضدّين المتزاحمين .

وربّما يقال : بالفرق بين المقامين بأنّ باب الضدّين من قبيل تزاحم الحكمين في مقام الامتثال وصرف قدرة العبد بعد صحّة إنشاء الحكمين على الموضوعين ، وباب الاجتماع من قبيل تزاحم المقتضيين لدى الآمر ، فلا تأثير لعلم المكلّف وجهله هاهنا ، بخلافه هناك .

وإن شئت قلت : يكون المقام من صغريات باب التعارض ، ومع ترجيح جانب النهي ينشأ الأمر بالصلاة في غير المغصوب ، والتقييد هنا كسائر التقييدات . فالصلاة في المغصوب ليست بمأمور بها(1) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 429 ـ 431 .


(36)

وفيه : ـ مضافاً إلى ما عرفت سابقاً من أنّ انسلاك الدليلين في صغرى باب التعارض منوط ومعلّق على التعارض العرفي وعدم الجمع العقلائي ، لا التعارض العقلي الذي في المقام ـ أنّ الكلام هاهنا في صحّة الصلاة بحسب القواعد ، وهي غير منوطة على الأمر الفعلي ، وإلاّ فلازمه البطلان في المقامين ، بل منوطة على كفاية تمامية الملاك في عبادية العبادة ; وهي موجودة في البابين . ومجرّد عدم إنشاء الحكم هاهنا لأجل المانع وإنشائه هناك ـ لو سلّم ـ لا يوجب الفرق بعد تمامية الملاك .

ودعوى عدم تماميته هاهنا ; لأنّ الملاك مكسور بالتزاحم(1)  ممنوعة ; لأنّ مقتضى أتمّية ملاك الغصب وإن كان عدم جعل الحكم على الصلاة لكن ليس مقتضاها صيرورة ملاكها ناقصاً ; فإن اُريد بالمكسورية النقصان ، فهو ممنوع جدّاً ; لأنّ الملاكين القائمين بالحيثيتين لا معنى لانكسار أحـدهما بالآخـر ، وإن اُريد بها أنّ الحكم بعد تزاحمهما يصير تابعاً للأقوى فهذا مسلّم ، لكن لا يوجب نقصاً في  ملاك المهمّ ، فهو على ملاكه باق ، إلاّ أنّ النهي صار مانعاً من تأثيره في جواز  التقرّب به ، ومع عدم تأثير النهي لا مانع عن تأثيره في الصحّة بعد كفاية الملاك التامّ .

بل مانعية النهي المعلوم عن صحّة الصلاة لأجل ملاكها التامّ محلّ إشكال في هذا الفرض ، بل الظاهر صحّتها ; ولو مع العلم بالنهي ; لإمكان التقرّب بالحيثية الحاملة للملاك . والنهي المتعلّق بالحيثية الاُخرى لا يوجب البطلان ، وسيجيء زيادة توضيح لهذا ، فارتقب .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 431 .


(37)

التاسع : في شروط جريان النزاع في المقام

إنّه لا كلام في عدم جريان النزاع في المتباينين والمتساويين ، والظاهر جريانه في الأعمّ والأخصّ المطلقين إذا كان المنهي عنه أخصّ ولم يؤخذ مفهوم الأعمّ في الأخصّ بأن تكون الأعمّية والأخصّية بحسب المورد لا المفهوم ; وذلك لأنّ العنوانين مختلفان ، وهما متعلّقان للأمر والنهي ، كما سيأتي . ومجرّد الاتّحاد في المصداق لا يضرّ المجوّز .

وأ مّا العامّ والخاصّ بحسب المفهومين فقد يقال بعدم كونه محلاّ للنزاع ; لأنّ المطلق عين ما اُخذ في المقيّد ، ووصف الإطلاق ليس بشيء ، فلا يمكن أن يقع المطلق مورد الحكمين(1) .

ولأحد أن يقول : إنّ عنوان المطلق غير عنوان المقيّد ، والحكم في المقيّد لم  يتعلّق بالمطلق مع قيده ، بل بالمقيّد بما هو مقيّد ونفس الطبيعة بلا قيد لم تكن موضوعاً للحكم في المقيّد ; وهي موضوع في المطلق . فالمطلق في أحد الدليلين ذا حكم دون الآخر ، والأمر الضمني لا أساس له ، فيجري فيهما . والمسألة محلّ إشكال وتأمّل ; وإن كان عدم جريانه أشبه ، وللمقال تتمّة ، فانتظرها .

وأ مّا العامّان من وجه فلا إشكال في جريانه فيهما إلاّ إذا اُخذ مفهوم أحدهما في الآخر ، كقوله «صلّ الصبح» ، و «لا تصلّ في الدار المغصوبة» فيأتي فيه الإشكال المتقدّم .

وقد يقال : إنّ جريان النزاع في العامّين من وجه يتوقّف على اُمور :


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 410 .


(38)

منها : أن تكون النسبة واقعاً بين نفس الفعلين الصادرين من المكلّف بإرادة واختيار ، كما في الصلاة والغصب ، وأ مّا إذا كانت بين الموضوعين ، كما في العالم والفاسق فهو خارج عن محلّ النزاع ; لأنّ التركيب بينهما اتّحادي لا انضمامي ، ولازمه تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النهي ، فلابدّ فيهما من إجراء قواعد التعارض ، ومنه علم عدم جريانه فيما إذا كان للفعل عنوانان توليديان ; بأن تكون النسبة بينهما العموم من وجه ، كما لو أمر بإكرام العالم ونهى عن إكرام الفاسق ، فقام المكلّف لأجل إكرامهما تعظيماً ; فإنّ القيام يتولّد منه التعظيمان ، وهما وإن كانا بحيثيتين انضماميتين ، لكن الأمر بهما أمر بالسبب ، فينجرّ إلى تعلّقه بشيء واحد وجوداً وإيجاداً .

ومنها : أن يكون بين الفعلين تركيب انضمامي لا اتّحادي ، فيخرج مثل «اشرب ولا تغصب» إذا كان الماء مغصوباً ; فإنّ نفس الشرب هو الغصب ، فالتركيب الاتّحادي لا يجري فيه النزاع(1) ، انتهى كلامه .

وفيه : أنّ قضية التركيب الانضمامي والاتّحادي أجنبية عن مسألة اجتماع الأمر والنهي ، وسيوافيك(2)  أنّ الجواز لا يبتني على التركيب الانضمامي ; فإنّ التركيب الخارجي ـ اتّحادياً أو انضمامياً ـ غير مربوط بمقام متعلّقات الأحكام التي هي العناوين لا المصاديق الخارجية .

وعليه يجري النزاع في مثل «أكرم العالم ، ولا تكرم الفاسق» ، وكذا في مثل «اشرب ، ولا تغصب» مع كون الماء غصباً ، وكذا في الأفعال التوليدية ; وإن قلنا


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 410 .
2 ـ يأتي في الصفحة 44 .


(39)

بتعلّق الأمر بالأسباب ; فإنّ قوله «أكرم زيداً ، ولا تكرم عمراً» كقوله «قم لزيد ، ولا  تقم لعمرو» ، فهما عنوانان مختلفان يجوز تعلّق الأمر بأحدهما والنهي بالآخر ; سواء في ذلك السبب والمسبّب التوليدي ، مع أنّ المبنى ـ أي رجوع الأمر إلى السبب ـ محلّ منع وإشكال .

مقتضى التحقيق هو القول بجواز الاجتماع

إذا عرفت ما ذكرنا : فالتحقيق هو الجواز ، ويتّضح بترتيب مقدّمات :

الاُولى : أنّ الحكم ـ بعثاً كان أو زجراً ـ إذا تعلّق بعنوان مطلق أو مقيّد يمتنع أن يتجاوز عن متعلّقه إلى مقارناته الاتّفاقية ولوازمه الوجودية حتّى يقع الخارج من المتعلّق تحت الأمر أو النهي ; فإنّ تجاوزه عنه إلى ما لا دخالة له في تحصيل غرضه جزاف بلا ملاك .

وبالجملة : أنّ الإرادة التشريعية كالتكوينية في ذلك ، فكما أنّ الثانية تابعة لإدراك الصلاح ولا تتعلّق إلاّ بما هو دخيل بحسب اللبّ في تحصيل الغرض ولا  تسري من موضوعه إلى ما لا دخالة له في وعاء من الأوعية ، فكذلك الاُولى .

وإن شئت قلت : تعلّق الأمر بالصلاة لا يمكن إلاّ إذا كانت الخصوصيات المأخوذة فيها دخيلة في تحصيل المصلحة ، فكما لا يمكن تعلّقه بالفاقد منها كذلك لا يمكن تعلّقه بالخصوصية غير الدخيلة في تحصيلها . وقس عليه تعلّق النهي بعنوان الغصب أو التصرّف في مال الغير بلا إذن منه .

فالمقارنات الاتّفاقية والملازمات الوجودية للمأمور به في الوجود الخارجي أو الذهني كلّها خارجة من تحت الأمر .


(40)

الثانية : أنّ الإطلاق ـ  كما أوعزنا إليه(1)  وسيوافيك في محلّه(2) ـ ليس إلاّ كون ما وقع تحت الأمر تمام الموضوع للحكم .

وأ مّا ما ربّما يتوهّم من أنّ الإطلاق عبارة عن لحاظ المطلق سارياً في أفراده دارجاً في مصاديقه أو مرآة لحالاته(3)  فضعيف غايته ; لأنّ سريان الطبيعة في أفراده أمر ذاتي ، على ما حرّر في محلّه ، هذا أوّلاً . وعدم إمكان كون الماهية آلة للحاظ تلك الخصوصيات ثانياً ، بل لابدّ هنا من دالّ آخر يدلّ على الكثرة وراء الطبيعة من لفظة «كلّ» أو «اللام» المفيدة للاستغراق ، ومعه يصير عموماً لا إطلاقاً .

وبه يظهر أنّ ما ربّما يقال : من أنّ معنى الإطلاق هو كون الشيء بتمام حالاته ولواحقه موضوعاً للحكم ، وأنّ معنى قوله : «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» هو أ نّه يجب عليك عتقها ; سواء كانت عادلة أم فاسقة ، عالمة أم جاهلة .

ممّا لا أصل له ; إذ الدخيل في الغرض هو ذات الطبيعة لا حالاتها وقيودها المتصوّرة ; ولذلك قد ذكرنا في محلّه(4) : أنّ الإطلاق واقع في عداد الدلالات العقلية ; أي دلالة فعل المتكلّم بما هو فاعل مختار بحسب العقل على أنّ ما أفاده هو تمام مقصوده ومحصّل غرضه .

فعلى ما ذكرنا : فإطلاق قوله سبحانه (أَقِمِ الصَّلاةَ . . . )(5)  إلى آخره ـ  على فرض إطلاقه  ـ عبارة عن تعلّق الحكم بها بلا دخالة لشيء آخر في الموضوع ،


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 234 و 338 .
2 ـ يأتي في الصفحة 271 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 564 و 566 .
4 ـ يأتي في الصفحة 163 .
5 ـ الإسراء (17) : 78 .


(41)

وإطلاق قوله «لا يجوز التصرّف في مال الغير بلا إذنه» عبارة عن كون ذاك العنوان تمام الموضوع للحرمة ، فلا يمكن أن يكون الأوّل ناظراً إلى الصلاة في الدار المغصوبة ، ولا الثاني إلى التصرّف بمثل الصلاة .

الثالثة : أنّ اتّحاد الماهية اللابشرط مع ألف شرط في الوجود الخارجي لا  يلزم منه حكاية المعروض عن عارضه إذا كان خارجاً من ذاتها ولاحقاً بها ; لأ نّ حكاية اللفظ دائرة مدار الوضع منوطة بالعُلقة الاعتبارية ، وهو منتف في المقام . وأ مّا المعنى والمفهوم اللابشرط فيمتنع أن يكون كاشفاً عن مخالفاته بحسب الذات والمفهوم ; وإنّ اتّحد معها وجوداً .

ألا ترى أنّ الوجود متّحد مع الماهية ، ولا تكشف الماهية عن الوجود ، والأعراض كلّها متّحدة مع معروضاتها ، ولكن البياض لا يكشف عن الإنسان .

وأ مّا الانتقال من أحد المتلازمين إلى الآخر أو من أحد الضدّين إلى الآخر فقد مرّ(1)  أنّ ذلك من باب تداعي المعاني الذي يدور مدار الموافاة الوجودية أو وقوع المطاردة بينهما في محلّ واحد ، ومثل ذلك لا يسمّى كشفاً ودلالة .

وعليه : فالصلاة وإن اتّحدت أحياناً مع التصرّف في مال الغير بلا إذنه في الخارج ، لكن لا يمكن أن تكون مرآة له وكاشفة عنه ، فالاتّحاد في الوجود غير الكشف عمّا يتّحد به .

الرابعة : ـ وهو الحجر الأساسي لإثبات جواز الاجتماع ـ أنّ متعلّق الأحكام هو الطبيعة اللابشرط المنسلخة عن كافّة العوارض واللواحق ، لا الوجود الخارجي أو الإيجاد بالحمل الشائع ; لأنّ تعلّق الحكم بالموجود لا يمكن إلاّ في ظرف


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 431 ـ 432 .


(42)

تحقّقه ، والبعث إلى إيجاد الموجود بعث إلى تحصيل الحاصل . وقس عليه الزجر ; لأنّ الزجر عمّا تحقّق خارجاً أمر ممتنع . ولا الوجود الذهني الموجود في ذهن الآمر ; لأ نّه بقيد كونه في الذهن لا ينطبق على الخارج .

بل متعلّق الأحكام هي نفس الطبيعة غير المتقيّدة بأحد الوجودين ، بل ذات الماهية التي تعرّضه الكلّية وتنطبق على كثيرين ، ولها عوارض ولوازم بحسب حالها . ولكن لمّا كان تعلّق الحكم متوقّفاً على تصوّر الموضوع ، والتصوّر هنا هو الوجود الذهني فلا محالة يكون ظرف تعلّق الحكم بها هو الذهن .

فالطبيعة متعلّقة للحكم في الذهن لا بما هي موجودة فيه ولا بما هي موجودة في الخارج ، بل بما هي هي ، مع قطع النظر عن تحصّلـه في الذهن وتنوّرها بـه . والاحتياج إلى تصوّرها ليس إلاّ لأجـل توقّف جعل الحكم على تصوّر الموضوع .

وبالجملة : أنّ وزان الحكم بالنسبة إلى متعلّقه وزان لوازم الماهية إلى نفسها ; فإنّ لزوم الإمكان لها والزوجية للأربعة وإن كان لا يتوقّف على وجودهما خارجاً أو ذهناً إلاّ أنّ ظهور اللزوم يتوقّف على وجود المعروض في أحد الموطنين ; ولذا ذكر الأكابر : أنّ وجود المعروض ذهناً أو خارجاً في لوازم الماهية دخيل في حصول اللزوم لا في لزومه(1) .

فحينئذ : فمتعلّق الهيئة في قوله «صلّ» هو الماهية اللا بشرط ومفاد الهيئة هو البعث إلى تحصيلها ، والوجود والإيجاد خارجان من تحت الأمر .

فإن قلت : الماهية من حيث هي ليست إلاّ هي ، لا محبوبة ولا مبغوضة


1 ـ الحكمة المتعالية 1 : 91 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 60 .


(43)

ولا  تكون مؤثّرة في تحصيل الغرض(1) ، فكيف يبعث إليها مع كونها كذلك ؟

قلت : قد ذكرنا تحقيق الحال في الكلمة المعروفة بين المحقّقين ، فلا حاجة إلى الإطناب ، بل قد عرفت أ نّه لا مناص عن القول بتعلّق الأحكام بنفس الطبائع ; لبطلان تعلّقها بالوجود الخارجي أو الذهني ، وليس هنا شيء ثالث يصلح لأن يقع متعلّق الأمر والزجر ، سوى ذات الماهية اللابشرط ; حتّى يتوصّل به إلى تحقّق الصلاة خارجاً .

وبعبارة أوضح : أنّ المولى لمّا رأى أنّ إتيان الصلاة ووجودها خارجاً محصّل للغرض فلا محالة يتوصّل إلى تحصيله بسبب ; وهو عبارة عن التشبّث بالأمـر بالطبيعة ، والغاية منه هـو انبعاث العبد إلى إيجادها . فمتعلّق الأمـر هـو الطبيعـة ، والهيئة باعثة وضعاً نحو إيجادها ، إمّا لأجل حكم العقل به كما هـو المختار ، أو لأجل دلالته على طلب الوجود ; أي العنواني منه ليحصل الخارجي ، لكن قد مرّ ضعفه .

فإن قلت : إنّ هنا أمراً رابعاً يصلح لأن يقع متعلّق الأحكام ; وهو أخذ الماهية مرآة للخارج ، ولا يلزم المحذورات السابقة .

قلت : إنّ المراد من المرآتية إن كان هو التوصّل به إلى وضع الحكم على المعنون الخارجي فواضح بطلانه ; إذ هو بعد غير موجود ، فلا معنون حين الحكم حتّى يقع متعلّق الحكم ، ولو فرضنا وجوده يلزم تحصيل الحاصل .

على أنّ الطبيعة لا يمكن أن تكون مرآة للوجود ; لما عرفت من أنّ الاتّحاد في الوجود غير الكاشفية .


1 ـ كفاية الاُصول : 193 .


(44)

وإن كان المراد هو وضع الحكم على الطبيعة وجعله عليها بداعي إيجادها في الخارج فهو راجع إلى ما حقّقناه .

وبذلك يسقط ما أفاده المحقّق الخراساني في المقدّمة الثانية ـ التي هي الأساس للقول بالامتناع ـ من أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف ، وما يصدر عنه . . . إلى آخره(1) .

كما يسقط ما أفاده بعض الأعاظم(2)  بترتيب مقدّمات ; عصارتها كون الخارج مؤلّفاً من مقولتين ، والتركيب بينهما انضمامي لا اتّحادي ، فمتعلّق الأمر غير  متعلّق النهي خارجاً ; إذ التركيب الانضمامي ـ  لو صحّ في الاعتباريات  ـ لا  يفكّ به العقدة ; لكون الخارج غير مأمور به ولا منهي عنه ، وتعدّده لا يجدي ما لم  يرفع الغائلة في متعلّق الأمر والنهي . على أ نّك قد وقفت على وجوه من الضعف في كلامه .

والحاصل : أ نّه مبني على القول بتعلّق الأحكام بالوجود الخارجي وما هو فعل المكلّف بالحمل الشائع ، لكن مع بطلان هذا البناء لا محيص عن القول بالامتناع ; كان التركيب انضمامياً أو لا ، مع أنّ التركيب الانضمامي بين الصلاة والغصب والتصرّف العدواني لا وجه صحيح له ، كما تقدّم(3) .

ثمّ إنّ تسمية ما ذكر بالتركيب الانضمامي والاتّحادي مجرّد اصطلاح ، وإلاّ فليس انطباق العناوين على شيء من قبيل التركيب .

إذا عرفت ما رتّبناه من المقدّمات يظهر لك : أنّ الحقّ هو جواز الاجتماع ;


1 ـ كفاية الاُصول : 193 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 407 ـ 409 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 31 ـ 33 .


(45)

لأ نّ الواجب هو نفس عنوان الصلاة دون ما يقارنها من اللواحق واللوازم ، ولا يمكن أن يتجاوز الأمر عن متعلّقه إلى ما هو خارج منه ، ومثله النهي بحكم الاُولى من المقدّمات .

وليس معنى الإطلاق في قوله «صلّ» هو وجوب الصلاة ; سواء اتّحدت مع الغصب أم مع غيره ; بحيث يكون الملحقات والمتّحدات معها ملحوظة ومتعلّقة للحكم والوجوب ، وذلك بحكم ثانيتها ، كما أنّ اتّحـاد الصلاة مع الغصب في الخارج بسوء اختيار المكلّف لا يوجب أن تكون كاشفة عنه حتّى يسري من المتعلّق إلى غيره بحكم ثالثتها ، وأنّ محطّ نزول الأحكام ومتعلّقاتها هي نفس العناوين ; وإن كانت الغاية إيجادها في الخارج ، لا الوجود الخارجي ، ولا الذهني بحكم الرابعة منها .

فحينئـذ : فكيف يمكن أن يسري حكم أحـد العنوانين إلى العنوان الآخـر ، بل كلّ حكم مقصور على موضوعه لا يتخطّى عنه ، فعند الوجـود الخارجي وإن كـان العنوانان متّحدين كمال الاتّحاد إلاّ أنّ المجمع الخارجي ليس متعلّقاً للبعث  والزجر .

وأ مّا ظرف ثبوت الحكمين ففيه يكون العنوانان متعدّدين ومتخالفين ; إذ عنوان الصلاة غيرعنوان الغصب مفهوماً وذاتاً ، فأين اجتمع الحكمان حتّى نعالجه؟!

دفع الإشكالات الواردة على القول بجواز الاجتماع

ومن ذلك يظهر حلّ بعض العويصات المتوهّمة في المقام من :

إنّه يلزم على القول بجواز الاجتماع كون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً وذا صلاح وفساد ومقرّباً ومبعّداً ; فإنّ محـطّ الحبّ ومناخ الشوق هـو ما يسعف


(46)

حاجتـه ويقضي مراده ، وهـو ليس إلاّ الخـارج ; إذ إليه يشدّ رحـال الآمال ، وعنده تناخ ركائبها .

توضيح الضعف : أ نّه إن اُريد الاجتماع في المراحل المتقدّمة على الأمر والنهي ; بأن يجتمعا في مبادئهما الموجودة في نفس المولى فهو واضح البطلان ; لأنّ المتصوّر من كلٍّ غير المتصوّر من الآخر ، ومورد تصديق المصلحة غير مورد تصديق المفسدة ، وقس عليهما سائر المراحل ، وكذا العنوان المتعلّق به الحكم من كلّ ، غير الآخر ، لو فرض تعلّق البعث والزجر به .

و إن اُريد كون الموجود الخارجي محبوباً ومبغوضاً فلا محذور فيه ; لأنّ الحبّ والبغض من الأوصاف النفسانية ، وتقوّمها إنّما هو بمتعلّقاتها ; إذ الحبّ المطلق والشوق بلا متعلّق لا معنى لهما ، ولكن ما هو المتعلّق إنّما هو صور الموجودات وعناوينها ; إذ الخارج يمتنع أن يكون مقوّماً لأمر ذهني ، وإلاّ لزم الانقلاب وصيرورة الذهن خارجاً أو بالعكس .

أضف إلى ذلك : أنّ الحبّ أو الشوق قد يتعلّق بما هو معدوم ، والمعدوم يمتنع أن يقع مقوّماً للموجود .

وبما ذكرنا يظهر : أ نّه لا مناص عن القول بأنّ متعلّقي الحبّ والبعض متغايران حقيقة ; لأنّ وعاء الذهن وعاء التحليل والتجزئة ، فالصورة التي تعلّق بها الحبّ غير الصورة التي تعلّق بها البغض ، ولمّا كانت العناوين وجوهاً لمصاديقها فلا محالة يصير الخارج محبوباً ومبغوضاً بالعرض وبالواسطة .

لا يقال : كون الموجود الخارجي محبوباً بالعرض خلاف الوجدان والإنصاف ، ولا يقال هذا محبوب إلاّ إذا وجد فيه المبدأ حقيقة ، فعلى القول بالاجتماع يلزم اجتماع مبدأين متضادّين في واحد شخصي .


(47)

لأ نّا نقول : كون الشيء محبوباً ومبغوضاً لا يستلزم كون الخارج متّصفاً بمبدأين متضادّين ; إذ فرق بين الأعراض الخارجية التي تقع ناعتة لموضوعاتها كالأبيض والأسود ، وبين الأوصاف النفسانية التي لها نحو إضافة إلى الخارج ، كالحبّ والبغض .

فكون الشيء محبوباً ليس معناه إلاّ وجود حبّ في النفس مضافاً إلى صورته أوّلاً ، ثمّ إلى الخارج ثانياً ، ومع ذلك لا يحصل في الخارج تغيّر ولا وجود عرض حالّ في المحبوب .

والحاصل : أنّ هذه الأوصاف ليس بحذائها شيء في الخارج حتّى يلزم وجود مبدأين متضادّين في الوجود الواحد ـ أعني ما تعلّق به الحبّ والبغض  ـ بل حبّ كلّ محبّ قائم بنفسه لا يسري إلى محبوبه ; فإنّ الله تعالى محبوب الأولياء والمؤمنين ، ولا يمكن حدوث صفة حالّة فيه بعددهم ، بل المحبوبية والمبغوضية من الصفات الانتزاعية التي يكون لها منشأ انتزاع .

فلابدّ من لحاظ المنشأ ; فإنّ المنتزع تابع لمنشأه في الوحـدة والكثرة ، بل في جميع الشؤون ، وقـد عرفت أنّ منشأ انتزاعها هي الأوصاف والكيفيات النفسانيـة القائمـة بذات النفس المتشخّصـة بالصورة الحاصلـة فيها التي اُخـذت مـرآة للخارج .

وبهذا يظهر صحّة انتساب المحبوبية بنحو إلى ما ليس موجوداً في الخارج ، ولو كان مناط الانتساب قيام صفة خارجية بالموضوع لامتنع الانتساب قطعاً ، ونظيره العلم والقدرة ; فإنّ الشيء يصير قبل تحقّقه معلوماً ومقدوراً ; إذ ليس المناط قيام صفة خارجية بالموضوع .

إذا عرفت ذلك فنقول : يمكن أن يتعلّق الحبّ بعنوان والبغض بعنوان آخر ،


(48)

فيكون الموجـود الخارجي محبوباً ومبغوضاً ، مع كـون العنوانين موجـودين بوجود واحد .

ألا ترى : أنّ البسائط الحقيقية معلومة لله تعالى ومقدورة ومرضية ومعلومة وهكذا ، ولا يلزم من ذلك تكثّر في البسائط ; إذ التكثّر في ناحية الإضافة ، ولا  إشكال في تكثّر الإضافات بالنسبة إلى شيء واحد بسيط ، من غير حصول تكثّر فيه ، كما في الإضافات إلى الباري سبحانه .

ويرشدك إلى ما ذكرنا : أ نّه يمكن أن يكون شيء بسيط معلوماً ومجهولاً بجهتين ، كالحركـة الخاصّة الركوعيـة في الـدار المجهولـة غصبيتها ; فإنّها مـع وحدتها معلومة بوصف الركوع ومجهولة بوصف التصرّف في مال الغير ، فلو كانت المعلومية والمجهولية كالبياض والسواد من الصفات الخارجية لامتنع اجتماعهما في واحد .

والسرّ في اجتماعهما وكذا في اجتماع غيرهما : هو كونهما من الاُمور الانتزاعية ; فإنّ المعلومية أو المحبوبية منتزعان من تعلّق العلم والحبّ بالصورة الحاكية عن الخارج ، بلا حدوث صفة في الخارج ، فتدبّر .

وأ مّا حديث قيام المصلحة والمفسدة بشيء واحد فهو أيضاً لا محذور فيه ; لأ نّهما أيضاً لا يجب أن تكونا من الأعراض الخارجية القائمة بفعل المكلّف ; لأنّ معنى كون التصرّف في مال الغير ظلماً وقبيحاً وذا مفسدة هو كونه مستلزماً للهرج والمرج ، وموجباً لاختلال نظام العباد ، من غير أن يكون هذه العناوين أوصافاً خارجية قائمة بالموضوع .

وقس عليه الخضوع لله والركوع له ; فإنّ كلّ واحد قيام بأمر العبودية وله حسن ومصلحة ، من دون أن يكون هذه العناوين أعراضاً خارجية .


(49)

ومن ذلك يظهر : أ نّه لا استحالة في كون المقرّب مبعّداً والمبعّد مقرّباً ; لأنّ المراد منها ليس هو القرب والبعد المكانيين حتّى لا يمكن اجتماعهما ، بل المعنوي من ذلك ، وهو ليس أمراً حقيقياً بل اعتبارياً عقلائياً يدور مدار الجهات الموجبة له عندهم .

ولذلك يرى العقل والعقلاء الفرق بين مَن ضرب ابن المولى في الدار المغصوبة ومن أكرمه فيها ; فحركة اليد لإكرام ابن المولى من جهة أ نّها إكرام محبوبة وصالحة للمقرّبية ، ومن جهة أ نّها تصرّف في مال الغير عدواناً مبغوضة ومبعّدة . ومسّ رأس اليتيم في الدار المغصوبة من جهة أ نّه الرحمة عليه حَسَن وذو مصلحة ، ومن جهة أ نّه تصرّف في مال الغير قبيح وذو مفسدة . والصلاة في الدار المغصوبة من جهة أ نّها مصداق الصلاة محبوبة ومقرّبة ، ومن جهة أ نّها مصداق الغصب مبغوضة ومبعّدة(1) .

وقد عرفت : أنّ الشيء الواحد ـ حتّى البسيط منه ـ يجوز أن يتّصف بمثل هذه الانتزاعيات . ولو أمكن أن يكون الشيء الواحد محبوباً لجهة ومبغوضاً لجهة أمكن أن يكون مقرّباً ومبعّداً من جهتين ، من غير لزوم تضادّ وامتناع .

وأظنّ : أ نّك لو تدبّرت فيما هو الملاك في كون الشيء مقرّباً ومبعّداً عند العقلاء ، وأنّ التقرّب والتبعّد في هاتيك المقامات يدوران مدار الاعتبار يسهّل لك تصديق ما ذكرنا .


1 ـ كفاية الاُصول : 193 .


(50)

تنبيه
في أدلّة القول بالامتناع والجواز

فيما استدلّ به للقول بالامتناع

استدلّ القائلون بالامتناع بوجوه ; أسدّها ماذكره المحقّق الخراساني ، ورتّبه على مقدّمات ; عمدتها هو كون الأحكام الخمسة متضادّة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر ; لعدم المنافاة بين وجوداتها الإنشائية قبل البلوغ إليها(1) .

وأنت خبير : بأنّ ما أحكمناه كاف في إثبات المطلوب ; سواء ثبت التضادّ بين الأحكام أم لا .

ولمّا انجرّ الكلام إلى هنا لا بأس بتوضيح الحال فيها ، فنقول :

عُرّف الضدّان بأ نّهما أمران وجوديان لا يتوقّف تعقّل أحدهما على الآخر ، يتعاقبان على موضوع واحـد بينهما غاية الخلاف(2) ، وقالوا : إنّ من شرط التضادّ أن يكون الأنواع الأخيرة التي توصف به داخلة تحت جنس واحد قريب(3) ، فلا يكون بين الأجناس ولا بين صنفين من نوع واحد ولا شخصين منه تضادّ . وما ذكرناه هو المختار عند الأكابر .


1 ـ كفاية الاُصول : 193 .
2 ـ الحكمة المتعالية 2 : 112 ـ 113 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 41 .
3 ـ التحصيل : 37 ، الحكمة المتعالية 2 : 113 .


(51)

فالتعريف المذكور لا ينطبق على الأحكام :

أ مّا على القول المختار بأنّ الأحكام عبارة ـ مثلاً ـ عن البعث والزجر المنشأيـن بالآلات والأدوات فواضح جـدّاً ; لأنّ البعث والزجـر بالهيئـة الدالّـة عليهما إنّما هـو بالمواضعة والاعتبار ، وهما ليسا مـن الاُمـور الوجوديـة الحالّـة في موضوعها الخارجي ، بل اُمـور اعتباريـة عقلائية ، وهم يرون البعث بالهيئـة مكـان البعث التكويني ، لكـن بحسب الوضع والاعتبار القائمين بنفس المعتبر ; قياماً صدورياً .

وأ مّا على القول بكونها عبارة عن الإرادات أو عن الإرادات المظهرة ـ  كما اختاره بعض محقّقي العصر  ـ رحمه الله ـ (1) ، وقد أوعزنا إلى دفعه سابقاً(2) ـ فكذلك أيضاً ; لأنّ الشرط ـ  كما أسمعناك ـ كون الأمرين الوجوديين داخلين تحت جنس قريب . وعليه لابدّ أن يكونا نوعين مستقلّين ، مع أنّ إرادة البعث والزجر داخلتين تحت نوع واحد ، ومعه كيف تصيران متضادّتين ؟

فإن قلت : إنّ مبدأ الأمر ـ وجوبياً أو ندبياً ـ وإن كان هو إرادة البعث ، على ما هو التحقيق من أنّ الإرادة التشريعية لا تتعلّق إلاّ بالبعث والتحريك ، لا بصدور الفعل من الغير ، إلاّ أنّ مبدأ النهي هو الكراهة ، وهما ليستا من نوع واحد .

قلت : الكراهـة ليست بمبدأ قريب للنهي ، بل المبدأ القريب هو إرادة الزجر ; وذلك لأنّ الكراهة والاستقباح في مقابل الشوق والاستحسان ، فكما أنّ اشتياق صدور شيء من المكلّف ربّما يصير مبدأ لحدوث إرادة البعث نحو المطلوب ، كذلك


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 302 ، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1 : 345 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 320 .


(52)

الكراهة وتنفّر الطبع عنه ربّما تصير مبدأ لإرادة الزجر التشريعي عن العمل .

فظهر : أنّ ما يقابل الاشتياق هو الكراهة ، وأ نّهما من مبادئ الإرادة التشريعية أحياناً ، والمبدأ القريب للنهي هو نفس الإرادة لا الاستكراه ، والإرادتان من نوع واحد ، فاختلّ ماهو الشرط للتضادّ .

وببيان أوضح : أنّ الإرادات ليست أنواعاً مختلفة تحت جنس قريب ; أ مّا الـواجب والمستحبّ وكـذا الحـرام والمكروه فواضح ; لأنّ الإرادة الوجوبيـة والاستحبابية مشتركتان في حقيقة الإرادة ومتميّزتان بالشدّة والضعف ، فإذا أدرك المولى مصلحة ملزمة تتعلّق به الإرادة الشديدة وينتزع منها الوجوب ، أو أدرك مصلحة غير ملزمة تتعلّق به الإرادة لا بنحو الشدّة ، بل على نحو يستظهر منها الترخيص في الترك ، وينتزع منها الاستحباب .

وقس عليهما الحـرام والمكروه ; فإنّ المبدأ القريب للنهي ـ تحريماً كان أو تنزيهاً  ـ إنّما هو الإرادة فيما إذا أدرك أنّ في الفعل مفسدة ، فيتوصّل لسدّ بابها بزجـر العبد تشريعاً ، فيريد الزجر التشريعي فيزجرهم .

فإرادة الزجر المظهرة إذا كانت إلزامية ينتزع منها التحريم ، وإن كانت غير الزامية ينتزع منها الكراهة .

فتلخّص : أنّ ماهو المبدأ الأخير هو الإرادة ، وعلى القول بانتزاع الأحكام من الإرادات المظهرة لا يتفاوت فيه الوجوب وغيره ، وقد عرفت أنّ الإرادة هي المبدأ القريب للإظهار ، فلا تكون الأحكام أنواعاً مختلفة مندرجة تحت جنس قريب ، على ما هو المناط في الضدّين .

ثمّ إنّ عدم اجتماع الوجوب والحرمة ، لا يعدّ دليلاً على اندراجهما تحت


(53)

التضادّ ، لأنّ عدم الاجتماع أعمّ منه سواء أقلنا بأنّ الأحكام اُمور اعتبارية أم هي إرادات مظهرة :

أمّا على الأوّل فعدم الاجتماع ـ مع تسليم إمكان الجعل ـ هو لغوية جعل حكمين مختلفين في شيء واحد في زمن واحد ، لا يمكن امتثالهما.

بل يمكن أن يقال : إنّ الوجه، هو امتناع الجعل الجدّي عندئذ ; لأنّ الغاية من جعل الحكم هو انبعاث العبد من الإنشاء ، ولازم الانبعاث من الأمر هو الفعل ، ولازم الانبعاث من النهي هو الترك ، وهما لا يجتمعان.

وكـذا على القول بكونها عبارة عن الإرادات ; لامتناع تعلّق الإرادة بالبعث إلى العمل والزجر عـن الفعل ، كتعلّق الإرادة بالطيـران إلى الهواء ، فعدم الاجتماع أعمّ من التضادّ.

وأيضاً لو اعتبرنا في تحقّق التضادّ كون الأمرين ممّا بينهما غاية الخلاف لا  يتحقّق التضادّ في جميع الأحكام ; لأنّ الوجوب والاستحباب ليس بينهما غاية الخلاف ، وقس عليه الحرمة والكراهة . بل تخرج الأحكام عن تقابل التضـادّ بقولنا يتعاقبان على موضوع واحد ; لأنّ المراد من الموضوع هو الموضوع الشخصي لا الماهية النوعية ، وقد مرّ(1)  أنّ متعلّقاتها لا يمكن أن يكون الموجود الخارجي ، فلا معنى للتعاقب وعـدم الاجتماع فيه .

فظهر: أنّ حديث التضادّ بين الأحكام ـ  وإن اشتهر بين المتأخّرين(2)  ـ ممّا لا أساس له ، كما عليه بعض أهل التحقيق قدّس الله سرّه(3) .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 489 ـ 490 .
2 ـ قوانين الاُصول 1 : 142 / السطر14 ، هداية المسترشدين 3 : 93 ، كفاية الاُصول : 193 .
3 ـ نهاية الدراية 2 : 308 .


(54)

فيما استدلّ به للقول بالجواز

استدلّ المجوّزون للاجتماع بأنّ أدلّ الدليل على إمكانه وقوعه ، وقد وقع نظيره في الشريعة الغرّاء ، كالواجبات المستحبّة أو المكروهة ، فيستكشف إنّاً عن صحّة الجميع(1) ; وهي على ثلاثة أقسام :

أحدها : ما تعلّق النهي بذاته وعنوانه ولا بدل له ، كصوم يوم العاشور ، والنوافل المبتدئة عند طلوع الشمس وغروبها .

ثانيها : ما اتّحد فيه متعلّقا الأمر والنهي وكان له بدل ، كالأخصّ مطلقاً ، كالنهي عن الصلاة في الحمّام .

ثالثها : أن يكون بين العنوانين عموم من وجه ، فتعلّق النهي بما هو مجامع معه وجوداً ، كالصلاة في مواضع التهمة ، بناءً على تعلّق النهي بالكون فيها .

وفيه : أنّ الاستدلال بالظواهر بعد قيام البرهان على الامتناع ـ  لو تمّ  ـ خارج من آداب المناظرة ، وكيف كان فنحن في فسحة عن الثالث ، بل الثاني ، بناءً على دخول الأخصّ والأعمّ مطلقاً في محلّ البحث .

فالأولى : صرف عنان الكلام إلى ما تعلّق به النهي بذاتها ولا بدل له ، فنقول :

يمكن أن يقال : إنّ النهي وإن تعلّق بنفس الصوم ظاهراً إلاّ أ نّه متعلّق في الواقع بنفس التشبّه ببني اُمية الحاصل بنفس الصوم ، من دون أن يقصد التشبّه . فالمأمور به هو ذات الصوم والمنهي عنه التشبّه بهم ، ولمّا انطبق العنوان المنهي عنه


1 ـ قوانين الاُصول 1 : 142 / السطر13 .


(55)

عليه ، وكان ترك التشبّه أهمّ من الصوم المستحبّ نهى عنه إرشاداً إلى ترك التشبّه . هذا على القول بصحّة الصوم يوم العاشور ، كما نسب إلى المشهور ، وإلاّ فللإشكال فيه مجال بالنظر إلى الأخبار ، والتفصيل في محلّه .

ويمكن أن يقال : نظير ذلك في الصلوات في أوقات خاصّة ; فإنّ المنهي عنه تنزيهياً هو التشبّه بعَبدَة الأوثان ، على ما قيل .

وما قيل : من أ نّه لا يعقل أن يكون كلّ من الفعل والترك ذا مصلحة ; لأ نّه إمّا أن يغلب إحدى المصلحتين على الاُخرى ، فيكون البعث نحوها فقط ، وإلاّ فالحكم هو التخيير(1) ، ليس بصحيح ; لأ نّه يستقيم ذلك لو كان متعلّق الحكمين واحداً أو قلنا : إنّ المتعلّق هو المجمع الخارجي ، وقد عرفت بطلانه ، بل المقام ليس إلاّ من قبيل الصلاة في مواضع التهمة .

كما أنّ ما تصدّى به المحقّق الخراساني لدفع الإشكال فيما لا بدل له ; من أنّ انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك أو كون الترك ملازماً لعنوان كذائي الذي صيّره راجحاً(2) ، غير تامّ بظاهره ; لأنّ الترك عدمي لا ينطبق عليه عنوان وجودي ، ولا  يمكن أن يكون ملازماً لشيء ; فإنّ الانطباق والملازمة من الوجوديات التي لابدّ في ثبوتها لشيء من ثبوت ذلك الشيء .

نعم ، يمكن اعتبار شيء من بعض الأعدام الخاصّة المتصوّرة ، بنحو من التصوّر في المأمور به .

ثمّ إنّ بعض الأعاظم ـ قدس سره ـ أجاب عن هـذا القسم بتقديم مقدّمـة ، وهي : أنّ


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 439 .
2 ـ كفاية الاُصول : 198 ـ 199 .


(56)

النذر إذا تعلّق بعبادة مستحبّة يندكّ الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي الجائي من قبل النذر ; لوحدة متعلّقهما ، فيكتسب الأمر النذري الوجوبي التعبّدية من الاستحبابي ، والأمر الاستحبابي يكتسب اللزوم من الوجوبي ، فيتولّد منهما أمر وجوبي عبادي .

وأ مّا إذا كانت العبادة المستحبّة متعلّقة للإجارة ، كان متعلّق الأمر الاستحبابي مغايراً لما تعلّق به الأمر الوجوبي ; لأنّ متعلّق الأوّل ذات العبادة ومتعلّق الثاني إتيان العبادة بداعي الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه ، وبوصف كونه مستحبّاً على الغير ; لأنّ الشخص صار أجيراً لتفريغ ذمّة الغير ، فلا تكون العبادة من دون قصد النيابة تحت الإجارة ، فلا يلزم اجتماع الضدّين ، ولا يندكّ أحدهما في الآخر . وما نحن فيه من هذا القبيل ; لأنّ الأمر تعلّق بذات العبادة ، والنهي التنزيهي تعلّق بالتعبّد بها ; لما فيه من المشابهة بالأعداد(1) ، انتهى .

وفيه من الضعف والخلط ما لا يخفى على البصير :

أ مّا أوّلاً : فلأنّ الأمر الاستحبابي تعلّق بعنوان الصلاة والأمر الوجوبي بعنوان الوفاء بالنذر ، فالعنوانان في ظرف تعلّق الأحكام مختلفان ، ومتّحدان في الوجود الخارجي ، وهو ليس ظرف تعلّق الحكم .

فلو نذر أن يصلّي صلاة الليل يجب عليه الوفاء بالنذر ، ولا يحصل الوفاء إلاّ بإتيان الصلاة الاستحبابي لا غير ، فالصلاة الخارجي مصداق لعنواني الوفاء بالنذر والصلاة ، وقد انطبق العنوانان عليها في الخارج .

ومثلها الإجارة ; فإنّ الأمر الوجوبي تعلّق بنفس الوفاء بالعقد ، والأمر


1 ـ أجود التقريرات 1 : 365 ـ 367 .


(57)

الاستحبابي بنفس الصلاة المستحبّـة ، أو تعلّق أمـر وجوبي آخـر بنفس الصلاة على الولي .

وحينئذ : فلازم الوفاء بالعقد هو إتيان العبادة بداعي الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه أو بوصف كونه مستحبّاً على الغير ، لا أنّ ذلك هو المتعلّق للأمر الإجـاري ، بل هـذا طريق لتحقّق الوفاء بالعقد ، فافتراق موضوعهما يكون مـن هذه الجهة .

وثانياً : لا معنى معقول لهذا الاكتساب والتولّد المذكورين ، فبأيّ دليل وأ يّة جهة يكتسب الأمر غير العبادي العبادية وغير الوجوبي الوجوب ؟ وما معنى هذه الولادة والوراثة ؟ بل لا يعقل تغيير الأمر عمّا هو عليه ; ولو اتّحد المتعلّقان في الخارج . ولعمري إنّ هذا أشبه بالشعر منه بالبرهان .

وثالثاً : أنّ الأمر فيما نحن فيه وكذا في باب العبادات الاستيجارية لم يتعلّق بذات الصوم والصلاة ، كما زعمه ; حيث قال : إنّ الأمر تعلّق بذات الصوم والنهي عليه بنعت التعبّد بها ، بل تعلّق بهما بقيد التعبّدية ، ولو بدليل آخر وإلاّ يصير توصّلياً ، فيكون موضوعهما شيئاً واحداً في كلا المقامين .

ورابعاً : ـ بعد تسليم جميع ما ذكره ـ لا ينفع ذلك للتخلّص عن الإشكال ; لأنّ حاصله يرجع إلى أنّ الأمر الاستحبابي تعلّق بصوم يوم العاشور ، وصومه بما هو مستحبّ مكروه ، وهذا واضح البطلان ; لأ نّه يلزم منه أن يكون موضوع الحكم منافياً لحكمه .

وما أشار إليه في خلال كلامه : أنّ التعبّد بالصوم مكروه لأجل التشبّه بالأعداء إن رجع إلى ما ذكرنا فلا يحتاج فيه إلى تلك التكلّفات .


(58)

خاتمة
في حكم المتوسط في أرض مغصوبة

اختلفوا في حكم المتوسّط في أرض مغصوبة إذا كان دخوله غصباً وانحصر التخلّص منها بالتصرّف فيها بغير إذن صاحبها على أقوال :

أقواها : أ نّه منهي عنه بالنهي الفعلي وليس بمأمور به شرعاً .

وربّما قيل : إنّه واجب ليس إلاّ ، كما عن الشيخ الأعظم(1) .

أو أ نّه واجب وحرام ، كما عن أبي هاشم(2)  والمحقق القمّي(3) .

أو أ نّه مأمور به مع جريان حكم المعصية عليه بسبب النهي السابق الساقط(4) .

واختار المحقّق الخراساني : أ نّه غير مأمور به ولا منهي عنه بالنهي الفعلي ، ويجري عليه حكم المعصية مع إلزام العقل بالخروج ; لكونه أقلّ محذوراً(5) .

توضيح المختار وبرهانه : هو أ نّه لم يدلّ دليل على وجوب الخروج من الأرض المغصوبة أو على وجوب التخلّص عن الغصب أو وجوب ردّ المال إلى صاحبه أو ترك التصرّف في مال الغير بعناوينها ; بأن يكون كلّ واحد من هذه العناوين موضوعاً لحكم الوجوب .


1 ـ مطارح الأنظار : 153 / السطر33 .
2 ـ اُنظر قوانين الاُصول 1 : 153 / السطر22 ، شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب : 94 .
3 ـ قوانين الاُصول 1 : 153 / السطر21 .
4 ـ الفصول الغروية : 138 / السطر25 .
5 ـ كفاية الاُصول : 204 .


(59)

وما في بعض الروايات «المغصوب كلّه مردود»(1)  لا يـدلّ على وجوب الردّ بعنوانه ، بل لمّا كان الغصب حراماً يردّ المغصوب ; تخلّصاً عن الحرام عقلاً .

نعم ، لو قلنا : إنّ النهي عن الشيء مقتض للأمر بضدّه العامّ ، وإنّ مقدّمة الواجب واجبة يمكن أن نقول بوجوب بعض العناوين المتقدّمة ; لأنّ التصرّف في مال الغير إذا كان حراماً يكون ترك التصرّف واجباً ، والخروج من الأرض المغصوبة مقدّمة لتركه ، لكنّه مبني على مقدّمتين ممنوعتين .

وأ مّا كونه محرّماً بالفعل فكفاك له من الأدلّة ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير بغير إذنه .

والسرّ في ذلك : هو ما قدّمناه في مبحث الترتّب(2)  وأوعزنا إليه إجمالاً في مقدّمات المختار عند البحث عن الاجتماع(3)  من أنّ الخطابات الكلّية القانونية تفارق الخطابات الشخصية ملاكاً وخطاباً ; لأنّ الخطاب القانوني لا ينحلّ بعدد المكلّفين ، بل خطاب واحد فعلي على عنوانه ، من غير لحاظ حالات كلّ واحد من المكلّفين . والخطاب الشخصي وإن كان يستهجن بالنسبة إلى الغافل والعاجز والمضطرّ والعاصي ونظائرها إلاّ أنّ صحّة الخطاب العمومي لا تتوقّف على صحّة الباعثية بالنسبة إلى جميع الأفراد ، بل انبعاث عدّة مختلفة منهم كاف في جعل الحكم الفعلي على عنوانه العامّ بلا استثناء .

كما أ نّها غير مقيّدة بالقادر العالم الملتفت ; لا من ناحية الحاكم ، ولا من


1 ـ تهذيب الأحكام 4 : 130 / 266 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 437 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 23 ـ 24 .


(60)

ناحية العقل ; كشفاً أو حكومة ، بل العقل يحكم بأنّ لذي العذر عذره .

وأ مّا الخطاب فهو فعلي في حقّ اُولي الأعذار عامّة ، غاية الأمر هم معذورون في ترك التكليف الفعلي أحياناً . واستهجان الخطاب مندفع بكون الخطاب ليس شخصياً ، بل كلّي عامّ .

وحينئذ فمثل قوله ـ عليه السلام ـ  : «لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه»(1)  حكم فعلي ، من غير فرق بين العالم والجاهل والعاجز والقادر ، من غير وقوع تقييد من ناحية الجاعل ، ولا إمكان التقييد من ناحية العقل ; لأنّ تصرّف العقل في إرادة الجاعل محال ، بل شأنه ليس إلاّ التعذير دون رفع الخطاب ، فيحكم في بعض الموارد : أنّ العاجز في مخالفة التكليف الفعلي معذور .

ولكن المقام ليس من هذا القبيل ; لأ نّه يحكم بمعذورية العاجز إذا طرئه العجز بغير سوء اختياره ، وأ مّا معه فلا يراه معذوراً في المخالفة .

فالحكم الفعلي بالمعنى المتقدّم قـد يخالف بلا عـذر وقـد يخالف معـه ، وما  نحن فيه من قبيل الأوّل ; إذ كان له امتثال النهي بترك الدخـول من أوّل الأمـر ; إذ مَثَل المتوسّط في الأرض المغصوبة مثل من اضطرّ نفسه إلى أكل الميتة بسوء اختياره ، فهو ملزم من ناحية عقله بأكلها حتّى يسدّ به رمقه ويدفع به جوعه ، إلاّ أ نّـه فَعَل محرّماً يشمله قوله تعالى : (حُرّمَت عَلَيكُمُ المَيتَةُ)(2)  ولا يراه العقل معذوراً في ترك الخطاب الفعلي .

وهكذا الحال في جميع الموارد التي سلب المكلّف قدرته اختياراً ،


1 ـ كمال الدين : 521 ، وسائل الشيعة 9 : 540 ، كتاب الأنفال ، الباب 3 ، الحديث 7 .
2 ـ المائدة (5) : 3 .


(61)

ولو  ساعدنا القوم في سقوط الأمر لا يمكن المساعدة في عدم إجراء حكم المعصية بشهادة الوجدان والعقل .

وأ مّا ما حكي عن أبي هاشم : من أ نّه مأمور به ومنهي عنه(1)  أو عن صاحب «الفصول» من أ نّه مأمور به ومنهي عنه بالنهي السابق الساقط(2)  فالحقّ في ترجيح القولين هو أ نّه لو قلنا بوجوب ردّ المال إلى صاحبه أو وجوب التخلّص عن التصرّف أو ترك التصرّف ، وكان التصرّف الخارجي مقدّمة للواجب ، وقلنا بجواز تعلّق النهي بالتصرّف ـ كما عرفت ـ فالترجيح مع قول أبي هاشم ، ويكون من باب الاجتماع ، وإلاّ فيقدّم قول صاحب «الفصول» . كما أ نّه إن قلنا بأنّ قيد المندوحة لا يعتبر في باب اجتماع الأمر والنهي فلا محيص عن قول أبي هاشم ، وإلاّ فيختار قول صاحب «الفصول» .

وما ربّما يقال : من أ نّه يلزم على القولين تعلّق الأمر والنهي بشيء واحد ; أ مّا على الأوّل فواضح ، وأ مّا على الثاني : لأنّ اختلاف زماني الأمر والنهي مع كون النهي بلحاظ وجود متعلّقه غير مؤثّر في رفع المنافاة ; إذ النهي بلحاظ حال وجود الخروج ، ومعه كيف يكون مأموراً به(3) ؟

ففيه ما لا يخفى ; لأنّ النهي متعلّق بعنوان التصرّف في مال الغير والأمر المقدّمي بحيثية ما يتوقّف عليه ذو المقدّمة أو ما يتوصّل به إليه ، وهما بما لهما من العنوان قابلان لتعلّق الأمر والنهي بهما ، لا بما هما موجودان في الخارج ; إذ الوجود


1 ـ تقدّم في الصفحة 58 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 58 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 448 .


(62)

الخارجي لا يتعلّق به الأمر والنهي ، فاتّحاد مقدّمة الواجب مع التصرّف في مال الغير في الوجود الخارجي لا يمنع عن تعلّق التكليف بالعناوين ، كما مرّ تفصيلا .

ويمكن أن يقال : إنّ المحرّم هو عنوان التصرّف في مال الغير والمأمور به هو عنوان الخروج ، كاختلاف الصلاة والغصب .

ثمّ إنّ بعض الأعاظم اختار ما نسب إلى الشيخ الأعظم من وجوب الخروج وعدم الحرمة ; لا خطاباً ولا عقاباً ، وبنى المسألة على دخول المقام في القاعدة المعروفة من «أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» وعدمه ، واختار العدم واستدلّ عليه بأ نّها إنّما تتمّ في المقدّمات الإعدادية التي لا يكون الخطاب مشروطاً بها ، فلا يشمل المقام ; إذ الدخول موضوع للخروج ، وهو مشروط به ، فقبل الدخول لا يعقل النهي ، وبعده ليس منهياً عنه حسب تسليم الخصم .

وأيضاً يعتبر في مورد القاعدة أن يكون الفعل الممتنع عليه بالاختيار غير محكوم بحكم يضادّ حكمه السابق ، كما في المقام ; حيث إنّ الخروج عن الدار الغصبية ممّا يحكم بلزومه العقل ، وهو ينافي الحكم السابق(1) .

وفيه أوّلاً : أ نّا نمنع اشتراط حرمة الخروج شرعاً بالدخول ، بل هو حرام بلا  شرط ، غاية الأمر يكون بلا دخول من السوالب المنتفية بانتفاء موضوعها .

وثانياً : أنّ ماذكره من تخصيص مورد القاعدة لم يدلّ عليه دليل ; إذ لا مانع من كون الخروج واجباً وحراماً بعنوانين لو قلنا بـ «أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيـار» خطاباً وملاكاً ، أو يكون فيه ملاك الحرمة فقط لو قلنا بأ نّه لا ينافي ملاكاً فقط .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 447 ـ 451 .


(63)

وثالثاً : أنّ القاعدة أجنبية عمّا نحـن فيه ، فلا معنى لابتناء المقام في دخولـه فيها وعدمـه ; لأ نّها في مقابل من توهّم أنّ قاعـدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد وما لم يمتنع لم يعدم» منافية للاختيار في الأفعال ، فيلزم أن يكون الواجب تعالى فاعلاً موجباً ـ  بالفتح  ـ فإنّ أفعالـه الواجبـة حينئذ خارجـة مـن حيطـة الاختيار .

فأجابوا عنه بأنّ الإيجاب السابق من ناحية العلّة وباختياره لا ينافي الاختيار ، وأ نّه تعالى فاعل موجب ـ بالكسر ـ والإيجاب بالاختيار كالامتناع بالاختيار ; أي جعل الشيء ممتنعاً بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يؤكّده(1) .

والسرّ فيه : أنّ أفعال الواجب يصدر عـن حاقّ إرادتـه واختياره الذي هـو عين ذاتـه المقدّسـة ، ولا يكون مـن قبيل الأفعال التسبيبية الخارجـة مـن تحت قدرتـه بإيجاد أسبابه ; لأنّ الأسباب والمسبّبات كلّها في كلّ آن وزمان تحت سلطان قدرته .

وما نحن فيه غير مرتبط بهذه القاعدة ; لأنّ أفعالنا قد تخرج مـن تحت قدرتنا بترك مقدّماتها ، كالخـروج إلى الحـجّ ; ضرورة أ نّه مـع ترك الخـروج اختياراً يخرج إتيان الحجّ مـن اختيارنا في الموسم ، فهذا الامتناع ينافي الاختيار مع كونه بالاختيار ، وقد تخرج مـن تحت قدرتنا بإيجاد سببه بالاختيار ، كرَمي الحجـر والإلقاء مـن الشاهـق ، وهـذا أيضاً إيجاب أو كإيجاب بالاختيار ، وهـو ينافي الاختيار . وما ذكرناه في توضيح القاعدة هو المستفاد من كلام أكابر الفنّ قدّس الله أسرارهم .


1 ـ الحكمة المتعالية 2 : 131 ـ 132 و 6 : 349 ، شوارق الإلهام : 94 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 177 ـ 178 .


(64)

والظاهر : وقوع الخلط بين هذه القاعدة العقلية وبين قاعدة اُخرى عقلائية ; وهي أنّ الاضطرار إلى فعل الحرام أو ترك الواجب إذا كان بسوء الاختيار هل هو عذر عند العقلاء ولدى العقل ; بحيث يقبح العقاب عليه ، أو ليس بعذر ؟

الأقوى هو الثاني ; فمن ترك المسير إلى الحجّ بسوء اختياره حتّى عجز عنه يصحّ عقابه ; وإن كان ينافي الاختيار ، وكذا من اضطرّ نفسه على التصرّف في مال الغير بلا إذنه ـ كالتصرّف الخروجي المضطرّ عليه بحكم العقل ـ لا يكون معذوراً عقلاً ، كمن سلب قدرته عن إنقاذ الغريق .

وسيجيء تتمّة المقال عند البحث في حديث الرفع بإذنه تعالى .

هذا حال الحكم التكليفي .

وأ مّا الوضعي ، فنقول : إنّه على القول بجواز الاجتماع لا إشكال في صحّه الصلاة ، بعد تسليم تعدّد المتعلّقين ، وكون حيثية المبغوض غير حيثية المحبوب ، وهكذا المقرّب والمبعّد .

وأ مّا على الامتناع فصحّة الصلاة يتوقّف على أمرين :

أحدهما : اشتمال كلّ من متعلّقي الأمر والنهي على ملاك تامّ ; إذ الصحّة تدور مدار الأمر أو الرجحان الذاتي والخلوّ عن الملاك ينفي كلا الأمرين .

ثانيهما : عدم مغلوبية ملاك الصحّة في الصلاة بملاك أقوى ; إذ الغالب من الملاك يوجب خلوّ الآخر من الملاك فعلاً ، والصحّة موقوفة على الأمر وهو منتف بالفرض ، أو على الملاك ، وقد زاحمه الملاك الغالب .

وحينئـذ : فلو اخترنا أنّ الامتناع لأجل كونـه تكليفاً محالاً لا تكليفاً بالمحال فالشرطان مفقودان ; لأنّ القائل به لابدّ أن يعتقد أنّ متعلّق الأمر والنهي


(65)

واحـد ; بحيث يكون الشيء الواحد بحيثية واحدة محبوباً ومبغوضاً ; حتّى يصير نفس التكليف محالاً ; إذ لا يعقل حينئذ وجود ملاكي البعث والزجر في شيء واحـد بحيثية واحدة .

وأ مّا على القول بأ نّه تكليف بالمحال فلا بأس به ; لأنّ ملاك الغصب لا يزيل ملاك الأمر في مقام تعلّق الأحكام بالعناوين ; لكونها في ظرف تعلّق التكاليف مختلفة غير مختلطة ; وإن امتنع الاجتماع لأجل اُمور اُخر .

وما تقدّم عن بعض الأعاظم مـن الكسر والانكسار(1)  ـ لو صـحّ ـ فإنّما  يصـحّ على القول بكون الامتناع لأجـل التكليف المحال ; حتّى يكون المتعلّق  واحـداً .


1 ـ تقدّم في الصفحة 36 .


(66)


(67)

الفصل الثالث
في أنّ النهي عن الشيء هل يكشف عن فساده أو لا ؟

ولنمهّد قبل ذلك اُموراً :

الأمر الأوّل : في عنوان البحث

قد اختلف تعبيرات القوم في عنوان المقام :

فربّما يقال : إنّ النهي عن الشيء هل يقتضي الفساد أو لا(1) ؟

وقد يقال : إنّ النهي هل يدلّ عليه أو لا(2) ؟

وكلاهما لا يخلو عن المسامحة :

أ مّا الأوّل : فلأنّ الاقتضاء بالمعنى المتفاهم عرفاً غير موجود في المقام ; لأنّ النهي غير مؤثّر في الفساد ولا مقتض له ، بل إمّا دالّ عليه أو كاشف عن مبغوضية المتعلّق التي تنافي الصحّة ، إلاّ أن يقال : إنّ الاقتضاء مستعمل في غير ذلك .

أ مّا الثاني : فلأنّ ظاهر لفظ الدلالة هو الدلالة اللفظية ; ولو بنحو الالتزام ،


1 ـ كفاية الاُصول : 217 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2 : 454 .
2 ـ قوانين الاُصول 1 : 154 ، الفصول الغروية : 139 / السطر28 .


(68)

لكن مطلق الملازمة بين الأمرين لا يعدّ من الدلالات الالتزامية ، بل لابدّ في الدلالة الالتزامية ـ على تسليم كونها من اللفظية ـ من اللزوم الذهني ، فلا تشتمل الملازمات العقلية الخفية ، كما في المقام .

اللهمّ إلاّ أن يراد مطلق الكشف ; ولو بنحو اللزوم الخفي كما عرفت منّا ، على أنّ مدّعي الفساد لا يقتصر في إثبات مرامه بالدلالة اللفظية ، بل يتمسّك بوجوه عقلية ، فالأولى التعبير بالكشف حتّى يعمّ الدلالات اللفظية والملازمات الخفية العقلية ، والخطب سهل .

الأمر الثاني : في كون المسألة عقلية لفظية

الظاهر أنّ المسألة ليست عقلية محضة ولا لفظية كذلك ; ولذا ترى بعضهم يستدلّ باللفظ وآخر بالعقل ، على أ نّه لو جعلناها ممحّضة في أحدهما تكون المسألة غير مستوفى البحث ، بل يبقى على الاُصولي عهدة بحث آخر ; إذ لو كانت عقلية محضة يبقى البحث عن الدلالة اللفظية أو بالعكس . فالأولى تعميم عنوانه ; ليشتمل العقلي واللفظي .

ثمّ إنّ المسألـة اُصوليـة ; لوقوعها كبرى لاستنتاج المسألـة الفرعيـة ، وقد عرفت ماهـو الميزان للمسألـة الاُصوليـة(1) ، كما عرفت الفرق بين هـذه المسألـة وبين المسألة المتقدّمة(2) .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 18 ـ 20 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 18 ـ 19 .


(69)

الأمر الثالث : في شمول البحث للنهي التنزيهي والغيري والتبعي

إنّ محطّ البحث أعمّ مـن النهي التحريمي والتنزيهي والنفسي والغيري والأصلي والتبعي ; لأنّ كلّها محـلّ النزاع ; ولو عند من ادّعى أنّ عـدم الأمـر يكفي في الفساد ، كشيخنا البهائي(1) ، وينكر الأمر الترتّبي .

وتوهّم : أنّ التنزيهي خارج ; لكون الترخيص دليلاً على الجواز ، أو أنّ الكراهة مؤوّلة بأقلّية الثواب باطل ; لأنّ ذلك رأي القائل بـه ، ويمكن أن يعتقد غيره أنّ النهي التنزيهي أيضاً مانع عن التقرّب ، فلا يوجب كونه خارجاً من محطّ البحث .

والحاصل : أنّ كـون شيء خـلاف التحقيق عند أحـد لا يوجب خروجـه من محلّ النزاع .

ونظير ذلك ما ربّما يقال : من أنّ النهي التنزيهي في الشريعة متعلّق بالخصوصيات اللاحقة بالعبادات لا بنفسها(2) .

وفيه : أنّ ذلك ـ على فرض صحّته ـ لا يوجب خروج ما تعلّق فيه النهي بذاتها على فرض وجوده في الشريعة .

نعم النهي الإرشادي المسوق لبيان المانعية خارج منه ; لأ نّه بعد إحرازه لا  يبقى مجـال للنزاع ، لكن كـون النواهـي المتعلّقة بالعبادات والمعاملات إرشاديـة محلّ النزاع والبحث .


1 ـ زبدة الاُصول : 99 ، الاثنا عشرية في الصلاة اليومية : 55 ، الهامش 193 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 455 ـ 456 .


(70)

الأمر الرابع : في المراد من العبادات والمعاملات في المسألة

المراد من العبادات هي العناوين الواردة في الشريعة التي لا يسقط أمرها على فرض تعلّقه بها ، إلاّ إذا أتى بها بوجه قربي ، أو كان عنوانها عبادة ذاتاً . وبالجملة : مطلق التقرّبيات مع قطع النظر عن النهي .

وأ مّا المعاملات : فمطلق ما يتّصف بالصحّة تارة وبالفساد اُخرى ، لا ما  يترتّب عليه أثر على وجـه ولا يترتّب على آخـر ; لأنّ القتل قـد يترتّب عليه القصاص وقـد لا  يترتّب ، كقتل الأب ابنه ، ولا يتّصف بالصحّـة والفساد ، ومثله خارج من البحث .

والظاهر : أنّ أبواب الضمان من هذا القبيل ولو فرض انفكاك الأثر من أسبابه أحياناً . ولا يخفى أنّ المراد هو أسباب الضمان ، كاليد والإتلاف ، لا عقد الضمان .

الأمر الخامس : في المراد من الصحّة والفساد

قد اشتهر بين القوم أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيان مساوقان للتمام والنقص لغة وعرفاً ، وبينهما تقابل العدم والملكة ، والاختلاف في التعبير بين الفقيه والمتكلّم فإنّما هو لأجل ما هو المهمّ في نظرهما(1) .

قلت : قد تقدّم في أوّل الكتاب(2)  أنّ تساوق الصحّة والفساد معهما ممّا


1 ـ كفاية الاُصول : 220 ، نهاية الأفكار 1 : 73 ـ 74 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 96 .


(71)

لم يثبت ، بل ثبت خلافه ; لأنّ النقص والتمام يطلقان على الشيء بحسب الأجزاء غالباً ، ويقال : «يد ناقصة» إذا قطع بعض أجزائها ولا يقال فاسدة ، ويقال : «دار تامّة» إذا كملت مرافقها لا صحيحة ، وأ مّا الصحّة والفساد فيستعملان غالباً بحسب الكيفيات والأحوال ، مثل الكيفيات المزاجية وشبهها ، فيقال : «فاكهة صحيحة» إذا لم يفسده الدود أو «فاسدة» إذا ضيعته المفسدات .

وعليه : فالفساد عبارة عن كيفية وجودية عارضة للشيء منافرة لمزاجه ومخالفة لطبيعته النوعية ، والصحّة تقابله تقابل التضادّ ، وهي عبارة عن كيفية وجودية عارضة له موافقة لمزاجه ، ويقال : «فاكهة فاسدة» لما عرضتها كيفية وجودية منافرة لمزاجها النوعي التي يتنفّر عنها الطباع ، كما يقال : «صحيحة» إذا كانت على كيفية موافقة له ; بحيث يقبله الطباع . فبين المعنيين تقابل التضادّ ، كما أنّ بين التمام والنقص تقابل العدم والملكة ، هذا بحسب اللغة والعرف .

نعم ، يمكن تصحيح ماذكروه من التساوق في العبادات والمعاملات ; لأ نّه يطلق الفساد على صلاة فاقدة لجزئها أو شرطها أو مجامعة لمانعها ، كما يطلق الصحّة على الواجد الجامع من جميع الجهات ، فهما حينئذ مساوقان للتمام والنقص أو قريبان منهما .

إنّمـا الكلام في أنّ ذلك الإطلاق ـ بعدما لم يكن كذلك بحسب العرف واللغـة كما عرفت ـ هل هو باعتبار وضع جديد في لفظي الصحّة والفساد ، أو باستعمالهما أوّلاً مجازاً ، وكثرة ذلك حتّى بلغا حدّ الحقيقة ؟ أقربهما هو الثاني ، بل الأوّل بعيد غايته .

فحينئذ : فالصحّة في الماهيات المخترعة صفة لمصداق جامع لجميع الأجزاء


(72)

والشرائط مطابق للمخترع والمجعول ، والفساد مقابلها ، فينقلب التقابل عن التضادّ إلى تقابل العدم والملكة ; لأجل تغيّر المعنى في العبادات والمعاملات .

وأ مّا كونهما إضافيان فيصحّ أيضاً بهذا المعنى الثانوي فيما إذا كانت العبادة تامّة الأجزاء دون الشرائط أو بالعكس . وأ مّا كون الصحّة والفساد إضافيتين بالمعنى المتعارف في اللغة والعرف فلا يصحّ إلاّ بالإضافة إلى حالات المكلّفين وأصنافهم ; فإنّ الصلاة مع الطهارة الترابية صحيحة بالنسبة إلى مكلّف وفاسدة بالنسبة إلى آخر ، أو صحيحة في حال دون حال .

فتلخّص : أنّ استعمال التمام والنقص في اللغة والعرف باعتبار الأجزاء ، وبينهما تقابل العدم والملكة ، واستعمال الصحّة والفساد فيهما بحسب الكيفيات ، وبينهما تقابل التضادّ لو كانت الصحّـة أمـراً وجـودياً ، وليسا إضافيين إلاّ بالإضافـة إلى حالات المكلّفين .

نعم ، ربّما تستعملان في العبادات والمعاملات في معنى التمام والنقص ، ويكون التقابل تقابل العدم والملكة ، وتصيران إضافيين بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط .

وأ مّا اختلاف الأنظار في صحّة عبادة وعدمها فلا يوجب إضافيتهما ; لأنّ الأنظار طريق إلى تشخيص الواقع ، وكلٌّ يخطّئ الآخر ، فتدبّر .

الأمر السادس : في مجعولية الصحّة والفساد

هل الصحّة والفساد مجعولتان مطلقاً أو لا مطلقاً ، أو مجعولتان في المعاملات دون العبادات ، أو الصحّة الظاهرية مجعولة دون الواقعية ؟ أقوال .


(73)

التحقيق : امتناع مجعوليتهما مطلقاً ; لما تقدّم في مبحث الصحيح والأعمّ أنّ الصحّة والفساد من أوصاف الفرد الموجود من الماهية المخترعة ، منتزعتان من مطابقة الخارج مع المخترَع المأمور به ، لا من أوصاف الماهية . وعليه فهو أمر عقلي لا ينالها الجعل تأسيساً ولا إمضاءً .

وما يرجع إلى الشارع إنّما هو تعيين الماهية بحدودها ، وأ مّا كون هذا مطابقاً أو لا فأمر عقلي ; فإن أتى بها بما لها من الأجزاء والشرائط يتّصف بالصحّة ، ولا يحتاج إلى جعل صحّة من الشارع .

وما عن المحقّق الخراساني : من كون الصحّة مجعولاً في المعاملات ; لأنّ ترتّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع ـ ولو إمضاءً ـ ضرورة أ نّه لولا جعله لما كان يترتّب عليه الأثر ; لأصالة فساده(1) .

غير مفيد ; إذ فيه أوّلاً : أنّ الماهيات المخترعة لا تتّصف بالصحّة والفساد ، بل المتّصف بهما هو الموجود الخارجي أو الاعتباري بلحاظ انطباق الماهيات عليه ولا انطباقها ، وهما عقليان لا يتطرّق الجعل إليهما .

وثانياً : أنّ ماذكره يرجع إمّا إلى جعل السببية لألفاظ أو أفعال مخصوصة ، كما هو المختار في الأحكام الوضعية(2)  أو إلى جعل الأثر والمسبّب عقيب الألفاظ ، وهما غير جعل الصحّة ; إذ جعل السببية أو ترتّب الأثر على موضوع وإن حصلا بفعل الشارع إلاّ أنّ كون شيء مصداقاً للسبب أو لما رتّب عليه الأثر بجعله ، أمر عقلي من خواصّ الفرد الموجود .


1 ـ كفاية الاُصول : 222 .
2 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ  : 71 ـ 72 .


(74)

وأ مّا الصحّة الظاهرية فهي أيضاً مثل الواقعية منها ; لأنّ جعل الصحّة للصلاة المأتي بها بلا سورة لا يعقل بلا تصرّف في منشأ الانتزاع ; إذ كيف يعقل القول بأنّ الصلاة بلا سورة صحيحة مع حفظ جزئية السورة في جميع الحالات ; حتّى عند الجهل بوجوبها ؟

وما يقال من أنّ هذا إذا علم الانطباق ، وأ مّا إذا شكّ في الانطباق فللشارع الحكم بجواز ترتّب أثر الصحّة أو وجوبه ، وهما قابلان للجعل(1) ، غير وجيهة ; لأنّ ما ذكر غير جعل الصحّة بنفسها ، بل الظاهر أنّ جواز ذلك أو إيجابه بدون رفع اليد عن الشرط والجزء غير ممكن ، ومعه يكون الانطباق قهرياً . ولعلّ القائل بالجعل هاهنا خلط بين الأمرين .

الأمر السابع : في تحقيق الأصل في المقام

هل في المسألة الاُصولية أصل يعتمد عليه لدى الشكّ في دلالة النهي على الفساد أو كشفه عنه عقلاً ، أو لا ؟

التحقيق : هـو الثاني ; لعـدم العلم بالحالـة السابقـة ; لا في الدلالة ولا في الملازمـة :

أ مّا الاُولى : فلابدّ أن يقرّر بأنّ النهي قبل وضعها لم يكن دالاًّ على الفساد ونشكّ في انقلابه بعد الوضع ، لكنّه ساقط ; لأ نّه قبل الوضع وإن لم يكن دالاًّ إلاّ أ نّه في هذا الحال لم تكن إلاّ حروفاً مقطّعة ، وعند عروض التركيب له إمّا وضع لما يستفاد منه الفساد أو لغيره ، فلا حالة سابقة له بنحو الكون الناقص .


1 ـ أجود التقريرات 1 : 392 .


(75)

واحتمال أنّ عروض التركيب الطبيعي للفظ في ذهن الواضع كان قبل الوضع والدلالة زماناً وإن كان يدفع ما ذكرنا إلاّ أ نّه يرد عليه ما سيجيء من عدم أثر شرعي للمستصحب .

وأ مّا الملازمة : فليست لها حالة سابقة مفيدة ; سواء قلنا بأزليتها ـ  كما قيل(1)  ـ وهو واضح ، أو قلنا بتحقّقها عند تحقّق المتلازمين ; لأنّ قبل تحقّقهما وإن لم يكن الملازمة بنحو السلب التحصيلي متحقّقة لكن استصحابه لا يفيد إلاّ على الأصل المثبت ، وبنحو الكون الناقص لا حالة سابقة حتى يستصحب .

أضف إلى ذلك : أ نّـه لو سلّم تحقّق الحالـة السابقـة في المقامين لا يفيد الاستصحـاب أيضاً ; لعـدم أثر شرعي للمستصحب ; لعدم كون الدلالـة أو الملازمـة موضوعاً لحكم شرعي ، وصحّة الصلاة لدى تحقّق المقتضيات وعدم  الموانع عقلية لا شرعية .

هذا حال الأصل في المسألة الاُصولية .

وأ مّا حاله في الفرعية : فلابدّ أوّلاً من فرض الكلام في مورد تعلّق النهي بالعبادة أو المعاملة قطعاً وشكّ في اقتضائه الفساد ، فالرجوع إلى القواعد حينئذ مثل رجوع الشكّ إلى الأقلّ والأكثـر ، إن كان المراد منه الشكّ في تعلّق النهي بالعبادة ، أو بالخصوصية ككونها في مكان خاصّ ، أو التمسّك بقاعدة التجاوز أجنبي عن المقام ; فإنّ الكلام ليس في مانعية شيء عن الصلاة أو شرطيته لها ، بل الشكّ في اقتضاء النهي الفساد بعد تعلّقه بذات العبادة قطعاً .

والتحقيق أن يقال : أ مّا في المعاملات فمقتضى الأصل الفساد ; لأنّ الأصل


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 462 .


(76)

عدم ترتّب أثر على المعاملة الواقعة . وأ مّا في العبادات فإن كان الشكّ في فسادها بعد الفراغ عن إحراز الملاك ـ  كما في النهي عن الضدّ ـ فالأصل يقتضي الصحّة ; لأنّ الملاك كاف فيها ، فيرجع الشكّ إلى كون النهي إرشاداً إلى الفساد لأجل أمر غير فقدان الملاك ، فيكون الشكّ في مانعية النهي عن العبادة بعد تعلّقه بها ، وهو مجرى البراءة .

والفرق بين المقام والمقام السابق ـ حيث أبطلنا التمسّك بالبراءة هناك دون المقام  ـ واضح .

وأ مّا إذا كان الشكّ في تحقّق الملاك أيضاً : فقاعدة الاشتغال محكّمة ; لأنّ صحّة الصلاة تتوقّف إمّا على إحراز الأمر أو الملاك ، والأمر لا يجتمع مع النهي في عنوان واحد ، ومع عدمه لا طريق لإحراز الملاك .

التحقيق في دلالة النهي على الفساد

إذا عرفت ذلك فأعلم : أنّ الكلام يقع تارة في النهي المتعلّق بعبادة أو معاملة ، مع عدم إحراز كونه تنزيهياً أو تحريمياً أو إرشاداً إلى الفساد ، واُخرى فيما إذا اُحرز أنّ النهي تحريمي أو غيره .

فالتفصيل والتحقيق يستدعي البحث في مقامات أربعة :

المقام الأوّل : فيما إذا تعلّق النهي بمعاملة مع عدم إحراز كونه من أيّ أقسامه ، فلاينبغي الإشكال في ظهور النهي في الإرشاد إلى الفساد ; لأنّ إيقاع المعاملة لمّا كان لأجل توقّع تحقّقها وترتّب الآثار عليها وتكون الأسباب آلات صرفة لها لا  يفهم العرف من النهي عنه إلاّ ذلك .


(77)

فإذا ورد «لا تبع ما ليس عندك» أو «لا تبع المصحف من الكافر» يفهم العرف منه الإرشاد إلى عدم صحّة البيع لا تحريم السبب ; لأنّ الأسباب آلات لتحقّق المسبّبات ، ولا تكون منظوراً إليها حتّى يتعلّق بها النهي . هذا ، مع بعد تعلّق النهي والحرمة بالتلفّظ بألفاظ الأسباب .

وأ مّا المسبّب فهو اعتبار شرعي أو عقلائي ، لا معنى لتعلّق النهي به .

وأ مّا الآثار المترتّبة عليها فيبعد تعلّقه بها ذاتاً ; لأ نّه مع تأثير السبب لا معنى للنهي ، ومع عدم تأثيره يكون التصرّف في مال الغير أو وطي الأجنبية وأمثال ذلك محرّمة لا تحتاج إلى تعلّق النهي بها ، فلابدّ من حمله على الإرشاد إلى الفساد ، وأنّ النهي عن الإيقاع لأجل عدم الوقوع ، كما هو المساعد لفهم العرف .

فتلخّص : أنّ النهي عن معاملة مع قطع النظر عن القرائن الصارفة ظاهر في الإرشاد إلى أنّ الأثر المتوقّع منها لا يترتّب عليها ، وهذا هو الفساد .

لا  يقال : إنّ النهي فيها منصرف إلى ترتيب الآثار ، فقوله «لا تبع المجهول» مثلاً منصرف إلى حرمة ترتيب الآثار على بيعه ، وهذا هو النهي الوضعي .

لأ نّا نقول : نمنع الانصراف هنا ، بل لا موجب له ; إذ هو يستدعي رفع اليد عن ظاهر العنوان ، بل الظاهر أنّ النهي متعلّق بإيقاع الأسباب ، لكن لا إلى ذاتها بما هي هي ، بل بداعي الإرشاد إلى عدم التأثير .

المقام الثاني : إذا تعلّق النهي بعبادة مع عـدم إحـراز حال النهي أهـو تحريمي أم غيره ؟

فلا يبعد أن نقول فيها نظير ما قلناه في الأوّل ; من الإرشاد إلى الفساد ; لأنّ المكلّفين بحسب النوع إنّما يأتون بالعبادات لأجل إسقاط الأمر والإعادة والقضاء ،


(78)

فإذا ورد من المقنّن النهي عن كيفية خاصّة ينصرف الأذهان إلى أنّ الإتيان بها مع هذه الكيفية غير مسقط للأمر ، وأ نّه لأجل الإرشاد إلى فسادها .

فقوله ـ عليه السلام ـ  : «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه»(1)  ظاهر ـ في نظر العرف  ـ في أنّ الطبيعة المتعلّق بها الأمر لا تتحقّق بهذه الكيفية ، وأنّ الصلاة كذلك لا يترتّب عليها الأثر المتوقّع ـ أعني سقوط الأمر والقضاء والإعادة ـ وكذا الحال لو تعلّق بصنف خاصّ كصلاة الأعرابي ، أو في حال خاصّ كالصلاة أ يّام الأقراء ، أو مكان خاصّ كالحمّام ، فمع عدم الدليل تحمل تلك النواهي على الإرشاد ، كالأوامر الواردة في الأجزاء والشرائط .

المقام الثالث : في العبادات التي تعلّق النهي بها مـع إحـراز حالـه ، ويتصوّر النهي فيها على وجـوه :

منها : إحراز كونه تحريمياً نفسياً ، فلا إشكال في اقتضائه الفساد ; لأ نّه يكشف عـن المبغوضية وعدم رجحانه ذاتاً ، ومعها كيف يمكن صلوحه للتقرّب والتعبّد ، مع وحـدة حيثيـة المبغوض مـع المتقرّب بـه ذهناً وخارجـاً ؟ وهـذا غير مـا صحّحناه في المبحـث المتقـدّم ; لاختلاف الحيثيتين عنوانـاً ومتعلّقاً هنـاك دون المقام .

ومن الغريب ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ حيث أتعب نفسه الشريفة فيما أفاده ، وقصارى ما قال : أنّ النهي متعلّق بأمر خارج ، وجعل المسألة


1 ـ علل الشرائع : 342 / 1 ، وسائل الشيعة 4 : 347 ، كتاب الصلاة ، أبواب لباس المصلّي ، الباب 2 ، الحديث 7 .


(79)

من بحث اجتماع الأمر والنهي(1) ، مع أنّ البحث هاهنا فيما إذا تعلّق النهي بنفس العبادة لا بأمر خارج .

ومنها : إحراز كونه تنزيهياً نفسياً ، فالظاهر دلالته على الفساد لو اُبقي على ظاهره ; إذ يستفاد منه مرجوحية متعلّقه وحزازته .

وقد يقال : إنّ الكراهة بما أ نّها لا تمنع عن إيجاد متعلّقها ، فإذا تعلّقت ببعض أفراد العبادة الواجبة تصير إرشاداً إلى كون هذا الفرد أقلّ ثواباً من غيره (2).

وفيه : أنّ البحث فيما إذا كان النهي ظاهراً في المرجوحية ، وأ مّا لو كان الظاهر منه هو الإرشاد إلى أقلّية الثواب فخارج من البحث .

فإن قلت : إنّ النهي التنزيهي ملازم للترخيص ، وكيف يمكن ترخيص التعبّد بأمر مرجوح ؟ وهل هذا إلاّ الترخيص بالتشريع ؟ فلابدّ بعد إحراز المرجوحية من التخلّص عن هذا الإشكال .

قلت : إنّ الترخيص حيثي ، مفاده عدم كون عنوان العبادة محرّماً ذاتاً ، ولا  ينافي ذلك الحرمة من قِبَل التشريع على فرض حرمته .

ومنها : إحراز كونه غيرياً ، كالنهي عن الضدّ ـ بناءً على اقتضاء الأمر النهي عن ضدّه  ـ فلا يقتضي الفساد عقلاً ; لعدم دلالته على مبغوضية في متعلّقه ; بحيث يمتنع التقرّب به ; لأنّ الإلزام بتركه لأجل فعل غيره ، كما أنّ الأمر المقدّمي لا يكشف عن محبوبيته ، وحينئذ فعلى القول بكفاية الملاك في التقرّب يصحّ التقرّب بالمنهي عنه بالنهي الغيري .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 187 ـ 188 .
2 ـ اُنظر درر الفوائد : 185 ـ 186 .


(80)

فإن قلت : إتيان المنهي عنه يوجب التجرّي على المولى ، فيكون الفاعل بذلك بعيداً عن ساحته ، فلا يمكن التقرّب به .

قلت : إنّ فاعل الضدّ عاص بترك الضدّ الأهمّ لا بفعل المهمّ ، فليس في فعله تجرّ ، وانطباق الأمر العدمي ـ أعني ترك الأهمّ ـ على الأمر الوجودي قد عرفت حاله(1) ، هذا أوّلاً .

ولو سلّمنا أنّ العصيان يتحقّق بنفس إتيان المهمّ فنقول : لا دليل على أنّ التجرّي موجب للفساد ; لأنّ الجرأة والجسارة عنوان لا تسري مبغوضيته إلى نفس الفعل ، وكون العبد بعيداً عن ساحته بجرأته لا يوجب البعد بعمله ثانياً ، فتدبّر .

ومنها : إحراز كونه إرشاداً إلى الفساد ، فلا بحث في اقتضائه الفساد .

المقام الرابع : في النهي المتعلّق بالمعاملات مع إحراز حال النهي ، وهو على أقسام ، كالنهي المتعلّق بالعبادة :

منها : مـا إذا تعلّق النهي التنزيهي أو الغيري بها ، فلا إشكال في عـدم اقتضائها الفساد .

ومنها : النهي التحريمي ، فإن تعلّق بنفس السبب وبصدور هذا اللفظ بنفسه أو صدوره بعنوان إيقاع المعاملة ـ فلا يقتضي الفساد عقلاً ; لأنّ حرمة التلفّظ بشيء ومبغوضيته لا يقتضي حرمة أثره وفساد مسبّبه وعدم تأثيره فيه ، ولو تعلّق به لا بما هو فعل مباشري ، بل بما أنّ مسبّبه مبغوض ـ كبيع المسلم من الكافر ; فإنّ المبغوض مملوكيته له  ـ فالظاهر أ نّه أيضاً لا يدلّ على الفساد ; لعدم المنافاة بين المبغوضية ووقوع المسبّب غير العبادي .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 411 ـ 413 و 423 .


(81)

ونسب إلى الشيخ الأعظم : التفصيل في هذا القسم بين كون الأسباب عقلية كشف عنها الشارع فتصحّ المعاملة ويجبر الكافر بإخراج المسلم عن ملكه ، وبين كون الأسباب شرعية ، فيبعد جعله السبب مع مبغوضية مسبّبه(1) .

قلت : الظاهر أنّ مراده من كون الأسباب عقلية هو كونها عقلائية ; إذ لا يتصوّر للسبب العقلي الاعتباري هنا معنى سوى ماذكرنا . وعليه يرجع الكلام إلى أنّ النهي عن السبب لمبغوضية مسبّبه هل يكون رادعاً عن المعاملة العقلائية أو لا ؟ والتحقيق هو الثاني .

وكذا إن قلنا بمجعولية السبب شرعاً ; لعدم المنافاة بين مبغوضية المسبّب وتأثير السبب ، فلا يرفع اليد عن أدلّة السببية لأجل مبغوضية المسبّب .

وما ذكره ـ قدس سره ـ من أنّ جعل السبب بعيد مع مبغوضية متعلّقه غير مجد ; لأنّ الجعل لم يكن مقصوراً بهذا المورد الخاصّ حتّى يتمّ ما ذكره من الاستبعاد ، بل الجعل على نحو القانون الكلّي الشامل لهذا المورد وغيره . نعم اختصاص المورد بالجعل مع مبغوضية مسبّبه بعيد .

وأ مّا لو تعلّق النهي بالتسبّب بسبب خاصّ إلى المسبّب بحيث لا يكون المسبّب مبغوضاً بل نفس التسبّب ، وذلك كالظهار ; فإنّ التفريق ليس مبغوضاً في الجملة إلاّ أنّ التوصّل به له مبغوض في نظر الشارع ، فهو مثل ما تقدّم في أ نّه لايقتضي الفساد ; لعدم المنافاة بينهما .

وربّما يقال : إنّه مع مبغوضية حصول الأثر بذاك السبب لا يمكن إمضاء المعاملة ، وهو مساوق للفساد .


1 ـ مطارح الأنظار : 163 / السطر28 .


(82)

وفيه : أ نّه لَمْ أتحقّق مساوقته للفساد ; إذ أيّ منافاة بين تحقّق المسبّب غير  المبغوض وبين حرمـة التسبّب ; فإنّ الحيازة تتحقّق ولـو بالآلـة الغصبية المحرّمـة تكليفاً .

أضف إلى ذلك : أنّ المعاملات عقلائية ، والعقلاء على أثر ارتكازهم وبنائهم حتّى يردع عنه الشارع ، ومثل ذلك لا يعدّ ردعاً كما لا يعدّ مخصّصاً ولا مقيّداً لما دلّ على جعل الأسباب الشرعية بنحو القانون ، كما عرفت .

بقي هنا قسم من التحريمي ; وهو أ نّه إذا تعلّق النهي بالمعاملـة لأجل مبغوضية ترتيب الآثار المطلوبة عليها لا إشكال في دلالته على الفساد ; لأنّ حرمة ترتيب الأثر على معاملة مساوقة لفسادها عرفاً .

هذا كلّه لو اُحرز كون النهي التحريمي متعلّقاً بأحد العناوين المتقدّمة ; من تعلّقه بنفس السبب بما أ نّه فعل مباشري ، أو بما أنّ مسبّبه مبغوض ، ومن تعلّقه بالتسبّب بالسبب الخاصّ ، أو بالمعاملة لأجل حرمة ترتيب الأثر .

وأ مّا إذا لم يحرز أحد العناوين ـ وإن اُحرز كونه تحريمياً ـ فعن الشيخ الأعظم دعوى ظهور تعلّقه بصدور الفعل المباشري(1) . وفيه إشكال ; لو لم نقل أ نّه أبعد الاحتمالات في نظر العرف والعقلاء .

والتحقيق : ظهوره في حرمـة ترتيب الأثر ; لأ نّـه لا ينقدح في نظر العرف مـن قوله «لا تبع مـا ليس عندك» على فرض إحراز كون النهي فيه للتحريم حرمـة التلفّظ بالألفاظ الخاصّـة ; لأ نّها آلات لا ينظر فيها ، ولا حرمـة المسبّب الـذي هو أمر عقلائي ولا يكون مبغوضاً نوعـاً ، ولا التسبّب بها إلى المسبّب ، بل


1 ـ مطارح الأنظار : 164 / السطر7 .


(83)

ينقدح أنّ الغرض مـن النهي هـو الزجـر عـن المعاملة بلحاظ آثارها ; فالممنوع هـو ترتيب الآثار المطلوبة عليها كسائر معاملاتهم ، وهو مساوق للفساد ، فتدبّر .

في التمسّك بالروايات على فساد المعاملة المنهي عنها

وربّما يستدلّ(1)  لدلالة النهي على الفساد إذا تعلّـق بعنوان المعاملة بروايات :

منها : صحيحة زرارة المروية في نكاح العبيد والإماء عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : سأله عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده .

فقال : «ذاك إلى سيّده ; إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما» .

قلت : أصلحك الله إنّ الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون : إنّ أصل النكاح فاسد ولا يحلّ إجازة السيّد له .

فقـال أبـو جعفر : «إنّـه لم يعص الله ، إنّما عصى سيّده ، فـإذا أجـازه فهو لـه جائز»(2) .

ومنها : ما عن زرارة أيضاً عن أبي جعفر قال : سألته عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنه ، فدخل بها ، ثمّ اطّلع على ذلك مولاه .

فقال : «ذاك إلى مولاه ; إن شاء فرّق بينهما» .

إلى أن قال : فقلت لأبي جعفر فإنّه في أصل النكاح كان عاصياً .

فقال أبو جعفر : «إنّما أتى شيئاً حلالاً ، وليس بعاص لله ، إنّما عصى سيّده


1 ـ الوافية في اُصول الفقه : 104 .
2 ـ الكافي 5 : 478 / 3 ، وسائل الشيعة 21 : 114 ، كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، الباب 24 ، الحديث 1 .


(84)

ولم يعص الله ، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم الله عليه من نكاح في عدّة وأشباهه»(1) .

وجه الاستدلال : إنّما هو الأخذ بالمفهوم ; وهو أنّ النكاح لو كان معصية الله لكان باطلاً ، ولكن المقام ليس منها .

وهناك إشكال معروف صعب الاندفاع ; وهو أنّ عصيان السيّد يستلزم كونه عاصياً لله تعالى ، فالنكاح بلا إذن بما أ نّه مخالفة السيّد وعصيان له عصيان لله سبحانه ; لحرمة مخالفة المولى شرعاً .

فمال القوم يميناً ويساراً ، واختار كلّ مهرباً غير نقي عن الإشكال .

والذي يختلج في البال : أ نّه مبني على ما قدّمناه ; من أنّ حرمة عنوان عرضي منطبق على شيء حلال بالذات لا تسري إليه ; لعدم كون الخارج ظرف تعلّق الحكم ، كما مرّ في مبحث الاجتماع (2).

وذلك كمخالفة السيّد وأصل النكاح ; فإنّ ماهو المحرّم هو عنوان مخالفة السيّد ، والنهي إذا تعلّق به لا يتجاوز عنه إلى عنوان آخر ، كالنكاح والطلاق .

وحينئذ فالتزويج الخارجي ينطبق عليه عنوانان : أحدهما عنوان النكاح ، وهو لم يتعلّق به نهي من المولى ، بل يكون مشروعاً متعلّقاً للأمر ، وعنوان عصيان المولى الذي تعلّق به النهي .

فالمصداق المفروض مصداق لعنوان ذاتي له وهو مشروع تعلّق به الأمر ،


1 ـ الكافي 5 : 478 / 2 ، وسائل الشيعة 21 : 115 ، كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، الباب 24 ، الحديث 2 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 44 ـ 45 .


(85)

وعنوان عرضي وهو مخالفة السيّد وهو محرّم . وانطباق الثاني على النكاح عرضاً لا يوجب كونـه حـراماً ; لوقـوف كلّ حكم على عنوانـه ، ولا يسري إلى ما يقارنـه أو يتّحد معه .

والحاصل : أنّ مورد السؤال والجواب النكاح بما له من المعنى المتعارف ـ  أي ما صنعه العبد بلا إذن مولاه ـ ومع ذلك أ نّه عصيان سيّده ، وليس بعصيان الله :

أ مّا عصيان السيّد فلأنّ ارتكابه هذا الأمر المهمّ بلا إذنه خروج من رسم العبوديـة وزيّ الرقّيـة . وأ مّا عـدم كون النكاح عصياناً لله : فلأنّ ما حـرّم الله علـى العبد هـو عنوان مخالفتـه لمولاه لا النكاح والطلاق وغيرهما ، وانطباقها أحياناً على مصاديق المحلّلات لا يوجب كونها حرامـاً ; لعـدم تجاوز النهي عـن عنوان إلى عنوان آخر .

فالتزويج الخارجي مصداق لعنوان محرّم ـ وهو مخالفة المولى ـ وعنوان غير محرّم ـ وهو النكاح ـ وهو بانطباق العنوان الأوّل عاص لله وبانطباق العنوان الثاني لم يعص الله بل عصى سيّده .

أ مّا الثاني فواضح ، أ مّا الأوّل فلعدم تحريم منه تعالى ، ومورد السؤال هو ما يصدر عن العبد ، وهو أصل النكاح .

ويشهد على ما ذكر شواهد في متون الروايات :

منها : قوله ـ عليه السلام ـ في الروايـة الثانيـة : فقلت لأبي جعفر : فإنّـه في أصل النكاح كـان عاصياً . فقال أبـو جعفر : «إنّما أتى شيئاً حـلالاً ، وليس بعاص لله ، إنّما عصى سيّده» .

حيث صرّح بأنّ أصل النكاح شيء حلال ليس بمعصية الله ، ومع ذلك عصى


(86)

سيّده ـ  أي في النكاح  ـ فالتزويج عصيان السيّد ومخالفة السيّد عصيان الله ، والمخالفة بعنوانها غير النكاح ; وإن اتّحدت معه خارجاً .

فظهر : أنّ المنفي من عصيان الله هو عصيانه في أصل النكاح لا عصيانه بعنوان مخالفة السيّد . فالعبد لم يعص الله في أصل النكاح حتّى يصير فاسداً ; وإنّ عصى سيّده في النكاح باعتبار وقوعه بلا إذنه .

ومنها : ما في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله في مملوك تزوّج بغير إذن مولاه أعاص لله ؟ قال : «عاص لمولاه» .

قلت حـرام هـو ؟ قال : «مـا أزعم أ نّـه حـرام ، وقل لـه أن لا يفعل إلاّ بـإذن مولاه»(1) .

ترى أنّ ظاهره كونه حلالاً ، مع أ نّه ممنوع من فعله إلاّ بإذن مولاه ، وما هذا إلاّ لأجل ما تقدّم من أنّ النكاح ليس بحرام ، لكن ينطبق عليه عنوان محرّم ; وهو مخالفة المولى .

ومنها : قوله ـ عليه السلام ـ في رواية زرارة المتقدّمة بعد قوله : «إنّما عصى سيّده ولم يعص الله» «إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم الله عليه من نكاح في عدّة وأشباهه»(2) ; حيث فرّق بينـه وبين ما تعلّق النهي بنفس الطبيعة بعنوانها ، وليس ذلك إلاّ لما ذكرنا .


1 ـ الكافي 5 : 478 / 5 ، وسائل الشيعة 21 : 113 ، كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، الباب 23 ، الحديث 2 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 83 .


(87)

تذنيب : في دعوى دلالة النهي على الصحّة

حكي عن أبي حنيفة والشيباني دلالة النهي على الصحّة(1) ; لأنّ النهي لا يصحّ إلاّ عمّا يتعلّق به القدرة ، والمنهي عنه هو وقوع المعاملة مؤثّرة صحيحة ; فلو كان الزجر عن معاملة مقتضياً للفساد يلزم أن يكون سالباً لقدرة المكلّف ، ومع عدم قدرته يكون لغواً .

فلو كان صوم يوم النحر والنكاح في العدّة ممّا لا يتمكّن المكلّف من إتيانهما يكون النهي عنهما لغواً ; لتعلّقه بأمر غير مقدور .

وأجاب عنه المحقّق الخراساني : بأنّ النهي عن المسبّب أو التسبّب به في المعاملات يدلّ على الصحّة ; لاعتبار القدرة في متعلّقه ، وأ مّا إذا كان عن السبب فلا ; لكونه مقدوراً ; وإن لم يكن صحيحاً(2) ، انتهى .

وأنت خبير : بـأنّ مـورد نظرهما ليس نفس السبب بما هـو فعل مباشـري ; إذ ليس السبب متعلّقاً للنهي في الشريعـة حتّى يبحث عنـه ـ وإن كـان التسبّب منهياً عنه أحيانـاً  ـ بل مـورد النظر هـو المعاملات العقلائيـة المعتدّ بها لولا نهي الشارع عنها .

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده بعض الأعيان في تعليقته : من سقوط قولهما على جميع التقادير ; لأنّ ذات العقد الإنشائي غير ملازم للصحّة ، فمقدوريته لذاته


1 ـ اُنظر مطارح الأنظار : 166 / السطر15 ، المحصول في علم اُصول الفقه 2 : 455 ـ 456 .
2 ـ كفاية الاُصول : 228 .


(88)

لا  ربط له بمقدوريته من حيث هو مؤثّر فعلي ، وإيجاد الملكية عين وجودها حقيقة وغيرها اعتباراً . والنهي عنه وإن دلّ عقلاً على مقدوريته لكن لا يتّصف هو بالصحّة ; لأنّ الاتّصاف إن كان بلحاظ حصول الملكية فهي ليست أثراً له ; لأنّ الشيء ليس أثراً لنفسه ، وإن كان بلحاظ الأحكام المترتّبة على الملكية المعبّر عنها بآثارها فنسبتها إليها نسبة الحكم إلى موضوعه ، لا المسبّب إلى سببه ; ليتّصف بلحاظه بالصحّة(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه : أنّ محطّ نظرهما إنّما هو المعاملة العقلائية ; أعني العقد المتوقّع منه ترتّب الأثر والمسبّب عليه لولا نهي الشارع عنه ، فلا يرد إشكاله عليهما .

ولو سلّم تعلّقه بإيجاد الملكية لكن كون الإيجاد منهياً عنه يكشف عن تعلّق القدرة عليه ـ  كما اعترف به  ـ وهو كاشف عن صحّة المعاملة ونفوذها ، لا صحّة الإيجاد حتّى يقال : إنّه لا يتّصف بها . فقوله أجنبي عن محطّ كلامهما على تقدير ، ومثبت له على الآخر .

والتحقيق : أنّ الحقّ معهما في المعاملات إذا أحرزنا أنّ النهي تكليفي لا إرشادي إلى فساده ; إذ حينئذ يتمحّض ظهوره في الفساد . هذا إذا لم نقل بأنّ النهي إذا تعلّق بمعاملة لأجل مبغوضية ترتيب الآثار المطلوبة عليها يدلّ على الفساد في نظر العقلاء ، وإلاّ يصير نظير الإرشاد إلى الفساد ، ويسقط قولهما .

وأ مّا العبادات فالمنقول عنهما ساقط فيها على أيّ تقدير ; سواء قلنا بوضعها للأعمّ أم الصحيح ، أ مّا على الأوّل فواضح ; لصحّة إطلاق الصلاة على الفاسد وإمكان تعلّق النهي به .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 407 ـ 408 .


(89)

وأ مّا على الثاني : فلما قدّمناه من أنّ المراد من الصحيح ليس هو الصحيح من جميع الجهات ; إذ الشرائط الآتية من قبل الأمر خارجة من المدلول ، بل مطلق الشرائط على التحقيق . وحينئذ فلا منافاة بين الصحيح من بعض الجهات وبين الفساد والمبغوضية ; بحيث لا يصلح للتقرّب .

ولو قلنا بالصحّة الفعلية فلا يجتمع مع النهي أصلاً ; لأنّ العبادة تتقوّم بالأمر أو الملاك ، والأمر لا يجتمع مع النهي ; لكون العنوان واحداً . ومثله الملاك ; إذ لا يمكن أن يكون عنوان واحد محبوباً ومبغوضاً وذا صلاح وفساد بحيثية واحدة .

تنبيه : في حكم تعلّق النهي بجزء العبادة أو شرطها أو وصفها

قد تقدّم الكلام في النهي المتعلّق بنفس العبادة ، فبعد البناء على فسادها بتعلّقه بها فهل يوجب تعلّقه بجزئها أو شرطها أو وصفها اللازم أو المفارق فسادها أو لا ؟

ومحطّ البحث هو اقتضاء الفساد من هذه الحيثية لا الحيثيات الاُخر ، مثل تحقّق الزيادة في المكتوبة أو كون الزائد المحرّم من كلام الآدمي أو غير ذلك ممّا لسنا بصدده الآن .

التحقيق هو الثاني ; لأنّ البحث فيما إذا تعلّق بنفس الجزء لا بالكلّ ; ولو باعتباره . وحينئذ فمبغوضية الجزء يوجب فساد نفسه لا الكلّ ، ولا تسري إليه ، ولو كان قابل التدارك يأتي به ثانياً ، وإلاّ فالفساد مستند إلى حيثية اُخرى من فقدان الجزء أو زيادته ، والنهي لم يوجب ذلك .


(90)

وتوهّم : أنّ تحريم الجزء يستلزم أخذ العبادة بالإضافة إليه بشرط لا(1) ، مدفوع بعدم الدليل عليه ، على أ نّه خارج من محطّ البحث ، كما عرفته .

وأ مّا الوصف فلأنّ المبغوض ليس إلاّ الجهر ـ مثلاً ـ في صلاة الظهر ، فلا يستدعي مبغوضية الموصوف .

وإن شئت قلت : إنّ الأمر تعلّق بعنوان الصلاة أو القراءة فيها ، والنهي تعلّق بإجهار القراءة فيها ; بحيث يكون المنهي عنه نفس الإجهار وإضافة الإجهار إلى القراءة من قبيل زيادة الحدّ على المحدود . والعنوانان في محطّ تعلّق الأحكام مختلفان ، فلا يضرّ الاتّحاد مصداقاً .

ثمّ إنّ المراد من الوصف اللازم ما لا يمكن سلبه مع بقاء موصوفه ، كلزوم الجهر للقراءة ; حيث ينعدم القراءة الشخصية مع إنعدام وصفها ; وإن يمكن إيجادها في ضمن صنف آخر . وليس المراد منه ما لا تكون فيه مندوحة في البين ; بحيث يلازم الموصوف في جميع الحالات ; لامتناع تعلّق الأمر بشيء والنهي بلازمه غير المنفكّ عنه . وقس عليه غير اللازم من الوصف ; من حيث عدم الإبطال .

فتلخّص : أنّ المقام من قبيل اجتماع الأمر والنهي ، فالبطلان على القول به مبني إمّا على منع كون المبعّد مقرّباً أو على انتفاء الوصف في الصلاة ، وهو أجنبي عن البحث ; لأنّ البحث في اقتضاء كون النهي ذلك ، كما هو ملاك البحث عند تعلّقه بنفس العبادة .

نعم ، لو تعلّق النهي بالقراءة المجهور بها ; بحيث يكون بين العنوانين عموم مطلق فللتأمّل فيه مجال ; إذ لقائل أن يمنع جريان أحكام باب الاجتماع فيه ; لأنّ


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 465 .


(91)

المطلق الواجب هو عين المقيّد الحرام ; فإنّ المطلق نفس الطبيعة ، وليس قيداً مأخوذاً فيه . فالمقيّد هو نفس الطبيعة مع قيد ، فيتّحد العنوانان في حين توارد الأمر والنهي . وقد سبق أنّ وقوع العامّ والخاصّ المطلقين محلّ النزاع لا يخلو من إشكال(1) .

وأ مّا الشرط فكما لو تعلّق الأمر بالصلاة متستّراً وتعلّق النهي بالتستّر في الصلاة بوجه خاصّ أو بشيء خاصّ ; لامتناع تعلّقه بالتستّر مطلقاً مع شرطيته في الجملة ، وحينئذ فتعلّق النهي بصنف من التستّر ـ أعني التستّر بوبر ما لا يؤكل لحمه  ـ لا يقتضي إلاّ مبغوضية شرطه لا المشروط ، ومبغوضية التستّر بنحو خاصّ أو بصنف خاصّ لا  ينافي محبوبية الصلاة متستّراً ، فإنّ التقييد بالتستّر المأخوذ فيها أمر عقلي ، ليس كالأجزاء ، فيمكن أن يتقرّب مع التستّر بستر منهي عنه ، ولا يلزم اجتماع الأمر والنهي ، ولا المبغوض والمحبوب في شيء واحد .

وأ مّا على القول بأنّ الأمر بالمقيّد ينبسط على نفس الشرط كالجزء كان حكمه حكم الجزء كما عرفت .

والقول بأنّ فساد الشرط يوجب فقدان مشروطه(2)  خروج من محطّ البحث ; إذ الفساد من حيثية اُخرى لا ينافي عدم الفساد من جانب النهي ، كما أنّ ما ذكرناه في الجزء والشرط والوصف حكم النهي التحريمي لا ما هو ظاهر في الإرشاد إلى الفساد ، هذا حكم العقل . وأ مّا الاستظهار من الأدلّة فلا مضايقة عن دلالتها على الفساد أحياناً .


1 ـ تقدّم في الصفحة 37 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 466 .


(92)


(93)

المقصد الثالث
في المفاهيم

فيه مقدّمة وفصول :


(94)


(95)

مقدّمة
في تعريف المفهوم

ينبغي قبل الخوض في المقصود بيان مقدّمة ، وهي : أنّ المفهوم عبارة عن قضية غير مذكورة مستفادة من القضية المذكورة عند فرض انتفاء أحد قيود الكلام ، وبينهما تقابل السلب والإيجاب بحسب الحكم .

ثمّ إنّ مسلك القدماء على ما استنبطه بعض الأكابر ـ دام ظلّه ـ(1)  مخالف لما سلكه المتأخّرون من الاُصوليين ; فإنّ مشرب المتأخّرين هو استفادة الترتّب العلّي الانحصاري عن أدوات الشرط أو عن القضية الشرطية ; وضعاً أو إطلاقاً ، وليس دلالتها على ذلك بالمعنى الاسمي ; لأنّ معاني الأدوات والهيئات حرفية .

وحينئذ : يكون المفهوم على طريقتهم بحسب بعض الوجوه مـن اللوازم البيّنة للمعنى المستفاد من الكلام ، وتصير الدلالة لفظيـة ـ بناءً على كون الدلالة على الحصر بالوضع ـ لأنّ أدوات الشرط على فرض إفادتها المفهوم تدلّ على تعليق الجزاء على العلّـة المنحصرة ، ولازمـه البيّن الانتفاء عند الانتفاء . وعلى


1 ـ لمحات الاُصول : 267 ـ 269 .


(96)

بعض الوجوه يكون طريقتهم كطريقة القدماء على ما سيأتي .

وأ مّا على مسلك القدماء فليس من الدلالات اللفظية الالتزامية حتّى يكون من اللوازم البيّنة ; لأنّ الاستفادة مبنية على أنّ إتيان القيد بما أ نّه فعل اختياري للمتكلّم يدلّ على دخالته في الحكم ، فينتفي الحكم بانتفائه ، وهذا لا يعدّ من الدلالة الالتزامية ، كاستفادة المفهوم من الإطلاق على مسلك المتأخّرين ، وسيجيء الفرق بين القولين .

ثمّ إنّ الحاجبي عرّف المنطوق بأ نّه مادلّ عليه اللفظ في محلّ النطق ، والمفهوم بأ نّه ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق(1) .

ويمكن تطبيقه على كلا المسلكين :

أ مّا على المسلك المنسوب إلى القدماء فبأن يقال : إنّه أراد من محلّ النطق الدلالات اللفظية مطلقاً ، وأراد من غيره دلالة اللفظ بما أ نّه فعل اختياري للمتكلّم على دخالته في موضوع الحكم ، فدلّ على الانتفاء عند الانتفاء .

وأ مّا على ما عليه المتأخّرون ـ بناءً على استفادة المفهوم من اللفظ الموضوع  ـ فبأن يقال : إنّه أراد من دلالته في محلّ النطق دلالة المطابقة أو هي مع التضمّن ، ومن دلالته لا في محلّه دلالة الالتزام .

هذا ، ولا يبعد أن يكون مراده الثاني ; فإنّ ما يدلّ عليه اللفظ في محلّ النطق هو الدلالة المطابقية ـ أي ما هو موضوع ـ وأ مّا دلالته على اللازم فبواسطة دلالته على المعنى المطابقي ، فليس دلالته عليه في محلّ النطق .

فإذا قال المتكلّم : «الشمس طالعة» فالذي دلّ عليه لفظه في محلّ النطق هو


1 ـ شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب : 306 .


(97)

طلوع الشمس ; لأنّ لفظه قالب لهذا المعنى بحسب الوضع ، وأ مّا وجود النهار فقد دلّ عليه لفظه أيضاً مع عدم التنطق به وعدم الوضع له .

وبما ذكرنا يمكن استظهار أنّ المختار عند القدماء هو المختار عند المتأخّرين ، وأ نّه لا اختلاف بين المسلكين ; إذ من البعيد اتّكاؤهم في استفادة المفهوم على صرف وجود القيد مع كونه ظاهر الفساد ، فما نسب إلى القدماء محلّ شكّ ، بل منع كما سيجيء .

ثمّ إنّ كون المفهوم من صفات الدلالة أو المدلول ربّما يكون بحسب الاعتبار والإضافة ; لأنّ دلالة اللفظ على المعنى المطابقي دلالة منطوقية ، ودلالته على المعنى الالتزامي دلالة مفهومية ، كما أنّ المدلول إمّا منطوق يفهم من محلّ النطق أو مفهوم يفهم لا من محلّ النطق ; وإن كان الأشبه هو الثاني .

وليعلم : أنّ النزاع في المفهوم على مسلك المتأخّرين نزاع صغروي ; لأنّ محصّل البحث يرجع إلى أ نّه هل للقضية الشرطية مفهوم ، وأ نّها تدلّ على العلّة المنحصرة ، أو لا ; بحيث لو ثبت له المفهوم لم يكن محيص عن كونه حجّة ؟

وأ مّا على رأي القدماء : فربّما يقال إنّه كبروي ; لأنّ المفهوم على هذا لمّا لم  يكن في محـلّ النطق ، وليس مـن المدلولات اللفظيـة فحينئذ يقع النزاع في أ نّـه هـل يمكن الاحتجاج عليه أو لا يمكن ; لأجل عـدم التنطّق به ؟ فإذا قال «إذا جاءك زيد فأكرمه» يفهم منه أ نّه إذا لم يجئ لا يجب الإكرام ، لكن لا يمكن الاحتجاج به على المتكلّم بأ نّك قلت كذا ; لأ نّـه لو سئل عنه عـن فائـدة القيد ، له أن يعتذر بأعذار(1) .


1 ـ لمحات الاُصول : 267 ـ 268 .


(98)

وفيه : أنّ كون المفهوم مسلّماً وجوده في الكلام عند القدماء لا يناسب ظواهر كلماتهم ; لأ نّك ترى أنّ المنكر يردّ على المثبت بأنّ الصون لا ينحصر في استفادة الانتفاء عند الانتفاء ، بل يحصل باُمور اُخر ; من وقوعه مورد السؤال أو كونه مورد الابتلاء ، فما هو الممنوع هو أصل الاستفادة .

وإن شئت فطالع ما نقل(1)  عن السيّد المرتضى من أنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به ، وليس بممتنع أن ينوب عنه شرط آخر . . . الى آخره(2) ; فإنّ ظاهره يحكي عن أنّ المستفاد من الشرط دخالته ، لا عدم دخالة شرط آخر حتّى يفيد المفهوم ، فهو حينئذ ينكر المفهوم لا حجّيته بعد ثبوته .

وبالجملة : أنّ القائل بالمفهوم على مسلك القدماء ـ على فرض صحّة النسبة  ـ يدّعي أنّ إتيان القيد الزائد بما أ نّه فعل اختياري يدلّ على كون القيد ذا دخل في ترتّب الحكم وداخلاً في موضوعه ، ومع عدمه لا ينوب عنه شيء ، والمنكر إنّما ينكر هذه الدلالة لا حجّيتها .

ثمّ إنّك لو قد تدبّرت عبائر السيّد تعرف : أنّ مسلك القدماء هو عين ما اختاره المتأخّرون ; حيث يظهر منه أنّ مدّعي المفهوم يدّعي دلالة الكلام على عدم نيابة قيد آخر مناب القيد المذكور ، وهو عين ما سلكه المتأخّرون ، وهو شاهد آخر على اتّحادهما ، مضافاً إلى ما عرفت ، ويرشدك إليه استدلال النافين بمنع الدلالات .


1 ـ معالم الدين : 78 .
2 ـ الذريعة إلى اُصول الشريعة 1 : 406 .


(99)

الفصل الأوّل
في مفهوم الشرط

هل الجمل الشرطية تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء مع الخلوّ عن القرينة ؟ فيها خلاف :

نسب بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ إلى المتقدّمين : أنّ النكتة الوحيدة في دلالة القضايا على المفهوم ـ شرطية كانت أو وصفية أو غيرهما ـ هي شيء واحد غير مربوط بالدلالات اللفظية ، ومجمله : أنّ الغرض الوحيد في الكلام عند العقلاء هو الإفادة والاستفادة ، فكما هو أصل متّبع في أصل الكلام فهكذا هو أصل في قيوده الواردة فيه .

وتوضيحه : أنّ الأصل العقلائي في كلّ فعل صادر من شاعر مختار ـ ومنه الكلام  ـ بما أ نّه فعله هو الحمل على أ نّه صدر لغرض لا لغواً .

ثمّ في الكلام أصل آخر ; وهو أنّ صدوره للتفهيم لا لغرض آخر ; لأ نّه آلة التفهيم ، واستعماله لغيره خلاف الأصل ، ولو شكّ في الاستعمال الحقيقي والمجازي يحمل على الأوّل . ولا إشكال في جريان الأصل العقلائي في القيود الزائدة في الكلام ، فإذا شكّ في قيد أ نّه أتى به لغواً أو لغرض يحمل على الثاني ، وإذا شكّ أ نّه للتفهيم أو غيره حمل على الأوّل ، وما يكون القيود آلة لتفهيمه هو يرجع إلى


(100)

دخالتها في الموضوع ، وأنّ إتيان الموضوع مقيّداً لأجل كون الموضوع هو الذات مع القيد ، وهذا ليس من قبيل الدلالات اللفظية ، كما مرّ . فتحصّل من ذلك : أنّ إتيان القيد يدلّ على دخالته في الحكم ، فينتفي عند انتفائه ، من غير فرق بين الشرط والوصف وغيرهما ، هـذا حاصل ما قرّره دام ظلّه(1) .

والحقّ : أنّ هذا التقرير لا يفيد شيئاً ما لم يضمّ إليه شيء آخر ; وهو أنّ عدم الإتيان بشيء آخر في مقام البيان يدلّ على عدم قرين له ، وبه يتمّ المطلوب ، وإلاّ مجرّد عدم لغوية القيود لا يدلّ على المفهوم ما لم تفد الحصر .

وهو أحد الطرق التي تشبّث به المتأخّرون ، وسيأتي تقريره مع جوابه . ومحصّل تقريره : أنّ المتكلّم إذا كان في مقام بيان موضوع حكمه فلابدّ أن يأتي بكلّ ما يتقوّم به طبيعة الحكم ، فلو أتى ببعض دون بعض لأخلّ بغرضه ، فلو كان المقوّم لوجوب الإكرام أحد الأمرين من المجيء والتسليم لما كان له ذكر أحدهما وحذف الآخر .

وحكم المقام حكم باب المطلقات ، فكما يعلم من عدم ذكر الإيمان عدم دخالته فهكذا المقام ; إذ المفروض أ نّه بصدد بيان ما يتوقّف عليه طبيعة الإكرام .

وأنت خبير : أنّ ضمّ هذه المقدّمة إلى الاُولى لا يفيد في إثبات المدّعى أيضاً ; لأنّ كون المتكلّم في مقام البيان لا يقتضي عدا أن يبيّن ما هو تمام الموضوع لوجوب الإكرام المسوق له الكلام ، والمفروض أ نّه بيّنه ; حيث قال : «إن جاءك زيد فأكرمه» ، وأ مّا إذا فرضنا أنّ للإكرام موضوعاً آخر ـ وهو تسليم زيد ـ فلزوم بيانه لم يدلّ عليه دليل ، ولا يعدّ عدم بيانه نقضاً للغرض ولا كلامه لغواً .


1 ـ لمحات الاُصول : 273 ـ 274 .


(101)

مثلاً قوله : «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» يدلّ باعتبار التقييد بالكرّ على أنّ ذات الماء ليس موضوعاً للحكم ، وإلاّ لكان القيد لغواً ، ويدلّ على أنّ هذا الموضوع المقيّد تمام الموضوع للحكم ، ولا يكون قيد آخر دخيلاً فيه ، وإلاّ كان عليه البيان .

وأ مّا عدم نيابة قيد آخر عن هذا القيد وعدم صدور حكم آخر متعلّقاً بالجاري أو النابع فليس مقتضى التقييد ولا مقتضى الإطلاق . وقياس المقام بالمطلق بالجاري أو النابع فليس مقتضى التقييد ولا مقتضى الإطلاق وقياس المقام بالمطلق قياس مع الفارق ; إذ الشكّ هنا في نيابة قيد عن آخر بعد تمامية قيود الحكم المسوق له الكلام ، والشكّ هناك في تمامية قيود الحكم المسوق له ، وأ نّه هل هو تمام الموضوع أو لا ؟

وأ مّا المتأخّرون : فقد استدلّوا بوجوه غير نقية عن الإشكال ، كلّها مسوقة لإثبات كون القيد علّة منحصرة ، وظاهر ذلك كون الترتّب العلّي أو مطلق الترتّب من المسلّمات عندهم ، مع إمكان منع الأوّل ، بل كفاية مطلق الملازمة العرفية لصحّة قولنا «لو جاء زيد لجاء عمرو» إذا كانا مصاحبين غالباً بلا تجوّز أيضاً . نعم لو لم يكن بينهما ملازمة مطلقاً لما صحّ استعمال الأداة إلاّ بنحو من العناية .

ومن الوجوه المستدلّ بها : دعوى تبادر العلّة المنحصرة من القضية(1)  أو انصرافها إليها(2) ، وإثباته على المدّعي ، مع شيوع الاستعمال في غيرها بلا عناية . وما ربّما يدّعى من الأكملية(3)  فهو كما ترى .


1 ـ معالم الدين : 78 ، قوانين الاُصول 1 : 175 / السطر15 .
2 ـ الفصول الغروية : 147 / السطر27 .
3 ـ اُنظر مطارح الأنظار : 170 / السطر27 ، كفاية الاُصول : 232 .


(102)

ومنها : التمسّك بإطلاق أداة الشرط لإثبات الانحصار ، كالتمسّك بإطلاق الأمر لإثبات كونـه نفسياً تعيينياً(1) . وما ربّما يورد عليه من أنّ الإطلاق فرع التقييد ، ومعاني أدوات الشرط آليات لا تقبل التقييد ، فكيف يؤخذ بإطلاقها(2) ؟ فمدفوع بما مرّ ; من أنّ التقييد يمكن أن يكون بلحاظ ثان ، وتقدّم الوجوه الاُخر في ذلك ، فراجع(3) .

نعم ، الإشكال كلّه في أصل الاستدلال ; لما عرفت في باب الأوامر من أنّ الأقسام كلّها تتميّز عن المقسم بقيود خارجة منه ، وإلاّ لزم أن يكون القسم عين المقسم ، وهو باطل ، فالإطلاق لا يثبت نفسية الأمر ولا غيريته ، بل كلّ منهما متميّز عن نفس الطلب بقيد خاصّ ، فلا يعقل أن يكون عدم بيان قيد مثبتاً لقيد آخر .

فالحكم في المقيس عليه باطل ، فكيف المقيس ؟ ! لأنّ الترتّب العلّي ينقسم إلى قسمين : انحصاري وغير انحصاري ، فكلّ واحد مشتمل على خصوصية زائدة على مقسمه ، فلا معنى لإثبات أحدهما بعدم البيان ، على أنّ القياس مع الفارق ، يعلم ذلك بالتأمّل .

ومنها : التمسّك بإطلاق الشرط ; حيث إنّه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده ; ضرورة أ نّـه لو قارنه أو سبقه الآخـر لما أثّر وحـده ، وقضيـة إطلاقـه أ نّه يؤثّر كذلك مطلقاً(4) .

وفيه : أنّ معنى الإطلاق ليس أنّ الشرط مؤثّر ; سواء قارنه الآخر أم سبقه أم


1 ـ اُنظر كفاية الاُصول : 232 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 317 .
4 ـ اُنظر كفاية الاُصول : 232 .


(103)

لحقه ، أو أنّ ذلك مؤثّر وحده بل لا يفيد الإطلاق ـ أي عدم ذكر القيد في مقام البيان  ـ إلاّ كون الشيء تمام الموضوع للحكم ، وأ نّه لو كان شيء آخر دخيلاً كان عليه البيان .

وأ مّا لزوم بيان ما هو قرين لهذا الموضوع في تعلّق الحكم فلم يدلّ عليه دليل ; لعدم لزوم نقض الغرض . وما ذكر في الاستدلال من أ نّه لو لم يكن بمنحصر لزم تقييده ، فلم يعلم له وجه صالح .

وإن شئت قلت : إنّ الإطلاق في مقابل التقييد ، وكون شيء آخر موضوعاً للحكم أيضاً لا يوجب تقييداً في الموضوع بوجه .

وأ مّا قضية الاستناد الفعلي بالموضوع مع عدم قرين له قبله وبعده فهو شيء غير راجع إلى الإطلاق والتقييد ; فإنّ الاستناد واللا استناد في الوجود الخارجي بالنسبة إلى المقارنات الخارجية غير مربوط بمقام جعل الأحكام على العناوين ; فإنّ الدليل ليس ناظراً إلى كيفيـة الاستناد في الوجود ; فضلاً عن النظر إلى مزاحماته فيه .

وكيف كان فالإطلاق غير متكفّل لإحراز عدم النائب ; وإن كان كفيلاً لإحراز عدم الشريك ـ أي القيد الآخر ـ ولو فرض إحراز كون المتكلّم بصدد بيان العلّة المنحصرة أو الموضوع المنحصر فهو غير مربوط بمفهوم الشرط ، بل مع هذا يفهم الحصرمع اللقب أيضاً ، لكنّه لأجل القرينة لا لأجل المفهوم الذي وقع مورد النزاع .

ومنها : ما نقلـه المحقّق المحشّي في تعليقته الشريفـة ، وأشار إليه بعض الأكابر ـ  دام ظلّه ـ (1)  وهـو أنّ مقتضى الترتّب العلّي أن يكون المقدّم بعنوانـه


1 ـ لمحات الاُصول : 282 ـ 283 .


(104)

الخاصّ علّة ، ولو لم تكن العلّة منحصرة لزم استناد التالي إلى الجامع بينهما ، وهو خلاف ظاهر الترتّب على المقدّم بعنوانه(1) .

وفيه ـ مضافاً إلى ما قدّمناه من صحّة استعمال القضية الشرطية في مطلق المتلازمين ، فالعلّية والمعلولية ممّا لا أصل لهما في المقام ـ أ نّه يرد عليه أنّ قياس التشريع بالتكوين منشأ لاشتباهات نبّهنا على بعضها(2) ; لأنّ العلّية والمعلولية في المجعولات الشرعية ليست على حذو التكوين ; من صدور أحدهما عن الآخر حتّى يأتي فيهما القاعدة المعروفة ; إذ يجوز أن يكون كلّ من الكرّ والمطر والجاري دخيلاً في عدم الانفعال مستقلاًّ بعناوينها ، كما هو كذلك .

على أنّ القاعدة مختصّة للبسيط البحت دون غيره .

ولو أغمضنا عن ذلك كلّه لا يمكن الإغماض عن أنّ طريق استفادة الأحكام من القضايا هو الاستظهارات العرفية ، لا الدقائق الفلسفية ، فتدبّر .

ومنها : ما يظهر عن بعض الأعاظم ، وحاصلة : جواز التمسّك بإطلاق الجزاء دون الشرط ; قائلاً أنّ مقدّمات الحكمة إنّما تجري في المجعولات الشرعية ، ومسألة العلّية والسببية غير مجعولة ، وإنّما المجعول هو المسبّب على تقدير وجود سببه ، فلا معنى للتمسّك بإطلاق الشرط ، بل مقدّمات الحكمة تجري في جانب الجزاء ، من حيث عدم تقييده بغير ما جعل في القضية من الشرط ، مع كونه في مقام البيان ، ويحرز كونه في مقامه من تقييد الجزاء بالشرط .

ودعوى كونه في مقام البيان من هذه دون سائر الجهات فاسدة ; فإنّه لو بني


1 ـ نهاية الدراية 2 : 416 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 227 و 245 .


(105)

على ذلك لانسدّ باب التمسّك بالإطلاقات في جميع المقامات ; إذ ما من مورد إلاّ ويمكن فيه هذه الدعوى(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه أوّلاً : أنّ لازم ما ذكره عدم التمسّك بالإطلاق في أغلب الموارد ; لأنّ مصبّ الإطلاق في قول الشارع مثلاً «اعتق رقبة» إن كان مفاد الهيئة فهو معنى حرفي غير قابل لجريان مقدّماته فيها على مذهب القائل ، وإن كان مادّتها أو نفس الرقبة فليستا من المجعولات الشرعية . وما هذا إلاّ أنّ إجرائها لا ينحصر بالمجعولات الشرعية ، بل الغالب جريانها فيما له أثر شرعي .

مثلاً إذا قال : «إن ظاهرت فاعتق رقبة» ، وشكّ في اعتبار قيد في الرقبة تجري المقدّمات في نفس الرقبة التي جعلت موضوع الحكم ، وكذا يتمسّك بإطلاق المادّة لو شكّ في كيفية العتق ، مع عدم كونهما مجعولين شرعاً ، فكما يقال في مثل ما ذكر : أنّ ما جعل موضوعاً أو متعلّقاً هو تمامهما ، وإلاّ لكان عليه البيان فكذا يقال في المقام : لو كان شيء آخر دخيلاً في الشرط لكان عليه البيان ، وهذا غير مربوط بجعل السببية والعلّية .

وثانياً : أنّ ما أورده في إثبات إطلاق الجزاء عين ما ردّه في ناحية الشرط ، وما الفرق بين المقامين ؟ ! مع قطع النظر عمّا ذكـره ; مـن حديث عـدم مجعوليـة العلّية والسببية .

وثالثاً : أنّ منع مجعولية السببية والعلّية في غير محلّه ، وسيوافيك في محلّه بإذن الله جواز جعلهما ، فارتقب(2) .

بقي اُمور :


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 481 و 483 ـ 484 .
2 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ  : 70 ـ 72 .


(106)

الأمر الأوّل
في كون المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم

لا إشكال في انتفاء شخص الحكم بانتفاء شرطه أو قيده عقلاً ، من غير أن  يكون لأجل المفهوم ، فإذا وقف على أولاده العدول أو إن كانوا عدولاً فانتفاؤه مع سلب العدالة ليس للمفهوم ، بل لعدم الجعل لغير مورده .

كما أ نّه لا إشكال فيما إذا كان مفاد الجزاء حكماً كلّياً ممّا عبّر بالمعنى الاسمي في أنّ انتفائه لأجل المفهوم ، كقولك «إذا جاء زيد يكون إكرامه واجباً» .

الإشكال فيما إذا كان مفاد الجزاء معنى حرفياً

نعم ، وقع الإشكال في مثل «إذا جاء فأكرمه» ; حيث إنّ المجعول فيه هو الحكم الجزئي باعتبار خصوصية الموضوع له في المعاني الحرفية ; لأنّ انتفاء الإنشاء الخاصّ بانتفاء بعض قيوده عقلي(1) .

وأجاب المحقّق الخراساني : بأنّ المجعول هو نفس الوجوب الذي هو مفاد الصيغة ، وأ مّا الشخص والخصوصية فمن طوارئ الاستعمال(2) .

وفيه : ما عرفت من أنّ معاني الحروف خاصّة ، ولا يتصوّر الجامع لها(3) .


1 ـ اُنظر مطارح الأنظار : 173 / السطر16 .
2 ـ كفاية الاُصول : 237 .
3 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 46 .


(107)

والتحقيق في الذبّ : ما يستفاد من كلمات الشيخ الأعظم في طهارته(1)  بتوضيح منّا وهو أنّ ظاهر القضية وإن كان ترتّب بعث المولى على الشرط ، إلاّ أ نّه ما لم تكن مناسبة بين الشرط ومادّة الجزاء كان طلب إيجاد الجزاء عند وجود الشرط لغواً وجزافاً ، فالبعث المترتّب يكشف عن كونهما بمنزلة المقتضي ـ  بالكسر  ـ والمقتضى ، فيتوصّل في بيان ذلك الأمر بالأمر بإيجاده عند ثبوته ، ويجعل بعثه عنواناً مشيراً إلى ذلك .

فحينئذ : فالمترتّبان هو ذات الشرط ومطلق الجزاء الذي تعلّق به الحكم بلا  خصوصية للحكم المنشأ ، فيشبه الجمل الإخبارية في عموم المجعول .

وبعبارة أوضح : أنّ ظاهر القضايا بدواً وإن كان تعليق الوجوب على الشرط لكن حكم العقل والعقلاء في مثل تلك القضايا أنّ لطبيعة مادّة الجزاء مناسبة مع الشرط تكون سبباً لتعلّق الهيئة بها ، فيكون الإيجاب المتعلّق بالمادّة في الجزاء متفرّعاً على التناسب الحاصل بينهما .

فإذا قال : «إن أكرمك زيد أكرمه» يفهم العرف والعقلاء منه أنّ التناسب الواقعي بين الإكرامين دعا المولى لإيجابه عند تحقّقه ، وإلاّ كان التفرّع لغواً .

وحينئذ : إذا فرض دلالة الأداة على انحصار العلّة تدلّ على أنّ التناسب بينهما يكون بنحو العلّية المنحصرة ففي الحقيقة يكون التناسب موجوداً بين طبيعة ما يتلوا أداة الشرط ومادّة الهيئة ، فإذا دلّت الأداة على الانحصار تمّ الدلالة على المفهوم ; وإن كان مفادها جزئياً .

وبعبارة اُخرى : أنّ الهيئة وإن كانت دالّة على البعث الجزئي لكنّ التناسب


1 ـ الطهارة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 1 : 318 .


(108)

بين الحكم والموضوع يوجب إلغاء الخصوصية عرفاً ، ويجعل الشرط علّة منحصرة لنفس الوجوب وطبيعية ، فبانتفائه ينتفي طبيعي الوجوب وسنخه .

وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده بعض الأكابر ـ أدام الله أظلاله ـ من أ نّا لا  نتعقّل لسنخ الحكم وجهاً معقولاً ; لوضوح أنّ المعلّق في قولك «إن جاءك زيد فأكرمه» هو الوجوب المحمول على إكرامه ، والتعليق يدلّ على انتفاء نفس المعلّق عند انتفاء المعلّق عليه ، فما فرضته سنخاً إن كان متّحداً مع هذا المعلّق موضوعاً ومحمولاً فهو شخصه لا سنخه ; إذ لا تكرّر في وجوب إكرام زيد ، وإن كان مختلفاً معه في الموضوع كإكرام عمرو ، أو محمولاً كاستحباب إكرام زيد فلا معنى للنزاع(1) ، انتهى . ووجه الضعف ظاهر ، فلا نطيل المقام .


1 ـ نهاية الاُصول : 302 ـ 303 .


(109)

الأمر الثاني
في تعدّد الشرط واتّحاد الجزاء

إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء ، كمـا في «إذا خفي الأذان فقصّر» ، و  «إذا خفي الجدران فقصّر» ; فبناءً على ظهور الشرطية في المفهوم يقع التعارض بينهما إجمالاً ، فهل التعارض بين المنطوقين أوّلاً وبالذات ، أو بين مفهوم كلّ منهما ومنطوق الآخر ؟

الظاهر : هو الأوّل على جميع المباني في استفادة المفهوم :

أ مّا على القول بأنّ المتبادر هو العلّة المنحصرة فلأنّ حصر العلّية في شيء ينافي إثباتها لشيء آخر ; فضلاً عن حصرها فيه ; ضرورة حصول التنافي بين قوله : العلّة المنحصرة للقصر خفاء الأذان ، وقوله : العلّة المنحصرة له خفاء الجدران .

وهكذا على القول بأ نّها منصرفة إلى المنحصرة ، فالتعارضين يقع بين الانصرافين الواقعين في أدوات الشرط .

وكذا على القول بأنّ الانحصار مقتضى الإطلاق ; لوقوع التعارض بين أصالتي الإطلاق في الجملتين .

وأ مّا العلاج والتوفيق بينهما : فيختلف كيفيته باختلاف المباني في استفادة المفهوم ; فإن كان المبنى هو وضع الأدات للعلّة المنحصرة فلا محيص عن القول بتساقط أصالتي الحقيقة من الجانبين إذا لم يكن بينهما ترجيح ، كما هو المفروض ; لعدم ترجيح بين المجازات .

وكون العلّة التامّة أقرب إلى المنحصرة واقعاً لا يكون مرجّحاً في تعيينه ; لأنّ


(110)

وجه التعيين هو الاُنس الذهني الذي يرجع إلى الظهور العرفي .

وإن كان الأساس في الاستفادة هو الانصراف بعد وضعها لمطلق العلّية فالساقط هو الانصرافان ، ويكون أصالة الحقيقة في كلّ منهما محكّمة بينهما . ونظير ذلك لو قلنا : إنّ الوضع لمطلق اللزوم أو الترتّب أو غيرهما .

وأ مّا إذا كان وجه الاستفادة هو الإطلاق فحينئذ إن قلنا : إنّ الأداة موضوعة للعلّـة التامّة فمع تعارض أصالتي الإطلاق يؤخذ بأصالة الحقيقة بلا تعارض بينهما ، وإن قلنا : إنّ العلّية التامّة ـ كالانحصار أيضاً ـ مستفادة من الإطلاق فللبحث فيه مجال .

فمقتضى إطلاق قوله : «إذا خفي الأذان فقصّر» هو أنّ خفاء الأذان مؤثّر بلا شريك ، وأنّ هذا مؤثّر بلا عديل . وقس عليه قوله «إذا خفي الجدران فقصّر» ، ففي كلّ واحد من الجانبين إطلاقان : أصالة الانحصار وأصالة الاستقلال ، فحينئذ كما يحتمل أن يكون خفاء الجدران قيداً لخفاء الأذان يحتمل أن يكون عدلاً له ، فيقع التعارض بين أصالتي الإطلاق ; أي من جانب نفي الشريك ومن جهة نفي العديل ، ومع عدم المرجّح يرجع إلى الاُصول العملية .

فإن قلت : إنّ الانحصار مرتفع بالعلم التفصيلي إمّا لورود تقييد للإطلاق المثبت للانحصار ، أو لأجل وروده على الإطلاق المفيد لاستقلال كلّ منهما في العلّية ، فيرتفع الانحصار أيضاً لأجل ارتفاع موضوعه ، وهو علّية كلّ واحد مستقلاًّ .

وبعبارة أوضح : أنّ العلم الإجمالي بورود قيد ; إمّا على الإطلاق من جهة نفي الشريك ، و إمّا عليه من جهة نفي البديل يوجب انحلاله إلى علم تفصيلي بعدم انحصار العلّة لأجل تقييد الإطلاق من جهة البديل ، أو لأجل تقييده من جهة الشريك ، فيرتفع موضوع الإطلاق من جهة البديل ، وإلى شكّ بدوي ; للشكّ في


(111)

تقييد الإطلاق من جهة الشريك ، فيتمسّك بأصالة الإطلاق .

قلت : إنّ الانحلال فيه إلى علم قطعي وشكّ بدوي من آثار العلم الإجمالي برفع أحد الإطلاقين ، فكيف يرفع الأثر مؤثّره ؟

وإن شئت قلت : العلم بارتفاع الانحصار معلول للعلم بارتفاع الاستقلال أو الانحصار ، ولا يعقل حفظ العلم الثاني إلاّ بحفظ العلم الأوّل على حاله ، فكيف يمكن أن يكون رافعاً له ؟

وبالجملة : قد سبق في باب مقدّمة الواجب(1)  أنّ الانحلال أينما كان يتقوّم بالعلم التفصيلي بأحد الأطراف والشكّ في الآخر ، كما في الأقلّ والأكثر ، وفيما نحن فيه لا يكون كذلك ; لأنّ العلم الإجمالي محفوظ ومنه يتولّد علم تفصيلي آخر ، وفي مثله يكون الانحلال محالاً ، فيجب الرجوع إلى قواعد اُخر .

فإن قلت : إنّ الذي يفكّ به العقدة هو أ نّه لابدّ من رفع اليد بمقدار يرفع المعارضة ; وهو خصوص الانحصار لا العلّية .

والسرّ فيه : هو أنّ الموجب لوقوع المعارضة إنّما هو ظهور كلّ من القضيتين في المفهوم ، وبما أنّ نسبة كلّ من المنطوقين بالإضافة إلى مفهوم القضية الاُخرى نسبة الخاصّ إلى العامّ فلابدّ من رفع اليد عن عموم المفهوم في مورد المعارضة ، وأ مّا رفع اليد عن الإطلاق المفيد للعلّية فهو وإن كان موجباً لرفع الانحصار إلاّ أ نّه بلا موجب .

قلت : مرجع ما ذكرت إلى تقديم رجوع القيد إلى الإطلاق المفيد للانحصار لا المفيد للاستقلال ، وهو أوّل الكلام ; ضرورة دوران الأمر بين رجوع القيد ، كخفاء


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 350 .


(112)

الجدران ـ مثلاً ـ إلى الإطلاق من حيث الاستقلال حتّى يصير الموضوع للحكم بالقصر مجموع خفاء الأذان والجدران ، أو إلى الإطلاق من حيث الانحصار حتّى يكون الموضوع متعدّداً ، خفاء الأذان مستقلاًّ وخفاء الجدران كذلك ، ومع هذا العلم الإجمالي يقع التعارض بين أصالتي الإطلاق في كلّ قضية منهما لا في قضيتين ، ولا رافع للتعارض ولا ترجيح في البين .

وما ذكرنا هو حال الدليلين ، كلٌّ مع صاحبه ، فهل يدلاّن على عدم مدخلية شيء آخر شريكاً معهما أو عديلاً لهما ؟

الظاهر ذلك لو قلنا : إنّ الدلالة على الانحصار والاستقلال بالإطلاق ; للزوم رفع اليد عن الإطلاق بمقدار الدليل على القيد ، بخلاف ما لو قلنا : إنّها بالوضع أو الانصراف ; لعدم الدليل على عدم المدخلية بعد رفع اليد عن المعنى الحقيقي أو الانصرافي .


(113)

الأمر الثالث
في تداخل الأسباب والمسبّبات

إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء فهل اللازم لزوم الإتيان بالجزاء متعدّداً حسب تعدّد الشرط ، أو يكتفى بإتيانه دفعة واحدة ؟ وقبل الخوض نقدّم مقدّمات :

الاُولى : في تحرير محل النزاع

إنّ محطّ البحث ما إذا فرغنا عن تأثير كلّ واحد من الشروط مستقلاًّ في البعث نحو الجزاء ، لو لم يكن معه غيره ، ولكن نشكّ في حال اجتماعهما في التداخل وعدمـه ، وهذا مثل الجنابة والحيض والنفاس ; فإنّ كلاًّ منها سبب مستقلّ إذا انفرد ، والبحث في كفاية غسل واحد عن الجميع حال اجتماعها .

وأ مّا إذا احتملنا أنّ الشروط ترجع إلى شرط واحد ويكون كلّ واحد جزءً للسبب فهو خارج من محطّ البحث في تداخل الأسباب والمسبّبات .

الثانية : في المراد من تداخل الأسباب والمسبّبات

المراد من تداخل الأسباب هو أنّ كلّ واحـد من الشروط لا يقتضي إلاّ إيجـاد صرف الطبيعة غير مغاير مع ما يطلبه الآخر ، وتعلّق البعثين بها لا يكشف عن أنّ هنا تكاليف متعدّدة مجتمعة في مصداق واحد ، بل هنا تكليف واحد ; وإن تعدّدت الأسباب ، ولهذا يكون التداخل عزيمة لا رخصة ، فيقال : إنّ الجنابة


(114)

والحيض وغيرهما وإن تعدّدت إلاّ أ نّها حال الاجتماع لا يقتضي إلاّ غسلاً واحداً وجزاءً فارداً .

والمراد من تداخل المسبّبات ـ بعد الفراغ من عدم تداخل الأسباب ، وأنّ كلّ سبب يقتضي مسبّباً ـ هو أنّ الاكتفاء بمصداق واحد جائز في مقام امتثال تكاليف عديدة ، كما إذا أكرم العالم الهاشمي ممتثلاً كلّ واحد من الأمرين المتعلّقين بإكرام العالم والهاشمي ، وهذا المثال وإن كان خارجاً من المقام إلاّ أ نّه يقرّب من وجه ، وحينئذ إذا كانت العناوين المكلّف بها قهرية الانطباق على المصداق ، وكانت التكاليف توصّليات يكون التداخل عزيمة ، وإلاّ يكون رخصة .

الثالثة : في اختصاص النزاع بالماهية القابلة للتكثّر

إنّ النزاع فيما إذا كان الجزاء ماهيـة قابلـة للتكثّر كالغسل .

وأ مّا إذا كانت غير قابلة له كالقتل فيما إذا ارتدّ وارتكب زناً عن إحصان فخارج من البحث .

نعم قد يقال : إنّ الجزاء غير القابل للتكثّر إن كان قابلاً للتقييد يكون داخلاً في النزاع ، كالخيار القابل للتقييد بالسبب ، كالتقييد بالمجلس والحيوان والعيب وغيرها ، مع أ نّه أمر واحد ; وهو ملك فسخ العقد وإقـراره . ومعنى تقيّده بالسبب هـو أ نّه يلاحظ الخيار المستند إلى المجلس ، فيسقطه أو يصالح عليه ويبقى له الخيار المستند إلى الحيوان ، وكالقتل لأجـل حقوق الناس ; فلو قتل زيـد عمراً وبكراً وخالداً ، فقتله قصاصاً وإن لم يقبل التعدّد إلاّ أ نّه قابل للتقييد بالسبب ; أي يلاحظ استحقاق زيد للقتل باعتبار قتله عمراً ، فلو أسقط ورثة عمرو حقّ القود


(115)

لم  يسقط حقّ ورثة بكر وخالد(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ الخيار إذا كان واحداً غير قابل للتكثّر مع اجتماع الأسباب عليه فلا  يمكن إسقاطه من قِبَل أحدها وإبقاؤه من قبل غيره ; لأنّ الإسقاط لابدّ وأن  يتعلّق بالخيار الجائي مـن قبل كـذا ، ومع الوحـدة لم يكن ذلك غير الجائي مـن قبل غيره .

وإن كان الخيار متعدّداً بالعنوان ; بحيث يكون خيار المجلس شيئاً غير خيار العيب فيخرج من محلّ البحث ، وإن كان كلّياً قابلاً للتكثّر فيرجع إلى الفرض الأوّل .

وكذا الحال في القتل ; فإنّ حقّ القود إمّا واحد فلا يمكن إسقاطه من قبل سبب وإبقائه من قبل آخر ، أو متعدّد عنواناً ; فيخرج من محلّ البحث ، أو كلّي قابل للتكثّر ; فيدخل في الفرض الأوّل .

ثمّ لا يخفى : أنّ عدم قبول القتل للتكثّر غير مربوط بعدم قبول حقّ القود له ، والقائل خلط بينهما .

الرابعة : في إمكان التداخل وعدمه

قبل الخوض في المقصود لابدّ من إثبات إمكان التداخل وعدمه :

أ مّا إمكان التداخل ; بمعنى اجتماع أسباب متعدّدة شرعية على مسبّب واحد فلا إشكال فيه ; لأنّ الأسباب الشرعية ليست كالعلل التكوينية حتّى يمتنع اجتماعها ; إذ للشارع جعل النوم والبول سبباً لإيجاب الوضوء في حال الانفراد


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 491 .


(116)

والاجتماع ـ بناءً على إمكان جعل السببية ـ كما أنّ له جعل إيجاب الوضوء عقيب النوم في حال انفراده وعقيبهما في صورة اجتماعهما .

وأ مّا عدم التداخل : فقال بعض الأكابر بامتناعه ، بدعوى أ نّه يمتنع أن يكون متعلّق الوجوب في القضيتين الحيثيـة المطلقة ; لامتناع تعلّق الوجوبين بشيء واحد ، فلابدّ أن يكون كلاهما أو أحدهما مقيّداً ، فيسأل عمّا يقيّد الطبيعة ، فلابدّ أن يكون متعلّق الوجوب في الشرطية الاُولى نفس الطبيعة ، وفي الثانية الطبيعة الاُخرى متقيّدة به ، أو بالعكس . ويمكن التغاير بوجه آخر ; وهو أن يتعلّق الأمر في الاُولى على فرد منها ، وفي الثانية على فرد آخر ، أو بالعكس .

ولكن التقييد ممتنع ; لأنّ النوم قد يكون مقدّماً على البول وقد يكون مؤخّراً عنه ، فلا يصحّ أن يقال في صورة التقدّم : «إذا نمت فتوضّأ وضوءً آخر» . على أنّ ذلك إنّما يصحّ إذا كان كلّ من الخطابين ناظراً إلى الآخر ; بأن يقول : «إذا بلت فتوضّأ وضـوءً غير ما يجب عليك بسبب النوم» والالتزام به مشكل ; بداهة عدم كون كلّ واحـد ناظـراً إلى الآخر ، فالإشكال كلّـه في إمكان التقييد ، لعدم قيد صالح لذلك(1) .

وفيه : أ نّـه إذا ثبت ظهور القضيتين في عـدم التداخـل ، وانحصر الإشكال في تصوير القيد الصالح فلنا تصوير قيد آخـر ـ ولو لم يكن في الكلام ـ بأن يقال : «إذا نمت فتوضّأ مـن قبل النوم ، أو مـن قبل البول» ، وغير ذلك . ومعه لا يجوز رفـع اليد عـن الظاهـر لأجل عـدم معقولية تقييد الجزاء ، بل إنّما يرفع عنه اليد لو ثبت امتناع كافّة القيود ، وهـو بمكان مـن المنع ، فلا يجوز الالتزام بالتداخل لأجل


1 ـ لمحات الاُصول : 292 ـ 293 .


(117)

هذه الشبهة ورفع اليد عن ظاهر الدليل بما ذكر .

فإن قلت : يلزم ـ حينئذ ـ أخذ العلّة في معلوله ; وهو الوجوب المسبّب عن النوم الذي هو علّة لهذا الوجوب المقيّد بالنوم .

قلت : قد مرّ أنّ الأسباب الشرعية ليست كالعلل التكوينية ، على أنّ الأخذ هنا لأجل الإشارة وتميّزه عن الوجوب الآتي من الجهة الاُخرى ، لا أنّ الوجوب قد تعلّق بإيجاد الوضوء المتقيّد بالنوم .

الخامسة : في أنحاء تعدّد الشرط

إنّ الشرط قد يكون متعدّداً نوعاً ومختلفاً ماهية ، مثل النوم والبول ، فيقع البحث في أ نّه عند تقارنهما أو تعاقبهما مع عدم تخلّل المسبّب بينهما هل يتداخل الأسباب أو لا ؟ وقد يكون ماهية واحدة ذات أفراد ، فيقع البحث في أ نّه مع تعدّد الفرد هل يتعدّد الجزاء أو لا ؟


نقل آراء الأعلام في تداخل الأسباب والمسبّبات ونقدها

والأقوال في المسألة ثلاثة : التداخل مطلقاً (1)، وعدمه كذلك (2)، والتفصيل بين تعدّد الماهية نوعاً وتعدّد الفرد مع وحدتها (3). فيقع الكلام في مقامين :


1 ـ مشارق الشموس : 61 / السطر 31 .
2 ـ كفاية الاُصول : 239 ـ 242 .
3 ـ السرائر 1 : 258 .


(118)

المقام الأوّل 
فيما إذا تعدّد الشرط ماهية ونوعاً

الاستدلال على عدم تداخل الأسباب

فعن العلاّمة في «المختلف» القول بعدم التداخل بأ نّه إذا تعاقب السببان أو اقترنا : فإمّا أن يقتضيا مسبّبين مستقلّين أو مسبّباً واحداً ، أو لا يقتضيا شيئاً ، أو يقتضي أحدهما دون الآخر ، والثلاثة الأخيرة باطلة ، فتعيّن الأوّل .

وفي تقريرات الشيخ الأعظم  ـ رحمه الله ـ أنّ الاستدلال المذكور ينحلّ إلى مقدّمات ثلاث(1) :

إحداها : دعوى تأثير السبب الثاني ; بمعنى كون كلّ واحد من الشرطين مؤثّراً في الجزاء .

وثانيتها : أنّ أثر كلّ شرط غير أثر الآخر .

وثالثتها : أنّ ظاهر التأثير هو تعدّد الوجود لا تأكّد المطلوب .

ثمّ أخذ في توضيح المقدّمات المذكورة وما يمكن به إثباتها ، فقد ذكر في توجيه أنّ السبب الثاني مستقلّ وجوهاً من البيان(2) ، وأخذ كلّ من تأخّر عنه وجهاً من بياناته ، وكان الجلّ عيالاً عليه :

منها : ما ذكره المحقّق الخراساني ـ بعد إن قلت قلت ـ أنّ ظهور الجملة


1 ـ مختلف الشيعة 2 : 423 .
2 ـ مطارح الأنظار : 177 / السطر22 .


(119)

الشرطية في كون الشرط سبباً أو كاشفاً عن السبب ومقتضياً للتعدّد بيانٌ لما هو المراد من الإطلاق ، ولا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الإطلاق ; ضرورة أنّ ظهور الإطلاق يكون معلّقاً على عدم البيان ، وظهورها في ذلك صالح لأن يكون بياناً ، فلا ظهور له مع ظهورها ، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرّف أصلاً ، بخلاف القول بالتداخل(1) .

أقول : وتوضيح حاله وبيان إشكاله هو أنّ دلالة القضية الشرطية على السببية المستقلّة الحدوث عند الحدوث هل هو بالوضع أو بالإطلاق ؟ وأ نّه إذا جعلت الماهية تلو أداة الشرط بلا تقييدها بقيد كما يدلّ على أ نّها تمام الموضوع لترتّب الجزاء عليه ، كذلك يدلّ على استقلالها في السببية سواء سبقها أو قارنها شيء أم لا على اصطلاح القوم في معنى الإطلاق ؟

الظاهر هو الثاني ; لتصريح بعضهم على أنّ دلالة الشرطية على العلّية المستقلّة بالإطلاق(2) ، وحينئذ فلو كان الدلالة على السببية التامّة لأجل الوضع كان لما ذكره وجه ; خصوصاً على مذهب الشيخ من أنّ الإطلاق معلّق على عدم البيان(3) ، ولكن لا أظنّ صحّة ذلك ولا ارتضائهم به ، مع ما عرفت سابقاً من ضعفه(4) .

وأ مّا على القول بأنّ دلالتها على السببية بالإطلاق فللمنع عمّا ذكر مجال ، وحاصله : أنّ الإطلاق كما هو منعقد في ناحية الشرط فكذلك موجود في جانب


1 ـ كفاية الاُصول : 242 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 488 ـ 489 .
3 ـ مطارح الأنظار : 179 / السطر21 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 101 .


(120)

الجـزاء ، ولا رجحان في ترجيح أحـدهما على الآخـر بعد كون ثبوتهما ببركـة عدم البيان .

وتفصيل ذلك : أنّ مقتضى إطلاق الشرط في كلتا القضيتين هو كون كلّ شرط مستقلاًّ علّة للجزاء ، وتلك الماهيـة مؤثّرة ; سواء كان قبلها أو معها شيء ، أم لم يكن ، ولو كان المؤثّر هو الشرط ، بشرط أن لا يسبقه أو لا يقارنه شيء آخر ، كان عليه البيان ورفع الجهل عن المكلّف ، هذا مقتضى إطلاق الشرط .

وأ مّا مقتضى إطلاق الجزاء فهو أنّ الجزاء وماهية الوضوء تمام المتعلّق لتعلّق الإيجاب عليها ، بلا تقييدها بما يغايرها مع الجزاء الآخر ، فيكون الموضوع في القضيتين نفس طبيعة الوضوء .

فحينئذ يقع التعارض بين إطلاق الجزاء في القضيتين مع إطلاق الشرط فيهما ، وبتبعه يقع التعارض بين إطلاق الشرطيتين ، ولا يمكن الجمع بين إطلاق الشرط في القضيتين وإطلاق الجزاء فيهما ; لبطلان تعلّق إرادتين على ماهية واحدة بلا تقييد .

فيدور الأمر بين رفع اليد عن إطلاق الشرط والاحتفاظ على إطلاق الجزاء ، فيقال : إنّ كلّ شرط مع عدم تقدّم شرط آخر عليه أو تقارنه به مؤثّر مستقلاًّ ، وبين رفع اليد عن إطلاق الجزاء وحفظ إطلاق الشرط بتقييد ماهية الوضوء ، ولا ترجيح لشيء منهما ; لأنّ ظهور الإطلاقين على حدّ سواء ، فلا يمكن أن يكون أحدهما بياناً للآخر .

وبعبارة ثانية : أنّ هنا إطلاقات أربعة في جملتين ; اثنان في جانب الشرط ، وآخران في جانب الجزاء ، ورفع التعارض يحصل تارة بتحكيم إطلاق الشرط فيهما المفيد للاستقلال والحدوث عند الحدوث على إطلاق الجزاء فيهما الدالّ على أنّ


(121)

نفس الماهيـة تمام المتعلّق بتقييده بأحـد القيود ; حتّى يكون متعلّق الإرادتين شيئين مختلفين .

واُخرى بتحكيم إطلاقه على الشرط ، وتخصيص استقلالهما بما إذا لم يسبق إليه شرط آخر .

وكلا العلاجين صحيح لا يتعيّن واحد منهما إلاّ بمرجّح .

وتوهّم : أنّ ظهور صدر القضية مقدّم على ظهور الذيل فاسد ; لأ نّه لو سلّم فإنّما هو بين صدر كلّ قضية وذيلها ، لا بين صدر قضية وذيل قضية اُخرى ، ونحن الآن في بيان تعارض القضيتين ، ولولا ضمّ قضية إلى مثلها لما كان بين صدر قوله : «إذا بلت فتوضّأ» وبين ذيله تعارض حتّى نعالجه ; إذ التعارض ناش من ضمّ قضية إلى مثلها ، كما عرفت .

وممّا ذكره الشيخ في تمهيد المقدّمة الاُولى ما ذكره بعض الأعاظم في تقريراته ، ومحصّله : أنّ تعلّق الطلب بصرف الوجود من الطبيعة وإن كان مدلولاً لفظياً إلاّ أنّ عدم قابلية صرف الوجود للتكرّر ليس مدلولاً لفظياً حتّى يعارض ظاهر القضية الشرطية في تأثير كلّ شرط في جزاء غيرما أ ثّر فيه الآخر ، بل من باب حكم العقل بأنّ المطلوب الواحد إذا امتثل لا يمكن امتثاله ثانياً ، وأ مّا أنّ المطلوب واحد أو متعدّد فلا يحكم به العقل ولا يدلّ عليه اللفظ ، فلو دلّ الدليل على أنّ المطلوب متعدّد لا يعارضه حكم العقل ، فالوجه في تقديم ظهور القضيتين من جهة كونه بياناً لإطلاق الجزاء فهو حقيقة رافع لموضوع حكم العقل(1) ، انتهى .

قلت : قد عرفت أنّ إطلاق الجزاء يقتضي أن يكون بنفسه تمام المتعلّق ، كما


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 493 .


(122)

أنّ إطلاق الشرط يقتضي أن يكون مؤثّراً مستقلاًّ ; سبقه شيء أو لا ، وحينئذ فما المرجّح لتقديم ظهور الشرط على التالي ، بعد الاعتراف بكون الظهور فيهما مستنداً إلى الإطلاق دون الوضع ؟

ولو كان الوجه في تقديم الشرط معلّقية إطلاق الجزاء بعدم بيان وارد على خلافه فليكن إطلاق الشرط كذلك ; لأنّ إثبات تعدّد التأثير يتوقّف على عدم ورود بيان على خلافه في ناحية الجزاء .

ولنا أن نقول : إنّ حكم العقل بأنّ الشيء الواحد لا يتعلّق به إرادتان وبعثان حقيقيان يكشف عن وحدة المؤثّر والتأثير فالتقديم ما لم يستند إلى مرجّح خارجي بلا وجه .

ومنها : ماذكره المحقّق المحشّي من أنّ متعلّق الجزاء نفس الماهية المهملة ، فهي بالنسبة إلى الوحدة والتعدّد بلا اقتضاء ، بخلاف أداة الشرط ; فإنّها ظاهرة في السببية المطلقة ، ولا تعارض بين المقتضى واللا اقتضاء(1) ، انتهى .

وفيه : أ نّه إن اُريد من الاقتضاء الظهور الإطلاقي للمقدّم فهو بعينه موجود في التالي ، وإن اُريد أنّ إطلاق الشرط تامّ غير معلّق بشيء ـ بخلاف إطلاق الجزاء  ـ فقد تقدّم جوابه ; وأنّ ظهور كلّ من المقدّم والتالي إطلاقي ، لا مرجّح لتقديم أحدهما على الآخر .

نعم ، هنا تقريب أو تقريبان يستفاد من كلام المحقّق الهمداني في «مصباحه» ، وقد سبقه الشيخ الأعظم(2) ، وحاصله : أنّ مقتضى القواعد اللفظية


1 ـ نهاية الدراية 2 : 425 .
2 ـ مطارح الأنظار : 180 / السطر الأوّل .


(123)

سببية كلّ شرط للجزاء مستقلاًّ ، ومقتضاه تعدّد اشتغال الذمّة بفعل الجزاء ، ولا يعقل تعدّد الاشتغال إلاّ مع تعدّد المشتغل به ; فإنّ السبب الأوّل سبب تامّ في اشتغال ذمّة المكلّف بإيجاد الجزاء .

والسبب الثاني إن أثّر ثانياً وجب أن يكون أثره اشتغالاً آخر ; لأنّ تأثير المتأخّر في المتقدّم غير معقول ، وتعدّد الاشتغال مع وحدة الفعل المشتغل به ذاتاً ووجوداً غير معقول .

وإن لم يؤثّر يجب أن يستند : إمّا إلى فقد المقتضي أو وجود المانع ، والكلّ منتف ; لأنّ ظاهر القضية الشرطية سببية الشرط مطلقاً ، والمحلّ قابل للتأثير ، والمكلّف قادر على الامتثال ، فأيّ مانع من التنجّز ؟ !

وأيضاً ليس حال الأسباب الشرعية إلاّ كالأسباب العقلية ، فكما أ نّه يجب تحقّق الطبيعة في ضمن فردين على تقدير تكرّر علّة وجودها وقابليتها للتكرار ، فكذا يتعدّد اشتغال الذمّة بتعدّد أسبابه(1) ، انتهى .

وقد أفاد شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ قريباً ممّا ذكره في أواخر عمره(2) ـ بعدما كان بانياً على التداخل سالفاً(3) ـ وقد مضى شطر منه في مبحث التوصّلي والتعبّدي ، فراجع(4) .

أقول : وفيه أنّ كلاًّ من الظهورين مقتض لمدلوله ومانع عن صحّة الاحتجاج بالآخر . وبه يظهر ضعف قوله : إنّ عدم الاشتغال إمّا لعدم المقتضي أو لوجود المانع ،


1 ـ مصباح الفقيه ، الطهارة 2 : 258 ـ 261 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 174 ، الهامش 1 .
3 ـ نفس المصدر : 173 ـ 174 .
4 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 225 .


(124)

والكلّ منتف ; إذ لنا أن نقول : إنّ المانع موجود ; وهو إطلاق الجزاء المعارض مع إطلاق الشرط ، والدليل على تعدّد الاشتغال والمشتغل به ليس إلاّ الإطلاق ، وهو معارض لمثله .

فإن قلت : إنّ تقييد الجزاء إنّما نشأ من حكم العقل بعد استفادة السببية التامّة من الدليل ، فإطلاق السبب ـ منضمّاً إلى حكم العقل بأنّ تعدّد المؤثّر يستلزم تعدّد الأثر  ـ بيان للجزاء ، ومعه لا مجال للتمسّك بإطلاقه ، وليس المقام من قبيل تحكيم أحد الظاهرين على الآخر حتّى يطالب بالدليل ، بل لأنّ وجوب الجزاء بالسبب الثاني يتوقّف على إطلاق سببيته ، ومعه يمتنع إطلاق الجزاء بحكم العقل ، فوجوبه ملزوم لعدم إطلاقه .

قلت : قد نبّه بذلك المحقّق المزبور في خلال كلماته ; دفعاً للإشكال الذي أوردناه وهو أنّ المانع موجود وهو إطلاق الجزاء وأنت خبير بأ نّه غير مفيد ; فإنّه مع اعترافه بأنّ وجوب الجزاء بالسبب الثاني إنّما هو بالإطلاق لا بالدلالة اللغوية فأيّ معنى لتحكيم أحد الإطلاقين على الآخر .

والتخلّص عن امتناع تعدّد المؤثّر مع وحدة الأثر ـ بعد الغضّ عن عدم كون حكم العقل الدقيق مناطاً للجمع بين الأدلّة ، وبعد الإغماض عن أنّ مثل ما نحن فيه ليس من قبيل التأثير التكويني ، بل علّة الامتناع هو عدم إمكان تعلّق إرادتين بمراد واحد  ـ كما يمكن بما ذكره كذلك يمكن برفع اليد عن إطلاق الشرط عند اجتماعه مع شرط آخر .

فالعقل إنّما يحكم باستحالة وحدة الأثر مع تعدّد المؤثّر ; وهي تنشأ من حفظ إطلاق الشرطيتين وإطلاق الجزاء ، فلا محيص إمّا عن القول بأنّ الأثر متعدّد أو المؤثّر واحد ، ولا ترجيح بينهما .


(125)

وأ مّا قياس التكوين بالتشريع فقد صار منشأً لاشتباهات ونبّهنا على بعضها(1) ; إذ المعلول التكويني إنّما يتشخّص بعلّته ، وهو في وجوده ربط ومتدلّ بعلّته ، فيكون في وحدته وكثرته تابعاً لها .

وأ مّا التشريع فإن اُريد منه الإرادة المولوية فالإرادة تتعيّن بمرادها وتتشخّص بمتعلّقها ، فهما في أمر التشخّص والتعيّن متعاكسان ، وإن اُريد منه الأسباب الشرعية فليست هي أيضاً بمثابة التكوين ; ضرورة أنّ النوم والبول لم  يكونا مؤثّرين في الإيجاب والوجوب ، ولا في الوضوء ، فالقياس مـع الفارق ، بل لابدّ من ملاحظة ظهور الأدلّة ، ومجرّد هذه المقايسة لا يوجب تقديم أحدهما على الآخر .

وأضعف من ذلك ما ربّما يقال : من أنّ المحرّك الواحد يقتضي التحريك الواحد ، والمحرّك المتعدّد يقتضي المتعدّد ، كالعلل التكوينية(2) ; إذ فساده يلوح من خلاله ; لأنّ كون التحريك في المقام متعدّداً غير مسلّم ; إذ يمكن أن نستكشف من وحدة الماهية وكونها متعلّقة بلا قيد أنّ التحريك واحد ، والتكرار في البعث لأجل التأكيد لا  التأسيس .

والإنصاف : أنّ أصحاب القول بعدم التداخل وإن كان مقالتهم حقّة إلاّ أنّ ذلك لا يصحّ إثباته بالقواعد الصناعية كما عرفت ، ولابدّ من التمسّك بأمر آخر ، وقد نبّه بذلك المحقّق الخراساني في هامش «كفايته» وهو : أنّ العرف لا يشكّ بعد الاطلاع على تعدّد القضية الشرطية في أنّ ظهور كلّ قضية هو وجوب فرد غير ما


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 227 و 244 .
2 ـ نهاية الدراية 2 : 427 .


(126)

وجب في الاُخرى ، كما إذا اتّصلت القضايا وكانت في كلام واحد(1) .

ولعلّ منشأ فهم العرف وعلّة استيناسه هو ملاحظة العلل الخارجية ; إذ العلل الخارجية بمرآى ومسمع منه ; حيث يرى أنّ كلّ علّة إنّما يؤثّر في غير ما أثّر فيه الآخر ، وهذه المشاهدات الخارجية ربّما تورث له ارتكازاً وفطرة ، فإذا خوطب بخطابين ظاهرهما كون الموضوع فيه من قبيل العلل والأسباب فلا محالة ينتقل منه إلى أنّ كلّ واحد يقتضي مسبّباً غير ما يقتضيه الآخر ; قياساً لها بالتكوين ، بل العرف غير فارق بينهما إلاّ بعد التنبيه والتذكار .

فإذا قيل للعرف الساذج : بأنّ وقوع الفأرة في البئر يوجب نزح عدّة دلاء معيّنة ، وكذا الهرّة ينتقل بفطرته إلى أنّ لوقوع الفأرة ـ مثلا ـ في البئر تناسباً لنزح سبع دلاء ، ولوقوع الهرّة فيها مناسبة كذلك ، وأنّ الأمر إنّما تعلّق به لأجل التناسب بينهما ، وإلاّ كان جزافاً ، وإلى أنّ لوقوع كلّ منهما اقتضاءً خاصّاً بها ، وارتباطاً مستقلاًّ لا يكون في الاُخرى ، وهو يوجب تعدّد وجوب نزح المقدار أو استحبابه ، وهذا يوجب تحكيم ظهور الشرطية على إطلاق الجزاء .

وأ مّا ما أبطلناه من مقايسة التشريع بالتكوين فإنّما هو ببرهان عقلي لا يقف عليه العرف الساذج ، ولكن هذا الارتكاز وإن كان غير صحيح إلاّ أ نّه ربّما يصير منشأً للظهور العرفي ، ويوجب تحكيم ظهور الشرط على ظهور الجزاء ، فلابدّ من اتّباعه ، فإنّه المحكّم في تلكم المواضع .

هـذا كلّـه راجـع إلـى المقدّمـة الاُولى ; أعني فـرض استقلال كـلّ شـرط فـي التأثير .


1 ـ كفاية الاُصول : 242 ، الهامش 3 .


(127)

ولكنّها وحدها لا تفيد شيئاً ، بل لابدّ من إثبات المقدّمة الثانية ; وهي أنّ أثر الثاني غير أثر الأوّل .

ولقائل أن يمنع هـذه المقدّمة ; لأنّ غايـة ما تلزم من الاُولى مـن استقلالهما في التأثير هـي أنّ الوجـوب الآتي مـن قبل النوم غير الآتي مـن قبل الآخـر ، وذلك لا يوجب إلاّ تعدّد الوجـوب لا تعدّد الواجب ، بل يمكن أن يستكشف مـن  وحـدة المتعلّق كـون ثانيهما تأكيداً لـلأوّل .

ولا يوجب التأكيد استعمال اللفظ في غير معناه ; لأنّ معنى وضع الأمر للوجوب هو وضعها لإيجاد بعث ناش من الإرادة الحتمية ، والأوامر التأكيدية كلّها مستعملة كذلك ; ضرورة أنّ التأكيد إنّما يؤتى به في الاُمور الهامّة التي لا يكتفى فيها بأمر واحد .

وحينئـذ : فكلّ بعث ناش من الإرادة الأكيدة ، ولا معنى للتأكيد إلاّ ذلك ، لا أنّ الثاني مستعمل في عنوان التأكيد أو في الاستحباب أو الإرشاد أو غير ذلك ; فإنّها لا ترجع إلى محصّل ، بل التأكيد لا يمكن إلاّ أن يكون المؤكّد من سنخ المؤكّد ، فلابدّ أن يكون البعثان ناشئين من الإرادة الأكيدة لغرض الانبعاث حتّى ينتزع التأكيد من الثاني .

وبعبارة ثانية : أنّ الأسباب الشرعية علل للأحكام ، لا لأفعال المكلّفين ، فتعدّدها لا يوجب إلاّ تعدّد المعلول ـ وهو الوجوب مثلاً ـ فيستنتج التأكيد . ومع حمل الأمر على التأكيد يحفظ إطلاق الشرطيتين وإطلاق الجزاء فيهما ، ولا يوجب تجوّزاً في صيغة الأمر على فرض وضعها للوجوب ; فإنّ المراد من وضعها ليس وضعها له لهذا المفهوم الاسمي ، بل لإيجاد البعث الناشئ من الإرادة الحتمية ، وهو حاصل في المؤكّد ـ بالكسر ـ والمؤكَّد .


(128)

أترى من نفسك : أ نّك إذا أمرت ولدك بأوامر مؤكّدة أن تمنع عن كون الثاني والثالث مستعملة في غير معناه . كيف ، وهذا كتاب الله والذكر الحكيم بين ظهْرانَيْنا تتلى آياته آناء الليل والنهار ، فهل تجد من نفسك أن تقول : إنّ أوامره المؤكّدة في الصلاة وغيرها ممّا استعملت في غير البعث عن الإرادة الإلزامية ؟

بل ترى كلّها صادرة عن إرادة إلزامية ، وغاية كلّ منها انبعاث المأمور .

نعم ، حمل الأمر على التأكيد يوجب ارتفاع التأسيس ، وهو خلاف ظاهر الأمر ، لكنّه ظهور لا يعارض إطلاق المادّة والشرطية . فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن أحد الإطلاقين ورفع اليد عن التأسيس لا ريب في أولوية الثاني ، وفيما نحن فيه إذا حمل الأمر على التأكيد يرفع التعارض بين الإطلاقين .

والحاصل : أنّ ما ذكر لا يقتضي إلاّ رفع اليد من التأسيس الذي يقتضيه السياق ، ولا ضير فيه ; لإطباقهم على طرده إذا دار الأمر بينه وبين الأخذ بإطلاق بعض أجزاء الكلام .

وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما في مقالات بعض محقّقي العصر ـ رحمه الله ـ من أنّ تأكّد الوجوب في ظرف تكرّر الشرط يوجب عدم استقلال الشرط في التأثير ; لبداهة استناد الوجوب الواحد المتأكّد إليهما ، لا إلى كلّ منهما(1) .

وجه الضعف : أنّ البعث الإلزامي الناشئ من الإرادة الإلزامية متعدّد ، وكلّ منهما معلول لواحد من الشرطيتين ، لا أ نّهما يؤثّران في وجوب واحد متأكّد ; لأنّ التأكيد منتزع من تكرار البعثين وكذا الوجوب المتأكّد أمر انتزاعي منه ، لا أ نّه معلول للشرطيتين .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 407 .


(129)

ثمّ إنّه يظهر من الشيخ الأعظم تحكيم هذه المقدّمة بوجهين :

الأوّل : أنّ الأسباب الشرعية كالأسباب العقلية ، فحينئذ لو كانت الأسباب الشرعية سبباً لنفس الأحكام يجب تعدّد إيجاد الفعل ; فإنّ المسبّب يكون هو اشتغال الذمّة بإيجاده ، والسبب الثاني لو لم يقتض اشتغالاً آخر : فإمّا أن يكون لنقص في السبب أو المسبّب ، وليس النقص في شيء منهما ; أ مّا الأوّل فمفروض ، وأ مّا الثاني : فلأنّ قبول الاشتغال للتعدّد تابع لقبول الفعل المتعلّق له ، والمفروض قبوله للتعدّد . واحتمال التأكيد مدفوع بعد ملاحظة الأسباب العقلية(1) ، انتهى .

وفيه أوّلاً : أنّ قياس التشريع بالتكوين قياس مع الفارق ، وقد أوعزنا إلى فساده غير مرّة ، فراجع .

وثانياً : أنّ اشتغال الذمّـة بإيجاد الفعل ليس إلاّ الوجوب على المكلّف ، وليس هاهنا شيء غير بعث المكلّف نحو الطبيعة المنتزع منه الوجوب . فحينئذ تحقّق اشتغال آخر من السبب الثاني فرع تقديم الظهور التأسيسي على إطلاق الجزاء ، وهو ممنوع . بل لو فرض معنى آخر لاشتغال الذمّـة فتعدّده فرع هذا التقديم الممنوع .

وثالثاً : أنّ ما أفاده في ذيل كلامه من أنّ احتمال التأكيد فيما تعلّق بعنوانين أقوى ممّا إذا تعلّق بعنوان واحد لا يخلو من غرابة ; إذ لو عكس لكان أقرب إلى الصواب ; لأنّ الأحكام تتعلّق بالعناوين لا بالمصاديق ، فلا وجه للقول بأنّ الأمر المتعلّق بأحد العناوين تأكيد لما تعلّق بالعنوان الآخر . نعم لو تعلّقا بعنوان واحد لكان للتأكيد مجال واسع .


1 ـ مطارح الأنظار : 179 ـ 180 .


(130)

وأعجب من ذلك : ما أفاده من أنّ الأحكام الكلّية في عرض واحد ، فلا مجال لتأكيد أحدهما الآخر إلاّ إذا كان متعلّقها الاُمور الخارجية مع فرض تأخّر أحدهما عن الآخر ; وذلك لأنّ مدار التأكيد هو تشخيص العرف دون التقدّم والتأخّر ، بل لو فرض إمكان التكلّم بشيء واحد مرّتين في آن واحد لحكم العرف بأنّ المتكلّم أتى بشيء موكّد ، كما هو كذلك في البعث اللفظي المقارن للإشارة الدالّة عليه . نعم لو تأخّر أحدهما ينتزع التأكيد من المتأخّر .

الثاني من الوجهين : الالتزام بأنّ الأسباب أسباب لنفس الأفعال لا الأحكام ، ولا يلزم منه الانفكاك بين العلّة والمعلول ; لأ نّها أسباب جعلية لا عقلية ولا عادية ، ومعنى السبب الجعلي أنّ لها نحو اقتضاء في نظر الجاعل بالنسبة إلى المعلول .

وبعبارة اُخرى : أنّ ظاهر الشرطيـة كونه مقتضياً لوجود المسبّب ، وأنّ اقتضائه لوجوبه من تبعات اقتضائه لوجوده . وحيث إنّ اقتضائه التشريعي لوجود شيء كونه موجباً لوجوبه ، وحينئذ لازم إبقاء ظهور الشرط في المؤثّرية المستقلّة اقتضاؤه وجوداً مستقلاًّ ، انتهى .

قلت : هذا الوجه ممّا لم يرتضه الشيخ نفسه ; حتّى قال : إنّـه لا يسمن شيئاً(1) ، ولكن ارتضاه بعض محقّقي العصر ـ رحمه الله ـ  ، واعتمد عليه في «مقالاته»(2) .

والإنصاف : أ نّه لا يسمن ولا يغني من جوع ; إذ بعد الاعتراف على أنّ معنى السببية الجعلية هو الاقتضاء لا المؤثّرية الفعلية ـ فراراً عن انفكاك العلّة عن معلولها  ـ فلا منافاة بين استقلال الاقتضاء وعدم تعدّد الوجود ; لأنّ معنى استقلاله


1 ـ مطارح الأنظار : 180 / السطر24 .
2 ـ مقالات الاُصول 1 : 407 .


(131)

أنّ كلّ سبب بنفسه تمام المقتضي لا جزؤه ، ولا يتنافى الاستقلال في الاقتضاء والاشتراك في التأثير الفعلي . فحينئذ مع حفظ إطلاق الجزاء واستقلال الشرطيتين في الاقتضاء صارت النتيجة التداخل .

وأ مّا ما أفاده بقوله لازم إبقاء ظهور الشرط في المؤثرية المستقلّة اقتضاؤه وجوداً مستقلاًّ فرجوع عن أنّ السببية الجعلية عبارة عن نحو اقتضاء بالنسبة إلى المعلول ، لا المؤثّرية الفعلية الاستقلالية .

فالأولى : التمسّك بذيل فهم العرف في إثبات تعدّد الجزاء وجوداً لأجل مناسبات مغروسة في ذهنه ، كما أشرنا إليها ; ولهذا لا ينقدح في ذهنه التعارض بين إطلاق الجزاء وظهور الشرطية في التعدّد ، بل يحكم بالتعدّد من غير التفات إلى إطلاق الجزاء .

في تداخل المسبّبات ثبوتاً و إثباتاً

ثمّ إنّه بعد تسليم المقدّمتين ـ أعني ظهور الشرطية في استقلال التأثير ، وكون أثر الثاني غير أثر الأوّل ـ لابدّ من البحث في المقدّمة الثالثة من أنّ تعدّد الأثـر هل يوجب تعدّد الفعل أو لا ؟ فيقع البحث تارة في الثبوت ـ أي إمكان تداخل المسبّبين  ـ واُخرى في الإثبات :

فنقول : أ مّا تداخل المسبّبين فقد منع الشيخ الأعظم إمكانه ، وقال : قد قرّرنا في المقدّمة السابقة أنّ متعلّق التكاليف ـ حينئذ ـ هو الفرد المغاير للفرد الواجب بالسبب الأوّل ، ولا يعقل تداخل فردين من ماهية واحدة ، بل ولا يعقل ورود دليل على التداخل أيضاً على ذلك التقدير ، إلاّ أن يكون ناسخاً لحكم السببية(1) ، انتهى .


1 ـ مطارح الأنظار : 180 / السطر36 .


(132)

وفيه : أنّ مراده من الفرد المغاير للفرد الواجب بالسبب الأوّل : إن كان هو الفرد الخارجي ـ كما هو الظاهر ـ فتداخل الفردين غير معقول بلا إشكال ، لكن تعلّق الحكم بالفرد الخارجي ممتنع ; وإن كان المراد هو العنوان القابل للانطباق على الخارج ، وإنّما سمّاه فرداً لكونه تحت العنوان العامّ .

فعدم إمكان تداخل العنوانين من ماهية واحدة غير مسلّم ، بل القيود الواردة على الماهية مختلفة ; فقد تكون موجبة لصيرورة المقيّدين متباينين ، كالإنسان الأبيض والأسود ، وقد توجب كون المقيّدين عامّين من وجه ، كالإنسان الأبيض والعالم .

فالوضوء في قوله «إذا نمت فتوضّأ ، وإذا بلت فتوضّأ» ماهية واحدة ، ولأجل تسليم المقدّمتين لابدّ من كونهما مقيّدتين بقيدين ; حتّى يكون كلّ سبب علّة مستقلّة للإيجاب على أحد العنوانين . لكن لا يجب أن يكون بين العنوانين نسبة التباين حتّى يمتنـع تصادقهما على الفرد الخارجي ، فمع عدم قيام دليل على امتناعه لا يجوز رفع اليد عن الدليل الدالّ على التداخل فرضاً .

فقوله ـ قدس سره ـ  : لا يعقل ورود دليل على التداخل فرع إثبات الامتناع ، وهو مفقود ، بل لنا أن نقول : لازم ظهور الشرطيتين فيما ذكر ، ولازم ورود الدليل ـ  مثلاً  ـ على التداخل هو كون المقيّدين قابلين للتصادق .

وأ مّا مقام الإثبات : فما لم يدلّ دليل على التداخل لا مجال للقول به ، فلابدّ في مقام العمل من الإتيان بفردين حتّى يحصل اليقين بالبراءة ; للعلم بالاشتغال بعد استقلال الشرطيتين في التأثير ، ولفرض أنّ أثر كلّ غير الآخر .

وأ مّا دعوى تفاهم العرف تكرار الوضوء من الشرطيتين فعُهدتها على مدّعيها ; لأ نّها ترجع إلى دعوى استظهار كون كلّ عنوان مبايناً للآخر ، وهي بمكان من البعد .


(133)

المقام الثاني
فيما إذا تعدّد الشرط شخصاً لا نوعاً

لو قال «إذا نمت فتوضّأ» ، وفرضنا أنّ المكلّف نام مكرّراً ، وشكّ في أنّ المصداقين منه يتداخلان في إيجاب الوضوء أو لا ، فربّما يقال بالتفريق بين ما إذا كانت العلّة نفس الطبيعة فيتداخلان ، وبين ما إذا كان السبب هو وجود كلّ فرد مستقلاًّ فلا يتداخلان .

وفيه : أنّ الكلام إنّما هو بعد الفراغ عن سببية كلّ


(134)

فرد مستقلاًّ لو وجد منفرداً ، وإلاّ فلو فرضنا أنّ السبب هو نفس الطبيعة أو احتملنا ذلك يخرج النزاع من باب تداخل الأسباب ، بل يرجع البحث إلى أنّ السبب واحد أو متعدّد .

نعم ، البحث عن تعدّد السبب أو وحدته من مبادئ المسألة المبحوث عنها هنـا بالفعل ; إذ لابـدّ أن يثبت أوّلاً أنّ السبب هو الفرد لا الطبيعة حتّى يتعدّد السبب ، ثمّ يبحث في تداخل الأسباب وأنّ المصداقين منه يتداخلان في إيجاب الوضوء أو لا ؟

فما أتعب به بعض الأعاظم نفسه الزكية واستظهر انحلال القضية الشرطية وقال بتقديم ظهورها في الانحلال على ظهور الجزاء في الاتّحاد(1)  فأجنبي من حريم النزاع ، مع أ نّه غير خال عن الإشكال ، فتدبّر .

وخلاصة الكلام في هذا المقام : أ نّه لو فرضنا ظهور القضية في سببية كلّ مصداق من البول لإيجاب الوضوء فلا شكّ أ نّه يقع التعارض بين صدر القضية الدالّ على سببية كلّ فرد ، كما إذا صدره بلفظة «كلّما» وبين إطلاق الجزاء ، ولكن الترجيح مع الصدر عرفاً ، فيتقدّم على إطلاق الذيل ; إذ لا شكّ أ نّه إذا سمع العرف بأنّ كلّ فرد سبب لإيجاب الوضوء لا يعتمد على إطلاق الجزاء ، بل يحكم بأنّ كلّ فرد سبب لوجوب خاصّ بلا تداخل الأسباب ، وقد ذكرنا وجه فهمه ومنشأ حكمه .

هذا حال تداخل الأسباب ، وأ مّا تداخل المسبّبات في هذا المقام فقد قدّمناه في المقام الأوّل ثبوتاً وإثباتاً .

تتمّـة
في أنّ مفهوم العامّ الاستغراقي جزئي لا كلّي

لابـدّ في أخـذ المفهوم مـن القضية الشرطية مـن حفظ الموضوع مـع تمام ما اعتبر قيداً في طـرف الموضوع أو في طرف الجـزاء ، فمفهوم قولنا : «إن جاءك زيـد راكباً يوم الجمعـة فاضربـه» هـو قولنا إن لم يجئك زيـد راكباً يوم الجمعة فلا يجب عليك ضربـه ، وقس عليه سائـر القيود ، وهـذا ما يعبّر عنه مـن تبعيـة المفهوم للمنطوق .

ومن القيود العامّ المجموعي ، مثل قولك : «إن جاءك زيد أكرم مجموع العلماء» ، وقد تسالم كلّ من قال بالمفهوم أنّ مفهومه هو أ نّه إن لم يجئك لا يجب إكرام مجموعهم ، ولا ينافي ذلك وجوب إكرام بعضهم .

إنّما الإشكال في العامّ الاستغراقي ; سواء استفيد بالوضع اللغوي مثل «كلّ» والجمع المحلّى باللام ، أم بغيره مثل النكرة في سياق النفي ، كما في قوله ـ عليه السلام ـ  :


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 :494 .


(135)

«الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء»(1) .

فعلى القول بإفادته المفهوم فهل هو الإيجاب الجزئي ; بداهة أنّ نقيض السالبـة الكلّية هي الموجبة الجزئية ، كما عليه الشيخ المحقّق صاحب «الحاشية»(2) ، أو الموجبة الكلّية ، كما عن الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ  ، وأوضحه ـ كما في تقريرات بعض تلامذته  ـ بأنّ المراد من لفظة «شيء» إمّا معناه العامّ من دون جعله عبرة لعناوين اُخر التي هي موضوعات في لسان الدليل ـ كالدم والبول ـ أو يكون عنواناً مشيراً إلى العناوين الواقعة موضوعاً للنجاسات .

فعلى الأوّل : يكون المفهوم هو الإيجاب الجزئي ، فيقال : «الماء إذا لم يبلغ الكرّ ينجّسه شيء» .

وعلى الثاني : يكون مفاد المنطوق لم ينجّسه هذا وهذا ، ويصير مفهومه ـ  حينئذ  ـ قضية منطبقة عليها ، ويقال : «الماء إذا لم يبلغ قدر الكرّ ينجّسه هذا وهذا» ، ويكون هو الموجبة الكلّية . والأظهر : هو الثاني(3) ، انتهى ملخّصاً .

ويرد عليه : أ نّه إن كان المراد من جعله عبرة ومرآة للعناوين هو جعل الحكم على الكثرة التفصيلية أوّلاً وبالذات بلا وساطة لفظ «الشيء» و «الكلّ» ، فهو واضح البطلان ; ضرورة ملحوظية عنواني الكلّ والشيء في موضوع القضية .

وإن كان المراد أنّ الغرض من التوصّل بهما ليس جعل الحكم عليهما بما هما كذلك ، بل الغرض هو اتّخاذهما وسيلة لإسراء الحكم منهما إلى العناوين الواقعية


1 ـ الكافي 3 : 2 / 2 ، وسائل الشيعة 1 : 158 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 9 ، الحديث 1 .
2 ـ هداية المسترشدين 2 : 460 .
3 ـ مطارح الأنظار : 174 / السطر18 .


(136)

فهو حقّ لكن ذلك لا يستلزم ما يبتغيه ; إذ لابدّ أن يكون الحكم في طرف المفهوم كذلك ـ أي أن ينفي الحكم عن العنوان المشير إلى العناوين الواقعية ـ فمفهوم قولنا إذا جاءك زيد أكرم كلّ عالم هو أ نّه إذا لم يجئك لا يجب إكرام كلّ عالم ، ولا إشكال في إفادته قضية جزئية .

وبعبارة أوضح : أنّ كون لفظ «شيء» مرآة للعناوين لا يستلزم أن يكون العناوين موضوعاً للحكم في لسان الدليل ، بل الموضوع هو لفظ شيء ; وإن كان مرآة للعناوين .

وعليه : فمدار أخذ المفهوم هو رفع الحكم عمّا جعل موضوعاً في لسان الدليل ، كما أنّ الحكم ثابت عليه ظاهراً ، وحينئذ يكون مفهوم قولنا «لا ينجّسه شيء» هو «ينجّسه شيء» ، ولا يضرّ كونه مرآة لما هو موضوع ، فتدبّر .

على أنّ فهم العرف أقوى شاهد .

أضف إلى ذلك : أ نّه لو سلّمنا كونه مرآة بالمعنى المتقدّم ، وأنّ العناوين بكثرتها التفصيليـة وقعت موضوعاً للحكم ، إلاّ أ نّه لا يستفاد من القضية إلاّ الجزئية ; لأنّ المفهوم ليس إلاّ رفع سنخ الحكم المذكور عن الموضوع ، لا إثبات حكم مقامه . ومفهوم قولنا «لا ينجّسه» هو «ليس لا ينجّسه» والقول بأنّ مفهوم ما ذكر هو «ينجّسه» مسامحة نشأت من وضع لازم المفهوم مكانه .

وحينئذ : فمفهوم قوله «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه البول والدم والكلب» هو أ نّه «إذا لم يبلغ قدر كرّ ليس لا ينجّسه البول والدم والكلب» ، وهو لا ينافي تنجيس بعضها ; إذ المفهوم هو سلب السالبة الكلّية ، وهو يتحقّق تارة بالإيجاب الجزئي واُخرى بالإيجاب الكلّي .

ولو سلّم أنّ العرف في مثل القضية لا ينتقل إلى سلب السلب بل ينتقل إلى


(137)

الإيجاب فلا إشكال فيما هو مورد نزاع العلمين : أنّ العرف مساعد للإيجاب الجزئي ، وأنّ المفهوم من قوله «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» هو أ نّه «إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجّسه شيء في الجملة» ، لا أ نّه «ينجّسه كلّ شيء من العناوين» .

لا يقال : إنّ لازم حصر العلّة في الكرّية الذي هو الأساس لإثبات المفهوم أن لا يكون لبعض أفراد العامّ علّة اُخرى غير ما ذكر في الشرطية ، وإلاّ يكون مخالفاً لظهور الشرطية في الانحصار ، بل ينهدم أساس المفهوم .

وحينئذ : فلازم انحصار العلّة في جميع الأفراد والعناوين هو الإيجاب الكلّي في صورة عدم الكرّية ، فيثبت أنّ مفهومه هو أ نّه ينجّسه كلّ شيء .

لأ نّا نقول : ما يستفاد من الشرطية في مثل تلك القضايا ـ بعد تسليم المفهوم  ـ هو كون الشرط علّة منحصرة للعموم  ـ وإن كان استغراقياً ـ فلا ينافي عدم الانحصار بالنسبة إلى البعض . فبلوغ الكرّ علّة منحصرة لعدم تنجّسه بكلّ نجاسة ، لا أ نّه علّة منحصرة لعدم تنجّسه بالبول ، وعلّة منحصرة لعدم تنجّسه بالدم ، وهكذا .

نعم ، لو انحلّت القضيـة إلى تعليقات عديـدة أو الجـزاء إلى كثرة تفصيلية حكماً وموضوعاً كان لما ذكـره وجـه ، لكـن الانحلالين ممنوعان ، والـدليل الأسدّ الذي هو فهم العرف ـ إن قطعنا النظر عمّا يقتضيه الصناعة ـ موافق لما قوّيناه .


(138)


(139)

الفصل الثاني
في مفهوم الوصف

وقبل الخوض ينبغي تقديم أمرين :

الأوّل : الظاهر أنّ محطّ البحث هو مطلق الوصف ; سواء اعتمد على موصوفـه أم لا ; لأنّ المثبت(1)  ربّما يتمسّك بفهم أبي عبيدة في قولـه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «مطل الغني ظلم»(2)  و  «ليّ الواجد يحلّ عقوبته وعرضه»(3) . وترى أنّ النافي لم  يردّه بأ نّه خارج عـن محطّ البحث ; لأنّ الوصف لم يعتمد على موصوفـه ، بل ردّه بوجه آخر . على أنّ الأدلّة المذكورة من الوضع والصون عـن اللغوية جاريـة في كلا  المقامين .


1 ـ اُنظر قوانين الاُصول 1 : 178/السطر13 ، الفصول الغروية : 151/السطر35 ، شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب : 311 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 18 : 333 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ، الباب 8 ، الحديث 3 ، صحيح مسلم 3 : 383 / 33 ، سنن النسائي 7 : 317 .
3 ـ راجع وسائل الشيعة 18 : 334 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ، الباب 8 ، الحديث 4 ، سنن ابن ماجة 2 : 811 / 2427 ، سنن النسائي 7 : 316 .


(140)

وبما ذكرنا يظهر : ضعف ما أفاده بعض الأعاظم من أنّ الالتزام بالمفهوم فيما إذا ذكر الموصوف صريحاً إنّما هو لخروج الكلام عن اللغوية ، وهذا لا يجري في مثل «أكرم عالماً» ; فإنّ ذكر الموضوع لا يحتاج إلى نكتة غير إثبات الحكم له ، لا  إثباته له ونفيه عن غيره(1) ، انتهى .

وجه الضعف : هو أنّ اللغوية يأتي في الثاني أيضاً ; لأنّ الحكم لو كان ثابتاً لفاقد الوصف لما كان لذكر الموصوف بما هو موصوف وجه ، والصون عن اللغوية لو تمّ في الأوّل لتمّ في الثاني . وبالجملة هما متّحدان استدلالاً وجواباً .

الثاني : أنّ استفادة المفهوم من الوصف كاستفادته من الجملة الشرطية ، فلابدّ من حفظ جميع ما ذكر في الكلام من القيود ، عدا الوصف الذي يدور عليه المفهوم .

وعليه : فلو كان الوصف أخصّ مطلقاً من الموصوف فلا ريب في دخوله في محطّ البحث ; لبقاء الموضوع بعد انتفائه ; حتّى في الوصف الذي لم يعتمد على موصوفه ، مثل قولك «أكرم عالماً» ; إذ لابدّ على القول بالمفهوم من تقدير موصوف عند التحليل .

كما لا ريب في خروج الوصف المساوي لموصوفه عن حريم النزاع ; لارتفاع الموضوع بارتفاعه ، فلا يبقى للحكم مركز حتّى يحمل عليه أو يسلب عنه .

وما في كلام المحقّق الخراساني من تعميم البحث للمساوي(2)  فهو مخدوش ، وأ مّا العامّان من وجه فلو كان الافتراق من جانب الموصوف ـ  كما في مثل : «في الغنم السائمة زكاة»(3)  في مقابل الغنم غير السائمة  ـ فهو داخل أيضاً في


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 501 .
2 ـ كفاية الاُصول : 245 .
3 ـ عوالي اللآلي 1 : 399 / 50 .


(141)

محطّ النزاع ، نعم لو كان الافتراق من جانب الوصف فهو خارج قطعاً .

وما حكي عن بعض الشافعية من أنّ قوله «في الغنم السائمة زكاة» يدلّ على عدم الزكاة في الإبل المعلوفة(1)  فاسد ; لأنّ حفظ الموضوع في المنطوق والمفهوم ممّا لابدّ منه ، وإنّما الاختلاف بينهما في تحقّق الوصف في أحدهما دون الآخر بعد حفظه ، فلا معنى لنفي الحكم عن موضوع أجنبي ، وعدّه مفهوماً للكلام .

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ الحقّ عدم دلالة الجملة الوصفية على المفهوم ; لا بالوضع والتبادر ولا بالإطلاق .

وما يقال : من أنّ الإطلاق كما يدلّ على أ نّه تمام الموضوع وبلا شريك كذلك يدلّ على أ نّه بلا عديل قد عرفت جوابه فيما مضى مفصّلاً(2) .

والتمسّك بفهم أبي عبيدة ضعيف جدّاً ; ضرورة أ نّه لا يثبت به الوضع ، ولم يعلم أ نّه ادّعى الوضع ، بل لعلّه استند إلى قرائن حافّة بالكلام وغير ذلك من الاحتمالات .

وأ مّا لزوم اللغوية فمدفوع بأنّ الغرض لا ينحصر في الاحتراز ، ولو سلّمنا فهي أيضاً حاصلة ; لأنّ معناها أنّ الذات بلا قيد ليس موضوعاً للحكم ، وهو هناك كذلك ، وهو لا يدلّ على عدم نيابة قيد مكانه عند فقدانه .

والعجب عمّا اُفيد في المقام من التدقيقات الصناعية ـ وإن مرّ نظيره في مفهوم الشرط  ـ ومحصّله : أ نّه بعد إحراز أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً أنّ معنى قيدية شيء لموضوع حكم هو أنّ ذات الموضوع غير قابلة لتعلّقه بها إلاّ بعد


1 ـ اُنظر مطارح الأنظار : 182 / السطر22 ، المنخول من تعليقات الاُصول : 291 ـ 292 و307 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 102 .


(142)

اتّصافها بهذا الوصف ، فالوصف متمّم قابلية القابل ، وهو معنى الشرط حقيقة ، وحيث إنّ الظاهر دخله بعنوانه الخاصّ ـ إذ مع تعدّد العلّة يكون الجامع علّة ، وهو خلاف الظاهر ـ فلا محالة ينتفي سنخ الوجوب بانتفاء قيد الموضوع(1) ، انتهى .

وفيه وجوه من الإشكال ، قد نبّهنا عليها غير مرّة :

منها : قياس التشريع بالتكوين . وتقدّم بطلانه ; إذ لا مانع من جعل العناوين المختلفة موضوعاً لحكم واحد بالنوع .

ومنها : إجراء القاعدة المعروفة في الفنّ الأعلى في نظائر المقام ، مع أ نّه لا  مساس لها بهذه المقامات أصلاً ، وهو غير خفي على أهلها .

ومنها : حديث تأثير الجامع . مع أ نّك قد عرفت أ نّه غير صحيح ، وأنّ الجامع بنعت الجامعية يمتنع أن يكون موجوداً خارجياً حتّى يؤثّر في الشيء ، وإلاّ يلزم الالتزام بمقالة الرجل الهمداني(2) .

ومنها : أ نّه بعد تسليم هذه المقدّمات لا يفيد شيئاً ; لأنّ الميزان في هذا المقام هو فهم العرف الساذج لا الدقائق الفلسفية .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 435 ـ 436 .
2 ـ راجع ما تقدّم في الجزء الأوّل : 28 .


(143)

الفصل الثالث
في مفهوم الغاية

والبحث فيه يقع في مقامين :

الأوّل : في دلالة الغاية على ارتفاع الحكم عمّا بعدها

هل الغاية في القضية تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية أو لا ؟

المشهور هو دلالة الغاية المذكورة في القضية على ارتفاع الحكم عمّا بعدها(1) ; خلافاً لجماعة منهم السيّد والشيخ ـ قدس الله سرهما ـ (2) .

وفصّل جمع من المحقّقين بين الغاية المجعولة للموضوع بحسب اللبّ وبين المجعولة للحكم ; قائلين بالدلالة في الثاني دون الأوّل(3) .


1 ـ قوانين الاُصول 1 : 186 / السطر13 ، الفصول الغروية : 153 / السطر2 ، مطارح الأنظار : 186 / السطر14 .
2 ـ الذريعة إلى اُصول الشريعة 1 : 407 ، العدّة في اُصول الفقه 2 : 478 .
3 ـ كفاية الاُصول : 246 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2 : 504 ـ 505 .


(144)

أ مّا عدم الدلالة فيه : فلأنّ الغاية حالها ـ حينئذ ـ حال الوصف في أ نّها قيد للموضوع ، وارتفاع الحكم عن الموضوع المقيّد ليس من باب المفهوم ، بل لارتفاع الموضوع الذي لابدّ من بقائه في الإفادة .

وأ مّا الدلالة في الثاني : فأسدّ ما قيل في تقريبه ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ  أعلى الله مقامه ـ حيث قال ما حاصله : إذا جعلت الغاية غاية للحكم فالظاهر الدلالة ; لأنّ مفاد الهيئة إنشاء حقيقة الطلب لا الطلب الجزئي ، فتكون الغاية غاية لحقيقة الطلب ، ولازمه ارتفاع حقيقته عند وجود الغاية . نعم لو قلنا : إنّ مفاد الهيئة الطلب الجزئي فالغاية لا تدلّ على ارتفاع سنخ الوجوب(1) .

هذا ، ولكنّه عدل عنه في الدورة الأخيرة ، ومحصّل ما أفاده في وجه العدول ـ  على ما ببالي  ـ هو أ نّه لا دلالة لها على الانحصار مطلقاً ; لأنّ الطلب مسبّب عن سبب بحسب الواقع ; وإن لم يذكر في القضية ، وليس فيها دلالة على حصره حتّى تدلّ على المفهوم . وما ذكرنا في المتن غير وجيه ; لأنّ الطلب المعلول لعلّة لا إطلاق له بالنسبة إلى غير موردها ; وإن كان غير متقيّد بها أيضاً .

ولكن قرّر وجه رجوعه في النسخة المطبوعة أخيراً بما حاصله دعوى مساعدة الوجدان في مثل «اجلس من الصبح إلى الزوال» لعدم المفهوم ; لأ نّه لو قال المتكلّم بعده «وإن جاء زيد فاجلس من الزوال إلى الغروب» لا يكون مخالفاً لظاهر كلامه ، وهذا يكشف عن أنّ المغيّى ليس سنخ الحكم ـ من أيّ علّة تحقّق ـ بل السنخ المعلول لعلّة خاصّة ; سواء كانت مذكورة أم لا(2) .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 204 .
2 ـ نفس المصدر  : 204 ، الهامش 1 .


(145)

قلت : الحقّ أ نّه لو سلّمنا أنّ الهيئة موضوعة لإنشاء حقيقة الطلب لا الطلب الجزئي لا يرد عليه شيء من هذين الوجهين :

أ مّا على ما ببالنا مطابقاً لما حرّرناه : فلأنّ المفهوم لا يتوقّف على انحصار العلّة دائماً ، بل ربّما يثبت لو كان موافقاً لاستظهار العرف وفهمه ; وإن لم يلتفت إلى انحصارها ; وذلك لأ نّا إذا فرضنا أنّ الغاية للحكم عند العرف غاية لسنخ الطلب المنشأ فلازمه انتفاء الحكم لدى الوصول إلى الغاية ، وإلاّ لما كان غاية لسنخة ، بل لحصّة خاصّة ، وهو خلف .

وبعبارة ثانية : أنّ المفهوم ربّما يستفاد من تحديد حقيقة الحكم بلا تقييدها بقيد خاصّ إلى غاية ، فكأ نّه قال : حقيقة وجوب الجلوس تكون إلى الزوال . فحينئذ يكون الوجوب بعد الزوال مناقضاً له ، والعرف ينتقل إلى المفهوم بعد ثبوت أمرين : ثبوت كون الغاية للحكم وثبوت كون الهيئة ظاهرة في حقيقة الطلب ، من غير توجّه إلى علّة الحكم ; فضلاً عن انحصارها . ولو فرض توجّهه إليها يكشف من هذا الظهور المتّبع انحصارها .

وأ مّا على ما قرّر في ذيل النسخة المطبوعة أخيراً : فلأنّ الخلل إنّما هو في مثاله ; فإنّ ظاهر قوله «اجلس من الصبح إلى الزوال» هو رجوع الغاية إلى المادّة ، ولعلّ عدم فهم المخالفة بعد التصريح بأ نّه «إن جاء زيد فاجلس من الزوال إلى الغروب» لذلك ، وإلاّ فلو سلّمنا كون القيد غاية للحكم وكون المنشأ حقيقة الطلب فيفهم المخالفة قطعاً .

نعم ، الإشكال كلّه في أصل المبنى ـ وهو كون المنشأ حقيقة الطلب ـ لما قـدّمناه سابقاً مـن إبطال كـون معاني الحـروف مفاهيم عامّـة ; لامتناع تصوّر


(146)

جامـع بينها كما سلف(1) ، وبسقوطـه يسقط مـا بنى عليه .

هذا ، ولكن ذكرنا في خاتمة بحث الجملة الشرطية : أنّ معاني الحروف ـ  لا سيّما الإيجادي منها ـ وإن كانت خاصّة توجد بنفس الاستعمال ـ كحروف النداء والقسم  ـ إلاّ أنّ العرف بعد سماع الإنشاء اللفظي ينتزع نفس البعث وحقيقته ; ولو بإلغاء الخصوصية ، من غير توجّه إلى الجزئية والكلّية ، ويفهم من قوله «اجلس إلى الزوال» أنّ الوجوب إلى هذا الحدّ ، من غير توجّه إلى إيقاع الوجوب ، وأ نّه أمر جزئي . فحينئذ يحصل من القضية بحسب فهم العرف ارتفاع سنخ الحكم من الغاية .

هذا كلّه بحسب الثبوت ، وأ مّا الكلام إثباتاً وأنّ القيد هل هو راجع إلى الموضوع أو الحكم أو المتعلّق فليس له ميزان تامّ ، بل يختلف باختلاف التراكيب والمقامات والمناسبات ، فتذكّر .

المقام الثاني : في أنّ الغاية داخلة في المغيّى أو لا ؟

ومحطّه ما إذا كان مدخول «حتّى» و «إلى» ذا أجزاء ، كما في مثل «سر من البصرة إلى الكوفة» ، أو ذا امتداد ، كما في قوله تعالى :(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وَ أَيدِيَكُم إلى المَرافِقِ)(2) ، بناءً على أنّ المراد منه محلّ رفق العظمين ممّا له امتداد .

وعلى مـا ذكرنا : فالمسألة عرفيـة ، وليس المراد مـن الغايـة هـو انتهاء الأجسام حتّى يكون البحث عـن أنّ غايات الأجسام داخلـة فيها أو لا ; لأنّ البحث ـ  حينئذ  ـ يصير فلسفياً .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 46 .
2 ـ المائدة (5) : 6 .


(147)

وما عن شيخنا العلاّمة من ابتناء المسألة على امتناع الجزء الذي لا يتجزّى وعدمه ، فالغاية داخلة على الثاني دون الأوّل(1) ، ليس بوجيه ; لعدم ارتباطه بالمسألة الاُصولية .

ثمّ على ما ذكرنا من كون المدخول ذا أجزاء وامتداد ; لأجل إخراج ما ليس قابلاً للتجزئة والامتداد كالفصل المشترك فلا ينتج البحث نتيجة مطلوبة ، لكن تعميمه بالنسبة إليه لا مانع منه ; وإن لم يترتّب الثمرة إلاّ على بعض التقادير ، ككثير من المسائل الاُصولية .

ثمّ إنّ النزاع ليس بمختصّ بغايـة الموضوع والمتعلّق ، بل يجري فيما إذا كانت غاية للحكم . فلو صرّح القائل بأنّ الغاية في قوله «صم إلى الليل» غاية للوجوب فلنا أن نبحث في أنّ الوجوب هل ينقطع بانتهاء اليوم ، أو يبقى إلى دخول مقدار من الليل ، أو إلى انقضائه ؟

وأيضاً أنّ البحث في المقام إنّما هو إذا كانت لفظة «حتّى» للغاية ، مثل لفظة «إلى» ، كما في قول الله عزّ شأنه : (كُلُوا واشرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ) ، وقوله عزّ سلطانه : (ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَيلِ)(2) .

وأ مّا إذا كانت عاطفة ، كما في المثال الدائر «أكلت السمكة حتّى رأسها» أو «قدم الحاجّ حتّى المشاة» ممّا ليست الكلمتان فيهما مستعملة في الغاية فهي خارجة عن محطّ البحث قطعاً .

وبذلك يظهر : أنّ ما أفاده بعض محقّقي العصر في «مقالاته» من ظهور


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 205 .
2 ـ البقرة (2) : 187 .


(148)

دخول مدخول «حتّى» في المغيّى في مثال السمكة(1)  غير صحيح ، نشأ من الخلط بين الخافضة والعاطفة ، والبحث في الأوّل دون الثاني .

إذا عرفت ذلك فاعلم : أ نّه اختار شيخنا الاُستاذ ـ قدس سره ـ دخولها في المغيّى فيما إذا كانت قيداً للفعل ، كقوله «سر من البصرة إلى الكوفة» وعدم دخولها فيما إذا كانت غاية للحكم(2) .

والتحقيق : عدم الدخول مطلقاً ; لأنّ الكوفة لو كانت اسماً لذلك الموضع المحصور بسورها وجدرانها ، وفرضنا أنّ المكلّف سار من البصرة منتهياً سيره إلى جدرانها ، من دون أن يدخل جزء من الكوفة يصدق عليه أ نّه أتى بالمأمور به وامتثل . ويشهد على ما ذكرنا : صدق قول القائل «قرأت القرآن إلى سورة الإسراء» إذا انتهى القراءة إلى الإسراء ، ولم يقرء شيئاً من تلك السورة . وقس عليه نظائره وأشباهه .

والظاهر : أنّ ما ذكر في «إلى» جار في لفظ «حتّى» إذا استعملت في انتهاء الغاية ; فإذا قلت «نمت البارحة حتّى الصباح» ـ بالجرّ ـ لا يفهم منه إلاّ ما يفهم إذا أبدلته إلى قولك «نمت البارحة إلى الصباح» كما هو كذلك في قوله تعالى : (كُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ . . . )(3)  إلى آخره .

نعم ، استعمالها في غير الغاية كثير ، ولعلّه صار منشأً للاشتباه حتّى ادّعى بعضهم فيها الإجماع على الدخول(4) .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 415 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 205 .
3 ـ البقرة (2) : 187 .
4 ـ اُنظر مغني اللبيب 1 : 168 .


(149)

الفصل الرابع
في مفهوم الاستثناء

ومن جملة ما يستفاد منه المفهوم الجملة المحفوفة بالاستثناء ، والكلام فيها يقع في مقامين :

الأوّل : هـل الاستثناء مـن النفي يـدلّ على الإثبات ، ومـن الإثبات يـدلّ على النفي ؟

الظاهر ـ كما هو المشهور ـ كذلك ; للتبادر في اللغات التي نمارسها .

والمخالف في المقام : هو أبو حنيفة(1) ; مستدّلاً بالأثر المشهور «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(2)  أو «بطهور»(3)  فإنّه على تقدير الدلالة يلزم أن يكون الصلاة المقرونة بها مع فقد سائر شرائطها صلاة تامّة .


1 ـ اُنظر مطارح الأنظار : 187 / السطر25 ، شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب : 265 ، المحصول في علم اُصول الفقه 2 : 548 .
2 ـ عوالي اللآلي 3 : 82 / 65 ، مستدرك الوسائل 4 : 158 ، كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 1 ، الحديث 5 و 8 .
3 ـ تهذيب الأحكام 1 : 49 / 144 .


(150)

وأنت خبير : بأنّ المتكلّم في مقام بيان أنّ الفاتحة من أجزاء الصلاة ; بحيث تنتفي بانتفائها ، ولا تثبت إلاّ بإثباتها . وأ مّا أنّ محقّق الصلاة هي نفسها وحدها أو هي بانضمام شرائط اُخرى فليس بصدد بيانه .

وبعبارة أوضح : أنّ هذا الكلام بصدد إفادة شرطية الطهارة وجزئية الفاتحة في الصلاة لا الإخبار عن أنّ الصلاة تتحقّق عند وجودها دائماً ، فهو بصدد إفادة الجزئية لا بصدد الإخبار عن العقد السلبي والإيجابي ، وفي مثله لا يجري ما يجري في مثل «جاءني القوم إلاّ زيداً» .

هذا ، وقد يستدلّ للمطلوب بقبول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إسلام من قال «لا إله إلاّ الله» ، ولولا دلالته على إثبات الاُلوهية لله لما كان مفيداً لذلك .

هذا ، ويمكن أن يقال : إنّ القوم في صدر الإسلام لم يكونوا مشركين في ذات الواجب تعالى ، بل كانوا معتقدين لوحدة ذاته ، فقد كانوا يعبدون الأصنام ليقرّبوهم إلى الله زلفى . فكلمة الإخلاص وردت لردّهم ، فمعناه نفي استحقاق العبودية عمّا سواه لا  إثبات كونه معبوداً .

ويؤيّد ذلك : أنّ كلمة «إله» بمعنى المعبود ، فحاصله : أ نّه غيره تعالى غير مستحقّ للعبودية .

وبالجملة : أنّ وجود البارئ كان مفروغاً عنه عند عَبَدة الأصنام والأوثان ، وكان الغرض من عبادتهم لها لأجل كونها وسائط القرب من الله تبارك وتعالى ; فكلمة الإخلاص وردت لنفي معبودية غير الله تعالى .

وبذلك يتّضح الجـواب عـن الإشكال المعروف : مـن أنّ الخبر المقدّر إمّا لفظ موجـود أو ممكـن ; وعلى الأوّل يـدلّ الاستثناء على حصر وجـود الآلهـة في البارئ ، ولا يـدلّ على نفي إمكـان الغير ، وعلى الثاني يـدلّ على إثبات


(151)

الإمكان لوجوده لا على وجوده .

وجه الاتّضاح : هو أنّ كلمة الإخلاص سيقت لنفي ما يعتقده عبدة الأوثان من الشرك في العبادة ، لا لإثبات وجود الواجب أو وجوبه حتّى يرد الإشكال .

وأ مّا الأجوبة الفلسفية وإن كانت صحيحة في محلّها ، لكنّها لبُعدها عن أذهان العامّة لا يمكن ابتناء قبوله عليها ممّا قصرت أفهام العامّة عنها .

وأ مّا الثاني ـ أي الدلالة على الحصر ـ فهو أيضاً ثابت بالتبادر والارتكاز العرفي ممّا هو المعمول في أمثال المقامات ، فخروج فرد آخر مخالف للحصر ، كما أ نّه مخالف للعموم في مثل قوله «أكرم كلّ عالم إلاّ زيداً» .

بلغ الكلام إلى هنا ، ليلة الثلاثاء بعدما مضى سبع وعشرون من الجمادي الاُولى من شهور سنة 1373 من الهجرة النبوية ، على صاحبها آلاف الثناء والتحية .


(152)


(153)

المقصد الرابع

في العامّ والخاصّ
وفيه فصول ، وقبل الخوض فيها نقدّم البحث عن اُمور :


(154)


(155)

الأمر الأوّل
في تعريف العامّ

أنّ القوم عرّفه بتعاريف عديدة ، ونوقشت عكساً وطرداً ، ولكن لا طائل في البحث عنها . ولننبّه على أمر يتّضح في خلاله حال العامّ وتعريفه : وهو أنّ القوم ـ  رضوان الله عليهم ـ لا يزالون على خلط دائر بين كلماتهم ; حيث قسّموا العموم إلى وضعي وإطلاقي ، مع أنّ باب الإطلاق غير مربوط بالعموم .

توضيحه : أنّ الطبيعة الصرفة كما لا يوجب تصوّرها إلاّ الانتقال إلى ذاتها اللابشرط ، مـن دون إراءة مشخِّصاتها وقيودها الصنفية ، كذلك اللفظ الموضوع مقابل هـذه الطبيعة لا يـدلّ إلاّ على ذات الماهيـة المجرّدة مـن كلّ قيد ; لأنّ الحكايـة الاعتبارية الوضعية دائر مدار الوضع سعة وضيقاً ، والمفروض أنّ الوضع لم ينحدر إلاّ على ذات الطبيعة بلا انضمام قيوده وعوارضه ، فلا محالة ينحصر دلالته عليها فقط ، ولا يحكي ولا يكشف عن الأفراد وعوارضها ولوازمها أصلاً .

وبعبارة أوضح : كما أنّ نفس الطبيعة لا يمكن أن تكون مرآة وكاشفة عن الأفراد ; سواء كان التشخّص بالوجود والعوارض أماراته ، أو كان بالعوارض ـ  ضرورة أنّ نفس الطبيعة تخالف الوجود والتشخّص وسائر عوارضها ; ذهنية كانت


(156)

أو خارجية ، ولا يمكن كاشفية الشيء عمّا يخالفه ، فالماهية لا تكون مرآة للوجود الخارجي والعوارض الحافّة به ـ فكذلك الألفاظ الموضوعة للطبائع بلا شرط ، كأسماء الأجناس وغيرها لا تكون حاكية إلاّ عن نفس الطبائع الموضوعة لها ، فالإنسان لا يدلّ إلاّ على الطبيعة بلا شرط ، وخصوصيات المصاديق لا تكون محكية به .

فإن قلت : إنّ الطبيعة كما يمكن أن تلاحظ مهملة جامدة فهكذا يمكن أن تلاحظ سارية في أفرادها دارجة في مصاديقها ، كما هو الحال في القضية الحقيقية ; فهي على فرض السريان عين كلّ فرد في الخارج ، ومتّحدة معه في وعائه . فتصوّر هذه عين تصوّر ذاك ; لأنّ المفروض أنّ الطبيعة لوحظت لا بما هي هي ، بل بما هي موجودة في الخارج وأ نّها عين الأفراد .

قلت : إنّ ذا من العجب ، وهو خلط بين الانتقال والحكايـة ; إذ مجـرّد الاتّحاد لا يوجب الحكاية والمرآتية ، وإلاّ كانت الأعراض حاكية عن جواهرها ; لأنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه ، والمتّحدات في الخارج حاكية بعضها عن بعض .

والحاصل : أنّ مفهوم الإنسان ـ مع قطع النظر عن عالم اللفظ والوضع ـ عبارة عن طبيعة منحلّة إلى جنسه وفصله عند التحليل لا غير ، فلنفس المفهوم ضيق ذاتي لا يكشف عن العوارض والخصوصيات .

فلو فرضنا وضع لفظ لتلك الطبيعة فهو لا يمكن أن يحكي إلاّ عمّا وضع بإزائه لا غير ، واتّحاد الإنسان خارجاً مع الأفراد لا يقتضي حكايتها ; لأنّ مقام الدلالة التابعة للوضع غير الاتّحاد خارجاً .


(157)

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ حقيقة الإطلاق إنّما يتقوّم بوقوع الشيء ـ  كالطبيعة  ـ موضوعاً للحكم بلا قيد ، وأ مّا العموم فهو يتقوّم بشيئين : أحدهما نفس الطبيعة ، وثانيهما ما يدلّ على العموم والشمول ، مثل لفظة «كل» و«الجميع» و«الألف واللام» ممّا وضعت للكثرات أو تستفاد منه الكثرة لجهة اُخرى .

فإذا اُضيفت هذه المذكورات إلى الطبائع أو دخل بها وصارتا ككلمة واحدة ـ كما في «الألف واللام» ـ تستفاد منهما الكثرة بتعدّد الدالّ والمدلول ، فإذا قلت : «كلّ إنسان ناطق» فلفظة «إنسان» تدلّ على الطبيعة الصرفة ، من دون أن تكون حاكية عن الكثرة والأفراد ، أو تكون الطبيعة المحكية به مرآة لها ، وكلمة «كلّ» تدلّ على نفس الكثرة والتعدّد ، وإضافتها إليها تدلّ على أنّ هذه الكثرة هو كثرة الإنسان لا كثرة طبيعة اُخرى ; وهي الأفراد بالحمل الشائع .

وقس عليه العامّ المجموعي أو البدلي ; إذ كلّ ذلك إنّما يستفاد من دوالّ اُخر غير ما يدلّ على الطبيعة ، كلفظة «مجموع» كما تقدّم ذكر منه في بحث الواجب المشروط(1) ، ويأتي إن شاء الله بيانه .

فظهر ممّا ذكرنا أمران :

الأوّل : أنّ باب الإطلاق غير مربوط بباب العموم ، وأ نّه لا جامع بينهما حتّى نلتمس في وجه الافتراق ; إذ الغاية من إثبات الإطلاق إحراز كون الطبيعة ـ مثلاً ـ تمام الموضوع للحكم من غير قيد ، وأ مّا الاستغراق والبدل ونحوهما فلا يمكن استفادتها من الإطلاق ; إذ الإطلاق لا يتعرّض للكثرة حتّى يبحث عن كيفيتها ، وأ مّا العموم فهو المفيد للكثرة وكيفيتها .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 338 ـ 339 .


(158)

وعلى هذا يصحّ أن يعرّف العامّ : بأ نّه ما دلّ على تمام مصاديق مدخوله ممّا يصحّ أن ينطبق عليه(1) . وأ مّا تعريفه بأ نّه ما دلّ على شمول مفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه فلا يخلو من مسامحة ; ضرورة أنّ الكلّ لا يدلّ على شمول الإنسان لجميع أفراده ، والخطب بعد سهل .


الأمر الثاني
في الفرق بين المطلق والعامّ

إذا أمعنت النظر فيما ذكرناه من أ نّه لا جامـع قريب بين باب الإطلاق والعموم يظهر النظر فيما أفاده شيخنا العلاّمة(2)  وبعض الأعاظم ـ قدس الله سرهما ـ من أنّ العموم قد يستفاد من دليل لفظي ـ كلفظة «كلّ» ـ وقد يستفاد من مقدّمات الحكمة ، والمقصود بالبحث في هذا الباب هو الأوّل ، والمتكفّل للثاني هو مبحث المطلق والمقيّد(3) ، انتهى ملخّصاً .

وهو صريح في أنّ العامّ على قسمين : قسم يسمّى عامّاً وفي مقابله الخاصّ ويبحث عنه في هذا المقام ، وقسم يسمّى مطلقاً وفي مقابله المقيّد ويبحث عنه في باب المطلق والمقيّد .

أقول : ما أفاداه لا يخلو من غرابة ; لأنّ ملاك العامّ غير ملاك المطلق ،


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 511 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 210 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 511 .


(159)

والمستفاد من الأوّل غير المستفاد من الآخر ; إذ حقيقة العامّ وكيفية دلالته قد عرفت بما يسعه المجال .

وأ مّا المطلق فهو وقوع الطبيعة تمام الموضوع للحكم باعتبار كون المقنّن عاقلاً غير ناقض لغرضه في مقام إعطاء الدستور . وإن شئت قلت : كون الطبيعة موضوعاً للحكم بصرافتها وإطلاقها ، من دون أن يقيّد بوقت دون وقت أو بأمر دون أمر ، فموضوع الحكم في العامّ هو أفراد الطبيعة وفي المطلق هو نفسها بلا قيد ، ولم تكن الأفراد بما هي موضوعاً للحكم .

وإن شئت فاستوضح الفرق بين العامّ والمطلق من قوله سبحانه : ( أوفُوا بِالعُقُودِ )(1) ، وقوله عزّوجلّ : ( أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ )(2) ; فإنّ مفاد الأوّل هو التصريح بوجوب الوفاء بكلّ مصداق من العقد ، فمصبّ الحكم هو الأفراد بآلية الجمع المحلّى بالألف واللام مثلاً .

ومفاد الثاني ـ بناءً على الإطلاق وتمامية المقدّمات ـ إثبات النفوذ والحلّية لنفس طبيعة البيع ، من غير أن يكون للموضوع كثرة .

وأ مّا استكشاف صحّة هذا الفرد الخارجي من البيع فإنّما هو لأجل انطباق ما هو تمام الموضوع للحلّية عليه ، من دون أن يتعرّض نفس الدليل للكثرة ، وسيوافيك مزيد بيان لذلك عن قريب بإذنه تعالى .


1 ـ المائدة (5) : 1 .
2 ـ البقرة (2) : 275 .


(160)

الأمر الثالث
في عدم احتياج العامّ إلى مقدّمات الحكمة

ربّما يقال إنّ استفادة العموم في جميع المقامات يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة ; لأنّ الألفاظ المفيدة للعموم تابعة لمدخولها ، فإذا اُخذ المدخول مطلقاً يدلّ على تمام أفراده بنحو الإطلاق ، وإذا اُخذ مهملاً أو مقيّداً يدلّ على استيعابه كذلك . ومثلها «لا» النافية ; إذ هي موضوعة لنفي الطبيعة ; سواء كان مطلقة أو مهملة ، وإحراز كونها نافية بصرافتها يحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة(1) .

وفيه : أ نّه غير متين جدّاً لو اُريد من إجراء المقدّمات إثبات كون كلّ فرد موضوعاً للحكم ; لأنّ الاحتياج إلى الإطلاق ومقدّماته فيما إذا لم يكن في الكلام دلالة لفظية على أنّ كلّ واحد موضوع للحكم حتّى يثبت الإطلاق كون كلّ فرد موضوعاً على مبنى القوم في باب الإطلاق ، وأ مّا إذا توصّل إليه المتكلّم بالأدوات الموضوعة له فلا حاجة إليه .

وبعبارة ثانية : أنّ موضوع الإطلاق هو الطبيعة ، وإذا جرت مقدّماته يستكشف أنّ تمام الموضوع هي نفسها دون قيد معها ، وموضوع العامّ هو أفراد الطبيعة لا نفسها ، كما عرفت من قوله سبحانه : ( أَوفُوا بِالعُقُودِ ) .

وعليه يكون جريان المقدّمات في استفادة العموم لغواً عاطلاً ; لأنّ المقدّمات


1 ـ أجـود التقريرات 1 : 163 و 440، اُنظر درر الفوائـد ، المحقّق الحائري : 210 ـ 211 ، نهايـة الدراية 2 : 446 .


(161)

تجري بعد تعلّق الحكم ، والمفروض أنّ الحكم متعلّق بالأفراد ; لأنّ لفظ «كلّ» وغيره يدلّ على استغراق المدخول ، فحينئذ هذه الألفاظ دالّة على الاستغراق بحكم أوضاعها ; جرت المقدّمات أو لا .

أضف إلى ما ذكرنا : أنّ ألفاظ العموم موضوعة للكثرة لغة ، وإضافتها إلى الطبيعة تفيد الاستغراق ، وتعلّق الحكم متأخّر عنه . فحينئذ جريان المقدّمات متأخّر برتبتين ، فلا يعقل توقّفه عليه .

نعم ، لو كان الغرض من إجرائها هو دفع احتمال دخالة بعض حالات الفرد وأوقاته فالحقّ أ نّه يحتاج في دفعه إلى التمسّك به ، وسيوافيك أنّ مصبّ الإطلاق تارة يكون نفس الطبيعة باعتبار قيودها وصنوفها ، واُخرى يكون الفرد الخارجي باعتبار حالاته ، فانتظر(1) .

والحاصل : أنّ دخول ألفاظ العموم على نفس الطبيعة المهملة يدلّ على استغراق أفرادها ، ومعه لا حاجة في جانب الأفراد إلى التمسّك به . ويشهد لما ذكرنا قضاء العرف بذلك ، وأنت إذا تفحّصت جميع أبواب الفقه وفنون المحاورات لا تجد مورداً يتوقّف فيه العرف في استفادة العموم من القضايا المسوّرة بألفاظه من جهة عدم كون المتكلّم في مقام البيان ، كما يتوقّفون في المطلقات إلى ما شاء الله .

والعجب ممّن يرى أنّ الإطلاق بعد جريان المقدّمات يفيد العموم ، ومعه ذهب إلى لزوم جريانها في العموم(2) ، مع أنّ لازمه لغوية الإتيان بألفاظ العموم .


1 ـ يأتي في الصفحة 259 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 163 و 440 .


(162)

الأمر الرابع
في أقسام العموم

ينقسم العموم إلى العموم الاستغراقي والمجموعي والبدلي .

وأ مّا الإطلاق فلا يأتي فيه هذا التقسيم ، ولا يمكن إثبات واحد منها بمقدّمات الحكمة :

أ مّا انقسام العموم : فلأنّ اللفظ الدالّ على الكثرة والشمول إن دلّ على مصاديق الطبيعة وأفرادها عرضاً ; بحيث يكون كلّ واحد محطّاً للحكم لا واحد منها لا بعينه ، ولا يكون الأفراد ملحوظة بنعت الاجتماع فهو العامّ الاستغراقي ، كما في لفظ «الكلّ» و«الجميع» و«التمام» ; فإنّ قولنا «كلّ إنسان» وأشباهه يدلّ على تمام أفراد مدخولها بنحو كلّ واحد واحد ، لا باعتبار اجتماعها وصيرورتها موضوعاً واحداً كما في العامّ المجموعي ، ولا باعتبار كون شموله عليها بنحو البدلية كما في العامّ البدلي ، بل بنحو العرضية في شموله لها .

وأ مّا إذا اعتبرت مع شموله لها بنحو العرضية صفة الوحدة والاجتماع في الأفراد فتعرّضها الوحدة الاعتبارية ; بحيث يصير الأفراد بمنزلة الأجزاء حكماً ، فلا محالة يصير العامّ مجموعياً . ولعلّ اللفظ المفيد له هو لفظ «مجموع» ; ولذا اختصّ هذا اللفظ به ارتكازاً ، فقولك «أكرم مجموع العلماء» يفيد ثبوت الحكم على الأفراد بنحو العرضية مع اعتبار صفة الإجماع .

وأ مّا إذا كان تعلّق الحكم بها لا بنحو العرضية في الشمول ، بل بنحو البدلية فهو عامّ بدلي ، واللفظ المفيد له هو لفظة «أيّ» ; استفهامية كانت أو غيرها .


(163)

فالاستفهامية مثل قوله سبحانه : (فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ)(1) ، (أَيُّكُمْ يَأتِينِي بِعَرْشِها)(2) ، وغير الاستفهامية مثل قوله : (أَ يّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الأَسماءُ الحُسنَى)(3) ، وقولك «اذهب من أيّ طريق أردت» ، فهذه الكلمة بوضعها اللفظي يدلّ على العموم البدلي ، وقد عرفت أنّ العموم عن مداليل الألفاظ ، هذا كلّه راجع إلى انقسام العموم .

وأ مّا عدم انقسام الإطلاق إليها : فأوضح من أن يخفى ; لما عرفت أنّ غاية ما يثبته الإطلاق كون ما اُخذ موضوعاً تمام الموضوع فقط(4) ، والحاكم بذلك هو العقل ، وأ مّا كون الموضوع هو الطبيعة أو الأفراد ، وأنّ تعلّق الحكم هل هو بنحو الاستغراق أو البدلية أو غيرهما فلا سبيل له إلى إثبات واحد من هذه المطالب من الإطلاق ، بل لابدّ في استفادة ذلك من التوصّل بالألفاظ الموضوعة لها .

والعجب مـن كثير من الأعاظم ـ منهم المحقّق الخراساني ـ حيث خلطوا بين البابين ، قال في باب «المطلق والمقيّد» : إنّ قضيـة مقدّمات الحكمـة في المطلقات تختلف باختلاف المقامات ; فإنّها تارة يفيد العموم الاستغراقي واُخرى العموم البدلي(5) ، انتهى .

ونسج على منواله بعض أهل التحقيق ، قال في «مقالاته» : إنّما الامتياز بين البدلي وغيره بلحاظ خصوصية مدخوله ; من كونه نكرة أو جنساً ; فإنّ في النكرة


1 ـ غافر (40) : 81 .
2 ـ النمل (27) : 38 .
3 ـ الإسراء (17) : 110 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 159 .
5 ـ كفاية الاُصول : 292 .


(164)

اعتبرت جهة البدلية دون الجنس(1) ، انتهى .

قلت : ولعلّ منشأ الخلط هو ما ربّما يتراءى بين الكلمات أنّ قوله تعالى : ( أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ ) يفيد العموم ، وقولنا «أكرم رجلاً» يفيد العموم البدلي ، ولكنّك قد عرفت أنّ استفادة الاستغراق بمعنى نفوذ كلّ بيع بالنتيجة من الأوّل ليس باعتبار دلالة اللفظ عليه ولا الإطلاق ، بل لمّا كان تمام الموضوع هو طبيعة البيع ببركة الإطلاق ، وكان العقل والعقلاء يرون أنّ ما أخذه موضوعاً موجود في هذا وذاك فلا محالة يحكمون بنفوذ هذا وذاك ، فأين هذا من دلالة الإطلاق عليه ؟ !

وأ مّا استفادة البدلية من النكرة ، كقولنا «اعتق رقبة» ففيه : أنّ النكرة تدلّ بمادّتها على نفس الطبيعة بلا شرط ، وتنوين التنكير يدلّ على الوحدة فـ «رجل» يدلّ بتعدّد الدالّ على واحد غير معيّن من الطبيعة ، وليس فيه دلالة على البدلية بلا ريب ; إذ البدلية غير كونه دالاًّ على واحد غير معيّن ; إذ هي عبارة عن جعل الحكم على الأفراد لا بنحو العرضية بل بنحو التخيير والبدلية فيها ، كما في لفظة «أيّ» .

وأ مّا النكرة فليست فيها دلالة على هذا ، وإنّما يحكم العقل بتخيير المكلّف بين الإتيان بأيّ فرد شاء في مورد التكاليف . فقول القائل «اعتق رقبة» يدلّ ـ بعد تمامية المقدّمات ـ على وجوب عتق رقبة واحدة ، من غير دلالة على التبادل ; ولذا يكون التخيير عقلياً ، بخلاف قوله «اعتق أ يّة رقبة شئت» ; فإنّ التخيير فيه شرعي مستفاد من اللفظ .

وبالجملة : لا يستفاد مـن مقدّمات الحكمـة شيء ممّا ذكـر ، سوى كـون ما وقع تحت دائـرة الحكم تمام الموضوع لـه ، وهـذا معنى واحـد في جميع الموارد .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 430 .


(165)

نعم حكم العقل والعقلاء فيها مختلفـة ، وهـو غيـر مربوط بباب الألفاظ والعموم ، ولا بباب الإطلاق .

تنبيه : في نقد كلام المحقّق الخراساني في وجه انقسام العامّ

يظهر من المحقّق الخراساني(1)  وتبعه بعضهم(2) : أنّ انقسام العموم إلى الأقسام المذكورة إنّما هو بلحاظ تعلّق الحكم بموضوعاتها ، وأ نّه مع قطع النظر عن هذا التعلّق لا واقعية للتقسيم .

ولكن التحقيق خلافـه ; لما عرفت مـن أنّ لكلّ مـن الثلاثة ألفاظاً مخصوصـة قد وضعت لإفادتها بنحو الدلالـة التصوّريـة ، فـ «كلّ» و«جميع» يدلاّن على استغراق أفراد مدخـولهما قبل تعلّق الحكم ، وكـذا لفظ «مجموع» و«أيّ» دالاّن على ما تقدّم تفصيله .

ويرشدك إلى ما ذكرنا المحاورات العرفية ; فإنّهم لا يرتابون في أنّ قول القائل «أكرم كلّ عالم» يدلّ على استغراق مدخوله . وقس عليه ما تقدّم من أمثلة البدلي والمجموعي ; إذ لا شكّ أ نّهم يفهمون من تلك الأمثلة واحداً من الثلاثة بحسب لفظه بحكم التبادر ، من غير توقّع قرينة تدلّ على كيفية تعلّق الحكم بالموضوع ، بل يحكمون على أنّ الحكم قد تعلّق بنحو الاستغراق في المدخول أو غيره بنفس دلالة اللفظ .

ولازم ما ذكره المحقّق الخراساني أن يتوقّف أهل المحاورة في فهم كيفية تعلّق الحكم حتّى يتفحّصوا ويتطلّبوا حوله .


1 ـ كفاية الاُصول : 253 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 514 ـ 515 .


(166)

أضف إليه : أ نّه لا يعقل ذلك التقسيم ـ مع قطع النظر عمّا ذكرناه ـ ضرورة أنّ الحكم تابع لموضوعه ، ولا يعقل تعلّق الحكم الوحداني بالموضوعات الكثيرة المأخوذة بنحو الاستغراق ، ولا الحكم الاستغراقي على الموضوع الوحداني ، بل لابدّ من تعيين الموضوع استغراقاً أو جمعاً حتّى يتبعه الحكم ، فهو تابع للموضوع ، فينحلّ بنحو الاستغراق في فرض دون فرض .


الأمر الخامس
في الألفاظ الدالّة على العموم

ربّما يعدّ من ألفاظ العموم النكرة الواقعة في سياق النهي أو النفي ، أو اسم الجنس الواقع كذلك(1) .

وفيـه إشكال ; لأنّ اسم الجنس موضوع لنفس الطبيعـة بلا شرط ، وتنوين التنكير لتقييدها بقيد الوحدة غير المعيّنة ، لكن لا بالمعنى الاسمي بل بالمعنى الحرفي ، وألفاظ النفي والنهي وضعت لنفي مدخولها أو الزجر عنها ، فلا دلالة فيها لنفي الأفراد التي هي المناط في صدق العموم ، ولا وضع على حدة للمركّب .

وقولنا «اعتق رقبة» وقولنا «لا تعتق رقبة» سيّان في أنّ الماهية متعلّقة للحكم ، وفي عدم الدلالة على الأفراد ، وفي أنّ كلاًّ منهما محتاج إلى مقدّمات الحكمة حتّى يثبت أنّ ما يليه تمام الموضوع له .

نعم بعد تماميتها تكون نتيجتها في النفي والإثبات مختلفة عرفاً ; لما تقدّم(2) 


1 ـ معالم الدين : 102 ، قوانين الاُصول 1 : 223 / السطر 6 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 11 .


(167)

من حكم العرف بأنّ المهملة توجد بوجود فرد ما ، وتنعدم بعدم جميع الأفراد ; وإن كان ما يحكم عليه العرف خلاف البرهان .

والحاصل : أنّ عـدّ شيء مـن ألفاظ العموم يتوقّف على وضـع اللفظ لما يفيد الشمول بالدلالة اللفظية ، لا لأجل دلالة من العقل أو كون الارتكاز عليه كما  في المقام .

فحينئذ : فرق واضح بين «لا» النافية وبين لفظ «كلّ» ; إذ الثاني موضوع بحسب التبادر لاستيعاب الأفراد ، فهو بدلالته اللفظية دالّ على الشمول ، والاُولى موضوعة لنفي المدخول ، ومدخولها : إمّا يدلّ على نفس الطبيعة ، أو عليها مع قيد الوحدة إذا كان المدخول نكرة .

وبعد هذا التحليل ليس هنا لفظ يدلّ على الكثرة سوى حكم العرف بأنّ عدم الطبيعة بعدم جميع الأفراد ، وليس هذا مفاد اللفظ حتّى يعدّ من ألفاظ العموم . هذا ، مع أ نّه غير مستغن عن إجراء المقدّمات .

وأ مّا الألف واللام فهو في المفرد يفيد تعريف الجنس فقط دون الاستغراق ، فيحتاج إلى مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق .

نعم ، الجمع المحلّى باللام يفيد العموم ، وليس الدالّ عليه هو اللام ولا نفس الجمع ; ولـذا لا يستفاد ذلك مـن المفرد المحلّى والجمع غير المحلّى ، بل إنّما يستفاد من تعريف الجمع . ووجه دلالتها هو أنّ الجمع له عرض عريض واللام وضعت لتعريفه ، وما هو معيّن ومعرّف إنّما هو أقصى المراتب ، وغيره لا تعيين فيه ; حتّى أدنى المراتب .

وبما ذكرنا ظهر عدم احتياجه إلى مقدّمات الحكمة .


(168)


(169)

الفصل الأوّل
في حجّية العامّ المخصّص في الباقي

لا ريب في أنّ تخصيص العامّ لا يوجب مجازيته مطلقاً ; متّصلاً كان المخصِّص أم منفصلاً .

ويتفرّع عليه : أ نّه حجّة فيما بقي بعد التخصيص ، وعلى القول بالمجازية لازمه سقوطه عن الحجّية وصيرورة الكلام مجملاً .

وتوضيح ذلك : أنّ حقيقة المجاز ـ كما تقدّم ـ ليس عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له ; إذ التلاعب بالألفاظ لا حسن فيه ، وكون زيد أسداً لفظاً لا بلاغة فيه ، بل كلّ المجازات ـ من مرسل واستعارة ـ لا يستعمل لفظها إلاّ فيما وضع له ، لكن بادّعاء أنّ المورد وما سبق لأجله الكلام من مصاديقه ; وإن كانت العامّة غافلين عنه ، كما في قوله سبحانه : (ما هَذَا بَشَرٌ إِنْ هَذَا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(1) ، وتقدّم تفصيله ، فراجع(2) .

والقائل بأنّ العامّ المخصَّص مجاز لابدّ أن يصحّح مقالته بالادّعاء ; إذ قوام


1 ـ يوسف (12) : 31 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 63 .


(170)

المجاز في جميع الأقسام والأمثلة إنّما هو بالادّعاء ، وأنّ ما قصده أيضاً هو نفسه أو من مصاديقه ، فانظر إلى قول الشاعر :

جددت يوم الأربعين عزائي      والنوح نوحي والبكاء بكائي

ترى أنّ حسن كلامه وجمال مقاله إنّما هو في ادّعائه بأنّ النوح والبكاء منحصران في نوحه وبكائه ، وليس غيرهما نوحاً وبكاء .

وعليه لا يجوز أن يكون العامّ المخصّص من قبيل المجاز ; ضرورة عدم ادّعاء وتأوّل فيه ، فليس في قوله : ( أوفُوا بِالعُقُودِ )(1)  ادّعاء كون جميع العقود هي العقود التي لم تخرج من تحته ، وأنّ الباقي بعد التخصيص عين الكلّ قبله ; إذ ليس المقام مقام مبالغة وإغراق حتّى يتمسّك بهذه الذوقيات ، وكذلك قوله سبحانه : ( أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ )(2)  في المطلق الوارد عليه التقييد .

والحاصل : أنّ حمل العامّ المخصَّص على باب المجاز ـ مع أنّ مداره الادّعاء ، وهو غير مناسب في هذه العمومات التي لم يقصد منها إلاّ ضرب القانون ـ ضعيف جدّاً .

مع إمكان كونه حقيقة على وجه صحيح ، وإليك بيانه : إنّ الدواعي لإنشاء الحكم وإلقاء الأمر على المخاطب كثيرة جدّاً ، قد أشرنا إلى بعضها في باب الأوامر ، ومن تلك الدواعي هو ضرب القانون وإعطاء القاعدة الكلّية للعبيد بجعل حكم على عنوان كلّي نحو «أكرم العلماء» ، وللموضوع آلاف من المصاديق ، ولكن بعضها محكوم بالإكرام بالإرادة الجدّية ، وبعضها محكوم بعدم الإكرام كذلك .


1 ـ المائدة (5) : 1 .
2 ـ البقرة (2) : 275 .


(171)

وحينئذ : فالقائل يستعمل قوله «أكرم العلماء» في تمام أفراده الذي هو المعنى الحقيقي بالإرادة الاستعمالية ، ثمّ يشير بدليل منفصل أو متّصل على أنّ الفسّاق منهم وإن تعلّقت بهم الإرادة الاستعمالية وشملهم عموم القانون إلاّ أنّ الإرادة الجدّية في هذا المورد على خلافه ، وأ نّهم يحرم إكرامهم أو لا يجب ، وهذا الجعل بهذه الكيفية ربّما يفيد العبد فيما إذا شكّ في خروج غير الفسّاق أو في المخصّص المجمل المنفصل الدائر بين الأقلّ والأكثر .

فالجعل على عنوان كلّي يصير ضابطة وتكون حجّة في الموارد المشكوكة ; إذ الأصل الدائر بين العقلاء هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية إلاّ ما قام الدليل من جانب المولى على خلافه ، فهذا الظهور بنحو العموم حجّة عليه في كلّ فرد من أفراده ; حتّى يقوم حجّة أقوى على خلافه .

فظهر : أنّ العامّ مستعمل في معناه الأوّل ، وأنّ التضييق والتخصيص في الإرادة الجدّية ، ومدار كون الشيء حقيقة أو مجازاً على الاُولى من الإرادتين دون الثانية ، ويصير حجّة في الباقي ; لما عرفت من أنّ الأصل الدائر بين العقلاء هو تطابق الإرادتين حتّى يقوم دليل أقوى على خلافه .

وإن شئت قلت : إنّ قوله تعالى : ( أوفُوا بِالعُقُودِ . . . )(1)  استعمل جميع ألفاظـه فيما وضعت لـه ، لكن البعث المستفاد من الهيئة لم يكن في مورد التخصيص لداعي الانبعاث ، بل إنشاؤه على نحو الكلّية ـ مع عدم إرادة الانبعاث في مورد التخصيص  ـ إنّما هو لداع آخر ; وهو إعطاء القاعدة ليتمسّك بها العبد في الموارد المشكوكة .


1 ـ المائدة (5) : 1 .


(172)

فالإرادة الاستعمالية التي هي في مقابل الجدّية قد تكون بالنسبة إلى الحكم بنحو الكلّية إنشائياً وقد تكون جدّياً لغرض الانبعاث ، وقوله سبحانه ( أوفُوا بِالعُقُودِ ) إنشاء البعث إلى الوفاء بجميع العقود ، وهو حجّة ما لم تدفعها حجّة أقوى منها . فإذا ورد مخصّص يكشف عن عدم مطابقة الجدّ للاستعمال في مورده ، ولا  ترفع اليد عن العامّ في غير مورده ; لظهور الكلام وعدم انثلامه بورود المخصّص ، وأصالة الجدّ التي هي من الاُصول العقلائية حجّة في غير ما قامت الحجّة على خلافها .

لا يقال : إذا لم يكن البعث حقيقياً بالإضافة إلى بعض الأفراد ـ مع كونه متعلّقاً به في مرحلة الإنشاء ـ فلازمه صدور الواحد عن داعيين بلا جهة جامعة تكون هو الداعي(1) .

لأ نّا نقول : إنّ التمسّك بالقاعدة المعروفة في هاتيك المباحث ضعيف جدّاً ـ  كما هو غير خفي على أهله ـ وكفى في إبطال ما ذكر : أنّ الدواعي المختلفة ربّما تدعو الإنسان إلى شيء واحد .

أضف إلى ذلك : أنّ الدواعي المختلفة ليست علّة فاعلية لشيء ، بل الدواعي غايات لصدور الأفعال . وما قرع سمعك : أنّ الغايات علل فاعلية الفاعل(2)  ليس معناه أ نّها مصدر فاعليته ; بحيث تكون علّة فاعلية لها ويصدر حركة الفاعل منها ، بل معناه أنّ الفاعل لا يصير مبدأ إلاّ لأجلها ، فالغاية ما لأجلها الحركة لا فاعل التحريك والحركة .

فإن قلت : إنّ حقيقـة الاستعمال ليس إلاّ إلقاء المعنى بلفظـه ، والألفاظ


1 ـ نهاية الدراية 2 : 450 .
2 ـ راجع شرح الإشارات 3 : 15 ـ 16 ، الحكمة المتعالية 2 : 268 .


(173)

مغفول عنها حينه ; لأ نّها قنطرة ومـرآة للمعاني ، وليس للاستعمال إرادة مغايرة لإرادة المعنى الواقعي ، والمستعمِل إن أراد مـن لفظ العامّ المعنى الواقعي فهو ، وإلاّ كان هازلاً(1) .

قلت : فيما ذكر خلط واضح ـ وإن صدر عن بعض الأعاظم ـ إذ ليس الإرادة الاستعمالية والجدّية متعلّقتين بلفظ العامّ ; بحيث يكون المراد الاستعمالي جميع العلماء والجدّي بعضهم ; حتّى يرد عليه ما ذكر ، بل الاستعمالية والجدّية إنّما هي بالنسبة إلى الحكم ; فما ذكر من الإشكال أجنبي عن مقصودهم .

ولعلّ ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ يبيّن ما أفاده القوم وراموه ; حيث قال : إنّ هذا الظهور الذي يتمسّك به لحمل العامّ على الباقي ليس راجعاً إلى تعيين المراد من اللفظ في مرحلة الاستعمال ، بل هو راجع إلى تعيين الموضوع للحكم(2) ، فراجع .

ثمّ إنّ بعض أهل التحقيق قد أجاب في «مقالاته» عن هذا الإشكال : بأنّ دلالة العامّ وإن كانت واحدة لكن هذه الدلالة الواحدة إذا كانت حاكية عن مصاديق متعدّدة فلا شبهة في أنّ هذه الحكاية بملاحظة تعدّد محكيها بمنزلة حكايات متعدّدة ; نظراً إلى أنّ الحاكي يتلوّن بلون محكيه ويقتضيه في آثاره ، فمع تعدّده يكون الحاكي كأ نّه متعدّد . فحينئذ : مجرّد رفع اليد عن حجّية الحكاية المزبورة بالنسبة إلى فرد لا يوجب رفع اليد عن حجّيته العليا .

وأيّد كلامه بالمخصّص المتّصل ; مدّعياً أنّ الظهور في الباقي مستند إلى وضعه الأوّل . غاية الأمر تمنع القرينة عن إفادة الوضع لأعلى المراتب من الظهور ،


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 517 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 213 .


(174)

فيبقى اقتضاؤه للمرتبة الاُخرى دونها بحاله(1) ، انتهى .

ولا يخفى : أنّ ما ذكره من حديث جذب الألفاظ لون محكيها أشبه بالخطابة ، ومبني على ما اشتهر من أنّ أحكام المعاني ربّما تسري إلى الألفاظ ; مستشهداً بأسماء ما يستقبح ذكره ; غافلاً عن أنّ قبحه لأجل أنّ التلفّظ به يوجب الانتقال إلى معناه ; ولذا لا يدرك الجاهل باللغة قبحه وشينه .

وعليه : فتعدّد المحكي لا يوجب تعدّد الحكاية بعد كون الحاكي عنواناً واحداً . فلفظ العامّ بعنوان واحد وحكاية واحدة يحكي عن الكثير ، فإذا علم أنّ اللفظ لم يستعمل في معناه بدليل منفصل ـ كما هو المفروض ـ لم تبق حكاية بالنسبة إلى غيره .

وما ذكره في المخصّص المتّصل من مراتب الظهور ممنوع ; ضرورة أنّ كلّ لفظ في المخصّص المتّصل مستعمل في معناه ، وأنّ إفادة المحدودية إنّما هو لأجل القيود والإخراج بالاستثناء . فلفظ «كلّ» موضوع لاستغراق مدخوله ; فإذا كان مدخوله قولنا «العالم إلاّ الفاسق» يستغرق ذلك المدخول المركّب من المستثنى منه والمستثنى ، من دون أن يكون الاستثناء مانعاً من ظهوره ; لعدم ظهوره إلاّ في استغراق المدخول ; أيّ شيء كان . ولو فرض أنّ القيد أو الاستثناء يمنعان عن ظهوره صار الكلام مجملاً ; لعدم مراتب للظهور .

وما ذكرنا من إجراء التطابق بين الإرادتين في كلّ فرد فرد غير مربوط بهذا الفرض ; لأنّ العامّ على ما ذكرنا قد انعقد له الظهور فيما وضع له ، وهذا العامّ مع هذا الأصل حجّتان حتّى يرد حجّة أقوى منهما . ولو أمعنت النظر فيه يسهّل لك التصديق .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 438 .


(175)

الفصل الثاني
في سراية إجمال المخصِّص إلى العامّ

إنّ المخصّص قد يكون مبيّن المفهوم وقد يكون غير مبيّنة ، وعلى الثاني تارة يكون دائراً بين الأقلّ والأكثر واُخرى بين المتباينين . وعلى جميع التقادير فهو إمّا متّصل أو منفصل . ثمّ إنّه إمّا لبّي أو غير لبّي ، وأيضاً الشبهة إمّا مفهومية أو مصداقية .

فهذه صور المسألة ، ولنقدّم البحث عن المفهومية على البحث عن المصداقية :

التمسّك بالعامّ في الشبهة المفهومية

فنقول : يقع البحث في الشبهة المفهومية في مقامين :

المقام الأوّل : فـي المخصّص المتّصل المجمل مـن حيث المفهوم ، وهـو على قسمين :

الأوّل : ما كان أمره دائراً بين الأقلّ والأكثر ، كما إذا شكّ في أنّ الفاسق هو خصوص مرتكب الكبيرة أو الأعمّ منها والصغيرة .

فالحقّ : سريان إجماله إلى العامّ ، ولا يكون العامّ المخصّص حجّة في موارد


(176)

الشكّ ; لأنّ اتصال المخصّص المجمل يوجب عدم انعقاد ظهوره من أوّل إلقائه إلاّ في العالم غير الفاسق أو العالم العادل ، وليس لكلّ من الموصوف والصفة ظهور مستقلّ حتّى يتشبّث بظهور العامّ في الموارد المشكوكة ، فيشبه المقام بباب المقيّد إذا شكّ في حصول قيده ; أعني العدالة أو عدم الفسق فيمن كان مرتكباً للصغيرة .

وبعبارة ثانية : أنّ الحكم في العامّ الذي استثني منه أو اتّصف بصفة مجملة متعلّق بموضوع وحداني عرفاً ، فكما أنّ الموضوع في قولنا : «أكرم العالم العادل» هو الموصوف بما هو كذلك فهكذا قولنا : «أكرم العلماء إلاّ الفسّاق منهم» ; ولذا لا ينقدح التعارض حتّى التعارض البدوي بين العامّ والمخصّص ، كما ينقدح بينه وبين منفصله .

فحينئذ : كما لا يجوز التمسّك بالعامّ ، كقولنا : «لا تكرم الفسّاق» إذا كان مجمل الصدق بالنسبة إلى مورد ، كذلك لا يجوز في العامّ المتّصف أو المستثنى منه بشيء مجمل بلا فرق بينهما .

الثاني : ما إذا دار مفهومه بين المتباينين مع كونه متّصلاً ، كما إذا استثنى منه زيداً ، واحتمل أن يكون المراد هو زيد بن عمرو وأن يكون هو زيد بن بكر .

والحقّ : سريان إجماله أيضاً بالبيان المتقدّم في الأقلّ والأكثر ; لأنّ الموضوع يصير بعد الاستثناء العالم الذي هو غير زيد ، وهو أمر وحداني لا يكون حجّة إلاّ فيما ينطبق عليه يقيناً ، والمفروض أ نّه مجمل من حيث المفهوم ، فكيف يمكن الاحتجاج بشيء يشكّ في انطباقه على المشكوك ؟

وأ مّا المقام الثاني ـ أعني المخصّص المنفصل المجمل من حيث المفهوم ـ فهو أيضاً على قسمين :


(177)

الأوّل : ما إذا دار بين الأقلّ والأكثر ، فلا يسري أصلاً ، ويتمسّك به في موارد الشكّ ; لأنّ الخاصّ المجمل ليس بحجّة في موارد الإجمال ، فلا ترفع اليد عن الحجّة بما ليس بحجّة ، ولا يصير العامّ معنوناً بعنوان خاصّ في المنفصلات .

وبعبارة أوضح : أنّ الحكم قد تعلّق بعنوان الكلّ والجميع ، فلا محالة يتعلّق الحكم على الأفراد المتصوّرة إجمالاً ، والأصل العقلائي حاكم على التطابق بين الإرادتين في عامّة الأفراد ، فلا يرفع اليد عن هذا الظهور المنعقد إلاّ بمقدار قامت عليه الحجّة ، والمفروض أنّ الحجّة لم تقم إلاّ على مرتكب الكبائر ، وغيرها مشكوك فيه .

ولا يقاس ذلك بالمتّصل المردّد بين الأقلّ والأكثر ; إذ لم ينعقد للعامّ هناك ظهور قطّ ، إلاّ في المعنون بالعنوان المجمل ، والمرتكب للصغائر مشكوك الدخول في العامّ هناك من أوّل الأمر ، بخلافه هنا ; فإنّ ظهور العامّ يشمله قطعاً .

كيف ، فلو كان المخصّص المجمل حكماً ابتدائياً من دون أن يسبقه العامّ لما كان حجّة إلاّ في مقدار المتيقّن دون المشكوك ، فكيف مع ظهور العامّ في إكرام المشكوك ؟

وأ مّا ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ من أ نّه يمكن أن يقال : إنّه بعد ما صارت عادة المتكلّم على ذكر المخصّص منفصلاً فحال المنفصل في كلامه حال المتّصل في كلام غيره(1) ، لا يخلو عن نظر ; فإنّ وجوب الفحص عن المخصّص باب ، وسراية إجمال المخصّص إليه باب آخر . ومقتضى ما ذكره عدم جواز العمل بالعامّ قبل الفحص ، لا سراية الإجمال ; لأنّ ظهور العامّ لا ينثلم لأجل


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 215 .


(178)

جريان تلك العادة ، كما أنّ الأصل العقلائي بتطابق الاستعمال والجدّ حجّة بعد الفحص عن المخصّص وعدم العثور إلاّ على المجمل منه ، لكنّه ـ قدس سره ـ رجع في الدورة الأخيرة عمّا أفاده في متن كتابه(1) .

نعم ، لو كان الخاصّ المجمل المردّد بين الأقلّ والأكثر وارداً بلسان الحكومة على نحو التفسير والشرع ـ كما في بعض أنحاء الحكومات ـ فسراية إجماله وصيرورة العامّ معنوناً غير بعيدة ، كما إذا قال المراد من العلماء هو غير الفسّاق ، أو أنّ الوجوب لم يجعل على الفاسق منهم . ومع ذلك فالمسألة بعد محلّ إشكال .

القسم الثاني : ما إذا دار المخصّص المنفصل بين المتباينين .

فالحقّ : أ نّه يسري الإجمال إليه حكماً ; بمعنى عدم جواز التمسّك به في واحـد منهما ; وإن كان العامّ حجّـة في واحـد معيّن واقعاً ، ولازمـه إعمال قواعـد العلم الإجمالي .

وإن شئت قلت : إنّ العلم الإجمالي بخـروج واحـد منهما يوجب تساوي العامّ في الشمول لكلّ واحد منهما ، ولا يتمسّك به في إثبات واحد منهما إلاّ بمرجّح ، وهو منتف بالفرض .

وبتعبير آخـر : أ نّه بعد الاطّلاع بالمخصّص لا متيقّن في البين حتّى يؤخـذ به ويترك المشكوك ، كما في الأقلّ والأكثر ، بل كلاهما في الاحتمال متساويان ، فلا محيص عـن إجراء قواعـد العلم الإجمالي .

فلو كان المخصّص رافعاً لكُلفة الوجـوب عـن مـورد التخصيص وكان مقتضى العامّ هـو الوجـوب فلازمـه إكرام كـلا الرجلين حتّى يستيقن بالبراءة .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 215 ، الهامش 1 .


(179)

ولو كان المخصّص ظاهـراً في حرمـة مورده فيكون المقام مـن قبيل دوران الأمـر بين المحذورين ، ولكلّ حكمه .

التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصّص المنفصل اللفظي

محطّ البحث في الاشتباه المصداقي لأجل الشبهة الخارجية إنّما هو فيما إذا اُحرز كون فرد مصداقاً لعنوان العامّ ; أعني العالم قطعاً ، ولكن شكّ في انطباق عنوان المخصّص ; أعني الفاسق عليه .

وبعبارة اُخـرى : البحث فيما إذا خصّ العامّ ولم يتعنون ظهور العامّ بقيد زائـد سوى نفسه ، لا في تقييد المطلق الـذي يوجب تقييده بقيد زائـد ، سوى ما اُخـذ في لسان الدليل .

وبما ذكرنا يظهر الخلط فيما أفاده بعض الأعاظم ; حيث قال : إنّ تمام الموضوع في العامّ قبل التخصيص هو طبيعة العالم ، وإذا ورد المخصّص يكشف عن أنّ العالم بعض الموضوع وبعضه الآخر هو العادل ، فيكون الموضوع واقعاً هو العالم العادل . فالتمسّك في الشبهة المصداقية للخاصّ يرجع إلى التمسّك فيها لنفس العامّ ، من غير فرق بين القضايا الحقيقية وغيرها(1) .

وجه الخلط : أنّ ما أفاده صحيح في المطلق والمقيّد ، وأ مّا العامّ فالحكم فيه متعلّق بأفراد مدخول أداته ، لا على عنوان الطبيعة ، والمخصّص يخرج طائفة من أفراد العامّ ، كأفراد الفسّاق منهم .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 525 .


(180)

وما ربّما يتكرّر في كلامه من أنّ الحكم في القضايا الحقيقية على العنوان بما أ نّه مرآة لما ينطبق(1)  عليه غير تامّ ; لأنّ العنوان لا يمكن أن يكون مرآة للخصوصيات الفردية .

مع أنّ لازم ما ذكره أن يكون الأفراد موضوعاً للحكم ; لأنّ المحكوم عليه هو المرئي دون المرآة ، فلا يصحّ قوله : إنّ تمام الموضوع في العامّ قبل التخصيص هو طبيعة العالم . . . إلى آخره . بل التحقيق كما تقدّم(2) : أنّ العنوان لم يكن مرآة إلاّ لنفس الطبيعة الموضوع لها ، وأداة العموم تفيد أفرادها ، والقضية الحقيقية متعرّضة للأفراد .

فتحصّل : أنّ الكلام إنّما هو في العامّ المخصّص ، لا المطلق المقيّد .

وكيف كان : فقد استدلّ لجواز التمسّك بأنّ العامّ بعمومه شامل لكلّ فرد من الطبيعة وحجّة فيه ، والفرد المشكوك فيه لا يكون الخاصّ حجّة بالنسبة إليه ; للشكّ في فرديته ، فمع القطع بفرديته للعامّ والشكّ في فرديته للخاصّ يكون رفع اليد عن العامّ رفع اليد عن الحجّة بغير حجّة(3) .

والجواب : أنّ مجرّد ظهور اللفظ وجريان أصالة الحقيقة لا يوجب تمامية الاحتجاج ما لم تحرز أصالة الجدّ .

توضيحه : أنّ صحّة الاحتجاج لا تتمّ إلاّ بعد أن يسلّم اُمور : من إحراز ظهوره ، وعدم إجماله مفهوماً ، وعدم قيام قرينة على خلافه ; حتّى يختتم الأمر


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 171 و 186 و 525 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 155 .
3 ـ اُنظر كفاية الاُصول : 258 .


(181)

بإحراز أنّ المراد استعمالاً هو المراد جدّاً . ولذلك لا يمكن الاحتجاج بكلام من دأبه وعادته الدعابة ; وإن اُحرز ظهوره وجرت أصالة الحقيقة ; لعدم جريان أصالة الجدّ مع أنّ ديدنه على خلافه .

فعليه : ما مرّ مـن أصالـة التطابق بين الإرادتين إنّما هـو فيما إذا شكّ في أصل التخصيص ، وأنّ هذا الفرد بخصوصه أو بعنوان آخر هل خـرج عن حكم العامّ أو لا ؟ وأ مّا إذا علم خروج عـدّة أفراد بعنوان معيّن ، وشكّ في أنّ هـذا العنوان هل هـو مصداق جدّي لهذا العنوان أو ذاك العنوان فلا يجري أصلاً ، ولا يرتفع به الشكّ عندهم .

وبالجملة : إذا ورد المخصّص نستكشف عن أنّ إنشائه في مورد التخصيص لم يكن بنحو الجدّ ، ويدور أمر المشتبه بين كونه مصداقاً للمخصّص حتّى يكون تحت الإرادة الجدّية لحكم المخصّص ، وبين عدم كونه مصداقاً له حتّى يكون تحت الإرادة الجدّية لحكم العامّ المخصّص . ومع هذه الشبهة لا أصل لإحراز أحد الطرفين ; فإنّها كالشبهة المصداقية لأصالة الجدّ بالنسبة إلى العامّ والخاصّ كليهما .

ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده الشيخ الأعظم(1)  والمحقّق الخراساني(2) ، قدّس الله روحهما .

نعم ، بعض أهل التحقيق فسّر كلام الشيخ بما لا يخلو عن إشكال ، قال في «مقالاته» : الذي ينبغي أن يقال : إنّ الحجّية بعدما كانت منحصرة في الظهور التصديقي المبني على كون المتكلّم في مقام الإفادة والاستفادة فإنّما يتحقّق هذا


1 ـ مطارح الأنظار : 193 / السطر3 .
2 ـ كفاية الاُصول : 259 .


(182)

المعنى في فرض تعلّق قصد المتكلّم بإبراز مرامه باللفظ ، وهو فرع التفات المتكلّم بما تعلّق به مرامـه ، وإلاّ فمع جهله به واحتمال خروجه عن مرامه كيف يتعلّق قصده بلفظـه على كشفه وإبرازه ؟ ومن المعلوم : أنّ الشبهات الموضوعية طرّاً من هذا القبيل .

ولقد أجاد شيخنا الأعظم فيما أفاد في وجه المنع بمثل هذا البيان ، ومرجع هذا الوجه إلى منع كون المولى في مقام إفادة المراد بالنسبة إلى ما كان هو بنفسه مشتبهاً فيـه ، فلا يكون الظهور حينئذ تصديقياً ; كي يكون واجداً لشرائط الحجّية(1) ، انتهى .

ولا يخفى : أ نّـه لا يلزم على المتكلّم في الإخبار عـن موضوع واقعي الفحص عن كلّ فرد فرد حتّى يعلم مقطوعه ومشكوكه ، بل ما يلزم عليه في جعل الحكم على عنوان كلّياً إحراز أنّ كلّ فرد واقعي منه محكوم بهذا الحكم ، كما في قولك : «النار حارّة» ، وأ مّا تشخيص كـون شيء ناراً فليس متعلّقاً بمرامـه ولا مربوطاً بمقامه .

وببيان أوضح : أنّ الحجّية وإن كانت منحصرة في الظاهر الذي صدر من المتكلّم لأجل الإفادة ، ولابدّ له أن يكون على تيقّن فيما تعلّق به مرامه ، لكن ذلك في مقام جعل الكبريات لا في تشخيص الصغريات .

فلو قال المولى «أكرم كلّ عالم» فالذي لابدّ له إنّما هو تشخيص أنّ كلّ فرد من العلماء فيه ملاك الوجوب ; وإن اشتبه عليه الأفراد .

ولو قال بعد ذلك «لا تكرم الفسّاق من العلماء» لابدّ له من تشخيص كون


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 443 .


(183)

ملاك الوجوب في عدولهم . وأ مّا كون فرد عادلاً في الخارج أو لا فليس داخلاً في مرامه ; حتّى يكون بصدد بيانه .

ويرشدك إليه : أ نّـه لو صحّ ما أفاده : مـن أنّ المولى لم يكن بصدد إفادة المراد بالنسبة إلى ما كان بنفسه مشتبهاً فيه ، لابدّ مـن التزامه بعدم وجـوب إكرام من اشتبه عند المولى أ نّه عادل أو لا ولكن العبد أحرز كونه عالماً عادلاً ، مع أنّ العبد لا يعدّ معذوراً في ترك إكرامه ; وإن اعتذر بأنّ المولى لم يكن في مقام البيان بالنسبة إلى المشكوك .

وأ مّا نسبة ما أفاده إلى الشيخ الأعظم ففي غير محلّه ; فإنّ كلامه في تقريراته آب عن ذلك ، وملخّصه : أنّ العامّ الواقع في كلام المتكلّم غير صالح لرفع الشبهة الموضوعية التي هو بنفسه أيضاً قد يكون مثل العبد فيها ، فالعامّ مرجع لرفع الشبهة الحكمية لا الموضوعية(1) .

وأنت ترى : أنّ كلامه آب عمّا نسب إليه ، بل يرجع إلى ما فصّلناه وأوضحناه ، ولولا تشويش عبائر القائل وإغلاقها لجاز حملها على ما أفاده الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ  ، كما قد يظهر من ذيل كلامه .

ثمّ إنّ شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ نقل تقريباً لجواز التمسّك عن المحقّق النهاوندي ـ  طيّب الله رمسه(2) ـ وهو : أنّ قول القائل «أكرم العلماء» يدلّ بعمومه الأفرادي على وجوب إكرام كلّ واحد من العلماء ، ويدلّ بإطلاقه على سراية الحكم إلى كلّ حالة من الحالات ، ومن جملة حالات الموضوع كونه مشكوك الفسق


1 ـ مطارح الأنظار : 193 / السطر3 .
2 ـ تشريح الاُصول : 261 / السطر7 .


(184)

والعدالة ، وقد علم من قوله «لا تكرم الفسّاق من العلماء» خروج معلوم الفسق منهم ، فمقتضى أصالة العموم والإطلاق بقاء المشكوك تحته(1) ، انتهى .

والجواب أوّلاً : أنّ ما فسّر به الإطلاق غير صحيح ; لأنّ الإطلاق ليس إلاّ كون الشيء تمام الموضوع كما تقدّم(2) ، لا أخذ جميع الحالات والعناوين في الموضوع ، فإنّ ذلك معنى العموم . فما اصطلح به من الإطلاق الأحوالي باطل من  رأس .

وثانياً : أنّ البحث إنّما هو في العامّ المتضمّن لبيان الحكم الواقعي ، والمفروض أنّ الموضوع له إنّما هو العالم بقيد كونه غير الفاسق لبّاً ، فكيف يحكم بوجوب إكرام المشتبه مع كونه فاسقاً واقعياً ؟

وما ذكره مـن أنّ العامّ وإن كان غير شامل له بإطلاقـه الأفرادي إلاّ أ نّـه شامل له بإطلاقه الأحوالي ـ بمعنى أنّ العالم واجب الإكرام في جميع الحالات ; ومنها كونه مشكوك الفسق ـ يستلزم اجتماع حكمين في موضوع واحد بعنوان واحد ; لأنّ ما ذكره من الإطلاق الأحوالي موجـود في الخاصّ أيضاً ; فإنّ قولـه «لا تكرم الفسّاق» شامل لمشتبه الفسق ومعلومـه إذا كان فاسقاً واقعياً ، فهذا الفرد بما أ نّه مشتبه الفسق واجب الإكرام ومحرّمه ، ولو التجأ ـ قدس سره ـ إلى أنّ العامّ متكفّل للحكم الواقعي والظاهري يلزمه أخذ الشكّ في الحكم في جانب موضوع نفس ذلك الحكم .

وفيه ـ مضافاً إلى أن أخذ الشكّ في الموضوع لا يصحّح الحكم الظاهري  ـ


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 216 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 159 و 160 .


(185)

أنّ مجرّد أخذه فيه لا يرفع الإشكال ; إذ كيف يمكن تكفّل العامّ بجعل واحد للحكم الواقعي على الموضوع الواقعي ، وللحكم الظاهري على مشتبه الحكم ، مع ترتّبهما ؟ وهل هذا إلاّ الجمع بين عدم لحاظ الشكّ موضوعاً ولحاظه كذلك ؟ !

القول في الشبهة المصداقية للمخصّص اللبّي

ما ذكرناه في المخصّص اللفظي جار في اللبّي ، لكن بعد تمحيض المقام في الشبهة المصداقية للمخصّص اللبّي ، كما إذا خرج عنوان عن تحت العامّ بالإجماع أو العقل ، وشكّ في مصداقه ، فلا محالة يكون الحكم الجدّي في العامّ على أفراد المخصّص دون المخصِّص ـ بالكسر ـ ومعه لا مجال للتمسّك بالعامّ لرفع الشبهة الموضوعية ; لما مرّ(1) .

ومنه يظهر النظر في كلام المحقّق الخراساني ـ رحمه الله ـ  ; حيث فصّل بين اللبّي الذي يكون كالمخصّص المتّصـل وغيره(2) ، مع أنّ الفارق بين اللفظي واللبّي من هذه الجهة بلا وجه . ودعوى بناء العقلاء على التمسّك في اللبّيات(3)  عهدتها عليه .

كما يظهر النظر فيما يظهر من الشيخ الأعظم من التفصيل بين ما يوجب تنويع الموضوعين ، كالعالم الفاسق والعالم غير الفاسق فلا يجوز ، وغيره كما إذا لم يعتبر المتكلّم صفة في موضوع الحكم غير ما أخذه عنواناً في العامّ ـ وإن علمنا بأ نّه لو فرض في أفراد العامّ من هو فاسق لا يريد إكرامه ـ فيجوز التمسّك بالعامّ وإحراز


1 ـ تقدّم في الصفحة 181 .
2 ـ كفاية الاُصول : 259 .
3 ـ نفس المصدر .


(186)

حال الفرد أيضاً . ثمّ فصّل في بيانه بما لا مزيد عليه(1) .

ولكن يظهر من مجموعه خروجه عن محطّ البحث ووروده في واد الشكّ في أصل التخصيص ، مع أنّ الكلام في الشكّ في مصداق المخصّص ، فراجع كلامه .

وأ مّا توجيه كلامه بأنّ المخصّص ربّما لا يكون معنوناً بعنوان ، بل يكون مخرجاً لذوات الأفراد ، لكن بحيثية تعليلية وعلّة سارية فإذا شكّ في مصداق أ نّه محيّث بالحيثية التعليلية يتمسّك بالعامّ(2)  فغير صحيح ; لما تقرّر في محلّه من أنّ الحيثيات التعليلية جهات تقييدية في الأحكام العقلية ; بحيث تصير تلك الجهات موضوعاً لها .

وعليه : فالخارج إنّما هو العنوان مع حكمه عن تحته لا نفس الأفراد ; لأنّ الفرض أنّ المخصّص لبّي عقلي . ولو سلّمنا أنّ الخارج هو نفس الأفراد وذواتها دون عنوانها يخرج الكلام عن الشبهة المصداقية للمخصّص والنزاع هنا فيها .

وأوضح حالاً ممّا ذكـراه : ما عـن بعض أعاظم العصر مـن الفرق بين ما إذا كان المخصّص صالحاً لأن يؤخـذ قيداً للموضوع ولم يكن إحراز انطباق ذلك العنوان على مصاديقه من وظيفة الآمر ، كقيام الإجماع على اعتبار العدالـة في المجتهد ، وبين ما إذا لم يكن كذلك ، كما في قوله ـ عليه السلام ـ  : «اللهمّ العن بني اُمية قاطبة» ; حيث يعلم أنّ الحكم لا يعمّ مـن كان مؤمناً منهم ، ولكن إحـراز أن لا مؤمن في بني اُمية مـن وظيفة المتكلّم ; حيث لا يصحّ له إلقاء مثل هـذا العموم إلاّ بعد إحرازه .


1 ـ مطارح الأنظار : 194 / السطر24 .
2 ـ لمحات الاُصول : 323 .


(187)

ولو فرض أ نّا علمنا من الخارج أنّ خالد بن سعيد كان مؤمناً كان ذلك موجباً لعدم اندراجه تحت العموم ، فلو شككنا في إيمان أحد فاللازم جواز لعنه ; استكشافاً من العموم ، وأنّ المتكلّم أحرز ذلك ; حيث إنّه وظيفته(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ خروج ابن سعيد إن كان لخصوصية قائمة بشخصه ـ لا لأجل انطباق عنوان عليه ـ فالشكّ في غيره يرجع إلى الشكّ في تخصيص زائد ، فيخرج عن محلّ البحث ; لأنّ البحث في الشبهة المصداقية للمخصّص ، وإن كان لأجل انطباق عنوان المؤمن عليه فالكلام فيه هو الكلام في غيره ; من سقوط أصالة الجدّ في المؤمن لأجل تردّد الفرد بين كونه مصداقاً جدّياً للعامّ أو لغيره .

تنبيهات

التنبيه الأوّل : التمسّك بالعامّ مع كون الخاصّ معلّلا

لو قال المولى «أكرم كلّ عالم» ، ثمّ قال منفصلاً عنه «لا تكرم زيداً وعمراً وبكراً ; لأ نّهم فسّاق» فهل يجوز التمسّك هنا بالعامّ في الفرد المشكوك أو لا ؟

الظاهر ، بل التحقيق : هو الثاني ; لأنّ تعليله بكونهم فسّاقاً يعطي أنّ المخرج هو العنوان دون الأشخاص مستقلّة ، ويأتي فيه ما قدّمناه .

وما ربّما يقال : من جواز التمسّك بالعامّ فيه ; لأ نّه من قبيل التخصيص الزائد لا الشبهة المصداقية(2)  غير تامّ ، كما مرّ وجهه .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 536 ـ 537 .
2 ـ لمحات الاُصول : 324 ـ 325 .


(188)

التنبيه الثاني
في العامّين من وجه المتنافيي الحكم

إذا تعلّق الحكم على عنوانين بينهما عموم من وجه :

فتارة : يكون أحدهما حاكماً على الآخر ; فلا شبهة في كونه من قبيل المخصّص ، فلا يجوز التمسّك بالعامّ المحكوم في الشبهة المصداقية في دليل الحاكم ; لعين ما مرّ .

ومع عدم الحكومة : فإن قلنا بأنّ العامّين من وجه يشملهما أدلّة التعارض وقواعد الترجيح وقدّمنا أحدهما مع الترجيح ، أو قلنا : إنّهما من قبيل المتزاحمين ، وقلنا : إنّ المولى ناظر إلى مقام التزاحم ، وكان حكمـه إنشائياً بالنسبـة إلى المرجوح يكون حاله أيضاً حال المخصّص في عدم جواز التمسّك مع الشبهة المصداقية في الراجح .

وأ مّا إن قلنا : بأنّ الحكمين في المتزاحمين فعليان على موضوعهما ، والتزاحم الخارجي وعدم قدرة العبد على إطاعتهما لا يوجب شأنية الحكم في المرجوح ، بل العقل يحكم بكونه معذوراً في امتثال كليهما ، من غير تغيير في ناحية الحكم فالظاهر جواز التمسّك في مورد الشكّ في انطباق الدليل المزاحم الذي هو أقوى ملاكاً ; لأنّ الحكم الفعلي على موضوعه حجّة على المكلّف ما لم يحرز العذر القاطع ، ولا يجوز عقلاً رفع اليد عن الحكم الفعلي بلا حجّة ، نظير الشكّ في القدرة ; حيث لا يجوز التقاعد عن التكليف الفعلي مع احتمال العجز .


(189)

التنبيه الثالث
في إحراز المشتبه بالأصل الموضوعي

بعد البناء على عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية يقع الكلام في أ نّه هل يمكن إحراز المصداق بالأصل وإجراء حكم العامّ عليه مطلقاً ، أو لا مطلقاً ، أو تفصيل بين المقامات ؟ أقوال :

حجّة النافي : أنّ شأن المخصّص هو إخراج الفرد الخاصّ مع بقاء العامّ على تمامية موضوعه بالنسبة إلى الباقي ، من دون انقلاب الموضوع عمّا هو عليه ; إذ إخراج الفرد نظير موته . فحينئذ لا يبقى مجال لجريان الأصل ; إذ الأصل السلبي ليس شأنه إلاّ نفي حكم الخاصّ عنه لا إثبات حكم العامّ له ، ونفي أحد الحكمين لا يثبت الآخر . نعم ، في مثل الشكّ في مخالفة الشرط أو الصلح للكتاب أمكن دعوى أ نّه من الشبهة المصداقية الناشئة عن الجهل بالمخالفة ، الذي كان أمر رفعه بيد المولى ، وفي مثله لا بأس بالتمسّك بالعامّ ، من غير احتياج إلى الأصل(1) ، انتهى .

وفيه : أ نّه إن أراد من قوله إنّ التخصيص لا يعطي عنواناً زائداً على الموجود في نفس العامّ ، عدم حدوث انقلاب في موضوع العامّ بحسب الظهور فهو حقّ لا غبار عليه ; إذ هذا هو الفرق بين التخصيص بالمنفصل وبين المتّصل منها والتقييد ; فإنّ شأن الأخيرين إعطاء قيد زائد على الموجود في الدليل الأوّل ، ولكن ذلك لا يمنع عن جريان الأصل .


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 444 ـ 445 .


(190)

وإن أراد أنّ الموضوع باق على سعته بحسب الواقع والإرادة الجدّية أيضاً فهو ممنوع جدّاً ; إذ التخصيص يكشف عن أنّ الحكم الجدّي تعلّق بالعالم غير الفاسق أو العادل . وقياس المقام بموت الفرد غريب ; لعدم كون الدليل ناظراً إلى حالات الأفراد الخارجية . واخترام المنية لبعض الأفراد لا يوجب تقييداً أو تخصيصاً في الأدلّة ، بخلاف إخراج بعض الأفراد .

وأغرب منه : ما ذكره في ذيل كلامه من جواز التمسّك في الشبهة المصداقية لمخالفة الكتاب ; مستدلاًّ بأنّ رفعها بيد المولى ; إذ لو كان الشكّ راجعاً إلى الشبهة المصداقية فليس رفعها بيد المولى ; لأنّ الشبهة عرضت من الاُمور الخارجية .

أضف إليـه : أنّ المثالين من باب المخصّـص المتّصـل ; لاتّصال المخصّص في قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «المؤمنون عند شروطهم إلاّ ما حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً»(1) ، وفي قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «الصلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً»(2)  ولا يجوز التمسّك فيه بالعامّ بلا إشكال .

حجّة القائل بجريانه مطلقاً : أنّ القرشية والنبطية من أوصاف الشيء في الوجود الخارجي ; لأ نّها التولّد من ماء من هو منتسب إليهم ، فلك أن تشير إلى ماهية المرأة وتقول : إنّ هذه المرأة لم تكن قرشية قبل وجودها ، فيستصحب عدمها ويترتّب عليه حكم العامّ ; لأنّ الخارج من العامّ المرأة التي من قريش ، والتي لم تكن منه بقيت تحته ، فيحرز موضوع حكم العامّ بالأصل(3) ، انتهى .


1 ـ سنن الترمذي 2 : 403 ، السنن الكبرى ، البيهقي 6 : 79 و7 : 249 .
2 ـ الفقيه 3 : 20 / 52 ، وسائل الشيعة 18 : 443 ، كتاب الصلح ، الباب 3 ، الحديث 2 .
3 ـ أفاده المحقّق الحائري ـ قدس سره ـ في مجلس درسـه . اُنظر معتمد الاُصـول 1 : 290 ،
تنقيح الاُصول : 2 : 361 .


(191)

وعن بعض آخر في تقريبه أيضاً : أنّ العامّ شامل لجميع العناوين ، وما خرج منـه هو عنوان خاصّ وبقي سائرها تحته ، فمع استصحاب عدم انتساب المرأة إلى قريش أو عدم قرشيتها ينقّح موضوع العامّ(1) ، انتهى .

وربّما يقال في تقريبه أيضاً ما هذا ملخّصه : إن أخذ عرض في موضوع الحكم بنحو النعتية ومفاد كان الناقصـة لا يقتضي أخـذ عدمـه نعتاً في موضوع عـدم ذلك الحكم ; ضرورة أنّ ارتفاع الموضوع المقيّد بما هـو مفاد كان الناقصـة إنّما يكون بعدم اتّصاف الذات بذلك القيد على نحو السالبة المحصّلة لا على نحو  ليس الناقص .

فمفاد قضية «المرأة تحيض إلى خمسين إلاّ القرشية» هو أنّ المرأة التي لا  تكون متّصفة بكونها من قريش تحيض إلى خمسين ، لا المرأة المتّصفة بأن لا تكون من قريش .

والفرق بينهما : أنّ القضية الاُولى سالبة محصّلة والثانية مفاد ليس الناقص ، فلا مانع من جريان الأصل لإحراز موضوع العامّ(2) .

هذا ، ولكن التعرّض لكلّ ما قيل في المقام أو جلّه يوجب السأمة والملال ، والأولى صرف عنان الكلام إلى ما هو المختار على وجه يظهر الخلل في كثير من التقريبات التي أفادها الأعلام الكبار ، وسيوافيك تفصيل القول في مباحث البراءة والاشتغال ، بإذنه وتوفيقه سبحانه .


1 ـ كفاية الاُصول : 261 .
2 ـ أجود التقريرات 1 : 468 ، الهامش .


(192)

مقتضى التحقيق في المقام

فنقول : تمحيص الحقّ يتوقّف على بيان مقدّمات نافعة في استنتاجه :

الاُولى : في أقسام القضايا بلحاظ النسبة

تقدّم القول في أنّ القوم قد أرسلوا اشتمال القضايا على النسبة في الموجبات والسوالب بأقسامها إرسال المسلّمات ، وبنوا عليه ما بنوا ، ولكن التحقيق ـ كما مرّ ـ خلافه ; إذ الحملية ـ كما سلف ـ على قسمين : حملية حقيقية غير مأوّلة ; وهي ما يحمل فيها المحمول على موضوعه بلا أداة تتوسّط بينهما ، نحو «الإنسان حيوان ناطق» وقولك «زيد قائم» ، وحملية مأوّلة ; وهي على خلاف الاُولى تتوسّط بينهما الأداة ، نحو «زيد في الدار» .

والقسم الأوّل : لا يشتمل على النسبة مطلقاً ; لا على الكلامية ولا على الخارجية . ولا فرق بين أن يكون الحمل أوّلياً أو شائعاً صناعياً ، أو يكون الحمل على المصداق بالذات أو بالعرض ، كما لا فرق بين الموجبات والسوالب . غير أنّ الهيئة تدلّ في الموجبة على الهوهوية التصديقية وفي السالبة على سلب الهوهوية كذلك ، وقد تقدّم براهين ذلك كلّه عند البحث عن الهيئات(1) .

وأ مّا القسم الثاني : فلا محالة يشتمل على النسبة ; خارجية وكلامية وذهنية ، لكن في الموجبات تدلّ على تحقّق النسبة خارجاً ، نحو قولك «زيد على السطح»


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 47 .


(193)

أو «زيد في الدار» ; فإنّهما من الحمليات المأوّلة ، كما أنّ السوالب منها باعتبار تخلّل أداة النسبة وورود حرف السلب عليها تدلّ على سلب النسبة ، وتحكي عن عدم تحقّقها واقعاً .

فظهر : أنّ الكون الرابط أو النسبة يختصّ من بين القضايا بموجبات هذا القسم ـ أعني الحملية المأوّلة ـ وأ مّا السوالب من هذا القسم والقسم الأوّل بكلا نوعيه فلا تشتمل عليها ; لما تقدّم في محلّه(1)  من امتناع تحقّق النسبة بين الشيء ونفسه والشيء وذاتياته كما في الأوّليات ، والشيء وما يتّحد معه كما في الصناعيات . وأ مّا السوالب فهي لسلب النسبة أو نفي الهوهوية ـ بناءً على التحقيق ـ فلا محالة تكون خالية عنها ، كما لا يخفى .

الثانية : في بيان ما يوجب كون الكلام محتملا للصدق والكذب ومناطهما

وفيها نتعرّض لأمرين :

الأوّل : بيان ما هـو مناط احتمال الصدق والكذب ، ومـا يوجب كـون الكلام محتملاً لهما :

فنقول : إنّ المناط في ذلك هو الحكاية التصديقية لا التصوّرية ; سواء تعلّقت بالهوهوية إثباتاً ونفياً أم بالكون الرابط كذلك .

توضيحه : أنّ الحكاية التصديقية التي تفيد فائدة تامّة :

تارة : تتعلّق بالهوهوية وأنّ هذا ذاك تصديقاً ، أو سلب الهوهوية ونفي أنّ هـذا ذاك بنحو التصديق .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 47 .


(194)

واُخرى : تتعلّق بالكون الرابط بنحو الإثبات ، نحو «زيد له البياض» ، أو «زيد في الدار» ، أو بنحو النفي ، نحو «ليس زيد في الدار» ، فالمناط في احتمال الصدق والكذب هذه الحكاية . وأ مّا إذا خلى الكلام عن تلك الحكاية التصديقية فينتفي مناط الاحتمال ; سواء دلّ على الاتّحاد التصوّري نحو زيد العالم ، أو على النسبة التصوّرية كما في الإضافات .

الثاني من الأمرين : بيان مناط صدق القضايا وكذبها :

فنقول : ليس مناطه ما دارج بينهم من تطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية ; ضرورة عدم إمكان اشتمال الحمليات غير المأوّلة على النسبة مطلقاً ، وكذا السوالب من المأوّلة مع وجود الصدق والكذب فيهما ، بل مناطه هو مطابقة الحكاية لنفس الأمر وعدمها .

فلابدّ أن يلاحظ الواقع بمراتبه وعرضه العريض ; فإن طابق المحكي فهو صادق وإلاّ فهو كاذب . فقولنا : «الله تعالى موجود» صادق وقولنا : «الله تعالى له الوجود» كاذب ; فإنّ الأوّل يحكي حكاية تصديقية عن الهوهوية بينهما ، والمحكي أيضاً كذلك ، والثاني يحكي تصديقاً عن عروض الوجود ونفس الأمر على خلافه .

وأ مّا السوالب : فبما أ نّها ليس للأعدام مصداق واقعي فمناط الصدق والكذب مطابقة الحكاية التصديقية لنفس الأمر ; بمعنى لزوم كون الحكاية عن سلب الهوهوية أو سلب الكون الرابط مطابقاً للواقع ، لا بمعنى أنّ لمحكيها نحو واقعية بحسب نفس الأمر ; ضرورة عدم واقعية للأعدام ، بل بمعنى خلوّ صحيفة الوجود عن الهوهوية والنسبة وعدم وجود لواحد منهما في مراتب نفس الأمر .

فعدم مصداق واقعي للهوهوية والنسبة مناط لصدقها ، واشتمال الوجود على واحد منها مناط كذب ما يدلّ على نفيه .


(195)

فلو قلت : «ليس شريك البارئ بموجود» لكان صادقاً ; لخلوّ صحيفة الوجود عنه ، والمفروض أنّ الحكاية عن خلوّه عنه . فالحكاية مطابقة لنفس الأمر . ولو قلت «شريك البارئ غير موجود» أو «لا موجود» بنحو الإيجاب العدولي لصار كاذباً ; لأنّ الموجبة ـ محصّلة كانت أو معدولة ـ تحتاج في صدقها إلى وجود موضوع في ظرف الإخبار ، وهو هنا مفقود ، إلاّ أن يؤوّل بالسالبة المحصّلة . كما أ نّه لا محيص عن التأويل في قولنا «شريك البارئ معدوم» أو «ممتنع» .

وأ مّا مناط الصدق والكذب في لوازم الماهية فليس معناه أنّ لكلّ من اللازم والملزوم محصّلاً مع قطع النظر عن الوجود ، بل معناه أنّ الإنسان عند تصوّر الأربعة يجد معه في تلك المرتبة زوجيتها ، مع الغفلة عن وجود الأربعة في الذهن ، ويرى بينهما التلازم مع الغفلة عن التحصّل الذهني ، فيستكشف من ذلك أنّ الوجود الذهني دخيل في ظهور الملازمة ، لا في لزومها حتّى يكون من قبيل لازم الوجودين .

الثالثة : في القضايا المفتقرة إلى وجود الموضوع

وهي من أهمّ المقدّمات ، ثمّ أنّ القضية تنقسم إلى الموجبة والسالبة وكلّ واحدة منهما إلى البسيطة والمركّبة ، والكلّ إلى المحصّلة والمعدولة . وحينئذ فبما أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له فلا محيص في الموجبة من وجود موضوع في ظرف ثبوت الحكم حتّى يصحّ الحكم ويحكم بالصدق .

وما ذكرنا من القاعدة الفرعية حكم بتّي لا يقبل التخصيص ، فلا فرق بين أن يكون الثابت أمراً وجودياً كما في الموجبة المحصّلة ، أو أمراً غير وجودي كما في الموجبة المعدولة ، نحو «زيد لا قائم» والموجبة السالبة المحمول ـ وهو ما يجعل فيه السالبة المحصّلة نعتاً للموضوع ـ نحو زيد هو الذي ليس بقائم .


(196)

وجه عدم الفرق هو أ نّه كما اعتبر الاتّحاد والهوهوية بين زيد وقائم في الموجبة المحصّلة كذلك اعتبرت الهوهوية بين زيد وعنوان اللا قيام ; إذ لابدّ من نحو تحقّق للمتّحدين في ظرف الاتّحاد .

ولهذا قلنا في محلّه : أنّ القضية المعدولة لا تعتبر إلاّ إذا كانت الأعدام فيها من قبيل أعدام الملكات ; حتّى يكون لملكاتها نحو تحقّق ، فيقال : «زيد لا بصير» أو «أعمى» ، ولا يقال : «الجدار لا بصير» أو «أعمى» ; لتحقّق ما به الاتّحاد في الأوّل دون الثاني .

وقس عليه الموجبة السالبة المحمول ; إذ هي ترجع إلى نحو اتّحاد أو توصيف وله نحو ثبوت ، فلابدّ من نحو وجود حتّى يصحّ ذلك .

فظهر : أنّ الموجبات تفتقر في صدقها إلى وجود الموضوع في جميع أقسامها ، وهو واضح .

الرابعة : ضرورة كون الموضوع في الجملة الخبرية والإنشائية مفرداً

إنّ موضوع الحكم في الجملة الخبرية والإنشائية لابدّ أن يكون مفرداً أو في حكم المفرد ; حتّى أنّ الشرطية التي تتألّف من قضيتين تخرجان بذلك عن التمامية وتصيران كالجمل الناقصة .

والسرّ في ذلك : أنّ الحكاية عن موضوع الحكم فقط أو محموله كذلك لابدّ أن تكون حكاية تصوّرية ، كما أنّ الحكاية عن اتّحادهما أو حصول أحدهما في الآخر لابدّ أن تكون حكاية تصديقية ، وهي الملاك لكون الجملة قضية تامّة . والحكاية التصوّرية متقدّمة على التصديقية ; أعني جعل الحكم على الموضوع .

وعليه : لا محيص عن كون الموضوع أمراً مفرداً أو مأوّلاً به ; إذ لا تجتمع


(197)

الحكاية التصوّرية مع التصديقية ، ولا يجتمع النقص والتمام في جملة واحدة وفي حال واحد ; ولو بتكرّر الاعتبار .

فلو قلت : «زيد قائم غير عمرو قاعد» لا تكون الحكاية التصديقية فيه إلاّ عن مغايرة جملتين لا عن قيام زيد وقعود عمرو ، فلو قال المتكلّم «ليس زيد بقائم غير ليس عمرو بقاعد» فكلّ من الموضوع والمحمول جملة ناقصة بالفعل ، وإذا انحلّت القضية خرج كلّ واحدة منهما من النقص ، وصار قضية تامّة موجبة محصّلة أو سالبة محصّلة ، كما في المثالين .

وربّما صار سالبة معدولة أو موجبة سالبة المحمول ، مثل «المرأة غير القرشية حكمها كذا» أو «المرأة التي ليست بقرشية حكمها كذا» .

الخامسة : في اعتبارات موضوع العامّ المخصّص

إنّه قد مرّ سابقاً(1)  أنّ التخصيص ـ سواء كان متّصلاً أم منفصلاً ـ يكشف عن تضيّق ما هو موضوع للعامّ بحسب الإرادة الجدّية ، ولا يمكن تعلّق الحكم الجدّي على جميع الأفراد ، مع أ نّه خصّصه بالإرادة الجدّية على أفراد مقيّدة بالعدالة . وليس ذلك الامتناع لأجل تضادّ الحكمين حتّى يقال : إنّ الغائلة ترتفع بتكثّر العنوان ، بل لأجل أنّ الإرادة الجدّية إذا تعلّقت بحرمة إكرام كلّ واحد من الفسّاق منهم يمتنع تعلّق إرادة اُخرى على إكرام كلّ واحد من العلماء جدّاً بلا تخصيص ، مع العلم بأنّ بعض العلماء فاسق ، ويؤول ذلك الامتناع إلى امتناع نفس التكليف .

وإن شئت قلت : إنّ المولى الملتفت بموضوع حكمه لا تتعلّق إرادته الجدّية


1 ـ تقدّم في الصفحة 170 .


(198)

على الحكم به إلاّ بعد تحقّق المقتضي وعدم المانع ، فإذا رأى أنّ في إكرام عدول العلماء مصلحة بلا مفسدة ، وفي إكرام فسّاق العلماء مفسدة ملزمة أو ليست فيه مصلحة فلا محالة تتضيّق إرادته وتتعلّق بإكرام عدولهم أو ما عدا فسّاقهم .

ولا يقاس المقام بباب التزاحم ; إذ المولى لم يحرز في الأفراد المخصّصة مصلحة ، بل ربّما أحرز مفسدة في إكرامهم ، فلا يعقل ـ حينئذ ـ فعلية الحكم في حقّهم ، بخلاف باب المتزاحمين . وحينئذ يسقط ما ربّما يقال من أنّ المزاحمة في مقام العمل لا توجب رفع فعلية الحكم عن موضوعه .

وكيف كان : أنّ موضوع العامّ بحسب الإرادة الجدّية بعد التخصيص يتصوّر على وجوه ثلاثة :

الأوّل : أن يكون على نحو العدم النعتي على حذو لفظ العدول ، كالعلماء غير الفسّاق ، وكالمرأة غير القرشية .

والثاني : أن يكون العدم النعتي على حذو السالبة المحمول ، كـ «العلماء الذين لا يكونون فسّاقاً أكرمهم» و«المرأة التي لا تكون قرشية ترى الدم إلى خمسين» .

والثالث : أن يكون موضوع العامّ على حذو السالبة المحصّلة التي تصدق مع عدم موضوعها ، كما إذا قلت : «إذا لم يكن العالم فاسقاً فأكرمه» .

فالموضوع ـ أعني السالبة المحصّلة ـ مع قطع النظر عن حكمه الإيجابي ـ  أي أكرم ـ يصدق فيما إذا لم يكن للعالم وجود أصلاً ، كما إذا قلت : «إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين» ، فيصدق موضوعه مع قطع النظر عن حكمه ـ  أعني ترى ـ فيما إذا لم تكن المرأة موجودة رأساً .

هذه هي الوجوه المتصوّرة ، ولكن لا سبيل إلى الثالث ; إذ جعل الحكم


(199)

الإيجابي على المعدوم بما هو معدوم غير معقول ، والحكاية بالإيجاب عن موضوع معدوم حكاية عن أمر محال .

فالسالبة المحصّلة بما أ نّها تصدق بانتفاء الموضوع أيضاً يمتنع أن يقع موضوعاً لحكم إيجابي ; إذ قولنا : «إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين» لو كان بنحو السلب التحصيلي الصادق مع سلب موضوعه يرجع مغزاه إلى أنّ المرأة التي لم توجد أيضاً ترى الدم ، فلا محيص عن فرض وجود الموضوع ، فيكون الحكم متعلّقاً بالمرأة الموجودة إذا لم تكن من قريش .

فالاعتبارات التي يمكن أخذها قيداً لموضوع العامّ المخصّص أحد هذه الاُمور : العدم النعتي العدولي ، والسالبة المحمول ، والسالبة المحصّلة ، بشرط أمرين : اعتبار وجود الموضوع وإلاّ يلزم جعل الحكم على المعدوم ، وعدم إرجاعه إلى التقييد والنعت وإلاّ يرجع إلى السالبة المحمول .

إذا عرفت ما مهّدناه فاعلم : أ نّه إذا كان الفرد الموجود متّصفاً بعنوان العامّ وغير متّصف بعنوان الخاصّ سابقاً ; بحيث كان عالماً غير فاسق ، فشكّ بعد برهة من الزمن في انقلاب أحد القيدين إلى ضدّه فلا إشكال في أ نّه يجري الأصل ويحرز به عنوان العامّ بما هو حجّة ; أعني «العالم العادل» أو «العالم غير الفاسق» . وهذا فيما إذا كان العلم بعدالته مقارناً للعلم بأ نّه عالم ، بأن نعلم أ نّه كان قبل سنة عالماً وعادلاً .

وأ مّا لو علمنا أنّ زيداً كان غير فاسق ، وشككنا في بقاء عدمه النعتي ، ولكن لم يكن علمه في حال عدم فسقه متيقّناً حتّى يكون المعلوم عندنا كونه العالم غير الفاسق ، بل علم أ نّه عالم في الحال فلا يمكن حينئذ إحراز موضوع العامّ بالأصل والوجدان ، إلاّ على القول بحجّية الاُصول المثبتة ; لأنّ استصحاب عدم كون زيد


(200)

فاسقاً أو كونه غير فاسق ، مع العلم بأ نّه عالم في الحال يلزمه عقلاً أنّ زيداً العالم غير فاسق على نحو النعت والتقييد .

وبعبارة اُخرى : أنّ موضوعه هو العالم المتّصف بعدم كونه فاسقاً ، فجزؤه عدم نعتي للعالم بما هو عالم ، وهو غير مسبوق باليقين ، وما هو مسبوق به هو زيد المتّصف بعدم الفسق لا العالم ، وهو ليس جزءه . واستصحاب العدم النعتي لعنوان لا يثبت العدم النعتي لعنوان متّحد معه إلاّ بحكم العقل ، وهو أصل مثبت . وتعلّق العلم بأنّ زيداً العالم في الحال لم يكن فاسقاً بنحو السلب التحصيلي لا يفيد ; لعدم كونه بهذا الاعتبار موضوعاً للحكم .

ومن هذا ظهر : عدم إمكان إحراز جزئي الموضوع بالأصل إذا شكّ في علمه وعدالته مع العلم باتّصافه بهما سابقاً في الجملة ، لو لم يعلم اتّصافه بهما في زمان واحد ; حتّى يكون العالم غير الفاسق مسبوقاً باليقين . فالمناط في صحّة الإحراز هو مسبوقية العدم النعتي لعنوان العالم ، لا العدم النعتي مطلقاً ، فتدبّر .

هذا كلّه في الأوصاف العرضية المفارقة ، وقد عرفت مناط جريانه .

وأ مّا إذا كان الاتّصاف واللا اتّصاف من العناوين التي تلزم وجود المعنون ـ كالقابلية واللا قابلية للذبح في الحيوان ، والقرشية واللا قرشية في المرأة ، والمخالفة وعدمها للكتاب في الشرط ـ فهل يجري فيه الأصل لإحراز مصداق العامّ أو لا ؟

الحقّ : امتناع جريانه على جميع الوجوه المتصوّرة .

بيان ذلك : أ مّا إذا كان الوصف من قبيل العدم النعتي بنحو العدول أو بنحو الموجبة السالبة المحمول فواضح ; لأنّ كلاًّ منهما يعدّ من أوصاف الموضوع وقيوده ; بحيث تتّصف الموضوع بهذه الصفة . والاتّصاف والصفة فرع كون الموضوع


(201)

موجوداً في الخارج ; لما مرّ من القاعدة الفرعية ; حتّى يتقيّد بأمر وجودي .

وعليه : فلو قلنا إنّ الموضوع بعد التخصيص عبارة عن المرأة غير القرشية والشرط غير المخالف على نحو الإيجاب العدولي ، أو عبارة عن المرأة التي ليست بالقرشية ، والشرط الذي ليس مخالفاً للكتاب بنحو السالبة المحمول ، فلا محيص عن فرض وجود الموضوع حتّى يصحّ في حقّه هذه الأوصاف .

ولكنّه مع هذا الفرض غير مسبوق باليقين ; إذ الفرد المشكوك كونها قرشية أو لا ، أو مخالفاً للكتاب أو لا لم تتعلّق به اليقين في زمان بأ نّه متّصف بغير القرشية ، أو بأ نّها ليست بقرشية ; كي يجرّ إلى حالة الشكّ ; لأنّ هذه الأوصاف ملازمة لوجود الفرد من بدو نشوه لا ينفكّ عنه أصلاً ، فهي إمّا تولدت قرشية أو غير قرشية .

والحاصل : أ نّك لو تأمّلت في أمرين يسهل لك التصديق للحقّ :

أحدهما : أنّ الإيجاب العدولي والموجبة السالبة المحمول ـ مع كونهما جملة ناقصة لأجل أخذهما قيداً للموضوع ـ يحتاجان إلى الموضوع ; فإنّه في كلّ منهما يكون الموضوع متّصفاً بوصف . فكما أنّ المرأة غير القرشية تتّصف بهذه الصفة كذلك المرأة التي لم تتّصف بالقرشية أو لم تكن قرشية موصوفة بوصف أ نّها لم تتّصف بذلك أو لم تكن كذلك .

والفرق بالعدول وسلب المحمول غير فارق فيما نحن فيه ; إذ المرأة قبل وجودها كما لا تتّصف بأ نّها غير قرشية ـ لأنّ الاتّصاف بشيء فرع وجود الموصوف ـ كذلك لا تتّصف بأ نّها هي التي لا تتّصف بها ; لعين ما ذكر .

وتوهّم : أنّ الثاني من قبيل السلب التحصيلي ناش من الخلط بين الموجبة السالبة المحمول وبين السالبة المحصّلة ، والقيد في العامّ بعد التخصيص يتردّد بين التقييد بنحو الإيجاب العدولي والموجبة السالبة المحمول ، ولا يكون من قبيل


(202)

السلب التحصيلي ; لأ نّه لا يوجب تقييداً في الموضوع ، والمفروض ورود تقييد على العامّ بحسب الجدّ .

ثانيهما : عدم حالة سابقة لهذا الموضوع المقيّد بأحد القيدين ; لأنّ هذه المرأة المشكوك فيها لم يتعلّق بها العلم بكونها غير قرشية في زمان بدو وجودها حتّى نشكّ في بقائه ، بل من أوّل وجودها مجهولة الحال عندنا .

وأ مّا إذا كان القيد من قبيل السلب التحصيلي الذي لا يوجب تقييداً في الموضوع فهو وإن كان لا يحتاج في صدقه إلى وجود الموضوع ; لعدم التقييد والاتّصاف حتّى يحتاج إلى المقيّد والموصوف إلاّ أ نّه يمتنع أن يقع موضوعاً لحكم إيجابي ; أعني حكم العامّ ـ وهو قوله «ترى» ـ لأنّ السلب التحصيلي يصدق بلا وجود موضوعه ، فلا يعقل جعله موضوعاً لحكم إثباتي .

ولا معنى لتعلّق الحكم الإيجابي على العالم ; مسلوباً عنه الفسق بالسلب التحصيلي الذي يصدق بلا وجود للعالم . فلابدّ من أخذ الموضوع مفروض الوجود ، فيكون العالم الموجود إذا لم يكن فاسقاً موضوعاً .

ويرد عليه : ما ورد على القسمين الأوّلين من انتفاء حالة سابقة .

أضف إلى ذلك : أنّ القول بأنّ هذه المرأة لم تكن قرشية قبل وجودها قول كاذب ; إذ لا ماهية قبل الوجود ، والمعدوم المطلق لا يمكن الإشارة إليه ; لا حسّاً ولا عقلاً ، فلا تكون هذه المرأة قبل وجودها هذه المرأة ، بل تلك الإشارة من مخترعات الخيال وأكاذيبها ، فلا تتّحد القضية المتيقّنة مع القضية المشكوك فيها .

وصحّـة الاستصحاب منوطة بوحدتهما ، وهذا الشرط مفقودة في المقام ; لأنّ المرأة المشار إليها في حال الوجود ليست موضوعة للقضية المتيقّنة الحاكية عن ظرف العدم ; لما عرفت أنّ القضايا السالبة لا تحكي عن النسبة والوجود


(203)

الرابط ، ولا عن الهوهوية بوجه . فلا تكون للنسبة السلبية واقعية حتّى تكون القضيـة حاكية عنها .

فانتساب هذه المرأة إلى قريش مسلوب أزلا ، بمعنى مسلوبية كلّ واحد من أجزاء القضية ـ  أعني هذه المرأة وقريش والانتساب ـ لا بمعنى مسلوبية الانتساب عن هذه المرأة إلى قريش ، وإلاّ يلزم كون الأعدام متمايزة حال عدمها .

وإن شئت قلت : فالقضية المتيقّنة غير المشكوك فيها ، بل لو سلّم وحدتهما يكون الأصل مثبتاً .

وبالجملة : فالقضيتان مختلفتان ; فما هو المتيقّن قولنا : «لم تكن هذه المرأة قرشية» ولو باعتبار عدم وجودها ، والمشكوك قولنا : «هذه المرأة كانت متّصفة بأ نّها لم تكن قرشية» وكم فرق بينهما .

وإن شئت قلت : إنّ المتيقّن هو عدم كون هذه المرأة قرشية باعتبار سلب الموضوع ، أو الأعمّ منه ومن سلب المحمول ، واستصحاب ذلك وإثبات الحكم للقسم المقابل أو للأخصّ مثبت ; لأنّ انطباق العامّ على الخاصّ في ظرف الوجود عقلي ، وهذا كاستصحاب بقاء الحيوان في الدار ، وإثبات حكم قسم منه بواسطة العلم بالانحصار .

فظهر : أنّ السالبة المتقيّدة بالوجود أخصّ من السالبة المحصّلة المطلقة ، واستصحاب السلب المطلق العامّ الذي يلائم مع عدم الوجود لا يثبت الخاصّ المقيّد بالوجود ويعدّ من لوازمه .

وأنت إذا أمعنت النظر في أحكام القضايا الثلاث ـ من المعدولة والسالبة المحمول والسالبة المحصّلة ـ وفي أنّ الأوّلين باعتبار وقوعهما وصفين لموضوع العامّ لابدّ فيهما من وجود الموضوع ، لقاعـدة «ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت


(204)

المثبت له» ، وأنّ الثالث باعتبار صدقه بلا وجود موضوعه لا يمكن أخذه موضوعاً لحكم إيجابي ، وهو حكم العامّ .

يسهّل لك التصديق بعدم جريان استصحاب الأعدام الأزلية في أمثال المقام مطلقاً ; لعدم الحالة السابقة لهذا الأصل تارة ، وكونه مثبتاً اُخرى .

وبما ذكـرنا يظهر الإشكال فيما أفاده بعض الأجلّـة في تعاليقـه على تقريراتـه ، فراجع(1) .


التنبيه الرابع
إحراز حال الفرد بالعناوين الثانوية

لا يجوز التمسّك بعموم وجوب الوفاء بالنذر إذا شكّ في صحّة الوضوء بمايع مضاف ; فضلاً عن دعوى كشف حال الفرد والحكم بصحّته مطلقاً ; لأنّ إطلاقات أدلّة النذر أو عموماتها مقيّدة بأ نّه «لا نذر إلاّ في طاعة الله» ، أو «لا نذر في معصية الله» . فحينئذ يصير متعلّق الإرادة الجدّية مقيّدة بعنوان الطاعة أو بكون النذر في غير  المعصية .

فالتمسّك بأدلّة النذر مع الشكّ في أنّ التوضّي بمايع مضاف هل هو طاعة أو غيرها تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية . وأغرب منه : كشف حال الموضوع ; أي إطلاق الماء به .

والعجب من المحقّق الخراساني(2) ; حيث أيّد تلك الدعوى بما ورد من


1 ـ أجود التقريرات 1 : 466 ، الهامش .
2 ـ كفاية الاُصول : 262 .


(205)

صحّة الإحرام قبل الميقات(1) ، والصوم في السفر إذا تعلّق بهما النذر(2) ، وأضاف إليه شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ نذر النافلة قبل الفريضة(3) .

ولكنّك خبير : بأنّ الأمثلة غير مربوطة بالدعوى ; لأنّ المدّعى هو التمسّك بالعامّ المخصّص لكشف حال الفرد ، وهي ليست من هذا القبيل ; فإنّ الإحرام قبل الميقات حرام وبعد النذر يصير واجباً ; لدلالة الأدلّة ، وكذا الصوم في السفر . وصيرورة الشيء بالنذر واجباً بدليل خاصّ غير التمسّك بالعامّ لكشف حال الفرد .


التنبيه الخامس
في التمسّك بأصالة العموم لكشف حال الفرد

إذا دار الأمر بين التخصيص والتخصّص فهل يمكن التمسّك بأصالة العموم لكشف حال الفرد ، وأنّ حرمة إكرامه لأجل كونه غير عالم ، لا لخروجه عن حكم العلماء مع كونه داخلاً فيهم موضوعاً ؟

ربّما يقال : بجواز التمسّك ، وهو ظاهر كلام الشيخ الأعظم أيضاً في باب الاستنجاء لإثبات طهارة مائه ; متمسّكاً بأصالة عموم كلّ نجس منجّس ، والمفروض أنّ ماء الاستنجاء ليس بمنجّس ، فهو ليس بنجس ، وإلاّ لزم التخصيص(4) .


1 ـ راجع وسائل الشيعة 11 : 326 ، كتاب الحج ، أبواب المواقيت ، الباب 13 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 10 : 198 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 10 ، الحديث 7 .
3 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 220 .
4 ـ الطهارة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 1 : 346 ، مطارح الأنظار : 196 / السطر12 .


(206)

وربّما يتمسّك به لإثبات أنّ ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح بطريق عكس النقيض ، بدعوى أنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وأنّ ما لا تنهى عن الفحشاء ليست بصلاة ; لأصالة عموم الدليل(1) .

ولكن الحقّ : عدم صحّته ; لأنّ المتيقّن من حجّية تلك الاُصول وجريانها إنّما هو إذا جعلت عبرة لتشخيص المراد مع الشكّ فيه لا في مثل المقام ، فلو علمنا مراد المتكلّم وعلمنا أنّ زيداً عنده محرّم الإكرام ، وشككنا في أنّ خروجه من العامّ أهو بنحو التخصّص أو التخصيص فلا أصل عند العقلاء لإثباته ، وهذا نظير أصالة الحقيقة الجارية لكشف المراد لا لكشف الوضع بعد العلم بالمراد .

والسرّ فيه : أنّ هذه الاُصول للاحتجاج بين العبيد والموالي ، لا لكشف حال الوضع والاستعمال مطلقاً .

وأ مّـا ما قرّره بعض أهل التحقيق ـ مؤيّداً مقالة اُستاذه المحقّق الخراساني(2) ـ من أنّ أصالة العموم وإن كانت حجّة لكنّها غير قابلة لإثبات اللوازم ، ومثبتات هذا الأصل كسائر الاُصول المثبتـة في عدم الحجّية ، مع كونه أمارة في نفسه ، فلا مجال للتمسّك بعكس نقيض القضية الذي يعدّ من لوازم الموجبة الكلّية عقلاً ; لأنّ ذلك اللازم إنّما يترتّب في فرض حجّية أصالة العموم لإثبات لازم المدلول .

ووجه التفكيك بين اللازم والملزوم عدم نظر العموم إلى تعيين صغرى الحكم ; نفياً وإثباتاً ، وإنّما نظره إلى إثبات الكبرى ، كما هو المبنى في عدم جواز


1 ـ كفاية الاُصول : 45 .
2 ـ نفس المصدر : 264 .


(207)

التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية ، وما نحن فيه أيضاً مبني على هذه الجهة(1) ، انتهى بأدنى تصرّف وتوضيح .

قلت : إنّ عكس النقيض لازم لكون الكبرى حكماً كلّياً ، ولا يلزم أن يكون العامّ ناظراً إلى تعيين الصغرى في لزومه له ، فلو سلّم أنّ أصالة العموم جارية وأ نّها كالأمارات بالنسبة إلى لوازمها فلا مجال لإنكار حجّيتها بالنسبة إلى لازمها الذي لا ينفكّ عنها .

فلا يصحّ أن يقال : إنّ العقلاء يحكمون بأنّ كلّ فرد محكوم بحكم العامّ واقعاً ، ومعه يحتمل عندهم أن يكون فرد منه غير محكوم بحكمه ، إلاّ أن يلتزم بأ نّها أصل تعبّدي لا أمارة ، وهو خلاف مفروضه .


التنبيه السادس
في التمسّك بالعامّ إذا كان المخصّص مجملا

لو دلّ الدليل على إكرام العلماء ، ودلّ دليل منفصل على عدم وجوب إكرام زيد ، لكنّه تردّد بين زيد العالم والجاهل فالظاهر جواز التمسّك بأصالة العموم هنا ; للفرق الواضـح بين هذا المقام والمقام السابق ; لأنّ الغرض مـن جريانها هناك لأجـل تشخيص كيفيـة الإرادة دون تعيين المراد ، وهاهنا الأمر على العكس ; إذ هـو لأجل تشخيص المراد وكشف أنّ الإرادة الاستعمالية هل هي في زيد العالم مطابقة للجدّ أو لا ؟


1 ـ مقالات الاُصول 1 : 450 ـ 451 .


(208)

وبتقريب آخر : أنّ المجمل المردّد ليس بحجّة بالنسبة إلى العالم ، ولكن العامّ حجّة بلا دافع ، فحينئذ لو كان الخاصّ حكماً إلزامياً ـ كحرمة الإكرام ـ يمكن حلّ إجماله بأصالة العموم ; لأ نّها حاكمة على أنّ زيداً العالم يجب إكرامه ، ولازمه عدم حرمة إكرامه ، ولازم ذلك اللازم : حرمة إكرام زيد الجاهل ، بناءً على حجّية مثبتات الاُصول اللفظية ، فينحلّ بذلك حكماً ، الحجّة الإجمالية التي لولا العامّ يجب بحكم العقل متابعتها ، وعدم جواز إكرام واحد منهما .

وأ مّا الشيخ فقد سوّى بين القسمين ; قائلاً بأنّ ديدن العلماء التمسّك بالعامّ في المباحث الفقهية في مثله(1) .


1 ـ مطارح الأنظار : 196 / السطر14 .


(209)

الفصل الثالث
في عدم جواز العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص

ولنقدّم أمام المقصود اُموراً :

الأوّل : جعل المحقّق الخراساني محلّ النزاع ما إذا فرضنا حجّية الظواهر للمشافه وغيره من باب الظنّ النوعي لا الظنّ الشخصي ، وفرضنا عدم العلم الإجمالي بالتخصيص(1) .

والسرّ : هو أ نّه لو كان المناط في حجّية الظواهر هو الظنّ الشخصي لما كان للفحص وعدمه دخل ، بل كانت الحجّية دائرة مداره ; سواء حصل قبله أم بعده ، وهكذا لو كان هناك علم بورود التخصيص إجمالاً لما كان لإنكار الفحص مجال بعد القول بتنجيزه إلى أن ينحلّ .

هذا ، ولكن ظاهرهم أعمّية البحث عن ذلك ، ويشهد بذلك تمسّكهم في إثبات وجوب الفحص بالعلم الإجمالي ، فالأولى البحث على فرض العلم وعدمه .

الثاني : الظاهر أنّ البحث معقود لإثبات لزوم الفحص عن المخصّص


1 ـ كفاية الاُصول : 264 .


(210)

المنفصل دون المتّصل ; لأنّ احتمال عـدم وصول المتّصل لأجـل إسقاط الراوي عمداً أو خطأ أو نسياناً غير معتنى به عند العقلاء ; لأنّ المفروض أنّ الراوي ثقـة غير خائن في روايته ، فاحتمال العمد خلاف الفرض ، وأصالـة عـدم خطأه ونسيانـه تردّ الأخيرين ، فيتمحّض البحث للمنفصل ، وسيوافيك أنّ مناط الفحص ليس في المتّصل .

الثالث : يظهر مـن المحقّق الخـراساني الفرق بين المقام والاُصول العمليـة ، وأنّ الفحص هاهنا عمّا يزاحم الحجّية بخلافه هناك ; فإنّه بدونه لا حجّة ويصير البحث عن متمّماتها(1) .

قلت : يظهر ممّا سيمرّ عليك أنّ البابين يرتضعان من ثدي واحد ، والبحث في كلّ واحد من متمّمات الحجّية لا عن مزاحماتها ، فانتظر .

الرابع : كما لا يجوز التمسّك بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص كذلك لا  يجوز التمسّك بالمطلق قبل الفحص عن المقيّد ، وبالظاهر قبل الفحص عن معارضه ، وبالاُصول العقلية قبل الفحص عن الأدلّة الاجتهادية . وملاك لزوم الفحص في الجميع واحد ، كما سيتّضح لك .

الاستدلال بمعرضية العامّ للتخصيص على لزوم الفحص

إذا عرفت هذه الاُمور فنقول : الحقّ في إثبات لزوم الفحص ما سلكه المحقّق الخراساني من أنّ معرضية العامّ للتخصيص يوجب سقوط الاحتجاج به عندهم ، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك ، وهو كاف في الثبوت(2) ، انتهى .


1 ـ كفاية الاُصول : 265 ـ 266 .
2 ـ كفاية الاُصول : 265 .


(211)

وتوضيحه : أ نّك إذا تدبّرت في المحاورات العقلائية والخطابات الـدائرة بينهم تجد أنّ ديدنهم في المحاورات الشخصية بين الموالي والعبيد وغيرهم من آحاد الناس تختلف مع وضع القوانين وتشريع الشرائع من عند أنفسهم ، فتجدهم يعملون بالعمومات والمطلقات الصادرة منهم فـي محيط المحاورات ، بلا ترقّب منهم لمخصّصها ومقيّدها ، ولا انتظار لمخالفها ، بل يأخـذون بالظاهـر ; عامّاً كان أو مطلقاً أو غيره .

والسرّ في ذلك : هو جريان العادة في تلك الخطابات بذكر مخصّصها بعد عمومها ومقيّدها عقيب مطلقها ، بلا تفكيك منهم بينهما ; بحيث لو لم يجدوها في متّصل كلامه لاحتجّوا بظواهرها وعمومها ومطلقها .

ولكن تجد ديدنهم في وضع القوانين ـ مدنياً كانت أو عالمياً ـ على خلاف ذلك ، فتراهم واقفين أمام كلّ عامّ ومطلق ، باذلين جهدهم في التفتيش عمّا يصرفهما عن ظاهرهما .

والسرّ هنا : هو قضاء العادة خلاف ما كان يجري في المحاورات الشخصية ، بل ديدنهم جرى في وضع القوانين على التفكيك بين العامّ ومخصّصه والمطلق ومقيّده .

فتراهم يذكرون العمومات والمطلقات في فصل ومادّة ، ومخصّصاتها ومقيّداتها وحدودها تدريجاً ونجوماً في فصول اُخر ، وربّما يذكر الخصوص في كتاب وعمومه في كتاب آخر ، وقد يتقدّم الخاصّ على العامّ ، إلى غير ذلك من رسومهم وعاداتهم التي يقف عليها المتضلّع في الحقوق . هذا ديدن العقلاء .

وأ مّا الشارع الصادع بالحقّ : فلم يسلك غير ما سلكه العقلاء في وضع


(212)

قوانينهم ، فترى أنّ قوانينه الكلّية مذكورة في الكتاب والسنّة منفصلة عن مخصّصاتها ومقيّداتها ، وتكون تلك الأحكام المدوّنة فيهما في معرض التخصيص والتقييد ، كما هو الحال في القوانين السياسية والمدنية عند العقلاء .

وما هـذا حالـه لا يمكن التمسّك فيها بالاُصول بمجـرّد العثور على عمومـات أو مطلقات من غير فحص ; لما تقدّم(1)  من أنّ مجرّد ظهور الكلام وإجراء أصالة الحقيقة وعـدم القرينة لا يفيد شيئاً حتّى يحـرز أنّ الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدّيـة ; بحيث لولا هذا الإحراز لاختلّ نظام الحجّية ، وكون العامّ في معرض التدافع والتعارض يمنعهم عن إجراء أصالة التطابق بين الاستعمال والجدّ .

وقد عرفت : أنّ رحى الحجّة بعد تمامية بعض مبادئها تدور مداره ، ولا يصير الشيء حجّة ولا يطلق عليه الحجّة إلاّ بعد جريان هذا الأصل العقلائي .

والحاصل : أنّ مجرى هذا الأصل ـ أصالة التطابق بين الإرادتين ـ إنّما هو بعد الفحص ; لعلمهم بعادة مواليهم من تفرّق البيان وتشتّته ، ولا فرق في ذلك بين القوانين الإسلامية الغرّاء وسائر القوانين العقلائية .

وبما ذكـرنا يتّضح لك : أنّ مناط الفحص هـو المعرضية لا العلم الإجمالي ، بل مع عدمه أيضاً لو فرض انحلاله كان الفحص واجباً ; لعدم تمامية الحجّية العقلائية .

كما اتّضح : عدم الفرق بين المقام والاُصول العملية ، وأنّ البحث فيهما عن متمّم الحجّة لا عن مزاحمها ; لأ نّه كما لا يجري قاعدة العقاب بلا بيان قبل


1 ـ تقدّم في الصفحة 180 .


(213)

الفحص ، بل لا يتحقّق كونه بلا بيان قبله ; لأنّ التبليغ قد تمّ مـن قبل الشارع ، وعلماء الاُمّة قد جمعوها في جوامعهم ، فلا عذر في تركه ، فكذلك الاحتجاج بالعمومات والمطلقات ; لأ نّه قبل الفحص لا يمكن الاعتماد على أصالـة التطابق التي به تتمّ الحجّة .

فظهر : أنّ العمل بها لا يجوز إلاّ بعد الفحص حتّى يجعل ذلك مقدّمة لإجراء الأصل ـ أصالة التطابق ـ لتمامية الحجّة .

فإن قلت : ما ذكرت هنا من أ نّه لولا الفحص لما تمّ الحجّة ينافي لما هـو المختار عندك في باب التعادل والترجيح ; من أنّ المطلقات حجّة فعلية غير معلّقة على المقيّدات الواقعية ، بل هي بعد وصولها من قبيل المزاحم ، وينقضي بها أمد  الحجّية(1) .

قلت : إنّ البحث هنا حيثي ; فإنّ الكلام هاهنا في لزوم الفحص ، وقد عرفت عدم حجّية عامّ ولا مطلق إلاّ بعده ، والكلام هناك بعد الفحص ، والمختار هناك أنّ الفقيه إذا تفحّص قدر ما كان يلزمه يصير كلّ واحد من العامّ والمطلق حجّة فعلية في حقّه ، ولو عثر على مقيّد أو مخصّص بعده لا يكون المطلق معلّقاً بعدم البيان الواقعي ; بحيث يكون العثور عليه كاشفاً عن عدم حجّيته ، بل ينتهي به أمد الحجّية . وقس عليه العامّ .

كلّ ذلك على ما سلكناه ; تبعاً للمحقّق الخراساني من كون المستند لوجوب الفحص هو المعرضية .


1 ـ التعادل والترجيح ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ  : 76 ـ 77 .


(214)

الاستدلال بالعلم الإجمالي على لزوم الفحص

وأ مّـا على القول بأنّ المستند هـو العلم الإجمالي فربّما يقال في تقريـره بأ نّا نعلم إجمالاً أنّ هنا مخصّصات ومقيّدات يلزم العمل بها ، فلا محيص عـن الفحص عنها(1) .

هذا ، واستشكل عليه بأمرين :

الأوّل : أنّ هذا العلم الإجمالي لا ينحلّ ; وإن بلغ الفحص غايته ; لأنّ المخصّصات المعلوم وجودها ليست منحصرة فيما بأيدينا من الكتب ، بل هي أكثر من ذلك ; لأنّ الجوامع الأوّلية مفقودة ، والاُصول المدوّنة في عهد الصادقين كانت تحتوي أخباراً وأحكاماً على خلاف العمومات ، ولازم ذلك أن لا ينحلّ بالفحص فيما بأيدينا من الكتب(2) .

واُجيب عنه : بأنّ العلم الإجمالي لا مدرك له سوى ما بأيدينا من الكتب(3) . ويؤيّده : أنّ ذلك مجرّد احتمال ; فإنّه لا علم وجداني لنا بوجود اُصول ضايعة غير واصلة ; فضلاً عن اشتمالها على مخصّصات يوجب العمل عليها على فرض العثور . بل يحتمل أن يكون المفقود على فرض قبوله غير الأحكام .

ولـو سلّمنا كونـه أحكامـاً فمـن أين حصل العلم بأ نّها غير ما بأيـدينا ؟ ولـو  سلّم فمن أيـن حصل العلم لنا بوجـوب العمل بها لـو عثرنا بها ؟ ولعلّ


1 ـ الفصول الغروية : 200 / السطر29 ، مطارح الأنظار : 202 / السطر15 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 542 .
3 ـ نفس المصدر .


(215)

أسنادها كانت ضعيفة غير صحيحة .

الثاني : أنّ العلم الإجمالي بورود مخصّصات فيما بأيدينا من الكتب وإن اقتضى عدم جريان الاُصول اللفظية قبل الفحص إلاّ أ نّه بعد الفحص والعثور على المقدار المتيقّن منها يوجب انحلاله ، ومقتضاه جريانها في سائر الموارد بلا فحص ، مع أ نّهم يوجبون الفحص عند كلّ شبهة(1) .

وأجاب عنه بعض أهل التحقيق : بأنّ المقدار المتيقّن بعدما كان مردّداً بين محتملات منتشرات في أبواب الفقه يصير جميع ما شكّ فيه في تمام الأبواب طرف هذا العلم ، فيمنع عن الأخذ به قبل فحصه ، ولا يفيد الظفر بمقدار المعلوم ; إذ هذه العلوم نظير العلوم الجديدة الحاصلة بعد العلم الإجمالي ، ولا يكون سبباً لانحلالها(2) ، انتهى .

قلت : مجرّد كون أطراف العلم منتشرة لا يفيد شيئاً ، وقياسه بالعلم الجديد قياس مع الفارق ، وذلك لأنّ قوله : إنّ المقدار المتيقّن كان مردّداً بين محتملات منتشرات . . . إلى آخره يشعر بأنّ هنا علمين : علماً بأصل وجود المخصّصات بمقدار محدود ، وعلماً بانتشارها بين الأبواب .

فحينئذ : فالعثور بالمقدار المتيقّن إن كان بعد الفحص في جميع الأبواب فلا محيص عن الانحلال ـ ولو حكماً ـ لاحتمال انطباق ما هو المعلوم إجمالاً على المعلوم تفصيلاً من الأوّل ، وبعد هذا الاحتمال لا علم لنا أصلاً .

وإن كان العثور عليه لأجل الفحص في بعض الأبواب دون بعض فلا محالة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 543 .
2 ـ مقالات الاُصول 1 : 456 .


(216)

يحصل القطع بأنّ أحد العلمين خطأ : إمّا علمه بانحصار المخصّص في المقدار المحدود المتيقّن ، فيتجدّد له علم آخر بأنّ المخصّص أزيد ممّا أحصاه أوّلاً ولكنّه خلاف الفرض ; لأنّ الفرض أ نّه لا علم له إلاّ بالمقدار المحدود الذي عدّده أوّلاً مطلقاً ; قبل الفحص وبعده . وإمّا علمه بأنّ المخصّصات منتشرة في جميع الأبواب فلا محيص عن الانحلال .

هذا ، وقد أجاب عنه بعض الأعاظم بما ملخّصه : إنّ المعلوم بالإجمال تارة يكون مرسلاً غير معلّم بعلامة ، واُخرى معلّماً بعلامة .

وانحلال العلم الإجمالي بالعثور بالمقدار المتيقّن إنّما يكون في القسم الأوّل ; لأنّ منشأ العلم فيه هو ضمّ قضية مشكوكة إلى قضية متيقّنة ، كما إذا علم بأ نّه مديون لزيد ، وتردّد الدين بين أن يكون خمسة دنانير أو عشرة .

وأ مّا القسم الثاني فلا ينحلّ به ، بل حاله حال دوران الأمر بين المتباينين ، ولا انحلال في مثله ; لعدم الرجوع إلى العلم بالأقلّ والشكّ في الأكثر من أوّل الأمر ، بل يتعلّق العلم بجميع الأطراف ; بحيث لو كان الأكثر واجباً لكان ممّا تعلّق به العلم وتنجّز بسببه ، وليس الأكثر مشكوكاً فيه من أوّل الأمر ، وذلك كما إذا علمت بأ نّك مديون لزيد بما في الدفتر ، وتردّد الدين بين خمسة وعشرة ، فلو كان دين زيد عشرة فقد تعلّق العلم به أيضاً .

والمقام من هذا القبيل ; لأنّ العلم تعلّق بأنّ في الكتب التي بأيدينا مقيّدات ومخصّصات ، فكلّ مخصّص ـ على فرض وجوده فيما بأيدينا من الكتب ـ قد أصابه العلم ، ومثل هذا لا ينحلّ بالعثور على المقدار المتيقّن(1) ، انتهى كلامه .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 543 ـ 546 .


(217)

ولا يخفى عليك : أ نّه غير تامّ ; لأنّ العلم بالإجمال :

تارة : يكون نفسه دائراً بين الأقلّ والأكثر ، كما مثّله ـ قدس سره ـ  ، وحقيقته ما عرفت من أ نّه مركّب من قضية علمية وقضية شكّية . فالإجمال بدوي يرتفع بأدنى التفات .

واُخرى : هذا الفرض لكن تعلّق العلم الإجمالي بعنوان غير ذي أثر ، كما إذا علم بأنّ الدنانير الموجودة في كيس زيد قد تلفت ، وهي مردّدة بين الخمسة والعشرة ; فإنّ تعلّقه مع هذا العنوان لا يوجب تنجّز الأكثر ، بل لابدّ من لحاظ ما هو منشأ أثر .

ومع هذا الحال لو دار أمره بين الأقلّ والأكثر ينحلّ علمه بلا ريب ، وإلاّ فلا يمكن إثبات الانحلال في مورد من الموارد ; إذ ما من معلوم إجمالي إلاّ وقد يقترن بعدّة عنوانات ولوازم ، قلّما تنفكّ عنه مثل ما في الكيس ، ما في الدار ، ما أقرضني إلى غير ذلك .

وما ادّعاه ـ قدس سره ـ من أنّ العلم إذا تعلّق بما في الدفتر يوجب إصابة العلم بالأكثر لم يعلم له وجه ; لأنّ تعلّق علمه بما في الدفتر نظير تعلّق علمه بأنّ ما في الكيس صار مضموناً عليه ـ قلّ أو كثر ـ فكما أنّ مجرّد ذلك لا يوجب إصابة العلم بالأكثر ، بل لا يزيد عن الدوران بين الأقلّ والأكثر بالضرورة ، فهكذا علمه بأ نّه مديون بما في الدفتر المردّد بين الأقلّ والأكثر . وعليه لا يعقل صيرورة الأكثر منجّزاً به ، ولا متعلّقاً للعلم .

وكيف كان : فالمقام نظير ما مثّله من كونه مديوناً بما في الدفتر ; لأنّ الكون في الكتب ـ كالكون في الـدفتر ـ لا يترتّب عليه أثـر ; إذ ليس هـذا الكون موضوعاً للحكم ولا جزء موضوع ، وما هو موضوع له للأثر نفس المخصّصات ، والكتب ظرفها بلا دخالة في التأثير .


(218)

بل يمكن أن يقال : إنّ العنوان المتعلّق للعلم لو كان ذا أثر ـ مثل عنوان الموطوء ـ ولكن كان منحلاًّ إلى التكاليف الدائرة بين الأقلّ والأكثر فهو أيضاً لا يوجب تنجيز غير ما هو المتيقّن ـ أي الأقلّ ـ نعم لو كان العنوان بسيطاً وكان الأقلّ والأكثر من محصّلاته وجب الاحتياط ، لكنّه أجنبي عمّا نحن فيه .

مقدار الفحص عن المخصّص

وأ مّا مقدار الفحص فيختلف باختلاف المباني ، فلو كان المبنى في إيجاب الفحص هو العلم الإجمالي فغايته انحلال علمه ، وعلى المختار فلابدّ من التفحّص التامّ حتّى يخرج عن المعرضية ويحصل اليأس عن المخصّص والمعارض ، وسيوافيك في باب الاجتهاد والتقليد ما ينفع في المقام ، فانتظر .


(219)

الفصل الرابع
في الخطابات الشفاهية

هل الخطابات الشفاهية تعمّ غير الحاضرين ; من الغائبين والمعدومين أو لا ؟ ولا بأس بذكر اُمور :

الأمر الأوّل : أنّ النزاع يمكن أن يقع بحسب التصوّر في مقامين :

الأوّل : أن يكون النزاع في جواز خطاب المعدوم والغائب ، ومرجعه إلى إمكان هذه المسألة العقلية وعدمه .

وهو مع أ نّه غير مناسب لمبحث العامّ ـ لأنّ إمكان مخاطبتهما وعدمه غير  مربوط به ـ بعيد جدّاً ; لأ نّه ضروري البطلان .

نعم لا يبعد عن مثل بعض الحنابلة ; حيث جعل محطّ البحث ما حرّرناه ; مستدلاًّ بخطاب الله على المعدومين بقوله : (كُنْ فَيَكُونُ)(1)  وخطابه في عالم الذرّ(2) ، إلى غير ذلك من الاستدلالات الواهية(3) .


1 ـ يس (36) : 82 .
2 ـ الأعراف (7) : 172 .
3 ـ اُنظر الفصول الغروية : 183 / السطر27 .


(220)

الثاني : أن يكون خطـاب المعدوم مسلّم البطلان عندهم ، ولكن البحث في أنّ استفادة أحكام الغائبين والمعدومين من نفس الخطابات هـل يستلزم خطابهما أو لا ؟

وإن شئت قلت : إنّ النزاع في أنّ تعميم ألفاظ العموم التي جيئت تلو أداة النداء وأشباهها ممّا تكون خطاباً بالنسبة إليهما هل يستلزم مخاطبتهما حتّى يمتنع أو لا ؟ فيكون النزاع في الملازمة وعدمها ، وهذا أنسب ; إذ المناسب للبحث عنه في هذا المقام هو شمول ألفاظ العموم لهم وعدمه إذا وقعت تلو الخطابات الشفاهية .

الأمر الثاني : الظاهر أنّ ملاك النزاع ـ على ما حرّرناه ـ كما هو موجود في الخطابات الشفاهية كذلك موجود في أمثال قوله تعالى : (وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيتِ)(1) ، وقوله تعالى : (لِلرِجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ)(2)  ممّا لم يصدر بألفاظ النداء وأداة الخطاب ، فيمكن أن يقال : هل يلزم من شمول أمثال تلك العناوين والأحكام لغير الموجودين تعلّق التكليف الفعلي بهم في حال العدم وصدق العناوين عليهم في هذا الحال ، أو لا ؟ فلو قلنا باستلزامه فلا محالة تختصّ تلك الأحكام بالموجودين ، وإلاّ فتعمّهم والغائبين والمعدومين .

نعم ، يظهر من الشيخ الأعظم ادّعاء الاتّفاق في شمول ما لم يصدّر بأداة النداء ، وأ نّه لم يعهد من أحد إنكار شموله لهما(3) ، وتبعه بعض الأعاظم ; قائلاً بأنّ أسماء الأجناس يشمل المعدومين بلا ريب(4) .


1 ـ آل عمران (3) : 97 .
2 ـ النساء (4) : 7 .
3 ـ مطارح الأنظار : 203 / السطر30 .
4 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 548 .


(221)

وفيه : أنّ القائل بالاختصاص يمكن أن يدّعي أنّ المعدوم لا يطلق عليه الناس عقلاً ، ولا يمكن عقد الاُخوّة بين المعدومين في قوله : (إِنَّما المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ)(1)  لا بمعنى أنّ الألفاظ موضوعة للموجودين ; حتّى يدفع بأ نّها موضوعة للماهية اللابشرط ، بل بمعنى أنّ الشيء ما لم يوجد ولم يتشخّص ليس له ماهية كما ليس لها وجود . فالإنسان إنسان بالوجود ، ولولاه لا إنسان ولا ماهية ولا غير ذلك . فالقصور من ناحية نفس العناوين لا من جانب الوضع .

وحينئذ : لو كان المراد من شمول أسماء الأجناس لهم هو شمولها حال عدمهم فهو ضروري البطلان ـ كما تقدّم ـ وإن كان المراد انطباقها عليهم في ظرف الوجود بنحو القضية الحقيقية فهو جواب عن الإشكال ، ولا يوجب خروج هذا القسم عن محطّ البحث .

الأمر الثالث : أنّ حلّ الشبهة في بعض الصور مبني على القضية الحقيقية ، فلا بأس بتوضيح حالها وحال القضية الخارجية والفرق بينهما :

فنقول : إنّ هـذا التقسيم للقضايا الكلّيـة ، وأ مّا الشخصية مثل «زيـد قائم» ممّا لا تعتبر في العلوم فخارجة عن المقسم ، فقد يكون الحكم في القضايا الكلّية على الأفراد الموجودة للعنوان ; بحيث يختصّ الحكم على ما وجد فقط ، من غير أن يشمل الموجودين في الماضي والمستقبل ; وذلك بأن يتقيّد مدخـول أداة العموم ; بحيث لا ينطبق إلاّ عليها ، مثل «كلّ عالم موجود في الحال كذا» أو «كلّ من في هذا العسكر كذا» ; سواء كان الحكم على أفراد عنوان ذاتي أو عرضي أو انتزاعي . فلفظ «الكلّ» لاستغراق أفراد مدخوله ، والعنوان المتلوّ له بعد التقييد


1 ـ الحجرات (49) : 10 .


(222)

المذكور لا يصلح إلاّ للانطباق على الأفراد المحقّقة .

وأ مّا القضية الحقيقية فهي ما يكون الحكم فيها على أفراد الطبيعة القابلة للصدق على الموجود في الحال وغيره ، مثل «كلّ نار حارّة» فلفظة «نار» تدلّ على نفس الطبيعة ; وهي قابلة للصدق على كلّ فرد ، لا بمعنى وضعها للأفراد ، ولا بمعنى كونها حاكية عنها ، أو كون الطبيعة حاكية عنها ، بل بمعنى دلالتها على الطبيعة القابلة للصدق على الأفراد الموجودة ، وما سيوجد في ظرف وجوده .

ولفظ «الكلّ» دالّ على استغراق أفراد مدخوله ، من دون أن يدلّ على الوجود والعدم ; ولهذا يقع مقسماً للموجود والمعدوم ، ويصحّ أن يقال : كلّ فرد من الطبيعة إمّا موجود أو معدوم بلا تجوّز وتأوّل .

وإضافة الكلّ إلى الطبيعة تدلّ على تعلّق الاستغراق بما يتلوه ، ولمّا لم تتقيّد بما يجعلها منحصرة الانطباق على الأفراد المحقّقة فلا محالة تكون منطبقة عليها وعلى غيرها ، كلٌّ في موطنه ، لا في حال العدم ; لامتناع صدقها على المعدوم ; لأنّ الطبيعة لم تكن طبيعة في حال العدم ، ولا أفرادها أفراداً في حاله .

فـ «كلّ نار حارّة» إخبار عن مصاديق النار ; دلالة تصديقية ، والمعدوم ليس مصداقاً للنار ولا لشيء آخر ، كما أنّ الموجود الذهني ليس ناراً بالحمل الشائع ، فينحصر الصدق على الأفراد الموجودة في ظرف وجودها ، من غير أن يكون الوجود قيداً ، أو أن يفرض للمعدوم وجود أو ينزّل منزلة الوجود ، ومن غير أن يكون القضية متضمّنة للشرط ، كما تمور بها الألسن موراً .

فإنّ تلك التكلّفات مـع كونها خلاف الوجـدان في إخباراتنا ـ بداهـة أنّ كـلّ مـن أخبر بأنّ النار مثلاً حارّة لا يخطر بباله الأفراد المعدومة ; فضلاً عن تنزيلها منزلة الموجود أو الاشتراط بأ نّـه إذا وجـدت كانت كذلك ـ ناشئـة مـن


(223)

عدم تعقّل القضية الحقيقية .

وتخيّل : أنّ للطبيعة أفراداً معدومة ، وتكون الطبيعة صادقة عليها حقيقة حال عدمها ، ولمّا لم يصدق عليها الحكم في ظرفه لابدّ من ارتكاب تأوّل وتكلّف .

وأنت خبير : بأنّ ذلك في غاية السقوط ; لأنّ العدم ليس بشيء كالمعدوم ، فلا تكون القضية الحقيقية إخباراً عن الأفراد المعدومة ، بل إخبار عن أفراد الطبيعة بلا قيد ، وهي لا تصدق إلاّ على الأفراد الموجودة في ظرف وجودها ، فيكون الإخبار كذلك بحكم العقل بلا قيد واشتراط وتأوّل .

وليعلم : أنّ الحكم في الحقيقية على الأفراد المتصوّرة بالوجه الإجمالي ، وهو عنوان كلّ فرد أو جميع الأفراد . فعنوان الكلّ والجميع متعلّق للحكم ، ولمّا كان هذا العنوان موضوعاً للكثرات بنحو الإجمال فبإضافته إلى الطبيعة يفيد أفرادها بنحو الإجمال . فالحكم في المحصورة على أفراد الطبيعة بنحو الإجمال ، لا على نفس الطبيعة ولا على الأفراد تفصيلاً . فما اشتهر من أنّ الحكم على الطبيعة التي هي مرآة للأفراد ليس بشيء .

وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده بعض الأعاظم في الفرق بين الحقيقية والخارجية من القضايا ; حيث حكم في عدّة مواضع من كلامه بأنّ الحكم في الخارجية على الأفراد والأشخاص بلا توسّط عنوان ; حتّى لو فرض هنا عنوان فهو أمر اتّفاقي(1) .

مـع أ نّك قد عرفت(2) : أنّ التقسيم وارد على القضايا المعتبرة في العلوم ،


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 170 ـ 171 و 512 و 526 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 221 .


(224)

وهي تحتاج إلى عنوان ذاتي أو عرضي ، وكأ نّه ـ قدس سره ـ خلط بين الجزئية والخارجية .

كما ظهر الضعف فيما أفاد : أنّ الطبيعة في الحقيقية تؤخذ عنواناً ومرآة للأفراد ، مع أ نّك عرفت(1)  امتناع أخذها مرآة لها ، وأنّ الدالّ على الأفراد هو لفظ «كلّ» وأشباهه من ألفاظ العموم .

وأغرب منه ما أفاد من التقدير وتنزيل المعدوم منزلة الموجود(2) ; حيث تقدّم أنّ ذلك كلّه خلاف الارتكاز وخلاف ما يقتضيه الذوق السليم . وبقي في كلامه مواقع للنظر تركنا الكلام فيه .

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ الكلام يقع في مقامين :

الأوّل : فيما إذا كـان الجعل على نهـج القانون الكلّي بلا لفظ خطاب أو نـداء ; سواء كان الجعل متعلّقاً على نحو القضية الحقيقية على مصاديق العناوين بنحو الإجمـال ، كما في القضيـة المحصورة ، أم كان الجعل على نفس العناوين ، كما في غيرها .

والإشكال المتوهّم فيه : هو أنّ التكليف الفعلي لا يمكن أن يتوجّه إلى المعدوم وتعميم الأدلّة يستلزم ذلك .

والجواب عنه واضح بعد ما عرفت الحال فيما تقدّم ; إذ المعدوم في حال العدم لم يتوجّه إليه التكليف ; حتّى يرد ما ذكرت ، بل يتوجّه إليه إذا صار موجوداً ، وتحقّق مصداق المستطيع في ظرفه .

فإذا رأى المكلّف أنّ كتاب الله تعالى ينادي بأ نّه يجب الحجّ على كلّ مستطيع ، من دون أن يقيّد بما يخصّه بالموجودين ، ورأى نفسه مستطيعاً عليه ،


1 ـ تقدّم في الصفحة 155 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 550 .


(225)

فلا محالة يرى نفسه مأموراً بالحجّ لا لأجل جعل الحكم على المعدوم ، بل لأجل جعله على العنوان بلا قيد ، وهو قبل وجوده واستطاعته ليس من الناس ولا من أفراد المستطيع بالضرورة ، وبعد وجوده واستطاعته يصدق عليه هذان العنوانان ، ولازم جعله كذلك شمول الحكم له .

وبالجملة : هذا القسم لا يستلزم جعل الحكم على المعدوم ، بل على العنوان الذي لا ينطبق إلاّ على الموجود . فاتّضح وجه شمول قوله تعالى : (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ)(1)  وأشباهه الواردة في الذكر الحكيم وغيره .

المقام الثاني : ما إذا كان من قبيل توجيه الكلام إلى المخاطب ; سواء كان التوجيه بكلام مشتمل على «كاف» الخطاب أو أداة النداء أم لغيرهما ممّا يعدّ توجيهاً بالحمل الشائع وإن لم يكن فيه ما يدلّ وضعاً على التخاطب .

والإشكال في هذا المقام : استلزام التعميم للغائب والمعدوم لزومَ مخاطبة المعدوم والغائب .

وأ مّا حلّه فربّما يتمسّك هنا أيضاً بالقضية الحقيقية ، لكن ستعرف ضعفه(2) .

والتحقيق في دفع الإشكال عن هذا القسم : أنّ الخطابات القرآنية ليست خطابات شفاهية لفظية ; بحيث يقابل فيها الشخص الشخص ، بل كخطابات كتبية ، ومثلها القوانين العرفية الدائرة بين العقلاء .

أ مّا كون الثاني من هذا القبيل : فواضح ; فلأنّ المقنّن في القوانين العرفية والسياسية ـ سواء كان شخصاً واحداً أم هيئة وجماعة ـ بعدما أحكمها وأثبتها


1 ـ النساء (4) : 34 .
2 ـ يأتي في الصفحة 228 .


(226)

يتشبّث في إبلاغه وإعلانه بالنشر في الكتب والجرائد وسائر الآلات المستحدثة في هذه الأزمنة ; من المذياع وغيره .

وحينئذ : فالفرد الحائز للشرائط من الشعب المأمور بالعمل بها إذا عطف نظره إلى كتاب القانون لأهل وطنه لا يشكّ أ نّه مأمور بالعمل به ; وإن تأخّر عن زمان الجعل بكثير ، بل لم يكن موجوداً في ظرف الوضع ، ولكن جعل الحكم بصورة الخطاب على الناس في قول القائل «يا أيّها الناس» كاف في شموله له ; وإن وجد بعد زمن الخطاب بمدّة متراخية .

وما ذلك إلاّ لأجل كون الخطاب كتبياً أو شبيهاً بذلك ، وهو ليس بخطاب لفظي حقيقة ، ولا يحتاج إلى مخاطب حاضر .

وأ مّا الأوّل ـ أعني خطابات الذكر الحكيم ـ فلأنّ مشكلة الوحي وإن كانت عويصة عظيمة قلّما يتّفق لبشر أن يكشف مغزاه(1)  لكنّا مهما شككنا في شيء لا نشكّ في أنّ خطابات الله تعالى النازلة إلى رسوله لم تكن متوجّهة إلى العباد ـ لا إلى الحاضرين في مجلس الوحي ولا الغائبين عنه ، ولا غيرهم ـ كمخاطبة بعضنا بعضاً ; ضرورة أنّ الوحي بنصّ الذكر الحكيم ـ أعني قولـه سبحانه : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ)(2) ـ إنّما نزل على شخص رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكلام الله وخطاباته لم تكن مسموعة لأحد من الاُمّة .

بل يمكن أن يقال بعدم وصول خطاب لفظي منه تعالى بلا واسطة إلى


1 ـ إلاّ أ نّك لـو أحفيت الحقيقـة مـن كتاب «مصباح الهدايـة في الولايـة والخلافـة» لسيّدنا الاُستاذ ـ  دام ظلّه  ـ يسهّل لك حلّ بعض مشاكله ، وهو من أنفس ما اُ لّف في هذا المقام ، فحيّا الله سيّدنا الاُستاذ وبيّاه . [المؤ لّف]
2 ـ الشعراء (26) : 193 ـ 194 .


(227)

رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غالباً أيضاً ; لأنّ الظاهـر مـن الآيات والـروايات : أنّ نزول الوحـي كان بتوسّط أمين الـوحي جبريل ، وهـو كان حاكياً لتلك الخطابات منه سبحانـه إلى رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  .

فليس هنا خطاب لفظي حقيقي ; إذ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن طرف المخاطبـة لـه تعالى ، ولا المؤمنون المقتفون بـه ، بل حال الحاضرين في زمـن النبي ومجلس الوحـي كحال غيرهم ; مـن حيث عدم توجّـه خطاب لفظي مـن الله سبحانه إليهم .

وبالجملة : لو تأمّلت في أنّ خطابات الله وكلامه لم تكن مسموعة لأحد من الاُمّة ، وأنّ الوحي كان بتوسّط أمينه بنحو الحكاية لرسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تعرف عدم خطاب لفظي من الله ; لا إلى نبيّه ولا إلى عباده ، بل تلك الخطابات القرآنية كسائر الأحكام الذي لم يصدر بألفاظ الخطاب من غير فرق بينهما ، وتكون أشبه بالخطابات الكتابية ، مثل قول القائل «فاعلموا إخواني» .

وحينئذ بما أنّ تلك الخطابات المحكية باقية إلى زماننا ، ونسبة الأوّلين والآخرين إليها سواء فلا محالة يكون اختصاصها إليهم بلا وجه ، بل اختصاصها إليهم ثمّ تعميمها إلى غيرهـم لغو ; إذ لا وجـه لهذا الجعل الثانوي مـن قولـه مثلاً «إنّ حكمي على الآخرين حكمي على الأوّلين» بعد إمكان الشمول للجميع على نسق واحد .

بل عدم الدليل على الاختصاص كاف في بطلانه بعد كون العنوان عامّاً أو مطلقاً ، وبعد كون الخطاب الكتبي إلى كلّ من يراه أمراً متعارفاً ، كما هو المعمول من أصحاب التأليف من الخطابات الكثيرة .

فظهر : أنّ خطابات القرآن كغيرها في أ نّها ليست خطابات حقيقية .


(228)

وأ مّا التخلّص عن هذا الإشكال بالتمسّك بالقضية الحقيقية فضعيف جدّاً ; لأنّ الحكم في القضية الحقيقية على عنوان للأفراد قابل للصدق على كلّ مصداق موجود فعلاً أو ما يوجد في القابل ، ومثل ذلك لا يتصوّر في الخطاب ; إذ لا يمكن أن يتعلّق الخطاب بعنوان أو أفراد له ; ولو لم تكن حاضرة في مجلس التخاطب . والخطاب نحو توجّه تكويني نحو المخاطب لغرض التفهيم ، ومثل ذلك يتوقّف على حاضر ملتفت ، والمعدوم والغائب ليسا حاضرين ولا ملتفتين .

وبالجملة : ما سلكناه من التمسّك بالقضية الحقيقية في غير الخطابات لا يجري فيها ; إذ الخطاب الحقيقي يستلزم وجوداً للمخاطب ووجوداً واقعياً للمخاطب . والقول بأنّ الخطاب متوجّه إلى العنوان كجعل الحكم عليه مغالطة محضة ; لأنّ تصوّر الخطاب بالحمل الشائع يأبى عن التفوّه بذلك .

ولو اشتهى أحد إصلاح هذا القسم من هذا الطريق أيضاً فلابدّ أن يتمسّك في إثبات شمول الخطاب للمعدوم والغائب بأنّ المعدوم نزّل منزلة الموجود ، أو غير الشاعر منزلة الشاعر الملتفت ، كما هو المشهور في مخاطبة الجمادات ، كما في  الشعر :

أيا شجر الخابور مالك مورقاً      كأ نّك لم تجزع على ابن طريف

وفي قول القائل :

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي      بصبح ، وما الإصباح منك بأمثل

مع أ نّك قد عرفت : أنّ هذا التنزيل ليس لازم القضية الحقيقية(1) ; وإن زعمه بعض الأعاظم(2) . فلا وجه لارتكاب التكلّف والتعسّف بالتمسّك بالقضية الحقيقية ،


1 ـ تقدّم في الصفحة 222 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 550 .


(229)

ثمّ الالتزام بتكلّف آخر من حديث التنزيل ، وهي بذاتها غير محتاج إليها .

والحاصل : أنّ الإنشائيات بنحو الخطاب ليست من القضايا الحقيقية ; لأنّ الخطاب العمومي مثل (يا أ يُّها الَّذِينَ آمَنُوا) لا يمكن أن يتوجّه بنحو الخطاب الحقيقي إلى أفراد العنوان ; حتّى يكون كلّ فرد مخاطباً بالخطاب اللفظي في ظرف وجوده ; لأنّ أدوات النداء وضعت لإيجاد النداء لا لمفهومه ، والمخاطبة نحو توجّه إلى المخاطب ; توجّهاً جزئياً مشخّصاً ، وهو يتوقّف على وجود المخاطب الملتفت .

فلو التزمنا على خلاف المختار ، وقلنا : إنّ خطابات الذكر الحكيم متوجّهة نحو المخلوق ، وإنّ مَثَل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثل شجرة موسى ـ عليه السلام ـ  ، فلا محيص ـ حينئذ ـ في شمول الخطابات إلى غير الحاضرين ; من الالتزام بتنزيل المعدوم وغير الحاضر منزلة الموجود والحاضر ، ولكن لا يصار إليه إلاّ بدليل خارج بعد عدم كونه لازم القضية الحقيقية ، فتدبّر .

في ثمرة البحث

وأ مّا ثمرة البحث فتظهر في موضعين :

الأوّل : في ظواهر خطابات الكتاب ; فعلى القول بالتعميم يكون المشافه وغيره سواء في الأخذ بظهور الخطاب ، ويصير حجّة للمشافه وغيره .

وأورد عليـه المحقّق الخراساني : بأنّ هذه الثمرة مبنيـة على اختصاص حجّية الظواهر بالمقصودين بالإفهام وهو باطل ، مع أنّ غير المخاطبين أيضاً مقصودون بها(1) .


1 ـ كفاية الاُصول : 269 .


(230)

وأجاب عنه بعض الأعاظم : بأنّ الثمرة لا تبتني على مقالة القمي ـ رحمه الله ـ  ; فإنّ الخطابات الشفاهية لو كانت مقصورة على المشافهين ولم تعمّ غيرهم فلا معنى للرجوع إليها وحجّيتها في حقّ الغير ; سواء قلنا بمقالة المحقّق القمي أو لم نقل ، فلا ابتناء للثمرة على ذلك أصلاً(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ تسرية ما تضمّنته تلك الخطابات إلى الغائبين والمعدومين ليست بنفس تلك الخطابات فقط ، على القول باختصاصها بالمشافهين الحاضرين ، بل بقاعدة الاشتراك في التكليف الذي انعقد عليه الإجماع والضرورة .

فحينئذ لو لم نقل بمقالة المحقّق القمي ـ قدس سره ـ تكون الظواهر قابلة للرجوع إليها لتعيين تكليف المخاطبين ، وإن كانت مخصوصة بالمشافهين لرفض مقالة القمي  ـ رحمه الله ـ فيتمسّك في إثباته في حقّنا بدليل الاشتراك ، وهذا بخلاف ما لو قلنا بمقالته .

فظهور الثمرة موقوف على مقالة القمّي ، وكأ نّه ـ قدس سره ـ تخيّل أنّ اختصاص الخطاب لجماعة يوجب انحطاطه عن جميع المزايا ; حتّى لو لم نقل بمقالة القمّي ، كما هو صريح كلامه .

الثاني : صحّة التمسّك بإطلاق الكتاب ، بناءً على التعميم ـ وإن كان غير المشافه مخالفاً في الصنف مع تمام المشافهين ـ وعدم صحّته بناءً على الاختصاص .

والسرّ في ذلك : هو أ نّه لو قلنا بعدم اختصاصها بهم يكون المشافه وغيره سواء ، ويكون نفس الإطلاق يقتضي تكليف الغائب والمعدوم بما تضمّنته تلك الإطلاقات من الأحكام ; ولو مع اختلاف الصنف ، وهذا بخلاف ما لو خصّصناها بهم لفقدان الضرورة والإجماع الدالّين على الاشتراك في التكليف في مورد


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 549 .


(231)

الاختلاف ، بل لابدّ عند التمسّك بدليل الاشتراك ـ  على القول بالاختصاص  ـ من إحراز كلّ ما له دخل في التكليف المتوجّه إليهم ولو احتمالا .

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأ نّه يجوز التمسّك بأصالة الإطلاق لرفع الشكّ فيما يمكن أن يتطرّق إليه الفقدان ; وإن كان لا يجوز ذلك بالنسبة إلى الأمر الموجود الذي لا يتطرّق الفقدان إليه ; لأ نّه على تقدير شرطيته لا يحتاج إلى البيان ; لأنّ عدم بيانه لا يوجب نقضاً للغرض(1) .

هذا ، ووافقه شيخنا العلاّمة في إنكار أصل الثمرة ، ولكن من طريق آخر ، وحاصله : أ نّه ليس في الخارج أمر يشترك فيه جميع المشافهين إلى آخر أعمارهم ، ولا يوجد عندنا . وحينئذ لو احتملنا اشتراط شيء يوجد في بعضهم دون آخر أو في بعض الحالات دون بعض يدفعه أصالة الإطلاق(2) ، انتهى .

قلت : يمكن أن يقال بظهور الثمرة في التمسّك بالآية لإثبات وجوب صلاة الجمعة علينا ، فلو احتملنا أنّ وجود الإمام وحضوره شرط لوجوبها أو جوازها يدفعه أصالة الإطلاق في الآية على القول بالتعميم ، ولو كان شرطاً كان عليه البيان .

وأ مّا لو قلنا باختصاصه بالمشافهين أو الحاضرين في زمن الخطاب لما كان يضرّ الإطلاق بالمقصود وعدم ذكر شرطية الإمام أصلاً ; لتحقّق الشرط ; وهو حضوره ـ عليه السلام ـ إلى آخر أعمار الحاضرين ; ضرورة عدم بقائهم إلى غيبة وليّ العصر ـ عجّل الله فرجه ـ فتذكّر .


1 ـ كفاية الاُصول : 270 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 226 .


(232)


(233)

الفصل الخامس
في تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده هل يوجب ذلك تخصيصه به أو  لا ؟

وهذا التعبير لا يخلو من مسامحة ; لأنّ عود الضمير إلى بعضها ليس مفروغاً عنه ، بل المسلّم كون الحكم في مورد الضمير يختصّ ببعض الأفراد جدّاً ، لا أنّ الضمير يرجع إلى بعضها .

والأولى أن يقال : إنّ تخصيص الضمير بدليل متّصل أو منفصل هل يوجب تخصيص المرجع العامّ أو لا ؟

ثمّ إنّ الظاهر من الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ  : أنّ محطّ البحث ما إذا كان الحكم الثابت للضمير مغايراً للثابت لنفس المرجع ; سواء كانا في كلام واحد كما إذا قال «أكرم العلماء وخدّامهم» وعلم من الخارج أنّ المراد هو عدول الخدّام ، وقد يكون في كلامين كما في الآية الشريفة ، وسواء كان الحكمان من سنخ واحد كالمثال الأوّل ، أو لا كالآية الشريفة . وأ مّا إذا كان الحكم واحداً مثل قوله تعالى : (وَالمُطَلَّقاتُ


(234)

يَتَرَبَّصنَ)(1) ; حيث إنّ حكم التربّص ليس لجميعهنّ فلا نزاع(2) ، انتهى .

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ الحقّ هو التفصيل بينما إذا دلّ دليل منفصل على أنّ الحكم غير عامّ لجميع أفراد المرجع ; بحيث لولا هذا الدليل المنفصل لكنّا حاكمين على التطابق بين العامّ ومفاد الضمير بحسب الجدّ ، كما في الآية ; فإنّ السنّة دلّت على أنّ حقّ الرجوع ليس إلاّ للرجعيات دون غيرها(3) ، وبينما إذا علم ذلك بقرينة عقلية أو لفظية حافّة بالكلام ، مثل قوله «أهن الفسّاق واقتلهم» ; حيث علم المتكلّم بضرورة الشرع أنّ مطلق الفسّاق لا يجوز قتلهم ، فكيف وجوبه ! فالحكم مخصوص بالمرتدّ أو الحربي ، فهي قرينة متّصلة أو تشبهها .

هذا ، ويحتمل أن يكون النزاع مخصوصاً بالأوّل ، كما يشعر به التمثيل ، وظاهر كلام المحقّق الخراساني في ذيله يشهد على التعميم(4) .

وخلاصة التفصيل بينهما : هو أ نّه يوجب الإجمال في الثاني دون الأوّل ، وتوضيحه : أنّ الأمر في الأوّل دائر بين تخصيص واحد وأزيد ، ولا ريب أنّ الأوّل هـو المتعيّن ; إذ الدليل المنفصل دلّ على أنّ الحكم في ناحيـة الضمير مختصّ ببعض أفراد المرجع بحسب الجدّ ، وهو لا يوجب تخصيص المرجع واختصاص حكمه ببعض أفراده جدّاً .


1 ـ البقرة (2) : 228 .
2 ـ مطارح الأنظار : 207 / السطر35 .
3 ـ راجع وسائل الشيعة 22 : 103 ، كتاب الطلاق ، أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ، الباب 1 و2 .
4 ـ كفاية الاُصول : 272 .


(235)

وبالجملة : كلّ من الضمير في قوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)(1)  وكذلك المرجع قد استعملا في معانيهما ; بمعنى أ نّه اُطلق «المطلّقات» واُريد منها جميعها ، واُطلق لفظة «بردّهنّ» واُريد منها تمام أفراد المرجع ، ثمّ دلّ الدليل على أنّ الإرادة الاستعمالية في ناحية الضمير لا توافق الإرادة الجدّية ، فخصّص بالبائنات وبقيت الرجعيات بحسب الجدّ .

وحينئذ : لا معنى لرفع اليد عن ظهور المرجع لكون المخصّص لا يزاحم سوى الضمير دون مرجعه ، فرفع اليد عنه رفع عن الحجّة بلا حجّة .

وبما ذكرنا يظهر : ضعف ما يظهر في بعض الكلمات من أنّ الأمر دائر بين تخصيص المرجع والاستخدام في الضمير(2) ; لأنّ ذلك يخالف ما عليه المحقّقون من المتأخّرين من أنّ التخصيص لا يوجب مجازية المخصّص ـ  بالفتح(3) ـ فالضمير لم يستعمل إلاّ في الإشارة إلى تمام أفراد المرجع ، والتخصيص وارد على الإرادة الجدّية ، وأ نّه لا يوجب التصرّف في ظهور العامّ .

أضف إلى ذلك : أنّ حديث الاستخدام والمجازية في الإسناد أو اللفظ ـ لو صحّ في العمومات ـ فهو غير صحيح في المقام ; لأنّ الضمائر كما تقدّم وضعت لنفس الإشارة الخارجية(4) ، فلابدّ لها من مشار إليه ، وهو هنا مفقود ; لأنّ المذكور


1 ـ البقرة (2) : 228 .
2 ـ كفاية الاُصول : 271 ـ 272 ، درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 226 .
3 ـ كفاية الاُصول : 255 ـ 256 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 516 ، درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 212 .
4 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 56 .


(236)

هو «المطلّقات» وهي ليست مشاراً إليها ، وما هو المشار إليه ـ أعني «الرجعيات» ـ فغير مذكورة ، فكيف يشار بالضمير إليها ؟ والقول بمعهوديتها كما ترى .

هذا ، كما أنّ المجـاز على تفصيل قد عرفته متقوّم بالادّعاء(1) ، وهو لا يناسب هذه المقامات ; إذ ليس المقام مقام مبالغة حتّى يدّعى أنّ الرجعيات تمام المطلّقات ، فالبحث عن الاستخدام والمجاز وتخصيص المرجع وبيان الترجيح بينها ساقط من أصله .

وما في كلام المحقّق الخراساني في وجه الترجيح من أنّ أصالة العموم حجّة إذا شكّ في أصل المراد ، لا فيما إذا شكّ في أ نّـه كيف أراد(2) ، وإن كان متيناً في نفسه إلاّ أ نّه أجنبي عن المقام ; إذ الشكّ هنا في أصل المراد ; لأ نّا نشكّ في أنّ تخصيص الضمير هل يوجب تخصيص المرجع أو لا ؟ وقد اعترف ـ قدس سره ـ بجريانها في هذه الموارد ، على أنّ الدوران على فرضه ـ قدس سره ـ بين الظهور السياقي والتخصيص ، فراجع تمام كلامه .

وأ مّا الإجمال في القسم الثاني : فلأنّ المخصّص ـ بالفتح ـ من أوّل الإلقاء محفوف بما يصلح أن يكون قرينة على تخصيصه ، فلا يجري التمسّك بالأصل ; لعدم إحراز بناء العقلاء بالعمل بهذه الاُصول وإجراء التطابق بين الإرادتين في مثل ما حفّ الكلام بما يصلح للاعتماد عليه ، فصحّة الاحتجاج بمثل «أهن الفسّاق واقتلهم» على وجوب إهانة الفسّاق من غير الكفّار مشكلة .


1 ـ تقدّم في الصفحة 169 .
2 ـ كفاية الاُصول : 272 .


(237)

الفصل السادس
في تخصيص العامّ بالمفهوم

قد نقل غير واحد : الاتّفاق على جواز تخصيص العامّ بالمفهوم الموافق ، واختلافهم في جوازه بالمخالف(1) ، ولكن هذا الإجماع لا يسمن ولا يغني من جوع ، فلابدّ في تمحيص الحقّ من إفراد كلّ واحد للبحث .

وعليه يقع الكلام في مقامين :

المقام الأوّل : في تفسير الموافق من المفهوم وجواز التخصيص به

فنقول : اختلفت فيه تعبيراتهم ، ونحن نذكر الأقوال والاحتمالات في تفسيره :

الأوّل : ما يعبّر عنه في لسان المتأخّرين بإلغاء الخصوصية وإسراء الحكم لفاقدها ، كقول زرارة : «أصاب ثوبي دم رعاف» وقول القائل : «رجل شكّ بين الثلاث والأربع» ، ولا شكّ في أنّ العرف يرى أنّ الموضوع هو الدم وذات الشكّ ، ولا دخالة لثوب زرارة أو دم الرعاف ، كما لا دخل للرجولية .


1 ـ كفاية الاُصول : 272 ، درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 227 ، نهاية الأفكار 1 : 546 .


(238)

الثاني : المعنى الكنائي الذي سيق الكلام لأجله ، مع عدم ثبوت الحكم للمنطوق . ولا يبعد أن يكون منه قوله سبحانه : (فَلا تَقُلْ لَهُما اُفّ)(1)  فهو كناية عن حرمة الإيذاء من الشتم والضرب ، ولكن الاُفّ غير محرّم .

الثالث : هذه الصورة ، ولكن المنطوق أيضاً محكوم بحكم المفهوم ، كالآية المتقدّمة على وجه ، وهو فرض كون الاُفّ محرّماً أيضاً ، فأتى المتكلّم بأخفّ المصاديق مثلاً للانتقال إلى سائرها .

الرابع : الأولوية القطعية ، وهو الحكم الذي لم يذكر لكن يقطع به العقل بالمناط القطعي من الحكم المذكور ، كما في قول القائل «أكرم خدّام العلماء» ; حيث يقطع منه لوجوب إكرام العلماء ، وهذا ما يعبّر عنه بالمناسبات العقلية بين الموضوع ومحموله ، وهو رائج بين المتأخّرين .

الخامس : الحكم المستفاد من العلّة الواردة في الأخبار ، كقوله مثلاً : «لا  تشرب الخمر ; لأ نّه مسكر» .

وكيف كان : فالجامع بين هذه الاحتمالات هو أنّ المفهوم الموافق حكم غير  مذكور في محلّ النطق موافق للحكم في محلّ النطق على فرضه في الإيجاب والسلب .

ولا يبعـد أن يكون محـطّ البحث فيما إذا كان المفهوم أخصّ مطلق من العامّ ، لا ما إذا كان بينهما عموم من وجه ; وإن كان الظاهر من بعضهم خلافه(2) ، وسيأتي بيانه .


1 ـ الإسراء (17) : 23 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 556 ـ 557 .


(239)

وأ مّا جواز التخصيص به وعدمه : فالظاهر جواز التخصيص به فيما عدا الرابع إذا كان المفهوم أخصّ منه مطلقاً ; ضرورة أنّ المفهوم ـ على فرض وجوده ـ حجّة بلا إشكال ، فيكون حكمه حكم المنطوق ، ويكون حاله حال اللفظ الملقى إلى المخاطب ; فيخصّص به العامّ بلا ريب . وأ مّا إذا كان بينهما عموم من وجه فيعامل معهما حكمهما المقرّر في محلّه(1) . ولعلّ وضوح الحكم في تقديم الخاصّ على العامّ أوجب كون المسألة اتّفاقية .

وأ مّا الرابع ـ  أعني ما يكون فيه مدار الاستفادة هو المناط العقلي القطعي  ـ فربّما يقال بتقدّم المفهوم على العامّ ; وإن كانت النسبة بينهما عموماً من وجه إذا كان المعارض نفس المفهوم ; مستدلاًّ بأنّ الأمر دائر بين رفع اليد عن العامّ وبين رفعها عن المفهوم فقط ، أو عنه وعن المنطوق .

لا سبيل إلى الثالث ; لأنّ المنطوق لا يزاحم العامّ على الفرض .

والثاني ممتنع عقلاً ; لأ نّه كيف يمكن رفع اليد عن الأقوى مع إثباتها على الأضعف ؟ على أنّ رفع اليد عن المفهوم مع عدم التصرّف في المنطوق غير ممكن ; للزوم التفكيك بين اللازم والملزوم ; فإنّ المفروض لزومه له بنحو الأولوية .

فحينئذ يتعيّن التصرّف في العموم وتخصيصه بغير مورد المفهوم(2) ، انتهى .

قلت : لو فرضنا أنّ مقتضى القواعد هو لزوم تقديم العامّ على المفهوم ـ  لكونه في عمومه أظهر من اشتمال القضية على المفهوم  ـ لا يكون رفع اليد عن المفهوم والمنطوق بلا وجه :


1 ـ التعادل والترجيح ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ  : 100 ـ 105 .
2 ـ اُنظر أجود التقريرات 1 : 500 .


(240)

أ مّا رفعها عن المفهوم : فواضح ; لأنّ المفروض أ نّه مقتضى القواعد ; لكونه في عمومه أظهر ; وإن كانت النسبة عموماً من وجه .

وأ مّا رفع اليد عن حكم المنطوق بمقداره : فلأنّ تقديم العامّ على المفهوم يكشف عن عدم تعلّق الحكم بالمنطوق ، وإلاّ يلزم التفكيك بين المتلازمين .

وبالجملة : أنّ رفع اليد عن المفهوم لأجل أقوائية العامّ يوجب رفع اليد عن المنطوق بمقداره ; لحديث الملازمة والمعارضة ; وإن كانت بين العامّ والمفهوم أوّلاً وبالذات ، لكن تتحقّق أيضاً بينه وبين المنطوق ثانياً وبالعرض . ورفع المحذور العقلي كما يمكن بتخصيص العامّ كذلك يمكن برفع اليد عن حكم المنطوق والمفهوم .

وقد يقال ـ كما عن بعض الأعاظم ، قدّس الله روحه ـ بعدم إمكان كون المفهوم معارضاً للعامّ دون منطوقه ; لأ نّا فرضنا أنّ المفهوم موافق للمنطوق ، وأ نّه سيق لأجل الدلالة عليه ، ومعه كيف يعقل أن يكون المنطوق غير معارض للعامّ مع كون المفهوم معارضاً له ؟

فالتعارض في المفهوم الموافق يقع ابتداءً بين المنطوق والعامّ ، ويتبعه وقوعه بين المفهوم والعامّ ، ولابدّ أوّلاً من علاج التعارض بين المنطوق والعامّ ، ويلزمه العلاج بين المفهوم والعامّ(1) ، انتهى .

وفيه : أ نّه ربّما يكون بين المنطوق والعامّ تباين كلّي ، كما إذا قال «أكرم الجهّال من خدّام النحويين» ثمّ قال «لا تكرم الصرفيين» ; فإنّ المستفاد من الأوّل وجوب إكرام النحويين بالأولوية . فبين المنطوق وهو وجوب إكرام الجهّال من


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 556 .


(241)

خدّام النحويين والعامّ أعني حرمة إكرام علماء الصرف تباين ، مع أنّ بين مفهومه الموافق وهو وجوب إكرام علماء النحو ، ونفس العامّ أعني لا تكرم الصرفيين عموم من وجه ; إذ الصرفي والنحوي قد يجتمعان وقد يفترقان .

فحينئذ : إذا كان المنطوق أجنبياً عن العامّ ، وكان التعارض ابتداءً بين العامّ والمفهوم ، مع كون النسبة بينهما عموماً من وجه فلا محيص من علاج التعارض ابتداءً بين العامّ والمفهوم ; لكون التعارض بينهما بالذات ويتبعه العلاج بين المنطوق والعامّ ; لكون التعارض بينهما بالعرض ; إذ ليس بين وجوب إكرام الجهّال من خدّام النحويين وبين حرمة إكرام الصرفيين تعارض بدواً .

فلو فرضنا تقدّم العامّ على المفهوم حسب القواعد يتبعه رفع اليد عن المنطوق لا محالة بمقداره . هذا حال هذا القسم من المنطوق والمفهوم .

وأ مّا إذا كان التعارض بين المنطوق والعامّ : فإن كان الأوّل أخصّ منه مطلقاً فيقدّم على العامّ بلا إشكال ، ويتبعه تقدّم المفهوم على العامّ مطلقاً ; سواء كانت نسبة المفهوم إلى العامّ عموماً مطلقاً أو عموماً من وجه .

والسرّ هنا : هو أ نّه يمتنع رفع اليد عن المفهوم بعد القطع بالتلازم ، فإذا فرضنا تقدّم المنطوق على العامّ لكونه خاصّاً يستتبعه تقدّم المفهوم عليه أيضاً ـ بأيّ نسبة اشتملت ـ للقطع بالتلازم بين التقدّمين .

والحاصل : أنّ عدم تقديم المفهوم على العامّ ـ  حتّى فيما إذا كانت النسبة بينهما عموماً مـن وجـه إذا كان المنطوق أخصّ مطلقاً مـن العام  ـ يستلزم إمّا تفكيك أحد المتلازمين عـن الآخـر إذا خصّصنا بالمنطوق دون المفهوم ، أو عـدم تقديم الخاصّ على العامّ إذا لم نخصّصه بالمنطوق أيضاً ، مع أ نّـه بالنسبـة إلى العامّ خاصّ مطلق .


(242)

وأظنّ : أ نّك إذا تدبّرت تعرف الفرق الواضح بين هذا القسم وما تقدّم بحثه آنفاً ; لأنّ البحث هاهنا فيما إذا كان التعارض بين العامّ والمنطوق وكان الثاني أخصّ من الأوّل مطلقاً ، فلا محالة يقدّم عليه ; ولأجل تقدّمه يقدّم المفهوم لحديث التلازم ، وإلاّ يلزم أحد المحذورين المتقدّمين .

ولكن البحث هناك فيما إذا كان التعارض بين العامّ والمفهوم ابتداءً وكانت النسبة بينهما عموماً من وجه لا عموماً مطلقاً ; إذ هو خارج عن محطّ البحث .

فقد ذكرنا : أ نّه لا وجه لتقديم المفهوم والحال هذه ، كما لا وجه للاستدلال على هذا التقديم بمجرّد كون المنطوق موافقاً له ، بل ما لم يرفع التعارض بين العامّ والمفهوم لا يتعيّن حكم المنطوق ، فلو ألزَمَنا القواعد تقديم العامّ على المفهوم لقدّمناه على المفهوم والمنطوق بلا تصوّر مانع ، فتذكّر .

هذا ، ولو كان التعارض بين المنطوق والعامّ أيضاً ولكن كان النسبة عموماً من وجه فيعامل معاملتهما ، ومع تقديمه على العامّ بحسب القواعد أو القرائن يقدّم المفهوم أيضاً ; لما عرفت .

المقام الثاني : في المفهوم المخالف

وظاهر عناوين القوم يعطي أنّ النزاع فيما إذا فرغنا عـن اشتمال القضيـة على المفهوم ، كما فرغنا عن وجود عامّ مخالف للمفهوم ; سواء كان النسبة بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً ، نحو قولك : «أكرم العلماء وإذا جاءك زيد لا تهن فسّاق العلماء» ، أم كانت عموماً مـن وجـه ، كما إذا قلت : «أكرم العلماء وإن جاءك زيـد أكرم الفسّاق» .

ولعلّ جعل محطّ البحث أعمّ لأجل أنّ أقوائية عموم العامّ يضعّف ظهور


(243)

اشتمال القضية على المفهوم ; وإن كان المفهوم أخصّ مطلق منه ، وهذا لا ينافي اشتمال القضية في حدّ ذاتها على المفهوم .

هذا ، ويظهر من شيخنا العلاّمة ـ  أعلى الله مقامه(1) ـ وبعض الأساطين(2) : أنّ البحث هنا عند القدماء هو البحث في باب الإطلاق والتقييد ، والكلام في تخصيص العامّ بالمفهوم مرجعه عندهم إلى تقييد العامّ بالقيد المذكور في القضية ومثّل له بقوله ـ عليه السلام ـ  : «خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شيء»(3) ، وقوله ـ عليه السلام ـ  : «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء»(4) ; فإنّ الأوّل يدلّ على أنّ تمام الموضوع للاعتصام هو نفس الماء ، ودلّ الثاني على أنّ للكرّية دخلاً فيه ، فآل التعارض إلى تعارض الإطلاق والتقييد ، فيحكّم القيد على الإطلاق .

ولكن هذا خروج عن عنوان البحث الدائر بلا دليل . وكيف كان فالنسبة بينهما : تارة تكون عموماً مطلقاً ، واُخرى عموماً من وجه .

وعلى أيّ تقدير : ربّما يقعان في كلام واحد متّصل ، وقد يقعان في كلامين  منفصلين .

وخلاصة الكلام : هو أنّ النزاع في تقديم العامّ على المفهوم المخالف أو في عكسه إنّما هو إذا لم يعارض العامّ نفس المنطوق .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 227 ـ 228 .
2 ـ لمحات الاُصول : 360 ، نهاية الاُصول : 359 ـ 360 .
3 ـ المعتبر 1 : 41 ، وسائل الشيعة 1 : 135 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 1 ، الحديث 9 .
4 ـ راجـع وسائل الشيعـة 1 : 158 ، كتاب الطهارة ، أبواب المـاء المطلق ، البـاب 9 ، الحديث 1 و 2 و 6 .


(244)

فحينئذ : إذا كانت دلالة القضية على المفهوم بالدلالة الوضعية مثل دلالة العامّ على عمومه فلا محالة يقع التعارض بين الظاهرين ، فمع عدم الترجيح يرجع إلى أخبار العلاج أو يحكم بالإجمال ، من غير فرق بين كونهما في كلام واحد أو كلامين ; وإن كانت استفادة المفهوم بمقدّمات الحكمة .

فلو كانا في كلام واحد فلا محيص عن رفع اليد عن المفهوم ; لانثلام مقدّماتها ; فإنّ جريانها معلّق على عدم البيان ، والظهور المنجّز ـ أعني العامّ ـ بيان له أو صالح للبيانية ، ولو كانا منفصلين يصيران متعارضين ، ولا ترجيح للظهور الوضعي على الإطلاقي في مثله .

هذا كلّه على المختار من كون دلالة اللفظ على العموم وضعية ، ولا يستفاد العموم من الإطلاق .

ولو قلنا بإمكان استفادة العموم من الإطلاق أيضاً ، وفرضنا دلالة القضية على المفهوم أيضاً بالإطلاق فهل المرجع هو التساقط والإجمال ـ وقعا في كلام واحد أو لا ـ أو يقدّم المفهوم على العامّ ؟ وجهان :

والمختار عند بعضهم هو الثاني ; حيث قال : إنّ المناط في المفهوم أن يكون التقيـيد راجعاً إلى الحكم لا إلى الموضوع ، والقضية الشرطية بعد ما كانت ظاهرة في كون القيد راجعاً إلى الحكم ـ لأ نّها وضعت لتقييد جملة بجملـة ـ تكون حاكمـة على مقدّمات الحكمة ، فظهورها في المفهوم يوجب عدم جريان مقدّمات الحكمة في العامّ .

وكون القضية ذات مفهوم وإن كانت بمقدّمات الحكمة إلاّ أنّ المقدّمات الجارية في طرف المفهوم تكون بمنزلة القرينة على أنّ المراد من العامّ هو الخاصّ ، والعامّ لا يصلح أن يكون قرينة على أنّ الشرطية سيقت لفرض وجود الموضوع ،


(245)

فلابدّ فيه من دليل يدلّ عليه . هذا إذا كان المفهوم أخصّ مطلقاً(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ إناطة الجزاء بالشرط وإن كانت مستفادة من الوضع إلاّ أ نّها ليست مناط استفادة المفهوم ، بل مناطه هو استفادة العلّة المنحصرة من الشرط ، والمفروض أنّ الدالّ عليها هو الإطلاق ، كما أنّ الدالّ عليه أيضاً هو الإطلاق ، فلا وجه لجعل أحدهما بياناً للآخر .

وجريان مقدّمات الحكمة في العامّ لا يوجب رجوع القيد إلى الموضوع ; حتّى يقال : إنّه لا يصلح لذلك ، بل يمنع عن جريانها في الشرطية لإثبات الانحصار .

وما ذكره : من أنّ جريانها في المفهوم بمنزلة القرينة للعامّ لا يرجع إلى  محصّل .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 560 ـ 561 .


(246)


(247)

الفصل السابع
في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

الحقّ : جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد ، بعدما ثبت في محلّه أنّ المدرك الوحيد في حجّيته هو بناء العقلاء على ذلك ، من دون أن يصدر عن الشارع تأسيس ولا إعمال تعبّد . وما ذكر من البناء لا يأبى عن القول بتقديمه على العموم الكتابي ; وإن كان ظنّي السند والآخر قطعي المدرك بعد إحراز التوفيق بينهما في محيط القانون ومركز جعل الأحكام .

ومجرّد اختلافهما فيما ذكر لا يوجب رفع اليد عنه والمصير إلى العموم ; لعدم وقوع التعارض بين السندين حتّى يتخيّل الترجيح ، بل بين الدلالتين ، وهما سيّان ; ولذلك يخصّص القائل المنع في المقام بتخصيص الكتاب لا الأخبار المتواترة مع اشتراكها في القطعية مع الكتاب الكريم .

وما ورد : من أنّ «ما خالف كتاب الله زخرف» ، أو «لم نقله» ، أو «باطل»(1) 


1 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 110 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 12  و 15  و 48 .


(248)

وغير ذلك من التعابير لا يمكن الاستشهاد به ; إذ لازمه عدم جـواز التخصيص بالخبر المتواتر ; لكون لسان تلك الأخبار آبية عن التخصيص جدّاً .

والحلّ : هو أنّ التعارض بالعموم والخصوص وإن كان يعدّ من التعارض الحقيقي ـ إذ الموجبة الكلّية نقيضه السالبة الجزئية ـ ولكن العارف باُصول الجعل والتشريع وكيفيته ; من تقديم بعض وتأخير آخر ، وأنّ محيط التشريع يقتضي ذلك بالضرورة سوف يرجع ويعترف بالتوافق والجمع في هذه الاختلاف .

وقد أقرّ الاُمّة جميعاً على أنّ في نفس الآيات مخصّصات ومقيّدات تقدّم بعضه بعضاً ، من دون أن يختلف فيه اثنان ، مع عدم عدّ ذلك تناقضاً وتهافتاً في الكتاب ولا منافياً لقوله تعالى : (وَلَو كانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثِيراً)(1)  وليس ذلك إلاّ عدم عدّ التقييد والتخصيص اختلافاً وتناقضاً في محيط التشريع والتقنين .

فلابدّ من إرجاع تلك الأخبار إلى المخالفات الكلّية التي تباين القرآن وتعارضه ; وكان باب الافتراء من خصماء الأئمّة ـ عليهم السلام ـ مفتوحاً عليهم بمصراعيه ، وكانوا يدسّون في كتب أصحاب أبي جعفر ـ عليه السلام ـ  ، وكانت الغاية للقالة والجعل هو أن يثبتوا عند الناس انحطاط مقاماتهم بالأكاذيب الموضوعة ; حتّى يرجع الناس عن بابهم ، وغير ذلك من الهوسات .

فما قيل : إنّ الدسّ منهم لم يكن بنحو التباين الكلّي والتناقض(2) ، في غير  محلّه .


1 ـ النساء (4) : 82 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 163 .


(249)

الفصل الثامن
في الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة

الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة هل يرجع إلى الجميع أو إلى خصوص الأخيرة أو لا ظهور فيه ; وإن كان الرجوع إلى الأخيرة متيقّناً ؟

وتفصيل القول فيه يقع في مقامين :

المقام الأوّل : في إمكان الرجوع إلى الجميع

الظاهر : إمكان رجوعه إلى الجميع ، بلا فرق بين أن يكون آلة الاستثناء حرفاً أو اسماً ، وبلا فرق بين أن يكون المستثنى علماً أو وصفاً مشتقّاً .

أ مّا آلة الاستثناء : فلو قلنا إنّ الموضوع له في الحروف كالأسماء عامّ فلا  إشكال أصلاً ، وإن كان خلاف التحقيق .

وأ مّا على المختار من أنّ الموضوع له في الحروف خاصّ فربّما يقال من أ نّها على هذا الفرض موضوعة للإخراج بالحمل الشائع ، فيلزم من استعمالها في الإخراجات استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، وهو في الحروف أشكل ; لأ نّها آلات لملاحظة الغير ، فيلزم أن يكون شيء واحد فانياً في شيئين أو أكثر .


(250)

أقول : إنّ الأمر في الحروف أسهل من الأسماء ; بحيث لو ثبت الجواز في الثانية لثبت في الاُولى بلا ريب ; لما تقدّم في مقدّمة الكتاب من أنّ دلالة الحروف على التكثّر والوحدة تبعي ، كأصل دلالته على معناه ، فلو فرضنا صدق المدخول على أكثر من واحد لسرى التكثّر إلى الحروف تبعاً ، فراجع .

أضف إليه : أ نّه يمكن أن يقال : إنّ أداة الاستثناء بإخراج واحد يخرج الكثيرين ، فلو قال المتكلّم : «أكرم العلماء وأضف التجّار إلاّ الفسّاق منهم» فهو إخراج واحد للفسّاق القابل للانطباق على فسّاق العلماء والتجّار ، فلا يكون استعمال الأداة في أكثر من معنى ، فتدبّر .

وأ مّا المستثنى : فربّما يستشكل فيما إذا كان المستثنى مثل زيد مشتركاً بين أشخاص ، ويكون في كلّ جملة شخص مسمّى بزيد ، فإخراج كلّ منهم بلفظ واحد مستلزم للمحذور المتقدّم .

والجواب : قد مرّ جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد(1)  مع عدم لزومه هنا أيضاً ; لإمكان استعماله في مثل المسمّى الجامع بين الأفراد انتزاعاً ، فلا يلزم الإشكال في الإخراج ، ولا في المخرج .

المقام الثاني : في حاله إثباتاً

فهناك صور وأقسام يختلف الحكم باختلافها :

منها : ما إذا ذكر الاسم الظاهر في الجملة الاُولى وعطف سائر الجمل عليها ; مشتملاً على الضمير الراجـع إليه ، واشتمل المستثنى أيضاً علـى الضمير ، مثل


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 131 .


(251)

قولك : «أكرم العلماء وسلّم عليهم والبسهم إلاّ الفسّاق منهم» فالظاهر رجوع الاستثناء إلى الجميع .

ووجهه : أنّ الضمائر كأسماء الإشارة وضعت لنفس الإشارة إلى الغائب ، فحينئذ إذا اشتمل المستثنى على الضمير يكون إشارة إلى شيء ; ولم يكن في الجمل شيء صالح للإشارة إليه إلاّ الاسم الظاهر المذكور في صدرها .

وأ مّا سائر الجمل فلا تصلح لإرجاع الضمير إليها ; لعدم إمكان عود الضمير إلى الضمير ، فإذا رجع ضمير المستثنى إلى الاسم الظاهر يخرجه عن تحت جميع الأحكام المتعلّقة به . ويؤيّده فهم العرف أيضاً .

وبالجملة : أنّ الأحكام المتواردة على الضمائر متواردة على الاسم الظاهر حقيقة ; لكون عمل الضمائر هو نفس الإشارة إلى الغائب ، والمثال المذكور يؤول حقيقة إلى قولنا : «أضف وأكرم وسلّم العلماء» والاستثناء ورد على هذا الظاهر ، والفسّاق مـن العلماء قد خرجـوا عـن موضوع الحكم ، فلا محالـة ينسلخ عنهم عامّة الأحكام .

فإن قلت : إنّ إخراج الفسّاق عن العلماء كما يمكن أن يكون بما لهم من حكم التكريم يمكن أن يكون بما لهم حكم التسليم .

قلت : ما ذكرت تدقيق صناعي لا يتوجّه إليه العرف الساذج ، وهو لا يفرّق بين حكم وحكم ، بعد التفاته إلى أنّ فسّاق العلماء خرجوا عن الموضوعية للحكم ، بل ما ذكرنا بيانُ مناسبة لإرجاعه الاستثناء إلى الجميع لا برهان عليه ، فتدبّر .

ومنها : هذه الصورة أيضاً ، ولكنّ المستثنى غير شامل للضمير العائد إلى الاسم الظاهر ، كما إذا قال في المثال المتقدّم : «إلاّ بني فلان» والظاهر رجوع


(252)

الاستثناء إلى الجميع أيضاً : أ مّا على القول بأنّ الضمير في مثله منوي فواضح ، وأ مّا إذا لم نقل بتقديره فيه فلأنّ الضمائر في سائر الجمل غير صالحة لتعلّق الاستثناء بها ; فإنّها بنفسها غير محكومة بشيء ، فلا محالة يرجع إلى ما هو صالح له ، وهو الاسم الظاهر ، ويأتي فيها ما تقدّم من البيان ، فتذكّر .

ومنها : ما إذا تكرّر الاسم الظاهر ، كما لو قال : «أكرم العلماء وأضف التجّار والبس الفقراء إلاّ الفسّاق منهم» .

والحقّ : أ نّه محتمل غير ظاهر في رجوعه إلى الجميع أو الأخير فقط .

وربّما يقال : بأنّ الظاهر رجوعه إلى الأخيرة ; لأنّ تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة مستقلاًّ يوجب أخذ الاستثناء محلّه من الكلام(1) .

وأنت خبير : بأنّ ذلك لا يرجع إلى محصّل ، بل التحقيق أنّ المستثنى إن اشتمل على الضمير يكون الاستثناء تابعاً له في السعة والضيق ، وبما أنّ كلّ جملة مشتملة على الاسم الظاهر يكون الضمير قابلاً للعود إلى الأخيرة والجميع ، من غير تأوّل ولا تجوّز ويتبعه الاستثناء . ولو لم يشتمل فيحتمل الأمرين ; لانطباق عنوان المستثنى على الجميع .

هذا ، ولو لم نقل بأنّ رجوع الضمير وانطباق العنوان على الجميع أظهر لدى العرف فلا أقلّ من المساواة احتمالاً .

ومنها : ما إذا اشتمل بعض الجمل المتوسّطة على الاسم الظاهر أيضاً وما بعدها على الضمير الراجع إليه ، مثل قولك : «أكرم العلماء وسلّم عليهم ، وأضف التجّار وأكرمهم إلاّ الفسّاق منهم» ، فيحتمل الرجوع إلى الجملة المتوسّطة المشتملة


1 ـ أجود التقريرات 1 : 497 .


(253)

على الاسم الظاهر وما بعده أو إلى الجميع ، والظاهر عدم الترجيح بينهما .

وبقي هنا صور اُخرى ، يظهر حالها ممّا قدّمناه .

ثمّ إنّه إذا لم يظهر رجوعه إلى الجميع أو الأخيرة ـ بعد اليقين بأنّ الأخيرة من الجمل مخصّصة قطعاً ; لأنّ عودها إلى غيرها وصرفه عنها خلاف قانون المحاورة ـ ربّما يقال بجواز التمسّك بأصالة العموم في سائر الجمل مطلقاً ، وربّما يفصّل بين احتياج العموم إلى مقدّمات الحكمة وعدمه ، فلا يتمسّك في الأوّل دون الثاني .

ولكن الحقّ : عدم جواز التمسّك بأصالة العموم مطلقاً ; لعدم إحراز بناء العقلاء على العمل بها فيما حفّ الكلام بما يصلح للقرينية ، وتقييد مدخول أداة العموم ، فأصالة العموم بما هي حجّة وكاشفة عن تطابق الإرادتين لم تحرز في المقام ، فحينئذ يصير الكلام مجملاً .

وما قيل : إنّ ذلك مخلّ بغرض المتكلّم(1)  مدفوع بإمكان تعلّق غرضه بإلقاء المجملات ، وإلاّ لوجب عدم صدور المتشابهات والمجملات منه ، وهو كما ترى .

وما قيل : إنّه لا قصور في الأخذ بإطلاق الاستثناء والمستثنى لولا كون ظهور العامّ وضعياً ووارداً على الإطلاق ، ومعه لا مجال لقرينية الإطلاق ; لأ نّه دوري ، نعم لو كان العامّ في دلالته على العموم بمؤونة الإطلاق لم يكن وجه للتقديم(2) .

فيلاحظ عليه: أمّا أوّلاً، فلأنّ ظاهر كلامه أنّ أركان الإطلاق تامّ في جانب المستثنى، لكن ظهور العامّ الوضعي ـ أي المستثنى منه ـ وارد على الإطلاق وإلاّ فالإطلاق تامّ الأركان، فنقول: إنّ هذا يستلزم الدور.


1 ـ أجود التقريرات 1 : 497 .
2 ـ مقالات الاُصول 1 : 477 .


(254)

إذ من جانب ، إنّ تمامية الإطلاق في جانب الاستثناء يتوقّف على تعيّن مرجع الضمير قبل انعقاد الإطلاق بإرجاعه إلى الجميع، إذ لو رجع إلى الجملة الأخيرة لا يبقى موضوع للإطلاق في المستثنى.

ومن جانب ، إنّ المفروض أنّ أركان الإطلاق في المستثنى تامّ ومعناه أنّ الإطلاق مشخّص لمرجع الضمير. فينتج أنّ الإطلاق يتوقف على تشخّص مرجع الضمير قبله ، والمفروض أ نّه يتشخّص بالإطلاق.

وثانياً : أنّ العموم وإن كان وضعياً ولا يحتاج إلى مقدّمات الحكمة لكن لا يحتجّ به بمجرّده ما لم يحرز بالأصل العقلائي أنّ الجدّ مطابق للاستعمال ، وقد عرفت عدم إحراز بناء العقلاء على التمسّك به في مثل الكلام المحفوف بما يصلح لتقييد ما دخله أداة العموم(1) .

هذا ، وكذا الكلام فيما لم يكن المستثنى مشتملاً على الضمير ; سواء قلنا إنّ الضمير منوي أم لا ; لعدم كون أصالة الجدّ محرزة .

وبقيت هاهنا أبحاث طفيفة لا يهمّنا التعرّض لها .


1 ـ تقدّم في الصفحة 180 ـ 181 .


(255)

المقصد الخامس
في
المطلق والمقيّد

وفيه فصول :


(256)


(257)

الفصل الاوّل
في تعريف المطلق والمقيّد

عرّف المطلق بأ نّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه والمقيّد بخلافه ، وهذا التعريف وإن اشتهر بين الأعلام(1)  إلاّ أ نّه يرد عليه اُمور :

منها : أنّ الظاهر من هذا التعريف أنّ الإطلاق والتقييد من أوصاف اللفظ ، مع أ نّهما من صفات المعنى ; ضرورة أنّ نفس الطبيعة التي جعلت موضوع الحكم قد تكون مطلقة وقد تكون متقيّدة .

وإن شئت قلت : إنّ الداعي لتعلّق الأحكام بعناوينها هو اشتمالها على مصالح ومفاسد ملزمة أو غير ملزمة ، وهي قد تترتّب على نفس الطبيعة وقد تترتّب على المقيّد بشيء ، فيصير الموضوع مع قطع النظر عن اللفظ تارة مطلقاً واُخرى مقيّداً .

بل مع قطع النظر عن الملاك يمكن تصوير الإطلاق والتقييد ; إذ الإنسان الأبيض مقيّد والإنسان مطلق ، مع قصر النظر على المعنى بلا رعاية لفظ أو ملاك .


1 ـ معالم الدين : 150 ، قوانين الاُصول 1 : 321 / السطر16 ، الفصول الغروية : 217 / السطر 36 .


(258)

ومنها : أنّ الشيوع في جنسه الذي جعل صفة المعنى يحتمل وجهين :

الأوّل : أن يكون نفس الشيوع جزء مدلول اللفظ ، كما أنّ الذات جزء آخر ، فالمطلق يدلّ على المعنى والشيوع .

ولكنّه بعيد غايته ، بل غير صحيح ; إذ لا يدلّ أسماء الأجناس على ذات الطبيعة ومفهوم الشيوع . كيف ، والمطلق ما لا قيد فيه بالإضافة إلى كلّ قيد يمكن تقييده به ، من غير دلالة على الخصوصيات والحالات وغير ذلك .

الثاني : أن يراد من الشيوع كونه لازماً لمعنىً بحسب الواقع ، لا جزء مدلول منه ; فالمطلق دالّ على معنى لكن المعنى في حدّ ذاته شائع في جنسه ; أي مجانسـه وأفراده .

وعليه : يصير المراد مـن الشيوع في الجنس هـو سريانه في أفـراده الذاتية ; حتّى يصدق بوجـه أ نّـه شائـع في مجانسـه ، وإلاّ فالجنس بالمعنى المصطلح لا  وجه له .

ولكنّه يوجب خروج بعض المطلقات عن التعريف المزبور ، مثل إطلاق أفراد العموم في قوله سبحانه : ( أوفُوا بِالعُقُودِ )(1) ، وكذا الإطلاق في الأعلام الشخصية ، كما في قوله تعالى : (وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ)(2) ، وكذا الإطلاق في المعاني الحرفية ، على أ نّه غير مطّرد لدخول بعض المقيّدات فيه ، كالرقبة المؤمنة ; فإنّه أيضاً شائع في جنسه .

وما عن بعض أهل التحقيق في إدراج الأعلام تحت التعريف المشهور مـن


1 ـ المائدة (5) : 1 .
2 ـ الحجّ (22) : 29 .


(259)

أنّ المـراد سنخ الشيء المحفوظ في ضمن قيود طارئـة ، سواء تحقّق بين وجـودات متعدّدة أو في وجـود محفوظ في ضمن الحالات المتبادلـة(1) ، لا يخلو عن تعسّف بيّن .

فقد ظهر من هذا البيان عدّة اُمور :

الأوّل : أنّ مصبّ الإطلاق أعمّ مـن الطبائع والأعلام الشخصية ، وتجـد الثاني فـي أبواب الحـجّ كثيراً في الطواف على البيت واستلام الحجر والوقـوف بمنى والمشعر .

فما ربّما يقال : من أنّ المطلق هو اللابشرط المقسمي أو القسمي ، ليس بشيء ، وهناك قسم ثالث ; وهو الإطلاق الموجود في ناحية نفس الحكم ، كما تقدّم في باب الواجب المشروط ، وتقدّم أنّ القيود بحسب نفس الأمر تختلف بالذات ، بعضها يرجع إلى الحكم ولا يعقل إرجاعها إلى المتعلّق ، وبعض آخر على العكس(2) ، وعرفت أنّ معاني الحروف قابلة للإطلاق والتقييد(3) ; فمصبّ الإطلاق قد يكون في الطبائع وقد يكون في الأعلام وقد يكون في الأحكام وقد يكون في الأشخاص والأفراد .

الثاني : أنّ الإطلاق والتقييد من الاُمور الإضافية ، فيمكن أن يكون شيء مطلقاً ومقيّداً باعتبارين .

الثالث : أنّ بين الإطلاق والتقييد شبه تقابل العدم والملكة ، فالمطلق ما


1 ـ نهاية الأفكار 1 : 559 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 313 .
3 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 317 ـ 318 .


(260)

لا  قيد فيه ممّا شأنه أن يتقيّد بذلك ، وما ليس من شأنه التقييد لا يكون مطلقاً ، كما لا يكون مقيّداً . والتعبير بشبه العدم والملكة لأجل أنّ التقابل الحقيقي منه ما إذا كان للشيء قوّة واستعداد يمكن له الخروج عن القوّة إلى مرتبة الفعلية بحصول ما يستعدّ له ، والأمر هنا ليس كذلك .

الرابع : أنّ مفاد الإطلاق غير مفاد العموم ، وأ نّه لا يستفاد منه السريان والشيوع ـ ولو بعد جريان مقدّمات الحكمة ـ بل الإطلاق ليس إلاّ الإرسال عن القيد وعدم دخالته وهو غير السريان والشيوع .


(261)

الفصل الثاني
حول بعض الألفاظ التي يطلق عليها المطلق

اسم الجنس وعلمه وغيرهما

غير خفي على الوفي : أنّ البحث عنهما وعن توضيح الحال في الماهية اللابشرط وأقسامها ومقسمها والفرق بين القسمي والمقسمي أجنبي عن مباحث الإطلاق والتقييد ; خصوصاً على ما عرفت من أنّ الإطلاق دائماً هو الإرسال عن القيد ، وليس المطلق هو الماهية اللابشرط القسمي أو المقسمي ، غير أ نّا نقتفي أثر القوم في هذه المباحث ، فنقول :

وأ مّا أسماء الأجناس كالإنسان والسواد وأمثالهما ، فالتحقيق : أ نّها موضوعة لنفس الماهيات العارية عن قيد الوجود والعدم وغيرهما ; حتّى التقييد بكونها عارية عن كلّ قيد حقيقي أو اعتباري ; لأنّ الذات في حدّ ذاتها مجرّدة عن كافّة القيود وزوائد الحدود .

نعم ، الماهية بما هي وإن كان لا يمكن تصوّرها وتعقّلها مجرّدة عن كافّة الموجودات لكن يمكن تصوّرها مع الغفلة عن كافّة الوجودات واللواحق ، واللاحظ


(262)

في بدو لحاظه غافل عن لحاظه ، غير متوجّه إلاّ إلى مراده ومعقوله ; إذ لحاظ هذا اللحاظ البدوي يحتاج إلى لحاظ آخر ، ولا يمكن أن يكون ملحوظاً بهذا اللحاظ . فلا محالة تصير لحاظ الماهية مغفولاً عنه ، وبما أنّ غرض الواضع وهدفه إفادة نفس المعاني يكون الموضوع له نفس الماهية ، لا بما هي موجودة في الذهن .

هذا ، واللفظ موضوع لنفس الماهية بلا لحاظ السريان والشمول ; وإن كانت بنفسها سارية في المصاديق ومتّحدة معها ، لا بمعنى انطباق الماهية الذهنية على الخارج ، بل بمعنى كون نفس الماهية متكثّرة الوجود ، توجد في الخارج بعين وجود الأفراد .

وممّا يقضى منه العجب : ما أفاده بعض الأعيان من المحقّقين في «تعليقته» وملخّص كلامه : إنّه لا منافاة بين كون الماهية في مرحلة الوضع ملحوظة بنحو اللابشرط القسمي وكون الموضوع له هو ذات المعنى فقط ، فالموضوع له نفس المعنى ، لا المعنى المطلق بما هو مطلق ; وإن وجب لحاظه مطلقاً تسرية للوضع . ومثله قوله : اعتق رقبة ; فإنّ الرقبة وإن لوحظت مرسلة لتسرية الحكم إلى جميع أفراد موضوعه إلاّ أنّ الذات المحكوم بالوجوب عتق طبيعة الرقبة ، لا عتق أ يّة رقبة(1) .

وفيه : أنّ الموضوع له إذا كان نفس المعنى لا يعقل سراية الوضع إلى الأفراد ، ويكون لحاظ الواضع لغواً بلا أثر ، إلاّ أن يجعل اللفظ بإزاء الأفراد ، وكذا إذا كان موضوع الحكم نفس الطبيعة لا يعقل سرايته إلى خصوصيات الأفراد ; سواء لاحظ الحاكم أفرادها أم لا . فما أفاده في كلا المقامين منظور فيه .


1 ـ نهاية الدراية 2 : 493 ـ 494 .


(263)

تقسيم الماهية إلى أقسام ثلاثة

إنّ من التقسيم الدائر بينهم انقسام الماهية إلى لا بشرط وبشرط شيء وبشرط لا .

ثمّ إنّه اختلف كلمات الأعاظم في تعيين المقسم ، وأنّ الفرق بين اللابشرط المقسمي والقسمي ما هو ؟

ويظهر من بعضهم : أنّ المقسم هو نفس الماهية ، وهذه الاعتبارات واردة عليها ، كما يفصح عنه قول الحكيم السبزواري ـ قدس سره ـ (1) ، ومحصّل هذا الوجه : أنّ انقسام النوع والجنس والفصل إلى الثلاثة بالاعتبار ، وكذا افتراق الثلاثة باللحاظ أيضاً ، وأنّ الماهية إذا لوحظت مجرّدة عمّا يلحق بها تكون بشرط لا ، وإذا لوحظت مقترنة بشيء تكون بشرط شيء ، وإذا لوحظت بذاتها لا مقترنة ولا غير مقترنة تكون لا بشرط شيء .

والفرق بين اللا بشرط المقسمي والقسمي هـو كون اللابشرطيـة قيداً في الثاني دون الأوّل ، كما هـو الفرق بين الجنس والمادّة والنوع ، فإن لوحـظ الحيوان لا بشرط يكون جنساً ، وإن لوحظ بشرط لا تكون مادّة ، وإن لوحظ بشرط شيء يكون نوعاً .

وقـد اغترّ بظاهـر كلماتهم أعاظم فـنّ الاُصـول ، ووقعوا في حيص وبيص في أقسام الماهيـة ، والفرق بين المقسمي والقسمي ; حتّى ذهب بعضهم إلى أنّ


1 ـ    مخلوطة ، مطلقة ، مجرّدة         عند اعتبارات عليها واردة
   شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 95 .


(264)

التقسيم للحاظ الماهية لا لنفسها(1) .

هذا ، لكن حسن ظنّي بأهل الفنّ في هذه المباحث يمنعني أن أقول : إنّ ظاهـر هـذه الكلمات مرادة لهم ، وأ نّهم اقترحـوا هـذا التقسيم ومـا شابهه في مباحث الجنس والفصل ، من غير نظر إلى عالم الخـارج ونظام الكون ، وكأنّ غرضهم هو التلاعب بالمفاهيم والاعتبارات الذهنية ، من دون أن يكون لهذه الأقسام محكيات في الخارج .

أضف إلى ذلك : أنّ ملاك صحّة الحمل وعدم صحّتها عندهم هو كون الشيء المحمول لا بشرط وبشرط لا ، ولو كان هذا الملاك أمراً اعتبارياً لزم كون اعتبار شيء لا بشرط مؤثّراً في الواقع ، ويجعل الشيء أمراً قابلاً للاتّحاد والحمل ، ولزم من اعتباره دفعة اُخرى بشرط لا انقلاب الواقع عمّا هو عليه .

والحاصل : أ نّه يلزم من اعتبار شخص واحد شيئاً واحداً على نحوين اختلاف نفس الواقع ، كما يلزم من اعتبار أشخاص مختلفة صيرورة الواقع مختلفاً بحسب اختلاف اعتبارهم ، فتكون ماهية واحدة متّحدة مع شيء ولا متّحدة معه بعينه .

هذا ، مع أنّ الغرض من هذه التقسيمات وكذا الحمل هو حكاية الواقع ونفس الأمر لا التلاعب بالمفاهيم واختراع اُمور ذهنية .

ومن ذلك يظهر : ضعف ما ربّما يقال من أنّ المقسم ليس هو نفس الماهية ، بل لحاظ الماهية أو الماهية الملحوظة(2) . ويقرب عنه ما أفاده بعض الأعيان في تعليقته الشريفة ، فراجع(3) .


1 ـ لمحات الاُصول : 337 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ نهاية الدراية 2 : 492 ـ 494 .


(265)

وليت شعري أيّ فائدة في تقسيم لحاظ اللاحظ ، ثمّ أيّ ربط بين تقسيمه وصيرورة الماهية باعتباره قابلة للحمل وعدمها .

والذي يقتضيه النظر الدقيق ـ ولعلّه مراد القوم ـ هو أنّ كلّ المباحث المعنونـة في أبواب الماهية من المعقولات الثانية إنّما هي بلحاظ نفس الأمر ، وأنّ الماهية بحسب واقعها ـ الأعمّ من حدّ الذات أو مرتبة وجودها ـ لها حالات ثلاثـة ، لا تتخلّف عن واقعها ولا يرجع قسم منها إلى قسم آخر ; وإن لوحظ على خلاف واقعه ألف مرّات ; حتّى أنّ الاختلاف الواقع بين المادّة والجنس والنوع واقعي ، لا اعتباري .

أ مّا انقسام الماهية بحسب نفس الأمر إلى أقسام ثلاثـة : فلأ نّها إذا قيست إلى أيّ شيء :

فإمّا أن يكون ذلك الشيء لازم الالتحاق بها بحسب وجودها أو ذاتها ، كالتحيّز بالنسبة إلى الجسمية والزوجية بالنسبة إلى الأربعة ، وهذه هي الماهية بشرط شيء .

وإمّا أن يكون ممتنع الالتحاق بحسب وجودها أو ذاتها ، كالتجرّد عـن المكان والزمـان بالنسبة إلى الجسم ، والفرديـة إلى الأربعـة ، وهـذه هي الماهية بشرط لا .

وإمّا أن يكون ممكن الالتحاق ، كالوجود بالنسبة إلى الماهية ، والبياض إلى الجسم الخارجي ، فهذه هي الماهية اللابشرط .

فالماهية بحسب نفس الأمر لا تخلو عن أحد هذه الأقسام ، ولا يتخلّف عمّا هو عليه بورود الاعتبار على خلافه . وبهذا يخرج الأقسام عن التداخل ; إذ لكلّ واحد حدّ معيّن لا ينقلب عنه إلى الآخر . ويتّضح الفرق بين اللابشرط المقسمي


(266)

والقسمي ; لأنّ المقسم نفس ذات الماهية ، وهي موجودة في جميع الأقسام ، واللابشرط القسمي مقابل للقسمين بحسب نفس الأمر ومضادّ لهما .

والحاصل : أنّ مناط صحّـة التقسيم هي الواقع لا اعتبار المعتبر ; فالماهية إن امتنع تخلّفها عن مقارنها في واحد من مراتب الواقع فهي بالنسبة إليه بشرط شيء ، وإن امتنع لها الاتّصاف به فهي بالنسبة إليه بشرط لا ، وإن كان له قابلية الاتّصاف واستعداده من غير لزوم ولا امتناع فهي بالنسبة إليه لا بشرط ، كالأمثلة المتقدّمة .

وما ذكرنا وإن لم أر التصريح به ، بل مخالف لظواهر كلماتهم ، إلاّ أ نّه تقسيم صحيح دائر في العلوم ، لا يرد عليه ما أوردناه على ظواهر أقوالهم .

نعم ، هذا التقسيم إنّما هو للماهية بحسب نفسها ، ولكن يمكن أن يجري في الماهية الموجودة ، بل يمكن إجراؤه في نفس وجودها ، وقد أجراه بعض أهل الذوق في بعض العلوم في حقيقة الوجود(1) ، ولا يقف على مغزاه إلاّ من له قدم راسخ في المعارف الإلهية .

وأ مّا كون الاختلاف بين المادّة والجنس والنوع أمراً واقعياً : فتفصيله وإن كان موكولاً إلى محلّه وأهله إلاّ أنّ مجمله ما يلي ; وهو أنّ تقسيم الماهية إلى الأجناس والفصول بلحاظ الواقع ونفس الأمر ، وأنّ الاختلاف بين المادّة والجنس والنوع واقعي ، والمادّة متّحدة مع الصورة التي تبدّلت إليها ، والتركيب بينهما اتّحادي ، وتكون المادّة المتّحدة بالصورة ، والصورة المتّحدة معها نوعاً من الأنواع ، والمادّة التي قابلة لصورة اُخرى تكون منضمّة إلى الصورة الموجودة ، والتركيب بينهما انضمامي لا اتّحادي .


1 ـ شرح فصوص الحكم ، القيصري : 22 .


(267)

وتكون تلك المادّة بالنسبة إلى الصورة المتحقّقة بشرط لا ; لعدم إمكان اتّحادها بها ، وبالنسبة إلى الصورة التي تستعدّ لتبدّلها إليها لا بشرط شيء ; لإمكان تبدّلها بها .

مثلاً : المادّة التي تبدّلت بصورة النواة وصارت فعليتها متّحدة معها تركيبهما اتّحادي ، بل إطلاق الاتّحاد أيضاً باعتبار ظرف التحليل والتكثّر ، وإلاّ فبعد صيرورة القوّة النواتية فعلية لا تكون في الخارج إلاّ فعليتها ، والقوّة ليست بحدّها موجودة فيها ، وإن كانت الفعلية واجدة لها وجدان كلّ كمال للضعيف .

والمادّة المستعدّة في النواة لقبول صورة الشجر تكون منضمّة إلى الصورة النواتية وتركيبهما انضمامي لا اتّحادي ، وتكون لا بشرط بالنسبة إلى الصورة الشجرية ; لإمكان اتّحادها بهما ، وبشرط لا بالنسبة إلى تلك الصورة الشخصية النواتية المتحقّقة ; لعدم إمكان اتّحادها معها .

فتحصّل : أنّ في النواة مادّة متّحدة ومادّة منضمّة ، ومأخذ الجنس والفصل والنوع هو الواقع المختلف بحسب نفس الأمر ، فلا يكون شيء من اعتبارات الماهية لا في باب الأجناس والفصول والموادّ والصور ، ولا في باب الأقسام الثلاثة لها ; اعتباراً جزافاً وتلاعباً محضاً .

هذا ، ولكن تفصيل هذه المباحث يطلب من مقارّه وعند أهله . وقد مرّ ما ينفعك في المقام في بحث المشتقّ(1) .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 166 .


(268)

البحث في علم الجنس

وهو كـ «اُسامة» و«ثعالة» ، فلا إشكال في أ نّه يعامل معه معاملة المعرفة ، فيقع مبتدأ وذا حال ويوصف بالمعرفة .

والمنقول هنا في إجراء أحكام المعرفة عليه وجهان :

الأوّل : أنّ تعريفه تعريف لفظي ، كالتأنيث اللفظي ، ومفاده عين مفاد اسم الجنس بلا فرق بينهما .

الثاني : أ نّه موضوع للطبيعة لا بما هي هي ، بل بما هي متصوّرة ومتعيّنة بالتعيّن الذهني .

وأورد عليه المحقّق الخراساني : من أ نّه يمتنع حينئذ أن ينطبق على الخارج ويحتاج إلى التجريد عند الاستعمال ويصير الوضع لغواً(1) .

وأجاب عنه شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ بأنّ اللحاظ حرفي لا اسمي ، وهو لا يوجب امتناع انطباقه على الخارج(2) .

وفيه : أنّ كون اللحاظ حرفياً لا يخرجه عن كون موطنه هو الذهن ، فلا محالة يتقيّد الطبيعة بأمر ذهني وإن كان مرآة للخارج ، ولكن ما ينطبق على الخارج هو نفس الطبيعة لا المتقيّدة بأمر ذهني .

وكون اللحاظ مرآتياً ليس معناه عدم تقيّدها به أو كون وجوده كعدمه ; إذ بأيّ معنى فسّر هذا اللحاظ فلا محالة يكون علم الجنس متقوّماً به حتّى يفترق عن


1 ـ كفاية الاُصول : 283 ـ 284 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 232 .


(269)

اسمه ، والمتقوّم بأمر ذهني لا ينطبق على الخارج .

ويمكن أن يقال : إنّ الماهية في حدّ ذاتها لا معرفة ولا نكرة ، لا متميّزة ولا  غير متميّزة ، بل تعدّ هـذه مـن عوارضها كالوجـود والعدم ; لأنّ التعريف في مقابل التنكير عبارة عن التعيّن الواقعي المناسب لوعائه ، والتنكير عبارة عن اللا  تعيّن كذلك .

على أنّ واحداً من التعريف والتنكير لو كان عين الطبيعة أو جزئها يمتنع عروض الآخر عليها . فحينئذ لا بأس بأن يقال : إنّ اسم الجنس موضوعة لنفس الماهية التي ليست معرفة ولا نكرة ، وعلم الجنس موضوع للماهية المتعيّنة بالتعيّن العارض لها ; متأخّراً عن ذاتها في غير حال عروض التنكير عليها .

وبالجملة : اسم الجنس موضوع لنفس الماهية ، وعلم الجنس موضوع للطبيعة بما هي متميّزة من عند نفسها بين المفاهيم ، وليس هذا التميّز والتعيّن متقوّماً باللحاظ ، بل بعض المعاني بحسب الواقع معروف معيّن ، وبعضها منكور غير معيّن .

وليس المراد من التعيّن هو التشخّص الذي يساوق الوجود ; حتّى يصير كالأعلام الشخصية ، بل المراد منه التعيّن المقابل للنكارة . فنفس طبيعة الرجل لا تكون نكرة ولا معرفة ، فكما أنّ النكارة واللا تعيّن تعرضها ، كذلك التعريف والتعيّن ; فالتعريف المقابل للتنكير غير التشخّص .

فظهر : أنّ الماهية بذاتها لا معروف ولا منكور ، وبما أ نّها معنى معيّن بين سائر المعاني وطبيعة معلومة في مقابل غير المعيّن معرفة .

فـ «اُسامة» موضوعة لهذه المرتبة ، واسم الجنس لمرتبة ذاتها ، وتنوين التنكير يفيد نكارتها ، واللا تعيّن ملحق بها كالتعيّن .


(270)

ثمّ الظاهر : أنّ اللام وضعت مطلقاً للتعريف ، وأنّ إفادة العهد وغيره بدالّ آخر ، فإذا دخلت على الجنس وعلى الجمع تفيد تعريفهما وأفادت الاستغراق ; لأنّ غير الاستغراق من سائر المراتب لم يكن معيّناً ، والتعريف هو التعيين ، وهو حاصل مع استغراق الأفراد لا غير .

وما ذكرنا في عَلم الجنس غير بعيد عـن الصواب ; وإن لم يقم دليل على كونـه كذلك ، لكن مع هذا الاحتمال لا داعي للذهاب إلى التعريف اللفظي البعيد عـن الأذهان .

الكلام في النكرة

فالظاهر : أ نّها دالّة بحكم التبادر على الطبيعة اللا معيّنة ـ أي المتقيّدة بالوحدة بالحمل الشائع ـ لكن بتعدّد الدالّ ; فالمدخول دالّ على الطبيعة والتنوين على الوحدة . وعليه فهي كلّي قابل للصدق على الكثيرين ; سواء وقع في مورد الإخبار ، نحو «جاءني رجل» أم في مورد الإنشاء ، نحو «جئني برجل» .

وما يقال : من أنّ الأوّل جزئي ; لأنّ نسبة المجيء إليه قرينة على تعيّنه في الواقع ; ضرورة امتناع صدور المجيء عن الرجل الكلّي(1) ، غير تامّ ; لأنّ المتعيّن الذي يستفاد عن القرينة الخارجية ـ كما في المقام ـ لا يخرج النكرة عن الكلّية .

ومن هنا يظهر النظر في كلمات شيخنا العلاّمة ، أعلى الله مقامه(2) .


1 ـ كفاية الاُصول : 285 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 233 .


(271)

الفصل الثالث
في مقدّمات الحكمة

قد عرفت : أنّ الإطلاق في مقام الإثبات عبارة عن كون الشيء تمام الموضوع للحكم إذا كان مصبّ الإطلاق نفس المتعلّق أو الموضوع ، أو كون الحكم مرسلاً عن القيد إذا كان مصبّه نفس الحكم .

وعلى أيّ حال : لا يحتاج إلى لحاظ السريان والشياع ; إذ فيه ـ مضافاً إلى أ نّه أمر غير مفيد في حكاية الطبيعة عن الأفراد كما مرّ(1) ـ أ نّه لا وجه لهذا اللحاظ ، بل الإطلاق ينعقد بدونه ، ويتمّ الحجّة ; وإن لم يكن المقنّن لاحظاً سريانه .

فلا مجـال لما أفاده المحقّق الخـراساني مـن أنّ مقـدّمات الحكمـة تثبت الشياع والسريان(2) .

وما ربّما يتوهّم : من لزوم لحاظ حالات الطبيعة بمعنى ثبوت الحكم عند كلّ حالة وحالة ; لامتناع الإهمال الثبوتي ، مدفوع بما حقّقناه في مبحث الترتّب ، فراجع .


1 ـ تقدّم في الصفحة 262 .
2 ـ كفاية الاُصول : 287 .


(272)

والأولى : صرف عنان البحث إلى مقدّمات الحكمة المعروفة ; وهي ثلاثة نبحث عن كلّ واحدة مستقلاًّ .

الاُولى : إحراز كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد ، والظاهر لزوم وجود هذه المقدّمة في الإطلاق ; ضرورة أنّ الدواعي لإلقاء الحكم مختلفة ; فربّما يكون الداعي هو الإعلان بأصل وجوده مع إهمال وإجمال ، فهو حينئذ بصدد بيان بعض المراد ، ومعه كيف يحتجّ به على المراد ؟ وربّما يكون بصدد بيان حكم آخر .

وعليه : لابدّ من ملاحظة خصوصيات الكلام المحفوف بها ومحطّ وروده وأ نّه في صدد بيان أيّ خصوصية منها ; فربّما يساق الكلام لبيان إحدى الخصوصيات دون الجهات الاُخر ، فلابدّ من الاقتصار في أخذ الإطلاق على المورد الذي أحرزنا وروده مورد البيان ، ولذلك يجب إعمال الدقّة في تشخيص مورد البيان .

هذا ، وقد خالف في لزوم هذه المقدّمة شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ  ; حيث ذهب إلى عدم لزوم إحراز كونه في مقام بيان مراده ; مستدلاًّ بأ نّه لو كان المراد هو المقيّد تكون الإرادة متعلّقة به بالأصالة ، وإنّما ينسب إلى الطبيعة بالتبع . وظاهر قول القائل «جئني برجل» هو أنّ الإرادة متعلّقة بالطبيعة أوّلاً وبالذات ، وليس المراد هو المقيّد(1) ، انتهى .

وفيه : أ نّه غير تامّ ; لأنّ ما ذكره من ظهور الإرادة في الأصلية لا التبعية مستفاد من هذه المقدّمة ; إذ لولاها فما الدليل على أنّ المقيّد غير مراد ، وأنّ المراد بالأصالة الطبيعة ; إذ يحتمل لولا هذه المقدّمة أنّ هنا قيداً لم يذكره المولى . فإحراز


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 234 .


(273)

كون الطبيعة وارداً مورد الإرادة بالأصالة فرع إحراز كونه في مقام البيان دون الإهمال والإجمال ; لأنّ هذا ليس ظهوراً لفظياً مستنداً إلى الوضع ، بل هو حكم عقلائي بأنّ ما جعل موضوع الحكم هو تمام مراده لا بعضه ، ولا يحكم العقلاء به ولا يتمّ الحجّة إلاّ بعد تمامية هذه المقدّمة ; فيحتجّ العقلاء عليه بأنّ المتكلّم كان في مقام البيان ، فلو كان شيء دخيلاً في موضوعيته له كان عليه البيان . فجعل هذا موضوعاً فقط يكشف عن تماميته .

المقدّمة الثانية : وهي عدم وجود قرينة معيّنة للمراد ، ولا يخفى أ نّها محقّقة لمحلّ البحث ; لأنّ التمسّك بالإطلاق عند طريان الشكّ ، وهو مع وجود ما يوجب التعيين مرتفع ، فلو كان في المقام انصراف أو قرينة لفظية أو غيرها فالإطلاق معدوم فيه بموضوعه . وبالجملة : فهي محقّقة لموضوع الإطلاق ، لا من شرائطه ومقدّماته .

المقدّمة الثالثة : عدم وجود قدر متيقّن في البين حتّى يصحّ اتّكال المولى  عليه .

والظاهر : أنّ هذه المقدّمة غير محتاجة ; سواء فسّرنا الإطلاق بما تقدّم ذكره أو بما عليه المشهور من جعل الطبيعة مرآة لجميع أفرادها :

أ مّا على المختار : لأنّ القدر المتيقّن إنّما يضرّ في مورد يتردّد الأمـر بين الأقلّ والأكثر ; بأن يتردّد بين تعلّق الحكم ببعض الأفراد أو جميعها ، مع أنّ الأمر في باب الإطلاق ليس كذلك ، بل هو دائر بين تعلّق الحكم بنفس الموضوع مـن غير دخالة شيء آخر فيه ، أو بالمقيّد . فيدور الأمر بين كون الطبيعة تمام الموضوع أو المقيّد تمامه .

فإذا كانت الطبيعة تمام الموضوع لم يكن القيد دخيلاً ، ومع دخالته يكون الموضوع هو المقيّد بما هو مقيّد ، ولا يكون ذات الموضوع محكوماً والقيد محكوماً


(274)

آخر حتّى يكون من قبيل الأقلّ والأكثر ، وكذا لو جعل المتقيّد موضوعاً وشكّ في دخالة قيد آخر لا يكون من قبيلهما . فلا يدور الأمر بين الأقلّ والأكثر في شيء من الموارد حتّى يعتبر انتفاء القدر المتيقّن .

هذا كلّه على المختار في باب الإطلاق ; من عدم كون الطبيعة مرآة للأفراد ، ولا وسيلة إلى لحاظ الخصوصيات وحالاتها وعوارضها .

وأ مّا إذا قلنا بمقالة المشهور ; من جعلها مرسلة ومرآة لجميع الأفراد ، والمقيّد عبارة عن جعلها مرآة لبعضها فلاعتبار انتفائه من المقدّمات وجه .

ولكنّه أيضاً لا يخلو من إشكال ، وتوضيحه : أنّ مبنى الإطلاق ـ لو كان ـ هو لحاظها مرآة للكثرات ، فلا معنى لجعلها مرآة لبعض دون بعض مع كون جميع الأفراد متساوية الأقدام في الفردية ، وعدم قيام دليل صالح لقصر المرآتية على المتيقّن غير الانصراف القطعي . فلو فرضنا سبق السؤال عن المعاطاة قبل الجواب : بأنّ الله أحلّ البيع لما يضرّ هذا المتيقّن بالإطلاق .

وبالجملة : كونها مرآة لبعضها لا يصحّ إلاّ مع القيد ، وإلاّ فيحكم العقلاء بأنّ موضوع حكمه هو الطبيعة السارية في جميع المصاديق لا المتقيّدة ; ولهذا ترى أنّ العرف والعقلاء لا يعتنون بالقدر المتيقّن في مقام التخاطب وغيره ما لم يصل إلى حدّ الانصراف ، فتدبّر .

إشكال ودفع

ربّما يتوهّم : أنّ ورود القيد على المطلق بعد برهة من الزمن يكشف عن عدم كون المتكلّم في مقام البيان ، وانخرام هذه المقدّمة ـ التي قد عرفت أ نّها روح الإطلاق ـ يوجب عدم جواز التمسّك به في سائر القيود المشكوك فيهما .


(275)

والجواب : أنّ المطلق كالعامّ مستعمل في معناه الموضوع له لأجل ضرب القانون وإعطاء الحجّة ، والأصل هو التطابق بين الإرادتين .

فكما أنّ خروج فرد من حكم العامّ بحسب الجدّ لا يوجب بطلان حجّية العامّ في البواقي فهكذا باب المطلق بحسب القيود ; لأنّ جعل الطبيعة في مقام البيان موضوعاً لحكمه إعطاء حجّة على العبد عند العقلاء على عدم دخالة قيد فيه ، لأجل أصالة التطابق بين الإرادتين .

فحينئذ : لو عثرنا على قيد لا يوجب ذلك سقوطه عن الحجّية ، وكون الكلام وارداً مورد الإجمال والإهمال بالنسبة إلى سائر القيود ; ولذلك ترى العقلاء يتمسّكون بالإطلاق ; وإن ظفروا على قيد بعد برهة من الزمن ، وإنّما العثور على القيد يوجب انتهاء أمد حجّية الإطلاق بالنسبة إلى نفي القيد المعثور عليه ، لا جميع القيود المشكوك فيها .

حلّ عقدة

ربّما يقال : إنّ التمسّك بالإطلاق في نفي دخالة القيود إنّما يصحّ إذا وقع المطلق في كلام من عادتـه إلحاق قيود الكلام باُصولـه ، كمـا هو الحـال في الموالي العرفية ، وأ مّا المطلقات الواردة في محاورات من استقرّت عادته على تفريق اللواحق عن الاُصول وتفكيك المطلق عن مقيّده فساقطة عن مظانّ الاطمئنان ; لأ نّا علمنا أنّ دأب قائله جار على حذف ما له دخالة في موضوع الحكم عن مقام البيان .

والجواب : أنّ ما ذكره لا يوجب إلاّ عدم جوازالتمسّك بالإطلاق قبل الفحص عن مقيّده ، وأ مّا التمسّك به بعد الفحص بمقدار لازم فلا يمنع عنه هذا الدليل .


(276)

تتميم : في الأصل عند الشكّ في مقام البيان

لا شكّ : أنّ الأصل في الكلام كون المتكلّم في مقام بيان كلّ ما له دخل في حكمه بعد إحراز كونه في مقام بيان الحكم ، وعليه جرت سيرة العقلاء في المحاجّات . نعم لو شكّ أ نّه في مقام بيان هذا الحكم أو حكم آخر فلا أصل هنا لإحراز كونه في مقام بيان هذا الحكم .

والحاصل : أنّ الأصل بعد إحراز كونه بصدد بيان الحكم هو أ نّه بصدد بيان كلّ ما له دخالة في موضوع حكمه ، في مقابل الإجمال والإهمال ، وأ مّا كونه بصدد بيان هذا الحكم أو غيره فلا أصل فيه ، بل لابدّ أن يحرز وجداناً أو بدليل آخر ، كشواهد الحال وكيفية الجواب والسؤال .


(277)

الفصل الرابع
في حمل المطلق على المقيّد

الصور المتصوّرة في ورود المطلق والمقيّد

إذا ورد مطلق ومقيّد : فإمّا أن يكونا متكفّلين للحكم التكليفي أو الوضعي .

وعلى التقديـرين : فإمّـا أن يكونا مثبتين أو نافيين أو مختلفين .

وعلى التقادير : فإمّـا أن يعلم وحـدة التكليف أو لا .

وعلى الأوّل : فإمّا أن يعلم وحدتـه مـن الخارج أو مـن نفس الـدليلين .

وعلى التقادير : فإمّـا أن يـذكر السبب فيهما أو في واحـد منهما أو لا يـذكر .

وعلى الأوّل : فإمّـا أن يكون السبب واحـداً أو لا .

ثمّ الحكم التكليفي إمّا إلزامي في الـدليلين أو غير إلـزامي فيهما أو مختلف .

وعلى التقادير : قـد يكون الإطلاق والتقييد في الحكم ومتعلّقـه وموضوعـه وقد  يكونان في اثنين منها وقـد يكونان في واحد منها .

فهذه جملـة الصور المتصوّرة في المقام .


(278)

تحرير محطّ البحث

وقبل الشروع في أحكام الصور نشير إلى نكتة : وهو أنّ محطّ البحث في الإطلاق والتقييد وحمل أحدهما على الآخر إنّما هو فيما إذا ورد المقيّد منفصلاً عن مطلقه ، وأ مّا المتّصلين فلا مجال للبحث فيهما ; لأنّ القيد المتّصل يمنع عن انعقاد الإطلاق حتّى يكون من باب تعارض المطلق والمقيّد ; لما عرفت أنّ عدم القرينة من محقّقات موضوع الإطلاق(1) .

وبما ذكرنا : يظهر الخلط في كلام بعض الأعاظم ; حيث عمّم البحث إلى الوصف والحال ، وقال : إنّ ملحقات الكلام كلّها قرينة حاكمة على أصالة الظهور في المطلق ، وقاس المتّصلين بالقرينة وذي القرينة في أنّ ظهور القرينة حاكمة على ذي القرينة ، ثمّ قاس المقيّد المنفصل بالمتّصل(2) .

قلت وفيه أ مّا أوّلاً : فلأنّ باب الإطلاق ليس باب الظهور اللفظي حتّى يقع التعارض بين الظهورين أو يقدّم ظهور المقيّد على ظهور المطلق بالحكومة ، بل الإطلاق دلالة عقلية ، والحكومة ـ كما سيوافيك بإذنه تعالى ـ من حالات لسان الدليل بأن يتعرّض لحال دلالة الدليل الآخر(3) .

وثانياً : فإنّ حكومـة ظهور القرينة على ذي القرينـة ممّا لا أساس لها ; ضرورة أنّ الشكّ في ذي القرينة لا يكون ناشئاً من الشكّ في القرينة ; إذ في قوله :


1 ـ تقدّم في الصفحة 273 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 579 .
3 ـ راجع الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ  : 234 .


(279)

«رأيت أسداً يرمي» لا يكون الشكّ في المراد من الأسد ناشئاً من الشكّ في المراد من يرمي ، كما ادّعى القائل ، بل الشكّان متلازمان ، فلا حكومة بينهما .

وثالثاً : فإنّ قياس المقيّد المنفصل بالمتّصل ممّا لا وجه له ; إذ القياس مع الفارق ; لأنّ الإطلاق ينعقد مع انفصال القيد إذا اُحرز كونه في مقام البيان ، وأ مّا القيد المتّصل فهو رافع لموضوع الإطلاق ، فلا يقاس متّصله بمنفصله .

وأ مّا وجه التقديم في المنفصلين فليس لأجل الحكومة ، بل المطلق إنّما يكون حجّة إن لم يرد من المتكلّم بيان ، وبعد ورود البيان ينتهي أمد الحجّية لدى العقلاء .

وإن شئت قلت : ظهور القيد في الدخالة أقوى من المطلق في الإطلاق ، وهذه الأظهرية ليست لفظية بل أمراً يرجع إلى فعل المتكلّم إذا جعل شيئاً موضوعاً ثمّ أتى بقيد منفصل ، كما أنّ تقديم ظهور القرينة على ذي القرينة للأظهرية أو مناسبات المقام لا للحكومة ، وسيوافيك حقيقة القول في هذه المباحث في التعادل والترجيح(1) ، فتربّص حتّى حين .

إذا عـرفت ذلك : فنشرع في بيان مهمّات الصور وأحكـامها حتّى يتّضـح حال غيرها :

أحكام الصور المهمّة في المسألة

الصورة الاُولى : ما إذا كانا مختلفين بالنفي والإثبات وكان الحكم تكليفياً ، وهي على قسمين :

الأوّل : ما إذا كان المطلق نافياً والمقيّد مثبتاً ، نحو قولك : «لا تعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة» بناءً على أنّ قولـه : «لا تعتق رقبـة» مـن قبيل المطلق لا العامّ ،


1 ـ التعادل والترجيح ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ  : 73 ـ 78 .


(280)

كما هو المختار . فلا ريب في حمله على المقيّد ; لتحقّق التنافي بينهما عرفاً ; وذلك لما عرفت أنّ ترك الطبيعة إنّما يحصل عند العرف بترك جميع أفرادها ; وإن كان النظر الدقيق الفلسفي يقتضي خلافه ، كما مرّ(1) .

وعليه : فالتنافي بين حرمة مطلق الرقبة أو كراهتها ، وبين وجوب المؤمنة منها أو استحبابها ظاهر جدّاً ، والجمع العقلائي إنّما هو حمل مطلقها على مقيّدها .

الثاني : عكس القسم الأوّل ; أي يكون المطلق مثبتاً ومتعلّقاً للأمر والمقيّد نافياً ومتعلّقاً للنهي .

فحينئذ : تارة نعلم أنّ النهي تحريمي أو نعلم أ نّه تنزيهي ، واُخرى لا نعلم . فلو علمنا كون النهي تحريمياً فلا ريب في حمله على المقيّد ; لكونه طريقاً وحيداً إلى الجمع في نظر العرف . ولو علمنا أنّ النهي تنزيهي فهل يحمل على المقيّد أو لا ؟ وجهان : أقواهما عدمه ; لأنّ الموجب للحمل هو تحقّق التنافي في أنظار العرف حتّى نحتال في علاجهما ، ومع إحراز كون النهي تنزيهياً ـ أي مرخّصاً في إتيان متعلّقه ـ فلا وجه لتوهّم التنافي ، بل غاية الأمر يكون النهي إرشاداً إلى أرجحية الغير أو مرجوحية متعلّقه بالإضافة إلى فرد آخر .

فلو قال : «صلّ ولا تصلّ في الحمّام» وفرضنا أنّ النهي تنزيهي فلا شكّ أنّ مفاد الثاني هو ترخيص إتيانها فيه ، وأ نّه راجح ذاتاً وصحيح لمكان الترخيص ، لكنّه مرجوح بالإضافة إلى سائر الأفراد ، ولا يلزم من ذلك اجتماع الراجحية والمرجوحية في مورد واحد ; لما عرفت أنّ المرجوحية لأجل قياسها إلى سائر الأفراد وفي المكان الخاصّ ، لا في حدّ ذاته .


1 ـ تقدّم في الصفحة 11 .


(281)

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده شيخنا العلاّمة ، أعلى الله مقامه ، فراجع(1) .

وأ مّا إذا كان كيفية دلالته مجهولة ولم نعلم أ نّه للتنزيه أو للتحريم فللتوقّف فيه مجال ; فإنّ كلّ واحد يصلح أن يقع بياناً للآخر ; إذ النهي كما يمكن أن يكون بياناً لإطلاق المطلق ويقيّد متعلّق الأمر بمقتضى النهي ، كذلك يصلح أن يكون المطلق بياناً للمراد من النهي ، وأ نّه تنزيهي .

والحاصل : أنّ الأمر دائر بين حمل النهي على الكراهة وحفظ الإطلاق ، وبين رفع اليد عن الإطلاق وحمله على المقيّد .

هذا ، ولكن الأظهر هو حمل المطلق على المقيّد وإبقاء النهي على ظهوره ; لأنّ التنافي كما هو عرفي كذلك الجمع عرفي أيضاً ، ولا شكّ أنّ لحاظ محيط التشريع يوجب الاستئناس والانتقال إلى كونهما من باب المطلق والمقيّد ; لشيوع ذلك الجمع وتعارفه بينهم .

وأ مّا جعل المطلق بياناً للنهي وأنّ المراد منه هو الكراهة فهو جمع عقلي لا يختلج بباله ; لعدم معهودية هذا التصرّف .

ويمكن أن يقال : إنّ الهيئات بما هي معان حرفية لا يلتفت إليها الذهن حين التفاته إلى المطلق والمقيّد والجمع بينهما . وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في حمل المطلق على المقيّد في هذه الصورة .

وأ مّا ما ربّما يقال في ترجيح ما اخترناه : من أنّ ظهور النهي في التحريم وضعي مقدّم على الظهور الإطلاقي ، غير تامّ ; لما عرفت(2)  أنّ الوجوب والتحريم


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 236 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 10 .


(282)

خارجان عن الموضوع له ، وأنّ الهيئة لم توضع فيهما إلاّ للبعث والزجر ، فأين الظهور اللفظي ؟ !

فإن قلت : إنّ هنا وجهاً آخر للجمع بينهما ، وقد أشار إليه بعض الأعاظم ، وجعل المقام من باب اجتماع الأمر والنهي(1)  ـ على القول بكون المطلق والمقيّد داخلين في ذاك الباب ـ فلو قلنا بالجواز هناك يرفع التعارض بين المطلق والمقيّد .

قلت : الفرق بين المقامين واضح ; فإنّ التعارض هنا عرفي كجمعه ، والتعارض هناك عقلي ، وجمعه أيضاً كذلك .

والحاصل : أنّ مسألة اجتماع الأمر والنهي عقلية غير مربوطة بالجمع بين الأدلّة ; لأنّ مناط الجمع بينها هو فهم العرف ، ولا شبهة في وقوع التعارض بين المطلق والمقيّد عرفاً ، وطريق الجمع عرفي لا عقلي ، فلا يكون أحد وجوه الجمع بين الأدلّة الجمع العقلي ، وهذا واضح .

الصورة الثانية : ما إذا كان الدليلان مثبتين إلزاميين ، نحو قولك : «اعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة» فحينئذ إذا اُحرزت وحدة الحكم فلا محيص عن الحمل ; لإحراز التنافي بإحراز وحدة الحكم ، ووجود الجمع العرفي .

نعم ، إذا كانت وحدة الحكم غير محـرزة : فتارة يحـرز كـون الحكم في المطلق على نفس الطبيعة ، ولا نحتمل دخالـة قيد آخـر في الموضوع ، غير القيد الذي في دليل المقيّد ، واُخرى : نحتمل دخالة قيد آخر .

فعلى الأوّل : يحمل المطلق على المقيّد ، لا لما ربّما يتراءى في بعض الكلمات من أنّ إحراز التنافي لأجل أنّ الحكم في المقيّد إذا كان إلزامياً متعلّقاً


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 582 .


(283)

بصرف الوجود فمفاده عدم الرضا بعتق المطلق ، ومفاد دليل المطلق هو الترخيص بعتقه . وبعبارة اُخرى : أنّ مفاد دليل المقيّد دخالة القيد في الحكم ومفاد دليل المطلق عدم دخالته ، فيقع التنافي بينهما(1) ، انتهى .

لأنّ التنافي بين الترخيص واللا ترخيص ودخالة القيد ولا دخالته فرع كون الحكم في المقام واحداً ، فلو توقّف إحراز وحدته عليه لدار .

بل وجه التقديم هو أنّ ملاحظة محيط التشريع وورود الدليلين في طريق التقنين توجب الاطمئنان بكونهما من هذا القبيل ; خصوصاً مع تكرّر تقييد المطلقات من الشارع . نعم ، الأمر في المستحبّات على العكس ; فإنّ الغالب فيها كون المطلوب متعدّداً وذا مراتب .

وهناك وجه آخر ; وهو أنّ إحراز عدم دخالة قيد آخر غير هذا القيد عين إحراز الوحدة عقلاً ; لامتناع تعلّق الإرادتين على المطلق والمقيّد ; لأنّ المقيّد هو نفس الطبيعة مع قيد عينية اللا بشرط مع بشرط شيء ، فاجتماع الحكمين المتماثلين فيهما ممتنع ، فيقع التنافي بينهما ، فيحمل المطلق على المقيّد ، ولا ينافي ذلك ما مرّ من أنّ ميزان الجمع بين الأدلّة هو العرف ; لأنّ إحراز وحدة الحكم إنّما هو بالعقل لا الجمع بين الدليلين ، والفرق بينهما ظاهر .

وأ مّا على الثاني ـ أي ما لم نحـرز عـدم دخالـة قيد آخـر ـ فيدور الأمر بين حمل المطلق على المقيّد ورفع اليد عن ظهور الأمر في استقلال البعث ، وبين  حفظ ظهور الأمر وكشف قيد آخـر في المطلق ; حتّى يجعلـه قابلاً لتعلّق حكم مستقلّ به .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 581 ـ 584 .


(284)

هذا ، ولكن الصحيح هو الأوّل لضعف ظهور الأمر في الاستقلال ، ولا يمكن الاعتماد عليه لكشف قيد آخر .

نعم ، لو اُحرز تعدّد الحكم واستقلال البعثين لا محيص عن كشف قيد آخر ; لامتناع تعلّق الإرادتين بالمطلق والمقيّد ، وقد تقدّم شرحه في مبحث النواهي .

الصورة الثالثة : ما إذا كان الدليلان نافيين ، كقوله : «لا تشرب الخمر ولا تشرب المسكر» ، ولا ريب في عدم حمل مطلقه على المقيّد ; لعدم التنافي بينهما عرفاً ـ على القول بعدم المفهوم ـ والحجّة لا يرفع اليد عنها إلاّ بحجّة مثلها ، ولكن يمكن أن يقال بأ نّه يأتي فيها ما ذكرناه في الصورة السابقة ، فتدبّر .

هذه الصور تشترك في أنّ الوارد إلينا ذات المطلق والمقيّد بلا ذكر سبب .

وأ مّا إذا كان السبب مذكوراً فلا يخلو :

إمّا أن يذكر في واحد منهما أو كليهما ، وعلى الثاني : إمّا أن يتّحد السببان ماهية أو يختلفا كذلك ، وعلى جميع التقادير فالحكم فيهما : إمّا إيجابي أو غير إيجابي أو مختلف .

فهنا صور نشير إلى مهمّاتها :

منها : ما إذا كان السبب مذكوراً في كلا الدليلين ، وكان سبب كلّ غير سبب الآخر ماهية ، نحو قوله : «إن ظاهرت أعتق رقبة» ، و«إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة» ، فلا شكّ أ نّه لا يحمل ; لعدم التنافي بينهما ; لإمكان وجوب عتق مطلق الرقبة لأجل سبب ووجوب مقيّدها لأجل سبب آخر .

نعم لو أعتق رقبة مؤمنة ففي كفايتها عنهما أو عدم كفايتها كلام مرّ تحقيقه في مباحث تداخل المسبّبات والأسباب .

ومنها : ما إذا ذكر السبب في كلّ واحد أيضاً ، ولكن سبب المطلق عين سبب


(285)

المقيّد ماهية فيحمل ; لاستكشاف العرف من وحدة السبب وحدة مسبّبه .

ومنها : ما إذا كان السبب مذكوراً في واحد منهما ، فالتحقيق عدم الحمل . وعلّله بعض الأعاظم بأنّ الحمل يستلزم الدور ; لأنّ حمل المطلق على المقيّد يتوقّف على وحدة الحكم ، ففي المثال تقييد الوجوب يتوقّف على وحدة المتعلّق ; إذ مع تعدّدهما لا موجب للتقييد ، ووحدة المتعلّق تتوقّف على حمل أحد التكليفين على الآخر ; إذ مع عدم وحدة التكليف لم تتحقّق وحدة المتعلّق ; لأنّ أحد المتعلّقين عتق الرقبة المطلقة ، والآخر عتق الرقبة المؤمنة(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ وحدة الحكم وإن كانت تتوقّف على وحدة المتعلّق لكن وحدة المتعلّق لا تتوقّف على وحدة الحكم ; لا ثبوتاً ولا إثباتاً :

أ مّا الأوّل : فلأنّ وحدة الشيء وكثرته أمر واقعي في حدّ نفسه ; تعلّق به الحكم أو لا ، وبما أنّ المقيّد في المقام هو المطلق مع قيد فلا محالة لا يمكن أن يقع متعلّقاً للإرادتين وموضوعاً للحكمين .

وأ مّا الثاني : فلأنّ تعلّق الحكم في المطلق بنفس الطبيعة يكشف عن كونها تمام الموضوع للحكم ، فإذا تعلّق حكم بالمقيّد ـ والفرض أ نّه نفس الطبيعة مع قيد ـ يكشف ذلك عن كون النسبة بين الموضوعين بالإطلاق والتقييد ، من غير أن يتوقّف على إحراز وحدة الحكم .

بل التحقيق : أنّ عدم الحمل إنّما هو لأجل أنّ المطلق حجّة في موارد عدم تحقّق سبب المقيّد ، فقوله : «اعتق رقبة» حجّة على العبد على إيجاد العتق مطلقاً ، ولا يجوز رفع اليد عنها بفعلية حكم قوله : «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» عند


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1 : 580 ـ 581 .


(286)

تحقّق سببه . وبعبارة اُخرى : أنّ العرف يرى أنّ هنا واجباً لأجل الظهار ، وواجباً آخر من غير سبب ولا شرط ; حصل الظهار أم لا .

هذا كلّه راجع إلى الحكم التكليفي .

وأ مّا الوضعي : فيظهر حاله من التدبّر فيه ; فربّما يحمل مطلقه على مقيّده ، نحو قوله : «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه» ، ثمّ قال : «صلّ في وبر السباع ممّا لا يؤكل» ، وقوله : «اغسل ثوبك من البول» ، وقوله : «اغسله من البول مرّتين» .

وقد لا يحمل ، كما إذا قال : «لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه» ، ثمّ قال منفصلاً : «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه» ; لعدم المنافاة بين مانعية مطلق أجزائه ومانعية خصوص وبره بعد القول بعدم المفهوم في القيد المأخوذ فيه حتّى يجيء التنافي من قِبَله ، وعليك بالتأمّل في الصور الاُخرى واستخراج حكمها ممّا ذكر .

هذا كلّه في الإلزاميين ، وأ مّا غيرهما فيختلف بحسب الموارد ، ولا يهمّنا تفصيله .

نجز الكلام في البحث عن مباحث الألفاظ ، ونحمد الله على إتمامها ،وقد لاح بدر تمامه في ليلة الرابع عشر من شهر شعبان المعظّم من شهور سنة 1373 من الهجرة النبوية ، وكتبه بأنامله الداثرة مؤلّفه الفقير الميرزا جعفر السبحاني التبريزي ،ابن الفقيه الحاجّ ميرزا محمّد حسين ، عاملهما الله بلطفه يوم المساق ; يوم تلتفّ الساق بالساق ، آ مّين .


(287)

المقصد السادس
في
الأمارات المعتبرة عقلا أو شرعاً

ينبغي تقديم الكلام في القطع إذ هو حجّة عقلية وأمارة بتية .

الكلام
في القطع وأحكامه
فيه مقدّمة واُمورٌ :


(288)

(289)

المقدّمة

في اُصولية المسألة

اعلم أنّ البحث عن أحكام القطع ليس كلامياً ، بل بحث اُصولي ; لأنّ الملاك في كون الشيء مسألة اُصولية هو كونها موجبة لإثبات الحكم الشرعي الفرعي ; بحيث يصير حجّة عليه ، ولا يلزم أن يقع وسطاً للإثبات بعنوانه ، بل يكفي كونه موجباً لاستنباط الحكم ، كسائر الأمارات العقلائية والشرعية .

وإن شئت فاستوضح المقام بالظنّ ; فإنّـه لا يقع وسطاً بعنوانه ، بل هـو واسطة لإثبات الحكم وحجّة عليه ; إذ الأحكام تتعلّق بالعناوين الواقعية لا المقيّدة بالظنّ ، فما هـو الحرام هـو الخمر دون مظنونها ، والقطع والظنّ تشتركان في كون كلّ واحد منهما أمارة على الحكم وموجباً لتنجّزه وصحّة العقوبة عليه مع المخالفة إذا صادف الواقع .

أضف إلى ذلك : أنّ عدّه من مسائل الكلام لا يصحّ على بعض تعاريفه من «أ نّه البحث عن الأعراض الذاتية للموجود بما هو هو على نهج قانون الإسلام»(1) .


1 ـ شرح المواقف 1: 47، شرح المقاصد 1: 176، شوارق الإلهام 1: 8 / السطر7.


(290)

تقسيم المكلّف حسب حالاته

قسّم الشيخ الأعظم المكلّف الملتفت إلى أقسام ، ومحصّله : أ نّه إمّا أن يحصل له القطع أو يحصل له الظنّ أو لا يحصل واحد منهما . والمرجع على الأخير ـ أي الشكّ ـ هو الاُصول المقرّرة للشاكّ(1) .

وأورد عليه المحقّق الخراساني : بأنّ الظنّ إن قام دليل على اعتباره فهو ملحق بالعلم ، وإن لم يقم فهو ملحق بالشكّ ، فلا يصحّ التثليث(2) .

وأجاب عنه بعض أعاظم العصر : بأنّ عقد البحث في الظنّ إنّما هو لأجل تمييز الظنّ المعتبر الملحق بالعلم عن غير معتبره الملحق بالشكّ ، فلا مناص عن التثليث حتّى يبحث عن حكم الظنّ من حيث الاعتبار وعدمه(3) ، انتهى . ومحصّله : أنّ التثليث توطئة لبيان المختار .

وفيه : أ نّه أيّ فرق بين هذا التقسيم ـ أي تثليث حالات المكلّف ـ وما أوضحه في مجاري الاُصول ؟ فإنّهما من باب واحد ، فلأيّ وجه كان هذا التقسيم توطئياً لبيان الحقّ دون ذاك ؟ مع أ نّه لا شكّ : أنّ التقسيم الثاني حقيقي لا توطئة فيه . والشاهد عليه تحفّظ الشيخ الأعظم على قيود الاُصول ; حيث قيّد الاستصحاب بكون الحالة السابقة ملحوظة(4) .

على أنّ المجيب صنع ما صنعه الشيخ ; حيث قال : وإنّما قيّدنا الاستصحاب


1 ـ فرائد الاُصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24: 25.
2 ـ كفاية الاُصول: 296.
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 4.
4 ـ فرائد الاُصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24: 26.


(291)

بلحاظ الحالة السابقة ، ولم نكتف بوجودها بلا لحاظها ; لأنّ مجرّد وجودها لا  يكفي في كونها مجرى الاستصحاب(1) .

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني عدل عمّا أفاده الشيخ الأعظم ، فقال : فاعلم أنّ البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه فإمّا أن يحصل له القطع أو لا . . . إلى آخر ما أفاده(2) .

ويرد عليه : أنّ المراد إن كان هو القطع التفصيلي فالبحث عن الإجمالي منه في المقام يصير استطرادياً ولا يرضى به القائل ، وإن كان أعمّ يلزم دخول مسائل الظنّ والشكّ في المقام ; حتّى الظنّ على الحكومة ; فإنّه من مسائل العلم الإجمالي ، إلاّ أنّ دائرته أوسع من العلم الإجمالي المذكور في مبحث القطع ، وكون دائرته أوسع غير دخيل في جهة البحث . وأمّا مسائل الشكّ فلوجود العلم بالحكم الظاهري في الاُصول الشرعية . بل بناءً عليه يمكن إدراج عامّة المباحث في مبحث القطع ; حتّى الاُصول العقلية ; بأن نجعل متعلّق القطع وظيفة المكلّف ، فيصير المباحث مبحثاً واحداً ، ولا يرضى به القائل .

والأولى أن يقال : إذا التفت المكلّف إلى حكم كلّي : فإمّا أن يحصل له القطع به ـ ولو إجمالاً ـ أو لا .

والأوّل مبحث القطع ويدخل فيه مبحث الانسداد ، بناءً على أنّ وجوب العمل بالظنّ في حال الانسداد لأجل العلم الإجمالي بالحكم ، وكون دائرة المعلوم بالإجمال فيه أوسع لا يضرّ بالمطلوب . وكذا يدخل فيه أصل الاشتغال والتخيير في غير الدوران بين المحذورين ; فإنّهما أيضاً من وادي العلم الإجمالي إذا تعلّق العلم


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 4 ـ 5.
2 ـ كفاية الاُصول: 296.


(292)

الإجمالي بالحكم . نعم في الدوران بين المحذورين يكون التخيير للابدّية العقلية لا العلم الإجمالي ، إلاّ إذا قلنا بوجوب الموافقة الالتزامية وحرمة مخالفتها .

وعلى الثاني : فإمّا أن يقوم عليه أمارة معتبرة أو لا .

فالأوّل مبحث الظنّ ، ويدخل فيه سائر مباحث الاشتغال والتخيير ; أي فيما تعلّق العلم الإجمالي بالحجّة لا بالحكم ، كما إذا علم بقيام حجّة كخبر الثقة ونحوه إمّا بوجوب هذا أو ذاك . وعليه يكون أصل الاشتغال والتخيير خارجان عن مبحث الشكّ وداخلان في مبحث القطع والظنّ .

وعلى الثاني : إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة أو لا ; فالأوّل مجرى الاستصحاب ، والثاني مجرى البراءة . وعلى هذا التقسيم يجب البحث عن الانسداد في مبحث القطع إن كان من مقدّماته العلم الإجمالي بالأحكام الواقعية ، وفي مبحث الأمارات إن كان من مقدّماته العلم الإجمالي بالحجّة .

ويمكن المناقشة في هذا التقسيم أيضاً : بأنّ الأولى أن يكون التقسيم في صدر الكتاب إجمال ما يبحث فيه في الكتاب تفصيلاً ، وعليه لا يناسب التقسيم حسب المختار في مجاري الاُصول وغيرها ، والأمر سهل .

ثمّ إنّ أحكام القطع الإجمالي المتعلّق بالحكم أو الحجّة مختلفة ; لكونـه علّـة تامّـة أو لا ، وجـواز الترخيص في الأطـراف أو بعضها أو لا ، يأتي الكلام فيه إن شاء الله ، وقد استقصينا الكلام في الفرق بين تعلّق العلم الإجمالي بالحكم وتعلّقه بالحجّة في مبحث الاشتغال ، وطوينا الكلام فيما أفاده سيّدنا الاُستاذ في المقام ; روماً للاختصار ، فراجع .

وكيف كان فقد ذكروا في مقام بيان أحكام القطع وأقسامه اُموراً:


(293)

الأمر الأوّل
في وجوب متابعة القطع وحجّيته

قال الشيخ الأعظم : لا إشكال في وجـوب متابعـة القطع والعمل عليه مـادام موجوداً(1) ، انتهى .

ولا يخفى : أنّ للمناقشة فيما ذكره مجال ; لأنّ المكلّف إذا قطع بحكم ـ سواء حصل القطع به من المبادئ البرهانية أم غيرها ـ يحصل في نفسه أمران : الصفة النفسانية القائمة بها ، وانكشاف الواقع ; انكشافاً تامّاً ، فإن كان المراد مـن لزوم العمل على طبق القطع العمل على طبق الحالة النفسانية فلا يعقل له معنى محصّل ، وإن كان المراد العمل على طبق المقطوع والواقع المنكشف فليس هو من أحكام القطع ، بل مآله إلى لزوم إطاعة المولى الذي يبحث عنه في الكلام .

أضف إليه : أنّ الوجوب الشرعي غير متعلّق بالإطاعة ; للزوم العقوبات غير  المتناهية .

والذي ينبغي أن يقع محطّ البحث ـ وإن يعدّ من آثار القطع ـ أن يقال : إنّ


1 ـ فرائد الاُصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24: 29.


(294)

القطع موجب لتنجّز الحكم وقطع العذر ; لأ نّه كاشف في نظر القاطع بلا احتمال الخلاف ، وهذا كاف في حكم العقل والعقلاء بالتنجّز وصحّة الاحتجاج ، وهذا ـ أعني انقطاع العذر وصحّة الاحتجاج ـ من آثار القطع نفسه ، يترتّب عليه بلاجعل جاعل .

وأمّا ما يقال : إنّ الطريقية والكاشفية من ذاتيات القطع لا بجعل جاعل ; إذ لا يتوسّط الجعل التأليفي الحقيقي بين الشيء وذاتياته ، كما أ نّه يمتنع المنع عن العمل به ; لاستلزامه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً ، وحقيقةً في صورة الإصابة(1) .

ففيه : أنّ الذاتي في باب البرهان أو الإيساغوجي ما لا ينفكّ عن ملزومه ولا يفترق عنه ، والقطع قد يصيب وقد لا يصيب ، ومعه كيف يمكن عدّ الكاشفية والطريقية من ذاتياته ؟ والقول بأنّه في نظر القاطع كذلك لا يثبت كونها من لوازمه الذاتية ; لأنّ الذاتي لا يختلف في نظر دون نظر .

وأمّا احتجاج العقلاء فليس لأجل كونه كاشفاً على الإطلاق ، بل لأجل أنّ القاطع لا يحتمل خلاف ما قطع به . وقس عليه الحجّية ; فإنّ صحّة الاحتجاج من الأحكام العقلائية لا من الواقعيات الثابتة للشيء جزءً أو خارجاً .

فتلخّص : أنّ الطريقية والكاشفية ليست عين القطع ولا من لوازمه ، وأمّا الحجّيـة فلا تقصر عنهما في خروجها عن حريم الذاتيـة ، غير أنّ الحجّيـة تفترق عن الطريقية بأنّها من الأحكام العقلية الثابتة له عند العقلاء ، ولأجل ذلك تستغني عن الجعل .

وأمّا ما ذكر من قيام البرهان على امتناع الجعل التأليفي . . . إلى آخره(2) 


1 ـ كفاية الاُصول: 297.
2 ـ نفس المصدر .


(295)

فيحتاج إلى التفصيل ; وهو أنّ الكشف من آثار وجود القطع لا من لوازم ماهيته ، وآثار الوجود مطلقاً مجعولة ; لأنّ مناط الافتقار إلى الجعل موجود في الوجود وآثاره .

وعليه : فإن اُريد من امتناع الجعل هو الجعل التكويني فلا نسلّم امتناعه ، بل لا يصحّ بدونه ، بناءً على أصالة الوجود ومجعوليته .

وإن اُريد الجعل التشريعي فلو سلّمنا كون هذه العناوين الثلاثة من لوازم وجوده فهو صحيح ; فإنّ الجعل التشريعي لا يتعلّق بما هو لازم وجود الشيء ، فلا معنى لجعل النار حارّة تشريعاً ، لا لأنّ الحرارة من لوازم ذاتها ، بل لأ نّها من لوازم وجودها المحقّقة تكويناً بوجود الملزوم ، والقطع ـ حسب الفرض ـ طريق تكويني وكاشف بحسب وجوده ، ولا يتعلّق الجعل التشريعي به ; للزوم اللغوية .

نعم ، الحجّية وقاطعية العذر ليستا من الآثار التكوينية المتعلّقة للجعل ، ولا من لوازم الماهية ، بل من الأحكام العقلية الثابتة بوجوده .

ثمّ إنّ الردع عن العمل بالقطع كسلب الحجّية غير ممكن ، لا للزوم اجتماع الضدّين ـ لما قرّرناه في محلّه من عدم الضدّية بين الأحكام ; لأ نّها اُمور اعتبارية لا حقائق خارجية(1)  ـ بل للزوم اجتماع الإرادتين المختلفتين على مراد واحد ; لأنّ الإرادة الحتمية الإيجابية بالنسبة إلى صلاة الجمعة ـ مثلاً ـ لا تجتمع مع الإرادة التحريمية بالنسبة إليها ، وكذا لا تجتمع مع المنع عن العمل بالقطع اللازم منه المنع عن العمل بالمقطوع به ، فيلزم اجتماع الإرادتين المتضادّتين على شيء واحد مع فرض حصول سائر الوحدات .


1 ـ تقدّم في الصفحة 50 .


(296)


(297)

الأمر الثاني
في التجرّي

والبحث فيه عن جهات :

الجهة الاُولى : في اُصولية المسألة

ربّما يتوهّم أنّ المسألة اُصولية ; بتقريب أنّ البحث إذا وقع في أنّ ارتكاب الشيء المقطوع حرمته هل هو قبيح أو لا ، فإذا حكم بقبحه يحكم بالملازمة بحرمة عمله شرعاً ، فيصير نتيجة البحث كبرى لمسألة فرعية(1) .

وفيه أمّا أوّلاً : أنّ هذه القاعدة ـ لو تمّت ـ إنّما تصحّ في سلسلـة علل الأحكام ومبادئها ـ كالمصالح والمفاسد ـ لا في سلسلة معاليلها ـ كالإطاعة والعصيان ـ وقبح مخالفة القاطع لقطعه إنّما هي في سلسلة المعاليل والنتائج دون العلل والمقدّمات ، واختصاص القاعدة لما ذكر واضح ; إذ لو كان حكم العقل بوجوب الإطاعة وحرمة العصيان كاشفاً عن حكم مولوي شرعي لزم عدم انتهاء


1 ـ درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 36، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 335.


(298)

الأحكام إلى حدّ ، ولزم تسلسل العقوبات في معصية واحدة .

وبالجملة : أنّ لازم شمول القاعدة لموارد المعاليل القول باشتمال معصية واحدة على معصيتين ، والإطاعة على طاعتين : إحداهما لأجل مخالفة نهي المولى وأمره أو موافقته ، وثانيهما لأجل موافقة الأمر المستكشف من حكم العقل بإطاعة المولى أو مخالفته ، وبما أنّ العقل يحكم بوجوب إطاعة الأمر المستكشف وحرمة مخالفته كالأوّل فله إطاعة وعصيان ، وهكذا ، فلا يقف عند حدّ .

ومثله المقام ; فإنّ قبحه لا يستلزم حكماً شرعياً ; لأ نّه لو كان فهو بملاك الجرأة على المولى المحقّقة في المعصية أيضاً ، فيلزم عدم تناهي الأحكام والعقوبات في التجرّي .

وأمّا ثانياً : فلأنّ المسألة الاُصولية هي الملازمة بين القبح العقلي والحرمة الشرعية ، وأمّا البحث عن أنّ التجرّي هل هو قبيح أو لا ، فهو بحث عن مبادئ المسألة الاُصولية .

ومن ذلك يظهر : عدم صحّة عدّها مسألة فقهية ; لعدم صحّة تعلّق حكم شرعي بحرمته ; لكونه على فرض صحّته بمناط الجرأة الحاصلة في المعصيـة فيلزم ما تقدّم من عدم التناهي ; وذلك لأنّ التجـرّي إذا كان حـراماً يكون مخالفـة هـذا الحرام تجرّياً حـراماً ، ومخالفة ذلك كذلك ، فلا ينتهي عـدد التجـرّي والحـرام إلى حدّ . وهـذا نظير ما يقال : إنّ الإطاعـة لو وجبت يكون إطاعة هـذا الواجب واجباً ، وهكذا .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر أفاد وجهاً آخر لعقد المسألة اُصولية وهو : أنّ البحث إذا وقع في أنّ الخطابات الشرعية تعمّ صورتي مصادفة القطع للواقع


(299)

ومخالفته تصير المسألة اُصولية(1) .

وفيه : أنّ لازمه إدراج جلّ المسائل الفقهية في الاُصولية ; إذ قلّما يتّفق في مسألة من المسائل الفقهية أن لا يرجع البحث عن الإطلاق والعموم إلى شمولهما لبعض الموضوعات المشكوكة فيها .

والحاصل : أنّ المسألة الاُصولية هو أنّ العموم أو الإطلاق حجّة أو لا ـ مثلاًـ وأمّا البحث عن وجودهما فليس مسألة اُصولية .

ثمّ إنّه يظهر من المحقّق الخراساني امتناع تعلّق الحرمة على المقطوع به بما هو مقطوع ، وخلاصة ما أفاده في «حاشية الفرائد» و«كفايته» : أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون فعلاً اختيارياً ; فإنّ القاطع لا يقصده إلاّ بما قطع أ نّه عليه من العنوان الواقعي الاستقلالي ، لا بعنوانه الطارئ الآلي ، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ملتفتاً إليه ، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً ، ومن مناطات الوجوب والحرمة شرعاً(2) ؟ ! انتهى .

وهو بما ذكره بصدد نفي الحرمة عن الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع ، ويستفاد منه بالملازمة حكم ما نحن بصدده ; من عدم الملاك لجعل المسألة فقهية . وأوضح مرامه في «حاشيته» بأنّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل اختياري أصلاً ; لأنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع .

وفيه أوّلاً : أنّ إنكار صدور الفعل الاختياري منه واضح الإيراد ; إذ ليس الفعل الإرادي إلاّ كون الفعل مسبوقاً بالعلم والإرادة .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 37 و 50.
2 ـ كفاية الاُصول: 299، درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 37.


(300)

وثانياً : أنّ ما ذكره من عدم الالتفات إلى العلم والقطع لا يخلو عن إشكال ، لا لما ذكره بعض أعاظم العصر من أنّ الالتفات إلى العلم من أتمّ الالتفاتات(1) ; فإنّه أشبه بالخطابة ; لأنّ الضرورة قاضية بأنّ القاطع لا يتوجّه حين قطعه إلاّ إلى المقطوع به ، وليس القطع مورداً للالتفات إلاّ آلياً .

بل الإشكال فيه : أنّ العناوين المغفول عنها على قسمين : أحدهما ما لا يمكن الالتفات إليها ; ولو بالنظرة الثانية ، كعنوان النسيان والتجرّي . وثانيهما : ما يمكن الالتفات إليها كذلك ، كعنوان القصد والعلم .

فالأوّل لا يمكن اختصاص الخطاب به ، فلا يمكن أن يقال : «أيّها الناسي الجزء الفلاني افعل كذا» ; فإنّه بنفس هذا الخطاب يخرج عن العنوان ، ويندرج في العنوان المضادّ له . نعم يمكن الخطاب بالعناوين الملازمة مع وجوده .

وأمّا ما كان من قبيل الثاني فلا مانع من تعلّق الخطاب به ; فإنّ العالم بالخمر بعدما التفت إلى أنّ معلومه بما هو معلوم له حكم كذا يتوجّه بالنظرة الثانية إلى علمه توجّهاً استقلالياً وناهيك وقوع القصد وأشباهه موضوعاً للأحكام ; فإنّ قاصد الإقامة في مكان معيّن له بحسب الشرع أحكام ، مع أنّ نسبة القصد إلى المقصود كنسبة العلم إلى المعلوم .

ثمّ إنّه يظهر عن بعض أعاظم العصر وجهاً آخر ـ بل وجهين ـ لامتناع عمومية الخطاب صورة المصادفة والمخالفة ; بأن يقال : «لا تشرب معلوم الخمر» مع تعلّق خطاب بالخمر الواقعي أيضاً ، ولكن المقرّر ـ رحمه الله ـ قد خلط بينهما .

وحاصل الوجه الأوّل : أنّ تعلّق الحكم بالمقطوع به موجب لاجتماع المثلين في


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 45.


(301)

نظر العالم دائماً ; وإن لم يلزم في الواقع ; لأنّ النسبة بين الخمر ومقطوعه هي العموم من وجه ، فيتأكّد الوجهان في صورة الاجتماع .

وحاصل الوجه الثاني : لغوية الخطاب ; لعدم صلاحية ذلك الأمر للباعثية بحيال ذاته ; لعدم افتراق العنواني ; وذلك لأنّ حكم الخمر إن كان محرّكاً فلا نحتاج لمحرّك آخر ، وإلاّ فلا ينبعث من ذلك الأمر أيضاً(1) .

ولا يخفى : أنّ في كلامه مجالاً للنظر :

أمّا الأوّل : فلأ نّه لا مجال لجعل المقام من قبيل اجتماع المثلين في نظر القاطع دائماً بعدما اعترف أنّ النسبة بين العنوانين هي العموم من وجه ; فإنّ القاطع قد يرى اجتماع العنوانين عنده مع تصديقه بأنّهما عامّان من وجه ; لأنّ مقطوع الخمرية قد يكون خمراً وقد لا يكون ; ولو بالنسبة إلى سائر القاطعين . فعدم احتمال تخلّف قطعه لا يوجب اعتقاد اجتماع المثلين على العنوانين ، بل يوجب اعتقاد تصادق العنوانين حال قطعه .

أمّا الثاني : فلأنّ المراد ليس انبعاث كلّ فرد من المكلّفين من هذا الخطاب ، بل المراد انبعاث عدّة منهم ، ومن المعلوم أنّ العبد ربّما لا ينبعث عن أمر واحد ، وينبعث عن أمرين أو أكثر ; لما يرى من شدّة تبعاته وصعوبة لوازمه ; لما يرى أنّ تخلّف الأمرين يورث عقابين ، فيصير ذلك داعياً لإطاعته أو اجتنابه .

فتلخّص بما مرّ : أنّ المسألة عقلية صرفة .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 45 ـ 46.


(302)

الجهة الثانية : في استحقاق المتجرّي العقوبة وعدمه

ولا يخفى : أنّ مجرّد قبحه عقلاً لا يستتبع الحرمة ; إذ لا ملازمة بين قبح شيء واستلزامه العقوبة ; فإنّ ترجيح المرجوح قبيح ولا يوجب العقاب ، وكذا كثير من القبائح العقلية أو العقلائية إذا لم يرد فيها نهي أو لم ينطبق عليها عناوين محرّمة أو لم يدرك العقل صحّة عقوبة مخالفته .

فإن قلت : يمكن ادّعاء الملازمة بين القبح والعقاب فيما إذا ارتكب قبيحاً يرجع إلى دائرة المولوية والعبودية ، ولا شكّ في أنّ ارتكاب ما لا يجوز ارتكابه العقل في تلك الدائرة ويعدّ تركه من شؤون العبودية ، يستلزم العقوبة .

قلت : غاية الأمر كون ذلك موجباً للّوم والكشف عن سوء السريرة ، وأمّا العقاب فلا ; ولهذا لم يحكم العقلاء بصحّة العقاب على مقدّمات الحرام ; زائداً على نفس الحرام ، ولا على الحرام مرّتين : تارة للتجرّي ، واُخرى للمخالفة ، كما يأتي الكلام فيه .

والالتزام بالتفكيك ; بأن يقال مع الإصابة لا يستحقّ إلاّ على المخالفة ولا ينظر إلى تجرّيه ، ومع التخلّف يستحقّ على التجرّي ; لصيرورته منظوراً فيه ، غير وجيه ; لأنّ عدم كون الشيء منظوراً فيه لا يوجب رفع القبح والاستحقاق الواقعيين .

وعلى أيّ حال : فلابدّ من لحاظ حكم العقل ; من حيث استحقاقه للعقوبة لأجل ارتكاب ذلك الفعل مستقلاًّ ، من غير قناعة على حكمه بالقبح ، كما لابدّ من لحاظه مجرّداً عن كلّ العناوين الخارجة عن ذاته ; حتّى لا يختلط الأمر .

فنقول : إنّ بين التجرّي والمعصية جهة اشتراك وجهة امتياز :


(303)

أمّا الثاني : فيمتاز التجرّي عنها في انطباق عنوان المخالفة عليها دونه ، ولا إشكال في حكم العقل بقبح مخالفة أمر المولى ونهيه مع الاختيار ، والعقلاء مطبقون على صحّة المؤاخذة على مخالفة المولى بترك ما أمره وارتكاب ما نهى عنه ، ولا ريب أنّ تمام الموضوع في التقبيح هو المخالفة فقط ، من غير نظر إلى عناوين اُخر ، كهتكه وظلمه وخروجه عن رسم العبودية إلى غير ذلك .

كما أ نّها تمام الموضوع أيضاً عند العقلاء ، الذين أطبقوا على صحّة مؤاخذة المخالف ، من غير فرق فيما ذكرنا بين أن يكون نفس العمل ممّا يحكم العقل بقبحه مستقلاًّ كالفواحش ، أو لا كصوم يوم العيد والإحرام قبل الميقات .

والحاصل : أنّ العقل إذا لاحظ نفس مخالفة المولى عن اختيار يحكم بقبحه مجرّدة عن كافّة العناوين ; من الجرأة وأشباهها .

وأمّا الأوّل ـ أعني الجهة المشتركة بينهما ـ فهي الجرأة على المولى والخروج من رسم العبودية وزيّ الرقّية والعزم والبناء على العصيان وأمثالها .

وأمّا الهتك فليس من لوازم التجرّي ولا المعصية ; فإنّ مجرّد المخالفة أو التجرّي ليس عند العقلاء هتكاً للمولى وظلماً عليه .

وعند ذلك يقع البحث في أنّ التجرّي هل هو قبيح عقلاً أو لا ، وعلى فرض قبحه هل هو مستلزم للعقاب أو لا ; لما عرفت(1)  من عدم الملازمة بين كون الشيء قبيحاً وكونه مستلزماً للعقوبة .

والذي يقوى في النفس سالفاً وعاجلاً : عدم استلزامه للعقوبة ; سواء قلنا بقبحه أم لا .


1 ـ تقدّم في الصفحة 302 .


(304)

والشاهد عليه : أ نّه لو فرض حكم العقل بقبح التجرّي واستحقاق العقوبة عليه فليس هذا الحكم بملاك يختصّ بالتجرّي ولا يوجد في المعصية ، بل لو فرض حكمه بالقبح وصحّة المؤاخذة فلابدّ أن يكون بملاك مشترك بينه وبين المعصية ، كأحد العناوين المتقدّمة المشتركة .

ولو كانت الجهة المشتركة بينهما ملاكاً مستقلاًّ للقبح واستحقاق العقوبة لزم القول بتعدّد الاستحقاق في صورة المصادفة ; لما عرفت أنّ مخالفة المولى علّة مستقلّة للقبح والاستحقاق ، فيصير الجهـة المشتركـة ملاكاً مغايـراً موجـباً لاستحقاق آخر.

وأمّا ما أفاده بعض محقّقي العصر ـ فراراً عن الالتزام بتعدّد الاستحقاق ـ من أنّ الموضوع لحكم العقل في العصيان ليس مخالفة المولى ، بل الهتك والجرأة عليه أو العزم على العصيان أو الطغيان وغيرها ممّا هي جهات مشتركة ، وعند وحدة الملاك يصير العقاب واحداً(1) .

غير مفيد ; لما عرفت من أنّ العقل إذا جرّد النظر عن تمام القيود والملاكات ، ونظر إلى نفس ذاك العنوان ـ أعني مخالفـة المولى عن اختيار ـ لَحَكم بالقبح وصحّة العقوبة .

فلو كان هذا عنواناً مستقلاًّ وذاك ـ أعني أحد هذه العناوين المشتركة بين المقامين ـ عنواناً مستقلاًّ آخر لزم القول باستحقاق عقابين ، مع أنّ العقل والعقلاء يحكمان على خلافه ; فإنّ العاصي لا يستحقّ إلاّ عقاباً واحداً ; لأ نّه لم يرتكب إلاّ قبيحاً واحداً ; وهو ارتكاب المنهي عنه مع العمد والاختيار .


1 ـ نهاية الأفكار 3: 35 ـ 36.


(305)

وأمّا العزم على العصيان والجرأة على المولى فهما وأشباههما من الأفعال الجنانية التي لا تستلزم إلاّ الذمّ واللوم ، ولو فرضنا قبح التجرّي فقد عرفت في صدر البحث أنّ مجرّد كونه أمراً قبيحاً لا يستلزم الاستحقاق للعقوبة .

وأمّا حديث التداخل(1) فهو لا يرجع إلى محصّل .

الجهة الثالثة : في عدم حرمة المتجرّى به

الظاهر أنّ الفعل المتجرّى به لا يخرج عمّا هو عليه ، ولا يصير فعلاً قبيحاً ـ  ولو قلنا بقبح التجرّي ـ فإنّ توهّم قبحه لو كان بحسب عنوانه الواقعي فواضح الفساد ; فإنّ الفعل الخارجي ـ أعني شرب الماء ـ ليس بقبيح ; وإن كان لأجل انطباق عنوان قبيح عليه ، فليس هنا عنوان ينطبق عليه حتّى يصير لأجل ذلك الانطباق متّصفاً بالقبح ; فإنّ ما يتصوّر هنا من العناوين فإنّما هي التجرّي والطغيان والعزم وأمثالها ، ولكن التجرّي وأخويه من العناوين القائمة بالفاعل والمتّصف بالجرأة إنّما هو النفس والعمل يكشف عن كون الفاعل جريئاً ، وليس ارتكاب مقطوع الخمرية نفس الجرأة على المولى ، بل هو كاشف عن وجود المبدأ في النفس . وقس عليه الطغيان والعزم ; فإنّهما من صفات الفاعل لا الفعل الخارجي .

وأمّا الهتك والظلم فهما وإن كانا ينطبقان على الخارج إلاّ أ نّك قد عرفت عدم الملازمة بينهما وبين التجرّي(2) .


1 ـ الفصول الغروية: 87 / السطر36.
2 ـ تقدّم في الصفحة 303 .


(306)

فتحصّل : أنّ الفعل المتجرّى به باق على عنوانه الواقعي ، ولا يعرض له عنوان قبيح .

نعم ، لو قلنا بسراية القبح إلى العمل الخارجي الكاشف عن وجود هذه المبادئ في النفس فلا بأس بالقول باجتماع الحكمين لأجل اختلاف العناوين ، ولا يصير المقام من باب اجتماع الضدّين ; فإنّ امتناع اجتماع الضدّين يرتفع باختلاف المورد ، وقد وافاك بما لا مزيد عليه : أنّ مصبّ الأحكام وموضوعاتها إنّما هي العناوين والحيثيات(1) ، فلا إشكال لو قلنا بإباحة هذا الفعل ـ أعني شرب الماء ـ بما أ نّه شرب وحرمته من أجل الهتك والتجرّي والطغيان .

فالعنوانان منطبقان على مصداق خارجي ، والخارجي مصداق لكلا العنوانين ، وهما مصبّان للأحكام على ما أوضحناه في مبحث الاجتماع(2) .

وأمّا ما ربّما يقال في دفع التضادّ : من أنّ العناوين المنتزعة عـن مرتبة الـذات مقدّمة على العناوين المنتزعة عن الشيء بعدما يقع معروضة للإرادة ، فإنّ المقام مـن هـذا القبيل ، فإنّ شرب الماء ينتزع عـن مرتبـة الـذات للفعل ، وأمّا التجرّي فإنّما ينتزع عـن الذات المعروضة للإرادة . ونظير المقام الإطاعـة ; فإنّها متأخّـرة عـن ذات العمل(3) .

فغير مفيد ; لأنّ القياس مع الفارق ; فإنّ الإرادة لم تتعلّق إلاّ بإتيان ما هو مقطوع الحرمة ، والتجرّي منتزع عن إرادة إتيان ما هو مقطوع الحرمة أو منتزع من


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 489 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 39 .
3 ـ نهاية الأفكار 3: 32 ـ 33.


(307)

إتيانه . وإرادة إتيانه أو نفس إتيانه الذي ينتزع منهما التجرّي ليسا متأخّرين عن عنوان شرب الماء بحسب الرتبة .

والحاصل : أنّ الإرادة لم تتعلّق بشرب الماء حتّى تتأخّر عن الشرب ، ويتأخّر عنوان التجرّي عن هذه الإرادة ; تأخّر المنتزع عن منشأ انتزاعه ، وهذا بخلاف الطاعة المتأخّرة عن الإرادة والأمر ، وهما متأخّران عن عنوان الذات ; أعني الصلاة والصوم .

ثمّ إنّ القوم فتحوا هنا باباً واسعاً للبحث عن الإرادة وملاك اختياريتها واختيار الأفعال الصادرة عنها . وبما أ نّا قد استوفينا حقّ المقال فيهما عند البحث عن اتّحاد الطلب والإرادة فالأولى ترك الكلام ; روماً للاختصار(1) .


1 ـ فقد أفردنا لما أفاده سيّدنا الاُستاذ في هذه المباحث من الحقائق الراهنة والكنوز العلمية رسالة مفردة ، وعلّقنا عليها بعض التعاليق ، وهي جاهزة للطبع . [المؤ لّف]


(308)


(309)
الأمر الثالث
في أقسام القطع وأحكامها

فهاهنا مطالب :

الأوّل : في أقسام القطع

نقول : إنّ القطع قد يتعلّق بموضوع خارجي أو موضوع ذي حكم أو حكم شرعي متعلّق بموضوع مع قطع النظر عن القطع . ويشترك الكلّ في أنّ القطع كاشف دائماً في نظر القاطع .

وأمّا توضيح الأقسام فيحتاج إلى تقديم أمر وهو : أنّ العلم من الأوصاف الحقيقية ذات الإضافة ، فله قيام بالنفس ـ قيام صدور(1)  أو حلول(2)  على المسلكين  ـ وإضافة إلى المعلوم بالذات الذي هو في صقع النفس إضافة إيجاد ، وإضافة إلى المعلوم بالعرض المحقّق في الخارج .


1 ـ راجع الحكمة المتعالية 1: 264 ـ 309، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 28.
2 ـ راجع شرح الإشارات 2 : 308 ـ 322 ، كشف المراد : 226 ـ 229 ، شرح المواقف 1 : 77 .


(310)

وما ذكرنا : من قيام العلم بالنفس وأنّ الصورة المعلومة بالذات فيها أيضاً إنّما يصحّ على عامّة الآراء المذكورة في الوجود الذهني(1) .

نعم ، على القول المنسوب إلى الإمام الرازي من أنّ حقيقة العلم هو إضافة النفس إلى الخارج بلا وساطة صورة اُخرى(2)  لا يصحّ القول بقيام الصورة المعلومة بالنفس ; إذ ليس هنا شيئاً وراء الصورة المحقّقة في الخارج حتّى نسمّيه علماً ومعلوماً بالذات ، بل حقيقة العلم على هذا المسلك ليس إلاّ نيل النفس الاُمور الخارجية بالإضافة إليها ، لا بالحصول فيها .

وبذلك يظهر : أنّ ما أفاده بعض أعاظم العصر من قيام العلم بالنفس ، من دون فرق بين أن نقول : إنّ العلم من مقولة الكيف أو مقولة الفعل أو الانفعال أو الإضافة(3)  لا يخلو عن مناقشة .

ثمّ إنّ للقطع جهات ثلاثة :

جهة قيامه بالنفس وصدوره منها أو حلوله فيها ، وعلى الجملة : كونه من الأوصاف النفسانية مثل القدرة والإرادة والبخل وأمثالها .

وجهة أصل الكشف المشترك بينه وبين سائر الأمارات .

وجهة كمال الكشف وتمامية الإراءة المختصّة به المميّزة إيّاه عن الأمارات .

ثمّ هذه الجهات ليست جهات حقيقية حتّى يستلزم تركّب العلم من هذه


1 ـ راجع شرح المواقف 2 : 169 ـ 184 ، الحكمة المتعالية 1 : 263 ـ 326 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 27 ـ 38 .
2 ـ المطالب العالية 3 : 103 ، المباحث المشرقية 1 : 331 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 16 .


(311)

الجهات ، وإنّما هي تحليلات عقلانية وجهات يعتبرها العقل بالمقايسات ، كتحليل البسائط إلى جهات مشتركة وجهات مميّزة ، مع أ نّه ليس في الخارج إلاّ شيء واحد بسيط . وتجد نظير ذلك في حقيقة التشكيك الموجود في أصل الوجود ; فإنّ الوجود مع كونه بسيطاً ينقسم إلى شديد وضعيف ، ولكن الشديد ليس مؤلّفاً من أصل الوجود والشدّة ، ولا الضعيف من الوجود والضعف ، بل حقيقة الوجود في عامّة الموارد بسيطة لا جزء لها ، إلاّ أنّ المقايسة بين مراتبه موجبة لانتزاع مفاهيم مختلفة عنه .

ثمّ إنّ القطع قد يكون طريقاً محضاً ، وقد يؤخذ في الموضوع ، والمأخوذ في الموضوع تربوا إلى أقسام ستّة :

الأوّل والثاني : أخذه تمام الموضوع أو جزئه بنحو الوصفية ; أي بما أ نّه شيء قائم بالنفس ومن نعوتها وأوصافها ، مع قطع النظر عن الكشف عن الواقع .

الثالث والرابع : أخذه في الموضوع على أن يكون تمام الموضوع أو جزئه بنحو الطريقية التامّة والكشف الكامل .

الخامس والسادس : جعله تمام الموضوع أو جزئه على نحو أصل الكشف الموجود في الأمارات أيضاً .

ثمّ إنّ بعض الأعاظم أنكر جواز أخذ القطع الطريقي تمام الموضوع ; قائلاً : إنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه ، وأخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ ذي الصورة وذي الطريق ، ويكون النظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم(1) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 11 .


(312)

قلت : الظاهر أنّ نظره في كلامه هذا إلى امتناع اجتماع هذين اللحاظين ; فإنّ الطريقية يستدعي أن يكون القطع ملحوظاً آلياً غير استقلالي ، بل الملحوظ استقلالاً هو الواقع المقطوع به ، وأخذه تمام الموضوع يستدعي لحاظ القطع استقلالاً غير آلي ، وهذان اللحاظان لا يجتمعان .

أقول : يرد عليه ـ مضافاً إلى عدم اختصاص الإشكال ـ حينئذ بما إذا كان القطع تمام الموضوع ، بل يعمّ صورة أخذه بعض الموضوع ; لامتناع الجمع بين اللحاظين المتغايرين ـ أنّ الامتناع على فرض تسليمه إنّما يلزم لو جعل الجاعل قطعه الطريقي تمام الموضوع لحكمه ، وأمّا لو جعل قطع الغير ـ الذي هو طريقي ـ تمام الموضوع لحكمه فلا يلزم ما ادّعاه من المحال ، وهل هذا إلاّ خلط بين  اللحاظين ؟

فإن قلت : لعلّ مراده من الامتناع هو أنّ الجمع بين الطريقية وتمام الموضوع يستلزم كون الواقع دخيلاً وعدم كونه دخيلاً ; فإنّ لازم الطريقية دخالة الواقع في حدوث الحكم ، وكون القطع تمام الموضوع يستلزم دوران الحكم مداره ، من دون دخالة للواقع .

قلت ـ مضافاً إلى أ نّـه خلاف ظاهـر كلامـه ـ إنّ أخـذ القطع تمام الموضوع على وجه الطريقية ينافي دخالـة الواقـع حتّى يلزم ما ذكره ، بل المراد لحاظ القطع بما أنّ لـه وصف الطريقية والمرآتية مـن بين عامّـة أوصافه ، ولا يستلزم هـذا دخالـة الواقع ، كما هو واضح .


(313)

الثاني : في أخذ القطع موضوعاً لحكم يخالفه أو يماثله أو يضادّه

إنّك قد عرفت أنّ القطع قد يتعلّق بموضوع خارجي ، فيأتي فيه الأقسام المذكورة ، وقد يتعلّق بحكم شرعي ، فيقع الكلام تارة في أخذه موضوعاً لحكم غير ما تعلّق به العلم ممّا يخالفه أو يماثله أو يضادّه ، واُخرى في أخذه موضوعاً لنفس الحكم الذي تعلّق به .

فنقول : لا إشكال في إمكان أخذه تمام الموضوع وجزئه في حكم يخالفه ، كما إذا رتّب على العلم بوجوب صلاة الجمعة وجوب التصدّق .

إنّما الإشكال في أخذه كذلك لما يماثله أو يضادّه .

والذي يمكن أن يكون مانعاً اُمور نشير إليها :

منها : كونه مستلزماً لاجتماع الضدّين أو المثلين .

وفيه : أ نّه قد مرّ بما لا مزيـد عليه في مبحث النواهي أنّ الأحكام ليست مـن الاُمور الوجودية الواقعية ، بل من الاعتباريات(1) ، وقد عرّف الضدّان بأنّهما الأمران الوجوديان غير المتضائفين المتعاقبان على موضوع واحد ، لا يتصوّر اجتماعهما فيه ، بينهما غاية الخلاف ، فما لا وجود لها إلاّ في وعاء الاعتبار لا  ضدّية بينها ، كما لا ضدّية بين أشياء لا حلول لها في موضوع ولا قيام لها به قيام حلول وعروض .

ومن ذلك الباب عدم تضادّ الأحكام لأجل أنّ تعلّق الأحكام بموضوعاتها ومتعلّقاتها ليس حلولياً عروضياً نحو قيام الأعراض بالموضوعات ، بل قيامها بها


1 ـ تقدّم في الصفحة 51 .


(314)

قيام اعتباري لا تحقّق لها أصلاً ، فلا يمتنع اجتماعها في محلّ واحد ، ولذا يجوز الأمر والنهي بشيء واحد من جهة واحدة من شخصين أو شخص واحد مع الغفلة ، ولو كان بينها تضادّ لما صار ممكناً مع حال الغفلة ، وممّا ذكرنا يظهر حال المثلية .

ومنها : اجتماع المصلحة والمفسدة .

وفيه : لا مانع من كون موضوع ذا مصلحة من جهة وذا مفسدة من جهة اُخرى ، والجهتان متحقّقتان في المقام ، فيمكن أن يكون ذا مصلحة حسب عنوانه الذاتي ، وذا مفسدة عند كونه مقطوعاً أو مظنوناً .

ومنها : أ نّه يستلزم اجتماع الكراهة والإرادة ، والحبّ والبغض .

وفيه : أنّ هذا إنّما يرد لو كان الموضوع للحكمين المتضادّين صورة وُحدانية له صورة واحدة في النفس ، وأمّا مع اختلاف العناوين تكون صورها مختلفة ، ولأجل اختلافها تتعلّق الإرادة بواحدة منها والكراهة بصورة اُخرى ، وليست الصور الذهنية مثل الموضوعات الخارجية ; حيث إنّ ذات الموضوع الخارجي محفوظة مع اختلاف العناوين ، بخلاف الصور الذهنية ; فإنّ الموضوع مع كلّ عنوان له صورة على حدة ، فتأمّل لما سيجيء من التفصيل .

ومنها : لزوم اللغوية في بعض الموارد ـ أعني إذا اُحرز أنّ المكلّف ينبعث عند حصول القطع بحكم من أحكام المولى ـ فجعل حكم آخر مثله لغو لا يترتّب عليه الانبعاث في هذه الصورة . نعم لو اُحرز أنّ المكلّف لا ينبعث إلاّ إذا تعلّق أمر آخر على المحرز المقطوع فلا يلزم اللغوية ، بل يكون لازماً .

وفيه : أنّ ما ذكره صحيح في الأحكام الجزئية والخطابات الشخصية دون الأحكام الكلّية ، فتعلّقها مطلقاً لا يكون لغواً ; لعدم إحراز الإتيان أو عدمه ، بل المحقّق اختلاف المكلّفين في ذلك المقام ; فربّ مكلّف لا ينبعث إلاّ عن أمرين أو


(315)

أزيد ، وعليه لا بأس لجعل آخر مماثل لما تعلّق به لأجل حصول الانبعاث في بعض المكلّفين .

ومنها : لزوم الأمر بالمحال ; فإنّه ـ مضافاً إلى أ نّه يستلزم لغوية جعل الحرمة للخمر ـ إذا فرضنا أنّ الخمر حرام فإذا قطع بحرمة الخمر يصير مقطوع الحرمة مرخّصاً فيه ، يستلزم ذلك الأمر بالمحال ; فإنّ الامتثال في هذه الصورة غير ممكن ، وسيجيء دفعه في آخر البحث .

ومع ذلك كلّه فالحقّ : التفصيل بين كونه تمام الموضوع للحكم المضادّ والمماثل وبين كونه بعض الموضوع ، بالجواز في الأوّل والامتناع في الثاني ; لأنّ مصبّ الحكم المضادّ الثانوي إنّما هو عنوان المقطوع بلا دخالة الواقع فيه ، وهو مع عنوان الواقع عامان من وجه ، ويتصادق على الموضوع الخارجي أحياناً ، وقد أوضحنا في مبحث النواهي : أنّ اجتماع الحكمين المتضادّين ـ حسب اصطلاح القوم ـ في عنوانين مختلفين متصادقين على مورد واحد ممّا لا إشكال فيه(1) .

والحاصل : أ نّه إذا جعل الشارع القطع تمام الموضوع لحكم من الأحكام ـ  سواء ماثل حكم المتعلّق أو ضادّه ـ بأن قال : «الخمر المقطوع الحرمة حرام شربها أو واجب الارتكاب» فلا يلزم اجتماع المثلين ; لأنّ النسبة بين مقطوع الخمرية أو مقطوع الحرمة والخمر الواقعي أو الحرمة الواقعية عموم من وجه ، وإذا انطبق كلّ واحد من العنوانين على المايع الخارجي فقد انطبق كلّ عنوان على مصداقه ; أعني المجمع . وكلّ عنوان يترتّب عليه حكمه بلا تجاوز الحكم عن عنوانه إلى عنوان آخر .


1 ـ تقدّم في الصفحة 39 .


(316)

فإذا قال : «أكرم العالم» ثمّ قال : «أكرم الهاشمي» ، وانطبق العنوانان على رجل عالم هاشمي فالحكمان ثابتان على عنوانهما ، وعلى ما هو مصبّ الأحكام ، من غير أن يتجاوز عن موضوعه وعنوانه المأخوذ في لسان الدليل إلى عنوان آخر حتّى يصير الموضوع واحداً ، وتحصل غائلة الاجتماع . ولا يسري الأحكام من عناوينها إلى مصاديقها الخارجية ; لما حقّقناه من أنّ الخارج ظرف السقوط دون العروض . فلا مناص عن القول بثبوت الحكم على عنوانه وعدم سرايته إلى عنوان آخر ، ولا إلى الخارج .

هذا إذا كان القطع تمام الموضوع .

وأمّا إذا كان جزء الموضوع : فينقلب النسبة وتصير النسبة بين الموضوعين الحاملين لحكمين متماثلين أو متضادّين عموماً وخصوصاً مطلقاً ، وقد قرّر في محلّه خروجه عن مصبّ البحث في مبحث الاجتماع والامتناع ، وأنّ الحقّ فيه الامتناع ، فراجع .

لا يقال : المفروض أنّ العنوانين مختلفان في هذا القسم أيضاً ، فلو كان التغاير المفهومي كافياً في رفع الغائلة فليكن مجدياً مطلقاً .

لأ نّا نقول : فكم فرق بين التغايرين ؟ ! فإنّ التغاير في العموم من وجه حقيقي والتقارن مصداقي ، وأمّا الآخر فالمطلق عين المقيّد متّحد معه ; اتّحاد اللابشرط مع بشرط شيء ، كما أنّ المقيّد عين المطلق زيد عليه قيد . فلو قال : «أكرم هاشمياً» ، ثمّ قال : «أكرم هاشمياً عالماً» فلو لم يحمل مطلقه على مقيّده لزم كون الشيء الواحد مورداً للطلبين والإرادتين ; إذ الهاشمي عين الهاشمي العالم .

نعم ، قد ذكرنا وجهاً لصحّة جعله مورد النزاع ، ولكن قد زيّفناه في محلّه(1) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 37 .


(317)

وبذلك يظهر : دفع عامّة المحذورات فيما جوّزناه ، وقد عرفت دفع بعض منها ، وبقي لزوم اللغوية في الحكم المماثل ، والأمر بالمحال في الحكم المضادّ :

فنقول أمّا الأوّل : فلأنّ الطرق إلى إثبات الحكم أو موضوعه كثيرة ، فجعل الحرمة على الخمر والترخيص على معلوم الخمرية أو معلوم الحرمة لا توجب اللغوية ; لإمكان العمل بالحكم الأوّل لأجل قيام طرق اُخر .

وأمّا لزوم الأمر بالمحال : فلأنّ أمر الآمر ونهيه لا يتعلّق إلاّ بالممكن ، وعروض الامتثال في مرتبة الامتثال كباب التزاحم لا يوجب الأمر بالمحال ، كما حقّق في محلّه . وبذلك يظهر حال الظنّ ; جوازاً وامتناعاً .

حكم الظنّ في المقام

بقي الكلام في التفصيل المستفاد من كلام بعض أعاظم العصر ; فإنّه بعد بيان الأقسام المذكورة للظنّ وإمكان أخذه موضوعاً لحكم آخر مطلقاً إلاّ فيما اُخذ تمام الموضوع على وجه الطريقية ـ كما تقدّم منه في القطع إشكالاً وجواباً ـ قال ما هذا ملخّصه :

وأمّا أخذه موضوعاً لمضادّ حكم متعلّقه فلا يمكن مطلقاً ، من غير فرق بين الظنّ المعتبر وغيره ; للزوم اجتماع الضدّين ; ولو في بعض الموارد ، ولا يندرج في مسألة اجتماع الأمر والنهي ، بل يلزم منه الاجتماع في محلّ واحد .

وأ مّا أخذه موضوعـاً لحكم المماثل : فإن لم يكن الظـنّ حجّـة فلا مانع منـه ; فإنّ في صورة المصادفـة يتأكّد الحكمـان ; فإنّ اجتمـاع المثلين إنّمـا يلـزم لو تعلّق الحكمان بموضوع واحـد وعنوان فارد ، وأ مّا مع تعلّقهما بالعنوانين فلا يلزم إلاّ التأكّد .


(318)

وأمّا الظنّ الحجّة : فلا يمكن أخذه موضوعاً للمماثل ; فإنّ الواقع في طريق إحراز الشيء لا يكون من طواريه ; بحيث يكون من العناوين الثانوية الموجبة لحدوث ملاك غير ما هو عليه من الملاك ; لأنّ الحكم الثاني لا يصلح لأن يكون محرّكاً وباعثاً لإرادة العبد ; فإنّ الانبعاث إنّما يتحقّق بنفس إحراز الحكم الواقعي المجعول على الخمر ، فلا معنى لجعل حكم آخر إلى ذلك المحرز ، كما لا يعقل ذلك في العلم أيضاً .

وقال ـ قدس سره ـ في فذلكة المقام : إنّ الظنّ الغير المعتبر لا يصحّ أخذه موضوعاً على وجه الطريقية ـ لا للمماثل ولا للمخالف ـ فإنّ أخذه على وجه الطريقية هو معنى اعتباره ; إذ لا معنى له إلاّ لحاظه طريقاً .

وأمّا أخذه موضوعاً لنفس متعلّقه إذا كان حكماً فلا مانع منه بنتيجة التقييد مطلقاً ، بل في الظنّ المعتبر لا يمكن ـ ولو بنتيجة التقييد ـ فإنّ أخذ الظنّ حجّة محرزاً لمتعلّقه معناه : أ نّه لا دخل له في المتعلّق ; إذ لو كان له دخل لما اُخذ طريقاً فأخذه محرزاً مع أخذه موضوعاً يوجب التهافت ـ ولو بنتيجة التقييد ـ وذلك واضح(1) ، انتهى كلامه .

وفيه مواقع للنظر ، نذكر منها ما يلي ، فنقول :

أمّا أوّلاً : أنّ اختلاف العنوانين إن كان رافعاً لاجتماع المثلين فهو رافع لاجتماع الضدّين ; فإنّ محطّ الأمر والنهي إذا كانا عنوانين مختلفين وفرضنا اتّفاقهما في موضوع واحد فتعدّد العنوان كما يرفع اجتماع المثلين فكذلك يرفع اجتماع الضدّين ، وأمّا إذا كان أحد العنوانين محفوظاً مع الآخر ـ كما في المقام ; فإنّ الخمر


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 31 ـ 35 .


(319)

محفوظ بعنوانه مع مظنون الخمرية ـ فكما لا يرفع معه التضادّ فكذلك لا يرفع به اجتماع المثلين .

وثانياً : أنّ ما ذكره من ميزان اجتماع المثلين وميزان التأكّد ممّا لا أساس له أصلاً ; فإنّ التأكّد إنّما هو مورده فيما إذا كان العنوان واحداً ، لا ما إذا كان العنوان متعدّداً ، كما ذكره ـ قدس سره ـ  ، وكان تعلّق الأوامر به لأجل التأكيد .

ثمّ التأكيد قد يحصل بأداته وقد يحصل بتكرّر الأمر والنهي ، كالأوامر الكثيرة المتعلّقة بعناوين الصلاة والزكاة والحجّ ، وعناوين الخمر والميسر والربا ، كما تجده في الشريعة المقدّسة .

فهذه كلّها من قبيل التأكيد لا اجتماع المثلين ، ويحكي هذه الأوامر المتظافرة عن اهتمام الآمر والناهي ، وعن إرادة واحدة مؤكّدة لا عن إرادات ; فإنّ تعلّق إرادتين بشيء واحد ممّا لا يمكن ; لأنّ تشخّص الإرادة بالمراد .

هذا حال العنوان الواحد .

وأمّا مع اختلاف العنوانين فلا يكون من التأكيد أصلاً ; وإن اتّفق اجتماعهما في موضوع واحد ، فإنّ لكلّ واحد من العنوانين حكمه ، ويكون الموضوع مجمعاً لعنوانين ولحكمين ، ويكون لهما إطاعتان وعصيانان ، ولا بأس به . وما اشتهر بينهم : أنّ قوله «أكرم العالم وأكرم الهاشمي» يفيد التأكيد إذا اجتمعا في مصداق واحد ممّا لا أصل له .

وثالثاً : أنّ ما أفاده من أنّ الظنّ المعتبر لا يمكن أخذه موضوعاً للحكم المماثل ; معلّلاً تارة بأنّ المحرز للشيء ليس من العناوين الثانوية الموجبة لحدوث الملاك ، واُخرى بأنّ الحكم الثاني لا يصلح للانبعاث ; وإن خلط المقرّر بينهما .

فيرد على الأوّل : أنّ عدم كون الظنّ المحرز من العناوين الثانوية التي توجب


(320)

الملاك هل هو من جهة كون الظنّ مختلفاً مع الواقع المظنون في الرتبة ، أو من جهة الاعتبار الشرعي ؟

فعلى الأوّل يلزم أن يكون الظنّ غير المعتبر أيضاً كذلك ، فعلى الثاني فنحن لا نقبله حتّى يقوم الدليل على أنّ الاعتبار الشرعي ممّا ينافي الملاكات الواقعية ويرفعها .

والحاصل : لا فرق بين الظنّ المعتبر وغيره إلاّ في الجعل الشرعي ، وهو ممّا لا يضادّ الملاكات النفس الأمرية ، مع أنّ الظنّ والقطع كسائر العناوين يمكن أن يكونا موجبين لملاك آخر .

ويرد على التعليل الثاني : أ نّه يمكن أن لا ينبعث العبد بأمر واحد وينبعث بأمرين أو أوامر ، وإمكان الانبعاث يكفي في الأمر ، ولولا ذلك لزم لغوية التأكيدات ، مع أنّ المظنون بما أ نّه مظنون يمكن أن يكون له ملاك مستقلّ في مقابل الواقع ، كما هو المفروض فيما نحن فيه ، فلا بأس بتعلّق أمر مستقلّ .

وأمّا ما أفاده في فذلكته : من أنّ أخذ الظنّ على وجه الطريقية هو معنى اعتباره ، ففيه : أ نّه ممنوع ; فإنّ الظنّ لمّا كان له طريقية ناقصة وكاشفية ضعيفة ذاتاً يمكن أن يؤخذ على هذا الوجه موضوعاً في مقابل الوصفية التي معناها أن يؤخذ مقطوع النظر عن كاشفيته .

وأمّا معنى اعتباره فهو أن يجعله الشارع معتبراً وواجب العمل بالجعل التشريعي ، فمجرّد لحاظ الشارع طريقيته لا يلازم اعتباره شرعاً ; فضلاً عن أن يكون معناه . وإن شئت قلت : إنّ لحاظ الطريقية من مقولة التصوّر وجعل الاعتبار من الإنشاء والحكم ، ولا ربط بينهما .

أضف إلى ذلك : أنّ لحاظ الطريقية لو كان ملازماً للاعتبار لزم أن يلتزم


(321)

بامتناعه في القطع ; لأنّ جعل الطريقية والاعتبار فيه ممتنع ، فلحاظ القطع الطريقي موضوعاً مطلقاً يصير ممتنعاً .

اللهمّ إلاّ أن يدّعى : أنّ ذاك اللحاظ عين معنى الاعتبار أعمّ من الذاتي أو الجعلي ، وهو كما ترى .

وأمّا ما أفاد : من أنّ أخذ الظنّ بالحكم موضوعاً لنفسه لا مانع منه بنتيجة التقييد فقد يظهر ما فيه عند البحث عن أخذ العلم كذلك من لزوم الدور .

وأمّا ما أفاده أخيراً : من عدم جواز أخذ الظنّ المعتبر موضوعاً لحكم متعلّقه ; معلّلاً بأنّ أخذ الظنّ محرزاً لمتعلّقه معناه أ نّه لا دخل له فيه ، وهو ينافي الموضوعية ، ففيه : أنّ ذلك ممنوع جدّاً ; فإنّ الملاك يمكن أن يكون في الواقع المحرز بهذا الظنّ بعنوان المحرزية ، فلابدّ من جعل المحرزية للتوصّل بالغرض ، لكن أخذ الظنّ كذلك محال من رأس ; للزوم الدور .

والذي يسهّل الخطب : أنّ ما ذكره من الأقسام متصوّرات محضة لا واقع لها .

الثالث : في أخذ القطع تمام الموضوع لحكمه

قد يقال بعدم إمكانه ; للزوم الدور منه ، ويمكن أن يدفع بعدم لزومه فيما إذا كان القطع المأخـوذ في الموضـوع تمام الموضوع ; لأنّ الحكم ـ حينئذ ـ على عنوان المقطوع بما أ نّه كذلك ، مـن غير دخالـة التطابق وعدمـه ولا الواقـع المقطوع به . فحينئذ لا يتوقّف تحقّق القطع بالحكم على وجـود الحكم ; لأ نّـه قد  يكون جهلاً مركّباً .

وليس معنى الإطلاق لحاظ القيدين حتّى يكون الأخذ بلحاظ قيديه ممتنعاً ، بل معناه عدم القيدية وكون الطبيعة تمام الموضوع ، وهو لا يتوقّف على الحكم ،


(322)

وإنّما يتوقّف الحكم عليه ، فلا دور .

وبعبارة أوضح : أنّ الدور المذكور في المقام ـ أعني توقّف القطع بالحكم على وجود الحكم ، وتوقّف الحكم على الموضوع الذي هو القطع ; سواء كان تمام الموضوع أو جزئه ـ إنّما يلزم لو كان القطع مأخوذاً على نحو الجزئية ، ومعنى ذلك عدم كون القطع موضوعاً برأسه ، بل هو مع نفس الواقع ; أعني الحكم الشرعي .

فالقطع يتوقّف على وجود الحكم ، ولو توقّف الحكم على القطع يلزم الدور . وأمّا إذا كان القطع تمام الموضوع لحكم نفسه فلا يلزم الدور ; لأنّ ما هو الموضوع هو القطع ـ سواء وافق الواقع أم خالفه ـ لأنّ الإصابة وعدمها خارجتان من وجود الموضوع .

وعليه : فلا يتوقّف حصول القطع على الواقع المقطوع به ; وإن توقّف على المقطوع بالذات ـ أعني الصورة الذهنية من الحكم ـ وأمّا المقطوع بالعرض ـ الذي هو المقطوع به في الخارج ـ فلا يتوقّف القطع على وجوده . وأمّا المأخوذ جزء موضوع فلا يمكن دفع الدور بالبيان المتقدّم ; لأنّ معنى جزئيته للموضوع أنّ الجزء الآخر هو الواقع . وتوهّم إمكان جعل الجزء هو المعلوم بالذات كما ترى .

ثمّ إنّه أجاب بعض الأعاظم عن الدور بما يلي : إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيه الإطلاق ولا التقييد اللحاظي ، كما هو الشأن في الانقسامات اللاحقة للمتعلّق باعتبار تعلّق الحكم به ، كقصد التعبّد والتقرّب بالعبادات ، فإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق ; لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة .

لكن الإهمال الثبوتي لا يعقل ; فإنّ ملاك تشريع الحكم إمّا محفوظ في حالتي الجهل والعلم فلابدّ من نتيجة الإطلاق ، وإمّا في حالة العلم فلابدّ من نتيجة التقييد . فحيث لا يمكن بالجعل الأوّلي فلابدّ من دليل آخر يستفاد منه النتيجتان ;


(323)

وهو متمّم الجعل . وقد ادّعي : تواتر الأدلّة على اشتراك العالم والجاهل في الأحكام ; وإن لم نعثر إلاّ على بعض أخبار الآحاد ، لكن الظاهر قيام الإجماع والضرورة ، فيستفاد من ذلك نتيجة الإطلاق وأنّ الحكم مشترك بين العالم والجاهل ، لكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص ، كما خصّصت بالجهر والإخفات والقصر والإتمام(1) ، انتهى كلامه .

وفيه مواقع للإشكال :

الأوّل : أنّ الانقسامات اللاحقة على ضربين :

أحدهما : ما لا يمكن تقييد الأدلّة به ، بل ولا يمكن فيه نتيجة التقييد ، مثل أخذ القطع موضوعاً بالنسبة إلى نفس الحكم ; فإنّه غير معقول ـ لا بالتقييد اللحاظي ولا بنتيجة التقييد ـ فإنّ حاصل التقييد ونتيجته أنّ الحكم مختصّ بالعالم بالحكم ، وهذا دور . وحاصله : توقّف الحكم على العلم به ، وهو متوقّف على وجود الحكم ، وهذا الامتناع لا يرتفع ; لا بالتقييد اللحاظي ولا بنتيجة التقييد .

وهذا غير ما ربّما يورد على الأشاعرة القائلين بأنّ أحكام الله تابعة لآراء المجتهدين(2) ; فإنّه يورد عليهم باستلزامه الدور(3) ; إذ يمكن الذبّ عنه بأنّ الشارع أظهر أحكاماً صورية بلا جعل أصلاً لمصلحة في نفس الإظهار حتّى يجتهد المجتهدون ، ويصلوا إلى هذه الأحكام الغير الحقيقية ، فإذا أدّى اجتهادهم إلى حكم ـ  سواء وافق الحكم الصوري أم خالف ـ أنشأ الشارع حكماً مطابقاً لرأيه تابعاً له ، ولكنّه مجرّد تصوير ربّما لا يرضى به المصوّبة .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 11 ـ 13 .
2 ـ اُنظر المحصول في علم اُصول الفقه 4 : 1380 .
3 ـ نهاية الدراية 6 : 376 .


(324)

وأمّا عدم الإعادة فيما لو خافت في موضع الجهر أو جهر في موضع المخافات ، أو أتمّ في موضع القصر أو قصّر في موضع التمام فلا يتوقّف الذبّ عنه بالالتزام بما ذكره من الاختصاص ، بل يحتمل أن يكون عدم الإعادة من باب التقبّل والتخفيف ـ كما ربّما يحتمل ذلك في قاعدة لا تعاد لو قلنا بعموميته للسهو وغيره ـ ويمكن أن يكون لأجل عدم قابلية المحلّ للقضاء والإعادة بعد الإتيان بما كان خلاف الوظيفة ، وله نظائر في التكوين .

وأمّا القسم الثاني من الانقسامات اللاحقة : ما يمكن التقييد به بدليل آخر ، كقصد القربة والتعبّد والأمر ; فإنّ في هذا القسم يمكن تقييد المتعلّق بالتقييد اللحاظي ـ كما يمكن بنتيجة التقييد ـ فإنّ الآمر يمكن أن يلاحظ متعلّق أمره وما له من قيود وحدود ، ويلاحظ حالة تعلّق أمره به في المستقبل ، ويلاحظ قصد المأمور للتقرّب والتعبّد بما أ نّها من قيود المتعلّق ، ويأمر به مقيّداً بهذه القيود كسائر قيوده . وقد وافاك خلاصة القول في ذلك في مباحث الألفاظ(1) .

نعم نفس تعلّق الأمر ممّا يمكّن المكلّف من إتيان المتعلّق ; فإنّ قبل تعلّقه لا يمكن له الإتيان بالصلاة ـ مثلاً ـ مع تلك القيود ، وبالتعلّق يصير ممكناً .

فـإن قلت : بناءً على ذلك لم يكـن الموضـوع المجـرّد مـن قصد الأمـر مأموراً به ، فكيف يمكن الأمر به بقصد أمره ؟

قلت : هذا إشكال آخر غير الدور ، ويمكن دفعه بأنّ الموضوع متعلّق للأمر الضمني ، وقصده كاف في الصحّة ، وقد أوضحنا حاله في الجزء الأوّل(2) ، فراجع .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 208 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 217 .


(325)

الثاني من الإشكالات على كلامه : أنّ توصيف الإطلاق والتقييد باللحاظي مع القول بأنّ تقابلهما تقابل العدم والملكة جمع بين أمرين متنافيين ; لأنّ الإطلاق على هذا متقوّم باللحاظ كالتقييد ، واللحاظان أمران وجوديان لا يجتمعان في مورد واحد ، فيصير التقابل تقابل التضادّ ، لا العدم والملكة .

نعم ، لو قلنا بما أوضحناه في محلّه(1)  من عدم تقوّم الإطلاق باللحاظ ، وأ نّه لا يحتاج إلى لحاظ السريان ، بل هو متقوّم بعدم لحاظ شيء في موضوع الحكم ، مع كون المتكلّم في مقام البيان ، يرد عليه إشكال آخر ، وهو : أنّ امتناع الإطلاق حينئذ ممنوع ، فيصير ما ادّعاه من أ نّه كلّما امتنع التقييد امتنع الإطلاق قولاً بلا  برهان .

والحقّ : أنّ بين الإطلاق والتقييد ـ كما ذكره ـ تقابل العدم والملكة أو شبه ذلك التقابل ، لكن لا يرتّب عليه ما رتّبه ـ قدس سره ـ من إنكار مطلق الإطلاق في الأدلّة الشرعية حتّى احتاج إلى دعوى الإجماع والضرورة لاشتراك التكليف بين العالم والجاهل .

وخلاصة الكلام : أنّ عدم التقييد قد يكون لأجل عدم قابلية المتعلّق له وقصوره عن ذلك ، ففي مثله لا يمكن الإطلاق ، ولا يطلق على مثل ذلك التجرّد من القيد أ نّه مطلق ، كما لا يطلق على الجدار أ نّه أعمى ; فإنّ الأعمى هو اللا بصير الذي من شأنه أن يكون بصيراً ، وليس الجدار كذلك ، ونظيره الأعلام الشخصية ، فلا يطلق لزيد أ نّه مطلق أفرادي ، كما لا يطلق أ نّه مقيّد .

وقد يكون لا لأجل قصوره وعدم قابليته ، بل لأجل أمر خارجي ، كلزوم الدور في التقييد اللحاظي ; فإنّ امتناع التقييد في هذا المورد ونظائره لا يلازم امتناع


1 ـ تقدّم في الصفحة 260 و 262 و 271 .


(326)

الإطلاق ; إذ المحذور مختصّ به ولا يجري في الإطلاق ; فإنّ المفروض أنّ وجه الامتناع لزوم الدور عند التقييد ـ أي تخصيص الأحكام بالعالمين بها ـ وأمّا الإطلاق فليس فيه أيّ محذور من الدور وغيره ، فلا بأس ـ حينئذ ـ في الإطلاق ; وإن كان التقييد ممتنعاً لأجل محذور خارجي .

والشاهد على صحّة الإطلاق ووجوده : هو جواز تصريح المولى بأنّ الخمر حرام شربه على العالم والجاهل ، وصلاة الجمعة واجبة عليهما بلا محذور .

بل التحقيق : أنّ الإطلاق في المقام لازم ـ ولو لم تتمّ مقدّماته ـ لأنّ الاختصاص بالعالمين بالحكم مستلزم للمحال ، والاختصاص بالجهّال وخروج العالمين به خلاف الضرورة ، فلا محيص عن الاشتراك والإطلاق . نعم هذا غير الإطلاق الذي يحتاج إلى المقدّمات ويكون بعد تمامها حجّة . ولعلّ ما ذكرناه من الوجه سند دعوى الإجماع والضرورة .

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ أراد التفصّي بوجه آخر ، فقال ما هذا تلخيصه : يمكن التفصّي عن الدور على نحو نتيجة التقييد الراجع إلى جعل الحكم لحصّة من الذات في المرتبة السابقة التوأمة مع العلم بحكمه في المرتبة المتأخّرة ، لا مقيّداً به على نحو يكون عنوان التوأمية مع العلم المزبور معرّفاً محضاً لما هو الموضوع ، وكان الموضوع هو الحصّة الخاصّة بلا تعنونه بعنوان التوأمية أيضاً ; فضلاً عن العلم بحكمه ونحوه من العناوين المتأخّرة ، كما هو الشأن في كلّ معروض بالنسبة إلى عارضه المتحفّظ في الرتبة المتأخّرة ، وكما في كلّ علّة لمعلولها ، من دون اقتضاء التلازم والتوأمية اتّحاد الرتبة بينهما أصلاً(1) ، انتهى .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 15 .


(327)

وفيه : أنّ نفس الطبائع لا تتحصّص بالحصص ـ لا في الذهن ولا في الخارج ـ وإنّما تتقوّم الحصّة بأمر خارج عنها لاحق بها لحاظاً في الذهن لا في الخارج ، كالكلّيات المقيّدة ، مثل «الإنسان الأبيض» و«الإنسان الأسود» . وأمّا الخارج فإطلاق الحصّة على الفرد الخارجي لا يخلو عن إشكال .

وعلى ذلك : فالطبيعة لا تتحصّص بحصص إلاّ بإضافة قيود لها عند جعلها موضوعاً لحكم من الأحكام . وحينئذ فالحكم :

إمّا يتعلّق على الطبيعة مع قطع النظر عن العلم بحكمها ، فلا تكون الحصّـة موضوعـاً ; لأ نّها مع قطـع النظر عن القيود ليست إلاّ نفس الطبيعة .

وإمّا أن يتعلّق على الحصّة الملازمة للعلم بحكمها ـ ولو في الرتبة المتأخّرة ـ فلا تكون الحصّة حصّة إلاّ بعروض القيد للطبيعة في الذهن ، فلا محيص إلاّ عن لحاظ الموضوع توأماً مع العلم بحكمه ، وهذا الموضوع بهذا الوصف يتوقّف على الحكم ، والحكم على العلم به ، فعاد الدور .

وأمّا المعروض بالنسبة إلى عارضه فليس كما أفاد ; لأنّ العارض لا يعرض الحصّة ، بل يعرض نفس الطبيعة ، ويصير الطبيعة بنفس العروض متخصّصاً ، فلا يكون قبل العروض وفي الرتبة المتقدّمة حصّة .

وأمّا التوأمية بين العلّة والمعلول مع حفظ التقدّم الرتبي بينهما فهو حقّ لو أراد ما ذكرنا .

هذا كلّه في أخذه تمام الموضوع في نفس حكمه ، وهكذا إذا جعل بعض الموضوع لحكم نفسه ، فمحال للدور المتقدّم(1) ، فتدبّر .


1 ـ تقدّم في الصفحة 321 .


(328)

قيام الأمارات والاُصول مقام القطع

وإشباع الكلام في قيام الأمارات والاُصول بنفس أدلّتها مقام القطع يتوقّف على البحث في مقامين :

الأوّل : في إمكان قيامها مقامه ثبوتاً بجميع أقسامه ; سواء كان طريقياً أو موضوعياً وكان تمام الموضوع أو بعض الموضوع ، كان التنزيل بجعل واحد أو بجعلين .

والثاني : فـي وقوعـه إثباتاً وبحسب الدلالـة .

قيام الأمارات والاُصول مقام القطع ثبوتاً

أ مّا الأوّل: فالظاهر إمكانه ، ويستفاد من المحقّق الخراساني الامتناع فيما إذا كان التنزيل بجعل واحد ; لوجهين :

الأوّل ما محصّله : أنّ الجعل الواحد لا يمكن أن يتكفّل تنزيل الظنّ منزلة القطع وتنزيل المظنون منزلة المقطوع فيما اُخذ في الموضوع على نحو الكشف ; للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين ـ أي اللحاظ الآلي والاستقلالي ـ حيث لابدّ في كلّ تنزيل من لحاظ المنزل والمنزل عليه ، مع أنّ النظر في حجّيته وتنزيله منزلة القطع آلي طريقي ، وفي كونه بمنزلته في دخله في الموضوع استقلالي موضوعي ، والجمع بينهما محال ذاتاً(1) .


1 ـ كفاية الاُصول : 304 ، درر الفوائد، المحقّق الخراساني : 29 ـ 30 .


(329)

وأنت خبير بما فيه ; يظهر من التأمّل فيما ذكرناه جواباً(1)  لما استشكله بعض أعاظم العصر في تصوير القطع الطريقي على نحو تمام الموضوع ، وحاصله : أنّ نظر القاطع والظانّ إلى المقطوع به وإن كان استقلالياً وإلى قطعه وظنّه آلياً إلاّ أنّ الجاعل والمنزّل ليس نفس القاطع حتّى يجتمع ما ادّعاه من الامتناع ، بل المنزّل غير القاطع ; فإنّ الشارع ينظر إلى قطع القاطع وظنّه ، ويلاحظ كلّ واحد استقلالاً واسمياً ، وينزّل كلّ واحد منزلة الاُخرى .

فكلّ واحد من القطع والظنّ وإن كان ملحوظاً في نظر القاطع والظانّ على نحو آلية إلاّ أ نّه في نظر الشارع والحاكم ملحوظ استقلالاً . فالشارع يلاحظ ما هو ملحوظ آلي للغير عند التنزيل على نحو الاسمية والاستقلال ، ويكون نظره إلى الواقع المقطوع به والمظنون بهذا القطع والظنّ ، وإلى نفس القطع والظنّ في عرض واحد بنحو الاستقلال .

فما ذكره ـ قدس سره ـ من الامتناع من باب اشتباه اللحاظين ; فإنّ الحاكم المنزّل للظنّ منزلة القطع لم يكن نظره إلى القطع والظنّ آلياً ، بل نظره استقلالي ; قضاءً لحقّ التنزيل ، كما أنّ نظره إلى المقطوع به والمظنون استقلالي .

وأمّا القول بقصور الأدلّة فهو خارج عن المقام ، وسوف نستوفي الكلام فيه في المقام الثاني .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر أجاب عنه : بأنّ المجعول هـو الكاشفية والوسطيـة في الإثبات ، وبنفس هـذا الجعل يتمّ الأمـرين(2) ، وسوف يوافيك في


1 ـ تقدّم في الصفحة 312 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 21 .


(330)

محلّه عدم صحّة تلك المقالة(1) .

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني في «تعليقتـه» أجاب عـن هـذا الإشكال : بأنّ المجعول في الأمـارات هـو المؤدّى ، وأنّ مفاد أدلّـة الأمـارات جعل المؤدّى منزلـة الواقع . ولكن بالملازمـة العرفيـة بين تنزيل المؤدّى منزلـة الواقـع وبين تنزيل الظـنّ منزلـة العلم يتمّ المطلب(2) .

وعدل عنه في «الكفاية»(3)  بما أوضحه بعض أعاظم العصر : أنّ ذلك يستلزم الدور ; فإنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فيما كان للعلم دخل لا يمكن إلاّ بعد تحقّق العلم في عرض ذلك التنزيل ، فإنّه ليس للواقع أثر يصحّ بلحاظه التنزيل ، بل الأثر مترتّب على الواقع والعلم به ، والمفروض أنّ العلم بالمؤدّى يتحقّق بعد تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ، فيكون التنزيل موقوفاً على العلم ، والعلم موقوفاً على التنزيل ، وهذا دور محال(4) .

وهذا هو الوجه الثاني من الوجهين .

وفيه : أنّ اشتراط ترتّب الأثر على التنزيل إنّما هو لأجل صون فعل الحكيم عن اللغوية ، واللغوية كما تندفع بترتّب الأثر الفعلي كذلك تندفع بالأثر التعليقي ; أي لو انضمّ إليه جزئه الآخر يكون ذا أثر فعلي .

والحاصل : ما هـو اللازم في خـروج الجعل عـن اللغويـة هـو كـون التنزيل


1 ـ يأتي في الصفحة 383 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 31 .
3 ـ كفاية الاُصول : 306 .
4 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 28 .


(331)

ذا أثر ; بحيث لا يكون التنزيل بلا أثر أصلاً ، والمفروض أنّ المؤدّى لمّا نزّل منزلـة الواقع فقد اُحـرز جـزء مـن الموضوع ، وأنّ هـذا التنزيل يستلزم عرفاً في الرتبة المتأخّـرة تنزيل الظنّ منزلـة العلم بالملازمـة العرفية ، وبه يتمّ مـا هـو تمام الموضوع للأثر .

بل يمكن أن يقال : إنّ هاهنا أثـراً فعلياً لكـن بنفس الجعل ، ولا يلزم أن يكون الأثر سابقاً على الجعل . ففيما نحن فيه لمّا كان نفس الجعل متمّماً للموضوع يكون الجعل بلحاظ الأثر الفعلي المتحقّق في ظرفه ، فلا يكون الجعل متوقّفاً على الأثر السابق . فاللغوية مندفعة : إمّا لأجل الأثر التعليقي ، أو بلحاظ الأثر المتحقّق بنفس الجعل .

هذا ، ويمكن أن يقرّر الدور بوجه آخر ، وهو أقرب ممّا قرّره بعض الأعاظم ، وحاصله : أنّ تنزيل المؤدّى منزل الواقع يتوقّف على تنزيل الظنّ منزلة العلم في عرضه ; لأنّ الأثر مترتّب على الجزئين ، وتنزيل الظنّ متوقّف على تنزيل المؤدّى حسب الفرض ; أي دعوى الملازمة العرفية .

وإن شئت قلت : إنّ تنزيل جزء من المركّب يتوقّف على كون الجزء الآخر غير المنزّل ذا أثر وجداناً أو تنزيلاً ، والأوّل مفقود قطعاً .

وعليه : تنزيل المؤدّى يتوقّف على ثبوت الأثر لجزئه الآخر ـ أعني الظنّ ـ والمفروض أنّ الظنّ لا يصير ذا أثر إلاّ بالملازمة العرفية ، وهي لا تتحقّق إلاّ بعد تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ، فيلزم الدور .

ويظهر جواب هذا التقرير من الدور مما ذكرناه جواباً عن التقرير الأوّل .


(332)
قيام الأمارات والاُصول مقام القطع إثباتاً

قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه

أ مّا المقام الثاني : أعني مقام الإثبات والدلالة ، فلابدّ في توضيح الحال من التنبيه على ما سيجيء منّا تفصيله عند البحث عن حجّية الخبر الواحد(1) ، وملخّصه : أنّ الأمارات المتداولة في أيدينا ممّا استقرّ عليها العمل عند العقلاء ، بلا غمض أحد منهم في واحد منها ; ضرورة توقّف حياة المجتمع على العمل بها . والإنسان المدني يرى أنّ البناء على تحصيل العلم في الحوادث والوقائع اليومية يوجب اختلال نظام المدنية ، وركود رحاها ، فلم ير بدّاً منذ عرف يمينه عن شماله ، ووقف على مصالح الاُمور ومفاسدها عن العمل بقول الثقة وبظواهر الكلام الملقى للتفهيم وغيرها .

جاء نبي الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأظهر أحكاماً وأوضح اُموراً ، ولكن مع ذلك كلّه عمل بالأمارات من باب أ نّه أحد العقلاء الذين يديرون حياة المجتمع ، من دون أن يأسّس أصلاً ويقيم عماداً أو يحدث أمارة أو يزيد شرطاً أو يتمّم كشف أمارة أو يجعل طريقية لواحد من الأمارات ، إلى غير ذلك من العبارات التي تراها متظافرة في كلمات القوم .

وبالجملة : لم يكن عمل النبي والخلفاء من بعده على الأمارات إلاّ جرياً على المسلك المستقرّ عند العقلاء ، بلا تأسيس أمارة أو تتميم كشف لها أو جعل حجّية


1 ـ يأتي في الصفحة 472 .


(333)

وطريقية لواحدة منها ، بل في نفس روايات خبر الثقة شواهد واضحة على تسلّم العمل بخبر الثقة ، ولم يكن الغرض من السؤال إلاّ العلم بالصغرى ، وأنّ فلاناً هل هو ثقة أو لا ؟ فراجع مظانّها تجد شواهد على ما ادّعيناه(1) .

ومن ذلك يعلم : أنّ قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه ممّا لا معنى له :

أمّا القطع الطريقي : فإنّ عمل العقلاء بالطرق المتداولة حال عدم العلم ليس من باب قيامها مقام العلم ، بل من باب أ نّها إحدى الطرق الموصلة غالباً إلى الواقع ، من دون التفات إلى التنزيل والقيام مقامه .

نعم ، القطع طريق عقلي مقدّم على الطرق العقلائية ، والعقلاء إنّما يعملون بها عند فقد القطع ، وذلك لا يستلزم كون عملهم من باب قيامها مقامه حتّى يكون الطريق منحصراً بالقطع عندهم ، ويكون العمل بغيره بعناية التنزيل والقيام مقامه .

وإن شئت قلت : إنّ عمل العقلاء بالطرق ليس من باب أ نّها منزّلة مقام العلم ، بل لو فرضنا عدم وجود العلم في العالم كانوا عاملين بها ، من غير التفات إلى جعل وتنزيل أصلاً .

فما ترى في كلمات المشائخ من القول بأنّ الشارع جعل المؤدّى منزلة الواقع تارة أو تمّم كشفه أو جعل الظنّ علماً في مقام الشارعية أو أعطاه مقام الطريقية وغيرها ، لا تخلو عن مسامحة ; فإنّها أشبه شيء بالخطابة .

فتلخّص : أنّ العمل بالأمارات عند فقد القطع الطريقي ليس إلاّ لكونها إحدى الأفراد التي يتوصّل بها إلى إحراز الواقع ، من دون أن يكون نائباً أو فرعاً لشيء أو قائماً مقامه .


1 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 136 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 .


(334)

وأمّا القطع الموضوعي : فملخّص الكلام أنّ القطع تارة يؤخذ بما أ نّه أحد الكواشف ، واُخرى بما أ نّه كاشف تامّ ، وثالثة بما أ نّه من الأوصاف النفسانية .

فلو كان مأخوذاً في الموضوع تماماً أو جزءً على النحو الأوّل فلا شكّ في أ نّه يعمل بها عند فقد القطع ، لا لأجل قيامها مقامه بل لأجل أنّ الأمارات ـ  حينئذ  ـ أحد مصاديق الموضوع مصداقاً حقيقياً ، وإذا اُخذ بما أ نّه كاشف تامّ أو صفة مخصوصة فلا شكّ في عدم جواز ترتيب الأثر لفقدان ما هو الموضوع عند الشارع ; لأنّ الظنّ ليس كشفاً تامّاً ، وأنّ عمل العقلاء على الأمارات ليس إلاّ لأجل كونها كـواشف عـن الواقع ، من دون أن يلاحظ صفـة اُخـرى ، بلا فرق بين تمام الموضوع وجزئه .

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر ; فإنّه ـ قدس سره ـ مع أ نّه قد اعترف بأنّه ليس للشارع في تلك الطرق العقلائية تأسيس أصلاً(1)  قد أتى بما لا يناسبه .

وحاصله : أنّ في القطع يجتمع جهات ثلاث : جهة كونه قائمة بنفس العالم ; من حيث إنشاء النفس في صقعها الداخلي صورة على طبق ذي الصورة ، وجهة كشفه عن المعلوم ، وإراءته للواقع ، وجهة البناء والجري العملي على وفق العلم .

والمجعول في باب الطرق هي الجهة الثانية ; فإنّ المجعول فيها نفس الطريقية والمحرزية والكاشفية ، وفي الاُصول هي الجهة الثالثة .

ثمّ قال : إنّ حكومة الطرق على الأحكام الواقعية ليست الحكومة الواقعية ، مثل قوله : «الطواف بالبيت صلاة» أو «لا شكّ لكثير الشكّ» بل الحكومة ظاهرية . والفرق : أنّ الواقعية توجب التوسعة والتضييق في الموضوع الواقعي ; بحيث يتحقّق


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 30 و 91 و 194 ـ 195 .


(335)

هناك موضوع آخر واقعي في عرض الموضوع الأوّلي ، وهذا بخلاف الظاهرية ; إذ ليس فيها توسعة وتضييق إلاّ بناءً على جعل المؤدّى الذي يرجع إلى التصويب .

وأمّا بناءً على المختار من جعل الطريقية فليس هناك توسعة وتضييق واقعي . وحكومتها إنّما يكون باعتبار وقوعها في طريق إحراز الواقع في رتبة الجهل به ، فيكون المجعول في طول الواقع لا في عرضه .

ثمّ أفاد : إنّ ممّا ذكرنا يظهر قيام الأمارات مقام القطع الطريقي مطلقاً ; ولو كان مأخوذاً في الموضوع وعدم قيامها مقام القطع الوصفي(1) ، انتهى كلامه .

أقول : وفيه مواقع للأنظار :

منها : أ نّك قد عرفت وسيمرّ تفصيله عند البحث عن حجّية الأخبار : أ نّه ليس عن جعل الحجّية والطريقية وتتميم الكشف في الأخبار والآيات خبر ولا أثر ، وأنّ العمل بالأخبار كان أمراً مسلّماً منذ قرون قبل الإسلام ، منذ قام للإنسانية عمود التمدّن ، وأنّ الشارع الصادع بالحقّ ترك أتباعه على ما كانوا عليه ، قبل أن ينسلكوا في سلك الإسلام ، بلا جعل ولا تأسيس ولا إمضاء لفظي ، وأنّ كلّما ورد من الروايات من التصريحات إنّما هو لتشخيص الصغرى وما هو موضوع لهذه الكبرى الكلّية . والعجب : أ نّه ـ قدس سره ـ قد اعترف كراراً على أ نّه ليس للشارع في تلك الطرق العقلائية تأسيس أصلاً ، ولكنّه قد أسّس في تقريراته هذا البنيان الرفيع الذي لا يخرج عن حيطة التصوّر إلى مقام آخر إلاّ بأدلّة محكمة ، وليست منها في الأخبار عين ولا أثر .

ومنها : أنّ تقسيم الحكومة إلى ظاهرية وواقعية تقسيم لها باعتبار متعلّقها ،


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 16 ـ 21 .


(336)

وهو ليس من التقسيمات المعتبرة ، وإلاّ لكثرت الأقسام حسب كثرة التعلّق ، فإنّ المتّصف بالظاهرية والواقعية إنّما هي الأحكام دون الحكومة ; فإنّ الحكومة قد تكون متعلّقها الأدلّة الواقعية ، مثل قوله ـ عليه السلام ـ «الطواف بالبيت صلاة» ، وقد تكون متعلّقها غير الأحكام الواقعية ، كما في الأمثلة التي ذكره ـ قدس سره ـ  .

قيام الاُصول مقام القطع بأقسامه

أمّا غير المحرزة منها ـ أعني ما يظهر من أدلّتها أ نّها وظائف مقرّرة للجاهل عند تحيّره وجهله بالواقع ، كأصالتي الطهارة والحلّية وأشباههما ـ فلا معنى لقيامها مقام القطع مطلقاً ; لعدم وجه التنزيل بينهما أصلاً .

وأمّا المحرزة والاُصول التنزيلية ـ أعني الاستصحاب وقاعدة التجاوز واليد وغيرهما ـ فلا بأس لنا أن نتعرّض حالها حسب اقتضاء المقام :

مفاد الاستصحاب وقاعدة التجاوز

أمّا الاستصحاب : فيتوقّف كونه أمارة شرعية على إثبات اُمور ثلاثة :

الأوّل : أن يكون له جهة كشف وطريقية ، فإنّ ما لا يكون له جهة كشف أصلاً لا يصلح للأمارية والكاشفية .

الثاني : أن لا يكون بنفسه أمارة عقلية أو عقلائية ، فإنّ الواجد للأمارية لا معنى لجعله أمارة ; فإنّه من قبيل تحصيل الحاصل .

الثالث : أن يكون العناية في جعله إلى الكاشفية والطريقية(1) .


1 ـ لا يخفى : أنّ ما حرّرناه في المقام ممّا استفدناه عن سيّدنا الاُستاذ في الدورة السابقة في مبحث الاستصحاب ، وعند البحث عن الإجزاء في الاجتهاد والتقليد . [المؤ لّف]


(337)

ولا شكّ أنّ الاستصحاب فيه جهة كشف عن الواقع ، فإنّ اليقين بالحالة السابقة له جهة كشف عن البقاء . وإلى ذلك يرجع ما يقال : ما ثبت يدوم ، وهو في الآن اللاحق ليس كالشكّ المحض غير القابل للأمارية .

كما أنّ الجهة الثانية أيضاً موجودة ، فإنّ بناء العقلاء ليس على كون الاستصحاب كاشفاً عن متعلّقه ; وإن ادّعي أ نّه لأجل كون شيء له حالة مقطوعة في السابق(1)  إلاّ أ نّه مجرّد ادّعاء . بل من القريب جدّاً أن يكون ذلك بواسطة احتفافه باُمور اُخر ممّا توجب الاطمئنان والوثوق ، لا لمجرّد القطع بالحالة السابقة .

وبالجملة : لم يعلم أنّ عمل العقلاء بالاستصحاب في معاملاتهم وسياساتهم لأجـل كونـه ذات كشف عـن الواقـع ; كشفاً ضعيفاً بلا ملاحظـة قرائن محفوفـة توجب الوثوق حتّى يكون أمارة عقلائيـة كخبر الثقـة ، ويكون ذاك مانعاً عـن تعلّق الجعل الشرعي .

وأمّا الجهة الثالثة : فلو ثبت تلك الجهة لانسلك الاستصحاب في عداد الأمارات الشرعية مقابل الأمارات العقلائية ، ويمكن استظهاره من الكبريات الموجودة في الاستصحاب . فترى أنّ العناية فيها بإبقاء اليقين وأ نّه في عالم التشريع والتعبّد موجود ، وأ نّه لا ينبغي أن ينقض بالشكّ .

والحاصل : أنّ الروايات تعطي بظاهرها أنّ الغرض إطالة عمر اليقين السابق ، وإعطاء صفـة اليقين على كلّ مـن كان على يقين ، كما ينادي به قوله ـ عليه السلام ـ في مضمرة زرارة : «وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً»(2) 


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 331 ـ 332 .
2 ـ تهذيب الأحكام 1 : 8 / 11 ، وسائل الشيعة 1 : 245 ، كتاب الطهارة ، أبواب نواقض الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 .


(338)

لا إعطاء صفة اليقين على الشاكّ بعنوان أ نّه شاكّ ، ولا جعل الشكّ يقيناً حتّى يقال : لا معنى لإعطاء صفة الكاشفية والطريقية على الشكّ ، ولا إعطاء اليقين على الشاكّ ; لأنّ الشكّ ليس له جهة الكشف .

وبالجملة : الاستصحاب إطالة عمر اليقين تعبّداً في عالم التشريع ، وقد  عرفت أمارية اليقين السابق بالنسبة إلى اللاحق .

ثمّ إنّا قد أطلنا الكلام سابقاً في النقض والإبرام بذكر إشكالات وتفصّيات في المقام(1) ، لكن التحقيق أ نّه ليس أمارة شرعية ، بل هو أصل تعبّدي كما عليه المشائخ(2) ; لأنّ الجهة الاُولى من الجهات اللازمة في أمارية الشيء مفقودة في الاستصحاب ; لأنّ كون اليقين السابق كاشفاً عن الواقع ـ كشفاً ناقصاً ـ لا يرجع إلى شيء ; لأنّ اليقين لا يعقل أن يكون كاشفاً عن شيء في زمان زواله ، والمفروض كون المكلّف حين الاستصحاب شاكّاً ليس إلاّ .

نعم ، يمكن أن يكون وجود المستصحب فيما له اقتضاء بقاء كاشفاً ناقصاً عـن بقائـه ; بمعنى حصول الظنّ منه بالنسبة إلى بقائه ، لكنّه أجنبي عن أمارية اليقين السابق .

والجهة الثالثة أيضاً منتفية : فلأنّ العناية في الروايات ليست إلى جهة الكشف والطريقية ; أي إلى أنّ الكون السابق كاشف عن البقاء حتّى يصحّ جعله أمارة ; لما عرفت أنّ الكون السابق يحصل منه مرتبة من الظنّ ، بل العناية إلى أنّ اليقين لكونه


1 ـ راجع أنوار الهداية 1 : 115 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 26 : 13 ، كفاية الاُصول : 435 ، أجود  التقريرات 2 : 343 .


(339)

أمراً مبرماً لا ينبغي أن ينقض بالشكّ الذي ليس له إبرام ، وقد عرفت أنّ اليقين السابق ليس له أدنى أمارية بالنسبة إلى حالة الشكّ .

فما تعرّض له الأخبار وكان مورد العناية فيها ليس له جهة كشف مطلقاً ، وما له جهة كشف موجب للظنّ يكون أجنبياً عن مفادها ، فلا محيص عن الذهاب إلى ما عليه الأساتذة من أ نّه أصل تعبّدي .

وأمّا الاستصحاب العقلائي الذي ينظر إليه كلام الأقدمين(1)  فهو غير مفاد الروايات ، بل هو عبارة عن الكون السابق الكاشف عن البقاء في زمن اللاحق ، وقد  عرفت أنّ بناء العقلاء ليس على ترتيب الآثار بمجرّد الكون السابق ما لم يحصل الوثوق .

بل الظاهر : أنّ بناء العقلاء على العمل ليس لأجل الاستصحاب ـ أي جرّ الحالة السابقة ـ بل لأجل عدم الاعتناء بالاحتمال الضعيف المقابل للوثوق ، كما في سائر الطرق العقلائية .

وأمّا قاعدة التجاوز : فالكبرى المجعولة فيها بعد إرجاع الأخبار بعضها إلى بعض وجوب المضيّ العملي وعدم الاعتناء بالشكّ والبناء على الإتيان .

وما في بعض الأخبار من «أنّ الشكّ ليس بشيء» وإن كان يوهم أ نّها بصدد إسقاط الشكّ اللازم منه إعطاء الكاشفية لكنّه إشعار ضعيف لا ينبغي الاعتداد به ، والظاهر من مجموع الأخبار ليس إلاّ ما تقدّم .

كما يكشف عنه رواية حمّاد بن عثمان قال : قلت لأبي عبدالله ـ عليه السلام ـ أشكّ وأنا ساجد ، فلا أدري ركعت أم لا . فقال : «قد ركعت» .


1 ـ راجع الذريعة إلى اُصول الشريعة 2 : 829 ـ 830 ، غنية النزوع 2 : 420 ، المعتبر 1 : 32 .


(340)

والحاصل : أنّ العناية في الجعل في القاعدة هي عدم الاعتناء عملاً والمضي العملي والبناء على الإتيان ، وهو المراد بالأصل .

هذا مفاد الاستصحاب وقاعدة التجاوز .

قيام الاستصحاب وقاعدة التجاوز مقام القطع بأقسامه

وأمّا قيام القاعدتين مقام القطع وعدمه فنقول : قد وافاك أنّ القطع قد يؤخذ على نحو الطريقية التامّة ، وقد يؤخذ على نحو الوصفية ، وقد يؤخذ على الطريقية المشتركة . وعلى التقادير قد يكون المأخوذ تمام الموضوع ، وقد يكون بعضه .

لا كلام في عدم قيام الطرق العقلائية مقام القطع المأخوذ على نحو الكاشفية التامّة ولا على نحو الوصفية ، وأمّا المأخوذ على نحو الكاشف المطلق فالأمارات تقوم مقامه ، لا من جهة النيابة ، بل لأ نّها مصداق واقعي للموضوع في عرض القطع ، كما تقدّم بيانه(1) .

وأمّا الاستصحاب : فعلى القول بأماريته فلا وجه لقيامه مقام القطع الوصفي ; إذ لا جامع بين الوسطية في الإثبات والقطع المأخوذ على وجه الوصفية ، وأدلّة حجّية الاستصحاب قاصرة عن هذا التنزيل ، بل يمكن دعوى استحالة قيامه مقام القطع الوصفي ; لاستلزامه الجمع بين اللحاظين المتباينين على ما مرّ بيانه ، على إشكال منّا(2) .

وأمّا القطع الطريقي المأخوذ بنحو كمال الطريقية أو المشتركة فيقوم الاستصحاب بنفس أدلّته مقام القطع فيما إذا كان القطع تمام الموضوع فيما إذا كان


1 ـ تقدّم في الصفحة 334 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 328 ـ 329 .


(341)

للمقطوع أثر آخر يكون التعبّد بلحاظه ; فإنّ مفاد أدلّة الاستصحاب ـ  على الفرض  ـ إعطاء صفة اليقين وإطالة عمره ، فالمستصحب ـ بالكسر ـ في حالة الاستصحاب ذو يقين تشريعاً .

وهكذا الكلام إذا كان مأخوذاً بنحو الجزئية ; فإنّ نفس الأدلّة يكفي لإثبات الجزئين ، من غير احتياج إلى دليل آخر ; فإنّ إطالة عمر اليقين هو الكشف عن الواقع وإحرازه ، فالواقع محرز بنفس الجعل .

وإن شئت قلت : إنّ المجعول بالذات هو إطالة عمر اليقين ، ولازمه العرفي إحراز الواقع ، لكن إطلاق القيام مقام القطع ـ حينئذ ـ لا يخلو من تسامح ، بل يكون الاستصحاب مصداقاً حقيقياً للموضوع .

وأمّا على القول بكونه أصلاً : فقيامه مقام القطع الطريقي مطلقاً غير بعيد ; لأنّ الكبرى المجعولة فيه إمّا يكون مفادها التعبّد ببقاء اليقين عملاً وأثراً ، وإمّا التعبّد بلزوم ترتيب آثاره .

فعلى الأوّل تكون حاكمة على ما اُخذ فيه القطع الطريقي موضوعاً ، لا لما ذكره بعض أعاظم العصر(1) ، بل لأنّ مفاده لو كان هو التعبّد ببقاء اليقين يصير حاكماً عليه ، كحكومة قوله ـ عليه السلام ـ  : «كلّ شيء طاهر»(2)  على قوله : «لاصلاة إلاّ بطهور»(3) .

وعلى الثاني يقوم مقامه بنتيجة التحكيم ، كما لا يخفى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 24 ـ 25 .
2 ـ المقنع : 15 ، مستدرك الوسائل 2 : 583 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب 30 ، الحديث 4 .
3 ـ تهذيب الأحكام 1 : 49 / 144 ، وسائل الشيعة 1 : 365 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، الحديث 1 .


(342)

وأمّا قيامها مقام القطع الوصفي : فالظاهر قصور أدلّتها عن إثبات قيامه مقامه ; لأنّ الظاهر منها اليقين الطريقي ، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى الوصفي ; وإن كان لا يمتنع الجمع بينهما ، كما تقدّم .

وأ مّا قاعدة التجاوز : فلا شكّ أنّ دليل تلك القاعدة قاصر عن إقامتها مقام القطع الموضوعي بأقسامه ; لأنّ مفاده ـ كما عرفت ـ ليس إلاّ المضيّ تعبّداً ، والبناء على الوجود كذلك ، وهذا أجنبي عن القيام مقامه . نعم فيما إذا كان القطع طريقاً محضاً ويكون نفس الواقع بما هو هو موضوع الحكم لا يبعد إحرازه بالقاعدة ، لا بقيامها مقام القطع الطريقي ، بل بنتيجة القيام .

وقد يقال : إنّ للقطع جهات ، والجهة الثالثة منها جهة البناء والجري العملي على وفق العلم ; حيث إنّ العلم بوجود الأسد يقتضي الفرار عنه ، والمجعول في الاُصول المحرزة هي هذه الجهة ، فهي قائمة مقام القطع الطريقي بأقسامه(1) .

وفيه : أنّ مجرّد البناء على الوجود لا يقتضي القيام مقام القطع ، وليس في الأدلّة ما يستشمّ منها أنّ الجعل بعناية التنزيل مقام القطع في هذا الأثر . واشتراك القاعدة والقطع في الأثر ـ لو فرض تسليمه ـ لا يوجب التنزيل والقيام مقامه .

وبالجملة : إن كان المراد من قيام القاعدة مقام القطع كونها محرزة للواقع كالقطع ـ غاية الأمر أ نّها محرزة تعبّداً وهو محرز وجداناً ـ فهو صحيح ، لكنّه لا يوجب قيامها مقام القطع الموضوعي بأقسامه ، بل إطلاق القيام مقامه في الطريقي المحض أيضاً خلاف الواقع ، وإن كان المراد هو القيام بمعناه المنظور ففيها منع ، منشؤه قصور الأدلّة ، فراجعها .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 16 ـ 17 .


(343)
الأمر الرابع
في الموافقة الالتزامية

وتوضيحها يتوقّف على بيان مطالب :

الأوّل : أنّ الاُصول الاعتقادية على أقسام :

منها : ما ثبتت بالبرهان العقلي القطعي ، ويستقلّ العقل في إثباتها ونفي غيرها ، من دون أن يستمدّ من الكتاب والسنّة ، كوجود المبدأ وتوحيده وصفاته الكماليـة وتنزيهـه مـن النقائص والحشر والنشر وكونـه جسمانياً ـ  على ما هـو مبرهـن في محلّـه وعند أهلـه(1) ـ والنبوّة العامّـة وما ضاهاهـا مـن العقليات المستقلّـة التي لا يستأهل لنقضه وإبرامه وإثباته ونفيه غير العقل ; حتّى لو وجدنا في الكتاب والسنّة ما يخالفه ظاهراً فلا محيص عن تأويله أو ردّ علمه إلى أهله ، كما اُمرنا بذلك(2) .


1 ـ راجع الحكمة المتعالية 9 : 185 ـ 207 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 339 .
2 ـ راجـع النسـاء (4) : 59 ، الكافي 1 : 68 ، بحـار الأنوار 2 : 234  /  15 و 236  /  21 و 245  /  55 .


(344)

ومنها : ما ثبت بضرورة الأديان أو دين الإسلام ، كالمباحث الراجعة إلى بعض خصوصيات المعاد والجنّة والنار والخلود فيهما وما ضاهاها .

ومنها : ما ثبت بالقرآن والروايات المتواترة .

ومنها : ما لا نجد فيها إلاّ روايات آحاد قد توجب العلم والاطمئنان أحياناً ، واُخرى لا توجبه .

هذا كلّه في الاُصول الاعتقادية .

وأمّا الأحكام الفرعية أيضاً : تارة ثابتة بضرورة الدين أو المذهب ، واُخرى بظواهر الكتاب والسنّة ; آحادها أو متواترها ، وربّما تثبت بالعقل أيضاً .

الثاني : أنّ العوارض النفسانية ـ كالحبّ والبغض والخضوع والخشوع ـ ليست اُموراً اختيارية حاصلة في النفس بإرادة منها واختيار ، بل وجودها في النفس إنّما تتبع لوجود مبادئها ; فإنّ لكلّ من هذه العوارض مباد وعلل تستدعي وجود تلك العوارض .

مثلاً العلم بوجود البارئ وعظمته وقهّاريته يوجب الخضوع والخشوع لدى حضرته ـ جلّت كبرياؤه ـ والخوف من مقامه والعلم برحمته الواسعة وجوده الشامل ، وقدرته النافذة يوجب الرجاء والوثوق والتطلّب والتذلّل ، وكلّما كملت المبادئ كملت النتائج بلا ريب .

فظهر : أنّ تلك العوارض نتائج قهرية لا تستتبعه إرادة ولا اختيار ، وإنّما يدور مدار وجود مبادئها المقرّرة في محلّه وعند أهله .

الثالث ـ وهو أهمّ المطالب ـ أنّ التسليم القلبي والانقياد الجناني والاعتقاد الجزمي لأمر من الاُمور لا تحصل بالإرادة والاختيار ، من دون حصول مقدّماتها


(345)

ومبادئها . ولو فرضنا حصول عللها وأسبابها يمتنع تخلّف الالتزام والانقياد القلبي عند حصول مبادئها ، ويمتنع الاعتقاد بأضدادها . فتخلّفها عن المبادئ ممتنع ، كما أنّ حصولها بدونها أيضاً ممتنع .

والفرق بين هذا المطلب وما تقدّمه أوضح من أن يخفى ; إذ البحث في المتقدّم عن الكبرى الكلّية من أنّ العوارض القلبية لا تحصل بالإرادة والاختيار ، وهنا عن الصغرى الجزئية لهذه القاعدة ; وهي أنّ التسليم والانقياد من العوارض القلبية ، يمتنع حصولها بلا مبادئها ، كما يمتنع حصول أضدادها عند حصولها .

فمن قام عنده البرهان الواضح بوجود المبدأ المتعال ووحدته لا يمكن له عقد القلب عن صميمه ; بعدم وجوده وعدم وحدته .

ومن قام عنده البرهان الرياضي على أنّ زوايا المثلّث مساوية لقائمتيه يمتنع مع وجود هذه المبادئ عقد القلب على عدم التساوي . فكما لا يمكن الالتزام على ضدّ أمر تكويني مقطوع به فكذلك لا يمكن عقد القلب على ضدّ أمر تشريعي ثبت بالدليل القطعي .

نعم ، لا مانع من إنكاره ظاهراً وجحده لساناً لا جناناً واعتقاداً ، وإليه يشير قوله عزّوجلّ (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً وَعُلُوّاً)(1) .

وما يقال : من أنّ الكفر الجحودي يرجع إلى الالتزام القلبي على خلاف اليقين الحاصل في نفسه(2) ، فاسد جدّاً .

هذا هو الحقّ القراح في هذا المطلب ، من غير فرق بين الاُصول الاعتقادية


1 ـ النمل (27) : 14 .
2 ـ نهاية الدراية 1 : 271 ـ 272 .


(346)

والفروع العلمية ، من غير فرق أيضاً بين أن يقوم عليها برهان عقلي أو ثبت بضرورة الكتاب والسنّة أو قام عليه الأدلّة الثابتة حجّيتها بأدلّة قطعية ; من الأدلّة الاجتهادية والفقاهية .

فلو قام الحجّة عند المكلّف على نجاسة الغسالة وحرمة استعمالها يمتنع عليه أن يعقّد القلب على خلافها أو يلتزم جدّاً على طهارته ، إلاّ أن يرجع إلى تخطئة الشارع ـ والعياذ بالله ـ وهو خارج عن المقام .

وبذلك يظهر : أنّ وجوب الموافقة الالتزامية وحرمة التشريع لا يرجع إلى محصّل إن كان المراد من التشريع هو البناء والالتزام القلبي على كون حكم من الشارع ، مع العلم بأنّه لم يكن من الشرع ، أو لم يعلم كونه منه . ومثله وجوب الموافقة ; وهو عقد القلب اختياراً على الاُصول والعقائد والفروع الثابتة بأدلّتها القطعية الواقعية .

والحاصل : أنّ التشريع بهذا المعنى أمر غير معقول ، بل لا يتحقّق من القاطع حتّى يتعلّق به النهي ، كما أنّ الاعتقاد بكلّ ما ثبت بالأدلّة أمر قهري تتبع مبادئها ، ويوجد غِبّ عللها بلا إرادة واختيار ، ولا يمكن التخلّف عنها ولا للحاصل له مخالفتها ، فلا يصحّ تعلّق التكليف لأمر يستحيل وجوده ، أو يجب وجوده بلا إرادة واختيار .

نعم ، التظاهر والتديّن ظاهراً وعملاً بشيء ليس من الدين ـ افتراءً عليه وكذباً على الله ورسوله وعترته الطاهرين ـ أمر ممكن محرّم لا كلام فيه .

فظهر : أنّ وجوب الموافقة الالتزامية عين وجوب العقد والتصميم اختياراً على الأحكام ، والفروع الثابتة من الشرع بعد قيام الحجّة أمر غير معقول لا تقع


(347)

مصبّ التكليف . وحمل كلامهم على وجوب تحصيل مقدّمات الموافقة الالتزامية وحرمة تحصيل مقدّمات خلافها كما ترى .

وأمّا إن كان المراد منه هو البناء القلبي على الالتزام العملي وإطاعة أمر مولاه ، ويقابله البناء على المخالفة العملية فهما ـ بهذا المعنى ـ أمران معقولان يعدّان من شعب الانقياد والتجرّي .

وبذلك يتّضح : أنّ ما ذهب إليه سيّد الأساتذة ، المحقّق الفشاركي ـ رحمه الله ـ من وجود التجزّم في القضايا الكاذبة على طبقها ; حتّى جعله ـ قدس سره ـ مناطاً لصيرورة القضايا ممّا يصحّ السكوت عليها ، وأنّ العقد القلبي عليها يكون جعلياً اختيارياً(1)  لا يخلو من ضعف .

وقد أوضحه شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ  ، وقال : إنّ حاصل كلامه أ نّه كما أنّ العلم قد  يتحقّق في النفس بوجود أسبابه كذلك قد يخلق النفس حالة وصفة على نحو العلم حاكية عن الخارج ، فإذا تحقّق هذا المعنى في الكلام يصير جملة يصحّ السكوت عليها ; لأنّ تلك الصفة الموجودة يحكي جزماً عن تحقّق في الخارج(2) .

لكن فيه : أنّ العلم والجزم من الاُمور التكوينية التي لا توجد في النفس إلاّ بعللها وأسبابها التكوينية ، وليس من الاُمور الجعلية الاعتبارية ، وإلاّ لزم جواز الجزم في النفس بأنّ الاثنين نصف الثلاثة ، أو أنّ الكلّ أصغر من الجزء ، وما أشبهه من القضايا البديهية . وبالجملـة : ليس الجـزم والعلم مـن الأفعال الاختياريـة ; حتّى نوجـده بالإرادة والاختيار .


1 ـ اُنظر درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 70 .
2 ـ نفس المصدر .


(348)

وأمّا ما ذكره : من كون الجزم هو المناط في القضايا الصادقة والكاذبة فهو وإن كان حقّاً إلاّ أنّ الجزم في القضايا الصادقة حقيقي واقعي ، وفي الكاذبة ليست إلاّ صورة الجزم وإظهاره . وما هو المناط في الصدق والكذب هو الإخبار الجزمي والإخبار عن شيء بصورة الجزم والبتّ ، وأمّا التجزّم القلبي فلا ربط له لصحّة السكوت وعدمها ، ولا للصدق والكذب .

والشاهد عليه : أ نّه لو أظهر المتكلّم ما هو مقطوع بصورة التردّد فلا يتّصف بالصدق والكذب ولا يصحّ السكوت عليه .

وتوهّم أنّ المتكلّم ينشأ حقيقة التردّد في الذهن ، ويصير مردّداً بلا جعل واختراع كما ترى .

نقل مقال وتوضيح حال

إنّ بعض الأعيان من المحقّقين ـ رحمه الله ـ ذكر وجهاً لصحّة تعلّق الأمر والنهي بالالتزام والتسليم ، فقال : إنّ الفعل القلبي ضرب من الوجود النوري ، والوجود في قبال المقولات ; وهو من العلوم الفعلية دون الانفعالية ، والأفعال القلبية اُمور يساعدها الوجدان ; فإنّ الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قِبَل من له النصب ، لكنّه لا ينقاد له قلباً ، ولا يقرّ به باطناً ; لخباثة نفسه أو لجهة اُخرى ; وإن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه وسطوته .

وهكذا كان حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ; حيث إنّهم كانوا عالمين بحقيته ، كما نطق به القرآن ، ومع ذلك لم يكونوا منقادين ـ ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم ـ لزم أن يكونوا مؤمنين به ، أو جعل الإيمان الذي هو


(349)

أشرف الكمالات مجرّد الإقرار باللسان ; حتّى يلزم كفرهم لأجل عدم الإقرار(1) .

وأنت خبير : بأنّه ـ قدس سره ـ لم يبرهن على أنّ الالتزام من العلوم الفعلية دون الانفعالية ، بل من القريب كونه من انفعالات النفس ومن الكيفيات الحاصلة لها من المبادئ الموجودة فيها أو حاصلة لها .

وما قال : إنّ الكيفيات النفسانية(2)  محصورة غير وجيه ; لعدم قيام برهان على حصرها . فالأشبه أن تكون نحو تلك الحالات من مقولة الكيف ، ومن الكيفيات النفسانية التي تنفعل بها النفس .

فما ادّعاه من أ نّه ضرب من الوجود ، وهو لا يدخل تحت مقولة غير صحيح ; لأنّ الموجود في صقع الإمكان لا يمكن أن يكون موجوداً مطلقاً ، فيلزم وجوب وجوده ، وهو خلف ، بل يكون موجوداً مقروناً بالحدّ والحدود ، فيتألّف من وجود وماهية ، ويدخل على وجه التسامح تحت إحدى المقولات .

أضف إلى ذلك ما عرفت : أنّ الالتزام لا ينفكّ عن العلم بالشيء ، وأ نّه يستتبع الالتزام في كمّه وكيفه في تفصيله وإجماله على مقدار علمه ، ويوجد ذلك الالتزام في لوح النفس غبّ حصول العلم .

وقد عرفت : أنّ جحد الكفّار لم يكن إلاّ جحداً في الظاهر ; لعنادهم وعداوتهم وحبّ الرياسة والعصبية الجاهلية ، وإلاّ فكيف يمكن الإنكار الباطني مع العلم الوجداني بالخلاف ؟ فهل يمكن إنكار وجود اليوم مع العلم بوجوده ؟

ولا يلزم ممّا ذكـر أن يكون الإيمان هـو العلم فقط حتّى يقال : إنّ الشيطان


1 ـ نهاية الدراية 3 : 77 .
2 ـ نفس المصدر 3 : 76 .


(350)

كان عالماً بجميع المعارف ، مع أ نّـه عدّ مـن الكفّار ، كما لا يلزم مـن ذلك أيضاً كون الانقياد والتسليم القلبي حاصلين في النفس بالاختيار ، بل الإيمان عبارة عـن مرتبة من العلم الملازم لخضوع القلب للنبوّة .

وقد فصّلنا حقيقة العلم والإيمان في بعض مسفوراتنا ، وأوضحنا فيه أنّ الإيمان ليس مطلق العلم الذي يناله العقل ، ويعدّ حظّاً فريداً له ، وبما أنّ المقام لا يسع طرح تلك الأبحاث فليرجع من أراد التفصيل إلى محالّه(1) .

فظهر : أ نّه لا يلزم من عدم كون العلم عين الإيمان كون الالتزام والانقياد اختيارياً متحقّقاً بالإرادة .

هذا كلّه في إمكان تعلّق الوجوب على الالتزام وعدمه .

ثمّ إنّـه لو فرضنا إمكان التعلّق فالظاهـر عـدم وجـوبه ; لعدم الدليل عليه في الفرعيات نقـلاً ولا عقـلاً ، وعـدم اقتضاء التكليف إلاّ الموافقـة العملية ، وحكـم الوجـدان بعدم استحقاق العبد لعقوبتين على فرض مخالفـة التكليف عملاً والتزاماً ، وعـدم استحقاقـه للعقوبة مع العمل بلا التزام ، واستحقاقـه لمثوبة واحـدة مع العمل والالتزام .

كيفية الالتزام بالأحكام

ثمّ إنّك قد عرفت(2)  أنّ الموافقة الالتزامية من الاُمور القهرية التابعة للعلم بالشيء ، وليس من الاُمور الجعلية الاختيارية . وعليه : فتتبع الموافقة الالتزامية في


1 ـ جنود عقل وجهل : 87 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 344 .


(351)

الخصوصيات للعلم بالأحكام ; فإن تعلّق العلم بالحكم تفصيلاً يتعلّق الالتزام تفصيلاً ، وإن تعلّق به إجمالاً يصير الالتزام كذلك ، ولو تعلّق العلم بما يتردّد بين المحذورين يكون الالتزام مثله .

فلو بنينا على جواز جعل حكم ظاهري في مورد الدوران بين المحذورين يكون الالتزام على طبق الحكم الظاهري غير مناف للالتزام بالحكم الواقعي ، كما لا تنافي بين الحكم الواقعي المجعول على الذات والحكم الظاهري المجعول بعنوان المشكوك فيه ، فكما يمكن جعل الحكمين والعلم بهما يمكن الالتزام بهما .

فجريان الاُصول لا مانع منه في الأطراف من ناحية لزوم الالتزام بالحكم الواقعي ، كما أنّ جريانها لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعي ; لمكان الطولية(1) .


1 ـ ثمّ إنّ سيّدنا الاُستاذ ـ دام ظلّـه ـ قـد استقصى الكلام في الـدورة السابقـة في توضيح أحكام القطع ، فأوضح مقالة الأخباريين في المقام ، كما تكلّم في حجّية قطع القطّاع ، غير أ نّـه ـ دام ظلّـه ـ قد أسقط في هـذه الـدورة هاتيك المباحث ، ونحـن قد اقتفينا أثره ، أطـال الله بقاه . [المؤ لّف]


(352)


(353)
الأمر الخامس
في العلم الإجمالي

يقع الكلام في مقامين :

الأوّل : في ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي .

الثاني : في جواز إسقاطه بالعمل على طبقه .

وبما أنّ هذا البحث طويل الذيل مترامي الأطراف نحيل بعض المباحث إلى مبحث البراءة والاشتغال ، فنقول :

المقام الأوّل : في ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي

فاعلم أ نّه قد يطلق العلم الإجمالي ويراد منه القطع الوجداني بالتكليف الذي لا يحتمل فيه الخلاف ، ولا يحتمل رضا المولى بتركه .

وقد يطلق على الحجّة الإجمالية ، كما إذا قامت الدليل الشرعي على حرمة الخمر على نحو الإطلاق ، ثمّ علمنا أنّ هذا أو ذاك خمر ، فليس في هذه الصورة علم قطعي بالحرمة الشرعية التي لا يرضى الشارع بتركه ، بل العلم تعلّق بإطلاق


(354)

الدليل والحجّة الشرعية ، والإجمال في مصداق ما هو موضوع للحجّة الشرعية . وحينئذ فالعلم بالحرمة غير العلم بالحجّة .

فما هو المناسب للبحث عنه في المقام هو الأوّل ، كما أنّ المناسب لمباحث الاشتغال هو الثاني .

فنقول : المشهور المتداول كون العلم علّة تامّة لوجوب الموافقة وحرمة المخالفة القطعيتين . وربّما يقال بكونه علّة تامّة بالنسبة إلى الثانية دون الاُولى ، ونسب إلى بعضهم جواز المخالفة القطعية ; فضلاً عن احتمالها . ولا يهمّنا سرد الأقوال بعد كون المسألة عقلية محضة ، غير أنّ هذه الأقوال يظهر حالها صحّةً وفساداً بعد ملاحظة ما هو مصبّ النزاع في هذا الباب .

قد عرفت : أنّ البحث في المقام إنّما هو عن القطع الوجداني بالتكليف الفعلي الذي لا يحتمل الخلاف ، ويعلم بعدم رضا المولى بتركه ، لكن اشتبه متعلّق التكليف بحسب المصداق أو غيره . كما أنّ البحث في باب الاشتغال إنّما هو عن العلم بالحجّة المحتمل صدقها وكذبها ، كإطلاق دليل حرمة الخمر الشامل لصورتي العلم بالتفصيل والإجمال .

وعلى ذلك : فلا شكّ أنّ العلم والقطع الوجداني بالتكليف علّة تامّة لحرمة المخالفة ووجوب الموافقة القطعيين ، ولا يجوز الترخيص في بعض أطرافه ; فضلاً عن جميعه ; إذ الترخيص ـ كلاًّ أو بعضاً ـ ينافي بالضرورة مع ذاك العلم الوجداني ، فإنّ الترخيص في تمام الأطراف يوجب التناقض بين الإرادتين في نفس المولى ، كما أنّ الترخيص في بعضها يناقض ذاك العلم في صورة المصادفة .

وإن شئت فحاسب في نفسك ، فهل يمكن تعلّق الإرادة القطعية على ترك


(355)

شرب الخمر الذي يتردّد بين الأطراف مع الترخيص في تمامها أو بعضها مع احتمال انطباق الواقع .

وبذلك يظهر : أ نّه لا مناص عن الاحتياط المحرز للواقع في تمام الأقسام من الشبهات ; محصورة كانت أو غير محصورة ، بدوية كانت أو غيرها ; فإنّ العلم القطعي بالتكليف لا يجتمع أبداً مع الترخيص في الشبهات في أيّ قسم منها .

وسيوافيك في مقام البحث عن الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي : أنّ الترخيص في الشبهات لا ينفكّ عن رفع اليد عن التكاليف والتصرّف في المعلوم والتكليف وصيرورته شأنياً(1) ، وإلاّ فمع الفعلية بالمعنى الذي عرفته لا يجوز احتمال الترخيص ; فضلاً عن الترخيص الفعلي .

والحاصل : أ نّه مع العلم القطعي بالتكليف لا يمكن العلم بالترخيص ; لاستلزامه العلم بالمتناقضين ، كما لا يجوز العلم به مع احتمال التكليف القطعي ; لأنّ الترخيص الفعلي مع احتمال التكليف من باب احتمال اجتماع النقيضين ، ويعدّ من اجتماعهما على فرض المصادفة .

وبهذا يعلم : أنّ وجه الامتناع هو لزوم اجتماع النقيضين مع التصادف واحتماله مع الجهل بالواقع ، وأ نّه لا فرق في عدم جواز الترخيص بين العلم القطعي بالتكليف أو احتمال ذلك التكليف ، وأ نّه ليس ذلك لأجل كون العلم علّة تامّة للتنجيز أو مقتضياً له ; فإنّ وجه الامتناع مقدّم رتبةً على منجّزية العلم ، فالامتناع حاصل ; سواء كان العلم منجّزاً أم لا ، كان علّة تامّة أم لا .

فوجه الامتناع هو لزوم التناقض أو احتماله ، وقد عرفت أ نّه مشترك بين


1 ـ يأتي في الصفحة 376 .


(356)

العلم الإجمالي والشبهة البدوية ، مع أنّ فيها لا يكون التكليف منجّزاً .

فملخّص الكلام : أنّ احتمال الترخيص مع احتمال التكليف الفعلي مستلزم لاحتمال اجتماع النقيضين ; فضلاً عن احتماله مع العلم بالتكليف كذلك .

وممّا ذكر يظهر حال الأقوال المذكورة في الباب ; فإنّ كلّ ذلك ناش عن خلط ما هو مصبّ البحث مع ما هو مصبّه في باب الاشتغال .

فما يقال : من أنّ للشارع الاكتفاء بالإطاعة الاحتمالية عند العلم بالتكليف التفصيلي ـ كما في مجاري الاُصول ـ فكيف مع العلم الإجمالي ؟ صحيح لو أراد بها ما هو مصبّ البحث في باب الاشتغال ; فإنّ الاكتفاء يكشف عن التصرّف في المعلوم وتقبّل الناقص مقام الكامل أو ما أشبهه من التوسعة في مصداق الطبيعة ، وأمّا لو تعلّق العلم الوجداني بأنّ الطهور شرط للصلاة فمع هذا العلم لا يعقل الترخيص والمضي .

إشكال وجواب

أمّا الأوّل : فيمكن أن يقال إنّ بين عنواني المحرّم الواقعي والمشتبه عموم من وجه ، فهل يمكن أن يتعلّق بهما حكمان فعليان ، كما في باب الاجتماع ؟ والتصادق في الخارج لا يوجب التضادّ .

وبعبارة أوضح : أ نّه قد مرّ(1)  الكلام في أنّ مصبّ الأحكام هو العناوين الطبيعية ، وأنّ المصاديق الخارجية لا يعقل تعلّق الإرادة بها ; فإنّ الخارج ظرف


1 ـ تقدّم في الصفحة 41 ـ 42 .


(357)

السقوط لا الثبوت ، وعلى ذلك بنينا جواز تعلّق الوجوب بالصلاة والحرمة بالغصب ; لانفكاكهما في لحاظ تعلّق الأحكام ، وأنّ اجتماعهما في الخارج أحياناً لا يستلزم الأمر والنهي بشيء واحد .

وعليه فيمكن أن يقال : إنّ الحرمة القطعية قد تعلّقت بالخمر الواقعي ، والترخيص بالمشتبه بما هو مشتبه . والتصادف في الخارج لا يستلزم جعل الترخيص في محلّ النهي .

وأمّا الثاني : فإنّ الكلام في المقام إنّما هو في مقدار تنجيز القطع ثبوتاً ، وأ نّه إذا تعلّق بشيء إجمالاً فهل يجوز الترخيص في بعض الأطراف أو تمامها ، أو لا ؟ فتعلّق الترخيص بعنوان آخر خارج عن محطّ البحث .

فإن قلت : الظاهر أنّ هذا ينافي ما مرّ من أنّ وجه الامتناع مقدّم رتبةً على منجّزية العلم ، فالامتناع حاصل ; كان العلم منجّزاً أو لا .

قلت : لا تنافي ذلك ما مرّ ; لأنّ ما مرّ في وجه امتناع الترخيص ـ فقلنا إنّ علّة الامتناع مقدّم رتبة ـ والكلام هاهنا في مقدار تنجيز العلم ، لا وجه الامتناع ، فافهم . هذا أوّلاً .

وثانياً : أنّ جعل الترخيص بعنوان مشتبه الحرام ناظر إلى ترخيص الحرام الواقعي على فرض التصادف ، وهو لا يجتمع مع الحرمة الفعلية ـ وإن قلنا بجواز الاجتماع ـ لأنّ الحكمين في باب الاجتماع متعلّقان بعنوانين غير ناظرين إلى الآخر . وأمّا فيما نحن فيه يكون الترخيص ناظراً إلى ترخيص الواقع بعنوان التوسعة ، وهو محال مع الحكم الفعلي ، فلا يرتبط بباب الاجتماع .

والحاصل : أنّ قول الشارع «أقم الصلاة» ليس ناظراً إلى قوله الآخر «لا تغصب» ، واجتماعهما صدفة في مورد لا يرتبط بمقام الجعل ، وأمّا المقام


(358)

فالمولى إذا علم بأنّ بعض تكاليفه القطعية ربّما يخفى على المكلّف ; من حيث الإجمال ، فلو رخّص في مقام الامتثال ، وقال «رفع عن اُمّتي ما لا يعلمون» يكون ناظراً إلى ما أوجبه على المكلّف ، فمع الإرادة القطعية على الامتثال مطلقاً لا يصحّ الترخيص منه قطعاً ، فتدبّر .

المقام الثاني : في سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي

وهذا المقام راجع إلى سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي ، فنقول : هل يجزي الامتثال الإجمالي إذا أتى المأمور به بجميع شرائطه وقيوده مع التمكّن من الامتثال التفصيلي أو لا ؟

ومحلّ النزاع إنّما إذا كان الاختلاف بين الامتثالين من جهة الإجمال والتفصيل لا غير ; فالمسألة عقلية محضة .

وبذلك يظهر النظر في ما عن بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ  ; حيث إنّه بنى جواز الاكتفاء وعدمه على اعتبار قصد الوجه والتمييز في المأمور به شرعاً ، وعدم حصولهما إلاّ بالعلم التفصيلي أو عدم اعتبارهما ، وأنّ أصالة الإطلاق أو أصالة البراءة هل يرجع إليهما عند الشكّ في اعتبار هذه الاُمور أو لا(1) ؟

وجه النظر : أنّ هذا خروج عن محطّ البحث ومصبّ النزاع ; فإنّه ممحّض في المسألة العقلية البحتة ; وهي أنّ الامتثال الإجمالي هل هو كالامتثال التفصيلي مع اشتراكهما في الإتيان بالمأمور به على


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 50 .


(359)

ما هو عليه بشراشر شرائطه وأجزائه ، أو لا ؟

وأمّـا القول بأنّ الامتثال الإجمالي مستلزم لعـدم الإتيان بالمأمـور بـه على ما هو عليه فخروج عن البحث ، كما أنّ البحث عن لزوم قصد الوجه والتمييز وعدمهما وابتناء المقام عليه كلّها بحث فقهي لا يرتبط بالمقام ; لأ نّه لو احتمل دخالة ما ذكرنا لا يكون الموافقة علمية إجمالية ، بل احتمالية خارجة عن مصبّ  البحث .

وإن شئت قلت : إنّ البحث في أنّ العقل في مقام الامتثال هل يحكم بلزوم العلم التفصيلي عند الإتيان بالمأمور به حال الإتيان به ، وأنّ الموافقة الإجمالية القطعية لا تفيد مع الإتيان بالمأمور به بجميع قيوده أو لا ؟ فالقول باحتمال دخالة قيد شرعاً في المأمور به ، وأ نّه لا يحصل إلاّ بالعلم التفصيلي أجنبي عن المقام .

إذا عرفت ذلك : أنّ القائلين بعدم الاكتفاء يرجع محصّل مقالهم إلى أمرين :

الأوّل : أنّ التكرار لعب بأمر المولى ، وأنّ العقل يحكم بأنّ اللاعب بأمره لا يمكن أن يتقرّب به ; ولو أتى بجميع ما اُمر به(1) .

الثاني : أنّ الامتثال التفصيلي مقدّم على الامتثال الإجمالي ، ومع التمكّن منه لا تصل النوبة إليه(2) .

فنقول أمّا الأوّل ففيه : أ نّه ربّما يترتّب الغرض العقلائي على التكرار ، فلا  نسلّم أنّ الاحتياط لعب بأمر المولى وتلاعب به ، بل يمكن القول بالصحّة إذا كان مطيعـاً في أصل الإتيان ; وإن كان لاعباً في كيفيـة الامتثال ، فالصلاة على سطح المنارة أو على أمكنة غير معروفة تجزي عن الواجب ; وإن كان لاعباً في  ضمائمه .


1 ـ راجع فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 409 .
2 ـ راجع فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 72 ـ 73 .


(360)

وأمّا الثاني : فقد قرّره بعض أعاظم العصر ، وملخّص ما أفاده : أنّ حقيقة الإطاعة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى ; بحيث يكون المحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به . وهذا المعنى لا يتحقّق في الامتثال الإجمالي ; فإنّ الداعي في كلّ واحد من الطرفين هو احتمال الأمر ، فالانبعاث إنّما يكون عن احتمال البعث ، وهذا وإن كان قسماً من الإطاعة إلاّ أ نّه متأخّر رتبة عن الامتثال التفصيلي . فالإنصاف : أنّ مدّعي القطع بتقدّم رتبة الامتثال التفصيلي على الإجمالي مع التمكّن عن التفصيلي في الشبهات الموضوعية والحكمية لا يكون مجازفاً ، ومع الشكّ يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال(1) .

ثمّ نقل الفاضل المقرّر ـ رحمه الله ـ وجهاً آخر ، وهو : أنّ اعتبار الامتثال التفصيلي من القيود الشرعية ; ولو بنتيجة التقييد(2) .

وفيه : منع انحصار الإطاعة في الانبعاث عن البعث ، بل يشمل للانبعاث عن احتمال الأمر أيضاً ، بل الآتي بالمأمور به بداعي احتمال الأمر أطوع ممّن أتى به لأجل البعث القطعي ; فإنّ البعث عن احتمال الأمر كاشف عن قوّة المبادئ الباعثة إلى الإطاعة في نفس المطيع ; من الإقرار بعظمته والخضوع لديه .

على أنّ الباعث ليس هو الأمر الواقعي ، وإلاّ لزم الإلجاء وعدم صدور العصيان من أحد ، بل الباعث هو تصوّر أمر الآمر وما يترتّب عليه من العواقب والآثار ، فينبعث عن تلك المقدّمات رجاءً للثواب أو خوفاً من العقاب ، وهذا المعنى موجود عند الانبعاث عن الاحتمال .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 72 ـ 73 .
2 ـ نفس المصدر 3 : 69 ، الهامش 1 .


(361)

والحاصل : أنّ الباعث هو المبادئ الموجودة في نفس المطيع ; من الخوف والخضوع ، وهو موجود في كلا الامتثالين ; أعني عند القطع بالأمر أو احتماله .

على أنّ الباعث للإتيان بالأطراف إنّما هو العلم بالبعث المردّد بين الأطراف ، فالانبعاث إنّما هو عن البعث في الموافقة الإجمالية أيضاً ، والإجمال إنّما هو في المتعلّق .

أضف إلى ذلك : أنّ ما ادّعاه من كون الامتثال التفصيلي من القيود الشرعية على فرض إمكان اعتباره شرعاً بنتيجة التقييد(1)  فهو ممّا لا دليل عليه ، والإجماع في المقام ممّا لا اعتبار لمحصّله ـ فضلاً عن منقوله ـ لأنّ المسألة عقلية يمكن أن يكون المستند هو الحكم العقلي دون غيره .

فتلخّص : أنّ دعوى تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي ممنوع بعد كون الحاكم في باب الإطاعات هو العقل ، وهو لا يشكّ في أنّ الآتي بالمأمور به على ما هو عليه بقصد إطاعة أمره ـ ولو احتمالاً ـ محكوم عمله بالصحّة ; ولو لم يعلم حين الإتيان أنّ ما أتى به هو المأمور به ; لأنّ العلم طريق إلى حصول المطلوب ، لا أ نّه دخيل فيه .

وعليه : فدعوى دخالة العلم التفصيلي في حصول المطلوب دعوى بلا شاهد ، فلا تصل النوبة إلى الشكّ حتّى نتمسّك بالقواعد المقرّرة للشاكّ .

هذا كلّه فيما إذا كان مستلزماً للتكرار .

وأمّا إذا لم يستلزم : فقد قال ـ رحمه الله ـ بعدم وجوب إزالة الشبهة ـ وإن تمكّن منها ـ لإمكان قصـد الامتثال التفصيلي بالنسبـة إلى جملـة العمل ; للعلم بتعلّق الأمـر به


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 69 ، الهامش 1 و 4 : 271 ـ 272 .


(362)

ـ وإن لم يعلم بوجوب الجزء المشكوك ـ إلاّ إذا قلنا باعتبار قصد الوجه في الأجزاء(1) ، انتهى .

وأنت خبير : أ نّه لو قلنا بلزوم كون الانبعاث عن البعث في صدق الإطاعة لابدّ من القول بعدم كفاية الامتثال الإجمالي في الأجزاء أيضاً ; فإنّ الأجزاء وإن لم يكن متعلّقة للأمر مستقلّة لكن الانبعاث نحوها يكون بواسطة بعث المولى إلى الطبيعة ، فما لم يعلم أنّ السورة جزء من الواجب لا يمكن أن يصير الأمر المتعلّق بالطبيعة باعثاً إلى الجزء .

فالإتيان بالجزء المشكوك فيه ليس انبعاثاً عن البعث القطعي . وهذا لا ينافي ما ذكرناه في مقدّمة الواجب ; من أنّ البعث إلى الأجزاء لابدّ وأن يكون بعين البعث نحو الطبيعة ، ولكن هذا البعث لا يتحقّق إلاّ مع العلم بالجزئية(2) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 73 ـ 74 .
2 ـ وقد أسقط سيّدنا الاُستاذ في هذه الدورة كثيراً من المباحث التي بحث عنها في الدورة السابقة ، ونحن قد أسقطنا بعض المباحث ; روماً للاختصار ، وسيأتي في مبحث الاشتغال ، فتربّص حتّى يأتيك البيان .


(363)

الكلام في الظنّ

ولابدّ من الكلام في مقامين : الأوّل : في إمكان التعبّد بالظنّ ، والثاني : في وقوع التعبّد به .


(364)


(365)
المقام الأوّل
في إمكان التعبّد بالظنّ

وقد حكي عن ابن قبة امتناع التعبّد وإنكار إمكانه(1) ، إلاّ أنّ ما استدلّ به ليس على نسق واحد ; فإنّ قوله : التعبّد بالخبر الواحد يستلزم اجتماع الحلال والحرام والمفسدة والمصلحة وإن كان ظاهراً في نفي الإمكان إلاّ أنّ قوله الآخر : لو جاز الإخبار عن النبي لجاز الإخبار عن الله يلوح منه نفي الوقوع مع قبول إمكانه ، وعليه لا يكفي في ردّه إثبات الإمكان حتّى يثبت وقوعه .

المراد من «الإمكان» في عنوان البحث

ثمّ إنّ الاستحالة التي ادّعيت إنّما هي الذاتي أو الوقوعي ، وأمّا الإمكان فليس المراد منه الإمكان الذاتي قطعاً ; فإنّه يحتاج إلى إقامة البرهان عليه ، ولا  برهان عليه .

بل المراد الإمكان الاحتمالي الواقع في كلام الشيخ رئيس الصناعة من «أ نّه


1 ـ اُنظر معارج الاُصول : 141 ، فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24 : 105 .


(366)

كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان»(1) .

والإمكان الاحتمالي معناه تجويز وقوعه في مقابل ردعه وطرحه بلا برهان ، وإن شئت قلت : عدم الأخذ بأحد طرفي القضية ، والجزم بإمكانه أو امتناعه ، كما هو ديدن غير أصحاب البرهان .

وهذا من الأحكام العقلية ، يحكم به العقل السليم ، ولو جرى عليه العقلاء في اجتماعهم فلأجل حكم عقولهم الصحيحة ، وليس بناء منهم على الإمكان لمصلحة من المصالح الاجتماعية ، كما هو الحال في سائر اُصولهم العقلائية .

ثمّ إنّ ما هو المحتاج إليه في هذا المقام هو الإمكان الاحتمالي ; فلو دلّ دليل على حجّية الظنون وجواز العمل بآحاد الأخبار لا يجوز رفع اليد عن ظواهر تلك الأدلّة ما لم يدلّ دليل قطعي على امتناعه .

نعم ، لو دلّ دليل قطعي على امتناعه يأوّل ما دلّ على حجّيتها بظواهره . فاللازم ردّ ما استدلّ به القائل على الامتناع ; حتّى ينتج الإمكان الاحتمالي ، فيؤخذ بظواهر أدلّة الحجّية .

وبذلك يظهر : أنّ تفسير الإمكان بالذاتي والوقوعي في غير محلّه ; إذ مع أ نّه لا طريق إليه غير محتاج إليه . نعم الاستحالة المدّعاة هي الذاتي والوقوعي على بعض تقاديرها .

فالأولى أن يقال في عنوان البحث هكذا : «القول في عدم وجدان الدليل على امتناع التعبّد بالأمارات» .


1 ـ شرح الإشارات والتنبيهات 3 : 418 .


(367)

وأمّا ما أفاد بعض أعاظم العصر من أنّ الإمكان هو الإمكان التشريعي لا التكويني ; فإنّ التوالي المتوهّمة هي المفاسد التشريعية لا التكوينية(1)  فلا يخلو عن إشكال ; فإنّ الإمكان التشريعي قسم من الوقوعي ، وليس قسيماً له . ولو صحّ تقسيمه حسب المورد لصحّ تقسيمه إلى أ نّه قد يكون فلكياً وعنصرياً ، ملكياً وملكوتياً ، وهكذا .

أضف إلى ذلك : أنّ المحذورات المتوهّمة ـ مثل اجتماع الحبّ والبغض ، والمصلحة والمفسدة ، والكراهة والإرادة في مورد واحد ـ محذورات تكوينية لاغير .

المحذورات المتوهّمة في التعبّد بالظنّ

لمّا كان المنقول عن ابن قبة ممّا بحث عنه الأصحاب كثيراً ، فنرى المقام غنياً عن ذكر عبارته وجوابه ، فنبحث في المقام مثل ما بحث عنه الأعاظم من المتأخّرين ، ويتّضح في ضمنه خلل ما استدلّ به ابن قبة ; وإن كان كلامه أساساً لبعض ما ذكر .

فنقول : إنّ المحذورات المتوهّمة : إمّا راجعة إلى ملاكات الأحكام ، كاجتماع المصلحة والمفسدة الملزمتين بلا كسر وانكسار .

وإمّا إلى مبادئ الخطابات ، كاجتماع الكراهة والإرادة ، والحبّ والبغض .

أو إلى نفس الخطابات ، كاجتماع الضدّين والنقيضين والمثلين .

وإمّا إلى لازم الخطابات ، كالإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحة .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 88 .


(368)

فهذه أقسام أربعة من المحذورات ، وعلى ذلك فحصر ملاك الامتناع في الملاكي والخطابي(1)  لا وجه له ، كما أنّ عدّ الأخير من المحذورات الملاكية(2)  لا  يخلو عن خلل . فنقول :

المحذور الأوّل : تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة

أ مّا هذا المحذور الذي هو رابع المحاذير  ; فلأنّ المفروض : أنّ الظنّ ليس دائم المطابقة ، فالأمر بالعمل على طبقه تفويت للمصالح من الشارع على المكلّف وإلقاء للمفاسد ; إذ لولا أمره لكان عليه السؤال وتحصيل العلم عند الانفتاح ، والعمل بالاحتياط عند انسداده .

وبذلك يظهر : أنّ هذا المحذور لا يختصّ بصورة الانفتاح ، كما ادّعاه بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ  ; قائلاً بأنّ العمل على طبق الأمارة لو صادف خير جاء من قبلها(3) ، بل يجري في صورة الانسداد أيضاً ; إذ لولا أمره وترخيصه تركَ الاحتياط كان عليه العمل بما هو مبرئ للذمّة قطعاً .

وما استدلّ به مسلّم لو كان الأمر دائراً بين العمل به وبين ترك العمل به وبغيره مطلقاً ، لكنّه دائر بين العمل به وبين العمل بالاحتياط أو التجزّي فيه ، فلا يختصّ الإشكال بصورة الانفتاح ، بل يعمّ .

وقد يذبّ عن الإشكال : بأنّ الأمارات غير العلمية ربّما يمكن أن تكون أكثر


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 89 .
2 ـ نفس المصدر.
3 ـ نفس المصدر : 90 .


(369)

إصابة عن العلم والاعتقاد الجازم أو مساوية لها ، فالشارع الواقف على السرائر لأجل وقوفه على هذه الجهة أمر بالعمل على طبق الأمارات ، وترك تحصيل العلوم المساوية للأمارات من حيث الصدق أو أدون ، فلا يكون إلقاء في المفسدة أو تفويتاً للمصلحة كان باب العلم مفتوحاً أو منسدّاً(1) .

الظاهر : عدم صحّة الجواب ; فإنّه إن أراد من الانفتاح حال حضور الإمام مع إمكان نيل حضوره والسؤال عنه فلا إشكال أنّ المسموع عنه ـ عليه السلام ـ أقلّ خطاءً من هذه الروايات المنقولة بوسائط ; فإنّ احتمال مخالفة الواقع فيما سمعه عن الإمام ليس إلاّ لأجل التقية أو أمر أندر منه . وهذا بخلاف الروايات المعنعنة المنقولة عن رجال يختلفون في الحفظ والوثاقة وحسن التعبير وجودة الفهم .

وإن أراد منه حضوره ـ عليه السلام ـ مع تعسّر السؤال عنه ـ لبعد بلد المكلّف أو كونه محبوساً أو محصوراً من ناحية الأشرار ـ ففيه : أنّ تحصيل العلم التفصيلي غير ممكن عادة ; حتّى يقال بأنّ الأمارات أكثر مطابقة منه ، وما هو الممكن هو العلم بالموافقة الإجمالية ، ولكنّه دائم المطابقة للواقع ; إذ لو أتى المكلّف بمؤدّى الأمارة وسائر المحتملات فلا يعقل أصوبية مؤدّى الأمارة عن العلم ، ولو صدق ذلك لكان الاحتياط في موارد تحقّق الأمارة خلاف الاحتياط ، مع الضرورة بخلافه ، ويظهر منه حال الانسداد .

فإن قلت : إنّ أمـر الشارع بالتعبّد بأخبار الآحاد علّـة لانتشار الأحاديث فـي الأقطـار والأمصار ، فلو لم يقع مـن الشارع إيجاب التعبّد بها لم يتحقّق الـدواعي إلى نقلها أصلاً ، ولو ترك نقلها صارت الأحكام منسية غير معلومة ;


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 90 ـ 91 .


(370)

لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، ومعـه لا يتمكّن الإنسان مـن الإطاعـة الإجماليـة والاحتياط في العمل ; لأنّ طريقه صار مغفولاً عنه ; لعدم انقداح الاحتمال في الأذهان إلاّ ببركة ما وصل إلينا منهم ـ عليهم السلام ـ  .

قلت ـ مع أنّ الدواعي إلى نقل الأخبار كثيرة ـ إنّ الشارع يمكن أن يتوصّل إلى غرضه ـ الاحتياط عند عدم العلم ـ بإيجاب نشر الروايات ونقلها وبثّها حتّى يحصل بذلك موضوع للعمل بالاحتياط .

ويمكن أن يذبّ عن الإشكال : بأنّ في إيجاب تحصيل العلم التفصيلي في زمان الحضور وفي إيجاب الاحتياط في زمن الغيبة أو الحضور مع عدم إمكان الوصول إليه ـ عليه السلام ـ مفسدة غالبة .

توضيحه : أمّا في زمان الانفتاح : فلأنّ السؤال عن الأئمّة ـ عليهم السلام ـ وإن كان أمراً ممكناً غير معسور إلاّ أنّ إلزام الناس في ذلك الزمان على العمل بالعلم كان يوجب ازدحام الشيعة على بابهم وتجمّعهم حول دارهم ، وكان التجمّع حول الإمام أبغض شيء عند الخلفاء ، وكان موجباً للقتل والهدم وغيرهما .

فلو فرض وجوب العلم التفصيلي في زمن الصادقين ـ عليهما السلام ـ كان ذلك موجباً لتجمّع الناس حول دارهما وديارهما ، بين سائل وكاتب وقارئ ومستفسر ، وكان


(371)

نتيجة ذلك تسلّط الخلفاء على الشيعة وردعهم وقطع اُصولهم عن أديم الأرض ، وعدم وصول شيء من الأحكام الشرعية موجودة بأيدينا .

فدار الأمـر بين العمل بالأخبار الواردة عنهم ـ عليهم السلام ـ بطريق الثقات الموصلـة إلى الواقـع غالباً ـ وإن خالفت أحياناً ـ وبين إيجاب العلم حتّى يصل بعض الشيعـة إلى الواقع ، ويحـرم آلاف مـن الناس عـن الأحكام والفروع العمليـة ; لما عرفت أنّ الإلـزام على تحصيل العلم كـان مستلزماً للتجمّع على باب الأئمّـة ، وكان نتيجـة ذلك صدور الحكم مـن الخلفاء بأخـذهم وشـدّهم وضربهم وقتلهم واضطهادهم تحت كلّ حجر ومدر .

وأمّا الاحتياط في هذه الأزمان أو زمن الحضور لمن لم يمكن له الوصول إليهم ـ عليهم السلام ـ ففساده أظهر من أن يخفى ; فإنّه مستلزم للحرج الشديد واختلال النظام ورغبة الناس عن الدين الحنيف ، بل موجب للخروج من الدين ; فإنّ الحكيم الشارع لابدّ له ملاحظة طاقة الناس واستعدادهم في تحمّل الأحكام والعمل بها .

ومثله التبعيض في الاحتياط ; فإنّه لو لم يوجب حرجاً شديداً لكنّه موجب رغبة جمهرة الناس عن الدين .

وبالجملة : البناء على الاحتياط المطلق أو بمقدار ميسور في جميع التكاليف ; من العبادات والمعاملات والمناكحات وغيرها يستلزم الحرج الشديد في بعض الأحوال ، ورغبة الناس عن الدين وقلّة العاملين من العباد للأحكام في بعض آخر . فلأجل هـذا كلّه أمضى عمل العقلاء وبنائهم في العمل بالظنون وأخبار الآحاد بمقدار يؤسّس لهم نظاماً صحيحاً ، وهذا وإن استلزم فساداً وتفويتاً غير أ نّـه في مقابل إعراض الناس عنه وخروجهم منه وقلّة المتديّنين بـه لا يعدّ إلاّ شيئاً طفيفاً يستهان به .

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ التزم بقبح التعبّد بالظنون في حال الانفتاح ، وأمّا حال الانسداد فقد ذهب إلى أنّ التفويت متدارك بالمصلحة السلوكية(1) .

وأوضحه بعض أعاظم العصر بما حاصله : أنّ قيام الأمارة يمكن أن يكون سبباً لحدوث مصلحة في السلوك مع بقاء الواقع والمؤدّى على ما هما عليه من


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24 : 109 و 112 .


(372)

المصلحة والمفسدة ، من دون أن يحدث في المؤدّى مصلحة بسبب قيام الأمارة غير ما كان عليه من المصلحة ، بل المصلحة في تطرّق الطريق وسلوك الأمارة وتطبيق العمل على مؤدّاها والبناء على أ نّه هو الواقع ، بترتيب الآثار المترتّبة على الواقع على المؤدّى ، وبهذه المصلحة السلوكية يتدارك ما فات من المكلّف(1) ، انتهى .

أقول : وفيه مواقع للنظر :

منها : أنّ حجّيـة الأمـارة في الشرع ليس إلاّ إمضاء مـا كان في يـد العقلاء في معاشهم ومعادهم ، مـن غير أن يزيـد عليه شيئاً أو ينقص منه شيئاً . ومـن المعلوم أنّ اعتبار الأمارات لأجل كونها طريقاً للواقع فقط ، مـن دون أن يترتّب على العمل بها مصلحة وراء إيصالها إلى الواقع ، فليس قيام الأمارة عند العقلاء محدثاً للمصلحة ; لا في المؤدّى ولا في العمل بها وسلوكها . وعليه فالمصلحة السلوكية لا أساس لها .

ومنها : أ نّه لا يتصوّر لسلوك الأمارة وتطرّق الطريق معنى وراء العمل على طبق مؤدّاها ، فإذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة فليس سلوكها إلاّ العمل على مؤدّاها والإتيان به . فلا يتصوّر للسلوك وتطرّق الطريق مصلحة وراء المصلحة الموجودة في الإتيان بالمؤدّى .

وإن شئت قلت : الإتيان بالمؤدّى مع المؤدّى المحقّق في الخارج غير متغايرين إلاّ في عالم الاعتبار ، كتغاير الإيجاد والوجود . فهذه المفاهيم المصدرية النسبية لا يعقل أن تصير متّصفة بالمصلحة والمفسدة ، بل المفسدة والمصلحة قائمة بنفس الخمر والصلاة .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 95 ـ 96 .


(373)

وبعبارة أوضح : كون شرب الخمر وإتيان الصلاة متعلّقاً للحرمة والوجوب وموصوفاً بالمصلحة والمفسدة لا ينافي كون تطرّق الطريق محلاًّ للحكم وموضوعاً له ; فإنّ تطرّق الطريق عين ترك شرب الخمر وعين الإتيان بالصلاة .

ومنها : أنّ ظاهر عبارة الشيخ وشارح مراده أنّ المصلحة قائمة بالتطرّق والسلوك ، بلا دخالة للواقع في حدوث تلك المصلحة . وعليه فلو أخبر العادل عن الاُمور العادية لزم العمل على قوله في هذه الموارد أيضاً ; لأ نّه ذا مصلحة سلوكية ، وهو كما ترى .

ومنها : أنّ لازم تدارك المصلحة الواقعية بالمصلحة السلوكية هو الإجزاء وعدم لزوم الإعادة والقضاء ; إذ لو لم يتدارك مصلحة الواقع لزم قبح الأمر بالتطرّق ، ولو تدارك سقط الأمر ، والمفروض أنّ المصلحة القائمة بتطرّق الطريق ليست مقيّدة بعدم كشف الخلاف . فما يظهر من التفصيل من الشيخ الأعظم وبعض أعاظم العصر ليس في محلّه .

ثمّ إنّ البحث عن الإجزاء قد فرغنا عنه في الأوامر فراجع ، وسيوافيك لُباب القول فيه في مبحث الاجتهاد والتقليد .

المحذور الثاني : محذور اجتماع الضدّين والنقيضين والمثلين

أمّا هذا المحذور الذي كان ثالث المحاذير فهو مبني على ما هو المسلّم عندهـم ; مـن أنّ الأحكام الخمسـة متضـادّة بأسرهـا ، يمتنع اجتماعها فـي موضوع  واحد(1) .


1 ـ قوانين الاُصول 1 : 142 / السطر 14 ، كفاية الاُصول : 193 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 2 : 437 .


(374)

والمراد من الأحكام ـ على ما صرّحوا به في بحث اجتماع الأمر والنهي وفي باب الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ـ هو الأحكام البعثية والزجرية وغيرهما ، فلو فرضنا كون صلاة الجمعة محرّمة في نفس الأمر ، وقامت الأمارة على وجوبها تصير صلاة الجمعة مهبطاً لحكمين متضادّين .

ولا يخفى عليك : أنّ ما اشتهر بينهم من أنّ الأحكام متضادّة بأسرها ليس له أساس صحيح ، وقد استوفينا بعض الكلام في ذلك عند البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي ، ولكن نعيده هنا ; حذراً عن الإحالة :

فنقول : إنّهم عرّفوا الضدّين بأنّهما الأمران الوجوديان غير المتضائفين ، المتعاقبان على موضوع واحد ، لا يتصوّر اجتماعهما فيه ، بينهما غاية الخلاف . وعليه : فما لا وجود له لا ضدّية بينه وبين شيء آخر ، كما لا ضدّية بين أشياء لا  وجود لها ، كالاعتباريات التي ليس لها وجود إلاّ في وعاء الاعتبار .

وعلى هذا التعريف لا ضدّية أيضاً بين أشياء لا حلول لها في موضوع ولا قيام لها به ; قيام حلول وعروض .

إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ الإنشائيات كلّها من الاُمور الاعتبارية لا تحقّق لها إلاّ في وعاء الاعتبار ; فإنّ دلالة الألفاظ المنشأ بها على معانيها إنّما هي بالمواضعة والوضع الاعتباريين ، فلا يعقل أن يوجد بها معنى حقيقي تكويني أصيل .

فهيئة الأمر والنهي وضعت للبعث والزجر الاعتباريين في مقابل البعث والزجر التكوينيين . فقول القائل «صلّ» مستعمل في إيجاد البعث والحثّ والتحريك الاعتباري ، فالعلّة اعتباري والمعلول مثله .


(375)

ومـا ربّما يقال : مـن أنّ الإنشاء قـولٌ قُصد به ثبوت المعنى فـي نفس الأمر(1) ، يراد به أنّ نفس الإنشاء يكون منشأ للمعنى في وعاء الاعتبار ; بحيث يكون الألفاظ التي بها يقع الإنشاء ـ كهيئتي الأمر والنهي ـ مصاديق ذاتية للّفظ وعرضية للمعنى المنشأ ، لا أ نّهما علل المعاني المنشأة ; فإنّ العلّية والمعلولية الحقيقيتين لا يعقل بينهما .

وإن شئت قلت : إنّ التكلّم بصيغة الأمر بما هو تكلّم وصوت معتمد على مقطع الفم أمر تكويني من مراتب التكوين ، وأمّا جعل هذا التكلّم دليلاً على إرادة البعث والتحريك بلا آلة تكوينية فإنّما هو بالجعل والمواضعة التي هي الموجب الوحيد لانفهام الأمر المنشأ البعث ، فإذا كان المبدأ أمراً اعتبارياً فالآخر مثله .

وعلى هذا الأساس فالأحكام التكليفية كلّها من الاُمور الاعتبارية لا وجود حقيقي لها إلاّ في وعاء الاعتبار .

ومن ذلك يعلم : أنّ الإضافات المتصوّرة عند الأمر بالشيء ليست إلاّ إضافات اعتبارية ، فإنّ للأمر إضافة إلى الآمر إضافة صدور ، وإضافة إلى المأمور إضافة انبعاث ، وإضافة إلى المتعلّق إضافة تعليقية أوّلية ، وإلى الموضوع إضافة تعليقية ثانوية ، وهكذا . فهذه الإضافات ليست من مراتب التكوين ، وإنّما هي اُمور اعتبارية يستتبع بعضها بعضاً .

وبذلك يظهر : أنّ الأحكام التكليفية ليست أعراضاً بالنسبة إلى متعلّقاتها ، فليس قيام المعاني الاعتبارية ـ الأحكام ـ بمتعلّقاتها أو موضوعاتها قيام حلول وعروض فيهما ، بل كلّ ذلك تشبيهات وتنزيلات للمعقولات على المحسوسات ;


1 ـ كفاية الاُصول : 87 ـ 88 ، فوائد الاُصول ، المحقّق الخراساني : 17 .


(376)

فإنّ الاُمور الاعتبارية أنزل من ذلك كلّه .

إذا عرفت ذلك : تقف على بطلان القول بأنّ الأحكام الخمسة اُمور متضادّة ، كما اشتهر عنهم في باب الترتّب واجتماع الأمر والنهي والجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية وغيرها .

وأظنّ أ نّك بعد الوقوف على ما ذكرنا تقف على أنّ بطلان الضدّية فيها ليس لأجل انتفاء شرط الضدّية أو قيدها فيها ، بل البطلان لأجل أنّ التضادّ والتماثل والتخالف من مراتب الحقيقة ـ أي الماهية الموجودة في المادّة الخارجية ـ فالأحكام لا حظّ لها من الوجود الخارجي حتّى يتحمّل أحكامه . وقس عليه سائر القيود ; فإنّها أيضاً منتفية ، كما ذكرنا .

وأمّا امتناع الأمر والنهي بشيء واحد بجهة واحدة من شخص واحد فليس لأجل تضادّ الأحكام ، بل لأجل مبادئهما ، كالمصالح والمفاسد والإرادة والكراهة ، وهما لا تجتمعان .

على أنّ الأمر بالشيء جدّاً والنهي عنه كذلك من آمر عالم ممتنع ; لأ نّه يرجع إلى التكليف بالمحال ، ومرجعه إلى التكليف المحال ، كما مرّ وجهه في مبحث الاجتماع والامتناع . وليعذرني إخواني من الإطالة ، وهو أولى من الإحالة .

المحذور الثالث : محذور اجتماع الإرادة الوجوبية والتحريمية

حاصل الإشكال : أنّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالعمل على الأحكام الواقعيـة ، والمفروض أنّ الأمـارات قـد تؤدّي إلى خلاف الواقـع ، فإيجاب التعبّد بها والترخيص بالعمل بها مـع فعليـة الإرادة المتعلّقة بالأحكام الواقعيـة ممّا لا  يجتمعان .


(377)

وهـذا الإشكال سيّال في الأحكام الظاهريـة كلّها ـ أمـارة كانت أو أصلاً ـ فإنّ إرادة العمل على طبق الأمارة والاستصحاب أو قاعدة الفراغ وأصالة الإباحة وهكـذا . . . ممّا لا يجتمع مـع الإرادة الحتميـة بالنسبـة إلى الأحكام الواقعيـة ، بعدما علم أنّ الاُصول والأمارات قد تؤدّيان إلى خلاف الواقع .

أمّا الجواب فنقول : اعلم أنّ للحكم الشرعي مرتبتين ، ليس غير :

الاُولى : مرتبة الإنشاء وجعل الحكم على موضوعه ، كالأحكام الكلّية القانونية قبل ملاحظة مخصّصاتها ومقيّداتها ، نحو قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالعُقُودِ)(1) ، أو (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2) ، وكالأحكام الشرعية التي نزّل به الروح الأمين على قلب نبيّه ، ولكن لم يأن وقت إجرائها ; لمصالح اقتضته السياسة الإسلامية ، وترك إجرائها إلى ظهور الدولة الحقّة ، عجّل الله تعالى فرجه .

الثانية : مرتبة الفعلية ; وهي تقابل الاُولى من كلتا الجهتين ، فالأحكام الفعلية عبارة عن الأحكام الباقية تحت العموم والمطلق بعد ورود التخصيصات والتقييدات حسب الإرادة الجدّية ، أو ما آن وقت إجرائها .

فالذي قام الإجماع على أ نّه بين العالم والجاهل سواسية إنّما هو الأحكام الإنشائية المجعولة على موضوعاتها ; سواء قامت عليه الأمارة أم لا ، وقف به المكلّف أم لا ، وهكذا ; وهي لا يتغيّر عمّا هي عليه . وأمّا الفعلية فيختلف فيها الأحوال ، كما سيوضح .


1 ـ المائدة (5) : 1 .
2 ـ البقرة (2) : 275 .


(378)

وأمّا توضيح الجواب وحسم الإشكال فهو ما مرّ منّا(1) : أنّ مفاسد إيجاب الاحتياط ـ كلاًّ أو تبعيضاً ـ صارت موجبة لرفع اليد في مقام الفعلية عن الأحكام الواقعية في حقّ من قامت الأمارة أو الاُصول على خلافها .

وليس هذا أمراً غريباً منه ، بل هذا نظام كلّ مقنّن ; إذ في التحفّظ التامّ على الواقعيات من الأحكام مفسدة عظيمة لا تجبر بشيء ، أيسرها خروج الناس من الدين ورغبتهم عنه وتبدّد نظام معاشهم ومعادهم . فلأجل هذا كلّه رفع اليد عن إجراء الأحكام في الموارد التي قام الأمارة أو الأصل على خلافها .

وليس هذا من قبيل قصور مقتضيات الأحكام وملاكاتها في موارد قيام الأمارات والاُصول على خلافها حتّى يتقيّد الأحكام الواقعية بعدم القيام ، بل من قبيل رفع اليد لجهة اللا بدّية ومزاحمة الفاسد والأفسد في مقام الإجراء . فالأحكام الواقعية تنشأ على موضوعاتها من غير تقييد .

وتوهّم لغوية تلك الأحكام الإنشائية إذا فرض قيام الأمارة أو الأصل على خلافها من أوّل زمن تشريعها مندفعة بأنّه لا محالة ينكشف الخطأ ـ ولو عند ظهور الدولة الحقّة ـ ولو كانت عاطلة غير منشأة من رأس صارت مهملة إلى الأبد ; حتّى بعد قيام القائم ـ عليه السلام ـ  ; لانسداد الوحي وتشريع الأحكام بعد ما رفع النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الرفيق الأعلى .

وبذلك يندفع الإشكال كلّه .

فإن قلت : إنّه ليس في الواقع أحكام إنشائية ، بل الموجود في نفس الأمر هـو إنشاء الأحكام ; أي تشريعها على موضوعاتها المقدّر وجـودها بجميع مـا


1 ـ تقدّم في الصفحة 371 .


(379)

اعتبر فيها ; من القيود والشرائط وعدم الموانع على نهج القضايا الحقيقية ، وفعلية الحكم عبارة عـن تحقّق موضوعـه بجميع ما اعتبر فيه ، ولا يعقل لفعلية الحكم معنى غير ذلك .

فالأحكام الواقعية : إمّا مقيّدة بعدم قيام الأمارة على الخلاف أو لا ، فعلى الأوّل يلزم التصويب ، وعلى الثاني يلزم اجتماع الضدّين(1) .

قلت : يكفي في صحّة ما ذكرنا ملاحظة القوانين العالمية أو المختصّة بجيل دون جيل وطائفة دون اُخرى ; فإنّ الأحكام ينشأ على وجه الإنشاء على موضوعاتها العارية من كلّ قيد وشرط . ثمّ إذا آن وقت إجرائه يذكر في لوح آخر قيوده ومخصّصاته .

فالمنشأ على الموضوعات قبل ورود التخصيص والتقييد هو الحكم الإنشائي ، والحكم الفعلي اللازم الإجراء ما يبقى تحت العموم والمطلق ، بعد ورودهما عليه ، هذا أوّلاً .

وثانياً : أ نّه لو صحّ ما ذكر ; من أنّ الأحكام مجعولة على موضوعاتها من أوّل الأمر بجميع قيوده لما جاز التمسّك بالإطلاق والعموم ; فإنّ مبنى التمسّك هو أنّ الحكم مجعولة على الماهية المجرّدة ، وأنّ الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدّية ، إلاّ ما قام الدليل على خلافه .

فلو كان اللازم إنشاء الحكم على موضوعه بعامّة قيوده لما صار للتمسّك بأصالـة الإطلاق معنى  ; فإنّ الإطلاق متقوّم بأنّ الواقـع تحت دائـرة الحكم هـو تمام الموضـوع للحكم ، ومثله أصالـة العموم ; فإنّها متقوّمة بظهور الكلام في كـون


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 103 ـ 104 .


(380)

الحكم على العموم ، وأنّ التخصيص كالتقييد أمـر خارجي لا يتصرّف فـي اللفظ ، بل يكشف عن ضيق الإرادة الجدّية .

والحاصل : أنّ ملاحظة تقنين القوانين العرفية كافية في إثبات ما قلناه ; فإنّ الدائر بينهم هو وضع الأحكام أوّلاً بنحو العموم والإطلاق ، ثمّ بيان مخصّصاتها ومقيّداتها منفصلاً عنها ، من دون أخذ ما هو الملاك بحسب الإرادة الجدّية في موضوع الأحكام من أوّل الأمر .

وأنت إذا تدبّرت تعرف أنّ هذا الجواب سيّال في موارد الأمارات والاُصول إذا كانت مخالفة للواقع .

المحذور الرابع : محذور التدافع بين ملاكات الأحكام

وهذا المحذور ـ أعني ما يرجع إلى التدافع بين ملاكات الأحكام ، كاجتماع المصلحة والمفسدة الملزمتين بلا كسر وانكسار ـ أوّل المحاذير ، فقد ظهر الجواب عنه ممّا تقدّم(1) ، ومحصّله : أرجحية ملاكات تجويز العمل على طبق الأمارات والاُصول من العمل بالاحتياط للتحفّظ على الواقع .

وقد ظهر ممّا تقدّم(2) : عدم اجتماع الملاكين في موضوع واحد على ما سبق ; من لزوم المفاسد الخارجية أو السياسية لو ألزم العمل بالاحتياط .


1 ـ تقدّم في الصفحة 369 ـ 371 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 370 ـ 371 .


(381)

جولة فيما ذكر من الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري

ثمّ إنّ الأعلام قد مالوا يميناً ويساراً في هذا الباب ; فكلٌّ اختار مهرباً للجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ، فلا بأس بالإشارة إلى بعضها ، فنقول :

تقريب المحقّق النائيني للجمع

قد ذكر بعض أعاظم العصر جواباً لتخلّف الطرق والأمارات ، وجواباً آخر للاُصول المحرزة ، وثالثاً لغير المحرزة منها .

فأفاد ـ قدس سره ـ في الجمع عند تخلّف الطرق ما هذا حاصله : إنّ المجعول فيها ليس حكماً تكليفياً حتّى يتوهّم التضادّ بينها وبين الواقعيات ، بل الحقّ أنّ المجعول فيها هو الحجّية والطريقية ، وهما من الأحكام الوضعية المتأصّلة في الجعل ; خلافاً للشيخ ـ قدس سره ـ  ; حيث ذهب إلى أنّ الأحكام الوضعية كلّها منتزعة من الأحكام التكليفية(1) .

والإنصاف : عدم تصوّر انتزاع بعض الأحكام الوضعية من الأحكام التكليفية ، مثل الزوجية فإنّها وضعيـة ويتبعها جملة مـن الأحكام ، كوجـوب الإنفاق على الزوجة وحرمة تزويج الغير لها ، وحرمة ترك وطيها أكثر من أربعة أشهر إلى غير ذلك .

وقد يتخلّف بعضها مع بقاء الزوجية ، فأيّ حكم تكليفي يمكن انتزاع


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 26 : 125 .


(382)

الزوجية منه ؟ وأيّ جامع بين هذه الأحكام التكليفية ليكون منشأً لانتزاع الزوجية ؟ فلا محيص في أمثالها عن القول بتأصّل الجعل .

ومنها الطريقية والوسطية في الإثبات ; فإنّها متأصّلة بالجعل ـ ولو إمضاءًـ لما تقدّمت الإشارة إليه من كون الطرق التي بأيدينا يعتمدون عليها العقلاء في مقاصدهم ، بل هي عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفتها للواقع ، فنفس الحجّية والوسطية في الإثبات أمر عقلائي قابل بنفسه للاعتبار ، من دون أن يكون هناك حكم تكليفي منشأ لانتزاعه .

إذا عرفت حقيقة المجعول فيها ظهر لك : أ نّه ليس فيها حكم حتّى ينافي الواقع ، فلا تضادّ ولا تصويب . وليس حال الأمارات المخالفة إلاّ كحال العلم المخالف ، فلا يكون في البين إلاّ الحكم الواقعي فقط مطلقاً ، فعند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي ـ كالعلم الموافق ـ ويوجب تنجيزه ، وعند الخطأ يوجب المعذورية وعدم صحّة المؤاخذة عليه ـ كالعلم المخالف ـ من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول (1)، انتهى .

وفيما أفاده مواقع للنظر :

أمّا أوّلاً : فقد أشرنا إليه(2)  وسيوافيك تفصيله عند البحث عن حجّية الأمارات العقلائية(3) ، ومحصّله : أ نّه ليس في باب الطرق والأمارات حكم وضعي ولا تكليفي ، وإنّما عمل بها الشارع كما يعمل بها العقلاء في مجاري اُمورهم من معاملاتهم وسياساتهم .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 105 ـ 108 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 332 .
3 ـ يأتي في الصفحة 472 .


(383)

وليس إمضاء الشارع العمل بالأمارات مستتبعاً لإنشاء حكم ، بل مآله إلى عدم الردع وعدم التصرّف في بناء العقلاء . وما ورد من الروايات(1)  كلّها إرشاد إلى ما عليه العقلاء ، وقد اعترف به ـ قدس سره ـ فيما سبق(2) ، ولكنّه أفاد هنا ما ينافيه .

وثانياً : لو كان المستند للقول بجعل الوسطية والطريقية من جانب الشارع هـو الأخبار الواردة في شأن الآحاد من الأخبار أو شأن مخبريها ، كقولـه ـ عليه السلام ـ  : «إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس» وأشار إلى زرارة(3) ، ومثل قولـه ـ عليه السلام ـ  : «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(4) ، ومثل قولـه ـ عليه السلام ـ  : «عليك بالأسـدي» ; يعني أبا بصير(5) ، وقولـه ـ عليه السلام ـ  : «العمري ثقتي ، فاسمع له وأطع فإنّه الثقة المأمـون»(6) ، إلى غير ذلك مـن الروايات الكثيرة التي سيجيء كثير منها في بابه .

فلا شكّ أ نّه لو كان المستند هذه الأخبار فالمجعول فيها ـ مع قطع النظر عمّا قلنا من أ نّها إرشاد إلى ما عليه العقلاء ـ هو وجوب العمل على طبقها تعبّداً على


1 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 136 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 30 و 90 .
3 ـ اختيار معرفة الرجال : 136 / 216 ، وسائل الشيعة 27 : 143 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 19 .
4 ـ كمال الدين : 484 / 4 ، وسائل الشيعة 27 : 140 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 9 .
5 ـ اختيار معرفة الرجال : 171 / 291 ، وسائل الشيعة 27 : 142 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 15 .
6 ـ الكافي 1 : 329 / 1 ، وسائل الشيعة 27 : 138 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 4 .


(384)

أ نّها هو الواقع ، وترتيب آثار الواقع على مؤدّاها ، وليس فيها أيّ أثر من حديث جعل الوسطية والطريقية .

نعم ، لو كان المدرك مفهوم آية النبأ(1)  يمكن أن يقال : إنّها بصدد جعل الكاشفية لخبر العادل ولكنّه ـ مع قطع النظر عن الإشكالات المقرّرة في محلّه(2) ، وعمّا احتملناه في الأخبار ; من كونها إرشاداً إلى عمل العقلاء ـ مدفوع بأنّها بصدد جعل وجوب العمل على طبق قول العادل ، لا جعل المبيّنية والكاشفية ، وإنّما المبيّنية جهة تعليلية لجعل وجوب العمل ، وليست موردة للجعل .

وثالثاً : أنّ ما هو القابل للجعل في المقام إنّما هو وجوب العمل على طبق الأخبار ووجوب ترتيب الأثر على مؤدّاها ، وأمّا الطريقية والكاشفية فليس ممّا تنالها يد الجعل ; فلأنّ الشيء لو كان واجداً لهذه الصفة تكويناً فلا معنى لإعطائها لها ، وإن كان فاقداً له ـ كالشكّ ـ فلا يعقل أن يصير ما ليس بكاشف كاشفاً ، وما ليس طريقاً طريقاً ; فإنّ الطريقية والكاشفية ليست أمراً اعتبارياً كالملكية حتّى يصحّ جعلها بالاعتبار .

وقس عليه تتميم الكشف وإكمال الطريقيـة ، فكما أنّ اللاكاشفية ذاتيـة للشكّ لا يصحّ سلبه ، فكذلك النقصان في مقام الكشف ذاتي للأمارات لا يمكن سلبها . فما ينالـه الجعل ليس إلاّ إيجـاب العمل بمفادهـا والعمل على طبقها وترتيب آثـار الواقـع عليها ، ولمّا كـان ذاك التعبّد بلسان تحقّق الواقـع وإلغاء احتمال الخلاف تعبّداً صحّ انتزاع الوسطية والكاشفية .


1 ـ الحجرات (49) : 6 .
2 ـ يأتي في الصفحة 437 .


(385)

وقس عليه الحجّية ; فلأنّ معناها كون الشيء قاطعاً للعذر في ترك ما اُمر بفعله وفعل ما اُمر بتركه ، ومعلوم أ نّه متأخّر عن أيّ جعل ـ تكليفاً أو وضعاً ـ فلو لم يأمر الشارع بوجوب العمل بالشيء ـ تأسيساً أو إمضاءً ـ فلا يتحقّق الحجّية ولا يقطع به العذر .

ورابعاً : أنّ عدم إمكان انتزاع الزوجية عمّا ذكره مـن الأحكام لا لعدم الجامـع بينها ، بل لأجـل كونها آثـاراً متأخّرة عـن الزوجيـة ، وهي بعد يعـدّ موضوعاً لهذه الأحكام المتأخّرة ، فلا معنى لانتزاع ما هو المتقدّم طبعاً عمّا هـو متأخّر كـذلك .

نعم ، هاهنا أحكام تكليفية يمكن أن يتوهّم إمكان انتزاع الزوجية منها ، كالأوامر الواردة بالنكاح في الآيات(1) ، أو قوله تعالى : (وَاُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذَ لِكُمْ)(2) .

ومع ذلك كلّه فالتحقيق : أنّ الزوجية ليست من المخترعات الشرعية ، بل مـن الاعتبارات العقلائية التي يدور عليها فلك الحياة الإنسانية ، فبما أنّ الزوجية ممّا يتوقّف عليه نظام الاجتماع ويترتّب عليه آثار ومنافع لا تحصى قام العقلاء على اعتبارها ، نعم الشرائع السماوية قد تصرّف فيها ; تصرّفاً يرجع إلى إصلاحها وبيان حدودها .

وخامساً : فبعد هذا الإطناب فالإشكال باق بعد بحاله ; فإنّ جعل الوسطية والطريقية والحجّية للطرق والأمارات مع العلم بأنّها ينجرّ أحياناً إلى المخالفة


1 ـ راجع النساء (4) : 3 ، النور (24) : 32 .
2 ـ النساء (4) : 24 .


(386)

والمناقضة للواقع لا يجتمع مع بقاء الأحكام الواقعية على ما عليها من الفعلية التامّة .

وبالجملة : أنّ الإرادة الجدّية الحتمية بالأحكام الواقعية لا تجتمع مع تعلّق مثل تلك الإرادة على جعل الوسطية للطرق التي ربّما يوجب تفويت الواقع ; فإنّ ذلك الجعل يلازم الترخيص الفعلي في مخالفة الأحكام الواقعية .

وقياس جعل الوسطية في الإثبات بالعلم المخالف للواقع أحياناً قياس مع الفارق ; فإنّ العمل بالعلم المخالف ليس ترخيصاً من الشارع في مخالفة الأحكام الواقعية ، وإنّما هو ضرورة ابتلى به المكلّف لا من جانب الشارع بل لقصور منه ، وهذا بخلاف جعل الحجّية على الأمارة المؤدّية إلى خلاف الواقع .

هذا كلّه إذا قلنا ببقاء الواقع على ما عليه من الفعلية ـ أي باعثاً وزاجراً ـ وأمّا إذا قلنا بأنّه يصير إنشائياً أو فعلياً بمرتبة دون مرتبة ، وأنّ الشارع قد رفع اليد لأجل مصالح اجتماعية عن تلك الواقعيات فلا مضادّة ولا منافاة بين الواقعي والظاهري ، ولا يحتاج إلى إتعاب النفس وعقد هذه المباحث .

وبذلك يظهر ما في كلام المحقّق الخراساني ; حيث تخلّص عن كافّة الإشكالات بأنّ الحجّية غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية(1) ; فإنّ هذا التقريب لا يحسم مادّة الإشكال ، كالقول بأنّ أحدهما طريقي والآخر واقعي(2) ; فإنّ جعل الحجّية والطريقية لمّا كان ينتهي أحياناً إلى مخالفة الواقع ومناقضته لا تجتمع مع فعلية الأحكام الواقعية .


1 ـ كفاية الاُصول : 319 .
2 ـ نفس المصدر : 319 ـ 320 .


(387)

ما أفاده المحقّق النائيني في الاُصول المحرزة

ثمّ إنّه أفاد فيها ما هذا حاصله : أنّ المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أ نّه الواقع وإلغاء الطرف الآخر وجعله كالعدم ، ولأجل ذلك قامت مقام القطع الطريقي . فالمجعول فيها ليس أمراً مغايراً للواقع ، بل الجعل الشرعي تعلّق بالجري العملي على المؤدّى على أ نّه هو الواقع .

كما يرشدنا إليه قوله ـ عليه السلام ـ في بعض أخبار قاعدة التجاوز : «بأنّه قد ركع»(1)  فإن كان المؤدّى هو الواقع فهو ، وإلاّ كان الجري العملي واقعاً في غير محلّه ، من دون أن يتعلّق بالمؤدّى حكم على خلاف ما هو عليه ، فلا يكون ما وراء الحكم الواقعي حكم آخر حتّى يناقضه ويضادّه(2) ، انتهى .

وفيه : أنّ الجري العملي والبناء العملي على أحد طرفي الشكّ ـ كما هو ظاهر كلامه ـ ممّا لا تناله يد الجعل ; لأ نّه فعل للمكلّف ، وما يصحّ جعله إنّما هو إيجاب الجري العملي ، فهو لا يفيد ولا يرفع غائلة التضادّ بين الواقعية والظاهرية ; فإنّ إيجاب الجري العملي على إتيان الشرط أو الجزء بعد تجاوز محلّه ـ مع أ نّه أحياناً يؤدّي إلى ترك الواقع ـ لا يجتمع مع فعلية حكم الجزئية والشرطية ، ولا يعقل جعل الهوهوية بين الواقع وما يخالفه أحياناً .

أضف إلى ذلك : أ نّه ليس من حديث الهوهوية عين ولا أثر في الاُصول التنزيلية ، كما سيوافيك بيانه عند البحث عن الاستصحاب وقاعدة التجاوز .


1 ـ راجع وسائل الشيعة 6 : 317 ، كتاب الصلاة ، أبواب الركوع ، الباب 13 ، الحديث 2 و 3 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 110 ـ 112 .


(388)

كلام المحقّق النائيني في غير المحرزة من الاُصول

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ قد أفاد في هذا الباب ما هذا ملخّصه : إنّ للشكّ في الحكم الواقعي  اعتبارين :

أحدهما : كونه من الحالات والطوارئ اللاحقة للحكم الواقعي أو موضوعه ، كحالة العلم والظنّ . وهو بهذا الاعتبار لا يمكن أخذه موضوعاً لحكم يضادّ الحكم الواقعي ; لانحفاظ الحكم الواقعي عنده .

ثانيهما : اعتبار كونه موجباً للحيرة في الواقع ، وعدم كونه موصلاً إليه ومنجّزاً له . وهو بهذا الاعتبار يمكن أخذه موضوعاً لما يكون متمّماً للجعل ومنجّزاً للواقع وموصلاً إليه . كما أ نّه يمكن أخذه موضوعاً لما يكون مؤمّناً عن الواقع حسب اختلاف مراتب الملاكات النفس الأمرية .

فلو كانت مصلحة الواقع مهمّة في نظر الشارع كان عليه جعل المتمّم ، كمصلحة احترام المؤمن وحفظ نفسه ; فإنّه أهمّ من مفسدة حفظ نفس الكافر ، فيقتضي جعل حكم طريقي لوجوب الاحتياط في موارد الشكّ .

وهذا الحكم الاحتياطي إنّما هو في طول الواقع لحفظ مصلحته ; ولذا كان خطابـه نفسياً لا مقدّمياً ; لأنّ الخطاب المقدّمي ما لا مصلحـة فيه أصلاً ، والاحتياط ليس كذلك ; لأنّ أهمّية الواقع دعت إلى وجوبه ، فهو واجب نفسي للغير لا واجب بالغير ; ولذا كان العقاب على مخالفته ـ لا على مخالفة الواقع ـ لقبح العقاب عليه مع الجهل .

فإن قلت : فعليه يصحّ العقوبة على مخالفة الاحتياط ـ صادف الواقع أو لا ـ لكونه واجباً نفسياً .


(389)

قلت : فرق بين علل التشريع وعلل الأحكام ، والذي لا يدور الحكم مداره هو الأوّل دون الثاني ، ولا إشكال في أنّ الحكم بوجوب حفظ نفس المؤمن علّة للحكم بالاحتياط . ولا يمكن أن يبقى في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك ممّا يجب حفظه ، ولكن لمكان جهل المكلّف كان اللازم عليه الاحتياط ; تحرّزاً عن مخالفة الواقع .

ومن ذلك يظهر : أ نّه لا مضادّة بين إيجاب الاحتياط وبين الحكم الواقعي ; فإنّ المشتبه إن كان ممّا يجب حفظ نفسه واقعاً فوجوب الاحتياط يتّحد مع الوجوب الواقعي ويكون هو هو ، وإلاّ فلا ; لانتفاء علّته ، والمكلّف يتخيّل وجوبه لجهله بالحال . فوجوب الاحتياط من هذه الجهة يشبه الوجوب المقدّمي ; وإن كان من جهة اُخرى يغايره .

والحاصل : أ نّه لمّا كان إيجاب الاحتياط من متمّمات الجعل الأوّلي فوجوبه يدور مداره ، ولا يعقل بقاء المتمّم ـ بالكسر ـ مع عدم المتمّم . فإذا كان وجوب الاحتياط يدور مدار الوجوب الواقعي فلا يعقل التضادّ بينهما ; لاتّحادهما في مورد المصادفة وعدم وجوب الاحتياط في مورد المخالفة ، فأين التضادّ ؟ !

هذا إذا كانت المصلحة مقتضية لجعل المتمّم ، وأمّا مع عدم الأهمّية فللشارع جعل المؤمّن بلسان الرفع ، كما في قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «رفع عن اُمّتي ما لا يعلمون»(1) ، وبلسان الوضع ، مثل قوله ـ عليه السلام ـ  : «كلّ شيء حلال»(2) ; فإنّ رفع التكليف ليس من


1 ـ الخصال : 417 / 9 ، التوحيد : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .
2 ـ الكافي 5 : 313 / 40 ، وسائل الشيعة 17 : 89 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 4 .


(390)

موطنه ليلزم التناقض ، بل رفع التكليف عمّا يستتبعه من التبعات وإيجاب الاحتياط .

فالرخصة المستفادة من دليل الرفع نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان في عدم المنافاة للواقع .

والسرّ فيه : أ نّها تكون في طول الواقع ; لتأخّر رتبته عنه ; لأنّ الموضوع فيها هو الشكّ في الحكم من حيث كونه موجباً للحيرة في الواقع وغير موصل إليه ، ولا منجّز له ، فقد لوحظ في الرخصة وجود الحكم الواقعي ، ومعه كيف يعقل أن تضادّه ؟ !

وبالجملة : الرخصة والحلّية المستفادة من حديث الرفع وأصالة الحلّ تكون في عرض المنع والحرمة المستفادة من إيجاب الاحتياط ، وقد عرفت أنّ إيجاب الاحتياط يكون في طول الواقع ، فما يكون في عرضه يكون في طول الواقع أيضاً ، وإلاّ يلزم أن يكون ما في طول الشيء في عرضه(1) ، انتهى كلامه رفع مقامه .

ولا يخفى : أنّ في كلامه ـ قدس سره ـ مواقع للنظر ، نشير إلى مهمّاتها :

1 ـ إنّ أخذ الشكّ تارة بما أ نّه من الحالات والطوارئ اللاحقة للحكم الواقعي ، واُخرى بما أ نّه موجب للحيرة فيه لا يرجع إلى محصّل ; لأ نّه تفنّن في التعبير وتغيير في اللفظ .

ولو سلّمنا ذلك حكماً يرتفع غائلة التضادّ بالاعتبار الثاني ـ أعني جعله موضوعاً بما أ نّه موجب للتحيّر ـ لكون المجعول والموضوع في طول الواقع .

كذلك يرتفع الغائلة بجعل الحكم على الشكّ بالاعتبار الأوّل ; لكون الشكّ في الشيء متأخّراً عن الشيء ، فجعل أحدهما رافعاً دون الآخر لا محصّل له .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 114 ـ 119 .


(391)

والحقّ : عدم ارتفاعها بكلا الاعتبارين ; لكون الحكم الواقعي محفوظاً مع الشكّ والحيرة .

2 ـ إنّ الحكم الواقعي إن بقي على فعليته وباعثيته فجعل المؤمّن ـ كأصالة البراءة ـ مستلزم لترخيص ترك الواقع الذي هو فعلي ومطلوب للمولى ، ومع هذا فكيف يرتفع غائلة التضادّ ؟ وإن لم يبق على فعليتـه وباعثيتـه ـ كما اعترف في المقام بأنّ الأحكام الواقعيـة بوجوداتها النفس الأمرية لا تصلح للداعوية(1) ـ فالجمع بين الواقعي والظاهري حاصل بهذا الوجـه ، بلا احتياج إلى ما أتعب به نفسه الزكية .

3 ـ إنّ ما أورده على نفسه من أنّ لازم كون الاحتياط واجباً نفسياً هو صحّة العقوبة على مخالفة الاحتياط ـ صادف الواقع أو لا ـ بعد باق على حاله .

وما تفصّى به عنه من عدم وجوب الاحتياط واقعاً في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك ممّا يجب حفظه ; لكون وجوب حفظ المؤمن علّة للحكم بالاحتياط لا علّة للتشريع لا يدفع الإشكال ; فإنّ خلاصة كلامه ـ قدس سره ـ يرجع إلى أنّ وجوب الاحتياط دائر مدار وجود الحكم الواقعي .

وعليه فالعلم بوجود الحكم الواقعي يلازم العلم بلزوم الاحتياط ، كما أنّ العلم بعدمه يلازم العلم بعدم وجوب الاحتياط .

ويترتّب عليه : أنّ الشكّ في الحكم الواقعي يستلزم الشكّ في وجوب الاحتياط ، فكما أنّ الحكم الواقعي لا داعوية له في صورة الشكّ في وجوده فهكذا وجوب الاحتياط ، فلا يصلح للباعثية في صورة الشكّ .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 113 .


(392)

ولو تعلّق وجوب الاحتياط بمورد الشكّ الذي ينطبق على الواجب الواقعي دون غيره لاحتاج إلى متمّم آخر ، ويصير إيجاب الاحتياط حينئذ لغواً ; فإنّ موارد الاحتياط ـ كافّة ـ ممّا يكون وجود الحكم الواقعي مشكوكاً ، كما في الاحتياط في الدماء والأعراض والأموال .

وبذلك يظهر : أنّ ما ذكره من أنّ المكلّف لمّا لم يعلم كون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه أو لا يجب كان اللازم هو الاحتياط ; تحرّزاً عن مخالفة الواقع غير واضح ; فإنّ وجوب الاحتياط على النحو الذي قرّره لا يقصر عن الأحكام الواقعية . فكما لا داعوية له في ظرف الشكّ في وجوده فهكذا ما هو مثلها ; أعني وجوب الاحتياط على ما التزم به .

وعليه يصير الاحتياط في عامّة الموارد اللازمة في الشبهات البدوية لغواً باطلاً ; فإنّ الاحتياط في كافّة الموارد إنّما هو في صورة الشكّ في الحكم الواقعي ، لا غير .

والتحقيق : ما هو المشهور من أنّ الاحتياط ليس محبوباً وواجباً نفسياً ومتعلّقاً لغرض المولى ، والغرض من إيجابه هو حفظ الواقع لا غير ، ولأجله لا يستلزم ترك الاحتياط عقوبة وراء ترك الواقع .

4 ـ إنّ ما ذكره في بعض كلامه من أنّ متمّم الجعل ـ أصالة الاحتياط ـ فيما نحن فيه يتكفّل بيان وجود الحكم في زمان الشكّ فيه لا يخلو من ضعف ; لأ نّه ـ  مضافاً إلى مخالفته لما قال سابقاً من أنّ الاحتياط أصل غير محرز ـ يستلزم كون الاحتياط أو إيجابه أمارة لوجود الحكم في زمان الشكّ ، وهو خلاف الواقع ; فإنّ إيجاب الاحتياط مع الشكّ لغرض الوصول إلى الواقع غير كونه كاشفاً عن الواقع .

5 ـ ما ذكره من أنّ أصالة البراءة والحلّية في طول الواقع ; لأ نّهما في عرض


(393)

الاحتياط الذي هو في طول الواقع غير واضح ; فإنّ التقدّم الرتبي غير التقدّم الزماني والمكاني ; فإنّ ما ذكره صحيح فيهما ، وأمّا الرتبي فالتقدّم والتأخّر تابع لوجود الملاك في الموصوف ; فإنّ مجرّد كون الشيء في عرض المتأخّر رتبة عن الشيء لا يستلزم تأخّره عنه أيضاً ; فإنّ المعلول متأخّر رتبة عن علّته . وأمّا ما هو في رتبة المعلول من المقارنات الخارجية فليس محكوماً بالتأخّر الرتبي عن تلك العلّة ، كما هو واضح في محلّه وعند أهله(1) .

وأمّا حديث قياس المساواة فقد ذكر المحقّقون : أنّ مجراها إنّما هو المسائل الهندسية ، فراجع إلى مظانّها وأهلها(2) .

تقريب المحقّق العراقي للجمع بين الحكم الواقعي والظاهري

وهو ما أفاده بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ  ، وخلاصة ما أفاده لرفع التضادّ هو أنّ الأحكام متعلّقة على العناوين الذهنية الملحوظة خارجية على وجه لا يرى بالنظر التصوّري كونها غير الخارج ; وإن كانت بالنظر التصديقي غيره ، مع وقوف الحكم على نفس العنوان وعدم سرايته إلى المعنون .

وأ نّه قد ينتزع من وجود واحد عنوانان طوليان ; بحيث يكون الذات ملحوظة في رتبتين : تارة في رتبة سابقة على الوصف ، واُخرى في رتبة لاحقة ، نظير الذات المعروضة للأمر التي يستلزم تقدّم الذات عليه ، والذات المعلولة لدعوته المنتزع عنها عنوان الإطاعة التي يستلزم تأخّر الذات عنها ، وكالجهات التعليلية


1 ـ راجع شرح الإشارات والتنبيهات 3 : 233 ـ 236 ، الحكمة المتعالية 2 : 138 ـ 141 .
2 ـ راجع شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 279 ـ 280 ، التحصيل : 109 .


(394)

التي اُنيط بها الحكم ; فإنّه لابدّ فيها من فرض وجود الوصف قائماً بموصوفه ، والحكم في هذا الظرف على نفس الذات الملحوظة في الرتبة المتأخّرة عن الوصف بلا أخذ الوصف قيداً للموضوع ، كالجهات التقييدية .

ومن هذا القبيل صفة المشكوكية ; لأ نّها جهة تعليلية لتعلّق الحكم بالموضوع حسب ظاهر أدلّتها لا تقييدية لموضوعاتها ، ولازم ذلك اعتبار الذات في رتبتين : تارة في الرتبة السابقة على الوصف ، واُخرى في الرتبة اللاحقة .

فيختلف موضوع الحكم الظاهري والواقعي رتبة ; بحيث لا يكاد يتصوّر الجمع لهما في عالم عروض الحكم ، بخلاف الطولية الناشئة من الجهات التقييدية ; لعدم طولية الذات رتبة ، ومحفوظيتها في رتبة واحدة . فلا يمكن رفع التضادّ كما اُفيد ، انتهى . ومن أراد التوضيح فليرجع إلى كتابه(1) .

وفيما ذكره جهات من الخلل :

منها : أنّ ما ذكره في المقدّمة الاُولى من أنّ كلّ حكم لا يتجاوز عن عنوان إلى عنوان آخر ـ وإن اتّحدا وجوداً ـ صحيح جدّاً ، إلاّ أنّ ما ذكره من أنّ الأحكام متعلّقة على العناوين الذهنية الملحوظة خارجية على وجه لا يرى بالنظر التصوّري كونها غير الخارج ـ وإن كانت بالنظر التصديقي غيره ـ غير صحيح ; فإنّه إن كان المراد أنّ الحاكم يختلف نظره التصوّري والتصديقي عند الحكم فهو واضح الفساد ، وإن أراد أنّ الحاكم لا يرى الاثنينية حين الحكم ; وإن كانت المغايرة موجودة في نفس الأمر أو في نظرة اُخرى فهو يستلزم تعلّق الأمر بالموجود ، وهو مساوق لتحصيل الحاصل بنظره .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 60 ـ 62 .


(395)

وبالجملة : أنّ مآله إلى تعلّق البعث إلى الأمر الخارجي ; فإنّ إلقاء الصورة الذهنية من رأس وعدم التوجّه إليها عند الحكم يستلزم تعلّق البعث على الطبيعة الموجودة .

والظاهر : أنّ منشأ ما ذكره هو ما اشتهر بينهم من أ نّه لو تعلّق الأحكام بالطبائع بما هي هي بلا لحاظ كونها مرآة للخارج يلزم كون الطبيعة مطلوبة من حيث هي هي ، وقد ذكرنا ما هو الحقّ في مباحث الألفاظ(1) .

منها : أنّ ما ذكره ـ قدس سره ـ من أنّ الذات في الجهات التعليلية والقضايا الطلبية الشرطية يلاحظ مرّتين : متقدّماً تارة ومتأخّراً اُخرى ، كما في باب الأوامر غير صحيح ; لا في المقيس ولا في المقيس عليه :

أمّا الثاني : فإنّ الأوامـر والأحكام التي يعبّر عنها بالزجـر والبعث ـ إلزامياً أو غير إلزامي ـ ليست من قبيل الأعراض بالنسبة إلى موضوعاتها حتّى يكون فيها مناط التأخّر الرتبي ، بل لها قيام صدوري بالأمر ، كما أنّ لها إضافة اعتبارية بالنسبـة إلى المأمور والمأمـور به والآمـر ، وإنّما قلنا اعتباريـة ; لأ نّها تحليلات ذهنيـة لا يقابلها شيء في الخارج ; بحيث لولاه فهي ليست عرضاً ; لا في الذهن ولا في الخارج .

وأمّا الداعوية : فلو كانت داعوية الأمر أمراً تكوينياً حقيقياً كان لما ذكره وجه ; لأ نّه حينئذ يتأخّر الانبعاث عن البعث ; تأخّر المعلول عن علّته .

ولكن داعويته ليس إلاّ إيقاعياً ـ أي مبيّناً لموضوع الإطاعة فقط ـ لا محرّكاً للمأمور نحو الأمر ; ضرورة أنّ العبد إنّما ينبعث عن المبادئ الحاصلة في نفسه ; من


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 487 .


(396)

الخوف والرجاء ، وأمّا مجرّد الأمر فليس محرّكاً ; ولو مع العلم به .

وعلى هذا : فانبعاث العبد ليس من البعث حتّى يقال : إنّ الانبعاث متأخّر عن البعث رتبة ; لعدم ملاك التأخّر الرتبي .

وأمّا تأخّر الانبعاث عن البعث زماناً وتصوّراً فهو لا يستلزم التأخّر الرتبي الذي لا يتحقّق إلاّ بين العلل والمعاليل .

وأمّا المقيس : فلو سلّم في المقيس عليه لأجل أنّ الذات تارة يلاحظ معروضة فيصير متقدّمة ، واُخرى معلولة لدعوته فتصير متأخّرة ، فلا نسلّم في المقيس ; فإنّ الجهات التعليلية ليست إلاّ علّة لتعلّق الحكم بالموضوع ، فهي مقدّمة على الحكم وتعلّقه بالموضوع ، وأمّا تقدّمها على الذات فلا وجه له .

فلو قلنا : «العصير العنبي يحرم ; لغليانـه» فهنا موضوع وحكم وعلّـة ، فلا  شكّ أنّ الذات مقدّم على الغليان لكونه وصفاً له ، والحكم متأخّر عن الوصف لكونه علّة له .

وعلى ذلك : فتقدّم العلّة على الحكم تقدّم رتبي ، وتأخّره عنها أيضاً كذلك ، وأمّا تقدّمها على الذات فليس له وجه ولا ملاك .

هذا ، مع أنّ القول بارتفاع التضادّ بالجهات التقييدية أولى بارتفاعه من التشبّث بالجهات التعليلية ; فإنّه يمكن أن يقال : إنّ بين عنواني الخمر والمشكوك فيه عموماً من وجه ; لتصادقهما في الخمر المشكوك فيه مع كونه خمراً في الواقع ، وتفارقهما في الخمر المعلومة ، والمشكوك فيه إذا كان خلاًّ ، فيمكن أن يكون أحد العنوانين مصبّاً للحلّية واُخرى للحرمة ، كما في عنواني الصلاة والغصب .

لكن قد مرّ منّا في مباحث القطع ما يردّه أيضاً ; للفرق بين المقامين ; فإنّ


(397)

الدليل الدالّ على وجوب الصلاة غير ناظر إلى ما يدلّ على حرمة الغصب ، وهذا بخلاف المقام فإنّ الأدلّة المرخّصة ناظرة إلى العناوين المحرّمة .

والشاهد عليه : تحديد الحلّية إلى زمن العلم بالخلاف . ولأجل ذلك لا يجتمع الإرادة الحتمية التحريمية على نحو الإطلاق مع الترخيص الفعلي لأجل الاشتباه ، أو جعل الطرق وإمضائها ، التي يؤدّي أحياناً إلى خلاف الواقع .

ومنها : أنّ ما ادّعاه من أنّ صفة المشكوكية والمشتبهية جهات تعليلية خلاف ظاهر أدلّة الباب ; فإنّ الظاهر من حديث الرفع وروايات الحلّ والطهارة وأدلّة الاستصحاب والشكّ بعد تجاوز المحلّ أنّ الأحكام متعلّقة بالمشكوك بما أ نّه مشكوك ، وغير المعلوم بما أ نّه كذلك .

تقريب السيّد الفشاركي للجمع بين الحكم الواقعي والظاهري

إنّ شيخنا العلاّمة قد نقل وجوهاً للجمع ، ونقل وجهاً عن السيّد الجليل الاُستاذ السيّد محمّد الفشاركي ، ومحصّله : عدم المنافاة بين الحكمين إذا كان الملحوظ في موضوع الآخر الشكّ في الأوّل .

وتوضيحه : أنّ الأحكام تتعلّق بالمفاهيم الذهنية ; من حيث إنّها حاكية عن الخارج ، فالشيء ما لم يتصوّر في الذهن لا يتّصف بالمحبوبية والمبغوضية . ثمّ المفهوم المتصوّر : تارة يكون مطلوباً على نحو الإطلاق واُخرى على نحو التقييد ، وعلى الثاني فقد يكون لعدم المقتضي في غير ذلك المقيّد ، وقد يكون لوجود المانع .

وهذا الأخير مثل أن يكون الغرض في عتق الرقبة مطلقاً ، إلاّ أنّ عتق الرقبة الكافرة مناف لغرضه الآخر الأهمّ ، فلا محالة بعد الكسر والانكسار يقيّد الرقبة


(398)

بالمؤمنة ، لا لعدم المقتضي بل لمزاحمة المانع ، وذلك موقوف على تصوّر العنوان المطلوب مع العنوان الآخر المتّحد معه ، المخرج له عن المطلوبية الفعلية .

فلو فرضنا عدم اجتماع العنوانين في الذهن ; بحيث يكون تعقّل أحدهما لا مع الآخر دائماً لا يتحقّق الكسر والانكسار بين الجهتين .

فاللازم منه : أ نّه متى تصوّر العنوان الذي فيه جهة المطلوبية يكون مطلوباً مطلقاً ; لعدم تعقّل منافيه ، ومتى تصوّر العنوان الذي فيه جهة المبغوضية يكون مبغوضاً كذلك ; لعدم تعقّل منافيه . والعنوان المتعلّق للأحكام الواقعية مع العنوان المتعلّق للأحكام الظاهرية ممّا لا يجتمعان في الوجود الذهني أبداً ; لأنّ الحالات اللاحقة للموضوع بعد تحقّق الحكم وفي الرتبة المتأخّرة عنه ، لا يمكن إدراجها في موضوعه .

فلو فرضنا بعد ملاحظة اتّصاف الموضوع بكونه مشكوك الحكم تحقّق جهة المبغوضية فيه، ويصير مبغوضاً بهذه الملاحظة ، لايزاحمها جهة المطلوبية الملحوظة في ذاته ; لأنّ الموضوع بتلك الملاحظة لا يكون متعقّلاً فعلاً ; لأنّ تلك الملاحظة ملاحظة ذات الموضوع مع قطع النظر عن الحكم ، وهذه ملاحظته مع الحكم .

إن قلت : العنوان المتأخّر وإن لم يكن متعقّلاً في مرتبة تعقّل الذات ، ولكن الذات ملحوظة في مرتبة تعلّق العنوان المتأخّر ، فيجتمع العنوانان ، وعاد الإشكال .

قلت : كلاّ ، فإنّ تصوّر موضوع الحكم الواقعي مبني على تجرّده عن الحكم ، وتصوّره بعنوان كونه مشكوك الحكم لابدّ وأن يكون بلحاظ الحكم ، ولا يمكن الجمع بين لحاظي التجرّد واللاتجرّد(1) ، انتهى كلامه رفع مقامه .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 351 ـ 353 .


(399)

وفيه أوّلاً : أنّ ذلك مبني على امتناع أخذ ما يأتي من قبل الأمر في دائرة موضوع الحكم ، كالشكّ في الحكم والعلم به ، وقد قدّمنا صحّة الأخذ في باب التعبّدي والتوصّلي(1) ، واعترف ـ قدس سره ـ بصحّته(2) . فعدم اجتماع العنوانين في الذهن من هذه الجهة ممنوع .

وثانياً : أنّ تأخّر الشكّ عن الحكم وتحقّقه بعد تعلّقه بالموضوع ممنوع ; فإنّ الشكّ في الشيء لا يستلزم تحقّق المشكوك في الخارج كما هو واضح ، وإلاّ لزم انقلاب الشكّ علماً لو علم بهذه الملازمة ، ومع الغفلة ينقلب إذا توجّه .

مضافاً إلى أنّ تعلّقه مع الغفلة دليل على بطلان ما ذكر .

وأمّا لغوية جعل الحكم على المشكوك من دون سبق حكم من الحاكم على الطبيعة المحضة فإنّما يلزم لو لم يكن للحاكم حكم أصلاً ، وهو لا يستلزم تأخّر جعل الحكم على المشكوك عن نفس الحكم على الذات الواقعي .

وثالثاً : أنّ ما أفاده ـ قدس سره ـ من مزاحمة جهة المبغوضية مع جهة المحبوبية مرجعها إلى التصويب الباطل ; فإنّ تلك المزاحمة يستلزم تضيّق الحكم في المزاحم ـ بالفتح ـ بحسب اللبّ .

وما ذكره من إطلاق الحكم بسبب الغفلة عن المزاحم غير مفيد ; فإنّ الإهمال في الثبوت غير متصوّر ; فإنّ الصلاة وإن كانت واجبة في نفس الأمر إلاّ أنّ الصلاة المشكوك حكمها ـ لأجل ابتلائها بالمزاحم الأقوى ، ومزاحمة الجهة المبغوضية الموجود فيها في حال الشكّ مع المحبوبية الكامنة في ذاتها ـ يستلزم تقيّد الوجوب


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 208 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 94 ـ 95 .


(400)

في ناحية الوجوب المتعلّق بالصلاة ، ويختصّ الوجوب بغير هذه الصورة ، وينحصر بالصلاة المعلومة الوجوب ، فعاد الإشكال .

ورابعاً : أنّ ما أفاده في دفع الإشكال من أنّ موضوع الحكم الواقعي هو الذات المجرّد عن الحكم غير واضح ; فإنّه إن أراد من التجرّد لحاظ الماهية مقيّدة بالتجرّد عن الحكم حتّى يصير الموضوع هو الطبيعة بشرط لا ، فهو خلاف التحقيق ; فإنّ متعلّق الأوامر إنّما هو نفس الطبائع ، غير مقيّدة بشيء من القيود ; حتّى التجريد .

على أ نّه ـ أي لحاظ تجرّد الموضوع عن الحكم ـ يستلزم تصوّر الحكم في مرتبة الموضوع ، مع أ نّه حكم بامتناعه ، وجعل الحالات اللاحقة للموضوع كالحكم والشكّ فيه ممّا يمتنع لحاظه في ذات الموضوع .

وإن أراد من التجرّد عدم اللحاظ ـ أعني اللا بشرط ـ فهو محفوظ في كلّ مرتبة ; مرتبة الحكم الواقعي والظاهري ، فيصير مقسماً لمعلوم الحكم ومشكوكه ، فعاد المحذور .

وبقي في المقام تقريبات ، ضربنا عنها صفحاً ، وفيما ذكرنا غنىً وكفاية .


(401)
المقام الثاني
في وقوع التعبّد بالظنّ

تأسيس الأصل في التعبّد بالظنون

ولنقدّم اُموراً :

الأوّل : اعلم أنّ للحجّية معنيين :

أحدهما : الوسطية في الإثبات والطريقية إلى الواقع . وبهذا المعنى تطلق الحجّة على المعلومات التصديقية الموصلة إلى المجهولات ، وعلى الأمارات العقلائية أو الشرعية باعتبار كونها برهاناً عقلائياً أو شرعياً على الواقع ، لا باعتبار صيرورتها بعناوينها وسطاً في الإثبات .

ثانيهما : الغلبة على الخصم وقاطعية العـذر . وإطلاق الحجّـة بهذا المعنى على الأمارات أنسب .

ثمّ إنّ الحجّية بالمعنى الأوّل تستلزم وجوداً وعدماً جواز الانتساب إلى الشارع وعدمه ; إذ ليس للطريقية والوسطية في الإثبات معنى سوى ذلك . وأمّا بالمعنى الثاني فلا تلازم بينهما أصلاً ; فإنّ الظـنّ على الحكومـة حجّـة بالمعنى الثاني ; لكونه قاطعاً للعذر ، ومع ذلك لا يصحّ معه الانتساب إليه .


(402)

الثاني : ربّما وقع الخلط بين عنواني التشريع والقول بغير علم ; فاستدلّ بما  يدلّ على حرمة القول بغير علم على حرمة التشريع(1) ، مع أنّ بينهما فرقاً ; فإنّ التشريع عبارة عن إدخال ما ليس في الشريعة فيها ، وإن شئت قلت : تغيير القوانين الإلهية والأحكام الإلهية بإدخال ما ليس في الدين فيه وإخراج ما هو منه عنه ، وهذا ما يسمّى بدعة ، فلا كلام في حرمته ومبغوضيته .

وأمّا تفسير التشريع بالتعبّد بما لا يعلم جواز التعبّد به من قبل الشارع فإن اُريد منه التعبّد الحقيقي جدّاً فلا شكّ أ نّه أمر غير ممكن خارج عن اختيار المكلّف ; إذ كيف يمكن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أ نّه عبادي ؟ فإنّ الالتزامات النفسانية ليست واقعة تحت اختيار النفس حتّى توجدها في أيّ وقت شاء .

وإن اُريـد منه إسناد ما لم يعلم كونه مـن الشريعـة إليها فهو أمـر ممكن لكنّه غير التشريع ، بل عنوان آخـر محـرّم أيضاً . ويـدلّ على حرمتـه ما ورد مـن حرمـة القول بغير علم(2) ، وما ورد مـن أدلّة حرمـة الإفتاء والقضاء بغير علم(3) . على إشكال في دلالة القسم الثاني بلحـاظ أنّ الحكم إنشاء لا إسناد إلى الشرع .

وممّا ذكرنـا يظهر الخلط فيما أفـاده بعض الأعـاظم ـ قدس سره ـ  ; حيث جعل العنوانين واحداً(4) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 121 ـ 122 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 20 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 4 ، الحديث 5 و9 و10 و14 و30 .
3 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 20 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 4 ، الحديث 1 و2 و3 و29 و31 و32 .
4 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 124 .


(403)

الثالث : الظاهر أنّ للتشريع واقعاً قد يصيبه المكلّف وقد لا يصيبه ; فإنّ تغيير القوانين الشرعية كسائر المحرّمات مبغوض واقعي قد يتعلّق بها العلم وقد لا يتعلّق ، فهو مبغوض بمناطها الواقعي ، كما أنّ القول بغير علم وإسناد شيء إلى الشارع بلا حجّة مبغوض بما له من المناط .

وما أفاده بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ من أ نّه ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه أو لا يصيبه ، بل واقع التشريع هو إسناد الشيء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه إيّاه ; سواء علم المكلّف بالعدم أو ظنّ أو شكّ ، وسواء كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع أو لم يكن(1) .

غير واضح ; إذ قد عرفت : أنّ التشريع غير الإسناد من غير علم ولا حجّة ، وأنّ الأوّل عبارة عن تغيير القوانين الإلهية والتلاعب بأحكام الله تعالى ، وهو من العناوين الواقعية متّصفة بالقبح كالظلم ، بل هو منه ، فلو جهل المكلّف به لما اتّصف بالقبح الفاعلي ، مع كون الفعل حراماً واقعاً .

الرابع : أنّ التشريـع ـ بأيّ معنى فسّر ـ لا يسري قبحـه إلى الفعل الخارجي ; إذ لا وجه لتسرية القبح مـن عنوان إلى عنوان آخـر مغاير معه ، كما هـو المطّرد فـي الأحكام العقلية . وعلى ذلك فعلى القول بالملازمة فلا نستكشف من كون التشريع قبيحاً عقلاً إلاّ حرمة ذلك العنوان شرعاً ، لا حرمة عنوان آخر مغاير معه ، وهذا واضح جدّاً .

فما أفاده بعض الأعاظم ـ قدس سره ـ من إمكان كون القصد والداعي من الجهات والعناوين المغيّرة لجهة حسن العمل وقبحه ، فيكون التعبّد بعمل لا يعلم التعبّد به من


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 124 .


(404)

الشارع موجباً لانقلاب العمل عمّا هو عليه . ويشهد على ذلك قوله ـ عليه السلام ـ  : «رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم»(1) ; لدلالته على حرمة القضاء واستحقاق العقوبة عليه ، فيدلّ على حرمة نفس العمل (2).

غير واضح جدّاً ; فإنّ إمكان كون القصد من الجهات المغيّرة لا يدلّ على فعلية ما ادّعاه من النتيجة ; إذ هي تابعة لأخسّ المقدّمتين .

أضف إليه : أنّ كون بعض العناوين مغيّراً فما الدليل على أنّ هذه العناوين كذلك ؟ فالإشكال في كلّية ما ادّعاه . وما استدلّ من الرواية ضعيف ; فإنّ حرمة القضاء ممّا لا كلام فيه ، وإنّما الكلام في حرمة العمل . إذا عرفت ذلك فنقول :

ما أفاده الأعلام في تقرير الأصل

الحقّ في تقرير الأصل ما أفاده في «الكفاية» فإنّه الأنسب بالبحث الاُصولي ; حيث قال : إنّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعاً ولا يحرز التعبّد به واقعاً عدم حجّيته جزماً ; بمعنى عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّة عليه قطعاً(3) .

وما أفاده شيخنا العلاّمـة ـ أعلى الله مقامه(4) ـ فكأنّه خارج عن محطّ الكلام ، فراجع ، هذا .

ثمّ إنّ ما أفاد الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ في تأسيس الأصل من حرمة التعبّد بالظنّ


1 ـ الكافي 7 : 407 / 1 ، وسائل الشيعة 27 : 22 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 4 ، الحديث 6 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 121 ـ 122 .
3 ـ كفاية الاُصول : 322 .
4 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 356 .


(405)

الذي لم يدلّ دليل على وقوع التعبّد به إذا تعبّدنا على أ نّه من الشارع والالتزام به كذلك ، لا إذا أتى به رجاء إدراك الواقع ; فإنّه ليس بمحرّم إلاّ إذا استلزم طرح ما يقابله من الاُصول والأدلّة . ثمّ استدلّ على مختاره بالأدلّة الأربعة(1) .

فيه مواقع للنظر :

منها : أنّ البحث عن الحرمة التكليفية للتعبّد بالظنّ لا يناسب مع تقرير الأصل في المسألة الاُصولية . اللهمّ إلاّ أن يرجع إلى نفي الحجّية بإثبات الحرمة ; استدلالاً على الملزوم ـ عدم الحجّية ـ بوجود اللازم ، بناءً على الملازمة بينهما . والذي دعاه إلى ذلك بناؤه على عدم كون الحجّية مجعولة .

وفيه : منع الملازمة بينهما ، ولم يقم برهان عليه بل قام على خلافه .

واُورد عليه ـ قدس سره ـ نقوض :

منها : ما عن المحقّق الخراساني ـ قدس سره ـ  ; قائلاً بنفي الملازمة بين الحجّية وصحّة الاستناد ; مستشهداً بأنّ حجّية الظنّ عقلاً على الحكومة في حال الانسداد لا توجب صحّة الاستناد(2) .

ومنها : ما عن بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ من أنّ الشكّ حجّة في الشبهات البدوية قبل الفحص ، مع أ نّه لا يجوز الانتساب إليه تعالى(3) .

ومنها : ما عنه ـ قدس سره ـ من أنّ جعل الاحتياط في الشبهات البدوية كلّها أو بعضها حجّة على الواقع ، مع أ نّه لا يصحّ معه الانتساب(4) .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24 : 125 .
2 ـ كفاية الاُصول : 323 .
3 ـ نهاية الأفكار 3 : 80 .
4 ـ نفس المصدر 3 : 80 ـ 81 .


(406)

ويمكن أن يجاب : عن الأوّل : بأنّ الحجّة في حال الانسداد هو العلم الإجمالي ; فيكون الحجّة هو العلم لا الظنّ ، وسيوافيك ـ لو ساعدنا الحال لبيان ما هو الحقّ في الانسداد ـ أنّ ما يدّعى من عدم كون العلم مقدّمة ضعيف ; فإنّ العلم الإجمالي بالأحكام مع عدم جواز الاحتياط والإهمال يوجب حكومة العقل بأنّ أقرب الطرق إلى الواقع هو الظنّ ، فالظنّ ليس حجّة بما هو ظنّ ، بل الحجّة هو العلم الإجمالي .

وأمّا الجواب عن ثاني النقوض : أنّ الحجّة ليس نفس الشكّ ; لأنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان غير محكّمة مع وجود البيان في الكتب المعدّة للبيان ، فالحجّة الواصلة الواردة في الكتب حجّة على الواقع دون الشكّ ، نعم يمكن أن يجعل ذلك نقضاً عليه إن كان محطّ البحث أعمّ من قبل الفحص .

وقس عليه ثالث النقوض ; فإنّ إيجاب الاحتياط رافع لموضوع حكم العقل ، فليس الشكّ حجّة بل الحجّة هو الحكم الواقعي أو إيجاب الاحتياط ، وهذا أيضاً نقض عليه ولا الشكّ البدوي .

ومنها : أنّ مـا استدلّ به مـن الأدلّـة غير حكم العقل مخـدوش جـدّاً ، بعد الغضّ عمّا تقدّم منّا(1)  مـن أنّ الالتزام الجـزمي بما شكّ كونه مـن المولى ، أمر ممتنع لا حرام .

وأمّا ضعف الأدلّة اللفظية : فلأنّ الافتراء في قوله تعالى : (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(2)  عبارة عن الانتساب إلى الله تعالى عمداً وكذباً ; إذ الافتراء لغةً هو الكذب لا انتساب المشكوك فيه إليه .


1 ـ تقدّم في الصفحة 346 .
2 ـ يونس (10) : 59 .


(407)

وما ربّما يقال : من أنّ الافتراء وإن كان لغة هو الكذب إلاّ أ نّه لوقوعه في مقابل قولـه : (أَذِنَ لَكُمْ) يعمّ المقام أيضاً(1)  ضعيف ; فإنّ المراد من الإذن هو الإذن الواقعي لا الإذن الواصل ; حتّى يقال بأنّ عدم وصول الإذن يلازم كونه افتراءً ، كما لا يخفى .

والأولى : الاستدلال على حرمة الانتساب بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . . .)إلى أن قال عزّ اسمه : (وَأَنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(2) .

وبالأخبار الـواردة في القول بغير علم(3) ، لـو لم نقل بكونها إرشاداً إلى حكـم العقل .

وأمّا الآيـة السابقة : (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ . . .) إلى آخـره فظاهـرها يأبى عـن الإرشاد .

وأمّـا الإجماع فموهـون بالعلم بمستنده . نعم حكم العقل بقبح الانتساب بغير علم لا سترة فيه ; خصوصاً إلى الله تعالى .

ومنها : أنّ ما أفاده من حرمة العمل بالظنّ إذا استلزم طرح ما يقابله من الاُصول والأمارات لا يصحّ على مختاره ; لأنّ المحرّم هو مخالفة الواقع لا الأمارات والاُصول ، والأمر دائر بين التجرّي والمعصية .

وربّما يقرّر الأصل الأوّلي بالتمسّك بالاستصحـاب ; أعني أصالـة عـدم حجّيـة الظنّ .


1 ـ بحر الفوائد في شرح الفرائد : 77 / السطر11 ، أوثق الوسائل : 65 / السطر35 .
2 ـ الأعراف (7) : 33 .
3 ـ تقدّم تخريجها في الصفحة 402 .


(408)

وأورد عليه الشيخ : بعدم ترتّب الأثر العملي على مقتضى الاستصحاب ; لأنّ نفس الشكّ في الحجّية موضوع لحرمة التعبّد ، ولا يحتاج إلى إحراز عدم ورود التعبّد بالأمارة(1) .

واستشكل عليه المحقّق الخراساني ـ قدس سره ـ بوجهين :

أحدهما : أنّ الحجّية من الأحكام الوضعية ، وجريان الاستصحاب وجوداً وعدماً لا يحتاج فيها إلى أثر آخر ورائها ، كاستصحاب عدم الوجوب والحرمة .

ثانيهما : لو سلّم الاحتياج إلى الأثر فحرمة التعبّد كما تكون أثراً للشكّ في الحجّية كذلك تكون أثراً لعدم الحجّية واقعاً ، فيكون الشكّ في الحجّية مورداً لكلّ من الاستصحاب والقاعدة المضروبة لحال الشكّ ، ويقدّم الاستصحاب على القاعدة ; لحكومتها عليها كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدتها(2) .

وأورد على الوجهين بعض أعاظم العصر ، بعدما لخّص كلامه كما ذكرنا بما ملخّصه :

أمّا الأوّل : فلأنّ الاستصحاب من الاُصول العملية ، ولا يجري إلاّ إذا كان في البين عمل ، وما اشتهر : أنّ الاُصول الحكمية لا تتوقّف على الأثر إنّما هو فيما إذا كان المؤدّى بنفسه من الآثار العملية لا مطلقاً ، والحجّية وإن كانت من الأحكام الوضعية المجعولة إلاّ أ نّها بوجودها الواقعي لا يترتّب عليها أثر عملي .

والآثار المترتّبة عليها : منها ما يترتّب عليها بوجودها العلمي ، ككونها منجّزة للواقع عند الإصابة وعذراً عند المخالفة ، ومنها ما يترتّب على نفس الشكّ في


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24 : 127 ـ 128 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الخراساني : 80 ـ 81 .


(409)

حجّيتها ، كحرمة التعبّد بها وعدم جواز إسنادها إلى الشارع .

فليس لإثبات عدم الحجّية أثر إلاّ حرمة التعبّد بها ، وهو حاصل بنفس الشكّ في الحجّية وجداناً . فجريان الأصل لإثبات هذا الأثر أسوأ حالاً من تحصيل الحاصل ; للزوم إحراز ما هو محرز وجداناً بالتعبّد .

وأمّا الوجه الثاني : فلأنّ ما أفاده ـ يعني المحقّق الخراساني ـ من أنّ حرمة التعبّد بالأمارة تكون أثراً للشكّ في الحجّية ولعدم الحجّية واقعاً ، وفي ظرف الشكّ يكون الاستصحاب حاكماً على القاعدة المضروبة له .

ففيه : أ نّه لا يعقل أن يكون الشكّ في الواقع موضوعاً للأثر الشرعي في عرض الواقع . مع عدم جريان الاستصحاب على هذا الفرض أيضاً ; لأنّ الأثر يترتّب بمجرّد الشكّ لتحقّق موضوعه ، فلا يبقى مجال لجريان الاستصحاب ، ولا تصل النوبـة إلى إثبات الواقع ليجري الاستصحاب ; فإنّـه في الرتبـة السابقة على هذا الإثبات ، تحقّق موضوع الأثـر وترتّب عليـه الأثـر ، فأيّ فائدة في جريان الاستصحاب ؟

وحكومته على القاعدة إنّما تكون فيما إذا كان ما يثبته الاستصحاب غير ما يثبته القاعدة ، كقاعدتي الطهارة والحلّ واستصحابهما ; فإنّ القاعدة لا تثبت الطهارة والحلّية الواقعية ، بل مفادهما حكم ظاهري ، بخلاف الاستصحاب .

وقد يترتّب على بقاء الطهارة والحلّية الواقعية غير جواز الاستعمال وحلّية الأكل . وعلى ذلك يبتني جواز الصلاة في أجزاء الحيوان الذي شكّ في حلّيته إذا كان استصحاب الحلّية جارياً ، كما إذا كان الحيوان غنماً ، فشكّ في مسخه إلى الأرنب وعدم جواز الصلاة في أجزائه إذا لم يجر الاستصحاب ; وإن جرت فيه أصالة الحلّ ، فإنّها لا تثبت الحلّية الواقعية .


(410)

وكذا الكلام في قاعدة الاشتغال مع الاستصحاب ; فإنّه في مورد جريان القاعدة لا يجري الاستصحاب وبالعكس .

فالقاعدة تجري في مورد العلم الإجمالي عند خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء بالامتثال ونحوه ، والاستصحاب يجري عند الشكّ في فعل المأمور به ، وأين هذا ممّا نحن فيه ممّا كان الأثر المترتّب على الاستصحاب عين الأثر المترتّب على الشكّ ؟ !

فالإنصاف : أ نّـه لا مجال لتوهّم جريان استصحاب عـدم الحجّيـة عند الشكّ فيها(1) ، انتهى .

أقول : قد عرفت سابقاً(2)  أنّ التشريع وإدخال شيء في الشريعة وتبديل الأحكام عنوان برأسه ومبغوض شرعاً ومح