welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الله خالق الكون*
نویسنده :الأستاذ جعفر الهادي*

الله خالق الكون

صفحه 1
الله خالق الكون

صفحه 2
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
هادي ، جعفر ـ
      الله خالق الكون: دراسةٌ علميّةٌ حديثة للمناهج والنظريّات المختلفةِ حولَ نشأةِ الكونِ ومسألةِ الخالقِ / بقلم جعفر الهادي ; اشراف جعفر السبحاني . - قم : موسسه الامام الصادق عليه السلام ، 1424 ق . = 1382
726 ص .
كتابنامه به صورت زيرنويس .
ISBN : 964 - 357 - 070 - 3
1 . توحيد . 2 . خدا ـ ـ اثبات . الف . سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ب . مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام) . ج . عنوان .
7 ألف2 هـ/ 2/217BP    42 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
: info@imamsadeq.orgالبريد الإلكتروني
: http://www.imamsadeq.orgالعنوان في شبكة المعلومات
اسم الكتاب:   الله خالق الكون
المؤلــف:   الأستاذ جعفر الهادي
إشراف :   آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   الثانية ـ 1424 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:    2000 نسخة
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 3
تحت إشراف العلاّمة المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
الـلّـه
خالق الكون
دراسةٌ علميّةٌ حديثة للمناهج والنظريّات المختلفةِ
حولَ نشأةِ الكونِ ومسألةِ الخالقِ
بقلم
الأستاذ جعفر الهادي

صفحه 4
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ)
فصلت: 53

صفحه 5
دور العقيدة في الحياة البشرية   
    الله خالق الكون

مقدّمة

دور العقيدة في الحياة البشرية

كيفية السلوك نتاج العقيدة

سلوك الإنسان وليد عقيدته، ونتاج تفكيره، فانّ الإنسان يفكّر أوّلاً ثم يعمل، وعقيدته هي الّتي تملي عليه مواقفه، وترسم مسيره، وتحدّد كيفية سلوكه.
فالإنسان العارف الواثق بوجود كنوز من الذهب الأسود تحت الأرض مثلاً يظلّ يفتش عنها، ويمضي في التنقيب حتّى يقع على ذلك الشيء، وهذا بخلاف الجاهل بوجود ذلك الكنز تحت التراب، فانّه يسير على الأرض دون اكتراث بما في باطنها .
وهكذا الإنسان الّذي يعتقد بوجود خالق للكون يرى ما يفعله الإنسان من صغير أو كبير و يراقبه ويحاسبه، فانّه يتّخذ سلوكاً خاصاً في الحياة، بخلاف

صفحه 6
من ينكر وجود خالق عالم يرى ما يفعل، ويحاسبه على ما يعمل، ويعتقد بأنّه خلق عبثاً، وترك سدى.
إنّ من الواضح أن يختلف هذان الشخصان في نمط حياتهما ونوع سلوكهما تبعاً لما يعتقدانه.
ومن هنا تكتسب مسألة البحث في العقيدة والإيمان بالخالق أهمية خاصة.

العقيدة حاجة عامّة

ومن حسن الحظ أن تكون مسألة البحث عن خالق الكون، والاعتقاد به ممّا يهمّ جميع الأفراد والشعوب، من دون اختصاص بجماعة دون جماعة، أو بفرد دون فرد .
فإنّ القضايا المطروحة في حياة الإنسان على نوعين:
نوع يختصّ بطائفة معينة من الناس كالمسائل الفيزياوية والكيمياوية.
ونوع لا يختصّ بطائفة معينة بل يهمّ جميع أبناء البشر، ويعمّ جميع الناس دون استثناء. ومسألة الاعتقاد بالله الخالق لهذا الكون هي من النوع الثاني، إذ يسعى كل إنسان ـ مهما كان لونه وجنسه ـ إلى أن يعرف:
من أين جاء؟
ولماذا جاء؟
وإلى أين يذهب؟

صفحه 7
والأبحاث الاعتقادية مهمّتها الإجابة عن هذه التساؤلات المطروحة بإلحاح على أبناء البشر بلا استثناء .

العقيدة منشأ التحوّلات الكبرى

هذا مضافاً إلى أنّ التحقيقات التاريخية والنفسية قد أثبتت أنّ العقيدة كانت دائماً سبباً للتحوّلات والتطوّرات العظيمة في الحياة البشرية، كما أثبتت أيضاً انّ العقيدة الدينية كانت في أغلب الموارد هي الملهم والمصدر للعلوم والآداب والفنون، كل هذا إلى جانب انّ أكثر المواقف الإنسانية الّتي تجسد قيم الإيثار والنجدة، والبسالة والصمود كانت ولا تزال تستمد جذورها وعناصرها من العقيدة الدينية، وتتحقّق بفضل تأثيرها، وفي ضوء هدايتها.
وقد تنّبه العلماء والمفكّرون إلى أهمية العقيدة الدينية، ودورها في الحياة البشرية، واعترفوا بذلك في مختلف المناسبات .
فهذا هو «الفريد وايتهد» الّذي يصف العلم والدين بأنّهما أقوى الأُمور تأثيراً على الإنسان يكتب حول الدين قائلا:
«عندما نحاول التعرّف على قيمة الدين والعلم ونبحث عن مدى تأثيرهما على البشر لم نكن مبالغين إذا قلنا بأنّ مستقبل العالم يتوقّف على كيفية تعامل هذا الجيل مع هذين الأمرين». (راجع كتابه العلم والعالم الحديث) .
وكتب شاول دارون في كتابه: «بعد مليون سنة»
«إنّ الإنسان سيحتفظ بالعقيدة الدينية في المليون سنة المقبلة، قياساً

صفحه 8
على المعهود من تاريخه القديم والحديث، ولهذا كانت العقائد على جانب من الأهمية بالنظر إلى المستقبل، لأنّ العقيدة تبعث الأمل في دوامها بعد صاحبها وفي سيطرة الإنسان على مصيره بفضلها» .

علماء العقيدة بين الأمس واليوم

ولأجل هذا ركّز الفلاسفة والعلماء جهودهم على بيان ملامح العقيدة الصحيحة واجتهدوا في طرح المسائل الاعتقادية على بساط البحث والدراسة ليتيحوا للجميع فرصة التعرّف والوقوف على العقيدة الصحيحة السليمة.
ولكنّنا ـ رغم أهمية العقيدة الدينية ودورها الخطير في حياة الناس أفراداً وجماعات ـ لا نجدها تحظى باهتمام الكتّاب والمفكّرين في العصر الحاضر كما تحظى بعنايتهم مسائل أُخرى أقلّ أهمية منها .
فبينما تمتلئ المكتبة الإسلامية والعربية، وتزخر بأصناف الأبحاث والدراسات المفصّلة حول القضايا التاريخية والأدبية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، تخلو من أبحاث ودراسات وكتب مماثلة في المسائل الاعتقادية والفلسفية الّتي تمس صميم حياة الإنسان لأنّها هي الّتي ترسم مواقفه وتعيّن كيفية سلوكه .
وتشهد بذلك القوائم المطوّلة عن الكتب الّتي تبحث في كل موضوع بينما تندر فيها الكتب الاعتقادية والفلسفية، أو تكاد تلحق بالمعدوم، أو أنّ الكتب الاعتقادية كتبت على النهج القديم الّذي لا يشبع نهم الجيل الحاضر ولا يجيب على تساؤلاته .
بل ربّما ينهض بين الفينة والأُخرى من ينقد العقائد الدينية، كما

صفحه 9
حدث ذلك قبل عشر سنوات أو أكثر عندما أصدر أحدهم كتاباً هاجم فيه المسائل الاعتقادية، ونقد فيه الفكر الديني في بلد يزخر بالمؤمنين بالله، على اختلاف شرائعهم ومذاهبهم، ثم تناوله بعض المفكّرين والعلماء بالنقد والرد، ثم ترك الأمر، وعادت قضية البحث الاعتقادي إلى زاوية النسيان مرة أُخرى .
إنّ ظهور مثل هذا الكتاب يكشف عن أنّ حركة الإلحاد والتشكيك في المعتقدات الدينية قد تنتعش في المناطق الآهلة بالمؤمنين أيضاً .
لقد قام علماء العقيدة من مسلمين وغير مسلمين بواجبهم في العصور الغابرة خير قيام، وإن كانت عناية علماء الإسلام واهتمامهم بمسائل العقيدة أكثر من غيرهم، فقد شغلت هذه القضية بال علماء الإسلام في كل قرن، فألّفوا مئات الكتب الكلامية الاعتقادية والفلسفية بأفضل شكل، أشبعوا فيها نهم الجائعين، ورووا بها ظمأ العطاشى إلى قضايا العقيدة.
غير أنّ ما كتبه أُولئك العلماء الأفذاذ وألّفوه كان يناسب عصورهم ويلبّي حاجات أجيالهم، ولا يناسب لغة هذا العصر ولا يفي بالإجابة على التساؤلات المستجدة .
من هنا كان لابد للعلماء والمفكّرين الذين تهمّهم سلامة المجتمعات وصلاحها أن يقوموا بتحليل ودراسة المسائل الاعتقادية بلغة هذا العصر ومنطقه، آخذين بنظر الاعتبار كل ما استجد فيه من نظريات وتساؤلات .
على أنّنا لا ننسى أن نقدّر كل الجهود الّتي بذلت في عصرنا الحاضر للرد على الفلسفات المادية الحديثة، ونخص بالذكر ما قام به المفكّر الإسلامي الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه «فلسفتنا»، ولكن الرد على

صفحه 10
الفلسفة المادية شيء وتوضيح معالم العقيدة الدينية وبيان مسائلها بصورة مفصّلة والإجابة على التساؤلات والشبهات المطروحة في مجالها بعناية وموضوعية شيء آخر.
وما قد يقال ـ أحياناً ـ من أنّنا في غنى عن طرح المسائل الاعتقادية في هذه الظروف لوجود مسائل أهم، يردّه بأنّ المسألة الاعتقادية من المسائل الجوهرية المهمة جداً، فهاهم أعداء الإسلام قد صوّبوا معاول هدمهم ـ اليوم ـ إلى المعتقدات الدينية وصبّوا جهودهم على زعزعة العقيدة بكل حيلة ووسيلة، فهذه دول الإلحاد تسعى ـ ليل نهار ـ في إثارة الشبهات ونشر الإلحاد، عبر صحافتها وإذاعتها ومنشوراتها الواسعة الانتشار، بعد أن أدركت دور العقيدة في إيقاظ الأفكار، وإثارة الهمم، وتقوية العزائم وإشعال روح المقاومة ضد الظلم والظالمين، وبالتالي تحصين الأفراد والمجتمعات ضد الانحراف والانحلال والسقوط في حضيض الفساد الأخلاقي .

اتّهام الإلهيّين بالمثالية والعمالة للامبريالية

ومن أبرز الأدلّة على سعي الإلحاد والملحدين الحثيث لمحوالإيمان والعقيدة عن قلوب الشباب وجرّهم إلى ورطة الإلحاد والمروقانّهم يتّهمون الفلاسفة والعلماء الإلهيّين ومن يقول بمقالتهم بتهم لا تصدقفي حقهم، ولكن الملحدين يتّهمونهم بها دون حياء وخجل، ونذكر من تلك التهم ما يلي:
1. انّهم يتّهمون المؤمنين بالله بالمثالية وإنكار الواقع الخارجي.

صفحه 11
فالمار كسيون يصفون آيديولوجيتهم بأنّها آيديو لوجية واقعية، لأنّها تؤمن بالواقع الخارجي، والعينية المحسوسة، بينما يصفون المؤمنين بالمثالية بادّعاء انهم لا يؤمنون بإصالة الواقع الخارجي .
وتلك ـ لا شك ـ تهمة من أكذب التهم الّتي يكيلها الملحدونإلى الإلهيّين.
فإنّ من له إلمام بالكتب الّتي تتناول عقائد الإلهيّين المؤمنين بالله يجد ـ بوضوح لا غبش فيه ـ انّهم يعترفون بالواقع الخارجي المحسوس، قبل أن يعترف به الماركسيون .
بل انّ المؤمنين الإلهيّين يجعلون هذا الواقع الخارجي وما يسوده من النظام الثابت عن طريق العلوم خير دليل على الخالق البارئ .
2 . انّهم يتّهمون كل من آمن بالله واتّبع ديناً إلهياً بأنّه يسير في ركاب الرأسمالية، ويدور في فلك الرأسماليّين ويرتبط بالعجلة الاستعمارية، ولذلك فهو يعادي العمال والفلاحين والكادحين، على العكس من الملحدين .
وتلك هي الأُخرى تهمة وقحة تكذّبها مواقف الإلهيّين، وتعاليم دينهم، وتاريخ رجالهم الجهادي.
إنّ الماركسيّين يتّهمون الإلهيّين بمثل هذه التهمة ـ حتّى في هذا الوقت ـ حيث تحتل جيوش الروس الغزاة أفغانستان وتصب على رؤوس أبنائها الرافضين للاستعمار الأحمر، النار والحديد وتقتل من أبناء الشعب الأفغاني المظلوم كل يوم، الآلاف من الرجال والأطفال والنساء. وهكذا في سائر مناطق العالم .

صفحه 12
انّهم يتّهمون الإلهيّين والمؤمنين بالله بالعمالة للإمبريالية في الوقت الّذي نجد فيه المعسكر الشرقي الملحد يسابق المعسكر الغربي الفاسد في تأييد دويلة إسرائيل الغاصبة ومساندتها ومساعدتها بشتّى ألوان المساندة والمساعدة إلى درجة أنّها تسمح تحت سمع العالم ونظره بهجرة اليهود الروس إلى الأراضي المحتلة لتقوية دعائم هذه الدويلة الّتي هي رأس الحربة الاستعمارية في المنطقة، وليس هذه أوّل قارورة كسرت، قد سمحت بهجرتهم قبل ذلك أيضاً .

واجبنا في هذا العصر

إنّ العصر الحاضر وما فيه من أوضاع يفرض على كل مفكّر إسلامي أن ينهض بواجبه في توضيح ورسم ملامح العقيدة الدينية بشكل يناسب لغة هذا العصر ومتطلباته .
ولا حاجة إلى البرهنة على تعطّش جيلنا الحاضر إلى أمثال هذه الدراسات كما لمست ذلك من قريب .
وقد كنت أُفكر طويلاً في هذا الأمر، وأتمنّى لو أُوفّق إلى توفير مثل هذه الدراسات لهذا النشء والجيل المتعطّش إلى أبحاث اعتقادية تستعرض الآراء المختلفة في تفسير الكون ونشأته ونظامه باسلوب علمي رصين، حتّى وفّقني الله لتحقيق ما كنت أتمنّاه منذ زمن بعيد .
فقد وفقّت لإخراج هذا الكتاب بعد إلقاء مواضيعه على نخبة من الطلاب الجامعيين فترة من الزمن وبعد التعرّف على الاسلوب الّذي يناسب شهاداتهم

صفحه 13
الدراسية والوقوف على نوعية تساؤلاتهم وهمومهم في هذا المجال .
ففي هذا الكتاب يقف القارئ على مجموع أشهر الآراء أو النظريات المطروحة من قبل المفكّرين الإلهيّين والمادّيين لتفسير الظاهرة الكونية، وتعليل وجودها وهي:
1 . نظرية التقدير والخلق .
2 . نظرية الخياليين.
3 . نظرية الصدفة.
4 . نظرية خاصّية المادة.
5 . نظرية المادية الديالكتيكية.
وأظن أنّ هذا الكتاب سيسد ـ إن شاء الله ـ بعض الفراغ في هذا المجال، وسيمكنه أن يقوم ببعض الرسالة الّتي قصدها، ويكون بداية ونواة لأبحاث ودراسات اعتقادية وفلسفية أُخرى لا تقف عند حد لنساعد أبناء هذا الجيل العزيز الّذي تحاصره الآيديولوجيات والفلسفات المادية من كل جانب، ويجد نفسه أمام سيل من الشبهات و التشكيكات الّتي تهدد عقيدته الدينية، على المقاومة ضد التيار المادي، والصمود في مهب الرياح العاتية .
ولقد حاولت ـ جهد الإمكان ـ أن تكون هذه الدراسة مبرهنة معلّلة، واضحة الرؤية، قوية الحجّة، تعتمد على العقل في الدرجة الأُولى، وتستفيد من هدايات القرآن الكريم والسنّة الشريفة، لإضاءة الطريق، وبهدف الاستلهام لا الاستدلال، كما وتستعين بماكتبه وأوضحه كبار العلماء والمفكّرين وأرباب العلوم .

صفحه 14
ولا أدّعي بأنّني قد وفّقت تمام التوفيق في هذه المهمة الصعبة، ولكنّني آمل أن أكون قد رسمت بهذا الكتاب اسلوباً جديداً في طرح المسائل الاعتقادية.
وكلّ أملي أن تقع هذه الدراسة من الأساتذة الفضلاء موقع العناية والاهتمام فيختاروها للتدريس أو ينتخبوا منها ما يتناسب وحاجات أو مستويات من يبتغون تدريسهم، وزرع العقيدة الدينية الصحيحة مبرهنة في نفوسهم وعقولهم .
ولابد أن أتقدّم بالشكر الجزيل والتقدير الكبير إلى أُستاذي المعظّم العلاّمة المحقّق سماحة الشيخ جعفر السبحاني الذي يعود إليه فضل تشجيعي في هذا الطريق كما يعود إليه فضل هداية هذه الدراسة والأشراف عليها بصبر واهتمام .
وهذا الجزء الّذي يزّفه الطبع إلى القرّاء الكرام يبحث عن الآراء المطروحة حول نشأة الكون، ونظامه، ويثبت بأوضح البراهين انّ الكون والنظام السائد فيه ناشئان من صانع مدبّر، وسنجعل البحث في الجزء التالي حول أسمائه وصفاته الّتي هي من أهم المباحث الإلهية والّتي كانت وراء نشوء المذاهب المختلفة، ونمضي في هذا السبيل إلى أن تتم سلسلة الأجزاء في مجال العقائد الدينية بإذنه سبحانه، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.
جعفر الهادي
قم المقدسة ـ ايران
20 جمادى الأُولى 1405 هـ .

صفحه 15
الفصل الأوّل
عوامل نشأة العقيدة الدينية
في الحياة البشرية

صفحه 16

في هذا الفصل

عوامل نشأة العقيدة الدينية   
* عوامل نشأة العقيدة الدينية في الحياة البشرية.
* تعليل نشأة العقيدة الدينية بنزعة مادية .
* الماركسيون وتقديسهم للمبادئ الماركسية .
* ضابطة في تفسير الظواهر الاجتماعية .
* الرابطة الطبيعية بين الإنسان والعقيدة الدينية .
* الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام والاعتقاد بالخالق .
* أبرز نظريات المادّيين في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية:
* 1. نظرية «الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة» .
* أهم الإشكالات الواردة على هذه النظرية .
* 2. نظرية «الجهل بالعلل الطبيعية» .
* أهم المؤاخذات على هذه النظرية .
* على هامش نظريتي الخوف والجهل .
* 3. نظرية «استغلال الدين كعامل تخديري» (النظرية الاقتصادية) .
* أبرز المؤاخذات والإشكالات على هذه النظرية.
* على هامش هذه النظرية .
* 4. نظرية «توارث العقيدة» وأهم المؤاخذات عليها .
* 5. نظرية فرويد النفسية: «التديّن نزعة طفولية» .
* أهم المؤاخذات على هذه النظرية .
* ملخّص البحث .

صفحه 17

عوامل نشأة العقيدة

هناك مسألتان مهمّتان لم تتعرض لهما الكتب الكلامية ولم تفرد لهما فصلاً خاصّاً، وانّما اهتّم بهما علماء الاجتماع والمؤرّخون، والمحلّلون النفسيّون مؤخراً، وهما:
1 . عوامل نشأة الاعتقاد بالله في الحياة البشرية .
2 . آثار العقيدة ودورها في حياة الإنسان .
ثم إنّ طائفة من الغربيّين المادّيين الذين تركّزت جهودهم على إلغاء دور «الاعتقاد بما وراء المادة» وما يتبعها من قضايا الدين، عندما واجهوا تغلغل العقيدة الدينية في أعماق «التاريخ البشري» ولاحظوا وجودها في جميع عصوره وأدواره، وذلك عندما كشفت التنقيبات الأثرية عن وجود «التوجّهات والاهتمامات الدينية» في عامّة أدوار التاريخ، وفي جميع الحضارات المختلفة عمدوا إلى تحليل هذه الظاهرة الموجودة على امتداد التاريخ، وتعليلها بعلل وعوامل منحوتة من لدن أنفسهم ليبرّروا بها هذه الظاهرة غير القابلة للإنكار.

صفحه 18
 
تعليل نشأة العقيدة بنزعة مادية
وبما أنّهم انطلقوا في معالجتهم للأُمور من منطلق مادّي فنظروا إلى هذه المسألة بمنظار مادّي بحت، ودرسوها متأثرين بأفكار مسبقة حول الدين، لذلك نحتوا لهذه الظاهرة الملازمة لحياة الإنسان عللاً تنبع من نظرتهم المادية، وأعطوا لوجودها تفسيرات توافق أفكارهم المسبقة، وافترضوا لها عوامل نفسيّة تارة، واجتماعية أُخرى، واقتصادية ثالثة، متجاهلين الرابطة الحقيقية بين الإنسان و الاعتقاد، ومتغافلين السبب الواقعي الّذي تهدي إليه النظرة العلمية المتجرّدة إلى مسألة العقيدة في الحياة البشرية .
ولو انّهم تجرّدوا عن تلك النزعة المادية والأفكار المسبقة ونظروا إلى هذه المسألة بمنظار الفاحص المتتبع لما ذهبوا إلى تلكم الفرضيات، ولقادهم الفحص الدقيق إلى أمر آخر .
ثم إنّه لو سأل سائل: كيف تدّعون سريان الاعتقاد الديني في جميع أدوار التاريخ ووجوده في جميع المجتمعات البشرية في الماضي والحاضر، والحال انّ هناك معسكراً كبيراً هو المعسكر الشرقي يرفض الدين ولا يعتقد بما وراء المادة؟
والإجابة على ذلك واضحة فانّ ما نجده في هذا المعسكر من الإلحاد، ورفض العقيدة الدينية انّما هو نهج الحكومات والأحزاب المسيطرة على هذه البلاد لا الشعوب. ولا بدّ من التفريق بين موقف «الحكومات» وموقف «الشعوب» فلا يدلّ كون الحكومة ملحدة رافضة للدين على أنّ الشعب كذلك أيضاً .

صفحه 19
فقد دلّت الدراسات والمذكرات والتقارير السياسية العديدة على أنّ نسبة المنتمين إلى الحزب الشيوعي في الشعب الروسي لا يتجاوز 12%، فلو صحّت نسبة الإلحاد ورفض الاعتقاد بالله إلى المجتمع الروسي لصحّت فقط في حق المنتمين والمؤسسين وقيادات وكوادر هذا الحزب، وأمّا غيرهم فبريئون من هذا المسلك، ولأجل ذلك ترفض عضويتهم في ذلك الحزب .
هذا مضافاً إلى أنّ أكثر المنتمين مجبورون على التظاهر بالالحاد، أي أنّهم يتظاهرون بالإلحاد تزلّفاً إلى الرؤساء والقادة، أو توصّلاً إلى كسب المناصب والمكاسب .
ولا تقلّ الصين الشيوعية عن الاتحاد السوفيتي في ذلك .
وصفوة القول: إنّ ما يدلّ على أنّ جماهير الشعب في ما يسمّى الآن بالمعسكر الشرقي على غير منهج الحكّام والأحزاب الحاكمة المسيطرة عليهم من الإلحاد ورفض ما وراء المادة، هو أنّ الناس في تلك البلاد كلّما وجدوا متنفّساً وأُتيحت لهم بعض الحرية كشفوا عن معتقداتهم الدينية ـ على اختلاف أشكالها ـ وأقبلوا يتهافتون على مراكز العبادة، وشيّدوا المؤسسات الدينية كالمساجد والمعابد والكنائس، وهو أمر يثبت أنّ فطرتهم متى وجدت فرصة سانحة برزت إلى السطح مرة أُخرى، بعد سنوات الكبت والخنق، لتقودهم إلى الدين، والتوجّه إلى الله تعالى .

الماركسيون وتقديسهم للمبادئ الماركسية

أضف إلى ذلك أنّ الماركسيّين أنفسهم لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من الاعتقاد، ويتحرّروا من ظاهرة العقيدة، فهم وإن خلعوا ربقة الدين عن أعناقهم

صفحه 20
إلاّ أنّهم خضعوا لربقة أُخرى عندما دانوا بالماركسية، واعتنقوا مبادئها، واعتقدوا بفلسفتها في الكون والحياة والتاريخ .
بل انّهم التزموا بهذه المبادئ التزاماً لا يقل ـ في القوة والصرامة ـ عن التزام المتديّنين بمعتقداتهم عندما وصفوا كلّ من يشك أو يشكّك في المبادئ الماركسية أو ينقدها، بالارتداد، وهذا يعني انّهم قدّسوا هذه المبادئ كتقديس المتديّنين لمعتقداتهم، وانّهم نزّلوا مفكّريهم ومنظّريهم منزلة الآلهة الّتي تتمتع بكل حصانة وقداسة وجلال وعصمة، الأمر الّذي لا يجوز معه نقد آرائهم وإعادة النظر في أفكارهم، بل لابدّ من الخضوع لهم خضوعاً مطلقاً، وطاعتهم فيما قالوا ـ حتّى لو ثبت بطلانه ـ طاعة عمياء لا مجال للجدال والنقاش فيها أبداً.1
إنّ هذا التعامل الّذي يعامل به الشيوعيون والماركسيون الملحدون معتقداتهم، والّذي يشبه تعامل المتديّنين مع عقائدهم يكشف ـ في الحقيقة ـ عن ميل الإنسان الفطري نحو الاعتقاد ورغبته الباطنية في تقديس شيء، والخضوع له، فان وجد حقاً وإلاّ نحت من لدن نفسه أُموراً يتعامل معها تعاملاً دينياً .

ضابطة في تفسير الظواهر الاجتماعية

لقد تصوّر الماديون لنشأة العقيدة والتديّن في الحياة البشرية عللاً ودوافع لا تخرج عن إطار العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية .

1 . لاحظ هجرة الأفكار ترجمة شفيق أسعد : 39 .

صفحه 21
وقبل أنْ نتعرّض لهذه الفرضيات، ونتصدّى لشرحها وتقييمها ونقدها نذكّر القارئ بنقطة هامّة وهي أنّه لابدّ من وجود ضابطة نعرف بها أي مورد يصحّ للباحث الاجتماعي أن يعلّله بإحدى العوامل المذكور، وأي مورد لا يصحّ تعليله بتلك العوامل، وأي مورد يسمح له باعمال الخيال فيه وإطلاق العنان له لإبداء الفرضيات الّتي تعلّل بها الظاهرة المعينة، وأي مورد لا يسمح له بذلك أبداً .
فنقول:
إنّ العادات والتقاليد والأُمور السائدة في المجتمعات البشرية على نوعين:
1 . ما يكون لها جذور في أعماق الفطرة ويكون التعامل معها من باب الاستجابة لنداء طبيعي والتلبية لحاجة طبيعية واقعية، ومن هذا القبيل: الزواج والسعي إلى تحصيل المال والجاه والشهرة، وعناية الأُمّهات بأولادهن وما شاكل ذلك .
فانّ لجميع هذه الأُمور جذوراً عميقة في الروح والنفس الإنسانية، ولهذا يكون الأخذ بها والانسياق ورائها عملاً طبيعياً .
فالزواج تلبية لميل فطري وغريزي لدى الجنسين، والسعي لتحصيل المال، والثروة انجذاب فطري ينبع من حرص الإنسان على حياته، وحبه لبقائها.
وكذلك سعي الإنسان إلى الجاه، وحنو الأُمّهات وعنايتهن بأولادهن، كلّ ذلك أُمور فطرية طبيعية في ذات الإنسان، ولهذا لا يصحّ السؤال عن علّتها ونحت أسباب لها غير العامل الفطري الروحي .

صفحه 22
فلا مجال هنا لأن نسأل مثلا: منذ متى ظهرت عادة الزواج، وماهي أسباب ظهورها اجتماعياً أو اقتصادياً، لأنّ الميل إلى الزواج ميل فطري يولد مع الإنسان، وليس لهذه الظاهرة أيّ علّة أو عامل سوى غريزة الإنسان وميله الذاتي.
2. ما ليس له جذور في فطرة الإنسان وعمقه الروحي، بل هو أمر عارض على حياته لأسباب طارئة، وذلك مثل الاعتقاد بنحوسة الرقم 13، والتشاؤم عند رؤية الغراب أو سماع نعيبه، وما شاكل ذلك. فانها لا ترجع إلى «الفطرة» لوجودها في بعض الأقوام دون بعض، وفي بعض الأدوار دون بعض، كما هي لا ترجع إلى العقل والمنطق السليم أيضاً .
وحيث إنّها لا توافق العقل، ولا ترتبط بالفطرة صحّ للباحث الاجتماعي أن ينحت لنشوئها في حياة الناس عللاً نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية لكونها ظواهر غير طبيعية ولا واقعية، ولكونها طارئة على حياة البشر .
فللباحث النفسي أو الاجتماعي أن يتساءل: لأيّ سبب ظهر الاعتقاد بنحوسة الرقم 13؟ وماهي العوامل النفسية أو الاجتماعية او الاقتصادية وراء نشأة هذه العقيدة غير الطبيعية ؟
الرابطة الطبيعية بين الإنسان والعقيدة   
كما أنّ للمرءِ أن يتساءل: منذ متى ولأيّ سبب صارت رؤية الغراب أو سماع نعيبه سبباً للتشاؤم، والحال انّه ليست هناك أيّة رابطة طبيعية أو عقلية بين الغراب وصوته، وبين التشاؤم ؟
إذا تبيّن هذا، فلندرس معاً ظاهرة الاعتقاد بالله في حياة البشر طيلة

صفحه 23
القرون المتمادية. فنقول: إنّ الاعتقاد بالله واسناد الكون إلى «قوة عليا» قامت بخلقه وإسباغ النظام عليه، لو كان من قبيل الأمر الثاني، لصحّ للعالم الاجتماعي أو المحلّل النفسي إطلاق عنان الخيال لفكره ليبدي الفروض ويطرح المحتملات حتّى يقنع نفسه بهذه الفروض ويثبت سبباً أو مبدأً لنشأة هذه الظاهرة في المجتمع البشري .
وأمّا إذا لم يكن كذلك، بأن كان لظهور هذه العقيدة علّة منطقية، أو علّة روحية فطرية، فلا يصحّ هنا إطلاق عنان الخيال، والذهاب إلى التفسيرات الخيالية الّتي لا يدعهما أيّ دليل عقلي أو نقلي، فالخلط بين الأمرين وعدم التعرّف على الخطوط الّتي يجب أن يمشي عليها الباحث الاجتماعي أوجد هذا التخبّط.
يبقى أن نعرف أنّ الاعتقاد بالله ووجود ظاهرة التديّن في الحياة البشرية هو من النوع الأوّل، فان هناك بين الإنسان وبين الاعتقاد رابطتين:
إحداهما: طبيعية، والأُخرى عقلية. وها نحن نتناول كلا الرابطتين بالبحث والشرح:
h h h

أ. الرابطة الطبيعية بين الإنسان والعقيدة

إنّ التديّن، والاعتقاد بقوة عليا وراء العالم المادّي قضية فطرية، تنبع من عمق الفطرة الإنسانية كما تعرف ذلك في بحث دلالة الفطرة على وجود الله، في فصل «الأدلّة على وجود الخالق» .

صفحه 24
فستعرف هناك أنّ الأدلّة القديمة والحديثة تؤكد أنّ التديّن والانجذاب نحو قوة عليا والخضوع لها هو أحد الأبعاد الأربعة في النفس البشرية، والّتي هي عبارة عن: «غريزة حب الجمال، وحب الخير، وحب الصدق، وغريزة التديّن»، وانّ هذه أُمور متأصّلة في الطبيعة الإنسانية كالميل إلى الزواج والمال والجاه، بمعنى انّها تولد معه ولا تنشأ بتأثير عامل خارجي طارئ، وتنمو شيئاً فشيئاً، ولا تنعدم بفعل العوامل المضادة، وان تنوّعت مظاهرها وتجلّياتها .
الرابطة العقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالخالق   
فكما لا يصحّ السؤال عن علّة وجود ظاهرة الزواج، أو سعي الناس إلى تحصيل المناصب، والثروات وماشا كل ذلك، لكونها جميعاً أُموراً طبيعية واقعية لا طارئة غير حقيقية، كذلك لا يصحّ السؤال عن مبدأ نشوءِ التديّن وظهور العقيدة في الحياة البشرية وعلّة ذلك وغايته وأهدافه، لأنّ للعقيدة جذوراً فطرية في أعماق الإنسان والانسياق وراء الدين تلبية طبيعية لنداء باطني نابع من أعماق الوجود البشري. وستقف على إثبات هذه الرابطة الطبيعية بين الإنسان والاعتقاد بالقوة العليا في الفصول القادمة .
فلا يصحّ للباحث الاجتماعي أن ينحت لهذه الظاهرة عللاً من لدن نفسه، ويبحث عن عواملها في الاقتصاد وماشابه ذلك. لكون «التديّن والاعتقاد بالله» أمراً واقعياً لا يقبل تفسيراً ولا تعليلاً، بخلاف التشاؤم لرؤية الغراب أو نعيبه أو الرقم 13، فانّه ليس هناك أيّة رابطة طبيعية بين التشاؤم ورؤية الغراب وأمثالها .

صفحه 25
 
ب . الرابطة العقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالخالق
إنّ الإنسان مهما كان بدائياً بسيط التفكير فانّه يدرك النظام الهائل كما يدركه الإنسان المعاصر المتقدّم سواء بسواء .
فهو يدرك ما يسود في جسمه، وفي ما حوله من أشياء الكون، من أنظمة عجيبة وتنسيق رائع. كما يدرك الإنسان المتقدّم علمياً ذلك، وإن كان إدراك الأوّل لهذه المسألة إدراكاً سطحياً، وإدراك الثاني عميقاً .
وملاحظة هذا القدر من النظام هي الّتي تقوده إلى الاعتقاد بأنّ هناك عقلاً كبيراً وجباراً وراء هذا النظام .
إنّ الإنسان البدائي ـ كغيره ـ لا يسعه وهو يرى نظام الشروق والغروب والطلوع والأُفول الحاكم على الشمس والقمر والنجوم، ويرى الفصول الأربعة وآثارها الكبرى في عالم الطبيعة وما ينشأ على أثرها من تحولات عظيمة، وتطورات هائلة، بل وما يسود في جسمه من أنظمة وقوانين، إلاّ أن يعتقد بوجود خالق ومدبّر وراء ذلك كلّه بعد أن يدفعه دافع الاعتقاد الطبيعي بالعلية إلى البحث والتفتيش عنه .
إذن فهناك رابطة عقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالله، تدفع الإنسان إلى الإيمان به في جميع أدوار التاريخ، ومع وجود هذه الرابطة المنطقية والعقلية كيف يصحّ لباحث منصف أن يعدل عن اعتبارها إلى غيرها من العلل المنحوتة وافتراض الفرضيات الموهومة لتعليل نشأة العقيدة في حياة الأُمم والشعوب على الإطلاق ؟

صفحه 26
إنّ تجاهل هاتين الرابطتين: (الفطرية والعقلية) بين الإنسان والاعتقاد بالله تجاف عن الحقيقة وخروج عن المنطق السليم، وهو الّذي دفع بالمحلّل الاجتماعي إلى أن يلجأ إلى هذه الفرضيات الموهومة الّتي لا دليل على صحّتها أبداً.
إذا وقفت على ذلك فهلمّ معي ندرس تلك الفرضيات واحدة واحدة، ونعرضها على محك الواقع والبحث .
ولقد سبق أن ذكرنا أنّ هذه الفرضيات الّتي تعلل نشأة العقيدة بعضها نفسية وبعضها الآخر اجتماعية، وبعضها الثالث اقتصادية، وها نحن نقدّم الأبرز منها ثم الأبرز تباعاً .

صفحه 27
نظرية الخوف من الحوادث الطبيعية   
 

أبرز النظريات حول نشأة التديّن

1. الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة

لقد حاول بعض المادّيين ـ تبعاً لطائفة من علماء الاجتماع ـ تفسير نشأة التديّن وتعليل ظهور الاعتقاد بوجود الله بين البشر بعامل نفسي، وكانت لهم في هذا المجال تصريحات مختلفة نقتطف منها ما يلي:
قال ويل ديورانت: «الخوف ـ كما قال لو كريشس ـ أوّل أُمّهات الآلهة وخصوصاً الخوف من الموت، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار وقلّما جاءتها المنيّة عن طريق الشيخوخة الطبيعية، فقبل أن تدبّ الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الاعتداء العنيف، أو بمرض غريب يفتك بها فتكاً، ومن هنا لم يصدق الإنسان البدائي أنّ الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة .
وتعاونت عدّة عوامل على خلق العقيدة الدينية، فمنها الخوف من الموت، ومنها كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة أو الاحداث الّتي ليس في مقدور الإنسان فهمها، ومنها الأمل في معونة

صفحه 28
الآلهـة والشكـر علـى مـا يصيـب الإنسـان مـن حـظ سعيـد»1 .
ثم جاء راسل ـ وهو فيلسوف انجليزي ـ وتوسّع في هذه النظرية وردّ نشوء العقيدة إلى ثلاثة أسباب هي:
أ ـ الخوف من القوى الطبيعية القاهرة، كالرعد والبرق والزلازل والسيول الّتي تهدّد حياة الإنسان، بل وتقضي عليها أحياناً .
ب ـ الأضرار الّتي تلحق به من أبناء جنسه في ميادين القتال، أو حالات الهجوم والغزو .
ج - الخوف الحاصل له بعد الإقدام على بعض الأعمال الجنسية عند فورة الشهوة وهيجان الغريزة الجنسية، وما يتبع ذلك من الاستيحاش ممّا فعل والندم ممّا ارتكب .
فانّ هذه الأُمور ـ في نظر راسل ـ هي التي جعلته يلوذ إلى «قوة عليا» اخترعها ليسكن إلى حمايتها، ويرتاح في كنفها .
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي صرح بها أصحاب هذه النظرية ممّا تجدها في بعض كتب التاريخ، وعلم الاجتماع والنفس، والفلسفة المادية .
وها نحن نبحث في هذه النظرية لنرى مدى صحّتها من وجهة نظر العلم والواقع.

1 . قصة الحضارة : 1 / 99 ـ 100. ولا يخفى أنّ القائل أشار في كلامه هذا إلى عاملين لنشوء الاعتقاد، أحدهما: الخوف من الحوادث المرعبة، والآخر: الجهل بعلّتها. والبحث هنا انّما هو عن الأوّل .

صفحه 29
إنّ النظر الفاحص إلى ما قيل في هذه النظرية حول منشأ الاعتقاد بالله، وإرجاع هذه الظاهرة إلى عامل الخوف والرهبة من الحوادث الطبيعية المرعبة، يوقفنا على ثلاثة إشكالات أساسية في هذه النظرية وما قيل في تقريرها وتبريرها:

الإشكال الأوّل:

إنّ أوّل ما يؤخذ على أصحاب هذه النظرية هو أنّه يبدو وكأنّهم قد اتّفقوا على تغافل أنّ هناك لنشوء الاعتقاد بالله في حياة الإنسان عللاً «طبيعية روحية» كالفطرة، أو «منطقية وعقلية» كدلالة العقل الإنساني على وجود قوة عليا عندما يواجه هذا النظام البديع، هذه العلل الّتي تكشف عن أنّ للاعتقاد جذوراً واقعية في النفس والعقل الإنسانيّين غير عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة .
وقد مر ـ في ما سبق ـ انّ مجال نحت الفرضيات والتعليلات الفرضية يختص بالعادات والحالات الّتي لا يوجد لها جذور واقعية في النفس أو العقل الإنسانيّين، كالتشاؤم لرؤية الغراب أو سماع نعيبه، أو الاعتقاد بنحوسة الرقم 13، وغير ذلك من التقاليد والعادات الخرافية السائدة في بعض الأُمم والشعوب على اختلاف مسالكها وعقائدها .
وأمّا ما كان له جذور واقعية في النفس الإنسانية بأن كان له علّة طبيعية، أو سبب منطقي في فطرة الإنسان وعقله فلا يكون موضعاً للفرضيات المنحوتة والتعليلات الاحتمالية، بل ويكون تجاهل تلك العلّة الواقعية الطبيعية والسبب المنطقي ظلماً فضيعاً بحق العلم والفلسفة، وهو ما ارتكبه أصحاب هذه

صفحه 30
النظرية ومؤيدوها وذلك عندما رفضوا أوتجاهلوا «فطرية التديّن» أو «الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام والاعتقاد بوجود منظم للكون»، وعمدوا إلى اختراع هذه النظرية وتفسير نشوء العقيدة بها .

الإشكال الثاني:

إنّ هذه التعليلات فرضيات ذهنية لا يدعمها أيُّ دليل يفيد يقيناً، ويوجب اطمئناناً، وهي تبقى كذلك فرضيات ليس لها أيّة قيمة علمية مهما ألبسوا عليها من حلل الألفاظ، وأفاضوا عليها من الأصباغ والألوان الزاهية .
فهل يمكن للعقل أن يقتنع بشيء لا يدعمه دليل، ولا يؤيّده برهان كهذه النظرية الّتي ليست إلاّ ضرباً من الخيال؟ وليست سوى مزاعم جوفاء، وفرضيات مبنيّة على التخمين .
ولأجل ذلك لا يتّفق أمثال هؤلاء المحلّلين في تحليلهم على أساس واحد، ولا ينطلقون من منطلق واحد، بل يحلّل كل واحد منهم هذه الظاهرة حسب مزاجه ومتأثراً بما يتعاطاه من العلوم ويتبّناه من أفكار، فالعالم النفسي يسنده إلى عامل نفسي، والعالم الاجتماعي يسنده إلى عوامل اجتماعية، وثالث يسنده إلى أسباب اقتصادية، ورابع ينحت له فروضاً جنسية تشمئز منها الطباع السليمة إلى غير ذلك .

الإشكال الثالث:

إنّ من الظلم الفاحش أن ينسب اعتقاد الشخصيات العظيمة من

صفحه 31
كبار العباقرة وأساطين العلم والفكر الذين برعوا في إلجام الطبيعة، وتسخير بعض قواها، وكبح جماحها ودرء أخطارها عن البشر، إلى عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة .
أفيصح أن ننسب اعتقاد سقراط وإفلاطون وأرسطو، وغيرهم من كبار الفلاسفة الاغريق، والفارابي وابن سينا والرازي وابن الهيثم ونصير الدين الطوسي وجابر بن حيان وغيرهم من عمالقة الشرق، وغاليلو وديكارت ونيوتن وباستور وغيرهم من رجالات الغرب، إلى عامل الخوف من الحوادث الطبيعية، وهم أهل عقل وفهم، ورجال علم واستدلال؟
فلم لا يكون اعتقاد الإنسان البدائي ـ على غرار اعتقاد هؤلاء العلماء ـ مبنيّاً على الاستدلال العقلي المتناسب مع مداركه، وناشئاً من فطرته النقية.
ثم إنّ المادّيين يتذرّعون ـ أحياناً لتبرير هذه النظرية بما تبعثه العقائد الدينية في النفس من السكون والطمأنينة، وبما يكون لها من أثر في طرد الوحشة والقلق والاضطراب عن الإنسان .

والجواب هو:

إنّ العقائد الدينية والإيمان بالله القادر الحكيم العادل الرحيم، تخفّف ـ ولا ريب ـ من القلق، وتبعث على الطمأنينة والسكون، وهو أمر يصرح به الكتاب العزيز إذ يقول:
(الذيِنَ آمنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إيمانَهُم بِظُلم أُولئكَ لَهُم الأمْن) 1.

1 . الأنعام : 82 .

صفحه 32
ويقول: (ألا بِذِكرِ اللهِ تَطْمِئنُّ القُلُوب) 1.
كما لا شك انّ الذين يتزوّدون بسلاح الإيمان من المقاتلين في جبهات القتال هم أقوى عزيمة، وأكثر ثباتاً وأشدّ طمأنينة وهم يعتبرون الشهادة في سبيل الله اختصاراً للطريق إلى السعادة، ولهذا لا يهابون الأعداء ولا يخشون أحداً إلاّ الله، فيقاتلون ببسالة، ويضربون أروع الأمثلة في الثبات والصمود ويسطرون أعظم الصفحات في البطولة والإقدام .
إلاّ انّ هذا لا يعني أنّهم اخترعوا فكرة وجود الله لتحقّق لهم مثل هذه الحالة، فهناك فرق بين «دوافع» نشأة العقيدة وبين «آثارها» الطبيعية، وقد خلط أصحاب هذه النظرية بين الدوافع والآثار حيث تصوّروا أنّ طلب الطمأنينة والأمن هو الّذي دفع بالبشر إلى اختراع وافتعال فكرة «القوة العليا» ليكتسبوا في ظلّها هذه الحالة، في حين انّ حصول الطمأنينة وماشاكلها انّما هو من الآثار المترتّبة على العقيدة لامن دوافع إيجادها، فمن آمن بالله قويت عزيمته وسكنت نفسه، لأنّه ربطها بقدرته المطلقة. وحصول هذه الأُمور انّما يكون بعد الاعتقاد بوجود ذلك الفاعل القادر لا باعثاً على تصوّره واختراعه .

القرآن ونظرية الخوف

إنّ ادّعاء المادّيين بأنّ الاعتقاد بالله وعبادته والخضوع له جاء نتيجة خوف الإنسان من الحوادث الطبيعية الرهيبة ـ حسبما جاء في نظرية الخوف ـ ليس مبنيّاً على أيّ أساس صحيح كما عرفت، إذ أيّة ملازمة عقلية أو عادية بين

1 . الرعد : 28 .

صفحه 33
«الخوف» «واختراع فكرة الإله» في الذهن، فانّه لابدّ من وجود ملازمة عقلية أو عرفية بين «المقدّمة» و «النتيجة» حتّى يكون تصوّر المقدّمة موجباً للانتقال إلى النتيجة وليس هاهنا أيّة ملازمة من هذا النمط بين الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة، وبين تصوّر خالق للكون قادر على دفع البلايا .
فإنّ فكرة «الخالق الإله» ليست هي نفس الخوف من الحوادث المرعبة، ولا تلازم بين وجود الخوف في الذهن الإنساني من تلك الحوادث وهذه الفكرة، فكيف ـ والحال هذه ـ يمكن أن تستنتج فكرة الإله الخالق من حالة الخوف؟!
والحاصل: انّ التداعي بين الأمرين النفسيّين لا يتحقّق إلاّ أن يكون بينهما نوع ملازمة عقلية أو عرفية، والحال انّه لا وجود لمثل هذه الملازمة لدى الإنسان العائش في العصور الأُولى، الّذي يسند المادّيون اعتقاده بالإله الخالق إلى خوفه من الحوادث الطبيعية الرهيبة.
فلو لم تكن فكرة الخالق الإله أمراً قد فطر عليه الإنسان وحقيقة يميل إليها في أعماق قلبه وضميره، أو لم يكن برهان وجوده مركوزاً في عقله وإدراكه، لاستحال أن ينتقل في «حالة الخوف من الحوادث الطبيعية المخيفة» إلى فكرة الخالق الإله، وهذا بخلاف ما إذا كانت فكرة الخالق الإله أمراً ارتكازياً للإنسان أو ثابتاً بالبرهان في ذهنه، فانّ هذا يكون وسيلة للانتقال ـ عند مواجهة الحوادث المخيفة ـ إلى وجود الخالق الاله القادر على دفع الشر عنه .
وأمّا القرآن الكريم فانّه يرى أنّ الاعتقاد بوجود الخالق الإله سبحانه أمر قد جبل عليه الإنسان، وأنّ برهان وجوده موجود في عقله، ولذلك يجعل

صفحه 34
تصوّر الخوف سبباً للانتباه إلى وجود الإله الخالق عبر ذلك الإذعان الفطري وذلك البرهان العقلي لا سبباً موجداً له في الذهن .
وكم فرق بين كون الشيء (داعياً) إلى أمر لأجل ملازمة عقلية أو عرفية بينهما، وبين كون شيء موجداً لذلك الأمر في رحاب الذهن، ومبدعاً له، والصحيح في المقام هو الأوّل دون الثاني .
فبما انّ الإنسان مجبول على فكرة الخالق كمجبوليته على سائر الأُمور الفطرية الأُخرى وكان برهان وجود الخالق موجوداً بشكله البسيط في ذهنه، صار ذانك الأمران وسيلة ـ عند مواجهة المصائب والنوازل ـ للانتقال و الانتباه إلى الخالق القادر على دفع الشر والبلية عنه، وهذا يعني انّه بفضل تلك الفطرة وذلك البرهان وقف على أنّ للعالم ـ والإنسان بالأخصّ ـ خالقاً قادراً على دفع النوازل والبلايا عنه .
ولذلك يقول سبحانه ـ كما في غير آية من آيات الكتاب العزيز ـ :
(فإذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدينَ فَلَمّا نَجّاهُم إلى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُون)1.
وقال: (وَ إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّار كَفُور ) 2.
فالمتحصّل من هذه الآيات أمران:
نظرية الجهل بالعلل الطبيعية   
الأوّل: انّ الأمواج الهائلة، وما تثيره من المخاوف والأخطار ليست سبباً لخلق وإيجاد فكرة الإله الخالق في النفوس والأذهان، بل هي سبب للانتباه إلى

1 . العنكبوت : 65 .
2 . لقمان : 32 .

صفحه 35
أمر موجود في ضميره إمّا من ناحية الفطرة أو من جانب العقل، وهو الله القادر والالتجاء إلى حمايته، والاحتماء بقدرته .
فلو لم تكن هذه الواسطة (أي كون الاعتقاد بوجود الله أمراً فطرياً أو كون برهانه أمراً موجوداً في العقل) لما كان هذا الانتقال إلى الله عند مواجهة المخاوف ممكناً وحاصلاً .
الثاني: انّه سبحانه يندّد بالبشرية على توجّههم إليه وتذكرهم ايّاه في ظرف دون ظرف، وحال دون حال، مع أنّه كان يجب عليهم أن يتوجّهوا إليه سبحانه بحكم فطرتهم، وقضاء عقولهم في كل الأحايين، وفي جميع الحالات لا في بعضها .
فانّ التوجّه في حال العسر والشدة إليه سبحانه وان كان دليلاً على كون الاعتقاد به أمراً فطرياً، لكنّه دليل بارز على كفران الإنسان له وغفلته عنه سبحانه في بعض الحالات والأحايين .
h h h

2ـ نظرية الجهل بالعلل الطبيعية

لقد عمد بعض المادّيين في تعليل نشوء الاعتقاد بوجود الله إلى فرضية أُخرى وهي: انّ الإنسان البدائي عندما واجه الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول والكسوف والخسوف، الّتي تحيط به ولم يعرف عللها الطبيعية الواقعية لجأ لجهله إلى اختراع فاعل لها واعتبره العلّة الوحيدة لكلّ شيء مباشرة، وكلّما تكامل فكرياً، واستطاع من خلال اكتشافاته وتحليلاته أن يقف على السبب الطبيعي المادي لكل حادثة، أسند كل ظاهرة إلى عاملها الطبيعي الحقيقي

صفحه 36
وتخلّى عن اسنادها إلى تلك «القوة الوحيدة»، وهكذا كان الاعتقاد بوجود الله وليد الجهل بأسباب الحوادث الكونية الطبيعية .
وفي هذا قال ويل ديورانت: تعاونت عدّة عوامل على خلق العقيدة الدينية، منها الدهشة لما يسبب الحوادث الّتي تأتي مصادفة، أو الأحداث الّتي ليس في مقدور الإنسان فهمها .1
وقال بعض علماء الاجتماع: إنّ العلم وإن وقف على جملة من علل الحوادث إلاّ أنّه لازالت هناك حوادث لم تقع في إطار هذا العلم، ولا زالت تعاني من الإبهام والغموض، وهذا هو الّذي سبب نشوء العقيدة الدينية .
ولو أردنا أن نشرح هذه الفرضية ـ كما شرحها بعض الماركسيّين ـ لقلنا بأنّ الإنسان المادي عندما كان يرى نزول المطر، وقطع الثلج بأشكالها الهندسية المسدّسة، وكان يسمع الرعد ويرى البرق ويتعرض للملاريا الّتي كانت تهاجمه بين الفينة والأُخرى، ولم يعرف أسبابها الطبيعية ـ الّتي كشف عنها العلم فيما بعد ـ عمد إلى افتعال علّة لها من لدن نفسه، وأسند إليها جميع تلك الطوارئ المجهولة العلل .
ومن هنا نجد بعض الماديين ينادي بتنافي العلم والدين بعد أن ذهبوا إلى التحليل المذكور، لأنّ «العلم» عندهم يسند الأُمور إلى عللها الطبيعية، ويكشف عن العلاقات المادية بين الظواهر الطبيعية ومناشئها، بينما يسند «الدين» كلّ تلك الظواهر والحوادث إلى علّة واحدة يقيمها مكان جميع العلل الواقعية .

1 . قصة الحضارة : 1 / 100 .

صفحه 37
ولهذا أيضاً ذهبوا إلى أنّ تقدّم العلوم ونجاحها في كشف الموضوعات الطبيعية، والسنن الحاكمة في الكون يزعزع مكانة الدين، ويوجب انحسار الاعتقاد بالخالق، وتراجعه إلى زاوية النسيان .

قيمة هذا التحليل

إنّ هذا التحليل يواجه ثلاث مؤاخذات هي:
أوّلاً: انّ ما يؤاخذ على هذه الفرضية هو عين ما أُخذ على سابقتها، وهو انّ افتعال مثل هذه الفروض والاحتمالات وارتكاب مثل هذه التعليلات والتفسيرات انّما يصحّ في الأُمور والعادات التي لم يكن لها علّة واقعية ـ روحية أومنطقية ـ عند أبناء البشر .
وأمّا عندما يكون للعادة أو الحالة سبب واضح ـ كما هو الحال في مسألة الاعتقاد بالله ـ فلا مجال لمثل هذه التعليلات، بل هي حينئذ تكون ضربا من الخيال الّذي تأباه العقول السليمة، ويرفضه المنطق السوي .
ثانياً: انّ هذا التحليل ينمّ عن جهل صاحبه باعتقاد الإلهيّين ومنطقهم على اختلاف مسالكهم ومشاربهم .
فإنّ الاعتقاد بخالق للكون باعتباره العلّة العليا ـ عند الإلهيّين ـ لا يعني تجاهل العلل الطبيعية، وإنكار الروابط المادية بينها وبين معاليلها، ليكون انكشاف العلل والروابط في ضوء العلم سبباً لتزعزع الاعتقاد بوجود الله وانحساره .
ونسبة هذا الإمر إلى الإلهيّين محض كذب وافتراء، وعين الظلم

صفحه 38
والجفاء، وأيّ ظلم أشد من أن ننسب إلى طائفة كبرى من البشر ما لا يقولون به، بل وما هم بريئون منه، فانّ الاعتقاد بالله ليس ـ عندهم ـ بمعنى إنكار العلل، بل هو بمعنى انّهم يعتقدون بأنّ النظام العلّي السببي السائد في الكون، يرجع في مآله إلى قوة عليا، وينتهي إلى مبدأ أعلى هو علّة العلل، وهو مسبب الأسباب، وهو موجد ذلك النظام العلّي، فالإنسان إذا أطلّ على هذا الكون، وشاهد مافيه من أنظمة بسيطة وأُخرى معقدة تنظم ظواهر الطبيعة، وتسير على وفقها جميع الحوادث بانتظام، ودون فوضى أو عبثية جرته هذه النظرة الفاحصة، إلى الاعتقاد بقوة مدبّرة منظمة خالقة وراء هذا الكون العظيم، ونظامه البديع، هو الّذي أوجد الكون، وأرسى فيه السنن .
فالاعتقاد بذلك الخالق القادر المدبّر وليد الاعتقاد بالنظام السببي العلّي، والإيمان بالعلل الطبيعية لا إنكارها وتجاهلها كما زعم أوتوهّم أصحاب هذه الفرضية من الماديّين، واتّهموا به الإلهيّين .
وبعبارة أُخرى: انّ الإلهي لا يثبت وجود الله عند عدم العلم بعلل الحوادث وعند المبهمات والغوامض، بل يعتقد به عندما يقف على النظم الكونية السائدة، والأُمور الواضحة السياق، البيّنة النظام، فطريقه إلى الإذعان والإيمان بوجوده هو ما يشاهده من التنسيق والانسجام، والترابط والنظام، لا ما قد يصادفه من الفوضى والعشوائية .
نعم انّ المشتغل بدراسة الطبيعة المهتم بعالم الأحياء كلّما ازداد علماً بأسرار الكون، ووعياً وإدراكاً لقوانينه ازداد إيماناً ويقيناً بوجود الخالق، الموجد لتلك القوانين، الخالق لتلك السنن، فتقدّم العلم والإدراك والاكتشاف يخدم هذا

صفحه 39
الاعتقاد لا أنّه يهدده أو يزعزعه لأنّه كان ولا يزال الطريق المنطقي إلى هذا الإيمان.
ولهذا فليس الإلهي هو من يبحث عن وجود الإله في ما يجهل علله وأسبابه، وهو الّذي لم يزل ـ منذ أوّل الهي وإلى الآن ـ يستدلّ على وجود الخالق المدبّر بالأنظمة السائدة في الكون من دقيقها إلى جليلها، فكيف يعزى إليه أنّه يثبت وجود الله ويعتقد به بما يجهل فيه الأسباب والعلل الطبيعية من الظواهر الكونية؟!
ويكفي لمعرفة هذه الحقيقة والتأكد منها الرجوع إلى منطق الإلهيّين واستدلالهم منذ أقدم العصور إلى الآن، فهذا سقراط يستدلّ في محاورته مع اريستوديم بالنظام على وجود الخالق:
سقراط: ألا ترى (يا اريستوديم) أنّ من دلائل التدبير والحكمة أن تمتّع العين ـ وهي ضعيفة ـ بجفون تنفتح وتنغلق عند الحاجة وتنطبق عند النّوم طول الليل، وأن توهب تلك العين غربالاً من أهداب لتقيها فعل الرياح الثائرة، وأن تمنح لها تلك الحواجب كميزاب يمنع عنها غوائل العرق المتساقط من الرأس، وأن تصنع الأُذن على صورة لا تكلُّ عن سماع الأصوات ولا يعتاض الحس بها، وأن تعطى جميع الحيوانات أسناناً أمامية لقطع الأغذية، وأضراساً جانبية لسحقها، وأن يكون الفم الّذي تدخل منه الحيوانات الأغذية الصالحة لها إلى أجوافها موضوعاً قريباً من العينين والمناخير .
أترى نفسك بازاء كل هذه الأعمال الّتي تدلّ على تدبير وحكمة، لا تزال متردّداً بين عزوها إلى الصدفة والاتّفاق، وبين اسنادها للحكمة والعلم؟

صفحه 40
قال اريستوديم: لا والإله فانّ أقلّ نظر في الكائنات الحية يدلّنا على أنّ هنالك ذات عالم رحيم خلقها وعدّلها.1
بل ونجد الكتاب العزيز يستدلّ على وجوده سبحانه بالنظم السائدة في شتّى مجالات الطبيعة، إذ يقول:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمواتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)2.
ويقول:
(وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالمِينَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ ابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).

1 . الإسلام وعصر العلم لفريد وجدي : 163 ـ 164 .
2 . الطور : 35 ـ 36 .

صفحه 41
(وَ مِنْ آيَاِتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَ الأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)1.
وأنت ترى كيف انّ هذه الآيات جعلت النظام السائد في الكون ـ الّذي يوقف الإنسان على الانسجام والترابط والنظام ـ دليلاً على وجود منظم لهذا الكون، وليست «الآية» في هذه الآيات إلاّ بمعنى «العلامة» فهي علامات على دخالة الشعور والعقل في ابتداع هذا النظام .
ولو أنّك لاحظت كل ما ألّفه الإلهيّون منذ أقدم القرون، ودبجته أقلامهم حول إثبات الصانع لرأيت بأُمّ عينيك كيف يُجمعون على الاستدلال للخالق بوجود النظام لا بالجهل بالأسباب والعلل، حتّى أنّ المعاجز وخوارق العادة الّتي تظهر على أيدي نخبة من البشر ليست ـ في منطقهم ـ ممّا تخلو من علّة بالمرة، بل لا تستند إلى علل عادية.2
h h h
ثالثاً: انّ هذه الفرضية تقوم على أساس أنّ البشر كان يعرف، بل ويعتقد بقانون العلّية، وهذا يعني أنّ الإنسان البدائي لمّا كان يجهل العلل الواقعية للظواهر الطبيعية آل به هذا الاعتقاد إلى اختراع فكرة «خالق الكون» وإحلالها محل العلل الطبيعية الّتي كان يجهلها، حتّى يرضي وجدانه الّذي يلحُّ عليه بنسبة كلّ ظاهرة إلى علّة .
فلوكان البشر البدائي مدركاً ـ بهذه المنزلة ـ لقانون العلّية فلِمَ لا يكون

1 . الروم: 20 ـ 25 .
2 . سيوافيك بحث المعجزة في الأجزاء التالية من هذه المجموعة العقائدية ان شاء الله .

صفحه 42
اعتقاده بالله، ناشئاً عن إذعانه بأنّ النظام الرائع السائد في الكون الّذي لا ينفك عن تأثير بعض أجزائه في بعض، وانسجام بعضه مع بعض، قد وجد بفعل قوّة عالمة، وعارفة بالسنن والقوانين الكونية اللازمة .
نعم ربّما يوجد بين بعض البسطاء السذج من المؤمنين بالله من أقام أو يقيم «القوة العليا» مقام العلل الطبيعية غير أنّ تفسير «الاتجاه الديني» الذي شمل العالم البشري طيلة قرون مديدة، وسار في ركبه ملايين البشر، وآلاف الآلاف من العظماء والنوابغ من المفكّرين، بمثل هذه الأُمور الصادرة عن بعض السذج والبسطاء، في غاية السخافة ومنتهى الظلم .
ولأجل ذلك سيوافيك ـ في بعض الفصول القادمة ـ أنّ الإلهي لا يبحث عن الله، ولا يثبته من خلال المجهولات أو الحالات الاستثنائية الشاذة عن النظام وانّما يطلبه ويتوصّل إليه ويثبته من خلال الأمور المنتظمة الّتي لا يمكن أن تفسّر إلاّ في إطار العلم والعقل .
القرآن ونظرية الجهل بالعلل الطبيعية   
h h h

القرآن ونظرية الجهل

والعجب من أصحاب هذه النظرية أنّهم يفترون على رجال الوحي الكذب فيدّعون بأنّ الجهل بالعلل الطبيعية الحقيقية هو أساس دعوتهم إلى الله، وانّهم لأجل عدم وقوفهم عليها صوّروا لها «علّة واحدة» أسموها بالله، مع أنّ القرآن الكريم يحارب الجهل أشدّ المحاربة ويمنع أتباعه من الاعتقاد بشيء بدون علم.
يقول سبحانه:

صفحه 43
(وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً)1.
بل ولا يكتفي بهذا القدر، فهو يستدلّ على وجوده سبحانه بالنظام السائد في الطبيعة والكون، ويطلب من المؤمنين النظر في الطبيعة واستجلاء أسرارها وفهم قوانينها إذ يقول:
(أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَ إِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)(2) .
ويعود ليدعو المؤمنين ـ في آيات أُخرى ـ إلى النظر في آيات وجوده ووحدانيته في الأرض والسماء، إذ يقول:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) 2.
فكيف يجوز لأصحاب هذه النظرية ـ والحال هذه ـ أن يفتروا على أصحاب الرسالات الإلهية بأنّ دعوتهم إلى الله سبحانه لم تكن إلاّ بسبب جهلهم بالعلل الطبيعية، والأسباب الواقعية للظواهر الكونية .
وما ذكرناه من الآيات ما هو إلاّ نماذج قليلة من الآيات البارزة حول هذه الحقيقة .

1 . الإسراء : 36 .            2 . الغاشية: 17 ـ 20 .
2 . آل عمران: 190 ـ 191 .

صفحه 44
ثم إنّ القرآن يصرّح بأنّ العلماء هم الذين يخشون الله دون غيرهم، إذ يقول:
(إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) 1.
وللوقوف على مدلول الآية بصورة كاملة نقول: إنّ هناك ثلاثة مفاهيم: الجبن، الخشية، والخوف. والّذي يقصده سبحانه في الآية هو الخشية والخوف منه سبحانه لا الجبن الّذي هو في مقابل الشجاعة .
فإنّ الجبن أمر مذموم، لأنّه حالة تسيطر على الإنسان لأجل تجنّبه للأُمور المرعبة غير الواقعية كالخوف من الغول، أو الظلمة الموجودة في قبو مع العلم بعدم وجود ما يخيف حقيقة .
وأمّا الخشية فهي عبارة عن إحساس الإنسان بالعظمة الإلهية الّتي تملأ الصدور والنفوس مهابة عند مشاهدة عظيم خلقه، وجليل فعله .
وهذا الأمر مسبّب عن علم الإنسان بالعظمة الإلهية لا جهله; ووعيه، لا توهّمه وتخيّله.
وأمّا الخوف منه سبحانه، فلأجل أنّ الإنسان العاقل يخاف في قرارة نفسه أن لا يقوم بما عليه من وظائف العبودية تجاه ذلك الرب العظيم .
على هامش فرضيّتي الخوف والجهل   
فالمراد في هذه الآية إذن هو الخشية والخوف منه سبحانه الناشآن ممّا ذكر، لا الجبن الّذي يقابل الشجاعة، ويضاددها.

1 . فاطر : 28 .

صفحه 45
 
على هامش فرضيّتي الخوف والجهل
تلخّصت الفرضيتان المذكورتان في أنّ الإنسان اخترع فكرة «الإله الأعلى» وعكف على عبادته وذهب إلى تقديسه تحت دافع الخوف وعامل الجهل، ولقد عرفت ما يرد عليهما من إشكالات .
ونعود هنا لندرس هاتين الفرضيتين من غير الزاوية الّتي درسناها سابقاً فنقول: إنّ هاتين الفرضيتين لا يمكن الركون إليهما لعدّة أسباب، مضافاً إلى ما ذكرناه في البحث السابق:
أوّلاً: لو كانت فكرة الإله وعبادته والخضوع له والإيثار في سبيله والاعتقاد بالمسؤولية تجاهه من ولائد الجهل البشري بالأسباب الطبيعية والخوف من الحوادث الكونية المرعبة فلماذا نجد هذه الفكرة قائمة حتّى في المجتمعات الحاضرة رغم انتفاء دواعيها من الجهل والخوف، حيث لاجهل بسبب ما اكتشفته العلوم من العلل الطبيعية، ولا خوف بسبب تغلب الإنسان الحديث على أكثر حوادث الطبيعة، وتمكّنه من تجنب أضرارها وأخطارها؟!
فما الّذي يفسّر بقاء فكرة «الإله المعبود المقدّس» بين المجتمعات الحاضرة، والإحساس بالمسؤولية تجاهه والسعي لتحصيل رضاه، وما يلحق كلّ ذلك من الاعتقادات والممارسات العملية الدينية وقد زال الجهل والخوف؟
أليس بقاء هذا الأمر ـ مع زوال ما قيل عن علّته ـ يعدّ دليلاً واضحاً و برهاناً ساطعاً على أنّ هناك عاملاً آخر، غير عامل الجهل والخوف، وراء نشأة

صفحه 46
فكرة «الإله المعبود» هو الّذي دفع الذهن الإنساني إلى الالتزام بهذه الفكرة والمعتقد إلى اليوم؟
ولو قيل: صحيح انّ العلماء والمفكّرين في هذا العصر تغلّبوا على الطبيعة وكبحوا جماحها، وعرفوا أسرارها وعللها وتحرّروا من الجهل والخوف، ولكنّهم ورثوا فكرة «الإله المعبود» من آبائهم وأسلافهم، ولم يستطيعوا التخلّص منها والتحرر من رواسبها .
فانّنا نقول: وهل هذا إلاّ ازدراء بمثل هؤلاء العلماء والمفكّرين، واحتقار لشأنهم، وتجاهل لما هم عليه من سداد الفكر، ورشادة العقل، وقوة التحليل الّتي تأبى التقليد الأعمى، وترفض التبعية الجاهلة .
هذا مضافاً إلى ما يرد على هذا الرأي من إشكالات سوف نذكرها عند مناقشة نظرية توراث العقيدة قريباً .
h h h
ثانياً: لو كانت علّة نشوء العقيدة الدينية في النفوس هي الجهل والخوف من دون دخالة أيّ عامل عقلاني وفكري لوجب أن يكون مثل هذا الاعتقاد سارياً بين جميع دواب الأرض وحيواناتها، وأن يصدر من الحيوانات كلّ ما يصدر عن الإنسان المعتقد المتديّن من عبادة الله، والإيثار في سبيله والإحساس بالمسؤولية تجاهه مع أنّ البداهة تقضي ببطلان هذا الأمر.1

1 . وهذا لا يخالف ما عليه القرآن الكريم من تسبيح جميع الموجودات بحمدالله إذ يقول: (وان من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (الإسراء : 44) فانّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الآية هو تسبيح كل شيء له سبحانه، وهذا غير ما يفعله الإنسان تجاه الله فهو يقدّسه ويعبده ويجاهد في سبيله ويضحي بنفسه ونفيسه من أجله ويشعر بالمسؤولية تجاهه، والعرفان بهذا النحو غير موجود لدى غيره .

صفحه 47
فإذن لابد أن يكون هناك عامل آخر ينضم إلى ما ذكروه من الجهل والخوف حتّى ينشأ عنه مثل هذه العقيدة في الأذهان والنفوس الإنسانية، إذ لا يمكن أن يكون الجهل والخوف البسيطان باعثين لمثل هذا الاعتقاد العام، ومنشأين لهذه الحركة العظيمة، ومنبعين لهذه العقيدة الشاملة الخالدة، السائدة في جميع أدوار التاريخ وإلى اليوم الحاضر .
فلابد أن نقول ـ عندئذ ـ إنّ الإنسان عندما وقف على جهله بأسباب الحوادث صار ذلك موجباً لتحرك قواه العقلية باتّجاه البحث عن سببها، فتصورت «سبباً» لها، بغض النظر عمّا إذا كان الّذي توصلت إليه وتصوّرته من «السبب» صحيحاً أو خطأ .
المهم أنّ الجهل لم يكن وراء ابتداع فكرة الاله، بل كان أرضية مساعدة لأن ينشط العقل البشري ويتحرك باتّجاه كشف الأسباب .
وهكذا الحال في الخوف فانّ الإنسان عندما واجه أحداث الطبيعة المخيفة صار ذلك الخوف موجباً لأن يبحث بعقله عن ركن وثيق يدفع عنه الخوف .
فلم يكن الخوف بما هو سبباً لنشأة العقيدة الدينية، بل كان أرضية صالحة لتحرك القوة العقلية باتّجاه البحث والتفتيش عن ملجأ طبيعي يسكن الإنسان في كنفه .
فنستنتج من ذلك أنّ الاعتقاد بالله الخالق انما هو نتيجة تحرك القوة العاقلة

صفحه 48
ودخالتها، وتحرّيها الطبيعي للأسباب والعلل، لأنّ العقل الإنساني لم يفتأ يتساءل ـ كلّما واجه حدثاً ـ عن علّته وسببه، فكانت مواجهته للحوادث الطبيعية الرهيبة وما تولد منها من الجهل والخوف سبباً لأن يستيقظ العقل ويلتفت ويوسع دائرة تساؤلاته وينتقل من السؤال عن علّة الأشياء الصغيرة الجزئية، إلى السؤال عن علّة النظام الكوني الكلّي، وما يقع في إطاره من أحداث جسام وحوادث كبرى .
من هنا يتّضح انّ منشأ ظهور العقيدة الدينية ليس هو السبب البعيد (أي الجهل والخوف) بل انّ ذلك صار سبباً لتدخل «القوة العاقلة» في المقام، وبدخالة هذه القوة وتحرّيها وتحليلها نشأت العقيدة، وراح الإنسان يعتقد بخالق لهذا الكون ومبدع لنظامه العظيم .
فالدور الأساسي ـ هنا ـ انّما هو للعقل والوعي لا للجهل والخوف .
ويمكن بيان ذلك بنحو آخر، وهو انّ الإنسان خاف من الحوادث فصار خوفه ذلك موجباً لتفكّره، ولتفتيشه عمّا يرفع آثار هذا الخوف، فانتهى إلى فكرة الإله الخالق وراء هذه الحوادث وانّه هو الرافع لهذه الآثار المرعبة .
فبزوغ هذه الفكرة والعقيدة يرجع إلى التفكّر وإن كان الخوف أرضية مناسبة لتحرك الفكّر ومن ثم الوقوف على هذه الفكرة .
وهكذا بالنسبة إلى الجهل فانّ الإنسان جهل أسباب الحوادث، ولا شك انّ الجهل وحده أمر لاحركة فيه فلا تنبثق منه أيّة عقيدة وانّما دفع هذا الجهل القوة الفكرية لدى الإنسان إلى أُمور هي:
1 . انّه لابدّ لكلّ ظاهرة من علّة، ولا يمكن حدوث الظاهرة بلا علّة .

صفحه 49
2 . حصلت ـ حينذاك ـ فكرة أُخرى، وهي انّ هناك قوة كبرى هي العلّة .
3 . بزغت العقيدة الدينية وما تستتبعه من مفاهيم .
فلو سأل سائل: هل الأصل لنشوء هذه العقيدة هو دخالة القوة العاقلة المفكّرة أم نفس الجهل أو الخوف المجرّدين من كل شيء؟ كان الجواب هو الأوّل، نعم غاية الأمر هو انّ العقل (حسب زعم المادي) قد أخطأ في إصابة الهدف الصحيح وتشخيص العلل الحقيقية الواقعية، وهذا أمر آخر غير نسبة الاعتقاد بالإله إلى عامل الخوف مباشرة.
h h h
وثالثاً: انّ أصحاب هاتين الفرضيتين لم يميّزوا بين الدافع للعقيدة، وبين ما يترتّب على ذلك الدافع، في القيمة .
فلا يمكن أن تكون «الدوافع» لشيء و «ما يترتب عليها من الآثار والنتائج» ذات قيمة واحدة .
فقد يكون الدافع نحو الشيء أمراً تافهاً لاقيمة له، بينما تكون النتائج والقضايا الحاصلة من ذلك الدافع ذات قيمة عالية جداً كما في المقام .
فعلاقة الإنسان بالثروة والشهرة هي الّتي تدفع إلى الاكتشاف والاختراع، ومن المعلوم أنّ الدافع هنا أمر رخيص، ولكنّ الأثر الناتج عنه ذو قيمة عالية .
كما أنّ الحرب هي وراء أكثر الاكتشافات والاختراعات، والحال انّ الحرب ـ كما نعلم ـ دافع رخيص، بينما يكون ما ينشأ على أثرها من التحوّلات العلمية والصناعية ذا قيمة عالية .

صفحه 50
ولهذا لابدّ من الفرز والتفريق بين «الدافع» و «الآثار»، وعدم الخلط بينهما في تفسير ظاهرة من الظواهر .
ولنفترض ـ في المقام ـ انّ الجهل والخوف هما اللّذان دفعا الإنسان إلى التحرّي عن علل الحوادث، ثم نشأت العقيدة على أثر ذلك، إلاّ أنّ كون «الدوافع» لنشأة العقيدة بلا قيمة، لا يوجب أن تكون العقيدة ذاتها أمراً لا قيمة له، بل يجب أن توزن نفس العقيدة وينظر إليها ـ ذاتها ـ بعين التقييم، وانّها هل هي مطابقة لمنطق العقل والبرهان أم لا؟ فلو كانت مطابقة وثابتة بالبرهان لم تضر تفاهة الدافع لنشأة العقيدة ورداءته بأهميّتها (على فرض صحة ذلك الدافع)، وقد عرفت أنّ الدافع إلى نشوء العقيدة أمران: الأوّل الفطرة الملهمة بأنّ هناك ملجأ للإنسان وراء الكون، والثاني هو الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام والاعتقاد بالخالق له.
يبقى أن نعرف أنّ كلّ ما ذكرناه في هذا المقام انّما هو ـ بعد التسليم ـ بصحّة الفرضيتين، وقد عرفت ـ فيما سبق ـ بطلان هاتين الفرضيتين وأمثالهما من الأساس .
الدين ونظرية استغلاله   
ونضيف هنا ما ذكرناه في البحث السابق وهو أنّ هؤلاء المحلّلين قد افترضوا أمراً من عند أنفسهم وهو «انّ الاعتقاد بالله اعتقاد بأمر موهوم وباطل»، وبعد أن اعتبروا ذلك أمراً مسلّماً لا نقاش فيه عمدوا إلى البحث عن أسباب نشوء هذا الأمر الباطل الموهوم فنحتوا ما نحتوا، والحال انّ هذا نفس المدّعى، إذ لو لم يكن نفس الاعتقاد بوجود الله أمراً باطلاً ـ في نظرهم ـ بل كان ممّا يدعمه الدليل الصحيح والبرهان الواضح لما نحتوا هذه الفرضيات

صفحه 51
لتفسير نشوئه، فانّ الإنسان العاقل لا يتحرّى عن أسباب الاعتقاد بالمعادلة الحسابية التالية:
2×2 = 4 مثلاً، لأنّ هذا الاعتقاد بهذه المعادلة يستند إلى أمر واقعي .
فلا مجال فيه لاختلاق أسباب، ونحت علل وفرضيات .
h h h

3 . الدين ونظرية استغلاله

عندما تجاهل الماديّون العلّة الواقعية الروحية لنشوء العقيدة في حياة البشر، والسبب المنطقي المتمثّل في الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام، والاعتقاد بقوة خالقة مدبّرة، عمدوا إلى اختلاق ونحت فرضيات خيالية لتعليل هذه الظاهرة الخالدة، ليخدعوا بها أنفسهم، ويضلّلوا بها السذّج والبسطاء .
فتارة علّلوا نشوء العقيدة الدينية بعامل الجهل بالأسباب الطبيعية للحوادث .
وتارة علّلوه بعامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة .
وثالثة علّلوه بعامل اقتصادي، وهذا التحليل لا يختص بتفسير نشأة الأفكار الدينية، بل هم يحلّلون كلّ ما في المجتمع من علم وفلسفة وفن وثقافة، وآداب وتقاليد وسنن دينية وأفكار ميتافيزيقية بعامل اقتصادي على النحو الّذي سيأتي تفصيله وبيانه .
فالأفكار الدينية والفلسفة الميتافيزيقية ـ حسب تحليلهم ـ ليست إلاّ

صفحه 52
ردة فعل للأوضاع الاقتصادية السائدة في المجتمع، تماماً مثل بقية الظواهر الاجتماعية المذكورة من غير فرق بين ظاهرة وأُخرى .
وقد اتّفق جميعهم على هذا التفسير، إلاّ أنّهم قالوا مرة إنّ الدين والمفاهيم الدينيّة كانت آلة طيّعة بيد المستغِلِّين لإخماد ثورة المستغَلِّين، من الفلاّحين والعمال .
وقالوا مرة أُخرى بأنّ الدين بلسم مسكن كان يلجأ إليه المحرومون والمضطهدون أنفسهم للتخفيف من آلامهم، وتبرير أوضاعهم، وعجزهم عن إصلاحها .
هذا هو إجمال ما يقوله الماركسيّون في هذا الصدد، وإليك تفصيل الكلام في ذلك .
يذهب الماركسيّون إلى أنّ كلّ ما في المجتمع البشري ينقسم إلى بنية تحتية، وبنية فوقية .
والبنية التحتية عبارة عن الوضع الاقتصادي وتطور وسائل الإنتاج وتكاملها، وما ينشأ ـ بتبعها ـ من العلاقات الاقتصادية .
والبنية الفوقية عبارة عن الأفكار الاجتماعية والسياسية والثقافية والأدب والفن والدين والفلسفة، فكل هذه الأُمور تتبع في شكلها ونوعيتها الوضع الاقتصادي ونوعيّة العلاقات الاقتصادية الناجمة بدورها عن تطور وسائل الإنتاج وتكاملها .
قال «كونستانيتوف»: «ينبغي البحث عن منبع الأفكار الاجتماعية

صفحه 53
والسيـاسيـة والحقوقية والدينية في الاقتصاد قبل كل شيء».1
هذا هو الأصل الّذي اخترعه الماركسيّون لتعليل جميع الظواهر الاجتماعية، وبذلك أرادوا تقسيم الأشياء إلى نوعين: أصيل، وغير أصيل. والأوّل متبوع والثاني تابع، يتغير بتغيّر الأوّل، ويتكامل بتكامله وتطوّره .
وهكذا فسّروا ظاهرة العقيدة الدينية فزعموا انّها تابعة للظروف والعلاقات الاقتصادية، وانّ المفاهيم الدينية ليست سوى ردة فعل للأوضاع الاقتصادية المتدهورة .
ولأجل ذلك فانّ أصحاب الرق والاقطاعيّين والرأسماليّين في عهود (الرق والاقطاع والرأسمالية) كلّما خشوا ثورة العبيد والفلاحين والعمال في وجه المستغِلِّين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط، عمدوا إلى التوسّل بالمفاهيم الدينية والروحية وروّجوها بين المحرومين والكادحين الناقمين بهدف تخديرهم والتخفيف من غضبهم، وصرفهم عن الانتفاضة والثورة، وبهدف تكريس خضوعهم واستسلامهم لإرادة الأسياد والاقطاعيّين والرأسماليّين واستغلالهم، وكان من ذلك الدعوة إلى الصبر، وبأنّ التذرع به يستعقب أجراً عظيماً في اليوم الآخر، ووعدهم بالجنة ونعيمها المقيم .
وهذا التحليل المفتعل هو الّذي قصده ماركس وانجلز بقولهما: «وما القوانين والقواعد الأخلاقية، والأديان بالنسبة إلى العامل إلاّ أوهام برجوازية تستتر خلفها مصالح برجوازية».2

1 . دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع : 4 .
2 . النظام الشيوعي : 52 .

صفحه 54
وهو الّذي قصده لينين إذ قال (عام 1905م): الدين أُفيون الشعوب، والدين ورجل الدين يخدّران أعصاب المظلومين والفقراء ويجعلانهم يخضعون للظلم».1
كما قصده ستالين إذ قال (عام 1927م): «إنّنا نرى في الأديان خطراً على الحضارة الإنسانية ، فالأديان أُفيون مخدّر». (2)
وقال عام (1944م): «لا نريد أن نجعل الدين مسيطراً علينا، لأنّنا لا نريد أن نكون سكارى». 2
وربّما قالوا: إنّ المحرومين والفقراء ومن أسموهم بالطبقة المستغلّة هم أنفسهم لجأوا إلى هذه المفاهيم الدينية ولاذوا بها ليسلّوا أنفسهم، ويخفّفوا عن آلامهم، ويبرّروا عجزهم وواقعهم الفاسد، أو يخدّروا بها عقولهم ومشاعرهم عندما يفشلون في استعادة حقوقهم من أرباب العمل والأرض والأسياد المستغِلّين لهم السارقين لجهودهم .
قال ماركس: «إنّ الدين زفرة الكائن المثقل بالألم وروح عالم لم تبق فيه روح، وفكر عالم لم يبق فيه فكر، انّه أُفيون الشعوب، إذن فنقد الدين هو الخطوة الأُولى لنقد هذا الوادي الغارق في الدموع». (4)
مؤاخذات على نظرية الدين واستغلاله   
وقال لينين (عام 1913 م): ليس صحيحاً انّ الله هو الّذي ينظم الأكوان، وانّما الصحيح هو أنّ الله فكرة خرافية اختلقها الإنسان ليبرر عجزه، ولهذا فانّ كلّ شخص يدافع عن فكرة الله انّما هو شخص جاهل عاجز. (5)

1 و 2 . النظام الشيوعي: 92 و 52 .
2 . النظام الشيوعي: 53 .      4 . كارل ماركس : 16 ـ 17 .      5 . النظام الشيوعي : 53 .

صفحه 55
وبالجملة فالدين بما فيه من وعد للمظلومين والمحرومين كان يقلّل من حرارة الثورة في نفوس المحرومين، ويمتص نقمتهم على الأسياد والأقطاعيّين وأصحاب الثروة المستغِلّين .
ويستشهد الماركسيّون على كون الدين ردّة فعل للأوضاع والعلاقات الاقتصادية بأنّه كلّما تحسّنت الأوضاع الاقتصادية لدى الطبقات الكادحة وظهرت في قلوب المحرومين بوارق الأمل والرجاء اختفت الأفكار والمعتقدات الدينية وحلّت محلّها الأفكار المادية .
بينما ينعكس الأمر عندما تنعكس المعادلة، فكلّما ساءت أوضاع الكادحين والمحرومين ظهرت العقيدة الدينية وراج سوقها، ونشط دور رجال الدين، ولجأ الناس إلى مفاهيم الدين .
وهذا يعني أنّ بين الوضع الاقتصادي والإقبال على المفاهيم الدينية علاقة متعاكسة فكلّما تحسّن ذاك تدهور هذا، وكلّما تدهور ذاك تحسّن هذا .
ولهذا يقول لينين: «الدين مرتبط بالظلم دائماً، فحيثما يوجد الظلم يوجد الإيمان بالدين، وإذا ما تخلّصنا من الظلم وجب أن نتخلّص من الدين، بل انّ تخلّصنا من نفوذ الدين يساعدنا على التخلّص من الظلم»1 .

مؤاخذات على هذه النظرية

هناك مؤاخذات عديدة على هذه النظرية وما قيل في تبريرها، بحيث يجعلها فكرة خاطئة لا يمكن عدّها من الفروض القابلة للدراسة، بل يجعلها في

1 . النظام الشيوعي : 53 .

صفحه 56
عداد النظريات التي اخترعت لهدف خاص هو إشاعة الإلحاد والإباحية. ونحن نكتفي هنا بذكر جملة منها هي:
مؤاخذات على نظرية الدين واستغلاله   
أوّلاً: انّ معلومات هذا الفريق من المادّيين عن الدين ومفاهيمه، وجذوره وأفكاره، يرجع إلى انطباعاتهم عن سلوك آبائهم، أو ما وجدوه في المجتمع من غث وسمين منسوب إلى الدين، ولا شك أنّ الكثير من هذه التصرفات والمواقف والتصوّرات لا تمثّل حقيقة الدين الناصعة، وجوهره الصافي، فقد طرأ على الأُمور الدينية من التشويه والمسخ والاعوجاج ما غيّب تلك النصاعة والصفاء خلف غيوم من الإبهام والانحراف .
ولو انّ هؤلاء المادّيين اعتمدوا المنابع الدينية الأصيلة لدراسة الدين، وجعلوا سيرة قادته المخلصين وسلوكهم النقي من الشوائب والانحرافات ملاكاً لحكمهم على العقيدة والأفكار الدينية لقضوا بغير ما قضوا، هذا إن كانوا غير متأثرين بأفكار مسبقة وغير مندفعين بنيّات مبيّتة.
لقد اتّخذ هؤلاء ذلك الموقف المعادي والسلبي من الدين وهم يعيشون في البيئات الغربية الّتي يسود فيها دين الكنائس الّذي تنسب نفسها وعقائدها وممارساتها المشينة إلى المسيح زوراً، وغير خفي على المطّلع انّ دين الكنائس في تلك البلاد كان قد انتهى إلى مجموعة من الخرافات والتحريفات والأباطيل والمهازل، وهي الّتي بررت للماركسيّين أن يطلقوا مثل هذا الحكم القاسي والسلبي على الدين على وجه الإطلاق. ولمعرفة هذه التحريفات، وهذه الخرافات تكفي مراجعة عابرة لكتب العهدين (التوراة والإنجيل) وعظات القساوسة المنشورة .
ثانياً: انّ هؤلاء تغافلوا عمّا للدين والعقيدة الدينية من الآثار

صفحه 57
الإيجابية البنّاءة في حياة الإنسان ، وكيف أنّها من أهم عوامل التحرك والتقدّم والرقي والصعود لا الجمود والركود .
وقد عقدنا لبيان هذه الآثار فصلاً موسّعاً ستقف عليه قريباً، إلاّ أنّنا نستعرض هذه الآثار هنا بسرعة خاطفة وعلى سبيل الإجمال استكمالاً لهذا البحث فنقول:
إنّ للعقيدة الدينية آثاراً عديدة في حياة الإنسان، وأهمها ما يلي:
أ ـ التقدّم العلمي في ظل الدين: فانّ المتديّن يسند وجود العالم إلى فعل قوة عليا عالمة قادرة، والمادي يسنده إلى التصادف الأعمى. ومن الطبيعي أن تكون العقيدة الأُولى هي الباعثة على اكتشاف السنن والأنظمة دون الثانية، فانّ إقبال العالم على اكتشاف الروابط والنواميس الكونية فرع علمه بوجود سنن قطعية على سبيل الإجمال، وهو لا يحصل إلاّ مع العلم بأنّ الكون من صنع الخالق العالم القادر المدبّر الحكيم، وهذا ممّا لا يتوفّر عند من يقول بوجود الكون عن طريق الصدفة، إذ الصدفة تعني الفوضى واللانظام .
ب ـ الدين دعامة الأخلاق: انّ اعتقاد الإنسان بالله سبحانه، وانّه خلقه لغاية وهدف، وانّ الموت ليس نهاية الحياة; يولّد في الإنسان رادعاً قوياً، يردعه عن الانسياق وراء شهواته الرخيصة وأهوائه ونزواته، كما أنّه يولّد فيه مثلاً أخلاقية، وتوجب نموّ السجايا الخيّرة في كيانه، فلا يرتكب كل ما تمليه عليه مصالحه الشخصية كما هو دأب المادّي غير المؤمن بالله .
فإنّ العالم الكيمياوي إذا اقترح عليه بأن يصنع سلاحاً مدمّراً، أو قنبلة سامة فتّاكة لقاء عرض مادي مغر، لا ينفذ هذا الطلب إذا كان مؤمناً بالله،

صفحه 58
بخلاف العالم المادّي الّذي لا يعتقد برقابة إلهية ولا بجنة ولا نار، وهذا غير ما سيوافيك من أثر العقيدة الدينية في مجال القانون .
ج ـ الدين عامل التحرك والاستمرارية: فانّ الإنسان الّذي يعتقد بأنّ وراء هذا الكون قوة عليا قادرة على دفع الشدائد و درء المصائب عنه، إذا توجه إليه واستعان به فانّ اعتقاده هذا يساعده على الاستمرارية والاستقامة، بل والتحرك والتقدّم لأنّه يرى نفسه معتمداً على تلك القوة وآملاً بنصرها وتأييدها، بخلاف المادي الّذي لا يركن إلى ركن وثيق، وهذا يعني انّ الدين أكبر محفّز، وأشدّ ما يحتاج إليه الإنسان هي الحوافز.
د ـ الدين والتقيّد بالقانون: فالإنسان الّذي يرى نفسه في محضر الله سبحانه، ويعتقد بأنّه يحصي عليه حركاته وسكناته، بل ويضبط خطرات قلبه وأوهام فكره، ونوايا ضميره، لن يرتكب أيّة مخالفة قانونية، خاصة إذا عرف بأنّ تطبيقه للقانون يستتبع الثواب الأُخروي الجزيل والأجر الإلهي الجميل وتمرّده عليه يستتبع العقاب الإليم، بخلاف المادي الّذي يتحايل على القانون بألف حيلة وحيلة، ولا يرتدع عن مخالفته والتملّص منه كلّما سنحت له الفرصة، لأنّه لا يؤمن بأيّة نظارة ورقابة، ولا يخشى عقاباً، ولا يرجو ثواباً .
إلى غير ذلك من الآثار الفردية والاجتماعية البنّاءة الّتي لا غنى للفرد والمجتمع عنها، وقد شرحناها على وجه التفصيل في الفصل اللاحق، فكيف يصف الماركسيّون الدين بأنّه مخدّر وأنّه أُفيون وأنّه يوجب الركود والجمود؟!
ثالثاً: انّ البحث في علّة نشوء العقيدة انّما هو في نشأتها في العصور الأُولى من حياة الإنسان على الأرض، في حين انّ ما يذكره الماركسيون

صفحه 59
يرتبط بالأدوار المتأخرة جداً عن تلك العصور، أي قبل أن توجد ظاهرة الرق والاقطاع والرأسمالية، فانّ ما يذكرونه يرجع إلى عصور الأغارقة أو ما جرى في أُوروبا في القرون الوسطى، فتعليل العقيدة الدينية بهذه الظواهر المتأخّرة عن الحياة البشرية الأُولى جداً، خطأ فضيع، أو تعمّد مفضوح، إذ ما الّذي يفسر نشوء العقيدة الدينية ووجودها في العهود الأُولى من حياة الإنسان على الأرض، وقبل وجود هذه الظواهر (أي الرق والاقطاع والرأسمالية) .
رابعاً: انّ تقسيم الظواهر الاجتماعية إلى بنية تحتية وأُخرى فوقية، وتصوّر أنّ الثقافة والفن والعلم والدين كلّها من البنية الفوقية التابعة للبنية التحتية (أي الاقتصاد) من شأنه إبطال كلّ نظرات الماركسيّين في مجال الفلسفة والتاريخ والاقتصاد، وكلّ تحليلاتهم وآرائهم، فانّ هذه القاعدة التي اخترعها ماركس تستلزم أن يكون مجموع مناهجها في المجالات المختلفة نابعة من الحالة الاقتصادية وما كانت عليه وسائل الإنتاج يوم أطلق ماركس وانجلز نظريتهما، وعلى ذلك فلو تغيّرت وسائل الإنتاج، وتغيّر الوضع الاقتصادي انتهى دور المناهج الماركسية في المجالات المختلفة، فلابدّ أن تتخذ مناهج أُخرى تضادد تلك المناهج، تبعاً لمتغيّرات الاقتصاد، وتطوّر وسائل الإنتاج، والعلاقات الاقتصادية .
وعلى ذلك فنفس ما يقوله الماركسيون، أي: «الدين أُفيون الشعوب، وانّه عامل الركود»، هو من نتائج الأوضاع الاقتصادية الّتي كانت تسود البيئة التي أطلق فيها ماركس كلمته هذه .
فحيث تطوّر الوضع الاقتصادي، وتغيّر إلى وضع آخر تغيّرت النظرية

صفحه 60
إلى نظرية أُخرى، فربّما يمكن أن تكون النتيجة هي انّ الدين محفز للعمل، ومحرك للأُمّة، وعامل من عوامل المقاومة والتقدّم .
وهذا يعني انّ ماركس قضى على جميع أفكاره بنفسه، وخاصة هذه النظرية حول الدين .
خامساً: انّ تعليل هذه الظواهر الاجتماعية على سعتها وتنوّعها وتشعّب أطرافها (كالعلم والفلسفة، والدين والثقافة، والفن والآداب) بعامل اقتصادي أشبه ما يكون بتعليل زلزال هائل دمر مدينة عظمى، بانهيار سقف خشبي في إحدى ضواحي تلك المدينة .
صحيح انّ الاقتصاد يلعب دوراً هامّاً في مجالات الفكر والظواهر الاجتماعية إلاّ أنّ الاقتصاد ليس هو العامل الوحيد الّذي له مثل هذا الدور والتأثير، فليس الاقتصاد هو القوة الوحيدة المحركة للتاريخ، وليست وسائل الإنتاج هي القوة الكبرى الّتي تصنع تاريخ الناس، وتطورهم وتنظمهم، بل هناك عوامل محركة أُخرى للتاريخ نذكر بعضها:
أ ـ الغرائز التي جبل عليها الإنسان ، فانّ لها دوراً مؤثراً لا يمكن إنكاره في نشوء الحوادث الاجتماعية، فقد أثبت الروحيون انّ الإنسان ينطوى على غرائز خاصّة تفعل كل واحدة منها أثرها الخاص في الحياة والمجتمع، مثل غريزة طلب العلم، والجاه، والجمال. وغيرها، وما يتولد عنها من تطوّرات اجتماعية .
ب ـ الشخصيات البارزة فانّ لها أثراً كبيراً في خلق الظواهر الاجتماعية، فانّ هذه الشخصيات لا تكتفي بالتفرج على الأوضاع، بل تلعب أدواراً،

صفحه 61
وتصنع أحداثاً، توجد تغييرات. وتاريخ الأُمم بما فيها من صفحات مشرقة خير شاهد على أنّ هذه الشخصيات قد أشعلت شرارة الكثير من الثورات الاجتماعية، وأوجدت الكثير من التحولات، وانّه لولاهم لما حدث مثل تلك التحولات، ولما تفجّرت تلك الثورات .
ج ـ فكرة القومية، فقد كان لها أثرها الخاص في التطوّرات الاجتماعية لدى الامم المختلفة، فهذا هو هتلر الألماني أشعل الحرب العالمية الثانية بفكرة القومية النازية .
ولهذا عمد بعض المفكّرين في بعض البلاد إلى التوسّل بالقومية، وإحياء روحها، وإلهاب مشاعر الناس بها، للوقوف في وجه الاعداء أو تحقيق النهضة فيها1 .
ومع ملاحظة هذا العوامل وغيرها من العوامل المحركة للتاريخ المبحوثة في محلها. وتأثيرها البالغ في الظواهر الاجتماعية كيف يصحّ للماركسيّين أن يسندوا كل ما في المجتمع من مظاهر علمية وفلسفية وفنية وثقافية وأدبية ودينية إلى عامل اقتصادي فقط؟!
سادساً: لو لم تكن للعقيدة الدينية جذور فطرية أو لم تكن هناك رابطة بين مشاهدة النظام والاعتقاد بوجود المنظم، فلماذا يتفق المستغَلّون جميعاً على

1 . فكرة القومية مع مالها من أثر في تحريك الجماهير فكرة خاطئة ومرفوضة من وجهة نظر الإسلام، لأنّها تستند إلى رفع بعض الشعوب على بعض، وحصر جميع الخدمات بشعب خاص على حساب شعـوب أُخرى، والحال انّ الواجب هو صرف الخدمات لصالح الإنسانية جمعاء دون تمييز ولا استثناء، وهذا هوما أكّد عليه القرآن الكريم والسنّة النبوية وأحاديث العترة.

صفحه 62
قبول هذه الظاهرة، مع أنّهم يرون بأُمّ اعينهم انّ هذا العامل وسيلة لإخماد ثورتهم، وامتصاص نقمتهم ومنعهم من استنقاذ حقوقهم .
أليس يعني هذا انّ المستغلّين للطبقات المحرومة كانوا يستخدمون الدين في سبيل مصالحهم وهم يعتمدون على واقعية مقبولة لدى المستغلين ذاتياً، فلو لم يكن الديّن والتدين أمراً فطرياً عند المحرومين، أولم يكن أمراً منطقياً لديهم فلماذا لم يرفضوا هذه الآلة الّتي تستخدم ضدهم؟!
ألم يكن بين جماهير الطبقات الفلاحية والعمالية طوال القرون المتمادية من يميز بين ما هو في مصلحتهم وما هو ضد مصلحتهم؟!
إنّ هذا الأمر يجعلنا لا نثق بهذه النظرية، بل يدفعنا إلى أن نذعن بأنّ للعقيدة الدينية جذوراً وخلفيات أعمق في كيان الإنسان وحياته، غير ما ذكره الماركسيون .
سابعاً: انّ ما ذكروه يستلزم أن لا يوجد بين الطبقات المرفّهة، وأصحاب الثروة والمكنة أيّ متديّن، لعلمهم بأنّ الدين ليس سوى وسيلة تستخدم لإخماد الثورات وجلب المنافع، والحال انّنا نجد طول التاريخ أصحاب ثروة وقفوا أعمارهم وثرواتهم في سبيل تحقيق الأهداف الدينية المقدّسة بحيث صار الغني والفقير والظالم والمظلوم!! والمضطهِد والمضهَد!! في هذه الظاهرة سواء، أي انّنا نجد متديّنين ليس بين الفقراء والمحرومين فقط بل بين الأغنياء وأصحاب الثروة أيضاً، وهذا يعني أنّ قضية الإيمان بالله ليست ناشئة من عوامل اقتصادية كما ذكروا، بل هي قضية روحية فطرية، ومسألة عقلية يقود إليها الفكر السليم .
ثامناً: انّ ما استشهدوا به لتبرير نظريتهم (وهو انّه كلّما انتعش

صفحه 63
حال الطبقات المحرومة اقتصادياً انحسرت العقيدة عن حياتهم، وكلّما تردّت، راجت العقيدة الدينية) جهل من هؤلاء المحلّلين بمجريات التاريخ .
فانّنا نجد في الحضارة اليونانية والإسلامية كيف قد ازدهرت الحالة الاقتصادية العامة وتحسّنت جنباً إلى جنب مع ازدهار العقيدة الدينية ورواج المفاهيم الميتافيزيقية، وكان لمعرفة الله والإيمان به دور بارز ومكانة كبرى في هذه المدنيات والحضارات .
وهذه حقيقة يقف عليها كلّ من راجع تاريخ هذه الحضارات الكبرى، بل هي من الثبوت والجلاء ما لا نحتاج معه إلى ذكر الشواهد والنماذج .
تاسعاً: انّ تدهور أمر العقيدة الدينية وانحسارها في بعض المجالات والفترات الّتي نشط فيها الاقتصاد العام وانتشر الرفاه لا يعود إلى ما ذكروه من النسبة التعاكسية بين «انتعاش الحالة الاقتصادية العامة» و «انحسار العقيدة الدينية» بحيث يكون انتعاش الحالة الاقتصادية العامة للكادحين سبباً في الإعراض عن العقيدة والمفاهيم الدينية، وتردّيها سبباً لرواج العقيدة الدينية، بل يعود إلى أنّ طغيان غريزة من الغرائز من شأنه أن يغطي على الجوانب الأُخرى في الحياة الإنسانية، وهذا لا يختص بغريزة حب المال والثروة، بل يعمّ غريزة حب الجاه والجنس وغير ذلك من الغرائز، فإذا زادت الاستفادة من غريزة معيّنة كما لو تمادى المرء في غريزة حب المال وجمعه أو الجنس نسي سائر ما عنده من الغرائز، بل وحتّى ما اعتقده من أفكار ثبتت لديه بالأدلّة القاطعة كالدين وماشاكل ذلك .
وبعبارة أُخرى: انّ العقيدة المقدّسة كالاعتقاد بالله الّتي لا تنفك عن

صفحه 64
تحمل المسؤوليات لا تزدهر ولا تتجلّى بقوة في كل ما اتّفق من بيئة ومحيط، بل تزدهر وتنمو في بيئة سليمة من هيمنة الغرائز الطافحة وسيطرة الشهوات الطاغية التي تطغى على كلّ شيء سواها .
ومن هنا يكون من الطبيعي أن يتضاءل دور ونفوذ العقيدة الدينيّة، وتكاد تختفي معالمها في البيئات الّتي تغطي عليها المادية، ويكون الإنسان فيها غارقاً في الشهوات من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ففي هذه الحالة لا تترك التوجهات المادّية الطاغية الحادة مجالاً لظهور الأفكار الدينية وتجلّي التوجّهات الميتافيزيقية .
وليس هذا الانحسار تجاه طغيان شيء من الغرائز خاصّاً بالدين، بل يشمل بقية الجوانب الإنسانية والغرائز البشرية .
فكلّما طغى شيء اختفى في شعاعه شيء آخر من الأفكار أم من الغرائز .
عاشراً: انّ استخدام المستغِلّين للعقيدة الدينية في سبيل مصالحهم شيء، والدوافع الموجدة للعقيدة الدينية شيء آخر، والبحث انّما هو في الثاني دون الأوّل، وما قاله الماركسيون يرجع إلى الأوّل دون الثاني، فالعقيدة حقيقة موجودة في طبيعة الإنسان ومختمرة بفطرته، وقد استغلّها بعض الأشخاص لمصلحته، وهذا واقع في أشياء أُخرى أيضاً، كما في الطب وأشباهه، فلا يصحّ أن يقال: انّ الطب قضيّة مخترعة لا واقع لها ولا ضرورة، لأنّ بعض الأشخاص أو بعض الأطباء استخدم الطب لاستدرار الأرباح، واستجرار المنافع من ورائها .
قال ويل ديورانت: «إنّ الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه فقط كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات،

صفحه 65
فلم تنشأ العقيدة الدينية من تلفيقات وألاعيب كهنوتية انّما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع».1
حادي عشر: لو سلّم بما ذكره الماركسيون من أنّ الدين كان يستخدم كوسيلة لمصلحة الأثرياء وإضعاف الفقراء، فانّ ذلك ـ لو صحّ ـ فانّما يصحّ بالنسبة للمذاهب الّتي طالتها أيدي التحريف، أو الّتي أوجدها الاستعمار، ولا يصلح ذلك دليلاً لتعميم هذا الحكم على كافة الشرائع .
كيف! ونحن نجد القرآن الكريم الّذي صدع به نبىّ الإسلام محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)يزخر بتصريحات هامّة وواضحة للأنبياء السابقين ضد المستغِلّين، وتجد أيضاً كيف انّ دعواتهم كانت ملجأ للمحرومين والمظلومين وسبيلاً إلى كسر شوكة الظالمين ودحر المستغِلّين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها .
ففي سورة القصص يقول سبحانه:
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُري فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ جُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) 2.
وفي سورة الشعراء يحكي سبحانه عن النبي موسى(عليه السلام) احتجاجه على فرعون استعباده لبني إسرائيل إذ يقول:
(وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (3) .

1 . قصة الحضارة : 1 / 177 .
2 . القصص : 4 ـ 6 .            3. الشعراء: 22 .

صفحه 66
وفي سورة الشعراء يقول سبحانه وهو ينقل موقف بعض الأعيان والأثرياء من الرسالة الإسلامية الّتي ناصرها المحرومون والضعفاء:
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ)1 .
وغيرها من الآيات التي تفيد انّ الدعوات الإلهية كانت موجّهة ضد الطغاة والمستكبرين والظالمين، وكذا ضد المعتدين والمستغلين .
ولهذا كان المحرومون يبادرون إلى تأييدها قبل أيّ جماعة أُخرى .
بل نجد القرآن يحثّ أتباعه على الإعداد العسكري لمواجهة أعدائهم من الذين لا ترضيهم تعاليم الإسلام العادلة، إذ يقول سبحانه:
(وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) (2).
كما وهاجم المرابين الذين يستغلون حاجة الناس ويمتصون جهودهم بقوله:
(يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَ يُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَ اللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّار أَثِيم) 2.
وبقوله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَ لاَ تُظْلَمُونَ)(4).
وندد بكانزي الثروة إذ قال:

1 . الشعراء: 111 .            2 . الانفال : 60 .
2 . البقرة : 276 .            4. البقرة : 278 ـ 279 .

صفحه 67
(وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) 1 .
وغيرها من الآيات الناهية عن الاستغلال والاستعباد والّتي تدلّ على أنّ دعوات الأنبياء وجهودهم ركزت اهتماماً كبيراً على استنقاذ حقوق المحرومين وتخليصهم من الحرمان وحتّى باستعمال القوّة في بعض الحالات .
ثاني عشر: انّ الماركسيّين الذين ذهبوا إلى تعليل العقيدة الدينية بأنّها كانت آلة طيّعة لإخماد ثورة المستضعفين والكادحين، لعلّهم قصدوا بعض المفاهيم الخلقية في الدين الّتي ربّما تقع وسيلة بأيدي أصحاب الثروة لإخماد نائرة العمال والفلاحين المحرومين المضطهدين مثل:
أ ـ القضاء والقدر بمعنى الاستسلام والخنوع .
ب ـ الصبر بمعنى السكوت والخضوع للعدو .
ج ـ الزهد بمعنى الرغبة عن الدنيا وترك الفعاليات .
د ـ التوكل بمعنى ترك الأخذ بالأسباب الطبيعية .
غير انّ تفسير هذه المفاهيم بما ذكروه ينمّ عن جهلهم بمعانيها الحقيقية أو تعاميهم عنها، فانّ لها من المعاني ما يجعلها خير وسيلة للتحرك والانطلاق، والثورة والانعتاق ; لا الخمود والركود، والخضوع والعبودية كما زعموا .
وسوف نأتي على ذكر هذه المفاهيم، ونعرض لتحليلها في الأجزاء اللاحقة من هذه المجموعة بإذن الله تعالى .

1 . التوبة: 34 ـ 35 .

صفحه 68
على هامش النظرية الاقتصادية   
 
على هامش النظرية الاقتصادية
ونعود مرة أُخرى لدراسة النظرية الاقتصادية في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية في الحياة البشرية لنرى ما إذا كانت ترتكز على قاعدة صحيحة أم لا؟
فنقول: لقد استدلّ أصحاب النظرية الاقتصادية في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية، لإثبات نظريتهم بأنّ الطبقة المستغِلِّة من الأسياد والاقطاع والرأسماليّين عمدت إلى ترويج العقيدة والمفاهيم الدينية لهدفين:
1 . لتمكين حاكميتهم على من استغلّوهم، وذلك بإيهامهم بأنّهم نواب الله ووكلاؤه، وانّ ما يجري في حياة الناس انّما يجري بمشيئته، وانّ التمرّد على هذا الوضع مخالفة لأوامره وتقديراته، وانّ احترام الأسياد والحكام ليس إلاّ تكريماً لله، واحتراماً لأوامره .
2 . أنّ ما كانوا يطبقونه على المستغَلّين من أحكام جائرة وظالمة كان ينذر بانتفاضة أُولئك المحرومين وثورتهم لاستنقاذ حقوقهم وتخليص أنفسهم من الأذى والاضطهاد، فكان يلزم أن يكون هناك ما يخفّف هذه النقمة ويجنب المستغِلِّين هذه الثورة والانتفاضة، ولهذا روّجوا بينهم المفاهيم الدينية الّتي تدعو إلى الرضا بالقدر والصبر لقاء ما يحصلون عليه من عوض أُخروي، وعدم الحزن على ما فات، وما شاكل ذلك من المفاهيم المهدّئة للخواطر.1
ونجيب على ذلك بأنّنا قد نوافقهم على ما ذكروه في الأمر الأوّل بعض

1 . نعم انّ التقدير ـ بهذا المعنى ـ وهو انّ مصير الإنسان مرسوم دون إرادته، وانّه لا حيلة له في تغييره باطل ومرفوض، كما ستعرف في الأبحاث القادمة .

صفحه 69
الموافقة، فقد كانت السلطات الأُموية تروّج فكرة الخلافة الإلهية بمفهومها المحرّف المخدّر كلّما كانت الشعوب المضطهدة في ظل حكمهم تعمد إلى الاعتراض على أحكامهم التعسّفية، وممارساتهم الظالمة، فيوهمون الناس بتلك الفكرة، ويدّعون بأنّهم يمثّلونها وانّهم ينفّذون إرادة الله ومشيئته فعلى الناس أن يرضخوا لحاكميتهم، وأحكامهم.
فقد سأل معبد الجهني ـ وكان تابعياً صدوقاً ـ أُستاذه الحسن البصري عن مدى صحّة ما يعني به الأُمويون من مسألة القضاء والقدر وتبريرهم لأعمالهم الجائرة والفاسدة بأنّه من القدر الإلهي الّذي لا مجال لمعارضته ومناقشته فأجابه: كذب أعداء الله هؤلاء.1
إلاّ أنّه يرد على مجموع هذه النظرية اشكالات عديدة هي:
أوّلاً: انّ معنى هذه النظرية هو أنّ العقيدة الدينية انبثقت أوّل ما انبثقت في ذهن الطبقة المستغِلّة، ثم نقلتها هذه الطبقة إلى المستغَلّين، مع أنّ التاريخ لا يدلّ على مثل هذا التقدّم والتأخّر، بل يثبت عكس ذلك، حيث إنّه يدلّ على أنّ الناس ـ مع انقسامهم إلى طبقة مستغِلّة ومستغَلّة ـ كانوا سواء في الاعتقاد والعبادة، فليس هناك أيُّ دليل على أنّ العقيدة الدينية ظهرت أوّلاً بين الأسياد والحاكمين والمستغِلّين ثم انتقلت ـ بفعلهم ـ إلى المحرومين والمضطهدين .
وثانياً: انّ ما ذكره أصحاب هذه النظرية لا ينفع في المقام، لأنّ البحث ـ هنا ـ انّما هو في بيان سبب نشوء العقيدة الدينية، ومنشأ ظهورها في الحياة البشرية، والحال انّ ما ذكروه لا يتناول هذه الجهة ولا يوضح حقيقة هذا الأمر،

1 . تاريخ علم الكلام لشبلي النعماني نقلاً عن تاريخ مصر للمقريزي .

صفحه 70
فانّ أقصى ما يدّعيه أو يثبته هو استغلال جماعة معيّنة للعقيدة الدينية في سبيل أغراضهم ومصالحهم ضد طبقة أُخرى، وهو خارج عن محط البحث الراهن .
وثالثاً: انّ التاريخ يدلّ على أنّ الإنسان كان يحمل العقيدة الدينية في نفسه وعقله، ويمارسها في حياته العملية منذ أن كان يقطن في المغارات والكهوف. فانّ جميع تلك الجماعات البدائية كانت تخضع لمعبودات حقّة أو باطلة.
بل يذهب بعض مؤرّخي الديانات إلى أبعد من ذلك حيث يعتقدون أنّ الناس في أدوار التاريخ الأُولى كانوا يتّفقون على «إله واحد» وانّ التعدّدية وظاهرة الشرك طرأت على عقائدهم فيما بعد، وهذا يعني أنّ التاريخ الحقيقي للعقيدة يسبق التاريخ الّذي تقصده وتحدّده هذه النظرية الّتي تقول بأنّ الاعتقاد بالله وبالمفاهيم الدينية جاء نتيجة علاقة الظالم والمظلوم والسيد والمسود، وانّه نتيجة الصراع الطبقي، وحاكمية المستغِلّين على المستغَلّين، إذ التاريخ يثبت ـ كما أسلفنا ـ أنّ العقيدة كانت رائجة بين الناس، يوم كانوا أمّة واحدة، لا طبقات ولا أصناف .
رابعاً: انّ النظرية المذكورة انما تكون صحيحة إذا كانت صادقة بالنسبة إلى جميع الأدوار، وكان موضوعها شاملاً لجميع الموارد، في حين نجد انّ هناك دعاة إلى العقيدة الدينية لم يكن هدفهم ترسيخ حكومة الظالمين ولا تكريس حرمان المحرومين، بل على العكس من ذلك كان هدفهم هو مقارعة الظالمين وكسر شوكتهم، ودفع الناس إلى استعادة حرياتهم المصادرة واستنقاذ حقوقهم المغتصبة، وأفضل شاهد على ذلك حركة النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام) ضد نمرود، وحركة النبي موسى(عليه السلام) ضد فرعون، والدعوة المحمدية، وثورة الإمام

صفحه 71
الشهيد الحسين بن علي(عليه السلام) ضد السلطات الأُموية الجائرة المستغلة، وغيرها وغيرها.1
وأمّا ادّعاء أصحاب هذه النظرية باستغلال العقيدة الدينية من قبل بعض الطبقات فانّه لا يثبت أكثر من أنّ المستغِلّين استخدموا الدين كذريعة لتحقيق مطامعهم وحفظ مواقعهم، والإبقاء على مصالحهم، وهذا ليس ممّا ينكر، فانّ من طبيعة المستغِل أن يستخدم كل ما يخدم مصالحه، ويحقّق أطماعه، ويضمن أرباحه، ولذلك فهو يستخدم العقيدة الدينية في هذا السبيل كما يستخدم الإلحاد أيضاً، ويروّجه ويشجعه إذا وجده يحقّق له مآربه، ويخدم مقاصده .
غير أنّ السؤال المحيّر هنا هو: كيف استطاع هؤلاء المستغِلّين أن يتوسّلوا بالعقيدة الدينية لخدمة مصالحهم إذا لم تكن العقيدة شيئاً واقعاً في الأذهان، مقبولاً لدى النفوس، أي إذا لم تكن ممّا تقتضيه الفطرة وتطلبه، ولم تكن العقول تقضي به لوجود رابطة عقلية بين مشاهدة النظام الكوني والاعتقاد بالخالق المنظم؟!
ألا يدلّ ذلك على أنّ العقيدة الدينية كانت تجد هوى في النفوس، وقبولاً في العقول، وانّ ذلك كان بمثابة الفرصة الّتي استغلّها المستغِلّون، وكانت بمثابة الأرضية المناسبة الّتي ساعدتهم على استخدامها في سبيل مصالحهم، وإلاّ فكيف يمكن أن يتقبّل الناس ما لا يلقى هوى في نفوسهم، وقبولاً في عقولهم بالمرة، بل يستوحشون منه كما يستوحشون من الأشباح والغيلان .
أجل انّ شأن العقيدة الدينية شأن البضائع الّتي يقبل عليها الناس

1 . بل وكلّ الحركات الدينية وخاصة الإسلامية التى سارت على خطا الرسول الأكرم والإمام الحسين وغيرهما من قادة الإسلام لمكافحة الاستبداد أو الاستعمار أو الاستغلال .

صفحه 72
ويطلبونها بدافع من حاجتهم الفطرية ورغبتهم الطبيعية، وميلهم الذاتي .
فهذا الإقبال هو الفرصة المناسبة الّتي تساعد الذين يبحثون عن الأرباح الطائلة بأن يسلكوا سبيل الغش فيها، ويسهل لهم أن يخدعوا الناس بالبضائع المنمقة ظاهراً .
وخلاصة القول: إنّ الشيء ما لم يكن مقبولاً ذاتياً عند الناس لم يمكن لأحد أن يستغلّه ويتوسّل به لتحقيق مطامعه فيهم .
فالاسكافي والخياط لا يمكنهما خداع الناس بما يعرضانه من ألبسة وأحذية زاهية في الظاهر، مغشوشة في الباطن لو لم يكن هناك رغبة ذاتية، وأوّلية، وطلب طبيعي لدى الناس لهذه الأشياء، يستغلها أمثال هؤلاء الأشخاص.
القرآن ونظرية الاستغلال   
h h h

القرآن ونظرية الاستغلال

إنّ افتراء الماديّين على رجال الوحي لا ينحصر في باب دون باب، فانّهم كما افتروا عليهم في النظرية السابقة فقد افتروا عليهم في هذه النظرية أيضاً، إذ ادّعوا أنّ رجال الوحي كانوا يمالئون المستغلّين والظالمين، والحال انّ صحائف تاريخهم الساطعة تشهد بخلاف هذا الزعم .
فقد كان النبي يدعو الناس ـ قبل أي شيء ـ إلى كلمة الإخلاص والتوحيد وهي «لا إله إلاّ الله» (راجع سورة الأعراف والأنبياء) .
ولنتدارس هذه الكلمة الّتي يرددها ملايين البشر على وجه الأرض، لنقف على دلالاتها .

صفحه 73
أوليست هذه الكلمة دعوة صريحة إلى نبذ كل معبود سوى الله، وكلّ حاكم دونه، وكلّ ولاية عدا ولايته؟!
أو ليست هي حركة لمحو ورفض حاكمية المسرفين والظالمين والطواغيت يحمل لواءها رجال الوحي والدعاة إلى الله؟
أجل انّ كلمة لا اله إلاّ الله نفي لكلّ معبود وردع للانسان عن عبادة أيّ شيء سوى الله والتذلّل لأيّة قدرة دون قدرته، والخضوع لحاكمية دون حاكميته.
ومع ذلك كيف يصحّ لأصحاب النظرية المذكورة أن يفسروا دعوة الأنبياء بأنّها كانت في مصلحة المستغِلّين وانّهم كانوا يمالئون الظالمين والمستكبرين؟!
أو ليس القرآن الكريم يدعو بصراحة إلى عدم الركون إلى الظالمين إذ يقول:
(وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ) 1 .
أم كيف يسمح المادّيون لأنفسهم بأن ينسبوا هذه الوصف المشين إلى الأنبياء مع أنّ القرآن يعلن بصراحة بأنّ الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء والرسل هو إقامة العدل والقسط في المجتمع البشري الّذي لا يمكن إلاّ بإزالة كل مظاهر الاستغلال والاستعمار والاستعباد، إذ يقول:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (2).

1 . هود : 113 .            2 . الحديد : 25 .

صفحه 74
لا نظن انّ من ألمّ بالقرآن ونداءاته وتعاليمه يسمح لنفسه بأن ينسب مثل هذه الوصمة إلى أنبياء الله ورسله ويدّعي بأنّهم كانوا يمالئون المستغِلّين ويوافقونهم على ممارساتهم مع أنّ القرآن الكريم وهو كتاب نبي الإسلام يصرّح بأنّ ألدّ خصوم الأنبياء هم المترفون المسرفون وهم الظالمون الذين يتّخذون مال الله دولاً، وعباد الله خولا. هم الذين يحملون أنفسهم على أكتاف الناس ويفرضون حاكميتهم عليهم بالقهر والقوة، والذين كان الأنبياء من أقوى المحرّضين على الثورة عليهم وتحطيم حاكميتهم، وإزالة سيطرتهم.
قال سبحانه:
(وَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَ أَوْلاَدًا وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) 1.
ان القرآن الكريم يصرّح بأن اول من استجاب للانبياء وانضوى تحت لوائهم هم المستضعفون والمحرومون .
فهاهم المستكبرون ينددون بالأنبياء، لأنّهم آووا الأراذل والضعفاء من الناس إذ يقولون كما يحكي سبحانه عنهم:
( فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَ مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَ مَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)2 .
نظرية العقيدة الدينية ظاهرة طفولية   
وهكذا كان الدعاة إلى الله ـ وفي طليعتهم الأنبياء ـ على النقيض من

1 . سبأ: 34 ـ 35.
2 . هود : 27 .

صفحه 75
المستكبرين والظالمين أبداً، وكانت دعواتهم حرباً شعواء على الظلم والاستغلال .
لقد كانوا يؤكدون ـ دائماً ـ على أنّ سيطرة الظالمين على المحرومين لم تكن إلاّ بسبب سكوتهم وعدم ثورتهم ضدهم، وانّهم ما لم يغيّروا أوضاعهم الفاسدة بأنفسهم، لم يغيّر الله من أمرهم شيئاً .
وهذه سنّة تاريخية ثابتة في مجال الاجتماع لا مندوحة منها ولا مناص، فكلّ أُمّة تريد أن يعود إليها مجدها، وسيادتها لا تحصل على ذلك إلاّ إذا غيّرت وضعها بنفسها أوّلاً .
قال سبحانه:
(إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) 1 .
إذن فسيطرة الظالمين باقية مستمرة مادام الناس لم يثوروا في وجه الظالمين ولم يتمرّدوا على أوامرهم وتحكّماتهم.

4 . العقيدة الدينية ظاهرة طفولية

ثم إنّ ثمت نظرية أُخرى لا يليق أن نذكرها في عداد النظريات لتفاهتها وسخافتها الفاضحة، وهي: انّ الإنسان يوم كان طفلاً كان يحس بالحاجة الشديدة إلى الحماية تجاه الأخطار المحيطة به بسبب ضعفه وعجزه، فكان يجد هذه الحماية عند أُمّه، ولمّا أدرك تفوّق الأب لجأ إليه ولمّا أحسّ بعجز أبيه أيضاً

1 . الرعد : 11 .

صفحه 76
تجاه الأخطار الكبرى مضى يبحث عن قوة أكبر أقدر على حمايته تجاه الحوادث حتّى يحلّه محلّ أبيه، وهكذا نشأت عنده فكرة الإله.
والمجتمع وان تخلّص اليوم عن بعض ما يعلق بضمير الطفل من الحاجة في اللجوء إلى الأُم أو الأب حيث إنّه قد بلغ مرتبة كبيرة من البلوغ العقلي والفكري إلاّ أنّ اعتقاده بالله استمر لاستمرار الحالة الطفولية الّتي كانت تعلق بضمير المجتمعات الغابرة الّتي كانت من حيث العقل والفهم بمنزلة الطفل .
وخلاصة القول: إنّ عقيدة الإنسان بالله في المجتمعات البدائية ما هي إلاّ استمرار لعقيدة الطفل بالحاجة إلى حضن الأُم، وكنف الأب وحمايتهما، فهذه العقيدة أو الحالة الطفولية هي الّتي أوجدت في عقله فكرة الإله القائم مقام الأب.
والجواب عن هذه النظرية هو انّه ـ مضافاً إلى ما ذكرناه من الأجوبة المشتركة عن النظريات الأُخر في هذا المورد ـ يرد عليه:
أوّلاً: انّ صاحب هذا التحليل خلط بين «الدافع» والنتيجة المتحصّلة من ذلك الدافع من حيث القيمة، كما ألمحنا إلى ذلك في ما سبق .
فلو انّنا فرضنا صحة هذا التحليل ـ ولن يصحّ أبداً ـ وارتضينا ما يقول من أنّ الحالة الطفولية هي الّتي دفعت البشر إلى اتّخاذ العقيدة الدينية، ولكن ذلك لا يقلّل من أهمية العقيدة الدينية وإن كان الدافع إليها أمراً تافهاً، وذلك لما قلنا من أنّ الدافع وما يندفع إليه ليسا سواء ولا متحدين في القيمة .
فربّما يكون الدافع أمراً تافهاً، ولكنّه يدفع الإنسان إلى أمر ذي بال، كما لو دفعت الحرب إلى اختراع أجهزة مفيدة، أو دفعت غريزة طلب الجاه أو الشهرة أو الثروة إلى ابتداع مكتشفات نافعة .

صفحه 77
ثانياً: انّه يرد عليه ما نبهنا إليه أكثر من مرّة وهو أنّ هذه النظرية وسابقاتها من قبيل التحليل القائم على أمر غير ثابت أبداً، بل ممّا ثبت خلافه، وهو أنّ «العقيدة الدينية أمر موهوم لا علّة له من فطرة أو عقل» ولمّا كانت العقيدة عندهم أمراً موهوماً أخذ يشرّق أصحاب هذه النظريات ويغربون، ويحاولون ان ينحتوا لنشوء هذا الأمر الموهوم علّة، وهم يرون بأنّ نشوء العقيدة الدينية من قبيل الاعتقاد بنحوسة العدد 13، ونعيب الغراب، وما شا كل ذلك .
ولكن وصف «العقيدة الدينية» بذلك وجعلها في عداد الأوهام والخرافات من أسوأ المواقف تجاه الحقائق، فانّ للعقيدة الدينية علّة فطرية، وأُخرى منطقية، ولهذا لا مجال لنحت الفرضيات لتفسير وجودها ونشوئها والسماح للخيال بابتداع التبريرات والعلل .
ثالثاً: أنّ هذا التحليل سيف ذو حدّين، لأنّ الظاهر منه هو أنّ صاحبه يعيد عقائد الناس إلى العقد الروحية الّتي تعلق بالنفس الإنسانية في فترات من عمر الإنسان .
فلو صحّ ذلك فلماذا لا تصحّ هذه النظرية بالنسبة إلى نفس هذه العقيدة التي اختارها المحلّل تجاه الدين ومفاهيمه، حيث قال إنّ العقيدة الدينية ترجع في ابتدائها إلى عقدة روحية، فلماذا لا يكون إلحاد هذا المحلّل (وهو فرويد) وخصومته مع الله سبحانه راجع إلى عقدة روحية أُصيب بها في فترة معيّنة من فترات عمره؟! خاصّة وانّه قد نقل عنه بأنّه كان متعلّقاً بمربية له في طفولته، وكان يذهب معها إلى الكنيسة، فلمّا طرد والده تلك المربية من منزلهم بتهمة السرقة نشأت لدى فرويد عقدة تجاه أبيه الّذي حرمه من تلك المربية، فصار خصماً لوالده منذ ذلك الوقت .

صفحه 78
فلماذا لا تكون خصومته لله امتداداً لخصومته لوالده؟
أضف إلى ذلك أنّ هذا المحلّل لم يمكنه أن يتحرر من رواسب العقائد المسيحية المحرفة الّتي علقت بضميره منذ كان طفلاً يتردد على الكنائس، فانّ تنزيل الإله منزلة الأب والتعبير عن خالق الكون بالأب فكرة مسيحية، تستقي جذورها من العقائد المسيحية المحرفة .
والناظر في أمثال هذه التحليلات لا يشك في أنّ كل واحد من المحلّلين قد نظر إلى العقيدة السائدة في عصره وبيئته فجعلها مقياساً لتحليله، ومعياراً لتقييمه.
ولم يكن أُولئك المحلّلون ذوي خبرة وإلمام بالشرائع والعقائد السماوية حتّى يميّزوا المحرّف عن غيره والصحيح عن السقيم، كما عرفت .
رابعاً: انّ هناك شخصيات بارزة في التاريخ الغابرو كذا في العصر الحاضر يعتقدون بالله سبحانه، ويعبدونه لكونه المثل الأعلى للكمال والجمال، وغير ذلك من الصفات العليا لا لكونه يقوم مقام الأب في إزالة الخوف عنهم، وتوفير الحماية اللازمة لهم .
وقد مرت بعض النصوص المنقولة عنهم والتي تؤيد هذه الحقيقة، بصراحة لا غموض فيها، فراجعها .
القرآن ونظرية استمرار الحالة الطفولية   

القرآن ونظرية استمرار الحالة الطفولية

لقد وقفت على إجمال هذه النظريّة وكيف أنّ «فرويد» ادّعى انّ الحالة الطفولية لدى الإنسان والّتي تتطّلب له أباً رؤوفاً يأوي إليه لدى الأهوال هي

صفحه 79
الّتي جرته إلى أن يخترع فكرة الإله ليقيمه مقام الأب الحامي له في فترة الطفولة حتّى تحصل له الطمأنينة ويتوفر له الاستقرار النفسي .
كما قد عرفت ـ أيضاً ـ ما يرد على هذه النظرية من النقد الهادم لأُسسها.
وها نحن بعد ذلك كلّه نعكس نظرية القرآن الكريم في هذا المقام فنقول: إنّ القرآن الكريم يجعل الطمأنينة أثراً من الآثار الطبيعية لذكر الله سبحانه إذ يقول:
(أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) 1 .
كما أنّه يصف الله سبحانه بأنّه منزّل السكينة في قلوب المؤمنين به، إذ يقول:
(هُوَ الّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ كَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)(2) .
غير انّ الفرق بين النظرية الّتي طرحها فرويد وهذا الأمر واضح لا يخفى على المتأمّل البصير، فانّ ذلك العالم النفساني جعل تحصيل الاطمئنان والاستقرار والسكينة علّة موجدة، وسبباً باعثاً على ايجاد «فكرة الإله» .
وأمّا القرآن فهو يجعل حصول كل هذه الأُمور من نتائج ذكره سبحانه، ومن آثار التوجّه إليه تعالى .
وأمّا الانتباه إلى وجوده سبحانه فهو إمّا من طريق الفطرة أو من طريق البرهان ليس إلاّ .

1 . الرعد : 28 .            2 . الفتح : 4 .

صفحه 80
ثم إنّ القرآن يشدّد النكير على كلّ من يصف الله سبحانه بالأُبوّة كما تفعل النصارى الذين يعدونه أباً، وينزّلونه منزلة الوالد فيقول:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) 1.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)2.
ولا شك أنّ فرويد قد تأثر في تقييمه لمسألة العقيدة الدينية بالفكرة المسيحية حول الله وهي فكرة الأُبوّة والبنوّة الإلهية الّتي يستنكرها القرآن ويشجبها بشدة ويهاجمها بعنف، إذ يقول:
(مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)3 .
نظرية توارث العقيدة   

5 . نظرية توارث العقيدة

ذهب جماعة ـ ممّن لم يرتضوا النظريات السابقة ـ إلى نظرية جديدة في تفسير وجود العقيدة الدينية في الحياة البشرية ملخّصها: انّ العقيدة الدينية أمر فكري ورثته الأجيال اللاحقة من الأجيال السابقة حتّى وصلت إلى عصرنا الحاضر، وبهذا أراح أصحاب هذه النظرية أنفسهم، وظنّوا بأنّهم اهتدوا إلى تحليل سليم في هذا المجال .

1 . الشورى : 11 .
2 . الصافات : 180 .
3 . مريم: 35. ولقد ورد هذا المضمون في آيات عديدة أُخرى هي: البقرة: 116، ويونس: 68، والإسراء: 111، والكهف: 4، والأنبياء: 26، والفرقان: 2، والزمر: 2، والجن: 3، وغيرها .

صفحه 81
والجواب: ان هذه النظرية ـ كسابقاتها ـ في غاية الضعف والبطلان، لوجوه نذكرها فيما يلي:
أوّلاً: انّ غاية ما تفيده، وتثبته هذه النظرية ـ على فرض صحّتها ـ هو أنّ علّة انتقال العقيدة من الأجيال السابقة إلى اللاحقة، وتواجدها في جميع العصور هو «التوارث الفكري» وهو أمر آخر لا يرتبط ببحثنا الحاضر المنعقد حول تفسير «نشوء العقيدة الدينية» أساساً .
فما ذكروه يعلّل وجود العقيدة الدينية في الأجيال المتلاحقة، لا نشوء العقيدة ابتداءً. اذن فصاحب هذه النظرية لم يأت بشيء جديد في هذا المجال .
ثانياً: انّ سريان العقيدة الدينية وسيادتها في جميع أبناء البشر وفي جميع الأجيال يكشف عن أنّ العقيدة الدينية من الأُمور الملازمة للروح والفكر البشري بحيث لا يعقل انفكاكها عنهما، فهي تماماً مثل الأكل والشرب والملبس وغيرها من الفعاليات والحاجات الجسدية الّتي لا تفارق البشر ولا تنفك عنهم.
ومثل هذا الحضور الدائم للعقيدة الدينية في الفكر البشري والحياة العقلية الإنسانية منذ العصر الحجري وإلى عصر الفضاء هذا يكشف عن واقعية هذا الأمر، إذ لا يمكن أن يكون لشيء ما مثل ذلك الحضور الشامل لولا كونه كذلك .
h h h

صفحه 82
 
القرآن ونظرية توارث العقيدة
قد عرفت أنّ صاحب هذه النظرية يعتبر الاعتقاد بالله أمراً خرافياً ورثته الأجيال اللاحقة من السابقة .
وقد عرفت ـ في ما مضى ـ أنّ هذه النظرية ـ مضافاً إلى وهنها وضعفها ـ لا تفي حتّى بنفس مقصود القائل فانّ البحث ـ في المقام ـ انّما هو في التعرّف على علة نشوء العقيدة الدينية أساساً، وهو بعد لم يأت بشيء ذي بال في هذا المجال.
غير انّنا إذا رجعنا إلى القرآن لرأينا انّ الأنبياء الذين كانوا في الرعيل الأوّل من الدعاة إلى الله يصرّون أشدّ الإصرار على أنّه ليس لبشر عاقل أن يقتص آثار الأُمم السالفة من دون تمحيص لها أو تحقيق، ومن دون أن تكون مقرونة بالدليل والبرهان، إذ يقول:
(وَ كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْه ِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِه ِ كَافِرُونَ)1 2 .
نظرية التديّن وليد الفطرة الإنسانية    
والعجب من قائل هذه النظرية ان يكرر نفس المقالة ويعتبر الدعوة إلى الله دعوة خرافية اخذت من الأسلاف مع أنّ بعض معارضي دعوات الأنبياء ـ في

1 . الزخرف : 23 ـ 24 .
2 . وقد ورد هذا المضمون في آيات أُخرى، هي الأعراف : 28، الأنبياء: 53 ـ 54، الشعراء: 74 ـ 76، ولقمان : 21 .
وقد تكرّرت لفظة البيّنة في القرآن الكريم أكثر من 70 مرة تقريباً .

صفحه 83
عهود الجاهلية ـ كانوا يتفوّهون بهذا الكلام، ويعدّون دعوة الأنبياء من قبيل الأساطير. قال سبحانه:(وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) 1.
على أنّ الأنبياء كانوا كلّما باشروا بالدعوة قرنوا نداءاتهم وأقوالهم بالأدلّة وأصرّوا على أنّ ما يقولونه مشفوع بالبيّنات الّتي هي الدلائل الساطعة على صدق مقالهم، وصحّة ادّعائهم، فكيف والحال هذه يصحّ أن توصف دعوتهم إلى الله بأنّها قضية وراثية وانّ ما كانوا يدعون إليه كان من الخرافات والأساطير الّتي لا يدعمها دليل؟
قال سبحانه:
(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَّبِّي وَ آتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير) 2.
h h h

6 . التديّن وليد الفطرة الإنسانية

لقد تبيّن لك فيما مضى ضعف الوجوه الّتي فسّر بها المادّيون ظاهرة العقيدة الدينية وعلّلوا بها نشوء الاعتقاد بالله، وبما وراء الطبيعة .

1 . الأنفال : 31 .
2 . هود: 62 ـ 63 .

صفحه 84
ثم إنّ هناك علّة أُخرى لتكوّن ونشوء العقيدة الدينية، ووجود ظاهرة الإيمان بالله على امتداد الحياة البشرية ألا وهي «الفطرة الإلهية» المغروسة في أعماق كل إنسان .
ويتّضح هذا الأمر إذا عرفنا بأنّ أفعال الإنسان تتنوّع إلى أنواع عديدة:
1 . الأفعال الاكتسابية وهي الّتي يأخذها الإنسان عن طريق التعلّم، سواء أصبحت عنده من العادات، كالتدخين وشرب الشاي; أوغير عادية، كالكتابة والخياطة والرمي .
2 . الأفعال الطبيعية الّتي تكون من قبيل ردود الفعل ; كانقباض العين عند سقوط النور عليها، وسحب الإنسان رجله عند وخزها بإبرة، أو ما شاكل ذلك .
3 . الأفعال الغريزية النابعة من الطبيعة المشتركة بين الحيوان والإنسان ; كالرغبة إلى الجنس الآخر، وكنسج العنكبوت لبيته، وهجرة الطيور من قطر إلى قطر، وحنان الأُم على ولدها، واجتناب الخطر، والفحص عن علل الحوادث، وغير ذلك .
فكل هذه أُمور غريزية نابعة من الطبيعة المشتركة بين النوعين (الحيوان والإنسان) .
4- الأُمور الفطرية الّتي فطر عليها الإنسان فهي تولد معه، وتتكامل وتنمو بصورة تدريجية; وذلك مثل حبه للعلم والكمال، وميله إلى الفن والجمال وانجذابه إلى قيم الأخلاق ومحاسن الخصال .
فالأقسام الثلاثة الأخيرة تشترك في أنّها جميعاً نابعة من عمق

صفحه 85
الجبلة البشرية وناهضة من ثناياها، وإن كان بينها فروق من جهة أو جهات .
فالأفعال التي تدخل في خانة «ردود الفعل» تتحقّق من دون علم صاحبها بخلاف النوعين الأخيرين فهما يصدران عن صاحبهما عن وعي وعلم .
أمّا الثالث (وهي الأُمور الغريزية) فهي تصدر عن الحيوان عن علم ووعي، غير انّها تسخّر الحيوان وتسيطر على جميع تصرفاته حتّى أنّه لا يجد من هيمنتها وتسخيرها مخلصاً .
فانّ نسج العنكبوت لبيته، أو صنع النحل للبيوت المسدسة، أو الحركات الجنسية الصادرة عن الحيوان كلّها أُمور تقتضيها طبيعة الحيوان، وجميعها تصدر عنه بعلم ووعي لكن من دون حرية واختيار .
وهذا بعكس الإنسان ـ فهو بخلاف الحيوان ـ فانّه قادر على تنفيذ غرائزه والسماح بظهور آثارها في حياته عن حرية واختيار أو عدم السماح لها بذلك فهو ليس مسخراً لها ولا محكوماً بحكوماتها القاهرة كما هو الحال في الحيوان، بل هو بما جبل عليه من الحرية والاختيار هو الّذي يقود الغرائز ويوجهها إلى ما هو أنسب لشأنه وحاله .
وأمّا الأمر الرابع: وهو الأُمور الفطرية الّتي جبل عليها الإنسان فتعمل وتصدر آثارها عنه بوعي واختيار .
فحب الاستطلاع ـ مثلاً ـ وإن كان له جذور ضاربة في أعماق الفطرة الإنسانية إلاّ أنّ للإنسان أن يحد منه فيبقى في ظلمة الجهل ولا ينساق وراء رغبته في تحصيل المعرفة والاطّلاع .

صفحه 86
ثم إنّ ملازمة هذه الأُمور ومبادئها للكينونة الإنسانية تبلغ حداً لو سلبت عن الإنسان لارتفعت الإنسانية برمّتها أو ارتفعت الحصة العظيمة منها وكأنّها مقوماتها، ودعائم ذاتها .
وبعبارة أُخرى: انّها من الملازمة بحيث يقتضي فرض عدمها فرض عدم الإنسانية أوعدم حصة منها، فكأنّ هذه الأُمور تشكّل قسطاً كبيراً من إنسانية الإنسان .
إذا تبيّن هذا نقول: لقد فسر الإلهيّون ظاهرة التديّن الّتي لازمت الإنسان أبداً، حسبما تشهد بذلك الآثار والحفريات، بأنّها من مقتضى الفطرة الإنسانية الّتي خلق الإنسان وجبل عليها، حتّى كأنّ العقيدة هي التوأم الّذي يولد مع الإنسان .
وعلى هذا الأساس يكون قد تطابق الفكر الإنساني مع مقتضى الفطرة البشرية .
فانّ طبيعة الإنسان تجرّه إلى الاعتقاد بالله سبحانه، وتدفعه إلى التديّن له وعبادته، بينما يستدلّ جهازه الفكري والعقلي على وجود تلك «القوة العليا» بالأدلّة والبراهين، فيتطابق مقتضى الفطرة ومقتضى العقل، وتشكّل الفطرة والعقل جناحين يطير بهما الإنسان نحو الكمال .
وهذا الوجه ـ لو ثبت وهو لا شك ثابت، كما ستعرف عند استدلالنا عليه في المبحث القادم ـ أتقن ما يمكن ان تفسر به ظاهرة العقيدة الدينية من دون ان يرد عليه أي واحد من الإشكالات الماضية الواردة على التعليلات والتفسيرات الّتي سبقت .

صفحه 87
فكيف يصحّ ان تفسّر «ظاهرة التديّن» بعامل الخوف مع أنّ تقدّم العلوم قد أذهب الخوف عن النفوس؟!
أم كيف تعلّل هذه الظاهرة بأنّها وليدة التضليل الاستعماري والاستغلالي مع أنّ البشر رغم وقوفه على حيل المستعمرين وأساليب المستغلين لا يزال متمسّكاً بالعقيدة الدينية ساعياً وراء ندائها وآخذاً بتعاليمها؟!
كيف يصحّ تفسير ظاهرة الاعتقاد بالله والآخرة بعامل الخوف، وقد كان الأنبياء الذين ضربوا أروع الأمثلة في حب الله، يمثلون أعلى مظاهر الشجاعة والبسالة، ولم يكونوا جبناء ولا ضعفاء؟!
كيف يصحّ ذلك والشهداء الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله، واعزاز دينه أقدموا على ذلك بشجاعة لا تقبل الشك؟!
إنّ تركيز قوى الاستعمار والاستغلال الكبرى جهودها للقضاء على الدين ومحو آثاره وملامحه في المجتمعات البشرية في مختلف الأعصار، والتوسّل لذلك بكل حيلة ووسيلة، وفشلهم في هذا السبيل خير دليل على تجذر هذه الظاهرة في أعماق الفطرة الإنسانية وملازمة غريزة التديّن للنفس البشرية دون انفكاك.
وبالمناسبة يجب أن نعرف أنّ ظهور الإلحاد لدى بعض الرجال السياسيّين لا يدلّ على عدم كون هذه الظاهرة أمراً فطرياً، إذ لا يجب أن تظهر آثار الأمر الفطري في جميع الموارد والأحوال، كيف والميول الجنسية رغم كونها من أظهر الأُمور الفطرية قد يخبو أوارها ـ أحياناً ـ عندما يكبح الإنسان جماحها أو يقمعها بالمرة أو يكاد .

صفحه 88
ملخّص ما سبق   
كما أنّ «حب الاستطلاع» هو الآخر رغم كونه أمراً فطرياً قد يختفي لدى البعض عندما ينصرفون إلى الغرائز الأُخرى انصرافاً كلياً ويتمادون في اعمالها أكثر من الحد الطبيعي، فلا يبقى مجال لإظهار غريزة حب الاستطلاع.
نعم انّ الفطرة البشرية هي مبدأ ظهور التديّن في المجتمعات البشرية وانجذابها إلى ما وراء الطبيعة، ولكن التديّن هذا يتكامل بفضل البراهين العقلية والإدراكات الصحيحة المنطقية، ولأجل ذلك يكون التديّن وليد الفطرة والعقل معاً، وهذا ما يتبنى هذا الكتاب إثباته، وسيوافيك كلا الأمرين في الفصول القادمة.

صفحه 89
 

ملخّص ما سبق

تلخّص من البحث السابق أُمور:

1. انّ هناك مسألتين ـ في مجال العقيدة ـ اهتمّ بهما علماء النفس والاجتماع والتاريخ مؤخّراً وهما: البحث عن عوامل نشوء العقيدة الدينية، والبحث عن آثارها في الحياة البشرية .
2. انّ الماديّين لمّا نظروا إلى ظاهرة التديّن بمنظار مادي بحت ودرسوها بأفكار مسبقة ومضادّة حول الدين كاعتباره اعتقاداً بأمر موهوم، نحتوا لوجودها في حياة البشرية عللاً طارئة، واختلقوا لها نظريات بعيدة عن الواقع .
3. انّ الماركسيّين رغم محاربتهم للعقيدة، وإصرارهم على عدم حاجة البشر إليها لم يتحرروا من تقديس مبادئهم بعد اعتناقها والاعتقاد بها، كما يفعل المتديّنون .
4. انّ الأغلبية الساحقة من البشر مؤمنون يعتقدون بما وراء هذا الوجود المادي على اختلاف مشاربهم ومسالكهم، وليس هناك سوى قلة قليلة ـ بالقياس إلى تلك الكثرة الغالبة ـ لا تؤمن بالله لأغراض سياسية، أو أخلاقية، أو نفسية .
5. انّ الضابطة الصحيحة والمعقولة في تفسير الظواهر الاجتماعية

صفحه 90
هي تقسيم الأُمور إلى ما له جذور في أعماق الفطرة أو مبررات وجيهة في منطق العقل، فلا يجوز نحت الأسباب لظهوره ووجوده; وإلى ما هو عارض على حياة الإنسان لأسباب طارئة فيجوز نحت الأسباب له. والأوّل مثل ظاهرة الزواج وجمع المال، والثاني مثل الاعتقاد بنحوسة الرقم 13 ونعيب الغراب .
6. الفطرة البشرية السليمة، والرابطة العقلية المنطقية بين مشاهدة النظام الكوني والاعتقاد بالخالق، يثبتان بأنّ التديّن والإيمان بالله، من النوع الأوّل، فلا يصحّ نحت الأسباب لنشوئه في حياة البشر .
7. انّ تفسير نشوء العقيدة بنظرية الخوف البشري من الحوادث الطبيعية مرفوض:
أوّلا: لأنّها تتجاهل فطرية الاعتقاد بالخالق، ومنطقيّته كما مر .
ثانياً: لأنّ هذه النظرية لا تستند إلى أيّة أدلّة موجّهة، بل هي ضرب من الخيال، والافتراض، والتخمين .
ثالثاً: لأنّها تعجز عن تفسير إيمان العباقرة والعلماء والمخترعين والمكتشفين بالله، وهم ممّن استطاعوا التغلّب على أكثر المخاوف .
8 . انّ العقيدة الدينية ومفاهيم الدين وان كانت تبعث على الطمأنينة إلاّ أنّ هذا من آثار العقيدة لا من دوافع وأسباب نشأتها، وليس من الصحيح أن نخلط بين أسباب النشوء والآثار المترتّبة على الشيء .
9. تفسير نشوء العقيدة الدينية بنظرية «الجهل البشري بالعلل الطبيعية للحوادث» مرفوض أيضاً:

صفحه 91
أوّلاً: لأنّها تتجاهل فطرية الإيمان بالله وعقلانيّته كسابقتها .
ثانياً: لأنّها تنمّ عن جهل أصحابها بمنطق الإلهيّين الذين يعتقدون بالعلل الطبيعية، والنظام العلي، ويعتبرونه دليلاً على وجود خالق لمجموع ذلك النظام .
ثالثاً: انّها تثبت بشكل غير مباشر بأنّ البشر كان يعتقد دائماً بالعلية ولهذا اعتقد بوجود خالق للكون، وان اخطأ أحياناً في إحلال الخالق محل بعض العلل الطبيعية، لو صحّ ذلك .
رابعاً: لأنّ العقيدة الدينية موجودة حتّى في المجتمعات المتحضرة العارفة بالعلل الطبيعية .
خامساً: لأنّ الاعتقاد بالله لو كان مبعثه الخوف أو الجهل لكان الدواب والبهائم أولى بهذا الاعتقاد لعجزها الأشدّ وجهلها الأكبر .
فيتلخّص من ذلك أنّ الجهل والخوف لو صحّ كونهما علة لنشوء العقيدة فهما من قبيل العلّة البعيدة لا العلّة القريبة بمعنى انّهما هيّآ للعقل فرصة ودافع التفكير في منشأ الكون وحوادثه ثم الاعتقاد بوجود خالق له. فالإيمان بالخالق وليد العقل لا الجهل ووليد الفطرة لا الخوف الساذج .
10. انّ تفسير نشوء العقيدة بالنظرية الاقتصادية الماركسية الّتي تقول بأنّ الدين ردة فعل للأوضاع والعلاقات الاقتصادية وأنّها استغلّت لتخدير الشعوب هي الأُخرى مردودة .
أوّلاً: لأنّ ذلك يتعارض مع أصالة التديّن وفطريّته وعقلانيّته فليس تابعاً للتغيرات الحاصلة في وسائل الانتاج .

صفحه 92
ثانياً: انّ استغلال الدين من قبل بعض الوصوليّين من الحكّام والكهنة شيء وأصالة الدين والتديّن شيء آخر .
ثالثاً: انّ هذه النظرية ان صحّت فانّما تصحّ بالنسبة إلى الأديان المحرّفة الّتي طرأ عليها التحريف لصالح طبقة معينة ولا تصحّ بالنسبة إلى الإسلام النقي في أُصوله وفروعه وتعاليمه وبرامجه الإنسانية العادلة من أي تحريف .
رابعاً: انّ التديّن الصحيح خير عامل للتقدّم العلمي، وخير دعامة للأخلاق، وخير عامل للتحرك والاستقامة، وخير باعث على التقيد بالنظام والقانون، وخير رادع عن الجريمة .
خامساً: انّ العقيدة الدينية كانت يوم لم يكن ـ في فجر التاريخ البشري ـ أي طبقيات .
سادساً: انّ جعل الفكر والدين من توابع التغيّرات الاقتصادية ينفي صحة هذه النظرية الماركسية نفسها، لأنّها بذلك يمكن اعتبارها من ولائد ظرف اقتصادي خاص فلا تكون صحيحة على إطلاقها .
سابعاً: انّ الاقتصاد ليس محوراً وإن كان أمراً مهماً، فطغيانه على بقية الأُمور لا يلغي أصالة التديّن، كما أنّ طغيان بعض الغرائز لا يعني نفي الغرائز الأُخرى بالمرّة .
ثامناً: انّ العامل الاقتصادي ليس هو المحرك الوحيد للتاريخ، فهناك الغرائز وهناك الشخصيات المصلحة، وهناك الأفكار الاجتماعية مثل فكرة القومية .
تاسعاً: انّ انتشار التديّن بين الطبقات المحرومة يكشف عن أنّه كان

صفحه 93
مقبولاً عقلياً لديهم، وإلاّ فكيف اعتنقوا ما كان يتوسّل به المستغِلّون للإضرار بهم.
عاشراً: انّ التديّن لم يختصّ بالفقراء والمحرومين، فما أكثر المتديّنين بين الأثرياء وما أكثر تضحياتهم بالنفس والنفيس في سبيل العقيدة الدينية .
حادي عشر: انّ انتعاش الحالة الاقتصادية للمحرومين لم يلازم انحسار العقيدة الدينية عن حياتهم دائماً كما ادّعى الماركسيون، والحضارة الإسلامية واليونانية خير شاهد على ازدهارهما معاً في آن واحد .
ثاني عشر : انّ كثيراً من الدعاة إلى الدين كانوا يدعون إلى مقارعة الظالمين والمستغلين، ويناهضون كل غاصب لأموال الناس، هاضم لحقوقهم، سارق لجهودهم.
11. انّ نظرية «توارث العقيدة» لم تأت بشيء جديد ولم تفسر منشأ العقيدة، بل بررت وجوده في جميع العصور .
12. انّ نظرية فرويد الّتي تقول بأنّ الاعتقاد بقوة وراء هذا الكون هي استمرار لحالة طفولية كانت تفرض على الإنسان مذ كان طفلاً ان يلتمس ملجأً وكهفاً، هي أيضاً مرفوضة، لأنّها تعجز عن تفسير إيمان الفلاسفة العظام والعباقرة الكبار والمجتمعات المتحضّرة الواعية بالله سبحانه، كما أنّها قد تستقي جذورها من عقد نفسية كان يعاني منها فرويد تجاه والده، وربما يكون قد تأثر بالعقيدة المسيحية المحرّفة الّتي تعتقد ببنوّة المسيح(عليه السلام) .
13. فنستنتج من كلّ ذلك انّ هذه النظريات كلّها مؤسسة على

صفحه 94
التخمين، وانّها لم يذهب أصحابها إليها إلاّ بعد أن افترضوا وهمية العقيدة الدينية واعتبروا ذلك أمراً مسلّماً، ولذلك اضطروا أو عمدوا إلى اختلاق الأسباب وافتراض العلل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لظهورها ونشوئها في الحياة البشرية .
14. كما نستنتج انّ العقيدة حقيقة واقعة في حياة البشر، لها في فطرته جذور، وفي عقله مبررات منطقية، وفي حياته آثار إيجابية في غاية الأهمّية والحيوية .

صفحه 95
الفصل الثاني
آثار العقيدة في الحياة البشرية

صفحه 96
آثار العقيدة الدينية في الحياة البشرية   

في هذا الفصل

* لماذا يجب البحث في المسائل الاعتقادية؟
* الأسباب الباعثة على دراسة العقيدة.
* 1. البحث في العقيدة يساعد على فهم الحياة مبدأً وهدفاً ومصيراً.
* 2. البحث في العقيدة يضع نهاية للقلق .
* 3. الاعتقاد بوجود الله وصفاته يوجب الطمأنينة .
* كيف يقضي الإيمان بالله على عوامل الاضطراب ؟
* 4. الاعتقاد بوجود الله وصفاته خير دعامة للأخلاق .
* 5. الاعتقاد بوجود الله وصفاته أفضل ضمانة لتنفيذ القوانين .
* 6. العقيدة الدينية وسيلة للتكامل الشامل .
* 7. العقيدة الدينية توفر معرفة أكمل .
* هل التوجّه إلى الله غفلة عن الشخصية الإنسانية ؟
* أ ـ الارتباط بالكامل موجب للتكامل .
* ب ـ جذور التديّن في الشخصية الإنسانية .
* ج ـ مكانة المعلول بالنسبة إلى العلّة.
* العقيدة الدينية والمشاكل الفلسفية .
* ملخّص البحث .

صفحه 97

«لماذا يجب البحث عن الله وصفاته» ؟

هناك من يتساءل مشكّكاً أو مستفهماً: لماذا يجب البحث عن «الله» ولماذا نبحث في المسائل الاعتقادية؟
أليس من الأجدر بنا أن نبحث فيما يتصل بحياتنا اليومية، ويعالج مشاكلها ويكون مؤثراً في تحسين أحوالنا المعاشية ؟
أليس الحديث عن الموجود أو الموجودات الخارجة عن نطاق الحس والتجربة، والتي لا يكون لها أيّ أثر في حياتنا وجوداً أو عدماً غير نافع ولا مفيد؟
هذا هو ما يدّعيه البعض ويردّده خاصة بعد ظهور وانتشار المادية المتفلسفة لنفي الحاجة إلى طرح المسائل الاعتقادية ودراسة العقيدة .
إنّ المتسائل أو المشكّك يعتقد أنّ القضايا الاعتقادية لا أثر لها في تحسين الأحوال المعيشية ويرى أنّ العقيدة لاربط لها بالحياة ولا أثر لها في إسعاد الإنسان، بل هي أُمور لا تتجاوز حدود الذهن .
ولكنّنا سنعرف ـ من خلال الجهات الّتي سنستعرضها ـ أنّ للعقيدة صلة عميقة بالحياة الإنسانية وانّ لها آثاراً هامة ومباشرة في جميع حقولها ومناحيها وسنعرف أنّ الادّعاء المذكور ناشئ عن عدم وقوف المدّعي على مبادئ الدين وتعاليمه، وقضايا العقيدة وآثارها البنّاءة في الحياة البشرية، وذلك لأحد أمرين:
إمّا لعدم اتّصاله بأصحاب العقول النيّرة من العارفين بشؤون

صفحه 98
العقيدة، العالمين بمسائلها وقضاياها ليشرحوا لهم ما التبس عليهم منها، أو خفي عليهم من آثارها وفوائدها في حياة الناس أفراداً وجماعات .
وإمّا لأنّهم لم يجشّموا أنفسهم عناء البحث والفحص والتحقيق .
وإليك بعض هذه النواحي والآثار الجمّة للعقيدة الدينية الّتي غفل عنها اصحاب النظرة المادية نذكرها واحدة تلو الأُخرى تحت أرقام متسلسلة، ليقف القارئ بنفسه على بطلان الزعم المذكور، بعد أن يعرف كيف انّ العقيدة الدينية تتّصل بصميم الحياة لا بهامشها .
الاسباب الباعثة على دراسة العقيدة   

الأسباب الباعثة على دراسة العقيدة

1. البحث في العقيدة يساعد على فهم الحياة:

لم يزل الإنسان منذ أقدم العصور يطرح على نفسه هذه الأسئلة الثلاثة:
من أين أتيت؟
لماذا أتيت؟
إلى أين أذهب؟
ولم تزل هذه الأسئلة تطالبه بالجواب بالحاح شديد.. انّه لا يمكنه أن يمرّ على هذه الأسئلة دون اكتراث، وهو يرى لكل ظاهرة حياتية سبباً، فكيف بهذا الكون العظيم وهذا الفضاء الواسع العريض وما يتّسمان به من جلال وإبداع؟
كيف يمكنه أن يصدّق بأنّ كلّ ذلك قد وجد صدفة دون خالق

صفحه 99
مبدع حكيم، أليس لكلّ بناء بان، ولكلّ كتاب مؤلف، ولكل مصنوع صانع؟
كما لا يمكنه أيضاً بأن يصدّق بأنّ هذا الوجود لا ينطوي على هدف، وانّ هذه الحياة لا ترمي إلى غاية، وهل يقبل العقل السليم ذلك ويرتضيه؟
ولقد انقسم الناس تجاه هذه الأسئلة الملحّة إلى صنفين:
أ ـ من بقي في حالة الشك والحيرة، لأنّه لم يجشّم نفسه عناء البحث والتحقيق .
ب - من بحث وحقّق وفحص ولاحق فاهتدى إلى الحقيقة، وعرف بأنّ لهذا الكون خالقاً وانّ لهذا الوجود غاية، وانّ لهذه الحياة هدفاً، وانّه ما من شيء في صفحة هذا العالم الفسيح إلاّ ويجري وفق تخطيط حكيم، وقصد صحيح فلا صدفة ولا فوضى ولا عبثية .
ولقد كان طبيعياً أن يحظى هذا الفريق بالارتياح ودعة الضمير، لأنّه عرف مبدأه ومنتهاه، وأبصر مسيره ومصيره، فلم يكن كالسائر في متاهة، العايش في الفراغ .
كما كان من الطبيعي والبديهي أن يعاني الفريق الأوّل من القلق النفسي والاضطراب الروحي بسبب شكّه، وحيرته، فالشك والجهل بالماضي والحاضر والمستقبل حالة قاتلة وقاسية تعكر صفو الحياة،وتقضي على كل بهجة وتجعل المرء كمن يمشي في تيه .
ولما كانت هذه الأسئلة الملحّة لا تختصّ بمن مضى من البشر، بل تراود كل أحد حتّى في هذا العصر، ولما كان البقاء في حالة الشك والحيرة أمراً

صفحه 100
مضنياً، بل وخطراً للغاية على حياة الإنسان لزم البحث عن الأجوبة الشافية على هذه الأسئلة للتخلّص من جحيم الشك القاسي، والحيرة القاتلة.
ألا يجدر بالإنسان وهو ينشد راحة الضمير أن يسعى لمعرفة حقائق هذا الوجود، وأسرار هذا الكون وأهداف هذه الحياة، وكلّنا نعلم أنّ تحقيق مثل هذه الحالة للنفس و الضمير منوط بهذه المعرفة، ومتوقّف عليها؟
هل من الجائز والصحيح انّ يترك الشك ينخر كيانه وتعكر الحيرة صفو الحياة عليه بسبب انّه يجهل كل شيء عن ماضيه وحاضره وعن المستقبل الّذي ينتظره؟
إنّ البحث في العقيدة طريق إلى تحصيل كل الإجابات الصحيحة الشافية على هذه الأسئلة الخالدة الّتي ظلّت تراود الذهن البشري منذ أن حط قدمه على هذا الكوكب ولا تزال تخالجه إلى هذا الحين .
إنّ دراسة العقيدة الدينية تساعدنا على أن نفهم الحياة، وندرك أهدافها، ومصيرها فلا نبقى في الشك والحيرة، وإلى هذه النتيجة القيمة أشار الحديث المعروف:
«رحم الله امرئً عرف من أين وفي أين وإلى أين؟» .
هذه هي الناحية أو الفائدة الأُولى من فوائد البحث في العقيدة الدينية، ولنستعرض معاً الفائدة الثانية الّتي تترتب على مثل هذا البحث والتحقيق .
البحث في العقيدة يطرد القلق   
h h h
Website Security Test