welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الله خالق الكون*
نویسنده :الأستاذ جعفر الهادي*

الله خالق الكون

صفحه 1
الله خالق الكون

صفحه 2
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
هادي ، جعفر ـ
      الله خالق الكون: دراسةٌ علميّةٌ حديثة للمناهج والنظريّات المختلفةِ حولَ نشأةِ الكونِ ومسألةِ الخالقِ / بقلم جعفر الهادي ; اشراف جعفر السبحاني . - قم : موسسه الامام الصادق عليه السلام ، 1424 ق . = 1382
726 ص .
كتابنامه به صورت زيرنويس .
ISBN : 964 - 357 - 070 - 3
1 . توحيد . 2 . خدا ـ ـ اثبات . الف . سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ب . مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام) . ج . عنوان .
7 ألف2 هـ/ 2/217BP    42 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
: info@imamsadeq.orgالبريد الإلكتروني
: http://www.imamsadeq.orgالعنوان في شبكة المعلومات
اسم الكتاب:   الله خالق الكون
المؤلــف:   الأستاذ جعفر الهادي
إشراف :   آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   الثانية ـ 1424 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:    2000 نسخة
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 3
تحت إشراف العلاّمة المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
الـلّـه
خالق الكون
دراسةٌ علميّةٌ حديثة للمناهج والنظريّات المختلفةِ
حولَ نشأةِ الكونِ ومسألةِ الخالقِ
بقلم
الأستاذ جعفر الهادي

صفحه 4
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ)
فصلت: 53

صفحه 5
دور العقيدة في الحياة البشرية   
    الله خالق الكون

مقدّمة

دور العقيدة في الحياة البشرية

كيفية السلوك نتاج العقيدة

سلوك الإنسان وليد عقيدته، ونتاج تفكيره، فانّ الإنسان يفكّر أوّلاً ثم يعمل، وعقيدته هي الّتي تملي عليه مواقفه، وترسم مسيره، وتحدّد كيفية سلوكه.
فالإنسان العارف الواثق بوجود كنوز من الذهب الأسود تحت الأرض مثلاً يظلّ يفتش عنها، ويمضي في التنقيب حتّى يقع على ذلك الشيء، وهذا بخلاف الجاهل بوجود ذلك الكنز تحت التراب، فانّه يسير على الأرض دون اكتراث بما في باطنها .
وهكذا الإنسان الّذي يعتقد بوجود خالق للكون يرى ما يفعله الإنسان من صغير أو كبير و يراقبه ويحاسبه، فانّه يتّخذ سلوكاً خاصاً في الحياة، بخلاف

صفحه 6
من ينكر وجود خالق عالم يرى ما يفعل، ويحاسبه على ما يعمل، ويعتقد بأنّه خلق عبثاً، وترك سدى.
إنّ من الواضح أن يختلف هذان الشخصان في نمط حياتهما ونوع سلوكهما تبعاً لما يعتقدانه.
ومن هنا تكتسب مسألة البحث في العقيدة والإيمان بالخالق أهمية خاصة.

العقيدة حاجة عامّة

ومن حسن الحظ أن تكون مسألة البحث عن خالق الكون، والاعتقاد به ممّا يهمّ جميع الأفراد والشعوب، من دون اختصاص بجماعة دون جماعة، أو بفرد دون فرد .
فإنّ القضايا المطروحة في حياة الإنسان على نوعين:
نوع يختصّ بطائفة معينة من الناس كالمسائل الفيزياوية والكيمياوية.
ونوع لا يختصّ بطائفة معينة بل يهمّ جميع أبناء البشر، ويعمّ جميع الناس دون استثناء. ومسألة الاعتقاد بالله الخالق لهذا الكون هي من النوع الثاني، إذ يسعى كل إنسان ـ مهما كان لونه وجنسه ـ إلى أن يعرف:
من أين جاء؟
ولماذا جاء؟
وإلى أين يذهب؟

صفحه 7
والأبحاث الاعتقادية مهمّتها الإجابة عن هذه التساؤلات المطروحة بإلحاح على أبناء البشر بلا استثناء .

العقيدة منشأ التحوّلات الكبرى

هذا مضافاً إلى أنّ التحقيقات التاريخية والنفسية قد أثبتت أنّ العقيدة كانت دائماً سبباً للتحوّلات والتطوّرات العظيمة في الحياة البشرية، كما أثبتت أيضاً انّ العقيدة الدينية كانت في أغلب الموارد هي الملهم والمصدر للعلوم والآداب والفنون، كل هذا إلى جانب انّ أكثر المواقف الإنسانية الّتي تجسد قيم الإيثار والنجدة، والبسالة والصمود كانت ولا تزال تستمد جذورها وعناصرها من العقيدة الدينية، وتتحقّق بفضل تأثيرها، وفي ضوء هدايتها.
وقد تنّبه العلماء والمفكّرون إلى أهمية العقيدة الدينية، ودورها في الحياة البشرية، واعترفوا بذلك في مختلف المناسبات .
فهذا هو «الفريد وايتهد» الّذي يصف العلم والدين بأنّهما أقوى الأُمور تأثيراً على الإنسان يكتب حول الدين قائلا:
«عندما نحاول التعرّف على قيمة الدين والعلم ونبحث عن مدى تأثيرهما على البشر لم نكن مبالغين إذا قلنا بأنّ مستقبل العالم يتوقّف على كيفية تعامل هذا الجيل مع هذين الأمرين». (راجع كتابه العلم والعالم الحديث) .
وكتب شاول دارون في كتابه: «بعد مليون سنة»
«إنّ الإنسان سيحتفظ بالعقيدة الدينية في المليون سنة المقبلة، قياساً

صفحه 8
على المعهود من تاريخه القديم والحديث، ولهذا كانت العقائد على جانب من الأهمية بالنظر إلى المستقبل، لأنّ العقيدة تبعث الأمل في دوامها بعد صاحبها وفي سيطرة الإنسان على مصيره بفضلها» .

علماء العقيدة بين الأمس واليوم

ولأجل هذا ركّز الفلاسفة والعلماء جهودهم على بيان ملامح العقيدة الصحيحة واجتهدوا في طرح المسائل الاعتقادية على بساط البحث والدراسة ليتيحوا للجميع فرصة التعرّف والوقوف على العقيدة الصحيحة السليمة.
ولكنّنا ـ رغم أهمية العقيدة الدينية ودورها الخطير في حياة الناس أفراداً وجماعات ـ لا نجدها تحظى باهتمام الكتّاب والمفكّرين في العصر الحاضر كما تحظى بعنايتهم مسائل أُخرى أقلّ أهمية منها .
فبينما تمتلئ المكتبة الإسلامية والعربية، وتزخر بأصناف الأبحاث والدراسات المفصّلة حول القضايا التاريخية والأدبية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، تخلو من أبحاث ودراسات وكتب مماثلة في المسائل الاعتقادية والفلسفية الّتي تمس صميم حياة الإنسان لأنّها هي الّتي ترسم مواقفه وتعيّن كيفية سلوكه .
وتشهد بذلك القوائم المطوّلة عن الكتب الّتي تبحث في كل موضوع بينما تندر فيها الكتب الاعتقادية والفلسفية، أو تكاد تلحق بالمعدوم، أو أنّ الكتب الاعتقادية كتبت على النهج القديم الّذي لا يشبع نهم الجيل الحاضر ولا يجيب على تساؤلاته .
بل ربّما ينهض بين الفينة والأُخرى من ينقد العقائد الدينية، كما

صفحه 9
حدث ذلك قبل عشر سنوات أو أكثر عندما أصدر أحدهم كتاباً هاجم فيه المسائل الاعتقادية، ونقد فيه الفكر الديني في بلد يزخر بالمؤمنين بالله، على اختلاف شرائعهم ومذاهبهم، ثم تناوله بعض المفكّرين والعلماء بالنقد والرد، ثم ترك الأمر، وعادت قضية البحث الاعتقادي إلى زاوية النسيان مرة أُخرى .
إنّ ظهور مثل هذا الكتاب يكشف عن أنّ حركة الإلحاد والتشكيك في المعتقدات الدينية قد تنتعش في المناطق الآهلة بالمؤمنين أيضاً .
لقد قام علماء العقيدة من مسلمين وغير مسلمين بواجبهم في العصور الغابرة خير قيام، وإن كانت عناية علماء الإسلام واهتمامهم بمسائل العقيدة أكثر من غيرهم، فقد شغلت هذه القضية بال علماء الإسلام في كل قرن، فألّفوا مئات الكتب الكلامية الاعتقادية والفلسفية بأفضل شكل، أشبعوا فيها نهم الجائعين، ورووا بها ظمأ العطاشى إلى قضايا العقيدة.
غير أنّ ما كتبه أُولئك العلماء الأفذاذ وألّفوه كان يناسب عصورهم ويلبّي حاجات أجيالهم، ولا يناسب لغة هذا العصر ولا يفي بالإجابة على التساؤلات المستجدة .
من هنا كان لابد للعلماء والمفكّرين الذين تهمّهم سلامة المجتمعات وصلاحها أن يقوموا بتحليل ودراسة المسائل الاعتقادية بلغة هذا العصر ومنطقه، آخذين بنظر الاعتبار كل ما استجد فيه من نظريات وتساؤلات .
على أنّنا لا ننسى أن نقدّر كل الجهود الّتي بذلت في عصرنا الحاضر للرد على الفلسفات المادية الحديثة، ونخص بالذكر ما قام به المفكّر الإسلامي الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه «فلسفتنا»، ولكن الرد على

صفحه 10
الفلسفة المادية شيء وتوضيح معالم العقيدة الدينية وبيان مسائلها بصورة مفصّلة والإجابة على التساؤلات والشبهات المطروحة في مجالها بعناية وموضوعية شيء آخر.
وما قد يقال ـ أحياناً ـ من أنّنا في غنى عن طرح المسائل الاعتقادية في هذه الظروف لوجود مسائل أهم، يردّه بأنّ المسألة الاعتقادية من المسائل الجوهرية المهمة جداً، فهاهم أعداء الإسلام قد صوّبوا معاول هدمهم ـ اليوم ـ إلى المعتقدات الدينية وصبّوا جهودهم على زعزعة العقيدة بكل حيلة ووسيلة، فهذه دول الإلحاد تسعى ـ ليل نهار ـ في إثارة الشبهات ونشر الإلحاد، عبر صحافتها وإذاعتها ومنشوراتها الواسعة الانتشار، بعد أن أدركت دور العقيدة في إيقاظ الأفكار، وإثارة الهمم، وتقوية العزائم وإشعال روح المقاومة ضد الظلم والظالمين، وبالتالي تحصين الأفراد والمجتمعات ضد الانحراف والانحلال والسقوط في حضيض الفساد الأخلاقي .

اتّهام الإلهيّين بالمثالية والعمالة للامبريالية

ومن أبرز الأدلّة على سعي الإلحاد والملحدين الحثيث لمحوالإيمان والعقيدة عن قلوب الشباب وجرّهم إلى ورطة الإلحاد والمروقانّهم يتّهمون الفلاسفة والعلماء الإلهيّين ومن يقول بمقالتهم بتهم لا تصدقفي حقهم، ولكن الملحدين يتّهمونهم بها دون حياء وخجل، ونذكر من تلك التهم ما يلي:
1. انّهم يتّهمون المؤمنين بالله بالمثالية وإنكار الواقع الخارجي.

صفحه 11
فالمار كسيون يصفون آيديولوجيتهم بأنّها آيديو لوجية واقعية، لأنّها تؤمن بالواقع الخارجي، والعينية المحسوسة، بينما يصفون المؤمنين بالمثالية بادّعاء انهم لا يؤمنون بإصالة الواقع الخارجي .
وتلك ـ لا شك ـ تهمة من أكذب التهم الّتي يكيلها الملحدونإلى الإلهيّين.
فإنّ من له إلمام بالكتب الّتي تتناول عقائد الإلهيّين المؤمنين بالله يجد ـ بوضوح لا غبش فيه ـ انّهم يعترفون بالواقع الخارجي المحسوس، قبل أن يعترف به الماركسيون .
بل انّ المؤمنين الإلهيّين يجعلون هذا الواقع الخارجي وما يسوده من النظام الثابت عن طريق العلوم خير دليل على الخالق البارئ .
2 . انّهم يتّهمون كل من آمن بالله واتّبع ديناً إلهياً بأنّه يسير في ركاب الرأسمالية، ويدور في فلك الرأسماليّين ويرتبط بالعجلة الاستعمارية، ولذلك فهو يعادي العمال والفلاحين والكادحين، على العكس من الملحدين .
وتلك هي الأُخرى تهمة وقحة تكذّبها مواقف الإلهيّين، وتعاليم دينهم، وتاريخ رجالهم الجهادي.
إنّ الماركسيّين يتّهمون الإلهيّين بمثل هذه التهمة ـ حتّى في هذا الوقت ـ حيث تحتل جيوش الروس الغزاة أفغانستان وتصب على رؤوس أبنائها الرافضين للاستعمار الأحمر، النار والحديد وتقتل من أبناء الشعب الأفغاني المظلوم كل يوم، الآلاف من الرجال والأطفال والنساء. وهكذا في سائر مناطق العالم .

صفحه 12
انّهم يتّهمون الإلهيّين والمؤمنين بالله بالعمالة للإمبريالية في الوقت الّذي نجد فيه المعسكر الشرقي الملحد يسابق المعسكر الغربي الفاسد في تأييد دويلة إسرائيل الغاصبة ومساندتها ومساعدتها بشتّى ألوان المساندة والمساعدة إلى درجة أنّها تسمح تحت سمع العالم ونظره بهجرة اليهود الروس إلى الأراضي المحتلة لتقوية دعائم هذه الدويلة الّتي هي رأس الحربة الاستعمارية في المنطقة، وليس هذه أوّل قارورة كسرت، قد سمحت بهجرتهم قبل ذلك أيضاً .

واجبنا في هذا العصر

إنّ العصر الحاضر وما فيه من أوضاع يفرض على كل مفكّر إسلامي أن ينهض بواجبه في توضيح ورسم ملامح العقيدة الدينية بشكل يناسب لغة هذا العصر ومتطلباته .
ولا حاجة إلى البرهنة على تعطّش جيلنا الحاضر إلى أمثال هذه الدراسات كما لمست ذلك من قريب .
وقد كنت أُفكر طويلاً في هذا الأمر، وأتمنّى لو أُوفّق إلى توفير مثل هذه الدراسات لهذا النشء والجيل المتعطّش إلى أبحاث اعتقادية تستعرض الآراء المختلفة في تفسير الكون ونشأته ونظامه باسلوب علمي رصين، حتّى وفّقني الله لتحقيق ما كنت أتمنّاه منذ زمن بعيد .
فقد وفقّت لإخراج هذا الكتاب بعد إلقاء مواضيعه على نخبة من الطلاب الجامعيين فترة من الزمن وبعد التعرّف على الاسلوب الّذي يناسب شهاداتهم

صفحه 13
الدراسية والوقوف على نوعية تساؤلاتهم وهمومهم في هذا المجال .
ففي هذا الكتاب يقف القارئ على مجموع أشهر الآراء أو النظريات المطروحة من قبل المفكّرين الإلهيّين والمادّيين لتفسير الظاهرة الكونية، وتعليل وجودها وهي:
1 . نظرية التقدير والخلق .
2 . نظرية الخياليين.
3 . نظرية الصدفة.
4 . نظرية خاصّية المادة.
5 . نظرية المادية الديالكتيكية.
وأظن أنّ هذا الكتاب سيسد ـ إن شاء الله ـ بعض الفراغ في هذا المجال، وسيمكنه أن يقوم ببعض الرسالة الّتي قصدها، ويكون بداية ونواة لأبحاث ودراسات اعتقادية وفلسفية أُخرى لا تقف عند حد لنساعد أبناء هذا الجيل العزيز الّذي تحاصره الآيديولوجيات والفلسفات المادية من كل جانب، ويجد نفسه أمام سيل من الشبهات و التشكيكات الّتي تهدد عقيدته الدينية، على المقاومة ضد التيار المادي، والصمود في مهب الرياح العاتية .
ولقد حاولت ـ جهد الإمكان ـ أن تكون هذه الدراسة مبرهنة معلّلة، واضحة الرؤية، قوية الحجّة، تعتمد على العقل في الدرجة الأُولى، وتستفيد من هدايات القرآن الكريم والسنّة الشريفة، لإضاءة الطريق، وبهدف الاستلهام لا الاستدلال، كما وتستعين بماكتبه وأوضحه كبار العلماء والمفكّرين وأرباب العلوم .

صفحه 14
ولا أدّعي بأنّني قد وفّقت تمام التوفيق في هذه المهمة الصعبة، ولكنّني آمل أن أكون قد رسمت بهذا الكتاب اسلوباً جديداً في طرح المسائل الاعتقادية.
وكلّ أملي أن تقع هذه الدراسة من الأساتذة الفضلاء موقع العناية والاهتمام فيختاروها للتدريس أو ينتخبوا منها ما يتناسب وحاجات أو مستويات من يبتغون تدريسهم، وزرع العقيدة الدينية الصحيحة مبرهنة في نفوسهم وعقولهم .
ولابد أن أتقدّم بالشكر الجزيل والتقدير الكبير إلى أُستاذي المعظّم العلاّمة المحقّق سماحة الشيخ جعفر السبحاني الذي يعود إليه فضل تشجيعي في هذا الطريق كما يعود إليه فضل هداية هذه الدراسة والأشراف عليها بصبر واهتمام .
وهذا الجزء الّذي يزّفه الطبع إلى القرّاء الكرام يبحث عن الآراء المطروحة حول نشأة الكون، ونظامه، ويثبت بأوضح البراهين انّ الكون والنظام السائد فيه ناشئان من صانع مدبّر، وسنجعل البحث في الجزء التالي حول أسمائه وصفاته الّتي هي من أهم المباحث الإلهية والّتي كانت وراء نشوء المذاهب المختلفة، ونمضي في هذا السبيل إلى أن تتم سلسلة الأجزاء في مجال العقائد الدينية بإذنه سبحانه، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.
جعفر الهادي
قم المقدسة ـ ايران
20 جمادى الأُولى 1405 هـ .

صفحه 15
الفصل الأوّل
عوامل نشأة العقيدة الدينية
في الحياة البشرية

صفحه 16

في هذا الفصل

عوامل نشأة العقيدة الدينية   
* عوامل نشأة العقيدة الدينية في الحياة البشرية.
* تعليل نشأة العقيدة الدينية بنزعة مادية .
* الماركسيون وتقديسهم للمبادئ الماركسية .
* ضابطة في تفسير الظواهر الاجتماعية .
* الرابطة الطبيعية بين الإنسان والعقيدة الدينية .
* الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام والاعتقاد بالخالق .
* أبرز نظريات المادّيين في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية:
* 1. نظرية «الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة» .
* أهم الإشكالات الواردة على هذه النظرية .
* 2. نظرية «الجهل بالعلل الطبيعية» .
* أهم المؤاخذات على هذه النظرية .
* على هامش نظريتي الخوف والجهل .
* 3. نظرية «استغلال الدين كعامل تخديري» (النظرية الاقتصادية) .
* أبرز المؤاخذات والإشكالات على هذه النظرية.
* على هامش هذه النظرية .
* 4. نظرية «توارث العقيدة» وأهم المؤاخذات عليها .
* 5. نظرية فرويد النفسية: «التديّن نزعة طفولية» .
* أهم المؤاخذات على هذه النظرية .
* ملخّص البحث .

صفحه 17

عوامل نشأة العقيدة

هناك مسألتان مهمّتان لم تتعرض لهما الكتب الكلامية ولم تفرد لهما فصلاً خاصّاً، وانّما اهتّم بهما علماء الاجتماع والمؤرّخون، والمحلّلون النفسيّون مؤخراً، وهما:
1 . عوامل نشأة الاعتقاد بالله في الحياة البشرية .
2 . آثار العقيدة ودورها في حياة الإنسان .
ثم إنّ طائفة من الغربيّين المادّيين الذين تركّزت جهودهم على إلغاء دور «الاعتقاد بما وراء المادة» وما يتبعها من قضايا الدين، عندما واجهوا تغلغل العقيدة الدينية في أعماق «التاريخ البشري» ولاحظوا وجودها في جميع عصوره وأدواره، وذلك عندما كشفت التنقيبات الأثرية عن وجود «التوجّهات والاهتمامات الدينية» في عامّة أدوار التاريخ، وفي جميع الحضارات المختلفة عمدوا إلى تحليل هذه الظاهرة الموجودة على امتداد التاريخ، وتعليلها بعلل وعوامل منحوتة من لدن أنفسهم ليبرّروا بها هذه الظاهرة غير القابلة للإنكار.

صفحه 18
 
تعليل نشأة العقيدة بنزعة مادية
وبما أنّهم انطلقوا في معالجتهم للأُمور من منطلق مادّي فنظروا إلى هذه المسألة بمنظار مادّي بحت، ودرسوها متأثرين بأفكار مسبقة حول الدين، لذلك نحتوا لهذه الظاهرة الملازمة لحياة الإنسان عللاً تنبع من نظرتهم المادية، وأعطوا لوجودها تفسيرات توافق أفكارهم المسبقة، وافترضوا لها عوامل نفسيّة تارة، واجتماعية أُخرى، واقتصادية ثالثة، متجاهلين الرابطة الحقيقية بين الإنسان و الاعتقاد، ومتغافلين السبب الواقعي الّذي تهدي إليه النظرة العلمية المتجرّدة إلى مسألة العقيدة في الحياة البشرية .
ولو انّهم تجرّدوا عن تلك النزعة المادية والأفكار المسبقة ونظروا إلى هذه المسألة بمنظار الفاحص المتتبع لما ذهبوا إلى تلكم الفرضيات، ولقادهم الفحص الدقيق إلى أمر آخر .
ثم إنّه لو سأل سائل: كيف تدّعون سريان الاعتقاد الديني في جميع أدوار التاريخ ووجوده في جميع المجتمعات البشرية في الماضي والحاضر، والحال انّ هناك معسكراً كبيراً هو المعسكر الشرقي يرفض الدين ولا يعتقد بما وراء المادة؟
والإجابة على ذلك واضحة فانّ ما نجده في هذا المعسكر من الإلحاد، ورفض العقيدة الدينية انّما هو نهج الحكومات والأحزاب المسيطرة على هذه البلاد لا الشعوب. ولا بدّ من التفريق بين موقف «الحكومات» وموقف «الشعوب» فلا يدلّ كون الحكومة ملحدة رافضة للدين على أنّ الشعب كذلك أيضاً .

صفحه 19
فقد دلّت الدراسات والمذكرات والتقارير السياسية العديدة على أنّ نسبة المنتمين إلى الحزب الشيوعي في الشعب الروسي لا يتجاوز 12%، فلو صحّت نسبة الإلحاد ورفض الاعتقاد بالله إلى المجتمع الروسي لصحّت فقط في حق المنتمين والمؤسسين وقيادات وكوادر هذا الحزب، وأمّا غيرهم فبريئون من هذا المسلك، ولأجل ذلك ترفض عضويتهم في ذلك الحزب .
هذا مضافاً إلى أنّ أكثر المنتمين مجبورون على التظاهر بالالحاد، أي أنّهم يتظاهرون بالإلحاد تزلّفاً إلى الرؤساء والقادة، أو توصّلاً إلى كسب المناصب والمكاسب .
ولا تقلّ الصين الشيوعية عن الاتحاد السوفيتي في ذلك .
وصفوة القول: إنّ ما يدلّ على أنّ جماهير الشعب في ما يسمّى الآن بالمعسكر الشرقي على غير منهج الحكّام والأحزاب الحاكمة المسيطرة عليهم من الإلحاد ورفض ما وراء المادة، هو أنّ الناس في تلك البلاد كلّما وجدوا متنفّساً وأُتيحت لهم بعض الحرية كشفوا عن معتقداتهم الدينية ـ على اختلاف أشكالها ـ وأقبلوا يتهافتون على مراكز العبادة، وشيّدوا المؤسسات الدينية كالمساجد والمعابد والكنائس، وهو أمر يثبت أنّ فطرتهم متى وجدت فرصة سانحة برزت إلى السطح مرة أُخرى، بعد سنوات الكبت والخنق، لتقودهم إلى الدين، والتوجّه إلى الله تعالى .

الماركسيون وتقديسهم للمبادئ الماركسية

أضف إلى ذلك أنّ الماركسيّين أنفسهم لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من الاعتقاد، ويتحرّروا من ظاهرة العقيدة، فهم وإن خلعوا ربقة الدين عن أعناقهم

صفحه 20
إلاّ أنّهم خضعوا لربقة أُخرى عندما دانوا بالماركسية، واعتنقوا مبادئها، واعتقدوا بفلسفتها في الكون والحياة والتاريخ .
بل انّهم التزموا بهذه المبادئ التزاماً لا يقل ـ في القوة والصرامة ـ عن التزام المتديّنين بمعتقداتهم عندما وصفوا كلّ من يشك أو يشكّك في المبادئ الماركسية أو ينقدها، بالارتداد، وهذا يعني انّهم قدّسوا هذه المبادئ كتقديس المتديّنين لمعتقداتهم، وانّهم نزّلوا مفكّريهم ومنظّريهم منزلة الآلهة الّتي تتمتع بكل حصانة وقداسة وجلال وعصمة، الأمر الّذي لا يجوز معه نقد آرائهم وإعادة النظر في أفكارهم، بل لابدّ من الخضوع لهم خضوعاً مطلقاً، وطاعتهم فيما قالوا ـ حتّى لو ثبت بطلانه ـ طاعة عمياء لا مجال للجدال والنقاش فيها أبداً.1
إنّ هذا التعامل الّذي يعامل به الشيوعيون والماركسيون الملحدون معتقداتهم، والّذي يشبه تعامل المتديّنين مع عقائدهم يكشف ـ في الحقيقة ـ عن ميل الإنسان الفطري نحو الاعتقاد ورغبته الباطنية في تقديس شيء، والخضوع له، فان وجد حقاً وإلاّ نحت من لدن نفسه أُموراً يتعامل معها تعاملاً دينياً .

ضابطة في تفسير الظواهر الاجتماعية

لقد تصوّر الماديون لنشأة العقيدة والتديّن في الحياة البشرية عللاً ودوافع لا تخرج عن إطار العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية .

1 . لاحظ هجرة الأفكار ترجمة شفيق أسعد : 39 .

صفحه 21
وقبل أنْ نتعرّض لهذه الفرضيات، ونتصدّى لشرحها وتقييمها ونقدها نذكّر القارئ بنقطة هامّة وهي أنّه لابدّ من وجود ضابطة نعرف بها أي مورد يصحّ للباحث الاجتماعي أن يعلّله بإحدى العوامل المذكور، وأي مورد لا يصحّ تعليله بتلك العوامل، وأي مورد يسمح له باعمال الخيال فيه وإطلاق العنان له لإبداء الفرضيات الّتي تعلّل بها الظاهرة المعينة، وأي مورد لا يسمح له بذلك أبداً .
فنقول:
إنّ العادات والتقاليد والأُمور السائدة في المجتمعات البشرية على نوعين:
1 . ما يكون لها جذور في أعماق الفطرة ويكون التعامل معها من باب الاستجابة لنداء طبيعي والتلبية لحاجة طبيعية واقعية، ومن هذا القبيل: الزواج والسعي إلى تحصيل المال والجاه والشهرة، وعناية الأُمّهات بأولادهن وما شاكل ذلك .
فانّ لجميع هذه الأُمور جذوراً عميقة في الروح والنفس الإنسانية، ولهذا يكون الأخذ بها والانسياق ورائها عملاً طبيعياً .
فالزواج تلبية لميل فطري وغريزي لدى الجنسين، والسعي لتحصيل المال، والثروة انجذاب فطري ينبع من حرص الإنسان على حياته، وحبه لبقائها.
وكذلك سعي الإنسان إلى الجاه، وحنو الأُمّهات وعنايتهن بأولادهن، كلّ ذلك أُمور فطرية طبيعية في ذات الإنسان، ولهذا لا يصحّ السؤال عن علّتها ونحت أسباب لها غير العامل الفطري الروحي .

صفحه 22
فلا مجال هنا لأن نسأل مثلا: منذ متى ظهرت عادة الزواج، وماهي أسباب ظهورها اجتماعياً أو اقتصادياً، لأنّ الميل إلى الزواج ميل فطري يولد مع الإنسان، وليس لهذه الظاهرة أيّ علّة أو عامل سوى غريزة الإنسان وميله الذاتي.
2. ما ليس له جذور في فطرة الإنسان وعمقه الروحي، بل هو أمر عارض على حياته لأسباب طارئة، وذلك مثل الاعتقاد بنحوسة الرقم 13، والتشاؤم عند رؤية الغراب أو سماع نعيبه، وما شاكل ذلك. فانها لا ترجع إلى «الفطرة» لوجودها في بعض الأقوام دون بعض، وفي بعض الأدوار دون بعض، كما هي لا ترجع إلى العقل والمنطق السليم أيضاً .
وحيث إنّها لا توافق العقل، ولا ترتبط بالفطرة صحّ للباحث الاجتماعي أن ينحت لنشوئها في حياة الناس عللاً نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية لكونها ظواهر غير طبيعية ولا واقعية، ولكونها طارئة على حياة البشر .
فللباحث النفسي أو الاجتماعي أن يتساءل: لأيّ سبب ظهر الاعتقاد بنحوسة الرقم 13؟ وماهي العوامل النفسية أو الاجتماعية او الاقتصادية وراء نشأة هذه العقيدة غير الطبيعية ؟
الرابطة الطبيعية بين الإنسان والعقيدة   
كما أنّ للمرءِ أن يتساءل: منذ متى ولأيّ سبب صارت رؤية الغراب أو سماع نعيبه سبباً للتشاؤم، والحال انّه ليست هناك أيّة رابطة طبيعية أو عقلية بين الغراب وصوته، وبين التشاؤم ؟
إذا تبيّن هذا، فلندرس معاً ظاهرة الاعتقاد بالله في حياة البشر طيلة

صفحه 23
القرون المتمادية. فنقول: إنّ الاعتقاد بالله واسناد الكون إلى «قوة عليا» قامت بخلقه وإسباغ النظام عليه، لو كان من قبيل الأمر الثاني، لصحّ للعالم الاجتماعي أو المحلّل النفسي إطلاق عنان الخيال لفكره ليبدي الفروض ويطرح المحتملات حتّى يقنع نفسه بهذه الفروض ويثبت سبباً أو مبدأً لنشأة هذه الظاهرة في المجتمع البشري .
وأمّا إذا لم يكن كذلك، بأن كان لظهور هذه العقيدة علّة منطقية، أو علّة روحية فطرية، فلا يصحّ هنا إطلاق عنان الخيال، والذهاب إلى التفسيرات الخيالية الّتي لا يدعهما أيّ دليل عقلي أو نقلي، فالخلط بين الأمرين وعدم التعرّف على الخطوط الّتي يجب أن يمشي عليها الباحث الاجتماعي أوجد هذا التخبّط.
يبقى أن نعرف أنّ الاعتقاد بالله ووجود ظاهرة التديّن في الحياة البشرية هو من النوع الأوّل، فان هناك بين الإنسان وبين الاعتقاد رابطتين:
إحداهما: طبيعية، والأُخرى عقلية. وها نحن نتناول كلا الرابطتين بالبحث والشرح:
h h h

أ. الرابطة الطبيعية بين الإنسان والعقيدة

إنّ التديّن، والاعتقاد بقوة عليا وراء العالم المادّي قضية فطرية، تنبع من عمق الفطرة الإنسانية كما تعرف ذلك في بحث دلالة الفطرة على وجود الله، في فصل «الأدلّة على وجود الخالق» .

صفحه 24
فستعرف هناك أنّ الأدلّة القديمة والحديثة تؤكد أنّ التديّن والانجذاب نحو قوة عليا والخضوع لها هو أحد الأبعاد الأربعة في النفس البشرية، والّتي هي عبارة عن: «غريزة حب الجمال، وحب الخير، وحب الصدق، وغريزة التديّن»، وانّ هذه أُمور متأصّلة في الطبيعة الإنسانية كالميل إلى الزواج والمال والجاه، بمعنى انّها تولد معه ولا تنشأ بتأثير عامل خارجي طارئ، وتنمو شيئاً فشيئاً، ولا تنعدم بفعل العوامل المضادة، وان تنوّعت مظاهرها وتجلّياتها .
الرابطة العقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالخالق   
فكما لا يصحّ السؤال عن علّة وجود ظاهرة الزواج، أو سعي الناس إلى تحصيل المناصب، والثروات وماشا كل ذلك، لكونها جميعاً أُموراً طبيعية واقعية لا طارئة غير حقيقية، كذلك لا يصحّ السؤال عن مبدأ نشوءِ التديّن وظهور العقيدة في الحياة البشرية وعلّة ذلك وغايته وأهدافه، لأنّ للعقيدة جذوراً فطرية في أعماق الإنسان والانسياق وراء الدين تلبية طبيعية لنداء باطني نابع من أعماق الوجود البشري. وستقف على إثبات هذه الرابطة الطبيعية بين الإنسان والاعتقاد بالقوة العليا في الفصول القادمة .
فلا يصحّ للباحث الاجتماعي أن ينحت لهذه الظاهرة عللاً من لدن نفسه، ويبحث عن عواملها في الاقتصاد وماشابه ذلك. لكون «التديّن والاعتقاد بالله» أمراً واقعياً لا يقبل تفسيراً ولا تعليلاً، بخلاف التشاؤم لرؤية الغراب أو نعيبه أو الرقم 13، فانّه ليس هناك أيّة رابطة طبيعية بين التشاؤم ورؤية الغراب وأمثالها .

صفحه 25
 
ب . الرابطة العقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالخالق
إنّ الإنسان مهما كان بدائياً بسيط التفكير فانّه يدرك النظام الهائل كما يدركه الإنسان المعاصر المتقدّم سواء بسواء .
فهو يدرك ما يسود في جسمه، وفي ما حوله من أشياء الكون، من أنظمة عجيبة وتنسيق رائع. كما يدرك الإنسان المتقدّم علمياً ذلك، وإن كان إدراك الأوّل لهذه المسألة إدراكاً سطحياً، وإدراك الثاني عميقاً .
وملاحظة هذا القدر من النظام هي الّتي تقوده إلى الاعتقاد بأنّ هناك عقلاً كبيراً وجباراً وراء هذا النظام .
إنّ الإنسان البدائي ـ كغيره ـ لا يسعه وهو يرى نظام الشروق والغروب والطلوع والأُفول الحاكم على الشمس والقمر والنجوم، ويرى الفصول الأربعة وآثارها الكبرى في عالم الطبيعة وما ينشأ على أثرها من تحولات عظيمة، وتطورات هائلة، بل وما يسود في جسمه من أنظمة وقوانين، إلاّ أن يعتقد بوجود خالق ومدبّر وراء ذلك كلّه بعد أن يدفعه دافع الاعتقاد الطبيعي بالعلية إلى البحث والتفتيش عنه .
إذن فهناك رابطة عقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالله، تدفع الإنسان إلى الإيمان به في جميع أدوار التاريخ، ومع وجود هذه الرابطة المنطقية والعقلية كيف يصحّ لباحث منصف أن يعدل عن اعتبارها إلى غيرها من العلل المنحوتة وافتراض الفرضيات الموهومة لتعليل نشأة العقيدة في حياة الأُمم والشعوب على الإطلاق ؟

صفحه 26
إنّ تجاهل هاتين الرابطتين: (الفطرية والعقلية) بين الإنسان والاعتقاد بالله تجاف عن الحقيقة وخروج عن المنطق السليم، وهو الّذي دفع بالمحلّل الاجتماعي إلى أن يلجأ إلى هذه الفرضيات الموهومة الّتي لا دليل على صحّتها أبداً.
إذا وقفت على ذلك فهلمّ معي ندرس تلك الفرضيات واحدة واحدة، ونعرضها على محك الواقع والبحث .
ولقد سبق أن ذكرنا أنّ هذه الفرضيات الّتي تعلل نشأة العقيدة بعضها نفسية وبعضها الآخر اجتماعية، وبعضها الثالث اقتصادية، وها نحن نقدّم الأبرز منها ثم الأبرز تباعاً .

صفحه 27
نظرية الخوف من الحوادث الطبيعية   
 

أبرز النظريات حول نشأة التديّن

1. الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة

لقد حاول بعض المادّيين ـ تبعاً لطائفة من علماء الاجتماع ـ تفسير نشأة التديّن وتعليل ظهور الاعتقاد بوجود الله بين البشر بعامل نفسي، وكانت لهم في هذا المجال تصريحات مختلفة نقتطف منها ما يلي:
قال ويل ديورانت: «الخوف ـ كما قال لو كريشس ـ أوّل أُمّهات الآلهة وخصوصاً الخوف من الموت، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار وقلّما جاءتها المنيّة عن طريق الشيخوخة الطبيعية، فقبل أن تدبّ الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الاعتداء العنيف، أو بمرض غريب يفتك بها فتكاً، ومن هنا لم يصدق الإنسان البدائي أنّ الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة .
وتعاونت عدّة عوامل على خلق العقيدة الدينية، فمنها الخوف من الموت، ومنها كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة أو الاحداث الّتي ليس في مقدور الإنسان فهمها، ومنها الأمل في معونة

صفحه 28
الآلهـة والشكـر علـى مـا يصيـب الإنسـان مـن حـظ سعيـد»1 .
ثم جاء راسل ـ وهو فيلسوف انجليزي ـ وتوسّع في هذه النظرية وردّ نشوء العقيدة إلى ثلاثة أسباب هي:
أ ـ الخوف من القوى الطبيعية القاهرة، كالرعد والبرق والزلازل والسيول الّتي تهدّد حياة الإنسان، بل وتقضي عليها أحياناً .
ب ـ الأضرار الّتي تلحق به من أبناء جنسه في ميادين القتال، أو حالات الهجوم والغزو .
ج - الخوف الحاصل له بعد الإقدام على بعض الأعمال الجنسية عند فورة الشهوة وهيجان الغريزة الجنسية، وما يتبع ذلك من الاستيحاش ممّا فعل والندم ممّا ارتكب .
فانّ هذه الأُمور ـ في نظر راسل ـ هي التي جعلته يلوذ إلى «قوة عليا» اخترعها ليسكن إلى حمايتها، ويرتاح في كنفها .
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي صرح بها أصحاب هذه النظرية ممّا تجدها في بعض كتب التاريخ، وعلم الاجتماع والنفس، والفلسفة المادية .
وها نحن نبحث في هذه النظرية لنرى مدى صحّتها من وجهة نظر العلم والواقع.

1 . قصة الحضارة : 1 / 99 ـ 100. ولا يخفى أنّ القائل أشار في كلامه هذا إلى عاملين لنشوء الاعتقاد، أحدهما: الخوف من الحوادث المرعبة، والآخر: الجهل بعلّتها. والبحث هنا انّما هو عن الأوّل .

صفحه 29
إنّ النظر الفاحص إلى ما قيل في هذه النظرية حول منشأ الاعتقاد بالله، وإرجاع هذه الظاهرة إلى عامل الخوف والرهبة من الحوادث الطبيعية المرعبة، يوقفنا على ثلاثة إشكالات أساسية في هذه النظرية وما قيل في تقريرها وتبريرها:

الإشكال الأوّل:

إنّ أوّل ما يؤخذ على أصحاب هذه النظرية هو أنّه يبدو وكأنّهم قد اتّفقوا على تغافل أنّ هناك لنشوء الاعتقاد بالله في حياة الإنسان عللاً «طبيعية روحية» كالفطرة، أو «منطقية وعقلية» كدلالة العقل الإنساني على وجود قوة عليا عندما يواجه هذا النظام البديع، هذه العلل الّتي تكشف عن أنّ للاعتقاد جذوراً واقعية في النفس والعقل الإنسانيّين غير عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة .
وقد مر ـ في ما سبق ـ انّ مجال نحت الفرضيات والتعليلات الفرضية يختص بالعادات والحالات الّتي لا يوجد لها جذور واقعية في النفس أو العقل الإنسانيّين، كالتشاؤم لرؤية الغراب أو سماع نعيبه، أو الاعتقاد بنحوسة الرقم 13، وغير ذلك من التقاليد والعادات الخرافية السائدة في بعض الأُمم والشعوب على اختلاف مسالكها وعقائدها .
وأمّا ما كان له جذور واقعية في النفس الإنسانية بأن كان له علّة طبيعية، أو سبب منطقي في فطرة الإنسان وعقله فلا يكون موضعاً للفرضيات المنحوتة والتعليلات الاحتمالية، بل ويكون تجاهل تلك العلّة الواقعية الطبيعية والسبب المنطقي ظلماً فضيعاً بحق العلم والفلسفة، وهو ما ارتكبه أصحاب هذه

صفحه 30
النظرية ومؤيدوها وذلك عندما رفضوا أوتجاهلوا «فطرية التديّن» أو «الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام والاعتقاد بوجود منظم للكون»، وعمدوا إلى اختراع هذه النظرية وتفسير نشوء العقيدة بها .

الإشكال الثاني:

إنّ هذه التعليلات فرضيات ذهنية لا يدعمها أيُّ دليل يفيد يقيناً، ويوجب اطمئناناً، وهي تبقى كذلك فرضيات ليس لها أيّة قيمة علمية مهما ألبسوا عليها من حلل الألفاظ، وأفاضوا عليها من الأصباغ والألوان الزاهية .
فهل يمكن للعقل أن يقتنع بشيء لا يدعمه دليل، ولا يؤيّده برهان كهذه النظرية الّتي ليست إلاّ ضرباً من الخيال؟ وليست سوى مزاعم جوفاء، وفرضيات مبنيّة على التخمين .
ولأجل ذلك لا يتّفق أمثال هؤلاء المحلّلين في تحليلهم على أساس واحد، ولا ينطلقون من منطلق واحد، بل يحلّل كل واحد منهم هذه الظاهرة حسب مزاجه ومتأثراً بما يتعاطاه من العلوم ويتبّناه من أفكار، فالعالم النفسي يسنده إلى عامل نفسي، والعالم الاجتماعي يسنده إلى عوامل اجتماعية، وثالث يسنده إلى أسباب اقتصادية، ورابع ينحت له فروضاً جنسية تشمئز منها الطباع السليمة إلى غير ذلك .

الإشكال الثالث:

إنّ من الظلم الفاحش أن ينسب اعتقاد الشخصيات العظيمة من

صفحه 31
كبار العباقرة وأساطين العلم والفكر الذين برعوا في إلجام الطبيعة، وتسخير بعض قواها، وكبح جماحها ودرء أخطارها عن البشر، إلى عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة .
أفيصح أن ننسب اعتقاد سقراط وإفلاطون وأرسطو، وغيرهم من كبار الفلاسفة الاغريق، والفارابي وابن سينا والرازي وابن الهيثم ونصير الدين الطوسي وجابر بن حيان وغيرهم من عمالقة الشرق، وغاليلو وديكارت ونيوتن وباستور وغيرهم من رجالات الغرب، إلى عامل الخوف من الحوادث الطبيعية، وهم أهل عقل وفهم، ورجال علم واستدلال؟
فلم لا يكون اعتقاد الإنسان البدائي ـ على غرار اعتقاد هؤلاء العلماء ـ مبنيّاً على الاستدلال العقلي المتناسب مع مداركه، وناشئاً من فطرته النقية.
ثم إنّ المادّيين يتذرّعون ـ أحياناً لتبرير هذه النظرية بما تبعثه العقائد الدينية في النفس من السكون والطمأنينة، وبما يكون لها من أثر في طرد الوحشة والقلق والاضطراب عن الإنسان .

والجواب هو:

إنّ العقائد الدينية والإيمان بالله القادر الحكيم العادل الرحيم، تخفّف ـ ولا ريب ـ من القلق، وتبعث على الطمأنينة والسكون، وهو أمر يصرح به الكتاب العزيز إذ يقول:
(الذيِنَ آمنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إيمانَهُم بِظُلم أُولئكَ لَهُم الأمْن) 1.

1 . الأنعام : 82 .

صفحه 32
ويقول: (ألا بِذِكرِ اللهِ تَطْمِئنُّ القُلُوب) 1.
كما لا شك انّ الذين يتزوّدون بسلاح الإيمان من المقاتلين في جبهات القتال هم أقوى عزيمة، وأكثر ثباتاً وأشدّ طمأنينة وهم يعتبرون الشهادة في سبيل الله اختصاراً للطريق إلى السعادة، ولهذا لا يهابون الأعداء ولا يخشون أحداً إلاّ الله، فيقاتلون ببسالة، ويضربون أروع الأمثلة في الثبات والصمود ويسطرون أعظم الصفحات في البطولة والإقدام .
إلاّ انّ هذا لا يعني أنّهم اخترعوا فكرة وجود الله لتحقّق لهم مثل هذه الحالة، فهناك فرق بين «دوافع» نشأة العقيدة وبين «آثارها» الطبيعية، وقد خلط أصحاب هذه النظرية بين الدوافع والآثار حيث تصوّروا أنّ طلب الطمأنينة والأمن هو الّذي دفع بالبشر إلى اختراع وافتعال فكرة «القوة العليا» ليكتسبوا في ظلّها هذه الحالة، في حين انّ حصول الطمأنينة وماشاكلها انّما هو من الآثار المترتّبة على العقيدة لامن دوافع إيجادها، فمن آمن بالله قويت عزيمته وسكنت نفسه، لأنّه ربطها بقدرته المطلقة. وحصول هذه الأُمور انّما يكون بعد الاعتقاد بوجود ذلك الفاعل القادر لا باعثاً على تصوّره واختراعه .

القرآن ونظرية الخوف

إنّ ادّعاء المادّيين بأنّ الاعتقاد بالله وعبادته والخضوع له جاء نتيجة خوف الإنسان من الحوادث الطبيعية الرهيبة ـ حسبما جاء في نظرية الخوف ـ ليس مبنيّاً على أيّ أساس صحيح كما عرفت، إذ أيّة ملازمة عقلية أو عادية بين

1 . الرعد : 28 .

صفحه 33
«الخوف» «واختراع فكرة الإله» في الذهن، فانّه لابدّ من وجود ملازمة عقلية أو عرفية بين «المقدّمة» و «النتيجة» حتّى يكون تصوّر المقدّمة موجباً للانتقال إلى النتيجة وليس هاهنا أيّة ملازمة من هذا النمط بين الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة، وبين تصوّر خالق للكون قادر على دفع البلايا .
فإنّ فكرة «الخالق الإله» ليست هي نفس الخوف من الحوادث المرعبة، ولا تلازم بين وجود الخوف في الذهن الإنساني من تلك الحوادث وهذه الفكرة، فكيف ـ والحال هذه ـ يمكن أن تستنتج فكرة الإله الخالق من حالة الخوف؟!
والحاصل: انّ التداعي بين الأمرين النفسيّين لا يتحقّق إلاّ أن يكون بينهما نوع ملازمة عقلية أو عرفية، والحال انّه لا وجود لمثل هذه الملازمة لدى الإنسان العائش في العصور الأُولى، الّذي يسند المادّيون اعتقاده بالإله الخالق إلى خوفه من الحوادث الطبيعية الرهيبة.
فلو لم تكن فكرة الخالق الإله أمراً قد فطر عليه الإنسان وحقيقة يميل إليها في أعماق قلبه وضميره، أو لم يكن برهان وجوده مركوزاً في عقله وإدراكه، لاستحال أن ينتقل في «حالة الخوف من الحوادث الطبيعية المخيفة» إلى فكرة الخالق الإله، وهذا بخلاف ما إذا كانت فكرة الخالق الإله أمراً ارتكازياً للإنسان أو ثابتاً بالبرهان في ذهنه، فانّ هذا يكون وسيلة للانتقال ـ عند مواجهة الحوادث المخيفة ـ إلى وجود الخالق الاله القادر على دفع الشر عنه .
وأمّا القرآن الكريم فانّه يرى أنّ الاعتقاد بوجود الخالق الإله سبحانه أمر قد جبل عليه الإنسان، وأنّ برهان وجوده موجود في عقله، ولذلك يجعل

صفحه 34
تصوّر الخوف سبباً للانتباه إلى وجود الإله الخالق عبر ذلك الإذعان الفطري وذلك البرهان العقلي لا سبباً موجداً له في الذهن .
وكم فرق بين كون الشيء (داعياً) إلى أمر لأجل ملازمة عقلية أو عرفية بينهما، وبين كون شيء موجداً لذلك الأمر في رحاب الذهن، ومبدعاً له، والصحيح في المقام هو الأوّل دون الثاني .
فبما انّ الإنسان مجبول على فكرة الخالق كمجبوليته على سائر الأُمور الفطرية الأُخرى وكان برهان وجود الخالق موجوداً بشكله البسيط في ذهنه، صار ذانك الأمران وسيلة ـ عند مواجهة المصائب والنوازل ـ للانتقال و الانتباه إلى الخالق القادر على دفع الشر والبلية عنه، وهذا يعني انّه بفضل تلك الفطرة وذلك البرهان وقف على أنّ للعالم ـ والإنسان بالأخصّ ـ خالقاً قادراً على دفع النوازل والبلايا عنه .
ولذلك يقول سبحانه ـ كما في غير آية من آيات الكتاب العزيز ـ :
(فإذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدينَ فَلَمّا نَجّاهُم إلى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُون)1.
وقال: (وَ إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّار كَفُور ) 2.
فالمتحصّل من هذه الآيات أمران:
نظرية الجهل بالعلل الطبيعية   
الأوّل: انّ الأمواج الهائلة، وما تثيره من المخاوف والأخطار ليست سبباً لخلق وإيجاد فكرة الإله الخالق في النفوس والأذهان، بل هي سبب للانتباه إلى

1 . العنكبوت : 65 .
2 . لقمان : 32 .

صفحه 35
أمر موجود في ضميره إمّا من ناحية الفطرة أو من جانب العقل، وهو الله القادر والالتجاء إلى حمايته، والاحتماء بقدرته .
فلو لم تكن هذه الواسطة (أي كون الاعتقاد بوجود الله أمراً فطرياً أو كون برهانه أمراً موجوداً في العقل) لما كان هذا الانتقال إلى الله عند مواجهة المخاوف ممكناً وحاصلاً .
الثاني: انّه سبحانه يندّد بالبشرية على توجّههم إليه وتذكرهم ايّاه في ظرف دون ظرف، وحال دون حال، مع أنّه كان يجب عليهم أن يتوجّهوا إليه سبحانه بحكم فطرتهم، وقضاء عقولهم في كل الأحايين، وفي جميع الحالات لا في بعضها .
فانّ التوجّه في حال العسر والشدة إليه سبحانه وان كان دليلاً على كون الاعتقاد به أمراً فطرياً، لكنّه دليل بارز على كفران الإنسان له وغفلته عنه سبحانه في بعض الحالات والأحايين .
h h h

2ـ نظرية الجهل بالعلل الطبيعية

لقد عمد بعض المادّيين في تعليل نشوء الاعتقاد بوجود الله إلى فرضية أُخرى وهي: انّ الإنسان البدائي عندما واجه الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول والكسوف والخسوف، الّتي تحيط به ولم يعرف عللها الطبيعية الواقعية لجأ لجهله إلى اختراع فاعل لها واعتبره العلّة الوحيدة لكلّ شيء مباشرة، وكلّما تكامل فكرياً، واستطاع من خلال اكتشافاته وتحليلاته أن يقف على السبب الطبيعي المادي لكل حادثة، أسند كل ظاهرة إلى عاملها الطبيعي الحقيقي

صفحه 36
وتخلّى عن اسنادها إلى تلك «القوة الوحيدة»، وهكذا كان الاعتقاد بوجود الله وليد الجهل بأسباب الحوادث الكونية الطبيعية .
وفي هذا قال ويل ديورانت: تعاونت عدّة عوامل على خلق العقيدة الدينية، منها الدهشة لما يسبب الحوادث الّتي تأتي مصادفة، أو الأحداث الّتي ليس في مقدور الإنسان فهمها .1
وقال بعض علماء الاجتماع: إنّ العلم وإن وقف على جملة من علل الحوادث إلاّ أنّه لازالت هناك حوادث لم تقع في إطار هذا العلم، ولا زالت تعاني من الإبهام والغموض، وهذا هو الّذي سبب نشوء العقيدة الدينية .
ولو أردنا أن نشرح هذه الفرضية ـ كما شرحها بعض الماركسيّين ـ لقلنا بأنّ الإنسان المادي عندما كان يرى نزول المطر، وقطع الثلج بأشكالها الهندسية المسدّسة، وكان يسمع الرعد ويرى البرق ويتعرض للملاريا الّتي كانت تهاجمه بين الفينة والأُخرى، ولم يعرف أسبابها الطبيعية ـ الّتي كشف عنها العلم فيما بعد ـ عمد إلى افتعال علّة لها من لدن نفسه، وأسند إليها جميع تلك الطوارئ المجهولة العلل .
ومن هنا نجد بعض الماديين ينادي بتنافي العلم والدين بعد أن ذهبوا إلى التحليل المذكور، لأنّ «العلم» عندهم يسند الأُمور إلى عللها الطبيعية، ويكشف عن العلاقات المادية بين الظواهر الطبيعية ومناشئها، بينما يسند «الدين» كلّ تلك الظواهر والحوادث إلى علّة واحدة يقيمها مكان جميع العلل الواقعية .

1 . قصة الحضارة : 1 / 100 .

صفحه 37
ولهذا أيضاً ذهبوا إلى أنّ تقدّم العلوم ونجاحها في كشف الموضوعات الطبيعية، والسنن الحاكمة في الكون يزعزع مكانة الدين، ويوجب انحسار الاعتقاد بالخالق، وتراجعه إلى زاوية النسيان .

قيمة هذا التحليل

إنّ هذا التحليل يواجه ثلاث مؤاخذات هي:
أوّلاً: انّ ما يؤاخذ على هذه الفرضية هو عين ما أُخذ على سابقتها، وهو انّ افتعال مثل هذه الفروض والاحتمالات وارتكاب مثل هذه التعليلات والتفسيرات انّما يصحّ في الأُمور والعادات التي لم يكن لها علّة واقعية ـ روحية أومنطقية ـ عند أبناء البشر .
وأمّا عندما يكون للعادة أو الحالة سبب واضح ـ كما هو الحال في مسألة الاعتقاد بالله ـ فلا مجال لمثل هذه التعليلات، بل هي حينئذ تكون ضربا من الخيال الّذي تأباه العقول السليمة، ويرفضه المنطق السوي .
ثانياً: انّ هذا التحليل ينمّ عن جهل صاحبه باعتقاد الإلهيّين ومنطقهم على اختلاف مسالكهم ومشاربهم .
فإنّ الاعتقاد بخالق للكون باعتباره العلّة العليا ـ عند الإلهيّين ـ لا يعني تجاهل العلل الطبيعية، وإنكار الروابط المادية بينها وبين معاليلها، ليكون انكشاف العلل والروابط في ضوء العلم سبباً لتزعزع الاعتقاد بوجود الله وانحساره .
ونسبة هذا الإمر إلى الإلهيّين محض كذب وافتراء، وعين الظلم

صفحه 38
والجفاء، وأيّ ظلم أشد من أن ننسب إلى طائفة كبرى من البشر ما لا يقولون به، بل وما هم بريئون منه، فانّ الاعتقاد بالله ليس ـ عندهم ـ بمعنى إنكار العلل، بل هو بمعنى انّهم يعتقدون بأنّ النظام العلّي السببي السائد في الكون، يرجع في مآله إلى قوة عليا، وينتهي إلى مبدأ أعلى هو علّة العلل، وهو مسبب الأسباب، وهو موجد ذلك النظام العلّي، فالإنسان إذا أطلّ على هذا الكون، وشاهد مافيه من أنظمة بسيطة وأُخرى معقدة تنظم ظواهر الطبيعة، وتسير على وفقها جميع الحوادث بانتظام، ودون فوضى أو عبثية جرته هذه النظرة الفاحصة، إلى الاعتقاد بقوة مدبّرة منظمة خالقة وراء هذا الكون العظيم، ونظامه البديع، هو الّذي أوجد الكون، وأرسى فيه السنن .
فالاعتقاد بذلك الخالق القادر المدبّر وليد الاعتقاد بالنظام السببي العلّي، والإيمان بالعلل الطبيعية لا إنكارها وتجاهلها كما زعم أوتوهّم أصحاب هذه الفرضية من الماديّين، واتّهموا به الإلهيّين .
وبعبارة أُخرى: انّ الإلهي لا يثبت وجود الله عند عدم العلم بعلل الحوادث وعند المبهمات والغوامض، بل يعتقد به عندما يقف على النظم الكونية السائدة، والأُمور الواضحة السياق، البيّنة النظام، فطريقه إلى الإذعان والإيمان بوجوده هو ما يشاهده من التنسيق والانسجام، والترابط والنظام، لا ما قد يصادفه من الفوضى والعشوائية .
نعم انّ المشتغل بدراسة الطبيعة المهتم بعالم الأحياء كلّما ازداد علماً بأسرار الكون، ووعياً وإدراكاً لقوانينه ازداد إيماناً ويقيناً بوجود الخالق، الموجد لتلك القوانين، الخالق لتلك السنن، فتقدّم العلم والإدراك والاكتشاف يخدم هذا

صفحه 39
الاعتقاد لا أنّه يهدده أو يزعزعه لأنّه كان ولا يزال الطريق المنطقي إلى هذا الإيمان.
ولهذا فليس الإلهي هو من يبحث عن وجود الإله في ما يجهل علله وأسبابه، وهو الّذي لم يزل ـ منذ أوّل الهي وإلى الآن ـ يستدلّ على وجود الخالق المدبّر بالأنظمة السائدة في الكون من دقيقها إلى جليلها، فكيف يعزى إليه أنّه يثبت وجود الله ويعتقد به بما يجهل فيه الأسباب والعلل الطبيعية من الظواهر الكونية؟!
ويكفي لمعرفة هذه الحقيقة والتأكد منها الرجوع إلى منطق الإلهيّين واستدلالهم منذ أقدم العصور إلى الآن، فهذا سقراط يستدلّ في محاورته مع اريستوديم بالنظام على وجود الخالق:
سقراط: ألا ترى (يا اريستوديم) أنّ من دلائل التدبير والحكمة أن تمتّع العين ـ وهي ضعيفة ـ بجفون تنفتح وتنغلق عند الحاجة وتنطبق عند النّوم طول الليل، وأن توهب تلك العين غربالاً من أهداب لتقيها فعل الرياح الثائرة، وأن تمنح لها تلك الحواجب كميزاب يمنع عنها غوائل العرق المتساقط من الرأس، وأن تصنع الأُذن على صورة لا تكلُّ عن سماع الأصوات ولا يعتاض الحس بها، وأن تعطى جميع الحيوانات أسناناً أمامية لقطع الأغذية، وأضراساً جانبية لسحقها، وأن يكون الفم الّذي تدخل منه الحيوانات الأغذية الصالحة لها إلى أجوافها موضوعاً قريباً من العينين والمناخير .
أترى نفسك بازاء كل هذه الأعمال الّتي تدلّ على تدبير وحكمة، لا تزال متردّداً بين عزوها إلى الصدفة والاتّفاق، وبين اسنادها للحكمة والعلم؟

صفحه 40
قال اريستوديم: لا والإله فانّ أقلّ نظر في الكائنات الحية يدلّنا على أنّ هنالك ذات عالم رحيم خلقها وعدّلها.1
بل ونجد الكتاب العزيز يستدلّ على وجوده سبحانه بالنظم السائدة في شتّى مجالات الطبيعة، إذ يقول:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمواتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)2.
ويقول:
(وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالمِينَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ ابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ).
(وَ مِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).

1 . الإسلام وعصر العلم لفريد وجدي : 163 ـ 164 .
2 . الطور : 35 ـ 36 .

صفحه 41
(وَ مِنْ آيَاِتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَ الأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)1.
وأنت ترى كيف انّ هذه الآيات جعلت النظام السائد في الكون ـ الّذي يوقف الإنسان على الانسجام والترابط والنظام ـ دليلاً على وجود منظم لهذا الكون، وليست «الآية» في هذه الآيات إلاّ بمعنى «العلامة» فهي علامات على دخالة الشعور والعقل في ابتداع هذا النظام .
ولو أنّك لاحظت كل ما ألّفه الإلهيّون منذ أقدم القرون، ودبجته أقلامهم حول إثبات الصانع لرأيت بأُمّ عينيك كيف يُجمعون على الاستدلال للخالق بوجود النظام لا بالجهل بالأسباب والعلل، حتّى أنّ المعاجز وخوارق العادة الّتي تظهر على أيدي نخبة من البشر ليست ـ في منطقهم ـ ممّا تخلو من علّة بالمرة، بل لا تستند إلى علل عادية.2
h h h
ثالثاً: انّ هذه الفرضية تقوم على أساس أنّ البشر كان يعرف، بل ويعتقد بقانون العلّية، وهذا يعني أنّ الإنسان البدائي لمّا كان يجهل العلل الواقعية للظواهر الطبيعية آل به هذا الاعتقاد إلى اختراع فكرة «خالق الكون» وإحلالها محل العلل الطبيعية الّتي كان يجهلها، حتّى يرضي وجدانه الّذي يلحُّ عليه بنسبة كلّ ظاهرة إلى علّة .
فلوكان البشر البدائي مدركاً ـ بهذه المنزلة ـ لقانون العلّية فلِمَ لا يكون

1 . الروم: 20 ـ 25 .
2 . سيوافيك بحث المعجزة في الأجزاء التالية من هذه المجموعة العقائدية ان شاء الله .

صفحه 42
اعتقاده بالله، ناشئاً عن إذعانه بأنّ النظام الرائع السائد في الكون الّذي لا ينفك عن تأثير بعض أجزائه في بعض، وانسجام بعضه مع بعض، قد وجد بفعل قوّة عالمة، وعارفة بالسنن والقوانين الكونية اللازمة .
نعم ربّما يوجد بين بعض البسطاء السذج من المؤمنين بالله من أقام أو يقيم «القوة العليا» مقام العلل الطبيعية غير أنّ تفسير «الاتجاه الديني» الذي شمل العالم البشري طيلة قرون مديدة، وسار في ركبه ملايين البشر، وآلاف الآلاف من العظماء والنوابغ من المفكّرين، بمثل هذه الأُمور الصادرة عن بعض السذج والبسطاء، في غاية السخافة ومنتهى الظلم .
ولأجل ذلك سيوافيك ـ في بعض الفصول القادمة ـ أنّ الإلهي لا يبحث عن الله، ولا يثبته من خلال المجهولات أو الحالات الاستثنائية الشاذة عن النظام وانّما يطلبه ويتوصّل إليه ويثبته من خلال الأمور المنتظمة الّتي لا يمكن أن تفسّر إلاّ في إطار العلم والعقل .
القرآن ونظرية الجهل بالعلل الطبيعية   
h h h

القرآن ونظرية الجهل

والعجب من أصحاب هذه النظرية أنّهم يفترون على رجال الوحي الكذب فيدّعون بأنّ الجهل بالعلل الطبيعية الحقيقية هو أساس دعوتهم إلى الله، وانّهم لأجل عدم وقوفهم عليها صوّروا لها «علّة واحدة» أسموها بالله، مع أنّ القرآن الكريم يحارب الجهل أشدّ المحاربة ويمنع أتباعه من الاعتقاد بشيء بدون علم.
يقول سبحانه:

صفحه 43
(وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً)1.
بل ولا يكتفي بهذا القدر، فهو يستدلّ على وجوده سبحانه بالنظام السائد في الطبيعة والكون، ويطلب من المؤمنين النظر في الطبيعة واستجلاء أسرارها وفهم قوانينها إذ يقول:
(أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَ إِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)(2) .
ويعود ليدعو المؤمنين ـ في آيات أُخرى ـ إلى النظر في آيات وجوده ووحدانيته في الأرض والسماء، إذ يقول:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) 2.
فكيف يجوز لأصحاب هذه النظرية ـ والحال هذه ـ أن يفتروا على أصحاب الرسالات الإلهية بأنّ دعوتهم إلى الله سبحانه لم تكن إلاّ بسبب جهلهم بالعلل الطبيعية، والأسباب الواقعية للظواهر الكونية .
وما ذكرناه من الآيات ما هو إلاّ نماذج قليلة من الآيات البارزة حول هذه الحقيقة .

1 . الإسراء : 36 .            2 . الغاشية: 17 ـ 20 .
2 . آل عمران: 190 ـ 191 .

صفحه 44
ثم إنّ القرآن يصرّح بأنّ العلماء هم الذين يخشون الله دون غيرهم، إذ يقول:
(إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) 1.
وللوقوف على مدلول الآية بصورة كاملة نقول: إنّ هناك ثلاثة مفاهيم: الجبن، الخشية، والخوف. والّذي يقصده سبحانه في الآية هو الخشية والخوف منه سبحانه لا الجبن الّذي هو في مقابل الشجاعة .
فإنّ الجبن أمر مذموم، لأنّه حالة تسيطر على الإنسان لأجل تجنّبه للأُمور المرعبة غير الواقعية كالخوف من الغول، أو الظلمة الموجودة في قبو مع العلم بعدم وجود ما يخيف حقيقة .
وأمّا الخشية فهي عبارة عن إحساس الإنسان بالعظمة الإلهية الّتي تملأ الصدور والنفوس مهابة عند مشاهدة عظيم خلقه، وجليل فعله .
وهذا الأمر مسبّب عن علم الإنسان بالعظمة الإلهية لا جهله; ووعيه، لا توهّمه وتخيّله.
وأمّا الخوف منه سبحانه، فلأجل أنّ الإنسان العاقل يخاف في قرارة نفسه أن لا يقوم بما عليه من وظائف العبودية تجاه ذلك الرب العظيم .
على هامش فرضيّتي الخوف والجهل   
فالمراد في هذه الآية إذن هو الخشية والخوف منه سبحانه الناشآن ممّا ذكر، لا الجبن الّذي يقابل الشجاعة، ويضاددها.

1 . فاطر : 28 .

صفحه 45
 
على هامش فرضيّتي الخوف والجهل
تلخّصت الفرضيتان المذكورتان في أنّ الإنسان اخترع فكرة «الإله الأعلى» وعكف على عبادته وذهب إلى تقديسه تحت دافع الخوف وعامل الجهل، ولقد عرفت ما يرد عليهما من إشكالات .
ونعود هنا لندرس هاتين الفرضيتين من غير الزاوية الّتي درسناها سابقاً فنقول: إنّ هاتين الفرضيتين لا يمكن الركون إليهما لعدّة أسباب، مضافاً إلى ما ذكرناه في البحث السابق:
أوّلاً: لو كانت فكرة الإله وعبادته والخضوع له والإيثار في سبيله والاعتقاد بالمسؤولية تجاهه من ولائد الجهل البشري بالأسباب الطبيعية والخوف من الحوادث الكونية المرعبة فلماذا نجد هذه الفكرة قائمة حتّى في المجتمعات الحاضرة رغم انتفاء دواعيها من الجهل والخوف، حيث لاجهل بسبب ما اكتشفته العلوم من العلل الطبيعية، ولا خوف بسبب تغلب الإنسان الحديث على أكثر حوادث الطبيعة، وتمكّنه من تجنب أضرارها وأخطارها؟!
فما الّذي يفسّر بقاء فكرة «الإله المعبود المقدّس» بين المجتمعات الحاضرة، والإحساس بالمسؤولية تجاهه والسعي لتحصيل رضاه، وما يلحق كلّ ذلك من الاعتقادات والممارسات العملية الدينية وقد زال الجهل والخوف؟
أليس بقاء هذا الأمر ـ مع زوال ما قيل عن علّته ـ يعدّ دليلاً واضحاً و برهاناً ساطعاً على أنّ هناك عاملاً آخر، غير عامل الجهل والخوف، وراء نشأة

صفحه 46
فكرة «الإله المعبود» هو الّذي دفع الذهن الإنساني إلى الالتزام بهذه الفكرة والمعتقد إلى اليوم؟
ولو قيل: صحيح انّ العلماء والمفكّرين في هذا العصر تغلّبوا على الطبيعة وكبحوا جماحها، وعرفوا أسرارها وعللها وتحرّروا من الجهل والخوف، ولكنّهم ورثوا فكرة «الإله المعبود» من آبائهم وأسلافهم، ولم يستطيعوا التخلّص منها والتحرر من رواسبها .
فانّنا نقول: وهل هذا إلاّ ازدراء بمثل هؤلاء العلماء والمفكّرين، واحتقار لشأنهم، وتجاهل لما هم عليه من سداد الفكر، ورشادة العقل، وقوة التحليل الّتي تأبى التقليد الأعمى، وترفض التبعية الجاهلة .
هذا مضافاً إلى ما يرد على هذا الرأي من إشكالات سوف نذكرها عند مناقشة نظرية توراث العقيدة قريباً .
h h h
ثانياً: لو كانت علّة نشوء العقيدة الدينية في النفوس هي الجهل والخوف من دون دخالة أيّ عامل عقلاني وفكري لوجب أن يكون مثل هذا الاعتقاد سارياً بين جميع دواب الأرض وحيواناتها، وأن يصدر من الحيوانات كلّ ما يصدر عن الإنسان المعتقد المتديّن من عبادة الله، والإيثار في سبيله والإحساس بالمسؤولية تجاهه مع أنّ البداهة تقضي ببطلان هذا الأمر.1

1 . وهذا لا يخالف ما عليه القرآن الكريم من تسبيح جميع الموجودات بحمدالله إذ يقول: (وان من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (الإسراء : 44) فانّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الآية هو تسبيح كل شيء له سبحانه، وهذا غير ما يفعله الإنسان تجاه الله فهو يقدّسه ويعبده ويجاهد في سبيله ويضحي بنفسه ونفيسه من أجله ويشعر بالمسؤولية تجاهه، والعرفان بهذا النحو غير موجود لدى غيره .

صفحه 47
فإذن لابد أن يكون هناك عامل آخر ينضم إلى ما ذكروه من الجهل والخوف حتّى ينشأ عنه مثل هذه العقيدة في الأذهان والنفوس الإنسانية، إذ لا يمكن أن يكون الجهل والخوف البسيطان باعثين لمثل هذا الاعتقاد العام، ومنشأين لهذه الحركة العظيمة، ومنبعين لهذه العقيدة الشاملة الخالدة، السائدة في جميع أدوار التاريخ وإلى اليوم الحاضر .
فلابد أن نقول ـ عندئذ ـ إنّ الإنسان عندما وقف على جهله بأسباب الحوادث صار ذلك موجباً لتحرك قواه العقلية باتّجاه البحث عن سببها، فتصورت «سبباً» لها، بغض النظر عمّا إذا كان الّذي توصلت إليه وتصوّرته من «السبب» صحيحاً أو خطأ .
المهم أنّ الجهل لم يكن وراء ابتداع فكرة الاله، بل كان أرضية مساعدة لأن ينشط العقل البشري ويتحرك باتّجاه كشف الأسباب .
وهكذا الحال في الخوف فانّ الإنسان عندما واجه أحداث الطبيعة المخيفة صار ذلك الخوف موجباً لأن يبحث بعقله عن ركن وثيق يدفع عنه الخوف .
فلم يكن الخوف بما هو سبباً لنشأة العقيدة الدينية، بل كان أرضية صالحة لتحرك القوة العقلية باتّجاه البحث والتفتيش عن ملجأ طبيعي يسكن الإنسان في كنفه .
فنستنتج من ذلك أنّ الاعتقاد بالله الخالق انما هو نتيجة تحرك القوة العاقلة

صفحه 48
ودخالتها، وتحرّيها الطبيعي للأسباب والعلل، لأنّ العقل الإنساني لم يفتأ يتساءل ـ كلّما واجه حدثاً ـ عن علّته وسببه، فكانت مواجهته للحوادث الطبيعية الرهيبة وما تولد منها من الجهل والخوف سبباً لأن يستيقظ العقل ويلتفت ويوسع دائرة تساؤلاته وينتقل من السؤال عن علّة الأشياء الصغيرة الجزئية، إلى السؤال عن علّة النظام الكوني الكلّي، وما يقع في إطاره من أحداث جسام وحوادث كبرى .
من هنا يتّضح انّ منشأ ظهور العقيدة الدينية ليس هو السبب البعيد (أي الجهل والخوف) بل انّ ذلك صار سبباً لتدخل «القوة العاقلة» في المقام، وبدخالة هذه القوة وتحرّيها وتحليلها نشأت العقيدة، وراح الإنسان يعتقد بخالق لهذا الكون ومبدع لنظامه العظيم .
فالدور الأساسي ـ هنا ـ انّما هو للعقل والوعي لا للجهل والخوف .
ويمكن بيان ذلك بنحو آخر، وهو انّ الإنسان خاف من الحوادث فصار خوفه ذلك موجباً لتفكّره، ولتفتيشه عمّا يرفع آثار هذا الخوف، فانتهى إلى فكرة الإله الخالق وراء هذه الحوادث وانّه هو الرافع لهذه الآثار المرعبة .
فبزوغ هذه الفكرة والعقيدة يرجع إلى التفكّر وإن كان الخوف أرضية مناسبة لتحرك الفكّر ومن ثم الوقوف على هذه الفكرة .
وهكذا بالنسبة إلى الجهل فانّ الإنسان جهل أسباب الحوادث، ولا شك انّ الجهل وحده أمر لاحركة فيه فلا تنبثق منه أيّة عقيدة وانّما دفع هذا الجهل القوة الفكرية لدى الإنسان إلى أُمور هي:
1 . انّه لابدّ لكلّ ظاهرة من علّة، ولا يمكن حدوث الظاهرة بلا علّة .

صفحه 49
2 . حصلت ـ حينذاك ـ فكرة أُخرى، وهي انّ هناك قوة كبرى هي العلّة .
3 . بزغت العقيدة الدينية وما تستتبعه من مفاهيم .
فلو سأل سائل: هل الأصل لنشوء هذه العقيدة هو دخالة القوة العاقلة المفكّرة أم نفس الجهل أو الخوف المجرّدين من كل شيء؟ كان الجواب هو الأوّل، نعم غاية الأمر هو انّ العقل (حسب زعم المادي) قد أخطأ في إصابة الهدف الصحيح وتشخيص العلل الحقيقية الواقعية، وهذا أمر آخر غير نسبة الاعتقاد بالإله إلى عامل الخوف مباشرة.
h h h
وثالثاً: انّ أصحاب هاتين الفرضيتين لم يميّزوا بين الدافع للعقيدة، وبين ما يترتّب على ذلك الدافع، في القيمة .
فلا يمكن أن تكون «الدوافع» لشيء و «ما يترتب عليها من الآثار والنتائج» ذات قيمة واحدة .
فقد يكون الدافع نحو الشيء أمراً تافهاً لاقيمة له، بينما تكون النتائج والقضايا الحاصلة من ذلك الدافع ذات قيمة عالية جداً كما في المقام .
فعلاقة الإنسان بالثروة والشهرة هي الّتي تدفع إلى الاكتشاف والاختراع، ومن المعلوم أنّ الدافع هنا أمر رخيص، ولكنّ الأثر الناتج عنه ذو قيمة عالية .
كما أنّ الحرب هي وراء أكثر الاكتشافات والاختراعات، والحال انّ الحرب ـ كما نعلم ـ دافع رخيص، بينما يكون ما ينشأ على أثرها من التحوّلات العلمية والصناعية ذا قيمة عالية .

صفحه 50
ولهذا لابدّ من الفرز والتفريق بين «الدافع» و «الآثار»، وعدم الخلط بينهما في تفسير ظاهرة من الظواهر .
ولنفترض ـ في المقام ـ انّ الجهل والخوف هما اللّذان دفعا الإنسان إلى التحرّي عن علل الحوادث، ثم نشأت العقيدة على أثر ذلك، إلاّ أنّ كون «الدوافع» لنشأة العقيدة بلا قيمة، لا يوجب أن تكون العقيدة ذاتها أمراً لا قيمة له، بل يجب أن توزن نفس العقيدة وينظر إليها ـ ذاتها ـ بعين التقييم، وانّها هل هي مطابقة لمنطق العقل والبرهان أم لا؟ فلو كانت مطابقة وثابتة بالبرهان لم تضر تفاهة الدافع لنشأة العقيدة ورداءته بأهميّتها (على فرض صحة ذلك الدافع)، وقد عرفت أنّ الدافع إلى نشوء العقيدة أمران: الأوّل الفطرة الملهمة بأنّ هناك ملجأ للإنسان وراء الكون، والثاني هو الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام والاعتقاد بالخالق له.
يبقى أن نعرف أنّ كلّ ما ذكرناه في هذا المقام انّما هو ـ بعد التسليم ـ بصحّة الفرضيتين، وقد عرفت ـ فيما سبق ـ بطلان هاتين الفرضيتين وأمثالهما من الأساس .
الدين ونظرية استغلاله   
ونضيف هنا ما ذكرناه في البحث السابق وهو أنّ هؤلاء المحلّلين قد افترضوا أمراً من عند أنفسهم وهو «انّ الاعتقاد بالله اعتقاد بأمر موهوم وباطل»، وبعد أن اعتبروا ذلك أمراً مسلّماً لا نقاش فيه عمدوا إلى البحث عن أسباب نشوء هذا الأمر الباطل الموهوم فنحتوا ما نحتوا، والحال انّ هذا نفس المدّعى، إذ لو لم يكن نفس الاعتقاد بوجود الله أمراً باطلاً ـ في نظرهم ـ بل كان ممّا يدعمه الدليل الصحيح والبرهان الواضح لما نحتوا هذه الفرضيات

صفحه 51
لتفسير نشوئه، فانّ الإنسان العاقل لا يتحرّى عن أسباب الاعتقاد بالمعادلة الحسابية التالية:
2×2 = 4 مثلاً، لأنّ هذا الاعتقاد بهذه المعادلة يستند إلى أمر واقعي .
فلا مجال فيه لاختلاق أسباب، ونحت علل وفرضيات .
h h h

3 . الدين ونظرية استغلاله

عندما تجاهل الماديّون العلّة الواقعية الروحية لنشوء العقيدة في حياة البشر، والسبب المنطقي المتمثّل في الرابطة العقلية بين مشاهدة النظام، والاعتقاد بقوة خالقة مدبّرة، عمدوا إلى اختلاق ونحت فرضيات خيالية لتعليل هذه الظاهرة الخالدة، ليخدعوا بها أنفسهم، ويضلّلوا بها السذّج والبسطاء .
فتارة علّلوا نشوء العقيدة الدينية بعامل الجهل بالأسباب الطبيعية للحوادث .
وتارة علّلوه بعامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة .
وثالثة علّلوه بعامل اقتصادي، وهذا التحليل لا يختص بتفسير نشأة الأفكار الدينية، بل هم يحلّلون كلّ ما في المجتمع من علم وفلسفة وفن وثقافة، وآداب وتقاليد وسنن دينية وأفكار ميتافيزيقية بعامل اقتصادي على النحو الّذي سيأتي تفصيله وبيانه .
فالأفكار الدينية والفلسفة الميتافيزيقية ـ حسب تحليلهم ـ ليست إلاّ

صفحه 52
ردة فعل للأوضاع الاقتصادية السائدة في المجتمع، تماماً مثل بقية الظواهر الاجتماعية المذكورة من غير فرق بين ظاهرة وأُخرى .
وقد اتّفق جميعهم على هذا التفسير، إلاّ أنّهم قالوا مرة إنّ الدين والمفاهيم الدينيّة كانت آلة طيّعة بيد المستغِلِّين لإخماد ثورة المستغَلِّين، من الفلاّحين والعمال .
وقالوا مرة أُخرى بأنّ الدين بلسم مسكن كان يلجأ إليه المحرومون والمضطهدون أنفسهم للتخفيف من آلامهم، وتبرير أوضاعهم، وعجزهم عن إصلاحها .
هذا هو إجمال ما يقوله الماركسيّون في هذا الصدد، وإليك تفصيل الكلام في ذلك .
يذهب الماركسيّون إلى أنّ كلّ ما في المجتمع البشري ينقسم إلى بنية تحتية، وبنية فوقية .
والبنية التحتية عبارة عن الوضع الاقتصادي وتطور وسائل الإنتاج وتكاملها، وما ينشأ ـ بتبعها ـ من العلاقات الاقتصادية .
والبنية الفوقية عبارة عن الأفكار الاجتماعية والسياسية والثقافية والأدب والفن والدين والفلسفة، فكل هذه الأُمور تتبع في شكلها ونوعيتها الوضع الاقتصادي ونوعيّة العلاقات الاقتصادية الناجمة بدورها عن تطور وسائل الإنتاج وتكاملها .
قال «كونستانيتوف»: «ينبغي البحث عن منبع الأفكار الاجتماعية

صفحه 53
والسيـاسيـة والحقوقية والدينية في الاقتصاد قبل كل شيء».1
هذا هو الأصل الّذي اخترعه الماركسيّون لتعليل جميع الظواهر الاجتماعية، وبذلك أرادوا تقسيم الأشياء إلى نوعين: أصيل، وغير أصيل. والأوّل متبوع والثاني تابع، يتغير بتغيّر الأوّل، ويتكامل بتكامله وتطوّره .
وهكذا فسّروا ظاهرة العقيدة الدينية فزعموا انّها تابعة للظروف والعلاقات الاقتصادية، وانّ المفاهيم الدينية ليست سوى ردة فعل للأوضاع الاقتصادية المتدهورة .
ولأجل ذلك فانّ أصحاب الرق والاقطاعيّين والرأسماليّين في عهود (الرق والاقطاع والرأسمالية) كلّما خشوا ثورة العبيد والفلاحين والعمال في وجه المستغِلِّين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط، عمدوا إلى التوسّل بالمفاهيم الدينية والروحية وروّجوها بين المحرومين والكادحين الناقمين بهدف تخديرهم والتخفيف من غضبهم، وصرفهم عن الانتفاضة والثورة، وبهدف تكريس خضوعهم واستسلامهم لإرادة الأسياد والاقطاعيّين والرأسماليّين واستغلالهم، وكان من ذلك الدعوة إلى الصبر، وبأنّ التذرع به يستعقب أجراً عظيماً في اليوم الآخر، ووعدهم بالجنة ونعيمها المقيم .
وهذا التحليل المفتعل هو الّذي قصده ماركس وانجلز بقولهما: «وما القوانين والقواعد الأخلاقية، والأديان بالنسبة إلى العامل إلاّ أوهام برجوازية تستتر خلفها مصالح برجوازية».2

1 . دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع : 4 .
2 . النظام الشيوعي : 52 .

صفحه 54
وهو الّذي قصده لينين إذ قال (عام 1905م): الدين أُفيون الشعوب، والدين ورجل الدين يخدّران أعصاب المظلومين والفقراء ويجعلانهم يخضعون للظلم».1
كما قصده ستالين إذ قال (عام 1927م): «إنّنا نرى في الأديان خطراً على الحضارة الإنسانية ، فالأديان أُفيون مخدّر». (2)
وقال عام (1944م): «لا نريد أن نجعل الدين مسيطراً علينا، لأنّنا لا نريد أن نكون سكارى». 2
وربّما قالوا: إنّ المحرومين والفقراء ومن أسموهم بالطبقة المستغلّة هم أنفسهم لجأوا إلى هذه المفاهيم الدينية ولاذوا بها ليسلّوا أنفسهم، ويخفّفوا عن آلامهم، ويبرّروا عجزهم وواقعهم الفاسد، أو يخدّروا بها عقولهم ومشاعرهم عندما يفشلون في استعادة حقوقهم من أرباب العمل والأرض والأسياد المستغِلّين لهم السارقين لجهودهم .
قال ماركس: «إنّ الدين زفرة الكائن المثقل بالألم وروح عالم لم تبق فيه روح، وفكر عالم لم يبق فيه فكر، انّه أُفيون الشعوب، إذن فنقد الدين هو الخطوة الأُولى لنقد هذا الوادي الغارق في الدموع». (4)
مؤاخذات على نظرية الدين واستغلاله   
وقال لينين (عام 1913 م): ليس صحيحاً انّ الله هو الّذي ينظم الأكوان، وانّما الصحيح هو أنّ الله فكرة خرافية اختلقها الإنسان ليبرر عجزه، ولهذا فانّ كلّ شخص يدافع عن فكرة الله انّما هو شخص جاهل عاجز. (5)

1 و 2 . النظام الشيوعي: 92 و 52 .
2 . النظام الشيوعي: 53 .      4 . كارل ماركس : 16 ـ 17 .      5 . النظام الشيوعي : 53 .

صفحه 55
وبالجملة فالدين بما فيه من وعد للمظلومين والمحرومين كان يقلّل من حرارة الثورة في نفوس المحرومين، ويمتص نقمتهم على الأسياد والأقطاعيّين وأصحاب الثروة المستغِلّين .
ويستشهد الماركسيّون على كون الدين ردّة فعل للأوضاع والعلاقات الاقتصادية بأنّه كلّما تحسّنت الأوضاع الاقتصادية لدى الطبقات الكادحة وظهرت في قلوب المحرومين بوارق الأمل والرجاء اختفت الأفكار والمعتقدات الدينية وحلّت محلّها الأفكار المادية .
بينما ينعكس الأمر عندما تنعكس المعادلة، فكلّما ساءت أوضاع الكادحين والمحرومين ظهرت العقيدة الدينية وراج سوقها، ونشط دور رجال الدين، ولجأ الناس إلى مفاهيم الدين .
وهذا يعني أنّ بين الوضع الاقتصادي والإقبال على المفاهيم الدينية علاقة متعاكسة فكلّما تحسّن ذاك تدهور هذا، وكلّما تدهور ذاك تحسّن هذا .
ولهذا يقول لينين: «الدين مرتبط بالظلم دائماً، فحيثما يوجد الظلم يوجد الإيمان بالدين، وإذا ما تخلّصنا من الظلم وجب أن نتخلّص من الدين، بل انّ تخلّصنا من نفوذ الدين يساعدنا على التخلّص من الظلم»1 .

مؤاخذات على هذه النظرية

هناك مؤاخذات عديدة على هذه النظرية وما قيل في تبريرها، بحيث يجعلها فكرة خاطئة لا يمكن عدّها من الفروض القابلة للدراسة، بل يجعلها في

1 . النظام الشيوعي : 53 .

صفحه 56
عداد النظريات التي اخترعت لهدف خاص هو إشاعة الإلحاد والإباحية. ونحن نكتفي هنا بذكر جملة منها هي:
مؤاخذات على نظرية الدين واستغلاله   
أوّلاً: انّ معلومات هذا الفريق من المادّيين عن الدين ومفاهيمه، وجذوره وأفكاره، يرجع إلى انطباعاتهم عن سلوك آبائهم، أو ما وجدوه في المجتمع من غث وسمين منسوب إلى الدين، ولا شك أنّ الكثير من هذه التصرفات والمواقف والتصوّرات لا تمثّل حقيقة الدين الناصعة، وجوهره الصافي، فقد طرأ على الأُمور الدينية من التشويه والمسخ والاعوجاج ما غيّب تلك النصاعة والصفاء خلف غيوم من الإبهام والانحراف .
ولو انّ هؤلاء المادّيين اعتمدوا المنابع الدينية الأصيلة لدراسة الدين، وجعلوا سيرة قادته المخلصين وسلوكهم النقي من الشوائب والانحرافات ملاكاً لحكمهم على العقيدة والأفكار الدينية لقضوا بغير ما قضوا، هذا إن كانوا غير متأثرين بأفكار مسبقة وغير مندفعين بنيّات مبيّتة.
لقد اتّخذ هؤلاء ذلك الموقف المعادي والسلبي من الدين وهم يعيشون في البيئات الغربية الّتي يسود فيها دين الكنائس الّذي تنسب نفسها وعقائدها وممارساتها المشينة إلى المسيح زوراً، وغير خفي على المطّلع انّ دين الكنائس في تلك البلاد كان قد انتهى إلى مجموعة من الخرافات والتحريفات والأباطيل والمهازل، وهي الّتي بررت للماركسيّين أن يطلقوا مثل هذا الحكم القاسي والسلبي على الدين على وجه الإطلاق. ولمعرفة هذه التحريفات، وهذه الخرافات تكفي مراجعة عابرة لكتب العهدين (التوراة والإنجيل) وعظات القساوسة المنشورة .
ثانياً: انّ هؤلاء تغافلوا عمّا للدين والعقيدة الدينية من الآثار

صفحه 57
الإيجابية البنّاءة في حياة الإنسان ، وكيف أنّها من أهم عوامل التحرك والتقدّم والرقي والصعود لا الجمود والركود .
وقد عقدنا لبيان هذه الآثار فصلاً موسّعاً ستقف عليه قريباً، إلاّ أنّنا نستعرض هذه الآثار هنا بسرعة خاطفة وعلى سبيل الإجمال استكمالاً لهذا البحث فنقول:
إنّ للعقيدة الدينية آثاراً عديدة في حياة الإنسان، وأهمها ما يلي:
أ ـ التقدّم العلمي في ظل الدين: فانّ المتديّن يسند وجود العالم إلى فعل قوة عليا عالمة قادرة، والمادي يسنده إلى التصادف الأعمى. ومن الطبيعي أن تكون العقيدة الأُولى هي الباعثة على اكتشاف السنن والأنظمة دون الثانية، فانّ إقبال العالم على اكتشاف الروابط والنواميس الكونية فرع علمه بوجود سنن قطعية على سبيل الإجمال، وهو لا يحصل إلاّ مع العلم بأنّ الكون من صنع الخالق العالم القادر المدبّر الحكيم، وهذا ممّا لا يتوفّر عند من يقول بوجود الكون عن طريق الصدفة، إذ الصدفة تعني الفوضى واللانظام .
ب ـ الدين دعامة الأخلاق: انّ اعتقاد الإنسان بالله سبحانه، وانّه خلقه لغاية وهدف، وانّ الموت ليس نهاية الحياة; يولّد في الإنسان رادعاً قوياً، يردعه عن الانسياق وراء شهواته الرخيصة وأهوائه ونزواته، كما أنّه يولّد فيه مثلاً أخلاقية، وتوجب نموّ السجايا الخيّرة في كيانه، فلا يرتكب كل ما تمليه عليه مصالحه الشخصية كما هو دأب المادّي غير المؤمن بالله .
فإنّ العالم الكيمياوي إذا اقترح عليه بأن يصنع سلاحاً مدمّراً، أو قنبلة سامة فتّاكة لقاء عرض مادي مغر، لا ينفذ هذا الطلب إذا كان مؤمناً بالله،

صفحه 58
بخلاف العالم المادّي الّذي لا يعتقد برقابة إلهية ولا بجنة ولا نار، وهذا غير ما سيوافيك من أثر العقيدة الدينية في مجال القانون .
ج ـ الدين عامل التحرك والاستمرارية: فانّ الإنسان الّذي يعتقد بأنّ وراء هذا الكون قوة عليا قادرة على دفع الشدائد و درء المصائب عنه، إذا توجه إليه واستعان به فانّ اعتقاده هذا يساعده على الاستمرارية والاستقامة، بل والتحرك والتقدّم لأنّه يرى نفسه معتمداً على تلك القوة وآملاً بنصرها وتأييدها، بخلاف المادي الّذي لا يركن إلى ركن وثيق، وهذا يعني انّ الدين أكبر محفّز، وأشدّ ما يحتاج إليه الإنسان هي الحوافز.
د ـ الدين والتقيّد بالقانون: فالإنسان الّذي يرى نفسه في محضر الله سبحانه، ويعتقد بأنّه يحصي عليه حركاته وسكناته، بل ويضبط خطرات قلبه وأوهام فكره، ونوايا ضميره، لن يرتكب أيّة مخالفة قانونية، خاصة إذا عرف بأنّ تطبيقه للقانون يستتبع الثواب الأُخروي الجزيل والأجر الإلهي الجميل وتمرّده عليه يستتبع العقاب الإليم، بخلاف المادي الّذي يتحايل على القانون بألف حيلة وحيلة، ولا يرتدع عن مخالفته والتملّص منه كلّما سنحت له الفرصة، لأنّه لا يؤمن بأيّة نظارة ورقابة، ولا يخشى عقاباً، ولا يرجو ثواباً .
إلى غير ذلك من الآثار الفردية والاجتماعية البنّاءة الّتي لا غنى للفرد والمجتمع عنها، وقد شرحناها على وجه التفصيل في الفصل اللاحق، فكيف يصف الماركسيّون الدين بأنّه مخدّر وأنّه أُفيون وأنّه يوجب الركود والجمود؟!
ثالثاً: انّ البحث في علّة نشوء العقيدة انّما هو في نشأتها في العصور الأُولى من حياة الإنسان على الأرض، في حين انّ ما يذكره الماركسيون

صفحه 59
يرتبط بالأدوار المتأخرة جداً عن تلك العصور، أي قبل أن توجد ظاهرة الرق والاقطاع والرأسمالية، فانّ ما يذكرونه يرجع إلى عصور الأغارقة أو ما جرى في أُوروبا في القرون الوسطى، فتعليل العقيدة الدينية بهذه الظواهر المتأخّرة عن الحياة البشرية الأُولى جداً، خطأ فضيع، أو تعمّد مفضوح، إذ ما الّذي يفسر نشوء العقيدة الدينية ووجودها في العهود الأُولى من حياة الإنسان على الأرض، وقبل وجود هذه الظواهر (أي الرق والاقطاع والرأسمالية) .
رابعاً: انّ تقسيم الظواهر الاجتماعية إلى بنية تحتية وأُخرى فوقية، وتصوّر أنّ الثقافة والفن والعلم والدين كلّها من البنية الفوقية التابعة للبنية التحتية (أي الاقتصاد) من شأنه إبطال كلّ نظرات الماركسيّين في مجال الفلسفة والتاريخ والاقتصاد، وكلّ تحليلاتهم وآرائهم، فانّ هذه القاعدة التي اخترعها ماركس تستلزم أن يكون مجموع مناهجها في المجالات المختلفة نابعة من الحالة الاقتصادية وما كانت عليه وسائل الإنتاج يوم أطلق ماركس وانجلز نظريتهما، وعلى ذلك فلو تغيّرت وسائل الإنتاج، وتغيّر الوضع الاقتصادي انتهى دور المناهج الماركسية في المجالات المختلفة، فلابدّ أن تتخذ مناهج أُخرى تضادد تلك المناهج، تبعاً لمتغيّرات الاقتصاد، وتطوّر وسائل الإنتاج، والعلاقات الاقتصادية .
وعلى ذلك فنفس ما يقوله الماركسيون، أي: «الدين أُفيون الشعوب، وانّه عامل الركود»، هو من نتائج الأوضاع الاقتصادية الّتي كانت تسود البيئة التي أطلق فيها ماركس كلمته هذه .
فحيث تطوّر الوضع الاقتصادي، وتغيّر إلى وضع آخر تغيّرت النظرية

صفحه 60
إلى نظرية أُخرى، فربّما يمكن أن تكون النتيجة هي انّ الدين محفز للعمل، ومحرك للأُمّة، وعامل من عوامل المقاومة والتقدّم .
وهذا يعني انّ ماركس قضى على جميع أفكاره بنفسه، وخاصة هذه النظرية حول الدين .
خامساً: انّ تعليل هذه الظواهر الاجتماعية على سعتها وتنوّعها وتشعّب أطرافها (كالعلم والفلسفة، والدين والثقافة، والفن والآداب) بعامل اقتصادي أشبه ما يكون بتعليل زلزال هائل دمر مدينة عظمى، بانهيار سقف خشبي في إحدى ضواحي تلك المدينة .
صحيح انّ الاقتصاد يلعب دوراً هامّاً في مجالات الفكر والظواهر الاجتماعية إلاّ أنّ الاقتصاد ليس هو العامل الوحيد الّذي له مثل هذا الدور والتأثير، فليس الاقتصاد هو القوة الوحيدة المحركة للتاريخ، وليست وسائل الإنتاج هي القوة الكبرى الّتي تصنع تاريخ الناس، وتطورهم وتنظمهم، بل هناك عوامل محركة أُخرى للتاريخ نذكر بعضها:
أ ـ الغرائز التي جبل عليها الإنسان ، فانّ لها دوراً مؤثراً لا يمكن إنكاره في نشوء الحوادث الاجتماعية، فقد أثبت الروحيون انّ الإنسان ينطوى على غرائز خاصّة تفعل كل واحدة منها أثرها الخاص في الحياة والمجتمع، مثل غريزة طلب العلم، والجاه، والجمال. وغيرها، وما يتولد عنها من تطوّرات اجتماعية .
ب ـ الشخصيات البارزة فانّ لها أثراً كبيراً في خلق الظواهر الاجتماعية، فانّ هذه الشخصيات لا تكتفي بالتفرج على الأوضاع، بل تلعب أدواراً،

صفحه 61
وتصنع أحداثاً، توجد تغييرات. وتاريخ الأُمم بما فيها من صفحات مشرقة خير شاهد على أنّ هذه الشخصيات قد أشعلت شرارة الكثير من الثورات الاجتماعية، وأوجدت الكثير من التحولات، وانّه لولاهم لما حدث مثل تلك التحولات، ولما تفجّرت تلك الثورات .
ج ـ فكرة القومية، فقد كان لها أثرها الخاص في التطوّرات الاجتماعية لدى الامم المختلفة، فهذا هو هتلر الألماني أشعل الحرب العالمية الثانية بفكرة القومية النازية .
ولهذا عمد بعض المفكّرين في بعض البلاد إلى التوسّل بالقومية، وإحياء روحها، وإلهاب مشاعر الناس بها، للوقوف في وجه الاعداء أو تحقيق النهضة فيها1 .
ومع ملاحظة هذا العوامل وغيرها من العوامل المحركة للتاريخ المبحوثة في محلها. وتأثيرها البالغ في الظواهر الاجتماعية كيف يصحّ للماركسيّين أن يسندوا كل ما في المجتمع من مظاهر علمية وفلسفية وفنية وثقافية وأدبية ودينية إلى عامل اقتصادي فقط؟!
سادساً: لو لم تكن للعقيدة الدينية جذور فطرية أو لم تكن هناك رابطة بين مشاهدة النظام والاعتقاد بوجود المنظم، فلماذا يتفق المستغَلّون جميعاً على

1 . فكرة القومية مع مالها من أثر في تحريك الجماهير فكرة خاطئة ومرفوضة من وجهة نظر الإسلام، لأنّها تستند إلى رفع بعض الشعوب على بعض، وحصر جميع الخدمات بشعب خاص على حساب شعـوب أُخرى، والحال انّ الواجب هو صرف الخدمات لصالح الإنسانية جمعاء دون تمييز ولا استثناء، وهذا هوما أكّد عليه القرآن الكريم والسنّة النبوية وأحاديث العترة.

صفحه 62
قبول هذه الظاهرة، مع أنّهم يرون بأُمّ اعينهم انّ هذا العامل وسيلة لإخماد ثورتهم، وامتصاص نقمتهم ومنعهم من استنقاذ حقوقهم .
أليس يعني هذا انّ المستغلّين للطبقات المحرومة كانوا يستخدمون الدين في سبيل مصالحهم وهم يعتمدون على واقعية مقبولة لدى المستغلين ذاتياً، فلو لم يكن الديّن والتدين أمراً فطرياً عند المحرومين، أولم يكن أمراً منطقياً لديهم فلماذا لم يرفضوا هذه الآلة الّتي تستخدم ضدهم؟!
ألم يكن بين جماهير الطبقات الفلاحية والعمالية طوال القرون المتمادية من يميز بين ما هو في مصلحتهم وما هو ضد مصلحتهم؟!
إنّ هذا الأمر يجعلنا لا نثق بهذه النظرية، بل يدفعنا إلى أن نذعن بأنّ للعقيدة الدينية جذوراً وخلفيات أعمق في كيان الإنسان وحياته، غير ما ذكره الماركسيون .
سابعاً: انّ ما ذكروه يستلزم أن لا يوجد بين الطبقات المرفّهة، وأصحاب الثروة والمكنة أيّ متديّن، لعلمهم بأنّ الدين ليس سوى وسيلة تستخدم لإخماد الثورات وجلب المنافع، والحال انّنا نجد طول التاريخ أصحاب ثروة وقفوا أعمارهم وثرواتهم في سبيل تحقيق الأهداف الدينية المقدّسة بحيث صار الغني والفقير والظالم والمظلوم!! والمضطهِد والمضهَد!! في هذه الظاهرة سواء، أي انّنا نجد متديّنين ليس بين الفقراء والمحرومين فقط بل بين الأغنياء وأصحاب الثروة أيضاً، وهذا يعني أنّ قضية الإيمان بالله ليست ناشئة من عوامل اقتصادية كما ذكروا، بل هي قضية روحية فطرية، ومسألة عقلية يقود إليها الفكر السليم .
ثامناً: انّ ما استشهدوا به لتبرير نظريتهم (وهو انّه كلّما انتعش

صفحه 63
حال الطبقات المحرومة اقتصادياً انحسرت العقيدة عن حياتهم، وكلّما تردّت، راجت العقيدة الدينية) جهل من هؤلاء المحلّلين بمجريات التاريخ .
فانّنا نجد في الحضارة اليونانية والإسلامية كيف قد ازدهرت الحالة الاقتصادية العامة وتحسّنت جنباً إلى جنب مع ازدهار العقيدة الدينية ورواج المفاهيم الميتافيزيقية، وكان لمعرفة الله والإيمان به دور بارز ومكانة كبرى في هذه المدنيات والحضارات .
وهذه حقيقة يقف عليها كلّ من راجع تاريخ هذه الحضارات الكبرى، بل هي من الثبوت والجلاء ما لا نحتاج معه إلى ذكر الشواهد والنماذج .
تاسعاً: انّ تدهور أمر العقيدة الدينية وانحسارها في بعض المجالات والفترات الّتي نشط فيها الاقتصاد العام وانتشر الرفاه لا يعود إلى ما ذكروه من النسبة التعاكسية بين «انتعاش الحالة الاقتصادية العامة» و «انحسار العقيدة الدينية» بحيث يكون انتعاش الحالة الاقتصادية العامة للكادحين سبباً في الإعراض عن العقيدة والمفاهيم الدينية، وتردّيها سبباً لرواج العقيدة الدينية، بل يعود إلى أنّ طغيان غريزة من الغرائز من شأنه أن يغطي على الجوانب الأُخرى في الحياة الإنسانية، وهذا لا يختص بغريزة حب المال والثروة، بل يعمّ غريزة حب الجاه والجنس وغير ذلك من الغرائز، فإذا زادت الاستفادة من غريزة معيّنة كما لو تمادى المرء في غريزة حب المال وجمعه أو الجنس نسي سائر ما عنده من الغرائز، بل وحتّى ما اعتقده من أفكار ثبتت لديه بالأدلّة القاطعة كالدين وماشاكل ذلك .
وبعبارة أُخرى: انّ العقيدة المقدّسة كالاعتقاد بالله الّتي لا تنفك عن

صفحه 64
تحمل المسؤوليات لا تزدهر ولا تتجلّى بقوة في كل ما اتّفق من بيئة ومحيط، بل تزدهر وتنمو في بيئة سليمة من هيمنة الغرائز الطافحة وسيطرة الشهوات الطاغية التي تطغى على كلّ شيء سواها .
ومن هنا يكون من الطبيعي أن يتضاءل دور ونفوذ العقيدة الدينيّة، وتكاد تختفي معالمها في البيئات الّتي تغطي عليها المادية، ويكون الإنسان فيها غارقاً في الشهوات من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ففي هذه الحالة لا تترك التوجهات المادّية الطاغية الحادة مجالاً لظهور الأفكار الدينية وتجلّي التوجّهات الميتافيزيقية .
وليس هذا الانحسار تجاه طغيان شيء من الغرائز خاصّاً بالدين، بل يشمل بقية الجوانب الإنسانية والغرائز البشرية .
فكلّما طغى شيء اختفى في شعاعه شيء آخر من الأفكار أم من الغرائز .
عاشراً: انّ استخدام المستغِلّين للعقيدة الدينية في سبيل مصالحهم شيء، والدوافع الموجدة للعقيدة الدينية شيء آخر، والبحث انّما هو في الثاني دون الأوّل، وما قاله الماركسيون يرجع إلى الأوّل دون الثاني، فالعقيدة حقيقة موجودة في طبيعة الإنسان ومختمرة بفطرته، وقد استغلّها بعض الأشخاص لمصلحته، وهذا واقع في أشياء أُخرى أيضاً، كما في الطب وأشباهه، فلا يصحّ أن يقال: انّ الطب قضيّة مخترعة لا واقع لها ولا ضرورة، لأنّ بعض الأشخاص أو بعض الأطباء استخدم الطب لاستدرار الأرباح، واستجرار المنافع من ورائها .
قال ويل ديورانت: «إنّ الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه فقط كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات،

صفحه 65
فلم تنشأ العقيدة الدينية من تلفيقات وألاعيب كهنوتية انّما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع».1
حادي عشر: لو سلّم بما ذكره الماركسيون من أنّ الدين كان يستخدم كوسيلة لمصلحة الأثرياء وإضعاف الفقراء، فانّ ذلك ـ لو صحّ ـ فانّما يصحّ بالنسبة للمذاهب الّتي طالتها أيدي التحريف، أو الّتي أوجدها الاستعمار، ولا يصلح ذلك دليلاً لتعميم هذا الحكم على كافة الشرائع .
كيف! ونحن نجد القرآن الكريم الّذي صدع به نبىّ الإسلام محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)يزخر بتصريحات هامّة وواضحة للأنبياء السابقين ضد المستغِلّين، وتجد أيضاً كيف انّ دعواتهم كانت ملجأ للمحرومين والمظلومين وسبيلاً إلى كسر شوكة الظالمين ودحر المستغِلّين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها .
ففي سورة القصص يقول سبحانه:
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُري فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ جُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) 2.
وفي سورة الشعراء يحكي سبحانه عن النبي موسى(عليه السلام) احتجاجه على فرعون استعباده لبني إسرائيل إذ يقول:
(وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (3) .

1 . قصة الحضارة : 1 / 177 .
2 . القصص : 4 ـ 6 .            3. الشعراء: 22 .

صفحه 66
وفي سورة الشعراء يقول سبحانه وهو ينقل موقف بعض الأعيان والأثرياء من الرسالة الإسلامية الّتي ناصرها المحرومون والضعفاء:
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ)1 .
وغيرها من الآيات التي تفيد انّ الدعوات الإلهية كانت موجّهة ضد الطغاة والمستكبرين والظالمين، وكذا ضد المعتدين والمستغلين .
ولهذا كان المحرومون يبادرون إلى تأييدها قبل أيّ جماعة أُخرى .
بل نجد القرآن يحثّ أتباعه على الإعداد العسكري لمواجهة أعدائهم من الذين لا ترضيهم تعاليم الإسلام العادلة، إذ يقول سبحانه:
(وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) (2).
كما وهاجم المرابين الذين يستغلون حاجة الناس ويمتصون جهودهم بقوله:
(يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَ يُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَ اللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّار أَثِيم) 2.
وبقوله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَ لاَ تُظْلَمُونَ)(4).
وندد بكانزي الثروة إذ قال:

1 . الشعراء: 111 .            2 . الانفال : 60 .
2 . البقرة : 276 .            4. البقرة : 278 ـ 279 .

صفحه 67
(وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) 1 .
وغيرها من الآيات الناهية عن الاستغلال والاستعباد والّتي تدلّ على أنّ دعوات الأنبياء وجهودهم ركزت اهتماماً كبيراً على استنقاذ حقوق المحرومين وتخليصهم من الحرمان وحتّى باستعمال القوّة في بعض الحالات .
ثاني عشر: انّ الماركسيّين الذين ذهبوا إلى تعليل العقيدة الدينية بأنّها كانت آلة طيّعة لإخماد ثورة المستضعفين والكادحين، لعلّهم قصدوا بعض المفاهيم الخلقية في الدين الّتي ربّما تقع وسيلة بأيدي أصحاب الثروة لإخماد نائرة العمال والفلاحين المحرومين المضطهدين مثل:
أ ـ القضاء والقدر بمعنى الاستسلام والخنوع .
ب ـ الصبر بمعنى السكوت والخضوع للعدو .
ج ـ الزهد بمعنى الرغبة عن الدنيا وترك الفعاليات .
د ـ التوكل بمعنى ترك الأخذ بالأسباب الطبيعية .
غير انّ تفسير هذه المفاهيم بما ذكروه ينمّ عن جهلهم بمعانيها الحقيقية أو تعاميهم عنها، فانّ لها من المعاني ما يجعلها خير وسيلة للتحرك والانطلاق، والثورة والانعتاق ; لا الخمود والركود، والخضوع والعبودية كما زعموا .
وسوف نأتي على ذكر هذه المفاهيم، ونعرض لتحليلها في الأجزاء اللاحقة من هذه المجموعة بإذن الله تعالى .

1 . التوبة: 34 ـ 35 .

صفحه 68
على هامش النظرية الاقتصادية   
 
على هامش النظرية الاقتصادية
ونعود مرة أُخرى لدراسة النظرية الاقتصادية في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية في الحياة البشرية لنرى ما إذا كانت ترتكز على قاعدة صحيحة أم لا؟
فنقول: لقد استدلّ أصحاب النظرية الاقتصادية في تفسير ظاهرة العقيدة الدينية، لإثبات نظريتهم بأنّ الطبقة المستغِلِّة من الأسياد والاقطاع والرأسماليّين عمدت إلى ترويج العقيدة والمفاهيم الدينية لهدفين:
1 . لتمكين حاكميتهم على من استغلّوهم، وذلك بإيهامهم بأنّهم نواب الله ووكلاؤه، وانّ ما يجري في حياة الناس انّما يجري بمشيئته، وانّ التمرّد على هذا الوضع مخالفة لأوامره وتقديراته، وانّ احترام الأسياد والحكام ليس إلاّ تكريماً لله، واحتراماً لأوامره .
2 . أنّ ما كانوا يطبقونه على المستغَلّين من أحكام جائرة وظالمة كان ينذر بانتفاضة أُولئك المحرومين وثورتهم لاستنقاذ حقوقهم وتخليص أنفسهم من الأذى والاضطهاد، فكان يلزم أن يكون هناك ما يخفّف هذه النقمة ويجنب المستغِلِّين هذه الثورة والانتفاضة، ولهذا روّجوا بينهم المفاهيم الدينية الّتي تدعو إلى الرضا بالقدر والصبر لقاء ما يحصلون عليه من عوض أُخروي، وعدم الحزن على ما فات، وما شاكل ذلك من المفاهيم المهدّئة للخواطر.1
ونجيب على ذلك بأنّنا قد نوافقهم على ما ذكروه في الأمر الأوّل بعض

1 . نعم انّ التقدير ـ بهذا المعنى ـ وهو انّ مصير الإنسان مرسوم دون إرادته، وانّه لا حيلة له في تغييره باطل ومرفوض، كما ستعرف في الأبحاث القادمة .

صفحه 69
الموافقة، فقد كانت السلطات الأُموية تروّج فكرة الخلافة الإلهية بمفهومها المحرّف المخدّر كلّما كانت الشعوب المضطهدة في ظل حكمهم تعمد إلى الاعتراض على أحكامهم التعسّفية، وممارساتهم الظالمة، فيوهمون الناس بتلك الفكرة، ويدّعون بأنّهم يمثّلونها وانّهم ينفّذون إرادة الله ومشيئته فعلى الناس أن يرضخوا لحاكميتهم، وأحكامهم.
فقد سأل معبد الجهني ـ وكان تابعياً صدوقاً ـ أُستاذه الحسن البصري عن مدى صحّة ما يعني به الأُمويون من مسألة القضاء والقدر وتبريرهم لأعمالهم الجائرة والفاسدة بأنّه من القدر الإلهي الّذي لا مجال لمعارضته ومناقشته فأجابه: كذب أعداء الله هؤلاء.1
إلاّ أنّه يرد على مجموع هذه النظرية اشكالات عديدة هي:
أوّلاً: انّ معنى هذه النظرية هو أنّ العقيدة الدينية انبثقت أوّل ما انبثقت في ذهن الطبقة المستغِلّة، ثم نقلتها هذه الطبقة إلى المستغَلّين، مع أنّ التاريخ لا يدلّ على مثل هذا التقدّم والتأخّر، بل يثبت عكس ذلك، حيث إنّه يدلّ على أنّ الناس ـ مع انقسامهم إلى طبقة مستغِلّة ومستغَلّة ـ كانوا سواء في الاعتقاد والعبادة، فليس هناك أيُّ دليل على أنّ العقيدة الدينية ظهرت أوّلاً بين الأسياد والحاكمين والمستغِلّين ثم انتقلت ـ بفعلهم ـ إلى المحرومين والمضطهدين .
وثانياً: انّ ما ذكره أصحاب هذه النظرية لا ينفع في المقام، لأنّ البحث ـ هنا ـ انّما هو في بيان سبب نشوء العقيدة الدينية، ومنشأ ظهورها في الحياة البشرية، والحال انّ ما ذكروه لا يتناول هذه الجهة ولا يوضح حقيقة هذا الأمر،

1 . تاريخ علم الكلام لشبلي النعماني نقلاً عن تاريخ مصر للمقريزي .

صفحه 70
فانّ أقصى ما يدّعيه أو يثبته هو استغلال جماعة معيّنة للعقيدة الدينية في سبيل أغراضهم ومصالحهم ضد طبقة أُخرى، وهو خارج عن محط البحث الراهن .
وثالثاً: انّ التاريخ يدلّ على أنّ الإنسان كان يحمل العقيدة الدينية في نفسه وعقله، ويمارسها في حياته العملية منذ أن كان يقطن في المغارات والكهوف. فانّ جميع تلك الجماعات البدائية كانت تخضع لمعبودات حقّة أو باطلة.
بل يذهب بعض مؤرّخي الديانات إلى أبعد من ذلك حيث يعتقدون أنّ الناس في أدوار التاريخ الأُولى كانوا يتّفقون على «إله واحد» وانّ التعدّدية وظاهرة الشرك طرأت على عقائدهم فيما بعد، وهذا يعني أنّ التاريخ الحقيقي للعقيدة يسبق التاريخ الّذي تقصده وتحدّده هذه النظرية الّتي تقول بأنّ الاعتقاد بالله وبالمفاهيم الدينية جاء نتيجة علاقة الظالم والمظلوم والسيد والمسود، وانّه نتيجة الصراع الطبقي، وحاكمية المستغِلّين على المستغَلّين، إذ التاريخ يثبت ـ كما أسلفنا ـ أنّ العقيدة كانت رائجة بين الناس، يوم كانوا أمّة واحدة، لا طبقات ولا أصناف .
رابعاً: انّ النظرية المذكورة انما تكون صحيحة إذا كانت صادقة بالنسبة إلى جميع الأدوار، وكان موضوعها شاملاً لجميع الموارد، في حين نجد انّ هناك دعاة إلى العقيدة الدينية لم يكن هدفهم ترسيخ حكومة الظالمين ولا تكريس حرمان المحرومين، بل على العكس من ذلك كان هدفهم هو مقارعة الظالمين وكسر شوكتهم، ودفع الناس إلى استعادة حرياتهم المصادرة واستنقاذ حقوقهم المغتصبة، وأفضل شاهد على ذلك حركة النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام) ضد نمرود، وحركة النبي موسى(عليه السلام) ضد فرعون، والدعوة المحمدية، وثورة الإمام

صفحه 71
الشهيد الحسين بن علي(عليه السلام) ضد السلطات الأُموية الجائرة المستغلة، وغيرها وغيرها.1
وأمّا ادّعاء أصحاب هذه النظرية باستغلال العقيدة الدينية من قبل بعض الطبقات فانّه لا يثبت أكثر من أنّ المستغِلّين استخدموا الدين كذريعة لتحقيق مطامعهم وحفظ مواقعهم، والإبقاء على مصالحهم، وهذا ليس ممّا ينكر، فانّ من طبيعة المستغِل أن يستخدم كل ما يخدم مصالحه، ويحقّق أطماعه، ويضمن أرباحه، ولذلك فهو يستخدم العقيدة الدينية في هذا السبيل كما يستخدم الإلحاد أيضاً، ويروّجه ويشجعه إذا وجده يحقّق له مآربه، ويخدم مقاصده .
غير أنّ السؤال المحيّر هنا هو: كيف استطاع هؤلاء المستغِلّين أن يتوسّلوا بالعقيدة الدينية لخدمة مصالحهم إذا لم تكن العقيدة شيئاً واقعاً في الأذهان، مقبولاً لدى النفوس، أي إذا لم تكن ممّا تقتضيه الفطرة وتطلبه، ولم تكن العقول تقضي به لوجود رابطة عقلية بين مشاهدة النظام الكوني والاعتقاد بالخالق المنظم؟!
ألا يدلّ ذلك على أنّ العقيدة الدينية كانت تجد هوى في النفوس، وقبولاً في العقول، وانّ ذلك كان بمثابة الفرصة الّتي استغلّها المستغِلّون، وكانت بمثابة الأرضية المناسبة الّتي ساعدتهم على استخدامها في سبيل مصالحهم، وإلاّ فكيف يمكن أن يتقبّل الناس ما لا يلقى هوى في نفوسهم، وقبولاً في عقولهم بالمرة، بل يستوحشون منه كما يستوحشون من الأشباح والغيلان .
أجل انّ شأن العقيدة الدينية شأن البضائع الّتي يقبل عليها الناس

1 . بل وكلّ الحركات الدينية وخاصة الإسلامية التى سارت على خطا الرسول الأكرم والإمام الحسين وغيرهما من قادة الإسلام لمكافحة الاستبداد أو الاستعمار أو الاستغلال .

صفحه 72
ويطلبونها بدافع من حاجتهم الفطرية ورغبتهم الطبيعية، وميلهم الذاتي .
فهذا الإقبال هو الفرصة المناسبة الّتي تساعد الذين يبحثون عن الأرباح الطائلة بأن يسلكوا سبيل الغش فيها، ويسهل لهم أن يخدعوا الناس بالبضائع المنمقة ظاهراً .
وخلاصة القول: إنّ الشيء ما لم يكن مقبولاً ذاتياً عند الناس لم يمكن لأحد أن يستغلّه ويتوسّل به لتحقيق مطامعه فيهم .
فالاسكافي والخياط لا يمكنهما خداع الناس بما يعرضانه من ألبسة وأحذية زاهية في الظاهر، مغشوشة في الباطن لو لم يكن هناك رغبة ذاتية، وأوّلية، وطلب طبيعي لدى الناس لهذه الأشياء، يستغلها أمثال هؤلاء الأشخاص.
القرآن ونظرية الاستغلال   
h h h

القرآن ونظرية الاستغلال

إنّ افتراء الماديّين على رجال الوحي لا ينحصر في باب دون باب، فانّهم كما افتروا عليهم في النظرية السابقة فقد افتروا عليهم في هذه النظرية أيضاً، إذ ادّعوا أنّ رجال الوحي كانوا يمالئون المستغلّين والظالمين، والحال انّ صحائف تاريخهم الساطعة تشهد بخلاف هذا الزعم .
فقد كان النبي يدعو الناس ـ قبل أي شيء ـ إلى كلمة الإخلاص والتوحيد وهي «لا إله إلاّ الله» (راجع سورة الأعراف والأنبياء) .
ولنتدارس هذه الكلمة الّتي يرددها ملايين البشر على وجه الأرض، لنقف على دلالاتها .

صفحه 73
أوليست هذه الكلمة دعوة صريحة إلى نبذ كل معبود سوى الله، وكلّ حاكم دونه، وكلّ ولاية عدا ولايته؟!
أو ليست هي حركة لمحو ورفض حاكمية المسرفين والظالمين والطواغيت يحمل لواءها رجال الوحي والدعاة إلى الله؟
أجل انّ كلمة لا اله إلاّ الله نفي لكلّ معبود وردع للانسان عن عبادة أيّ شيء سوى الله والتذلّل لأيّة قدرة دون قدرته، والخضوع لحاكمية دون حاكميته.
ومع ذلك كيف يصحّ لأصحاب النظرية المذكورة أن يفسروا دعوة الأنبياء بأنّها كانت في مصلحة المستغِلّين وانّهم كانوا يمالئون الظالمين والمستكبرين؟!
أو ليس القرآن الكريم يدعو بصراحة إلى عدم الركون إلى الظالمين إذ يقول:
(وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ) 1 .
أم كيف يسمح المادّيون لأنفسهم بأن ينسبوا هذه الوصف المشين إلى الأنبياء مع أنّ القرآن يعلن بصراحة بأنّ الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء والرسل هو إقامة العدل والقسط في المجتمع البشري الّذي لا يمكن إلاّ بإزالة كل مظاهر الاستغلال والاستعمار والاستعباد، إذ يقول:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (2).

1 . هود : 113 .            2 . الحديد : 25 .

صفحه 74
لا نظن انّ من ألمّ بالقرآن ونداءاته وتعاليمه يسمح لنفسه بأن ينسب مثل هذه الوصمة إلى أنبياء الله ورسله ويدّعي بأنّهم كانوا يمالئون المستغِلّين ويوافقونهم على ممارساتهم مع أنّ القرآن الكريم وهو كتاب نبي الإسلام يصرّح بأنّ ألدّ خصوم الأنبياء هم المترفون المسرفون وهم الظالمون الذين يتّخذون مال الله دولاً، وعباد الله خولا. هم الذين يحملون أنفسهم على أكتاف الناس ويفرضون حاكميتهم عليهم بالقهر والقوة، والذين كان الأنبياء من أقوى المحرّضين على الثورة عليهم وتحطيم حاكميتهم، وإزالة سيطرتهم.
قال سبحانه:
(وَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَ أَوْلاَدًا وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) 1.
ان القرآن الكريم يصرّح بأن اول من استجاب للانبياء وانضوى تحت لوائهم هم المستضعفون والمحرومون .
فهاهم المستكبرون ينددون بالأنبياء، لأنّهم آووا الأراذل والضعفاء من الناس إذ يقولون كما يحكي سبحانه عنهم:
( فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَ مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَ مَا نَرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)2 .
نظرية العقيدة الدينية ظاهرة طفولية   
وهكذا كان الدعاة إلى الله ـ وفي طليعتهم الأنبياء ـ على النقيض من

1 . سبأ: 34 ـ 35.
2 . هود : 27 .

صفحه 75
المستكبرين والظالمين أبداً، وكانت دعواتهم حرباً شعواء على الظلم والاستغلال .
لقد كانوا يؤكدون ـ دائماً ـ على أنّ سيطرة الظالمين على المحرومين لم تكن إلاّ بسبب سكوتهم وعدم ثورتهم ضدهم، وانّهم ما لم يغيّروا أوضاعهم الفاسدة بأنفسهم، لم يغيّر الله من أمرهم شيئاً .
وهذه سنّة تاريخية ثابتة في مجال الاجتماع لا مندوحة منها ولا مناص، فكلّ أُمّة تريد أن يعود إليها مجدها، وسيادتها لا تحصل على ذلك إلاّ إذا غيّرت وضعها بنفسها أوّلاً .
قال سبحانه:
(إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) 1 .
إذن فسيطرة الظالمين باقية مستمرة مادام الناس لم يثوروا في وجه الظالمين ولم يتمرّدوا على أوامرهم وتحكّماتهم.

4 . العقيدة الدينية ظاهرة طفولية

ثم إنّ ثمت نظرية أُخرى لا يليق أن نذكرها في عداد النظريات لتفاهتها وسخافتها الفاضحة، وهي: انّ الإنسان يوم كان طفلاً كان يحس بالحاجة الشديدة إلى الحماية تجاه الأخطار المحيطة به بسبب ضعفه وعجزه، فكان يجد هذه الحماية عند أُمّه، ولمّا أدرك تفوّق الأب لجأ إليه ولمّا أحسّ بعجز أبيه أيضاً

1 . الرعد : 11 .

صفحه 76
تجاه الأخطار الكبرى مضى يبحث عن قوة أكبر أقدر على حمايته تجاه الحوادث حتّى يحلّه محلّ أبيه، وهكذا نشأت عنده فكرة الإله.
والمجتمع وان تخلّص اليوم عن بعض ما يعلق بضمير الطفل من الحاجة في اللجوء إلى الأُم أو الأب حيث إنّه قد بلغ مرتبة كبيرة من البلوغ العقلي والفكري إلاّ أنّ اعتقاده بالله استمر لاستمرار الحالة الطفولية الّتي كانت تعلق بضمير المجتمعات الغابرة الّتي كانت من حيث العقل والفهم بمنزلة الطفل .
وخلاصة القول: إنّ عقيدة الإنسان بالله في المجتمعات البدائية ما هي إلاّ استمرار لعقيدة الطفل بالحاجة إلى حضن الأُم، وكنف الأب وحمايتهما، فهذه العقيدة أو الحالة الطفولية هي الّتي أوجدت في عقله فكرة الإله القائم مقام الأب.
والجواب عن هذه النظرية هو انّه ـ مضافاً إلى ما ذكرناه من الأجوبة المشتركة عن النظريات الأُخر في هذا المورد ـ يرد عليه:
أوّلاً: انّ صاحب هذا التحليل خلط بين «الدافع» والنتيجة المتحصّلة من ذلك الدافع من حيث القيمة، كما ألمحنا إلى ذلك في ما سبق .
فلو انّنا فرضنا صحة هذا التحليل ـ ولن يصحّ أبداً ـ وارتضينا ما يقول من أنّ الحالة الطفولية هي الّتي دفعت البشر إلى اتّخاذ العقيدة الدينية، ولكن ذلك لا يقلّل من أهمية العقيدة الدينية وإن كان الدافع إليها أمراً تافهاً، وذلك لما قلنا من أنّ الدافع وما يندفع إليه ليسا سواء ولا متحدين في القيمة .
فربّما يكون الدافع أمراً تافهاً، ولكنّه يدفع الإنسان إلى أمر ذي بال، كما لو دفعت الحرب إلى اختراع أجهزة مفيدة، أو دفعت غريزة طلب الجاه أو الشهرة أو الثروة إلى ابتداع مكتشفات نافعة .

صفحه 77
ثانياً: انّه يرد عليه ما نبهنا إليه أكثر من مرّة وهو أنّ هذه النظرية وسابقاتها من قبيل التحليل القائم على أمر غير ثابت أبداً، بل ممّا ثبت خلافه، وهو أنّ «العقيدة الدينية أمر موهوم لا علّة له من فطرة أو عقل» ولمّا كانت العقيدة عندهم أمراً موهوماً أخذ يشرّق أصحاب هذه النظريات ويغربون، ويحاولون ان ينحتوا لنشوء هذا الأمر الموهوم علّة، وهم يرون بأنّ نشوء العقيدة الدينية من قبيل الاعتقاد بنحوسة العدد 13، ونعيب الغراب، وما شا كل ذلك .
ولكن وصف «العقيدة الدينية» بذلك وجعلها في عداد الأوهام والخرافات من أسوأ المواقف تجاه الحقائق، فانّ للعقيدة الدينية علّة فطرية، وأُخرى منطقية، ولهذا لا مجال لنحت الفرضيات لتفسير وجودها ونشوئها والسماح للخيال بابتداع التبريرات والعلل .
ثالثاً: أنّ هذا التحليل سيف ذو حدّين، لأنّ الظاهر منه هو أنّ صاحبه يعيد عقائد الناس إلى العقد الروحية الّتي تعلق بالنفس الإنسانية في فترات من عمر الإنسان .
فلو صحّ ذلك فلماذا لا تصحّ هذه النظرية بالنسبة إلى نفس هذه العقيدة التي اختارها المحلّل تجاه الدين ومفاهيمه، حيث قال إنّ العقيدة الدينية ترجع في ابتدائها إلى عقدة روحية، فلماذا لا يكون إلحاد هذا المحلّل (وهو فرويد) وخصومته مع الله سبحانه راجع إلى عقدة روحية أُصيب بها في فترة معيّنة من فترات عمره؟! خاصّة وانّه قد نقل عنه بأنّه كان متعلّقاً بمربية له في طفولته، وكان يذهب معها إلى الكنيسة، فلمّا طرد والده تلك المربية من منزلهم بتهمة السرقة نشأت لدى فرويد عقدة تجاه أبيه الّذي حرمه من تلك المربية، فصار خصماً لوالده منذ ذلك الوقت .

صفحه 78
فلماذا لا تكون خصومته لله امتداداً لخصومته لوالده؟
أضف إلى ذلك أنّ هذا المحلّل لم يمكنه أن يتحرر من رواسب العقائد المسيحية المحرفة الّتي علقت بضميره منذ كان طفلاً يتردد على الكنائس، فانّ تنزيل الإله منزلة الأب والتعبير عن خالق الكون بالأب فكرة مسيحية، تستقي جذورها من العقائد المسيحية المحرفة .
والناظر في أمثال هذه التحليلات لا يشك في أنّ كل واحد من المحلّلين قد نظر إلى العقيدة السائدة في عصره وبيئته فجعلها مقياساً لتحليله، ومعياراً لتقييمه.
ولم يكن أُولئك المحلّلون ذوي خبرة وإلمام بالشرائع والعقائد السماوية حتّى يميّزوا المحرّف عن غيره والصحيح عن السقيم، كما عرفت .
رابعاً: انّ هناك شخصيات بارزة في التاريخ الغابرو كذا في العصر الحاضر يعتقدون بالله سبحانه، ويعبدونه لكونه المثل الأعلى للكمال والجمال، وغير ذلك من الصفات العليا لا لكونه يقوم مقام الأب في إزالة الخوف عنهم، وتوفير الحماية اللازمة لهم .
وقد مرت بعض النصوص المنقولة عنهم والتي تؤيد هذه الحقيقة، بصراحة لا غموض فيها، فراجعها .
القرآن ونظرية استمرار الحالة الطفولية   

القرآن ونظرية استمرار الحالة الطفولية

لقد وقفت على إجمال هذه النظريّة وكيف أنّ «فرويد» ادّعى انّ الحالة الطفولية لدى الإنسان والّتي تتطّلب له أباً رؤوفاً يأوي إليه لدى الأهوال هي

صفحه 79
الّتي جرته إلى أن يخترع فكرة الإله ليقيمه مقام الأب الحامي له في فترة الطفولة حتّى تحصل له الطمأنينة ويتوفر له الاستقرار النفسي .
كما قد عرفت ـ أيضاً ـ ما يرد على هذه النظرية من النقد الهادم لأُسسها.
وها نحن بعد ذلك كلّه نعكس نظرية القرآن الكريم في هذا المقام فنقول: إنّ القرآن الكريم يجعل الطمأنينة أثراً من الآثار الطبيعية لذكر الله سبحانه إذ يقول:
(أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) 1 .
كما أنّه يصف الله سبحانه بأنّه منزّل السكينة في قلوب المؤمنين به، إذ يقول:
(هُوَ الّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ كَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)(2) .
غير انّ الفرق بين النظرية الّتي طرحها فرويد وهذا الأمر واضح لا يخفى على المتأمّل البصير، فانّ ذلك العالم النفساني جعل تحصيل الاطمئنان والاستقرار والسكينة علّة موجدة، وسبباً باعثاً على ايجاد «فكرة الإله» .
وأمّا القرآن فهو يجعل حصول كل هذه الأُمور من نتائج ذكره سبحانه، ومن آثار التوجّه إليه تعالى .
وأمّا الانتباه إلى وجوده سبحانه فهو إمّا من طريق الفطرة أو من طريق البرهان ليس إلاّ .

1 . الرعد : 28 .            2 . الفتح : 4 .

صفحه 80
ثم إنّ القرآن يشدّد النكير على كلّ من يصف الله سبحانه بالأُبوّة كما تفعل النصارى الذين يعدونه أباً، وينزّلونه منزلة الوالد فيقول:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) 1.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)2.
ولا شك أنّ فرويد قد تأثر في تقييمه لمسألة العقيدة الدينية بالفكرة المسيحية حول الله وهي فكرة الأُبوّة والبنوّة الإلهية الّتي يستنكرها القرآن ويشجبها بشدة ويهاجمها بعنف، إذ يقول:
(مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)3 .
نظرية توارث العقيدة   

5 . نظرية توارث العقيدة

ذهب جماعة ـ ممّن لم يرتضوا النظريات السابقة ـ إلى نظرية جديدة في تفسير وجود العقيدة الدينية في الحياة البشرية ملخّصها: انّ العقيدة الدينية أمر فكري ورثته الأجيال اللاحقة من الأجيال السابقة حتّى وصلت إلى عصرنا الحاضر، وبهذا أراح أصحاب هذه النظرية أنفسهم، وظنّوا بأنّهم اهتدوا إلى تحليل سليم في هذا المجال .

1 . الشورى : 11 .
2 . الصافات : 180 .
3 . مريم: 35. ولقد ورد هذا المضمون في آيات عديدة أُخرى هي: البقرة: 116، ويونس: 68، والإسراء: 111، والكهف: 4، والأنبياء: 26، والفرقان: 2، والزمر: 2، والجن: 3، وغيرها .

صفحه 81
والجواب: ان هذه النظرية ـ كسابقاتها ـ في غاية الضعف والبطلان، لوجوه نذكرها فيما يلي:
أوّلاً: انّ غاية ما تفيده، وتثبته هذه النظرية ـ على فرض صحّتها ـ هو أنّ علّة انتقال العقيدة من الأجيال السابقة إلى اللاحقة، وتواجدها في جميع العصور هو «التوارث الفكري» وهو أمر آخر لا يرتبط ببحثنا الحاضر المنعقد حول تفسير «نشوء العقيدة الدينية» أساساً .
فما ذكروه يعلّل وجود العقيدة الدينية في الأجيال المتلاحقة، لا نشوء العقيدة ابتداءً. اذن فصاحب هذه النظرية لم يأت بشيء جديد في هذا المجال .
ثانياً: انّ سريان العقيدة الدينية وسيادتها في جميع أبناء البشر وفي جميع الأجيال يكشف عن أنّ العقيدة الدينية من الأُمور الملازمة للروح والفكر البشري بحيث لا يعقل انفكاكها عنهما، فهي تماماً مثل الأكل والشرب والملبس وغيرها من الفعاليات والحاجات الجسدية الّتي لا تفارق البشر ولا تنفك عنهم.
ومثل هذا الحضور الدائم للعقيدة الدينية في الفكر البشري والحياة العقلية الإنسانية منذ العصر الحجري وإلى عصر الفضاء هذا يكشف عن واقعية هذا الأمر، إذ لا يمكن أن يكون لشيء ما مثل ذلك الحضور الشامل لولا كونه كذلك .
h h h

صفحه 82
 
القرآن ونظرية توارث العقيدة
قد عرفت أنّ صاحب هذه النظرية يعتبر الاعتقاد بالله أمراً خرافياً ورثته الأجيال اللاحقة من السابقة .
وقد عرفت ـ في ما مضى ـ أنّ هذه النظرية ـ مضافاً إلى وهنها وضعفها ـ لا تفي حتّى بنفس مقصود القائل فانّ البحث ـ في المقام ـ انّما هو في التعرّف على علة نشوء العقيدة الدينية أساساً، وهو بعد لم يأت بشيء ذي بال في هذا المجال.
غير انّنا إذا رجعنا إلى القرآن لرأينا انّ الأنبياء الذين كانوا في الرعيل الأوّل من الدعاة إلى الله يصرّون أشدّ الإصرار على أنّه ليس لبشر عاقل أن يقتص آثار الأُمم السالفة من دون تمحيص لها أو تحقيق، ومن دون أن تكون مقرونة بالدليل والبرهان، إذ يقول:
(وَ كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْه ِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِه ِ كَافِرُونَ)1 2 .
نظرية التديّن وليد الفطرة الإنسانية    
والعجب من قائل هذه النظرية ان يكرر نفس المقالة ويعتبر الدعوة إلى الله دعوة خرافية اخذت من الأسلاف مع أنّ بعض معارضي دعوات الأنبياء ـ في

1 . الزخرف : 23 ـ 24 .
2 . وقد ورد هذا المضمون في آيات أُخرى، هي الأعراف : 28، الأنبياء: 53 ـ 54، الشعراء: 74 ـ 76، ولقمان : 21 .
وقد تكرّرت لفظة البيّنة في القرآن الكريم أكثر من 70 مرة تقريباً .

صفحه 83
عهود الجاهلية ـ كانوا يتفوّهون بهذا الكلام، ويعدّون دعوة الأنبياء من قبيل الأساطير. قال سبحانه:(وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) 1.
على أنّ الأنبياء كانوا كلّما باشروا بالدعوة قرنوا نداءاتهم وأقوالهم بالأدلّة وأصرّوا على أنّ ما يقولونه مشفوع بالبيّنات الّتي هي الدلائل الساطعة على صدق مقالهم، وصحّة ادّعائهم، فكيف والحال هذه يصحّ أن توصف دعوتهم إلى الله بأنّها قضية وراثية وانّ ما كانوا يدعون إليه كان من الخرافات والأساطير الّتي لا يدعمها دليل؟
قال سبحانه:
(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَّبِّي وَ آتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير) 2.
h h h

6 . التديّن وليد الفطرة الإنسانية

لقد تبيّن لك فيما مضى ضعف الوجوه الّتي فسّر بها المادّيون ظاهرة العقيدة الدينية وعلّلوا بها نشوء الاعتقاد بالله، وبما وراء الطبيعة .

1 . الأنفال : 31 .
2 . هود: 62 ـ 63 .

صفحه 84
ثم إنّ هناك علّة أُخرى لتكوّن ونشوء العقيدة الدينية، ووجود ظاهرة الإيمان بالله على امتداد الحياة البشرية ألا وهي «الفطرة الإلهية» المغروسة في أعماق كل إنسان .
ويتّضح هذا الأمر إذا عرفنا بأنّ أفعال الإنسان تتنوّع إلى أنواع عديدة:
1 . الأفعال الاكتسابية وهي الّتي يأخذها الإنسان عن طريق التعلّم، سواء أصبحت عنده من العادات، كالتدخين وشرب الشاي; أوغير عادية، كالكتابة والخياطة والرمي .
2 . الأفعال الطبيعية الّتي تكون من قبيل ردود الفعل ; كانقباض العين عند سقوط النور عليها، وسحب الإنسان رجله عند وخزها بإبرة، أو ما شاكل ذلك .
3 . الأفعال الغريزية النابعة من الطبيعة المشتركة بين الحيوان والإنسان ; كالرغبة إلى الجنس الآخر، وكنسج العنكبوت لبيته، وهجرة الطيور من قطر إلى قطر، وحنان الأُم على ولدها، واجتناب الخطر، والفحص عن علل الحوادث، وغير ذلك .
فكل هذه أُمور غريزية نابعة من الطبيعة المشتركة بين النوعين (الحيوان والإنسان) .
4- الأُمور الفطرية الّتي فطر عليها الإنسان فهي تولد معه، وتتكامل وتنمو بصورة تدريجية; وذلك مثل حبه للعلم والكمال، وميله إلى الفن والجمال وانجذابه إلى قيم الأخلاق ومحاسن الخصال .
فالأقسام الثلاثة الأخيرة تشترك في أنّها جميعاً نابعة من عمق

صفحه 85
الجبلة البشرية وناهضة من ثناياها، وإن كان بينها فروق من جهة أو جهات .
فالأفعال التي تدخل في خانة «ردود الفعل» تتحقّق من دون علم صاحبها بخلاف النوعين الأخيرين فهما يصدران عن صاحبهما عن وعي وعلم .
أمّا الثالث (وهي الأُمور الغريزية) فهي تصدر عن الحيوان عن علم ووعي، غير انّها تسخّر الحيوان وتسيطر على جميع تصرفاته حتّى أنّه لا يجد من هيمنتها وتسخيرها مخلصاً .
فانّ نسج العنكبوت لبيته، أو صنع النحل للبيوت المسدسة، أو الحركات الجنسية الصادرة عن الحيوان كلّها أُمور تقتضيها طبيعة الحيوان، وجميعها تصدر عنه بعلم ووعي لكن من دون حرية واختيار .
وهذا بعكس الإنسان ـ فهو بخلاف الحيوان ـ فانّه قادر على تنفيذ غرائزه والسماح بظهور آثارها في حياته عن حرية واختيار أو عدم السماح لها بذلك فهو ليس مسخراً لها ولا محكوماً بحكوماتها القاهرة كما هو الحال في الحيوان، بل هو بما جبل عليه من الحرية والاختيار هو الّذي يقود الغرائز ويوجهها إلى ما هو أنسب لشأنه وحاله .
وأمّا الأمر الرابع: وهو الأُمور الفطرية الّتي جبل عليها الإنسان فتعمل وتصدر آثارها عنه بوعي واختيار .
فحب الاستطلاع ـ مثلاً ـ وإن كان له جذور ضاربة في أعماق الفطرة الإنسانية إلاّ أنّ للإنسان أن يحد منه فيبقى في ظلمة الجهل ولا ينساق وراء رغبته في تحصيل المعرفة والاطّلاع .

صفحه 86
ثم إنّ ملازمة هذه الأُمور ومبادئها للكينونة الإنسانية تبلغ حداً لو سلبت عن الإنسان لارتفعت الإنسانية برمّتها أو ارتفعت الحصة العظيمة منها وكأنّها مقوماتها، ودعائم ذاتها .
وبعبارة أُخرى: انّها من الملازمة بحيث يقتضي فرض عدمها فرض عدم الإنسانية أوعدم حصة منها، فكأنّ هذه الأُمور تشكّل قسطاً كبيراً من إنسانية الإنسان .
إذا تبيّن هذا نقول: لقد فسر الإلهيّون ظاهرة التديّن الّتي لازمت الإنسان أبداً، حسبما تشهد بذلك الآثار والحفريات، بأنّها من مقتضى الفطرة الإنسانية الّتي خلق الإنسان وجبل عليها، حتّى كأنّ العقيدة هي التوأم الّذي يولد مع الإنسان .
وعلى هذا الأساس يكون قد تطابق الفكر الإنساني مع مقتضى الفطرة البشرية .
فانّ طبيعة الإنسان تجرّه إلى الاعتقاد بالله سبحانه، وتدفعه إلى التديّن له وعبادته، بينما يستدلّ جهازه الفكري والعقلي على وجود تلك «القوة العليا» بالأدلّة والبراهين، فيتطابق مقتضى الفطرة ومقتضى العقل، وتشكّل الفطرة والعقل جناحين يطير بهما الإنسان نحو الكمال .
وهذا الوجه ـ لو ثبت وهو لا شك ثابت، كما ستعرف عند استدلالنا عليه في المبحث القادم ـ أتقن ما يمكن ان تفسر به ظاهرة العقيدة الدينية من دون ان يرد عليه أي واحد من الإشكالات الماضية الواردة على التعليلات والتفسيرات الّتي سبقت .

صفحه 87
فكيف يصحّ ان تفسّر «ظاهرة التديّن» بعامل الخوف مع أنّ تقدّم العلوم قد أذهب الخوف عن النفوس؟!
أم كيف تعلّل هذه الظاهرة بأنّها وليدة التضليل الاستعماري والاستغلالي مع أنّ البشر رغم وقوفه على حيل المستعمرين وأساليب المستغلين لا يزال متمسّكاً بالعقيدة الدينية ساعياً وراء ندائها وآخذاً بتعاليمها؟!
كيف يصحّ تفسير ظاهرة الاعتقاد بالله والآخرة بعامل الخوف، وقد كان الأنبياء الذين ضربوا أروع الأمثلة في حب الله، يمثلون أعلى مظاهر الشجاعة والبسالة، ولم يكونوا جبناء ولا ضعفاء؟!
كيف يصحّ ذلك والشهداء الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله، واعزاز دينه أقدموا على ذلك بشجاعة لا تقبل الشك؟!
إنّ تركيز قوى الاستعمار والاستغلال الكبرى جهودها للقضاء على الدين ومحو آثاره وملامحه في المجتمعات البشرية في مختلف الأعصار، والتوسّل لذلك بكل حيلة ووسيلة، وفشلهم في هذا السبيل خير دليل على تجذر هذه الظاهرة في أعماق الفطرة الإنسانية وملازمة غريزة التديّن للنفس البشرية دون انفكاك.
وبالمناسبة يجب أن نعرف أنّ ظهور الإلحاد لدى بعض الرجال السياسيّين لا يدلّ على عدم كون هذه الظاهرة أمراً فطرياً، إذ لا يجب أن تظهر آثار الأمر الفطري في جميع الموارد والأحوال، كيف والميول الجنسية رغم كونها من أظهر الأُمور الفطرية قد يخبو أوارها ـ أحياناً ـ عندما يكبح الإنسان جماحها أو يقمعها بالمرة أو يكاد .

صفحه 88
ملخّص ما سبق   
كما أنّ «حب الاستطلاع» هو الآخر رغم كونه أمراً فطرياً قد يختفي لدى البعض عندما ينصرفون إلى الغرائز الأُخرى انصرافاً كلياً ويتمادون في اعمالها أكثر من الحد الطبيعي، فلا يبقى مجال لإظهار غريزة حب الاستطلاع.
نعم انّ الفطرة البشرية هي مبدأ ظهور التديّن في المجتمعات البشرية وانجذابها إلى ما وراء الطبيعة، ولكن التديّن هذا يتكامل بفضل البراهين العقلية والإدراكات الصحيحة المنطقية، ولأجل ذلك يكون التديّن وليد الفطرة والعقل معاً، وهذا ما يتبنى هذا الكتاب إثباته، وسيوافيك كلا الأمرين في الفصول القادمة.

صفحه 89
 

ملخّص ما سبق

تلخّص من البحث السابق أُمور:

1. انّ هناك مسألتين ـ في مجال العقيدة ـ اهتمّ بهما علماء النفس والاجتماع والتاريخ مؤخّراً وهما: البحث عن عوامل نشوء العقيدة الدينية، والبحث عن آثارها في الحياة البشرية .
2. انّ الماديّين لمّا نظروا إلى ظاهرة التديّن بمنظار مادي بحت ودرسوها بأفكار مسبقة ومضادّة حول الدين كاعتباره اعتقاداً بأمر موهوم، نحتوا لوجودها في حياة البشرية عللاً طارئة، واختلقوا لها نظريات بعيدة عن الواقع .
3. انّ الماركسيّين رغم محاربتهم للعقيدة، وإصرارهم على عدم حاجة البشر إليها لم يتحرروا من تقديس مبادئهم بعد اعتناقها والاعتقاد بها، كما يفعل المتديّنون .
4. انّ الأغلبية الساحقة من البشر مؤمنون يعتقدون بما وراء هذا الوجود المادي على اختلاف مشاربهم ومسالكهم، وليس هناك سوى قلة قليلة ـ بالقياس إلى تلك الكثرة الغالبة ـ لا تؤمن بالله لأغراض سياسية، أو أخلاقية، أو نفسية .
5. انّ الضابطة الصحيحة والمعقولة في تفسير الظواهر الاجتماعية

صفحه 90
هي تقسيم الأُمور إلى ما له جذور في أعماق الفطرة أو مبررات وجيهة في منطق العقل، فلا يجوز نحت الأسباب لظهوره ووجوده; وإلى ما هو عارض على حياة الإنسان لأسباب طارئة فيجوز نحت الأسباب له. والأوّل مثل ظاهرة الزواج وجمع المال، والثاني مثل الاعتقاد بنحوسة الرقم 13 ونعيب الغراب .
6. الفطرة البشرية السليمة، والرابطة العقلية المنطقية بين مشاهدة النظام الكوني والاعتقاد بالخالق، يثبتان بأنّ التديّن والإيمان بالله، من النوع الأوّل، فلا يصحّ نحت الأسباب لنشوئه في حياة البشر .
7. انّ تفسير نشوء العقيدة بنظرية الخوف البشري من الحوادث الطبيعية مرفوض:
أوّلا: لأنّها تتجاهل فطرية الاعتقاد بالخالق، ومنطقيّته كما مر .
ثانياً: لأنّ هذه النظرية لا تستند إلى أيّة أدلّة موجّهة، بل هي ضرب من الخيال، والافتراض، والتخمين .
ثالثاً: لأنّها تعجز عن تفسير إيمان العباقرة والعلماء والمخترعين والمكتشفين بالله، وهم ممّن استطاعوا التغلّب على أكثر المخاوف .
8 . انّ العقيدة الدينية ومفاهيم الدين وان كانت تبعث على الطمأنينة إلاّ أنّ هذا من آثار العقيدة لا من دوافع وأسباب نشأتها، وليس من الصحيح أن نخلط بين أسباب النشوء والآثار المترتّبة على الشيء .
9. تفسير نشوء العقيدة الدينية بنظرية «الجهل البشري بالعلل الطبيعية للحوادث» مرفوض أيضاً:

صفحه 91
أوّلاً: لأنّها تتجاهل فطرية الإيمان بالله وعقلانيّته كسابقتها .
ثانياً: لأنّها تنمّ عن جهل أصحابها بمنطق الإلهيّين الذين يعتقدون بالعلل الطبيعية، والنظام العلي، ويعتبرونه دليلاً على وجود خالق لمجموع ذلك النظام .
ثالثاً: انّها تثبت بشكل غير مباشر بأنّ البشر كان يعتقد دائماً بالعلية ولهذا اعتقد بوجود خالق للكون، وان اخطأ أحياناً في إحلال الخالق محل بعض العلل الطبيعية، لو صحّ ذلك .
رابعاً: لأنّ العقيدة الدينية موجودة حتّى في المجتمعات المتحضرة العارفة بالعلل الطبيعية .
خامساً: لأنّ الاعتقاد بالله لو كان مبعثه الخوف أو الجهل لكان الدواب والبهائم أولى بهذا الاعتقاد لعجزها الأشدّ وجهلها الأكبر .
فيتلخّص من ذلك أنّ الجهل والخوف لو صحّ كونهما علة لنشوء العقيدة فهما من قبيل العلّة البعيدة لا العلّة القريبة بمعنى انّهما هيّآ للعقل فرصة ودافع التفكير في منشأ الكون وحوادثه ثم الاعتقاد بوجود خالق له. فالإيمان بالخالق وليد العقل لا الجهل ووليد الفطرة لا الخوف الساذج .
10. انّ تفسير نشوء العقيدة بالنظرية الاقتصادية الماركسية الّتي تقول بأنّ الدين ردة فعل للأوضاع والعلاقات الاقتصادية وأنّها استغلّت لتخدير الشعوب هي الأُخرى مردودة .
أوّلاً: لأنّ ذلك يتعارض مع أصالة التديّن وفطريّته وعقلانيّته فليس تابعاً للتغيرات الحاصلة في وسائل الانتاج .

صفحه 92
ثانياً: انّ استغلال الدين من قبل بعض الوصوليّين من الحكّام والكهنة شيء وأصالة الدين والتديّن شيء آخر .
ثالثاً: انّ هذه النظرية ان صحّت فانّما تصحّ بالنسبة إلى الأديان المحرّفة الّتي طرأ عليها التحريف لصالح طبقة معينة ولا تصحّ بالنسبة إلى الإسلام النقي في أُصوله وفروعه وتعاليمه وبرامجه الإنسانية العادلة من أي تحريف .
رابعاً: انّ التديّن الصحيح خير عامل للتقدّم العلمي، وخير دعامة للأخلاق، وخير عامل للتحرك والاستقامة، وخير باعث على التقيد بالنظام والقانون، وخير رادع عن الجريمة .
خامساً: انّ العقيدة الدينية كانت يوم لم يكن ـ في فجر التاريخ البشري ـ أي طبقيات .
سادساً: انّ جعل الفكر والدين من توابع التغيّرات الاقتصادية ينفي صحة هذه النظرية الماركسية نفسها، لأنّها بذلك يمكن اعتبارها من ولائد ظرف اقتصادي خاص فلا تكون صحيحة على إطلاقها .
سابعاً: انّ الاقتصاد ليس محوراً وإن كان أمراً مهماً، فطغيانه على بقية الأُمور لا يلغي أصالة التديّن، كما أنّ طغيان بعض الغرائز لا يعني نفي الغرائز الأُخرى بالمرّة .
ثامناً: انّ العامل الاقتصادي ليس هو المحرك الوحيد للتاريخ، فهناك الغرائز وهناك الشخصيات المصلحة، وهناك الأفكار الاجتماعية مثل فكرة القومية .
تاسعاً: انّ انتشار التديّن بين الطبقات المحرومة يكشف عن أنّه كان

صفحه 93
مقبولاً عقلياً لديهم، وإلاّ فكيف اعتنقوا ما كان يتوسّل به المستغِلّون للإضرار بهم.
عاشراً: انّ التديّن لم يختصّ بالفقراء والمحرومين، فما أكثر المتديّنين بين الأثرياء وما أكثر تضحياتهم بالنفس والنفيس في سبيل العقيدة الدينية .
حادي عشر: انّ انتعاش الحالة الاقتصادية للمحرومين لم يلازم انحسار العقيدة الدينية عن حياتهم دائماً كما ادّعى الماركسيون، والحضارة الإسلامية واليونانية خير شاهد على ازدهارهما معاً في آن واحد .
ثاني عشر : انّ كثيراً من الدعاة إلى الدين كانوا يدعون إلى مقارعة الظالمين والمستغلين، ويناهضون كل غاصب لأموال الناس، هاضم لحقوقهم، سارق لجهودهم.
11. انّ نظرية «توارث العقيدة» لم تأت بشيء جديد ولم تفسر منشأ العقيدة، بل بررت وجوده في جميع العصور .
12. انّ نظرية فرويد الّتي تقول بأنّ الاعتقاد بقوة وراء هذا الكون هي استمرار لحالة طفولية كانت تفرض على الإنسان مذ كان طفلاً ان يلتمس ملجأً وكهفاً، هي أيضاً مرفوضة، لأنّها تعجز عن تفسير إيمان الفلاسفة العظام والعباقرة الكبار والمجتمعات المتحضّرة الواعية بالله سبحانه، كما أنّها قد تستقي جذورها من عقد نفسية كان يعاني منها فرويد تجاه والده، وربما يكون قد تأثر بالعقيدة المسيحية المحرّفة الّتي تعتقد ببنوّة المسيح(عليه السلام) .
13. فنستنتج من كلّ ذلك انّ هذه النظريات كلّها مؤسسة على

صفحه 94
التخمين، وانّها لم يذهب أصحابها إليها إلاّ بعد أن افترضوا وهمية العقيدة الدينية واعتبروا ذلك أمراً مسلّماً، ولذلك اضطروا أو عمدوا إلى اختلاق الأسباب وافتراض العلل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لظهورها ونشوئها في الحياة البشرية .
14. كما نستنتج انّ العقيدة حقيقة واقعة في حياة البشر، لها في فطرته جذور، وفي عقله مبررات منطقية، وفي حياته آثار إيجابية في غاية الأهمّية والحيوية .

صفحه 95
الفصل الثاني
آثار العقيدة في الحياة البشرية

صفحه 96
آثار العقيدة الدينية في الحياة البشرية   

في هذا الفصل

* لماذا يجب البحث في المسائل الاعتقادية؟
* الأسباب الباعثة على دراسة العقيدة.
* 1. البحث في العقيدة يساعد على فهم الحياة مبدأً وهدفاً ومصيراً.
* 2. البحث في العقيدة يضع نهاية للقلق .
* 3. الاعتقاد بوجود الله وصفاته يوجب الطمأنينة .
* كيف يقضي الإيمان بالله على عوامل الاضطراب ؟
* 4. الاعتقاد بوجود الله وصفاته خير دعامة للأخلاق .
* 5. الاعتقاد بوجود الله وصفاته أفضل ضمانة لتنفيذ القوانين .
* 6. العقيدة الدينية وسيلة للتكامل الشامل .
* 7. العقيدة الدينية توفر معرفة أكمل .
* هل التوجّه إلى الله غفلة عن الشخصية الإنسانية ؟
* أ ـ الارتباط بالكامل موجب للتكامل .
* ب ـ جذور التديّن في الشخصية الإنسانية .
* ج ـ مكانة المعلول بالنسبة إلى العلّة.
* العقيدة الدينية والمشاكل الفلسفية .
* ملخّص البحث .

صفحه 97

«لماذا يجب البحث عن الله وصفاته» ؟

هناك من يتساءل مشكّكاً أو مستفهماً: لماذا يجب البحث عن «الله» ولماذا نبحث في المسائل الاعتقادية؟
أليس من الأجدر بنا أن نبحث فيما يتصل بحياتنا اليومية، ويعالج مشاكلها ويكون مؤثراً في تحسين أحوالنا المعاشية ؟
أليس الحديث عن الموجود أو الموجودات الخارجة عن نطاق الحس والتجربة، والتي لا يكون لها أيّ أثر في حياتنا وجوداً أو عدماً غير نافع ولا مفيد؟
هذا هو ما يدّعيه البعض ويردّده خاصة بعد ظهور وانتشار المادية المتفلسفة لنفي الحاجة إلى طرح المسائل الاعتقادية ودراسة العقيدة .
إنّ المتسائل أو المشكّك يعتقد أنّ القضايا الاعتقادية لا أثر لها في تحسين الأحوال المعيشية ويرى أنّ العقيدة لاربط لها بالحياة ولا أثر لها في إسعاد الإنسان، بل هي أُمور لا تتجاوز حدود الذهن .
ولكنّنا سنعرف ـ من خلال الجهات الّتي سنستعرضها ـ أنّ للعقيدة صلة عميقة بالحياة الإنسانية وانّ لها آثاراً هامة ومباشرة في جميع حقولها ومناحيها وسنعرف أنّ الادّعاء المذكور ناشئ عن عدم وقوف المدّعي على مبادئ الدين وتعاليمه، وقضايا العقيدة وآثارها البنّاءة في الحياة البشرية، وذلك لأحد أمرين:
إمّا لعدم اتّصاله بأصحاب العقول النيّرة من العارفين بشؤون

صفحه 98
العقيدة، العالمين بمسائلها وقضاياها ليشرحوا لهم ما التبس عليهم منها، أو خفي عليهم من آثارها وفوائدها في حياة الناس أفراداً وجماعات .
وإمّا لأنّهم لم يجشّموا أنفسهم عناء البحث والفحص والتحقيق .
وإليك بعض هذه النواحي والآثار الجمّة للعقيدة الدينية الّتي غفل عنها اصحاب النظرة المادية نذكرها واحدة تلو الأُخرى تحت أرقام متسلسلة، ليقف القارئ بنفسه على بطلان الزعم المذكور، بعد أن يعرف كيف انّ العقيدة الدينية تتّصل بصميم الحياة لا بهامشها .
الاسباب الباعثة على دراسة العقيدة   

الأسباب الباعثة على دراسة العقيدة

1. البحث في العقيدة يساعد على فهم الحياة:

لم يزل الإنسان منذ أقدم العصور يطرح على نفسه هذه الأسئلة الثلاثة:
من أين أتيت؟
لماذا أتيت؟
إلى أين أذهب؟
ولم تزل هذه الأسئلة تطالبه بالجواب بالحاح شديد.. انّه لا يمكنه أن يمرّ على هذه الأسئلة دون اكتراث، وهو يرى لكل ظاهرة حياتية سبباً، فكيف بهذا الكون العظيم وهذا الفضاء الواسع العريض وما يتّسمان به من جلال وإبداع؟
كيف يمكنه أن يصدّق بأنّ كلّ ذلك قد وجد صدفة دون خالق

صفحه 99
مبدع حكيم، أليس لكلّ بناء بان، ولكلّ كتاب مؤلف، ولكل مصنوع صانع؟
كما لا يمكنه أيضاً بأن يصدّق بأنّ هذا الوجود لا ينطوي على هدف، وانّ هذه الحياة لا ترمي إلى غاية، وهل يقبل العقل السليم ذلك ويرتضيه؟
ولقد انقسم الناس تجاه هذه الأسئلة الملحّة إلى صنفين:
أ ـ من بقي في حالة الشك والحيرة، لأنّه لم يجشّم نفسه عناء البحث والتحقيق .
ب - من بحث وحقّق وفحص ولاحق فاهتدى إلى الحقيقة، وعرف بأنّ لهذا الكون خالقاً وانّ لهذا الوجود غاية، وانّ لهذه الحياة هدفاً، وانّه ما من شيء في صفحة هذا العالم الفسيح إلاّ ويجري وفق تخطيط حكيم، وقصد صحيح فلا صدفة ولا فوضى ولا عبثية .
ولقد كان طبيعياً أن يحظى هذا الفريق بالارتياح ودعة الضمير، لأنّه عرف مبدأه ومنتهاه، وأبصر مسيره ومصيره، فلم يكن كالسائر في متاهة، العايش في الفراغ .
كما كان من الطبيعي والبديهي أن يعاني الفريق الأوّل من القلق النفسي والاضطراب الروحي بسبب شكّه، وحيرته، فالشك والجهل بالماضي والحاضر والمستقبل حالة قاتلة وقاسية تعكر صفو الحياة،وتقضي على كل بهجة وتجعل المرء كمن يمشي في تيه .
ولما كانت هذه الأسئلة الملحّة لا تختصّ بمن مضى من البشر، بل تراود كل أحد حتّى في هذا العصر، ولما كان البقاء في حالة الشك والحيرة أمراً

صفحه 100
مضنياً، بل وخطراً للغاية على حياة الإنسان لزم البحث عن الأجوبة الشافية على هذه الأسئلة للتخلّص من جحيم الشك القاسي، والحيرة القاتلة.
ألا يجدر بالإنسان وهو ينشد راحة الضمير أن يسعى لمعرفة حقائق هذا الوجود، وأسرار هذا الكون وأهداف هذه الحياة، وكلّنا نعلم أنّ تحقيق مثل هذه الحالة للنفس و الضمير منوط بهذه المعرفة، ومتوقّف عليها؟
هل من الجائز والصحيح انّ يترك الشك ينخر كيانه وتعكر الحيرة صفو الحياة عليه بسبب انّه يجهل كل شيء عن ماضيه وحاضره وعن المستقبل الّذي ينتظره؟
إنّ البحث في العقيدة طريق إلى تحصيل كل الإجابات الصحيحة الشافية على هذه الأسئلة الخالدة الّتي ظلّت تراود الذهن البشري منذ أن حط قدمه على هذا الكوكب ولا تزال تخالجه إلى هذا الحين .
إنّ دراسة العقيدة الدينية تساعدنا على أن نفهم الحياة، وندرك أهدافها، ومصيرها فلا نبقى في الشك والحيرة، وإلى هذه النتيجة القيمة أشار الحديث المعروف:
«رحم الله امرئً عرف من أين وفي أين وإلى أين؟» .
هذه هي الناحية أو الفائدة الأُولى من فوائد البحث في العقيدة الدينية، ولنستعرض معاً الفائدة الثانية الّتي تترتب على مثل هذا البحث والتحقيق .
البحث في العقيدة يطرد القلق   
h h h

صفحه 101
 
2. البحث في العقيدة يطرد القلق
عندما نراجع التاريخ البشري نواجه مجموعة كبيرة ممّن يطلق عليهم «الأنبياء» قد أخبروا بوجود إله خالق لهذا الكون، وأنّهم رسله إلى البشرية، جاءوا ليخبروهم بأنّ ثمّة واجبات وتكاليف، وأنّ هناك حياة أُخرى وحشراً ونشراً وحساباً وعقاباً، وجنة وناراً، وانّ الناس جميعهم مسؤولون محاسبون، شاءوا أم أبوا.
ولم يكن هؤلاء من مجاهيل الناس فقد عرفت سوابقهم الناصعة وتاريخهم النقي من كل شائبة، كما ولم ينشد هؤلاء من وراء دعوتهم كسب سمعة، أو جلب منفعة، فقد واجهوا في سبيلها الصعاب وتحمّلوا المتاعب، وضحّوا بكل غال ورخيص، وعرضوا أنفسهم لكلّ حادث خطير بشهادة التاريخ.
ثم إنّا نجد أيضاً جمهوراً كبيراً من الفلاسفة وأصحاب النبوغ، وروّاد العلوم الطبيعية ممّن يعبأ الناس بآرائهم أمثال أرسطو وإفلاطون وسقراط وغيرهم قد أخبروا كذلك بتلك الحقائق وأكّدوها بما توصّلوا إليه نتيجة التأمّل في الطبيعة والنظرة الفاحصة في الكون والوجود .
فهم أخبروا بأنّ ما يتمتع به هذا الكون من نظام متقن ودقيق وحركة منتظمة ومتّسقة، وما يتجلّى في كل جزء من أجزائه من آثار الحكمة والتدبير، كلّ ذلك يدلّ على صدور هذا الخلق عن مبدأ قادر حكيم، قد أعطى كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء صنعه.

صفحه 102
كما أخبروا بأنّ الحكمة تقتضي أن لا تخلو حياة البشر من هدف معقول، فلا بدّ أن تكون هناك حياة خالدة يسعد فيها الإنسان وتتحقّق فيها كلّ تطلّعاته وطموحاته وأمانيه، إذ لا يمكن أن تكون هذه الحياة المحاطة بالحرمان والموت هي غاية الحياة الإنسانية وهي كل الهدف من وجوده .
ولقد آمن هذا الجمهور الكبير من الفلاسفة والعلماء بهذه الحقائق ومضوا عليها داعين شعوبهم إلى الإيمان بها ومؤكّدين بذلك ما أخبر به الأنبياء، وصدعت به الرسل .
بعد الوقوف على هذه الحقيقة التاريخية الساطعة، واخبار هذا الجمّ الغفير بهذه الأُمور عن مبدأ الكون ومصير الإنسان وما عليه من واجبات، وما ينتظره من تبعات جسيمة إذا هو أهملها، ألا نحتمل أن يكون الأمر كما أخبروا، وألا نحتمل صدقهم في مقالتهم، وألا يستوجب ذلك أن نبحث فيما أخبروا به ونتحقّق منه ونحن نهتمّ بأبسط الأُمور، ونحسب لأضعف الاحتمالات حسابها؟
أجل، انّ مجرّد هذه الاحتمالات تؤرق كلّ عاقل يحب سعادته وأمنه واستقراره.
الاعتقاد بالله مبعث الطمأنينة   
ألا ترى لو انّ أحداً أخبره بوجود حيوان كاسر في طريق ينوي سلوكه، فاحتمل صدقه عمد إلى التحقيق وتجنّب الطيش والإهمال والتهوّر.
إنّ مجرّد احتمال أن ينتظرنا حساب عادل ودقيق لكلّ تصرفاتنا جدير بأن يحملنا على البحث في العقيدة الدينية خشية أن نخسر الثواب الأبدي أو نواجه العذاب الخالد إذا كذبنا بهذه الحقائق، وهذا هو حكم العقل الّذي يقضي بوجوب دفع الضرر ولو كان محتملا .

صفحه 103
أجل هذه هي الجهة الثانية الباعثة على دراسة العقيدة والبحث عن «الله» وما يتبع ذلك من قضايا الاعتقاد، وقد أشار بعض علماء الكلام القدامى إلى هذه الجهة، إذ قال بتقريب يقارب ما قررناه:
إنّها (أيّ دراسة العقيدة وما ينجم عنها من معرفة) دافعة للخوف الحاصل، للإنسان من الاختلاف (الواقع بين البشر في أمر العقيدة فهناك جماهير غفيرة مؤمنة، وثمّة جماعات قليلة كافرة) ودفع الخوف واجب، لأنّه ألم نفساني يمكن دفعه فيحكم العقل بوجوب دفعه، فيجب دفعه.1
إذا عرفت هذا فلننتقل إلى الناحية الثالثة الّتي توجب علينا أن نتناول العقيدة بالبحث والدرس والتحقيق، ألا وهي الآثار الروحية والأخلاقية والاجتماعية الّتي تلازم الاعتقاد بالله والإيمان بالآخرة، وسنذكر هذه الآثار تحت أربعة عناوين هي:
h h h

3. الاعتقاد بـ «الله» مبعث الطمأنينة

يواجه الإنسان في حياته أُموراً عديدة تنغص عليه عيشه وتسبب له أزمة روحية مستعصية كلّما تذكّرها ولم يجد لها تفسيراً مقنعاً ومعقولا، وهذه الأُمور هي:
أ. هاجس الفناء .
ب . المصائب والنكبات .

1 . راجع الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلي، شرح الفاضل المقداد .

صفحه 104
ج . المادية المفرطة .
صحيح انّ البشرية قد استطاعت بفضل ما أحرزت من التقدّم العلمي والتقني أن تتغلب على جانب كبير من الطبيعة حتّى أنّه ادّعى انّه قهرها بعد أن وقف على الكثير من قوانينها، ولكن كلّ ذلك لم يساعدها على الحصول على تفسير صحيح وبيان مقنع وواضح في هذه المجالات .
وحتّى نعرف أوّلاً كيف تسلب هذه الأُمور الثلاثة الطمأنينة من الإنسان وتنغّص حياته، لابدّ من الوقوف عندها قليلاً، وإليك هذا التوضيح:

أ. هاجس الفناء

لقد أحبّ الإنسان حياته وعشقها بحكم ما أودع في كيانه من غريزة حب الذات وحب البقاء، ولذلك فهو يحافظ عليها أشدّ المحافظة ويحرص على حمايتها بكلّ ما أُوتي من قوة، فإذا تذكّر الموت اعتراه أسى عميق، لأنّه يعتبر الموت نهاية لهذه الحياة العزيزة عليه، الأثيرة لديه. انّه يعتبر الموت فناء مطلقاً يأتي على حياته وكلّ ما جمعه وشيّده طيلة عمره. ومن هنا يظل الموت كشبح مخيف وكريه يلاحقه ويؤرقه، وربّما حاول التخلّص منه باللهو والتسلية دون جدوى، لأنه سرعان ما يشبع منهما ويملّهما .

ب . المصائب والنكبات

الحياة الّتي يمر بها الإنسان مليئة بالمصائب مشحونة بالكوارث، وكأنّ ذلك هو قانونها المحكّم وسنّتها الثابتة، فمن مرض إلى فقد عزيز إلى ضياع مال وغيره .

صفحه 105
وهذا المصائب هي من أشد مايعاني منها الإنسان في حياته، بل وقد تقضي عليه كمداً وحزناً إذا لم يجد لها تفسيراً معقولا أولم يؤمن بعالم آخر يعوّض فيه عليها ويثاب، فربّ من أهلكه جزعه، ورب من أردته أحزانه، ممّن فقدوا الصبر والاستقامة، وحرموا الوعي الكافي، والإيمان الواقي، والأمل في المثوبة والأجر .

ج. المادّية المفرطة

لقد جبل الإنسان على حب المال والميل إلى ملاذ الحياة التمتع بها، لأنّ في ذلك قوام حياته واستمرار وجوده ولكن قد تتحول هذه الغريزة إلى حرص بالغ وجشع عريض، ولمّا كان يتعذر عليه أن يحقّق كلّ مطامحه وكلّ أمانيه في هذه الحياة بسبب عجزه عن ذلك، دخله همّ عظيم لهذا الإخفاق وأحسّ بمرارة كبيرة تستتبع بدورها آلاماً نفسية كما أصابه حزن شديد على مصير ما اجتهد في جمعه وتحصيله، لأنّه يتصوّر انّ هذه الحياة هي كل شيء .
كلّ هذه المخاوف والأزمات الروحية تعتري من لا يملك أيّ توضيح مقنع في هذه المجالات .
إنّها عقد وأزمات روحية يرجع إليها أكثر ما تعاني منه البشرية الحاضرة (وخاصة في المجتمعات غير المتديّنة) من حالات الجنون والهستيريا والإقبال على الانتحار، وتعاطي المسكرات والمخدّرات، كما تشهد بذلك تقارير وكتب ودراسات تتناول الأوضاع السائدة الآن في المجتمعات المادّية .
والسؤال المطروح الآن هو: ما هو الطريق للتخلّص من هذه الأزمات والآلام الروحية وما يترتب عليها من مضاعفات، وذيول .

صفحه 106
الجواب هو: ان العقيدة الدينية الصحيحة هي وحدها الكفيلة بتوضيح هذه الأُمور وإزالة موجبات هذه الأزمات الروحية، وإليك تفصيل ذلك:
كيف تعالج العقيدة الدينية عوامل الازمات الروحية؟   

كيف تعالج العقيدة الدينية عوامل الأزمات الروحية؟

قلنا: إنّ العقيدة الصحيحة هي وحدها القادرة على مواجهة عوامل الاضطراب المذكورة، وتحقيق السكينة للإنسان والتخفيف من الأزمات الروحية الّتي يتعرض لها وذلك:
أوّلاً: لأنّ العقيدة الدينية الصحيحة بما تثبته من حياة أُخرى تعطي للموت مفهوماً آخر، فترفض أن يكون الموت فناء مطلقاً للإنسان، ونهاية لحياته وضياعاً لآماله وجهوده وطموحاته، بل تعتبره عملية انتقال من عالم ضيق إلى عالم أوسع، ونقلة من حياة زائلة إلى حياة أبدية، مستقرة حقيقية .
وبهذا يتغيّر طعم الموت مادام يعني التحليق إلى عالم أفضل بالنسبة إلى المؤمنين الصالحين العاملين، ولا يعود كابوساً يؤرّق الإنسان ويعذّب الكهول والشيوخ خاصة .
ثانياً: لأنّ العقيدة الدينية بما تقدّمه من تفسيرات واقعية للمصائب والنكبات والمحن والآلام الطارئة الّتي تنتاب الإنسان في هذه الحياة تغيّر من معنى، ومدلول هذه الأُمور:
فإذا عرف الإنسان ـ حسب هذه التفسيرات ـ أنّ بعض المصائب والنكبات اختبار ولذا فهي لا تمرّ دون عوض مناسب وثواب لائق إذا صبر عليها مادام إله الكون عادلاً رؤوفاً، أو انّها لا تخلو من مصلحة وحكمة مادام

صفحه 107
خالق الكون عالماً حكيماً، هذا إذا لم يكن ما أصابه من المحن والنكبات بسبب فعله .
أقول: إذا عرف الإنسان كل ذلك وغيره ممّا تبيّنه العقيدة الدينية في هذا المجال لم يأس على مافاته ولم يحزن لما دهاه، بل ازداد صلابة واستقامة، وصبراً وجلداً.
ثالثاً: لأنّ العقيدة الدينية بما تقدّمه من تعاليم أخلاقية تحدّ من سورة الحرص الّذي يسبب الاضطراب الناشئ عن الإخفاق، ومن فورة الهلع الّذي يسبب الغم نتيجة العجز عن تحقيق كل الطموحات المادية العريضة وأيضاً بما تقرره من برامج لتقوية السجايا والصفات الإنسانية والمعنوية، تقضي على أهم أسباب الإفراط في المادية، فهي من جانب تشجّع على البذل والعطاء، مع التلويح والوعد بالثواب الجزيل والأجر الجميل، ومن جانب آخر تقلّل من أهمية هذه الحياة المادية إذ تعتبرها وسيلة لاهدفاً، وممراً لا مقرّاً، وزائلة غير باقية .
هكذا تعالج العقيدة الدينية الصحيحة الأزمات الروحية وتخفّف من شدّتها ووطأتها. فلو أنّ الإنسان نظر إلى الحياة من هذا المنظار الديني لم يعد يشعر بأي قلق، ولا يتعرض لأيّة أزمة روحية .
تلك هي بعض الآثار البنّاءة والثمار الروحية الطيبة الّتي تترتب على الاعتقاد بالله سبحانه .
ولنستمع إلى القرآن الكريم وهو يعلن بصراحة بأنّ ما يدعو إليه من إيمان بالله واليوم الآخر هو وحده القادر على توفير ما ينشده الإنسان من السكينة والطمأنينة والأمن والدعة، إذ يقول سبحانه:

صفحه 108
1. (الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ) 1.
2- (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (2).
3- (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) 2.
4- (هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً) (4).
فإذا كان للعقيدة الدينية مثل هذا الاثر العظيم في صميم حياتنا من تخفيف الآلام النفسية، وطرد الهواجس، فهل من الصحيح أن نعرض عن البحث فيها ودراستها، أم انّ العقل يحتم علينا أن نولي العقيدة ودراستها اهتماماً جدّياً، لما ينطوي عليه ذلك من هذا الأثر النفسي والروحي الخطير؟
h h h
الاعتقاد بالله دعامة الاخلاق   

4 . الاعتقاد بالله دعامة الأخلاق

الإنسان كتلة هائلة من الغرائز الّتي لا تعرف الحدود، ومجموعة من الشهوات والمطامع والطموحات الّتي لا تعرف نهاية، فإذا ترك وشأنه لينال ما تدفعه إليه شهواته وغرائزه جرّ على نفسه وعلى مجتمعه الفساد والفناء، لتضارب المصالح والمطامع والطموحات، وعجز الإنسان عن الوصول إلى كلّ ما يريده إلاّ على حساب صحّته وسلامته، وإنسانيته، وقيمه، ومنع الآخرين من الوصول إلى مطامحهم وأهدافهم.
إن ما يعانيه العالم المعاصر من ويلات ومصائب ليس إلاّ من إطلاق العنان

1 . الأنعام : 82 .            2. يونس : 62 .
2 . الرعد : 28 .               4. الفتح : 4 .

صفحه 109
لهذه الغرائز مثل حب الذات والمال والجاه، وغريزة الغضب والجنس، والإفراط في استخدامها، والانسياق وراءها .
من هنا طرح المصلحون الاجتماعيون مسألة «الأخلاق» التي تهتم بتعديل هذه الغرائز وقولبتها ووضعها في المسار الصحيح، والحدّ من جموحها وغليانها.
إلاّ أنّ التقيّد بالأخلاق لمّا كان يلازم التنازل عن بعض الطموحات والحرمان عن بعض المكاسب غالباً، لم تستطع التوصيات الأخلاقية وحدها من السيطرة على الغرائز وتعديلها، فكان لابدّ من شيء يعزّز مكانة الأخلاق، وأفضل شيء في هذا المجال هو أن يشعر الأفراد بأن هناك ثواباً وعقاباً: الثواب لمن التزم طريق العدالة والاعتدال واحترم حقوق الآخرين وحدودهم، والعقاب لمن خالف ذلك، وهذا لا يأتي إلاّ عن طريق العقيدة الدينية، والإيمان بالله واليوم الآخر وما يلازم ذلك من رقابة وحساب دقيق .
إذا عرف الفرد انّ السعادة الأُخروية منوطة بحسن استخدامه للغرائز وأنّ تجاوز الحدود المعقولة المرسومة لها لا يخلو عن عقاب وحرمان في الآخرة، فانّ مثل هذا الاعتقاد كاف لدفعه، وحمله على مراعاة الحدود والبقاء ضمن الإطار الأخلاقي في جميع الحالات .
على أنّ تأثير الاعتقاد بالله واليوم الآخر لا ينحصر في تعديل الغرائز، بل يتعدّاه إلى تنمية الفضائل والسجايا في الإنسان ، فالإنسان لم يزوّد بالغرائز فقط بل زوّد بخمائر الفضيلة وبذور السجايا الكريمة .
وبعبارة أُخرى: انّ الفضائل والسجايا الكريمة جزء من فطرة كل

صفحه 110
إنسان، وإنّ الميل إلى الخير وكراهة الشر أمران مغروسان في جبلة البشر، فهم يحبون الخير وأهله ويكرهون الشر وأهله، ولكن هذه البذور والخمائر لا تستطيع مقاومة الغرائز ومزاحمة الشهوات إلاّ إذا قويت ونمت، وهي لا تنمو إلاّ في ظل الدين الّذي ينطوي على الاعتقاد بالله واليوم الآخر وما وعد فيه من مثوبات عظيمة على الخيرات، أو عقوبات شديدة على ارتكاب الشرور والآثام، وبهذا تكون العقيدة خير وسيلة لتنمية السجايا النبيلة في الكيان الإنساني وخير سبيل إلى تقويتها ودعمها .
ولنستمع إلى القرآن وهو يقرر هذه الحقيقة، إذ يقول:
1. (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَ رِضْوَان خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)1.
2. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَ لَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبِينَ)(2).
3. (أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَ لاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)(3).
فالآية الأُولى تفيد انّ أي بناء أخلاقي لا يقوم على أساس الإيمان بالله، واليوم الآخر فهو بناء منهار لا محالة .
الاعتقاد بالله ضمان لتنفيذ القوانين   
والآية الثانية تفيد أنّ القيام بالعدل والقسط رهن بالإيمان بالله واليوم الآخر، ولذلك وجّه الخطاب فيها إلى (الذين آمنوا) .

1 . التوبة: 109 .            2 . النساء: 135 .            3 . الماعون: 1 ـ 3 .

صفحه 111
وتفيد الآيات الأخيرة، بل تصرح بأنّ ردع اليتيم والامتناع عن إطعامه نتيجة التكذيب بالآخرة .
هذا هو الأثر الأخلاقي للاعتقاد بالله واليوم الآخر، وهو جدير بأن يجعل دراسة العقيدة والتحقيق فيها في غاية الأهمية لمعالجة ما حلّ ويحلّ بالبشرية من أزمات أخلاقية خطيرة، وما ينشأ على أثر ذلك من الويلات والمآسي الاجتماعية .
إنّ الأثر الأخلاقي للعقيدة حدا بعلماء الاجتماع إلى أن يعتبروا «الدين» أفضل دعامة للأخلاق، وأن يعتبروا الأخلاق المنزوعة عن العنصر الاعتقادي فاشلة في تأدية رسالتها ومهمتها .
h h h

5. الاعتقاد بالله ضمان لتنفيذ القوانين

لقد تميّز البشر عن غيره من الأحياء بكونه مدنياً بالطبع ميالاً إلى الحياة الاجتماعية، ولتعدّد حاجاته وعجزه عن القيام بها دون معونة الآخرين. وهذه حقيقة أكّدها الواقع بعد أن أشار إليها علماء الاجتماع بعد سلسلة من الدراسات التاريخية في حياة الأفراد والشعوب .
بيد انّ هذا النمط الاجتماعي للحياة لم يخل من التزاحم والتنازع لسببين:
1. وجود الأقوياء والضعفاء في المجتمعات .
2. تعارض المصالح وتصادمها .
فكان لابد من وجود قانون ينظم العلاقات، ويرسم الحدود،

صفحه 112
ويحدد الحقوق والواجبات، ليعيش الجميع في سلام، ويصل الجميع إلى حقوقهم الطبيعية فى الحياة دون صراع .
غير أنّ وجود القانون وحده لم يكن كافياً وإن كان مزوّداً بالشرطة والغرامة والسجن، بل لابد من وجود رادع نفساني .
وبعبارة أُخرى: لا يكون وجود القانون مفيداً بمفرده إذا لم تكن معه قوة منفذة، بيد انّ القوة المنفذة الظاهرية وحدها لم تكن كافية أيضاً لضمان تنفيذ القانون، إذ انّ مثل هذه القوة يمكنها أن تضبط الجرائم والتخلّفات المكشوفة، أمّا التخلّفات الخفية والآثام التي ترتكب في الخفاء فهي بحاجة إلى رقابة باطنية ورقيب داخلي ليردع الأفراد عن الجريمة حتّى بعيداً عن أعين الدولة وفي غياب من الشرطة.
وليس هناك رقيب داخلي أفضل من العقيدة الدينية الّتي تتمثل في الإيمان بالله واليوم الآخر ومخافة الحساب والعقاب، وخشية المؤاخذة والمجازاة .
فقد أثبتت العقيدة انّها قادرة على ردع الأفراد في جميع الحالات وحفظهم من المعصية حتّى في مواجهة أشدّ المغريات .
فهذا هو النبي العظيم يوسف الصدّيق(عليه السلام) يتجنّب المعصية وهو يواجه إغراء ليس فوقه إغراء في قصته مع زليخا زوجة العزيز الّتي راودته، ولا يفعل ذلك إلاّ خشية الله ومخافة منه، إذ قال سبحانه واصفاً ما جرى ليوسف(عليه السلام):
التكامل في جميع الحقول رهن الاعتقاد بالله   
(وَ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ) 1.

1 . يوسف : 23 .

صفحه 113
ثم إنّ مثل هذا الإيمان يفيض على القانون قداسة تحمل الناس على مراعاته إذا عرفوا بأنّه صادر عن الله الخالق العالم الحكيم والرب الكريم وبمثل هذا الإحساس وبالشعور بأنّهم يعيشون في حضرة ذي الجلال الّذي يراهم ويراقبهم وبالخشية من حسابه وعقابه إن عصوه والطمع في ثوابه إن أطاعوه يحظى القانون بضمانات قوية لتنفيذه بحذافيره .
تلك أهم الآثار الروحية والأخلاقية والاجتماعية للعقيدة، وماهي إلاّ قليل من كثير .
ثم إنّ هناك جهات أُخرى نذكرها بإيجاز لنعرف كيف انّ العقيدة تتّصل بصميم الحياة البشرية .
h h h

6 . التكامل في جميع الحقول رهن الاعتقاد بالله

لم يزل الإنسان منذ أن جاء إلى هذه الحياة ينشد الكمال ويسعى إليه بخطا حثيثة، ويبحث عنه في كلّ زمان ومكان.
إنّ ميل الإنسان نحو الكمال يكاد يكون أمراً مسلّماً به ومتّفقاً عليه عند الجميع، بل ذهب البعض إلى تعميمه على بقية الأحياء انّما الاختلاف هو في تعيين الطريق الموصل إلى الكمال المطلوب، فلابدّ من معرفة هذا الطريق .
إنّنا اليوم أمام نهجين يجب أن نرى أيّهما يبعث على الكمال ويهدي إليه بغض النظر عن صحّته وعدمها. والمذهبان هما:
1 . المنهج المادّي (الإلحادي) الّذي يرجع الكون إلى الصدفة،

صفحه 114
وينكر وجود عالم آخر ينتظر الإنسان وينكر أيّة هدفية لهذه الحياة .
2 . المنهج الديني الذي يرى بأنّ للعالم خالقاً حكيماً أبدعه لحكمة وأنشأه لهدف وأنّ هناك حياة أُخرى عليه أن يهيّئ نفسه لها عن طريق التربية، وانّه لم يخلق سدى، وانّ حياته مستمرة بعد الموت، فلا صدفة ولا عبثية ولا فوضى ولا ضياع، بل رقابة وحساب، وثواب أوعقاب، وجنة أو نار، سعادة أبدية أوشقاء دائم في العالم الآخر .
ترى أيّهما يدعو إلى التحرك ويسوق الإنسان نحو الكمال اللائق به الأوّل أم الثاني؟ ألا يستحق هذا الأمر أن يدفعنا إلى البحث في هذين المذهبين لمعرفة الحقيقة؟
انّه لا شك انّ الرؤية الدينية هي الّتي تقود نحو الكمال، وحينئذ ألا يجدر بنا أن نبحث عنها، ونتدارسها، لنصل إلى الكمال خلقياً كان أم فكرياً أم اجتماعيا؟
هل الاعتقاد بالله يلازم نسيان الشخصية؟   
وفي الختام نذكر القارئ بأنّ هناك جهة سابعة توجب البحث في قضايا العقيدة، وهي انّ المعرفة الّتي يدّعيها المادّي عن هذا الكون معرفة ناقصة، لأنّه يرى الكون وكأنّه مصنف قديم سقطت أوراقه الأُولى والأخيرة، فهو لا يدري مَن خلق الكون كما لا يعرف شيئاً عن مصيره، ولكن صاحب العقيدة الدينية يعرف مبدأ الكون ومنتهاه بفضل ما أتاحت له العقيدة من معلومات مبرهنة ولذلك فهو يمتلك معرفة كاملة، أو انّها أكمل من معرفة المادّي على الأقل، وهذه الجهة جديرة بأن تجعل دراسة العقيدة الدينية ذات أهمية بالغة، إذ بسببها يحصل الإنسان على معرفة أكمل، وأشمل .

صفحه 115
 
هل الاعتقاد بالله يلازم نسيان الشخصية؟
التديّن يساوق الانخلاع عن الشخصية الإنسانية ويستلزم تناسيها!
هذه المقالة الّتي نجدها في كتب المادّيين تعني أن الاعتقاد بالله والخضوع له، والارتباط به سبب لانخلاع الإنسان عن شخصيته، وعن ذاته الإنسانية ونسيانها بينما نجد القرآن الكريم يرى عكس هذا، إذ يعتبر غفلة الإنسان ونسيانه له سبحانه سبباً لغفلته عن نفسه وذاته وشخصيته، إذ يقول:
(وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) 1.
من هنا يتعيّن علينا أن نقف قليلاً عند هذه المقالة الخطيرة، ونتناولها بشيء من الدراسة والبحث، لتتجلّى الحقيقة بأجلى مظاهرها بعد ان تتبدّد السحب والغيوم. فنقول: إنّ ظهور الموقف الحق ـ في المقام ـ أعني: هل انّ الاعتقاد بالله الكامل المطلق يوجب التوجّه إلى الشخصية والنفس الإنسانية ام انّ مثل هذا الاعتقاد ومثل هذا التوجه إلى الله انخلاع عن الشخصية وغفلة من الإنسان عن واقعه، يتوقّف على بيان أُمور:

أ ـ الارتباط بالكامل موجب للتكامل

لاشك انّ ارتباط الموجود الناقص بالكامل وتوجّهه إليه موجب للتكامل. والتديّن ليس في حقيقته سوى ارتباط الكائن الناقص بالموجود الكامل، المطلق

1 . الحشر : 19 .

صفحه 116
في كماله، ارتباط الناقص بما هو جمال محض، وخير محض، وكمال محض، ذلك المنزّه من كل عيب، المبّرأ من كل نقص .
وبالتالي انّ التديّن هو الارتباط بالموجود العالم القادر الّذي أوجد العالم وأرسى دعائمه وخلق الإنسان وأعطاه مقوّمات حياته .
فتعقل هذا الموجود العظيم الكامل، والتوجّه إليه يوجب تكامل الإنسان ورقيّه إلى قمة الكمال المعنوي والروحي .
كما يوجب أيضاً علم الإنسان بالعالم المحيط به، وما وراءه، مضافاً إلى أنّه يخفّف من غروره ونخوته، ويقلّل من تكبّره وتعنّته.
إنّ توجّه الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى يشبه إلى حد كبير توجّهه نحو العلم وما شا كله، فهل يصحّ لأحد أن يقول: إنّ علاقة الإنسان بالعلم والمعرفة والفن والقيم المعنوية والمثل الأخلاقية توجب انفصامه عن شخصيته، وغيبته عن ذاته، أم انّ مثله في ذلك مثل علاقة التلميذ بأُستاذه الرؤوف حيث لا يطلب من وراء هذه العلاقة سوى إكمال نفسه، وتكميل عقله، وإغناء فكره، وتنمية مواهبه .
إنّ مسألة أصالة الإنسان الّتي طرحها «فورباخ» أُستاذ ماركس لا تعني انّ نقطع علاقات الإنسان بالعلم والفن والقيم الأخلاقية بحجة انّ توجّه الإنسان إلى هذه الأُمور يوجب الغفلة عن ذاته وشخصيته، فلو كان المادي عارفاً بالآثار البنّاءة للتديّن لما تصوّر ان التديّن يوجب غياب الشخصية الإنسانية .
جذور التديّن في الشخصية الإنسانية   
إنّ المادي يتصوّر انّ الله ـ كأيّ حاكم جائر مستبد ـ يلتذ من خضوع العباد له وتذلّلهم أمامه، كما ويلتذ من انسحاق شخصيتهم وانهيار كرامتهم

صفحه 117
وانسلاب إرادتهم، مع أنّ للعبادة معنى آخر غير هذا وهو انّ الإنسان عند إدراكه الكمال المطلق يرى نفسه ـ بالوجدان والذات ـ ضعيفاً وصغيراً ازاءه .
كما أنّه بالوقوف على نعمه وإحسانه وتفضّله في حقّه يندفع بنفسه إلى تقديره بعبادته، وشكره بالخضوع أمامه .
وعلى هذا الأساس لا يكون التديّن والخضوع لله وعبادته هدماً للشخصية الإنسانية ونسياناً أو تناسياً لها، انّما هو خضوع بعد إدراك الكمال، أو تقدير بعد الوقوف على ماله من الأنعام والأفضال .

ب ـ جذور التديّن في الشخصية الإنسانية

لقد أثبت الالهيّون بأن التديّن أمر فطري في ذات الإنسان وجوهره، وجبلته وانّ التوجّه إليه سبحانه تلبية طبيعية لنداء صادر من أعماق ذاته، وانّ ذاته قد فطرت على هذا الأمر، وعجنت به عجناً فلا يمكن حذف التديّن من قاموس حياته ولا يمكنه تركه مطلقاً .
وعلى هذا الأساس لا يكون التديّن والتوجّه إلى الخالق المتعال غفلة عن الذات، بل هي استجابة لنداء الذات، وتلبية لطلبها، تماماً مثل التوجّه إلى سائر الأُمور الغريزية، والفطرية، فهما في هذه الناحية شرع سواء .
فحب الاستطلاع، وحب القيم الأخلاقية، والرغبة في الفن، والجمال وغيرها ممّا فطر عليه الإنسان والانسياق وراء هذه الأُمور لا يكون ـ مطلقاً ـ انقطاعاً عن الشخصية، وابتعاداً عنها، ونسياناً لها، بل هو عين التوجّه إلى الشخصية، وعين الانتباه إليها .

صفحه 118
وبذلك يتجلّى معنى قول الله سبحانه في القرآن الكريم:
(وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) 1.
فنسيان الله والغفلة عنه غفلة عن الشخصية الإنسانية .
وقد قال الإمام علي(عليه السلام): «من نسي الله أنساه نفسه وأعمى قلبه».(2)
وسنتحدث عن هذه الحقيقة في الصفحات القادمة بشكل مفصّل .
مكانة المعلول بالنسبة إلى العلّة   

ج ـ مكانة المعلول بالنسبة إلى العلّة

إنّ البراهين الفلسفية أثبتت انّ المعلول مرتبط بعلّته وقائم بها، وانّه لا يمكن قطع هذه الرابطة إذ ان قطعها مساوق لعدم المعلول .
وموقف الإنسان بالنسبة إلى الله سبحانه هو موقف المرتبط إلى المرتبط به، والعالق إلى المعلَق به، فالغفلة عن هذه العلقة وهذا الارتباط، غفلة عن شخصية الإنسان ، إذ ليست الشخصية الإنسانية ـ بحسب الواقع ـ إلاّ الشخصية العالقة القائمة بالغير .
فنسيان تلك العلاقة وذلك الارتباط جهل أو تجاهل بالواقعية الّتي عليها الإنسان، ولأجل ذلك لايصحّ لإنسان مرتاد للحقيقة أن يجهل واقعيته وشخصيته بحجة ان التديّن يوجب

1 . الحشر : 19 .            2 . غرر الحكم .

صفحه 119
غربة الإنسان عن ذاته، إذ الغربة انّما هي بجهله بواقعيته لا بعلمه بها .
ثم إنّ ماركس عمّم هذه المقالة الّتي أبطلناها (وهي انّ التديّن يوجب غربة الإنسان عن ذاته وشخصيته) على مجالات أُخرى، وسراها ـ بالتحديد ـ إلى أمرين هما:
1. مسألة ملكية الإنسان للأشياء .
2. ومسألة وجود الدولة في المجتمع .
فزعم انّ مالكية الإنسان لشيء ما توجب تعلّق الإنسان بذلك المملوك!!
وهذا غفلة عن الأصل الّذي ذكرناه، فانّ هذا القائل لم يفرق بين كون الملكية أداة للحياة وكونها هدفاً ومقصداً، والمالكية الّتي تؤدّي إلى سحق الشخصية الإنسانية وتناسيها عبارة عن تلك المالكية الّتي يستحوذ فيها المملوك على شخصية الإنسان ، لا ما إذا استحوذ الإنسان عليه .
وقد فرز الإمام علي(عليه السلام) في كلمة له بين هذين النوعين إذ قال عن الدنيا وحطامها:
«ومن أبصر بها بصّرته، ومن أبصر إليها أعمته»1 .

العقيدة الدينية والمشاكل الفلسفية

إنّ نظرية «التدبير والتقدير والخلق»2 التي يتبنّاها الإلهيّون والّتي ترى أنّ الكون ـ بمادّته وصورته ـ من خلق قوة عالمة قادرة، كما لها آثار إيجابية وبنّاءة في مجالات النفس والأخلاق والاجتماع والقانون، كذلك لها آثار إيجابية هامة في مجال الفكر والفلسفة .

1 . نهج البلاغة الخطبة 82 و «بها» في هذه الجملة تفيد الوسيلية، و «اليها» تفيد الهدفية. أيّ إذا اتّخذها الإنسان وسيلة بصرته، وإذا نظر إليها كهدف أعمته.
2 . سيأتي مفصل الكلام في هذه النظرية في الفصول القادمة، وقد أسميناها بالنظرية الإلهية، اختصاراً، لكونها تعترف بإله الكون وخالقه .

صفحه 120
العقيدة الدينية والمشاكل الفلسفية   
فانّ هناك أسئلة مطروحة في الفلسفة تطالب كل إنسان بالجواب المقنع والشافي، غير انّ الإجابة عنها في ضوء تلك النظرية ،واضحة، وهي بالتالي قادرة على حلّها حلاًّ فلسفياً جامعاً .
وأمّا النظريات الأُخرى فكلّها عاجزة عن إعطاء إجابات معقولة عنها، بل هي فاشلة في هذا المجال فشلاً ذريعاً .
وللتأكّد من صحّة ما ذكرناه لاحظ الأسئلة التالية ثم اطلب جوابها في تلك النظريات .
وها نحن الآن نستعرض إجابات النظرية الإلهية عليها، في اختصار تقتضيه هذه الدراسة العاجلة:
أ. انّ النظرية الإلهية تجيب على الأسئلة الثلاثة الّتي تطرح نفسها على أبناء البشر في عامة القرون والعصور بإجابات رصينة ومقنعة لا تبقي لأحد أيّ تردّد أو شك، وتلك الأسئلة هي:
من أين جاء الكون، ومن أين جاء الإنسان بالذات؟
ولماذا جاء؟
وإلى ماذا سيؤول أمره، وكيف تكون نهايته؟
فإن النظرية الإلهية هذه تقوم بالإجابة المعقولة على جميع هذه الأسئلة، فترى بأنّ العالم برمّته جاء من قبل الله، أي أنّه من فعله وصنعه .
وأن الإنسان خلق لغاية أسمى، وانه ينتقل إلى عالم آخر .
وأمّا السؤال عن نفس الخالق، وأنّه من أين جاء فتجيب عنه

صفحه 121
«النظرية الإلهية» بأنّه سبحانه قديم، أزلي، لم يسبق وجوده عدم حتّى يحتاج إلى علّة توجده .
وهذا الجواب يشترك فيه الإلهي والمادي معاً، إذ جميع المفكّرين لابدّ أن ينهوا العالم إلى «موجود واجب الوجود» قائم بذاته، وهو عند الإلهيّين القوة العاقلة المدبّرة القادرة المعبّر عنها في مصطلح المتديّنين بـ «الله» سبحانه وعند المادّيين بـ «المادة» .
وأمّا النظريات والمناهج الأُخرى فجميعها عاجزة عن الإجابة على هذه الأسئلة، وقد تبيّن هذا العجز عند البحث عن الآثار الروحية للعقيدة الدينية .
ب. انّ النظام السائد في الكون والترابط العام في المادة يفسر بوضوح وبشكل معقول ومنطقي في ضوء «النظرية الإلهية» وذلك بأنّ موجوداً عالماً قادراً حكيماً مطلقاً في ذاته وصفاته هو الّذي خلق المادة وصورها، وأرسى فيها الأنظمة والقوانين، وأوجد بين أجزائها المتفرقة الترابط والانسجام والتعاون الوثيق .
وأمّا النظريات الأُخرى فكلّها عاجزة وفاشلة في تفسير حدوث النظام إلى درجة انّ البعض ذهب إلى إنكار وجود العالم الخارجي بالمرة، وذهب آخرون إلى كونه وليد الصدفة، وطائفة ثالثة ذهبت إلى كونه نتيجة خاصية المادة، إلى رابع قال بنظرية «المادية الديالكتيكية» بتفصيل مذكور في محلّه .
ج. انّ النظرية الإلهية قادرة على تفسير تلك الحركة الهائلة والعظيمة الموجودة بين أبناء البشر، فهم منذ أن وجدوا على هذا الكوكب راحوا يعبدون الله، ويقدّسونه ويتضرعون إليه في الكنائس، والبيع، والمعابد، والمساجد ويضحّون بأموالهم وأنفسهم وأولادهم في سبيل هذه العقيدة، وقد

صفحه 122
ظلوا يواصلون هذا السلوك وبقيت جذوة هذا العشق لذلك الموجود المقدس متّقدة في كيانهم حتّى عصرنا هذا، دون أن يطرأ على هذه الظاهرة الخالدة أي تغيير هام، بل وغير هام أيضاً .
وهذه الحركة الإيمانية والعقيدية العظيمة في العالم البشري لا يمكن أن تعلّل وتفسر إلاّ بما انتهينا إليه من فطرية التديّن وجبليته، وولادته مع الإنسان مدعوماً بتأييد العقل السليم، والمنطق المستقيم .
وأمّا النظريات الأُخرى الّتي يتبنّاها الماديون الرافضون للنظرية الإلهية فلا يمكنها تفسير تلك الظاهرة العظيمة .
فهي بين ماترى أنّ هذه الظاهرة وليدة الجهل أو وليدة الخوف!!
وبين ماترى أنّها وليدة استمرار الحالة الطفولية أو الجنسية!!
وبين ما تسنده إلى العامل الاقتصادي الاستعماري الاستغلالي!!
إلى غير ذلك من وجهات النظر الّتي يتجلّى من ناصيتها انّ أصحابها أشبه بالغريق الّذي يتشبّث بكل طحلب .
د. لا شك انّ الظواهر الطبيعية في عالم الإنسان تتكامل حيناً بعد حين، ومرحلة بعد مرحلة، ابتداءً من الجمادية وانتهاءً بالصورة الإنسانية وإلى أن يبلغ مرتبة الإنسان العالم القادر الحر الرشيد في أعماله وحركاته .
وهذه الحركة التكاملية الصاعدة ممّا لا يشك في وقوعها أحد، إلاّ أنّ الإنسان الباحث المفكّر حينما يقف على هذه الحركة التكاملية التصاعدية المنتظمة تنطرح أمامه عدة أسئلة هي:

صفحه 123
كيف بلغت المادة الناقصة التافهة هذه المرتبة العالية من التكامل؟
ومن هو قائدها وموجّهها، ومن الّذي وضع برنامجها وسنّ سننها وقوانينها؟
هذه الأسئلة وأمثالها يجاب عنها في نظرية الإلهيّين «نظرية التقدير والتدبير والخلق» بشكل معقول ومقبول، وذلك بأنّ الخالق العالم الحكيم القادر المريد هو الّذي وضع هذا البرنامج المتقن لتكامل الأشياء المادّية من أخسّ المراتب إلى أعلى الدرجات، وانّه هو الّذي ينهي الموجود الناقص ويبلغه إلى قمة التكامل، وأنّ الجميع مستند إليه بالأسباب الّتي هيّأها سبحانه أيضاً .
وأمّا سائر النظريات فقاصرة برمّتها عن الإجابة على هذه الأسئلة بإجابات فلسفية مقنعة، وردود شافية كافية .
هـ . لاشك أنّ الكون ـ رغم تعدّد أجزائه وكثرتها ـ مترابط الإجزاء، متناسق الأعضاء، متصل الحلقات حتّى كأنّه وحدة واحدة .
إنّ الناظر إلى هذا الأمر البديع قد يتساءل عن علّة هذا التناسق والترابط والانسجام والتعاون .
والإجابة على هذا السؤال في ضوء الاعتقاد بوجود الخالق سبحانه واضحة فانّ الخالق المتعال ـ حسب هذه العقيدة والرؤية ـ هو الّذي أوجد المادة، وأرسى بين أجزائها ذلك التناسق الدقيق والترابط الوثيق والتعاون العميق.

صفحه 124
وهذا بخلاف النظريات الأُخر فانّها غير قادرة على بيان علّة التناسق والترابط بين أجزاء المادة، إذ أنّ أقصى ما يمكن للمادي هو أن يعترف بوجود الترابط والتناسق دون أن يتمكّن من بيان علّة ذلك وتحديدها .
و. ان صدور المعاجز والكرامات وخوارق العادة على أيدي الأنبياء والأولياء، بل وحتّى بعض مرتاضي الهنود، أمر لا يقبل الإنكار .
فصحائف التاريخ تخبرنا بأنّ الأنبياء كانوا يأتون بين حين وآخر، بأُمور لا يمكن تعليلها بالقوانين الطبيعية والسنن العادية المألوفة .
وفي هذه الصورة ينطرح السؤال التالي: ما هي علّة هذه المعاجز وخوارق العادة؟ ولماذا وكيف تخرق القوانين والسنن الطبيعية العادية في تلك الموارد المعينة؟
إنّ الإجابة على هذه الأسئلة ـ حسب نظرية الإلهيّين ـ واضحة تمام الوضوح .
فانّهم يقولون: إنّ إله العالم الموجد للمادة، المعطي لها قوانينها، المسبب الأسباب، قد يعطل مفعول هذه الأسباب أحياناً، ويمكن رسله من خرق العادة عندما تقتضي المصلحة، وحينئذ تتحقّق الظاهرة الخارقة كشفاء المريض من دون الأسباب الظاهرية العادية .
وهكذا لا يمكن تعليل أمثال هذه الظواهر الخارجة عن نطاق القوانين الطبيعية المألوفة إلاّ حسب نظرية الإلهيّين دون سائر النظريات الّتي تعجز عجزاً ذريعاً عن تحليل ذلك وتعليله بموازينها ومقاييسها.

صفحه 125
ز. لقد كان الدين ـ ولا شك ـ من أرسخ الأُمور في حياة البشرية، منذ أن وجدت على هذا الكوكب .
بيد انّنا لا نشك ـ في نفس الوقت ـ في أنّ الدين رغم حمايته للضعفاء ودفاعه عن المستضعفين، والمحرومين، كان يتّخذ ـ أحياناً ـ وسيلة للظلم، وأداة طيّعة للضغط والابتزاز والاستغلال .
فكم من حقوق أُهدرت تحت ستار الدين؟ !
وكم من أموال غصبت باسمه؟!
وكم من حريات معقولة طبيعية صودرت تحت لوائه؟!
وكل ذلك أُمور لا يشك أحد في وقوعها في حياة الشعوب1 .
غير انّ السؤال المحيّر الّذي يطرح نفسه في هذا المورد هو:
كيف بقي المظلومون، المغصوبة حقوقهم، المصادرة حرياتهم، متمسّكين بأهداب الدين أشدّ التمسّك، ومتقيّدين بتعاليمه أشدّ التقيّد، بل ومتعلّقين به في ضمائرهم أشدّ التعلّق، وهم يعلمون أنّ أكثر ما ارتكب في حقهم كان باسم الدين، وتحت قناعه وستاره؟!
إنّ نظرية فطرية التديّن تعطي الجواب الشافي على هذا السؤال .
فقد قلنا ـ هناك ـ : إنّ الخداع والغش لا يتحقّق في مورد من الموارد إلاّ

1 . وتتجلّى هذه الحقيقة بمراجعة تاريخ الكنائس والبابوات أثناء سيطرتهم وسلطانهم العريض في الغرب .

صفحه 126
إذا كان الشيء الّذي يقع فيه الغش والخداع أمراً مقبولاً لدى الناس، ومطلوباً عندهم بالأصالة .
ففي هذه الصورة فقط يتسنّى لمن يغشّون أن يغشّوا ويخدعوا مستفيدين من تلك الرغبة الذاتية لدى الناس في ذلك الشيء الّذي يوقعون فيه الغش، ويلبسونه لباساً خادعاً، ويقدّمونه كسلعة ممتازة تلبّي الحاجة، وتحقّق المطلوب وترضي الطموح .
فنفس هذا الأمر جار في مسألة التديّن، فانّ سوء استغلاله من قبل بعض المستغلّين خير دليل على أنّ للتديّن جذوراً في أعماق الفطرة الإنسانية وانّ هناك رغبة ذاتية وميلاً باطنياً لدى البشر في هذا الأمر، هو الّذي مهّد للبعض أن يستغله في سبيل تحقيق مطامعهم الفاسدة، ومآربهم الشريرة .
ح. انّ القول بأنّ الكون نشأ بالصدفة، أو القول بأنّه لم يكن وراء هذا العالم اي تخطيط وتقدير وتدبير، وأي دخالة للعقل والشعور العاليين فيه، بل وجد هذا النظام والتناسق بفضل الصدفة العمياء أو انّه من خاصية المادة أو ما شابه ذلك .
إنّ القول بكل هذا يستعقب طرح السؤال التالي:
إذا لم يكن هناك أيّة دخالة للشعور والتقدير في نشأة الكون وظهور نظامه البديع ولم يكن هناك أي تخطيط وتدبير وراء الكون، فكيف وجد في بطن هذه المادة الفارغة عن التدبير والتخطيط كائن يفعل بتقدير، وينشئ بتخطيط ويتنبأ بمحاسبة وفي ضوء تقييم المستقبل ألاوهو «العقل الإنساني» .

صفحه 127
ترى ماهي العلاقة بين ذلك النظام الناشئ صدفة، وهذا الكائن المخطط المدبّر المقدّر؟!
أليس من القواعد المسلّمة عقلاً أنّ فاقد الشيء لا يعطيه؟
إنّ هذا السؤال يجيب عليه الإلهي بأنّ المادة بكلّ ما فيها من نظام، وبما فيه من الخصوصيات ومنها العقل، قد خلقت على وجه التخطيط والتدبير السابقين وبعلم وتقدير .
ولأجل ذلك لا وجه للاستغراب إذ يكون ذلك الوجود المدبّر المقدّر (أي العقل) من نتائج ذلك التدبير ومعطياته .
وأمّا سائر النظريات فليست قادرة على الإجابة على هذا السؤال .

صفحه 128
ملخّص ما سبق    

ملخّص ما سبق

تلخّص من الفصل السابق أُمور:

1. انّ للعقيدة الدينية صلة عميقة بالحياة البشرية وأثراً مباشراً في إسعاد الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وانكار ذلك ناشئ من عدم الوقوف على مبادئ الدين وتعاليمه .
2. آثار العقيدة الدينية تتراوح بين الآثار النفسية، والعقلية والأخلاقية والاجتماعية والقانونية وغيرها .
3. البحث في العقيدة الدينية يساعد الإنسان على معرفة مبدئه ومعاده ومسيره، ومصيره، ويخلّصه من الحيرة والشك .
4. البحث في العقيدة الدينية يضع نهاية للقلق الحاصل من احتمال صدق الدعاة إلى الله، واحتمال وجود الآخرة والحساب، والثواب والعقاب .
5. الاعتقاد بوجود الله وصفاته سبحانه يوجب اطمئنان النفس، لأنّه يقضي على كل عوامل الأسى والاضطراب، كهاجس الفناء، والمصائب والنكبات، والمادية المفرطة، إذ يفسر الموت بأنّه بوابة إلى حياة خالدة في ظل الرحمة الإلهية، ويرى لأكثر المصائب أعواضاً مناسبة أو أسباباً ونتائج معقولة، ويحدّ من سورة المادية بتوجيه الإنسان إلى الحياة الأُخرى .

صفحه 129
6. يصرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة في أكثر من آية، مثل قوله سبحانه: (ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب) .
7. الاعتقاد بالله خير دعامة للأخلاق، فانّ التعاليم والتوصيات الأخلاقية بوحدها لا تقدر على تعديل غرائز الإنسان إذا لم يكن هناك وعد ووعيد، وثواب وعقاب، وترهيب وترغيب مقدّس .
كما أنّه خير وسيلة لتنمية السجايا والفضائل النبيلة لنفس الأسباب .
ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، إذ قال سبحانه: (أرايت الّذي يكذب بالدين * فذلك الّذي يدع اليتيم* ولا يحض على طعام المسكين) .
8 . الاعتقاد بالله خير ضمان لتنفيذ القوانين، فان الناس لا يحترمون القانون إلاّ إذا كان مقدّساً، وإلاّ إذا أحسّوا برقابة دقيقة عليهم لا تعرف الموانع والحدود، والاعتقاد بالله العليم الخبير أفضل رقيب باطني يردع عن مخالفة القوانين .
9. العقيدة الدينية وسيلة التكامل الشامل، فانّ العقيدة المادّية الملحدة المنكرة لوجود الخالق، والنظام والهدفية في الحياة واليوم الآخر وما فيه من ثواب وأجر ودرجات رفيعة للعالمين، تقضي على كل دوافع التحرك، والتقدّم بعكس العقيدة الدينية الّتي تقر كل تلك الحقائق .
10. معرفة الإلهي المؤمن أكمل وأفضل من معرفة المادي الملحد، فالكون في رؤية هذا الأخير ككتاب عتيق ضاعت أوراقه الأُولى والأخيرة فلا أوّل له ولا آخر، بخلاف من يحمل العقيدة الدينية الّتي تعطي تفسيرات وجيهة لكلّ شيء في هذه المجالات .

صفحه 130

صفحه 131
الفصل الثالث
التديّن والاعتقاد بالله
قضية فطرية

صفحه 132

في هذا الفصل

* التديّن والاعتقاد بالله قضية فطرية .
* أهم الفروق بين الأمر الفطري والأمر غير الفطري (العادي) .
* علائم الأمر الفطري .
* هل تنطبق علائم الأمر الفطري على ظاهرة التديّن؟
* 1- التديّن ظاهرة تاريخية عريقة .
* 2- التديّن لا يوجد بسبب التعليم .
* 3- التديّن ليس وليد العوامل المحيطية .
* 4- التديّن لا يزول بفعل الدعاية المضادة .
* التديّن ونظرية البعد الرابع .
* النصوص الإسلامية الدالّة على فطرية التديّن .
* القرآن الكريم وفطرية التديّن والاعتقاد بالله .
* الأحاديث الشريفة وفطرية التديّن والاعتقاد بالله .
* نقاط هامة ثلاث على هامش بحث الفطرة .
* ملخّص ما سبق .

صفحه 133
الاُمور الفطرية والاُمور العادية   

الفطرة تهدي إلى الله

تعتبر الفطرة البشرية من أقوى ما يقود الإنسان ـ كل إنسان ـ إلى الإذعان بوجود قوة عليا وراء هذا الكون، ونظامه .
فالإنسان قد جبل على الانجذاب إلى الله وعلى الميل إلى الإيمان به بنحو فطري وذاتي قبل أن يقوده إلى ذلك أي شيء آخر كالعقل وما شاكله .
وهذا يعني ان معرفة الله والإيمان به أمر فطري قبل أن يكون أمراً عقلياً.
ولكي يتّضح كلّ هذا لابدّ من البحث في مسائل ثلاث أوّلاً، وهذا المسائل هي:
أوّلاً: ما هو معنى الأمر الفطري، وبماذا يفترق عن غيره من الأُمور غير الفطرية «العادية» ؟
ثانياً: هل تنطبق مواصفات الأمر الفطري على التديّن والاعتقاد بوجود الله؟
ثالثاً: ماهي النصوص القرآنية والحديثية الّتي تصدق هذا المدّعى وتدعمه؟
هذه هي الأُمور التي يجب أن نبحث فيها هنا لتتّضح لنا فطرية الإيمان بالله، وإليك تفصيل القول فيها:
h h h

صفحه 134
 
الأُمور الفطرية والأُمور العادية
إنّ النظرة الفاحصة تقودنا إلى أنّ القضايا والأشياء الّتي تسود في حياة الإنسان أو يأخذ بها تتنوّع إلى نوعين:
النوع الأوّل: ما يكون أخذ الإنسان بها، وتعامله معها وانسياقه إليها بدافع الطبيعة البشرية المحضة، وبدعوة الجبلة والخلقة من دون تأثير العوامل الخارجية من اقتصادية أو جغرافية أو سياسية أو غيرها، وتسبّبها في ذلك .
وبعبارة أُخرى: انّ هذا النوع هو تلك الأُمور الّتي يندفع إليها الإنسان في كلّ زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر، لا تحت الظروف الطارئة المختلفة والمتغيّرة، بل بطلب من طبيعته وخلقته، بحيث إنّ طبيعته تقتضي ذلك، وتتطلّبه وتلازمه ملازمة الزوجية للأربعة بغض النظر عن اختلاف الزمان والمكان.
فكما أنّ الأربعة تقتضي بطبيعتها ولذاتها الزوجية دون دخالة الظروف والأحوال، وبغض النظر عن العاد والمعدود، كذلك تقتضي خلقة الإنسان هذه الأُمور وتطلبها بذاتها لا لخصوصية الزمان والمكان أو غيرها من العوامل الخارجية الأُخرى .
وهذا القسم هو ما يطلق عليه وصف «الأمر الفطري» .
النوع الثاني: ما يكون أخذ الإنسان بها، وجريه وراءها تحت ضغط الظروف والأحوال الخارجة عن خلقة الإنسان وجبلته، بحيث لو تغيّرت هذه الظروف، أو انتفت عدل الإنسان عنها ولم يجر وراءها، فهي مفروضة عليه

صفحه 135
من خارج لا من داخل الذات، وهي تتغيّر بتغيّر العوامل الخارجية وتتبدّل بتبدّلها على العكس من الأُمور الفطرية الّتي تنبع من داخل النفس، وتقتضيه الطبيعة البشرية بما هي وتلازمه وهذا النوع يسمّى بالأُمور العادية.
وتوضيحاً لهذين النوعين من الأُمور نمثّل بالأمثلة التالية لا على سبيل الحصر .
1. انّ الحنان الّذي تبديه الأُمّ تجاه ولدها هو أحد الأُمور الفطرية لدى الأُم بدليل انّ هذه الخصّيصة تلازم جميع الأُمّهات في جميع الأمصار والأعصار، وهذا يكشف عن أنّ هذه الحالة مغروسة في ذات الأُنثى، وانّ هذا الانجذاب الأُمومي نحو الطفل والوليد نابع من طبيعتها ومعجون بجبلتها لا انّه شيء مفروض عليها من الخارج بفعل الظروف، والمؤثرات الخارجية .
ولهذا تعمد كل أُنثى ـ في صغرها ـ إلى اتّخاذ تماثيل الأطفال، وتمثّل كل ما تقوم به الأُمّهات من حضانة ورعاية وإرضاع وماشابه من مظاهر الحنان الأُموي، وهذه الحالة تظهر في أجلى مظاهرها حينما تغدو أُمّاً حقيقية وذات طفل حقيقي .
وتقابل هذا الأمر مسألة اختيار الناس لكيفية الملبس والزينة، وهندسة البيوت والمنازل، ونوعية الأشربة والأطعمة، فانّ أشكالها وكيفياتها تتّبع الظروف والأحوال المحيطية والخارجية، وليست هذه الأشكال والكيفيات بخصوصها ممّا تحتّمه الطبيعة الإنسانية أو تفرضها جبلة البشر بحيث لا يمكنه أن يحيد عنها.
ولهذا لا يتفق فيها الناس، بل تتعدّد مسالكهم واختياراتهم فيها،

صفحه 136
تبعاً للتقاليد، والظروف الجغرافية أو الثقافية أو السياسية أو غيرها، وإن كان أصل الميل إلى المأكل والمسكن، والحاجة إليهما حاجة فطرية، وأصل الرغبة في الزينة والتجميل أمراً طبيعياً مغروساً في ذات البشر، وانجذاباً جبلياً لا يسع الإنسان التخلّي عنه، أو تجاهله وتغافله .
2. الناس جميعاً يميلون بطبعهم إلى العدل والقسط، ويكرهون الحيف والظلم وينفرون منهما إذا تجرّدوا عن سائر العوامل التي تقهرهم على تجاهل ما تقتضيه الفطرة .
وتلك رغبة شاملة ودائمة يتساوى فيها جميع أبناء الإنسان ولا تنحصر بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، ويشهد بذلك سعي البشرية في جميع أدوار التاريخ إلى إقامة العدل، وإجراء القسط .
كما ويدلّ على ذلك أيضاً اتّفاق الناس جميعاً في ذلك حتّى أنّنا نجد قطّاع الطرق يتواصون بالتزام العدل، والقسمة العادلة إذا سرقوا متاعاً أو ابتزّوا مالا!!
وما هذا إلاّ لأنّ الرغبة في إجراء القسط، والميل إلى العدل أُمور مغروسة فى جبلة البشر وفطرتهم، بلا استثناء .
علائم الامر الفطري   
ويقابل ذلك ما نجده من التنوّع والاختلاف في أنماط الحكم فانّ سيادة أنظمة حكم مختلفة في حياة الناس نمطاً بعد نمط ولوناً بعد لون دون البقاء على نمط واحد يكشف عن أنّ هذه الأشكال بخصوصها لم تكن بحكم الطبيعة البشرية، ولا أنّها مقتضى جبلة الإنسان وإلاّ لما تغيّرت من نمط إلى نمط، ولما تبدّلت من لون إلى لون، بل هي وليدة الظروف والعوامل الخارجية وإن

صفحه 137
كان أصل الرغبة في إقامة النظام، وإجراء العدل على يد حاكم أمراً فطريا .
وبهذا يتّضح انّ الأُمور الّتي يندفع إليها الإنسان لا تخرج عن نوعين:
إمّا أن تكون أُموراً فطرية تدفع اليها طبيعة البشر وجبلتهم، وإمّا أن تكون أُموراً عادية يندفع إليها تحت تأثير العوامل الخارجة عن طبيعته وخلقته .

علائم الأمر الفطري:

وتتلخّص علائم الأمر الفطري في أربعة:
1. حيث إنّ الأُمور الفطرية ذات جذور غريزية في باطن الإنسان وطبيعته البشرية، لذلك فهي تتصف بالشمولية والعمومية، فليس هناك أحد من أبناء البشر من يفقدها ويخلو منها .
2. الأُمور الفطرية تتحقّق وتنوجد في كيان الإنسان بوحي الفطرة وندائها ولا تحتاج إلى تعليم معلم، وإن كان نموها ورشدها يحتاج إلى ذلك .
3. كلّ فكرة أو عمل تكون ذات جذور فطرية لا تخضع لتأثير العوامل السياسية والجغرافية والاقتصادية، بل هي تعمل وتتحقّق بعيدة عن نطاق وضغط هذه العوامل .
4. الدعايات المكثّفة والمستمرة ضد الأُمور الفطرية يمكن أن تضعفها وتحدّ من نموها، ولكنّها لا تتمكّن من استئصالها والقضاء عليها بالمرة .
هذه هي علائم فطرية الشيء، وأمّا الأُمور العادية غير الفطرية فهي:

صفحه 138
أ ـ محلّية، خاصة بمكان دون مكان .
ب ـ تختفي تحت تأثير العوامل المحيطية .
ج ـ تنشأ وتخضع لتعليم معلم .
د ـ تزول نهائياً بسبب الدعايات المضادة .
h h h
هل تنطبق صفات الأمر الفطري على التديّن؟   

هل تنطبق صفات الأمر الفطري على التديّن؟

بعد أن عرفنا علائم الأمر الفطري يتعيّن علينا الآن أن نرى هل تنطبق هذه العلائم والمواصفات على التديّن، لنعرف ما إذا كان الإيمان بالله والاعتقاد بوجوده أمراً فطريأ أم لا؟
إنّ النظر الدقيق يقودنا إلى أنّ جميع هذه العلائم تنطبق على مسألة التديّن والإيمان بوجود الله وتجري عليه، وإليك إثبات ذلك فيما يلي:

1. التديّن ظاهرة تاريخية عريقة

من خلال النظر في حياة الشعوب وسلوكهم نجد أنّ التديّن حالة عامّة، وانّ الانجذاب إلى ماوراء الطبيعة، والإيمان بإله قضية عالمية لا تختصّ بقوم دون قوم، ولا تقتصر على عصر دون عصر .
فلو تعمّقنا في التاريخ البشري، وجدنا لدى البشر على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ما يدلّ على أنّهم كانوا يعتقدون بوجود إله لهذا الكون

صفحه 139
يرتبط بحياتهم وسائر شؤونهم، ويظهرون هذا الاعتقاد في صور مختلفة، وممارسات متنوّعة تجلّت في آدابهم وفنونهم وتقاليدهم، كما تشهد بذلك آثارهم وبقايا حضاراتهم وما عثر عليه في الحفريات من مخلّفاتهم .
وهم وإن كانوا يختلفون في تصوير الإله الّذي يجمعون على الاعتقاد به إلاّ أنّ نفس اتّفاقهم على أصل هذا الأمر وإجماعهم في هذا الاعتقاد ينبئ عن أنّ هذا الميل إلى الاعتقاد، بل وهذا الاعتقاد بوجود إله كان متّفقاً عليه بين أبناء البشر، وموجوداً بينهم منذ أن شعروا بأنفسهم، وقدروا على ضبط تفكيراتهم وهو بدوره يدلّ على أصالة الاعتقاد بالله وفطرية الإيمان به، وإن كان هذا الاعتقاد ممزوجاً في بعض الأحيان ببعض الأوهام والخرافات والتصوّرات الباطلة .
وقد أيّد العلماء والمهتمون بدراسة الحضارات وأحوال الشعوب هذه الحقيقة الساطعة، وأعلنوا عن تجذّر التديّن، وفطرية الإيمان الديني لدى الإنسان بكلمات وعبارات مختلفة، واضحة، صريحة، وها نحن نكتفي هنا بذكر بعض النماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:
يقول جان ـ ر ـ ايورث (الأُستاذ في جامعة كلمبيا): «لا يمكن (أو يستحيل) العثور على ثقافة أو حضارة لدى قوم من الأقوام إلاّ وهو مصبوغ بإحدى الصور الدينية... انّ جذور الديّن والتديّن ضاربة في أعماق التاريخ... هناك في الأعماق البعيدة جداً وغير المعروفة من التاريخ».1

1 . الدين في تجارب الحياة البشرية وحوادثها .

صفحه 140
التديّن ظاهرة تاريخية عريقة   
ويقول أيضاً: «إذا كان التاريخ أحد الأدلّة لنا، أمكن أن نقول مستنبطين من الماضي ومن تاريخ البشرية: بأنّ البشر كان يحسّ في نفسه ـ دائماً ـ بضرورة ولزوم التواضع والخضوع أمام قوة عليا، يعني تلك القوة الّتي هي منشأ كل الحقائق». 1
ويقول شوبنهاور: «الإنسان حيوان ميتافيزيقي». 2
ويقول الكسيس كاريل: «الحقيقة انّه يبدو أنّ الإحساس العرفاني حركة نابعة من أعماق فطرتنا وهي غريزة أصلية». 3
ويقول العالم النفساني زيجموند فرويد: «الدين قوة عظمى تمتلك أقوى المشاعر البشرية». 4
ويقول يونج: «الرجال والنساء في وقتنا الحاضر متدينون فطرياً بقدر ما كانوا في السابق». 5
ويقول ويل دورانت: «الإيمان أمر طبيعي، وهي وليدة حاجاتنا الغريزية ومشاعرنا».6
ويقول باسكال الفيلسوف والرياضي الفرنسي: «القلب هو الّذي

1 . الدين في تجارب الحياة البشرية وحوادثها .
2 . الميتافيزيقيا لفليسين شاله .
3 . كتاب: الدعاء لإلكسيس كاريل .
4 . فرويد والفرويدية لفليسين شاله .
5 . علم النفس لدى يونج لفريد افرود هام .
6 . لذات الفلسفة .

صفحه 141
يشهد بوجود الله لا العقل، والإيمان يحصل من هذا الطريق».1
ويقول الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي پردون: «قبل أن تكتشف عقولنا وجود الله تشهد قلوبنا بوجوده».2
ويقول اشبلنجر: «إنّ الجذور الإلهية قوة غريزية خلاّقة في وجودنا»3 .
ويقول ارنست رنان الكاتب والمؤرّخ الفرنسي المعروف: «يمكن أن يذهب وينمحي كل ما نحبه من اللذائذ والنعم الحياتية ولكن من المستحيل ان يذهب الدين وينمحي من بين البشر».4
ولابد من التنبيه إلى أنّ هذه الكلمات الّتي نقلناها لك عن علماء وفلاسفة أجانب تشير إلى حقيقتين:
الأُولى: انّ ظاهرة التديّن ظاهرة عالمية .
الثانية: انّ لمعرفة الله جذوراً فطرية في طبيعة الإنسان وكيانه .
والثانية مستفادة من الأُولى، لأنّ وجود مسألة التديّن في جميع أدوار التاريخ وفي جميع نقاط العالم دليل على كونها أمراً جبلياً فطرياً .
إنّ هذا الإجماع يدلّ على أنّ الإيمان بالله متّفق عليه، وهو بدوره آية قوية على أنّه موجود، إذ لا يمكن ان يكون هذا الاتّفاق والتوجّه مسألة اعتباطية، وبلا

1 . سير حكمت در اروپا لفروغي بالفارسية .
2 . قصص القرآن للبلاغي .
3 . فلسفة التاريخ لامرى أنف .
4 . سير حكمت در اروپا .

صفحه 142
معنى، وبلا مبرر واقعي ومنطقي، وبدون ان تكون هناك حقيقة واقعة هي الّتي تجذب كل هذه النفوس نحو نفسها .
التديّن ليس وليد العوامل المحيطية   

2. التديّن لا يوجد بسبب التعليم

إنّ دراسة الإنسان وحالاته تفيد بأنّ التديّن يظهر لديه ظهوراً تلقائياً من دون تعليم معلم أو تلقين أحد، وتبرز هذه الحالة في أقوى مظاهرها في فترة البلوغ خاصة، فالشاب في هذه الفترة يفكّر في خالق الكون، ويفتش عنه، ويكثر من الأسئلة حول ماوراء الطبيعة بوحي من فطرته وذاته لا بدافع من تعليم معلم أو تلقين ملقن .
وهذه الحقيقة توصّل إلى اكتشافها علماء النفس والإجتماع مؤخراً، ونذكر على سبيل المثال ما كتبه «استانلي هال» بناء على ما جاء في كتاب البلوغ لـ : «موريس دبس» إذ يقول: كأنّ جميع علماء النفس اتّفقوا على هذه النقطة، وهي ان بين ظاهرة البلوغ، والقفزة الفجائية في المشاعر الدينية ارتباطاً وصلة» .
ففي هذا الحين بالذات يظهر لدى الإنسان نوع من النهضة الدينية حتى عند أُولئك الذين كانوا قبل ذلك من غير المكترثين بقضايا الدين والإيمان ويعودون ـ بعد فترة الكمال والنضج هذه ـ إلى نفس الحالة السابقة من اللامبالاة بالنسبة إلى قضايا الدين أيضاً .
وحسب نظرية «استانلي هال» فانّ أكبر قدر من هذه المشاعر الدينيّة تظهر في حدود السنة السادسة عشرة، وهذا التحول يمكن اعتباره صورة مختصرة عن اتّساع الشخصية لدى الشباب، وتكاملها .

صفحه 143
ثم يقول: «وأمّا الذين مروا في طفولتهم بتربية دينية فلا تظهر عندهم هذه النهضة والوثبة الدينية بصورة فجائية، بل تشتد محبة الله لديهم في هذه الفترة ـ وحسبما يقول «پ بووه» ـ تختلف هذه الرابطة والعلاقة عن العلاقة الّتي كانوا يحسون بها في دنيا الأُبوة والبنوّة عندما كانوا صغاراً .
وهذا العشق والحب يتّخذ صورة نوع من أنواع التعاون، وخصوصاً بين الفتيات مقروناً بالقفزات العرفانية، وبالتالي فانّ في هذه الفترة بالضبط تظهر التوجّهات والأحاسيس الدينية في صورة دقيقة.1
نعم انّ هذه الظاهرة وإن كانت لا تحتاج في نشوئها إلى تعليم أو تلقين، ولكنّها تفتقر في نموّها وتكاملها إلى المعلم، فتتكامل إذا توفر التعليم الصحيح، والتوجيه الصالح، حتّى تتخذ صورة الإيمان الواضح والعقيدة اليقينية .

3. التديّن ليس وليد العوامل المحيطية

إنّ وجود التديّن في جميع البلاد والمناطق، على اختلاف مناخاتها، وطقوسها الجوية، واختلاف أحوالها الطبيعية خير دليل على فطرية هذه الظاهرة، وإلاّ لزم أن يكون التديّن موجوداً في بلد دون آخر تبعاً للجو والطقس وغيره من العوامل المحيطية والبيئية، كما هو الحال بالنسبة إلى أشكال الألبسة، وكيفيات المطاعم والمآكل، وهندسة البيوت والأبنية التي تختلف من قطر إلى قطر ومنطقة إلى منطقة تبعاً للظروف المحيطية المتنوعة .
فأنّى ضربت في أرجاء هذه المعمورة وجدت المساجد والمعابد،

1 . كتاب «البلوغ» لموريس دبس ـ الأُستاذ في جامعة استراستبورغ ـ مترجما .

صفحه 144
والكنائس والأديرة، والهياكل والأماكن المخصّصة للعبادة، وسمعت أصوات الأذان، ودقّات النواقيس تخترق الفضاء ; وصيحات الذكر والدعاء، والضراعة والابتهال تتعالى في الأجواء، ورأيت قرابين تقدّم، ووجدت بخوراً ونشيداً وطقوساً والتماسات، من غير فرق بين قارة وأُخرى، ومنطقة وثانية، وشعب وآخر .
فالتديّن ظاهرة عالمية شاملة وليس تابعة للعوامل المحيطية أو الجغرافية .
التديّن ونظرية البعد الرابع   

4. التديّن لا يزول بفعل الدعاية المضادة

إنّ بقاء ظاهرة التديّن في البلاد التي تكثر فيها الدعاية المركزة ضد العقيدة الدينية والإيمان بالله كالاتحاد السوفياتي وغيرها من البلاد الاشتراكية والشيوعية رغم تقادم الزمن، وتوالي سنين طويلة وعديدة على مبدأ هذه الدعاية، خير شاهد على أنّ هذه الظاهرة نابعة من فطرة الناس ومن أعماق جبلتهم وطبيعتهم الّتي لا يمكن أن تنالها أيدي الإزالة والمحو، ولا تجدي في استئصالها محاولات القمع والإبادة .
وإليك فيما يلي نماذج من الاعترافات المنشورة في صحف روسية تشهد بهذه الحقيقة ـ أي بقاء واستمرار التديّن والاعتقاد بالله في أعماق الناس ـ رغم شدّة الدعايات المضادة .
1. تجتذب البقاع والمزارات المقدّسة باستمرار أعداداً كبيرة من المسلمين، ومن جملة هذه الأماكن المقدّسة جبل سليمان في «قرقيزيا» ورغم انّ حرس «كمسمل» المنتشرين حول هذا الجبل يمنعون الناس من ارتياده،

صفحه 145
فانّ الناس لا يكترثون بهذا المنع، وقد قررت اللجنة المركزية للحزب في هذه المنطقة هدم المزار الموجود في هذا الجبل، ولكنّ العمال المسلمين الذين كلّفوا بهدمه امتنعوا عن ذلك .1
2. شكت جريدة قرقيزية من أنّه لا تزال هناك إلى الآن بقايا ورواسب دينية مستمرة بقوة لدى جماعات من الشباب.2
3. يجتمع في مسجد لينينگراد الآن في أيام العطل الدينية ما يقرب من (12) ألف شخص3 وفي الأعياد الإسلامية الكبرى تمتلئ الأزقّة المجاورة لمسجد موسكو ودهاليزه وساحاته بجموع المصلين الذين يفيضون إيمانا.4
h h h

التديّن ونظرية البعد الرابع

وربّما عبر عن هذه الفطرة الدينية، أو التديّن الفطري بالبعد الرابع للروح الإنسانية وذلك عندما استطاع (في حدود عام 1920 م) أحد الفلاسفة الألمان باسم «رودلف ات» أن يثبت بأنّ هناك إلى جانب العناصر العقلية والأخلاقية في كيان الإنسان عناصر فطرية وراء العقل هي منشأ الحسّ الديني .
ففي مقال تحت عنوان «البعد الرابع للروح الإنسانية» نشر في مجلة باريسية فى اكتوبر 1958 م جاء:

1 . كمسمل قيرقيزي ، أوّل مارس 1964 م .
2 . كمسمل قيرقيزي، ابريل 1965 م .
3 . بر افدا لينينغراد 1965 م .
4 . كمسمل مسكو 29 / اكتوبر / 1964 م .

صفحه 146
«يتميّز هذا العصر بأنّه اكتشف فيه مقولة رابعة إلى جانب المفاهيم الثلاثة: الجمال والخير والحق، وهي مقولة قدسية أو إلهية، وتشكّل في الحقيقة البعد الرابع للروح الإنسانية» .
وهذا يعني انّه كما يوجد في الإنسان انجذاب طبيعي وفطري نحو الحق والخير والجمال، فانّ لديه أيضاً انجذاباً طبيعياً وفطرياً، نحو «قوة عليا» وراء الكون ونظامه: وهذا هو معنى قولنا التديّن قضية فطرية .
h h h
النصوص الإسلامية الدالّة على فطرية التديّن   

النصوص الإسلامية الدالّة على فطرية التديّن

بعد أن وقفنا على بعض الأدلّة التاريخية والنفسية على فطرية الإيمان بالله حان لنا أن نقف على النصوص الإسلامية الّتي تدلّ على هذه الحقيقة أيضاً، وهي كثيرة نكتفي بذكر نماذج منهاهنا:

القرآن الكريم وفطرية التديّن:

هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تدلّ على فطرية الايمان بالله وتجذّر الاعتقاد بوجود الله في أعماق النفس البشرية، ولكن أكثر هذه الآيات صراحة في هذا المجال هو قوله تعالى:
1. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) 1 .

1 . سورة الروم : الآية 30 .

صفحه 147
فهذه الآية ظاهرة ظهوراً قوياً في فطرية الاعتقاد بالله، وإليك توضيحها إجمالا: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً)الحنف هو الاستقامة، والحنيف هو المستقيم ولفظة «حنيفاً» إمّا حال لضمير «أقم» فيكون معناه: أقم في حال كونك مستقيماً، أو حال «للدين» فيكون معناه للدين في حال كونه مستقيماً.
وعلى كل تقدير فمعنى قوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) أي اتّجه صوب الدين اتّجاهاً مستقيماً لا مائلاً إلى اليمين ولا إلى الشمال، أو اتّجه إلى الدين المستقيم الّذي ليس فيه ميل إلى أحد الجانبين .
ثم إنّه سبحانه يفسر «الدين» الّذي يجب التوجّه إليه بقوله: (فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)والفطرة بمعنى الخلقة1 بقرينة قوله سبحانه: (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) وتشير الجملة إلى أنّ ذلك الّذي يجب التوجّه إليه هو ممّا جبل الإنسان عليه، فإصغاؤه لدعوة الدين انّما هو في الحقيقة إصغاء لنداء الفطرة غيرناء عنه ولا منكر له، ومن انحرف عن ذلك فانّما هو بالإغواء .
ومنه الحديث القدسي: «كل عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم ان يشركوا بي غيري» .2
وامّا قوله: (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) فيعني لا تتبدّل تلك الفطرة ولا تتغيّر. (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي الدين المستقيم الّذي لا اعوجاج فيه (وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)3 .

1 . في قاموس اللغة في مادة الفطرة: «الفطرة تعني الخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أُمّه». وفي «أقرب الموارد» نقلاً عن كتاب الكلّيات: «الفطرة هي الصفة التي يتصف بها كل مولود في أول زمان خلقته» .
2 . الجواهر السنية في الأحاديث القدسية: 362 .
3 . راجع الكشاف تفسير سورة الروم .

صفحه 148
فالآية إذن بظاهرها تفيد بأنّ قضايا الدين وعلى رأسها الاعتقاد بالله وتنزيهه عن الشريك ممّا فطر الإنسان عليه، وانّ جبلته مزيجة بمثل هذا الاعتقاد، ومثل هذا الإيمان.
النصوص الإسلامية وفطرية التديّن   
ويؤيّد ذلك ما ورد في كتب الفريقين من أحاديث في تفسير هذه الآية وما ورد فيها من كلمة الفطرة، وإليك بعض هذه الأحاديث:
1. عن زرارة، عن الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) حينما سأله عن معنى قول الله عزوجل في كتابه (فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)؟ قال مجيباً: «فطرهم على التوحيد...».1
2. عن عبدالله بن سنان، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) لمّا سأله عن قول الله عزوجل (فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) ما تلك الفطرة؟ فقال: «هي الإسلام ، فطرهم الله حين اخذ ميثاقهم على التوحيد». (2)
3. لمّا سأل هشام بن سالم الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) عن معنى الفطرة في هذه الآية قال: «فطرهم على التوحيد». (3)
4. في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية: عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أوينصّرانه أويمجّسانه» ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).2 وهو حديث مروي عند الفريقين .
وقد كشف حديث آخر ـ وبصراحة ـ عن أنّ الميل إلى الله والاعتقاد

1 و 2 و 3 . تفسير البرهان: 3 / 261 ـ 263 .
2 . التاج الجامع للأُصول : 4 / 180، وكذا في المصدر السابق .

صفحه 149
بوجوده والانجذاب نحوه شيء طبيعي في كل إنسان، وليس للإنسان نفسه أو غيره أي أثر في تكوينه، وإيجاده، وذلك عندما سئل الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السلام ـ عن المعرفة (أي معرفة الله) صنع من هي؟
قال(عليه السلام): «من صنع الله عزوجل ليس للعباد فيها صنع»1 .
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً قال:
«ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع (أي اختيار): المعرفة...» (2).
وعن أبي بصير أنّه سئل الإمام الصادق عن المعرفة أهي مكتسبة؟ فقال:
«لا». فقيل له: فمن صنع الله عزوجل ومن عطائه هي؟ قال: «نعم، وليس للعباد فيها صنع»(3).
وبعض هذه الأحاديث وإن كانت تدلّ بالدلالة المطابقية على أنّ توحيد الله وتنزيهه عن الشريك أمر فطري، ولكنّها تدلّ بالأدلّة الضمنية على أنّ الاعتقاد بوجوده فطري كذلك أيضاً، إذ لا يمكن وصفه بالوحدانية إلاّ بعد الإذعان فطرياً بوجوده، فالاعتراف بتوحيده انّما هو في الحقيقة بعد الفراغ من الإذعان بأصل وجوده .
2. قوله تعالى: (وَ إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) 2.
إنّ هذه الآية التي جاءت بعد آية الفطرة ـ الّتي سبق أن ذكرناها ـ ونظائرها

1 و 2 و 3 . التوحيد للصدوق : 410 و 412 و 416 .
2 . الروم : 33 .

صفحه 150
تشير بوضوح إلى أنّ الاعتقاد بوجود الله مغروس في فطرة الناس، فهم ينيبون إليه عند الشدائد ويستغيثون به ويطلبون منه العون والنجاة.1
ولا يتوهم انّ الشدائد والنوائب هي الّتي تدفع بالإنسان إلى أن يتصوّر إلهاً منقذاً فيلجأ إليه ويلوذ به، وكأنّ الاعتقاد بوجود الله وليد المصائب، بل انّ الشدائد توقظ الفطرة وتعيد الإنسان إليها وتزيح ما ران عليها من غبار الغفلة والنسيان فيسمع الإنسان نداءها، ويصدق بوحيها...
أجل انّها العودة إلى الفطرة الّتي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: «منيبين إليه» فمثل الإنسان الغارق في اللذائذ والشهوات الّتي ربّما تغطي على الفطرة وتوجب خفاءها، والغفلة عنها، مثل الصبي المتعلّق بأُمّه فطرياً ولكنّه قد ينساها أحياناً إذا غرق في اللعب، فإذا أصابته جراحة اندفع إلى أُمّه وأناب إليها واستغاث بها بوحي فطرته .
الاحاديث وفطرية الإيمان بالله   

الأحاديث وفطرية الإيمان بالله

من تتبع الأحاديث وسبرها وجد أحاديث كثيرة تدلّ على فطرية التديّن، ووجود الايمان بالله في أعماق النفس البشرية منذ أن يوجد الإنسان ويولد، وإليك بعضها:

1 . ومثلها الآية 65 من سورة العنكبوت ومطلعها: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ ...) والآية 53 من سورة النحل ومطلعها: (وَ مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ...) والآية 22 من سورة يونس ومطلعها: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ...)والآية 12 من سورة يونس ومطلعها: (وَ إِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا)ومثلها الآية 8 و 49 من سورة الزمر والآية 32 من سورة لقمان ومطلعها: (وَ إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ) وغيرها .

صفحه 151
1. عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كل مولود يولد على الفطرة، يعني على المعرفة بأنّ الله عزوجل خالقه»1 .
وقد جاء المقطع الأوّل من هذا الحديث في «النهاية» لابن الأثير وأوضحه بقوله: المعنى انّه يولد على الجبلة والطبع المتهيّئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وانّما يعدل عنه من يعدل لأنّه من آفات البشر والتقليد، وقيل معناه كل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به فلا تجد أحداً إلاّ وهو يقرّ بأنّ له صانعاً، وإن سمّاه بغير اسمه أو عبد معه غيره.2
2. عن الإمام أميرالمؤمنين علي(عليه السلام) في «نهج البلاغة»: «فبعث الله فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسيّ نعمته».3
فقوله(عليه السلام): «واتر إليهم رسله» أي أرسلهم واحداً بعد واحد، وإن كان بين نبي وآخر فترة.
وقوله(عليه السلام): «ليستأدوهم ميثاق فطرته» أي ليطالبوهم بما تقتضيه فطرتهم وما تسوقهم إليه غرائزهم وجبلتهم .
وقوله(عليه السلام): «ويذكّروهم منسي نعمته» إشارة إلى أنّ الدين هي النعمة العظمى وهي أمر يعرفه الإنسان بفطرته النقية، ولكنه ربما ينساها ويغفل عنها

1 . بحار الأنوار: 3 / 279 ومثله قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من (ليست) نسمة تولد إلاّ ولدت على الفطرة» كما في مسند أحمد وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كل إنسان تلده أُمّه على الفطرة» كما في صحيح مسلم .
2 . النهاية لابن الأثير مادة «فطر» .
3 . نهج البلاغة الخطبة رقم 1.

صفحه 152
بسبب سيطرة الشهوات والوساوس، فيبعث الله الأنبياء ليذكّروا الإنسان بما نسيه وما أودع في فطرته.
إنّ في هذه الكلمات دلالة واضحة على أنّ الاعتقاد بالله، والإيمان بوجوده مما أودع في جبلة الإنسان ، ولأجل ذلك أخذ منه الميثاق بالعمل على طبق فطرته، وبعث الأنبياء ليذكروه بهذه الحقيقة كلّما طرأ عليه النسيان .
3. ما دار بين الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ورجل: قال الرجل: يابن رسول الله دلّني على الله ما هو، فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني؟
قال الإمام (عليه السلام): «يا عبدالله هل ركبت سفينة قط؟» قال: نعم.
قال(عليه السلام): «هل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟» قال: نعم .
قال(عليه السلام): «فهل تعلّق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟» قال: نعم .
نقاط مهمة على هامش بحث الفطرة   
فقال الامام(عليه السلام): «فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي وعلى الإغاثة حيث لا مغيث».1
4. قال الإمام الحسن العسكري(عليه السلام): «الله هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من دونه».2

1 . بحار الأنوار : 3 / 41 عن معاني الأخبار للصدوق : 4 .
2 . بحار الأنوار : 3 / 41 عن كتاب معاني الأخبار : 4 .

صفحه 153
5. قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام)في معنى قوله تعالى: (حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ):
«هي الفطرة الّتي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله... فطرهم على معرفته».1
6. وعندما سئل(عليه السلام) عن نفس الآية أيضاً قال: «فطرهم على معرفة انّه ربهم».2
هذه الآيات والروايات وغيرها تشير إلى كون الاعتقاد بالله ومعرفته والانجذاب إليه مسألة فطرية، وأمراًجبلياً من شأنه أن ينتهي إلى الإيمان اليقيني الواضح والعقيدة القوية الراسخة إذا تركت وشأنها أو إذا حظيت بالعناية والرعاية والإرشاد والتوجيه .

نقاط مهمة على هامش بحث الفطرة

إذا وقفت على فطرية التديّن، وتأييد القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية لذلك يجب أن ننبه إلى عدة نقاط هي:
الأُولى: انّ قولنا. «التديّن أو الدين أمر فطري» له معنيان:
1. ان الاعتقاد بالله الواحد أمر جبلي وفطري، وهذا هو الّذي سقنا الكلام لأجله في هذا البحث .

1 . تفسير البرهان : 3 / 261 ـ 263 .
2 . تفسير البرهان : 3 / 261 ـ 263 .

صفحه 154
2. انّ ماجاءت به الشرائع الالهية من أُصول الأوامر والنواهي، والقوانين الاجتماعية والأخلاقية، والاقتصادية والسياسية أُمور فطرية، وذلك مثل إقامة العدل والقسط، والإحسان إلى الآخرين والتعاون معهم والاجتناب عن الظلم والجور والأذى، وإكرام الوالدين والعطف عليهما والأمر بالتوطّن والتمدّن والعمران والنهي عن الرهبانية والعزلة والتغرب، والدعوة إلى السعي والعمل، وترك البطالة والكسل، وإقرار الأمن والاستقرار، والأمر بالدفاع عن النفس والمال والأهل، وأكل الطيبات والنهي عن تناول الخبائث وأكل الميتة والخمر، والدعوة إلى الزواج والنهي عن العزوبة، والنهي عن الزواج ببعض المحارم وغيرها.
فانّ هذه الأُمور ممّا تقتضيها الفطرة البشرية السليمة السوية وتوافق عليها الجبلة الإنسانية حيث تميل بطبعها إلى خيرها، وتنفر عن شرها .
ولكن هذا البحث غير مطروح هنا، وقد يبحث في مباحث النبوة .
الثانية: انّ فطرية التديّن والاعتقاد بالله تعتبر من الأدلّة القوية على وجود الله سبحانه غير أنّ هناك فرقاً بين دلالة الفطرة على وجود الله ودلالة البرهان العقلي على وجوده سبحانه، فممّا ذكرناه في معنى الفطرة، وان التديّن والإيمان الفطري يعنى انجذاب الإنسان بحكم فطرته إلى الله، وإقبال روحه عليه سبحانه بشكل ذاتي وطبيعي، اتّضح انّ ذلك ليس وليد البرهنة والاستدلال، بل هو أمر «وجداني» يجده كل إنسان إذا توجّه إلى فطرته السليمة والتفت إلى ما يحسّه من الانجذاب الروحي ـ في نفسه ـ إلى الله وبهذا لا يكون دليل الفطرة ممّا يمكن تجسيده للآخرين ولا إقامته للطرف الآخر، لكونه احساساً شخصياً .

صفحه 155
وهذا بخلاف الاعتقاد بالله عن طريق الاستدلال العقلي فانه وليد البرهنة والتفكّر وإقامة الصغرى والكبرى بحيث لولا هذه المقدّمات لما حصل الاعتقاد ولهذا يمكن إقامته للآخرين كما ستعرف .
الثالثة: انّ غاية ما تثبته الفطرة البشرية هو أصل وجود الله دون بقية الأُمور الاعتقادية ممّا تتصل بصفات الله الجلالية والجمالية، فذلك كلّه لا يعرف إلاّ من طريق العقل والنظر، فانّ الفطرة لا تثبت إلاّ أنّ هناك «قوة عليا» هي فوق كل قوة، وهي القادرة على إعانته، وإغاثته، وجبر ضعفه، وانّ هناك صاحباً له يلوذ به عند الشدائد، والنوائب، ويلجأ إليه عند المصائب .
كما أنّ الفطرة ربّما تثبت وحدانية الله أيضاً، وهذا هو كلّ ما تثبته لا أكثر .

صفحه 156
ملخّص ما سبق   

ملخّص ما سبق

تلخّص من البحث السابق أُمور:

1. انّ معرفة الله والانجذاب إليه مسألة فطرية .
2. انّ الفرق بين الأمر الفطري والأمر غير الفطري، هو: انّ الأمر الفطري هو ما يميل إليه الإنسان بدافع من طبيعته وذاته دون أن يكون مفروضاً عليه من الخارج، بعكس الأمر العادي. والأوّل مثل الميل إلى الأكل والجنس والنوم، والثاني مثل كيفيات الملبس والمسكن والزينة .
3. ولذلك فانّ من علائم الأمر الفطري، ظهوره لدى الإنسان ظهوراً تلقائياً وبدون معلّم أو ملقّن، وعدم تأثره بالعوامل الخارجية الجغرافية ولا بالدعاية المضادة وجوداً وعدماً، ووجوده في جميع أدوار التاريخ، وفي جميع مناطق العالم على السواء .
4. والتديّن ممّا تنطبق عليه جميع هذه الأوصاف والعلائم، فهو موجود في عمق الزمن والتاريخ وفي كل بقاع العالم، وهو يظهر لدى كل أحد، ويتجلّى خاصة عند البلوغ، ولا ينعدم بتغيّر المناخات الطبيعية أو الضغوط السياسية والإعلامية كما في البلاد الشيوعية .

صفحه 157
5. انّ نظرية البعد الرابع للروح الإنسانية ممّا تؤيد فطرية التديّن وتؤكّد أصالته في وجود الإنسان .
6. القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تؤيد وتؤكد بل وتنصّ على فطرية الاعتقاد بالله عند البشر.
7. قولنا «التديّن أو الدين أمر فطري» يعني أنّ أُصول التعاليم الإلهيّة والشرائع كالدعوة إلى العدل والقسط والتعاون وماشا كل ذلك أُمور فطرية، ويعني أيضاً أنّ الاعتقاد بوجود «قوة عليا» خالقة لهذا الكون ممّا تقتضيه جبلة الإنسان .
8. الإيمان الفطري بوجود الله لا ينفع إلاّ صاحبه، لأنّه أمر وجداني لا يحسّ به إلاّ صاحبه، ولا يمكن نقله إلى الآخرين، نعم يمكن تذكير الآخرين بفطرتهم ليسمعوا نداءها، بخلاف الأدلّة العقلية، على وجود الله والإيمان عن طريق الاستدلال العقلي .
9. الفطرة تدلّ الإنسان على وجود الله بدون توسيط شيء بخلاف معرفة الله بالعقل فانّه لابد من توسيط المقدّمات .
10. غاية ما تثبته الفطرة البشرية هي وجود الله وتوحيده فحسب، فلا يتوقع إثبات الأُمور الاعتقادية الأُخرى كالصفات الإلهية وماشابه ذلك بها .

صفحه 158

صفحه 159
الفصل الرابع
خمس نظريات في تفسير
الظاهرة الكونية

صفحه 160

في هذا الفصل

* التفسيرات الخمسة للظاهرة الكونية .
*1. نظرية «التدبير والتقدير والخلق» (نظرية الإلهيّين).
*أبرز الأدلّة على وجود خالق الكون .
* أ ـ برهان النظام (بصوره الأربع: النظم، برهان محاسبة الاحتمالات،
الضبط والتوازن، الهداية الإلهية في عالم الحيوانات) .
* أسئلة حول برهان النظام .
* ب ـ برهان الحدوث .
* ج ـ برهان الصديقين .
* ازلية الخالق .
* نوافذ على عالم الغيب .
* 2. نظرية الخياليّين .
* 3. نظرية الصدفة.
* 4. نظرية خاصّية المادة.
* 5. نظرية المادّية الديالكتيكيّة.

صفحه 161

التفسيرات الخمسة للظاهرة الكونية

إنّ الهدف الأسمى لجميع المفكّرين والفلاسفة هو تفسير الظاهرة الكونية بنحو فلسفي وعلمي، وقد طرحت في هذا المجال تفسيرات ونظريات عديدة تبلغ خمساً، هي:

1. نظرية «التدبير والتقدير والخلق»:

هذه النظرية ترى أنّ العالم بمادته وصورته مخلوق لقوة عالمة قادرة، هي الّتي أوجدته، وأخضعته لهذه النواميس والقوانين، وأنّ تلك القوة وذلك الموجود العالم القادر هو الله سبحانه الّذي خلق فسوى، وقدّر فهدى .
وهذا هو ماظلّ يتبنّاه الإلهيّون في مختلف العصور والأزمنة .

2. نظرية خياليّة الكون:

وترى هذه النظرية أنّ العالم خيال في خيال، ووهم في وهم، فلا أصالة للكون، ولا وجود أبداً، أو أنّ الإنسان لا يقدر أن يصل إلى درك هذا العالم وواقعياته .
وهذه هي النظرية الّتي يتبنّاها الخياليّون الذين سمّوا ـ خطأ ـ بالمثاليّين .

صفحه 162
 
3. نظرية الصدفة:
ويرى أصحاب هذه النظرية أنّ المادة قديمة في وجودها وأنّ صورها وأشكالها تحقّقت بالصدفة من دون دخالة أي عقل وشعور .

4. نظرية الخاصّية:

ويعتقد أرباب هذه النظرية أنّ النظام الكوني العام وليد خاصية المادة .
وهذا يرجع في مصطلح القوم إلى المادّية الميكانيكية .

5. نظرية المادّية الديالكتيكيّة:

ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أنّ النظام السائد في الكون جاء نتيجة التضاد الديالكتيكي الموجود في أجزاء الكون، المحرك نحو هذا النوع من النظام .
وهذه النظريات الثلاث الأخيرة تشترك في الاعتقاد بقدم المادة وأزليّتها، ولكنّها تختلف في بيان تحقّق الصور والأنظمة السائدة في الكون .
هذه هي الآراء المطروحة من قبل المفكّرين، لتعليل وتفسير الظاهرة الكونية، فهلمّ معنا ندرسها واحدة تلو الأُخرى، في ضوء العقل والمنطق لنرى ما يصحّ منها وما لا يصحّ، وما هو سليم مقبول منها، وما هو سقيم مرفوض، وانّ أي واحدة منها قادرة ـ واقعاً ـ على تفسير الكون، وتبيين أسراره، وفكّ رموزه وألغازه، بشكل معقول ومقبول، ونبدأ بنظرية الخلق الإلهية أوّلاً .

صفحه 163
نظرية التدبير والتقدير والخلق   

1

نظرية التدبير والتقدير والخلق

العقل يقود إلى الله

قد ثبت في الفصل الأوّل انّ السبب الواقعي لنشأة التديّن انّما هو أمر يرجع إلى فطرة الإنسان وجبلته، أو انّه أمر يتجلّى في مداركه العقلية، وبذلك تبيّن ضعف الوجوه الّتي استند إليها المادّيون في تفسير ظاهرة التديّن، ومسألة الاعتقاد بالله .
كما أنّنا قد برهنّا في طليعة الفصل (الثالث) على تلك الفطرة وانّها أمر لا ينفك عن الإنسان وانّ وجود الإنسان لم يزل متلازماً مع هذا الميل الذاتي إلى الله .
ويجب الآن أن نقف على كيفية وصول الإنسان إلى إثبات وجود الله سبحانه عن طريق الاستدلال والبرهنة العقلية. وهذا هو الفصل المهم في هذا المجال .
إنّ من العجب العجاب أن تبقى القافلة البشرية منذ أن وجدت وإلى

صفحه 164
اليوم مشدودة بفطرتها وفكرتها إلى موجود خارج عن نطاق حسّها لا تدركه بحواسّها، ولا تناله بشيء من جوارحها .
إنّ من العجب العجاب أن تظل الإنسانية تعتقد بهذا الموجود أشدّ الاعتقاد وتتعلّق به أشدّ التعلّق فتعكتف عند بابه، وتعتقد بأنّ له كلّ التأثير في حياتها، إلى درجة انّها لاترى للحياة معنى بدون التعلّق به، ولهذا تفدي في سبيله بالنفس والنفيس والغالي والرخيص، وهو من أقوى الأشياء في الواقعية وأشدّها في الخفاء وإن كان من أظهرها في الآثار والتجلّيات .
ولقد كان هذا الاعتقاد ولا يزال من أقوى العوامل التاريخية الباعثة على سلسلة من الحروب، كما كان وراء الكثير من حالات الصلح والهدنة والوفاق أحياناً أخرى .
إنّ المشاهدة والملاحظة تشهدان ـ بما لا ريب فيه ـ على أنّ الإنسان يرمق ـ في مصيره ـ قمّة شامخة، وانّ الجميع يحاول الوصول إليها بالعبادة والرياضة والعشق، وقد بلغ تشوّق الإنسان إلى هذا الأمر أحياناً إلى درجة انّه نحت وسائل غير صحيحة للبلوغ إلى تلك القمّة السامقة، والوصول إلى تلك الذروة العالية بعبادته وتخضعه، كما هو الحال في عبدة الأصنام حيث اتّخذوا أصناماً لتقرّبهم إلى الله زلفى كما يقول القرآن الكريم:
(وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)1.

1 . يونس : 18 .

صفحه 165
وقال: (وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)1 .
إنّ الاعتقاد بالله قد أوجد فنوناً وخلق حركات بديعة، وأحدث علوماً، وتسبب في ظهور الكثير من الآداب، وكان وراء بعثة طائفة من صفوة البشرية هم الأنبياء، كما وقد لعب دوراً عميقاً في التحولات والتطورات، وكان له حظ عظيم جداً في حياة البشر، وكان بالتالي أقوى ظاهرة في الحياة الإنسانية ظهوراً وتأثيراً .
ثم إنّه لابدّ ـ قبل أي شيء ـ أن ننبّه إلى أمر مهم في هذا المجال، وهو انّ العقلاء وبالأخص المفكّرين منهم كانوا في مقابل ظاهرة الكون على صنفين:
1. من يعتبر هذا العالم خيالاً في خيال، فلا يرى له حقيقة أبداً، أو انّه ينكر إمكانية الوصول إلى حقيقته على الأقل .
2. من يرى لنفسه ولما يحيط به من عالم خارجي حقيقة وواقعية .
والبحث في هذا الفصل انما هو مع الصنف الثاني دون الأوّل، إذ البحث مع الصنف الأوّل أعني المثاليين2 بل الخياليين في خصوص إثبات الخالق غير

1 . الزمر : 3 .
2 . المصطلح الفلسفي الرائج في التعبير عن اتّجاه هذه الطائفة هو «المثاليون» غير انّنا نستحسن أن لا نستعمل في حقّهم هذه الكلمة التي ترمي إلى معنى صحيح والأولى ان يعبر عنهم بـ : «الخياليين» والوهميين وإلى غير ذلك من الأسماء التي تناسب التعبير عن تلك النظرية الخاطئة الشاذة عن فطرة الإنسان .
ولا يخفى انّ للمثال معنى آخر في اللغة ومصطلح الأخلاقيّين ولا سيّما في مصطلح الفلسفة الاغريقية .

صفحه 166
مفيد، وهم ينكرون الواقعية الخارجية، أو يشكّكون في إمكانية الوصول إليها على الأقل، فلابدّ من أن يكون البحث معهم على نطاق أوسع وهو إثبات انّ وراء أنفسهم عالماً خارجياً ذا حظ عظيم وكبير من الواقعية والوجود، وانّ في مقدور الإنسان أن يصل إلى طائفة من هذه الواقعيات .
ولكي يقف القارئ على مدى ضعف هذا الاتّجاه ووهنه نشير إلى مقالتهم وبعض ما يقيمونه من أدلّة في هذا المجال في آخر هذا الكتاب على وجه الإجمال، إذ للبحث في هذه المسألة مجال آخر وهو أبحاث نظرية المعرفة .

صفحه 167

أبرز الأدلّة على وجود الله الخالق

البرهان الأوّل

برهان النظام

«إنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق».. هذه الجملة المعروفة بين الإلهيّين والفلاسفة منهم خاصة تشير إلى كثرة الأدلّة والبراهين على وجوده سبحانه وتنوعها، بحيث يناسب كل طريق منها إفهام جماعة من الناس، وبهذا تكون معرفة الله متاحة لكلّ أحد، وممكنة لجميع فئات الناس، من مثقفين إلى عاديّين، ومن حضريّين إلى بدويّين، فلكلّ فئة من هذه الفئات المختلفة في الافهام والمستويات أن تهتدي إلى وجود الله بإحدى هذه الطرق والأدلّة، كلّ فئة بحسب فهمها وقدرتها على النظر والاستفادة من هذه الأدلّة، وها نحن في هذا القسم من البحث نقف على برهان آخر من هذه البراهين .
إنّ أوضح البراهين العقلية وأيسرها تناولا أو لمساً للجميع، بعد دليل الفطرة، هو «دليل النظام» وهو الاهتداء إلى وجود الله سبحانه عن طريق مشاهدة النظام الدقيق البديع السائد في كل جوانب الكون، ومن خلال ملاحظة القوانين والنواميس الدقيقة الحاكمة على كل ذرة من ذراته ويمتاز هذا الدليل على غيره بأمرين:
1. انّ هذا الدليل الّذي يمكن الوقوف عليه من مطالعة أيّة ظاهرة

صفحه 168
من ظواهر الكون، يمكن تقريره بحيث يتمشّى مع تقدّم العلوم وتطورها .
برهان النظام    
وبعبارة أُخرى: انّ صدق هذا الدليل ودلالته تتجلّى أكثر فأكثر كلّما تقدّمت العلوم وازدهرت، وتوصل الإنسان إلى كشف المزيد من الحقائق الكونية والقوانين الطبيعية والعلاقات الدقيقة السائدة في عالم الأحياء وغير الأحياء، فكما أنّ المرء في العصور الغابرة كان بإمكانه أن يتمسّك بهذا الدليل ويستدلّ به على وجود الله، فانّه يمكن لإنسان هذا العصر، الّذي وقف فيه على الكثير من أسرار الكون، وقوانينه، أن يستهدي به أيضاً، لأنّه وقف على مصاديق أكثر وأدق لهذا الدليل، وحصل على رصيد أعظم من الأمثلة بعد وقوفه على تفاصيل هائلة عن الكون والحياة .
وبعبارة ثالثة: كما أنّ الإنسان الّذي كان يعيش في العصور الغابرة والعهود القديمة ويرى نشأة الكون من العناصر الأربعة: (التراب، الماء، الهواء، النار) ويقصر حجم هذا العالم على الأفلاك التسعة أن يستدلّ بدليل النظام على وجود خالق لهذا الكون، كذلك يمكن للإنسان الّذي يعيش في عصر الذرة والاختراعات والاكتشافات العلمية المتقدّمة الّتي عرف الإنسان بسببها كيفية نشأة الكون من عناصر كثيرة، ووقف على قوانين ونواميس، وتراكيب طبيعية معقدة جهلها السابقون.
فانّ الاختلاف في تفسير الكون وما فيه من عناصر وتركيبات لا يؤثر في دلالة هذا البرهان، ولا يزلزله لاتّفاق الجميع في إثبات نظام دقيق سائد في هذا الكون، ولهذا فانّ تقدّم العلوم لا يزيد هذا الدليل إلاّ وضوحاً، ولا يعطيه إلاّ عمقاً ورسوخاً، فانّ الجميع قديماً وحديثاً، متّفقون على سيادة نظم دقيقة خاصة على هذا الوجود، انّما الاختلاف هو في تشخيص نوعية هذه

صفحه 169
القوانين والنواميس وسعتها وضيقها، وهو أمر لا يضر بالبرهان المذكور أبداً.
2. انّ كلّ متخصّص في ناحية من العلوم بإمكانه أن يستدلّ بمعطيات العلم الّذي تخصّص وبرع فيه على وجود الله، وهذا يعني انّ عالم النبات والأحياء والفيزياوي، والمتخصّص في شؤون الفضاء، والطبيب والأخصائي في الكيمياء سواء في الانتفاع بهذا الدليل، كما سيتّضح ذلك في الأبحاث القادمة .
والآن إلى دليل النظام نفسه .

ما هو دليل النظام؟

إنّ دليل النظام يتكون من ثلاثة أُمور، هي:
1. قانون العلّية الّذي يعني انّ لكلّ ظاهرة علّة، ولكلّ حادثة سبباً. ويقع بيان هذا الأمر وإثباته على عاتق العقل البديهي أو العقل النظري، على اختلاف في اعتبار قانون العلّية أصلاً (بديهياً) مثل إدراك الإنسان للحرارة والبرودة أو (نظرياً) يحتاج إلى التفكّر والتأمّل.1

1 . يذهب البعض إلى أنّ قانون العلّية «قانون فطري» أي تدركه الفطرة بالبداهة بلا حاجة إلى التفكّر والتأمّل، ويحتجون لذلك بتساؤلات الأطفال عن أسباب الحوادث والظواهر رغم انّهم لا يعرفون التفكّر والاستدلال .
ولكن الحق انّ هذه التساؤلات التي يطرحها الأطفال حول علّة الظواهر انّما تكون دليلاً على «فطرية قانون العلّية» إذا لم يلاحظوا قبل ذلك نماذج من نشأة الظواهر عن أسباب خاصة في حين انّ الواقع يشهد بأنّ الأطفال لا يتساءلون عن الأسباب والعلل إلاّ بعد أن مروا بعشرات العلل والمعلولات والأسباب والمسببات وأدركوا الارتباط بين العلّة والمعلول بأفهامهم البسيطة .
ولهذا لا يمكن اعتبار قانون العلّية أمراً فطرياً .

صفحه 170
وبما أنّ المادي والإلهي كليهما يعترفان بقانون العلّية ويصدّقان به فانّنا نترك البحث فيه هنا، فما رمي به الإلهيّون من التنكّر لهذا القانون ما هو إلاّ محض افتراء أو مغالطة، فهذه كتب الإلهيّين الكلامية والفلسفية شاهدة على أنّهم بحثوا هذا القانون وأيّدوه أكثر من غيرهم .
2. انّ هذا الكون بأسره يخضع لنظام موحّد ومتين ابتداء من الذرة وانتهاءً بالمجرّة، وانّ العلماء لم يقفوا في هذا الكون الفسيح إلاّ على المحاسبة الدقيقة والتصميم المتقن .
ويقع بيان هذا الأمر على عاتق العلوم الطبيعية، فهي الّتي تشرح تفاصيل هذا النظام، وتقدّم لنا مظاهر منه، وترينا نماذج من القوانين السائدة في الكون في جميع الحقول والمجالات .
ويكون هذا البند في برهان النظام بمثابة الصغرى حسب مصطلح المنطقيّين .
3. انّ العقل يحكم ـ ببداهة ـ بأنّ هذا النظام البديع بما فيه من النواميس المبنية على المحاسبات العلمية الدقيقة صادر عن عقل جبار محيط بالمادة وخصوصياتها، ويعلم بكل القوانين والنواميس السائدة في الكون، ولا يصحّ أن يستند هذا النظام إلى الصدفة أو إلى نفس المادة أو يصدر عنها، وسنشرح هذه المسألة عندما نبسط الكلام في هذا المجال .
ما هو دليل النظام؟   
هذا ولابدّ أنّ يعلم القارئ الكريم أنّ «برهان النظام» برهان مستقل لا يرتبط ببرهان (حدوث المادة) ودلالته على محدث وراءها .

صفحه 171
وبعبارة أُخرى: انّ «برهان النظام» الّذي نحن بصدده الآن يهدف إلى بيان انّ النظام السائد في الكون ليس إلاّ وليد عقل جبار محيط بالقوانين والسنن الطبيعية وانّ من المستحيل صدوره عن المادة نفسها، سواء أكانت المادة قديمة أم حادثة، فانّ هذا البرهان يجري على كلا الفرضين ولا يختصّ بفرض حدوث المادة .
نعم هناك برهان آخر وهو برهان «حدوث المادة» الّذي يحكم به العقل وتثبته العلوم الطبيعية، وهو أمر يستلزم افتراض وجود محدث لها، فهو ما سنتعرض له في البحوث القادمة .
وخلاصة القول: إنّ هذا البند يكون بمثابة الكبرى في برهان النظام .
إذن يتكون برهان النظام ـ بعد الاعتراف بقانون العلّية المسلّم بين العقلاء ـ من:
1. صغرى، وهي انّ هذا الكون بأسره يخضع لنظام دقيق، وهي حقيقة تثبتها العلوم الطبيعية الّتي تقدّم نماذج من القوانين والمحاسبات الدقيقة في شتى مجالات الكون والطبيعة .
2. كبرى وهي انّ النظام المبني على المحاسبة معلول لفاعل عاقل، عارف بالنواميس والقوانين في ذلك النظام، ويمتنع أن يكون من صنع المادة نفسها .
ثم إنّ طبيعة البحث وإن كانت تقتضي تقديم الكلام في الصغرى على الكبرى، أي إعطاء نماذج من القوانين والنواميس والسنن والمحاسبات السائدة في الكون قبل بيان انّ هذه النظم ليست إلاّ من صنع عقلية جبارة

صفحه 172
وحكيمة وعارفة هي الّتي جهزت المادة بهذه النظم، إلاّ أنّنا نقدّم البحث في الكبرى أوّلاً، ليمكن الاستنتاج منها عند ذكرنا لنماذج من القوانين الطبيعية والسنن الكونية الحاكمة في عالم الفضاء وعالم النبات والجماد والحيوان والإنسان .
h h h
وينبغي أن نقف ـ قبل أي شيء ـ على معنى النظم .

ما هو النظم؟

ما هو النظم؟   
النظم هو عبارة عن الترابط والتعاون بين أجزاء مجموعة واحدة لتحقيق هدف معين بحيث يكون كلّ جزء في هذه المجموعة مكملاً لها، وبحيث يكون فقدان كل جزء موجباً لأن تفقد المجموعة الأثر المترتّب عليها والهدف المتوخّى منها.
ونرى مثل هذا النظام سائداً في «الساعة»، فالإنسان العاقل المجرد لنفسه عن كل هوى وعقيدة سابقة، إذا نظر إلى مجموعة واحدة بهذا الوصف انتقل ـ من فوره ـ إلى أنّ هناك شعوراً وقصداً قد تدخل في تحقيق هذا التركيب من دون أن يتوقّف في قضائه هذا على أمر آخر .
فلو وجدنا في الطبيعة نظماً بهذا المعنى، بل بمعنى أدقّ من ذلك بكثير قضينا ـ بالبداهة ـ بأنّ هذا النظم لم يتحقّق فيها إلاّ بدخالة شعور وقصد، وانّه من فعل عقل جبار، وحكمة بالغة .
فلو وقفنا عند سفح جبل بركاني على «ساعة يدوية» سليمة وعاملة

صفحه 173
ملقاة بين أكوام الحمم والصخور البركانية الباردة الّتي تطايرت من فوهة ذلك الجبل.
وافترضنا انّ جميع العناصر المستخدمة في هذه الساعة موجودة برمتها في مكونات تلك الأحجار، والحمم الباردة، فهل يجوز لأحد أن يتصوّر أو يدّعي انّ هذه الساعة خرجت ـ من تلقاء نفسها ـ من ذلك البركان مع تلك الحمم المتطايرة من دون أن يصنعها صانع، بحجة انّ ما يكونها من العناصر موجودة بعينها في تلك الأحجار والحمم .
إنّ العقل يرفض بقوة مثل هذا التصوّر مع أنّ جميع العناصر المستخدمة في «الساعة» موجودة بعينها في تلك الحمم الباردة الّتي تطايرت من الجبل البركاني قبل ذلك. وليس هذا إلاّ لأنّ العقل يحكم ـ بصميم ذاته ـ بأنّ كلّ ما ساد فيه نظم بمعنى «الترابط الوثيق والتعاون العميق بين أجزاء مجموعة واحدة بهدف تحقيق غاية معينة» لا ينفك ـ عقلاً ـ عن دخالة شعور في تحقّقه .
وهذا هو ما يحكم به العقل في كل موجود ساد في أجزائه الترابط والتعاون والاتساق لغرض تحقيق غاية معينة من دون فرق بين مصنوع وآخر .
فإذا عرفت هذه الحقيقة يبقى أن نستعرض معاً الفرق بين ما هو من فعل المدبر الحكيم وما هو من نتائج الصدفة والاتفاق، وإليك ذلك الفارق بين الصدفة والتدبير .
إنّ الجميع ـ كما أسلفنا ـ يعترف بالأنظمة العجيبة الدقيقة السائدة على الكون، غير انّ الكلام هو في منشأ هذا النظام البديع المتقن المبني على المحاسبة الدقيقة .

صفحه 174
فالسؤال المطروح هو: هل هذا النظام الكوني وليد الصدفة، أم انّه من صنع فاعل خبير، وصانع عاقل يفوق كل شيء حكمة وعلماً، ويعرف بكل المحاسبات الدقيقة، ويحيط بها إحاطة كاملة وشاملة؟
ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى أمرين من شأنهما إلقاء الضوء على هذا المطلب، والامران هما:
نقاط الالتقاء والافتراق بين الإلهي والمادي   

الأوّل: نقاط الالتقاء والافتراق بين الإلهي والمادي:

إنّ المادّي والإلهي كليهما يعترفان بخضوع هذا الكون بأسره لنظام الأسباب والمسببات، أي انّ كليهما يعترفان بأنّ لكلّ ظاهرة من الظواهر المادية الكونية علّة مادية، بحيث لاتحدث هذه الظاهرة إلاّ عقيب تلك العلّة، وتنعدم بانعدامها، فما نراه من حوادث طبيعية ماهي إلاّ نتيجة العلل الطبيعية سماوية كانت أو أرضية.
فهطول الأمطار وحدوث البروق والرعود، كل ذلك وغيره من الظواهر الطبيعية الكونية لا يحدث إلاّ نتيجة التفاعلات الجوية، والمقدّمات الطبيعيّة، وعالم النجوم والأفلاك قائم في ظل قاعدة الجذب والدفع المسمّاة بقانون الجاذبية، والإنسان والحيوان يواصلان حياتهما في نطاق آلاف القوانين الطبيعية الّتي تضمن لهما البقاء والاستمرارية، كما أنّ الأشجار والنباتات هي الأُخرى مستمرة في حياتها وفعالياتها بفعل النواميس الحاكمة في عالم النبات .
وبكلمة واحدة فانّ كلّ ما يطرأ في صفحة هذه الطبيعة من حوادث وظواهر مادية دقيقة كانت أوجليلة مدين في وجوده وبقائه للعلل المادية

صفحه 175
في عالم الطبيعة، وهذا هو ما نقصده من «النظام السائد في الكون» .
فالإلهي لا يقصد من إثباته لوجود الله إنكار هذا النظام، وتجاهل هذه العلل والأسباب الطبيعية، وادعاء ان الله يقوم بكل ما يقع في عالم الطبيعة بصورة مباشرة دون توسط الأسباب والعلل الطبيعية المادية، وكأنّه يريد أن يجعل «الله» مكان العلل الطبيعية، كلا فهذا أمر لا يدّعيه الإلهيّون أبداً، وما رمي به الإلهي في بعض كتب المادّيين فرية محضة .
فليس هناك أيّ إلهي يؤمن بالكتاب العزيز ويعترف بالعقل يتنكر للعلل الطبيعية وينفي تاثير العلل ودور الأسباب المادية في ظهور الظواهر الكونية، بل الإلهيّون ـ قديماً وحديثاً ـ مجمعون على تأثير هذه العلل، وظهور الحوادث الطبيعية والظواهر الكونية عقيب عللها المناسبة وأسبابها الخاصة .
إنّ للقارئ أن يقف بنفسه على مدى اعتراف الالهيين وتمسّكهم ـ قديماً وحديثاً ـ بقانون الأسباب والمسبّبات وبنظام العلل والمعلولات الطبيعية السائدة على هذا الكون، وذلك إذا لاحظ:
أوّلاً: القرآن الكريم الّذي يزخر بالحديث عن الأسباب المادية والعلل الطبيعية في هذا العالم، مثل قوله تعالى:
أ. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرى الْوَدْقَ1 يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ)2 .

1 . الودق: المطر .
2 . النور: 43 .

صفحه 176
ب . (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)1.
ج . (وَ فِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَ غَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)2 .
فانّنا نجد في هذه الآيات كيف ينسب القرآن الظواهر الطبيعية إلى العلل الطبيعية والأسباب المادّية، ويقرر تأثيرها في معلولاتها، وهو تصريح لا غموض فيه بنظام الأسباب والمسبّبات .
وثانياً: ما درج عليه الفلاسفة الإلهيّون، منذ أقدم العصور، من تقديم بحوث مفصّلة ومطوّلة في الطبيعيات تشمل بحوثاً في علم الفلك، والفيزياء، والكيمياء، وعلم النبات وعلم الرياضيات ثم اتباعها ببحوث في الإلهيات فانّهم كانوا يجعلون القسم الأوّل من مؤلّفاتهم الفلسفية في «الطبيعة» والقسم الثاني في «ما بعد الطبيعة» كما فعل ارسطو ومن جاء بعده، وهذا هو خير دليل على عناية الإلهيّين بالطبيعة، واعترافهم بقوانينها، وسننها، ونظام الأسباب والمسبّبات السائد فيها .
كيف نميز فعل الصدفة عن فعل الفاعل الحكيم؟   
هذه هي النقطة المشتركة بين الإلهيّين والمادّيين، وأمّا نقطة الافتراق فهي أنّ الإلهي يسند هذا النظام (أي نظام الأسباب والمسبّبات المادّية الطبيعية) في

1 . الروم: 48 .
2 . الرعد: 4 .

صفحه 177
نشوئه وبقائه إلى خالق، حكيم، قدير، أوجد هذه السنن والقوانين بقدرته المطلقة وبعلمه الواسع الّذي نعبر عنه بالمحاسبة الدقيقة، بينما يسندها المادي إلى الصدفة. أو يدّعي بأنّ انفجارات المادة غير المتناهية هي الّتي أدّت إلى ظهور وتكون هذه النظم، وكان هذا هو ما عليه المادّيون في سالف الزمان .
بيد أنّهم ـ لتهافت هذه الفرضية أمام الأدلّة القاطعة ـ انتقلوا إلى فرضية أُخرى هي فرضية «خاصية المادة» وتعني انّ هذه الأنظمة والقوانين هي من خصائص المادة، أي انّ المادّة بطبعها تقتضي هذا النظام، وانّ هذا النظام هو خاصية هذا العالم المادّي، وهي نظرية مرفوضة وستعرف بطلانها في البحوث القادمة .
هذا كلّه عن الأمر الأوّل وهو بيان نقاط الاشتراك والتمايز والالتقاء والافتراق بين الإلهي والمادي .

الثاني: بماذا نميز فعل الصدفة عن فعل الفاعل الحكيم؟

ماهو الميزان الثابت والمعقول للتمييز بين الحوادث المستندة إلى الصدفة، والمستندة إلى التدبير؟
وبعبارة أُخرى: كيف نميّز بين نتيجة الصدفة وحاصلها وفعل التدبير وصنعه؟ انّ علينا أن نقف أوّلاً على الميزان الذي نميّز به بين هذين النوعين من الحوادث والظواهر حتّى نعرف ـ بعد ذلك ـ هل تكون هذه الأنظمة البديعة وليدة تدبير حكيم. أو انّها وليدة التصادف والاتّفاق ؟
الحق أنّ آلاف التجارب أثبتت بأنّ كلّ فعل يتّسم بالنظام بالمعنى

صفحه 178
الذي مرّ1 ويخضع لمقاييس وحسابات دقيقة بحيث يقع كل شيء في مكانه المناسب ، وليد التدبير، ومن صنع الفاعل الحكيم ونتيجة المحاسبة الدقيقة، ولا يمكن أبداً ان ينسب إلى التصادف، لأنّ الصدفة أعجز من أن تكون منشأ للنظام الصغير السائد في غرفة صغيرة متواضعة فضلاً عن النظام السائد في معمل كبير، أو السائد في مدينة كبيرة، دع عنك الكون الرحيب .
في حين أثبتت هذه التجارب ـ في المقابل ـ بأنّ كلّ حدث مشوش، وكلّ واقعة يسودها الهرج والمرج والعشوائية والفوضى، بحيث لم توضع الأشياء في محلّها، فهو وليد العوامل غير الشاعرة، والأسباب غير العاقلة مثل الزلازل، والسيول والانفجارات، أومثل عبث الأطفال بالآلات التي يحتاج استخدامها إلى الدراية والعقل، إذ يستحيل لمثل هذا الصنف العشوائي من الحوادث أن تستند إلى فاعل عاقل وصانع مريد .
وإثباتاً لهذه الحقيقة والضابطة (أي استناد كل فعل منظم إلى التدبير والعقل، واستناد كل فعل عشوائي غير منظم إلى أمر فاقد للشعور والقصد) نورد أمثلة متعددة على ذلك .

أوضح مثال في هذا المجال

ولكن قبل أن نذكر هذه الأمثلة نأتي بأوضح مثال في هذا المجال .
لنفترض انّنا هيّأنا ألفي طن من المواد الإنشائية للبناء (كالجص والآجر

1 . في صفحة 172 من هذا الكتاب ومجمله كون مجموعة من الأجزاء على نحو من الترابط، والتناسق، والانسجام، والتعاون الذي يحقّق هدفاً معيناً بدونه لا يتحقّق ذلك الهدف وبحيث يكون كل جزء فيها مكملاً للمجموعة بحيث لا يتحقّق بدونه الهدف المنشود .

صفحه 179
والصخر والرخام والحديد والخشب والأسلاك والزجاج و الأنابيب والأقفال والمفاتيح وماشابه ذلك)، وجعلناها تحت تصرف مهندس أوبناء فبنى من نصف هذه المواد في أرض مسطحة، عمارة شامخة وجميلة ذات طوابق متعدّدة، ثم اكتسح سيل عارم بقية تلك المواد وكومها في نقطة أُخرى من الأرض في شكل تل من المواد المتراكمة في غير نظام .
انّ ممّا لا شك فيه هو أنّ العقلاء ـ من أيّة أُمّة أوقطر كانوا ـ لو زاروا ذلك القصر البديع ولمسوا ما فيه من آيات الجمال ومظاهر المحاسبة الدقيقة حكموا ـ من فورهم ـ بأنّه من صنع مهندس قدير ومعمار ماهر يتمتع بالذوق الرفيع والفن والابتكار، لأنّهم يجدون كل شيء في ذلك البناء قد وضع في محله المناسب، ولأنّهم لا يجدون في تلك العمارة الشامخة سوى الترابط والتناسق والانسجام والتناسب .
ولكنّهم إذا مرّوا على التل المكوّم من المواد الإنشائية المتراكمة في فوضى وعشوائية سارعوا إلى الحكم بأنّ هذا التل غير المنظم من المواد المختلفة وليد أمر غير عاقل لخلوّه عن المحاسبة والتنسيق، ولأنّهم لا يجدون فيه أي علامة تدلّ على منظم مدبّر .
فالرخام الّذي يجب أن يغطي الجدران ملقى تحت الأسلاك، والأنابيب مكومة في جانب ومعوجة، والأقفال والمفاتيح مطروحة بين الصخور، والحديد مكدس في زاوية، وهكذا فوضى في كل شيء، وتداخل عشوائي، ووضع عجيب يخلو من النظام والترتيب، ويكشف بجلاء عن فقدان التدبير والتخطيط، بل وينبئ عن أنّ فاعل هذا التل ليس سوى الصدفة العمياء، العديمة الوعي، الفاقدة للشعور، والقصد .

صفحه 180
أجل هذا هو أبرز مثال يضرب لنموذجين من الظواهر والمصنوعات .
1. ما يكون وليد عقل خبير ذي تخطيط حكيم، وتدبير دقيق .
2. ما يكون ناشئاً عن المصادفة الهوجاء الفاقدة لأي نوع من أنواع العقل والتدبير .
ففي الأوّل نجد المعادلات الدقيقة والمحاسبات المتقنة، ونجد آثار النظم والتنسيق، ووضع كل شيء في موضعه المناسب بلا زيادة ونقصان، وفي الثاني لا نجد سوى الفوضى والعشوائية وسوى الهرج والمرج .
وبهذا نعرف انّ «النظام» سمة الأمر الناشئ عن تدبير، وانّ «الفوضى» سمة الأمر الناشئ عن الصدفة .
فإذا عرفت هذا المثال، وهذه النتيجة فلنستعرض معاً عشرة أمثلة توضح الفرق بين فعل التدبير وفعل الصدفة .
امثلة على الفرق بين الصدفة والتدبير   

عشرة أمثلة على الفرق بين الصدفة والتدبير:

1. لنفترض شخصين جلس كل واحد منهما وراء آلة كاتبة وأراد أن يطبع على الورق البيت الشعري التالي:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته *** حتّى إذا فات أمر عاتب القدرا
وكان أحد الشخصين المذكورين «مثقفاً» عارفاً بالحروف، ومفاتيحها «والآخر أُمّياً» لا يعرف الحروف، ومفاتيحها ثم شرعا معاً في الضرب على الآلة الكاتبة لطبع البيت المذكور، فانّ النتيجة ستكون هكذا:

صفحه 181
سيضرب الأوّل ـ بحكم معرفته ـ حرف (و) ثم (ع) ثم (ا) ثم (ج) ثم (ز) وهكذا إلى آخر البيت، وسوف لن تمض لحظات معدودة إلاّ وقد طبع البيت المذكور بصورة دقيقة وصحيحة .
بينما لن يتحصّل من فعل «الأُمّي» وضرباته العشوائية الجاهلة إلاّ على صفحة طبعت عليها عشرات الحروف المختلفة المصفوفة إلى جانب بعضها في غير نظام، ولا معنى، بل ولعلنا نجد بينها كلمات تدعو إلى السخرية وتثير الضحك لكونها غاية في السخافة واللغوية .
إنّ الذي لا شك فيه عند مشاهدة الورقتين ـ أبداً ـ هو انّ الورقة الأُولى الّتي تحمل البيت الشعري مطبوعاً طبعاً صحيحاً ومنظماً، تكشف عن أنّها من صنع «كاتب مثقف» عارف بما كتب، عالم بالحروف والكلمات، والجمل والتعابير حتّى وإن كنّا لا نعرف هويته واسمه وشخصه .
بينما تكشف الورقة الثانية عن أنّها من فعل أُمّي لا يعرف شيئاً من القراءة والكتابة، وأنّ ما سطره من الحروف والكلمات الغريبة كان وليد الضربات العشوائية على مفاتيح الحروف في الآلة الكاتبة فهي الّتي جمعت هذه الحروف المبعثرة على سبيل الصدفة بعضها إلى جانب بعض، وخلقت منها كلمات غريبة لم تطرق سمع إنسان قط ولم تخطر على قلب بشر أبداً .
وهكذا يكون النظام السائد في ما طبعه المثقف العارف علامة القصد والتدبير، وتكون الفوضى في ما طبعه الأُمّي الجاهل علامة الصدفة وعدم التدبير.

صفحه 182
2. لو أنّنا وقفنا على لوحة فنية زاهية الألوان، متناسقة الأصباغ، رائعة الجمال، جميلة المعالم، تصوّر شاطئ بحر أزرق وسباحين، وسفناً تمخر عباب البحر، وأمواجاً صغيرة تداعب المحارات المتناثرة على الساحل، وجزيرة تتوسط الماء تعج بأشجار باسقة، وتتناثر فيها جنائن خضراء وحدائق غنّاء .
فانّ هذه اللوحة سوف تهدينا ـ فوراً ـ إلى أنّ ثمت رسّاماً ماهراً هو الّذي رسمها، وهو يتمتع بذوق رفيع، ومهارة عالية، وتحملنا على الإعجاب بموهبته وفنه، وإبداعه .
كما تحملنا في نفس الوقت على الاعتقاد بأنّ مثل هذه اللوحة الرائعة لا يمكن أن تصدر إلاّ من هذه الموهبة الفنية القوية الّتي تقدر على اختصار ذلك المشهد العظيم العريض في منظر جميل مصغّر على قطعة صغيرة المساحة من الورقة فلا علاقة إذن للصدفة بذلك، ولا مجال لتصوّر انّ تلك اللوحة ظهرت اتّفاقاً، ودون قصد .
3. إذا وقفنا أمام تمثال صخري دقيق لشخصية معينة من الشخصيات العالمية يحمل جميع ملامحه وسماته، فانّنا لا نستطيع أبداً أن نصدق بأنّ هذا التمثال قد نشأ نتيجة حركات غير منتظمة وضربات غير مقصودة ولا محسوبة، أو أنّ نتصوّر أنّ قطعة من الصخر قد انفصلت من الجبل وهوت إلى القاع ثم تحولت تلقائياً وبفعل الصدفة إلى تمثال رائع لهذه الشخصية .
إنّ من المستحيل انّ يحدث ذلك بصورة عفوية وأن ينشأ تمثال إنسان ما فضلاً عن تمثال لشخصية معينة دون سواها .

صفحه 183
إنّ العقل يذعن ـ دون تأخير ـ بأنّ هذا من صنع نحّات ماهر، وفنان قدير تحلّى بذوق رفيع، ومهارة فائقة، وأنّ ماتمّ من حركات أدّت إلى ظهور هذا التمثال لم تكن سوى حركات منتظمة، ومتناسقة ومدروسة بعناية بالغة .
4. إذا نظرنا إلى السيارة الّتي تقلّنا وتنقلنا من هذه المنطقة إلى تلك المنطقة وبسرعة ويسر، فهل يشك أحد بأنّها ليست سوى حصيلة جهود كبيرة بذلها آلاف المهندسين الصناعيّين والميكانيكيّين العالميّين الذين توصّلوا إلى إيجاد هذه الآلية في ظل الفكر والجهود المنتظمة، إذ من المستحيل أن تستطيع الصدفة صنع مثل هذه السيارة، فلو أنّنا ألقينا كميات من الصلب والزجاج والمطاط في برميل كبير، وأدرناها آلاف المرات استحال أن نحصل على سيارة مثل هذه السيارة، لأنّ الصدفة لا يمكنها أن توجد شيئاً منسقاً منظماً مترابط الأجزاء يحقّق هدفاً معيناً، وغاية خاصة .
5. إذا رأينا مؤلّفاً قيّماً مطبوعاً طباعة جميلة تتداوله الأيدي نقضي من فورنا بأنّ هذا العمل ما هو إلاّ نتيجة مقدّمات فكرية وعملية عديدة قام بها مؤلّفه ومخرجه، ونذعن بأنّ ذلك لا يحصل إلاّ بتفكير دقيق وجهود متواصلة، إذ يتعيّن على مؤلّفه أوّلاً أن يفكّر فيما يريد أن يطرحه من أفكار في هذا الكتاب، ثم ينقل هذه الأفكار المنسّقة إلى الورقة ثم يقدّمها إلى المطبعة للطباعة والإخراج، ولابدّ حينئذ أن تمر مسودة الكتاب في المطبعة بمراحل عديدة من صف الأحرف والتصحيح ثم الطباعة ثم التجليد حتّى تتحول إلى كتاب كامل صالح للنشر جاهز للقراءة .
فهل يمكن لنا إذا صادفنا كتاباً كهذا إلاّ أن نذعن فوراً بأنّه حصيلة

صفحه 184
جهود منتظمة أسفرت عن هذا العمل المفيد، بينما لا يمكننا أبداً القول بأنّ الأحرف والأوراق المنتظمة الهادفة جاءت نتيجة حادث اتفاقي، أو نتيجة انفجار عفوي وقع في المطبعة؟!
6. عندما ندخل في صف من صفوف المدرسة ونجد على اللوحة السوداء معادلة رياضية صعبة أو قانونا فيزياوياً معقداً، فهل يمكن لنا أن نحتمل أن هذه المعادلة قد ارتسمت على تلك اللوحة السوداء بفعل الصدفة، أي أن قطعة من الجص خرجت من لدن نفسها من مكانها وانتقلت إلى السبورة فانتقشت بسببها تلك المعادلة الصعبة على اللوحة السوداء، أم انّنا سنحكم فوراً بأنّ أُستاذاً رياضياً أو فيزياوياً قديراً هو الّذي كتبها، على تلك اللوحة؟!
7. انّ العلم والتجربة أثبتا أنّ من المستحيل أنّ نجد ولو حالة صغيرة من حالات النظام والتناسق إلاّ وقد تم في ضوء فكر ثاقب، وعقل سليم، ولهذا فانّنا بمجرد أن نقف ـ مثلاً ـ على نموذج من الخط المسماري فانّنا نسارع إلى نسبته ـ فوراً ـ إلى كاتب كتبه بمهارة وقصد، ولا نعزّيه إلى التصادف أبداً .
8. انّ العلم والتجربة أثبتا بأنّ تركيب الشيء وتأليفه كلّما ازداد تعقيداً كلّما ازداد دلالة على عمق المهارة والمعرفة الّتي يتمتع بهما صانعه .
فهل لأحد مثلاً أن يدّعي بأنّ القمر الصناعي أو المركبة الفضائية الّتي تدور في مدار معين ومحدود حول الأرض قد نشأت صدفة، أي أنّ ذرات الصلب اتّحدت من لدن نفسها وكونت ألواحاً من الصلب وأنواعاً مختلفة من الأدوات ثم التحمت هذه الأشياء ببعضها بصورة تلقائية، وتكوّنت الكبسولة الفضائية ثم حدث ـ اتّفاقاً ـ أن نشأ صاروخ لإطلاق الكبسولة في الفضاء، ثم حدث

صفحه 185
صدفة ان زودت الكبسولة بمقادير كبيرة من الوقود، ثم انطلقت في الفضاء صدفة، ثم اتّخذت مدارها المناسب صدفة، دون أن يكون وراء كل هذه الأُمور عشرات المئات من العلماء والمفكّرين والصناعيّين والأخصّائيّين في شؤون الفضاء والبرامج الفضائية ؟
9. الآلات الحاسبة الدقيقة الصنع الّتي تقوم بالكثير من المحاسبات الثقيلة في المؤسسات الكبرى موفرة على هذه الشركات والمؤسسات مئات العمال المحاسبين، إذ تؤدي في لحظات معدودة عمليات حسابية معقدة ومطولة يقوم بها أربعمائة من المحاسبين طوال ساعات بل وأيام عديدة، هل يمكن أن نعزي وجود هذه الآلات المتطوّرة وظهورها إلى الصدفة، وتصوّر أنّ أجهزتها الدقيقة جداً وأسلاكها ومفاتيحها وجدت في أماكنها المناسبة، في هذه الآلات بصورة عفوية، وبدون تدخّل خبراء فنيّين في منتهى المهارة والحذق والمعرفة؟!
قال «كلودم هاثاواي» مصمّم العقل الالكتروني للجمعية العلمية لدراسة الملاحة الجوية بمدينة «لانجلي فيلد» ـ في كتاب «الله يتجلّى في عصر العلم» ـ :
لقد اشتغلت منذ سنوات بتصميم مخ الكتروني يستطيع أن يحل بسرعة بعض المعادلات المعقدة المتعلّقة بنظرية الشدّ في اتّجاهين، ولقد حقّقنا هدفنا باستخدام مئات من الأنابيب المفرّغة والأدوات الكهربائية والميكانيكية والدوائر المعقدة، ووضعها داخل صندوق.. وبعد اشتغالي باختراع هذا الجهاز سنة أو سنتين، وبعد ان واجهت كثيراً من المشكلات الّتي تطلّبها تصميمه ووصلت إلى حلّها، صار من المستحيلات بالنسبة إلىّ ان يتصوّر عقلي أنّ مثل هذا الجهاز يمكن عمله بأيّة طريقة أُخرى غير استخدام العقل والذكاء والتصميم.

صفحه 186
10. لو انّنا التفتنا إلى ما حولنا في الغرفة الّتي نعيش فيها ولاحظنا السجاد والمدفأة، والكرسي، والمروحة وغيرها، فهل يمكن أن نعتبرها ناشئة بفعل الصدفة، أو لابد أن نذعن بأنّ لكلّ واحد منها صانعاً مختصاً بصنعه ؟
أجل انّ العقل يقضي في جميع هذه الحالات والموارد بوجود صانع حكيم، فاعل، عاقل، ويرفض رفضاً قاطعاً نسبة وجود هذه الأشياء إلى الصدفة والاتّفاق .
فإذا تبيّن ذلك واعترفنا به فلنرى مع أيّ واحد من الصنفين تتناسب ظاهرة هذا الكون؟ هل يناسب أن نعتبره من فعل الصدفة؟
وبعبارة أُخرى: هل هو أشبه بالحوادث والظواهر الّتي تنشأ في ظروف الصدفة، أي دونما روية وتدبير ودخالة العقل والقصد، أم انّه من قبيل الحوادث والوقائع الّتي تنشأ نتيجة العقل والتفكير والروية والتدبير، ويكون للحكمة والقصد دخالة وتأثير في وجودها وظهورها؟
إنّ الوقوف على الإجابة الصحيحة على هذا السؤال يستدعي منّا النظر الفاحص في العالم المحيط بنا، والوقوف على نماذج من النظام السائد في مختلف أرجاء هذا الكون ابتداءً من الفلك والنجوم ومروراً بالأرض والجماد والنبات والحيوان والإنسان وانتهاءً بالذرة، وهذا هو ما سنفعله فيما يلي ونترك القارئ حراً في تطبيق أحد هذين الوصفين على الكون، والاخبار بأنّ هذا الكون هل هو من فعل الصدفة أم من صنع فاعل حكيم؟
من مظاهر النظام السائد في الكون   
وبعبارة ثانية: انّنا قد بيّنّا الميزان الثابت والمعقول والمنطقي لتشخيص ماهو نتيجة الصدفة وما هو من صنع العقل المدبّر، وعرفنا أنّ كلّ شيء ساد

صفحه 187
فيه النظام بمعنى الترابط أو التلاؤم والهدفية فهو مصنوع فاعل عاقل، وما ساد فيه الهرج والمرج وعدم الترابط والتلاؤم والهدفية فهو نتيجة الصدفة العمياء ، وهذه القاعدة قد أثبتتها مئات بل آلاف التجارب والملاحظات الّتي لم تدع مجالاً للشك في هذا الصعيد .
وها نحن نضع أمام القارئ نماذج من مظاهر النظام الكوني ليحكم هو بنفسه ما إذا كان هذا النظام من فعل الصدفة أم من صنع خالق عالم قدير .

من مظاهر النظام السائد في الكون

من خلال البحث السابق عرفت الفارق بين ما هو وليد الصدفة، وما هو من فعل الفاعل المدبّر الهادف، فقد توصلنا هناك إلى تقرير النتيجة التالية، وهي: انّ وليد التدبير يتميّز عن وليد الصدفة بالنظام، فالنظام آية التدبير والفوضى علامة الصدفة .
ولكي نرى ما إذا كان نظام الكون الّذي نعيش فيه من ولائد الصدفة أم من ولائد التدبير وصنع المدبّر الحكيم، يتعيّن علينا أن ندرسه ونستعرضه لنرى ما إذا كان يتّسم بالنظام والتناسق، أم تسوده الفوضى والعشوائية؟
الحقيقة أنّ نظرة فاحصة في شتّى أرجاء الكون ومجالاته وأنحائه تكشف لنا عن مظاهر للنظام المتقن، والتصميم الدقيق، والمحاسبة والدقّة، وهذا ما سنعرفه من خلال ما قدّمته لنا العلوم في مختلف مجالات الفلك وعالم الأنجم والكواكب، وعالم النبات، وعالم الإنسان وعالم الحيوان، وعالم الحشرات وعالم الجنين، وغير ذلك من العوالم، والدنياوات، وإليك نماذج من هذه الحقائق فيما يلي:

صفحه 188
مظاهر النظام في عالم الفضاء   
 
مظاهر النظام في عالم الفضاء
عالم الفضاء عالم عجيب، فعلم الفلك الحديث يقول بأنّ مجرّتنا تتألف من عدد هائل من الأنجم والكواكب الّتي يبلغ حجم متوسطها حجم الشمس ويقدّر عدد نجومها بمائة ألف مليون نجم تقريباً .
وانّ النجوم أنفسها تشبه الشمس شبهاً كبيراً، وبعدها الشاسع وحده هو الّذي يجعلها تبدو خافية، وخافتة النور .
وانّ لعدد كبير من هذه النجوم كواكب تدور حولها، وعدد كبير من هذه الكواكب يجب أن يكون على البعد الصحيح من نجمه بحيث تنشأ عليه أحوال كتلك الّتي نعرفها على الأرض .
وتقع ضمن هذه المجرّة منظومتنا الشمسية الّتي تتكون من الشمس كمركز، ومن كواكب تسع تدور حولها ويدور حول كل واحد منها كوكب أو كوكبان أو أكثر إلى (10) كواكب، وقد لا يدور حول بعضها شيء مطلقا .
والكواكب الّتي تدور حول الشمس هي بالترتيب من الأقرب إلى الأبعد: عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشتري، زحل، اورانوس، نبتون، پلوتو.
وما يلفت النظر في هذه المنظومة أُمور:

أ . عظمة هذه الكواكب والانجم، وعظمة الشمس نفسها:

فالشمس تعتبر كرة من الغازات الملتهبة والنار المستعرة، وتصل الحرارة في داخل الشمس إلى أكثر من (20 مليون درجة فهرنهايت)، وأكثر

صفحه 189
من (000,12 درجة فهرنهايت) على السطح الخارجي، والطاقة الّتي تصل منها إلى الأرض كل ساعة تعادل احتراق (21 بليون طن) من الفحم .
وبالضبط تنطلق كل ثانية من الشمس أربعة ملايين، وفي كل دقيقة (240 مليون طن) من الطاقة، نوراً وحرارة، وينتج هذا المعمل العجيب كل يوم (000/350 مليون طن) من الطاقة التي تتناثر في الفضاء. ويبلغ قطر الشمس (864 ألف ميل) بينما لا يصل قطر الأرض الّتي نعيش عليها جميعاً إلاّ إلى (8 آلاف ميل)، وبذلك فانّ قطر الشمس يبلغ (108 مرّات) قدر قطر الأرض، وحجمها (3/1 مليون مرة) مثل حجم الأرض .

ب . الفواصل الدقيقة والحركات المنتظمة:

إنّ من أهم ما يلفت النظر في المنظومة الشمسية هو المسافات الدقيقة الّتي تفصل الشمس عن الكواكب التابعة لها، والحركات المنتظمة لهذه الشمس والكواكب، وما يتولّد عن ذلك، أو يترتب عليه من الأحوال اللازمة كالفصول والليل والنهار وما شابه ذلك .
فالبعد بين الشمس والأرض يبلغ حوالي (93 مليون ميل) .
وتبعد عطارد من الشمس مثلا بـ (36 مليون ميل)، والزهرة بـ (67 مليون ميل) والمريخ بـ (142 مليون ميل)، وتبعد بلوتو عن الشمس بـ (3671 مليون ميل) .
وهذه المسافات البعيدة بين الكواكب والشمس تكشف أيضاً عن

صفحه 190
مدى سعة الفضاء في حين تشكّل منظومتنا الشمسية بأقمارها، وكواكبها، هذه جزءاً من مجرّتنا1 .
والعجيب انّ هذه المنظومة مع توابعها من الكواكب، وتوابع توابعها من الأنجم، مع مسافاتها الشاسعة تدور في نظام دقيق ضمن المجرّة دون أن تضلّ أو تخرج عن مدارها .
ويجدر بنا هنا أن نذكر انّ لأرضنا هذه خمس دورات:
1 . دورة واحدة حول نفسها في كل أربع وعشرين ساعة، يتولد منها الليل والنهار .
2 . دورة حول الشمس في كل سنة دورة واحدة أيضاً، وتتولد منها الفصول الأربعة .
3 . حركة تبعاً للشمس الّتي تسير مع توابعها بالنسبة إلى النجوم المجاورة لها .
4 . حركة ضمن مجرّة التبّانة، أي انّ المجرة هي الّتي تدور وتتحرك مع الشمس وتوابعها حول نفسها .
5 . حركة ضمن مجرة التبّانة متباعدة عن أخواتها، كما تتباعد أخواتها عنها .
هذا والملفت للنظر هو حدوث كل هذه الدورات منذ آلاف السنين دون

1 . يقول الفلكيون والمختصون بشؤون الفضاء انّ موقع منظومتنا الشمسية يبعد عن مركز المجرة بـ 000/30 سنة ضوئية، والسنة الضوئية هي (000/000/000/460/ 9 كيلومتر) راجع كتاب بدائع السماء، والكون الأحدب .

صفحه 191
أن يحدث أي اصطدام، أو انحراف أو خلل، ومن دون أن تكون هذه المنظومة والكواكب والمجرّة معلّقة بشيء أو مستندة إلى شيء .
بل والأعجب من ذلك ما يراه علماء الفلك من أنّ مجرّات النجوم يتداخل بعضها في بعض، فتدخل مجرة تشتمل على ملايين من السيارات المتحركة في مجرة أُخرى (تتحرك سياراتها هي أيضاً) ثم تخرج منها بسياراتها جميعاً دون أن يحدث أي تصادم بين سيارات هاتين المجرتين .
هذا إلى جانب:
ج . قانون الجاذبية العامة الّتي تنشأ بسبب دورات هذه الكواكب، وتشدّ هذه الكواكب الهائلة الكثيرة بعضها إلى بعض وتحفظها في مداراتها ومساراتها .
د . مقدار النور المنبعث من الشمس بحيث يتناسب مع متطلبات الحياة على الأرض .
هـ . مقاييس الزمن المضبوطة الّتي تنشأ من هذه الدورات بشكل يناسب مستلزمات الحياة، وغير ذلك من الأُمور .
ألا يدلّ كلّ هذا على وجود نظام دقيق يسود هذا الكون الرحب الفسيح، ذلك النظام الّذي تتوقف عليه استمرارية الكون وسلامته، إذ لو اختل هذا النظام قيد شعرة تحطم كل شيء .
وهل يمكن أن نعزي هذا النظام إلى نفس المادة الصمّاء العمياء أو إلى الصدفة والاتّفاق في حين يدلّ على القصد والتصميم والتدبير الّذي تفتقر إليه الصدفة، كما أسلفنا .

صفحه 192
لماذا لا نأخذ هذا النظام الدقيق العجيب دليلاً على وجود خالق مدبّر، وحكيم هو الّذي أوجد هذا النظام وأرساه في هذا الكون .
مظاهر النظام في عالم النبات   

مظاهر النظام في عالم النبات:

إنّ النظر إلى النباتات يهدينا إلى أنّ عالم هذا النوع من الكائنات هو الآخر عالم عجيب تحكمه المعادلات الدقيقة، ويزخر بالعمليات والفعاليات المدهشة، هذا إلى جانب ما نجده من عجيب التركيب في خلقة النباتات، بأنواعها المختلفة. وقد سببت هذه الأُمور والأسرار العجيبة في عالم النباتات إلى ظهور علوم مختلفة مثل علوم تركيب النبات وشكله، وعملية التركيب الضوئي، وعلم تقسيم النبات، وعلم وظائف أعضاء النبات، وعلم البيئة، وعلم أمراض النباتات، وعلم وراثة النباتات .
إنّ شكل النبات وتركيبه وما يدور في أوراق الأشجار من عملية (التمثيل الكلوروفيلي) وهي عملية حيوية مهمة يقوم بها النبات، ووجود المعامل المتنوعة والعديدة الّتي تمثلها النباتات والّتي تزود الإنسان والحيوانات بما يناسب من الغذاء الضروري للحياة أُمور تدلّ على مدى النظام والمحاسبة السائدة في عالم النبات .
ونحن هنا نشير إلى نقطتين مهمتين من بين عشرات النقاط الهامة في عالم النبات:
1 . قانون الوراثة في عالم النبات الّذي يبقي على سلالة النباتات على مر الدهور والعصور دون أن تخطئ وأن تعطي بذرة ثمرة معينة، نوعاً آخر من الثمر، وذلك عن طريق الجينات (أي وحدات الوراثة) .

صفحه 193
إنّ الجينات هذه تحفظ التصميم وسجل السلف والخواص الّتي لكلّ شيء حي، وهي تتحكم تفصيلاً في الجذور والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات تماماً كما تقرر الشكل، والقشر والشعر والأجنحة لكلّ حيوان بما فيه الإنسان .
إنّ جوزة البلوط تسقط على الأرض فتحفظها قشرتها السمراء الجامدة، وتتدحرج في حفرة ما من الأرض، وفي الربيع تستيقظ الجرثومة فتنفجر القشرة، ويزوّد بالطعام من اللب الشبيه بالبيضة الّذي اختفت فيه (الجينات) وهي تمد الجذور في الأرض، وإذا بك ترى فرخاً أو شتلة (شجيرة). وبعد سنوات شجرة، وانّ الجرثومة بما فيها من (جينات) قد تضاعفت ملايين الملايين، فصنعت الجذع والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة مماثلة لتلك الّتي لشجرة البلوط الّتي تولدت عنها، وفي خلال مئات السنين قد بقى في ثمار البلوط الّتي لا تحصى نفس ترتيب الذرات تماماً الّذي انتج أوّل شجرة بلوط منذ ملايين السنيـن1 .
ألا يدلّ وجود هذا القانون الّذي لا يخطئ منذ آلاف السنين والّذي بواسطته يمكن الإبقاء على أنواع النبات على وجود خالق مبدع حكيم .
2 . قانون صعود الماء إلى المعامل الموجودة في الأوراق، فانّ المحركات الآلية الضخمة ذات قوة مائة حصان تعجز عن تصعيد الماء إلى مسافة (20 متر)، أمّا الأوراق الرقيقة في الشجر فهي قادرة على أكثر من ذلك بفعل قوتي «الضغط الجذري والشد الورقي». ترى كيف نظمت الأنابيب في الشجرة بحيث تحمل

1 . العلم يدعو للإيمان : 149 .

صفحه 194
العصارات والمياه من أعماق الأرض إلى أعالي الشجر، وكيف يتعاون الجذر مع الأوراق في هذه العملية العجيبة .
هل لنا أن ننسب وجود مثل هذه العملية المعقّدة الدالّة على نظام دقيق إلى نفس المادة الفاقدة للشعور، أم انّه من فعل خالق عاقل خبير عليم بما تحتاج إليه هذه العمليات من قوة وأجهزة وأدوات؟
وعلى الجملة فانّ الناظر إلى هذه العمليات وهذه الأجهزة في عالم النبات، يقضي قضاء باتاً بأنّ ذلك كلّه من فعل التدبير لا من فعل الصدفة، إذ يرى فيه النظام والمحاسبة اللّذين هما علامة التدبير .
مظاهر النظام في خلقة الإنسان   

مظاهر النظام في خلقة الإنسان :

لو قلنا بأنّ الإنسان من أعجب الكائنات وأكثرها إثارة للدهشة لم نكن في ذلك مبالغين، وذلك لأنّنا نجد في هذا الكائن كل ما تفرق في المخلوقات مضافاً إلى أجهزة معقدة أُخرى.
ومن الأجهزة الّتي تثير الدهشة لكثرة ما فيها من عجائب وأسرار، وأنظمة وقوانين:
1. عالم الخلايا الّتي تشكل جسم الإنسان .
2. جهاز الهضم الّذي يهيئ الغذاء المناسب لمختلف أعضاء الجسم .
3. جهاز الدورة الدموية الّذي يتكفّل إيصال الدم إلى جميع أجزاء الجسم ليضمن لها البقاء والحياة .

صفحه 195
4. جهاز التنفس .
5. جهاز المخ والأعصاب الّذي يمثل جهاز القيادة والإدارة لمملكة الجسـم .
6. العين والاذن والأنف وغيرها من الحواس الّتي تكون بمثابة أجهزة الرصد في الجسم البشري .
وها نحن نشير إلى أحد هذه الأجهزة:

المخ والأعصاب:

لعلّ أكثر أقسام الجسم البشري تعقيداً ونظاماً هو «المخ» باعتباره مركز القيادة و «الأعصاب» باعتبارها وسيلة اتّصال المخ بالجسم وبالعكس.
ففي المخ يوجد (ألف مليون خليّة عصبية)، ومن كل هذا الخلايا تخرج أسلاك تنتشر في سائر الجسم وتسمّى هذه الأسلاك بـ «الأنسجة العصبية»، وفي هذه الأنسجة يجري نظام استقبال وإرسال للأخبار بسرعة «سبعين ميلاً» في الساعة، وبواسطة هذه الأنسجة نتذوّق ونسمع ونرى ونباشر أعمالنا. بل انّ هناك (ثلاثة آلاف من الشعيرات المتذوّقة)، ولكلّ منها سلك عصبي خاص متّصل بالمخ، وبواسطة هذه الشعيرات نحسّ بالمذاقات المختلفة، وتوجد في الاذن (عشرة آلاف خلية سمعية) ومن خلال نظام معقّد يسري من هذه الخلايا يسمع مخّنا، وفي كل عين (مائة وثلاثون مليوناً من الخلايا الملتقطة للضوء) وتقوم بمهمة إرسال المجموعة التصويرية إلى المخ، وهناك شبكة من الأنسجة الحسّية على امتداد جلدنا; فإذا قربنا إلى الجلد شيئاً بارداً فان (ربع مليون من

صفحه 196
الخلايا) الّتي تلتقط الأشياء تحسّ به، وعندئذ يمتلئ المخ بأثرها، ويرتعد الجسم، وتتّسع الشرايين الجلدية فيسرع مزيد من الدم إليها، ويزوّدها بالحرارة، وإذا أحسّت هذه الخلايا بحرارة شديدة، فانّ مخابرات الحرارة توصلها إلى الدماغ، وحينئذ تفرز (ثلاثة ملايين من الغدد) العرقية ـ تلقائياً ـ عرقاً بارداً إلى خارج الجسم1 .
ألا يبرهن هذا النظام الدقيق المبني على المحاسبات الدقيقة على وجود خالق له هو الّذي عرف حاجة الجسم إلى مثل هذا النظام المعقّد وأوجده فيه؟
هل لعاقل أن يسمح لنفسه بأن يعتقد بأنّ المادة العمياء المجردة من العقل والحكمة هي الّتي أوجدت لنفسها هذا النظام المتقن، أو انّ هذا النظام جاء بفعل الصدفة؟!
إذا كان العقل لا يسمح لنفسه بأن يعزي عقلاً اليكترونياً يقوم ببعض العمليات الحسابية المحدودة، ولا يمكنه أن يتجاوز حدود مارسم له، وأعطي من معلومات إلى الصدفة، فكيف يجوز له أن ينسب ما هو أكثر تعقيداً من العقل الاليكتروني، أعني: المخ، هذا الجهاز الّذي يدبّر الجسم ويحفظه أمام الأخطار ويفكّر، ويتذكّر ويحفظ المعلومات، ويختزن العلوم، والألوان والأصوات والأشكال والذكريات بل ويختار عند اللزوم ودون تهيّؤ سابق إلى الصدفة؟!
النصوص الإسلامية تشير إلى النظام الكوني   
h h h

1 . للمزيد راجع الإسلام يتحدّى .

صفحه 197
 
النصوص الإسلامية تشير إلى النظام الكوني:
إنّ ما ذكرناه من مظاهر النظام العجيبة في الكون يشكل جزءاً صغيراً وإشارة خاطفة ونماذج قليلة جداً في هذا المجال اقتصرنا عليها رعاية للاختصار.
وقد أشارت النصوص الإسلامية في القرآن والحديث إلى هذه النظم والقوانين في الكون، نذكر بعضها هنا لكونها تقودنا إلى مزيد من الحقائق في هذا المجال لا من باب الاستدلال بها والاستناد اليها، لعدم صحة الاستدلال بالرسالة قبل ثبوت المرسل، فذكر هذه النصوص وأمثالها هنا في مبحث إثبات الخالق انّما هو لكونها تفتح أذهاننا وأبصارنا على أُمور لا نعرفها ولا نلتفت إليها لولا هذه النصوص .
وإليك فيما يلي بعض هذه النصوص من الآيات والأحاديث الّتي تشير إلى مظاهر النظام الكوني وتلفت أنظارنا إليها .
ففي الكتاب العزيز قال الله سبحانه:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)1 .

1 . البقرة: 164 .

صفحه 198
فالآية تدعونا إلى البحث والفحص في علل هذه الظواهر الطبيعية والتأمّل في كيفية نشأتها، وما يسودها من نظم وقوانين طبيعية .
ويقول سبحانه أيضاً :
(الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَموات طِبَاقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ)1.
ويقول سبحانه:
(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَ هُوَ الّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَ أَنْهَارًا وَ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَ فِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَ غَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)(2).
إلى غير ذلك من الآيات الّتي ترشد إلى مواطن التأمل والتفكّر في هذا الكون العظيم، وهذا الوجود المليء بالأسرار والعجائب.
إنّ هذه الآيات تدلّ على وجود خالق لهذا النظام أوّلاً كما تدلّ ثانياً على توحيده ثم على قدرته ثم على علمه ثم على رحمته2 .

1 . الملك: 3 ـ 4 .            2 . الرعد: 2 ـ 4 .
2 . راجع سورة يونس الآية 6 و 101، وسورة إبراهيم: 32 ـ 34، وسورة الحجر: 16 ـ 23، وسورة النحل: 4 ـ 8 و 10 ـ 17 و 65 و 70 و 78 ـ 81، والإسراء: 12 و 66 ـ 67، والأنبياء: 30 ـ 33، وسورة المؤمنون: 18 ـ 22، وسورة النور: 46 ـ 54، وسورة الفرقان: 45 ـ 49 و 53 ـ 54، وسورة الروم: 20 ـ 26 وغيرها .

صفحه 199
وأمّا الحديث فنجد فيه إشارات كثيرة وعديدة إلى مظاهر النظام في الكون جدير بأن نستعرض شيئاً منها هنا:
1. قال الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام):
«ولو فكّروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق... أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق؟ كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه وفلق له السمع والبصر وسوى له العظم، والبشر، انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر كيف دبت على أرضها، وضنت على رزقها؟ تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرّها لبردها، وفي ورودها لصدرها... لو فكرت في مجاري أكلها، في علوها وسفلها... وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً... فويل لمن أنكر المقدر وجحد المدبّر، زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ولا لاختلاف صورهم صانع»1 .
2. وفي حديث مفصّل للإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) حول خلقة الإنسان وما فيها من نظم وأسرار وحكم وقد أدلى بهذا الحديث إلى تلميذه المفضل بن عمر حيث قال فيه: «فكّر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كلّ منها للارب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ (أي النوافذ) لتنفيذ

1 . نهج البلاغة، الخطبة 185. هذا وللإمام وصف رائع لخلقة النحل والخفاش والطاووس يستدلّ به على وجود الخالق وقدرته وعلمه .

صفحه 200
الفضول، والأوعية لحملها، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأمّلتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شيء منها قد قدّر لشيء على صواب وحكمة».1

1 . توحيد المفضل : 54 ـ 55 .

صفحه 201

أبرز الأدلّة على وجود الله الخالق:

صورة ثانية من برهان النظام

برهان حساب الاحتمالات

برهان حساب الاحتمالات   
لم يكن برهان النظام الّذي قلنا بأنّه يتمشّى مع جميع العصور، ويناسب جميع العقول والمستويات ، لينحصر تقريره بالشكل الّذي مرّ علينا، فهناك صور أُخرى لتقرير هذا البرهان نكتفي بذكر وبيان صورتين منها فقط، وهاتان الصورتان هما:
1. حساب الاحتمالات في نشأة الحياة .
2. اثبات قانون الضبط والتوازن في الكون .
إليك فيما يلي:

حساب الاحتمالات

إن توفر الحياة فوق الأرض انّما هو نتيجة اجتماع شروط عديدة تكون بمثابة أجزاء العلّة لوجود ظاهرة الحياة، أي انّ حدوث ظاهرة الحياة يستحيل بانعدام جميعها أو بعضها.

صفحه 202
وهذه الشروط من الكثرة لدرجة انّ احتمال اجتماعها بالترتيب والنسق الّذي يؤدي إلى استقرار ظاهرة الحياة بمحض الصدفة يصل إلى واحد على مليارد من الاحتمالات، وهو احتمال لا يذهب إليه أي عاقل في تفسير ظاهرة الحياة المعقّدة الراهنة .
ولمزيد من التوضيح لابد أن نلقي نظرة إلى بعض هذه الشرائط الطبيعية الّتي جعلت الحياة ممكنة بصورتها الحالية، هذه الشرائط الّتي بانتفاء واحد منها تستحيل الحياة في أرضننا هذه فضلاً عن انتفاء جميعها .

نماذج من شرائط استقرار الحياة

إنّ الشرائط والعناصر الّتي أدى اجتماعها بكيفية خاصة إلى نشوء ظاهرة الحياة واستقرارها، لا يمكن أن تحصى نظراً لكثرتها، فهناك مئات الآلاف بل آلاف الآلاف من الشرائط الطبيعية الظاهرة، والخفية الّتي لولاها لما أمكن أن تنشأ الحياة، منها ما يرتبط بالفلك، ومنها ما يرتبط بالهواء والمحيط والغازات، ومنها ما يرتبط بالأرض وما فيها من نبات وحيوان وجماد، وما سنذكره هنا ليس سوى نماذج منها تقودنا إلى ما يقف وراء هذه الحياة من عوامل وأسباب وشرائط، وإليك ذلك:
1. يحيط بالأرض الّتي نعيش على متنها غلاف سميك من الغازات يسمّى بالغلاف الجوي يبلغ سمكه (800 كيلومتراً)، وهو بمثابة مظلّة واقية تصون الكرة الأرضية من التعرض لخطر النيازك الّتي ينفصل منها يومياً من الكواكب ويتناثر في الفضاء ما يقرب من عشرين مليونا .

صفحه 203
فلو كان الغلاف الجوي هذا ألطف وأرق ممّا هو عليه الآن لاخترقت تلك النيازك غلاف الأرض الخارجي وسقطت على كل بقعة من الأرض وأحرقتها، فهذه النيازك تواصل رحلتها بسرعة (أربعين ميلاً) في الثانية، ونتيجة لهذه السرعة العظيمة فانّها ستحرق كل شيء يمكن إحراقه على الأرض .
هذا إلى جانب انّ هذا الغلاف الغازي يقوم بدور حيوي وهام جداً، وهو تنظيم مقدار الحرارة الواصلة من الشمس إلى الأرض، بصورة تناسب الحياة عليها .
فماذا كان يحدث لو أنّ سمك هذا الغلاف اختلف عمّا هو عليه، هل كان من الممكن أن تصل الحرارة بالمقدار المناسب للحياة إلى أرضنا هذه ؟
2. يعتبر الماء من عوامل الحياة الجوهرية على وجه الأرض، وفي البحار، ولأجل هذا ولأجل أن يمكن استمرار الحياة في المحيطات والبحار والأنهار أثناء الشتاء، فانّ الماء خلق بحيث يتجمّد عند بلوغ درجة الحرارة ما يقرب الصفر، فتكون بمثابة المظلّة الواقية الّتي تحفظ الأحياء في البحار من شدة البرد، إذ يهيّئ ـ حينئذ ـ جواً دافئاً داخل الماء، فالثلج يقوم ـ حينئذ ـ بدور الحاجب للماء الّذي تحته كيما تبقى حرارته دون درجة التجمّد فتبقى الأسماك والحيوانات المائية على قيد الحياة، وإلاّ لانجمد الماء واستحالت الحياة .
ثم إنّنا نلاحظ شيئاً آخر في هذا السياق وهو خفّة وزن الثلج عن الماء، فانّ الماء تقل كثافته بعد التجمّد فيخف وزنه، ولهذا الأمر قيمة عظيمة بالنسبة إلى الحياة، إذ يترتب على هذه الخاصية ان يطفو الثلج على سطح الماء ولا ينزل إلى القعر .

صفحه 204
فماذا كان يحدث لوكان الثلج أثقل من الماء، هل كانت تبقى الأسماك والحيتان حينذاك؟!
3. يعدّ التراب هو الآخر من عوامل الحياة تماماً كالماء، وهو يحتوي على مواد كيمياوية ضرورية للنباتات فهي تغتذي بها وتحولها إلى ثمار يتناولها الإنسان وأغذية مناسبة للحيوانات، كما وأنّ التراب يحتوي على خامات معدنية هي السبب في ظهور الحضارات العظيمة، وأبرزها الحضارة الصناعية الراهنة .
فلو اختفى بعض هذه المواد الكيمياوية من التراب هل كان من الممكن أن نحصل على الكثير من النباتات والثمار اللازمة لنمو الجسم البشري وتقويته، ولاستمرار حياة الحيوانات؟
4. هناك أُمور ترتبط بالأرض من حيث بعدها عن الشمس، ومن حيث دورتها حول نفسها والشمس في نفس الوقت تعتبر ضرورية وهامة بالنسبة إلى الحياة فوق الأرض .
فالأرض تبعد عن الشمس بمسافة (93 مليون ميل)، ولذلك فانّ الحرارة الّتي تصل إليها من الشمس تكون بمقدار يلائم الحياة، ويتناسب مع متطلّباتها .
فلو زادت المسافة بين الشمس والأرض على المقدار الحالي إلى الضعف مثلاً لنقصت كمية الحرارة الّتي تتلقّاها من الشمس، وقطعت دورتها حول الشمس في زمن أطول، وتضاعفت على أثر ذلك مدة فصل الشتاء، وطولها، وتجمّدت الأحياء على سطح الأرض .
ولو نقصت هذه المسافة إلى النصف لبلغت الحرارة الّتي تتلقّاها

صفحه 205
الأرض الضعف وتضاعفت سرعة دورانها حول الشمس ولآلت الفصول إلى نصف طولها الحالي1، ولصارت الحياة على سطح الأرض غير ممكنة .
وهكذا لو أنّ الأرض كانت بحيث لا تدور حول نفسها، أي كان جانب واحد منها مواجه للشمس دائماً لحرم الوجه الآخر عن حرارة الشمس بل وعاد زمهريراً لا يطاق، فلابدّ من دورة الأرض حول نفسها لتتعرض كل أجزائها للشمس، وتتمتع بحرارتها على قدم المساواة .
على أنّ دورة الأرض حول نفسها يجب أن تكون بنفس السرعة الّتي هي عليها الآن ـ لا أكثر ولا أقل ـ حتّى تتلاءم مع حياة الإنسان وغيره من الأحياء وحاجتها إلى الليل والنهار .
5. انّ الهواء الّذي يحيط بنا مكوّن من الأُوكسجين والنتروجين ويوجد الأوّل في الهواء بنسبة (21%) عادة في حين يوجد الثاني بنسبة (78%) تقريباً ويعدّ الأُوكسجين نسمة الحياة لكل الحيوانات الّتي تعيش فوق الارض، وهذه النسبة للأُوكسجين هي النسبة الضرورية المعقولة المناسبة للحياة، فلو كان الأُوكسجين بنسبة (50%) مثلا أو أكثر من الهواء بدلاً من (21%) فانّ جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم كانت عرضة للاشتعال لدرجة أنّ أوّل شرارة من البرق تصيب شجرة تكفي أن تلهب الغابة وتفجرها بأجمعها .
ولو أنّ نسبة الأُوكسجين في الهواء قد هبطت إلى (10%) أو أقل، فانّ الحياة ربّما طابقت نفسها على هذه الحالة في خلال الدهور، ولكن لم يكن

1 . لأنّ الأرض كلّما ازدادت قرباً من الشمس ازدادت سرعة دورانها حول الشمس، فبدل أن تقطع المسافة بين نقطة وأُخرى ثلاثة أشهر تقطعها في مدة شهر ونصف الشهر .

صفحه 206
يتوفر للإنسان الكثير من المواد اللازمة لحضارته كالنار، إذ لولا الأُوكسجين لما وجدت النار لافتقار الحرارة إلى الأُوكسجين. وإذا امتصت النار الأُوكسجين فانّ كل حياة حيوانية تتوقف على الفور .
إذن فكمية الأُوكسجين الفعلية مطابقة تماماً لحياتنا، ومناسبة لاحتياجاتنا.
6. بالنسبة إلى حجم الأرض لو كان أصغر ممّا هو عليه الآن لضعفت جاذبيتها ولأفلت الهواء من جوها وتبعثر في الفضاء، ولتبخر الماء، وأصبحت الكرة الأرضية جرداء لا ماء فيها ولا هواء ولا إنسان ولا حيوان .
ولو كان حجمها أكبر من الحجم الفعلي لها لازدادت قوة جذبها، فأصبحت الحركة على متنها أكثر عسراً، ولازداد وزن كل واحد منّا أضعافاً، وأصبح جسده حملاً ثقيلاً يتعذّر رفعه ونقله وحمله.1
هذه هي بعض الشرائط اللازمة لتوفر الحياة بشكلها الفعلي، وهي قليل من كثير لا يحصى، فهل من المعقول أن تحدث كلّ هذه الأُمور وتجتمع كل هذه العوامل والشرائط بهذه النسب والمقاييس الضرورية بمحض المصادفة؟ أم لابدّ من وجود عقل جبار خبير هو الّذي جمع هذه الشرائط مع هذه النسب، وهذا الترتيب المؤدّي إلى حدوث ظاهرة الحياة، وهو الّذي اختار من بين جميع الصور والأشكال الّتي كان يمكن أن تقع هذه الصورة من التأليف والنظم الملائم للحياة .
أمثلة رياضية لامتناع الاجتماع الصدفي للشرائط   
إنّ احتمال اجتماع هذه الشرائط الجمّة بمثل هذه النسب ومثل هذا

1 . راجع للمزيد كتاب العلم يدعو للايمان .

صفحه 207
الترتيب اللازم لحصول وتحقّق ظاهرة الحياة واستقرارها على وجه الأرض عن طريق الصدفة من الضعف والبعد بحيث لا يتصوّره عاقل ولا يحتمله العادي فضلاً عن المفكّر اللبيب، ولهذا ذهب العلماء إلى استحالة هذا الاحتمال.
قال عالم الأعضاء «مارلين. ب. كريدر»:
«إنّ الإمكان الرياضي في توفر العلل اللازمة للخلق ـ عن طريق الصدفة ـ في نسبها الصحيحة هو ما يقرب من لا شيء».1
ولا يمكن التمثيل لإبطال الصدفة وإثبات استحالة أن تجتمع كلّ هذه العوامل والشرائط مع مقاييسها ونسبها بمحض الصدفة إلاّ الاستشهاد بما ذكره بعض العلماء من الأمثلة بلسان الرياضيات .

أمثلة رياضية لامتناع الاجتماع الصدفي للشرائط

هناك أمثلة رياضية عديدة تثبت استحالة اجتماع شرائط عديدة مركبة بنسب متفاوتة بطريق التصادف نكتفي بإدراج بعضها هنا:
1. لو تناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد من (1) إلى (10) ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيداً، ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العشرة بالترتيب العددي بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أُخرى فإمكان أن تتناول الدرهم المكتوب عليه رقم (1) في المحاولة الأُولى هوواحد بالعشرة (أي يمكن أن يخرج بدل الرقم 1، الرقم 2، أو 3 أو 4 أو 5 إلى آخر ذلك،

1 . الإسلام يتحدّى : 77 .

صفحه 208
فخروج الرقم 1 هو احتمال واحد من عشرة احتمالات) وإمكان أن تخرج الدرهمين (1و2) بالترتيب هو واحد في المائة، وإمكان أن تخرج الدراهم (1 ثم 2 ثم 3) بالترتيب هو بنسة واحد إلى ألف وفرصة أن تخرج (1 ثم 2 ثم 3 ثم 4) بالتوالي هي بنسبة واحد في عشرة آلاف، وهكذا حتّى أنّ الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم من (1 إلى 10) بالترتيب هو واحد في عشرة ملايين.1
هذا إذا كان عدد الدراهم من (1 إلى 10) فكيف إذا كان عدد الدراهم 1000 مثلا أو مئات الآلاف، فماذا ستكون نسبة الاحتمال حينئذ؟!
2. لنفترض أنّ معك كيساً يحوي مائة قطعة رخام تسع وتسعون منها سوداء وواحد بيضاء، والآن هز الكيس وخذ منه واحدة، انّ فرصة سحب القطعة البيضاء هي بنسبة واحد إلى مائة (لأنّه يمكن أن تخرج البيضاء أوّلاً أو ثانياً أو ثالثاً وهكذا إلى مائة احتمال)، والآن أعد قطع الرخام إلى الكيس وابدأ من جديد، انّ فرصة سحب القطعة البيضاء لا تزال بنسبة واحد إلى مائة غير أنّ فرصة سحب القطعة البيضاء مرتين متواليتين هي بنسبة واحد إلى عشر آلاف، المائة مضاعفة (أي مضروبة في نفسها) مرة .
والآن جرب مرة ثالثة، انّ فرصة سحب تلك القطعة البيضاء، ثلاث مرات أي بنسبة واحد من مليون، (أي بنسبة مائة مرة عشرة آلاف) ثم جرب مرة أُخرى أو مرتين تصبح الأرقام فلكية2 .
3. لو أنّ أعمى جلس وراء آلة كاتبة ذات 100 حرف وضرب بعشوائية

1 . العلم يدعو للإيمان لكريسي موريسن .
2 . العلم يدعو للإيمان لكريسي موريسن .

صفحه 209
على تلك الآلة ليحصل على بيت شعري ذات 46 حرفاً هو:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وان خالها تخفى على الناس تعلم
فانّا نحتمل أن تقع يده على الحرف الأوّل عند أوّل ضربة ثم الحرف الثاني ثم الحرف الثالث على الترتيب، ولكن هذا واحد من ملايين الملايين من الاحتمالات الممكن وقوعها بالنظر إلى عدد أحرف البيت مضروبة في عدد أحرف الطابعة، وما يحصل من ذلك من رقم كبير نتيجة التقديم والتأخير بين أحرف البيت لدى طبعها حتّى ليكاد يبلغ الاحتمال الأوّل (أي طبع البيت الشعري صحيحاً عن طريق الصدفة) الصفر ضآلة .
هذا بالنسبة إلى بيت شعري واحد ذي 46 حرفاً، فكيف إذا كانت هناك قصيدة طويلة فكم ستكون النسبة حينئذ؟!
ثم هذا بالنسبة إلى قصيدة فكيف بالكون والحياة الناشئ من اجتماع ملايين الملايين من الشرائط والعوامل بنسب معينة في غاية الإتقان والدقة. ألا يبلغ الاحتمال حينئذ الصفر الرياضي كما قالوا؟!
هذا ولقد فطن العلماء إلى هذه المحاسبة، فدفعهم ذلك إلى أن يعتبروا هذه المحاسبة دليلاً على بطلان الصدفة وبالتالي استحالة اجتماع شرائط الحياة عن طريق الصدفة، وإسناد ذلك إلى إرادة وفعل خالق عليم .
ولهذا قال «العلامة كريسي موريسن» بعد ذكر بعض الأمثلة السالفة:
«إنّ حجم الكرة الأرضية وبعدها عن الشمس ودرجة الحرارة في الشمس وأشعتها الباعثة للحياة وسمك قشرة الأرض وكمية الماء ومقدار ثاني

صفحه 210
أوكسيد الكاربون، وحجم النتروجين، وظهور الإنسان وبقاءه على قيد الحياة كلّ أولاء تدلّ على خروج النظام من الفوضى (أي انّها نظام لا فوضى) وعلى التصميم والقصد كما تدلّ على أنّه ـ طبقاً للقوانين الحسابية الصارمة ـ ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت واحد على كوكب واحد مرة في بليون مرة .
كان يمكن أن يحدث هكذا، ولكن لم يحدث هذا بالتأكيد»1 .
h h h
إشكال وجواب حول الصدفة   

إشكال وجواب:

قد يقال: صحيح انّ اجتماع كلّ هذه الشرائط اللازمة لتوفّر الحياة على ما هي عليه الآن من التوافق والتناسق لا يمكن بمحض الصدفة .
ولكن هذا يختص بصورة اجتماعها بصورة دفعية فجائية لاما إذا حصل هذا الاجتماع بصورة تدريجية اثر الانفجارات المتلاحقة عبر الدهور والقرون فانّ ذلك ممكن ولا يبطله برهان المحاسبة .
ويجاب على هذا الإشكال بأنّ النظرية الّتي تحدد عمر منظومتنا الشمسية بشمسها وأقمارها ومن جملتها الأرض تدحض هذا الزعم وترده، وتحيل هذا التصور، إذ أنّ عمر الأرض أقصر من المدة الّتي يحتاج إليها إجتماع تلك الشرائط الكثيرة مع نسبها الملحوظة بصورة تدريجية اتفاقية، والتي تحتاج إلى زمن غير متناه في الطول في حين أنّ أطول تقدير لعمر الأرض هو ثلاثة

1 . العلم يدعو للإيمان: 195 .

صفحه 211
مليارات من السنوات، فكيف نستطيع أن نضمن اجتماع بلايين الشرائط وبصورة تصادفية تدريجية في مثل هذا الوقت القصير؟!
وخلاصة القول حول هذه الصورة من برهان النظام (أي برهان حساب الاحتمالات وإبطال الصدفة رياضياً) هو انّ اجتماع شرط أوشرطين على وجه الصدفة أمر ممكن وجائز،وللعقل أن يحتمله، ولكن اجتماع هذا الحشد الهائل من الشرائط على الترتيب المؤدي إلى ظهور ونشوء الحياة في شكلها المناسب من غير ان يتقدّم شرط أو يتأخّر وذلك على نحو الصدفة أمر لا يقبله العقل مطلقا.
وبتعبير آخر انّ الكون عند انفجار المادة كان من الممكن أن يتجلّى في ملايين الصور الأُخرى بحيث لا يصلح منها للحياة غير صورة واحدة، فكيف حدثت هذه الصورة بالذات من دون بقية الصور، والحال انّها كانت متساوية في احتمال التحقّق مع بقية الصور؟
أليس ذلك يدلّ على وجود قوة عليا هادفة هي الّتي اختارت هذه الصورة دون سواها وهذا الشكل والترتيب دون غيره من التراتيب والأشكال؟!
إنّ العقل لا يمكن أن يصدق مطلقاً بأنّ وقوع هذه الصورة دون غيرها كان بمحض الصدفة ودون قصد، إذ العقل لا يمكن أن يصدق ذلك في ما هو أصغر من الكون، وذلك كمعجون علاجي مؤلف ومركب من عدة عقاقير وعناصر بنسب مختلفة يحصل الشفاء به إذا كان على تركيب معين ونسب معينة بحيث لو اختلّ هذا التركيب وزادت النسب أونقصت تحول ذلك المعجون الطبي إلى سم قاتل .

صفحه 212
فانّ العقل يرفض أن يكون مثل هذا المعجون الشافي قد حدث بفعل إنسان جاهل بشؤون الصيدلة والطب، تناولت يده بصورة عفوية وعشوائية العناصر المختلفة وألّفت مثل هذا الدواء، فصار ذلك المعجون الشافي، والدواء الناجع .
وإذا كان العقل يرفض مثل هذا في نظام دوائي بسيط فكيف يصدّقه ويقبله في نظام كوني عظيم وعريض، مبني على محاسبات دقيقة وخطيرة، ويتكون من عناصر بالملايين ونسب في غاية الدقة؟!
وسيوافيك تفصيل هذا السؤال والجواب عنه عند البحث في الأسئلة المتوجّهة إلى برهان النظم فلاحظ السؤال .
يبقى أن نعرف انّ اليقين في مثل هذه المسائل لا يعني انتفاء أي احتمال مخالف، بالمرة، بل يعني انّ الاحتمال المخالف من الضعف والضآلة بحيث لا يركن إليه أي عاقل سليم التفكير .
ومثل هذا الاحتمال الضعيف جداً يساوي في جميع العلوم (الصفر الرياضي) الّذي لا يذهب إليه أحد، ولو ذهب لم يعد سوي العقل سالم التفكير .
فاحتمال أن يكون كتاب «الشفاء» لابن سينا أو «تاريخ» الطبري، أو «بحارالأنوار» للمجلسي من فعل أشخاص غير عارفين بالفلسفة والتاريخ والحديث، أو نتيجة جرة لاهية عابثة لأقلامهم وإن كان مطروحاً، إلاّ أنّ نسبة صحّته هي بنسبة واحد على واحد في مقابله أصفار كثيرة تمتد إلى القمر، وهو لاشك احتمال لا يذهب إليه إلاّ معتوه، فاقد الرشد، عديم الصواب .
وإن أردت المزيد من التوضيح لهذه المسألة فنقول: إنّ اليقين المتعلّق بالنسبة الموجودة في قضية على نوعين:

صفحه 213
الأوّل: أن يتعلّق اليقين بأحد طرفي القضية بحيث يجعل الطرف المخالف ممتنعاً ذاتياً، وذلك في ما إذا كان أحد الطرفين ممكن الوقوع، والآخر ممتنع الوقوع، وذلك كما إذا قلنا: يمتنع اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو يمتنع الدور والتسلسل، فانّ اليقين تعلّق بالامتناع نافياً إمكان جواز الاجتماع، أو جواز تحقّق الدور والتسلسل، ففي هذه الموارد يتعلّق اليقين بأحد الطرفين، ويحكم العقل في هذا المقام على نحو القطع والبت، ولا يحتمل خلافه حتّى إذا كان احتمالاً ضعيفاً غاية الضعف، كاحتمال الواحد من مليارد .
الثاني: ان يتعلّق اليقين بأحد طرفي القضية ولكنّه لا يجعل الطرف المخالف ممتنعاً بالذات كما في الأمثلة المتقدّمة، بل لو ترك الإنسان ونفسه ليغور في أعماق ذهنه ربّما عدّ خلافه ممكناً، ولكنّه احتمال ضعيف غاية الضعف، لا يتوجّه إليه الإنسان العادي أبداً، ولا يزاحم يقينه أصلاً، وذلك نظير ما يقول العلماء في حق الخبر المتواتر، فقد عرفوه بأنّه إخبار جماعة عن شيء يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب .
فلو أخبرنا مائة شخص متفرقين من حيث الشخص والشخصية قاطنين في نقاط مختلفة من البلد غير مرتبط بعضهم ببعض، بموت زيد مثلاً، فانّ الإنسان يتيقّن بتلك القضية، ويعد تواطؤهم على الكذب محالا عادياً، وبما انّ تواطؤهم على الكذب ليس محالاً ذاتياً بل هومحال عادي، لا ينتفي الاحتمال المخالف بتاتاً بل يبقى في أعماق الذهن بصورة الأمر المحتمل، ولكن تحقّق هذا الاحتمال لمّا كان ضعيفاً غاية الضعف لا تقبله النفس أبداً، يعدّ كالمعدوم ولا يزاحم اليقين .

صفحه 214
ولو انّ أمثال هذا الاحتمال كان مزاحماً لليقين لما حصل للإنسان أي يقين في كثير من الحالات حتّى في أوضح الواضحات .
فلو رأى الإنسان أباه أو أخاه في السوق والشارع أُذعن بأنّه أبوه أو أخوه إذعاناً قطعياً يقينياً، ومع ذلك كله يحتمل أن يكون تحت السماء وعلى أديم الأرض إنسان في صورة والده في جميع خصوصياته، وأن يكون الّذي شاهده هو شبيه والده لا والده حقيقة، فانّ هذا الاحتمال ليس أمراً منفياً بالذات والأصالة، ولكنّه مع ذلك كلّه لا يزاحم يقين الإنسان وإذعانه ولا يرتب عليه أثراً.
وهناك أمثلة أُخرى تلقي الضوء على المسألة، منها لو انّ كلّ من قام من نومه ورأى الجو مشرقاً أذعن بأنّ الشمس طلعت، وانّ الإشراق هو أثر الشمس، ومع ذلك هناك في المقام احتمال ليس منفياً بالذات والأصالة، وهو ان يكون ضوء الجو ناشئاً من قنابل مضيئة انفجرت في الجو، فأضاءت ما حولها .
وهذا الاحتمال ليس ممتنعاً بالذات، بل هو أمر محتمل ومع ذلك لايضر بيقين أي إنسان وإذعانه، وما ذاك إلاّ لأجل انّ الاحتمال لغاية ضعفه يتراءى في نظر الإنسان كالمعدوم.
وبذلك يعلم أنّ اليقين ذو مراتب، ففي مرتبة يحصل اليقين بشيء، ويذعن الإنسان بقضية ما مع كون الطرف المخالف أمراً ممتنعاً بالذات .
وفي مرتبة أُخرى يحصل اليقين بأمر مع أنّ طرفه المخالف ليس أمراً منتفياً وممتنعاً بالذات، بل هو أمر محتمل لا يضر لأجل ضعفه باليقين .
إشارات القرآن إلى هذا الدليل   
وقسّ على ذلك مورد البحث.

صفحه 215
 
إشارات القرآن إلى هذا الدليل:
هذا وفي الكتاب العزيز ما يمكن أن يكون إشارة إلى هذا النحو من الاستدلال، ومن ذلك قوله تعالى:
1. (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)1 .
2. وقوله تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)2.
3. قوله تعالى:( وَ هُوَ الذِي مَدَّ الأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَ أَنْهَاراً وَ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)3.

1 . البقرة: 164 .
2 . الرعد: 2 .
3 . الرعد: 3 .

صفحه 216
الضبط والتوازن في الكون   

أبرز الأدلّة على وجود الله الخالق:

صورة ثالثة من برهان النظام

الضبط والتوازن في الكون

إنّ من مظاهر النظام السائد في الكون هو ذلك «التوازن» القائم بين أشياء الطبيعة، و«الضبط» المتحكم في مقاديرها ومقاييسها .
فالناظر إلى عالم الطبيعة يرى بوضوح توازناً دقيقاً ومحسوباً بين الأشياء والأحياء كما يرى أنّ كل شيء قد قدر تقديراً دقيقاً، فمقاييس ثابتة، ومقادير متناسبة للحياة، ونسب مئوية معينة لدرجة انّ أبسط تغيير في هذه النسب يمكن أن يغيّر وجه الطبيعة ويجعلها غير مناسبة لاستمرار الحياة والاحياء .
إنّه يرى تبادل الحاجات بين الكائنات في هذه الطبيعة حتّى كأنّ الكون عائلة واحدة يكمل كلّ عضو فيه العضو الآخر، ويعطيه ما يريد، ويأخذ منه ما يحتاج ويمنع أحدهما الآخر من تجاوز حدوده، كما تفعل أعضاء العائلة الواحدة.
إنّ هذا التوازن والضبط لمن أوضح الأدلّة على أنّ هناك مبدعاً، قادراً، خبيراً، وانّ هناك خالقاً مدبراً عالماً هو الّذي أوجد هذا النظام، وأوجد هذه القوانين المتمثلة في هذا التوازن المحكم والانضباط العظيم في عالم الكائنات .

صفحه 217
ولأجل أن تتبيّن ملامح هذا النمط من برهان النظام نأتي بالأمثلة التالية:
1. انّ حياة كلّ نبات ـ كما هو معروف ـ تعتمد على المقادير الّتي تكاد تكون متناهية في الصغر من ثاني أوكسيد الكاربون الموجودة في الهواء، وأوراق الشجر هي في الحقيقة كالرئات الموجودة في الإنسان لها القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني أوكسيد الكاربون إلى كاربون و أُوكسجين، ثم يحتفظ النبات بالكاربون ليصنع منه ومن غيره من المواد الفواكه والثمار والأزهار ويلفظ الأُوكسجين الّذي نتنسّمه والّذي بدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق.
إنّ جميع النباتات والغابات وكلّ قطعة من الطحلب، وكل ما يتعلّق بحياة الزرع تبني تكوينها من الكاربون والماء على الأخص، والحيوانات تلفظ ثاني أوكسيد الكاربون بينما تلفظ النباتات الأُوكسيجين .
ولو انّ الحيوانات لم تقم بوظيفتها من دفع ثاني أُوكسيد الكاربون، أو لم تلفظ النباتات الأُوكسيجين، أو متى انقلب التوازن تماماً لاستنفدت الحياة الحيوانية، أو النباتية كل أُوكسيجين أو كلّ ثاني أُوكسيد الكاربون، وذوى النبات ومات الإنسان، وقد اكتشف أخيراً أنّ وجود ثاني أُوكسيد الكاربون بمقادير صغيرة هو أيضاً ضروري لمعظم حياة الحيوان، كما اكتشف انّ النباتات تستخدم بعض الأُوكسيجين .
فمن ذا الّذي أقام مثل هذه العلاقة بين النبات والحيوان وأوجد هذا النظام التبادلي بين هذين العالمين المتباينين؟ ألا يدلّ ذلك على وجود فاعل مدبّر وراء ظواهر الطبيعة هو الّذي أقام مثل هذا التوازن؟

صفحه 218
2. منذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا كسياج وقائي، ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتّى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم أهالي المدن والقرى، وأتلف مزارعهم وحال دون الزراعة، ولم يجد الأهالي وسيلة لصدّه عن الانتشار وصارت استراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدّم في سبيله دون عائق!!
وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتّى وجدوا أخيراً حشرة لا تعيش إلاّ على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره وهي سريعة الانتشار وليس لها عدو يعوقها في استراليا، وما لبثت هذه الحشرة حتّى تغلبت على الصبار ثم تراجعت ولم يبق فيها سوى بقية قليلة للوقاية تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الابد.1
فكيف عرفت هذه الحشرة أن تقضي على الزائد من الصبار وتكف عن الباقي لتحفظ أشجار الصبار على توازنها فلا تطغى على الأشياء الأُخرى؟ ألا يكشف هذا التوازن والضبط عن خالق مدبر حكيم؟
3. كانت الأسفار الطويلة دون غذاء كاف تؤدي إلى الإصابة بمرض الاسقربوط (وهو من أمراض سوء التغذية وينشأ عن نقص فيتامين ج) وقد وجد انّ عصير الليمون هو خير علاج له، وكان ملاحو السفن الكبيرة في العهود الماضية يسمّون بعاصري الليمون، وكان أُولئك الملاّحون القدامى لا يعرفون سبب الاسقربوط، وانّما اكتشف هذا الدواء البسيط رحّالة حين كان ملاّحوه يموتون في «مدغشقر»، ولكن مضى قرن من الزمان أو أكثر حتّى عرفت الصلة

1 . العلم يدعو للإيمان : 159 .

صفحه 219
الوثيقة بين فواكه الموالح وانقطاع مرض الاسقربوط، وزال هذا المرض الفتاك من أعالي البحار، وانقضى كذلك قرن آخر أو أكثر ليدرك الإنسان قيمة الفيتامينات في فواكه الموالح ولكنّه لم يكن يعلم وقتئذ ما تحويه هذه الفاكهة. ترى من أين نشأت هذه العلاقة بين هذه الفواكه وهذا المرض، ألا يدلّ ذلك على أنّ خالق الداء خلق الدواء المناسب له ولولا هذا التوازن لعمت الكارثة، وانعدم النوع الإنساني وغاب كلية عن وجه البسيطة؟
4. عندما نزل المهاجرون الأوّلون استراليا لم يكن هناك من الثدييات المشيمية إلاّ حيوان «الدنجو» وهو كلب بري، ولمّا كان هؤلاء المهاجرون قد نزحوا من أوروبا فقد تذكّروا ما كان يهيّئه لهم صيد الأرانب من فرصة طيبة لممارسة الصيد والرياضة، ولذلك استوردوا في عام (1589 م) اثني عشر زوجاً من الأرانب وأطلقوها هناك، ولم يكن لهذه الأرانب أعداء طبيعيون في استراليا، ولذلك فقد تكاثرت بصورة مذهلة وزاد عددها زيادة كبيرة فوق ما كان ينتظر وكانت النتيجة سيئة للغاية، فقد أحدثت الأرانب أضراراً بالغة بتلك البلاد حيث قضت على الحشائش والمراعي الّتي ترعاها الأغنام، وقد بذلت محاولات عديدة للسيطرة على الأرانب وبنيت أسوار عبر القارة بلغ امتدادها (700 ميل)، ومع ذلك ثبت عدم فائدتها، فقد استطاعت الأرانب أن تتخّطاها .
ثم استخدم نوع من الطعم السام ولكن هذه المحاولة باءت هي الأُخرى بالفشل، ولم يمكن الوصول إلى حلّ هذه المشكلة إلاّ في السنوات الأخيرة، وكان ذلك باستخدام فيروس خاص يسبب مرضاً قتالاً لهذه الأرانب هو

صفحه 220
مرض الحرض المخاطي، قد أدى إلى هلاك قسم كبير من الأرانب وانخفاض عددها وتحولت مناطق البراري القاحلة والجبال المقفرة التي بقيت مجدبة عشرات السنين إلى مروج خضراء يانعة وزاد ـ على أثر ذلك ـ انتاج الأغنام والمواشي.1
هل هذا التوازن الدقيق المحسوب في مظاهر الطبيعة والّذي يؤدّي أي تخلخل فيه إلى أضرار بالغة إلاّ دليل قاطع على وجود الخالق الخبير والإله المدبّر وراء الطبيعة؟
هل من السهل على عقولنا أن نتصوّر انّ كلّ هذا التوافق العجيب قد تمّ بمحض المصادفة في حين انّه نتيجة توجيه محكم يحتاج إلى قدرة وتدبير؟
5. ان الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان ولكنّها تتنفس عن طريق أنابيب، وحين تنمو الحشرات وتكبر لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها، ولهذا لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات ولم يطل جناح حشرة إلاّ قليلا .
وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفّسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة، وهذا الحدّ من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلّها ومنعها من السيطرة على العالم، ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض .
ولنتصوّر إنساناً يلاقي «زنبوراً» يضاهي الأسد في ضخامته، أو «عنكبوتاً»

1 . الله يتجلّى في عصر العلم : 49 .

صفحه 221
في مثل هذا الحجم، ماذا كان يحدث له، وخاصة إذا أخذ بنظر الاعتبار الكمية الهائلة المتزايدة من الحشرات ؟1
6ـ الماء هو المادة الوحيدة المعروفة الّتي تقل كثافتها عندما تتجمّد، ولهذه الخاصية أهمّيتها الكبيرة بالنسبة للحياة، إذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد بدلاً من أن يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ويكون تدريجياً كتلة صلبة لا سبيل إلى إخراجها وإذابتها، ويكون الجليد الّذي يطفو على سطح البحر طبقة عازلة تحفظ الماء الّذي تحتها في درجة حرارة فوق درجة التجمّد، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية، وعندما يأتي الربيع يذوب الجليد بسرعة .
وللماء خاصية أُخرى فمن خواصّه توتر سطحي مرتفع يساعد على نمو النبات بما ينقله إليه من المواد الغذائية الّتي في التربة .
والماء أكثر السوائل المعروفة إذابة لغيره من الأجسام، وهو بذلك يلعب دوراً كبيراً في العمليات الحيوية داخل أجسامنا .
كما أنّ له خاصية أُخرى وهي انّ الإنسان يتوقّع من وزنه الجزيئي (18) أن يكون غازياً تحت درجة الحرارة المعتادة والضغط المعتاد، فالنوشادر مثلاً وزنها الجزئي (17) تكون غازية عند درجة حرارة ناقص (73) وتحت الضغط الجوي المعتاد، وكبريتور الايدورجين الّذي يعتبر قريباً في خواصه من الماء بحكم وضعه في الجدول الدوري وله وزن جزئي قدره (34) يكون غازياً عند درجة حرارة ناقص (59) درجة .

1 . العلم يدعو للإيمان : 161 .

صفحه 222
ولو لم يقاوم الماء اتجاه تغييرات حرارة الأرض ولو لم تساعد سيولته على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الأرض، لتضاءلت صلاحية الأرض للحياة إلى درجة كبيرة.1
فهل يمكن إعزاء كل هذا الضبط والدقة في المقاييس والنسب إلى فعل المادة الصماء العمياء البكماء، والحال انّه يكشف عن تدبير وحساب ويحكي عن نظام متقن وعظيم ويدلّ على أنّ وراء كل ذلك خالق حكيم هو الّذي أوجد هذا التوازن المدهش والضبط الدقيق .
أجل انّ ذلك التوازن وهذا الضبط يشهدان بدخالة الشعور والحكمة والعقل في إدارة هذا العالم وتدبيره وتسييره، وهي أُمور لا تتوفر في الصدفة، بل تتوفر في قوة عليا شاعرة هادفة تدرك مصلحة الكون واحتياجات الحياة إدراكاً كاملاً وشاملاً فتخضع الكون لمثل هذه الضوابط والعلاقات .
h h h
هداية النصوص: ثم إنّ هناك آيات وأحاديث يمكن أن تكون إشارة إلى هذا الضبط والتوازن كقوله سبحانه:
1. (الّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَ الّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)2.
2. (إِنّا كُلَّ شَيء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر)3.
3- (وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ الْمِيزَانَ)4.

1 . الله يتجلّى في عصر العلم : 44 .
2 . الأعلى: 2 ـ 3 .
3 . القمر: 49 .
4 . الرحمن: 7 .

صفحه 223
وكالذي جاء في ما أملاه الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) على تلميذه المفضّل بن عمر إذ قال:
«يا مفضّل أوّل العبر والأدّلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ماهي عليه، فانّك إذا تأمّلت بفكرك وخبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شيء فيه لشأنه معد، والإنسان كالمملك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة، وانّ الخالق له واحد، وهو الذي ألّفه ونظمه بعضاً إلى بعض، جلّ قدسه وتعالى جده»1 .

1 . توحيد المفضل : 47 ; بحار الأنوار : 1 / 62 .

صفحه 224
الهداية الإلهية في عالم الحيوان   

أبرز الأدّلة على وجود الله الخالق:

صورة رابعة من برهان النظام

الهداية الإلهية في عالم الحيوان

إذا طالعنا حياة الحيوانات والحشرات وجدنا ـ بوضوح ـ انّها تهتدي إلى سبل حياتها، وانّها تشق طريقها عبر الحياة للوصول إلى الأهداف المطلوبة من خلقها ووجودها، دون أن تتلقّى تربية أو تعليماً من أحد!
فما هو مصدر هذا الاهتداء الّذي يلمسه كل متأمّل في حياة الحيوانات والحشرات وتصرفاتها؟!
هل يمكن أن يستند إلى الجهاز الموجود في نفس الحيوانات أو إلى الغريزة الّتي طبعت عليها، أو لابد أن يستند إلى أمر وراء ذلك، وهو الّذي نسمّيه بالإلهام ؟
إنّ البرهان الحاضر يعتمد على دلالة اهتداء الحيوانات إلى سبل معيشتها على وجود ملهم لها هو الّذي يهديها في خضم الحياة، وانّ هذا الملهم الهادي ليس أمراً مادياً، بل هو أمر غير مادي وهوالّذي نعبر عنه بالله سبحانه، أو من يلهم بأمر منه سبحانه. هذا هو خلاصة البرهان المطروح في هذا البحث، وسيوافيك

صفحه 225
تفصيله ولكن قبل الخوض في ذلك يجب أن نذكر نماذج من هذه الظاهرة «أي اهتداء الحيوانات إلى احتياجاتها وطرق تلبيتها ورفعها» واستنتاج ما يمكن استنتاجه من النقاط منها، ولابدّ هنا من الإشارة إلى أنّ مثل هذه الأمثلة وإن كانت جزئية إلاّ أنّها صالحة لأن تكشف عن قانون عام في مجال الحيوان، كما هو شأن القضايا الجزئية المتعددة الّتي تكشف عن قوانين كلية في المجالات الأُخرى .

نماذج من ظاهرة الاهتداء في عالم الحيوان:

تقوم الحيوانات من طيور ودواب وحشرات في حياتها بتصرفات عجيبة، وفعاليات معقّدة يحتار الإنسان في تفسيرها وتدفع به إلى الدهشة والإعجاب، وإليك فيما يأتي نماذج من ذلك:

1. عالم النمل الغريب

إذا نظرنا إلى النمل الّتي تعيش في بيوتنا وتأمّلنا في تصرفاتها لوقفنا على عالم صاخب بالفعاليات الدؤوبة وحياة زاخرة بالنشاطات المنظمة الّتي تقوم بها هذه الحشرة، فهي منذ أن تخرج عن بيوضها تعرف كل احتياجاتها وطرق رفعها دون أن تتلقّى درساً من أحد، فهي تعرف كيف تصنع المساكن والأعشاش، وتضع البيض، وتجمع الحب وتحافظ عليه من الفساد بتفتيته حتّى لا ينبت في الرطوبة وتقوم بنشره وتجفيفه،وكيف تستفيد من الحشرات والديدان لمصلحتها، وكيف تزرع وتقوم بأعمال الشتاء في فصل الصيف وتتحسب للمستقبل، وكيف تتقاسم الأعمال والوظائف والواجبات في خلاياها،

صفحه 226
وتجعل لبيوتها منافذ تسدها في القروتفتحها في الحر، وكيف تدافع عن نفسها مستخدمة اسلوب الانسحاب التكتيكي ثم صيد العدو والقضاء عليه!!
فمن أين تلقّت هذه الحشرة هذه العلوم المتعلّقة بالزرع والبناء والدفاع، وكيف اهتدت إلى سبل حياتها، وكيفية رفع احتياجاتها؟1
إنّ القول بأنّ هذه الحشرات تلقّت هذه المعلومات والمعارف عن طريق الوراثة لا ينطبق مع الحقيقة، لأنّ العلوم الاكتسابية غير قابلة للتوارث فلا يكون ابن الطبيب طبيباً، وابن النجار نجارا .

2. مملكة النحل المنظّمة:

النحلة هذه الحشرة الشاربة لرحيق الأزهار الصانعة منه عسلاً منذ أن تخرج من بيوضها، وتجد طريقها للطيران خارج الخلية لتتّجه نحو الأزهار تتمص عصارة أفضلها لتصنع ما هو شفاء للناس ولذة، وتبني بيوتها السداسية بدقة متناهية وبمقاييس ثابتة .
إنّ العجيب في هذه الحشرة انّها تجد خليّتها مهما طمست الريح ـ في هبوبها ـ على الأعشاش والأشجار، وحاسة العودة هذه هي ضعيفة في الإنسان ولكنه يكمل عتاده القليل ويصل إلى مقصده بما يخترعه من الأدوات والآلات.
إنّ العاملات من النحل تصنع حجرات مختلفات الأحجام، تعدّ الحجرات الصغيرات للعمال، والأكبر لذكور النحل، وتعدّ غرفة خاصة للملكات الحوامل.
والنحلة الملكة تضع بيضاً غير مخصب في الخلايا المخصّصة للذكور،

1 . للإمام علي ـ عليه السلام ـ وصف دقيق للنمل، راجع نهج البلاغة، ولموريس مترلينك كتاب جميل حول «النمل» .

صفحه 227
وبيضاً مخصّباً في الحجرات الصحية المعدة للعاملات الإناث والملكات المنتظرات والعاملات اللائي هي إناث معدلات بعد ان انتظرن طويلاً مجيء الجيل الجديد تهيّأن أيضاً لإعداد الغذاء للنحل الصغير بمضغ العسل واللقح، ومقدّمات هضمه عند مرحلة معينة من تطوّر الذكور، والإناث اللائي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات .
أمّا الإناث اللائي في حجرات الملكة فانّ التغذية بالمضغ ومقدّمات الهضم تستمر عندهنّ، وهؤلاء اللائي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ملكات نحل، وهنّ وحدهن اللائي ينتجن بيضاً مخصباً، وعملية تكرار الإنتاج هذه تتضمّن حجرات خاصة وبيضاً خاصاً كما تتضمّن الأثر العجيب الّذي لتغيير الغذاء، وهذا يتطلب الانتظار والتمييز والتطبيق لاكتشاف أثر الغذاء.1
إنّ الزنبور يصيد الجندب (النطاط) ويحفر حفرة في الأرض ويخز2 الجندب في المكان المناسب تماماً حتّى يفقد وعيه ولكنّه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ .
ثم إنّ أُنثى الزنبور تضع بيضاً في المكان المناسب بالضبط (من جسم ذلك الجندب الملدوغ الفاقد الوعي) حتّى إذا فقست أمكن لصغارها أن تتغذى به، دون أن تقتل الحشرة الّتي هي غذاؤها فيكون ذلك خطراً على وجودها، ثم إنّ أُنثى الزنبور تغطي حفرة في الأرض وترحل فرحاً ثم تموت فلا هي ولا أسلافها قد فكرت في هذه العملية، ولا هي تعلم ماذا يحدث لصغارها.3

1 . العلم يدعو للإيمان : 117 ـ 118 .
2 . يخز: الوخز .
3 . العلم يدعو للإيمان : 129 .

صفحه 228
3. تجديد العضو الضائع
إنّ كثيراً من الحيوانات تسارع إلى تعويض ما ضاع وتلف منها من عضو، فهذا هو «سرطان البحر» إذا فقد مخلباً وعرف أنّ جزءاً من جسمه قد ضاع سارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا، ومتى تمّ ذلك كفّت الخلايا عن العمل، لأنها تعرف بطريقة ما أن وقت الراحة قد حان .
كما أنّ كثير الأرجل المائي ـ وهو حيوان اسفنجي يعيش في المياه الحلوة ـ إذا انقسم قسمين استطاع أن يصلح نفسه عن طريق أحد هذين النصفين .
وإذا قطعت رأس دودة الطعم تسارع إلى صنع رأس بدلاً منه .
ونحن نستطيع أن ننشط التئام الجروح ولكن متى يتاح للجراحين أن يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتنتج ذراعاً جديدة، أو لحماً أو عظماً، أو أظافر أو أعصابا؟ !

4. الحنين إلى الوطن

إنّ الطيور تعود إلى أوطانها مهما ابتعدت عنها، فعصفور الهزار الّذي عشعش ببابك يهاجر جنوباً في الخريف ولكنه يعود إلى عشه القديم في الربيع التالي، وفي شهر سبتمبر تطير أسراب معظم طيورنا إلى الجنوب وقد تقطع ـ في الغالب ـ نحو ألف ميل فوق عرض البحار ولكنها لا تضلّ طريقها!!، والحمام الزاجل إذا تحيّر ـ من جراء أصوات جديدة في رحلة طويلة داخل قفص ـ يحوم برهة ثم يقصد ـ قدما ـ إلى موطنه دون أن يضل!!

صفحه 229
وهكذا في الأسماك فانّ سمك السلمون الصغير يمضي سنوات في البحر ثم يعود إلى النهر الخاص به، والأكثر من ذلك انّه يصعد جانب النهر الّذي يصب عنده النهير الّذي ولد فيه، فما الّذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد؟!
إنّ سمكة السلمون الّتي تسبح في النهر صعداً إذا نقلت إلى نهير آخر ، أدركت تواً انه ليس جدولها، فهي لذلك تشق طريقها خلال النهر، ثم تحيد ضد التيار قاصدة إلى مصيرها .
وهناك لغز أصعب من ذلك يتطلّب الحل، وهو الخاص بثعابين الماء الّتي تسلك عكس هذاالمسلك، فانّ تلك المخلوقات العجيبة متى اكتمل نموها هاجرت من مختلف البرك والأنهار، وإذا كانت في أُوروبا، قطعت آلاف الأميال في المحيط قاصدة كلّها إلى الأعماق السحيقة، جنوبي برمودا، وهناك تبيض وتموت .
أمّا صغارها تلك الّتي لا تملك وسيلة لتعرف بها أي شيء سوى انّها في مياه قفرة، فانّها تعود أدراجها وتجد طريقها إلى الشاطئ الّذي جاءت منه أُمّهاتها ومن ثم إلى كلّ نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة.. ولم يحدث قط أن صيد ثعبان ماء أمريكي في المياه الأُوروبية، أو صيد ثعبان ماء أُوروبي في المياه الأمريكية.
والطبيعة تبطئ في إنماء ثعبان الماء الأُوروبي مدة سنة أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة الّتي تقطعها، فما الّذي أوجد في ثعبان الماء الحافز الّذي يوجّهها لذلك؟!1

1 . العلم يدعو للإيمان : 120 ـ 121 .

صفحه 230
5. انتخاب الوظيفة والملاءمة مع البيئة
من الأُمور العجيبة والمحيّرة في عالم الحيوانات هو انتخاب الوظائف والملاءمة مع البيئة،وهو ما ينطبق على الخلايا .
فكل كائن حي مؤلّف من ملايين الخلايا ومع أنّ جميع هذه الخلايا بدأت من خلية واحدة لا أكثر، ولكن مع ذلك فانّ خلية كلّ عضو من أعضاء الجسم ـ كالقلب والمخ والعظم والكبد والرئة ـ تمتص من الغذاء ما يناسب ذلك العضو دون غيره، وإلى هذا أشار العلاّمة كريسي موريسن قائلاً: «قد يمكن السؤال عمّا إذا كان للخلايا فهم وإدراك أم لا ؟
إنّ الخلايا ترغم على تغيير شكلها وطبيعتها كلّها حتّى يتمشّى مع احتياجات الكائن الّذي هوجزء منه، وكلّ خلية تنتج في أي مخلوق حي ـ يجب أن تكيّف نفسها لتكون جزءاً من اللحم، أو أن تضحي نفسها كجزء من الجلد الّذي لا يلبث حتّى يبلى. وعليها أن تضع ميناء الأسنان، أو تنتج السائل الشفاف في العين، أو أن تدخل في تكوين الأنف والاذن، ثم على كل خلية أن تكيّف نفسها من حيث الشكل، وكلّ خاصية أُخرى لازمة لتأدية مهمتها .
ومن العسير أن نتصوّر انّ خلية ما هي ذات يد يمنى أو يسرى، ولكن إحدى الخلايا تصبح جزءاً من الاذن اليمنى بينما الأُخرى تصبح جزءاً من الاذن اليسرى» .

صفحه 231
6. وسائل الحماية، وأساليب الدفاع
إنّ إحدى العناكب (جمع عنكبوت) المائية تصنع لنفسها عشّاً على شكل منطاد (بالون) من خيوط بيت العنكبوت، وتعلّقه بشيء ما تحت الماء، ثم تمسك ـ ببراعةـ فقاعة هواء في شعر تحت جسمها، وتحملها إلى الماء ثم تطلقها تحت العش، ثم تكرر هذه العملية حتّى ينتفخ العش، وعندئذ تلد صغارها وتربيها، آمنة عليها من هبوب الهواء، فهاهنا نجد طريقة النسج بما يشمله من هندسة وتركيب وملاحة جوية!!
ثم إنّ هناك نوع من الفراشات مضطرة للطيران ليلاً، وربّما اصطدمت بحواجز في حالة الحركة والطيران بحثاً عن الغذاء، ولذلك زودت بجهاز رادار يمكنها من التعرف على الحواجز بواسطة الأمواج الّتي تبعثها، فتغيّر مسيرها واتّجاهها فوراً .
لقد زوّدت هذه الفراشة، وبعض الأحياء الأُخرى بمثل هذا الجهاز قبل أن يتعرف العلم الحديث على جهاز «الرادار» ويتمكّن من الاستفادة من الأمواج لمعرفة الأجسام والحواجز والموانع .
ثم إنّ «خيار البحر» إذا طارده عدو استطاع أن يقبض عضلاته الداخلية ويمزق بعض أحشائه ويلفظها خارج جسمه، فاذا ما انصرف العدو إلى التهامها أسرع الحيوان إلى الفرار، ولا تلبث الإحشاء الداخلية أن تعود مرة أُخرى كما كانت .
هذه نماذج من ظاهرة الاهتداء إلى الاحتياجات وطرق رفعها وتلبيتها

صفحه 232
في حياة الحيوانات، وهي حقيقة ظاهرة للعيان يجدها كل متتبع ومتأمّل في تصرفات الأحياء وكلّ مطالع للكتب والدراسات المرتبطة بعلم الحيوان .
غير انّ المهم هنا هو معرفة مصدر هذا الاهتداء وعلّته، فهذه الجهة هي المهمة في هذا البحث، فما هو مصدر هذا الاهتداء؟ وما هو منشؤه؟
هناك ثلاثة احتمالات نذكرها بعد أن نلخّص أهم النقاط الّتي نجدها في تصرفات الحيوانات:
ما هو مصدر الاهتداء في عالم الحيوان؟   

ما هو مصدر الاهتداء في عالم الحيوان؟

قبل الإجابة على هذا السؤال واستعراض الاحتمالات المطروحة ومناقشتها نشير إلى خلاصة النقاط الّتي نستخلصها من تصرفات الحيوانات والحشرات على ضوء ما ذكرناه فنقول:
إنّنا نلاحظ في تصرفات الحيوانات والحشرات أُموراً هي:
1. انّها تعرف احتياجاتها في معيشتها، وتهتدي إلى طرق تحصيلها، ورفعها بدون معلم .
2. انّ هذه الأحياء تعرف جيداً كيف تقسمّ الواجبات وتوزّع الوظائف وتختارها، وكيف تتعاون معاً للقيام بشؤونها .
3. انّها تعوّض عن العضو الضائع التالف منها بشكل رائع فوراً .
4. انّها تتكيّف مع البيئات المختلفة، وحتّى بإيجاد طائفة من التغييرات في نفسها أحياناً.

صفحه 233
فما هو منشأ كلّ هذه التصرفات الواعية لدى هذه الحيوانات والحشرات؟!
هناك ثلاثة احتمالات هي:
الاحتمال الأوّل: أنّ هذه الحيوانات تقوم بهذه الأفعال والفعاليات العجيبة عن طريق المحاسبة، والتفكير، والتجربة، والاستنتاج، كما يفعل الإنسان العاقل، ولكن هذا الاحتمال مرفوض، لأنّ الحيوانات تفتقر إلى العقل والفهم والقدرة على المحاسبة والتفكير، ولا يرجع أعمالها وأفعالها إلى التجربة والاستنتاج، والبرهنة والاستدلال .
الاحتمال الثاني: أن يكون منشأ هذه الأعمال العجيبة كيفية التركيب الجسماني، والتنظيم البدني لهذه الحيوانات أي انّ جهازها المادّي بما له من التركيب والنظم الخاص يقتضي أن تقوم هذه الأحياء بمثل هذه الفعاليات العجيبة، والنشاطات المحسوبة.
فكما أنّ التركيب الآلي الخاص لجهاز الساعة يستوجب أن تقوم الساعة ـ بعد صنعها ـ بفعاليتها بصورة صحيحة لمدة طويلة من الزمن، فكذا يستوجب التركيب والنظم الخاص في جهاز الحيوان أن تقوم بمثل هذه الأفعال العجيبة المحسوبة من انتخاب الوظائف والملائمة مع البيئة .
ولعلّ ما يريده المشتغلون بعلم الحيوان من الغريزة هو هذا الأمر، فانّهم يقصدون من الغريزة انّ الأفعال العجيبة الّتي يقوم بها الحيوان هي خاصية تركيبه الوجودي .
وسيوافيك ـ عند طرح ودراسة الاحتمال الثالث ـ بطلان هذا

صفحه 234
الاحتمال وانّه من غير الممكن تفسير كل تلك الفعاليات العجيبة الّتي تقوم بها الحيوانات بمثل هذه النظرية .
الاحتمال الثالث: ويذهب هذا الاحتمال إلى أنّ الفعاليات والنشاطات الّتي تقوم بها الحيوانات تتنوع إلى نوعين:
نوع يكفي في الاهتداء إليها نفس الجهاز الموجود في جسم الحيوان بما له من التركيب والنظام الخاص.
وفي هذه الصورة يكون نفس ذلك الجهاز المادي بما له من التركيب الخاص كافياً لحدوث تلك الفعاليات وصدور النشاطات من الحيوانات، ويكون الحيوان حينئذ بمنزلة الأجهزة الميكانيكية الّتي يكفي مجرد النظم المادي الخاص فيها، في حدوث وصدور طائفة من الأعمال منها .
والنوع الثاني ما لا يكفي الجهاز المادي فيه لصدور تلك الفعاليات والمواقف منه، بل يحتاج إلى عامل آخر وراء ذلك يبيّن المسير ويملي على الشيء الموقف اللازم اتّخاذه في الحالات غير المتوقعة .
وهذا يتجلّى بوضوح عندما يقوم الشيء بعملية الابتكار والاختيار، فانّ ذلك لا يمكن أن يستند إلى طبيعة النظام الحاكم في الجهاز المادي للشيء، لأنّه ليس للجهاز المادي إلاّ أن يقوم بما رسم له سلفاً لا أن يبتكر أو يختار عندما يلزم ذلك ويتعيّن على الشيء ان يختار موقفاً أو يعمل عملاً ابتكارياً، وذلك عندما يواجه أمراً غير مرتقب بالنسبة إلى ذلك الجهاز، ولا متوقع .
وصفوة القول: إنّ الجهاز المادي لا يمكن أن يقوم بعملية

صفحه 235
الاختيار والابتكار وانّما يجري على ما صنع عليه وعبّئ فيه وصمّم عليه وجوده، وذلك كالآلة الحاسبة فانّها بحكم تركيبها الآلي، وما أودع في جهازها من نظام، قادرة على إجراء العمليات الحسابية الأساسية الأربعة: (الجمع والطرح والضرب والتقسيم) فقط، وليست قادرة على أن تصحح ما قد يقع في ذهن صاحبها أو الخطأ الواقع في الرقم الّذي يلقيه إليها، أو أن تبتكر من لدن نفسها نظرية جديدة في الحساب، فانّ ذلك يحتاج إلى قدرة على الاختيار يفتقر إليها ذلك الجهاز.1
إذا عرفت هذا فلننظر إلى تصرفات الحيوانات والحشرات، انّها تلائم نفسها مع البيئة الجديدة تختار الوظائف، تبادر إلى تعويض العضو التالف منها، توزع الواجبات، تختار...
فإذا لم يمكن اسناد كل ذلك إلى العقل لفقدانه في الحيوانات ولا إلى طبيعة الجهاز المادي لكونه أمراً غير مترقب في ذلك الجهاز، يبقى الاحتمال الثالث وهو دخالة عامل الإلهام في هداية هذه الحيوانات لاتّخاذ ما يجب اتّخاذه عند مواقع الاختيار وموارد الابتكار والانتخاب، وهو ما يسمّيه القرآن الكريم بالوحي .

1 . الفرق بين ما يقوم به الجهاز المادي وما لا يمكن أن يقوم به هو انّه لو كان العمل جارياً على وفق المصنوع أمكن اسناد ذلك العمل إلى الجهاز المادي، وأمّا إذا حدث طارئ وصار المصنوع المعين أمام طريقين، وكان انتخاب أحد الطريقين والعمل على وفقه موجباً لفلاح المصنوع ونجاحه، فانّ مثل هذا الفعل والموقف يحتاج لا محالة إلى عملية الاختيار، ولا يمكن اسناده إلى الجهاز، وما نراه لدى الحيوانات هو من القسم الثاني، فانّ الحيوان مضافاً إلى قيامه بالنوع الأوّل من الأعمال، يقوم بابتكارات، واختيارات، لا يمكن التنبّؤ بها سلفاً، لأنّها ترتبط بالمستقبل .

صفحه 236
 
القرآن الكريم والهداية الإلهية للحيوانات
إنّ القرآن الكريم يعزي اهتداء النحل ـ مثلاً ـ إلى سبل حياتها إلى الوحي الإلهي لها، إذ يقول:
(وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)1.
فهو سبحانه يوحي ويلهم إلى هذا الحيوان ليتّخذ من الجبال بيوتاً، ثم يأكل من كل الثمرات، ممتصاً عصاراتها الطيبة ليخرج من بطونها شراب شفاء للناس .
بل يذهب النبي موسى(عليه السلام) إلى أبعد من ذلك، حيث يصرح بأنّ الله تعالى شمل كلّ المخلوقات بمثل هذه الهداية، إذ قال في معروض الإجابة على فرعون عندما سأله عن ربه الّذي يدعو إليه:
(قَالَ رَبُّنَا الّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(2).
ونظير ذلك قوله سبحانه:
(الّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَ الّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(3).
مميّزات برهان النظام   
تبقى مسألة واحدة وهي انّنا إذا قلنا بأن اهتداء الحيوانات إلى سبل

1 . النحل: 68 ـ 69 .            2 . طه: 50 .            3 . الأعلى: 2 ـ 3 .

صفحه 237
معيشتها بشتى أنواعه راجع إلى الجهاز المادي المعبّأ في وجودها وكيانها حسب نظام خاص، فانّ الاستدلال باهتداء الحيوانات هذا يندرج تحت «برهان النظام» ولا يكون برهاناً جديداً .
وإن قلنا بأن اهتداء الحيوانات إلى تلك المسالك والمواقف وخاصة عندما تقوم بعمل ابتكاري، وتختار موقفاً من المواقف المتعددة يرجع إلى حالة تزود بها من جانب شيء خارج عن وجودها يكون هذا البرهان برهاناً مستقلاً، ودليلاً جديداً على وجود ملهم لهذه الحيوانات وراء وجودها، وهو الله سبحانه أو ما ينتهي إليه .
وفي ختام «برهان النظم» يجدر بنا أن نشير إلى ما يمتاز به هذا البرهان على غيره من البراهين، وقد سبق أن أشرنا إلى اثنين منها في مطلع الحديث عن هذا البرهان .

مميّزات برهان النظام

إنّ برهان النظام يمتاز على البراهين الأُخرى بوجوه:
1. انّ برهان النظم ـ كما عرفت ـ يقوم على مقدّمتين: إحداهما حسّية، والأُخرى عقلية محضة .
أمّا الأُولى: فهي انّ هناك نظاماً بديعاً يسود كلّ أرجاء الكون من الذرة إلى المجرة، وهو أمر تتكفّل بإثباته المشاهدة والملاحظة وما كشفت عنه العلوم الحديثة من السنن والنواميس .
وأما الثانية: فهي انّ العقل بعدما لاحظ النظام، وما يقوم عليه من

صفحه 238
المحاسبة والتقدير والهدفية والقصد، والتوازن والانسجام حكم ـ بحكم قطعي ـ بأنّ أمراً كهذا من شأنه أن يمتنع صدوره بمحض الصدفة والاتّفاق، بل لا ينبع إلاّ من فاعل قادر عليم ذي إرادة وحكمة وقصد. ولأجل هذا كان برهان النظام من أوضح البراهين وأكثرها بداهة، بحيث يذعن له كلّ واحد حتّى من يتحفّظ تجاه الاستدلال الفلسفي ويتحاشاه ويشكّك فيه .
2. ان «برهان النظام» لا يحتاج في دلالته إلى إثبات وجود النظام في جميع أرجاء الكون، وجوانب الحياة، بل يكفي في دلالته أن نشير فيه إلى مظهر واحد من مظاهر النظام الكوني، ومورد واحد من موارد التناسق، مثل النظام السائد على جهاز العين، أو جهاز الاذن، أو تركيب الوردة أو مملكة الحيوان مثلاً، وإن جهلنا النظم السائدة في الموارد الأُخرى من الطبيعة والكون .
فانّنا إذا دخلنا في مكتبة عظيمة زاخرة بالمصنّفات والكتب، وأخذنا كتاباً علمياً وتصفّحناه فوجدنا فيه التبويب الجميل والبحث العميق، والاسلوب الأنيق، كفانا ذلك في حملنا على الاعتقاد اليقيني الّذي لا يشوبه ريب بأنّ لهذا الكتاب مؤلّفاً قديراً، وانّ هناك كاتباً عالماً دبج سطوره ورتّب فصوله، وانّه لم يكن وليد الصدفة والاتّفاق، أو نتيجة لجرة قلم عابثة .
3. انّ «برهان النظام» يتمشّى مع تقدّم العلوم وتكاملها، وانّه يمكن الاستعانة به حتّى مع تزايد الكشوف العلمية، وتطور الحقائق والمعلومات، لأنّها تقدّم المزيد من المصاديق الحية لهذا البرهان .
فلبرهان النظام دلالة دائمة وخالدة على وجود الصانع الخبير، والخالق القدير للنظام الكوني وتجدّد العلوم وتكاملها لا يثير أيّة مشكلة في وجه

صفحه 239
هذا البرهان، ولا يبليه، بل يزيده قوة وجدة، وقد أشرنا إلى هذا الامتياز في مطلع برهان النظام .
4. ان «برهان النظم» سهل المأخذ بحيث يهتدي إليه العالم والجاهل، إذ ما من إنسان له أدنى إدراك إلاّ ويميز بين الفوضى والنظام، ويدرك انّ النظام يحتاج إلى منظم، وكلّما ازداد تنظيم الشيء دلّ على زيادة عقل منظمه وعلمه .
وبهذا لا يكون فهم هذا البرهان وتناوله مقصوراً على طبقة خاصة، بل هو برهان جماهيري، ودليل يدركه العموم.1
5. انّ «برهان النظام» بكشفه القناع عن المواهب الإلهية الكريمة السخية في حياة الإنسان والعالم المحيط به يزيد من علاقة المخلوق بخالقه، وحبه له ويدفعه دون إرادة منه إلى التسبيح بحمد ذلك الخالق، والقيام بشكره.
6. انّ القرآن الكريم أعطى هذا البرهان ـ في مباحثه التوحيدية ـ اهتماماً أكبر، واعتمد عليه أكثر من اعتماده على أي دليل آخر، بل لم يكتف في الاستشهاد به على وجود الخالق، انّما اعتمد عليه في إثبات التوحيدالخالقي والربوبي أيضاً .
فهو تارة يلفت نظر الإنسان إلى السير في الآفاق والأنفس بشكل مطلق ودون تحديد نقطة معينة، إذ يقول تعالى:
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)2 .

1 . هذا الامتياز غير الأوّل، فمصب الكلام الأوّل هو بداهة أركان البرهان، وانّه بحيث لا يحتمل جدلاً، ومصب الكلام هنا هو بساطة وعمومية هذا البرهان .
2 . فصلت: 53 .

صفحه 240
ويقول: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا تُغْنِي الآيَاتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ)1 .
وتارة يلفت النظر إلى آيات آفاقية خاصة، إذ يقول سبحانه:
(خَلَقَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَ أَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَ أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُبِين)(2) .
ويقول: (خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)2 .
وتارة ثالثة يلفت نظر الإنسان إلى نفسه وما فيها من أعاجيب الصنع ودقائق النظام، وأسرار التركيب إذ يقول: (أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ)3 .
ثم يقول مفصلاً: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)4 .
ويقول: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم)5 .

1 . يونس: 101 .            2 . لقمان: 10 ـ 11 .
2 . الزمر: 5 .
3 . الروم : 8 .
4 . المؤمنون: 12 ـ 14 .
5 . التين: 4 .

صفحه 241
وبالتالي فانّ القرآن يزخر بالآيات الّتي تلفت الأنظار إلى ما في الكون من أنظمة جميلة وتفصيلاً، وبذلك يولي هذا النوع من الاستدلال من الأهمية ما لا يوليه لأي دليل آخر .
7. انّ «برهان النظم» لوضوحه، وانّ النظم السائد في الكون لسريانه في جميع أجزائه وذراته قد يغفل الإنسان عن التوجّه إليه فيكون كالعائش في النهار، الغارق في بحبوحة الضوء فانّه يغفل عن وجود الشمس وان توجه إليه البعض والتفتوا إلى وجوده .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الغفلة، إذ يقول سبحانه:
(وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَ هُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)1.
ويقول سبحانه: (وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)(2) .
ولا عجب فكم منّا من كان ينظر إلى سقوط تفاحة من الشجرة إلى الأرض دون أن يتصدّى لمعرفة سبب ذلك، بينما دفع أحد النوابغ والمفكّرين وهو «إسحاق نيوتن» إلى التحقيق عن علّة سقوطها حينما شاهدها تقع على الأرض ولفتت نظره، حتّى أدى به تحقيقه إلى اكتشاف قانون عام هو «قانون الجاذبية العامة» الّذي كان له مكانة كبرى في العلوم .
وخلاصة القول: إنّه لمّا كان هذا النظام سائداً في كلّ شيء فانّه خفي على غير المحقّقين والمتنبهين أي أنّه كاد لفرط ظهوره أن يخفى على كثيرين .

1 . يوسف: 105 .            2 . يونس: 92 .

صفحه 242
8 . انّ برهان النظام كغيره من البراهين الدالّة على وجود الله يتكفّل بإثبات بعض الجوانب في قضايا العقيدة، وهو انّ لهذا النظام البديع خالقاً عالماً قادراً على خلاف ما يدّعيه المادّيون من أنّ هذا النظام نابع من نفس المادة أو انّه وليدالصدفة العمياء .
وأمّا أنّ هذا الخالق واجب الوجود، أو ممكن الوجود، حكيم عادل أم لا، وماشابه ذلك فهي أُمور خارجة عن نطاق هذا البرهان ورسالته، بل لابد من استفادته من أدلة أُخرى مثل برهان الإمكان والوجوب، أو إبطال الدور والتسلسل أو ماشابه ذلك وناسبه .
ولهذا يتعيّن على كلّ طالب أن يقف أوّلاً على رسالة كلّ برهان ومداه، فلا يطلب منه ما هو خارج عن رسالته، فكلّ برهان يثبت شيئاً من الأشياء وناحية من النواحي لا جميعها كما هو الحال في براهين وجود الله سبحانه .
وسيوافيك لدى مناقشة مازعمه الفيلسوف الانجليزي «ديفيد هيوم» ونقد ما طرحه من اعتراضات على برهان النظام، أنّ بعض اعتراضاته ناشئة من تصوّره الخاطئ بأنّ برهان النظم بوحده يفي بإثبات كلّ ما يدّعيه الإلهيون في باب الخالق من إثبات وجوده وصفاته وأسمائه حتّى عدالته وحكمته .

صفحه 243
ملخّص ما سبق   

ملخّص ما سبق

تلخّص من هذا البحث أُمور:

1. برهان النظام من أوضح البراهين الدالّة على وجود الله الخالق بعد برهان الفطرة، وهو يتمشّى مع القول بحدوث المادة وقدمها .
2. يتألّف برهان النظم من صغرى، وكبرى، ونتيجة .
والصغرى هي إثبات وجود النظام البديع في الكون، وتتكفّل بإثباتها العلوم الطبيعية والنظر والمشاهدة .
والكبرى وهي حكم العقل بأنّ لكلّ كائن نظماً كان أو غير ذلك علّة موجدة.
والنتيجة هي انّ لهذا النظام البديع علّة .
3. النظم عبارة عن الترابط والتعاون بين أجزاء مجموعة واحدة لتحقيق هدف معين بحيث يكون كل جزء في هذه المجموعة مكملاً لها، ويكون فقدانه موجباً لعدم تحقّق الهدف المطلوب منها .
4. النظام هو الفارق بين فعل التدبير وفعل الصدفة، فما كان منظماً كالقصر المشيد على أحسن هندسة كان من فعل الفاعل المدبّر الحكيم، وما كان

صفحه 244
فوضى كالتل المكوم بعشوائية من المواد الإنشائية كان وليد الصدفة العمياء، وهذا هو الضابطة الثابتة للتمييز بين وليد التدبير ووليد الصدفة .
5. الإلهي يشارك المادي في الاعتراف بالعلل والأسباب الطبيعية كما تشهد بذلك مؤلّفاتهم الفلسفية، ويصرح به القرآن الكريم. ويخالفه في إرجاع مجموعة الأسباب والمسببات إلى علّة عليا على العكس من موقف المادي الّذي ينكر هذه العلّة العليا .
6. خلاصة ما يستفاد من مشاهدة الظواهر الكونية المختلفة، والعلاقات السائدة في عالم الفضاء والنبات، والحيوان، والإنسان والجماد، هو «النظام» بمعنى الترابط والتنسيق والمحاسبة والدقة والهدفية، وكل ذلك يدلّ على وجود خالق مدبر عليم وراء هذا النظام الكوني البديع .
7. حساب الاحتمالات وهو صورة أُخرى من برهان النظام يقتضي باستحالة توفر الحياة على الأرض، المشروطة باجتماع ملايين الشروط والعلل الطبيعية، وبنسب دقيقة متنوّعة، عن طريق الصدفة، لأنّ ذلك الاحتمال يكاد يصل إلى حد الصفر الرياضي..
8. التوازن السائد بين أشياء الكون، والضبط الحاكم عليها وخضوعها لنسب ومقادير خاصة متناسبة، يعتبر صورة ثالثة لبرهان النظم، وهو يدلّ على وجود عقل جبار، وفاعل حكيم خبير، وارادة عليا أرسى هذا التوازن اللازم للحياة وهذا الضبط الّذي يكبح جماح الأشياء، ويحد من نموها المطّرد المضر بما أقر من قوانين وأقام فيها من أجهزة وسنن .
9. اهتداء الحيوانات إلى اختيار ما يصلحها عند موارد غير متوقعة،

صفحه 245
وابتكار بعض المواقف من الأدلّة الأُخرى على وجود الله .
10. اهتداء الحيوانات إن كان ناشئاً من نظام تركيبها العضوي فهو يعتبر صورة رابعة لبرهان النظم، وإن كان بإلهام الله ووحيه كان دليلاً مستقلا .
11. يمتاز برهان النظم على غيره من البراهين بأُمور هي: انّه برهان حسّي عقلي، ولهذا فهو برهان بديهي، وهو لا يحتاج إلاّ إلى إثبات جانب من النظام، كما ويتمشّى مع تقدّم العلوم، وهو برهان سهل المأخذ، ويتضمّن بيان النعم الإلهية، وقد اهتّم به القرآن الكريم أكثر من البراهين الأُخرى .

صفحه 246
هل للنظم وجود في الواقع الخارجي؟   

أسئلة حول برهان النظم

   (1)

هل للنظم وجود في الواقع الخارجي؟

ليس هناك في عالم الطبيعة من يدرك هذا النظام بالمعنى الّذي ذكرناه إلاّ «الإنسان» ولولاه لم يكن للنظم أي مفهوم واقعي، (أو بالأحرى أي واقعية خارجية) .
وبعبارة أُخرى: انّ العالم ـ بصرف النظر عن الإنسان ـ لا يختلف بين منظمه، وغير منظمه، أي انّ الساعة المنظمة لا تختلف عن الأوراق المبعثرة في الجو، في نظر الفارة والبقرة مثلاً، فانّهما ينظران إلى الساعة والأوراق المبعثرة بشكل واحد دون تفريق بينهما .
وهذا يعني انه لاوجود لما يسمّى بالنظم إلاّ من وجهة نظر الإنسان بحيث لو لم يكن هناك إنسان لما كان للنظم أي مفهوم أو وجود في الواقع الخارجي .
الجواب
قبل الإجابة على هذه الشبهة لابد أن نعرف انّ هذا الإشكال ممّا اعتمد عليه «الوجوديون» ويعطونه أهمية كبرى، ويغرون به البسطاء من الناس، فهم يقولون: إنّ هذا الكون ليس سوى أمواج خالية عن أي تعيّن أو تطوّر،

صفحه 247
والإنسان هو الّذي يضفي على هذه الأمواج أوصافاً وألواناً ويحدد لها تواريخ ويعطيها تعيّنات ومعاني، ثم يقضي بنفسه بأنّ هذا منظم، وذاك غير منظم، ولولا هذا الإنسان لكان الكون بلا معنى، ولا تحديدات .
ونقول في الجواب على هذه الشبهة: إنّ هذا الإشكال مبني على أنّ صاحبه لا يرى العلم طريقاً وكاشفاً عن الواقع، ويتصوّر انّ الواقعيات وليدة الذهن البشري، وهذا هو محط النزاع بين «المثاليّين» و «الواقعيّين»، فانّ «المثاليّين» الذين يعبر عنهم في الفلسفة الإسلامية بالسوفسطائيّين لا يرون للعلم صفة الطريقية، ولا يعتبرونه كاشفاً عن الخارج، وذلك لأنّهم بين منكر للعالم بالمرة، وبين شاك أو مشكّك فيه .
وأمّا «الواقعيون» فهم يرون انّ علم الإنسان كاشف عن الواقعيات الثابتة خارج الذهن لا انّ الواقع وليد العلم، أونسج الذهن .
فالمثلث، أوالشمس البازغة، أو الشجرة المثمرة التي نعلم بها، ما هي ـ في الحقيقة ـ إلاّ أُمور حقيقية موجودة في الواقع الخارجي، بصرف النظر عن وجود الإنسان وعن ذهنه وعلمه، وقد توصل الإنسان إلى إدراكها عبر الأجهزة والأدوات التي زوّد بها بحيث لولا الإنسان ولولا إدراكه لهذه الأُمور والأشياء، لكان لها واقعية ووجود خارجي، وقف الإنسان عليها أم لم يقف .
بذلك يتبيّن انّ الإشكال المذكور، يقوم على مسلك المثاليّين السوفسطائيّين المرفوض في الأوساط العلمية، فانّ الادّعاء بأنّ النظم السائد في الكون ممّا يدركه الإنسان وحده بحيث لو انتفى وجود الإنسان لما بقي للنظم مفهوم ولا واقع، هو عين ما يدّعيه المثاليّون والسوفسطائيّون، إذ ما الفرق

صفحه 248
بين إدراك «وجود» الشمس والقمر والشجر، وإدراك «الاتّصال الوثيق والتعاون العميق بين أجزاء الظاهرة المادّية لتحقيق هدف معين»؟
أفهل يمكن أن يتفوّه عاقل بنفي وجود القمر والشمس والشجر ويقول بأنّه لولا الإنسان لما كان لوجود هذه الأشياء معنى، ولا واقعية؟ فإذا لم يكن هذا الموقف ممّا يرتضيه عاقل فكيف يمكنه القول بأنّ النظم بمعنى «الاتّساق والتعاون السائدين بين أجزاء الظواهر المادّية لتحقيق غاية معينة» ممّا يدركه الإنسان وحده بمعنى انّه من وليد ذهنه بحيث لولاه لما كان لهذا النظم أي وجود في أشياء الطبيعة؟
وحاصل القول: إنّ الإنسان يدرك ـ بدرك كاشف ـ فرقاً واقعياً ثابتاً، خارج الذهن البشري بين الساعة المصنوعة بأحسن وجه، والأوراق المبعثرة المتطايرة في الجو، حيث يرى في الأوّل ملامح الترابط والاتساق والتعاون بين أجزائه لتحقيق هدف معين، وهو بيان الزمن والوقت، ويفتقد مثل ذلك في الثاني .
وتلك واقعية راجعة إلى نفس الموجودين سواء أدرك الإنسان ذلك أم لا؟

صفحه 249

أسئلة حول برهان النظم

   (2)
هل النظم المحدود يكشف عن دخالة الشعور؟   

هل النظم المحدود يكشف عن دخالة الشعور؟

إنّ شمول النظم لبعض الموجودات والظواهر الطبيعية الواقعة في إطار العلم البشري لا يدلّ على شمول هذا النظم وسريانه في الكون كلّه، فانّ ما وقع عليه إدراك الإنسان من هذا العالم هو أقل بكثير ممّا لم يقع عليه إدراكه،ومع ذلك كيف يمكن أن يستكشف من هذا النظم القليل المحدود دخالة الشعور في تكون النظام الكوني كلّه، في حين من المحتمل أن تكون هناك عوالم خارجة عن نطاق إدراكه يسودها الفوضى والهرج والمرج ممّا لم يدركه الإنسان ولم يقع ضمن مدركاته ومعلوماته؟

الجواب:

إنّ الإجابة على هذا السؤال واضحة، إذ حتّى لو فرضنا انّ الإنسان لم يقف على تلك العوالم الخارجة عن ادراكه فانّ هذا لا يدلّ على خلوها عن النظام، فكيف يحكم المادّي ـ بقاطعية ـ بأنّه لا مجال للاعتقاد بدخالة الشعور في تكون هذا العالم، هذا أوّلاً .
وأمّا ثانياً، فانّ مايدركه الإنسان من النظام البديع السائد في

صفحه 250
المحيط الطبيعي الواقع تحت إدراكه يكفي لإثبات دخالة الشعور والعلم في تكوّنه وإيجاده .
فانّ العين ـ على سبيل المثال - بما فيها من دقة الصنع وعمق التركيب، إذا لوحظت بكافة أجهزتها وأغشيتها ومياهها وما يسود فيها من الترابط والاتّساق والتعاون لتحقيق هدف خاص وهو الإبصار، وما بين هذه الحاسّة وسائر أعضاء الجسم من التعاون، حكم الإنسان ـ من فوره ـ بأنّ هذا النظم (بالمعنى المذكور) لا يمكن أن يوجد إلاّ بدخالة شعور وقصد، دون أن يحتاج في حكمه هذا إلى الإحاطة بعموم الكون كما توهّم المعترض .
ونمثّل لذلك بمن يدخل في مكتبة كبرى ويتصفّح كتاباً من كتبها، وبعد أن يقف على سطر منه يسود فيه الترابط والتناسق والتعاون بين السطور والفصول الّذي يتوقف عليه بيان أمر خاص، فانّه يذعن من فوره بوجود مؤلّف عاقل وقدير وراء هذا الكتاب، سواء تفحّص بقية الكتب الموجودة في تلك المكتبة أو لا، فانّ في النظم والنسق الموجود في الكتاب المذكور كفاية للدلالة على وجود مؤلّف قادر .
إنّ الإنسان الّذي ينظر إلى الطبيعة المحيطة به بواسطة الأجهزة الّتي زوّد بها كلّما تفحّص أكثر، وقف على مزيد من النظم والترابط والتناسق في أجزاء الطبيعة ولم يقف أحد إلى الآن على مورد واحد يسوده الفوضى ويعمّه اللانظام والعشوائية .

صفحه 251
العلماء المحقّقون والاعتقاد بدخالة الشعور
إنّ جهود العلماء وما يجرونه من اختبارات وفحوص بالميكروسكوب أو التلسكوب يدلّ على أنّهم يعتقدون في قرارات نفوسهم بسيادة نظم دقيق في أرجاء الطبيعة، ولهذا فهم يجتهدون غاية الاجتهاد لاكتشاف النواميس والقوانين الحاكمة في الطبيعة للانتفاع بها في الحياة البشرية، ولو لم يكن عندهم مثل هذا الاعتقاد لما تجشّموا عناء الفحص والاختبار والتحقيق، إذ لا معنى لذلك لو كان العالم في نظرهم فوضى لا نظام له ولا قانون .
ولا يحصل مثل هذا الاعتقاد القطعي بوجود النظم إلاّ بعد الاعتقاد بدخالة الشعور والعقل والقصد في تكون النظام الكوني، فلولا هذا الاعتقاد لما أمكن أن يدّعي العالم الفاحص القطع بوجود النظام في الكون، ولهذا قلنا فيما مضى انّ المادي المنكر للصانع الحكيم بلسانه، مؤمن بذلك بوجدانه وضميره، إذ لا شك انّ المادي والإلهي يقفان على صعيد واحد من حيث الاعتقاد بسيادة النظم في هذا الكون، ولهذا يتساويان في الفحص عن الضوابط والنواميس الطبيعية، وهذا يعني انّهما يعتقدان قبل ذلك بوجود تلك الأنظمة والنواميس، وإلاّ لما كان لبحثهم وتحقيقهم مبرر، ولا يصحّ الاعتقاد القطعي بوجود النظم إلاّ بعد الاعتقاد بدخالة الشعور والقصد في تكون العالم ولولا الاعتقاد الأخير لما أمكن للباحث أن يدّعي القطع بوجود النظم فانّ الاعتقاد بالتصادف لا ينتج القطع بالنظام بل أقصاه هو احتماله .
وبتعبير آخر انّ السعي لاكتشاف النواميس والقوانين في الطبيعة ناشئ

صفحه 252
من القطع بوجود النظم في الكون، وهو بدوره ناشئ من الاعتقاد بدخالة الشعور والقصد في إيجاده، فهذا هو الّذي دفع العالم الفاحص ـ مادّياً كان أو إلهياً ـ إلى الإيمان القطعي بسيادة النظام في الكون، إذ انّ الاعتقاد بدخالة التصادف في نشأة الكون لا يمكن أن يحمله على الاعتقاد بسيادة النظام فيه على وجه القطع، لانّ القول بالتصادف لا يورث الإذعان بوجود النظام القطعي في العالم .
إنّ العالم الّذي يجلس وراء المجهر ليقف على النواميس الحاكمة في الخلية أو الدم لو سألناه: ما الّذي دفعك إلى الجلوس وراء المجهر وتجشّم عناء الفحص؟ لأجاب: بأنّ هناك نظاماً سائداً في هذه الكائنات أُريد أن أكشف القناع عنه، فإذا سألناه ثانية: ومن أين علمت بسيادة النظم على الكون علماً قطعياً؟ فإن أسنده إلى القول بدخالة الشعور والعقل في تكون العالم صحّ له ادّعاء الإذعان القطعي بوجود النظم، وإن أسنده إلى التصادف لم يصحّ له ادّعاء القطع بوجود النظام، لأنّ التصادف لا يحمل إنساناً على الاعتقاد القطعي، لأنّ معنى التصادف هو انه «يمكن أن يكون كذا أو كذا» ومثل هذا لا يورث العلم القطعي ولا ينتجه .

صفحه 253

اسئلة حول برهان النظم

    (3)

هل النظم من نسج الخيال البشري؟

هل النظم من نسج الخيال البشري؟   
ليس في الكون أي واقع للنظام الّذي يدّعيه الناس فانّ ما يسمّيه الإنسان منظماً، انّما هو من نسج تخيّله، أي انّه بتخيّله يضفي على الكون وما فيه «نظماً»، كما يفعل ذلك مثلاً في ليلة مقمرة عندما تقع عيناه على قطع متناثرة من الغيوم فيتخيّل إحداها على هيئة أسد، والأُخرى على هيئة بعير، في حين نعلم أنّه ليس هناك أيّة أنظمة بحسب الواقع، بل هي أشباح وصور وأشكال خياليّة نشأت من تخيّل ذلك الإنسان المتطلّع في السماء، ولو صحّ إطلاق النظام عليه لما كان له مبدأ إلاّ حركة الريح غير الشاعرة بفعلها فليكن هذا النظام المتصوّر في العالم مثل هذه الأشباح والصور، أي انّ النظام المدّعى في الكون إمّا أنّه أمر خيالي من نسيج الخيال، أو انّه ـ على فرض وجوده ـ نظير السحب التي أوجدتها الصدفة .
ويشبه هذا ما إذا ملأ أحد بندقية صيد بكمية من الصبغ الأسود ـ مثلاً ـ ثم أطلق ذلك الصبغ بإطلاقة من بندقيته على ستار أبيض، فانتشر الصبغ على ذلك الستار وبرزت من ذلك صور بديعة تكاد تشبه حيواناً أو زهرة، في حين نعلم أنّ كلّ ذلك لم يتحقّق عن شعور وقصد فالنظام الحاصل في الستار من رش الصبغ وليد الصدفة .

صفحه 254
الجواب:
إنّ هذ الإشكال ناشئ من خطأ المعترض في تفسيره للنظم، وتحديده لمفهـومـه .
وبعبارة أُخرى: انّ صاحب هذا الاعتراض استخدم وصف النظم في ما لم يكن من مصاديق النظم، وإليك بيان ذلك :
إنّ النظم ـ كما سبق تعريفه ـ هو عبارة عن «الترابط والتناسق والتعاون بين أجزاء مجموعة واحدة لتحقيق هدف معين بحيث لو ارتفع أحد تلك الأجزاء لاختلّت المجموعة وفقدت الأثر المترتب عليها» .
فالساعة وغيرها من المصنوعات التي يتّسم تركيبها بالترابط والاتّساق والتعاون بين أجزائها على النحو المذكور، هي من مظاهر النظام بالمعنى الّذي عرفت للنظم .
فإذا كان هذا هو حقيقة النظام فلندرس معاً المثالين اللّذين ضربهما المعترض لنرى هل هما من مصاديق النظام أم لا ؟
إنّ النظر في ذينك المثالين يقودنا إلى الحقائق التالية، أو انّه يتطلّب طرح الأُمور التالية:
أوّلاً: هل قطع السحب المتناثرة التي يتخيّلها الناظر في السماء على هيئات وصور حيوانية معينة تخضع لمثل هذا الترابط والتعاون والتناسق الّذي تترتب عليه غاية معينة حتّى يصلح للتمثّل به في المقام أم لا؟
لاشك انّه لايوجد مثل هذه المواصفات في تلك القطع المتناثرة من السحب، فأيّ اتّصال يحكم على أجزائها؟ وأي تعاون يقوم بينها وبين

صفحه 255
بقية القطع؟ وأيّ هدف ينشد من أشكالها التي تخيّلها الرائي؟
فهل يكون مجرد انضمام بعضها إلى بعض على وجه الاتّفاق اتّصالاً وتعاوناً على الوجه الّذي يحقّق غاية خاصة؟
إنّ أقصى ما يمكن أن يدّعيه الإنسان في هذه السحب هو أنّها اتّخذت لنفسها أشكالاً بديعة وهيئات جميلة تستحسنها الطباع .
وهكذا الحال في الصبغ المرشوش من البندقية بهدف اللعب على الستار الأبيض الّذي تتكون منه هيئات جميلة وأشكال بديعة .
ولكن هذا الجمال الخيالي شيء، والنظام الملحوظ في الكون بالمعنى الّذي ذكرناه للنظام شيء آخر .
والشاهد على أنّ ذلك الجمال الّذي ربّما يدركه الإنسان المرهف الذوق من السحب المتبدّدة في الجو، أو الصبغ المرشوش على الستار هو غير النظم، اختلاف الناس في درك هذا الجمال بل واعتباره .
فليس هذا الجمال ممّا تدركه جميع الأذواق بشكل واحد، فقد يستحسنه بعض ويصفه بالجمالية، وقد لا يستحسنه آخرون ولا يصفونه بذلك، في حين لا يختلف في النظام السائد في الساعة أحد، كما لا يرتبط تقييمه باختلاف الأذواق والسلائق، وهذا هو الفرق الواضح بين المقامين، وهذا هو المصحّح لان ينسب أحدهما إلى أنّه من قبيل نسج الذهن دون الآخر .
فانّ كلّ من التفت إلى الساعة اعترف فوراً بوجود نظام سائد على أجزائها دون اختلاف، وهذا بخلاف السحب المتناثرة أو الصبغ المرشوش فانّ كل واحد من الناظرين إليها يصفها حسب ما يؤدّي إليه تخيّله الّذي يختلف عن تخيّل غيره .

صفحه 256
فقانون الجاذبية العامة، وانكسار النور وقوانين الزهرة ممّا لا يختلف في فهمها الشرقي والغربي، مهما اختلفت سلائقهما وأذواقهما، إذ ليست للسلائق والأذواق أي دخالة أو مجال في تقييمها لكونها أُموراً واقعية وذات معايير ثابتة فى معزل عن ذوق الإنسان وتخيّلاته وتصوّراته .
وثانياً: انّ النظام انّما يكون بحيث يمكن أن يصل الإنسان بالسير على نهجه، واتّباعه إلى نتائج معلومة وقطعية، كما نشاهد ذلك في الحياة البشرية .
فالإنسان يبني أكثر نشاطاته التكنولوجية واختراعاته العلمية على أساس النظم والنواميس والقوانين الطبيعية الّتي اكتشفها من الكون المحيط به .
ولهذا استطاع أن يطلق الأقمار الصناعية إلى الفضاء، وينزلها على القمر في الوقت المحدّد وبالسرعة المعينة، وفي المكان المطلوب لها. ولولا وجود هذه النظم لما استطاع أن يتوصّل إلى معرفة النتائج سلفاً، ولما استطاع أن يتنبّأ بموعد الهبوط على وجه التحديد، ومكان النزول بشكل معلوم ومطلوب، وبالتالي لما استطاع أن يصل إلى هذه الغايات من دون أن تخطأ حساباته .
في حين لا يمكن بناء هذه الأعمال التي تستلزم المحاسبة والنظام، على الصور والهيئات المتخيّلة والّتي يتصوّرها المعترض انّها من مصاديق النظام .
ثالثاً: انّ النظم والمنظم قابلان للتكرار إذا روعيت نفس المحاسبات والنسق فيمكن مثلاً إيجاد آلاف الساعات من نوع الساعة المعيّنة بينما لا تكون الصور المتخيّلة في المثالين السابقين قابلة للتكرار، فقد لا تتكرر نفس المناظر التي حدثت من أوّل إطلاقة للأصباغ بالبندقية، وإن تكرر الإطلاق والرش بذات البندقية عدّة مرات .

أسئلة حول برهان النظم

   (4)

هل مصلحة الإنسان هي الملاك في تقييم النظام؟

هل مصلحة الإنسان هي الملاك في تقييم النظام؟   
إنّ ما يسمّيه الإلهي نظاماً في العالم ليس إلاّ شرائط إعدادية لتحقّق مصالح الإنسان، ولأجل ذلك يسمّي هذه الشرائط المرتبطة بحياته نظاماً مع أنّ هذه الشرائط ليست لها أيّة صلة بحياة سائر الموجودات .
وعلى ذلك فالشيء المسمّى بالنظام السائد في الكون ليس إلاّ نظاماً نسبياً (لكونه يرتبط بحياة الإنسان ومصالحه خاصة) لا نظاماً مطلقاً، ولهذا فلا يمكن الاستدلال به على دخالة الشعور والقصد في تكوّن العالم .

صفحه 257

الجواب:

إنّ ما ادّعاه القائل بأنّ «ما يسمّيه الإلهي نظاماً ليس سوى شرائط إعدادية تحقّق حياة الإنسان وتضمن مصالحه» دعوى بلا دليل، فانّ هناك أنظمة كثيرة يعترف بها الإنسان في فحوصه واختباراته في الكون دون أن يكون لها في بادئ النظر ولا في ثانيه أي صلة بحياة الإنسان ، بل وحتّى لو كان لها صلة ـ في الواقع ـ بها فانّها ليست موضع التفاته، وذلك نظير النظام السائد في الذرة الّذي وقف عليه العلم الحديث، ونظير النظام السائد في أجسام الحيوانات التي لا

صفحه 258
ترتبط بحياة الإنسان أو لا يلتفت الإنسان إلى صلتها بها خلال فحصه واكتشافه، وكالنظام السائد في عالم الكواكب والنجوم من الثوابت والسيارات وما بينها من الفواصل، وغير ذلك ممّا وقف أو يقف عليها الإنسان في تحقيقاته ويخبر عنها دون أن يكون ملتفتاً إلى ما لها من الارتباط بحياته، ومصالحه .
فلا يمكن أن توصف كل تلك النظم بأنّها نظم نسبية، لأنّها لا تعدّ نظماً إلاّ عندما تقاس إلى حياة الإنسان ومالها من الدور في تحقيق مصالحه، وتلبية حاجاته الحياتية، لأنّها قد لاتمت إلى الإنسان وحياته ومصالحه بصلة، أو أنّ مكتشفها لم يكن حال كشفه لها ملتفتاً إلى نسبتها إلى حياة الإنسان وصلتها بمصالحه ومتطلبات معيشته .
ثم إنّنا لو سلّمنا بما يدّعيه القائل، فانّ النظام الواقع في طريق حياة الإنسان المحقق لمصالحه هو بنفسه أوضح دليل على دخالة الشعور والقصد، فهو ـ بما جعل عليه بحيث يعود على الإنسان وحياته بالفائدة والنفع ـ يدلّ على أنّ هناك صانعاً عاقلاً قادراً قد رتّب الشرائط وهيّأها بحيث تحقّق مصالح نوع من أنواع الموجودات وتضمن حياته وبقاءه، وإن لم تكن هذه الشرائط مناسبة لغيره .
لنفترض معهداً مزوّداً بأنواع الأدوات العلمية والوسائل والآلات التربوية والرياضية المناسبة ـ من حيث أنظمتها ـ لتعليم الطلاب والطالبات وترقيتهم في مدارج العلم .
فإنّ هذه الأدوات والآلات وما يسودها من الترتيب والتنظيم لها صلة بحياة الطلاب والطالبات، وليس لأحد أن ينكر ذلك وإن لم تمت هذه

صفحه 259
الأدوات والآلات والوسائل بحياة واحتياجات طوائف أُخرى من المجتمع كالجنود أو المرضى، بصلة .
أفهل يمكن لأحد أن ينفي دخالة الشعور في النظام الملائم للمدرسة، واحتياجات الطلاب والطالبات بحجة انّ هذا النظام لا يرتبط بحياة الأصناف الاجتماعية الأُخرى، ولا يحقّق متطلباتهم، ولا يناسب احتياجاتهم، فإذن هو نسبي وحيث كان نسبياً لم يكن مطلقاً، ولهذا لا يدلّ على دخالة الشعور أم انّه يعترف بأنّ المناسبة والملائمة وإن كانت بين تلك الأدوات والوسائل وبين حياة صنف معين خير دليل على وجود شعور وراءها وإن لم يكن لها ارتباط بحياة الآخرين أومناسبة مع احتياجاتهم ومصالحهم؟

صفحه 260

أسئلة حول برهان النظم

   (5)

هل يكون النظام نتيجة الصدف التدريجية؟

هل يكون النظام نتيجة الصدف التدريجية؟   
إنّ النظام لا يمكن أن يكون وليد الصدف إذا كان عدد الصدف محدوداً ومعدوداً والمواد المتفاعلة قليلة .
وأمّا إذا كان عدد الصدف كبيراً جداً جاز أن تكون المصادفات والوقائع الاتفاقية المتلاحقة منشأ لحصول النظام، وتواجد الشيء المنظم، وذلك لأنّ القائل بالصدفة لا يدّعي انّ النظام السائد في العالم حصل دفعة واحدة حتّى يكون ذلك أمراً مستحيلاً في نظر العقل، وانّما يدّعي ان المصادفات غير المتناهية أوجدت في كل مرة جزءاً من النظام، وهكذا تلاحقت هذه الأنظمة الجزئية إلى أن تحقّق هذا النظام الهائل الكامل .
فاحتمال حصول «خلية منظمة» عن طريق الصدفة دفعة واحدة ـ مثلاً ـ احتمال يستنكره العقل، ولا يقيم له وزناً، وأمّا إذا كان عدد المصادفات كبيراً فلا مانع من أن يحصل النظام الكامل تدريجاً حينئذ، وذلك بأن تتلاحق جوانب من النظام، وتحدث شيئاً فشيئاً، في الآونة بعد الأُخرى، حتّى يحصل هذا النظام الهائل الكامل، ففي هذه الصورة يكون احتمال حصول «الخلية المنظمة» عقيب الصدفة الكثيرة، احتمالاً مقبولاً وغير مستبعد في نظر العقل، وهكذا الحال في سائر الأنظمة الموجودة في الأشياء الأُخرى.

صفحه 261
الجواب:
إنّ الإجابة على هذا الاعتراض تكون من وجوه:
أوّلاً: انّ الإنسان الفاحص في المخلّفات الأثرية، وبقايا الحضارات السابقة إذا وقف على قطع أثرية قديمة (كالكيزان الخزفية والأواني المعدنية المنقشة، وغيرها ممّا دلّت على مرور أزمنة طويلة على وجودها في الأطلال وتحت التلال، قد تبلغ مائة ألف سنة مثلاً) لا ينسب تكوّن هذه القطع الأثرية إلى الصدفة، حتّى لو كان مادّي الاتّجاه والتفكير، مع إمكان احتمال تكوّنها من الصدفة في تلك المدة الطويلة، بل نجده على العكس من ذلك يستدلّ بها على وجود صنّاع مهرة وحضارات وثقافات، وتقاليد خاصة لمن صنعوها، وعاشوا في تلك المنطقة، وعلى غايات لهم من وراء تلك الأشياء المصنوعة بدقة، وظرافة، وجمال .
فلماذا لا يذهب «المادي» إلى احتمال تكون هذه الأشياء عقيب مصادفات طويلة وعديدة تلاحقت خلال أزمنة متمادية، خاصة انّ كلّ ما يدخل في صنع هذه القطع الأثرية كالكيزان الخزفية أوالأواني المعدنية من عناصر، موجودة بعينها في الطبيعة، وفي تلك التلال أو الكهوف؟ترى عندما نقف على بقايا قصر متهدم تحت أكوام التراب، قد استخدم في بنائه الطين والصخر والأخشاب والحجر ومضى على اندثاره آلاف الأعوام لماذا لا يحق لأحد ـ عقلاً ـ أن يدّعي بأنّ هذا القصر المندثر قد وجد ـ يوم وجد ـ نتيجة حوادث اتّفاقية، وبسبب أحداث عديدة وقعت على نحو الصدفة، مثل أن يكون

صفحه 262
طوفان هائج هو الّذي قلع الصخور من الجبال، وقطع الأخشاب من الأشجار، وجلب المياه من البحار، وخلطها بالتراب، ثم انتهى الأمر ـ بعد سلسلة من التفاعلات الاتّفاقية المتكررة والمصادفات العديدة جداً إلى قيام ذلك القصر وانتظام تلك الصخور والأحجار والطين على هيئة أُسس وجدران، وسقوف وحيطان، وأبواب ونوافذ، وسطوح وشرفات؟!
أليس ذلك لأنّ العقل، كلّما شاهد آثار الاتّساق والانسجام والترابط والتعاون بين مجموعة من الأشياء والأجزاء على نحو يحقّق غاية معينة، وهدفاً خاصاً يأبى أن ينسب ذلك إلى الصدفة والاتّفاق؟
ثانياً: انّ كثرة الصدف، وان كانت تؤدّي إلى احتمال تكون بعض النظام، إلاّ أنّ هناك احتمالاً آخر وهو أنّ صدفة واحدة من تلك الصدف يمكن أن يقضي على ذلك النظام البسيط الجزئي الحاصل من الصدف السابقة .
ولأجل هذا لا يمكن أن ننسب «النظام الكامل» إلى الصدف المتعدّدة الكثيرة في الأزمنة المتمادية، إذ انّ كثرة الصدف كما يمكن انّ تؤدي إلى حصول شيء من النظام كذلك يمكن أن تؤدي صدفة واحدة إلى انهيار كلّ ما وجد في السابق .
ولتقريب هذا المعنى إلى الذهن نأت بالمثال التالي :
لو انّنا جمعنا في برميل كبير مائة قطعة من الآجر مرقّمة من واحد إلى مائة، ثم خضضنا ذلك البرميل عشرات المئات لتنتظم تلك القطع فوق بعضها بالترتيب العددي عن طريق الصدفة، فاحتمال أن يتحقّق ذلك بفعل الصدف

صفحه 263
هو بنسبة واحد إلى مائة، وهذا الاحتمال وإن كان غير مستبعد إلاّ انّ احتمال ان تؤدّي هزة أُخرى وصدفة أُخرى إلى انهيار ذلك النظام الجزئي، واضمحلاله أمر وارد أيضاً، بل هو أقوى بكثير من الاحتمال الأوّل، ولهذا لا يمكن أن نعول على فكرة الصدف الكثيرة في حصول النظام الكامل .
وبعبارة أُخرى: انّ الصدف العديدة وإن كان من المحتمل انّ تنتهي إلى النظم الجزئي لكنّه في الوقت نفسه يحتمل ان يقضي بعض هذه المصادفات على ما تحقّق من النظم الجزئي أثر المصادفات السابقة، فالمصادفات الكثيرة سيف ذو حدين يمكن أن تبني ويمكن أن تهدم. واحتمال الهدم أقوى بكثير من احتمال البناء.
ثالثاً: انّ الموجودات الطبيعية والمصنوعات البشرية أمام هذا الاحتمال (أي احتمال نشأتها بالصدفة) سواء، فانّ العناصر الموجودة في المصنوعات البشرية كالساعة مثلاً هي عين العناصر الّتي تتألف منها الموجودات الطبيعية كالجسم الإنساني، فلماذا تقوم الطبيعة وبطريقة الصدف بصنع القسم الثاني دون القسم الأوّل؟ فكما أنّ العناصر الّتي تتكون منها الأشياء الطبيعية موجودة في الطبيعة، كذلك العناصر الّتي تتألف منها الأدوات والآلات الصناعية هي الأُخرى موجودة في الطبيعة أيضاً، فلماذا تقوم الطبيعة بصنع الدابة والشجرة بسبب الصدف ـ حسب زعمهم ـ ولا تقوم بصنع الساعة وماشابهها مع أنّ مقوّمات الجميع برمّتها موجودة في نفس الطبيعة؟ وما الفرق ـ ترى ـ بين هذين الصنفين من الكائنات .
أليس لو صحّ إمكان حصول الساعة وماشاكلها بسبب الصدفة وجب

صفحه 264
أن نجد في غابات الأمازون أو في صحارى الجزيرة العربية الّتي قلّما يتفق أن يمر بها إنسان، أنواعاً عديدة من الساعات وغيرها من المصنوعات البشرية ؟
إنّ العجيب هو أنّ الذين ينسبون تكون النظام السائد في الكون إلى الصدفة لا يقبلون أن يتفوّه أحد بأنّ قطع الساعة المصنوعة انضم بعضها إلى بعض على هيئة ساعة ـ بعد أن كانت مفكّكة ـ وذلك بسبب الصدفة فضلاً عن حصول نفس أدواتها بهذا الطريق مع أنّ الأوّل (وهو انضمام القطع المصنوعة المفكّكة إلى بعضها) أقرب إلى التحقّق عن طريق الصدفة، من الثاني (وهو نشأة أصل القطع بالصدفة) !
كما أنّ من العجيب أيضاً أن يعدّ الناس ما يقوم به الإنسان ـ في ضوء علومه وتحقيقاته ـ بصنع بعض الفيتامينات والهورمونات بالوسائل العلمية الدقيقة بحيث لا تتفاوت ولا تختلف ـ من حيث الكيفية والفوائد والآثار ـ عن نوعها الطبيعي، دليلاً على نبوغ البشر وقوة فكره، مع أنّ نماذجها الأصلية موجودة في الطبيعة، مثلاً بمثل، فلماذا لا يعدها هؤلاء دليلاً على شعور صانعها وموجدها، وقصده؟
إنّ النظم السائد على الكائن الطبيعي مثل البروتين أعظم، وأكثر تعقيداً من النظام السائد في جهاز الساعة، فهي تحتوي على نسب دقيقة في عناصرها، بحيث لو اختّلت لاستحال وجود البروتين، فكيف يذعن هؤلاء بدخالة الشعور والقصد في تكون الساعة ونشأة غيرها من الآلات والمصنوعات البشرية، وينكرون ذلك في نشأة ماهو أعقد منها كالبروتين؟

صفحه 265
هل برهان النظام برهان تجريبي؟   

أسئلة حول برهان النظم

   (6)

هل برهان النظام برهان تجريبي؟

يعتبر برهان النظم ـ كما عرفت ـ من أبسط وأقرب الأدلّة على وجود خالق لهذا الكون .
بيد انّ هناك بين علماء الغرب من أخذ على هذا البرهان بعض المآخذ وأورد عليه بعض الاعتراضات ممّا جعل البعض يتصوّر ـ خطأ ـ انّ هذا البرهان قد فقد قيمته واعتباره.
ومن أبرز من أخذ على هذا البرهان هو الفيلسوف الانجليزي الاسكتلندي المولد «ديفيد هيوم» (المولود عام 1711 م والمتوفّى عام 1776 م ).
فقد تعرض «هيوم» في كتابه «المحاورات»1 لبرهان النظم بالنقد والاعتراض ويبلغ مجموع مآخذه واعتراضاته على هذا البرهان ستة مآخذ،

1 . الكتاب مؤلف على شكل حوار بين شخصين افتراضيّين أحدهما يمثل مشكّكاً في برهان النظم، باسم فيلون، والآخر يمثل مدافعاً عن ذلك البرهان باسم كلثانتس، وقد نشر الكتاب المذكور بعد وفاة «هيوم» الذي كان يعد من أكبر الفلاسفة المشكّكين .

صفحه 266
بيد أنّ اثنين منهما ـ في الحقيقة ـ يرجعان إلى برهان النظم، وأمّا الباقي فلا علاقة له بهذا البرهان، وان توهم المعترض صلتها به، وسوف نذكر في هذا الفصل الاعتراضين المرتبطين بهذا البرهان ونتناولهما بالدراسة والتحليل، والإجابة والرد، كما سنذكر في نهايته بقية الاعتراضات حتّى يعرف القارئ بنفسه عدم توجه هذه الاعتراضات إلى «برهان النظم» وانّما هي اعتراضات تتوجّه إلى عقائد الإلهيّين في مجالات أُخرى .
وإليك فيما يأتي بيان الإشكال الأوّل من الإشكالين اللّذين وجههما هيوم إلى برهان النظم، والإجابة على ذلك .

هل جربنا الكون؟

ان المشابهة بين الكون، والمصنوعات البشرية تقضي بأن نحكم بأنّ للكون صانعاً خالقاً، إذ أنّنا بعد أن جرّبنا «المصنوعات البشرية» مراراً علمنا بأنّها لا توجد إلاّ لعلّة، فكما أنّ البيت لا ينشأ بلا بناء، والسفينة لا توجد بلا صانع، فكذلك الكون ـ لشباهته بالمصنوعات البشرية ـ لابد له من خالق صانع .
هذا هو تقرير برهان النظم وهذا هو أساسه كما تصوّره «هيوم»، أو كما كان سائداً عند فلاسفة الغرب .
ثم إنّ «هيوم» انتقد هذا الاستدلال بقوله: إنّ هذا الاستدلال مبني على «التشابه» بين الكائنات الطبيعية، والمصنوعات البشرية، ولكن هذا التشابه لا يكفي لسحب وتعدية حكم أحدهما إلى الآخر لاختلافهما، فأحدهما موجود طبيعي، والآخر موجود صناعي، فكيف يمكن أن نستكشف من أحدهما حكم الآخر؟

صفحه 267
صحيح أنّنا جرّبنا المصنوعات البشرية فرأينا انّها لا توجد إلاّ بصانع عاقل، وفاعل ماهر كما في البيت والسفينة والساعة وغير ذلك، ولكنّنا لم نجرّب ذلك في الكون، فانّ الكون لم يتكرّر وجوده حتّى يقف الإنسان على كيفية خلقه وإيجاده بل واجهه لأوّل مرة، ولهذا لا يمكن أن يثبت له علّة خالقة على غرار المصنوعات البشرية، إلاّ إذا جرّبه من قبل عشرات المرات، وشهد عملية الخلق والتكوّن، كما شاهد ذلك وجرّبه في المصنوعات البشرية، حتّى يقف على أنّ «الكون» بما فيه من النظام لا يمكن هو الآخر أن يوجد من دون خالق عليم، وصانع خبير .
هذا هو الإشكال الأوّل الّذي وجهه «هيوم» إلى برهان النظم قررناه لك بعبارة واضحة سهلة .

الجواب:

وللإجابة على هذا الاشكال يتعيّن علينا ـ قبل ذلك ـ أن نعطي لمحة سريعة عن أدوات المعرفة، لارتباط ذلك بالجواب، ومساعدته على حلّ الإشكال فنقول:

أدوات المعرفة

إنّ أدوات المعرفة ـ كما ذكرها العلماء في أبحاث نظرية المعرفة ـ هي عبارة عن:

صفحه 268
أوّلاً: الحس
ويعتمد عليه الإنسان في أُموره الشخصية والجزئية، فإذا رأى ولو مرة واحدة حدوث الماء من عنصري الأوكسجين والنتروجين حصلت له معرفة جزئية حسّية بذلك بيد انّه لا يمكنه أن يسحب هذا الحكم من هذا المورد الخاص على كل الموارد الأُخرى، فيعتقد بأنّ كل المياه تتركّب من ذلك إلاّ بمعونة الأدوات الأُخرى للمعرفة كالتجربة، بأن يكرر ويجرب ذلك عدة مرات حتّى يقف على القانون العام، والقاعدة الكلية في هذا المجال .
هذا والأمثلة على المعارف الحسّية الجزئية أكثر من أن تحصى، فرؤيتنا للكرسي يصنع من الخشب، والكتاب يصنع من الورق، وزيداً يكتب، وطفلاً يحبو كلّها تشكل معارف حسية جزئية لنا .

ثانياً: التمثيل

وهو تشبيه جزئي بجزئي آخر في معنى مشترك بينهما ليثبت في المشبه الحكم الثابت في المشبه به المعلّل بذلك .
أو إثبات حكم لجزئي، لثبوته في جزئي آخر مشابه له .
وبعبارة ثالثة: بيان مشاركة جزئي لجزئي آخر في علّة الحكم ليثبت فيه.
وبعبارة رابعة: التمثيل هو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما .
وهذا هو المسمّى في المنطق بالتمثيل وفي ألسنة الفقهاء بالقياس .

صفحه 269
ومثال ذلك ما إذا علمنا بحرمة الخمر، ثم وجدنا مائعاً يشابهه في الإسكار مثل الفقاع والنبيذ فإذا أسرينا وسحبنا حكم الخمر إلى النبيذ لمشابهته له في العلّة (أي الإسكار) كان ذلك تمثيلاً .
ومن المعلوم أنّ التشابه وحده لا يكفي لإسراء الحكم من جزئي إلى جزئي آخر، ولا يورث يقيناً بالنتائج كما هو مقرر في علم المنطق، لأنّه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر، بل في عدة أُمور، أن يتشابها من جميع الوجوه ولهذا عدّه العلماء في «نظرية المعرفة» من الأدلّة الظنية .

ثالثاً: الاستقراء

وهو تصفّح الجزئيات لإثبات حكم كلّي.
أو تتبع الجزئيات للحصول على قاعدة كلّية، فانّنا إذا تتبعنا أصناف الحيوانات ـ مثلاً ـ ووجدنا أنّها تحرّك فكّها الأسفل عند المضغ غالباً اصطادت أذهاننا ـ هنا ـ قاعدة كلية هي: «أنّ كلّ حيوان يحرك فكّه الأسفل عند المضغ» ولكن هذا القسم أيضاً لا يورث إلاّ الظن كذلك، إذ من الجائز أن يكون هناك صنف من الحيوانات التي لم نصادفها يحرك فكّه الأعلى عند المضغ كما هو الحال في التمساح مثلا .
وهكذا إذا تصفّحنا أكثر شوارع مدينة معينة فرأيناها نظيفة، فانّ ذلك لا يفيدنا علماً بأنّ جميع شوارعها على الإطلاق نظيفة، إذ يمكن أن يكون هناك شارع على غير ذلك الوصف .
هذا إذا كان الاستقراء «ناقصاً» وأمّا إذا كان الاستقراء «تاماً» فلا يكون

صفحه 270
حينئذ حجة من هذا الباب، لأنّه حينئذ وقوف على جميع الأفراد، وصبّ للعلوم التفصيلية في صورة علم واحد، وبعبارة جامعة .
ولأجل ذلك قال المنطقيون: «الاستقراء الناقص» لا يورث إلاّ الظن، و «الاستقراء التام» وإن كان يخرج المستقرئ فيه بالعلم واليقين إلاّ أنّ ذلك العلم لا يكون مستنداً إلى الاستقراء بل إلى تصفح جميع الأفراد واحداً بعد واحد، وجمع كل تلك العلوم التفصيلية في علم واحد، وهو يفارق المراد من الاستقراء.

رابعاً: التجربة

وتعني إجراء اختبارات عملية متعدّدة في موضوع واحد، وبصور مختلفة حتّى يخرج المختبر بنتيجة كلية، وقاعدة عامة .
مثلاً إذا أخذ قطعة من الحديد وسلّط عليها درجة معينة من الحرارة فوجدها تتمدّد ثم كرّر هذه العملية مراراً في شرائط مختلفة، وعلى قطع متعدّدة من الحديد، فحصل له القطع بأنّ خاصية الحديد هي أن تتمدّد بالحرارة، كان ذلك هو ما يسمّى بالتجربة .
ولا شك انّ التجربة بوحدها لا تكفي لاستنباط حكم كلّي، بل لابدّ من ضم قاعدة عقلية إليها وهي «انّ قطع الحديد مادامت ترجع إلى طبيعة واحدة فلا معنى لأن يختص التمدد ببعضها دون بعض، إذ ليس ذلك التخصيص إلاّ بمنزلة اعتبار المعلول (التمدد) بلا علّة» لأنّ معناه انّ التمدد لا يرتبط بالحديد والنار بل بشيء آخر والمفروض عدمه، ولأجل ذلك قالوا: حكم الأمثال في ما يجوز وما لايجوز واحد .

صفحه 271
ولابد هنا من التذكير بأنّ الفرق بين التمثيل والاستقراء الناقص من جهة، والتجربة من جهة أُخرى هو: أنّ مناط الاستنتاج في التمثيل والاستقراء الناقص هو التشابه بين الجزئيات في بعض الوجوه، والملاك في التجربة هو «المماثلة الكاملة» والسنخية الطبيعية التامة بين الأفراد .

خامساً: العقل

وهو يفارق غيره من أدوات المعرفة كالتمثيل، والاستقراء والتجربة، فانّ الأُمور الأخيرة تعتمد على التصفّح والتتبّع وفحص أحوال الجزئيات ثم استنتاج نتائج كلية على أساس التشابه النسبي (كما في التمثيل والاستقراء الناقص) أو التماثل الكامل (كما في التجربة) .
وأمّا العقل فليس عمله إلاّ ملاحظة نفس الموضوع من حيث هو هو، من دون ملاحظة سائر الجزئيات والأفراد الأُخرى .
فإذا نظر إلى ظاهرة طبيعية حدثت بعد أن لم تكن، مثل حريق اندلع في مخزن، حكم بنفسه بأنّ لهذه الحادثة علّة، وانّ لهذه الواقعة سبباً، وانّه لا يمكن أن تحدث دون علّة .
فكون العقل، من أدوات المعرفة انّما هو بهذا المعنى، وأمّا كيف يتوصّل العقل إلى هذا القانون الكلّي وأمثاله فله حديث مفصّل مذكور في أبحاث نظرية المعرفـة 1 .

1 . لا تنحصر أدوات المعرفة في هذه الأقسام الخمسة، بل هناك أدوات أُخرى مذكورة في أبحاث «نظرية المعرفة» وقد اكتفينا بذكر هذه الأقسام فقط لصلتها بالبحث دون بقية الأدوات .

صفحه 272
 
برهان النظام برهان عقلي محض
إذا تبيّن لك هذا فستعرف ـ قريباً ـ أنّ «برهان النظام» الّذي يعدّ من أوضح البراهين والأدلّة على وجود الخالق الصانع للنظام الكوني، ليس برهاناً حسياً بمعنى أن تكون جميع مقدماته مأخوذة من الحس ومبنية على الادراكات الحسية، ولا من مقولة التمثيل، أو الاستقراء اللذين يكون الملاك فيهما هو التشابه بين فردين (كما في التمثيل) أو التشابه بين أفراد متعددين (كما في الاستقراء)، ولا برهاناً تجريبياً بمعنى ان يكون الملاك فيه هو تعميم الحكم على أساس المماثلة الكاملة بين الأشياء المجربة وغير المجربة .
بل هو «برهان عقلي خالص» يحكم فيه العقل بأمر بعد ملاحظة نفس الشيء وماهيته، وبعد سلسلة من المحاسبات العقلية، من دون تمثيل أو إسراء حكم كما يتم ذلك في التمثيل أو التجربة .
وبعبارة أُخرى انّ النظام بما هو هو محط نظر العقل وملاحظته ومنشأ لصدور الحكم فيه، فمن ملاحظة ظاهرة ما يتوصل العقل إلى ماوراءها من الصانع المدبر والخالق الهادف، من دون قياسها بشيء أو تشبيهها بشيء أو إجراء تجارب عليها .
أي انّ العقل بمجرد الاطّلاع على الجهاز بماله من نظم وتناسق وهدفية يحكم بأنّه لا يمكن أن يوجد من دون علم أو شعور واسع .
أمّا كيف يحكم العقل بمثل هذا الحكم وعلى أي أساس يستند فيه فهو ما سنبحثه مستقبلاً .
وبهذا يتبيّن انّ تقرير برهان النظام بصورة «الاستدلال التمثيلي» أو

صفحه 273
«البرهان التجريبي» بواسطة الفلاسفة والحكماء الغربيّين ليس إلاّ تقريراً ساذجاً صبيانيـاً!!
ومن هنا نجد «هيوم» في اعتراضه على هذا البرهان يشير تارة إلى التمثيل والتشابه وأُخرى إلى التجربة، والحال انّ بين «برهان النظام» وقضية التمثيل والتجربة بوناً شاسعاً وبعيداً، كما عرفت، كما أنّ بين التمثيل والتجربة فرقاً واضحاً كذلك .
إذن فتقرير «برهان النظام» تارة بأنّنا شاهدنا جميع المصنوعات البشرية المنظمة لا تخلو عن صانع ماهر فلابد للكون المنظم من صانع خالق أيضاً لشباهته بتلك المصنوعات البشرية .
وأُخرى بأنّنا جرّبنا المصنوعات البشرية فوجدنا انّها لا توجد إلاّ بدخالة فاعل عاقل وصانع قادر، فلابد أن يكون الكون كذلك .
أقول: إنّ تقرير برهان النظام بهاتين الصورتين تقرير عامي بعيد عن روح البرهان وحقيقته، وهو ينم عن فقدان مدرسة فلسفية متكاملة تقرر هذا البرهان بصورته الصحيحة، فانّ هذا البرهان لا يرتبط أبداً لا بالتمثيل ولا بالتجربة، بل يحكم العقل فيه ـ وبعد أن يلاحظ طبيعة النظام وماهيته ـ بأنّه صادر من فاعل عاقل، وخالق قدير .
وبذلك يعرف أنّ هذا البرهان ليس مبنياً على التشابه بين مصنوعات البشر، والموجود الطبيعي، كما جاء في اعتراض «هيوم» حتّى يقال بالفرق بين الصنفين، ويقال: هذا صناعي، وذلك طبيعي، ولا يمكن إسراء حكم الأوّل إلى الثاني.

صفحه 274
ولا على التماثل الّذي هو الملاك في التجربة حتّى يقال: انّا جرّبنا ذلك في المصنوعات البشرية، ولم نجرّبه في الكون لعدم تكرار وقوعه، وعدم وقوفنا على تواجده مراراً، فلا يصحّ سحب حكم الأوّل على الثاني، وتعديته إليه .
بل هو برهان عقلي مستقل ذو حكم صادر من العقل ناشئ من ملاحظة نفس الشيء المنظم دون سواه. وإليك تفصيل ذلك .

برهان النظام مركب من مقدّمتين

إنّ برهان النظم يبتني على مقدّمتين: إحداهما حسّية، والأُخرى عقلية.
وكون إحداهما حسّية لا يضر بكون البرهان عقلياً، فانّ دور الحسّ ـ هنا ـ ينحصر في إثبات الموضوع فقط، أي انّنا ندرك بالحسّ وجود هذا النظام المتقن في الكون لا أكثر، وأمّا الحكم فهو يرجع إلى العقل، ولأجل ذلك يسمّى برهاناً عقلياً، وهو نظيرما إذا ثبت بالحسّ أنّ هاهنا مربعاً، فانّ العقل يحكم ـ من فوره ـ بأنّ أضلاعه الأربعة متساوية في الطول .
وبعبارة أُخرى: انّ كلّ برهان يتألف من مقدمتين: صغرى وكبرى، والصغرى «حسّية» أيّ انّ الحسّ يتكفّل بإثباتها، والكبرى «عقلية» يتكفّل العقل بإثباتها.
إذا عرفت هذا يجدر بنا أن نقرر برهان النظام كما هو لتعرف عدم ارتباط هذا البرهان بالتمثيل أو التجربة، كما توهم «هيوم» وأضرابه، ولتعرف انّ برهان النظام برهان عقلي محض لا يرد عليه ما يرد على الاستدلال التمثيلي أو التجريبي من إشكالات، وإليك بيان المقدّمتين: الصغرى والكبرى .

صفحه 275
أمّا الصغرى: وهي انّ الكون جهاز منظم فيقع إثباتها على عاتق المشاهدات الحسية ونتائج العلوم الطبيعية التي تكشف لنا عن مظاهر النظام والتناسق في الكون، من دون النظر إلى كيفية نشأتها وتواجدها، وقد مر عليك تفصيل الكلام في هذا المجال في الفصول السابقة .
وأمّا الكبرى: وهي انّ النظام الكوني من صنع خالق قدير و صانع عليم فإليك بيانها:
عندما يلاحظ الإنسان النظام السائد على الكون ينطرح أمامه احتمالان حول مصدر هذا النظام ومنشئه هما:
1. امّا أن يكون النظام المتقن الّذي زوّد به الجهاز قد وجد بدخالة عقل واسع وشعور هادف .
2. وامّا أن يكون قد وجد صدفة، ومن دون دخالة مثل ذلك العقل والشعور، وهنا يتدخّل العقل فيقضي بصحة أحدهما، وبطلان الآخر، وإليك حكم العقل .
إنّ العقل يحكم برابطة منطقية بين النظم (بأركانه الثلاثة: الترابط والتناسق وتوخي هدف معين) ودخالة الشعور، كما يحكم برابطة رياضية بين النظام ودخالة العقل .
على أنّ كلّ واحد من هذين التقريرين بيان لبرهان النظام .
وإليك ـ فيما يأتي ـ الأوّل ثم الثاني تباعاً .

صفحه 276
 
أ. الارتباط المنطقي بين النظام ودخالة الشعور
إنّ العقل يرى في الكون نظاماً، والنظام ليس في حقيقته إلاّ عبارة عن أُمور ثلاثة:
1. الترابط بين أجزاء متنوعة مختلفة من حيث الكمية والكيفية .
2. ترتيبها وتنسيقها بنحو يمكن التعاون والتفاعل فيما بينها .
3. حتّى يتحقّق الهدف المطلوب والغاية المتوخّاة من ذلك الجهاز المنظم.
والنظام بهذا المعنى موجود في كل أجزاء الكون من ذرته إلى مجرته .
فإذا نظر العقل ذلك في كل جوانب الكون ابتداء من الذرة ومروراً بالإنسان والحيوان والنبات وانتهاء بالنجوم والكواكب والمجرات ورأى فيها إجزاء مختلفة في الكمية والكيفية أوّلاً، ومنسقة ومرتبة بنحو خاص ثانياً، ورأى كيف يتحقّق بذلك الهدف المنشود من وجودها ثالثاً، حكم من فوره بأنّ ذلك لا يمكن أن يصدر إلاّ من فاعل عاقل، وخالق هادف شاعر، يوجد الأجزاء المختلفة كماً وكيفاً، ويرتّبها وينسّقها بحيث يمكن أن تتفاعل فيما بينها وتتعاون لتحقيق الهدف المطلوب من وجودها .
وهذا الحكم الّذي يصدره العقل لا يستند إلى شيء غير النظر إلى ماهية النظام وطبيعته الآبية عن الصدور من دون فاعل عاقل مدبر، فلا هو يستند إلى التشابه ولا هو يستند إلى التجربة كما تخيّل هيوم وأضرابه .
إنّ ملاحظة العقل لما في جهاز العين، أوالاذن، أو المخ أو القلب، أو

صفحه 277
الخلية، من النظام بمعنى تحقيق أجزاء مختلفة كماً وكيفاً، وتناسقها بشكل يمكنها من التعاون والتفاعل فيما بينها، ويتحقّق الهدف الخاص منها تدفع العقل إلى الحكم بأنّها من فعل خالق عليم لاحتياجها إلى دخالة شعور وعقل وهدفية وقصد. وبهذا تبيّن انّ بين الجهاز المنظم ودخالة العقل والشعور رابطة منطقية.
وإن شئت قلت: إنّ ماهية نفس النظام بمقوّماته الثلاثة: (الترابط والتنسيق والهدفية) تنادي بلسانها التكويني انّ النظام مخلوق عقل واسع وشعور كبير .
هذا عن حكم العقل بذلك منطقياً، وأمّا حكم العقل بذلك رياضياً، فإليك بيانه:

ب . الارتباط الرياضي بين النظام ودخالة الشعور

إنّ العقل عندما يرى اجتماع ملايين الشرائط اللازمة لاستقرار الحياة على الأرض بحيث لو فقد بعضها لاختلّت الحياة .
أو عندما يرى اجتماع آلاف الأجزاء والعناصر اللازمة للإبصار في العين بحيث لو فقد جزء واحد أوتقدّم أو تأخّر عن مكانه المعين لاختلّت عملية الرؤية واستحال الإبصار يحكم بأنّ هناك عقلاً جباراً أرسى مثل هذا النظام، وأوجد مثل هذا التنسيق والانسجام، والترتيب والتوفيق وبالتالي حكم بدخالة الشعور في ذلك ونفى حصوله بالصدفة والاتّفاق، لأنّ اجتماعها عن طريق الصدفة يمكن أن يؤدّي إلى آلاف الصور والكيفيات الأُخرى غير هذه الصورة المناسبة، وحينئذ يكون احتمال استقرار هذه الصورة من بين تلك الآلاف من الصور ـ من طريق الصدفة ـ احتمالاً ضعيفاً جداً يكاد يبلغ الصفر الرياضي

صفحه 278
في ضآلته، وهو ما لا يذهب إليه إنسان عادي فضلاً عن العاقل المحاسب .
أجل انّ هذه المحاسبة الرياضية الّتي يجريها العقل إذا هو شاهد النظام السائد في الكون، تدفعه إلى أن يحكم بأنّ هناك علّة عاقلة اختارت هذه الصورة من بين آلاف الصور بقصد وإرادة، وجمع تلك الشرائط اللازمة بهذا الشكل المناسب للحياة .
وقد أشرنا إلى هذا الأمر عند برهان محاسبة الاحتمالات فراجع تزدد معرفة .
وبهذا يبقى برهان النظام قوياً صامداً سليماً عن أي نقد، لأنّه لا يرتبط بشيء كالتمثيل أو التجربة كما تصوّر هيوم، بل انّه حكم العقل وحده الذي ينتهي إليه عن طريق النظر والتفكير في نفس ماهية النظام من دون تنظيره بشيء، وبهذا يتساوى الموجود الطبيعي والمصنوع البشري .
فانّ العقل إذا رفض القبول بأنّ الساعة وجدت بلا صانع أو انّ السيارة وجدت بلا علّة فانّما هو لأجل ملاحظة نفس الظاهرة «الساعة والسيارة» حيث يرى أنّها تحقّقت بعدما لم تكن، فيحكم من فوره بأنّ له موجداً، وليس هذا الحكم إلاّ لأجل الارتباط المنطقي بين وجود الشيء بعد العدم ولزوم وجود فاعل له .
وإن شئت قلت: لأجل قانون العلّية والمعلولية الذي يعترف به العقل في جميع المجالات .
كما أنّ حكم العقل في المقام بأنّ الموجود المنظم مخلوق لعقل

صفحه 279
كبير ناشئ من الارتباط المنطقي بين النظام ودخالة الشعور أو استحالة ظهور النظام صدفة للمحاسبة الرياضية الّتي مرت، لا لأنّ العقل مثّل أو جرّب فتوصل إلى هذه النتيجة .
وحصيلة الكلام: انّ طبيعة النظام في هذه الأشياء، وماهيته تنادي بلسان تكوينها بأنّها صادرة عن فاعل شاعر و خالق عاقل، وهذا هو الّذي يجعل العقل يذعن بوجود مثل هذا الخالق وراء النظام الكوني من دون النظر إلى شيء آخر .

دلالة الآية على ذي الآية

لقد أثبت الإلهيون في أبحاث «نظرية المعرفة» نوعاً آخر من المعرفة هي:
التعرّف على ذي الآية عن طريق الآية، وهو يختلف عن التمثيل، والتجربـة.
ففي التمثيل والتجربة نتوصل إلى معرفة الحكم الكلّي من إسراء حكم الشيء المجرب إلى الأفراد الّتي تقع في عرضه، فهي إذن معرفة حاصلة من الوقوف على الأفراد الكائنة في عرض واحد، وملاحظتها واحداً بعد الآخر، وإسراء الحكم من بعضها إلى بعض .
وأمّا «المعرفة عن طريق الآيات» فتكون معرفة عمقية بمعنى انّنا نتوصل من رؤية الآية إلى معرفة ماوراءها من الفاعل وخصوصياته .
والاهتداء إلى المؤثر من وجود الأثر هو من هذا القبيل، فالإنسان يعرف المؤثر من

صفحه 280
الوقوف على أثره كما أنّ الاهتداء إلى صفات المؤثر من خصوصيات الأثر هو أيضاً من هذا القبيل وبرهان النظام من هذا القسم .
وينبغي ان نعرف انّ «معرفة ذي الآية عن طريق الآية» على قسمين:
1. ما ينتقل فيه الإنسان من «معرفة الآية إلى معرفة صاحبها» وتكون الآية وصاحبها كلاهما من الأُمور الطبيعية القابلة للحس، وإن كان أحدهما محسوساً بالفعل (وهو الآية) والآخر غائباً عن الحس (وهو صاحب الآية) وإن كان يمكن أن يقع في أفق الحسّ .
2. ما ينتقل فيه الإنسان من مشاهدة الأُمور الحسّية إلى أُمور غير حسّية وقضايا خارجة عن إطار المادة وآثارها .
وبعبارة أُخرى: انّ الإنسان في هذا النوع من المعرفة يستدلّ بما يرى على ما لا يرى من غير فرق بين أن يكون غير المرئي من الأُمور الحسّية الغائبة عن الحسّ، أو من الأُمور المجردة الخارجة عن إطار الحسّ مطلقاً .
والقسم الأوّل يشكّل المعلومات الطبيعية المادية بينما يشكل الثاني العلوم العقلية المحضة .
والحكم بصحة واعتبار القسم الأوّل (أي الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأُمور الحسّية المادية الغائبة عن الحس) يستلزم الحكم بصحة القسم الثاني (وهو الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأُمور المجردة الخارجة عن نطاق الحس) أيضاً، وذلك لعدم وجود الفرق بين القسمين .
ولتوضيح القسمين نذكر الأمثلة التالية:

صفحه 281
 
نماذج من معرفة المؤثر بالأثر:
وإليك أوّلاً بعض الأمثلة على الاستدلال بما يرى على ما لا يرى من الأُمور الحسّية المادية الغائبة عن الإدراك الفعلي:
1. القليل منّا زار العواصم الكبرى مثل طوكيو أو لندن مثلاً، ولكنّنا مع ذلك نذعن جميعاً بوجودها، وذلك من خلال التعرف على آثارها، وهي الصنائع والمنتوجات الّتي تنتجها، والأشياء الّتي تصل إلينا منها .
2. ليس بيننا من عاصر الروم أو اليونان الاغريقيّين وعايشهم واحتكّ بهم وجهاً لوجه، ولكنّنا جميعاً نذعن بوجودهم في التاريخ للأطلال والآثار الباقية عنهم، والمؤلفات الّتي خلّفوها وراءهم .
هذا في الاستدلال بما يرى من الأُمور الحسّية على ما لا يرى من الأُمور الحسّية الغائبة عن الإدراك الفعلي .
وأمّا الأمثلة على الاستدلال بما يرى من الأُمور الحسّية على ما لا يرى من الأُمور غير الحسية الغائبة عن إدراكنا، مثل الصفات النفسية الّتي نهتدي إليها من خلال مشاهدة الأفعال:
1. ليس منّا من رأى شخص المتنبي أو ابن سينا وقابلهما وجهاً لوجه، ولكنّنا إذا وقفنا على ديوان المتنبي مثلاً أو الشفاء الّذي ألّفه ابن سينا، وتعرفنا على ما فيهما من خصوصيات شعرية أو فلسفية أو طبية، إدركنا فوراً أنّ الأوّل كان شاعراً حماسياً، والثاني كان فيلسوفاً قديراً وطبيباً ماهراً، أي انّنا استدللنا بالخصوصيات المحسوسة لنا في أثرهما على الصفات النفسية التي كان يتحلّى ويتصف بهما ذانك الرجلان والّتي هي غائبة عن إدراكنا.

صفحه 282
وبعبارة أُخرى: انّنا اهتدينا إلى خصوصيات العلّة الغائبة عنّا من معرفة خصوصيات المعلول المحسوسة لنا .
2. انّنا لا نحسّ بواسطة الحواس الصفات التي تكمن في وجود الأشخاص وفي بواطن نفوسهم، ولكنّنا نهتدي إليها من خلال آثارها الّتي تنعكس على تصرفاتهم ومواقفهم .
فإذا كانت هذه العلوم هي من العلوم والمعارف المعتبرة في الحياة الإنسانية فبرهان النظم من هذا القسم ليس إلاّ، لأنّ برهان النظم يعتمد على معرفة خصوصيات العلّة من معرفة خصوصيات الأثر، أي انّه معرفة ذي الآية من الآية .
فلماذا يذعن المادي بكل الحقائق التاريخية ويؤمن بالكثير من المعارف حول الشخصيات السياسية والعلمية والعسكرية السالفة وحول صفاتهم وخصوصياتهم كما يعترف بوجود الكثير من المدن ـ مثلاً ـ من خلال آثارها ومنتوجاتها مع أنّه لم يشاهدها بأُمّ عينيه ولا بباقي حواسّه، ولكنّه يرفض الاعتراف بخالق قدير عليم للنظام الكوني، رغم وجود الآيات الكثيرة الدالّة عليه؟ وماذا هو الفرق ـ ترى ـ بين ذلك القسم وهذا القسم من المعرفة؟
انّه لا فرق بينهما في الحقيقة فكلاهما استدلال بما يرى على ما لا يرى، وكلاهما من مقولة معرفة ذي الآية من طريق الآية .
إنّ العقل السليم إذا لاحظ الكون وشاهد ما فيه من الانسجام بين الظواهر على اختلافها والهدفية استدلّ بذلك على وجود فاعل عاقل وخالق مدبّر خلق وقدّر ونظم ودبّر، وليس هذا إلاّ من باب دلالة الآية على ذي الآية الّتي

صفحه 283
تشكل إحدى ألوان المعرفة البشرية وطريقاً مهماً من طرقها الأساسية المعترف بها للحصول على المعلومات الغائبة عنه.
أليس يقول شاعرهم:
إنّ آثارنا تدلّ علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار
هذا ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا اللون من المعرفة وأكّد على أهميته ودعا إلى سلوكه إذ قال:
1. (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) 1 .
2. (وَ مِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ ابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ)2.
3. (وَ مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّة )3 .
وبهذا تبيّن انّ برهان النظام انّما هو من مقولة الاستدلال بالآية على ذي الآية، فلا يرتبط بالتمثيل أو التجربة حتّى يرد عليه أيّ إشكال .
أمّا التمثيل فواضح جداً، وأمّا التجربة فلأنّ شرطها الأصيل هو وقوع الطرفين ـ في التجربة ـ في نطاق وافق الحس، فالإنسان عندما يجرب تبدّل الماء بالنار إلى البخار فانّه يشاهد الماء ونفس التبدّل والبخار، وأمّا في هذا القسم فانّه لا يشاهد إلاّ نفس الآية من دون أن يشاهد ذي الآية، ومن دون أن يقع في أُفق الحس، وانّما يستدلّ بها عليه، وهذا نوع من المعرفة لا يمت إلى التجربة بصلة .

1 . الروم: 21 .
2 . الروم : 23 .
3 . الشورى: 29 .

صفحه 284

أسئلة حول برهان النظم

   (7)
هل تجتمع الظواهر غير المتوازنة مع النظام؟   

الظواهر غير المتوازنة هل تجتمع مع النظام؟

إذا كان النظام السائد في الكون من الأدلّة القاطعة على وجود الخالق المنظم فبماذا نفسر وجود بعض الظواهر غير المتوازنة،الخارجة عن النظام كالزلازل، والطوفانات، والصراع الحاد بين جملة من أجزاء الطبيعة؟ ألا يصدنا وجود مثل هذه الظواهر الدالّة على الفوضى والعبثية عن الاعتقاد بأنّ للكون منظماً وانّه صادر عن عقل وشعور؟

الجواب:

إنّ هذا الإشكال الذي طرحه «هيوم»1 وأورده على «برهان النظام» قد سبقه الإلهيّين إلى طرحه في مقامين:
الأوّل: عند البحث في «برهان النظام» وإثبات الخالق المبدع عن هذا

1 . لقد عرفت أنّ «هيوم» أخذ على «برهان النظام» بعض المآخذ، وأورد عليه بعض الإشكالات، كما عرفت أيضاً بأنّ ما يرجع منها إلى هذا البرهان انّما هو إشكالان فقط، وقد عالجنا الأوّل وأجبنا عليه، وهذه هي الإجابة على الإشكال الثاني، وأمّا بقية مآخذه وإشكالاته فلا ترتبط ببرهان النظام وإن كان لها صلة ببعض عقائد الإلهيّين، وسوف نذكرها باختصار في ختام هذا البحث .

صفحه 285
الطريق، حيث عالجوا هناك مسألة الظواهر غير المتوازنة كالزلازل وما شابه ذلك.
الثاني: عند البحث عن «صفات الصانع» تعالى وحكمته وعدله، فطرحوا إشكال المصائب والبلايا، وكيف انّها تنافي حكمته وعدله، وأجابوا عليه بما يرفع هذا التنافي المتوهم؟
إذن فليس «هيوم» هو أوّل من انتبه إلى هذا الإشكال حتّى يعدّ اعتراضاً حديثاً، بل كان مطروحاً من قبل في مؤلّفات الإلهيّين الكلامية والفلسفية .
بل انّ وجود الشرور والبلايا قد دفع بعض الطوائف ـ في التاريخ وحتّى اليوم ـ إلى الاعتقاد بالتعدّدية في الخالق وهو الاتّجاه المسمّى بالثنوية، حيث تصوّروا انّ إله الخير هو غير إله الشر، وذلك هروباً من الإشكال المذكور .
وقد عالج الإلهيون هذه المسألة، عند تعرضهم لمسألة «الخير والشر» في صفحة الكون، وأعطوا لذلك تحليلات فلسفية، وتربوية1 سنأتي على ذكرها .
لقد أجاب الإلهيّون على إشكال الشرور والبلايا من طريقين، وبيّنوا الحكمة فيها تارة من وجهة فلسفية وأُخرى من وجهة تربوية، وإليك التحليل الفلسفي أوّلاً، ثم التحليل التربوي بعد ذلك.

1 . راجع الأسفار : 7 / 58 ـ 106، حيث بحث الفيلسوف الإسلامي صدر الدين الشيرازي مسألة الخير والشر، والمصائب والبلايا في ثمانية فصول بحثاً علمياً وافياً; وراجع أيضاً شرح المنظومة قسم الفلسفة، للسبزواري : 148 .

صفحه 286
 
التحليل الفلسفي لمسألة الشرور
وحاصل هذا التحليل واجماله هو: انّ ما يظن بعض الناس انّه من الحوادث الشاذة غير المنظمة ناشئ من نظرتهم الضيقة المحدودة إلى هذه الأُمور، فلو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار «النظام الكوني العام» لأذعنوا بأنّها خير برمّتها، وانّها ذات فوائد عظيمة وجمّة تتضاءل بل تضمحل عندها المضار الصغيرة الناشئة منها، وتكون المسألة كما قال الحكيم الإلهي السبزواري:
ما ليس موزوناً لبعض من نغم *** ففي نظام الكل كل منتظم
وخلاصة القول: إنّ النظرة الضيقة إلى هذه الحوادث وملاحظة العقل البشري إليها من زاوية محدودة وخاصة، دفعته إلى الاعتقاد بأنّها شرور، في حين انّها إذا لوحظت بنظرة واسعة وشاملة ومن خلال ملاحظة النظام العام كانت أُموراً حسنة لابد من وجودها في النظام الكوني الواسع، فهي إذن شر نسبي وليس بشر مطلق .
هذا هو إجمال الجواب، وخلاصة التحليل الفلسفي للظواهر الشاذة عن نظام الطبيعة، وأمّا تفصيله فيتوقف على بيان أُمور:

1. النظرة الأنانية إلى الظواهر غير المتوازنة

إنّ وصف الظواهر المذكورة بأنّها شاذة عن النظام وانّها شرور تتنافى مع ما يدّعيه الإلهيّون من وجود عقل وشعور وتنظيم وراء هذا الكون، ينبع ـ في الحقيقة ـ من نظرة الإنسان إلى هذه الأُمور من خلال نفسه ومصالحها، وجعلها محـوراً وملاكـاً لتقييـم هـذه الأُمور .

صفحه 287
فعندما يرى أنّها تعود على شخصه وذويه بالأضرار والآفات ينبري من فوره إلى وصفها بالشرور، والقبح، والقول بأنّها تتنافى مع وجود عقل شاعر يدبّر الكون وشؤونه، إذ لو كان لهذا الكون مدبّر عاقل شاعر لوجب خلو الكون من تلك الظواهر الّتي تبدو أنّها شاذة عن النظام، بل ومضرة كالزلالزل والسيول والحشرات القاتلة،والطوفانات المدمّرة .
إنّه لا ينطلق ـ في الحكم على مثل هذه الظواهر ـ إلاّ من نفسه ومصالحه الشخصية أو مصلحة من يقربه خاصة، ويتجاهل غيره وغيرهم من البشر الذين يقطنون في مناطق أُخرى من العالم، أوالذين عاشوا في غابر الزمان، أو يعيشون في مستقبله، وتكون هذه الحوادث ـ الّتي تبدو في نظره المحدود الضيق شاذة ـ لازمة ومفيدة لحياتهم .
إنّه لا يرى إلاّ نفسه أو من يمت إليه في حياته، وكأنّه لا موجود سواه وسواهم على وجه البسيطة، وكأنّ العالم قد خلق خصيصاً له ولأضرابه فقط!!
إنّه يرى الطوفان الجارف يكتسح مزرعته، والسيل العارم يهدم منزله، أو الزلازل الشديدة تزعزع بنيانه، ولكنه لا يرى ما تنطوي عليه هذه الحوادث والظواهر من نتائج إيجابية في نقاط أُخرى من الحياة البشرية .
وما أشبه الإنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرافة تحفر الأرض أو تهدم أبنية متداعية مثيرة الغبار والتراب في الجو، فيقضي من فوره بأنّه عمل ضار وسيّئ، وهو لا يدري بأنّ ذلك يتم تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى، ويعالج المصابين، ويهيّئ لمئات الآلاف من المحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة، والتمريض.

صفحه 288
ولو وقف على هذه الأهداف النبيلة وهذه الغايات الإنسانية لقضى بغير ما قضى، وحكم بغير ما حكم، ولوصف ذلك التهديم والتخريب بأنّه عمل خير، وخطوة نافعة، ولا ضير في تصاعد تلك الأغبرة، وتناثر تلك الأتربة في الجو، وما يرافق ذلك من صعوبة التنفس بعض الوقت مادامت تستعقب مثل ذلك المشروع الإنساني العظيم وتمهّد له .
إنّ مثل هذا الإنسان المحدود النظرة، الأناني في تقييمه مثل الخفّاش الّذي يؤذيه النور، لأنّه يقبض بصره، بينما يبسط هذا النور ملايين العيون، ويساعدها على الإبصار والرؤية، ويوفر لها إمكانية الحياة.1
صحيح انّ بعض الحيوانات تفترس بعضها، وصحيح انّ بعض الحيوانات يبدو انّها لاتمت إلى الحياة البشرية بصلة قريبة إلاّ أنّه تؤدّي في الطبيعة دوراً لاغنى للحياة البشرية عنها، سواء على المدى القريب أو على المدى البعيد، كما يقتضيه التعمّق في أسرار الأحياء .
قال الحكيم الإلهي صدر الدين الشيرازي:
«واعلم أنّه قد تحيّرت العقول في كون بعض الحيوانات آكلة لبعض، وفيما جعل الله تعالى ذلك في طباعها وهيّأ لها الآلات والأدوات الّتي يتمكّن بها على ذلك كالأنياب والمخالب والأظافير الحداد الّتي بها يقدر على القبض

1 . قال الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ في وصف الخفّاش: «من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء، ويبسطها الظلام القابض لكل شيء» (نهج البلاغة الخطبة 15) .
فهل يكون قضاء الخفاش على النور بأنّه شر ملاكاً لتقييم هذه الظاهرة الطبيعية المفيدة؟!

صفحه 289
والضبط والخرق والنهش، والأكل والشهوة واللذة والجوع وماشا كل ذلك مع ما يلحق المأكولات منها من الآلام والأوجاع والفزع عند الذبح والقتل، فلمّا فكّروا في ذلك ولم تسنح لهم العلّة ولا الغاية والحكمة، فاختلف عند ذلك بهم الآراء، وتفنّنت بهم المذاهب حتّى قال بعضهم: إنّ تسلّط الحيوانات بعضها على بعض وأكل بعض لبعض ليس من فعل حكيم بل فعل شرير قليل الرحمة ظلاّم للعبيد فلهذا قالوا: إنّ للعالم فاعلين: خيّراً، أو شرِّيراً .
وانّما لم يقفوا عليها، لأنّ نظرهم كان جزئياً، وبحثهم عن علل الأشياء مخصوصاً، ويمتنع أن يعلم أسباب الاشياء الكلية بالأنظار الجزئية، لأنّ أفعال البارئ تعالى انّما الغرض منها هو النفع الكلي والصلاح على العموم وإن كان يعرض من ذلك ضرر جزئي ومكاره مخصوصة أحياناً، وهكذا خلق الله الشمس والقمر والأمطار لأجل النفع والمصلحة العامة، وإن كان قد يعرض لبعض الناس والحيوان والنبات من ذلك ضرر.. ولما كان الأمر يؤول إلى الصلاح الكلّي كانت تلك الشدائد من جهته صغيراً جزئيـاً » 1 .
وعلى هذا فليست هذه الظواهر الطبيعية شروراً أو شذوذاً، فانّ هذه النظرة ـ كما قلنا ـ ناشئة من انطلاق الإنسان في قضائه على هذه الظواهر ـ من منطلق نفعي أناني، وأمّا إذا نظر إلى تلك الظواهر من زاوية النظام العام فلا يراها إلاّ خيرات ضرورية لتعادل النظام ولازمة لاتّساقه، ولاستمرار الحياة وبقائها .

1 . الأسفار : 7 / 98 ـ 99 .

صفحه 290
 
2. الظواهر حلقات في سلسلة طويلة
إنّ مطالعة كل ظاهرة من الظواهر بمعزل عن مطالعة بقية الظواهر في صفحة الكون مطالعة ناقصة ومبتورة، لا تؤدي إلاّ إلى تلك النظرة المتشائمة .
فإنّ الحوادث حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة ممتدة من أقصى الحياة إلى أقصاها، فما يقع الآن يرتبط بما وقع في أعماق الماضي، وبما سيقع في المستقبل في سلسلة من العلل والمعاليل، والأسباب والمسبّبات .
من هنا لا يكون القضاء على ظاهرة من الظواهر بغض النظر عن ما سبقها وما يلحقها، وتقييمها جملة واحدة، قضاءً صحيحاً وموضوعياً، ولا النظر إليها دون هذا الشكل نظراً صائباً يفعله العقل السليم والتفكير المنطقي، فإنّ كلّ حادثة على البسيطة أوفي الجو ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما سبقها أويلحقها حتّى ما يهب من النسيم في بيوتنا فانّه يرتبط بما حدث أوبما سيحدث، أي انّ الحوادث الّتي وقعت في الكون استوجبت هبوب هذا النسيم وحركة الهواء، فلابد للمرء إذن أن يلاحظ جميع الحوادث المرتبطة في هذه السلسلة الطويلة حتّى يكون حكمه صحيحاً وموضوعياً، فلو لاحظ مجموع ذلك لتغيّر حكمه وتبدل قضاؤه ولم يصف شيئاً بالشذوذ، ولم يسم شيئاً بالشرور.
وإليك فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
1. إذا وقعت عاصفة على السواحل فانّها لاشك تقطع الأشجار، وتقلع الأكواخ، وتقلب الأثاث والحاجات في منطقة ما، ولكنّها ـ في نفس الوقت ـ تنطوي على آثار أُخرى في حياة الناس في منطقة أُخرى .

صفحه 291
فهي مثلاً توجب حركة السفن الشراعية المتوقّفة في عرض البحر بسبب سكون الريح، وبهذا تنقذ حياة المئات من ركابها اليائسين من نجاتهم، وتوصلهم إلى شواطئ النجاة، فهي إذن تنطوي على بعض الآفات، ولكنّها بالنظر إلى ارتباطها بحوادث أُخرى تعتبر خيراً محضاً .
إنّ الرياح وإن كانت تهدم بعض جدران الأسطح والأسوار ـ مثلاً ـ إلاّ أنّها في نفس الوقت تعتبر وسيلة فعالة في عملية التلقيح بين الأشجار والأزهار1، وتحريك السحب المولدة للمطر2، وتبديد الأدخنة المتصاعدة من فوهات المصانع والمعامل الّتي لو بقيت، وتراكمت لتعسرت أوتعذرت عملية التنفس لدى سكان المدن، والقاطنين حول تلك المصانع، وغير ذلك من الآثار الطيبة لهبوب الرياح، والحلقات الأُخرى في هذه السلسلة الطويلة الّتي تتضاءل عندها بعض الآثار السيئة أوتكاد تنعدم بالمرة .
فبالنظر إلى هذا الارتباط لا يبقى مجال لوصف هذه الظواهر بالشذوذ أو الشرور .
2. الزلزال وان كان يرافق بعض الخسائر الجزئية أوالكبيرة في الأموال والنفوس إلاّ أنّه ـ بناء على أنّ علّته على بعض الفروض هو جاذبية القمر الّتي تجذب نحو نفسها قشرة الأرض، فيرتفع قاع البحر ـ يوجب أن تصعد مياه البحار والأنهر فتفيض على الأراضي المحيطة بها، وتسقي المزارع والنخيل، فتتجدد فيها الحياة، وتجود بخير العطاء .

1 . قال سبحانه في الكتاب العزيز: (وأرسلنا الرياح لواقح) (الحجر : 22) .
2 . قال سبحانه أيضاً: (وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته حتّى إذا أقلت سحاباً سقناه لبلد ميت) (الاعراف ـ 57) .

صفحه 292
فهل يبقى مجال ـ مع ملاحظة هذه الحلقات وهذا الارتباط بين الظواهر الطبيعية ـ لأن نقضي فيها قضاء عاجلاً، ونلاحظها دون ما يسبقها وما يلحقها، ودون ما يرافقها من فوائد، وعوائد طيبة، ومفيدة .
اجل انّ علم الإنسان المحدود هو الّذي يدفعه إلى أن يذهب هذا المذهب، ويصف هذه الظواهر بأنّها شرور، خاصة إذا عرفنا بأنّ تقدّم العلوم وتوسّعها كشف عن جانب كبير من ذلك الترابط بين حلقات الظواهر، وجعل الإنسان يقف على الفوائد الجمة للكثير من الحوادث الّتي كان يحسبها زائدة أو شاذة عن النظام .
وهنا ندرك سرما قاله سبحانه في الكتاب العزيز عن علم الإنسان وقصوره وعجزه، إذ قال:
(وَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)1 .
وقال أيضاً:
(يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)2.
ولهذا السبب نفسه نجد الكثير من العلماء المنصفين الذين لم تبهرهم منجزات العلوم، ولم يغرهم ما حصل لهم من التقدم، يعترفون بقصور العلم البشري، ويحذرون من التسرع في القضاء والحكم على الأشياء، ويدعون إلى الانتظار حتّى تنجلي الأُمور مع الزمن، حتّى انّ أحدهم وهو العالم الانجليزي

1 . الاسراء: 85 .
2 . الروم: 7 .

صفحه 293
الأُستاذ «وليم كروكش» مكتشف إشعاع المادة والمخترع لآلات كيمياوية كثيرة قال:
«من بين جميع الصفات الّتي عاونتني في مباحثي النفسية وذللت لي طرق اكتشافاتي الطبيعية وكانت تلك الاكتشافات إحياناً غير منتظرة، قلت من بين تلك الصفات عندي اعتقادي الصحيح الراسخ بجهلي».1
وقال الأُستاذ «اوليفر لودج» من أكبر علماء الطبيعة الانجليز ومكتشف نظرية التلغراف اللاسلكي:
«إنّ الشيء الّذي نعلمه ليس بشيء في جانب ما يجب علينا أن نتعلّمه، وقد يقال ذلك أحياناً بلا اعتقاد، أمّا بالنسبة لي أنا فهو الحقيقة الحرفية».2
وقال الدكتور «الكسيس كاريل» العالم البيولوجي الفرنسي عن الإنسان وعالمه المعقد والمليء بالأسرار والعجب:
«الإنسان آلة معقدة جداً وغير قابلة للتقسيم، وما من شيء يمكنه التعبير عن الإنسان ببساطة،وليست هناك من طريقة قط لفهم الذات الكاملة للإنسان.. إنّ مناطق واسعة من عالمنا الداخلي مجهولة. انّ من الممكن جداً طرح أسئلة كثيرة عن هذه الأشياء الّتي تثير الكثير من الدهشة والتعجب، ولكن الحقيقة الواضحة انّه لا توجد ردود مقنعة على كل هذه التساؤلات».3

1 . على أطلال المذهب المادي : 1 / 136 .
2 . على أطلال المذهب المادي: 1 / 137 .
3 . الإنسان ذلك المجهول .

صفحه 294
ولقد سبق العلماء المسلمون إلى تقرير هذه الحقيقة من قبل. وينبغي أن نعيد هنا ما قاله الحكيم الإلهي حول بعض الظواهر الطبيعية الّتي يتوهم شذوذها عن النظام الكوني البديع:
ما ليس موزوناً لبعض من نغم *** ففي نظام الكل كل منتظم

3. الشر أمر قياسي

إنّ التوحيد في الخالقية يقتضي أن يصدر كل ما في «النظام الإمكاني» جليله ودقيقه، من جانب الله سبحانه، فلا خالق سواه وحينئذ ينطرح هذا السؤال:
كيف تصدر الشرور عنه وهو سبحانه خير محض، وأيّة صلة بين الخير المحض والشرور؟
كيف يخلق الله العقارب السامّة، والحيّات القاتلة، والحيوانات المفترسة والسباع والضواري وهي كما تبدو شرور؟
ولقد أجاب الإلهيون عن هذا الإشكال في أبحاثهم وأحاديثهم عن مراتب التوحيد، فقالوا بأنّ الشر أمر عدمي، أي ليس ذات واقعية في صفحة الكون، بل هو أمر انتزاعي، تنتزعه النفس من مقايسة أمر إلى أمر.
وتوضيح ذلك، ان الصفات على قسمين:
1. ما يكون له واقعية كموصوفه، مثل أن نقول الإنسان موجود، أو انّ المتر يساوي 100 سنتيمتر، وهذا يكون صفة حقيقية ذات واقع خارجي موجود بالفعل، سواء توجه إليه الذهن أم لا؟

صفحه 295
2. ما لا يكون له واقعية مثل موصوفه، بل ينتزعه الذهن إذا قايسه بشيء كالكبر والصغر، فانّ الكبر ليس شيئاً ذات واقعية خارجية، وانّما هي صفة تدرك بالقياس إلى ما هو أصغر منه .
وبعبارة أُخرى: انّ الصغر والكبر وصفان لا يصدقان على شيء إلاّ بعد مقارنته بشيء آخر .
فالأرض مثلاً يمكن وصفها بالصغر إذا قيست إلى الشمس، وبالكبر إذا قيست إلى القمر، فهما لا يدخلان في حقيقة الأرض وإلاّ لما صحّ وصف الأرض بهما معاً .
والشرور من هذا القبيل فهي أُمور قياسية نسبية لا حقائق واقعية، فانّ الشر ليس جزءاً من ذوات الأشياء وانّما هو وصف يتّصف به الشيء إذا قيس إلى أمر آخر .
فسمّ الحية والعقرب وغزارة المطر لا تكون شروراً في حدّ ذاتها وإذا ما قيست بنفسها، بل انّ وجودها سبب لكمال أصحابها، وموجب لبقائها; انّما هي شرور إذا قيست إلى الإنسان وتضرره بها، وفقدانه لكمالات معينة بسببها .
فسمّ العقرب مثلاً موجب لبقاء تلك الحشرة نفسها، لأنّه وسيلة لدفاعها عن نفسها فهو خير ولكنّه شر إذا قيس إلى الإنسان ولوحظ تسببه في فقدان حيـاتـه .
وإذا كان الأمر كذلك (أي لم تكن الشرور أُموراً ذات واقعية) لم يتعلّق بها خلق بمعنى انّها لا تكون قابلة للإيجاد لكونها اعلاماً لا وجودات .

صفحه 296
أي انّ اتّصاف الشيء بالشرّية باعتباره أمراً قياسياً وعدمياً لا يحتاج إلى موجد وخالق، وانّما يحتاج إلى الخلق ذات السم، وهو ـ كما عرفت ـ ليس شراً بالنسبة إلى العقرب نفسه .
وهذا هو معنى قولهم: الشرور ليست مجعولة بالذات، بل هي مجعولة بالعرض والتبع .
قال الفيلسوف الإسلامي الكبير «صدر الدين الشيرازي»: «إذا تصفّحت عن جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسمّاة عند الجمهور شروراً لم تجدها في أنفسها شروراً، بل هي شرور بالعرض خيرات بالذات، كما مر بيانه بالوجه القياسي».1
إلى هنا نكون قد خرجنا بالنتائج التالية:
1. انّ وصف الإنسان لبعض الظواهر الطبيعية بالشرية انّما هو لأجل النظر إليها من زاوية ضيقة، وأمّا إذا لوحظت من زاوية النظام العام فهي موصوفة بالخيرية .
2. انّ وصف الإنسان لبعض الظواهر الطبيعية بالشرّية انّما هو قضاء متعجّل مبني على ملاحظة الحادثة بمعزل عن أي شيء آخر، أي من دون ملاحظتها على أنّها حلقة مرتبطة بحلقات كثيرة موجودة في غابر الزمان أو توجد في مستقبله، ولو لوحظت بهذا الوصف لا تّصفت بالخيرية، والحسن .
الاثار التربوية للمصائب والبلايا   
3. انّ بعض الحشرات والضواري والسباع ومالها من أجهزة فتّاكة ممّا

1 . الأسفار : 7 / 62 .

صفحه 297
يصفها الإنسان بالشرّية لا يكون الموجود منها سوى ذات تلك السباع والحشرات وأجهزتها المفيدة لها، وأمّا اتّصافها بالشرّية فهو أمر انتزاعي لا وجود له، بل ينتزعه الذهن إذا قاسها إلى ما لا يلائمها، فهو ليس إلاّ أمراً ذهنياً لا خارجياً، وبهذا لا يدخل في إطار الخلق .
ومن كل ذلك تبيّن ـ من الوجهة الفلسفية ـ انّ تلك الأُمور لا تكون إلاّ شروراً نسبية لا شروراً مطلقة، فلا بأس بخلقها لاحتوائها على النفع الكثير وإليك تحليل هذه الأُمور من ناحية الآثار التربوية .

الآثار التربوية للمصائب والبلايا

قد اتّضح ممّا سبق أنّ تسمية الإنسان لبعض الحوادث الكونية بالشرور ينبع ـ في الحقيقة ـ من ضيق نظرته إلى ما يقع في صفحة الكون، أو أنانية تفرض عليه أن يقيس جميع الأُمور بمصالحه ومصالح ذويه بحيث لو لاحظ تلك الحوادث بنفسها ومع مالها من الارتباط الوثيق ببقية الحوادث الأُخرى، ومالها من آثار إيجابية في حياة الناس في أمكنة أُخرى، لما وصفها إلاّ بالخيرية والحسـن .
ولقد كان هذا هو التحليل الفلسفي الّذي مر، بيد انّ هناك إجابة أُخرى على هذا السؤال، وهو انّ لهذه الحوادث «آثاراً تربوية» مهمة في حياة البشر المادّية من جانب، كما أنّها توجب إزاحة الغرور، والغفلة عن الضمائر والعقول من جانب آخر .
وإليك فيما يلي توضيح هذه الآثار والثمار واحدة بعد الأُخرى:

صفحه 298
 
أ ـ المصائب وسيلة لتفجير القابليات
يحطّ الإنسان قدمه على هذه الأرض وهو يحمل في كيانه جملة كبيرة من القابليات والمواهب الّتي تبقى في مرحلة القوى، وفي صورة الطاقات المعطّلة المخزونة، إلاّ أن تتوجّه إليها صدمة قوية تحرك القابليات، وتفجّر المواهب، وتظهر المعادن، وتصقل الجواهر .
وبعبارة واضحة: إذا لم يتعرض الإنسان للمشاكل في حياته، فانّ قابلياته ومواهبه المكنونة بين جوانحه ستبقى جامدة هامدة لا تنمو ولا تتفتح، بل تبقى في مرحلة القوة والذخيرة المهملة، فإذا تعرض الإنسان للمشاكل والمحن تفتّقت فيه تلك القابليات، ونمت تلك المواهب، وانتقلت الطاقات الكامنة من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعلية، وتفتح فكره، وتكامل عقله .
ولا يعني هذا أن يعمد الإنسان بنفسه إلى خلق المشاكل، وإثارة الشدائد والمصائب وجرها إلى نفسه ابتداءً، بل يعني ان يستقبلها الإنسان ـ إذا جاءت ـ برحابة صدر، ويستفيد منها في تفجير قابلياته، وتنمية مواهبه، وإذكاء عقله، وتقوية روحه، لا أن يستسلم أمام عواصفها، أو ينهزم أوينهار، فلا يحصد إلاّ الخسران، ولا يقطف إلاّ ثمرة السقوط المرة .
إنّ البلايا والمصائب والمحن خير وسيلة ـ لو أحسن المرء استغلالها واستخدامها ـ لتفجير الطاقات، بل تقدّم العلوم، ورقيّ الحياة البشرية .
فهاهم علماء الحضارة يصرحون بأنّ أكثرالحضارات لم تتفتّق ولم تزدهر إلاّ في أجواء الحروب والصراعات والمنافسات حيث كان الناس يلجأون فيها إلى استحداث وسائل الدفاع في مواجهة الأعداء المهاجمين، أو إصلاح ما

صفحه 299
خلّفته الحروب من دمار ونقص وتخلّف، أو تهيئة ما يستطيعون به على مقاومة الحصار، مثلا .
فقد كانت ـ في مثل هذه الظروف ـ تتفتّق المواهب وتتحرك القابليات لتلافي ما فات، وتكميل ما نقص وتهيئة ما يلزم .
قال العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد :
«إنّ البحث الدقيق في العوامل المولدة للسجايا النفسانية بحسب الأحوال الطارئة على الإنسان في المجتمعات يهدي إلى ذلك، فانّ المجتمعات العائلية، والأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيوية دنيوية أو دينية في أوّل تكوّنها ونشأتها تحسّ بالموانع المضادة والمحن الهادمة لبنيانها من كل جانب، فتتنبّه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها ويستيقظ ما نامت من نفسياتها للتحذّر من المكاره، والتفدية في طريق مطلوبها بالمال والنفس. ولا تزال تجاهد وتفدي ليلها ونهارها، وتتقوّى وتتقدّم حتّى تمهد لنفسها فيها بعض الاستقلال ويصفو لها الجو بعض الصفاء، وتأخذ بالاستفادة من فوائد جهدها » .1
ثم إنّنا لا ندّعي بأنّ هذه النتائج والثمار توجد دائماً في جميع الحوادث والكوارث، وانّما في أغلبها .
فانّ أغلبية هذه المصائب والبلاياتعطي دفعة قوية لقابليات الأفراد، وتطرد الكسل عن نفوسهم والجمود عن أفكارهم .

1 . الميزان : 9 / 124 .

صفحه 300
أليس الحديد يزداد قوة وصلابة كلّما تعرض للنار، وأليس السيف يزداد حدة وقاطعية كلّما تعرض للمبرد .
ومن هنا فانّ الوالدين اللّذين يعمدان إلى تربية ولدهما تربية ناعمة مرفهة بعيدة عن الصعوبات والشدائد لا يقدّمان إلى المجتمع إلاّ إنساناً هزيلاً ضعيف الإرادة فاقد الطموح، أشبه ما يكون بالنبتة الغضّة في مهب الريح، بل والتبنة الخفيفة الوزن أمام هبوب العاصفة تأخذها يميناً وشمالا .
وأمّا الّذي ينشأ نشأة خشنة محفوفة بالمشاكل والمصائب، والمصاعب والمتاعب، فانّه يكون أشبه بالصخرة الصلبة الّتي تتكسر عليها كل السهام، وتتحطم عندها كل العواصف، أو كما وصف الامام علي(عليه السلام) إذ قال:
«ألا إنّ الشجرة البرية أصلب عوداً والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنباتات البدوية أقوى وقوداً، وأبطأ خموداً»1 .
وإلى هذه الحقيقة ذاتها يشير قوله سبحانه:
(فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)(2) .
وقوله تعالى:
(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)2 .
وقوله سبحانه: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَ إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(4).
أي تعرض للنصب والتعب بالإقدام على العمل والسعي والجهد كلّما

1 . نهج البلاغة، الرسالة رقم 45 .            2 . النساء: 19 .
2 . الانشراح: 5 ـ 6 .                     4 . الانشراح: 7 ـ 8 .

صفحه 301
فرغت من العبادة، وكأنّ النصر والمحنة حليفان لا ينفصلان، وأخوان لا يفترقان .
وخلاصة القول: إنّ القدرة على المقاومة والظفر بالنجاح يتوقّف على صلابة الإنسان الحاصلة من المرور بالصعوبات والمشاق، ليزداد قوة إلى قوة، وتماسكاً إلى تماسك، كما يزداد الحديد صلابة إذا تعرض لمطرقة الحدّاد، ولكي يخلص عقله وروحه من علائق الكسل والجمود كما يخلص الذهب من الشوائب إذا تعرض لإلسنة اللهب .

ب . المصائب والبلايا جرس إنذار

إنّ التمتع بالمواهب المادية، والاستغراق في اللذائذ والشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الأخلاقية .
فكلّما ازداد الإنسان تعمّقاً في اللذائذ والنعم ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية، وربما انتهى به الحال إلى أن ينسى نفسه بالمرة .
وهذه حقيقة يلمسها كل واحد في حياته، وحياة غيره كما يقرأه في صفحات التاريخ .
فلابدّ ـ حينئذ ـ من وخزة للضمير، وهزة للعقل.. لابد من جرس للإنذار يذكر الإنسان بنفسه ويفيقه من غفوته، وينبهه من غفلته، وليس هناك ما هو أنفع ـ في هذا المجال ـ من بعض الحوادث التي تغيّر رتابة الحياة، وتقطع على الإنسان شروده وغفلته، ولهوه ولذته، فإذا انقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات، واعترضت لذّته بعض المنغصات، استيقظ من نومه، وأدرك عجزه، وتخلى عن غروره، وخف من طغيانه .

صفحه 302
إنّ الّذي يعيش حياة ناعمة رتيبة يشبه إلى حد كبير من يركب في سيارة يقودها سائق، تسير على طريق مبلط فيغط في نوم عميق، لا يستيقظ منه إلاّ إذا كبس السائق على فرامل السيارة فجأة، وتوقّفت دون سابق إخبار، أو مر على قطعة غير مبلّطة، فأحدثت رجفة قوية .
ولهذا تعمد الأجهزة المسؤولة عن الطرق والمواصلات إلى غرس بعض القطع الناتئة على متن الطرق حتّى يوجب ذلك تنبيه السائقين بسبب ما تحدثه من هزات للسيارة كيلا يستسلموا للنوم، والنعاس .
ولأجل ذلك يتّضح وجه ربط الطغيان بإحساس الغنى والاستغناء في الكتاب العزيز، إذ يقول سبحانه:
(إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى)1 .
كما ولأجل هذا يعلّل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأنّها لفائدة الذكرى، فالرجوع إلى الله، والتضرع إليه .
يقول سبحانه في هذا الصدد:
(وَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)(2).
ويقول أيضاً: (وَ لَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْص مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)2.

1 . العلق: 6 ـ 7 .            2 . الأعراف: 94 .
2 . الأعراف: 130 .

صفحه 303
فالآيتان تصرّحان بأنّ المصائب والبلايا سبب لتضرع الإنسان إلى الله، وتذكّره، فهو إذا نسي الله في غمار الشهوة والمادية، أيقظته المحنة وذكّرته بالله، إذ بها يدرك انّه فقير عاجز لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، وانّ اللذة الدنيوية لذة عابرة، وشهوة متصرمة وانه لا ملجأ له، ولا معين إلاّ الله .
وهكذا تكون البلايا والمصائب سبباً ليقظة الإنسان، وتذكره، وتنبهه وتضرعه إلى الله، فهي بمثابة صفعة الطبيب على وجه المريض المبنج الّتي لولاها لانقطعت حياة المريض وتعرضت لخطر الموت .
وهكذا توجب المحن والمصائب (التكامل الأخلاقي) كما توجب (التفتح العقلي) على ما عرفت في النقطة الأُولى، وقد يتّخذ الإنسان من النوازل والمحن وسيلة لتذكره ويقظته والتخلّي عن غروره وعندئذ تكون البلايا نعماً إلهية في حق الإنسان .
وقد لا يتّخذ منها أي موقف أبداً فتكون في هذه الحالة ـ بالذات ـ مصيبة عليه، وكارثة في حياته .

ج . البلايا سبب للعودة إلى الحق

إنّ للكون هدفاً، كما أنّ لخلق الإنسان هدفاً كذلك، وليس الهدف من خلق الإنسان إلاّ أن يتكامل في جميع أبعاده، وما بعث الأنبياء، وإنزال الكتب والشرائع إلاّ لتحقيق هذا الهدف العظيم، والغاية السامية .
ولمّا كانت المعاصي والذنوب من أكبر الأسباب الّتي توجب بعد الإنسان عن الهدف الّذي خلق الإنسان من أجله، وتعرقل مسيرة تكامله، لأنّ الّذي

صفحه 304
يعيش طيلة حياته في الكذب والنفاق وغيرها من المعاصي لا يمكن أن يتوصّل إلى هدف الخلقة، بل يبقى كالحيوان غائب الرشد سادر الفكر، كان لابد من صدمة تعيده إلى رشده، وترده إلى صوابه، وكذلك تفعل البلايا والمصائب فانّها بقطعها نظام الحياة وإيقافها للإنسان العاصي على نتائج أعماله توجب رجوعه إلى الحق وعودته إلى العدالة، أو تدفعه إلى أن يعيد النظر في سلوكه ومنهجه في الحياة على الأقل .
إنّ القرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة ـ بوضوح لا إبهام فيه ـ إذ يقول:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )1.
ويقول سبحانه في آية أُخرى:
(وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )(2).

نقطتان هامتان:

ويجدر بنا في ختام هذا البحث أن نشير إلى نقطتين هامتين:
الأُولى: انّ بقاء الحياة على نمط واحد ووتيرة واحدة يوجب ملل النفس وكلل الروح، وتعب العقل فلا تكون الحياة محببة لذيذة إلاّ إذا تراوحت بين المر والحلو، والجميل والقبيح، والمحبوب والمكروه، إذ لا يمكن معرفة السلامة إلاّ

1 . الروم: 41 .            2 . الأعراف: 96 .

صفحه 305
عند العيب، ولا الصحة إلاّ عند المرض، ولا العافية إلاّ عند الإصابة بالحمى، ولا تدرك لذة الحلاوة إلاّ عند تذوق المرارة .
وبالجملة لولا المرض لما علمت قيمة الصحة، ولولا الشتاء لما عرفت قيمة الصيف، وهكذا .
ومن هنا نجد البنّائين والمهندسين إذا بنوا داراً تفنّنوا في بناء الجدران والسقوف فبنوها متموجة متعرجة لا مسطحة خالية من أية تعرجات وتموجات، لأنّ النفس الميّالة بطبعها إلى التنوع لا ترتاح إلاّ برؤيتها للجدار المتنوع الأشكال والسطوح.
ولعلّ لهذا السبب كانت الوديان إلى جانب الجبال والأشواك إلى جانب الورود، والثمار المرة إلى جانب الثمار الحلوة، والماء الأُجاج إلى جانب الماء العذب الفرات، وعبور الأنهر والمياه عبر الجداول المتعرجة الملتوية في بطون السهول والأودية .
إنّ المصائب وإن كانت مرة غير مستساغة، ولا مأنوسة المذاق إلاّ أنّها تبرز من جانب حلاوة الحياة وقيمة النعم، وأهمية المواهب .
فجمال الحياة وقيمة الطبيعة ينشآن من هذا التنوع والانتقال من حال إلى حال، والتبدّل من وضع إلى آخر .
الثانية: انّ هناك من المحن ما ينسبها الإنسان الجاهل إلى خالق الكون والحال انّ أكثرها من كسب نفسه ونتيجة منهجه .
فانّ الأنظمة الطاغوتية هي التي سببت تلك المحن وأوجدت

صفحه 306
تلك الكوارث، ولو كانت هناك أنظمة قائمة على قيم إلهية لما تعرض البشر لتلك المحن ولما أصابته أكثر تلك النوائب .
فالتقسيم الظالم للثروات ـ مثلاً ـ هو الّذي سبب في تجمع الثروة عند قلّة قليلة، وانحسارها عن جماعات كثيرة، وتمتع الطائفة الأُولى بكل وسائل الوقاية والحماية ضد الأمراض والحوادث، وحرمان غيرهم منها هو الّذي جعل الطائفة الفقيرة المحرومة من المال والامكانيات أكثر عرضة للكوارث بسبب فقدانهم لوسائل الوقاية من الأمراض، والحماية من النوازل .
ولهذا يكثر الدمار والخراب والخسائر المالية والروحية بسبب الزلازل والسيول في القرى والأرياف، ويقلّ ذلك في المدن التي تتمتّع بأعلى مستويات الوقاية والحماية والحصانة .
ولو انّ الناس سلكوا السبيل الإلهي المرسوم لهم، وراعوا العدالة في تقسيم الثروة والإمكانيات لما تضرر احد بهذه النوازل والحوادث، ولكان الجميع في أمن من تبعاتها على السواء .
فالأنظمة المجحفة، وخروج الناس عن السبيل الإلهي القويم الّذي يكفل توفير وسائل العيش والسلامة للجميع على السواء هو من الأسباب الرئيسية التي توجب تعرض الناس للمحن والكوارث .
إشكالات هيوم والجواب عليها   

إشكالات «هيوم» الستة

ونذكر في ختام هذا البحث مجمل إشكالات «هيوم» الستة كما وعدنا بذلك في مطلعه، وهذه الإشكالات هي:

صفحه 307
1. انّ برهان النظام لا يتمتع بشرائط البرهان التجريبي، لأنّه لم يجرب في شأن عالم آخر غير هذا العالم .
2. ماذا يمنع من أن نعتقد بأنّ النظام السائد في عالم الطبيعة يدار من قبل عامل كامن في نفس الطبيعة، أي انّ النظام يكون ذاتياً للمادة؟
3. من أين نثبت انّ النظام الموجود فعلاً هو «النظام الأكمل» لأنّنا لم نلاحظ مشابهه حتّى نقيس به؟
4. من يدري لعلّ خالق الكون جرب صنع الكون مراراً حتّى اهتدى إلى النظام الفعلي؟
5. لو فرضنا أنّ برهان النظام أثبت وجود الخالق العالم القادر، بيد انّه لا يدلّ مطلقاً على الصفات الكمالية كالعدالة والرحمة الّتي يوصف بها .
6. هناك في الطبيعة ظواهر وحوادث غير متوازنة خارجة عن النظام، وهي لا تتفق مع النظام المدّعى ولا مع الحكمة التي يوصف بها خالق الكون .

الأجوبة الإجمالية:

والجواب على الاعتراض الأوّل (الّذي يقول بأنّ البرهان المذكور لا يتمتع بشرائط البرهان التجريبي) هو انّ مطالعة ماهية النظام السائد في الكون تدفع العقل إلى القول بأنّه لا يمكن أن يصدر هذا النظام عن طريق الصدفة والاتّفاق، بل لابد من دخالة شعور وعقل في إيجاد هذا النظام البديع .
والجواب على الاعتراض الثاني (الّذي يرتبط بإمكان نشوء النظام

صفحه 308
الكوني من ذات المادة أومن عامل داخلي في نفس المادة) هو انّ هذا الاحتمال هو نفس ما سنعالجه في بحث «نظرية خاصية المادة» ونثبت بطلانه وفساده .
والجواب على الشبهة الثالثة والرابعة والخامسة هو انّ هذه الشبه والإشكالات ناشئة من عدم الوقوف على رسالة برهان النظام ومدى ما يسعى إلى إثباته .
فقد تصوّر صاحب هذه الاعتراضات انّ «برهان النظم» هو البرهان الوحيد الّذي يمتلكه الإلهيّون في قضايا العقيدة المرتبطة بالخالق سبحانه، في حين انّ رسالة «برهان النظام» تتلخّص في إثبات انّ النظام السائد في الكون ليس ناشئاً من الصدفة، بل وجد بفعل عقل وشعور، ومحاسبة وتخطيط وبعبارة أُخرى: إثبات انّ للنظام الكوني خالقاً صانعاً .
وامّا أنّ هذا الخالق الصانع هو الله الواجب الوجود الأزلي الأبدي أم لا، فهو أمر لا يتكفّل بإثباته هذا البرهان، ولا انّه من رسالته ومقتضاه بل لابد في هذا المورد من الاستفادة من براهين أُخرى مثل برهان «الإمكان» أو برهان «امتناع التسلسل» الّذي سيأتي بيانه على وجه التفصيل في الأبحاث القادمة .
وخلاصة القول: إنّ برهان النظام يكشف عن وجود فاعل ذي عقل وإدراك وراء نشأة هذا الكون، وأمّا خصوصيات هذا الفاعل فلابد من التماسها من أدلّة أُخرى .
ونعود لنقول: إنّ «هيوم» تصوّر انّ برهان النظام قادر على إثبات

صفحه 309
جميع معتقدات الإلهيّين حول الله، في حين انّ هذا البرهان لا يفي بأكثر من إثبات أنّ لهذا النظام البديع صانعاً خالقاً، وأمّا صفاته مثل كونه واجب الوجود أوممكن الوجود، قديماً، أوحادثاً، واحداً أومتعدداً، محدوداً أومطلقاً، ذا علم وقدرة مطلقتين أم لا، وانّ كمالاته موجودة في ذاته بالفعل، أم انّها تحصل في ذاته تدريجاً عن طريق التجربة، عادلاً أم لا، رحيماً أم لا، فإثبات أونفي ذلك كلّه خارج عن رسالة هذا البرهان (أيّ برهان النظم) ونطاقه ومؤدّاه، بل لابدّ من التماس هذه الأُمور وأمثالها من براهين أُخرى .
بهذه المقدّمة العاجلة تبيّن الجواب الإجمالي على مجموع الإشكالات الثلاثة (الثالث والرابع والخامس)، وأمّا الاجوبة شبه التفصيلية فهي:
أمّا الإشكال الثالث فجوابه هو: أنّ أكملية النظام الفعلي لا ترتبط ببرهان النظام، فرسالة هذا البرهان ليست أكثر من إثبات هدفية في هذا الكون .
واستحالة صدوره عن طريق الصدفة، إذ النظام البديع يدلّ على أنّ فاعل هذا الكون متّصف بالقدرة والعلم، سواء كان النظام هو «النظام الأكمل» أولا، لأنّ برهان النظام لا يتكفّل ببيان وإثبات وصف فعل هذا الفاعل (وهو الأكملية) .
وأمّا الإشكال الرابع الّذي يرتبط بالعلم الإلهي وهل أنّه فعلي أم لا، فجوابه الإجمالي هو أنّ العلم الإلهي «علم فعلي» ولا سبيل للقوة والإمكان إلى ذاته ليكون علمه علماً بالقوة، وحاصلاً من القوة إلى الفعلية عن طريق التجربة .

صفحه 310
وبعبارة أُخرى: انّ علمه وإدراكه كلّه حاصل بالفعل وليس شأنه شأن الموجودات الإمكانية الّتي يزداد علمها، ويتكامل إدراكها شيئاً فشيئاً، وتنتقل من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعلية تدريجياً .
هذا وللفلاسفة ـ في هذا المجال ـ قاعدة يعتبر مضمونها أفضل جواب على الإشكال الرابع وهي قولهم: «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» .
وأمّا الاشكال الخامس الّذي يرتبط بالصفات الإلهية الأُخرى كالعدل، والرحمة وغيرهما فجوابه: انّ برهان النظام لا يهدف إثبات هذه الصفات، فذلك خارج عن رسالته، بل لابدّ من إثبات هذه الصفات بأدلّة أُخرى سنعرض لها في بحث «الصفات الإلهية». هذا إلى جانب أنّ واجب الوجود واجد لجميع صفات الكمال، فليس من كمال إلاّ وهو متّصف به، ثابت في ذاته .
وأمّا الإشكال السادس فهو ممّا يمكن القبول بارتباطه ببرهان النظام، لأنّ الحوادث غير المتوازنة كالسيول والطوفانات والزلازل المدمرة لا تتفق ـ حسب النظرة السطحية ـ مع وجود عقل وشعور وراء النظام الكوني، وقد بحثنا حول هذا الإشكال، وتبيّن الجواب بما لم يدع مجالاً للشك .
وعلى هذا الأساس لا يرد من إشكالات «هيوم» الستة على برهان النظام سوى إشكالين فقط، وقد مرت الإجابة عنهما في البحثين السابقين فراجع .

صفحه 311

أبرز الأدلّة على وجود الله الخالق

البرهان الثاني

حدوث المادّة يدلّ على محدثها

يعتبر الحدوث والقدم من أوضح المفاهيم عند الجميع، بحيث لم تكن هناك حاجة إلى تفسيرهما وشرحهما، غير انّنا ـ لمزيد التوضيح ـ نقول:
إنّ الحادث يطلق ـ في العرف ـ على الكائن في عمود الزمان، وتطلق الحادثة على الظاهرة الطبيعية .
وانّ القديم يطلق على من عمّر زمناً طويلا، والمقصود من الحادث والقديم في المقام معنى يقرب ممّا أُشير إليه .
فالحادث ـ في هذه البحوث ـ هو «الموجود المسبوق بالعدم» أيّ الذي لم يكن ثم كان .
والقديم هو «الموجود غير المسبوق بالعدم» أيّ الّذي كان وجوده أزلياً ولم يكن له أيّ بداية .
ثم إنّ الشيء الحادث لكونه وجد بعد أن لم يكن موجوداً، بحاجة إلى «علّة» تأتي به إلى حيز الوجود لما ثبت في «قانون العلّية»، واحتياج الممكن إلى علّة.

صفحه 312
فلو ثبت أنّ العالم ـ بعامّة أجزائه المادّية وصورها ـ حادث لزم أن يفترض له محدث أخرجه من العدم، وأفاض عليه الوجود. فهاهنا مقدّمتان (إحداهما صغرى والأُخرى كبرى) ونتيجة، وهي كالتالي:
1. الصغرى تتكفّل بإثبات حدوث العالم .
2. الكبرى تتكفّل بإثبات احتياج كل حادث إلى محدث وعلّة .
3. النتيجة وهي انّ العالم محتاج إلى محدث إذن .
ولمّا كانت المقدّمة الثانية (أيّ الكبرى) ثابتة عند الجميع لاعترافهم باحتياج كل حادث إلى علّة محدثة يتحتّم تركيز البحث على إثبات الصغرى، أيّ إثبات كون العالم حادثاً بمادته وصورته .
h h h
ومن الضروري انّ نلفت نظر القارئ ـ هنا ـ إلى نكتة سبق أن أشرنا إليها وهي: انّ ثمّة فرقاً أساسياً بين برهان «حدوث المادة» هذا، و «برهان النظام» الّذي قد مر تفصيله بصوره الأربع .
فإنّ الثاني (أيّ برهان النظام) ليس مبنيّاً على حدوث المادة، وانّما هو مبني على خضوع هذا العالم لنظام متقن، ومحاسبة دقيقة، إذ أنّ مثل هذا النظام المتقن والمحاسبة الدقيقة لا يمكن أن تكون وليدة الصدفة العمياء، ولا ناشئة من المادة، ولا انّها مقتضى خاصيتها، بل هو من فعل خالق مبدع، وعقلية جبارة وراء المادة .
إثبات حدوث المادة   
ومثل هذا الاستنتاج من النظام السائد على الكون يحصل للمرء

صفحه 313
سواء اعتقد بحدوث المادة أو أزليتها، وسواء قال بأنّ النواة الأصلية لهذا الكون قديمة أو حادثة .
فبرهان النظم يتمشّى مع القول بحدوث المادة ومع القول بقدمها أيضاً .
نعم انّ القول بقدم المادة يتنافي مع توحيد القديم، ووحدانية الأزلي سبحانه وتعالى وستعرف عند بحثنا للصفات الإلهية انحصار القديم في الله سبحانه دون سواه .
أمّا البرهان الحاضر (أعني: برهان حدوث المادة) فهو يقوم على إثبات حدوث المادة، ولهذا فانّنا نهدف هنا إلى إثبات وجود الخالق من خلال إثبات حدوث المادة، وتواجدها بعد العدم، وإبطال أزليّتها .
ولمّا كنّا في غنى عن البحث في أي شيء سوى إثبات حدوث نفس المادة نركز البحث عليه، فإذا ثبت حدوثها ألحقنا بها الكبرى، وهي القاعدة المسلّمة عند الجميع، أعني: «احتياج كل حادث إلى علة»، وحصلنا على المطلوب وهو احتياج هذا العالم إلى خالق محدث له .
ولأجل ذلك نشرع في هذا الأمر فنقول:

إثبات حدوث المادة

إنّ حدوث المادة يمكن إثباته بطريقين:
الأوّل: الطريق العلمي الّذي يستند إلى معطيات الفيزياء الحديثة والعلوم الطبيعية والتجريبية .

صفحه 314
الثاني: الطريق الفلسفي الّذي يعتمد على البراهين العقلية والفلسفية .
وها نحن نبدأ بالأوّل ثم نذكر الثاني بعده .
h h h

حدوث المادة من زاوية العلم التجريبي

لقد أثبتت العلوم الطبيعية الحديثة انّ الكون يسير باتّجاه موت حراري وشيخوخة يصطلح عليها في الفيزياء بالانتروبي، فقد توصل «إسحاق نيوتن» نتيجة تحقيقاته إلى أنّ العالم يتّجه ـ باستمرار ـ نحو التفكّك والتحلّل، والبرود والاهتراء، وسيأتي اليوم الّذي تتساوى فيه كل الأجسام في حرارتها، وتغدو كالماء الذي استقر في الأواني المستطرقة بصورة متساوية السطوح، وحينئذ ستتوقف كل حركة، ويترك الصخب والضجيج مكانهما للجمود والسكوت، وتترك الحياة مكانها للموت .
لقد أثبت من خلال دراسته للحرارة انّه في جميع التغيّرات الحاصلة في الحرارة يتحول قسم من «الطاقة ذات الوجود الحراري» إلى «طاقة غير ذات وجود حراري» ولا يمكن العكس أيّ أنّ تنتقل الطاقة غير ذات الوجود الحراري إلى الطاقة ذات الوجود الحراري .
ويسمّى هذا بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية الّذي يسمّى بقانون الطاقة المتاحة أيضاً .
الاستنتاج الفلسفي من القانون الحراري   
فهذا الكشف يثبت انّ الحرارة تنتقل بصورة تدريجية من وجود

صفحه 315
حراري إلى عدم حراري والعكس غير ممكن، وهو أن تنتقل هذه الحرارة من وجود حراري عدم إلى وجود حراري أكثر، ويعني هذا أن يأتي وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات وحينذاك لا تبقى أيّة طاقة مفيدة للحياة والعمل والتحرك، ويترتب على ذلك أن تنتهي العمليات الكيمياوية والطبيعية وتنتهي الحياة .
إذ أنّ وجود الحركة والحياة في هذا الكون انّما هو نتيجة التفاوت والاختلاف الموجود بين أجزائه في الحرارة، فإذا انتقلت الحرارة من الأجسام الحرارية إلى الأجسام الأُخرى وتساوت الحرارة في الجميع وحلّت البرودة مكان الحرارة لم يبق مجال للتفاعل الّذي هو نتيجة الاصطكاك بين الأجزاء المتفاوتة والفعل وردة الفعل .
هذا هو الأصل العلمي الّذي اتّفقت عليه كلمة علماء الفيزياء الحديثة، ونحن نستنتج من هذا الأصل «حدوث المادة» بالبيان التالي:

الاستنتاج الفلسفي من القانون الحراري

إنّ الكشف المذكور يعد دليلاً قوياً على حدوث الكون، إذ لو كان هذا العالم المادي أزلياً لزم أن تبرد فيه الحرارة منذ زمن بعيد، وأن تنعدم فيه الحياة منذ وقت طويل، لأنّ العالم محدود في طاقاته، فكيف يمكن أن يكون هذا العالم موجوداً منذ الأزل إلى الآن وهو يفقد كل يوم هذه الكمية الهائلة من حرارته نتيجة الانفجارات المتلاحقة في ذراته؟!
وبعبارة ثانية: انّ العالم لو كان أزلياً لكان ينبغي أن تنعدم الحياة والحركة

صفحه 316
فيه منذ أقدم العصور نتيجة فقدان أجزائه للحرارة، وانتقال طاقاتها المتاحة إلى طاقة غير متاحة، وتوقّف العمليات الطبيعية والكيمياوية، وللزم أن لا نجد على الأرض أيّ أثر للحياة والأحياء، وأن لا يبقى إلى الآن أيّة حرارة للشمس لحصول الموت الحراري الّذي أشار إليه الكشف المذكور منذ زمن بعيد، نظراً للكمية المحدودة للحرارة في الكون .
فنستنتج من ذلك انّ لهذا الكون بداية وانّه حادث، وليس أزلياً، فالكون يشبه السراج النفطي الّذي يفقد أجزاء من وقوده عند الإضاءة باستمرار، فلا يمكن أن يكون مشتعلاً منذ الأزل، إذ يلزم من ذلك أن ينتهي نفطه ووقوده منذ وقت طويل، لأن الوقود المحدود لا يمكن أن يبقى إلى الأبد .
فإذا وجدناه لا يزال مشتعلاً استنتجنا من ذلك كونه حادثاً، وعرفنا أنّ اشتعاله وإضاءته لم تكن من الأزل .
إنّ نظامنا الشمسي بل مجّرتنا الّتي يعتبر هذا النظام الشمسي جزءاً صغيراً منها أشبه ما يكون بالسراج النفطي المذكور الّذي تتناهى طاقاته، لأنّ هذه المجرة تملك طاقات محدودة، فلو كانت هذه المجرة قديمة في وجودها وانفجاراتها لزم أن يكون قد انتهى كل ما فيها من الطاقات، وللزم أن لا نرى الآن أي أثر للعمليات والتفاعلات الطبيعية والحال انّنا نشاهد استمرار هذه العمليات والتفاعلات، ونلاحظ ـ تبعاً لذلك ـ استمرار مظاهر الحياة التابعة لذلك، وهذا يكشف بجلاء ـ عن وجود بداية لهذا الكون، ويبطل القول بأزليته وقدمه .
ونعود لنقول توضيحاً للبرهان الحاضر: إنّ علماء الفيزياء قد قاموا بإثبات أصل علمي وهو قانون الانتروبي، الّذي يعني حصول الشيخوخة التدريجية للكون.

صفحه 317
غير انّنا نستنتج من هذا الأصل العلمي أصلاً فلسفياً وهو «حدوث مادة العالم» وذلك بأنّه لو كانت المادة، وانفجاراتها الملازمة لها قديمة وأزلية للزم أن ينفد كل ما فيها من الطاقات لضرورة انتهاء كل طاقة محدودة إذا كانت فعالة في زمن غير متناه وغير محدود .
ولا بأس في بناء أصل «فلسفي» على أصل «علمي» ثابت بالتجربة كما هو محقّق في موضعه .
على انّنا لم ننفرد بمثل هذا الاستنتاج فقد سبقنا إليه بعض المحقّقين من العلماء والمفكّرين، وها نحن نذكر بعض نصوصهم :
1. يقول الدكتور «ادوارد لوثر كيسيل» في الرد على من يقول بأزلية هذا الكون:
«... ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي الأخير (أي القول بأزلية الكون) فالعلوم تثبت بكل وضوح أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيمياوية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة، ولا تزال العمليات الكيمياوية والطبيعية تسير في طريقها، فاننا نستطيع أن نستنتج أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود،

صفحه 318
وهكذا توصلت العلوم دون قصد إلى انّ لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود اللّه، لأن ما له بداية لايمكن أن يكون قد بدأ نفسه ولا بد له من مبدئ، أو من محرك أوّل أو من خالق هو الإله»1 .
2. يقول الدكتور «فرانك آلن»:
«... ولكن قوانين الديناميكا الحرارية تدلّ على أنّ مكوّنات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً، وأنّها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة البالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة، ولامناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت .
أمّا الشمس المستعرة والنجوم المتوهّجة والأرض الغنية بأنواع الحياة فكلّها دليل واضح على أنّ أصل الكون وأساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذن حدث من الأحداث، ومعنى ذلك انّه لابدّ لأصل الكون من خالق أزلي ليس له بداية» (2) .
3ـ يقول الدكتور «دونالد روبرت كار»:
إنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، ولو كان كذلك لما بقيت فيه أي عناصر إشعاعية، ويتّفق هذا الرأي مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية»2 .

1 و 2 . الله يتجلى في عصر العلم : 27 و 6 .
2 . الله يتجلى في عصر العلم : 85 .

صفحه 319
سؤال وجواب:
لقائل أن يقول: يمكن أن تكون المادة ذاتها قديمة وأزلية، ولكن السبب الّذي صانها من الموت الحراري إلى الآن هو عدم وقوع هذه الانفجارات فيها منذ الأزل، بمعنى أنّ المادة كانت راكدة متساوية الأجزاء منذ الأزل، ولمدة طويلة جداً ثم حدث فيها الانفجار، ولهذا بقيت حية نشطة إلى الآن، وفي هذه الصورة كيف يصحّ الاستنتاج المذكور؟!
ولكن الإجابة على هذا السؤال واضحة، فانّ فرض كون المادة راكدة منذ الأزل خالية عن الانفجارات، ثم فرض حصول الانفجار فيها في الزمن اللاحق، يستلزم وجود عامل يضع نهاية لذلك البرود والركود، وهذا العامل لا يخلو عن أن يكون عاملاً كامناً في ذات المادة أو خارجاً عنها .
أمّا الأوّل فيتوجّه إليه سؤالان:
1. ان العامل الموجود في ذات المادة والّذي سبب الانفجار فيها فيما بعد قد كان مقروناً بها فلماذا لم يؤثر فيها؟ ولماذا لم يسبب الانفجار في تلك الأزمنة غير المتناهية الماضية ؟
2. أنّ هذه الفرضية تستلزم الدور الباطل، لأنّ أي نوع من أنواع التأثير، وإيجاد الانفجار يتحقّق أثر زوال حالة التساوي الحراري في المادة، ولا يتحقّق الزوال إلاّ بسبب التفجّر في المادة حتّى تصير المادة مثل المائع المختلف السطوح، وهذا هو الدور الواضح فما الجواب؟
وبعبارة أُخرى: انّ زوال حالة الركود والسكون يتوقّف على

صفحه 320
تحقّق الانفجار بينما تحقّق الانفجار يتوقف على زوال حالة الركود وصيرورة المادة قابلة لتحقّق الانفجار فيها.
هذان هما السؤالان اللّذان يتوجّهان إلى من افترض كون العامل للانفجار داخليـاً .
وأمّا إذا افترضنا ذلك العامل عاملاً خارجاً عن المادة فهو اعتراف بقوة عليا خارجة عن الطبيعة مسيطرة عليها، مسيرة لشؤونها، وهذا هو القول بوجوده سبحانه الّذي خلق المادة ودبّرها وصوّرها وأوجد فيها ما فيها من الانفجارات وغيرها من الحالات .
h h h
برهان فلسفي آخر على حدوث المادة   

برهان فلسفي آخر مبني على النظرية المذكورة

وهاهنا برهان فلسفي آخر يدلّ على حدوث المادة، وهو مبني أيضاً على هذا الأصل التجريبي ولكن ببيان آخر غير البيان الّذي مضى وهو:
إنّ الأصل العلمي المذكور أثبت نفاد الطاقات الموجودة في الكون، وانتهاءها إلى درجة تنطفئ معها شعلة الحياة، وتنتهي بسببه فعالياتها، ونشاطاتها، فإذن يدلّ نفاد الطاقات وانتهاؤها على أنّ وصف الوجود والتحقّق للمادة ليس أمراً ذاتياً لها، إذ لو كان الوجود والتحقّق أمراً ذاتياً لها لزم أن لا يفارقها أزلاً وأبداً، فنفادها وزوال هذا الوصف عنها دليل على عدم كونه ذاتياً لها .
وبعبارة اخرى: انّ سلوك المادة لسبيل الفناء والنفاد واتجاهها نحو

صفحه 321
الانطفاء وانتهاء الطاقات وصيرورتها شيئاً غير قابل للانتفاع خير دليل على أنّ الوجود أمر عرضي للمادة والطاقة غير نابع من صميم ذاتها، إذ لو كان نابعاً من صميم ذاتها لما كان لها نفاد، فلمّا ثبت نفادها ثبت كونه غير ذاتي لها وغير نابع من نفسها، فيلزم من ذلك أن يكون لوجودها بداية، إذ لو لم يكن لوجودها بداية وجب أن يكون هذا الوصف أمراً ذاتياً لها كما هو شأن كل أمر ذاتي، إذ لو كان ذاتياً لها وجب أن لا يكون لها نهاية وقد أثبت العلم هذه النهاية لها .
وثبوت النهاية للمادة دليل على وجود البداية لها، وهذا هو ما نعنيه ونقصده بحدوث المادة .
ولأجل أن يقف القارئ على ما يميّز به الذاتي عن غير الذاتي، وكيف انّ الذاتي للشيء ملازم للأزلية والأبدية، ولا يفارقهما، بخلاف غيره نأتي بمثال يوضح المراد، وإن كان بين المثال والممثل له فرق، من جهة أُخرى1، فنقول:
إنّ تساوي أضلاع المربع أمر ذاتي للمربع، أي انّه يلازمه مادام مربعاً، فهذا الحكم بما انّه ذاتي أزلي لاتفترض له أيّة بداية، مثل كل القوانين الرياضية وكون نتيجة 7×7 هي (49) أمر ذاتي له لا يفارقه أبداً، ولا يمكن ان يفترض له أيّة بداية أو نهاية .

1 . والفرق هو انّ الأزلية في المثال في إطار الذهن خاصة والحال انّ الأزلية المقصودة في الممثل له هي الأزلية حسب العينية الخارجية، أي الأزلية في الواقع الخارجي، إلاّ انّ المثال يقرب من وجه ويبعد من آخر .

صفحه 322
وليس هذا إلاّ نتيجة ذاتية لخصيصة المربع و7×7. ومن هذا المثال يتّضح ما هو ذاتي وما هو غير ذاتي، ويتبيّن كيف انّ الأمر الذاتي لا يخضع لبداية أو نهاية .
فلو كان الوجود والتحقّق للمادة المتحوّلة إلى الطاقة أمراً ذاتياً لها وجب أن لا يفارقها أبداً، وأن لاتصير المادة إلى الفناء والعدم، والحال انّ العلوم الطبيعية، اعترفت بأنّ المادة سينتهي سلطانها وتفنى قوتها، وطاقاتها، وتموت، وتبرد، فالمفارقة من جانب النهاية دليل على عدم كون الوجود ذاتياً للمادة، وكونه غير ذاتي يلازم ان يكون لها بداية .

الإجماع على حدوث العالم

الإجماع على حدوث العالم   
هذا ولقد كان حدوث العالم موضع اتّفاق جميع الفلاسفة والحكماء .
قال الحكيم الإلهي صدر الدين محمد الشيرازي في «الأسفار» وهو ينقل اتّفاق الأمم الماضية من أتباع الشرائع بل جميع الفلاسفة الكبار على القول بحدوث الكون:
«اعلم أنّ ما ذكرناه وأوضحناه سابقاً ولاحقاً من حدوث العالم بجميعه من السماوات وما فيها، والأرضيات وما معها، هو بعينه مذهب أهل الحق من كل قوم من أهل الملل والشرائع الحقّة وجميع السلاك الإلهية الماضية واللاحقة، لأنّ قاطبة أهل الحق والموحّدين في كلّ دهر وزمان لهم دين واحد ومسلك واحد في أركان العقيدة وأصول الدين، وأحوال المبدأ والمعاد ورجوع الكلّ إليه سبحانه» .
ثم قال: «واعلم أنّ الظن بأعاظم الحكماء وأساطينهم حسب ما وجدناه من كلماتهم وآثارهم ـ وقد اتّفقت أفاضل كل عصر وزمان على فضلهم وتقدمهم، وشهدت أماثل كل طائفة بزهدهم وصفاء ضمائرهم وانخلاعهم عن

صفحه 323
الحسّ وتجرّدهم عن الدنيا ورجوعهم إلى المأوى، وتشبّههم بالمبادئ وتخلّقهم بأخلاق الباري ـ أنّهم متّفقون على اعتقاد حدوث العالم بجميع جواهره وأعراضه وأفلاكه وأملاكه وبسائطه ومركباته، إلاّ أنّ هذه المسألة لغاية غموضها لم يكن لغيرهم من الباحثين والناظرين في كتبهم تحقيقها وفهمها على وجه يسلم من التناقض والانحراف عن القواعد العقلية»1 .

أزلية الخالق

إنّ البراهين الّتي مرت في الأبحاث السابقة لم تثبت أكثر من «وجود» خالق للنظام الكوني أو للكون نفسه خالق أوجد المادة من العدم، وأفاض عليها صورتها ونظامها البديع دون أن تتمكّن من إثبات أنّ ذلك الخالق هو ما يطلب إثباته علماء العقيدة، أي الخالق الأزلي، الغنىّ في وجوده عمّن سواه والّذي تنتهي إليه سلسلة الموجودات جميعاً وتستند إليه في وجودها، في مادتها وصورتها دون أن يحتاج هو إلى علّة توجده، ومحدث يحدثه .
إنّ غاية ما أثبتته الأبحاث السابقة هو وجود خالق ما لهذا الكون، لأنّ تلك البراهين لم تكف لأكثر من ذلك فبقيت «أزلية» هذا الخالق وغناه عمّن سواه بحاجة إلى إثبات بأدلّة مستقلة، إذ لأحد أن يدّعي ـ بعد الإذعان بوجود خالق للكون في ضوء تلك البراهين ـ انّ لذلك الخالق خالقاً، وانّ لذلك الصانع صانعاً آخر أوجده وصنعه .
ولأجل هذا لابد من التماس دليل آخر يثبت «أزلية» الخالق وقدمه وغناه عمّن سواه .

1 . الأسفار : 5 / 205 ـ 206 .

صفحه 324
ومجمل هذا الدليل هو أنّ يقال: أن هذا الخالق المفروض وجوده إن احتاج إلى خالق آخر، واحتاج الخالق الآخر إلى خالق ثان، والثاني إلى ثالث، وهكذا، لتسلسلت العلل والمعاليل إلى غير نهاية، فلابد من برهان يثبت وجوب انتهاء هذه السلسلة من العلل والمعاليل إلى «فاعل أزلي» موجود بالذات غني عمّن سواه .
وهذا ما يتكفّله برهان «إبطال التسلسل» الّذي خصصنا لبيانه البحث الحاضر .
ولقد تعرض الفلاسفة وعلماء العقيدة والكلام في كتبهم لبرهان التسلسل وأقاموا على بطلانه أدلّة كثيرة، غير انّ ما يهمّنا هنا هو إقامة ما يوافق الوجدان منها ويوضح المقصود دون تعقيد .
وهذا الدليل يتوقّف على معرفة الفرق بين «العلّة» في مصطلح الفلاسفة الإلهيّين والمراد منها في مصطلح الماديّين، وإليك بيان ذلك فنقول:
العلّة عند الإلهيّين والماديّين   

العلّة عند الإلهيّين والماديّين

إنّ للعلّة إطلاقين:
1. إطلاق عند المادّيين .
2. إطلاق عند الفلاسفة الإلهيّين .
أمّا عند الماديّين فالمراد من «العلّة» هي المادة الّتي فيها قابلية الانتقال إلى مادة أُخرى لتكون المادة الفاعلة المنقلبة هي «العلّة» وتكون المادة المنقلب إليها هي «المعلول» .

صفحه 325
وربما تطلق «العلّة» عندهم على «محدث الحركة» في المادة، كالنجار الذي يلملم الأخشاب من هنا وهناك، وينجرها، ويضم بعضها إلى بعض بنحو خاص وتصير على هيئة الكرسي; أو البنّاء الّذي يجمع الأحجار والطين من هنا وهناك ويرتّبها فوق بعضها فتصير جداراً وبناء، فالذي قام به النجّار والبنّاء هو جمع المواد وتأليفها من هنا وهناك وإيجاد الحركة فيها، وأمّا الصور الحادثة المعتورة لتلك المواد مثل هيئة الكرسي، وهيئة الجدار فانّها قائمة بنفس ذات الأجزاء، وليس للبنّاء أي دور في ذلك إلاّ الجمع، والتحريك، وضم الأجزاء المتناثرة بعضها إلى بعض .
وخلاصة القول: إنّ الماديّين يطلقون لفظ العلّة على المادة الموجودة المتحولّة إلى مادة أُخرى، كالحطب المنقلب إلى رماد، والوقود المنقلب إلى الطاقة، والكهرباء المنقلب إلى ضوء، وصوت، وحرارة. أو من يحرك هذه المادة، الّذي يقال له: فاعل الحركة كالنجّار .
فهذا هو ما يسمّيه الماديّون «علّة»، وهو ينطلق من موقفهم تجاه مسألة «العلل» فانّ المادي لا يعترف إلاّ بنوعين من العلل الأربعة الّتي يعترف بها الإلهيّون كما ستعرف ذلك عمّا قريب .
وأمّا عند الفلاسفة الإلهيّين فالمقصود من العلّة هو «مفيض الوجود» أي من يفيض الوجود على الأشياء فيخرجها من العدم، ويصيرها موجودة بعد أن كانت معدومة.
إنّ العلّة في مصطلح الفلاسفة الإلهيّين هي ما يكون المعلول ـ بمادته وصورته وبجميع شؤونه ـ منوطاً بها، فهي تعطي وجود المادة وصورتها،

صفحه 326
وكلّ شؤونها، وهي الّتي بالتالي تخرجها من ظلمة العدم إلى حيز التحقّق والظهور .
وللتوضيح نمثّل لذلك بالصور الذهنية والنفس الإنسانية وإن كان بين الممثل له والمثال فرق من جهات أُخرى، فنقول: إنّ النفس الإنسانية توجد الصور في الذهن إيجاداً فتكون الصور الذهنية معلولة للنفس الإنسانية بكل شؤونها.
صحيح انّ النفس قد تستمد ـ في خلقها لبعض الصور ـ من أمثلة خارجية محسوسة عن طريق الحواس ولكن قد تخلق النفس ـ أحياناً ـ صوراً في الذهن لأشياء لا مثيل لها، ولا أعيان في الخارج كبحر من زئبق مثلاً .
وملخّص الكلام: انّ العلّة الّتي يقصدها الفلاسفة الإلهيّون هي الّتي تفيض الوجود على الأشياء، فتوجدها من العدم، وانّ ما يدّعيه الإلهيّون ويدعمونه بالأدلّة الكثيرة هو: أنّ الكون ـ مادة وصورة ـ لم يكن موجوداً قط، ثم أوجده الخالق، بأن خلق المادة، وأفاض عليها صورتها، وأحاطها بشبكة من النظام البديع الّذي لم يكن قبل ذلك قط أيضاً، ويتّضح هذا الأمر أكثر فأكثر بملاحظة «برهان الحدوث»، الّذي سيأتي بيانه .
وبهذا يكون هذا الكون مرتبطاً بعلّته ارتباطاً حقيقياً ومستنداً إليها بجميع شؤونه وخصوصياته، فهو لم يكن من قبل ثم وجد بسبب علّته، مادة وصورة جوهراً ونظاماً .
وقد أشار الحكيم الإلهي السبزواري في منظومته إلى الاختلاف المذكور بين الإلهي والطبيعي في معنى العلّة والمراد منها عند استعمالهما لها، إذ قال:
لزوم تناهي العلل   
معطي الوجود في الالهي فاعل *** معطي التحرك الطبيعي قائل

صفحه 327
ثم قال في شرح ذلك: «معطي الوجود بإخراج الشيء عن الليس (أي العدم) إلى الايس (أي الوجود) مهية ووجوداً، ومادة وصورة، في العلم الإلهي (أي في الفلسفة الإلهية) فاعل، ولكن معطي التحرك الحكيم الطبيعي قائل بأنّه فاعل، فهم يطلقون الفاعل على الّذي لم يوجد مادة الشيء ولا صورته بل انّما حرك مادة موجودة من حال إلى حال .
والإلهيّون كثيراً ما يطلقون الفاعل على هذا مثل ما يقولون: النجار فاعل للسرير، والنار للإحراق لكن لا بما هم إلهيون، وأُشير إليه في الكتاب الإلهي بقوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ...) إلى آخر الآيات الثلاث»1 .

لزوم تناهي العلل

إذا تبيّن بأنّ هذا الكون مرتبط بعلّة أخرجته من كتم العدم إلى حيز الوجود فانّ أمام متحري الحقيقة أحد طريقين عليه أن يسلك أحدهما بحيث إذا امتنع هذا الطريق تعّين الطريق الآخر بلا إشكال، والطريقان هما:
1. امّا أن يسند هذا الكون بمادته وصورته إلى «علّة أزلية» وموجد غير حادث أو ينهي العلل ـ في المآل ـ إلى مثل هذه العلّة الغنية عن سواها القائمة بذاتها .
2. إمّا أن لا يسند هذا الكون إلى علّة أزلية، ولا يتوقّف في تلك النقطة، بل تتسلسل العلل والمعاليل عنده إلى غير النهاية من دون أن يكون لهذه السلسلة آخر .

1 . المنظومة، قسم الفلسفة : 123 .

صفحه 328
وهذا هو ما يسمّى في مصطلح الفلاسفة بالتسلسل، وهذا الشق باطل حسب ما تعرفه من البرهان، فإذا بطل هذا الشق، تعيّن الشق الأوّل، وهو انتهاء سلسلة العلل إلى علة غنية بالذات، أزلية قديمة، غير محتاجة في وجودها إلى شيء من صانع وخالق .
أمّا وجه بطلان هذا الشق فهو: انّه بعد أن تبيّن انّ «المعلول» في مصطلح الإلهيّين هو ما يكون مفاضاً ـ بمادته وصورته وكل شؤونه ـ من جانب العلّة وقائماً بها، وصادراً عنها، وهذا يعني أنّ كلّ حلقة من تلك الحلقات، وكل معلول من تلك السلسلة كان معدوماً فوجد بسبب علّته، وتحقق بجميع شؤونه بفضلها، فبما انّ أفراد هذه السلسلة برمّتها تتّسم بصفة «المعلولية» كان جميعها متصفاً بالفقر والتعلّق بعلّته، أي لو انّنا سألنا كل حلقة عن كيفية وجودها لأجابتنا بلسان التكوين بأنّها مفتقرة في وجودها، وفي جميع شؤونها إلى العلّة الّتي سبقتها، فإذا كان هذا هو لسان حال كل واحدة من حلقات هذه السلسلة، تكون السلسلة برمتها سلسلة فقر واحتياج، سلسلة تعلّق وارتباط، وعند ذلك ينطرح هذا السؤال:
كيف انقلبت هذه السلسلة الفقيرة الفاقدة لكل شيء إلى سلسلة موجودة بالفعل؟ وكيف وجدت هذه السلسلة المرتبطة بحسب ذاتها من دون أن تكون هناك نقطة اتّكاء قائمة بنفسها؟
وبعبارة أُخرى: أنّ أمامنا ـ تجاه سلسلة العلل والمعاليل ـ فرضين لا ثالث لهما:
بطلان التسلسل بتقرير آخر   
الفرض الأوّل: أن نقول بانتهاء هذه السلسلة إلى نقطة لا فقر فيها

صفحه 329
ولا احتياج إلى علّة تسبقها، أي أن نذعن باستناد هذه السلسلة إلى تلكم العلّة الغنية القائمة بنفسها وهو «الخالق الأزلي» لتخرج هذه السلسلة من التناهي، الثابت بطلانه .
الفرض الثاني: أن نقول بعدم انتهاء هذه السلسلة إلى مثل هذه النقطة وعدم اتّكائها على صنع خالق أزلي موجود بنفسه، غني في ذاته عن كل ما عداه.
وحيث ظهر بطلان الفرض الثاني في ضوء التقرير السابق يبقى الفرض الأوّل فقط، وحينئذ يثبت ما يذهب إليه الإلهيّون من «أزلية الخالق» وغناه عمّن سواه .

بطلان التسلسل بتقرير آخر

ويمكن بيان «بطلان التسلسل» بنحو آخر وهو انّ وجود المعلول الأخير إذا كان مشروطاً بوجود ما يسبقه من العلّة وكانت تلك العلّة المتقدّمة مشروطة في وجودها بوجود ما قبلها، واستمر هذه الاشتراط إلى غير النهاية، تكون النتيجة تصوّر موجودات غير متناهية، مشروط وجود كل واحد منها بوجود ما قبله، بحيث إذا سألت كل واحد عن شرط تحقّقه، لإجابك بأنّه لا يتحقّق إلاّ أن يتحقّق ما يتقدّمه، ولو سألت ما يتقدّمه لأجابك بهذا أيضاً، وهكذا...
فعند ذاك تصبح النتيجة هو تصوّر «سلسلة مشروطة» أو قضايا مشروطة غير متناهية لم يتحقّق شيء منها بعد، لعدم تحقّق شرط كل واحد، فكيف تتحقّق السلسلة مع عدم تحقّق شرطها؟
وبعبارة أُخرى: لو كان هناك موجود مطلق، وقضية غير مشروطة،

صفحه 330
لم يشترط وجودها بشيء ـ كما هو الحال إذا أنهينا السلسلة إلى خالق أزلي ـ فعند ذاك يتحقّق شرط كل حلقة، وقضية، فتصبح السلسلة موجودة لتحقّق شرط الجميع، وأمّا إذا كان الجميع أمراً مشروطاً، وقضية معلّقة، فبما انّها لا تتوقّف السلسلة عند حد لا يكون الشرط متحقّقاً، وفي هذه الحالة كيف يتحقّق المشروط بلا تحقّق شرطه، انّ النتيجة في هذه الحالة هي أن يمتنع تحقّق قضايا مشروطة لا يوجد بينها ـ أو لا تنتهي إلى ـ قضية مطلقة، ولنأت بمثال لتوضيح ذلك:
لو أنّ أحداً اشترط التوقيع على ورقة بتوقيع شخص آخر، والثاني بتوقيع ثالث، ثم رابع، وهكذا إلى غير نهاية، فانّ من البديهي انّه لا تُمضى تلك الورقة أبداً، ولا يتمّ التوقيع عليها مطلقاً .
وهكذا لو أنّ أحداً اشترط حمل صخرة بحمل شخص آخر لها ومساعدته له، واشترط الثاني حملها بحمل ثالث، والثالث بحمل رابع، وهكذا إلى غير نهاية، فانّ هذه الصخرة لن يتمّ حملها إلى الأبد لتسلسل الشرائط، وتوقّف كلّ حمل على حمل يسبقه .
وهذا هو أوضح ما يمكن أن يقال في «إبطال التسلسل» وان كانت ثمة تقريرات وأدلّة أُخرى لهذا البرهان أشار إليها لفيف من فلاسفة الإسلام في مؤلّفاتهم نذكر منهم:
1. المحقّق الحكيم الأقدم الخواجه نصير الدين الطوسي ( 597 ـ 672 هـ ) إذ قال في تجريده:
«ولا يتراقى معروضاهما (أي معروضا العلّية والمعلولية) في

صفحه 331
سلسلة واحدة إلى غير نهاية، لأنّ كلّ واحد منهما ممتنع الحصول بدون علّة واجبة، لكن الواجب بالغير (سلسلة المعاليل) ممتنع (الحصول) أيضاً (لكونه محتاجاً إلى علّة أُخرى) فيجب وجود علّة واجبة لذاتها هي طرف (أي طرف السلسلة)1 .
ثم ذكر وجوهاً أُخر أيضاً لإبطال التسلسل .
2. الفيلسوف الإسلامي والحكيم الإلهي «صدر الدين الشيرازي» (979 ـ 1050 هـ ) في الجزء الثاني من أسفاره ص 44 فما بعد، وقد ذكر عشرة براهين على بطلان التسلسل .
3. الفيلسوف والحكيم المحقّق السبزواري ( 1214 ـ 1289 هـ ) في ص 133 من كتابه المنظومة .
h h h

لفتة إلى أنواع العلل

بقي أن نعرف انّ الفلاسفة الإلهيّين من لدن «أرسطو» ذهبوا إلى أن العلل في الأجسام الطبيعية أربع، وهي في مثل المنضدة الخشبية ـ مثلاً ـ عبارة عن :
1. العلّة الفاعلية، وهو النجار صانع المنضدة.
2. العلّة الغائية، وهي الغاية الّتي دفعت بالنجار إلى صنع المنضدة، وهي الكتابة أو الأكل عليها .

1 . تجريد الاعتقاد : 105، وهذه العبارة إجمال لما فصّلناه في وجه بطلان التسلسل .

صفحه 332
3. العلّة المادية، وهو الخشب الّذي تصنع منه المنضدة.
4. العلّة الصورية وهي الصورة الّتي تعتري مادة الخشب، وتصيرها منضـدة1 .
وقد اعترف الماديون بالعلّتين الأخيرتين فقط، أيّ العلّة المادية والصورية ونفوا العلّة الفاعلية والغائية في الكون (أي نفوا وجود معطي الوجود للعالم وأن تكون هناك غاية من إيجاده) وذلك لأنّهم إذا اعترفوا بالعلّة الفاعلية لزم من ذلك وجوب اعترافهم بالخالق، فبطلان مذهبهم .
كما أنّهم لا يمكنهم الاعتراف بالعلّة الغائية، لأنّ ذلك فرع وجود الخالق الحكيم الّذي خلق الكون لغاية معينة، في حين ينكر الماديون وجود هذا الخالق، ويشّبهون الكون بالكتاب المندرس البالي الّذي فقدت أوراقه الأُولى والأخيرة، فلا يعرف لها أوّل، ولا آخر، ولا مؤلّف ولا هدف .
h h h
أزلية الخالق ليست تخصيصاً للقاعدة العقلية   

«أزلية الخالق» ليست تخصيصاً للقاعدة العقلية

من خلال البحث السابق، وما تقدّم من أبحاث وبراهين عرفنا بأنّ وجود المادة ونظامها البديع بحاجة إلى علّة قادرة عالمة هي الّتي خلقت الكون ـ مادة وصورة ـ تبعاً لقانون العلّية المسلم، والمتّفق عليه بين جميع العقلاء، وعندئذ ينطرح هذا السؤال، وهو:

1 . قال الفيلسوف الإسلامي الكبير الخواجه نصير الدين الطوسي في «تجريد الاعتقاد»: «كل شيء يصدر عنه أمر إمّا بالاستقلال أو بالانضمام فانّه علّة لذلك الأمر، والأمر معلول وهي: فاعلية، ومادية، وصورية، وغائية».

صفحه 333
إذا افترضنا أنّ لهذا الكون خالقاً بحكم «قانون العلية» لزم إجراء هذا القانون بلا استثناء، لكون هذا القانون قاعدة عقلية والقاعدة العقلية لا تقبل التخصيص، بل هي صادقة في جميع الأمكنة والأزمنة على الإطلاق .
فلو قام الدليل القطعي على أنّ 7×7 = 49 فانّ هذه المعادلة جارية في كل مكان وزمان، ولا يمكن تخصيصها بزمان دون زمان، وكذا لو قيل انّ المربع هو ما كان له أربعة أضلاع متساوية، وأيّده الدليل العقلي كان ذلك صادقاً وجارياً في كل زمان ومكان، ولا يمكن تخصيصه بحال من الأحوال .
وعلى هذا الأساس لابدّ من القول بأنّ لخالق هذا الكون «خالقاً آخر» وإلاّ لزم التخصيص في القاعدة العقلية (أي قانون العلّية العام) .
وبعبارة أُخرى: لو أنّ العقل أثبت بأنّ العالم - بمادته وصورته ـ يحتاج إلى علّة توجده، فانّ هذا العقل نفسه يحكم بأن يكون لهذا الموجد موجداً وإلاّ لزم التخصيص في القاعدة العقلية فما هو الجواب ؟
إنّ الجواب على هذا السؤال واضح جداً بعد إبطال التسلسل، فانّ الإلهي اختار «أزلية الخالق» وذهب إلى العلّة العليا معتقداً بأنّه لا علّة فوقه لأجل امتناع الشق الآخر وهو عدم تناهي العلل، فانّه لو لم يكن هناك ما نسمّيه بالعلّة العليا لزم التسلسل الّذي أبطلناه .
وبعبارة أُخرى: لو أنّنا طلبنا لموجد هذا الكون موجداً آخر، فإمّا أن تقف «سلسلة العلل والمعاليل» عند نقطة معينة، ونصل إلى علّة غنية بالذات، فذلك هوما يبتغيه الإلهي وهو الموجد الحقيقي الأزلي، وما توسط بينه وبين المعاليل علل وأسباب خاضعة لإرادته .

صفحه 334
وأما أن تستمر وتمضي سلسلة العلل والمعاليل ولا تتوقّف عند مثل هذه النقطة، فهذا هو «التسلسل» الذي أبطلته الأدلّة، وفنّدته البراهين .
غير أنّنا نضيف إلى هذا الجواب عدّة نقاط أُخرى من شأنها أن تلقي مزيداً من الضوء على هذا المطلب وهي:
1. انّ هذا السؤال ليس جديداً بل هو سؤال قديم لا منشأ له سوى تفكّر الإنسان في نفسه، وتحرّيه عمّن أبدعها وأوجدها .
وقد أجاب عنه الفلاسفة الإلهيّون وعلماء الكلام بإجابات عديدة أهمّها هو ما ذكرناه .
2. انّ هذا السؤال ليس موجّهاً إلى الإلهيّين خاصة، بل هو متوجّه إلى المادّيين أيضاً فهم مطالبون بالإجابة عليه، ذلك لأنّهم مع اعترافهم بقانون العلّية والسببية دونما تخصيص أو استثناء، يقولون بأزلية المادة الأُولى، فحينئذ ينطرح عليهم السؤال التالي:
إذا كانت الظواهرالمادّية ناشئة بسبب عللها المادية فكيف وجدت المادة الأُولى للكون وصارت مستعدة لقبول التنوّعات المختلفة؟
فإن قالوا بعدم حاجة «المادة الأُولى» إلى موجد وانّها بقدمها، وأزليّتها مستغنية عن العلّة، أجابهم الإلهيون القائلون بأزلية الخالق سبحانه بمثل هذا الجواب .
والحاصل هو: أنّ الإلهي والمادّي تجاه هذا السؤال سواء، لأنّ كليهما يقولان بمبدأ أزلي مستغن عن العلّة، فالإلهي يقول بأزلية الله سبحانه وقدمه

صفحه 335
وغناه، والمادّي أيضاً يقول بأزلية المادّة الأُولى وقدمها، فلماذا يوجّه هذا السؤال إلى الإلهي دون المادي مع أنّ مبرر السؤال واحد في الجانبين، والجواب واحد أيضاً .
غير أنّ جواب المادّي في جانب المادة والقول بأزليتها غير صحيح لما مر في برهان حدوث المادة الأُولى .
3. ان للفيلسوف الإنجليزي «راسل» كلاماً ينم عن سذاجة كبيرة، فهو يزعم في إحدى كلماته بأنّه تحوّل إلى المادّية والكفر بالله الخالق ـ بعد أن كان مؤمناً به في شبابه ـ لأنّه وجد انّ الاعتقاد بالخالق الأزلي يستلزم الاعتقاد بوجود «موجود بلا علّة» وهو تخصيص في القاعدة العقلية (أي قاعدة العلية).
وقد غاب عن «راسل» انّ هذا الإشكال بعينه يتوجّه إلى المادّيّين الذين يقولون بأزلية المادّة الأُولى أيضاً .
فانّ القول بأزلية المادّة هو عين القول بعدم احتياج المعلول إلى علّة، فما يتوسّل به هناك للتخلّص من الإشكال، يتوسّل به هنا في مسألة أزلية الله سبحانه أيضاً .
4. انّ هاهنا نقطة في غاية الخفاء بحيث لا يفطن لها إلاّ الخبير الملم بالمعارف الإلهية، وهي انّ القاعدة العقلية المتّفق عليها في مجال العلّية ليس هو احتياج «كل شيء» إلى علّة ليتوجّه السؤال المذكور إلى أزلية وجود الله، بل هي احتياج «كل حادث» إلى علّة توجده بعد العدم .
فلو كان وجود «شيء» قديماً أزلياً غير مسبوق بالعدم لم تشمله هذه القاعدة، فهو خارج عنها خروجاً موضوعياً وتخصصياً لا تخصيصياً، فالقديم

صفحه 336
الأزلي غير المنفك عن الوجود لكونه قديماً أزلياً، خارج عن موضوع القاعدة المذكورة (أي ارتباط كل حادث بعلّة) .
وقد نشأ هذا الخطأ (بل المغالطة) من عدم الوقوف على ضيق نطاق القاعدة العقلية المذكورة، وموردها .
إذن فالقول بأزلية الخالق ليس تخصيصاً للقاعدة العقلية، ولا ارتباط بين الأمرين، بل هو أمر موافق لقاعدة عقلية أُخرى هي: «كلّ ما كان ذاتياً فلا يعلّل» ولا معنى لاحتياجه إلى علّة .
ويمكن تقرير هذا المطلب بوجه آخر ربّما يكون ملموساً لكلّ أحد وهو انّ هناك قاعدة واضحة تقول: «إنّ كل ما بالعرض لابد أن ينتهي إلى مابالذات» وهذه هي قاعدة مسلّمة يلمسها الحكيم وغير الحكيم، وملموسة حتّى في الحياة اليومية .
وإليك أمثلة لهذه القاعدة البديهية من المجالات الاجتماعية والكونية:
أوّلا: لا شك انّ الحاكم في بلد ما يكتسب القدرة من حاكم فوقه في الرتبة وهكذا إلى أن ينتهي إلى حاكم أعلى وهو يكتسب قدرته من الشعب ولكن الشعب لم يكتسب تلك القدرة من غيره، بل هي ذاتية له فتكون النتيجة انّ قدرة الحاكم الأعلى ومن لحقه بالعرض، وقدرة الشعب بالذات .
ثانياً: ان الشموع والمصابيح الكهربائية المضيئة في بيوتنا تستمد الطاقة والضياء من الأجهزة المولّدة للكهرباء المليئة بالمواد القادرة على إيجاد النور والطاقة الكهربائية وهذه المواد تمتلك الطاقة بنفسها .
النصوص الإسلامية وحدوث الكون   
ثالثاً: الغرف مضاءة بالنور، والنور مضيء بنفسه، لأنّ النور يعني الإضاءة،

صفحه 337
وحلاوة الأغذية الحلوة بسبب ما يلقى فيها من السكر، ولكن السكر حلو بنفسه وبذاته، لأنّ السكّريّة تعني الحلاوة، كما أنّ الأطعمة المالحة انّما هي كذلك لما يلقى فيها من الملح، ولكن الملح مالح بنفسه .
كلّ هذه الأمثلة تفيد أنّ كلّ ما لا يملك هوبنفسه شيئاً فانّه يكتسبه من شيء آخر لابد أن يمتلك ما يعطيه بنفسه وذاته، ويكون ذلك الشيء (المعطى للغير) نابعاً من طبيعته وذاته غير مأخوذ من غيره .
وهذا جار في المقام فانّ كل ما نلاحظه في الكون لا يمتلك الوجود من نفسه وذاته فلابد أن يعتمد على غيره ولابد أن ينتهي مسلسل هذه الموجودات المعطية والآخذة إلى موجود بالذات ظاهر بنفسه موجود بذاته، يمتلك الوجود والظهور بذاته .

النصوص الإسلامية وحدوث الكون

وقد أشارت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة إلى حدوث الكون، مادة وصورة، وصرّحت بأنّه وجد من عدم، بقدرة الله سبحانه، فهو (أي الكون) حادث غير قديم ولا أزلي كما يدّعي المادّيون، وإليك فيما يلي لمحة من هذه النصوص تأييداً لما أثبتناه عقلياً وطبيعياً:

القرآن الكريم وحدوث الكون

لقد صرّح القرآن الكريم بحدوث الكون في كل مورد صرّح فيه بالخلق.
فمرّة صرّح بأنّه سبحانه خلق الكون برمّته، أرضاً وسماءً وما بينهما، وما فيهما، والآيات في هذا الشأن كثيرة جداً، منها قوله:

صفحه 338
(أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيء)1.
وقوله سبحانه:
القرآن الكريم وحدوث الكون   
(أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيء)2 .
وتارة صرّح بخلق السماء والأرض أو السماوات خاصة، إذ قال:
(اللهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَموَات وَ مِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)3 .
وقال سبحانه:
(الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَموَات طِبَاقاً)(4).
وقال سبحانه:
(أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَموَات طِبَاقاً)(5).
وثالثة صرّح بخلق كلّ دابة بل كل ما في الأرض، إذ قال تعالى:
(وَ اللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة)4.
وقال سبحانه:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(7) .
ورابعة صرّح بخلق الإنسان من عدم، إذ قال سبحانه لزكريا عندما استغرب ولادة يحيى(عليه السلام)وامرأته عاقر:

1 . الأعراف: 185 .
2 . الأنعام: 101. راجع الآيات: الأنعام: 73، يونس: 3، هود: 7، الإسراء: 99، الفرقان: 2، العنكبوت: 44 .
3 . الطلاق: 12 .            4 . الملك: 3 .            5 . نوح: 15 .
4 . النور: 45 .               7 . البقرة: 29 .

صفحه 339
(قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً)1 .
وقال سبحانه:
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(2) .
وربما عبر القرآن عن هذه الحقيقة بلفظة «البديع» و «بدأ» وذلك مثل قوله سبحانه:
(اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)(3).
وقوله سبحانه: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)2 .
وقوله سبحانه:
(وَ هُوَ الّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)(5) .
وقوله تعالى:
(أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)(6).
وقوله تعالى:
(بَدِيعُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ)3.
قال الراغب في مفرداته: بدع: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، وإذا

1 . مريم: 9.             2. الدهر: 1 .            3 . يونس: 34 .
2 . يونس: 34 .            5 . الروم: 27 .            6. العنكبوت: 19 .
3 . البقرة: 117، والأنعام: 101 .

صفحه 340
استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلاّ لله، والبديع يقال للمبدع نحو قوله: «بديع السماوات والأرض» .
حدوث الكون في نظر الاحاديث   

حدوث الكون في نظر الأحاديث

كما وصرحت نصوص حديثية كثيرة بحدوث الكون، بمادته، وصورته نشير هنا إلى بعضها:
1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في نقاش له مع الدهرية (وهم المادّيون في ذلك العصر): أقلتم أنّ العالم قديم غير محدث وهذا الّذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعض مفتقر، لأنّه لا قوام للبعض إلاّ بما يتّصل به، كما نرى البناء محتاجاً بعض أجزائه إلى بعض وإلاّ لم يتسق ولم يستحكم، وكذلك سائر ما نرى.
إذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثاً كيف كان يكون وماذا كانت صفته ؟
فبهتوا (يعني الدهريين) وعلموا أنّهم لا يجدون للمحدث صفة يصفون بها إلاّ وهي موجودة في هذا الّذي زعموا انّه قديم1.
وقد استدلّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لحدوث العالم في هذا الحديث باحتياج الأشياء بعضها إلى بعض الّذي ينافي الأزلية .
2ـ قال الإمام أميرالمؤمنين علي (عليه السلام): في خطبة له:

1 . الاحتجاج للطبرسي: 25 ـ 26 .

صفحه 341
«الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته»1 .
وقال(عليه السلام):
«الدال على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته»2.
وقال(عليه السلام) أيضاً:
«الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرّد الّذي لامن شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان»3 .
وعن أزلية الخالق سبحانه قال:
«فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه.. كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث؟ وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء؟ إذن لقامت فيه آية المصنوع»4 .
وقال الإمام علي بن الحسين السجاد(عليه السلام) في دعائه يوم عرفة:
«الحمد لله رب العالمين، اللّهم لك الحمد بديع السماوات والأرض أنت الله لا إله إلاّ أنت الّذي أنشأت الأشياء من غير سنخ، وصورت ما صورت من غير مثال وابتدعت المبتدعات بلا احتذاء، انت الّذي ابتدأ واخترع واستحدث

1 . نهج البلاغة، الخطبة 152 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 185 .
3 . التوحيد للصدوق: 41 .
4 . التوحيد للصدوق: 40 .

صفحه 342
وابتدع وأحسن صنع ما صنع سبحانك، ما أجلّ شأنك وأسنى في الأماكن مكانـك»1 .
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض خطبه:
«الحمد لله الّذي كان في إوّليته وحدانياً وفي أزليته متعظّماً بالإلهية، ابتدأ ما ابتدع وأنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق بشيء ممّا خلق».2
وقال الإمام الحسن بن علي(عليه السلام):
«خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً ابتدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ».3
وقال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في كلام له حول الله سبحانه:
«إنّ كل صانع شيء فمن شيء صنع، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء».4
إلى غير ذلك من النصوص الّتي تشير إلى حدوث المادة من جانب وإلى أزلية الخالق سبحانه من جانب آخر مستدلّة لذلك بالأدلّة العقلية والشواهد الوجدانية الدقيقة. ولم نذكر هنا سوى نماذج قليلة منها نظراً لحجم هذه الدراسة.

1 . الصحيفة السجادية، الدعاء 47 .
2 . التوحيد للصدوق: 44 .
3 . التوحيد للصدوق: 46.
4 . التوحيد للصدوق: 67 .

صفحه 343

أبرز الأدلّة على وجود الله الخالق

البرهان الثالث

برهان الصدّيقين

البرهان الثالث: برهان الصدّيقين   
لقد مرّ عليك أيّها القارئ الكريم في الأبحاث السابقة حديث مسهب عن دليلي النظام (بصوره الأربع) وحدوث المادة .
غير انّ الملفت للنظر هو أنّ أكثر هذه البراهين والأدلّة الّتي سبق توضيح بعضها بصوره المتنوعة تثبت وجود الخالق المبدع عبر توسيط شيء تنطلق منه إلى إثبات الخالق، وتعتمد عليه في البرهنة على وجوده يسمّى بمبدأ البرهان .
فبرهان الفطرة ـ مثلاً ـ يعتمد في إثبات الخالق على ما يحس به كل إنسان في فطرته وقرارة نفسه من انجذاب ذاتي إلى «قوة عليا» فيجعله دليلاً على وجود الخالق، وذلك بتقرير: أنّ فطرة الإنسان مجبولة على الانجذاب إلى الله، ولهذا فهو يحسّ إحساساً تلقائياً وذاتياً بالميل إلى الله من دون أن يكون قد تلقّى هذا الإحساس والميل من تعليم معلّم، أو تلقين ملقّن، أو تأثير عامل خارجي، فهو ميل ذاتي فطري كبقية الميول الغريزية والمشاعر الذاتية .
وقد انطلق هذا البرهان كماترى من مبدأ الانجذاب الفطري للاستدلال على وجود الله سبحانه، وقاعدة للإنطلاق إلى إثباته .

صفحه 344
ويعتمد «برهان النظام» في إثباته لوجود الخالق على ظاهرة النظام الكوني ومالها من دلالة على وجود المنظم، فهو يجعل من هذا النظام البديع السائد على كلّ إرجاء الكون من ذرته إلى مجرّته دليلاً على وجود الخالق الصانع، الواهب للمادة نظامها وتناسقها، إذ يمتنع ـ في العقل ـ صدور مثل ذلك النظام من فاعل غير شاعر ولا حكيم .
وأمّا برهان «حساب الاحتمالات» فيعتمد على ما يقول به العقل والمنطق السليم من «استحالة اجتماع بلايين الشرائط المؤدية إلى استقرار الحياة بشكلها الفعلي عن طريق الصدفة» على أساس انّ اجتماعها بمحض الصدفة والاتّفاق احتمال ضعيف جداً يكاد يقرب من اللاشيء بالنظر إلى كثرة الشروط اللازمة وإمكان وقوع صور أُخرى غير هذه الصورة .
فبرهان ما أسميناه بمحاسبة الاحتمالات يجعل من هذه الاستحالة الرياضية سلماً لإثبات الخالق العارف لاحتياج انتخاب اجتماع هذه الظروف والشرائط اللازمة بهذه الصورة لا بغيرها من ملايين الصور الأُخرى غير المناسبة للحياة إلى فاعل عاقل خبير حكيم اختار هذه الصورة دون غيرها بقصد وإرادة، وعلم ودراية .
وبرهان التوازن يتّخذ من التوازن القائم بين أشياء الطبيعة، والضبط الحاكم عليها دليلاً على وجود الخالق الفاعل المقدر الّذي أرسى هذا التوازن وأحاط الأشياء بذلك الضبط .
وبرهان الهداية في عالم الحيوان يجعل من هذه الظاهرة في عالم الحيوانات وكيفية اختيارها وانتخابها لما يصلحها الكاشف عن هداية ربانية

صفحه 345
لها دليلاً على وجود القوة الهادية وراء هذا العالم وهو الله سبحانه .
«وبرهان الحدوث» يتذرع بحدوث العالم بضميمة القاعدة العقلية الّتي تقول لابد لكلّ حادث من محدث، ويتخذ من ذلك سبيلاً إلى إثبات الخالق المحدث الموجد .
إذن فكلّ برهان من هذه البراهين يتّخذ قاعدة للإنطلاق، ومبدأً خاصاً لإثبات الخالق وواسطة معيّنة للوصول إليه ، وهذا يعني أنّ جميعها تشترك في توسيط «الخلق» بين الإنسان ومعرفة الله سبحانه من قبيل الفطرة البشرية، أو النظام الكوني أو التوازن، أو الحدوث أو عالم الحيوانات أو غيرها من المخلوقات والكائنات، وهو بمعنى أنّ الإنسان لا يقدر على معرفته سبحانه إلاّ بتوسيط هذه الممكنات ومطالعتها، واستخدام هذه المبادئ، والوسائط في حين يرى العرفاء الشامخون انّ وجوده سبحانه أجلى وأظهر من أن نستدل بشيء من هذه الممكنات والمخلوقات عليه، فلا حاجة إلى شيء من هذه الوسائط، وذلك التوسيط وإلى هذا يشير قول الإمام علي أميرالمؤمنين(عليه السلام) في دعاء الصباح:
«يا من دلّ على ذاته بذاته» .
وقول الإمام أبي عبدالله الحسين بن علي سيد الشهداء(عليه السلام) في دعائه يوم عرفة ومناجاته لربه:
«كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك؟!
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟!
متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟!

صفحه 346
ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك؟»
ثم يقول(عليه السلام) في آخر هذه المناجاة الشريفة العظيمة المعاني:
«يا من تجلّى بكمال بهائه فتحّققت عظمتُهُ من الاستواء، كيف تخفى وأنت الظاهر؟!
أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟!»1 .
ولذلك عمد الفلاسفة العارفون إلى برهان آخر لا يتوسط فيه شيء من المخلوقات والمصنوعات بين الإنسان وبين معرفة الخالق سبحانه، أسموه ببرهان «الصدّيقين» .
h h h
برهان الصدّيقين في نصوص الفلاسفة   

توضيح مختصر لبرهان الصدّيقين

وخلاصة هذا البرهان هي: أنّ الاعتقاد والاعتراف بوجود الواجب سبحانه الغني عن أيّة علّة، أمر يحصل للإنسان، بمجرد ملاحظة أصل الوجود الّذي يسلم ويذعن به الجميع وانّ ما نسمّيه (موجوداً) لا يخرج عن أحد حالين:
1. أمّا أن يكون الوجود ضرورياً له غير نابع من شيء آخر سواه، ولا مفاض من موجود آخر عليه، فذلك هو الواجب سبحانه، إذ لا يراد من الواجب تعالى إلاّ ذلك .
2. وامّا ان يكون وجوده مأخوذاً من موجود آخر، فذلك الآخر إمّا نظيره في الحاجة إلى آخر فيلزم أن يكون وجوده مأخوذاً من ثالث، والثالث من رابع;

1 . هذا الدعاء موجود في كتب الأدعية .

صفحه 347
أو يكون موجوداً غنياً، إذ يجب أن تنتهي السلسلة إلى موجود غني بالذات لامتناع التسلسل .
وهكذا لا يتطلب هذا البرهان سوى النظر إلى نفس الوجود، فانّ الوجود نفسه إذا نظرنا إليه من دون تقييده بلون أو ماهية خاصة إمّا أن يكون هو الواجب أو انّه يستلزم وجود الواجب .
فالاعتقاد بأصل الوجود لا ينفك عن الاعتقاد بالواجب، لأنّ الشيء لا يخلو عن أحد أمرين: إمّا أن يكون وجوده نابعاً من ذاته فهو الواجب، وإمّا أن يكون وجوده مفاضاً عليه من غيره فيجب أن يستند إلى الواجب .
وهكذا لا يتوسط أي شيء في هذا البرهان بين الإنسان وبين معرفة الله سبحانه كما توسط بينهما المخلوقات والمصنوعات في البراهين السابقة .

برهان الصدّيقين في نصوص الفلاسفة

ولقد أشار الفلاسفة الإسلاميون العظام إلى هذا البرهان ولكن أوّل من أشار إليه هو الشيخ الرئيس «ابن سينا» إذ قال:
«كل موجود ـ إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره ـ فإمّا أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه أو لا يكون .
فإن وجب فهو الحق بذاته، والواجب وجوده من ذاته وهو القيوم .
وإن لم يجب لم يجز أن يقال انّه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً فكلّ موجود إمّا واجب الوجود بذاته أو ممكن الوجود بحسب ذاته»1 .

1 . الإشارات، الطبعة الحديثة : 3 / 18 و 66 .

صفحه 348
فلو كان ممكناً فهو يستلزم الواجب، لأنّ الوجود الممكن هو ما تتساوى نسبته إلى الوجود والعدم، ولا يخرج من حالة التساوي إلاّ بعلة موجبة، أي مفيضة وصف الوجود أووصف العدم عليه .
فبما انّه أُفيض عليه لباس الوجود فهو يستلزم «علّة عليا» تكون غنية بالذات، موجودة بنفسها من غير أن تكون مخلوقة لعلّة أُخرى لما قد حقّقناه ـ سابقاً ـ من امتناع التسلسل .
وممّن أشار إلى هذا البرهان الحكيم المحقّق «نصير الدين الطوسي» وإليك عبارة العلاّمة في شرح كلامه:
«إنّ هنا موجوداً بالضرورة فإن كان واجباً فهو المطلوب .
وان كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة، فذلك المؤثر إن كان واجباً فهو المطلوب، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة، فإن كان واجباً فهو المطلوب وإن كان ممكناً تسلسل وقد تقدّم بطلانه»1 .
هذا هو تقرير إجمالي لبرهان الصدّيقين، وإن شئت مزيداً من التوضيح والبيان فنقول:
برهان الصدّيقين بتقرير اوسع   
 
برهان الصدّيقين بتقرير أوسع
إنّ الاحتجاج بهذا البرهان لإثبات وجود الله يتوقّف على مقدّمات أربع، لكل واحد منها دخالة في الاستنتاج :
الأُولى: انّ الوجود الخارجي ممّا لا ينكره أحد، فالواقع الخارجي ـ رغم ما يقوله المثاليون ـ الخياليون ـ حقيقة ملموسة، وليس أمراً ذهنياً، أو خيالياً .
وبعبارة أُخرى: انّ في خارج الذهن عالماً واقعياً حقيقياً، وهو ما يثبته الواقعيون على خلاف ما يذهب إليه المثاليون السوفسطائيون، الخياليون.
فليس ذلك العالم أمراً خيالياً ذهنياً من خلق الإدراك ـ كما زعم هؤلاء ـ بل له وراء الذهن حقيقة لا تنكر، وواقع لا يناقش .
الثانية: انّ الوجود في عالم الذهن والتصوّر لا يخلو عن إحدى حالتين:
إمّا أن يكون وجوداً قائماً بنفسه غير متخذ من غيره .
واما ان يكون مكتسباً ومتّخذاً من غيره .
وبعبارة أُخرى: انّ ما يتصوّره الذهن من كل شيء، إمّا أن يكون الوجود نابعاً من ذاته، فهو الغني في وجوده عن علّة توجده .
وإمّا أن لا يكون الوجود نابعاً من ذاته بل يحتاج في تلبّسه بلباس الوجود إلى شيء آخر.

1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 172، وتجريد الاعتقاد هو لمحمد بن محمد بن الحسن الطوسي المعروف بالخواجه نصير الدين الطوسي المولود بطوس في عام 597 هجرية المتوفّى في بغداد عام 673 هـ ، وقد شرحه تلميذه العلاّمة الحلي جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي ولد سنة 648 هـ وتوفّي سنة 726 هـ في الحلة وسمي هذا الشرح بكشف المراد .

صفحه 349
وهذا التقسيم ـ كماترى ـ دائر بين النفي والإثبات ولا يتصوّر له شق ثالث، وأما أن أي وجود داخل في القسم الأوّل أو القسم الثاني فهو يحتاج إلى دليل آخر.

صفحه 350
الثالثة: انّ الشق الثاني من التقسيم المذكور (أعني: ما لا يكون نابعاً من نفسه) لابد له من علّة، لتوقّف وجوده وتحقّقه على شيء، ولأنّ احتياج ممكن الوجود إلى العلّة من الأُمور البديهية، فانّ معنى الممكن هو ما تستوي نسبة الوجود والعدم إليه فيحتاج خروجه من حد الاستواء إلى أحد الجانبين (الوجود أوالعدم) إلى مرجح .
الرابعة: انّ حاجة الممكن إلى العلّة لابد أن تتوقّف في نقطة خاصة تكون هي الواجب وجوده بالذات، لأنّ تسلسل العلل والمعاليل إلى ما لا نهاية يستلزم التسلسل الّذي أبطلناه، فلابد من أن يكون فوق جميع هذه العلل والمعاليل «علّة عليا» إليه تنتهي السلسلة، ويكون هو الغني بالذات، غير المحتاج إلى شيء مطلقاً.
تلك هي المقدّمات الأربع الّتي اقام الشيخ الرئيس ابن سينا برهانه عليها، ونقول في توضيحها والبرهنة عليها:
أمّا المقدّمة الأُولى الّتي تشير إلى وجود الواقع الخارجي حقيقة، فهو ممّا لا يمكن لأحد أن يشك فيه، إذ الإنسان مهما شك في شيء فانّه لا يمكنه الشك في وجود نفسه وفي وجود الأرض والأشياء الّتي يتعامل معها وفي وجود السماء وما فيها من شمس، وقمر وكواكب فلا شك في وجود نفسه إلاّ إذا كان مريضاً يجب أن يداوى بما يناسبه من العلاج .
وهل يشك أحد بالحاجة إلى الأكل عندما يجوع، أو الحاجة إلى الثياب عندما يهاجمه البرد، أوالحاجة إلى المأوى عندما تهطل عليه الأمطار، أو الفرار عند ما يهاجمه حيوان مفترس، أو الابتعاد عن البئر خوفاً من السقوط؟؟!

صفحه 351
ألا يدلّ كل ذلك على أنّ هناك وراء تصوراته حقائق ثابتة، وأنّ في صفحة الوجود موجودات غيره؟؟
أجل ان الإنسان يعلم كل ذلك بعلم ضروري بسيط منذ ان يطل على العالم ويعاين الأشياء، ولذلك يتّخذ منها مواقف معينة، ويظهر من نفسه تجاهها ردود فعل خاصة .
ولقد أشار الحكيم المحقّق «صدر الدين الشيرازي» إلى مقالة السوفسطائيين المنكرين للواقع وطريقة علاجهم إذ قال:
«ما ذكره الشيخ (أي ابن سينا) في «الشفاء» في معرض الرد على مقالة السوفسطائيين أن يسأل عنهم: انّكم هل تعلمون أنّ إنكاركم حق أو باطل أو تشكون؟ فإن حكموا بعلمهم بشيء من هذه الأُمور (أي قالوا نعلم بإنكارنا) فقد اعترفوا بحقية اعتقاد ما، سواء كان ذلك الاعتقاد اعتقاد الحقية في قولهم بإنكار القول الحق، أو اعتقاد البطلان أو الشك فيه، فسقط إنكارهم للحق مطلقاً1 .
وإن قالوا: إنّا شككنا، فيقال لهم: هل تعلمون أنّكم شككتم أو انّكم انّكرتم وهل تعلمون من الأقاويل شيئاً معيناً؟ فإن اعترفوا بأنّهم شاكّون أو منكرون، وأنّهم يعلمون شيئاً معيناً من الأشياء فقد اعترفوا بعلم ما وحق ما، وإن قالوا: إنّا لانفهم شيئاً أبداً، ولانفهم أنّا نفهم، ونشك في جميع الأشياء حتّى وجودنا

1 . أي إذا قالوا نعلم بصحة إنكارنا للواقع أوبطلان إنكارنا للواقع أو بالشك في إنكارنا للواقع فانّهم بذلك قد اعترفوا بوجود واقع ما، ولو بشكل الموجبة الجزئية والموجبة الجزئية تكفي لنقض السالبة الكلية والنفي الكلي .

صفحه 352
وعدمنا ونشك في شكّنا أيضاً وننكر الأشياء جميعها حتّى إنكارنا لها أيضاً، ولعلّ هذا ممّا يتلفّظ به لسانهم معاندين فسقط الاحتجاج معهم، ولا يرجى منهم الاسترشاد، فليس علاجهم إلاّ أن يكلّفوا بدخول النار إذ النار واللانار واحد ويضربوا فانّ الألم واللا ألم واحد»1 .
وأمّا المقدّمة الثانية فو مقتضى الحصر العقلي إذ لا واسطة بين النفي والإثبات .
وأمّا المقدّمة الثالثة الّتي تنصّ على احتياج كلّ ممكن إلى علّة فهي كذلك من البديهيات العقلية الّتي لا يحتاج التصديق بها إلى دليل .
وقد أشار الحكيم السبزواري إلى بداهة هذه المسألة بقوله:
قد لزم الإمكان للمهية *** وحاجة الممكن أولية 2
أي حاجة الممكن إلى المؤثر بديهية، فانّ الإنسان إذا نظر إلى الماهية ونسب الوجود والعدم إليها، عرف بالبداهة ولأوّل وهلة أنّها في وجودها تحتاج إلى المؤثر إذ ليس لها بذاتها وجود ولا عدم .
وأمّا المقدّمة الرابعة، فلأنّ أصل الوجود الخارجي إذا كان أمراً واقعاً غير قابل للإنكار، فانّ ما نسمّيه وجوداً وتحقّقاً ـ من دون تقييده بشيء ـ إمّا أن يكون واجب الوجود غنياً في تحقّقه عن أي شيء وهو ما يبتغيه الإلهي ويقصده، وإمّا أن يكون ممكناً فهو بحاجة إلى علّة موجدة، وبما أنّ توالي سلسلة العلل

1 . الأسفار الأربعة: لصدر الدين الشيرازي : 1 / 90 ; الشفاء لابن سينا، قسم الإلهيات : 42 .
2 . راجع المنظومة للسبزواري : 70 قسم الفلسفة .

صفحه 353
والمعلولات إلى ما لا نهاية أمر باطل، فلا مناص من انقطاع السلسلة وتوقّفها عند نقطة خاصة وهو ما يسمّيه الإلهي بواجب الوجود .
وهذه المقدّمات وما نتج عنها هو ما يسمّى ببرهان الصدّيقين .
ثم إنّ الشيخ الرئيس «ابن سينا» يفتخر بتوصّله إلى هذا البرهان، معتبراً إيّاه من أشرف البراهين لعدم احتياج الإلهي فيه إلى توسيط «المخلوق» لمعرفة «الخالق»، إذ قال بعد عرضه لهذا البرهان :
«تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل (أي الله سبحانه) و... إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب (أي هذا الدليل) أوثق وأشرف أي إذا اعتبرنا حال الوجود يشهد به الوجود من حيث هو وجود وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الواجب (ثم قال:) وغير هؤلاء (أي غير الصدّيقين) يتوسّلون في السلوك إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة آمر آخر غيره كجمهور الفلاسفة بالإمكان، والطبيعيين بالحركة والمتكلمين بالحدوث للخلق أو غير ذلك» .
إلاّ انّ الحكيم الإلهي «صدر الدين الشيرازي» لم يرتض هذا النوع من التقرير لبرهان الصدّيقين لاحتياجه إلى توسيط أُمور لمعرفة الله مثل مسألة الإمكان وامتناع التسلسل وغير ذلك ممّا له دخل في البرهان .
فانّ البرهان الأشرف ـ في نظره ـ هو ما لا يحتاج إلى توسيط شيء مطلقاً حتّى مثل تصور هذه المفاهيم والتقسيمات، ولأجل ذلك عمد إلى تقرير آخر لهذا البرهان، يتوصل فيه إلى إثبات الحق تعالى وصفاته الجمالية والجلالية من دون توسيط شيء بالمرة .

صفحه 354
ويسمّى التقرير الأوّل لهذا البرهان بالتقرير السينوي، والتقرير الثاني بالتقرير الصدرائي .
ولما كان التقرير الصدرائي يتوقف على الغور في البحوث الفلسفية فانّنا نرجئ الحديث عنه إلى مجال آخر .
ادلّة فلسفية اُخرى على برهان الصدّيقين   

أدلّة فلسفية أُخرى

ثم إنّ هناك أدلّة عقلية وفلسفية أُخرى أقامها الإلهيّون على وجود الله، وذكروها في كتبهم الكلامية والفلسفية نكتفي بإدراج اسمائها وعناوينها:
1. برهان الوجوب .
2. برهان الأسد والأخصر .
3. برهان الترتّب1 .
4. برهان الحركة، الّذي أبدعه الحكيم «ارسطو» وأكمله الفيلسوف الإلهي البارع «صدر المتألّهين» وهو من أشرف البراهين وأتقنها، وبما انّنا سنطرح هذا البرهان مفصلاً عند الحديث عن نظرية «المادية الديالكتيكية» لذلك نكتفي بذكر اسمه هنا .
وبهذا تصير البراهين المطروحة لإثبات الصانع الخالق لهذا الكون في هذه الدراسة أربعة براهين .

1 . لاحظ تجريد الاعتقاد : 67 ; الأسفار: 6 / 36 ـ 37 ; الأسفار أيضاً : 2 / 165 و 166 .

صفحه 355
ثم إنّ بعض الكتّاب والمؤرّخين لتاريخ الفلسفة نقل برهاناً عقلياً عن الفيلسوف سنت آنسلم (1033 ـ 1109 م) عرف بالبرهان الوجودي أو الذاتي كما ذكر لديكارت برهاناً مماثلاً تصوّر البعض انّه نفس برهان الصدّيقين الّذي مر عليك بيانه .

صفحه 356
 

ملخّص ما سبق

تلخّص من البحث السابق أُمور:

ملخّص ما سبق   
1. انّ الحادث هو المسبوق وجوده بالعدم والقديم عكسه .
2. انّ الحادث بحاجة إلى علّة محدثة وهذه قاعدة عقلية متّفق عليها .
3. انّنا بحاجة فقط إلى إثبات حدوث العالم لنضم إلى ذلك القاعدة العقلية المذكورة، فتكون النتيجة احتياج العالم إلى محدث .
4. انّ هذا البرهان يختلف عن برهان النظام فالبرهان الثاني يتمشّى حتّى مع افتراض قدم المادة .
5. انّ القانون الثاني للديناميكا الحرارية يثبت الموت الحراري، ونستنتج من ذلك وجود بداية للطاقة والمادة وإلاّ لزم ان تنتهي الطاقة والمادة من زمان .
6. انّ ما كان له نهاية لا يمكن أن يكون أزلياً، بل له بداية إذ الأزلي لا ينفك عن الشيء ولا يكون له نهاية .
7. إنّ الأدلّة السابقة (النظم بصوره الأربع وحدوث المادة) لا تثبت أكثر من وجود الله دون أزليته، وأنّ أزليته تثبت عن طريق إبطال «التسلسل»

صفحه 357
الّذي يكون مؤدّاه لزوم انتهاء سلسلة العلل والمعاليل إلى موجود أزلي غني بالذات عن غيره .
8. انّ النصوص الإسلامية من الكتاب والسنّة بما فيها أحاديث العترة دّلت على حدوث العالم .
9. انّ جميع الأدلّة السابقة استدلّت على وجود الله بتوسيط واسطة وهناك برهان آخر هو برهان الصدّيقين لا يحتاج إلى توسيط واسطة، بل يكفي النظر إلى أصل الوجود فهو إمّا الواجب وإمّا يستلزمه .
10. انّ هناك طريقتين لتقرير هذا البرهان طريقة ابن سينا، وطريقة صدر الدين الشيرازي، وقد استعرضنا هنا الأُولى فقط .

صفحه 358
 
أسئلة حول الله الخالق
لقد تبيّن من خلال البحوث المتقدّمة بنحو لا يدع لأحد شكّاً في أنّ للكون بأسره خالقاً قادراً عالماً أوجد المادة من العدم، وأخضعها لسلسلة من القوانين والنواميس، وجعل لكل شيء في الكون حداً ووزناً ومقداراً .
فبرهان الفطرة، وبرهان النظام، وبرهان الضبط والتوازن، وبرهان حساب الاحتمالات، وبرهان حدوث المادة واحتياجها إلى محدث، وكذا برهان الصديقين، وغيرها من البراهين من شأنها أن تقود كل منصف طالب للحقيقة متجرد من آرائه السابقة إلى الاعتراف بوجود الخالق سبحانه، والإيمان به وبسلطانه على الكون .
غير أنّ هناك أسئلة تحوم حول هذه القضية تتطلب منّا الإجابة عليها تكميلاً لهذه الأبحاث، وتتميماً للفائدة .
على أنّ هذه الأسئلة، وإن لم تكن جديدة لأنّها كانت تطرح في أكثر العصور ويجيب عليها الإلهيون في كل عصر، بما يناسبه من الأجوبة إلاّ أنّها لتردّدها - أحياناً ـ على بعض الألسن في عصرنا الحاضر ينبغي التعرض لها والإجابة عليها بشيء من التفصيل وبما يتّفق وهذا العصر أيضاً لإبطال الادّعاء القائل بأنّ هذه التساؤلات تدلّ على نفي ماوراء المادة، وعدم وجود الخالق، فلا داعي للاستغراب من طرحها في هذه البحوث، والإجابة عليها في هذه الدراسة.
والآن إلى تلك الأسئلة وأجوبتها واحدة بعد الأُخرى .

صفحه 359

أسئلة حول الله الخالق

السؤال الأوّل
لماذا تفشى الالحاد في الغرب بين علماء الطبيعة؟   

لماذا

تفشى الإلحاد في الغرب بين علماء الطبيعة؟

ما هو السبب في تفشي الإلحاد والمادية بين علماء الطبيعة، وهم أولى من غيرهم بالاعتراف بالله الخالق، والإيمان به لاطّلاعهم على النظام الكوني أكثر من غيرهم، فانّ هذا الاطّلاع كان يجب أن يقودهم إلى مثل هذا الإيمان قبل غيرهم؟!
h h h

الجواب:

من تتبع تاريخ العلم والفلسفة لاحظ ـ بجلاء ـ أنّ الاتّجاه العام والرائج في كل عصر بين العلماء والفلاسفة كان دائماً هو الإيمان بالله سبحانه، والاعتراف بوجوده وسلطانه على الكون، وانّ هذا الإيمان كان الطابع العام لكل الحضارات، والسمة الدائمة لجميع المجتمعات على طول التاريخ البشري .

صفحه 360
وقد كان هذا الإيمان، وهذا الاتجاه يستمد عناصره ومبرراته من الفطرة تارة، ومن ما يوحي به النظر والتأمل في النظام السائد في جميع أرجاء الكون تارة أُخرى .
نعم لم تخل كلّ فترة من فترات التاريخ البشري من أفراد معدودين أُصيبوا بالشك والحيرة في مسألة الإيمان بوجود الله، لشبهات حصلت لهم أوبحجة انّ أدلّة الإلهيّين لم تقنعهم أو لا تفي بحل ما أُبهم عليهم .
غير انّ وجود هذا العدد من الحيارى والشكّاك لا يكون دليلاً على وجود نظام فكري مترابط الحلقات للإلحاد أوالشك طوال التاريخ كما عليه «الفلسفة الإلهية» .
فانّ غاية ما يستفاد من مطاوي التاريخ في هذا المجال هو وجود بعض الشكوك، والشكّاك، لا وجود منهج إلحادي منظم، ونظام فكري مادي على غرار ما عليه الفلسفة الإلهية، والتفكير الديني .
ومن البديهي انّ «المنهج الفكري» شيء، ووجود بعض الشكوك الطارئة المبعثرة حول الله، وبعض الشكّاك شيء آخر .
وصفوة القول: إنّ الإلحاد النادر الواقع في العصور المختلفة لا يعني ـ مطلقاً ـ انّه كان لهذا الإلحاد نظام فلسفي، أو منهج متبع ومدرسة فكرية .
وهذا يعني انّ التديّن والإيمان بوجود الله كان هو الأصل في جميع الحضارات والقاعدة العامة والطابع السائد في جميع الأقوام التي سادت ثم بادت، وانّ حالات الشك والإلحاد ما هي إلاّ حالات استثنائية ونادرة يصاب بها بعض الأفراد نتيجة بعض الإبهامات والإشكالات الطارئة .

صفحه 361
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث حكى عن وجود بعض الملحدين ابان ظهور الإسلام قائلاً:
(وَ قَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَ نَحْيَا وَ مَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)1 .
كما يحدثنا التاريخ عن وجود بعض الزنادقة في عهد الحضارة اليونانية، بل وحتّى في عهد الحضارة الإسلامية في الفترة الّتي ترجمت ونقلت فيها العلوم اليونانية إلى البيئة الإسلامية.
وأمّا الذين كانوا في عهد الحضارة الإسلامية والذين كانوا لا يتجاوزون عدد الأصابع فهم:
1. ابن أبي العوجاء (عبدالكريم) الّذي كان من تلامذة الحسن البصري، فانحرف من التوحيد، وقد دارت بينه وبين الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) احتجاجات ومناظرات هامة، مدونه في كتب الأحاديث والاحتجاج .
2. ابن المقفّع (عبد الله) .
3. أبو شاكر الديصاني .
4. عبدالملك البصري .
وقد عاصر هؤلاء الزنادقة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ودارت بينهم وبين الإمام الصادق، مناظرات جديرة بالملاحظة2 .
هذا وربما رمي بعض فلاسفة اليونان بالإلحاد والزندقة، مثل

1 . الجاثية: 24 .
2 . راجع لمعرفة هذه المناظرات أُصول الكافي، وكتاب الاحتجاج للعلاّمة الطبرسي .

صفحه 362
«ذيمقراطيس» و «انباذ قلس» كما نجد ذلك في كتب الفلسفة الإسلامية ، لكن الحكيم الإسلامي «صدر الدين الشيرازي» عدّهم من الإلهيّين المؤمنين مشيراً إلى أنّهم كانوا يعبرون عن معتقداتهم بالرموز، وانّ ذلك هو الّذي أوهم الآخرين بأنّهم ملحدون، وإليك نص ما كتبه في «الأسفار»:
«قد ذكر في كتاب الشفاء إبطال مذهب انباذ قلس ببيانات شافية وشواهد موضحة، ولذلك حمل بعضهم كلامه في البخت والاتفاق على أنّه من الرموز والتجوزات.. لدلالة ما وجده من كلامه على قوة سلوكه، وعلو قدره في العلوم»1 .
ثم إنّ هناك ـ أيضاً ـ شرذمة قليلة لا تتجاوز عدد الأصابع ممّن وصفوا بالإلحاد والمروق، نظير: محمد بن زكريا الرازي، وأبي العلاء المعرّي في حين يقود النظر في تاريخهم إلى الاعتقاد بأنّهم تعرضوا لمثل هذا الاتّهام على أيدي خصومهم ومنافسيهم وحسادهم .
فالرازي الّذي كانت له مكانة كبرى في الطب حتّى أنّه لقّب بجالينوس العرب، وطبيب المسلمين قد تعرض لحسد الحساد ونقمة المعاصرين فاتّهموه بإنكار النبوة، في حين عدّه بعض المؤلفين والمؤرخين من كبار العرفاء والصوفية2 .
وهكذا ترى هذه الشخصية بين فريقين فريق يصفه بالمروق، وآخر

1 . الأسفار : 2 / 259. وذيمقراطيس فيلسوف يوناني ولد عام 307 وتوفي عام 460 قبل الميلاد، وانباذقلس كذلك فيلسوف يوناني. ولد عام 435 وتوفي عام 495 قبل الميلاد .
2 . راجع كتاب خزينة الاصفياء .

صفحه 363
يصفه بالتصوف والعرفان، وهذا هو خير دليل على أنّ ما قيل فيه من الإلحاد والمروق كان مغرضاً، ولا أساس له من الحقيقة .
والمعرّي هو الآخر ممن أثبت بعض المحقّقين حسن اعتقاده وسلامة عقيدتـه1 .
نعم قد تفشّى الإلحاد والاتّجاه المادي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي، وانتشر إنكار العوالم الروحية، وأعلن عن حصر الوجود في المادة والظواهر الطبيعية إلى درجة أصبحت المادة هي كل مافي الوجود لدى الإنسان في هذه الفترة .
ولقد تفشّت هذه النزعة والنظرية المادية في «الغرب» لأسباب سوف نطلعك عليها لدى الإجابة عن الأسئلة الأُخرى .
غير انّ العلماء والفلاسفة ـ في بداية القرن العشرين ـ قضوا على هذه النظرية قضاء تاماً، وأتوا على بنيانها من الإساس، بحيث لم يبق من المادية بين المفكرين سوى أطلال خربة، وآثار متداعية .
فانّنا نجد اليوم بين الشخصيات العلمية البارزة، المعدودين في طليعة المكتشفين والمخترعين والمشتغلين بالعلوم الطبيعية من يقف موقف الإلهيّين، ويحمل لواء التوحيد، وينادي بنداء الإيمان، وهم كثيرون لا يحصون .
فها هم على سبيل المثال لا الحصر أربعون من كبار رجال العلم والاكتشاف والاختراع يقومون بتأليف كتاب قيم حول إثبات وجود

1 . راجع الانصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعرّي للمحقّق العلاّمة كمال الدين عمر بن أحمد بن عديم الحلي. وتاريخ حلب ج 4 .

صفحه 364
الله، حيث يبرهن كل واحد منهم على ذلك من مجال تخصصه1 .
وإليك نماذج منهم مع كلماتهم في هذا المجال:
1. الدكتور «ميريت ستانلى كونجدن» وهو اخصائي في الفيزياء وعلم النفس وفلسفة العلوم والبحوث الانجيلية إذ يقول:
«إنّ جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدلّ على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتّى باستخدام الطريقة الاستدلالية فانّنا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته، ذلك هو الله الّذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكنّنا نرى آياته في أنفسنا وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود وليست العلوم إلاّ دراسة خلق الله وآثار قدرته»2 .
2. الدكتور «جون كليفلاند كوثران» وهو اخصائي في تحضير النترازول وفي تنقية التنجستين إذ يقول:
«إنّ التقدم الّذي أحرزته العلوم منذ أيام لورد كليفن يجعلنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل ما قاله من قبل من أنّنا إذا فكّرنا تفكيراً عميقاً فانّ العلوم سوف تضطرنا إلى الإيمان بالله»3 .
3. الدكتور «وولتراسكار لندبرج» وهو عالم الفسيولوجيا

1 . هو كتاب «الله يتجلّى في عصر العلم» الذى طبع بالعربية وغير العربية من اللغات العالمية الحية مراراً، وتكراراً .
2 . راجع كتاب: الله يتجلّى في عصر العلم : 20 .
3 . الله يتجلّى في عصر العلم : 25 .

صفحه 365
والكيمياء الحيوية الّذي نشر كثيراً من البحوث العلمية إذ يقول:
«المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله، لديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلّما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، إذ أنّ كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله ويزيد من إدراكهم وابصارهم لأيادي الله في هذا الكون»1 .
4. الدكتور «جورج ايرل دافيز» الأخصائي في الإشعاع الشمسي والبصريات الهندسية والطبيعية، إذ يقول:
«إنّنا لا ننكر وجود الإلحاد والملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم إلاّ أنّ الاعتقاد الشائع بأنّ الإلحاد منتشر بين رجال العلوم أكثر من انتشاره بين غيرهم لا يقوم على صحته دليل، بل انّه يتعارض مع ما نلاحظه فعلاً من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم»(2) .
5. ابراهام لنكولن المخترع الشهير للفونوغراف (الحاكي) وغيرها: يقول:
«إنّي لأعجب لمن يتطلّع إلى السماء ويشاهد عظمة الخالق ثم لا يؤمن بالله » 2 .
6. «هرشل» وهو اخصّائي في الفيزياء وعلم النفس و فلسفة العلوم إذ يقول: «كلّما توسّع أُفق العلم ازددنا معرفة بالله، ذلك لأنّ العلم يزوّدنا ببراهين قطعية على وجود الخالق الأزلي القدير الّذي لاحد لقدرته»(4) .
7. «لينه» وهو أوّل من اكتشف الرادار في العالم سنة 1934 م إذ يقول:
«يمر أمام عيني ربي الّذي خلق كل شيء. أنّي لا أراه ببصري ولكن نفسي

1 . المصدر نفسه : 34 .                  2 . المصدر نفسه : 39 .
2 . الله والعلم الحديث : 23 .               4 . التكامل في الإسلام : 2 / 149 .

صفحه 366
تراه حين تشع عليها آثار عظمته وجلاله، وترى ما أودع في هذا الكون من جلائل الأعمال وخوارق لا تعد، يكفيني أن أرى الكائنات الحية الصغيرة جداً الّتي لاترى بالعين المجردة كيف جهزها الله بجوارح وأعضاء تحير العقول».1
8 . «إسحاق نيوتن» وهو أعظم علماء القرن الثامن عشر، حيث يقول:
«لاشك في الخالق، فانّ هذا التنوّع في الكائنات، وما فيها من ترتيب أجزائها ومقوّماتها وتناسبها مع غيرها ومع الأزمنة والأمكنة لا يعقل أن تصدر إلاّ من حكيم عليم».2
9 . ويقول العالم الفضائي الأمريكي «فن براون»:
«لقد التقيت بكثير من علماء العالم وأعرف كثيراً منهم أيضاً ولكنّي لم أجد بينهم ممّن يستحق أن يوصف بالعلم وهو يستطيع أن يفسر نشأة الطبيعة بدون أن يشير إلى وجود الله وقدرته ومشيئته في خلق هذا الوجود .
إنّ العلم يبحث عن الله، ولكنّه لايستطيع أن يفعل أكثر من ذلك، ولو انّ أحداً تصور انّه يستطيع انّ يفعل أكثر من ذلك، فهو المسكين العاجز .
كما أنّ العالم الّذي يتعامل مع الظواهر الطبيعية تعاملاً سطحياً، ولا يحاول استكناه ماوراءها هو الآخر مسكين».3
10 . «توماس أديسون» وهو طبيب انجليزي معروف إذ يقول:
«إنّ ظفري قد سقط اليوم ولا يستطيع أهل الأرض أن يصنعوا مثله تماماً،

1 . التكامل في الإسلام : 2 / 149 .
2 . التكامل في الإسلام : 3 / 21 .
3 . صحيفة كيهان العدد 6810 .

صفحه 367
ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ولكن الله يصنع لي مثله بعد شهر، فالخليقة بأسرها آية الله الظاهرة ومعجزته الباهرة»1.
بل هناك مجموعة من العلماء المشتغلين بالعلوم الطبيعية كانوا يعتقدون بالمادية ثم اهتدوا في ضوء الفطرة والبرهان إلى الإيمان بالله، أمثال:
1. الفيلسوف الإنجليزي رومين .
2. الفيلسوف الإنجليزي ميكائيل فاراي .
3. الفيلسوف الألماني المعروف رئينك .
وقد كان هؤلاء ممّن يعتنقون المذهب المادي ردحاً من الزمن ويدعون إليها بقوة ولكنّهم انقلبوا عليها بعد ذلك واعترفوا بوجود الله، وكانت لهم في هذا المجال كلمات وتصريحات نعرض عن ذكرها هنا .
وقد حدا هذا الأمر بالبروفيسور «البرت انيشتين» إلى أن يقول:
«من الصعب أن نجد بين العقول المفكّرة في هذا العالم من لا يحمل نوعاً من الإحساس الديني الخاص بنفسه، وهذا الإحساس يختلف عن إحساس الإنسان العادي » .2
ولكي تتأكد من هذه الحقيقة يمكنك مراجعة كتاب «تاريخ العلوم»3 الّذي يبحث عن تطور العلوم الطبيعية ويتعرض لذكر أهم المشتغلين بها من

1 . المعجزة الخالدة : 8 .
2 . راجع العالم كما أراه ـ مترجم ـ .
3 . وقد طبع هذا الكتاب أكثر من 56 مرة ألّفه «بى ير رو سو». ويراجع أيضاً كتاب: على أطلال المذهب المادي.

صفحه 368
العلماء والمخترعين والمكتشفين فانّك تجد أنّ أكثرهم كانوا ممّن يؤمنون بالله، ويرتادون المعابد والكنائس ويقدّسون الكتب السماوية،والمذاهب الدينية، وربما صرحوا ببعض الكلمات الدينية في المناسبات المختلفة .
وبهذا يتّضح ان الادّعاء القائل بأنّ أكثر العلماء الطبيعيّين هم ملاحدة ومعرضون عن الدين والإيمان بالله لا أساس له من الصحة .
نعم قد يوجد في الغرب أوالشرق بعض الملاحدة من أرباب العلم والفكر ولكن إلحادهم ذلك يرجع إلى علل سياسية أو غير سياسية سنشير إليها في الفصل الاخير .
ثم إنّه ربّما يقال بأنّ ثلث سكان العالم ـ وهم الذين يعيشون في المعسكر الشرقي وتحت النظام الماركسي والشيوعي هم ملحدون ـ ينكرون وجود الله ولا يؤمنون به، فأين الإجماع البشري في الإيمان بالله؟!
والجواب واضح: فانّ الواقع هو غير هذا يقيناً حيث إنّ الالحاد هو صفة الأنظمة الحاكمة في هذه البلاد، ومذهب حكوماتها، لاصفة ومذهب الشعوب الّتي تعيش تحت ظل هذه الأنظمة والحكومات .
ولهذا نجد هذه الشعوب إذا تحررت من الضغوط، وأُزيحت عنها الحراب أقبلت على المساجد والكنائس والمعابد أشدّ إقبال.. ومن هنا لابد من التفريق بين الأنظمة والشعوب. فكم فرق بين أن يكون النظام ملحداً، أو يكون الشعب ملحداً؟
h h h

صفحه 369

أسئلة حول الله الخالق

السؤال الثاني

الله والعلل الطبيعية

الله والعلل الطبيعية   
لقد أثبتت البراهين القاطعة انّ للكون ـ بمادّته وصورته ـ خالقاً مبدعاً، وموجداً حكيماً قادراً هو الّذي أوجد المادة بعد أن لم تكن، ثم ألبسها حلّة النظام، وأخضعها لقوانين ونواميس خاصة .
هذا من جانب .
ومن جانب آخر أثبتت العلوم الطبيعية انّ لكلّ ظاهرة مادية عللاً مادية وأسباباً طبيعية، فلنزول الأمطار، ونشوء الزلازل،وغير ذلك من الظواهر الطبيعية الأُخرى علل وأسباب طبيعية مترابطة، ومتلاحقة، أصبحت معروفة لنا في الأغلب بسبب تقدم العلوم والتحقيقات فما هو موقع «الخالق» من سلسلة العلل والأسباب هذه؟
هل صحيح أنّنا أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما ـ كما يدّعي المادّيون ـ وهمـا :
إمّا أن نعترف بوجود الخالق المبدع وتأثيره في نشوء الظواهر الطبيعية المختلفة، وننكر الأسباب والعلل الطبيعية لها .

صفحه 370
وإمّا ان نعترف بالعلل والأسباب الطبيعية الموجدة لهذه الظاهرة ولا نعترف بخالق، بل ولا يكون له حينئذ مكان، ولا للاعتقاد به مبرر .
أم أنّ هناك طريقاً ثالثاً وهو الاعتراف بالعلّة العليا إلى جانب الاعتراف والاعتقاد بالعلل الطبيعية أيضاً، وبأنّ نسبة هذه العلل الطبيعية إلى معاليلها كنسبة الأسباب إلى مسبّباتها، ونسبة الكلّ إليه سبحانه كنسبة الأسباب والمسبّبات إلى مسببها؟
h h h

الجواب:

قبل أي شيء لابد من القول بأنّ حصر المادّيين الموقف من تفسير الظواهر الكونية وكيفية نشأتها في طريقين لا ثالث لهما (وهما إمّا القول بالعلل الطبيعية أو القول بالخالق المبدع) غير صحيح، بل هو يكشف عن جهلهم بمعتقد الإلهيّين ومقالتهم في تفسير تلك الظواهر .
ولو أنّ المادّيّين وقفوا على ما يعتقده الإلهيّون في هذا المجال لما ذهبوا إلى مثل هذا الحصر، بل لقالوا بأنّ هناك ثلاث طرق لا طريقين، وهي:
1. الاعتراف بالعلّة العليا وإنكار العلل الطبيعية .
2. الاعتراف بالعلل الطبيعية وإنكار العلّة العليا .
3. الاعتراف بالعلّة العليا والعلل الطبيعية معاً على النحو الّذي سيأتي .
وإليك تفصيل الكلام في ما يعتقده الإلهيّون في تفسير ظواهر

صفحه 371
الكون الطبيعية ليتبيّن لك أنّ الطرق في بادئ النظر ثلاث، لا اثنان كما ذهب إليه المادي وانّ الحق هو الاعتراف بكلتا العلّتين معاً،بمعنى انّ الله سبحانه هو الّذي سبب الأسباب وأوجد العلل .

الإلهيّون وتفسير الظواهر الطبيعية

إنّ الموقف الّذي اتّخذه المادّيّون (أعني: حصر الطرق في تفسير الظواهر الكونية في موقفين) ومارموا به الإلهيّين من إنكار العلل الطبيعية، وإحلال العلّة العليا محلها، ينبع ـ في الحقيقة ـ من تعليل المادّيّين الخاطئ لاعتقاد البشر بالإله الخالق .
فالمادّيّون يرون أنّ لاعتقاد البشر بخالق الكون ـ منذ قديم الزمان ـ أسباباً منها جهل الناس بعلل الظواهر الطبيعية، فانّ الإنسان لمّا كان قد فطر على الاعتقاد بأنّ «لكل حادث علّة» أو انّه كان يحكم بذلك بفعل التجربة، لهذا اعتقد بأنّ لكل حوادث الكون وظواهره علّة، وإذ لم يتسن له الوقوف على العلل الطبيعية الخاصة بكل ظاهرة من هذه الظواهر نحت من عند نفسه «علّة عليا» نسب إليها جميع تلك الظواهر والحوادث بالمباشرة، وهكذا نشأت لديه فكرة «الخالق الأعلى» .
وبعبارة أُخرى يزعم المادّيون: بأنّ الإنسان الّذي كان يعيش في العصور الأُولى من التاريخ البشري بما انّه لم يقف على السبب الطبيعي لهطول المطر أو حدوث الحمى في الجسم، أو فساد الزرع وماشا كل ذلك عمد إلى ربط ذلك بالعوالم الروحية، وبهذا حصل لديه الاعتقاد بوجود علة قاهرة خلقت

صفحه 372
جميع الأشياء، وفاقتها في القدرة والسيطرة وانّها هي وراء كل ما يحدث من برق ورعد، ومطر وزلزال، وخصب وجدب، ومرض وعافية، ونجاح وهزيمة من دون أن تكون أيّة عوامل طبيعية أومنطقية لها وغيرها .
وبهذا يتّضح انّ الاعتقاد بمثل هذه العلّة العليا لم يكن إلاّ وليد الجهل بالعلل الطبيعية، وعدم الوقوف على الأسباب المادية الّتي تقف وراء كل حادثة في عالم الطبيعة، ولو كان الإنسان عارفاً بتلك العلل لما ذهب إلى تفسير الظواهر الطبيعية بالعلل الروحية .
هذا هو تحليل المادّيّين لأسباب اعتقاد المؤمن الإلهي وهو ـ بلا ريب ـ ان لم يكشف عن سوء نيّتهم فهو ـ على الأقل ـ يكشف عن جهلهم بمنطق الإلهيّين، وإلى نظرتهم السطحية إلى مسألة الاعتقاد بالله الموجودة في حياة البشر، منذ أقدم العصور، وطوال القرون والدهور .
فانّه لا يشك أي عاقل منصف وأي باحث موضوعي تصفّح كتب الإلهيّين وتحرى منطقهم، وراجع اعتقاداتهم في مختلف الحضارات والأدوار التاريخية في أنّهم لم يكونوا قط جاهلين بالعلل الطبيعية، ولا منكرين للأسباب المادية لما يقع ويحدث من ظواهر طبيعية، بل إليهم يعود اكتشاف أكثر العلل الطبيعية والتعرف على الأسباب والمسببات المادية كما تشهد بذلك آثارهم ومصنّفاتهم العلمية، ومع ذلك فانّهم كانوا يعتقدون بوجود العلّة العليا الّتي تنتهي إليها سلسلة العلل، لأنّهم أدركوا ـ في ضوء العقل ونور البصيرة ـ بأنّ الاعتراف بالعلل الطبيعية وحدها لا يكفي في تفسير الوجود، وتعليل ظاهرة الكون .
إذ لا شك في أنّ للكائنات الأرضية والسماوية، بل وكلّ ما في الكون

صفحه 373
من ظواهر وحوادث طبيعية «عللاً طبيعية» انّما الكلام هو في علّة نشوء «المادة» وحدوثها أساساً، وفي علّة تحلّيها بالنظام البديع، ومنشأ ظهور هذه النظم والقوانين والصور السائدة في المادة .
فالسؤال إذن هو: كيف وجدت المادة وهي حادثة؟
وعلى فرض أزليتها كيف صارت المادة العمياء الصماء ذات نظام بديع تعجز العقول البشرية عن وصفه والوقوف على أبعاده وأسراره؟
فهل يمكن ان تنهض المادة العمياء بإفاضة مثل هذا النظام البديع على نفسها، وإيجاد مثل هذه القوانين والنواميس؟
إنّ هذه التساؤلات، وإجاباتها الواضحة حول المادة نشوءاً ونظاماً، هي الّتي أوجدت لدى الإلهيّين الاعتقاد بوجود «خالق مبدع» هو الّذي خلق المادة، وزينها بهذا النظام البديع، وجعل لكلّ ظاهرة علّة تناسبها، ولكلّ حادث سبباً يليق به ويستتبعه، إذ ليس في مقدور المادة المعدومة قبل حدوثها أن توجد نفسها، ولا أن تفيض على نفسها هذا النظام البديع .
ولنأت هنا بمثال يوضح ما قلناه وإن كان المثال يفارق الممثل له من جهات أُخرى .
لنتصوّر معمل نسيج ذا أجهزة مختلفة معقدة يقوم كل واحد منها بوظيفة خاصة بينما ترتبط جميع الأجهزة بعضها ببعض، وتؤلف مجموعة واحدة تنتج نسيجاً خاصاً على منوال خاص بحيث لو حصل العطب في أي جزء منها توقّف المعمل بكامله .
أفيكفي مجرد الاعتقاد بوجود العلاقات والروابط الآلية والطبيعية بين

صفحه 374
هذه الأجهزة لتفسير نشوء ذلك المعمل وحدوثه، أم أنّ العقل ـ مع اعترافه بهذه الروابط والأنظمة ـ يحكم بوجود مهندس صناعي قدير، وعقلية صناعية جبارة صممت هذا العمل، وأوجدت أجهزته، واخترعت آلياته وأدواته، وأرست بينها الروابط والعلاقات والأنظمة المناسبة .
فإذا كان وراء نشوء هذا المعمل الصغير صانع مبتكر عارف بكل ما يحتاج إليه المعمل من أنظمة فيزياوية وكيمياوية هو الّذي أوجد أجهزة المعمل وأخضعها لتلك الأنظمة فكيف بالكون الرحب الواسع، والنظام المتقن البديع؟!
أليس الكون الّذي هو أكبر وأعمق وجوداً ونظاماً من المعمل بكثير جداً ، بحاجة إلى صانع هو الّذي أوجده، وعرف ما يحتاج إليه من أنظمة فحلاّه بها؟
وخلاصة القول: إنّ الاعتقاد بمجرد وجود علاقة العلّية والمعلولية بين الظواهر الكونية لا يكفي في تفسير الكون، وتعليل نشوء المادة، لأنّه ليس هناك أي نزاع أو نقاش في تفاعل أجزاء المادة بعضها في بعض، وتأثير الكائنات المتقابل، انّما الكلام ـ بعد الاعتراف بهذه التفاعلات ـ هو في علّة نشوء المادة، وتحلّيها بالنظام، وصيرورة عالم المادة مسرحاً لنظام الأسباب والمسببات وعلى نمط العلل والمعلولات الطبيعية بعد أن لم تكن المادة واجدة لهذه الكيفية .
إنّ هذا هو الّذي يدفعنا إلى الإذعان بوجود «علّة عليا» يعود إليها وجود المادة وأنظمتها، وتنتهي إليها سلسلة العلل والمعاليل وهو الخالق سبحانه، فهو الّذي أوجد المادة وصاغها في قالب العلل والمعاليل .
ومن هنا يتبيّن أنّ من يدّعي بأنّ هناك ـ لتفسير ظاهرة الكون ـ طريقين لا ثالث لهما (إمّا الاعتراف بالعلل الطبيعية وإنكار الخالق، وإمّا العكس)

صفحه 375
جاهل بأوّليات الفلسفة الإلهية وألفبائها، إذ لا تنكر هذه الفلسفة نظام الأسباب والمسبّبات الطبيعية، بل هي تبذل جهوداً جبارة في كشف العلل الطبيعية ومعاليلها والروابط الموجودة بينها لأنّها أحد المصادر الّتي يستمد منها الإلهيّون اعتقادهم بوجود خالق للكون، ويبرهنون به عليه، فالاعتقاد بالنظم الطبيعية غير مضر بالاعتقاد بالله الخالق بل هو أساس تلك المعرفة .
إنّ تحليل المادّيين لسبب اعتقاد الإلهيّين بوجود العلّة العليا يحكي عن تصوّرهم بأنّ الإلهيّين يجعلون «العلّة العليا» جزءاً من عالم المادة، وداخلاً فيه، وانّها في رديف العلل المادية (أي أنّ كلّ حادثة مستندة إليه وإلى علّتها الخاصة على السواء) ولذلك قالوا: «إمّا أن نعتقد بوجود العلل المادية، أو نعتقد بوجود الله» تصوّراً منهم بأنّ الخالق قوة كامنة في باطن المادة تفعل بها ما تريد، وتصيّرهاكيفما تشاء في حين أنّ هذا التصوّر عن «العلّة العليا» تصور خاطئ جداً، فانّ المراد من «العلّة العليا» هو مبدأ الفيض، ومصدر الوجود الّذي بحوله وقوته خلق المادة وصيّرها ذات أنظمة طبيعية، وقوانين مادية من جنسها، والمادة تستمد وجودها منه سبحانه في كل لحظة، وفي كل آن .
ويدلّ على ذلك أنّ الكون لم يزل في تحوّل وتغيّر مستمرين، من حيث المادة ومن حيث الصورة على السواء، وانّ الفيض مستمر في كل حين، وليس مثله سبحانه في نسبته إلى الكائنات الطبيعية مثل البناء بالنسبة إلى البيت أو النجار إلى السرير .
هذا وسنرجع إلى هذا البحث عند حديثنا عن «علل الإقبال على المادية» ونشوء الإلحاد لدى طائفة من علماء الغرب وفلاسفته، ونأتي بنصوص واضحة من الإلهيّين في الحضارات والأدوار المختلفة في الاعتراف بالعلل الطبيعية،

صفحه 376
هذا ويجدر بنا أن نشير إلى عبارة للعلاّمة الطباطبائي ـ رحمه الله ـ في هذا الصدد إذ يقول:
«إنّ الإلهيّين لا يريدون بإثبات الصانع إبطال قانون العلّية والمعلولية العام وإثبات الاتّفاق والصدفة في الوجود أو تشريك الصانع مع العلل الطبيعية واسناد بعض الأُمور إليه والبعض الآخر إليها، بل مرادهم إثبات علّة في طول علّة، وعامل معنوي فوق العوامل الطبيعية، وإسناد التأثير إلى كلتا العلّتين لكن بالترتيب أوّلاً وثانياً نظير الكتابة المنسوبة إلى الإنسان ويده»1 .

نظريات حول نشأة الأرض

ثم إنّه قد تطرح من قبل العلماء ـ بين الفينة والأُخرى ـ نظريات حول كيفية نشأة المنظومة الشمسية، وظهور الأرض، وظهور الأحياء عليها وهي لاتعدو عن كونها مجرد فرضيات غير مدعمة بالحقائق ولا مسندة بالأدلّة اليقينية.
بيد أنّ هناك من يتصوّر ـ أحياناً ـ أنّ الأخذ والاعتقاد بهذه النظريات والفروض يغني عن الاعتقاد بوجود «خالق» مدبر وفاعل منظم لهذا الكون، وهو لا شك تصوّر خاطئ، فانّنا لا يمكن ـ أبداً ـ أن ننكر وجود يد عليا تنظم هذا الكون وإرادة حكيمة تسير شؤونه وتحدّد مساراته، وتفعل كل هذه الأعاجيب مهما كانت النظريات المطروحة حول كيفية نشأة الكون .
ولكي يتّضح ما قلناه نشير إلى نظريتين في هذا المجال، ثم نرى كيف لا

1 . تفسير الميزان: 3 / 183 .

صفحه 377
يكون الأخذ بهما أو بأحدهما ـ على فرض الصحة ـ متعارضاً مع الاعتقاد بوجود تلك اليد المدبرة وتلك الإرادة العليا والمشيئة المنظمة .
إنّ هناك نظريتين معروفتين في هذا المجال وهما:
1. نظرية المدّ، الّتي وضعها «جيمس جينس» عام 1918 م، التي تفترض اقتراب نجم من الشمس بسبب مد سريع على سطحها أحدثه تغلب قوة جذب النجم على جذب الشمس، ثم بدأت المادة تتكثف وتنقسم إلى كتل مختلفة تحولت فيما بعد إلى كواكب من بينها الأرض الّتي كانت أوّل الأمر كتلة غازات ملتهبة تحولت مائعة، ثم تكونت لها قشرة صلبة.1
2. نظرية السديم الّتي وضعها «لاپلاس» في قالب علمي، وتفترض انّ المجموعة الشمسية كانت سديماً (أي شكل سحابي ومجموعة من الغازات المضيئة) شديد الحرارة، يدور حول نفسه ببطء، ثم برد تدريجاً نتيجة لفقدان الحرارة بسبب الإشعاع فانكمش فازدادت سرعته ثم تفترض انّه بمرور الوقت أصبحت القوة الطاردة المركزية عند خط الاستواء إلى الخارج مساوية للقوة الجاذبة إلى الداخل، ثم انفصلت حلقة غازية، وأصبح السديم الرئيسي متّزناً، ثم انكمش لتنفصل عنه حلقة أُخرى، وهكذا وأخيراً تحوّلت كل حلقة ـ بطريقة ما (!!) ـ إلى كتلة كبيرة أخذت تنكمش لتكون الكواكب أمّا ما بقي من السديم الرئيسي فقد تحول إلى شمس»2.

1 . ويبيّن كريسي موريسن هذه النظرية ببيان أبسط، إذ يقول: «إنّه قد مرّ نجم بالفعل قريباً من شمسنا لدرجة كانت كافية لأن تحدث أمداداً (جمع مد) مروعة ولأن تقذف في الفضاء كتلاً، ومن بين تلك الكتل التي اقتلعت: الكرة الأرضية» راجع العلم يدعو للإيمان : 52 .
2 . الموسوعة العربية الميسّرة: 1839 .

صفحه 378
هاتان هما أشهر النظريات المطروحة حول نشأة المنظومة الشمسية والأرض الّتي تقلنا، ونحن سواء قبلنا بالأُولى أو بالثانية أو بغيرهما من النظريات التي سيكشف عنها العلم مستقبلاً فانّ من المستحيل ان نستغني عن الاعتقاد بخالق مدبّر للكون، إذ يستحيل أن ينتهي كل ذلك إلى هذا النظام المتقن، وان تستقر ـ في المآل ـ هذه الصورة المناسبة للحياة دون غيرها من الصور من دون إشراف فاعل عاقل خبير، ومن غير دخالة إرادة خالق عليم، هذا مضافاً إلى أنّ هاتين النظريتين لا تفسران أصل نشأة النجوم والغازات والمواد .
وصفوة القول: إنّنا يمكن أن نقبل ـ في هذه العجالة - بأية فرضية حول كيفية ظهور الكواكب والأنجم والأرض، ولكن لا يمكننا ـ مطلقاً ـ ان نقبل بأنّ كل ذلك انتهى إلى هذا النظام الملائم لحياة الإنسان والاحياء على هذه الأرض من دون مشيئة قوة عليا نظمت الكون وعيّنت مسيره ومصيره .
قال «كريسي موريسن» بعد طرح كلّ هذه الفرضيات وعرضها:
«إذا نظرنا إلى حجم الكرة الأرضية وبعدها عن الشمس ودرجة حرارة الشمس وأشعتها الباعثة للحياة، وسمك قشرة الأرض، وكمية الماء، ومقدار ثاني أوكسيد الكاربون، وحجم النتروجين، وظهور الإنسان وبقائه على قيد الحياة، كل أولاء تدلّ على خروج النظام من الفوضى وعلى التصميم والقصد كما تدلّ على أنّه طبقاً للقوانين الحسابية الصارمة ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت واحد على كوكب واحد مرة في بليون مرة».1

1 . العلم يدعو للإيمان: 195 .

صفحه 379

أسئلة حول الله الخالق

السؤال الثالث

هل خلق العالم من عدم؟

قد يتساءل أحد عن مفاد كلمة الإلهيّين: «انّ الخالق المبدع خلق الكون من عدم» فيقول: إنّ ظاهر هذه العبارة يفيد انّ «العدم» صار منشأ لوجود العالم وهو من البطلان بمكان، إذ كيف يصير العدم منشأ للوجود، والحال انّ العدم ليس شيئاً بتاتاً؟؟!
h h h

الجواب:

الحقيقة أنّ هذا السؤال ناشئ من عدم التعمّق في مراد الإلهيّين من تلك العبارة فانّ قولهم: «أوجده من عدم» لا يعني أنّ العدم صار منشأ للوجود، أي أنّ الوجود أخذ منه كما يؤخذ الشيء من الشيء، كالقماش من القطن، والدقيق من القمح فهل هذا إلاّ نظير القول بأنّ الصفر صار منشأ للعدد الفلاني، بل يعنون قولهم إنّ المادة لم تكن ثم كانت، أي كانت معدومة فوجدت بفعل القادر العليم.
فليست لفظة «من» في تلك العبارة لبيان الاشتقاق، بل لبيان حدوث المادة وعدم قدمها وأزليتها.

صفحه 380
وبعبارة أكثر اختصاراً: انّ الإلهي يقصد انّ المادة لم تكن موجودة ثم حدثت ووجدت وتحقّقت .
فليست تلك العبارة مثل قولنا: إنّ هذا الباب من الخشب، أومن الحديد فانّ «من» هنا لبيان مصدر الاشتقاق بخلاف ما في العبارة الدارجة بين الإلهيّين حينما يقولون: «الكون خلق من عدم» .
إنّ الإلهيّين يقصدون أنّ الكون بجوهره وعرضه، بمادته وصورته، وبدقيق ما فيه وجليله مخلوق بعدما لم يكن، أي انّنا إذا رجعنا إلى الوراء رجوع تفحّص لوصلنا إلى نقطة لم نجد فيها للمادة ولا لصورها أثراً فهي لم تكن أصلاً ثم وجدت بفعل الخالق المبدئ القدير .

صفحه 381

أسئلة حول الله الخالق

السؤال الرابع

كيف خلق العالم من دون مادة سابقة1؟

كيف خلق العالم من دون مادة سابقة؟   
كيف خلق العالم من دون مادة سابقة والحال انّ التجارب العلمية الّتي قام بها الفيزياوي الفرنسي لافوازييه (1743 ـ 1794 م) أثبتت انّ المادة لا تفنى ولا تستحدث، فهي محفوظة في جوهرها متغيّرة في صورها وأشكالها، فليس هناك شيء يوجد من العدم ولا شيء ينعدم، وانّما هناك تحول للمادة من صورة إلى صورة أُخرى، ومع ذلك كيف يقول الإلهي: إنّ الكون بمادته وصورته مخلوق من دون مادة سابقة؟

الجواب:

قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من بيان مقدّمة هي: أنّ «قانون العلّية» الّذي يعترف به الإلهي والمادّي على السواء يفيد انّه لابدّ لكلّ معلول من علّة،

1 . هذا السؤال يختلف عن السؤال السابق فانّ التركيز في السؤال السابق على حدوث العالم من العدم بحيث يكون العدم منشأ لوجود العالم، وقد قلنا في الإجابة عليه انّ لفظة «من» هنا للتبيين لا لبيان المنشأ ومصدر الاشتقاق.
وأمّا السؤال الحاضر فالتركيز فيه على حدوث العالم من دون مادة سابقة مع أنّ التجربة والعلم لا يثبتان سوى قسم واحد من الوجود، وهو حصول شيء من مادة سابقة .

صفحه 382
ولكلّ ظاهرة من سبب عقلاً، وهذا أمر عام يشمل كلّ ظاهرة حادثة بلا استثناء وإلاّ كان تخصيصاً للقاعدة العقلية المذكورة .
غير انّ المادّي تصوّر انّه يجب انّ يكون لكلّ معلول مادّي «علّة مادية» تتحوّل إلى ذلك المعلول .
فكما يجب أن يكون للباب مادة سابقة وهي الخشب لتتحول إلى هيئة الباب كذلك يجب أن يكون لمادة الكون علّة مادية سابقة تتحوّل إلى الصورة الفعلية وهذا هو ما يهدفه المادي في السؤال المطروح، ولكنّه غير ثابت بتاتاً، لأنّ لثبوته أحد طريقين: طريق العقل، أو طريق التجربة .
أمّا العقل فهو لا يحكم إلاّ بوجود «علّة» للمعلول، وأمّا أنّ هذه العلّة يجب أن تكون «علّة مادية» حتماً فممّا لا يقرّه العقل .
إذن فالذي يجب على الإلهي إثباته هو انّ للكون ـ بمادّته وصورته ـ علّة خالقة لها، وأمّا لزوم أن تكون تلك العلّة «علّة مادّية» فلم يثبت من جانب العقل.
وبعبارة أُخرى: انّ العقل يحكم بأنّ الشيء الممكن الّذي لا يصحّ أن يحكم عليه بالوجود أوالعدم، لا يخرج عن حد الاستواء إلاّ بواسطة علّة مرجّحة ملزمة له بأحد الأمرين، ففي جانب الوجود يجب وجود علّة تخرجه عن حدّ الاستواء إلى الوجود، وفي جانب العدم يكفي عدم العلّة .
هذا هو غاية ما يقضي به العقل، وأمّا انّ العلّة يجب أن تكون في كلّ الموارد «علّة مادّية» فلم يدلّ عليه دليل ولا يقرّه العقل، وقد خلط المادي بين نفي العلّة مطلقاً وبين نفي العلّة المادية لخلقه .

صفحه 383
فالذي أثبتته الفلسفة وذهب إليه الإلهيون هو بطلان عدم وجود علّة للعالم بمعنى تحقّقه بدون علة .
وأمّا نفي «العلّة المادية» للعالم فلا إشكال فيه، إذ لم يدلّ دليل على لزوم كون العلّة في جميع الموارد «علّة مادية» .
وأمّا التجربة فهي وإن قامت على أنّ لكلّ معلول مادي «علّة مادية» سابقة لكن نتيجتها تختص بالشرائط التي قامت فيها التجربة، وامّا تسرية نتيجتها إلى بدء الخلقة فغير صحيحة قطعاً .
توضيح ذلك: أنّ التجربة في المختبرات في عالم الطبيعة تقضي بأنّ لكلّ ظاهرة مادّية «علّة مادّية» وهذا الأمر من الوضوح بمكان، إلاّ أنّه يختصّ بمجال التجربة فقط، ولا تعمّ نتيجتها بدء الخلقة الّذي هو محطّ كلامنا في هذا الدرس حتّى يلزم من ذلك الاعتراف بأنّ للمادّة الأُولى مادة أُخرى تحولت إليها .
ولأجل أن يزداد إذعان المادي بأنّ حاصل التجربة يختصّ بمجال جريانها ولا تتعدّى شرائطها لابد أن نلقي نظرة إلى ما يقوله العلماء والبيولوجيون حول نشأة الحياة على الأرض .
إنّ العلماء البيولوجيّين يصرحون بأنّ الكائن الحي لا يمكن أن ينشأ إلاّ من مادة حية .
ونحن نعترف بهذه الحقيقة غير انّ ما ذكروه يختصّ بمورد التجربة، وهو الحياة الحالية الّتي نعيش فيها، ولا يشمل بدء الخلقة، إذ ينطرح هنا سؤال وهو: وكيف نشأت الموجودات الأُولى في الكرة الأرضية بعد انفصالها عن

صفحه 384
الشمس في حين انّ العلم يقول: إنّ الأرض كانت يوم انفصالها كتلة ملتهبة لا تصلح لوجود الحياة والاحياء فيها أبداً .
من هنا نستنتج انّه من الممكن أن تنشأ موجودات حية من موجودات غير حية في ظروف خاصة وإن كان هذا الأمر غير ممكن في الظروف الحالية .
والحقيقة انّ منشأ خطأ المادّي هو عدم وقوفه في مسير التجربة وموردها إلاّ على فاعل من نوع واحد وهو «الفاعل المادّي»، وتصوّر انّ الفاعل مقول مطلق، وانّ العلّة على إطلاقها منحصرة بما وقف عليه في مسيرها فأخذ يسأل عن «العلّة المادّية» الّتي خلق منها الكون، ولم يعلم بأنّه لم يدلّ أي دليل على حصر العلّة في «العلّة المادّية» بحيث لا يكون هناك علة غيرها .
وما اعتمد عليه وتوصل إليه عن طريق التجربة فالاجابة عنه واضحة فان التجربة ليس لها الا الاثبات دون النفي، فالتجربة في مقدورها ان تثبت ان هنا «علة مادية»، واما انه ليس هنا «علة غير مادية» فهي قاصرة عن مثل هذا النفي، وغير قادرة عليه .
وبعبارة أُخرى: انّ المادّي رأى في مسير التجربة انّ كلّ فاعل يفعل بواسطة المادة السابقة حيث يحولها من صورة إلى أُخرى كمايفعل النجار بالخشب حيث يحوله إلى سرير، فزعم انّ كلّ علّة لا تفعل إلاّ بمادة سابقة تحوّلها إلى غيرها فراح يسأل عن المادة الّتي صنع بها الخالق ذلك الكون، والحال انّ عدم إمكان صنع شيء من دون مادة سابقة انّما يصحّ بالنسبة إلى الفاعل المادي الّذي لا يقوم ـ في الحقيقة ـ إلاّ بتحريك أجزاء المادة الحاضرة وضم بعضها إلى بعض، ولذلك لا مناص لتحقّق فاعليته من الاستعانة

صفحه 385
بمادة موجودة سلفاً ليمكنه ان يركب ويضم بعضها إلى بعض أو يفرق شيئاً عن شيء .
وأمّا الفاعل المجرد المطلق فهو بقدرته المطلقة قادر على خلق الشيء وإيجاده من دون مادة سابقة، ولتوضيح هذا المطلب (وهو انّ الفاعل الإلهي يمكنه أن يفعل بدون مادة سابقة) يمكن التمثيل بفعل النفس فانّها ـ كفاعل غير مادي ـ تخلق الصور والمعاني والأفكار من دون مادة سابقة .
ولهذا قيل في الحديث الشريف: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» .
أجل انّ الفاعل الإلهي والخالق المبدع ليس شأنه شأن الفاعل المادي الّذي يستعين بالمادة الجاهزة ليوجد ظواهر مادية جديدة، بل هو بماله من القدرة المطلقة قادر على إيجاد المادة ابتداء وتحليتها بأنواع الصور وإخضاعها للقوانين والسنن .
فتلخّص من هذا البحث عدّة نقاط:
1. انّ العالم ـ بمادّته وصورته ـ لابدّ له من علّة بقول مطلق ولا يمكن لأحد إنكاره إلاّ السوفسطائي .
2. انّ العلّة لا تنحصر في العلّة المادّيّة، وانّ التجربة وإن أثبتت ذلك النوع من العلّة ولكنها ليس لها نفي نوع آخر من العلّة .
3. ان المادّي خلط بين العلّة المادّية ومطلق العلّة فزعم انّ نفي المادّة الّتي يؤخذ منها الكون مساو لنفي أصل العلّة .
4. ان الفاعل في مجال الطبيعة انّما يفعل ويصنع بمعونة المادة

صفحه 386
الحاضرة فيحولها من صورة إلى صورة أُخرى، ولكن ذلك لا يوجب أن يكون هذا الأمر هو شأن كل فاعل وعلّة، فانّ من العلل القوية من تخلق المادة وتوجدها وتصوّرها كيفما تشاء .
5. انّ النفس الإنسانية وهي فاعل غير مادّي تقوم بصنع كثير من الصور والمعاني من دون مادة سابقة .

صفحه 387

أسئلة حول الله الخالق

السؤال الخامس

أين الله ؟

أين الله ؟   
لو صحّ ما يدّعيه الإلهيون من وجود خالق لهذا الكون فلماذا لا نرى له أثراً في ملاحظاتنا ومختبراتنا العلمية، والحال انّ كلّ ما لا يخضع للحسّ والتجربة لا يمكن الحكم بوجوده؟
h h h

الجواب:

هذا هو كلام بعض المادّيين المخدوعين بالحسّ والتجربة، فهم يتصوّرون انّ الحس والتجربة قادران على تحديد الوجود إثباتاً ونفياً، فما أثبت الحس والتجربة وجوده فهو موجود، وما لم يمكن لهما إثبات وجوده فهو إذن غير موجود، أولا يمكن الحكم بوجوده على الأقل.
وقد رأينا بين المادّيين من أنكر ـ في كلماته ـ وجود الروح الإنسانية المجردة عن المادة وخواصها وصفاتها بحجة انّه لم يعثر على هذه الروح الّتي يدّعيها الإلهيّون، على طاولة التشريح أوتحت عدسة المجهر .

صفحه 388
والحقيقة انّ منشأ هذه النظرة ليس إلاّ الاغترار والانخداع بالحسّ والتجربة الّتي أعطاها بعض الغربيّين في فترة التطور العلمي الأخير اعتباراً تجاوز الحدود، وجعلها معياراً لإثبات الحقائق ونفيها على وجه الحصر.
غير انّ الحقائق الحاصلة من نفس التجربة قضت على هذه النظرية وأثبتت انّ هناك موجودات كثيرة لا ينالها الحس ولا تخضع للتجربة، ولكنّها مع ذلك موجودة قطعاً .
إنّ إنكار الروح وما شابهها بحجة عدم رؤيتها يشبه من ينفي وجود «الذرة» أو «الميكروب» بحجية انّه لا يراها بالعين المجردة، فكما أنّ الادّعاء الأخير تافه فكذلك من ينفي وجود «الله» ووجود «الروح» بحجة انّه لا يرى لهما أثراً في تجاربه!!
والّذي يمكن أن يقال في هذا البحث هو انّ الموجود المادّي هو الّذي يقع في نطاق الحس والتجربة فقط وأمّا الموجود غير المادي الّذي يدّعيه الإلهي فلا يمكن أن يناله الحس أو تحويه التجربة، فانّ حقيقته على نحو خارج عن نطاق الحسّ والتجربة ومجالهما .
فالصفات الإنسانية مثل الحب والكراهة والعلم والجهل والعشق والحزن حقائق لها واقعية حتماً ومع ذلك لا يمكن نفيها بحجة انها غير محسوسة ولا مرئية، أولسنا نؤمن جميعاً بوجودها في الأشخاص رغم أنّها لا تخضع لسكين التشريح، ولا نرى لها أثراً تحت المجهر، وبذلك يتضح بطلان قول من يقول: «أنا لا أؤمن بما لا يخضع للحس» فهذه الكلمة وأمثالها أشبه بالكلمات الصبيانيّة الّتي لا تستحق الاهتمام، لأنّ العلم قضى عليها وحكم عليها بالبطلان غير

صفحه 389
انّنا نعرض لهذه الكلمات والشبهات لتردّدها على بعض الألسن في عصرنا الحاضر .
ثم إنّ قول القائل: ليس في مجال الحسّ والتجربة أي أثر من الله سبحانه يفيد بوضوح انّه ينزل «العلّة العليا» منزلة العلل الطبيعية، ويجعلها في مصافها، فإذا لم ير في ذلك المصاف ما يسمّيه الإلهي «إلهاً» راح يرفضها بحجة انّه ليس موجوداً في نطاق الحس والتجربة غير انّه عزب عنه أنّه لو كان هناك أثر من «العلّة العليا» في مجال الحسّ والتجربة لصار موجوداً طبيعياً مخلوقاً، لا «علّة عليا» خالقة للطبيعة وموجدة لها من العدم، فالبحث عن وجوده سبحانه في عالم المادة بحث عن الشيء في غير موضعه ومورده .
ومع ذلك كلّه فانّ لوجوده سبحانه آثاراً في الطبيعة، وآيات في عالم الكون نستدل بتلك الآثار على مؤثرها، وبهذه الآيات على خالقها، وهذا النوع من المعرفة ممّا يقوم عليها أساس الحياة في المجتمع البشري، فالإنسان يعرف المؤثر من الأثر، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من المعرفة إذ قال تعالى:
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)1 .
ثم إنّ من يسعى لإثبات كل شيء ونفيه عن طريق الحس والتجربة فهو لا يعترف إلاّ بأداة واحدة من أدوات المعرفة وهي الحس، ومثل هذا الشخص يعجز عن رؤية الآفاق الأُخرى، وإدراك مراتب الوجود الأُخرى الّتي لاتدرك إلاّ بغير هذه الأداة، وقد ثبت في أبحاث «نظرية المعرفة» انّ للإدراك والمعرفة أدوات متعددة ومختلفة لا أداة واحدة .

1 . فصلت: 53 .

صفحه 390

أسئلة حول الله الخالق

السؤال السادس

هل بقاء الكون بحاجة إلى العلّة أيضاً؟

هل بقاء الكون بحاجة إلى العلّة أيضاً؟   
إنّ اختلاف الإلهي والمادّي في منهجهما يرجع إلى الخلاف فى ثلاث مسائل أساسية هي:
الأُولى: انّ الإلهي يعتقد بأنّ «النظام الكوني» يرتبط بعلّة وراء المادة .
أي أنّ هناك «علّة عليا» ينتهي إليها ذلك النظام البديع .
وبعبارة أُخرى: انّ النظام البديع السائد على العالم المادّي ليس نابعاً من المادة بل هو صادر عن عقل جبار وخالق قدير وإرادة عليا هي الّتي كست المادة هذه الحلّة القشيبة البديعة من النظام .
بينما يعتقد المادي خلاف ذلك، فهوى يرى أنّ هذا النظام نابع من ذات المادة، إمّا بالصدفة أو انّ ذلك النظام هو خاصية المادة، وقد مر بطلان إحدى هاتين النظريتين ويأتي بطلان الأُخرى، وقد أثبت التحقيق أنّ النظام ليس نابعاً من المادة بل هو مخلوق للخالق القادر العليم .
وفي هذه المسألة ينصب بحث الإلهي على أنّ النظام الحاكم على

صفحه 391
المادة هل هو مخلوق لفاعل حكيم، أو نابع من نفس المادة من غير نظر إلى نفس المادة وهل انّها حادثة أو قديمة، مخلوقة، أولا؟ وانّما مصب البحث هو نظامها البديع فقط .
الثانية: انّ الإلهي يعتقد بأنّ «المادّة» بذاتها وصورتها حادثة، بمعنى انّها لم تكن ثم وجدت عنصراً وشكلاً، ولكنّ المادّي يعتقد بأنّ المادّة أزلية غير حادثة، وقدعرفت دليل حدوث المادة، واطّلعت على امتناع قدمها وأزليّتها .
وفي هذه المسألة يقع الحوار بين الإلهي والمادّي في نشأة نفس المادة وذاتها من غير نظر إلى النظام السائد فيهما .
فالإلهي يدّعي حدوثها، والمادّي يدّعي قدمها، وبذلك يعلم اختلاف مصب المسألتين، ومحط الكلام فيها .
وقد بحثنا عن كلتا المسألتين، الواحدة تلو الأُخرى فيما سبق .
فعندما كنا نطرح برهان النظام، كنا نركز البحث ـ في الحقيقة ـ على أنّ النظام الكوني البديع مخلوق لعلّة وراء المادة من دون أن نتعرض لمسألة نشأة المادة ذاتها وأنّها أزلية أو قديمة ؟
وعندما كنّا نسوق البرهان على حدوث المادة كنّا نركز البحث على مسألة نشأة المادة ذاتها من دون تعرض لنظامها .
الثالثة: انّ الإلهي يعتقد بأنّ الوجود لا ينحصر في الموجود المادّي، وانّ المادّة لا تساوي الوجود، بل الوجود أعم من المادة وغيرها، فتكون النتيجة حسب هذا الاعتقاد: «انّ كلّ مادّي موجود، وليس كل موجود مادياً»، وهذا

صفحه 392
يعني انّ نطاق الواقع يشمل الموجود المادّي وغير المادّي، فهناك في خانة الوجود أشياء أُخرى ليست من المادة وخصائصها وآثارها في شيء .
ولكن المادّي يرى انحصار الوجود في الموجودات المادّية، ويعتقد انّ المادّة تساوي الوجود وتساوقه والوجود يساوي المادة ويساوقها، فالوجود والمادة عنده شيء واحد .
ولو ثبت معتقد الإلهي من عدم انحصار الوجود في الموجودات المادية وثبت انّ هناك عوالم وواقعيات1 وراء المادة فان ذلك يستلزم انّ تنفتح أمام العقل البشري آفاق، وأن يقف على حقائق كبرى وراء الطبيعة يقوم عليها صرح الرسالات الإلهية، الّتي حملها الأنبياء إلى البشر، فانّ الشرائع السماوية انّما بنيت على اساس انّ الحياة لا تنحصر في الحياة الدنيوية، بل انّ هناك وراء هذا العالم عالماً آخر، كما وانّ هناك موجودات غيبية أقوى من الطبيعة وموجوداتها، مثل الأرواح والملائكة وغيرها .
وهذا الأمر هو إحدى النقاط الرئيسية الّتي يفترق فيها الالهي عن المادّي، فانّ المادي بسبب حصر نفسه في «سجن المادة» وزنزانة الطبيعة المادّية لا يرى شيئاً وراء المادة وبذلك ينكر العوالم الروحية وما يوجد وراء العالم المادي هذا من الحقائق الثابتة وما يتبعها من القيم والأُمور المعنوية، وغيرها .
ثم إنّنا قد أشبعنا الكلام في المسألتين الأُوليين بما لم يبق مجالاً لأي شاك أو مشكّك، نعم يبقى التحقيق في المسألة الثالثة، ولكن قبل الخوض في هذه المسألة لابد من البحث في أمر آخر وهو: «هل انّ الكون محتاج في حدوثه

1 . وستقف في نهاية هذا الفصل على معلومات كبيرة حول تلك العوالم .

صفحه 393
وبقائه معاً إلى العلّة العليا، أو انّه محتاج إليها في الحدوث فقط دون البقاء والاستمرار؟» .
وبعبارة أُخرى: هل العالم قائم في «حدوثه وبقائه» بالعلّة العليا أو انّه قائم بتلك العلّة في «حدوثه فقط» بحيث إنّ بإمكانه أن يبقى ـ بعد أن وجد ـ دون حاجة إلى تلك العلّة ؟
وهذه المسألة مطروحة على الإلهي دون المادّي، لأنّ الإلهي يعتقد بوجود «علّة عليا» للكون بخلاف المادّي، فانّه لا يعترف بالعلّة العليا أبداً .
نعم يمكن أن يقول المادّي ـ من باب المغالطة ـ هب أنّنا سلّمنا باحتياج الكون إلى العلّة، ولكن هذا الاحتياج مختص ببداية حدوثه ووجوده، فانّه بعد ان يوجد يصبح في غنى عن تلك العلّة للبقاء والاستمرار .
إذا عرفت هذا فلنستعرض ما يستدلّ به الإلهي على معتقده لنرى ما يؤدي إليه النظر من الحقيقة .

حاجة الكون إلى العلة حدوثاً وبقاءً

يعتقد الإلهي انّ الكون بحاجة إلى «العلّة العليا» في حدوثه وبقائه معاً، ويستدلّ لذلك بوجهين:
الأوّل: الاستدلال على احتياج الكون في حدوثه وبقائه إلى العلّة من طريق اتّصاف الكون بصفة «الإمكان» .
وتوضيح ذلك: انّ الأشياء في عالم التصوّر تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
1. ما يكون ضروري الوجود، بأن يكون الوجود نابعاً من ذاته،

صفحه 394
بحيث يكون في غنى ـ في وجوده ـ عن أيّة علّة، وهذا هو «واجب الوجود» الغني عن كلّ علّة، وإلاّ لم يكن واجب الوجود، وذلك كوجود الله الواجب وجوده سبحانه.
2. ما يكون ضروري العدم بحيث يمتنع عليه الوجود، فهو يقتضي العدم والامتناع، وهذا هو «الممتنع الوجود» وذلك مثل اجتماع النقيضين، أي أن يكون الشيء الواحد متّصفاً بالوجود والعدم في مكان واحد وزمان واحد فهو من المحالات التي يمتنع حصولها ذاتياً .
3. ما يكون نسبة الوجود والعدم إليه على السواء، أي انّه لا يقتضي بنفسه الوجود أو العدم، إذ لو كان يقتضي الوجود بنفسه لكان واجب الوجود ولو كان يقتضي العدم بنفسه لدخل في القسم الثاني، ولكنّه يقع في الوسط بين الوجود والعدم دون اقتضاء لأي واحد من الأمرين بذاته، فلابد لاتّصافه بالوجود من وجود علّة تجرّه إلى ناحية الوجود، وتخرجه من حد الاستواء وأمّا في الاتّصاف بالعدم فيكفي عدم العلّة .
وكونه معدوماً لا يعدّ دليلاً على اقتضائه الذاتي للعدم وإلاّ لصار اتّصافه بالوجود محالاً.
وللمثال نقول: إنّ عدم وجود ابن لفلان لا يعدّ دليلاً على اقتضاء ذلك الابن للعدم وإلاّ لاستحال أن يتّصف بالوجود يوماً ما، إذ انّنا نجده يصبح ذا ولد بعد حين .
والكون ـ بمادته وصورته ـ بحكم ما برهن عليه في المسألة الثانية من حدوثه بعد العدم، يعدّ من الممكنات، فانّ الوجود بعد العدم كما هو

صفحه 395
مقتضى الحدوث علامة على أنّه ليس «واجب الوجود» وإلاّ لم يكن معدوماً ذات يوم .
كما أنّ اتّصافه بالوجود دليل على أنّه ليس من الممتنعات وإلاّ لما اتّصف بالوجود، ولما خرج من العدم إلى ساحة الوجود كما هو عليه الآن .
ولأجل هذا يعدّ الكون بالنظر إلى ذاته ممكناً والممكن هو ما يكون نسبة الوجود والعدم إليه على السواء، وانّما يخرج عن حالة الاستواء من جانب العلّة وبسببها، فما يكون بالذات ممكناً ومحتاجاً إلى العلّة فأي فرق بين حدوثه وبقائه، لأنّه بعد الحدوث لم يخرج عن كونه ممكناً، فهذا الوصف بعد ثابت ولازم له بعد الوجود أيضاً، فهو لم يخرج عن حدّ الإمكان ولم يدخل في حدّ الوجوب .
وبعبارة أُخرى: انّ مناط الاحتياج إلى العلّة هو إمكان الشيء، وعدم واجديته للوجود من لدن ذاته وهذا المناط باق في كلتا الحالتين، أي «حالة الحدوث» و «حالة البقاء» حالتي: البدء والاستمرار .
والقول باستغناء الكون في بقائه عن العلّة وإن كان محتاجاً إليها في الحدوث تخصيص للقاعدة العقلية التي تقول: إنّ كلّ ممكن مادام ممكناً (بمعنى انّ الوجود لا ينبع من ذاته) يحتاج إلى علّة، وهو تخصيص مرفوض .
إنّ القول بأنّ «العالم المادّي» بحاجة إلى العلّة في الحدوث دون البقاء يشبه القول بأنّ بعض أجزاء الجسم بحاجة إلى العلّة دون بعض، ولإبطال هذا الزعم نلفت نظر القارئ إلى التوضيح التالي:
إنّ للجسم بعدين: بعداً مكانياً، وبعداً زمانياً .

صفحه 396
فامتداد الجسم في أبعاده الثلاثة: (الطول، والعرض، والعمق) يشكّل بعده المكاني، كما أنّ بقاءه في عمود الزمان يشكل بعده الزماني .
فالجسم باعتبار أبعاضه ذا أبعاد مكانية، وباعتبار استمرار وجوده مدى الساعات والأيام والدهور ذا أبعاد زمانية .
وعلى ذلك فكما أنّ احتياج الجسم إلى العلّة لا يختصّ ببعض أجزائه وأبعاضه دون بعض، لعدم وجود فارق جوهري بين تلك الأبعاض حتّى يختصّ الاحتياج ببعضها دون بعض، بل الكلّ متصف بالإمكان، وهذا الاتّصاف حاكم باحتياج كل ممكن في جميع أبعاضه إلى العلّة .
فكذا الجسم في أبعاده الزمانية فهو فى جميع أبعاده الزمانية (أي الحدوث والبقاء) محتاج إلى العلّة من غير فرق بين آن الحدوث وآن البقاء، بين زمان النشوء وزمان الاستمرار .
فالقول باستغناء الجسم في بعض أبعاده الزمانية عن العلّة يشبه القول باستغناء الجسم في بعض أبعاضه المكانية عن العلّة، إذ البعد المكاني، والزماني وجهان لعملة واحدة، وبعدان لشيء واحد، ولأنّ الامتداد الزماني لا ينفك عن الامتداد المكاني .
وإلى ذلك أشار الحكيم السبزواري في منظومته إذ يقول:
لا يفرق الحدوث والبقاء *** إذ لم يكن للممكن اقتضاء
ثم أوضح مقصوده بقوله: «لا يفرق الحدوث والبقاء في الحاجة إلى العلّة إذ لم يكن للممكن اقتضاء الوجود بنفسه، فكما لم يكن وجوده في أوّل الحال

صفحه 397
باقتضاء من ذاته فكذا في ثاني الحال وثالثها، وهكذا، لأنّ مناط الحاجة هو «الإمكان» فما أسخف قول من يقول: إنّ المعلول محتاج إلى العلّة حدوثاً لا بقاء»1 .
كما وأشار إليه الحكيم المتألّه الشيخ محمد حسين الاصفهاني في منظومته إذ قال:
والافتقار لازم الإمكان *** من دون حاجة إلى البرهان
ثم قال:
لا فرق ما بين الحدوث والبقا *** في لازم الذات ولن يفترقا2
والمراد من البيتين هو: انّ الافتقار إلى العلّة لازم للممكن، وهذا اللزوم بدرجة من الثبوت والبداهة والوضوح بحيث إنّه لا يحتاج إلى إقامة البرهان، فانّ الممكن هو ما يكون الوجود والعدم بالنسبة إليه على السواء، فإذا أراد أن يخرج عن حالة الاستواء إلى الوجود افتقر إلى علّة تجرّه إلى جانب الوجود، فإذا كان الافتقار إلى العلّة من لوازم الممكن كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة فلا يمكن التفكيك بين «الحدوث» و «العدم» ليقال انّه يحتاج إلى العلّة حدوثاً خاصة .
هذا هو الدليل الّذي يستدلّ به الإلهي لإثبات احتياج الكون إلى «العلّة العليا» بقاء كاحتياجه إليه حدوثاً، وهو يتركز على صفة الإمكان، وإليك الدليل الثاني .
h h h

1 . منظومة السبزواري قسم الفلسفة : 71 .
2 . تحفة الحكيم : 27 .

صفحه 398
الثاني: لقد أثبتت الفلسفة الإسلامية انّ الحركة لا تختصّ بالحركة في الاعراض والصفات الظاهرية لجواهر الأشياء، بل تتعدّاها إلى نفس جواهر الأشياء فهناك حركتان:
أ ـ حركة في الاعراض، وهي ما كان يقول به الفلاسفة، أي الحركة في الكم، والكيف، والأين، والوضع .
فالأشياء ـ في نظر هؤلاء الفلاسفة ـ تتحرّك في حجمها، ولونها، ومكانها، وأوضاعها1 دون جواهرها وذواتها .
ب ـ حركة في الجواهر، وهي الّتي اكتشفها الفليسوف الإسلامي الكبير صدر الدين محمد الشيرازي (979 ـ 1050 هـ ) بمعنى انّ التغيّر والتبدّل، والتحوّل والحركة تشمل حتّى جواهر الأشياء وذواتها .
والحركة الجوهرية الّتي أثبتها ذلك الحكيم لا تختصّ بتحوّل النوع إلى النوع الآخر، كتحوّل البذرة إلى نبتة والنطفة إلى الإنسان، فانّ ذلك صورة بسيطة من تفسير الحركة الجوهرية، بل يرمي هذا الفيلسوف إلى ما هو أعمق من ذلك، فهو يرى أنّ العالم لا ثبات له ولا قرار بل يتمتع في كل آن بوجود جديد لم يكن من قبل ولن يكون بعد ذلك. فهو وإن كان بظاهره ثابتاً جامداً غير انّه ذو طبيعة سيّالة، وذات متجدّدة باستمرار .
وبهذا لا تنحصر الحركة والتغيّر بالظواهر، بل تعمّ الجواهر والذوات فهي

1 . فحركة السيارة في الطريق حركة في الأين، وتغيّر مواصفات التفاح على الشجر في اللون والحجم حركة في الكيف والكم، وحركة الرحى على محوره حركة في الوضع، وهذه هي المقولات الأربع التي اتّفقت كلمة الفلاسفة على وقوع الحركة فيها وإن اختلفوا في القسم الخامس، وهو الحركة في جوهر الأشياء وذواتها. وهو الذي أثبته الحكيم الإلهي «صدر الدين الشيرازي» ببراهين خاصة .

صفحه 399
في تغيّر مستمر وتجدّد دائم، والعالم بذلك أشبه بنهر جار تنعكس فيه صورة القمر، فانّ الناظر يتصوّر ـ في نظرة ساذجة ـ انّ الصورة الّتي يراها هي نفس الصورة الّتي انعكست في الماء أوّل مرة وقد بقيت مطبوعة على الماء في حين انّها بحكم تجدّد ذرات المياه التي تنطبع عليها صورة القمر تتجدّد لحظة بعد لحظة، وآناً بعد آن، فلا ثبات للصورة الأُولى، بل هي صورة بعد صورة وانعكاس بعد انعكاس، وحدوث بعد حدوث .
وربّما شبّه العالم المادّي في ظل الحركة الجوهرية بنبع سائل ينبع باستمرار من جهة وينحدر في واد من جهة أُخرى دون توقّف حتّى لحظة واحدة .
وبعبارة أُخرى: انّ العالم ـ بمادّته وصورته ـ في تجدّد مستمر، فهو لاتّصال هذا التجدّد وتلاحقه يبدو كأنّه أمر ثابت قار، في حين انّ ما نراه هذه اللحظة هو غير ما رأيناه في اللحظة السابقة أو ما سنراه في اللحظة اللاحقة فهو في كل لحظة حادث، وهو في كل آن يتمتع بوجود جديد، مسبوق بعدمه، وملحوق بوجود آخر .
وهذا يعني انّه ليس لذرة واحدة وجودان بل وجود واحد مستمر .
ولقد استدلّ الحكيم الشيرازي على هذه الحركة في الجوهر ببراهين عديدة نعرض عن ذكرها هنا.1

1 . الأسفار الأربعة : 3 / 96 ـ 97 و 139 ـ 141 وقد صرّح ـ قدس سره ـ في هذا الفصل بأنّ للطبيعة امتدادين ولها مقداران أحدهما: تدريجي زماني يقبل الانقسام إلى متقدّم ومتأخّر زمانيّين، والآخر دفعي مكاني يقبل الانقسام إلى متقدّم ومتأخّر مكانيّين. وهو كالصريح في أنّ للأشياءالمادية أربعة أبعاد: الطول والعرض والعمق والزمان، فهو مكتشف البعد الرابع قبل ظهور نظرية النسبية في الفيزياء .

صفحه 400
وبهذا أثبتت الفلسفة الإسلامية انّه ليس للبقاء حقيقة إلاّ في النظر السطحي إلى الأشياء فانّه هو الّذي يرى للعالم حالتين: حالة الحدوث، وحالة البقاء، في حين انّ العالم المادّي ليس سوى حدوثات مستمرة، ووجودات متجدّدة، أي وجود تلو وجود، وحدوث تلو حدوث، ولذلك فهو بحاجة إلى إيجاد بعد إيجاد، وإحداث بعد إحداث .
ولنأت لذلك بمثال توضيحي:
تصوّر مصباحاً كهربائياً مضيئاً. انّ الحس يتصوّر ـ في نظرة سطحية ـ انّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الأوّل، ولذ